صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: فقه
------------------------------------------
العنوان: الفتاوى
المؤلف: أحمد بن حمد الخليلي
الإعداد والمراجعة: قسم الفتوى بمكتب الإفتاء، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1434ه/ 2013م
الطبعة: د.ط
عدد الأجزاء: 6
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/690
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 12 رمضان 1446ه/ 12 - شهر 03 - 2025م. سلطنة عمان
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
لسماحة الشيخ العلامة
أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عمان
الكتاب الأول (1/1)
صفحة 2
حقوق الطبع محفوظة
1434 هـ ـ 2013 م (1/2)
صفحة 3
الفتاوى الفتاوى الفتاوى الفتاوى الفتاوى الفتاوى الفتاويا
الفَتَاوَى
الصلاة + الزكاة. الصوم • الحج
لسَمَاحَة الشيخ العلامة
أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام السلطنة عُمَانَ
الإعداد والمراجعة
قسم الفتوى بمكتب الإفتاء وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
الكتاب الأول (1/3)
صفحة 4
[صفحة فارغة] (1/4)
صفحة 5
مقدمة
الحمد لله رب العالمين ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله والصلاة والسلام على نبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
ممثلاً
فيسر مكتب الإفتاء بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية بسلطنة عُمان بقسم الفتوى أن يقدم للقارئ المتعطش للعلم والمعرفة فتاوى العبادات لسماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عُمان، وقد تفضلت الأجيال) للتسويق) مشكورة بالإخراج والتصميم والطباعة والنشر.
وهذه الفتاوى تشتمل على أبواب العبادات الصلاة والزكاة والصيام
والحج، وروعي فيها أثناء جمعها وتصنيفها:
الابتعاد عن التكرار إلا ما دعت الحاجة إليه إذا كان في الجواب الآخر مزيد من الفائدة. (1/5)
صفحة 6
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
التركيز على القضايا التي يعم نفعها الجم الغفير من المسلمين من
كافة الشرائح.
وضعنا في آخر الكتاب ملاحق تضمنت بعض البحوث القيمة التي أعدها سماحته لطلبة العلم والباحثين عن الحقيقة. والله نسأل أن يتقبل منا هذا العمل وأن يعيننا على إخراج فتاوى سماحته في مختلف أبواب العلم وأن يعم نفعه جميع ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
المسلمين
قسم الفتوى
بمكتب الإفتاء (1/6)
صفحة 7
فتاوى الصلاة (1/7)
صفحة 8
[صفحة فارغة] (1/8)
صفحة 9
الطهارات:
فتاوى الصلاة
إذا تيقن من نجاسة بقعة فهل تصح الصلاة على فراش فرش عليها؟ إذا كان الفراش كالسمة (1) المعروفة بعمان في عدم تواصل الأجزاء فلا يضير وجود النجاسة على جانب منه إذا لم يكن المصلي عليه، وأما إذا كان كالبساط (2) فإن وجود النجاسة ولو بطرفه يضر المصلي لاتصال خيوطه. والله أعلم.
هل يتنجس الفلج باغتسال المجوس فيه؟
روى الإمام الربيع بن حبيب رحمه الله عن أبي عبيدة عن جابر عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الماء طهور لا ينجسه إلا ما غلب عليه فغير لونه أو طعمه أو ريحه» وهذا مجمع عليه في الماء الجاري والماء الكثير ولو كان راكداً. ومختلف فيه في الماء القليل، وبهذا يتضح لك أن الأفلاج لا ينجسها اغتسال المجوس فيها. والله أعلم.
هل تتنجس ملابس الجنب بعرقه؟ وهل تتنجس ملابس الحائض والنفساء بعرقها؟
ليس جسم الجنب نجساً حتى تتنجس الملابس الملتصقة به، وكذلك الحائض والنفساء، وأمرهم بالاغتسال ليس لنجاستهم وإنما هو أمر تعبدي كغسل أعضاء الوضوء من الحدث الأصغر، والأدلة على ذلك كثيرة منها أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي في الثوب الذي يطأ (3) فيه. ومنها قوله لعائشة ا
(1) السمة هي فراش مصنوع من خوص النخيل.
(2) البساط المصنوع من النسيج بحيث تكون خيوطه متصل بعضها ببعض.
(3) يطأ فيه: أي يجامع فيه امرأته. (1/9)
صفحة 10
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
ناوليني (الخمرة فقالت إنني حائض. فقال لها: «ليست حيضتك في يدك» وكان صلوات الله وسلامه عليه ينام مع نسائه في حالة حيضهن ويتصل جسده بأجسادهن. والله أعلم.
ما حكم الاستجمار؟ وهل يكون من البول فقط أم من البول والغائط؟ ذهب أصحابنا من أهل المغرب إلى وجوبه للأمر به في الحديث، والأصل أن يحمل الأمر على الوجوب، وذهب غيرهم إلى أنه إليه، والقول الأول أحوط وأولى بالاتباع ولا فرق في ذلك
والله أعلم.
بين
مندوب
الأخبثين
ما حكم مياه الأودية طاهرة أما لا مع تغير أحد أوصافها وهو اللون بسبب ما تجرفه من أتربة؟
الماء لا ينجسه إلا ما غلب عليه فغير لونه أو طعمه أو ريحه، على أن يكون الغالب نجساً، وأما التراب فليس نجساً بل هو مشارك للماء في وصفيه وهما الطهارة والتطهير فلا يسلبه أحدهما. والله أعلم.
ما حكم الوضوء من المياه الراكدة إن لاقتها نجاسة؟
إن كان الماء كثيراً قدر قلتين فجائز اتفاقاً، وإن كان دون ذلك ففيه خلاف هذا إذا لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه. والله أعلم.
ما الفرق بين المني والمذي والودي. وما حكم كل منهم؟
المني: الماء الأبيض الغليظ الخارج بتدفق وتنتهي بخروجه اللذة سواء خرج من الرجل أو المرأة، ويعقب خروجه من الرجل انكسار ذكره وهو الذي يجب به الغسل. (1/10)
صفحة 11
فتاوى الصلاة
المذي: ما يخرج في حال التشهي والملاعبة من غير انكسار للشهوة وهو أرق من المني.
الودي: ما يخرج بعد البول أو بسبب غلبة طبع البرودة عليه. وهذان الماءان الأخيران ينقضان الوضوء ولا يوجبان الغسل من الجنابة. والله أعلم.
هل يجزي الاستجمار بالحجارة دون الماء لأداء الصلاة؟
لا تجزي الحجارة عن الماء عندنا بل لا بد من الجمع بينهما وذلك أهل قباء الذين أثنى الله تعالى عليهم بقوله: {لَمَسْجِدُ أُسَسَ عَلَى صنيع التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَنْطَهَرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَهِّرِينَ} [التوبة: 108]. والنبي صلى الله عليه وسلم قد أمر أن يصنع مثل ما صنعوا، وقد جاء إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وسألهم بم استحقوا هذا الثناء من الله؟ فقالوا: إنهم يتبعون الحجارة الماء، وعليه فإن على الذي نسي استعمال الماء أن يعيد صلاته لأن صلاته غير تامة. والله أعلم.
هل يلزم استعمال الصابون عند الاغتسال من الجنابة وغسل النجاسات. وهل يجزي عند الغسل أقل من ثلاث عركات؟
لا يلزم استعمال الصابون في الغسل من الجنابة وكذلك في غسل النجاسات، إلا إن لم تزل بدونه، والعرك في غسل النجاسات إلى أن تزول.
والله أعلم.
هل يلزم على من سقطت عليه جنابة أن يغسل سائر جسده؟
لا أدري ما هو مرادك بقولك: سقطت عليه جنابة» فإن كان مرادك أنه أصابه مني في جسده فإنه يجب عليه في هذه الحالة غسل الموضع الذي أصابه المني فحسب وليس عليه غسل سائر بدنه. والله أعلم. (1/11)
صفحة 12
12
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
رجل استرسل عليه الريح أثناء الطواف بالكعبة ولم يعد الوضوء لكون
الريح سيستمر خروجها لمدة طويلة فما عليه؟
إن كانت الريح يستمر خروجها منه بحيث لا يجد فرصة للطواف بدون خروجها فعليه ما على صاحب السلس وهو أن يتوضأ عندما يقوم إلى الطواف ولا يضيره بعد ذلك خروجها وهكذا يصنع في قيامه إلى الصلاة وعليه تجديد وضوئه لكل صلاة ولكل طواف. والله أعلم.
أعاني من خروج غازات من المعدة على شكل لزوجة وتترك أثراً الثوب فهل يجوز أن أؤم الناس في الصلاة؟
إن كنت موقناً خروج شيء فلا تجوز إمامتك بالناس، بل إن كان ذلك مستمراً بحيث لا ينقطع فعليك أن تتوضأ لكل صلاة عند القيام إليها وصل غير إمام بالناس ولا يضرك ما خرج في أثناء صلاتك تلك لأن حكم ذلك حكم السلس. والله أعلم
ما حكم الصلاة بالثياب إن كانت كريهة الرئحة؟
إن لم تكن متنجسة فالصلاة بها جائزة، ولكن الأولى أن تكون ثياب الصلاة طيبة الرائحة. والله أعلم. (1/12)
صفحة 13
الغسل من الجنابة وأحكامه
فتاوى الصلاة
13
إذا جامع الرجل زوجته ولم ينزل شيئاً من المني فهل عليهما غسل؟ «إذا التقى الختانان وجب الغسل أنزل الرجل أو لم ينزل» هكذا ثبت في الحديث. وحديث الماء من الماء» منسوخ والله أعلم.
أنا شاب أبلغ من العمر 19 سنة وقد قرب موعد زواجي وعندما سألت أحد أصدقائي المتزوجين عن الطهارة بعد مجامعة الزوجة أجابني بصورة غير واضحة، أرجو الإفادة عن الطهارة بعد الجماع؟
الطهارة بعد الجماع هي نفس الغسل من الجنابة الذي يجب بالاحتلام ونحوه، وهي الاستنجاء أولاً ثم الوضوء أو الاقتصار على المضمضة والاستنشاق، ثم غسل الرأس وتعميم الجسد بالماء مع إيصال الماء باليد إلى مغابن الجسد كالسرة والرفغين (1) والإبطين. والله أعلم.
هل يجوز التلفظ بالبسملة والنية أثناء الغسل من الجنابة؟ وهل يجوز للإنسان أن يغتسل وهو عار الجسد في مكان ساتر سواء كان هذا الغسل واجباً أو مسنوناً؟
لا داعي إلى التلفظ بالبسملة عند الغسل والنية بالقلب مجزئة، ولا مانع من الاغتسال عارياً في المكان الساتر. والله أعلم.
هل تصح الصلاة بوضوء الاغتسال من الجنابة بعد مضي بعض الوقت؟ نعم تصح به الصلاة إن لم ينقضه شيء. والله أعلم.
(1) الرفغان تثنية رفع بضم الراء وهو ما حول الفرج، وقد يطلق على الفرج. (1/13)
صفحة 14
14
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
إذا تيمم الجنب للصلاة فهل يجوز له قراءة القرآن ولمس المصحف الشريف؟
اختلف في التيمم هل هو رافع للحدث أو مبيح للصلاة فقط، والراجح الثاني، والأولى أن ينوي بتيممه استباحة الصلاة وقراءة القرآن ولمس المصحف. والله أعلم.
ما حكم الماء الخارج من فرج المرأة بلذة؟
إن كان منياً أوجب الاغتسال وإلا ففيه الوضوء بعد الاستنجاء. والله أعلم.
هل يجزي المرأة تبليل الأصابع بالماء وإدخالها في الشعر عند الغسل من الجنابة بدون غمر الرأس بالماء؟
لا بد من
أخذ كمية من الماء بكفيها وذلك لغمر قرونها به كما جاءت
السنة. والله أعلم.
هل يجزي تعميم الجسد بالماء عند الغسل من الجنابة دون إمرار اليد
عليه؟
اختلف في ذلك والراجح الإجزاء إن تتبع مغابن جسده. والله أعلم.
رجل أصابته جنابة فلما أراد الاغتسال وجد الماء بارداً جداً فنسي أن يسخنه وإنما قام بغسل مكان النجاسة واغتسل من السرة إلى الركبة ثم تيمم فصلى بذلك. فما حكم ذلك؟
إن نسي ثم تذكر فعليه إعادة ما صلاه من الصلوات بغير غسل إلا إن خاف الضرر إن اغتسل بالماء فلا مانع من التيمم إلى أن يقدر على استعماله والله أعلم. (1/14)
صفحة 15
فتاوى الصلاة
15
ما قولكم فيمن ترك الاغتسال من الجنابة بسبب برودة الماء فصلى بغير اغتسال. فماذا يلزمه؟
لا تجوز الصلاة بدون غسل من الجنابة فإن تعذر الغسل لبرودة الماء وجب تسخينه إن أمكن فإن تعذر تسخينه مع عدم احتمال استعماله بحاله وجب المصير إلى التيمم ومن صلى بغير غسل ولا تيمم فصلاته باطلة.
والله أعلم.
ما قولكم فيمن استدل بقول الرسول صلى الله عليه وسلم «ليست حيضتك بيدك» على طهارة بدون الحائض والجنب فقام يصلي ويصوم من غير اغتسال حتى تبين له الحكم في المسألة، فماذا يلزمه في الصلوات والصيام السابقة؟ عليه قضاء ما صلاه وصامه في حال الجنابة لاشتراط رفع الحدث الأكبر لصحة الصلاة والصوم. والله أعلم.
ما قولكم في امرأة رأت ما يراه الرجل في المنام فلم تغتسل جهلاً منها بذلك ومضى عليها يوم كامل حتى تبين لها الحكم فماذا عليها أن تفعل؟ عليها الاغتسال والتوبة وإعادة الصلاة والصوم إن صامت ذلك اليوم، وذلك إن رأت الماء. والله أعلم.
ما قولكم في امرأة تركت الغسل من الجنابة جهلاً بحكمه، وكانت تصلي ومضت فترة طويلة من زواجها حتى الآن فماذا يلزمها؟
عليها قضاء
جميع
الصلوات التي صلتها بجنابة فإن لم تعرف تحديدها
فلتقض الصلوات من يوم زواجها إلى اليوم الذي بدأت تغتسل فيه من
الجنابة. والله أعلم. (1/15)
صفحة 16
16
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
امرأة توضأت للصلاة وصلت ثم رأت في ثوبها السائل الأبيض
(المني)، هل تعيد وضوءها وصلاتها، أم ماذا تفعل؟
إن كان لا يحتمل خروجه بعد الصلاة فعليها أن تعيدهما. والله أعلم.
فيمن ترك المضمضة والاستنشاق عند غسل الجنابة جهلاً منه بوجوب ذلك، وبقي على ذلك مدة من الزمن، فما حكم الصلوات التي صلاها على هذه الحالة؟
إن كان يتوضأ لصلاته ويتمضمض ويستنشق فيعذر في الماضي، وعليه الاحتراز في المستقبل. والله أعلم. (1/16)
صفحة 17
أحكام الحائض والنفساء:
فتاوى الصلاة
17
ما الحكم فيمن أتاها الحيض قبل الظهر بساعتين، هل يعتبر اليوم من ذلك الوقت حتى الغروب أم أنه حتى نفس الوقت من اليوم التالي؟ وهل يكون حسابها من ذلك الوقت أم من غروب الشمس؟
ذهب كثير من علمائنا إلى أن بداية اعتبار أيام الطهر والحيض والانتظار غروب الشمس، وإنما اختلفوا في الحد الذي يفصل بين ما يعتبر من الغروب الماضي وما يعتبر من الغروب المستقبل، فقيل: طلوع الفجر وقيل: طلوع الشمس، وقيل: الزوال، وذهب القطب الله في (الشامل)) إلى اعتبار الأيام بالساعات فمن ساعة لمثلها يوم، وما نقص عن ذلك ليس هو باليوم الكامل، وانتقد القائلين بالغروب لما يترتب عليه من الزيادة على اليوم ليس منه ونقص ما هو منه، وهذا القول أقرب إلى النظر. والله أعلم. اغتسلت امرأة من الحيض، ولكنها فوجئت في اليوم التالي بوجود شيء من الكدرة في ثوبها، فهل يجب عليها في هذه الحالة أن تغتسل اغتسالاً كاملاً أم تتوضأ فقط وتغسل ثوبها ثم تصلي؟
ما
لا يجب بالكدرة وحدها إلا الوضوء مع غسل ما لحقت من البدن أو الثياب. والله أعلم.
(1) شامل الأصل والفرع: تأليف العلامة قطب الأئمة محمد بن يوسف أطفش، كتاب فقهي رد فيه القول إلى دليله من الكتاب والسنة وهو متوسط بين شموله لأبواب الفقه المختلفة وبين اقتصاره على الأدلة الفقهية دون التوسع في الأقوال العديدة إلا بما يتناسب مع المبتداء كما أراده مؤلفه رحمة الله تعالى عليه، وهو يصلح للمتوسط والمنتهى لعمق دليله وفريد عبارته ورفيع مصطلحه وأسلوبه، بل لعل الطالب قد لا يتحصل على فائدته المرجوة إلا على يد واصل قد سبق، وخلاصة القول فيه كلام مؤلفه في المقدمة: وبعد فهذا كتاب وضعته للمبتداء يشمل أصولاً وفروعاً، وليس فضله على المتوسط والمتناهي ممنوعاً». (1/17)
صفحة 18
18
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
متى تطهر المرأة إذا أسقطت علقة؟ وإذا لم ينقطع الدم لمدة تزيد على عشرين يوماً فما الحكم؟
اختلف العلماء فيما تكون به المرأة نفساء إن وضعت فقيل: تكون بالعلقة نفساء، وقيل: حتى تكون لا يذوبها الماء الحار لو ألقيت فيه، وقيل حتى يكون ما وضعته مضغة، وقيل: بل مضغة مخلقة، وقيل حتى يكون كامل الخلقة، وقيل: حتى يميز أذكر أم أنثى، وقيل: لكل مرحلة قدرها من أيام النفاس. وإذا اعتمدت قولاً من هذه الأقوال عذرت لأن المجال مجال اجتهاد. والله أعلم.
إذا طهرت المرأة من حيضها وكان بها جرح في رأسها يتضرر إذا أصابه الماء فغسلت موضع النجاسة والرجلين وتيممت لبقية الأعضاء جهلاً منها بوجوب غسل الأعضاء الصحيحة، وبأن التيمم لا يشرع إلا للمريض الذي يتضرر بالغسل، فماذا يلزمها؟ علماً بأنها اغتسلت بعد أن برأ الجرح الذي برأسها؟
إذا لم تغتسل المرأة الغسل المفروض من حيضها، وصلت مع تقصيرها في الغسل لزمها قضاء جميع الصلوات التي صلتها ولو طالت المدة، والخلف في الكفارة. والله أعلم.
امرأة كانت عادتها في الحيض خمسة أيام، وفي الفترة الأخيرة أصبح يعاودها خروج الدم بعد أن تطهر وبعد الخمس، وغالباً ما يعاودها في اليوم
التاسع أو العاشر، فهل يعتبر هذا الدم الأخير دم حيض أم دم استحاضة؟
ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام وهذا يعني أن حيضة المرأة لا تتجاوز عشرة أيام منذ بدايتها إلى نهايتها، فإن كانت لها عادة معلومة فتلك العادة هي المحكمة إذا التبس (1/18)
صفحة 19
فتاوى الصلاة
19
عليها الأمر عندما تستحاض، فإن رأت طهراً بعد عادتها وأردف بالدم مرة أخرى فلا تلتفت إليه، بل تستمر على صلاتها وصومها، اللهم إلا إذا تكرر لها ذلك ثلاث مرات، فقيل تعطيه للحيض في هذه الحالة وهو رأي علمائنا العُمانيين ويسمون هذه الرجعة الدموية إثابة، أخذاً من ثاب يثوب بمعنى رجع، والهمزة للتعدية، ومفاد هذا الاصطلاح أن الحيض أعيد إليها مرة ثانية،
ولكن إعطاؤها حكم الحيض لهذا الدم الذي ثاب إليها مشروط بشروط: أولاها: أن لا تكون مدة الحيض الأصلية والطهر الفاصل والدم الذي بعده تجاوزت في مجموعها أقصى مدة الحيض وهي عشرة أيام، وذلك بأن تكون مثلاً أيامها خمسة وتطهر يومين ثم يعود إليها الدم يوماً أو يومين أو ثلاثة أيام، أما لو كانت أيامها سبعة مثلاً ورأت الطهر يوماً أو يومين ثم لمدة ثلاثة أيام أو أربعة أيام فهو دم استحاضة لا تترك له الصلاة
تبعه دم
ولا الصوم.
في
ثانيها: أن تتكرر هذه الإثابة على وجه واحد وذلك بأن لا تتفاوت أيامها الثلاث المرات التي تأخذ بها في الاختبار.
ثالثها: أن لا تتفاوت أيضاً أيام الطهر الفاصلة بين الدمين بحيث تكون
تارة يوماً وتارة يومين أو ثلاثة وإنما تتكرر على وتيرة واحدة. والخلاف إن كان التفاوت حسب الساعات لا حسب الأيام فيهما، وبناء على هذا الرأي فإنها تجمع الدم الأخير إلى الدم الأول بعد أن يتكرر لها ذلك ثلاث مرات مع مراعاة الشروط المذكورة، وتلفق أيام الطهر الفاصل مع أيام الدم بحيث تجعلها كأيام الحيض حكماً، وإن كانت تصلي وتصوم فيها، وقيل: لا تلتفت إلى الدم الذي يأتيها بعد أيامها المعتادة مع فاصل طهر بين الدمين ولو تكرر لها ذلك مراراً كثيرة، وهو قول أهل المغرب من أصحابنا. والله أعلم. (1/19)
صفحة 20
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
امرأة تشكو من نزيف مطول من مكان خروج الحيض وهي تصلي وتغتسل لكل صلاة هل يجوز لها الصوم في شهر رمضان؟ وهل عليها الغسل لكل الجسد أم ذلك الموضع فقط؟
الاستحاضة،
تصلي وتصوم إلا في الأيام التي اعتادت فيها الحيض ـ إن كانت لها عادة من قبل - فإنها تترك فيها الصلاة والصوم ثم تقضي صومها من بعد، وإن لم تكن لها عادة من قبل تحرت بتمييز دم الحيض عن دم وذلك أن دم الحيض أسود ثخين له رائحة نتنة، ودم الاستحاضة أحمر رقيق لا رائحة له، وإن عجزت عن التمييز بين الدمين ففي حكمها خلاف، وأقرب الأقوال إلى اليسر أن تجعل عشرة أيام حيضاً وعشرة أيام طهراً، لأن العشرة أكثر الحيض وأقل الطهر، - والأصل في الدم حمله على الحيض ـ، ويجوز لها أن تصلي الظهر والعصر معاً بغسل واحد، وكذلك المغرب والعشاء، وتتم إن لم تكن مسافرة مع الجمع بين الظهرين والعشاءين، والغسل المطلوب عند من أوجبه هو غسل البدن كله، وهل هو لكل صلاة أو لكل صلاتين وللفجر أو للصلوات الخمس غسل واحد؟ خلاف، وقيل يجب غسل النجاسة والوضوء فقط. والله أعلم.
هي
هل يجوز للمرأة الحائض أن ترتدي حلياً من ذهب أو غيره مكتوباً
عليها اسم
الله أو آية قرآنية كريمة؟
إن كان الحلي المكتوب عليه آية من القرآن غير مباشر لجسد الحائض فلا مانع منه، وذلك أن يكون فوق ثوبها، وإن كان مباشراً لجسدها فغير جائز. والله أعلم.
هل يجوز للحائض أن تستعمل الخضاب والكحل؟ وهل المرأة النفساء إذا لمست شيئاً يجب أن يغسل؟
صحيح
أن
تمنع الحائض من الزينة كالكحل والخضاب لما في ذلك من إغراء (1/20)
صفحة 21
فتاوى الصلاة
21
الزوج على مواقعتها، وأما وجوب غسل ما لمسته النفساء فلا أساس له في الشرع. والله أعلم.
هل يجوز للنفساء عمل شيء في منزلها قبل مضي أربعة عشر يوماً، كطهي الطعام وغسل الأواني وتنظيف المنزل والأولاد؟
لها أن تعمل كل شيء، وإنما تؤمر بترك الصلاة والصوم وعدم الجماع وما يمنع منه ذو الحدث الأكبر. والله أعلم.
عن امرأة حامل وفي أثناء الحمل جاءها نزيف وظل هذا النزيف يومين أو ثلاثة ثم انقطع وقد يتكرر هذا أكثر من مرة، فهل يصح للمرأة أن تصلي بعد أن تغسل ذلك النزيف أم تترك الصلاة؟ وإذا كانت صائمة فهل تفطر وتبدله في وقت آخر أم صيامها صحيح وتستمر فيه؟
ما
هذا النزيف ليس من الحيض في شيء، وإنما هو استحاضة تصوم المرأة وتصلي إلا أن تكون تتضرر من الصوم، فلها أن تفطر على أن تقضي أفطرت في أيام أخر. والله أعلم.
ما القول في امرأة انقطع عنها الحيض لمدة شهرين، وفي الشهر الثالث أتاها الدم لمدة خمسة أيام فظنت أنه حيض فتركت الصلاة، لكنها في اليوم السادس سقطت منها علقة من دم واستمر بها الدم بعد ذلك سبعة أيام ثم انقطع. فهل حكمها حكم الحائض في هذه المدة؟ أو حكمها قبل إلقاء المضغة حكم الحائض وبعد إلقائها حكم النفساء؟ أو هي نفساء منذ بدأها الدم؟ وما حكم تركها للصلاة في هذه الفترة كلها؟ وهل حكم المضغة في الأيام كحكم الوضع (الولادة)؟
اختلف العلماء فيما تكون به المرأة نفساء إن أسقطت، فقيل: ولو كان (1/21)
صفحة 22
دماً
22
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
إن كان لا يختلط بالماء الساخن وقيل بالعلقة، وقيل: حتى تكون جامدة لا يذيبها الماء، وقيل: بالمضغة المخلقة، وقيل حتى تكتمل الخلقة، وقيل حتى يتميز أذكر هو أم أنثى.
وذهب قطب الأئمة رحم الله في الشامل إلى أن عدة النفساء بعد الإسقاط تختلف باختلاف الأطوار التي وصل إليها الحمل عندما سقط، ففي الدم أربعة أيام وفي العلقة سبعة، وفي المضغة أربعة عشر، وفي المضغة المخلقة أحد وعشرون، وفي تام الخلقة أربعون ولست أدري على أي شيء بني هذا التفصيل، ولم أطلع على أدلة الأقوال السابقة لذلك أجدني عاجزاً عن الترجيح بينها.
وعلى أي قول ن هذه الأقوال فإنها إن رأت الطهر قبل الوقت المحدد فعليها أن تغتسل وتصلي بلا خلاف، كما أن عليها أن تقضي الصلوات التي تركتها عندما رأت الدم قبل الإسقاط، فإن الحيض والحمل لا يجتمعان، والنفاس إنما هو بعد الوضع لا قبله. والله أعلم.
ما حكم قراءة الحائض للقرآن كالمعوذتين مثلاً إذا أحست بالخوف؟ إن خافت فلها أن تقرأ ما يؤنس وحشتها. والله أعلم.
ما قولكم في دخول الحائض مدرسة تقع تحت المسجد؟
ذلك حرج.
ليس للحائض أن تدخل المسجد إلا لضرورة كالفرار من عدو أو نحو ذلك، وعليه فإن كانت عندما تأتي إلى المدرسة تجتاز داخل المسجد فإن ذلك لا يجوز لها، وإن كانت لا تلج المسجد فليس عليها في والمسجد له أعلاه وأسفله فإن كان المبنى أسس بنية المسجد واستعمل أسفله مدرسة فلتلك المدرسة حكم المسجد، والله أعلم. (1/22)
صفحة 23
فتاوى الصلاة
23
النساء؟
فيمن خرجت مع زوجها وهي حائض، فحضرت الصلاة فدخل الزوج المسجد لأداء الصلاة فهل يصح أن تدخل معه أن تدخل معه أو تنتظره عند مدخل قسم إن كان ذلك في أفنية المسجد لا حيث تقام الصلاة فلا حرج. والله أعلم.
هل يباح للمدرسات والطالبات قراءة القرآن وحفظه وهن حائضات؟ الذي أراه وأعتمد عليه وجوب تجنب ذي الحدث الأكبر حيضاً أو نفاساً أو جنابة قراءة القرآن الكريم لقدسية كلام الله تعالى وهو الذي يدل عليه ما رواه الإمام الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنب والحائض والذين لم يكونوا على طهارة لا يقرأون القرآن ولا يطأون مصحفاً بأيديهم حتى يكونوا متوضئين» أي متطهرين الطهور المشروع للعبادة. وهو وإن كان مرسلاً فإن لمراسيل جابر حكم الوصل، على أنه معضود بروايات أخرى منها ما أخرجه الخمسة وصححه الترمذي وأخرجه أيضاً ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبزار والدارقطني والبيهقي وصححه أيضاً كل من ابن حبان وابن السكن وعبد الحق والبغوي في شرح السنة عن علي بن أبي طالب الله کرم وجهه ـ قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته ثم يخرج فيقرأ القرآن ويأكل معنا اللحم ولا يحجبه - وربما قال - ولا يحجزه من القرآن شيء ليس من الجنابة». ولفظ الترمذي كان يقرؤنا القرآن على كل حال ما لم يكن جنباً» وقد بالغ أهل العلم في تعظيم هذا الحديث حتى قال ابن خزيمة: هذا الحديث
أن
ثلث رأس مالي: وقال شعبة: ما أحدث بحديث أحسن منه. ومن المعلوم الحيض والنفاس لا يختلفان عن الجنابة فكل منهما حدث أكبر كالجنابة،
ولا يقال إنه مجرد ترك من النبي صلى الله عليه وسلم لا يستدل به على حكم، كيف وراوي الحديث ـ وهو الإمام علي ـ يصرح أن الجنابة هي الحاجز بينه وبين قراءة القرآن، وليس من المعقول أن يقول ذلك الإمام علي اعتباطاً فإنه ليس ممن (1/23)
صفحة 24
24
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
يرمي الكلام على عواهنه خصوصاً فيما يتعلق بالأحكام الشرعية، وقد روى أبو يعلى عنه أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ثم قرأ شيئاً من القرآن ثم قال: هكذا لمن ليس بجنب، أما الجنب فلا ولا أية وهو نص في الموضوع، وأخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه عن ابن عمر لها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن، ومهما قيل في إسناده فإن ابن سيد الناس ـ وهو من كبار أئمة الحديث - صحح بعض طرقه، وروى الدارقطني عن جابر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقرأ الحائض ولا النفساء من القرآن شيئاً» .. وهذه الروايات لم يثبت ما يعارضها وذلك يقتضي عدم جواز إسقاطها، وإذا علمتم ذلك فعليكم أن تعلموا أن قراءة الطالبات والمدرسات القرآن أيام حيضهن لأجل الامتحانات ليس له مبرر فالصوم فرضه موقوف وقفه الله في القرآن وقد عذرت الحائض والنفساء منه وأمرتا بتأخيره إلى وقت طهرهما، فما بالكم بشيء وقته البشر، وإنما على المسؤولين أن لا يضيقوا وقت الإمتحان، بل الأحرى أن تكون له فترتان. والله أعلم وبه التوفيق.
هل يجوز للطالبة أن تكتب قرآناً إذا كان ذلك لأجل الامتحانات وهي في حالة الحيض؟
لا تكتب قرآناً كما أنها لا تقرؤه، ويجب اتخاذ احتياطات لامتحانات الطالبات في مادة القرآن في غير أيام الحيض وإن اضطرت وضعت الورقة على الطاولة وحملها غيرها بعد الكتابة، والله أعلم.
هل يجوز للزوج أن يجامع زوجته وهي في حالة الاستحاضة؟
نعم يجوز جماع المستحاضة لا الحائض. والله أعلم.
أرجو أن توضحوا لي كيفية جمع الصلاتين بالنسبة للمستحاضة؟ (1/24)
صفحة 25
فتاوى الصلاة
25
تصلي الظهر والعصر بين الوقتين تامتين من غير قصر، وكذلك المغرب
والعشاء. والله أعلم.
ما قولكم في امرأة انقطع عنها الحيض ثلاثة أشهر، ثم بعد ذلك راجعها مدة يومين قطعت فيهما الصلاة، وفي اليوم الثالث أسقطت حملاً، فهل تعتد عدة النفاس وماذا تفعل في اليومين اللذين قطعت فيهما الصلاة؟ تعيد الصلاة التي تركتها قبل الإسقاط، وتعتد بعد ذلك عدة النفاس بحسب السقط الذي أسقطته. والله أعلم.
النفساء إذا طهرت قبل الأربعين هل تغتسل وتصلي أم لا بد أن تكمل الأربعين يوماً؟
عليها أن تغتسل وتصلي فور ما ترى الطهر ولو في يومها. والله أعلم. ما قولكم في النفساء إذا استمر بها الدم بعد الأربعين، هل تغتسل وتصلي ويباشرها زوجها، أم لا؟
إن أتمت أربعين يوماً ولم تر الطهر فلتغتسل ولتصل ولتصم، ولا حرج إن باشرها زوجها. والله أعلم.
ما حكم تغسيل الحائض والنفساء للميت من النساء؟
لا حرج في ذلك. والله أعلم.
ما علامة الطهر من الحيض؟
إذا رأت القصة البيضاء فهي علامة الطهر وعليها الاغتسال والصلاة
والله أعلم. (1/25)
صفحة 26
26
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
امرأة أسقطت جنيناً ميتاً وهي في شهرها الرابع، فهل تعتبر بذلك نفساء
وتترك الصلاة؟
تنفس بذلك وتترك الصلاة حتى ترى الطهر أو تتم الأربعين إن لم تكن لها عادة من قبل. والله أعلم.
ما قولكم في امرأة عندما تغتسل من الجنابة لا تقوم بغسل شعرها، وقد
مضى عليها زمن وهي على هذه الحالة، فما حكم صلاتها وصيامها؟ ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «إن تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر ونقوا البشر»، وهو يدل على وجوب تعميم الشعر بالغسل، فمن أضاعت ذلك فعليها التوبة مع إعادة ما صلت من الصلوات بهذه الحالة، وما صامته من الصيام الواجب. والله أعلم.
من ولدت بعملية قيصرية هل تُعطى حكم النفساء؟
يحكم على المرأة الوالدة بعملية قيصرية بحكم غيرها في النفاس، فليس لها أن تصلي مع خروج دم منها، وإنما تجب عليها لصلاة إن لم تر الدم، والله أعلم.
ما قولكم في النساء اللائي يستعملن موانع الحمل مما يؤدي إلى استمرار خروج الدم أكثر من شهرين وبصورة غير منتظمة، ويكون الدم
أحمر فاتح وليس له رائحة، فهل تقطع الصلاة والصوم لذلك؟
لا يعد هذا حيضاً لا من حيث الوقت ولا من حيث الوصف، أما من حيث الوقت فإن دم الحيض أكثره عشرة أيام، وما جاوز ذلك فهو استحاضة، وأما من حيث الوصف فإن دم الحيض دم أسود ثخين له رائحة، وما كان رقيقاً أو أحمر أو لا رائحة له فهو استحاضة، وعليه فإنه تؤمر بأن تصلي وتصوم في حال رؤيتها هذا الدم، إلى أن ترى الدم الذي فيه صفات الحيض. والله أعلم. (1/26)
صفحة 27
الوضوء ونواقضه
فتاوى الصلاة
27
هل يجوز التطيب بعد الوضوء للصلاة؟
نعم، يجوز التطيب بعد الوضوء قبل أداء الصلاة ولا حرج فيه، بل هو الأولى. والله أعلم.
هل يلزم المشتغل بالوضوء رد السلام إذا سلم عليه؟
لا ينبغي التسليم على المشغول بوضوء أو غيره، ومن رد السلام في حال الوضوء فلا يضيره شيئاً، وإن أخر الرد إلى فراغه من وضوئه جاز.
والله أعلم.
ما قولكم فيمن توضأ لصلاة الميت فحضرته فريضة من الفرائض، هل تصح صلاته بذلك الوضوء؟
الوضوء يراد به رفع الحدث، والحدث هو معنى قائم بالنفس مانع من الصلاة، فإذا ارتفع الحدث جازت الصلاة، ولا داعي إلى تجديد الوضوء.
والله أعلم. ما قولكم فيمن نسي مسح الرأس أثناء الوضوء، هل يمسحه ويصلي أم يستأنف الوضوء من جديد لاختلال شرط الترتيب؟
يمسح
قيل: يجزي من نسي مسح رأسه حتى فرغ من وضوءه أن عندئذ، بناء على القول بعدم وجوب الترتيب ـ كما هو قول أبي عبيدة رحمة الله وقيل: لا بد من إعادة مسح الرأس وغسل ما بعده بناء على لزوم الترتيب.
والله أعلم. (1/27)
صفحة 28
28
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
رجل توضأ للصلاة في بيته، ثم سعى إلى المسجد فقابل بعض النساء
في الطريق فبادلهن التحية، فما حكم وضوئه؟
إذا كانت التحية شفوية من غير، مصافحة، ولم ينظر إليهن بشهوة، فلا بأس عليه وإلا فليستغفر الله وليعد وضوءه. والله أعلم.
فيمن صافح امرأة أجنبية وهو متوضئ ونسي إعادة الوضوء فصلى، ثم تذكر بعد الصلاة فماذا عليه؟
يستغفر الله من مصافحته للأجنبية، سواء كان على وضوء أم لا، والأحوط
له إعادة صلاته التي صلاها بدون إعادة ذلك الوضوء. والله أعلم.
يذهب أصحابنا إلى منع المسح على الخفين وذكر الشيخ الجيطالي إجماعهم على ذلك مستدلين عليه بنسخ آية الوضوء للأحاديث الواردة أخذاً في المسح من قول الإمام علي - كرم الله وجهه ـ: «سبق الكتاب الخفين»، وقول ابن عباس: «ما مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد المائدة». ولكن القائلين بالمسح لهم إجابات وردود منها: 1) أن آية الوضوء نزلت في غزوة المريسيع ومسحه صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، لحديث المغيرة بن شعبه المتفق عليه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فتوضأ فأهويت لأنزع خفيه، فقال: «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين» فمسح عليهما، فكيف ينسخ المتقدم المتأخر؟
6
(2) قد عارض حديثي علي وابن عباس ما هو أصح منهما، وهو حديث جرير بن عبد الله البجلي لما روي عنه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على خفيه فقيل له هل كان ذلك قبل المائدة أو بعدها؟ قال: وهل أسلمت إلا بعد المائدة؟ وهو حديث صحيح. (1/28)
صفحة 29
فتاوى الصلاة
29
(3) وذكر أبو القاسم بن منده أسماء من رواه في تذكرته فبلغوا ثمانين
صحابياً.
4) أن المسح على الخفين يتمشى وروح التشريع الإسلامي المبني على التيسير يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] فما رأي فضيلتكم في هذه المسألة؟ نرجو منكم البيان والفصل فيها بما يشفي الغليل ويروي الظمأ. أثابكم الله ثواب المحسنين. آمين. إن آية المائدة صريحة في غسل القدمين كما أنها صريحة في غسل الوجه واليدين ومسح الرأس، وإذا ثبت ما روي من طريق المغيرة بن شعبة ومن طريق جرير أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على خفيه بعد نزول المائدة، فروايتهما لا تتجاوز أن تكون من الروايات الأحادية التي لا تقوى على معارضة القرآن، كيف وقد استقر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على التحرز من الروايات التي يحدث بها الصحابة أنفسهم - مع نزاهتهم وقرب عهدهم به ووردهم من المنبع الصافي عندما يشتمون منها ما يخالف ظواهر القرآن، كما صنع بحديث فاطمة بنت قيس، وكما صنعت عائشة بحيث ابن عمر
عمر
عنهم
الله - رضي ابن عباس ما بحدث الحكم بن عمرو الغفاري في تحريم ذوات الناب من السباع والمخالب من الطير، وهكذا كانوا ي يزنون الروايات التي يتلقاها بعضهم من بعض - مع أمانتهم جميعاً وولاية بعضهم بعضاً ـ بموازين الكتاب، وإذا كان ذلك في ذلك العهد الذهبي القريب من عهد النبوة، فما بالك ونحن بيننا وبين ذلك العهد أربعة عشر قرناً هاجت فيها أعاصير الفتن وماجت فيها تيارات الأحداث، واشتعلت نيران البدع، فأخلق الدين بعد جدته، وتكدرت النفوس بعد، صفائها، ألسنا الآن أحوج ما نكون إلى اتباع هذا المنهج في الاحتراز وأخذ الحيطة والبعد عن الريب والتمسك بما أجمع
أجمعين - في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه، وكما صنع (1/29)
صفحة 30
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
عليه؟ وما يذكرونه من الروايات عن نحو ثمانين صحابياً هو سابق على نزول المائدة، فلا مجال للتمسك به بعدما نصت آية المائدة على غسل القدمين، ولو جاز المسح على الخفين لأجل رفع الحرج ودفع المشقة، لجاز لأجل ذلك المسح على القفازين والكمين بدلاً من غسل اليدين، ولجاز المسح على العمامة والقلنسوة ونحوهما، فتفطن لذلك، وأعلم أن السلف الصالح كانوا أحوط لدينهم وأرعى لذممهم، وأطوع لربهم ولرسوله. والله أعلم.
ما حكم وضوء من صافح امرأة وهي في حالة حيض أو نفاس؟ إذا كانت أجنبية منه انتقض وضوؤه سواء كانت حائضاً أم غير حائض، أما
الزوجة وذات المحرم فإن مباشرتهما لا تنقض الوضوء ـ ولو كانت في الحيض أو النفاس أو الجنابة ـ لأنها لا تتنجس بشيء من ذلك. والله أعلم.
حالة
هل يجوز التلفظ بنية الوضوء داخل الحمام أو بنية الغسل من الجنابة، أو يعقد نية الوضوء أو الغسل قبل دخوله الحمام ويظل صامتاً داخل الحمام؟ النية المطلوبة هي عقد العزم بالقلب، والتلفظ باللسان ليس من النية في شيء، وإنما اختاره من اختاره من العلماء ليكون عوناً للعوام على الاستحضار، وليس واجباً إجماعاً، ولا بأس به داخل الحمام. والله أعلم.
فضيلة الشيخ: هل يفسد الوضوء بالكلام أثناءه؟
لا يفسد الوضوء الكلام في أثنائه، وإنما قيل فيه بالكراهية إن كان بغير
ذكر الله إلا لحاجة. والله أعلم.
هل ينتقض الوضوء بالضحك؟
الضحك ينقض الوضوء والصلاة عندنا وعند الحنفية إذا كان في الصلاة
لا خارجها. والله أعلم. (1/30)
صفحة 31
فتاوى الصلاة
31
إذا سال الدم من أسنان شخض أثناء الوضوء، ثم رجع واستأنف وضوءه إلا أن الدم استمر ينزف فماذا عليه أن يفعل إذا أراد الصلاة؟ خروج الدم من الجسم ينقض الوضوء عندنا، للحديث الذي أخرجه الربيع العالى أن ا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في دم الاستحاضة «إنه دم عرق نجس ينقض الوضوء» وهكذا كل ما كان من الدماء نجساً وخرج من الجسم، وإذا استمر خروج الدم أو أي نجاسة أخرى من جسم الإنسان بغير انقطاع، فعليه أن يتوضأ عند قيامه إلى الصلاة مع توقيه إصابة النجاسة لجسمه أو ثيابه بعازل، ولا يضره في هذه الحالة خروج النجاسة ولو في أثناء صلاته، وله أن الصلاتين الظهر والعصر وكذلك المغرب والعشاء من أجل هذه الضرورة.
يجمع
والله أعلم. وقال فضيلته في جواب على سؤال مشابه حكم من يسترسل منه الدم كحكم من يسترسل منه البول ونحوه، وهو أن يتوضأ ويصلي بوضوئه فرضاً واحداً ويجدد بعده الوضوء لكل فرض، إلا أن يجمع الصلاتين، ولا يضيره خروج الدم منه، فقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون وجروحهم تثعب دماً. والله أعلم.
هل خروج القيح الممتزج بالدم من جرح الجسم يبطل الوضوء؟ إذا كان القيح أكثر من الدم فلا ينقض الوضوء، أما إذا غلبه الدم فهو ناقض. والله أعلم.
ما حكم من لمس عورته بيده من بين سرته إلى ركبتيه وهو متوضئ؟ هل ذلك ينقض وضوءه أم لا؟
ليس كل ما بين السرة والركبة ينقض الوضوء مسه، وإنما ينقض (1/31)
صفحة 32
32
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
الوضوء مس الذكر من الرجل والفرج من المرأة، لحديث «من مس ذكره فليتوضأ» رواه الربيع الله من حديث بسرة بنت صفوان، ورواه جماعة من المحدثين عنها، وله شواهد عن كثير من الصحابة لي حتى قيل إنه أصح ما ثبت في الباب، وجاء في بعض الروايات «أيما رجل مس ذكره فليتوضأ وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ وقاس أصحابنا على القبل الدبر في ذلك، وقالوا بانتقاض الوضوء بمس القبل أو الدبر أو ما بينهما، ويؤيد ذلك مفهوم المخالفة من حديث ابن عباس عند الربيع «ليس على من مس موضع الاستحداد وضوء وليس على من مس عجم الذنب وضوء»، فإنه يدل بمفهومه على انتقاض الوضوء بمس ما كان أسفلهما.
والله أعلم.
هل تقبيل الزوجة ينقض الوضوء؟
لقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل بعض نسائه ثم يقوم إلى الصلاة من غير أن يعيد الوضوء، وقد كانت إحدى أزواج عمر له تشيعه عندما يقوم إلى الصلاة إلى الباب وتقبله، وفي ذلك ما يكفي دليلاً على أن تقبيل الزوج
لامرأته لا ينقض وضوءه. والله أعلم.
هل ينقض الوضوء النظر إلى المرآة؟
لا ينقض الوضوء النظر إلى المرآة. والله أعلم.
رجل توضأ ثم ذكر اسم كلب. ما تقول في وضوئه؟
لا ينقض ذكر الكلب وضوء ذاكره إلا إن شتم به أحداً من المسلمين.
والله أعلم. (1/32)
صفحة 33
هل فرقعة الأصابع تنقض الوضوء؟
فتاوى الصلاة
33
فرقعة الأصابع لا تنقض الوضوء - وإن كرهت ـ، إذ ليس كل مكروه ناقضاً للوضوء. والله أعلم.
ما الحكم في وضوء من وجد في ثوبه دماً ولم يكتشفه إلا بعد أن أتم
وضوءه؟
ليس لذلك أثر على وضوئه إن لم يكن الدم في جسده لكن لا يصلي بذلك الثوب ما لم يطهر. والله أعلم.
هل يجوز للابن أن يوضئ أباه وأمه العاجزين عن الوضوء بسبب الشلل؟ إن كان السائل يقصد بالوضوء وضوء الصلاة المعهود فلا مانع من ذلك
مطلقاً.
والله أعلم.
ما هي
الحكمة من تقديم المضمضة والاستنشاق على الأعضاء الواجب
غسلها مثل الوجه واليدين؟
أن
الحكمة - في رأي بعض العلماء - أن الماء إما أن يتغير طعمه أو لونه أو ريحه، وتغير اللون هو أكثر تأثيراً على الماء من تغير الطعم أو الريح، لأن تغير اللون دليل على ما خالط الماء من غيره، فالإنسان إذا وضع الماء في يديه وقربه من عينيه يشعر بتغير لونه، فإذا وضعه في فيه فإنه يشعر بطعم الماء، فإذا وضعه في أنفه يشعر بريحه، والحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم يبين الماء باق على أصل خلقته وهو الطهورية والتطهير ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه، فقد جاء في الحديث الذي رواه الإمام الربيع رحمةالله عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس ا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الماء طهور لا ينجسه إلا ما غلب عليه فغير لونه أو طعمه أو ريحه هذه
هي
الحكمة (1/33)
صفحة 34
34
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
التي استظهرها بعض العلماء، وقد تكون هنالك حكمة قد خفيت علينا، والوضوء نفسه إنما هو أمر تعبدي. والله أعلم.
ما حكم ترتيب أعضاء الوضوء والموالاة فيه؟
اختلف العلماء في ترتيب أعضاء الوضوء هل هو واجب أم لا؟ ذهب
فريق من العلماء إلى وجوب الترتيب، وهذا مذهب الإمام الربيع بن حبيب رحمه الله فإنه قال نبدأ بما بدأ الله تعالى به.
طائفة
ومن
العلماء لا. من
يرى وجوب الترتيب، فالذين قالوا بوجوبه نظروا إلى
أن الواو في قوله تعالى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} [المائدة: (6] تقتضي الترتيب، وهذا رأي من علماء العربية وهو رأي الإمام الشافعي، كما حكي ذلك عن غيره. والذين قالوا بعدم وجوب الترتيب نظروا إلى أن الواو لمطلق الجمع، فإنه يقال: جاء زيد وعمرو، مع احتمال أن يكون زيد جاء قبل عمرو، ومع
احتمال أن يكون عمرو جاء قبل زيد، ومع احتمال مجيئهما معاً.
كما تأتي الواو في الموضع الذي لا يمكن معه الترتيب فيقال تشارك محمد وعبد الله في التجارة، أن هذا التشارك لا يمكن أن يكون بالترتيب، مع وإنما هو فعل اثنين ويقال اقتتلت قبيلة كذا وقبيلة كذا، أن هذا الاقتتال لا يمكن أن يكون بالترتيب لأنه فعل طائفتين.
مع
وينبني على وجوب الترتيب وعدمه أن الذي يترك غسل عضو من الأعضاء كاليدين مثلاً ثم يتذكر فعليه أن يبتدئ غسل ذلك العضو ثم يغسل ما بعده من الأعضاء هذا على رأي من يرى وجوب الترتيب، وإلا فيجوز له غسل ذلك العضو الذي ترك غسله نسياناً في آخر الوضوء على رأي من لم ير وجوب الترتيب. (1/34)
صفحة 35
فتاوى الصلاة
35
أما
أعضاء
عن حكم الموالاة، فإن بعض العلماء يشترط الموالاة في الوضوء، والبعض لا يشترطها، فمن يشترط ذلك يقول ببطلان الوضوء إذا تأخر غسل عضو من الأعضاء حتى جف الماء الذي غسل به العضو الذي قبله، وعليه أن يستأنف الوضوء من جديد، وعلى رأي من لا يشترط الموالاة لا يبطل الوضوء بل يمكن غسل ذلك العضو بدون موالاة.
والأحوط للإنسان أن يلتزم الترتيب والموالاة، وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤثر عنه التنكيس في الوضوء بل الترتيب والموالاة، والإنسان يجب عليه أن يكون حريصاً على التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم والرسول صلى الله عليه وسلم قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وبناء على هذا فإذا نسي الإنسان عضواً من الأعضاء وتذكر بعد جفاف الأعضاء التي غسلها قبله فعليه أن يستأنف وضوءه من جديد، أما إذا صلى فعليه أن يعيد وضوءه وصلاته. والله أعلم.
ما معنى إسباغ الوضوء على المكاره؟
معناه الإتيان بالوضوء كاملاً غير منقوص في حال كراهة النفس مباشرة الماء بسبب البرد ونحوه. والله أعلم.
هل يجزي المسح على العمامة بدل المسح على الرأس؟ وما معنى ما يروى عن عمر بن الخطاب له ممن لم يطهره المسح على عمامته لا طهره الله»؟ لا يجزي المسح على العمامة، فإن الله خاطبنا بمسح الرؤوس لا العمائم، وما روي عن عمر لم يصح عنه. والله أعلم.
ما حكم الوضوء قياماً؟
يكره كراهة تنزيه الوضوء قياماً، وإن تعذر القعود أو تعسر زالت الكراهة.
والله أعلم. (1/35)
صفحة 36
36
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
ما حكم الدعاء أثناء الوضوء. هل هو فرض أم سنة؟
الدعاء أثناء الوضوء ليس بفرض ولا سنة، إذ لم ينص عليه الكتاب ولا السنة، ولم يثبت من فعله صلى الله عليه وسلم بل ولا من فعل أحد من الصحابة، وإنما استحبه بعض أهل العلم لأن الوضوء عبادة وقربة إلى الله فهو مظنة استجابة الدعاء. والله أعلم.
أشعر في بعض الأحيان وخاصة بعد الانتهاء من الوضوء بخروج قطرات من البول، وعندما أنظر لأجل التأكد أرى في بعض الأوقات وأحياناً
لا أرى شيئاً. فهل يلزمني إعادة الوضوء كلما أحسست بذلك؟
إن كنت اعتدت أن تجد شيئاً من البول عندما تنظر فلا بد من أن تتطهر بغسل الموضع الذي أصابه البول من البدن والثوب وإعادة الوضوء، وإن كنت اعتدت خلاف ذلك فلا يلزمك حتى تتيقن من خروج شيء عندما تقوم للصلاة. والله أعلم.
كيف يكون وضوء من ابتلي بسلس البول. وهل له أن يصح وما هو علاج حالته؟
يوم
الناس
ليضع على قضيبه عازلاً يقي جسمه وثيابه ما يتقاطر من البول بعد ما ينظفه، وليتوضأ لكل فريضة عند قيامه إليها، ولا يؤم الناس في صلاتهم وليسأل الله العافية. والله أعلم.
ما حكم من ابتلي باستمرار خروج الريح إذا قام للصلاة؟ وهل يصح يصلي السنن والنوافل بوضوء الفريضة؟
أن
على من ابتلي بسلس أو استمرار الريح، أو امرأة ابتليت بالاستحاضة أن يتوضأوا للصلاة عند القيام إلى صلاة الفرض، وينووا (1/36)
صفحة 37
فتاوى الصلاة
37
بوضوئهم استباحة الصلاة، لأن الحدث مستمر بهم، ويصلوا الفرض
وما حضر من الرواتب والنوافل بوضوئهم ذلك، ولا يضيرهم خروج النجاسة أو الريح في أثناء الصلاة، وإن حضر فرض آخر فلا بد من وضوء جديد، ويجوز جمع الصلاتين من أجل هذه العلة بوضوء واحد.
والله أعلم.
ما معنى الحديثين الشريفين: لا وضوء من طعام أحل الله أكله» والثاني: «من أكل لحم الجزور فليتوضأ»؟
اعتبر أصحابنا. أصحابنا ـ رحمهم الله - أن الحديث الأول ناسخ للأحاديث تأمر بالوضوء من الطعام، وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أكل كتف شاة ومضمض ولم يتوضأ.
التي
وأما الحديث الثاني فإنه ـ على رأي أصحابنا - من الأحاديث المنسوخة. وذهب سائر أصحاب المذاهب إلى أن الحديث الثاني باق على حاله وهو مخصص للحديث الأول، وهؤلاء اختلفوا منهم من قال بأن الوضوء على من أكل لحم الجزور واجب لأن لحم الجزور ينقض الوضوء، ومنهم من قال لا ينقض الوضوء، ولكنهم استحبوا الوضوء لمن أكله. والله أعلم.
فيمن احترقت يداه فعجز عن استعمال الماء (الوضوء) وعن التيمم فكيف يعمل إذا حضرته الصلاة؟
العاجز عن التيمم والوضوء يصلي دونهما، لأن اشتراطهما يسقط بعجزه فتصح صلاته دونهما، ولا يسقط عنه فرض الصلاة بعجزه عن ممارستهما، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يعدل عنهما إلى ضرب الهواء بيديه، (1/37)
صفحة 38
38
الفَتَاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
واختلف هؤلاء فيما ينويه بذلك، قيل: ينوي، التيمم، وقيل: الوضوء، وليس
على ذلك من دليل، وإنما مصدره المبالغة في الاحتياط. والله أعلم.
ما
حكم
الاستغفار بعد الوضوء وبعد الصلاة، حيث إننا وجدنا بعض
العلماء يمنعه لكون الإنسان غير قائم على معصية في تلك الحالة. بين ذلك؟ لنا الحق في
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يستغفر الله ثلاث مرات بعد صلاته، وما الاستغفار إلا طلب المغفرة من الله، والعبد بحاجة إليه في كل وقت، وبعد الصلاة والوضوء ترجى إجابة الدعاء، فكيف يقال بمنعه بعدهما، على أن الإنسان قد يقصر في صلاته نفسها لكثرة عوارضه فيكون بحاجة إلى الاستغفار. والله أعلم.
رجل وجد في ثوبه نقطة حمراء، وغلب على ظنه أنه دم فهل عليه الإعادة؟
إن لم يتيقن أنه دم بقدر الظفر فلا إعادة. والله أعلم.
هل يجوز نزع الجلد الميت بعد الوضوء؟
إن لم يكن به زهومة فلا حرج. والله أعلم.
ما قولكم فيمن توضأ ثم ذهب إلى المسجد، وفي الطريق أخذ يغني أغاني عاطفية، ثم دخل المسجد فصلى فهل تعتبر صلاته باطلة؟ إن كان تغنى بطريقة خلاعية ماجنة فعليه إعادة وضوئه عند من يرى نقضه بالمعصية - فإن صلى أعاد الصلاة والله أعلم.
(1) ليونة الرطوبة. (1/38)
صفحة 39
هل رؤية التلفزيون تنقض الوضوء؟
فتاوى الصلاة
39
العبرة بما يشاهد فيه، فإن كان ناقضاً لوضوء المتوضئ إن شاهده على
الطبيعية فهو ناقض وإلا فلا. والله أعلم.
ما حكم وضوء من صافح مشركاً؟
من صافح مشركاً وهو على وضوء انتقض وضوءه إن كانت يداهما رطبتين أو إحداهما وإن كانتا يابستين فلا حرج عليه في وضوئه.
والله أعلم. ما قولكم فيمن صافح امرأة أجنبية وهو متوضاء جهلاً منه بحكم المصافحة وصلى بذلك الوضوء، فماذا عليه؟
الاحتياط بإعادة تلك الصلاة أولى وإن توسع ولم يعد بناء على أن المعصية غير المنصوص على نقضها الوضوء لا تنقضه فأرجو أن لا يكون عليه حرج، وإنما عليه الحذر في مستقبله والله أعلم.
فيمن تيقن بعد الصلاة أن بعض رجله لم يصله الماء فماذا عليه؟
يعيد وضوءه وصلاته. والله أعلم.
هل تخليل الأسنان ناقض للوضوء؟
لا إن لم يخرج منها دم. والله أعلم.
هل يجوز التلفظ بالبسملة داخل الحمام لأجل الوضوء؟ إن كان المكان نظيفاً فلا حرج، ولا بد من ذكر اسم الله على الوضوء
بأي صيغة كانت. والله أعلم. (1/39)
صفحة 40
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
فيمن صلى بغير وضوء ولا تيمم بسبب مرضه وصلى قاعداً بغير
سجود، فهل عليه شيء في ذلك؟
إن كان غير قادر على الوضوء ولا التيمم ولا على القيام ولا الركوع ولا السجود فليس عليه إلا ما فعل، والله يتقبل منه، وإن كان قادراً على ما هو أكثر منه فعليه أن يأتي بما قدر عليه، فإن لم يفعل كان عليه القضاء. والله أعلم.
امرأة مضى عليها أربعون عاماً لا تمسح رأسها عند الوضوء جهلاً منها بفرضيته، فهل تجدون لها رخصة في عدم إعادة الصلوات التي صلتها
على هذا الحال؟
ماذا عسى
أن أقول في ذلك، فمسح الرأس ركن من أركان الوضوء، إلا على قول من يقول بأن تارك الصلاة لا يلزمه قضاؤها إن تاب.
اللهم والله أعلم.
ما الحكم إذا فاجأ المصلي القيء أو الرعاف أثناء الصلاة؟
القيء والرعاف لا ينقضان الصلاة وإنما ينقضان الوضوء فحسب، لحديث ابن عباس ها عند الربيع حمدالله: «القلس والرعاف ينقضان الوضوء دون الصلاة، فإذا انفلت بهما المصلي من صلاته فليتوضأ وليبن على صلاته» وإنما يشترط على المنفلت بهما أن لا يتكلم في أثناء انفلاته، ولا يستدبر القبلة إلا للضرورة. والله أعلم. (1/40)
صفحة 41
القبلة واللباس والسترة:
فتاوى الصلاة
41
هل تصح صلاة المرأة بالمكسي وتحته لباس غير السروال؟ وما حكم لباسه لغير الصلاة؟
إن كان اللباس ساتراً لما يجب ستره فلا مانع من الصلاة به. والله أعلم. هل تجوز صلاة المرأة التي تكشف مقدمة رأسها في الصلاة وتلبس ملابس رقيقة وقصيرة تشف عن جسمها؟
لا تجوز صلاة المرأة بهذه الهيئة وعليها أن تلزم تمام الستر المفروض. والله أعلم.
هل يجوز للمسلم جر إزاره في الصلاة أو خارجها؟
جر الإزار منكر وكبيرة من كبائر الإثم، وهو من صفات الفساق ولا يقبل الله صلاة من صنع ذلك، وسواء كان ذلك في الصلاة وحدها أو في الصلاة وخارجها * إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27]، وكالإزار سائر الثياب، وإنما غلب الإزار في الحديث لأنه الغالب. والله أعلم.
هل النهي عن لبس الساعة في الصلاة إن كانت من حديد هو نهي تحريم أو كراهة؟
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بالآنك والشبه، وقيست بقية المعادن عليها بجامع الانطباع، واختلف في هذا النهي قيل للتحريم لأنه الأصل في النهي وهو الذي رجحه الإمام السالمي الله تعالى وقيل: للتكريه. والله أعلم.
ما حكم من صلى وهو يلبس ساعة من حديد في يده؟ وإذا كان لبسها أثناء الصلاة ممنوعاً شرعاً، فما الحكم إذا تذكرها المصلي بعد أن أحرم للصلاة؟ (1/41)
صفحة 42
42
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
لا أرى الصلاة بالساعة وهي في اليد لما ثبت في المسند الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الله على من نهيه عن الصلاة بالآنك والشبه، فإن بقية المعادن حكمها كحكمها قياساً عليها هذا إن كانت الساعة معدناً مباشراً للجسم. والله أعلم.
وفي فتوى مماثلة أضاف فضيلته وإن كانت ثم ضرورة للمحافظة على المال - أي عليها - فلا بأس بالصلاة بها وكذلك الناسي، وإن تذكر أثناء الصلاة نزعها، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين ألقى نعله في الصلاة لما أخبره جبريل أن فيها دم حلمة. والله أعلم.
وفي فتوى أخرى قال فضيلته: ولكن ذلك لا يمنع أن يحملها المصلي
في جيبه أو على أي موضع بحيث لا تلامس جسمه. والله أعلم.
ما حكم وضع السترة للمصلي؟ وأين يضعها؟ وكم ارتفاعها؟
ذلك يجب
ثلاثة. والله أعلم.
مع الإمكان، ويضعها في مكان قبلته، وارتفاعها شبران أو
ما حكم الصلاة مع النائم والمتحدث والمرأة والحيوان والتصاوير والماء
الجاري والقبر؟
تكره الصلاة مع النائم والمتحدث، وأما المرأة وما بعدها إن كانت بين يديه فيضع بينه وبينها ستر وكفى. والله أعلم.
ما حكم الصلاة إذا مر أمام المصلي كلب أو حمار؟
في
ذلك خلاف، فأكثر العلماء على أن الصلاة تبطل بذلك إن لم يكن المرور بعد السترة، وذهب بعضهم إلى عدم بطلانها، لأن الصلاة ليست حبلاً ممدوداً ينقطع بمرور المارة، وإنما هي صلة بين العبد وربه، يصلها بر القلب (1/42)
صفحة 43
فتاوى الصلاة
43
ويقطعها فجوره، وهو قول طائفة من علمائنا وهو الراجح، لعدم اطلاعنا على ما يفيد ثبوت دليل من السنة بمقتضى البطلان، وإنما كل ما ورد في السنة يفيد المنع من مرور المار بين يدي المصلين والأمر بدفعه إن مر لا زيادة، والقول بالبطلان يتوقف على الدليل ولا دليل إلا ما ذكرنا، وهو غير كاف للاستدلال به عليه. والله أعلم.
ما قولكم في المار بين يدي المصلي هل يقطع الصلاة أم لا؟ فقد قال الإمام نور الدين السالمي في المعارج أن أكثر قول أصحابنا يقطع، ثم وجدت عنه فتوى في العقد الثمين أنه لا يقطع إلا المشرك والحائض والكلب والخنزير وأمثالهما فيما دون خمسة عشر أو سبعة عشر ذراعاً. وفي كتاب القواعد ج 1 ص 252 قيل: لا يقطعها شيء ونسب هذا القول إلى الربيع وابن محبوب وهاشم وبعض المغاربة «ليست الصلاة حبلاً ممدوداً كل ما جاء يقطعها. وإنما تعرج إلى السماء يصلها بر القلب ويقطعها فجوره». فلا يقطعها شيء من ذلك ونحوه ولو مر بينه وبين سجوده إلا إن مس نجاسة، نعم نهي عن المرور بين يدي المصلي والمار آثم إن تعمد وللمصلي أن يمنعه ويدفعه وأن يعنف. ورغم لا يؤثر في صلاته لأنها صلة روحية بينه وبين ربه؟ في هذه المسألة خلاف كثير، وبالجمع بين الروايات أرى وجوب دفع المصلي إن مر أحد بينه وبين سترته ـ إن كانت له سترة ـ أو بينه وبين سجوده - إن لم يكن له سترة - ولا يجوز لأحد أن يمر بين يديه، وأما انتقاض الصلاة فلم أجد ما يفيد، ثبوته، لذلك أجدني أميل إلى رأي الربيع وهاشم وابن محبوب، ومن قال بقولهم من أهل المغرب - رحمهم الله جميعاً، وهو أن الصلاة ليست حبلاً ممدوداً فتقطع بمرور المارة، وإنما
هي صلة بين العبد وربه، يصلها بر القلب ويقطعها فجوره. والله أعلم.
ذلك (1/43)
صفحة 44
44
إنني
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
أعمل في دائرة عسكرية وألبس بنطلوناً يفصل جسمي، والمسافة بين البلد والعمل حوالي 95 كلم، فهل يجوز لي أن أصلي بذلك اللباس؟ إذا تعذرت الصلاة إلا بهذه الحالة فلتصل ولا حرج عليك، فإنه يجوز في حال الاضطرار ما لا يجوز في حال الاختيار. والله أعلم.
ما مدى صحة الأحاديث النبوية التي تبين جواز الصلاة بالنعلين؟ هي صحيحة، لكن تشترط فيها الطهارة وعدم ارتفاع الأصابع عن الأرض في حال السجود. والله أعلم.
ما قولكم في الصلاة بالإزار الرطب؟ وهل يلزم لبس الدشداشة فوقه أم يكفي عقدها عليه؟
لا مانع من الصلاة بالإزار الرطب إذا كان فوقه ثوب يمنع ظهور أجزاء الجسم التي تتمثل بالتصاق الثوب الرطب عليها، وكذلك يكفي الثوب الواحد الصلاة، وإنما يؤمر بعقده حذراً من انكشاف العورة. والله تعالى أعلم.
في
ما قولكم فيمن يصلي حاسر الرأس هل صلاته تامة؟
ربه
في
لا ينبغي لغير المحرم أن يصلي حاسر الرأس، لأنه يناجي صلاته، فينبغي أن يكون على أكمل هيئة وأحسنها لقوله تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُم عِندَ كُل مَسْجِدٍ} [الأعراف: (31) ومن صلى حاسراً لم تفسد صلاته. والله أعلم.
ما حكم لبس الحذاء - في الوقت الحاضر - في حال أداء الصلاة، خاصة إن كان هذا الحذاء غير متيقن من طهارته؟
بما أن الحذاء المعاصر يرفع القدمين عن الأرض في حال السجود
لا تجوز الصلاة به، فضلاً عما إذا كان متلبساً بنجاسة. والله أعلم. (1/44)
صفحة 45
فتاوى الصلاة
45
فيمن أم بالناس ولباسه غير كامل بسبب ارتدائه بنطلوناً وقميصاً لا تصل أكمامه إلى المرفقين، وبدون غطاء للرأس؟
من ستر العورة التي هي بين السرة والركبة فلا مانع من إمامته، وقيل: من ستر الصدر والبطن والظهر والعاتق. والله أعلم.
لا بد مع
ذلك
هل تجوز الصلاة بالثوب الذي فيه تصاوير؟
في
ذلك خلاف بين العلماء، ذهب فريق منهم إلى تحريم الصلاة بالثوب الذي فيه، تصاوير، كما ثبت في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام الربيع وأخرجه الشيخان وغيرهم من أئمة الحديث، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى بيت عائشة وكانت قد اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك النمرقة وقف خارجاً ولم يدخل، فقالت له عائشة: يا رسول الله أتوب إلى الله مما فعلت، فقال لها. عليه أفضل الصلاة والسلام ـ: «ما بال هذه النمرقة» فقالت: اشتريتها لك للتتكئ عليها فقال: «إن أصحاب هذه الصور ليعذبون يوم القيامة ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم».
ومنهم من ذهب إلى استثناء الثوب لأجل حديث أبي طلحة له إلا ما كان رقماً في ثوب»، ولكن الحديث لا يبيح الصلاة بالثوب الذي فيه تصاوير، وإنما يبيح إبقاء الصورة على ما هي عليه لئلا يفسد الإنسان ثوبه خلافاً لمن رأى ذلك كما روي عن الإمام أبي أيوب وائل الحضرمي وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم أبى أن يصلي في البردة التي أهداها إليه أبو جهم وردها عليه لأنها شغلته في صلاته عن الخشوع، فكيف بالثوب الذي فيه
الله
قلياً
تصاوير، وكيف بغيره - صلوات الله وسلامه عليه ـ وهو صلى الله عليه وسلم أخشع الناس وأرسخهم يقيناً، وأكثرهم استحضاراً لما يتلو في صلاته، وغيره صلى الله عليه وسلم يجب (1/45)
صفحة 46
46
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
أن يكون أكثر احتياطاً، لأن التأثير عليه من قبل الوساوس الشيطانية أكثر.
والله أعلم.
هل يجوز للإنسان أن يصلي بثوب لم يستر ذراعيه؟
الواجب المتفق عليه في الصلاة هو ستر العورة، وعورة الرجل من السرة إلى الركبة فإذا ستر الإنسان من سرته إلى ركبته فقد ستر عورته، واختلف هل عليه ذلك أن مع يستر بطنه وظهره وعضديه، قيل: بوجوب ستر هذه المواضع، وقيل: باستحسان سترها، وعلى كل فإنه لو صلى في ثوب لم يستر ذراعيه فصلاته صحيحة تامة بالإجماع. والله أعلم. سماحة الشيخ وجدت في جواب لأحد العلماء المنع من التعري في حال الاستتار عن أعين الناس؟ ووجدت قولاً آخر بجوازه بحجة أننا نؤمر بالاستتار عن الملائكة. فما قولكم. حفظكم الله.
لم
التعري ينافي الحياء من الله تعالى ملائكته وأقل ما يقال فيه أنه مكروه، إن كان في مكان ساتر ومن غير عذر. والله أعلم. (1/46)
صفحة 47
الأوقات:
فتاوى الصلاة
47
هل كراهة التنفل بعد صلاة العصر تنتهي بدخول وقت فريضة المغرب أم بعد الانتهاء من أداء فريضة المغرب؟
نص الحديث الثابت في النهي عن الصلاة بعد العصر «لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس»، وهو كاف في الدلالة على أن النهي إنما ينتهي بالغروب. والله أعلم.
دخلت المسجد قبل أذان المغرب بحوالي نصف ساعة فهل أصلي ركعتي التحية أم لا؟
بما أن الشمس في ذلك الوقت تكون قد أذنت بالاصفرار فلا تركع ركعتي التحية، ويكفيك أن تأتي بالباقيات الصالحات قبل جلوسك. والله أعلم.
ما هو آخر وقت صلاة الفجر؟
آخر وقتها بداية ظهور شعاع الشمس. والله أعلم.
هل تجوز الصلاة على الميت في وقت استواء الشمس في كبد السماء؟ يجب تأخير الصلاة عن وقت الاستواء في الحر الشديد إلى وقت الزوال. والله أعلم.
المنطقة
رجل يدرس في دولة أوروبية، ولا يوجد مسجد في التي يقيم فيها، ولا يوجد بها مسلمون يسألهم عن اتجاه القبلة وعن أوقات
الصلوات فماذا يفعل؟
عليه أن يستعين على معرفة القبلة ببوصلة تحدد له جهة القبلة وهي (1/47)
صفحة 48
??
الفَتَاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
موجودة ميسرة والحمد لله، وأما أوقات الصلوات فيستعين على معرفتها بالطلوع والغروب والزوال. والله أعلم.
هل يجوز تأخير صلاة العشاء إلى منتصف الليل أو إلى أكثر من ذلك؟
في جواز ذلك خلاف، وتركه أولى. والله أعلم.
هل يجوز التنفل بعد أذان الفجر أم لا؟ لأننا وجدنا عن السلف لا صلاة بعد أذان الفجر إلا السنة وركعتي الفرض؟
ليست العبرة بالأذان، وإنما العبرة بطلوع الفجر الصادق، فإن كان الأذان بعد ما طلع الفجر الصادق فلا صلاة قبل الفرض إلا سنة الفجر، وإن كان قبله فلا مانع من التنفل .. والله أعلم.
من
الأوقات التي لا تجوز فيها الصلاة وقت توسط الشمس في كبد
السماء، متى يكون ذلك في الصيف أم الشتاء؟
ذلك في الحر الشديد دون الشتاء. والله أعلم.
هل تجوز الصلوات التالية في الأوقات التي تكره فيها الصلاة قضاء
الفوائت، صلاة الجنازة، ركعتا الطواف؟
لا مانع من ذلك، إلا في وقت الطلوع والغروب والاستواء. والله أعلم.
كم دقيقة للانتظار بين الأذان والإقامة لصلاة المغرب؟
لا بأس بالانتظار بعد الأذان نحو خمس دقائق. والله أعلم.
هل حدد العلماء فترة انتظار المصلين الفريضة المغرب؟ وإذا كان الجواب نعم فما الاستعجال لإدراك السنة؟ (1/48)
صفحة 49
فتاوى الصلاة
49
ينبغي التعجيل في أداء صلاة المغرب لضيق وقتها، وقد شدد بعض
العلماء فقال وقتها مقدار ما تصلي وتعجيل سنتها لترفع مع الفرض كما
قال بعض العلماء، ولم
أحد في
ذلك سنة. والله أعلم.
رجل أتى المسجد ويعلم أن الفجر قد طلع والصبح قد بان، ثم بدأ بتحية المسجد وانتظر حتى قبل قيامه لصلاة الفريضة بقليل فصلى سنة الفجر، فهل هو في صواب؟
لا، بل يصلي سنة الفجر فور وصوله، وتغنيه عن تحية المسجد.
والله أعلم.
متى يبدأ وقت صلاة العيدين وإلى متى نهايته؟
بداية صلاة العيدين من ارتفاع الشمس قدر رمح إلى ما قبل استوائها.
والله أعلم. (1/49)
صفحة 50
0.
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
الأذان والإقامة:
ما هو الصحيح في حكم الأذان والإقامة؟
الصحيح أنهما سنتان مؤكدتان، وسنة الأذان على الكفاية وكذلك الإقامة إن أقيمت الصلاة في جماعة فإنه يجزي أن يقيم واحد لها، وأما المنفرد فلا بد له من أن يقيم لنفسه، إلا إن دخل المسجد فوجد الجماعة قد صلت وصفوفهم لا تزال متراصة فقيل يكتفي بإقامتهم. والله أعلم.
ما الحكم فيمن ترك الإقامة للصلاة متعمداً؟
إن تعمد ذلك وهو منفرد فعليه إعادة صلاته اللهم إلا إن وجد صفوف الجماعة التي صلت لم تنتقض فقد رخص له بأن يكتفي بإقامتها، وحكم الجماعة إن تركت الإقامة حكم المنفرد. والله أعلم.
ما الحكم فيمن نسي الإقامة حتى دخل في الصلاة؟
لا حرج عليه إن نسيها، ويجزي على رأي بعض العلماء إن وجد صفوف الجماعة لم تنتقض أن يكتفي بإقامة الجماعة ولو تعمد ذلك. والله أعلم.
ما حكم تمديد الحروف عند الأذان إلى حد المبالغة، وهل في
كراهة؟
ذلك
روى الدارقطني عن ابن عباس: «إن الأذان سهل سمح له فليكن أذانك سهلاً سمحاً وإلا فلا تؤذن لنا، وهو يدل على أن الكراهة إنما هي مع الخروج عن حدود الاعتدال، أما تحسين الصوت من غير تكلف ولا خروج
عن حدود السماحة فلا حرج فيه. والله أعلم. (1/50)
صفحة 51
فتاوى الصلاة
51
رجل يؤذن في مسجد تقام فيه جميع الصلوات بما فيها صلاة الجمعة، ولكنه لا يتقن ألفاظ الأذان، فيقول مثلاً: أشهد أن محمد رسول الله، وللأسف لا أحد من جماعة المسجد ينتقده على ذلك رغم أن فيهم من هو ذو معرفة بعلوم الدين .. وربما لو نصحه أحد لا يقبل منه ذلك فما حكم أذانه؟
هذا الرجل لا يصلح أن يكون مؤذناً، لأن الأذان شعار المسلمين وهو واجب في الجملة، سنة على كل أحد وحده أي إذا أراد أحد من المسلمين الصلاة بنفسه فالأذان له على انفراد. سنة. فيؤخر هذا الذي لا يحسن الأذان ويقام عنه من يحسنه
هل يجوز أن يؤذن لصلاة الفجر أذانان؟
ليس في الأذانين لصلاة الفجر ما يستنكر، فقد كان لصلاة الفجر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أذانان، وكان يقول لهم في رمضان: «إذا أذن بلال فكلوا فإنه يؤذن بليل وإذا أذن ابن أم مكتوم فكفوا وفي رواية: «فإنه رجل أعمى لا يؤذن حتى يقال له أصبحت أصبحت»، هذا ولا يزال أصحابنا من أهل المغرب يلتزمون الأذان مرتين للفجر إلى يومنا هذا عملاً بالسنة، وهكذا في المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف، وهذا كله يؤكد أنه ليس في تكرار الأذان للفجر ابتداع. والله أعلم.
ما قولكم فضيلة الشيخ فيمن أذن قبل دخول الوقت بساعة إلا ربع، فهل يكتفى بذلك الأذان عند دخول الوقت أم يرفع أذان ثان؟ إن كان في البلد أذان آخر فلا حرج إن اكتفوا به، وإلا فلا بد من بعد دخول الوقت. والله أعلم.
أذان (1/51)
صفحة 52
52
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
كيف يصلي من أدركته صلاة مكتوبة ولكنه لم يسمع
الأذان؟
إذا كان في بلد يؤذن فيه فليس عليه أذان إن أراد أن يصلي منفرداً، أما لو كان في صحراء أو في بلد لا يؤذن فيه كبلاد الكفر ففي بعض الأقوال يلزمه أن يؤذن لنفسه، بناءً على أن الأذان فرض كفاية، وليس هناك من يقوم بهذا الواجب غيره. والله تعالى أعلم.
إذا أغمي على المؤذن أثناء الأذان. هل يكمل عنه الأذان؟ في هذه الحالة يعاد الأذان من أوله. والله أعلم.
هل يجوز للمؤذن أن يؤذن بدون وضوء ثم يتوضأ بعد الأذان؟
لا مانع من ذلك. والله أعلم.
ما حكم الأذان عند الخسوف والكسوف؟
هو بدعة، وإنما المشروع الصلاة، وأن يقال الصلاة جامعة). والله أعلم.
لو أقام رجل للصلاة ثم تكلم بعد الإقامة فهل يؤثر ذلك على الإقامة بشيء؟ التكلم بعد الإقامة لا يؤثر على الصلاة ولا على الإقامة شيئاً. والله أعلم. إذا تأخر المؤذن عن الأذان بربع ساعة أو أكثر، فهل يستخدم مكبر
الصوت أو يؤذن بصوت منخفض؟
لا مانع من رفع الصوت بالأذان ولو تأخر أذانه عن أول الوقت. والله أعلم. هل على المرأة أن تقيم الصلاة؟
الأذان والإقامة خاصان بالرجال دون النساء، فعلى المرأة أن تصلي وليس عليها أن تقيم للصلاة. والله أعلم. (1/52)
صفحة 53
فتاوى الصلاة
53
ذلك في
جماعة مسافرون دخلوا مسجداً لأداء الصلاة، وقد أقيمت الصلاة المسجد فهل يلزم هؤلاء المسافرين أن يؤذنوا للصلاة أم يكتفوا بالأذان
الأول؟
لا يلزمهم
أذان آخر، وإن أذنوا فلا حرج عليهم. والله أعلم.
ما حكم الصلاة إذا كان المؤذن أو المقيم مسبلاً؟
لا يؤثر ذلك في الصلاة، وغيره أولى. والله أعلم.
فيمن يؤذن للصلاة وهو ابن عشر سنين فهل في ذلك حرج؟ بما أنه مميز فلا حرج في ذلك. والله أعلم.
هل يجوز أخذ الأجرة على الأذان وعلى الصلاة؟
هما، عبادة ولا أجرة على العبادة من قبل الناس، وإنما له أن يأخذ ما خصص للمؤذن أو الإمام من الوقف أو بيت المال. والله أعلم.
هل يصح الأذان بالنعال إذا كان ذلك في صرح المسجد؟
لا حرج في ذلك. والله أعلم.
ما قولكم في مؤذن نقص من أذانه (أشهد أن محمداً رسول الله»، وعندما نبهه الجماعة بعد الأذان أصر أنه لم ينقص شيئاً منه، بل حتى لو لم
ينطق بذلك فأذانه تام على زعمه أرجو أن تبينوا لنا الحق في هذا؟
على المؤذن أن لا يصر على موقفه إن أخطأ، فإن الرجوع إلى الحق فضيلة والإصرار على الباطل، رذيلة، وإن أصر فإن لم يكن أحد في البلد أذن غيره فليعيدوا الأذان، وإلا اكتفوا بأذان من أذن أذاناً كاملاً في البلد. والله أعلم. (1/53)
صفحة 54
54
الفَتَاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
هل يجوز للمقيم أن يلتفت عن يمينه وشماله إذا قال
حي على الفلاح»؟
نعم
«حي على
الصلاة
ذلك جائز، فإن حركته هذه إنما هي قبل الصلاة وليس داخلها فإن الدخول في الصلاة بالإحرام. والله أعلم.
عند إقامة الصلاة هل الأولى الاستمرار في التكابير بحيث تكون متتالية
أم الأولى أن يفصل بين كل تكبيرتين؟
الاستمرار أولى. والله أعلم. (1/54)
صفحة 55
النية والتوجيه
فتاوى الصلاة
55
هل تجزئ في الصلاة نية واحدة؟ ومتى يؤتى بها قبل التوجيه أم بعده؟ ألفاظ النية غير واجبة مطلقاً، وإنما الواجب نفس النية وهي قصد القلب وإرادة وجه الله تعالى بالعمل، وإنما استحب بعض العلماء تأكيد ذلك باللفظ للاستحضار، ولم ترد بذلك سنة. والأولى عدم الفصل بين التوجيه والإحرام بمثل هذه الألفاظ. والله أعلم.
ما حكم التوجيه قبل الفرائض والسنن هل هو واجب أم سنة؟ التوجيه قبل الإحرام مما اتفق عليه عندنا لحديث جاء من طريق عائشة انا واختلف فيه هل هو واجب أو سنة مؤكدة أو نفل (2)، ولا فرق فيه بين السنن والفرائض إلا من حيث تأكيده في الفرض. والله أعلم.
ما الدليل على أن التوجيه قبل تكبيرة الإحرام؟
الدليل على أن التوجيه قبل الإحرام ما رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني والحاكم عن عائشة لها أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا استفتح الصلاة قال: «سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، وروى الدارقطني مثله من رواية أنس. ورواه الخمسة من حديث أبي سعيد، وروى مسلم في صحيحه عن عمر الله كان يجهر بهذه الكلمات، وروى سعيد بن منصور عن أبي بكر أنه كان يستفتح بها، وروى مثله الدارقطني
(1) قول السائل: (نية واحدة بناءً على ما اعتاده كثير من الناس من التلفظ بالنية مرتين مرة قبل التوجيه ومرة بعده. (2) بعد مراجعة فضيلة الشيخ ذكر أن القول الراجح عنده في حكم التوجيه أنه سنة مؤكدة. (1/55)
صفحة 56
56
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
عن عثمان، وابن المنذر عن ابن مسعود، ومن حيث إن تحريم الصلاة التكبير حمل أصحابنا - رحمهم الله ـ هذه الروايات على ما قبل الإحرام، إذ
لو كان التكبير سابقاً عليها لما صدق أن الاستفتاح بها. والله أعلم.
بتوجيه
فضيلة الشيخ مما تعلمناه وجرى به العمل عندنا أن نأتي أولاً نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ثم نأتي بتوجيه النبي إبراهيم علي فهل هذا هو الأفضل،
أو الأفضل أن نقدم توجيه النبي إبراهيم على توجيه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
الأجر؟
أفتنا ولكم التوجيه المشروع هو توجيه نبينا محمد الثبتوته في الأحاديث، وإنما يضم إليه توجيه أبينا إبراهيم استحبابا، ولا ضير إن تقدم أو تأخر. والله أعلم. هل يجوز ترك التوجيه؟
التوجيه من سنن الصلاة التي لا يجوز تعمد تركها. والله أعلم.
فيمن أم جماعة للصلاة ونسي استحضار النية وتذكرها أثناء الصلاة،
فماذا عليه؟
بما أنه تقدم ليؤم الناس فلا ريب أنه مستحضر لنية الإمامة وكفى. والله أعلم.
هل التوجيه للفريضة دون السنة أم فيهما معاً؟
بل فيهما معاً. والله أعلم.
هل يلزم التوجيه عند القيام للصلاة، وهل يجوز الدعاء في سجود
الفريضة؟
التوجيه من السنة، ولا يجوز الدعاء في الفريضة في السجود. والله أعلم. (1/56)
صفحة 57
فتاوى الصلاة
OV
هل تكبيرة الإحرام قبل التوجيه أم بعده؟
الإحرام بعد التوجيه إذ لا كلام بعد الإحرام إلا المأثور. والله أعلم.
ما قولكم في جواز التلفظ بنية الصلاة لأجل تأكيد نية القلب؟ لا يترتب على من فعل ذلك عقاب بشرط أن لا يعتقد وجوبه، وأن لا يخطئ من لم يفعل كفعله، وأن يجعل النطق وسيلة للاستحضار بالقلب لا نفس النية. والله أعلم.
شخص يصلي بالناس ويقول بدلاً من «الله أكبر»: «الله اكبر» والثانية «الله وأكبر فما قولكم في ذلك؟
إن كان المراد في الأولى أنه يسقط الهمزة من لفظ الجلالة أو من أكبر فإن ذلك مع العمد مبطل للصلاة، ولا يعذر الجاهل في ترك تعلم الصواب ومثله زيادة الواو بين لفظ الجلالة ولفظة أكبر، ولا يجوز تقديم إمام يرتكب هذا الغلط. والله أعلم. (1/57)
صفحة 58
??
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
الاستعاذة والقيام للصلاة:
هل تشرع الاستعاذة عند القراءة في صلوات السنن والنوافل، أو هي مشروعة عند القراءة في الفرائض فقط؟
ليست الاستعاذة مقصورة على صلاة الفريضة كما أن القراءة في الصلاة ليست قاصرة على الفرض، والله تعالى يقول: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْهَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ} [النحل: 98].
فالآية تبين مشروعية الاستعاذة عند كل قراءة في صلاة أو غيرها.
والله أعلم.
هل تجب الاستعاذة في كل ركعة من ركعات الصلاة؟
القول المتفق عليه في المذهب أن الاستعاذة إنما هي في الركعة الأولى من الصلاة، ولا استعاذة في سائر الركعات.
ما قولكم في رجل يصلي جالساً وسط الصف وهو يستطيع المشي لمسافة ثلاثة كيلومترات فهل يجوز له ذلك؟
لا يصلي قاعداً إلا العاجز عن القيام، فإن القيام من أركان الصلاة لا يسقط إلا بالعجز عنه، ومن يمشي هذه المسافة غير عاجز عن القيام للصلاة، فلا تقبل منه صلاته قاعداً. والله أعلم.
فيمن عجز عن الكلام بسبب مرض مزمن فكيف تكون صلاته وصيامه؟ عليه أن يكيف الصلاة بقلبه، وأن يأتي بما قدر عليه من ركوعها وسجودها وقيامها وقعودها وما عجز عنه فهو معفو عنه، ويلزمه الصيام - إن (1/58)
صفحة 59
فتاوى الصلاة
59
كان قادراً عليه، وإن كان غير قادر فليطعم عن كل يوم مسكيناً، هذا إن كان عقله سليماً وإن فقد العقل سقط عنه التكليف. والله أعلم.
أهله أو يمسح
ما الحكم إذا كان الإنسان مريضاً، ولا يستطيع أن يصلي قائماً ولا قاعداً بل يصلي مضطجعاً؟ ولا يستطيع الوضوء إلا بلفظ من عليه أحد منهم، وهو يتلفظ بالنية والدعاء ومضت عليه أيام على هذا الحال فماذا عليه؟
الوضوء لا يشترط له التلفظ بالنية ولا بالدعاء، وإنما يكفي ذكر اسم الله تعالى أوله - أي أول الوضوء ـ، ومن عجز عن إقام الصلاة فليصلها كما 6 - ، أمكنه، سواء قاعداً أو مضطجعاً أو على أي حال، ولا يكلفه الله ما لا طاقة له
به لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]. والله أعلم. (1/59)
صفحة 60
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
القراءة:
هل يجوز التنكيس في قراءة القرآن في الصلاة، أي هل يجوز أن يقرأ المصلي - إماماً كان أو منفرداً ـ في الركعة الأولى سورة من قصار السور ثم يقرأ في الركعة الثانية آيات من سورة البقرة كآية الكرسي أو أواخر السورة ثم يقرأ سورة الإخلاص، فهل هذه الطريقة صحيحة أو يجب عليه الترتيب كما ورد في المصحف؟
الأولى في قراءة الصلاة أن يلتزم فيها المصلي إماماً كان أو منفرداً الترتيب المصحفي، بحيث لا يقرأ في الركعة الأولى من أواخر القرآن ثم يقرأ في الثانية من أوله أو وسطه، وإنما قلت إن ذلك هو الأولى للخروج من الخلاف والعمل بالمجمع عليه، وإن كان جواز خلافه هو الأصح، ولأن في العمل بخلافه إحراجاً للمأمومين الذين يرون وجوب التزام الترتيب. والله أعلم.
ذكرتم سماحتكم بأن جواز التنكيس في قراءة القرآن في الصلاة هو الأصح. فهلا تكرمتم علينا بتوضيح ذلك بالدليل؟
لقد أخرج الترمذي عن أنس له قال: كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، فكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح بـ: «قل هو الله أحد» حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، فكان ذلك يصنع في كل ركعة، فلما أتاهم النبي أخبروه الخبر، فقال: «وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة قال: إني أحبها. قال: «حبك إياها أدخلك الجنة». قال الترمذي حسن صحيح غريب. وأخرجه البزار والبيهقي والطبراني. وأخرجه البخاري بمعناه تعليقاً. (1/60)
صفحة 61
فتاوى الصلاة
1 ?
وعن حذيفة قال: صليت مع النبي ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت يركع عند المائة ثم مضى، فقلت يصلي بها في ركعة فمضى فقلت يركع بها فمضى، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها مترسلاً .. الحديث. إذ لا يعقل أن يلتزم من كان يواظب على قراءة الإخلاص قراءة المعوذتين بعدها في كل مرة وسورة آل عمران سابقة في الترتيب على سورة النساء، وقد قرأها
رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد النساء في نفس الركعة حسبما رواه حذيفة. والله أعلم.
لا
هل هناك آيات من القرآن الكريم ورد فيها نهي عن قراءتها في الصلاة؟ يمنع من قراءة شيء من القرآن في الصلاة، لعموم قوله تعالى: فَأَقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: (20) وهذا مما لا خلاف فيه. والله أعلم.
ما الدليل على عدم مشروعية قراءة شيء من القرآن بعد قراءة الفاتحة في صلاتي الظهر والعصر؟
دليل أصحابنا في عدم قراءة ما عدا الفاتحة في الظهرين حديث ابن عباس الذي رواه أبو داود والنسائي وأحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقرأ فيها، ويعتضد ذلك بالقياس على سائر الركعات السرية التي إلّا يقرأ فيها لا بفاتحة الكتاب، كما يؤيده أن السورة شرع لها الإنصات من قبل المأموم ويتعذر الإنصات لما يسر به). والله أعلم.
هل تجوز القراءة في الصلاة بالقراءات السبع؟
تجوز الصلاة بالقراءات السبع لشهرتها بل وبسائر العشر لصحة أسانيدها وموافقتها المصحف الإمام المجمع عليه). والله أعلم.
(1) بسط سماحة الشيخ الكلام عن هذه المسألة في رسالة خاصة بعنوان «حكم قراءة السورة في قراءة السر» وهي ملحقة في آخر هذا الكتاب.
(2) هو مصحف عثمان الذي أجمعت عليه الأمة. (1/61)
صفحة 62
62
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
ما حكم
الصلاة مع وجود لحن جلي أو خفي في القراءة؟
على المصلي أن يتجنب اللحن الجلي والخفي)، وأن يتعلم النطق السليم بالحروف وأشكالها، وإذا أدى اللحن إلى فساد المعنى بطلت الصلاة ولو لم يتعمده المصلي. والله أعلم.
هل ترك كلمة أو آية أثناء القراءة في الصلاة والانتقال إلى آية أخرى يؤثر في صحة الصلاة؟
إن كان ذلك غير عمد وكان غير مخل بمعنى الآية أو الآيات، فلا حرج عليه في صلاته. والله أعلم.
ما حكم قراءة البسملة قبل الفاتحة في الصلاة؟ وهل هي من القرآن وما الأدلة على ذلك؟ مذهبنا أن البسملة (2) جزء من الفاتحة بل آية منها ولا بد من جهر الإمام بها، وهو مذهب الشافعية، وذهب إلى عدم الجهر بها الحنفية والحنابلة، ومذهب المالكية أو أكثرهم عدم مشروعية قراءتها، وقولنا هو الذي الأدلة من السنة الثابتة كما يؤيده المصحف العثماني المجمع عليه.
تؤيده
والله أعلم.
كيف تكون قراءة المأموم للفاتحة هل يسبق إمامه ثم يستمع أم عليه أن
يتابعه؟
يقرأ المأموم الفاتحة خلف الإمام من غير أن يسبق الإمام، وإنما يتابعه
في القراءة. والله أعلم.
(1) الجلي الظاهر الفاحش الخفي: المستتر الذي لا.
يتنبه له.
(2) ينظر تفصيل ذلك: جواهر التفسير جـ 1 ص 182 وما بعدها. (1/62)
صفحة 63
فتاوى الصلاة
63
هل يجوز قراءة «يهدنا» بدلاً من «أهدنا» وهل يصح الائتمام بمن هذه
قراءته؟
لا تجوز قراءة «يهدنا» بدلاً من «أهدنا ومن أصر على هذه القراءة فصلاته باطلة، ولا يجوز الائتمام به. والله أعلم.
المسألة
لقد أطلعنا على مسألة من كتاب قاموس الشريعة عن الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي الله ونود رأيكم فيها مع الدليل، وهي جواز إبدال حروف القرآن الكريم وقراءتها بالعكس على ما ذكر في أو على عدم الجواز؟ فكثير من الإخوة يتلون الفاتحة الشريفة على هذا الأسلوب، ويقولون هذه الطريقة تفتح حالة الأقفال في عدم وجود المفاتيح، ولها رياضة بهذه الطريقة أيضاً استناداً على هذه المسألة، وعلى ما ورد في ذلك من كتب الأسرار؟
تلاوة القرآن توقيفية لا مجال للرأي والنظر فيها، ولذلك لا يسوغ فيها التقديم والتأخير والزيادة، والحذف وعليه فإن عكس سورة من سوره ـ لا سيما أم الكتاب ـ لا أرى له وجهاً، فإن ذلك يخرج آيات الكتاب عن كونها بلسان عربي مبين ـ كما وصفه الله ـ إلى كلام ليس له معنى، وإن كان له معنى فهو لا يتفق مع معاني القرآن الكريم من قريب ولا بعيد وهذا هو عين التحريف الذي عيب في الكتاب على أهل الكتاب فمالنا وله؟ على أنه ربما صادف. .مع العكس ـ معنى باطلاً لا يليق بقدسية القرآن الذي وصفه الله بقوله: {لَا يَأْتِيهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} [فصلت: 42] وما استدل به الشيخ ابن أبي نبهان على الجواز لا دليل فيه أما أولاً فقد وهم في القصة إذ نسب ذلك إلى النبي الله وإنما هذه قصة وقعت لعبد الله بن رواحة له عندما شاهدته (1/63)
صفحة 64
64
فإنني
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
أن
امرأته يواقع إحدى جواريه فأنكر ذلك، فطالبته بقراءة القرآن، فتلا عليها أبيات ذكر فيها بعض ما جاء في الكتاب من وصف الله وعجل بالمعنى، وقد أراد بذلك إيهامها أنه تلا قرآناً وما هو بقرآن، ولم يقصد قلب ألفاظ القرآن، وأما ثانياً فإن أبيات عبد الله بن رواحة ذات معنى هو حق في ذاته بخلاف تلاوة الفاتحة أو غيرها بعكس ترتيب حروفها، وأما ثالثاً: أستبعد صحة هذه القصة نفسها وذلك لأمرين أولهما: أنه يبعد على امرأة عربية مسلمة في الرعيل الأول وقد طبعت على اللسان العربي لا تفرق بين الشعر والقرآن وهل كان إيمانها بالإسلام إلا نتيجة إدراكها لمعجزة القرآن؟ ثانيهما: أنه لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقر عبد الله بن رواحة على الكذب، إذ جاء في قصته المروية أنه أنكر وطء الجارية، وأقره على تحايله في الإنكار، ونسب ابنة عمه إلى الفقه، وبالجملة فإن هذه الرواية بحاجة إلى مراجعة أسانيدها وتأمل مدلولها ولم أتفرغ لذلك الآن، فاكتفيت بهذا القدر. والله أعلم.
نرجو أن تبسطوا لنا القول في مسألة قراءة «مالك» في قوله تعالى: مَلِكِ يَوْمِ الدِّين وأي القراءتين أفصل بالألف أم بدونها؟ وما الدليل
الذي
اعتمد عليه صاحب كل قول؟ وما هو الراجح عندكم؟
اعلم أن من اختار قراءة من القراءات السبع فقرأ بها في الصلاة أو خارجها لم ينكر ذلك عليه، ولا يكون ذلك مخلاً بصلاته لشهرة هذه القراءات وصحة أسانيدها وتلقي الأمة لها بالقبول، إلا من شذ، ولم يكن خلافه مخلاً بما انعقد عليه الإجماع، وقد أفردت مؤلفات خاصة بهذه القراءات كما فعل ذلك الإمام الشاطبي في منظومته، وألحق جماعة من أهل العلم - من بينهم الإمام الجزري - بها بقية القراءات العشر، وعليه فما زاد (1/64)
صفحة 65
فتاوى الصلاة
65
على السبع من قراءات الثلاثة القراء الذين هم بقية العشرة المشهورين له نفس الحكم من جواز القراءة في الصلاة وغيرها، ومما لا خلاف فيه بين أهل العلم أن قراءتي «مالك» و «ملك» في الفاتحة قراءتان سبعيتان متواترتان، فبالمد قرأ عاصم والكسائي من السبعة ويعقوب وخلف ـ في مختاره ـ من بقية العشرة، وقرأ سائرهم بعدمه، وعزا جماعة من المحدثين والمفسرين كل واحدة من القراءتين إلى عدد من الصحابة والتابعين كما بينته في «جواهر التفسير» بتفصيل لا يحتمله المقام. ولئن كانت القراءتان متواترتين فلا داعي إلى المفاضلة بينهما، لأن كل واحدة منهما حق لا يحتمل الباطل وصواب لا يشوبه الخطأ، لذلك عدلت عن الخوض في ترجيح إحدى القراءتين - وإن اقتحم لجة هذا الأمر جماعة من العلماء المحققين ـ وما أراهم إلا أنهم اعتنوا بما لا طائل تحته إلا الإطالة في البحث ـ ولا بأس بإيراد ملخص ما جاءوا به مع اختلافهم في ذلك إلى مذهبين فريق ذهب إلى ترجيح قراءة «مالك» بدون ألف، ومن هؤلاء المبرد وأبو عبيد من علماء العربية، وطائفة من المفسرين كابن جرير الطبري والزمخشري والسيد الجرجاني والقرطبي وقطب الأئمة والإمام أبي نبهان والسيد محمد رشيد رضا، وفريق آخر ذهب إلى ترجيح قراءة «مالك ومن هؤلاء أبو حاتم وابن العربي وابن عطية والشوكاني والإمام محمد عبده.
احتج الفريق الأول وهم المرجحون لقراءة «ملك» بدون ألف بما يلي: أن قراءة «ملك» هي قراءة أهل الحرمين وهم أجدر بالاتباع، إذ هم
أحرى أن يقرأوا القرآن غضاً طرياً كما أنزل.
واعترض بأن قراءة أهل الحرمين لا تدل على الرجحان، لأنه لو سلم أن أوائلهم أعلم بالقرآن لم يسلم ذلك في عهد القراء المشهورين، ثم إنه (1/65)
صفحة 66
? ?
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
لا فارق بين القراءة والرواية، مع أنه مما اتفق عليه المحدثون وغيرهم صحيح البخاري مقدم على موطأ مالك أن مالكاً مع
أن
هو عالم المدينة، على
هي
أن كلت القراءتين متواترتان كما سبق، وبعد التواتر المفيد للقطع لا يلتفت إلى أصول الرواة. وقول بعضهم: لا يخفى أن أهل الحرمين قديماً وحديثاً أعلم بالقرآن والأحكام، غير مسلم، إذ لو كان كذلك لقدمت روايتهم على كل رواية، وكان رأيهم أولى بالاعتبار دون أي رأي على أنه سبقت الإشارة بأن الروايات التي نقلها المحدثون وأثبتها المفسرون تفيد أن قراءة «مالك» قراءة كثير من أكابر الصحابة - رضوان الله عليهم - بل هي معزوة إلى العشرة السابقين منهم، وقد بسطت ذلك في جواهر التفسير. 2 - أن قراءة «ملك» تعتضد بقوله تعالى - في وصف يوم الدين ـ {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) [غافر: 16]. واعترض بأن ذلك يمنعه قوله سبحانه: {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسُ لِنَفْسٍ شَيْئًا) [الانفطار: 19] وهو وصف لذلك اليوم نفسه، ونفي المالكية عن غيره يقتضي إثباتها له لأن السياق لبيان عظمته تعالى، ويعضده قوله إثره وَالْأَمْرُ يَوْمَيذٍ للَّهِ} [الإنفطار: 19] إذ المقصود بالأمر واحد الأمور لا الأوامر. 3 ـ أن قراءة «ملك» تنطبق مع قوله تعالى: {مَلِكِ النَّاسِ} [الناس: 2]
وهو في سورة الناس التي هي آخر القرآن ترتيباً.
واعترض بأن ما في سورة الناس يختلف عما في سورة الفاتحة، لأنه لو قرئ هنالك «مالك الناس لتكرر معناه مع ما في {بِرَبِّ النَّاسِ} [الناس: 1] وأما هنا فلا تكرار لاختلاف المقام (1/66)
صفحة 67
فتاوى الصلاة
67
4 ـ أن نفوذ الملك أعم من نفوذ المالك.
واعترض بأن ذلك غير مسلم، بل بينهما العموم الوجهي، وذلك ظاهر في الملك الذي يشمل سلطانه مدينة فيها كثير من الناس والممتلكات ولكن لا ملك - بالكسر - له فيها فهو ملك غير مالك بالنسبة إليها، وأصحاب الملك - بالكسر - هم الذين يتصرفون فيما يملكون دونه.
ه ـ أنه يلزم على قراءة «مالك» نوع تكرار لأنه بمعنى الرب. واعترض بأن دعوى التكرار مدفوعة لأن كل واحد من الوصفين أضيف إلى ما لم يضف إليه الأخر فاستقل كل منهما بفائدة على أنها لو سلمت فهي لا زمة على قراءة «ملك»، بناء على ما ذكره الجوهري من تفسير الرب بالملك ومن شواهده قوله النابغة:
تخب إلى النعمان حتى تناله فدى لك من رب تليدي وطارفي
وقول الآخر:
وكنت امرأ أفضت إليك ربابتي
فضعت وقبلك ربتني
ربوب
6 ـ أن الله سبحانه وصف ذاته بالملك ممتدحاً بذلك في قول مَلِكَ الْمُلْكِ} [آل عمران: 26] والمَلِك متصرف المُلك - بالضم ـ بخلاف المالك فأنه من الملك - بالكسر، واعترض بأن قوله تعالى مَلِكَ الْمُلْكِ أدل على المالكية منه على الملكية فإن إضافة مالك إلى الملك تدل على أن المالك
أبلغ من الملك، لأن الملك - بالضم - هو مما اشتملت عليه مالكيته.
واحتج الفريق الثاني - وهم المرجحون لقراءة «مالك» بما يلي: 1 ـ أن في قراءة «مالك» حرفاً زائداً، ولكل حرف في التلاوة عشر حسنات، فقد أخرج البخاري في تاريخه والترمذي والحاكم ـ وصححاه ـ (1/67)
صفحة 68
الفاوي
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
عن ابن مسعود ه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها ... » وهو يفيد أن قراءة «مالك» أكثر ثواباً.
2 - أن المالك أقوى تصرفاً في ملکه الملك ملكه، لأن الملك من في هو الذي يدير شؤون رعيته العامة ولا تصرف له بشيء من شؤونهم،
الخاصة،
قال الإمام محمد عبده (وإنما تظهر هذه التفرقة في عبد مملوك في مملكة لها سلطان فلا ريب أن مالكه هو الذي يتولى جميع شؤونه دون السلطان). 3 ـ أن المَلِك مَلِك للرعية والمالك مالك للعبيد، والعبد أدون حالاً من الرعية فوجب أن يكون المالك أعلى حالاً من الملك.
ـ أن الرعية بإمكانهم التخلص عن كونهم رعية ملكيهم باختيارهم أنفسهم وذلك بانتقالهم عن مملكته إلى مملكة أخرى وانتمائهم إلى جنسية سياسية غير جنسيتهم السابقة، وهو متعذر في المملوك فلا يمكنه إخراج نفسه أن يكون مملوكاً لمالكه وهو يدل على أن القهر في المالكية أكثر منه
في
الملكية.
ه ـ أن المملوك مطالب بخدمة المالك وليس له أن يستقبل بأمره دونه، ولا يجب على الرعية خدمة الملك، وهو دليل على أن الانقياد والخضوع في المملوكين أبلغ منهما في الرعايا.
6 ـ أن المالك له الحق في بيع مملوكه ورهنه بخلاف الملك، فلا يحق له بيع رعيته.
ـ أن المالك يضاف إلى العاقل وغيره فيقال مالك الناس والدواب والشجر والأرض والمتاع، وأما الملك فلا يضاف إلا إلى العقلاء كالناس، اللهم إلا أن يكون على طريق المجاز، وهو دليل بارز على أن المالكية (1/68)
صفحة 69
فتاوى الصلاة
79
أبلغ في السلطة وأقوى في النفوذ، فإن للعقلاء حرية في التصرف والاختيار ليست لغيرهم، فضلاً عما يفيده الشمول من عمق المعنى.
هذا ولا أظنك مع أقل نظرة وإمعان تخفى عليك قوة الوجوه التي رجحت بها قراءة «مالك» على الوجوه التي تقابلها، فقد شاهدت كيف أخذت تلك الوجوه التي رجحت بها قراءة «ملك» تتساقط أمام الاعتراضات التي وجهت إليها حتى لم يبق منها وجه سالم من الاعتراض، بينما ظلت هذه الوجوه شامخة الأنوف لم يحم حولها أي اعتراض، ومع ذلك كله فإني لا أجد داعياً إلى كل هذا البحث كما أسلفت من رأيي، إذ إن القراءتين متواترتان صحيحتان بالإجماع، وقد قرأ بكل واحدة منهما من قرأ بها من القراء المجمع على صحة قراءتهم وجواز الصلاة بها على أن أي قارئ أخذ يقرأ بإحدى القراءات السبع أو العشر كان عليه أن يراعي جميع مفرداتها، وأن يحافظ على كيفية أدائها، ليكون قد وفاها حقوقها، فمن كان يقرأ بقراءة نافع مثلاً ـ كما هو المتبع هو المتبع عند أهل المغرب سواء اعتمد رواية ورش أم قالون - فمن حقه أن يقرأ «ملك» بدون مد، وهكذا لو قرأ بقراءة أبي عمرو أو ابن عامر أو حمزة أو ابن كثير، أما إن كان يقرأ بقراءة عاصم كما هو المتبع في بلاد المشرق - ومن بينها بلادنا عُمان ـ فليقرأ «مالك» بالمد المتكون من حركتين حتى لا يشذ عن القراءة التي انتهجها، أما أن يقرأ بقراءة أحد القراء ثم يأخذ ينتقي بعض الحروف من القراءات الأخرى فهو مما لا يقر عند علماء المقارئ فقد ذكروا فيمن أراد أن يقرأ بأكثر من قراءة ثلاثة أوجه:
أولها أن يقرأ القرآن كله بإحدى القراءات مع مراعاة ما تستلزمه، فإذا فرغ بدأ في تلاوته بقراءة أخرى حتى يأتي على جميع القراءات السبع أو العشر أو ما أراده منها. (1/69)
صفحة 70
70
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
ثانيها: أن يقرأ السورة بقراءة أحد القراء، فإذا فرغ منها أعادها بما يريد القراءة به من القراءات وهكذا حتى يختم القرآن كله.
ثالثها: أن يكرر الآيات آية آية كل آية يقرأها بكل ما يريد القراءة به من
القراءات السبع أو العشر، وهكذا يصنع في جميع القرآن. أما أن يخلط ما بين القراءات في التلاوة الواحدة، بحيث يقرأ هنا بقراءة عاصم مثلاً، ويقرأ هناك بقراءة الكسائي أو حمزة أو نافع أو أبي عمرو أو ابن عامر أو ابن كثير أو أبي جعفر أو خلف أو يعقوب فذلك مما لا يقر عند ذوي الاختصاص بعلوم القراءات، لأنه يؤدي إلى عدم انضباط التلاوة، بل يؤدي إلى أن تتعدد القراءات إلى أن تفوت الحصر، وبما أنك كسائر أهل عُمان تتلو القرآن برواية حفص عن عاصم اتباعاً لما في المصاحف المنتشرة بيننا أرشدتك إلى أن تلتزم ذلك في قراءة مَلِكِ يوم الدين} [الفاتحة: 4] لئلا تشذ عن النهج المتبع عند القراء. أما لو علمتك تتلو بقراءة نافع مثلاً كما هو الحال في بلاد المغرب - لنصحتك أن لا تقرأ إلا «ملك» بدون مد لتكون غير خارج عن قراءة نافع، ولكن أنى لك بقراءة نافع، وهي من حيث الأداء تختلف عما ألفناه، ففيها تفخيم اللام في نحو الصلاة، وضم ميم الجمع إن وليتها همزة كما في قوله تعالى: {يَتْلُوا عَلَيْهِمْ وَايَتِهِ) [آل عمران: 164]، وتشديد ذال يكذبون في قوله تعالى {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [البقرة: (10) بدلاً من التخفيف الذي نقرأ به وضم سين سد في قوله حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ} [الكهف: (93]، وكذلك قوله: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سدًا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا} [يس: (9) بدلاً من فتحها في قراءتنا، وكذلك قرأ «فدية طعم مساكين بالجمع بدلاً من «مسكين» بالإفراد في قراءتنا، وبتشديد الدال «عدلك من قوله تعالى الَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّنَكَ فَعَدَلَكَ} [الانفطار: 7] وقراءتنا بالتخفيف، وقرأ أيضاً نشرا - بالنون من الباء - في قوله عن {وَهُوَ الَّذِى
في (1/70)
صفحة 71
فتاوى الصلاة
71
يُرْسِلُ الرِّيحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَى رَحْمَتِهِ} (الاعراف: 57] ومثل هذا كثير. هذا وقد أسفت أن وجدت أكثر أهل عُمان فيما مضى لم يلتزموا قراءة قارئ معين في جميع القرآن إذ كانوا يقرأون ملك يوم الدين بقصر الميم من ملك، مع أن تلاوتهم في سائر القرآن بقراءة عاصم المتبعة عند أهل المشرق، ومما يقرب من ذلك عدم التزامهم رواية حفص عن عاصم في موضع آخر وهو واو «كفواً فإنهم يهمزونها فيقرأونها «كفؤا»، ولا ريب أن في قراءتها ثلاثة أوجه: ضم الكاف والفاء مع الهمزة في آخره، وبه قرأ نافع وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر، إلا أن أبا جعفر سهل الهمزة، وقرأها الباقون بالتحقيق مع اختلاف في الروايات عنهم أو عن بعضهم. وضم الكاف مع إسكان الفاء والهمزة وهي قراءة حمزة ويعقوب وبضمها مع إبدال الهمزة واواً وهي قراءة حفص عن عاصم. وبما أننا نلتزم في سائر القرآن رواية حفص عن شيخه عاصم بن أبي النجود لا ينبغي لنا العدول عن ذلك، هذا ما أردت بيانه والله ولي التوفيق وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
فيمن شك في قراءة الفاتحة بعدما جاوز موضعها فرجع إليها، وقرأها فهل تبطل صلاته؟
بعد أن تجاوز موضع العمل لا يرجع إليه من أجل الشك فيه، فمن جاوز موضع قراءة الفاتحة لا يجوز له أن يرجع إليها فيقرأها بسبب الشك فيها، فإن فعل ذلك بطلت صلاته، وإذا صلى فخرج من الصلاة ثم شك في شيء ولم يتيقن تركه فإن عليه أن يكتفي بتلك الصلاة، وليس عليه أن يعيدها. والله أعلم.
ما قولكم فيمن يقول بأن الإمام يحمل عن المأموم قراءة الفاتحة إذا أدركه في الركوع الأول؟ هو قول مرجوح، للأدلة الكثيرة الدالة على أن لا صلاة لمن لم يقرأ (1/71)
صفحة 72
72
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
بفاتحة الكتاب في كل ركعة، وبهذا يتبين أن الراجح وجوب استدراكها على من فاتته وأن الإمام لا يحملها. والله أعلم.
ما حكم قراءة السورة بعد الفاتحة وهل القراءة ركن من الصلاة وواجب الاتيان بها؟
قراءة السورة أو ما تيسر من القرآن بعد الفاتحة الشريفة واجبة وليست بركن، إذ ليس كل واجب ركناً، ولذلك تجبر هذه القراءة إن نسيها بسجود السهو. أما الركن فلا يجبر بسجود السهو كالفاتحة مثلاً، فمن نسيها أعاد الصلاة، وأما تعمد ترك الواجب فتبطل به الصلاة. والله أعلم.
فيمن أم الناس في صلاة المغرب، ولما قام للركعة الثانية قرأ الاستعاذة جهراً فهل تفسد صلاته بذلك وماذا عليه أن يفعل؟
إن كان ساهياً فليسجد لسهوه، وإن كان متعمداً فليعد صلاته. والله أعلم.
ما قولكم فيمن أم قوماً فقرأ وفتحت السماء فكانت سرابا» بدلاً «أبواباً» فهل يؤثر ذلك في صلاته وصلاتهم؟
من
لا يؤثر غلطه ذلك في صلاته شيئاً إن لم يتعمده، وكذلك صلاة المأمومين. والله أعلم.
من
ما قولكم في الإمام إذا أحدث وهو يقرأ السورة واستخلف أحداً المأمومين فهل يقرأ من حيث وصل الإمام الأول أم يبدأ من أول السورة؟ يبدأ من حيث وصل الإمام. والله أعلم. (1/72)
صفحة 73
فتاوى الصلاة
73
الركوع والسجود والتشهد والتسليم:
ما حكم من لم يقم الركوع والسجود في الصلاة؟
جاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم لا صلاة لمن لا يقيم صلبه في ركوعه وسجوده»، وفي حديث المسيء صلاته أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يركع حتى يطمئن راكعاً، وأن يسجد حتى يطمئن ساجداً، وعليه فمن لا يتم ركوعه وسجوده بالطمأنينة فصلاته باطلة. والله أعلم.
هل تجوز الزيادة في الركوع والسجود؟
أما زيادة الركوع أو السجود في الصلاة عما شرع فلا، وأما زيادة التسبيح فيهما على الثلاث فلا مانع منه. والله أعلم.
إذا كان الإمام يطيل في الركوع والسجود، فهل يصح للمأموم أن يزيد في التسبيح عن ثلاث مرات؟
لا مانع من ذلك، وإنما الثلاث هي أقل ما يجزئ، كما يفيد حديث أخرجه النسائي، وعليه العلامة نور الدين السالمي الله في جوهر النظام
حيث قال:
أقل ما يجزي من التسبيح ثلاث مرات على الصحيح
والله أعلم.
ماذا تقول فيمن يصلي ويضع كفيه على نصف ساقيه عند ركوعه ـ أي تحت ركبته، وقد أمر أن يضع كفيه على ركبتيه، أتنتقض صلاته أم لا؟ إذا سوى ظهره معتدلاً فصلاته تامة. لعل له عذراً في عدم جعل يديه بركبته عند الركوع، فله عذره. والله أعلم. (1/73)
صفحة 74
74
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
عند القيام من الركوع هل يقال شيء بعد قوله (سمع الله لمن حمده ربنا
ولك الحمد)؟
نعم، يجوز بل يستحب أن يقال بعد ذلك: حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه).
والله أعلم. هل يجوز للمصلي بعد قوله (سمع الله لم حمده) أن يقول (ربنا ولك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك)؟
الأولى أن يقول (ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى)، حسبما جاء به الحديث. والله أعلم.
ما حكم السجود الذي يأتي به كثير من الناس عقب فريضتي الظهر والعشاء وعقب سنة الفجر، علماً بأنهم يزعمون أن هذا مما عهدوه عن علمائنا السابقين؟
السجود بعد الفريضة لم تثبت فيه سنة قولية ولا فعلية عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا في حالة السهو في الصلاة، وإنما روي عن ابن عباس ما بغير إسناد متصل. وقد استحب جماعة من علمائنا السجود احتياطاً عن السهو وشكراً الله تعالى على إتمام الصلاة وذهب بعض علمائنا المتأخرين إلى ترك السجود مخافة أن يعتقده العوام من نفس الصلاة، وعلى هذا استقر العمل عندنا.
وقال سماحته في جواب آخر:
الرواية موقوفة على ابن عباس لا ذكرها أبو غانم العالى في المدونة بلا سند بلفظ من استطاع ألا يصلي صلاة إلا ويسجد بعدها سجدتين فليفعل»، وقول الصحابي إذا لم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون حجة إلا إذا أجمع (1/74)
صفحة 75
فتاوى الصلاة
Vo
الصحابة عليه. ولأجل ذلك كان عمل كثير من أصحابنا بالسجدتين على نية الشكر الله تعالى. والله أعلم.
ما قولكم في رجل قصد أحد الجوامع الكبيرة لتأدية فريضة من الفرائض، فوجد الجماعة يصلون، فدخل الجامع وهو مستقبل القبلة ووجه وأحرم واستعاذ وقرأ الفاتحة وهو يمشي ووصل صف الجماعة وهم يركعون، فركع حتى أتم صلاته. أصلاته تامة لأنه مشى لأجلها أم باطلة لأنه مشى بعد الإحرام؟
قد فعل ذلك أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (زادك الله حرصاً ولا تعد)، فالعودة إلى صنع ذلك مخالفة لنهي النبي صلى الله عليه وسلم، فمن صنع ذلك فصلاته باطلة، وعليه أن يعيدها. والله أعلم.
ما
هو الخشوع بالنسبة للصلاة؟ وكيف تكون القعدة الصحيحة للتشهد وفيما بين السجدتين؟
الخشوع روح الصلاة وحياتها، وهو تعظيم المقام واستحضار المقال فهو في القلب وأثره في الجوارح والقعدة الصحيحة في التشهد وفيما بين اعتدال الظهر من غير ميل إلى الأمام أو الوراء ويؤمر بنصب
السجدتين هي
يمناه وافتراش يسراه. والله أعلم.
أيهما أفضل: التسليم بلفظ السلام عليكم أم بلفظ سلام عليكم؟
الأولى: السلام عليكم بالتعريف. والله أعلم.
هل يجزي التسبيح في الركوع والسجود مرة واحدة فقط؟
قيل: يجزي مرة واحدة، والصحيح أن الثلاث هي أقل ما يجزي كما دل
عليه الحديث. والله أعلم. (1/75)
صفحة 76
76
الفَتَاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
إلى كم يمكن أن يسبح المصلي في الركوع والسجود؟
يمكن أن يزيد حتى إلى أكثر من عشر مرات، والإيتار أولى، فإن الله وتر يحب الوتر. والله أعلم.
هل يصح أن يقال في الركوع سبحان ربي العظيم العلي الكبير وبحمده»، وأن يقال في السجود «سبحان ربي الأعلى السميع العليم
وبحمده»؟
ينبغي الاقتصار على المأثور. والله أعلم.
هل السجود على إصبع أو إصبعين من أصابع القدم يجزي في السجود؟ أقل ما يؤمر به السجود على ثلاثة أصابع من كل رجل. والله أعلم. هل للمصلي أن يقتصر التشهد الأخير إلى عبده ورسوله» أم عليه الإتمام؟ الأفضل له إتمام التشهد، وإن اقتصر على الأول فلا حرج، لأن تلك الزيادة غير واجبة. والله أعلم.
ما هو الدعاء الذي يقال في التشهد الأخير من الصلاة؟ لا مانع من الدعاء بعد التشهد الأخير بأي شيء من خير الدنيا والآخرة ما لم يكن باطلاً، وخير الدعاء ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك: «اللهم أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال»، وفي بعض الروايات زيادة «ومن المأثم والمغرم». والله أعلم.
هل يقرأ دعاء التشهد في الصلاة الأولى عند الجمع بين الصلاتين؟ ذلك جائز. والله أعلم. (1/76)
صفحة 77
فتاوى الصلاة
VV
هل يصح الاكتفاء بتسبيحة واحدة في الركوع والسجود للمأموم إذا كان الإمام يتعجل في صلاته؟
الاكتفاء بتسبيحة واحدة إنما هو رأي لبعض أهل العلم، والراجح خلافه لدلالة الحديث أن أقل ما يجزي ثلاث تسبيحات فينبغي للمأموم أن يسبح
ثلاثاً ولو مع الاستعجال. والله أعلم.
ماذا يقول المصلي بين السجدتين في صلاة الفريضة؟
لا يقول في الفرض شيئاً. والله أعلم.
هل يقول المصلي حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه بعد قيامه من الركـ
نعم، يقول ذلك لورود السنة به. والله أعلم.
ما حكم من لا يلامس أنفه الأرض في سجوده؟
في ذلك خلاف، والأصح فساد صلاته إن لم يلحق أنفه الأرض قط في سجوده. والله أعلم.
ما حكم صلاة من ينقر في سجوده وركوعه؟
النقر في الصلاة غير جائز وهو مبطل لها، وعلى الناقر أن يعيدها. والله أعلم.
ما قولكم فيمن يقول في التشهد السلام على النبي» بصيغة الغيبة؟ ذلك جائز، وهو رأي ابن عباس الها وأخذ به أكثر أصحابنا ـ رحمهم تعالى .. والله أعلم.
هل يجوز الدعاء في سجود الفرائض؟
يجوز ذلك في النوافل لا في الفرائض. والله أعلم.
الله (1/77)
صفحة 78
78
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
أحكام الإمامة وصلاة الجماعة:
يوجد كثير من الناس يتصدرون لإمامة الناس في صلاة الجماعة، ولكنهم يجهلون شروطها، فهل لفضيلتكم أن توضحوا لنا أهم الشروط التي ينبغي توفرها في إمام الجماعة؟
ينبغي أن يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وأوسعهم فقهاً وأدقهم دراية وأورعهم سلوكاً، لأن الإمام وفد القوم إلى ربهم، فلا ينبغي لهم أن يختاروا لهذه المهمة إلا من كان أكفأ لها، ومما ينبغي ملاحظته اختيار الإمام الذي لا يأخذ أجراً على إمامته لأن الإمامة قربة إلى الله، والقربات لا يقصد بها غير الله، عكس ما انتشر في أوساط الناس في وقتنا هذا من الحرص على أخذ الأجور على الإمامة، ورفض الصلاة بالناس إن كانت بلا مقابل، ومع الإمكان يجب الاحتراز من الصلاة خلف هؤلاء اللهم إلا أن يأخذ المحتاج ما خُصص
وجه
له
من بيت المال أو الوقف مع قصده بإمامته وجه الله تعالى. والله أعلم. ما القول ـ فضيلة الشيخ ـ في من طلب منه سكان قريته أن يكون إماماً لهم في صلاتهم، وليس عنده معرفة كافية لكي يؤمهم ولا معرفة بأدعية رمضان ولا بصلاة الميت ولا بنحو ذلك مما ينبغي عليه معرفته ... فماذا يفعل؟ عليه أن يؤم المصلين إذا طلبوا منه بما معه من العلم، وليس له أن
يعتذر، لأن ترك الجماعة ترك لواجب من واجبات الإسلام. والله أعلم.
ما الحكم إذا جاءت جماعة إلى المسجد وليس فيهم من يحسن أن يكون إماماً لهم فيقدمونه، هل لهم أن يصلوا فرادى أم يلزمهم أن يختاروا واحداً منهم ولو لم يحسن الإمامة؟
إن حضر جماعة من الناس وجب عليهم أن يقدمو أحدهم ليؤم بهم، وليس (1/78)
صفحة 79
فتاوى الصلاة
79
لهم أن يصلوا فرادى ولو كانوا جميعاً، أميين، لأن إمامة الأمي جائزة ـ إن كانت بمثله ـ، وصلاة الجماعة واجبة على الأعيان لا يصح تركها. والله أعلم.
ما قولكم في إمامة الفاسق وخاصة إذا كان المأمومون يعرفون عنه ارتكابه لشيء من الفواحش؟
الفاسق ليس بأهل أن يؤم المسلمين في صلاتهم إذا وجد غيره، أما إن لم يوجد الغير فنقول هنا كما في الحديث الصلاة جائزة خلف كل بار وفاجر ما لم يدخل فيها ما يفسدها. والله أعلم.
فضيلة الشيخ: ما حكم الصلاة خلف من لم يجهر بالبسملة؟ لقد اختلف الرواة عن النبي صلى الله عليه وسلم في البسملة: هل كان يبسمل سراً أم جهراً؟ ولا ريب أن رواية الجهر تمتاز بالإثبات والمثبت مقدم على النافي، وقد أوضح رجحان رواية الجهر كل من قطب الأئمة في الهيميان (1) والعلامة محمد رشيد رضا في (المنار) بما لا مزيد عليه. ولكن ذلك لا تخرج عن كونها رأياً، لأن القائلين بالإسرار يتعلقون بأدلة أيضاً،
المسألة
يعني
أن
لذلك لا يعتبر الإسرار بالبسملة مانعاً من الصلاة خلف من يسر ما دام يلتزم الصلاة المشروعة بواجباتها ويتجنب إدخال النواقض فيها. والله أعلم.
وفي جواب على سؤال مماثل قال فضيلته:
إذا كان مذهبه يقتضي ذلك فلا مانع من الصلاة خلفه، ومن كانت صلاته أتم وأكمل فهو أولى. والله أعلم.
هو
(1) قطب الأئمة لقب اشتهر به الشيخ العلامة محمد بن يوسف أطفيش الله رحمه وهو من أعلام المذهب الأباضي وقد أبان هذه المسألة في تفسيره المسمى «بهيميان الزاد إلى دار
المعاد». (1/79)
صفحة 80
80
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
ما قولكم فيمن صلى الفرض منفرداً، ثم جاءت جماعة فطلبوا منه أن يصلي بهم فأجابهم إلى ذلك واعتبر الصلاة الأولى نافلة فما حكم صلاتهم وما حكم فعله؟
صلاتهم، صحيحة، وإن كان الأولى به أن يصلي معهم
والله أعلم.
لا أن يصلي بهم.
ذلك؟
ورد في كتاب (مختصر البسيوي أنه لا يصلى خلف العبد والأعمى ومن انتمى إلى غير عشيرته أو ادعى إلى غير مواليه فما قولكم في هذه الآراء لم يتفق عليها، وعملي بخلاف ذلك، لعموم قول النبي الاول:
«صلوا خلف كل بار وفاجر». والله أعلم.
هل تصح إمامة البالغ عمره ثلاث عشرة سنة؟
نعم تصح إمامته، خصوصاً إن كان أقرأ القوم. والله أعلم.
هل تسقط الإقامة عن الإمام إذا أقام المؤذن بغير إذنه؟ وهل الإقامة واجبة أم أنها سنة؟
إذا أقام المؤذن سقطت الإمامة عن الإمام والمأمومين إجماعاً، سواء كان ذلك بإذن الإمام أم لا، ولكن الإمام أملك بالإقامة، أي ينبغي للمؤذن أن ينتظر بها إذن الإمام، وفي حكم الإقامة خلاف، فمن العلماء من يرى وجوبها، ومنهم من يرى سنيتها، والراجح عند كثير من العلماء تأكيدها). والله أعلم.
إذا دخل المصلي المسجد ووجد أن صلاة الجماعة قد فاتته فصلى منفرداً وقبل أن ينتهي من صلاته قامت جماعة أخرى، فهل عليه أن يقطع (1) تأكيدها: أي كونها سنة مؤكدة. (1/80)
صفحة 81
فتاوى الصلاة
81
صلاته ليصلي معهم أم يكملها؟ وإذا قامت الجماعة بعد انقضائه من الصلاة فهل يصلي معهم أم يكتفي بصلاته منفرداً؟
نعم يقطع صلاته ويدخل مع الجماعة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أقيمت المكتوبة في جماعة فلا صلاة إلا المكتوبة أي المكتوبة التي أقيمت، وإن أقيمت المكتوبة في جماعة بعدما صلاها فيؤمر أن يصليها مع الجماعة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا جئت والناس يصلون فصل معهم وإن صليت في أهلك» وهذا في الجماعة الأصلية لا في الجماعات المتكررة. والله أعلم.
هل يجوز إقامة جماعتين مختلفتين كالمغرب والعشاء في مكان واحد في نفس الوقت؟
أما
في مكان متقارب فلا يجوز إقامة جماعتين ولو اختلفت الصلاتان وأما إن كان بينهما بعد فلا مانع من ذلك. لذلك أرى أن يبعد الذين يصلون المغرب بجماعتهم عن جماعة العشاء. والله أعلم.
أُمي
لا يرضى إلا أن يكون في الصف الأول عند السترة، وهو جاهل
بشروط الصلاة وأركانها
هيئاتها فما وجميع
يصنع؟
الأولى أن يكون خلف الإمام أولاهم بالإمامة بعد الإمام، لقوله الله
«ليليني ذوو الأحلام منكم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» وغير ذلك خلاف الأولى، ولا يضير بالصلاة، وإنما ينبغي للعالم أن يعلم الجاهل واجباته في الصلاة وغيرها. والله أعلم.
فضيلة الشيخ: ما الحكم إذا كان الإمام يصلي بالناس جماعة فخرجت ريح فماذا يجب عليه أن يفعل؟
منه
اختلف العلماء في الحدث الذي لا تنبني الحدث الذي لا تنبني معه الصلاة ـ وهو ما عدا القيء (1/81)
صفحة 82
82
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
والرعاف والخدش (1) ـ فقيل: لا يصح معه الاستخلاف وعلى المأمومين أن يستأنفوا صلاتهم كالإمام الذي أحدث، وهذا الذي عليه أصحابنا المغاربة ورجحه الإمام نور الدين السالمي الله في المعارج، وقيل: لا تنتقض صلاة المأمومين بمثل هذا الحدث وإن انتقضت صلاة الإمام، وعليه أن يستخلف لهم، وعليه جمهور المشارقة. والله أعلم.
ما. هي طريقة الاستخلاف في الصلاة؟
طريقة استخلاف الإمام أن يجبذ إليه من خلفه ليحل محله، فإن أبى فالذي يليه، وهكذا وعلى القول بجواز استخلاف المأمومين لأنفسهم إذا لم يستخلف الإمام فإنهم يدفعون من استخلفوه. والله أعلم.
هل يجوز أن يؤم المسافر بالمقيمين في الصلاة؟ وأيهما الأولى بالإمامة؟ لا مانع من ذلك، وإنما عليهم أن يتموا الركعتين الباقيتين خلفه فرادى، والرجل المقيم هو أولى بالإمامة، لأن حكم المسافر القصر. والله أعلم. رجل صلى فرضاً من الفروض منفرداً، ثم دخل المسجد جماعة من الناس فأرادوا أن يصلي بهم إماماً فهل له ذلك؟
من صلى الفرض منفرداً ثم وجد جماعة فليصل معهم ولا يصلي بهم.
والله أعلم.
ما قولكم في إمامة الأبرص هل فيها كراهة؟
لا كراهة في إمامة الأبرص. والله أعلم.
(1) الخدش: الجرح. (1/82)
صفحة 83
فتاوى الصلاة
83
وقفنا على حديث (أن صلاة الإمام مرتبطة بصلاة إمامه) فما معناه؟ وما دليل من أجاز صلاة المفترض خلف المتنفل، ومتى يكون ذلك؟ ليس في ذلك حديث، وإنما هو قول طائفة من العلماء، وتدل عليه أشياء، منها عدم جواز تقدم المأموم إمامه، وحمل الإمام عنه بعض الواجبات، كقراءة ما زاد على الفاتحة، ووجوب إتمام المسافر خلف المقيم، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى قياماً فصلوا قياماً وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً»، حيث أسقط القيام وهو ركن متابعة للإمام، ومن أجاز صلاة المفترض خلف المتنفل فحجته حديث معاذ، والمانعون يرون الحديث خاصاً لأجل تعليم الصلاة ولا مانع من العكس. والله أعلم.
ما قولكم ـ فضيلة الشيخ ـ في رجل مسافر عين إماماً في مسجد ليصلي بالناس جماعة وفيهم المقيم والمسافر، فأخذ يصلي بهم الظهر والعصر جمعاً وقصراً وكذلك المغرب والعشاء، مما أدى إلى انقسام الجماعة فمنهم من يصلي معه ومنهم من يصلي كل صلاة في وقتها منفرداً أو مع إمام آخر؟
الأولى له إفراد كل صلاة في وقتها وهذا الذي يتفق مع عمل الرسول صلى الله عليه وسلم، والمقيم يصلي خلفه ركعتين ثم يتم ما بقي من صلاته منفرداً.
والله أعلم.
6
ما الحكم في رجل لا يصلي في جماعة، ويرى أن صلاته منفرداً في هذا الزمن خير من الصلاة في جماعة لعموم الفساد وكثرة المنافقين، الذين لا يطمئن بالصلاة خلفهم فما حكم ظنه هذا؟ وهل تقبل صلاته منفرداً؟ صلاة الجماعة فرض عين على القول الصحيح الذي تدل عليه أدلة الكتاب والسنة، فالله تعالى يقول: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43] «وقال (1/83)
صفحة 84
??
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
سبحانه يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَشِعَةٌ أَبْصَرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَلِمُونَ} [القلم،42 43]، فإن كثيراً من التابعين قالوا إن هذا الوعيد خاص في المتخلفين عن صلاة الجماعة من بعد الأمر، ونصوص السنة تدل كذلك على فرضية الجماعة على الأعيان: منها قوله صلى الله عليه وسلم: «لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً يؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار رواه الربيع والشيخان عن أبي هريرة، وتركه صلى الله عليه وسلم لتحريق بيوتهم بعدما همّ اشفاق منه على الأطفال والنساء الذين في البيوت، كما جاء في رواية أحمد بلفظ: لولا ما في البيوت من النساء والذرية»، ومنها حديث ابن أم مكتوم عند مسلم وأحمد وأبي داود والشافعي وابن حبان، فقد جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وكان أعمى - فشكى إليه شسوع الدار، وعدم القائد، وكثرة الهوام والسباع في طرق المدينة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «هل تسمع النداء؟» قال له: نعم. فقال له: «أجب إذا فإني لا أجد لك رخصة»، وإذا كانت الرخصة لا توجد لمثل هذا فأحرى ألا تكون للمبصرين الذين يتمتعون بوافر الصحة وروى أحمد وابن حبان والحاكم وغيرهم بإسناد على شرط مسلم عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من النداء إلى الصلاة فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر» قيل له: وما العذر يا رسول الله؟ قال: «خوف أو مرض»، والأحاديث في هذا كثيرة وآثار السلف من الصحابة والتابعين أكثر من أن تحصى منها ما روى الجماعة إلا البخاري والترمذي عن ابن مسعود قال: «من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن» ـ يعني الجماعات - فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى وإنها لمن سنن الهدى، ولو صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم
صحيح
سمع
في (1/84)
صفحة 85
فتاوى الصلاة
85
مع
محمد صلى الله عليه وسلم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ولو ضللتم لهلكتم، ولقد رأيتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد رأيت الرجل يهادى بين الرجلين من المرض حتى يقيماه في الصف» .. اهـ. وبالجملة فإن التهاون بصلاة الجماعة والإعراض عنها ليس من شيمة المؤمن، وإنما ذلك من درن المنافقين - والعياذ بالله، فهذا الرجل المعرض عنها بدعوى اختلاف حكمها باختلاف الزمن ليس من العلم والإيمان في شيء ليت شعري هل هذا أنزل عليه شرع جديد ناسخ لحكم وجوبها؟ وإنما عليه أن يتدارك نفسه بالتوبة إلى الله وملازمة صلاة الجماعة لأن لا يلقى الله بدون إيمان ولا عمل أسأل الله السلامة في الدارين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. والله أعلم.
ما قولكم فضيلة الشيخ في رجل يترك صلاة الجماعة قبيل أو عند إقامتها ربما لشيء بينه وبين الإمام؟
فعله هذا غير جائز، فإن عليه أن لا يترك الجماعة لشيء بينه وبين الإمام، والدخول مع الجماعة، واجب، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا جئت والناس يصلون فصل معهم». والله أعلم.
هل يجوز إقامة صلاة الجماعة في المساجد التي تقع على بعد خمسة كيلومترات عن المسجد الجامع؟
أن
نعم، تباح الجماعة في المساجد الصغيرة إلا في يوم المساجد الصغيرة إلا في يوم الجمعة، فعليهم يصلوا الجمعة حيث تقام إن كانت تقام في المسجد الجامع. والله أعلم. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم افتقد علياً في صلاة الصبح فدخل على فاطمة، فقال: ما شغل ابن عمك؟ فقالت بات يصلي فلما طلع الفجر صلى واضطجع. (1/85)
صفحة 86
86
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
فقال: لو صلى في الجماعة لكان أفضل. انتهى. قال الذين يرون أن صلاة الجماعة ليست بفرض على الأعيان إن هذا الحديث يدل على أن صلاته تامة حيث اعتد بها وأثبتها وفضل عليها صلاة الجماعة، قال محشي الإيضاح: ولو كانت شرطاً أو ركناً لما صحت صلاة الفذ، ولم يكن فيها فضيلة، وقد ثبت الفضل، لأن أفعل التفضيل يدل على التفاضل، وكذلك قالوا في حديث محجن حيث أنكر عليه الرسول صلى الله عليه وسلم أولاً عندما لم يصل معهم، ثم لما أخبره بأنه قد صلى في أهله أثبت صلاته ولم يأمره بالإعادة، وكذلك لم يلزم علياً التوبة، ولو كانت صلاة الجماعة واجبة لألزمه. هذا كلامهم. فما الرد عليهم؟ أوضح لنا ذلك ولك الأجر
والمثوبة من الله. وهل الأصح أنها شرط كما يقول الظاهرية أو لا؟ إنا وإن قلنا بوجوب صلاة الجماعة على الأعيان لا نقول إنها ركن من أركان الصلاة أو شرط من شروط صحتها، وإنما نرى الجماعة واجباً مستقلاً، وهذا هو الذي ذهب إليه كل من قال بوجوبها، ما عدا الظاهرية القائلين بأن الجماعة شرط صحة الصلاة، ولم يوافقهم على ذلك أحد، فمن ترك الجماعة وصلى منفرداً أثم ولم تلزمه الإعادة، وليس في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل» دليل على عدم الوجوب، فإن الصلاة نفسها ذات فضل ولكن تأديتها على وجهها المشروع أفضل، مثل ذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم «نية المؤمن خير من عمله مع أن العمل الخالي من النية غير متقبل عند الله، على أن صيغة التفضيل تأتي حتى فيما بين الخير والشر المحض، ومن ذلك قوله تعالى: {أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} [الفرقان: أن مستقر أصحاب النار ليس فيه شيء من الخير، ومقيلهم ليس فيه شيء من الحسن، ومنه قوله تعالى: {وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنُ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ) [البقرة: 221] وقوله وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} [البقرة: 221]
[24
مع (1/86)
صفحة 87
فتاوى الصلاة
87
ولا خير في مشرك ولا مشركة وليس في قصة النبي صلى الله عليه وسلم مع علي ما يدل على إقراره على ترك الجماعة، بل في ضمن رده ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ على فاطمة إنكار لطيف لما صنع على أن علياً ـ كرم الله وجهه ـ لم يعتمد ترك الجماعة وإنما ألجأه ما أصابه من إرهاق من قيامه الليل، وأما قصة محجن فغاية ما فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر عليه عدم صلاته الجماعة مع بصلاته في أهله ـ وليس فيها أنه أقره على صلاته منفرداً مع سماعه
اعتداداً
النداء - وإذا كان عدم دخول المصلي في جماعة وجدها بعد صلاته مما ينكر فما بالك بالتخلف عن الجماعة ممن لم يصل على أنه من المحتمل أن يكون محجن أدى تلك الصلاة في أهله جماعة، ويستأنس لذلك بقوله صليت في أهلي» كما يقول القائل صليت في جماعة». ومنه قوله تعالى: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء: 219) ومع هذه الاحتمالات لا يبقى مجال للاعتماد على مثل هذه الحجة، فإن الدليل إذا طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال، ولا نترك النصوص الصريحة في وجوب الجماعة على الأعيان لمثل هذه الاحتمالات الضعيفة. والله أعلم.
إذا انتقضت صلاة الجماعة لسبب من الأسباب، هل تعاد مرة أخرى جماعة أم تصلي فرادي؟
لا مانع من إعادتها جماعة، بل أرى ذلك واجباً مع الإمكان، لوجوب صلاة الجماعة على الأعيان. والله أعلم.
إذا كانت جماعة قائمة تصلي فارتمى أحدهم على الأرض ميتاً، فهل يواصلون صلاتهم أم يخرجونه من الصف إلى خارج المسجد؟
يواصلون صلاتهم ما لم يقطع عليهم صلاتهم باعتراض الصف. فإن وقع (1/87)
صفحة 88
88
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
معترضاً أعاد الصلاة الذين وقع بين أيديهم دون غيرهم ولا بد أن يسعفه بعضهم. والله أعلم.
ما تقولون في الذين يصلون في بيوتهم القريبة من المسجد ويسمعون
النداء؟
لا صلاة لهؤلاء، لقول النبي: من سمع النداء إلى الصلاة فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر قيل: وما العذر يا رسول الله؟ قال: «مرض أو خوف»، وفي رواية: «لم يقبل الله منه الصلاة التي صلى» أي في بيته. والله أعلم. إن أتينا المسجد ووجدنا الجماعة الأولى قد انتهت فهل علينا أن نقيم
للصلاة؟
عليكم أن تقيموا إلا إن كانت صفوف الجماعة الأولى لم تنفض، فلا عليكم إن اكتفيتم بإقامتهم. والله أعلم.
رجل دخل المسجد ووجد الصف مكتملاً فماذا يفعل؟
يجر معه رجلاً من إحد الطرفين. والله أعلم.
إن أقام المؤذن للصلاة واكتمل الصف وصف الباقون في طرف الميمنة، فهل صلاتهم صحيحة؟ وهل يجب أن يبدأ الصف الثاني من
الوسط؟
أمر النبي بتوسيط الإمام في الصفوف ولكن إن امتد الصف من الطرف إلى الوسط فأرجو ألا يكون عليهم إعادة. والله أعلم.
إن كان جماعة يجمعون بين المغرب والعشاء في وقت العشاء، وأردت (1/88)
صفحة 89
فتاوى الصلاة
89
التنفل بالصلاة معهم، فهل أصلي ثلاثاً عندما يصلون المغرب أو أزيد عليها ركعة رابعة عملاً بحديث لا وتران في ليلة واحدة»؟ تصلي معهم كما يصلون على الصحيح، متابعة للإمام. والله أعلم.
ما قولكم فضيلة الشيخ في إمام أحدث في الصلاة فسمعناه وبعض المأمومين، ولكنه واصل صلاته غير مبال بذلك فماذا علينا أن نفعل؟ إذا تيقنتم أن المحدث هو الإمام، فعليكم إعادة الصلاة التي أحدث فيها، وإذا أيقنتم أنه لا يبالي بالحدث في الصلاة فليس لكم أن تصلوا خلفه. والله أعلم.
هل يجوز أن ينوي المقيم صلاة سنة الظهر خلف الإمام المسافر وهو قائم ليصلي العصر قصراً وجمعاً مع الظهر؟
لا مانع أن يصلي المتسنن خلف المفترض، فلا مانع أن يصلي أحد سنة الظهر خلف من يصلي فرض العصر، أو سنة المغرب خلف من يصلي فرض العشاء. والله أعلم.
كيف يصلي المقيم فريضة الظهر مع جماعة مسافرين يصلون الظهر والعصر جمعاً وقصراً؟
6
لا مانع من صلاة المقيم خلف المسافر على أن يصلي خلفه ركعتين ثم يتم الركعتين الأخريين بنفسه، وينبغي للمسافرين بعد فراغهم من الظهر إن أرادوا القيام للعصر أن ينتظروا بقيامهم لها فراغ المقيم من صلاة الظهر، ويتعين ذلك إن كان المقيم في وسط الصف. والله أعلم.
نلاحظ كثيراً من المصلين يصلون بجنب السواري بحيث تقطع صفوفهم (1/89)
صفحة 90
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
فما حكم ذلك؟ وما حكم صلاة من صلى في صف هذا حاله من غير
تعمد منه بل اضطراراً؟
هذه المشكلة تعود إلى جهل الناس بأمر
دينهم
وعبادة ربهم، فلو عبدوه بفقه في الدين وبصيرة من العلم لانحلت المشكلة فإن الصلاة ما بين السواري منهي عنها في الحديث، وإنما يتوسع في ذلك عندما يضيق المسجد بالمصلين ولا يكادون يجدون متسعاً لأداء الصلاة، وذلك كما في الجمع والمناسبات التي يكتظ فيها المسجد بالمصلين، ولكن بما أن الناس لا يفقهون هذا لم يتقيدوا فيه بالقيد الذي ذكرناه، بل الأشد من ذلك أنهم كثيراً ما يتركون الصف حيث يمكنهم الاتصال ويصفون بين السواري، بل نجدهم يبتدئون الصف الأول فيما بين السواري ويتركون الفراغ، وبما أن الإنسان لو حاول تجنب هذا الأمر بنفسه لوقع في إشكال كبير بسبب جهل سائر المصلين، نرى أن تطبق فيه قاعدة الأمر إذا ضاق اتسع وإذا اتسع ضاق. والله أعلم.
هل يجوز أن يصف الأطفال وسط الصفوف، وخاصة عند بداية الصلاة؟ يمنع وقوف الأطفال المسلمين في وسط الصفوف، وإنما الأولى أن يكونوا في المؤخرة اتباعاً للسنة. والله أعلم.
لا
هل يصح
أن يقف الأطفال
في
الصف الأول في صلاة الجماعة؟
الأولى بالأطفال أن يكونوا في مؤخرة الصفوف، فهكذا كانت السنة المتبعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقف في الأمام الرجال ثم الصبيان ثم النساء.
والله أعلم.
فضيلة الشيخ: إذا كان المسجد ضيقاً ولم يجد المصلون مكاناً يصطفون فيه إلا بين الأعمدة، فهل ترى لهم ذلك أم الأفضل أن يصطفوا عن يمين (1/90)
صفحة 91
فتاوى الصلاة
91
لا
علة الكراهية؟
الإمام؟ وإذا كانت الصلاة تكره بين الأعمدة فيما هي الأولى للمأمومين أن يصفوا خلف الإمام ـ ولو كانت الصفوف أو بعضها تتخللها السواري - وإن صف بعضهم عن يمين الإمام فلا مانع، غير أن وقوف الإمام يجب أن يكون متقدماً على موقف المأمومين، ولا ريب أن التقدم يتحقق باصطفاف المأمومين خلف الإمام أكثر مما لو كانوا على جنبه، وكراهية الصلاة بين السواري لئلا يتخلل صف المصلين قاطع. والله أعلم. فيمن أتوا مسجداً فصلوا جماعة فيه قبل حضور الإمام الذي يصلي بالناس جماعة ثم أتى الإمام فهل يصح له الصلاة بمن معه من الجماعة؟ مانع من تكرار الجماعة على الصحيح، وإنما منع من منع تكرار الجماعة في المساجد المعمورة مخافة أن يتساهل الناس في الإسراع إلى إجابة الداعي إلى الصلاة فيسبب ذلك تفرق الجماعة، وهذا ينافي التي لأجلها شرعت الجماعة، أما إذا انتفت هذه العلة فإن المعلول يرتفع بارتفاعها، وعليه فإذا جاءت جماعة إلى المسجد ووجدوا المصلين قد صلوا وقد كانوا يريدون أن يصلوا معهم فلا مانع من أن يصلوا جماعة ثانية. والدليل على ذلك: أن رجلاً جاء إلى المسجد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد الناس صلوا فقال ـ عليه أفضل الصلاة والسلام -: «هل من أحد يتصدق على هذا فيصلي معه» وهو نص في الموضوع يجب ألا يتجاوز إلى غيره. والله أعلم. ما الحكم في جماعة يصلون فرضاً من الفروض فتوفي إمامهم أثناء
الصلاة؟
الحكمة
موت الإمام في أثناء الصلاة يقطع على المأمومين صلاتهم، وعليهم أن
يستأنفوها من جديد لارتباط صلاتهم بصلاته على الصحيح. والله أعلم. (1/91)
صفحة 92
92
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
ما حكم الصلاة خلف الإمام الذي يسرع في صلاته؟
إذا كانت سرعته مخلة بالاطمئنان في الصلاة فلا
صلى خلفه أعاد. والله أعلم.
تصح صلاته، ومن
ما قولكم فيمن يصلي في الجماعة فأصيب بإغماء فسقط واعترض
الصف فهل على المصلين انقاذه أم يتركوه إلى نهاية الصلاة؟
إن أمكن إنقاذه فوراً فعليهم ذلك، واختلف هل يبنون على صلاتهم أو يستأنفونها؟. والله أعلم.
ما قولكم في إمام مسجد يرى منه عدم الاستقامة ويمنّ بإمامته على الناس، فهل يصح أن يتقدم الناس ليصلي بهم وهل تصح الصلاة خلفه؟ أما هو فليس له أن يتقدم إماماً من غير من غير أن تقدمه الجماعة، وأما أنتم فإن تقدم فصلوا خلفه لحديث: «الصلاة جائزة خلف كل بر وفاجر». والله أعلم.
ما قولكم في الصلاة خلف من يشرب السجائر إذا كان في المأمومين من هو أفضل منه؟
عليهم
أن يقدموا أبرهم وأتقاهم، وشرب السجائر من المحرمات، فلا ينبغي أن يُقدم من ابتلي بذلك، أما إن تقدم بنفسه فصل خلفه لعموم الحديث: «الصلاة جائزة خلف كل بر وفاجر». والله أعلم.
ما قولكم في الإمام الذي يطيل القراءة في الصلاة مع وجود المريض
وصاحب العمل وكبير السن؟
إن كانت الإطالة تؤدي إلى التنفير فهي ممنوعة. والله أعلم. (1/92)
صفحة 93
فتاوى الصلاة
93
مسافر صلى المغرب ثم أم الناس في صلاة العشاء جمعاً والمأمومون
كلهم يصلون خلفه سنة، المغرب فهل تتم صلاته على ذلك؟ نعم، صلاته تامة ولو كانوا جميعاً متسننين وهو وحده المفترض. والله أعلم.
فيمن يصلي بالجماعة بغير رضاهم مع أنه ينكر وجوبها، ولا يحضر سوى الصبح والعشاء، ومع ذلك فهو لا يحسن القراءة، فما حكم صلاته والصلاة خلفه؟
صلاته غير مقبولة ولا يصلى خلفه. والله أعلم.
فيمن تعين إماماً لمسجد، فهل يجوز لغيره أن يؤم الناس ويؤذن من غير إذنه؟ وهل لمن يفعل ذلك ونصح أن يرد النصيحة؟
إن وجد الإمام الراتب في المسجد فليس لغيره أن يؤمن إلا بإذنه، وكذلك حكم الأذان، ويجب على الكل قبول النصيحة. والله أعلم.
هل يجوز للإنسان الجاهل أن يؤم الناس في الصلاة؟ وإن كان لا يجوز فهل عليهم الإعادة إن ائتموا به؟ إن كان جهله يفضي به إلى الإخلال بالصلاة فلا يجوز له أن ولا يجوز لهم أن يأتموا به، وإن أمهم فليعيدوا صلاتهم. والله أعلم.
يؤمهم
هل يجوز للصبي غير البالغ أن يؤذن ويقيم للصلاة ويصلي جماعة بالناس إن تعذر وجود الإمام؟
نعم، ذلك جائز على الراجح إن تأهل للصلاة. والله أعلم.
عتب أحد المصلين على الإمام أنه يفصل في تسليمة الصلاة بسكتة بين (1/93)
صفحة 94
94
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
السلام عليكم وبين ورحمة الله فهل أصاب المعاتب الحق؟
ليس في ذلك حرج. وا والله أعلم.
إذا سلّم الإمام من ركعتين فسبح له من خلفه ولم يرجع هل للمأمومين أن يتموا صلاتهم بأنفسهم، أو يتقدم أحدهم يتم بهم صلاتهم أم ليس لهم ذلك؟
إذا نسي الإمام وسلّم من ركعتين وسبح له من خلفه فعليه أن يستقبل الركعتين الباقيتين ويصليهما، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، أما إذا أتى بناقض بعد ذلك فإن صلاته تبطل، والخلاف في صلاة المأمومين.
هي
غير
ومثار الخلاف: هل صلاة المأموم مرتبطة بصلاة إمامه أم مرتبطة؟ وإذا تأملنا الأدلة وجدنا ما يدل على الارتباط، فمن هذه الأدلة: أن المأموم ليس له أن يتقدم إمامه في شيء، فليس له أن يتقدمه في قراءة ولا في فعل ولا أي قول من الأقوال. أن الإمام يرفع بعض الأشياء عن المأموم في الصلاة لولاه لما ارتفعت عنه كقراءته السورة بعد فاتحة الكتاب.
أن المأموم إذا كان مسافراً فإنه يصلي خلف المقيم أربعاً بالإجماع مع أن فرضه ركعتان فقط، وليس وجوب الأربع عليه خلف المقيم إلا لأجل وجوب متابع الإمام، وهذه المتابعة تدل على ارتباط صلاته بصلاة إمامه.
فصلوا
أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى قائماً قياماً، وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً وهو يدلنا دلالة ظاهرة على ارتباط صلاة المأموم بإمامه، وإلا لما سقط عن المأموم ركن من أركان الصلاة وهو القيام لأجل متابعته للإمام إذا كان الإمام معذوراً. (1/94)
صفحة 95
فتاوى الصلاة
95
وإذا كانت صلاة المأموم ترتبط بصلاة الإمام في هذه المواضع فإن نقض صلاة الإمام يفضي إلى انتقاض صلاة المأمومين على الصحيح، فليس لهم أن يستخلفوا لأنفسهم من يؤمهم، وليس لهم أن يتموا صلاتهم فرادى بل عليهم أن يعيدوا الصلاة من جديد. والله أعلم.
فيمن صلى بالناس إماماً، وبعد يوم تبين له أن الثوب الذي صلى به قد أصابه
دم. فهل عليه فساد ومتى يقضيها. وهل عليه أن يخبر المأمومين بذلك؟ إن كان الدم أقل من قدر ظفر فليست عليهم إعادة، وإن كان قدر ظفر فصاعداً فليعد وليخبر من وجده من المأمومين بذلك، ولا يكلف إخبار من لم يجده، وقضاء الصلاة لا يتقيد بوقت فله أن يقضي صلاة الليل بالنهار وكذا العكس، اللهم إلا أنه ينهى عن القضاء في الأوقات التي لا تجوز فيها الصلاة، وهي عندما يطلع قرن من الشمس حتى تستكمل طلوعها، وعندما يغرب منها قرن حتى تستكمل غروبها، وعندما تقف في كبد السماء في الحر الشديد، هذا إن لم يحتمل أن الدم أصابه بعد صلاته. والله أعلم. أيهما أولى أن يقف وراء الإمام المسافر سترة، هل المسافر مثله أم المقيم الذي يصلي النافلة مع الإمام؟
إن كان المقيم متنفلاً والمسافر مفترضاً، فالمسافر أولى بقافية الإمام. والله أعلم.
هل تصح الصلاة برجل مسبل ثوبه؟
لا يضر الإمام فساد صلاة من خلفه، لكن فساد صلاته يضر بصلاة من خلفه، وعليه فإن أم مسبلاً فإن فساد الصلاة لا يتجاوز المأموم المسبل إلى الإمام غير المسبل. والله أعلم. (1/95)
صفحة 96
96
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
رجل يتأخر عن حضور الجماعة فيأتي حين يفرغ الإمام فيصلي بمن لم يدرك الإمام الأول. هل يجوز له ذلك؟
لا يجوز له ذلك، فإن الجماعة شرعت لجمع الكلمة وتأليف القلوب، وهذا العمل مناف لهذه الحكمة، وقد كان الواجب عليه أن يسعى إليها بعد النداء فوراً، فإن لم يسع فلا صلاة له. والله أعلم.
فيمن أتى المسجد لصلاة المغرب فوجد الجماعة قائمة، فبدلاً من أن يستدرك معهم أقام الصلاة هو ومن معه لوحدهم، قبل أن تنتهي الأولى. فهل يصح لهم ذلك؟
الجماعة
لا تقام جماعتان في وقت واحد، وإن وقع ذلك فالثانية باطلة.
والله أعلم. فيمن أقام الجماعة قبل أن ينتهي الإمام الأول من الصلاة صلاة وهي المغرب. فهل على من صلى مع الإمام الأول وأراد العشاء معها أن جمع ينتظر انتهاء الجماعة الثانية، علماً بأنهم - كذلك ـ في سفر وقد شرعوا في فريضة العشاء؟
بما أن الجماعة الأخيرة باطلة فلا مانع أن يصلي المسافرون الصلاة تنتهي الصلاة الأخيرة التي أقيمت على فساد من
الثانية في جماعة قبل أن
أول الأمر. والله أعلم.
جماعة دخلوا المسجد فصلوا الفريضة ثم بعد فترة قصيرة حضر جماعة المسجد فأقيمت صلاة الجماعة. فهل تبطل صلاة المصلين أو لا؟
لا تبطل صلاتهم بذلك إلا إن كانوا قصدوا شق العصا فإن الطاعة لا تجامع المعصية. والله أعلم. (1/96)
صفحة 97
فتاوى الصلاة
97
رجل دخل المسجد بعد صلاة الفجر أو العصر وقد أدى الفريضة فوجد الجماعة قائمة. فهل يصح له أن يدخل معهم؟
لا
مانع من أن يصلي معهم بعدما صلى الفجر أو العصر إن وجدهم يصلون، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الرجلين اللذين حضرا صلاة الفجر في مسجد الخيف بعدما صليا في رحالهما بصلاتهما مع الجماعة. والله أعلم.
جماعة تفرقوا بسبب أمور دنيوية فصارت كل فرقة تصلي بنفسها بعد أن كانوا يصلون جماعة واحدة فما الحكم في ذلك؟ وما حكم صلاة من صلى خلف إمام إحدى هذه الفرق؟
عليهم أن يقدموا الأصلح والأبر والأعرف بكتاب الله تلاوة وفقها، والأتبع لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم عملاً وفهماً، فإذا اجتمعوا على ذلك زال الشقاق وردمت الفجوة وحصل الوئام - إن شاء الله - ومن شذ بعدئذ خرج عن الجماعة وكان من المتعنتين. والله أعلم.
في بعض الأوقات لا أقدر على متابعة الإمام في الصلاة، مما يضطرني أن أتأخر عنه بعض الشيء في الركوع والسجود فهل تبطل صلاتي
بذلك؟
إن لم يكن بينك وبين الإمام حد في تأخرك عنه لم تبطل صلاتك. والله أعلم. ما قولكم فيمن دخل الصلاة منفرداً فجاءت جماعة فأقاموا الصلاة، فهل عليه أن يقطع صلاته ويدخل معهم أم عليه أن يواصل منفرداً؟
نعم، يقطع صلاته ويدخل مع الجماعة، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أقيمت المكتوبة في جماعة، فلا صلاة إلا المكتوبة أي المكتوبة التي أقيمت.
والله أعلم. (1/97)
صفحة 98
98
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
فيمن سها عن قراءة الإمام في الصلاة فماذا عليه؟
إن كان المراد بالسهو عدم الاستحضار وكان ذلك بدون إرادة منه فليس عليه حرج، وإنما عليه أن يكابر خواطر النفس حسب استطاعته.
والله أعلم.
فيمن أدرك الإمام في التشهد الأخير فدخل معه فهل عليه حرج؟
إن أدرك التشهد مع الإمام فلا حرج عليه. والله أعلم.
فيمن عليه قضاء صلاة فوجد جماعة تصلي نفس تلك الصلاة، فهل يصليها معهم أم يصليها منفرداً؟
لا مانع من أن يصلي القضاء في جماعة والله أعلم.
إنني طالب في إحدى المدارس ينتهي وقت الدراسة بعد الساعة الواحدة وتكون صلاة الظهر جماعة قد فاتت فهل لي عذر أن أصلي منفرداً؟ إن كنت تجد من يصلي معك من الطلبة أو غيرهم فصل في جماعة وإلا فأنت معذور. والله أعلم.
هل تجوز الصلاة خلف من ينتمي إلى غير عشيرته؟
هو آثم بانتمائه إلى غير عشيرته، ولكنه يدخل في عموم قول النبي: «الصلاة جائزة خلف كل بر وفاجر، فلا مانع من الصلاة خلفه. والله أعلم.
يؤمنا رجل لا يجهر بالبسملة، وإني أجد كراهة من الصلاة خلفه، كون البسملة آية في القرآن فهل أصلي خلفه أم أصلي في مسجد آخر؟ لا مانع من الصلاة خلفه، فإنه متأول في إسراره بالبسملة، وإن تركت (1/98)
صفحة 99
فتاوى الصلاة
99
الصلاة خلفه وذهبت للصلاة وراء من يجهر بالبسملة فلا حرج، بل ذلك
حسن. والله أعلم.
هل يجوز المرور أمام المصلي؟
لا، إلا من وراء السترة. والله أعلم.
هل من مسؤولية الإمام أن يختار من يقف في السترة أن يكون غير مسبل، وهل يجب على الإمام أيضاً أن يتحرك من مكانه إن وقف في
سترته رجل مسبل؟
ينبغي
له أن ينبه على ذلك بالمرونة والحكمة ولا يجب عليه تتبع
أحوال الناس. والله أعلم.
رجل يؤم الناس وهو لا يجيد القراءة ويقلب معاني الآيات ولا يعلم من أحكام الصلاة شيئاً، ويوجد في الجماعة شاب درس العلوم الشرعية، وقد طلب منه أن يأمهم في الصلاة فامتنع بدون عذر، فهل يجوز له ذلك مع عدم وجود الأكفأ منه لهذا الأمر؟
لا عذر له في ذلك، وعليه أن يؤم إن كان هو الأكفأ من الآخرين لقراءته وفقه، وإن رفض فهو آثم. والله أعلم.
جماعة دخلت المسجد فوجدوا الجماعة قائمة، فشرعوا في إقامة صف آخر علماً أن الصف المتقدم لم يكن مكتملاً فهل تفسد صلاتهم؟
أخطأوا وخالفوا السنة، ولكن صلاتهم صحيحة إن لم يتعمدوا مخالفة السنة. والله أعلم. (1/99)
صفحة 100
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
ما حكم صلاة من يقف مائلاً عن الصف في صلاة الجماعة؟ إن كان ذلك لضرورة فلا حرج إذ يجوز في الاضطرار ما لا يجوز في
الاختيار، وإن كان لغير ضرورة فهو مبطل لصلاتهم. والله أعلم.
ما قولكم في وقوف الإمام داخل المحراب بسبب ضيق المسجد؟ بما أن ذلك لضرورة التوسع لكثرة المصلين في المسجد فلا مانع منه، مع السعة فالأولى أن يقف خارج المحراب في المسجد، ولا مانع من أن يكون سجوده داخل المحراب. والله أعلم.
أما
فيمن أدرك الإمام بعد فراغه من الفاتحة فهل عليه قضاء الفاتحة وحدها أم يقضي معها السورة؟
يستدرك الفاتحة التي فاتته وحدها. والله أعلم.
إذا سهى الإمام عن التشهد الأول فاعتدل قائماً فسبح له المأمومون، فهل يعود إلى التشهد أم يواصل صلاته؟
إن كان قد اعتدل في قيامه فلا يعود إلى الجلوس للتشهد، وإنما يجبره بسجود السهو. والله أعلم.
إذا صليت خلف إمام مقيم وأردت أن أجمع معها الصلاة الأخرى، فهل انتظر حتى يفرغ الإمام من دعائه أم أقوم مباشرة للصلاة بعد تسليم
الإمام؟
في حال الجمع بين الصلاتين عليك أن تقوم إلى الثانية بعد التسليم من
الأولى، ولا تنتظر حتى يفرغ الإمام من دعائه وأذكاره. والله أعلم. (1/100)
صفحة 101
فتاوى الصلاة
101
ما شروط الإمامة للصلاة؟
من شروط الإمامة الإسلام والعقل والبلوغ على قول، والذكورة إن كان في المصلين ذكر والحرية وقيل إن أذن السيد لمملوكه بالإمامة فله أن يؤم.
والله أعلم. رجل صلى بالناس فقام للركعة الثالثة قبل أن يقعد للتشهد سهواً منه له الجماعة فرجع بعدما استوى قائماً، علماً أنه يأخذ بقول من يرى عدم الرجوع بعد الانتصاب فما حكم صلاته وصلاتهم؟
فسبح
عليه وعليهم إعادة صلاتهم. والله أعلم.
ما قولكم فيمن يؤم الناس في الصلاة وهو كثير اللحن في القراءة، مما يؤدي إلى تغيير المعنى، وقد وجه إليه النصح ولكن بدون فائدة، فهل الصلاة خلفه، وهل الأفضل للمرء أن يصلي منفرداً أم يصلي خلفه وهو على هذه الحالة؟
تصح
لا صلاة له ولا صلاة لمن صلى خلفه فعلى الجماعة أن يقدموا غيره ليؤمهم، وإن صلوا خلفه الفرض أعادوا، ولأن يصلي الإنسان منفرداً إن لم يجد جماعة غير هذه خير له من أن يصلي معهم
والله أعلم.
الفرض.
رجل صلى بالناس، وفي التشهد الأخير التفت إلى المأمومين بالدعاء من غير أن يسلم، فما حكم صلاة الجماعة في هذه الحالة؟
لعله نسي التسليم، وفي تركه نسياناً، خلاف، وفي هذه الحالة على المأمومين أن يسلموا بأنفسهم، والله يتقبل منهم. والله أعلم. (1/101)
صفحة 102
102
الفتاوى الصد
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
ما قولكم في الإمام إذا حصر في القراءة فقرأ «ردوها عليّ ... الآية» لأجل تنبيه الجماعة ليفتحوا عليه فهل عليه حرج في
إن فعل ذلك فلا حرج عليه. والله أعلم.
ذلك؟
ما قولكم في الإمام إن قرأ سورة العصر وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر: (3) فقدم وأخر فيها بغير عمد فهل تبطل صلاته؟
لا تبطل بذلك صلاته إن لم يتعمده. والله أعلم.
المصلي إن صلى في أحد الجوامع الكبيرة بحيث لا يرى فيها الإمام، فكيف تكون نيته هل يقول أصلي بصلاة الإمام. أم بلفظ آخر؟
يكفيه أن ينوي في قرارة نفسه أنه يصلي صلاة إمامه. والله أعلم.
ما قولكم في إمام مسجد يصر على مصافحة النساء ولا يمتنع عن ذلك، وقد نصحه كثير من الناس فلم يقبل النصح؟
ذلك رجل مستهتر بالدين متلاعب به، وما كان ينبغي أن يقدم إماماً، وإن كانت الصلاة لا تحرم خلفه إن لم يدخل فيها ما يفسدها لعموم حديث
الصلاة جائزة خلف كل بر وفاجر». والله أعلم.
ما قولكم فيمن يؤم الناس ويسلم بهم تسليمتين؟
ليس في ذلك حرج، وقد قال به بعض أصحابنا. والله أعلم.
الإمام إن أخطأ
في قراءة الفاتحة وصحح له في حينه، فهل يلزمه سجود
السهو؟
ليس في ذلك سهو، لأنه لم يأت بتبديل في نفس صلاته والله أعلم. (1/102)
صفحة 103
فتاوى الصلاة
103
رجل يؤم الناس، وفي أثناء الصلاة فقد معرفته بالناس وحتى بأقاربه،
فما حكم الصلاة التي صلوها خلفه؟
إن كان فاقداً لوعيه فلا تجوز الصلاة خلفه. والله أعلم.
هل يصح للإمام إذا التفت إلى المأمومين بعد الفراغ من الصلاة أن يقول لهم: صبحكم الله بالخير أو مساكم الله بالخير. أم الأفضل أن يقول: السلام عليكم؟
لا مانع من ذلك. والله أعلم.
رجل دخل مسجداً ونوى جمع المغرب والعشاء في وقت العشاء، فصلى المغرب في صرح المسجد ثم لما فرغ منها دخل أناس فأقاموا المغرب جماعة فدخل معهم، ثم بعد ذلك أدرك العشاء مع جماعة المسجد فهل عليه حرج فيما فعل؟
إن كان نوى بصلاته مرة ثانية فرض المغرب فصلاته صحيحة. والله أعلم.
ما قولكم في الصلاة خلف رجل يعترف على نفسه بالكذب وأنه يرى نفسه بين الناس كمقام النبي عيسى بين اليهود، وقد اعترف بأنه يرى الجماعة الذين يصلون خلفه بأنهم منافقون وليسوا بمؤمنين، وقد نصح هذا الرجل ليرتدع عن عما هو عليه فلم يقبل النصح؟ بئس الإمام ذلك الذي لا يراعي مأموميه ويتهمهم بالنفاق ويجعلهم كاليهود، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وعليه أن يتقي ويدع عنه هذه الأعمال، ويستبدل بها القول الطيب والعمل الصالح، ولا حرج في الصلاة خلفه لمن شاء، عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم «الصلاة جائزة خلف كل بر وفاجر». والله أعلم.
الله (1/103)
صفحة 104
1+8
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
ما قولكم في رجل إذا أقيمت الصلاة يبتعد عن شخص معين حتى
له ذلك؟ لا يصف بجانبه فهل يصح
حرج
إن كان ذلك لداع بحيث يتأذى منه فلا فالمسلم لا يبتعد من أخيه المسلم. والله أعلم.
عليه، وإن كان لغير
رجل كبير في السن وبسبب عدم تمكنه من الاستواء في الصف يترك بينه وبين من يليه في الصف فرجة بمقدار شبر، فما حكم صلاة من يصف بعده؟
إن وجدت فرجة في الصف بهذا المقدار بطلت صلاة من وراءها في جهة الصف. والله أعلم.
نحن طلبة ندرس في إحدى الدول الأجنبية، ويتقدم للإمام رجل مسبل، وقد ناقشنا هذا الموضوع معه ولكن دون فائدة، فهل ننقطع عن صلاة الجماعة أم نصلي معهم ونظل نعيد الصلوات مدة بقائنا هناك التي قد تطول إلى ثلاث سنوات؟
لا تنقطعوا عن صلاة الجماعة مهما كانت الأحوال، وإن لم يتبين لكم إسبال الإمام فلا إعادة عليكم، أما إن كان الإمام مصراً على الإسبال ولم يقبل النصح فلا بد من الإعادة. والله أعلم.
مسجد توجد به سارية تقطع الصف الثالث فهل عند الصلاة أن يصح يصف حولها، فقد وجدنا في فتوى لسماحتكم عدم صحة ذلك، وقد أخبرنا الناس بذلك، ولكن بعضهم أخذ يجادل ولم يقتنع علماً أن المسجد به متسع وليس ثمة ضرورة لذلك، فأرجو أن تبينوا لنا الجواب؟ إن كانت السارية وسط الصف بحيث تأخذ قافية الإمام فلا يجوز أن (1/104)
صفحة 105
فتاوى الصلاة
1.0
يصف حولها، لأنها تقطع الصف من الوسط ولا تكون له سترة، وإن كانت لا تقطع الصف من وسطه ولكن من جوانبه فالصلاة هنالك مكروهة، إلا إن ضاق المسجد، أما أولئك الذين يجادلون في ذلك فجدالهم ينادي عليهم بحماقتهم وجهلهم بأمور الدين. والله المستعان.
ما قولكم في رجل يؤم الناس وهو من هواة كرة القدم. هل تجوز الصلاة
خلفه؟
لا تمنع الصلاة خلف هواة كرة القدم إن كانوا مستقيمين في دينهم عاملين بأمر ربهم، عارفين بالتلاوة الضرورية في الصلاة وأحكامها، ففي الحديث: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وفي الحديث أيضاً: «الصلاة جائزة خلف كل بار وفاجر وإنما الواجب على هذا الرجل الرياضي أن يستر عورته عند ممارسة الرياضة وحدها من السرة إلى الركبة، كما يجب عليه ألا تكون رياضته على حساب صلاته وسائر واجباته.
والله أعلم. (1/105)
صفحة 106
1.7
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
استدراك الصلاة
كيف يفعل من أدرك الإمام في صلاته بعد تكبرة الإحرام؟ ولو أدركه
مثلاً في الركعة الثانية فكيف
يتم
صلاته؟
إذا دخل المأموم على الإمام وقد سبقه الإمام بجزء من الصلاة فعلى المأموم أن يكبر تكبيرة الإحرام ثم يشرع في الصلاة، بادئاً حيث وصل الإمام، ويتابع الإمام في صلاته حتى تنتهي إلى السلام، فإذا سلم الإمام لم يسلم معه، وإنما يقوم بلا تكبيرة، فإذا استوى قائماً شرع في قراءة الفاتحة والإتيان بكل ما فاته من الصلاة مع الإمام، فإذا انتهى إلى حيث أدرك الإمام جلس وسلم، فلو أدرك الإمام مثلاً في أول الركعة الثانية قام بعد تسليم الإمام بلا تكبيرة، فإذا استوى قائماً قرأ ثم ركع وسجد، فإذا انتهى من السجدة الثانية قام بتكبيرة، لأن هذا القيام من ضمن ما فاته مع الإمام، ثم يقعد بلا تكبيرة ويسلم فإذا فاته الإمام بركعة وقراءة من الركعة الثانية قام بعد تسليم الإمام وقرأ وركع وسجد، وقام وقرأ ثانية ثم يقعد ويسلم وهكذا.
والله أعلم.
متى يستعيذ المستدرك لصلاة الإمام؟
اختلف
في استعاذة المستدرك متى تكون؟ قيل: عندما يقوم للاستدراك، وقيل: عندما يشرع في القراءة وهذا أصح لأنها شرعت للقراءة كما هو صريح قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ} [النحل: 9]، فإن أخرها إلى الاستدراك كان ما يقرؤه مع الإمام غير مسبوق باستعاذة، وذهب قطب الأئمة رحم الله إلى أن الإمام يحملها عن المستدرك. والله أعلم.
ما حكم صلاة المأموم إذا فاتته الفاتحة مع الإمام ولم يقرأها بل لم (1/106)
صفحة 107
فتاوى الصلاة
107
يقضها بعد تسليم الإمام على أن هناك من يقول بأن الإمام يحمل عن المأموم قراءة الفاتحة؟
قراءة الفاتحة واجبه على الجميع، ولا يعذر منها مأموم ولا غيره ولا تصح بدونها صلاة. والله أعلم.
ماذا يقول المسلم عندما يدرك الصلاة مع الإمام وقد فاتته ركعة أو أكثر؟
ينوي
أنه يصلي الإمام قام المستدرك فصلى ما فاته إلى حيث أدرك الإمام. والله أعلم.
ما أدرك من صلاة الإمام ويقضي ما فاته، فإذا سلم
ماذا يقول المستدرك عندما يقوم لإكمال ما فاته من الصلاة، هل يكتفي
بقراءة الفاتحة وسورة أو يعمل شيئاً آخر كالإقامة أو النية؟
يقضي ما سبقه به الإمام من قراءة إن كانت الصلاة جهرية قرأ الحمد وسورة وإن كانت سرية قرأ الحمد وحدها، وأتى بجميع ما فاته كما سبق في الجواب السابق، أما الإقامة فلا تلزمه لأن إقامة المؤذن تكفي جميع المصلين، والله أعلم.
ماذا يفعل من أدرك الإمام في أول قراءته للسورة بعد الفاتحة؟ من أدرك الإمام في قراءة السورة فلينصت لقراءته، وليستدرك الفاتحة من بعد. والله أعلم.
يأتي
ما قولكم في الذي يصليه المستدرك مع الإمام أهو أول صلاته وما يأتي به من من بعد هو آخرها أم العكس؟ وهل عليه أن يقرأ السورة إن فاتته؟ اختلف في الذي يصليه الداخل مع الإمام، هل هو أول صلاته وما به من بعد هو آخرها أو العكس؟ ذهب إلى الأول صاحب القواعد (1/107)
صفحة 108
108
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
من
أصحابنا
وجمهور أصحاب المذاهب الأخرى، وإلى الثاني أكثر أصحابنا
وبعض علماء غير مذهبنا، وقد تعلق كل واحد من الفريقين برواية، فالأولون يتعلقون برواية «ما فاتكم فأتموا والآخرون برواية «فاقضوا» وكلتا الروايتين صحيحتان، وللإمام نور الدين السالميه بحث في الموضوع خلاصته أن لا دليل في الروايتين لكلا الفريقين لأن القضاء في اللغة ليس محصوراً في الإتيان بالعمل بعد وقته استدراكاً لما فات وإنما ذلك اصطلاح طارئ لا تحمل عليه الآيات والأحاديث، ويدل لذلك قول الله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ) [الجمعة: (10) وقوله فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَسِكَكُمْ} [البقرة: 200] فليس المراد بالقضاء في الآيتين استدراك الفائت، وإنما المراد به نفس ما يسمى في عرف الأصوليين والفقهاء بالأداء، وإنما يكمن الدليل في قوله «مَا، فإن التعبير بالفوات دليل على أن ما يصليه الداخل مع الإمام هو
فَاتَكُمْ آخر صلاته، وإذا تبين لك رجحان هذا القول لم يشكل عليك رد فروع المسألة إلى هذا الأصل، كوجوب قراءة السورة مع الفاتحة على من فاته
الركعتان الأوليان من الصلوات الجهرية عندما يقوم لاستدراكها. والله أعلم.
ما تقول فضيلة الشيخ في رجل أدرك مع الإمام ركعتين في صلاة رباعية وقرأ معه التشهد الأخير إلى عبده ورسوله، فهل إذا قضى ما فاته من الصلاة يلزمه أن يقرأ التشهد مرة أخرى من أوله أم من حيث وقف سابقاً، أم أنه يجلس ويسلم وليس عليه قراءة شيء؟ إذا أراد استدراك ما بعد التشهد الأخير من الدعاء والصلاة والتسليم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذلك أفضل، وإن سلم في جلوسه بعد الاستدراك فلا عليه شيء واختار القطب رحم الله أن يأتي المستدرك التشهد الأخير تماماً خلف الإمام. والله أعلم. (1/108)
صفحة 109
فتاوى الصلاة
109
فيمن دخل المسجد فوجد رجلين يصليان جماعة، فأراد أن يدخل معهما. فكيف يفعل لأجل أن يصف معهما؟
يجر المأموم إلى الخلف ليصفا معاً، أو يدفع الإمام إلى قدام ليكونا معاً خلفه. والله أعلم.
إذا أتى رجل على جماعة يصلون فوجد الإمام ومعه واحد عن يمينه، فهل له أن يصف بجنب الرجل الواقف عن يمين الإمام، أم يلزمه أن يجر المأموم إلى الخلف ليكونا صفاً وراء الإمام؟ وإذا جر المأموم ألا يؤثر ذلك نقضاً في صلاته (أي صلاة المجرور)؟
عليه أن يجر المأموم إلى الخلف، ولا يؤثر ذلك في بطلان صلاة المجرور.
والله أعلم.
وأجاب سماحته على سؤال مشابه بما نصه: إن كانوا في المسجد فله أن
يدفع الإمام إلى المحراب وله أن يجذب المأموم نحوه والله أعلم. فيمن دخل المسجد فوجد الصف مكتملاً فأراد أن يجر أحداً معه. فهل يأخذ من أول الصف أم من وسطه؟
الأولى أن يأخذ من طرف الصف، لئلا تبقى فرجة في الصف ولا يسدها أحد، وأما إن كان الناس ينتبهون لسدها، فلا مانع من الأخذ من وسطه ما عدا الذي يكون وراء ظهر الإمام. والله أعلم.
ما حكم من وجد الجماعة قائمة، والصف مكتملاً، ولم يجر
وإنما صف وحده في وسط الصف؟
لا صلاة لمن وقف وحده خلف الصف. والله أعلم.
أحداً معه، (1/109)
صفحة 110
110
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
ما حكم صلاة من أدرك الصلاة مع الإمام في التشهد الأخير؟ وإذا انتقل المأموم من مكانه بعد أن سلم الإمام ليكمل صلاته فهل عليه شيء؟ دخوله على الإمام بعد أن صار في التشهد الأخير مختلف فيه، والراجح جوازه لعموم حديث ما أدركتم فصلوا»، وأما انتقاله عن مكان صلاته بعد تسليم الإمام فهو مبطل لصلاته، وعليه أن يستأنفها من جديد بعد أن أبطلها. والله أعلم.
ما حكم من دخل المسجد ووجد الجماعة قائمة والصف الأول مكتملاً، هل له أن يدخل من بين المأمومين ليصف بجنب الإمام، أم يصلي بنفسه خلف الصف (منفرداً)، أم ينتظر حتى يأتي أحد يصف معه،
ماذا يفعل؟
أم
الأولى أن يجر أحد المأمومين حتى يصطف معه ويصليا جميعاً خلف الصف الأول. وإن أمكنه أن يتقدم حتى يحاذي الإمام بلا إيذاء لأحد من المأمومين فلا حرج عليه في ذلك. والله أعلم.
وفي إجابة لفضيلته على سؤال مشابه: قال عليه أن يجر أحد المصلين من طرف الصف ليصف معه، ولا يصف بنفسه. والله أعلم.
فضيلة الشيخ ما تقول فيمن يدخل المسجد فيجد الجماعة قائمة فلا يدخل معهم بل يجلس حتى إذا كان الإمام في التشهد الأخير قام يصلي بنفسه؟ وإذا أذن المؤذن فهل يجوز لمن دخل المسجد أن يخرج لغرض دنيوي قبل أن يصلي مع الجماعة؟
جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا جئت والناس يصلون فصل معهم وهو يدل على عدم جواز التخلف عن الجماعة إذا أقيمت لأن (1/110)
صفحة 111
فتاوى الصلاة
111
أمره كأمر الله للوجوب إلا إذا صرفته قرينة عن ذلك (أي عن الوجوب)، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على وجوب استدراك الفائت من الصلاة على من دخل مع الإمام وقد فاته شيء منها وهو قوله: «ما أدركتم فصلوا» وفي رواية «فأتموا»، وهو كما يدل على وجوب الاستدراك يدل على وجوب الدخول، لذلك لا يصح لمن وجد جماعة تصلي أن ينتظر أو يخرج ليصلي بنفسه أو مع جماعة أخرى. وكذلك من دخل المسجد وقد أذن للصلاة ليس له أن يخرج قبل أن يصلي إلا لضرورة لا محيص عنها، أو كان يمكنه أن يعود فيصلي. والله أعلم.
وأجاب عنها أيضاً فضيلته بما نصه؟
لا يعذر المسلم في عدم الالتحاق بالإمام في الصلاة إن سبقه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا»، وفي رواية أخرى «فأتموا» والأمر للوجوب بما لم تصرفه قرينة، ومن جهل ذلك فعليه أن يتعلم، على أن الاستدراك ليس له أحكام خاصة إلا ما دل عليه الحديث المذكور. والله أعلم.
إذا دخلت المسجد فوجدت الجماعة قائمة فهل اقرأ التوجيه أو لا أم أدخل بتكبيرة الإحرام مباشرة؟
اقرأ التوجيه ولو في حال مشيك، فإذا وصلت إلى الصف فكبر تكبيرة الإحرام، وصل ما أدركت مع الإمام، فإذا سلم فقم لاستدراك ما فاتك بعد تكبيرة الإحرام مع الإمام. والله أعلم.
في الحديث: «من أدرك الركوع فقد أدرك الصلاة»، فهل يدل هذا على منع الاستدراك على من لم يدرك الركوع؟
له أن يستدرك إن أدرك الركوع والخلاف فيما بعد ذلك، والراجح (1/111)
صفحة 112
112
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
الجواز، لعموم حديث: «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا»، ولم يخصص هذا العموم مخصص. والله أعلم.
إذا أدرك المصلي الإمام في الركعتين الأخيرتين من صلاة العشاء، فهل
يقضي
في الركعتين الفائتتين وحدها أم الفاتحة مع السورة؟
الفاتحة في
وهل إذا قام للقضاء يقوم بتكبيرة؟ ومتى يقرأ التشهد؟
لا بد في استدراك الركعتين الأوليين اللتين سبق بهما الإمام في صلاة العشاء من قراءة الفاتحة وسورة، لأن السورة فاتت المستدرك أيضاً، ويقرأ التشهد عندما يجلس عند الإمام، وعندما يقوم إلى الاستدراك يقوم بلا تكبيرة. والله أعلم.
إذا أدرك المأموم الإمام - في صلاة المغرب مثلاً ـ وقد سبقه بركعة فكم مرة يقرأ التشهد في هذه الحالة؟ عند أكثر أصحابنا يقرأ التشهد مرتين وعند غيرنا يقرأ مرة ثالثة قبل التسليم وبعد الاستدراك. والله أعلم.
فيمن أدرك الإمام في الركعتين الأخيرتين لصلاة الظهر وهو قاصد الجمع بين الظهر والعصر. فهل يكتفي بالركعتين اللتين صلاهما مع الإمام لصلاة الظهر ثم يقوم ليصلي ركعتي العصر أم عليه أن أربع ركعات حسب صلاة الإمام؟
يتم
صلاة الظهر
إذا صلى المسافر خلف المقيم وجب عليه الإتمام، سواء دخل معه من أول صلاته أو في أثنائها، ولو في الركعتين الأخيرتين، لأنه يجب عليه أن يأتم بإمامه فيصلي صلاته. والله أعلم. (1/112)
صفحة 113
فتاوى الصلاة
113
استدركت مع الإمام صلاة المغرب، ولم أتمكن من قراءة الفاتحة فماذا عليّ إذا لم أبدلهما؟
في
وسورة،
هذه المسألة خلاف، قال بعض العلماء: إن الإمام يحمل عن المأموم القراءة إذا فاتته القراءة فقط ولم يفته غيرها، وقيل: بل عليه أن يقضي ما فاته مع الإمام سواء كان ما فاته القراءة وحدها أم القراءة مع ما بعدها من الركوع والسجود، أو مع الركوع فحسب، بدليل قوله: «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا».
ومن العلماء من يرى أن الإمام إذا سبق المأموم بالقراءة فتلك الركعة بأصلها فائتة للمأموم وعليه أن يستدركها. والله أعلم.
عمن دخل على الإمام في الركعة الثانية، فمتى يأتي بالاستعاذة، وإن كان في المسألة خلاف فما الراجح عندكم؟ في ذلك خلاف، والراجح أنه يأتي بها في أول قراءة يقرأها أول قراءة يقرأها مع الإمام، لأن الاستعاذة شرعت للقراءة، قال تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْهَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ} [النحل: 198، فلو أخر الاستعاذة كانت قراءته مع الإمام خالية منها، والقول الآخر أنه يؤخرها إلى القيام للاستدراك، ووجهه أن محلها
الركعة الأولى وتلك هي الأولى، ولكن الراجح ما تقدم. والله أعلم. (1/113)
صفحة 114
114
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
الشك والنسيان والبدل
سماحة الشيخ: صلى جماعة فريضة الظهر، وبعد تسليم الإمام قال بعضهم صلينا ثلاث ركعات فقط، وقال آخرون: بل صلينا أربعاً، ثم
اتفقوا على إعادة الصلاة، هل يلزمهم إعادتها بمجرد الشك؟
لا إعادة على الشاك في الصلاة بعد تمامها، وإن أراد الشاك الاحتياط فذلك خاص به دون غيره ممن لم يشك، لأن المصلي على يقين فلا يترك يقينه لشك غيره. والله أعلم.
سماحة الشيخ: استدراكاً لسؤالنا السابق هل يعيدون الصلاة جماعة في
الحال السابق أم يعيدونها فرادى؟ وما الحكم إذا خرج وقت الصلاة؟
لا مانع من إعادة الصلاة جماعة على الصحيح إن كان هنالك موجب للإعادة، وسواء كان ذلك في الوقت أو بعد الوقت، إذ لا دليل على المنع من إعادة الصلاة جماعة، وإن قاله بعض العلماء والله أعلم.
رجل أم جماعة لصلاة العصر، وبعد انتهاء الصلاة اختلفت الجماعة فمنهم من يقول صلينا أربعاً ومنهم من يقول صلينا خمساً، والذين قالوا خمساً سبحوا للإمام ولم يلتفت إليهم، بل استمر في صلاته حتى أتمها فما حكم صلاتهم؟
إذا كان الإمام أو غيره مطمئناً إلى أنه لم يزد في صلاته على أربع ركعات فلا يلتفت إلى تشكيك من أراد تشكيكه في صلاته، وكذلك إن شك في هذه الزيادة بعد خروجه من الصلاة فلا يلتفت إلى الشك، ومن كان على يقين بأنه زاد ركعة متابعة للإمام عمداً فليعد صلاته. والله أعلم.
نفسه (1/114)
صفحة 115
فتاوى الصلاة
115
ما حكم من صلى فريضة العشاء وبعدها سنة الوتر، وأثناء تأديته الوتر داخله الشك هل سلم من فريضة العشاء أم أنه نسي التسليم، ولكنه مضى في صلاته. فهل يلزمه إعادتها؟
من شك في التسليم بعد مجاوزته محله فليس عليه شيء، وكذلك من
جاوز أي حد من الحدود ليس عليه أن يرجع إليه. والله أعلم.
رجل أم جماعة لصلاة الفجر، ثم سافر عن بلده فوجد أن ثوبه كانت فيه نجاسة، ولم يرجع إلى بلده إلا بعد أسبوع، فماذا يفعل في صلاته وصلاتهم؟
يلزمه أن يبدل صلاته، لأن الصلاة بالثوب المتنجس لا تصح، وعليه أن يخبر الجماعة الذين صلوا خلفه إن أمكنه، فمن شاء منهم أبدل صلاته ومن شاء أخذ بالرخصة. والله تعالى أعلم.
أثناء
ما الحكم إذا كان إنسان يصلي إحدى الصلوات الرباعية، وفي صلاته سهى ولم يدر كم صلى من الركعات فأراد أن يبدل صلاته، هل يلزمه التسليم إذا أرادا لخروج من هذه الصلاة؟ إذا نسي صلاته ولم يدر كم صلى فعليه أن يعيدها من جديد، وليس عليه أن يسلم لفساد صلاته. والله أعلم.
نسي رجل صلاة العصر ولم يتذكرها إلا في أثناء صلاته المغرب جماعة، فهل يلزمه أن يخرج عن صلاته مع الإمام ليقضي صلاة العصر، أم يتم صلاته وبعدها يقضي فريضة العصر؟ وإذا قضاها بعد المغرب هل يلزمه إعادة قضائها مرة أخرى في وقت العصر من اليوم
التالي؟ (1/115)
صفحة 116
116
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
الأرجح أن يتم في يتم فرض المغرب، فإذا فرغ صلى العصر التي نسيها،
ولا إعادة عليه). والله أعلم.
ما حكم من نسي فرض الظهر ولم يتذكرها إلا والإمام يقيم لصلاة العصر، فماذا يفعل؟
من نسي صلاة مفروضة ثم تذكرها مع حضور صلاة غيرها تقام في جماعة فعليه أن يصلي التي نسي في مكان لا ترتبط فيه صلاته بصلاة الإمام، ثم يستدرك مع الإمام الصلاة الحاضرة. والله أعلم.
رجل أصابته جنابة، ثم قام واغتسل وصلى الفجر، ثم نام في المسجد حتى طلوع الشمس، ولما استيقظ وجد شيئاً من الجنابة في فخذه، وشك أنها متبقية من السابق فهل يعيد صلاته؟
عليه أن يعيد صلاته إن غلب على ظنه أنها من بقايا جنابته الأولى، أما
الغسل فالأولى أن يعيده احتياطاً لئلا يكون المني خرج بعد الاغتسال. رجل أصابت ثوبه نجاسة ولم ينتبه لها إلا بعد أن صلى بثوبه النجس خمس صلوات فهل يلزمه أن يبدل تلك الصلوات؟ وإذا كان يلزمه أن يبدلها فهل يبدلها حين انتباهه أو يبدل كل صلاة في وقتها من اليوم التالي؟ وهل يبدأ بالصلاة الحاضرة أم بالبدل؟
عليه أن يبدل الصلوات الخمس جميعاً على الترتيب حالما ينتبه (2)، وإذا كان في وقت الحاضرة متسع فليبدأ بالفوائت كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم لما
(1) أي لا يلزمه أن يعيد قضاءها بل لا يشرع له ذلك، لأنه أداها عندما تذكرها وذلك وقتها لحديث: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها». (2) أي بعد إزالة النجاسة من ثوبه يبدل تلك الصلوات ولا يشرع له أن يؤجلها إلى اليوم التالي ليبدل كل صلاة في وقتها. (1/116)
صفحة 117
فتاوى الصلاة
117
حاصره المشركون، فقد قضى الظهر والعصر والمغرب في وقت العشاء.
والله أعلم.
مرض رجل وكان في غيبوبة لمدة ثلاثة أيام، فماذا عليه بالنسبة للصلاة؟ عليه أن يقضيها إن أفاق. والله أعلم.
ما
ما الحكم في رجل ابتلاه الله بمرض، وبقي مدة شهر كامل لا يدري يحدث منه من حدث ولا ما يتكلم به، ولم يصل الصلوات الخمس،
ثم عافاه الله
الصلوات؟
من مرضه وعادت إليه، صحته، فماذا يلزمه نظير ما فاته
من
اختلف العلماء في الإغماء هل سبيله سبيل الجنون أو هو مجرد مرض؟ فمن رآه جنوناً لم ير على صاحبه قضاء الصلوات التي استغرق وقتها في الإغماء، اللهم إلا إن أغمي عليه وقد دخل وقت صلاة، أو أفاق حال دخول الوقت فعليه في الحالتين القضاء، ومن رآه مرضاً ألزمه قضاء الصلوات التي فاتت بسبب الإغماء، وهو أحوط وعليه الأكثر، ولا يلزم معها شيء من الكفارات أو الصيام، وإنما يكتفي بالقضاء فحسب، سواء كان قضاء صلاة عند كل صلاة أو جمعاً لصلوات متعددة في القضاء. والله أعلم.
جميع
فضيلة الشيخ: لقد قدر الله عليَّ حادث سيارة فتكسرت أضلاعي ورقدت بالمستشفى مدة طويلة، وكنت أصلي كافة الصلوات، إلا أن البول كان يسترسل بصفة مستمرة، والآن والحمد لله شفيت من ذلك المرض، وأريد أن أوزع للفقراء أرزاً لكي أكفر عما ضاع مني من الصلوات، فهل هذا يكفي أم يلزمني إعادة تلك الصلوات؟
لا تلزمك إعادة الصلوات ولا التكفير، لأنك لم تكن قادراً على أكثر مما (1/117)
صفحة 118
118
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
فعلت والله تعالى يقول: {فَأَنَقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] ويقول سبحانه: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: (286]، ويقول: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا وَاتَنهَا} [الطلاق: 7] ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم»، وقد كان الصحابة يصلون وجروحهم تلعب دماً. هذا وإن أردت التصدق على الفقراء لجبر ما كان من تقصير لا يكاد يسلم منه إنسان على أي حال فحسن ذلك، والله يؤجرك عليه ويجزيك خيراً. والله أعلم.
شيخنا العلّامة - حفظه الله تعالى: وجدت في جامع الشيخ أبي محمد رحم الله ج 1 ص 473 ما نصه: أجمع الناس على أن من صلى بصلاة إمام له أنه جاهلاً بحاله ثم تبين من أصناف المشركين أن عليه إعادة الصلاة وإن خرج الوقت، وقد وجدت في الأثر لبعض أصحابنا أن رجلاً صلى بقوم في بعض أسفارهم نحو سنة ثم تبين لهم أنه كان مشركاً، فأوجب الفقهاء عليهم الإعادة لما صلوا خلفه. اهـ. وقد أشكل عليّ فضيلة الشيخ إلزامهم بالبدل فهم قد صلوا خلفه على حسب الظاهر، وهو الذي تعبدنا به الله، و من قواعد الشرع الشريف التيسير، ولما كان البدل فيه مشقة على الحائض عذرها الشارع، فلماذا لا يقال هنا بما قيل في مسألة الحائض؟ أرجو التوضيح من شيخي مع ذكر الدليل والله
يؤجرك.
الصلاة خلف المشرك لا تنعقد، ولذلك ألزم الفقهاء من صلى خلف مشرك جاهلاً بشركه قضاء صلاته ولو استمر على ذلك مدة من الدهر، وهذا أمر واضح لا غبار عليه أرأيت لو أن إنساناً صلى عاماً كاملاً بثوب متنجس جاهلاً بنجاسته ألا يلزمه قضاء تلك الصلوات؟ ولا تقاس هذه المسألة على مسألة الحائض، فإن ذمة الحائض غير مشغولة بالصلاة من (1/118)
صفحة 119
فتاوى الصلاة
119
أول الأمر، وذمة هذا المصلي لا تزال مشغولة لأن الصلاة التي أداها لم تكن على وجهها الشرعي، وإن خفي عليه ذلك ولم ينكشف له إلا من بعد، لذلك كان الراجح وجوب إعادة الصلوات التي صلاها خلف المشرك كاملة. والله أعلم.
رجل ترك الصلاة في مقتبل عمره عدة سنوات - لا يعرف عددها ـ فماذا يلزمه؟ وكيف يقضي الصلوات التي ضيعها؟
على من أضاع صلوات في شبابه أو مشيبه أن يتحرى مقدارها ويقضيها، وليحتط في هذا بالتحري، واختلف في الكفارة، وعلى القول بوجوبها فقيل: هي خمس كفارات وقيل واحدة، وقيل: لكل صلاة كفارة.
والله أعلم. وأجاب أيضاً أوسط الأقوال أن عليه أن يقضي ما أضاع، ولو قضى مع كل مكتوبة نظيرتها حتى يطمئن قلبه إلى أنه قضى كل الفوائت، وله عدداً من الصلوات في وقت واحد، سواء كان وقت صلاة أم لا،
أن يقضي
ما عدا الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، وينبغي أن يكفر مع كفارات لما أضاع من الصلوات. والله أعلم.
ذلك خمس
وفي فتوى مماثلة قال فضيلته: يلزمه أولاً التوبة ثم قضاء الصلوات التي يتحرى أنه أضاعها، وعليه مع ذلك خمس كفارات احتياطاً كل واحدة منها إما عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً. والله أعلم.
إذا شك المصلي في تكبيرة القيام فهل يرجع إليها؟
إن كان قبل أن يتجاوز موضع التكبير فليكبر وإلا فلا يرجع بسبب (1/119)
صفحة 120
120
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
الشك، بل ولو تأكد النسيان فلا يرجع إلى السنن - ومنها تكابير الانتقال - بعد مجاوزته موضعها. والله أعلم.
ما قولكم في رجل وجبت عليه الصلاة ولم يسارع لأدائها، وهو بقلبه لم يقصد التهاون فيها، وإنما فاته وقتها دون قصد التقصير فماذا يلزمه؟
تأخير الصلاة ليس من ديدن المسلم الذي يؤمن بالله واليوم الآخر، لأن الصلاة أعظم ما يهم المسلم، وله بذلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، ولقد أخبرت عنه أم المؤمنين عائشة لا أنه يكون يحدثهم ويحدثونه فإذا حضرت الصلاة كأنه لا يعرفهم ولا يعرفونه، وقد جاء التأكيد على الصلاة في الكتاب والسنة أكثر من التأكيد على أي شيء آخر، والذي يؤخر الصلاة عن وقتها من غير عذر يلزمه القضاء والكفارة ـ عند جمهور أصحابنا ـ، وذهب بعضهم إلى عدم وجوب الكفارة لعدم ورود النص على كفارة الصلاة، وهو الذي جنح إليه الإمام نور الدين السالمي الله في أجوبته، ونفسي تميل إليه، ولكن الكفارة أحوط لمن أراد أن يستبرئ لدينه. والله أعلم. (1/120)
صفحة 121
نواقض الصلاة:
فتاوى الصلاة
121
ما هي
الأحوال التي تجب فيها إعادة الصلاة؟
إن صلاها بغير طهارة في جسمه، أو في ثوبه أو في المكان الذي صلى فيه، وذلك أن يصليها مثلاً بلا وضوء أو بغير اغتسال من الحدث الأكبر أو مع التلبس بنجاسة في جسمه يمكن التخلص منها، أو في ثوبه أو مكانه أو أتى بناقض سواء كان فعلاً أو تركا أو أخل بشيء من وظائفها الواجبة فعليه في جميع ذلك إعادة الصلاة. والله أعلم.
هل تجوز الصلاة إذا كانت باتجاه قبلة المصلي صورة فوتغرافية؟ إن لم يقصد المصلي تعظيم الصورة لم تبطل صلاته، وإلا فسدت، وترك ذلك أحوط على أي حال. والله أعلم.
ما حكم صلاة من يلبس سناً من الذهب؟
لبس الذهب حرام على الرجال، ولا تصح صلاة لابسه. والله أعلم.
هل تشبيك الأصابع في الصلاة يبطلها؟
كل عبث في الصلاة ينافي الخشوع فيها هو من مبطلاتها. والله أعلم.
هل تجوز الصلاة خلف العبد العاصي لسيده؟
إن كان لا يزال مملوكاً وهو عاص لسيده فلا صلاة له، ولا تجوز الصلاة خلفه. والله أعلم.
ما سبب جواز الصلاة خلف من يقول آمين في الصلاة، وعدم جوازها خلف من يقنت وكلا الحالتين فيها من كلام الآدميين، والحديث يقول: (1/121)
صفحة 122
فلا
122
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
«صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين»؟
لأن القنوت يطول به التكلم فيبقى المأموم في فراغ. والله أعلم.
ما قولكم فيمن صلى خلف إمام مسبل لم يعلم بإسباله إلا بعد الانتهاء من الصلاة؟
إن كان لم يره قبل أن يدخل في الصلاة، ولم يعلم بإسباله حتى صلى
حرج عليه. والله أعلم.
هل تبطل الصلاة إذا ابتسم الإنسان في صلاته؟
قال كثير من العلماء: إن الابتسام ينقض الصلاة إذا كان أثناء الصلاة ولكن ذهب بعض المحققين ومنهم القطب رحم الله إلى أن الابتسام لا ينقض الصلاة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتسم في صلاته، وعندما سئل عن سبب ابتسامه أجاب بأنه تبسم له جبريل فابتسم له، ولهذا رأى القطب رحم الله عدم نقض الصلاة بالابتسام فيها بخلاف الضحك أو ما زاد على الضحك كالقهقهة مثلاً.
هل تصح الصلاة خلف من يكثر العبث بثيابه وبأصابعه ويرفع رأسه ويخفضه، وهل يدخل ذلك في عموم حديث: «صلوا خلف كل بر وفاجر»؟ هذه الأعمال ناقضة للصلاة، وعليه فلا تجوز الصلاة خلف من يأتي بها، لأن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة إمامه، وأما جواز الصلاة خلف البر والفاجر فهو مشروط بأن لا يدخل فيها ما يفسدها. والله أعلم.
رجل صلى الظهر ثم ذهب إلى صلاة العصر فشاهد في ثوبه دماً يابساً، فغسل ثوبه وصلى الظهر ثم العصر فهل صلاته صحيحة؟
إذا غسل الدم فصلاته صحيحة تامة ولكن اختلف العلماء في وجوب (1/122)
صفحة 123
فتاوى الصلاة
123
إعادته للصلوات الخمس إذا كان الدم يابساً، فمن قال بذلك فقد بنى رأيه على الاحتياط فحسب، وإلا فمن المحتمل أن ييبس الدم في الوقت الذي بين صلاة الظهر وبين صلاة العصر، ولذلك لا أرى عليه وجوباً أن يعيد إلا تلك الصلاة الواحدة التي تيقن أنه صلاها وقد كان الدم في ثوبه. والله أعلم.
رجل انتبه وهو في الصلاة بوجود دم في ثوبه فماذا يفعل؟
يخرج من صلاته ويغسل الدم ثم يستأنف صلاته، وإن أمكنه خلع الثوب الملوث بالدم في أثناء صلاته فقد أجيز له البناء عليها بعد خلعه له. والله أعلم.
ما العلة في فساد صلاة المصلين إن كان سترة الإمام مسبلاً؟
العلة في ذلك أن ذلك أن فراغ قافية الإمام من أحد من المصلين يؤدي إلى بطلان الصلاة، فلو لم يكن وراءه إلا سارية مثلاً أو مجنون لا يميز أو من لا يصلي رأساً لما صحت صلاة المأمومين، وبما أن صلاة المسبل باطلة بنص الحديث فحكمه كحكم هؤلاء. والله أعلم.
ما حكم سرط النخامة في الصلاة؟
في ذلك خلاف إن تعمد سرطها، والأحوط إعادة الصلاة. والله أعلم. هل كثرة التثاؤب في الصلاة يفسدها، وماذا عليه أن يفعل أثناء التثاؤب؟ إن كانت غالبة على الإنسان وهو لها كاره فلا حرج عليه في صلاته، وينبغي أن يضع يده على فمه أثناءها. والله أعلم.
نحن نعمل في جهة عسكرية، وقد تبين لنا أن بعض القطع المعدنية الموجودة في الملابس مطلية بالذهب فهل تجوز الصلاة بهذه الملابس، وإن كانت لا تصح فما حكم صلاتنا؟ (1/123)
صفحة 124
124
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
لا، إلا في حالة الضرورة التي لا مناص عنها، وما عليكم حرج في
الصلوات التي صليتموها قبل أن تكتشفوا ذلك. والله أعلم.
رجل نسي في مخبئه قطعة خرقة وبها، دم، فهل تبطل صلاته؟ أرجو أن لا تكون عليه إعادة إن لم يتعمد ذلك. والله أعلم.
ما
حكم
صلاة من أدرك صلاة الجماعة وهو في حالة سهو؟ وهل يلزمه
أن يعيد صلاته؟
ليس للإنسان إلا ما عقل من صلاته، ومن صلى وهو غير حاضر القلب في كل صلاته فلا صلاة له، لأن صلاته فقد روحها وهو الخشوع. والله أعلم.
ما قولكم فيمن يتلفت دائماً في صلاته؟
الالتفات في الصلاة ناقض للصلاة، لأنه مخل بالخشوع فيها، فقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إياك والالتفات في الصلاة فإنه هلكة»، وسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة، فقال: «هو اختلاس
عائشة
يختلسه الشيطان من صلاة العبد، وناهيك بهذا تحذيراً منه. والله أعلم. إذا حدث أحد مصلياً وهو في صلاته هل تنتقض صلاة المصلي أم لا؟ نعم، إن أصغى إليه، لا إن لم يصغ. والله أعلم.
هل صحيح أنكم أفتيتم ببطلان صلاة المصلين إذا كان سترة الإمام مسبلاً؟ إذا كان ذلك صحيحاً فما ذنب من كان في آخر الصف وهو غير مسبل إزاره؟ ثم إننا قد ابتلينا برجل من كبار السن يكون سترة دائماً وهو مصر على إسبال ثوبه، ويقول إن بطلان صلاة المسبل لم يكن في عهد
الأئمة، ويقول بأن الإسبال محرم إذا قصد به الخيلاء فما ردكم عليه؟ (1/124)
صفحة 125
فتاوى الصلاة
125
الفتوى صحيحة وهي مما لا ينبغي أن يختلف فيه، لثبوت فساد صلاة المسبل بالأدلة التي لا ريب في صحتها، والذي يأخذ بقافية الإمام جميعاً إن فسدت صلاته فسدت صلاة صفه بلا خلاف، وإنما الخلاف فيما إذا شاركه أحد صحيح الصلاة في الأخذ بقافية الإمام ولو قليلاً، وسؤال ما هو ذنب الآخرين ممن هم في أطراف الصف من صنيع من يقف خلف الإمام؟ سؤال ساقط، فإن صحة الصلاة وفسادها مما يعود إلى خطاب الوضع لا إلى خطاب التكليف، فلذلك لا يشترط فيها العمد كالحدث الناقص للوضوء وإن لم يتعمده المحدث، أرأيت لو صلى أحد بنجاسة من حيث لا يدري، فإنه غير مسؤول عن ذلك إن استمر على عدم درايته لسقوط خطاب التكليف عنه، إلا أنه لا يسقط عنه القضاء متى علم لفساد صلاته، لأن فسادها من خطاب الوضع، فكذلك الشأن في هذه المسألة، ودعوى ذلك المصر أن هذا القول لم يكن معهوداً في عهود الأئمة كذب بحت يدل على جهل قائله، وإصراره على الإخلاد إلى الباطل، فهذه آثارهم شاهدة على خلاف مدعاه، وكفى بسنة رسول الله الله الفاصلة التي هي حجّة في ذلك، ودعوى أن حرمة الإسبال مقيدة بالخيلاء دعوى باطلة وقد أبنا بطلانها في البحث الذي خصصناه لذلك كما أبنا أن نفس الإسبال خيلاء فارجع إليه. والله أعلم.
الأهوج
إذا دخل رجل المسجد وسلم على الناس وهم في حال الصلاة، فهل يجوز رد السلام عليه سراً؟
لا يسلم على المصلي، وليس عليه رد السلام بعد تسليمه لأنه أضاع سلامه بنفسه. والله أعلم.
من صلى وهو صائم، وفي أثناء صلاته نزل إلى فمه شيء من البلغم أو البصاق فكيف يفعل؟ (1/125)
صفحة 126
126
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
عليه أن يلفظ ما بداخل فيه من البلغم ونحوه عن يساره أو على ثوبه، وليمض بعد ذلك على صلاته، وله أن يخرج خرقة أو نحوها من جيبه ليبصق فيها مع الاضطرار. والله أعلم.
هل تجوز الصلاة على بساط النايلون المصنوع من البلاستيك أم لا؟ لا مانع من الصلاة على بسط النايلون وغيرها من كل الفرش الطاهرة، لعدم قيام الدليل على المنع. والله أعلم.
إذا انتقض وضوء المصلي وهو في الصلاة، فهل يخرج فوراً ويتخطى رقاب المصلين أم يتم صلاته مع الإمام ثم يعيدها فيما بعد؟
إذا انتقض وضوء المصلي في حال الصلاة فلينصرف فوراً، ولا ينتظر الفراغ ولو كان مع إمام جماعة. والله أعلم.
ما قولكم فيمن عطس في الصلاة، هل يتلفظ بكلمة (الحمد الله) أم يكره
ذلك؟
من عطس في حال الصلاة فلا مانع من حمده الله سراً. والله أعلم. (1/126)
صفحة 127
فتاوى الصلاة
127
إعادة الصلاة وقضاؤها:
هل تصح إعادة الصلاة المنتقضة في جماعة أم تعاد فرادى؟
بعضهم
من
لا أجد مانعاً من إعادة الصلاة جماعة لو بطلت، وإن ذهبت طائفة العلماء إلى خلاف ذلك، ففي بعض الآثار عن عمر له أنه أعاد الصلاة جماعة في غير وقتها كما صنع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق عندما صلى الظهر والعصر والمغرب في وقت العشاء جماعة، ولا أرى الذين ذهبوا إلى خلاف هذا الرأي إلا أنهم واقعون في التقليد من غير إمعان فيما بنوا عليه رأيهم، وذلك أنهم رأوا في الأثر عن بعض أهل العلم كراهة تكرار الجماعة في المسجد الواحد، ولم يقصدوا بلك إلا قطع دابر الفرقة بين الجماعات خشية أن يجد روادها سبيلاً إليها من خلال تعدد الجماعات، بحيث يتعمد التأخر عن الصلاة في الجماعة الأولى من أجل إنشاء جماعة ثانية، وهكذا يتمزق الصف وتتشتت الكلمة وتفوت الحكمة التي من أجلها شرعت الجماعة، وهي وحدة الصف ورأب الصدع وتأليف القلوب، ولا ريب أن رأيهم هذا مبني على أصل أصيل في الفقه وهو سد ذرائع الفساد، وهو أمر ملحوظ في مقاصد الشرع الحنيف، فلا غرو إن أخذ به أصحابنا وكثير من أصحاب المذاهب الأخرى، ولكن هذه العلة لا وجود لها فيما إذا أعادت الجماعة نفسها صلاتها من أجل فسادها في جماعة، فإن الجماعة الأولى هي عين الثانية ولا محذور في هذا الأمر، فكيف يصلون مع ذلك فرادى والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تحض على إقامة الصلوات في الجماعات، وتدل على البون الشاسع بين صلاة الجماعة وصلاة المنفرد في الفضل، على أن الصحيح بأن صلاة الجماعة واجبة على الأعيان، لأدلة لا تقاوم، وقد بسطتها
في غير هذا الموضع، فكيف يسوغ مع ذلك أن يصلوا فرادى؟ (1/127)
صفحة 128
128
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
هذا والذي أذهب إليه أنه لا مانع من تعدد الجماعات في المسجد الواحد، ولو لم يكن لإعادة الصلاة السابقة مع الأمن من قصد تشتيت الجماعة، لما صح عن النبي أنه رأي أحداً لم يدرك الجماعة فقال: «هل أحد يتصدق على هذا فيصلي معه»، وكفى بذلك حجة، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. والله أعلم.
من
استغرقت في النوم حتى فات وقت صلاة العصر، فاستيقظت وقت صلاة المغرب، فقدمتها وأخرت العصر بعدها فهل أصبت في ذلك، وهل عليَّ إعادة صلاتها في اليوم التالي؟
لقد كان الأولى أن تصلي العصر ثم المغرب، ولكن بما أنك قدمت المغرب ثم صليت العصر فنسأل الله لك القبول، ولا داعي إلى صلاتها في اليوم التالي، وإنما تصلى بعد الاستيقاظ. والله أعلم.
ما قولكم فيمن ترك الصلاة لفترة وذلك بسبب مرضه، حيث أجريت له عملية جراحية في عضو من أعضاء الوضوء، مما يجعله يشعر بآلام شديدة إذا أراد الصلاة أو الوضوء، فهل عليه شيء؟
قد كان عليه أن يصلي على أي حال ولو مستلقياً، فإن لم يقدر على الوضوء تيمم، وإن لم يقدر عليهما صلى بدونهما، وبما أنه لم يصل فعليه قضاء ما فوت من الصلوات مع التوبة إلى الله. والله أعلم.
امرأة أصابها مرض الشلل، وتركت الصلاة والصوم حتى توفيت، فكيف يقضى عنها الصوم والصلوات؟
قد كان عليها أن تصلي حسب استطاعتها ولو مضطجعة، وأما الصيام فعليها أن تطعم عن كل يوم منه مسكيناً، وبما أنها لم تطعم في حياتها (1/128)
صفحة 129
فتاوى الصلاة
129
فليطعم ورثتها عنها. أما الصلاة فقد فاتت ولا يصلي أحد عن أحد.
والله أعلم. ما قولكم فيمن أخر الصلاة حتى انتهى وقتها؟
عليه التوبة والقضاء والخلاف في الكفارة، وعلي القول بوجوبها فهي عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً. والله أعلم.
ما قولكم في قضاء ركعتي سنة الفجر، هل يجب على من فاتته قضاؤها، ذلك؟ ومتى يجب
بما أن هذه السنة ليست في أصلها واجبة، وإنما هي مؤكدة فقضاؤها كذلك مؤكد وليس بواجب، ويجوز قضاؤها بعد الفرض وبعد طلوع الشمس. والله أعلم.
ما قولكم فيمن أجريت له عملية جراحية، فترك الصلاة بسبب عدم انقطاع الدم واستمرار البول، فلما عوفي قام بقضاء الصلوات التي تركها. فهل يلزمه شيء لتركه الصلاة في حالة مرضه؟
عليه التوبة لتأخيره الصلوات عن أوقاتها، لأن الواجب عليه أن لا يفوت الوقت مع الإفاقة ولو كان جرحه يتصبب دماً وبوله مسترسلاً، وفي الكفارة خلاف، والأصح عدم وجوبها. والله أعلم.
ما قولكم في امرأة لم تصل في حياتها إلا وتجمع بين صلاتين، سواء كانت في الحضر أو في السفر. فماذا عليها؟
عليها أن تتم صلاة الحضر، وما صلته قصراً من فروض الحضر فعليها قضاؤها تماماً. والله أعلم. (1/129)
صفحة 130
130
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
ما قولكم فيمن أخر صلاة إلى وقت صلاة أخرى بسبب بعض الأعمال. فهل يصلي الفائتة أولاً ثم يصلي الحاضرة، أم يصلي الحاضر أولاً؟ ليس له أن يفوت الصلاة من أجل أي عمل بل عليه أن يصلي ولو في حال مواقفة العدو في الجهاد، أو حال التداخل بالسلاح، كما شرحه الفقهاء، وكذلك إن تعذرت عليه الطهارة عليه أن يصلي كيفما أمكنه، وإذا لم يفعل ذلك فعليه القضاء والتوبة، ويبدأ بالفائتة قبل الحاضرة إن لم يخش فوات الوقت. والله أعلم.
فيمن سمع بالقول القائل بحرمة الإسبال ولكنه لم يتأكد من صحته لعدم اطلاعه على الدليل، فلما تبين له ذلك ترك الإسبال، فهل يلزمه قضاء ما مضى من صلاته؟
إن كان تائباً توبة نصوحاً فالله يقبل منه إن كان غير مصر على الإسبال
مع قيام الحجة عليه بحكمه والله واسع المغفرة. والله أعلم.
فيمن مضى عليه زمن وهو يصلي مسبلاً ثوبه جهلاً بحكم الإسبال، فهل يلزمه قضاء تلك الصلوات؟
إن لم يتعمد الإسبال فيما مضى ـ مع علمه بحكمه ـ فعليه التوبة إلى الله، وتأتي التوبة على معصيته ولا يجب عليه القضاء فيما فات. والله أعلم.
رجل أصيب بالشلل، ولم يقدر على أداء الصلاة مدة أربعة أشهر، والآن
يرغب أن يكفر عن تلكم الصلوات التي لم يصلها، فماذا عليه؟
الصلاة لا تعوض بكفارة ولا بغيرها، وإنما عليه أن يصلي على أي حال، ولو كان مستلقياً على فراشه، بل ولو لم يستطع أن يفعل شيئاً إلا أن يكبر لكل صلاة خمس تكبيرات فعليه ذلك، ولا يعذر منه، وبما أن هذا (1/130)
صفحة 131
فتاوى الصلاة
131
لم يفعل شيئاً من ذلك فعليه التوبة إلى الله وقضاء ما أضاع من الصلوات، والخلاف في الكفارة هل تجب عليه أو لا؟ وعلى القول بوجوبها قيل: لكل صلاة كفارة: وقيل خمس كفارات وقيل واحدة، وهي عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً.
:
والله أعلم. ما قولكم في امرأتين لم تصليا فرضاً من الفرائض حتى ذهب وقته، وكان زوج إحداهما قد صلى في الوقت. فماذا على المرأتين؟ وهل يأثم الرجل في هذه الحالة؟
الكل آثم فالمرأتان آئمتان بتركهما الصلاة المفروضة حتى خرج وقتها، والرجل آثم بإقرارهما على ذلك، وعليهم جميعاً التوبة إلى الله، وعلى المرأتين قضاء صلاتهما، كما أن عليهما الكفارة - في قول أكثر العلماء، وهي إما عتق
رقبة أو صوم شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً. والله أعلم. (1/131)
صفحة 132
132
الفاوي
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
السهو وأحكامه:
ما حكم سجود السهو وسجود التلاوة؟
حكم سجود السهو الوجوب، لفعل النبي صلى الله عليه وسلم له عندما سها، ومثل هذا الفعل منه المحمول على الوجوب، لأنه بيان لفريضة أجملت في القرآن، وما كان بياناً لفرض فحكمه حكمه، ويتأكد ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وكذلك حكم سجود التلاوة لملازمة النبي صلى الله عليه وسلم له حتى في صلاة الفرض، كما أخرجه أبو داود الطيالسي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في صلاة الفجر سورة السجدة فسجد في الصلاة، وكفى بذلك دليلاً على وجوب سجود التلاوة، ويقويه أن الله ولا أنكر على من لا يسجدون بقوله: {وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ} [الانشقاق: 21]. والله أعلم.
ها
متى تكون سجدة السهو هل قبل السلام أم بعده؟ وما قولكم في رجل صلى وخرج من صلاته بالتسليم، ثم تذكر أن صلاته لم تتم، فهل يقيم الصلاة مرة أخرى أم يتم ما بقى من صلاته، أم ماذا يفعل؟
يجمع به بين
في سجود السهو خلاف قيل: هو قبل السلام وقيل: بعده، وقيل: إن كان لنقص فقبل السلام وإن كان لزيادة فبعده، وهو أحسن ما يجمع الروايات المختلفة، ومن سها قبل أن يتم صلاته فسلم فليتم صلاته وليسجد لسهوه ما لم يأت بما ينقضها. والله أعلم.
إذا سها الإمام في الصلاة وسجد سجود السهو، هل يسجد المأموم الذي سبح للإمام مع أنه متأكد أنه غير ساءٍ، أو يختلف عن الإمام في عدم لزوم سجود السهو؟
إن سجد الإمام للسهو قبل التسليم سجد المأمومون معه لارتباط (1/132)
صفحة 133
فتاوى الصلاة
133
صلاتهم بصلاته ووجوب متابعتهم له، وإن سجد بعد الصلاة لم يكن عليهم سجود، وإنما ذلك جائز لهم إن أرادوا. والله أعلم.
ما حكم سجود السهو لمن صلى الظهر والعصر جمعاً، فوقع منه السهو
في
كلتا الصلاتين؟
اختلف في الذي يجمع سها فيهما بعدها، وذلك أن يسجد للأولى بعد التسليم، إن سها فيها، وكذلك يفعل في الثانية، أو يسجد لهما جميعاً بعد الثانية، والأول أصح. والله أعلم.
الذي يجمع الصلاتين هل يسجد لكل واحدة منهما للسهو إن
زدت في الصلاة السرية سورة مع الفاتحة سهواً، فتذكرت وأنا في منتصف القراءة فماذا أفعل؟
اقطع القراءة واركع، وبعد فراغك اسجد لسهوك. والله أعلم.
فيمن أم جماعة في صلاة المغرب فسها عن القراءة بعد الفاتحة فركع، فلما سبحوا له رجع إلى القراءة وأكمل صلاته، فلما انتهى قال له أحد المأمومين بأنه أفسد صلاته بسبب إعادته ركناً مرتين، فهل ترى سماحتكم في صلاته بطلاناً؟
من ترك قراءة ما زاد على الفاتحة في ركعة جهرية نسياناً فنبه أو انتبه بعدما خر راكعاً، ففي عودته إلى القراءة خلاف، والصحيح أنها تجبر بسجود السهو، لأنها ـ وإن لم يسع بحال تعمد تركها - لا ترقى إلى حد الركنية، فإذا انتقل عنها إلى الركوع نسياناً لم يكن له أن يرجع إليها ـ كما هو الشأن في ـ الأركان، أما لو وقع في ذلك من لا يتمكن من ترجيح قول على قول فرجع ليها فقد أخذ برأي من آراء علماء الأمة، فلا ينبغي أن يلزم إعادة الصلاة، اللهم إلا أن يكون ذلك من الاحتياط في الدين، والحرص على (1/133)
صفحة 134
134
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
الخروج من عهدة الخلاف، وهو من الورع الذي على العالم أن لا يحمل الناس بفتواه عليه. والله أعلم.
ما قولكم في الإمام ذا أخطأ في القراءة، فهل يلزمه سجود السهو؟ إن كان مجرد خطأ فى القراءة لسهو فيها، من غير سهو عن شيء من أعمال الصلاة فليس عليه أن يسجد لسهوه. والله أعلم.
فيمن استدرك مع الإمام بعد الفاتحة، فهل يلزمه سجود السهو بعد القضاء؟ إن لم يسه فلا سجود عليه. والله أعلم.
فيمن سلم من ركعتين في صلاة الظهر، وتذكر بعد أن سجد سجدتين بعد التسليم هل يستأنف الصلاة أم يبني على ما مضى؟
أما لو سلم ولم يسجد سجدتين فله أن يقوم ويبني على صلاته، والدليل على ذلك حديث ذي اليدين فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم من ركعتين، فقيل له: يا رسول الله: أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال عليه أفضل الصلاة والسلام: «كل ذلك لم يكن»، فقال له ذو اليدين بل كان يا سول الله، فقال ـ عليه أفضل
الصلاة والسلام -: «أكما يقول ذو اليدين قيل له نعم، فاستقبل القبلة وأتم الصلاة. ولقد تحدث الرسول صلى الله عليه وسلم في أثناء الصلاة لأجل العذر ولأجل الاستطلاع على ما يقوله ذو اليدين، وذهب أصحابنا في هذه المسألة إلى أن حديثه كان في الوقت الذي لم يحرم فيه الكلام في الصلاة بعد. وأما الحديث بعد أن حرم الكلام في الصلاة وبعد أن جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين» فهو حديث ناقض
للصلاة، ويجب
أن تستأنف
من جديد.
وأما السجدتان فهما ليستا من الصلاة، ولذلك فإن إتيانهما عمل خارج (1/134)
صفحة 135
فتاوى الصلاة
عن الصلاة، وتبطل الصلاة بهما، ويجب استئنافها من جديد والله أعلم.
135
ما قولكم في الرجل إذا سها في صلاته ولم يدر كم ركعة صلى، وإنما
انتبه في التشهد الأخير، فهل تكون صلاته صحيحة على هذه الحال؟ بما أنه لم يكن عارفاً بصلاته، ولا بما أتاه منها وما لم يأته فليعد صلاته أولها، إذ العبادات تؤدي باليقين لا بالشك واليقين بعيد في مثل هذه الحالة. والله أعلم.
من (1/135)
صفحة 136
136
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
سجود التلاوة:
هل يسجد المصلي سجود التلاوة إذا قرأ آية السجدة؟ وما حكم سجود
التلاوة؟
اتفق علماؤنا على مشروعية سجود التلاوة للمصلي إن قرأ السجدة أو سمعها من إمامه.
وإنما اختلفوا في ميقات أدائه، فمنهم من قال: يسجد بعد فراغه من الصلاة إن كان ذلك في الفرض، وذلك لمكان الفريضة حتى لا يتخلل أعمالها عمل هو في الأصل أجنبي عنها، وهو الذي ذهب إليه أكثر أهل المغرب من أصحابنا أصحابنا ـ رحمهم الله ـ وهو المنصوص عليه في الإيضاح وحواشيه والنيل وشرحه وفي القواعد وغيرها من كتبهم.
قال صاحب «الإيضاح» العالى: وكذلك المصل إن قرأها أو قرئت عليه فإنه يسجد إذا فرغ من صلاته، وقال بعضهم يسجدها إذا قرأها في صلاة النافلة وذلك عندي لأنهما بمنزلة واحدة، أعني أن ذلك نفل كله». اهـ
وأيده العلامة السدو يكشي الا وجرى مجراه الإمام الثميني العالى في «النيل»، وقال الشيخ إسماعيل حمد لله في «القواعد»: «وقد وجدت أنهم أجمعوا على أنه يتوجه على القارئ لها في الصلاة كان أو غيرها، إلا أن أصحابنا أجازوا
سجودها في النافلة ومنعوه في الفريضة، وأجازه غيرهم في الحالتين». اهـ وقال قطب الأئمة رحمة الله في شرح النيل: وإن سجد في الفرض أعاد، وقال بعض قومنا وبعضنا يسجدها إذا قرأها ولو في صلاة الفرض، والصحيح عند المغاربة منا الأول». اهـ، ثم ذكر ما في التاج وهو خلاف ما تقدم وسيأتي نقله إن شاء الله. (1/136)
صفحة 137
فتاوى الصلاة
137
وذهب أصحابنا من أهل المشرق والجمهور من غيرنا إلى مشروعية السجود للتلاوة عند قراءة الآية في صلاة الفرض أو النفل، وهو منصوص عليه في جامع ابن جعفر وآثار أبي سعيد وجامع أبي الحسن وبيان الشرع والمصنف ومنهج الطالبين ومعارج الطالبين ومعارج الآمال وجوهر النظام وجامع أركان الإسلام وغيرها من كتب أهل المشرق من أصحابنا، ويفهم من كلام أبي سعيد رحم الله أنها تعد من جملة أعمال الصلاة لأن الاتفاق واقع على سجودها في الفرض، ودونك المحكي عنه في «بيان الشرع بنصه: إنه ثبت في قولهم أنه إذا قرأ السجدة في الفريضة أن يسجد، ولولا أنها لازمة في الصلاة لما جاز إدخالها في الصلاة، وقد قال كثير من أهل العلم أنه حد ـ أعني السجدة - ويخرج معنى الاتفاق أنه لا يجوز لأحد أن يزيد الصلاة حداً من الحدود ليس هو فيها، فلما ثبت بمعنى الاتفاق إجازتها في صلاة الفريضة ثبت أنها من الصلاة غير القراءة لها، وأنها ليست زيادة في الصلاة» اهـ، ونقل صاحب المصنف عن الشيخ عثمان بن عبد الله الأصم ـ وهو علماء عمان المتقدمين - أنه قال: «من تعمد لترك سجودها في الصلاة ففيه اختلاف والإمام إذا ترك في الصلاة سجودها له فلم ينتبه فيأخر سجودها وإذا
في
من
سلم سجدوا وإن أعلمه أحد في الصلاة فجائز أن يسجد بعد الكلام». اهـ وقال العلامة الشقصي رحمه الله في «منهج الطالبين»: «من قرأ سجدة القرآن في فريضة أو نافلة فلم يسجد فقيل: عليه النقض في العمد وقيل: إنه أساء ولا نقض عليه اهـ وقال العلامة البسيوي في «جامعه»: «وقارئ السجدة في الصلاة يسجدها» وقال أيضاً: «ومن كان خلف الإمام وسجد الإمام وجب عليه اتباعه». اهـ
وقال الإمام نور الدين السالمي رحمه لله في «معارجه»: «اعلم أن المصلي إما أن يقرأ آية السجدة بنفسه، وإما أن يسمعها من غيره، وعلى كل حال فهو عند أصحابنا المغاربة لا يسجدها في الصلاة حتى يفرغ فإذا سلم سجدها، (1/137)
صفحة 138
138
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
وإذ لو سجد لزاد في الصلاة ولو تركها رأسا لترك السنة، فاحتاطوا في الكل، فقالوا: لا يسجد في حال الصلاة احتياطاً ويسجد بعدها ولا يضر ذلك الفصل لأنه للضرورة، وقال بعضهم: يسجدها إذا قرأها في صلاة النافلة لأنهما في منزلة واحدة، لأنه نفل كله، وأما المشارقة فعندهم تفصيل وهو: إما أن يقرأها أو يسمعها من غيره، وذلك الغير إما أن يكون إماماً له تلك في الصلاة وإما أن يكون غير إمام، فإن كان إماماً فحكمها معه كما لو قرأها بنفسه إذا سجد الإمام فإنه يلزمه أن يسجد لوجوب اتباعه، وإن لم يسجد الإمام فليس للمأموم أن يسجد، وإن تركوا السجدة جميعاً أو تركها القارئ لها إن كان منفرداً فقيل: تفسد صلاة من تركها إذا كان في فريضة؛ لأنها بمنزلة حد من الصلاة، وقيل: إن تركها عمداً فسدت صلاته، وإن تركها ناسياً لم تفسد ويسجدها إذا سلّم، ثم يسجد للوهم، وقيل: لا فساد عليه مطلقاً ويسجد للوهم، وقيل: لا وهم عليه. اهـ ثم ذكر حكم ما إذا سمعها في صلاته من غير إمامه وسيأتي إن شاء الله.
وقال في جوهر النظام:
وإن قرأت آية السجود
فواجب تسجد للمعبود
لو كان في صلاته قراها فرضاً ونفلاً لازم أداها لأنها تكون مثل حد منها فلا يترك بالتعدي من هاهنا قيل عليه نقض بتركها وقيل ليس نقض
وقال العلامة الشيخ سيف بن ناصر الخروصي عالى في جامع أركان الإسلام: «فالقارئ لها ولو في الصلاة إماماً أو مأموماً يسجدها على الصحيح فإن تعمد تركها ففي فساد صلاته قولان». اهـ
هذا؛ وقد وافق الإمامان ضياء الدين الثميني في «التاج» وقطب الأئمة (1/138)
صفحة 139
فتاوى الصلاة
139
- رحمهما الله ـ في «الشامل» مذهب المشارقة في مشروعية سجودها في الفرض والنفل للإمام والمأموم والمنفرد، أما الإمام الثميني فقد قال في «التاج» ما نصه: «من قرأ آية السجدة في الصلاة فلم يسجدها انتقضت قيل: إن تعمد وقيل: لا وأساء» وقال أيضاً: «إن قرأ السجدة مصل فلم يسجد فسدت صلاته وقيل: لا، ويسجد للوهم إن نسي، وإن قرأها الإمام فسمعها منه بعض من خلفه لزم الكل سجودها تبعاً له، فإن لم يفعلوا أعادوا صلاتهم، وقيل: لا اهـ. وقال أيضاً: «ومن وقف على السجدة في آخر قراءة في ركعة خرّ ساجداً لها، ثم يقوم حتى يعتدل ثم يركع، وقيل: لا يلزمه أن يقرأ بعد القيام منها، وقيل: يلزمه ولو آية ثم يركع - إلى أن قال ـ ومن تعمد تركه في الصلاة ففي انتقاضها قولان، وإن تركها الإمام وسبحوا له فلم ينتبه أخروه حتى سلّم، وإن أعلمه أحد فيها فله أن يسجد ولو بعد الكلام». اهـ
وهذا كله منصوص عليه في كتب المشارقة من أصحابنا، وما قاله ـ فيما نقلته أخيراً ـ هو عين ما سبق ذكره عن صاحب «المصنف» أنه حكاه عن الأصم. وأما قطب الأئمة فقد قال رحمه الله في شامله: «من قرأ آية سجدة في صلاة فرض ولم يسجد فإن صلاته فاسدة إن تعمد، وقيل: لا تفسد ولكنه أساء، وقيل: إذا قرأها في صلاة فرض أخر السجود إلى التسليم أو إلى تمام التحيات، إن قرأها في نفل فإن شاء أخر سجودها إلى ذلك وإن شاء سجد في حينه، قال أصحابنا المغاربة يسجد في النفل ويؤخر إلى أن يسلّم في الفرض احتياطاً للفرض من أن يزاد فيه، وفصلوا للضرورة بين آيتها وسجودها، ومن قرأ في الصلاة ولم يسجد فلا فساد عليه ويسجد للسهو سواء تذكر في الصلاة فسجد أو تذكرها وأخرها أو لم يتذكرها إلا بعد التسليم - وبعد كلام طويل قال: ـ والصحيح وجوب سجودها على قارئها في الصلاة فرضاً أو نفلاً في حينه؛ لأنه قرأها فسجد ولم يرو عنه أنه قرأها وأخر السجود، ولأن أحاديث الأمر (1/139)
صفحة 140
140
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
بالسجود جاءت عامة ولم تستثن منها الصلاة، ولا نسلّم أن السجود للتلاوة زيادة محضة في الصلاة لأنها تبع للقرآن وهو في الصلاة واجب فهي من تتمة القرآن وهذا مذهب مشارقتنا ومالك والشافعي، وقد ذكر أبو داود في کتاب الشريعة أنه قرأ في صبح يوم الجمعة (الم) السجدة و {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَنِ} [الإنسان: 1] وسجد لما قرأ آية السجدة، وعن ابن عباس: «غدوت على النبي يوم | الجمعة في صلاة الفجر فقرأ سورة فيها السجدة فسجد». اهـ وقال أيضاً في «الشامل»: «وفي الأثر من تعمد تركه ـ أي سجود التلاوة ـ
-
في الصلاة ففي انتقاضها قولان قلت ـ والقائل القطب ـ الأصح انتقاضها لأنها فرض فتركه كترك فرض من فروض الصلاة». اهـ
القارئ
هذا؛ وأما من كان في صلاة فسمع آية السجدة من غير إمامه وسجد قارؤها فهل يسجد معه وهو في صلاته؟ صرح العلماء القائلون بمشروعية السجود للتلاوة في أثناء الصلاة بأن المتنفل يقطع صلاته ويسجد مع وإن لم يكن إماماً له إن هو أنصت لها، وذلك بخلاف المفترض، قال الإمام السالمي الى: وإن سمعها من غير إمامه فلا يسجد اتفاقاً، وخرج أبو سعيد ذلك في الفرائض والسنن اللازمة قال: فإن سجد فعليه الإعادة، قال: وأما له النافلة فيجوز سجود فيها». اهـ
وقد حكى ذلك صاحب بين الشرع عن الإمام أبي سعيد الله وأضاف إليه أنه قال: وعندي أنه إن وافق سجود الصلاة الاستماع للسجدة فسجد للفريضة أن ذلك يجزيه في بعض القول؛ لأنه قد سجد عند استماع السجدة وأرجو أن يجوز له إدخال اعتقاد السجدة هنا ولا أحب له ذلك، فإن فعل رجوت له أنه يسعه». اهـ
ومثل ذلك في «منهج الطالبين غير أنه ذكر أن تأخير ذلك إلى أن يتم صلاته أفضل. (1/140)
صفحة 141
فتاوى الصلاة
141
وظاهر كلام أبي الحسن في جامعه مشروعية سجود التلاوة للمصل لمن استمع آية السجدة في صلاته إطلاقاً إذ لم يفرق بين أن تكون الصلاة فريضة أو سُنَّة واجبة أو مؤكدة أو نافلة، وذلك في قوله: «من أنصت لاستماعها في الصلاة «سجد اهـ وهذا القول محكي عن الحكم وحماد، وهما من علماء الأمة المتقدمين وليسا من علماء المذهب، غير أن في «التاج» للإمام الثميني ما نصه: «وإن صغى مصل لقراءتها من غير الإمام ولو خلفه خيف عليه النقض إن اشتغل بها عن صلاته. اهـ، ونقل قوله هذا قطب الأئمة في «شامله» ولم يعزه إليه وإنما قال على أثره: «قلت: هو كمن أصغى في صلاته لغيرها قطع القراءة أو لم يقطعها، وفيه خلاف، وإن قطع القراءة ففيه الخلاف السابق في من سكت في صلاته بلا عذر متى تنتقض فقيل: إذا زاد على قدر التنفس». اهـ وقال ابن قدامة صاحب «المغني» ـ وهو علماء الحنابلة ـ ما نصه: «فإن كان التالي في صلاته والمستمع في غير صلاة سجد معه، وإن كان المستمع في صلاة أخرى لم يسجد معه إن كانت فرضاً رواية واحدة، وإن كانت نفلاً فعلى روايتين، الصحيح أن لا يسجد ولا ينبغي له أن يستمع بل يشتغل لصلاته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن في لصلاة لشغلا». اهـ هذا؛ ومنشأ الخلاف في سجود التلاوة للمصلي هل هو فرض أو سنة مؤكدة أو غير ذلك، فقد قال القطب الله: «الأصح انتقاضها لأنه فرض، ومن قال لا تنتقض يراه سنّة غير واجبة ولا أكيدة بل فضيلة، وقيل: سنة أكيدة، وعليه فتنتقض أيضاً». اهـ
فکلامه واضح أن القول بمشروعية السجود في صلاة الفريضة مبني إما على القول بفرضية سجود التلاوة أو القول بتأكيده وأن القول بعدم مشروعيته أثناء الصلاة إنما هو مبني على خلاف هذا، ويؤيده كلام تلميذه شيخنا أبي إسحاق إطفيش رحم الله في تعليقه على جوهر النظام»، فقد بنى ترجيحه
في (1/141)
صفحة 142
142
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
عدم السجود في أثناء صلاة الفريضة على أنه لا دليل على وجوبه. ولئن كان الخلاف في هذه المسألة مبنياً على هذا الأصل؛ فإنه ولا ريب لا يخفى ما في أدلة القرآن والسنة المطهرة من حجة ظاهرة لترجيح وجوب سجود التلاوة ويترتب عليه ترجيح مشروعيته في الصلاة، أما في القرآن فحسبك قوله تعالى: {فَمَا هُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ} [الانشقاق: 20، 21]، فإن الله سبحانه قرعهم على تركهم السجود إذا قرئ عليهم القرآن كما قرعهم على عدم إيمانهم، وهو ظاهر في دلالته على وجوب السجود.
فإن قيل: بأن الذم كان على ترك السجود مطلقاً أو على عدم اعترافهم به. قلنا: لا يخفى ما في هذا التأويل من التكلف الذي يأباه ظاهر الدليل، فإن الله سبحانه إنما ذمهم بسبب عدم إتيانهم بسجود معين وهو السجود على تلاوة القرآن، ولو كان الذم بسبب عدم اعترافهم به أو بمطلق السجود لجيء بما يدل على هذا المعنى من العبارة ولما كانت العبارة بخلاف هذا، وقد أخذنا من هذا الدليل الحكم الذي تبادر منه، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا} [الإسراء: 107]، وقال بعد ذكره جماعة من المرسلين: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: 58] مع أنه قال في هؤلاء: {أَوْلَيْكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَيَهُدَتهُمُ اقْتَدِةٌ} [الأنعام: 90]، فلا ريب أن الخروج عن سنتهم في ذلك غير سائغ شرعاً. وأما
من السنة فقد دلّت الروايات على سجود النبي صلى الله عليه وسلم عندما يقرأ آية سجدة في صلاته حال تلاوتها، ولم تأت رواية بعكس ذلك، فتقوت بذلك دلالة الآيات على وجوب السجود على أن المسألة لا تعدو أن تكون مسألة رأي لا تسوغ فيها التخطئة ولا الشقاق، والله أعلم. (1/142)
صفحة 143
فتاوى الصلاة
143
ما قول سماحتكم في قراءة آية السجدة في الصلاة هل يلزم السجود؟ ومتى يكون ذلك أثناء الصلاة أم بعدها؟
وصحح
من قرأ آية السجود في صلاته لزمه أن يسجد عند قراءتها على الصحيح، وهو رأي أصحابنا من أهل المشرق، كما نص عليه الإمام السالمي في معارجه وقطب الأئمة في شامله وقد نص على وجوب السجود في الصلاة إمام المذهب أبو سعيد رحمة الله، ومثله في منهج الطالبين وجامع ابن جعفر، هذا الرأي قطب الأئمة رحم الله في الشامل، وعد ترك السجود مبطلاً للصلاة، وهو مبني على أن قراءة آيته تجعله حداً من حدود الصلاة، ويدل على صحة هذا القول ما رواه أبو داود الطيالسي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في صلاة الفجر سورة السجدة فسجد وسجد الناس معه في الصلاة، والرواية من طريق ابن عباس، وذهب أكثر أصحابنا من أهل المغرب إلى التفرقة بين الفريضة وغيرها، فقالوا بالسجود في غير الفريضة أثناء الصلاة وفي الفريضة بعدها، والأول هو الصحيح لما علمت هذا ولا معنى لما قيل من أن تعمد قراءة آية السجدة مكروه في المكتوبة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدأب على قراءة سورتي السجدة والدهر في فريضة الصبح يوم الجمعة. والله أعلم.
هل يسجد السجدة العلق؟
فيها خلاف، وبعض علمائنا المحققين يرى سجودها. والله أعلم.
من قرأ آية السجدة في الصلاة فمتى يسجدها؟
يسجد في أثناء صلاته إن قرأ آية السجود. والله أعلم.
هل يصح أن يسجد للتلاوة بالإيماء؟
لا، إلا في حالة الضرورة. والله أعلم. (1/143)
صفحة 144
144
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
صلاة الجمعة:
ما الأدلة على جواز إقامة الجمعة في القرى؟
يمر
ذلك،
أمر الله الله بالسعي إلى الجمعة إذا نودي لها، ولم يخصها بمكان دون غيره ولا بحال دون أخرى، ولم تأت السنة القولية مبينة شيئاً من وإنما أقامها صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة وثاني جمعة كانت بجواثي، وقد قالوا إنها قرية بالبحرين، ومصر لها عمر له الأمصار، ولكن لم يأت بحال ما يدل على نهيه عن الصلاة في غيرها بل روي عن ابنه له أنه كان على المياه التي بين مكة والمدينة وأهلها يقيمون الجمعة فلا ينكر عليهم، ونقل رحمة الله عن صحار أو ضمام أنه قال: لو كانت الجمعة بخراسان لكانت أهلاً لأن تؤتى، لذلك كله نرى أن لعلماء المسلمين أن يجتهدوا، وإذا رأوا إقامتها في مكان ما ونودي لها وجب السعي إليها، ولم يسع التخلف عنها لحصول النداء، وتعليق الأمر في الآية عليه. والله أعلم.
محبوب
ما
هي الحجة التي حملت علماء هذا العصر للإفتاء بوجوب إقامة صلاة الجمعة في جميع مدن عُمان مع أنه في عصر الأئمة والعلماء السابقين لم تكن تقام إلا في مدينتي نزوى وصحار، ولم يأمروا بإقامتها في غيرهما؟ وهل يأثم من تركها في غير هاتين المدينتين؟ أفتنا ولك الأجر. صلاة الجمعة من الفروض الثابتة بنص الكتاب العزيز والسنة النبوية وإجماع علماء الأمة، وليس في الكتاب ولا في السنة ما يدل على حصرها ببلدان معينة، وإذ كانت الظروف سابقاً قضت بصلاتها في نزوى وصحار عُمان، فإن ذلك لا يطرد في كل زمان وهل هناك نص أو إجماع على حصرها في بقاع معينة، على أننا نجد أن المسلمين لم يصلوها بنزوى في
من (1/144)
صفحة 145
فتاوى الصلاة
145
الله ـ من
أيام الإمام الوارث بن كعب الله وقد أقامها فيها الأئمة ـ رحمهم بعده، كما أقامها الإمام العدل الشهيد عزان بن قيس الله أينما حل من أرض عُمان، وما التمصير الذي يذكر عن الفاروق الى إلا واقعة حال، وما أحسن ما قاله الإمام نور الدين السالمي الله في ذلك، فقد قال في جوهره: لأنما التمصير حال يعرض فيستقيم تارة ويمرض وإنما عينها الفاروق لأنها في عصره تروق لو كان ذا التعيين مما وقفا عينها لنا النبي المصطفى ولهذا يتضح أنه بعد أن رأى العلماء أن تقام الجمعة في مدن عُمان الرئيسية، وأمر بذلك سلطان البلاد، لا يجوز التخلف عنها في أي بلد
أقيمت ومن صلى الظهر بدلها من غير عذر فلا صلاة له. والله أعلم.
لقد نظرت في كتب السلف والخلف منذ مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم إلى عهد العلماء المتأخرين فوجدتهم يحجرون صلاة الجمعة في عمان إلا في صحار ونزوى، وعلى هذا سارت أسلافنا وعلماؤنا الذين نقتفي أثرهم ونقتدي بهم، ولا أدري ما الذي غير الأمر أشريعة جديدة أم قوم ارتكبوا مخالفات الأمر؟ فأرشدني وأفتني وأعوذ بالله من الرياء.
من أين جئت بهذا الادعاء؟ ومتى رأيت أن الجمعة من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقام إلا في صحار ونزوى؟ وبأي كتاب وأي سنة قيدت بهذين الموضعين، فالله تعالى يقول: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: (9) ولم يقيد ذلك بصحار ونزوى، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين» وقال: «من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه»، والمسلمون لم يختلفوا في أصل وجوبها، وإنما اختلفوا في شروطها، وآراؤهم (1/145)
صفحة 146
?
الفتَاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
كلها مبنية على اجتهادات لا على نصوص، وقد صلاها المسلمون في أماكن متعددة في عمان، ففي عهد الإمام عمر بن الخطاب الخروصي الله في القرن التاسع الهجري أقيمت في جميع أنحاء عُمان، وقد نص الإمام محمد بن سليمان المفرجي على إقامتها حتى في القرى والمسافي)، ورسالته في ذلك موجودة، وفي عهد الإمام العدل عزان بن قيس رحمة الله صلاها بمسقط ونزوى وسمد وفنجا وجعلان، وكل مكان نزل فيه فصادفته به، وفي عهد الإمام محمد بن عبد الله الخليلي رحم الله أمر بإقامتها بجعلان، وقد كان من الموافقة على إقامتها في جميع أنحاء عُمان، كما نص على ذلك في رسالته
رأيه
التي وجهها إلى الشيخين ماجد بن خميس وإبراهيم بن سعيد العبريين، وإن كان التبس عليك في ذلك ما ذكر في كتب الأصحاب من تمصير عمر بن الخطاب له الله الأمصار لها فإن ذلك نظر منه حسب ما يقتضيه الحال ولم تكن نزوى من جملة الأمصار وقد أقامها فيها أئمة العدل، واسمع في ذلك ما قاله الإمام السالمي الله في بيان حكمة التمصير:
لأنما التمصير حال يعرض
فيستقيم تارة ويمرض
وهذه صحار بعد العزة
وبعدما كان بها من قوة
صارت كأدنى بلد يعتبر ومسكدا مكانها قد عمروا
وإنما عينها الفاروق
وقال:
لو كان ذا التعيين مما وقفا
لأنها في عصره تروق
عينها لنا النبـ نبي المصطفى
فمن أين جئت بهذه الدعوى أن المسلمين حجروا الجمعة في غير نزوى وصحار، حتى أنك جئت شيئاً إداً عندما قلت أشريعة جديدة أم قوم ارتكبوا
مسفاة (1) المسافي جمع وهي
كلمة عُمانية يراد بها القرية المحصورة بين الجبال. (1/146)
صفحة 147
فتاوى الصلاة
147
مخالفات الأمر؟ فهل ترى أن هذه شريعة جديدة، أو أن الجهل حجب الحقيقة عنك.
وإذا لم تر الهلال فسلم لأناس رأوه بالأبصار
ذلك؟
هل يجوز أن تقام صلاة الجمعة في عدة مساجد في المدينة الواحدة؟ حيث إن جماعة كانوا يقيمون الجمعة في مسجد، ثم بني آخر فأراد بعضهم إقامة الجمعة في المسجد الثاني، فهل يشرع لهم إذا كان المسجد الأول يتسع لكل المصلين فلا معنى لإقامة جمعة ثانية، لأن المراد من الجمعة الاجتماع، والتفرق ينافي هذا الغرض، ومن المعلوم أن الناس كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعون إلى الجمعة التي تقام في مسجده الشريف، فلو كانت الجمعة كغيرها من الصلوات لأمرهم أن يقيموها في أمكنتهم كما يؤدون سائر الفروض، وإنما أباح العلماء التعدد في الضرورة لا غير. والله أعلم.
وفي فتوى مماثلة أجاب سماحته:
تقام
حال
الجمعة في المسجد الجامع لأن المراد بها جمع الناس، وإظهار كثرة المسلمين، وإبراز وحدتهم وإعلاء كلمتهم، ولا ريب أن الجامع بذلك
أولى. والله أعلم.
لقد كثر تعدد صلاة الجمعة في الولايات. فما حكم ذلك؟ إقامة الجمعة في الولايات أمر محمود لما في ذلك من جمع الناس على ذكر الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتآخي الناس في ظل شعائر الله الله. والله أعلم. (1/147)
صفحة 148
148
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
لما جاء الأمر بإقامة الجمعة في القرآن مجملاً، ولم يقيد بمكان ولا شرطه بحال، وكذا السنة فما الذي خصت به جواثي حتى كانت البقعة الثانية بعد المدينة أقيمت فيها الجمعة في عهده الله ولم تقم في مكة التي صارت بعد النبي صلى الله عليه وسلم من الأمصار السبعة بالإجماع؟
إقامتها في جواثي دون مكة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع تمصير مكة بعد ذلك فيما مصر بالإجماع، إنما هو راجع إلى النظر في الظروف والأحوال، ولذلك اتضح أن أمر الجمعة في تحديد أماكن إقامتها راجع إلى الاجتهاد، ما تقتضيه الظروف ويستلزمه النظر. والله ولي التوفيق.
يوم
هل على المسلم أن يصلي تحية المسجد إذا دخله أثناء خطبة الإمام من الجمعة؟ وإذا تأخر الخطيب يوم الجمعة بعض الوقت فهل عليه شيء إذا تخطى رقاب المصلين ليصل المنبر، لعدم وجود باب يوصله إلى المنبر من غير تخطي رقاب المصلين؟
اختلف العلماء في صلاة من دخل المسجد والإمام يخطب، والراجح جوازها بل استحبابها، لحديث سليك الغطفاني عند الشيخين، ولا بأس بتخطي الرقاب للخطيب يوم الجمعة إن جاء إلى المسجد متأخراً. والله أعلم.
ما حكم الذين يتخلفون عن حضور صلاة الجمعة؟ وما حد المسافة التي يعذر عندها الإنسان عن حضور الجمعة؟ وهل للإمام أن يناقش من تخلف عنها؟ وهل يتبرأ من المتخلف عن حضور الجمعة بغير عذر؟ أفتنا فضيلة الشيخ والله يجزيك خير الجزاء وأحسنه.
قال الله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الجمعة: 9)، وصح (1/148)
صفحة 149
فتاوى الصلاة
149
الحديث عن النبي أنه قال لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين»، وقال أيضاً: «من ترك ثلاث جمع متواليات طبع الله على قلبه»، وجاء عنه في رواية أخرجها ابن ماجه عن جابر بن عبد الله له أنه قال: «واعلموا أن الله قد افترض عليكم هذا في شهري هذا الجمعة في مقامي هذا في يومي من عامي هذا إلى يوم القيامة، فمن تركها في حياتي أو بعدي وله إمام عادل أو جائر استخفافاً بها أو جحوداً لها فلا جمع الله له شمله ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاة له، ولا زكاة له ولا حج له، ولا صوم، له ولا بر، له، حتى يتوب، فمن تاب تاب الله عليه». وذكر الإمام أبو سفيان محبوب ابن الرحيل الله أن أهل عُمان كتبوا إلى الإمام أبي الشعثاء الله يستفتونه عن الجمعة، هل يلزم السعي إليها من لم يسمع نداءها؟ فأجابهم لو لم يسع إليها إلا من سمع نداءها قل الساعون إليها، بل يسعى إليها من فرسخين وثلاثة. هذا وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أن يحرق بيوت المتخلفين عن صلاة الجمعة كما همّ أن يحرق بيوت المتخلفين عن الجماعة. وما هم الله بتحريق بيوتهم إلا لتركهم واجباً عليهم، وفي هذا ما يدل على أن للإمام أن يسائل الناس عن أسباب تخلفهم عن الجمعة والجماعة بل له أن يعاقبهم على ذلك، ومن أصر على ترك الجمعة من غير عذر وجبت البراءة منه لتركه واجباً عليه.
والله أعلم.
هم
الصلاة
وإتماماً للفائدة نورد فتوى سماحته على سؤال مشابه يقول فيها: والعلماء وإن اختلفوا في شروطها - أي في شروط صلاة الجمعة ـ فإنهم لم يختلفوا في أصل وجوبها، وعليه فهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، وما جاء من خلاف في شروطها يرفعه أمر الحاكم المسلم بإقامتها، وعليه فإذا أقيمت (1/149)
صفحة 150
10.
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
بأمر السلطان لم يجز لأحد أن يتخلف عنها، وتجدر العقوبة بالمتخلفين، إذ النبي صلى الله عليه وسلم هم تبحريق بيوت المتخلفين عن الجمعة بالنار. والله أعلم.
هل تجوز صلاة الجمعة باثني عشر شخصاً؟
لصلاة الجمعة شروط منها: المصر، بحيث تقام في مصر كبير ولا تقام في القرى الصغيرة، ومنها: إذن الحاكم، ومنها: وجود الجماعة التي تقيمها. واختلف في العدد الذي تنعقد به فقيل تنعقد باثنين وقيل بثلاثة وقيل: باثني عشر، وقيل: بثلاثة عشر وقيل: بأربعين وهو أكثر الآراء، وقيل:
بخمسين، وليست لهذه الأقوال أدلة يمكن التعويل عليها. والله أعلم.
هل خطبة الجمعة خطبتان أو خطبة واحدة على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم؟ الاقتصار على الخطبة الواحدة إنما هو اقتصار على المفروض وزيادة الخطبة الثانية عند من يعمل بذلك إنما هو عمل بالسنة، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يخطب خطبتين ويجلس بينهما، وقد كان العمل به عند الأئمة الرستميين - رحمهم الله - كما في جواهر البرادي، ونص عليه غير واحد من العلماء، منهم ـ صاحب القناطر في قوله: «وهما خطبتان بينهما جلسة خفيفة، وقال الإمام أبو إسحاق الحضرمي في مختصر الخصال: «والذي يخطب فيه خطبتان أربع خصال أحدهما الجمعة .. إلخ» وقال الإمام السالمي رحم الله في مدارج الكمال:
لجمعة عرفة عيدين
ويستحب سكتة بينهمـ
وحكى
يخطب فيهن بخطبتين حتى تكون تلك فصلاً لهما
العلامة أبو الحسن البسيوي في الجزء الثاني من جامعه أن
الإجماع انعقد على مشروعية الخطبتين والجلوس بينهما، وأورد كلامه بنصه وفصه العلّامة أبو مسلم في نثار الجوهر، ونص على الخطبتين الإمام (1/150)
صفحة 151
فتاوى الصلاة
151
الثميني في النيل، والشيخ عامر في الإيضاح والشيخ إسماعيل في القواعد، وكثير غيرهم، وقد بحثت هذه المسألة بحثاً واسعاً في رسالة كتبتها خصيصاً
فيها، وأزلت ما علق ببعض الأذهان من لبس في هذه المسألة والله أعلم.
هل يصح الإمام راتب في مسجد أن يترك الإمامة بالناس ظهر يوم الجمعة لأجل السعي لصلاة الجمعة؟
إذا كان في مكان تصلى فيه الجمعة فلا يصح له أن يبقى في المسجد ليؤم المصلين ظهراً، إذ لا ظهر يوم الجمعة في بلد تقام فيه الجمعة، اللهم إلا إذا كان ثم عذر يمنع من السعي فللمعذور أن يصلي الظهر، وفي الأثر عن أبي سفيان محبوب بن الرحيل رحمه الله: قال كتب أهل عُمان إلى جابر بن نداءها؟ زيد رحم الله يستفتونه في الجمعة هل يلزم السعي إليها من لم يسمع فأجابهم لو لم يسع إليها إلا من سمع نداءها لقل الساعون إليها، يسعى إليها من فرسخين أو ثلاثة. وقد عرف عن السلف ـ رحمهم الله ـ الحرص التام على شهود الجمعة، فهذا صحار بن العباس العبدي الله كان يسعى إليها من بعد صلاة الفجر، وبعد قضائها يقفل راجعاً إلى بيته، ولا يصل إليه إلا عند صلاة المغرب، وقريب من هذا يذكر عن جابر وأبي عبيدة وحاجب رحمهم الله ـ، فلا معنى لتهاون المتهاونين بأداء الجمعة، فإن في ذلك - وعيداً شديداً جاءت به الأحاديث الصحيحة. والله أعلم.
ما تقول سماحة الشيخ في رجل يؤم الناس للجمعة وهم له كارهون، يكرهون سماع خطبته لما فيها من ألغاز ومضايقة لمشاعر المسلمين، ويكرهون الصلاة خلفه لسيرته غير المرضية، فهل يجوز للمصلين أن يخرجوا إلى بلد آخر تقام فيه الجمعة أم يلزمهم أن يصلوا خلفه وهم غير راضين عنه ولا عن صلاته؟ (1/151)
صفحة 152
152
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
الجمعة يجب أن تكون جامعة غير مفرقة، ومؤلفة غير منفرة، فإنما شرع الاجتماع في الجمعة وغيرها لتأليف القلوب واستلال السخائم، والقضاء على أسباب الخلاف واستئصال جذور الأحقاد واستغلال خطبة الجمعة لتنفير الناس وغرس الأحقاد والعداوات أمر لا يرضاه الإسلام ولا يقره، وجدير بمن كان هذا ديدنه أن تكون الصلاة خلفه مكروهة لكراهة إمامته. وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لعنهم الله: رجل أم قوماً وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط ورجل سمع حي على الصلاة حي على الفلاح ثم لم يجب»، وعليه فإنني أرى أن يطلب من الجهة المختصة منع من يستغل خطبة الجمعة هذا الاستغلال السيئ، وأن يقام بدلاً منه من عرف بالاحتراز فيما يقوله في الخطبة. والله ولي التوفيق.
سماحة الشيخ هل يجوز أن يؤم المسافر بالمقيمين لصلاة الجمعة؟ وهل من بأس إذا قال الإمام للمؤذن بعد الخطبة (أقم الصلاة)؟ وإذا وجد من هو أفصح من الإمام فهل له أن يخطب بدلاً عن الإمام؟ وما حكم ذكر راوي الحديث عقب ذكر الحديث في خطبة الجمعة؟
اختلف في إمامة المسافر في الجمعة، فذهب فريق من العلماء إلى المنع، وهو الذي ذهب إليه الإمام نور الدين السالميه في (الحجج المقنعة نظراً لأن المسافر لا تلزمه وقيل بالجواز وهو الذي ذهب إليه 2) ـ رحمهما الله ـ واعتمده المحقق وموس
العالمان الجليلان هاشم
(2)
(1) العالم الجليل هاشم بن غيلان من علماء أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث الهجري وهو من بني هميم من قرية سيجا من ولاية سمائل.
(2) موسى بن علي بن عزرة من بني سامة بن لؤي بن غالب وهو تلميذ هاشم بن غيلان توفي
عام 231 هـ. (1/152)
صفحة 153
فتاوى الصلاة
153
الخليلي له وهو أصح عندي، لأن المسافر وإن لم تلزمه الجمعة فإن ذمته مشغولة بصلاة سواء أداها ظهراً أم جمعة، وإذا حضرت الجمعة وأقيمت صارت واجبة عليه وبهذا تختلف إمامته عن إمامة المتنفل
بالمفترض.
وأما أمر الخطيب المؤذن بالإقامة بعد الفراغ من الخطبة فلا مانع منه. وأما أن يخطب رجل ويؤم غيره لغير عذر فهذا مما اختلف فيه، والمذهب الجواز.
ذلك
ورواية الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة غير ممنوعة، والأولى في حذف الإسناد للاختصار - إذا كان الحديث صحيحاً ـ وذكر الإسناد لا يؤثر الخطبة شيئاً. والله أعلم.
في
نحن جماعة نقيم صلاة الجمعة في مسجد المعبيلة وعددنا ثلاثون فرداً، فهل نصلي فيه صلاة الجمعة أم نذهب إلى السيب إلى أقرب مسجد تقام فيه الجمعة أم نصلي يوم الجمعة صلاة الظهر؟
عليكم أن تسعوا إلى صلاة الجمعة حيث تقام، ولا يسعكم أن تصلوا الظهر ما دامت الجمعة تقام، بل يجب عليكم السعي إليها ولو إلى فرسخين أو أكثر كما قال جابر رحمه الله: «يسعى إليها من فرسخين وثلاثة»، ولا تتوانوا في ذلك، ولا تنفردوا بأنفسكم بإقامة الجمعة، فإن الجمعة ليست كغيرها فلا تتعدد إلا للضرورة التي لا محيص عنها، لأنها شرعت لجمع الناس، والتعدد تفرق مناف للجمع). والله أعلم.
(1) هذا الحال يصدق على الوضع السابق للمعبيلة أما الآن فقد أصبحت مدينة كبيرة وأقيم
فيها جوامع كبيرة وأقيمت الجمعة فيها. (1/153)
صفحة 154
154
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
تقع منطقتنا على بعد 14 كيلومتراً عن جامع ولاية صحم، فهل نلزم شرعاً بأداء صلاة الجمعة في الولاية؟ علماً بأنه لا تقام صلاة الجمعة في بلدتنا.
يسعى إلى الجمعة من فرسخين وثلاثة كما قال جابر رحم الله. والله أعلم. يبلغ عدد الرجال في قريتنا ثلاثون رجلاً فهل نستطيع أن نقيم الجمعة فيها؟ نظراً إلى صغر هذه القرية وقلة سكانها أرى أن تصلوا الجمعة في أقرب مكان تقام فيه، وأن لا تنفردوا بأنفسكم بإقامتها، وإن تعذر ذلك لبعد المكان فأنتم معذورون وصلوا الظهر. والله أعلم.
ما قولكم عن صلاة الجمعة، تقام في معسكر المرتفعة وتقام في مسجدين وبين هذين المسجدين مسافة خمس دقائق بالسيارة أو أقل من ذلك، فهل تقام أم لا؟
تقام في مسجد واحد من المسجدين والأولى بذلك أوسعهما، ولا تعدد الجمعة لغير داع. والله أعلم.
ما قولكم فيمن كان قادراً على السعي إلى الجمعة، في بلد تقام فيه ولم يسع، وصلى الظهر إماماً بمن معه، ما حكم صلاتهم جميعاً؟
من كان قادراً على السعي إلى الجمعة في بلد تقام فيه ولم يسع
وصلى الظهر، فلا صلاة له ولا لمن صلى خلفه. والله أعلم.
ما حكم إقامة صلاة الجمعة في حال اجتماع الجمعة والعيد؟ صلاة الجمعة فريضة، وصلاة العيد سنة، والسنة لا تسقط الفريضة، وعليه فلا بد من إقامة الجمعة ولو صادفت يوم عيد، هذا هو القول الراجح. والله أعلم. (1/154)
صفحة 155
فتاوى الصلاة
155
ما حكم صلاة الظهر جماعة يوم الجمعة، بسبب فواتها على الفرد من
غير تعمد؟
إن كان ذلك التخلف لضرورة لا محيص عنها، فلا مانع من أن يصلوا صلاة الظهر في جماعة، شريطة أن لا يؤدي ذلك إلى التهاون بالجمعة. والله أعلم.
هل يصح للإمام أن يأمر المأمومين في صلاة الجمعة بعد انتهائه من
الخطبة بتسوية الصفوف والتراص؟
أمر الإمام المأمومين بتسوية الصفوف هو من السنة، لثبوت ذلك عن النبي سواء في جمعة أم غيرها، كما أن للمأموم أن يأمر غيره من المأمومين بتسوية صفوفهم، لأن ذلك من التعاون على الخير. وجاء عن ابن محبوب رحم الله أن للمأموم أن يقول بين الإقامة والصلاة يوم الجمعة تقدم أنت يا فلان أو تأخر أنت - إذا رأى خللاً في الصف، وأن ذلك لا يؤثر في صلاته. والله أعلم.
ـ
عندما أذهب لأداء صلاة الجمعة أشعر بمضايقة شديدة أثناء الجلوس لاستماع الخطبة، بسبب مرض في جسمي، ولا أستطيع أن أجلس كهيئة جلوس التشهد، لذلك أحتاج إلى تغيير هيئة الجلوس لأكثر من مرة،
فهل يجوز لي ذلك، أم يعد ذلك من العبث؟ وهل النهي عن الكلام
الكلام أثناء
الخطبة للتحريم أم التنزيه؟ وهل يشمل الكلام ذكر الله، أم ما يدور بين شخص وآخر من الكلام؟
لا مانع من الجلوس على خلاف هيئة الجالس للتشهد، وبما أن المراد من الخطبة وعظ الحاضرين فإن التكلم يمنع في أثنائها ـ إن فاته الإنصات إليها ـ والنهي للتحريم، ولذلك جاء في الحديث «من قال لأخيه والإمام يخطب صه ـ أي اسكت ـ فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له»، وذكر الله ينبغي أن يكون بالقلب حال الخطبة لا باللسان. والله أعلم. (1/155)
صفحة 156
156
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
ما القول في المأمومين إذا أمنوا على دعاء الإمام في خطبة الجمعة؟ اختلف العلماء في التأمين على دعاء الخطيب في خطبة الجمعة، والذي
نختاره جواز ذلك، ولكن الأولى عدم رفع الصوت. والله أعلم.
فضيلة الشيخ ما حكم صلاة النفل نصف النهار ساعة كون الشمس في الجمعة؟ كبد السماء وذلك في يوم
ينهى عن الصلاة وسط النهار عندما تكون الشمس في كبد السماء، وذلك في الحر الشديد، ولكن يستثنى من النهي يوم الجمعة ـ لدلالة السنة على ذلك ـ والحكمة في ذلك أن شدة الحر من فيح جهنم ـ والعياذ بالله ـ وفي يوم الجمعة يسكن هذا الفيح. والله أعلم.
ما الحكم إذا صلى الشخص الجمعة بنية أنها (سنة) جاهلاً بحكم وجوبها؟ وهل يلزمه شيء؟
عليه أن يبدلها ظهراً أربع ركعات، فإن الجمعة لا تنعقد إن نواها سنة،
وعليه التوبة إلى الله الا الله الجهله الواجب عليه. والله أعلم.
صلى رجل ما أدرك وأبدل ما فاته من صلاة الجمعة، ولم يستمع إلى الخطبة، فهل يعيد فرض الظهر أم لا؟
إن أدرك الركوع صلى معها ركعة وأجزاه ذلك، وإن أدرك أقل من ذلك صلى ما أدرك، واستدرك ما بقي من أربع ركعات. والله أعلم.
ما تقول سماحة الشيخ في الركعتين اللتين بعد صلاة الجمعة هل ننويها سنة الجمعة أم سنة الظهر؟
الركعتان سنة على المشهور، وبما أنهما بعد الجمعة فهما سنة الجمعة، وليستا سنة الظهر. والله أعلم. (1/156)
صفحة 157
فتاوى الصلاة
157
جنب
سماحة الشيخ رجل جاء لصلاة الجمعة وأثناء استماعه للخطبة تذكر أنه فقال في نفسه أستمع للخطبة، ثم بعد الانتهاء اغتسل وأبدل الصلاة، ولكنه نسي أن يبدلها وتذكر بعد ثلاثة أيام فماذا عليه؟ افتنا ولك الأجر. من ذكر أنه جنب وهو في المسجد لصلاة الجمعة أو غيرها فعليه أن يخرج فوراً ليغتسل، لأن الجنابة تمنع شرعاً من دخول المسجد أو البقاء فيه، وبقاؤه فيه لاستماع الخطبة يأثم به من وجهين: أولهما لانتهاكه حرمة المسجد ببقائه فيه وهو جنب ثانيهما لتفويته الجمعة الواجبة عليه، لأنها لا تصح مع التلبس بالأحداث، وهو متلبس بالحدث الأكبر في هذه الحالة، وعليه فإنه يلزمه قضاء صلاته والتوبة إلى الله مما صدر منه. والله أعلم.
ما قولكم فيمن يحضر مسجلاً يوم الجمعة في المسجد ويضع فيه شريط قرآن يرد خلف المقرئ جماعة بعبارة الإعجاب «الله الله يا شيخ» فهل
هذا جائز؟
هذه الحالة من البدع التي يؤمر الناس بتركها، لما فيها من التشويش على من يريد أن يصلي تحية المسجد، ومن يريد ذكر الله من الحاضرين، وإنما الأولى أن يقرأ كل منهم القرآن على انفراد. والله أعلم.
ما قولكم في جواز إقامة صلاة الجمعة في مسجد كتيبة الحدود الشمالية، واستيطان المنطقة من قبل الجنود العاملين في الكتيبة منطقة وهي عسكرية يحظر دخولها إلا بتصاريح من القائد أو ضابط العمليات، علماً أنه لو أقيمت فريضة الجمعة فسيقيمها الجنود فقط وهم مسافرون كلهم؟ لا يجوز للإنسان أن يوطن إلا حيثما يستقر ويطمئن قال الإمام
السالمي نحمد لله (1/157)
صفحة 158
158
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
وتطمئن نفسه ويوطن
ووطن الإنسان حيث يسكن
يراه خير منزل لا يخرجه منه سوى أمر عظيم يزعجه وهذه الصفات لا تنطبق على الكتيبة التي ذكرتها فاستيطان من لم يكن من سكان منطقتها غير جائز، والأصل في هذا عمل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة - رضوان الله عليهم ـ إذ لم يكونوا يتمون إلا في موضع استقرارهم وطمأنينة أنفسهم، والجمعة إنما تجب على الموطنين ويسقط بها عنهم فرض الظهر إجماعاً، أما إن كانوا جميعاً مسافرين فإنها لم تشرع لهم إقامتها، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقمها في أسفاره، وقد صادفته يوم عرفة في حجة الوداع ومعه جماهير المسلمين، فصلاها ظهراً وصلوها معه كذلك. والله أعلم.
ما رأيكم فيمن يقول: إن صلاة الجمعة لا تصح في دولة خاضعة تحت حكومة غير إسلامية مثل تنزانيا؟
يكفي أن يكون على رأس الدولة أحد يدين بالشهادتين ـ وإن لم يعمل بهما ـ في مشروعية صلاة الجمعة وناهيك أن السلف صلوها في ظل دولة أمية وهم الذين بدلوا أحكام الله، وساموا عباده الصالحين الخسف والهوان، وقد يطلق الإمام حتى على الكافر الملي، فقد قال تعالى في فرعون وحاشيته: {وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} [القصص: 41]. والله أعلم.
بني
ما قولكم فيمن لا يشهد الجمعة، ويعتذر ببعد الجامع عن منطقته، ووجود خلافات قبلية بينهم وبين أهل المنطقة التي يوجد بها الجامع؟ يجب السعي إلى الجمعة إذا نودي لها في أي أرض لا يفضي الذهاب إليها إلى قصر الصلاة، فعندما سئل جابر حمدالله عن الجمعة هل تلزم من لم نداءها؟ أجاب: «لو لم يسع إليها إلا من سمع نداءها لقل الساعون
يسمع
إليها، يسعى إليها من فرسخين وثلاثة». وكان صحار بن عباس العبدي (1/158)
صفحة 159
فتاوى الصلاة
159
يسعى إليها من بعد الفجر ويعود إلى أهله عند المغرب، فما بال هؤلاء يعتذرون عن السعي، وأما الخلافات القبلية فلا دخل لها في شؤون العبادات، لأنها شرعت لجمع الشتات وتوحيد الصف ولم الشمل، وعلى كل حال فإن هؤلاء إن لم يسعوا إليها مع النداء إليها أضاعوا فرضاً وأهملوا واجباً. والله أعلم.
هل يلزمنا السعي لصلاة الجمعة إذا كان الجامع الذي تقام فيه الجمعة يبعد عنا مسافة (53) كيلومتراً؟ في هذه الحالة تعذرون إن لم تسعوا إليها، وإن سعيتم إليها فذلك خير.
والله أعلم.
سمعنا في بعض خطب الجمعة: وإن من البدع في العبادات صلاة الداخل إلى المسجد بعد جلوسه والإمام يخطب، والحق أن من جلس لا يقوم إلا لأداء صلاة الجمعة نرجو توضيح المقصود
بذلك؟
نعم، يشرع للداخل في المسجد والإمام يخطب أن يصلي ركعتين، ولكن
بعد جلوسه ينهى عن القيام للصلاة حال الخطبة. والله أعلم.
ما حكم تسليم الخطيب على الجماعة في خطبة الجمعة؟ يستحب السلام على الجماعة من قبل الخطيب قبل الأذان عندما يصعد
المنبر، فمن ترك ذلك لم يقدح تركه في خطبته. والله أعلم.
ما حكم إمام يخطب بغير العربية لمأمومين لا يعرفون العربية، ولا أحد يستطيع أن يخطب غيره، وهو يأتي بالآيات القرآنية والأحاديث ثم يفسرها باللغة غير العربية؟ (1/159)
صفحة 160
160
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
إن أتى بأركان الخطبة بالعربية - وهي الحمد لله والشهادتين والصلاة والسلام على نبينا محمد مع النصوص القرآنية والأحاديث النبوية - فلا
حرج إن كان سائر الخطبة بلغة أخرى يفهمها المصلون والله أعلم.
فيمن يخطب لصلاة الجمعة، فمر على آية سجدة فكيف يسجدها؟ قيل: يسجدها على المنبر إن أمكنه، وقيل: ينزل ويسجد، وقيل: لا سجود عليه، لأنه أتى بها استشهاداً لا تلاوة. والله أعلم.
إذا أحدث الخطيب في خطبة الجمعة فما عليه أن يفعل؟
يستخلف غيره ليكمل الخطبة ويقيم بهم الصلاة. والله أعلم.
6
الجمعة
ما قولكم في رجل مسافر وجد جماعة تصلي الظهر في يوم وهم من أهل تلك البلدة وتقام فيها الجمعة، فهل يصلي معهم أم لا؟
إن كانوا معذورين فنعم، وإلا فلا. والله أعلم.
رجل استمر مدة طويلة يصلي الجمعة ناوياً بها أنه يؤدي السنة وليس
الفريضة، فماذا عليه؟
عليه أن يعيدها ظهراً. والله أعلم.
فيمن فسدت عليه صلاة الجمعة هل يعيدها أربعاً أم ركعتين، وهل من فرق في كون المصلي مقيماً أو مسافراً؟
الجمعة لا تصح إلا في جماعة، وفي وقتها المحدد، من غير أن تتقدمها جمعة أخرى، لذلك أرى على من فسدت عليه أن يعيدها أربعاً إن كان
مقيماً، وركعتين إن كان مسافراً، سواء في الوقت أو بعده. والله أعلم. (1/160)
صفحة 161
فتاوى الصلاة
إذا فسدت صلاة الإمام في صلاة الجمعة فهل تعاد ظهراً أم جمعة؟
161
قيل: تعاد ظهراً، وقيل: جمعة وقيل بالتفرقة بين ما إذا كان ذلك الوقت أو بعده، والأول أرجح. والله أعلم.
في
دخل رجل المسجد ليؤدي صلاة الجمعة، ولكن جاء متأخراً فوجد الخطيب يخطب الجمعة. فهل يصلي ركعتي التحية أم لا ويستمع إلى
خطبة الخطيب؟
الأصل فيمن يدخل المسجد أن يصلي تحية المسجد، كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظ الأمر وبلفظ النهي عن الجلوس قبل أن يؤدي هذه التحية، قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس»، وقال ـ عليه أفضل الصلاة والسلام: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس
:-
حتى يركع ركعتين»، وقد جاء هذا الحديث بلفظه في مسند الإمام الربيع بن حبيب رحم الله، وقد رواه الشيخان من طريق أبي قتادة عالى
عنه
•
واختلف العلماء فيما إذا كان الإمام يخطب لصلاة الجمعة ودخل داخل
المسجد
هل يصلي ركعتين أم لا؟ مع اتفاق الجميع على أن الإنسان لو كان داخل من أول الأمر، وشرع الخطيب في الخطبة، يمنع في ذلك الحال أن يصلي شيئاً من الصلوات، والخلاف في هذه المسألة على أقوال متعددة: القول الأول: المنع مطلقاً:
فقد ذهب إلى المنع مطلقاً جماعة من العلماء، وقد نسب إلى كل من الخلفاء الثلاثة عمر وعثمان وعلي كما ينسب إلى أكثر السلف من، الصحابة والتابعين، وهو قول مالك وأبي حنيفة وقتادة وشريح الكندي وعروة وجماعة آخرين من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، ونسبه الإمام السالمي حمدالله إلى المذهب. (1/161)
صفحة 162
162
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
القول الثاني: الإباحة:
وذهب إلى القول بالإباحة، بل إلى إطلاق ندبية هذه الصلاة لمن دخل المسجد ولو كان الإمام يخطب جماعة من الصحابة، منهم أبو سعيد الخدري، وروي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما ـ، وهو القول الذي قال به أكثر المحدثين، وذهب إليه الإمام الشافعي وأحمد، ومال إليه بعض الميل أبو سعيد الكدمي
القول الثالث:
العالي
تخيير الداخل إذا دخل المسجد والإمام يخطب بين الجلوس وأداء تحية المسجد، وهذا القول نسبه الإمام نور الدين السالمي الله تعالى في المعارج إلى بعض أصحابنا وبعض أصحاب المذاهب الأخرى.
القول الرابع:
وفيه تفصيل، فإن كان الإمام توقف هنيهة ليصلي الداخل صلى وإلا جلس، حكاه الشيخ إسماعيل في قناطره عن بعض أصحابنا.
القول الخامس:
إذا صلى الإنسان في بيته قبل أن يذهب إلى المسجد، ثم ذهب ووجد
:
الإمام يخطب لم يكن له أن يصلي، وأما إذا لم يصل في بيته فلا مانع من الصلاة ولو كان الإمام يخطب وهذا القول للأوزاعي، وحكاه الشوكاني عن صاحب المنتقى.
وإذا جئنا إلى استعراض الأدلة وجدنا أصحاب كل قول من هذه الأقوال يستدلون بدليل قوياً كان الدليل أو ضعيفاً، واكتفي هنا بذكر أدلة القولين الأول والثاني. (1/162)
صفحة 163
فتاوى الصلاة
163
فالذين يقولون بالمنع مطلقاً يستدلون بأدلة منها:
1 - قول الحق: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْهَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا} [الأعراف: 204] ولا ريب أن الخطبة تشتمل على كثير من الآيات القرآنية.
2 ـ قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الشيخان عن أبي هريرة الله «إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت»، فإذا كان أن يقول لصاحبه والإمام يخطب أنصت يمنع بمعروف ونهياً عن منكر، فالأولى أن يمنع من الصلاة، لأن الصلاة تتنافى مع الإنصات لخطبة الخطيب.
الإنسان
أن في ذلك أمراً
ـ ما رواه الطبراني عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما ـ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا دخل أحدكم المسجد والإمام يخطب فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الإمام».
4 - ما رواه النسائي وأبو داود أن رجلاً جاء إلى المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الخطبة، وكان الرجل يتخطى الرقاب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اجلس فقد آذيت»، ولم يأمره صلى الله عليه وسلم أن يصلي.
وقد تعقبت هذه الأدلة بالآتي:
أما الآية الكريمة فقد قالوا فيها إنها ليست نصاً في الموضوع، إذ ليست الخطبة كلها قرآناً، وكذلك فإن العمومات تخصص بكثير من المخصصات، وقد خصص عموم هذه الآية الكريمة بقراءة فاتحة الكتاب خلف الإمام ولو كان الإمام يقرأ، إذ قال ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام الربيع صلى الله عليه وسلم: لا تفعلوا إلا بأم القرآن».
أما الدليل الثاني فقد ردّ عليه بأن مصلي التحية يجوز أن يطلق عليه (1/163)
صفحة 164
164
الفتَاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
أنه منصت، فقد جاء في افتتاح الصلاة من حديث ابي هريرة أنه قال: يا رسول الله سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول فيه؟» فأطلق على القول سراً السكوت.
وأما الدليل الثالث فقد تعقب بأن الحديث ضعيف، لأن من رواته أيوب بن نهيب، وهو ضعيف، ضعفه أبو حاتم وأبو زرعة، وأقر تضعيفه الحافظ ابن حجر في فتح الباري، والشوكاني في نيل الأوطار.
وهو
وأجابوا عن الدليل الرابع بأنه واقعة عين ولعل تلك القصة وقعت قبل أخذ
مشروعية تحية المسجد، ومن المحتمل أن يكون الرجل قد صلى ثم يتخطى الرقاب ليقترب من النبي صلى الله عليه وسلم ليسمع خطبته، كما يحتمل أن يكون أمر - صلوات الله وسلامه عليه - إياه بالجلوس لأجل بيان جواز ترك تحية المسجد، ولقد أضاف ابن حزم في المحلى جواباً آخر إلى هذه الأجوبة، أن الحديث ضعيف لأجل أنه من رواية معاوية بن صالح وهو غير ثقة، ولكن رد عليه المعلق على المحلى العلامة المحدث أحمد محمد شاكر إذ قال: إن الحديث صحيح، والرجل الذي ضعفه ابن حزم هو ثقة، وثقه غير واحد من أئمة الحديث، وذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري أن ابن خزيمة وغيره من أئمة الحديث قد صححوا هذا الحديث وعلى كل فهو حديث فيه ما فيه من الاحتمال، على أن ترك أمر الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - لذلك الرجل أن يصلي ركعتين يحتمل أن يكون بسبب أنه قد شاهد منه الإيذاء، فأمره أن يجلس واستحب له الجلوس من صلاة ركعتين مع إيذائه للناس، ويحتمل أن يكون أمره بالجلوس مع شرط الصلاة.
والذي قالوا باستحباب صلاة الركعتين أثناء الخطبة استدلوا بأدلة منها: (1/164)
صفحة 165
فتاوى الصلاة
1 ـ الحديث الذي رواه الشيخان وغيرهما من أئمة الحديث، عن جابر بن عبد الله أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال له: «هل صليت»، فقال له: لا، قال له: «قم فصل»، ولقد جاء بيان اسم هذا الرجل في رواية لمسلم أنه سليك الغطفاني، وجاء في بعض روايات مسلم أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه ـ قال للرجل: هل صليت ركعتين؟ قال: لا، قال: قم فصلهما»، وفي رواية: «قم فاركعهما» وجاء في رواية أخرى أن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام ـ قال: «إذا دخل أحدكم المسجد والإمام يخطب
-
-
فليركع ركعتين»، أخرج هذه الرواية مسلم من طريق جابر بن عبد الله، وقد ذكر الحافظ في فتح الباري وغيره من أئمة الحديث أن الحديث متفق عليه. ولقد أجاب المانعون بكثير من الأجوبة منها:
عن
أبي
1 ـ أن القضية واقعة حال، ويحتمل أن يكون ذلك الأمر خاصاً بسليك، ويؤيد ذلك أن أصحاب السنن وغيرهم رووا عن أبي سعيد ه أن رجلاً دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، وكان على حالة بزة فأمره صلى الله عليه وسلم أن يصلي ركعتين وحض له على الصدقة، وجاء في رواية لأحمد سعيد الى أن الرسول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ قال: «إن هذا الرجل دخل المسجد وهو على حالة بزة، فأمرته أن يصلي ركعتين، وأنا أرجو أن يفطن له رجل فيتصدق عليه، وأيدوا ذلك برواية ذكرها ابن حبان أن الرسول - عليه أفضل الصلاة والسلام - قال لذلك الرجل: «لا تعودن لمثل هذا»، وذكر ذلك أيضاً ابن بركة في جامعه، قال إن الرسول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام - أمر الرجل أن لا يعود لمثل ذلك.
ولكن تعقبت هذه المناقشة كلها بأن الرسول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام - لم يقصد مجرد الحث على التصدق على ذلك الرجل، وإنما قصد (1/165)
صفحة 166
مع
166
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
ذلك مشروعية الصلاة، والدليل على هذا رواية مسلم التي تنص على أن كل من دخل يوم الجمعة والإمام يخطب يشرع له أن يصلي ركعتين، ويؤيده أن الرسول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام - كرر الأمر لسليك الغطفاني بالصلاة مرتين أو ثلاثاً، كما في رواية أحمد وابن حبان والنسائي وغيره من
أئمة الحديث.
2 - أن الرسول صلى الله عليه وسلم قطع خطبته لما دخل سليك وانتظره حتى يتم صلاته، ولكن تعقب ذلك بما ثبت في بعض الروايات عن أبي سعيد له أن سليكاً كان يصلي والرسول صلى الله عليه وسلم مستمر على خطبته.
ـ أن أولئك المعترضين على الاستدلال بهذه الرواية قالوا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لما أمر سليكاً بأداء ركعتين انقطع عن خطبته، وفي وقت الانقطاع سقط عن سليك فرض لإنصات، ولما سقط عنه فرض الإنصات
صحت له الصلاة.
وقال ابن العربي: إن هذا الجواب هو أقوى الأجوبة، وتعقب ذلك الحافظ العسقلاني في فتح الباري بأنه من أضعف الأجوبة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم بعدما أمر سليكاً عاد إلى الخطبة، وكان سليك يصلي والرسول صلى الله عليه وسلم يخطب. 4 ـ أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر سليكاً بالصلاة قبل أن يشرع في الخطبة، لما جاء في رواية الليث في حديث جابر عن مسلم إن الرجل دخل والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد على المنبر».
وأجيب بأن هذا القعود يحتمل أن يكون بين الخطبتين، مع أن ذلك القعود قعود لا يتسع لمقدار ركعتين والرسول صلى الله عليه وسلميستمر بعده في الخطبة الثانية، ويكون بذلك سليك مؤدياً للركعتين في أثناء أداء النبي صلى الله عليه وسلم للخطبة (1/166)
صفحة 167
فتاوى الصلاة
167
الثانية، على أن هذه الرواية يحتمل أن تكون من باب التجوز)، لأن معظم الروايات ناصة على أن الرجل دخل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب.
ه ـ إن الداخل إذا دخل والإمام يصلي سقطت عنه تحية المسجد، والخطبة صلاة وأجيب بأن الخطبة ليست بصلاة، لما هنالك من الفارق بين الخطبة وبين الصلاة، والداخل في حال الخطبة مأمور بشغل البقعة بالصلاة قبل جلوسه، بخلاف الداخل في حال الصلاة فإن إتيانه بالصلاة التي أقيمت يحصل به المقصود، هذا مع تفريق الشارع بينهما فقال: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»، ولم يقل ذلك في حال الخطبة بل أمرهم فيها بالصلاة. 6 ـ إن الإمام تسقط عنه سنة، التحية لأنه إذا دخل جلس على المنبر فكذلك المأموم.
وأجيب بأنه قياس مع النص، والقياس مع النص لا يعول عليه، وأيضاً فإنه قياس مع الفارق لأن الإمام عندما يدخل يشتغل بالخطبة وجلوسه على المنبر يعتبر من مقدمات الخطبة، كما ثبت ذلك عن النبي ـ عليه أفضل الصلاة والسلام -
7 - ما قاله بعض المالكية من أنّ أهل المدينة كانوا لا يصلون تحية المسجد في حال الخطبة، والحديث الآحادي عندهم يرد لمخالفة أهل المدينة له.
وأجيب بأنه لا نسلم أن الحديث الأحادي يرد إذا خالفه أهل المدينة في العمل، وإنما ذلك رأي للمالكية، وليس بمجمع عليه عند المسلمين، وأن أبا سعيد الخدري له من أهل المدينة، وقد صلى هاتين الركعتين، ولما
(1) أي: أن الراوي تجوز في قوله: «قاعد» لأن الروايات الصحيحة كلها مطبقة على أنه دخل والنبي يخطب. (1/167)
صفحة 168
168
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
أرادت شرطة مروان أن تمنعه من ذلك قال: لم أكن لأدعهما وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بهما.
ـ أن هذا الرجل يحتمل أن يكون قد ترك فريضة من الفرائض وفاتته الفريضة، وقد كوشف النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ولذلك أمره أن يصلي ركعتين قضاء لهذه الفريضة.
ورد هذا: بأنه تكلف في التأويل، مع أن الظاهر خلاف ذلك، إذ حديث جابر بن عبد الله الذي ينص على أن من دخل المسجد والإمام يخطب يؤمر أن يصلي ركعتين يرد كل الرد على هذا التأويل، مع أنه مردود أيضاً بما ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر سليكاً بذلك مرة بعد هذه المرة أو مرتين بعدها، ولم يكن في كل أحواله هذه تاركاً لفريضة أن لو صح ما يقولون.
وبالجملة فإنه يتضح من هذا البحث أن الحجة التي يعتمد عليها القائلون باستحباب الركعتين هي من أقوى الحجج وأظهرها، ولقد قال الإمام أبو سعيد العالى وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم أمر الرجل بذلك وثبت عنه ذلك فهو أولى، مع أن كثيراً من الأدلة تقتضي استحباب صلاة ركعتين لمن دخل المسجد، ولا يبعد أن يقال بتأكيد هاتين الركعتين، وإسقاطهما يحتاج إلى دليل، ولقد تعقب الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري نقول الناقلين عن الصحابة أنهم كانوا يمنعون هاتين الركعتين في حال أداء الخطبة، وقال: لم أجد ذلك صريحاً عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد بسط ذلك في في شرح حديث جابر بن عبد الله في صحيح البخاري، ومن أراد الإطلاع على كلامه فليرجع إليه، والله أعلم، وبه التوفيق.
المقال
ما قولكم في جواز إقامة صلاة الجمعة في إحدى معسكرات الجيش، يسمح لدخول الناس من خارج المعسكر إلا لعدد قليل منهم
حيث لا (1/168)
صفحة 169
فتاوى الصلاة
169
ذلك لا يتسع
وفي حالة الطوارئ يمنع ذلك منعاً مطلقاً، والمسجد مع لجميع من تجب عليه الجمعة، فهل ترون جواز إقامتها في هذا المعسكر؟ الأسلم والأحوط في هذه الحالة عدم إقامة الجمعة داخل المعسكر، إلّا أن يتعذر على من في المعسكر السعي إلى الجمعة حيث تقام،
اللهم
والله أعلم.
بلد تقام فيه صلاة الجمعة في مسجدين مختلفين أحدهما للأصحاب والآخر لملخالفين، ومسجد الأصحاب يخطب فيه إمام لا يحسن الخطابة من حيث عدم إفصاحه وطلاقة لسانه، مما يؤدي إلى عدم فهم مضمون الخطبة، وكذلك عدم إسماعه لقراءة القرآن أثناء الصلاة، وأما مسجد المخالفين فهو بخلاف ذلك تماماً، فهل يصح لنا أن نترك الصلاة
مع الأصحاب ونصلي مع المخالفين لأجل ما ذكرنا في السؤال؟
يجب اختيار الخطيب والإمام، وأن يكون أفصح القوم لساناً، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «يوم القوم أقرؤهم لكتاب الله»، وصلاة المسلمين ببعضهم جائزة ـ وإن اختلفت مذاهبهم ـ ما لم يأتوا فيها بناقض. والله أعلم.
هل يجوز أن أترك صلاة الجمعة في الجامع الأقرب، وأصليها في الجامع الأبعد لعدم استقامة الإمام وظهور فسقه، الأمر الذي يجعلني بعيداً الخشوع والاطمئنان في الصلاة؟
إن كنت لا تنوي بذلك تفريق الجماعة، ولم يؤد ذلك إلى فرقتهم، وإنما هو من أجل الاطمئنان في صلاتك وخشوعك فلا حرج عليك في ذلك.
والله أعلم. (1/169)
صفحة 170
170
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
صلاة المرأة:
ما الفرق بين صلاة الرجل والمرأة من حيث الأداء؟
الرجل يقيم لصلاته، والمرأة ليست عليها إقامة والرجل يجافي يديه عن جنبيه في سجوده والمرأة تضم نفسها، والمرأة لا تنحني كثيراً من أجل الستر بخلاف الرجل وذلك في الركوع، وفي السجود لا ترفع عجزها عن رجليها كثيراً بخلاف الرجل، وقيل: هي كالرجل. والله أعلم.
المحافظة
هل يصح للنساء أن يصلين في المسجد. وما الأدلة على ذلك؟ نعم يصح لهن أن يصلين في المسجد، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن منع إماء الله بيوت الله، ولكنه ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ أمرهن أن يخرجن تفلات ـ أي غير متبرجات بشيء من الزينة، وأن يتصلبن في حديثهن، فلا يلن الكلام للرجال خشية الفتنة عليهم، وعليهن ولقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة إذا أصابت بخوراً أن تشهد الصلاة في المسجد، مع التي كانت في الصحابيات - رضي الله تعالى عنهن، قالت أم المؤمنين ـ عائشة: لو رأى رسول الله ما أحدثت النساء لمنعهن من المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل، ولقد ذكرت أم المؤمنين عائشة لنا أن النساء في عهد الرسول كن يخرجن إلى المسجد متلفعات بمروطهن فإذا التزمت النساء المسلمات هذا الشرط وخرجن إلى المساجد وهن متحفظات محافظات على أمر الله تعالى غير متبرجات بزينة ولا مميلات بحديثهن ولا متعرضات لشيء من الفتنة، فلا مانع من ذلك، وينبغي أن يكون بين النساء وبين الرجال، فاصل بحيث لا يرينهم ولا يرونهن، وإنما يصل إليهن الصوت. والله أعلم. (1/170)
صفحة 171
فتاوى الصلاة
171
هل تصح صلاة المرأة إن لم تفرق شعرها؟
لا دليل على عدم صحة صلاتها، وإنما تؤمر بالفرق. والله أعلم.
هل يجوز للمرأة أن تظهر قدميها في حال الصلاة؟
اختلف العلماء في قدمي المرأة هل هما عورة أم لا؟ وعلى ذلك الاختلاف في جواز إبرازهما في الصلاة وغيرها واستثناء الوجه والكفين يدل على عدم جواز إظهارهما. والله أعلم.
يرجح
وقال سماحته في جواب السؤال مماثل
الحوطة في سترهما، للخروج من عهدة الخلاف، وحديث أم سلمة
ذلك. والله أعلم.
ما حكم شهود المرأة صلاة عيدي الفطر والأضحى المبارك؟ شهود المرأة صلاة العيد في يومي الفطر والأضحى مما ثبت بالسنة، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإخراج العواتق والحيض في ذلك اليوم، وأمر من لم تكن عندها جلباب أن تستعير جلباباً من جارتها، ولكن ذلك مشروط بعدم
اختلاط الجنسين، وعدم الإتيان بما يخل بالآداب الإسلامية. والله أعلم.
امرأة كانت تصلي بغير تكبيرة الإحرام فلما تبين لها الحكم شرعت في قضاء تلك الصلوات وهي الآن في حالة السفر، فهل تقضيها سفرية أم
حضرية؟
تقضيها بحسب الحالة التي كانت عليها عندما أضاعتها، فإن كانت أضاعتها في حال الحضر فعليها قضاؤها حضرية ولو في السفر، وكذلك إن
كانت أضاعتها في حال السفر تقضيها سفرية ولو في الحضر. والله أعلم. (1/171)
صفحة 172
172
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
امرأة توفي زوجها وبقيت في بلده، فهل يلزمها إتمام الصلاة أم القصر؟ بما أنها مستقرة هنالك تتم صلاتها، إلا إن نقلت وطنها عنه إلى مكان آخر، والله أعلم.
فتاة عمرها ثلاث وعشرون سنة، ولدت وهي معوقة ولا تستطع النطق، ولكن عندها شيء من الفهم، ولكن أهلها لم يهتموا بتعليمها الصلاة، فما يجب على هذه الفتاة وعلى أهلها؟
عليهم أن يعلموها الصلاة، ولتصلها ولو بتكييف ألفاظها في قلبها، مع
الإتيان بحركاتها، فإنها لا تعذر عن ذلك مع القدرة عليه. والله أعلم.
امرأة عمرها سبع وعشرون سنة، كانت تصلي فيما سبق من غير أن تقرأ الفاتحة في الركعة الأولى، فماذا عليها؟
عليها أن تعيد الصلوات التي صلتها بهذه الحالة منذ بلوغها، ولو كان ذلك بإعادة صلاة مع كل صلاة. والله أعلم.
امرأة لزوجها وطنان، وكانت تصلي في أحد أوطانه سفراً فماذا عليها؟
عليها أن
تتم الصلاة حيثما يتم وقصرها حيث يتم
بالقضاء. والله أعلم.
خطأ عليها جبره
امرأة وقع عليها حادث، مما أفقدها الوعي لعدة أيام، فلما أفاقت كان بها كسور في بعض أعضائها، ولم تستطع الحركة من مكانها، فأرادت أن تقضي الصلوات التي فاتتها، فكيف يكون قضاؤها وهي على هذه الحالة، وإن عجزت عن الوضوء فيكف تفعل؟
تقضي
تلك الصلوات ولو بالإيماء، فإن قدرت على الوضوء توضأت، (1/172)
صفحة 173
فتاوى الصلاة
173
وإن لم تقدر تيممت، وإن لم تقدر سقط عنها الوضوء والتيمم، وتصلي كما
أمكنها. والله أعلم.
ما حكم ائتمام النساء بالإمام في المصليات المنفصلة عن المسجد، كما هو الحال في بعض المساجد؟
أما النوافل فيتسامح فيها ما لا يتسامح في الفروض، فلا بأس بصلاتهن مع الجماعة في النوافل في هذه المصليات مع كونها وراء المسجد أو محاذيات له، وأما في الفروض فلا مانع من صلاتهن أيضاً مع الجماعة مع تقارب الصفوف لا مع تباعدها. والله أعلم.
هل يجوز للمرأة أن تأتم بالإمام وهي في بيتها إن كان بيتها بجوار المسجد وتسمع صوت الإمام بواسطة المكبر؟
لا، إلا إن كانت خلف الصفوف ولم تكن المسافة بينهما سحيقة.
والله أعلم.
هل يصح للمرأة أن تصلي في الأماكن العامة كالحدائق مثلاً؟ المرأة مأمورة بالستر على أي حال، فينبغي أن تختار مكاناً ساتراً في حال صلاتها، فإنها تركع وتسجد هناك وهي مأمورة بالاستتار، وإن كانت في مكان ليس بساتر فعليها أن تبتعد حسب وسعها عن الرجال، وأن تصلي في المكان البعيد عن أنظار الرجال حيث لا تتبين لهم حركاتها ولا يكتشفون تفاصيل جسمها عندما تركع وتسجد. والله أعلم.
سماحة الشيخ: هل تصح إمامة المرأة لبنات جنسها في الفرائض؟
اختلف العلماء في إمامة، المرأة، فقيل: تصح في الفرض وفي النفل، (1/173)
صفحة 174
174
الفتَاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
وقيل: في النفل دون الفرض وقد جاء في بعض الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على الإذن للنساء بالإمامة، والأصل الإطلاق حتى يثبت التقييد، وعليه فلا مانع من إمامتها ببنات جنسها على أن يكن بعيدات عن أنظار الرجال وتكون في وسط الصف الأول من صفوفهن. والله أعلم.
ما حكم إمامة المرأة بالنساء؟
لا خلاف عندنا في جواز إمامة المرأة بالنساء في النفل، وبه قال الشعبي والنخعي وقتادة.
وإنما الخلاف في إمامتها في الفرض، فذهب بعض أصحابنا إلى الجواز وهو الراجح لعدم قيام دليل على التفرقة بين فرض ونفل، فقد أذن النبي لأم ورقة الأنصارية لها أن تقوم النساء في دارها في فرائض الصلاة، وأمّت كل من عائشة وأم سلمة عليها النساء في صلاة العصر، وبه قال عطاء، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، ومنهم من كره إمامتها مطلقاً وهو قول سليمان بن يسار والحسن البصري، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، وقال نافع مولى ابن عمر: لا اعلم المرأة تؤم النساء، وقال مالك: لا ينبغي للمرأة أن تؤم أحداً، وكره أصحاب الرأي ذلك فإن فعلت تجزيهم وتقوم وسطاً من من الصف، والله أعلم. (1/174)
صفحة 175
صلاة السفر:
فتاوى الصلاة
175
هل صلاة السفر عزيمة أم رخصة؟ وما مسافة القصر؟ وما الأدلة على
ذلك؟
من
العلماء من يرى أنها عزيمة من العزائم أي لا يراها مجرد رخصة، وهذا هو القول الذي عليه مذهبنا والذي عليه الحنفية وجماعة من الحنابلة، وهناك من يراها سنة ومن يراها رخصة من الرخص، والقول بأنها عزيمة يتأيد بأدلة كثيرة منها:
1 - حديث عائشة فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر». 2 ـ قول جابر بن عبد الله الله: صلاة السفر ركعتان تماماً لا قصراً على
لسان نبيكم.
3 ـ ما رواه الإمام أبو غانم الخراساني في مدونته عن أبي المؤرج عن
في
أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب فقال خطبته: ألا وأن تقام الصلاة في الحضر أربعاً وقصرها ركعتان إلا وأن تقام الصلاة في السفر ركعتين وقصرها أربع».
أما أدلة من قال بأنها مجرد رخصة أو بأنها سنة يصح تركها:
1 - قوله: صلاة السفر صدقة تصدق الله بها عليكم فأقبلوا صدقته». ووجه الاستدلال أنها مجرد صدقة وليست زيادة على ذلك، والجواب: أن الحديث لا يدل على إسقاط وجوب صلاة السفر، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «فاقبلوا صدقته والأمر للوجوب، وكون صلاة السفر صدقة ككون يوم العيد ضيافة من الله سبحانه، فلا يجوز لأحد أن يصوم يوم عيد الفطر أو النحر بإجماع المسلمين. (1/175)
صفحة 176
176
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
2 ـ قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قد وضع عن المسافر الصيام وشطر الصلاة» ووجه الاستدلال: أن وضعه الصيام ليس بعزيمة بالإجماع وكذلك قصر الصلاة. ويمكن أن يجاب بأن وضع الصيام ووضع شطر الصلاة إنما عطف أحدهما على الآخر بمجرد النظر إلى الوضع مع غض النظر عن الاتفاق في الأحكام، فشطر الصلاة الذي وضع عن المسافر لا يلزم أن يقضيه بالإجماع، بينما الذين يفطرون في شهر رمضان بأي سفر يلزمهم
أحداً
من
المسافرين
القضاء بالإجماع. أما تحديد مسافة السفر، فإن القول المأخوذ به عندنا أنها فرسخان، والفرسخان اثنا عشر كيلومتراً تقريباً، والحجة لهذا ما جاء في الحديث الذي رواه مسلم عن جابر بن عبد الله أن الرسول صلى الله عليه وسلم: «أقام في ذي الحليفة في سفره إلى حجة الوداع يوماً وليلة وكان يقصر الصلاة». وتحديد بعض المذاهب المسافة بأربعة برد، ومنهم من يحدد المسافة
بمسير ثلاثة أيام، ومنهم من يقدر المسافة بغير ذلك من التقديرات.
وذهب بعض العلماء في الوقت المتأخر إلى أن قصر صلاة السفر إنما يصح لكل من جاوز فرسخاً، لاعتباره أنه يصدق عليه اسم مسافر، وهذا المذهب قريب من مذهب الظاهرية، الذين يرون أن القصر يصح لكل من يطلق عليه اسم مسافر من دو تحديد بحد، ولكن إذا ورد التحديد من الشارع فالأولى الأخذ بذلك التحديد بل هو الواجب. والله أعلم.
ما تقول سماحة الشيخ في من يخرج من بلده للعمل وطلب الرزق، ويستمر فترة من عمره خارج وطنه، فهل يقصر صلاته أو يتمها؟ وهل القصر واجب أو مباح؟ وإلى متى حد السفر؟ (1/176)
صفحة 177
فتاوى الصلاة
177
اختلف المسلمون في قصر الصلاة في السفر هل هو عزيمة أو رخصة؟ والأدلة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم تؤكد أن القصر ليس مجرد رخصة وإنما هو عزيمة ـ أي واجب صلى الله عليه وسلم لم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت عنه أنه أتم الصلاة في سفره، وما روي عنه من ذلك لم يصح في النقول الصحيحة، كما قاله العلامة ابن القيم، ونحن مأمورون أن نصلي كما كان يصلي، ولو كان القصر رخصة لأوضح ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله أو فعله ولو مرة واحدة، أضف إلى ذلك أن السنة القولية جاءت معززة لما ثبت من فعله ـ عليه أفضل الصلاة السلام ـ، فقد روى الإمام الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أنها قالت: فرضت الصلاة ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر. ورواه عنها أيضاً البخاري ومسلم، وروى مسلم عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن نَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَوةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْيْنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: (101) فقد أمن الناس فقال: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته»، وروي عنه ألا وأن تقام الصلاة في الحضر أربعاً وقصرها ركعتان، ألا وأن تقام الصلاة في السفر ركعتين وقصرها أربع»، وناهيك بعمل الصحابة لله الذي هم خير القرون وأعلم الناس بهدي خير الخلق - عليه أفضل الصلاة والسلام، وقد ثبت عنهم الإنكار على إمامهم وخليفتهم عثمان بن عفان عندما أتم الصلاة بمنى حتى قال ابن مسعود صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين وخلف أبي بكر ركعتين وخلف عمر ركعتين، فليت لي من أربع ركعتين مقبولتين»، وقد اعتذر إليهم ـ أي عثمان ـ بأن إتمامه في منى لأن له فيها حكم المقيم، من حيث إنه له أهل فيها، ومن كان كذلك فهو مقيم حسبما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا وقد اختلفت المذاهب الإسلامية في تحديد مدة السفر، فقد جاء (1/177)
صفحة 178
178
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
في بعضها تحديده بأربعة أيام وفي بعضها بثلاثة أيام وفي بعضها بخمسة عشر يوماً، والسنة لم يأت فيها تحديد، فقد أقام صلى الله عليه وسلم بمكة ثمانية عشر يوماً وهو يقصر الصلاة، كما أنه أقام في غزوة تبوك شهراً أو أكثر وهو يقصر الصلاة، وكان أصحابه يقصرون بالمقام في الأسفار ولو إلى سنتين، وبهذا يتضح أن العبرة بالاستقرار لا بغيره، فمن رأى أنه مستقر في بلد هو مقيم فيه إقامة غير محدودة، عازم على استمراره في الإقامة به فليتم صلاته، وإلا فليقصرها. والله أعلم.
أرجو التكرم علينا ببيان مسافة القصر وما اختلف فيها؟
مسافة القصر فرسخان وهي أربعة وعشرون ألف ذراع، واختلف العلماء في هذه الأذرع فقيل بالذراع العادي وعليه فهي اثنا عشر كيلومتراً، وقيل: بالذراع الهاشمي، وعليه فهي ثمانية عشر كيلومتراً. والله أعلم.
إنني مقيم في مسقط للعمل، هل يجوز لي أن أصلي وطناً فيها؟ إذا أقمت في مكان فإن الأفضل لك أن تفرد كل صلاة في وقتها، فإن الجمع غير واجب بل جائز فحسب، والأفضل منه الإفراد، وإنما الواجب على المسافر قصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين ما دام لم ينو استيطان البلد الذي سافر إليه، أما إذا نوى الاستيطان فعليه أن الصلاة، والمقيم في إذا كان مطمئناً إليه لا يريد الانتقال عنه إلا لحاجة يعتبر من المواطنين فيه، وعليه فإن كنت تعمل في مسقط وأنت راغب في الاستمرار فعليك أن تصلي تماماً، أما إذا كنت غير راغب في البقاء فعليك أن تقصر الصلاة، والإفراد خير لك من الجمع. والله تعالى أعلم.
يتم
بلد
ما قولك فضيلة الشيخ في رجل مقيم في مدينة روي ويعمل في بوشر، (1/178)
صفحة 179
فتاوى الصلاة
179
هل يصلي في بوشر تماماً أم قصراً؟ وهل له الجمع؟
مسافة القصر هي فرسخان فمن جاوزهما وجب عليه قصر الصلاة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالمدينة الظهر أربعاً وصلى بذي الحليفة العصر
ركعتين ـ كما في حديث جابر عند مسلم، وبين ذي الحليفة والمدينة
مي
فرسخان، هذا والمسافة من بوشر إلى روي أكثر من فرسخين، لذلك يجب القصر على من كان مقيماً بإحدى البلدتين وسافر إلى الأخرى، إلا إذا امتد العمران وتداخلت البلدان، أو نوى توطين حوزة تشملهما معاً، ومن وجب عليه القصر جاز له الجمع، والإفراد أفضل لمن كان مقيماً بالبلد.
والله أعلم.
إنني
أعمل في مسقط وساكن بالإيجار أنا وعائلتي، ولا أذهب إلى مسقط رأسي إلا في الإجازة الأسبوعية فهل أقصر الصلاة أم أتمها؟ في مثل هذه الحالة أرى أن الصلاة في مسقط، ولا الإتمام أيضاً في مسقط رأسك، ما دمت مبقياً على وطنك الأول.
والله أعلم.
تتم
يمنع
ذلك
وحول سؤال ورد لسماحته عن رجل من عُمان ويعمل بالإمارات، وقد مضى عليه سبع سنوات يقصر الصلاة، وهو يذهب إلى بلده كل شهر أو شهرين مرة فهل يستمر في الجمع أو يتم صلاته؟
أجاب سماحته بما نصه:
صلاة السفر عندنا واجبة وليست رخصة ما دام الإنسان مسافراً لم ينو الاستيطان في البلد الذي انتقل إليه، أما إذا نوى اتخاذه وطناً وجب عليه الإتمام، وليست للسفر عندنا مدة، وإنما ذلك يعود إلى قصد الإنسان، فمتى نوى الإقامة في بلد مع الطمأنينة وعدم المزعج وجب عليه الإتمام، وإلا (1/179)
صفحة 180
180
الفتَاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
فلا، ولكن صلاة السفر لا تقتضي وجوب جمع الظهرين والعشاءين، وإنما الجمع مجرد رخصة، والأفضل لمن أقام في بلد ولو لمدة قصيرة أن يفرد كل صلاة في وقتها، غير أنه لا يتمها إلا إذا صلى خلف متم. وبهذا يتضح أن حكم صلاة المسؤول عنه عائد إلى قصده، فإن كان نوى الإقامة في الإمارات من غير قصد للانتقال فعليه أن يتم وإن كان لم يقصد ذلك فعليه
أن يقصر الرباعيات إلى ركعتين والإفراد أولى من الجمع. والله أعلم.
رجل من بلد غير البلد التي يعمل بها، وهو يومياً يغادر إلى بلده بعد انتهاء وقت العمل، حيث لا يملك بيتاً في البلد التي يعمل بها، وتجب عليه صلاة الظهر في البلد التي يعمل بها قبل مغادرته إلى بلده، وتجب
صلاة العصر عليه في بلده فماذا يفعل هل يصلي سفراً أو تماماً؟ عليه أن يقصر صلاة الظهر إذا صلاها خارج أميال وطنه، وإذا صلى العصر داخل وطنه فليصلها تماماً. والله أعلم.
وللفائدة فقد أجاب سماحته على سؤال مشابه بما نصه: من جاوز مسافة القصر وهي فرسخان عندنا - أي اثنا عشر كيلومتراً - وجب عليه أن يقصر الصلاة، ولو صلاة واحدة. والله أعلم.
نحن موظفون من سكان منطقة الحاجر التي تبعد عن مقر عملنا حوالي ثلاثين كيلومتراً، وحد السفر كما علمنا، فرسخان علماً بأننا ننتهي من العمل الساعة الثانية والنصف بعد الظهر، فهل علينا أن نجمع الظهر مع العصر أم نصلي تماماً لا نقصر ولا نجمع؟
إن كنتم مقيمين في الحاجر وقد وطنتموها وحدها دون سائر مناطق مسقط فيجب عليكم قصر الرباعية في مقر العمل، والإفراد أولى لكم من
الجمع، وإن كان الجمع جائزاً. والله أعلم. (1/180)
صفحة 181
فتاوى الصلاة
181
ما تقول في مسافر يصلي بالناس ويتم صلاته في سفره، هل له ذلك؟ وهل نصلي خلفه؟
قصر الصلوات الرباعية في السفر واجب على المسافر إلا إذا صلى خلف مقيم، إذ لم يتم النبي صلى الله عليه وسلم في سفره قط، ولم يحدد مدة للسفر، وقد كان أصحابه الله يقيمون في أسفارهم في البلدان أوقاتاً متفاوتة في الطول والقصر، منهم من يقيم أياماً، ومنهم من يقيم أشهراً، ومنهم من يقيم سنوات، ذلك كانوا يقصرون الصلاة، وروي عن الحسن أنه قال: مضت السنة أن يقصر المسافر ولو إلى عشر سنين، وعليه فليس للمسافر أن يتم، ولا يصلى خلفه إن أتم، اللهم إلا أن يكون متأولاً. والله أعلم.
ومع
أنا
من العاملين في دولة قطر مقيم فيها مع أهلي لمدة العقد الذي بيني وبين الدولة وهي خمس سنوات، أقطن الدوحة ومقر عملي يبعد عن الدوحة بخمسة عشر كيلومتراً، فتجب عليَّ بعض الصلوات في الدوحة مقر السكن، وتجب عليَّ بعضها في مقر العمل. فلا أعرف كيف أصلي في المكانين هل أتم الصلاة أم أقصر وأفرد أم أجمع؟
ما دامت إقامتك محدودة، وأنت لا تنوي الاستمرار على العمل بعد انتهاء المدة، بل تنوي العودة إلى بلدك فعليك أن تقصر الصلاة، وأما إن كانت إقامتك غير محدودة وكنت مطمئناً راغباً في الاستقرار، أو كنت نويت اتخاذ تلك الدار وطناً ثانياً لك، فعليك الإتمام حيث أنت مقيم، وإذا خرجت من ذلك الموضع الذي حددته وجاوزته بقدر مسافة القصر وهي فرسخان ـ أي اثنا عشر كيلومتراً ـ فعليك القصر، والإفراد أفضل لك من الجمع إلا في حال جدك في السير فالجمع عندئذ أفضل. والله أعلم. (1/181)
صفحة 182
182
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
أنا رجل أعمل في الجيش وأتنقل بحكم عملي من مكان لآخر، فما هو الواجب عليَّ في صلاتي القصر أم الإتمام؟
حكم قصر الصلاة في السفر لا يتغير بتغير وسائل الانتقال ما دام المسافر مجاوزاً مسافة القصر، ذلك لأن قصر الصلاة في السفر عزيمة وليس
مجرد رخصة، كما تدل على ذلك الأحاديث. والله أعلم.
كيف تكون صلاة من خرج من بلده صباحاً وتجاوز الفرسخين، وعند عودته وجبت عليه صلاة الظهر فيما دون الفرسخين، فهل يصليها حضراً
أم سفراً؟
في ذلك خلاف، والراجح أن القصر داخل الأميال حال العودة من السفر تابع للقصر خارجها، فمن لم يقصر الصلاة خارج الأميال، وعند عودته حضرته الصلاة داخل الأميال فعليه أن يتمها على الراجح من أقوال العلماء.
والله أعلم. ما تقول فيمن خرج من بيته قاصداً السفر في وقت حضرت فيه صلاة مكتوبة رباعية، ووصل المكان الذي سافر إليه قبل خروج وقت تلك الصلاة فهل يصليها قصراً أم تماماً؟
اختلف في الذي يخرج من داره وقد حضر وقت الصلاة، فقيل: يصليها أربعاً، وقيل: ركعتين وهو الصحيح، لأن الوقت كله وقت أداء، ولأجل مراعاة العكس، وهو ما إذا دخل عليه الوقت في السفر ودخل وطنه ولم يصل فإنه إجماعاً وكذا العكس في العكس. والله أعلم.
يتم
ما حكم الصلاة خلف إمام يتم الصلاة في مكان يجب عليه القصر فيه
لكونه مسافراً؟ (1/182)
صفحة 183
فتاوى الصلاة
183
إذا
المسافر حيث يجب عليه القصر فلا يصلى خلفه، إلا إن كان
متأولاً. والله أعلم.
فضيلة الشيخ: إذا صلى الإنسان في بلده صلاة المغرب، ثم رحل إلى بلد آخر فهل يصلي العشاء قصراً أو تماماً؟
إذا صلى الإنسان في بلد أولى الصلاتين ثم سافر منها ولم يحضر وقت الثانية إلا وقد جاوز عمران بلده فعليه أن يقصرها إن كان سفره تقصر فيه الصلاة (1) بلا خلاف وإنما الخلاف فيما إذا سافر بعد حضور الوقت وتعدى أميال وطنه أو قصد تعديها ولم يُصل إلا بعد خروجه من حدود بلده، فقيل: عليه الإتمام، وقيل: بل يقصر وهو الراجح، لأن العبرة بالحالة التي هو عليها عندما يصلي، فكما أنه لو دخل عليه الوقت وهو في سفره فعاد ولم يُصل إلى حضره والوقت باق لزمه الإتمام إجماعاً، فكذلك العكس في العكس، لأن الوقت كله وقت أداء لا فرق بين أوله ووسطه وآخره. والله أعلم.
مسافر أتم الصلاة في حال سفره جهلاً منه بوجوب القصر في السفر
فماذا عليه؟
من صلى تماماً في سفره جهلا لزمه أن يبدل جميع الصلوات التي صلاها تماماً، لأن قصر الصلاة في السفر عزيمة، وليس مجرد رخصة، وعليه فمن أتم في سفره كمن قصر في حضره، وإلى ذلك يشير حديث ابن عباس الذي رواه أبو غانم الخراساني حمدالله في المدونة عن أبي المؤرج عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس رضوان الله عليهما قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال في خطبته: «ألا وأن تقام الصلاة في الحضر أربعاً
(1) احترازاً من السفر الذي لا تقصر فيه الصلاة وهو السفر الذي يكون دون مسافة القصر. (1/183)
صفحة 184
184
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
وقصرها ركعتان، ألا وأن تقام الصلاة في السفر ركعتين وقصرها أربع». قال القطب رحم الله: المراد من الحديث أن من صلى أربعاً في السفر كمن صلى ركعتين في الحضر، وقيل: تلزمه الكفارة مع القضاء، وقيل: لا قضاء ولا كفارة، لأنه أتى بالواجب وزاد عليه، والقول الأول (أي القول بوجوب القضاء فقط) هو أوسط الأقوال وأعدلها، والله أعلم.
ما حكم من كان مسافراً، وعند عودته نسي أن يصلي قبل دخوله بلده، وكان وقت الصلاة الأولى قد انتهى ووقت الثانية حضر، فماذا عليه وكيف يؤدي الصلاتين وهو داخل بلده؟
عليه أن يصلي في بلده كلتا الصلاتين تماماً، لأنه كان ناسياً فتذكر في وطنه، ومن نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا تذكرها فذلك وقتها هكذا يستفاد من السنة، ولا يبعد أن يقال بأنه يتم ولو كان ذاكراً وتعمد التأخير، بناء على القول باشتراك وقت الصلاتين وهو قول قوي تؤيده السنة - وإن قل العمل به .. والله أعلم.
رجل رجع من سفره بعد فوات صلاة المغرب فجمع الصلاتين (المغرب والعشاء) في بيته، فهل يصليها تماماً أو يقصر الصلاة الثانية؟
من رجع من سفره وجمع الصلاتين في بلده فعليه أن يصليها تماماً ولو فات وقت الأولى على الراجح، وبعض العلماء يميلون في هذه الحالة إلى وجوب خروجه من بلده ليصليها خارجها. ولكن لا أرى التشدد لثبوت الجمع عن رسول الله، فقد روى الإمام الربيع حمدالله عن أبي عبيدة عن جابر ابن زيد عن ابن عباس ما قال: صلى رسول الله الظهر والعصر معاً والمغرب والعشاء معاً، من غير خوف (1/184)
صفحة 185
فتاوى الصلاة
185
ولا سفر ولا سحاب ولا مطر. وقد رواه الشيخان (1) وغيرهما من طريق عمرو بن دينار عن جابر عن ابن عباس ببعض تغيير في اللفظ. والله أعلم.
كيف ينوي المسافر صلاته إذا أراد الصلاة خلف إمام مقيم؟ المسافر إن صلى خلف مقيم ينوي أن صلاته بصلاة إمامه، لوجوب
المتابعة عليه، للإمام، وذلك يكفيه، ولا يلزمه التلفظ بالنية. والله أعلم. ما قول فضيلتكم في المسافر إذا عقد نية جمع الصلاتين عند بداية الصلاة الأولى، فكيف يعقد النية عند بداية الصلاة الثانية هل يذكر الصلاتين جميعاً أو ماذا يفعل؟
النية هي القصد بالقلب، وليس التلفظ من النية في شيء، ولم تكن هذه الألفاظ معهودة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عهد الصحابة، وإنما استحسنها بعض من جاء من بعدهم، نظراً إلى أن كثيراً من الناس العوام لا يدركون المعاني التي تنوى، وإنما يستعينون بترجمتها إلى ألفاظ على استحضارها في القلب، وإذا استحضر المصلي عند القيام للثانية النية بقلبه فذلك أولى. والله أعلم.
ما تقول في رجل مسافر صلى بأناس مقيمين صلاة الظهر، وأخبرهم إذا أتممت ركعتي الظهر وقمت لصلاة العصر فأتموا صلاتكم عندي، فهل صلاة المقيمين تامة أو لا؟
على المقيمين أن يتموا صلاتهم فرادى بعد أن تنتهي صلاة الإمام المسافر، أم أن يصلوا ركعتين من صلاة الظهر خلف المسافر، ثم يتموا صلاتهم خلفه وهو يصلي العصر، فذلك مما لا يصح بحال. والله أعلم.
(1) الشيخان: أي الإمامان البخاري ومسلم. (1/185)
صفحة 186
186
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
هل للمسافر أن يجمع بين الصلاتين في الوقت الذي بينهما، أم يؤجل أولادهما إلى وقت الثانية؟
له أن الصلاتين متى شاء من أول وقت الأولى إلى آخر وقت يجمع الثانية. والله أعلم.
هل يجوز لنا ـ نحن الإباضية - في حال سفرنا أن نصلي صلاة الجمعة
خلف غيرنا؟ وهل يجوز أن نصلي معهم وننويها قصراً؟
إن أقاموها في بلاد الإسلام، ولم يلابسها شيء مما يخل بأحكامها، فالواجب أن تنووها معهم جمعة وإن أقاموها في بلاد الكفر وكانوا في إقامتهم لها متأولين، فلا حرج عليكم إن نويتم أداء فرض الظهر وراءهم، لأن الفرض الذي أنتم مخاطبون به ركعتان كالجمعة. والله أعلم.
كيف ينوي من أراد أن يصلي بالناس التراويح وهو مسافر، وكيف يعقد
لفظ النية؟
من أم في صلاة السفر أو غيرها، فعليه أن ينوي أنه إمام لمن يصلي بصلاته، وكذلك ينوي في صلاة التراويح، أنه يصلي قيام رمضان إماماً لمن يصلي بصلاته إن كان إماماً، والتلفظ بالنية غير مشروط، وإنما النية المطلوبة القصد بالقلب، فعليه أن يستحضر بقلبه ما يصليه سواء تلفظ أم لم يتلفظ. والله أعلم.
ما قولكم في المسافر إذا وجد الجماعة المسافرين يجمعون العشاءين والوتر، وقد دخل عليهم في الركعة الثالثة من المغرب، فمتى يقضى الركعتين المتبقيتين من المغرب، هل بعد تسليم الإمام من صلاة المغرب أم إذا فرغوا من الصلاة كلها؟ (1/186)
صفحة 187
فتاوى الصلاة
187
يؤدي الركعتين الفائتتين بعد تسليم الإمام من صلاة المغرب، وإذا فاته شيء من صلاة العشاء فليستدركه بعد تسليم الإمام منها كذلك. والله أعلم. إذا لم يستطع المسافر تحديد أوقات الصلاة في بعض البلاد الأجنبية كالسويد مثلاً، حيث تطلع الشمس وتغرب في وقت قصير جداً، وكذلك الصائم هناك، فماذا يفعل المسلم في هذه الحالات؟
إذا كان البلد يتعذر فيه إقامة الصلاة في مواقيتها لقصر الزمن، ليلاً كان أو نهاراً، كما إذا كانت الشمس تطلع ساعة من نهار أو تغرب نحو ذلك، وجب الرجوع في أمر الصلاة إلى المواقيت الزمنية حسب المناطق الاستوائية المحاذية لذلك البلد التي لا يخرج فيها تفاوت الليل والنهار صيفاً وشتاءً عن حدود الاعتدال، وكذلك في الصوم. والله أعلم.
رجل سافر من بلده (فنجا) إلى مسقط، وعند عودته وجبت عليه صلاة الظهر في مطرح، ورأى أنه يمكنه الوصول إلى فنجا قبل خروج وقت صلاة الظهر ليصليها تماماً، فاستمر في السير حتى وصل بلده قبل خروج وقت الظهر فصلاها تماماً لا قصراً، فهل ما فعله موافق للحق أم كان يلزمه أن يقصر الصلاة؟
من أدركته صلاة في سفره ولم يصلها حتى عاد إلى وطنه والوقت باق، فعليه أن يصليها تماماً لا قصراً. والله أعلم.
هل يشرع لمن جمع الصلاتين المغرب والعشاء في سفره أن يصلي بعدهما سنة المغرب؟
?
لقد صلى النبي المغرب والعشاء بالمزدلفة جمعاً، ولم يصل بينهما
شيئاً، ولم يؤثر عنه أنه قضى بعد العشاء سنة المغرب، وفي ذلك ما يكفيك حجة ودليلاً. والله أعلم. (1/187)
صفحة 188
188
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
ما القول في رجل مسافر أمّ جماعة مسافرين لصلاتي المغرب والعشاء، وبعدما انتهى من صلاته تذكر أنه قد صلى المغرب في وطنه، فماذا عليه هو وهل يلزمهم إعادة الصلاة؟
من أمّ قوماً في صلاة، فإذا هو قد صلاها من قبل لزمتهم إعادتها دونه.
والله أعلم.
كيف يصلي المسافر على متن الطائرة، إذا كان لا يعرف القبلة،
ولا يستطيع أن يؤدي الصلاة بكامل أركانها من ركوع وسجود؟ المسافر على الطائرة إن أمكنه أن يصلي قائماً ولم يدر جهة القبلة، فعليه أن يتحراها ويقيم الصلاة بكل أركانها، وإن لم يستطع فليصل على مقعده إلى حيثما اتجهت به الطائرة. والله أعلم.
رجل مسافر دخل مسجداً ونوى أن يصلي جمعاً صلاتي الظهر والعصر، فقام وصلى الظهر، فجاءت جماعة أيضاً مسافرون وأرادوا أن يصلوا جميعاً صلاة الظهر والعصر، فقام الرجل وألغى صلاة الظهر أي جعلها نافلة بعد الانتهاء منها، فدخل في صلاة الجماعة بنية فرض الظهر والعصر جمعاً، هل هذا الرجل أصاب الحق أم أخطأ؟ وقد جاء في الحديث: «لا يصلي أحدكم فرضاً مرتين».
لا حرج عليه في ذلك، فقد أخذ برأي مشهور. والله أعلم.
ما تقول في رجل خرج من بيته مسافراً، وعند عودته في الطريق إلى بيته أدركته صلاة الظهر ولم يصلها، وقال أصلي فيما بعد حتى نسي أن يصلي إلى أن وصل بيته، فتذكر أنه لم يصل الظهر، وقد حان وقت صلاة العصر، فقام وصلى الظهر أولاً كاملة ـ أي أربع ركعات ـ ولم (1/188)
صفحة 189
فتاوى الصلاة
189
ينوها قصراً، ثم قام وصلى العصر كذلك، فهل هذا صواب أم خطأ؟ لقد أصاب حين صلى الظهر أربعاً بعدما ذكرها عندما وصل بلده، فمن نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا تذكرها بحسب ما هو عليه من حضر أو سفر عند الذكر. والله أعلم.
أتممت عدة صلوات وكان حكمها القصر، فماذا علي أن أفعل؟ عليك قضاء الصلوات التي أتممتها قصراً مع الاستغفار. والله أعلم. رجل يعمل بالعاصمة وغير مقيم بها ويقصر الصلاة، فإذا صلى خلف إمام مقيم هل يقول (أصلي فريضة عشاء الآخرة أربع ركعات) أو
لا يذكر عدد الركعات؟ وهل يقول صلاتي بصلاة إمام الجماعة؟ لا داعي إلى ذكر الركعات، وعليه أن ينوي صلاته صلاة إمامه. والله أعلم.
كيف تصلي المتزوجة من بلد بعيد عن بلد الزوج؟ يجب على المرأة أن تتبع زوجها في القصر والإتمام، إلا إن اشترطت سكنى في بلاد أهلها. والله أعلم.
ما قولكم - سماحة الشيخ - فيمن تزوج من بلد تبعد عن بلده مسافة تقدر بخمسة وثلاثين كيلومتراً أو أكثر، وكثيراً ما يذهب لزيارة أهل زوجته ويصلي قصراً، فما الحكم إذا أراد أن يستوطن تلك البلد بحيث يتم صلاته فيها؟
لا حرج عليه من توطينه بلداً تزوج منه. والله أعلم.
إذا دخل المسافر مسجداً به موطنون ولا يوجد من بينهم من يؤمهم، فطلبوه أن يتقدم لإمامتهم فكيف يصلي بهم؟ (1/189)
صفحة 190
190
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
يصلي بهم، ركعتين وهم يتمون خلفه، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما صلى بأهل مكة ركعتين، ثم قال لهم: يا أهل مكة إنا قوم سفر فأتموا صلاتكم». والله علم.
رجل يصلي بالناس وهو مسافر، فكيف تكون إمامته في الصلوات الرباعية؟
إن كان غير مستقر في تلك البلدة، فعليه أن يصلي بها صلاة المسافر، وإن أمهم فليصل بهم ركعتين في الرباعية. والله أعلم.
إذا صلى مسافر خلف مقيم، وفسدت صلاة المسافر، فهل يصليها تماماً أم قصراً؟ وهل يختلف إن كان في الوقت أو بعده؟
يصلي صلاة إمامه في الوقت وبعده إلّا إن دخلها بمفسد لها وقيل: بعد الوقت ركعتين. والله أعلم.
هل القصر في السفر واجب؟ وهل يأثم من لم يقصر؟
قصر الرباعية في السفر واجب، إلا إن صلى المسافر خلف المقيم فعليه الإتمام والمتم آثم لمخالفته السنة وعليه الإعادة والتوبة، واختلف في الكفارة، ذلك إن كان عمداً. والله أعلم.
فيمن سافر وأراد جمع المغرب والعشاء، فدخل المسجد فوجد الجماعة قائمة لصلاة العشاء. فماذا عليه أن يفعل؟
يصلي المغرب بعيداً عن الجماعة، ثم ينضم إلى الجماعة ويصلي العشاء، وإن كان لا يدرك ذلك فليصل مع الجماعة نافلة ثم يصلي الفرضين.
والله أعلم. (1/190)
صفحة 191
فتاوى الصلاة
191
رجل وجبت عليه صلاة المغرب في حال السفر، فهل يجوز له الجمع مع العشاء إذا وصل مشارف وطنه قبل انتهاء وقت المغرب؟ ليس له الجمع، إلا إن استصحب حكم السفر، وذلك مشروط بأن يكون قد صلى صلاة رباعية قصراً، أما إن لم يصل قصراً، لعدم حضور صلاة خارج الأميال، أو لكون الصلاة التي صلاها لا تقصر وهي المغرب أو الفجر، أو صلى رباعية تماماً لكونه صلاها خلف الإمام المقيم، أو كانت امرأة وكانت حائضاً أو نفساء قبل أن تعود إلى أميال وطنها، ففي هذه الأحوال يلزمه الإتمام ولا يباح له الجمع من أجل السفر.
جميع
والله أعلم.
:
ما حكم فيمن أراد جمع صلاة الظهر والعصر معاً، فوجد جماعة فصلى معهم ظناً منه أنهـ أنهم يريدون الجمع، فلما سلم الإمام لصلاة الظهر لم يقم لصلاة العصر مباشرة بل مكث بعض الوقت، فاعتقد الرجل أنهم لن يجمعوا الصلاتين فقام بنفسه لصلاة العصر، فلما أتم منها ركعة كاملة قام الجماعة لصلاة العصر، فجعل هذا الرجل تلك الركعة نافلة، وأعاد الفريضة مع الجماعة، فهل من بأس في صلاته
وصلاة الجماعة؟
إن لم يكن الفاصل بين الوقتين مقدار الصلاة الثانية فلا إعادة الثانية في وقتها على أي حال. والله أعلم.
حرج، والأحوط
رجل مسافر صلى المغرب والعشاء جمع تأخير فانتقضت صلاة العشاء،
فهل يعيد الصلاتين أم العشاء وحدها؟
يعيد العشاء وحدها. والله أعلم. (1/191)
صفحة 192
192
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
هل ينتقض الجمع إذا تكلم المصلي بينهما؟
في ذلك خلاف، والأصح عدم انتقاض الجمع بالكلام بين الصلاتين.
والله أعلم.
فيمن يجمع الصلاتين وهو مقيم في سفره بدون عذر، وإنما لأجل مشاهدة التلفاز أو لعب الكرة. فهل يجوز ذلك؟
لا ينبغي للمقيم الجمع بين الصلاتين إلا لأمر داع كمرض أو حاجة، وهؤلاء الذين يجمعون الصلاتين من أجل الراحة مخالفون للسنة. والله أعلم.
هل يصح جمع الصلاة لمن ابتلاه الله بسلس البول؟
جمع
الصلاتين
من به سلس البول يجب عليه أن يتوضأ لكل صلاة إلا إن ويجوز له الجمع لهذا العذر من غير سفر، ولكن مع الإتمام. والله أعلم. ما قولكم في رجل أجنبي مقيم في أحد المساجد لإمامة الناس، فهل يصح للموطنين أن يصلوا معه الفرائض؟ وما تقول في مواطن من الداخلية استقر في السيب، هل يصح له أن يؤم المصلين في
الفرائض؟
أن
الصلاة لا فرق فيها بين مواطن وأجنبي، لأن المعيار هو الموافقة للشريعة وأحكامها أو عدم ذلك، والتوطين الذي يترتب عليه الإتمام هو يقصد الموطن الإقامة الدائمة في البلد الذي وطنه، ولا مانع في هذه الحالة أن يؤم المصلين هناك. والله أعلم.
مسقط
ما قولكم في رجل اتخذ مسقط وطناً ثانياً له، وله ولد يعمل في أيضاً، فهل على هذا الولد أن يتخذ وطن أبيه وطناً له أم عليه القصر؟ (1/192)
صفحة 193
فتاوى الصلاة
193
إن كان الولد غير بالغ فهو تبع لأبيه، وإن كان بالغاً فهو مستقل بنفسه،
وحيثما وطن لزمه الإتمام. والله أعلم.
فيمن طال سفره أكثر من أربعة عشر عاماً. فهل يلزمه القصر أم الإتمام؟
إن سكن سكنى المستقر المطمئن فعليه الإتمام. والله أعلم.
ما قولكم فيمن تقدم لطلب وظيفة إمام مسجد، على أن ينوي الاستيطان في المنطقة التي يعين بها بعد حصوله على الموافقة على
توظيفه؟
لا بد من التوطين من أول الأمر. والله أعلم.
هل يجوز خلع الوطن؟ وكيف
يتم
ذلك؟
نعم، لمن أراد الانتقال من ذلك الوطن إلى غيره، على أن يكون خلع الوطن بعد الخروج منه إلى مسافة القصر. والله أعلم.
أسكن في المنطقة الداخلية، وأدرس في الجامعة، ومقيم حالياً السيب، فهل يجوز لي أن اتخذها وطناً لي وأتم الصلاة فيها؟ إن كنت ناوياً الاستقرار الدائم في السيب - حتى بعد التخرج - فأتم فيها الصلاة، وإلا فلا، والفيصل في ذلك طمأنينة القلب وعدمها. والله أعلم.
رجل تزوج من بلد غير بلده، فهل يصح له أن يستوطن فيها ويتم الصلاة بها؟
إن كان يرى نفسه مطمئنة في تلك البلدة راغباً في الإقامة بها، فلا حرج عليه في توطينها. والله أعلم. (1/193)
صفحة 194
194
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
صلى بنا رجل مسافر عدة سنوات، وكان يتم بنا الصلاة جهلاً منه صلاة السفر، فهل تلزمنا الكفارة والقضاء أم لا؟
بحكم
لا تجب عليكم الكفارة، ولعسر القضاء ـ وأنتم لم تقصدوا مخالفة السنة - أرى الأخذ برأي من لا يوجب القضاء. والله أعلم.
جماعة مسافرون يجمعون الظهر والعصر، أدركهم رجل مسافر أيضاً في صلاة العصر فدخل معهم، ولكن فصل بينه وبين الصف رجل يصلي نافلة، فهل تصح صلاته على هذه الحالة؟
إن لم تكن هناك فرجة بين المتنفل والصف ولا بين مصلي العصر والمتنفل، ولم يكن المتنفل أخذاً قافية الإمام فصلاته صحيحة، لأن المتنفل في هذه الحالة ساداً للفرجة، ولكن إن خرج من الصف فعلى هذا المصلي الجماعة أن يسد الفرجة فوراً، فإن لم يسدها بطلت صلاته. والله أعلم.
مع
هل تصح الصلاة خلف من يتم في السفر بغير تأويل، وماذا يلزم من يأتم به؟
لا، وعلى من صلى خلفه الإعادة. والله أعلم.
رجل وجبت عليه فريضة المغرب في السفر، وسوف يرجع إلى وطنه قبل صلاة العشاء، فهل يصلي جمعاً أم قصراً؟
يجوز له الجمع، وأما القصر فالمغرب لا تقصر، وإنما تقصر الرباعية إلى ركعتين في حال السفر والله أعلم.
فيمن رجع من سفره، ولم يتمكن من أداء صلاة المغرب في وقتها حتى دخل أميال وطنه وقد فات وقت المغرب، فماذا يفعل؟ (1/194)
صفحة 195
فتاوى الصلاة
195
يجمع الصلاتين هناك مع إتمام العشاء، إن كان لم يقصر خارج ومع قصرها إن كان قصر خارجها. والله أعلم.
الأميال،
جماعة سافرت إلى بلد، فلما حضرت الصلاة صلى أحدهم تماماً، فلما سألوه عن السبب أخبرهم بأن له أختاً تسكن في ذلك البلد، ولذلك فهو يتم الصلاة فيها، فهل يصح له ذلك أم لا؟
إن كانت إقامته في غير ذلك البلد بحيث تصل المسافة حد القصر، فلا يجوز له الإتمام وعليه، القصر، ولا يسوغ له الإتمام أن فيه أخته، إذ لا ربط بين وجود أخته وبين التوطين. والله أعلم.
إنني من سكان مسقط وأعمل في وزارة الدفاع، ومقيم حالياً في محافظة صلالة لأجل العمل، وأسكن مع أهلي في بيت مستأجر، ولا أدري متى يتم نقلي من مكان عملي الحالي، فهل يلزمني القصر في صلالة أم الإتمام؟ وطن الإنسان موئل استقراره وطمأنينته، فإن كنت ترغب في الاستقرار بصلالة والاستمرار بها فأتم الصلاة، وإلا فلا. والله أعلم.
رجل تزوج امرأة وعندما يذهب هو وزوجته إلى زيارة أهلها كانت تتم الصلاة هنالك جهلاً منها بأن المرأة تابعة لزوجها في قصر الصلاة وإتمامها، وبقيت على هذه الحالة مدة خمسة وعشرين عاماً فماذا يلزمها؟
عليها أن تصلي بصلاة زوجها والخلاف فيما صلته من قبل يقصر، والأصح أن عليها قضاء تلك الصلوات. والله أعلم.
عند
تماماً
جمع الصلاتين هل يجوز أن يفصل بينهما بحديث أو بدعاء؟ يكره ذلك لغير ضرورة. والله أعلم.
حيث (1/195)
صفحة 196
196
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
هل تصلى سنة المغرب عند الجمع الصوري؟
تسقط سنة المغرب بالجمع بين العشاءين، سواء مع القصر أو الإتمام.
والله أعلم. نحن طلبة مدارس يبدأ وقت الدراسة قبل صلاة الظهر، وينتهي بعد صلاة العصر، ولا نتمكن من الصلاة خلال فترة الدراسة، فماذا نفعل؟ لا بد لكم من الصلاة، وإنما لكم الجمع بين الظهر والعصر في مثل هذه الحالة ولو كنتم مقيمين، وإنما عليكم الإتمام في حال الإقامة.
والله أعلم.
رجل يعمل في المستشفى، وعمله يتطلب أن يسجل حالات المرضى في جهاز الحاسوب أولاً بأول، وتتوقف على ذلك حياة المرضى، وفي بعض الحالات تفوته بعض الصلوات بسبب ذلك، فماذا يفعل في مثل
هذه الحالة؟
في هذه الحالة يباح له أن يجمع بين صلاتي الظهر والعصر، وكذلك
المغرب والعشاء جمعاً من غير قصر في غير حالة السفر. والله أعلم. (1/196)
صفحة 197
فتاوى الصلاة
197
ما
السنن والنوافل
هي السنن المستحبة من غير السنن الراتبة التي عقب الفرائض؟
السنن، كثيرة منها سنة العيدين وقيل بوجوبها على الكفاية)، وسنة الخسوف وسنة الكسوف وسنة تحية المسجد وقيل بوجوبها، لثبوت الأمر بها والنهي عن الجلوس قبلها من قوله صلى الله عليه وسلم.
ومنها: سنن التهجد، وصلاة الضحى، وصلاة الاستسقاء وغيرها من
الصلوات المأثورة. والله أعلم.
ما حكم صلاة تحية المسجد؟
تحية المسجد فيها خلاف قيل بوجوبها وقيل بسنيتها، وأقل ما أرى أن يقال فيها إنها مؤكدة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس»، وهو دليل وجوب إتيانها قبل الجلوس، إذ الأصل في الأمر أنه للوجوب ما لم تصرفه قرينة، وفي رواية أخرى: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين»، وهو نهي عن الجلوس قبل ركوعهما، والأصل في النهي التحريم ما لم تصرفه عنه قرينة. والله أعلم. شيخنا العلامة: ما رأيكم في رجل أراد أن يصلي ركعتين نافلة قبل صلاة المغرب؟ وما القول في صلاة النفل جلوساً؟ ورد في حديث البخاري عن ابن عباس ا: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بصلاة ركعتين قبل المغرب»، وفي بعض الروايات لمن يشاء»، وقد ذهب كثير من
(1) فرض الكفاية هو الذي إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ويأثم الجميع بتركه، ففرضيته باقية حتى يقوم به بعض المسلمين. (1/197)
صفحة 198
198
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
العلماء إلى عدم استحباب الصلاة في ذلك الوقت خشية أن تطول فيضيق وقت المغرب. والله أعلم.
ولا بأس بصلاة النفل، جلوساً، ولكن الأولى القيام فيها، فإن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، هكذا ورد في الحديث. والله أعلم. عن امرأة تريد أن تعتاد أداء سنة الضحى كل يوم، إلا أن لديها أولاداً يمنعونها عن الصلاة في كثير من الأحيان لكون بعضهم رضعاً .. فكيف تفعل؟ الصلاة خير موضوع فمن شاء فليكثر ومن شاء فليقلل، هذا في النوافل، أما الفرائض فلا يصح الإقلال منها، وإنما على الإنسان أن يأتي بها تامة، وصلاة الضحى من ضمن الصلوات المسنونة المرغب فيها، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها، وإن كانت عائشة لها لم تطلع على ذلك. ولذلك نفت أن يكون ال سبحها، ولكنها قالت: (إني لأسبحها)، وهذا يدل على أن المرأة كالرجل في صلاتها، وعليه فلا مانع أن تصليها المرأة ولو كانت مرضعاً، اللهم إلا أن يمنعها منها زوجها - إذا كانت تمنعها من أداء حقوقه -، فإن طاعته أولى لأنها واجبة، وسنة الضحى مندوب إليها ولا يترك الواجب للمندوب. والله أعلم. رجل يصلي الضحى وبعض الأحيان يشتغل عنها بسبب العمل، هل
عليه شيء؟
لا حرج على من يصلي الضحى إن اشتغل عنها بسبب الأعمال، والله يتقبل منه، وهكذا حكم جميع النوافل. والله أعلم.
إذا صلى المسلم الوتر، ثم بدا له أن يتنفل بشيء من الركعات، فهل له ذلك؟ لا يصح التنفل بعد الوتر، ومن شاء التنفل بعد الإيتار فلينم قبل أن يتنفل، وإلا أخر الوتر وقدّم النفل، عملاً بحديث جابر بن عبد الله له عن (1/198)
صفحة 199
فتاوى الصلاة
199
النبي
أنه قال: «أيكم خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر ثم ليرقد، ومن وثق بقيام من آخر الليل فليوتر من آخره، فإن قراءته محضورة (1) وذلك أفضل». رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه.
وروى الجماعة إلا ابن ماجه عن ابن عمر لا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً»، وبالجمع بين هاتين الروايتين يتضح امتناع التنفل بعد الوتر على من لم ينم بعده، لا على من نام. والله أعلم.
كيف تصلى صلاة التسبيح؟
صلاة التسبيح هي أربع ركعات تجوز ليلاً ونهاراً، والأولى صلاتها ظهراً، يصليها الإنسان في كل يوم أو في كل جمعة أو في كل شهر أو في كل عام أو مرة في العمر، من صلاها ليلاً فليفصل بعد التشهد الأول بسلام، ومن صلاها نهاراً جاز له الوصل والفصل، يأتي فيها بالباقيات الصالحات في كل ركعة خمساً وسبعين مرة، وهي: «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، يقول ذلك بعد الفراغ من القراءة خمس عشرة مرة، وفي الركوع عشر مرات، وبعد الرفع من الركوع عشر مرات، وفي السجدة الأولى عشر مرات، وبين السجدتين مثل ذلك، وفي السجود الثاني مثل ذلك، وعند الرفع منه قبل القراءة أو التشهد مثل ذلك. والله أعلم.
ما هو القول الراجح في حكم صلاة العيدين هل وجوبها أم سنيتها؟ وأين تؤدى؟
صلاة العيدين سنة مؤكدة، وقيل إنها فرض كفاية، والدليل على أنها سنة مؤكدة ملازمة الرسول صلى الله عليه وسلم، لها، وبالجمع بين صنيعه هذا وحديث حصر
(1) تحضرها الملائكة. (1/199)
صفحة 200
200
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
الصلاة المفروضة في الصلوات الخمس، يظهر أنها سنة مؤكدة، ويستحسن أن تصلى في مكان خارج البلد تأسياً بالرسول صلى الله عليه وسلم. والله أعلم.
كيف تؤدى صلاة العيد على أرجح الأقوال؟ حيث نرى اختلافاً في كيفية تأديتها بين بلاد وأخرى.
في صلاة العيد وجوه شتى كلها جائزة - إن شاء الله ـ، والمعمول به عندنا أن يكبر لها ثلاث عشرة تكبيرة، ولأصحابنا في ذلك وجهان الأول أن يكبر خمساً بعد الإحرام وخمساً بعد القراءة من الركعة الثانية وثلاثاً بين الركوع والسجود في نفس الركعة، والثاني أن يكبر بعد الإحرام ستاً، وبعد القراءة من الركعة الثانية سبعاً، ولا يكبر بين الركوع والسجود، وهذا الذي
أعمل
به. والله أعلم.
ما حكم من ترك السنن المؤكدة، وهل يأثم بذلك؟
من ترك السنن المؤكدة فهو خسيس المنزلة وأمره إلى الله. والله أعلم.
ما قولكم فيمن يؤدي السنن والنوافل وهو مقيم، وذلك أثناء تأدية الجماعة لصلاة الفريضة في حالة الجمع؟
في
ذلك جماعة من العلماء، لأجل حديث: «إذا أقيمت المكتوبة
في جماعة في صلاة إلا المكتوبة، ولكن يتجه لي القول بالجواز، نظراً إلى أن النهي في الحديث من أجل المحافظة على جمع الشمل ومنع التفرقة، وهنا لا يفترق الشمل، لأن المتنفلين قد أدوا، فرضهم، وهم غير متعبدين بالحال بالصلاة التي يصليها الإمام وجماعته. والله أعلم.
صلاة الضحى كم ركعة تصلى؟ وهل يفصل بالتسليم بين كل ركعتين؟
أقلها ركعتان، وأكثرها ثماني ركعات، وإن صلاها أربعاً جاز الوصل (1/200)
صفحة 201
فتاوى الصلاة
201
والفصل فيها، وإن زاد فالأفضل الفصل بتسليمة بعد كل ركعتين.
والله أعلم.
ما هو الصحيح في صلاة الوتر الوصل أم الفصل؟
كلا الأمرين ثابت بالسنة. والله أعلم.
ما حكم تحية المسجد بعد أذان الفجر؟
إن كان الأذان بعد انشقاق الفجر فركعتا السنة تجزيان عن تحية المسجد، ولا يصل الداخل غيرهما. وإن كان الأذان قبل الفجر فليركع ركعتي التحية.
والله أعلم.
هل يجوز الاقتصار على سنة الوتر بعد فريضة العشاء دون صلاة السنة قبلها؟ سنة العشاء ليست واجبة فمن اقتصر بعد الفريضة على الوتر فلا عليه. والله أعلم.
حرج
هل يجوز أن تصلى ركعتي الإحرام، جماعة، وهل القراءة فيهما سرية أم
جهرية؟
يجو صلاتهما جماعة، وفرادى وإن صليتا جماعة فالقراءة فيهما جهرية ليلاً أو نهاراً. والله أعلم.
فيمن أراد أن يفصل بعد الركعتين في صلاة الوتر. هل عليه أن يعيد التوجيه في الركعة الأخيرة، وكيف الحال إذا أراد أن يصلي الوتر خمساً أو سبعاً؟ إن اكتفى بالتوجيه الأول أجزأه، وإن أعاده فذلك جائز، وكذلك فيما زاد إلى خمس ركعات أو سبع ركعات. والله أعلم. (1/201)
صفحة 202
202
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
هل تصح صلاة الاستخارة بعد أداء الوتر؟ وكيف تكون علامات الاستجابة أو عدمها؟
بما أن صلاة الاستخارة صلاة ذات سبب فلا مانع من أن تكون بعد الوتر، ويمكن للإنسان أن يستدل على أن الخير في الإقدام على الأمر الذي استخار فيه بانشراح صدره له أو رؤيا صالحة تشجعه عليه، والعكس في العكس. والله أعلم.
هل يصح لي أن أتنفل بثلاث ركعات؟
لا تتنفل بثلاث ركعات، إلا إن وجدت جماعة تصلي فرض المغرب وقد صليته، فصل معهم نافلة. والله أعلم.
ما قولكم في صلاة التنفل هل يفصل بين ركعاتها بالتسليم أم يوصل
بين ركعاتها؟
الأولى في صلاة الليل الفصل، وفي النهار الوصل. والله أعلم.
ما حكم صلاة التطوع قبل صلاة العيدين؟
ينبغي
أن لا يصلى قبلها ولا بعدها شيء. والله أعلم.
وجدنا فى كتاب الزمرد الفائق: أنه يروى عن الشيخ حميد بن خميس بن علي الحجري أنه كان عالماً وعليه مدار الفتوى في بلد الواصل، وكان يروى عنه أنه كان ينكر على من يقدم النوافل قبل الفرائض، فما رأي ذلك؟ سماحتكم في
نعم، ما ذكر هنا عن الشيخ إنما هو رأي ينسب إلى بعض العلماء، ولكن الراجح ما دلت عليه السنة، وهو ثبوت التنفل قبل الفرائض، فإن النبي (1/202)
صفحة 203
فتاوى الصلاة
203
كان يصلي قبل الظهر وقبل العصر وقبل العشاء، وسنة الفجر ثابتة مؤكدة
عند الكل بإجماع، ولاحظ للنظر مع الأثر. والله أعلم.
ما حكم صلاة التطوع بعد أذان العصر مباشرة؟
لا مانع من التطوع بعد أذان العصر وقبل أداء الفريضة. والله أعلم.
ما الراجح عندكم فيمن صلى الفجر أو العصر، ثم وجد جماعة يصلون، هل يصلي معهم نافلة، أم لا؟
اختلف العلماء في ذلك، وقد جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جئت والناس يصلون فصل معهم»، وثبت أيضاً في الحديث الصحيح عنه: لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس والحديثان كل واحد منهما عام من وجه وخاص من وجه.
فقول الرسول صلى الله عليه وسلم: إذا جئت والناس يصلون فصل معهم» عام في الوقت، لأن «إذا» من أدوات العموم، وخاص في الصلاة، لأن الصلاة التي يؤمر بصلاتها هي الصلاة التي صلاها الإنسان في بيته أو مكان آخر ثم وجد جماعة تصليها.
وقوله - عليه أفضل الصلاة والسلام: لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس» عام في الصلاة و خاص في الوقت لأن الصلاة المنهي عنها - بمقتضى عموم الحديث - كل صلاة، ولكنه خاص في الوقت لأنه يتقيد بالصلاة بعد العصر، وبالصلاة بعد الصبح، وفي مثل ذلك يقول العلامة ابن رشد: إذا تعارض دليلان، كان أحدهما خاصاً من وجه وعاماً من الوجه الآخر، والآخر على العكس منه، (1/203)
صفحة 204
204 الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
ينبغي النظر في الخصوصية والعمومية فإن كان أحد الخصوصين أقوى من الخصوص الآخر، كان الخصوص الأقوى مخصصاً لعموم الدليل الآخر، وإن كان أحد العمومين أضعف من العموم الآخر كان ذلك العموم مخصصاً للخصوص الآخر.
فإذا وقع التعارض وكان الدليلان متساويين من قبل القوة والضعف، بحيث لا يرجح أحد الخصوصين على الآخر، ولا يرجح أحد العمومين على الآخر، فإنه يلتمس له مرجح من الخارج، ونحن نجد أن المرجح في الموضوع من الخارج، وأن النهي عن الصلاة بعد العصر كالنهي عن الصلاة
بعد الصبح. ولقد جاء في رواية أخرجها بعض أئمة الحديث، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بمنى فوجد رجلين لم يصليا مع الناس صلاة الصبح، فطلبهما فجيء بهما ترجف قلوبهما، فسألهما: «ما بالكما لم تصليا مع الناس ألستما بمسلمين، قالا، بلى ولكننا صلينا في رحالنا، فقال: «إذا جئتما والناس يصلون فصليا معهم ولو صليتما في رحالكما، لكما نافلة» هي والحديث وارد في الصلاة بعد الصبح ويحمل الأمر بالصلاة بعد العصر على هذا لتساوي النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر. وعموم الأمر بالصلاة لمن وجد جماعة تصلي، وهنالك من العلماء من يستثني الصبح وحدها من عموم الأمر بالصلاة لمن وجد جماعة تصلي، ومنهم من يستثني المغرب لأن المغرب وتر النهار، والوتر لا يتكرر، ومنهم من استثنى الصبح والمغرب ومنهم من استثنى الصبح والعصر والمغرب، وهذه الخلافات ينبغي ردها إلى ما ثبت من الدليل والثابت هو ما قدمناه. والله أعلم. (1/204)
صفحة 205
فتاوى الصلاة
205
فيمن اعتاد على صلاة الليل وفي إحدى الليالي نام عنها ولم يستيقظ.
فماذا عليه أن يفعل؟
يكتب له أجر، نيته ونومه صدقة من الله عليه، وإن قضى صلاة ليله بالنهار ضوعف له الأجر. والله أعلم.
ما الراجح عندكم في صلاة الكسوف والخسوف، هل هما ركعتان بركوعين كسائر الصلوات أم لكل ركعة ركوعان؟
ثبتت صلاة الكسوف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفة مخالفة لسائر الصلوات، فقد روى الإمام الربيع بحمدالله بسنده عن ابن عباس والسيدة عائشة ما أن كل واحد منهما قال: «كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس فقام قياماً طويلاً، فقرأ نحواً من سورة البقرة، ثم ركع ركوعاً طويلاً، ثم قام قياماً طويلاً ـ وهو دون القيام الأول ـ ثم سجد ثم قام قياماً طويلاً ـ وهو دون القيام الأول ـ ثم ركع ركوعاً طويلاً ـ وهو دون الركوع الأول ـ ثم قام قياماً طويلاً ـ وهو دون القيام الأول ـ ثم سجد ثم انصرف».
ولقد دل حديث ابن عباس المهم أن صلاة الخسوف كصلاة الكسوف، وذلك لأنه كان ممن صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الكسوف، فلما كان والياً في البصرة وخسف القمر صلى بهم كما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف، وبهذا يتبين أن صلاة الكسوف والخسوف تصليان كما دلت عليه السنة. والله أعلم.
ما هو التهجد؟ ومتى يبدأ؟
قيام الليل هو التهجد، ويبدأ من منتصف الليل إلى ما قبل بزوغ الفجر،
وقيل: بل هو من بعد صلاة العشاء مباشرة. والله أعلم. (1/205)
صفحة 206
206 الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
ما حكم ما يفعله الناس من تقديم الطعام أثناء خروجهم لصلاة
الاستسقاء؟
الأولى اتباع السنة في ذلك، وقد وردت السنة بالصدقة والصيام لدفع البلاء وطلب الخير قبل الخروج إلى المصلى، ثم الخروج والدعاء.
والله أعلم. في حال صلاة السنن كالوتر والتراويح هل يوجه بعد كل تسليم، وهل يستعيذ بعد كل إحرام أم تكفيه الاستعاذة الأولى؟
هو مخير بين أن يوجه قبل كل إحرام وأن يقتصر على التوجيه الأول،
ولا بد من الاستعاذة بعد كل إحرام قبل القراءة. والله أعلم.
فيمن دخل المسجد لصلاة الفجر، ولم يبق إلا مقدار ما يصلي ركعة واحدة من سنة الفجر قبل أن تقام الجماعة، فهل يبدأ في صلاة السنة أم ينتظر حتى تقام الفريضة، ثم يصلي السنة بعد ذلك؟
إن كان موقناً أنه لا يتمكن من إتمام السنة حتى تقام صلاة الفريضة فلينتظر لئلا يعرض صلاته للقطع، وإن شرع في السنة وأقيمت الفريضة فليقطعها ويدخل مع الجماعة. والله أعلم.
هل تصلى صلاة السنن متصلة الركعات أم يفصل بالتسليم بين كل ركعتين، وهل يقرأ فيها مع الفاتحة شيء من القرآن، وهل يجتزى بالتوجيه الأول أم لا بد منه بعد كل تسليم؟
لا بد من الفصل في الليل بعد كل ركعتين، ويجوز في النهار الفصل، والقراءة في السنن والنوافل هي قراءة الفاتحة وما تيسر من القرآن في كل (1/206)
صفحة 207
فتاوى الصلاة
207
ركعة، ويجوز الاقتصار على التوجيه أول قيامه إلى الصلاة، كما تجوز إعادته بعد كل ركعتين. والله أعلم.
ما هو الراجح عندكم في صلاة الكسوف هل هي ركوعان وقيامان لكل ركعة، أم هي ركوع واحد وقراءة واحدة؟
الراجح ما دلت عليه السنة، وهو أنه لكل ركعة ركوعان وقيامان.
والله أعلم.
هل تصلى سنة المغرب في صلاة السفر أم لا؟
في حال إفراد كل صلاة في وقتها تصلى سنة المغرب بعد فرضه سواء في السفر أو الحضر، وأما في حال الجمع بين الصلاتين فتسقط سنة المغرب كغيرها، إذ لا يمكن أن تتخلل الفرضين صلاة أخرى حال الجمع.
والله أعلم. هل تصح سنة تحية المسجد بعد غروب الشمس وقبل فريضة المغرب؟ إن كانت الشمس غربت فلا مانع من ذلك. والله أعلم.
فيمن صلى السنة والنوافل عقب الفريضة، فهل يكتفي بتوجيه الفريضة
في
السنة والنوافل أم لا بد أن يأتي به في كل واحدة؟
يجزيه ذلك في السنة والنوافل. والله أعلم.
هل تصلى سنة الزوال يوم الجمعة بعد الأذان الأول، أم يتحرى زوال
الشمس؟
إن صلاها بين الأذانين فذلك خير. والله أعلم. (1/207)
صفحة 208
208
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
فيمن يصلي السنة خلف المفترض فما هو لفظ النية في ذلك؟
النية هي
القصد بالقلب، وينوي من صلى سنة راتبة خلف مفترض يصلي تلك السنة بصلاة، الإمام أي مرتبطة بصلاة لإمام. والله أعلم.
ما هو آخر وقت لأداء صلاة الوتر؟
أنه
ما بين صلاة العشاء إلى مطلع الفجر الوقت كله وقت أداء للوتر، وإن صلاه بعد ذلك صلاه قضاء إلّا إن نام عنه أو نسيه. والله أعلم.
عمن طلع عليه الفجر وهو لم يصل الوتر بعد، فدخل المسجد ولم يبق عن الإقامة إلا بقدر ما يصلي السنة أو الوتر، فأيهما يقدم، وماذا ما لو أقيمت الفريضة؟ يصلي الوتر أولاً فالسنة فالفرض، وإن أقيمت الفريضة قدمها. والله أعلم. ما الراجح عندكم في قضاء سنة الفجر لمن لم يتمكن من أدائها قبل الفريضة، هل يكون بعد الفرض أم بعد طلوع الشمس؟
يصليها على الراجح بعد الفرض. والله أعلم.
فيمن كان يصلي سنة الفجر فأقيمت الصلاة فماذا يفعل؟ إن أحرم الإمام قطع هو صلاته، ودخل معه. والله أعلم.
ما حكم من كان يصلي الوتر في جماعة في حال السفر جهلاً منه؟
يعذر فيما مضى، وليترك ذلك في المستقبل. والله أعلم.
هل يجوز للإنسان أن يتهجد بعد فريضة العشاء، إن خشي أن لا يقوم آخر الليل؟
نعم ذلك جائز. والله أعلم. (1/208)
صفحة 209
فتاوى الصلاة
209
رجل يؤذن لصلاة الفجر، فإذا فرغ من الأذان قعد حتى يحين وقت الفريضة فإذا حان وقتها قام وصلى السنة فهل عليه في ذلك شيء؟ ليس عليه من ذلك شيء، وإنما ينبغي - إن كان دخوله المسجد بعد انشقاق الفجر ـ أن يصلي السنة قبل أن يقعد. والله أعلم.
هل يجوز أن تصلى النوافل قعوداً؟
لا مانع من أن يصلي أحد صلاة النفل قاعداً. والله أعلم.
رجل يصلي نافلة فنادته أمه، هل يقطع صلاته ويجيب والدته أم يتم صلاته؟ إذا كان نداء الوالدة ضرورياً فورياً فليقطع صلاته، وإلا فليتمها ثم يستجب لندائها. والله أعلم.
ما قولكم في الدعاء حال السجود في صلاة النافلة هل يمنع أم لا يمنع؟ لا يمنع الدعاء في صلاة النفل في السجود وغيره. والله أعلم. (1/209)
صفحة 210
210
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
قيام رمضان
سماحة الشيخ: نظراً لكثرة الترغيب في قيام رمضان (التراويح) والحث
على ملازمته، توهم بعض عوام الناس أنه من الفرائض، وأن تاركه آثم إثماً كبيراً. نرجو التكرم ببيان حكم قيام رمضان ومنزلته من الفروض والسنن
الصلوات المفروضة هي الصلوات الخمس، وما عداها فليس فرضاً، كما جاء ذلك في حديث الأعرابي، وأما الوتر وكذا سنة المغرب على رأي أصحابنا وسنة الفجر فهي سنن، مؤكدات، وإن كان هناك من العلماء من يرى وجوب الوتر، أما قيام رمضان فهو من السنن التي ينبغي للإنسان أن يحرص عليها، وقد صلاه النبي صلى الله عليه وسلم في جماعة بضع ليال، ثم امتنع من الخروج إلى أصحابه خشية أن يفرض عليهم، وقد كانوا يقومون رمضان فرادى أو جماعات متفرقة، فجمعهم عمر له على إمام هو أبي بن كعب، وأجمع المسلمون على استحسان هذا الصنيع، وقالوا فيمن تركه خسيس الحال. والله أعلم.
ما القول الصحيح في عدد ركعات قيام رمضان؟ وأيهما الأفضل في العشاء أن تصلى ركعتين أم أربعاً؟
سنة
لقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم قيام رمضان المعروف بالتراويح - ثماني ركعات
- ثم زاد الخليفتان عليها، وهذه الزيادة من الخليفتين الراشدين دليل على عدم الحصر، ولقد مضى أكثر أهل عُمان على صلاتها ثماني ركعات، وإنما يبدأون بسنة العشاء أربعاً كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي أحياناً بعد العشاء أربعاً، وقد التبس الأمر على كثير من الناس، فظنوا الكل قيام رمضان، لذلك رأى بعض جهابذة المتأخرين أن تصلى بعد الفرض سنة (1/210)
صفحة 211
فتاوى الصلاة
211
العشاء ركعتين ثم يصلى بعدها قيام رمضان ثماني ركعات، حسبما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وكل ذلك جائز: {وَلِكُلّ دَرَجَتْ مِّمَّا عَمِلُوا} [الأنعام: 132] والله تعالى أعلم.
الملاحظ أن الناس يؤدون صلاة التراويح بسرعة شديدة خشية الإطالة على الناس، ويرون أن أداء عشرين ركعة بسرعة خير من ثمان ركعات مع أن السرعة تذهب بالخشوع فما الذي تراه سماحة الشيخ في
ببطء،
هذه الحال؟
أنه
الصلاة لا بد لها من الخشوع لأنه روحها، وبفقده تفقد تأثيرها على النفس وسلطانها في الحياة، لذلك أرى ثماني ركعات يخشع فيها القلب وتطمئن فيها الجوارح خيراً من عشرين ركعة لا يكاد يحضر فيها القلب، ولا تستيقظ فيها النفس على أن الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في التراويح صلى ثماني ركعات، وإنما زاد عليها خلفاؤه الراشدون، والاقتصار على ما صلاة النبي صلى الله عليه وسلم مع الخشوع أولى من الزيادة التي تصحبها سرعة لا يبقى معها الخشوع. والله أعلم.
هل تنوى فريضة العشاء وسنة الوتر من صلاة التراويح في شهر رمضان، أن نية كل منهما مستقلة؟
ليست فريضة العشاء والوتر من التراويح، وإنما التراويح سنة القيام. والله أعلم.
ما قولكم سماحة الشيخ في الأدعية التي تقال بعد كل أربع ركعات من صلاة التراويح؟
الأدعية التي تردد في التراويح عندنا ليست واجبة وليست جزءاً من (1/211)
صفحة 212
212
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
الصلاة، وإنما يستحسن للإنسان أن يدعو الله بعد كل صلاة لقوله تعالى: فَإِذَا فَرَغَتَ فَانصَبْ) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب} [الشرح: 7، 8] وقد درج الناس عندنا على استعمال الدعاء بعد كل أربع ركعات من التراويح، أو الإتيان بالباقيات الصالحات، وليس ذلك من الوجوب في شيء، كما أنه لا توقيف في ذلك على شيء بعينه. والله أعلم.
هل يلزم الإتيان بالتوجيه عند كل ركعتين في قيام رمضان؟ ذلك خلاف بين العلماء، والأولى الاقتصار على توجيه نبينا
في
محمد صلى الله عليه وسلم. والله أعلم.
ما هو الأفضل في قيام رمضان أن يصلى بقيامين أم ثلاثة؟
في كل فضل، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم صلي قيام رمضان ثمان ركعات، فالاقتداء به أولى. والله أعلم.
فيمن فاتته التراويح جماعة. فهل يجب عليه قضاؤها؟
لا يجب عليه قضاؤها، وإنما يستحب له ذلك. والله أعلم.
ما قولكم فيمن يصلي بالناس في صلاة التراويح بثلاث قيامات، ثم
يوتر بعد ذلك بركعة واحدة فهل يصح
لا مانع من ذلك. والله أعلم.
ذلك؟ (1/212)
صفحة 213
صلاة الميت:
فتاوى الصلاة
213
ما حكم صلاة الجنازة في المساجد؟
ذهب بعض العلماء إلى كراهة صلاة الجنازة في المساجد لغير عذر، والراجح جوازها، لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. والله أعلم.
هي
أمر رجل بالصلاة على ميت فصلى عليه، غير أنه لم يقرأ التوجيه، هل
صلاته تامة؟
تصح
الصلاة على الميت وإن لم يوجه لها قراءة. والله أعلم.
إذا خرج المولود من بطن أمه ميتاً، هل يصلى عليه؟
لا يصلى عليه، إلا إن بانت دلائل حياة بعد الخروج. والله أعلم. هل تجوز الصلاة على الميت في سبلة بنيت قرب المقبرة، أعدت لحاجة الناس إليها عند حدوث المطر أو الحر، لأن الأرض التي قرب المقبرة متلوثة؟
لا مانع من ذلك. والله أعلم.
هل من مانع من الصلاة على الغائب؟ وكيف تؤدى؟
لا مانع من الصلاة على الغائب، والصلاة عليه كالصلاة على الحاضر أربع تكبيرات، يقرأ الفاتحة بعد الأولى ويأتي بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
بعد الثانية، ويدعو بعد الثالثة، ويسلم بعد الرابعة. والله أعلم.
هل يجب الغسل على من غسل ميتاً أم أنه مندوب؟
يسن الغسل لغاسل الميت، ولا يجب ذلك عليه. والله أعلم. (1/213)
صفحة 214
214
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
فيمن وجد قتيلاً، هل يغسل ويصلى عليه؟
نعم تجب له جميع حقوق الموتى من غسل وتحنيط وصلاة ودفن، إلا
إن كان معروفاً بأنه غير مسلم. والله أعلم.
هل يصلى على تارك الصلاة؟
إن كان منكراً للصلاة فلا يصلى عليه، وإن كان غير منكر، وإنما تركها ذلك خلاف، والراجح ألا تسقط الصلاة عليه وإنما يصلي عليه غير المنظور إليه من المسلمين. والله أعلم.
انتهاكاً ففي
هل يعطى مكان دفن الجنين سواء كان الجنين متخلقاً أو غير متخلق حكم القبر من الحرمة؟
إذا ولد ميتاً فليس لقبره حرمات القبور ولكن ينبغي احترام قبره، وإن ولد حياً فمات كانت له حرمات القبور. والله أعلم.
ما قولكم فيمن قتل نفسه. هل يغسل ويصلى عليه أم لا؟
يغسل، والخلاف في الصلاة عليه، وحديث الربيع: «صلوا على كل بر وفاجر» يدل على الصلاة عليه، وإنما الأولى أن يصلي عليه غير المنظور إليه. والله أعلم.
هل تصح صلاة المرأة على الميت مع
الجماعة؟
لا مانع من صلاتهن على الميت وراء الرجال مع عدم اختلاطهن بهم،
فإن صلاتهن على الأموات شفاعة ودعاء. والله أعلم.
هل تجوز الصلاة على الميت بالحذاء؟
لا مانع من الصلاة على الميت بالحذاء الطاهر. والله أعلم. (1/214)
صفحة 215
فتاوى الصلاة
215
إذا لم ينقطع الدم من جرح الميت، فهل يكتفى بالتيمم له أم لا بد من
تغسيله؟
إن أمكن غسله فلا بد من تغسيله ولو سالت جروحه دماً، وإن تعذر غسله عدلوا إلى التيمم له. والله أعلم.
ما قولكم في مسافرين يجمعون بين الصلاتين فحضرت صلاة جنازة بعد فراغهم من الصلاة الأولى، فهل يصلون معهم على الميت، أم ينتظرون ثم يتمون صلاتهم؟
في هذه الحالة عليهم الانتظار، إذ لا يجوز في حال الجمع بين الصلاتين الفصل بينهما بصلاة، ولو كانت صلاة الجنازة. والله أعلم.
من أولى بالصلاة على الميت أبوه أم أخوه أم ابنه؟
الأب هو أولى بذلك لعظم حقه. والله أعلم.
كنا في حال دفن ميت فحضر وقت صلاة الفريضة فصليناها داخل المقبرة مستدبرين للقبور، فهل صلاتنا تامة أم لا؟
إن كنتم لم تصلوا على القبور، ولم تستقبلوها في صلاتكم، فهي تامة ـ إن شاء الله .. والله أعلم.
هل يصح لمن قام بتغسيل الميت أن يتركه مدة ساعة قبل أن يكفنه، وذلك بسبب ذهابه إلى منزله ليقوم بتبديل ملابسه؟
ذلك خلاف الأولى. والله أعلم.
إلى أي جهة يوجه رأس الميت أثناء الغسل وكم شخص ينبغي أن يقوم
بتغسيله؟ (1/215)
صفحة 216
216
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
إن أمكن توجيهه إلى القبلة فذلك أولى، فتجعل رجلاه إلى القبلة ورأسه في الجهة المقابلة وإلا فلينظر ما هو أسمح في تغسيله ويشارك في تغسيله العدد الذي يحتاج إليه من غير حد. والله أعلم.
هل تجوز الصلاة على المدين وما معنى امتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على من مات وعليه دين؟
يصلى على المدين كما يصلى على غيره لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «الصلاة على موتى أهل القبلة المقرين بالله ورسوله، واجبة فمن تركها فقد كفر وقوله صلوا على كل بر وفاجر، وامتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على من مات وعليه دين ولم يوجد له وفاء إنما هو لعظم قدره مع أنه كان يأمر غيره بالصلاة عليه. والله أعلم.
هل يجب الاغتسال على من غسل ميتاً؟
يجب عليه الوضوء للصلاة، وأما الاغتسال فهو مسنون وليس بواجب.
والله أعلم.
ما قولكم فيمن يزعم أن الميت لا يغسل حتى يحضر رجل دين يقرأ عليه نية الغسل، فهل ذلك صحيح؟
ذلك قول باطل، وجميع المسلمين رجال دين وحسبهم النية بقلوبهم.
والله أعلم. (1/216)
صفحة 217
فتاوى الصلاة
217
أحكام المساجد والمصليات
في
منطقتنا مسجد، وقبلة هذا المسجد منحرفة عن القبلة الصحيحة،
فما حكم الإسلام في ذلك؟ وهل صلاتنا السابقة مقبولة؟ وهل يجوز الاستمرار في الصلاة بهذا المسجد إذا لم يغير اتجاه القبلة المنحرفة؟ وإذا وجب تغيير الاتجاه المنحرف إلى الاتجاه الصحيح، من المسؤول عن هذا العمل؟
أما صلواتكم السابقة على اكتشافكم الخطأ في الاتجاه فما عليكم قضاؤها، والله يتقبلها ما دمتم متحرين للصواب، أما استمراركم على الخطأ بعد اكتشافه فغير جائز، وعليكم أن تتجهوا الوجهة الصحيحة ولو لم يعد المسجد على النحو الصحيح والاتجاه القبلي، بل يكفي أن تكون الصفوف متجة نحو القبلة، أما المسؤولية فهي على كل مصل، لمطالبة الكل بأن يتحرى الصواب، وأما تغيير المسجد إلى الاتجاه الصحيح فمسؤولية المسؤولين. والله أعلم.
تصميم
هل تجوز الصلاة في أرض اغتصبت من أشخاص وأقيم عليها مسجد؟ اختلف في صحة الصلاة في الأرض المغتصبة، والأحوط ترك ذلك
خشية أن تحمل الصلاة فيها على إقرار الغصب. والله أعلم.
عن إمام يصلي بالناس ويتأخر عن المحراب إلى الخلف بدرجة، وعندما يسجد لا يضع رأسه داخل المحراب، وعندما سألناه عن ذلك قال لا يجوز أن أدخل في المحراب فما الحكم الشرعي في ذلك؟ افتنا ولكن الأجر.
المحراب من المسجد على الصحيح فحكمه حكم المسجد، فله أن يصلي فيه ولا مانع من ذلك. والله أعلم. (1/217)
صفحة 218
218
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
هل يجوز لرجل أن يذهب إلى الجامع للصلاة ويترك المسجد القريب
منه؟
إن كان القريب لا يتعطل بذهابه إلى الجامع، فأرجو ألا يكون بذهابه إلى الجامع حرج، لأن اجتماع الناس في جامع البلد مما يقوي وحدتهم وتضامنهم في ظل عبادة الله وعل. والله أعلم.
تخاصم رجل مع زميل له، وبسبب هذا الخصام هجر أحدهما المسجد وذهب يصلي في مسجد بعيد، فهل يأثم الذي ترك المسجد الأقرب؟ ليس لأحد أن يهجر مسجداً بسبب خصومة مع أحد، فإن المساجد الله، ولا دخل لخصومات الناس في شأنها. والله أعلم.
بسـ
فضيلة الشيخ يوجد في بلدنا مصلى قديم - لصلاة العيد - جدرانه ومحرابه باقية واستغنى عنه الناس بمصلى آخر، جديد، وأرادوا الاستفادة من أرض المصلى القديم ببناء بعض المحلات على أرضه، فهل يجوز ذلك؟ أفدنا حفظك الله.
لا يجوز أن يقام أي مبنى في أماكن المصليات، لأن حكم المصليات حكم المساجد، اللهم إلا أن تحول إلى مساجد يذكر فيها اسم الله أكثر.
والله أعلم.
ما القول في المصليات التي تصلي فيها النساء، هل يجوز نقلها من مكانها إلى مكان آخر؟
قال العلماء: حكم المصليات كحكم المساجد في كل مباح أو ممنوع، بجامع أن كلاً من المصليات أو المساجد إنما أسست لذكر الله وللتقرب إليه بصنوف
العبادات، وعليه فلا وجه لنقل المصلى عن مكانه إلى مكان آخر. والله أعلم. (1/218)
صفحة 219
فتاوى الصلاة
219
هل يسمح بجعل الساعات المنبهة في المساجد، والتي في تنبيهها ترنيمة كالجرس أم لا؟
الأولى والأحوط عدم جعل مثل هذه الساعات في المساجد، إذا كانت
تشغل المصلين، وإن لم تشغلهم فلا حرج في ذلك. والله أعلم.
المساجد في الصيف تكون في قرانا بدون كهرباء عامة. فهل تجوز الصلاة في غير المسجد لشدة الحر داخل المسجد، كأن تكن خارجه أو في المصلى حيث الهواء أكثر والجو ألطف؟
لا
مانع من الصلاة خارج المسجد في الصيف، على أن لا تعطل الجماعة، فصلاة الجماعة واجب عيني، سواء أقيمت في المسجد أو في غيره. والله أعلم.
هل تجوز كتابة آيات القرآن الكريم على جدران المساجد أم لا؟ تكره كتابة القرآن الكريم في الجدران، سواء المساجد وغيرها، كراهة تنزيه وليس كراهة تحريم، وعليه فالتنزه عن ذلك أولى، ومن فعله لا يعد آثماً، وإن لم يكن من ذلك بد فالأولى كتابة قوله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَعَلَى الزَّكَوةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَيْكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 18] أو قوله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18] والله الموفق.
صلے
هل تجوز الصلاة في حجرة فيها صور؟
لا بأس بالصلاة في غرفة فيها صور، مع عدم استقبال الصور في الصلاة.
والله أعلم. (1/219)
صفحة 220
220
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
قد يضطر الإنسان أحياناً أن يصلي في مكان فيه تماثيل ومجسمات، فإذا تنحى عنها جانباً، أو واراها بكرسي أو ما شابهه فهل عليه من بأس؟
لا بأس بالصلاة في مكان توجد فيها تماثيل ـ إن واراها المصلي جانباً ولم يدل الحال على تعظيمها وإن كان يجد مناصاً عن الصلاة فيه فالأولى له أن يختار لصلاته ما هو أليق بها من البقاع. والله أعلم.
هل يجوز للمصلي أن يصلي وعلى قبلته مصباح يضئ الغرفة، ويمكن الاستغناء عنه بآخر موجود في جهة أخرى من الغرفة؟
لا يؤدي ذلك إلى ذلك إلى فساد الصلاة مع سلامة العقيدة، وإن كان خلاف الأولى. والله أعلم.
ورثت والدتي منزلاً قديماً من الطين مرفقاً به مبرزاً مطابقاً للمنزل تماماً تحيط به ثلاثة جدران بارتفاع ذراع تقريباً، ولا ينفصل هذا المبرز عن المنزل بشيء وهو مكشوف ليس له سقف، ومعرض لدخول الأطفال وأحياناً الحيوانات، ويتجمع فيه الجيران أثناء الليل للسهر والسمر حتى وقت النوم، ولكن بعض الناس عندما يتأخرون عن الصلاة في المسجد يصلون فيه. فهل تجوز الصلاة في هذا المكان؟
الصلاة في المكان غير ممنوعة شرعاً لعموم حديث «أينما أدركتك الصلاة فصل ... إلخ»، وإنما يمنع التعمد في عدم إجابة الداعي إلى الصلاة في المسجد، ومن كان له عذر شرعي عن حضور صلاة الجماعة فلا يمنع من الصلاة في هذا المكان. والله أعلم.
هل يجوز أن يترك مسجد من المساجد دون أن يصلى فيه، وذلك لمدة معينة كشهر رمضان مثلاً؟ (1/220)
صفحة 221
فتاوى الصلاة
221
إن كان مسجداً عامراً بالصلوات في جميع الأوقات، فلا يجوز هجره في
بعض الأوقات. والله أعلم.
هل يجب على من يحج أو يعتمر رجلاً كان أو امرأة أن يصلي بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فترة إقامته بالمدينة المنورة؟
لا يجب ذلك على الحاجة ولا على الحاج، وإنما في الصلاة بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل عظيم، إذ الصلاة فيه تعدل ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام، كما ثبت في الحديث عن النبي. والله أعلم.
ما قولكم في اصطحاب الآباء لأبنائهم إلى المسجد بقصد تعويدهم على الجماعة، ولكن في بعض الأوقات تصدر من هؤلاء الأطفال حرکات تضايق المصلين. فهل في هذه الحالة يمنعون من حضور
المسجد؟
إن كان بإمكان هؤلاء الأولاد أن يعوا ويفهموا، فعلى الآباء أن يزجروهم ويؤدبوهم، لأنهم مأمورون بأن يأمروهم بالصلاة لسبع، وإن كانوا ـ لا يعون ولو حاول آباؤهم توعيتهم - ولا يمكنهم أن يتأدبوا - ولو حاولوا تأديبهم - وذلك لصغرهم وعدم استعدادهم الذهني لوعي ما يؤدبون به فالأولى منعهم خشية شغلهم المصلين عن صلاتهم وخشوعهم. والله أعلم.
هل تجوز الصلاة في مسجد من طابقين بإمام واحد في نفس الوقت؟
نعم خصوصاً إذا كانت بينهما فتحة. والله أعلم.
يريد أحد الإخوة زيادة طابق في مسجد قائم حتى يتسع لعدد كبير (1/221)
صفحة 222
222
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
من المصلين، إلا أن زيادته تلك سوف تؤدي إلى كشف ما في البيوت المجاورة للمسجد من عورات. فهل يجوز ذلك؟
إن كان المصلون في الطابق الأعلى يرون ما لا تجوز رؤيته فذلك غير
جائز. والله أعلم.
ما
حکم الصلاة في مسجد يسكن بجواره أهل الكتاب، ويستقون من بئره (أي بئر المسجد)؟
لا مانع من الصلاة به، ولا يضيره أن أهل الكتاب جيرانه وإن استقوا من بئره. والله أعلم.
لدينا مصلى للعيد منذ القدم، وأصبح موقعه الآن بين المساكن وضاق بالمصلين. فهل يجوز بيعه للمصالح العامة كالفلج أو المساجد، أم يغيّر إلى مسجد أو مدرسة للقرآن ويبنى مصلى للعيد جديد؟
لا يجوز ذلك، وإنما يجوز أن يبنى في موضعه مسجد، إذ المصليات لها حكم المساجد، أما المدرسة فلا مانع من بيعها إذ تعينت المصلحة في ذلك على أن يشتري بثمنها البديل الأنفع، والله أعلم.
لدينا مسجد قديم ونريد إعادة بنائه من جديد. فهل يجوز لنا أن نبني مسجداً آخر من المواد غير الثابتة ليتسنى لنا الصلاة فيه أثناء إعادة بناء المسجد الأصلي؟
أما أن تبنوه مسجداً ثم تحولوه إلى شيء آخر فذلك غير جائز، ولكن ابنوه مصلى مؤقتاً، ولا بأس بعد ذلك أن تستعملوه في مصلحة أخرى. والله أعلم. (1/222)
صفحة 223
فتاوى الصلاة
223
لقد شاهدنا في هذا العصر كثيراً من المساجد تبنى من طابقين، فيجعل الطابق العلوي للصلاة، والطابق الأسفل مجلساً للمناسبات، أو مدرسة للقرآن الكريم. فهل هذا جائز؟
المسجد له أرضه وسماؤه أي أعلاه، وأسفله فإن أنشئ من طابقين بحيث كان أحدهما مسجداً للصلاة والآخر غير مسجد لم يعط كله حكم المسجد، وإن كان من قبل مسجداً، ثم جدد بهذه الطريقة كان لجميعه حكم المسجد، ولم يجز أن يدخله جنب أو حائض أو نفساء، كما لا يجوز في أي طابق منه عمل أي شيء لا يجوز في المساجد. والله أعلم.
ما قولكم في بناء مسجد بجوار آخر مما يؤدي إلى تفرقة المصلين، مع العلم أن ما بين المسجدين لا يتجاوز ثمانية بيوت طولاً ويفصل بينهما
طريق؟
المساجد لا تبنى إلا من أجل جمع الشمل وتوحيد الكلمة والقضاء على نعرات الشقاق والنزاع، وذلك عندما تجمع المصلين على كلمة الله المؤلفة بين القلوب الجامعة على الخير. أما إن بنيت من أجل تشتيت وتفريق الكلمة فإنها لا تكون لها حرمة المساجد باتفاق أهل العلم، بل يكون حكمها حكم مسجد الضرار الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن القيام فيه بنص القرآن، وأقر هو الا أن يحرق ويهدم على من فيه، ويدل على ذلك أن الله ذكر التفريق بين المؤمنين من جملة الأسباب التي اقتضت هذا الحكم، وكل سبب منها مؤثر في الحكم بذاته، فهو مستقل بذلك عن غيره، كما يدل عليه قوله تعالى إثر نهي نبيه عن القيام فيه لَمَسْجِدُ أُسَسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} [التوبة: 108] وهو يدل على أن ما أسس على غير تقوى ليس له حكم المساجد قط، وكيف يكون مؤسساً على التقوى ما بني للتفريق والشقاق؟ (1/223)
صفحة 224
224
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
لذلك نص أهل العلم سلفاً وخلفاً على أن ما كان كذلك من المساجد لم
تكن له حرمة المسجد، بل يجب هدمه وتمنع الصلاة فيه. والله أعلم.
ما قولكم في ما يفعله عامة الناس اليوم من الجلوس في المسجد وإقامة العزاء فيه والقهوة بعد الصلاة؟
أمر الله سبحانه بتكريم المساجد في قوله: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ
وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور: 36] وفي التعبير بـ «أذن» إشارة إلى أمرين: الأول: عدم جواز التجرؤ على أي عمل فيها بدون إذن من الله لأنها
بيوته.
ثانياً: أن ما ينافي رفع هذه المساجد وذكر اسم الله فهو غير مأذون به فيها وأكد النبي صلى الله عليه وسلم ما دلت عليه الآية في نهيه عن اتخاذ المساجد طرقاً أو أسواقاً أو إنشاد الضوال فيها، وناهيك بما في هذا النهي دليلاً على حظر كل اجتماع في المسجد يؤدي إلى اللغو وهجر المقال وقبيح الفعال، وذلك ما لا تخلو منه مجالس العوام، سواء كانت لعزاء أو غيره. والله أعلم.
لقد وجدت جواباً للشيخ محمد بن عبد الله بن عبيدان في الصفحة 81 من الجزء الأول من «جواهر» «الآثار عن وقوف الرجل وحده خلف الصف في صلاة الجماعة جاء فيه «فيه خلاف، وبالجواز نأخذ هكذا حفظته عن أبي سعيد»، ووجدت الشيخ صالح بن علي يميل إليه، ووجدت عن بعض العلماء بأن إقامة الصفوف مستحبة وليست واجبة، فما قولكم في جواز الأخذ بهذا الرأي؟
القول بأن تسوية صفوف المأمومين في الصلاة مستحبة وليست واجبة قول مرفوض وإن قاله من قاله لمخالفته السنة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم الصريحة (1/224)
صفحة 225
فتاوى الصلاة
225
في وجوب تسويه الصفوف، وقد أورد القول هذا إمامنا نور الدين السالمي رحمه لله في معارجه وأتبعه قوله ولس بشيء، لأنه مخالف للسنة قولاً وفعلاً». والأحاديث الدالة على وجوب تسوية الصفوف والتراص بين المصلين
جاءت من طرق شتى، منها الصحيح ومنها الحسن وإليكم طائفة منها: 1 ـ أخرج مسلم والنسائي عن ابن مسعود قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: «استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ليليني منكم أولو الأرحام والنهى، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» ووجه دلالته على وجوب التسوية أمران:
أ ـ الأمر بالاستواء، والأمر للوجوب ما لم تصرف عنه قرينة.
النهي عن الاختلاف، والنهي للتحريم ما لم تصرف عنه قرينة أيضاً، وقد أكد هذا النهي بذكر ما يترتب على مخالفته، وهو اختلاف القلوب، والنهي عن اختلافها ثابت بالكتاب والسنة.
2 - أخرج مسلم وأبو داود والترمذي عن ابن مسعود ه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم - ثلاثاً ـ، وإياكم وهيشات الأسواق وفي رواية أبي داود والترمذي زيادة: «ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم قبل قوله: «وإياكم ومراده بهيشات الأسواق ما يكون فيها من أصوات أو اختلاط.
3 - روى البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «التسون صفوفكم أو ليخالفن الله وجوهكم»، وروى مسلم عنه أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح، حتى رأى أنا قد عقلنا عنه، ثم خرج يوماً فقام حتى كاد أن يكبر، فرأى رجلاً بادياً صدره، فقال «عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم»، (1/225)
صفحة 226
226
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
وأخرج ذلك عنه أيضاً أبو داود والترمذي والنسائي، وفي رواية عنه لأبي داود: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس بوجهه فقال: «أقيموا صفوفكم ـ ثلاثاً ـ،
والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم قال: فرأيت الرجل منا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وركبته بركبته وكعبه بكعبه، وأخرج عنه أيضاً في رواية أخرى: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوي صفوفنا إذا قمنا للصلاة وإذا استوينا كبر.
فانظر كيف كانت عناية النبي صلى الله عليه وسلم بتسوية صفوف المصلين ومباشرة ذلك بنفسه بجانب أمرهم بذلك بقوله، وتحذيرهم من مخالفة ذلك بتوعدهم عليها أن يخالف الله بين وجوههم أو بين قلوبهم.
أن صلاة من
- روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة وهذا يعني لا يسوون صفوفهم لا تتم.
وأخرج من وراء ظهري، وفي لفظ أقيموا الصفوف»، وأخرج عنه البخاري قال: أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «أقيموا صفوفكم وتراصوا فإن أراكم من وراء ظهري وزاد في رواية: «وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه» وأخرجه النسائي أيضاً.
عنه البخاري ومسلم أيضاً مرفوعاً: «أتموا صفوفكم فإني أراكم
وأخرج عنه أبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رصوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق، فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يتخللكم ويدخل من خلل الصف كأنها الحذف»، وفي رواية له: قال محمد بن السائب صليت إلى جانب أنس يوماً فقال: هل تدري لم جعل هذا العود في القبلة؟ قلت: لا والله، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع يده عليه فيقول: «استووا وعدلوا (1/226)
صفحة 227
فتاوى الصلاة
227
صفوفكم»، وفي أخرى: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة أخذه بيده ثم التفت فقال «سووا صفوفكم وأخرج عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتموا الصف المقدم ثم الذي يليه، فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر» وأخرج النسائي من طريقه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «استووا، استووا، استووا، فوالذي نفسي بيده إني لأراكم من خلفي كما أراكم من بين يدي»، وفي رواية أخرى: «رصوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق».
ه ـ أخرج أبو داود عن ابن عمر لها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات الشيطان ومن وصل صفاً وصله الله، ومن قطعه قطعه الله .. وأخرج منه النسائي قوله «من وصل صفاً ... إلخ.
6 ـ روى أبو داود والنسائي عن البراء بن عازب ه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخلل الصفوف من ناحية إلى ناحية يمسح صدورنا ومناكبنا وهو يقول: لا تختلفوا فتختلف قلوبكم قاله وكان يقول: «إن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأول» ولفظ النسائي «الصفوف المقدمة».
7 ـ روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أقيما الصف فإن إقامة الصف من حسن الصلاة».
وبالجملة فإن الرواية في ذلك مستفيضة، فلا مجال للعدول عنها إلى آراء الرجال، وقد عقل الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم حكم هذه المسألة، فلذلك كانوا حراصاً على اتباع طريقته وتطبيق سنته، فقد أخرج مالك في الموطأ عن نافع مولى ابن عمر لا أن عمر بن الخطاب كان يأمر بتسوية الصفوف، فإذا جاءوه فأخبروه أن قد استوت كبر، وأخرج أيضاً عن أبي سهل نافع بن مالك الأصبحي قال: كنت مع عثمان فقامت الصلاة وأنا أكلمه
في (1/227)
صفحة 228
228
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
أن يفرض لي، فلم أزل أكلمه وهو يسوي الحصى بنعليه، حتى جاء رجال قد كان وكلهم بتسوية الصفوف فأخبروه أن قد استوت، فقال لي: استو في
الصف ثم كبر.
هذا وفي روايتي أنس والبراء لها عند أبي داود دلالة على فضل الصف الأول ثم الذي يليه ثم الذي يليه، كما أن في رواية أنس ما يدل على وجوب إتمام الصفوف الأول فالأول، وقد وردت بكل ذلك روايات شتى، منها ما أخرجه الإمام الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو يعلم الناس ما في الصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يتساهموا عليه لتساهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا» ورواه البخاري مع اختلاف يسير في لفظه وتقديمه وتأخيره في جمله.
وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو يعلمون ـ أو تعلمون ـ ما في الصف الأول لكانت قرعة»، وروى أبو داود عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على الصف الأول ثلاثاً، وقال: «لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله في النار»، وروى النسائي من طريق العرباض بن سارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي على الصف الأول ثلاثاً، وعلى الصف الثاني واحدة.
وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد الخدري له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في أصحابه تأخراً، فقال لهم: تقدموا فأتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله، وروى مسلم وأبو داود والنسائي عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ قلنا وكيف تصف الملائكة عند؟ قال: ربهم! يتمون الصفوف المقدمة ويتراصون في الصف». (1/228)
صفحة 229
فتاوى الصلاة
229
بالخطأ
مع
وكثيراً ما رأينا عوام الناس لا يبالون أن يصفوا صفاً ثانياً وثالثاً ورابعاً قبل أن يتموا الصف الأول، وهذا من جهلهم بالسنة وعدم مبالاتهم في الدين، وكثيراً ما رأيناهم يرجحون مياسر الصفوف على ميامنها، ما استقر في الإسلام من ترجيح الميامن وقد كان من سنة النبي صلى الله عليه وسلم حب التيامن، وروى أبو داود عن عائشة لا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف».
وأعظم من ذلك خطأ وأشد مخالفة للسنة عدم التزامهم إنشاء الصفوف وراء الإمام، فكثيراً ما يبدأون الصف الثاني والثالث في طرف الصف وغالب بدايتهم من الطرف الأيسر إمعاناً في مخالفة السنة، وإرضاء الشيطان والعياذ بالله، والسنة صريحة في توسيط، الإمام، فقد روى أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وسطوا الإمام وسدوا الخلل»، وأفظع ذلك كله أن يدخل أحدهم المسجد فيرى الجماعة قائمة، وفي الصف ولكن تأبى عليه نفسه أن يخطو خطوات يسيرة ليقف مع المصلين، وإنما يقف صفا وحده فيأتم بالإمام ولا يبالي أن
من
الذي
أمامه متسع
في
الصف
وصححه
يقف وراء الصف على اليمين أو على اليسار، وصلاة مثل هذا باطلة، بل تبطل - على الصحيح صلاة - من يقف صفاً، وحده، ولو لم يجد متسعاً في الصف الذي بين يديه وكان مستقبلاً لظهر الإمام، لما رواه أصحاب السنن أحمد وابن خزيمة ـ عن وابصة بن معبد له أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد صلاته، وروى نحوه ابن خزيمة وابن حبان من حديث علي بن شيبان وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف»، وقد شدد في ذلك بشير بن المنذر رحم الله ـ وهو أحد حملة العلم إلى عُمان ـ فقد روى عنه هاشم بن غيلان أنه سئل عن رجل دخل والناس في صلاتهم فقام خلفهم وحده ولم يجر أحدا، ولم يدخل (1/229)
صفحة 230
230
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
في الصف وصلى بعض صلاته، ثم جاء واحد فقام معه؟ فقال بشير: صلاة الأول فاسدة وصلاة الداخل معه فاسدة، لأنه صلى مع رجل لا صلاة له. قال هاشم: فأخبرت بذلك سليمان ـ يعني ابن عثمان ـ فقال: الذي دخل أصلح للأول صلاته، وتعقبه الإمام السالمي حمدالله بقوله: إن دخل بعد أن أحرم فلا
صلاح، وكيف يصلح الفاسد؟ وإن دخل قبل أن يحرم فلا فساد أصلاً. وقال بعض علمائنا إن تعذر عليه أن يجر معه أحداً فليلتصق بالصف: في قيامه، فإذا أراد الركوع والسجود تأخر بقدر ما يمكنه الركوع والسجود، فإذا انتهى منهما عاد إلى موقفه الأول ملتصقاً بالصف، قال الإمام نور الدين السالمي: وإنما أمروه بذلك لوجوب الصف عليه، ولأنه منهي عن المقام وحده، ولم يمكنه الصف، فأمروه أن يلزق بالصف حال القيام، ثم يتأخر للركوع والسجود لتعذرهما عليه إلا بالتأخر، فإذا قام لصق بالصف مرة أخرى لوجوب الصف عليه، وهو وجه من الحق ولا يشبه اللعب، خلافاً لزاعم ذلك. ورخص له بعضهم أن يبقى مكانه بعد ركوعه وسجوده، من غير أن يعود إلى الالتصاق بالصف وقيل يجوز له أن يقف صفاً وحده حال الضرورة، بشرط أن يكون مستقبلاً للإمام، ورخص له بعضهم ولو وقف على جانب وهذان القولان مردودان بحديثي وابصة وعلي بن شيبان
في
المتقدمين. احتج
المرخصون بحديث أبي بكرة عند البخاري وهو أنه انتهى إلى
النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «زادك الله حرصاً ولا تعد ووجه الاحتجاج به أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بالإعادة وقد ركع دون الصف، والركوع جزء من الصلاة، وما جاز في الجزء جاز في الكل، وحمل هؤلاء الأمر بالإعادة في حديث وابصة لأجل ارتكاب المكروه وقال بعضهم: إنما أمره بإعادة الصلاة تغليظاً وتشديداً. (1/230)
صفحة 231
فتاوى الصلاة
231
وتعقب ذلك الإمام السالمي بقوله: ولا معنى للوجهين، لأن الأمر
بالإعادة دليل النقض لا الكراهية، وليس الإغلاظ في تكرار الصلاة، وإنما الإغلاظ في المبالغة في الزجر، على أن الجمع بين الحديثين ممكن بطريق أولى وأسهل، وذلك أن تحمل حديث أبي بكرة على الفعل قبل ثبوت النهي، وتحمل حديث وابصة عليه بعد ثبوت النهي فإن القدوم على الفعل قبل النهي عنه لا يفيد فساداً، بخلافه بعد النهي ـ عند من جعل النهي دالاً على الفساد ـ.
:
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح واستنبط بعضهم من قوله «لا تعد» أن ذلك الفعل كان جائزاً ثم ورد النهي عنه بقوله لا تعد»، فلا يجوز العود إلى ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم
هذا ومن غرائب استدلال، المجيزين ما استند إليه طائفة من أهل العلم منهم ابن بطال في دعوى الجواز، وهو صلاة أم سليم خلف الصف، كما في حديث أنس عند الربيع والشيخين وغيرهم، وقد تعقب استدلالهم ابن خزيمة بقوله: لا يصح الاستدلال، به لأن صلاة المرء خلف الصف وحده منهي عنها باتفاق من يقول تجزئه أو لا تجزئه وصلاة المرأة وحدها إذا لم يكن هناك امرأة أخرى مأمور بها باتفاق، فكيف يقاس مأمور على منهي؟
بهذا تبين لك أن الصحيح وجوب تسوية الصفوف وتراصها، وعدم جواز وقوف الرجل وحده خلف الصف والله أعلم وبه التوفيق وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ما قولكم في مسجد بجواره مصلى للنساء، فأراد جماعة هذا المسجد هدم المصلى لبناء دورات مياه للمسجد مكانه لعدم وجود مكان آخر (1/231)
صفحة 232
232
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
لذلك، ولأن هذا المصلى مهجور منذ زمن بعيد وغير مستغل لغرض آخر هل يجوز ذلك؟
قال أهل العلم: إن للمصليات أحكام المساجد، وعليه فلا يجوز أن تبنى
دورات مياه في مكان هذا المصلى ولو تقادم عهده. والله أعلم.
نريد تحويل مصلى العيد من مكانه المعهود إلى مكان آخر، ذلك لوجود الحرج والمشقة في الوصول إليه، حيث إنه يقطع بيننا وبينه وادي سمائل، فلربما سال ونحن لم نصل إلى المصلى، ولربما سال ونحن فيه، وكم مرة صلينا في أحد المساجد لتعذر الوصول إليه، إضافة إلى أن طريقه غير معبدة، وفي قطعها كثير من الصعوبات والعراقيل، فما قولكم في ذلك؟
لا حرج في ذلك لأجل مراعاة هذه الظروف ويبقى المصلى السابق إلى أن تتبدل الأحوال، فلعله يقام في مكانه مسجد مع اتساع العمران. والله أعلم.
ما قولكم فيمن تبرع بمبلغ من المال لبناء مسجد، واتفق مع المقاول على بنائه في مدة محدودة، وعند الإخلال في المدة تكون على المقاول غرامة مالية تعادل مائة ريال عُماني وما قولكم في مسجد بني وبقي
مبلغ للمقاول بذمة القائم على بنائنه، فما قولكم في الصلاة فيه؟ هذا الاتفاق لا يجوز شرعاً لما فيه من الجهالة، فقد تعترض المقاول ظروف تمنعه من الاستمرار في العمل، ومن ذا يدري هل يمكنه إنجاز العمل في وقته المحدد أو لا يمكنه؟ لذلك أرى على المتبرع أن يعف عن أخذ شيء على المقاول في مقابل تأخر العمل، أما إن تمادى المقاول عن عمد فعلى القاضي الشرعي أن يردعه بما يراه من وجوه الحق، وفي حال تعذر وجود من يردعه يجوز الإتفاق على أن يحسم من أجره مقدار الضرر بالعمل (1/232)
صفحة 233
فتاوى الصلاة
233
ذمة
في المسجد، وأما الصلاة في مسجد بني بهذه الطريقة، وتعلق بذمة القائم على بنائه حق للمقاول الذي نفذ البناء فلا تمنع، لأن الحق إنما هو في ذلك الشخص. والله أعلم.
أن
شخص لديه مبلغ من المال حق لمسجد وأراد أن يسافر، وأمن المال شخصاً آخر إلى أن يعود، وعند عودته سأل عن المال وطلب إرجاعه، فأجابه أن المال أدخله في عمل تجاري (مشروع تجاري)، وعنده الاستعداد لدفع مبلغ معين شهرياً لصالح المسجد، مع الاحتفاظ بالمبلغ ذلك؟ الأصلي للمسجد فما قولكم في
لا يجوز ذلك، إلا إذا أتم عقد مضاربة بينه وبين وكيل المسجد، وعليه المال إلى الوكيل بدون تردد. والله أعلم.
يسلم
ما حكم الكلام في المسجد بغير ذكر الله؟
إن كان تعلماً للخير أو تعليماً له أو أمراً بالمعروف أو نهياً عن المنكر، فهو مباح محمود، وإن كان حديثاً دنيوياً فهو محجور مذموم. والله أعلم. ما حكم الشرع الشريف في إقامة مناسبات العزاء في المساجد؟ ينبغي تنزيه المساجد عن مثل ذلك، لما في هذه التجمعات من رفع الأصوات في المساجد بأحاديث الدنيا، إلى غير ذلك مما يستنكر شرعاً.
والله أعلم.
هل يجوز ترميم مسجد للنساء من أموال مسجد آخر تعود عليه من التبرعات، ومن ثمن طنى النخيل؟
يتبرع الإنسان بماله الذي يملكه لا بمال غيره فكيف بمال الوقف، فإنه (1/233)
صفحة 234
234
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
لا ينتقل عن الوقفية، وإنما يجوز إن كان الوقف لمسجد وفضل ريع الوقف أي غلته - عن حاجة ذلك المسجد، أن ينفق الفاضل في عمارة مسجد بقاء الأصل للمسجد الموقوف له. والله أعلم.
آخر، مع
ما قولكم في مسجد قريب من مسجد جامع كانت تقام فيه صلاة الجماعة، وذهب عنه الناس إلى الصلاة في الجامع، وأصبح المسجد مغلقاً، فلما قولكم في جعل المسجد للنساء يؤدين فيه الصلاة بدلاً من إغلاقه؟
لا مانع من ذلك لأنه عمارة للمسجد بذكر الله. والله أعلم.
يوجد في بلدة سناو مصلى للعيد عليه سور وبه محراب، وقد تركه أهل البلدة الآن وانتقلوا إلى غيره بسبب وقوعه في وسط البلد، نرى الآن أن بعض الأولاد أخذوا يلعبون فيه كرة القدم، فهل ذلك جائز؟ وهل يسعنا السكوت عنهم؟
إن كان محاطاً
والله أعلم.
بسور فله حرمة ولا يجوز أن يترك مسرحاً للعب.
ما حكم إقامة مصليات النساء بمساجد أحياء مسقط، حيث الكثافة السكانية وحيث حاجة الأسرة المسلمة داعية إلى وجود هذه المصليات، للاستماع إلى الدروس الوعظية والمحاضرات الدينية التي تلقى في بعض المناسبات العطرة، فضلاً عن فضل الصلوات للخاليات من الواجبات المنزلية العائلية كالنساء الكبيرات أو من يجدن من ينوب
عنهن في إدارة شؤون المنزل في تلك اللحظات الثمينة؟
إنشاء هذه المصليات هي من الضرورة بمكان فعلاوة على الأسباب المذكورة في السؤال هنالك كثير من الدواعي إليها، كحضور كثير من (1/234)
صفحة 235
فتاوى الصلاة
235
الرجال الوافدين بعائلاتهم إلى مسقط في أيام العطل، ولا تجد نساؤهم أماكن للصلاة، ومستلزماتها فيضطر هن ذلك إلى مزاحمة الرجال في المساجد، وفي دورات المياه بها، وهي مشكلة عويصة لا يحلها إلا وجود هذه المصليات ومرافقها. والله ولي التوفيق.
لقد قرأت في بعض الكتب أن زخرفة المساجد هي من علامات الساعة، فهل هذا يعني عدم جواز زخرفة المساجد، بالرغم من أنها بيوت الله، التي ينبغي أن يكون مظهرها حسناً ولائقاً كبيت الله الحرام والمسجد النبوي مثلاً؟ نعم، الزخرفة في المساجد ممنوعة، وأقل ما فيها الكراهة، وليس حسن مظهر المساجد بالزخرفة وإنما بدوام الذكر فيها، فقد كان مسجد النبي صلى الله عليه وسلم عريشاً، وكانت سواريه من جذوع النخل، ومع ذلك أشرق منه النور الذي بدد الظلمات من أرجاء الأرض. والله أعلم.
هل يجوز تعليق اللوحات التي ترشد الأطفال لكيفية الصلاة في المسجد
مع وجود صور توضيحية بها؟
لا داعي إلى ذلك، فتركها أولى. والله أعلم.
قرأت في بعض كتب الشافعية أنه ليس للمسجد الواقع في حريم البحر ركعتي تحية، وأن ذلك المسجد مستلزم للهدم، لأنه وضع في أرض ملك مشاع لجميع المسلمين فهل هذا القول ثابت في المذهب الشافعي، وهل وافقهم غيرهم من العلماء على هذا الحكم؟
هي
هذا قول مبني على حرمة إحداث شيء في حريم البحر، وهو مشهور
عند المسلمين - حتى عند غير الشافعية - وقد قال به كثير من علماء مذهبنا.
والله أعلم. (1/235)
صفحة 236
236
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
لا؟
جرت العادة في مناسبات الأعياد كالأضحى والفطر وباقي المناسبات، بأن تقام ولائم الغداء جماعة داخل المسجد، وذلك لضيق متسع بيوت الجماعة من أجل اجتماع شملهم فهل يجوز ذلك إن لم يكن لهم مناص من ذلك فلا مانع منه، على أن يتجنبوا كل لفظ قبيح، وأن يتجنبوا إيذاء المسجد بأي أذى. والله أعلم.
ما حكم الإسلام في تعليق إعلانات المعاهد التدريبية وحملات العمرة والحج على أبواب المساجد بغرض جلب الزبون؟
المساجد هي بيوت الله، ولا يجوز فيها إلا ما أذن الله به، قال تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور: 36] فالمأذون به فيها عبادة الله من صلاة وذكر وتلاوة ودعوة إلى الحق وتعلم وتعليم، أما الإعلانات المذكورة فهي بعيدة عن المأذون به والله أعلم.
هل يجوز إدخال المقابر في المسجد ودفن الموتى فيه؟
لا يجوز إدخال المقابر في المسجد، ولا دفن موتى داخل مسجد.
والله أعلم.
ما حكم المذاكرة في المسجد والكتاب الذي يذاكر فيه به صور بشرية؟ إن كانت هذه الصور غير خلاعية، وكانت المطالعة لأجل ما في هذه الكتب
من العلم، فلا مانع من ذلك، وأما إن كانت الصور خلاعية فلا. والله أعلم. امرأة تسكن بقرب مسجد، وتريد أن تقوم بتنظيفه وكنسه، فهل يصح لها؟ لا مانع من ذلك لغير الحائض. والله أعلم. (1/236)
صفحة 237
فتاوى الصلاة
ما قولكم في جواز إعلان دعوات الزواج بعد صلاة الجمعة؟
237
إن كانت هذه الدعوات يعلن عنها في المساجد فذلك مكروه، كيف وقد نهي عن إنشاد الضالة في المسجد، وإن كان الإعلان عنها بعد الخروج فلا مانع. والله أعلم. ما قولكم في إغلاق أبواب المساجد ما بين الظهر والعصر، وما بين العشاء والفجر؟
إن كان في إغلاق أبواب المسجد في غير أوقات الصلوات صون له فلا مانع منه. والله أعلم.
ما قولكم فيمن قام يوم الجمعة بعد الفرض وقبل سنة الجمعة معلناً في مكبرات الصوت بالجامع عن شهر البلديات وعن المقابر والمغاسل وقعادة الماء بالبلدة فهل يجوز ذلك؟
المساجد بنيت لما بنيت له، فلا يجوز فيها شيء من أمور الدنيا، حتى أن الحديث الصحيح شدد في إنشاد الضالة بالمسجد، فكيف بالقعادة وغيرها، فذلك لا ريب أنه باطل يجب تغييره. والله أعلم.
ما قولكم في نقل ما فضل عن حاجة المسجد من أثاث وأدوات، والمسجد في غنى عنها إلى مسجد بحاجة إليها؟
لا مانع من نقل ما فضل عن حاجة المسجد واستغنى وأدواته، لأن الغاية منها واحدة. والله أعلم.
من
أثاثه
ما قولكم فيمن يجفف تمراً فوق سطح المسجد، هل يجوز له ذلك؟
بنيت المساجد لما بنيت له ولا يجوز استغلال سطوحها لتجفيف التمور أو غيرها. والله أعلم. (1/237)
صفحة 238
238
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
هي
هل يجوز أن يبني المسجد غير المسلمين؟
قال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)
من منافاة تعظيمها والمحافظة
[التوبة: 18]، وهذا النص وإن كان في العمارة المعنوية فإن العمارة الحسية التي التشييد والبناء يجب أن لا يقوم بها إلا المسلمون، فلا يمكن الكفار من ممارسة بناء المساجد وتشييدها، لما في ذلك على حرماتها، على أن المسجد إذا ارتفع بناؤه أُعطي حكم حرمة المسجد القائم بناؤه، ومن المعلوم أن أولئك العمال يترددون إليه للقيام بعملهم مع أنهم بجانب ما هم متلبسون به من رجس الشرك لا ينفكون عن الأحداث الكبرى لعدم اغتسالهم من الجنابة ولا يحل دخول الجنب إلى المسجد ولو كان مسلماً فكيف بمن كان كافراً؟. والله أعلم.
ما قولكم في رجل وقع عليه حادث اصطدام سيارة وتكسرت أعضاؤه وتغير شعوره، وله حوالي خمس سنوات في المستشفى، ولا يعقل من الليل إلى النهار ولا يعرف أولاده ولا أهله وهذا الرجل كانت بيده أموال مساجد بلدته يطنيها ويقبض ثمن غلتها من الدلال (1) ويسجل الخارج والداخل من الأثمان سنوياً فطلبنا من أهله الكتب التي يسجل فيها فلم نجد شيئاً يدلنا على ضبط أموال هذه المساجد، فهل على المذكور ضمان في ماله أم يعذر من قبل الله، فإذا قلتم بالضمان فما مقدار الذي يقوم أهله، بإخراجه بين لنا ذلك مأجوراً؟
لا نقوى على القول بضمانه ما لم يثبت الضمان بحجة شرعية، هذا فيما بينه وبين الناس، أما ما بينه وبين ربه فالله أولى به، لأنه العليم بسرائر
عباده. والله أعلم.
(1) هو
الذي ينادي على البضاعة ويكون وسيطاً بين البائع والمشتري. (1/238)
صفحة 239
فتاوى الصلاة
239
هل يجوز بيع شيء من أصول أموال المساجد، إذا كان هناك اضطرار
إلى ذلك بسبب خراب؟
يجوز
ذلك
مع الضرورة، لمصلحة المسجد أو ماله، والضرورة تقدر
بقدرها. والله أعلم.
لمسجد أموال تزيد عن حاجته، فهل يجوز الأخذ منها في عمل مدرسة لتحفيظ القرآن، وكما له فائدة زيادة سنوية من الأموال الموضوعة في البنك، فماذا يفعل بها؟ أفتنا ولك الأجر.
لا مانع من إنفاق الفاضل من غلة مال المسجد على أي باب من أبواب البر التي تتفق عليها جماعة المسجد الموقوف له المال، والمراد بالفاضل ما زاد عن حاجة المسجد بحسب مقتضى وقفية المال، أما الإيداع في البنوك بحسب النظام الربوي فهو حرام، سواء كان المال المودع لمسجد أو غيره، الاضطرار إلى الإيداع فيها، فيجب أن يكون بموجب نظام الحساب الجاري لا حساب التوفير. والله أعلم.
ومع (1/239)
صفحة 240
240
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
فتاوي متنوعة:
ما الحكمة في جعل صلاة النهار سرية وصلاة الليل جهرية، ما عدا الركعة الثالثة من صلاة المغرب والركعة الثالثة والرابعة من صلاة العشاء؟ هذه تعبدات خفية لا يعلم حكمتها إلا الله، مثلها مثل اختلاف عدد الركعات في صلوات الفروض. والله أعلم.
ركعتا الوضوء، هل هما الركعتان اللتان تقدمان تحية المسجد أم غيرهما؟ وهل ركعتا الوضوء لهما وقت محدد في تأديتهما؟
إن دخل المسجد بعد الوضوء أجزت ركعتا التحية عن ركعتي الوضوء،
وإلا صلى ركعتين قبلهما إثر الوضوء. والله أعلم.
هل رائحة الدخان في ثيابنا تنقض الصلاة؟
لا يؤثر دخان السجائر تنجساً على الملابس التي يصلي بها، وإن كان محرماً شرابه. والله أعلم.
هل يجوز الإسراع في الصلاة؟
الإسراع في الصلاة ـ إن كان مخلاً بالطمأنينة - فهو غير جائز. والله أعلم.
ما حكم ترك العصي والبنادق ونحو ذلك أمام المصلي، وهل تؤثر في صلاته؟
نقضاً
لا مانع من وضع الأسلحة أمام المصلين فإن الأصل الإباحة، والمنع لا يكون إلا عن دليل، بل الأدلة تدل على خلاف ذلك (1). والله أعلم. (1) أي: أن الأدلة تقتضي جواز ترك العصي والبنادق ونحو ذلك أمام المصلي. (1/240)
صفحة 241
فتاوى الصلاة
241
لقد اختلف الناس في كيفية تأدية الصلاة، فكيف كان الرسول صلى الله عليه وسلم يؤدي
صلاته؟ وهل هناك أحاديث في هذا الموضوع؟ وما رأيكم فيها؟ هذا إنما يفهم بتمحيص الروايات ودراسة متونها وأسانيدها وملابساتها، وعملنا في الصلاة مبني على الاحتياط، ولذلك كانت صلاتنا صحيحة بالإجماع. والله أعلم.
هل التسبيح بالمسباح مأمور به أم بدعة مستحبة؟
حمل السبحة من البدع الحادثة، وإنما يجوز اتخاذها للأذكار المحصورة بعدد من الخلوات. والله أعلم.
هل الذي لا تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر لا صلاة له، اعتماداً على قوله تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَبِ وَأَقِمِ الصَّلَوةُ إِنَّ الصَّلوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}
[العنكبوت: 45]؟
معنى ذلك أن من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فصلاته لم تكن
على الوجه المشروع، فهي غير مقبولة عند الله. والله أعلم.
ماذا على التي لا يصلي زوجها؟ على المرأة التي لا يصلي زوجها أن تنصحه بأي طريقة حتى يثوب إلى رشده. والله أعلم.
هل يجوز أن يتكئ الرجل العاجز على عصاء أثناء صلاته الفريضة، أم الأفضل أن يؤديها قاعداً؟
ذهب أبو عبيدة إلى جواز الاستناد للعاجز حال تأديته الصلاة (1/241)
صفحة 242
242
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
وذهب الجمهور إلى أن القعود أولى، وللاتكاء على العصي حكم الاستناد.
والله أعلم.
ما قولكم فيمن زاد في صلاته ركعة أو أكثر نسياناً؟
عليه أن يسجد سجدتي سهو بعد السلام. والله أعلم.
إذا كانت اليد اليمنى متعطلة، فهل يجوز المسح على الوجه باليد اليسرى، وذلك عند التلفظ بالشهادتين؟
لا مانع من ذلك. والله أعلم.
هل يصح الالتفات بالسلام إلى المأمومين بعد أداء فريضة المغرب
مباشرة؟
لا مانع من ذلك. والله أعلم.
هل يجوز للإنسان المسلم أن يصلي ركعات نفلاً على أرواح الأولياء، أو أنه يعتبر شركاً بالله؟ أفتني سماحة الشيخ ولك عند الله تعالى خير
الجزاء.
العبادات أمور توقيفية ليس للإنسان أن يزيد فيها ما لم يشرع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وفي رواية «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، وقال ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ: إن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكان ضلالة في النار». وصلاة ركعتين على أرواح الأولياء إما أن تكون قربة إليهم أو قربة عنهم، وكل ذلك باطل، فإن كانت قربة إليهم فذلك عين الشرك، لأن العبادات (1/242)
صفحة 243
فتاوى الصلاة
243
لا يتقرب بها إلا لله، ومن فعل ذلك فقد جعل الله نداً وذلك هو الشرك بعينه، وإن كانت قربة عنهم فهي بدعة، وضلالة، لأن الصلاة لا ينوب فيها أحد عن أحد حياً كان أو ميتاً والله أعلم.
هل يلزم التلفظ بالنية أم هي بالقلب كافية، وذلك في حال الاغتسال من الجنابة أو أزالة النجاسة أو الوضوء أو في حال القيام للصلاة؟ نرجو منكم التكرم بالإفادة.
النية
هي
قصد الشيء بالقلب، يقال: كان فلان ناوياً أن يفعل كذا أي كان عاقداً عزمه على فعله، سواء أخبر عن هذا العزم أم لا، وتقول: نويت اليوم أن أزورك. أي عقدت العزم على زيارتك، وهذه هي النية الشرعية المعنية بقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى»، وليس التلفظ ركناً منها ولا شرطاً لها، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يتلفظ بما يعبر عن نيته عند قيامه للصلاة، ولا عند وضوئه أو تطهره من نجاسة، وهكذا كان الصحابة والتابعون، وإنما أحدثت هذه الألفاظ من بعد لأجل عون العوام على استحضار معانيها، وقد نص المحققون من العلماء أنها غير لازمة، ومن هؤلاء قطب الأئمة في شامل الأصل والفرع، والإمام نور الدين السالمي في معارجه، وقد أطالا في بيان ذلك بما فيه مقنع للمستبصر، هذا والنية التي هي القصد بالقلب إنما تجب في غير معقول المعنى من الأعمال، وذلك كالصلاة والوضوء، أما ما كان معقول المعنى كالتطهر من النجاسة فلا تجب له النية، فلو فعله الإنسان ساهياً لم يكن عليه حرج ولم تلزمه الإعادة. والله أعلم.
ما حكم صلاة الخوف؟ هل الوجوب أم الجواز؟
الصلاة واجبة بل هي فريضة على أي حال، وإنما التخفيف من وظائفها لأجل الخوف جائز ليس بواجب. والله أعلم. (1/243)
صفحة 244
244
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
هل تصح الصلاة وراء المخالف الذي يضم يديه في الصلاة ويتم في موضع السفر؟
بما أنه متأول فيما يعمل فلا حرج في الصلاة خلفه. والله أعلم.
رجل لديه أولاد وهم بالغون سن الرشد، لكنهم قاطعون للصلاة ولا يرتادون المسجد، فماذا يكون واجب والدهم تجاههم؟
ليس بين العبد والكفر إلا ترك الصلاة، هكذا ثبت عن النبي الهادي الأمين عليه أفضل الصلاة والتسليم، وهذا يدل على أنه لا نصيب في الإسلام لمن أضاع الصلاة، والواجب على الأب إن حصل من أولاده أو بعضهم إضاعة الصلاة ألا يتساهل في تأديب هذا المضيع لصلاته إن كان قادراً على ذلك، وإلا فما عليه إلا ما كان في مقدوره، وإن لم يحصل ارتداع من أولاده فعليه أن يقاطعهم، لأن في صلتهم تشجيعاً ضمنياً لهم على هذا المنكر العظيم، اللهم إلّا إن كانت المقاطعة تؤدي إلى فساد أكبر. والله أعلم.
ما المقصود بكلمة الأهل في قوله تعالى: {وَأَمْرَ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه: 132]؟ وما مدى مسؤولية الرجل عن عبادة زوجته؟ وهل تسأل المرأة عن عبادة زوجها؟
الأهل هم الخاصة الذين يرعاهم الزوج كالزوجة والأولاد ومن يقع تحت مسؤوليته فعليه أن يأمر هؤلاء بالصلاة وأن يصطبر هو نفسه عليها، ولا ريب أن الرجل مسؤول عن امرأته، كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فإن انحرفت عن الطريق السوي فعليه أن يقومها، فإن تركت الصلاة فعليه أن يدعوها إلى إقامتها وأن لا يتساهل معها في ذلك، والمرأة أيضاً عليها - حسب جهدها ـ أن تأمر زوجها بحسن (1/244)
صفحة 245
فتاوى الصلاة
245
العبادة والاستقامة على طريق الحق، أما إن عجزت عن ذلك فإن ذلك لا يقع تحت مسؤوليتها، إذ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، اللهم إلا إن كان انحرافه عن الطريق السوي يخرج به عن ملة الإسلام وهنا لا يجوز لها المقام معه.
والله أعلم.
ما هو أفضل الذكر في آخر الليل وآخر النهار؟
جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي «لا إله إلا الله»»، وهو دليل على أن كلمة التوحيد هي أفضل الذكر، لأن العقيدة تنبني عليها، والأعمال لا تصح إلا بها، ويليها التسبيح والاستغفار للأمر بها في القرآن، وكذلك سائر الأذكار المحمودة كالتكبير والحوقلة). والله أعلم.
من المسائل التي لم يتفق عليها المسلمون مسألة التأمين بعد قراءة الفاتحة في الصلاة، وقد كثر القيل والقال بين فئة المثبتين وفئة المانعين لها، وأكثر ما استدل به القائلون بجوازه ما ذكره الشوكاني في نيل الأوطار حيث يقول: وقد استدل صاحب البحر على أن التأمين بدعة بحديث معاوية بن الحكم السلمي (إن هذه صلاتنا لم يصح فيها شيء من كلام الناس، ولا شك أن أحاديث التأمين خاصة وهذا عام، فإن كانت أحاديثه الواردة عن جمع من الصحابة لا يقوي بعضها بعضاً على تخصيص حديث واحد من الصحابة، مع أنها مدرجة تحت العمومات القاضية بمشروعية مطلق الدعاء في الصلاة، لأن التأمين دعاء فليس في الصلاة تشهد وقد أثبتته العترة، فما هو جوابهم في إثباته فهو الجواب في إثبات ذلك، على أن المراد بكلام الناس في الحديث هو تكليمهم
(1) أي: قول الإنسان (لا حول ولا قوة إلا بالله). (1/245)
صفحة 246
246 الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
لأنه اسم مصدر كلم لا تكلم، ويدل على أن ذلك السبب المذكور في الحديث ... إلخ نرجو من سماحتكم التكرم ببيان رأي علماء المذهب في استدلال المثبتين للتأمين في الصلاة بتلك الأدلة، والله يجمع شمل المسلمين ويؤلف بينهم، ويأخذ بأيديهم إلى ما يحبه ويرضاه.
1 - لا ينبغي للمسلمين أن تشتد الخصومة بينهم في مسائل فرعية، - للاجتهاد فيها مجال رحب ما دام كل مجتهد يتعلق فيها بما يراه حجة ويرتضيه دليلاً، وأنت تدري أنه لا يقطع عذر أحد في رأي رآه إلا إن خالف دليلاً شرعياً اجتمع فيه، وصفان قطعية متنه ونصية دلالته، ولا تثبت قطعية المتن إلا بالتواتر دون الآحاد والشهرة، ولا تكون نصية الدلالة مع احتمال معنى آخر ولو مرجوحاً، فإنه يخرج بالاحتمال عن النصية إلى غيرها كالظهور، وتنزل دلالته عندئذ من القطع إلى الظن.
2 ـ لا يسلم ما قاله الشوكاني أن منع كلام الناس في الصلاة لم يرد إلا حديث واحد ـ وهو حديث معاوية بن الحكم السلمي ه ـ بل جاء ذلك في العديد من الروايات، منها حديث زيد بن أرقم عند الشيخين وأبي داود والترمذي والنسائي بألفاظ متعددة، وحديث ابن مسعود عند الشيخين وأبي داود والنسائي.
- حمل الكلام في حديث معاوية على التكليم - كما ذهب إليه الشوكاني مدفوع بما دلت عليه خاتمة الحديث: «إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن»، وذلك بعد أن قال: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس»، ويؤكد ذلك ورود عبارة «شيء» في صدر الحديث، فإنها أعم العمومات. 4 ـ الاتفاق على مشروعية التشهد في الصلاة ليس حجة على من منع التأمين فيها، لأن للتشهد وضعاً خاصاً، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمه أصحابه (1/246)
صفحة 247
فتاوى الصلاة
247
كما يعلمهم السورة من القرآن كما جاء في حديث ابن مسعود على أن معظم عبارات التشهد هي في حقيقتها تسبيح الله لما في طواياها من التنزيه له سبحانه عن الشريك في الألوهية والربوبية، وقد أجمعت عليه الأمة، وليس المجمع عليه كالمختلف فيه.
5 ـ ما روي عن الصحابة لي من أحاديث التأمين محمول عند القائلين بمنعه على ما كان قبل نسخ الكلام في الصلاة، فهي مندرجة في ضمن المنسوخ، ولا ريب أن الأخذ بذلك أحوط ما دام نسخ كلام الآدميين متيقناً وهو داخل ضمنه. والله أعلم.
ما قولكم فيمن يسرع في صلاته ولا يتم ركوعها ولا سجودها، ولا يتدبر فيها ولا يخشع؟
الصلاة المقبولة هي صلاة الخاشع، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ} [المؤمن (1، 2]، وقال: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 4، 5]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لكل شيء عمود، وعمود الدين الصلاة، وعمود الصلاة الخشوع». والله أعلم.
يَؤمنا إمام يقنت في صلاة الفجر ونحن لا نقنت، فما حكم صلاتنا وما علينا أن نفعل؟
بما أن القنوت كلام خارج عن الصلاة وهو في عداد المنسوخ، فإن صلاة الفرض خلف القانت لا تجوز، فصلوها معهم نفلاً، وليعد كل منكم فرضه إن لم تتمكنوا من إقامة جماعة بأنفسكم في صلاة الفجر وهذا من باب الاحتياط وإلا فمن أصحابنا من أجاز الصلاة خلف من يقنت إن كان قنوته لا يتعدى الدعاء المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والله أعلم. (1/247)
صفحة 248
248
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
لقد اطلعت على فتوى لسماحتكم لشخص حنفي يصلي خلف إمام شافعي فأمرتموه بإعادة صلاته بسبب قنوت الإمام الشافعي. فهل معنى هذا أن صلاة الإمام الشافعي ليست صحيحة بسبب القنوت؟ نرجو منكم التكرم بالإفادة.
لم أتعرض في جوابي لصلاة الشافعي ولا غير الشافعي جوازاً ولا بطلاناً، وما كان لي أن أحكم ببطلان صلاة أحد يتمذهب بمذهب ويؤدي صلاته طبق تعاليم ذلك المذهب، فإن علماء المسلمين لهم اجتهادات وآراء في الصلاة وغيرها من العبادات، ولا يعد الخلاف في ذلك من القضايا المفضية إلى الإشكال، لأنه اختلاف فرعي يكون حتى في المذهب الواحد، وإنما بنيت الجواب على ما يقتضيه مذهب السائل من أن الوقفة الطويلة في الصلاة من غير عمل تؤدي إلى بطلان الصلاة، وما استقر عليه الرأي في المذهب باتفاق من أن مشروعية القنوت نسخت بأحاديث دالة على النسخ لم يختلف في صحتها ـ وإن اختلف في ثبوت النسخ بها ـ وتتلخص دلائل النسخ في ثلاثة أمور:
هذا
أولها تحريم الكلام في الصلاة بما ليس قرآناً ولا تسبيحاً ولا تكبيراً، بعد أن كان ذلك مباحاً أول الأمر، وهو الوقت الذي كان فيه القنوت مشروعاً، وهذه الأحاديث الناسخة:
1 - أخرج البخاري ومسلم والنسائي عن زيد بن أرقم له قال: (كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه حتى نزلت: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238]، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام) ورواه أبو داود بلفظ قريب منه والترمذي بلفظ آخر كذلك.
2 ـ أخرج البخاري ومسلم وأبو داود عن ابن مسعود قال: (كنا نسلم (1/248)
صفحة 249
فتاوى الصلاة
249
على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا فقلنا يا رسول الله: كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا، فقال: «إن في الصلاة لشغلاً»، وروى مثله النسائي، وفي حديثه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تبارك وتعالى أحدث في الصلاة أن لا تكلموا إلا بذكر الله وما ينبغي لكم، وأن تقوموا الله قانتين».
3 ـ روى مسلم وأبو داود عن معاوية بن الحكم السلمي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن».
ومن الواضح الجلي أن القنوت خارج عما ذكره، بل هو معدود في كلام الناس الذي دل الحديث على منعه، ولا يرد على ذلك التشهد في الصلاة، فإن للتشهد حكماً آخر لأنه كلام مأثور ومحصور، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعنى به عناية خاصة حتى كان يعلمه أصحابه كما يعلمهم السورة من القرآن، كما جاء في حديث ابن مسعود له وليس القنوت كذلك.
ثانيها: الروايات الدالة على عدم بقاء مشروعية القنوت، كحديث أنس عند أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهراً ثم تركه»، وفي لفظ عند أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه: «قنت شهراً يدعو على أحياء من أحياء العرب ثم تركه»، وحديث أبي مالك الأشجعي قال: قلت لأبي يا أبت إنك قد صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعثمان وعلي ها هنا بالكوفة قريباً من خمس سنين أكانوا يقنتون؟ قال: أي بني محدث - أي ما كانوا يفعلوه - رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وصححه الترمذي، ورواه النسائي بلفظ: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقنت وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت، وصليت خلف عثمان فلم يقنت وصليت خلف علي فلم يقنت، ثم قال: «أي
بني
بدعة». (1/249)
صفحة 250
250
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
وقد روي نحو هذا عن ابن عباس عند الدارقطني والبيهقي، وعن ابن مسعود عند الطبراني في الأوسط والبيهقي والحاكم، وعن أم سلمة عند ابن
ماجة، وحكى الترمذي أن عدم مشروعية القنوت هو قول أكثر أهل العلم. ثالثها: أن روايات القنوت لم تخص صلاة الفجر وحدها، فعن أنس له عند البخاري قال كان) القنوت من المغرب والفجر)، ونحوه عن البراء بن عازب عند أحمد ومسلم والترمذي، فكيف يخص القنوت بالفجر لو لم يكن منسوخاً، مع أن الروايات جاءت به فيها وفي المغرب؟ فإما أن يكون باقياً حكمه فيهما، وإما أن يكون منسوخاً فيهما، والقول ببقائه في إحداهما و نسخه في الأخرى تحكم.
وعلى أي حال فإني لا أمنع من القنوت من كان مستنداً في عباداته إلى مذهب يقتضي بقاء مشروعية القنوت، ولكن ينبغي أن لا يتعجب أحد إن أفتيت من كان مذهبه الذي يتعبد به يقتضي عدم القنوت ـ لثبوت نسخه ـ بإعادة الصلاة التي يصليها خلف القانت وهو يعلم منه ذلك، فإن ذلك لقصد الاحتياط لا غير، فإن الحوطة في أمور العبادات مسلك اتبعه كثير من العلماء، فالشافعية أنفسهم كثيراً ما يعيدون الظهر بعد الجمعة احتياطاً لاختلال بعض شروط الجمعة التي يرونها، وقد رأيت جماعة منهم يفعلون ذلك في المسجد الحرام.
هذا والله أسأل أن يهدينا وإياكم سواء السبيل وأن يرينا الحق حقاً ويوفقنا لاتباعه وأن يرينا الباطل باطلاً وأن يعيننا على اجتنابه، وصلى الله وسلم
على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قال الله تعالى في كتابه العزيز: {حَفِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَوَةِ الْوُسْطَى) [البقرة: 238] فما المقصود بالصلاة الوسطى؟ (1/250)
صفحة 251
فتاوى الصلاة
251
في الصلاة الوسطى خلاف، والراجح أنها صلاة العصر، للأدلة الدالة
على ذلك. والله أعلم.
سماحة الشيخ: نسأل عن حكم التلفظ بكلمة آمين بعد قراءة الفاتحة في
الصلاة؟ وما سبب ترك علمائنا لها؟
اعلم أن آمين ليست من القرآن إجماعاً، لعدم وجودها في المصحف الإمام الذي أجمع الصحابة ولي الله على كتب كل ما كان قرآناً بين دفتيه، وإبعاد ما ليس بقرآن عنه، وقد انتشرت نسخه في الأمصار وتوزعت على الأمة، ولم يكن نكير من أحد على شيء منه، وقد اعتمد على هذه النسخ في إيصال القرآن إلى أجيال الأمة جيلاً بعد جيل إلى زماننا هذا.
وقد صرح بعدم قرآنيتها الفقهاء والمفسرون وغيرهم، وإليك ما قاله المفسر الشهير أبو حيان في تفسيره الكبير «البحر المحيط»: «وكذلك تكلموا يعني المفسرين - على آمين ولغاتها، والاختلاف في مدلولها وحكمها في
الصلاة، وليست من القرآن فلذلك أضربنا عن الكلام عليها صفحاً». وقال الألوسي في تفسيره روح المعاني»: «وليست من القرآن إجماعاً -
إلى أن قال ـ حتى ذكر غير واحد أن من قال إن آمين من القرآن كفر». وإذا كانت لفظ آمين من غير القرآن فهي من كلام البشر، وكلام البشر ثبت منعه في الصلاة بعد أن كان مباحاً من قبل، فقد أخرج البخاري ومسلم والنسائي عن زيد بن أرقم له قال: كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه، حتى نزلت {وَقُومُوا لِلَّهِ قَنِتِينَ} [البقرة: 238] فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام»، وجاء ذلك بلفظ آخر قريب من هذا عند أبي داود وبآخر عند الترمذي. (1/251)
صفحة 252
252
الفتَاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود عن ابن مسعود صلى الله عليه وسلم قال: «كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا؟ فقال إن في الصلاة لشغلاً، ونحوه عند النسائي، وفي حديثه أنه قال: «إن الله تبارك وتعالى أحدث في الصلاة أن لا تكلموا إلا بذكر الله وما ينبغي لكم، وأن تقوموا الله قانتين، وفي حديث معاوية بن الحكم السلمي عند مسلم وأبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن»، ومن المعلوم أن التأمين ليس مما ذكره في شيء، لذلك قال أصحابنا والزيدية إنه داخل فيما نسخ من الكلام في الصلاة، وما ورد فيه من الأحاديث فهو محمول على ما قبل النسخ، وإنما خفي ذلك على من رأى بقاء مشروعيته كما خفي على طائفة من الناس نسخ القنوت في الصلاة، مع تصريح غير واحد من الصحابة - رضوان الله عليهم ـ أن القنوت منسوخ.
ولا يعترض علينا ببقاء مشروعية التحميد والتشهد في الصلاة، لأن التحميد من جنس التسبيح والتشهد وإن لم يكن قرآناً فإنه كله تمجيد الله ول، وله وضع خاص، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتني به عناية خاصة، كما يدل عليه قول ابن مسعود: کان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن» وهو واضح في أن له حكم القرآن في تلاوته في الصلاة، وناهيك بإجماع الأمة على عدم نسخ التحميد والتشهد في الصلاة حجة ودليلاً على عدم دخولهما ضمن المنسوخ من الكلام، وليس المجمع عليه
كالمختلف فيه.
هذا واعلم أن مسلك أصحابنا في الصلاة الاحتياط بعدم الأخذ إلا بالروايات التي لا يحوم حولها أي ريب في المسائل المختلف فيها، لأن (1/252)
صفحة 253
فتاوى الصلاة
253
الصلاة
صلاة
هي الركن الثاني من أركان الإسلام الذي يلي العقيدة مباشرة، والمحققون من العلماء على اختلاف مذاهبهم لا يقبلون الحديث الآحادي حجة في المسائل الاعتقادية، لعدم إفادته القطع، فكانت الصلاة المجاورة للعقيدة في الترتيب حرية بالحيطة، على أن من العلماء من قال في أصحابنا إنها ثابتة بالإجماع، لأن ما يتركونه من الأعمال فيها مختلف فيه عند غيرهم، ومن قال به لا يرى تركه يؤدي إلى بطلان الصلاة، وكفى بهذا دليلاً على صحة صلاة من لا يؤمن. وإن كان هناك من يشنع علينا ترك التأمين فجوابه أنه أولى به أن يشنع على من ترك البسملة وهي آية من كتاب الله، مثبتة في جميع بالإجماع، من تشنيعه على من ترك التأمين وهو من غير القرآن إجماعاً.
والله أعلم.
المصاحف
بماذا يرد على من يقول ببطلان صلاتنا وعلى من يطالبنا بالبرهان على صحة هيئة الصلاة التي نأتي بها من عدم الرفع والضم والقنوت وغيره؟ أنفسهم غير متفقين
هم
الحالات،
أولئك الذي يقولون ما يقولونه من بطلان صلاتنا في شيء مما خالفونا فيه، فالرفع منهم من يراه مع كل انتقال، ومنهم من يراه في وقت الإحرام فحسب، ومنهم من يراه مكروهاً في جميع وهو قول لمالك إمام المالكية من المذاهب الأربعة، وقد ذكره عنه من المالكية القرطبي المفسر المشهور في تفسيره لسورة الكوثر، وقال اللخمي من المالكية بأنه بدعة، والضم هو مكروه في الأشهر عن مالك، وهو الذي نص عليه في كتابه المدونة، وألف أحد المفتين المالكيين كتاباً في بيان سنية السدل، والقائلون بالضم مختلفون كذلك في كيفيته اختلافاً كثيراً، واختلفوا كذلك في البسملة وفي تحريك السبابة وفي القنوت إلى غير ذلك، (1/253)
صفحة 254
مع
254
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
فقبل أن يدعوا بطلان صلاتنا عليهم أن يحاسبوا أنفسهم في اختلافهم هذا، أن صلاتنا ـ والحمد الله - صحيحة بالإجماع، فإن من خالفنا في شيء من صلاتنا من أصحاب المذاهب الأربعة لم يقولوا في كتبهم بوجوب فعل نفعله، ولا بفساد الصلاة بفعل ما نفعله ولا يفعلونه، بل ما خالفونا فيه يعدونه من السنن، والمستحبات، وأصحابنا - رحمهم الله ـ آخذون بالأحوط في كل شيء. والله أعلم.
ما
لم
فيمن يصلي ويزكي ويعمل أعمال البر، ولكن مع ذلك يرتكب الفواحش
كالنظر إلى المحرمات والغيبة فما مكانته عند المسلمين؟
من
أصر على كبيرة من الكبائر فهو خليع عند المسلمين لا ولاية له، وإن أتى بعض الطاعات فأن الطاعات تحبطها الكبائر، قال تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27] والمصر على الكبيرة يتبرأ منه بعد تتويبه إن لم يتب. والله أعلم.
ما قولكم في رجل من أهل الاستقامة، إذا صلى بأهل الاستقامة وافقهم
ذلك؟
في صلاتهم، وإذا صلى بالمخالفين صلى مثل صلاتهم فهل يصح هذا رجل متذبذب والتذبذب مذموم في الدين وإنما عليه الثبات على مذهب أهل الحق والاستقامة. والله أعلم.
ما حكم المسح على الوجه بعد الانتهاء من الصلاة؟
مسح
الوجه بعد التسليم جاءت فيه روايات لا تخلو من مقال والأولى
أن يكون بعد الدعاء، لأن الروايات التي جاءت بالمسح بعد الدعاء أقوى.
والله أعلم. (1/254)
صفحة 255
فتاوى الصلاة
255
ما قولكم فيمن له زوجة لا تصلي وهو دائم النصح والزجر لها، ولكنها
لا تصغي إليه فماذا يلزمه في ذلك؟
لا خير في امرأة لا تصلي ولا في رجل لا يصلي، فإن وافقت على الصلاة فبها ونعمت، وإلا فليسرحها سراحاً جميلاً. والله أعلم.
ما الحكمة في تقديم السنة قبل الفريضة في صلاة الفجر؟ ذلك أمر توقيفي، فلا مجال للبحث فيه. والله أعلم.
فيمن فاتته صلاة الجماعة في المسجد، فهل يصح له أن يصلي بأهله في منزله، وهل يصح له كذلك أن يصلي بهم صلاة سنة قيام رمضان؟ كلا الأمرين جائز. والله أعلم.
هل يشترط الوضوء واستقبال القبلة في سجود التلاوة، وهل يستدل على ذلك بقوله تعالى: {وَاللَّهِ الْمُشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115]
وقوله: {لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 142]؟ اختلف العلماء في اشتراط الوضوء واستقبال القبلة ـ مع الإمكان - لسجود التلاوة، والراجح اشتراطهما، فلا تسجد إلا بوضوء ـ مع الإمكان ـ، فإن لم يمكن فبتيمم، وكذلك لا بد من استقبال القبلة في حال السعة لا في حال العذر، وقد جاءت روايات مبينة سبب نزولها وهو يؤكد ذلك. والله أعلم.
هل تجوز الصلاة خلف أهل الخلاف حتى وإن كانوا لا يفون بحق الطهارة في بعض المسائل؟
إن الأصل الذي درج عليه السلف الصالح هو جواز الصلاة بل وجوبها (1/255)
صفحة 256
256
الفتَاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
:
خلف أي واحد من أهل القبلة الدائنين بوجوب الصلاة ـ إن لم يأت فيها بما يبطلها - فعلاً أو تركاً، قال الإمام أبو عبد الله محمد بن محبوب له وهو من علماء النصف الأول من القرن الثالث الهجري - فالذي نحن عليه ومضى عليه أسلافنا من الفقهاء أنه لا بأس بالصلاة خلف أئمة قومنا إذا أقاموا الصلاة لوقتها، فمن خالف في ذلك كان في الصدر منه حرج، ولا تسقط ولايته حتى يزعم أن جابراً وغيره ممن لم ير بالصلاة خلفهم بأساً ليسوا على صواب، وأنهم كانوا في ذلك على غير الحق، فإذا صار إلى هذه المنزلة استتابه المسلمون من ذلك فإن تاب وترك ما اختاره من ذلك فإن تاب وترك ما اختاره من رأيه لم تسقط ولايته، وإن أصر وأدبر كان حقاً على المسلمين البراءة منه. ونحو كلامه هذا جاء في كلام صاحب الإيضاح رحم الله.
وذكر الإمام نور الدين السالمي الاعلى في معارجه أمثلة من فعل الصحابة، إذ كانوا يصلون وراء أصحاب الأهواء والضلال ثم قال: وكان ابن عباس وجابر بن زيد وأبو عبيدة مسلم والربيع بن حبيب يصلون معهم الجمعة وغيرها ما صلوها لوقتها يرون ذلك عليهم حقاً واجباً وفرضاً لازماً، لما جاء في ذلك من الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والأصل لهذا الذي عوّلوا عليه ما رواه الإمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «صلوا خلف كل بر وفاجر وأدرج الربيع الله في الحديث زيادة «ما لم يدخل فيها ما يفسدها»، وعليها عوّل أكثر العلماء ـ بناء على ارتباط صلاة المأموم بصلاة إمامه ـ وهو الحق للأدلة الكثيرة الدالة عليه، منها عدم جواز تقدم الإمام في شيء من أقوال الصلاة وأعمالها، ولو لم يكن ارتباط بين صلاتيهما لما منع المأموم أن يتقدم إمامه في شيء، ومنها أن الإمام يرفع عن المأموم بعض ما كان واجباً عليه لو لم يكن وارء الإمام، وذلك كالقراءة (1/256)
صفحة 257
فتاوى الصلاة
257
بعد الفاتحة، وحتى الفاتحة نفسها في بعض الأقوال، ومنها أن على المسافر إن صلى خلف المقيم أن يتم إجماعاً، خلاف ما لو لم يصل خلفه، ومنها ما جاء في الحديث الصحيح: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإن صلى قائماً فصلوا قياماً، وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً ... إلخ»، فتراه أسقط ركناً من أركان الصلاة ـ وهو القيام ـ لأجل متابعة الإمام، ولو لم يكن ارتباط لما كان شيء من ذلك، ويؤخذ من كل ما تقدم جواز الصلاة خلف جميع أهل ملة الإسلام، إلا من يأتي في صلاته بما يخلها من غير أن يكون متأولاً، وذلك كالالتفات في الصلاة وعدم إقامة الركوع والسجود فيها، ومثله الإخلال بطهارة البدن أو الثياب أو المكان.
أما الحركات التي يأتي بها الإمام متأولاً فلا تضير من صلى خلفه، والأصل في المسلم الالتزام التام بكل ما يدين به من الواجبات كالطهارة ونحوها، وإذا علمت عن أحد بعينه عدم الالتزام في الطهارة أو غيرها فلا يجوز لك أن تصلي خلفه إلا نافلة، سواء كان من أهل المذهب أو من أهل المذاهب الأخرى. والله أعلم بالصواب. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
هل تجوز الصلاة على فراش من «النايلون أو على أي فراش لم تنبته
الأرض؟
الأصل في الصلاة جوازها في كل مكان إلا الأماكن التي استثنيت، وقد استثنى الرسول صلى الله عليه وسلم بعض البقاع كالمقبرة والمجزرة وقارعة الطريق، وهذا يدل على جواز الصلاة على كل شيء إلا أن يكون الفراش أو البقعة نجسة، وحصر «النايلون من جملة الفرش الطاهرة إذا لم تلتبس بنجاسة، فلا بأس بالصلاة عليها، وكذلك كل ما لم تنبته الأرض، فإن الصلاة على غير ما (1/257)
صفحة 258
258
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
أنبتت الأرض غير محجورة - على الصحيح، والذين منعوا الصلاة على غير ما أنبتت الأرض إنما احتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: جعلت لي الأرض مسجداً» والاحتجاج بالحديث ضعيف جداً لأسباب منها:
1 - أن الحديث وارد مورد الامتنان والكلام إن سيق منطوقه مساق الامتنان لا يحتج بمفهومه المخالف، نحو قول الله سبحانه في بيان آلائه على بني آدم وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِييًّا} [النحل: 14] فإنه لا يستظهر من هذا المنطوق مفهوم يقتضي تحريم ما عدا الطري كالقديد والمشوي من لحوم البحر، بل الآية واردة مورد الامتنان، وما كان كذلك فلا عبرة بمفهومه، وكذلك هذا الحديث فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ذكر فيه بعض خصائص هذه الأمة.
لأنه مفهوم
2 ـ أن المفهوم في الحديث الشريف هو أضعف المفاهيم لقب، وهو أضعف المفاهيم لا يحتج به عند جمهور العلماء، وإن قال بالأخذ به طائفة قليلة من علماء المسلمين لذلك أرى أن الأرجح والأصح هو جواز الصلاة على حصر (النايلون)، وعلى الفرش ما لم تكن متنجسة.
والله أعلم.
هل يجوز جمع الصلوات كما جاء في الحديث الذي رواه جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي: أنه صلى الظهر والعضر جمعاً والمغرب صلى الله عليه وسلم
والعشاء جمعاً، في غير خوف ولا سفر ولا سحاب ولا مطر»؟
هذا الحديث صحيح، وقد رواه الحافظ الحجة الإمام الربيع بن حبيب رحمة الله عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس الله قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر ولا سحاب ولا مطر»، وقد رواه الشيخان وغيرهما من رواية عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن (1/258)
صفحة 259
فتاوى الصلاة
259
عباس، وفي رواية الشيخين زيادة هي: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر معاً والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر قيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال أراد أن لا عن عمرو بن دينار قال: قلت أمته. وفي روايتهما أيضاً يحرج لجابر بن زيد أظنه أخّر الظهر وعجل العصر، وأخّر المغرب وعجل العشاء، ولكن من تأمل كلام جابر وجد كلامه لا يعدو أن يكون ظناً، فإنه قال في جوابه لعمرو بن دينار حينما قال له: أظنه أخر الظهر وعجل العصر. بقوله: وأظن»، وذلك لا يتجاوز أن يكون ظناً من الظنون.
هذا
وأما الرواية فهي مطلقة في الإباحة، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي وأفعاله كلها تشريعات لأمته إلا ما قام الدليل على خصوصيته به. وقول ابن عباس ا أراد أن لا يحرج أمته، لا يقتضي حصر إباحة الجمع في وقت الحرج فقط، وإنما يدل على أن الإسلام يُعنى برفع الحرج عن الناس، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان منهجه نفي الحرج عن أمته، ومع كله لا ينبغي للإنسان أن يتساهل فيجمع الصلاتين من غير عذر باستمرار، أما إن وقع ذلك في بعض الأحيان لأسباب تؤدي إليه فلا يقال إن فاعله أن ويجب يعلم المسلم أن هذه الحادثة لا تعدوا أن تكون دليلاً للجواز من غير أن يتكرر ذلك من الإنسان. والله أعلم.
قد أخطأ،
فيمن نوى إتمام الصلاة وهو يصلي خلف مسافر فما حكم صلاته؟ إن كان مقيماً فإن عليه أن ينوي أنه يؤدي الفرض خلف الإمام، وإن كان مسافراً ولا يعرف الإمام هل يتم الصلاة أم يقصرها فإن عليه أن يصلي بصلاة إمامه، أما أن ينوي التمام وهو مسافر ثم يقصر إمامه الصلاة فذلك يستلزم الإعادة. والله أعلم.
ينوي
أنه
هل يجوز للمرأة أن تحضر المغسلة التي يغسل فيها الميت، وهل لها أن (1/259)
صفحة 260
260
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
تغسل زوجها بعد موته أو يغسلها زوجها بعد موتها؟
حضور المرأة تغسيل الرجل الأجنبي منكر، ويجوز تغسيلها لزوجها بعد موته والعكس. والله أعلم.
إلى أي يوم من أيام التشريق يستمر التكبير في عيد الأضحى، وكم عدد الصلوات التي يكبر بعدها؟
يبدأ التكبير من صلاة الظهر في يوم النحر إلى آخر يوم من أيام التشريق،
وهو الثالث عشر من ذي الحجة بعد صلاة العصر. والله أعلم.
ما قولكم في التكبير أيام التشريق عقب الفرائض، هل يجهر به الإمام وحده، أم يجهر به المأمومون كذلك؟ وما حكمه؟
التكبير أدبار الصلوات فى أيام التشريق يجهر به الإمام والمأمومون.،
والله أعلم.
ما حكم الخشوع في الصلاة وما هي الطريقة لاستجلاب الخشوع كثيراً ما يكون فكري مشتتاً أثناء الصلاة؟
الخشوع روح
لأنني
الصلاة، وبدونه هي هيكل لا روح له، ومما يقوي
الخشوع استدامة ذكر الله واستشعار عظمته وجلاله وفضله ونعمته وثوابه
وعقابه والنظر في آياته في الأنفس والآفاق. والله أعلم.
ما قولكم فيمن يشغله الشيطان عن صلاته بالوسوسة؟
يكابر الشيطان وليتعوذ منه قبل دخوله في الصلاة، وليستشعر جلال
المقام، وليستحضر حقيقة المقال والله أعلم. (1/260)
صفحة 261
فتاوى الصلاة
261
ما حكم من يشغله فكره عن فهم الصلاة واستحضار معانيها، وما معنى قوله تعالى: {الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 5]؟
إن استحضر ما أمكنه من قراءته وذكره في الصلاة، ولم يأل جهداً في دفع حديث النفس فلا حرج عليه والله يقبل منه، وأما الساهون عن الصلاة فهم الذين يغرقون فى الأفكار حتى لا يستحضروا شيئاً منها. والله أعلم.
نحن موظفون في إحدى الوزارات وقد خصصنا أحد المكاتب للصلاة فيه، غير أنه توجد دورة مياه في جهة القبلة مما نضطر إلى استقبالها أثناء تأدية الصلاة، فهل تجوز الصلاة في هذه الغرفة؟
لا مانع من صلاتكم فيها، ولكن الأحوط لكم أن تنصبوا بينكم وبين الجدار سترة عملاً بقول من قال بأن للكنيف سترتين، وذلك للخروج من عهدة الخلاف والله أعلم.
فيمن اقترض مالاً بالربا وبنى به بيتاً، فهل تقبل الصلاة فيه؟
تقبل الصلاة فيه مع التوبة. والله أعلم.
نحن طلبة ندرس في إحدى الدول الأوروبية، وتحضرنا الصلاة في بعض الأيام ونحن موجودون في مبنى به مطعم تشرب فيه الخمور وبه مكان للرقص والغناء وأصناف المنكرات، فهل تصح الصلاة في هذا المكان، خاصة أن أصوات الموسيقى تصل إلى الغرفة التي نصلي فيها، مما يشغلنا ذلك عن الخشوع بينوا لنا طريق الصواب؟ إن وجدتم مكاناً آخر تطمئنوا في صلاتكم به فذلك أولى لكم، وإلا فصلو حيثما أدركتكم الصلاة. والله أعلم. (1/261)
صفحة 262
262
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
هل يعتبر تطويل كم القميص من الإسبال؟
إن خرج عن المألوف فهو مكروه، ولكن لا يحرم حتى يلامس الأرض
أو يقصد به الخيلاء. والله أعلم.
متى يكون ثلث الليل في فصل الصيف وفي فصل الشتاء؟
الثلث الأخير من الليل عندما يمضي ثلثاه ويبقى منه الثلث، وهذا الضابط أدق من الساعات لأن ما بين دخول الصيف ودخول الشتاء فوارق يومية، والله أعلم.
رجل مصاب بمرض الكلى، ويقوم بعملية غسيل مما يؤدي إلى فوات صلاتي الظهر والعصر وأحياناً المغرب والعشاء فماذا يفعل؟
بما أنه
يعي
الصلاة فعليه أن يصليها ولو بمجرد قراءتها إن لم يستطع إلا
ذلك، وإن عجز عن النطق فليكيفها بقلبه. والله أعلم.
رجل أصيب بالشلل، فلم يتمكن من الصلاة حتى توفي، وقد أخبرني قبل وفاته أن أسأل عما يلزمه، فهل يصح لنا أن نصلي عنه بعد وفاته؟
فريضة الله عليه، وبما أنه
قد كان عليه أن يصلي على أي حال ولو كان مضطجعاً، بمجرد قراءة مع قصد أداء ألفاظها مع لم يفعل ذلك فقد فات الأمر بإفضائه إلى ربه، إذ لا يصلي أحد عن أحد والله أولى بعباده. والله أعلم.
رجل مبتلى بالوسوسة إذا قام إلى الصلاة ولا يكاد يعقل منها شيئاً
بسبب
ذلك فماذا يفعل؟
عليه أن يستجمع فكره عند قيامه إلى الصلاة وتكبيره للإحرام، ثم لا يلتفت إلى ما يلقيه الشيطان على باله من الوسوسة، وليكابر خواطر النفس بقدر المستطاع. والله أعلم. (1/262)
صفحة 263
فتاوى الزكاة (1/263)
صفحة 264
[صفحة فارغة] (1/264)
صفحة 265
فتاوى الزكاة
265
الزكاة والمجتمع المسلم
متى شرعت الزكاة؟
مشروعية الزكاة إجمالاً في العهد المكي ـ على الصحيح ـ بدليل الآيات المكية التي نصت على ذلك، كقوله تعالى في سورة المزمل: {وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَآتُوا الزَّكَوَةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [المزمل: 20]، فهي من أول السور القرآنية نزولاً، وما قيل من أن هذه الآية مدنية ليس بصحيح، لأنها لو كانت مدنية لما كان هذا الجزء وحده مدني، ولكانت كلها مدنية، مع أن الجزء الأول منها هو ناسخ لما كان مفروضاً من قبل في صدر السورة من قيام معظم الليل، وهذا مما كان في العهد المكي، فذلك دليل واضح على مكية هذا الآية الكريمة. ومن أدلة ذلك قوله تعالى في سورة المعارج: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَهِمْ حَقٌّ معْلُومٌ (2) لِلسَّابِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج (24 (25) والسورتان مكيتان، وقوله في سورة المؤمنون ـ وهي مكية -: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ -: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَوةِ فَعِلُونَ} [المؤمن: 1 - 4).
24
وقوله تعالى في سورة فصلت وهي مكية: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَونَ} [فصلت: 5، 6] وما نزل في سورة النساء من قوله تعالى: {أَلَم تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَآتُوا الزَّكَوْةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْفِنَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ} [النساء: 77]. فإن هذه الآية وإن كانت مدنية تحكي حالة كانت في العهد المكي، فإن المؤمنين قيل لهم: كفوا أيديكم في العهد المكي، وعندئذ قيل لهم: أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وقد فرض عليهم بعدما انتقلوا إلى المدينة المنورة الجهاد ولم يؤمروا عندئذ بكف أيديهم، وهذا يعني أن الزكاة كانت مفروضة ولكنها موكولة إلى ضمائر الأغنياء هم، ويؤدي كل واحد منهم من ماله بمقدار ما يسد به حاجة الفقراء
أنف
نفسـ (1/265)
صفحة 266
266
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
بقدر استطاعته، وعندما استقرت الأوضاع في المدينة المنورة أنزل الله تعالى تفاصيل أحكام الزكاة، واستمرت على ما هي عليه، أما فرضها إجمالاً
مكة المكرمة. والله أعلم.
ما
أعطاه
اهي
ففي
النية التي ينبغي أن يستحضرها كل من المزكي والآخذ للزكاة؟
إن معطي الزكاة ينوي بزكاته العبادة طاعة الله تعالى الذي من عليه بما من المال، وفرض عليه هذا الجزء من المال يخرجه، وينوي المزكي تزكية نفسه وتطهيرها من آثار الشح، وينوي الرحمة بالفقراء والمساكين، وأما الآخذ فيأخذها ليسد بها حاجته، ويعف بها نفسه، حتى لا يأخذ شيئاً من أموال الناس، والله أعلم.
ما هي الشروط العامة في المال الذي تجب فيه الزكاة؟
الزكاة حق مخصوص يجب في أصناف مخصوصة، وقد مضى عليه وقت مخصوص وهو الحول، فمن شرط وجوب الزكاة في المال أن يكون الأصناف التي تجب فيها لزكاة، وأن يبلغ النصاب، وأن يحول عليه الحول بعد بلوغه النصاب وذلك في غير الثمار فإنها تجب فيها بحصادها.
من
والله أعلم.
ما العلاقة بين الزكاة والصدقة والضمان الاجتماعي، وهل الضرائب من ضمن الزكاة؟
الزكاة تدخل ضمن الصدقة، وهي تتميز عن سائر الصدقات بكونها فريضة محكومة في أصناف مخصوصة من المال، تجب فيها إذا بلغت قدراً مخصوصاً، وعندما يمضي على ذلك زمن مخصوص وهو الحول، هذا حكم معظم الأصناف التي تزكى اللهم إلا الثمار فهي تزكى في أوقاتها من
6
هو (1/266)
صفحة 267
وعموم
الصدقة
وسلامه عليه
11
فتاوى الزكاة
267
غير نظر إلى الحول، والصدقة أعم من ذلك، فتشمل ما كان مفروضاً وغير مفروض، وجميع الأنواع التي يتصدق بها الإنسان كالثوب أو قطعة أرض أو الخيل أو السلاح أو ... إلخ، فالصدقات أنواعها متعددة، وكل من الزكاة من الممكن أن يفسر بأنه ضمان اجتماعي، بحسب سنن الله الله في شريعته التي أنزلها على خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلوات الله وإنما هذه التسمية مستجدة طارئة، وإلا ففي الزكاة والصدقة ما يسد مسد هذا الضمان الاجتماعي، هذا وأما الضرائب فهي لا تدخل في الزكاة ولا تتعلق بجانب الدين قط، أما من حيث جوازها وعدمه، فإن الأصل في مال المسلم عدم جواز أخذه إلا بإباحة منه، وأخذ الضريبة في مقابل خدمة تقوم بها الدولة مع عدم إجحاف بحق المواطن، ـ وإن كانت بقدر الخدمة ـ فلا مانع منه، وإلا فهي ممنوعة. والله أعلم.
ما مدى تأثير الزكاة في المجتمع المسلم؟
الزكاة تثمر في نفس المزكي الرحمة والعطف على الفقراء والمساكين، وتطهر قلبه من آثار الشح، وذلك هو المعنى من قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهَرُهُمْ وَتُزَكّيهِم بِهَا} [التوبة: 103]، فهي تطهر النفس من آثار الشح وتزكيها - أي تنمي ما فيها من أخلاق فاضلة - فهي داعية الرحمة والعطف، وتقضي حاجة المساكين، وتجعل قلوبهم تميل نحو إخوانهم الأغنياء، وتستل ما في القلوب من السخائم والأحقاد تجاه الطبقة التي من الله عليها بالمال. والله أعلم.
ما عقوبة من ترك الزكاة عمداً أو تكاسلاً؟
عقوبة من ترك الزكاة نص عليها القرآن الكريم، فالله تعالى يقول: وَالَّذِينَ يَكْذِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم (1/267)
صفحة 268
268
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكَوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَرْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْثِرُونَ} [التوبة: 34، 35].
ودلت السنة النبوية أن من أتاه الله تعالى مالاً ولم يؤد زكاته صفح له يوم
القيامة صفائح من نار يكوى بها جنبه وظهره ووجهه، وهذا ما دلت عليه الآية الكريمة والعقوبة الدنيوية ترد إلى ولي الأمر القائم بشئون المسلمين، فلو ألحوا في الامتناع عن أدائها ولم يُجد فيهم إلا القتال وجب عليهم أن يقاتلهم كما فعل الصديق لا الله وأصل ذلك قول الله تعالى: {فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلوةَ وَآتَوُا الزَّكَوةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5] وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلّا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ... ». والله أعلم.
هل يجوز الأكل من ولائم من لا يخرج الزكاة، وهو يمتلك أموالاً كثيرة من الإبل والغنم؟
أما الأكل من الولائم فلا يمنع، وإنما تبقى الزكاة حقاً في ذمته.
والله أعلم.
ما
الفروق الأساسية بين الزكاة في الإسلام والزكاة في الشرائع
اهي الأخرى؟
الكل إسلام، فإنه ما من نبي إلا وجاء بالإسلام، وإنما هنالك اختلاف في الشرائع وليس هناك اختلاف في الدين فالأنبياء بنو علات لأن دينهم واحد وهو الإسلام وشرائعهم متعددة بحسب اختلاف الظروف التي تنزلت فيها تلك الشرائع، والأدلة على ذلك كثيرة من القرآن الكريم، لكن ينبغي يقال: ما هو الفرق بين الزكاة الواجبة على هذه الأمة وبين ما كان يجب من
أن (1/268)
صفحة 269
فتاوى الزكاة
269
زكاة على الأمم السابقة في شرائع أنبيائها؟ والجواب عن هذا: بأن هذه الأمة اتضح لنا من خلال النصوص الشرعية كيفية أداء الزكاة فيها، أما ما كان في الأمم السابقة لم يتضح لنا، فعلينا أن نقف عند هذا القدر من المعرفة، ولا نتجاوز ذلك بمجرد التخمين والظنون. والله تعالى أعلم. (1/269)
صفحة 270
270
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
زكاة الأنعام «الإبل، البقر الغنم
ما هو نصاب زكاة الإبل وزكاة الغنم. وهل هناك فرق إذا كانت هذه الحيوانات مربوطة ويشترى لها طعام في أغلب أيام السنة في أيام القحط، أو كانت مطلوقة ترعى من الصحراء بنفسها؟
النصاب في الإبل خمس وفي الغنم أربعون، واختلف في اشتراط السوم في الزكاة، فمن اشترطه لم ير الزكاة في المعلوفة، ومن لم يشترطه أوجب فيها الزكاة، والأول الأصح. والله أعلم.
ما مقدار الخارج من زكاة النعم: الإبل والبقر والغنم؟
أما الإبل ففيها في كل خمس شاة، إلى أن تصل خمساً وعشرين ففيها بنت مخاض، ـ وهي التي بلغت عاماً ـ فإن لم توجد فابن لبون ـ وهو ابن عامين ـ حتى تبلغ ستاً وثلاثين ففيها بنت لبون، حتى تبلغ ستاً وأربعين ففيها حقة ـ وهي التي بلغت ثلاث سنوات ـ حتى تبلغ إحدى وستين ففيها جذعة ـ وهي التي بلغت أربع سنين، حتى تبلغ ستاً وسبعين ففيها بنتا لبون، حتى تبلغ إحدى وتسعين ففيها حقتان، حتى تبلغ مائة وإحدى وعشرين ففيها ثلاث بنات لبون، فإن زادت ففي كل أربعين ابنة لبون وفي كل خمسين حقة، ففي مائة وثلاثين حقة وابنتا لبون، وفي مائة وأربعين حقتان وبنت لبون، وفي مائة وخمسين ثلاث حقاق، وفي مائة وستين أربع بنات لبون، وفي مائة وسبعين ثلاث بنات لبون وحقة، وفي مائة وثمانين حقتان وبنتا، لبون وفي مائة وتسعين ثلاث حقاق وبنت لبون، وفي مائتين أربع حقاق أو خمس بنات لبون، والبقر كالإبل في العدد والسن وإنما الاختلاف في الأسماء فقط، وأما الغنم ففيها الزكاة إذا بلغت أربعين شاة، (1/270)
صفحة 271
فتاوى الزكاة
271
وتجب فيها شاة واحدة إلى مائة وإحدى وعشرين شاة ففيها شاتان، إلى مائتين وواحدة ففيها ثلاث شياه إلى أربعمائة ففيها أربع شياه، ثم في كل مائة شاة إلى ما لا غاية له، وقيل في ثلاثمائة وواحدة أربع شياه، ثم في كل مائة شاة. والله أعلم.
توجد لدينا غنم قد بلغت النصاب تشرب وتبيت في مكان واحد، ولكن كل واحد منا يتصرف في غنمه. فهل فيها زكاة؟
إن كانت مشتركة في المرعى والمحلب والفحل ففيها الزكاة، لأنها في
حكم المال الذي يملكه مالك واحد - وإن تعدد ملاكها بسبب الخلطة وإن لم تكن كذلك فلا زكاة إلا فيما بلغ بنفسه قدر النصاب. والله أعلم.
6 -
معي ثلاث من الإبل، ومع أخي ثلاث أخر، ونحن في بيت واحد، ولكن كل واحد منا مختص بإبله فكيف تكون الزكاة فيها؟
ليس فيها زكاة، لأن كل واحد مستقل بملكه، ولم يبلغ ملك أحدهما النصاب. والله أعلم.
هل في صغار المواشي (الفصيل) زكاة؟
نعم فيها زكاة، وتجب إذا استغنت عن رضاع أمهاتها، وقيل: إذا بلغت شهراً، وقيل: شهرين، وقيل: إذا تجاوزت الوادي. والله أعلم. (1/271)
صفحة 272
272
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
رجل وجبت عليه زكاة في خمس من الإبل، وليس عنده شاة فماذا
يفعل؟
يشتري الشاة ويخرجها ليصيب السنة، ويخرج من عهدة الخلاف.
والله أعلم.
رجل عنده عدد من الخيول، فهل فيها زكاة، وما الدليل؟
لا زكاة في ذلك، بدليل إسقاط النبي صلى الله عليه وسلم الزكاة من الخيل، كما جاء الحديث الشريف الصحيح عنه عليه أفضل الصلاة والسلام).
لماذا لم يأخذ النبي الزكاة من بعض الأموال النامية في عصره كالخيل من الحيوانات والخضروات من المزروعات؟
الزكاة فرضها الله تعالى في المال، وقد جاء الحكم بذلك عاماً في القرآن الكريم، فإن الله تعالى يقول: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِلسَّابِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج: 24، 25] وقال: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّابِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 19]، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم بين بعلمه للناس أصناف المال التي تجب فيها الزكاة، وذلك أنه أخذ الزكاة من الأموال التي تتوق إليها النفوس لأنها قوام حياتهم، فالمواد الغذائية المستهلكة التي تقتات وتدخر هي قوام حياة الأمة، كذلك ما تقضى به المصالح ويتوسع به إلى سداد الحاجة وهو الذهب والفضة، لأنهما قيمة للسلع، وكذلك الماشية التي تؤكل وهي بهيمة الأنعام، فإن هذه
(1) يشير سماحة الشيخ إلى حديث النبي: ليس في الجارة ولا في الكسعة ولا في النخة ولا في الجبهة صدقة والجبهة هي الخيل، وقد روى هذا الحديث الإمام الربيع والبيهقي في سننه، وفي رواية: «ليس على مسلم في عبده ولا فرسه صدقة» رواه الإمام الربيع والبخاري ومسلم والنسائي والترمذي وآخرون. (1/272)
صفحة 273
فتاوى الزكاة
273
أن
الأموال التي تتوق إليها النفوس ويحتاج إليها البشر، ومن المعلوم الخيل من الأمور الكمالية وليست من الأمور الضرورية في حياة البشر، إذ تتخذ للركوب ولا تؤكل ـ في الغالب ـ بخلاف بهيمة الأنعام التي تسد
هي
هي
حاجة الناس في طعامهم. والله أعلم. (1/273)
صفحة 274
274
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
زكاة الحرث:
تعددت الأقوال في الحاصلات الزراعية التي تجب فيها الزكاة، فيرى البعض أنها تجب في الأقوات الأربعة فقط، وهي الحنطة والشعير والتمر والزبيب، ويرى البعض أنها تجب في كل ما يقتات ويدخر، والبعض يرى وجوبها في كل ما أخرجت الأرض، ويرى البعض وجوبها في كل ما ييبس ويكال فأين الحق وما الدليل؟
في كل حق ـ إن شاء الله ـ، لأن هذه مسائل رأي وليست مسائل قطعية، فالخلاف فيها لا يخرج عن حدود الحق، ولكن الأرجح أن الزكاة تجب في كل ما يقتات ويدخر، لأن الحاجة إلى ذلك أدعى وتطلع النفوس إلى ذلك أكثر، وما تطلعت إليه النفوس لحاجتها إليه تجب الزكاة فيه، كما ذلك يفهم من خلال النظر في أنواع الأموال التي أوجب النبي صلى الله عليه وسلم فيها الزكاة، فقد أوجب الزكاة فيها لتطلع نفوس الفقراء إليها، لأن الحاجة إليها داعية. والله أعلم.
أى المحاصيل الزراعية تجب الزكاة؟
تجب الزكاة في كل ما يقتات به ويدخر كالأرز والبر والشعير والزبيب والتمر. والله أعلم.
هل تجب الزكاة في المال الأخضر (1)؟ وكيف ذلك مع التوضيح؟ أما الثمار التي هي التمور وكذلك الزبيب فتجب فيهما الزكاة، كما تجب في أنواع الزرع إن كان الزرع مما يقتات به ويدخر، وذلك ببلوغ النصاب
وهو ثلاثمائة صاع والله أعلم.
(1) المال الأخضر هو ما يغرس ويزرع. (1/274)
صفحة 275
فتاوى الزكاة
275
ماذا تقول سماحة الشيخ فيمن يقول بأن الزكاة في الزروع تجب في القليل والكثير، لعموم قوله: «فيما سقت السماء العشر»، لأنه لا يعتبر له حول فليس له نصاب؟
القول الراجح أن الزكاة تجب في خمسة أوسق لنص الحديث على ذلك (1)، والحديث العام يحمل على الحديث الخاص كما هو معروف عند
الأصوليين والله أعلم.
ما
هو نصاب الحبوب والثمار؟ وما مقدار الصاع؟ وكيف يقدر بالمكاييل والأوزان العصرية؟
تجب في خمسة أوسق - أي في ثلاثمائة صاع ـ، فهذا هو نصاب هذه ـ الحبوب، والصاع هو خمسة أرطال وثلث بالأرطال البغدادية، والرطل البغدادي هو نصف منّ من أمنان نزوى - التي كانت متداولة أولاً بعمان ـ، والصاع من الأرز يساوي كيلوين وخمسين غراماً. والله أعلم.
كيف يمكن معرفة النصاب فى غير المكيلات كالقطن والزعفران مثلاً؟ القطن والزعفران ليس هما من الأشياء المدخرة المقتاتة فلا زكاة فيهما، وإنما الزكاة في المدخر المقتات، اللهم إلا إن كانت اتخذت من أجل الاتجار، فتزكى زكاة عروض التجارة. والله تعالى أعلم.
متى يعتبر النصاب في الثمار قبل الجفاف أم بعد الجفاف؟ ولماذا؟ وما الدليل؟
يعتبر النصاب بعد الجفاف، بدليل ما مضى عليه العمل منذ عهود
(1) «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة». رواه الإمام الربيع والبخاري ومسلم وأحمد والنسائي وأبو داود والترمذي وغيرهم. (1/275)
صفحة 276
276
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
السلف بأن تزكى النخيل بعد الإثمار، وهكذا سائر المزكيات إنما تزكى عند الحصاد، فالله تعالى يقول: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]، والحصاد إنما يكون بعد اليباس. والله أعلم.
ما هو مقدار زكاة النخيل؟
إن كانت تسقى بالأنهار أو الأمطار ففي غلتها العشر، وإن كانت تسقى من الآبار فنصف العشر. والله أعلم.
ما مقدار الزكاة في ثمار تسقى بالأفلاج، علماً بأن هذا الماء يشترى ويبذل الإنسان فيه جهده، وقد يكون بقيمة كبيرة ولا سيما في
الصيف؟
الأفلاج حكمها حكم الأنهار، فالواجب فيم سقته من الثمار والزروع العشر، ولكن يسوغ أن تعتبر تكاليف شراء مياهها في أيام الجدب - إذا كانت بأثمان غالية - مسقطة للزكاة من العشر إلى نصف العشر. والله أعلم.
كيف تكون زكاة الأرض التي تزرع مرتين في العام؟
زكاة الزروع والثمار لا تتوقف على مرور الحول، فعندما يكون الحصاد تجب الزكاة، إذا بلغ الحاصل مقدار النصاب. والله أعلم.
هل يجوز أن تزكى الثمار بعد بيعها ويخرج ذلك؟
لا بأس من تزكية القيمة بقدر زكاة الثمار وهي العشر فيما سقي بدون تكاليف، ونصف العشر فيما سقي بالتكاليف. والله أعلم.
هل تجب الزكاة في غلة النخيل إذا كان يصل النصاب، غير أنه يصرف (1/276)
صفحة 277
فتاوى الزكاة
277
في إيجار سقيه وعماره أكثر من غلته، ويبقى صاحب الأصل بدون شيء
تقريباً؟
الزكاة حق واجب في المال وإن كانت تكاليف المال باهضة، وفي مثل هذه الحالة تنتقل الزكاة من العشر إلى نصف العشر في زكاة الزروع والثمار.
والله أعلم. يوجد مال يسقى بالفلج، ولكن دخل هذا المال أقل من مصروفه. فهل تجب على صاحبه زكاة؟
إن كانت جميع غلة المال تحتاجها نفقاته فليس عليك زكاة، إذ لا زكاة إلا عن ظهر غنى والله أعلم.
•
رجل ربح من الطني (1) أو بيع البسور ألف ريال مثلا، في حين أنه أنفق فيها ما يقارب تلك القيمة في أجور العمال والإصلاحات، وقد يكون ربحه أقل من التكاليف فهل عليه حينها زكاة؟
إن كانت النفقات أكثر من الريع أو مثله فلا تجب فيه الزكاة. والله أعلم.
ما قولكم في رجل عنده نخل «مبسلي» (2) فبسله، فأنزل الله عليه المطر وضاع البسر، وصارت عليه مغارم كثيرة ولا تفي قيمة البسر بتلك المغارم، فهل عليه زكاة في هذا البسر؟
إن كان لم يقصر في الزكاة، وإنما أخر إخراجها بعد الحصاد لانتظار من يجبيها أو لالتماس من يأخذها من مستحقيها فلا حرج عليه لأنه أمين فيها
(1) الطني بيع تمر النخل على رؤوس النخل وعادة يكون بالمزايدة. (2) معنى «المبسلي»: نوع من النخيل يجنى بعد اصفراره وقبل إرطابه ويجفف في الشمس أو يطبخ ثم يجفف. (1/277)
صفحة 278
278
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
وهي شريك في المال فتذهب معه بذهابه، وأما إن كان قصر في إخراجها بحيث تمادى في دفعها إلى مستحقيها فعليه ضمانها وتبقى متعلقة بذمته
والله أعلم.
رجل أجر أرضه لآخر، فعلى من تكون زكاة المحصول؟
القول الذي عليه أصحابنا والجمهور أن زكاة الزروع تجب على من له الزرع لا على من له الأرض، لأن الزكاة حق الزرع وليست حق الأرض، بخلاف رأي الحنفية. والله أعلم.
أعطى رجل رجلاً آخر ماله ليقوم بإصلاحه وأخذ غلته «البيدار» (1) فعلى من تكون الزكاة في هذه الحالة؟
تكون على الذي يأخذ المال لإصلاحه ويأكل الغلة، أي على الثاني (البيدار). والله أعلم.
رجل لديه زروع وثمار يسقى في نصف السنة الأولى بكلفة ونصف السنة الأخيرة بغير كلفة. فكم يخرج منه؟ وما الحكم إذا سقي بأحدهما
أكثر من الآخر؟ وما الحكم إن جهل مقدار السقي بأحدهما؟
في مثل هذه الحالة يؤخذ بالمحاصصة، فما سقي بكلفة ففيه نصف العشر، وما سقي بدونها ففيه العشر. والله أعلم.
رجل يمتلك مالاً، وغالب شربه من بئر خاصة به، وتارة يشرب من فلج
البلاد بالشراء، فكيف تكون زكاته هل العشر أو نصف العشر؟
زكاته بالمحاصصة - على الراجح - فإن كان الماء الذي يسقى به المال
(1) البيدار: هو العامل ويطلق غالباً على عامل النخل. (1/278)
صفحة 279
فتاوى الزكاة
279
أكثره أو أقله بالنزح اعتبر ذلك بحسابه، وكذلك إن كان الشراء للماء يكلفه مؤونة ثقيلة من حيث المادة، فإن الزكاة تعود إلى نصف العشر. والله أعلم.
متى يلجأ إلى الخرص وما حكم من أخطأ فيه؟
الخرص هو التقدير، وذلك إنما يكون فيما إذا تعذر أن توزن أو تكال المنتوجات الزراعية، فإنه يعمل بالتقدير في هذه الحالة، دونما إذا أمكن الكيل أو الوزن، وإذا أخطأ الخارص يؤتى بغيره ويرجع إلى الصواب.
والله أعلم. هل في غير النخيل والأعناب خرص كالزيتون مثلاً؟
نفس الزيتون القول المعتمد أنه لا زكاة فيه. والله أعلم.
ما قولكم فيمن يملك أشجاراً ونخيلاً، ولكنه يبيع ثمارها ويزكي من
قيمتها نقوداً، فهل يصح له ذلك؟
لا بأس من تزكية القيمة بقدر زكاة الثمار وهي العشر فيما سقي بدون تكاليف، ونصف العشر فيما سقي بالتكاليف والله أعلم. (1/279)
صفحة 280
280
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
زكاة النقدين:
كم مقدار نصاب الزكاة من النقود في عملة عصرنا هذا بالريال العماني؟ لقد جعل الشارع نصاب النقدين عشرين مثقالاً في الذهب، ومائتي درهم في الفضة، وبما أن العملة الورقية تقدر قيمتها في وقتنا هذا بالذهب، لأن الرصيد المعتبر في مقابلتها حقيقة أو اعتباراً، فنصاب الأوراق النقدية ما يساوي قيمة عشرين مثقالاً، أي خمسة وثمانون جراماً، وذلك يختلف باختلاف غلاء الذهب ورخصه وارتفاع العملة وانحطاطها.
والله أعلم. بأي النقدين نحدد النصاب في زكاة الأوراق النقدية بالذهب أم الفضة،
وما هو السبب؟
يمكن تحديد زكاة هذه الأوراق بالذهب أو بالفضة عندما يكون كل من الذهب والفضة معياراً لقيم الأشياء، ولكن في وقتنا هذا أصبح المعيار هو الذهب، فبقدر تفاوت الأوراق النقدية عندما توزن بقيمة الذهب يكون التفاوت في تأثيرها في المشتريات وغيرها، فلذلك يعول على نصابه في تحديد نصاب هذه الأوراق. والله أعلم.
هل يمكن أن يكون النصاب في زكاة الذهب مبلغاً ثابتاً لا يقبل الصعود أو الهبوط ولماذا؟
الذهب أصل برأسه، فهو أصل لغيره وليس غيره أصلاً له، فهو الأصل في وجوب الزكاة في الأوراق النقدية، وترجع الأوراق النقدية إلى الذهب الذهب إلى الأوراق النقدية، وقد جاء تحديد زكاة الذهب بعشرين
ولا يرجع (1/280)
صفحة 281
فتاوى الزكاة
281
مثقالاً
بنص حديث رسول الله)، وعليه عمل الأمة، فيؤخذ بذلك ولا يحتاج أن ينظر في قيمة الذهب عندما تقاس قيمته بغيره من العملات المتداولة. والله أعلم.
هل تجب الزكاة في المبلغ المدّخر للحاجة كبناء منزل أو للزواج إذا حال عليه الحول؟
نعم، تجب فيه الزكاة إن حال عليه الحول وقد بلغ النصاب، ولو بالإضافة إلى مبلغ آخر من المال. والله أعلم.
ما قولكم فيمن يعمل ويتقاضى رابتاً مقداره مائتا ريال أو أكثر، فكيف يكون حسابه للزكاة؟
إذا اجتمع عنده من المبلغ بقدر النصاب وحال عليه الحول زكاه، ثم يزكي بعد ذلك في كل حول ما اجتمع عنده على رأس الحول، ويضم الزيادة إلى الأصل والله أعلم.
قام جماعة من المسلمين بعمل صندوق للأعمال الخيرية كالمساعدة المالية وإعمار المساجد ومساعدة المنكوبين من الكوارث والحوادث وقد يصل المبلغ في الصندوق آلاف الريالات العُمانية، فهل على هذه
(1) «ليس فيما دون عشرين مثقالاً صدقة» رواه الإمام الربيع، وفي رواية: أن النبي كان يأخذ من كل عشرين ديناراً نصف دينار، ومن الأربعين ديناراً دينار. رواه ابن ماجة والدراقطني وابن أبي شيبة وهي ضعيفة. وفي رواية: «وليس عليك شيء ـ يعني في الذهب ـ حتى يكون لك عشرون ديناراً وحال عليها الحول ففيها نصف دينار» رواه أبو داود. ومن ذلك ما روي عن ابن مسعود: أن امرأته سألته عن طوق لها فيه عشرون مشتغلاً الذهب. فقالت: أزكيه قال: «نعم» قالت كم؟ قال: خمسة دراهم، سنن الدارمي ج 2 ص 109
رقم 4.
من (1/281)
صفحة 282
282 الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
المبالغ زكاة عندما يحول عليهن الحول، أم أن الزكاة تجب على المبلغ المجتمع في هذا الصندوق؟
إن كان ذلك تبرعاً من غير تملك من قبل هؤلاء المشاركين فلا زكاة فيه، لأنه خرج من حيز ملكهم، ولكن تجب الزكاة فيما كان ملكاً لهم من المبلغ المجتمع إن بلغ النصاب وحال عليه الحول فتؤخذ الزكاة من المجموع، فتنوب كل من شارك بقدر حصته والله أعلم.
ما قولكم فيمن أراد أن يخرج زكاة نقوده، وقد سبق أن اشترى بيتاً بألف ريال عماني وأجره لرجل آخر. فما الحكم في الألف ريال الذي اشترى بها البيت هل تكون من جملة نقوده أم من أمواله
المستغلة؟
إذا كان شراؤه للبيت بألف ريال بعد أن حال الحول على نقوده لزمه أن يزكي عن الألف كما يزكي سائر النقود، وأما إذا كان شراؤه قبل أن يحول عليها الحول فهي من ضمن الأموال التي يستثمرها والله أعلم.
هل تجب الزكاة في الرصيد المدخر من الراتب الشهري وقد حال عليه الحول، على أن هذا الادخار الشهري إنما هو لتغطية المعيشة وحاجيات
الأسرة؟
إن كان بلغ النصاب وحال عليه الحول بعد ذلك فالزكاة فيه لازمة، - وإن كان مدخراً للإنفاق على الأسرة -، فإن الشارع لم يفرق بين ما كان للنفقة أو لغيرها إن كان من جنس ما يزكى وبلغ النصاب وحال عليه الحول، والمال كله منفعته الإنفاق والله أعلم.
تشارك أفراد بمبالغ نقدية في شركة تجارية، ووصلت هذه المبالغ (1/282)
صفحة 283
فتاوى الزكاة
283
بمجموعها النصاب فهل فيها زكاة على أن حصة كل فرد لا تبلغ
النصاب؟ مع التوضيح؟
نعم، تجب فيها الزكاة، لأن الذين اشتركوا في هذه المؤسسات أصبح مالهم كمال واحد، فتجب الزكاة ولو كانت حصة كل واحد منهم لا تبلغ النصاب، سواء كانت هذه الشركة عملية ـ كما في السؤال ـ أو كانت أمراً واقعاً من غير أن يكون لأحد عمل فيه، كأن يرث الكل مالاً المال ويصبح مشتركاً فيما بينهم، فإن الزكاة تجب في المال كله من غير اعتبار لحصة كل واحد منهم والله أعلم.
ما قولكم فيمن عنده ألف ريال عُماني جعله في تجارة وأخذ به سلعة، وبقيت السلعة عنده إلى أن حال عليها الحول ولم يبعها ولو أراد بيعها لزادت عن ألفي ريال فما حكم زكاتها؟ هل هي على ما جعلت عليه «ألف ريال» أو فيها زكاة الزائدة؟
اختلف العلماء في زكاة التجارة، هل هي على التأسيس أو بحسب ما تكون عليه عند الحول والثاني هو الأرجح. والله أعلم.
رجل معه 3000 ريال عُماني وحال عليها الحول، ولكنه في نصف هذا الحول زاد ماله 2000 ريال عُماني، فهل في هذا الزائد زكاة رغم عدم حولان الحول عليه؟
يضيفه إلى الأصل ويزكي الجميع والله أعلم.
هل على الصراف زكاة في نقوده التي يتعامل بها؟ نعم، على الصراف تزكية جميع نقوده. والله أعلم. (1/283)
صفحة 284
284
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
زكاة الجمعيات
مجموعة من الناس قاموا بإنشاء جمعية تعاونية وهي ليست تجارية الغرض منها خدمة أعضائها لأجل بناء مسكن أو زواج وما إلى ذلك، على أن يلتزم كل واحد من الأعضاء بدفع مبلغ من المال شهرياً حسب ما اتفق عليه، فبعض الأعضاء يدفع مائة والبعض مائة وخمسين والبعض مائتين وعمر هذه الجمعية خمس سنوات تقريباً، حتى يستوفي كل عضو
ما دفعه للجمعية.
سماحة شيخنا نتساءل عن بعض الأمور المترتبة على هذه الجمعية ونرجو من سماحتكم الجواب الشافي حتى نكون على بصيرة من أمرنا.
كيف تؤدى زكاة الأموال المودعة في الجمعية، هل تخرج من أموال الجمعية أم كل عضو عليه أن يؤدي زكاة ماله في الجمعية؟
الجمعية المشتركة حكمها حكم المالك الواحد، فتزكي جميعاً زكاة المالك الواحد. والله أعلم.
إذا كانت الزكاة تجب أن تؤدى من أموال الجمعية، فكيف إذا كانت هذه الأموال المودعة تسلم لأحد أعضاء الجمعية كل ستة أشهر وربما قبل ذلك، بحيث لا يحول عليها الحول؟
يزكي باسم الجمعية ما كان مجتمعاً، وما انتقل إلى أحد الأعضاء كان عليه والله أعلم.
اتفق خمسة من الشباب على تكوين جمعية أساسها القرض الحسن، بحيث يدفع كل واحد منهم مائتين وخمسين ريالاً عُمانياً في نهاية كل (1/284)
صفحة 285
فتاوى الزكاة
285
شهر، على أن تؤول إلى أحدهم لمدة سنة، وفي السنة التالية تؤول إلى آخر منهم، والخلاصة أن كل واحد منهم يأخذ ما دفعه من غير زيادة ولا نقصان. وقد جرت العادة ألا يطالب المشترك في الجمعية بماله قبل حلول دوره تقدم أو تأخر، وقد يتشارطون على ذلك كتابة.
هل تجب الزكاة على الدائنين في مثل هذه الحالة، لا سيما أن أغلبهم لا يملك من النقد إلا نصيبه من الجمعية؟
يده نقداً
الذي أراه أن من أخذ نصيبه من هذا القرض عليه أن يزكيه إن بقي في لم يستهلك حتى حال عليه الحول أو ضمّ إلى مال يزكي من قبل فتجب زكاته بحول أصله، أما الذين دفعوا منابهم ولم يحن وقت أخذهم نصيبهم من الجمعية فلا زكاة عليهم إلى أن يؤول إليهم حقهم،
لأن حكم الدين
الله ـ في
هذا القرض حكم الدين المؤجل، ومما قاله علماؤنا - رحمهم المؤجل أن زكاته على المدين لا على الدائن إلى أن يحين أجله. والله أعلم.
اتفق عشرة أشخاص لعمل جمعية يدفع كل شخص منهم مائة ريال عُماني من راتبه الشهري، وكل ثلاثة أشهر يستلم أحدهم مبلغ ثلاثة آلاف ريال عُماني علماً بأن المدة تستغرق ثلاثين شهراً. فهل في المبلغ زكاة؟
هذا
نعم، تجب الزكاة في المبلغ النقدي السائل إن بلغ النصاب وحال عليه الحول إن بقي عنده مقدار النصاب حتى حال عليه الحول، وكذلك المبلغ الذي على الوفي الملي إن كان حالاً، وأما ما عدا ذلك فلا زكاة فيه. والله أعلم. (1/285)
صفحة 286
286
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
زكاة الأوراق المالية:
سماحة الشيخ / هل في الأوراق النقدية زكاة؟ ولماذا؟
لا يشك عارف بطبيعة البشر أن نفوسهم مجبولة على حب المال بدافع من المنفعة لأنه قوام الحياة، والقرآن الكريم ينص على ذلك في قوله تعالى: وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمَّا} [الفجر: 20]، وقوله: {وَإِنَّهُ لِحُبّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات:
، وإذا كانت هذه غريزة بشرية، والإسلام الحنيف دين الفطرة، فإنه لا يصطدم معها، ولكن يوجهها الوجهة المرضية لتعود بالمنفعة والخير إلى الإنسان فرداً ومجتمعاً، وذلك من خلال فرض القيود والواجبات فيما يتعلق بكسب المال والانتفاع به، إذ لو تركت هذه الغريزة وشأنها لعادت قوة عارمة تسيطر على كل ما في الإنسان من هواجس إنسانية تشد الفرد إلى مجتمعه، وتجعل من جسداً واحداً يتألم أي عضو منه، وماذا عسى أن تكون حيلة هذه
المجتمع الهواجس إذا هيمنت غريزة حب المال على العقل والقلب، واستحكمت في الفكر والوجدان، فأصبحت داء عضالاً ومرضاً فتاكاً يستعصي علاجه ويتعذر استئصاله، فلا يلبث الإنسان عندئذٍ أن يكون المال جماع همه، يلهث وراءه واطئاً بقدميه على جميع القيم، وملقياً وراء ظهره جميع الفضائل، غير مبال في سبيل إرواء هذا السعار المتأجج في نفسه بإتلاف الأرواح، وقطع الصلات وحل الروابط، وربما أفضى به الأمر إلى الاعتداء على أخص خاصيته، وأقرب قرابته طمعاً في احتواء تركته، وفي مثل هذه الأجواء المسممة بهذا الطبع الفتاك تنضب عواطف الرحمة، وتغور مشاعر الإحسان، فلا يرق قوي لضعيف، ولا يعطف كبير على صغير، ولا يحنو والد على ولد، ولا يجل ويبر ولد والداً، ولا يهتم قريب بقريب، وإذا بالإنسان الذي حمل أمانة الخلافة في الأرض وحش ضار أشد خطراً على بني جنسه من سباع الحيوان. (1/286)
صفحة 287
فتاوى الزكاة
287
ففي
والله خالق الإنسان هو العليم بكل ما اشتمل عليه طبعه، وانطوى عليه وجوده جسماً وروحاً، قلباً وعقلاً وجداناً وفكراً غريزة وضميراً، فهو العليم بمنافعه الشخصية والنوعية ومضاره وقد شرع له في دينه ما يحميه من هذه المضار ويحوط منافعه بسياج محكم من العبادات والأحكام، فلذلك شرع الله إنفاق الأموال في أبواب البر، وعلى رأس ذلك الزكاة المفروضة فيها، هذا الإنفاق تحرير للنفس من سلطان حب المال إذا هي اعتادت عليه، ويشير القرآن الحكيم إلى الحكمة العالية في قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهَرُهُمْ وَتُزَكَّهِم بِهَا} [التوبة: 103) فالصدقة تطهر النفس من الشح وحب الاستئثار، وتزكيها بما تغرس فيها من خصال الخير كحب الإيثار والرحمة والشفقة، وبهذا يتمساك المجتمع المسلم متحداً في المشاعر والأحاسيس، والآمال والآلام والمباديء والغايات، ويصدق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر (1)، ولا غرو في ذلك، فإن الإسلام دين الفطرة: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الروم: (30) وهذا كله من دواعي الفطرة، فالناس خلقوا متفاوتين في المواهب الفطرية والكسبية، ولا غنى لأحد غيره من زيادة موهبة حتى تكون حياة هذا الجنس من الخلق حياة تعاونية اجتماعية لا يستقل فيها أحد بمصالحه عن بني جنسه، واختصاص الإنسان من بين سائر الكائنات في الأرض بشدة افتقاره إلى بني جنسه طبيعة ملازمة له منذ بداية وجوده، فالمولود من البشر أحوج من المواليد الأخرى إلى عظيم العناية والمبالغة في رعايته وهذا الأثر النفسي للزكاة ليس محصوراً في نفس المزكي فحسب، بل يتجاوزها إلى نفس المنتفع بالزكاة وهو الفقير (1) رواه البخاري ومسلم وأحمد.
منهم
عما اختص به (1/287)
صفحة 288
288
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
والمسكين، فإن من شأن الإحسان أن يكون ذا أثر على نفس المحسن إليه، إذ النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها، فإذا دفع الغني زكاته إلى المحتاج زال ما في نفس المحتاج من السخيمة والحقد الناتجين عن شعوره بالحرمان فتتلاحم القلوب وترتبط النفوس بعضها ببعض، والوحدة الأمة فقرائها وأغنيائها وأقويائها وضعفائها مطلب أساسي من مطالب
بين
الإسلام، ويظهر أثر ذلك في كل عبادة من العبادات المشروعة فيه.
أما إن ظلت الثروات تنصب في خزائن الأغنياء، ولم يكن فيها نصيب للفقراء والمعوزين، فإن ذلك داع بلا ريب إلى أن تتأجج نار الحسد في قلوب الفقراء ويطغى طوفان الحقد على صدورهم، وهو من أسباب انحلال عرى الوحدة بين الأمة، وقد يصل اكتظاظ الصدور بالحقد إلى انفجار مدمر لا يبقي ولا يذر، وهو الذي وقع فعلاً في المجتمعات التي سادها النظام الرأسمالي الجائر، وانحصرت فيها الثروات عند طائفة مخصوصة من الناس، بينما السواد الأعظم منهم يتضور جوعاً، ويعاني الشدائد، فأدى الأمر إلى انفجار أحقاد الجماهير عن ثورات حمراء أفرزت نظاماً معاكساً الطبع يأتي على الطارف والتليد، ويلتهم الأحضر واليابس، ألا وهو النظام الشيوعي الذي ذاقت الإنسانية ويلاته ردحاً من الزمن.
جهنمي
ومعظم ثروة الناس في العالم المعاصر هي هذه الأوراق النقدية، التي تقضى بها المصالح، وتتبادل بها المنافع ويشبع منها الجائع، ويكتسي بها العاري، فماذا عسى أن تكون حالة الأمة إن كانت دولة بين الأغنياء يضاعفون رصيدهم منها في المصارف الربوية، لأجل امتصاص ما تبقى عند غيرهم من الثروات التي لا تكاد تذكر من قلتها؟ أليس في ذلك ما ينافي حكمة الله البالغة من مشروعية الزكاة لسد حاجات المحتاجين، ورأب صدع (1/288)
صفحة 289
فتاوى الزكاة
289
الأمة، وتطهير نفوس الأغنياء من الأثرة والشح، ونفوس الفقراء من البغضاء والحقد؟ أليست هذه الحالة هي التي جاء القرآن الكريم ليقضي عليها من خلال أحكامه العادلة، وقد نبه على أنها مبدأ مرفوض في الإسلام، عندما قال تعالى ـ بعد تبيان أحكام الفيء: كَى لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ} [الحشر: 7] أليست هذه هي الطبقية الممقوتة، والفجوة السحيقة الفاصلة بين الطبقات؟
والقرآن الكريم أفاد وجوب الزكاة في الأموال، ولم يميز بين صنف وآخر منها، بل جاء بما يفيد عموم الحكم فيها، وذلك في قوله: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} [التوبة: 103]، فإن الأموال جمع مال، وهو كل ما يجوز تملكه والتصرف فيه، وتعريف الجنس بالإضافة كتعريفه بالتنكير في إفادة عموم الحكم، ويتأكد ذلك بصيغة الجمع، إلا أن النبي عندما أخذها من صنوف المال التي يحتاج إليها الناس في قوام حياتهم وهي ما يدخر ويقتات به من الزروع والثمار، وكذلك الأنعام من الماشية، وإنما كانت هذه الأصناف من قوام الحياة لأن الحياة تتوقف على الأقوات، وغالب أقواتهم آنذاك من هذه الحبوب ومن بهيمة الأنعام، وأما النقدان فقد كانا وسيلة تبادل هذه المنافع وغيرها فلذلك عدا من ضرورات الحياة، فشرعت الزكاة فيها، ومما هو جدير بالانتباه أن نفوس البشر جميعاً تتطلع إلى النقدين وإلى هذه الأصناف الأخرى أكثر من أي نوع آخر من صنوف المال لحاجتها الملحة إليها، فكان من حكمة الله تعالى البالغة أن شرع بواسطة نبيه الله أخذ الزكاة من هذه الأصناف لسد حاجات الفقراء هذه الأصناف دون غيرها تنبيه للناس بأن كل ما كان
بها وفي
الأخذ
من
على صفتها فالزكاة فيه واجبة، وإنما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الزكاة منها آنذاك لأنها هي الأموال التي كانت متوفرة عند العرب من هذا النوع، وقد ألحق
وحدها (1/289)
صفحة 290
290
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
علماء الأمة بحكمها كل ما كان على صفتها، فلذلك أوجبوا الزكاة في الأرز وما أشبهه من الحبوب المدخرة المقتاتة ولم يحصروها في تلكم الأصناف بعينها.
في
ومما لا يرتاب فيه عاقل أن الأوراق النقدية حلت محل النقدين الثمنية، وأن حاجة الفقراء إليها في زماننا أشد من حاجتهم إلى نفس النقدين، بل ومن حاجتهم إلى أي صنف من أصناف المال، فإسقاط زكاتها هدماً لهذا الركن الاجتماعي المالي من أركان الإسلام من أهم جوانبه، لأن قضاء مصالح الناس متوقف عليها. هذا وقد أجمع المسلمون جميعاً على وجوب الزكاة في التجارة، استلهاماً لهذا الحكم من إشارات النصوص الشرعية وفهم مقاصد الشريعة،
يعني
وإذا وجبت في التجارة فكيف لا تجب في وسائل الاتجار، وقد انحصرت في عصرنا هذا في هذه الأوراق وحدها. وبالجملة فإنه لا مناص عند من فهم مقاصد الشرع من القول بوجوب الزكاة في هذه الأوراق ولا يكابر في هذا إلا جاهل متعنت.
رحمهم
الله ـ وجوب
هذا وقد استلهم جمهور الأمة - وفيهم أصحابنا الزكاة في كل ما كان من أصناف المال ينطبق عليه ذلكم الوصف الذي أشرنا إليه، وجعلوا من عمل النبي صلى الله عليه وسلم بياناً للمقصود من الأموال في الآية الكريمة، لعدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، وذهب الحنفية إلى الأخذ بعموم الآية فأوجبت الزكاة ـ إذا حال الحول مع كمال النصاب ـ على كل ما يسمى مالاً نظراً إلى أن السنة لم تأت بما يفيد الحصر. وإذا كان مقصد الشارع الحكيم في مشروعية الزكاة في الأموال ما سبق (1/290)
صفحة 291
فتاوى الزكاة
291
بيانه من الحكم البالغة التي تعود مصلحتها إلى الإنسان فرداً ومجتمعاً، سواء كانت هذه المصلحة تتعلق بتهذيب نفسه أو قضاء حاجاته، فإن هذه الحكم نفسها هي القطب الذي تدور عليه أحكام الربا، فما كان تحريم الربا إلا لكبح جماح الشهوة المالية في النفس وإيجاد جو إنساني تسود فيه الرحمة والعطف والحنان والمودة والوئام بين أفراد الأمة أغنيائهم وفقرائهم، فالأغنياء يقضون حاجات الفقراء بالصدقات والإقراض، ولا يجعلون من تلكم الحاجات شباكاً لاصطياد أموالهم وانتزاع ثرواتهم، حتى يخرجوا منها صفر الأكف، ولم يقتصر الشارع الحكيم في تحريم الربا على جنس دون آخر، وما كان ذكره لبعض صنوف المال إلا لكون تلك الأصناف هي مدار حاجة الناس يومئذ، ولا يعني ذلك بأي وجه من وجوه الدلالة الشرعية تخصيص حكم الربا بها، والأمة فهمت من قوله: إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم» (1) أن اتحاد الجنسين ـ أي جنس المبيع والثمن - موقع في الربا، إن لم يكن البيع يداً بيد، حتى أن علماءنا - رحمهم الله ـ شددوا في بيع الأجناس المتقاربة في الوصف بعضها ببعض ـ وإن لم تكن من نوع واحد - إلا أن يكون البيع يداً بيد، قال الإمام السالمي العإلى:
ولا يباع التمر بالزبيب نسيئة والأرز بالحبوب والسمن بالأوداك والورس بما شابهه كالزعفران فاعلما
مع
أنه
من المعلوم أن السمن والأوداك، والورس والزعفران لم ينص
عليها بأعيانها في الحديث.
(1) رواه الإمام الربيع ورواه مسلم وأبو داود وأحمد بلفظ: «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا
كيف شئتم إذا كان يداً بيد». (1/291)
صفحة 292
292
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
وأما ما يعتور هذه الأوراق من التذبذب في قيمتها نتيجة التضخم تارة والانكماش أخرى، فإنه لو كان له أثر شرعي على هذه الأوراق لكان ذلك الأثر هو حرمة تداولها في المعاملات لما في ذلك من الغرر، لا أن تسقط زكاتها ويباح رباها، في حين أن الناس يعتمدون عليها في قضاء مآربهم، وتبادل مصالحهم، ونجد أن الناس اليوم عالمهم وجاهلهم برهم وفاجرهم مؤمنهم وكافرهم قد أطبقوا إطباقاً تاماً على جعل هذه الأوراق القطب الذي تدور عليه جميع معاملاتهم الخاصة والعامة فإنهم جميعاً متواطئون على تبادلها في بيعهم وشرائهم، ودفعها في جميع المعاوضات والتخلص من التبعات فهل تدفع اليوم ديات القتلى وأروش الجرحى وصدقات النساء، وسائر الحقوق إلا منها؟.
بم تقدر الأوراق المالية بالذهب أو بالفضة؟ وما العلة في ذلك؟ وما شروط إخراج زكاة هذه الأوراق النقدية؟
هو الشأن
تقدر بما قدرت به رسمياً، فإن كانت مقدرة بالذهب ـ كما في غالب العملات في وقتنا هذا ـ فإنها تقدر به، وإن كانت رسمياً مقدرة بالفضة فإنها تقدر بالفضة وشروط زكاة هذه الأوراق كشروط سائر الزكاة، فلا بد من أن تبلغ النصاب وأن يحول الحول عليها. والله أعلم.
ما أدلة وجوب الزكاة في النقود، وما الحكمة من إيجابها، وما القول إذا ثبت حقاً أن هذه الأوراق النقدية المتداولة اليوم ليس لها قيمة حقيقية ذهباً أو فضة في البنوك. فهل فيها زكاة أم لا؟
النقود التي كانت متداولة في العصور السابقة هي الذهب والفضة، فمن الذهب صيغت الدنانير ومن الفضة صيغت الدراهم، وقد جاء الإسلام الحنيف بما يدل على وجوب الزكاة في هذين النقدين، فالذهب تجب الزكاة (1/292)
صفحة 293
فتاوى الزكاة
293
فيه إذا بلغ عشرين مثقالاً والفضة تجب فيها الزكاة إذا بلغت مائتي درهم،
صل الله
كما ثبت ذلك في الحديث عن رسول الله (1).
وإذا جئنا إلى الحكمة فإننا نستطيع أن نستشف ذلك من خلال اطلاعنا على ما نصت السنة على وجوب الزكاة فيه، ذلك لأن القرآن الكريم أوجب الزكاة إجمالاً في المال قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ {لِلسَّابِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج: 24، 25] وقال: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّابِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 19] فأوجب القرآن الكريم الزكاة في المال من غير أن يفصل أنواع المال التي تجب فيها الزكاة، وجاءت السنة النبوية ـ على صاحبها أفضل الصلاة والسلام - ناصة على صنوف من الأموال تجب فيها الزكاة، من بين هذه الأموال الماشية، التي هي من ضمن ما تتطلع إليه النفوس، لأنها من ضرورات الناس في معايشهم، وكذلك الحبوب التي يتخذها الناس مادة لغذائهم، وكذلك جاءت الزكاة في نص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذهب والفضة، مع ما جاء من دلائل القرآن العامة والمجملة التي تدل على ذلك. ومن المعلوم أن هذه الأشياء التي وجبت فيها الزكاة بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحبوب والماشية وغيرها، إنما هي أشياء تتوقف عليها ضرورات الحياة، فكل من الماشية التي هي النعم، والحبوب التي هي غذائية من الأمور التي تتوقف عليها معايش الناس، فلذلك جعل الله سبحانه وتعالى الزكاة فيها أمراً واجباً، لأن النفوس تتطلع إليها، ولئن كان هذا هو
مادة
(1) الحديث عن الذهب تقدم تخريجه ص 277، أما الفضة: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة، والأوقية أربعون درهما رواه الإمام الربيع والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم، وفي رواية: «هاتوا صدقة الرقة من كل أربعين درهماً، وليس في تسعين ومائة، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم رواه مالك والبخاري والنسائي وأحمد والترمذي
وأبو داود وغيرهم. (1/293)
صفحة 294
294
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
السبب في وجوب الزكاة في أمثال هذه الأشياء، فلا ريب أن الذهب والفضة بما أنهما وسيلة لتبادل المنافع بين الناس وقضاء الحاجات جعل الله تبارك وتعالى فيهما الزكاة وهي فريضة واجبة لا يجوز التردد فيها، وجاء القرآن الكريم ناصاً على على أن الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله متوعدون بعذاب أليم. يقول سبحانه: {وَالَّذِينَ يَكْذِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جَبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَرْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْترُونَ} [التوبة: 34، 35].
وعندما حصل تبادل المنافع بهذه الأوراق النقدية التي اتخذت الآن وسيلة لقضاء الحاجات وأداء الحقوق ورد المظالم وغير ذلك من أنواع المعاملات بين الناس حلت هذه الأوراق محل الذهب والفضة، فلا ريب أن الزكاة واجبة فيها، لأن الأمة تتطلع فقراؤها إلى هذه الأوراق النقدية، كما كانت تتطلع سابقاً إلى الذهب والفضة وإلى المواد الغذائية وإلى الماشية التي هي من قوام الناس في معايشهم، فلذلك كانت الزكاة فيها أمراً لا مناص عنه، فهي واجبة ولا تجوز المماحكة في ذلك، ولو لم تكن مؤمنة بذهب أو بفضة، والله تعالى أعلم. (1/294)
صفحة 295
زكاة الحلي
فتاوى الزكاة
295
ماذا ترى سماحة الشيخ فيما جاء في كتاب «فقه الزكاة» للدكتور يوسف القرضاوي من ترجيح عدم وجوب الزكاة في الذهب والفضة إذا كانا حلياً لامرأة، ورده على أدلة القائلين بالوجوب؟
الزكاة عبادة من العبادات فرضها الله فى أصناف مخصوصة من المال، ومعظم العبادات في الإسلام يوقف بها عند النص، ولا يتجاوز بها حدوده إلى القياس والنظر، كما هو الشأن في جوارح الوضوء ووصفه ونواقضه وعدد ركعات الصلوات.
وقد أوجب الله الزكاة في الذهب والفضة وتوعد من منعها في كتابه بقوله: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْثِرُونَ) [التوبة: 34 35 والآية مطلقة في الذهب والفضة، ولفظ «يكنزون» لا يدل على أن القصد به ما كان مستوراً لدلالة الحديث على أن الكنز ما لم تؤد زكاته وإن كان ظاهراً، وأن ما أديت زكاته ليس يكنز وإن كان مستوراً، وفي الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها إلا جعلت له يوم القيامة صفائح ثم أحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبهته وظهره» وهو مبين لمعنى الآية ومفيد - بإطلاقه - شمول حكمه لكل عين، سواء هذا كانت مسككة أو غير مسككة، وبهذا تعلم عدم خروج الحلي من عموم
الحكم. (1/295)
صفحة 296
296
الفتاوى الصلا الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
أما القاعدة التي استند إليها الدكتور القرضاوي بانياً عليها قوله بعدم وجوب زكاة الحلي: وهي أن الزكاة تجب فيما كان نامياً من الأموال، دون ما لا يصلح للنماء، فهي قاعدة غير متفق عليها، لأن جعل النماء وعاء للزكاة إنما هو رأي طائفة من الفقهاء فحسب، ونازع في ذلك آخرون، والمسائل المختلف فيها لا يرفع خلافها إلا الرجوع إلى القواعد المجمع عليها دون المتنازع فيها، وكيف يلزم أحد قولاً مبنياً على أصل لا يسلم له، على أنا نقول: إن الذهب والفضة بطبيعتهما مؤهلان للنماء، ولا يخرجهما عن ذلك استعمالهما حلياً، لأن الحلي لا ينتقص من قيمته مرور الزمن ولا يستهلكه الاستعمال، وبإمكان صاحبه عند حاجته إلى إنمائه أن يتصرف فيه ببيع، فينمي قيمته أو يحول عينه إلى نقد إن كان ذهباً أو فضة، هذا عندما كانت العملة المتبادلة في البيع والشراء لا تخرج عن كونها من أحد الصنفين. هذا كله لو سلمنا لتلك القاعدة، ونحن لا نسلم لها، لأن الزكاة ضرب من ضروب العبادات ومناطها التوقيف فإذا فرضها الشارع في جنس لم يكن لأحد أن يخرج شيئاً من أفراد ذلك الجنس عن حكمها إلا بتوقيف آخر، ولا حظ للنظر مع الأثر». هذا وتعتضد أدلة الوجوب العامة التي أشرنا إليها بأدلة خاصة ناصة على ما تفيده تلك بعموماتها منها:
1
ما رواه أبو داود والحاكم والدارقطني والبيهقي عن عائشة لنا أنها قالت: دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى فتخات من ورق، فقال: «ما هذا يا عائشة؟» فقالت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله. قال: «أتؤدين زكاتهن؟» قالت: لا، أو ما شاء الله. قال: «هو حسبك من النار».
قال الحافظ ابن حجر إسناده على شرط الصحيح، وأورد عليه أن (1/296)
صفحة 297
فتاوى الزكاة
297
عائشة ان الراوية لهذا الحديث كان من مذهبها عدم تزكية الحلي، فقد
روى ابن أبي شيبة عن القاسم قال: كان مالنا عند عائشة، وكانت تزكيه إلا
الحلي، ومثله عن عمرة.
وهذا الإيراد مردود من أوجه:
أن العبرة عند تعارض مذهب الصحابي وروايته بروايته دون مذهبه، فإن رأيه لا يوجب حكماً بخلاف روايته ولو نقل رأيه تواتراً، وهو معنى قولهم: «العبرة بما روى الصحابي لا بما رأى».
أما روايته فثبوتها بالإسناد الصحيح شاغل للذمة ومثبت للحكم، ولا يعارض الموقوف المرفوع، ولا تقدح مخالفة الصحابي لما رواه مرفوعاً في صحة تلك الرواية شيئاً، ولو كان ثم قدح لكان القدح في عمله، وإنما
يتعذر له باحتمال نسيان الرواية بعد ما أداها إلى الثقة الذي نقلها عنه. - أن روايتها مثبتة ورأيها ناف والمثبت مقدم على النافي عند التعارض كما تقرر في الأصول.
أن روايتها قول محكي عن المعصوم، والقول أقوى دليلاً وأوضح حجة من العمل ولو ثبت رفعه، والعمل أقوى وأوضح من الترك، وما زعم أنه رأيها لم يستند إلا بمجرد ما ظهر للراوين عنها أنها كانت لا تزكي حليهم. أنه يحتمل أنها كانت تتبرع بتزكية حلي أولاد أخيها من مالها، من غير أن يعلموا بذلك، ومن الذي يستطيع الجزم بنفيه، فإن الشهادة على النفي شهادة تهاتر عند الفقهاء. - أن روايتها تعتضد بالأدلة العامة الموجبة للزكاة في الذهب والفضة، بخلاف ما قيل إنه رأيها، وما اعتضد بالعموم أولى بالأخذ به مما خالفه. (1/297)
صفحة 298
298 الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
-
أحدهما
أن الدليلين إذا تعارضا وكان في شغل الذمة وفي الآخر براءتها، أخذ بما شغل الذمة للاحتياط، ولتحقق اشتغالها به، واليقين لا يرفعه إلا اليقين هذا إذا جاز، تناسخها، فكيف والنسخ هنا متعذر إذ الموقوف لا ينسخ المرفوع. وأورد عليه أيضاً أنه في سنده يحيى بن أيوب الغافقي وهو مختلف فيه، ويرد على هذا الإيراد بأنه ممن احتج به البخاري ومسلم وآخرون، وهم أوثق في الرواية وأدق في الدراية من الرافضين له، ولو أخذنا نرد الأحاديث بمثل هذه التجريحات لما كاد يسلم منها إلا القليل ولقل التعويل على السنة في بناء الأحكام.
2 ـ ما رواه أبو داود عن أم سلمة قالت: كنت ألبس أوضاحاً من الذهب، فقلت: يا رسول الله أكنز هو؟ قال: «ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي فليس بكنز». وقد أعل بعتاب بن بشير وتفرد ثابت بن عجلان بروايته عنه، والاثنان من رجال البخاري، وهو مما يوهن تجريحهما.
- ما رواه أبو داود من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأخرجه النسائي وابن أبي شيبة وأبو عبيد أن امرأة أتت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها ابنة لها وفي يدها مسكتان غليظتان فقال لها: «أتعطين زكاة هذا؟» قالت: لا، قال أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة بسوارين من نار قال فخلعتهما فألقتهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: «هما الله ورسوله».
وقد أعل بالاختلاف في اتصاله وإرساله.
وذهب من ذهب من العلماء المسقطين لزكاة الحلي على حمل هذه الأحاديث على ما إذا جاوز الحلي حد الاقتصاد المعتاد إلى حد الإسراف والتبذير، بوصف المسكتين اللتين كانتا في يدي المرأة بأنهما غليظتان، وبأن (1/298)
صفحة 299
فتاوى الزكاة
299
يوجب
الفتحات فسرت بالخواتم الكبار، ومن ناحية أخرى فإن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لهن أحكام خاصة إذ لم يكن كأحد من النساء، فلذلك كن مطالبات بالتقشف والخشونة، وهو تحكم من قائله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك الناس في لبس من أمرهم، فلو كان حلي المرأة لا يجوز إلا بمقدار لبينه ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ ولكان حرياً بأن ينهى عن الإسراف مع بيان حده، لا بأن فيه الصدقة، فإن الصدقة لا تبيح المحجور، وما كان للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقرّ أحداً على معصية، ثم إن في إقراره صلى الله عليه وسلم أزواجه على الزينة المحرمة عليهن مع تزكيتها مخالفة صريحة للواجب عليه من إقامتهن على المنهج السوي، على أنه لا دليل ـ ولو ضعيفاً ـ على أن الأزواج النبي صلى الله عليه وسلم أحكاماً خاصة في باب الزينة، فما هذا القول إلا افتئات من قائله، وخوض فيما لم يأذن به الله {قُلْ وَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفتَرُونَ} [يونس: (59) ومتى كانت الصدقة تبيح المحجورات، ولو كان الأمر كذلك لجاز للرجل أن يتحلى بالذهب ويلبس الحرير مع تزكيته لهما.
ومهما قيل في هذه الأدلة فإن اعتضادها بالعمومات الصحيحة الثابتة يقوي الأخذ بها والاستناد إليها وليت شعري ما هي الروايات التي تقوى على معارضة هذه الروايات أو التي تصلح لتخصيص تلك العمومات، فإن كل ما أستند إليه القائلون بعدم وجوب زكاة الحلي أوهى حجة وأضعف سنداً من هذه الأدلة، إذ لا يوجد لديهم نص على إسقاط زكاة الحلي إلا حديث واحد أخرجه ابن الجوزي عن جابر الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس في الحلي زكاة»، وهو معلول بعافية بن أيوب، الذي نص البيهقي على أنه مجهول، ولا عبرة بقول ابن الجوزي: «ما نعلم فيه جرحاً» ولا بقول المنذري: «لم يبلغني فيه ما يوجب تضعيفه»، فإن مثل هذا القول لا يعد تعديلاً. وهو حديث واحد معارض بثلاثة أحاديث هي أصح منه سنداً وأقوى (1/299)
صفحة 300
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
متناً وأوضح دلالة، ومن القواعد المتبعة في الترجيح تقديم المثبت على النافي وليس لديهم نص آخر.
أما استدلالهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن»، فليس فيه ما يدل على ما ذهبوا إليه، لأن الصدقة في الحديث غير محصورة في صدقة الفرض، ومن الواضح جداً أن النساء حريصات على زينتهن ضنينات على استبقائها، لما جبلت عليه المرأة من حب الزينة، والحديث ورد مورد تحذير النساء من عقاب النار وحثهن على التوقي منه بالصدقة، ولو مما هو أحب شيء في نفوسهن، اختباراً لإيمانهن وهو من باب: «لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون فالحديث مستحث لهن إلى إيتاء الصدقة ولو من أعز ما يملكنه بعد أداء حق الزكاة منه اتقاء لسخط الله، وهو كما لو قلت لأحد: تصدق ولو من كرائم أموالك، وليس فيه ما يدل أن الكرائم لا تزكي. وأما استدلالهم عليه بأن الأصل براءة الذمة، فجوابه: أن هذا الأصل قد ارتفع بثبوت وجوب الزكاة في عموم الذهب والفضة، من غير تمييز بين
حلي وغيره بالأدلة العامة، وبوجوبها في الحلي خاصة بالأدلة الخاصة. وأما استدلالهم بما روي عن عدد من الصحابة لم من إسقاط زكاة الحلي كعائشة وابن عمر وابن عباس فهو مردود بأن رأي الجماعة من الصحابة عورض برأي جماعة أخرى، منهم عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وابن مسعود، فقد أخرج البيهقي عن شعيب بن يسار أن عمر له كتب إلى أبي موسى الأشعري: «أن مر من قبلك من نساء المسلمين أن يصدقن حليهن». وهو وإن أعل بالإرسال لأن شعيباً لم يدرك، عمر، فإن الظاهر أنه لا يقوله إلا بعد ثبوته عنده بالشهرة. (1/300)
صفحة 301
فتاوى الزكاة
301
وأما ما روي عن الحسن (1) من قوله: لا نعلم من قوله: لا نعلم أحداً من الخلفاء قال في الحلي زكاة فهو مجرد إخبار عن علمه، وليس عدم علم أحد بأمر دليلاً على عدمه، ولو أن روايته جاءت جازمة بعدم وجوب زكاة الحلي عند الخلفاء
لكانت رواية شعيب أرجح منها، لوجوب تقديم المثبت على النافي. وأخرج ابن حزم وغيره عن علقمة قال: قالت امرأة لعبد الله بن مسعود: «لي حلي» قال: «إذا بلغ مائتين ففيه زكاة». وروى ابن حزم وغيره عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: كان عبد الله عمرو بن العاص يأمر بالزكاة في حلي بناته ونسائه.
بن
ولعمري ليس رأي تلك الطائفة أولى بالقبول من رأى هذه الطائفة، وإنما الاحتكام إلى الدليل، ولو لم يكن ثم دليل لكان قول الموجبين أرجح نصاً بخلاف الآخرين، فإن غاية ما روي عنهم هو عدم
لثبوت ذلك عنهم تزكيتهم، وهو لا يدل على ثبوت رأي عنهم في ذلك، إذ هو مجرد ترك، والترك لا يعارض الفعل فكيف يعارض القول الذي هو أقوى من العمل، وقد تتبعت ما روي عنهم في ذلك فوجدته لا يعدو أن يكون ظناً اللهم إلا ما روي عن جابر بن عبد الله له أنه قال: «ليس في الحلي زكاة»، وذكر الشافعي أنه مثله روي عن أنس وابن عباس، غير أنه شك في صحة ذلك عنهما حيث قال: ولا أدري أثبت عنهما.
من رواته،
أما المروي عن عائشة فهو ما أخرجه مالك في الموطأ أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها يلبسن الحلي فلا تخرج
عن حليهن الزكاة، وروى مثله ابن أبي شيبة عنها وعن عمرة.
(1) ما روي عن الحسن: رواه ابن أبي شيبة. (1/301)
صفحة 302
الفتَاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
وروى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر لا كان يحلي بناته وجواريه الذهب ثم لا يخرج عن حليهن الزكاة، وروي عن أسماء كذلك أنها كانت لا تزكي (1) الحلي، وهذه الروايات كلها لا يمكن الاعتماد عليها في اعتبار ذلك رأياً لهؤلاء الصحابة.
إما أولاً: فإن الرواة لم يصرحوا بالطريق التي علموا منها ذلك عنهم، ومن المحتمل أن يكونوا بنوا هذه الرواية على عدم اطلاعهم على تزكية أولئك الصحابة لحليهم، فظنوا ذلك مذهباً لهم، مع أن الزكاة لا يتقيد أداؤها بساعة معلومة يمكن للراوي أن يلازم فيها المروي عنه، فيحكم عليه بعدم أدائها إن لم يره أداها، وإنما وقتها مطلق فيتأتى أداؤها في حال مفارقة الراوي للمروي عنه، وإن كان كثير التلبس به كنافع مع ابن عمر، وما الذي يمنع أن يكون ابن عمر يؤدي هذه الزكاة في غيبة نافع عنه، وأن تكون عائشة تؤديها عن أولاد أخيها من مالها من غير علمهم، على أنها قد روي عنها هنا نص في زكاة الحلي، فقد روى عنها البيهقي أنها قالت: «لا بأس بالحلي إن أعطيت زكاته. ورواه عنها ابن حزم في المحلى، كما روي من طريق حسين المعلم عن سالم عن عبد الله بن عمر أنه كان يأمره بذلك كل عام، وهاتان الروايتان أرجح في الاعتبار من رواية النفي لأن المثبت مقدم على النافي، ولا ريب أن سالماً أكثر اطلاعاً على خاصية أبيه عبد الله من نافع مولاه، وأن عروة الراوي عن عائشة ولا أدرى بأحوالها من القاسم وعمرة لكثرة روايته
عنها، وما وافق الحديث المرفوع من رأى الراوي هو أرجح مما خالفه. واستدل المسقطون للزكاة في الحلي بأن الحلي قد يكون من الجواهر الغالية التي تفوق الذهب والفضة، فلماذا تسقط منها الزكاة وتجب إن كان
(1) وروي عن أسماء أنها كانت لا تزكي. رواه ابن أبي شيبة. (1/302)
صفحة 303
فتاوى الزكاة
303
ذهباً أو فضة، وبأن الأصل في الزكاة أن تكون من عين المزكى وذلك متعذر
هنا.
مع
وهذا مدفوع، لأن الزكاة عبادة وهي تتوقف على التوقيف، ولاحظ للنظر الأثر، على أنه لا يبعد أن تكون الزكاة في الحلي الذهبي والفضي دون ما إذا كان من سائر المعادن لأجل أن الذهب والفضة تتوق إليهما الأنفس أكثر من غيرها لأنهما الأصل في الثمنية، ومن ناحية أخرى فإن معرفة عامة الناس بهما أكثر من معرفتهم بغيرهما، ففي تزكية الحلي منهما جبر لخواطر الفقراء المحرومين، وهذا كما حرم التأني بهما دون غيرهما مما أغلى منهما، وعليه فيكون أداء زكاتهما من غير الحلي مما هو من جنسه أو بقدر الثمن يعتبر حقاً واجباً في ذمة صاحب الحلي، كوجوب حق زكاة الفطر وهي زكاة الأنفس من غير جنس المزكى عنه والله أعلم.
هو
امرأة عندها حلي منذ عشرين سنة ولم تؤد زكاته، ثم باعته بخمسمائة ريال عماني وأرادت التوبة، فهل عليها أن تؤدي الزكاة عن السنين الماضية، أو يجزيها أن تؤدي زكاة سنة واحدة. وما هو الراجح عندكم في وجوب الزكاة في الحلي؟
الراجح وجوب الزكاة في الحلي للأحاديث الناصة على ذلك، وهي وإن كانت لا تخلو من مقال فإن عمومات الأحاديث الصحيحة الموجبة للزكاة في الذهب والفضة تؤيدها بخلاف الأحاديث والآثار المسقطة للزكاة في الحلي، فإنها مع ضعفها معارضة بالعمومات ومن ترك الزكاة أعواماً فعليه أن يزكي عن كل عام على الراجح، لأن الزكاة حق مالي ولا يسقطه مرور الزمن، وقيل: بل يجب عليه أن يزكي زكاة عام، واحد، وقيل: تجزؤه التوبة، والأول هو الراجح. والله أعلم. (1/303)
صفحة 304
304 الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
ما قولكم في حلي قيمته في الزمن السابق خمسون قرشاً ومضت عليه خمس وثلاثون سنة لم تخرج زكاته، وأرادت في هذه الأيام أن تخرجها، فرأت أن قيمة ذلك تستهلكه جميعاً فماذا يلزمها؟
اختلف العلماء في الزكاة هل هي حق في الذمة أو الذمة أو هي شريك في المال، فمن رآها حقاً واجباً في الذمة أوجب على من ترك الزكاة أعواماً أداء زكاة تلك الأعوام، ولو استهلكت جميع المال ومن قال إنها شريك قال بوجوب التزكية إلى أن ينقص المال عن النصاب، فإن نقص لم تجب الزكاة في سائره، وذلك الذي يعنيه المحقق الخليلي في قوله:
وفي تيعة عامين ما زكيت لهم خلاف لأصلين التشارك والذمم والأرجح في المسألة كون الزكاة شريكاً، ومن العلماء من يوجب على من ترك الزكاة سنين عديدة زكاة، عام ومنهم من يوجب عليه الزكاة كلها إلا إذا افتقر فإنها لا تتعلق بذمته. والله أعلم.
ما هو الحل الأمثل لمن لم يعرف أسعار الذهب والفضة في السنوات الماضية، وتجب عليه الزكاة في تلك السنوات؟
يرجع في هذا إلى طمأنينة القلب. فالبر ما اطمأن إليه القلب. والله أعلم.
أراد رجل أن يخرج زكاة حلي زوجته، حيث إن من شروط عقد الزواج أن يتحمل الزوج زكاة ذهب زوجته. فهل يصح ذلك؟ وهل له أن يأخذ من هذه الزكاة لنفسه بسبب فقره وديونه؟ وهل يجب في حلي البنات الزكاة؟
هذا شرط لا يخلو من جهالة فإن استمر على تحمله فذلك، وإلا فعليها زكاة حليها، وإن دفع هو زكاتها لم يكن له أن يأخذها لنفسه، أما إن دفعتها (1/304)
صفحة 305
فتاوى الزكاة
305
هي فيجوز لها أن تدفعها إليه إن كان مستحقاً للزكاة، وحلي البنات تجب فيه الزكاة إن بلغ النصاب، فإن كان مشتركاً مشاعاً بينهن ففيه الزكاة إن بلغ النصاب، وإلا فنصاب كل واحدة منهن مستقل برأسه. والله أعلم.
هل تجب الزكاة في حلي المرأة؟ وما قيمته بالعملة العُمانية، وكم قيمة العشرين مثقالاً؟ وهل تخرج قيمة الزكاة من ثمن الذهب المشترى به أولاً أم الثمن الحالي؟
عشرون مثقالاً،
نعم، تجب الزكاة في حلي المرأة إذا بلغ النصاب، فإن كان ذهباً فنصابه وهي تقدر بنحو خمسة وثمانين جراماً من معايير وقتنا هذا، وإن كان فضة فنصابه مائتا درهم، وتقدر بنحو خمسمائة وخمسة وتسعين جراماً بحسب معايير وقتنا هذا، وكل واحد من الذهب والفضة هو أصل برأسه، فلذلك لا يحتاج أن يقوم بالقيمة، وإنما العملات المختلفة تعاد قيمتها إلى الذهب والفضة وليس العكس، لأن الذهب والفضة هما الأصل لتلك العملات، وليست هي الأصل لهما، وإخراج زكاة الحلي يمكن أن يكون من نفس الحلي، ويمكن أن يكون بالقيمة، ويمكن أن تحسب القيمة وتقدر في كل وقت بقدرها، فإن كلاً من الذهب والفضة ترتفع قيمته أحياناً وتنزل أحياناً. والله أعلم.
من
هل في الأحجار الكريمة كالماس وأمثاله زكاة إذا كانت للاستعمال
وليست للتجارة؟
الزكاة تجب في الحلي إن كان ذهباً أو فضة، لحديث عائشة وغيرها الأحاديث الموجبة للزكاة في الحلي، وهي وإن كانت لا تخلو من نقد عند صيارفة الحديث، فإن اعتضادها بعمومات الأحاديث الصحيحة الموجبة للزكاة في مطلق النقدين كاف لترجيحها على الروايات المعارضة (1/305)
صفحة 306
306
الفَتَاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
لها، على أن هذه الأخيرة هي أوهى من الأولى إسناداً ومتناً، ولذلك قال أصحابنا - رحمهم الله - بوجوب زكاة الحلي إن كان ذهباً أو فضة ووافقهم على ذلك الحنفية وغيرهم، ولكنهم لا يوجبون الزكاة في غير العين من الحلي كالأحجار الكريمة، وخالفهم في ذلك الإمام زيد ومن وافقه على قوله من أهل البيت فأوجبوا الزكاة في كل حلي ولو لم يكن ذهباً أو فضة، أما إذا كانت يقصد بها التجارة ففيها الزكاة إجماعاً.
والله أعلم.
هل الزكاة تكون عن قيمة الشراء بالنسبة للحلي أو عن وزنها؟ يجوز إخراج جزء من الحلي المزكى في الزكاة بعد وزنه، أو إخراج ربع عشر قيمته بعد اعتبار القيمة. والله أعلم.
امرأة لديها ذهب في حد الزكاة، وعليها دين أكثر من حد الزكاة. فهل تزكي أم لا؟
إن كان الدين غير منسأ سقطت زكاة ذهبها بقدر الدين. والله أعلم.
ما قولكم في الزكاة التي تخرج من الحلي. هل تنقص قيمته بقدر الزكاة المخرجة، أم تظل القيمة نفسها وتخرج نفس القيمة كل سنة؟
إن كان الحلي موجوداً قائماً فلا تنقص قيمته بالزكاة، فيخرج منه كل عام نفس المقدار ولكن لا بد من اعتبار قيمته في كل عام، فقد ترتفع وقد تنخفض. والله أعلم.
امرأة لم تزك ذهبها منذ سنين فماذا تفعل؟
تزك ما وجب عليها من زكاة تلك السنين. والله أعلم. (1/306)
صفحة 307
فتاوى الزكاة
307
ما الحكم في زكاة الذهب المخلوط بالفضة؟
يقدر الذهب بنفسه والفضة بنفسها، ويحمل بعضهما على الآخر، فإن كانت الفضة مثلاً بمقدار مائة وعشرين درهماً، والذهب بمقدار ثمانية دنانير حمل بعضهما على الآخر وزكي الجميع كل بحسابه، وإن كانت الفضة أقل من الذهب كأن تكون بمقدار خمسين درهماً والذهب بمقدار خمسة عشر ديناراً فإنه يحمل بعضهما على بعض، وتخرج زكاة الجميع من كل بقدره. والله أعلم.
ما
هو السبب في وجوب الزكاة في حلي النساء المستخدم في الزينة، وعدم وجوب الزكاة في اللؤلؤ والماس والجواهر الثمينة التي قد يقدر الفص الواحد منها بالآف الدنانير؟
لأن الزكاة أمر تعبدي، وقد تعبدنا الله تعالى بالزكاة في الذهب والفضة، ولم يذكر الأموال الأخرى كاللآلئ وغيرها، وكذلك أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم دلت على هذا، فلذلك قلنا بعدم وجوب الزكاة في هذه المجوهرات، مع
أنها تجب في الذهب والفضة، ولو كانت قيمتها دون قيمتها. والله أعلم.
ماذا تقول سماحة الشيخ ... فيمن يقول بأن المقصود من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: وفي الرقة ربع العشر) (1) إنها الدراهم المضروبة، ولا تطلق على الحلي المصوغ؟
قال ذلك جماعة من أهل العلم، ولكن ذهبنا إلى خلاف هذا الرأي، بدليل ما جاء في حديث مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل خاتماً من ورق، أي صلى الله عليه وسلم الفضة، فالرقة والورق بمعنى واحد والذين قالوا بأن الرقة لا تطلق على المصوغ قالوا مثل ذلك في الورق، والحديث دل على خلاف ذلك،
(1) رواه البخاري والنسائي وأبو داود وابن ماجه والدارقطني والشافعي وآخرون. (1/307)
صفحة 308
308
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
فحملنا معنى الحديث على ما دلّ عليه الحديث وخير ما يبين السنة السنة.
والله أعلم. كانت عائشة تخرج زكاة بنات أخيها من غير أموالهن ولكنها لم تخرج زكاة حليهن ما هو السبب في ذلك؟
من المحتمل أن يكون رأى عائشة لها عدم وجوب الزكاة في الحلي، ومن ناحية أخرى يجب النظر في صحة هذه الرواية (1) وثبوتها، فإن هنالك رواية أخرى عن عائشة دلت على خلافها (2)، ومع تعارض الروايتين عن الصحابي يؤخذ بما يتفق مع السنة المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا يؤخذ بالرواية الأخرى والله أعلم.
هل تجب الزكاة في التحف الذهبية واللآليء والجواهر الموضوعة للزينة والتي لا نماء فيها؟
أما الذهب والفضة فنعم، وأما إن كانت من الجواهر الأخرى فلا تجب فيها الزكاة كأن تكون من لؤلؤ أو زبرجد أو ياقوت أو عقيق أو أي جوهر آخر. والله أعلم.
هل من يقول بالزكاة في غير المعد للنماء، ولا يقول بزكاة العوامل من الدواب يعد مفرقاً بين بين متماثلين مع التعليل؟
لا ريب أن الحلي إن كانت ذهباً أو فضة تجب فيه الزكاة على الراجح،
(1) الرواية التي تدل على عدم زكاة الحلي عند عائشة: أن عائشة زوج النبي كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي فلا تخرج الزكاة، رواه مالك والشافعي والبيهقي في
الكبرى.
(2) الرواية عند أبي داود في السنن والحاكم في «المستدرك» والدارقطني والبيهقي. (1/308)
صفحة 309
فتاوى الزكاة
309
لدلالة الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، واعتضادها ـ وإن كان فيها مقال ـ بالأصل العام، وهو وجوب الزكاة في الذهب والفضة كما دل على ذلك القرآن الكريم، ودلت على ذلك الأحاديث العامة الموجبة للزكاة في هذين النوعين في المال، وكذلك الزكاة تجب في الماشية إن كانت سائمة بلا خلاف أما إذا لم تكن سائمة ففيها خلاف ذلك لأن الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بالإطلاق، وبالتقييد، والأصل في المطلق أن يحمل على المقيد، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «في خمس من الإبل شاة» (1) ويقول: «في خمس من الإبل سائمة شاة (2) ومن المعلوم أن الأصوليين يقولون: عندما يجتمع المطلق والمقيد فالإطلاق يحمل على التقييد، كما يحمل العموم على الخصوص عندما يجتمع الخاص والعام، أي عندما يأتي في المسألة الواحدة دليل عام ودليل خاص، وبهذا يتبين أن الراجح بأن هذه الماشية عندما تكون غير سائمة - أي معلوفة - لا تجب فيها الزكاة لأجل دلالة هذا الحديث، فإن كانت هذه العوامل سائمة فالراجح وجوب الزكاة فيها، لعدم وجود الدليل الذي يخرج العوامل من الماشية عن حكم وجوب الزكاة وأما حديث: «ليس في الجارة ولا في ولا في الكسعة ولا في النخة صدقة فهو محمول ـ حسب ما أرى ـ على ما إذا كان في عمل العوامل زكاة، وذلك لأن لا تجتمع زكاتان في مال واحد، وأما إن كانت معلوفة أي غير سائمة فلا زكاة فيها، وبهذا أن يتبين من قال بوجوب الزكاة في الحلي إن كان من ذهب أو فضة، وقال بعدم وجوب الزكاة في العوامل - ولو كانت سائمة - فرق بين متماثلين، ولكن عندما يفرق بين السائمة وغيرها فهو لم يفرق بين متماثلين، لأنه أخذ
(1) الحديث: «في خمس من الإبل شاة رواه البخاري والترمذي وأبو داود وأحمد وآخرون. (2) الحديث: «في خمس من الإبل سائمة «شاة» رواه الحاكم والنسائي وابن حبان في موارد الضمان والبيهقي وغيرهم. (1/309)
صفحة 310
310
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
بإسقاط الزكاة من غير السائمة من الماشية بما دل عليه الحديث المقيد،
والدليل المقيد مقدم على الدليل المطلق. والله تعالى أعلم.
هل يعطى الذهب الأبيض المعروف حالياً حكم في تحريم لبسه على الرجال وفي إخراج الزكاة منه أم لا؟
إن كان الذهب الأبيض أصله الذهب المعروف هو مال مزكى إذ لا يناط
حكم الزكاة بلونه وإنما يناط بعينه وإن كانت مادته تختلف عن مادة الذهب فهو كسائر المعادن التي لا تجب الزكاة فيها. والله أعلم. (1/310)
صفحة 311
فتاوى الزكاة
311
زكاة عروض التجارة
ما هي شروط زكاة عروض التجارة؟
أحد النقدين،
تزكى عروض التجارة بعد أن تصل قيمتها النصاب في ويشترط لزكاتها مرور الحول، وهي كغيرها من الأموال الناضة، فعندما تكون غارقة في الدين أو غارقاً بعضها في الدين فإن الزكاة لا تجب فيها، إلا أن يكون ما فضل عن مقدار الدين يصل إلى النصاب، فيزكي الفاضل عن مقدار الدين على أن يكون الدين المسقط للزكاة حالاً، أي: واجباً على المدين أداؤه. والله أعلم.
تاجر لديه بضاعة مخزنة للبيع. هل تجب فيها الزكاة؟
بما أن تلك البضاعة معروضة للبيع، ومتى جاء المشتري من أجل أن يشتريها باعها صاحبها، فإن الزكاة فيها واجبة كسائر ما في متجره من عروض التجارة والله أعلم.
هل في السيارات التي تؤجر لنقل الركاب أو البضائع زكاة؟ الزكاة في دخلها إن حال عليه الحول مع بلوغ النصاب لا فيها. والله أعلم.
هل في المتجر (مكان التجارة وما فيه من آلات) زكاة، وما الحكم إذا كانت عليه ديون؟
نعم، تجب الزكاة في رأس مال التجارة النقد، والمواد المتجر فيها، بعد إعطاء كل ذي حق حقه، وإسقاط الديون الحاضرة من رأس مال التجارة، وأما الآلات التجارة ـ وهي الأدوات التي يستعملها التاجر ـ فلا زكاة فيها.
والله أعلم. (1/311)
صفحة 312
312
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
إذا أجر رجل مزرعته لآخر نظير مبلغ من المال شهرياً، وزرعها ذلك المستأجر، فعلى من تكون الزكاة على المالك أم المستأجر؟
على الزارع لا على صاحب الأرض - على الراجح ـ وإنما صاحب الأرض يزكي النقود عندما يحول عليها الحول، أو تضم إلى ماله المزكي عند بلوغ الحول. والله أعلم.
تاجر لديه ثروة تجارية في صورة عروض وبضائع اشتراها بثمن ولم يبعها بعد، فكيف يزكيها وما هو الدليل على وجوب الزكاة في عروض التجارة؟ تزكى عروض التجارة بقدر قيمتها في الوقت الذي تجب فيه الزكاة ـ أي عندما يحول عليها الحول ـ والدليل على وجوب الزكاة في عروض التجارة النصوص العامة الدالة على ذلك، مع الإجماع المنعقد على وجوب الزكاة
في
التجارة. والله أعلم. تاجر يبيع ويشتري بالسعر الحاضر، وآخر يتربص حتى ترتفع الأسعار ثم يبيع (أي أنه محتكر) وقد تمكث عنده السلعة أعواماً كثيرة. فكيف تكون زكاة كلا التاجرين؟
كل منهما عليه أن يحسب ما عنده من عروض التجارة على رأس كل عام، ويزكيها مع النقود. والله أعلم.
هل يخرج التاجر زكاته من السلعة نفسها أي جزءاً منها، أم من قيمتها نقوداً؟ وأيهما الأفضل وما الدليل؟
كل ذلك جائز، فإن أخرج من السلعة نفسها بقدرها جاز، وإن أخرج قيمتها بقدر القيمة في ذلك الوقت جاز أيضاً، ولا تفضيل لأحد الوجهين على الآخر إلا عندما تكون حاجة الفقراء إلى أحد الوجهين أدعى منها إلى (1/312)
صفحة 313
فتاوى الزكاة
313
الوجه الآخر، فيرجح ما كانت الحاجة إليه أدعى. والله أعلم.
جماعة أرادوا الاشتراك في تجارة، حتى يكون الربح بينهم بالسوية، فدفع كل منهم مبلغاً معلوماً ثم هم يدفعون كل شهر مبلغاً حتى يكتمل المبلغ المطلوب للتجارة. فكيف تزكى الأموال إذا حال عليها الحول؟ حكمه حكم المال الواحد فيزكى كما يزكى المال الذي يملكه شخص واحد، وينوب كل واحد من الشركاء قدر نصيبه. والله أعلم.
كيف يزكي صاحب الدكان عروض تجارته. وهل هناك فرق بين كساد البضاعة ورواجها من حيث الزكاة؟
تقوم زكاتها عندما يحول عليها الحول وتخرج الزكاة بقيمتها في الوقت، سواء كانت رابحة أو كاسدة والله أعلم.
ذلك
ما قولكم في الآلة التي يستخدمها الإنسان في عمل من الأعمال. هل تجب فيها الزكاة؟
لا زكاة فيما يتخذه الإنسان آلة لعمل من الأعمال، وقد اختلف العلماء في الإبل إذا كانت عوامل هل فيها زكاة أم لا، وكذلك البقر، فقيل: لا زكاة في العوامل، وقيل: بل فيها زكاة كمثل غيرها من الإبل وهي السوائم، وقيل: إن كان دخلها بمقدار ما يزكى فلا زكاة فيها وإلا ففيها زكاة، وإلى هذا يشير المحقق الخليلي الله تعالى عندما قال:
وفي الأخذ من غير السوائم قرروا خلافاً لهم عم العوامل حين طم وإذا كان ذلك فيما يزكى أصلاً كالإبل والبقر، فكيف إذا كان مما لا يزكي أصلاً كالآلات فلا زكاة فيها. والله أعلم. (1/313)
صفحة 314
314 الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
زكاة العقارات والأسهم والسندات
هل تجب الزكاة في العقار أم في دخله؟ وما الدليل؟
الزكاة تجب في دخل العقار لا في أصله، وذلك ببلوغه النصاب واستكماله الحول والله أعلم.
هل تجب الزكاة في الأراضي التي يقصد صاحبها الاحتفاظ بها للاستثمار العقاري أو الاحتفاظ بغية ارتفاع قيمتها؟
لا زكاة فيها إلا أن يريد بها الاتجار فمتى أراد إدخالها في التجارة ففيها الزكاة بعد مضي عام. والله أعلم.
شخص لديه منزل يعيش فيه، وآخر قد أجره لغيره، وعنده كذلك سيارة ولكن لا يزال عليه ديون كثيرة فهل عليه زكاة؟
الزكاة هي في دخل السيارة ودخل المنزل إن بلغا نصاباً وحال عليه الحول، لا في نفس المسكن والسيارة، وإذا كان المالك مديناً والدين حاضر غير آجل سقط من زكاة ماله بقدر ما عليه من ديون فإن كان الدين مستغرقاً لماله الذي يزكي فليس عليه أن يزكيه. والله أعلم.
رجل باع قطعة أرض ثم قبض نصف ثمنها وبقي عنده عاماً كاملاً. هل
تجب الزكاة في ثمن القطعة كاملاً أم في النصف الذي ملكه؟
إن كان النصف الباقي منساً إلى وقت معين ولم يحضر ذلك الوقت عندما حال الحول على ما وصل إليه من الثمن، فإن الزكاة تكون فيما قبض لا فيما لم يقبض إن بلغ النصاب أما إن كان ذلك ديناً عاجلاً وليس بأجل - أي لم يكن منسأ إلى وقت ـ فإن الزكاة تجب في الجميع، بشرط أن (1/314)
صفحة 315
فتاوى الزكاة
315
يكون هذا الدين على وفي ملي. إلا إن اتخذت للتجارة، بحيث كانت للبيع ويستعاض عنها بأمثالها عندما يبيعها البائع التاجر، ففي هذه الحالة تجب فيها زكاة عروض التجارة، وإنما يزكى دخلها إن عمرها وأجرها فعندما يحول على دخلها الحول وقد اكتمل النصاب يزكي وإلا فلا. والله أعلم.
هل تجب الزكاة لمن عنده عقارات كالذي يشتري أرضاً ثم يبنيها ثم يعرضها للبيع، والبعض من الأراضي لم يبنها. فهل فيها زكاة؟
وكيف؟
إن كان اتخذ ذلك تجارة بحيث يشتري الأراضي من أجل بيعها أو من أجل بنائها وبيعها، وكانت هذه طريقة مطردة فعليه زكاة التجارة فيها، وإن كان لم يقصد الاتجار، وإنما عرض له بيعها لعارض فلا زكاة عليه فيها، وإنما الزكاة في ثمنها إن بلغ النصاب وحال عليه الحول أو ضم إلى مال يزكى من قبل. والله أعلم.
هل في الأسهم والسندات، زكاة وما مقدارها؟ وكيف تزکي؟ نعم إن بلغت النصاب، وتقوم بسعرها في ذلك الوقت، فيخرج منها واحد من أربعين ـ أي اثنان ونصف في المائة، وزكاتها زكاة التجارة، وتجب زكاة التجارة في رأس المال وربحه بالقيمة الحقيقية وقت الزكاة.
والله أعلم.
رجل يمتلك أسهماً في شركات تجاربة. فهل عليه زكاة في قيمتها أم في
دخلها فقط؟
الزكاة في المواد التي يتجر فيها، لذلك تجب تزكية الشركات حسب قيمتها. والله أعلم. (1/315)
صفحة 316
316
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
هل تجب عليّ الزكاة في قطعة أرض أنوي بناءها والسكن فيها مستقبلاً،
وهل تجب عليّ الزكاة في قطعة أرض استثمارية؟
لا زكاة في العقار سواء كان أرضاً خالية أو مبنية، وإنما الزكاة في دخلها إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول، أما إن كنت تتجر في الأراضي وذلك ببيعها وشرائها واتخذت ذلك مهنة لك فعليك زكاة التجارة، وإلا فزكها بعد البيع. والله أعلم.
كيف يزكي أصحاب مقاولات البناء أموالهم وهي تدور باستمرار في استثماراتهم وقد تستغرق أعمالهم أكثر من عام؟
يعدون ما بأيديهم من النقود وسائر العملات، وما لهم من الأجور في
ذمم غير المعسرين وغير المماطلين، ويزكون الجميع والله أعلم.
مبنى له دخل سنوي معلوم مؤجر، هل تجب الزكاة على هذا الدخل، علماً بأنه لا يكفي لتسيير أمور صاحبه في حياته؟
أكثر العلماء على عدم وجوب الزكاة في المباني المؤجرة إلا إذا مضى حول على إيجاره وهو في يد صاحبه ويعني ذلك أن حكم الإيجار حكم سائر الأموال النقدية، وذهب بعض العلماء المتأخرين إلى أن ما أعد للإيجار من المباني حكمه حكم المال المتجر به في الزكاة، واختار الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه فقه الزكاة وجوب الزكاة في الإيجار فور استلامه، كما تزكى الثمرة حال حصادها على أن تكون زكاته كزكاة النقد والتجارة أي ربع العشر والله أعلم. (1/316)
صفحة 317
زكاة الدين
فتاوى الزكاة
317
فيمن قرض دراهم وحال عليهن الحول، ولا تزال بيد المستقرض، فهل على القارض فيهن زكاة؟
القرض دين، وزكاة الدين على الدائن إن كان حالاً وكان علي وفي ملي، أما إذا فقد شرطاً من هذه الشروط سقطت عنه الزكاة. والله أعلم.
ما قولكم في القروض هل تجب فيها زكاة؟ ومن يؤديها؟ زكاة الدين على الدائن إن كان غير مؤجل، أو مؤجلاً حان أجله، وعلى المدين إن لم يستهلكه إن كان مؤجلاً لم يحن أجله. والله أعلم.
هل تجب الزكاة في القرض الذي لا يرجى رجوعه؟
لا زكاة فيه حتى يستوفيه، لأنه ميؤوس منه. والله أعلم.
من له دين لا يرجو سداده ثم سدد له بعد سنوات. كيف يزكيه؟ وكذلك إذا رجا سداده وإذا شك في سداده هل عليه بأس في انتظار ذلك حتى
يسدد له؟
تجب الزكاة في الدين إذا كان الدين على وفي ملي، وبشرط أن يكون حاضراً، فأما إن كان غير حاضر فلا زكاة فيه حتى يحضر، وإن كان الدين على مفلس فإنه في كلتا الحالتين لا زكاة على الدائن، وعندما يستوفي دينه ولو بعد سنين فليزكه زكاة عام واحد والله تعالى يتقبل منه. والله أعلم.
رجل عليه دين يقوم بتسديده وفق برنامج زمني، وبالمقابل لديه مبلغ يساوي نصف أو ثلثي الدين تركه لأعمال المضاربة، هذا وقد حال (1/317)
صفحة 318
318
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
الحول على المبلغ المخصص للمضاربة، فهل تجب فيه الزكاة إذا كان قد بلغ النصاب، وإذا كان كذلك فهل يجوز له أن يسدد من الزكاة شيئاً من الدين الذي عليه؟
إن كان الدين حالاً فإن القول المعتمد عليه - عندنا ـ أنه يسقط من زكاة ماله ـ إن كان ناضاً أو تجارة - بمقدار ذلك الدين الحال، وأما ما لم يحل
فلا يسقط من الزكاة شيئاً، وعليه أن يزكي الباقي من ماله. والله أعلم.
تاجر يشتري البضاعة من تجار الجملة بالدين وليس له مال، ثم يدفع لهم بعد البيع فهل عليه زكاة على ما في متجره؟ نعم عليه الزكاة إن كانت البضاعة الموجودة في تجارته الخالصة من الدين الواجب تصل إلى حد النصاب، وأما إن كانت مستغرقة في الدين الواجب قضاؤه فلا زكاة فيها. والله أعلم.
هل زكاة الدين على الدائن أم المدين سواء كان الدين حالاً أو مؤجلاً، وسواء كان على وفي ملي أم على معسر؟
أكثر القول أن زكاة العاجل على الدائن إن كان المدين وفياً ملياً، وإن كان آجلاً فعلى المدين، إن كان باقياً في يده لم يستهلكه. والله أعلم.
ما الفرق بين القرض والدين وما الفرق في زكاتهما وكيفية ذلك؟ القرض هو أن يأخذ أحد من أحد شيئاً ما ليرد مثله، بحيث لا يكون هناك تبايع ما بين الجانبين، وإنما يكون اقتراضاً كما هو معروف، كأن يأخذ ذهباً ليرد ذهباً مثله، أو يأخذ فضة ليرد فضة مثلها بنفس ذلك المقدار، أو حيواناً ليرد حيواناً أو براً ليرد براً أو شعيراً ليرد شعيراً بنفس ذلك المقدار. والفرق بين الدين والقرض أن الدين يحدد له وقت بينما القرض في قول (1/318)
صفحة 319
فتاوى الزكاة
319
أكثر العلماء ـ لا يحدد له وقت، وقيل: يحدد له وقت، وهو الأرجح لعدم الدليل على ما يمنع منه، فإن كان القرض غير محدد بوقت ـ كما هو رأي جمهور أهل العلم - ففيه الزكاة على المقرض ولا زكاة على المقترض، بشرط أن يكون هذا القرض على وفي ملي، وإن كان محدداً بوقت ـ بناءً على جواز تحديد القرض بوقت، فهو كالدين المنسأ الذي لم يحضر وقته، فتجب الزكاة فيه على المدين لا على الدائن ما دام الدين لم يحضر وقته، إن كان باقياً في يده لم يستهلكه. والله أعلم.
هل يشترط في الزكاة أن يكون المزكي غير مدين لغيره؟
يختلف الدين، فإن كان مستغرقاً للمال حتى لا يبقى مقدار النصاب منه غير مشغول بالدين - وكان حالاً أي واجباً أداؤه ـ فالزكاة تسقط عن المدين، وإن كان الدين غير مستغرق للمال كله، بل بقي منه مقدار ما يجب فيه الزكاة، أو كان الدين غير حال ففي الأولى يزكي ما تبقى، وفي الثانية يزكي الجميع. والله أعلم. (1/319)
صفحة 320
320
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
زكاة الفطر:
ما
هي زكاة الأبدان، وكيف تحسب، ومتى تخرج، ولمن توزع؟ زكاة الأبدان هي زكاة تجب لا في المال وإنما في الأنفس، فبقدر ما يكون الإنسان عنده من عائلة يقوم بعولها وجوباً عليه، فإن عليه أن يخرج عن نفسه وعن كل واحد من هؤلاء صاعاً من الطعام يدفعه إلى فقراء المسلمين، ويبدأ وقت وجوبها بغروب شمس آخر يوم من رمضان ويستمر إلى خروج الناس إلى المصلى، فعندما يخرجون إلى المصلى وتقام الصلاة ينتهي وقت وجوبها ووقت مشروعيتها والله أعلم.
ما
هو مقدار الواجب من زكاة الفطر، وما الدليل؟ وهل يرخص بالزيادة على المقدار المحدد؟
مقدار الواجب هو صاع من الطعام من بر أو شعير أو تمر أو زبيب أو ذرة أو أقط، كما نص على ذلك الحديث (1) ويجزي كل ما يقتات به كالأرز، أن يكون المخرج من جنس ما يقتات به المخرج غالباً، وإن زاد على الصاع كانت الزيادة صدقة، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. والله أعلم.
وينبغي
هل تفرّق زكاة الفطر على الأصناف الثمانية؟
تدفع زكاة الفطر إلى الفقراء والمساكين لإغنائهم يوم العيد عن السؤال، ولا تنفق في نحو الجهاد والمؤلفة قلوبهم مما تدفع فيه الزكاة المشروعة. والله أعلم.
(1) عن عائشة أم المؤمنين قالت: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر على الحر والعبد والذكر والأنثى والصغير والكبير صاعاً من تمر أو صاعاً من زبيب أو بر أو شعير أو من أقط» رواه الإمام الربيع ورواه أيضاً مالك والبخاري ومسلم وأحمد والنسائي وغيرهم. ولفظه معهم:
«فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ... ). (1/320)
صفحة 321
فتاوى الزكاة
321
هل تجب زكاة الفطر عن الجنين؟
لا زكاة عن الجنين حتى يولد. والله أعلم.
هل يجوز إعطاء زكاة الفطر للأولاد أو الجدات الفقراء؟
إن كان الأولاد بلغاً قد انحازوا عن أبيهم فلا مانع من إعطائهم من زكاة الفطر أو غيرها، وكذلك إن كانت الجدة مستقلة ولم يكن واجباً عليه عولها، أما إن كان عول هؤلاء عليه فلا يصح له دفع الزكاة إليهم، لأن زكاة المرء لا تدفع لمن يجب عليه عوله. والله أعلم.
هل يجوز لنا أن نعطي زكاة فطرة الأبدان بعد ثبوت رؤية هلال شوال في الليل وخاصة أنه يصعب دفعها في الصباح قبل الخروج إلى المصلى،
لبعد إقامة مستحقيها؟
لا مانع من ذلك، فقد قيل: تجب بغروب شمس آخر يوم من رمضان، والله أعلم. ما هو الأفضل في زكاة الفطر إخراج القيمة أم الطعام؟
الأفضل اتباع السنة بإخراج الطعام والله أعلم.
والدي يخرج عني وعن أولادي وبقية أسرتنا في المنزل زكاة الفطر، ونحن نعمل وقادرين على أدائها، ولكن الوالد لا يرضى ذلك، وخوفاً منه لأنه يمكن أن يبقى في نفس شيء ومأكلنا ومشربنا واحد، ونفترق في المنام كل في منزله فماذا ترون؟
إن قام بدفع زكاة الفطر عنكم - مع موافقتكم ـ فلا حرج والله أعلم. (1/321)
صفحة 322
322
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
زكاة أموال الغير
قال بعض العلماء بعدم وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون. فما م؟ وما رأي سماحتكم في ذلك وما الدليل؟
أدلتهم؟ القول الذي نعتمده أن الزكاة واجبة في مال الصبي والمجنون، كما أنها واجبة في مال البالغ، والعاقل، لأن الزكاة حق واجب في المال، وليس حقاً متعلقاً بالذمة وعمومات الأدلة تدل على ذلك، من ذلك قول الله تبارك وتعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهَرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} [التوبة: 103] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن آخذها من أغنيائكم وأردها إلى فقرائكم»، من غير تفرقة بين بالغ وصبي أو بين عاقل ومجنون، فهي حق في المال على الرأي الراجح، والذين قالوا بعدم وجوب الزكاة في أموال هؤلاء نظروا إلى أن ذمتهم غير مشغولة فهم اعتبروا الزكاة مما يجب على الذمم وليس حقاً واجباً في المال، فلذلك أخذوا بهذا الرأي، فكما لا تجب عليهم الصلاة والتعبدات الأخرى لا تجب عليهم الزكاة، ورأيهم له وجه من النظر لو كانت الزكاة حقاً واجباً في الذمة كما يقولون، ولكن بما أنها حق واجب في المال، فالراجح خلاف رأيهم. والله أعلم.
هل للإنسان ـ وهو أمين أيتام - أن يزكي نقود الأيتام ما داموا غير بالغين أم يمنع من تنفيذها حتى يبلغوا رشدهم؟
الزكاة واجبة في مال اليتيم كما هي واجبة في مال البالغ، لأنها حق في المال لا في الذمة - على الصحيح .. والله أعلم.
هل يجوز أن يتكفل الزوج بدفع زكاة حلي زوجته؟ وهل يجوز أن يشترط ذلك في العقد؟ (1/322)
صفحة 323
فتاوى الزكاة
323
تلزم الزكاة صاحبة الحلي، وليس على زوجها أن يزكي عنها، لأن الزكاة عبادة من العبادات التي تحتم على الإنسان في خاصة نفسه، ولا ينتقل وجوبها إلى غيره إلا إذا رضي الزوج أن يزكي عنها، وأدى الزكاة من تلقاء نفسه سقطت عنها مع تفويضها له أن يؤديها، وأما اشتراط أداء الزكاة عنها على الزوج في حالة العقد فهو اشتراط باطل، لأن الشرط مجهول. والله أعلم.
مات والدي وأنا أعلم أنه لم يؤد زكاة ماله، فهل يجب عليّ إخراج الزكاة
نيابة عنه؟
إذا لم يوص الهالك بحقوق الله الواجبة عليه ففي وجوب أدائها على الوارث من تركة مورثه خلاف، والراجح الوجوب لقوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي سأله عن حجة أخته التي نذرت أن تحج فماتت ولم تحج: «أرأيت أن لو كان على أختك دين أكنت قاضيه قال: نعم، قال: «فدين الله أحق بالقضاء».
والله أعلم. استلمت عشرة آلاف ريالاً من وكيلي بعد مضي أربعة عشر عاماً من وفاة الوالد، حيث كنت طفلاً قبل ذلك، ولا أدري هل زكيت أم لا؟ وهل أسأل الوكيل وأصدقه أم لا؟
سل الوكيل وصدقه إن أجابك بالسلب أو الإيجاب والله أعلم. (1/323)
صفحة 324
324
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
مصارف الزكاة:
هل يجوز دفع الزكاة لأحد الزوجين؟ وما الحكمة من عدم جواز دفع الزكاة لأصول المزكي وفروعه؟
يجوز للزوجة أن تدفع الزكاة إلى زوجها الفقير، وأما هو فإن كان يدفع الزكاة إليها فيما كلف بأن يتحمله عنها من نفقتها وكسوتها فلا يجوز ذلك، لأن مصلحة الزكاة تعود عليه، وأما إن كان يدفعها فيما لا يعود بالمصلحة عليه فلا حرج في ذلك، كأن يعطيها الزكاة لأجل قضاء ديونها التي تحملتها في غير النفقة الواجبة عليه لها، وأما الأصول فنظراً إلى أن الإنسان مكلف بعول أصوله وفروعه - عندما يكونون غير قادرين على عول أنفسهم - قيل: بعدم جواز دفع الزكاة لهؤلاء، وقيل: بأن للإنسان أن يدفع زكاته إلى أولاده إن أبانهم عنه - أي إن كانوا مستقلين بأنفسهم عنه. والله أعلم.
هل تستحق الأخت والبنت الزكاة؟
نعم، إن كانتا في معزل عنه، ولم يكن مسؤولاً عن عولهما، وكانتا فقيرتين، لأن صرف الزكاة إلى الأقارب الفقراء مما يضاعف الأجر، فاصرفها
إلى أقاربك الفقراء يجتمع لك أجر الصدقة والصلة. والله أعلم.
هل يجوز لمن يقدر على الكسب لصحته وقوته أن يعطى من الزكاة؟
لا
يصح، لأن
لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع
من طريق ابن عباس: «لا تحل الصدقة، لغني، ولا لذي مرة سوي، ولا لمتأثل مالاً». والله أعلم. (1/324)
صفحة 325
فتاوى الزكاة
325
هل يجوز للإنسان إخراج جزء من زكاة ماله لتعمير مسجد من المساجد، أو استكمال أشياء ناقصة كالمصاحف؟
الزكاة لها أصناف مخصوصة مبينة في القرآن، وليس منها بناء المساجد،
ولا يصح التعدي في الزكاة، لما رواه الربيع حمدالله بإسناده عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: لا صلاة لمانع الزكاة، والمتعدي فيها كمانعها»، والمراد بالمتعدي فيها من يعطيها غير أهلها. والله أعلم.
هل يجوز للمرأة أن تعطي زوجها مبلغ الزكاة عن أموالها لسداد دينه؟
نعم، إن كان لا يجد وفاء لذلك الدين. والله أعلم.
قام الإخوة الأجلاء بزنجبار بإنشاء معهد إسلامي يستقبل الطلبة من مختلف مناطق تنزانيا تدرس فيه علوم القرآن الكريم والفقه والسنة الشريفة، ويتم التركيز على علوم اللغة العربية بمختلف فروعها، وليس للمعهد مورد ثابت حتى الآن لتسيير أعماله فهل يجوز صرف الزكاة في توفير التغذية لهؤلاء الطلبة؟
إن كان هؤلاء الطلبة من الفقراء فهم أحق بالزكاة، لأنهم يستحقونها لفقرهم، ومن ناحية أخرى فهم في جهاد ما داموا في طلب العلم، والله يوفقكم للخير. والله أعلم.
هل يجوز صرف أموال الزكاة في شراء كتب مفيدة، ثم صرفها «أي الكتب» إلى مستحقيها من طلبة العلم؟
لا، وإنما يصرف المبلغ من الزكاة لطالب العلم المحتاج، وهو الذي
يشتري به ما يحتاجه من كتب وغيرها. والله أعلم. (1/325)
صفحة 326
326
الفاوي
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
كيف نعرف الذي يستحق الزكاة من غيره؟
الغني هو الذي لا يحتاج إلى شيء زيادة على دخله من نفقاته الضرورية، فمن كانت نفقاته الضرورية يكفي دخله لتغطيتها فهو من الأغنياء، ولا يجوز له أن يأخذ الزكاة، وكذلك لو كان قادراً على الكسب وإنما يهمل القيام بهذه المسؤولية من أجل إخلاده إلى الدعة وحبه للراحة فإنه لا يعد من الفقراء الذين يستحقون الزكاة.
والله أعلم.
هل الأولى دفع الزكاة إلى الجباة أو إلى الفقراء والمستحقين مباشرة، وهل يمكن أن توزع قيمتها؟
يجب دفع الزكاة إلى القائم بالأمر الذي يأخذها بحقها ويضعها في مستحقها ـ إن وجد، وإلا دفعها كل أحد بنفسه إلى من يستحقها، وفي دفع الثمن خلاف والأولى غيره، إلا مع تعذر قبول الأصل.
والله أعلم. رجل فقير الحال محتاج، ولكنه يتناول الدخان ويلعب الميسر، فهل يجوز أن يعطى من الزكاة؟
مساعدة أمثال هؤلاء الفساق مما يدفعهم إلى المضي في سبيل العتو والفجور والفساد، والزكاة إنما تعطى الغارمين في غير معصية، ومن كان مصراً على فسقه فليس حقيقاً بأن يعطى من الزكاة ولا من الصدقات، اللهم إلا إن تاب وأقلع عن غيه فإن إعطاءه من الزكاة مساعدة له على التوبة، وإن كان أسرته في ضياع بسبب عدم إنفاقه عليها وتعذر عليها الانتصاف منه فلها أن تأخذ من الزكاة بقدر ما يسد حاجتها والله أعلم. (1/326)
صفحة 327
هل «الحج» من مصرف سبيل الله؟
فتاوى الزكاة
327
وإن قيل ذلك، فإنه ينبغي للإنسان أن يحج من خالص ماله، لا من الجزء الذي يخرجه زكاة. والله أعلم.
هل يعطى الفقير ما يكفيه من المال أم أنه يعطى مقداراً محدداً فقط؟ يعطى الفقير مقدار ما يكفيه من المال والعلماء مختلفون كثيراً في مصارف الزكاة التي يصرفها الإنسان فيها، فمنهم من قال بأنه يقتصر في ذلك على ما لا بد منه فله أن يأخذ بمقدار ما يستر عورته وما يتقي به البرد والحر من اللباس، ويأخذ بقدر ما يسد جوعه، وليس له أن يلبس ما فضل عن الحاجة من اللباس، وأن يأكل ما زاد على سد الجوع كالحلوى والفاكهة من الزكاة ومنهم من رخص أكثر من ذلك، وقال لا بأس بأن يأكل بالمعروف بقدر ما يأكل الناس في زمانه، وأن يلبس بالمعروف بقدر ما
أكثر
يلبس الناس في زمانه من غير إسراف ولا مخيلة، ومنهم من وسع من ذلك، فأباح له أن يكرم ضيفه، ومنهم من وسع أكثر من ذلك فأباح له إن كان طالب علم أن يشتري بها كتبه وما لا بد له منه في طلب العلم،
له أن ومنهم من وسع يحج بها، فالناس له أن يتزوج بها، ومنهم من وسع ذلك مختلفون بين موسع ومضيق وخير الأمور الوسط، فالإنسان -
في ولا ريب - تراعى حاجته والناس يتفاوتون في ذلك بحسب تفاوت ظروفهم
الاجتماعية، فإن من الناس من يتحمل مسؤوليات جمة، فقد يكون الإنسان مقصوداً من قبل الناس فلا بد له من أن يقوم بضيافتهم. ومثل هذا ينبغي
يوسع
أن
له في الزكاة، ومنهم من تكون حاجته محصورة في نفسه وفي عياله فقط، ولا تتعدى هذا الإطار إلى ما وراءه، فمثل هذا ينبغي أيضاً أن يقدر له قدره، ويدل على ذلك أن الله تعالى قد جعل للغارمين نصيباً من الزكاة، (1/327)
صفحة 328
328
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
وفي ذلك إشارة إلى ما قد يصرفه الإنسان بسبب اقتضاء الظروف الاجتماعية صرفه من الأموال والله تعالى أعلم.
ما معنى المؤلفة قلوبهم ولماذا يعطون من الزكاة؟
هم قوم دخلوا في الإسلام من غير أن يرسخ الإيمان في قرارة نفوسهم، وقد كان لهم تأثير في مجتمعهم بسبب مكانتهم الاجتماعية، ومن بين هؤلاء أبو سفيان صخر بن حرب، ويعلى بن أمية، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم نصيباً من الزكاة من أجل تأليفهم لما لهم من مكانة في مجتمعهم القرشي، وهؤلاء كانوا يعطون لأجل مصلحة الإسلام حتى لا ينقضوا ضده. ولا يعينوا خصومه عليه، بسبب أن أيمانهم لم يرسخ في قرارة قلوبهم وإنما إسلامهم يوم لات حين مناص، عندما أصبح الإسلام قاهراً متمكناً ولم يجدوا مفراً عن الدخول فيه، واستمر الحال كذلك إلى أن قوي الإسلام وعظمت شوكته واشتد عوده، فرأى عمر بن الخطاب الاستغناء عنهم، وأدرك أنهم لا يؤثرون في الإسلام شيئاً إذ لا مقدرة لهم على التأثير، كيف والناس من حولهم صقل الإيمان نفوسهم، وقطع صلتها بجميع علائق الجاهلية، فلم ير لهؤلاء أي تأثير أن لو لم يعطوا، وأجابهم أنهم كانوا يعطون من الزكاة عندما كان الإسلام ابن لبون أما الآن وقد بزل فلا، وهذه نظرة منه إلى مقصد الشارع من فرض هذه الفريضة لهم، فإن مقصد الشارع النظر في مصلحة الإسلام وسد حاجته، وعندما أصبح الإسلام غنياً عن هذا الجانب لم تكن هناك حاجة إليهم، ولذلك رأى عمر له أن يرد سهمهم إلى بقية المخارج التي دفعت الزكاة فيها. والله أعلم.
ما المقصود بـ «في الرقاب في آية الزكاة ومن هم الغارمون؟
أما
«في الرقاب» فيراد بها الذين كانوا أرقاء، ولكنهم يسعون إلى فك (1/328)
صفحة 329
فتاوى الزكاة
329
رقابهم من الرق بالمكاتبة التي أرشد إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور: 33]، فإن المكاتب يعان على فك رقبته بإعطائه من الزكاة مقدار ما يمكنه من سداد ما عليه حتى ينعم بالحرية التامة، أما الغارمون فهم الذين أنفقوا نفقات تحملوا بسببها الديون، من أجل إصلاح ذات البين، ومن أجل الأمور الحسنة التي ليس فيها إسراف ولا مخيلة، ولا شيء من معصية الله تعالى، فهؤلاء يعطون من الزكاة بقدر ما يتمكنون من سداد ديونهم. والله أعلم.
ما رأي الأصحاب الله في معنى المطلب السابع من مطالب الزكاة «وفي سبيل الله» فمن هم أهله الذين عنتهم الآية الكريمة، وأين يصرف هذا السهم في عصرنا الحاضر؟
سبيل الله تعالى يراد به الجهاد في سبيل الله، فهؤلاء ينفق عليهم من الزكاة بقدر ما يسد حاجتهم، وبقدر ما يتمكنون من القيام بمهمتهم ويدخل في سبيل الله عند البعض شراء الأسلحة وإعداد الوسائل التي تمكن المسلمين من دحر أعدائهم الكافرين، ويدخل في ذلك كل ما يعود بالعزة على الإسلام والمسلمين، ومن المعلوم أنه عندما تكون الدولة الإسلامية هي التي تتبنى مشروع الزكاة، ويتوسع وعاء مصرف الزكاة بسبب ما تتحمله هذه الدولة من التبعات فكل ما يعود بالخير على الأمة الإسلامية فمثل ذلك، ومن ذلك إنشاء المدارس من أجل نشر العلم الشريف النافع، وبناء المستشفيات التي تعود بالمصلحة على الناس، وهذه من الأمور المستجدة هذا العصر، أما أصحابنا - رحمهم الله ـ فإنهم يجعلون سبيل الله الجهاد الذي هو سبب لتقوية هذه الأمة ونشر دين الله في الأرض. والله أعلم.
في
((
من هو ابن السبيل ولماذا يعنى به في الإسلام؟ وهل هناك من شرط (1/329)
صفحة 330
330
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
لإعطائه من مال الزكاة؟ وكم يعطى؟ وهل اللقيط يدخل في ابن السبيل؟
ابن السبيل هو المسافر المنقطع عن أهله في غير معصية لله تعالى، فإنه
في
يعطى من مال الزكاة لسد حاجته، إن كان فقيراً في سفره، ولو كان غنياً حضره، وإعطاؤه من الزكاة حتى لا يبقى ضيعة، لأنه مع افتقاره في سفره
لو أهمل ولم يعط من الزكاة، ولم ينفق له من المال ما يسد حاجته، لأدى ذلك إلى ضياعه والإسلام يرعى حقوق البشرية ولذلك فرض هذه في مال المسلمين من أجل تلافي هذا الأمر، وإغناء ابن السبيل بقدر ما يسد حاجته، وفي هذا إشارة إلى أن الإسلام يشجع على السياحة من أجل التفكر في آيات الله في الأنفس والآفاق، ومن أجل الاستفادة من المعارف المتبادلة بين الناس، ودراسة أوضاعهم الاجتماعية وغيرها أما اللقيط فإن له نصيباً من بيت مال المسلمين وهو يستحق من الزكاة إن كان فقيراً، ولكنه يختلف عن ابن السبيل، لأن ابن السبيل ينتقل من مكان إلى مكان، ولذلك أضيف إلى السبيل، فهو بمثابة من جعل السبيل أباه وأمه، بسبب التزامه السير في الطريق. والله تعالى أعلم.
هل يجوز أن يعطى غير المسلمين من الزكاة أو صدقة التطوع أو زكاة
الفطر؟
أما الزكاة المفروضة في الأموال فإنها لفقراء المسلمين دون غيرهم، والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: أمرت أن آخذها من أغنيائهم وأردها إلى فقرائهم» (1)، وهذا يعني أن الكافر ليس له حق من هذه الزكاة، ولا يعطى منها شيئاً، وإنما قال علماؤنا بأنه عندما يتعذر وجود أي موحد بر أو فاجر موافق
(1) الحديث: «تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» رواه البخاري ومسلم وأحمد والنسائي
وغيرهم. (1/330)
صفحة 331
فتاوى الزكاة
331
أو مخالف، ولا يتمكن الإنسان من وجود من يستحق الزكاة من المسلمين، في هذه الحالة يعطي لفقراء أهل الذمة، ويقدم فقراء النصارى على فقراء اليهود في ذلك، وعمل بذلك عمر بن عبد العزيز الله له له عندما سدت الزكاة الفقراء المسلمين، وصارت تفضل عن حاجتهم، أمر أن يعطى جميع منها فقراء أهل الذمة، وهذا اجتهاد منه، وعلى ذلك أصحابنا عندما تكون الزكاة سادة لحاجة المسلمين، ولا يوجد في المسلمين من يستحق الزكاة بسبب غنى الكل وعدم حاجة أحد إليها.
حاجة
أما زكاة الفطر فهي أيضاً لفقراء المسلمين، وليست لغيرهم، وإنما أباح الإمام أبو سعيد الله إعطاءها لفقراء أهل الذمة.
حالة
وصدقة التطوع لا مانع من أن يعطى منها غير المسلمين بقصد تأليف قلوبهم، ودفع المخمصة عنهم عندما يكونون مضطرين في حربهم للمسلمين والله تعالى أعلم.
عدم
عندي مجموعة من النقود كان أصحابها قد أحضروها إليّ للمساهمة بها في المشاريع الخيرية، ويوجد شاب يتيم في كفالة إخوته وهم ميسورو الحال، وهو لا يزال طالباً ويريد الذهاب للحج فهل تحق له هذه الأموال باعتبارها زكاة بعد أخذ رأي أصحابها؟ أم أنني أقوم بتوزيعها للفراء أم ماذا أفعل بها؟
الزكاة تدفع إلى الفقراء والمساكين لسد حاجاتهم، والحج فريضة تجب على المستطيع وتسقط عن العاجز، فلا داعي إلى أن يعال قاصد الحج بالزكاة. والطريق المشروع في ذلك توزيع هذه المبالغ على الفقراء والمساكين. والله أعلم. (1/331)
صفحة 332
332
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
هل يجوز إعطاء الصدقة لفقراء غير المسلمين، علماً بأن في أفريقيا الكثير من الفقراء فهل نختار منهم المسلمين؟
أما الصدقة فتختص بالمسلمين إلا عندما يكونون جميعاً أغنياء، فعندئذٍ تصرف إلى فقراء أهل الذمة، وأما التبرعات الأخرى فلا حرج في صرفها لغير المسلمين إن كانوا لا يتقوون بذلك ضد الإسلام والمسلمين.
والله أعلم.
هل يجوز قضاء دين الميت من الزكاة؟
أما
دين الميت الذي استدان لمصلحته بنفسه فإنه لا يقضى من الزكاة، وإنما يمكن أن يقضى من الصدقات، لأن الأحياء هم أحوج إلى الزكاة، ولكن إن كان استدان هذا الدين لمصلحة المسلمين فإنه يقضى من الزكاة، نظراً إلى كونه استدانه لا لمصلحته الشخصية. والله أعلم.
لماذا عبر القرآن الكريم عن بعض المصارف بـ «اللام» وبعضها بـ «في»؟ المصارف التي عبر عنها باللام فهي تملك الزكاة، وأما المصارف التي عبر عنها بـ «في» فهي لا تملك، ولكن تنفق الزكاة في مصلحتها، «فالرقاب» مثلاً لا يملكون، ولكن يعطون من الزكاة لأجل فكاك رقابهم - أي يكاتبون، وكذلك في سبيل الله لأن سبيل الله تعالى وعاء عام يشمل كل مصلحة
إسلامية، فالإنفاق هنا في سبيل الله وليس تمليكاً لسبيل الله. والله أعلم.
هل يجب توزيع الزكاة على الأصناف الثمانية أم يجوز صرفها إلى
واحد فقط؟
كل من أعطي من الزكاة من هذه الأصناف سقط الحق الواجب لعطائه. والله أعلم. (1/332)
صفحة 333
فتاوى الزكاة
333
توجد مدرسة لعلوم الدين والشريعة بزنجبار؟ وأقيمت على نفقة المحسنين، فهل يجوز أن تدفع الصدقات والكفارات الموصى بها والزكاة لهذه المدرسة وتكون كالصدقة الجارية؟
أما الزكاة، فلا لأنها خصصت بنص القرآن فلا يتجاوز بها المنصوص عليه، وكذلك الكفارات إذ لا تعطى إلا المساكين، وأما الصدقات وسائر النفقات التي يراد بها البر فنعم. والله أعلم.
يقول البعض: بأن مصرف المؤلفة قلوبهم قد نسخ، وأن الله قد أعز
الإسلام فاستغني عن هؤلاء بانتشار الإسلام فهل هذا صحيح؟
أما النسخ فلا، ولكن ينظر في الحكمة لماذا شرع هذا النصيب في الزكاة، فإن مشروعيته من أجل قوام أمر المسلمين فهؤلاء لا يستحقون الزكاة لفقرهم، ولا لكونهم قائمين على الزكاة فهم ليسوا من الجباة، ولكنهم يعطون منها لأجل كفاف شرهم واجتلاب، خيرهم، وعندما يكون نظام قائماً من غير حاجة إلى هؤلاء لا يكون هنالك داع لإعطائهم،
المسلمين ولذلك منعهم عمر الله ما كانوا يعطونه من قبل، بسبب أنهم استغني عنهم
بقوة الإسلام. والله أعلم.
ما
هي شروط العاملين وكم يعطون؟
أما العاملون على الزكاة فهم الذين يقومون بجباتها ودفعها إلى المستحقين عند أمرهم بذلك، ويعطون بقدر عنائهم، وذلك يختلف باختلاف الزمان والمكان. والله أعلم.
إخراج القيمة في الزكاة كثيراً ما يكون أنفع للفقير لا سيما في صدقة الفطر، هل هو جائز أم لا؟ وماذا ترجحون؟ (1/333)
صفحة 334
334
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
دفع القيمة في الزكاة بدلاً من العين المزكاة ذهب إلى جوازه أكثر أصحابنا والحنفية، وذهب بعض أصحابنا وأكثر المذاهب الأخرى إلى منعه، ومن راعى أن الحكمة في الزكاة سداد حاجة المضطر أباحه، وهو رأي أما زكاة الفطر فمع وجود من يتقبل الطعام لا يسوغ العدول عنه إلى
سديد،
القيمة. والله أعلم.
وقال سماحته في جواب آخر لسؤال مماثل ما نصه:
هذه المسألة مما اختلف فيه أهل العلم، فجمهور أصحابنا والحنفية يقولون بجواز إخراج القيمة، وجمهور أصحاب المذاهب الأخرى مع بعض أصحابنا يقولون يجب إخراج الزكاة من نفس النوع المزكى، أما الذين قالوا بجواز إخراج القيمة فإنهم نظروا أن الحكمة من مشروعية الزكاة هي سداد حاجة الفقراء والمساكين، مع ما تعقبه في النفس من آثار الخير، وهذا يحصل بدفع القيمة كما يحصل بدفع الأصل، ولربما كانت القيمة في بعض الأوقات أجدى من دفع الأصل، وأما الآخرون فجعلوا هذا الإخراج أمراً تعبدياً، ولذلك رأوا عدم تجاوز ما دلت عليه النصوص من فرض مقادير معينة في نفس صنوف الأموال التي تزكى.
ومما استدل به أصحابنا ومن معهم من الذين قالوا بجواز إخراج القيمة: حديث معاذ (1) حيث كان يدفع لرسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن بعض العروض التي يحتاج إليها المسلمون من غير أصناف الأموال التي تزكى، وذلك من الزكاة التي كان يخرجها أهل اليمن من أموالهم، وإنما أعل الحديث بأن الذي رواه وهو طاووس لم يدرك معاذاً ففيه انقطاع، ولكن هذه العلة تنجبر إذا ما نظرنا
إلى علة مشروعية الزكاة والحكمة من ذلك. والله أعلم.
(1) رواه البخاري وابن أبي شيبة. (1/334)
صفحة 335
فتاوى الزكاة
335
هل هنالك شروط لمن يعمل في توزيع الزكاة؟ ولماذا؟
أن لا بد من فمن لم يكن من المسلمين فليس بأمين وهذا يعني أن المشرك لا يؤتمن عليها، كذلك الخائن ـ ولو كان من الأمة الإسلامية ـ لا يؤتمن، كما قيل: كفى بالمرء خيانة أن يكون أميناً لخائن أو يكون أمينه خائناً، والعدالة بحيث يوزعها بطريقة عادلة لا يحابي أحداً على غيره. والله أعلم.
يكون هذا العامل أميناً، والأمانة لا تكون إلا بالإسلام،
هل يجوز جبر الناس على أداء الزكاة؟ وما الفرق بينها وبين سائر الفروض كالصلاة والصيام والحج؟
الزكاة ركن من أركان الإسلام يتعلق بها حقان، حق الله وحق للعباد، وجبر الناس عليه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما واجبان على كل مسلم حس ـب وسعه، ويجب حمل الناس على الواجبات لا الزكاة فقط، وإلا فلا معنى للأمر والنهي والأحكام والحدود، أرأيت إن ترك الناس الصلاة والصيام هل يسوغ للقائم بالأمر تركهم وشأنهم؟ على
جميع
أن
أن الحديث الصحيح ورد بقتل تارك الصلاة، وروى سعيد بن منصور عمر هم بضرب الجزية على كل ذي جدة ولم يحج. والله أعلم. رجل ضيع إحصاء ماله وتقويم تجارته للزكاة سنوات عديدة، وأراد أن يستدرك ما فاته. ماذا يفعل؟
عليه أن يتحرى بقدر ما تطمئن نفسه ويسكن قلبه، ويخرج ما عليه من
الزكاة، وفي مثل هذا يقال: «استفت قلبك. والله أعلم.
(1) رواه أحمد والدارمي وعبد بن حميد والطبراني والبخاري في تاريخه وأبو نعيم وغيرهم. (1/335)
صفحة 336
336
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
هل للأب إعطاء زكاة ماله لأحد أبنائه البالغين المديونين؟
لا
حرج عليه إن أعطى أحد أولاده المستحقين من زكاة ماله إن كان منفصلاً عنه مستقلاً بشؤون معيشته لا سيما إن كان قد ركبته الديون وأرهقته النفقات، فإن إعطاءه من الزكاة في هذه الحالة أمر مطلوب شرعاً
والله أعلم.
كيف نعرف المسكين المستحق للزكاة؟
من كان واجداً لنفقة عياله فهو غير مسكين وإن كان دخله قليلاً، ومن لم يكفه دخله فهو مسكين وإن كثر دخله والله أعلم.
هل للصدقة حد أدنى معلوم أو يترك هذا للمتصدق؟ وهل يجوز إخراج الصدقة وجزء من الزكاة إلى الجماعات الإسلامية العاملة في حقل الدعوة والجهاد الإسلامي؟
ليس لصدقة النفل حد، وإخراجها وجزءاً من الزكاة إلى المجاهدين والعاملين في مجال الدعوة الإسلامية محمود فإن ذلك مما يدخل في مفهوم في سبيل الله، ولو أخرجت الزكاة كلها في هذا السبيل لكان ذلك حسناً، خصوصاً مع شدة الحاجة إلى مثل هذا العون والله أعلم.
عليَّ ديون أكثر من (37000) ريال لبناء منزل خاص للسكن، وقد مضى أكثر من 3 سنوات ولم أتمكن من رد هذه الديون إلا القليل، وذلك لتلبية متطلبات الحياة، علماً بأني أستقطع معظم راتبي لهذه الديون، وذلك لكونها من أشخاص وليس من البنك، والدائنون يحتاجون إلى أموالهم الآن، خصوصاً بأنهم يدفعون زكاة هذه الأموال، فهل تجوز لي الزكاة لأرد على الناس حقوقهم، علماً بأنني أنوي الحج، ولكن هذه (1/336)
صفحة 337
فتاوى الزكاة
337
الديون تمنعني؟
نعم تحق لك الزكاة، لأنك مدين في أمر ضروري وهو السكنى، فخذ
من الزكاة والله يعينك والله أعلم.
هل يصح إعطاء الزكاة الواجبة للأب والأم والجدة؟
الوالدان إن كانا فقيرين وولدهما في سعه لزمه عولهما، فلذلك لا له دفع الزكاة إليهما والله أعلم.
يصح (1/337)
صفحة 338
338
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
أسئلة متنوعة في الزكاة
هنالك سماحة الشيخ .. شبهة يثيرها المستشرقون، وهي أن فريضة الزكاة وصرفها للفقراء والمساكين يعني وجود الفقر بصورة دائمة ووجود
الفقراء باعتبارهم طبقة فرض لها حق الزكاة، فكيف نرد عليهم؟
إن الله تبارك وتعالى قسم الأرزاق بين عباده بعدله وبحكمته، فهو تبارك وتعالى أعطى كل أحد ما أعطاه مما يتفوق به على الآخر، ليكون هنالك تكامل في البنية البشرية، وقد فضل بعضهم على بعض في الرزق، وفضل بعضهم على بعض في القوة، وفي موهبة العقل، وفي السلطة، وفي شتى المزايا التي يختص بها من يشاء من عباده وهو القائل سبحانه: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ) [الزخرف: 32]، وقال سبحانه: {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ} [النحل: 71]، وهذا يعني أن وجود التفاضل في الجنس البشري أمر لا محيص عنه، تقتضيه الفطرة البشرية ليتم التكامل بين الناس، وليكون هنالك ما يكون أسباب الترابط والاجتماع فيما بينهم ومصارف الزكاة ليست منحصرة في الفقراء والمساكين وحدهم، بل مصارفها متعددة، والله تعالى يقول: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ} [التوبة: 60]، فالزكاة تصرف في هذه المصارف الثمانية بأسرها، وإنما قدم الفقراء والمساكين لأجل ردم الهوة التي تفصل بين طبقات الناس حتى لا تكون هذه الهوة واسعة، فيكون بذلك التقارب ما بين الطبقتين الطبقة الغنية الواجدة والطبقة الفقيرة المحتاجة المعدمة، وهذه سنة الله تعالى في خلقه في جميع المجتمعات البشرية، فهل يمكن أن يقال في هذه المجتمعات البشرية
من (1/338)
صفحة 339
ما
فتاوى الزكاة
339
الراقية الآن بأنه لا يوجد فيها فقراء، فهل في الولايات المتحدة الأمريكية لا يوجد فقراء؟، وهل في الدول الأوروبية لا يوجد فقراء؟، هذا وقد ضمن الإسلام للمسلمين ما ضمنه من الحقوق على اختلاف طبقاتهم ومواهبهم، وفرض على بعضهم للبعض حقوقاً بقدر ما منح الله سبحانه أولئك الذين فرض عليهم. فالإسلام لم يحرم الإنسان من الملكية الخاصة بل أباح له التملك، ولكن مع تقييد هذه الملكية بقيود وضوابط أخلاقية، حتى لا يطلق الإنسان لنفسه العنان فيكون إثراؤه على حساب بني جنسه، وهذا بخلاف يوجد في المجتمعات الرأسمالية، وقد شاهدت بنفسي تباين الأوضاع في المجتمعات الرأسمالية، فهونكونج عندما كانت مستعمرة بريطانية شاهدت فيها العمارات الشاهقة التي هي كأنما تعانق السحاب وتناغي النجوم، وقيل لي: إن فرداً قد يملك أكثر من عمارة من هذه العمارات، وإيجارها إيجار مرتفع جداً، بحيث قيل لي بأن الشقة الواحدة يصل إيجارها في ذلك الوقت إلى ما يساوي أربعة آلاف ريال عُماني في الشهر الواحد، بينما وجدت طائفة من الناس هناك لا مأوى لهم إلا أن يأووا إلى قوارب الصيد في البحر أو إلى هياكل السيارات المتحطمة، وهذا مما يدل على أن الفجوة ما بين الطبقتين فجوة سحيقة جداً، وهذا أمر لا يقره الإسلام، فالإسلام يأمر بالعطف والرحمة ولا يأمر بالقسوة والشدة، ونجد أن انفجار الثورات الشيوعية في المجتمع الغربي ما كان إلا بسبب نتيجة القسوة التي كابدها الناس في ظل النظام الرأسمالي القاسي الشديد، فماركس نفسه عانى ما عانى من الحرمان، وتسجل ذلك امرأته في رسالة بعثت بها لصديق لها تقول بأنهم اجتمع عليهم مبلغ من المال لصاحبة المسكن الذي كانوا يسكنونه بسبب الإيجار وبعض القروض، فما كان منها إلا أن باغتتهم في ليلة مطيرة شديدة البرد بالشرطة فأخرجوهم من المسكن، وحاول زوجها (1/339)
صفحة 340
340
الفتَاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
بكل جهد
أن يقنع أحداً أن يتقبل إيواءهم ولم يحصل، وتحدثت عن ابنة ولدت لهم، وكابدت من مرض ثم توفيت قالت وظللنا نبكي عليها ولم نجد لها ثوباً نكفنها به، ثم قالت واأسفاه لقد وفدت ابنتنا إلى الدنيا ولم ترزق مهداً وغادرتها ولم ترزق كفناً.
هذا هو النظام الرأسمالي، فهل قضى على هذه الفجوة ما بين تلك الطبقات هناك، وما هي أسباب مشكلات العمال والإضراب الذي يقع منهم إلا شعورهم بالحرمان، فالإسلام الحنيف فرض الزكاة وحقوقاً غيرها من أجل سد حاجات الفقراء والمساكين، فالله تعالى يقول: {لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَيكَةِ وَالْكِتَبِ وَالنَّبِيِّينَ وَعَالَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ} [البقرة: 177]، فقد جعل إيتاء المال واقعاً في تسلسل درجات البر إثر العقيدة فوراً، وهذه حقوق من غير الزكاة، بدليل قوله من بعد وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآلَى الزَّكَوةَ} [البقرة: 177] والمجتمعات الإسلامية عندما طبقت نظام الزكاة كاد ينعدم الفقر، ففي عهد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز الله لم يجد جباة الزكاة لها من يستحقها من الفقراء، فأمر عمر له أن يزوج بها العزاب، ثم أمر بعد ذلك بأن يبنى بها مساكن للذين لا يملكون مساكن، ثم أمر بعد ذلك أن يواسى بها فقراء أهل الذمة والله أعلم.
إذا أخطأ المزكي في صرف الزكاة. فماذا يفعل؟
إن وضعها في غير موضعها خطأ، لزمه أن يعيد دفعها إلى مستحقيها.
والله أعلم. (1/340)
صفحة 341
فتاوى الزكاة
341
سماحة الشيخ .. ماذا تقول فيمن لا يوجب النية في الزكاة لأنها دين؟ فهل هذا صحيح ولماذا؟
القول الراجح أن الزكاة كسائر العبادات لا تؤدي إلا بنية خالصة، لأنها من جملة الأعمال، وقد قال: إنما الأعمال بالنيات»، ولا أعرف للقول الآخر وجه إلا أن قائليه جعلوا الزكاة من العبادات المعقولة المعنى، لأن المراد بها سداد عوز المحتاجين، ولكن ذلك لا يكفي لإسقاط اشتراط النية، لأن كثيراً من التعبدات المتعلقة بالزكاة ليست معقولة المعنى، كالنصاب والحول والمقدار المخرج، وتحديد الأصناف التي تزكى.
والله أعلم.
أيهما الأصل تعجيل الزكاة أو تأخيرها؟ وهل يجوز التأخير وما حده؟ الأصل إخراجها حال وجوبها من غير تأخير، واختلف في جواز تأخيرها بناء على الاختلاف في الأمر المطلق هل يفيد الفور أو التراخي، والأولى بالمسلم أن لا يتراخى في أدائها على أن التشديد في المطالبة بها من قبل أولي الأمر إلى حد المقاتلة عليها دليل على عدم جواز تأخيرها، كما كان ذلك من الصديق - رضوان الله عليه - وأقره وتابعه عليه الصحابة - رضوان الله عليهم .. والله أعلم.
ما الفرق بين الخراج والزكاة؟
الخراج قد يكون بسبب صلح بين المسلمين وأعدائهم الكافرين فيما يتعلق بأرض يملكونها، وهو أمر يعود إلى النظر في مصلحة الدولة الإسلامية، وأما الزكاة فهي عبادة توقيفية حددها الشارع.
والله أعلم. (1/341)
صفحة 342
342
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
هل يجوز نقل الزكاة في حالة الاستغناء وعدم
الاستغناء؟
يجوز نقل الزكاة من بلد استغنى أهله إلى بلد آخر به الفقراء المحتاجون
والله أعلم.
وقال سماحته في جواب آخر:
اختلف أهل العلم في هذه المسألة فمنهم من منع نقلها ورأى أنها تصرف في نفس البلد، ومنهم من قال بجواز نقلها لأجل سد الحاجة في البلد الآخر، وهذا القول أرجح نظراً إلى أن الأمة الإسلامية أمة واحدة متكافئة متكاملة. والله أعلم.
إذا أسقط الإمام الدين عن المعسر، فهل يعتبر ذلك الإسقاط زكاة؟ لا أدري معنى إسقاط الإمام الدين عن المعسر وكيف يسقطه؟ فإن الدين إن كان لغير الإمام فلا معنى لإسقاطه له بدون إذن رب الدين، وإنما يمهل إلى إيساره، وإن كان لدولة الإسلام وأسقطه الإمام لاستحقاق المدين لفقره، فإنه لا زكاة في ملك الدولة. والله أعلم.
إذا أخرج رب المال زكاته، ولكنها سرقت قبل التسليم، فماذا يعمل؟
عليه أن يعوضها ما لم تصل إلى مستحقها. والله أعلم.
لماذا لم يوجب الشارع الزكاة على غير المسلمين؟ وما الفرق بين شرط الصحة والوجوب مع التمثيل؟
نحن لا نقول بأن الزكاة لا تجب عليهم، بل نقول بأنهم مخاطبون بفروع الشريعة كما أنهم مخاطبون بأصولها، لدلائل كثيرة من القرآن الكريم تنص على ذلك، منها قول الله تعالى ـ عندما حكى عن أهل النار أنهم يسألون ما (1/342)
صفحة 343
فتاوى الزكاة
343
43
سلككم في سقر فحكى إجابتهم بقوله -: {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (3) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَابِضِينَ (5) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (3) حَتَّى أَتَنَا
44
46
اليقين} [المدثر: 43 - 47]، فهم مع كونهم معذبون لأنهم كانوا يخوضون مع الخائضين وكانوا يكذبون بيوم الدين حتى أتاهم اليقين، أيضاً يعذبون بسبب كونهم من غير المصلين وكونهم لم يطعموا المسكين، فهم متعبدون بفروع الشريعة كما أنهم متعبدون بأصولها، وكذلك من أدلة ذلك أن الله تبارك وتعالى يقول: {يَنبَنِي إِسْرَاءِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّيَ فَارْهَبُونِ وَعَامِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِي بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِوَابَتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِلَى فَاتَّقُونِ) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَآتُوا الزَّكَوةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّكِمِينَ} [البقرة: 40 - 43] بجانب كون
42
40
41
الله تبارك وتعالى خاطبهم بالإيمان وبقبول هذا الدين وبالانضمام إلى هذا المعتقد، خاطبهم أيضاً بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولكن لا تصح منهم الصلاة ولا تصح منهم الزكاة إلا باعتناقهم الإسلام، فهنالك فرق بين شرط الوجوب وشرط الصحة، فالمحدث أخل بشرط من شروط الصحة إن صلى بحدثه وهو قادر على الوضوء، ولا يعني ذلك أن الصلاة غير واجبة عليه، كذلك إن كان محدثاً حدثاً أكبر وصلى بحدثه ذلك، فقد صلى متلبساً بما يخل بصحة الصلاة بتركه الاغتسال مع قدرته على الاغتسال، ولا يعني قدرته على الاغتسال، ولا يعني ذلك أنه ما لم يغتسل فالصلاة غير واجبة عليه، وهكذا يقال في كل العبادات التي تتوقف على شرائط لصحتها، لا يعني ذلك عدم وجوبها على من لم يوف بتلك الشرائط، وإنما هذه شرائط لصحة العمل لا لوجوب العمل، وكذلك إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وجميع الأعمال الواجبة في الإسلام، مما يتوقف على عقيدة الإسلام
يعد الإسلام شرطاً لصحتها ولا يعد شرطاً لوجوبها. والله تعالى أعلم. (1/343)
صفحة 344
344
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
هل في العسل زكاة؟
جمهور
الأمة لا يقولون بتزكية العسل، وهناك من يقول بتزكيته، ورأى
الجمهور أن العسل ليس من الأموال الضرورية لقوام الحياة. والله أعلم.
ما الحكمة من اشتراط الحول في الزكاة؟
الزكاة فرض تعبدي، والفروض التعبدية المؤقتة تجب في أوقات مخصوصة، فالصلاة شرعت في أوقات مخصوصة، والصيام والحج شرعاً في وقت مخصوص، لو فرضت الزكاة في كل الأوقات لكان ذلك أمراً فيه كلفة على الناس، والله تعالى يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر، فلا يكلفهم إلا ما يطيقون فليس في اشتراط الحول في الزكاة اجتياح لحق الفقراء، ولا فيه كلفة على الأغنياء. والله أعلم.
ما قولكم فيمن أخرج مبالغ من المال صدقة للمضطرين من أهل مذهبه، ولم ينوها من الزكاة حال الإخراج، ثم تذكر بعد ذلك بأن عليه زكاة، فهل يصح تجديد نيتها بعد دفعها إلى المستحقين؟
الزكاة فرض واجب، وإخراجها عبادة والعبادة لا تصح إلا بنية، والنية لا تكون بعد العمل وإنما قبله لذلك يجب على من عنده مال تجب فيه الزكاة، وأعطى الفقراء من غير أن يقصد الزكاة، أن يعيد دفعها
والله أعلم.
مع
النية
من شروط المال الموجب للزكاة أن يكون فاضلاً عن الحوائج الأصلية، هي هذه الحوائج في هذا العصر؟
فما
ما كان مستهلكاً من قبل ميقات الزكاة فلا زكاة فيه، فإن الزكاة لا تجب
فيما أكل من النخيل مثلاً بسراً ورطباً، وإنما يأخذ المزكي مما بقي ولم (1/344)
صفحة 345
فتاوى الزكاة
345
يستهلك وكذلك بالنسبة إلى الاستهلاكات التي يستهلكها الإنسان من ماله قبل ميقات الزكاة فإنها لا تدخل في الزكاة والله أعلم.
تسقط
هل يجوز التبادل شرعاً بالزكاة المخرجة من الحلي، حيث تجب الزكاة على المرأة الأولى فتعطيها المرأة الثانية وتجب على المرأة الثانية فتعطيها الأولى؟
هذا هو عين التحايل على الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية، فلا عنهن الزكاة بهذا الصنيع، إذ كل واحدة تسترد ما أعطت بحيلتها هذه،
فليتقين الله وليؤدين الزكاة إلى الفقراء المحتاجين والله أعلم.
أقرضت صديقي مبلغاً من المال، وبعد مضي سنة احتجت لذلك المبلغ، فلم يستطع إعادته بسبب الإعسار، فإذا اعتبرت ذلك القرض هو زكاة من مالي عند وجوب الزكاة هل يصح ذلك، وإذا كان يصح اعتبار القرض زكاة له يجب إبلاغه أم أكتفي بالسكوت؟
أعطه الزكاة في يده، ثم اطلب منه وفاء دينك لوجود ما يقضيك به والله أعلم. هل للرجل أن يمنع زوجته يمنع زوجته من أداء الزكاة؟
ليس للزوج أن يمنع زوجته من أداء الزكاة، وليس للمرأة أن تطيع زوجها في ذلك، فإن الزكاة فريضة واجبة لا تصح إضاعتها، «لا طاعة لمخلوق في
معصية الخالق» والله أعلم.
الطريقة المتبعة في معرفة النصاب؟ ضع لي في هذه المسائل
ما هي. أساساً أبني عليه؟ (1/345)
صفحة 346
346
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
نقص في
لا بد من بلوغ النصاب، ثم يبدأ حساب الحول من بعد البلوغ، فإن أثناء الحول عن النصاب أعاد الحساب بعد بلوغه مرة أخرى، إلا ما سبق له أن زكاه من قبل فإنه يبني فيه على الحول الأول، وإن نقص من بعد ثم زاد فاكتمل النصاب مرة أخرى قبل تمام الحول، والله أعلم.
ما قولكم فيمن يخرج زكاة أمواله مقسطة شهرياً على إمام جماعة يصلي بالناس، فأيهما الأولى التقسيط لكل شهر أو سنوياً؟ إن كان الرجل فقيراً مستحقاً للزكاة فليعطه في كل حول من زكاته، وذلك أولى من أن يقسط له في كل شهر والله أعلم.
هل المعتبر في الزكاة هي السنة القمرية أم السنة الشمسية، وكيف يكون الانتقال من الشهر القمري إلى الشهر القمري الآخر كمن المحرم إلى
رمضان المبارك؟
الأحكام الدينية ترتبط بالأشهر القمرية، لقوله تعالى: {يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَج} [البقرة: (189]، فلا وجه للاعتماد على السنة الشمسية، ولا أرى وجهاً لتأخير الزكاة عن شهر وجبت فيه إلى شهر آخر يوقت لها، فإنها كسائر العبادات تؤدي في مواقيتها والله أعلم.
هل تجب الزكاة في السلاح؟
تلزم الزكاة في السلاح - إن كان محلى بذهب أو فضة - بقدر النصاب والله أعلم. (1/346)
صفحة 347
فتاوى الصوم (1/347)
صفحة 348
[صفحة فارغة] (1/348)
صفحة 349
رؤية الهلال
فتاوى الصوم
349
فيمن رأى الهلال بمفرده وردت شهادته هل يصوم برؤيته ويفطر برؤيته؟
الصيام منوط بثبوت رؤية، الهلال، إما بالمشاهدة أو بشهادة عدلين أو بالشهرة، واختلف في العدل الواحد، وعليه فإن رؤية الإنسان بنفسه حجة عليه فهو متعبد بما رآه، ولا يجوز له أن يكذب نفسه، فيلزمه الصوم والإفطار، وإنما يفطر مختفياً حتى لا يساء به الظن، وله أن يجهر بصومه ويمسك عن سائر المفطرات، هذا هو القول الراجح الذي عليه أصحابنا وأكثر علماء الأمة.
وذهب الحنابلة إلى أنه عليه أن يتبع الناس في صيامهم وإفطارهم، فإن ردت شهادته فليصم وليفطر مع الناس، وحجة هؤلاء حديث: (الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والحج يوم تحجون، ولكن الغاية من هذا الحديث أن الناس يتعبدون بما بلغهم من العلم فإن اختفت رؤية الهلال عليهم بغيم أو غيره فأخّروا الصيام بناءً على أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يكملوا العدة، فإن الصيام المعتبر هو ذلك الصيام الذي صاموه، فصومهم وفطرهم إنما هو بحسب ما ثبت عندهم وليس المراد بالحديث أن عما هو متعبد به في خاصة نفسه، وأي حجة أثبت وأقوى و أبلغ الإنسان ما نيط به فرض الصوم أو حكم الإفطار - وهو الهلال ـ بأم عينيه، فالله تعالى يقول: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وهذا قد صدق عليه أنه رأى الهلال فهو متعبد بما رآه. والله أعلم.
يمتنع
من
الإنسان (1/349)
صفحة 350
350
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
ما
هي الشروط الواجب توافرها في الشخص الذي يرى هلال
رمضان؟
لا بد من أن يكون عاقلاً بالغاً عدلاً في دينه، وأن تكون شهادته لا يكذبها الواقع. والله أعلم.
ما حكم من صام على توقيت أهل عُمان، ثم سافر إلى دولة أخرى متقدمة في صيامها فكان صوم هذه الدولة ثلاثين يوماً فأفطر معها، رغم أنه صام تسعة وعشرين يوماً فقط، فهل عليه أن يعيد ذلك اليوم إذا أتمت عُمان ثلاثين يوماً؟ وما حكم من صام ثلاثين يوماً ثم سافر إلى دولة متأخرة في الصوم. فهل يصوم معها هذا اليوم ليكون صومه واحداً وثلاثين يوماً أم يفطر؟
إن صام تسعة وعشرين يوماً، ثم انتقل إلى بلدة أخرى تقدم صيام أهلها، وثبت عنده أن الصيام كان مبنياً على شهادة عادلة فليفطر يوم عيدهم، أما إن كان صيامهم وإفطارهم بمجرد الاتباع لغيرهم - كما هو الحال الآن ـ فعليه مواصلة الصوم حتى ينتهي فرضه المحدد.
وإن صام ثلاثين يوماً، وكان قد رأى الهلال بنفسه عند دخول الشهر، وصام على هذه الرؤية، أو على شهادة الشهود الأمناء بأنهم رأوا الهلال، ولم تكن شهادتهم مشكوكاً فيها، فليس عليه زيادة على الثلاثين إن انتقل إلى بلد تأخر صيامه والله أعلم.
ماذا يفعل من صام في بلد، ثم انتقل إلى بلد آخر قد تأخر فيه الصوم بيوم واحد؟
إذا صام الإنسان في بلد برؤية ثابتة في نفس ذلك البلد، ثم انتقل بعد (1/350)
صفحة 351
فتاوى الصوم
351
ذلك إلى بلد آخر تأخر صيامه عن ذلك البلد لعدم ثبوت الرؤية فيه، فما عليه إلا أن يتم ثلاثين يوماً فقط، لأن الصوم لا يزيد على ثلاثين. أما إذا كان دخول رمضان في البلد الذي ابتدأ الصيام فيه بدون رؤية صحيحة ثابتة، فعليه أن يكمل صومه حسب صوم أهل البلد الذي انتقل إليه، لأن ابتداء صومه لم يكن بسبب ثابت، والله أعلم.
من سافر عن وطنه إلى بلد آخر تقدم فيها الطلوع، فكيف يكون إفطاره؟ من سافر من بلد إلى آخر وهو صائم، وبين البلدين تفاوت في الطلوع والغروب، فليس له أن يفطر إلا عندما تغرب الشمس في البلد الذي انتقل إليه، سواء تقدم الطلوع والغروب فيها أو تأخر. والله أعلم.
رجل صام رمضان في دولة الإمارات ثم أفطر ثلاثة أيام منه لمرض ألم به، وعاد إلى عمان قبل نهاية الشهر، ووجد أن الصوم في عمان متأخر واحد عنه في الإمارات فصام ذلك اليوم، فهل له أن يعتبر اليوم الأخير، أحد الأيام الثلاثة التي أفطرها بسبب المرض؟
بيوم
ذلك
يجب عليه صيام ثلاثة أيام من غير اليوم الذي صامه بعمان على أنه آخر يوم من رمضان. والله أعلم.
ما قولكم فيمن غاب سمعه وبصره، كيف يكون صيامه؟
من غاب سمعه وبصره ينبه بحضور شهر الصوم بما يمكن، فإن تعذر انتباهه فالتكليف ساقط عنه. والله أعلم.
لقد كثر النقاش في ثبوت دخول الشهر بالحساب الفلكي، فما الحق في ذلك؟ وهل لشخص في بلد ما أن يخالف صوم جيرانه من البلدان المجاورة؟ (1/351)
صفحة 352
352
الفتاوى الصلا الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
نيط أمر الصيام والإفطار بالرؤية، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، ويقول كذلك: لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يوماً».
وهناك روايات متعددة تصب في هذا المصب نفسه، وهي بأسرها دالة على أن الصيام والإفطار إنما هما منوطان بثبوت رؤية الهلال، هذا والرؤية أمرها ميسر، فإن كل أحد يمكنه أن يرى الهلال بنفسه إن كان بصيراً، وأن يقبل شهادة من قال برؤيته إن لم ير ذلك بنفسه، فأمرها معروف لدى الخاص والعام من الناس يشترك فيه الرجل والمرأة والصغير والكبير والذكي والغبي والجاهل والعالم لا فرق بين أحد وآخر فيه، ولذلك يسر الله الأسباب الال التي يناط بها الصيام والإفطار، فكان التعويل على الحساب الفلكي فيه ما فيه من المجازفة، ويتبين ذلك من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، وهذا يصدق على أكثر الناس وإن وجد فيهم من يحسب ويكتب، ولكن تراعى حالة عوام الناس الذين لا يستطيعون الكتابة، أما الحساب فأمره أصعب، فلا بد له من المتخصصين في هذا المجال، وعامة الناس لا يمكن أن يكونوا في مستوى أولئك المتخصصين في علم الفلك، فلذلك نرى الاعتماد على ما دل عليه الشرع من رؤية الهلال أو الشهادة العادلة أو الشهرة التي لا يشك معها في رؤيته، ولكن عندما تفشى في الناس الكذب وقول الزور وكثرت الادعاءات في أمر الأهلة، ينبغي يكون الحساب الفلكي وسيلة لمعرفة صحة الشهادة من خطئها، حتى ترد الشهادة عندما يكون هنالك يقين باستحالة رؤية الهلال، كما لو إذا شهد الشهود بأنهم رأوا الهلال في يوم غيم، بحيث يدرك الكل بأن رؤيته متعذرة، فهذه الشهادة ولو صدرت من عدول هي مردودة، وإذا ما شهد الشهود بأنهم رأوا الهلال في غير مطلعه - في غير الأفق الذي يرى منه ـ فلا ريب أنها
أن (1/352)
صفحة 353
فتاوى الصوم
353
شهادة باطلة، ولو كان الشهود عدولاً، وعندما يثبت ثبوتاً جازماً بأنه تتعذر رؤية الهلال في ذلك اليوم بحسب ما يقتضيه علم الفلك، فالتعويل على ذلك في رد هذه الشهادة أمر ليس فيه أي حرج، هكذا نرى ونعتمد، هذا وإذا ثبتت الرؤية في بلد لزمت أهل البلدان المجاورة التي لا تفصل بينها وبين البلد الذي رأى فيه الهلال مسافة تختلف معها المطالع، وهو معنى ما جاء في النيل والبلاد إذا لم تختلف مطالعها كل الاختلاف وجب حمل بعضها على بعض). والله أعلم.
وفي كثير من الولايات الأمريكية وكذلك الأقطار الأوروبية تصعب أو تتعذر رؤية هلال رمضان أو شوال والتقدم العلمي الموجود في كثير من هذه البلدان يمكّن من معرفة ولادة الهلال بشكل دقيق بطريق الحساب، فهل يجوز اعتماد الحساب في هذه البلدان؟ وهل تجوز الاستعانة بالمراصد، وقبول قول الكفار المشرفين عليها، علماً أن الغالب على الظن صدق قولهم في هذه الأمور؟
الأصل في الصوم والإفطار رؤية الهلال أو إتمام العدة ثلاثين يوماً، وقد استفاضت بذلك الروايات واعتمده السلف والخلف، وعندما تكون الرؤية بالعين المجردة متعسرة، حيث يندر الصحوة لكثرة الضباب والغيوم، لا تمنع الاستعانة بالآلات والمراصد الموثوق بها، شريطة أن تكون بأيدي مسلمين تقوم بهم الحجة في الصوم والفطر. والله أعلم.
سماحة شيخنا العلّامة: تتوجه إلينا معارضات كثيرة إذا ما قلنا بلزوم اعتماد كل بلد برؤيته للهلال وعدم المتابعة لغيره من البلدان، وربما احتج علينا البعض بأن بلداً ما أحرى بتمثيل الإسلام لمكانها بين سائر الأقطار، فهلا فندت لنا هذا الإشكال؟ (1/353)
صفحة 354
354
الفتَاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
الصيام والإفطار منوطان برؤية الهلال بالنص الشرعي، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين»، والحديث مروي من طرق متعددة وبألفاظ متنوعة مؤادها واحد، ورؤية الهلال تختلف حسب اختلاف البلاد في طلوع الشمس وغروبها، فلذلك لا يمكن التعويل على ثبوتها في بلد ناء يمكن أن يؤثر نأيه في اختلاف الليل والنهار، إما تقدماً وتأخراً أو طولاً وقصراً، ذلك لأن المناط في هذا الحكم
ثبوت الرؤية في غير وجود ما يمنع من سريان حكمها، والاختلاف مانع عند التحقيق، إذ الصيام لا يختلف عن الصلاة حيث إن كل واحد منهما نيط بأمر طبيعي من حيث التوقيت، فالصلاة نيطت بالزوال ظهراً، وبكون ظل كل شيء قدره بعد القدر الذي زالت عليه الشمس عصراً، وبالغروب مغرباً، وبغيبوبة الشفق عشاء، وببدو الفجر الصادق فجراً، وذلك معتبر في كل مكان بحسبه، فلا يجوز لأهل بلد مثلاً أن يصلوا الظهر عندما تزول الشمس في غير ذلك البلد، أو المغرب عندما تغرب في بلد آخر وهكذا، ولو كانت البلد التي زالت فيها الشمس أو غربت هي التي تمثل الإسلام في نظر المصلي وكذلك الصيام، على أن ادعاء كون بعض البلاد أولى بتمثيل الإسلام غير صحيح، فإن الإسلام يمثل حيثما حل، وما ذكرته في أمر الصيام هو الذي ورد به الشرع ومضى عليه العمل عند السلف، ودليل ذلك ما أخرجه مسلم وأصحاب السنن عن كريب قال: (أرسلتني أم الفضل بنت الحارث والدة عبد الله بن عباس إلى معاوية بالشام، فاستهل عليّ هلال رمضان وأنا بالشام، فلما قضيت حاجتها ورجعت إلى المدينة سألني عبد الله بن عباس فقال: (متى رأيتم الهلال؟)، فقلت: (رأيناه ليلة الجمعة) فقال: (أنت رأيته)؟ فقلت: (نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية)، فقال: (ولكن رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نرى الهلال أو نكمل ثلاثين)، فقلت: (أو ما تكتفي (1/354)
صفحة 355
فتاوى الصوم
355
برؤية معاوية وصيامه؟ قال: (لا) هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وهو صريح في الحكم، وقول الصحابي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم له حكم الرفع بإجماع، ولئن كان ذلك فيما بين المدينة والشام مع تقاربهما، فما بالكم بالأقطار المتنائية؟ فالأخذ بما جرى عليه عملكم من قبل هو الرأي السديد، ولا تلتفتوا إلى ما يثير الجهلة من الشبه والشغب والله المستعان وهو ولي التوفيق.
ما قولكم - سماحة الشيخ - فيمن يقول: باختلاف الأهلة باختلاف المطالع؟
اختلاف الأهلة باختلاف المطالع أمر يثبته النظر والأثر، أما النظر: فهو أن الأحكام الشرعية المعلقة على الأحكام الحسية الطبيعية كالطلوع والغروب وظهور الأهلة والزوال ونحوها إنما تقترن بما علقت عليه، ولا يصح. أن يفرق بين شيء وآخر من هذه الأمور، فزوال الشمس في بلد ما لا يقتضي حضور وقت الظهر في كل بلد، وإنما يقتضي حضوره في ذلك البلد بعينه أو ما كان متفقاً معه في الوقت، وكذلك طلوع الفجر في بلد ما لا يعني وجوب الإمساك على جميع أهل الأرض، ومثل ذلك غروب الشمس في بقعة من الدنيا لا يقتضي جواز الأكل للصائم في كل مكان، ولا وجوب صلاة المغرب على جميع أهل الأرض، وذلك أن كل عبادة من هذه العبادات إنما ترتبط بحالة من هذه الحالات الطبيعية، ولا تجري تلك أي بقعة، وإنما تختلف العبادات وجوباً وارتفاعاً باختلاف هذه
في
الحالات، ورؤية الهلال من ضمن هذه الحالات الطبيعية.
وأما الأثر: فالحديث الذي رواه مسلم وجماعة عن كريب مولى ابن عباس له قال: (أرسلتني أم الفضل بنت الحارث والدة عبد الله بن عباس إلى معاوية بالشام، فاستهل علي هلال رمضان وأنا بالشام، فلما قضيت (1/355)
صفحة 356
356
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
حاجتها ورجعت سألني ابن عباس فقال: (متى رأيتم الهلال؟) فقلت: (رأيناه ليلة الجمعة، فقال: (أنت رأيته؟ فقلت نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية) فقال: (ولكننا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل الثلاثين يوماً أو نرى الهلال)، فقلت: (أو ما تكتفي برؤية معاوية وصيامه)، فقال: (لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقال بأن هذا مجرد اجتهاد من ابن عباس، لأن قوله: (هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صريح في رفع الحديث، كيف وقول (أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا أو كنا نعمل كذا) يضفي على روايته حكم الرفع عند علماء مصطلح الحديث. والله أعلم.
الصحابي:
نحن
طلبة ندرس في الخارج (الهند) ولا ندري متى نصوم، لأن المسلمين هنا يصومون إما اتباعاً للسعودية وإما اتباعاً للتقويم السنوي بدون النظر إلى الهلال، فماذا نفعل؟
عليكم أن تصوموا حسب رؤية الهلال في البلد الذي أنتم فيه، كما تصلون حسب توقيته. والله أعلم.
ذلك اليوم؟
رجل أصبح مفطراً في أول يوم من رمضان، ثم علم أن الهلال رؤي البارحة، فهل يجزؤه صوم بما أنه أصبح مفطراً فإن عليه أن يعيد صيام ذلك اليوم، وهذا بلا خلاف، والخلاف فيما إذا صام ذلك اليوم، على أنه إن كان من رمضان فهو صائم لرمضان، وإن كان من غير رمضان فهو صائم احتياطاً، فبعض أهل العلم اكتفى بصيامه، هذا ومنهم من لم يكتف به، والراجح عدم الاكتفاء به، لثبوت النهي عن صيام اليوم الذي يشك فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والأحاديث التي وردت بذلك كثيرة، فمنها قوله: «لا تصوموا حتى ترو (1/356)
صفحة 357
فتاوى الصوم
357
مع
الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فقد جعل الصيام منوطاً برؤية الهلال نهيه عن الصيام حتى يرى ونهيه عن الإفطار حتى يرى، وفي هذا ما يؤكد على أن صيام ذلك اليوم حرام، وكذلك ما ثبت من نهيه صلى الله عليه وسلم عن تقدم صيام رمضان بيوم أوبيومين، وإنما استحب الناس الإمساك عندما يكون غيم حتى يأتي الخبر من الأطراف البعيدة، وذلك حتى يأتي الرعاة من أماكن رعيهم لاحتمال أن يجدوا هنالك من تطمئن له النفس، ويصدقه العقل والقلب بأنه رأى الهلال إن شهد برؤيته، ولئن كان صيام ذلك اليوم ممنوعاً على القول الراجح، فأحرى أن لا يعتد به إن صامه الإنسان مجازفة، على أن الصيام عبادة تتوقف على النية الجازمة، لا على النية التي يتردد فيها، فلا يكتفي بصيامه لو أصبح على نية الصيام إن كان من رمضان فهو من رمضان وإن من غيره فهو احتياط. والله أعلم. (1/357)
صفحة 358
358
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
الصوم في السفر
أيهما أفضل الفطر أم الصوم في السفر؟
جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع حمدالله من طريق أنس له أنه قال: (سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا الصائم ومنا المفطر، فلم يعب الصائم من المفطر ولا المفطر من الصائم، وروى الحديث الشيخان وغيرهما بلفظ: (فلم) يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم)، وعلى كلتا الروايتين للحديث حكم الرفع، فأما على رواية الربيع فإنه نفى أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم عاب صائماً من مفطر ولا مفطراً من صائم، أي: لم يقرهم على الصوم وحده دون الإفطار، ولم يقرهم على الإفطار وحده دون الصوم، بل كانوا جميعاً سواء في الحكم، وبذلك أقرهم صلى الله عليه وسلم على ما هم عليه.
أما على الرواية الأخرى فإن الحديث يدل على أنهم كانوا متقارين على الصيام والإفطار معاً، وكان ذلك باطلاع النبي إذ السفر كان بصحبته، وفي هذا ما يدل على أن هذا الحكم أقره وتقريره صلى الله عليه وسلم كفعله وكقوله، فيعطى الحديث حكم الرفع.
أما من حيث الأفضلية فالناس مختلفون في ذلك، فمنهم من فضل الصيام لقوله تعالى: (وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 184]، ولكن الآية ليست نصاً في الموضوع، فهي جاءت بعد ذكر الفدية لمن كان مطيقاً للصيام، وفي ذلك أخذ ورد بين العلماء، حتى أنهم اختلفوا في هذه الفدية:
هل حكمها باق أو هو منسوخ؟ كما هو مبسوط في كتب التفسير والفقه. أما الذين قالوا بتفضيل الإفطار على الصيام فقد استدلوا ببعض الروايات
منها: (1/358)
صفحة 359
فتاوى الصوم
359
حديث: «ليس من البر الصيام في السفر، وهو حديث صحيح أخرجه الإمام البخاري من طريق جابر بن عبد الله، ولكن في رواية الحديث ما يدل على السبب، وذلك أن النبي رأى رجلاً قد ظلل عليه من شدة ما كان يلقى في صيامه، فقال: ليس من البر الصيام في السفر»، أي: إذا بلغ الإنسان إلى مثل هذه الحالة.
مع
والحديث وإن استدل به الذين لم يجيزوا الصيام في السفر حتى قالوا (من صام في سفره كمن أفطر في حضره أخذاً بهذا الحديث، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يفطروا في عام الفتح، إلا أنه لا حجة في الروايتين على ذلك. أما حديث: «ليس من البر الصيام في «السفر فهو وإن ورد بسبب خاص وكان بصيغة عامة، وقد قال العلماء: لا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ)، إلا أن هنالك قرائن تدل على مراعاة هذا السبب في مثل هذا الحكم الجمع بينه وبين الروايات الأخرى، هذه القرائن هي: أن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه صام في السفر وأفطر، والصحابة كانوا يصومون ويفطرون، فمع وجود مثل هذه القرائن يتبين أنه ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ أراد تطبيق هذا الحكم على من وصل إلى هذه الدرجة من الضعف بسبب صيامه في سفره، فليس من قال بأن ذلك ليس من البر الذي بلغ حد الكمال، ولا يعني أن ضده فجور، ومثله مثل قوله تعالى: {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]، مع أن الإنسان إذا أنفق في نفقات التبرع من رديء ماله لا يقال بأنه ليس من الأبرار، وأن عمله هذا من الفجور، ولكن ليس ذلك من البر البالغ حد الكمال. وفعله في عام الفتح وأمره لأصحابه بأن يفطروا إنما كان لأجل مواجهة العدو، وقد كان صلى الله عليه وسلم في بداية الأمر أقر أصحابه من أراد منهم الصيام، فقد صام هو وأصحابه حتى بلغوا
من البر أن
يصوم، ومن
العلماء (1/359)
صفحة 360
مو
360
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
الكديد فأفطر، وأمر أصحابه بادئ الأمر بالإفطار فكانت رخصة ـ كما يقول أبو سعيد الخدري ـ، ثم قال بعد ذلك: «إنكم مصبحو عدوكم فأفطروا فالفطر أقوى لكم فكانت عزيمة»، أي: تحولت الرخصة إلى عزيمة من أجل اجهة العدو، ولا يعني ذلك أن الفطر في السفر واجب على من كان قادراً على الصوم بل هو مخير بين الإفطار والصيام وإنما يترجح الإفطار عندما يواجه الإنسان مشقة، ويترجح الصيام عندما يكون في راحة من غير مشقة، لأن مشروعية الفطر في السفر من أجل دفع الضرر ونفي الحرج، ومع الضرر ورفع الحرج يترجح الصيام في ذلك الشهر الكريم، حرصاً على أن يكسب الصائم في ذلك فضل الشهر بجانب كسبه فضل الصيام. والله أعلم.
وقال سماحته في جواب آخر:
انتفاء
المسافر له أن يفطر في رمضان ما دام مطالباً بقصر الصلاة، واختلف في الأفضل من الصوم والفطر، وإنما الأولى أن تراعى الظروف والأحوال، لأن إباحة الفطر للتيسير بدليل قوله تعالى: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة: 185] والله أعلم.
ما قولكم في رجل من المنطقة الداخلية بعمان وهو مقيم بالعاصمة مسقط، وعندما يدخل شهر رمضان لا يصوم بحجة أنه مسافر ويصعب
عليه الصوم في الحر، ثم يقضي رمضان في أشهر الشتاء البارد؟
إن كان مقيماً بالعاصمة إقامة استيطان فلا يصح له ذلك، وعليه الكفارة عن كل شهر يفطر فيه، اللهم إلا أن يكون مريضاً مرضاً يباح له معه الفطر، وذلك بأن يتعذر عليه الصوم أو يشق عليه مشقة ظاهرة أو يخشى منه زيادة مرض، ففي هذه الحالات كلها يباح له الإفطار شريطة القضاء، لقوله تعالى: (1/360)
صفحة 361
فتاوى الصوم
361
فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184]، أما تأخير الصيام من الصيف إلى الشتاء لسبب الحر نفسه مع قدرته على التحمل فلا يصح بحال. والله أعلم.
بعض الأقطار في شمال أوروبا يقصر فيها الليل كثيراً ويطول فيها النهار كثيراً حيث تصل ساعات الصيام في بعض هذه البلدان إلى عشرين ساعة أو تزيد وكثير من المسلمين يجدون مشقة زائدة في الصيام. فهل يجوز اللجوء في هذه البلدان إلى التقدير، وما نوع التقدير الذي يمكن اعتماده إذا كان جائزاً، وهل يكون التقدير بساعات الصيام في مكة أو بساعات النهار في أقرب البلدان اعتدالاً، أو بماذا؟
هذه
الأصل في الصيام أن يكون جميع نهار رمضان، لقوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ) [البقرة: 187]، وإنما يستثنى ذلك ما إذا بلغ قصر الليل وطول النهار إلى قدر ما لا يحتمل معه صوم جميع النهار عادة، فيرجع في الحالة إلى تقدير وقت الصوم بالساعات والأولى اتباع أقرب بلد يتيسر فيه صوم النهار كله. والله أعلم.
هل يلزم المسافر إذا رجع إلى بلده أثناء النهار الإمساك إذا كان مفطراً؟ استحب له بعض الناس الإمساك، ولكن لا دليل على هذا، والقول الراجح بأنه لا مانع من أن يفطر، إذ الإمساك لا يجديه شيئاً وقد أصبح مفطراً، وفطره كان بوجه شرعي سائغ له، وقد ذكر في بعض الكتب أن الإمام جابر بن زيد الله رجع من سفره وكان مفطراً، ووجد امرأته طهرت من حيضها فواقعها في نهار رمضان، وهذا يدل على أنه ترجح عنده القول بعدم الإمساك. والله أعلم. (1/361)
صفحة 362
362
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
وقال سماحته في جواب آخر:
من
أفطر في
حالة السفر في شهر رمضان ثم رجع إلى بلده نهاراً وهو
مفطر، فلا عليه حرج إن واصل الإفطار. والله أعلم.
من نوى الإفطار من الليل لأنه يقصد السفر، ولكن طلع عليه الفجر قبل أن يغادر وطنه، فهل يمسك أم يفطر؟
يلزمه قضاء يومه على كل حال، لأنه لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل، وهذا قد بيت الإفطار، وأما الأكل بعد مغادرته ففيه خلاف، والأرجح جوازه، والأحوط تركه. والله أعلم.
رجل غادر من بلده سنوات عديدة ولم يصم في سفره، ثم رجع إلى بلده وصام ما فاته من السنوات تقريباً، فهل عليه كفارات؟
لا يلزم المسافر إن عاد إلى بلده وقد أفطر في سفره غير قضاء ما أفطر،
والله أعلم. (1/362)
صفحة 363
فتاوى الصوم
363
الإجارة والوصية بالصوم:
ما قولكم في استئجار الصيام عن الميت للمرأة والرجل؟
لم أجد دليلاً في السنة على جواز أخذ الأجرة على النيابة في الصيام عن الميت، وإنما ترخص في ذلك أصحابنا من أهل المشرق، ولا أقوى على الأخذ بهذه الرخصة لعدم الدليل عليها، فلذلك لا أرى إباحة ذلك لرجل ولا لامرأة. والله أعلم.
هل يجوز للمرأة أن تستأجر صياماً عن رجل أجنبي هالك؟ يجوز ذلك عند من أباح للأجنبي أن يصوم عن الميت بأجرة. والله أعلم. إذا لم يستطع الرجل أن يصوم عن نفسه في حياته، فهل له أن يستأجر عنه؟ من يصوم
إن لم يستطع الصوم فليطعم عن كل يوم نوى صومه مسكيناً واحداً، ولا يستأجر غيره للصيام عنه لعدم مشروعيته. والله أعلم.
هل لي أن أدفع لمن يصوم عن والدي، علماً أنه ليس عليه قضاء أو كفارة، وإنما وددت ذلك من قبيل التطوع والثواب؟
ليس ذلك واجباً عليك، والصدقة عنه أولى. والله أعلم.
امرأة عليها قضاء شهرين متتابعين صامت الأول فهل لها أن تؤجر من يصوم عنها الشهر الثاني لأنها متعبة ولا تتحمل الصوم؟
لا يجوز لها ذلك، فإن عجزت عن الصيام عدلت إلى إطعام المساكين،
و هم ستون مسكيناً. والله أعلم. (1/363)
صفحة 364
364
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
امرأة عجوز لا تستطيع الصوم، فأرادت أن تؤجر صوم شهرين تطوع عنها، فما قولكم؟
لا تؤجر، ولكن تتصدق بما أرادت التأجير عنه، فذلك خير لها.
والله أعلم.
استأجر رجل من آخر صيام شهر واحد بمبلغ معين، ثم اتفق المستأجر أن تصوم زوجته عنه نصف الشهر، ويصوم هو (المستأجر) الباقي؟
عليه أن يتم الشهر كله بنفسه حسب الاتفاق. والله أعلم.
هل يجوز أن يقتسم الورثة الصيام بينهم (أي الصيام عن وليهم)؟ نعم يجوز ذلك بل هو الأصل، ولكن الذين يصومون الشهر ينسقون بينهم، بحيث يفطر السابق عند صيام اللاحق والله أعلم.
امرأة كبيرة في السن ومريضة، فهل يجوز لوليها أن
يصوم عنها؟
إن عجزت عن الصيام فلتطعم عن كل يوم مسكيناً، وإن عجزت عنهما سقطا عنها، لقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، ولا ينتقل الفرض إلى غيرها إلا أن شاء أن يطعم عنها. والله أعلم.
امرأة طاعنة في السن، أراد أولادها أن يصوموا عنها أو يؤجروا من يصوم عنها، فأيهما الأفضل؟
إما أن يصوموا عنها بأنفسهم، وإما أن يطعموا عن كل يوم مسكيناً.
والله أعلم.
ما قولك في فطرة شهر رمضان إذا لم يوجد لها من يفطر بها في (1/364)
صفحة 365
فتاوى الصوم
365
المسجد، فهل يعمر بها المسجد أو تفرق على فقراء المسلمين؟ يجب تفطير الصائمين من وقف فطرة رمضان حسبما يقتضيه الوقف ما دام يوجد من يطعمها من الصائمين، أما إذا تعذر وجود من يحضر في المسجد للإفطار منهم فالأولى توزيعها على فقراء الصائمين ولو في بيوتهم.
والله أعلم. وفي جواب آخر لسماحته:
إن لم يوجد من يفطر من الفطرة الموقوفة، واتفق جماعة المسجد الموقوف له على عمارته بغلتها فلا مانع من ذلك. والله أعلم.
هل من مانع في إبدال الصيام بالإطعام في الوصية لتنفيذها؟ لا مانع من الإطعام بدلاً من الصيام، وهو إطعام مسكين عن كل يوم أوصى بصيامه. والله أعلم.
ألا يمكن أن نقوم بإطعام المساكين دفعة واحدة، بدلاً عن إطعام مسكين
في كل يوم؟
لا مانع من ذلك. والله أعلم. (1/365)
صفحة 366
366
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
صيام النذر
ما قولكم في رجل نذر أن يصوم شهراً كاملاً، فهل له أن يفطر خلاله ثم يتابع؟ عليه أن يتابع صيام نذره إلا لضرورة، فإن لم يكن مضطراً للإفطار فلا يفطر. والله أعلم.
رجل نذر أن يصوم شهراً واحداً ولكنه بسبب الظروف (كالمرض) لم يستطع صوم ذلك الشهر. فماذا عليه.
عليه أن يصومه متى أمكنه ولو بعد حين إن لم يوقت زمناً معيناً الصيامه. والله أعلم.
وقال الشيخ - حفظه الله - في جواب لسؤال مماثل: عليه أن ينتظر إلى أن يقدر على الصيام فإن عجز وآيس من القدرة فليطعم عن كل يوم مسكيناً. والله أعلم.
نذر رجل أن يصوم شهرين متتابعين وهما رجب وشعبان، ولكنه علم أنه لا يجوز أن يواصل بين شعبان ورمضان، فهل له تأخير صيام شهر واحد إلى ما بعد رمضان؟
من نذر أن يصوم شهرين متتابعين لم يصح له أن يصومهما متفرقين، وإن فصل فاصل لزمته الإعادة والله أعلم.
ما قولكم فيمن نذر صوم يومين عن كل شهر، وصوم يومين في كل شهر، فما الفرق بين النذرين، وهل يجوز له أن يجمع صيام تلك الأيام في شهر واحد مثلاً؟ (1/366)
صفحة 367
فتاوى الصوم
367
شهر
أما
نذر أن
من يصوم يومين في كل شهر فعليه أن يصوم يومين في كل لذلك، نذر أن، ومن يصوم يومين عن كل شهر فله أن يجمع الصيام ولو في شهر واحد بحيث يصوم عن العام أربعة وعشرين يوماً، لأنه يخص لكل شهر يومين، ولا مانع من جمعهما. والله أعلم.
من نذر صيام يوم بعينه ثم لم يصمه ماذا يلزمه؟
قيل: يصوم يوماً مكانه وقيل بل فات صيامه بفوات اليوم، بناءً على أن الأمر بالقضاء غير الأمر بالأداء، وعليه فإنه يجب عليه التوبة في عدم وفائه بالنذر لا غير، والرأي الأول أحوط وفي الكفارة خلاف. والله أعلم.
من نذر صيام أيام متوالية، كأن قال نذرت لله أن أصوم يوم السبت والأحد والإثنين ثم أنه أفطر في اليوم الثاني ماذا يلزمه؟
إن أفطر لعذر لزمه قضاء يوم مكان يومه ذلك، وإن كان لغير عذر فليعد الأيام كلها بحسب تحديده. والله أعلم.
هل لمن صام النذر الإفطار إن أراد السفر ثم يقضي بعد عودته؟ اختلف في صوم النذر هل يجوز الفطر فيه في السفر؟ والذين لا يبيحونه إنما يرون أن النذر إلزام من العبد لنفسه، ومن ألزم نفسه شيئاً ألزم إياه، وأما المبيحون فإنهم يرون أن صيام النذر ليس بأشد من صيام شهر رمضان الذي فرضه الله. والله أعلم.
ما قولكم فيمن عجز بسبب أو بدون سبب عن صيام النذر؟
إن كان عجزاً موقوتاً فإلى أن ينتفي ثم عليه الصيام، وإن كان عجزاً مستمراً فليطعم مسكيناً مكان كل يوم. والله أعلم. (1/367)
صفحة 368
368
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
امرأة نذرت أن تصوم شهراً، فهل لها أن تصومه متقطعاً؟
عليها صومه متتابعاً. إلا إن نذرته متقطعاً. والله أعلم.
امرأة نوت بأن تصوم شهراً إذا حصلت على جواز سفر، وقد تحقق لها ما كانت تطلبه، فهل يجب عليها صيام هذا الشهر؟
مجرد
والله أعلم.
د النية وحدها لا يكفي لإيجاب ذلك، حتى تنذر به الله تعالى.
نوى رجل صوم شهر قضاءً من باب الاحتياط، فصام سبعة أيام فاعترضه مرض ثم أفطر، ولم يواصل مباشرة مخافة رجوع المرض، فهل يلزمه
استئناف الصيام من جديد أم يبني على الأيام التي صامها؟
بما أن هذا الصيام من أجل الاحتياط فلا يلزمه استئنافه من جديد، وإنما يبني فيه على ما تقدم. والله أعلم. (1/368)
صفحة 369
المريض والعاجز عن الصوم:
فتاوى الصوم
369
ما قولكم في العاجز عن صيام رمضان بسبب الأمراض وكبر السن، هل له تأجير من يصوم عنه؟
لا يؤجر العاجز عن صوم شهر رمضان غيره، وإنما يطعم عن كل يوم مسكيناً إن كان لا يقوى على الصوم ولا على القضاء بعد مضي وقته، ولا يرجو حالة يقدر فيها عليه، والأصل فى ذلك قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينَ} [البقرة: 184]. والله أعلم.
صلے
امرأة كبيرة السن عقدت النية على صيام شهر رجب كاملاً، وصامت الأيام العشر الأولى فلم تستطع أن تكمل، فهل يجوز لها أن تفطر؟ وهل عليها كفارة إذا لم تكمل الشهر الذي نوت أن تصومه كله؟
إن كان هذا الصيام الذي نوته نفلاً فلا يلزمها إتمام غير اليوم الذي أصبحت فيه صائمة، وفيما عدا ذلك هي أميرة نفسها، إن شاءت صامت وإن شاءت أفطرت. والله أعلم.
رجل عليه قضاء أيام من، رمضان ولا يقدر أن يصومها متتابعة فماذا
عليه؟
عليه أن يقضي ذلك متفرقاً، إن لم يستطع قضاءه متتابعاً. والله أعلم.
ما قولكم في رجل يعاني من فشل كلوي، ويعمل له غسيل كل أسبوع مرتين وكل غسلة تستغرق أربع ساعات، فماذا يجب عليه في حالة الصيام إذا لم يطق ذلك؟ إن اقتضى الأمر الإفطار فليفطر، ثم ليقض بعد ذلك ما أفطره، وإن كان (1/369)
صفحة 370
370
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
الغسيل نفسه يستلزم أن يلج إلى جوفه شيء من خارجه فهو بذاته مفطر.
والله أعلم.
رجل يعاني من مرض القلب، فصام من رمضان خمسة عشر يوماً ثم منعه الطبيب، ماذا يفعل؟
ليس عليه الصوم في هذه الحالة، فإن كان يرجو برءاً فليقض عندما يبرأ، وإلا فليطعم عن كل يوم مسكيناً. والله أعلم.
رجل مصاب بمرض السكري وغيره من الأمراض، ولم يستطع صيام شهر رمضان، لأن عليه أن يتناول أدوية في النهار، فماذا يلزمه؟
عليه ـ إن كان المرض لا يرجى برؤه ـ أن يطعم عن كل يوم مسكيناً. والله أعلم. رجل مريض في شهر رمضان وبعد مضي عشرة أيام من ذلك الشهر توفاه الله، فماذا يلزم ولده في هذه الحالة؟
إن كان أفطر الأيام العشرة من رمضان قبل وفاته ولم يطعم عنها،
فليصمها عنه ولده أو ليطعم عن كل يوم مسكيناً. والله أعلم.
رجل كبير في السن وهو مريض بالمستشفى، لم يصم الشهرين الماضيين وهو فقير الحال لا يستطيع الإطعام، فماذا عليه؟
إن عجز عن الإطعام مع عجزه عن الصيام فالله أولى بأن يعفو، إذ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها. والله أعلم.
ما قولكم فيمن كان مسافراً فمرض في سفره، فنصحه طبيب مسلم بعدم الصيام في رمضان وغيره، لأنه مضر بصحته، فبماذا تأمرونه؟
يفطر ثم يقضي بعدما يمنّ الله عليه بالعافية. والله أعلم. (1/370)
صفحة 371
فتاوى الصوم
371
ماذا يجب عليّ تجاه والدتي حيث إنها لم تصل ولم تصم في رمضان
لشدة المرض وتوفيت ولم توص، وقد فقدت الوعي في آخر حياتها؟ أما الوجوب فلا يجب عليك تجاه ذلك شيء، وأما الاستحسان فيستحسن أن تطعم عن كل يوم لم تصمه وهي عاقلة مسكيناً واحداً، وأما الأيام التي فقدت فيها العقل فالتكليف ارتفع عنها، وينبغي أيضاً أن تتصدق عنها وتكفر عنها حسب إمكانك. والله أعلم.
مسافر خرج في شهر رمضان من بيته إلى مسقط، وعند العودة أفطر من شدة الحر، وعند وصوله إلى البيت أمسك عن الطعام حتى الإفطار. فماذا
عليه؟
عليه قضاء يومه فقط. والله أعلم.
ذهبت امرأتان مشياً من قرية إلى أخرى، وكانت المسافة بين القريتين أربعة كيلومترات تقريباً، وبعد أن رجعتا عطشت إحداهن فشربت من الماء بحجة أنها عاجزة عن الصوم في ذلك اليوم لما عانته من تعب ونصب، فما الحكم في ذلك؟
إن خافت الهلاك على نفسها فعليها قضاء يوم، وإن كان عطشاً عادياً ولم تخش الهلاك فعليها مع القضاء التوبة والكفارة، وهي عتق رقبة أو صوم شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا (1). والله أعلم.
رجل كان صائماً قضاءاً فأفطر لسبب ما، وآخر صام في رمضان ثم أفطر بسبب مرض ألم به ثم بعد شفائه اكتفى بالإطعام، فما قولكم في ذلك؟
(1) بناء على ما كان يفتي به سماحته سابقاً أن الكفارة على التخيير. (1/371)
صفحة 372
372
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
أما الأول: فإن كان إفطاره لضرورة فما عليه إلا أن يقضي يومه، وأما الثاني: فلا بد من القضاء إن كان قادراً، لقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أخر) [البقرة: 185]. والله أعلم.
أحد
أمسكت
امرأة أخبرت بدخول شهر رمضان بعد طلوع الشمس وكانت ترضع أبنائها، وكانت عطشى فخافت من شدة العطش فشربت ثم ماذا عليها في هذه الحالة، علماً بأنه لم تكن هناك هذه الاتصالات الموجودة اليوم؟
بما أنها أفطرت من أجل العطش، ولعلها خافت على نفسها أو على
ولدها وهي لم تصبح على نية صيام فعليها قضاء يومها. والله أعلم. امرأة حدث لها نزيف دم في شهر رمضان وهي حامل، فهل يصح لها أن تصوم بتلك الحالة، وما القول في صلاتها؟
هذا النزيف ليس من الحيض في شيء، وإنما هو استحاضة تصوم المرأة وتصلي، إلا أن تكون عاجزة وتتضرر من الصوم، فلها أن تفطر على أن تقضي ما أفطرت من أيام أخر. والله أعلم.
رجل طلب من زوجته تهيئة وإحضار الطعام له في نهار رمضان وهي صائمة وقد أبت عن تلبية طلبه غير أنه أصر عليها وهددها بالطلاق إذا لم تستجب لطلبه ما قولكم في ذلك، هل تلزمها طاعته في هذا الأمر، علماً بأنه مسلم وغير عاجز لكن لا يصوم؟
لا طاعة لأحد في معصية الله، {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]. والله أعلم. (1/372)
صفحة 373
صيام النفل:
فتاوى الصوم
373
ما حكم صوم شهر رجب، وماذا على من نوى صومه فلم يصمه؟ كغيره من الأشهر، ومن نوى صومه فلم يصمه فلا عليه حرج، إلا اليوم الذي أصبح فيه صائماً فعليه أن يتم صومه أو يقضيه إن أفطره.
هو
والله أعلم. وقال الشيخ - حفظه الله تعالى - في جواب لسؤال مماثل:
صيام رجب لم تأت به سنة خاصة، فهو كسائر الشهور في كونه جائز الصيام، وليست له خصوصية والأحاديث التي وردت في صيام شهر رجب كلها أحاديث ضعيفة الإسناد، وينبغي لمن أراد أن لا على أساس أن صيامه سنة ولا على أساس خصوصية فيه، بل هو كسائر
الشهور. والله أعلم.
ما هي أفضل أيام الصوم في شهر شعبان؟
يصوم رجب
أن
يصومه
ليس في السنة تحديد أيام معلومة يستحب فيها الصوم من شهر شعبان، وما ورد في صوم اليوم الخامس عشر غير صحيح، وإنما صح عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أكثر ما يصوم بعد رمضان في شهر شعبان. والله أعلم.
هل يجوز صيام شهرين متتابعين بقصد التقرب إلى الله تعالى؟ يمنع من التقرب إلى الله تعالى بصيام ستين يوماً متتابعة، إذ ليس ذلك كصيام الدهر، وإنما ينهى عن صيام الدهر. والله أعلم.
لا
ما قولكم في صوم الستة الأيام من شوال هل يلزم أن تكون بعد يوم (1/373)
صفحة 374
374
في
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
عيد الفطر مباشرة أم لا بأس أن تؤخر كأن يبدأ بعاشر أو قبلها أو بعدها؟ وهل يلزم تتابع الأيام أم يجوز الفصل؟ فإن قلتم يلزم صوم النفل في شوال بعد العيد مباشرة، فما معنى العطف (بثم) في الحديث: من صام رمضان ثم أتبعه بستة أيام من شوال فكأنما صام الدهر كله»، والقاعدة: أن العطف (بثم) على التراخي؟
الحديث مطلق غير مقيد بالفورية ولا بالتتابع، لذا لا أرى حرجاً في تأخير صومها ولا في تفريقها، وليس ذلك استدلالاً بما تدل عليه (ثم) من المهلة، لأنها كما تأتي للمهلة الزمنية تأتي للمهلة الرتبية، وهو الغالب عليها عطف الجمل، كما في قوله تعالى: {ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيَّا * [مريم: 70] مع أن علمه تعالى سابق غير مسبوق لأنه علم أزلي، وقوله تعالى: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا) (مريم: (72) مع أن نجاتهم كانت قبل أن يصلى غيرهم النار، وكذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} [الأعراف: 11]، مع أن قوله للملائكة: أسْجُدُوا لِآدَمَ} [الأعراف: 11] سابق على خلقه فضلاً عن خلق ذريته بدليل قوله تعالى: {فَإِذَا سَوَيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَجِدِينَ} [الحجر: 29]، بل قال بعض النحويين: إنَّ (ثم) إن عطفت الجمل لا تكون إلا للمهلة الرتبية، لذلك استدللت بمجرد الإطلاق لا بالمهلة المفهومة من (ثم). والله أعلم.
ما قولكم فيمن تنفل بصيام ستة أيام من شوال، وفي اليوم السادس سافر وطال سفره أكثر من شهر، فماذا عليه؟
إن كان شرع في صيام ذلك اليوم فأفطره فليبدله، وإلا فليس عليه بدل.
والله أعلم. (1/374)
صفحة 375
فتاوى الصوم
375
رجل لم يكمل صوم الست من شوال بسبب السفر، فماذا عليه؟ صائم النفل أمير نفسه، فإن شاء استمر على صيامه وإن شاء قطعه، ويجوز في الستة من شوال صومها غير متتابعات والله أعلم.
لو أراد الإنسان أن يصوم الستة الأيام من شوال، فهل يصوم من أوله أو وسطه أو آخره، وهل يصومها متتابعة أم متفرقة؟
يجوز صومها في أول الشهر وفي و أول الشهر وفي وسطه وفي آخره، ويجوز صومها متتابعة ومتفرقة. والله أعلم.
ما قولكم في صيام أيام التشريق لغير الحاج؟
أيام التشريق هي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة، وهي مكروه صيامها للحاج وغيره إلّا إن لم يجد الهدي. والله أعلم.
ما حكم من صام تطوعاً وعليه قضاء؟
منهم من
تطوعاً
من كان عليه
العلماء مختلفون في ذلك، قال: لا يصوم قضاء لأن القضاء ألزم، ومنهم من قال: لا مانع من التطوع ممن عليه قضاء، وهذا هو الراجح، ويدل على ذلك أن أم المؤمنين عائشة لا كانت تؤخر قضاءها إلى شهر شعبان مراعاة لكونه يصوم غالب شهر شعبان، حتى يكون صيامها موافقاً لصيامه ولا يعقل أن تبقى عائشة لنا طوال أيام العام
لا تصوم تطوعاً، مع حرصها على الفضل ومع كونها في بيت النبوة، والنبي كان كثير الصيام وفي هذا ما يدل على جواز التطوع لمن عليه قضاء. والله أعلم.
ماذا تقولون في صوم يوم عرفة للحاج وغيره؟ وما الدليل؟
يسن صيام يوم عرفة لما فيه من الفضل، وقد دلت عليه السنة ورغبت (1/375)
صفحة 376
376
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
فيه إلا لمن كان واقفاً بعرفات، فالأفضل له الفطر من أجل التقوى على الوقوف، والدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصمه في حجه، مع حرصه على أعمال الخير. والله أعلم.
ماذا يجب على من أفطر في صوم النفل بدون سبب؟
قيل: عليه قضاؤه، وهو قول جمهور أصحابنا، عملاً بعموم قوله تعالى: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَلَكُمْ} [محمد: 33]
وقيل: لا قضاء عليه، عملاً بحديث: صائم النفل أمير نفسه». والله أعلم. (1/376)
صفحة 377
ما يفسد الصوم:
فتاوى الصوم
377
ما حكم استخدام قطور في العين في نهار رمضان، وهل يؤثر على
الصيام؟ يؤثر ما وصل إلى الجوف، أما ما لم يصل إلى الجوف فلا يؤثر، ولكن من المعلوم أن العين مفضية إلى الجوف فينبغي أن يكون التقطير في حال الاضطرار بقدر الضرورة، أي بقدر ما تكون العين تمتص تلك القطرة ولا تبقى بقية منها لتصل إلى الجوف، هكذا ينبغي أن يكون الاحتياط، وذلك حالة الضرورة فقط لا في حالة السعة، ففي حالة الضرورة يباح ما لا يباح في حال الاختيار، والله أعلم.
في
رجل أحس بألم في عينه فوضع لها دواء دهنياً (مرهماً) قرابة الساعة الرابعة فجراً وأحسّ بطعم الدواء في حلقه صباح اليوم التالي، فما حكم صيام ذلك اليوم؟
أرى أن المرهم يختلف عن القطرة، لأن المرهم جامد ولربما أحسّ لكن من غير أن تسيل عينه إلى الداخل، ويمكن أن يكون الإحساس بسبب سريان طعم هذا المرهم من موضعه وما لم يتبين له أنه ولج إلى جوفه شيء، فلا نقول بلزوم القضاء عليه، أما إن تبين أنه ولج إلى جوفه شيء فعليه القضاء، ولكن مع هذا ننصحه ألا يفعل ذلك إلا في الليل، فإن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. والعين يمتد أثر ما يقع فيها لا سيما إن كان سائلاً فإنه سرعان ما يلج إلى الحلق ومن الحلق إلى الجوف، فلذلك كان من الأحوط أن يتجنب الإنسان التقطير فيها، وينبغي أيضاً أن يتجنب وضع حتى نحو هذه المراهم في العين (1/377)
صفحة 378
378
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
خشية أن يتسرب شيء منها إلى داخل الجوف، لأنه من الممكن أن يذوب هذا المرهم مع الدمع ويصل إلى الجوف فذلك أمر محتمل،
والله أعلم.
هل يجوز استعمال الأدوية غير المغذية في حالة الصوم، علماً بأنه يشعر بها في الحلق؟
إن كان استعمال هذه الأدوية أكلاً أو شراباً أو بطريقة مشبهة لهما كالتقطير في المسالك الموصلة إلى الجوف أو الحلق فهو ناقض، وإن كان طلاء في الجسم أو حقنة تحت الجلد فلا. والله أعلم.
ما حكم صوم الصائم إذا دخل في جوفه شيء غير الطعام، كأن يبتلع دبوساً أو قطعة صغيرة من الورق؟
قول جمهور الأمة أن غير المطعوم ناقض للصوم كالمطعوم وذلك كالحديد والشعر والجلد والورق. والله أعلم.
ما حكم بلع ما نزل منعقداً من الرأس في شهر رمضان، إذا لم يستطع إخراجه من فمه؟ وكذلك ما طلع منعقداً من الصدر؟
ما ابتلعه عامداً هذا أو ذاك نقض صومه، وما كان خارجاً عن إرادته
من
وقصده فلا نقض به. والله أعلم.
هل ينتقض صوم من ابتلع نخامة وهو صائم؟
إن كان ابتلعها بغير قصد فلا حرج عليه، وإن كان ذلك عمداً فليعد
يومه. والله أعلم.
هل القيء ينقض الصوم، وخاصة إذا خرج طعام من المعدة؟ (1/378)
صفحة 379
فتاوى الصوم
379
القيء لا ينقض الصيام إلا إذا رد المتقيء إلى جوفه شيئاً مما خرج بعد استطاعته على إبانته هذا بالنسبة إلى من ذرعه القيء، أما من تعمد القيء ففي انتقاض صومه خلاف. والله أعلم.
ما حكم استعمال التحاميل (1) عن طريق الشرج أو المهبل؟
أما ما كان عن طريق المهبل فلا إشكال فيه، وأما ما كان عن طريق الشرج فإن كان يفضي إلى الجوف فهو ناقض في قول الأكثر، وذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا ليس كتناول الطعام أو الشراب، إذ لا تكون تغذية من هذا الطريق، ولم يجد فيه مانعاً من استعماله. والله أعلم.
رجل زنى بامرأة في أيام رمضان في وقت الليل وليس في نهاره، فهل لذلك تأثير على صيامه؟
نعم، إنما يكون التأثير من حيث إنه لا يقبل صيامه ولا تقبل أعماله، لأن الله تعالى يقول: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27]، وهذا ليس من التقوى في شيء، ولكن إن تاب إلى الله قبل الله تعالى منه أعماله، ورد إليه أجورها. والله أعلم.
ماذا على من كذب مازحاً في نهار رمضان؟
الكذب من الكبائر، سواء كان جداً أو هزلاً، لأنه جاء وعيد شديد عليه، ونفس الكذب الهزل جاء وعيد فيه، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ويل للذي يحدث الناس ليضحكهم فيكذب ويل له ويل له فمن فعل ذلك فعليه أن يعيد صيام يومه، وعليه التوبة إلى الله من، صنيعه وليست عليه كفارة، لأن الكفارة
كالحدود تدرأ بالشبهات. والله أعلم.
(1) دواء يتناوله المريض عن طريق (الدبر) الشرج. (1/379)
صفحة 380
380
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
هل يجوز الغناء في رمضان؟
الغناء في رمضان وغيره حرام لأنه رقية الزنى ومزمار الشيطان. والله أعلم.
أما
عرفنا بأن الإسبال يفسد الصلاة، فما حكم صوم وحج من يسبل متعمداً؟ الصيام فإن كان الصائم مصراً على الإسبال في صيامه فلا ريب أن صيامه باطل، لإصراره على كبيرة أثناء الصوم، وأما الحج فمن أسبل في إحرامه فعليه فدية. والله أعلم.
شباب صائمون ويتابعون الأفلام والمسلسلات الرمضانية الصباحية
والمسائية، فما حكم صومهم؟
عليهم التوبة إلى الله، والخلاف في وجوب قضاء صيامهم، بناءاً على الخلاف في انتقاض الصيام بالمعاصي. والله أعلم.
رجل لا يصلي طوال السنة إلا في شهر رمضان، ما قولكم فيه؟ من ترك صلاة مكتوبة فقد برئت منه ذمة الله، كما جاء في الحديث عن رسول الله، وليس يغني عنه شيئاً أن يصوم رمضان ويصلي فيه، فالدين لا مساومة فيه ولا يقبله الله مجزءاً، وشهر رمضان إنما تمحى فيه خطايا من أناب إلى الله، لا من أصر على كبائر الإثم كترك الصلاة وغيرها من الواجبات، فإن الإصرار على الصغائر يعد من الكبائر، فكيف الإصرار على ترك ركن من أركان الإسلام. والله أعلم.
هل حلق اللحية في شهر رمضان مبطل للصيام؟
في ذلك خلاف، وعند من يقول بنقض كل معصية للصوم يقول بانتقاضه بحلق اللحية، إن كان في نهار الصوم والله أعلم. (1/380)
صفحة 381
فتاوى الصوم
381
في أول أيام رمضان نظرت إلى قطط وهن في حالة نكاح وعمقت النظر،
مما أثار نفسي، فما الحكم في
ذلك؟
النظر بشهوة إلى مباشرة الحيوانات بعضها لبعض معصية، فإن كنت
أمنيت انتقض صومك، وعليك القضاء والتوبة والكفارة، وإن كنت لم تمن فعليك قضاء يومك. والله أعلم.
ماذا على من قصر لحيته نهار شهر رمضان؟
من باب الاحتياط ينبغي له أن يعيد صيام يومه. والله أعلم.
هل العبث بالذكر تلذذاً دون الإنزال يفسد الصوم؟
نعم هو ناقض للصوم، لأنه معصية، وهو طريق الإمناء الذي هو الغاية من الجماع. والله أعلم.
ما قولكم في استعمال معجون الأسنان صباح يوم الصوم؟ لا ينبغي استعمال المعجون في الصوم، سواء في الصباح أو المساء).
والله أعلم.
ما قولكم في استعمال السقاية (2) والإبرة في نهار رمضان؟ أما السقاية فهي مفطرة وكذلك الإبرة المغذية، وأما إبرة العلاج من غير تغذية فلا تفطر. والله أعلم.
امرأة تشكو من نزيف مطول وهي تصلي وتغتسل لكل صلاة، فهل يجوز لها الصوم، وهل عليها الغسل لكل الجسد أو الموضع المخصص فقط؟
(1) المراد مساء الصوم لا الليل.
(2) كيس يحتوي مادة غذائية سائلة يتناولها المريض عن طريق الإبرة. (1/381)
صفحة 382
382
الفتَاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
تصلي وتصوم إلا في الأيام التي أعتادت فيها الحيض، إن كانت لها عادة من قبل فإنها تترك فيها الصلاة والصوم ثم تقضي صومها من بعد، وإن لم تكن لها عادة من قبل تحرت بتمييز دم الحيض عن دم الاستحاضة، وذلك أن دم الحيض أسود ثخين له رائحة نتنة، ودم الاستحاضة أحمر رقيق لا رائحة له، وإن عجزت عن التمييز بين الدمين ففي حكمها خلاف، وأقرب الأقوال إلى اليسر أن تجعل عشرة أيام حيضاً وعشرة أيام طهراً، لأن العشرة أكثر الحيض وأقل الطهر، والأصل في الدم حمله على الحيض، ويجوز لها أن تصلي الظهر والعصر معاً بغسل واحد، وكذلك المغرب والعشاء، وتتم إن لم تكن مسافرة مع الجمع بين الظهرين وبين العشاءين، والغسل المطلوب عند من أوجبه هو غسل البدن كله، وهل هو لكل صلاة، أو لكل صلاتين وللفجر، أو للصلوات الخمس غسل واحد؟ خلاف، وقيل: يجب غسل النجاسة والوضوء فقط. والله أعلم.
هي
إذا حاضت المرأة في وقت الظهر في شهر رمضان، فهل عليها أن تمسك حتى المغرب؟
لا يجتمع الصوم، والحيض، فإن حاضت فقد انتقض صومها، ولذلك ليس عليها أن تمسك إلى الغروب بل تفطر. والله أعلم.
ما حكم استعمال الصائم للبخاخ؟
البخاخ حكمه في حكمه في حال الاضطرار كحكم القطرة، إنما يكون بقدر الضرورة فقط، أي بقدر ما يقضي على أثر ضيق التنفس من غير زيادة على ذلك، على أن يكون ذلك في حال الاضطرار والضرورة تقدر بقدرها، والله
أعلم. (1/382)
صفحة 383
فتاوى الصوم
383
بالنسبة للمصابين بمرض الربو الذين يستعملون البخاخ، هل يؤثر على
الصيام؟
إن كان البخاخ لا يلج إلى الجوف ما يخرج منه من الندى بحيث إنه يكون في الحلق فلا مانع منه. منه. أما إذا كان يغذي الجوف فهو يؤدي إلى انتقاض الصوم، وقد رخّص بعض الباحثين وبعض المناقشين في مجمع الفقه الإسلامي في البخاخ باعتباره غير مؤثر على الصوم لأنه لا يغذي الجوف حسبما رأى، والله أعلم.
رجل ابتلى بالربو ويستخدم البخاخ بمعدل مرة كل ساعتين فكيف
يصوم؟
صدرت فتوى من مجمع الفقه الإسلامي بأن استعمال البخاخ لا يؤثر على الصيام، وبما أن الحكم على الشيء فرع تصوره، فإني لا أدري هل تصل نداوة رطبة إلى الجوف من خلال البخاخ أو لا، فلذلك قلت من باب الاحتياط ينبغي لمن ابتلي بالاضطرار إلى استعمال البخاخ أن يستعمله في صيامه، وأن يحتاط بإطعام مسكين لكل يوم إن كانت هذه العلة عنده مستمرة بحيث لا يمكنه قضاء الصوم، والله أعلم. (1/383)
صفحة 384
384
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
ما لا يفسد الصوم:
هل ينقض الرعاف الصيام؟
لا ينقض الرعاف الصيام. والله أعلم.
ما قولكم في رجل صام ستة أيام من شوال ثم مرض خلالها، واضطر إلى أخذ الحقن وفحص الدم، فهل في ذلك نقض لصيامه؟
إن لم يأكل ولم يشرب مباشرة، ولا بواسطة السقاية فلا نقض عليه بالحقن غير المغذية أو بأخذ الدم منه. والله أعلم.
هل يمكن تذوق الطعام عند إعداد وجبة الإفطار، وهل النوم الكثير في نهار رمضان يفسد الصوم؟
لا
مانع من التذوق مع عدم إساغته في نهار الصوم، والنوم في نهار رمضان لا يبطل الصوم. والله أعلم.
هل يجوز أن يفطر الصائم على التمر الممزوج بالسمن والمسخن على
النار؟
لا مانع من ذلك، وإنما يسن الإفطار بما لم تمسه النار لأجل منفعة
طبية. والله أعلم.
هل يجوز شم الأزهار والورود الطبيعية والتعطر بالروائح النفاذة وذلك
في نهار رمضان؟
لا مانع من ذلك. والله أعلم. (1/384)
صفحة 385
فتاوى الصوم
385
هل يجوز استعمال الكحل والعطر للمرأة في شهر رمضان؟
لا مانع من ذلك إن كانت تبقى في البيت ولا تخرج بطيبها وزينتها أمام الرجال الأجانب. والله أعلم.
ما حكم من ينفخ البخور وهو صائم؟ وما حكم من يضع اللبان في دورات المياه، إذ يقول البعض: بعدم الجواز لأنه بخور الأنبياء؟
حرج
عليه،
إن لم يدخل في حلقه من البخور في حال صومه شيء فلا ولا مانع من تبخير دورات المياه باللبان ودعوى أنه بخور الأنبياء لا دليل عليها، وهب ذلك صحيحاً، فإن الماء أيضاً شراب الأنبياء، فهل يحرم إدخاله دورات المياه والتطهر به. والله أعلم.
ما حكم استعمال معاجين ومراهم الجلد للاستخدام الخارجي؟ الاستعمال الخارجي لا يؤثر على الصيام شيئاً فلا مانع منه، والدليل
عليه جواز الاستحمام بالماء للصائم إجماعاً. والله أعلم.
هل يجوز استعمال السواك في نهار رمضان للصائم؟
لا مانع من السواك للصائم، لعدم وجود دليل يدل على منعه، وإن كرهه من كرهه للصائم، فإن عموم قوله: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة وكل وضوء يندرج فيه سواك الصائم، مع بعض الروايات على سواكه صلى الله عليه وسلم في حال صومه. والله أعلم.
دلالة
إذا خرج دم من فم الصائم باستمرار، ولم يتمكن الصائم من الاحتراز
عن بلعه؟
لا يضر الصائم ما خرج من دم الفم إلا إذا بلع شيئاً منه مع إمكان (1/385)
صفحة 386
386
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
الاحتراز عنه، وإذا لم يمكن الاحتراز فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
والله أعلم. ما حكم صوم من سال دم جسمه لأي سبب كان (كالسواك أو الحلاقة)؟
صومه صحيح إذ لا ينقض صيامه خروج الدم منه. والله أعلم.
امرأة عجوز كبيرة لا تعرف ما تقول ولا تحسن تصرفاتها فتخلع ملابسها تارة. فهل المرأة التي تقوم بمساعدتها والعناية بها وهي صائمة وتشاهد عورتها تكون مأثومة ويبطل صومها أم ماذا؟
حرج
لا ينقض الصوم مشاهدة ما لا تحل مشاهدته ـ إن كان ذلك لداعي الضرورة التي لا محيص عنها ـ كما في هذا السؤال، وعليه فلا على هذه المرأة القائمة بمصالح العجوز الفاقدة للعقل بما يحصل من مشاهدة سوأتها حال قيامها بواجبها وإنما عليها أن تغض بصرها بحسب الإمكان.
والله أعلم.
امرأة متزوجة بزوج كبير في السن لا يستطيع قضاء حاجته في دورة المياه إلا بمساعدتها (أي زوجته)، فهي تقوم بتغسيله وتنظيفه ولمس
عورته، فما حكم صيامها؟
لا يبطل بذلك صيامها. والله أعلم.
هل مصافحة المرأة الأجنبية تبطل الصوم؟
إبطال الصوم يتوقف على الدليل، ولا دليل على أن المصافحة تبطله ولو كانت مصافحة الأجنبي لأجنبية معصية. والله أعلم. (1/386)
صفحة 387
فتاوى الصوم
387
ما حكم من احتضن زوجته وهو صائم، مع العلم أن ذلك من غير شهوة؟ إن لم يؤد ذلك إلى ما يبطل الصيام فلا يبطل بنفس هذا الفعل. والله أعلم.
هل يجوز للرجل أن يقبل زوجته أو يعانقها في رمضان؟
ذلك مكروه خشية الإثارة التي تؤدي إلى المحرم، أما إذا كان ضابطاً لغريزته مهيمناً على نفسه فلا مانع من ذلك. والله أعلم.
هل يجوز للصائم أن يبلع ريقه في رمضان؟
لا مانع من بلع الصائم ريقه إن كان خالصاً غير مختلط بدم، ولا بأي شيء آخر. والله أعلم.
هل يجوز للصائم أن يبل ثوباً ويضعه على جسده في شهر رمضان، وذلك من شدة الحر؟
ليس على الصائم حرج في بل ثيابه لأجل الراحة، فالرسول صلى الله عليه وسلم على رأسه الماء من شدة الحر وهو صائم. والله أعلم.
ما حكم صوم المرأة التي ترى الدم وهي في سن الستين؟
القول المعتمد أن المرأة إذا بلغت الستين من عمرها فهي آيس، وليست في حكم من يأتيها الحيض، فإن رأت الدم حمل ذلك على أنه دم استحاضة، فعليها أن تصوم في هذه الحالة. والله أعلم.
امرأة حامل في أول شهرها، وصامت وكانت كثيرة التقيؤ، ولكنها على
يقين أنها تخرجه عن آخره، فما حكم صيامها؟ وهل عليها قضاء؟
لا قضاء عليها إن لم تتعمد التقيؤ، ولم ترجع شيئاً منه إلى جوفها. والله أعلم. (1/387)
صفحة 388
388
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
من دخلت في حلقه بعوضة وهو صائم هل ينتقض صوم يومه؟
لا نقض، لأنه لم يتعمد ابتلاعها. والله أعلم.
هل قلع الأسنان يفطر الصائم؟
لا يفطر قلع الأسنان إن لم يبتلع الدم. والله أعلم.
ما قولكم في صوم الصائم وهو ببلد أجنبي، وهو يرى ما عليهم من تعر
فاضح وانحلال مشين؟
الصائم في البلد الأجنبي وغيره - إن رأى المنكرات ـ عليه أن يغض بصره، ويتقي الله ربه، والله يتقبل منه. والله أعلم.
هل ينتقض الصوم برؤية الصائم لعورة الطفل؟
لا ينتقض بذلك، إلا إذا تعمد الصائم النظر باشتهاء. والله أعلم.
ما قولكم فيمن اغتابت في لحظة غضب امرأة ظالمة متسلطة صائمة، فماذا عليها؟
وهي
الظالم المتسلط المجاهر بظلمه لا غيبة له بنص الحديث، فلا نقض
على من اغتابه والله أعلم.
هل الكذب يبطل الصوم مع اضطراره إليه؟
إن كان لدفع ضرر فلا. والله أعلم. (1/388)
صفحة 389
فتاوى الصوم
389
الجنابة والجماع في رمضان:
هل الطهارة من الجنابة شرط في صحة الصوم؟ وما قولكم في قول الإمام الصنعاني في سبل السلام: (إن حديث أبي هريرة منسوخ بحديث
عائشة) (1)؟
الجنابة حدث أكبر كالحيض، وكما لا يصح صيام الحائض كذلك الجنب، ودليله حديث: «من أصبح جنباً أصبح مفطراً»، أما دعوى النسخ فتحتاج إلى دليل ولا دليل لمدعيه، والأصل في تعارض دليلين يدل أحدهما على مشروعية حكم والآخر على عدمه أن يقدم ما دل على المشروعية في العمل، لأن الدليل الآخر استصحب الأصل، وقد ثبت رفع حكم الأصل بالدليل الناص على مشروعية الحكم، ولم يثبت أن ذلك الحكم نسخ بعد مشروعيته، ومن ناحية أخرى، فإن هذا الحكم يعتضد في هذه المسألة بالنظر، من حيث إن الصيام عبادة بدنية خالصة، فإن لم تشترط لها الطهارة من الحدث الأصغر فلا بد لها من الطهارة من الحدث الأكبر، ويؤكده اشتراط الطهارة له من الحيض والنفاس والجنابة كالحيض والنفاس في الحدثية، فهي إذاً مثلهما في منافاتها لصحة الصوم. والله أعلم.
حكم
وقال الشيخ - حفظه الله - في جواب آخر لنفس السؤال:
حديث أبي هريرة يترجح في هذه المسألة على حديث عائشة وأم سلمة بأمرين:
أولها أن تعارض الدليلين المختلفين في شغل الذمة وبراءتها يقضي
(1) حديث عائشة الذي يشير إليه السائل كان النبي يصبح جنباً من جماع ثم يغتسل ويصوم، وحديث أبي هريرة قال رسول الله: من أصبح جنباً أصبح مفطراً». (1/389)
صفحة 390
390
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
بترجيح ما شغل الذمة، لأن البراءة هي الأصل قبل ورود الدليل، فإذا ورد الدليل الشاغل للذمة كان الشغل هو الأصل، وحمل ما عارضه على الأصل السابق قبل التعبد بما شغل الذمة، لأن رفع هذا الشغل يحتاج إلى دليل يثبت نسخ الحكم والنسخ لا يكون بالاحتمال فكيف يرفع الحكم بما يحتمل أن يكون وروده مقارناً للبراءة الأصلية لا بعد الاشتغال.
ثانيها: أن الجنابة حدث أكبر كالحيض، وقد أجمعت الأمة على عدم صوم الحائض فكذا الجنب. والله أعلم.
سماحة الشيخ ما قولكم فيمن نام - في ليالي رمضان ـ عن صلاة العشاء، فلم ينتبه إلا بعد طلوع الشمس، وعندما انتبه وجد في ثوبه جنابة، فماذا
عليه؟
عليه أن يبادر إلى الغسل من الجنابة لحديث: «من أصبح جنباً أصبح مفطراً»، ثم يؤدي الصلاة المفروضة العشاء والفجر عند فراغه من الطهارة ولو بعد طلوع الشمس، والراجح أنه لا قضاء عليه، لأنه أصبح جنباً على غير عمد، وليست الجنابة بأشد من الأكل، مع أن الأكل من غير عمد لا ينقض الصوم. والله أعلم.
رجل شك أنه احتلم بين أذان الفجر وطلوع الشمس، وآخر احتلم في نهار رمضان وأخر الاغتسال إلى أن يبس البلل الذي بثوبه، ففي أي الحالتين ينتقض الصوم؟
من احتلم بعد الفجر فأخر الغسل عامداً وهو صائم بطل صومه، ولزمه إعادة يومه، لأن حكم النهار يشمل ما بعد الفجر إلى الليل، وكذلك من أخر الاغتسال عمداً من الليل فأصبح جنباً. والله أعلم. (1/390)
صفحة 391
فتاوى الصوم
391
امرأة أرادت الاغتسال من الجنابة في شهر رمضان، لكنها سمعت أذان الفجر وهي تبدأ بصب الماء على جسدها، ولم تكمل الاغتسال بعد، فماذا يلزمها؟
رخص بعض أهل العلم في أن لا يلزمها القضاء إن كانت أدركت غسل رأسها وفرجها قبل طلوع الفجر، وإن كانت لم تدرك غسلهما فعليها قضاء يومها. والله أعلم.
عن صبي بلغ أربعة عشر سنة احتلم في أول يوم من رمضان، ونظراً لجهله وعدم معرفته بأنه أصبح مكلفاً بذلك لم يصم من ذلك الشهر إلا
ثلاثة الأيام الأولى كغيره من الأطفال في تلك المنطقة، فما حكمه؟ كان عليه أن يصومه، وبما أنه أفطر فعليه أن يقضي صيام ذلك الشهر جميعاً ما عدا الأيام التي صامها، وعليه بجانب ذلك كفارة، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، ذلك التوبة إلى الله مما أتى. والله أعلم.
وعليه مع رجل صائم كفارة شهرين متتابعين، وفي إحدى الليالي نام وهو جنب وكان ناوياً الاغتسال أثناء الليل، ولكنه لم يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر،
فهل عليه بدل هذا اليوم وإن كان عليه ذلك فمتى يقضيه؟
نعم عليه بدل ذلك اليوم، وليقضه بعد انتهاء الشهرين فوراً. والله أعلم.
فيمن أصبح وهو جنب فماذا يلزمه؟
إن أصبح جنباً مختاراً لزمه القضاء، وإن كان غير مختار وإنما انتبه من نومه ووجد نفسه جنباً فعليه أن يسارع إلى الغسل، وليس عليه غير ذلك.
والله أعلم. (1/391)
صفحة 392
392
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
ما قولكم فيمن صام ثلاثة أيام، ثم وجد في ثوبه جنابة، وهو لا يعلم متى أصابته؟
إذا وجد أحد في ثوبه جنابة ولم يدر متى أصابته فليعتبرها من آخر نومة نامها، وليبدل الصلوات التي صلاها بعد تلك النومة، وأما الصيام فقيل: عليه أن يبدله إن مضى النهار كله وهو لم يعلم بجنابته، وقيل: إن مضى أكثره، وقيل: ولو بعضه، وهذه الأقوال كلها مبنية على الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أصبح جنباً أصبح مفطراً». والله أعلم.
وفي جواب آخر لسماحته:
بما أنك مضى عليك أكثر النهار وأنت جنب فلتعد صوم ذلك اليوم. والله أعلم.
امرأة وطئها زوجها في نهار رمضان ما الحكم إذا وافقته أو لم توافقه؟
هي
بئس ما فعل، وعليه التوبة والقضاء والكفارة وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً. أما فإن كان أجبرها بحيث لم تطاوعه قط ولكنه غشيها كرهاً، فليست عليها كفارة وعليها قضاء يومها، وإن كان ذلك بموافقة منها له ومطاوعة فعليها ما عليه من التوبة والقضاء والكفارة. والله أعلم.
ماذا يلزم المرأة الصائمة إذا وقع عليها زوجها في نهار رمضان وجامعها
نائمة؟ وهي
إن كانت مكرهة أو نائمة ولم تمكّنه ولم تساعده بشيء فليس عليها
شيء. والله أعلم. (1/392)
صفحة 393
فتاوى الصوم
393
ما حكم من جامع زوجته في نهار رمضان مع علمه بعدم الجواز؟ فسد صومه، وعليه التوبة وقضاء ما أضاع بالجماع والكفارة، وهي عتق رقبة، وإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً. والله أعلم.
ماذا يلزم من داعب زوجته في نهار رمضان وهو صائم ثم أمنى؟ إن استمر على المداعبة مع إحساسه بثوارن الشهوة لزمته الكفارة مع التوبة والقضاء. والله أعلم.
وقال الشيخ - حفظه الله - في جواب السؤال مماثل:
إن كان استرسل في ذلك عن عمد وهو يحس بغليان الشهوة، وتمادى حتى خرجت منه النطفة لزمته التوبة والقضاء والكفارة، وإن كان بخلاف ذلك فعليه قضاء يومه. والله أعلم.
رجل
أفسد صومه بالاستمناء في ثلاثة، رماضين، ماذا يجب عليه إن أراد
التوبة إلى الله؟
عليه التوبة إلى الله تعالى وقضاء ما أضاع والكفارة، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، واختلف في عدد الكفارات الواجبة عليه، فقيل: لكل يوم أفسده كفارة، وقيل: لكل رمضان
كفارة، وقيل: تجزية كفارة واحدة للكل، إلا إن عاد بعد التكفير. والله أعلم. ما قولكم فيمن كان صائماً في رمضان فتعمد الإنزال بالاستمناء فماذا
عليه؟
تعمد الإنزال (الاستمناء) حكمه حكم الجماع على القول الراجح، فعليه (1/393)
صفحة 394
394
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
القضاء والكفارة وهي عتق رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً. والله أعلم.
فعلت العادة السرية في نهار رمضان، فماذا عليَّ؟
عليك التوبة إلى الله، وقضاء الصيام والكفارة وهي عتق رقبة، فإن لم تجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم تستطع فإطعام ستين مسكيناً. والله أعلم.
هل يجوز للصائم أن يلامس عورة زوجته بحائل وبدون حائل، وهل يجوز التقبيل؟
أما
في ليل رمضان فلا يمنع من ذلك ولا يمنع من الجماع، فإن الله تبارك وتعالى يقول: {فَالْتَنَ بَشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187]. وأما في نهار الصوم فإن الجماع ممنوع، ومقدماته مكروهة خشية أن تدفع بالإنسان إلى الوقوع فيه، وإنما تجوز هذه المقدمات كالقبلة واللمس، ولا تؤثر على الصيام شيئاً، إن كان المباشر أو المقبل مطمئناً من نفسه، واثقاً بأنه لا تبعثه شهوته إلى الوقوع في المحذور. والله تعالى أعلم.
اليوم
رجل جاء من سفره مفطراً في شهر رمضان، وصادف يوم رجوعه الذي تطهر فيه زوجته من حيضها، فهل يجوز له جماع زوجته في نهار
ذلك اليوم؟
لا مانع من مواقعتها في هذه الحالة، وإلا فلا. والله أعلم. (1/394)
صفحة 395
فتاوى الصوم
395
القضاء والإطعام والكفارة
هل يشترط في القضاء التتابع؟
يجب التتابع في القضاء إلا في حالة الضرورة، كالسفر أو المرض أو الضعف. والله أعلم.
ما قولكم فيمن لم يتمكن من صيام رمضان لمرض ألم به، فأراد أن يقضيه ولكنه لا يستطيع أن يصومه متتابعاً؟
من شق عليه أن يقضي رمضان متتابعاً فلا حرج عليه أن يقضيه مقطوعاً.
والله أعلم.
ما قولكم فيمن عليه صيام يومين متتاليين من شهر رمضان المبارك وصامهما متفرقين؟
لا بد من تتابع قضائهما - على الراجح - إلا لعذر. والله أعلم.
رجل عليه بدل أيام من رمضان فجزاها على فترتين، عن جهل باشتراط التتابع، فماذا عليه؟
نظراً إلى أنه قضى ما أفطره لا أرى عليه الإعادة، وإن كان أخطأ مواصلة القضاء إلى أن تتم عدة الأيام التي أفطرها. والله أعلم.
بعدم
أنا طالب عُماني أدرس في بريطانيا، واليوم في أيام الصيام في شهر رمضان طويل يبلغ 19 ساعة ونصف، فهل يجوز لي الإفطار والبدل فيما
بعد؟
إذا ثبت حكم السفر جاز الفطر في رمضان، لقوله تعالى: {فَمَن كَان (1/395)
صفحة 396
396 الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَر) [البقرة: 184)، وإنما يلزمكم القضاء
عندما تعودون إلى وطنكم. والله أعلم.
صام رجل كفارة رمضان، وبعد مضي نصف المدة عزم على أن يطعم عما تبقى منها، فهل ذلك جائز؟
لا تكون الكفارة مركبة بين صيام، وإطعام فإن قدر على الصيام فليصم، وإن عجز فليطعم ستين مسكيناً. والله أعلم.
رجل عليه صوم قضاء رمضان فصام بعضه، وفي خلال صومه عرض عليه عيد الأضحى، فهل يواصل الصيام أيام التشريق؟
من كان عليه صيام قضاء رمضان فعليه أن يتحرى الزمن العاري من القواطع لوجوب تتابع صوم القضاء عند الأكثرين، اللهم إلا لعذر كمرض أو سفر، ومنهم من لا يرى السفر عذراً، أما أيام التشريق فالصوم فيها مكروه، والعبادة يشرع أداؤها في غير الزمن المكروهة فيه، فإن صامها فليس عليه أن يعيد ما صامه فيها. والله أعلم.
ما حكم من أسلم وسط النهار في شهر رمضان، هل يجب عليه قضاؤه؟ من أسلم في نهار رمضان فليمسك عن المفطرات في سائر اليوم الذي أسلم فيه ثم ليعده. والله أعلم.
من أسلم في منتصف رمضان هل يلزمه قضاء ما سبقه من أيام رمضان؟ في ذلك خلاف، بناءً على الاختلاف في رمضان، هل هو فريضة واحدة أو أن كل يوم منه فريضة مستقلة؟ فعلى الأول يلزمه، وعلى الثاني لا يلزمه وهو الأرجح. وا والله أعلم. (1/396)
صفحة 397
فتاوى الصوم
397
ما قولكم في صائم تمضمض لغير الوضوء، فساغ شيئاً من الماء بغير اختيار. هل عليه قضاء يومه أم لا؟
اختلف في إساغة الماء أو نحوه حالة الصوم خطأ، هل يلزم بمثله القضاء أم لا؟ والأحوط القضاء في غير الوضوء. والله أعلم.
وجب عليّ قضاء أربعين يوماً من عدة رماضين ثم قضيتهن، ولم أدفع الكفارة، فهل يجب عليّ ذلك لأجل التمادي في القضاء؟
القضاء، واجب، وفي الكفارة خلاف إن تمادى المفطر في القضاء إلى رمضان آخر والراجح، وجوبها، وهي إطعام مسكين عن كل يوم، ويجزئ في ذلك نصف صاع لكل مسكين. والله أعلم.
رجل سافر في شهر رمضان وأفطر خمسة أيام، ثم عاد من سفره وانسلخ الشهر الكريم ولم يقض ما أفطره حتى دخل رمضان في السنة القادمة،
فماذا عليه؟
مع
يوم
من أفطر في سفره أو مرضه ثم عاد أو بريء ولم يقض حتى دخل عليه رمضان آخر، وجب عليه القضاء أن يطعم عن كل أفطره مسكيناً كفارة لتهاونه، وذلك للحديث الذي أخرجه الدارقطني من طريق أبي هريرة، ورواه البخاري موقوفاً. والله أعلم.
هل يرخص في تأخير صيام القضاء من رمضان؟ وهل يجوز تجزئة صيام الكفارة؟
إن اضطر إلى تأخير قضاء رمضان فلا حرج عليه، وإنما يؤمر بأن يطعم عن كل يوم مسكيناً احتياطاً عندما يأتيه رمضان ثان. وأما صيام الكفارة فلا بد من (1/397)
صفحة 398
398
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
تتابعه إلا في حالات الاضطرار كمرض أو حيض أو نفاس، وكذلك السفر على الراجح، ثم بعد ارتفاع العذر تجب مواصلة الصيام من غير تأن. والله أعلم.
ما قولكم في جمع أيام القضاء من رمضان مع الست الأيام من شوال
بنية واحدة؟
لا بد من فرز صيام القضاء عن صيام النفل. والله أعلم.
هل الكفارة المغلظة هي الإطعام؟
الكفارة المغلظة قد تكون عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين، وقد تكون أيضاً إطعام ستين مسكيناً، وقد يكون الانتقال فيها من العتق إلى الصيام ثم إلى الإطعام تخييراً وقد يكون تدريجياً، وتكون الكفارة المغلظة بسبب قتل الخطأ وهي عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، وتجب بالظهار قبل المس بنص القرآن وهي عتق رقبة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، وتجب لفطر المتعمد ـ من
غير عذر ـ في نهار رمضان وهي أيضاً بالترتيب المذكور آنفاً. والله أعلم.
ما قولكم فيمن زاد على كمية الإطعام، فأعطى كل فقير صاعاً كاملاً، فهل عليه حرج؟ لكل مسكين نصف صاع، ويقدر بكيلو غرام وأربعة وعشرين غراماً، ومن ضاعف ضاعف الله له. والله أعلم.
ما قولكم في دفع القيمة بدل الطعام، لا سيما لمن يملك الطعام ويحتاج إلى القيمة؟
الأصل إخراج الطعام فإنه الذي دلت عليه السنة، ولا يصار إلى النقود (1/398)
صفحة 399
فتاوى الصوم
399
إلا مع تعذر قبول الطعام من قبل الفقراء، وفي هذه الحالة تخرج قيمة الطعام المفروض، ولا تحدد القيمة بمقدار من النقد، لأنها تعلو وتنخفض بحسب
غلاء الأسعار ورخصها، وتختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة. والله أعلم.
قضيت حقبة ليست باليسيرة في الدول الأوروبية، كانت نتيجتها ترك الصوم في شهر رمضان لمدة ثلاثة عشر عاماً، فهل لي العدول عن القضاء إلى الإطعام أو الكسوة؟
ما دمت قادراً على الصوم فلا عذر لك في تركه والعدول عنه إلى الإطعام، لقوله تعالى: فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: 184]، وإنما الفدية على من عجز عن الصوم، وعليه فاقض ولو في عام شهراً واحداً، والله يعينك على الخير. والله أعلم.
امرأة وجبت عليها كفارة الصيام وهي لا تستطيع الصوم، لأنها بين حمل ورضاعة لا تنفك عنهما، وهي كذلك غير واجدة للرقبة، فهل لها أن
تطعم؟
نظراً إلى حالها يجوز لها الإطعام في الكفارة. والله أعلم.
امرأة وضعت حملها بداية شهر رمضان وبعد الطهر قامت بالتكفير بدل
الصيام؟
عليها أن تقضي ما أفطرته وليس عليها أن تكفر. والله أعلم.
سماحة الشيخ امرأة لديها ولد، ترضعه هل يجوز لها الإفطار؟ وكذلك الحامل إذا كانت في شهرها الأخير؟
يباح للحامل والمرضع الإفطار مع الفدية والقضاء، إذا خافتا على (1/399)
صفحة 400
400
الفتاوى الصلا الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
الجنين والرضيع، أما إذا لم يكن هنالك محذور، فإن الصوم واجب عليهما.
والله أعلم. امرأة عليها بدل صيام تسعة أيام من شهر رمضان ولم تقض حتى رمضان الثاني، وصامت الثاني فماذا يجب عليها؟
عليها أن تقضي الأيام التسعة، وأن تطعم عن كل يوم مسكيناً. والله أعلم. امرأة عليها أربعة أيام قضاء رمضان فصامت يومين ثم أفطرت بسبب الدورة الشهرية ثم بَنَت وصامت اليومين الأخيرين، فهل عليها شيء؟ كان عليها أن القضاء تصوم في أيام لا يتخللها الحيض، أما وأنها صامتها حيث كانت تنتظر الحيض، ثم بنت على ما صامته بعد طهرها، فلا إعادة
عليها. والله أعلم.
امرأة نفست في أول شهر رمضان فأفطرت، ثم نسيت القضاء حتى
صامت رمضان من السنة الأخرى، فهل عليها مع القضاء الإطعام؟ عليها أن تصوم الحاضر وتقضي ما فاتها من بعد، ولا حرج عليها لأنها ناسية، ولا حرج على الناسي. والله أعلم.
هل يجوز أن تستعمل المرأة حبوب منع الحيض في شهر رمضان؟ قد جعل الله لهن مخرجاً وهو القضاء، فلا ضرورة لاستعمال حبوب منع الحيض، وفي هذه الحبوب ما لا يخفى من المضار. والله أعلم.
رجل منع زوجته عن صيام شهر رمضان المبارك الواجب عليها صومه، وكذلك عن حج بيت الله الحرام، والسبب في ذلك خوفاً على رضيعها؟ إن كان الصوم يؤدي إلى ضرر بها أو برضيعها فلتفطر وتطعم عن كل (1/400)
صفحة 401
فتاوى الصوم
401
مع ذلك، وكذلك الحج لا مانع
يوم مسكيناً، والخلاف في وجوب القضاء تأخيره إلى وقت استغناء الطفل عنها. والله أعلم.
من
طالبة صامت لتقضي ما عليها من رمضان الماضي، فأفطرت في إحدى الأيام صباحاً من أجل مشاركة زميلاتها في رحلة تسافر فيها إلى مسقط، فما حكم إفطارها مع أنها جاهلة للحكم؟
بما أنها جاهلة للحكم، وقد أفطرت لأجل السفر، فما عليها إلا قضاء اليوم الذي أفطرت فيه. والله أعلم.
ما قولكم فيمن صام شهر رمضان، وفي ليلة استيقظ لتناول السحور ثم أحس بغثيان فقاء ما في جوفه، وكان الفجر قد بزغ ضوؤه، فنوى الإفطار، فماذا يلزمه؟
إذا كان مضطراً إلى الإفطار لمرض أو جوع لا يطيق معه الصوم فما عليه إلا قضاء يومه، وأما إذا كان غير مضطر فحكمه حكم العامد، وعليه فيلزمه قضاء ما صامه من الشهر مع اليوم الذي أفطر فيه (1)، كما تلزمه الكفارة لهتك حرمة صومه. والله أعلم.
رجل لم يصم مدة عشر سنوات بدون سبب، فماذا عليه؟
عليه قضاء العشرة الأشهر التي لم يصمها، وعليه الكفارة، قيل: لكل يوم كفارة، وقيل: لكل شهر، وقيل: تجزي، واحدة وهذا أوسع الأقوال، وهي عتق رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فمن لم يستطع فإطعام ستين
مسكيناً. والله أعلم.
(1) هذا القول بناء على ما كان يفتي به سماحته سابقاً أن رمضان فريضة واحدة. (1/401)
صفحة 402
ما قولكم فيمن أكل يوم الشك متعمداً بعد صحة الخبر؟
من أكل في اليوم الذي يشك فيه بعد ثبوت هلال رمضان فقد باء بوزره، وعليه ما على من تعمد الأكل في رمضان من القضاء والكفارة، وهي إما عتق رقبة، أو صوم شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً (1)، هذا إن أكل مع ثبوت هلال رمضان عنده أما إذا لم يتعمد الأكل في نهار الصوم، وإنما أكل لعدم قيام الحجة عنده بهلال الشهر فعليه القضاء دون الكفارة.
عامداً
والله أعلم.
رجل في سن الخمسين أفطر يوماً من رمضان في أيام شبابه، فماذا عليه؟ عليه قضاء ما أفطر مع الكفارة، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام
شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً. والله أعلم.
ما قولكم في الرجل الكبير في السن والملازم للمرض، ورمضان مقبل على الأبواب فكيف يفعل في حالة الإطعام، وما هو المقدار الذي يوزعه على الفقراء من الطعام، وإذا أراد دفع مبالغ فما هو المقدر مع سماحتكم لكل يوم. نرجو الإفادة ولكم من الله عظيم الأجر والثواب.
غداءه
إن عجز عن الصيام فليدفع فدية وهي إطعام مسكين عن كل يوم وعشاءه أو فطوره وسحوره، وإن أعطى له طعاماً ما فمقداره نصف صاع لكل واحد ويقدر بكليو جرام وثمانين جراماً، وإن أراد دفع النقد فذلك مما ينبغي الاحتياط فيه لأنه لم يقله أحد من العلماء السابقين فهي رخصة والرخص تحتاج إلى احتياط، لذلك نرى أن يدفع لكل مسكين ريالاً عُمانياً ونصف ريال. والله أعلم.
(1) هذا القول بناءً ما كان يفتي به سماحته أن الكفارة على التخيير. (1/402)
صفحة 403
فتاوى الحج (1/403)
صفحة 404
[صفحة فارغة] (1/404)
صفحة 405
الإحرام:
فتاوى الحج
405
فيمن قدم بالطائرة إلى جدة قاصداً مكة المكرمة، هل له أن يحرم. الميقات الذي يحرم منه أهل جدة أم لا؟
الصحيح أن يحرم من قبل، لأن جدة داخلة في المواقيت. والله أعلم. إذا سافر الرجل المريد للحج أو العمرة من عُمان إلى جدة بالطائرة، ثم ذهب مباشرة من جدة إلى مكة المكرمة بالسيارة لأداء العمرة، فمن أين
يحرم؟
يحرم من آخر مطار يطير منه، فإن كان يطير من مسقط ولا ينزل في أي مكان بعد ذلك إلا في جدة فليلبس ثوبي إحرامه في مسقط وليتجرد من ثيابه المعتادة، وإن كان يطير من الرياض كذلك، وإن كان يطير من البحرين فكذلك، ولا يعني ذلك أنه يجب عليه أن يحرم قبل الميقات، ولكن هذا من باب الاحتياط لئلا يجاوز الميقات وهو على غير إحرام، وإن كان يعرف مكان الميقات وهو على ظهر الطائرة ويتمكن من التجرد من ثيابه المعتادة قبل أن يتجاوز الميقات فلا حرج عليه في ذلك، وعلى أي حال فإنه يلبي بالعمرة أو بالحج قبل أن يتجاوز الميقات. والله أعلم.
ما قولكم فيمن أراد العمرة، فذهب بالطائرة إلى جدة ثم المدينة ثم عاد بالطائرة إلى جدة، ثم عن طريق البر إلى مكة المكرمة، من أين يحرم
هذا المعتمر، وإذا أحرم في الميقات الثاني ولم يحرم بالميقات الأول هل عليه شيء؟
يحرم في حال انطلاق الطائرة من المدينة المنورة. والله أعلم. (1/405)
صفحة 406
406
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
حسب ما علمنا فإنه لا يمكن لشخص دخول مكة إلا وهو محرم بالعمرة، ولكننا سمعنا بالأمس بعد أن اجتمعنا مع المقاول أنه سيخرج بنا من المدينة ذاهباً إلى مكة يوم التروية وسنفرد بالحج فقط، فهل تلزمنا العمرة وهل يلزمنا الاعتمار بعد الحج؟
لا يلزمكم التمتع فأفردوا الحج، وإن شئتم الاعتمار من بعد فبعد أيام التشريق. والله أعلم.
خرج رجل لأداء الحج بنية التمتع بالعمرة إلى الحج، فلما وصل الميقات أحرم من الميقات وردد تلبيته: لبيك اللهم بحجة وعمرة) ثم طاف وسعى وقصر وحل إحرامه وبقي حتى يوم التروية، ثم أحرم بالحج وفعل مناسك الحج جميعها بما فيها الهدي، فما الحكم في
ذلك؟
هو متمتع ويلزمه هدي التمتع، فإنه ولو أحرم بالحج والعمرة يجوز له التحلل من إحرامه بعمرة، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في حجة الوداع. والله أعلم. رجل أراد السفر إلى الحج أو العمرة من عُمان إلى جدة، ثم ذهب من جدة إلى المدينة المنورة بالطائرة لقضاء الزيارة ثم عاد إلى جدة بالطائرة ليذهب بعدها إلى مكة المكرمة بالسيارة لأداء العمرة، من أين يحرم هذا الرجل؟
يحرم قبل ركوبه الطائرة من المدينة، ولا حرج إن لبي بعدما تسير به الطائرة، ولكنه يتجرد من ثيابه المعتادة في ثوبي إحرامه قبل ركوب الطائرة،
لئلا تمر به الطائرة على الميقات وهو في غير حالة الإحرام. والله أعلم.
هل يجوز الاستحمام أو تبديل ملابس الإحرام بعد النية للذهاب إلى منى وعرفة وقبل النحر؟
نعم، ذلك جائز مع اجتناب ممنوعات الإحرام. والله أعلم. (1/406)
صفحة 407
فتاوى الحج
407
هل يجوز شك الإحرام بإبرة كي لا يقع؟ يكره ذلك لما فيه من التشبه بالمخيط. والله أعلم.
هل للمسلم الإفراد بالحج ولم يسبق له أداء العمرة؟
لا مانع من ذلك. والله أعلم.
ما حكم نية التلبية وقد وجبت فريضة الصلاة هل تكون قبل الصلاة أو
بعدها؟
الأولى الشروع في التلبية بعد صلاة سواء كانت فرضاً أو سنة. والله أعلم.
ما هي الطريقة الصحيحة في لبس الرجل الإحرام؟
لبس الإحرام يكون بالاتزار والارتداء، وترك المخيط والمحيط، والارتداء بمخالفة جانبي الرداء على المنكبين والاضطباع الذي اعتاده الناس في الإحرام خطأ إلا في حال الطواف في الثلاثة الأشواط الأولى وصفته تعرية المنكب الأيمن وإدارة الرداء تحت المنكب. والله أعلم.
رجل نسي
مالاً بمكة المكرمة وتذكر بعد توديعه وخروجه من مكة، فهل يرجع مكة محرماً ولو كان ذلك اليوم من أيام التشريق، ثم إذا تأخر صاحب المال فتبعه رجل آخر فهل عليه ما على الأول من إحرام؟
لا يلزمهما أن يحرما لدخول مكة إن لم ينويا العمرة. والله أعلم.
ما قولكم فيمن أحرم بالحج في غير أشهر الحج؟
قيل: إن أحرم بالحج في غير أشهره تحول إحرامه إلى عمرة، وقيل: بل
يبطل. والله أعلم. (1/407)
صفحة 408
408
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
هل توجد نية لفظية على الحاج أو المعتمر عند وصوله إلى الميقات الشرعي ويريد الإحرام، سواء عن نفسه أو عن غيره، وما هي إذا كانت
موجودة؟
النية هي بالقلب لا باللسان، وإنما التلبية تكون نطقاً لا استحضاراً.
والله أعلم.
هل يجوز لبس الساعة والحزام للمحرم؟
الحاجة
لا يلبس المحرم الحزام إلا إن اضطر إليه لشد إزاره وحفظ نقوده، والأحوط له أن لا يلبس الساعة، وإن ترخص بعض العلماء فيها إليها لمعرفة الوقت. والله أعلم.
هل يجوز طبخ الطعام بماء الورد والزعفران للمحرم؟
مع
إن كان الطبخ استهلك الطيب في المأكول والمشروب فلا مانع منهما للمحرم، وإن كان أثرهما ظاهراً فيحرم استعمالها عليه. والله أعلم.
هل يجوز التطيب قبل الإحرام وهل يعمل به عند أصحابنا، فقد روت السيدة عائشة قالت: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت؟ نرجو توضيح ذلك لنا عند الإحرام وقبل طواف الإفاضة؟
القول المعمول به عند أصحابنا وأكثر المذاهب الأخرى أن الطيب قبل
الإحرام لا يمنع إن غسل، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما طيبته عائشة ليلة مبيته بذي الحليفة بحجة الوداع واقع نساءه جميعاً واغتسل من الجنابة بعد الوقاع، وبهذا يجمع مطلق الروايات ومقيدها. والله أعلم. (1/408)
صفحة 409
فتاوى الحج
409
أرغب أن أعتمر في شهر رمضان المبارك لما لها من فضل، وأنويها عمرة واجبة متمتعاً بها للحج، ثم أعود إلى بلدي، وعند عودتي للحج في اليوم الثامن منه أحرم بالحج ولا أعتمر، فهل يلزمني هدي، لقوله تعالى: {فَمَن تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجَ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي} [البقرة: 196] فهل يجوز ذلك؟ تكرموا علينا بالإجابة أكرمكم الله بثوابه.
لي
لا يلزمك الاعتمار إن قصدت الإفراد بالحج وقد اعتمرت من قبل، ولا تكون متمتعاً باعتمارك في رمضان، لأن رمضان قبل أشهر الحج، فلا يجب عليك الهدي. والله أعلم.
ما قولكم في المتمتع إذا أراد أن يخرج إلى جدة هل يصح له ذلك، وهل جدة من الحل أم من الحرم، فإذا كانت من الحل فماذا يفعل إذا أراد الرجوع إلى مكة؟
لا مانع من ذلك، وليس عليه إحرام لدخوله مكة، وإن كانت جدة من
الحل. والله أعلم. (1/409)
صفحة 410
410
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
الطواف:
سئل أبو عبيدة رحمةالله عمن طاف للحج أو العمرة فشك هل طاف أربعة أشواط أو خمسة أو ستة أو سبعة فأجاب بأنه يبني على الأقل ويكمل الطواف ويصلي ركعتين ويعيد الطواف ولا يجزؤه ذلك حتى يتيقن أنه طاف سبعة أشواط، وليس كالصلاة إذا دخله الوهم هل صلى ثلاث ركعات أو أربعاً إنه يبني على الأقل ويزيد الركعة ويسجد للسهو. فإذا كان كذلك فما الحكمة من ذلك وما الفرق بين الصلاة والطواف في
الشك؟
قيل: لا فرق بينهما بل يبني على الأقل في كليهما وهو الأظهر، وقيل: بالتفرقة التي ذكرها أبو عبيدة رحم الله، وهي مبنية على الاحتياط، ولم أجد دليلاً يدل عليها. والله أعلم.
رجل أو امرأة بلباس الإحرام لمسا الحجر الأسود والركن اليماني وكساء الكعبة، ما حكم لمس الطيب من هذه الأشياء؟
أما الحجر الأسود والركن اليماني فبما أنه يسن لمسهما فإنه لا حرج عليه إن لمسهما مع عدم تيقنه وجود الطيب المؤثر فيهما، فإن علق به شيء فليغسله ولا حرج عليه. والله أعلم.
وقع في يد زميلي كتيب أثار فيه مؤلفه شبهات حول الحجر الأسود، فقد وردت أحاديث تحث على استلامه وتقبيله زاعماً أن هذه الأحاديث تنافي دعوة الإسلام للتوحيد ونبذ الأوثان، فما رأيكم في هذا الموضوع؟ تقبيل الحجر الأسود واستلامه أمران ثابتان بالسنة الصحيحة عن (1/410)
صفحة 411
فتاوى الحج
411
رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لم نعرف الإسلام إلا عن طريقه، ولذلك فرض الله تعالى علينا اتباعه وجعله من مقتضيات الإيمان، حيث قال سبحانه: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنِ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: (36] وقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]، وقد انعقد إجماع الأمة على مشروعية تقبيل الحجر ولمسه، وعليه فدعواه أن ذلك ينافي دعوة الإسلام لنبذ الأوثان ضلال وكفر، فشتان ما بين من يأتي ذلك طاعة الله ورسوله ـ وهو معتقد أن الحجر لا ينفع ولا يضر ـ وبين من يقدس الأوثان التي نهى الله عن الاقتراب منها، والفارق بين الوثنية والإسلام أن المسلم لا يفعل شيئاً إلا بقصد الطاعة الله، انطلاقاً من أوامره فطوافنا بالكعبة المشرفة وصلاتنا إليها إنما هي عبادة الله لا لها، فالله هو الآمر بذلك، وأما الوثني فيأتي ما يأتيه من غير شرع من الله، ولا لقصد عبادته بل لعبادة الوثن، الذي يعتقد أنه بإمكانه أن يضره أو ينفعه أو أن يقربه إلى الله. والله أعلم.
ما معنى الرمل؟ وهل يجب على الحاج أن يرمل وكيف؟ الرمل هو المشي بقوة وإسراع وهو من السنن الثابتة في السعي بين العلمين الأخضرين، وثبت أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم في طواف القدوم في الأشواط الثلاثة الأولى، واختلف في بقاء حكمه، فقيل به وقيل بعدمه، لأن النبي فعله ليري المشركين القوة والنشاط. والله أعلم.
هل يكون هناك رمل في العمرة ممن يعتمر وهو يسكن بمكة وليست
عمرة القدوم؟
نعم،
لأن حكمه حكم طواف القدوم. والله أعلم. (1/411)
صفحة 412
412
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
ما حكم الرّمل؟ وفي أي الأشواط يكون؟
هو مسنون ـ على الراجح - في الأشواط الثلاثة الأولى من طواف القدوم. والله أعلم.
ما قولكم في ركعتي الطواف هل يصح أداؤهما بعد صلاة الفجر وقبل طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر وقبل غروب الشمس؟ أفتنا ولك الأجر. نعم، إن طاف في هذين الوقتين لأنها صلاة ذات سبب، ولا مانع من الصلاة ذات السبب في هذين الوقتين. والله أعلم.
هل يجوز تأخير ركعتي الطواف إذا كان ذلك الوقت لا تجوز فيه الصلاة؟ لا مانع من تأخير ركعتي الطواف بل هو الواجب، إن لم يكن الوقت تباح فيه الصلاة والله أعلم.
ما هي الأوقات التي لا تصح فيها الصلاة إطلاقاً حتى سنة الطواف؟
هي
الطلوع والغروب والاستواء في الحر الشديد. والله أعلم.
ما قولكم في الطواف بالطابق الثاني؟
لا
ينبغي أن يطاف في الطابق الثاني إلا مع تعذره في الطابق الأرضي.
والله أعلم.
هل يجب على من أراد الطواف بالبيت العتيق خلع نعليه، وأن لا يطوف إلا حافياً، ويمنع من حملهما في يده أو تحت إبطه في حال الطواف؟ لا يلزم الطائف بالبيت أن يخلع نعليه، ولا يمنع من حملهما في يده أو تحت إبطه. والله أعلم. (1/412)
صفحة 413
فتاوى الحج
413
ما قولكم في الطواف بالبيت بالحذاء للحاج والمعتمر؟ لا مانع إن كان طاهراً غير مغط للقدم في حال الإحرام. والله أعلم.
ما حكم الاضطباع وفي أي الأشواط يكون؟
قيل: في الأشواط الثلاثة الأولى، وقيل في جميع أشواط الطواف. والله أعلم. هل عند الإحرام بالحج أو العمرة وأثناء الطواف يكشف المحرم عن
كتفه الأيمن، ثم بعد الطواف يغطي كتفه أم يظل الكتف مكشوفاً؟ الاضطباع المسنون هو في الثلاثة الأشواط الأولى لا في الأشواط الأخرى. والله أعلم.
ما قولكم في الطواف والسعي فوق سطح الحرم؟ أما الطواف في سطح المسجد الحرام فإن الطائف لا يحاذي فيه شيئاً من البيت الحرام، إذ المطاف يكون أعلى من البيت لذلك لا أرى وجهاً له، وأما السعي فإن لم يجد سعة للسعي في الأرض فلا عليه أن يسعى في السطح. والله أعلم.
حرج
هل يجوز الطواف بالبيت الحرام والإمام يخطب الجمعة؟
هو خلاف الأولى إن قصد التجميع). والله أعلم.
هل المفرد بالحج يطوف طواف القدوم؟ وهل يمنع من لم يسق الهدي
أن يجعل حجه إفراداً؟
اختلف في طواف القدوم للمفرد، والراجح مشروعيته من غير
(1) أي أراد أن يصلي الجمعة معهم. (1/413)
صفحة 414
414
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
إن أتى إلى مكة قبل ذهابه إلى منى ويجوز الإفراد لمن لم يسق الهدي.
والله أعلم.
هل يجب تقبيل الحجر الأسود أو الإشارة إليه من بعيد، وكذلك الركن
اليماني؟
أما الحجر الأسود فيقبل، فإن تعذر فليمسح فإن تعذر أشير إليه، وأما
الركن فيمسح مع الإمكان، ولا يقبل ولا تجب الإشارة إليه. والله أعلم. (1/414)
صفحة 415
فتاوى الحج
415
طواف الإفاضة:
ما هو الوقت المحدد لطواف الإفاضة؟
هو بعد التحلل يوم النحر، ولا بأس بتأخيره ولو عشرة أيام. والله أعلم.
ما قولكم في تأخير طواف الإفاضة إلى ما بعد يوم النحر؟
لا مانع من تأخير طواف الإفاضة إلى ما بعد يوم النحر، بل حتى ولو بعد أيام التشريق. والله أعلم.
ما قولكم فيمن طاف طواف الإفاضة، ثم نام في مكة في النهار، ورجع في المساء إلى منى؟
ذلك خلاف الأولى، ولا يلزمه شيء. والله أعلم.
هل يجوز للحاج أن يأكل بعد طواف الإفاضة؟
لا مانع من الأكل والشرب بمكة بعد طواف الإفاضة، وإنما شدد بعض العلماء في القيلولة، والراجح جوازها، لعدم وجود الدليل الدال على المنع.
والله أعلم.
رجل حج، ولما وصل إلى بلده تبين له أنه طاف طواف الإفاضة ستة أشواط فقط، فماذا يلزمه؟
إن كان لم يجامع أهله ورجع إلى الحرم وأعاد طواف الإفاضة في عامه تم حجه ـ على رأي بعض العلماء، وهو أرخص ما قيل في المسألة، وإن كان غير ذلك فلا بد من إعادة الحج. والله أعلم.
ماذا على من لم يطف طواف الإفاضة جهلاً؟ (1/415)
صفحة 416
416
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
من لم يطف طواف الإفاضة حتى رجع بطل حجه، وعليه الحج من قابل، لأن طواف الإفاضة ركن من أركان الحج. والله أعلم.
فيمن أحرم مقرناً وقد جاء متأخراً يوم عرفة في آخر النهار، ولم يدخل مكة لكي يطوف بالبيت، فما حكم عمرته وحجه؟
قيل: يجزؤه طوافه لحجه وعمرته، وهو الذي يدل عليه حديث
عائشة. والله أعلم. (1/416)
صفحة 417
طواف الوداع
فتاوى الحج
417
ما قولكم فيمن زار مكة المكرمة لتأدية مناسك العمرة، ولكنه عند مغادرته مكة لم يطف طواف الوداع، فماذا عليه أفدنا أفادكم الله من واسع علمه؟
ودمتم ذخراً ومرجعاً للأمة الإسلامية؟
الأرجح أن العمرة كالحج من هذه الناحية، فمن لم يطف طواف الوداع عند مغادرته للبيت بعد العمرة فعليه دم. والله أعلم.
امرأة لما انتهت من أداء مناسك الحج رجعت إلى بلدها دون أن تودع.
فماذا عليها؟
على من لم تطف طواف الوداع دم ترسله إلى الحرم ليذبح هناك.
والله أعلم.
ماذا على من ترك طواف الوداع؟
عليه دم، وإنما يرخص للحائض. والله أعلم.
ماذا على من طاف طواف الوداع للحج ولم يكمل سبعة أشواط؟ عليه أن يعيد طوافه، وإن لم يعده حتى خرج من مكة فعليه دم.
والله أعلم.
ما قولكم فيمن ودع البيت ثم رجع إلى محل إقامته فأكل وشرب ونام
فماذا عليه؟
عليه أن يعيد طواف الوداع، فإن لم يعده حتى سافر فعليه دمّ.
والله أعلم. (1/417)
صفحة 418
418
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
هل يجوز للحاج أن يشتري ويأكل ويشرب بعد طواف الوداع في داخل
الحرم؟
أما الشراء فلا يشتري في داخل الحرم بعد الوداع، وأما الأكل والشرب ففيهما خلاف، والأحوط تركهما. والله أعلم.
هل يمنع شرب الماء من مكة المكرمة على من طاف طواف الوداع قاصداً الرجوع إلى وطنه؟
القول الصحيح أنه لا مانع من شرب الماء بعد طواف الوداع. والله أعلم.
هل يجوز للحاج أن يشتري من مكة بعد طواف الوداع؟
يمنع الحاج من البيع والشراء بعد طواف الوداع، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس عند الانصراف أن يكون آخر عهدهم بالبيت والبيع والشراء بعده مخالفة لهذا الأمر. والله أعلم.
إذا أتى الحاج إلى بيت الله الحرام وودع، ولما خرج أحس بالرغبة إلى الأكل والشراب، ولكنه لم يجدهما إلا بالشراء، فاشترى وأكل، فهل عليه شيء؟ البيع والشراء ممنوعان بعد الوداع، ومن فعلهما أو أحدهما أعاد الوداع إلا لحاجة كتزود الزاد لطريقه. والله أعلم.
في
إذا أراد الحاج أن يخرج من مكة المكرمة وأتى إلى البيت وودع، وخرج من المسجد الحرام وأكل وشرب من غير أن يشتري فهل عليه شيء؟ لا حرج على المودع إن أكل أو شرب على الراجح، وإن شدد بعضهم ذلك، وإنما يمنع من البيع والشراء. والله أعلم. (1/418)
صفحة 419
فتاوى الحج
419
هل يجوز شراء المأكولات والمشروبات بعد طواف الوداع؟
للمودع أن يشتري زاده فقط. والله أعلم.
ما قولكم فيمن طاف طواف الوداع، وقبل أن يخرج من مكة اشترى شيئاً من المرطبات فشربها. فهل يلزمه شيء؟
من اشترى بعد طواف الوداع فعليه إعادة الطواف إلا لحاجة. والله أعلم. ما قولكم فيمن ودع البيت الحرام ونام في منزله، وبقي إلى وقت الظهر، واشترى طعاماً لغدائه، هل في ذلك من بأس؟
من ودع البيت ليس له أن يبقى بعد ذلك إلا لضرورة لا محيص عنها،
ذلك لأنه يؤمر أن يكون آخر عهده في مكة بالبيت الحرام. والله أعلم.
أعاد
هل يصح بعد وداع البيت الحرام الأكل والشرب للحاج وهو في مكة، لأن سيدنا عمر بن عبد العزيز الله ودع البيت، ثم كتب رسالة ثم طواف الوداع، فما قولكم في ذلك؟ إعادة الطواف من باب الاحتياط، وقد بالغ بعض العلماء فأوجبوا الدم على من أكل أو شرب، والراجح عدم وجوب ذلك. والله أعلم.
إذا كان الحاج مريضاً ولا يستطيع أن يطوف طواف الوداع، فهل يلزم أن يحمل ويطاف به، أم يدخل البيت الحرام ويشير بيده إلى البيت فقط؟. أفتني ولك الشكر.
طواف الوداع لا بد منه للحاج، وإنما رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للحائض في ترکه، كما جاء في حديث ابن عباس عند الشيخين، ولا تغني عنه الإشارة
إلى البيت الحرام، ولا بأس بحمل المريض في حال الطواف. والله أعلم. (1/419)
صفحة 420
420
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
امرأة خرجت لأداء فريضة الحج وأدت جميع المناسك ـ والحمد الله ـ،
إلا أنها أدركتها الحيضة عند طواف الوداع، فهل عليها دم؟
ليس عليها دم لأن الحيض عذر يمنع من الطواف، ويسقط به طواف الوداع بنص الحديث. والله أعلم.
من
طاف ثلاثة أشواط ولم يستطع إكمال الأشواط السبعة من طواف
الوداع بسبب الزحام ماذا عليه؟
عليه أن
يتم ما بقي ويبني على ما تقدم - إن لم يفسد وضؤوه ـ، فإن
فسد أعاد الطواف. والله أعلم.
ما رأيكم فيمن طاف أربعة أشواط من طواف الوداع ثم خرج خارج المسجد ليستريح ثم عاد ليتم الأشواط الباقية، ولم يستطع لشدة الزحام
الطواف في صحن الطواف، وطاف في المسجد فهل عليه شيء؟
لا
حرج
عليه كما تقدم. والله أعلم.
بعدما يطوف الحاج بالبيت طواف الوداع ويبقى متهيئاً للرحيل، هل له أن يصلي سنة الضحى أو يتصل هاتفياً أو يزود سيارته بالوقود؟
كل ما ذكر في هذه المسائل الثلاث مباح بعد طواف الوداع، فالصلاة ولو نفلاً والاتصال بالهاتف لا يؤثران على طواف الوداع، وكذلك شراء ما يحتاج إليه في السفر من وقود وغيره. والله أعلم.
هل يجوز وداع البيت الحرام قبل صلاة الجمعة بحيث أن المودع يغادر
بعد صلاة الجمعة؟
لا مانع من ذلك والله أعلم. (1/420)
صفحة 421
فتاوى الحج
421
ما حكم من اشترى نعالاً وهو ناس بعد طواف الوداع؟
إن كان مضطراً إليها ليلبسها في طريقه فلا حرج عليه والله أعلم.
ما حكم من اشترى ماءً بعد طواف الوداع وهو غير ناس ولكنه في حالة
عطش؟
لا حرج عليه والله أعلم.
عن جماعة من المسلمين ذهبوا إلى الديار المقدسة لأداء العمرة وأدوا جميع المفروضات والمسنونات ما عدا طواف الوداع، لأجل أن واحداً من بين هؤلاء الجماعة قال لهم لا يلزم علينا ذلك، فرجعوا إلى وطنهم،
فهل يلزمهم شيء لعدم تأديتهم طواف الوداع؟
عليهم دم لتركهم طواف الوداع والله أعلم. (1/421)
صفحة 422
422
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
السعي بين الصفا والمروة
ما قولكم في الحاج أو المعتمر إذا طافا بالبيت وسعيا، هل لهما الارتياح خلالهما لكبر سن أو مرض؟
والسعي.
ليس عليه في ذلك حرج، وإن طال الفاصل بين الطواف والـ
والله أعلم.
إذا طاف طائف بالبيت أو سعى بين الصفا والمروة وزاد شوطاً أو شوطين، خطأ لا عمداً، هل في ذلك بأس؟
إن كانت الزيادة خطأ فلا حرج عليه، وإنما استحسنت الإعادة احتياطاً.
والله أعلم.
ما حكم الإسلام فيمن ترك السعي أثناء تأدية الحج؟
اختلف في حكم السعي، قيل: هو فرض وقيل سنة واجبة، وقيل: نفل، وعلى الأول فمن تركه فسد حجه، وعلى الثاني فعليه دم وهو رأي أكثر علماء المذهب، وعلى الثالث لا شيء. والله أعلم.
رجل أغمي عليه بعد طواف الإفاضة، فلم يتمكن من السعي بين الصفا والمروة؟ فما حكم حجه؟ علماً بأنه رجع إلى وطنه، وهو لم يسع بين الصفا والمروة؟
ذهب أكثر أصحابنا إلى أن السعي سنة تجبر بالدم، وعليه فحجه تام وعليه دم. والله أعلم.
هل يجوز السعي بين الصفا والمروة بدون وضوء؟ (1/422)
صفحة 423
فتاوى الحج
423
نعم يجوز ذلك لعدم اشتراط الوضوء في السعي. والله أعلم.
ما قولكم في صحة عمرة من طاف بطهارة، وسعى بدون طهارة؟ لا تشترط الطهارة في السعي، وإنما تشترط في الطواف، وعليه فعمرته صحيحة. والله أعلم.
ما حكم من سعى بادئاً بالمروة مختتماً بالصفا ثم تحلل بعد ذلك؟ يعود إلى إحرامه، ويكمل سعيه ملغياً الشوط الأول الذي بدأ من المروة إلى الصفا، وعليه فديتان إحداهما للبسه المخيط والثانية لحلقه أو تقصيره.
والله أعلم.
ما حكم من سعى في جهة واحدة من الصفا إلى المروة ذهاباً وإياباً؟ لا مانع من ذلك، فإن تقسيم المسعى إنما هو من أجل التيسير، وهو أمر حادث لم يكن من قبل. والله أعلم.
إذا سعى خمسة أشواط ولم يتذكر إلا بعد أن تحلل فماذا عليه؟
يعود إلى إحرامه ويتم سعيه وعليه فدية والله أعلم.
هل الصعود على جبلي الصفا والمروة من شروط السعي؟ وهل فرق بين الذكر والأنثى؟
هو من السنة للذكور. بقدر ما يرى أحدهم الكعبة. والله أعلم.
إذا لم يستطع الساعي بين الصفا والمروة قراءة الذكر المأثور على جبلي الصفا والمروة، فهل يقرؤه أثناء سيره بينهما؟
لا مانع من ذلك. والله أعلم. (1/423)
صفحة 424
424
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
ما حكم سعي المرأة التي حاضت بعد الطواف هل يجوز أم لا لكون مكان السعي الآن داخل المسجد الحرام؟
أما السعي فلا تمنع منه الحائض، وأما دخول المسجد فهو المحجور عليها، وينبغي النظر في المسعى هل هو داخل في المسجد أو لا. والله أعلم. (1/424)
صفحة 425
الحلق والتقصير
فتاوى الحج
425
فيمن اعتمر وبعد أن انتهى من مناسك العمرة لبس المخيط سهواً، وبعد مدة قصيرة أسرع إلى الحلق والتقصير، ولكنه لم يخلع لبس المخيط بل قصر به. فماذا عليه؟
من أحرم لحج أو عمرة ولبس المخيط بعد المناسك قبل الحلق لزمته فدية. والله أعلم.
ما قولكم في حلق أو تقصير الرجل نفسه بنفسه للتحلل من الإحرام
بالحج أو العمرة؟
ذلك، لا مانع من
مع أنه يكره كراهة تنزيه مع وجود من يقوم بذلك من
غير المحرمين. والله أعلم.
هل يصح للحاج أو المعتمر أن يحلق أو يقصر لنفسه بنفسه؟ وإن فعل ذلك عمداً ماذا عليه؟
لا حرج على المحرم إن حلق أو قصر لنفسه بعد أداء المناسك. والله أعلم.
هل يمكن للحاج أو المعتمر الحلق أو التقصير لغيره قبل أن يحلق أو يقصر وإذا حلق أو قصر لغيره ماذا عليه؟
لا يحرم ذلك، وإنما يكره كراهة تنزيه. والله أعلم.
حلق بعضنا بعضاً بعد انتهاء العمرة استناداً على فتوى الإمام محمد بن عبد الله الخليلي رحم الله من كتاب الفتح الجليل» إذ يقول: (يحلق المحرم (1/425)
صفحة 426
426
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
محرماً بعد الانتهاء من أعماله، وكذلك يحلق لعلة في رأسه) انتهى ماذا
أنتم قائلون؟
لقد أصاب الإمام رحم الله، إذ لا دليل على المنع من ذلك، وفي المنع حرج شديد. والله أعلم.
ما الذي يحل أو يصح أن يفعله الحاج بعد الحلق والتقصير؟
كل شيء إلا الجماع. والله أعلم.
ماذا على من قدّم الحلق على الهدي والرمي؟
في ذلك خلاف بين العلماء قيل من فعل ذلك ناسياً فلا
وهو الراجح لحديث: «ارم ولا حرج، وقيل: يلزم من فعل شيئاً على أي حال. والله أعلم.
حرج
عليه،
ذلك من
دم (1/426)
صفحة 427
فتاوى الحج
427
الخروج من مكة إلى منى والعكس:
هل يلزم المبيت في منى لأهالي الحرم؟
يلزم المبيت بمنى كل أحد إلا السقاة والرعاة. والله أعلم.
إذا أردت التأخير وأنا حاج، ففي أي يوم أخرج من منى ومتى؟
إن كنت لم تتعجل في يومين فابق بمنى إلى اليوم الثالث عشر بعد زوال الشمس ورمي الجمار. والله أعلم.
متى يخرج الحاج من مكة إلى منى صباح يوم ثامن الحج أم بعد الزوال
من ذلك اليوم؟
يصح
لمن أحرم بالحج أن يخرج إلى منى في يوم التروية صباحاً أو بعد الزوال، لا حرج عليه في ذلك كله، وإنما يسن له أن يصلي جميع الصلوات الخمس بمنى. والله أعلم.
ما قولكم في أناس أحرموا للحج من مكة، وأفاضوا في ليلة ثامن وأصبحوا في منى من كثرة الزحام في ذلك اليوم، فهل جائز ذلك كونهم قدموا الإفاضة؟
لا مانع من تقديم الإحرام للحج قبل يوم التروية، كما أنه لا مبيت ليلة التروية بمنى. والله أعلم.
يمنع أيضاً
وجدنا أناساً يحرمون في اليوم السابع من ذي الحجة بعد صلاة المغرب في يوم التروية، ويبيتون في منى محرمين فهل هذا جائز أم عندهم رخصة في ذلك، أم فيه خطأ؟ (1/427)
صفحة 428
428
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
لا إثم عليهم إن أحرموا في اليوم السابع أو ما قبله، كما لا إثم عليهم في مبيتهم بمنى قبل يوم التروية. والله أعلم.
هل يجوز للحجاج مغادرة منى في الساعة الحادية عشر صباحاً، للعلم أنهم وكلوا ناساً ليرموا عنهم الجمرات، وذلك في يوم 12 من ذي
الحجة؟
لا يجوز للمتعجل أن يخرج من منى ثاني أيام التشريق إلا بعد الزوال، وكذلك المتأخر في آخر أيام التشريق والله أعلم.
هل يجوز الأكل والنوم والصلاة في مكة في النهار في أيام التشريق، وذلك بعد رمي الجمار؟ أفدنا جزاكم الله خيراً.
لا مانع من الأكل والشرب والصلاة بمكة للحاج عندما يذهب إليها من منى لطواف الإفاضة أو لغرض آخر من الأمور الجائزة، ـ وإن كانت الصلاة في منى في خلال تلك الأيام أفضل من الصلاة في المسجد الحرام ـ وكذلك النوم نهاراً، وإنما يمنع المبيت خارج منى. والله أعلم. (1/428)
صفحة 429
الوقوف بعرفة:
فتاوى الحج
429
ما معنى الوقوف بعرفة؟ وكيف يجب أن يكون؟ وإلى أي وقت؟
6
الوقوف بعرفات هو الوجود بها للدعاء، والذكر وبدايته من بعد الزوال وأداء فرضي الظهر والعصر قصراً وجمع تقديم، ونهايته غروب الشمس، كل ذلك في اليوم التاسع من ذي الحجة، ومن أدرك قبل غروب الشمس الوقوف بعرفات قدر ما يأتي بالباقيات الصالحات فقد أدرك عرفات إجماعاً، واختلف فيمن أدرك ذلك ليلاً في ليلة النحر، والصحيح أن من أدرك الوقوف بعرفات ليلاً أو نهاراً ثم وقف بجمع ليلة النحر وأدرك ثمَّ صلاة الغداة فقد أدرك الحج، لحديث عروة بن مضرس المشهور. والله أعلم.
ما حكم من لم يقف بعرفة إلا بعد الغروب، ولحق الجمع بمزدلفة؟ تم حجه والله أعلم.
ما المقصود بعدم الخروج من عرفة قبل غروب الشمس، هل المقصود عدم الخروج من عرفة أم عدم مغادرة المكان الذي أقام فيه الحاج حال وقوفه؟ تمنع الإفاضة قبل غروب الشمس من، عرفات، وشدد علماؤنا في الانتقال من مكانه إلى غيره للإفاضة قبل الغروب، وجعلوه من الإفاضة. والله أعلم.
ما قولكم في الحاج إذا خرج من عرفة قبل غروب الشمس ولم يجاوزها ولكن في حدودها، وما رأي المذاهب الأخرى؟
ذهب أصحابنا والمالكية إلى أن الإفاضة قبل غروب الشمس تبطل (1/429)
صفحة 430
430
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
الحج، وذهب غيرهم إلى أنه يترتب على ذلك دم، ونص علماؤنا على أن الشروع في الإفاضة ـ ولو لم يخرج من حدود عرفات ـ تعد إفاضة له حكمها. والله أعلم.
ما قولكم فيمن نزل من عرفات قبل غروب الشمس؟
من أفاض من عرفات قبل غروب الشمس قيل: فسد حجه، إلا إن رجع إلى عرفات ووقف بها قبل غروب الشمس، ولو مقدار ما يأتي بالباقيات الصالحات، وقيل بعدم فساد حجه، ولكن عليه دم. والله أعلم.
عند الدفع من عرفة بعض الحجاج يقدمون النساء، فهل ذلك جائز؟
الرجال والنساء في الإفاضة من عرفات سواء. والله أعلم.
عن قول صاحب الإيضاح: «ومن فاته الوقوف بعرفات فعل بمنى ما يفعل الحاج ويرحل إلى بلده ولا يصيب النساء ولا الصيد حتى يحج من قابل هل عن أثر أو عن نظر وهل هذا القول معتبر لدينا أم أنه متروك؟
6
القول المذكور في الإيضاح في الذي يحرم بالحج ولا يقف بعرفات لعدم إدراكه ذلك أنه يأتي بما يدركه من أعمال الحج ولا يصيب النساء ولا الصيد هو قول لبعض أصحابنا، وليس عليه من دليل معروف عندنا، لذلك نرى الأخذ بخلافه. والله أعلم.
ما قولكم في العُمانيين الذين لم يقفوا في مخيمهم بعرفة في اليوم
التاسع ووقفوا في مكان آخر من عرفات، وذلك لكثرة الزحام؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وقفت ها هنا وعرفة كلها موقف»، فمن وقف في أي (1/430)
صفحة 431
فتاوى الحج
431
مكان من عرفات فقد أدى ما عليه من الوقوف والله يتقبل منه، ولا يختص بجزء من أرض عرفات دون آخر. والله أعلم.
هل يمكن للحاج أن يدعو بأدعية مأثورة، أو الأفضل أن يلبي يوم عرفة؟ كل ذلك جائز، وفي التلبية خير فلا ينبغي قطعها قبل رمي الجمرة يوم النحر. والله أعلم.
ماذا يفعل المريض إن لم يتمكن من الوقوف بعرفة؟
الحج عرفة، فمن لم يتمكن من الوقوف يوم عرفة ولا ليلة النحر فعليه أن يعيد حجه، أما إذا تمكن من الوقوف فوقف عشية يوم عرفة بعد الزوال وفي الليل قبل الفجر ولو بمقدار ما يأتي بالباقيات الصالحات فقد تم حجه، مع الإتيان بسائر المناسك. والله أعلم.
رجل ذهب مع حملة حج مكونة من ستين فرداً، وهم في عرفات خرجوا قبل غروب الشمس من المكان الذي وقفوا فيه، وضلوا في السير من زحمة الحجاج إلى نهاية عرفات ولم يخرجوا من حدود عرفات إلا بعد غروب الشمس وعند المبيت بالمزدلفة خرجوا منها بعد منتصف الليل، ورموا جمرة العقبة الكبرى يوم عاشر الساعة الثانية والربع من الليل، فهل عليهم شيء في هذا العمل؟
إن كانوا نووا بخروجهم من مكانهم الشروع في الإفاضة فعليهم دم من أجل ذلك، وعليهم دم لتركهم المبيت بالمزدلفة. والله أعلم. (1/431)
صفحة 432
432
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
مزدلفة والخروج منها:
متى يمكن للحاج أن يغادر المزدلفة؟ وماذا عليه أن يفعل هناك قبل أن يغادر؟
يغادر المزدلفة بعد صلاة الفجر، ويؤمر هناك المغرب والعشاء بجمع
تأخيراً، وأن يصلي هناك الفجر، ويذكر الله عند المشعر الحرام. والله أعلم.
هل يجوز للصحيح القادر كامل القوى أن يغادر المزدلفة قبل طلوع الفجر أو قبل طلوع الشمس؟ وهل يجوز للحاج سواء القادر الصحيح أو غيره أن يرمي جمرة العقبة في ليلة العاشر من ذي الحجة، لأن المعروف أن ابتداء الرمي يكون صباح يوم عاشر؟ وهل هناك فرق بين الأصحاء وبين أصحاب الأعذار؟
يغادر المزدلفة بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس، ويباح للنساء والضعفاء الإفاضة من المزدلفة بعد غروب القمر، وفي رميهم قبل طلوع الشمس جمرة العقبة خلاف، والأولى أن لا يرموا إلا بعد الطلوع. والله أعلم.
عمن ضل عن أصحابه في المزدلفة، فجعل يلتمسهم حتى أوشكت الشمس على الشروق - أو كادت - ولم يقطع وادي محسر ماذا عليه؟
على من لم يجاوز وادي محسر إلى أن طلعت الشمس دم إلّا إن كان مضطراً. والله أعلم.
عندما يدفع الناس من عرفة إلى مزدلفة بعض الناس لا يبيتون بالمزدلفة، وإنما يبيتون بمنى ويصلون بها الفجر، فهل ذلك جائز؟ وماذا على من يفعل ذلك؟ إن كانوا ضعفاء أو مصطحبين لنساء فلا مانع من إفاضتهم من المزدلفة
إلى منى بعد غروب القمر، كما جاء في حديث أسماء وغيره. والله أعلم. (1/432)
صفحة 433
فتاوى الحج
433
هل يجوز للحاج أن يخرج من المزدلفة للجمرات قبل صلاة الفجر؟ يجوز للنساء والضعفاء مغادرة المزدلفة إلى منى ليلة النحر بعد غروب القمر، بعد أن يذكروا الله عند المشعر الحرام على أن يرموا بعد طلوع الشمس. والله أعلم.
هل يجب على الحاج الذكر عند المشعر الحرام، وفي حالة عدم الذكر هل يجب عليه شيء؟ وهل المشعر الحرام مكان معين في مزدلفة أم مزدلفة كلها؟
نعم يجب عليه الذكر، لقوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتِ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198] والأمر للوجوب ما لم تكن قرينة صارفة عنه، ولا قرينة، ويجزي أي ذكر كدعاء وتهليل وتحميد وتلبية، فإن فعل أي شيء من ذلك سقط عنه الواجب، وما زاد فهو فضل، وإن لم يفعل شيئاً قط فعليه دم. والله أعلم.
رجل أصابته نجاسة في مبيته بالمزدلفة ولم يدرك الماء ليغتسل، هل يصح له التيمم لصلاته ودعائه عند المشعر الحرام؟
من أصابته النجاسة ولم يجد الماء فعليه أن يزيلها بما تمكن به إزالتها، والتيمم بعد ذلك لصلاته، ولا يمنع في هذه الحالة من ذكر الله بالمشعر الحرام أو بأي مكان آخر فإن الذكر لا تشترط له الطهارة التامة، بل لو كان المسلم جنباً فإنه يباح له الذكر. والله أعلم. (1/433)
صفحة 434
434
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
رمي الجمرات
هل توجد رخصة للحاج أن يرمي الجمرات أيام التشريق قبل الزوال، وكذلك إذا لم يجد فرصة في النهار، فهل يصح له الرمي بعد صلاة
العشاء؟
إن رمى بالليل فلا حرج عليه، وأما قبل الزوال فلا يخلو من حرج. والله أعلم.
ما هو الوقت المحدود لرمي الجمار؟
رمي جمرة العقبة في أول يوم ـ وهو يوم النحر ـ من بعد طلوع الشمس فصاعداً ورمي الجمار الثلاث في أيام التشريق من الزوال فصاعداً. والله أعلم.
في اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر يزداد الزحام فيما بعد الزوال، فهل يباح مع وجود هذا الزحام - والمعروف في الحج ـ أن يرمي الحاج قبل الزوال ولو بوقت مبكر؟
الرمي بعد الغروب لضرورة الزحام أهون وأولى من الرمي قبل الزوال، لما فيه من تقديم الفريضة المؤقتة قبل الوقت. والله أعلم.
هل يجوز رمي الجمار في الصباح في يومي الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة؟
رمي
الجمار في أيام التشريق أوله منذ زوال الشمس، كما حدد فعله صلى الله عليه وسلم
وهذا هو الذي عليه الجمهور، والرمي قبل الزوال رخصة قال بها بعض العلماء، والسنة تدل على ما تقدم. والله أعلم. (1/434)
صفحة 435
فتاوى الحج
435
ما رأيكم في رمي الجمرات أيام التشريق قبل الزوال بسبب كثرة الزحام والمشقة والتعب للحجاج، والله يقول: {وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [النساء: 29] وقوله: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى النَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]؟
تأخير الرمي إلى الليل أولى من تقديمه قبل الزوال، لما في ذلك من تقديم العبادة على وقتها. والله أعلم.
هل يجوز رمي الجمار قبل الزوال خلال أيام التشريق؟
لا ترمي الجمار أيام التشريق قبل الزوال عند الجمهور، وإنما رخص في ذلك بعض العلماء، وهو من الشواذ. والله أعلم.
هل يجوز رمي الجمرات بالليل وكذلك طواف الإفاضة؟
طواف الإفاضة لا بأس به إن كان بليل، وأما
لمن كان خائفاً أو كان من الرعاة. والله أعلم.
رمي الجمار فيجوز بالليل
هل يباح رمي جمرة العقبة ليلة النحر، ولمن يباح من الناس؟ يباح للنساء والضعفاء رمي جمرة العقبة ليلة النحر قبل الفجر وبعد غروب القمر لحديث أسماء في الصحيحين، وحديث ابن عباس، فمن رمى في ذلك الوقت وهو يشعر بضعف في جسمه عن تحمل الزحام فلا عليه، أما من رمى قبل ذلك فعليه الإعادة في وقته، فإن لم يتمكن أو
حرج
تهاون لزمه دم. والله أعلم.
هل يجوز رمي جمرة العقبة بعد منتصف ليلة النحر؟
لا يجوز رمي جمرة العقبة إلا بعد طلوع شمس يوم النحر، وإنما رخص في رميها قبل الفجر للنساء والضعفاء. والله أعلم. (1/435)
صفحة 436
436
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
فيمن استأجر حجة عن الغير وفي الرمي ذكر نفسه ولم يذكر الغير، هل
يجزيه ذلك؟
إن كان نوى ذلك بقلبه أجزاه. والله أعلم.
رجل ذهب للحج مستأجراً وعند رمي الجمرات أخذ معه جمرات ليرمي عن رجل آخر وهو ناو أن يرمي عن الاثنين وعندما وصل إلى الجمرة الأولى رمى أربعة عشرة حصاة، ولكنه ذكر اسماً واحداً منهما ونسي الآخر، أو أنه أخطأ بسبب الزحام، ثم أكمل رمي الجمرة الوسطى والكبرى، وبعد انتهائه تذكر فعاد ليرمي عن الرجل الذي نساه في الجمرة الأولى، رغم
رمى أربعة عشر حصاة في الجمرة الأولى فهل يلزمه شيء؟
لا يلزمه شيء، وليعد الرمي عمن نسي. والله أعلم.
أنه
رجل استأجر الرمي عن خمسة أفراد، فلما اشتد عليه الزحام عمد إلى الحصى فصّر في كل صرة خمسة جمرات بعدد من استأجر عنهم، ثم رمي الجمرة بسبع صرر من صرره تلك، فهل يكفيه ذلك؟ أم لا بد من الرمي جمرة فجمرة؟
لا يجزيء ذلك، ولا بد من رمي كل حصاة على حده. والله أعلم.
هل يجوز للمستأجر أن يأجر أحداً في رمي الجمار عمن أجره دون أن يتفق مع من أجره؟
نعم، إن اضطر إلى ذلك. والله أعلم.
إذا لم يستطع المستأجر رمي الجمار لأمراض ونحوها وأناب عنه غيره
في ذلك، فهل عليه من بأس؟ (1/436)
صفحة 437
فتاوى الحج
437
لا بأس بإنابة الحاج عن غيره أحداً
يرمي
عنه الجمار مع عجزه عن
ذلك. والله أعلم.
هل تجوز النيابة في رمي الجمار عن السائقين والطباخين المشتغلين بمصالح الحجاج وهم أصحاء؟
إن لم يتمكنوا من الرمي بأنفسهم لاشتغالهم بمصالح إخوانهم الحجيج فلا بأس بالنيابة عنهم، وإن تمكنوا من ذلك فليرموا بأنفسهم ولو ليلاً في أيام التشريق. والله أعلم.
قصدت إلى أداء فريضة الحج وأنا بصحة جيدة وأكملت كل الواجبات ما عدا اليوم الأخير عند رمي الجمرات كلفت أحد الزملاء بالرمي من الزحام وشدة الحرارة هل هذه الحجة تامة أم لا، نرجو
عني
خوفاً
الإفادة؟
أرجو أن تكون حجتك تامة. والله أعلم.
الحاج الذي يذهب إلى رمي الجمرات الثلاث في اليوم الحادي عشر، وحمل معه إحدى وعشرين حصاة، ولما وقف عند الجمرة الأولى رمى جميع حصياته ناسياً ثم رجع في نفس الوقت بالطريق الذي جاء منه حتى وصل تحت الجبل وأخذ من تحته إحدى وعشرين حصاة ورجع وأعاد الرمي، هل عليه شيء بسبب نسيانه وبسبب الحصى التي من مسافة كيلومترين من مكان الرمي؟
ليس عليه في ذلك حرج. والله أعلم.
أخذها
إذا وصل الحاج إلى الحاجز الذي على النقصة التي يرمى عليها الجمار، (1/437)
صفحة 438
438
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
هل من اللازم وصول الحجر إلى محل النقصة، أو يرميه سواء أصاب المكان أم لم يصبه؟
لا بد من إصابة الجمرة في الرمي، ومن لم يصبها فكمن لم يرمها.
والله أعلم. هل التحقق من وصول الجمرة والنظر إليها حين رمي الجمار شرط في تمام الرمي أم لا؟ وإذا لم يتحقق الحاج من ذلك، فهل رميه تام أم غير تام وماذا عليه؟
لا بد من تحقق وصول حصى الرمي إلى الجمرة، وإلا كان في حكم من لم يرم. والله أعلم.
ما قولكم فيمن رمى الجمرات الساعة 11 صباحاً ولم يغادر منى حتى
صلى الظهر؟
لا يجوز الرمي في أيام التشريق إلا بعد الزوال. والله أعلم. (1/438)
صفحة 439
الهدي:
فتاوى الحج
439
ما قولكم في الأضحية التي فيها عيوب مثل القرناء والجدعاء والخرماء ومقطوعة الأذن، علماً أن الأغلب في الأغنام التي توجد عند البادية أكثرها مقطوعة الأذنين أو مشروخة الأذنين وتلك يجعلوها علامات ورمز لأغنامهم، فإذا لم يجد صاحب الأضحية للتطوع أو للتمتع أو للقرآن إلا هذه الأنواع ما الحكم فيه؟
هذه كلها عيوب لا تجوز في أنواع الأضاحي المذكورة في السؤال، اللّهم إلَّا أن تكون هذه علامة لها من قبل أربابها ولا ينقص ذلك من قيمتها.
والله أعلم. ما قولكم فيمن حج متمتعاً وهو في سن السابعة عشر، وأهدى هدياً يتذكر أن في دبرها عوار وكانت هزيلة وقد مضى على ذلك سنوات عدة، فماذا تأمرونه أن يفعل؟ يحتاط بإرسال هدي مع هديه، وإن أعاد الحج فذلك أعظم لأجره. والله أعلم.
رجل حج وفي يوم النحر اشترى الهدي ولكثرة الزحام سلم الهدي للذباح ولم يره فيما بعد، الأمر الذي جعله لم يسلم الذباح أجرته؟ أن اطمأن بأن الجزار ذبح الهدي فما عليه إعادة الهدي، وإنما يدفع أجرة الذبح إلى فقراء المسلمين. والله أعلم.
ما قولكم في تكفل البنك الإسلامي بذبح هدي المحرم بالحج، وذلك بإعطائه قيمة الأضحية؟ (1/439)
صفحة 440
440
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
مع
من أين للحاج أن يعلم عند التحلل أن الهدي بلغ محله، أن الله يقول: - {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهُدَى يَحِلَهُ} [البقرة: 196]، فدعوا المشكل، وامشوا في الطريق الواضح. والله أعلم.
هل يجوز للحاج أن يشتري هدياً عن طريق البنك الإسلامي، حيث إنه لا يدري متى يذبح ولا يدري هل هو صالح أم لا؟ وإذا كان جائزاً متى يحل إحرامه؟
لا يجوز ذلك، لأن الإحلال من الإحرام للمتمتع موقوف على النحر، ولما في ذلك من الريبة. والله أعلم.
ما قولكم في الهدي عن طريق البنك الإسلامي، وكذلك عن الجمال التي لم يرها الشخص وقد يشترك عدة أشخاص، ولكن مع عدم حضورهم شخصياً؟ لا بد من تأكد الحاج أن الهدي بلغ محله بالنحر، وعندئذ يتحلل من إحرامه، وهذا لا يتأتى حال تكفل البنك بالإهداء. والله أعلم.
ما قولكم في تقديم النحر للهدي في اليوم السابع أو الثامن من ذي الحجة؟ لا يجوز نحر الهدي قبل ميقاته الزماني، كما لا يجوز في غير ميقاته
المكاني، وميقاته الزماني يوم النحر، فمن نحره قبله فليعده. والله أعلم. ما حكم الهدي قبل يوم العاشر من ذي الحجة، حيث إنني رأيت بعض الحجاج يهدون في اليوم السابع، منهم في مكة، ومنهم في الحديبية ويزعمون بأنه صحيح؟
قد وقت للهدي يوم النحر بالسنن القولية والفعلية، ومن نحر قبل يوم النحر لم ينحر في ميقاته، فلا هدي له، وعليه إعادته. والله أعلم. (1/440)
صفحة 441
فتاوى الحج
441
هل يجوز تأخير النحر للمتمتع بالحج إلى اليوم الثاني أو الثالث ويحل إحرامه قبل الذبح، وذلك نظراً لغلاء الذبائح في اليوم الأول بدون أن يستفيد منها أحد، حيث يتعذر الأكل والإطعام منها في ذلك اليوم. وهل يجوز الذبح خارج الحرم كيوم عرفة في عرفة، حتى يكون منفعة أكل النسك تحصل في ذلك اليوم؟
لا
يصح للمتمتع أن يحل إحرامه قبل ذبح هديه، وإن لم يتمكن من النحر في يوم النحر بقي على إحرامه إلى أن ينحر، ولا يصح الذبح قبل يوم النحر ولا خارج الحرم، فالنبي صلى الله عليه وسلم كانت أعماله في حجة الوداع ترجمة دقيقة لمناسك الحج، وكل ما كان من المناسك أوسع حكماً من فعله بينه لأمته، حتى لا يتقيدوا بعمله كقوله: «وقفت ها هنا وعرفة كلها موقف، ووقفت ها هنا وجمع كلها موقف، ونحرت ها هنا ومنى كلها منحر» وفي رواية أخرى «ومنى كلها منحر وفجاج مكة كلها منحر»، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتمنى حجة الوداع أن لم يسق الهدي حتى يجعلها عمرة كما أمر أصحابه، ولو أن الهدي يبلغ محله قبل يوم النحر لنحر هديه قبل يوم النحر وجعلها عمرة كما كان يتمنى، وكذلك تحديد النبي مكان النحر، دليل على عدم جواز النحر خارج حدود الحرم. والله أعلم.
النبي
هل يجوز نحر الهدي قبل يوم النحر؟
الراجح أن هدي التمتع يجب أن يكون يوم النحر لا قبله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خذوا عني مناسككم»، وقد نحر يوم النحر، ولأن التمتع لا يتحقق إلا بالإحرام للحج، فلا وجه لتقديم فديته عليه، وما يعمله الناس رخصة قالها بعض العلماء، ولا دليل عليها. والله أعلم. (1/441)
صفحة 442
442
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
هل يأخذ المضحي من أضحيته شيئاً؟ وهل يستوي ذلك في الحرم وفي
الحل؟
لا
يمنع الإنسان من أكل بعض ضحيته، سواء في الحرم أو في الحل.
والله أعلم.
هل يجب على الحاج أن يذبح ضحيته بنفسه؟ وكيف يوزع اللحم؟ يجزيه إن ذبح بنفسه أو ذبح له غيره، وليأكل بنفسه وليطعم غيره.
والله أعلم. فيمن اعتمر في شهر شوال وعاد إلى بلده، ثم عاد لأداء فريضة الحج مفرداً، هل عليه هدي؟
لا يلزم من عاد إلى بلده، هدي لخروجه عن حكم المتمتع. والله أعلم.
ما قولكم فى القارن بالحج والعمرة هل عليه هدي وهل من حرج على
من أناب غيره في الهدي، وما قولكم أيضاً في الرمي من بطن الوادي؟ اختلف في القارن هل عليه هدي أو لا؟ والراجح أنه لا يلزمه، ولا حرج على من أناب غيره في الهدي، والرمي من بطن الوادي مأمور به، فليحتل الإنسان جهده حتى ينفذ هذا الأمر. والله أعلم.
فيمن تمتع بالحج وليس معه هدي قيل: يحرم بالحج في اليوم السادس ويصوم فهل يكون هذا الصوم في نفس اليوم أم في اليوم السابع من ذي
الحجة؟
نعم، يصوم المتمتع الذي لم يجد الهدي السادس والسابع والثامن من ذي الحجة، وسبعة أيام بعد الفراغ من أعمال الحج. والله أعلم. (1/442)
صفحة 443
فتاوى الحج
443
هل يجوز للمتمتع والقارن أن يذبحا هديهما في مكة المكرمة؟ لأن بعض العلماء فرق بين هدي التمتع والجزاء، فقالوا إن هدي التمتع والقران يكون في منى، وأما الذي يلزم بسبب قتل الصيد أو قطع الشجر وأمثاله يكون بمكة، وما هو الدليل على ذلك؟ الحديث جاء أن فجاج مكة كلها منحر، وقد أشار صاحب الإيضاح
مع
أن
إلى جواز الذبح في مكة لهدي التمتع والقران، أفيدونا أفادكم الله
تعالى.
الصحيح جواز نحر كل هدي في جميع فجاج الحرم، كما جاء في الرواية: «وفجاج مكة كلها منحر» بعد قوله: «ومنى كلها منحر»، وإنما اقتصر بعضهم على منى في نحر هدي التمتع والقرآن لأن زيادة «وفجاج مكة كلها منحر» لم تأت في جميع الروايات، وإنما في بعضها. والله أعلم.
عن الهدي في الحج يقولون إن رأس البقر عن سبعة أشخاص، ورأس الجمل عن سبعة أيضاً، فهل للبقرة والناقة المجزية عن سبعة أفراد عمر معين، أم يجزي ما ذبح ولا يشترط سنها، سواء كانت صغيرة أم
كبيرة؟
لا يجزي من الإبل عن سبعة إلا الثني، وهو ما أتم خمس سنوات، ومن البقر ما أتمّ السنتين وقيل: الثلاث. والله أعلم.
فيمن كان مقيماً في مكة المكرمة منذ سنة هل عليه هدي إذا تمتع بالعمرة إلى الحج أو أقرن بينهما؟
لا يجري على المقيم بمكة حكم التمتع، ولا يلزمه هدي. لقوله: ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196). والله أعلم. (1/443)
صفحة 444
444
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
هل يجوز للحاج بعد اليوم العاشر أن يهدي ثم يحلق ثم يخلع إحرامه
ثم يرمي؟
يبدأ الرمي ثم النحر ثم الحلق، فإن قدم وأخر لنسيان أو جهل عذر.
والله أعلم.
ما قيمة الهدى الذي ينبغي أن يهدي في يوم النحر؟
لا يحدد بالقيمة، وإنما هي الجذع من الضأن أو الثني من الماعز.
والله أعلم.
وجب علي دم بسبب خطأ في عمرتي، فاتفقت مع الذابح إن يأخذ اللحم بدون أجرة، وعندما ذبح قال أنا لا أريد لحماً أريد أجرتي، فما الحكم في ذلك وأين يكون الذبح؟
لا يجوز أن يعطى اللحم للذابح في مقابل ذبحه، وإنما يعطى أجرة مستقلة، والذبح في منى أو في أي مكان من الأرض الحرمية. والله أعلم. (1/444)
صفحة 445
الفدية:
فتاوى الحج
445
ما حكم المعتمر إذا رأى الدم في لباس إحرامه بعد تحلله من العمرة،
ولا يعلم متى أصابه؟
لا يؤثر ذلك في عمرته شيئاً. والله أعلم.
الشعر المتساقط من وجه أو رأس المحرم هل له عدد معين حتى تلزم
به فدية؟
إن تساقط بنفسه فلا شيء فيه. والله أعلم.
إذا وجب دم على الحاج أو المعتمر، هل يحق له أن يأكل منه، وإذا أكل
منه ماذا عليه؟
إن كان دم فدية فلا يأكل فدية فلا يأكل منه، وإن أكل أعاده. والله أعلم.
إذا امتخط المحرم فخرج دم من أنفه، فهل عليه شيء من ذلك؟ من امتخط فجرى من أنفه دم لم يلزمه فدية، لعدم ارتكابه ما يوجبها. والله أعلم.
إذا خرج من الإنسان الحاج دم ليس عن عمد وهو محرم، ماذا عليه؟ إن تسبب له من غير داع فعليه فدية إن كان قليلاً فإطعام مسكين، وإن كان كثيراً ففدية، وإن لم يتسبب فلا عليه. والله أعلم.
إذا انتهى المحرم بالعمرة من عمرته ولبس المخيط وغطى رأسه قبل أن يحلق أو يقصر نسياناً، هل عليه من بأس؟
من لبس المخيط أو غطى رأسه قبل الحلق أو التقصير نسياناً لزمته فدية (1/445)
صفحة 446
446
الفتَاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
إن بقي على ذلك من الليل إلى النهار أو من النهار إلى الليل، وكذلك إن استمر على اللبس بعد ولم يبادر إلى الخلع فور تذكره، أما إن بادر إلى الخلع فليس عليه شيء. والله أعلم.
ما قولكم في استياك المحرم إن أدمى ذلك فاه، فهل يجب عليه شيء؟ اختلف العلماء في استياك المحرم إن أدمى فاه، هل تجب به فدية أو لا؟ وبما أن الاستياك سُنَّة مشهورة، وهو من الأشياء التي تكاد تكون من الأمور الضرورية للإنسان أميل إلى ترجيح رأي من لا يلزمه فدية، وعلى القول بوجوبها فهي دم واحد لإحرامه كله. والله أعلم.
فيمن دفع من عرفات إلى منى فاشتبه عليه الأمر، هل قطع وادي محسر قبل طلوع الشمس أم بعدها ماذا عليه؟
الأصل عدم وجوب الفدية حتى يثبت ما يوجبها، وعليه فمن لم يتأكد أنه طلعت عليه الشمس قبل أن يقطع وادي محسر لم تلزمه فدية. والله أعلم.
رجل أدركه البرد في أثناء مبيته بالمزدلفة فوضع لحافاً على جسده ولم يغط رأسه، فهل عليه بأس في ذلك؟
إذا غطى جسده من البرد ولم يغط رأسه فلا بأس عليه. والله أعلم.
ما قولكم في الحاج الذي ضل عن رفقته ولم يبت بالمزدلفة ولا بمنى، وترك رمي جمرة العقبة ماذا عليه؟
إن كان بقي بالمزدلفة إلى غروب القمر ليلة النحر فليس عليه دم لترك المبيت بها، ولكن يلزمه دم عن ترك رمي جمرة العقبة، وآخر عن ترك المبيت ليلة بمنى. والله أعلم. (1/446)
صفحة 447
فتاوى الحج
447
إذا لم يتجاوز الحاج بأي حال من الأحوال وادي محسر قبل طلوع الشمس. هل عليه دم؟.
إن كان قادراً على تجاوزه ولم يتجاوزه لزمه دم. والله أعلم.
رجل معتمر، وأثناء الطواف تلاصق جسمه بامرأة بغير عمد منه ثم خرج المني منه، فما المطلوب منه أن يفعل بعد ذلك، وإن فعل متعمداً فماذا يلزمه في كلا الحالين؟
الذي يطوف ببيت الله الحرام إنما يتجه بعقله وقلبه وأحاسيسه ومشاعره إلى الله العزيز الحكيم، فيبعد جداً من مؤمن يخشى الله ويتقيه ويستشعر عظمته أن يستشعر في مثل ذلك الموقف لذة ملامسة امرأة، حتى يفضي به إلى الإنزال إنما هذا شأن الذين لا يخشون الله ولا يتقونه، ولا يعظمون شيئاً من حرمات الله، ومن فعل ذلك عمداً فلا ريب أنه تفسد عمرته، بجانب ما يجب عليه من التوبة إلى الله - و - من صنيعه هذا، فإن هذه معصية والمعصية يضاعف وزرها بمكة المكرمة، فضلاً عن كونها بجوار بيت الله تعالى الحرام. وبجانب هذا أيضاً تلزمه إعادة العمرة، كما تلزمه بدنة لأنه أفسد إحرامه بما يشبه الجماع وهو الإنزال عمداً مع ملامسة امرأة أجنبية، أما الذي يقع ذلك منه عن كره وهو غير راض بذلك فإنه لا يكلف ما لا يتحمله، فعليه إن يسارع إلى التطهر، وعليه أن يرجع ليبدأ الطواف من جديد، ولكنني كما قلت أستبعد جداً أن يحدث ذلك لمؤمن يخشى الله ويتقيه، ويعظم حرماته ويستشعر عظمة وجلالة مثل ذلك الموقف العظيم، إذ من البعيد جداً أن يشتغل مؤمن في مثل ذلك الموقف بشهوة النساء. والله أعلم. (1/447)
صفحة 448
448
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
ما قولكم فيمن نفر لطواف الوداع من منى إلى مكة قبل الزوال؟
عليه دم لنفره من منى قبل الزوال. والله أعلم.
ذهب رجل لتأدية فريضة الحج وكان مفرداً بالحج وأدى جميع المناسك ولكنه لم يسع بين الصفا والمروة، ولم يطف طواف الوداع فماذا عليه؟
عليه دمان، دم لتركه السعي، ودم لتركه طواف الوداع، وإن من الله عليه بالحج في القابل فليجعله احتياطاً. والله أعلم.
ما حكم من أخَّر الرمي في اليوم الثاني عشر إلى بعد غروب الشمس ولم يبت بمنى؟
عليه دم لتركه المبيت بمنى مع غروب الشمس عليه بها. والله أعلم. ماذا على من خرج من منى قبل الزوال في اليوم الثالث من أيام التشريق؟ من أفاض من منى قبل الزوال في النفر الأول أو الثاني لزمه دم وا والله أعلم. (1/448)
صفحة 449
العمرة:
فتاوى الحج
449
هل يجوز للحاج أن يعتمر قبل أن يحج من تاريخ الحادي إلى اليوم
السابع من ذي الحجة؟
نعم، إن كانت هي عمرة التمتع أو عمرة القرآن، وأما أن يعتمر في التمتع فلا يجوز ذلك. والله أعلم.
هل يجوز للحاج الاعتمار في اليوم الثالث عشر صباحاً؟
أثناء
لا يعتمر في أيام التشريق، وإنما تبدأ العمرة من ليلة الرابع عشـ
والله أعلم. ما قولكم فيمن اعتمر عن أمواته مثل أمه وأبيه وغيرهم، فهل في ذلك حرج؟
لا حرج في ذلك. والله أعلم.
هل هناك عدد من العمرات تكفي عن حجة الفريضة؟
لا يغني عن الحجة المفروضة الاعتمار ولو تكرر، فلا بد من أداء فريضة الحج. والله أعلم.
ما قولكم فيمن قصد مكة المكرمة حاجاً، فأحرم بعمرة، وبعد إحلاله من العمرة بدا له أن يخرج إلى المدينة المنورة لأمر ما، فهل له عند رجوعه
إلى مكة أن يحرم بعمرة عن أحد أقاربه، أم ماذا عليه أن يفعل؟ لا تتكرر العمرة في أشهر الحج، وإن أراد العودة بإحرام إلى مكة فليكن إحرامه بالحج. والله أعلم. (1/449)
صفحة 450
450
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
هل يجوز اعتمار عمرتين خلال أسبوع؟
لا مانع من ذلك. والله أعلم.
ما رأيكم فيمن أدى العمرة عن نفسه، وفي نفس الوقت استأجر عمرة عن شخص آخر، هل يجوز أم لا؟
إن كان أُجر ليعتمر عن غيره عمرة ينشؤها من الحل القريب إلى الحرم ذلك بعد فراغه من عمرته، فلا حرج في مع التزامه جميع واجبات العمرة، ولكن لا ينبغي للإنسان أن يجعل العمرة تجارة. والله أعلم.
هل تجوز عمرة التطوع بعد الإحلال من عمرة التمتع وقبل الإحرام للحج؟ وهل تجوز بعد الإفاضة من منى في اليوم الثاني عشر؟
الاعتمار ينافي التمتع، فلا يجوز إلا بعد أيام التشريق. والله أعلم. ما قولكم فيمن خرج لأداء العمرة، وبعد انتهاء عمرته اعتمر الثانية والثالثة والرابعة، هل يصح تكرار هذه العمرات أم لا يصح، سواء كان مستأجراً أو متطوعاً أفدنا آجرك الله تعالى؟
اختلف أصحابنا وغيرهم في جواز تكرار العمرة، والقول الصحيح الجواز، لعدم قيام دليل على المنع، لأن العمرة ليست موقوتة بوقت كالحج بل هي كسائر أعمال البر غير الموقوتة، فحكمها كحكمها في جواز التكرار، والحديث دال على الترغيب فيها، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة»، وما دامت العمرة ممكنة في جميع الأوقات فيحمل الترغيب في الحديث على ذلك بخلاف الحج لعدم جوازه إلا في ميقات زمني معين، (1/450)
صفحة 451
فتاوى الحج
451
وفي حديث آخر عنه: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة». والله أعلم.
ما قولكم فيمن قصد العمرة من عُمان وأحرم من ذي الحليفة، أيجوز له أن يعتمر بعدما أحل من عمرته بما شاء من العمرات عنه أو عن غيره، وهكذا من قضى الحج عنه أو عن غيره، أيجوز له أن يعتمر ليلة الثالث عشر من ذي الحجة عنه أو عن من استأجر؟
من قصد مكة للعمرة فلا مانع بعد قضاء مناسكها أن يكرر العمرة متى شاء، وأما الحج فيقضي مناسكه أولاً، ثم إن شاء الاعتمار عن الغير فليعتمر من ليلة الرابع عشر فصاعداً، أي بعد أيام التشريق. والله أعلم.
هل تجوز العمرة قبل الحج؟
العمرة جائزة قبل الحج وبعده، وإنما يمنع المتمتع من العمرة إلى الحج أن يفصل بينهما بعمرة أخرى. والله أعلم.
ما
هي صفة العمرة؟ وكيف تتم زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم؟
سنة
إذا أردت العمرة فاغتسل غسل الإحرام وتوضأ وصل ركعتي الإحرام، وإن حضرت صلاة مكتوبة، أجزأت ثم قل: اللهم إني أردت العمرة فأعني عليها وتقبلها مني ثم تلبي وصيغة التلبية - لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، وتقول معها أحياناً لبيك بعمرة تمامها وبلاغها عليك يا الله.
وتستمر على هذه التلبية إلى أن تدخل المسجد الحرام، ويستحب لك أن تدخل من باب السلام، وتقول - في حال دخولك: اللهم أنت السلام (1/451)
صفحة 452
452
الفتاوى الصلاة - الزكاة ـ الصوم ـ الحج
ومنك السلام وإليك يرجع السلام، فحينا ربنا بالسلام وأدخلنا الجنة دار السلام، تباركت ربنا يا ذا الجلال والإكرام فإذا رأيت البيت الحرام قلت: اللهم زد بيتك هذا شرفاً وتعظيماً وبراً وتكريماً، وزد من حجه أو اعتمره هداية وفضلاً وبراً وتقوى. ثم تشرع في الطواف مبتدئاً بتقبيل الحجر الأسود إن أمكنك، وإلا لمسته إن أمكنك وقبلت يدك بعد اللمس، وإن لم يمكنك أشرت إليه بيدك، ثم تطوف جاعلاً البيت على يسارك، وتأتي في طوافك بالباقيات الصالحات وتدعو بما شئت، وليس في الدعاء حصر، وإنما استحب بعض العلماء الدعاء بالآتي: اللهم إني أسألك إيماناً بك، ووفاء بعهدك، وتصديقاً بكتابك، واتباعاً لسنة نبيك، اللهم إني أعوذ بك من الشك والشرك والشقاق والنفاق وسوء الأخلاق، وسوء المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال والولد، اللهم إني أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم والفوز بالجنة والنجاة من النار، اللهم إن هذا البيت بيتك، والحرم حرمك، والأمن أمنك والعبد عبدك، فحرم لحمي ودمي وشعري وعظمي وكل شيء مني على النار، واستحب حال محاذاة الميزاب الدعاء الآتي: اللهم إني أسألك الراحة عند الموت، والعفو والتيسير عند الحساب والفوز بالثواب والنجاة من العذاب يا كريم يا وهاب. وعندما تحاذي الركن اليماني تلمسه إن أمكنك وتقول بعده ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وهكذا حتى يتم طوافك، ثم تصلي ركعتين خلف المقام وتدعو بما شئت ثم تتجه إلى زمزم وتشرب من مائها وترش منه على وجهك ورأسك ثم تتجه إلى الصفا، فإذا رقيت عليه كبرت ثلاثاً أو سبعاً وقلت لا إله إلا الله وحده صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، وتصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وتدعو بما تيسر لك، ثم تنحدر (1/452)
صفحة 453
فتاوى الحج
453
ماشياً وأنت تقول ـ في حال مشيك ـ: اللهم اجعل هذا المشي كفارة لكل
شيء كرهته مني ولم ترضه مني، فإذا وصلت إلى الإشارة الضوئية الخضراء هرولت في مشيك حتى تصل إلى الإشارة الأخرى، وقلت في هرولتك: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت العلي وأنت الأكرم وأنت الرب وأنت الحكم، حتى تصل إلى المروة وتفعل مثل ما فعلت على الصفا، وهكذا إلى انتهاء سبعة أشواط، تبتدئ بالصفا وتختتم بالمروة، ثم تحل إحرامك بحلق شعرك أو التقصير منه.
أما الزيارة فإنك تأتي لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت تتلو: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكَ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ * فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة: 128، 129)، فإذا دخلت المسجد صليت المكتوبة إن كانت حاضرة وإلا صليت ركعتين تحية المسجد، ثم تأتي إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وتستقبل القبر وتستدبر الكعبة: وتقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا صفوة خلق الله، السلام عليك يا محمد بن عبد الله أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وكشفت الغمة، فجزاك الله عنا وعن جميع أمتك خير ما جزى نبياً عن أمته، وتصلي وتسلم عليه وعلى آله وصحبه، ثم تتأخر قليلاً وتسلم على أبي بكر له قائلاً: السلام عليك يا خليفة رسول الله السلام عليك يا ثاني اثنين إذ هما في الغار، السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا صديق السلام عليك يا عتيق، السلام عليك ورحمة الله وبركاته، جزاك الله عن رسوله ودينه وأمة رسوله خير ما يجزي به عباده الصالحين، ثم تتأخر قليلاً وتسلم على عمر ه قائلاً: السلام عليك يا أمير المؤمنين السلام عليك يا عمر بن الخطاب، السلام عليك يا (1/453)
صفحة 454
454
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
عن
حليف المحراب السلام عليك يا شديد الغار في ذات الله، جزاك الله رسوله ودينه وأمة رسوله خير ما يجزي به عباده الصالحين. وليست للتسليم
صيغة محدودة، ولكن هذه من الصيغ المستعملة. والله أعلم.
متى يكون أداء العمرة أفضل في رجب أم شعبان أم رمضان؟ العمرة في رمضان أعظم أجراً، لقول النبي لأم سنان الأنصارية: «إذا كان رمضان فاعتمري، فإن عمرة في رمضان تعدل حجة معي». والله أعلم. إذا أراد الحاج أن يتعجل من منى في يوم الثاني عشر من ذي الحجة بعد الزوال، وأتى مكة المكرمة العصر وأراد أن يعتمر في تلك الليلة، هل له ذلك؟ يصح
إن اعتمر فلا حرج عليه، لأنه قد أكمل مناسك الحج بتعجله في يومين،
ولكن الأولى له أن يعتمر في اليوم الثاني أو ما بعده. والله أعلم.
ما قولكم في رجل حاج سواء كان عن نفسه أو مستأجراً عن الغير، إذا قضى عمرة التمتع وبقي في مكة المكرمة إلى أن يحرم بالحج، هل يباح له أن يعتمر بين تمتعه وحجه، إذا أراد أن يتبرع عن أهله أو يستأجر عن غيره؟ نرجو التكرم بالجواب. ليس لأحد حد في خلال مدة التمتع التمتع أن يعتمر، لما بين عمرة التمتع والحج من الارتباط. والله أعلم.
هل هناك وجه لمن تمتع بالعمرة إلى الحج أن يأتي بالعمرة إلى أن يأتي اليوم الثامن للإحرام بالحج؟ قال تعالى: {فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج} [البقرة: (196]، ومن اعتمر خلال التمتع (1/454)
صفحة 455
فتاوى الحج
455
لم يتمتع بالعمرة التي أحرم بها إلى الحج، لذلك لا أرى وجهاً للعمرة في خلال هذه المدة. والله أعلم.
ما قولكم في العمرة فريضة أو سنة وإن كانت فريضة فهل تكرارها مرتين أو ثلاث يعدل عن حجة، كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أم معناه الترغيب ولا يسقط بها الفرض؟ اختلف العلماء في العمرة هل واجبة أو مسنونة، ولكل من القولين أدلة، وعلى القول بالوجوب فهي واجب مستقل عن الحج لا تسقط فريضة الحج ولو تكررت، وإنما جاءت الأحاديث مرغبة في الإكثار من العمرة للأجر، فقد أخرج الإمام الربيع رحمه الله في مسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»، وروى الترمذي وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحج المبرور جزاء إلا الجنة». والله أعلم.
هل تلزم العمرة كل مسلم كما يلزم الحج أم لا؟
اختلف فيها على قولين والراجح أنها واجبة لقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] وللأحاديث التي نصت على أنها فريضة مع الحج.
والله أعلم. (1/455)
صفحة 456
456
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
الإجارة في الحج والعمرة
أرغب في الذهاب إلى الحج، على أن أعطي مبلغ الأجرة بعد عودتنا من الديار المقدسة للمقاول، بموافقة منه على ذلك؟
إن وافق المقاول على ذلك، وكان عندك وفاء الدين إن مُتَّ فلا حرج عليك. والله أعلم.
ما قولكم فيمن أجر رجلاً للحج عنه، يعطيه نصف المبلغ عند ذهابه،
والنصف الآخر يعطيه له عند عودته؟
لا
حرج عليه في عليه في ذلك. والله أعلم.
هل للرجل الموسر أن يستأجر حجة عن غيره، وإذا صح له ذلك، فماذا يفعل بالمبالغ، هل له أن يدخلها في ماله، وإذا كان غير ذلك فهل يردها إلى من استأجر منه، أو الأفضل أن يتصدق بها على فقراء الحرم، أويصرفها على فقراء بلده أو في بلد المحجوج عنه؟
إن كان ثقة أميناً بصيراً بأمور الحج فلا حرج عليه، وأما الأجرة فمرد حكمها إلى كيفية الاستئجار، فإن استأجر ضامناً فعليه ما زاد على الأجرة من مؤنة الحج وله ما فضل وإن شاء صرفه إلى فقراء المسلمين أو في أي وجه من وجوه البر، وإن استأجر أميناً فله بقدر نفقاته فقط، سواء زادت الأجرة أو نقصت. والله أعلم.
6
رجل ضعيف النظر والسمع والبصيرة لا يقدر على المشي وتدهورت حالته الصحية، هل يجوز له تأجير شخص آخر للحج عنه، وكم مقدار الأجرة بالريالات؟ (1/456)
صفحة 457
فتاوى الحج
457
لا مانع من ذلك، والأجرة حسبما يتفقان عليه، ولا تحد بسعر معين.
والله أعلم.
ما قولكم فيمن استأجر عدد ست حجج تقريباً عن أشخاص أموات بدون أن ينفذ حجة عن نفسه أولاً، وتظاهر مع ذوي الهالكين أنه جائز من أجل الاستيلاء على أموالهم، فهل يجوز له ذلك، وكيف يتخلص من هذا عمل غير جائز، وعليه التوبة إلى الله، ورد كل ما أخذ من المؤجرين
إليهم، وأن
يحج عن نفسه. والله أعلم.
ذلك؟
ما قولكم فيمن استأجر حجة عن غيره، واصطحب معه ابنه الطفل، هل يجزيه ذلك الحج الذي حجه؟
إن كان مراد السائل بهذا أنه يطوف بالبيت ويصطحب معه ابنه، ويقف بعرفات ويصطحب معه طفله، وكل هذه المناسك يؤديها ومعه طفله، فإن ذلك يجزيه بطبيعة الحال، لأن الطفل واقف نفسه، وهو واقف عن فيجزى كل واحد منهما صنيعه. والله أعلم.
عن
نفسه،
ما قولكم في رجل أُمي أراد أن يستأجر حجة، علماً أن هذا الرجل يجالس العلماء والحجاج ويعرف شروط الحج والعمرة، وقد حج عن
نفسه وأهله. فهل هذا يصح له الاستئجار على هذه الحالة؟ نعم، بشرط أن يسأل عن كل ما لا يعلم حكمه، حتى لا يقدم على شيء بجهل. والله أعلم.
ما قولكم فيمن حج عن نفسه، وأراد أن يستأجر حجة عن شخص آخر، وهو غير عالم بأمور الحج، فهل يجوز له ذلك؟ (1/457)
صفحة 458
458
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
لا
يجوز له أن يستأجر حجة عن الغير، حتى يكون عارفاً بمناسك الحج معرفة تمكنه من أدائها على الوجه المشروع، وإلا كان مخاطراً بنفسه معرضاً لها للتلف. والله أعلم.
هل يجوز استئجار عمرة عن رجل أو امرأة وهما حيان؟
العمرة عن الحي القادر لا تجوز إلا أن تكون نافلة ففيها خلاف، وقد ترخص العلماء في أخذ الأجرة على ذلك، إلا أن الأحوط الترك، لما في ذلك من الخطورة، فإن التقصير غير مأمون. والله أعلم.
رجل أجر بحجة من مكة أو المدينة لأحد الأموات، لقصد تخفيف تكاليف الأجرة وذلك لعسر حاله وهل هناك فرق بين إن كان ميسوراً أو
معسراً؟
«إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، فمن عمل ذلك لعسره وهو ينوي ما هو أفضل لو كان موسراً أثيب على نيته، {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}. والله أعلم.
ما قولكم فيمن أراد أن يؤجر بالحج، فهل يصح له أن يؤجر بها من عليه ديون ربوية لأحد البنوك؟
الوافد إلى الله يجب عليه أن يتطهر من جميع الأرجاس، ومنها رجس الربا، حتى يحسن الوفادة إلى الله، ويطلب ممن أراد أن ينيب أحداً في الحج أن يختار البر التقي. والله أعلم.
رجل سافر إلى الحج، وعندما وصل المدينة المنورة أجر أحد المواطنين السعوديين بالحج عن أحد الأموات، فهل يصح ذلك، وإذا كان (1/458)
صفحة 459
فتاوى الحج
المستأجر من مكة فهل عليه أن يذهب إلى المدينة للزيارة؟
نعم
ذلك
459
صحيح، ولكن أجر هذه الحجة أقل من أجر الحجة التي تكون
من بلد المحجوج عنه، وَلِكُلِّ دَرَجَتُ مِمَّا عَمِلُوا} [الأنعام: 132]، وإن كان العقد على الحج وحده من غير ذكر الزيارة، فلا تدخل الزيارة في العقد.
والله أعلم.
عمن
استأجر حجة، هل يلزمه أن يصلي سنة الوداع في منزل المستأجر
عنه، أم يكفي أداؤها في مسجد بلد المستأجر؟
تستحب الركعتان ولا تجبان. والله أعلم.
ما قولكم في امرأة كبيرة في السن ترغب في تأدية فريضة الحج، ولكنها تجد مشقة لكبر سنها في ركوب السيارة، فهل يجوز لها أن تؤجر من قوم بتأدية فريضة الحج بدلاً عنها؟
لا مانع من ذلك. والله أعلم.
أجرت امرأة بحجة وصوم رمضان وقراءة ختمة في حياتها، فاعترضها قائلون بعدم جواز ذلك إلا بعد موتها وهي عاجزة لا تستطيع الذهاب للحج، فما قولكم في ذلك؟
لا
يحج
أحد
عن أحد في حياته ـ إن كان المحجوج عنه قادراً على
الحج بنفسه، وأما الصوم فللوارث أن يصوم عن موروثه العاجز في حياته، وأما قراءة القرآن فلا يؤخذ ولا يعطى عليها أجر، وعليه فأرى أن يقرأ كل واحد لنفسه، فإن لم يستطع فلا يؤجر غيره. والله أعلم.
هل يلزم الحاج المستأجر عن أحد إذا قضى جميع مناسك الحج والزيارة (1/459)
صفحة 460
?
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
أن يتصدق بشيء من الدراهم من غير لوازم الحجة، وإذا تصدق هل يكون الأجر له أم للمؤجر؟
لا يلزمه التصدق، وإن تصدق فأجر ذلك له. والله أعلم.
ما قولكم في رجل استأجر حجة عن رجل متوفى، والمستأجر من سكان عُمان الداخل والمؤجر من مسقط هل على المستأجر أن يصلي الركعتين في بيت المؤجر أم يصلي في المسجد حيث يشاء، وإذا كان يجب عليه أداء الركعتين في بيت المؤجر هل له الصلاة قبل سفره إلى الحج بأيام أم عليه الصلاة في وقت السفر؟ أفدنا جزاك الله خيراً.
يبدأ السفر بصلاة ركعتين في بيته ـ أي بيت الميت ـ أو في مسجده الذي كان يصلي فيه، ولا عليه أن بقي في بيته أياماً بعدما أنشأ نية السفر في
دار المحجوج عنه، وليست الركعتان واجبتين على أي حال. والله أعلم.
ما قولكم في رجل أراد أن يستأجر حجة عن رجل هالك، وهو لا يفهم شيئاً من مناسك الحج وأركانه ولا أحكامه، فهل يجوز له أن يستأجر أم لا؟ وهل على المؤجر ذنب في ذلك؟
إن الله يعبد بالعلم ولا يعبد بالجهل والحج ليس تجارة كما يظن كثير من الناس فيسابقون إليه، ولا يجوز لمن كان بمثل هذه الحالة أن ينوب عن غيره في الحج بأجرة. والله أعلم.
ماذا ترى فيمن استأجر حجة وهو لا يفقه من الحج شيئاً؟
هو مخاطر بدينه. والله أعلم. (1/460)
صفحة 461
فتاوى الحج
461
ما هي الشروط الواجب توافرها في المستأجر للحج؟
الأمانة والفقه والقدرة على أداء المناسك على الوجه المرضي.
والله أعلم. حجت امرأة في العام الماضي، وأرادت أن تحج عن أمها العاجزة في العام القادم مع العلم أنها أُمية، هل يجوز لها ذلك؟
لا مانع من نيابتها عن والدتها العاجزة في الحج، إن توفر كل ما يجب توفره في السفر إلى هناك، مع استنادها إلى أهل المعرفة فيما تأتيه من الأعمال. والله أعلم.
هل يجوز للمرأة أن تستأجر حجة عن أحد من الناس غير أهلها؟ قيل: إن المرأتين تنوبان عن رجل واحد في الحج، وقيل: بل امرأة واحدة، وهو الذي يقتضيه حديث الخثعمية. والله أعلم.
هل يلزم من استأجر حجة عن غيره أن يخرج من بيت المؤجر، إذا كان كلاهما في بلد واحد أو في بلدين مختلفين؟
يصح من بيت المحجوج عنه أو من مسجده، والأولى العمل بحسـ المتفق عليه. والله أعلم.
إنني أعمى ولا استطيع أن أدبر نفسي في الحج، فهل يحق لي أن استأجر من ينوب عني في الحج؟
إذا أمكنك أن تحج بنفسك فذلك ما يجب عليك، وإلا فلا مانع من أن
تؤجر من ينوب عنك في الحج. والله أعلم. (1/461)
صفحة 462
462
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
رجل يذهب إلى الحج عدة مرات بالإيجار ولم يحج عن نفسه، ماذا
عليه؟
إذا كان موسراً فعليه أن يحج أولاً عن نفسه، وفي المعسر خلاف، هل له أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه. والله أعلم.
هل يجوز لمستأجر الحجة أن يعتمر في العشر قبل الذهاب إلى منى، سواء هذا الاعتمار عنه أو عن غيره بالأجرة مثلاً؟
لا عمرة أثناء التمتع من العمرة إلى الحج، وإنما العمرة سائغة بعد الانتهاء من مناسك الحج. والله أعلم.
ما قولكم في رجل يعمل بالجيش، استأجر حجة عن غيره، وقبل سفره كلّف من قبل الجيش ليذهب مع الحجاج العسكريين مرشداً لهم، وبذلك تتكفل الحكومة بجميع مصاريفه، فهل ينفذ الحجة التي استأجرها أم لا؟ إذا كان قد اتفق مع أحد أن يحج عن ميته فليس له أن يذهب في رفقة مكفولة النفقات كرفقة الحجاج العسكريين، لأنه سوف يأخذ عناء سفره ممن أجره بالحج عن الميت، وبعثة الحج العسكرية ما أريد بها إلا تشجيع العسكريين للحج عن أنفسهم، فلا وجه لجعلها وسيلة للاستغلال. والله أعلم.
ما قولكم في الحاج الذي يستأجر عدة عمرات ويحمل سلاماً للرسول صلى الله عليه وسلم مقابل عشرة ريالات. هل في ذلك حرج؟
لا
حرج من الاعتمار عن الغير للحاج بعد أداء مناسك الحج، ولو تكرر ذلك مرة بعد أخرى، أما التسليم على النبي صلى الله عليه وسلم عن الغير مقابل أجرة ـ
كالتي في السؤال - فذلك أمر في صدري منه حرج. والله أعلم. (1/462)
صفحة 463
فتاوى الحج
463
ما قولكم في رجل استأجر حجة بكمية من المال فحج، وبقي معه بعض المال فهل يرجعه إلى المؤجر أو يأخذه لنفسه؟
إذا كان الحاج عن الغير أعطي الأجرة فله أن ينتفع بالباقي منها، أما إذا أعطي نفقات سفره فعليه أن يرد الباقي إلى الوصي أو الوارث.
والله أعلم.
هل يحق لرجل عاجز عن الحج أن يؤجر من يحج عن والدته، وهو لم
يحج عن نفسه؟
الأولى له إن كان عاجزاً عن الحج بنفسه أن يؤجر من يحج عنه، قبل أن
يؤجر من يحج عن أمه، وإن عجز فلا حرج عليه. والله أعلم.
هل يحق للرجل أن يحج عن غيره بعد أن حج عن نفسه، وهو لا يقرأ من القرآن سوي قصار السور؟
الأولى أن لا يستأجر من لا يعرف أمور دينه الحج عن غيره. والله أعلم.
ما الحكم في رجل ذهب ليحج عن غيره، وقد استأجر مجموعة من الحجج، وفي مكة أجر الحجج الباقية بعد أن حمل هو حجة؟
لا
يصح لمن استأجر ليحج عدة
حجج إلا أن يستأنف سفراً جديداً لكل
حجة من الموضع الذي كان فيه الاتفاق. والله أعلم.
رجل حج عن نفسه وهو ميسور الحال، فهل يحق له أن يستأجر حجة
حيث إنه يطمع في الأجر والأجرة؟
لا يمنع الموسر الموسر أن يحج عن غيره، إن كان حاجاً عن نفسه. والله أعلم. (1/463)
صفحة 464
464
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
هل يصح لرجل أن يؤجر رجلاً آخر لأداء فريضة الحج، وهو يسمع بأنه يتناول المشروبات المحرمة؟
لا
عنه
يصح أن يؤجر للحج عن أحد إلا الأمين، ولا يكون مرتكب الكبيرة أميناً، لا سيما السكير الذي يؤدي به السكر إلى فقدان عقله. والله أعلم.
رجل صحيح البدن وتتوفر فيه كل شروط الحج، ولكنه أراد أن يؤجر بحجة بسبب أنه لا يستطيع تحمل التعب ومشاق الطريق، ويعاني بعض الألم في الرأس أثناء السفر البعيد، وفي حالة ركوب السيارة يخرجه هذا الألم في بعض الأحيان عن صوابه بنقص في العقل ويصبح كالمجنون، فهل له أن يؤجر من يحج عنه؟
لا مانع من ذلك، إن كان لا يجد وسيلة لأداء الحج بنفسه. والله أعلم.
عندي أخوان أحدهما كان يسقي زروع الحنطة في العوابي ومعه إخوانه من البلد فهجم عليه جماعة في الزروع اعتداءً منهم يريدون ذبحهم وسلبهم وسلب النساء، فدافعوا عن أنفسهم، وجاء الخبر أن المعتدين يريدون ذبح أخيك ومن معه ولم يرض على ذلك، وخرجت البلاد كلها معه فقاتل حتى قتل فهل يجوز الحج عن هذا الرجل؟
إن كان دفاعاً خرج عن أخيه ولم يعتد، وإنما اعتدي عليه فلا حرج إن أحد، وإن كانت له سابقة استقامة على الحق من قبل فليدع له،
عنه حج
ولا حرج في ذلك. والله أعلم.
توفي رجل وهو سكران، ويريد والده الحنون أن يؤجر بحجة عنه، فهل
يصح
له ذلك؟
إن كان هذا الميت غير مرضي السيرة فلا مانع من الحج عنه، على أن
لا يدعو له الحاج، وإنما يدعو لعامة المسلمين. والله أعلم. (1/464)
صفحة 465
فتاوى الحج
? ?
ما قولكم في نيابة الزوجة عن والدة زوجها في الحجة عنها وبمالها،
وذلك لعجزها عن الحج؟
لا مانع من ذلك، وكل منهما مثاب - إن شاء الله .. والله أعلم.
لكي
أرد لهما
إنني امرأة توفي أبواي وأجتهد وأعمل بما في وسعي بعض الشيء، وإن كان لا يساوي أي شيء إطلاقاً مقابل ما قدماه لي من تربية وتعليم وتأديب، فقد قمت بعد وفاتهما بالتصدق عنهما وقراءة القرآن والحج عنهما، مع العلم أنهما لم يوصيا بذلك لضيق السعة، وحيث إني ميسورة الحال قمت بذلك ولم أحج عن نفسي بعد، فما قولكم في ذلك؟
حجي عن نفسك، ويقبل الله منك ما فعلته عن أبويك، وفي الصدقة عنهما خير كثير. والله أعلم.
توفي جدي وكان مدرساً، فأراد ورثته الحج عنه فهل يجب عليهم أو يجوز لهم ذلك، وهو لم يوص بحجة؟
أما الوجوب فلا يجب على ورثته أن يحجوا عنه إن لم يوص به، سواءً كان مدرساً أو غير مدرس، وأما الجواز فلا مانع من ذلك، بل هو مستحب، ويؤجرون عليه ـ إن شاء الله .. والله أعلم.
رجل انكسر من أعلى ركبته وأدخل له قضيب من حديد في رجله، مما جعله غير مستطيع لأداء فريضة الحج، فما قولكم في الإنابة عنه
للحج؟
لا مانع من
أن ينيب أحد غيره، ليحج عنه بسبب عجزه. والله أعلم. (1/465)
صفحة 466
??
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
امرأة توفي زوجها وترك لها أولاداً صغاراً، فأرادت أن تحج عن زوجها، فهل يجوز لها ذلك؟
نعم، يجوز لها ذلك، إن حجت من مالها لا من مال اليتامى. والله أعلم.
هل جائز الحج عن الهالك المقتول - عمداً كان القتل أو خطأ ـ بالدية المسلمة إلى ورثته؟
منهم
من نصيبه من تلك الدية،
نعم كل ذلك جائز، إن دفع أي أحد ذلك أو اتفقوا على دفع ذلك من نصيبهم، وكانوا جميعاً بلغاً عقالاً. والله أعلم.
ما قولكم في رجل لديه ناقلة ـ باص ـ، وفي كل سنة ينقل عليه أشخاصاً بمبالغ إلى الحج، وفي نفس الوقت يستأجر حجة ليؤديها عن أحد الهالكين فهل تلك الحجة تعتبر مجزية عن الهالك؟
نعم لا مانع من ذلك، ما دام ذلك الذي أجره أن يحج عن ميته عارفاً بقضيته ومطلعاً على أمره، فإن التجارة والسعي في الحج لا يبطلانه، بدليل قول الله تبارك وتعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ} [البقرة: 198]. والله أعلم. 198].
رجل أجر بحجة عن ولده المتوفى، وأجرت الأم عن نفسها بحجة أيضاً، وبعد رجوع الرجلين المستأجرين قالا إنهما حجا عن الولد، فهل يسقط ذلك فرض الحجة الواجبة عن الأم؟
بما أن الحجة لم تكن عنها وإنما كانت عن ولدها، فإن ذلك لا يسقط الفرض الواجب عليها، فإن استطاعت الحج بنفسها فلتحج، وإن لم تستطع فلتنب غيرها. والله أعلم. (1/466)
صفحة 467
فتاوى الحج
467
إنني أود القيام بأداء مناسك الحج والعمرة عن ابني المتوفى، الذي قد ترك سبعة آلاف ريال، ولم يوص بذلك؟ إن تبرعت عنه بالحج فذلك حسن، ولو لم يوص بذلك. والله أعلم. هل يجوز الحج عن طفل عمره من ثمان سنوات إلى إحدى عشرة سنة؟ لا مانع من الحج عن الطفل، وعسى أن يكون في ذلك خير للحاج. والله أعلم. ما قولكم فيمن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه؟ أما السنة فهي تقتضي منع الإنسان أن يحج عن غيره حتى يحج عن نفسه، وإنما أباح بعض العلماء ذلك للمضطر، وقد أخذ بذلك بعض الصالحين. والله أعلم.
ما قولكم في رجل أراد أن يحج عن أمه، وهو غير متزوج ولم يحج عن
نفسه؟
يحج أولاً عن نفسه، ثم يحج عن أمه، سواء كان متزوجاً أو غير متزوج.
والله أعلم.
ما قولكم في امرأة تستأجر الحج عن غيرها، سواء من الرجال أو النساء، وقد سبق لهذه المرأة من قبل أن أدت الفريضة عن نفسها، ملمة وهي بشروط الحج. فهل نيابة هذه المرأة جائزة؟ أما نيابة المرأة عن الرجل في الحج فالصحيح جوازها، وقيل: تحج امرأتان عن رجل، والدليل للقول الأول حديث الخثعمية التي أجابها رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجزاء حجها عن أبيها عما فرض الله عليه، وأما الاستئجار (1/467)
صفحة 468
468
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
ففيه من الخطورة ما يجعل الرجل يحذر منه فضلاً عن المرأة، وذلك لما يخشاه الإنسان من التقصير في التقصير في أداء المناسك. والله أعلم.
ما قولكم في امرأة لديها ابن وهو مريض في ظهره، وتريد أن تحج عنه، فهل يجوز لها ذلك؟
إن كان عاجزاً عن الحج، وسبق لها أن حجت عن نفسها، فلا مانع من ذلك. والله أعلم.
رجل أراد أن يحج عن والديه اللذين لم يحجا في حياتهما، فما قولكم في ذلك؟
إن حج عنهما قبل الله ذلك منه وآجره وآجرهما، ودين الله كدين خلقه، كما جاء في الحديث. والله أعلم.
إذا مات الوالدان ولم يؤديا فريضة الحج، فهل يجوز أن أنيب عنهما أحداً في تأدية هذه الفريضة أم لا يجوز؟ وهل هناك فرق بين الذكر والأنثى؟
لا مانع من نيابة أحد عن الميت أو العاجز في الحج، لا سيما القريب كالولد عن والده، ولا فرق في ذلك بين أن يكون النائب والمنوب عنه ذكرين أو انثيين أو أحدهما ذكراً والآخر أنثى، والدليل عليه حديث الخثعمية التي جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع الثبوت على الراحلة، أفأحج عنه؟ فقال لها: أرأيت أن لو كان على أبيك دين فقضيته أكان مجزياً؟» قالت: نعم قال: فذاك ذاك وحديث الرجل الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله عن أخته
التي نذرت أن تحج ولم تحج، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يحج عنها. والله أعلم. (1/468)
صفحة 469
فتاوى الحج
469
جدتي كبيرة في السن وعاجزة عن المشي، وترغب في الذهاب للحج، ولكن ليس لديها استطاعة، فهل يحق لها أن ترسل حجة عنها؟ النيابة في الحج تجوز عن العاجز، سواءً كان رجلاً أم امرأة، بدليل حديث الخثعمية التي جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج قد أدركت أبي شيخاً كبير لا يستطيع الثبوت على الراحلة أفأحج عنه؟ فقال لها: «أرأيت أن لو كان على أبيك دين فقضيته أكان مجزياً»؟ قالت نعم قال: «فذاك ذاك». والله أعلم.
هل يجوز للمرء أن يحج عن غيره بإيجار قبل أن يحج عن نفسه إذا
كان غير ميسور
الحال؟
السنة تدل على المنع من نيابة أحد عن غيره في الحج قبل أن يحج عن نفسه وكفى بها حجة، ومن العلماء من يرخص في ذلك للمحتاجين، ولكن الرأي الأول أحب إلينا لموافقة السنة وللاحتياط. والله أعلم.
هل تحج المرأة عن غيرها؟
لا مانع من ذلك، فقد أباح النب للخثعمية أن تحج عن أبيها.
والله أعلم.
أيحق للفقير أن يحج عن غيره، مع أنه لم يحج عن لم يحج عن نفسه، لعدم توفر
المادة لديه، والحاجة هي التي تدفعه إلى استئجار الحج عن غيره؟ اختلف العلماء فى النيابة عن الغير في الحج لمن لم يحج عن نفسه، فمنهم من منع مطلقاً أخذاً بالحديث، ومنهم من رخص لمن كان لا يمكنه الحج عن نفسه، وكان بحاجة تدفعه إلى استئجار الحج عن غيره. والله أعلم. (1/469)
صفحة 470
470
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
هل يلزم الولد أن يحج عن والدته المتوفاة التي لم توص بحجة عن نفسها، لكونها لم تكن تملك نقوداً؟
لا يلزمه أن يحج عنها، وإن حج عنها كان ذلك براً منه بها يثاب عليه، كما يكون طاعة الله، ويرجى لها الثواب إن كانت من أهل الخير. والله أعلم.
هل يجوز للعاجز عن الحج أن ينيب عنه غيره ليحج عنه؟
يجوز للعاجز أن ينيب عنه غيره من الأبناء فيحج عنه ولو في حياته، والدليل على جواز النيابة عن الحي العاجز في الحج حديث الخثعمية التي جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع الثبوت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال لها: أرأيت أن لو كان على أبيك دين فقضيته أكان مجزياً عنه»؟ قالت: قال: «فذاك ذاك». والله أعلم.
نعم،
ما رأيكم في غني حج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه؟
ينهى الإنسان أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه خصوصاً الغني،
ومن فعل ذلك فقد أساء، ولا أستطيع القول بأن حجه عن الغير باطل، ولكن عليه أن يبادر مستقبلاً بالحج عن نفسه. والله أعلم.
رجل استؤجر أن يحج عن امرأة، فلما خرج من بيته نسي اسم المرأة وحج عن رجل ثاني هو من أقارب المرأة، وأدى جميع مناسك الحج، ولما رجع اعترف بخطئه، فهل عليه أن يعيد الأجرة إلى أصحابها، أم تكون الحجة باقية عليه إلى السنة القادمة؟
لقد خان هذا الرجل أمانته، فعليه أن يرد الأجرة إلى أربابها، وعليهم أن يؤجروا غيره لهذه المهمة. والله أعلم. (1/470)
صفحة 471
فتاوى الحج
471
امرأة كبيرة السن، لا تستطيع ركوب السيارة ولا الطائرة وتريد الحج،
فهل يمكن أن يحج عنها أم لا؟
نعم، لا مانع من ذلك، بدليل حديث الخثعمية التي استفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحج عن أبيها فأفتاها بذلك، وكان يمنعه عن الحج كبر سن، وعدم استطاعته الثبوت على الراحلة والله أعلم.
في
•
إذا رجل أستأجر حجة، فهل العمرة والزيارة تكون تبعاً لهذه الحجة؟ إن كان الناس متعارفين فيما بينهم بأن العمرة والزيارة تدخلان في الحج التأجير فالعرف متبع، وعلى المستأجر أن يأتي بهما مع الحج والله أعلم.
من
رجل ذهب إلى الحج مستأجراً من امرأة تسمى سالمة، وهناك عند التلبية عنها بالحج والعمرة ذكرها باسمها هذا والناس شهود، ولكن عند الفراغ أداء المناسك أمر أحدهم أن يكتب له كتاباً إلى الرجل المؤجر يشهد بأني أديت الحج عنها، ولكن الكاتب كتب سلامة بدل سالمة خطأ منه فلما وصل الكتاب عند المؤجر، غضب، وادعى أننا لم نحج عن سالمة وإنما حججنا عن سلامة، فهل له ذلك، وهل حجتنا غير تامة
بسبب
خطأ ذلك الكاتب؟
أما فيما بينه وبين الله فقد أدى ما عليه، وأما في الحكم الظاهر، فبما أن الشهود شهدوا أنه حج عن غيرها بموجب التسمية التي سماها فإن الحكم
بمقتضى الشهادة التي ثبتت إن خاصمه الطرف المؤجر، والله أعلم. ما تقول فيمن أُجر بحجة بأجر معلوم، ثم جعل على الحجاج رسوم، ما تقول في هذه الرسوم أتكون على المؤجر أو المؤجر؟
الأجير بالخيار إن علم بحدوث الرسوم التي لم تكن معهودة من قبل (1/471)
صفحة 472
472
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
سفره إلى الحج، فإن سافر كانت الرسوم عليه دون المؤجر، وإن رجع على
المؤجر قبل سفره واتفقا على أي شيء فهما على ما اتفقا. والله أعلم.
امرأة توفي عنها والداها الأم ثم الأب وأرادت أن تؤجر بحجة عن أمها بنصيبها الذي ورثته من أبيها، على أن تضيف إليه شيئاً من مالها لعدم كفايته، علماً بأن هذه المرأة لم يسبق لها أن حجّت عن نفسها، فهل يصح لها ذلك؟
إن كان ذلك لا يعطل حجها عن نفسها بحيث تجد ما تؤدي به فرضها فلا حرج وإلا فعليها أولاً أن تؤدي فرضها والله أعلم.
رجل توفي وكان في حياته يشرب الخمر ويقيم الصلاة في شهر رمضان، أما باقي الأيام فيعلم الله إن كان يصلي أم لا، وبعد وفاته أراد أهله أن يحجوا عنه فهل الحج مقبول أم لا؟
حالته
إن كان لم يوص بالحج فالأولى لهم أن لا يحجوا عنه، بسبب السيئة التي كان عليها حسب ظاهر أمره، وإن حجوا عنه فالدعاء يكون لعامة المسلمين، فإن كان مات على توبة فيما بينه وبين ربه دخل فيهم والله أعلم.
توفي والدي في حادث سيارة ووجبت له الدية كاملة، وقيل: لنا بأنها حرام فهل يجوز أن أحج أو أتقرب منها في أنواع البر لوالدي الهالك؟ وهل يجوز للورثة أن ينتفعوا منها؟ نرجو الإفادة.
الدية حق بينه الله في كتابه، فلا يصح لأحد أن يحرمها، ومن حرمها فقد افترى على الله إثماً عظيماً، وهي حق للمقتول يستحقه وارثه، فللورثة أن يتصرفوا فيها في أبواب الخير كما أرادوا، فإن شاءوا أمسكوها وانتفعوا بها، وإن شاءوا تقربوا بها إلى الله حسبما أرادوا. والله أعلم. (1/472)
صفحة 473
فتاوى الحج
473
رجل توفي في حادث سيارة، وقد حصل أولاده على ديته، ويريدون أن يأجروا بحجة من تلك الدية التي حصلوا عليها، فهل يجوز ذلك؟ الدية هي من ضمن الميراث، تقسم على الورثة كسائر التركة، فإن تبرع بها الورثة أو بجزء منها لحجة فلا مانع من ذلك. والله أعلم.
ما قولكم في رجل أوصى بوصية ـ حجة ـ، هل يؤجر وهل له أجر على
كتابتها؟
نعم إن أراد بها وجه الله، ولم يتهاون في أداء الحج بنفسه. والله أعلم. علماً أن استفسارنا كان يتعلق بوصية حجة النافلة، حيث إن السائل قد أدى الفريضة، هل يؤجر على كتابة وصية النافلة؟
تجعل هذه الحجه حجة احتياط لئلا يكون قد أخل بشيء من واجباتها.
والله أعلم. (1/473)
صفحة 474
474
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
فتاوى نسائية:
أيجوز للمرأة الذهاب إلى الحج مع جملة النساء الذاهبات، وليس لواحدة منهن محرم؟
إن لم يكن مع إحداهن زوج ولا ذو محرم فلا يجوز لهن السفر مع الرجال الأجانب، نعم يجوز لهن ذلك إن وجد مع بعضهن أزواج أو محارم
أمناء. والله أعلم.
ما هي
الحج؟
الشروط التي يجب توافرها في المحرم الذي يصاحب المرأة في
يشترط في المحرم المصاحب أن لا يكون كافراً ولا فاسقاً، أي أن يكون
مسلماً مستور الحال على الأقل. والله أعلم.
هل يجوز أن يعطيني ولدي مالاً لأحج به؟
لا مانع من السفر إلى الحج بإنفاق ولدك، فإن ذلك من بره بك. والله أعلم.
ترغب أختان في تأدية فريضة الحج، على أن يتولى أمرهن زوج بنت إحداهن أثناء تأدية شعائر الحج، فهل يجوز ذلك للأخت أم يحرم عليها السفر مع زوج ابنت أختها، أرجو توضيح ذلك؟
زوج بنت الأخت ليس بذي محرم من خالة زوجته، بل هو أجنبي منها، ولكن إن لم تجد ذا محرم يرافقها، ولم يكن لها زوج يرافقها إلى الحج، فلا حرج في سفرها مع أختها المرافقة لزوج ابنتها. والله أعلم. (1/474)
صفحة 475
فتاوى الحج
475
امرأة ترغب في أداء فريضة الحج، ولديها مال تريد أن تبيعه لابن ابنها
لأداء مناسك الحج، علماً بأن لهذه المرأة إخوان هل يجوز بيع هذا
المال؟
لا
مانع أن
تبيعي
مالك أو شيئاً منه للحاجة، لا سيما لأجل السفر إلى
بيت الله المحرم وأداء المناسك العظام، وكذلك لا يمنع بيعك لابن ابنك أو غيره، ما دام البيع ليست فيه محاباة، ولو مع وجود إخوة للمبيع له.
والله أعلم. هل يصح للمرأة أن تسافر للحج مع ابن عمها، لأنها لا تجد محرماً تسافر معه. أفتنا ولك الأجر؟
ليس ابن العم من ذوي المحارم، وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يخلون رجل بامرأة ولا تسافرن امرأة إلا ومعها محرم»، فقال له رجل (إني اكتتبت في غزوة كذا، وإن امرأتي خرجت حاجة)، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اذهب وحج مع امرأتك»، وإنما رخص بعض العلماء للمرأة غير الواجدة لذي المحرم ولا للزوج أن تحج مع جماعة المسلمين، شريطة أن يكونوا ثقات أمناء، وأن تكون معهم نساؤهم، واستدلوا لذلك بإذن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الله في آخر عام خلافته لأمهات المؤمنين أزواج يحججن رفقة المسلمين، ولم ينكر ذلك عليه أحد من
النبي
أن
مع
الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ فكان إجماعاً. والله أعلم.
هل يصح للمرأة أن تحج بدون زوجها؟ وإن كانت أرملة أو مطلقة، هل لها أن تحج بدون محرم إذا أمنت على نفسها؟
جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم (1/475)
صفحة 476
476 الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
الآخر أن تسافر إلا مع زوج أو ذي محرم، وسواء في ذلك سفر الحج أو غيره من الأسفار، وإنما إذا تعذر على المرأة أن تجد زوجاً أو ذا محرم فهنا يجوز لها أن تحج في رفقة المسلمين الأمناء المصطحبين لنسائهم، وذلك بأن يكون العديد من الناس قد اصطحبوا معهم زوجاتهم أو اصطحبوا معهم ذوات محارمهم، وهي تأمن أولئك وتطمئن إليهم في أمانتهم وثقتهم واستقامتهم على الحق، فلا حرج عليها أن تحج في هذه الرفقة. والله تعالى أعلم.
اليوم
إذا أدرك الحيض المرأة بمنى ماذا تفعل مع العلم أنها تذهب في التاسع من ذي الحجة إلى عرفة ثم ترمي في العاشر الجمرة الكبرى، ثم تهدي ثم تقصر وتذهب لطواف الإفاضة، وفي هذه الحالة يلزمها طواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة. أرجو الإفادة؟ تفعل الحائض من مناسك الحج كل شيء، ما عدا الطواف بالبيت فتؤخره مع السعي إلى أن تطهر. والله أعلم.
امرأة ذهبت إلى الحج وهي على خصام مع زوجها ولم تستأذنه الذهاب، وهي تحج أول مرة فهل يجوز ذلك؟
عليها أولاً أن تصالح زوجها لتفد إلى الله وهي شوائب الأوزار. والله أعلم.
في
متخلصة من جميع
امرأة تملك ذهباً يقدر بـ (600) ريال، أرادت أن ترهن هذا الذهب بمبلغ 400 ريال لتؤدي بهن الحج، وهي ليس عندها أحد هل يحق لها ذلك؟ وإذا لم يحق لها ذلك، فهل يمكنها بيعه والذهاب بقيمته للحج؟
لا مانع إن باعت المرأة حليها أو رهنته لأجل الحج، شرط أن يكون الرهن شرعياً. والله أعلم. (1/476)
صفحة 477
فتاوى الحج
477
هل يجوز للمحرمة بالحج أن تخضب بالحناء؟ فقد وجدنا رواية في منهج الطالبين أن زوجات النبي يختضبن بالحناء وهن محرمات ما صحة هذه الرواية؟
لم أطلع على سند لهذه الرواية، وصحة الروايات موقوف على معرفة أسانيدها صحة وضعفاً وأظن أن المراد بالرواية أنهن يحرمن وأثر الخضاب في أيديهن وأرجلهن وهذا غير ممنوع والحناء من الزينة وليس من الطيب فلا يحرم على المحرمة. والله أعلم.
ما حكم استعمال المرأة الأدوية لمنع الحيض في أيام الحج، وماذا تفعل الحائض في أيام الحج؟
لا مانع من ذلك لأجل التمكن من طواف الإفاضة قبل مغادرة رفقتها،
وتأتي الحائض جميع مناسك الحج إلا الطواف بالبيت. والله أعلم. أحق بمرافقة المرأة لتأدية فريضة الحج من غير والدها وأخيها وابنها وابن أخيها وعمها والزوج؟
من
يجوز لها أن ترافق كل ذي محرم كابن زوجها وأبيه وخالها. والله أعلم.
جميع
ما حكم المرأة التي تبتلى بدم الحيض والنفاس خلال مناسك الحج؟ الحائض والنفساء تأتيان مناسك الحج ما عدا الطواف بالبيت فإنه لا يطوف به إلا طاهر، فإذا حاضت المرأة قبل أن تطوف طواف العمرة وكانت ناوية التمتع ولم تطهر قبل التروية نوت القرآن، وأدخلت الحج في العمرة وكفاها طواف وسعي لحجها وعمرتها ولو استمر بها دم الحيض بعد يوم النحر أخرت طواف الإفاضة إلى أن تطهر والله أعلم. (1/477)
صفحة 478
478
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
امرأة تنوي الذهاب للحج ولكنها تريد الذهاب بمبلغ أودعته في البنك ذلك؟ بدون ربا فهل يصح
عليها أن تتوب إلى الله من الإيداع في البنوك، لما في ذلك من التشجيع على المعاملات الربوية، وإن كانت لا تأخذ من الربا شيئاً، فلا إن حجت بالمبلغ المودع. والله أعلم.
ما شروط الحج بالنسبة للمرأة؟
حرج
عليها
لا تختلف شروط حج المرأة عن شروط الرجل، وإنما تزيد المرأة حج بشرط واحد وهو أن يصحبها زوج أو ذو محرم، لحرمة سفرها بنفسها، والطاعة والمعصية لا يجتمعان. والله أعلم.
ما هي محظورات الإحرام بالنسبة للمرأة؟
محظورات الإحرام بالنسبة إلى المرأة هي نفس ما يحظر على الرجل، فالجماع ومقدماته والطيب والصيد وحلق الشعر محظور على المحرم، رجلاً كان أو امرأة. وإنما لها أن تلبس المخيط وتغطي رأسها، بل ذلك
واجب عليها للستر، ولكنها لا تلبس القفازين ولا النقاب. والله أعلم.
ما أحكام إحرام المرأة، والشروط التي يجب مراعاتها في ملابس المرأة المحرمة؟ أحكام إحرام المرأة كأحكام إحرام الرجل في المنهيات، غير أنها تلبس
المخيط وتغطي الرأس وتكشف عن وجهها وكفيها فقط. والله أعلم. فيمن لم تتمكن من طواف الإفاضة ولا الوداع ب المحيض، ولم ينتظرها أصحاب الحملة ماذا عليها؟ الحائض تعذر عن طواف الوداع، كما دلّ عليه حديث عائشة وابن (1/478)
صفحة 479
فتاوى الحج
479
عباس
ولا تعذر عن طواف الإفاضة، لأنه ركن من أركان الحج، فإن
لم تطف حتى عادت إلى أهلها فلا حج لها وعليها أن تحج من قابل.
والله أعلم.
امرأة لا يوجد لديها أحد من الأقارب الرجال سوء زوج مدين بمبالغ ولا يستطيع الذهاب إلى الحج، فأذن لزوجته الذهاب إلى الحج، والزوجة لديها استطاعة، فهل يحق لها أن تحج مع شخص من الجماعة أو من جيرانها؟
يجوز لها ـ على رأي بعض المسلمين - الحج برفقة جماعة المسلمين الذين اصطحبوا نساءهم. والله أعلم.
امرأة رهنت صوغاً لابنتها وتريد الذهاب إلى الحج، والمبالغ التي تريد الذهاب بها إلى حج البيت من مبالغ هذا الرهن، ولا يوجد لديها ما تفدي به الرهن إلا أن ابنتها أبرأتها من قيمة الرهن، ويوجد لديها مال أخضر لسداد قيمة الرهن هذا مع العلم أن الصوغ تابع لها وليس لزوجها؟
لا مانع من سفر هذه المرأة إلى الحج لاختلاف حال الرهن عن الدين، لأن الرهن مضمون في المرتهن، وكذلك حكم الدين إن كان عند المدين وفاه ولم يكن حاضراً، وكانت عند الدائن وثيقة تثبته، فلا مانع بسببه من السفر إلى الحج. والله أعلم.
هل تلزم المرأة بالصلاة في الحرم حيث تكثر فيه زحمة الرجال والنساء؟ لا يلزم المرأة الحاجة أن تصلي في المسجدين الشريفين، وإنما يستحب لها ذلك إذا كانت في مأمن من الزحام مع الرجال، ولم تكن على حالة (1/479)
صفحة 480
480
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
تخشى معها الفتنة، أما إذا لم يتوفر لها هذان الشرطان فصلاتها في بيتها ألزم. والله أعلم.
إذا أحرمت المرأة بالعمرة في أيام الحج، وأتاها الحيض عند دخولها مكة المكرمة، واستمر بها حتى يوم الثالث عشر من ذي الحجة، إذ رأت الطهر فيه فهل يلزمها طواف العمرة وطواف الإفاضة، أم يكفيها طواف واحد لحجها وعمرتها ووداعها؟
يكفيها طواف واحد لحجها وعمرتها ووداعها إن لم تبق بعد الطواف. والله أعلم. ما قولكم في أخوين لهما أم عاجزة، وكل منهما عازم على أداء فريضة الحج عنها، فالأكبر يقول إن نيتي، سابقة، والأصغر يقول أنا كذلك، فما رأيكم في
ذلك، وهل يصح أن يحج الاثنان عنها فريضة الحج في عام واحد؟ لا يحجان عنها جميعاً في عام واحد، ولهما أن يحجا عنها حجتين واحدة تلو الأخرى، على أن ينوي الأول حجة الفريضة وينوي الثاني نافلة أو احتياطاً لما عسى أن يكون في الحجة الألى من التقصير، وإن اختلفا فليرجعا إلى القرعة. والله أعلم.
رأيت دماً فتبينت أنه ليس بحيض فطفت طواف الإفاضة وسمعت عن شيوخ في السعودية أن الحائض تحتشي بخرقة وتطوف طواف الإفاضة، لأن بدونه يبطل حجها فما ترون في هذا؟
إن كنت لم تتيقني الحيض قبل طواف الإفاضة فحجك صحيح، ولا يجوز طواف الإفاضة للحائض بحال - وإن أفتى به من أفتى ـ لدلالة السنة والإجماع على خلافه، وإنما أول من أفتى بالجواز شيخ الحشوية ابن
تيمية فتابعه على ذلك من تابعه من أهل نحلته والله المستعان (1/480)
صفحة 481
فتاوى الحج
481
أريد أن أحج عن والدتي ولي إخوان وأخوات، وهنالك خلاف بيني وبينهم، حيث تقدم رجل إلى خطبتي ولم يوافقوا، فدفعت إليهم الشيوخ والوالي والقاضي ولم يوافقوا حتى كلفهم الشرع، وتزوجت عن طريق القاضي، والآن رموني بالخصامة ولم يسلموا عليّ، هل إذا حججت يلزمني شيء؟ قام فاعلوا الخير ليصلحوا بيننا، فرفضوا ولم يوافقوا على
ذلك؟
إن أمكنك أن تصالحيهم قبل السفر إلى الحج فذلك أولى، وإلا فما عليك من حقدهم وأنت لم تسيئي إليهم، فحجي على بركة الله. والله أعلم.
امرأت أحرمت من الميقات للحج أو للعمرة، ثم جاءتها الدورة الشهرية وذلك في الخامس من ذي الحجة كيف تؤدي هذه الحجة أو العمرة؟ المناسك إلا الطواف بالبيت فتؤخره إلى أن تطهر من
تؤدي جميع حيضها، وإن كانت محرمة بعمرة للتمتع بالعمرة إلى الحج فإن عليها أن تنتظر حتى تطهر بإحرامها، فإن وصل ميقات الحج وذلك بدخول يوم التروية قبل أن تطهر فلتدخل الحجة في العمرة، وتكون قارنة بينهما بإحرام واحد، ويجزيها طواف بالبيت بعد الطهر لحجها وعمرتها. والله أعلم.
امرأة معتمرة تحللت بقص أظافرها هي وجملة نساء، فماذا عليهن؟ أخطأت في ذلك خطأ بيناً، فالتحلل إنما يكون بالأخذ من شعر الرأس من الأظافر، وبما أنها لم تفعل ذلك فإنها يلزمها أن تدفع فدية عن كل مرة دم ينحر هنالك في البلد الحرام، وكذلك كل امرأة فعلت مثل فعلها، عليها أنه تفتدي بمثل هذه الفدية. والله أعلم.
لا (1/481)
صفحة 482
482
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
امرأة أحرمت بالعمرة فأحست بوجود بعض الدم القليل وكانت تشك بأنها الدورة الشهرية، ولم تكن متأكدة فذهبت للحرم وأدت المناسك،
وفي المنزل أدركت بأنها العادة الشهرية، فما حكم عمرتها؟
إن تيقنت خروج الدم منها وطافت بالبيت وهي على تلك الحالة فطوافها باطل، لأن الطهارة مشترطة في الطواف فإن لم تعد وانتهت عمرتها فعليها إعادة العمرة مع الفدية لفساد عمرتها السابقة. والله أعلم.
امرأة ذهبت للحج وتركت أولادها في منزلها، ومنهم بنت كبيرة فذكر لها الناس أن الحج باطل ما دامت تركت الأولاد بأنفسهم؟
في
لا معنى لقولهم ببطلان حجها، فإنه افتئات وجرأة على الله، وإنما ينظر أولادها، هل بقاؤها عندهم ضرورة أو بإمكانهم الاستغناء عنها؟، فعلى الأول تكون مقصرة في المحافظة عليهم، ولكن مع ذلك تكون مؤدية لفرضها، وعلى الثاني هي موفية بما عليها. والله أعلم.
هل يجوز للمرأة الحاجة المشاركة في حفلات الزفاف؟ حيث إنها
تتخالط
مع جميع
الأجناس؟
إن لم يكن في ذلك ما ذلك ما يحرم شرعاً فلا حرج، وإلا فتمنع منها الحاجة
وغيرها. والله أعلم.
هل يلزم المرأة أثناء زحمة الحج الصلاة في الحرم، وكما أنه ذلك في الوقت تتلامس أجسام الرجال والنساء من كثرة الحجاج والزحام، وأيهما أفضل الصلاة بالمنزل أو الحرم في ذلك الوقت؟
لا يلزمها ذلك، وصلاتها في البيت أفضل لها تفادياً للزحام. والله أعلم. (1/482)
صفحة 483
فتاوى الحج
483
ما حكم المرأة التي تغيّر ملابس الإحرام قبل أن يصلها خبر النحر عنها؟
تغيير الملابس لا يؤثر على إحرامها، وإنما تمنع من الطيب وسائر محظورات الإحرام قبل النحر. والله أعلم.
هل يجوز للمرأة زيارة قبور الصحابة وأهل بيت الرسول ـ عليه أفضل
الصلاة والسلام؟
اختلف
في
ذلك، والجواز مشروط بأن تكون الزيارة للاتعاظ بالموت،
ولا يصحبها عويل ولا غيره من المنكرات. والله أعلم.
ماذا يلزم المرأة إن غطت وجهها ويديها؟
أما المرأة فلا تتعمد تغطية الوجه في إحرامها إلا لضرورة، وإن غطته عمداً فعليها فدية، وإن كان خطأ أو نسياناً فعليها نزعه عندما تتذكر فوراً، وتمنع من لبس القفازين في يديها. والله أعلم.
امرأة ذاهبة إلى الحج وعندما وصلت إلى هناك لم تؤد أي منسك من مناسك الحج بسبب الدورة الشهرية فما حكم حجها، وما المفروض عليها فعله؟
عليها دم لتحللها من الإحرام بغير أداء المناسك، وعليها الحج من قابل، ولتسأل الفقهاء عندما تعزم الحج عن واجبها عندما تواجه مثل هذا الظرف، فإن شفاء العي السؤال. والله أعلم.
امرأة زنت فاعترفت بذنبها وتابت إلى الله، وتريد أن تحج فما حكم الشرع في ذلك؟
تحج، والله يتقبل من المتقين والتائب بإخلاص من المتقين. والله أعلم. (1/483)
صفحة 484
???
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
امرأة رفعت صوتها بالدعاء في طواف أو سعي أو غيره، وذلك حتى يسمعها ويردد خلفها نسوة لا علم لهن بالقراءة والكتابة، فما حكم
ذلك؟
إن كان ذلك بقدر ما تسمعها النسوة اللاتي حولها فلا حرج. والله أعلم. هل يجوز للمرأة إذا أرادت الإحرام للحج أو العمرة أن تغسل جسمها بالصابون، علماً بأن رائحته لا تلبث أن تزول بعد ذلك؟
لا مانع من ذلك. والله أعلم.
لي زوجة طالبتني بالطلاق، وقد صرفت عليها مصاريف لتأدية فريضة الحج هي وأمها، فهل لي المطالبة بهذه المصاريف، وهل للطلاق تأثير على الحج؟
لا علاقة للحج بالطلاق، فلا تأثير للطلاق على الحج، وما أعطيتها إياها من مال سواء كان ذلك لحج أو غيره فلا تحق لك مطالبتها به.
والله أعلم.
هل يجوز للمرأة أن تغطي رأسها في الإحرام بالحج أو العمرة؟ وإن كان ذلك خلاف، فما الراجح لديكم؟
في
أما تغطية الرأس فواجبة على المرأة في الإحرام وغيره، ولعلك تبحث عن تغطية الوجه في حال إحرام، المرأة، ولئن كان كذلك فإنها لا تغطي وجهها إلا عند محاذاتها الرجال، فإنها تسدل من خمارها على وجهها من غير أن تتنقب، كما دل عليه حديث عائشة.
والله أعلم. (1/484)
صفحة 485
فتاوى الحج
485
هل يلزم المرأة الحاجة أو المعتمرة أخذ شيء من شعر رأسها، وإن لم تفعل ذلك فماذا عليها؟
عليها أن تأخذ من أطراف شعرها عند التحلل قدر أصبعين وقيل: قدر أربعة أصابع عرضاً، فإن لم تفعل وتحللت بدون ذلك فعليها دم. والله أعلم.
رجل صافح امرأة وهو محرم هل حجته باطلة؟
مبطلات الحج محصورة، وليس منها مصافحة المرأة. والله أعلم.
امرأة أرادت الذهاب إلى الحج فوافق زوجها، ولكن لا يستطيع الذهاب معها، فطلبت أخاها أن يكون لها محرماً فوافق الأخ بشرط أن تتنازل الأخت عن ميراثها من والدها، وقالت الأخت سأنظر في ذلك بعد الحج، فأصر الأخ على أن يكون ذلك قبل الحج، وأخذ يهددها بالنزول من كل حملة تصعد إليها وهو فيها، فما قولكم في ذلك؟ وما الحل لذهابها إلى الحج مع تأخر الأخ؟ بئس الأخ هذا الذي يجعل من الواجب شراكاً لصيد المطامع، وأكل أموال الناس بغير حق، وبئس الصنيع صنيعه، هذا وإن خرجت في رفقة جماعة المسلمين الأمناء المصطحبين لنسائهم أو ذوات محارمهم فلا حرج عليها في ذلك، والله يتقبل منها. والله أعلم.
كثير من الحجاج يحصل معهم اختلاط النساء بالرجال، وبالأخص في السكن حيث يأتي الرجل ويجلس مع زوجته وسط نساء أجنبيات، وكذلك في الركوب في السيارة، فما قولكم في ذلك؟
للنساء حرمات، فلا يجوز اختلاطهن بالرجال الأجانب في السكن ولا في المركب، وعليهم أن ينظموا أنفسهم فبدون ذلك لا تستقيم أحوالهم.
والله أعلم. (1/485)
صفحة 486
486
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
أثناء الطواف تتلاصق الأجسام من شدة الزحام، وكثير من الناس يضعون زوجاتهم أو محارمهم أمامهم ويحاولون حفظهن عن الملاصقة، فهل في ذلك شيء، وما هي الطريقة الأفضل؟
تلك حالة ضيق فيوسع فيها ما ضاق حكمه في غيرها، فإن الشيء إذا اتسع ضاق وإذا ضاق اتسع، وإنما يتخذ الإنسان أنجح الوسائل لاتقاء التلاصق بين الرجال والنساء. والله أعلم.
امرأة، أثناء تأدية مناسك الحج وهي محرمة كانت مختمرة خوفاً من الفتنة، حيث كساها الله الجمال، فهل عليها شيء أو حجها تام، ومن المعلوم بأن الخمار يلاصق الوجه أحياناً حيث إنه متحرك؟ إن أسدلت على وجهها من خمارها من غير أن تتنقب فلا حرج عليها، وذلك لدفع الفتنة. والله أعلم.
هل يجب على المرأة التسليم على قبر النبي المصطفى وصاحبيه من الخارج، دون الوقوف أمام القبر الشريف؟
لا يجب عليها ذلك، ويجزي تسليمها على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه ولو من بعيد، أي لا يشترط أن تقف حيال القبر. والله أعلم.
هل حج المرأة من مسؤولية الزوج أم لا؟
هو غير مسؤول عن ذلك، فإن الحج إنما هو على من استطاع إليه سبيلاً، وهي عبادة يستقل بها كل إنسان في خاصة نفسه، فالمرأة تستقل بها والرجل يستقل بها، وعلى أي حال إن تبرع زوجها، بمؤونة حجها فإن عليها أن تحج في هذه الحالة من مال زوجها. والله أعلم. (1/486)
صفحة 487
فتاوى الحج
487
ما قولكم في امرأة تستأجر حجاً وتسافر بدون محرم؟
ليس لها أن تسافر إلا مع ذي محرم أو زوج، على أن استئجارها الحج
عن الغير فيه من المحاذير ما لا يخفى. والله أعلم.
هل يصح لزوج المرأة أن يمنعها عن أداء فريضة الحج؟
ليس للزوج أن يمنع زوجته عن حجة الفريضة، كما أنه ليس له أن يمنعها عن الصلاة والصيام والزكاة. والله أعلم.
إن ما يلاقيه الحاج من المتاعب في هذا الوقت كثير، فهل هناك رخصة للنساء إذا أقمن أيام التشريق بمنى، وأخرّن طواف الزيارة وطفن طوافاً
واحداً للزيارة والوداع؟
لا مانع من ذلك. والله أعلم.
هل يصح
للنساء أن يؤجّرن أحداً على رمي الجمار، سواء كن مستأجرات
أو عن أنفسهن؟
لا مانع من ذلك لأجل الضرورة. والله أعلم.
ما قولكم في امرأة تريد الذهاب إلى الحج نافلة من مال ولدها، والذي عليه ديون كثيرة، وكذلك لهذه المرأة زوج مريض ومصاب بالشلل، ولا يوجد من يرعاه في حال غيابها أحد سوى زوجة ابنه، فهل يصح حجها على هذه الحالة؟
قيامها بزوجها أعظم أجراً لها من حج النافلة، وقضاء دين ولدها أولى من حج الفرض والنافلة. والله أعلم. (1/487)
صفحة 488
488
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
امرأة ذهبت لأداء الحج والعمرة، فأتتها الدورة الشهرية فكيف يكون أداؤها للمناسك؟
إن كانت محرمة بالعمرة أخرت الطواف إلى طهارتها إن كانت لم تطف، وإن كانت محرمة بالحج فعلت كل المناسك إلا الطواف فتؤخره إلى طهرها، وإن كانت متمتعة أدخلت الحج في العمرة، وأخرت الطواف إلى طهارتها. والله أعلم.
ما الحكم في نساء ذهبن لأداء فريضة الحج بدون أن يكون معهن
محرم؟ إن كان لواحدة منهن زوج أو ذو محرم فلا حرج عليهن على بعض القول، وإلا فقد عصين بسفرهن وحدهن والأحوط إعادة الحج. والله أعلم.
امرأة كبيرة السن ولا تعقل وقد ادخرت أموالاً عند أمين لها، وكانت تريد الحج أيام صحتها ولكنها لم تتمكن فأراد بعض الأولاد أن يأخذ من هذه الأموال لكي يحج عنها، فتشاجر الأولاد في ذلك، بعضهم يقول نحج من هذه وبعضهم معارض، فما قولكم في ذلك؟
إن كانت أدخرت هذه المبالغ للحج فلا مانع من الحج عنها بها، والأحوط والأفضل أن يتبرع أحد أولادها فيحج عنها. والله أعلم.
ما قولكم في رجل توفي ولم يوص بشيء وقد ترك مالاً، والبنات يرغبن تأدية حجة وصوم وكفارات فهل يجوز لهن إخراج ذلك، وإذا لم
في
يرض الأبناء فماذا يفعلن؟ تكرموا بالإجابة. أجركم الله خيراً.
يجوز لهن ذلك، وإذا رفض قبول ذلك شركاؤهن في الإرث، فليخرجن مؤونة ذلك من حصتهن. والله أعلم. (1/488)
صفحة 489
فتاوى الحج
489
هل للمرأة أن تستأجر حجة أو عمرة عن الغير؟
الأحوط والأسلم للرجل أن لا يستأجر عن الغير، فما بالك بالمرأة؟
والله أعلم. هل يجوز للمرأة المسلمة أن تحج عن أختها المسلمة؟
إن كانت المحجوج عنها عاجزة عن السفر إلى الحج لمرض أو هرم فلا مانع من ذلك. والله أعلم.
امرأة تنوي الذهاب للحج وهي لا تتجاوز الثلاثين أو الخامسة والثلاثين من عمرها وتنجب أولاداً، فهل يجوز لها أن تحج وتطوف أم لا؟
هذا السؤال غريب، فإن الحج فريضة واجبة على الذكر والأنثى الشباب والعجوز إن استطاع إليه سبيلاً، وكيف يقال إنه غير جائز للشابة ـ مثلاً ـ وهو عبادة كالصلاة؟ وهل يقال بسقوط فرض الصلاة عنها في شبابها، أو إنها غير جائزة لها؟ والله أعلم.
هل يجوز للمرأة أن تذهب للحج بدون محرم، وهل تعدد النساء في الرفقة في سيارة واحدة يكفي عن وجود محرم لكل امرأة، وهل على
صاحب السيارة ذنب إذا سمح لمرأة لا محرم لها بالذهاب؟
لا يجوز لامرأة أن تحج و ولا أن تسافر إلا مع ذي محرم، فإن لم يكن ذو محرم وأرادت الحج فلتصحب جماعة المسلمين المصطحبين لنسائهم، ولا تسافر مع مع نساء لا محرم لواحدة منهن ولا زوج. والله أعلم.
لدي أخت تكبرني في السن وهي تعاني من أمراض من حين لآخر، فهل أن تؤجر أحداً يحج عنها وهي على قيد الحياة، لعدم استطاعتها
يصح (1/489)
صفحة 490
490
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
الذهاب لتحمل أعباء السفر ومشقته، وهل الأفضل لها أن تحج بنفسها رغم عدم قدرتها، أم توصي بذلك بعد موتها، نرجو منكم إرشادنا للصواب ولكم الأجر؟
هذه المرأة إن كانت غير قادرة على الحج بنفسها، فلا حرج عليها إن أنابت غيرها في حياتها. والله أعلم.
أرادت امرأة كبيرة في السن الذهاب لأداء فريضة الحج فاستأذنت زوجها ولم يسمح لها بالذهاب بالرغم أن ولد ابنتها وابنتها سيقومان بمساعدتها هناك في الأراضي المقدسة، وستتحمل كل المصروفات دون اللجوء إليه، وهو مصر على كلامه، وهي تقول ذلك منذ أربع سنوات؟ ذلك. فما رأيكم في
ليس له أن يمنعها من ذلك، لأن الحج فريضة واجبة على الذكر والأنثى كالصلاة، وإن أصر على المنع فلها أن تسافر لأداء هذا الفرض بدون إذنه.
والله أعلم.
هل يجوز للمرأة أن تتعاطى حبوب منع الحيض أيام الحج، حتى تستطيع أن تؤدي الحج وترجع مع الحملة؟ وهل الحاجة عن نفسها والمستأجرة سواء؟
لا مانع من ذلك لأجل الضرورة، ولا فرق في ذلك بين الحاجة عن نفسها وعن غيرها. والله أعلم.
امرأة ذهبت إلى الحج، وعند وصولها مكة المكرمة وهي محرمة للعمرة أدركها الحيض فماذا تفعل؟
في مثل هذه الحالة تبقى على إحرامها، ولا تدخل المسجد الحرام حتى (1/490)
صفحة 491
فتاوى الحج
491
تطهر، فإن طهرت طافت وسعت، وإن استمر بها الحيض إلى أيام الحج أدخلت الحج في العمرة، وطافت في يوم النحر أو بعده وسعت، طوافاً واحداً وسعياً واحداً لحجها وعمرتها. والله أعلم.
إحدى النساء المسلمات تنوي الحج، وهي قادرة وليس لها ذو محرم، فهل تسافر مع المقاول وعنده مجموعة من النساء، أم عليها أن تؤجر من يحج عنها؟
إن لم تجد المرأة ذا محرم فلا جناح عليها أن تحج مع رفقة من المسلمين المصطحبين نساءهم، ولا تصح إنابتها للغير مع قدرتها على الحج بنفسها. والله أعلم.
وهو
امرأة علمت عن وفاة زوجها وهي في الحج قبل الوقوف بعرفة، فهل تكمل مناسك الحج أم تعتمر وتترك المناسك؟
تكمل مناسك حجها، ولا يجوز لها أن تتخلف عنه بعد إحرامها، لا ينافي عدتها، بل تستمر على أداء مناسك الحج وهي معتدة.
والله أعلم.
إذا حاضت المرأة ولم تطف بعد طواف الإفاضة، وفي نفس الوقت قرب موعد ذهابها إلى بلدها ولا تستطيع التأخر عن رفقتها، وإلا ذهبوا عنها فماذا تفعل؟
حرج إن عادت إلى أهلها، ثم عادت في عامها من أجل الطواف الباقي عليها وذلك قبل أن يباشرها زوجها، وإلافسد حجها.
والله أعلم. (1/491)
صفحة 492
492
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
إذا امرأة أتاها الحيض في يوم التروية فكيف يكون حجها، للعلم أنها لم
تطهر حتى نهاية الثاني عشر من ذي الحجة؟
الحج إلا الطواف بالبيت، فحتى تطهر من حيضها.
تأتي بجميع والله أعلم.
أعمال
فتاوى متنوعة
2
ما
ا هي أركان الحج؟
هل ثلاثة - الإحرام، والوقوف بعرفات، وطواف الإفاضة بالبيت العتيق.
والله أعلم.
يقول الله تعالى: (الْحَجُ أَشْهُرُ مَعْلُومَتٌ} [البقرة: 197]، فما
الحج؟
أشهر
هي
شوال وذو القعدة وعشرة من ذي الحجة على الصحيح والله أعلم.
ما فضل ذي الحجة على غيره من الشهور وبخاصة الأيام العشر منه؟ شهر ذي الحة شهر عظيم، فهو شهر حرام، وقد اختصه الله تعالى بأن فرض فيه الحج، وأقسم بلياليه العشر في قوله: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر: 1، 2]، ولكن ليس بأفضل من شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان وفرض على الكل صيامه.
والله أعلم.
ما قولكم في رجل هو وولده يعملان ويقيمان في بيت واحد، راتب الأب يصرفونه للبيت وراتب الولد يدخرونه، إذا أراد الأب أن يحج من (1/492)
صفحة 493
فتاوى الحج
493
هذه الدراهم التي يدخرونها من راتب ولده هل حجه صحيح؟. نرجو التكرم بالرد مشكوراً.
لا مانع من ذلك ما داما متفقين على ذلك. والله أعلم.
ما رأيكم في رجل اقترض مبلغاً كبيراً لبناء منزل من مؤسسة حكومية خال من الربا، وهو يعلم بأنه غير قادر على تسديد المبلغ في أقل من أو ثمان سنوات، حيث إنه يدفع أقساطاً شهرية من راتبه وأراد أن يحج هل عليه من بأس؟
سبع
إذا كان الدين موثقاً، وكان عنده ما يمكن قضاؤه من التركة لو توفي، فلا حرج عليه. والله أعلم.
رجل استدان مبلغاً لمدة سنة واحدة، وقبل انتهاء الفترة بثلاثة أشهر أراد أن يذهب لأداء فريضة الحج ولم يدفع المبلغ الذي عليه فهل يصح له
ذلك؟
إن كان الدين في وثيقة شرعية، وكان عنده قضاؤه لو فاجأه الحِمام)، فلا مانع من الحج. والله أعلم.
رجل مدين لبنك ولأشخاص، فهل يصح له تأدية فريضة الحج؟
إذا كان الدين خالياً من الربا وكان عنده وفاؤه فلا حرج عليه إن حج، شريطة أن يكون موثقاً، وأما إن كان متلبساً بالربا فعليه أولاً التوبة.
والله أعلم.
(1) الحمام الموت. (1/493)
صفحة 494
494
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
رجل أوصى بعد موته بحجة ورماضين وهو لم يحج من قبل، هل تثبت
له الوصية أم لا؟
إن كان يملك من المال ما يكفي لمؤونة الحج فلا يعذر عن الوصية إن حضره الموت قبل أن يحج. والله أعلم.
رجل ذهب إلى الحج متأخراً وأحرم بالحج وأدرك الناس في عرفات، فإذا رمى جمرة العقبة هل يحلق ويفسخ إحرامه؟ وهل عليه طواف الإفاضة؟ نرجو أن توضح
نعم، يحل من إحرامه بعد الرمي، وما عليه غير طواف الإفاضة، وإنما عليه دم لعدم مبيته بمنى ليلة عرفة وهو من باب الاحتياط لأن الحديث لم يتعرض له. والله أعلم.
امرأة توفي زوجها وولدها في حادث سير، ولم يتركا إرثاً يستحق ذكره، وأخيراً قامت المرأة بتأجير اثنين ليحجوا عن زوجها وولدها، رغم أن ولدها تارك أطفالاً، والمتوفيان لم يوصيا بحج، وليس لدى المرأة سعة من المال حتى تؤدي، حجتين، ولكنها أصرت وسلمت كل ما تملك مقابل الحج، وتركت الأطفال بدون شيء من ورث أبيهم، هل يحق لها ذلك؟ ليس لها أن تتصرف في تركة الهالكين إلا برضى الورثة إن كانوا بلغاً عقالاً، وإلا فهي ضامنة لما أخرجته في مالها. والله أعلم.
هل يحق للحاج أن يتقاضى مبلغاً معيناً مقابل السلام على
رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
أخذ الأجرة على التسليم على النبي صلى الله عليه وسلم لا ينبغي، إذ لا يكلف ذلك
عناء. والله أعلم. (1/494)
صفحة 495
فتاوى الحج
هل يجوز للباصر أن يحج من المال الذي يجمعه من التنجيم؟
لا. والله أعلم.
495
له
إذا نوى رجل الحج وكان قد رهن مالاً له لرجل آخر، فهل يصح ا الحج قبل أن يفدي ماله مع العلم أنه يمتلك التكاليف التي يستطيع أن يذهب بها إلى الحج؟ افتنا ولك الأجر.
ما تسمونه الرهن هو بيع الإقالة، فإن كان على وجهه الشرعي فهو جائز، ولا مانع من حج من باع مالاً بالإقالة، لأن حق المشتري ليس في ذمة البائع، وإنما هو في المال المبيع. والله أعلم.
النبي
هل على الحاج أن يستعمل أدعية معينة أثناء تأدية فريضة الحج؟
الأذكار عن
لا، وإنما يؤمر بمطلق الذكر إلا ما ورد من بعض كقول: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة ... إلخ بين الركنين في الطواف.
والله أعلم.
هل الشرب من ماء زمزم واجب أو مستحب للحجاج؟
الشرب من ماء زمزم ليس من مناسك الحج وليس بواجب، وإنما هو ماء مبارك، وقد جاءت فيه روايات بعضها صحيح وبعضها دون ذلك، وأصحها حديث: زمزم طعام طعم أخرجه مسلم ورواه غيره بزيادة: «وشفاء سقم». والله أعلم.
إذا غادر الحاج المتمتع مكة قبل تأدية الفريضة وبعد العمرة إلى جدة أو
الطائف مثلاً ماذا عليه؟
ليس عليه شيء. والله أعلم. (1/495)
صفحة 496
496
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
ماذا ينبغي للمسافر إلى الحج أن يفعله وهو في طريقه، منذ خروجه من منزله حتى مكان الإحرام.
يؤمر قاصد الحج بالتخلص من التبعات وقضاء الديون، وأداء الحقوق وصلة الأرحام والجيران وإحسان معاملتهم، وتدارك تقصيره في حقهم، ثم باختيار الرفقة، وعند بدء السفر يودع منزله بركعتين، فإذا ركب سيارته أو أي وسيلة للنقل غيرها أتى بالآيتين الكريمتين (سُبْحَنَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبَّنَا لَمُنقَلِبُونَ} [الزخرف: (13، 14]، ثم بالورد المأثور: «اللهم إني أسألك في سفرنا هذا البر والتقوى .. إلخ، ويذكر الله في حله وترحاله وسيره ووقوفه وينيب إلى الله في كل حالاته. والله أعلم.
ما حكم الإسلام في الممتنع عن الحج مع القدرة المالية والبدنية والأمن؟ وما الدليل؟
حكمه الكفر (1)، ودليله: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97].
والله أعلم.
قال في كتاب الوضع: «حجوا قبل أن تنبت بالبادية شجرة لا أكلت منها دابة إلا هلكت؟ نرجو ما عندكم حول هذا الحديث. الحديث لم يبلغ مرتبة الصحة عند أهل الحديث، ففي إسناده مقال.
والله أعلم.
أريد الذهاب إلى الحج لتأدية الفريضة، وعلي دين لبنك الإسكان مقسم إلى فترات لمدة خمس وعشرين سنة، فهل يجوز لي الذهاب إلى الحج؟ تفضلوا بالإجابة مأجورين.
(1) أي: كفر نعمة إن لم يكن منكراً لوجوبه. (1/496)
صفحة 497
فتاوى الحج
497
إن كان الدين مشوباً بالربا - كما هو المعروف عن بنك الإسكان ـ فيجب عليك التخلص من الربا، ففي الحديث: «لعن الله الربا وآكله ومؤكله وكاتبه و شاهده» وقال: «هم سواء» يعني في الإثم، فعليك التخلص من معاملة الربا أولاً، حتى تفد إلى الله طاهراً. والله أعلم.
هل يجزي الحج عن الكتابة في الوصية لعدد من الكفارات؟ الحج فرض برأسه، والكفارات فروض مستقلة على من لزمته، ولا يجزي فرض عن فرض، فمن كانت عليه كفارة فعليه أداؤها ولا يجزي عنها الحج، والأصل أداؤها في حياته، وأما الإيصاء بها بعد موته فهو مجرد احتياط، لئلا يفاجأه الموت قبل أدائها، وهي تجب بحسب ارتكاب أسبابها من إضاعة الصيام أو الصلاة ـ عند من يرى فيها الكفارة قياساً على الصوم - أو قتل الخطأ أو الظهار أو الحنث في اليمين ولكل كفارة من هذه حكمها. والله أعلم.
فضيلة الشيخ البعض يزعم أن يوم الثامن من ذي الحجة في عُمان يوافق معهم يوم عرفة ففي ذلك اليوم يستحب الصوم لمن أراد، ويوم التاسع
في عُمان يزعمون أنه يوم العيد وصومه حرام، تفضل علينا بالإفادة؟ ليس قولهم هذا بشيء، فإن هذه العبادات منوطة بالأهلة، لقوله تعالى: يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189]، وباختلاف الأهلة تختلف الأحكام بين بلدة أخرى. والله أعلم.
رجل حج بيت الله الحرام عن نفسه، وفي العام التالي نوى أن يحج عن والدته التي لا تستطيع الذهاب إلى الحج وحدها، فلما اقترب موسم الحج قالت الوالدة لولدها لا تتعب نفسك، فالأفضل أن لا تحج عني (1/497)
صفحة 498
498
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
ولست بحاجة لأن تذهب عني للحج، وهناك بعض الخلافات بين الوالدة وولدها، هل يلحق الولد ضمان لتأخره عن الذهاب إلى الحج، لأنه عقد النية بذلك، وهل يلحق الوالدة ضمان لأنها أخرته هي بنفسها؟
ليس عليه في ذلك حرج، إلا من حيث إسخاطه لأمه، فليرض أمه وليبرها وليتق الله، وليحج عنها من بعد. والله أعلم.
لقد طلب مني أحد الإخوة أن أسوق عنه سيارته وهو قاصد الحج، فهل يلزمني أن أحج إذا ما وصلت معه الديار المقدسة؟ أم أن ذلك يعود إلى
رغبتي؟ تكرم بالإجابة ولك الأجر والثواب - إن شاء الله ..
ليس من المعقول أن يرضى ضمير مسلم بأن يصل إلى الأماكن المقدسة في وقت الحج ويتقاعس عن أداء المناسك وهل ذلك إلا دليل انطفاء حرارة الإيمان في النفس. نسأل الله العافية.
هل يجوز للرجل أن يستلف مبلغاً ليكمل به المصاريف المتوخاة لحجه، وهو يعمل وله من المكافآت لنهاية الخدمة ما يكفي لسداد المبلغ المستلف؟
إن كانت السلفة مضمونة في مال المستلف، وأوصى بها المستلف، فلا حرج عليه إن حج في هذه الحالة. والله أعلم.
إذا وصل الحاج المدينة ومكة هل يصلي سفراً أم لا؟
السفر إلى مكة والمدينة لا يختلف عن السفر إلى غيرهما في حكم قصر الصلاة، فالنبي صلى الله عليه وسلم بقي بمكة ثمانية عشر يوماً يقصر الصلاة، ويقول: «يا أهل مكة إنا قوم سفر فأتموا صلاتكم». والله أعلم. (1/498)
صفحة 499
فتاوى الحج
499
ما قولكم في رجل ربح ربحاً وفيراً من دراهمه عن طريق الرهن، وأراد يحج، فهل عليه شيء إن حج بنقوده الأصلية؟
أن
إن كان الربح من طريقة مشروعة فلا حرج عليه، ولو حج من الربح نفسه، وإلا فعليه التوبة أولاً. والله أعلم.
ما الحكم في قيمة حجة جهزها أحد المسلمين ليحج بها، هل فيها الزكاة في تلك السنة التي يحج فيها؟
على المكلف أن يزكي عن النفقة التي أعدها للحج ما لم يستعملها إن حال عليها الحول. والله أعلم.
ما قولكم في امرأة قالت إن زوجت فلاناً من ابنتي فبالله عليَّ أن أذهب إلى الحج ماشية، حافية، وزوجها قال إنه سيزوج ابنته بذلك الإنسان.
فهل يصير على المرأة شيء من ضمان أم لا؟ أفتونا مأجورين. عليها أن تحج، ولا يلزمها المشي ولا أن تذهب حافية. والله أعلم. عن رجل صلى خارج مسجد الرسول في المكان المحيط بالمسجد، ويقصد أنه مع الجماعة، فهل صلاته تامة أم لا؟
إذا كان خلف الإمام أو بجانبه مع اتصال الصفوف فلا مانع من ذلك. والله أعلم.
وجبت علي غرامة في حادث، وقام الإخوان والأقارب بالمساعدة وجمع بعض المبالغ لكي أدفعها لأصحاب الغرامة، ولكنهم عفوا عنها وبقيت المبالغ المجموعة في يدي هل يصح أن أحج بها أم لا؟
الأولى أن ترجع إلى الذين ساهموا في المساعدة، فإن أباحوا لك (1/499)
صفحة 500
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
التصرف فيما بقي بيدك فلا مانع من أن تحج به، وكذلك إن كنت مطمئناً إلى رضاهم بذلك. والله أعلم.
رجل مسلم كان قد حج وأقام الصلاة وصام رمضان وأدى الزكاة وأقام الواجبات كلها، ثم أشرك بالله، ثم رجع إلى الإسلام مرة ثانية، فهل تلك الأعمال الخيرية التي عملها سابقاً يعطى ثوابها أم لا؟ وإن كان في المسألة خلاف فما الراجح؟
الصلاة
أن
جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: من أشرك ساعة حبط عمله فإن تاب جدد له العمل»، وقوله الا هو الفيصل في كل النزاع، وهو ظاهر في الله سبحانه يعطي ثواب العمل لمن تاب وآمن وعمل صالحاً من المرتدين، ذلك يلزمه أن يعيد الحج إن كان قد حج في الإسلام الأول،
ولكن مع وكانت لديه استطاعة على الحج عندما رجع إلى الإسلام من جديد، هذا ما رجحه الإمام نور الدين السالمي - رضوان الله تعالى عليه ـ، نظراً إلى أن كل ركن من أركان الإسلام يتكرر بخلاف الحج، فإذا عذر عن الحج بعد إسلامه الثاني اعتماداً على سابق حجه، كان إسلامه الأخير خالياً من ركن من أركان الإسلام وهو رأي، حسن ولا ينافي أن يثيبه الله على حجه الأول إذا أحسن القول والعمل. والله أعلم.
هل الأفضل لزائري قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام قيامهم بالمدينة أن يصلوا جمعاً أم قصراً؟ المسافر إلى مكة أو المدينة أو غيرهما مطالب بالقصر للصلوات الرباعية، ما لم يصل خلف مقيم، فإن صلى خلف مقيم أتم، والقصر لا يقابله الجمع حتى يقال أيهما أفضل، وإنما يقابله الإتمام ويقابل الجمع الإفراد، لأن القصر هو قصر الرباعيات سواء كان المسافر يجمع أو يفرد، (1/500)
صفحة 501
فتاوى الحج
0.1
والإفراد هو أفضل للمقيم في البلد ولو يوماً أو يومين، والجمع هو أفضل للجاد في السير. والله أعلم.
هل يجوز للرجل في طواف العمرة أن يتكلم بغير الذكر والتسبيح، كأن يعرف أهله بأركان الكعبة والحجر الأسود وغير ذلك من أجزاء الكعبة؟
لا مانع من ذلك ما لم يخرج عن مصالح الدين. والله أعلم.
رجل أراد الذهاب إلى الحج، ولا يملك المال الذي يستطيع به الذهاب إلى الحج، وقد تكفل أحد من أصحاب الخير بإعطائه المبلغ لوجه الله مساعدة له لتأدية الحج، هل يكون حجه صحيحاً؟
إن كان ذلك العطاء عن طيب خاطر من غير طلب ومن غير إلجاء، فلا
مانع من أن يحج به وا يحج به والله تعالى أعلم.
إنني رجل فقير حصلت على زكاة فهل أحج بها؟
الزكاة لا يحج بها، وإنما تدفع في النفقات الضرورية، والله يوفقك للخير، والحج يجب على من استطاع إليه سبيلاً، لا على غير المستطيع.
والله أعلم.
ادعى بعض الشباب أن فريضة الحج لا تؤدى إلا بعد الزواج وتحصين النفس، بالرغم من توفر الاستطاعة العلمية والبدنية والمالية لديه، فما قولكم في هذه المسألة؟
هذه دعوى مردودة، وهي لا تصدر إلا من أهل الجهل المركب الذين يقولون على الله ما لا يعلمون، وكفى بذلك إثماً مبيناً، وما الحج إلا ركن من أركان الإسلام وفريضة من فرائضه فلايتوقف وجوبه ولا أداؤه على (1/501)
صفحة 502
502
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
الزواج، كما لا يتوقف عليه إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان.
والله أعلم.
رجل اقترض مبلغاً لأداء فريضة الحج، على أن يتم سداد المبلغ فيما
بعد فما قولكم في حجه؟
ليس ذلك مشروعاً. والله أعلم.
رجل طلب مساعدة لأداء فريضة الحج وذهب بها، فما رأيكم في حجه؟ الحج لا تطلب من أجله مساعدة مادية لأنه فرض على القادر ببدنه وماله،
وإن فعل ذلك ووجد اليسر فالأولى له والأسلم أن يعيد حجه. والله أعلم.
إنسان يستطيع الذهاب إلى الحج، ويملك الصحة والمال، وإذا قيل له: لما لا تذهب للحج يقول كتبتها في وصيتي كيف تكون حجة هذا
الرجل؟
يحج بنفسه،
الوصية لا تغني عن الحج، فإن الواجب على القادر أن وإنما الوصية احتياطاً لئلا يفاجئه الموت قبل حجه، وإن نوى أن لا يحج
فهو مخالف لأمر الله، وهو مصر على ترك فريضة من فرائضه. والله أعلم. والدي أقرضني مبلغاً من المال لأجل الذهاب إلى الحج، وسأرد المبلغ، وما القول إذا منحني إياه؟
من
أما القرض من أجل الحج فلا داعي إليه، لأن الحاج يؤمر بأن يتخلص التبعات، ـ ومنها القروض ـ قبل سفره. والله أعلم.
أعمل مديراً بالبنك، فهل يجوز أن أعطي والدي مبلغاً من النقود ليتمكن
من الذهاب لأداء الحج من الراتب الذي استلمه من البنك؟ (1/502)
صفحة 503
فتاوى الحج
503
أما
المبلغ فلا مانع من أن تعطيه أباك، وإنما يقع عليك الإثم إن كانت
المعاملة في البنك ربوية. والله أعلم.
ما قولكم في رجل حاج لبيت الله الحرام، هل يجوز له أن يشارك أصحاب الملاهي كأصحاب الطبول والفنون التقليدية والأعراس؟
لا يجوز ذلك لحاج ولا لغيره. والله أعلم.
رجل يريد الحج وله أخت تريد الحج أيضاً، وهي متزوجة وزجها لا يذهب معها، لأنه لا ينوي الحج، وقام الأخ بمنعها إلا أن تسافر معه، وطلب منها أن تسترضيه بسبب بعض الخصومات)، وهي تريد الذهاب وتسترضيه بعد رجوعها من الحج؟
حسن ما يريده أخوها من سفرها معه، ولكن لماذا يفرض عليها أن تكون مبادرة الاستعطاف من قبلها، فلماذا لا يبادر هو إلى استعطافها،
أليس
هو
مطالباً بما
هي
مطالبة به من
القضاء على الأحقاد والإحن وتطهير الصدر منها، مع أنه رجل ومن شأن الرجل أن يكون أقوى على التحكم في عواطفه وأقدر على ضبط النفس، فلئن كانت هي ملومة مرة على إهمالها حق التراضي بينها وبينه فهو ملوم على ذلك عشر مرات، وعليه فليسارع إلى إرضائها وليحجا معاً، يظفر بخير السبق إلى الخير والسلام. والله أعلم.
ما قولكم فيمن حج بمال تكفل به ابنه العامل في بنك ربوي؟ إن كان يعلم أن ابنه جاءه بالنفقة من مصدر محرم فليعد حجه، وإلا فكل ذي يد أولى بما تحت يده والله أعلم. (1/503)
صفحة 504
504
إنني
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
دائماً في موسم الحج وفي كل عام أحج عن الغير، وهذا العام قال لي صاحب الراحلة إنك معفى عن الكرى، فهل لي رخصة وأنا مستأجر
طبعاً،
لا
علي إيجار المنزل والأكل فقط؟
حرج عليك إن كان ذلك من طيب خاطر. والله أعلم.
هل من الجائز أن أذهب إلى الحج سائق سيارة، ثم أحج وآخذ مقابل
السياقة 130 ريالاً؟
لا مانع من ذلك. والله أعلم.
ما قولكم فيمن حج بيت الله الحرام، ومن بعد ذلك أذنب وعصى، فهل تجب عليه إعادة الحج؟
من تاب تاب الله عليه، ولا تجب إعادة الحج بسبب مقارفة المعصية.
والله أعلم.
ما قولكم فيمن حلف بأن يمشي إلى الحج حافياً، أو قال صومي وصلاتي باطلة إذا عملت كذا وكذا، هل هذا قسم أم لا؟ وإذا كان كذلك
فماذا عليه؟
قيل: عليه ما ألزمه نفسه من المشي إلى الحج حافياً، وقيل: يجزيه أن يحج، وقيل: تجزيه كفارة يمين، ومن قال: إن عمل كذا فصومه باطل أو صلاته باطلة أو هما باطلان فعمله لزمته التوبة والكفارة المغلظة،
رقبة أو صوم شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً. والله أعلم.
وهي
عتق
ما قولكم في رجل عليه دين لأحد البنوك، فحصل هذا الرجل على مساعدة مالية من غير البنك فسدد منها ما عليه للبنك، كما أعطى منها (1/504)
صفحة 505
فتاوى الحج
505
لوالديه ليستعينا بها على أداء فريضة الحج، هو هل يصح الحج بهذا المبلغ الذي حصلا عليه؟
لا حرج إن حج الوالدان مما منحهما إياه الولد، وإن كان الولد مديناً بطريقة ربوية، فإن إثم الربا على المتعاملين به، دون الذين لا يتعاملون به.
والله أعلم.
هل يصح الحج عن المجنون؟
لا مانع من ذلك. والله أعلم.
يقول بعض الناس إنه يجب لمن أراد الحج أن يمكث في المدينة المنورة ثمانية أيام وصلاة خمسة وأربعين فرضاً. فهل هذا من
السنة؟
هذه كله لا أساس له من الصحة، إذ لم يأت بهذا دليل من السنة ولا عرفه السلف. والله أعلم.
هل يجب على من يريد الحج أن يصلي في بيته أو مسجده قبل سفره؟ لا يجب عليه ذلك وإنما ذلك مستحب، وهي صلاة الوداع من أجل الحج. والله أعلم.
أنا شاب في سن الدراسة، هل يصح لي أن آخذ مبلغاً من المال من أهلي وأقوم بأداء فريضة الحج؟
نعم يجوز لك الحج. والله أعلم.
ما قولكم فيمن نوى الحج وهو كافل لشخصين في أحد البنوك العاملة (1/505)
صفحة 506
506
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
في السلطنة؟ وما قولكم في الإجازة الممنوحة للحاج من الدولة هل
تجزي
لأداء المناسك؟
عليه التوبة إلى الله و إن كانت هذه المعاملة ربوية، فإن من شارك في المعاملة الربوية يدخل ضمن الذين لعنهم الله، بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ الرسول الله يقول: «لعن الله الربا وآكله ومؤكله وكاتبه وشاهده ثم قال: «هم سواء» يعني في الإثم وتجزي الإجازة الممنوحة من الدولة لأداء مناسك الحج ما دامت متسعة لها. والله تعالى أعلم.
هل تجب زيارة المساجد الصغيرة الموجودة في المدينة على الحجاج؟ زيارة المساجد التي اعتاد الناس زيارتها في رحلتهم إلى الحج بالمدينة غير واجبة وغير مسنونة، ففي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام ومسجدي هذا ومسجد أيلة» يعني بيت المقدس اللهم إلا مسجد قبا فقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذهب إليه ماشياً وراكباً. والله أعلم.
هل اختيار الصاحب في الذهاب إلى الحج واجب؟
ينبغي للمسافر إلى حج أو غيره أن يختار الرفيق الصالح، الذي يرشده إلى الخير، ويقومه إذا اعوج، ويعينه إذا احتاج ولا بد في الأسفار من رفيق، لما يعرض للمسافر من أحوال يحتاج فيها إلى المعين والمؤنس، ولذلك روي: «الواحد شيطان والاثنان شيطانان والثلاثة رفقة». والله أعلم.
ماذا يجب أن يتصف به الصاحب في السفر إلى الحج؟
عليه أن يتصف بالإخلاص وسعة الصدر، وحسن المعاملة والصراحة
فيها. والله أعلم. (1/506)
صفحة 507
فتاوى الحج
0+ V
ماذا على من أساء في صحبته على أصحابه؟
عليه أن يتراجع عن الإساءة، ويعدل سيرته ويسترضي إخوانه. والله أعلم. هل واجب على الحاج زيارة المدينة خاصة إذا كان الوقت ضيقاً لديه؟ فبعض الناس يقولون: «من حج ولم يزرني فقد جفاني»، فهل هذا حديث صحيح؟
هذا الحديث غير صحيح، والزيارة للحاج غير واجبة. والله أعلم. قال: «العمرة في رمضان تعدل حجة هل ينال هذا الثواب لمن أُجر
عنه؟
يرجى له ذلك. والله أعلم.
هل يجوز للشخص الذي سبق وأن حج مرة واحدة أن يحج مرة أخرى بنية الفرض بعد أن شك في الحجة الأولى؟
إن نوى بذلك الاحتياط عن الفرض فلا حرج. والله أعلم.
مع
شخص عليه دين للبنك منذ فترة طويلة ويسدد دينه حسب الاتفاق البنك شهرياً، أراد هذا المقترض أن يذهب إلى الحج من غير المبلغ
الذي اقترض من البنك علماً بأنه ليس لديه دين مع أي شخص آخر، له الذهاب إلى أداء فريضة الحج؟
فهل يصح
التائب إلى الله يجب عليه التخلص من آثار المعصية، ومن أراد الوفادة إلى الله بحج أو عمرة فعليه أولاً أن يتوب ويتخلص من آثار المعاصي، ومن المعلوم أن التعامل بالربا أخذاً أو عطاء في مقدمة كبائر الإثم، لذلك كان على الحاج أن يتخلص من ذلك قبل حجه، وإن حج قبل ذلك خشية أن (1/507)
صفحة 508
0.1
الفَتَاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
يفاجئه ريب المنون مع اعتقاده التوبة، فإني استحسن له أن يعيد الحج بعد تخلصه إن من الله عليه باليسر. والله أعلم.
إذا لم يتمكن الحاج أو المعتمر عند ذهابه لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم التسليم عليه بالقرب منه، فهل يصح من أي مكان من المسجد النبوي الشريف؟ يجوز له ذلك. والله أعلم.
أفدنا أفادكم الله في تفسير الآية: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران 97 ما المقصود بالاستطاعة في الآية الكريمة، وجزاكم الله خيراً؟
الاستطاعة
هي مؤونة الحج، مع القدرة البدنية والأمان. والله أعلم. ما حكم من ذهب إلى الحج وعليه ديون للبنك ولبعض الناس، وكذا من كان راهناً لماله؟
أما من حج وهو متلبس بقروض ربوية فالأحوط له والأسلم أن يعيد
وهو
الحج بعد ما يتخلص من هذه القروض، حتى تكون وفادته على الله طاهر من رجس الربا، وأما الرهن فإن كان رهناً شرعياً ـ وهو مجرد وثيقة تبقى بيد الدائن إلى أن يستوفي حقه من المدين من غير أن يستفيد من وراء الرهن شيئاً ـ فلا يمنع من الحج، بخلاف ما إذا كان من التحايل على الربا، وأما الدين الخالي من الربا فإن كان مؤجلاً غير حاضر، وكان عند المدين ما يكفي لسداد دينه لو مات فلا يمنع من الحج إن كان موثقاً والله أعلم. من المعلوم أن الحاج لا بد أن ينضم إلى مقاول، حيث يقوم المقاول بتسجيل المنضمين معه في كشف لوزارة الأوقاف، وكشف آخر للسلطات المختصة ويطلب المقاول من كل حاج خمسة ريالات (1/508)
صفحة 509
فتاوى الحج
509
عُمانية مقابل كفالة أو بالأحرى مقابل توقيع المقاول على الكشوفات
المذكورة، فما حكم هذه الريالات الخمسة التي يأخذها المقاول؟ إن كان يأخذها في مقابل جهد يقوم به أو مغرم يغرمه فهي له حلال، وإن كان يأخذها هكذا من غير أن تكون في مقابل أي شيء فهي حرام، إلا إن طابت نفوسهم له. والله أعلم.
هل يجوز للإنسان أن يحج حجة واحدة وينوي بها لأمه وأبيه؟ لم أجد في السنة ما يدل على ذلك، وإنما جاء في الأثر ما يشبه هذا إذا لم تكف النفقة، والذي أختاره أن يحج عن كل واحد منهما حجة مستقلة، فإن تعذر ذلك عليه فليبدأ بالحج عن أمه لعظم حقها. والله أعلم.
هل يجوز لرجل أن يذهب للعمرة مع ابن عمه، وابن عمه هذا ميسور الحال، فيقوم عنه بتحمل جميع تكاليف السفر من تذكرة ـ وإقامة وغيرهما من الطعام والشراب؟
إن كان ذلك بغير طلب منه فلا حرج عليه. والله أعلم.
رجل أخذ سلفة من وزارة الدفاع لبناء منزل، ويدفع لوزارة الدفاع أقساطاً شهرية، فهل يجوز له أن يذهب إلى الحج؟
إن كان الدين موثقاً وعنده وفاؤه لو مات، وقد أدى أقساطه الواجبة عليه،
أن فلا مانع من يحج. والله أعلم.
إذا امرأة عملت عملية جراحية لمنع الولادة المسماة بعملية ربط، هل يجوز لها أن تذهب إلى الحج، لأن بعض الناس قال لها لا يجوز هذا؟
لها أن تذهب إلى الحج، بل عليها أن تحج الفريضة. والله أعلم. (1/509)
صفحة 510
01 -
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
هل يجوز للمرأة أن تصلي كاشفة الوجه في المسجد الحرام؟ لا مانع من ذلك، حيث تكون آمنة من نظر من يرغب في التفرج عليها من الرجال. والله أعلم.
ورد في الحديث بشأن الصلاة في المسجد الحرام أنها تعادل مائة ألف صلاة، فهل هذا خاص بالمسجد الحرام أم في جميع المساجد التي داخل حدود الحرم؟
هذا حكم خاص بالمسجد الحرام دون غيره من المساجد. والله أعلم.
من المعلوم أن فريضة الحج واجبة على كل مسلم، وهي ركن من أركان الإسلام، وتلزم المسلم مرة واحدة في العمر، فإذا أداها العمر، فإذا أداها المسلم بأحسن وجه ممكن وبعد رجوعه من الحج ارتكب المعاصي، فهل يعتبر حجه باطلاً ويلزمه إعادة الحج الواجب، وتكون هذه الحجة تطوعا؟
إن تاب تاب الله عليه وقبل حجه. والله أعلم.
ماذا ينوي من أراد أن يحج عن نفسه حجة ثانية؟
فريضة الحج لا تتكرر إلا لسبب كنذر وعليه فإنه ينوي بالحجة الثانية
التنفل والله أعلم. (1/510)
صفحة 511
بحوث (1/511)
صفحة 512
[صفحة فارغة] (1/512)
صفحة 513
الإسبال:
بحوث
513
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإن صدق الإيمان يبعث الإنسان المؤمن إلى أن يصوغ حياته وفق المبادئ التي آمن بها، ولو كان في ذلك خروجه من أحب شيء إليه، وأشد الأمور اتصالاً ببيئته التي نشأ فيها وتقلب في أكنافها، ومن ثم كانت تلكم النقلة البعيدة للمؤمنين الأولين من حياة الجاهلية التي نشأوا عليها، إلى حياة الإسلام التي صاروا إليها، فقد أداروا ظهورهم لكل ما هو جاهلي، وأقبلوا بوجوههم إلى كل ما هو إسلامي، مهما كانت ألفتهم لما أداروا له ظهورهم ومشقة ما أقبلوا عليه بوجوههم ولا غرو فقد رضوا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً وبالقرآن حجة ودليلاً: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنِ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فقد ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36]، وما كانوا يفرقون في الدين بين جزئي وما هو كلي، أو بين ما هو جوهري وما هو شكلي، لأن الكل من
211
ما
هو
الدين الذي فرضه الله فلا مناص عن تقبله والرضوخ له، وبهذه الروح الإيمانية الدافقة بالحياة العملية المجسدة لشرع الله كان ذلكم السلف العظيم أمة مثالية خضعت لها رقاب الأمم، وأسلمت لهم الدنيا قيادها، وعندما أخذ ذلك المد الإيماني ينحسر في الخلف - الذين حملوا أمانتهم فلم يحملوها حق حملها، ولم يقدروها حق قدرها ـ أخذوا يفرطون في كثير من واجبات الدين، مدعين تارة أنها من شكلياته وليست من جوهرياته، وتارة أنها لا تتلاءم مع روح العصر ومقتضيات الحضارة الحديثة، كأن الإسلام ـ دين الله الحق الذي وسع السموات والأرض - لم يتسع لمتطلبات هذا العصر (1/513)
صفحة 514
514
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
ومقتضيات حضارته، مع أننا جميعاً موقنون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يغادر هذه الأمة إلى الرفيق الأعلى إلا بعد أن حل لها كل مشكلة، وبصرها بكل ما تأتي وما تذر في الأمور الخاصة والعامة، والقضايا الكلية والجزيئة، فقد علم الإنسان المسلم كيف يأكل وكيف يشرب، وكيف يلبس وكيف ينتعل، وكيف يركب، وكيف يمشي، وكيف يقضي حاجته السرية، وكيف يفرز فضلات جسمه، وهو في ذلك كله: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْى يُوحَى} [النجم: 3، 4]. وقد ألف الناس كثيراً من العادات المنكرة، فسرت في أوساطهم سريان النار في الهشيم، وتعمقت في المجتمعات حتى أصبحت كالخصال الفطرية المطبوعة، وصار المخالف لها شاذاً في مجتمعه محتقراً بين قومه، ومن بين هذه العادات - التي يعاني منها مجتمعنا ـ ما استحسنه كثير من رجال عصرنا من الإسبال المذموم شرعاً، فقد تفشت ظاهرة إسبال الثياب، حتى أتت على العامة، وشملت كثيراً من الخاصة، وبلغ من ألفة الناس لها واستحسانهم إياها أن صاروا يستخفون بمن عمل بالسنة النبوية فلبس إلى أنصاف ساقيه، كأن رجولة الإنسان لا تكمل عندهم حتى يغطي قدميه ويمسح الأرض بفضل ثوبه، وإذا ذكر أحدهم بما فى ذلك من وعيد ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ يتملص تارة بدعوى أنه خاص بإسبال الإزار دون سائر الثياب، وأخرى بأنه فيمن قصد به الخيلاء ولسنا منهم هكذا يسول لهم الشيطان ويملي لهم، إلى أن عاد عندهم المنكر معروفاً والمعروف منكراً.
ومن حيث إن كثيراً ممن يؤمون المصلين غشيتهم غاشية من هذه الفتنة فاحتملهم سيلها الجارف ورمت بهم أعاصيرها الهوجاء في مكان سحيق من قعرها، أقبل كثير من الذين نور الله بصائرهم بالإيمان، وشرح (1/514)
صفحة 515
بحوث
515
صدورهم للحق على السؤال عن حكم الصلاة وراء هؤلاء الأئمة المسبلين وعندما أجبتهم ببطلان صلاتهم وصلاة من صلى خلفهم دارياً بحالهم عارفاً بحكمهم، استنكر ذلك كثير من الناس، ورأوني قد جئت شيئاً إذا، لا يعدو أن يكون مصدره عقم التفكير وسوء الفهم لروح التشريع، وما ذلك إلا لأنهم حكّموا العادة في الدين وآثروا الهوى على الدليل، وركنوا إلى التقليد الأعمى، وجنفوا إلى المماحكة الرعناء، وما أبلغ قول القائل:
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم وقد وجه إلي أخيراً بعض الشباب المتقين - حرسهم الله من كل سوء - سؤالاً طلبوا فيه جواباً شافياً في هذه المسألة، مدعوماً بالحجج الساطعة، مستأصلاً للشبه التي يماحك بها من ماحك فيها، فحررت له هذا البحث
مقسماً على العناوين التالية:
1 ـ التشديد في الإسبال
2 - لا فرق بين الإزار وغيره في حكم الإسبال.
3 ـ الخيلاء صفة لازمة للإسبال.
4 - صلاة المسبل والمؤتم به.
وقد يتساءل بعض الناس لم هذه العناية بهذه القضية التافهة؟ أو ليس الواجب أن تصرف هذه العناية إلى القضايا الأساسية في الدين؟
والجواب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عنى كل العناية بهذه القضية وأمثالها، ولم يكلها إلى فهوم الناس أنفسهم، وقد بلغت عنايته ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ بها أنه كان كلما رأى مسبلاً سارع إلى الإنكار عليه، وقد شغلت هذه القضية جانباً لا يستهان به من أحاديثه وستقف على جانب منها ـ (1/515)
صفحة 516
516
الفتَاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
إن شاء الله ـ في هذه العجالة فلو كانت قضية تافهة لما استحقت هذه العناية البالغة منه في وقت كان يواجه فيه جحافل الجاهلية، وتحديات المشركين ومكائد أهل الكتاب ومؤامرات المنافقين، ولنا فيه صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، وإذا شاع المنكر وجب الحزم في مقاومته، والجد في مناهضته، وتصحيح المفاهيم الخاطئة دين في ذمة كل قادر، والله أسأل أن يوفقنا جميعاً لقول الحق والعمل به، وأن يجنبنا كبوات الأفهام، ومزلات الأقدام، وعثرات
الألسن والأقلام. (1/516)
صفحة 517
التشديد في الإسبال:
بحوث
517
الإسبال لغة: إرخاء الشيء وإرساله، يقال أسبلت السحابة ماءها إذا أمطرت، وأسبلت العين دمعها إذا جرى، وأسبل الفرس ذنبه إذا أرخاه (1). ويطلق في العرف الفقهي على معنى لا يخرج عن مدلوله اللغوي، وهو إرخاء الثياب حتى تجاوز الكعبين، وهو من منكرات اللباس، لما فيه من البطر والخيلاء المحرمين شرعاً، وقد شدد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزجر عنه وتوعد عليه بما لا يدع مجالاً للريب في كونه من الكبائر المردية ـ والعياذ بالله -. وإليك طرفاً مما نقل عنه ذلك: في
1 - روى الإمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب رحم الله عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه ولا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، وما أسفل من ذلك ففي النار ـ قال ذلك ثلاث مرات ـ، ولا ينظر الله إلى من يجر إزاره بطراً»، وأخرجه الإمام مالك في الموطأ، والإمام أحمد في مسنده، وأبو داود والنسائي وابن ماجة في سننهم، عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عبد الرحمن بن يعقوب عن أبي سعيد وصححه أبو عوانة وابن حبان، وقال الحافظ في الفتح ورجاله رجال مسلم ولفظه عند مالك سألت أبا سعيد الخدري عن الإزار فقال: أنا أخبرك بعلم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، ما أسفل من ذلك ففي النار، ما أسفل من ذلك ففي النار لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره
(2)
(1) راجع لسان العرب ج 3 ص 1930 - 1931، دار المعارف.
10
(2) فتح الباري ج 10 ص 256، ط المطبعة السلفية. (1/517)
صفحة 518
518
الفتَاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
بطراً»، ولفظه عند أبي داود، سألت أبا سعيد عن الإزار فقال: على الخبير سقطت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إزرة المؤمن إلى نصف الساق، ولا حرج - أو ولا جناح ـ فيما بينه وبين الكعبين ما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، من جر إزاره بطراً لم ينظر الله إليه، ورواه الطبراني من طريق زيد بن أبي أنيسة عن العلاء عن نعيم المجمر عن ابن عمر، وأخرجه النسائي عن محمد بن عمرو ومحمد بن إبراهيم التيمي جميعاً، عن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبي هريرة، وصحح النسائي الطريقين معاً، ورجح الدارقطني الأول).
ـ
2 - روى البخاري والنسائي عن أبي هريرة الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار». 3 ـ أخرجه من طريقه أيضاً مالك في الموطأ والبخاري ومسلم أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطراً». 4 - روى الإمام الربيع في مسنده الصحيح عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ينظر الله إلى رجل يجر ثوبه خيلاء».
يوم
القيامة
ه ـ روى النسائي من طريق ابن عباس ما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لا ينظر إلى مسبل».
6 - روى البخاري وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمر ما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة»، فقال أبو بكر: يا رسول الله إن إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده، فقال له
(1) المرجع السابق. (1/518)
صفحة 519
بحوث
519
رسول
ـول الله صلى الله عليه وسلم: «إنك لست ممن يفعله خيلاء»، وليس في قوله هذا عذر لمن تعمد الإسبال، مدعياً أنه لم يرد به الخيلاء، لأن أبا بكر له ما كان يتعمده، كما سيأتي بيانه ـ إن شاء الله ـ في محله.
عمر
- قال البخاري في صحيحه: حدثنا مطر بن الفضل، حدثنا شبابة حدثنا شعبة قال: لقيت محارب بن دثار على فرس وهو يأتي مكانه الذي يقضي فيه، فسألته عن هذا الحديث، فحدثني فقال: سمعت عبد الله بن ا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من جر ثوبه مخيلة لم ينظر الله إليه يوم القيامة»، فقلت لمحارب أذكر إزاره؟ قال: ما خص إزاراً ولا قميصاً، ـ قال البخاري: تابعه جبلة بن سحيم وزيد بن أسلم وزيد بن عبد الله عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الليث عن نافع عن ابن عمر مثله، وتابعه موسى بن عقبة وعمر بن محمد وقدامة بن موسى عن سالم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: من جر ثوبه خيلاء».
يوم
8 - روى مسلم في صحيحه عن نافع وعبد الله بن دينار وزيد بن أسلم كلهم يروون عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء»، وعن نافع عنه بلفظ: «إن الذي يجر ثيابه من الخيلاء لا ينظر الله إليه القيامة»، وعن سالم عنه بلفظ: من جر ثوبه من الخيلاء لم ينظر الله إليه القيامة»، وروى من طريق شعبة قال سمعت من مسلم بن يناق يحدث عن ابن عمر أنه رأى رجلاً يجر إزاره، فقال له: ممن أنت؟ فانتسب له، فإذا رجل من بني ليث فعرفه ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من جر إزاره لا يريد بذلك إلا المخيلة فإن الله لا ينظر إليه يوم القيامة».
يوم
وكفى بهذه الأحاديث الناصة على حرمان المسبل من نظرة الله إليه زجراً بالغاً وتقريعاً رادعاً لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبُ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37]، (1/519)
صفحة 520
520
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
فأشفق على نفسه من عقاب الله عن التلبس بهذه الفعلة المهلكة، والروايات في هذا أكثر من أن تحصيها هذه العجالة وسيأتي بعض ما لم أذكره ـ إن شاء الله ـ في أثناء فصول هذا البحث، ولعل أشد ما روي في ذلك وعيداً وأبلغه تخويفاً وتحذيراً ما أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة من طريق أبي ذر الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم قال أبو ذر: قلت من هم يا رسول الله؟ فقد خابوا وخسروا، فأعادها ثلاثاً، قلت من هم خابوا وخسروا؟ قال: «المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب أو الفاجر».
ولشدة غضب الله على المسبل ربما لم يمهله إلى الآخرة، بل يعجل عليه العقوبة في الدنيا، فقد أخرج البخاري في صحيحه من طريق أبي هريرة
أن وابن عمر، رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينما رجل يجر إزاره إذ خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة»، فما الذي يؤمن المسبلين من أن
يهلكهم الله بعذاب من عنده في الدنيا قبل ما توعدهم به في الآخرة. (1/520)
صفحة 521
بحوث
521
لا فرق بين الإزار وغيره في حكم الإسبال:
إن كثيراً من الذين زين لهم إسبال الثياب يماحكون في ذلك، بدعوى أن حرمة الإسبال والوعيد عليه منحصران في الإزار دون غيره من الثياب، ومن المعلوم أنه لو لم يذكر إلا الإزار وحده في الحديث لما كان فيه دليل على انتفاء حكمه عن غيره من الثياب، إذ لا يخرج ذلك إلا مخرج الاستدلال بمفهوم اللقب، وهو أضعف المفاهيم باتفاق الأصوليين والفقهاء، ولذلك لم يأخذ به إلا قلة نادرة من الفقهاء، فما بالك والأدلة متضافرة على انطباق حكم الإزار نفسه على سائر الثياب ودخول كل مسبل فيما جاء من الوعيد، ومن ذلك ما سبق الاستشهاد به فيما تقدم، كحديث أنس عند الربيع ولفظه: «لا ينظر الله يوم القيامة إلى رجل يجر ثوبه خيلاء، وحديث ابن عمر عند البخاري وأبي داود والنسائي، ولفظه: «من جر ثوبه خيلاء ... إلخ»، وحديثه عند البخاري بلفظ: «من جر ثوبه من مخيلة ... إلخ» وفيه: «قلت لمحارب أذكر إزاره؟ قال ما خص إزاراً ولا غيره، وأحاديثه عند مسلم منها بلفظ: «لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء ومنها بلفظ: «إن الذي يجر ثيابه من الخيلاء لا ينظر الله إليه»، وآخر بلفظ: «من جرّ ثوبه من الخيلاء لم ينطر الله إليه يوم القيامة».
وروى من طريقه الطبراني أنه قال: رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم أسبلت إزاري فقال: «يا ابن عمر كل شيء يمس الأرض من الثياب في النار»، وأخرج من طريقه أبو داود والنسائي وابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الإسبال في الإزار والقميص والعمامة، من جر شيئاً منها خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة»، وهو حديث صحيح السند، صححه النووي في كتاب الإيمان من شرحه على مسلم، وأحال عليه في كتاب اللباس، ولا يطعن فيه ما قيل في (1/521)
صفحة 522
522
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
عبد العزيز ابن أبي رواد من رجال سنده، فإنه من رجال البخاري، وهو مولى للمهلب بن أبي صفرة، فلا يقدح فيه عدم معرفة أبي بكر بن أبي شيبة له. وروى أبو داود عن ابن عمر قال: ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإزار فهو القميص، ويؤكد ذلك أن الصحابة - رضوان الله عليهم ـ عندما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم الوعيد في إسبال الإزار فهموا انطباق حكمه على كل ثوب، وأقرهم على ما فهموا، ومن أدلة ذلك ما أخرجه الإمام الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذكر الإزار قالت أم سلمة لها والمرأة يا رسول الله؟ قال: «ترخي: شبراً»، قالت: إذا ينكشف عنها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فذراعاً لا تزيد عليه»، وروى نحوه الإمام مالك في الموطأ عن أبي بكر بن نافع مولى ابن عمر عن صفية بنت أبي عبيد عن أم سلمة، ورواه من طريق أم سلمة أيضاً أبو داود والنسائي، وروى الترمذي والنسائي من طريق نافع عن ابن عمر ما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من جر إزاره خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة»، فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ قال: يرخين شبراً»، فقالت أم سلمة إذاً تنكشف أقدامهن، قال: فيرخين ذراعاً لا يزدن عليه»، وفي رواية أبي داود عنه: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمهات المؤمنين في الذيل شبراً فاستزدنه فزادهن شبراً، فكن يرسلن إلينا فنذرع لهن ذراعاً.
ووجه هذه الدلالة أن أم سلمة وغيرها من أمهات المؤمنين ـ رضي الله عنهن - فهمن من ذكر الإزار شمول حكمه لجميع الثياب، وإلا لما استفهمن عن حكم النساء مع أنه يجررن ذيول قميصهن، وقد أقرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما فهمن، واستثنى النساء من عموم هذا الحكم، فأمرهن بإرخاء شبر، فاستزدنه فزادهن شبراً آخر فكان ذراعاً، ولو كان حكم الإسبال خاصاً بالإزار لما أشكل عليهن ذلك، ولأبانه صلى الله عليه وسلم في جوابه. وإجازة النبي صلى الله عليه وسلم الإسبال (1/522)
صفحة 523
العلة في
بحوث
523
للمرأة للضرورة التي يقتضيها الستر الواجب عليها، قال العلامة الباجي في «المنتقى»: «وهذا يقتضي أن النبي الله إنما أباح ما أباح منه للضرورة إليه، وهذا لفظ أفعل وارد بعد الحظر، ومع ذلك فإنه يقتضي الوجوب، لأنه نهى عن إرخاء الذيل، ثم أمر المرأة بإسبال ما يسترها منه وذلك على الوجوب، ولا يحل للمرأة أن تترك ما تستتر به (1)، وقال الإمام نور الدين السالمي عالى: «وإنما جاز لها ذلك لأن المرأة كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وهذا التعليل مستفاد من قولها، إذاً ينكشف عنها)، فإن فيه إيماءاً إلى أن ذلك الستر» (2)، وما ورد من النص في حديث ابن عمر عند أبي داود والنسائي وابن ماجة على الإسبال في الإزار والقميص والعمامة، لا يدل على أن ما عداها من الثياب لا ينطبق عليه حكمها، لأن ورود الحكم في مطلق الثوب في روايات صحيحة لا يخصصه ذكر بعض أنواع الثياب في روايات أخرى، إذ لا يخصص الحكم العام ذكره لبعض أفراد ما يدل عليه عمومه، ولذلك قال ابن حزم وحق كل ثوب يلبسه الرجل أن يكون إلى الكعبين لا أسفل البتة» (3)، ونص ابن رسلان على دخول الطيلسان والرداء والشملة في حكم الإسبال (4). وقال الآبي: والثوب عام في الثوب والإزار وفي المصنفات حديث الإسبال للإزار والقميص والعمامة من جر شيئاً منها
(1) المنتفي شرح موطأ الإمام مالك للإمام الباجي، ج 7، ص 227، ط دار الكتاب العربي،
بيروت. لبنان.
ص
(2) شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب الجزء الأول (3) ابن حزم المحلى ج 4 ص 99 ط، مكتبة الجمهورية العربية لصاحبها عبد الفتاح مراد شارع الصنادقية بجوار الأزهر بمصر. (4) نيل الأوطار ج 2 ص 114، نشر وتوزيع إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية نقلاً عن ابن رسلان. (1/523)
صفحة 524
524
الفتَاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
لم ينظر الله إليه» (1). وسئل ابن تيمية عن طول السراويل إذا تعدى الكعب هل يجوز؟ فأجاب: طول القميص والسراويل وسائر اللباس إذا تعدى ليس له أن يجعل ذلك أسفل الكعبين كما جاءت بذلك الأحاديث الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: «الإسبال في السراويل والإزار والقميص» يعني نهي عن الإسبال» (2).
وقال ابن القيم: وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة، وفي السنن عنه أيضاً. قال: «الإسبال في الإزار والقميص والعمامة من جر شيئاً منها خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة»، وفي السنن عن ابن عمر أيضاً عنه قال: «ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإزار فهو في القميص» (3).
وذكر النووي في شرحه على صحيح مسلم أن الحديث الصحيح دل على أن الإسبال يكون في الإزار والقميص والعمامة (4). وقال الإمام نور الدين السالمي الله في شرحه حديث أنس: لا ينظر الله يوم القيامة إلى رجل يجر ثوبه خيلاء» أي كان إزاراً أو غيره كما جاء في حديث ابن عمر عند أبي داود والنسائي وابن ماجة مرفوعاً: «الإسبال في الإزار والقميص والعمامة، من جر شيئاً منها خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة»، قيل: ومثل
(1) الآبي في شرحه على صحيح مسلم المسمى إكمال إكمال المعلم، المجلد الخامس، ص 384 ط دار الكتب العلمية، بيروت.
(2) مجموع فتاوى ابن تيمية المجلد 22 ص 144. (3) ابن القيم - زاد المعاد في هدى خير العباد - ج 1 ص 37 ـ ط المؤسسة العربية للطباعة والنشر ـ بيروت ـ لبنان.
(4) النووي شرح صحيح مسلم ج 14 ص 62 ط المطبعة المصرية ومكتبتها. (1/524)
صفحة 525
بحوث
525
ذلك الطيلسان والرداء والشملة) (1) وبما ذكر يتبين شمول هذا الحكم لما كان كالبشت والجبة أيضاً، وقد نص على الجبة ابن العربي (2). وذكر الإزار في أغلب الروايات لما ذكره الطبري في قوله: «وإنما ورد الخبر بلفظ الإزار لأن أكثر الناس في عهده كانوا يلبسون الإزار والأردية فلما لبس الناس القميص والدراريع كان حكمها حكم الإزار في النهي (3)، وتعقبه ابن بطال بقوله: «هذا قياس صحيح لو لم يأت النص بالثوب فإنه يشمل جميع ذلك (4).
وما أورده الطبري لا ينافي ما قاله ابن بطال، لأن أغلب الروايات نصت على الإزار للمعنى الذي ذكره، وقد أوضح ذلك الآبي بقوله: «وإنما خص الإزار في بعض الأحاديث لأنه أكثر ما كان الجر فيه في عهده (0). قال الحافظ ابن حجر وفي تصوير جر العمامة نظر إلا أن يكون المراد ما جرت به عادة العرب من إرخاء العذبات فمهما زاد على العادة ذلك في كان من الإسبال وقد أخرج النسائي من حديث جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه قال: كأني انظر الساعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وعليه عمامة قد أرخى طرفها بين كتفيه، وهل يدخل في الزجر عن جر الثوب تطويل أكمام القميص ونحوه؟ محل نظر، والذي يظهر أن من أطالها حتى خرج عن العادة كما يفعل بعض الحجازيين دخل في ذلك، قال شيخنا في شرح الترمذي: الأرض منها خيلاء لا شك في تحريمه، قال: ولو قيل بتحريم
ما مس
ما
(1) شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع الجزء الأول ص 405 ط 2. (2) ابن العربي عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي، ج 7، ص 236، ط دار العلم للجميع. (3) فتح الباري ج 10 ص 362 المطبعة السلفية ومكتبتها.
(4) المرجع السابق.
(5) [242] الآبي إكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم المجلد الخامس، ص 384، ط دار
الكتب العلمية ببيروت. (1/525)
صفحة 526
526
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
زاد على المعتاد لم يكن بعيداً، ولكن حدث للناس اصطلاح بتطويلها، وصار لكل نوع من الناس شعار يعرفون به، ومهما كان من ذلك على سبيل الخيلاء فلا شك في تحريمه، وما كان على طريق العادة فلا تحريم فيه ما لم يصل إلى جر الذيل الممنوع، ونقل عياض عن العلماء كراهة كل ما زاد على العادة وعلى المعتاد في اللباس من الطول والسعة (1).
هذا وقد يقول قائل: إن كان الأمر كما تدعون، فما بال بعض كبار علماء الله تعالى ـ نص على خصوصية الإزار بحرمة الإسبال مستنداً في قوله إلى أن الوعيد إنما في الإزار وحده؟.
السلف ـ رحمهم
وجوابه، لا يخلو من قال بهذا من علماء السلف، إما أن يكون لم تبلغه الروايات التي ذكرناها في غير الإزار من الثياب، وإما أن يكون مطلعاً عليها إلا أنه ذهل عنها حال صدور هذا القول عنه، وهو في كلا الحالين معذور، ويعد قوله هذا من جملة الخطأ المعفو عنه، ولا يعذر من قامت عليه الحجة باطلاعه على شيء من هذه الروايات في الإعراض عنها، وتقديم رأي الرجال عليها، لوجوب التسليم لما جاء عن الله أو عن رسوله.
وليس خفاء بعض أحاديثه على أكابر العلماء فيفتوا بخلافها أمراً مريباً، فإن إحاطة الإنسان أياً كان بجميع سنته متعذرة، وناهيك أن كبار الصحابة - رضوان الله عليهم - خفي عنهم الكثير منها، ولربما كان أحدهم يجد ما خفي عليه من الأحاديث عند من هو أقل منه علماً وأدنى منه في الفضل رتبة، غير أنهم لا الله ما كانوا يتثبطون عن اتباع السنة والاحتكام إليها عندما تثبت عندهم روايتها، وتقوم عليهم حجتها، وقد نقل العلامة ابن تيمية في رسالته التي سماها «دفع الملام عن الأئمة الأعلام صوراً من ذلك.
10
(1) فتح الباري ج 10 ص 262 ط المطبعة السلفية ومكتبتها. (1/526)
صفحة 527
بحوث
527
والعالم وإن بلغ من مراتب العلم لا يكون قوله مع خلوه عن الدليل حجة يستدل بها في الأحكام، فضلاً عن جواز ترجيح قوله على ما ثبت من سنته - عليه أفضل الصلاة والسلام، فإن قوله صلى الله عليه وسلم نفسه حجة يستدل بها، أما قول غيره فهو بحاجة إلى أن يستدل له بما يبين حقه وصوابه، وقد أمرنا الله تعالى أن نحتكم عند التنازع والخلاف إليه وإلى رسوله ال حيث قال: {فَإِن تَنَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]، فما لنا وللمراء والجدال وحجة السنة قائمة، وأعلامها خفاقة، ودلائلها صريحة. (1/527)
صفحة 528
528
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
الخيلاء صفة لازمة للإسبال
إن العاقل لينأى بنفسه عن موارد الإثم ومراعي الوباء ومنازل التهم، ومن سولت له نفسه أنه ـ وإن ركب متن الدواهي واقتحم لج الأخطار ـ في مأمن من السوء وسلامة من العطب فهو امرؤ غرور لنفسه أو مغرور بها، وما من خطر يهدد سلامة الإنسان أخطر من عوامل الشر في نفسه، وناهيك عمر ه قد أشفق على نفسه من نفسه فلم يأمن عليها النفاق، وكان يسأل صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان عنده نبأ عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه
أن
حذيفة
أحد المنافقين مع
الله
في
ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم من بشائر الخير له، وما كان يتلى على ألسنة المسلمين من الثناء عليه بما هو أهله، وما وما هم إلا شهود أرضه، فأنى لأحد أبناء عصرنا أو غيره من العصور الزاخرة بالفتن، المتعفنة من أمراض النفوس أن يزكي نفسه ويأمن عليها من هواها، فيمد لها حبل رغباتها في إسبال الثوب أو غيره، مدعياً أنها بمنأى من الريبة، مأمونة من الخيلاء والبطر؟! ألا ما أقتل هذا الغرور وما أعظم هذه المصيبة! وما أشر هذه البلوى. أيرى هذا المغرور نفسه أبر وأطهر وأتقى وأزكى من نفوس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين مثلهم في التوراة والإنجيل، وقد عطر القرآن الكريم أرجاء الكون بنشر محامدهم وتخليد ذكرهم بحسن ثناء الله عليهم، وهم خير القرون قطعاً بشهادة أصدق خلق الله ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ، فأين ـ لعمر الله - الغزالة من الذبالة والثريا من الثرى، والضراح من الضريح؟! وهيهات أن تعلو التخوم النجوم، أو يفضل الرعديد الصنديد، ونحن نجد فيما دوّن من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم وصح بالنقول الثابتة عنه أنه لم يكن يتسامح مع هؤلاء الصحابة الأطهار إن وجد أحدهم مسبلاً ثوبه، بل كان يتشدد في النكير عليهم في ذلك - كما سنقف عليه إن شاء الله قريباً، (1/528)
صفحة 529
بحوث
529
مع
أنه أخبر الناس بهم وأعلمهم بطهر سرائرهم وسلامة طواياهم، وبعدهم عن البطر، والاختيال فما بال هذا الذي يحرص على سمات أهل الخيلاء وصفات أهل الكبر، فيرسل ثوبه يكتسح بفضله الأرض، أو ليس حرصه على ذلك دليلاً بيناً على تلبسه بالخيلاء من حيث يعلم أو لا يعلم؟ وإلا فما الذي دعاه إلى التشبه بالمختالين إلى حد أن يرى مخالفتهم في هذه الصفة نقيصة يتحاشاها ووصمة يربأ بنفسه عنها، أنه مع يدعي عدم الانخراط في سلكهم والتأثر بطبعهم، فما أبعد البينة عن الدعوى، وما أدل الواقع على عكس المدعى، أو ليس من تشبه بقوم فهو منهم»؟ فما بالك بالمصر على التشبه الملازم لهذه الصفة؟.
فإن قيل: إن النهي عن الإسبال والوعيد عليه قد اقترنا في أغلب الروايات بالخيلاء أو البطر، وهو دليل تقييدهما بهما، وإن كانا مطلقين في روايات أخرى، لوجوب حمل المطلق على المقيد ـ كما اتفق عليه جمهور الأصوليين وفرع عليه الفقهاء أكثر المسائل الفقهية ويؤيده أن كثيراً من شراح السنة ذهبوا إلى أن النهي والوعيد في الإسبال مقيدان بالخيلاء، ويعضده قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر له: «ليست ممن يصنعه خيلاء».
رضي عنه
6 -
فالجواب نعم يحمل المطلق على المقيد مع انتفاء القرائن الدالة على غير قصد التقييد، وقد دلت القرائن هنا على أن ذكر الخيلاء أو البطر في كلام الشارع لأجل التأكيد دون التقييد ـ كما سأبينه بمشيئة الله تعالى ـ، أما أقوال الشراح الذين حملوا ذكر الخيلاء على التقييد فتعارضها أقوال غيرهم ممن خالفوهم في ذلك، كما أن بعض أولئك المرخصين قد ناقضوا أنفسهم، بأنفسهم كما سأبينه ـ إن شاء الله، مع تحكيم الحجة والدليل أقوال الفريقين، وإلى القارئ الكريم أقوال الفريق الأول الذي ترخص
في
في
المسألة: (1/529)
صفحة 530
530
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
1 ـ النووي في شرحه على صحيح مسلم قال: «وظواهر الأحاديث في تقييدها بالجر خيلاء تدل على أن التحريم مخصوص بالخيلاء، وهكذا نص الشافعي على الفرق كما ذكرنا، وأجمع العلماء على جواز الإسبال للنساء، وقد صح عن النبي ل الإذن لهن في إرخاء ذيولهن ذراعاً والله أعلم، وأما القدر المستحب فيما ينزل إليه طرف القميص والإزار فنصف الساقين كما في حديث ابن عمر المذكور، وفي حديث أبي سعيد «إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، ما أسفل من ذلك فهو في النار فالمستحب نصف الساقين، والجائز بلا كراهة ما تحته إلى الكعبين فهو ممنوع، فإن كان للخيلاء فهو ممنوع منع تحريم، وإلا فمنع تنزيه وأما الأحاديث المطلقة بأن ما تحت الكعبين في النار، فالمراد بها ما كان للخيلاء، لأنه مطلق فوجب حمله على المقيد والله أعلم).
2 ـ الآبي في شرحه على صحيح مسلم، قال: «ودل الحديث على أن النهي إنما يتعلق خبره لهذه العلة، فمن استعجل فجر ثوبه خلفه أو كان إزاره لا يثبت على كتفه فلا حرج - إلى أن قال ـ لأنه مطلق فيرد إلى
المقيد» (2).
- السنوسي ذكر نحو هذا الكلام ثم قال: وإن لم يكن خيلاء فهو
مکروه» (3).
(1) النووي شرح صحيح مسلم ج 14 ص 62 ط المطبعة المصرية ومكتبتها. (2) الآبي إكمال المعلم شرح صحيح مسلم المجلد الخامس ص 384 - 385 ط دار الكتب
العلمية ببيروت.
(3) السنوسي مكمل إكمال الإكمال المجلد الخامس ص 385 ط دار الكتب العلمية ـ بيروت
لبنان. (1/530)
صفحة 531
بحوث
531
ـ العيني، قال في شرحه على صحيح البخاري: «وهذا مطلق يجب
حمله على المقيد وهو ما كان للخيلاء (1).
ه - القسطلاني في شرحه على البخاري، قال: «وهذا الإطلاق محمول على ما ورد من قيد الخيلاء، وقد نص الشافعي رحم الله على أن التحريم مخصوص بالخيلاء، فإن لم يكن للخيلاء كره للتنزيه» (2).
6 - العلامة السهرنفوري في شرحه لسنن أبي داود، قال: «قال العلماء المستحب في الإزار والثوب إلى نصف الساقين والجائز بلا كراهة ما تحته إلى الكعبين، فما نزل عن الكعبين فهو ممنوع، فإن كان للخيلاء فهو ممنوع منع تحريم، وإلا فمنع تنزيه» (3).
بأن
7 ـ الشوكاني، قال في نيل الأوطار: «وقد عرفت ما في حديث الباب من قوله الله لأبي بكر: إنك لست ممن يفعل ذلك خيلاء» وهو تصريح مناط التحريم الخيلاء، وأن الإسبال قد يكون للخيلاء وقد يكون لغيره، فلا بد من حمل قوله: «فإنها من المخيلة في حديث جابر بن سليم على أنه خرج مخرج الغالب، فيكون الوعيد المذكور في حديث الباب متوجهاً إلى من فعل ذلك اختيالاً، والقول بأن كل إسبال من المخيلة أخذاً بظاهر حديث جابر ترده الضرورة، فإن كل أحد يعلم أن من الناس من يسبل إزاره مع عدم خطور الخيلاء بباله، ويرده ما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر لما عرفت، وبهذا يحصل الجمع بين الأحاديث وعدم إهدار قيد الخيلاء المصرح
به
(1) العيني عمدة القارئ شرح صحيح البخاري ج 21 ص 297 ط دار إحياء التراث العربي. (2) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري ج 21 ص 418 ط دار الكتب العربية ببيروت -
لبنان.
(3) خليل أحمد السهرنفوري بذل المجهود في حل أبي داود ج 16 ص 411 ط دار الكتب
العلمية. (1/531)
صفحة 532
532
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
في الصحيحين، وقد جمع بعض المتأخرين رسالة طويلة جزم فيها بتحريم الإسبال مطلقاً، وأعظم ما تمسك به حديث جابر، وأما حديث أبي أمامة فغاية ما فيه التصريح بأن الله لا يحب المسبل، وحديث الباب مقيد بالخيلاء، و حمل المطلق على المقيد واجب، وأما كون الظاهر من عمرو أنه لم يقصد الخيلاء، فما بمثل هذا الظاهر تعارض الأحاديث الصحيحة» (1). وسيأتي إن شاء الله ذكر الأحاديث التي أشار إليها وبيان دلالتها على حرمة الإسبال
مطلقاً.
وبعد هذا الذي نقلته من نصوص المترخصين أضع بين يدي القارئ الكريم بعض نصوص الفريق الآخر، وهم المتشددون من غير مراعاة لقيد
الخيلاء:
1 ـ ابن العربي، قال في عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي: «لا يجوز لرجل أن يجاوز بثوبه كعبه ويقول لا أتكبر فيه، لأن النهي قد تناوله لفظاً وتناول، علته، ولا يجوز أن يتناول اللفظ حكماً، فيقال إني لست ممن يمتثله، لأن تلك العلة ليست فيّ، فإنه مخالفة للشريعة ودعوى لا تسلم له، بل من تكبره يطيل ثوبه وإزاره، فكذبه معلوم في ذلك قطعاً» (2).
2 ـ الحافظ ابن حجر العسقلاني، قال في فتح الباري ـ بعد نقله كلام ابن العربي ملخصاً -: «وحاصله أن الإسبال جر الثوب، وجر الثوب يستلزم الخيلاء، ولو لم يقصد اللابس الخيلاء، ويؤيده ما أخرجه أحمد بن منيع
(1) نيل الأوطار ج 2 ص 113 ط إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية.
(2) 252] ابن العربي عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي ج 7 ص 238 ط دار العلم
للجميع. (1/532)
صفحة 533
بحوث
533
من وجه آخر عن ابن عمر في أثناء حديث رفعه: «وإياك وجر الإزار فإن جر الإزار من المخيلة»، وأخرج الطبراني من حديث أبي أمامة بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لحقنا عمرو بن زرارة الأنصاري في حلة: إزار ورداء قد أسبل، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ بناصية ثوبه ويتواضع الله ويقول: عبدك بن عبدك وأمتك حتى سمعها عمرو فقال: يا رسول الله أني أحمش الساقين، فقال: يا عمرو إن الله أحسن كل شيء خلقه، يا عمرو إن الله لا يحب المسبل» وأخرجه أحمد من حديث عمرو نفسه لكن قال في روايته: عن عمرو عن فلان، وأخرجه الطبراني أيضاً فقال: عن عمرو بن زرارة، وفيه ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع أصابع تحت ركبة عمرو فقال: «يا عمرو هذا موضع الإزار» ثم ضرب بأربع أصابع تحت الأربع فقال: «يا عمرو هذا موضع الإزار .. الحديث»، ورجاله ثقات وظاهره أن عمرو المذكور لم يقصد بإسباله الخيلاء وقد منعه ذلك لكونه مظنة، وأخرج الطبراني من حديث الشريد الثقفي قال: أبصر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً قد أسبل إزاره فقال: «إرفع إزارك»، فقال: إني أحنف تصطك ركبتاي، قال: «إرفع إزارك فكل خلق الله حسن»، وأخرجه مسدد وأبو بكر بن أبي شبيبة من طرق عن رجل من ثقيف لم يسم، وفي آخره ... ذلك أقبح مما بساقك»، وأما ما أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود بسند جيد أنه كان يسبل إزاره فقيل له في ذلك فقال: إني أحمش الساقين، فهو محمول على أنه أسبله زيادة على المستحب، وهو أن يكون إلى نصف الساق، ولا يظن به أنه جاوز به الكعبين والتعليل يرشد إليه، ومع ذكل فلعله لم تبلغه قصة عمرو بن زرارة والله أعلم، وأخرج النسائي وابن ماجة وصححه ابن حبان من حديث المغيرة بن شعبة: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ برداء سفيان بن سهيل وهو يقول: يا سفيان لا تسبل فإن الله لا يحب المسبلين).
من
(1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ج 10 ص 264 ط المطبعة السلفية. (1/533)
صفحة 534
534
الفتَاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
ذلك -
- قال الحافظ أيضاً - بعد ذكره حديث ترخيص رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمهات المؤمنين شبراً ثم استزدنه فزادهن شبراً ـ ويستفاد من هذا الفهم التعقب على من قال إن الأحاديث المطلقة في الزجر عن الإسبال مقيدة بالأحاديث الأخرى المصرحة بمن فعله خيلاء ـ وبعد أن ذكر كلام النووي في قال: ووجه التعقب أنه لو كان كذلك لما كان في استفسار أم سلمة عن حكم النساء في جر ذيولهن معنى، بل فهمت الزجر عن الإسبال مطلقاً سواء كان عن مخيلة أم لا، فسألت عن حكم النساء في ذلك لاحتياجهن إلى الإسبال من أجل ستر العورة، لأن جميع قدمها عورة، فبين لها أن حكمهن في ذلك خارج عن حكم الرجال في هذا المعنى فقط، وقد نقل عياض الإجماع على أن المنع في حق الرجال دون النساء، ومراده منع الإسبال لتقريره صلى الله عليه وسلم أم سلمة على فهمها، إلا أنه بين لها أنه عام مخصوص، لتفرقته في الجواب بين الرجال والنساء في الإسبال وتبيينه القدر الذي يمنع ما بعده في حقهن، كما بين ذلك في حق الرجال، والحاصل أن للرجال حال استحباب وهو يقتصر بالإزار على نصف الساق، وحال جواز وهو إلى الكعبين، وكذلك للنساء حالات حال استحباب وهو ما يزيد على ما هو جائز للرجال بقدر ذراع ـ إلى أن قال: ويستنبط من سياق الأحاديث أن التقييد بالجر خرج للغالب، وأن البطر والتبختر مذموم ولو لمن شمر ثوبه).
أن
4 ـ نقل الحافظ جانباً من كلام النووي الذي سبق نقله عنه، وما تضمنه من نسبة القول بالتفريق بين أن يكون الجر للخيلاء أو لغير الخيلاء إلى الشافعي، وقال عقبة والنص الذي أشار إليه ذكره البويطي، في مختصره عن الشافعي قال: لا يجوز السدل في الصلاة ولا في غيرها للخيلاء، ولغيرها
(1) فتح الباري ج 10 ص 259. (1/534)
صفحة 535
بحوث
535
خفيف، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر، ثم أتبعه الحافظ بقوله: وقوله (خفيف) ليس صريحاً في نفي التحريم، بل هو محمول على أن ذلك بالنسبة للجر خيلاء، فأما لغير الخيلاء فيختلف الحال فإن كان الثوب على قدر لابسه لكنه يسدله فهذا لا يظهر فيه تحريم، ولا سيما إن كان عن غير قصد كالذي وقع لأبي بكر، وإن كان الثوب زائداً على قدر لابسه فهذا قد يتجه المنع فيه من جهة الإسراف فينتهي إلى التحريم، وقد يتجه المنع فيه من جهة التشبه بالنساء، وهو أمكن فيه من الأول، وقد صحح الحاكم في حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الرجل يلبس لبسة المرأة، وقد يتجه المنع فيه من جهة أن لابسه لا يأمن من تعلق النجاسة به، وإلى ذلك يشير الحديث الذي أخرجه الترمذي في الشمائل والنسائي من طريق أشعث بن أبي الشعثاء ـ اسم أبيه سليم ـ المحاربي عن عمته ـ واسمها رُهم بضم الراء وسكون الأسود بن - عن عمها ـ واسمه عبيد بن خالد ـ قال:
الهاء،
بنت وهي
حنظلة
كنت أمشي وعلي برد أجره، فقال لي رجل: ارفع ثوبك فإنه أنقى وأبقى» فنظرت فإذا هو النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: إنما هي بردة ملحاء فقال: «أما لك في أسوة» قال: فنظرت فإذا إزاره أنصاف ساقيه، وسنده قبلها جيد، وقوله ملحاء ـ بفتح الميم وبمهملة قبلها سكون ممدود ـ أي فيها خطوط سود وبيض، وفي قصة قتل عمر أنه قال للشاب الذي دخل عليه: ارفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك، وقد تقدم في المناقب، ويتجه المنع أيضاً في الإسبال من جهة أخرى وهو كونه مظنة الخيلاء (1).
ه ـ أفتى المحقق الخليلي حمدالله بوجوب رفع الثوب في أثناء الصلاة على من ارتخى ثوبه فيها بدون قصد، وسيأتي نص كلامه إن شاء الله.
(1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ص 263 - 264. (1/535)
صفحة 536
536
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
والخلاصة أن الذين فرقوا بين حالتي الخيلاء وعدمها استندوا إلى
دليلين
أ ـ ذكر الخيلاء في كثير من روايات النهي والوعيد، وجعلوا ذلك من باب التقييد، فحملوا الروايات المطلقة عليه، تمسكاً بقاعدة حمل المطلق على المقيد. ب ـ عذره لأبي بكر الله عندما قال له: إن إزاري يسترخي إلا أن
أتعاهده، فرد عليه بقوله: إنك لست ممن يفعله خيلاء».
والذين لم يفرقوا بين هذه الحالة وتلك استدلوا بما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم من إنكاره على كل مسبل من غير بحث عن قصده، حتى أنه لم يقبل عذر عمرو بن زرارة عندما اعتذر إليه بأن إسباله لتغطية حمش ساقيه، بل قال له: يا عمرو إن الله قد أحسن كل شيء خلقه، يا عمرو إن الله لا يحب المسبل»، ومثله قوله للذي اعتذر إليه بأنه أحنف تصطك ركبتاه ارفع إزارك فكل خلق الله حسن»، وفي رواية «ذاك أقبح مما بساقك»، مع ما يستلزمه الإسبال من التشبه بالنساء لأنه من خصائصهن، ومن التشبه بأهل الخيلاء، وكونه مظنة لها، وبجانب هذا كله فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر أم سلمة على ما فهمت من عموم تحريمه، وإنما رخص لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسبال ذراعاً لضرورة تغطية القدمين، ولا يعقل أن يكون هذا الترخيص مع الخيلاء، فتفريقه بين
الرجال والنساء في الحكم دليل على حرمة الإسبال مطلقاً على الرجال. ومن استقرأ أدلة القولين وأمعن النظر في ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة لم يشك أن مذهب المتشددين هو أقوم قيلاً وأصح دليلاً، فقد تضافرت الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم بالإنكار على كل مسبل من غير أن يبحث عن نيته في ذلك، بل المفهوم من كلامه والله الله أن نفس الإسبال من الخيلاء (1/536)
صفحة 537
بحوث
537
المذموم، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن ابن عمر قال: مررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي إزاري استرخاء، فقال: «يا عبد الله ارفع إزارك» فرفعته، ثم قال (زد) فزدته، فما زلت أتحراها بعد قال بعض القوم: إلى أين؟ قال: إلى
أنصاف الساقين.
وروى الترمذي عن حذيفة قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضلة ساقي - أو ساقه ـ فقال: «هذا موضع الإزار، فإن أبيت فأسفل، فإن أبيت فأسفل، فلا حق للإزار في الكعبين»، وأخرجه عنه النسائي بلفظ: «الإزار إلى أنصاف الساقين - العضلة - فإن أبيت فأسفل فإن أبيت فمن وراء الساق، لا حق للكعبين في الإزار».
وروى أبو داود عن قيس بن بشر التغلبي قال: «أخبرني أبي أوكان جليساً لأبي الدرداء ـ قال: كان بدمشق رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له ابن الحنظلية وكان رجلاً متوحداً قلما يجالس الناس إنما هو صلاة، فإذا فرغ فإنما هو تسبيح وتكبير حتى يأتي أهله ـ وذكر عنه حديثاً طويلاً جاء فيه ـ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نعم الرجل خريم الأسدي لولا طول جمته وإسبال إزاره»، فبلغ ذلك خريماً فعجل فأخذ شفرة فقطع به جمته إلى أذنيه، ورفع إزاره إلى
أنصاف ساقيه.
فهل ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما كان ينكر على أصحابه الإسبال كان يرى فيهم من البطر والخيلاء ما الناس اليوم منه براء؟، كلا والله، فإن أولئك كانوا أبر قلوباً وأرسخ إيماناً وأعدل سيرة وأنقى سريرة وأزكى عملاً، وإنما هو تشريع عام بدأ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأقرب الناس إليه وأحبهم إلى قلبه وأرفعهم منزلة عند الله، وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذي اتبعوهم بإحسان ورضوا عنه، أو يظن ظان أن أولئك أولى بتهمة (1/537)
صفحة 538
538
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
الخيلاء والبطر من المسبلين في هذا العصر؟ ومن بين أولئك الذي حذرهم النبي صلى الله عليه وسلم من الإسبال حذيفة، الذي اختاره الله لأن يكون مستودع سره
والسلامي
ومؤتمنه فيما أخفاه عن غيره إني لأربأ بأي عاقل أن يظن ذلك.
هذا وقد صرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بكون نفس الإسبال من ضروب الخيلاء، ولذلك حذر منه، وذلك فيما أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي والحاكم وصححاه ـ والطبراني عن جابر بن سليم ـ في حديث طويل اشتمل على نصائح جمة وجهها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء فيه: «وارفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة»، وهو نص فيما قلته من أن الإسبال نفسه من الخيلاء، وأن ما ورد من ذكره الخيلاء مقروناً به ليس من باب التقييد الذي يحمل عليه مطلق النهي في الروايات الأخرى، وإنما هو من باب تأكيد الذم وتغليظ الزجر لفاعله، ولذلك نظائر كثيرة في القرآن الكريم، من ذلك قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِنَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّنَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [البقرة: 61] وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِايَتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّنَ بِغَيْرِ حَقِّ} [آل عمران: 21]، وقوله ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِنَايَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍ [آل عمران: 112]، إذ لا يتصور أن يكون قتل الأنبياء حقاً في أي حال، حتى يكون قوله بغير حق في هذه الآيات تقييد الحكمة لاستثناء الحالات التي يكون فيها قتلهم حقاً منه. ومثله قوله تعالى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَدَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللهِ} [الأنعام: 140. إذ لا يتصور أن يكون قوله: سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ) تقييداً للوعيد بالخسران للذين قتلوا أولادهم، فتخرج منه طائفة قتلت أولادها من غير سفه ولا جهل، وكذلك لا يتصور أن يكون قوله: افْتِرَاء عَلَى اللهِ (تقييداً لوعيد الذين حرموا ما أحل الله لهم من رزقه، ومن (1/538)
صفحة 539
بحوث
539
هذا الباب قوله: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأعراف: 33)، فإنه من غير المعقول أن يكون قوله: {بِغَيْرِ الْحَقِّ» تقييداً لتحريم الإثم والبغي، إذ لا يتصور أن يكون حقاً في أي حال، وإنما تخرج هذه الأوصاف كلها مخرج تغليظ الزجر وتأكيد الذم على ما اقترفت به، ويتعين أن يحمل عليه ذكر الخيلاء في أحاديث الإسبال لأمرين:
أولها: نص حديث جابر بن سليم المتقدم على أن الإسبال من المخيلة. ثانيهما: زجر النبي صلى الله عليه وسلم لكل من رآه مسبلاً من أصحابه وهم أنزه من غيرهم عن الخيلاء، ويؤكد ذلك حرمة الخيلاء على الإطلاق، سواء في حال الإسبال أو عدمه، فلو لم يكن الإسبال نفسه محرماً لكان الأجدر أن يكون الزجر والوعيد على الخيلاء من غير ذكر الإسبال.
هذا ولو سلمنا أن الإسبال قد ينفك عن الخيلاء ويكون المسبل غير مختال، لما سلمنا دلالة ما ورد من أحاديث النهي عن الإسبال مقروناً بالخيلاء على عدم شمول حكمها غير المختال، لأن هذه الدلالة هي من باب مفهوم المخالفة، ومن شرط الاستدلال بالمفهوم أن لا يكون منطوقه وارداً مورد الأغلب المعتاد، لأن ما كان كذلك ليس له مفهوم يعتد به نص على ذلك الأصوليون، وعول عليه الفقهاء، قال الإمام نور الدين السالمي الله (1): وشرطه أن لا يكون مقتضى يمنع من تخصص الحكم الرضى وذاك مثل عادة للعرب في نحو أن يجري مجرى الأغلب ولذلك لم يعتبر المفهوم في قوله تعالى: {وَرَبِّبُكُمُ الَّتِي فِي حُجُورِكُم} [النساء: 23]، فاتفق على حرمة الربائب على أزواج أمهاتهن
(1) طلعة الشمس لنور الدين السالمي. (1/539)
صفحة 540
540
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
ولو لم يكن في حجرهم، لأن ذكر الحجور في الآية وارد مورد الأغلب المعتاد، وما يذكر من خلاف في ذلك في الصدر الأول كاد يكون منسياً لشذوذه، والاتفاق من بعد على العمل بخلافه، ومن هذا الباب قوله تعالى في سورة الأنعام: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ)
[الأنعام: 151]. وقوله في سورة الإسراء: {وَلَا نَقْتُلُوا أَوْلَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقٍ نَحْنُ نَرْزُ وَإِيَّاكُمْ} [الإسراء: 31]. إذ لا قائل بتقييد النهي عن قتل الأولاد بحالتي الإملاق أو خشيته، وبهذا يسقط كل ما تعلق به من قال إن أحاديث الباب المطلقة محمولة على قيد الخيلاء.
وأما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر له: إنك لست ممن يصنعه خيلاء»، فلا حجة فيه لمن أدعى عدم حرمة الإسبال على من لم يتلبس بالخيلاء، لأن أبا بكر هل ما كان يتعمد الإسبال فلا ينطبق حكمه على من تعمده، وإنما كان استرخاء إزاره الله لنحافة جسمه، فكان لا يستمسك إلا أن يتعاهده، وما كان - رضوان الله عليه - يدعه مسترخياً بل كان يرفعه كلما استرخى، بدليل ما أخرجه أبو داود في سننه أنه قال: «إني لأتعاهد ذلك منه»، وقد دل على هذا ما ذكر من أوصافه - رضوان الله عليه ـ، فقد روى ابن سعد من طريق طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبي بكر عن عائشة قالت: كان أبو بكر أحنى لا يستمسك إزاره، يسترخي عن حقويه، ومن طريق قيس ابن أبي حازم دخلت على أبي بكر وكان رجلاً نحيفاً.
قال العيني: وسبب استرخائه كون أبي بكر رجلاً أحنى نحيفاً لا يستمسك، فإزاره يسترخي عن حقويه، قال الكرماني: يصح أحنى بالحاء المهملة والجيم، يقال رجل أحنى الظهر بالحاء المهملة - ناقصاً - أي في ظهره احديداب ـ، ورجل أجنأ ـ بالجيم مهموزاً ـ أي أحدب الظهر، ثم إن (1/540)
صفحة 541
بحوث
541
الاسترخاء يحتمل أن يكون من طرف القدام نظراً إلى الاحديداب، وأن يكون من اليمين أو الشمال نظراً إلى النحافة، إذ الغالب أن النحيف لا يستمسك إزاره على السواء). وقال ابن القيم في التهذيب: وكان رجلًا نحيفاً قليل اللحم، وكان لا يستمسك إزاره إذا شده على حقويه، فإذا سقط إزاره جره، فرخص له رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك وعذره (2).
وبهذا يتضح مراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «إنك لست ممن يفعله خيلاء»، فهو بمعنى لست ممن يفعله قصداً وغاية ما يدل عليه أنه لا يأثم من استرخى إزاره بغير قصد، وإنما عليه أن يرفعه كلما تفطن له.
قال الحافظ ابن حجر: لا حرج على من انجر إزاره من غير قصد مطلقاً»، وأما ما أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه كان يكره جر الإزار على كل حال، فقال ابن بطال هو من تشديداته وإلا فقد روى هو حديث الباب فلم يخف عليه الحكم قلت بل كراهة ابن عمر محمولة على من قصد ذلك، سواء كان عن مخيلة أم لا، وهو المطابق لروايته المذكورة، ولا يظن بابن عمر أنه يؤاخذ من لم يقصد شيئاً، وإنما يريد بالكراهة من انجر إزاره بغير اختياره ثم تمادى على ذلك ولم يتدارك، وهذا متفق عليه، وإن اختلفوا هل الكراهة فيه للتحريم أو التنزيه (3).
ومثل هذا في الحكم من أذهله أمر فجر ثوبه بدون قصد، وقد وقع ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي بكر عند البخاري قال: خسفت الشمس
(1) العيني عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج 21 ص 295 ط دار إحياء التراث العربي. (2) ابن قيم الجوزية التهذيب مع مختصر سنن أبي داود للمنذري ومعالم السنن لأبي سليمان
الحضرمي
المجلد السادس صا
59
(3) فتح الباري الجزء العاشر ص 255 ط المطبعة السلفية. (1/541)
صفحة 542
542
الفتَاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
ونحن عند النبي صلى الله عليه وسلم فقام يجر ثوبه مستعجلاً حتى أتى المسجد، فإنه ال أذهله ما وقع واستعجل الذهاب إلى المسجد، فلم يشتغل بغير ما هو مقبل عليه، ولذلك قال الحافظ لا حجة فيه لمن قصر النهي على ما كان للخيلاء، حتى أجاز لبس القميص الذي ينجر على الأرض لطوله (1).
هذا وإنك لتجد بعض أولئك الذين أباحوا الإسبال لمن لم يقصد به الخيلاء ناقضوا أنفسهم بأنفسهم فيما قالوا فهذا القسطلاني يقول في: إرشاد الساري ما قاله الحافظ ابن حجر العسقلاني في «فتح الباري»: ـ من غير أن يعزوه إليه ـ وما هو إلا دليل أنه قد ارتضاه وأقره إذ عزاه إلى نفسه، ونص كلامه: (وقد جرت العادة بإرخاء العذابات فما زاد على العادة في ذلك فهو من الإسبال وكذا تطويل الإكمام إذا مست الأرض وقد حدث للناس اصطلاح بتطويلها للتمييز، ومهما كان ذلك للخيلاء أو أوصل إلى جر الذيل الممنوع فحرام) (2)، فإن قوله: (فما زاد على العادة في ذلك فهو من الإسبال يوحي إلى منع ما خرج عن المعتاد في إطالة العذبات والأكمام لاعطائه حكم الإسبال المحرم، ثم صرح بما أوحى إليه في قوله: (ومهما كان ذلك للخيلاء أو أوصل إلى جر الذيل الممنوع فحرام)، حيث عطف على ما كان للخيلاء ما أوصل إلى جر الذيل الممنوع بأو المفيدة للتقسيم والتنويع، وجعل كلا القسمين حراماً، وهو بين التناقض مع ما نقلناه عنه من قبل أن ما لم يكن للخيلاء كره للتنزيه ومثل هذا صنع الشوكاني، فقد قال قبل ما نقلته عنه: (ويدل على عدم التقييد بالخيلاء ما أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه من حديث جابر بن سليم) وذكر حديثه السالف الذكر، وحديث
(1) المرجع السابق. (2) إرشاد الساري إلى شرح البخاري ج 8 420 ط دار الكتاب العربي بيروت
لبنان. (1/542)
صفحة 543
بحوث
543
أبي أمامة عند الطبراني في قصة عمرو بن زرارة - ثم قال: (والحديث رجاله ثقات، وظاهره أن عمرو لم يقصد الخيلاء) (1). ولا ريب في مناقضة هذا الكلام لما سبق نقله عنه ومنه قوله فما) بمثل هذا الظاهر تعارض الأحاديث الصحيحة)، وقد فاته أن غاية ما في تلك الأحاديث من ذكر الخيلاء تأكيد الذم وتغليظ الزجر كما سبق، وكون عمرو ابن زرارة ما قصد الخيلاء ليس ظاهراً فحسب وإنما هو صريح في اعتذاره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإسبال بأنه أحمش الساقين، ولم يقبل منه النبي صلى الله عليه وسلم اعتذاره هذا، كما لم يقبل اعتذار من اعتذر إليه بأنه أحنف تصطك ركبتاه، ولئن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقبل عذر هذين، فأحرى أن لا يقبل عذر من لم يكن به ما بهما.
بكعبيه جرح
هذا ويترخص في الإسبال للضرورة، كمن يؤذيه البرد أو البعوض في قدميه ولم يجد ما يرفع به الأذى إلا أن يسبل عليهما ثوبه، قال الحافظ في «الفتح»: (ويستثنى من إسبال الإزار مطلقاً ما أسبله لضرورة، كمن يكون مثلاً يؤذيه الذباب - مثلاً - إن لم يستره بإزاره، حيث لا يجد غيره، واستدل على ذلك بإذنه لعبد الرحمن بن عوف في لبس القميص الحريري من أجل الحكة، والجامع بينهما جواز تعاطي ما نهى عنه من أجل الضرورة، كما يجوز كشف العورة للتداوي) (2)، وقال القطب في «شرح النيل»: (ويجوز جره خوف البرد أو ناموس أو نحوه من المضار) (3). ومثله قول الإمام السالمي في معارجه: (وكذلك إذا لم يسبله خيلاء، وإنما أسبله لعذر كخوف البرد والبعوض، ففي كلام بعضهم أنه لا بأس به) (4).
(1) الشوكاني نيل الأوطار ج 2 ص 112 - 113.
10
(2) فتح الباري ج. 297 ط المطبعة السلفية ومكتبتها.
(3) شرح النيل الجزء الثاني
ص 53 ط دار الفتح.
(4) معارج الآمال على مدارج الكمال ج 6 وزارة التراث القومي والثقافة - سلطنة عُمان. (1/543)
صفحة 544
544
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
صلاة المسبل والمؤتم به:
الصلاة
هي أم العبادات، ورأس الأعمال الصالحات، فهي وقفة العبد
الذليل بين يدي الملك الجليل، الذي عنت له الوجوه وخشعت له القلوب، وخضعت لعزته الرقاب، وسجدت لجلاله الجباه وولهت من هيبته النفوس: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِيَدِهِ، وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء: 44]، فلا غرو إذا كان من شرائطها الطهارة المطلقة ظاهراً وباطناً حساً ومعنى، لأنها عبادة يشترك فيها الجسم والروح، والعقل والقلب، والفكر الوجدان، فهي تنافي التلبس بمعاصي الله ظاهراً أو باطناً، كما تنافي التلبس بالنجاسات أو الأحداث، وكيف تكون الصلاة ـ العبادات ـ صحيحة مع اقترانها بمعصية العبد المصلي، والله تعالى يقول: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5]، وأين إخلاص الدين هذا الواقف بين يدي الله في صلاته، وهو مكابر لأمره، صاد آت في صلاته بما حذره الله منه من الأعمال، ومن ثم نجد الفقهاء المحققين يفتون ببطلان من صلى من الرجال وهو لابس ثوب حرير أو متحل بالذهب المحرم على غير الإناث، وما أحراه بذلك، فإن صلاته بهما إن دلت على شيء فلا تدل إلا على عدم مبالاته بعبادته وعدم اكتراثه بحرمتها.
وهي
من
عن
طاعته
وإذا اتضح لك حكم من صلى بالذهب أو الحرير المحرمين، لم يشكل عليك ما أفتيت به من بطلان صلاة من تلبس فيها بالإسبال، الذي هو رمز الكبر والبطر، والخيلاء، وإن كنت لم تقتنع بذلك، فهلم إلى ما أنقله لك من نصوص السنة وأقوال السلف، لعلك تجد فيها طمأنينة قلبك وسكون
نفسك.
قال أبو داود في سننه»: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا إبان حدثنا (1/544)
صفحة 545
بحوث
545
يحيى عن أبي جعفر عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: بينما رجل يصلي مسبلاً إزاره إذ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهب فتوضأ»، فذهب فتوضأ، ثم جاء، فقال: «اذهب فتوضأ»، فقال له رجل: يا رسول الله ما لك أمرته أن يتوضأ ثم سَكَتَ عنه قال: «إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره، وإن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل»، وهو وإن قال فيه الحافظ المنذري: «في إسناده أبو جعفر رجل من أهل المدينة لا يعرف اسمه)، فإن ذلك لا يقدح في الاستدلال به، ولذلك عول عليه المحققون كابن القيم في التهذيب» (2)، وابن العربي في «العارضة» (3)، والإمام النووي في رياض الصالحين»، حتى أنه قال فيه: رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم).
أنه
ويعتضد بما رواه الطبراني - بإسناد حسن ـ عن ابن مسعود رأى أعرابياً يصلي قد أسبل فقال: «المسبل في الصلاة ليس من ليس من الله في حل
أنه
ولا حرام»، قال الحافظ ابن حجر: «ومثل هذا لا يقال بالرأي»)، يعني لا يبعد من أن يكون قد استند في قوله هذا إلى أثر عن الشارع عليه ـ أفضل الصلاة والسلام، فهو مرفوع حكماً، وإن كان موقوفاً لفظاً. ـ ويؤيد ذلك أن أبا داود قد رفعه في «سننه» من طريقه، فقد قال: حدثنا زيد بن أخزم حدثنا أبو داود عن أبي عوانة عن عاصم عن أبي عثمان عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أسبل إزاره في صلاته
(1) المنذري مختصر السنن المجلد الأول ص 324 والمجلد الخامس ص 51 توزيع، دار
الباز.
(2) ابن القيم التهذيب بذيل مختصر ومعالم السنن المجلد الخامس ص 50 توزيع، دار الباز. (3) عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي ج 7 ص 238 ط دار العلم للجميع. (4) رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين. القيم، لبنان.
ص
(5) فتح الباري ج 10 ص 257 ط السلفية ومكتبتها.
275 ط نشر وكالة المطبوعات الكويت دار (1/545)
صفحة 546
الفتَاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
خيلاء فليس من الله جل ذكره في حل ولا حرام»، قال أبو داود: روى هذا جماعة عن عاصم موقوفاً على ابن مسعود، منهم حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وأبو الأحوص، وأبو معاوية (1). قال العلامة المحدث الشيخ أحمد محمد شاكر: «وهو في مسند الطيالسي رقم (351) عن أبي عوانة وثابت عن عاصم، وهذا إسناد صحيح ولا يضره وقف من وقفه، فرفعه زيادة ثقة وهي مقبولة (2).
وليس في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم اكتفى بإعادة المسبل وضوءه دون صلاته، إذ الصلاة أحرى أن تعاد، ولكن أمره بإعادة الوضوء تغليظاً، لأنه أيضاً عبادة منافية للتلبس بالمعاصي، ولذلك قال طائفة من أصحابنا بأن المعصية تهدم الوضوء، قال العلامة ابن العربي بعدما ذكر الحديث: «يعني ويعيد الصلاة» - ثم قال: ومعناه أن الصلاة حال تواضع، وإسبال الإزار فعل متكبر متعارضان وأمره له بإعادة الوضوء أدب له وتأكيد، عليه ولأن المصلي يناجي ربه والله لا ينظر إلى من جر إزاره ولا يكلمه فكذلك لم يقبل صلاته» (3).
وحكى ابن حزم في «المحلى» عن مجاهد أنه قال: «كان يقال من مس
ذلك
إزاره كعبه لم يقبل الله له صلاة»، قال ابن حزم: «فهذا مجاهد يحكي عمن قبله وليسوا إلا الصحابة الله، لأنه ليس من صغار التابعين بل من
(1) سنن أبي داود مع شرح سهر انفوري بن المجهود ج ص 296 - 297 ط دار الكتب العلمية
- بيروت - لبنان. (2) المحلى لابن حزم ج 4 0 العربية.
محمد أحمد شاكر رقم 3 ط مكتبة الجمهورية
(3) عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي الجزء الثاني ص 238 دار العلم للجميع. (1/546)
صفحة 547
بحوث
547
مخالفاً
أوسطهم»)، وحكى أيضاً وحكى أيضاً عن ذر بن عبد الله المزهبي قال: «كان يقال: من جر ثوبه لم تقبل له صلاة»، وأتبع ابن حزم ذلك بقوله: «ولا نعلم لمن ذكرنا من الصحابة»: وعلل ابن حزم هذا الحكم بقوله: «فمن فعل في صلاته ما حرم عليه فعله فلم يصل كما أمر، ومن لم يصل كما أمر فلا صلاة له» (2)، وقال قبل ذلك ولا تجزي الصلاة ممن جر ثوبه خيلاء من الرجال، وأما المرأة فلها أن تسبل ذيل ما تلبس ذراعاً لا أكثر، فإن زادت على ذلك عالمة بالنهي بطلت صلاتها، وحق كل ثوب يلبسه الرجل أن يكون إلى الكعبين، لا أسفل البتة، فإن أسبله فزعاً أو نسياناً فلا شيء عليه (3).
وقد صرح كثير من علمائنا ببطلان صلاة المسبل، وإليك بعض ذلك: نصوصهم في
1 ـ قال الإمام أبو محمد بن بركة: «ومن أسبل إزاره في الصلاة خيلاء فلا تجوز صلاته لما روى عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:: «من أسبل إزاره في الصلاة فليس من الله في حل ولا حرام»، وقوله: «فضل الإزار في النار»، ومن طريق أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما تحت الكعب من الإزار في النار، وفي نهاية رواية ابن مسعود رأى رجلين يصليان أحدهما ينقر سجوده والآخر يرخي إزاره في الأرض فقال: أحدهما لا ينظر الله إليه، والآخر لا يغفر الله له»، وفي الرواية أن الذي لا ينظر الله إليه صاحب الإزار وصلاته مقرونة بالوعيد غير جائزة» (4).
(1) ابن حزم المحلى الجزء الرابع ص 100 ط مكتبة الجمهورية العربية.
(2) ابن حزم المحلى ج 4 ص 101.
(3) ابن حزم المحلى ج 4 ص 99.
(4) ابن بركة كتاب الجامع الجزء الأول ص 485 ط وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة
عُمان. (1/547)
صفحة 548
548
الفتاوى الصلاة - الزكاة ـ الصوم ـ الحج
وقد أورد كلامه هذا كل من صاحب بيان الشرع وصاحب منهج الطالبين والإمام السالمي حمد لله تعالى في معارجه وأقروه.
2 ـ قال الشيخ عامر رحمه الله تعالى في الإيضاح: «وكذلك من يجر إزاره خيلاء في الصلاة فلا تجوز صلاته - وذكر بعض ما روي في ذلك ـ ثم قال: ولا تجوز الصلاة بهذا لما فيه من الوعيد» (1).
3 ـ سئل المحقق الخليلي - رحمة الله عليه ـ عمن ارتخى إزاره في الصلاة حتى صارت طرته إلى الكعب من الرجل أو أسفل من الكعب، أيؤمر وجوباً أن يرفعه وهو فيها؟ وهل هذا من مصالح الصلاة أم لا؟ فأجاب: وجوباً، وإن أبى فصلاته فاسدة لأنه معصية للرواية النبوية الصحيحة بالوعيد الشديد ولا صلاة لعاص»، قيل له: وإن كان لا يشغله أن يتركه مرتخياً بل يجد راحة في نفسه ونشاطاً في بدنه في تركه كذلك، إلا أنه كاره بقاءه مخافة دخوله في النهي عن تذييل الإزار فيحتمل به ما لا يحمله فوق طاقته من الوزر، فعلى هذا ما الأولى له لزوماً، وإن تركه كيف يكون عليه، أم لا شيء عليه؟ فأحال على ما سبق من جوابه» (2).
بجره
4 ـ قال قطب الأئمة - رحمة الله عليه ـ: «وأفسد بعضهم الصلاة فيها ولو بغير خيلاء» (3). وقد علمت مما مضى أن التحقيق كون كل إسبال خيلاء، وبهذا يندرئ عنك أي شك في بطلان صلاة المسبل إلا من كان معذوراً بنحو ما تقدم ذكره، وناهيك بقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يقبل صلاة المسبل» نصاً صريحاً على
(1) الإيضاح الجزر الأول ص 425 ط دار الفتح. (2) تمهيد قواعد الإيمان ج 5 43، ط وزارة التراث القومي والثقافة - سلطنة عُمان. ص (3) شرح النيل ج 2، ص 53 ط دار الفتح. (1/548)
صفحة 549
بحوث
549
ذلك، ومثله قوله: «ليس من الله جل ذكره في حل ولا حرام»، فإنه بمعنى ليس من الله في شيء، وفي هذا من الزجر الوعيد ما ليس بعده، وقال النووي: معناه قد بريء من الله وفارق، دينه وقال ابن رسلان مراده لا يؤمن بحلال ولا حرام، وقيل: لا يجعله في حل من ذنوبه ولا يمنعه ويحفظه من سوء الأعمال، وقيل: لا يحل الله له الجنة ولا يحرم عليه النار، وقيل: ليس هو في فعل حلال ولا له احترام عند الله تعالى (1).
أما المؤتم بالمسبل فيسري البطلان إلى صلاته من صلاة إمامه، لارتباط صلاته بصلاته، ولا عبرة بقول من قال: إن صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة الإمام، للأدلة الدالة على الارتباط وهي:
أ - أن المأموم ليس له أن يتقدم إمامه في شيء من أفعال الصلاة أو أقوالها، فلا يحرم قبله ولا يقرأ، قبله ولا يأتي بالركوع أو السجود أو القيام أو القعود قبله، وإن فعل ذلك متعمداً بطلت صلاته، فلو لم تكن صلاته مرتبطة بصلاته لما قيد به فيما يأتي به من أعمال الصلاة وأقوالها. ب ـ أن الإمام يحمل عن المأمومين قراءة ما عدا الفاتحة إجماعاً، بل والفاتحة في رأي بعض المذاهب، كما يحمل عنه قوله سمع الله لمن حمده،
ولو لم تكن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة إمامه لما حمل عنه شيئاً.
ج ـ أن فرض المسافر ركعتان بلا خلاف وإن صلى خلف المقيم وجب عليه أن يتم الرباعية، إجماعا ولم يكن ليجب عليه ذلك لولا ارتباط صلاته
بصلاته.
د ـ أنه مما اتفق على ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «إنما جعل الإمام ليؤتم به
(1) انظر السهر نفوري بذل المجهود في أبي داود التعليق عليه ج 2 ص 267 ط دار الكتب
العلمية. بيروت. (1/549)
صفحة 550
550
الفتاوى الصلا الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً)، فلولا ارتباط صلاة المأموم بصلاة إمامه لما سقط عنه ركن من أركانها وهو القيام.
فإن قيل: أولستم تجيزون الصلاة خلف مرتكب الكبيرة؟ وقد روى الربيع في مسنده الصحيح عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الصلاة جائزة خلف كل بر وفاجر»، وفي رواية: «صلوا خلف كل بر وفاجر» فما بالكم تناقضون ذلك بمنعكم الصلاة خلف المسبل؟ وما الفارق بين المسبل وحالق اللحية الذي أبحتم الصلاة خلفه وكل منهما عاص لربه؟
فالجواب: أن المسبل مدخل في صلاته ما يفسدها بإسباله، وقد قيد
الربيع
رحمة الله إطلاق الحديث بقوله: «ما لم يدخل فيها ما يفسدها» (2).
ولا ريب أنه استند في هذا التقييد إلى ما ذكرنا من الأدلة وأمثالها، والفارق بين المسبل وغيره من العصاة كحالق اللحية بين، لأن المسبل متلبس بالمعصية في أثناء الصلاة، كلابس الذهب والحرير من الرجال، فكما لا تصح صلاة من لبسهما ولا تجوز إمامته فكذلك المسبل، وتوبة من تلبس بشيء من ذلك موقوفة على التخلي عنه، وحالق اللحية لم يباشر معصيته في أثناء الصلاة بل قبلها، ولو شاء التوبة في أي وقت لما لزمه نزع شيء هو فيه، وإنما تجب عليه النية الصادقة أن لا يعود إلى حلقها، وهو كاف في التفريق بين حكميهما. هذا ما أردت بيانه نصرة للحق وإحياء للسنة ومقاومة للبدعة، والله ولي التوفيق هو حسبي ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(1) رواه الربيع وأحمد والشيخان من طريق أنس رضي الله عنهما وقد روي عن طريق أخرى. (2) مسند الإمام الربيع بن حبيب مع شرح الإمام نور الدين السالمي ج 1 ص 311، ط 2. (1/550)
صفحة 551
بحوث
551
مشروعية تثمير أموال الزكاة
الزكاة عبادة مالية، اجتماعية ومدلول لفظها من حيث اللغة إما النماء والبركة وإما الطهارة والصلاح، ففي اللسان مادة زكا»: (الزكاء ممدود النماء والريع زكا يزكو زكاء، وزكوا، وفي حديث علي كرم الله وجهه «المال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق»، فاستعار له الزكاء إن لم يكن ذا جرم، وقد زكاه الله، وأزكاه والزكاء ما أخرجه الله من الثمر) (1).
وفيه أيضاً: (والزكاة الصلاح، ورجل تقي زكي أي زاك من قوم أتقياء أزكياء، وقد زكا زكاء وزكوا - إلى أن قال - فالزكاة طهرة للأموال، وزكاة الفطر طهرة للأبدان وفي حديث الباقر أنه قال: «زكاة الأرض يبسها»، يريد طهارتها من النجاسة كالبول وأشباهه بأن يجف ويذهب أثره)
انتهى.
ومن أصول دلالات لفظها تتبين الحكمة الربانية في مشروعيتها، فهي تحقق النماء والطهارة، وتعود فائدتها على معطيها وآخذها وعلى مجتمعهما. أما معطيها فإنه يستفيد بها طهارة نفسه ونماء فضائلها، لأنها تخلصه من حب الأثرة والاستبداد بالمال والشهوة المالية الجامحة، التي لا تلبث عندما تستحكم في النفس أن تسيطر على أحاسيسها ومشاعرها، وتستولي على جميع تصرفاتها وأعمالها، حتى يتحول الإنسان إلى سبع ضار لا يبالي بما يأتي به من الإجرام في سبيل إشباع هذه الشهوة المسعورة، وما جرائم قطاع الطرق والعصائب الإرهابية التي تشيع الذعر وتهدد الأمن إلا نتائج استحكام شهوة المال في الأنفس، ولا تقف خطورتها عند حد، بل كثيراً ما
(1) ابن منظور، لسان العرب دار بيروت للطباعة والنشر. (1/551)
صفحة 552
552
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
تؤدي إلى نضوب العواطف وجفاف المشاعر، حتى لا تراعى حرمة للحمة القرابة والنسب، فكم سمعنا باغتيال ولد لوالده وعدوان قريب على قرابته، الاستئثار بما في أيديهم من المال، وما من علاج لهذا الداء أنجح
طمعاً
في
وأجدى من تربية النفس على إنفاق المال فيما يعود بالخير والإحسان على الأمة، ونجد في نظام الزكاة المشروعة في الإسلام المرهم النافع والمبضع المستأصل لهذا الداء، وبتعود الإنسان إيتاءها تتفجر في نفسه مشاعر الرحمة، وتغمرها عواطف الإحسان، فلا يشعر بهدو بال ولا استقرار نفسي تصاعد أنّات الفقراء والبؤساء حتى يفيض عليهم من صلاته، ويغمرهم بشفققته وحنانه، وهذا هو ما أشار إليه الحق تعالى في قوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكَهِم بِهَا} [التوبة: 103].
مع
وأما آخذها فإنها ـ مع دفعها لخصاصته وسدها لعوزه، وتمكنه بها من مقاومة لأواء الحياة ومواجهة عسر مطالبها - تطفئ في نفسه سعير الحقد ولهيب الحسد، اللذين تؤججهما مشاهدته للتباين الكبير بين وضعه ووضع الغني المستأثر بالثروات، الذي يتقلب في أعطاف النعيم، غير مبال بصيحات أولي المسغبة التي تصعدها حاجتهم الملحة إلى ضرورات الحياة، إلا أنه عندما تردم هذه الهوة السحيقة بالزكاة التي تجسد المشاركة المالية الاجتماعية بين طبقتي الأغنياء والفقراء يتلاشى ما في نفوس الفقراء من حقد وكراهية لطبقة الأغنياء، فلا تلبث قلوبهم أن تفيض بالمودة لهم، وألسنتهم أن تلهج بالثناء عليهم والدعاء لهم، وباجتماع هاتين الطبقتين على كلمة سواء يجتمع الشمل وتتألف القلوب، وتتوحد المشاعر والأحاسيس، وينعم المجتمع بأسره بالهدوء والاستقرار، والراحة والسكينة والرحمة والمودة، ويتجسد فيه معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه (1/552)
صفحة 553
بحوث
553
عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر (1)، وقوله: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً (2).
6
ولئن كان الإنفاق في جميع وجوه الخير وسبل الإحسان مطلباً من مطالب الإسلام حضت عليه آيات جمة من الكتاب العزيز، وتظافرت على العناية به أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن الزكاة ـ وهي على رأس ضروب الإنفاق المأمور به - ركن من أركان هذا الدين التي يقوم عليها صرحه ويشمخ بها بنيانه، كما نص على ذلك حديث ابن عمر الله): «بني الإسلام على خمس»، ويؤكده اقترانها في الآي القرآني بأهم ركن عملي من أركانه وهو الصلاة. ويلحظ أن الزكاة في الإسلام لم توكل إلى ضمائر الأغنياء، فتتفاوت قلة وكثرة بقدر ما في نفوسهم من قوة الدوافع على السخاء أو ضعفها، بل بين الشارع مقاديرها ليتساوى الناس كلهم فيها، ولا يكون بينهم تفاوت إلا بقدر تفاوتهم في الأملاك التي فرضت فيها، كما يلحظ أن الأصناف التي أجمعت الأمة على تعلق حق الزكاة بها هي من صنوف المال الذي تتوقف عليه ضرورات حياة الإنسان، من أنواع الحبوب المدخرة المقتاتة، والأنعام والتجارة، والنقدين اللذين هما أهم وسيلة لتبادل منافع الحياة، كما أنهما المعيار لقيم الأشياء.
وباستقراء ذلك يتبين أنه يتنازع فرضية الزكاة حقان، حق رباني وحق إنساني، فالحق الرباني هو حق التعبد الذي هو صلة بين العباد وربهم، يتميز
(1) روى بنحوه، البخاري عن طريق النعمان بن بشير في كتاب الأدب، الباب 27، رقمه 6011 ومسلم بعدة طرق من طريق النعمان أيضاً في كتاب البر والصلة والآداب. (2) رواه البخاري عن طريق أبي موسى في كتاب الأدب الباب 36 رقمه 6026، وفي كتاب المظالم والغضب، الباب 5، رقمه 2446 ومن نفس طريق أبي موسى رواه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب. (1/553)
صفحة 554
554
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
- بحسن أدائه لوجه الله - الطائع من العاصي، ومن هذه الناحية لا فرق بين الزكاة وبين سائر العبادات كالصلاة والصيام والحج.
وأما الحق الإنساني، فهو عون الأقوياء للضعفاء على القيام بمطالب العيش ولوازم الحياة، وما يستلزم ذلك من جيشان القلوب بالشفقة والرحمة والحنان، وما يستتبعه من تكافل الأمة، وتراص صفوفها، وشيوع المودة بينها، وانحسار البغضاء عنها، وقد تتفاوت أنظار الفقهاء في الأصل الذي يبنون عليه اجتهادهم في فروع مسائل الزكاة الجزئية من هذين الأصلين، ولذلك يختلفون تسامحاً وتشدداً في بعض المسائل الفرعية من هذا الباب، كما سيتضح ذلك - إن شاء الله - من خلال تعرضنا لأقرب المسائل شبهاً بموضوع البحث، فإن من راعى الحق الإلهي أحجم عن التوسع، لأنه عد الزكاة كالصلاة والصيام في وجوب الالتزام فيها بقيود الأدلة الشرعية النصية، ومن راعى الحق الإنساني توسع في النظر في حدود مصلحة الفقراء وسائر المستحقين للزكاة، نظراً إلى أنها شرعت من أجل سد خلتهم وقضاء مآربهم في الحياة. (1/554)
صفحة 555
بحوث
000
إخراج الزكاة من غير جنس المزكي:
أحد
لا خلاف بين الأمة في أن الأصل في إخراج الزكاة أن يكون المخرج من جنس ما يزكى اللهم إلا فيما دون الخمس والعشرين من الإبل، حيث تدفع شاة عن كل خمس منها، فإن بلغت خمساً وعشرين وجبت فيها بنت مخاض، وكذلك البقر عند من يجعل حكمها كالإبل في الزكاة، وإنما اختلفت الأمة في العدول عن هذا الأصل بحيث يكون الثمن بديلاً عن العين الواجب أداؤها بالنص، وهذا الخلاف إنما يعود إلى اختلاف الأنظار في ترجيح الأصلين اللذين أشرنا إليهما من قبل على الآخر، فمن ترجح عنده جانب التعبد على جانب المصلحة شدد في المسألة وألزمه أن يكون المدفوع من جنس المال الواجبة زكاته، كما يتقيد في أداء الصلاة بمواقيتها وعدد ركعاتها وسائر ما فرض فيها من قول وعمل وكما يتقيد في الصيام بزمنه المحدود وأحكامه المشروعة، وكما يتقيد في الحج بمشاعره المعلومة وسائر أحكامه المرسومة، كيف والمال نفسه إنما هو مال الله، ولئن أضيف إلى من أورثه الله إياه فليست تلك الإضافة إلا مجازاً، إذ غاية ما في ذلك أن الإنسان مستخلف فيه ومؤتمن عليه، قال تعالى: {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي وَاتَنكُمْ} [النور: 33]، وقال: {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد: (7)، ولئن كان الشارع الحكيم بين للناس كيفية هذا الإنفاق، فإن التقيد بما بينه أمر لا مناص منه، ومن ترجح عنده جانب المصلحة التي من أجلها شرعت الزكاة، ورأى أنها تتحقق بدفع البديل عن الجنس كما تتحقق بدفعها من الجنس، تتحقق بهذا العطاء سواء روعي في ذلك جانب المعطي، وهو تطهير نفسه من رجس الشح، وتخليصها من آثار حب المال، وغرس الفضائل والقيم فيها بالتعويد على البر والإحسان، أو روعي جانب المعطى، وهو ذو الخصاصة، والمصلحة في (1/555)
صفحة 556
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
جانبه هي دفع الخصاصة عنه وإذهاب آثار الحقد والحسد والكراهية عنه.
الجواز
فاسدة،
ولعلماء الإباضية كغيرهم رأيان في المسألة، فبعضهم قال بعدم كما هو مذهب الأئمة، مالك والشافعي وأحمد، والأكثرون منهم يرون الجواز كما هو مذهب الإمام أبي حنيفة)، قال الإمام نور الدين السالمي الله: (ثم اختلف هؤلاء، فقال بعضهم لا يعطى فيها غير الذهب والفضة، وقال الأكثر منهم يعطى باعتبار القيمة والعروض وغيرها كالتمر والزبيب عن الحب) (2). وأعاد الإمام السالمي الخلاف إلى اختلافهم في ترجيح أحد الأصلين المتقدم ذكرهما، قال: (فمن قال إنها عبادة، قال: إن أخرج من غير تلك الأعيان لم تجزئ لأنه أتى بالعبادة على غير الجهة المأمور بها فهي قال هي حق للمساكين لا فرق عنده بين القيمة والعين) (3). وذكر الإمام السالمي إثر هذا مناقشة للمانعين ملخصها، أنه بثبوت مشروعية الزكاة لأجل الأصلين المذكورين، لا ينبغي أن ينسى أدقهما من أجل أجلاهما، فلعل الأدق هو الأهم، فإن سد خلة المحتاج أسبق الاعتبارين إلى الأفهام، وجانب التعبد في اتباع التفاصيل مقصد شرعي، وباعتباره صارت الزكاة قرينة للصلاة والحج في كونها من مباني الإسلام، وما من شك أن على المكلف جهداً في تمييز أجناس ماله وإخراج حصة كل مال من نوعه وجنسه وصفته، ويدل على أن التعبد مقصود بتعيين الأنواع أن الشرع أوجب في خمس من الإبل شاة، فعدل عن الإبل إلى الشاة لا إلى
ومن
(1) نور الدين السالمي، معارج الآمال على مدارج الكمال، ج 16 ص 209، ط وزارة التراث القومي والثقافة - سلطنة عُمان.
(2) معارج الآمال على مدارج الكمال ـ نور الدين السالمي ـ. (3) معارج الآمال على مدارج الكمال ـ نور الدين السالمي -. (1/556)
صفحة 557
بحوث
557
النقدين أو التقويم، وإن قدر أن ذلك لقلة النقود في أيدي العرب فهو مدفوع بذكره عشرين درهماً في الجبران مع الشاتين، فلم لم يذكر في البران قدر النقصان من القيمة، وما الداعي لتقديره بعشرين درهماً والشاتين إن كانت الثياب والأمتعة في معناها.
ونسب الإمام السالمي إلى أصحاب هذا الرأي قولهم: فهذا وأمثاله من التخصيصات يدل على أن الزكاة لم تترك خالية عن التعبدات كما هو الشأن في الضحايا والهدايا، فإنه لا تجزيء القيمة فيهما، لأن الشرع أوجب ذلك علينا، والواجب ما لا يسع تركه، ومتى ساغ غيره وسع ترکه فلا يكون واجباً.
وأجاب الإمام السالمي عن هذا كله بأن تخصيص الزكاة بأعيان الأموال إنما هو تسهيل على أرباب الأموال، لأن كل ذي مال يسهل عليه الإخراج من النوع الذي في يده، ثم إن الأمر بالأداء إلى الفقير إيجاب للرزق الموعود، بخلاف الهدايا والضحايا فإن المستحق فيه إراقة الدم، وهي لا تُعقل، ووجه القربة في المتنازع فيه سد خلة المحتاج وهو معقول، على أن ذكر الدراهم في الجبران يدل على جواز إعطاء القيمة عن الغير إذ لولا ذلك لكان الجبران من جنس المال، كما وجب في الخمس من الإبل شاة) (1).
وهذا الجواب ينم عن ميل الإمام السالمي إلى مذهب القائلين بجواز دفع القيمة، وإلى هذا جنح الإمام البخاري، وأفرد لذلك باباً في في صحيحه وهو باب العرض في الزكاة)، ذكر أوله الأثر الذي رواه طاوس عن معاذ له أنه قال لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة.
(1) معارج الآمال على مدارج الكمال 210 - 211. (1/557)
صفحة 558
558
الفَتَاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
قال ابن رشد: وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم لكن قاده إلى ذلك الدليل (1).
وقال الحافظ ابن حجر في أثر معاذ: (هذا التعليق صحيح الإسناد إلى طاوس لكن طاوس لم يسمع من معاذ فهو منقطع، فلا يغتر بقول من قال ذكره البخاري بالتعليق الجازم فهو صحيح عنده لأن ذلك لا يفيد إلا الصحة إلى من علق عنه، وأما باقي الإسناد فلا، إلا أن إيراده له في معرض الاحتجاج به يقتضي قوته عنده، وكأنه عضده عنده الأحاديث التي ذكرها في الباب، وقد روينا أثر طاوس المذكور في كتاب الخراج ليحيى بن آدم من رواية ابن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة وعمرو بن دينار فرقهما كلاهما عن
طاوس (2).
وأجاب الإمام السالمي في معارجه عما ذكره الحافظ من انقطاع سند هذا الأثر ـ لأن طاوساً لم يسمع من معاذ - بما حكاه الحافظ بنفسه في التلخيص عن الإمام الشافعي أنه قال: طاوس عالم بأمر معاذ وإن لم يلقه، لكثرة من لقيه ممن أدرك معاذاً، وهذا مما لا أعلم من أحد فيه خلافاً (3). وأجاب البدر العيني عما قيل من انقطاع سند الأثر ـ وسماه إرسالاً ـ
بأن المرسل حجة عندهم أي الحنفية (4). وحمل بعض المانعين هذا الأثر على أنه في الجزية لا في
الصدقة،
(1) الحافظ ابن حجر، فتح الباري، ج 3 ص 312، ط دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت. البدر العيني، عمدة القارئ، ج 9 ص 4 ط دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ـ لبنان. (2) ابن حجر، فتح الباري ج 3 ص 312. (3) ابن حجر (33) تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير ج 2 ص 152 ط دار المعارف بيروت ـ لبنان. وانطر الإمام السالمي ـ معارج الآمال ج 16 ص 212.
(4) البدر العيني، عمدة القارئ شرح صحيح البخاري ج 9 (41) ص 4. (1/558)
صفحة 559
بحوث
559
من
كما ذكره البيهقي وقال: هذا هو الأليق بمعاذ والأشبه بما أمره به النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجنس في الصدقات، وأخذ الدينار أو عدله من ثياب اليمن في الجزية، وأن يرد الصدقات إلى فقرائهم لا أن ينقلها إلى المهاجرين بالمدينة الذين أكثرهم أهل فيء لا أهل صدقة).
قال الحافظ: فإن ثبت ذلك سقط الاستدلال، لكن المشهور الأول، وقد رواه ابن أبي شيبة عن وكيع عن الثوري عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس أن معاذ كان يأخذ العروض في الصدقة (2).
ونقل الحافظ عن عبد الوهاب المالكي قوله كانوا يطلقون على الجزية اسم الصدقة فلعل هذا منها (3).
(4)
وأجاب البدر العيني على من حمل الصدقة على الجزية بأربعة أوجه: أولها: أنه قال مكان الشعير والذرة، وتلك غير واجبة في الجزية بالإجماع، وهذا الوجه سبقه إليه الحافظ ابن حجر ثانيها: أن المنصوص عليه لفظ الصدقة كما في لفظ البخاري، والجزية صغار لا صدقة ومسميها بالصدقة مكابر.
ثالثها: أنه قال حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأخذ زكاتهم، وفعله امتثال لما
بعث من أجله وسببه وهو الزكاة، فكيف يحمل على الجزية.
رابعها: أن الخطاب مع المسلمين، لأنه يبين لهم ما فيه من النفع
(1) نور الدين السالمي، معارج الآمال ج 16 ص 212 نقلاً عن البيهقي.
(2) فتح الباري، ج ص 312
(3) فتح الباري ص 313.
(4) المرجع السابق. (1/559)
صفحة 560
560
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
لأنفسهم وللمهاجرين والأنصار، فلولا أنهم يريدون المهاجرين والأنصار لما لأصحاب النبي بالمدينة وهم المهاجرون والأنصار، لأن الكفار لا يختارون الخير للمهاجرين والأنصار (1).
قال خير
ثم إن العلامة العيني ذكر بعض الإيرادات التي تعقب بها على الاستدلال بأثر معاذ وأجاب عليها.
منها: قولهم مذهب معاذ عدم جواز نقل الصدقات أجاب عليه بأنه لا أصل له لأنه لا ينسب إلى أحد من الصحابة مذهب في حياة
رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومنها: ما نسب إلى الإسماعيلي من أنها لو كانت من الزكاة لم تكن مردودة على الصحابة، وقد أمره أن يأخذ الصدقة من أغنيائهم فيردها
على فقرائهم.
وأجاب عليه العيني: بأن ذلك ليس على إطلاقه، وإنما هو خير للفقراء منهم، وهو من باب حذف المضاف وإقام المضاف إليه مقامه، وما كان نقل الزكاة إلى المدينة إلا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعثه لذلك، ولأنه يجوز نقلها إلى قوم هم أحوج من الفقراء الذين هم هناك، وفقراء المهاجرين والأنصار أحوج للهجرة وضيق حال المسلمين في ذلك الوقت (2).
وذكر الحافظ بأنه أجيب هذا الإعتراض بأنه لا مانع من أنه كان يحمل الزكاة إلى الإمام ليتولى قسمتها، وقد احتج به من يجيز نقل الزكاة من بلد إلى بلد، وهي مسألة خلافية أيضاً (3).
(1) العيني، عمدة القارئ ج 9 ص 504. (2) المرجع السابق ص 5.
(3) فتح الباري، ج 3، ص 313 (1/560)
صفحة 561
بحوث
561
ثم قال العيني: فإن قلت قد قيل إن الجزية كانت يومئذ من قوم عرب باسم الصدقة، فيجوز أن يكون معاذ أراد ذلك في قوله في الصدقة. قلت: قال السروجي قال هذا القاضي أبو محمد، ثم قال: ما أقبح الجور والظلم منه، وما أجهله بالنقل، إنما جاءت تسمية الجزية بالصدقة من بني تغلب ونصارى العرب بالتماسهم في خلاف عمر، فقال هي جزية فسموها ما شئتم، وما سماها المسلمون صدقة قط. فإن قلت قال الطرطوشي قال معاذ للمهاجرين والأنصار بالمدينة، وفي المهاجرين بنو هاشم وبنو المطلب ولا تحل لهم الصدقة، وفي الأنصار أغنياء لا تحل لهم الصدقة، فدل على أن ذلك جزية، قلت: قال السروجي ركة ما قاله ظاهرة جداً، وهو تعلق بحبال الهوى وخبط العشواء، لأنه أراد بالمهاجرين والأنصار من تحل له الصدقة لا من تحرم عليه، وكذا الجزية لا تصرف إلى جميع المهاجرين والأنصار بل إلى مصارفها المعروفين فافهم، فإن قلت إن قصة معاذ اجتهاد منه فلا حجة فيها، قلت: كان معاذ أعلم الناس بالحلال والحرام، وقد بين له النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسله إلى اليمن ما يصنع وقد أجاب بعين جوابه على الإعتراض الأخير الحافظ ابن حجر في وحمل بعضهم ما فعله معاذ على أنه كان واقعة حال لا دلالة فيها، لاحتمال أن يكون علم بأهل المدينة حاجة لذلك، وقد قام الدليل على خلاف عمله ذلك، وأجاب عنه الإمام السالمي: بأن الحاجة لا تبيح ما كان ممنوعاً، على أنه يمكنه أن يبيع الحب ويشتري الثياب فتندفع الحاجة (3).
(1) العيني، عمدة القارئ ج 9 ص 5.
(2) فتح الباري ج 3 ص 313 (3) معارج الآمال ج 16، ص 213.
«الفتح» (2). (1/561)
صفحة 562
562
الفتَاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
وأنتم ترون أن محور الاستدلال لجواز دفع البدل عن الجنس في زكاته الأثر المروي عن معاذ ه وهو مذهب صحابي، والخلاف بين الأصوليين والفقهاء في حجية مذهب الصحابي مشهور، ولكن بما أن ما كان من معاذ لم يكن بعد عهد النبوة وإنما كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ما يأخذ من الأثواب في مقابل الحبوب الواجبة في الزكاة يبعثه إلى المدينة المنورة، حيث مستقر الرسول صلى الله عليه وسلم لا يخامر العقل شك في أنه ـ عليه أفضل الصلاة والسلام - كان على علم بصنيعه، وهذا يعطي الدليل دفعة من القوة لا يستهان بها، كيف وعند علماء الحديث أن قول الصحابي: كنا نؤمر بكذا أو ننهى عن كذا يعطي حكم الرفع، لأن قوله هذا يدل على أن الأمر والنهي المعنيين قد كانا في عهد النبوة، حيث يتلقى الكل الأوامر والنواهي التشريعية عنه - صلوات الله وسلامه عليه، غير أن انقطاع السند بين طاوس ومعاذ يوهي حجية هذا الأثر، أما ما أورده الإمام البخاري إثره من الروايات الصحيحة لعضد ما استدل به عليه فإن دلالتها على ذلك أوهى دلالة من الأثر إذ لا تشتم إلا من بعيد.
هذا، ويبدو واضحاً من أقوال علمائنا الذين جوزوا إعطاء البدل في الزكاة أنهم راعوا مصلحة الفقير وسد حاجته، والصور المحكية عنهم في
ذلك توحي
بأنهم متفاوتون في توسيع دائرة الرخصة وتضييقها.
ومن أمثلتها ما في منهج الطالبين للعلامة الشقصى قال: (وسأل أبو الحواري الله عن رجل معه زكاة مثل حب أو تمر، فيرى فقيراً أو يتيماً فقيراً عرياناً فيأخذ له ثوباً فيعطى ثمنه من ذلك الحب أو التمر كما يكون السعر في البلد، فإن كان الذي تجب عليه الزكاة يشتري الثوب من عند غيره أو يعطي كراء النساج فلا بأس بذلك، وهو جائز في بعض القول، وإن أعطى (1/562)
صفحة 563
بحوث
563
الثوب من عنده أو عمله بيده وحسب ذلك من زكاته فلا يجوز، وقد قيل في
أن
بعض القول إن أعطى فقيراً ثوباً وحسبه من زكاته أن ذلك جائز، ويروى معاذ بن جبل قد فعل ذلك، وسواء كانت الزكاة من الحب أو التمر أو الورق، أشار بذلك على الفقير أو لم يشر عليه أعلمه بذلك أو لم يعلمه إذا قبضه الفقير وصار إليه، وكذلك إن طحن من حب الزكاة أو خبزه وأطعمه الفقراء وابن السبيل فجائز ذلك كله، ولو كان في يوم العيد واشترى للفقير لحماً أو ضحية في يوم الأضحى جاز ذلك إن اشترى من عند غيره، وأما إن
أعطاه
نأخذ
من
عنده
ثمنه
وحسب من زكاته فلا يجوز له ذلك على القول الذي عنده من
به، وأما فيما يروى عن معاذ بن جبل له فهو جائز كان ذلك
أو من عند غيره، وقول إنه لا يجوز من هذا كله شيء إلا أن يسلم الزكاة للفقير كما وجبت، ثم يفعل الفقير فيها بعد ذلك ما يشاء (1).
ويتلخص من هذا أن في المسألة ثلاثة أقوال:
أولها: عدم جواز إعطاء البديل مطلقاً.
وثانيها: جوازه بشرط أن يشتريه صاحب المال من غيره، مراعاة منه لمصلحة الفقير لا أن يدفعه من عنده، ابتداء والظاهر أن هؤلاء نظروا إلى أن الجنس هو الأصل، وأن دفع غيره معاوضة، والمعاوضة لا تكون إلا بين متعاوضين، فلا يجوز أن يكون البائع هو عين المشتري.
(1) الشقصي - منهج الطالبين وبلاغ الراغبين ج 5 ص 190 وزارة التراث القومي والثقافة - سلطنة عُمان. وانظر كذلك بيان الشرع للعلامة محمد بن إبراهيم الكندي ج 19، ص 205 ط وزارة التراث القومي والثقافة - سلطنة عُمان. وكتاب المصنف للعلامة أبي بكر بن عبد الله الكندي ج 6 ص 248 - 249 ط وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة
أحمد
عُمان. (1/563)
صفحة 564
564
يعطيه تأخذ
الفتاوى الصلاة - الزكاة ـ الصوم ـ الحج
وثالثها: الجواز مطلقاً، أخذاً بما دل عليه الأثر المروي عن معاذ الله وفي «منهج الطالبين» أيضاً ما نصه: (وفي جواب موسى بن محمد ما تقول فيمن وجبت عليه زكاة شعير فأتاه فقير فقال: تأخذ مني بدل ما بدل ما يقع لك من زكاة هذا الشعير لك ذرة، أو وجبت عليه زكاة بر وأراد أن يفرقها فقال للذي مني بالذي أعطيك من زكاة البر، شعيراً، ففعل ذلك الفقير: قال: إن فعلا ذلك برأيهما فلا بأس بذلك، إن كان ذلك بعدل من السعر، وقول إن ذلك لا يجوز، وقيل: إنه يجوز أن يدافع الفقير من عليه زكاة بما على الفقير له من الدين ويبرأ من ذلك، وكذلك يجوز أن يقترض الفقير من صاحب الزكاة بالدراهم عروضاً على ما اتفقا عليه، وقيل: إذا أقام الفقير وكيلاً يقبض له الزكاة جاز ذلك لمن يسلم له من الزكاة، وقيل: لا يجوز ذلك على حال، وقيل: يجوز ذلك إذا صار للفقير من يد الوكيل، وقيل: إذا أنفذه الوكيل بأمر الفقير حيث يأمره بإنفاذه جاز ذلك، وقيل: لا يجوز أن يدافع الفقير بما عليه من الدين بالزكاة، ولا يأخذ بالدراهم عروضاً ولا بالعروض دراهم من صاحب الزكاة، وأجاز ذلك من أجازه، ويروى أن معاذ بن جبل قال يفترض الثوب وغيره من العروض من الزكوات وهو وال على اليمن، وكان فقيه الأمة على عهد رسول الله (1).
وفي هذا الكلام المحكي هنا تأكيد لما سلف من اختلاف العلماء في إعطاء الفقراء بدل ما يستحقونه من زكوات الأموال بسعره، مع إيراد الاختلاف في المقاصصة بين الفقير وصاحب المال، وذلك بأن يحط الغني عن الفقير من دينه الذي عليه له بقدر ما يريد أن يعطيه من الزكاة، فقيل:
(1) منهج الطالبين ج 5 ص 190 191 ط وزارة التراث القومي والثقافة - سلطنة عُمان. وانظر بيان الشرع ج 19 ص 53 ـ 54، ط وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عُمان، والمصنف
ج 6 ص 250 - 251 ط وزارة التراث القومي والثقافة - سلطنة عُمان. (1/564)
صفحة 565
بحوث
565
بجوازه مطلقاً، وقيل: بعدمه على الإطلاق، وقيل: بجوازه بشرط أن يكون للفقير وكيل يقوم مقامه، ولم يتبين وجه هذا الاشتراط فإن ما يمكن أن يقوم به الوكيل يمكن أن يقوم به الأصيل، والذين جوزوا ذلك لا ريب أنهم نظروا إلى مصلحة الطرفين، فإن صاحب المال يستفيد بذلك اقتضاء دينه، والفقير يستفيد به فكاك رقبته من رقبة الدين.
لا
وفي «المنهج» أيضاً: (سئل أبو محمد رحم الله عمن يمسك زكاته حتى ينزل به ضيف يطعمه منها يريد بذلك توفير ماله؟ فقال: الذي حفظناه أن الزكاة يراد بها توفير المال ولا مكافأة، فإن نزل به أحد ممن يستحق الزكاة وأطعمه منها، وعرفه أنه من الزكاة من قبل أن يطعمه، فأرجو أن لا يكون عليه غرم - إن شاء الله -، وقال أبو سعيد رحم الله: إن من وجبت عليه الزكاة في حبوب مختلفة رديء ووسط وجيد، فقيل يجوز أن يعطى من الرديء والوسط بقيمته عن الجيد، وقيل: لا يجوز إلا أن يخرج من الجيد عن الرديء مكوك بمكوك وكذلك من الوسط، لأنه يخرج الأفضل عن الأدون عند صاحب هذا القول، ولا تجوز عنده القيمة وكذلك فيمن معه شيء من زكاة ماله، فأراد أن يأخذه ويعطي بدله - قال ـ إذا ميز ذلك من ماله ليؤديه ـ ولم يكن أنفذه، فله الخيار إن شاء أمسكه وأعطى مكانه أفضل منه وإن شاء أنفذه قيل له: وإذا كانت الزكاة من عنده وأبدل منه ما هو أدون منه، إلا أنه أكثر منه هل يكون سواء؟ قال: إذا لم يكن مثلاً من الزكاة أو أفضل منها خرج بمعنى العروض في بعض ما قيل ويختلف في أداء الزكاة من غير ما يلزم من العروض بالقيمة من الدنانير والدراهم، فأجاز ذلك بعض، ولم يجزه آخرون إلا أن يكون القابض إماماً أو والي إمام، لأن لهم الزكاة خاصة، فإن كانت لهم دون غيرهم فإن شاءوا أخذوها، وإن شاءوا أخذوا بها ما (1/565)
صفحة 566
???
الفتَاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
شاءوا ن غيرها، وليس كذلك الفقير في معاني هذا القول» (1).
ويستفاد من هذا الذي نقلناه أن من العلماء من يفرق بين أن يكون قابض الزكاة إمام المسلمين أو واليه، وبين أن تعطى الفقراء مباشرة، فيترخص في الحالة الأولى أن يكون الدفع من غير الجنس الواجبة فيه الزكاة، ولا يترخص في ذلك في الحالة الثانية، لأن الإمام أولى بالنظر في مصالح المسلمين جميعاً، ومن بينهم الفقراء الذين تجب لهم الزكاة، فينظر في القبول والرفض ما يعود عليهم بالمصلحة، وهذا معنى كون الزكاة لهم دون غيرهم، إذ الإمام وولاته ليس لهم الاستئثار بالزكاة، وإنما غاية ما يخولونه فيها وفي غيرها النظر في مصالح الأمة.
(1) منهج الطالبين ج 5. 5 ص 191 - 192، ط وزارة التراث والثقافة - سلطنة عُمان. وانظر المصنف ج 6 ص 251 - 252، ط وزارة التراث والثقافة - سلطنة عُمان، بيان الشرع ج 19 ص 54 - 55 د ط وزارة التراث والثقافة - سلطنة عُمان. (1/566)
صفحة 567
تثمير أموال الزكاة
بحوث
567
حدد الله في كتابه مصارف معينة للزكاة في قوله عز من قائل: {إِنَّ الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ} [التوبة: 60]، ولا يجوز لأحد صرف الزكاة في غير هذه المصارف المشروعة بنص الكتاب، وما من شك أنه لا يتسنى لأي أحد أن يضعها بفسه في جميع هذه المصارف، لتوقف ذلك في بعضها على وجود ولي أمر للمسلمين، يضع كل شيء في نصابه الشرعي، فيأخذ الزكاة بحقها ويضعها في مستحقها، إذ من هذه المصارف سبيل الله، وهو مصرف واسع يشمل وجوهاً شتى من مصالح الأمة في دينها ودنياها، والقائم برعاية ذلك كله هو ولي أمر المسلمين، الذي يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويقيم فيهم حدود الله وينفذ فيهم فإنه أجدر برعاية مصالحهم، وأحق بجمع صدقاتهم ووضعها حيث أمر الله، فيعطي الفقراء والمساكين والعاملين عليها وسائر الأصناف المفروضة لهم مستحقاتهم منها بحسب ما يقتضيه ميزان العدل، أما مع انفراط عقد المسلمين وعدم وجود من يقوم برعاية مصالحها، فإن كل واحد منهم
أحكامه،
مطالب بأن يتحرى الأمانة والعدل في أداء ما فرض الله عليه من زكاة ماله. هذا، ولم أجد في شيء من كتب الفقه السابقة تعرضاً لاستثمار أموال الزكاة قبل وضعها في مواضعها، وإنما أفادت مراجع الفقه وغيرها ما ذكرته من قبل من اختلاف نظرة الفقهاء بين التوسعة والتضييق في بعض المسائل، بناء على اختلاف نظرتهم في ترجيح أحد الأصلين على الآخر، فمن راعى
جنب التعبد شدد في ذلك، ومن راعى جانب المصلحة كان بخلافه. ولئن كانت المصلحة هي المحور الذي يدور عليه الفقهاء الموسعون، (1/567)
صفحة 568
568
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
فإن قضية الاستثمار يجب أن تكون موضوعة في إطار المصلحة، فيحكم بجوازه أو منعه بناء على ثبوتها أو انتفائها، إلا أنه لا يمكن أن يترك الحبل على الغارب في ذلك، فيباح لكل أحد أن يتصرف وفق ما يدعيه من المصلحة التي يراها، وإنما ولي أمر المسلمين الأمين هو بمثابة الوكيل الشرعي لهم جميعاً في رعاية مصالحهم، فإن وجد أن الزكاة قد سدت حاجة الفقراء والمساكين، وكانت بيده فضلة منها لو تركت لاستهلكت، فلا مانع هذه الحالة - حسب نظري - من استثمار هذه الفضلة الزائدة عن حاجة أهلها فيما يعود عليهم بالنفع الأعم.
في
وربما كان في صنيع عمر ه ـ عندما حبس الفيء على المسلمين لينتفعوا بريعه من غير أن يقتسموا أصله - ما يستأنس به لصحة هذا النظر وسلامة هذا الاتجاه، وكذلك صنيعه - رضوان الله عليه ـ عندما رأى الإسلام اشتد عوده وعظمت منته، وبسقت دوحته، ولم يكن بحاجة إلى استعطاف المؤلفة قلوبهم لاستدرار نفعهم واتقاء، ضرهم وقف عنهم سهمهم من الزكاة، وليس ذلك إلا لما أبصره من حكمة التشريع، وأدركه من أبعاد المصلحة، فإن مشروعية إشراكهم في الزكاة ما كانت إلا لاجتلاب نفعهم ودفع ضررهم، وبما أن المسلمين أصبحوا في غنى عن ذلك لما آتاهم الله تعالى من قوة ووهبهم من تمكين رأى ذلك الخليفة الراشد البصير أن بقية مصارف الزكاة هي أولى بالتوفير، فوقف عنهم هذا السهم، وكان ذلك على مرأى ومسمع من سادة الأمة المهاجرين والأنصار، ولم يكن منهم نكير، فكان ذلك إجماعاً سكوتياً.
ولئن ساغ اجتهاد ولي الأمر في ذلك عندما يرى مصلحة الفقراء والمساكين متعينة في استثمار نصيبهم من الزكاة، بعد سداد خلتهم وإشباع مسغبتهم، فإنه لأحرى أن يجوز في نصيب المصرف السابع وهو سبيل الله، لأنه
من
أصله (1/568)
صفحة 569
بحوث
569
موكول إليه ومردود إلى نظره، وقد نص الفقهاء على أن له أن يشتري به ما يراه مصلحة للمسلمين لأجل إعلاء كلمتهم وحماية بيضتهم، ففي الإيضاح ما نصه: (وكذلك جائز له ـ أي للإمام أن يشتري من الصدقة العدة والسلاح والخيل للجهاد) (1)، لأنه قال الله تعالى: {وَفي سَبِيلِ اللهِ} [التوبة: 60].
بل نص على أن عامل الإمام في الزكاة يجتهد وسعه فيما يعود بالمصلحة على أصنافها بعدما تكون في يده إلى أن يدفعها إلى إمامه، ففي «الإيضاح» أيضاً: (وكذلك العامل هو الناظر فيما استعمل عليه، وفي جميع ما يصلح له البيع، وفي شراء ما يصلح له الشراء) (2).
ونحوه في «النيل» وشرحه (3).
ويقال مثل ذلك في سهام بقية المصارف ما عدا العاملين، فإن ولي أمر المسلمين هو الناظر لمصلحتهم جميعاً، والراعي لحقوقهم، والمؤتمن على دينهم ودنياهم، ولا بد له من استشارة فقهاء الأمة وذوي الخبرة والحنكة في مصالحها. وخلاصة القول أن استثمار أموال الزكاة إنما ينبني جوازه على رأي
يكون
الذين غلبوا الجانب المصلحي فيها، ولا بد ـ في نظري ـ من أن القائم بذلك هو ولي أمر المسلمين نظراً لما هو الأصلح، وحرصاً على ما هو الأوفر لمستحقي الزكاة، مع استشارة لأهل النظر من خبراء وفقهاء، والله ولي التوفيق الهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(1) العلامة الشماخي - الإيضاح ج 2 ص 120، ط دار الفتح. (1)
(2) المرجع السابق ص
121 - 120
(3) [325] انظر شرح النيل وشفاء العليل للإمام العلامة محمد بن يوسف اطفيش ج 3، ص 247، ط مكتبة الإرشاد - جدة - دار الفتح ـ بيروت. (1/569)
صفحة 570
570
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
وحي السنة في خطبتي الجمعة
الحمد الله وكفى وصلاته وسلامه على سيدنا محمد المصطفى، وعلى
6
آله وصحبه وسائر عباده الذين أصطفى أما بعد فإن خير قدوة عرفه التاريخ، وأفضل إمام سار على هديه الراشدون هو رسول الله صلى الله عليه وسلم باب الهداية ومفتاح السعادة، لذلك كان التأسي به ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ آية الإيمان وكمال التصديق، قال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]، ومن ثم كانت سنته مصدراً هاماً من مصادر التشريع، فإنها مرآة تعكس معاني التنزيل، ومعالم يهتدى بها إلى حقائق التأويل، وما أحوج العالم والعامل إلى جعل السنة نصب أعينهما، يستوحيان بها الدراية، ويستمدان منها الهداية، وهذا شأن كل من أراد السلامة لنفسه، ولكن السنة قد تشتبه أحياناً بالبدعة، بسبب التباس بعض الروايات ببعض، حتى يعرض الناس عنها حرصاً على سلامة دينهم من المحدثات ويلوموا من عملها كأنما ارتكب فجوراً أو أخل بلازم، ومن ذلك سنة تثنية الخطبة يوم الجمعة والجلوس بين الخطبتين، فقد ظنها بعض أصحابنا ـ رحمهم الله - من محدثات معاوية بن أبي سفيان، فتركوها ولم يعملوا بها، بينما هناك فريق آخر عرف المسألة حق المعرفة، فحض على اتباع السنة فيها، وكلا الفريقين من أهل نحلة الاستقامة.
وفي هذا العصر وقع الاختلاف فيها بين مشايخ العلم بقطرنا، حتى بقي في نفوس بعض الناس خواص وعوام حرج على من عمل بها لعدم إيلافهم إياها، ولا غرو، فإن الطباع تشمئز مما لم تألفه والقلوب لا تطمئن إلا إلى ما كان معروفاً عندها، ومن حيث إن إظهار الحجة ودرء الشبهة في
هذه
الحالة مما يلزم القادر، رأيت ضرورة كشف الستار عن حقيقة الموضوع، (1/570)
صفحة 571
هي
بحوث
571
بنصب الأدلة وأظهار العلة، فإن الأقوال إن لم يؤيدها الدليل وتصدقها الحجة - وإن جلت منزلة من قالها - لا قيمة لها عند من رام التحقيق، فما إلا كالهياكل التي فقدت الأرواح، أو كالمصابيح التي نضب منها الوقود وما أبلغ قول من أجاب ـ وقد سئل فيم لذتك؟ فقال: في حجة تتبختر اتضاحاً، وشبهة تتضاءل افتضاحاً، هذا وإلى القارئ الكريم ما فتح الله على عبده في المسألة والله ولي التوفيق. (1/571)
صفحة 572
572
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
حكم الخطبتين يوم الجمعة والجلوس بينهما:
إن الخطبتين في الجمعة والجلوس بينهما مما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم و عمل به أصحابه، فقد روى البخاري عن ابن عمر قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب خطبتين يقعد بينهما، وروى النسائي والدارقطني من هذا الوجه كان يخطب خطبتين قائماً يفصل بينهما بجلوس)، وروى الجماعة عن ابن عمر أيضاً ما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً ثم يقعد، ثم يقوم كما تفعلون اليوم، ولفظ البخاري (كما تفعلون الآن)، وهو يدل على أن ذلك قد استقر عليه عمل الصحابة وقوله: (ثم يقوم) يعني يقوم خطيباً مرة ثانية، كما تدل عليه الروايات الأخرى، وأقوى ما ذلك يوضع حديث جابر بن سمرة له الذي أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود عن سماك قال أنبأني جابر بن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائماً ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائماً، فمن نبأك أنه كان يخطب جالساً فقد كذب، فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة))، وروى مسلم وغيره عن سماك عن جابر بن سمرة أيضاً قال: (كانت للنبي صلى الله عليه وسلم خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويذكر الناس)، هذا كلام من صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من ألفي صلاة كما أخبر بنفسه، ويعني بقوله يقرأ القرآن ويذكر الناس حال الخطبة لا حال
(1) ربما اشتبه الأمر من خلال قول جابر بن سمرة أنه صلى مع النبي أكثر من ألفي صلاة فظنّ من ظن أنه أراد بها صلوات الجمعة، مَعَ أنّ النبي لم يبق في المدينة ألفي أسبوع حتى يصلي ألفي صلاة جمعة، هذا اللبس إنما يعود إلى عدم اتقان قواعد أصول الفقه فإنَّ لفظ «صلاة» هو نكرة في سياق الإثبات فله حكم المطلق والمطلق يعود إلى قسم الخاص فلا يقيد بالسبب كيف وقد ذهب المحققون من الأصوليين والفقهاء إلى أنه لا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ وإذا كان السبب يضعف عن تخصيص عموم الألفاظ ضعف مع العموم فكيف يقوى على تقييد الإطلاق مع أن المطلق هو من قسم الخاص الذي هو أقوى من العام قطعاً؟! (1/572)
صفحة 573
بحوث
573
الجلوس بين الخطبتين، لما جاء في رواية ابن عمر التي أخرجها أبو داود قال: (كان النبي يخطب خطبتين، كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن ثم يقوم فيخطب ثم يجلس فلا يتكلم ثم يقوم فيخطب)، فقد استفيد من هذا الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يتكلم بشيء حال الجلوس بين الخطبتين، ورواية أبي داود لحديث ابن عمر هذا ـ وإن ضعفت بعبد الله العمري ـ فهي صالحة للتقوي بها على إيضاح إبهام الرواية الصحيحة، وأيضاً فإن ذلك يتأيد بما ألف عند الجميع أن قراءة القرآن والتذكير إنما يكونان حال الخطبة لا حال الجلوس بين الخطبتين.
هذا ما ثبت عن الهادي الأمين - عليه أفضل الصلاة والسلام ـ في الصحاح والسنن ـ وكفى به حجة ودليلاً لمن أراد التأسي به ـ عليه صلوات الله وتسليماته - امتثالاً لأمر الله سبحانه الذي يحض على اتباعه وينص على جعل ذلك من مقتضيات الإيمان برسالته، فالله تبارك يقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) [الأحزاب: 21]، ويقول سبحانه: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65)، ويقول عز شأنه: {وَمَا آلَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7]، وقد أتت في هذا المعنى أحاديث صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، منها قوله: تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً، كتاب الله فما لم تجدوه في كتاب الله ففي»، وقوله: «إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ... إلخ». ومن هنا كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان - رضي الله عنهم وأرضاهم - أحرص الناس على التأسي به ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ واتباع سنته والاستضاءة بنوره واستمداد المعارف من فيضه وهذه هي طريقة أهل الاستقامة في الدين، إذ لم يكونوا يعدلون بسنته صلى الله عليه وسلم سنة أحد من الناس،
سنتي»،
- (1/573)
صفحة 574
574
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
عن والده
ولا يرضون بتقليد غيره في أمور دينهم، فهذا الإمام شمس الدين أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني - رضوان الله عليه ـ حكي عنه أنه لما حج وزار قبره قال مشيراً إلى القبر الشريف: «لا تقليد إلا لصاحب هذا القبر، وأما الصحابة فهم أولى بالاتباع لعهدهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما التابعون فهم رجال ونحن رجال حكى هذه القصة العلامة ابن أبي نبهان نقلاً البحر الزاخر الإمام أبي نبهان ـ رضي الله تعالى عنهما ـ، وناهيك بما قرره ذلك حامل لواء السنة إمامنا نور الدين السالمي ـ رضوان الله تعالى عليه ـ في غير ما وضع من مؤلفاته الفائقة، ومن ذلك قوله في أنوار العقول: والأصل للفقه كتاب الباري إجماع بعد سنة المختار والاجتهاد عند هذي منعاً وهالك من كان فيها مبدعاً
في
أنك
وهذه مقتطفات مما قاله في جوهره في الموضوع:
نقدم الحديث مهما جاء
على قياسنا ولا مراء
حسبك أن تتبع المختارا وإن يقولوا خالف الآثاراً
فنحن حيث أمر القرآن
لا حيثما قال لنا فلان
لأنني أقفوا الدليل فاعلما لم أعتمد على مقال العلماء
فالعلماء استخرجوا ما استخرجوا
من الدليل وعليه عرجوا
فهم رجال وسواهم رجل والحق ممن جاء حتماً يقبل
وهكذا شأن فحول العلماء، الذين لا يأسرهم التقليد ولا يمتلكهم الهوى فكيف يلام بعد هذا من عمل بسنة ثابتة لأجل مخالفة فلان أو فلان، على أن الحديث إذا ورد عمل به - على الصحيح ـ في خصوصه وعمومه، وإن خالف مذهب الصحابي الذي رواه، لأن الحجة في روايته لا في مذهبه، مع احتمال أن يطرقه الذهول والنسيان وإذا كانت مخالفة
تعلم (1/574)
صفحة 575
بحوث
Ovo
الصحابي الراوي للحديث لا تلغي شيئاً من دلالة الحديث، ولا تسقط العمل بموجبه، مع أن الصحابي أدرى بموجب الرواية وملابساتها، فكيف بمخالفة من عداه ولعمري لا أعجب إلّا ممن يرضى بتقليد من يخطئ ويصيب، ويعروه الذهول والنسيان ويدع تقليد رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي، المحفوف بالعصمة الموصوف بقول الله وع: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وحى يُوحَى} [النجم: 3، 4]، وهل عرف الدين إلا به، أم هل برزت الشريعة إلا من بابه - عليه أفضل الصلاة والسلام ـ وهل يكون غيره صلى الله عليه وسلم وإن امتطى السماء أو ناطح الجوزاء ـ إلا مديناً له ومتعبد باتباعه إذا لا يمكن أن يهتدي إلا بهداه ولا أن يستضيء إلا بشمسه، فكيف يعارض قوله صلى الله عليه وسلم بقول غيره أو عمله بعمل سواه، والله در نور الدين السالمي رحمه لله حيث قال:
دووور
الله
ولا تناظر بكتاب الله ولا كلام المصطفى الأواه معناه لا تجعل له نظيرا ولو يكون عالماً خبيرا
وحكم فعله في ذلك كحكم قوله، فإن أقواله وأفعاله وتقريراته تشريعات لأمته، على أنا نقول ليس في الخطبتين ولا في الجلوس بينهما ما يخالف طريقة أسلافنا ـ رحمهم الله ـ فهذه آثارهم ـ بحمد الله ـ ناطقة بأن للجمعة خطبتين، وممن نص على ذلك الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي رحمة الله في مختصر الخصال حيث قال: والذي يستحب فيه خطبتان أربع خصال إحداها الجمعة ... إلخ، وتابعه الإمام نور الدين السالمي رحم الله
في مدارجه حيث قال:
لجمعة
عرفة عيدين
يخطب فيهن بخطبتين
وتستحب سكتة بينهما حتى تكون تلك فصلاً لهما
وبمثل هذا صرح في الحجج المقنعة، ونحو ذلك للشيخ إسماعيل (1/575)
صفحة 576
576
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
الخطبة
في القواعد والقناطر، والشيخ عامر في «الإيضاح، والإمام ضياء الدين عبد العزيز الثميني في «النيل» ـ رحمهم الله تعالى جميعاً، غير أن الإمام نور الدين السالمي رحمه الله حكى عن أصحابنا أن المفروضة هي الأولى والثانية سنة يجوز تركها، وهو ظاهر كلام الإمام أبي إسحاق حمد لله في خصاله، وهو الذي حكاه العراقي في شرح الترمذي عن مالك وأبي حنيفة والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وابن المنذر وأحمد بن حنبل في رواية، قال وإليه ذهب جمهور العلماء، كذلك في «نيل الأوطار» للشوكاني، وذهب الشافعي وأحمد ـ في أشهر الروايات ـ ومالك ـ في رواية ابن المجاشون عنه ـ إلى اشتراط الخطبتين، وحكاه القاضي عياض عن عامة العلماء، وليس هذا موضع بحث أدلة القولين، وأما الجلوس بين الخطبتين فقد اختلف فيه أصحابنا ـ رحمهم الله. منهم من استحسنه ومنهم من كرهه والخلاف مذكور في «الذهب» و «النيل» و «القواعد» و «الإيضاح» ونص عبارة «الإيضاح»: قد اختلف أصحابنا في الجلوس بين الخطبتين قال بعضهم يجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة وقد روي عن ابن عباس ما أنه خطب خطبتين وجلس جلستين، ولعله ذكر الجلسة قبل أن يخطب منتظراً لفراغ الأذان، ولذلك ذكر الجلستين والله أعلم.
11
وما ذكر احتماله في الرواية عن ابن عباس الا هو عين ما صرح به حديث ابن عمر ما في بيان خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلمعلى حسب رواية أبي داود المتقدم ذكرها، وعلى القول بالجلوس بين الخطبتين اقتصر الشيخ إسماعيل حمدالله في «القناطر» حيث قال: (وهما خطبتان بينهما جلسة خفيفة)، ولم يذكر قولاً آخر. وأنت إذا أوسعت المسألة بحثاً لم تجد للقول بكراهة الجلوس بين (1/576)
صفحة 577
في
بحوث
OVV
الخطبتين مستنداً إلا توهم بعض السلف أن ذلك أمر محدث، لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر وعمر وعلي، وإنما أحدثه عثمان حينما كبر وشق عليه الاستمرار على أداء الخطبة قياماً، ومنهم من نسب ذلك إلى معاوية حينما كثر شحم بطنه ولحمه فشق عليه القيام، وقد صار هذا الظن متداولاً الأسفار ينقله الآخر عن الأول، وهذا ما قاله الإمام ابن بركة الله في جامعه: ولم يرفع إلينا أن أبا بكر ولا عمر ولا علياً كانوا يجلسون، وإنما فعل ذلك عثمان في آخر سنه للكبر، وقال بعض معاوية هو الذي أحدث الجلوس اهـ. وقد حذا حذوه في ذلك جميع العلماء الذين لم يروا الجلوس وهذا نص كلام الإمام نور الدين السالمي الله في «الحجج المقنعة» ـ بعد أن ذكر الاختلاف فيمن أحدث الجلوس هل هو عثمان أو معاوية ـ قال: وأنت خبير أنه إذا كان الجلوس بين الخطبتين محدثاً فالمندوب تركه، أما أولاً فالتأسي بالسنة أولى من العدل إلى البدعة وإن كانت جائزة، وأما الثانية فلان عثمان أو معاوية إنما أحدث الجلوس لما حصل له من العذر، فلا ينبغي للصحيح الغير المعذور أن يتأسى بالمعذور، وإن كان فعل المعذور جائزاً ـ مثلاً ـ إذا كان المشروع خلافه والفضل في غيره ا هـ.
فأنت ترى أن مدار احتجاجهم في عدم استحباب الجلوس على ظن حدوثه، ولكن من طلب الحقيقة من مظانها بالرجوع إلى كتب الحديث وتتبع الروايات الواردة في الموضوع ظهرت له بخلاف ما ظنوه وعرف منشأ هذا الظن الذي تداولته الألسنة وتناقلته الأقلام، حتى جرى من أفهام بعض مشايخ عصرنا مجرى اليقين وخلاصة الأمر أن الجلوس بين الخطبتين قد سنه الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحدثه عثمان ولا معاوية، وقد أسلفنا ذكر بعض الأحاديث الدالة على ذلك، ولكن قد التبس الأمر على بعض العلماء بسبب ما أحدثه عثمان وما أحدثه معاوية، أما عثمان فإنه لما تقدم (1/577)
صفحة 578
578
عجرة
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
في العمر استرخت قوائمه فلم يقدر على القيام حال أداء الخطبة فكان يتخلل خطبته جلوس غير الجلوس المشروع بين الخطبتين، وأما معاوية فإنه لما كثر شحم بطنه ولحمه شق عليه القيام فخطب جالساً، واقتدى به ذلك بعض عماله وقد استجر ذلك إنكار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وعلى من اقتدى به من عماله وبفعل هؤلاء يعرض جابر بن سمرة حينما قال ـ بعدما وصف خطبة النبي صلى الله عليه وسلم فمن نبأك أنه كان يخطب جالساً فقد كذب، فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة وروى مسلم عن كعب بن ة أنه دخل المسجد وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعداً فقال: انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعداً، وقال الله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا بَجَرَةً أَوْ لَهَوْا أنفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ فَايْماً} [الجمعة: (11]، وفي رواية ابن خزيمة: «ما رأيت كاليوم قط إماماً يؤم المسلمين يخطب وهو جالس» يقول ذلك مرتين، ولعل بعض الروايات التي وردت في قصة معاوية كانت سبباً للبس الحاصل، لعدم وضوح ألفاظها، كرواية ابن أبي شيبة عن طاوس: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً وأبو بكر وعمر وعثمان وأول من جلس على المنبر معاوية، فقد يوهم قوله: (وأول من جلس على المنبر معاوية) أن مراده به الجلوس بين الخطبتين، ولكن الرواية الأخرى تدفع هذا الإيهام، فقد روى ابن أبي شيبة عن طاوس أيضاً: (وأول من خطب قاعداً معاوية حين كثر شحم بطنه)، قال إمام المحدثين الحافظ ابن حجر في الفتح هذا مرسل يعضده ما روى سعيد بن منصور عن الحسن قال: (أول من استراح في الخطبة الجمعة يوم عثمان وكان إذا أعيى جلس ولم يتكلم حتى يقوم، وأول من خطب جالساً معاوية)، وروي عن معمر عن قتادة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يخطبون يوم الجمعة قياماً، حتى شق على عثمان القيام، فكان يخطب قائماً ثم يجلس، فلما كان معاوية خطب الأولى جالساً والأخرى قائماً)، هذه (1/578)
صفحة 579
بحوث
579
أن
الروايات تجلو الحقيقة وتكشف اللبس مع أن المبصر إذا رأى رواية طاوس الأولى طالعته الحقيقة من ثناياها بعد دقة الإمعان، فإن قوله: (وأول من جلس على المنبر (معاوية مسبوق بقوله: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً وأبو بكر وعمر وعثمان وهي تقتضي أن جلوس معاوية حال الخطبة لا بين الخطبتين، فإنه بذلك يكون التضاد بين فعله وفعلهم، وبهذا كله تعلم ما نقله الإمام نور الدين السالمي الله عن طاوس أنه قال: (الجلوس يوم الجمعة بدعة، وأول من فعله معاوية، ثم ردوه من بعد) يريد به الجلوس حال الخطبة لا بين الخطبتين - كما حمله عليه الإمام، وهو ظاهر فيما نقله عن الشافعي أنه قال إنما خطب معاوية جالساً حين كثر شحم بطنه ولحمه، ثم إن الإمام نور الدين السالمي الله بعدما قرر في حججه أن الجلوس بين الخطبتين محدث التفت إلى قول من يراه سنة وإلى رأي من استحبه من أصحابنا. - رحمهم الله - ومن خلال ذلك استشف حقيقة ما أحدثه، معاوية، وإليك عبارته بتمامها قال وما ذكرته من أن الجلوس بين الخطبتين محدث هو عين ما الأصحاب ـ رحمهم الله ـ وقيل: إنه غير محدث وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعل ذلك ففي «كشف الغمة» (أنه كان صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً ويجلس بين الخطبتين ويقرأ القرآن ويذكر الناس)، ولعل الشافعي استدل بهذا الحديث فأوجب الجلوس بين الخطبتين، وحينئذ فيشكل ما قاله من وجوب الجلوس بين الخطبتين، مع قوله إنما خطب معاوية جالساً حين كثر شحم بطنه ولحمه ويجمع بين قوليه بأن يقال: إن الذي حكاه عن معاوية هو الجلوس في حال الخطبة وأن الذي أوجبه هو الجلوس بين الخطبتين والله أعلم.
صرح به
وذكر صاحب القواعد عن بعضهم استحباب الجلوس بين الخطبتين، ولعله لأجل ما روى من الحديث المتقدم ذكره، ففي استحباب الجلوس (1/579)
صفحة 580
01.
الفتَاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
حينئذ قولان لأصحابنا، وعلى القول باستحبابه فهو جلسة خفيفة لا يتكلم
فيها الخطيب بشيء والله أعلم ا هـ. كلامه رحمه الله.
وإذا استقر أن في المذهب قولين في المسألة، فهل الأجدر بالعاقل أن ينساق وراء القول العاري من الدليل إلا مجرد وهم اصطبغت به أفكار بعض العلماء، أو الوقوف مع السنة الثابتة عن رسول الله.
هذا ولا ريب أن كثيراً من الناس يقولون: كيف تخفى هذه السنة على جهابذة العلماء المتبحرين وتظهر لأمثالكم ن الضعفاء، وشتان بين الأرض والسماء، وأين الغزالة من الذبابة؟ والجواب: أن من استقرأ أحوال العلماء لم يدر بباله هذا الإشكال، فكم رأينا عالماً خفي عليه ما ظهر لمن هو أقل منه علماً بمراحل والإحاطة بسنته مستحيلة حتى على أكابر المحدثين، كما بينه العلامة ابن تيمية في دفع الملام عن الأئمة الأعلام، كيف وهؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا أكثر الناس التصاقاً به واطلاعاً على
أحواله وحفظاً لسنته، قد كانوا بحيث يخفى على أحد كبرائهم من سنته ما يرويه له من هو أقل منه صحبة، وأدنى منه مرتبة وأيسر منه منه علماً، وناهيك بالعمرين اللذين كانا لها بحيث لا يجهل قدرهما علماً وعملاً وملازمة للرسول صلى الله عليه وسلم، وعدم الانفكاك عن صحبته، ومع ذلك فقد خفي عنهما كثير من سنته، مما حفظه غيرهما ممن لا يعتبر من كبار الصحابة، وقد اضطرا إلى البحث والسؤال عما حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم مراراً عديدة، فوجدا ضالتهما من لا يقاس ما عنده بعشر ما عندهما، ولم يكن في ذلك حط لقدرهما ولا خفض لمنزلتهما، وأيضاً فإن الذهول والنسيان مما جبل عليه البشر، فقد يطلع العالم على حديث ثم ينساه ويعمل بخلافه، ولذلك تجد كثيراً من أئمة الحديث تخالف آراؤهم ما رووه وصححوه عن سيد البشر ـ عليه أفضل
عند (1/580)
صفحة 581
بعشرين
عاماً.
بحوث
581
الصلاة والسلام ـ، ومن بين هؤلاء بعض كبار أئمتنا، فهذا الإمام المحدث أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي - رضوان الله تعالى عنه ـ نجد له في المدونة وغيرها من الأسفار من الآراء ما يخالف ما ثبت من طريقه في المسند الصحيح من أحاديث لا مرية في صحتها، كتحديد مدة الحيازة مع أنه روى تحديدها بالعشر بإسناد صحيح، وكقوله بكراهة التنزيه في ذوات الناب من السباع والمخالب من الطير، مع أنه روى عن جابر بن زيد عن أبي هريرة لها عن النبي الله أنه قال: «أكل ذوات الناب من السباع والمخالب من الطير حرام ومثل ذلك وقع لتلميذه الإمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب - رضوان الله عليه ـ فيما رواه في المسند الصحيح من الأحاديث، ونقل عنه من الآراء، فهل يظن بهما أنهما يتعمدان مخالفة السنة، أو أنهما يدلسان في روايتها، كلا والله، بل هما أورع من ذلك وأنزه، وأحرص على اتباع الحق وأبعد من الحوم حول الباطل، وما علينا إلا أن نحملهما على حسن الظن، وأن لا نشك في صحة ما روياه وفي وجوب
العمل به.
وباستقراء هذه الحقائق يتجلى إمكان خفاء سنة الجلوس بين الخطبتين على بعض أسلافنا - رحمهم الله ـ، وأن ذلك لا يخل بمقامهم ولا ينقص من أقدارهم كما أن ذلك لا يقتضي ترك هذه السنة عند من ثبتت عنده، ولا يقتضي القدح في رواية من رواها فإن الإحاطة بجميع السنة أمر مستحيل ـ كما قلنا - والله الله قال في كتابه: {وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء: 85]، ومن رجع إلى آثار السلف وجد فيها رداً لأحاديث رواها الإمام الربيع بن حبيب رحم الله بأصح إسناد عندنا، فهذا العلامة ابن مداد رحم الله قال: إن حديث العرنيين غير صحيح مع أن الحديث في المسند الصحيح للإمام الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك لها عن النبي، (1/581)
صفحة 582
582
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
وقد تجاسر ابن مداد ـ عفى الله عنه ـ على إنكاره لعدم اطلاعه عليه فالله المستعان، ووقع مثل ذلك لكثير من العلماء كالإمام ابن أبي نبهان الذي أنكر حديث سنة الزوال الثابت في المسند الصحيح وغيره من كتب الحديث المعتبرة، وقد جره إنكار الحديث إلى القول بكراهة هذه السنة الشهيرة، وعزا ذلك إلى أبيه العلامة الكبير أبي نبهان الله، وكالإمام ابن بركة الذي قال: إن أبا عبيدة ومالكاً كانا متعاصرين وكانا يطعنان في حديث أبي هريرة
تعلم
أنك
في تحريم ذوات الناب من السباع، وهو الحديث المتقدم ذكره، مع أن أبا عبيدة هو الذي روى هذا الحديث بإسناد أشهر صحة من الشمس في رابعة النهار، وكذلك رواه أئمة الحديث عند قومنا من طرق صحيحة، بعضهم وصفه بأنه متواتر، وإنما أوهم ابن بركة أن هذين الإمامين
حتى
أن
مع
أن
يطعنان في الحديث ما روي عنهما من القول بكراهة السباع فقط، ذلك لا يعني طعنهما في الحديث، على أن الإمام الحديث، على أن الإمام مالكاً قد صدر كلامه في
هذه المسألة في المدونة بالتحريم حسبما جاء به الحديث، وقد تابع ابن بركة على هذا الظن الإمام نور الدين السالمي حمدالله في المشارق، جلالة مع قدره وعلو كعبه في علم الحديث وسائر علوم الشريعة، ثم أنه له انتبه لهذا الخطأ فرده في شرحه الحافل على مسند الإمام الربيع بن حبيب رحم الله، ومثل يقع كثيراً من العلماء المحققين للدلالة على نقص البشر وعلى انفراد الله
هذا
بالكمال
وبعد: فإني لا أظن شكاً يبقى في مسنونية الخطبتين للجمعة والجلوس بينهما، لذلك أهيب بمشايخ العلم وأئمة الجمع أن يحيوا هذه السنة، ليحرزوا أجرين أجر إحيائها وأجر إرشاد الناس إليها، وإبادة الشك الذي لابسهم فيها، ـ وإن كنت لا أقول بوجوبها ـ إلا أن في اتباعه ما لا يجهل من الفضيلة التي يجب الحرص عليها والمسابقة إليها، ولا يظنن أحد أنني (1/582)
صفحة 583
بحوث
583
أردت بما كتبت الرد على أحد أو النيل منه فتالله لم يكن ذلك من مقصدي، ولكنني أردت إزالة الحرج الذي وجده بعض إخواننا في صدورهم على من عمل بهذه السنة، والنصيحة لهم ليعيدوا ويمنعوا النظر فيها، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنبت، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله
وصحبه أجمعين. (1/583)
صفحة 584
???
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
مسجد الضرار (1)
الوصية لا تغير حكماً من أحكام الشريعة، فلا تُحلُّ حراماً ولا تحرم حلالاً، ولا تُحِقُّ باطلاً ولا تُبطل حقاً، فكما لا يجوز للإنسان أن يعتدي في حياته على ملك غيره فيبني في أرضه مسجداً بغير إذنه، كذلك حكم الإيصاء به، فلا تثبت به الوصية إن أوصى به بعد مماته، وكما لا يجوز بناء مسجد يؤدي إلى مضارة أحد بعينه أو بمصلحة عامة للناس، فكذلك الوصية به بعد الوفاة، وكما لا يحل لأحد أن يبني في حياته مسجداً بجوار مسجد يضر به ويفرق جماعته، كذلك الوصية به لا تصح ولا يجوز إنفاذها، إذ لا فرق في مثل هذه الأمور بين أن يفعلها الإنسان بنفسه أو أن يفعلها الإنسان بنفسه أو يوصي بها بعد موته، لأن الوصية شرعت لتكون قربةً إلى الله يستدرك بها الإنسان بعد مماته ما فاته من صنيع الخير في حياته، ليكون رصيداً يُحسب له يوم الحساب، فكيف يباح ويصح الإيصاء بما خالف الحق؟!
وبناء المساجد من القربات التي تزيد في الإيمان، ويرتقي بها صاحبها أوج معارج الفضل، قال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَن بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَعَالَى الزَّكَوةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَيْكَ
صلے
أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 18]، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من بنى الله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة» (2)، وبما أنه من القربات إلى الله فإنه يجب أن يكون مضبوطاً بضوابط الشرع، غير خارج عن حدود الله، فإن كلَّ عمل خرج عن حدود الله أدى إلى سخطه ـ والعياذ بالله ـ، من أجل ذلك نزل ما نزل من التشديد في مسجد الضرار الذي بناه المنافقون في عهد
(1) أصل هذا البحث جواب عن سؤال فيمن أوصى ببناء مسجد بقرب مسجد عامر.
(2) رواه أحمد وابن ماجة والطبراني والبزار وغيرهم. (1/584)
صفحة 585
بحوث
???
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد نهى الله نبيَّه - عليه أفضل الصلاة والسلام ـ عن الصلاة فيه والقيام به، قال تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا صِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ * لَا نَهُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدُ أُسَسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} [التوبة: 107 108]، وفي قوله تعالى هذا ما يؤذن بأن كل مسجد لم يؤسس على التقوى لا يعطى حكم المساجد الشرعية، ولا تحل الصلاة به، لأنه لاحق في حكمه بمسجد الضرار، والصفات الأربع التي كانت لمسجد الضرار، وكانت مقصد الذين اتخذوه وهي: الضرار والكفر والتفريق بين المؤمنين والإرصاد لمن حارب الله ورسوله كل منها علة مؤثرة في الحكم، مستقلة بترتب امتناع الصلاة في المسجد الذي تلبست به عليها، ولا يلزم اجتماعها جميعاً، أرأيتم لو بني المسجد لمجرد الإرصاد لمن حارب الله ورسوله من غير أن يكون معه تفريق بين المؤمنين ولا غير ذلك مما ذكر هل يقال بجواز الصلاة فيه؟ كلا وألف كلا، فكيف يقال بجواز الصلاة في مسجد بني لتفريق الجماعة؟! وقد فهم ذلك أهل البصائر علماء السلف والخلف على اختلاف مذاهبهم الفقهية، فألحقوا بمسجد الضرار كل ما كان له شبه به، وفي مقدمة هؤلاء الصحابة الكرام وإليكم بعض نصوص أهل العلم في ذلك:
من
6
قال قطب الأئمة رحمه الله في تيسير التفسير (152/ 5): وعن عطاء لما فتح الله الأمصار على عمر أمر المسلمين أن يبنوا المساجد وأن لا يتخذوا في مدينة مسجدين يضار أحدهما صاحبه، وروي عن عمر بن الخطاب الله أنه كتب إلى عماله وأمرهم أن يهدموا كل مسجد ضار آخر ـ يعني هدم
المسجد الحادث الضار لسابقه (1/585)
صفحة 586
586
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
ـ قال القطب ـ أيضاً ـ في هيميان الزاد ج 7 ق 2 ص 257): وكل مسجد بني ضراراً أو رياءً وسمعةً أو لغير الله مطلقاً فحكمه حكم مسجد الضرار. ثم ذكر قصة عمر.
وذكر ذلك ـ أيضاً ـ كلاً من البغوي في تفسيره (148/ 3)، والخازن في تفسيره (148/ 3) ط. مصطفى البابي الحلبي.
وذكر مثل ذلك ـ أيضاً ـ نظام الدين النيسابوري في «غرائب القرآن
ورغائب الفرقان» (18/ 7) ط. دار المعرفة للطباعة والنشر.
قال الزمخشري في كشافه» (214/ 2) ط. دار المعرفة وقيل كل مسجد بني مباهاة أو رياء أو سمعة أو لغرض سوى ابتغاءه وجه الله أو بمال غير طيب فهو لاحق بمسجد، الضرار، وعن شقيق أنه لم يدرك الصلاة في مسجد بني عامر فقيل له: مسجد بني فلان لم يصلوا فيه بعد، فقال: لا أحب أن أصلي فيه لأنه بني على ضرار وكل مسجد بني على ضرار أو رياء أو سمعة فإن أصله ينتهي إلى المسجد الذي بني ضراراً، ثم ذكر حكاية عطاء
لقصة عمر
قال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن» (254/ 8) ط. دار إحياء التراث العربي: قال علماؤنا لا يجوز أن يبنى مسجد إلى جنب مسجد، ويجب هدمه والمنع من بنائه لئلا ينصرف أهل المسجد الأول فيبقى شاغراً، وذكر بعده منع تعدد الجوامع التي تصلى فيها الجمعة في المصر الواحد وأورد قصة شقيق - إلى أن قال: قال علماؤنا وكل مسجد بني على
ضرار أو رياء أو سمعة فهو في حكم مسجد الضرار لا تجوز الصلاة فيه. ـ قال العلامة السيد محمد رشيد رضا في تفسيره «المنار» (39/ 11) ط. دار المعرفة - عند تفصيله أغراض بناء مسجد الضرار ـ: (3) التفريق (1/586)
صفحة 587
بحوث
587
بين المؤمنين الذين هنالك، فإنهم كانوا يصلون جميعاً في مسجد قباء، وفي ذلك من مقاصد الإسلام الاجتماعية ما فيه وهو التعارف والتآلف والتعاون الكلمة، ولذلك كان تكثير المساجد وتفريق الجماعة منافياً لمقاصد وجمع الإسلام - إلى أن قال: وهذا يدل على أن بناء المساجد لا يكون قربة مقبولة عند الله إلا إذا كان بقدر حاجة المؤمنين المصلين، وغير سبب لتفريق جماعتهم ... إلخ.
وتابعه على ذكر ذلك العلامة المراغي في تفسيره (25/ 11، 26) ط. دار إحياء التراث العربي.
ـ بين ابن العربي الحكمة مما ذكر بقوله في كتاب «أحكام القرآن» (1013/ 2) ط. دار المعرفة وهذا يدلك على أن المقصد الأكثر والغرض الأظهر من وضع الجماعة تأليف القلوب والكلمة على الطاعة، وعقد الذمام والحرمة بفعل الديانة، حتى يقع الأنس بالمخالطة، وتصفو القلوب من وضر الأحقاد والحسد.
قال الجصاص في كتاب أحكام القرآن (157/ 3) ط. دار الكتاب
?
العربي: قوله تعالى: {لَا نَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدُ أُسَيْسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} [التوبة: 108] فيه الدلالة على أن المسجد المبني لضرار المؤمنين والمعاصي لا يجوز القيام فيه، وأنه يجب هدمه، لأن الله نهى نبيه عن القيام في هذا المسجد المبني على الضرار والفساد، على أهله قيام النبي صلى الله عليه وسلم فيه إهانة واستخفافاً بهم على خلاف المسجد الذي
أسس على التقوى.
وحرم
قال ابن حزم في «المحلى» (44/ 4): ولا تجزي الصلاة في مسجد أحدث مباهاة أو ضرراً على مسجد آخر، إذا كان أهله يسمعون نداء المسجد (1/587)
صفحة 588
588
الفتَاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
الأول، ولا حرج عليهم في قصده، والواجب هدمه وهدم كل مسجد أُحدث لينفر، فيه الناس كالرهبان - إلى أن قال: وعلى قدر ما بناها بالمدينة لكل أهل محلة مسجدهم الذي لا حرج عليهم في إجابة مؤذنه، وما زاد على ذلك أو نقص مما لم يفعله الفباطل ومنكر، والمنكر واجب تغييره، ثم قال: وقد هدم ابن مسعود مسجداً بناه عمر بن مسعود بظهر الكوفة، ورده إلى مسجد الجماعة.
ـ قال الإمام نور الدين السالمي حكم الله في «المعارج» (66/ 6): وينهى عن تكثير المساجد وتقاربها في البلد الواحد لما يؤول في ذلك من تشتت الجماعات وتفرق الأصحاب، وتقليل العمارة للمساجد، وتفويت الأجر الحاصل بكثرة الجماعة، وقال في موضع آخر منه (ص 68) ـ بعد أن ذكر الأحاديث الواردة في فضل بناء المساجد ـ: ولعمري إن ذلك العموم مخصص، فلا يصح إبقاؤه على ظاهره، إذ لو جاز ذلك للزم أن يجوز بناء المساجد على عدد البيوت في القرية، ولا قائل بذلك، وما هو إلا منكر لو فعله أهل قرية وجب الإنكار عليهم. ولا يسمع تعللهم بأنهم لم يريدوا
ضراراً.
هذا ونصوص أهل العلم في هذا أكثر من أن يحصيها يراع أو يتسع لها سفر، وما أوردناه كاف في تبيان منهجهم الحق، ولئن كان الحكم الشرعي
فيما بني من المساجد مجاوراً لغيره بحيث يؤدي إلى تفريق جماعته هدمه إن كان قائماً ـ، فكيف يسوغ إنشاؤه من جديد؟ إنه لمنكر لا قرار له في حكم الإسلام، ولو أوصى به من أوصى، فإن الوصية - كما قلت ـ لا تحق باطلاً، فكيف إن كانت أرضه غير مملوكة للموصي، ولم يقره مالكها على وصيته فيها، أو كان ذلك - يؤدي بناء المسجد فيها إلى مضرة أحد بعينه، أو
- مع (1/588)
صفحة 589
بحوث
589
مضرة لمصلحة عامة للناس؟ وقد نص العلماء على حرمة بناء المسجد في الأرض المغتصبة، على أن كل ما كان بخلاف مقتضى الشرع فهو مردود، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (1)، وفي رواية: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (2) ورفع المضار أياً كانت من مقاصد الشريعة الغراء، وفي الحديث: لا ضرر ولا ضرار في الإسلام)) ولا داعي إلى إيراد ما قالوه في ذلك لشهرته. هذا، ولأن المساجد بيوت الله المقدسة التي لم يأذن سبحانه فيها إلا بما يؤذن بقدسيتها، كان بناؤها في رأي أهل العلم موقوفاً على التشاور بين أهل الصلاح والنظر والاتفاق عليه. قال الشيخ عامر رحمه الله في «الإيضاح» (560/ 2): وإن أرادوا أن يبنوه فليشاوروا أهل دعوتهم بعد اتفاق من أهل المنزل على ذلك، وإن لم يتفق خيار أهل المنزل على بنيانه فلا يبنوه حتى يتفقوا.
وقال صاحب النيل وشارحه - رحمهما الله - (235/ 5): (وإن أرادوا بناءه شاورا فيه أهل) أي خيار أهل (دعوتهم وإن غير منزلهم بعد اتفاق) خيار (أهله) - أي أهل المنزل - (عليه لا إن لم يتفق عليه خيار أهله ولا يعتبر فيه
غير الخيار.
وقال شيخنا ابن جميل رحمة الله في سلك الدرر» (50/ 2).
يبنونه من بعد الائتمار على اتفاق الصلحا الأخيار
(1) رواه الربيع (باب) في الولاية والإمارة رقم 49، ورواه مسلم باب نقض الأحكام الباطلة ومحدثات الأمور) رقم (1718).
(2) رواه البخاري (باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود رقم (2697) ومسلم (باب نقض الأحكام الباطلة ومحدثات الأمور) رقم (1718).
(3) رواه مالك في الموطأ (باب) القضاء في المرفق) رقم (1435) وابن ماجه باب (من بنى في
حقه ما يضره بجاره) رقم (2332). (1/589)
صفحة 590
590
في
الفتَاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
وبناءً على هذا كله فهذه الوصية باطلة لا تصح، وإنما يسوغ للورثة مع اتفاقهم أن ينقلوا هذا المبلغ الموصى به إلى حيث تكون الحاجة داعية إلى بناء مسجد على رأي الصلحاء الأخيار واتفاق أهل المحلة، من غير إضرار بمسجد ما أو مصلحة ما، وفي ذلك المثوبة والأجر ـ إن شاء الله. هذا ولم أرد بإيراد ما أوردته من كلام أهل العلم مع الدليل الشرعي من كتاب الله إلا التنبيه على خطأ ما يقع فيه الناس من تكثير المساجد في الحي الواحد، مما أدى إلى فرقة الجماعات وتشتتها، ولئن ساغ شيء من التسامح ذلك في المدن المكتظة بالعمارات الخاصة بالسكان الذين تضيق بهم المساجد القائمة، فكيف يمكن التسامح بمثله في القرى، مع أن المساجد التي بها تكفي لأضعاف المصلين، على أن كثيراً من هؤلاء يشحون ببناء المساجد في الأماكن التي هي أحوج إليها ـ وما أكثرها ـ فيستحبون أن ينفقوا أموالهم حيث يأثمون بدلاً من إنفاقها حيث يؤجرون، وهذا كله ناشئ إما عن الجهل وإما عن الحمية، فلا يرضى أحدهم أن يبني مسجداً إلا في قريته أو عند عشيرته، وذلك مناف لهدي الإسلام الداعي إلى التلاحم والتآلف أتباعه، من غير التفات إلى هذه العصبيات الباطلة الممقوتة، ومما زاد الطين بلة سكوت أهل العلم في عصرنا عن هذا المنكر، وهو مما يجب عليهم تغييره، وتعريف عوام الناس به، والله أعلم وعليه قصد السبيل، وهو المستعان على كل شيء، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
بين جميع (1/590)
صفحة 591
بحوث
591
حكم قراءة السورة في قراءة السر
حتى
أفتى أحد المشايخ من أصحابنا بوجوب قراءة شيء من القرآن مع الفاتحة الشريفة في صلاتي الظهر والعصر، وشدد في ذلك على الناس، قال بأنهم كانوا معذورين قبل قيام الحجة عليهم، أما وقد قامت عليهم الحجة بهذه الفتوى المستندة إلى ما روي في الصحاح من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يسوغ لأحد أن يخالف ذلك، ومن ترك القراءة وهو إمام أو منفرد بحيث اقتصر على الفاتحة وحدها فلا صلاة له؛ كما قال تعالى في الربا: {فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأَوْلَيكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ} [البقرة: 275]، وبما أن أصحابنا ألفوا ترك قراءة ما عدا الفاتحة الشريفة في صلوات السر حيرتهم الفتوى، حتى أدى بهم الأمر إلى الاضطراب، لذلك رجعوا إليكم راغبين
في الإجابة الشافية فيها بما يشفي الصدور والله يوفقكم للخير.
هذه
بعد حمد الله تعالى والصلاة والسلام على خير خلقه محمد عبده ورسوله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه وسلك سبيله، اعلم أن أصحابنا الله أطبقت كلمتهم سلفاً وخلفاً على سلفاً وخلفاً على أن المشروع في كل ركعة يُسرُّ بالقراءة فيها الاقتصار على أم القرآن وحدها، وهم في رأيهم هذا معولون على ثلاثة أمور:
رحمهم
أولها: أن الأصل فيما لا يجهر بالقراءة فيه الاقتصار على الفاتحة الشريفة وحدها، كما يكون ذلك في الصلاة الواحدة، إذ في العشاءين يقتصر ـ في المشهور - فيما عدا الركعتين الأوليين على قراءة الفاتحة وحدها مع قراءة ما تيسر من القرآن معها في الركعتين الأوليين، فجعلوا هذا الحكم مطرداً في الصلاة التي يُسرُّ بالقراءة فيها.
جميع (1/591)
صفحة 592
592
الفتَاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
ثانيها: أن حكم المأموم فيما عدا الفاتحة الشريفة الإنصات لقراءة الإمام، وكيف ينصت لقراءة لا يسمعها عندما يسرُّ بها الإمام؟.
في
ثالثها: ما رواه أبو داود في سننه وغيره من طريق عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن عمه. أي: عبد الله بن عباس ا - أنهم دخلوا عليه فقالوا له: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر؟ فقال: لا، قيل: لعله كان يقرأ نفسه: قال هذه شر من الأولى كان عبداً مأموراً بلغ ما أمر به، وروى أبو داود والنسائي عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة قال: دخلت على ابن عباس في شباب من بني هاشم فقلنا لشاب منا: سل ابن عباس أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر؟ فقال: لا، لا، فقيل له: فلعله يقرأ في نفسه فقال: خمشاً هذه شر من الأولى ... إلخ
وقد حملوا هذا النفي على ما زاد على الفاتحة الشريفة؛ لثبوت وجوب قراءتها في كل ركعة من جميع الصلوات. وذهب جمهور الأمة إلى مشروعية قراءة ما تيسر من القرآن فاتحة مع الكتاب في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر، غير أنهم لم يقولوا بوجوب ذلك، بل قراءة ما زاد على الفاتحة لا يعدو أن يكون حكمها الندب عندهم، وعليه فلا يترتب فساد صلاة من اقتصر على الفاتحة وحدها عندهم، بل حكى غير واحد منهم الإجماع على عدم وجوب الزيادة على فاتحة الكتاب في مطلق الصلاة، ففي الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان للأمير علاء الدين الفارسي ما نصه قال أبو حاتم الأمر بقراءة فاتحة الكتاب في الصلاة أمر، فرض قامت الدلالة من أخبار أخر على صحة فرضيته، ذكرناها في غير موضع من كتبنا، والأمر بقراءة ما تيسر غير فرض دل الإجماع على ذلك اهـ وقال ابن القطان الفاسي في كتابه «الإقناع في مسائل»
6. (1/592)
صفحة 593
بحوث
593
الإجماع ومن قرأ أُم القرآن في صلاته فصلاته تامة مجزئة بإجماع من المصلين» اهـ، وقال أبو العباس القرطبي في كتابه «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ـ وهو شيخ القرطبي المفسر المشهور ـ ما نصه: «ولا قائل أعلمه يقول بوجوب قراءة السورة زيادة على أم القرآن وإنما الخلاف في وجوب أم القران خاصة» اهـ، ونسب تلميذه القرطبي المفسر المشهور في تفسيره القول بعدم وجوب الزيادة على الفاتحة إلى جمهور أهل العلم، وبمثله قال الحافظ ابن حجر في «الفتح». وقال النووي في «شرح المهذب» في السورة بعد الفاتحة: «مذهبنا أنها سُنَّة، فلو اقتصر على الفاتحة أجزأته الصلاة، وبه قال مالك والثوري وأبو حنيفة وأحمد وكافة العلماء، إلا ما حكاه القاضي أبو الطيب عن عثمان بن أبي العاص الصحابي وطائفة، أنها تجب مع الفاتحة سورة أقلها ثلاث، آيات وحكاه صاحب البيان عن عمر بن الخطاب ه - إلى أن قال: - دليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: «لاصلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن وظاهره الاكتفاء بها ... إلخ.
وفي صحيح البخاري حدثنا مسدد قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال: أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني عطاء أنه سمع أبا هريرة يقول: (في كل صلاة يقرأ فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعناكم، وما أخفى عنا أخفينا عنكم وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت وإن زدت فهو خير) ومثله عند مسلم في «صحيحه»، وبهذا قال الإمام الباجي في «المنتقى من غير أن يشير إلى
خلاف فيه.
ومستند القائلين بمشروعية الزيادة على أم القرآن في الأوليين من الظهر والعصر الأخبار الواردة بذلك، ومن ذلك حديث أبي قتادة قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين، يطول في الأولى ويقصر في الثانية، الآية أحياناً، وكان ويسمع (1/593)
صفحة 594
594
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
يقرأ في العصر بفاتحة الكتاب وسورتين، وكان يطول في الأولى) رواه البخاري ومسلم ورواه بمعناه أبو داود والنسائي.
وحديث خباب بن الأرت الله المروي من طريق أبي معمر قال: (سألنا خباباً أكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم، قلنا: بأي شيء كنتم تعرفون ذلك؟ قال باضطراب (لحيته رواه البخاري وأبو داود.
وحديث جابر بن سمرة عند أبي داود والترمذي والنسائي (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر والعصر بـ ب وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوج} [البروج: 1] وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ) (الطارق (1) ونحوهما من السور). وعند مسلم وأبي داود والنسائي عن جابر بن سمرة أيضاً قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر بـ وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) الليل: 1]، وفي العصر نحو ذلك، وفي الصبح أطول من ذلك)، وعنه عند مسلم وأبي داود: (كان يقرأ في الظهر بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى: 1]، وفي الصبح بأطول من ذلك)، وفي رواية النسائي عن البراء بن عازب الله كنا نصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فنسمع منه الآية بعد الآيات من لقمان والذاريات)، وعن أنس عند النسائي: (أنه صلى الظهر فلما قال: إني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر، فقرأ بهاتين السورتين بـ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1) وهَلْ أَتَنكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ} [الغاشية: 1])، أحمد ومسلم عن أبي سعيد الخدري: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر قراءة ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر قراءة خمس عشرة آية أو قال نصف ذلك، وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة آية، وفي الأخريين قدر نصف ذلك).
فرغ
وروي
على هذا عوّل القائلون بمشروعية الزيادة على أُم القرآن في فرضي الظهر والعصر، وإن كانوا لا يقولون بأن هذه المشروعية ترقى إلى درجة الوجوب (1/594)
صفحة 595
بحوث
595
حتى تفسد صلاة من لم يأت بهذه الزيادة، وقد علمت أن من هؤلاء من حكى الإجماع على هذا، ومعنى هذا أن صلاة من اقتصر على أم القرآن
وحدها صحيحة بالإجماع، والقول بعدم صحتها لا يعدو أن يكون شاذاً. أما أصحابنا رحمهم الله فإنهم لم يعملوا بهذه الروايات؛ لما رأوا فيها من الاضطراب، فإن من هؤلاء الرواة من حكي عنه أنه عوّل على الحدس لا اليقين، كما هو عند عنه أنه ما أبي سعيد الخدري، ومنهم من روي علم قراءته إلا من اضطراب لحيته في الصلاة كما في حديث خباب، وهو مطلق؛ إذ لم يعين ما كان يقرؤه على أن اضطراب اللحية لا ينحصر في قراءة ما زاد على الفاتحة الشريفة، بل هو مما يكون فيه وفيها، على أنه يبعد كل البعد أن يكون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - وهم المشهورون بالإخبات والخشية والخشوع وإجلال مقام الربوبية، باستشعارهم هيبة جلال الله وكبريائه في مناجاته - يعنون برفع أبصارهم لتفقد حال لحيته في لتفقد حال لحيته في صلاته وما يعروها من الاضطراب في قراءته أو ليسوا أولى الناس باتباع أمر الله وأمر رسوله والانتهاء عن كل ما حذروا منه؟ كيف وقد شدد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رفع البصر الصلاة والالتفات فيها، حتى قال فى الذين يرفعون أبصارهم: «لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم كما جاء في حديث أنس له عند البخاري وأبي داود والنسائي، ونحوه في حديث أبي هريرة عند مسلم والنسائي، وحديث
في
جابر بن سمرة عند مسلم وأبي داود، وسألت أم المؤمنين عائشة رسول الله عن الالتفات في الصلاة فقال: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة «العبد» رواه البخاري ومسلم والنسائي
ولا يخفى مكان الإمام في الصلاة، فهو يتقدم المأمومين ولا يكاد يتمكن من رؤية اضطراب لحيته إلا من كان مواجهاً له، ولو أمكن ذلك لبعض المصطفين خلفه فإنه لا يتيسر لهم إلا برفع أبصارهم إليه مع التفاتهم (1/595)
صفحة 596
596
صلے
الفتَاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
إليه إن كانوا في أطراف الصف الذي خلفه، ولو أن نحو هذا كان من أحد عوام الناس وجهلتهم لانهال الناس عليه توبيحًا وتقريعًا؛ لمجانبته الخشوع الذي هو روح الصلاة التي تحيا بها ومناط فلاح من أتى بها، فناهيك بمن أثنى الله عليهم في كتابه إذ قال فيهم تَرَتْهُمْ رُكَعاً سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح: (29] أويظن بأمثال هؤلاء أن صلاتهم كانت صلاة الجهلة الذين لا يأتونها إلا دبارا؟ فلا يستشعرون فيها لذة المناجاة، ولا يذوقون فيها طعم التذلل بين يدي كبرياء الله، ولا تعرج أرواحهم بمعارج الفكر والتدبر لما يتلونه من آيات الله، حتى تفنى عن هذا العالم إلى عالم لا استشعار فيه إلا بما هم مقبلون عليه من أنس المشاهدة لحقيقة الوحدانية، أولم يسمعوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»؟.
هذا وقد اختلف الذين روي عنهم تحديد القراءة في عين ما كان يقرؤه ومقداره، فإن السور المذكورة في هذه الروايات غير متحدة، ومقاديرها غير متقاربة، فكما رأيت أنه في بعض الروايات كان يقرأ في الأوليين من الظهر في كل ركعتين قدر ثلاثين آية، وفي بعضها ما يدل على أنه يقرأ في الثانية قدر نصف ما يقرؤه في الأولى، وقد نص في بعضها على قراءة سورة لقمان والذاريات، وفي غيرها على سورتي البروج والطارق، وفي أخرى على الأعلى والغاشية، كما جاء في بعضها أنه يقرأ في الظهر والليل وفي العصر مثل ذلك، وجاءت روايات مفرقة بين الظهر والعصر في مقدار ما يقرأ، وهذا وإن احتمل أن يكون الاختلاف فيه بتعدد الأحوال إلا أن قول بعض الرواة يفهم منه الاستمرار على الحالة التي يرويها، وبالجملة فإن الرواة في ذلك اختلفوا اختلافاً كثيراً منهم من عول على الحدس ومنهم من استدل باضطراب اللحية، ومنهم من حكى سماع الآية والآيتين، ومنهم من حكى سماع الآية (1/596)
صفحة 597
بحوث
597
بعد الآيات من سور حددها، ولا يخفى أنه مع مثل هذا الاختلاف لا تبقى النفس مستقرة على شيء، فلا غرو إن لم يعول أصحابنا على هذه الروايات وعولوا على رواية ابن عباس الجازمة بعدم القراءة - أي: لأكثر من الفاتحة الشريفة ـ فإن قيل إن ابن عباس له نفسه ما كان مستقراً على الجزم في ذلك؛ لما رواه عنه أبو داود أنه قال: لا أدري أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر
والعصر أم لا؟
قلت: يبعد أن يصح ذلك عنه لوجوه:
أولها: لو كان ذلك صحيحاً لما قال لسائله عندما قال له: (لعله كان يقرأ في سره هذه شر من الأولى)؟ وقد ثبت ذلك عنه من رواية ابن أخيه عبد الله بن عبيد الله كما رواه أبو داود، ورواية عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة كما رواه أبو داود والنسائي، فإن هذه الإجابة منه قاطعة لدابر الشك وقاضية على زعم التردد منه، وإلا فما باله جعل هذا التساؤل شراً لو أنه كان في نفسه غير
جازم بما أجاب به، ويعزز ذلك قوله: كان عبداً مأموراً بلغ ما أرسل به. ثانيها: أنه (قال لسائله: خمشاً كما في رواية عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، وهو دعاء عليه بخمش وجهه أو جلده، وأنَّى لابن عباس في سعته وحلمه وأناته أن يدعو بهذا على من اعترض عليه بسؤاله في أمر لم يستيقن فيه الحق، ولم يستبن فيه الرشد؟
ثالثها: أنه يبعد كل البعد أن يكون ابن عباس الذي تضرب إليه أكباد الإبل من آفاق الأرض، وترد إليه عويصات المسائل، ويحتكم إلى رأيه عند الاختلاف والجدل، يجهل من مسائل صلاته ما يلقنه الصبية أول ما يمرنون على الصلاة، ويدربون على أدائها، أوليس هو الذي دعا له ابن عمه بقوله: «اللَّهُمَّ فقهه في الدين وعلمه التأويل ليت شعري أيكون هذا مبلغ فقهه في (1/597)
صفحة 598
598
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
الدين الذي تمناه له ابن عمه عليه الصلاة والسلام وهو يدعو له ربه؟! أم أنه لم يستجب فيه دعاؤه صلوات الله وسلامه عليه حتى كان قدر فقهه في أقدس عبادة وأعظم ركن من أركان الإسلام لا يتجاوز مراتب أخس الجهلة العوام الذين لا يفرقون في عباداتهم بين الصحيح والفاسد؟ ليت شعري كيف كان يؤدي صلاته وقد عاش ما عاش وهو يجهل هذه المسألة المشهورة من مسائلها؟ لقد أجاد ـ لعمر الحق ـ شيخ الشريعة والأدب العلّامة أبو مسلم رحمه الله تعالى، حيث قال في «نثاره للجوهر» دفاعًا عن حبر الأمة وترجمان القرآن وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أحق ما يعتقد في جانب حبر الأمة نفي هذا الشك عنه، ورد الرواية به أصلاً؛ إذ إضافة هذا وأمثاله إليه سوء أدب وسوء ظن وقدح في أضوء نجم من نجوم الاهتداء» اهـ.
وما جاء في بعض تلكم الروايات من كونه عليه الصلاة والسلام الآية أحيانًا أو يسمعون منه الآية بعد الآيات هو مثار تساؤل؛ لأنه
يسمعهم
لا
يستلزم تجاوزه عليه الصلاة والسلام في صلاة السر حدود الإسرار إلى الجهر، وهذا مما يؤدي إلى إباحة الجهر في موضع السر، فلا يبقى فرق بين صلاتي السر والجهر، ولمنافاته ما روي عن خباب أنهم كانوا يعرفون قراءته باضطراب لحيته، وهو يفيد أنهم ما كان لهم دليل على قراءته إلا هذه القرينة، إذ لو كان عندهم ما هو أقوى منها من الدلائل لكان أولى بخباب أن يدع الدليل الظاهر إلى القرينة الخفية التي لو ثبتت لكان فيها أكثر من احتمال، فلو كان يسمعهم الآية أو الآيات مما يقرأ لما كان داع إلى عدم ذكر هذا الدليل والتعويل على تلكم القرينة الضعيفة، على أن سماع نحو هذا لا يختص به ذو سمع دون غيره ممن كانوا يصطفون بقربه صلوات الله وسلامه عليه، وكان ذلك داعياً للاشتهار بما ينقله القريب إلى البعيد. وأترك هنا الميدان لفارس المقام المجلي شيخ الشريعة والأدب ليسبح (1/598)
صفحة 599
بحوث
599
فيه بيعبوبه السباق الذي لا يجارى فقد قال رحمه الله في «نثاره»: «ثم هؤلاء الصحابة الذين أسندوا إليهم روايات قراءته فيهما لم ينقلوا عنهم أنهم قالوا في صلاتي العصرين أنهما، جهريتان، بل نقلوا عنهم مجرد قراءته، فمنهم من عين القراءة بالحزر والتخمين ومنهم من عينها نصاً، فقال قرأ فيهما كذا وكذا، ومنهم من استدل على ما كان يقرؤه ببعض الآيات التي كان يسمعهم إياها أحيانًا، فهؤلاء الرواة ولا شك أنهم أو أغلبهم كانوا يصلون معه صلاته تلك، فهم في تلك الصلاة على أحد أمرين: إما أن يكونوا منصتين لما يسمعون، وهنا لا بد قد استحالت الصلاة عن حكمها عجماء وعن حكمها سرية إلى حكمها جهرية فانخرق الإجماع، وإما أن يكونوا غير منصتين لما يسمعونه فقد عطلوا فرض الإنصات، وهنا لا بد لهم إما أن يكونوا غير منصتين يتابعونه في قراءته تلك فقد نازعوه في قراءته وقد نهاهم عن منازعته فيها، كما في حديث (1)، وإما أن يكونوا لا يتابعونه مع عدم إنصاتهم لقراءته فقد خرجوا من عمل الصلاة بعدم الإنصات، فلا بد لهم من لزوم حال من هذه الأحوال في تلك الصلاة.
وعلى كل حال فلا بد من كون تلك الصلاة جهرية؛ لأن قرآنها مسموع للمأمومين، ولا يكون معقولاً أن يكون قرآنها مسموعاً وهي في حكمها سرية، إذ المنطوق به إذا تجاوز إلى سمع الغير لم يبق في حكم الإخفاء والإسرار، بل قد انتقل إلى حكم الإظهار والجهر والسر والجهر ضدان لا يجتمعان ولا يتصف بهما منطوق واحد في حال واحدة، فبطل أن يكونوا سمعوه، وهو مسر بمنطوقه، وبطل أن يكون منطوق به يخرج من فم الناطق فيتصل بأذن سامع فيتكيفه ذلك السامع ويفهمه ويؤديه عن الناطق إلى
(1) كذا في الأصل. (1/599)
صفحة 600
600
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
غيره ثم يحكم العقل بأنه باق في حكم السر، والنتيجة أن تلك الصلاة التي نقل سماع قراءته فيها قرآناً غير الفاتحة لا شك في أنها جهرية بحكم الصفة التي تلبست بها تلك، وهم مجمعون معنا على أن العصرين لا يجهر فيهما، فأين السر في صلاة سمع فيها عدول الصحابة تارة {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: (1) وتارة هَلْ أَتَنكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ} [الغاشية: 1] وتارة وَالسَّماء والطَّارِقِ [الطارق: 1] وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوج} [البروج: (1) وتارة يسمعون منه الآية بعد الآية من سورة لقمان والذاريات وتارة يقال: عن ابن عمر أنه عليه الصلاة والسلام سجد في صلاة الظهر ثم قام فركع، فرأينا أنه قرأ تنزيل السجدة) وتارة يقال: (عن أبي سعيد الخدري كنا نحزر قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر الم تنزيل السجدة، وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على النصف من ذلك) في رواية بدل قوله: (تنزيل السجدة قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية، وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر خمس عشرة آية، وفي الأخرين قدر نصف ذلك) وتارة كما في حديث أبي قتادة المتفق عليه معهم (أنه كان يقرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين وفي الأخريين بفاتحة الكتاب) وتارة يقال عن سمرة بن جندب أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ في الظهر {وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} [الليل: 1] وفي العصر نحو ذلك).
فأهل الروايات المعينة هل يقال: إن تَعيُّنَ المقروء تأدى إلى أسماعهم وهو في حالة الإسرار وهو محال؟ أم يقال: تأدى إلى أسماعهم وهو جاهر به
ولا بد منه؟
pis
وقد قلت إن هذه الحالة تخرج الصلاة من حكمها سرية إلى حكمها
جهرية، وأهل روايات التخمين والحزر كرواية أبي سعيد المذكورة هنا (1/600)
صفحة 601
بحوث
601
وكروايته الثانية (كانت صلاة الظهر تقام فينطلق أحدنا إلى البيقع فيقضي حاجته، ثم يأتي أهله فيتوضأ، ثم يرجع إلى المسجد والرسول صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى) وكرواية خباب المتقدم ذكرها، وكرواية ابن عمر الآنفة هنا، كلهم لم ينصوا على مقروء معين؛ ذلك لأن المقروء لم يسمعوه إنما كانوا يستدلون على وقوع قراءة لهذه القرائن تارة يحزرون مقدارها بتنزيل السجدة، وتارة بثلاثين آية، وتارة يستمر مقدارها زمناً يتمكن فيه الرجل من مسيره إلى البقيع وقضاء حاجته ومسيره إلى أهله للوضوء؛ أي: وللطهارة ثم يرجع إلى المسجد والرسول الي في الركعة الأولى، فهذا الزمن يكاد أن تستغرقه سورة البقرة، فليت شعري أولئك المصلون خلفه كيف قضوا ذلك الزمن؟! هل كانوا يقرؤون معه عين ما يقرؤه فيكونون قد نازعوه قراءته؟ أم كانوا يقرؤون غير ما يقرأ فيكونون قد ضيعوا واجب المتابعة وإنما جعل الإمام إمامًا ليؤتم به؟ أم كانوا لا يقرؤون غير الفاتحة في زمن قراءته تلك؟ فيفترق هنا حكمهم وحكمه ـ أعني: في القراءة - تجب عليه ولا تجب عليهم، وإذا لم تجب عليهم فلماذا تجب علينا؟) اهـ.
هذا ومن المعلوم أن الصلاة عبادة يشترك في أقوالها وأعمالها الإمام والمأموم، والمأموم فيها تبع لإمامه كما قال عليه أفضل الصلاة والسلام: «إنما جعل الإمام إمامًا ليؤتم به حتى أن المأموم المسافر يتبع إمامه المقيم فيصلي صلاته تماما ولو كان أصل فرضه ركعتين، اللهم إلا ما قام الدليل على استثنائه من هذه القاعدة، بحيث لم يلزم المأموم أن يأتي بما يأتي به إمامه اكتفاء بفعل الإمام وهو قول سمع الله لمن حمده، فإن المشروع للمأموم أن يقول وراء إمامه ربنا ولك الحمد كما نص عليه حديث «وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد» وكذلك قراءة ما زاد على الفاتحة الشريفة كما جاء في حديث عبادة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (1/601)
صفحة 602
602
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
لعلكم تقرؤون خلف إمامكم»، قلنا: أجل، قال: «لا تفعلوا إلا بأم القرآن لأنه لا صلاة إلا بها، وما يعززه من الروايات الأخرى الدالة على هذا؛ لأن المشروع للمأموم فيما زاد على الفاتحة الشريفة الإنصات لقراءة إمامه، وكيف يكون الإنصات عندما يسر الإمام بالقراءة؟ أوليس سكوت المأموم فترة من الوقت غير قارئ ولا منصت لإمامه مدعاة لتشتت فكره وخروجه عن الاشتغال بالصلاة بما يلقيه بباله الشيطان من وساوس تذهب بعقله كل مذهب ليلبس عليه دينه ويفسد عليه صلاته؟ وإن كان لا يقتصر على قراءة الفاتحة في هذه الحال ويتابع إمامه في القراءة كما قيل بأن الإنصات وترك الزيادة على الفاتحة إنما هو في قراءة الجهر دون السر، قلنا: أنَّى له بالمتابعة مع إسرار الإمام؟ أم أنه جرى العمل بأن يخبر الإمام مأموميه قبل شروعه في صلاة السر بما سوف يقرؤه فيها ليتابعوه في سرهم؟ فإن قيل: لا يتعين أن يتفقوا معه فيما يقرأ بل لهم أن يقرؤا ما شاؤوا، قلنا: وهل يتفق هذا مع ما يطلب منهم من ائتمامهم به؟ أوليس في ذلك انفلات المأموم عن الإمام في الصلاة حتى تكون صلاة كل منهما مستقلة عن صلاة الأخر؟ فلا يبقى معنى
لارتباطه به وتقيده بحركاته في الركوع والسجود والقيام والقعود.
في
هذه
هي وجهة نظر أصحابنا عندما تركوا الأخذ بتلكم الروايات، أردت شرحها في هذا الجواب لئلا يظن ظان أنهم أرادوا العدول عن السُّنَّة وارتضوا عنها بديلًا، أو يتسرع متسرع إلى تخطئتهم والحكم ببطلان صلاتهم مع أنهم هذا لم يكونوا شاذين عن مسلك علماء الأمة في التعامل مع المروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما ينقدح في نفوسهم ريب في ثبوته عنه عليه أفضل الصلاة والسلام، فكأين من عالم رأيناه يقف عن الأخذ بروايات جاءت عنه صلى الله عليه وسلم بطرق صحيحة لا لشيء إلا للارتياب الذي يتراءى له فيها، ومن بين هؤلاء أئمة المذاهب الأربعة، فهذا الإمام مالك عرف عنه أنه كان لا يأخذ بالحديث (1/602)
صفحة 603
أحد
بحوث
603
الآحادي ولو صح سنده إن خالف عمل أهل المدينة، ولربما ترك العمل بالحديث لسبب آخر كان في رأيه التعويل عليه، ومن ذلك أنه يرى ترك العمل بحديث: (من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال كان له كصيام الدهر» حتى قال بكراهة صيام هذه الست كما نص عليه في «الموطأ» إذ جاء فيه «قال يحيى: وسمعت مالكًا يقول في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان: إني لم أرَ أحداً من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن من السلف، وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء لو رأوا في ذلك خفته عند أهل العلم ورأوهم يعملون بذلك» اهـ، فأنت ترى أنه ترك الأخذ بهذا الحديث أنه جاء من طرق شتى، فقد رواه من الصحابة لم أبو أيوب الأنصاري وثوبان وجابر بن عبد الله وأبو هريرة وابن عباس والبراء بن عازب، وقد بلغ بعض هذه الطرق مرتبة الصحة وبعضها دون ذلك، ولا ريب أنها يقوي بعضها بعضا، ومع هذا فإنه كره العمل بهذا الحديث لرأي رآه، وأيده عليه کبار علماء، مذهبه، فقد قال الباجي في شرحه الموطأ «المنتقى»: «وإنما كره ذلك مالك لما خاف من إلحاق الناس ذلك برمضان وأن لا يميزوا بينها وبينه حتى يعتقدوا جميع ذلك فرضا» اهـ.
مع
ونص خليل على كراهة صيامها في مختصره ـ وهو المعول عليه في الفقه المالكي - ونقل شارحه الحطاب عن مطرف قوله: «إنما كره مالك صيام ستة أيام من شوال لذي الجهل لئلا توصل بيوم الفطر» اهـ.
وقال ابن العربي المالكي في عارضة الأحوذي شرح صحيح الترمذي» ما نصه: «وصل الصوم بأوائل شوال مكروه جداً؛ لأن الناس صاروا يقولون تشييع رمضان وكما لا يتقدم لا يشيع - إلى أن قال - وروى ابن المبارك والشافعي (1/603)
صفحة 604
604 الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
أنها.
من أول الشهر، ولست أراه، ولو علمت من يصومها من أول الشهر وملكت الأمر أدبته وشردت به؛ لأن أهل الكتاب بمثل هذه الفعلة غيروا دينهم» اهـ. وممن نصَّ على كراهة صيامها من المالكية ابن شاس في «الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة والقرافي في «الذخيرة» وزكى القرطبي قول مالك هذا بقوله: «وقد وقع ما خافه، حتى أنه كان في بعض بلاد خراسان يقومون لسحورها على عادتهم في رمضان» اهـ.
فانظر كيف بلغ بأصحاب مالك التشدد في هذا حتى جعلوا صيام هذه الست طريقاً إلى البدعة وحدثاً في الدين يعاقب فاعله بالتأديب والتشريد مع ثبوت الحديث الصحيح المرغب في صيامها؟ والنبي صلى الله عليه وسلم هو أولى بالغيرة على الدين الذي جاء به أن يكدر صفوه بشوائب البدع، على أن تزكية القرطبي لما ذهب إليه إمامه مالك في هذا ليست بشيء، فإن قيام ليل هذه الست ليس من البدعة في شيء بل هو كقيام سائر الليالي إذ لا يختص القيام بليالي رمضان وحدها، كيف وقد أثنى الله على عباده الصالحين بقوله: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [الذاريات: 17] ووصف المتقين بقوله: {الصَّبِرِينَ وَالصَّدِقِينَ وَالْقَنِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 17] وقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: (21) وكان من دأبه عليه الصلاة والسلام أن يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، ولم يمنع من ذلك أصحابه، فقد قام معه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عندما بات عند خالته ميمونة، فتبع النبي صلى الله عليه وسلم في قيامه، وهكذا كان شأنهم في اقتدائهم بالنبي صلى الله عليه وسلم في عبادته، ولا يُسلّم لابن العربي أن بهذه الفعلة غيّر أهل الكتاب دينهم، لأن تغييرهم لدينهم ما كان باتباعهم
أنبياءهم ولكن بعصيانهم لهم، وفي صيام هذه الست بعد رمضان إتيان بما رغب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. (1/604)
صفحة 605
بحوث
605
هي
أيضاً.
على أن كراهة صيام هذه الست لم تكن في مذهب مالك فحسب بل محكية عن أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، بل وعن شيخه أبي حنيفة
ومثل هذا إباحة مالك لإفراد يوم الجمعة بصيام النفل من غير كراهة، فقد جاء في «الموطأ» «وقال يحيى: سمعت مالكًا يقول: لم أسمع أحداً من أهل العلم والفقه ومن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه وأراه كان يتحراه» اهـ، مع أن النهي عن صيامه وحده اشتهر من طرق كثيرة عنه عليه أفضل الصلاة والسلام فقد أخرج أحمد والشيخان عن أحمد بن محمد بن عباد بن جيفر قال: سألت جابراً أنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة؟ قال: نعم) وفي رواية للبخاري أن يفرد بصوم وزاد أحمد ومسلم وغيرهما «نعم ورب هذا البيت وفي رواية النسائي (ورب الكعبة وروى الجماعة إلا النسائي (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تصوموا يوم الجمعة إلا وقبله أو بعده يوم» ومن طريقه عند مسلم مرفوعاً «لا تختصوا ليلة الجمعة يوم
بقيام من بين الليالي ولا تختصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم وعند أحمد من طريقه «يوم الجمعة يوم عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوم يوما قبله أو بعده» وروى أحمد والبخاري وأبو داود عن جويرية لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها في يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: «أصمتِ أمس؟ قالت: لا، قال: «أتصومين غداً؟ قالت: لا، قال: «فأفطري وروى أحمد عن ابن عباس (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تصوموا يوم الجمعة وحده») وأخرج أحمد والنسائي والحاكم عن جنادة الأزدي دخلت على رسول صلى الله عليه وسلم، يوم جمعة في سبعة من الأزد، أنا ثامنهم وهو يتغدى، فقال: «هلموا إلى الغداء» فقلنا: يا رسول (1/605)
صفحة 606
606
الفَتَاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
الله إنا صيام. فقال: «أصمتم أمس؟ قلنا: لا. قال: «فتصومون غداً؟» قلنا: لا. قال: «فأفطروا». قال: فأكلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فلما خرج وجلس على المنبر، دعا بإناء ماء، فشرب وهو على المنبر، والناس ينظرون إليه، يُريهم
لا
ومع
أنه لا يَصومُ يَومَ الجمعة) هذا فإن بعض أصحاب مالك احتجوا لما ذهب إليه أن يوم الجمعة لا يمنع صيامه مع غيره فلا يمنع صيامه وحده، ولا يخفى أن هذا قياس في مقابل النص ورد لما ثبت بالسنة لمجرد النظر. ومن أمثلة هذا أن مالكاً والثوري وأبا حنيفة وأصحابهم قالوا بأنه ينفع المحرم أن يشترط في حجه إذا خاف أن يحصر بمرض أو عدو، وهو الذي ذهب إليه الشافعي في «الأم» مع صحة حديث بضاعة بنت الزبير بن عبد المطلب الذي أخرجه الشيخان وغيرهما من طريق ابن عباس ها (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «أهلي واشترطي أن محلي حيث حبستني») وقد أخذ بذلك جماعة من الصحابة والتابعين بل الشافعي نفسه في «الأم» رواه بإسناده إلى عائشة وعلل عدم أخذه بالحديث أنه لم يصح عنده؛ لأنه رواه من طريق عروة مرسلاً، وذكر أنه لو ثبت لم يعده، وأنكر الشافعي في «الأم» أيضاً صحة حديث عائشة الذي أخرجه الشيخان من طريق سليمان بن يسار أنها قالت في الثوب تصيبه الجنابة: كنت أغسله من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يخرج للصلاة وأثر الثوب فيه بقع الماء فقد قال في «الأم»: «إن هذا ليس بثابت عن عائشة وهم يخافون فيه غلط عمرو بن ميمون إنما هو رأي سليمان بن يسار كذا حفظه عنه الحفاظ غسله أحب إلي، وقد روي عن عائشة خلاف هذا القول ولم يسمع سليمان فيما علمناه من عائشة حرفاً قط ولو رواه عنها كان مرسلا اهـ، على أن دعوى أن سليمان بن يسار لم يسمع من عائشة حرفاً قط منقوضة بما جاء في صحيح البخاري (قال: حدثنا قتيبة قال: حدثنا يزيد قال حدثنا عمرو عن سليمان قال: سمعت عائشة ح وحدثنا (1/606)
صفحة 607
بحوث
607
مسدد قال: حدثنا عبد الواحد قال حدثنا عمرو بن ميمون عن سليمان بن يسار قال: سألت عائشة عن المني يصيب الثوب .. إلخ) فأنت تراه صرح في إحدى هاتين الروايتين بسماعه عن عائشة وفي الأخرى بأنه هو الذي سألها عن ذلك فمن أين جاءت دعوى من قال بأنه لم يرو حرفاً عنها؟.
وقد أجاد الحافظ ابن حجر حيث قال في شرحه الحديث: «قوله: (سمعت عائشة) وفي الإسناد الذي يليه سألت عائشة فيه رد على البزار، حيث زعم أن سليمان بن يسار لم يسمع من عائشة، على أن البزار مسبوق بهذه الدعوى، فقد حكاه الشافعي في «الأم» عن غيره، وزاد أن الحفاظ قالوا: إن عمرو بن ميمون غلط في رفعه، وإنما هو في فتوى سليمان. انتهى. وقد تبين من تصحيح البخاري له وموافقة مسلم له على تصحيحه صحة سماع سليمان منها، وأن رفعه صحيح وليس بين فتواه وروايته تناف، وكذا لا تأثير للاختلاف في الروايتين، حيث وقع في إحداهما أن عمرو بن ميمون سأل سليمان، وفي الأخرى أن سليمان سأل عائشة؛ لأن كلا منهما سأل شيخه، فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ بعض، وكلهم ثقات». اهـ ومما يبعد دعوى عدم سماع سليمان من عائشة لا أن سليمان كان من كبار التابعين بالمدينة المنورة حيث كانت أم المؤمنين، فيبعد أن لا يتصل بها للاستفادة من علمها والارتشاف من معين السُّنَّة النبوية، الذي كان يتدفق من لسانها، فقد كانت عيبة سُنته و لكثرة ما حفظت عنه وأفادت به الأمة.
کلام
الحافظ
أما الإمام أبو حنيفة فلا يخفى على أحد ممن مارسوا فقهه وعرفوا منهجه ترجيحه جانب الدراية على جانب الرواية، ناهيك أنه كان يرى ترك العمل بالرواية وإن صحت إن خالفها مذهب راويها، فضلاً عن ترجيحه القياس على الحديث الأحادي، ولذلك عرفت مدرسته بمدرسة الرأي، وفيما (1/607)
صفحة 608
608
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
ذكرناه من بعض آرائه وآراء أصحابه شاهد على أنهم تركوا الأخذ بأحاديث صحت أسانيدها لاعتبارات عولوا عليها.
وأما الإمام أحمد الذي هو إمام مدرسة الحديث، فقد رد أحاديث رويت بأسانيد صحاح، أخرج بعضها بنفسه كما أنها عند الشيخين وغيرهما، وذلك من أجل اعتبارات انقدحت في ذهنه فاستساغ بها ردّ تلكم الأحاديث، ومن شواهد ذلك أنه روى بنفسه وروى الشيخان من طريق أبي هريرة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يهلك أمتي هذا الحي من قريش»، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «لو أن الناس اعتزلوهم فقد قال ابنه عبد الله قال أبي في مرضه الذي مات فيه: اضرب على هذا الحديث؛ فإنه خلاف الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك اشتد إنكاره حديث ابن مسعود الذي رواه مسلم «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنه تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» وقد حكى عنه النووي في «شرحه على صحيح مسلم إنكاره لصحة هذا الحديث رأساً. هذا مع أن الحديثين يؤيدهما الواقع، ويتفقان مع دلائل القرآن، وينسجمان مع أصول الإسلام. وكان من مذهبه استحباب صيام يوم الثلاثين من شعبان ـ وهو المعروف بيوم الشك - إن حال دون رؤية الهلال قبله قتر أو غيم، حتى أن كثيراً من أصحابه كانوا يرون أن مذهبه وجوب الصوم في هذه الحالة، ثبت من الروايات المتعددة التي وردت بشتى الطرق وقد بلغت مبلغ الصحة، مشددة في صيام هذا اليوم وآمرة بإتمام العدة ثلاثين في حال الغيم. وقد أطال ابن تيمية في «فتاواه» في الانتصار لمذهب إمامه أحمد أن صيام ذلك اليوم مستحب في حال الغيم وكل مستنده إنما هو القياس والنظر.
ما مع (1/608)
صفحة 609
بحوث
ومع
609
وإذا علمتم هذا فأي غرابة تبقى من صنيع أصحابنا إذ لم يأخذوا بالروايات الواردة بقراءة ما زاد على أم القرآن في الظهرين، مع ما في تلك الروايات من الاضطراب والاختلاف وما يدعو إلى الشك والريبة فيها، ولو أخذنا نتأمل ما بين هذا الذي عولوا عليه في عدم الأخذ بها، ما عول عليه غيرهم في ترك الأخذ بروايات صحيحة الأسانيد حسب معايير أهل الحديث لوجدنا بونا شاسعًا، فإن معول أصحابنا في تركهم العمل بتلكم الروايات كان أقوى مأخذاً وأجلى تعلة بينما ردّ غيرهم للكثير مما ردوه كان مبنيا على ما هو أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة، على أن ما ورد في قراءة ما زاد على الفاتحة لا يعدو أن يكون فعلاً يحكى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما ذكرناه من ترك العمل بروايات صحت أسانيدها معظمه أقوال منقولة عنه عليه أفضل الصلاة والسلام، ولا يخفى ما بين أقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم من التفاوت في قوة الدلالة، إذ لا خلاف أن القول أدل على الحكم، وأبين حجة من الفعل، ومع هذا كله فإنا نقول بأن هذه الروايات كلها لم تتجاوز مرتبة الآحاد، ولا يسوغ فيها وفي أمثالها أن يفرض أحد قناعته على غيره؛ لأن ما ينقدح في الأذهان تجاهها يتفاوت بتفاوت التفكر والإمعان، ويترتب على ذلك أن يكون في وجدان مجتهد ما ليس في وجدان غيره، وإنما الكل يطالب أن يتبع النهج الذي يراه أصح وأسلم وأوفق لمقتضيات العقول وأصول الشريعة، وقد أشار إلى هذا الأستاذ الإمام محمد عبده حيث قال:
«ليس لهؤلاء - أي: الذين ثبتت عندهم الرواية بعد التحري والتمحيص - أن يلزموا غيرهم ما ثبت عندهم؛ فإن ثقة الناقل بمن ينقل عنه حالة خاصة به لا يمكن لغيره أن يشعر بها حتى يكون له عن المنقول عنه في الحال مثل ما للناقل معه، فلا بد أن يكون عارفاً بأحواله وأخلاقه ودخائل نفسه، ونحو
ذلك مما يطول شرحه وتحصل الثقة في النفس بما يقول القائل» اهـ. (1/609)
صفحة 610
610
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
وقال العلّامة السيد محمد رشيد رضا بعد ما نقل هذا الكلام عن شيخه
ما نصه:
«معنى هذا أن بعض أحاديث الآحاد تكون حجة على من ثبتت عنده واطمأن قلبه بها، ولا تكون حجة على غيره يلزم العمل بها، ولذلك لم يکن الصحابة لم يكتبون جميع ما سمعوا من الأحاديث، ويدعون إليها مع دعوتهم إلى اتباع القرآن والعمل به وبالسُّنَّة العملية المتبعة المبينة له إلا قليلاً من بيان السُّنَّة كصحيفة علي كرم الله وجهه المشتملة على بعض الأحكام: كالدية، وفكاك الأسير، وتحريم المدينة كمكة، ولم يرض الإمام مالك من الخليفتين المنصور والرشيد أن يحملا الناس على العمل بكتبه حتى «الموطأ» وإنما يجب العمل بأحاديث الآحاد على من وثق بها رواية ودلالة، وعلى من وثق برواية أحد وفهمه لشيء منها أن يأخذه عنه، ولكن لا يجعل ذلك تشريعاً عاماً» اهـ.
ومن رجع إلى ما قاله أهل الحديث، وما بينوه من وسائل فهم الحديث الصحيح وغيره، يجد أن مسلك أصحابنا في هذا لم يخرج عن قواعد مصطلحهم، فإليك ما قاله الخطيب البغدادي في كتابه «الفقيه والمتفقه»: (وإذا روى الثقة المأمون خبراً متصل الإسناد رد بأمور:
أحدها: أن يخالف موجبات العقول فيعلم بطلانه؛ لأن الشرع إنما يرد بمجوزات العقول، وأما بخلاف العقول فلا.
الثاني: أن يخالف نص الكتاب والسُّنَّة المتواترة، فيعلم أنه لا أصل له أو
أنه منسوخ.
الثالث: أن يخالف الإجماع، فيستدل على أنه منسوخ أو لا أصل له. (1/610)
صفحة 611
بحوث
611
الرابع: أن ينفرد الواحد برواية ما يجب على كافة الخلق علمه، فيدل ذلك على أنه لا أصل له؛ لأنه لا يجوز أن يكون له أصل وينفرد هو بعلمه من بين الخلق العظيم.
الخامس: أن ينفرد برواية ما جرت العادة بأن ينقله أهل التواتر، فلا يقبل؛
لأنه لا يجوز أن ينفرد في مثل هذا بالرواية). اهـ.
وأنتم تدرون أن أمر الصلاة تشريع عام ينطبق على جميع المسلمين، فيدخل فيه الرجل والمرأة والصغير والكبير، والنبي صلى الله عليه وسلم متعبد بأن يعلمهم أحكامها، ويبين لهم كيفية أدائها، فيبعد كل البعد أن لا يكون منه هذا حتى لا يتوصل إلى فهم أحكامها إلا من خلال رؤية اضطراب لحيته، أو سماع بعض الآيات التي يرتفع بها صوته أحيانًا ليسمعها من كان أقرب المصلين في الصف الأول إليه صلوات الله وسلامه عليه، فلو كانت هذه القراءة مشروعة لأنبأ بذلك النبي صلى الله عليه وسلم جميع المصلين، ولنقل عنه ذلك نقلًا مستفيضاً كما نقل عنه ما قاله في قراءة الفاتحة الشريفة؛ لأن هذا أمر يتكرر عند كل مصلّ وليس هو كالمسائل التي يقل وقوعها.
ولست أزعم أن هذه المسألة من مسائل الدين، وأن حجتنا فيها قطعية، كلا، فهي إحدى مسائل الرأي التي للاجتهاد فيها مجال واسع، وكل مجتهد مخلص الله تعالى في اجتهاده بحيث لا ينشد إلا الحق ولا يعول إلا على الدليل يثاب على اجتهاده ولا يعنف فيه، على أن لا يجعل من اجتهاده سهماً يطعن به في اجتهاد غيره، ويدعي بطلان عمله لهذا تملكني العجب من قول ذلك الشيخ الذي أفتاكم بهذا، بأن صلاة من لم يزد على قراءة الفاتحة الشريفة باطلة، وإنما يعذر فيما مضى لجهله ولا يعذر في المستقبل، لقيام الحجة عليه على حد قوله تعالى في الربا: فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَأَنتَهَى فله مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ .. [البقرة: 275] فليت شعري من أين جاء بهذا (1/611)
صفحة 612
612
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
الحكم؟ وكيف سوّغ لنفسه أن يقول هذا القول؟ مع أن الأمة جميعًا على خلاف هذا الرأي، فقد تبين لكم أن غير واحد من علماء المذاهب الأخرى نقل الإجماع على صحة صلاة من اقتصر على قراءة أُم القرآن، ولئن كان بفطنته الوقادة ونظره الثاقب انفرد في هذه المسألة بما لم يسبق إليه من علماء مذهبه أولا يكون حرياً به أن يقول كما قال فحول العلماء المجتهدين من قبله الذين نقل عن غير واحد منهم أنه قال فيما أداه إليه اجتهاده: هذا قولي وهو عندي صواب يحتمل الخطأ خطأ وما قاله غيري يحتمل الصواب! والأدهى من هذا كله أن يجعل هذا الأمر نظيراً للربا الذي أنزل الله فيه ما أنزل، فليت شعري أجعل المظنون كالمقطوع به؟ وأنزل رأياً رآه وفتوى أفتى بها منزلة حكم رباني نزل به نص قرآني من عند الله لا مساغ للشك في ثبوته ولا في دلالته؟ ولئن كان حريصاً على إقناع الناس برأيه الذي ارتآه ألم يكن له في سائر الوسائل متسع عن الدخول في هذه المضائق وركوب هذا المركب الصعب؟ أَوَيرى أن فتواه هذه خرجت بهذه المسألة عن حدود الرأي؟ وارتقت بها إلى أوج مسائل الدين القطعية؟ أسأل الله تعالى لي وله ولكل مسلم البصيرة في الدين والسلامة من عثرات القول وزلات الأفهام وكبوات الرأي، وهو ولي التوفيق، أومن به وأتوكل عليه، وأفوض أمري كله إليه، وأستغفره وأتوب إليه من كل ما خالفت فيه الحق وجانبت فيه الصواب عن إصرار أو عن خطأ، وهو حسبي وكفى، وصلى الله وسلم على سيدنا
محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (1/612)
صفحة 613
الجمع بين الصلاتين
بحوث
613
أنهم
قد شاع عندنا جمع الصلاتين من غير عذر حتى بلغ الأمر ببعض الناس لا يتصورون صلاة المسافر إلا بالجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، وبلغ التمادي بهم في ذلك أنهم قد يصلُّون عندنا الظهر فيجمعون معها العصر، ثم يظلون في المسجد إلى أن تقام صلاة العصر، منهم من يكون متحلّقاً مع الآخرين وهم عاكفون على حديث الدنيا فترتفع قهقهاتهم والجماعة تصلي العصر، ومنهم من يكون غاطاً في نومه في المسجد والناس يصلون، وأمثلهم طريقة من يكون مشغولاً عندما تقام الصلاة الثانية بمطالعة دروسه وقلة منهم هم الذين يفردون الصلوات فيصلون كل صلاة في وقتها، وقد رأيتم بأنفسكم كيف يحرصون على جمع الصلوات في المساجد عندما يجتمعون للمحاضرات وتستمر المحاضرة إلى أن يؤذن للثانية فإذا هم يخرجون أفواجاً من المسجد بعد الأذان، وقد يكون من بين هؤلاء من هم منظور إليهم بين الناس وتقتدي بهم العامة، لذلك أردنا منكم جواباً مفصلاً في هذه المسألة والله يوفقكم للخير.
الحمد لله كما هو له أهل والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله
وصحبه، وبعد:
فإن مما يؤسف أن تتفشى عادة الجمع بين الصلاتين في الناس حتى يظن عوامهم أنه لا تصح الصلاة في السفر إلا جمعاً بين الظهرين وبين العشائين، مع أنه لا قائل بوجوب الجمع في السفر ولا بتأكيده اللهم إلا في عرفات للحاج عندما يقف بها في اليوم التاسع من ذي الحجة فإنه يسن له بتأكيد أن يجمع بين الظهر والعصر بعد الزوال اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم،، ليتفرغ (1/613)
صفحة 614
614
الفتَاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
بعدهما للذكر والدعاء إلى المغرب، وكذلك يسن له بتأكيد أن يجمع بين المغرب والعشاء من غير أن يصلي بينهما شيئاً في جمع، ليلة النحر في وقت الثانية منهما، أما في بقية الأحوال فلا يتأكد وإنما يسن بدون تأكيد للجاد في السير، ومن كان مقيماً ولو يوماً واحداً فالإفراد أفضل له؛ لأن ذلك كان دأب النبي الله إلا في غزوة تبوك فقد كان فيها يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، كما رواه الربيع حمدالله من حديث معاذ ه ونحوه عند مالك وأبي داود والترمذي والنسائي، ولعل ذلك كان من أجل الرباط، فلا ينبغي لمن أخلد إلى الراحة أن يجعل من صنيعه عليه الصلاة والسلام تكأة يستند إليها في تبرير جمعه الصلاتين من غير داع.
هذا وما نرى عليه الناس اليوم من التهافت إلى الجمع لأجل حكم السفر، وإن أقاموا حيث يجمعون أشهراً لا أجد ما يبرره، وجمع الصلاتين المساجد أوقات الصلوات أمر يترتب عليه الكثير من مخالفات للأحكام
في
الشرعية:
منها أنهم قد يلبثون في المسجد مثلاً بعد صلاة المغرب لأجل محاضرة تمتد إلى أذان العشاء وبعد الأذان يتهافتون للخروج منه، وهم بهذا مخالفون لهدي النبي فقد نهى عن الخروج من المسجد بعد أن يؤذن للصلاة حتى تقام، فقد أخرج مسلم في صحيحه والنسائي في سننه عن أبي الشعثاء رحم الله قال: كنا قعوداً في المسجد مع أبي هريرة فأذن المؤذن فقام رجل يمشي فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم) وهو عند أبي داود في سننه بلفظ: (كنا مع أبي هريرة في المسجد فخرج رجل حين أذن المؤذن للعصر فقال أبو هريرة: أما هذا أبا القاسم) ورواه الترمذي في سننه بلفظ: «رأى - أي: أبو
فقد عصى
هريرة ـ رجلًا
يخرج من المسجد بعدما أذن فيه للعصر فقال: إلخ». (1/614)
صفحة 615
ـ
بحوث
615
ولئن كان هذا بمجرد الخروج بعد البقاء في المسجد لعبادة من تلاوة أو ذكر أو استفادة علم أو سماع موعظة فما بالك بمن يقضي وقته في المسجد لاهياً أو مشغولاً بحديث الدنيا - وقد جمع الصلاتين ـ حتى إذا أذن للصلاة للثانية انهمك في حديثه أو لهوه، مَعَ ما عساه يصدر منه قهقهات تشغل المصلين، فأين هذا من رعاية حق المساجد والحفاظ على حرماتها فإنها بيوت الله في أرضه لا يسوغ فيها إلا ما أذن به وقد بينه بقوله: {فِي بُيُوتِ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُةِ وَالْأَصَالِ رِجَالُ لا تُلْهِيهِمْ تجَرَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلَوةِ وَإِبْنَاءِ الزَّكَوةِ يَخَافُونَ يَوْمًا لَنَقَلَبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ} [النور: 36 - 37].
وقد شدد عليه أفضل الصلاة والسلام حتى في إنشاد الضالة فيها ففي مسند الإمام الربيع بن حبيب رحمه الله: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «طهرت المساجد من ثلاثة: من أن ينشد فيها بالضوال أو يتخذ فيها طريق أو يكون فيها سوق» ونحوه ما رواه أحمد وأصحاب السنن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «نهى رسول الله له عن الشراء والبيع في المسجد وأن ينشد فيها الأشعار وأن تنشد فيها الضالة وعن الحلق يوم الجمعة قبل الصلاة». ولم يذكر النسائي إنشاد الضالة.
هذا ولا يفيد ذكر يوم الجمعة وقبل الصلاة جواز ذلك بعد الصلاة أو في غير يوم الجمعة فإن المنطوق في مثل هذا إنما هو من أجل تعليم الجاهل ولربما كان هذا يحصل يوم الجمعة قبل الصلاة فنهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومثل هذا لا يعتد بمفهومه المخالف على أن حلق الذكر والعلم غير داخلة
في
النهي. (1/615)
صفحة 616
?) ?
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
في
ومن تلكم المخالفات التي تنشأ عن الجمع بين الصلاتين ما يكون المساجد المزدحمة بالمصلين من المرور بين أيدي المصلين من قبل الذين يأتون من أطراف المسجد للصلاة مع الإمام الذي يصلي بهم الثانية، فإن المسافرين الذين يجمعون الصلاتين لا يجتمعون في ناحية واحدة في المسجد، وإنما يتفرقون في أطرافه، فإذا أقيمت الثانية هبوا من كل جانب وأخذوا يشقون الصفوف شقاً لينضموا مع الذين يصلون الثانية، ويمرون بين أيدي المصلين الذين قاموا للراتبة، وأنتم تدرون ما في هذا النهي فقد أخرج الربيع الله في مسنده عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن
من
ابن عباس. عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لوقف إلى الحشر وفي رواية عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لوقف أربعين، خيراً له من أن يمر بين يديه قال جابر: قال بعض الناس يعني أربعين خريفاً، وقال آخرون: أربعين شهراً، وقال آخرون: أربعين يوماً، ورواه الجماعة بمعناه من حديث أبي جهيم عبد الله بن الحارث ابن الصمة الأنصاري وقد عد النبي صلى الله عليه وسلم المار بين يدي المصلي شيطاناً وأمر بدفعه حتى بالقتال، فقد روى الربيع بإسناده إلى أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أحدكم إذا كان في الصلاة فلا يدع يمر بين يديه وليدرأ ما استطاع، فإن أبي فليقاتله فإنما هو شيطان» رواه الجماعة إلا الترمذي وابن ماجه من طريقه بلفظ: «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس وأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان فليت شعري كيف يرضى عاقل لنفسه وقد جاء إلى بيوت الله لأداء فرائضه أن يتحول إلى شيطان يأمر الشارع
بقتاله؟!
أحداً
ومنها أن الذين يجمعون الصلاتين في المساجد المزدحمة قلما يتسنى (1/616)
صفحة 617
بحوث
617
لهم تنظيم صفوفهم، لما يتخللها من صلاة الذين يصلون الراتبة وكثيراً ما تعتريها الفرج بسبب ذلك، فقد توجد في الصف الواحد جماعة تصلي في الجنوب، وأخرى في الشمال وبينهما الذين يصلون الراتبة، ولا يلبث هؤلاء أن ينتهوا من صلاتهم وينسحبوا ويبقى ذلك الصف منقسماً إلى قسمين، بينهما فرجة قد تتسع لعشرات من المصلين ولئن كان النبي صلى الله عليه وسلم شدد في الفرجة، تكون في الصف ولو كانت ضيقة، فما بالكم بفرجة تتسع للعشرات من الرجال؟ روى البخاري عن أنس قال: «أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أقيموا صفوفكم وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري زاد في رواية - وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه»، ومن طريقه عند أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رصوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يتخللكم، ويدخل من خلل الصف كأنها «الحذف وليت شعري أنَّى يرص صف شطره بالشمال وآخر بالجنوب؟ ولئن كان السلف الصالح لا يتقون أن يصفوا بين السواري، لئلا تكون فاصلة جوانب الصف، فكيف بما يكون بين الصف من فراغ لا يُملأ بشيء؟
فقد روى الترمذي والنسائي عن عبد الحميد بن محمود قال: «صلينا خلف أمير من الأمراء فاضطرنا الناس فصلينا بين الساريتين فلما صلينا قال أنس: كنا نتقي هذا على عهد النبي، لأجل هذا أمر بوصل الصف المنقطع حتى في أثناء الصلاة، وما ذلك إلا لأن هذا فرض لا تصح الصلاة بدونه، ومن هذا الباب ما رواه أبو داود عن عبد الله بن عمر ما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل ولينوا بأيدي إخوانكم ولا تذروا فرجات الشيطان، ومن وصل صفاً وصله ومن قطعه قطعه الله»، وأخرج النسائي منه قوله: «من وصل صفاً .. إلخ»
الله (1/617)
صفحة 618
618
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج
وروي من طريق البراء بن عازب له مرفوعا: «ما من خطوة أحب إلى الله من خطوة يمشيها العبد يصل بها صفاً».
أصواتهم
ومنها أن الجمع بين الفرضين كثيراً ما يؤدي إلى الفوضى في إقامة الصلاة، فقد يقيمون صلاتهم جماعة في حين أن جماعة أخرى لم تدرك الصلاة الأولى مع الإمام فتقيم الصلاة الأولى في جماعة وإذا بجماعتين تقامان معاً في مسجد واحد بل في مكان يقرب بعضه من بعض، يشوش إمام كل جماعة على الآخر في قراءته وتكبيره، وهذا ما لا يسوغ أبداً فقد روى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة؛ أي: التي أقيمت، ولا يسوغ إقامة صلاة غيرها لما فيه من التفرق فضلاً عن التشويش والبلبلة، ولئن كان المتنفلون ينهون عن رفع لئلا يشغل بعضهم بعضاً فكيف يسوغ ذلك في الفرائض؟ فقد أخرج الربيع من طريق ابن عباس قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فوجد الناس يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال: «إن المصلى يناجي ربه فلينظر ما يناجيه به ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن فيشغلهم عن صلاتهم وهو عند أبي داود من رواية أبي سعيد الخدري وعند مالك وأحمد من رواية فروة بن عمرو بن ورقة الأنصاري، ولئن كان هذا التشديد في رفع الصوت بالقرآن فكيف بأولئك الذي يشغلون الناس عن صلاة الفرض التي تقام جماعات بغطيط نومهم أو قهقهات ضحكهم، أو بتعالي أصوات المزاح الفاحش؟ أين هؤلاء من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يربي عليه صحابته والعجب من هؤلاء كيف تسمح لهم أنفسهم أن يظلوا في المسجد إلى أن تقام الصلاة فلا يصلوها مع المصلين بدعوى أنهم جمعوا الصلاتين؟ وأي مسوغ للجمع في هذه الحالة مع أنه يدري أنه سيظل في المسجد حتى تقام الصلاة الثانية، والرسول صلى الله عليه وسلم لم (1/618)
صفحة 619
بحوث
619
يعذر من صلى الصلاة بوجهها الشرعي ثم حضر جماعة تصلي تلك الصلاة نفسها إلا أن يصليها معهم، كما جاء في حديث محجن الذي رواه الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس ذات يوم وفي مجلسه رجل يسمى محجناً فأقيمت الصلاة قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلي فلما فرغ من صلاته نظر إلى محجن وهو في مجلسه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منعك أن تصلي مع الناس ألست برجل مسلم؟» قال: بلى يا رسول الله ولكن قد صليت في أهلي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جئت والناس يصلون فصل معهم وإن كنت قد صليت في أهلك ورواه بمعناه مالك والنسائي من نفسه، وروى نحوه أبو داود من طريق يزيد بن عامر في بنفسه كما حدث لمحجن، ومثل ذلك عند أبي داود والنسائي والترمذي من طريق يزيد بن الأسود قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجته فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما قضى صلاته انحرف فإذا هو برجلين في أخرى القوم لم يصليا معه فجئ بهما ترعد فرائصهما فقال: «ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا: يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في رحالنا قال: «فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا لكم نافلة».
طريق
محجن
معهم.
شأنه
فإنها
هذا ولما يؤدي إليه الجمع بين الصلاتين من مثل هذه الأحوال الشائنة أدعو جميع المصلين - لا سيما أهل العلم والفضل ومن يقتدى بهم بين الناس ـ أن يحرصوا على عدم الجمع إلا لداع ملح وأن يحرصوا على توعية الناس بهذا، ليكون الناس على بصيرة من دينهم، والله ولي التوفيق وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (1/619)
صفحة 620
[صفحة فارغة] (1/620)
صفحة 621
الفهرس
مقدمة
فتاوى الصلاة
الطهارات
الغسل من الجنابة وأحكامه أحكام الحائض والنفساء
الوضوء ونواقضه
القبلة واللباس والسترة
الأوقات
الأذان والإقامة
النية والتوجيه
الاستعاذة والقيام للصلاة
القراءة
الركوع والسجود والتشهد والتسليم
أحكام الإمامة وصلاة الجماعة
استدراك الصلاة
في الشك والنسيان والبدل (1/621)
صفحة 622
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
الفتاوى
نواقض الصلاة
إعادة الصلاة وقضاؤها السهو وأحكامه
سجود
د التلاوة:
صلاة الجمعة
صلاة المرأة
صلاة السفر
السنن والنوافل
قيام رمضان
صلاة الميت
أحكام المساجد والمصليات فتاوي متنوعة
فتاوى الزكاة
الزكاة والمجتمع المسلم
زكاة الأنعام «الإبل، البقر، الغنم»
زكاة الحرث
زكاة النقدين
زكاة الجمعيات
زكاة الأوراق المالية
زكاة الحلي
زكاة عروض التجارة
زكاة العقارات والأسهم والسندات
زكاة الدين (1/622)
صفحة 623
زكاة الفطر
زكاة أموال الغير
مصارف الزكاة
أسئلة متنوعة في الزكاة
فتاوى الصوم
رؤية الهلال
الصوم في السفر
الإجارة والوصية بالصوم صيام النذر
المريض والعاجز عن الصوم
صيام النفل
ما يفسد الصوم
ما لا يفسد الصوم
الجنابة والجماع في رمضان
القضاء والإطعام والكفارة
فتاوى الحج
الإحرام
الطواف
طواف الإفاضة
طواف الوداع
السعي بين الصفا والمروة
الحلق والتقصير
الخروج من مكة إلى منى والعكس (1/623)
صفحة 624
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
الفتاوى
الوقوف بعرفة
مزدلفة والخروج منها
الجمرات
رمي
الهدي
الفدية
العمرة
الإجارة في الحج والعمرة
فتاوى نسائية
فتاوى متنوعة
بحوث
الإسبال
التشديد في الإسبال
لا فرق بين الإزار وغيره في حكم الإسبال
الخيلاء صفة لازمة للإسبال
صلاة المسبل والمؤتم به مشروعية تثمير أموال الزكاة
إخراج الزكاة من غير جنس المزكي
تثمير أموال الزكاة:
السنة في خطبتي الجمعة وحي
حكم الخطبتين يوم الجمعة والجلوس بينهما:
مسجد الضرار
حكم قراءة السورة في قراءة السر
الجمع بين الصلاتين (1/624)
صفحة 625
سلطنة عمان
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
الفتاوى
النكاح
لسماحة الشيخ العلامة
أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عمان
الكتاب الثاني (2/1)
صفحة 626
حقوق الطبع محفوظة
1434 هـ ـ 2013 م (2/2)
صفحة 627
الفتاويا الفتاوى الفتاوت الفتا 69 الفتاوي الفتاوي الفتاويا
الفتاوى
النكاح
السَّمَاحَة الشيخ العلامة
أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عُمَانَ
الإعداد والمراجعة
قسم الفتوى بمكتب الإفتاء وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
الكتاب الثاني (2/3)
صفحة 628
[صفحة فارغة] (2/4)
صفحة 629
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي جعل لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي وعلى أزواجه الأطهار وأصحابه الأخيار ومن تبعه بإحسان إلى يوم
الأُمي
الدين،
أما بعد،
فيسر مكتب الإفتاء بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية بسلطنة عُمان ممثلاً بقسم الفتاوى أن يقدم للمسلمين الكتاب الثاني من فتاوى سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عُمان، وقد تفضلت الأجيال للتسويق مشكورة بالإخراج والتصميم والطباعة والنشر.
ويتضمن فتاوى تختص بشؤون الأسرة من نكاح وطلاق ورضاع وخلع ونفقة وغيرها. كما اشتمل الكتاب على بعض البحوث القيمة والفتاوى الموسعة وكان عملنا في هذا الكتاب: (2/5)
صفحة 630
الفتاوى النكاح
تجميع الفتاوى وتبويبها وتصنيفها.
عرضها على سماحة الشيخ والقيام بالتعديل بناء على
توجيهات سماحته.
مراجعة المطبوع على الأصول.
ولا شك أن القضايا المطروحة في هذا الكتاب لها وضعيتها الخاصة التي تتطلب نوعاً من المصارحة التي لا يستحيى منها. إذ
لا حياء في تعلم هذه القضايا في إطار القيم الإسلامية العليا. والله نسأل أن يتقبل منا هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، والحمد لله رب العالمين.
قسم الفتوى
بمكتب الإفتاء (2/6)
صفحة 631
فتاوى الزواج (2/7)
صفحة 632
[صفحة فارغة] (2/8)
صفحة 633
الخطبة:
فتاوى الزواج
في
ما هو حكم الإسلام في تختم الرجل بالذهب، وخصوصاً الدبلة التي اعتاد الناس أن يتبادلها الخطيبان قبل عقد الزواج؟
الإسلام دين الفطرة أنزله الله ليوجهها في طريقها الصحيح، ولذلك جاءت أحكامه متفقة مع مقتضياتها، ملبية لحاجاتها، ومن الأمور الواضحة بدهياً أن لكل من الرجل والمرأة خصائص فطرية تستلزم اختلاف أحكامهما، نظراً إلى اختلاف احوالهما نفسياً وجسمياً واجتماعياً، ولذلك حرم الإسلام على كل منهما أن يلتبس بخصائص الجنس الآخر، كما نجده في قوله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم «لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال» (1)، لأن ذلك خروجاً عن الفطرة، واصطداماً بنواميس الحياة، واعتداء على خصائص الغير، ولا ريب أن الرجل الباقي على سلامة الفطرة تأبى عليه شهامة الرجولة أن يتحلى بالذهب لمخالفة ذلك سمات الرجولة وخشونة الذكورة، وملاءمته لليونة الأنوثة وغنجها، ومن ثم نجد في صحائف السنة النبوية ـ على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ـ من قوارع الإنكار وروادع الوعيد على لباس الذهب للرجال، ما لأحد مجالاً للتردد في قبول هذا الحكم، وكثير منها جاء نصاً في الخاتم، وإليك نماذج من ذلك تستبصر بنورها في سبيل المعرفة. 1 - روى الإمام الربيع الله عن الإمام علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ قال «نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس القسي وعن لبس المعصفر، وعن خاتم الذهب، وعن قراءة القرآن في الركوع والسجود». وأخرجه النسائي وكذلك الترمذي ما عدا ذكر القراءة في الركوع والسجود، وقال: «حديث
لا يدع
حسن صحيح.
(1) رواه البخاري. (2/9)
صفحة 634
الفتاوى النكاح
2 ـ أخرج البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن خاتم الذهب، وفي رواية للنسائي أن النبـ نهاني عن تختم
الذهب.
- روى الترمذي عن عمران بن حصين له قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التختم بالذهب.
4 - روى مسلم عن ابن عباس ما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى خاتماً من ذهب في يد رجل فنزعه وطرحه، وقال: «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيطرحها في يده»، فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم خذ خاتمك انتفع به، فقال: لا والله لا آخذه أبداً وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ه - روى النسائي عن أبي سعيد الخدري أن رجلاً قدم من نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده خاتم من ذهب فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إنك جئتني وفي يدك جمرة من نار.
6 - روى النسائي عن البراء بن عازب له الا الله أن رجلاً كان جالساً عند النبي صلى الله عليه وسلم وعليه خاتم من ذهب، وفي يد النبي صلى الله عليه وسلم مخصرة، فضرب بها أصبع الرجل، فقال الرجل: مالي يا رسول الله؟ قال: «ألا تطرح هذا الذي في إصبعك» فأخذه الرجل، فرمي به فرآه النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فقال: «ما فعل الخاتم؟» قال رميت به قال: «ما بهذا أمرتك إنما أمرتك أن تبيعه فتستعين بثمنه» ومهما قيل في الحديث فإنه يعتضد بغيره من الصحاح.
7 ـ روى النسائي عن أبي ثعلبة الخشني الله أن النبي صلى الله عليه وسلم أبصر في يده خاتماً من ذهب، فجعل يقرعه بقضيب معه، فلما غفل النبي صلى الله عليه وسلم ألقاه
قال: «ما أرانا إلا قد أوجعناك أو أغرمناك». (2/10)
صفحة 635
فتاوى الزواج
إن هذه الروايات كافية لِمَن كَانَ لَهُ, قَلْبُ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37] في ردعه عن التختم بالذهب واستعماله، وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: (36)، وإذا ثبت أن خاتم الذهب حرام على الرجل بهذه النصوص القاطعة، فإن الدبلة تتضاعف حرمتها لما فيها من تقليد المشركين والتأسي بهم، وذلك ما لا يصدر إلا من مرضى القلوب الذين تزلزلت نفوسهم وتقلص إيمانهم فإن التشبه بهم ترجمة عملية عما وقر في قلوب هؤلاء المتشبهين من إكبارهم والإعجاب بعاداتهم وحب الانخراط في سلكهم، وتلك عين موالاة الكفار التي حذر الله منها عباده المؤمنين. وهل أدلكم على أصل الدبلة؟
إن أصلها خرافة رومانية ساذجة، فقد كان الرومان يعتقدون أن إلباس الرجل المرأة والعكس إبان الخطبة خاتم حديد في البنصر اليسرى له أثر في حفظ المودة بينهما، لما يعتقدونه من الصلة بين البنصر اليسرى والقلب فكأنهما بذلك يأسر كل منهما قلب صاحبه، ثم تطورت هذه العادة في أوروبا فأصبح الذهب بدلاً من الحديد، وقد فتن بها كثير من مرضى القلوب في بلاد الإسلام (وتعظم في عين الصغير صغارها وأصبحت من عناوين التقدم وشارات الرقي، وما هي لعمري إلا من دلائل التأخر وشواهد الانحطاط. ما بال المسلمين والأوهام التي أفرزتها الجاهلية الرومانية القديمة وورثتها الجاهلية الأوروبية الحديثة؟ وقد أثبت الواقع بطلانها، فكم من زواج معه تبادل الدبلة بين الزوجين حال الخطبة وانقلب إلى مصدر شقاء لهما، وظلا يصطليان حر مشاكل لا تنتهي وشقاق لا يطاق، وما أكثر السعادة التي
صاحبت حياة كثير من الأزواج، مع عدم اتباع هذه العادة الجاهلية.
كان (2/11)
صفحة 636
12
الفتاوى النكاح
ليت شعري إلى متى يظل المحسوبون على الإسلام أذناباً للآخرين يقلدونهم في جميع توافه العادات وسفاسف الأمور؟
هذا وطريقة أكثر الناس اليوم في التختم مخالفة لهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم يتختمون في البنصر اتباعاً لعادات، الآخرين وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف ذلك، فالروايات تدل على أنه كان يتختم في الخنصر، وروى مسلم عن علي - كرم الله وجهه - قال: نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أجعل خاتمي في هذه أو التي تليها، وأشار إلى الوسطى والتي تليها، ونحوه عند أبي داود والنسائي والترمذي، فلينتبه المسلم لهذه الدقائق وليحذر مزالق الأقدام ومزلات الأفهام، والله ولي التوفيق وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والله أعلم.
هل يباح للرجل أن ينظر من المرأة في حال الخطبة إلى ساقيها وساعديها وبعض مواضع الزينة منها؟
له أن يرى الوجه والكفين فقط، دون ما زاد على ذلك والله أعلم.
ما الحكم فيمن خطب امرأة وهي معتدة من طلاق بائن؟ إن خطبها في العدة فأكثر علمائنا يرون حرمتها عليه، وذهب بعضهم إلى أنها لا تحرم عليه بمجرد الخطبة إن كان العقد في حال انسلاخ العدة، ولا خلاف في كون نفس الخطبة في العدة حراماً والله أعلم.
امرأة مستقيمة خطبها رجل يرتكب المعاصي، وهي ترغب في الزواج منه، فماذا تفعل؟
أرى أن تشترط عليه الاستقامة والتقوى وأن تختبره في ذلك، فإن رأت صدقه واطمأنت إلى استقامته فلتتزوجه والله أعلم. (2/12)
صفحة 637
فتاوى الزواج
13
امرأة مستقيمة ترغب في الزواج من رجل غير مستقيم، فبماذا تنصحها؟
إن كانت قادرة على التأثير عليه حتى يستقيم فلتتزوجه، وإلا ففي غيره ما يغنيها عنه، والله أعلم.
ما
حكم الدبلة في الزواج الذي انتشر في مجتمعاتنا، وكذلك في المال الذي يدفعه الزوج لزوجته في ليلة الزفاف؟
الدبلة فيها تشبه بالكفرة فيجب تركها، أما ما يقدم في ليلة الدخلة إلى العروس من زوجها فهو مكروه، لما في ذلك من التشبه بالزناة وما يعطيه الزاني لمزنيته، وحسبها الصداق المفروض لها، والنفقة الواجبة عليه لها والله أعلم. رجل تبين له من الفحوصات الطبية أنه عقيم، ثم تقدم لخطبة امرأة فهل يلزمه إبلاغها بمرضه، أم يكتفي بموافقة وليها؟
لا بد من إبلاغها والله أعلم.
ما حكم النهي في قوله لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه» (1)، وهل يدخل في ذلك إذا كان الخاطب فاسقاً؟
النهي
للتحريم، واختلف هل يشمل ما إذا كان الخاطب فاسقاً أو لا والله أعلم.
طلقت زوجتي بالثلاث وبعد مدة تزوجت المرأة برجل آخر، غير أنها أنها تريد أن ترجع إليَّ وسوف تطلب الطلاق من زوجها، وبعد
أخبرتني
إلحاح منها وافقتها فيما تريد وتم طلاقها فتزوجتها بعد خروجها من
ذلك؟ العدة، فهل يصح
بئس ما كان منكما، فإذا كانت المواعدة على الزواج تحرم المرأة على
(1) رواه الإمام الربيع. (2/13)
صفحة 638
14
الفتاوى النكاح
الرجل الذي واعدها على الزواج في أثناء العدة، فكيف بالمواعدة وهي في عصمة رجل فزواجكما باطل والله المستعان.
خطبت امرأة من أهلها وكان ما بين الخطبة والعقد فترة من الزمن كنت ألتقي بها وأقبلها فهل تحرم عليَّ بهذا الفعل؟
بما أنك لم تجامع تلك الفتاة وإنما قبلتها فلا تلك الفتاة وإنما قبلتها فلا يحرم عليك الزواج بها، لحديث «العينان تزنيان واليدان تزنيان والرجلان تزنيان ويصدق ذلك ويكذبه الفرج»)، ولكن عليك أن تتجنب الخلوة ما لم تعقد عليها قرانك، لأن الخلوة بالأجنبية محرمة لحديث من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة إلا مع ذي محرم» (2) والله أعلم.
ما حكم النهي في قوله لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب (3) وما هي علة النهي، وما حكم من وكل أحداً ليتزوج له وتصادف وقت إحرام الموكل؟ النهي للتحريم، وعلته أن الإحرام عزوف عن كل ما يتصل بشؤون النساء، ويشمل ذلك كون الموكل بأن يتزوج له محرماً، فإن ذلك الإنكاح له يدخل في الحديث والله أعلم.
ما قولكم في رجل خطب امرأة في عدتها وسألنا أب المرأة قبل ذلك فأفادنا بانتهاء المدة وسلمناه المهر. ثم تبين لنا بعد ذلك عدم انتهاء العدة. فما رأي سماحتكم؟
إن كان لم يقصد الخطبة في العدة ولم تنعم المرأة بالموافقة فلا تحرم
عليه والله أعلم.
(1) رواه الإمام الربيع وأحمد.
(2) رواه احمد والطبراني عن ابن عباس وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(3) رواه الإمام الربيع وأبو داود. (2/14)
صفحة 639
فتاوى الزواج
15
ما قولكم في رجل خطب امرأة، واشترط أن يراها ورآها ودخل عليها ورأى امرأة غير التي اختارها؟ وهل ترجع الهدية التي أهداها لزوجته مع الخطبة إذا لم يدخل عليها؟
إذا تزوجها على أنها هي التي رآها فإذا هي غيرها فالعقد غير ثابت، وما
أهداه لخطوبته لا يرجع إليه إلا إن فسخت الخطبة والله أعلم.
فيمن أراد أن يتزوج من بلد يعرف عن نسائه عدم العفة، فهل يجوز له أن يختبر من يريد أن يتزوجها ليتثبت من عفتها؟
إن كان الاختبار بمراودتها عن نفسها فلا يسوغ ذلك والله أعلم.
رجل خطب امرأة لصلاحها فأبى أهلها تزويجه فلما آيس من موافقتهم عمل لهم عملاً حتى وافقوا وزوجوهما علماً إن المرأة موافقة على الزواج من أول الأمر فهل على هذا الرجل إثم في ذلك وهل زواجه بهذه المرأة
صحيح؟
أخطأ
في
والله أعلم.
عمله ذلك وليستغفر الله من خطئه، وزواجه بها صحيح
ما قولكم فيمن خطب امرأة فوافق جميع أهلها غير أن أباها اعترض على ذلك، فهل يجوز لهذا الرجل الخاطب وهو كفء أن يكتب له كتابة محبة أو لا؟
ليس للأب أن يعترض على زواجها بالكفء الصالح، وأرى اللجوء إلى الدعاء خيراً من الكتابة وأنفع، هذا إن كانت الكتابة لا تعدو أن تكون آيات
من القرآن أو دعاء جائزاً، أما إن كانت طلاسم فهي حرام شرعاً والله أعلم. (2/15)
صفحة 640
16
الفتاوى النكاح
تعارف الناس على أنه إذا خطبت امرأة من خارج الأسرة قام وليها فاستشار أبناء عمومتها وأبناء اخوالها إن كانوا يرغبون في الزواج منها قبل أن يزوجها. فهل يدخل هذا في النهي عن خطبة الإنسان على خطبة أخيه أم أنه من لوازم صلة الأرحام وما حكم ذلك؟
هذه من العادات التي يراد بها المحافظة على الكيان الأسري، وإذا لم
يكن ذلك على حساب رغبة المرأة ورضاها فلا بأس به والله أعلم.
رجل خطب امرأة وهي في عدة الطلاق من رجل قبله، هل له أن يتزوجها بعد تمام العدة؟
إن سكتت ولم ترد بالموافقة فلا حرج، وإن وافقته فلتجعل بينها وبينه لجة البحر، والله يغنيه بغيرها ويغنيها بغيره والله أعلم.
الرضا
هل
يصح
للأب أن يكره ابنته على الزواج إن امتنعت بسبب رغبتها في
مواصلة دراستها؟
الزواج بغير رضى المرأة لا يصح، فعلى الأب أن يرغبها في الزواج لمصلحتها من غير إكراهها والله أعلم.
تقدم رجل صالح لخطبتي فرفضت والدتي هذا الرجل، حيث إنها تريدني أن أتزوج بشخص آخر، علماً أن هذا الشخص يشرب الخمر
وهي غير راضية أن أتزوج بغيره فماذا أفعل وهل يصح لي مخالفتها؟
تزوجي بالرجل الصالح وإياك والزواج بشارب الخمر فإنه غير مأمون (2/16)
صفحة 641
فتاوى الزواج
17
على مال فضلاً أن يكون مأموناً على نفس، وليس عليك في هذا حرج إن خالفت أمك فإن في ذلك طاعة ربك، والله يوفقك ويجمع بينكم على خير، والسلام عليكم.
لقد تزوجت رجلاً برضاي وإذن ولي وقد رضيت من الزوج دينه وخلقه، ثم قام بعض إخوتي وأقاربي بمعارضة هذا الزواج بحجة أن الرجل ليس
من قبيلتنا، فهل يجوز لي أن أطلب فسخ هذا الزواج لهذه الأسباب؟ الزواج موقوف على رضى المرأة وإذن الولي وصداق وبينة، ولا وجه لاشتراط أن يكون الزوجان من قبيلة واحدة وبما أنك رضيت بهذا العقد وأذن به وليك فالزواج ثابت، ولا يحق لإخوتك وأهلك إنكاره، ولا يجوز لك طلب فسخه بدون مسوغ شرعي ولا مسوغ فيما ذكرت، على أنك ذكرت بأنك رضيت من الزوج دينه وخلقه فاستمسكي به، والله يبارك في حياتكما ويؤلف بينكما، والسلام عليك.
ما قولكم فيمن زوجها أبوها بغير رضاها برجل سكير، وقد أكل هذا الأب مهرها وقد أبدى الزوج موافقته على تطليقها على أن ترجع إليه المهر الذي دفعه لها، وقد عرضت امرأة من أقاربها أن توفر لها هذا المبلغ بشرط أن توافق على أن تتزوج بأخيها فما الحكم في هذه
المسألة؟
إن كانت رفضت هذا الزواج من أساسه بحيث لم ترض به زوجاً منذ أول وهلة فالزواج غير منعقد لافتقاده شرطاً من شروط صحته، وعليه فلو خطبت في هذه الأثناء لم تحرم على خاطبها، وإنما الورع في ترك ذلك، والله أعلم. (2/17)
صفحة 642
18
الفتاوى النكاح
فيمن خطبها رجل فوافق والداها غير أن جدتها لأبيها رفضت هذا الزواج وماتت على ذلك، فهل ترون تزويجها بهذا الرجل الخاطب بعد موت جدتها أم لا؟
إن كانت الابنة نفسها راغبة في هذا الرجل فلا مانع من تزويجها به لأنها هي العمدة في الرضى مع إذن وليها والله أعلم.
رجل خطب امرأة فزوجه إياها أبوها، غير أن المرأة لم توافق على هذا الزواج بداية الأمر، وبعد العقد كان يجلس معها ولم يظهر له منها عدم رغبة فيه، وقد مضى على زواجه سنوات وله منها أولاد، فهل يعتبر عقده عليها صحيحاً مع عدم توفر رضاها قبل العقد؟
بما أنها لم تغيّر هذا الزواج وأقرته بعد العقد بسكوتها فهو عقد صحيح، فهي إن كان لم ترض به قبل وقوعه رضيت به بعد الوقوع وسكوتها رضى
منها والله أعلم.
رجل تزوج بغير رضى والديه فهل يصح هذا الزواج؟
صحيح
عقد زواج الذكر الحر البالغ لا يتوقف على موافقة أبيه، فالعقد ولو لم يوافق أبوه عليه، وإن كان هو عاصياً بمخالفة أبيه أو أمه والله اعلم. أنا شابة في الثامنة عشرة من عمري، وأسعى جاهدة في نيل رضى المولى، تقدم لخطبتي ابن عمي وهو على غير استقامة في الدين ولا صلاح فهل من نصيحة توجهها إلي؟
علماً بأن موافقتي عليه ستكون سبباً لقطع الخلاف بين العائلتين، ولي أخ صالح سعى في نصحي إلى عدم الموافقة؟
دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة فإن كان هذا الشاب لا يرجى (2/18)
صفحة 643
فتاوى الزواج
19
صلاحه واستقامته لإدمانه الفساد، فالأولى الابتعاد عنه، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه» (1) ومفهومه أن من لا يرضى دينه وخلقه بخلاف ذلك، على أن للزوج تأثيراً على زوجته، والمرأة الصالحة عندما تكون عند رجل غير صالح لا يؤمن منه أن يعرضها لضغوط من أجل أن تنحرف أو على الأقل يعرقل عليها مسلكها الديني، بخلاف الرجل الصالح، لذلك أرى أن توافقي أخاك على رأيه السديد، والله
يقيض لك القرين الصالح الذي يعينك على دينك ودنياك والله الموفق. أكرهني والدي على الزواج بمن لا أرغب الزواج بها وهي كذلك، وأريد أن أتزوج امرأة ترغب في الزواج بي وواجه والدي ذلك بالرفض فما ذلك؟ قولكم في
لقد أخطأ والدك في إكراهك بأن تتزوج من لا ترغب فيها، ويكرر الآن الخطأ في إصراره على أن تمسكها من غير أن تكون راغباً، وهذا يؤدي إلى تقصيرك فيها وإضاعتك لحقها فإن رأيت نفسك غير قادر على توفية حقها فسرحها بإحسان، فإن ذلك هو الواجب، وما عليك من إصرار أبيك على الباطل والله أعلم.
ما قولكم فيمن تزوج امرأة بدون رضاها وإنما أجبرها أهلها على الزواج، والزوج يعلم عدم موافقتها فهل يصح هذا الزواج؟
إن كانت المرأة غير راضية بالزواج فالزواج من أساسه غير ثابت، وإن دخل بها الزوج مع عدم رضاها وعلمه بذلك فهو زان، وبعدم رضاها يفصل
بينهما والله أعلم.
(1) رواه الترمذي وابن ماجه والبيهقي. (2/19)
صفحة 644
الفتاوى النكاح
ما قولكم فيمن زوجها أبوها دون علمها ولما علمت رفضت قبول هذا فلما أخبر الزوج بذلك أصر على التمسك بها ورفض طلاقها
الزواج،
فما الحكم في ذلك؟
لا
الزواج إلا بشروطه، ومن بين الشروط رضى المرأة، فإن كانت يصح غير راضية فالنكاح باطل والله أعلم.
هل يجوز للوالدين إجبار ابنتهم على الزواج بمن لا ترغب فيه أو أن يمنعاها من الزواج بمن ترغب فيه؟
لا يجوز لهما أن يجبراها على الزواج ممن لا ترغب فيه، ولا أن يمنعاها من الكفء الذي ترغب فيه والله أعلم.
عشر
رجل أراد أن يجبر ابنته على الزواج من ابن أخيه الذي يصغرها بأربعة عاماً، علماً ان الولد غير موافق أيضاً على هذا الزواج غير أن البنت تستحي ان تذهب إلى المحكمة وتشتكي على أبيها، فنرجو بيان الحكم الشرعي في ذلك وإبداء نصحكم لولي هذه البنت؟
لا يجوز إجبار البنت على الزواج بمن لا تريده، كما أنه لا يجوز إجبار الولد أيضاً على الزواج بمن لا يريدها، لأن من شرط الزواج رضى الطرفين، فإن لم يکن رضى فلا زواج ويعد الاتصال بينهما، زنى ولا رضى مع الإكراه، وعليه فإن على أب البنت أن يتقي الله وأن يقلع عن الإصرار على هذا الخطأ الفاحش، وإلا فإنه هو الذي سيؤدي ضريبة فعله في الدنيا ويبوء بجزائه في الآخرة والله أعلم.
هل يجب على الولد أن يطيع والده بتزوج امرأة هو لا يرغب في الزواج منها أم يخالفه الرأي أفيدونا أفادكم الله؟
الزواج
هو ربط مصير بمصير وهو نتيجة انسجام المشاعر بين الجانبين، (2/20)
صفحة 645
فتاوى الزواج
21
ولذلك لا يُرغم أحد الزوجين على قبول الزواج مع كونه غير راغب فيه، وكما أن الأنثى لا ترغم على الزواج بمن لا تقبله مع أن لوليها دخلاً في أمر تزويجها فالذكر أولى أن لا يرغم، فإن كان يخشى هذا الولد أن يصل الأمر إلى إضاعة حقوق تلك المرأة وتعريض مستقبلها للضياع، فعليه أن يصارح والده من أول الأمر بأن هذه القضية قضية ليست هيئة، وأنه لا يستطيع أن يتحمل مسؤوليتها في المستقبل والله أعلم.
هل يجوز للأب أن يكره ابنته على الزواج بمن لا ترغب، وما حكم هذا الزواج إن وقع؟ ذلك لا يجوز، ولا يعد هذا زواجاً شرعياً فإن من شروط صحة الزواج رضى المرأة والله أعلم.
ما قولكم فيمن زوجها أبوها قبل البلوغ، فلما دخل عليها زوجها بعد
البلوغ غيّرت الزواج ورفضته، فهل يحق لها ذلك بعدما دخل بها؟ قيل عليها أن تغير فوراً، وقيل لها الغير (1) ما لم تطهر من حيضها، وقيل
ما لم تمكنه من نفسها أو تعترف أنها رضيته زوجاً والله أعلم.
رجل خطب امرأة فأجابه وليها بالموافقة وقبل العقد أراد الخاطب أن يسمع رأي المرأة بنفسها فلم يتمكن من ذلك واكتفى بكلام أهلها، وبالفعل كانت المرأة موافقة على الزواج، فهل العقد يكون صحيحاً من غير أن يسمع رأيها بنفسه؟
بما أن البنت موافقة على العقد فهو صحيح مع استكمال بقية الشروط وهي رضى الولي والصداق والبينة والله أعلم.
(1) الغير: أي التغيير. (2/21)
صفحة 646
22
الفتاوى النكاح
ما قولكم فيمن تزوج امرأة وعند دخوله بها تمنعت عنه وأبدت عدم رغبتها فيه، وإن أباها قد أجبرها على الزواج منه، ثم إن هذا الزوج
أجبرها على المواقعة فهل يعد ذلك اعتداءً منه وماذا يلزمه لها؟
كان الواجب عليه أن يعتزلها بعدما أخبرته أنها غير راغبة فيه، فإن رضى المرأة شرط من شروط صحة العقد، ودخوله بها بعدما أخبرته بعدم رضاها
يعد اغتصاباً منه لها، وعليه لها الصداق في مقابل الاغتصاب والله أعلم.
ما قولكم فيمن خطب امرأة فوافقت غير أن أباها زوجها بابن عمتها بغير رضاها، ثم أن الخاطب الأول حرضها على فسخ الزواج فما زال بها حتى طلقها زوجها، فهل يجوز للخاطب الأول أن يتزوجها بعد تلك الحال؟ إن زوجت إياها كرهاً ولم ترض به في يوم من الأيام فلا حرج في ذلك
والله أعلم.
فيمن عنده بنت ترفض كل من يتقدم لخطبتها بدون أي سبب وهو يخشى عليها الفتنة وبما أن الإسلام لا يبيح إكراه النساء على الزواج فما هو الحل الأنسب في هذه الحالة؟
إن خشي عليها الفتنة فليستعن عليها لإقناعها بالزواج بمن يمكن أن
يؤثر عليها من قرابتها أو مدرساتها أو زميلاتها والله أعلم.
لقد أوصت والدتنا بأن يكون زواج أولادنا من بعضنا البعض، وقد رفضت إحدى بناتنا الزواج من أحد أبناء عمومتها، واختارت لنفسها زوجاً ليس له بها قرابة فهل إجبارها بالزواج بابن عمها جائز أخذاً بوصية الوالدة؟ الزواج من شروطه رضى المرأة المتزوجة، ولا يصح الزواج بإجبارها وإنما عليكم أن تزوجوها بمن أرادته بنفسها والله أعلم. (2/22)
صفحة 647
فتاوى الزواج
23
أنها
شاب عُماني رغب في الزواج من فتاة غير عُمانية، وعلم أنها مقيمة في عُمان بالتصريح من وزارة الداخلية بصفة زوجة مواطن» تحت كفالة ابن عمها العُماني، وبالرجوع إلى تفاصيل الموضوع اتضح جاءت إلى عُمان قادمة من زنجبار وعمرها لا يتجاوز الثالثة عشر سنة، ولما وصلت إلى عُمان عرفت أنها قد زوجت إلى ابن عمها العُماني، حيث ضيق المعيشة هناك وقلة الحيلة في أهلها، ولفارق السن الكبير، ولأسباب عديدة، رفضت الفتاة الارتباط به، وبما أنها في حالة رفضها سوف ترجع إلى زنجبار، ولكثرة معارفها في عُمان من العم والعمة والخال والخالة وغيرها، وتعاطفاً من ابن عمها وتقديراً لشعورها في عدم الارتباط فقد استقرت في عُمان في ظل كفالته، وظلت وسكنت حتى تاريخ كتابة هذه السطور - أي ما يربو على خمس سنوات تقريباً ـ في بيت أختها المتزوجة أيضاً من عُماني.
سماحة الشيخ الموقر هل يجوز الزواج منها؟ وهل لها أن تطلب الطلاق قبل الزواج منه؟ وهل تعتد إذا طلقت؟
الزواج من شروطه إذن المرأة إن كانت بالغاً وإن كانت قبل البلوغ وزوجت فلها الغير عند بلوغها فوراً، وبما أن هذه الفتاة عقد زواجها بأحد الرجال فلا بد من حل هذه المشكلة أولاً ولا يجوز تزويجها بغيره من الرجال حتى تنحل هذه العقدة، لذلك أرى أن تسعوا إلى حلها أولاً وعندئذ يكون الأمر فيه متسع والله أعلم. (2/23)
صفحة 648
24
الفتاوى النكاح
الولي
ما قولكم في رجل من أهل «دبي» أحضر شغالة من الهند وزوجها برجل من أهل محضة بدون ولي من أوليائها ولا بوكالة منهم ثم مات الزوج.
سؤالي:
هل هذا الزواج فاسد لعدم وجود الولي؟ وهل يسعني السكوت عن هذا الزواج كما يروى عن موسى بن علي بسبب إنه دخل عليها ومات وهي عنده؟ وماذا لو كان الزواج فاسداً أو يسع السكوت عنه، فهل لها من الميراث في الحالتين؟ وهل تلحق ابنته به؟ وإذا كان هناك خلاف فما الراجح عندكم؟ وإذا ثبت الزواج فمن أحق بالحضانة أخت البنت من أبيها أم أمها، علماً بأن أمها تعيش في دبي مع كفيلها بصفة مؤقتة كما ان عمر البنت خمس سنوات؟
قول أكثر العلماء أن النكاح باطل لأن إذن الولي شرط من شروط صحة العقد، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا نكاح إلا بولي)) وقوله: (أيما امرأة تزوجت بدون إذن وليها فزواجها باطل باطل باطل) (2) وعليه فيفرق بينهما ويعزران كما يعزر العاقد، وهو الذي عمل به عمر الله وأخذ به الجمهور، وعليه فليس بينهما توارث، وقيل بالسكوت عنهما بعد الدخول، ومن حيث إنه مضت مدة على هذا العقد إلى أن مات الزوج، ولا يبعد أن يكون الولي أتم هذا الزواج - وإن كان احتمال ذلك ضعيفاً ـ أرى أنك إن عملت بهذا الرأي فلا جناح عليك، والولد على كلا القولين لاحق بأبيه لأجل الشبهة والله أعلم.
(1) رواه الربيع والبخاري والترمذي وأبو داود وابن ماجه والنسائي.
(2) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم. (2/24)
صفحة 649
فتاوى الزواج
25
هل يصح أن يأذن الأخ بتزويج أخته إذا كان أبوها يعيش في تنزانيا
ويصعب الاتصال به؟
بما أن أباها غير موجود فى حدود السلطنة ولا فيما حولها، بل هو بمنأى عنها حيث تقطع بينهما لجج البحار فلا مانع إن أذن أخوها بتزويجها والله أعلم.
ما قولكم فيمن لها أب مدمن على شرب الخمر، وقد عضلها عن الزواج ورفض أن يزوجها بمن تقدم لها، وهو الآن رهين السجن فهل يصح لها أن تلي تزويج نفسها بمن أرادت؟
هذه الحالة أن ترفع أمرها إلى القضاء الشرعي وعلى القاضي أن يحل مشكلتها، إما بإرغام وليها - إن أمكن ذلك ـ بأن يزوجها
عليها في الشرعي
بالرجل الصالح الذي تريده، وإما بأمر ولي أبعد بتزويجها والله الموفق.
ما قولكم فيمن كانت في كفالة جدها وأراد أن يزوجها بابن عمها فلم توافق عليه، ثم إنها هربت مع شخص أجنبي وتزوجها عن طريق المحكمة، وقد قاطعها أهلها ومضت سنوات عديدة، ثم إن الزوج والزوجة ندما على ما حصل منهما وتابا إلى الله تعالى مما ارتكباه والآن يسألان عن حكم هذا الزواج الذي تم بدون إذن الولي ويرغبان في نصيحتكم في كيفية إرضاء جدها والاعتذار إليه؟
عليهما أن يستغفرا الله ويتوبا إليه من كل ما خالفا فيه الحق جملة وتفصيلا، أمّا الزواج فإن كان وليها امتنع من تزويجها بمن أرادته فزوجها به قاض شرعى أسند إليه هذا الأمر من قبل حاكم يدين بالإسلام - وإن كان لا يعمل به ـ وكان الزوج مسلماً فهو ثابت وعليه فليستمرا على زواجهما (2/25)
صفحة 650
26
الفتاوى النكاح
ويمكن الاعتذار إلى جدها بأن الذي حصل إنما كان استجابة لنزوة حصلت، وبما أنهما اقترنا بناءً على حكم قاض شرعي فينبغي له أن يوسع لها صدره وأن يعفو عن هفوتها ويقيل عثرتها، فإن لكل إنسان في حياته عثرات ولكن الله يقبل التوبة ويعفو عن السيئات، وما دام الحق تعالى فتح باب التوبة لعباده فلا ينبغي لأحد أن يقف في سبيل تائب والله المستعان.
لقد تقدمت للزواج من إحدى الفتيات، ولكني فوجئت بالرفض من قبل أهلها رغم موافقة البنت نفسها. فبماذا تنصحني؟
أرى أن تحاول إقناع ولي البنت بشتى الطرق وأحسنها توسيط العقلاء من المقربين إليه الذين لهم تأثير عليه، فإن تعذر ذلك وسدت جميع الأبواب فلا مناص من أن ترفع البنت - نفسها - أمرها إلى القضاء الشرعي، وهو الذي بيده كلمة الفصل، وأسأل الله لكم التوفيق لما فيه الخير والسلام
عليكم.
رجل تزوج منذ ثلاث عشرة سنة، وقد جاء إلينا يطلب ورقة زواج فتبين لنا ان الذي أمر بعقد الزواج هو زوج امها بسبب عدم وجود أولياء لها في السلطنة، فما قولكم في صحة هذا الزواج؟
هذه امرأة زوجت بغير ولي، والولي شرط من شروط صحة الزواج، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لا نكاح إلا بولي وصداق وبينة» (1) وفي آخر «إيما امرأة زوجت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل» (2) وقد فرق بينهما عمر له وجلدهما مع من زوجهما فاشدد به يداً والله أعلم.
(1) رواه الربيع والنسائي وأبو داود.
(2) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم. (2/26)
صفحة 651
فتاوى الزواج
27
امرأة وليها متوفى، ولها أخ عمره عشر سنوات، زوجتها أمها بحضور جماعة المسلمين فما قولكم في صحة هذا الزواج؟
إن كان أخوها حضر العقد ورضي به أو رضي به ولو بعد وقوعه وقبل
الدخول فهو عقد صحيح إن كان مميزاً، لأن الصبي المميز يعتد به في ولاية المسألة خلاف، والراجح التفريق
ذلك ففي
النكاح، وإن لم يكن شيء من وإن قال من قال بالسكوت بعد الدخول والله أعلم.
رجلان تزوجا أختين بإذن أخيهما من الأم، حيث إن أباهما متوفى وقد رضي جميع الأهل بهذا الزواج فما ترون في صحة العقد؟
الأخ من الأم ليس بولي، فإن كان أحد من عصبة هاتين الفتاتين وافق على الزواج فهو عقد صحيح وإلا وجب النظر فيه والله أعلم.
رجل أراد أن يتزوج بابنة عمه، وليس لها أب أو أخ أو عم يلي أمر تزويجها، فهل له أن يزوجها نفسه؟
إن لم يكن لها ولي آخر أقرب منه أو في مرتبته فله أن يزوجها نفسه برضاها والله أعلم.
فيمن لها ابن عمره أربعة عشر عاماً وأخ لأم وزوج أم وأبناء عمومة أشقاء فمن أحق بولاية هذه المرأة من هؤلاء؟
الابن هو أولى بولايتها ومن بعده أولاد أعمامها الأشقاء والله أعلم.
هل يصح تزويج المرأة بإذن ابنها مع وجود الأخ؟
لا بأس بتزويج المرأة بإذن ابنها ولو مع وجود أخيها، فقد قيل إن الابن
أولى وإن كان الأخ أكرم والله أعلم. (2/27)
صفحة 652
28
الفتاوى النكاح
فيمن أرادت الزواج وليس لها ولي حاضر فمن أولى بتزويجها؟ إذا أمكن التوصل إلى الولي بيسر فليستأذن في تزويجها، وإلا فالسلطان وليها فلترفع أمرها إلى القضاء الشرعي. والله أعلم
حصلت على ابنة لقيطة فربيتها إلى أن كبرت فإلى من تنسب، وقد تقدم رجل إلى خطبتها مني وهي راغبة وراضية فهل يحق لي تزويجها بحكم إني قد ربيتها أم لا؟
هي مجهولة الأب، ولا يجوز نسبها إلى غير أبيها، لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ} [الأحزاب: 4) إلى قوله: {أَدْعُوهُمْ لِآبَابِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا ءَابَاءَهُمْ فَإِخْوَنُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَلِيكُمْ} [الأحزاب: 5] وعلى هذا فإن لم يكن بد من نسبها إلى أحد فلتنسب إلى عبد الله، لأن أباها من عباد الله، ومما تجب معرفته أن ذلك الذي ربّاها ليس له أن يزوجها بنفسه لأنه غير ولي لها، وإنما وليها السلطان مع عدم وجود ولي لها، وعليه فلا بد من رفع أمرها إلى القضاء الشرعي ليتولى القاضي - الذي هو ممثل السلطان من الناحية الشرعية ـ تزويجها والله أعلم.
امرأة توفي زوجها وهي في ريعان الشباب، وترغب في الزواج وتقدم لها عدة أشخاص ليخطبوها من أبيها، فلم يوافق بسبب الراتب الشهري الذي تستلمه من زوجها المتوفى، فهل هذا يجوز شرعاً؟
هذا الأب ليس من الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر، إذ العضل يتنافى مع الإيمان بدليل من القرآن وهو قوله تعالى: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَضَوا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: 232)، ثم إنه يحرم عليه أن يستأثر بشيء من حقها، فلا يجوز له أن يأخذ (2/28)
صفحة 653
فتاوى الزواج
29
راتبها، وإنما يأكله ظلماً، فليتق الله ربه، وليزوجها ويدفع إليها حقها، وإلّا فعقاب الله بالمرصاد والله المستعان.
هل يجوز أن يكون شقيق المرأة ولياً لها في حالة رفض أبيها؟ يجوز ذلك بعد رفع الأمر إلى القاضي الشرعي، وإصرار الأب على الرفض، وتخويل القاضي الأخ أن يقوم بذلك والله أعلم.
ما قولكم في امرأة أرادت الزواج، فشرط الأب على الموافقة أن يكون مهرها له ليزوج به ابنه الأصغر، على أن يكون تزويجها وتزويج الابن الأصغر في وقت واحد، فلما استبد الأب برأيه أرادت أن تفوض شقيقها الأكبر في أمر نكاحها فما الحكم في
ذلك؟
إن أصر الأب إلّا على استبداده برأيه وإصراره على موقفه، فلترفع أمرها إلى القضاء الشرعي، وعندئذ يفوض القاضي أخاها في تزويجها بمن ترغب فيه والله أعلم.
فيمن خرج أبوها من بلده منذ خمس سنوات ولم يعرف مكانه، وأرادت الزواج ولها جدّ لأب وأخ شقيق، فمن منهما يقوم بأمر زواجها؟
يزوجها أخوها الشقيق برضاها والله أعلم.
أريد الزواج وليس لي ولي، غير أنه يوجد لي خال أبي، فهل يعد خال الأب وليّاً؟
لا يكون الخال ولا خال الأب ولا الأم وليّاً يلي الزواج، وإنما يليه العاصب ولو بعد، فإن كان لك أخ ولو دون البلوغ فهو يلي ذلك إن كان (2/29)
صفحة 654
الفتاوى النكاح
مميزاً، وإن لم يكن فالعاصب ولو من بعيد، وإن لم يكن عاصب فارفعي
أمرك إلى القضاء الشرعي ليتولى تزويجك والله أعلم.
يزوج برضاها، إن كان أبوها في بلد آخر؟ ولم
هل يصح للأخ أن أخته
يعطه وكالة شرعية بذلك؟
نعم إن كانت المسافة بينها وبين والدها بعيدة والله أعلم.
ابنة بالغة عاقلة تزوجت من غير أن يأذن ولي من أوليائها، بقريب لها سبق أن خطبها إلى أبيها فرفضه؟
روى الإمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم لا نكاح إلا بولي وصداق وبينة»، وروى أحمد وأصحاب والسنن وابن حبان والحاكم - وصححاه ـ عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا نكاح إلا بولي». وروى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم وابن حبان وأبو عوانة عن عائشة لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها، باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له، وروى ابن ماجة والدارقطني والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعاً لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج نفسها، والروايات في ذلك كثيرة يعتضد ضعيفها بقويها وهي متضافرة على عدم جواز النكاح إلا بولي، وعلى ذلك استقر رأي الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ، فقد ذكر ابن المنذر أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، ونسبه الحاكم إلى ثلاثين من الصحابة الله أمهات المؤمنين عائشة وأم سلمة وزينب بنت جحش ـ رضي منهم
عنهن
وعنهم أجمعين، وممن ذهب هذا المذهب عمر وعلي وابن مسعود وابن (2/30)
صفحة 655
فتاوى الزواج
31
عباس وأبو هريرة وقال به كثير من التابعين منهم جابر بن زيد والحسن وابن المسيب، ونسب إلى عامة أهل العلم ومنهم ابن شبرمة وابن أبي ليلى وأحمد وإسحاق والشافعي وعليه فقهاء العترة وبه قال أصحابنا، جمهور وذهب إلى خلافه أصحاب الرأي فروي عن الإمام أبي حنيفة عدم اشتراط الولي مطلقاً، وروي عن صاحبيه أن للولي الخيار في غير الكفء وعليه الإجازة في الكفء، وروي عن الإمام مالك اعتبار الولي في الرفيعة دون الوضيعة، وعن الظاهرية اشتراطه في البكر دون الثيب، وتردد ابن بركة من أصحابنا المشارقة بين قول أبي حنيفة وقول الظاهرية وهو إلى قول الظاهرية
أميل، وسبقه إلى ذلك ابن عبد العزيز تلميذ أبي عبيدة كما في «المدونة». واحتج أصحاب الرأي لعدم اشتراط الولي بقياس النكاح على سائر المعاملات، وبحديث ابن عباس - ا - عند الربيع والجماعة إلا البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها» ورواية الربيع «الأيم» بدل «الثيب» وهما بمعنى، وفي رواية لأحمد ومسلم وأبي داود «والبكر يستأمرها أبوها»، وفي أخرى لأحمد والنسائي واليتيمة تستأذن في نفسها، وفي رابعة لأبي داود والنسائي «ليس للولي مع الثيب أمر واليتيمة تستأمر وصمتها إقرارها»، وحمل هؤلاء أحاديث اشتراط الولي على الصبية ومن لا تملك أمرها.
والقول الذي لا غبار عليه قول الجمهور، فإن الله لا اله الا الله جعل أمر النساء إلى أوليائهن لما طبعن عليه من الانسياق وراء العواطف. فقد يؤدي بهن ذلك إلى عدم المبالاة بمن يربطن به مصيرهن، وكثير ممن سلكن هذا الطريق أدى بهن الأمر إلى تجرع الغصص ومكابدة المكاره، ولله في كل حكمة، وحمل الروايات الناصة على اشتراط الولي على الصبية ومن
حكم (2/31)
صفحة 656
32
الفتاوى النكاح
لا تملك أمرها مخالف لما يدل عليه ظاهرها ويؤيده سياقها، ولا حجة فيما استندوا إليه فلا حظ للنظر مع الأثر، وأين النكاح الذي هو ربط مصير بمصير من سائر المعاملات؟ وغاية ما تدل عليه الروايات التي عولوا عليها أن الولي ليس له أن يفرض على وليته من لم ترض به زوجاً، ولا يعضلها عمن ارتضته لنفسها ممن لا يخشى عليها من قبله في دينها ولا دنياها، ولا يعضلها عمن ارتضته لنفسها ممن لا يخشى عليها من قبله في دينها ولا دنياها، وقد فرقت بين الثيب والبكر فأعطت الثيب في حرية الاختيار تعطه البكر لسابق تجربتها، وعلى أي حال فإن من الخطأ الفادح يفرض الولي على وليته من لم ترض به، كما أن من الخطأ أيضاً أن يحول
ما
لم
أن
بينها وبين من رضيته إن لم يخش عليها من قبله في دينها ولا دنياها. وإن وقع الزواج بلا ولي فإن لم يدخل بها أجازه الولي إن لم يخش عليها من قبله بذلك النكاح، وإن دخل بها فأكثر علمائنا على التفرقة وصح بينهما وهو المروي عن عمر، فقد أخرج الشافعي والدارقطني عن عكرمة بن خالد قال: جمعت الطريق ركباً فجعلت امرأة منهن ثيب أمرها بيد رجل غير ولي فأنكحها فبلغ ذلك عمر فجلد الناكح والمنكح ورد نكاحها، وذكر المحقق الخليلي رحمة الله قولاً لبعض علمائنا بجواز إتمام الولي بعد الدخول وهو ضعيف.
وقال ابن بركة: وقال كثير من أصحابنا إن المرأة إذا وضعت نفسها في كفء لم يكن لوليها فسخ ذلك النكاح ولا يفسخه الحاكم، ولكن يأمرون بتجديد النكاح بحضرة الولي إذا لم يقع الدخول، وهذا يدل من قولهم على حسن السياسة والتأديب، لئلا يجرأن على الخروج من آراء أوليائهن والاستخفاف بحقوقهم. (2/32)
صفحة 657
فتاوى الزواج
33
وذهب الإمام موسى بن علي رحم الله من علمائنا العُمانيين في أول القرن
الأمة
الثالث الهجري ـ إلى السكوت عن المتزاوجين بدون ولي إن وقع الدخول بينهما، ولا يفرق بينهما، وهو مبني على الاحتياط لشبهة الخلاف المسألة، وقد جنح إلى هذا الرأي جماعة من علمائنا العُمانيين، وما سبق
في
بين
أولى بالصواب لاعتضاده بمدلول الروايات والأثر المروي عن عمر. وبالجملة فإن الخلاف في القضية موجود، وما حدث عندكم مما أوردتوه في السؤال ما هو إلا ثمرة عدم التزام الآباء بما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من استثمار بناتهم في تزويجهن وعدم عضلهن عمن يرتضين، وإكراههن على من لا يرضين، فعالجوا هذه المشكلات بترياق السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
لقد ابتليت بابنة رغبت بالزواج من رجل لا أراه صالحاً لها في دينها ولكنها مصرة على الزواج منه، وأنا لم أوافق ولن أوافق لأنني أعتقد أنه سوف يضرها في دنياها وآخرتها، وهي ترفض أي رجل آخر غيره، وقد عملت كل ما يلزم من النصح والإرشاد، واستعنت بجميع الأقارب والأرحام في ذلك: 1 - إذا أضرت هذه البنت بنفسها من جراء عدم موافقتي على هذا الرجل للزواج بها، كأن تؤذي نفسها أو تنتحر لا سمح الله، هل يلحقني ذنب وإثم عند الله تعالى.
2 - وكذلك هل أنا آثم إذا خرجت من البيت دون إذني وتصرفت
بحياتها وأمورها، وربما ترتكب ما هو عار في الدنيا والآخرة؟
3 ـ هل لي أن أؤدبها بالضرب ونحوه حتى ترتدع عن هذا الأمر الذي أصبح يقض مضجعي ومضجع والدتها؟ (2/33)
صفحة 658
34
الفتاوى النكاح
1 - جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه»، ومفهومه عدم الأمر بالزواج إن كان لا يرتضي دينه ولا خلقه، وعليه فإن كنت مراعياً في تصرفك أمر الله تعالى وارتكبت هي بحماقتها ما أدى بها إلى الهلكة فأنت لا تعد سبباً لما ارتكبته، وإنما هي التي تتحمل مسؤولية ذلك والله أعلم.
2 ـ وكذلك لا إثم عليك إن أصرت على الخروج وارتكاب ما يتقى، فإنك أديت ما عليك وليس عليك من فعلها شيء. - وبما أنك وليها فلك تأديبها بالمعروف بقدر ردعها عن تصرفها
الأهوج، لأن هذا مما يدخل في مصلحتها والله أعلم.
ما قولك في امرأة أرادت الزواج وليس لها، ولي، ولها ابن عمره سبع سنوات فهل تأذن بالزواج بنفسها أم يأذن به هذا الولد؟ إن كان الابن مميزاً فهو وليها وهو الذي يأذن بزواجها ممن تريد الزواج به، وإن كان غير مميز فوليها السلطان وعليها أن ترفع أمرها إلى القاضي الشرعي ليزوجها، لأنه مخول من قبل الحاكم العام بذلك والله أعلم. فيمن أرادت الزواج ولها عم فامتنع عن تزويجها، فهل يصح الذي يبلغ عمره أربعة عشر سنة أن يلي تزويجها؟
الأخ أقرب من العم وأولى بتزويجها والله أعلم.
لأخيها
هل يصح أن تزوج المرأة بإذن أخيها إن كان أبوها يعيش في دولة أخرى؟ الأولى أن يوكل أبوها أخاها ليقوم نيابة عنه بهذه المهمة والله أعلم. (2/34)
صفحة 659
فتاوى الزواج
35
امرأة مطلقة ولديها ولد عمره اثنا عشر عاماً، فهل يمكن لهذا الولد أن يأمر بتزويجها إن رغبت في الزواج؟
لا حرج في ذلك فإن ابن اثني عشر عاماً مميز مراهق بل يحتمل البلوغ
والله أعلم. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: والأيم أحق بنفسها من وليها» (1) فهل المقصود بذلك
أن لها أن تزوج نفسها من غير إذن وليها؟
ليس كذلك فإن «أحق للتفضيل، وذلك
يعني أن لها ولوليها حقاً وحقها
أوفر، ولكن لا بد من إذنه والله أعلم.
ما قولكم فيمن تزوجت بإذن أخيها وبرضاها مع وجود الأب والإخوة الكبار، فهل يتم الزواج بذلك؟
إن أتم الأب هذا العقد قبل الدخول فهو صحيح، ويعجبني بعد الدخول أن يسكت عن هذا الزواج نظراً إلى أنه كان بأمر ولي وإن يكن أبعد والله أعلم.
ما قولكم فيمن زوج شقيقته البالغة برضاها وفي البلدة نفسها والد والدها أي جدها، ووالدها خارج البلد، فهل يفرق بينها وبين زوجها على هذه الصفة، لأنه لم يدخل بها وإن أتم الجد تجديد العقد فهل
يكفي ذلك؟
إن أتم الجد العقد مع غياب الأب ثبت العقد ولا داعي إلى عقد جديد
والله أعلم.
(1) رواه الإمام الربيع ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود. (2/35)
صفحة 660
36
الفتاوى النكاح
هل ينفذ أمر الولي وهو الأب في زواج ابنته التي بلغت اثنتي عشرة أو
ثلاث عشرة سنة؟
لا مانع من ذلك شرعاً خصوصاً إن كانت بالغة ورضيت بذلك والله أعلم. ما قولكم في امرأة تريد الزواج وليس لها سوى إخوة وعمومة من الأب ومن الأبوين، لمن يرجع أمرها بالإذن لزواجها، ومن أولى بأمرها في الزواج؟ وهل لها الحق أن تتزوج بدون رغبتهم أم لا؟
الأولى بزواجها الأخ الشقيق ثم الأخ الأبوي ثم أبناؤهما بحسـ الترتيب ثم العم الشقيق ثم الأبوي والله أعلم.
توفي والدي ولدي جد لأم وكلما خطبني شخص وأوافق عليه يرفض جدي أن يوافق عليه، بل يريد أن يزوجني بمن لا أرغب فيه، فهل يحق
له ذلك؟
اعلمي أولاً أن الجد أبا الأم ليس بولي لأنه ذو رحم، والولاية لا تكون إلا لعاصب، واعلمي أيضاً أن الولي ليس له أن يجبرك على الزواج بمن لا تريدينه، وليس له أن يمنعك من الزواج بمن تريدينه من الأكفاء، فإن أردت زوجاً صالحاً وأرادك وامتنع وليك من تزويجك به فارفعي أمرك إلى القضاء الشرعي وكفى به فاصلاً والله الموفق.
فيمن وكل أحداً تزويج ابنته برسالة عادية فهل يثبت هذا التوكيل؟ إن كان الكاتب معروفاً وكتابته معروفة وهو ثقة عدل فلا مانع من
الاعتماد على كتابته طمأنينة لا حكماً والله أعلم.
فيمن زوجها جدها لأبيها وأبوها موجود ولكنه مشغول بأموره الخاصة، (2/36)
صفحة 661
فتاوى الزواج
37
وهو يسكن في بيت آخر والجد هو الذي يقوم بشؤون هذه المرأة وتربيتها منذ صغرها فهل يثبت هذا التزويج؟
قيل لا بد من موافقة أبيها وهو أحوط، وقيل: إن زوجها الجد أبو الأب
أجزى ذلك برضاها والله اعلم.
عندي
أخت من الأم وهي تسكن معي تسكن معي في البيت وقائم بالإنفاق عليها، فتقدم رجل لخطبتها فأخبرت والدها فلم يوافق، علماً بأن منزله يبعد حوالي ثلاثين كيلومتراً فهل يصح أن أزوجها ذلك الرجل؟ ليس لك أن تزوجها لأنك غير ولي لها، وإنما وليها أبوها فإن امتنع فلترفع أمرها إلى القضاء الشرعي، وعلى القاضي أن يكلفه ذلك والله أعلم. ما قولكم في رجل حلف أن لا يأمر بملكة ابنته فهل يصح لأخي البنت أن يأمر بملكتها بذلك إن رضيت البنت أم ماذا عليه أن يفعل؟
كفارته أن يطعم عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة فإن لم يجد فليصم ثلاثة أيام وذلك بعد الحنث، وإن عقد الأب بنفسه أو وكل الابن بأن يأمر بالعقد لم يحنث، وكل ذلك جائز والله أعلم.
ما قولكم في امرأة بكر تقدم إليها رجل كفء ليتزوجها فوافقت غير أن أباها رفض، بحجة أن الرجل له زوجة أخرى فهل يعتبر ذلك عضلاً
تزويجها؟
نعم ذلك عضل وهو غير جائز فعليه أن يزوجها به والله أعلم.
عن
تزوج رجل امرأة هندية وقد عقد عليها بأمر وكيلها الشرعي في عمان، غير أن هذا الوكيل ظل يماطل في إحضار المرأة من الهند حتى وصلت (2/37)
صفحة 662
38
في
الفتاوى النكاح
القضية إلى والي المنطقة، وفي هذه المدة توفي الرجل وقام والده بمتابعة الموضوع فتم الصلح بينه وبين وكيل المرأة على أن يتنازل هذا الوكيل عن المطالبة بحق المرأة في ميراث الزوج الهالك. فما الحكم الشرعي ذلك؟ أيحق لهذا الوكيل إسقاط نصيب موكلته من الميراث؟ إن كان الزواج مستكملاً لجميع شرائطه الشرعية وهي رضى المرأة وإذن وليها وصداق وبينة ولم يتلبس بشيء من الموانع الشرعية فهو ثابت، وللمرأة ميراثها ولو لم يدخل بها الزوج، ولا يملك أحد إسقاط حقها سواء كان وكيلاً أو ولياً اللهم إلا أن تتنازل عنه بنفسها مع أهليتها للتنازل وذلك بأن تكون حرة بالغة مختارة غير مكرهة، وتنازل وكليها لا يعد شيئاً
والله أعلم.
فيمن وكله شخص في تزويج ابنته فهل يصح له أن يتزوجها بنفسه إن
رغب فيها؟
ليس للوكيل أن يزوج نفسه بالمرأة التي وكل بتزويجها، لأنه من المعلوم أن الولي عندما وكله لم يقصد ذلك - ولا بد من اعتبار المقاصد في العقود ـ وهي تقيد إطلاق ألفاظها، اللهم إلا إن ينص على ذلك في التوكيل هذا ما ظهر لي والله أعلم.
امرأة حلف أبوها أن لا يزوجها ابن عمها وقد توفي أبوها بعد ذلك فهل يلزمها شيء على هذا الحلف؟
الحلف لا أثر له على غير الحالف نفسه ولها أن تتزوج بمن ترتضيه من الأكفاء والله أعلم. (2/38)
صفحة 663
الصداق:
فتاوى الزواج
39
ماذا يقصد بالعاجل والآجل عند ذكر صداق المرأة؟
العاجل من الصداق هو ما يدفعه الرجل إلى امرأته عند زواجهما، والآجل هو الذي يبقى عليه ديناً منسأ (1) إلى أن تبين منه بوجه من وجوه الفراق ولا مانع إن اتفقا على تعجيل جميع الصداق أو تأجيله والله أعلم. كيف السنة في تقديم المهر (الصداق)، وهل المعمول به الآن في تقديم المهر العاجل والآجل من السنة عنه الصلاة؟
لم
أجد سنة في ذلك، وإنما الثابت وجوب الصداق للزوجة سواء عجل أم أجل أو عجل بعضه وأجل بعض، وهذا هو الذي جرى عليه العمل واستحسنه الناس لتقوية الرابطة بين الزوجين ببقاء حق لها عليه
والله أعلم.
فيمن تزوج امرأة منذ سنة ونصف ولم يدفع لها صداقها حتى الآن، فهل
يصح
له تأخير دفع الصداق؟
إن كانت تطالبه بصداقها فليس له تأخيره وإن كانت راضية بالتأخير فلا حرج عليه والله أعلم.
تقدم رجل لخطبة إحدى بناتنا ووافقناه على ذلك وقد دفع الصداق، ثم إنه أخذ يؤخر العقد يوماً بعد يوم حتى طالت الأيام، وبعد فترة جاء
(1) مؤجلاً. (2/39)
صفحة 664
الفتاوى النكاح
علماً
يطالب باسترجاع الصداق الذي دفعه وأنه قد أخر عن الزواج، بأن ما دفعه قد صرفناه لتجهيز الزواج وذلك بإذن منه، فما قولكم في التصرف الذي صدر من هذا الرجل وهل يبقى له حق في الصداق أم لا؟ لقد أساء في ذلك، أما الصداق فمرده إليه إن كان لم يعقد عليها، ولئن كان ألجأكم إلى خسارة مالية فعلى القاضي - إن لم تتفقوا ـ أن يقدر الخسارة
والله أعلم. رجل عليه مال لشخص ولم يقدر على دفعه إليه، ثم إن صاحب الحق خطب ابنة هذا الرجل، فهل يجوز له أن يجعل صداقها مقابل ما عليه
من حق له؟
الصداق إنما هو للمرأة لا للأب فإن رضيت بطيب نفسها أن يكون
صداقها ما بيد أبيها من حق للزوج فلا حرج في ذلك والله أعلم.
رجل تزوج امرأة ودفع لها جزءاً من الصداق ثم طلقها قبل الدخول بها، فما يحق لها من الصداق؟ علماً أنه كان يختلي بها؟
إن كان الزوجان اتفقا على أنه لم يجامعها في خلوته بها فلها عليه نصف الصداق كله عاجله وآجله فإن كان ما بيدها أكثر من النصف ردت إليه ما زاد، وإن كان دون ذلك زادها ما نقص، إلا إن عفت فأسقطت أو عفا فأتمه والله أعلم.
جميع
الصداق
ما قولكم في جواز تأخير جزء من الصداق يدفع للمرأة عندما تنحل عقدة الزواج بينهما؟
مما لا خلاف فيه بين أهل العلم أن الصداق يجوز أن يعجل كله وأن (2/40)
صفحة 665
فتاوى الزواج
41
يُؤَجل كله، وأن يعجل بعضه ويؤجل بعضه، وليس في شيء من ذلك حرج، وإنما هو بحسب اتفاق الطرفين، والمؤمنون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً والله أعلم.
وقعت في فترة من فترات حياتي في بعض المخالفات الشرعية كالزني ببنات قبل بلوغهن واللواط بالأطفال وقد تبت من ذلك وندمت على ما وقعت فيه، فهل يلزمني شيء من الحقوق تجاه هؤلاء، وهل يجزي أن أتصدق عنهم من غير أن أخبرهم عن ذلك، خوفاً من الوقوع فيما
لا يحمد عقباه؟
إن كنت وطئت أنثى صبية أو مجنونة أو أمة أو مكرهة وهي بكر فعليك عقرها وهو عشر ديتها، وإن كانت ثيباً فنصف عشر ديتها، هذا إن كان الوطء في القبل، وإن كان في الدبر فمثل الثيب سواء في الذكر أو الأنثى والله أعلم، هذا ولا مخلص لك إلا بدفع هذا الحق إلى مستحقيه أو من يقوم مقامهم، إلا إن تنازلوا عنه بطيب نفوسهم عندما يكونون يملكون حق التنازل، ولا يغني عن ذلك التصدق عنهم إذ لا يسوغ لأحد أن يتصدق من مال الغير إلا بإذنه، ولا يلزمك أن تخبر عن وجه استحقاقهم هذه الحقوق عليك، بل يكفيك أن توصل حقهم إليهم وإن لم يعرفوا مصدره إن تيقنت بلوغه إليهم والله أعلم.
هل يجوز تطليق الزوجة قبل الدخول بها، وماذا يجب لها من جهة الصداق؟ لا مانع من تطليق الزوجة قبل الدخول بها، ويجب على الزوج لها نصف الصداق الذي اتفقا عليه عاجله وآجله، إلا إن تنازلت عن الكل أو أتم هو لها الصداق، وذلك لقوله تعالى: {وَإِن طَلَقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ جميع (2/41)
صفحة 666
42
الفتاوى النكاح
هُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوا الَّذِي بِيَدِهِ، عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة:
237] والذي بيده عقدة النكاح هو الزوج في قول الجمهور والله أعلم.
فيمن طلق زوجته قبل الدخول بها، فهل يرجع إليه المهر الذي دفعه لها أم يكون ذلك حق للمرأة بمجرد العقد؟
إن طلقها ولم يدخل بها فلها عليه نصف الصداق المسمى حاضره وآجله، إلا إن عفت فأسقطته أو عفا - فأتمه لقوله تعالى: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوا
الَّذِي بِيَدِهِ، عُقْدَةُ النِّكَاحَ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [البقرة: 237) والله أعلم.
هل يصح أن يدفع الرجل لزوجته الصداق الآجل وهي ما تزال في
عصمته؟
ليس في ذلك حرج والله أعلم.
فيمن توفي عنها زوجها قبل الدخول بها، وهو فقير لا يملك شيئاً فكيف تحصل المرأة على صداقها الأجل؟
الصداق الغائب من جملة الديون فتحاصص به الديون في التركة
والله أعلم.
تم الاتفاق بين العائلتين أن يتزوج ابني بنت عمته بمهر وقدره 2500 ريال، وقد تم دفع مبلغ 500 ريال وعقد قرانه بها، إلا أن ابني توفي قبل دخوله بها، والسؤال هل يجب علينا دفع المبلغ المتبقي من المهر؟ نعم يجب دفع الصداق من تركة الميت إلى امرأته كاملاً، فإن الوفاة كالدخول والله أعلم. (2/42)
صفحة 667
فتاوى الزواج
43
فيمن تزوج امرأة منذ زمن بعيد، وقد جعل مؤخر صداقها خمسمائة قرش، والآن طلق هذه المرأة وأراد أن يدفع لها ريالات بدل القروش، حيث إن القروش قد ارتفع سعرها الآن، والمرأة تطالبه بالقروش فهل يلزمه ذلك؟
عليه أن يدفع إليها قروشاً كما اتفقا على ذلك من أول الأمر، فإن لم يجدها فبقدر قيمتها، إلا إن تنازلت عن ذلك والله أعلم.
فيمن طلبت أن يكون صداقها حلق لحية خاطبها، فما الحكم في ذلك؟ ذلك زواج باطل، إذ لا زواج إلا بصداق ولا يكون الصداق معصية الله
والله أعلم.
فيمن زنت زوجته وثبت ذلك عليها، وقد طلبت منه الطلاق، فهل يحل له أن يسترد تكاليف الزواج التي أنفقها، وكذلك المهر هل يسقط بسبب الزني؟ أما التكاليف فلا ريب أنه لا يمكنه استدراكها لأن النفقة لا تسترد، وأما الصداق فقيل يبطل صداقها، بزناها وقيل: لا وهو الذي يدل عليه الحديث، ولا يرفع الخلاف إلا حكم قاض شرعي والله أعلم.
:
فيمن طلق زوجته بالثلاث قبل الدخول بها فهل له مراجعتها، وإن كان ليس له ذلك فهل يحق له استرداد المهر؟
بانت منه بالثلاث فلا يملك رجعتها ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، وأما الصداق فإن كان لم يرخ عليها ستراً فالقول قوله إنه لم يجامعها، ولها عليه نصف الصداق إلا أن يعفو فيتمه أو تعفو فتحطه، وإن كان أرخى عليها ستراً فالقول قولها، فإن صدقته أنه (2/43)
صفحة 668
44
الفتاوى النكاح
لم يطأها فالقول قولها ولها عليه نصف الصداق، وإن ادعت الوطء فعليه الصداق كاملاً والله أعلم.
رجل خطب امرأة واتفقوا على المهر والتكاليف الأخرى، ثم تراجع هذا
الرجل عن الزواج فهل له أن يسترجع ما دفعه إليها أم لا؟
إن كان لم يعقد عليها الزواج فنعم يسترجع ما دفعه إليها، وإن كان تم العقد بينهما ثم طلقها قبل الدخول فعليه لها نصف ما اتفقا عليه من الصداق عاجله وآجله، إلا إن عفت فأسقطت الجميع أو عفا فأكمل لها الصداق والله أعلم. هل يصح أن تدفع المرأة صداقاً للزواج بها؟
أما أن تصدق المرأة الرجل فذلك مسلك مناف للفطرة ومخالف للشرائع، فإن الله تعالى يقول: {وَءَاتُوا النِّسَاءَ صَدُقَتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: 4] وقال عندما أراد أن رجلاً بامرأة «التمس ولو خاتماً من حديد» (1)
يزوج
النبي فلم يأمر الله النساء بأن يؤتين الرجال صدقاتهم، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم المرأة بأن تلتمس ولو خاتماً من حديد لتصدق به الرجل، أما أن تهب المرأة الرجل
مالاً من أجل ان يتزوجها به ويصدقها منه فلا حرج في ذلك والله أعلم.
هل يجوز للأب أن يطلب من الخاطب سيارة أو ما شابه ذلك إن كان الخاطب قادراً على ذلك؟
لا، فإن ذلك من الجشع الذي يؤدي إلى عرقلة الزواج، والصداق إنما
هو للمرأة وليس لأبيها والله أعلم.
(1) رواه الإمام الربيع والبخاري ومسلم وأبو داود وأحمد. (2/44)
صفحة 669
فتاوى الزواج
45
رجل خطب بنتاً من أهلها وطلب مشاهدتها وبالفعل تم اللقاء بينهما بحضور أهل الطرفين، بعد ذلك تم قبول الزوج واتفقا على المهر بإذنها وإذن وليها واستلم والد الفتاة المهر المتفق عليه، وطلب الخطيب تجهيز خطيبته، وصرف المهر في مستلزمات التجهيز من ذهب وملابس وما شابهه، ولم يبق من المهر شيء من المبالغ النقدية، وفيما بعد أبدى عدم رغبته في الفتاة أي رفض الزواج منها بدون عذر كان، وبعد ذلك حاول والد الفتاة إرجاع الذهب والملابس المشتراة للخطيب إلا أن الخطيب لم يوافق على ذلك، وأصر على رجع مبالغ المهر نقداً وعداً،
فما رأي سماحتكم بذلك، علماً بأنه لم يتم عقد زواج بينهما؟
ذلك
من إخلاف الوعد وهو قبيح على أي حال، لذلك عده النبي صلى الله عليه وسلم من خصال النفاق، وهو في مثل هذه الحالة أقبح، وبما أن ولي المرأة تصرف في المبلغ بإذن الخاطب فما له إلا ما اشتراه الولي مع ما تبقى والله أعلم. شاب خطب فتاة ودفع لها المهر، وقبل الزواج بأيام اعتذر عن إتمام الزواج، وادعى بأن أحداً ما قد عمل له عملاً حتى يرفض هذا الزواج، فهل يحق لهذا الشاب أن يسترجع المهر الذي دفعه للفتاة بعدما صرف هذا المهر في تجهيز مستلزمات الزواج؟
إن كان لم يعقد عليها الزواج فما لها صداق عليه، وإن كان عقد زواجه بها وأراد تطليقها وقد سمى لها صداقاً فلها عليه نصف ما سمى عاجله وآجله، إلا أن تعفو أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح، وعفوها هو إسقاط الصداق كله، واختلف في الذي بيده عقدة النكاح قيل هو الولي وعفوه إسقاط الصداق أيضاً، وذلك فيما إذا كانت المرأة غير مالكة لأمرها وهي الصبية والمجنونة، وهو قول لبعض العلماء، وقيل هو الزوج وعفوه إتمام ما (2/45)
صفحة 670
46
الفتاوى النكاح
سمى من الصداق وهو قول الأكثر وعليه العمل، والأصل في هذا قوله تعالى: وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ هُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوا الَّذِي بِيَدِهِ، عُقْدَةُ النِّكَاحَ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [البقرة: 237] والله أعلم.
هل يصح للأب أن يأخذ شيئاً من مهر ابنته بدون إذنها، علماً بأنه لا يأخذه كله بل يأخذ بعضه؟
لا يحل له منه شيء إلا بإذنها، فكل أولى بماله والداً كان أو ولداً، والصداق للمرأة لا لوليها، قال تعالى: {وَءَاتُوا النِّسَاءَ صَدُقَنِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: 4] ولم يقل: آتوا أولياء النساء ... والله أعلم.
أن
عدم
تزوجت رجلاً فتبين لي أنه عاجز عن المعاشرة، فصبرت عليه واحتسبت الأمر عند الله، عند الله، ولم أكشف أمره خوفاً على كرامته، ولكن بدلاً أن يجازيني بالإحسان إحساناً أخذ يسيء معاملتي ويتهمني أمام أهله الإنجاب سببه راجع إليَّ وراح يفضحني أمام الناس، ثم بعد ذلك جاء إلى والدي وأخبره بأنه يريد أن يطلقني لأنني لست قادرة على الحمل، وأنه يريد أن يرجع إليه المهر الذي دفعه لي. أرجو من سماحتكم أن توجهوني بالنصح وهل يلزمني أن أرد إليه الصداق الذي دفعه أم لا؟
إن طلقك وهو لم يباشرك فلك عليه نصف الصداق بنص القرآن وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ فَهُنَّ فَرِيضَةً فَيَصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) [البقرة: 237]، والأولى أن تكشفي أمره إن لم يتجاوب معك بالمعروف والله أعلم. (2/46)
صفحة 671
فتاوى الزواج
47
لمن يكون الصداق للزوجة أو للأب أو للأم؟
قال تعالى: {وَءَاتُوا النِّسَاءَ صَدُقَتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: 4] فليس الصداق للأب ولا للأم، وإنما هو للزوجة وحدها والله أعلم.
امرأة توفي زوجها ولها صداق آجل مقداره ثمانون قرشاً فكم تعادل هذه القروش بالصرف الحالي؟
يرجع في تحديده إلى الصاغة فإنهم هم الذين يعرفون قيمة الفضة وليقدرها بقيمتها يوم الدفع والله أعلم.
رجل طلق زوجته فلما انتهت عدتها أراد أن يتزوجها بعقد جديد، ولكنه لم يكن يملك مالاً ليمهرها إياه، فوهبته المرأة عشرين ريالاً ليصدقها إياه، فهل في ذلك حرج؟ وهل له إن أراد طلاقها أن يطالبها بشيء مما دفعه لها؟
لا حرج في أن تهب المرأة رجلاً مالاً ليصدقها إياه، سواء كان سبق له أن تزوجها أم لا، وإن أراد طلاقها فليس له أن يطالبها بشيء ولو أصدقها من ماله الشيء الكثير، لأن الله تعالى يقول: {وَإِنْ أَردتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زوج وَعَاتَيْتُمْ إِحْدَهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ، وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِيتَقًا غَلِيظًا} [النساء: 20، 21] والله أعلم.
هل يجوز للمرأة أن تعطي بعض مالها لرجل على أن يقدمه لها مهراً دون أن يدفع هو شيئاً من عنده؟
لا مانع من أن تهب المرأة لرجل مالاً على أن يصدقها إياه والله أعلم. (2/47)
صفحة 672
??
الفتاوى النكاح
ما قولكم في الصداق الآجل للمرأة هل يجب لها في حالة موت الزوج؟ الصداق الآجل يجب بخروج المرأة عن عصمة الرجل بموت أو
نعم،
طلاق والله أعلم.
هل يجوز للعم أو الأخ أن يأخذ شيئاً من صداق وليتهما إن سمحت
لهما بذلك؟
ليس للعم ولا للأخ أن يأخذ من صداقها شيئاً إلا إن أعطتهما من طيب قلبها، من غير إكراه ولا استحياء والله أعلم.
ما قولكم في رجل تأخر عن الزواج لعدم استطاعته توفير المهر، فهل
يجوز له أن يقترض من البنك بالربا إن خاف على نفسه العنت؟ في هذه الحالة يجوز له السؤال، والأخذ حتى من زكوات الناس من أجل ضرورة المحافظة على الدين بالزواج الشرعي، وأما الربا فلا والله أعلم.
هل يحق للزوجة أن تطالب زوجها باستبدال ورقة الغائب (1) إن كانت الورقة السابقة غابت منها؟
إن كان الصك غائباً فعليه إبداله بغيره والله أعلم.
توفيت زوجتي قبل أن أدخل بها، فماذا يلزمني لها، وماذا لي منها؟ عليك أن تؤدي لها ما اتفقتما عليه من الصداق العاجل والآجل، ولك الميراث وهو نصف التركة التي خلفتها، حتى الصداق الذي أصدقتها إياه إن
كانت لم تستهلكه والله أعلم.
(1) هي ورقة يثبت فيها الصداق الآجل للمرأة. (2/48)
صفحة 673
الكفاءة في الزواج
فتاوى الزواج
49
رجل خطب امرأة فرفضه وليها بحجة أنه مولى فهل هذه الفروقات النسبية ثابتة في الكتاب والسنة، وهل هناك تفاضل في هذا الجانب؟ أما من حيث التفاضل فلا تفاضل إلّا بالتقوى، وأما من حيث مشروعية الولاء فهو ثابت بنص الحديث، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب» (1)، كما ثبت الملك بالكتاب والسنة، فإن الله تعالى يقول: ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَزَقْنَهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا [النحل: 75] ... الآية وأما جواز التزاوج بين الجانبين فلا خلاف فيه، وإنما الخلاف في اعتبار ذلك في التفاوت في الكفاءة والله أعلم.
أردت أن أخطب امرأة فلما استشرت أمي في ذلك لم توافق، بسبب أن هذه المرأة من قبيلة البلوش، فحاولت جاهداً إقناعها بكون هذه المرأة التي أرغب فيها امرأة صالحة وموافقة لنا في المذهب الإباضي، فأحسست أن أمي موافقة عليها ولكن دون أن تصرح بذلك، فهل اعتبر ذلك موافقة منها وأقدم على هذا الزواج وإن امتنع أولياؤها ـ وهم إخوتها - عن تزويجها فهل يصح أن يزوجها ابنها الذي يبلغ سبع
سنوات أم أنها تزوج نفسها، بينوا لي الطريق جزاكم الله خيراً؟
عليك أن تبر أمك بطاعتها فيما تأمرك به وعليها هي أن تعينك على برها، فرحم الله والداً أعان ولده على بره، لذلك أرى أن تحاول جهدك بأن تقنعها ـ أي أمك ـ بقبول زواجك من هذه المرأة ما دامت برة مستقيمة، فإن العبرة بالاستقامة على التقوى لا بالأنساب والأحساب فالله تعالى يقول:
(1) رواه الإمام الربيع والبيهقي والدارمي وابن حبان والحاكم وغيرهم. (2/49)
صفحة 674
0.
الفتاوى النكاح
يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْتَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَابِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَنْقَلَكُمْ [الحجرات: 13]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا فضل لعربي على أعجمي
والسلامة
إلا بالتقوى» (1) وأما الزواج فقد حث فيه الله باختيار ذات الدين فقد قال: تنكح المرأة لدينها وحسبها ومالها وجمالها فاظفر بذات الدين تربت يداك» (2) والبلوش هم أحرار ليس بهم شيء من العار الذي قد يلصق بمن صاهرهم فلا داعي إلى النفور من التزوج منهم، كيف والنبي صلى الله عليه وسلم تزوج من غير العرب فقد تزوج صفية بنت حيى الإسرائيلية وكانت سبية في غزوة خيبر، ومن هو أعرق نسباً وأرفع حسباً من النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو سيد العرب والعجم، فأقنع أمك بأنه لا مكروه في هذا الزواج. أما تزويج أما تزويج المرأة لنفسها بدون إذن وليها فلا يجوز، ولكن يجوز أن يزوجها ابنها إن كان مميزاً والله أعلم.
هل يجوز للرجل أن يتزوج امرأة من الموالي؟
هي حرة وإن كانت مولاة، إلا إن كانت مملوكة ويجوز الزواج بها، أما المملوكة فلا يجوز للحر أن يتزوجها إلّا بشرطين وهما خوف العنت وعدم وجود الطول إلى نكاح الحرائر وذلك لأن أولادها تبع لها في الرق والله أعلم.
ما قولكم في الكفاءة الدينية والنسبية في النكاح؟
لا بد من الكفاءة الدينية، واختلف في الكفاءة النسبية والله أعلم.
(1) رواه أحمد ورواه أبو داود والترمذي. (2) رواه البخاري ومسلم والبيهقي والنسائي (2/50)
صفحة 675
فتاوى الزواج
أنا شاب أرغب في الزواج بامرأة مستقيمة صالحة ولكنها من الموالي، وأخاف من المجتمع الذي يرفض مثل هذا الارتباط، فما حكم هذا الزواج، وما هي نصيحتكم لي؟ وهل يعتبر ذلك عيباً على
الأولاد؟
لا حرج عليك في الزواج بها شرعاً ولا يعد ذلك عيباً إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَنْقَنَكُمْ} [الحجرات: 13] أما الأعراف السائدة فالتغلب عليها أمر يتوقف على قدرات الإنسان نفسه، فانظر بنفسك لنفسك، واستخر الله ربك
والله أعلم. هناك صيحات من قبل كثير من المفكرين تنادي الرجل بأنه لا يقدم على الزواج من امرأة ـ كما تنادي المرأة كذلك - إلا بعد مراعاة المستوى الطبقي والاجتماعي والتعليمي، فينصحون مثلاً أن من لديه مؤهل جامعي يقدم على الزواج من امرأة لا تتكافأ معه في هذا الميدان، ما رأيكم في مراعاة المستويات؟
ألا
لا عبرة بالشهادات التي يحملها الناس وقد يكون الكثير منها شهادات زور ـ والعياذ بالله ـ، وإنما العبرة بالدين والأخلاق، فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما رد الناس إليهما «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه)، وعندما ذكر ما تنكح لأجله المرأة من المال والجمال والحسب والنسب قال: «فاظفر بذات الدين تربت يداك» (2)، ولا عبرة أيضاً بالمستوى الاجتماعي مع الخلو من الدين، فهذه الأمور يجب أن نكون على بينة منها والله أعلم.
(1) رواه الترمذي وابن ماجه.
(2) رواه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود. (2/51)
صفحة 676
?
52
الفتاوى النكاح
يقول البعض بأن الإسلام يراعي جانب التكافؤ في النسب مثلاً من أجل المحافظة على تركيبة المجتمع وخشية أن يحدث خلل بسبب هذه الطبقية،
فلماذا لا يراعى المستوى التعليمي على أنه تحدث نفس المشلكة؟
نفس مراعاة التكافؤ في النسب أمر فيه خلاف بين الفقهاء، وهو أمر غير مجمع عليه، فلا ينبغي أن يكون هذا الأمر سبباً في إحداث قيود لم يشرعها الإسلام من قبل والله أعلم.
عقد الزواج:
رجل تزوج بامرأة وبعد أن بنى بها علم بحملها ولم يعلم إن كان لها زوج سابق أم لا فطلقها، فلما وضعت أراد أن يتزوجها من جديد فهل يجوز له ذلك؟
العقد
في حالة الحمل فاسد من أساسه فلا داعي إلى الطلاق بعده، وإنما الخلاف في حلها لمن تزوجها في الحمل بعقد جديد بعد وضعها، قيل تحرم عليه حرمة أبدية، وقيل تحل له بأربعة شروط: وهي أن لا تكون عالمة بالحمل، وأن لا يكون هو عالماً وأن لا يطأها بعد علمهما، أو علم أحدهما بالحمل، وأن يكون الحمل تابعاً لزوج سابق والله أعلم.
فيمن تزوج بامرأة فتبين أنها حامل وبعد الترافع لدى القاضي حكم ببطلان العقد فتزوجها أخوه بعد ذلك ثم طلقها فهل تصح للزوج الأول إن أرادها؟
اختلف في جواز تزوج الرجل بامرأة تزوجها وهي حامل فقيل بأنها تحرم عليه بذلك حرمة أبدية، وقيل تحل له بعد وضع حملها أن يتزوجها (2/52)
صفحة 677
فتاوى الزواج
53
زواجاً جديداً بأربعة شروط: وهي
أن لا تكون هي
عالمة بالحمل، وأن
أحدهما
لا يكون هو عالماً به، وأن يكون لم يطأها بعد علمهما أو علم بالحمل، وأن يكون ذلك الحمل تابعاً لزوج سابق شرعاً، ومع اختلال أحد هذه الشروط لا يجوز له الزواج بها والله أعلم.
هل يجوز لرجل أن يتزوج بامرأة تسبب في طلاقها من زوجها؟ لا وألف لا، فإن من تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه والله أعلم.
ما حكم من تزوج امرأة وبعد عشرة أيام من العقد ولدت له؟ الزواج في أثناء الحمل باطل، وإن تعمد الزوجان ذلك حرم كل منهما على الآخر والله أعلم.
رجل عقد قرانه على امرأة واشترطوا عليه الزواج بعد سنتين لأجل إكمال المرأة دراستها فهل يلزم بهذا الشرط إن أراد الزواج قبل هذه المدة؟ الزواج هو نفس عقد القرآن، وأما الدخول فهو أمر يترتب على الزواج الذي هو العقد، والشروط المتفق عليها في العقد ثابتة ما لم تكن باطلة من أساسها إلا أن تنازل عنها المشترط والله أعلم.
هل يصح للولي أن يعقد بنفسه الزواج على وليته أم لا؟
لا مانع من ذلك بل ذلك هو الأصل والله أعلم.
وجدت في باب النكاح من كتاب «تلقين الصبيان»: أنه يجوز للرجل أن يزوج نفسه من امرأة متى استكمل وفهم الشروط والأركان المطلوبة شرعاً. فهل هذا الحكم ينطبق على الثيبات والأبكار من النساء أم لا؟ إن كان ولياً للمرأة فلا مانع من أن يزوج بها نفسه برضاها، سواء كانت (2/53)
صفحة 678
54
الفتاوى النكاح
ثيباً أم بكراً، وإن كان وليها غيره وأذن له أن يزوج بها نفسه فلا حرج في
ذلك والله أعلم.
هي
رجل يعيش في بريطانيا لأجل الدراسة فأراد الزواج ولكنه لا يتمكن من الرجوع إلى عُمان لإتمام العقد، فهل له أن يوكل من ينوب عنه وما ألفاظ العقد في هذه الحالة؟
عليه أن يوكل من ينوب عنه في قبول العقد ثم يشهد هو شاهدين بأنه قد قبل ذلك العقد، والعاقد يقول زوجت فلان بن فلان ... فإن قبلها وكيله الشرعي فلان بن فلان فكونوا عليه من الشاهدين ويقول الوكيل قبلت فلانة بنت فلان بنت فلان زوجة لموكلي فلان بن فلان ... إلخ والله أعلم.
هل يلزم من يقوم بعقد الزواج أن يتأكد من المرأة نفسها عن رضاها، أم بأمر الولي، وإن اكتفى بذلك فهل تقع عليه المسؤولية إن تبين
يكتفي
له بعد ذلك عدم موافقتها؟
يكتفي بأمر الولي له ما لم يتبين له عدم موافقتها، وإن اكتشف بعد العقد أنها غير موافقة فما عليه من مسؤولية في ذلك، لأن لها الغير إن رفعت أمرها إلى القضاء الشرعي والله أعلم.
هل وجود شاهدين وبدون حضور قاض أو عالم دين، مع إعلان كل من الرجل والمرأة الموافقة على الزواج أمام الشاهدين، يجعل مثل هذا الزواج صحيحاً حتى لو أحيط بالسرية بعد ذلك؟
نظراً لما لعقد الزواج من أهمية وما يترتب على الزواج من آثار وحقوق، فإن الشريعة الإسلامية أحاطت الزواج بسياج يحفظ له أهميته ويعطيه قدره. هذا السياج ما هو إلا شروط لا بد من الإتيان بها جميعاً، (2/54)
صفحة 679
فتاوى الزواج
55
حتى يكون الزواج شرعياً أي صحيحاً يترتب عليه أثره. هذه الشروط هي أربعة نصت عليها أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله: «لا نكاح إلا بولي وصداق وبينة» (1)، فهذا الحديث ينص على ألاً زواج معتبر شرعاً إلا بموافقة ولي المرأة بعد رضاها ثم الإشهاد على ذلك، أما شرط المهر فقد نص عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَءَاتُوا النِّسَاءَ صَدُقَيْهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: 4]، وما شرع شرط من هذه الشروط إلا لحكم عظيمة ومقاصد شريفة تمنع العابثين من الاحتيال والخديعة. ومن هنا ترى بأن السؤال ذكر شيئاً هو ليس من الشروط وأهمل ما هو شرط معتبر فحضور قاض أو عالم دين ليس شرطاً لصحة الزواج، ولكن لا بد من إذن الولي - وهو ما لم يذكر في السؤال ـ، والزواج بدون موافقة الولي باطل لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل» (2).
أما فيما يتعلق بالشهود فإن الاثنين متى ما كانا عدلين فهما الحد الأدنى المعتبر في الشهادة، والأولى - كما دلت السنة - إكثار الشهود وإشهار العرس والوليمة له والله أعلم.
ما قولكم في عقد الزواج الباطل أو الفاسد بسبب القرابة المحرمة أو لسقوط ركن من أركانه، فما هي الآثار المترتبة على هذا العقد كالميراث والصداق والعدة والنسب؟
إن كان الزواج باطلاً بسبب الحرمة المجمع عليها أو لسقوط شرط مجمع عليه فلا يترتب عليه توارث بين المتزاوجين، وأما الصداق والعدة فيجبان بالدخول، وكذلك نسب الأولاد من أجل شبهة النكاح والله أعلم.
(1) رواه الإمام الربيع.
(2) رواه النسائي وأبو داود والترمذي والحاكم وابن ماجه والبيهقي. (2/55)
صفحة 680
10
الفتاوى النكاح
ماذا لو قالت امرأة حرة لرجل «وهبتك نفسي أو «أنا ملك يمينك» هل يعطى هذا الرجل الحق في معاشرتها ... ؟ وإذا كانت الإجابة بنعم هل يشترط وجود شهود على ذلك؟
لا يجوز لامرأة أن تهب نفسها لرجل، بعد أن كان هذا الحكم مشروعاً في حق النبي صلى الله عليه وسلم فقط - أي هو من خصوصياته الله - لأنه أولى بالمؤمنين أنفسهم، أما غيره فلا يشرع لهم ذلك، ولا يترتب على مثل هذه الكلمة إن صدرت من امرأة أية آثار.
من
أما أن تملك نفسها لرجل فهذه غاية الجهل وهو ما حرمه الإسلام ولم يبحه قط، كيف يباح لحر أن يملك نفسه لغيره، إن هذا إلا غاية في الجهل
وإتباع للشيطان وغواياته عصم الله منه المسلمين والمسلمات والله أعلم. رجل خطب امرأة فاشترط عليه أهلها أن يبني لها بيتاً بجوار بيت أهلها فوافق على ذلك، فهل يثبت هذا الشرط؟
«المسلمون على شروطهم إلّا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً» والله أعلم. ما قولكم في رجل تزوج بامرأة واشترطت عليه أن يكون سكنها عند أهلها ولم يكتب هذا الشرط في عقد الزواج فهل يلزمه على هذه الصورة؟ المسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حلالاً والله أعلم.
جاءني شخص خاطباً ابنتي وقد وافقت بشرط أن لا ينقلها إلا بعد إتمام دراستها فهل يلزمه هذا الشرط وهل له أن ينقضه بعد أن يرضى به؟ إن اشترط على نفسه فالمسلمون على شروطهم إلا إن تنازلت هي عن شرطها والله أعلم. (2/56)
صفحة 681
فتاوى الزواج
ما قولكم فيمن لا يعرف الكلام ويريد وليه أن يزوجه فكيف
نکاحه؟
إن كان أعجم قبل عنه وليه وأشار نفسه إلى القبول والله أعلم.
هل يكفي ذكر اسم المرأة واسم أبيها في عقد الزواج؟
يتم
OV
عقد
يكفي ذكر اسم المرأة واسم أبيها في عقد زواجها، إلا إن كان ثم لبس لمشابهتها غيرها في اسمها واسم أبيها مع عدم وجود القرينة المانعة من قصد غيرها، ففي هذه الحالة يتعين ذكر ما يميز المرادة منهما كاسم الجد أو النسب لدفع اللبس والله أعلم.
ما قولكم فيمن قام بعقد قران لرجل وقد استأذن العاقد والد البنت وكان لا يعرف اللغة العربية ولكنه فهم منه أنه موافق. فهل يتم العقد على هذه
الحالة؟
إن فهم العاقد موافقة الولي أو ترجم له الأمين فلا حرج عليه إن اعتمد هذه الموافقة فَعَقَد الزواج بناء على ذلك والله أعلم.
من المعروف أن عقد القران في بعض قرى وولايات السلطنة لا يتم عن طريق الكتابة وإنما يتم بطريقة التلقين حيث يقوم أحد رجال الدين بقراءة بعض الكلمات ويقوم الزوج بترديدها من بعده وبعد ذلك الزواج ... فهل هذا الزواج يعتبر صحيحاً من وجهة نظر سماحتكم؟ وما هو الواجب اتباعه في مثل هذه الحالات؟
يتم
هذا هو الأصل في الزواج الشرعي، وهو الذي مضى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته والتابعون لهم بإحسان، فقد كان العقد في النكاح وغيره نطقاً باللسان والله أعلم. (2/57)
صفحة 682
??
الفتاوى النكاح
هل يلزم لمن عقد النكاح أن يسأل المرأة سواءً كانت بكراً أم ثيباً أم يتيمة عن رأيها في الزواج أم يكتفي بإذن الولي؟
يجوز له أن يزوجها بإذن وليها إن لم يعلم أنه أكرهها على ذلك، واليتيمة لا رأي لها حتى تبلغ وينتهي اليتم والله أعلم.
فيمن تزوج امرأة وانتسب إلى غير عشيرته أثناء العقد فهل يعتبر العقد في هذه الحالة غير تام؟
إن كان مزوجاً بعينه فهو يأثم بانتسابه إلى غير عشيرته، ولكن لا يقدح ذلك في صحة الزواج لأنه هو المعني بالعقد والله أعلم.
ما قولكم في خروج المرء مع زوجته بعد العقد والخلوة بها؟ وهل يحق للولي أن يعترض على ذلك؟ وخاصة إذا كان الخروج في أعمال الطاعة كحضور الدروس ونحوها؟
إذا عقد الرجل الزواج على امرأته فهي حليلته، يباح له منها كل ما يباح للرجل من أهله، فلا مانع شرعاً من أن يخلو بها ويحملها معه، ولا ينبغي للولي أن يعترض على ذلك إن لم يكن يخشى محذوراً من وراء ذلك، خصوصاً عندما يكون ذلك داعياً لاستفادتها وإفادتها والله أعلم.
في
لي أربع زوجات وطلقت واحدة منهن طلاقاً رجعياً، وفي اليوم الثاني عقدت على امرأة أخرى بدلاً منها ولم أدخل بها حتى الآن. فهل يثبت هذا العقد أم أنه عقد باطل؟
العقد باطل، لأن الطلاق الذي طلقته المرأة الرابعة رجعي، وهي ما تزال العدة، فهي في حكم الزوجة ترثها وترثك لو مات أحدكما في خلال عدتها، (2/58)
صفحة 683
فتاوى الزواج
59
وتجب عليك نفقتها وسكناها في العدة ويلحقها طلاقك إن طلقتها ثانية أو ثالثة قبل انسلاخ العدة، فتزوجك أخرى قبل انتهاء عدتها في حكم الجمع بين خمس زوجات، وهو عين السفاح فدع هذه المرأة فإنها ليست لك بزوجة والله أعلم.
فيمن أراد الزواج من بلد غير بلده ولكنه لا يقدر على السفر، فهل يصح أن يسافر أحد أقاربه ويختار له زوجة وينوب عنه في قبول الزواج حيث يتم العقد في بلد الزوجة؟
يوكل من ينوب عنه في قبول الزواج، ثم يشهد هو على قبول ذلك
والله أعلم. ما قولكم في يتيمة ابنة ثلاثة عشر عاماً، أراد جدها ـ والد أبيها - تزويجها لمصلحتها وحفاظاً عليها - حسب نظره ـ، فهل يصح تزويجها قبل أن تبلغ مبالغ النساء؟ وهل يصح للعاقد أن يعقد عليها؟ وإن وقع
العقد بأمر جدها فهل تسلم نفسها للزوج للمعاشرة أم لا حتى تبلغ؟ تزويج اليتيمة فيه خلاف بين العلماء، والأحوط أن يكون تزويجها بعد البلوغ لا قبله، تفادياً للمشاكل وخروجاً من عهدة الخلاف، وإن وقع العقد قبل البلوغ فالأولى أن يكون الدخول بعده حتى ترضى بمن زوجت به زوجاً، ولها الحق أن تفسخ العقد فور بلوغها ولو دخل بها الزوج، وإنما يلزمه لها الصداق بالدخول لأن لكل موطوءة صداقاً، أما لو لم يدخل بها وفسخت العقد لم يلزمه شيء والله أعلم.
امرأة طلقت، وبعد ثلاثة أشهر تزوجت بآخر، فإذا بها حامل من الزوج الأول، وبقي معها الزوج الثاني مدة أربعة أشهر حتى بلغ حملها ثمانية أشهر، فقيل لزوجها إنها حامل من غيرك ولا تحل لك، فردها إلى أهلها (2/59)
صفحة 684
الفتاوى النكاح
بأمر قاضي المنطقة على أساس أن الزواج باطل، ولما وضعت ردت عليه بنكاح جديد من غير علم من القاضي بل باتفاق من الزوج وأهل المرأة، فما حكم ذلك؟
العقد على الحامل باطل، لقوله تعالى: وَأُوَلَتْ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمَلَهُنَّ [الطلاق: 4]، وهل تحل بعد وضع حملها لمن تزوجها في الحمل وغشيها؟ ذلك مما اختلف فيه، فذهب أبو عبيدة الكبير من أئمتنا من إلى تحريمها للأبد، جرياً على طريقة أصحابنا ـ رحمهم الله ـ الذين يحرمون كل موطوءة بغير حق على الواطئ وإيصاداً لباب الفساد في وجوه المفسدين، وذهب كثير منهم إلى إباحتها له بعد وضع حملها بعقد جديد مع كل لوازمه من ولي وشهود وصداق ورضى المرأة، وذلك بشروط أربعة ـ أولها: أن لا يكون الزوج عالماً بحملها، وثانيها: أن لا تكون هي عالمة به، وثالثها: أن لا يباشرها بعد علمهما أو علم أحدهما به ورابعها أن يكون ذلك الحمل من نكاح تقدم، بحيث يلحق زوجاً قبله، وهذا الرأي هو الذي اختاره الإمام ضياء الدين عبد العزيز الثميني وعزاه إلى الأكثر، وهو الذي يقتضيه الدليل، فإن تحريم الزانية على من زنى بها إنما هو عقاب إجرامهما، ولا إجرام إن كانا غير عالمين بالحمل، ولا ارتكبا أي محظور بعد علمهما، والأصل في النكاح الإباحة إلا ما تناوله نص التحريم، لعموم قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] والقول الأول أحزم وأحوط، هذا وقد مال أحد أشياخنا المتأخرين إلى إسقاط الشرط الرابع من الشروط السالفة لاحتمال أن تحمل من غير زوج وهي غير زانية في الحكم، كأن تؤتى غصباً أو مناماً، وحكى القطب رحمه الله فيما إذا علمت بالحمل ولم يعلم هو أنها تحل له ويحرم عليها، وهو من الإشكال بمكان، فإنه إذا ثبت عنده علمها لم يسعه أن يحملها أو يواقعها على ما لا يسعها، ورابطة
الزواج رابطة شرعية مقدسة، يجب أن تبرأ من كل الشوائب والله أعلم. (2/60)
صفحة 685
فتاوى الزواج
1 ?
ما قولكم فيما يقوله بعض الناس من عدم جواز الزواج أو عقد النكاح في شهر صفر، وما بين عيدي الفطر والأضحى؟
بئس ما يقول هؤلاء الذين يقولون على الله ما لا يعلمون، فيصادمون أحكامه ويناقضون شرعه ويفترون على الله الكذب، أما صفر فالتشاؤم به من عادات المشركين أهل الجاهلية، وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم بنسف عاداتهم وعقائدهم، فقد قال لا هامة ولا عدوى ولا صفر» (1)، وكذلك الزواج بين الفطر والأضحى، فإن أهل الجاهلية كانوا يتشاءمون من الزواج في شهر شوال، وقد خالفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتزوج أم المؤمنين عائشة نا في شوال وبنى بها في شوال، وكانت أحظى نسائه عنده، فمن تشاءم من الزواج بين العيدين فقد اقتدى بأهل الجاهلية وترك الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفى بذلك إثماً مبيناً فإن كل أحد يحشر مع إمامه والله
المستعان.
نسمع من بعض الناس أنهم يتشاءمون من شهر صفر ويمتنعون من الزواج فيه وينظرون عند رغبتهم في الزواج في المنازل الفلكية زعماً منهم أنها تتوقف عليها علاقتهم الزوجية؟ فما حكم الشرع في
ذلك؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم لا هامة ولا عدوى ولا صفر (2) فالمسلم لا يتشاءم بشهر صفر، وإنما هذه عادات أهل الجاهلية وكفى به ضلالاً مبيناً، على أن النظر في المنزلة من أجل الزواج ليس من شأن المسلمين وإنما ذلك من عادات المجوس والله أعلم.
(1) رواه الإمام الربيع والبخاري ومسلم وأبو داود وأحمد. (2) رواه الإمام الربيع والبخاري ومسلم وأبو داود وأحمد وغيرهم. (2/61)
صفحة 686
62
الفتاوى النكاح
ما رأيكم في الزواج بين العيدين، إذ يقول بعض الناس إنه لا يجوز الزواج ولا العقد بين العيدين وإلا يكون زواجاً مشؤوماً؟
الامتناع عن عقد الزواج والبناء بالمرأة فيما بين عيدي الفطر والأضحى والتشاؤم من ذلك من عادات الجاهلية ومعتقداتها وقد هدم ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بفعله، فقد تزوج النبي أحب نسائه إليه في شهر شوال وبنى بها في شهر شوال، وهي عائشة الصديقة بنت الصديق، وقد كانت تقول كما جاء في صحيح مسلم وغيره تزوجني النبي صلى الله عليه وسلم في شهر شوال وبنى بي في شهر شوال، وأي نسائه كانت أحظى عنده مني» وفي هذا ما يكفي المؤمن أسوة حسنة، وزجراً عن التلوث بشيء من عادات أهل الجاهلية ومعتقداتها، عملاً بقوله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21) والله أعلم.
ما قولكم فيمن له أربع زوجات ثم عقد على زوجة خامسة، فما ترون العقد الأخير من حيث الصحة وعدمها؟
العقد باطل، ويفرق بينه وبين هذه المرأة الخامسة ولا تحل له أبداً
والله أعلم.
امرأة طلقت من زوجها قبل الدخول بها، ثم تقدم لخطبتها رجل آخر فرفض أهلها تزويجه، وادعوا بأنه كان السبب في تطليقها من زوجها، غير أن المرأة والخاطب ينكران ذلك وينفيانه نفياً قاطعاً، فهل يجوز تزويجه على هذه الصورة؟
الأصل في الناس براءة ذممهم من التهم، ولا يقبل في ذلك قول أي قائل، والواجب حسن الظن بالمسلم ما لم تقم حجة مقبولة شرعاً على (2/62)
صفحة 687
فتاوى الزواج
63
خلافه وعليه فلا مانع من التزاوج بين هذين ما لم تثبت هذه الدعوى ضد هذا الرجل والله أعلم.
هل يمكن أن تشترط المرأة على زوجها أن تكون العصمة الزوجية بيدها؟ أما أن تنتقل العصمة منه إليها فلا، ولكن لها أن تشترط إن رأت منه ما يسوؤها أن يكون لها حق تطليق نفسها والله أعلم.
تقدم رجل لخطبة أختي وهو ذو خلق، فوافقت عليه جميع الأسرة بما فيهم أختي المخطوبة غير أن أمي اعترضت على هذا الزواج، وأصرت على موقفها عناداً وتعصباً لرأيها فهل نتم هذا الزواج مع اعتراض الأم؟
لا حق لأمكم في الاعتراض على زواج ابنتها، فإن أصرت على موقفها وكانت الابنة موافقة على هذا الزواج فزوجوها بمشيئة الله وبركته والله أعلم.
هل يصح
أن يكون طلاق المرأة بيدها؟
ذلك حق للرجل إلا إن جعل طلاقها بيدها والله أعلم.
الغرر
رجل تزوج امرأة على أنها بكر فظهر له خلاف ذلك فبماذا تنصحونه؟ الأولى له أن يمسكها ولا يذكر ذلك لأحد، لاحتمال أن تزول البكارة بغير وطء نحو القفز والركوب الطويل، ولئن كان زوالها بوطء فيحتمل أن يكون باغتصاب من غير أن ترضى أو أنها أتيت وهي طفلة، فلا يحكم بعدم عفتها إن لم يجدها الزوج بكراً، وإن لم يسمح فله المطالبة بالفارق بين صداق البكر وصداق الثيب والله أعلم. (2/63)
صفحة 688
64
الفتاوى النكاح
رجل وجد في ليلة النقلة أن زوجته قد زالت بكارتها فاتهمها بأنها ليست ابنة بيت فما الحكم في ذلك؟
ليس زوال البكارة شاهداً على الزنا فقد تزول البكارة بأسباب أخرى كالركوب الطويل والقفزة، وغيرهما، وعليه فإن كان الرجل لم يقذفها بالزنا فلا مانع من رجوعها إليه وعليه إحسان الظن بها والله أعلم.
ما قولكم في امرأة خطبها جماعة لشخص، وأخبروا أباها بأن هذا الرجل مرضي في دينه وخلقه وأنه لم يسبق له الزواج من قبل، فوافق الأب على تزويج ابنته وانخدع بكلامهم، ولما تم العقد تبين له أن الرجل الذي زوجه على خلاف ما وصفوه له وزيادة على ذلك فهو رجل مدمن للمسكرات، فهل يحق للمرأة والحال كما ذكرنا أن تطلب الطلاق من
هذا الرجل؟
إن قامت الحجة أن الخاطبين خدعوا أباها فلها الحق في تغيير هذا
الزواج والله أعلم.
الزفاف
ما قولك في الذين يقيمون حفلات الزفاف، ويحضرون فيها المغنين والمغنيات في بلد مليئة بالمسلمين، ويبثون هذا الغناء عبر مكبرات الصوت، فيؤذون بذلك المسلمين في سائر البلد. فما قولك أولاً في إقامة الغناء في حفلات الزفاف؟
ذلك من فعل أهل الفسوق، الذين أغواهم الشيطان وأضلهم عن ذكر الله وصدهم عن الحق، وإلى مثل ذلك يشير قول الله عَل وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى (2/64)
صفحة 689
فتاوى الزواج
65
لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [لقمان: 6] كما فسره ترجمان القرآن وإمام المفسرين ابن عباس ـ ا ـ والله أعلم.
ما قولك في إقامة بعض حفلات «العزواة» أو «الرزحة» (1) في الأعراس وتكون للرجال فقط، ويكون فيها شعر الافتخار والوعظ؟
إن كانت غير ملهية عن ذكر الله وعن الصلاة فلا بأس بها، شريطة أن لا تكون مصحوبة بمنكر والله أعلم.
وإن صحبت هذه العزاوي أو (الرزحات بضرب الطبل للرجال، فهل في
ذلك حظر؟
نعم يحج ذلك، إلا ضرب الدف في الأعراس، وفيما يستوجب الإشهار
والله أعلم.
وهل يمكن أن نطلق على أولئك الذين يقيمون الغناء ـ كما في السؤال الأول أنهم من جنود إبليس، وأنهم مفسدون في الأرض؟
إن أصروا على ذلك فنعم والله أعلم.
وهل يعد الغناء كبيرة من كبائر الإثم، بحيث يكون مرتكبها كافراً كفر
نعمة؟
إن أصر على ذلك فاعله فإصراره كبيرة والله أعلم.
ينتشر في بعض المناطق ظاهرة طلب المرأة من زوجها في ليلة العرس مبلغاً من المال يفوق بعض الأحيان ما دفعه لها من مهر،
(1) هي رقصات عُمانية شعبية تؤدى في المناسبات. (2/65)
صفحة 690
? ?
الفتاوى النكاح
وسبب هذه الظاهرة تحريض أمهات هؤلاء العرائس، وكما تعلمون سماحتكم تكاليف الزواج وما يتبعه من مصاريف باهظة فتزيد هذه على تلك. فنرجو أن تبينوا لنا إن كانت هذه الظاهرة موافقة للتعاليم الإسلامية أم لا؟
هذه بدعة مخالفة لهدي الإسلام الذي يحض على تيسير تكاليف الزواج، ويحصر الحق المادي الذي يجب على الزوج أثناء الزواج في الصداق، فإذا آتاه زوجته لم يجز لها أن تمنع نفسها منه، ولم يجز لأحد أن يحضها على الامتناع، وما تأخذه من بعد لأجل تمكينه من نفسها سحت إن كان لا يدفعه إليها إلّا اضطراراً، فإن الذي يحلها له الصداق الشرعي لا ما تأخذه بالتحايل والامتناع من تمكينه من حقه فلتتق الله العرائس في ذلك،
ولتتق الله أمهاتهن اللواتي يحملنهن على هذه العادات السيئة والله أعلم.
في كثير من الأعراس اليوم ينتهجون برامج عدة في أفراحهم، ومن تلك البرامج تدريب بعض الفتيات الصغيرات على الرقص المصحوب بالأناشيد مع تنوع الرقصات والملابس خلال الحفل، وبرنامج آخر هو التصفيق للعروس عند رقص الفتيات وعند دخول الزوج لأخذ عروسه. ما حكم الرقص الموضح سالفاً؟ وما حكم التصفيق؟
التدريب على الرقص هو تدريب على الفساد، ولا سيما الرقصات المثيرة، إذ لا يؤمن أن يكون الرقص فيما بعد هواية لهؤلاء الفتيات المدربات، لذلك كان ذلك منع حتى على الفتيات الصغار من باب سد ذرائع الفساد، فيجب المنع، وأما التصفيق فهو من عمل الشيطان، فإن الله أنكره مع الصفير على المشركين بقوله: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاة وَتَصْدِيَةً} [الأنفال: (35) فالمكاء الصفير والتصدية التصفيق، على أنه (2/66)
صفحة 691
فتاوى الزواج
67
ـ
روي عن ابن عباس - ا - أنه من عمل قوم لوط، وكفى به دليلاً على حرمته والله أعلم.
هناك ثوب شهرة معروف عند الناس باسم (فيلي) وهو ثوب أبيض واسع الأطراف، ضيق على الجسم ولونه أبيض تلبسه العروس ليلة زفافها، وهو غالي الثمن في أكثر الأحيان، حيث يصل أقل سعر له حوالي (300 ريال)، ويلبس لليلة واحدة، ثم يؤجر بعد ذلك لمن أرادت، والإيجار ربما بـ (200 ريال أو أكثر).
هل يجوز لبس هذا الثوب بالنسبة للمرأة المسلمة؟
أولاً: الإسراف في الثمن من التبذير المحرم، والثوب الذي يصف لا يجوز للمرأة لبسه، وإرخاء الذيل أكثر من ذراع لا يجوز للمرأة المسلمة، لذلك كان على المسلمة تجنب مثل هذا الثوب والله أعلم.
رجل تزوج امرأة وما زال أهلها يطالبونه بما اعتاده أهل مجتمعه من إظهار الخرقة التي بها أثر دم البكارة والرجل يرفض ذلك فمن المحق
منهما؟
هذا أمر لا ينبغي أن يخرج عن اطلاع الزوجين وحدهما، ولا يجوز إظهاره لأهله، ولا لأهلها، لأنه من الأسرار الزوجية، فهو المحق وهم المخطئون والله أعلم.
ما هو ضابط استعمال الدف في الأعراس؟
أن يكون ذلك بين النساء من غير أن يخرج شيء من أصواتهن إلى الرجال، وأن لا يكون إنشادهن مثيراً للفساد، وإنما باعث على المعروف (2/67)
صفحة 692
?
الفتاوى النكاح
،والخير، ويحبب النساء في البر والإحسان، ويجب أن يكون من غير اختلاط النساء والرجال، وأما إن كان في ذلك الإنشاد شيء من مزامير الشيطان فهو ـ ولا ريب ـ حرام، كما جاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم والله أعلم.
بين
متى يباح ضرب الدف في الأعراس للرجال والنساء؟
أما للرجال ففي العقد للإشهار، وللنساء بينهن عند الزفاف والله أعلم.
حقوق الزوجين
ما هو حق الزوجة على زوجها؟
دين
إن الإسلام الحنيف دين جاء بالحق، فأعطى كل ذي حق حقه، لأنه أحداً من خلقه، فقد وفي الإسلام
وهي
حق وهو من عند الحق تعالى الذي لا يظلم حق الرجل وحق المرأة، وجعل من مجموعهما شخصية زوجية متكاملة، أشار القرآن إليها عندما قال: {وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} [النساء: 21]
التي
والمرأة أعطيت ما أعطي الرجل من حقوق، وإنما ميز الرجل فقط بالقوامة، هذه الميزة إنما هي لأجل أن الفطرة تقتضيها لا لأجل هضم حقوق المرأة، بل لأجل المحافظة على الحياة الزوجية حتى تسير سيراً طبيعياً، لأن طبيعة المرأة طبيعة انفعالية وتشنج ولا سيما عندما تتعرض للكثير من العوامل الطبيعية التي تؤدي بها إلى أن تكون سريعة الانفعال، ومنها حالة الحمل والطمث، والله بين مجمل هذه الحقوق عندما قال: {وَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228)، هذا ولقد جاء في أحاديث الرسول ما يدل على وجوب استيصاء الرجال بالنساء خيراً، فقد كان في وصيته ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ وهو في حجة الوداع «استوصوا بالنساء خيراً (2/68)
صفحة 693
فتاوى الزواج
69
فإنهن عوان في أيديكم» (1)، يعني بذلك أنهن أسيرات في أيديهم، فعليهم أن يستوصوا بهن خيراً، وقد بين ما لكل واحد من الاثنين من الحقوق، فبين أن حق المرأة أن يطعمها الرجل إذا طعم وأن يكسوها إذا اكتسى وأن لا يخدش كرامتها، فلا يقبح ولا يضرب وجهها، ولهم عليهن ـ أي على النساء ـ الطاعة بالمعروف وأن لا يوطئن فرشهم من يكرهون، وعليهن أن يكن مريحات لألباب أزواجهن بسبب تفاعلهن مع الحياة الزوجية في حدود ما أذن به الله تبارك وتعالى وما شرع لا في حدود ما لم يأذن به، والنبي -
عليه أفضل الصلاة والسلام - نفسه - كان آية في رقة المعامة عند نسائه كما تصف ذلك أم المؤمنين عائشة، هذه الرقة في المعاملة فيها الأسوة لسائر الرجال المؤمنين، فإن الله تعالى يقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] وهو ـ عليه أفضل الصلاة والسلام - يقول: «خياركم خياركم لنسائهم» (2)، وبين النبي صلى الله عليه وسلم طبيعة المرأة أنها خلقت من ضلع أعوج، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقومه كسرته، والشاعر أخذ هذا المعنى عندما قال في وصف المرأة: هي الضلع العوجاء لست تقيمها على أن تقويم الضلوع انكسارها أتجمع ضعفاً واقتداراً على الفتى أليس غريباً ضعفها واقتدارها
ما قولكم في امرأة تشتكي من زوجها ضعفه الجنسي حيث إنه لا يشبع نهمتها ولا يطفئ غلتها وهي تعاني من شدة رغبتها وزهده في مواقعتها ما لا يعلم حقيقته إلا الله، فما الحل في قضيتها وما خلاصها من ذلك؟ على زوجها أن يحرص على إعفافها بإشباع رغبتها قدر استطاعته، فإن
(1) رواه الترمذي وابن ماجه والنسائي في العشرة. (2) رواه الترمذي وحسنه وابن ماجه والطبراني والبيهقي. (2/69)
صفحة 694
70
الفتاوى النكاح
ذلك من حقها عليه لقول الله تعالى: {وَهَنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228] وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى أحدكم أهله فليصدقها (1) أي فليستوف طاقته في إرواء غللتها، ولئن كان يشعر بضعف فعليه أن يستعين بما يقويه من العلاج، وهذا أمر ميسور ـ والحمد لله ـ فإن في الأدوية المستعملة في علاج هذا الضعف ما يحول الضعف إلى قوة ويجعل من الرعديد مقداماً، فما عليه إلا أن يستعين على ضعفه بما يتيسر له من العلاج، وهو مأجور على ذلك لأنه من حسن المعاشرة والتعاون على التقوى والله أعلم.
ما قولكم فيمن باع ماله بالإقالة لأجل الزواج لابنه، ولما تزوج الابن ودخل على زوجته جاءه أبو الزوجة وطلب منه أن يخرج من بيت أبيه ويسكن في بيت مستقل أو يسكن معه في بيته، فاستجاب الزوج لذلك وخرج عن أبيه وإخوته فهل له ذلك؟
لو لم يخرج من بيت أبيه وطالبت بذلك زوجته فربما حكم الحاكم به،
ولذلك رأى الولد أن يستجيب للطلب قبل أن يحكم به عليه والله أعلم.
ما قولكم فيمن تزوج امرأة وأسكنها في بيت أهله فطلبت منه أن يسكنها في منزل مستقل، فاعترض أبو الزوج على ذلك ولم يرض لابنه بالانتقال فماذا يفعل هذا الرجل هل يوافق زوجته ويخرجها في بيت مستقل أم عليه أن يطيع والده؟
السكن المستقل حق عليه لزوجته فإن لم تتنازل عن هذا الحق فعليه توفيره لها، وليس للأب اعتراض على ذلك وإن اعترض فليس لاعتراضه
مكان والله أعلم.
(1) رواه أبو يعلى وعبد الرزاق. (2/70)
صفحة 695
فتاوى الزواج
71
هل يجوز العزل عند الجماع بموافقة الزوجة وذلك لأجل المباعدة بين
الولادة؟
نعم مع الضرورة والله أعلم.
ما قولكم فيمن يعامل زوجته معاملة سيئة ويتهمها بالزني كلما خرجت من البيت؟
عليه أن يمسكها بالمعروف أو يسرحها بإحسان، فإن رفض ذلك فلترفع أمرها إلى القضاء الشرعي والله أعلم.
ما قولكم في امرأة يعاشرها زوجها معاشرة سيئة فيهينها ويشتمها أمام أهله، ويقوم بضربها بدون حق أو سبب، ثم إنها خرجت إلى بيت أهلها لما ضاق بها الحال فتركها هناك دون أن يسأل عنها، والآن مضى عليها في بيت أهلها أربع سنوات دون أن يطلقها أو يردها ولها منه ابنة لم يسأل عنها كذلك ولم ينفق عليها. فما هو الحل في هذه القضية؟
الحل في ذلك أن
يسرحها بإحسان إذ لم يمسكها بمعروف، فإن هذه المعاملة ليست من الإمساك بمعروف فإن أصر على حيفه وجوره فلترفع
أمرها إلى القضاء الشرعي والله ولي التوفيق.
طلقت زوجتي وهي حامل فراجعتها قبل أن تضع حملها غير أنها رفضت الرجوع إلى البيت وبقيت في بيت أهلها مدة تسعة أشهر، وضعت خلالها ولداً وقد منعتني هي وأهلها عن رؤية أولادي منذ وقوع الطلاق، وكلما حاولت أن أتفاهم معهم عن طريق بعض الأهل لا أجد إلا الرفض بل أصبحوا يساوموني الطلاق مقابل رؤية الأولاد، علماً أن هذه الزوجة (2/71)
صفحة 696
72
الفتاوى النكاح
تعمل في إحدى الوزارات فهل يحق لي شرعاً أن أمنعها عن العمل، وهل تعتبر مراجعتي لها شرعية فيترتب عليها القيام بالحقوق الزوجية؟ بما أنك راجعتها بطريقة شرعية قبل أن تضع حملها وأبلغتها بالمراجعة قبل الوضع فهي زوجتك وعليها أن تتبعك ولا يحل لها النشوز عنك، ولك أولادك وأن ترعاهم بنفسك كما أنك تملك شرعاً منعها من العمل، وإن أردت ما لك من حق في ذلك فارفع قضيتك إلى القضاء الشرعي وكفى به فاصلاً والله أعلم.
أن تربي
امرأة أصيب زوجها بمرض معدٍ فخافت على نفسها فخرجت بأولادها إلى بيت أهلها بغير استئذان منه فهل يجوز لها ذلك؟ وهل تعذر عن
القيام بشؤون زوجها وهل يلزم بنفقتها إن بقيت في بيت أهلها؟
لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، فإن كانت المضرة متيقنة إن أقامت عند زوجها فلا حرج عليها إن توقت المضرة بخروجها، وإن آثرت الخروج عنه فليس عليه نفقتها وإنما عليه نفقة أولاده والله أعلم.
هل يجوز للرجل أن يضرب زوجته؟
ليس له أن يضربها بغير حق والله أعلم.
كيف كان هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في التعامل مع أزواجه؟
يعاملهن بالحسنى ويلين لهن الجانب والله أعلم.
رجل متزوج ولكنه يسهر مع أصدقائه حتى منصف الليل للعب الورق، علماً بأنه قد يوجد بينهم بعض المدخنين، ما رأي سماحتكم؟
بئس الزوج ذلك الذي يدع زوجته وأولاده في قلق ووحشة، ويركن إلى (2/72)
صفحة 697
فتاوى الزواج
73
قرناء السوء يقضي معهم ليله ويضيع وقته الثمين، فهو مرتكب لأكثر من
مع
أن
منكر، وكفى بإضاعة وقته الثمين في حديث اللغو بين المدخنين أحد مسؤول عن وقته فإنه جوهرة ثمينة لا يعوضها شيء، وكل لحظة
کل
منه إنما هي على حساب العمر، وقد ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن مما يسأل عنه العبد يوم القيامة عمره فيم أفناه وشبابه فيم أبلاه (1)، و ومن ناحية أخرى يجب عليه تجاه زوجته وأولاده أن يوفر لهم الأمن ويؤنسهم بنفسه، فضلاً عما عليه لزوجته من حق المعاشرة، فالتقصير في هذه الحقوق من المنكرات التي لا يقرّ عليها المرء والله أعلم.
امرأة بعد عشرة دامت أربعين سنة، يتهمها زوجها بالخيانة ويسيء إليها ويشهر بها ويتهمها بالزنا مع أكثر من رجل وكم من مرة تركت المنزل وبعد توسط الأقارب تعود إليه ولقد قام بطلاقها وراجعها في عدتها فلم ترض أن تعود إليه. ما حكم عدم عودة المرأة إلى زوجها؟ وما حكم اتهام الزوج لزوجته والتشهير بها؟
الرجعة لا بد أن تكون إمساكاً بمعروف كما نص عليه القرآن، واتهامها بالفاحشة مخالف للإمساك بالمعروف، بل من أهل العلم من ذهب إلى أن المرأة تحرم على زوجها بمجرد قذفه لها. لذلك أرى في هذه الحالة أن لها الحق في الامتناع من الرجوع إليه، ولا ريب أنه بقذفه إياها مرتكب لكبيرة جلى، فالله تعالى يقول: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفَلَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 23] والله أعلم.
فيمن خطب امرأة ودفع لها جزءً من المهر، على أن يكمله قبل الدخول، فلما عقد عليها أراد أن ينقلها إلى بيته فامتنعت حتى يكمل لها المهر
(1) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. (2/73)
صفحة 698
74
الفتاوى النكاح
حسب ما اتفقا عليه، فهل امتناعها ذلك يعد نشوزاً أو لا، وهل عليه نفقتها وهي في بيت أهلها؟
لا تعد ناشزاً حتى يدفع إليها صداقها المتفق عليه فيما بينهما، وأما أمر النفقة فمرده إلى القضاء الشرعي إن لم يصطلحا والله أعلم.
رجل أخبره بعض الناس أن زوجته تخونه في نفسها فطلقها، ثم بعد ذلك راجعها بقصد أن يتأكد من الخبر بنفسه، ثم خادعها بالسؤال فأقرت بأن ذلك الرجل التي اتهمت به قد اغتصبها ولم يكن برضاها، فهل يجوز له أن يمسكها بعد هذا الإقرار؟
عليه أن يتوب إلى الله من سوء ظنه ومن تجسسه عليها، وبما أنها ادعت
الاغتصاب وعدم الرضى فلا مانع من إمساكها والله أعلم.
رجل له زوجتان أصابه العجز عن معاشرة الزوجات، وحاول العلاج فلم يفد، فماذا يلزمه تجاه زوجتيه؟
يخيرهن بين الصبر والطلاق والله أعلم.
رجل ابتلى بزوجة لا تراعي حقوقه وتكلفه ما لا يطيق من مظاهر الترف والكماليات، وكثيراً ما تنشأ الخلافات بسبب ذلك فتقوم بشتمه وشتم أهله وتتكلم بكلام غير لائق، وكثيراً ما ينصحها عن التبرج والتزين لغير محارمها وهي مع ذلك غير ملتفتة إلى نصحه، فهل ترون أن من الأفضل له الصبر على ما يلاقيه منها أم يطلقها؟
إن وجد قدرة على الصبر واحتمال الأذى منها فليصبر، وإن لم يطق ذلك فليطلقها على أن يكون الطلاق موافقاً لما يقتضيه حكم الله ورسوله (2/74)
صفحة 699
فتاوى الزواج
Vo
واحدة فقط،
من حيث وقته ونوعه فمن حيث نوعه فليكن الطلاق طلقة بحيث يقول لها: أنت طالق أو فلانة طالق، من غير أن يضيف إلى ذلك أي شيء مما يقوله الجهلة، وقد يفضي بهم إلى الكفر والعياذ بالله ـ كالتحليل والتحريم - بغير بينة من الحق، وأما من حيث الوقت فليطلقها في طهر لم يباشرها فيه دون سائر الأوقات والله أعلم.
هل يحق للمرأة أن تطلب فسخ عقد النكاح إن تبين لها عدم استطاعة الزوج على الوطء؟
نعم إن ثبتت عنته، وإنما يمهل عاماً للعلاج، فإن لم يعالج نفسه أو لم يفده العلاج فسخ العقد بعد مضي المهلة والله أعلم.
إذا ثبت للزوجة بشهادة الأطباء العدول بأن زوجها مصاب بعقم دائم، فهل يجوز لها أن تطالب بالطلاق بسبب هذا العيب الذي يمنع من تحقيق أهم مقاصد الزواج؟
هذه المسألة فيها خلاف حسبما يبدو، وهي بحاجة إلى مزيد من النظر،
فإن اقتضى نظر القاضي الشرعي الغير فله وجه شرعي والله وأعلم.
ما قولكم في رجل يتكلم على امرأته أمام الناس بأنها عاشقة فلان وفلان، وقد ولدت منهم وأنه يراقبها في كل حركاتها. فهل يجوز لهذا الرجل أن يشهر بامرأته؟ وهل تخرج عنه زوجته بذلك؟
ذلك وامتنع
ليس له التشهير بها ولا يجوز له ذلك بحال، فإن تاب من عنه فليمسك عليه زوجه وليتق الله ربه وإلا فلترفع أمره إلى القاضي الشرعي، وكفى به فاصلاً والله الموفق. (2/75)
صفحة 700
76
الفتاوى النكاح
هل يحق للمرأة أن تطلب الطلاق من زوجها إن كان هذا الزوج غير قائم بحقوق الزوجية ومن ضمنها الجماع، وهو مع هذا تارك للعبادة ومرتكب
للفواحش؟
نعم لها الحق في ذلك، لأنه مطالب إما أن يمسكها بمعروف أو يسرحها بإحسان والله أعلم.
ما قولكم فيمن يسيء معاملة زوجته ويطردها من البيت حتى في أوقات الليل،
ويفحش لها في الكلام قائلاً لها اذهبي إلى فلان يفعل بك كذا وكذا»؟ بئس ما يقول وساء ما يعمل، فإن عليه أن يمسكها بالمعروف أو يسرحها بالإحسان، فإن أصر على صنيعه هذا فلترفع أمرها إلى القضاء الشرعي، وكفى به فاصلاً والله أعلم.
فيمن ضربها زوجها بسبب منعها نفسها منه فهل يحق لها الادعاء عليه؟ ليس لها أن تمتنع مما يريده منها من قضاء الوطر إلا إن كانت حائضاً أو نفساء أو كانت مريضة لا تقوى على الوقاع، وإن ضربها لامتناعها بغير عذر عليه، بشرط أن لا يكون الضرب مؤثراً ولا مبرحاً، فإن كان مؤثراً أو مبرحاً فلها حق الإدعاء عليه والله أعلم.
فلا
حرج
رجل يبلغ من العمر سبعاً وتسعين سنة وله زوجة في الخمسين من عمرها، وقد أصبح هذا الرجل عاجزاً عن الجماع، فهل يأثم إن أمسك زوجته وهو على هذه الحال، علماً بأن الزوجة لم تطلب منه الطلاق؟
لا إثم عليه في ذلك، وإن وقع في صدره حرج فليخيرها بين أن تبقى على تلك الحالة أو يطلقها والله أعلم. (2/76)
صفحة 701
فتاوى الزواج
VV
ما
هي
الزوج
واجبات الزوج تجاه زوجته وما هو الحل الأنسب إذا لم يستطع
أن يوفر لها هذه الحقوق وخاصة حق المبيت؟
تجب لها عليه النفقة والكسوة والمسكن والمعاشرة الحسنة، وإن قصر وتصالحا من بعد فعلى حسب ما يتصالحان، والأولى لهما أن تبرئه من العشرة ويبرئها من المبيت عنده إن لم يمكن القيام بجميع الحقوق تجاهها
والله أعلم.
امرأة لها زوج لا يوفيها حقوقها ولا ينفق عليها وأولادها، وهو عاطل عن العمل ويقضي أكثر وقته في معاكساته الهاتفية، وقد نصحته هي وأهله ولكنه لا ينتصح، ويمنعها من حضور المحاضرات الدينية ودروس هذا العلم، ومع هي حريصة على عدم إسخاطه خوفاً من غضب الله عليها، فكيف تتصرف مع هذا الزوج؟
ذلك مسقط لحقه بصنيعه، وإنما في الصبر على أذاه خير لها، ولها حضور ما لا بد لها منه من تعلم أمر دينها ولو منعها والله أعلم.
عقدت زواجي بابنة وقد اتفقنا على شرطين قبل العقد وهما -
عمي
1 ـ أن يتم العرس بعد عامين.
2 - أن نستقل في بيت خاص بنا.
فهل لي في هذه الفترة أن اصطحب معي زوجتي إلى بعض الأماكن كالتسوق والتنزه واصطحابها لزيارة أهلي في منزلهم؟ وهل يصح لها أن تخرج من بيتها أو تسافر مع أهلها دون أن
تستأذن مني؟
لا مانع من أن تصحبك إلى حيث أردتما من الأماكن المباحة برضاها، (2/77)
صفحة 702
V?
الفتاوى النكاح
وإن وافقتك على التنازل عن شرطها فذلك إليها، وعليها أن تستأذنك إن أرادت السفر مع أهلها والله أعلم.
ما رأي سماحتكم في رجل مدمن خمر لا يفيق من سكره، أو يفيق أحياناً ويسكر أحياناً، ويؤذي امرأته ويضربها ومجملاً هو غير مستقيم فهل يعامل معاملة المجنون في أنها لا تجبر على المعاشرة وعليه النفقة لعدم الأمان وحسن المعاشرة، وتبقى هي في بيت أبيها أو يجبر على طلاقها، ومن المعلوم أنه لا يقلع عن شرب الخمر والأذى والضرب لزوجته، بل كلما أدب عاد مرة ثانية. نرجو من سماحتكم التكرم بالبيان الشافي الفصل في هذه المسألة لأعمل به كقاض شرعي؟
إن إمساك الزوج لزوجته يجب أن يكون بالمعروف، فإن لم يمسكها بالمعروف فليسرحها بالإحسان، كما قال تعالى: {فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بإِحْسَنِ} [البقرة: (229]، وليس من الإمساك بالمعروف أن تكون المرأة عند سكير أشبه بالسبع الضاري لا تأمن معه على راحتها ولا على حياتها، وما قصة الرجل الذي قتل أمه ببعيد، لذلك لا أرى أن تكلف المرأة أن تعاشر سكيراً لا يقلع عن غيه ولا يتوب من حوبه، وإذا لم تكلف بمعاشرته فلا أرى وجهاً لبقاء العصمة الزوجية بينهما، فإن للمرأة حقاً في المعاشرة كما أن للرجل حقاً فيها، ويجب على كل منهما أن يوفر للآخر حقه من غير أن يكون مشوباً بأخطار تهدد أمنه، لذلك أرى أن تخيروا هذا الرجل بين التوبة والإقلاع عن الخمر وبين تطليق المرأة، وأمهلوه لاختباره حتى تتضح توبته، فإن لم يتب وأبى التطليق فأجبروه على الطلاق ولو بالسجن، ولو قيل بأن الحاكم يتولى تطليقها بنفسه بعد اليأس من إقلاع هذا الغوي ورشده لم أعده بعيداً عن الصواب، فقد قال ابن تيمية إن
الفاسق لا يكون كفء العفيفة، وأطال في تحرير هذا القول والله أعلم. (2/78)
صفحة 703
فتاوى الزواج
79
ما قول فضيلتكم هل يلزم المرأة القيام بشؤون منزلها من نظافة وطبخ وغير ذلك أم لا يلزمها ذلك، فإن كان يلزمها أرجو بياناً شافياً في ذلك مع الدليل وشكراً؟
هذه المسألة مما اختلف فيه الفقهاء، فأكثرهم على أن المرأة لا يلزمها طبخ ولا تنظيف للمنزل ولا غسل ولا شيء من هذا القبيل، ومعنى ذلك أنها غير مكلفة بشؤون المنزل وإنما عليها أن تشتغل بشؤون نفسها فقط، وإن كانت ممن يُخدم فعلى زوجها أن يوفر لها الخادم أو يخدمها بنفسه، وذهب ابن القيم في زاد المعاد وإمامنا نور الدين السالمي الله في جوهره إلى أنها مطالبة بخدمة منزلها فيما كان من الشؤون الداخلية، كالطبخ والغسل والتنظيف اعتماداً على ما مضى عليه السلف الصالح وهم الرعيل الأول، فقد انتظمت حياتهم الاجتماعية باقتسام المرأة والرجل خدمة بيتهما، فكان الرجل مسؤولاً عن الأعمال التي هي خارج المنزل، والمرأة مسؤولة عن أعماله الداخلية، ولم تشذ عن ذلك حتى ابنة سيد الخلق فاطمة انا التي طلبت من أبيها - عليه أفضل الصلاة والسلام - خادماً تعينها على شؤون المنزل، فأحالها الله على الذكر الذي يقربها إلى الله، وهذا القول هو الذي أراه وأعتمد عليه والله أعلم.
امرأة عاملة ومتزوجة من رجل يسيء معاملتها ولها طفل منه عمره عامان وشهران، ويقوم بضربها وقذفها بأقبح الكلام (كلبة وحمارة) وقال لزميل لها في العمل إنها على علاقة بزميل لهما آخر، وإذا أرادها هذا الآخر فليدفع مبلغ ثلاثة آلاف ريال ليتنازل له عنها ... والكثير الكثير من الكلام الذي لا تستطيع ذكره في هذه الرسالة ... كما أنه يقوم بمشاهدة الأفلام الخليعة وعندما تقوم بنصحه بترك هذه الأفعال يقول لها: إذا (2/79)
صفحة 704
80
الفتاوى النكاح
أردت مشاهدة هذه الأفلام أحضر لك صاحب هذه الأفلام لتعقدي معه صفقة لجلب الأفلام لك وله ... وأخيراً قال لها: أن تدفع مبلغاً معيناً مقابل تطليقها، وهي لا تملك هذا المبلغ، ويقوم بتهديدها بأخذ الطفل منها، تريد معرفة حكم الشرع في كل ذلك؟ وهل يحق له أخذ مبلغ منها مقابل الطلاق؟ وهل الطفل من حقها؟ إن كان الأمر كما تقولين فبئس الرجل هذا الزوج، فإن في الحديث «خيركم خيركم لأهله» (1) وللمرأة حقوق على الزوج كما أن للزوج حقوقاً عليها، قال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228] وهي درجة القوامة، وقد أوجب الله على الرجل أن يمسك امرأته بمعروف أن يسرحها بإحسان وليس من الإمساك بالمعروف أن يشتمها أو يضربها ـ لغير سبب ـ، أو يرزأها شيئاً من مالها أو يقصر في شيء من حقوقها، وقذفها من الكبائر التي توعد الله العقاب عليها ورضاه بأن تمارس الفحشاء من باب الدياثة، والديوث لا يريح رائحة الجنة، ولا يجوز له أن يعضلها لتفتدي ولو بأقل قليل مما آتاها من الصداق، قال تعالى: {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا اتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [النساء: 19] وأما حضانة الطفل فأنت أحق بها ما لم تتزوجي والله أعلم.
ما قولكم فيمن لا يستطيع القيام بمعاشرة النساء هل له أن يتزوج؟ الذي لا يستطيع مباشرة النساء ليس له أن يتزوج، إلا أن يشترط على المرأة، لأن زواجه بها لا يكون من ورائه، متعة وإنما يكون مجرد تعاون بين الزوجين فقط، وذلك لأن للمرأة مطلباً في مباشرة الرجل لها كما أن للرجل مطلباً في مباشرته للمرأة، فلا يجوز أن يحرم المرأة من مطلبها، ولا يجوز
(1) رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود. (2/80)
صفحة 705
فتاوى الزواج
81
له أن يغشها مع علمه بحاله، فالأولى له أن يمتنع عن الزواج إلا أن يشترط ذلك على المرأة التي يريد أن يتزوجها لتكون ملمة بحاله والله أعلم. ما قولكم في امرأة ناشز هل يتقبل الله منها أعمالها كالصلاة والصوم، وماذا يجب على ولي أمرها إن علم بنشوزها؟
القبول وعدمه أمرهما إلى الله، والنشوز - إن ثبت ـ معصية كبيرة تجب التوبة منها، وعلى الولي إن ثبت عنده نشوز وليته عن زوجها ردعها عن ذلك بحسب إمكانه والله أعلم.
ما قولكم في رجل متزوج بامرأة منذ ثلاث سنوات، ولكن هذا الرجل لم يقربها من يوم زواجه بها لعدم استطاعته على الجماع، فإذا طلبت المرأة الطلاق فهل عليها أن ترجع المهر الذي أمهرها إياه أم ليس عليها ذلك؟ إن طلبت فسخ النكاح وأمهله القاضي الشرعي عاماً كاملاً فعجز عن الجماع فعليه صداقها إن كان حاول ممارسة الجماع معها فعجز، وإما إن لم يصل الأمر إلى القضاء الشرعي واتفقا على الفدية أو أنها لم تصبر حتى تنقضي المدة التي يحددها الشرع للعلاج ومحاولة قضاء الوطر، فاتفقا على الفدية فذلك على حسب ما اتفقا عليه والله أعلم.
فيمن تزوجت برجل فتبين لها أنه غير قادر على المعاشرة الزوجية فهل يحق لها أن تطلب الطلاق؟
لها الحق في طلب فسخ العقد، ويمهل عاماً بعد الطلب فإن عالج نفسه وقدر على المعاشرة فبها وإلا فسخ العقد، وله ما دفع من الصداق إن لم يأت معها بما يستوجب الصداق والله أعلم. (2/81)
صفحة 706
82
الفتاوى النكاح
هل حق الاستمتاع في الوطء هو حق للزوج وحده أم هو حق للزوجين معاً، فقد وجدنا أهل العلم مختلفين في ذلك، فما هو مستند كل منهم، وما هو القول الذي تعولون عليه؟
مذهب جمهور أهل العلم أن للمرأة حقاً في الوطء كالرجل وعليه أصحابنا - رحمهم الله ـ كما هو ظاهر تفريعاتهم، وذهب الشافعي إلى أنه
حق للرجل، دونها، وقريب منه قول القاضي من الحنابلة كما في «مغني ابن قدامة حيث قال: إنه لا يجب على الرجل إلّا إن قصد بتركه الإضرار. والقول الحق في ذلك هو أن لها حقاً فيه ولا يجوز للرجل أن يمتنع منه لغير عذر، ذلك لأن الله سبحانه بين أن حقوق الزوجين متساوية إلا في أمر القوامة التي هي من اختصاص الرجل دونها، وذلك في قوله: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} (البقرة: 228) ومعنى هذا أن لهن عليهم مثل الذي عليهن لهم، ودرجة الرجال عليهن درجة القوامة، ومن المعلوم أن للمرأة من الرغبة في الوطء ما للرجل، فهي تشاركه في غرائز الحياة كما تشاركه في العواطف والمشاعر، وإلا فما الذي يجعلها ترضى أن تخرج من أبويها، من عشها الذي درجت فيه، وبيئتها التي نشأت في أكنافها، أن أبويها أبر بها وأرحم وأحنى وأرأم؟ فما الذي يجعلها ترغب وتصر على انتقالها عنهما إلى كنف رجل لم تعهده من قبل، ولا تربطها به رابطة دم أو قرابة إلا الرغبة في الاستجابة لداعي الفطرة وإشباع نهم الغريزة؟ وقد تضحي في هذا، براحتها وتتحمل مسؤوليات كان لها بد منها، فما بالها يقال لها لا حق لها في الاستمتاع بثمار ذلك كله؟ أليس في هذا تجاهل لمشاعرها، وكبت الغريزتها، وحرمان لها من أحسن متع الحياة وأطيبها؟ ثم من المعلوم أن في هذا ضرراً نفسياً وعصبياً يزعجها، وقد قال تعالى: {وَلَا تمسكوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} (البقرة: (231) وأي ضرر أشد عليها من هذا الضرر
بين
مع (2/82)
صفحة 707
فتاوى الزواج
83
الذي إما أن تبقى معه في حرمان مستمر، وكبت دائب، ومعاناة لا تقف عند حد، وإما أن تطيع هوى نفسها، وتستجيب لشيطانها، فتنغمس في الفحشاء وتبوء بأوزارها؟
هذا
هذا ومن المعلوم أن الله فرض إمساكها بالمعروف عندما قال: {فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَنٍ} [البقرة: 229] وقال أيضاً: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [النساء: 19] وليس من المعروف إبقاؤها معطلة لا تنتفع بثمرة زواجها، وقد قال تعالى: {فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} [النساء: 129]. هذا وإن من أقوى الأدلة دلالة على ثبوت هذا الحق لها أن الله سبحانه جعل للزوج أجلاً محدوداً فيما لو حلف أن يمتنع عن أدائه لها، حيث قال: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَابِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَاءُ و فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 226، 227 فما بالها تخرج عنه بطلقة عندما ينتهي الأمد لولا ثبوت حقها في الوقاع؟ وقد جعل الله ذلكم الأمد بقدر ما يمكن للمرأة الصبر عن معاشرة الزوج، كما دل عليه جواب أم المؤمنين حفصة لأبيها أمير المؤمنين - ا - عندما سألها عن ذلك سماعه أثناء تجواله في الليل امرأة تنشد: ألا طال هذا الليل وأسود جانبه وليس إلى جنبي خليل ألاعبه وعندما بحث عنها وجدها ذات زوج طال عليه الأمد في الغزو، فأمر أن لا يحبس عن امرأة زوجها في الغزو أكثر من أربعة أشهر، وما كان الداعي إلى هذا القرار منه لولا أن للمرأة هذا الحق على زوجها، على أن أقضية السلف - رضوان الله عليهم - كلها دالة عليه كما كان ذلك في قضاء كعب بأمر أمير المؤمنين عمر، عندما شكت إليه امرأة أن زوجها
ابن سور يقوم الليل ويصوم النهار، فقال
في
قضائه: (2/83)
صفحة 708
??
الفتاوى النكاح
إن لها عليك حقاً يا رجل
في ليلة من أربع لمن عقل
فأعطها ذاك ودع عنك الحيل
ذلك كله شاهد ودليل على صحة ما قلناه والله أعلم.
هل القوامة تعني أن يتسلط الرجل على المرأة يحكمها كما يشاء، لأن الأعراف والتقاليد التي نجدها عند شريحة من الناس تجعل الرجل يتحكم في مصير المرأة، ولربما يجرؤ على ضربها ضرباً مبرحاً، فكيف نفسر القوامة؟
نعم الرجل قوام على المرأة، ولكن ما هي هذه القوامة حتى نكون على بينة من أمرها وبصيرة من حكمها، إن الله لالالالال بين أن كل واحد من الزوجين إنما هو بعض من حقيقة واحدة فالرجل بعض من هذه الحقيقة، والمرأة بعض من هذه الحقيقة، وباجتماع هذين البعضين يكون تكامل هذه الحقيقة، فالله تبارك وتعالى يقول: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ، وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} [النساء: (21) وهنا تظهر دقة التعبير القرآني، بحيث لم يقل الله وقد أفضيتم إليهن، وإنما قال: {وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} [[النساء: 21]] فهو بعض هذه الحقيقة الواحدة، وهي البعض الآخر فهذا البعض الذي هو الرجل أفضى إلى البعض الآخر الذي هو المرأة، فإذا على الإنسان أن ينظر إلى المرأة على أنه يمين وهي يسار أو على أنه يسار وهي يمين، (ولا خير في يمنى بغير يسار)، فلا يمكن لليمني وحدها أن تؤدي دورها المطلوب في الحياة إلا إذا كانت هنالك يسار تشد من أزرها، وتعينها على مهامها، فهكذا الرجل والمرأة. ونرى أن الحقوق مشتركة ما بين الرجل والمرأة، بدليل نص القرآن الكريم، فالله تعالى يقول: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228]
6 (2/84)
صفحة 709
فتاوى الزواج
85
أي لهن من الحقوق على الرجال مثل الذي عليهن من الحقوق للرجال، فكل واحد من الاثنين عليه من الحقوق للآخر مثل ماله على الآخر من الحقوق، وإنما تميز الرجل بدرجة القوامة التي رفع إليها، هذه الدرجة أوتيها الرجل لأسباب، ذلك لأن المرأة سريعة هيجان العاطفة، فهي تتأثر بأدنى مؤثر، وذلك يعود إلى طبيعتها النفسية من ناحية، ويعود أيضاً إلى طبيعتها الجسدية، لأن المرأة تتعرض لحالات جسدية تنعكس آثارها على نفسها، فهي تكون حاملاً، وتكون حائضاً، وهذا كله مما ينعكس آثاره على نفسيتها، فلذلك لم تجعل القوامة بيدها ونرى أن بعض الباحثين من الغربيين يؤكد بأن المرأة تختلف عن الرجل عندما تشب عاطفتها، فقد ذكرت باحثة اجتماعية فرنسية بأن عاطفة المرأة تشغل كلا جانبي دماغها عندما تشب، فلا يبقى من دماغها ما يصلح للتفكير المجرد من أثر العواطف، بينما عاطفة الرجل تشغل جانباً واحداً من دماغه، والجانب الآخر يبقى صالحاً للتفكير بحيث ينظر في المستقبل، فمن هنا كانت الضرورة بأن تكون القوامة بيد الرجل، إذ لو جعل الطلاق مثلاً - وهو أثر من آثار هذه القوامة - بيد المرأة لكانت مسارعة إلى التطليق عندما تشب عاطفتها، ونحن رأينا أن المرأة في كثير من الحالات تصر على طلب الطلاق من زوجها بشدة وإصرار، فإذا ما وقع الطلاق كانت المسارعة إلى الندم وهي التي تلتمس الحل لهذه المشكلة، وعلى أي حال فالرجل لم يعط هذه المرأة لتكون عنده حيواناً يتصرف فيه كيفما يشاء، وإنما جعلت هذه المرأة في يده على أنها إنسان لها خصائص الإنسانية فهي ذات جسم وروح وعقل وقلب، وضمير وغرائز، وفكر ووجدان، لا تختلف من هذه الناحية عن الرجل، وتنوء بالتكاليف الشرعية التي ينوء بها الرجل نفسه من غير فرق، ولا فرق أيضاً بينها وبينه من حيث الجزاء على هذه التكاليف بحسب ما يكون من وفاء بها أو تقصير
هي (2/85)
صفحة 710
86
الفتاوى النكاح
فيها، فالله تعالى يقول: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَيْكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [النساء: 124] فالمرأة موعودة بالجنة على العمل الصالح مع الإيمان كالرجل، وكذلك هي متوعدة عندما تكون مقصرة في حق الله تبارك وتعالى مهملة لما فرض الله عليها كالرجل فكل واحد منهما موعود و متوعد وكل واحد منهما مطالب بأن يفي بالواجبات من غير تفريط فيها، ولم تجعل القوامة بيد الرجل من أجل هذه المرأة ويجعل عواطفها تبعاً لعواطفه، وتفكيرها تبعاً لتفكيره، فهي
يهين
أن
كائن مستقل بتفكيره وعواطفه، ويجب عليه أن يراعي تفكيرها ومشاعرها، كما يجب عليها أيضاً أن تراعي مشاعره، أما مسألة التأديب فهذه قضية تعود إلى بعض الحالات التي تنشز فيها المرأة نشوزاً يجعل الرجل غير قادر على علاج مشكلتها بأي وسيلة من الوسائل الأخرى، فقد شرع له أولاً أن يعظها ثم بعد ذلك أن يهجرها في المضجع، ثم إذا استمرت على نشوزها وإصرارها وركوبها غلوائها، في هذه الحالة يباح له أن يضربها ضرب تأديب، الضرب الذي قال فيه العلماء بأنه غير مؤثر وغير مبرح، أما أن يهين كرامتها ويضربها ضرباً مبرحاً فهذا شيء لا يجوز قط، على أنه جاء في الحديث
أن
عن الرسول صلى الله عليه وسلم خيارك خياركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»)، فالنبي يبين خيار الرجال هم من كانوا خياراً لأهلهم، بحيث يعاملون نساءهم بالمعاملة الطيبة، وهو ـ عليه أفضل الصلاة والسلام - كان خير الرجال لأهله، لأنه يعامل أهله أحسن معاملة والله أعلم.
سماحة الشيخ كما تفضلتم الباحثة الفرنسية أثبتت أن المرأة عندما تثور عاطفتها تشغل كامل دماغها بخلاف الرجل الذي تشغل العاطفة
(1) رواه الترمذي وابن ماجه والبزار وغيرهم. (2/86)
صفحة 711
هي
فتاوى الزواج
87
نصف دماغه، لكن أيضاً هناك بحوث أخرى تقول إن المرأة ربما يغلب
عليها هرمون البرجسترون وهو الهرمون العاطفي والرجل أيضاً هرمون التسترون الذي يدفع إلى الغضب، في وقت الصباح ينشط وفي وقت المساء يضعف، تقول الباحثة معنى هذا أننا لا يمكن أن نتعامل مع الرجل في وقت الصباح لأن هرمونه الذي يدفعه إلى الغضب ينشط في وقت الصباح، وتبقى المعاملة معه في وقت المساء. هل يمكن الاعتماد على هذه البحوث للتدليل على ما أتى به الإسلام من قوانين؟
على أي حال مهما كانت البحوث فهي لا تعدو أن تكون نظريات، والنظريات غالباً - قابلة للتبديل والتعديل والتغيير، ولذلك تختلف النظريات بين وقت وآخر، إذ النظريات لا ترقى إلى أن تكون حقائق ثابتة، فالحقائق شيء والنظريات شيء آخر، ولذلك لا تتناسخ الحقائق بينما تتناسخ النظريات، سواء كانت هذه النظرية متعلقة بالناحية الفيسيلوجية للإنسان أو الناحية السيكولوجية، كما أن النظريات المتعلقة بالكون هي قابلة للتغيير والتبديل بين فترة وأخرى، ولكن ما جاء به القرآن الكريم هو حقائق من عند الله، وليس لنا أن نطوع ما جاء به القرآن ليكون موافقاً للنظريات التي يدلي بها الآخرون، وإنما علينا أن نطوع هذه النظريات لتكون موافقة للقرآن وأن نزنها بموازين القرآن، إذ هو المعيار الذي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون به شيء من التبديل قط، وهو المعيار الدقيق الذي وصلت دقته إلى حد لا يتصوره العقل البشري والله أعلم.
قضية فهم النصوص قضية تحتاج إلى كثير من التوضيح، ففي الوقت الذي ترد فيه نصوص بالإحسان إلى الزوجة كما تفضلتم هذا النص الذي استشهدتم به - مثلاً - يتوهم البعض أنه يجعل من الزوجة شماعة تعلق عليها الأخطاء التي تحدث في الأسرة، فهي مخلوقة من ضلع (2/87)
صفحة 712
88
الانفعالات
الفتاوى النكاح
بسبب
لأي
أعوج، فبالتالي الأخطاء التي تحدث إنما مردها إلى المرأة، في حين أن الزوج هو الذي يمكن أن يكون منشأ الخطأ فكيف نفهم هذا النص؟ النص لا يقتضي أن يكون الخطأ من المرأة، ولكن كل ما في الأمر أن الرجل مأمور بأن يقدر طبيعة المرأة، لأن المرأة - كما قلنا ـ عرضة لكثير من الأحوال التي تعتريها وهي لا تعتري الرجل، فلهذه الحالة كانت جديرة بالمراعاة، من أجل هذا جعل الله القوامة بيد الرجل ولم يجعلها بيد المرأة، إذ لو كانت القوامة بيد المرأة لسارعت لحل عقدة النكاح انفعال من الانفعالات التي تطرأ بخلاف الرجل الذي يمكن أن يضبط أفعاله، ونحن نأسف كثيراً أن نرى الرجال في وقتنا هذا لم يقدروا هذه المسؤولية التي ألقاها الله على عواتقهم، والتي جعلها من اختصاصاتهم، فالمسارعة إلى الطلاق كثيراً ما تحدث في وقتنا هذا من قبل الرجال، بل من أقبح الأعمال التي تكون من قبل الرجال - مما يجب أن ننبه عليه ويجب على الرجال جميعاً أن ينتبهوا له - أن تكون المرأة عرضة للطلاق بسبب خصام يدب أب وابنه، وبين أخ وأخيه، وبين جار وجاره، وبين صديق وصديقه،
فكثير ما يحصل الخصام ما بين هؤلاء فيجمع أحدهم إلى إثم عقوق الوالد وقطيعة الرحم والإساءة إلى حق الجوار وإلى حق الصداقة ـ التي يجب أن تكون رباطاً ما بين المسلم والمسلم - جعل المرأة عرضة للطلاق، بحيث يقول أحدهم للآخر إن دخلت بيتك - مثلاً - أو إن جئتك في طلب حاجة، أو إن كان مني لك كذا فامرأتي طالق وكثير منهم لا يكتفون بذلك حتى يقول أحدهم هي طالق بالثلاث وهذا أمر خطير جداً، وهو ينافي ما أمر الله به من أن تكون الصلة بين الزوجين صلة بر وإحسان، «فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان»، وكذلك أيضاً مما يؤسف له أن نجد كثيراً من الرجال تصدر الإساءات إلى نسائهم، والإيذاء الذي لا يحتمل لهن، والمضايقة التي
منهم (2/88)
صفحة 713
فتاوى الزواج
89
لا تقف عند حد، حتى تلتجئ المرأة إلى الافتداء من الزوج لتتخلص من هذا
من
السعير الذي لا يطاق، أن ذلك حرام وسحت، فليس للإنسان أن يأخذ مع امرأته أي شيء من الصداق الذي أعطاها إياه بسبب مضايقته لها أو بسبب رغبته في التخلص منها لأجل أن ينتقل إلى امرأة أخرى، فالله تبارك وتعالى يقول: {وَإِنْ أَرَدتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوجِ وَعَاتَيْتُمْ إِحْدَتْهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنَا وَإِثْمًا مُّبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيتَقًا غَلِيظًا} [النساء: 20، 21] وينبغي أن نقف مع هذه الآية الكريمة لنتأمل هذا التوجيه الرباني، فالله تبارك وتعالى يحذر الرجال عندما يكون أحدهم قد مل حياته مع امرأة ما وأراد أن يستبدلها بأخرى أن يضايقها حتى يسترد منها شيئاً مما أعطاها إياه، ولو كان أعطاها مقدار قنطار من الذهب - والقنطار اختلف فيه العلماء اختلافاً كثيراً، هل هو ملء جلد ثور من الذهب أو هو مائة رطل أو هو غير ذلك ـ ومهما يكن أعطاها فإنه لا يحل له أن يسترد من ذلك شيئاً، كيف يفعل ذلك وقد وقع الإفضاء بينهما، والله تعالى يقول: {وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ) [النساء: (21)، ولم يقل وقد أفضيتم إليهن لأجل أن يبين للناس أن العلاقة علاقة الزوجية هي اندماج وانسجام، علاقة تجعل الزوجين يشكلان حقيقة واحدة، فالرجل بعض من هذه الحقيقة والمرأة هي البعض الآخر، فهو عندما أفضى إليها كأنما أفضى بعض من شيء إلى بعضه الآخر، إذ كلاهما يشكلان حقيقة واحدة وشيئاً واحداً، ثم لم يكتف بذلك، فقال: {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيتَقًا غَلِيظًا} [النساء: (21) والمفسرون اختلفوا في هذا الميثاق الغليظ، فمنهم من قال هو ما أشار إليه القرآن الكريم عندما قال له: {فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تسْرِيحُ بِإِحْسَنِ} [[البقرة: 229]، وهذا التسريح الذي يرزأ المرأة شيئاً من المال ليس هو تسريحاً بإحسان، والمضايقة في المعاملة ليست هي ـ أيضاً ـ من (2/89)
صفحة 714
الفتاوى النكاح الإمساك بالمعروف، ومنهم من قال بأن المراد بالميثاق الغليظ الذي أخذته المرأة على الرجل ما يكون من الشروط التي تفرض على الرجل، وأحق الشروط أن يوفي بها ما استحل بها الفروج - كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ومن المفسرين المحققين من قال بأن المراد بهذا الميثاق الغليظ هو ميثاق الفطرة، وذلك لأن المرأة ولو كانت مرفهة مدللة بين أبوين حانيين كريمين تشعر بنقص عندما تكون غير ذات زوج، فهي لا يقر لها قرار أن تبقى عانساً بين أبويها، بل تحب أن تنتقل إلى بيت الزوجية، ولو كلفها ذلك البعد عن أبويها والخروج من المحضن الذي درجت فيه والعش الذي نشأت بين أكتافه، فيأتيها رجل غريب لم تكن لها به صلة ولا معرفة، ومع إليه وتلقي بنفسها إليه، راغبةً في أن تندرج في كنفه وتعيش تحت رعايته، لأنها تشعر أن ذلك مما يجعل حياتها حياة هانئة كريمة، فهذا ميثاق فطري تأخذه المرأة من الرجل، فليس للرجل في مقابل هذا الميثاق الفطري أن يغدر بهذه المرأة ويسيء إليها، ويحاول ـ عندما يريد التخلص منها ـ أن يرزأها في شيء من المال، باسترداد شيء مما دفعه إليها، بل عليه أن يحسن معاملتها كيف وهي لها حق الإمتاع بجانب حق توفية الصداق، بدليل النص القرآني وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَنعُ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 241] فليس له أن يرزأها شيئاً من هذه الحقوق الواجبة عليه لها والله أعلم.
ذلك تطمئن
الرجل يحب زوجته أن تتزين له في كل حال حتى تكون محط نظره، لكن هو في المقابل لا يتجمل لها، في حين أنه عندما يخرج من البيت يتجمل لأصدقائه وخلانه، فهل على الرجل أن يتزين لامرأته؟
المرأة لها الحق في أن ترى زوجها ملء بصرها وملء سمعها، كما أن الرجل يحب أن يرى امرأته ملء سمعه وبصره، حيث تكون في منتهى الزينة (2/90)
صفحة 715
فتاوى الزواج
91
التي تتطلع إليها نفسه وترضى رغبته، فالمرأة كذلك، ومن هنا كان على الرجل أن يتجمل لهذه المرأة، وحبر الأمة الذي هو ترجمان القرآن ابن عم رسول الله عبد الله بن عباس ـ ا ـ استنتج ذلك من قول الله تبارك وتعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228]، وعلى هذا فإن الرجل مطالب أن يتجمل لزوجته في حدود الزينة المشروعة، ومن ذلك أن الرجل مطالب بأن يحلق عانته وينتف إبطيه ويحف شاربه، وأن يستحم ويستاك، وينفي عنه الأذى، وأن تكون ثيابه نقية ورائحته رائحة طيبة، فهذا كله من التجمل للزوجة، ومما يقرب المرأة إلى الرجل، ويجعل العشرة بينهما عشرة سعيدة هانئة، وكذلك المرأة هي مطالبة بأن تتجمل للزوج بقدر المستطاع، وإنما تختلف زينة الرجل وزينة المرأة بحسب فطرة كل واحد من الاثنين، فزينة الأنوثة تختلف عن زينة الذكورة، وكذلك بالنسبة إلى الطيب، فقد يكون نوع من الطيب أولى به الإناث، ويكون نوع آخر أولى به الذكور، فكل من ذلك يجب أن يراعى والله أعلم.
الفتاة العصرية الآن تتطلع إلى أن يكون لها - من خلال دراستها واطلاعها على الثقافات الأخرى - بيت مرفه وعيشة مرفهة، فهي قد تكون من أسرة فقيرة وتلك ظروفها، فهل في هذه الحالة تراعي حالتها وتبقى على ما
هي
من
عليه؟
الأمور التي يجب شد الانتباه إليها والاهتمام بها وعلاج مشكلاتها قضية الحياة الاجتماعية في هذا الوقت، ونظر الكثير من الناس إلى ما يعيش فيه من كان فوقهم فإن الإنسان مطالب أن ينظر في أمر الدين إلى من هو أعلى منه وأن ينظر في أمر الدنيا إلى من هو أدنى منه، ويرغب كذلك في القناعة، فإن القناعة كنز لا يفنى ومن المعلوم أن هذا التطلع الذي وقع فيه الكثير (2/91)
صفحة 716
92
الفتاوى النكاح
من الناس إلى البذخ في العيش، والإسراف في الحياة، أوقعهم في الكثير من المشكلات، ودفعهم دفعاً إلى ما لا تحمد عقباه، بل هذا مما يدفع إلى الترف والعياذ بالله، والترف هو مصدر الشقاء كله، فهو مصدر شقاء الآخرة، فإن الله لم يذكر المترفين في كتابه إلا بالشر، فقد ذكر المترفين في معرض الحديث عن عذاب الآخرة، فإنه عندما ذكر أصحاب الشمال في سورة الواقعة أول ما وصفهم به الترف، فقال تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} [الواقعة: 45)، وذكر عذاب الدنيا وقرنه أيضاً بالترف، حيث قال: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةِ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ * لَا تَرْكضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَكِيكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْتَلُونَ} [الأنبياء: 11 - 13] وقال: {حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَحْشَرُونَ} [المؤمنون: 64]، وذكر عموم العذاب الذي يأخذ الجميع، ويبيد القرى ويقطع دابر الأمم، فبين أن منشأه إنما هو فساد المترفين، حيث قال: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن تُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا
أن
فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَرْنَهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16]، وذكر تكذيب المرسلين وبين منشأه الترف، فقد قال سبحانه تعالى: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} [المؤمنون: (33)، وقال: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَفِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَلَا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذِّبِينَ} (سبا: 34، 35] وقال: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَرِهِم مُّقْتَدُونَ} [الزخرف: (23)، وذكر ـ أيضاً ـ معارضة المصلحين، والوقوف في وجوههم، والتنكر لدعوتهم، فبين أن منشأه الترف، فقال سبحانه: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُم وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ} [هود: 116] وقد سبقت كلمة قبل سنين عن الترف فقلت: إن التقارب اللفظي بين كلمتي الترف (2/92)
صفحة 717
فتاوى الزواج
93
،
والتلف موح بما بينهما من الترابط السببي والتآخي المعنوي، وعلى أي حال فإن المرأة كالرجل تطالب أن تكون راغبة في القناعة وهذا الذي يشترط على الكثير من الرجال الآن من أنواع البذخ، كوجود المسكن الواسع، ووجود السيارة الضخمة، ووجود الأثاث الذي يشد الانتباه إلى غير ذلك، ذلك كله هو مما سبب عنوس الفتيات وعرقلة الزواج، وسبب وقوع الرجال والنساء جميعاً في الفساد، ثم إنه من المعلوم أن الإسلام الحنيف إنما جاء بتحرير الإنسانية من ربقة الاستعباد، سواء كان هذا الاستعباد استعباد رجال أو كان استعباد عادات، فكل من ذلك إنما جاء الإسلام لتخليص الإنسانية منه، وعندما سأل الفارسي الجندي المسلم ربعي بن عامر الله ما الذي جاء بكم قال: «إن الله قد ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، الأديان ومن جور إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة»، وترون أنه الدنيا على الآخرة، وهذا يعني أن الإسلام جاء لإخراج الناس من الضيق الذي هم فيه إلى سعة الدنيا أولاً ثم إلى سعة الآخرة ثانياً، ومن المعلوم أن سعة الدنيا التي يخرج الناس بالإسلام إليها إنما هي بالاستعلاء عن هذه العادات التي تجعل الإنسان أسيراً مقيداً.
رستم
قدم
فإغراق الناس في اتباع هذه المظاهر - مظاهر زينة هذه الحياة الدنيا - هو الذي يؤدي إلى الغرق في الفساد وإلى الوقوع في الموبقات، ويؤدي إلى مشكلات لا يكاد الإنسان يخرج منها، كأنما دخل في نفق له أول وليس له آخر والله المستعان.
يجب على المرأة أن تستجيب لزوجها إذا دعاها للفراش، لكن قد يكون لدى المرأة ثورة جنسية كما يعبر عنها فتحاول أن ترغب زوجها في المجيء إليها، لكنها لا تجد مستنداً فقهياً أو شرعياً يوجب على الزوج أن يأتي إليها، فما لحل لهذه القضية؟ (2/93)
صفحة 718
94
الفتاوى النكاح
الحل في هذا ما ذكره الفقهاء أن الرجل مطالب عندما يشعر بالضعف الجنسي أن يتناول العقاقير التي تقويه من أجل إشباع رغبة زوجته، حتى لا يعرضها للفساد، بل النبي صلى الله عليه وسلم يقول (وفي بضع أحدكم صدقة))، وسئل عليه أفضل الصلاة والسلام أيصيب أحدنا شهوته ويؤجر، قال: «أرأيتم أن لو وضعها في حرام ألم يكن يوزر (2)، هكذا بين أن من لبى هذا الداعي وأشبع رغبة زوجته كان ذلك بمثابة المتصدق، كل ذلك من أجل الترغيب في قضاء الرجال الوطر لنسائهم، حتى لا يعرضوهن للفساد أو المشكلات النفسية والعصبية، ثم إنه جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً نهى الرجل أن يعجل امرأته عندما يواقعها (3)، وذلك يعني أنه إن قضى وطره منها بحيث صب المني، فيؤمر أن لا ينزع عنها حتى تستكمل هي رغبتها، لأن ذلك مما يؤذيها، وكذلك دلت الروايات على النهي عن العزل عن المرأة، اللهم إلا أن يكون ذلك عن تراض بين الزوجين، وهذا يدل ـ أيضاً ـ على أن للمرأة
الحق في المواقعة {وَهَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228] والله أعلم.
يظن البعض بأن الإسلام يزهد في الشهوات كلها، فالعزوف والخروج خارج البيت لسنوات عديدة لطلب العلم مقدم على حق الزوجة، وكذلك الذهاب إلى أي غرض من أغراض الإسلام؟
ليس الأمر كذلك، فأولاً دل القرآن الكريم على أن المرأة لها حق الوقاع، حيث إن الله تعالى شرع مدة معينة لئلا تخرج المرأة بعدها من عصمة الزوج عندما يستمر على الامتناع عن مواقعتها، فالله تبارك وتعالى
(1) رواه مسلم وأحمد.
(2) رواه مسلم.
(3) رواه أبو يعلى في مسنده. (2/94)
صفحة 719
فتاوى الزواج
95
يقول: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَابِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَآءُ و فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 226، 227]، فنجد أن الله حدد مدة هنا وهو العليم بمقدار ما تصبر المرأة عن زوجها، وقد جاء في فقه هذه المسائل ما يدل على أن ما أشار إليه القرآن هو الذي يتفق مع الفطرة، فإن عمر بن الخطاب له كان له جولات بالمدينة المنورة ليتحسس أحوال
الناس، وليعرف مواطن الخير والشر، وفي إحدى جولاته في بعض الليالي سمع امرأة تنشد أبياتاً: ألا طال هذا الليل واسود جانبه وليس إلى جنبي خليل ألاعبه فو الله لولا الله لا شيء غيره لزعزع من هذا السرير جوانبه والحياء يعفني وإكرام بعلي أن تنال مراكبه
مخافة
6
إلخ ما قالته، فلما عرف ذلك بحث عن هذه المرأة واستطلع ما عندها، فوجد أنها طال عليها غياب زوجها في الجهاد، فطلب على الفور أن يرد عليها زوجها، ولم يكتف بذلك بل اجتمع بالسيدة أم المؤمنين ابنته حفصة لا وهي امرأة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألها عن مقدار ما تصبر المرأة عن زوجها، فأخبرته أن المرأة تصبر عن زوجها شهرين ويشتد عليها ذلك بعد الشهر الثالث، وتفقد صبرها بعد أربعة أشهر، فأمر ألا يبقى في الغزو أحد أكثر من أربعة أشهر، ونحن استنتجنا من هذا بأن المرأة عندما يسافر زوجها هذه المدة ويكون مستمراً في سفره - بحيث لا يعود إليها ـ لها الحق بأن تطالب بالطلاق، ـ وهي التي تعرف في الفقه الإسلامي بالمرأة المغيبة - دفعاً للضرر، وعملاً بما يدل عليه قوله تعالى: {وَهَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: 228] وما دل عليه قوله سبحانه: {فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَنٍ} [البقرة: 229] والله أعلم. (2/95)
صفحة 720
لا
96
الفتاوى النكاح
هناك أمور تتبع فيها المرأة زوجها كالاستئذان مثلاً، وصلاة النوافل، وصوم النوافل، فهل تتبعه بمجرد العقد الذي يعبر عنه العُمانيون (بالملكة) أو بانتقالها إليه؟
يتم
أولاً بالنسبة إلى الإتمام والقصر فهي ما دامت في بلد أبويها لم تنتقل عنه لا تقصر الصلاة حتى تخرج عن ذلك البلد، وبعد خروجها مع زوجها تكون تبعاً له، وعندما تعود إلى بلد أهلها تقصر الصلاة ـ إن كان زوجها الصلاة هنالك ـ، وأما بالنسبة لمسألة الاستئذان فينظر فيها بالمعروف، أما إن كانت تسافر إلى بلد ناء فلا بد لها أن تستأذن، لكن بما أنها لم تنتقل إلى الزوج وما زالت في بيت أبيها ولم يبن بها زوجها، ففي هذه الحالة يكون استئذانها من أبيها، ما لم يكن المكان الذي تذهب إليه لا يرغب الزوج في ذهابها إليه، وأما في صيام النوافل فتنظر الحكمة، لماذا كانت المرأة مأمورة بأن لا تصوم إلا بإذن زوجها، ذلك لئلا تفوت عليه فرصة الاستمتاع بها، وفي هذه الحالة لا يكون استمتاع بها ما دامت هي لم تنتقل إليه، فلا مانع أن تصوم نافلة والله أعلم.
الزوجة مأمورة أن تظل في بيت زوجها، وأن يخدمها زوجها ويوفر لها وهي لا يلزمها أن تعمل في البيت وإنما يوفر لها الزوج كل ما
الخادمة
تحتاجه هذا ما تحكيه بعض الكتب؟
قال كثير من الفقهاء بأن المرأة لا يلزمها غزل ولا طبخ ولا تغسيل الملابس ولا تنظيف الأواني ولا أي شيء من هذا القبيل، وإنما على الزوج أن يوفر لها الخادم التي تقوم بهذه المسؤوليات أي عليه أن يخدمها بنفسه أو بمن يفوض إليه خدمتها، من غير أن تعنى هي بشيء من هذه الأمور، هذا ما قاله الكثير من الفقهاء، ولكن للعلماء المحققين نظر في ذلك، ومن الذين (2/96)
صفحة 721
يقوم
فتاوى الزواج
97
أجادوا القول في هذا العلامة ابن القيم في كتابه «زاد المعاد في هدي خير العباد»، وكذلك الإمام نور الدين السالمي حمدالله، فكلا الشيخين كان رأيهما واحداً، وهو أن المرأة والرجل كل منهما يعمل بحسب طبعه، فالمرأة لها طبيعة والرجل له طبيعة والمرأة لا يمكن أن تعمل الأعمال الشاقة، بحيث. تقوم مثلاً - بالأعمال الخارجية التي فيها مشقة، والتي هيئ الرجل بأن بها، كما أن الرجل أيضاً ليس من مسؤوليته تربية الأولاد وطبخ الطعام وتغسيل الملابس وتنظيف البيت، لأن ذلك لا يرجع إلى طبعه، فإذن لتكن المرأة مسؤولة عن الأعمال الداخلية وليكن الرجل مسؤولاً عن الأعمال الخارجية، واستدل على ذلك بما كان عليه السلف الصالح، فإن السلف الصالح كان بينهم التعاون بين رجالهم ونسائهم، ولم تكن النساء عندهم يبقين طول الوقت يقضين سحابة نهارهن وهن في فراغ أو في عزوف عن العمل المنزلي، بل كن يبادرن إلى الأعمال، ولم يكن من أحد نكير على ذلك، ولم يتهمهم أحد بأنهم ظالمون لنسائهم، وفي مقدمة ذلك بنات الرسول صلى الله عليه وسلم ومن بينهن السيدة فاطمة التي أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بأنها بضعة منه يؤذيه ما يؤذيها، ومع ذلك تأثرت يداها من أثر الحبل بسبب حمل قربة الماء، وطلبت من أبيها خادماً يخدمها، والنبي صلى الله عليه وسلم أحالها إلى الذكر ليكون ذلك خيراً لها وأبقى، ففي هذا ما يدل على أن المرأة في جهاد ما دامت تخدم زوجها وتقوم بشؤون بيتها وتراعي أولادها وتربيهم والله أعلم.
لدي زوجة أصيبت بمرض منذ فترة، وحيث إنني رجل فقير ودخلي محدود، وبما أنها تملك مالاً من النخيل وبعض آثار ماء يسقي هذه النخيل، فهل يجوز علاجها بالتصرف من هذا المال، أم على نفقتي علاجها ما دامت في عصمتي؟ إن وافقت على ذلك فلا حرج فيه، وإن لم توافق فمرد ذلك إلى الشـ (2/97)
صفحة 722
98
الفتاوى النكاح
الشريف، لأنه اختلف في علاج الزوجة، هل يجب أن يكون من مال الزوج أو لا؟ والله أعلم.
فيمن تزوج امرأة وبعد أيام من زواجه نفرت نفسه منها، ولم يطق العيش معها ولم يستطع على معاشرتها، فكلما اقترب منها انطفأت شهوته مع لم يقصر في حقوقها الأخرى، ثم بعد ذلك تزوج بأخرى فوجد فيها أسباب السعادة مما جعله يعيش حياة هانئة فهل يجوز له أن تبقى
أنه
من
زوجته الأولى في عصمته لأجل أولادها أم الأفضل له أن يطلقها؟ إن رضيت بالبقاء معه بدون جماع جاز له إمساكها، وإلا فعليه أن يريحها بالطلاق والله أعلم.
إنني
أعيش مع زوج مدمن خمر وتارك للصلاة والصيام ويتقلب في محارم الله تعالى، وهو مع هذا أغلب حياته في السجن لا يخرج منه إلا ويدخل فيه، ثانية كما انه لا يؤمن على إفساد أولاده، الذين أحاول أن
أربيهم التربية الصالحة فهل يجوز بقائي في عصمة هذا الزوج؟
بئس الرجل من لا يصلي ولا يصوم ويشرب الخمر ويأتي المنكرات، ولا ينبغي لامرأة مسلمة أن تبقى معه خوف فتنتها في دينها، وعليه فاقتراحي عليك أن ترفعي أمرك إلى القضاء الشرعي مع إقامة البينات على الذي تقولينه، وكفى بالشرع فاصلاً والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إن لزوجي ابناً قد توفيت أمه فربيته منذ كان طفلاً وعوضته حنان الأم الذي افتقده، وعندما كبر كان مني بمنزلة الابن من الأم، فلما رأى هذه المعاملة واتهمني بأني أتعامل
مني
معه
زوجي اهتمامي بابنه أنكر بما لا يرضي الله الله، وأنا من ذلك بريئة والله شهيد على ما أقوله،
6 (2/98)
صفحة 723
فتاوى الزواج
99
هل يجوز بقائي في عصمة هذا الزوج بعدما رماني بما رماني به زوراً
وبهتاناً؟
بئس الصنيع هذا الذي يصدر من هذا الزوج المأفون الذي لا يراعي حق حرمة ولا حكم الله في العلاقة بين النساء وأبناء بعولتهن، مع أن هذا الحكم صريح واضح في قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَابِهِنَّ أَوْ ءَابَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَ} [النور: 31) حيث ساوى بين أبنائهن وأبناء بعولتهن من هذه الناحية في الحكم، وعليه فإن لم يتراجع هذا الرجل عن غيه فارفعي أمرك إلى القضاء الشرعي وكفى به فاصلاً والله ولي التوفيق.
ما حكم العزل إن كان برضى الزوجة، وما حكمه إن كان استجابة للدعوات التي تنذر بانفجار سكاني وشحة مصادر الرزق؟ العزل هو الوأد الخفي، كما جاء في الحديث عند مسلم، والله تعالى يقول: {وَإِذَا الْمَوْءُ دَةُ سُبِلَتْ بِأَي ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير: 8، 9]، لذلك لا ينبغي القول بجوازه إلا في حالات الضرورة والله أعلم.
فيمن تزوج امرأة واشترطت عليه أن لا يخرجها من بلد أهلها وقد قبل ذلك، والآن يريد أن يخرجها إلى بلد آخر فهل له ذلك إن رفضت الزوجة الانتقال؟
إن كان ألزم نفسه ذلك فعليه أن يلتزمه والله أعلم.
رجل تزوج امرأة أجنبية ثم طلقها فهل يلزمه أن يدفع إليها حقها بعد
الطلاق؟
المطلقة
تدفع إليها حقوقها كاملة لا فرق في ذلك بين أجنبية ومواطنة، (2/99)
صفحة 724
الفتاوى النكاح
إذ لا اعتبار لهذه الفروق فيما يتعلق بالحقوق الواجبة المشروعة في الإسلام
والله أعلم.
ما قولكم في زوجين بلغ بهما من شدة الخلاف ما بلغ، وتعذر حصول الوفاق بينهما فالمرأة دائماً توجه إلى زوجها الكلام السيئ، وعندما يحاول إصلاحها تزعل وتذهب إلى بيت أهلها وتفعل كل ما تريده، وتقول أنا حرة أفعل ما أشاء، وأحياناً تطلب بيتاً مستقلاً، وإذا توفر ذلك تبقى هي على حالتها السابقة فما ترون سماحتكم الحل في
القضية؟
هذه
نظراً إلى الشقاق المتناهي بين الزوجين أرى أن الطلاق فيه المخرج من هذه الأزمة، والمخلص من هذه الشدة، وقد أباحه الله من أجل أمثال هذه
الملابسات فهو الحل الأمثل والله أعلم.
تعدد الزوجات:
شخص متزوج بأكثر من امرأة:
ما معنى القسمة في المبيت؟ وهل يلزمه قضاء الليل فقط وفي النهار يمكن للرجل زيارة من يشاء من نسوته وجماع من يرغب منهن؟ ولو قسم مدة المكوث عند كل واحدة يوماً أو يومين أيعني ذلك أنه يقضي كل تلك المدة مع صاحبة الدور دون الأخريات (أي لا يزورهن أو
يأتيهن)؟
وهل يلزمه في كل مرة يبيت مع إحدى نسائه أن يجامعها من باب العدل (2/100)
صفحة 725
فتاوى الزواج
بين الزوجات أم أن الزوج في هذا مخير قياساً على الأكل والشرب (حسب رغبته)؟ وإذا لم يجامعها في ذلك اليوم أو وقت قسمتها هل يلزمه تعويضها في وقت آخر؟
تعدد الزوجات مشروط بالعدل، لقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) [النساء: 3]، والأصل في العدل أن يكون في كل شيء من المطعم والمشرب والملبس والمسكن والوطء حتى في نظرات العين، وقد روي عن الإمام أبي الشعثاء الله الله أنه قال: «لي امرأتان وأعدل بينهما حتى أني أعد القبل»، أي كان يوزع القبلات بينهن بحساب معلوم، ولكن الله من فضله تجاوز عما لم يكن مستطاعاً للرجل وهو التحكم في العواطف وميل النفس، وذلك قوله تعالى: {وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ [النساء: 129]، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في قسمته بين نسائه: «اللهم هذا قسمي قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك» (1)، وماذا أن تستفيد المرأة من مجرد مبيت الزوج معها من غير أن يواقعها؟ أهي تريد جثة تكون بجنبها، أم تريد رجلاً يؤنسها ويشبع رغبتها ويقضي وطرها، وذلك وإن كان لا يقتضى أن يكلف نفسه ما لا طاقة له به، إلّا أنه ولا ريب ليس من المعقول أن يبيت الرجل مع إحدى زوجاته ولا يحل لها إزاراً، ثم يغدو إلى أخرى وليس ذلك اليوم من نوبتها ليجامعها، فإن هذا هو الحيف والظلم، وقد اختلف أهل العلم في قسمة الجماع فمنهم من واجبة، ولا يحل له أن يعاود التي جامعها حتى يجامع الأخرى، ومنهم من أباح المعاودة مع عدم حرمان الأخرى منه إلا إن نزلت عن حقها برضاها
عسى
والله أعلم.
(1) رواه النسائي وأبو داود والترمذي وأحمد وابن ماجه والحاكم.
قال
هي (2/101)
صفحة 726
102
الفتاوى النكاح
ما هو الحل في نظركم للقضاء على مشكلة العنوسة، مع مراعاة الحاجة إلى التعدد عند بعض الرجال ورفض النساء لمسألة تعدد الزوجات، إضافة إلى التكاليف الباهظة والمغالاة في المهور من قبل أولياء الأمور؟ الحل أن يكون هناك تسامح من قبل النساء أنفسهن، ومن قبل أولياء
امورهن ومن قبل الأهلين، وأن يتعاون الكل على البر والتقوى والله أعلم. تزوجت بزوجة ثانية من غير علم أهلي ولا علم زوجتي فهل زواجي صحيح، وهل من حق الزوجة الأولى أن تطلب الطلاق إن علمت بهذا
الزواج؟
إن كان الزواج مستوفياً لجميع أركانه و شرائطه فهو زواج شرعي صحيح وليس بحرام ولكن من السنة إشهار الزواج لا كتمانه، وليس للمرأة الأولى طلب الطلاق من أجل زواجك بأخرى إن كنت بينهما عادلاً وموفياً بما عليك من حقوق الزوجية، أما إن جانبت مسلك العدل فلها ذلك والله أعلم.
مع
أريد الزواج من امرأة أخرى وأرى أن سعادتي التي فقدتها بسبب الزواج الأول مرهونة بهذا الزواج لما تتصف به هذه المرأة من الدين والخلق والجمال، ولكنني متردد في هذا الزواج خوفاً من حصول المشكلات الأهل، فما ترون هل أقدم على هذا الزواج أم لا؟ زواجك بتلك الفتاة أمر قراره بيدك أنت فأنت ولي أمرك، وإنما ينبغي لك التفكير في عواقبه الإيجابية والسلبية فتعد لكل شيء عدته والله أعلم.
هل تعدد الزوجات واجب مع القدرة؟
تعدد الزوجات ليس بواجب، وإنما هو مباح مع شرط العدل بينهن
والله أعلم. (2/102)
صفحة 727
مع
فتاوى الزواج
103
لقد أجبرني والدي بالزواج من ابنة عمتي التي توفي والدها وقد كنت في السادسة عشر من العمر، الأمر الذي أدى إلى عدم الاستقرار النفسي هذه المرأة، وفي كل وقت وأنا أفكر أن أتزوج بأخرى حتى وجدت المرأة المناسبة، فأخبرت والدي بذلك فأبديا الموافقة، غير أن أبي آثر أن لا يتدخل في الموضوع حتى لا يكون سبباً في إفشاله فما إن خطبت المرأة أهلها حتى غير أبي رأيه وأبدى معارضته لهذا الزواج، محتجاً بأن هذه المرأة ليست كفأ لنسبه وأنه غير راض على هذا الزواج، وأنه سوف يتبرأ مني إذا ما تم ذلك. فما رأي سماحتكم في هذا الأمر وعلى أي أمر ترشدني؟ إن كنت ترى ضرورة زواجك بهذه المرأة بحيث تتوقف عفتك وسلامة دينك عليه فلك أن تتزوج بدون موافقة أبيك، وإلا فلا وحاول إقناع أبيك بكل وسيلة والله أعلم.
من
فيمن تزوج بامرأة ثم أصيبت بالشلل، فتزوج من امرأة أخرى وأبقى الزوجة الأولى في بيت أهلها، فهل يجوز له تطليقها أم عليه أن يبقيها في عصمته؟ إبقاؤها في عصمة الزوجية مع الإحسان إليها أولى، وإن طلقها لم يأثم
والله أعلم.
رجل متزوج بامرأتين وقد حرم الزوجة الأولى من حقوقها الزوجية، فهل لو طلبها لنفسها يجوز لها أن تمتنع عنه بسبب ذلك؟
لا ترفض المبيت عنده ولكن لها أن تطالبه بالعدل وأن يوفر لها حقوقها
والله أعلم.
ما نصيحتكم لمن تزوج ولم يستطع العدالة؟
نقول لقد كان جديراً بهذا الإنسان الذي لا يستطيع العدالة ألا يقدم على (2/103)
صفحة 728
1+2
الفتاوى النكاح
الزواج إلّا بعد أن يستوثق من نفسه أنه سيعدل، فإن الله تعالى يقول: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3] قد كان جديراً به أن يفعل ذلك، ولكن بما
أنه
وقع فيما وقع فيه، فهنا يؤمر تجاه المرأة التي لم يستطع أن يقوم بالعدل مستطاعه ـ على توفير الحق أن بحسب
تجاهها وإعطاءها حقها بعد حرص
صه
-
يتبع معها إرشاد القرآن الكريم: {وَإِنِ امْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُورًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحَا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأَحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَ [النساء: 128] فلا بد من أن يكون هنالك شيء من التسامح مع عرض القضية على المرأة نفسها، فإن وافقت على البقاء على هذه الحالة التي لا يمكنه أن يقاومها ولا يمكنه أن يغالبها فلا حرج عليه إن رضيت، وإن لم ترض واختارت الفراق فليسرحها تسريحاً حسناً، لئلا يكون حجر عثرة في سبيل تحقيق رغبتها النفسية والله تعالى أعلم.
ما يحل للرجل من زوجته
هل يجوز تقبيل الرجل لزوجته ومباشرتها بعد العقد وقبل الزفاف؟
لا مانع من ذلك والله أعلم.
هل يجوز للرجل أن يمص ثديي زوجته؟ وهل يجوز للمرأة أن تمص
ذكر زوجها؟
يباح للرجل أن يمص ثديي زوجته ولا كراهة في ذلك، إذ لا محذور فيه فإن من جاوز عامين من عمره لم يؤثر عليه الرضاع، وللمرأة أن تداعب ذكر زوجها من غير أن تمصه خشية أن تلج إلى فيها رطوباته وهي نجسة
والله أعلم. (2/104)
صفحة 729
فتاوى الزواج
1.0
ماذا يحل للرجل من زوجته بعد عقد قرانه بها؟
عقد القران هو الذي يحلها له فبمجرد ما يعقد قرانه عليها حل له منها كل ما يحل للرجل من امرأته لأنها أصبحت امرأته، وإنما ينبغي مراعاة الظروف الاجتماعية والعادات المتبعة التي لا تخالف الشرع لئلا تحمل منه وهي في بيت أهلها فتساء بها الظنون والله أعلم.
ما حكم النظر إلى العورة بواسطة المرايا خلال الجماع وغيره؟ إن كانت هذه العورة هي عورة الرائي نفسه أو عورة زوجه فلا إثم عليه إن رآها مباشرة أو بواسطة المرآة والله أعلم.
ما هو حد الاستمتاع بين الزوج وزوجته في فترة عدتها من الطلاق
الرجعي؟
ليس له أن يستمتع بشيء منها قبل المراجعة، فإن أراد أن يستمتع بها فليشهد شاهدين أنه راجعها بصداقها وعلى ما بقي من طلاقها، ويخبرها الشاهدان بذلك قبل أن يمسها والله أعلم.
هل يصح للرجل أن يداعب زوجته أثناء حيضها حتى ينزل؟ الممنوع في الحائض هو المجامعة دون غيرها، وتجوز مداعبتها بما دون الجماع ولو أدت إلى قذف المني والله أعلم.
ما قول الشرع في مص الزوجة ذكر زوجها أثناء الجماع؟
مص الذكر مظنة امتصاص النجاسة، وذلك لأن التفكير في الجماع مدعاة إلى الإمذاء، فضلاً عن الملاعبة والتهيؤ للمواقعة، والمذى نجس، والفم موضع لذكر الله، ولتناول فضله من الطعام والشراب، فلا يجوز للمرأة (2/105)
صفحة 730
1.7
الفتاوى النكاح
امتصاصه، كما لا يجوز للرجل أن يلحس فرجها كل ذلك من أجل الحرص على الطهارة نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223] والله أعلم. رجل أراد الاغتسال بعد إتيان أهله مباشرة، إلا أنه لم يستطع التبول لتطهير مجراه من بقايا المني بسبب مبالغته في التبول قبل العملية، فهل يجزيه الاغتسال بدون تبول؟
يغتسل ويصلي بغسله فإن سال منه سائل من بعد ففي إعادته للغسل خلاف، ولا إعادة عليه للصلاة التي صلاها بذلك الغسل، وإعادته للغسل أحوط، وإن كان عدم وجوبه أرجح والله أعلم.
ماذا يقول الرجل إذا أراد الدخول على زوجته؟
يقول: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا والله أعلم.
هل يجوز تقبيل الرجل لزوجته في كامل جسدها؟
نعم، إلا الموضع الذي هو مظنة النجاسة والله أعلم. هل يجوز أن يمص الرجل من ثدي زوجته لبناً؟
لا مانع من ذلك والله أعلم.
هل يجوز إتيان المرأة من ظهرها في قبلها؟
لا مانع من ذلك، وهو المراد بقوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ
أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223] والله أعلم.
هل يجوز أن يقبل الرجل فرج زوجته؟
يمنع من مص موضع النجاسة، ويباح ما عداه والله أعلم. (2/106)
صفحة 731
فتاوى الزواج
107
هل يجوز أن تقبل الزوجة ذكر زوجها؟ وهل يصح أن تمصه دون أن يقذف؟
لا يجوز لها مص مخرج النجاسة، ويجوز ما عداه والله أعلم.
هل يجوز أن يداعب الرجل فرج زوجته بيده؟
لا مانع من ذلك والله أعلم.
هل يجوز للزوجين أن يناما عاريين في حجرة شبه مظلمة؟ يكره ذلك، حياءً من الله وملائكته والله أعلم.
هل يجوز أن يحك الرجل ذكره في جسد زوجته حتى يقذف؟ يباح ذلك حال حيضها، من أجل الترويح عنه والله أعلم.
هل يصح مص كل من الزوجين لسان بعضهما؟
لا مانع من ذلك والله أعلم.
هل يمنع الزوج من مقابلة زوجته بعد عقد قرانه بها، وما حكم أهل المرأة إن فعلوا ذلك؟
بعد أن عقد قرانه عليها فهي زوجته، لا يمنع شرعاً من أن يكون بينها وبينه ما يكون بين الزوجين، ولكن للناس أعراف تراعى ويؤخذ بها ما لم تخالف الشريعة والله أعلم.
ما الذي يباح للرجل من امرأته حال صومه أو حال حيضها؟
يباح للرجل ما عدا ما يدعوه إلى الجماع أو الإنزال من امرأته في حال ذلك فإن عليه أن يحتاط، فإن الملاعبة المفضية إلى الإنزال غير
صومه، ومع
ممنوعة حال الحيض وهي ممنوعة في حال الصوم والله أعلم. (2/107)
صفحة 732
108
الفتاوى النكاح
يسبب
فيمن تزوج امرأة وقد ركب أنبوبة في فتحة ذكره لأجل العلاج مما للمرأة آلاماً عند الجماع، وهذه الأنبوبة لا يمكن أن تزال إلا بعملية جراحية، والرجل غير موافق على إزالتها. فهل يصح للرجل أن يجامع زوجته بهذه الحالة؟ وهل يحق لها طلب الطلاق لهذا السبب؟ وهل يلزمها رد الصداق لأجل تطليقها؟
الضرر مرفوع، وبما أنه يضرها أثناء المواقعة فلها أن تطالب بالطلاق،
وليس عليها رد الصداق فإن لكل موطوءة صداقاً والله أعلم.
هل يجوز أن تتعرى المرأة أمام زوجها إن تطلب منها ذلك؟
لا
يمنع أن يتعرى أي واحد من الزوجين أمام الآخر، وإنما يكره ذلك تنزيهاً لغير حاجة، ولا ينبغي للزوج أن يكره زوجته عليه لغير حاجة، وإن كان في ذلك إشباع رغبته منها فلا ينبغي لها أن تخالفه والله أعلم.
ما تقول عن رجل يجامع زوجته فوق سطح المنزل وليس عليه سقف، فهل يجوز ذلك أم لا؟
الجماع فوق السطح كرهه جماعة من العلماء، وذكروا أنه مما يكون بسببه النفاق، وعزوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولم أجد سنداً لهذه الرواية حتى أعرف حكم الحديث قوةً وضعفاً، وبعض العلماء لم ير بذلك بأساً، ومن هؤلاء المحقق الخليلي رحم الله، ولعل ذلك يعود إلى عدم ثبوت رفع ذلك إلى النبي، ومثل هذه الأحكام موقوفة على ما ثبت بالنقل والله أعلم.
هل يجوز للرجل أن يسلم على زوجته بعد عقد قرانه بها؟
له أن يجامعها فكيف يمنع من التسليم عليها؟ (2/108)
صفحة 733
النفقة
فتاوى الزواج
109
فيمن طلق زوجته وهي حامل فهل يجب عليه أن ينفق عليها حتى تضع
حملها؟
نعم يجب على المطلق أن ينفق على مطلقته الحامل حتى تضع حملها، وعليه أجرة الإرضاع من بعد، لقوله تعالى: {وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمَلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَأْتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) [الطلاق: (6) والله أعلم.
ما قولكم فيمن طلق زوجته وتصالحا على دفع نفقة لأولاده من غير حكم حاكم، ثم بعد ذلك نكث في عهده وقطعها عنهم فهل يلزم بدفعها لهم؟ بما أنه ألزم نفسه ذلك في صلح يعترف به، نرى لزوم ذلك عليه، لحديث الصلح جائز إلا صلحاً أحل حراماً أو حلالاً (1) وهذا الصلح ليس فيه أحد هذين الأمرين، لذلك رأيت إمضاءه حكماً والله أعلم.
حرم
توفي زوجي وله أولاد من غيري فهل تحق لي النفقة، وهل لي شيء من
الميراث، ولي دين على زوجي فهل يحق لي استرداده بعد وفاته؟ أما النفقة فلا نفقة للمعتدة عدة الوفاة وأما حقك من الإرث فهو الأولاد إن لم يكن له زوجة أخرى، وأما ما لك عليه من دين فإن ثبت ذلك بالحجة المقبولة شرعاً فهو يخرج من التركة قبل قسمة الميراث
الثمن مع
والله أعلم.
(1) رواه أبو داود والترمذي وأحمد والحاكم. (2/109)
صفحة 734
الفتاوى النكاح هل تستحق المسلمة المطلقة النفقة من زوجها طوال حياتها لعدم وجود مصدر آخر لها؟ مع تأويل آيتي 241 و 242 من سورة البقرة وهما: وَلِلْمُطَلَّقَت مَتَعُ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ * كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 241، 242].
العدة،
النفقة للمطلقة واجبة على المطلق في خلال العدة فقط، وذلك في الطلاق الرجعي دون البائن، اللهم إلا أن تكون المطلقة المبتوتة حاملاً، ففي هذه الحالة تجب لها النفقة إلى أن تضع حملها، بدليل قوله: وَإِن كُنَّ أَوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} [الطلاق: 6] والدليل على عدم النفقة للبائن - إن لم تكن حاملاً ـ حتى في حديث فاطمة بنت قيس التي طلقها زوجها فبت طلاقها، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم عن فلم يجعل لها نفقة ولا سكنى (1) وهو ثابت عند أئمة الحديث وعليه العمل. نستخلص من كل ذلك أنه لا نفقة للمطلقة بعد العدة، وإنما استحقت النفقة والسكنى في خلال العدة للعلاقة الباقية بينهما، وذلك أن الزوج أملك بها في خلال العدة، كما يدل عليه قوله تعالى: {وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَبِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} [البقرة: 228]، وإذا لم تكن نفقة للمتوفى عنها زوجها ولا للبائن ـ غير الحامل ـ أثناء عدتهما أنهما مأمورتان مع بالانحباس عن الزواج حتى تنتهي العدة، فمن باب أولى أن لا تكون
تسأله
النفقة
النفقة للمطلقة بعد عدتها.
أما آيتا (141 و 142) من سورة البقرة فمدلولهما لزوم المتعة للمطلقة من قبل مطلقها، وهي عبارة عن شيء من المال يمكن الاستمتاع به من
(1) رواه الربيع والبخاري ومسلم. (2/110)
صفحة 735
فتاوى الزواج
111
غير تحديده بمقدار، ولا يعني ذلك أنها مدد دائم بل هي عطية مقطوعة، من غير خلاف بين علماء الأمة، على أن كثيراً منهم حصر وجوب المتعة للمطلقة فيما إذا كانت غير مدخول بها ولا مسمى لها صداق، تخصيصاً لهذا العموم بقوله تعالى: {لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 236] والله أعلم.
-
ما قولكم فيمن توفي عنها زوجها وهي حامل فهل تحق لها النفقة من تركة الزوج أم لها نصيبها من التركة وتنفق على نفسها؟
الأشهر أنه لا نفقة لها من تركة الزوج، وإنما النفقة من مالها ـ وإن كانت
حاملاً ـ والله أعلم.
إذا أبت المطلقة المكوث في بيت زوجها وخرجت منه، فهل على زوجها نفقتها أيام عدتها؟
إذا خرجت فقد أسقطت نفقتها، والله أعلم.
سافر زوجي
منذ خمس سنوات ولم يترك لي ولا لأولاده في كل هذه المدة شيئاً من النفقة، ثم جاءه مال أثناء غيابه من جهة معينة، فهل يجوز
أن آخذ منه ولأولاده بقدر حاجتنا منه أم لا؟
نعم، لك أن تأخذي قدر نفقتك ونفقة أولادك والله أعلم.
ما قولكم في رجل طلق زوجته وهي حامل، فماذا يلزمه تجاهها؟ عليه نفقتها حتى تضع حملها، فإن أرضعت له فعليه أجرتها مع نفقة الطفل والله أعلم. (2/111)
صفحة 736
112
الفتاوى النكاح
فيمن طلق زوجته وهي حامل، وينفق عليها نفقة شهرية، فهل يلزمه شيء بعد وضع حملها؟
عليه نفقتها ونفقة مولودها إن قامت بإرضاعه والله أعلم.
شهري
إنني امرأة مطلقة ولي ولد يبلغ من العمر سنة ونصف السنة وحامل في الثالث فهل لولدي الرضيع نفقة وللجنين؟ وكم تقدر؟ لك نفقة إلى أن تضعي، وللولد المحضون نفقة وتقدير ذلك إلى القاضي
والله الموفق.
حاضنة
ما قولكم فيمن طلقها زوجها واتفقا على أن تكون الأم هي الأولاد ظناً منها أن الشؤون الاجتماعية ستجري لهم راتباً شهرياً، غير أنها لم تقدمت بذلك رفض طلبها لوجود أب لهؤلاء الأولاد، فأصبحوا كلاً عليها وخاصة أنها امرأة ضعيفة لا تجد ما تنفقه عليهم. فهل في هذه الحالة يحق لها أن ترجع عما اتفقت عليه مع
زوجها؟
نعم، لها أن ترجع عما اتفقت عليه مع زوجها لأجل الجهالة، وعليه أن يقوم بالإنفاق على أولاده والله أعلم.
عن امرأة تزوجت منذ خمسة عشر عاماً، وزوجها لم يحسن عليها ولم يدفع النفقة الواجبة عليه، لها والآن هو تارك لها في منزل أبيها ولم يؤد شيئاً من حقوقها، هل يحق لها المطالبة بنفقتها خلال الأعوام
الماضية؟
نعم لها ذلك والله أعلم. (2/112)
صفحة 737
فتاوى الزواج
113
فيمن طلق زوجته وبقي الأولاد عندها، فهل على الزوج أن يوفر لهم
النفقة والسكن أو لا؟
على أبي الأولاد أن يوفر لهم النفقة والسكني، ولئن كانت أمهم أحق بحضانتهم فلتكن عندهم والله أعلم.
ماذا يلزم عليه أن ينفق على أمه حتى تضعه، ثم عليه نفقته وأجرة الرضاع لأمه إن كان قد طلقها والله أعلم.
الأب تجاه ابنه عندما يكون جنيناً في بطن أمه؟
فيمن توفي زوجها في ليلة العرس وقبل أن يطأها، فهل يحق لها النفقة من تركة زوجها في فترة العدة؟
لا نفقة للمعتدة إن لم تكن حاملاً اتفاقاً، وإنما لها الإرث والله أعلم.
هل يجبر الأب على الإنفاق على أولاده بعد بلوغهم إن كان طلبهم لمعاشهم يشغلهم عن مواصلة دراستهم، كما هو مشاهد في هذا العصر؟ أرى ذلك وجهاً وجيهاً إن كان الأب صاحب ثروة تتسع لذلك والله أعلم.
ما قولكم في المعتدة من طلاق بائن هل لها سكنى أو نفقة؟ لا سكنى لها ولا نفقة على القول الراجح عند أصحابنا والله أعلم.
فيمن تزوج امرأة وبقيت في بيت أهلها أربع سنوات ولم ينقلها إلى بيته، فهل يلزم أن يدفع لها نفقتها؟
إن امتنع من نقلها وهي تطالبه به فعليه نفقتها والله أعلم. (2/113)
صفحة 738
114
الفتاوى النكاح
النفقة التفريق في بين الغنية والفقيرة ما مبرر هذا التفريق أولاً؟ والسؤال الثاني إذا كانت المرأة غنية وتزوجها رجل لم يكن في مستواها هل تراعى حالة الزوج هذا أم حالة الزوجة؟
أما التفريق بين الغنية والفقيرة والمتوسطة فإنما هو راجع إلى ما كانت عليه المرأة من قبل أن ترتبط برباط الزوجية مع الرجل، فالمرأة التي درجت في بيت غنى وعاشت في كنف والدين غنيين كريمين ينفقان عليها بسخاء، ليست كالمرأة التي درجت في شظف العيش والفقر والشدة والتعب، وكذلك المرأة المتوسطة الحال تكون بين هذه وتلك، وحتى لا تكون هذه المرأة الغنية - التي عاشت في كنف أبوين غنيين في رغد العيش وبحبوحة من الحياة ـ معرضة فيما بعد عندما تنتقل إلى الزوج لنكد العيش أمر الزوج بأن يراعي حالتها، لئلا تحس بفجوة ما بين الحياة التي كانت عليها من قبل والحياة التي انتقلت إليها من بعد، وهذا لا يعني أن يكون هذا الزوج غامطاً للمرأة الأخرى حقها إن كانت تلك المرأة من أسرة فقيرة، فهو من حيث النفقة يؤمر أن يعدل. ولكن مع هذا كله إنما أمر أن يراعي الحالة التي كانت عليها الزوجة الغنية لئلا تشعر بفجوة بين حالتيها التي كانت عليها من قبل والحالة التي انتقلت إليها من بعد، أما الذين راعوا جانب الزوج فإنهم راعوا قول الله: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، فَلْيُنفِقْ مِمَّا وَانَنَهُ اللهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا ءَاتَنَهَا سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرِيرًا} [الطلاق: 7، وهذه الآية الكريمة نزلت في المطلقات والنفقة عليهن، سواء كانت هذه النفقة في الطلاق الرجعي إلى أن تنتهي العدة الشرعية أو كانت بسبب قيام هذه المرأة بإرضاع الأولاد وتربيتهم، فإنها لها النفقة والنفقة تعود إلى حالة الرجل وينظر فيها إلى يساره وإعساره فإن كان موسراً أمر أن يتوسع في الإنفاق، وإن كان معسراً أمر أيضاً أن ينفق بقدر استطاعته، ولا يكلفه الله إلا ما كان (2/114)
صفحة 739
فتاوى الزواج
هي
115
قادراً عليه، ومن المعلوم أن النفقة التي هي للمطلقات إنما امتداد للنفقة التي تكون في أيام الحياة الزوجية، ولما كانت امتداداً للنفقة التي كانت في أيام الزوجية فلا ريب أن مراعاة هذا الجانب أولى، وهو جانب اليسر والعسر في الرجل، ولذلك أميل إلى اعتبار حالتي اليسر والعسر في الرجل، أن تكون حالة الرجل الذي دخله قليل وقد تزوج امرأة موسرة
فماذا عسى
عاشت من قبل في رغد العيش، أيكلف أن يوفر لها ما لا تطيق حالته، نفسها رضيت أن تكون له زوجة مع معرفتها بحالته، بحيث
أنها
هي
مع
يغرر بها وإنما كانت دارية بفقره عندما تزوجته، وهذا مما يقوي أنه يجب أن يراعى هذا الجانب جانب الإيسار والإعسار في الرجل، لأجل أن لا يكلف ما لا يطيق كما قلت والنص دل على ذلك، بينما الذين قالوا بالرأي الآخر وهو الرأي السابق ـ إنما عولوا على النظر ولم يعولوا على النص، وإن كان النص وارداً في المطلقات إلا أن المطلقات إنما النفقة عليهن تكون امتداداً للنفقة أيام كن في حكم الحياة الزوجية والله تعالى أعلم.
هل للحاكم في النفقة الشرعية جبر الزوج لزوجته أن يؤديها بالمبالغ النقدية كل شهر، أو كل يوم كذا كذا حسب وسعه يتحرى العدل في ذلك، إذا قالت الزوجة: لا يأتيني بالنفقة، وهو يقول آتيها كل يوم أو كل شهر ولكن تسرف به، وقالت أريد مبالغ نقدية، ورأى الحاكم ذلك قطعاً
للشقاق؟
إن اقتضت ذلك الضرورة، ورأى القاضي فيه حلاً للمشكلة فلا مانع منه
والله أعلم. (2/115)
صفحة 740
116
الفتاوى النكاح
أثر الوطء في الحيض والدبر
فيمن عدتها سبعة أيام ورأت الطهر بعد خمسة أيام وجامعها زوجها فرأت بعد الجماع أثراً للدم فما الحكم في ذلك؟
قد أساءا بالجماع قبل انتهاء المدة المعتادة، فليستغفرا الله ولا حرج عليهما والله أعلم.
ما قولكم في رجل في بداية زواجه تفاجأ بأن زوجته حائض ولم يقاوم رغبته النفسية وباشر الجماع كاملاً مع زوجته مستخدماً مانعاً طبياً، وتقدم بالسؤال إلى أحد المشايخ في الولاية وكان الجواب كفارة قدرها خمسون ريالاً عُمانياً للفقراء والمساكين، وقام الزوج بدفع الكفارة وبعد مضي سنة تقريباً غلط نفس الغلطة وجامع زوجته وهي حائض وندم على ما فعل، وقصده التوبة إلى الله من قلبه وعدم الوقوع في الخطيئة، علماً بأن الرجل عنده أطفال من زوجته ولا يستغني عنها. فما هو الحل
من سماحتكم وإن كانت قد طلقت من رقبته فهل له رجعة؟
من قال بأنها تنفصل عنه فإنه يقول بحرمتها عليه إلى الأبد وليس ذلك طلاقاً فالطلاق تحل إثره الرجعة إن كان رجعياً، وتزوجها من جديد إن كان بائناً بينونة صغرى (1)، وبعد أن يتزوجها رجل آخر إن كان بائناً بينونة كبرى (2)، وأما المحرمة فلا تحل بوجه من الوجوه، ولكن القول الذي
نأخذ
(1) البينونة الصغرى: هو الطلاق الذي لا يمكن للزوج معه مراجعة زوجته إلا بعقد زواج جديد بجميع شروطه.
(2) البينونة الكبرى: هو الطلاق الذي لا يملك الزوج بعده الرجوع إلى زوجته إلا إذا نكحت زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه. (2/116)
صفحة 741
فتاوى الزواج
117
به هو وجوب التوبة والكفارة اللهم إلا إن كان مصراً على ما فعله فإن ذلك ينافي الإمساك بمعروف وعلى القاضي الشرعي في مثل هذه الحالة أن يخلصها منه بالفراق والله أعلم.
ما قولكم في الموطوءة في الحيض هل تحرم على زوجها أم لا؟ وماذا يلزم من فعل ذلك؟
الآية الكريمة: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: (222) وهي دالة على تحريم الوطء في الحيض، وعلى من وقع في ذلك التوبة إلى الله مع كفارة وهي دينار الفراش (1) على الأحوط، ولكن لا يؤدي ذلك على الراجح إلى أن المرأة عليه والله أعلم.
تحرم
ما حكم إتيان الزوجة في الفم والدبر والحيض؟ وما يلزم من يفعل
ذلك؟
مع
هذا لم
أن
أما الوقاع في الفم فهو بطبيعة الحال مناف للطبيعة، ولكن يأت نص عن الشارع فيه بشيء، إلا أنه لا ريب بأن الفم موضع يجب ينزه، فهو من ناحية مولج الطعام والشراب ومن ناحية أخرى موضع لذكر الله، فيجب أن لا يدنس بأي دنس، ومن المعلوم أن إدخال الذكر في الفم في ذلك الوقت لو لم يُمن قد يؤدي إلى أن تخرج إلى الفم إفرازات منه، وهذه الإفرازات لا شك في نجاستها، فلذلك نقول بحرمة هذا الصنيع، ولكن
(1) دينار من الذهب: هو المسمى بدينار الفراش ويقدر بأربعة غرامات وربع غرام من الذهب
أو قيمتها. (2/117)
صفحة 742
118
الفتاوى النكاح
لا نقول بترتب شيء عليه، وأما الوطء في الحيض فقد جاء في روايات يشد بعضها بعضاً أنه يترتب عليه مع التوبة إلى الله تبارك وتعالى وجوب كفارة ما يسمى بدينار الفراش، أي أن يوزع الرجل قيمة دينار على الفقراء والمساكين، وقيس على ذلك الوطء في الدبر بجامع الحرمة في كل واحد الأمرين والله تعالى أعلم.
وهي
من
ما قولكم فيمن جامع زوجته وهي حائض وقد أخبرته بذلك قبل
جماعها؟
بئس ما فعله فقولها حجة عليه لأنها مؤتمنة على دينها، وأما حكمها عنده فإن تاب إلى ربه ـه وأقلع عن غيه فلا حرج عليه إن أمسكها، وأما إن أصر على فعله فعلى الحاكم أن يفرق بينهما، لأن إمساكه لها ليس إمساكاً بمعروف والله أعلم.
امرأة يكرهها زوجها على مباشرتها في أيام حيضها فرفعت أمرها إلى القاضي الشرعي، فهل يمكن أن ترد إلى زوجها إن ثبت ذلك منه بمجرد أن يدفع الكفارة التي تترتب على هذا الفعل؟
الوطء في الحيض حرام لا يحله دفع الكفارة، وإنما الكفارة من تمام توبة التائب منه، وإصرار الزوج على فعله هذا من غير الإمساك بمعروف كما هو مشروع، فلا يجوز أن ترد إليه امرأته
معه
والله أعلم.
امرأة مكنت زوجها من معاشرتها في ليلة زفافها وهي حائض، وكانت جاهلة بحرمة ذلك الفعل والزوج لم يعلم بأنها حائض، فماذا يجب عليها وهل يؤدي ذلك إلى حرمتها على زوجها؟
يجب على هذه المرأة أن تتوب إلى ربها، وعل، وعليها دينار من الذهب (2/118)
صفحة 743
فتاوى الزواج
119
تدفعه أو تدفع قيمته إلى فقراء المسلمين تكفيراً لخطيئتها، ولا تعذر بجهلها إذ لا جهل ولا تجاهل في الإسلام وأما الحرمة على الزوج فهي وإن ذهب من أصحابنا إلا أنا لا نقوى على القول بها لعدم وجود
العلماء إليها جمهور نص دال عليها والله أعلم.
عن
رجل جامع زوجته من دبرها جهلاً منه بعقوبة ذلك، وعندما سأل قيل له: إن زوجته تحرم عليه بفعله ذلك. والبعض قال: إنها تطلق ويعيدها مرة أخرى. فأرجو أن تبينوا حكم ذلك؟
أما قول من قال: إنها تطلق منه ويعيدها مرة أخرى، فهو قول لم أجده أحد من علمائنا ولا عن أحد من علماء الأمة ولا وجه له، فما هو إلا من تخبط قائله والأقوال الموجودة عن السلف في هذه المسألة لا تتعدى قولين أولهما: أن المرأة تحرم على من أتى ذلك منها حرمة أبدية، لمخالفته حکم الله وجل وشذوذه عن الفطرة، بإلقائه بذور الحياة في أرض عقيم غير صالحة للحرث، وهذا القول مبني على الإيالة (1) في حياة الأمة ومستمد من قاعدة سد الذرائع على أهل الفساد.
وثانيهما: عدم حرمتها عليه لعدم الدليل عليها، وقد ثبت زواجه بها بحكم شرعي فلا يرفع ثبوته إلا حكم شرعي آخر، وهذا القول أرجح عندي وأسلم من الخطر، فإن تحريمها عليه لا يؤدي إلى التفرقة بينهما فحسب بل يبيحها لغيره من الأزواج وأنى تباح للغير؟! وقد ثبتت زوجيتها للسابق بحكم الكتاب والسنة والإجماع، ولم يأت في أصل من هذه الأصول الثلاثة ما يدل على انحلال هذه الرابطة الزوجية بينهما، وما ثبت بالنص لا يرفع بآراء الرجال، فليتب إلى الله توبة نصوحاً وليمسك عليه زوجه وليتق الله ربه والله أعلم.
(1) الإيالة السياسة الشرعية.
هي (2/119)
صفحة 744
120
الفتاوى النكاح
يقول الله ل: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223] فهل يجوز وطء المرأة في دبرها؟ وإن كان ذلك لا يجوز فهل يترتب عليه تحريم الزوجة؟
الآية الكريمة ونِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223] وهي دالة على جواز الوطء بأي كيفية شريطة أن يكون المأتى موضع الحرث وهو الفرج، ولا يجوز في موضع الفرث (1) بحال، ومن فعل ذلك فقد أتى كبيرة ويجب عليه ما يجب على الواطئ في الحيض من التوبة والكفارة والله أعلم.
من المعلوم أن ناكح زوجته من دبرها تحرم عليه حرمة أبدية ولكن ما قولكم فيمن فعل ذلك جهلاً بحرمته؟
تحريم
المأتية في الدبر حرمة أبدية غير مبني على دليل فقهي غير الإيالة التي اعتمدها بعض الفقهاء وهي سد ذرائع الفساد وقطع طرقه على المفسدين، وهو أمر حسن لو لم يترتب عليه من الإشكال ما لا نجد له حلاً، وذلك أن تحريمها على زوجها يؤدي إلى تحليلها لغيره، وما دامت عقدة الزواج ثبتت بنص فإن التفريق الذي يحلها لغيره لا بد من أن يكون ثابتاً أيضاً، وإلا فما يحلها للآخر؟ لذلك أرى أن التوبة مجزية في إخراج دينار الفراش، فإن المسألة خطيرة والله المستعان وهو أعلم بالصواب.
ذلك
مع
ما قولكم فيمن واقع زوجته في دبرها عالماً بحرمة فعلته أو جاهلاً؟ إن كان وطئها في الدبر فذلك حرام قطعاً، وإن كان وطئها في القبل ولكن من جهة الدبر فهو مباح، لقوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223] وإن ارتكب الحرام بجهل فهو غير معذور، إذ الجهل
(1) موضع الفرث هو الدبر. (2/120)
صفحة 745
فتاوى الزواج
121
لا يكون ردءاً لصاحبه من الإثم، فعليه التوبة إلى الله مع دينار الفراش كفارة عن فعله والله أعلم.
جامعت زوجتي في الفرج وهذه أول مرة يقع ذلك بيننا، وقد ندمنا على ذلك ندماً شديداً واستغفرنا الله، وعزمنا على عدم العودة فما يلزمنا من
هذا الفعل؟ إن كنت جامعتها في الفرج وهي غير حائض فذلك جائز، لأن الجماع لا يكون إلا في الفرج، ولعلك تقصد أنك جامعتها في الدبر فإن كان الأمر كذلك فعليك مع التوبة كفارة وهي دنيار الفراش، وهو مثقال من الذهب تدفعه أو تدفع قيمته إلى فقراء المسلمين والله أعلم.
زوجي يواقعني من جهة الخلف فما حكم ذلك؟ وما حكم العلاقة الزوجية؟
إن كان يولج في القبل فلا حرج إن أتاك من جهة الخلف، لأن العبرة بالمولج لا بالكيفية، وقد قال تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223]، بشرط أن يكون إلقاء البذور في موضع الحرث، وأما إن كان يولج في الدبر فذلك عين الحرام ولا يجوز لك البقاء عنده اللهم إلَّا إن إن تاب من فعلته وأقلع عنها والله أعلم.
فيمن جامع زوجته بعد عشرين يوماً من نفاسها اعتقاداً منه أنها بعد خروجها من المستشفى قد طهرت فماذا عليه؟
عليه التوبة إلى الله تعالى، وأن يدفع إلى الفقراء ما يسمى دينار الفراش،
هذا إن كان وطئها في الدم، وإن كان في غير دم فليستغفر الله والله أعلم. (2/121)
صفحة 746
122
الفتاوى النكاح
هل تطلق المرأة من زوجها إن جامعها وهي حائض؟
أما الطلاق فلا يقوله أحد، وإنما قال كثير من العلماء إنها تحرم عليه حرمة أبدية، والذي نأخذ به خلاف ذلك شريطة التوبة إلى الله وعدم العودة ويؤمر بدفع دينار الفراش إلى فقراء المسلمين والله أعلم.
ذكر الشيخ بيوض في فتاويه أن كفارة جماع الحائض هي دفع كل من الزوجين دينار الفراش إلى فقراء المسلمين وهذا قول المغاربة)، فما قول المشارقة (2) في هذه المسألة؟
أكثر المشارقة لا يقولون بدينار الفراش، وإنما يقولون بحرمة المرأة على زوجها بوطئه إياها في الحيض، وإنما لم نأخذ بهذا الرأي لعدم الدليل على الحرمة، وبما أن العقد ثابت في الأصل، فإن إخراجه عن هذا الأصل يتوقف على الدليل الثابت لا على مجرد الاجتهاد، على أنه وردت بدينار الفراش روايات لا نرى إهمالها، وإن قيل ما قيل في أسانيدها، فإنها يشد بعضها بعضاً، والأصل فيه إجزاء الدينار الواحد والله أعلم.
فيمن أدخل ذكره في دبر زوجته أثناء جماعها بدون عمد منه، ومن غير قصد ارتكاب المحظور فما عليه؟
لا يترتب على ذلك شيء، لأنه لم يتعمد ارتكاب المنهي عنه
والله أعلم.
(1) المغاربة: يقصد بهم في الفقه الإباضي الإباضية الذين وجدوا في المغرب العربي كتونس
والجزائر وليبيا.
(2) المشارقة يقصد بهم في الفقه الإباضي الإباضية الذين وجدوا في المشرق العربي كعمان والبصرة وخرسان واليمن. (2/122)
صفحة 747
فتاوى الزواج
123
فيمن جامعها زوجها وهي طاهر ثم تبين لها دم الحيض عند الاغتسال
فماذا عليهما؟
ليس عليهما حرج، لأنهما لم يقدما على الجماع إلا وهي طاهرة وإنما تبين الحيض من بعد والله أعلم.
هل يحل مباشرة الزوج لزوجته النفساء إذا رأت الطهر قبل الأربعين أم
لا؟
يمنع من ذلك، إلا إن استقرت لها عادة أن تطهر قبل الأربعين فلا مانع عندئذ والله أعلم.
ما قولكم فيمن أتى زوجته في أيام آخر الحيض طاهرة غير متطهرة، ماذا
عليه؟ وإذا أتاها في أوله أو أوسطه بين لنا الأحكام في ذلك؟
اختلف العلماء في الذي يأتي امرأته وهي حائض، فقيل تحرم عليه، وهو قول أكثر أهل المشرق، وقيل لا تخرج منه، وهو قول أبي نوح صالح الدهان وموسى بن أبي جابر ـ من قدامى علمائنا المشارقة ـ، وهو قول أكثر أصحابنا من أهل المغرب وأئمة، قومنا واختلف هؤلاء في وجوب الكفارة عليه، فقيل بوجوبها مع التوبة إلى الله بكامل شروطها، وقيل بإجزاء التوبة، واختلف من أوجبها في مقدارها، فقيل درهم وقيل دينار وقيل نصف درهم وقيل نصف دينار، وقيل بالتفرقة بين أول أيام الحيض وآخرها، وتوقف جابر وأبو عبيدة والربيع هذا ولست أقوى على التفريق بسبب المباشرة في الحيض، لأن العقد ثابت بحجة شرعية، وحله لا يتم إلا بدليل شرعي، ولأنه يترتب عليه تزوج المرأة برجل آخر إن فرق بينهما، وفي هذا من الخطر ما لا يخفى على اللبيب، فإنها إن كانت في حكم
6 (2/123)
صفحة 748
124
الفتاوى النكاح
الله زوجة الرجل الأول، فكيف يحل تزويجها بآخر؟، لذلك أرى إن لم يتورع الرجل فيطلقها من تلقاء نفسه أن يُفتى بالكفارة، فإنها وإن كانت الأحاديث الموجبة لها ضعيفة يستأنس لإيجابها بعدم ورود ما يعارض تلك الأحاديث، وليس هذه الكفارة تقتضي تحليل المباشرة في الحيض كما توهم ابن النضر، وإنما هي عقوبة هذا العمل الشنيع، وإلا فإن الوطء في الحيض من أكبر الكبائر، لقول الله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222]، وللأحاديث الصحيحة الصريحة في وعيد من أتى هذا الأمر الشنيع والله أعلم.
المحللات والمحرمات من النساء:
هل يجوز أن يتزوج الرجل بربيبة أبيه أم لا؟
لا مانع من أن يتزوج بربيبة أبيه، وإنما يكره له ذلك كراهة تنزيه
والله أعلم.
هل يجوز أن يتزوج الرجل أم زوجة أبيه؟
لا مانع من ذلك، لعموم قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 124، ولم يدل دليل على تخصيصها من هذا العموم والله أعلم.
هل يجوز للرجل أن يتزوج ابنة أخت أخيه؟
إن كانت بنت أخته لا تحل له، وإن كانت بنت أخت أخيه ولم تكن بنت أخته هو فلا حرج والله أعلم. (2/124)
صفحة 749
فتاوى الزواج
امرأة خرج زوجها عن عقيدة أهل الحق والاستقامة فهل تحرم عليه؟
125
الدين
لا يخلو إما أن يخرج من الملة وذلك بإنكار ما علم من بالضرورة، وإما أن لا يصل إلى هذا الحد، ففي الحالة الأولى تحرم عليه حرمة أبدية إلا أن يعود إلى الإسلام لأنه مرتد عنه، وفي الحالة الثانية لها أن تقيم معه مع اتقاء متابعتها له على ضلالته والله أعلم.
أنا امرأة دخلت في دين الإسلام قريباً وبقي زوجي على دينه السابق وأصر على ذلك فهل عصمة الزوجية باقية بيننا؟
لا تحل مسلمة لغير مسلم: {لَا هُنَّ حِلُّ لَمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} (الممتحنة: 10]، وعلى هذا فإن أصر هو على البقاء على ملته فأنت منفصلة، وإنما تعتدين عدة الطلاق وبعدها تحلين لمن شئت الزواج به من المسلمين والله أعلم.
هل يصح زواج الرجل بأرملة عمه؟
لا مانع من ذلك والله أعلم.
فيمن تزوج امرأة وطلقها قبل الدخول بها هل يجوز لأبيه أن يتزوجها؟
لا تحل لأبيه، لأنها صارت بالعقد حليلة لابنه وقد قال تعالى: وَحَلَبِلُ أَبنَا بِكُمُ} [النساء: 23] والله أعلم.
23] (2/125)
صفحة 750
126
الفتاوى النكاح
الجمع بين القريبات
إن اتفقنا على الزواج أنا وامرأة، على أن أقوم بتزوجها بعدما أطلق عمتها
فهل في ذلك حرج؟
لا يجوز لك الجمع بين المرأة وخالتها أو المرأة وعمتها، بل ولا يجوز الثانية منهما في عدة، الأولى ولا الاتفاق على هذا الزواج مع
أن تتزوج
الثانية في حال كون الأولى في عصمتك والله أعلم.
فيمن طلق زوجته وبعد مدة أراد أن يتزوج
له ذلك؟ بأختها فهل يصح
إن كانت عدة المطلقة قد انتهت فلا حرج في ذلك والله أعلم.
رجل عنده زوجة مصابة بمرض السرطان فتشاور مع أهلها على أن
يطلقها ويتزوج وأولادها فما ترون سماحتكم في ذلك؟
بأختها بعد موافقتها على أن يقوم بالإنفاق على الزوجة
الأولى هي إن كانت لا يرجى لها برء ولا يتمكن من قضاء وطره منها فليس عليه حرج إن طلقها، وإنما يؤمر بأن يراعيها ويحسن إليها ويكرمها وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237] ولا يتزوج أختها حتى تنتهي عدتها منه والله أعلم.
ما حكم من طلق زوجته وتزوج بأختها قبل أن تنتهي عدة الأولى فهل زواجه بها صحيح أم باطل؟
لا يجوز الجمع بين الأختين بنص القرآن الكريم، فقد قال الله تعالى في تعداد المحارم وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 23] ولا ريب أن مطلقة الرجل ما دامت في عدتها منه هي في حكم الزوجة من هذه الناحية ما دام الطلاق رجعياً، ومن أجل ذلك كان أحق بها بنص القرآن، (2/126)
صفحة 751
فتاوى الزواج
127
حيث يقول الله تعالى: {وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَبِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} [البقرة: 228]، وهما يتوارثان بالإجماع - إن مات أحدهما قبل انتهاء عدتها منه، وعليه فإنه لا يحل أن يعقد زواجاً بأختها قبل انتهاء عدتها، فإن تزوجها فزواجهما باطل، ومن تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه، ومثل ذلك حكم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها والله أعلم.
هل يجوز أن أتزوج على زوجتي ابنة ابنة أخيها؟
لا يحل لك أن تجمع بين امرأتك وبين ابنة ابنة أخيها، للحديث الصحيح لا تنكح المرأة على عمتها ولا المرأة على خالتها لا الصغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى» (1) وقد انعقد الإجماع أن عمة الأب وعمة الأم وكذلك خالتاهما لهن هذا الحكم، كما أن تحريم العمات والخالات في القرآن يصدق على عمات الأبوين وخالاتهما بلا خلاف وقد ضبط أصحابنا - رحمهم الله - حكم الجمع بين المرأتين بأن كل امرأتين لو كانت إحداهما ذكراً لما حلت له الأنثى يحرم الجمع بينهما، إن كان ذلك بسبب النسب، فدع عنك هذه المرأة فإنها حرام عليك، وفيما أحل الله لك غنى عما حرم عليك والله أعلم.
ما قولكم علماء المسلمين في رجل أراد أن يتزوج أرملة عمه، علماً بأنه متزوج من ابنة هذا العم فهل يجوز أن يجمع بينهما؟
أما علماء المسلمين فنحن دون مستواهم، وإنما نحن من ضعاف طلبة العلم المسلمين، ولكن ابتلينا بما لسنا أهله من الإفتاء، والذي عرفناه في هذه المسألة أنه لا مانع من الجمع بين زوجة الرجل وابنته وإنما يكره ذلك كراهة تنزيه والله أعلم.
(1) رواه أبو داود والترمذي وبنحوه عند الإمام الربيع ومالك وأحمد. (2/127)
صفحة 752
128
الفتاوى النكاح
فيمن طلق زوجته وتزوج أختها قبل أن تنتهي عدة الأولى، ودفع لها
صداقها فهل يصح له ذلك؟
عقده عليها قبل أن
تنتهي عدة أختها التي طلقها يعد باطلاً فليدع سبيلها،
فإن أرادها فلينتظر إلى أن تنتهي عدة أختها فإذا انتهت فليتزوجها بعقد
جديد مع جميع لوازمه الشرعية والله أعلم.
ما قولكم فيمن له زوجتان ثم تبين له أنهما أختان من الرضاع فماذا
يفعل معهما؟
يمسك الأولى ويدع الثانية والله أعلم.
ما رأي سماحتكم في الزواج من مطلق الخالة؟
لا مانع من ذلك، كما لا يمنع الزواج من مطلق العمة، وإنما يمنع الجمع بين بنت الأخت وخالتها وبين بنت الأخ وعمتها، كما في قوله صلى الله عليه وسلم «لا تنكح المرأة على عمتها ولا المرأة على خالتها لا الصغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى (1) وذلك من أجل الحفاظ على حسن العلاقة بين الأسر والله أعلم.
ما قولكم في جواز الزواج من فتاة سبق وأن طلقها ابن الأخت، وهي ابنة عمه، فهل يجوز لخال الرجل المطلق أن يتزوجها؟
لا مانع من تزوج الخال مطلقة ابن الأخت أو تريكته وكذا العكس، وإنما كره ذلك كراهة تنزيه فقط والله أعلم.
(1) رواه الإمام الربيع. (2/128)
صفحة 753
فتاوى الزواج
129
هل يجوز الجمع بين المرأة وابنة عمتها؟
يباح ذلك مع كراهته كراهة تنزيه لئلا تكون قطيعة بين الأقارب
والله أعلم.
رجل متزوج من ابنة عمه وأراد الزواج من ابنة عمه الثاني فهل يجوز له
ذلك؟
يكره ذلك كراهة تنزيه لا كراهة تحريم والله أعلم.
الرضاع:
فيمن رضع من امرأة مع ولدها فهل يجوز أن يتزوج كل منهما أخت الآخر؟
الذي رضع من أم الآخر تحرم أم الآخر تحرم عليه مرضعته وجميع بناتها، لأنهن أخواته من الرضاعة سواء كانت ترضع معه أو التي قبلها أو التي بعدها، وكذلك تحرم عليه جميع نسيباتها اللواتي يحرمن عليه من قبل أمه التي ولدته كبنات أبنائها وبنات بناتها وأمها وخالاتها وعماتها وأخواتها، وكذلك تحرم نسيبات زوجها صاحب اللبن الذي رضعه، كبناته ـ ولو من غير المرضعة - وأمه وأخواته وعماته وخالاته وبنات أبنائه وبنات بناته، وبالجملة فإن الرضاع مثل النسب سواء من كان من قبل المرضعة أو من قبل زوجها صاحب اللبن، وأما إخوة الراضع وأخواته الذين لم يشاركوه في هذا الرضاع فلا يسري عليهم حكمه، فلأبناء المرأة التي أرضعته أن يتزوجوا من أخواته، كما أن لإخوته أن يتزوجوا ببنات مرضعته والله أعلم. (2/129)
صفحة 754
130
الفتاوى النكاح
امرأة آيس ألقمت ثديها ابن ابنها لأجل إسكاته عن البكاء، فهل يعد ذلك رضاعاً، وهل يجوز لأولاد بنت الراضعة ان يتزوجوا من أخوات الابن المرضع؟
إن كان لم يمص منها لبناً ولا ماءً، وإنما مص حلمة ثديها فقط فلا يعد ذلك رضاعاً، ولا يؤدي إلى حرمة زواج كان مباحاً من قبل، وإن كان امتص منها لبناً أو ماءً وساغ ذلك في حلقه إلى جوفه فقد أصبح ابنها من الرضاع، ولكن لا مانع من أن يتزوج أبناء عمته بأخواته اللواتي لم يرضعن من جدتهن لأن رضاعه لا يسري حكمه عليهن والله أعلم.
أرضعت عمتي أخي وأختي، ثم أرضعت ابنة عمي، فتقدم أخوها
لخطبتي فهل يجوز زواجي منه، أم أنه يعتبر أخي من الرضاع؟
لا يكون ابن عمك في هذه الحالة أخاك من الرضاع، فلا مانع من أن تتزوجيه وإنما أخوك وأختك هما أخوا أخته من الرضاع، وحرمة هذا الرضاع لا تسري إليكما، فتزوجا باسم الله وعلى بركة الله والله أعلم.
تزوجت ربيبة أبي، فقامت أمها بإرضاع أحد أبناء هذه الريبية، فهل لهذا المرضع أن يتزوج ابنة عمه أم لا؟
إن كان اللبن الذي رضعه ابنك من جدته هو لجده أبيك، بمعنى أنها لم تكن زوجة لغيره في ذلك الوقت بحيث كان ذلك الوقت في وقت الزوجية أو بعد الزوجية قبل أن تتزوج بآخر فهو أخوك من الرضاع ـ وإن كان ابنك ـ وأخو إخوتك، فلا يحل له أن يتزوج بأي واحدة من بنات أعمامه أو عماته
والله أعلم. (2/130)
صفحة 755
فتاوى الزواج
131
فيمن رضع من امرأة، فهل يصح لأولاد المرضعة أن يتزوجوا من أخوات
المرضع؟ لا مانع أن يتزوج الرجل أخت رجل أرضعته أمه، لأن الذي رضع من أمه أخوه، أما إخوته الذين لم يرضعوا من أمه فلا تسري عليهم هذه الحرمة، لأن الرضاع كالنسب، وللرجل ان يتزوج أخت أخيه من النسب إن لم تكن أختاً له فكذا الرضاع والله أعلم.
فيمن رضعت من جدتها، فهل يجوز التزاوج بين إخوتها وبين أخوالها وخالاتها أم لا يجوز ذلك؟
أولاد
لا مانع من ذلك، وإنما تلك الابنة الراضعة وحدها هي أخت أخوالها وخالاتها من الرضاع، بسبب إرضاع جدتها لها، فلا تحل لأي أحد من أبنائهم والله أعلم.
أرغب في الزواج من امرأة وقد رضعت من أمي رضعة واحدة، وقد استفسرت عن جواز زواجي بها عدة علماء من مختلف المذاهب، فكانت إجابتهم متباينة فبعضهم حرمها عليّ وبعضهم حرمها بثلاث رضعات، وآخرون قيدوها بخمس رضعات مشبعات، وكلهم يستدلون بروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم فما سبب هذا الاختلاف؟ وما قولكم في ذلك؟
هي
قطع الخلاف متعذر، فإن تلك سنة الله في خلقه، ولكن على الإنسان أن يتحرى السلامة لنفسه بَلِ الإنسَنُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرة) [القيامة: 14]، ولك في غير هذه الفتاة التي أرضعتها أمك غنى، فكيف والله تعالى يقول: {وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَعَةِ} [النساء: (23) فاطلق ولم يقيد، على (2/131)
صفحة 756
132
الفتاوى النكاح
أن في الروايات اضطراباً بالغاً، فكيف يرضى أحد الأخذ بالمضطرب، فاتق الله واستغن بما لا شبهة عليك فيه يبارك الله لك في حلالك
والله أعلم. فيمن تزوج ابنة عمته، وقد رضعت أمها من زوجة أبيه، فما حكم هذا الزواج، وما حكم الأولاد الذين ولدوا على هذه الصورة من
الزواج؟ هذا زواج باطل، فإن عمته تلك بسبب رضاعها من امرأة أبيه أصبحت من الرضاع، فلا تحل له أيّ واحدة من بناتها لأنهن بنات أخته، وعليه فإنه يجب عليه أن يخلي سبيلها، وأما الأولاد فهم أولاده من أجل صورة النكاح الفاسد الذي حصل والله أعلم.
أخته
تزوج
عائشة
أرضعت شيخة محمداً على ابنتها فاطمة، ثم إن محمداً هذا ابنة شيخة التي هي أخته من الرضاع، حيث إن شيخة لما أرضعت محمداً أرضعته رضاعاً قليلاً فظنوا ان ذلك لا يحرم الزواج، فما ترون في هذه القضية علماً أن لهما الآن أولاداً عدة؟
قليل الرضاع وكثيره يحرم الزواج على الصحيح، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور كما أفاده العلامة العيني في «عمدة القاري شرح صحيح البخاري»، ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب بنص الحديث، وعليه فإنه لا يحل له أن يستمسك بهذه المراة لأنها أخته ويجب عليه تسريحها ولأجل شبهة الخلاف أرى أن يكون التسريح بطلاق، هذا والأولاد أولاده للشبهة الحاصلة من عقد الزواج والله أعلم.
زوجتي أرضعت ابن أختي وترغب أختي أن تخطب ابنتي لولدها (2/132)
صفحة 757
فتاوى الزواج
133
لا
الثاني (أخ المرضع) فهل يجوز له أن يتزوج من ابنتي رغم إرضاع زوجتي لواحد من إخوانه؟
نعم يجوز له ذلك، لأنه لم يرضع من زوجتك، ورضاع أخيه منها يسري إليه حكمه، وإنما يحرم على الراضع وحده أن يتزوج بأي واحدة
من بناتك، ولو من غير مرضعته ومن بناتها ولو من غيرك والله أعلم.
امرأة أرضعت أخي الأصغر، ثم إن هذه المرأة ولدت ابنة، فهل يجوز لي
الزواج منها، وللعلم فإن أمي لم ترضع أحداً من أولاد تلك المرأة؟ لا مانع من زواجك بها، لأن أمها أرضعت أخاك ولم ترضعك، فهي أخت أخيك وليست أختك، فتزوج بها على بركة الله، والله يوفقك لما فيه الخير والسلام عليك.
امرأة أرضعت بنتاً مع ابنها الأصغر، ثم أراد الابن الأكبر أن يتزوج هذه البنت التي أرضعتها أمه، فهل يجوز زواجه بها؟
هي
أخته من الرضاع، ولا تحل له بحال والله أعلم.
امرأة ولدت ولدين أرضعت هذه المرأة ابنة أحد أولادها. فهل يجوز للبنت المرضعة أن يتزوجها ابن عمها؟ وهل يجوز أن يتزاوج أبناء الآخرين بعضهم من بعض؟
أما الذي رضع من جدته فبنات عمه حرام عليه، لأنهن بنات أخيه من الرضاع، ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب بنص الحديث، وأما إخوته وأخواته الذين لم يرضعوا من جدتهم فلا يصدق عليهم هذا الحكم، فلا مانع من التزاوج بينهم وبين أولاد عمهم والله أعلم. (2/133)
صفحة 758
134
الفتاوى النكاح
ما قولكم في أخوين اسم الأول عامر والثاني حمود، وهذا له زوجتان، فأرضعت إحدى زوجتي حمود ابنة عامر واسمها عائشة، والآن يرغبان في تزاوج أولادهما. فهل ذلك جائز؟
تحرم الراضعة من امرأة عمها على جميع أولاد عمها، لأنه أبوها من الرضاع، وعلى أولاد مرضعتها لأنها أمها من الرضاعة وأولادهما إخوتها، ولا يسري هذا الحكم على إخوتها وأخواتها الذين لم يرضعوا والله أعلم.
هل يجوز أن أتزوج بامرأة أرضعتني أمها رضعة واحدة مع ابنتها الكبرى علماً أنني على مذهب الشافعي؟
الشافعية والحنابلة لا يرون حرمة الرضاع إلا بخمس رضعات فصاعداً، أما أصحابنا والحنفية والمالكية فيرون الرضعة الواحدة محرمة، ونسبه صاحب العمدة من الحنفية إلى الجمهور والله أعلم.
فيمن عنده زوجتان فهل يصح أن ترضع كل واحدة منهما أولاد الأخرى؟
نعم، ولكن مع الاحتراز في أمر الزواج، لأن من رضع من امرأة فإن تلك المرأة تكون أمه وجميع أبنائها يكونون إخوته، وجميع بناتها يكن أخواته وجميع أخوتها يكونون أخواله، وأبوها يكون جده وهكذا، إذ يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وكذلك بالنسبة إلى زوج المرأة المرضعة إن لم يكن والداً للطفل من حيث النسب فإنه يكون والداً له من حيث الرضاع، وجميع نسيباته يحرمن على ذلك الطفل الراضع إذا ما كنّ يحرمن عليه من قبل أبيه الذي ولده والله أعلم.
امرأة أرضعت طفلاً وبعد عدة سنوات أرضعت طفلة أخرى لا تقرب (2/134)
صفحة 759
فتاوى الزواج
135
إلى الولد المرضع السابق، فهل يجوز التزاوج بين هذين المرضعين إن كانت أم الولد ليست متأكدة إن كان ابنها رضع من تلك المرأة أم لا؟
هي
أخته
من الرضاع، ولا تحل له بحال ـ ولو كان بين رضاعه من تلك المرضعة ورضاعها منها مائة عام أو أكثر ـ وعدم تأكد أمه أو أمها من الرضاع ليس بحجة، بل ولو أنكرتا لما كان لقولهما أثر في الحكم مع قول المرضعة بأنها أرضعت والله أعلم.
فيمن ادعت إرضاع رجل ثم أنكرت ذلك الإرضاع، فهل يقبل كلامها الأخير أم لا؟ علماً أن ابنتها تثبت هذا الرضاع.
اختلف العلماء في قبول رجوع المرأة عن قولها بعدما ادعت إرضاع أحد من الناس، فقيل يقبل وقيل، لا، والأحوط الخروج من عهدة الخلاف، ويتأكد ذلك بتأكيد ابنتها أن الرضاع واقع، فإن البرّ ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في الصدر» والله أعلم.
هل يجوز لرجل متزوج من امرأة أن يتزوج عليها امرأة أخرى قد رضعت من أم الأولى؟
لا يجوز له الجمع بينهما لأنهما، أختان وللرضاع حكم النسب، فكما يحرم الجمع بين الأختين من النسب يحرم الجمع بين الأختين من الرضاع والله أعلم.
هل يجوز أن يتزوج الرجل أخت أخيه من الرضاع؟
إن كان قد رضع هو من أم تلك الفتاة أو من زوجة أبيها فلا تحل له بحال، لأنها في هذه الحالة أخته من الرضاع وإن كان أخوها رضع من أمه هو أو أرضعتهما امرأة أجنبية فلا مانع من زواجه بها، لأنها في هذه الحالة ليست أخته من الرضاع والله أعلم. (2/135)
صفحة 760
136
الفتاوى النكاح
امرأة أرضعت مجموعة من أولاد أختها، وتشك في واحد منهم إن كانت أرضعته أم لا، فهل يجوز له أن يتزوج إحدى بناتها؟
أما الحرمة فلا تقع حتى يتيقن أنها أرضعته، لأن الأصل عدم ذلك، ولكن الورع باب واسع «ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه» هذا والبر ما اطمأن إليه القلب والإثم ما حاك في الصدر» والله أعلم.
عندي
أولاد أكبرهم رضع من جدته من أبيه، كما أن لدى أخي سعيد أولاداً كذلك، أرضعت والدتي منهم الأكبر، وكانت رضاعة ولدي وابن أخي من قبل الوالدة مع أخي الأصغر وهو راشد. هل يجوز لأولادي الذكور الزواج من بنات أخي؟
وهل يجوز لأولاد أخي الزواج من بناتي؟ وهل يجوز لأولاد أولادي الزواج من أولاد أولاد أخي إذا لم يكن فيما بينهم رضاع؟
ابنك الذي رضع من أمك هو بمثابة أخيك وأخي أخوتك (أعمامه) من الرضاعة، فلا تحل له أي واحدة من بنات أعمامه لأنه عمهن من الرضاعة، وأما إخوته وأخواته وأولاد عمومته وأولادهم فلا يسري عليهم هذا الحكم إذ لا يؤثر عليهم رضاعه فلا يمنع أبناؤك الآخرون من الزواج من بنات أعمامهم، ولا أبناء إخوتك من التزوج من بناتك ولا أولاد أولادكم من التزاوج بينهم على طريقة الشرع الشريف وكذلك ابن أخيك الذي أرضعته جدته ليس له أن يتزوج من بنات أعمامه أو بنات عماته ولا يسري هذا الحكم على إخوته وأخواته لأنهم لم يشاركوه في الرضاع من جدتهم،
والله أعلم. (2/136)
صفحة 761
فتاوى الزواج
137
أريد الزواج من ابنة خالتي غير أن أمي تقول إن جدتي أرضعتني مع ابنها، فلما سألت جدتي عن ذلك أخبرتني أنها حاولت إرضاعي في إحدى الليالي، وكانت تظن أنني ابنها ولكنها انتبهت لذلك قبل أن تقوم بإرضاعي، ولكن أمي ما زالت مصرة على قولها فما ترون في جواز زواجي بهذه المرأة؟
کلام أمك يورث قضيتك شبهة، فترك هذه المرأة خير لك، وفي غيرها من النساء سعة فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لديه وعرضه ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه» والله أعلم.
فيمن أرضعت أخ زوجها مع ولدها فهل يجوز أن يتزاوج أولادها وأولاد أخوة المرضع؟ لا مانع إن أرضعت امرأة طفلاً أن يتزاوج أولادها وأولاد إخوته، لأن رضاعه هو لا يسري حكمه على إخوته وأولادهم والله أعلم.
إنني
أرغب أن أزوج ابنتي بابن أختي غير أن أمي أرضعت ابن أخت لي أخرى غير الأولى التي يُريد ابنها الزواج من ابنتي فهل يصح
الزواج؟
لا مانع من ذلك، لأن أمك لم ترضع هذا الذي تريد أن تزوجه ولم ترضع ابنتك، ولا يكون رضاع إحدى بنات إحدى أخواتك مانعاً من ذلك، وإنما هي التي تحرم على أبناء أخوالها وأبناء خالاتها والله اعلم.
هل يصح أن أتزوج رجلاً رضعت أخته من أمي؟
بما أنه لم يرضع هو من أمك، وإنما أخته هي التي رضعت منها، فلا مانع من أن تتزوجيه والله أعلم. (2/137)
صفحة 762
138
الفتاوى النكاح
تزوجت برجل وبعد مدة تبين أنه أخي من الرضاع، فما الحكم الشرعي في ذلك؟
إذا كان هذا الزواج عن جهل لا عن عمد ـ بحيث لم تعرف أنه أخوك من الرضاع ولم يعرف هو ذلك، ثم اتضح لكم ذلك بحجة مقبولة شرعاً ـ العقد ولحق به الأولاد، وليس عليكم إثم فيما مضى لعدم ثبوت هذه
فسخ
الأخوة عندكم والله أعلم.
امرأة حلبت جزء من لبنها ومزجته بكوب عصير، فجاء ابن أختها فشرب من ذلك الكوب فهل يحرم التزاوج بين هذا الطفل وبين بنات
خالته؟
الحوطة في مثل هذه الحالة أن لا يكون تناكح بين الجانبين، فإن بعض العلماء يشدد في ذلك والله أعلم.
رجل تزوج بامرأة أرضعتها أمه عدة مرات وكان يعلم ذلك قبل العقد غير أنه يحتج بأن المسألة خلافية، ويجوز له على ذلك الزواج بها، فما ترون سماحتكم في هذا؟
هي
أخته من الرضاع ولا تحل له، ويجب التفريق بينهما، وأي خلاف ذلك ما دامت الرضعات متعددة كما يقول أبواه، مع أن الصحيح أن الرضعة الواحدة كافية في التحريم، وهو الذي عليه أصحابنا والجمهور
في
والله أعلم.
فيمن أرضعت أمه طفلة مرة واحدة فهل يجوز له أن يتزوجها أو أن يتزوج أختها التي لم ترضع من أمه؟
أما تلك التي أرضعتها أمه فلا تحل له ولو أرضعتها مرة واحدة، وأمّا (2/138)
صفحة 763
فتاوى الزواج
139
أختها التي لم ترضعها أمه فلا حرج إن تزوجها، لأنها أخت أخته وليست
أخته والله أعلم.
فيمن أرضعت ولداً مع ابنها، فهل يجوز لأخ المرضع أن يتزوج ابنة
مرضعة أخيه؟
نعم يجوز له ذلك، وأما الذي رضع منها فهو ولدها، فتحرم عليه المرضعة
ونسيباتها جميعاً اللاتي يحرمن عليه من قبل أمه التي ولدته والله أعلم. فيمن رضع من امرأة فما حكم التزاوج بين إخوة المرضع وأولاد مرضعة
أخيهم؟ أما الراضع فتحرم عليه بنات مرضعته جميعاً، وكذلك بنات زوجها صاحب اللبن ولو من غيرها، بل تحرم عليه نسيبات المرأة المرضعة ونسيبات زوجها صاحب اللبن اللواتي تحرم أمثالهن عليه من قبل أبيه وأمه، وأمّا إخوته الذين لم يرضعوا من تلك المرأة فلا يشملهم هذا الحكم، فلا مانع من التزاوج بينهم وبين أولاد المرضعة والله أعلم.
أريد الزواج بابنة خالتي علماً أن خالتي هذه رضعت من أمي مع أختي فهل يصح هذا الزواج؟
هي بنت أختك ولا تحل لك والله اعلم.
أرضعتني خالتي على ابنها فهل يجوز لابن خالتي هذا أن يتزوج بأختي؟ إن كانت أختك هذه لم ترضع من خالتك وإنما أنت الراضع منها فلا حرج أن يتزوجها ابن خالتك وإن كان أخاك أنت من الرضاع لأن حكم رضاعك من خالتك لا يسري إلى أخوتك وأخواتك والله أعلم. (2/139)
صفحة 764
140
الفتاوى النكاح
هل يصح أن أتزوج بامرأة رضعت أمها من أمي؟
هي بنت أختك ولا تحل لك والله أعلم.
ما قولكم فيمن أرضعت ابن عمها خطأ فهل يجوز أن يتزوج إحدى أخوات الراضعة من جهة الأب؟
ففي
هن خالاته من الرضاع فلا يحل له أن يتزوج بأي واحدة منهن، الحديث الصحيح «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» والله أعلم. فيمن أراد أن يتزوج ابنة خالته، وقد رضع أخواه من جدته - التي ـ هي والدته، فما حكم هذا الزواج؟
لا مانع من ذلك، لأن حكم رضاع أخويه لا يسري إليه والله أعلم.
ما قولكم في امرأة أرضعت ابنة، ضرتها، وهذه الأخيرة أرضعت ابن المرأة الأولى، فهل يجوز لأخ المرأة أن يتزوج من بنات المرأة الثانية؟ يجوز لأخيها أن يتزوج غير التي أرضعتها أخته من بنات ضرتها والله أعلم.
ما الحكم المترتب على الرضاعة وما مقدار الإرضاع الذي يثبت به حكم الرضاع؟
يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، ولو كان رضعة واحدة والله اعلم.
هل يصح لي أن أتزوج أخت أخي من الرضاع، إذا كان أخي هذا ليس شقيقاً وإنما هو أخ من الأب؟ إن كانت هذه التي تريد الزواج بها أرضعتها امرأة أبيك فهي
أختك من (2/140)
صفحة 765
فتاوى الزواج
141
الرضاعة، لأن أباك هو صاحب اللبن الذي رضعته فهو أبوها في حكم حرمة الزواج، وإن كانت لم ترضع من امرأة أبيك، وإنما أخوك رضع من أمها فلا مانع من زواجك بها والله أعلم.
ما قولكم فيمن أرضعت بنت ابنتها، ثم توفيت هذه المرضعة، فهل يصح لابن خالها أن يتزوج إحدى أخواتها؟
لا مانع من ذلك، لأن رضاع أختهن لا يسري إليهن حكمه والله أعلم.
ما قولكم في أختين أرضعت كل منهن ابن الأخرى، فهل يصح الأبناء الآخرين الذين لم يشاركوا في الرضاع؟
بين
التزاوج
التزاوج بين الآخرين الذين لم يشاركوا في الرضاع غير ممنوع
والله أعلم.
هل يصح
أن أزوج ابن أختي بابنتي إذا كانت أمي أرضعت ابنة أخت لي أخرى غير التي أريد أن أزوج ابنها؟
لا مانع من أن تزوج ابن أختك الذي لم يرضع من أمك، ولو أرضعت أخاه أو ابن خالته فإن حكم ذلك الرضاع لا يسري عليه
والله أعلم.
ما قولكم فيمن أرادوا الزواج من بنات امرأة، وقد أرضعت أم هؤلاء البنات ربيبة أبيهم؟ فهل يجوز ذلك؟
نعم لا مانع من ذلك، لأن رضاع ربيبة أبيهم لا يسري حكمه عليهم، بل حتى رضاع أخيهم لا يتجاوزه حكمه إليهم والله أعلم. (2/141)
صفحة 766
142
الفتاوى النكاح
فيمن أراد أن يتزوج امرأة وقد رضع أخوه من أمها مع إحدى بناتها، وهي غير البنت التي يريد الزواج بها فهل يصح ذلك؟
إن كان هو لم يرضع من تلك المرأة التي رضعت أخاه، فلا حرج إن تزوج ابنتها، سواء قارنت أخاه في الرضاع أو سبقت أو تأخرت والله أعلم.
ما قولكم فيمن أراد أن يتزوج بامرأة قد شربت حليباً من أمه مخلوطاً بدواء، فهل تحرم عليه بذلك أم لا؟
أخته،
إن كان ساغ إلى جوفها شيء من لبن أمه ولو مخلوطاً بالدواء فهي ولا تحل له، أما إن كان لم يسغ في جوفها فلا حرج في زواجه بها والله أعلم.
ما قولكم في امرأة عجوز ألقمت ابن ابنها ثديها، فهل يصح لهذا أن يتزوج من بنات مرضعته؟
المرضع
لا يتزوج من بنات مرضعته ولا بنات زوجها صاحب اللبن، إلّا إن كانوا واثقين أنه لم يرضع منها لبناً ولا ماء والله أعلم.
ما قولكم فيمن أرضعته، امرأة، ولا تعرف إن كان خرج من ثديها لبناً أم لا، فهل يجوز لهذا المرضع أن يتزوج إحدى بنات مرضعته؟
«
في الأثر دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» وعليه فيؤمر هذا الرجل أن لا يتزوج ممن يشتبه أنها أخته من الرضاع فمن رعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه» والله أعلم.
ما قولكم فيمن أرضعت أختها الصغيرة، فهل يجوز لابن الصغيرة أن يتزوج ابنة الكبيرة؟
لا يجوز لابن الصغيرة أن يتزوج بابنة الكبيرة في هذه الحالة، (2/142)
صفحة 767
فتاوى الزواج
143
لأنها خالته من الرضاع، فقد أرضعت أمها أمه فصارت أختها وخالة ولدها، وفي الحديث الصحيح يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»
والله أعلم.
بعد ثماني سنوات من زواجي اتضح أخيراً أن زوجتي هي أختي من الرضاعة، حيث تبين لنا أنني وزوجتي أرضعتنا امرأة واحدة، وقد أجمع الشهود على رضاع زوجتي من هذه المرأة غير أنه لا يوجد شهود على رضاعي منها غيرها، ولم تزعم ذلك إلا بعد مرور هذه السنوات مع علمها بزواجي بداية وكما نعلم أن من زعم ذلك بعد الزواج يحتاج إلى شهادة شاهدي عدل ولا شاهد بالإضافة إلى وجود أولاد منها، وقد استفسرنا عن هذه القضية عند سماحتكم سابقاً فأفتيتم بالانفصال، فأرجو إعادة النظر في هذه القضية على ضوء ما شرحت لكم؟
تعبيرك بقولك: «اتضح أخيراً أنها أختي من الرضاعة» يدل على ثبوت ذلك عندك، وعليه فإن المعول على ما ثبت وقولك هذا إقرار، ومن القواعد التي يأخذ بها الفقهاء أنه لا إنكار بعد إقرار والله أعلم.
فيمن أرضعته امرأة وهو ابن ثمان سنين فهل يجوز له أن يتزوجها؟ إن كان في حال الرضاع هو ابن ثمان سنوات فلا يحرم هذا الرضاع شيئاً، وله أن يتزوجها والله أعلم.
أريد الزواج من ابنة عمي غير أن جدتي أرضعت ابنة عمتي، فهل يجوز هذا الزواج؟
نعم. ذلك جائز لك، ولا يؤثر إرضاع جدتكما لابنة عمتكما على زواجكما والله أعلم. (2/143)
صفحة 768
144
الفتاوى النكاح
أرغب في الزواج من امرأة رضعت أختها الكبرى مع أمي فهل يصح هذا الزواج؟ بناء على ما ذكرته فهي أخت خالتك من الرضاع وليست خالتك فلا يحرم زواجك بها والله أعلم.
رجل تزوج ابنة أخته من الرضاع فما حكم هذا الزواج ولمن ينسب الأولاد الذين ولدوا على هذا العقد؟
هذا الزواج باطل ويجب التفريق بينهما، والأولاد أولاده من أجل شبهة الزواج والله أعلم.
رجل تزوج امرأة من مسقط ودخل بها، ثم بعد مدة تزوج امرأة أخرى من صحار، ثم مات عنهن، ثم تبين بعد موته أن الزوجتين أختين من الرضاعة، ما حكم الإسلام في هاتين المرأتين مع العلم أن الهالك وهو زوج هاتين المرأتين لم يعلم أنهن أختين من الرضاعة؟
بما أن ذلك لم يكن عن قصد فلا إثم عليهم، ويثبت نسب الأولاد إن ولدتا لأجل نكاح الشبهة، وإنما بقي النظر في ميراث الثانية منهما وهي مسألة تحتاج إلى تأمل والله أعلم.
امرأة أرضعت ولداً من أولاد امرأة ثانية فهل جائز التزويج بين هؤلاء الأولاد مع العلم بأن المرأة أرضعت ولداً واحداً فقط مع بنت واحدة من بناتها؟
الراضع من تلك المرأة هو كأحد أبنائها تحرم عليه مرضعته لأنها أمه، وأمها لأنها جدته وأخواتها لأنهن خالاته، وعماتها لأنهن عمات أمه، وخالاتها لأنهن خالات، أمه وبناتها لأنهن جميعاً أخواته، وبنات أبنائها لأنهن بنات أخوته وبنات بناتها لأنهن بنات أخوانه، وكذلك يحرم عليه من (2/144)
صفحة 769
فتاوى الزواج
145
قبل زوجها صاحب اللبن ما يحرم عليه من قبل أبيه الذي ولده من النسب،
لأنه في حكم أبيه من قبل حرمات النكاح، وأصل ذلك حديث «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، وأمّا إخوته فلا يسري عليهم لأن هذا الحكم، الراضع من تلك المرأة أخوهم ولم يرضعوا منها والله أعلم.
يوجد لديّ أخ من أم، ولديه أولاد ذكور وإناث، وأرغب في زواج ولدي
من إحدى بنات أختي، ولكن بنتي أرضعت مع أحد أولاده الذكور. علماً بأن ابنتي المرضعة متزوجة بأحد أولاده غير الذي أرضعت معه، ولكن لم يدخل عليها بعد. هل يجوز زواج ولدي من إحدى هذه البنات؟ إن كانت ابنتك أرضعتها زوجة أخيك، فأخوك أبوها من الرضاع، وزوجته المرضعة أمها من الرضاع، ولا تحل ابنتك لأي واحد من أبناء أخيك زوج المرضعة، ولو كان من غير المرأة التي أرضعتها، كما لا تحل لأي واحد من أبناء المرأة التي أرضعتها ولو كان من زوج آخر، وذلك أن الرضاع مثل النسب، يحرم منه ما يحرم من النسب بنص الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فانظر أولاً في زواج ابنتك بابن أخيك فإن سؤالك يوحي بعدم جواز هذا الزواج، وأما تزوج ابنك بابنة أخيك فإن كان هو لم يرضع من أمها ولا من زوجة أبيها، وهي أيضاً لم ترضع من أمه ولا من زوجة أبيه، وإنما أخته أرضعتها أمها أو
زوجة أبيها، ولم يكن ثم سبب آخر للتحريم فلا حرمة بذلك والله أعلم. تزوجت امرأة ثم تبين لي أنها أختي من الرضاع فهل الأولاد الذين ولدتهم هم أولادي ويجب علي نفقتهم؟ وإن كان ذلك فكم تقدر النفقة بالريالات؟ نعم هم أولادك، وعليك نفقتهم بالمعروف، وتقديرها يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة فإن لم يكن خلاف بين الجانبين فليتفقا على ما فيه (2/145)
صفحة 770
146
الفتاوى النكاح
رضاهما، وإن اختلفا فالقاضي الشرعي هو الذي يحددها بعد مراعاة ذلك
كله والله أعلم. عن امرأة أرضعت طفل في سن الرضاعة، فهل يجوز أن تزوج ابنها من أخت الطفل الذي أرضعته؟
لا حرج في ذلك، لأن رضاع أخيها من أم الذي يخطبها لا يسري إليها، فلا يؤثر عليها شيئاً، وإنما الراضع وحده هو الذي يحرم عليه أن يتزوج ببناتها أو بنات أولادها وهكذا والله أعلم.
فيمن تزوج امرأة وبعد ثمان سنين جاءت امرأة من نفس المنطقة وتزعم أنها أرضعت الزوج والزوجة، علماً أن هذه المرأة كانت حاضرة في فترة عقد الزواج ولم تخبر بذلك فما حكم علاقته الزوجية؟
إن صدقها الزوج فليدع المرأة، وإن لم يصدقها فهي غير حجة عليه إلا ببينة والله أعلم.
فيمن تزوج امرأة ثم تبين له فساد الزواج بسبب رضاع بينهما، فهل يجوز لهما أن يعيشا في بيت واحد لتربية أولادهما؟
نعم والله أعلم.
زوجت رجلاً بابنتي وكانت له زوجة سابقة وقد أنجبت كل واحدة منهما بنتاً، فأردت الزواج بابنة ضرة ابنتي، لكن أمها رفضت ذلك بحجة أنها أرضعت ابنة ابنتي على ابنتها وقد أنكرت ابنتي ذلك وكذلك زوجها، فهل كلامها هذا يمنعني من الزواج بها؟ علماً بأن عمر البنت ستة عشر عاماً وهي تصغر ابنة ابنتي بتسعة أشهر.
أما الحرمة فلا تحرم عليك بما ذكرت، ولكن لا ينبغي لك أن تتزوج (2/146)
صفحة 771
فتاوى الزواج
147
بفتاة هي
أصغر من ابنة ابنتك، لما قد يؤدي إليه هذا الزواج من التنافر بين الجانبين خصوصاً مع عدم رغبتها، وفي نصيحة عمر» «لينكح الرجل تربه النساء، ولتنكح المرأة تربها من الرجال هذا ما أختاره لك والله الموفق
من
للخير والسلام عليكم.
ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»،، وظاهره أن جميع الصور التي تقع فيها حرمة النكاح بسبب الأنساب تحرم نظائرها من أجل الرضاع إلا أن من العلماء من استثنى في الرضاع بعض الصور، فما القول الفصل عندنا في ذلك؟
نعم، ثبت في الحديث الصحيح الذي أخرجه الربيع والشيخان وغيرهم من طريق عائشة لها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، وجاء في رواية «ما يحرم من الولادة، وفي رواية أخرى ـ من طريقها أيضاً ـ «إنما الرضاع مثل النسب»، وهذه الروايات كلها تفيد قاعدة فقهية ينضبط بها حصر المحارم من قبل الرضاع، إلا أن من الفقهاء من استثنى بعض الصور، وهي التي كانت الحرمة فيها في الأنساب لعلاقة خاصة بين الذكور والإناث ولا تتحقق في الرضاع من حيث إن تلك العلاقة هي مناط حكم الحرمة بينهما، فإن انعدامها في الرضاع ينعدم به ذلك الحكم وتبقى على أصل الإباحة، وهي صور عديدة، إلا أن الشائع منها صورتان وهي أخت الابن وأم الأخ، فلا ريب في حرمتهما من قبل الأنساب، لأن أخت الابن في النسب لا تخلو إما أن تكون ابنة وإما أن تكون ربيبة، وأم الأخ إما أن تكون أماً وإما أن تكون حليلة أب، وفي كلتا الحالتين في كل واحدة من الصورتين لا مناص عن التحريم، أما في الرضاع فالكل من ذلك منتف فانتفت الحرمة بانتفائه، فأخت الابن إن كان هو الراضع من أمها أو (2/147)
صفحة 772
148
الفتاوى النكاح
أرضعتهما امرأة أجنبية ليست ابنة لأبيه ولا ربيبة له، فلا موجب لحرمتها عليه، وكذلك مرضعة الأخ ليست أما ولا حليلة أب فلا مسوغ لتحريمها، وقد اقتصر على ذكر هاتين الصورتين جماعة من أهل العلم والتحقيق، منهم الزمخشري في الكشاف، وأبو حيان في البحر المحيط، وصاحب كنز الدقائق من علماء الحنفية، ونظم ذلك شيخنا العلامة إبراهيم بن سعيد العبري فقال: واستثن من حكم «الرضاع كالنسب» أخ وأخت ابن ذي حسب أخيه أمه في النسب أو لا فإنها حليلة الأب
وأخت ابنه فإما ابنته
بنفسه أو أنها ربيبته
ن ثم تحرمان بالإجماع من جهة الأنساب لا الرضاع
هذا وذهب فريق من أهل العلم إلى أنه لا داعي إلى الاستثناء، وذلك راجع ـ حسب رأيي ـ إلى ما ذكرته من أن العلاقة المقتضية للحرمة في النسب غير موجودة في الرضاع أصلاً، فأخت الابن لم تحرم في النسب لمجرد كونها أخت ابن، وإنما حرمت لأنها بنت أو ربيبة، وكذلك أم الأخ في النسب ليس منشأ حرمتها كونها أم أخ وإنما منشؤها أنها لا تخرج عن كونها أماً أو حليلة أب، وهو مما يدل بداهة على أن الخلاف بين هؤلاء وأولئك لا يعدو أن يكون لفظياً، فإن الفريقين مجمعون على الحل في الرضاع والحرمة في النسب، وإن سرى إلى فهم بعض أئمة العلم المتبحرين خلاف هذا، إذ ظن أن الخلاف معنوي فحكى القول بالمنع في الصورتين المذكورتين بسبب الرضاع كالنسب، وذلكم هو قطب الأئمة المال في تفسيريه تيسير التفسير) وهيميان (الزاد)، وقد عزا ذلك في «التيسير» إلى الشافعية، ويلمح من كلامه في الهيميان أنه يميل إليه، ونص ما في التيسير: أخت ابنك إذا ولدتها المرأة من رجل آخر، لأن وطء الأم
ولا يجوز تزوج (2/148)
صفحة 773
فتاوى الزواج
149
أن
يحرم البنت، وولدت أنت منها هذا الابن وشهر المنع للمصاهرة لا للوطء لفقده، ويجوز إذا كان هذا الابن من رضاع ومنعته الشافعية، وفي أخيه من الرضاع القولان»، أما نص كلامه في الهيميان: «فقيل لا دليل يخص منه أخت ابن الرجل من الرضاع وأم أخيه من الرضاع، وزعم بعض أنه يجوز لك أن تتزوج أخت ابنك من الرضاع ولو لم يجز أن تتزوج أخت ابنك من النسب، ويجوز أن تتزوج أم أخيك من الرضاع ولو لم يجز تتزوج أم أخيك من النسب والزمخشري ذكر جواز التزوج في المسألتين، وقال - كالمتبرئ منه -: «إنهم قالوا ذلك ... إلخ»، ويلمح ما ذكرته من الميل إلى التشدد في كلامه، حيث عبر بالزعم عن القول بخلافه وأشار إلى تبرؤ الزمخشري منه إذ حكاه بقوله: قالوا ذلك، وليس في كلام الزمخشري ما يدل على تنصله مما حكاه وأنه يذهب إلى خلافه، فإن مثل هذا القول معهود في عباراته لغير هذا القصد، ولست أرى ما حكاه عن الشافعية من القول بالمنع في المسألتين ـ كما في التيسير ـ إلا أنه سرى إليه ظنه مما ذكرته من أنهم لا يرون داعياً إلى الاستثناء لتباين الحكم ما بين الصورتين في النسب والرضاع ولوجود ما يقتضي التحريم فيهما في النسب دون الرضاع، وهو ما تشهد به دواوين الفقه عند الشافعية، فقد نص الشيرازي في المهذب - وهو من الكتب المعتمدة عند الشافعية ـ على عدم سريان حرمة الرضاع إلى أصول الطفل الراضع ولا إلى الفروع المساوية له، وإليك نصه: وتنتشر حرمة الرضاع من الولد إلى أولاده وأولاد أولاده ذكوراً كانوا أو إناثاً، ولا تنتشر إلى أمهاته وآبائه وإخوته وأخواته، ولا يحرم على المرضعة أن تتزوج بأبي الطفل ولا بأخيه، ولا يحرم على زوج المرضعة الذي ثار اللبن على ولده أن يتزوج بأم الطفل ولا بأخته، لقوله صلى الله عليه وسلم «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، وحرمة النسب في الولد تنتشر إلى أولاده (2/149)
صفحة 774
10.
الفتاوى النكاح
ولا تنتشر إلى أمهاته وآبائه ولا إلى إخوته وأخواته فكذلك الرضاع»، وأقر ذلك شارحه صاحب التكملة الثانية للمجموع، بل نجد فيما نقله القطب نفسه في شرح النيل عن الحافظ ابن حجر ـ وهو من كبار أئمة الشافعية ما يؤكد هذا، ونصه: ولا يتعدى التحريم إلى أحد من قرابة الرضيع، فليست أخته من الرضاعة أختاً ولا بنتاً لأبيه إذ لا رضاع بينهم»، وقد أقر
ـ
لا
ذلك القطب ولم يتعقبه بشيء، وفي كلام الشيرازي ما يدل على مرادهم بعدم الاستثناء، وأنه لا يعني إلا أن التحريم في النسب إنما هو لأجل لأجل سبب يوجد في هذه الصور في الرضاع، وهو الذي يوحي به كلام ابن كثير في تفسيره ـ وهو من علماء الشافعية أيضاً، فبعد أن ذكر عن بعضهم استثناء أربع صور، وعن غيرهم استثناء ست، صور، قال: «والتحقيق أنه لا يستثنى شيء من ذلك، لأنه يوجد مثل بعضها في النسب، وبعضها إنما يحرم من جهة الصهر، فلا يرد على الحديث شيء أصلاً اهـ.
هذا وقد أومأ الإمام نور الدين السالمي الى إلى الصورتين المذكورتين في معرض ذكره ما يحرم بالرضاع، حيث قال: فالرضاعة في باب التزويج كالنسب، لا فرق بينهما في شيء من الأمور، وقد استثنى بعضهم صورتين يجوز النكاح فيهما مع الرضاع دون النسب ولم يحضرني ذكر الصورتين، وتعقب بعضهم ذلك الاستثناء، لأن الصورتين المذكورتين غير داخلتين في حكم التحريم حتى مع النسب فلا يحتاج إلى استثنائهما» ا. هـ.
ولا يخلو قوله لأن الصورتين المذكورتين غير داخلتين في حكم التحريم حتى مع النسب» أن يكون قصده به ما ذكرناه في توجيه كلام من لا يقول وهو أن التحريم في النسب ليس لمجرد هذه العلاقة القائمة في الرضاع وإنما هو بسبب شرعي آخر كما ذكرناه أو يكون قصده به عدم
بالاستثناء، (2/150)
صفحة 775
فتاوى الزواج
151
أصلاً
وجود ما يقتضي التحريم حتى في النسب ـ كما هو المتبادر، فإن كان الأول مراده فهو كلام سليم لا غبار عليه، وإن كان الثاني فلا يعدو أن يكون توهماً ناشئاً عن عدم استحضاره للصورتين مع ما ارتسم في ذهنه من كلام من لا يرى الاستثناء، إذ كيف يتصور أن تكون الصورتان في النسب لا حرمة أن إحداهما لا بد من أن تكون ابنة أو ربيبة، والأخرى لا بد من
فيهما، مع كونها أماً أو حليلة أب، وكل من هؤلاء حرام بالنص القطعي والإجماع. ومن عجيب الملابسات أن أحد أشياخنا الأجلاء سرى إلى ذهنه من كلام الإمام السالمي هذا أنه يرى عدم جواز النكاح في الصورتين المذكورتين في الرضاع، وكان ذلك سبباً لتوقف ذلك الشيخ عن الإفتاء بجواز النكاح فيهما،
مع أن كلام الإمام السالمي بعيد عن هذه الدلالة كما هو واضح بداهة. هذا وبناءً على الاستثناء لأجل رفع اللبس فإن ذكر هاتين الصورتين لا يعدو أن يكون من باب التمثيل لا الحصر، لوجود صور شتى ينتظمها حكمهما، وقد سبق أن ابن كثير ذكر عن بعضهم استثناء أربع صور وعن غيرهم استثناء ست صور، وفي ذاكرتي أن صاحب «البحر الزخار» استثنى ست صور وهو من فقهاء الزيدية، وهي كلها تعود إلى أن الحرمة في نظائرها من حيث النسب ناشئة عن أسباب لا توجد في الرضاع، ولعل أكثر العلماء استقصاء لهذه المسائل المستثناة وتفاصيلها هو العلامة ابن نجيم الحنفي في كتابه القيم (البحر الرائق شرح كنز الدقائق)، فقد تتبع ما استظهره من قبله كما استظهر هو أيضاً صور أخرى لم يسبق إلى استظهارها فبلغت جميعاً إحدى وثمانين، ومن أجل إفادة الراغبين أحكي في هذا الجواب من كلامه ما انتظم سلكه درر هذه الفوائد الثمينة، قال: «في أم أخته ثلاث صور: الأولى: الأم رضاعاً والأخت نسباً بأن أرضعت أجنبية أخته نسباً ولم ترضعه، والثانية: عكسه أن يكون لأخته رضاعاً أم من النسب، الثالثة: أن يكونا رضاعاً (2/151)
صفحة 776
152
الفتاوى النكاح
بأن أرضعت امرأة صبياً وصبية ولهذه الصبية أم أخرى من الرضاع لم ترضع الصبي، وفي أخت ابنه ثلاث أيضاً، الأولى أن تكون الأخت رضاعاً فقط، بأن كان له ابن من النسب، ولهذا الابن أخت من الرضاعة ارتضعا على غير امرأة أبيه والثانية أن يكون الابن رضاعاً فقط وله أخت من النسب، والثالثة: أن يكونا رضاعاً ومراده من الابن الولد فيشمل البنت.
وفي شرح الوقاية: فإن قيل: قوله: «إلا أم أخته» إن أريد بالأم الأم رضاعاً وبالأخت الأخت رضاعاً لا يشمل ما إذا كانت إحداهما فقط بطريق الرضاع، وإن أريد بالأم الأم نسباً وبالأخت الأخت رضاعاً أو العكس لا يشمل الصورتين الأخريين.
قلنا: المراد ما إذا كانت إحداهما بطريق الرضاع أعم من أن تكون إحداهما فقط أو كل منهما ا. هـ.
قال ابن نجيم ولا شك أن السبب في استثناء هذين عدم وجود العلة، فإنها في التحريم من الرضاع وجود المعنى المحرم في النسب، ولم توجد في هذين، أما في الأولى فلأن أم أخته من النسب إنما حرمت لكونها أمه أو موطوءة أبيه، وهو مفقود في الرضاع، وأما في الثانية فلأن أخت ابنه نسباً إنما حرمت لكونها بنته أو بنت امرأته، ولم يوجد في الرضاع، فعلم أنه لا حصر في كلامه، وقد ثبت ذلك الانتفاء في صور أخرى فزاد على الصورتين في الوقاية أربعة)، أم عمه وعمته، وأم خاله وخالته لأن أم هؤلاء موطوءة الجد الصحيح أو الفاسد ولا كذلك من الرضاع، وفي شرحها ولا تنس الصور
الثلاث في جميع ما ذكرنا. ا. هـ. يعني من اعتبار الرضاع في المضاف فقط أو
في
المضاف إليه فقط أو فيهما.
(1) كذا في البحر ولعل في الأصل «أربعا». (2/152)
صفحة 777
فتاوى الزواج
153
وزاد الشارحون صور أخرى الأولى: أم حفدته رضاعاً، بأن أرضعت أجنبية ولد ولده فله أن يتزوج بهذه المرأة بخلافه من النسب، لأنها حليلة ابنه أو ابنته ولم يوجد هذا المعنى في الرضاع، والثانية: جدة ولده من الرضاع، بأن أرضعت أجنبية ولده ولها أم فإنه يجوز له التزوج بهذه الأم بخلافه من النسب، لأنها أمه أو أم امرأته الثالثة عمة الولد من الرضاع بأن كان لزوج المرضعة أخت فلأب الرضيع أن يتزوجها بخلافه من النسب لأنها أخته، ولم يذكروا خالة ولده لأنها حلال من النسب أيضاً لأنها أخت زوجته الرابعة يحل للمرأة التزوج بأبي أخيها من الرضاع، أو بأخي ولدها من الرضاع، أو بأبي حفدتها من الرضاع، وبجد ولدها من الرضاع، وبخال ولدها من الرضاع ولا يجوز ذلك كله لما قلنا في حق الرجل.
قال: ثم اعلم أن ما ذكرناه من صحة اعتبار الرضاع في المضاف فقط أو في المضاف إليه فقط يطرد في جميع الصور كما ذكره ابن وهبان في شرح المنظومة وأفاد أنها تبلغ نيفاً وستين مسألة ليس هذا المختصر موضع ذكرها وأحال إلى الذهن في حل بعضها، وتبعه في الإضراب عن حلها العلامة عبد البر بن الشحنة، وأقول - والقائل ابن نجيم ـ في بيان حلها: إن مسألتي الكتاب أربع وعشرون صورة لأن أم أخيه بتذكير الأخ وبتأنيث الأخت صورتان، لجواز إضافة الأم إلى الأخ والأخت، وكلّ منهما بالاعتبارات الثلاثة فهي ستة، ولأخت ابنه بتذكير الابن وتأنيث البنت صورتان، لجواز إضافة الأم إلى الأخ والأخت، وكل منهما بالاعتبارات الثلاثة فهي ستة، ولكل من الاثني عشر صورتان إما باعتبار ما يحل للرجل أو ما يحل للمرأة، فإنه كما يجوز له التزوج بأم أخيه يجوز لها التزوج بأبي أخيها، فهي أربع وعشرون، وأما الأربعة الثانية وهي: أم عمه وعمته وأم خاله وخالته فهي أربع وعشرون صورة أيضاً، لأن الأربعة بالاعتبارات (2/153)
صفحة 778
154
الفتاوى النكاح
الثلاث اثنا عشر ولكل منهما صورتان إما باعتبار ما يحل له أو لها فإنه كما يجوز للرجل التزوج بأم عم ولده رضاعاً يجوز لها التزوج بأبي عم ولدها رضاعاً إلى آخر الأقسام، وأما الثلاثة الأخيرة أعني أم حفيدته وجدة ولده وعمة ولده، فهي بالاعتبارات الثلاث تسعة، ولكل منها صورتان باعتبار ما يحل له أو لها، فإنه كما يجوز للرجل التزوج بأم حفيدته يجوز للمرأة التزوج بأبي حفدتها من الرضاع كما قدمناه، لكن لا يتصور في حقها عم ولدها لأنه حلال من النسب أيضاً لها لأنه أخو زوجها، ولكن العدد المذكور لا ينتقص به، لأن بدله خال ولدها، لأنه كما قدمناه جائز لها من الرضاع دون النسب لأنه أخوها، فصارت الثلاثة ثمانية عشر، فسار الكل ستاً وستين صورة، فالمراد بالنيف في كلام ابن وهبان ست.
فهي
قال: وهذا البيان من خواص هذا الكتاب بحول الله وقوته، ـ قال ـ ثم تأملت بعد قول ابن الهمام إذا عرفت مناط الإخراج أمكنك تسمية صور أخرى، ففتح الله تعالى بتسمية صورتين، الأولى: بنت أخت ولده حلال من الرضاع حرام من النسب، لأنها إما بنت بنته أو بنت ربيبته، وتصح فيها الأوجه الثلاثة، وكلّ منها إما أن تكون الأخت مضافة إلى الابن أو البنت ستة، وكل منها إما باعتبار ما يحل للرجل أو لها، فإنه كما يجوز له التزوج ببنت أخت ولده رضاعاً يجوز لها التزوج بابن أخت ولدها رضاعاً، فصارت اثني عشر، الثانية: بنت عمة ولده جائزة من الرضاع حرام من النسب، لأنها بنت أخته وفيها الوجوه الثلاثة فقط، باعتبار ما يحل له ولا يتأتى هنا باعتبار المرأة، فإنه يحل له التزوج بابن عمة ولدها من النسب والرضاع جميعاً بخلاف المسألة الأولى، فإنه لا يجوز لها التزوج بابن أخت ولدها من النسب، لأنه إما أن يكون ابن بنتها أو ابن بنت زوجها وهو يحرم عليه التزوج بحليلة جده، فالحاصل أن هاتين الصورتين على خمسة عشر (2/154)
صفحة 779
فتاوى الزواج
155
وجهاً، فصارت المسائل المستثناة إحدى وثمانين مسألة أ. هـ. المراد من كلام
ابن نجيم، وقد حذفت منه ما يمكن الاستغناء عنه من الشرح والبيان. وأقول: بأن الاستثناء لا ينحصر في هذه الصور التي ذكرها، إذ كما تستثنى بنت أخت ولده من الرضاع تستثنى كذلك بنت أخي ولده، فإنها تحل إن كانت من الرضاع دون النسب، وكما يتوجه في تلك تخريجها على اثنتي عشرة صورة فهذه كذلك، ومثلها بنت أخي حفيده وبنت أخي حفيدته وبنت أخت كل منهما (1)، ويتوجه في كل منها تخريجها على الوجوه المذكورة، وكذلك يحرم على المرأة أن تتزوج بابن خالة ولدها من النسب دون الرضاع، لأنه ابن أختها في النسب ولا علاقة لها به في الرضاع، وفيه الوجوه الثلاثة التي ذكرها في ابنة عمة الولد بالنسبة إلى الرجل، وعلى هذا فالوجوه التي يمكن أن تستثنى تزيد على المائة، لذلك أرى أن تكون هذه الصور كلها أمثلة لما يستثنى، وأن يعول في ذلك على ضابط كلي تندرج ضمنه هذه الجزئيات جميعاً، وهو أنه يخرج من تلك القاعدة ما كان تحريمه في النسب منوطاً بما لا وجود له في الرضاع من الأسباب، والله أعلم بالصواب، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(1) ثم اتضح لي أن بنت أخي حفيدة وبنت أخت حفيدته نسبا لا تحرمان عليه على أي حال، إذ يمكن أن تكونا ربيبتين لابنه أو لابنته، وربيبة الولد لا تحرم على أبيه (سماحة الشيخ). (2/155)
صفحة 780
156
الفتاوى النكاح
الزنا وأثره على الزواج
سماحة الشيخ أكتب إليكم هذا البحث حول موضوع الزواج من الزانية، وقد سبق وأن أعلمتومني بأنه حرام، ولكن في المذاهب الأخرى هو جائز، وهذا هو رأي الجمهور، فهل من الممكن أن ترسلوا إليّ القاطعة أو حتى أسماء الكتب التي يمكن أن تفيدني بخصوص هذا
الموضوع؟!
الأدلة
فقد قرأت كتاباً يدعى «تفسير آيات الأحكام» لصاحبه الشيخ محمد علي الصابوني ... جاء فيه: أن الزنى في اللغة هو وطء الرجل المرأة في الفرج من غير نكاح ولا شبه نكاح.
((
وأيضاً في قصة ماعز بن مالك الأسلمي عندما زنى بجارية فذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال له: إني زنيت فطهرني)، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت قال لا فسأله النبي صلى الله عليه وسلم باللفظ الصريح الذي معناه (الجماع) قال: نعم. قال: حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟! قال: نعم. قال: «كما يغيب الميل في المكحلة والرشاء في البئر»؟! قال: النبي صلى الله عليه وسلم: «هل تدري ما الزنى»؟ قال: نعم، أتيت منها حراماً ما يأتي الرجل أهله حلالاً ... إلى آخر الحديث (1).
نعم.
فسأله
فهل هذا دليل على أنه إذا لم يدخل الرجل على المرأة، ولم يقع مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم «حتى غاب ذلك منك في ذلك منها إذا لم يحصل
هذا، هل هذا دليل على جواز زواجهما بعد التوبة النصوح؟
(1) رواه أبو داود والنسائي وغيرهم. (2/156)
صفحة 781
فتاوى الزواج
157
والاه.
وما رأيكم في حديث عائشة أن الرسول صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل زنى بامرأة وأراد أن يتزوجها فقال: «أوله سفاح وآخره نكاح، والحرام لا يحرم
الحلال».
الحلال
أراني شبه مقتنعة بهذا الحديث لأنه كيف للحرام أن يحرم وهذا يشبه من دخل بستاناً ثم سرق ثمرة وبعد ذلك أتى صاحبه واشترى
منه ثمرة، فما سرق حرام وما اشترى حلال والسرقة لم تحرم الشراء والحلال، فما ردكم؟ وهذا الحديث مما أخذ به الفقهاء الأربعة من الأئمة المجتهدين، وسبق وأن قلتم إنه الأفضل للتائبة أن تتزوج العفيف، إن العفيف لن يرضى بهذا وليس ببعيد أن يطلقها في اليوم التالي ويفضحها إذا كانت قد فقدت غشاءها، وإن أبقاها فلن يوجد هناك شيء اسمه الطمأنينة وسيشك فيها في أقل التصرفات، فما مصير الزانية؟ إنه عدم الزواج
وهناك حديث ينص على أنه لا ينكح المجلود إلا مثله» فكيف التوفيق بين القولين؟! أرجو أن تفيدوني جزاكم الله خيراً.
وإذا لم يدخل الرجل على المرأة ولم ينزل فهل يجوز لهما التزاوج؟ ولكم جزيل الشكر. الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن
أما بعد فقد اطلعت على هذا البحث حول زواج الزاني بالتي زنى بها، والذي أقوله: إن ما ذهب إليه أصحابنا ـ رحمهم الله ـ هو القول الأحوط والأسلم والأقطع لشأفة الفساد، وهو مروي عن جماعة من الصحابة (2/157)
صفحة 782
158
الفتاوى النكاح
- رضوان الله عليهم - منهم أم المؤمنين عائشة وابن مسعود والبراء بن عازب، فقد روي عن كل من هؤلاء أن من زنى بامرأة ثم تزوجها فهما زانيان أبداً، وهو الملائم لقاعدة من تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه، وهذا هو الذي يتفق مع ما أشار إليه الكتاب العزيز من روح العلاقة الزوجية حيث قال تعالى: {وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} [الروم: 21] فالعلاقة الزوجية سكون وطمأنينة، وأنى يسكن قلب رجل أو امرأة إلى من بلاه بنفسه وقاسمه الفحشاء؟ أتعزب عن أحدهما تلك الساعات الماجنة التي انغمسا فيها جميعاً في حمأة الرذيلة وتعاطيا فيها كؤوس الهوى، استجابة لنداء الشيطان؟ أو لا يمكن أن تكون بين أحدهما وبين آخر نفس تلك العلاقة الشهوانية التي كانت بينهم من قبل؟ أو لا تنتاب كلاً منهما هذه الوساوس فتقض عليه مضجعه وتؤرق ليله وتشغل نهاره؟ بلى وألف بلى ولا يماري في ذلك إلا غمر أو غوي.
ولا ريب أن إباحة التزاوج بين الزانيين يفتح باب الفحشاء على مصراعيه عند عباد الشهوات ما دام الأمر ميسوراً إلى هذا القدر، بحيث يمكن للشاب والفتاة أن يلتقيا في ظل الفحشاء وعلى بساط الشهوات فيستمتعا ما شاءا ثم يختتما صفحتهما بالزواج، وكم من ذئب من ذئاب البشر افترس العديد من الفتيات بمخالب هذا الأمل الخادع فرزأهن في أغلى شيء في حياتهن، ثم رفسهن برجله باحثاً عن أخريات، بعدما كانت كل واحدة منهن تأمل بأن يكون في يوم من الأيام شريك حياتها وفارس أحلامها، فإذا بهذا الأمل الحلو الذي كان يداعب خيالها باستمرار يتحول إلى ألم، مر، وهم يملأ جوانب الصدر يقض عليها ليلها، بعد أن رزأها في كرامتها وخلف في أحشائها جنيناً إما أن يواجه الدنيا منبوذاً هجيناً، وإما أن تكون نهايته الوأد في مصحات الإجهاض، أو ليس مثل هذا القول (2/158)
صفحة 783
فتاوى الزواج
159
الصارم هو الترياق النافع لمثل هذا التلاعب بالأعراض والتغرير بأمثال هذه الفتيات الأغمار، خصوصاً في هذا العصر الذي استشرى فيه داء الفساد ففتك بالفضيلة وأمات الأخلاق؟ على أن باب سد الذرائع من أبواب الفقه الواسعة التي تتسع لكثير من القضايا، وقد ولج منه كثير من الفقهاء منذ الصدر الأول لعلاج كثير من المشكلات.
هذا؛ ومما يجب أن لا يغرب عن البال أن الرابطة الزوجية رابطة مقدسة يجب أن لا يحوم حولها دنس وأن لا تلتصق بها، ريبة، وفي مواقف السلف الصالح من العديد من القضايا ما يؤكد ذلك، ففي موطأ الإمام مالك: أن عمر بن الخطاب له فرق بين رجل وامرأة تزوجها واقترن بها قبل انسلاخ عدتها وقال: «لا يجتمعان أبداً، وقد أخذ بمذهبه هذا مالك والليث والأوزاعي، ونص ما في الموطأ من حكم عمر في ذلك «عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وعن سليمان بن يسار أن طليحة الأسدية كانت تحت رشيد الثقفي فطلقها فنكحت في عدتها، فضربها عمر بن الخطاب وضرب زوجها بالمخفقة ضربات وفرق بينهما ثم قال عمر بن الخطاب له «أيما امرأة نكحت في عدتها فإن كان زوجها الذي تزوج بها لم يدخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من الزوج الأول ثم كان الآخر خاطباً من الخطاب، وإن كان دخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من الأول ثم اعتدت من الآخر ثم لا يجتمعان أبداً وذكر العلامة أبو الوليد الباجي في شرحه «المنتقى على موطأ مالك أن القول بتأبيد تحريم المدخول بها في العدة على الداخل بها قاله أيضاً أحمد بن حنبل، واستدل له الباجي بحكم عمر ه وأتبع ذلك قوله: وكانت قضاياه تسير وتنتشر وتنقل في الأمصار ولم يعلم له مخالف فثبت أنه إجماع، قال القاضي أبو محمد: وقد روي مثل ذلك عن علي بن أبي طالب ولا مخالف لهما مع شهرة ذلك وانتشاره وهذا حكم الإجماع. (2/159)
صفحة 784
160
الفتاوى النكاح
وليس هذا فحسب بل لمالك قول بتحريمها عليه ولو دخل بها بعد العدة، وهو منصوص عليه في المدونة، بل حكى ابن الجلاب عنه أنها تحرم عليه بمجرد العقد نقل ذلك القرطبي، وإذا كان هذا الحكم في وطء بني على عقد وإن كان غير صحيح بل في نفس العقد غير الجائز، فما بالك بالزنى الصريح أليس أحق بالحرمة الأبدية مع لزوم الحد الشرعي به؟ وقد علمت أن عمل مع الله لم يقم الحد الشرعي على الذين فرق بينهما فرقة أبدية لتزواجهما في أثناء العدة، بل اكتفى بتعزيرهما للشبهة الحاصلة.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في المتلاعنين «لا يجتمعان إلى يوم القيامة» (1) وإذا كان هذا الحكم في اللعان مع إمكان أن تكون المرأة بريئة فكيف بالزني؟ أما ما يروى: من أن أوله سفاح وآخره نكاح فهو محكي عن ابن عباس عائشة، وليس عن والله أعلم بصحته عنه، ومع فالأولى أن يحمل على ما لو زنى رجل بامرأة في جاهليتهما، فإن زناه بها لا يحرمها عليه في الإسلام، لأن الإسلام جب لما قبله وعلى أي حال فإنه قول موقوف على صحابي خالف غيره من الصحابة فلا تنهض به حجة.
تقدير صحته
وحديث لا ينكح المجلود إلا مثله لا يقتضي بحال حصر النكاح في الذي جلد بسببه، حتى يعد دليلاً على جواز نكاح الزاني للمزني بها، أن المحدود على الزنى ليس كفءً لغير المحدود، وأما قياس
وإنما يعني الزنى على السرقة من البستان فكما لا يحرم على السارق شراء البستان الذي سرق منه لا يحرم كذلك على الزاني أن يتزوج مزنيته، فهو قياس فاسد للبون الشاسع بين الأصل والفرع فإن الإنسان لا يحرم عليه امتلاك
(1) رواه مالك في الموطأ والشافعي وأبو داود. (2/160)
صفحة 785
فتاوى الزواج
161
بستان سرق منه أبوه أو ابنه، ويحرم عليه تزوج المرأة التي زنى بها أحدهما، ويجوز له أن يمتلك بستاناً كان ملكاً لأبيه أو ابنه ولا يجوز له أن يتزوج من كانت حليلة لأحدهما.
هذا والزني المحرم هو الذي يجب به الغسل ويثبت به الحد الشرعي،
وهو غيبوبة الحشفة أو مثلها من فاقدها في فرج المرأة والله أعلم.
إنني رجل متزوج وكنت أرتكب فاحشة الزنا ـ والعياذ بالله ـ ثم إني تبت إلى الله تعالى وندمت على ما كان مني فهل ما مضى مني يحرم علي زوجتي؟ هي زوجتك ولا يحرمها عليك ما كنت تفعله في سرك، وعليك التوبة إلى الله ربك واستتر بستره فلا تكشف ستر الله عليك والله أعلم.
ما قولكم في رجل أراد أن يتزوج امرأة كان قد قبلها ورأى عورتها ولامس ذكره فرجها، جهلاً منهما بحكم ذلك لصغر سنهما، ثم تابا فهل يجوز زواجه بها بعد ذلك؟
إن كان لم يولج الحشفة في فرجها، وإنما هو مجرد مش فلا تحرم عليه، ولا حرج عليهما إن تزوجها والله أعلم.
فيمن خرجت مع شخص أجنبي عنها وكشفت له عن جميع جسدها، ثم بعد مدة تزوجها وبقيت عنده ست سنوات، فتابت مما كان منها قبل الزواج، فما حكم بقائها عنده بعد ذلك؟
تتوب إلى الله من كشف سوءتها (1) لغير زوجها، ولا حرج عليها في
عنده بعد ذلك الزواج لأنه لم يجامعها قبل الزواج والله أعلم.
البقاء
(1) بمعنى عورتها. (2/161)
صفحة 786
162
الفتاوى النكاح
بي
سماحة الشيخ: لقد اختلى خطيبي ودخل الشيطان بيننا وكان ما كان، حيث دفعني دفعاً إلى الزنا رغم أني كارهة لذلك، وحاولت مقاومته بكل ما أستطيع فلم أفلح، فما شرعية هذه الخطوبة، وهل يجبر الشرع هذا الشاب بالزواج مني؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما خلا رجل بامرأة إلّا كان الشيطان ثالثهما» (1) ومخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تؤدي إلا إلى المأساة، ومن الذي يأمن الاشتعال إذا اجتمع الوقود والنار، والزواج رابطة مقدسة لا تدنس بأي شائبة فإنه لقاء روحي قبل أن يكون لقاء جسدياً، لذلك كان من شرطه أن يكون مبنياً على الطهر والعفاف لا على الرجس والفحشاء، فإن الله تعالى يقول: وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم: 21]، والسكون هنا سكون القلب وطمأنينته، وهل يسكن قلب زوج إلى زوجه بعدما بلا كل واحد منهما الآخر بنفسه، لذلك قال جماعة من الصحابة ل «أيما رجل زنى بامرأة ثم تزوجها فهما زانيان أبداً» (2) وهذا الذي عليه أصحابنا رحمهم الله بلا خلاف فآيسي من الزواج به وتوبي إلى الله واستغفريه لذنبك، والله يعوضك القرين الصالح، واحذري الوقوع في هذه الأخطاء، فماذا أن تكون عاقبة تعرض النعجة للذئب إلا الافتراس وا والله
المستعان.
عسى
فيمن اعترفت أمام زوجها بالزنا وقدمت له ما يثبت كلامها، فطلقها
الرجل ثم قام بمراجعتها فهل يجوز له ذلك؟
إن صدقها فيما قالته فهي حرام عليه والله أعلم.
(1) رواه الترمذي وأحمد بن حنبل والحاكم. (2) رواه أبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي والترمذي. (2/162)
صفحة 787
فتاوى الزواج
163
ما
حكم الإسلام في الزاني إذا ثبتت عليه جريمة الزنا ـ والعياذ بالله ـ بحيث زنا بفتاة بكر وأنجب منها مولوداً عن طريق الحرام، هل يجوز له أن يتزوج من فتاة عفيفة؟ وهل يجوز للبنت الزانية الزواج من رجل عفيف؟ وما حكم الإسلام إذا حدث ذلك دون أن يسأل أهل العلم هل عليه إثم؟ وما حكم أولاده هل هم إخوة للمولود الذي أنجب من الزنا؟
يجوز لكل منهما أن يتزوج من هو متصف بالعفة إن كان لا يدري بما حصل، وكذلك إن تابا إلى الله وصارا، عفيفين وليستترا بستر الله فلا يكشفا صفحتهما للناس، وولد الزنى لا يكون ولداً شرعياً للزاني فلا ولاية له عليه ولا توارث بينهما، وذلك لقول النبي: الولد للفراش وللعاهر الحجر»، وعليه فلا تكون أخوّة بينه وبين أولاد الزاني الشرعيين، ولا يترتب شيء من أحكام الأخوّة بينهم إلا حرمة الزواج والله أعلم.
بين
ما حكم الإسلام في رجل متزوج ولديه أولاد هل له أن يتزوج من امرأة زانية ثبتت عليها جريمة الزنا - والعياذ بالله -؟ وإذا تزوجها فهل لهؤلاء الأولاد الذين أنجبهم من المرأة الزانية أن يتزوجوا من أولاد المسلمين؟
لا يجوز له ذلك، اللهم إلّا إن تابت وثبتت عفتها، ولا مانع من التزاوج أولاده وسائر أهل الإسلام والله أعلم.
أقر رجل لامرأته بالزنا بعد نكاحها فصدقته، ولحقت بأهلها بعد مدة لما رأت منه من إمارات دالة على صدق إقراره منها أن إقراره صدر على جهة الندم مع وعده بعدم العودة وطلبه الكتمان عنه، وذلك إثر عثورها عنده على رسائل ودية موجهة إليه من بعض النساء ومعها صور شمسية لبعضهن، كما أنها عهدته فاسد السيرة سكيراً يبيت ليالي في (2/163)
صفحة 788
164
الفتاوى النكاح
غير منزله، وطالبه أهلها بطلاقها بعد ذلك وهي مقيمة عندهم وحامل، فأبى الطلاق، فما برحت المرأة بيت أهلها حتى طلقها القاضي منه بعد ولادتها، ثم زوجها أهلها برجل آخر بعد تسعة أشهر من وضعها دون أن ترى الحيض لكونها مرضعاً.
فهل الحرمة الواقعة بينها وبين زوجها الأول بإقراره بالزني كافية في إثبات عدتها منه، فيكون واسعاً لها زواجها الأخير بعد وضع حملها أم لا بد من التفريق بينهما بالطلاق؟ وإن كان لا بد من التفريق فما المخرج للزوج الثاني علماً أنه قد أنجب منها أولاداً؟
هذه مسألة مشكلة فإنها إن كانت عولت على حرمتها عليه باعترافه بالزنى بصريح العبارة، فلم الطلاق الذي حكم به القاضي عليه؟ وقد كان الواجب عليها أن تعتد إثره، وإن كانت عولت على انفصالها عنه بالطلاق فلم لم تعتد عدة الطلاق؟ وإنما يمكن أن يكون لها مخرج من هذه الورطة بالرأي الذي يراه أصحابنا، وهو أن الزاني من الرجل أو المرأة ليس بكفء لغير الزاني بدليل قوله تعالى: {الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكُ) [النور: 3]، ونسخ جواز نكاح المشركات وإنكاح المشركين من أهل التوحيد لا يؤثر على حكم الزنى ويعتضد ذلك بمفهوم قوله تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌ همَّ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5] فاشترط لجواز حلهن الإحصان والمراد به هنا العفة والطهارة في العرض وهو يدل بمفهومه على أن غير المحصنات - وهن الفاجرات ـ لا يحللن للمحصنين وكذلك العكس ولئن كان ذلك لا يحل ابتداء فكذا الاستمرار بعد ثبوت الزنى بالمشاهدة أو الشهادة أو الإقرار، والآية الأخيرة هي في (2/164)
صفحة 789
فتاوى الزواج
سورة المائدة، وسورة المائدة محكمة ليس فيها منسوخ، وعليه فإنها قد حرمت على الزوج الأول باعترافه أمامها بالزنى وتصديقها إياه. وطلاق القاضي على هذا ما جاء بشيء إلا تحصيل حاصل، فلا يترتب عليه وجوب العدة، ولا بد من أن يكون الزواج الأخير ما أراد به الرجل والمرأة مخالفة الشرع في شيء، فبناء على ذلك كله لا يمنع أن يستمسكا بذلك العقد، ويلمح من كلام الحافظ الحجة العلّامة القنوبي (1) ـ حفظه الله تعالى ـ أنه يستحسن أن يجدد العقد أن يجدد العقد من جديد دفعاً للشبهة، وليس هو إلّا من باب الاحتياط فقط فإن أخذتم به فحسن، والأولاد الذين ولدوا على له على أي حال والله أعلم.
الأخير هم
فراش الزوج قام زوج أختي بالدخول إلى منزلي وقت غيابي، فهجم على زوجتي واغتصبها، فلما وصلت إلى منزلي وجدت هذه الجريمة البشعة قد انتهت، والآن أسأل عن حكم زوجتي وحكم أختي التي علمت بفعلة
زوجها؟
أما زوجتك فتؤمر أن تعتزلها حتى تحيض حيضة واحدة (2) لئلا يختلط الماءان، وأما شقيقتك فإن اعترف زوجها بما كان منه أمامها فقد حرمت عليه وحرم عليها والله أعلم.
رجل اغتصب امرأة في مكان خالي لا يوجد فيه أحد ينقذها منه، وقد أبدت مقاومتها له، وفي النهاية تغلب عليها وقضى حاجته منها، وبعد عودتها إلى البيت أخبرت زوجها بما حدث لها، فماذا يجب على الزوج
(1) هو
الشيخ والإمام الربيع والطوفان والرأي المعتبر وقرة العينين - حفظه الله وأمد في أيامه. (2) هذا على الاستحباب، وينظر رأي الشيخ في الجواب الذي يليه.
العلامة المحدث سعيد بن مبروك القنوبي، له عدة مؤلفات منها السيف الحاد (2/165)
صفحة 790
166
الفتاوى النكاح
فعله، وهل تبقى معه على الحالة السابقة حلالاً له أم تحرم عليه؟
العلم بأنها حامل؟
مع
لا تحرم على زوجها بذلك، لأنها لم تخبره بأنها زنت راضية غير مكرهة، وإنما أخبرته بأنها أجبرت وقاومت ولم تستسلم، هذا وقد قال العلماء: إن من زني بامرأته كارهة فليستبرئها بحيضة ـ أي ينقطع عن معاشرتها حتى تحيض - خشية أن تحمل من ذلك الزني، ولست أرى وجه هذا الاستبراء، مع أن الولد يلحق به على أي حال، إذ جاء في الحديث الصحيح «الولد للفراش وللعاهر الحجر» والله أعلم.
رجل له زوجتان وله منهن بنات ولكن هذا الرجل سيء الخلق، يتحرش ببناته ويريد منهن الفاحشة وقد سجن بسبب ذلك، ولكنه لا يزال على عادته السيئة هذه، هذا فضلاً عن مضايقته لزوجتيه وعدم إنفاقه على أهله. هل تحرم عليه زوجتاه بذلك؟
إن ثبت زناه بواحدة منهن حرمت عليه زوجتاه وإلا فلا، وإن كان من شأنه التحرش بذوات محارمه فلا ينبغي لامرأتيه البقاء معه، خشية على البنات فضلاً عن وقوع الزنى منه بهن والله أعلم.
كيف يتوب من ارتكب كبيرة الزنى مع كثير من الزانيات مرات لا تحصى على فترات طويلة من عمره؟ وهل يجب عليه شيء من الكفارات؟ وهل يجب عليه الجهر بتوبته؟
الزاني يتوب إلى ـ الله وحل بإخلاص التوبة له، والله يقبل توبته ويغفر حوبته، فإنه القائل: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَنهَا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحَا فَأُوْلَبِكَ يُبَدِّلُ (2/166)
صفحة 791
فتاوى الزواج
167
اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتِ} [الفرقان: 68 - 70]، وفي الحديث الذي رواه الإمام الربيع عن أبي عبيدة عن جماعة من الصحابة ولا الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الذنب ذنبان، ذنب بين العبد وربه وذنب بين العبد وصاحبه فالذنب الذي بين العبد وربه من تاب منه كان كمن لا ذنب له، والذنب الذي بين العبد وصاحبه لا توبة منه حتى يرد المظالم، وعليه فإن كان زنى بنساء عاقلات بالغات حرائر مختارات فعليه التوبة، وكفى، وإن كان زنى بمجنونة أو صبية أو أمة أو مكرهة فعليه مع التوبة العقر لكل واحدة في كل مرة، وهو نصف عشر دية المرأة للثيب، وعشر ديتها للبكر، وإن كان زناه معلوماً فعليه إعلان التوبة، وإلا تاب سراً والله أعلم.
شخص ارتكب كبيرة الزنا وأراد التوبة الله، وبعد إصراره على التوبة والنية بعدم العودة لارتكاب المعاصي، ظلت المرأة التي ساعدته على الفواحش تلاحقه باتصالاتها وتهديدها بافتعال المشاكل له ولزوجته وأولاده، بل توعدته بأن تتعدى محيط أسرته إلى العمل، بحجة حبها الشديد له وعدم تحمل بعدها عنه، وأنها عانت الكثير من المشاكل لأجله وأنه خانها بزواجه من غيرها مع العلم بأنها متزوجة ولديها أولاد، وقد نصحها وأوضح لها بأنه تاب إلى الله جل وأنه عليها التوبة مثله، فردت عليه بأن الله لن يغفر له لأنه تسبب في إيذائها وأولادها وإيذاء الكثير من الناس، ولأنها الآن تعاني الكثير من المشاكل ورجوعه إليها يحل لها تلك المشاكل. ماذا يجب عليه أن يفعل لكي تكون توبته خالصة لله جل؟ وماذا عليه ليصلح من خطأه تجاه تلك المرأة؟ وهو يعلم أن رجوعه إليها
معصية الله وعل؟
1 ـ عليه أن يتوب إلى الله بالندم والإقلاع عن معصيته، وعقده العزم (2/167)
صفحة 792
168
الفتاوى النكاح
على عدم العودة إليها مع استغفاره الله تعالى وتلك هي توبته إن كانت التي زنى بها حرة بالغة عاقلة مختارة، وإن كانت بخلاف ذلك فعليه أن يُصدقها (1)
والله أعلم. 2 ـ يجب عليه أن يبتعد عن تلك المرأة مهما كلفه ذلك، ولا يلتفت إلى إغراءاتها وتهديداتها، وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق: 2، 3] والله أعلم.
أنا فتاة مخطوبة وأخرج مع خطيبي فأغوانا الشيطان فوقعنا في الرذيلة، ولكن كلها أشياء خارجية ولم يباشرني مباشرة الأزواج، نود أن نتوب إلى الله ونتزوج، ما رأيكم؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما»، فما أخطر الخلوة بين الذكر والأنثى، وما أضل عقل من يرضى لوليته أن تخرج مع رجل، قريباً كان أو بعيداً سواء في حال الخطبة أو غيرها، وتوبتكما إلى الله تتوقف على أركانها الأربعة وهي الندم والإقلاع عن المعصية وعقد العزم على عدم العودة إليها والاستغفار، فتوبا إلى الله يغفر الله خطيئتكما، ولا مانع من زواجكما إن كان ما دار بينكما لم يصل إلى حد المواقعة والله أعلم.
ما الحكمة من تحريم زواج الزاني بمن زنى بها حتى وإن تابا؟ الحكمة في ذلك ان الزاني يبقى قلقاً إن تزوج مزنيته غير مطمئن إلى أمانتها في نفسها، لأنه اختبرها بنفسه، وكذا العكس، والزواج علاقة مبنية على الثقة والاطمئنان، قال تعالى: {وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} [الروم: (21) والله أعلم.
(1) يدفع العقر وهو نصف عشر دية المرأة إن كانت ثيباً وأما إن كانت بكراً فعليه أن يدفع عشر ديتها. (2/168)
صفحة 793
فتاوى الزواج
169
فيمن زنى بامرأة فحملت منه ثم تزوجها وبقيت عنده ثمان سنين، ولدت له خلالها عدة أولاد ثم أنه ندم بعدما عرف أنه كان مخطئاً
بزواجه بها، وأراد التوبة إلى الله فماذا يجب عليه أن يفعل؟
عليه أن يتوب إلى الله ويدع هذه المرأة، ويستعيض عنها بمن لا يعلم عنها إلا خيراً والله أعلم.
ما قولكم في امرأة حملت من سفاح فتزوجها رجل قبل أن تضع حملها فهل يجوز ذلك؟
قال تعالى: {الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِك وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (النسور: 3)، فلا يجوز للعفيف أن يتزوج زانية ولا العكس، على أن المرأة الحامل لا يجوز تزوجها إلى أن تضع حملها، سواء حملت من نكاح أو سفاح والله أعلم.
ما قولكم في امرأة غير متزوجة تبين بها حمل، فادعت أن ذلك بسبب تعرض رجل لها، فهل يصح له أن يتزوجها إن هي تابت من هذه المعصية؟ وهل يصح لمن علم منها ذلك السكوت عنها دون أن يرفع أمرها إلى الجهات المعنية؟
أنه
إن كانت تزعم هو الذي زنى بها فإن ذلك يحرمه عليها، للأثار المروية عن الصحابة كعلي وعائشة وابن مسعود والبراء له بأن من زنى بامرأة ثم تزوجها فهما زانيان أبداً، كما روي عن عمر له تحريم المرأة التي تزوجت في عدتها إن دخل بها المتزوج على ذلك الزوج، وهذه الآثار تقوى بإشارات من القرآن كقوله تعالى: {وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} [الروم (21)، فإن السكون المذكور هو سكون القلب (2/169)
صفحة 794
170
الفتاوى النكاح
وطمأنينته، ولا يمكن أن يطمئن قلب رجل إلى امرأة بلاها بنفسه، فاكتشف خبيئتها الخبيثة وتقاسما الأوزار على فراش الفحشاء، وكذا العكس، كما أن تحريم كل واحد من المتلاعنين على الآخر الثابت بالسنة يؤيد ذلك، فإن الزواج طهر وعفاف والبناء الصالح لا يشاد على قواعد الفساد، وإن هي تابت قبل أن يرفع أمرها إلى المعنيين بمثل هذه القضايا جاز تركها وشأنها، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من أصاب شيئاً من هذه القاذورات فليستتر
بستر الله، فإن من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله (1) والله أعلم.
امرأة ارتكبت الزنى وافتضت بكارتها، ثم تزوجت بعد توبتها وندمت على ما كان منها، والآن لم يدخل عليها زوجها بعد، هي محتارة كيف
تواجه زوجها بذلك هل يلزمها أن تعترف له بما كان منها أم لا؟ لا داعي إلى اعترافها، وإن اعترفت أفسدت زواجها، وإنما توهمه أن بكارتها زالت بسبب آخر ستراً لنفسها والله أعلم.
تحدثت
رجل له زوجتان وعنده خليلة يعاشرها بالحرام، وقد اعترف أمام زوجته بذلك، ولما نصحته لم يزد إلا عناداً، بل أخبرها أنه لا يمانع أن يكون لابنته أو لزوجته علاقة برجل أجنبي إذا أرادا ذلك، ثم قال لزوجته: إن مع. فلانة تكوني طالقة، فما الحكم الشرعي في هذه القضية؟ بئس الصنيع صنيعه، واعترافه بالزنى أمام زوجتيه يحرمهما عليه، وكذلك إن اعترف أمام إحداهما حرمت تلك التي اعترف عندها، وما قاله عن عدم ممانعته أن تكون لزوجته أو لابنته علاقة برجل أجنبي دليل على أن الله مسخه، فهو أقرب إلى الخنازير منه إلى البشر قاتله الله ما أضله وأفجره
(1) رواه الحاكم والبيهقي ومالك في الموطأ. (2/170)
صفحة 795
فتاوى الزواج
171
ولئن تحدثت زوجته عند من علق طلاقها على الحديث معها وقع طلاقها
والله أعلم.
رجل زني بابنته فهل تحرم عليه أمها وماذا يلزمه؟
بئس ما فعل، وتحرم عليه، أمها وعليه التوبة إلى الله مع العقر لابنته إن كان اغتصبها، وهو عشر ديتها إن كانت بكراً ونصفه إن كانت ثيباً، أو صداق مثيلاتها، وعقوبته إن انكشف أمره القتل بالسيف والله أعلم.
فيمن قبل عورة طفلته بلذة فهل تحرم عليه أمها؟
بئس ما صنع هذا الجاهل المغرور، وقد اختلف في حرمة أم البنت بذلك فقيل تحرم عليه إلى الأبد، وقيل لا تحرم حتى يواقع الابنة، إذ ليس المس والنظر كالوقاع، وهو أرجح، ولكن إثم ذلك عظيم إن لم يتب إلى ربه ويقلع عن غيه إلى رشده، فليتدارك نفسه بالتوبة والخلاص قبل لات حين مناص والله ولي التوفيق.
فيمن زنى بأخت زوجته واعترف أمامها بذلك، ثم إنه طلب أهل المرأة من الرجل أن يطلقها فطلقها، ونطق عليها طالق طالق طالق، فهل تجوز له المراجعة إن أرادها؟
أما إن اعترف أمام زوجته بالزنى فإن زوجته تبين منه بذلك بحرمة أبدية، وأما إن لم يعترف أمامها وهو زان بأختها، ففي حرمتها عليه خلاف على قولين، وبما أنه طلقها فلا أحب مراجعتها له بل السلامة في تركها، ويتأكد مع تکراره ه لفظ الطلاق ثلاث مرات فإنه إن قصد به التأسيس ـ وهو إنشاء طلاق جديد في كل مرة - لا ريب أن زوجته تبين بذلك بالثلاث، فترك
ذلك
المراجعة أسلم للجميع وفيه الخروج من مأزق الخلاف والله أعلم. (2/171)
صفحة 796
172
الفتاوى النكاح
رجل زني بزوجة أخيه، فهل يجوز التزاوج بين أولادهما؟
يكره لأولاد الزانيين الزواج بينهم - إن كان أولاد الزانية ولدوا بعد الزنا ـ، إلا أنه إن جاءت بهم بعد فترة لا يحتمل معها أن يكونوا من الزاني فلا حرج في ذلك والله أعلم.
رجل زنى بأخت زوجته وقد حكم عليه بالسجن، وقد اعترفت المرأة بذلك غير أن الرجل منكر ما اتهم به، ولهذا الرجل زوجة فهل تحرم عليه بهذا الفعل؟
بما أنه لم يشهد عليه أربعة شهود عدول أنهم رأوه يزني ورأوا الآلة في الآلة كالميل في المكحلة، ولم يعترف هو بالزنى ولا صارح بذلك زوجته، فلا تحرم عليه بذلك زوجته، وإن كانت التي أتهم أنه زنى بها هي أختها،
والله أعلم.
فيمن وجد زوجته في مكان، مريب فلما سألها عن سبب وجودها في هذا المكان اعترفت أنها كانت مع شخص، فلم يتمالك نفسه مما سمع، فقال لها: «أنت طالق طالق»، ثم إن القضية وصلت إلى الشرطة فاعترفت المرأة بجريمتها فهل يصح بعد ذلك لهذا الرجل مراجعة زوجته إن
أرادها؟
إن كان لم يصدقها في اعترافها أو أنها كذبت نفسها فله أن يراجعها إن كان لم يطلقها من قبل قط، وإن كان طلقها طلقتين من قبل فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، وإن كان طلقها طلقة واحدة وقصد بقوله: «طالق طالق طلقتين فلا تحل له أيضاً حتى تنكح زوجاً غيره، وإن قصد واحدة وأراد بالتكرار التأكيد فله أن يراجعها بما بقي من طلاقها، (2/172)
صفحة 797
فتاوى الزواج
173
كل ذلك إن كذبت نفسها في اعترافها أو كذبها الزوج، أما إن كانت باقية على اعترافها وكان الزوج مصدقاً لها فإنها تحرم عليه حرمة أبدية، وهذا إن كان اعترافها صريحاً لا غبار عليه والله أعلم.
فيمن اعترف لزوجته أنه ارتكب الزنى قبل زواجه بها، ولم يكن يدري ما يترتب على هذا الاعتراف من أحكام شرعية، فما ترون في حكم بقائها في عصمته بعد اعترافه لها؟
أساء إساءة بالغة باعترافه لها أنه زنى وما كان ينبغي له ذلك والله المستعان، ولئن كان اعترافه مقروناً بالندم على ما حصل منه وليس اعتراف مجاهر بمعصية الله وأخبرها أن ذلك كان قبل زواجه بها ولكنه تاب مما وقع فيه، وغيّر مجرى حياته من الشر إلى الخير ومن الفساد إلى الصلاح، فقد رخص له في هذه الحالة أن يمسكها، ورخص لها أن تبقى معه استمرار التوبة والندم مما فات والله أعلم.
فضلاً
مع
رجل أحب امرأة ومن شدة تعلق بعضهما ببعض اختلي بها، وتعانقا وقبلها من جميع جسدها ونظر إليها ونظرت إليه حتى أنهما في بعض الأحيان أدى بهما الحال إلى الإنزال فهل يجوز لها أن يتزوجها بعدما وقع منهما ما وقع؟
بئس ما فعلا وساء ما ارتكبا من أفعال تتنافى مع المروءة والأخلاق، عن الدين والإيمان، وما لهما وهذه الأوساخ وبين أيديهما طريق نظيف طاهر يمكن من إشباع كل منهما رغبته في الآخر بالمتعة المحللة التي يؤجران عليها بدلاً عن أن يأثما، وذلكم الزواج الشرعي الذي فيه
في
سكن للنفس ومتعة للجسم واستقرار للحياة، هذا وبما أنهما انغمسا هذه الرذيلة، فإن كانت المباشرة أدت إلى ولوج حشفته في فرجها إلى حدّ (2/173)
صفحة 798
174
الفتاوى النكاح
6
الغيبوبة فلا ريب أنها تحرم عليه بذلك، ولو كان ذلك من وراء ثوب، لأن ذلك هو عين الزنا الذي يترتب عليه الحد الشرعي وإن كانت ملامسة فقط من غير ولوج للحشفة فلا يصل الأمر إلى حد الحرمة، أي حرمة الزواج بينهما، وإن كان فعلهما الذي ارتكباه حراماً، وأيّ حرام يبوءان بإثمه إن لم يتوبا والله أعلم.
فيمن زنى بامرأة وهي ذات زوج فهل تتوقف توبته على استرضاء زوجها خالقه؟ أم تكفي توبته بينه وبين الذي اختاره في هذا أن يستر نفسه بستر الله، ويتوب إلى ربه بإخلاص نية وصفاء طوية، وأن لا يكشف صفحته للناس، عملاً بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أصاب شيئاً من هذه القاذورات فليستتر بستر الله، فإن من أبدى لنا صفحته نقم عليه كتاب الله، وليس في السنة ولا في كتاب الله أن من زنى بذات زوج تتوقف توبته على استرضاء زوجها، وإن ذهب إلى ذلك بعض جهابذة أهل العلم، فإن كلاً يؤخذ منه ويرد، والمزني بها ـ وإن كانت فراشاً لأحد الرجال - فإن من شاركها فى الفحشاء منتهك لحرمة ربه، ورضى الزوج بذلك لا يسقط حقاً، ولذلك لا يسقط به الحد. عن أحدهما، على أن في اعترافه أمامه بذلك تكديراً لصفو العلاقة الزوجية بين الزوجين وهو مما يجب تفاديه والله أعلم.
تزوجت امرأة عندها ولد، وقد أوهمني وليها بأن ذلك الولد من زوج سابق، ثم تبين أنه من سفاح فما الحكم في ذلك، وهل يجوز لي أن أبقيها في عصمتي على هذا الحال والله تعالى قد قال: (إن الطيبون للطيبات والطيبات للطيبون والخبيثون للخبيثات والخبيثات للخبيثون؟
إن ثبت أنها زانية فسرحها، فإن الله تعالى يقول: {الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ (2/174)
صفحة 799
فتاوى الزواج
175
مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكُ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 3] هذا إن لم تتب، أما إن تابت توبة نصوحاً فما عليك في الاستمساك بها، فإن التوبة طهارة من الذنب هذا والآية التي أوردتها ليست كما كتبتها، وإنما نصها الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَتِ وَالطَّيِّبَتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ) [النور: 26] فاحرص على إيراد ألفاظ القرآن كما هي والله أعلم.
حدثت علاقة غير شرعية بين والدتي وبين ابن عمي وذلك بعد وفاة والدي، حيث كنت في سن الثامنة، وبعد مضي خمس سنوات تزوجني ابن عمي هذا بدون رضاي، وإنما أجبرني عمي ووالدتي وابن عمي لتغطية الجرم الذي وقعوا فيه، فهل يعتبر زواجي منه صحيحاً، بالرغم كان بين أمي وابن عمي الذي هو زوجي الآن؟
ما
لا نكاح إلا برضى المرأة، ولا يجوز لمن فجر بامرأة أن يتزوج ابنتها، وليتك من أول الأمر رفعت دعواك إلى القضاء الشرعي، وأرى إن لم يرض هذا الزوج أن يسرحك بأن ترفعي أمرك إلى القاضي الشرعي، لعله يجد لك
حلاً والله المستعان.
ما قولكم فيمن زنى بامرأة من دبرها أو من فرجها هل يجوز له أن يتزوجها بعد ذلك؟
كل ذلك حرام والزواج بعده لا يجوز للأثر المروي عن علي وابن مسعود وعائشة والبراء بن عازب له من زنى بامرأة ثم تزوجها فهما زانيان أبداً» ولذلك أصل في القرآن، وهو قوله تعالى: {وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} [الروم: (21) والسكون هو سكون القلب، وذلك متعذر بين رجل وامرأة اختبر كل منهما الآخر بنفسه والله أعلم. (2/175)
صفحة 800
176
الفتاوى النكاح
هذه إجابة الشيخ الطالب أحمد بن الزين حول حكم زواج الزاني بمزنيته وحكم التوارث بينهما والعدة بعد وفاته؟
هو أن من زنى بامرأة وبعد استبرائها من مائة الفاسد يجوز له أن يتزوجها، بلا خلاف بين كافة أهل العلم، وإذا تزوجها ثم توفي بعد أن عقد عليها تقرر مهرها وإرثها منه بموته وتعتد عدة وفاة أربعة أشهر وعشراً. فما رأي سماحتكم؟
اطلعت على هذا الجواب وأقول: إن تحريم الزانية على من زنى بها قول مشهور قاله جماعة من الصحابة منهم علي وعائشة وابن مسعود والبراء بن عازب، ويعضده أن الإمام مالكاً روى في الموطأ عن عمر له أنه فرق بين رجل وامرأة تزوجها قبل انتهاء عدتها وحرمها عليه حرمة أبدية، وهذا الذي ذهب إليه أصحابنا، واستدلوا له ببعض الإشارات من القرآن كقوله وَعَل لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا) حيث حملوا السكون على سكون القلب، مع تعذره بين رجل وامرأة خبر كل منهم الآخر بنفسه، واستدلوا له بتفريق النبي بين المتلاعنين، مع الأخذ بقاعدة سد الذرائع، ولكن إن كان الرأي المتبع في مذهب المستفتي بخلاف هذا فلا معارضة عندنا إن عمل بمقتضى مذهبه والله أعلم.
فيمن زنى بامرأة متزوجة، ثم ولدت بنتاً وهو لا يدري إن كان حملها أم من زوجها فهل يجوز لأولاد ذلك الزاني أن يتزوجوا ببنات المزني بها أم لا؟ منع العلماء احتياطاً أن يتزوج أولاد الزاني ببنات مزنيته التي حملت بهن بعد زناهما خشية كونهن تولدن من مائة وعند الأمن من ذلك لا أجد مانعاً شرعياً من هذا الزواج والله أعلم. (2/176)
صفحة 801
فتاوى الزواج
177
هل يجوز لمن ثبت عليه الزنى أن يتزوج بالمرأة العفيفة؟ وما معنى الآية: {الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكُ)
[النور: 3]؟
إن اعترف اعترافاً صريحاً، أو قامت البيئة العادلة وهي شهادة أربعة شهود عدول أنهم رأوه يزني بحيث رأوا الآلة في الآلة، أي أن تقوم الحجة عليه بما يوجب الحد الشرعي، فلا تحل له عفيفة اللهم إلا إن تاب إلى الله وثبتت توبته وذلك المراد من الآية الكريمة والله أعلم.
رجل وجد عند امرأته صورة لشخص أجنبي ورسائل غرامية من نفس الشخص، فاعترفت الزوجة بأنها تبادل الرجل نفس الشعور ونفس
الرسائل، ثم إن الزوج لما تبين له ذلك من زوجته طلقها، فهل يمنع أن يتزوجها الرجل الذي كانت بينها وبينه تلك العلاقة، علماً أنها اعترفت أمام زوجها بأن ذلك الرجل لم يزن بها؟
أما
في حكم الظاهر فلا يمنعان من الزواج إن لم يثبت أنه زنى بها، وأما فيما بينهما وبين الله تعالى فهما أدرى بحالهما إن كان سبق بينهما زنى أو لا، فإن كانا يعلمان وقوع الزنى بينهما فعليهما أن يتقيا الله، وأن يتوبا من خطيئتهما، وأن لا يقدما على الزواج، وإن كانا واثقين أن ذلك لم يقع منهما فلا حرج في زواجهما والله أعلم.
السائل يقول: امرأة زنت فسترها الله ثم تابت توبة نصوحاً فلما تقدم إليها الخاطبون احتارت في أمر البوح لهم أو الكذب عليهم، فماذا تصنع؟
إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالاستتار بستر الله فهو عليه أفضل الصلاة والسلام يقول: (إذا أصاب أحدكم شيئاً من هذه القاذورات فليستتر بستر الله فإن (2/177)
صفحة 802
178
الفتاوى النكاح
من يُبدِ لنا صفحته نقم عليه كتاب الله) (1)، هذا وقد جاء فيما يذكر من سير الفاروق إلى أن رجلاً جاء إليه وقال له: يا أمير المؤمنين إن لي ابنة أصابت حداً من حدود الله وأرادت بعد ذلك أن تقتل نفسها، ولكنها أمسكنا بها ثم تابت توبة نصوحاً، وقد جاء الخاطبون يخطبونها فهل أخبرهم بما كان من أمرها؟ فقال له عمر الى: أنكحها كما تنكح العفيفة وإلا جعلتك نكالا. يعني إن أخبرتهم بما كان من أمرها وهتكت سترها جعلتك نكالا، بحيث إني أعاقبك على هذا الفعل. ومن المعلوم أن زوال العذرة ـ إن كان هو الذي يقف في سبيل ستر نفسها - لا يلزم أن يكون بارتكاب الفاحشة، فالمرأة تزول عذرتها بأسباب منها: الركوب الطويل، ومنها: القفزة، إلى غير ذلك مما يكون من الأسباب التي تؤدي إلى زوالها فهي بإمكانها أن تستعمل المعاريض، فقد قيل إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب، عليها أن تستعمل معاريض الكلام لتتوقى بذلك الكذب، ولتكون أيضاً ساترة لنفسها بستر الله، والله أولى بستر عباده والعباد أيضاً هم جديرون بأن يستر بعضهم على بعض وأن يستروا على أنفسهم والله أعلم.
6
هل يجوز للرجل أن يتزوج ابنة من زنى بها؟
من زنى بامرأة لم تحل له أصولها ولا فروعها، فإن الوطء المحرم كالوطء المباح من حيث آثاره في حرمة النكاح، وعليه فلا تحل لهذا الزاني ابنة مزنيته كما لا تحل له ربيبته بعد وطئه لأمها، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله لا ينظر إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها» (2)
والله أعلم.
(1) رواه الحاكم والبيهقي ومالك في الموطأ. (2) رواه البخاري. (2/178)
صفحة 803
فتاوى الزواج
179
زنيت بأخت زوجتي وقد تبت إلى الله وندمت على ذلك وقد علمت زوجتي بما فعلت فماذا عليّ أن أفعل؟
كان عليك أن تستتر بستر الله وأن لا تبوح بما كان لزوجتك ولا لغيرها، عملاً بحديث رسول الله من أصاب شيئاً من هذه القاذورات فليستتر بستر الله فإن من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله، ولا يخلو علم زوجتك بذلك أمّا أن يكون باعترافك أو لا، فإن لم يكن باعترافك فلا حرج في إمساكها، وإن كان باعترافك فالأولى لك تكذيب نفسك أمامها فيما اعترفت به والله أعلم.
مسلم زنى بامرأة نصرانية ثم أسلمت فهل يجوز لذلك الرجل أن
يتزوجها؟
بما أنه مسلم عندما زنى بها لا تحل له أبداً والله أعلم.
هل يجوز لابن الزاني أن يتزوج بابنة مزنية أبيه التي ولدت بعد زناه؟ شدد أصحابنا في نكاح ابن الزاني ببنت مزينته التي ولدت بعد زناه بها، وإن طال الزمن أو فصل بين زناه بها وولادتها لتلك البنت أولاد، وهذا لا يعدو أن يكون من باب الاحتياط، وإلا فالأصح الجواز لعموم قول الله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24]، فإن لم تكن تولدت من نفس ذلك الزني فالحل فيها ظاهر والله أعلم.
فيمن وقع بينهما زنى وهما طفلان فهل يجوز لهما التزاوج بعدما
يکبران؟
لا يؤثر زنى الصبيان شيئاً، فلا يحرم التزاوج بسببه إن كان كل من الزانيين صبياً والله أعلم. (2/179)
صفحة 804
180
الفتاوى النكاح
الصبي إن زنا بالصبية قبل بلوغها وأرادا الزواج بها بعد أن بلغا، فهل يحرمها عليه؟ وهل يلزمه شيء تجاه فعله؟
من المعلوم أن الصبي والصبية قبل بلوغهما الحلم غير مخاطبين خطاباً تكليفياً بالأحكام الشرعية، ولذلك إن كان منهما زنى قبل أن يبلغا رشدهما فلا يحرم التزاوج بينهما بعد بلوغ الرشد على القول الصحيح؛ لأن الحرمة إنما تتبع حكم الزني، وهما لا ينطبق عليهما إثم، ولعل القائلين بحرمة تزاوجهما عدوا هذا من خطاب الوضع لا من خطاب التكليف فلذلك ألحقوهما بالبالغين في خطر الزواج بينهما.
واختلف فيما يجنيه الصبي هل يلزمه ضمانه بعد بلوغه، قيل بعدم الضمان على الإطلاق وأن ذلك على وليه إن علم به، وهذا القول مبني على أن الأصل أنه غير مخاطب بخطاب التكليف فتدخل في ذلك الأحكام المالية، وقيل يضمن على الإطلاق لأن قصارى ما فى الأمر سقوط العقوبة عنه ولا يدرأ ذلك الضمان، وقيل إنما يضمن في ماله ما أكله في بطنه أو ارتكبه بفرجه، ولعل هؤلاء نظروا أن هذا إنما يعود إلى فعله بنفسه فأكله انتفاع منه بالمأكول وجناية فرجه تؤدي إلى تلذذه بما ارتكب ولذلك كان ضمان ذلك عليه، وبناء على هذا القول فإنه إن واقع كان عليه عقر ما فعله إلا إن كان المأتي حراً بالغاً عاقلاً مختاراً، والعقر هو صداق المثل بالنسبة إلى الأنثى وقيل عشر دية البكر ونصف عشر دية الثيب، والوطء في الدبر هو كإتيان الثيب سواء كان في الذكر أو في الأنثى، وهذا من ضمن الإصلاح بعد التوبة بجانب إحساسه بوخز الضمير والندم على ارتكب.
إن وقع الزنا بين بالغ وصبية أو العكس بحيث كان أحدهما بالغاً والآخر لم يزل فهل تترتب عليه أحكام الزنا؟ (2/180)
صفحة 805
فتاوى الزواج
181
إن وقع الزنا بين بالغ وصبية أو العكس ترتبت عليه أحكامه من حرمة النكاح بينهما وسريان أثر حكم هذا الوطء على أصولهما وعلى فروعهما كما تترتب على البالغ العقوبة الدنيوية والأخروية، لأنه عليه الإقدام إلى ما أقدم إليه.
محرم
فيمن رأت زوجها يرتكب فاحشة اللواط هل تحرم عليه زوجته؟
إن رأت الميل في المكحلة، حرمت عليه في قول أصحابنا اتفاقاً
والله أعلم. هل يجوز الزواج من امرأة زانية؟
إن كانت زانية معترفة بزناها أو مجاهرة به أو أنها شهد عليها أربعة شهود فلا تحل إلا لزان مثلها والله أعلم.
ما قولكم في امرأة رأت زوجها يرتكب الفاحشة في بقرة هل تحرم زوجته بهذا الفعل الشنيع؟
عليه
إن كانت رأت الميل في المكحلة فهي حرام عليه، وتبين منه عن حكم الزوجية، ولا تحل له من بعد، ولا يجوز له أن يتزوجها إن كانت غير زوجة له عندما أبصرت الذي أبصرته والله أعلم.
رجل يريد الزواج من امرأة وقد زنا بعمتها فهل يجوز له ذلك أم يحرم هذا الزنا الزواج من هذه المرأة؟
الزنى بالعمة لا يحرم بنت أخيها على من زنى بها، إنما عليه أن يتوب بينه وبين ربه، وأن لا يخبر التي يريد الزواج بها بما حصل
والله أعلم. (2/181)
صفحة 806
182
الفتاوى النكاح
ما قولكم فيمن زنا بشقيقة زوجته فهل يقع على زوجته من
شيء؟
ذلك
إن لم يعترف بذلك أمام زوجته فلا تحرم عليه إن كان ذلك سراً على الصحيح، وقيل تحرم والله أعلم.
فيمن حدث بينها وبين زوجها نزاع وتكلمت عن أهل الصلاح بكلام فاحش واتهمتهم بالزنى فرد عليها الزوج: هل زنى بك أحد منهم؟ قالت: نعم، وهي كاذبة ثم بعد ذلك ندمت إلى ربها من سوء ما قالت فما ترى عليها؟ وما حكم العلاقة الزوجية بعد إقرارها
بالزني؟
عليها التوبة إلى الله وكل من قذفها المحصنين، وبما أن الزوج لم يصدقها في دعواها الزنى فلا تحرم عليه والله أعلم.
فيمن ارتكب فاحشة اللواط هل يؤثر ذلك في صحة عقد زواجه؟ عليه التوبة بينه وبين ربه ولا يؤثر ذلك في زوجته إن لم يعترف عندها بفعله والله أعلم.
رجل أراد الزنى بامرأة تعيش معهم في البيت فدخل في الغرفة التي تنام فيها، فلما قضى منها وطره تبين له أنها زوجته وقد تعمدت أن تنام في تلك الغرفة بعدما عرفت بنية زوجها؟ فهل يعتبر الرجل في هذه الحالة
زانياً؟
يبوء بإثم الزنى لقصده إياه ولكل امرئ ما نوى، والخلاف في حرمة زوجته عليه بسبب ذلك والله أعلم. (2/182)
صفحة 807
فتاوى الزواج
183
فيمن اعترفت له زوجته مختارة بأنها زنت بعد زواجهما وهي نادمة أشد الندم وباكية أشد البكاء، وذلك على سبيل طلب العفو منه، حيث إنها كانت جاهلة لحكم اعترافها له بذلك، وقد صدقها لشدة بكائها وطول تألمها وتحسرها وحرصها على استعطافه ونيل عفوه، فهل من رخصة في عدم تحريمها عليه؟ وهل يجوز لكل منهما المقام مع صاحبه إذا كان مذهب أحدهما لا يحرمها عليه بذلك؟
بئس
ما أقدمت عليه أولاً وآخراً، ونظراً إلى الخلاف في المسألة لا يسد عليهما الباب مع توبتها والله أعلم.
امرأة نامت في فراش رجل أجنبي، فجامعها هذا الرجل ظاناً أنها زوجته فهل يعتبر الرجل في هذه الحالة زان؟
ليس هو بزان، وإنما الزانية هي وتبوء بإثمه وإثمها والله أعلم.
أرغب في الزواج من ابنة عمي ولكن هناك مشكلة وهي أن أبي زنى بأمها فهل ذلك يمنع زواجي منها؟
بما أن خطأ أبيك وأمها كان بعد ولادتها، فلا شبهة في زواجك بها
فأقدم على بركات الله والله يجمع بينكما في خير والسلام عليكم.
فيمن واقع ابنته يظنها زوجته فحملت منه فما حكم الولد وهل تحرم عليه زوجته بذلك؟
الولد ولد أمه ولا يلحق بالواطئ وفي حرمة أم البنت عليه قولان والله أعلم.
فيمن نظر إلى فرج ابنته فهل تحرم عليه أمها بذلك؟
بئس ما فعل هذا الذي تعمد النظر إلى سوءة ابنته، فإن النظر إلى (2/183)
صفحة 808
184
الفتاوى النكاح
العورات حرام ولو كان ذلك من امرأة أجنبية، بل ولو كان ذلك من رجل فكيف ينظر رجل إلى سوءة ابنته؟ واختلف في حرمة أمها عليه فقيل: بأنها تحرم عليه. وقيل: لا ما لم يواقع الابنة - والعياذ بالله ـ بناء على أن النظر ليس له حكم الوقاع، والأخذ بالقول الأول أحوط، على أن يدع الأم بطلاق، والقول الثاني من حيث الدليل أرجح والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: «إني زنيت بأمك» فماذا يجب عليه؟
يجب عليه حد القاذف (1) لأنه قذف أم زوجته، إلا إن اعترفت هي بصحة ما قاله، ويجب عليه - إن لم يتراجع عن اعترافه ـ القتل بالسيف، لأنه اعترف بأنه زنى بذات محرم، وتحرم عليه زوجته إن استمر على هذا الاعتراف والله أعلم.
إذا زنى رجل بامرأة في دبرها ثم تزوجها، فهل زواجهما صحيح؟ وإذا كان صحيحاً، فهل يقاس عليه إذا أخبرها بأنه زنى بامرأة في دبرها أو
أنه لائط؟
بئس الصنيع ذلك، وهو محرم للنكاح كالزنى في القبل، واعترافه به مبطل للزواج إن صدقته ولم يكذب نفسه قبل وطئها كما هو الشأن في الزنى في القبل والله أعلم.
إذا أخبر الرجل زوجته بأنه ارتكب فاحشة الزنا منذ زمن، فماذا عليه؟ وهل هناك فرق بين أن يخبر بذلك وهو تائب نادم وبين حالة الإصرار؟ على من تورط فوقع في شيء من هذه القاذورات أن لا يهتك ما
(1) حد القاذف هو ثمانون جلدة. (2/184)
صفحة 809
في
فتاوى الزواج
185
أرخى الله عليه من ستره، عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أصاب شيئاً من هذه القاذورات فليستتر بستر الله فإن من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله) ولئن كان استتاره أمراً مطلوباً شرعاً فيما بينه وبين أي أحد من الناس، فإن ذلك أكد فيما بينه وبين حليلته لتستمر العلاقة بينهما قائمة على الصفاء وحسن الظن فماله ولتكدير هذا الصفو بهتك ستره، والكشف عن طوايا قبح صنيعه؟ فإن كان قصده بذلك التوبة فإن التوبة غير موقوفة على ذلك، وحسبه الإقلاع والندم والاستغفار وعقد العزم على عدم العودة إلى الوقوع هذه المستنقعات الخبيثة الوبيئة مرة أخرى، ليكون بذلك في عداد التائبين المطهرين من رجس الآثام، اللهم إلا أن يتعلق بذمته حق لأحد من عباد الله، كوجوب العقر (2) للتي زنى بها، فإنه لا بد له من التخلص من تبعة ذلك الحق، إلا في حالة المحاللة (3) بينه وبين ذي الحق بشرط أهليته لذلك، ففي مسند الإمام الربيع بن حبيب رحمه الله: أبو عبيدة قال: سمعت أناساً الصحابة يروون عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الذنوب على وجهين ذنب بين العبد وربه، وذنب بين العبد وصاحبه، فالذنب الذي بين العبد وربه إذا تاب منه كان كمن لا ذنب له، وأما ذنب بينه وبين صاحبه فلا توبة له حتى يرد المظالم إلى أهلها»، وهذا مما لا خلاف فيه.
(2)
من
هذا وأما حكم حليلته التي اعترف عندها بمقارفته الفحشاء، فقيل تحرم عليه إن كان ذلك بصريح العبارة بحيث لا يحتمل قوله معنى آخر، وذلك لأن الله وعمل لم يجعل الزاني أهلاً لنكاح غير الزانية وكذا العكس، فقد قال تعالى: {الرَّافِ لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ
(1) رواه مالك والحاكم والبيهقي.
(2) العقر هو مهر المرأة إذا وطئت بشبهة أو بغير وجه حق.
(3) المحاللة: العفو عن الحقوق من صاحب الحق. (2/185)
صفحة 810
186
الفتاوى النكاح
ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 3، وفي الآية ما يدل على انتفاء صفة الإيمان عن الزانيين، فلا يكون أحدهما أهلاً لأن يدخل في رباط الزوجية المقدس إلا مع نظيره، غير أن نكاح الزاني الموحد للمشركة وإنكاح الزانية الموحدة للمشرك نسخ حكمهما بقوله تعالى: {وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنُ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِك وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} [البقرة: (221)، وبما أن المنسوخ إنما هو هذا الجزء من الآية، فإن ما عداه باق على أصله على أن الحياة الزوجية حياة استقرار وطمأنينة، وهي تتنافى مع القلق النفسي المتولد من آثار الخيانة الزوجية، قال تعالى: {وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} [الروم: 21]، وهيهات السكون مع الاعتراف بالفحشاء، فإن المعترف له يبقى أسير الشكوك تجاه قرينه الذي أدين باعتراف لسانه، وقيل: إن كذبته فيما قال أو كذب نفسه قبل أن يواقعها فله إمساكها ولها البقاء معه، لانتفاء الشكوك في هذه الحالة، وكذا إن كانت هي التي اعترفت له بالفحشاء فكذبها أو كذبت نفسها قبل أن يواقعها، وقيل: إن كان اعترافه حكاية لحالة مضت على سبيل التحسر والتندم على ما أسلف من سوء مع إعلان التوبة النصوح فلا يحرمها عليه، لأنه بتوبته عاد إلى صفة الإيمان، وهو رأي وجيه ودلالته ظاهرة، ولكن لا ينبغي له بحال أن يحوم حول هذا الحمى، فإن عثرات اللسان أخطر من عثرات القدم، وما أغناه عن الولوج في هذه المضايق المدلهمة، والمرور بهذه المزالق الخطرة، فقد جعل الله له مخرجاً بالتوبة النصوح بينه وبينه، وكفى بها حلا لمشكلته وأنساً له من وحشته والله ولي التوفيق.
ما حكم إتيان الرجل الرجل؟ وما هو الحد الشرعي فيهما؟ بئس الصنيع ذلك، فإنه من الفواحش الموبقات، وقد أنكره الله على قوم (2/186)
صفحة 811
فتاوى الزواج
187
لوط إذ كانوا يأتونه متنكرين للفطرة السوية التي فطر الله عليها خلقه، وصب عليهم من العذاب بسببه ما أباد خضراءهم واستأصل شافتهم، وجعلهم عبرة لأولي الألباب، وحكى قصتهم في كتابه بما فيه ردع ومزدجر لكل من كان له قلب، وكان فيما حكاه من مجادلة لوط لهم قوله: {أَتَأْتُونَ الذِّكْرَانَ علي مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَدْرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمُ عَادُونَ} [الشعراء: 165، 166]، وقال فيما - أصابهم من العذاب {ثُمَّ دَمَرْنَا الْآخَرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مطَراً فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ} [الشعراء: 172، 173)، وقال في هلاكهم: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَلِيهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّلِمِينَ بِبَعِيدٍ} [هود: 82، 83)، ولا ريب أن فحش هذه الجريمة أعظم من فحش الزنا الذي هو من الكبائر الموبقات، فإنها مع استيفائها قبائحه تزيد عليه بما فيها من الشذوذ عن الفطرة، ولذلك تنفر عن الانحدار إلى دركاتها الهابطة طبائع الحيوانات، فما للإنسان ـ وقد أكرمه الله بمزايا ترفع قدره وتسمو بنفسه - يرضى أن يتساقط إلى ما دون قدر البهيمة العجماء، فيرتكس في حمأة هذه الرذيلة ويلتطخ برجسها وينقلب بنارها وعارها؟ ما هو - والله - إلا مسخ للطبيعة، وتعفن في الفطرة، والله المستعان
وأما عقوبة من ارتطم بهذا المنكر، وانغمس في هذا الرجس، ففيها خلاف بين أهل العلم، قيل: هي حد الزنا نفسه بنوعيه في المحصن والبكر، أن وقيل: هي يرمي به من شاهق، فإن لم يمت رمي بالحجارة حتى يموت، لأن الله أهلك قوم لوط بحجارة من سجيل منضود، وقيل بل يقتل حداً، سواء كان بكراً أم محصناً، وهو الأصح للحديث. فقد روى أحمد وأصحاب السنن ـ إلا النسائي ـ والحاكم والبيهقي عن ابن عباس ـ ا ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم (2/187)
صفحة 812
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: فقه
------------------------------------------
العنوان: الفتاوى
المؤلف: أحمد بن حمد الخليلي
الإعداد والمراجعة: قسم الفتوى بمكتب الإفتاء، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1434ه/ 2013م
الطبعة: د.ط
عدد الأجزاء: 6
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/690
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 12 رمضان 1446ه/ 12 - شهر 03 - 2025م. 188
الفتاوى النكاح
قال: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به)، ويعتضد الحديث بما روي عن جماعة من الصحابة من القول بذلك وتطبيقه فالأخذ به أولى والله أعلم.
طلق رجل زوجته ولكن بحكم القرابة ظل يتردد على بيت أهل الزوجة الرؤية الأولاد، ثم إن مطلقته حملت واتهمته بهذا الحمل الآثم، ومع إنكار الزوج تم أخذ عينات من الطرفين وفحصت وكانت الفحوصات كلها تثبت تورط هذا الرجل في هذه الفعلة الشنعاء. ما رأي سماحتكم في توافر الأدلة العلمية على ثبوت التهمة وإنكاره الدائم للقيام بهذا العمل؟ وهل هذه الأدلة تثبت جرمه شرعاً؟
لا عبرة بكل ذلك في إثبات زنى ذلك الرجل بمطلقته، إلى أن يعترف بذلك اعترافاً أو يشهد أربعة من الشهداء العدول أنهم أبصروا بأم أعينهم ذكره في فرجها كالميل في المكحلة فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَبِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَذِبُونَ} [النور: 13]، وما هي في حكم الشرع إلا قاذفة له، وأما لحوق الولد به فإن كانت لم تمض مدة اللحوق المعتبرة عند الفقهاء وهي عامان فهو
لا حق به نسباً، لأن الله يحب الستر والله أعلم.
(1) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم. (2/188)
صفحة 813
نكاح الشغار (1)
فتاوى الزواج
189
خطبت امرأة من أبيها فوافق بشرط أن أقايضهم بأختي فرضيت بالشرط غير أن أختي عارضت منذ البداية هذا الزواج فهل يجوز لنا إرغامها
عليه؟
القياض يجوز في الأمتعة والأموال لا في النساء، ولا يجوز تزويج المرأة
بمن لا تريده، فإن الزواج له شروط ومن بينها رضى المرأة والله أعلم. ما قولكم في القياض في الزواج إن كان ذلك من غير تشارط ويتم ذلك برضى المرأتين؟
القياض إنما هو في الأمتعة والأموال لا في النساء، والزواج على الطريقة المذكورة في السؤال ـ إن كان من غير تشارط بين الجانبين أي أن لا يكون زواج كل واحد من الابنتين مشروطاً بزواج الأخرى ـ وكان بتراض واستيفاء بقية شروط الزواج فلا بأس به والله أعلم.
ما قولكم في رجلين تزوج كل منهما بأخت الآخر، واشترى كل واحد منهما لأخته بنفس المبلغ الذي اشتراه الآخر، واشترطوا أن عقدهما
وزفافهما في نفس اليوم فهل ترون صحة هذا العقد أم بطلانه؟ إن كان ذلك مشروطاً بحيث لم تتم موافقة تزويج أحد الأخوين أخته للآخر إلا بشرط أن يزوجه هو أيضاً بأخته، فذلك عين الشغار المنهي
عنه
(1) نكاح الشغار: الشغار بالكسر هو نكاح كان في الجاهلية، أن يقول الرجل لآخر زوجني ابنتك أو أختك على أن أزوجك ابنتي أو أختي على أن صداق كل واحدة منهما بضع الأخرى، كأنهما رفعا المهر وأخليا البضع عنه، وفي الحديث لا شغار في الإسلام». راجع مختار الصحاح) (2/189)
صفحة 814
190
الفتاوى النكاح بنص الحديث، وما دفع كل واحد منهما لأخته ما صورته صداق إلا خديعة تضفى على هذا العمل الشائن كيف ونفس الشرط جزء من الصداق حتى
وجه
ولو أصدقها الزوج نفسه، فما بالك والزوج لم يصدق، فليس في ذلك للنكاح الصحيح لأن كل واحدة منهما كان بضعها صداقاً للأخرى فضلاً عن حرمانهما من صداق المثل، وما قد يكون من فرض هذا الزواج عليهما بدون اختيار منهما، لذلك أرى فسخ مثل هذا العقد والله أعلم.
اتفق رجلان على أن يزوج كل منهما ابنه بابنة الآخر بنفس المهر أي يكون مهر هذه مهراً للأخرى فما الحكم في ذلك؟
هذا هو عين الشغار، فإن دفع الصداق إنما هو أمر صوري، والزواج لا بد له من شروط وهي رضى المرأة وإذن وليها وصداق وبينه فلا بد من مراعاة هذه الشروط جميعاً، ولا بد من أن تكون كل واحدة من الابنتين راضية بالصداق الذي تعطاه من قبل زوجها، وأن لا يكون بضع إحداهما صداقاً لبضع الأخرى، وعليه فاشتراط أن يكون زواج كل واحد منهما معلقاً بزواج الأخرى مما يدخل في اعتبار كون الأبضاع بعضها صداقاً لبعض
والله أعلم.
تزوجت ابنة عمي بالمقايضة حيث تزوج أخوها من أختي، وقد حدثت مشاكل بين أختي وزوجها مما جعله يطلقها بالثلاث، وبسبب ذلك أجبرني الأهل بأن أطلق أنا أيضاً أخته بالثلاث، وقد وقع ذلك رغماً فما الحكم في ذلك؟
مني
بئس الزواج وبئس الطلاق، إذ المقايضة ليست زواجاً وإنما هي عين الزني، ولم تشرع المقايضة في النساء وإنما هي في المتاع والبهائم، وأما الطلاق الصادر من كل منكما فهو طلاق بدعة لا يصدر ممن يخشى (2/190)
صفحة 815
فتاوى الزواج
191
الله ويتقيه، فدع هذه المرأة عنك وتزوج غيرها زواجاً شرعياً لا شبهة فيه
والله أعلم. هل يجوز لرجل أن يزوج ابنته لولد أخته وابنة أخته يزوجها ابنه؟ إن لم يكن ذلك مشروطاً في الزواج، وكانت كل واحدة راضية بالزوج، ولكل واحدة صداقها يدفع إليها فلا حرج والله أعلم.
رجلان تزوج كل منهما أخت الآخر وأصدق كل منهما زوجته بمهر غير المهر المدفوع إلى الزوجة الأخرى وتم العقد في ليلة واحدة وكذلك العرس فما الحكم في هذا الزواج؟
إن كان ذلك بتشارط بينهما فهو غير جائز على الراجح، من الصداق، ولا يجوز أن يكون بضع صداقاً لبضع والله أعلم.
لأن الشرط جزء
رجل زوج ابنته بستة آلاف وتزوج لابنه بستة كذلك، غير أن الأب أخذ ثلاثة آلاف من مهر ابنته وكمل بها المهر الذي تزوج به ابنه، ثم إن الأب توفي فما يلزم الابن في ذلك؟
إن كان الأخ موقناً بذلك فعليه أن يرد إلى أخته الذي أخذه منها أبوه
بغير حق والله أعلم.
نكاح المحلل
فيمن طلق زوجته طلاقاً بائناً بينونة كبرى فتزوجها شخص آخر لأجل تحليلها، فحكم القاضي على ثلاثتهم بالسجن، ثم إن المرأة تزوجت برجل فطلقها بعد ثلاثة أسابيع مما أثار حوله الشبهة أن هذا وهي (2/191)
صفحة 816
192
الفتاوى النكاح
الزواج
الأخير كان لنفس الغرض وهو التحليل، فهل على هذه الحالة
تجوز لزوجها الأول أم لا؟
الذي يتجه لي أن إقدامه على محاولة التحايل لتزوجها من غير أن تحل له يحرمها عليه، فإن من تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه، وهذا رأي شيخنا سعيد بن خلف الخروصي - حفظه الله تعالى ـ والله أعلم.
طلقت زوجتي بالثلاث، فهل يجوز لي أن أتفق مع رجل على أن يتزوجها على سنة الله ورسوله ثم يطلقها ثم أتزوجها بعد ذلك بعد
انتهاء عدتها؟
بئس ما قصدت فإن ذلك اشتراك فى الزنى، فإن فعلتموه كان كل منكم زانياً، فالرجل الذي تدعوه إلى ذلك يكون زانياً، إذ ليس ذلك نكاحاً شرعياً على سنة الله ورسوله كما تزعم فإن الزواج الشرعي هو إحصان وليس ذواقة بين المرأة والرجل قال تعالى: تُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ} [النساء: 24] {
}
والمرأة تكون زانية مع كل منكما، وأنت كذلك بل تكون بدعوتك إلى هذا الأمر شر الثلاثة، فاتق الله ودع منك ما حرمه والله أعلم.
كررت على زوجتي الطلاق ثلاث مرات وقد خرجت من عدتها فهل يصح لي مراجعتها بدون محلل؟
إن كنت قصدت بقولك هذا التأسيس بتكراره، وهو إنشاء طلاق جديد في كل مرة بانت منك بالثلاث، ولا تحل لك حتى تنكح زوجاً غيرك نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، ثم تخرج عنه بوجه من وجوه الفراق، وبعد عدتها منه تحل لك بعقد جديد مع لوازمه الشرعية، أما الذي تسمونه المحلل فهو لا يحللها وإنما يحرمها إلى الأبد لأن صنيعه هو عين الزني، وقد ناط الله (2/192)
صفحة 817
فتاوى الزواج
193
حلها بنكاح زوج لا بوطء، زان، وذلك بأن يتزوجها لقصد العشرة الزوجية لا لتحليلها لمن حرمت عليه وأن تتزوجه هي لأجل العشرة الزوجية، وهذا كله لأن الطلاق يتبع الطلاق ما دامت المرأة في العدة، وإن لم تقصد به التأسيس حمل التكرار على التأكيد، ولا مانع من مراعتها في هذه الحالة لأن قصدك بالثاني والثالث عين الأول والله أعلم.
الزواج بالكتابية (
:
ما قولكم في زواج المسلم بالنصرانية هل يجوز ذلك في شرع ومن يتولى العقد المسلم أم النصراني؟
الله وعل،
أقصاها
جاء نص الكتاب الكريم محلاً لنكاح الكتابيات، فإن الله كل يقول: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ قَم وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ} [المائدة: 5]، والآية الكريمة نزلت عندما كانت سيطرة المسلمين تهيمن على الجزيرة العربية من إلى أقصاها، وكان تعامل المسلمين في ذلك الوقت مع من كان في جزيرة العرب، إذ لم يكونوا يخرجون عن جزيرة العرب، وهذا يعني أن النساء اللاتي يحل الزواج بهن من الكتابيات من النساء اللاتي في بلاد الإسلام وتحت ذمة المسلمين وتحت توجيه الدولة الإسلامية، أما ما عدا ذلك فإن الأمر يقتضي عدم إباحتها، نظراً إلى عدة أسباب منها: أن هذه المرأة قد تكون حربية وعندما تكون حربية يكون سبيها مشروعاً، وكيف تسبى امرأة
رجل مسلم.
(1) اليهودية والنصرانية. (2/193)
صفحة 818
194
الفتاوى النكاح
الأمر الثاني: أن هذه المرأة قد تحرص على أن تستقل بتربية الأولاد سواء كان أبوهم حياً أم كان ميتاً، والإنسان غير مضمون بقاؤه فإن الموت يغشى كل حي وكل إنسان موعود به فلا يدري الإنسان متى يفجؤه ريب المنون، وربما كان أولاده في حالة الصغر، وعندما تكون أمهم على غير ملة الإسلام ولا تكون تحت سيطرة الدولة الإسلامية فإن ذلك يؤدي بطبيعة الحال إلى أن تربيهم وفق هواها وتنشئهم على حسب عقيدتها وعلى حسب ملتها، إلى غير ذلك من الأسباب الأخرى، ونحن نعلم أن هذه الإباحة إنما كانت في ذلك الوقت من أجل أن تكون سبباً لإقناع غير المسلمين بالإسلام، فإن الله تبارك وتعالى جعل المخالطة تغري على الإتباع، فالمسلم عندما يتزوج غير المسلمة - أي عندما يتزوج كتابية ـ ويكون تعامله معها بالحسنى يؤدي ذلك إلى اقتناعها بالإسلام، ويؤدي بالتالي إلى اقتناع أسرتها بالإسلام، ولكن عندما تكون القضية بعكس ذلك، عندما تكون المراة المؤثرة ولا يكون الرجل هو المؤثر، وعندما يكون غير المسلمين هم
هي
أن
المؤثرين سواء كان ذلك في العقيدة أو في الأخلاق، فإن الحكم ينبغي يكون بخلاف ذلك، ومما يؤسف له أن كثيراً من الناس اندفعوا إلى تزوج
غير المسلمات غير مبالين بأفلاذ كبدهم وما يترتب على نشأتهم في أحضان غير المسلمات من الانحراف، وقد أدى الأمر فعلاً إلى الانحراف، فكثير من هؤلاء خرجوا عن ملة الإسلام واعتنقوا ديانات أخرى - والعياذ بالله - وذلك أمر فيه خطورة كبرى ونجد عندما كانت الدولة الإسلامية مهيمنة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الله الله بعض أكابر الصحابة من تزوج غير المسلمات، فقد تزوج حذيفة بن اليمان امرأة كتابية فكتب إليه عمر له «طلق هذه «المرأة فأجابه حذيفة «إن الله أحلها لى ولا أحب أن أطلقها»، فكتب إليه عمر الى «يا حذيفة أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد خشيت أن
منع (2/194)
صفحة 819
فتاوى الزواج
195
يندفع الناس بسببك إلى جمال أهل الكتاب ويتركوا نساء المسلمين أيامي فأقسمت عليك بالله أن لا تضع كتابي هذا حتى تطلقها»، فطلقها امتثالاً لأمر أمير المؤمنين قبل وضع الكتاب، وهذا من باب سد الذرائع، ولئن كانت هذه نظرة عمر بن الخطاب قال في ذلك الوقت مع هيمنة دولة الإسلام، فكيف والأمور في وقتنا هذا انقلبت رأساً على عقب؟ وصار بإمكان المرأة الكتابية أن تُربي أولادها على غير الإسلام في حياة والدهم ولا يكون لأبيهم عليهم أي سلطان، فأحرى إذاً أن يمنع المسلم الآن من أن يتزوج غير المسلمة والله تعالى أعلم.
ما قولكم فيمن أسلمت وبقي زوجها على النصرانية، فهل يفرق بينهما لكونها لا تحل له، بناءً على قوله تعالى: {وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} [البقرة: 221]؟
نعم لا تحل له بحال، إذ لا تحل مسلمة لكتابي، فإن أسلم قبل أن تتزوج فهي زوجته بالنكاح الأول والله أعلم.
رجل يدعي أنه مسلم، غير أنه تارك للصلاة جاحد لفرضيتها وكذلك الصيام، وهو مع ذلك ينكر وجود الجنة والنار، وقد تزوج بامرأة مسلمة وهو غير منكور عليه في عشرته الزوجية، وقائم عليها حق القيام ولا يمنع أولاده عن الصلاة بل يحثهم على المواظبة عليها.
فما حكم هذا الرجل؟ وما حكم بقاء المرأة في عصمته؟ ومن أولى بالأولاد منهما؟
حكم هذا الرجل حكم أهل الشرك لإنكاره ما علم من الدين بالضرورة، والله تعالى يقول: {وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} [البقرة: 221] ويقول: {لَا (2/195)
صفحة 820
196
الفتاوى النكاح
هُنَّ حِلٌّ لَّمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ فَهُنَّ} [الممتحنة: 10]. فيجب على هذه المرأة أن تنفصل عن هذا الرجل، ولا يجوز لها المقام معه، وهي أحق بالأولاد وليس له شيء من حقوق الزوجية والله أعلم.
فيمن أسلمت وبقي زوجها على كفره وهو من أهل الكتاب، فهل تبقى
العلاقة الزوجية بينهما أم تنقطع بمجرد دخولها الإسلام؟
لا تبقى علاقة زوجية ما بين مسلمة، وكافر فإن الله تبارك وتعالى يقول: وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} [البقرة: (221)، ولفظة المشرك تصدق على الكتاب وعلى غيره، ويقول ل: لا هُنَّ حِلٌّ هَمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة: 10] فإذا أسلمت المرأة انقطعت علاقة الزوجية بينها وبين زوجها الكافر، ولكن ذلك فإنه إن أسلم قبل أن تتزوج بغيره فقيل: هو أحق بها، ولكن لا بد من عقد جديد، وقيل: يبقى معها بالعقد السابق وهو الراجح المأخوذ به في المذهب، لأن النبي أبقى ابنته بعدما أسلم زوجها ـ بعد زمن غير قصير - أبقاها معه بنفس العقد اسابق فيؤخذ بهذا الرأي، وإن كان تجديد العقد أحوط، ولها هي أن تتزوج بعد أن تعتد
مع
عندنا
منه
لأنه
بحكم إخلاده
إلى الكفر محرم عليها، فلا تمنع من الزواج انتظاراً لإسلامه والله أعلم.
هل يجوز لرجل مسلم أن يتزوج امرأة من أهل الكتاب قبل دخولها الإسلام، وإن تزوجها فما حكم زواجهما؟
أبيح زواج المسلم بالكتابية الذمية لا المحاربة، عندما كانت الدولة الإسلامية مهيمنة على الأوضاع قادرة على المحافظة على جميع قيم الأمة وعقيدتها، بحيث لا يمكن أن تؤثر الكتابية على أولادها فتحرفهم إلى عقيدتها أو إلى سلوك قومها، أما الآن فالأمر بالعكس، فجميع الكفار اليوم حرب على الإسلام وأهله، وكأين من امرأة تدعي أنها كتابية استلبت من (2/196)
صفحة 821
فتاوى الزواج
197
المسلم أولاده فهودتهم أو نصرتهم، فأصبحوا حرباً على الإسلام ولذلك هذا كله لا نرى جواز تزوج المسلم بغير المسلمة، ومع
مشاهدة صور
ويجبر إن وقع الزواج على فسخه والله أعلم.
نكاح المتعة:
ما
حكم المذهب في زواج المتعة؟ وما حكم زواج رجل من الشيعة بامرأة من أهل السنة زواج متعة؟
الذي نذهب إليه ونعتمده أن نكاح المتعة قد نسخ، لأن النكاح إنما هو ربط مصير بمصير وليس النكاح مجرد تذاوق للشهوات ما بين المتزاوجين، والله الله يقول في النكاح: تُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ [النساء: 24] أي لا يقصد بالنكاح مجرد سفح الماء وإنما يقصد به بناء أسرة وإنشاء عش للذرية، وقد جاء في الروايات الكثيرة من طرق شتى بعضها عن الإمام علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أن نكاح المتعة قد نسخ، وعليه فإنه لا يعمل بالمنسوخ، ولو وقع ذلك بين الشيعة أنفسهم الذين يرون جواز نكاح المتعة فلا اعتراض عليهم لأن كلا الطرفين يقول بالجواز، أما أن يتزوج أحد الزوجين زواج المتعة ومذهبه يبيح ذلك فلا والله أعلم.
لا
ما الدليل على حرمة زواج المتعة؟ وهل الآية الكريمة في قوله تعالى: فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَضَيْتُم بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} [النساء: 24] دالة على مشروعية المتعة؟ أرجو أن تبينوا لنا الجواب الشافي في هذه المسألة؟ (2/197)
صفحة 822
198
الفتاوى النكاح
الآية ليست في نكاح المتعة، وإنما الاستمتاع هو ما يستمتعه الرجل من زوجته الشرعية، وأجرها هو صداقها الشرعي الذي فرضه الله لها، والقرآن الكريم في معرض ذكر هذا الحكم نفسه بين الغاية من مشروعية الزواج حيث قال تُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِين} [النساء: 24] فإن المطلوب هو الإحصان لا سفح الماء فقط وذلك لا يحصل بالنكاح الموقوت، فإن الإحصان لا يحصل به ولا يستفاد منه إلا سفح الماء وحده، وأحاديث نسخ نكاح المتعة مشهورة جاءت من روايات عدة لا يتسع المقام لذكرها فارجعوا إلى الكتب التخصصية والله أعلم.
أيضاً هناك أنواع أخرى كالزواج العرفي وزواج المتعة، مع رجاء إلقاء الضوء على الصورة الصحيحة التي كان قائماً عليها زواج المتعة صدر الإسلام قبل أن يمنع وهل يصح تحديده بفترة محددة؟
في
حتى تكون صورة الزواج صحيحةً ـ في الإسلام ـ لا بد من توفر أربعة شروط وهي - الولي والمهر والرضى والشهود و اختلال شيء من شروطه يجعل منه عقداً فاسداً، والزواج العرفي هو عقد يفتقر إلى الولي، فهو بدون ذلك زواج فاسد، وهنا من المناسب أن، وهنا من المناسب أن نبين أن اشتراط الولي ليس معناه الحكر على الفتاة أو التسلط على رغباتها كلا وإنما لكون المرأة أشد تأثراً بالجوانب العاطفية ويمكن أن تنساق وراء عاطفتها دون روية أو تفكير، فيؤدي بها ذلك إلى ما لا تحمد عاقبته، كما أن الولي مأمور بمراعاة مصلحة ابنته أو موليته فلا يجوز له أن يعضلها عن الزواج بالكفء من الرجال، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير» (1).
(1) رواه الترمذي والطبراني في الأوسط والبيهقي في الكبرى. (2/198)
صفحة 823
فتاوى الزواج
199
هذا، وأما نكاح المتعة فنحن مع جمهور الأمة الإسلامية أنه منسوخ،
وهو بعد نسخه لا يملك أحد من البشر إباحته، ونسخ المتعة جاء بالكتاب والسنة، أما الكتاب فلأن زوجة المتعة لا ترث ولا تورث، وقد بين الله تعالى في كتابه أن الزوجة هي التي ترث زوجها ويرثها زوجها، ولقوله تعالى: تُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ} [النساء: 24] وزواج المتعة إنما غايته سفح الماء، أما السنة فقد جاءت أحاديث صحيحة في نسخ حكم المتعة، روايات من طريق علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه ـ، والأصل في الزواج أن لا يبنى على التوقيت وتحديده بفترة زمنية يبطله والله أعلم.
ومن
ذلك
فيمن يعتقد في مذهبه بجواز زواج المتعة فما حكم توارث الزوجين إن مات أحدهما، وما حكم العدة على المرأة إن مات عنها زوجها عند من يري مشروعية هذا النكاح؟
يلزم القائلين بانعقاد نكاح المتعة أن يتوارث الزوجان إن مات أحدهما
قبل انحلال عقد الزوجية، وأن تعتد منه إن مات والله أعلم. (2/199)
صفحة 824
200
الفتاوى النكاح
زواج المسيار
عدد من النساء يعانين من العنوسة، وتمر بهن ظروف صعبة للغاية، كأن تكون إحداهن مطلقة أو أرملة أو كافلة أيتام، وقد لاح في الأفق زواج ليست له تسمية قديمة عند الفقهاء ولا في اللغة العربية، وإنما هو مأخوذ على رأي من سماه من اليسر وسمي بالمسيار، وهو مستوف لأركان العقد الصحيح وشروطه، إلا أن المرأة فيه تتنازل عن حقها في المبيت والنفقة، فتترك الحرية في ذلك للزوج، يقول البعض عنه إنه ساهم في حل مشكلات عديدة، وينظر إليه البعض على أنه ظلم للمرأة، إلا أن عدداً من المهتمين بهذا الموضوع يطلبون فتوى فاصلة في هذا الأمر؟ المرأة لها الحق في أن تتنازل عما هو من حقها، فلها أن تتنازل عن حقها في السكنى أو النفقة أو المعاشرة، أو عن أي حق من حقوقها، ولذلك نرى في كتاب الله الله ما يدل على أن المرأة إن خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً يجوز الصلح بين الطرفين {وَإِنِ امْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُورًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأَحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَ) [النساء: 128]، ولكن تتفادى المشكلات، فإن لم تترتب على هذا الزواج مشكلة اجتماعية، وكان فيه حلاً للمشكلات الاجتماعية فهو سائغ، أما إن كانت تترتب عليه مشكلات فإن الشريعة الإسلامية إنما جاءت من أجل درء
وتعالى
المضار ودفعها، ويدفع الضرر الأكبر بالضرر الأصغر والله تعالى أعلم. (2/200)
صفحة 825
الزواج بنية الطلاق
فتاوى الزواج
201
الزواج بنية الطلاق، ما حكمه، فيما لو ذهب شاب إلى بلد تكثر فيه المفاتن، فأراد أن يتزوج بنية أن يطلقها حالما انتهت دراسته أو مهمته؟ لا، بل يتزوج على نية الاستمساك، لأن الزواج ربط مصير بمصير، على أن هذه المرأة لو كانت تعلم أن هذا الزواج من أجل طلاقها ربما كانت لا ترضى بذلك، ففي هذا تدليس عليها، ثم من ناحية أخرى نرى في القرآن الكريم ما يدل على أن الزواج إنما هو إحصان وليس هو من أجل سفح الماء، فالله تبارك وتعالى يقول: {مُحْصَنَتٍ غَيْرَ مُسَفِحَتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} [النساء: 25]، فلا يجوز أن يكون بهذه الحالة التي فيها تدليس والله
تعالى أعلم.
فيمن سافر خارج وطنه، فأراد الزواج من هناك على أن يطلقها إذا رجع إلى وطنه، فهل يصح الزواج على هذه النية؟
الزواج ليس هو مجرد قضاء شهوة، وإنما هو ربط مصير بمصير، ولا يجوز لرجل أن يتزوج من أجل أن يطلق فإن ذلك مناف للمطلب من الزواج والله أعلم.
ما قولكم فيمن أراد السفر فتزوج بقصد أن يعف نفسه في مدة سفره الطويلة، ناوياً طلاقها بعد العودة فهل يصح ذلك؟
يجب عليه أن لا يتزوج من أجل الطلاق ولكن ينوي التمسك بها فإن
دفعته الظروف من بعد إلى طلاقها فالله لم يعسر عليه الأمر والله أعلم. (2/201)
صفحة 826
202
الفتاوى النكاح
زواج الإماء:
ما حكم نكاح الإماء في الإسلام، وما معنى قول الله: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنَكُم مِّن فَنَيَتِكُمُ الْمُؤْمِنَتِ} [النساء: 25].
الجواب: إن الله تبارك وتعالى شرع نكاح الحرائر من النساء للأحرار من الرجال، وفي قصر إباحة النكاح عليهن حكمة بالغة، منبثقة من روح الإسلام العالية، التي تتمشى بتشريعات الإسلام في دروب مصلحة البشر، هذه الحكمة تتجلى لمن نظر في حكم إلحاق الأولاد بالأمهات في الحرية والرق، وأن من واجب المسلم الحر أن يربأ بقرَّةِ عينه وفلذة كبده عن النزول في حضيض الرق الذي طالما حرص الإسلام على إبادته، ولذلك شرع عتق الرقاب في شتى الملابسات، ومن تحذير الإسلام من نكاح الإماء ما جاء في سنن ابن ماجه عن الضحاك بن مزاحم قال سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أراد أن يلقى الله طاهراً مطهراً فليتزوج الحرائر» (1)، ورواه أبو إسحاق الثعلبي من حديث يونس بن مراد وكان خادماً لأنس وزاد فقال أبو هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الحرائر صلاح البيت والإماء هلاك البيت - أو قال ـ فساد البيت» (2)، وعن عمر له (أيما حر تزوج بأمة فقد أرق نصفه) (3) يعني يصير ولده رقيقاً، وقال سعيد بن جبير «ما نكاح الأمة من الزنى إلا قريب»، قال الله تعالى: {وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [النساء: 25] أي عن نكاح الإماء، ولكن الإسلام - الذي هو دين السماحة واليسر ـ من
(1) رواه ابن ماجه.
(2) رواه الديلمي في فردوس الأخبار.
(3) رواه سعيد بن منصور في سننه. (2/202)
صفحة 827
فتاوى الزواج
203
شأنه الاستجابة لضرورات البشر، ووضع الحلول السليمة لجميع مشاكلهم الناجمة في الحياة، لذلك أباح نكاح الإماء مع الضرورة المركبة من أمرين عدم حصول الطول إلى نكاح المحصنات وخوف العنت، وهو الزنى في قول القرطبي، وقال القطب و الله: إنه الزنى أو المشقة والجهد الحاصلات من كبت الغريزة ومعاكسة الفطرة، وبهذا فسره السيد محمد رشيد في تفسيره «المنار»، وقال: ذلك أن مقاومة هذه الداعية التي هي أقوى وأرسخ شؤون الحياة تفضي إلى أمراض عصبية وغير عصبية ـ إذا طال العهد على مقاومتها ـ ا. هـ. وقول القرطبي هو الذي ذهب إليه الجمهور، ولكن الثاني أقرب إلى يسر الشريعة وسماحتها بل وأقرب إلى مدلول الكلمة اللغوي وأما الطول في الآية فإن العلماء ذهبوا فيه ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: أنه بمعنى السعة، والغنى، وهو رأي ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والسدي وابن زيد، وذهب إليه مالك ـ في «المدونة» والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، ومرادهم بذلك المقدرة على صداق الحرة مأخوذ من قولهم طال يطول طولاً في الأفضال والقدرة، ومنه قولهم: «فلان ذو طول أي ذو قدرة في ماله قال القرطبي في تفسيره «الجامع لأحكام القرآن»: قال أحمد ابن المعذل: قال عبد الملك: الطول كل ما يقدر به على النكاح من نقد أو عرض أو دين على ملي، قال: وكل ما يمكن بيعه أو إجارته فهو طول قال وليست الزوجة ولا الزوجتان ولا الثلاثة طولاً، وقال: وقد سمعت ذلك من مالك، وقال عبد الملك: لأن الزوجة لا ينكح بها ولا يصل بها إلى غيرها، إذ ليست بمال، وقد سئل مالك عن رجل يتزوج أمة وهو ممن يجد الطول فقال: أرى أن يفرق بينهما، فقيل: إنه يخاف العنت فقال السوط يضرب به ثم خففه بعد ذلك ا. هـ بلفظه، وبمثل هذا الذي قاله عبد الملك ورواه عن شيخه مالك، صرح قطب الأئمة ـ رضوان الله (2/203)
صفحة 828
204
الفتاوى النكاح
تعالى عليه ـ في شرحه على النيل وهو عكس ما يفهم من كلام صاحب
)
اشيد «النيل» الى. «المذهب الثاني: أن الطول هو الحرة فمن كان تحته حرة أو أمكنه التوصل إليها اندفعت ضرورته إلى الأمة فصارت حراماً عليه، إذ هي ـ كما يقول مسروق وغيره ـ كالميتة تباح للمضطر فقط، وهذا الرأي هو المفهوم من كلام صاحب النيل الى، وقال جابر بن عبد الله: من وجد صداق الحرة لا ينكح وعنه: لا تنكح الأمة على الحرة وتنكح الحرة على الأمة، وقال الحسن: من
أمة.
رضي عنه
الأمة
جمع بين حرة وأمة في عقدة فرق بينه وبين الأمة، وفي مدونة أبي غانم له: سألت أبا المؤرج عن نكاح الأمة، هل يجوز للرجل الحر أن ينكح أمة؟ قال: أبو عبيدة عن جابربن زيد عن ابن عباس أنه قال: لا يحل نكاح حدثني إلا لمن خشي العنت منكم، ولا يتزوج الحر إلا أمة واحدة ا. هـ وهذا هو قول الإمام مالك في كتاب، محمد عكس ما قاله في «المدونة»، وتبعه على رأيه هذا ابن حبيب من أصحابه، وقال اللخمي وهو ظاهر القرآن ورجحه الطبري، وروي عن أبي حنيفة وصاحبه أبي يوسف، وقد أجاد الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في بيان الطول ـ هنا ـ حيث قال: فسروا الطول بالمال الذي يدفع مهراً، وهو تحكم ضيقوا به معنى الكلمة وهي من مادة الطول بالضم فمعناها الفضل والزيادة، والفضل يختلف باختلاف الأشخاص والطبقات، وقد قدر بعضهم كالحنفية المهر بدراهم معدودة فقال بعضهم: ربع دينار، وقال بعضهم: عشرة دراهم، وليس في الكتاب ولا في السنة ما يؤيده، بل ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمريد
أن
الزواج: «التمس ولو خاتماً من حديد وهو في الصحيحين والسنن، وروي بعضهم تزوج بتعليم الزوجة شيئاً من القرآن مهراً وتزوج بعضهم بنعلين، ولم يقدر السلف المهر بقدر معين، وتفسير الطول بالغنى لا يلائم تحديد المحددين، فإنه لا يكاد أحد يجد أمة يرضى أن يزوجها سيدها بأقل من ربع دينار أو عشرة (2/204)
صفحة 829
فتاوى الزواج
205
أمة، فحاصله
دراهم أو نعلين، وفسره أبو حنيفة بأن يكون عنده حرة يستمتع بنكاحها بالفعل، أي ومن لم يكن منكم متزوجاً امرأة حرة مؤمنة فله أن يتزوج عدم الجمع بين الحرة والأمة، قال: والطول أوسع من كل ما قالوه وهو الفضل والسعة المعنوية والمادية، فقد يعجز الرجل عن التزوج بحرة وهو ذو مال يقدر به على المهر المعتاد لنفور النساء منه لعيب في خُلقه أو خلقه، وقد يعجز عن القيام بغير المهر من حقوق المرأة الحرة، فإن لها حقوقاً كثيرة في النفقة والمساواة وغير ذلك، وليس للأمة مثل تلك الحقوق كلها، ففقد استطاعة الطول له صور كثيرة ا. هـ كلامه وقال القرطبي فإن وجد المهر وعدم النفقة فقال مالك في كتاب محمد: لا يجوز له أن يتزوج أمة، وقال أصبغ: ذلك جائز إذ نفقة الأمة على أهلها إذا لم يضمها إليه ا. هـ وأنت إذا تدبرت سماحة الإسلام ويسره وتناوله الأوضاع البشرية تناولاً أتى على كل جليلة ودقيقة، ووضعه الحلول السليمة لجميع المشاكل في غير إفراط ولا تفريط، أدركت ترجيح ما قاله الأستاذ الإمام، إذ العوائق عن تحصيل الحرة ليست هي مجرد عدم صداقها، ولعل هذا هو مراد من قال: إن الطول هو الحرة، يعني أن إمكان حصولها مانع من نكاح الإماء، غير أن الأستاذ جاء بمزيد إيضاح لم يسبق إليه، وقد رأيت قطب الأئمة ذهب نفس هذا المذهب وهذا نص كلامه في شرح النيل وإن كان له مال ولم يجد حرة أو لم تقبله الحرائر تزوج أمة فصاعداً حتى يكتفي لأن المدار على رفع وعدم الطاقة على الحرة» ا. هـ. «المذهب الثالث: أن الطول هو الجلد والصبر لمن أحب أمة وهويها الأمة إذا
العنت
حتى صار بذلك غير قادر على نكاح غيرها، فإن له أن ينكح لم يقدر على زم (1) هواه عنها، وخشي الوقوع في المحظور بسببها، وإن
(1) زم: الشيء يعني شدَّهُ ويقال ذمَّ الجمل أي جعل له زماماً. (2/205)
صفحة 830
206
الفتاوى النكاح
كان قادراً على نكاح الحرة بالنظر إلى المقومات المادية، وهو قول قتادة والنخعي وعطاء وسفيان الثوري، وعليه حمل العلامة أبو زكريا والبدر
أبو ستة ـ رحمهما الله - ما روي عن الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد أن امرأة استشارته في رجل يخطب إليها أمتها، فقال جابر: لا. فعاد الرجل فعادت تستشيره فقال: لا. فعاد فعادت فقال: لا. فقال الرجل إن لم تزوجينها زنيت بها، فعادت إلى جابر وحدثته بما قال الرجل فقال: زوجيه لهذا العنت، وتعقب القطب العالى حملهما كلام جابر على هذا المذهب، لأن جابراً يعلم فقر الرجل وبقي أن يعلم خوفه من العنت، وقد علم ذلك من مراودته مولاتها مرة بعد أخرى، حتى قال إن لم تزوجينها زنيت بها، وبناءً على هذا المذهب يكون قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ} [النساء: 25] بياناً لعدم الطول، وهو على المذهبين السابقين ثاني شرطي جواز نكاح الإماء، وهذا هو الحق الذي يتألق نوره أمام كل متأمل، فإنه سبحانه قال: وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ} [النساء: 25]، ولم يقل ومن لم يستطع منكم طولاً أن يترك نكاح الإماء، والعجز عن ترك نكاح الأمة شيء غير العجز عن نكاح الحرة.
وفي المسألة مذهب رابع: روي عن مجاهد أنه قال: مما وسع الله على هذه الأمة نكاح الأمة والنصرانية - وإن كان موسراً ـ، وممن قال بذلك أبو حنيفة، إذ لم يشترط خوف العنت إذا لم تكن تحته حرة، قالوا إن كل ما يمكن أن يتزوج به الأمة يمكن أن يتزوج به الحرة، فالآية على هذا أصل في جواز تزوج الأمة مطلقاً، قال مجاهد وبه يأخذ سفيان، وذلك أني سألته عن نکاح الأمة، فحدثني عن ابن أبي ليلى عن المنهال عن عباد بن عبد الله عن علي ـ كرم الله وجهه - قال: إذا نكحت الحرة على الأمة كان للحرة يومان وللأمة يوم، قال: ولم ير علي به بأساً، ويقرب من هذا قول ابن وصاف شارح (2/206)
صفحة 831
فتاوى الزواج
207
دعائم الإمام ابن النضر العالى حيث قال: إن اشتراط عدم الطول وخوف العنت فى الآية تأديب لا إيجاب، وأنه يجوز تزوج الأمة مع القدرة على الحرة لأن النظر يوجبه وحجة العقل تؤيده، ولأنه يجوز للحرة تزوج العبد ولو وجدت الحر، وبه قال ابن القاسم صاحب مالك واحتج بقوله تعالى: وَأَنكِحُوا الْأَيْمَى} [النور: (32) ولم يقل وأنكحوهن لمن لا يستطع الحرة وخاف العنت، ومن حجتهم عموم قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24)، وحملوا قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25]- إلى قوله: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ} [النساء: 25)، على نحو قوله تعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3]، إذ الكل متفقون على جواز نكاح الأربع لمن خاف أن لا يعدل وعليه فله أن يتزوج أمة من وجد الطول ولم يخش العنت وقد روي عن مالك في الذي يجد طولاً لحرة أن أمة يتزوج مع قدرته على طول الحرة، وقال مرة ما هو بالحرام البين وأجوزه، وقال القرطبي إن ذلك ضعيف من قوله، والحق أن هذا المذهب من الضعف بمكان، فإنه يقتضي إلغاء القيود الشرعية وسلب كثير من نصوص الشريعة دلالاتها، وذلك يتنافى مع إيجابية الشرع الشريف ولا حجة لهم في شيء مما تمسكوا به، فدعوى ابن وصاف أن النظر يوجبه وحجة العقل تؤيده واهية جداً، إذ الشريعة لا تستورد من العقليات وإنما تستقي من مناهلها التي هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ولا يصح - هنا - قياس نكاح الحر الأمة على نكاح الحرة العبد لوجود الفارق، وهو حرية أولاد الحرة من العبد ورقية أولاد الأمة من الحر، وأيضاً فإن القياس إنما يصح مع عدم ورود النص، والنص واضح كما ترى، أما احتجاج ابن القاسم بقوله تعالى: {وَأَنكِحُوا الْأَيْمَى [النور: 32 فهو احتجاج بمطلق مع وجود المقيد، مع أن الأصوليين كادوا (2/207)
صفحة 832
208
الفتاوى النكاح
يتفقون على حمل المطلق على المقيد إلا خلافاً شاذاً لبعضهم وهو ضعيف جداً، وأما احتجاجهم بقوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24]
عدم
العدل بينهن
صلے
الخالة
فهو احتجاج بعموم وردت عليه عدة مخصصات، كتحريم الجمع بين وبنت الأخت أو العمة وبنت الأخ وتحريم الملاعنة على الزوج الملاعن، ولا غرو في تخصيصها بالقيدين الواردين في الآية التي نحن بصدد بيانها، و دليل الخطاب له دوره الفعال في تخصيص عمومات الأدلة الشرعية. وأما احتجاجهم باتفاق العلماء على إباحة القدوم على نكاح الأربع لمن خاف قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3]، فهو مع مردود بأن اتفاق العلماء على نكاح الأربع لمن خشي عدم العدل بينهن محمول على العدل فيما لا تستطيعه الطاقة البشرية، وهو ما عرف من عادة الناس أنهم لا تتساوى عواطفهم القلبية بين أزواجهم، وذلك أمر فطري غير مستطاع دفعه، لذلك عفا الله عنه بقوله: {وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَ الْمَيْلِ) (النساء: 129]، على أنك تجد الفارق واضحاً والبون شاسعاً بين خوف الحيف بين النساء الذي علق على عدمه جواز تعددهن، وبين وجود الطول الذي شرط عدمه في جواز نكاح الإماء مع خوف العنت، فإن خوف العجز عن العدل لا يعدو كونه أمراً توقعياً، ووجود الطول واستشعار الأمن من العنت كلاهما أمر واقع، ولا يرد علينا أن الأمر بالاقتصار على واحدة معلق على خوف عدم العدل لا على وقوعه لأن الخوف ههنا غير مقصود لذاته في الحكم وغير محذور في الأمر، وإنما غاية ما في الآية تحذير المسلم من التعرض لما قد لا يفي بواجباته، وإلا فالخوف من ترك العدالة أمر وتركها أمر آخر وليس أحدهما لازماً للآخر ولا ملزوماً له، فإنه قد يعدل الزوج مع خوفه من ترك العدل وقد يحيف مع من الحيف، وبما قررناه هنا يتجلى ضعف قول من ألغى الشرطين في
أمنه (2/208)
صفحة 833
فتاوى الزواج
209
جواز نكاح الإماء أو أحدهما وصحة قول من التزمهما، وهو قول جابر بن عبد الله وابن عباس وعطاء وطاوس ومكحول والزهري، وبه قال الشافعي وأبو ثور وأحمد وإسحاق واختاره ابن المنذر، وغيره، وهو مذهب مالك في «المدونة» من رواية ابن نافع وابن القاسم وابن وهب وابن زياد، وقاله أصبغ من أصحابه ومطرف وابن الماجشون وصححه القرطبي، وباعتبار هذين الشرطين يتبين ترجيح قول من قال إن من كان تحته حرة أو كان قادراً عليها بالوسائل المادية والمعنوية ليس له أن ينكح أمة بحال، فإن «ال» في المحصنات من الآية داخل على جنس غير محصورة أفراده، وذلك يقتضي صدق الحكم ـ سلباً وإيجاباً ـ على أقل ما يصدق عليه الجنس من أفراد مدلولاته، ألا ترى أن من حلف أن لا يتزوج النساء ولا يشتري العبيد يحنث بتزوج واحدة من النساء وشراء واحد من العبيد ومن حلف أن يتزوج النساء ويشتري العبيد يبر - كذلك - بتزوج واحدة وشراء واحد، وهكذا - من نكاح محصنة واحدة صدق عليه أنه وجد طولاً إلى نكاح المحصنات وامتنع نكاح الإماء. هذا والخلاف في هذه المسألة كذلك الخلاف يستتبع
في
حقه
في مسألتين لاحقتين بها: ـ
ينكح
أمكنه
الأولى: هل له أن أمة أكثر من واحدة قيل ليس له ذلك لأنها أبيحت للضرورة والضرورة تندفع بنكاح واحدة، وهو قول ابن عباس له
كما
تقدم، وقال به مسروق وجماعة وذهب إليه الشافعي وأبو ثور وأحمد وإسحاق، وهو ظاهر كلام الإمام ضياء الدين عبد العزيز الثميني له في «النيل»، حيث قال ما نصه ولحر نكاح أمة بعدم طول وخوف عنت وبهما جازت واحدة وقال القطب - رضوان الله تعالى عليه ـ في شرحه وإن لم تكفه واحدة ولم تمنعه من العنت تزوج حتى يخرج من العنت أو أربعة ا. هـ كلامهما، وقول القطب مبني على ما سبق عنه أنه لا يرى
تتم (2/209)
صفحة 834
210
الفتاوى النكاح
الحرة طولاً إذا لم تمنعه من العنت وكان به حاجة إلى المزيد ولم يجد طولاً لغير أمة، وبمثل قوله ـ في جواز التعدد إلى أربعة ـ قال مالك وأبو حنيفة وابن شهاب والحارث العكلي، وقال حماد بن أبي سليمان: ليس له أن ينكح من الإماء أكثر من اثنتين ومن المعلوم أن نكاح الإماء إنما يسوغ في حال الاضطرار لا في الاختيار، وما كان كذلك فلا يجوز أكثر مما تندفع به ضرورة المضطر.
الثانية: هل تبقى زوجية الأمة إن تزوج عليها حرة، قيل ببقائها، وهو قول سعيد ابن المسيب وعطاء وابن أبي ليلى والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي، وهو مقتضى ما تقدمت روايته عن الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ، حيث قال: للحرة ليلتان وللأمة ليلة. ولم يفرق هؤلاء بين أن تكون الحرة عالمة بالأمة أو غير عالمة، وظاهر ما نقله أبو غانم في «المدونة» عن شيخه ابن عبد العزيز بقاء النكاح إن علمت بها الحرة لا إن لم تعلم، وذلك أنه قال: لا أفرق بينهما ولا أوجب عليه فراقها لأنها تقدمت على علم وذلك برضى منها. ا. هـ وقيل للحرة في ذلك الخيار إن علمت، وعليه ففي أي شيء يكون لها الخيار؟ فقيل: في القيام مع الزوج أو مفارقته، وهو قول الزهري ومالك وأحمد وإسحاق وروي أيضاً. عن سعيد بن المسيب، وقيل: في إقرار نكاح الأمة أو فسخه، وعليه ابن الماجشون من أصحاب مالك، وقال النخعي: إذا تزوج الحرة على الأمة فارق الأمة إلا أن يكون له منها ولد فإن كان لا يفرق بينهما، وقال مسروق: يفسخ الأمة لأنه أمر أبيح للضرورة كالميتة فإذا ارتفعت الضرورة ارتفعت الإباحة، وهو مقتضى ما رواه أبو غانم في مدونته عن أبي المؤرج قال: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: إذا تزوج الحرة
نکاح
حدثني
على الأمة فهو طلاق الأمة، وهو ظاهر كلام القطب له فيما كتبه على (2/210)
صفحة 835
فتاوى الزواج
211
الأمة»
لا؟ نجد
أعماق
«المدونة»، حيث تعقب ما سبق عن ابن عبد العزيز بقوله: «وللفرقة وجه ظاهر هو أن لا تحل له الأمة إذا وجدت الحرة فيفرق بينه وبين وقال الإمام الثميني حكم الله في «النيل»: ولا تنكح حرة على أمة وجوز إن رضيت وكانتا بتثليث في الأيام، ومن تزوج حرة على أمة بلا علمها فلها أن تنكر بعده، وقيل نكاح الحرة طلاق الأمة ... إلخ ما قاله. وهنا يجمل بنا أن نقف لحظة لنمعن النظر في وصف الفتيات بالمؤمنات في الآية، هل اتصافهن بالإيمان شرط في إباحتهن فلا تحل الكتابيات منهن اشتراط الإيمان في إباحتهن أمراً ضرورياً في سلامة بناء الأسرة المسلمة، والحكمة في ذلك جلية، وهي وجوب محافظة المسلم - المعتز بإسلامه المعتد بإيمانه - على أفلاذ كبده عن سيطرة الكتابيين عليهم بحيث يكونون لهم أرقاء، إذ أولاد الأمة تبع لسيدها {وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141] وهذه الحكمة مما استجلاه ـ من أسرار التشريع - العلامة الكبير المحقق الخليلي ـ رضوان الله تعالى عليه وبناء على رعاية هذا الشرط يمنع من نكاح الإماء الكتابيات منعاً باتاً لا هوادة فيه، وهو قول أصحابنا - رحمهم الله ـ وبه يقول مالك والشافعي وأصحابهما والثور والأوزاعي والحسن البصري ومكحول ومجاهد وعليه جمهور السلف والخلف، وذهب طائفة منهم أصحاب الرأي إلى أن نكاح الأمة الكتابية جائز، قال ابن عبد البر: ولا أعرف لهم سلفاً إلا أبا ميسرة عمرو ابن شرحبيل، فإنه قال: إن إماء أهل الكتاب بمنزلة الحرائر منهن، وحملوا قوله تعالى: الْمُؤْمِنَاتِ) على معنى الوصف الفاضل لا على أنه لا يجوز غيرها، واحتجوا بالقياس على الحرائر، وذلك أنه لما لم يكن وصف المحصنات بالمؤمنات مانعاً من تزوج الكتابيات فكذلك الإماء، وأيد مذهبهم من المتأخرين الإمام محمد عبده، فإنه قال: والمؤمنات ليس
11 (2/211)
صفحة 836
212
الفتاوى النكاح
بقيد في الحرائر ولا في الإماء وإن قيل به، وإنما هو لبيان الواقع، فإنه كان نهاهم عن نكاح المشركات في سورة البقرة وهن أولئك الوثنيات اللواتي لا كتاب لقومهن، وسكت عن نكاح الكتابيات، والنهي عن نكاح المشركات لا يشملهن فكان الزواج محصوراً في المؤمنات فذكره، لأنه الواقع أي ولأنهم لم يكونوا معرضين لنكاح الكتابيات، ثم صرح بحل زواجهن في سورة المائدة وهي نزلت بعد سورة النساء بلا خلاف، وفي الوصف بالمؤمنة إشارة إلى ترجيحها على الكتابية عند التعارض ا. هـ كلامه وأنت إذا تأملت آية المائدة التي استدل بها على إباحة الكتابيات من الإماء وهي قوله تعالى: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَتُ) [المائدة: 5] إلى قوله: وَالْخَصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5] وجدت دلالتها على المنع أقوى منها على الإباحة، فإن المراد بالمحصنات الحرائر في قول أكثر المفسرين وإن سلمنا ما يقوله بعضهم أن المراد بالمحصنات العفائف فتشمل الحرائر والإماء فإنا لا نسلم جواز نسخها لقيد الوصف بالإيمان في سورة النساء، فإن آية النساء خاصة وآية المائدة عامة، والخاص قطعي الدلالة فلا ينسخه العام الذي هو ظنيها، وإن كان قطعي المتن، اللهم إلا عند الحنفية الذين يعتبرون دلالة العام قطعية ويبنون على ذلك جواز نسخه الخاص وهو ضعيف عند الجمهور، وقد سبق أن دليل الخطاب له دوره الفعال في تخصيص عمومات الأدلة الشرعية، وذلك باستقراء عمل الصحابة فمن بعدهم، وحكمة اشتراط الإيمان بينة كما أوضحناها، على أن في قوله تعالى في آية النساء: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَنِكُمْ بَعْضُكُم مِّنْ بَعضِ} [النساء: 25] إيماء إلى اعتبار مفهوم الصفة كما قاله العلامة الكبير السيد محمد رشيد رضا، ويجمل بنا أن ننقل هنا قصة حكاها ابن العربي المالكي - إتماماً للفائدة ـ قال درسنا أبو بكر الشاشي بمدينة السلام، (2/212)
صفحة 837
فتاوى الزواج
213
قال: احتج أبو حنيفة على جواز نكاح الأمة الكتابية بقوله تعالى: {وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ} [البقرة: 221]، ووجه الدليل من الآية أن الله خاير بين نكاح الأمة المؤمنة والمشركة فلولا أن نكاح الأمة المشركة جائز لما خير الله بينهما لأن المخايرة إنما هي بين جائزين لا بين جائز وممتنع ولا بين متضادين، والجواب أن المخايرة بين الضدين تجوز لغة وقرآناً لأن الله سبحانه قال: أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا) [الفرقان: 24].
وقال عمر في رسالته لأبي موسى الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل جواب آخر قوله تعالى: {وَلَأَمَةٌ) لم يرد به الرق المملوك وإنما أراد به الآدمية والآدميات، والآدميون بأجمعهم عبيد الله وإماؤه، قاله القاضي بالبصرة أبو العباس الجرجاني ا. هـ «كلامه»، والعجب ممن يستدل بقوله تعالى: {وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} [البقرة: 221] على جواز نكاح الأمة غير المسلمة، كيف لا يتأمل ما بعده في الآية؟ فقد وليه قوله تعالى: {وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} [البقرة: (221] فلئن كان ذلك دليلاً على جواز نكاح الأمة غير المسلمة فهذا دليل على جواز إنكاح العبد غير المسلم، إذ لا فرق بين كلمة خير» في الجملتين مع أن هذا لم يقله مسلم جاهل بله العالم، وليس إتباع النهي في الوضعين بهاتين الملتين إلا للتنفير عن المنهي عنه فيهما والترغيب في ضده، ولا تفيد كلمة «خير» في أي منهما معنى التفضيل. وأما الوثنيات وغيرهن من المشركات فكما لا يجوز نكاح الحرائر منهن فكذلك الإماء من باب الأولوية وذلك مما لا خلاف فيه، هذا ما حضرني من الجواب على هذه المسألة من غير استقصاء لأبحاثها ولا تتبع لدقائقها،
دلالة (2/213)
صفحة 838
214
الفتاوى النكاح
فإن ذلك فوق طوقي فانظر فيه أيها الشيخ بإمعان، فما كان من حق فاقبله وما كان من باطل، فرده وإلى الله أبرأ من الحول والقوة، وحسبي ونعم الوكيل وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
في
روى الإمام الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن وطء السبايا من الإماء فقال: «لا تطأوا الحوامل حتى يضعن ولا الحوائل حتى يحضن».
فهل النهي للتحريم أم للكراهة؟ وما معنى الحوائل؟ وهل النهي عام للحرائر والإماء أم أنه خاص بالإماء؟
هذا الحكم في السبايا، فإن كانت السبية حاملاً لا يجوز لمن دخلت ملكه بالسبي أن يواقعها حتى تضع حملها، إذ لا يجوز له أن يسقي زرع غيره، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي أراد أن يواقع جاريته قبل أن تضع حملها «لقد هممت ان ألعنه لعناً يدخل معه قبره» (1)، وأما الحوائل فهن غير
بعد
الحوامل من النساء، والحوائل جمع حائل وهي التي يأتيها الحيض حالاً حال، ولا يجوز لمن دخلت في ملكه حائل أن يواقعها حتى يستبرئها بحيضة وقيل بحيضتين قياساً على عدة، الأمة، ولا تدخل الحرائر في هذا الحكم، إذ الحرائر لا توطأ بملك يمين وإنما بالنكاح الشرعي، وهو لا يكون إلا بعد عدة إن كانت ذات زوج من قبل، ولا يجوز تزوج الحامل، فإن عدتها أن تضع حملها فلا معنى لاستبرائها، وبما تقدم تعلمون أن النهي للتحريم لا للكراهة فحسب والله أعلم.
ما تقولون في رجل اشترى أمة، ثم دخل بها من دون عقد النكاح سوى
(1) رواه مسلم وأبو داود وأحمد. (2/214)
صفحة 839
فتاوى الزواج
215
عقد البيع والشراء المتقدم، فولدت له ولداً ذكراً واعترف به أبوه، وهلك أبوه مخلفاً مع ذلك الابن إخوة، فخاصماه الإرث وزعما بأنه لا حق له في إرث أبيه، فما قولكم في ذلك؟
أجاب عليها الشيخ العلامة إبراهيم بن سعيد العبري ـ المفتي السابق
للسلطنة -:
الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي تتم بحمده الصالحات، والصلات والسلام على سيد، البريات نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد: فهذا جوابك عن الذي اشترى الأمة فوطئها قبل أن يستبريها فحملت بولد منه فإن ولدته بعض مضي ستة أشهر بعد وطئه إياها فالولد ولده وهو لاحق به يرثه كسائر أولاده، وهو حر غير مملوك، واستعجاله في الوطء قبل الاستبراء لا ينفي عنه حكم الولد، فهو كمن تزوج الحرة في عدتها، بل هي أخف في أمرها من وطء الحرة في عدتها، فلو حملت منه الحرة وجاءت بولد بعد ستة أشهر للحقه حملها، وهو معنى قولهم إن النكاح الفاسد يثبت إلحاق الولد بالمتزوج ويثبت به النسب والله أعلم، وعليك السلام ورحمة الله وبركاته وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
قال الشيخ هاشم بن عيسى هذا الجواب مطابق للحق والصواب.
قال الشيخ محمد بن راشد بن عزيز: هكذا.
قال الشيخ إبراهيم بن سيف هذا الجواب صحيح - إن شاء الله
قال الشيخ محمد بن علي الشرياني: نظرت جواب الأشياخ قضاة المحكمة الشرعية بمسقط فهو مطابق للحق والميراث ثابت كغيره من إخوته. (2/215)
صفحة 840
216
الفتاوى النكاح
أحمد
قال الشيخ بن ناصر السيفي: نظرت جواب حملة العلم، وما بعد
مقالهم مقال.
وأجاب عليها سماحة الشيخ بقوله:
لقد اطلعت على جواب مشايخ العلم في ثبوت نسب من ولدته أمة وطئها سيدها قبل الاستبراء ولحوقه بالسيد الواطئ إن أتت به بعد ستة أشهر، وهو حق لا غبار عليه، يدل على صحته الحديث الصحيح «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، والفراش إنما يكون بالملك مع الاعتراف بالوطء في الإماء، كما يكون بالعقد الشرعي مع إمكان الوطء في الحرائر، وقصة عبد بن زمعة مع سعد بن أبي وقاص من أوضح الأدلة على ذلك، حين اشتجرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلمعلى غلام ولدته أمة زمعة، وكان قد ادعاه أخو سعد وعهد به إلى أخيه، فطالب به سعد أمام النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عبد بن زمعة أخي ولد على فراش أبي، فقال الله «الولد للفراش وللعاهر الأثلب» (1) بعدما أمر عبداً أن يأخذه ولكن الذي لاحظته أن سؤال السائل ليس فيه ما يدل على أن الوطء كان قبل الاستبراء، إنما غاية ما فيه أن السيد باشر الأمة بدون عقد نكاح، وكأن هذا السائل يحسب أن حكم الإماء كالحرائر، والواقع أن عقد النكاح لا يكون بين الرجل وأمته، وإنما عليه استبراؤها فقط، لقول رسول الله لا تطأوا الحوامل حتى يضعن ولا الحوائل حتى يحضن، وعلى كل حال فإن لحوق الولد بالسيد في هذه القضية لا بد منه، سواءً كان وطؤه الأمة قبل الاستبراء أو بعده والله أعلم.
هو
(1) الأثلب: التراب والحجارة. (2/216)
صفحة 841
فتاوى الزواج
217
مسائل طبية
في
حالة إصابة أحد الزوجين بمرض الإيدز» مرض العوز المناعي وامتناعه عن إعلام شريكه بمرضه فكيف يكون السبيل الذي يمكن اتباعه في حماية الطرف السليم؟ أو بمعنى آخر هل يجوز المعاشرة بين الزوجين إذا كان أحدهما مصاباً بهذا المرض؟
بسم
الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... أما بعد،،،
فإن الحمية مطلوبة في الإسلام، ولذلك شرع في الإسلام التوقي من كل أسباب الهلاك والأمراض، وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بالفرار من المجذوم كالفرار من الأسد، كذلك جاء في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على التوقي من أسباب الهلاك والأمراض المعدية والفتاكة كلها، فمن أجل ذلك كان لزاماً على الإنسان أن يتوقى الإصابة بهذه الأمراض، وعندما يكون أحد الزوجين مصاباً بهذا المرض الفتاك مع معرفته أن المعاشرة تؤدي إلى نقل المرض إلى الطرف السليم في ذلك فلا ريب أن المعاشرة تكون في مثل هذه الحالة محرمة، اللهم إلا إذا كان من الممكن اتخاذ الحواجز الوقائية دون الإصابة كاتخاذ العازل، ونحوه، إن كان ذلك يؤدي إلى عدم وقوع الإصابة للطرف السليم بنفس هذا المرض أي عدم انتقال العدوى إليه، فلا مانع من المعاشرة في هذه الحالة. والله أعلم.
ما حكم جواز حمل المرأة المصابة بمرض «الإيدز»، مع العلم بأن
احتمال إصابة جنينها بالمرض كبير فهل يجوز لها أن تحمل؟
نحن لا نقول بأنه لا يجوز الحمل إذا كان من المحتمل أن لا يصاب (2/217)
صفحة 842
218
الفتاوى النكاح
الجنين بهذا المرض، وكان احتمال الإصابة احتمالاً خفيفاً. أما عندما يكون احتمال الإصابة بنفس المرض - أي انتقال العدوى إلى الجنين ـ احتمالاً قوياً ففي مثل هذه الحالة يمنع الحمل، حتى لا يتعرض الجنين لنقل العدوى إليه والله تعالى أعلم.
دلت التجارب على أن الجنين في رحم امرأة مصابة بمرض «الإيدز» غالباً ما يصاب بتشوهات خلقية، فما هو الحكم الشرعي في إجهاضه؟ الله تبارك وتعالى نهى عن قتل الأولاد، والجنين مصيره أن يكون ولداً، وبما أن الله ما أوجده فلا سبيل شرعاً إلى القضاء عليه، وليس الإنسان مسؤولاً عن الجنين وما يصيبه وما يقع عليه، فإن كل مخلوق عرضة للبلاء، ولكنه مسؤول عن الاعتداء عليه أو على غيره، فلا يجوز الاعتداء على الجنين بالإجهاض مهما كان الأمر، فإن إصابته بالمرض ليست بسبب الإنسان الذي تسول له نفسه أن يعتدي عليه بالإجهاض، حتى يكون هو مسؤولاً عن هذه الإصابة، وإنما ذلك قدر الله تعالى، فليس له بحال من الأحوال أن يقضي على حياة الجنين فإنه مسؤول عن ذلك والله تعالى أعلم.
هل يجوز قتل الطفل متى ثبتت إصابته بمرض الإيدز» علماً بأن فترة حياته لا تتجاوز الأربع سنين على حسب ما دلت عليه التقارير الطبية؟ نهى الله تعالى عن قتل النفس المحرمة بغير حق، وتوعد على قتلها بالعذاب الشديد، فإن الله ولا يقول: {وَلَا نَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) [الإسراء: (33)، ويقول: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَا) (النساء: 92]، ويقول: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93]، كل ذلك يدل على أن قتل النفس المحرمة بغير حق أمر فيه خطورة كبرى، وهذا الطفل (2/218)
صفحة 843
فتاوى الزواج
219
ما
هي
جنايته حتى يقتل؟ وما هو سبب العدوان عليه في حياته؟ إن كان أصيب بهذا المرض فإن إصابته لا تسوغ بحال من الأحوال أن يعتدى عليه، إذ ذاك ابتلاء من الله تعالى والابتلاء لا يخول أحداً من الناس أن يجرؤ على المبتلى فيقتله. والله تعالى أعلم.
ما
حقوق المصاب بمرض الإيدز من حيث العمل والدراسة
هي والتعامل؟
إن كان ذلك لا يضر بالآخرين، بحيث اشتغاله بأي عمل من الأعمال أو انخراطه في سلك الدراسة أو تعامله مع الجنس البشري لا يسبب نقل العدوى إليهم، فحكمه كحكم غيره من هذه الناحية. أما إن كان ذلك يؤدي إلى العدوى فلا ريب أن صاحب العدوى مأمور بأن يجتنب الناس لئلا ينقل إليهم علته ووباءه، كما يؤمر بعزل المجاذيم ونحوهم من المصابين بالأمراض المعدية. والله تعالى أعلم.
ما هو دور الإسلام في الوقاية من مرض «الإيدز»؟
الإسلام يحض على التوقي من كل هذه الأمراض الفتاكة، وله علاج لكل مشكلة، وقبل كل شيء هو ينهى عن الفحشاء ويمنع الإنسان من الاقتراب منها، فالله تعالى يقول: {وَلَا نَقْرَبُوا الزِنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء:
32 ثم إنه يقطع السبيل على الشيطان ويسد عليه المنافذ، فهو يحرم النظرة إلى المرأة الأجنبية، ويحرم الاختلاط الذي يؤدي إلى وقوع الفحشاء، ولذلك حرم الخلوة بين الرجل والمرأة الأجنبية ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم «ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم (1)، وفي الحديث أيضاً «من
(1) رواه البخاري ومسلم. (2/219)
صفحة 844
220
الفتاوى النكاح
كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة إلا مع ذي محرم»)، وفي حديث ثالث ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما» (2)، وجاء أيضاً في حديث آخر عنه عليه أفضل الصلاة والسلام أنه قال «إياكم والدخول على النساء» (3) فقال رجل من الأنصار أرأيت الحمو يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم «الحمو الموت» ... ، ومن هذا الباب ما يأمر به الإسلام الحنيف المرأة المسلمة من الحجاب الشرعي والتمسك بآداب الإسلام والتقيد بقيوده وعدم تجاوز حدود فضائله ومن هذا ما جاء في سورة النور من قوله: الله وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا
ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ابا بِهِنَّ أَوْ ءَابَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَتِهِنَّ أَوْ نِسَآبِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31)، وكذلك يأمر الإسلام بالزواج لقوله سبحانه: {وَأَنكِحُوا
الْأَيْمَى مِنكُمْ وَالصَّلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَابِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ [النور: 32] وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (4) وفي هذا علاج لهذه المشكلة، ولو أن المسلمين أخذوا بهذه التعاليم الربانية ووقفوا عند حدود الله لما وجدت هنالك
(1) رواه البخاري ومسلم.
(2) رواه البخاري ومسلم.
(3) رواه البخاري ومسلم.
(4) رواه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه. (2/220)
صفحة 845
فتاوى الزواج
221
تنشأ
عن الانحراف الخلقي والارتماء في أحضان الرذيلة
هذه الأمراض، التي والفحشاء. والله تعالى أعلم.
ما رأيكم في زواج شخص مصاب بمرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) من فتاة مصابة بنفس المرض، مع العلم أن الطبيب المتابع لحالتهما لا مانع لديه، وإذا كان الجواب بنعم فما رأيكم في مسألة الإنجاب، أي هل يجوز لهم إنجاب الأطفال؟
لا مانع من زواجهما، والأولى لهما أن يتقيا الولادة، لما يخشى على الأولاد من الإصابة بنفس المرض والله أعلم.
ما حكم إجراء الفحوصات الطبية على الزوجين قبل الزواج للتأكد من سلامتهما من الأمراض الوراثية؟
لا أجد داعياً إلى هذا الأمر إن لم تكن هنالك ريبة، وإنما على الإنسان أن يتوكل على ربه، وما قدره الله تعالى لا بد أن يكون، وإن كانت هنالك ريبة ويخشى أن تترتب عليها مضرة في الزوجة أو النسل فلا حرج في إجراء الفحوص والله تعالى أعلم.
ما حكم الفحص الطبي الذي يقوم به الزوجان قبل الزواج للتأكد خلوهما من الأمراض؟
لا داعي إليه فهو مكروه إن لم تدع إليه الضرورة والله اعلم.
من
امرأة لا تستطيع الإنجاب نظراً لوجود مشكلات في الرحم، وكانت الطريقة الوحيدة هو أخذ البييضة من هذه المرأة مع حيوانات منوية من زوجها وتلقيحها به، ثم وضع هذه البييضة الملقحة في رحم امرأة أخرى (2/221)
صفحة 846
222
الفتاوى النكاح
قادرة على القيام بأعباء الحمل ومتطلبات الجنين. ما رأي الإسلام في
هذا العمل وهل يعتبر هذا من باب الزنا المحرم؟
نعم إن ذلك زنى وإن لم يترتب عليه الحد الشرعي بسبب الشبهة، وإلا فكيف يسوغ شرعاً نقل حيوان منوي من رجل إلى امرأة هي غير حليلة له، وبأي وجه يستحل ذلك، وليس إدعاء أن الإسلام يواكب التطور بمجد شيئاً في تحليل ما حرم الله، وإنما هذه مقالة من يسعون إلى حل عراه ونقض قواعده بأمثال هذه الدعايات، وإلا فإن الإسلام طيب لا يقبل إلا طيباً، فلا يقر من التطورات إلا ما وافق طهارته وصفاءه والله أعلم.
ما قول سماحتكم في امرأة لديها طفل رضيع لم يتجاوز عمره بضعة شهور وهي الآن حامل في شهرها الثاني، ولكنها تعاني بعد ولادتها الأولى من دوار شديد لا يذهب عنها إلا بعد تناول دواء معين وقد نصحتها الطبيبة بعدم تناول الدواء أثناء فترة الحمل لخطورته على الجنين، وهي حائرة لا تدري ماذا تفعل؟ هل تستمر بالحمل رغم
المتاعب الصحية التي ستلم بها أم يجوز لها إسقاط ما في بطنها؟
إن كان استمرار الحمل ينذر بالخطر على حياتها فلها التخلص منه لأن المحافظة على الأصل أولى، وإن كان يسبب إرهاقاً وتعباً لها من غير أن يؤدي ذلك إلى هلاكها فلا يصح لها التخلص منه، لأن الحمل له حرماته وحقوقه إذ هو نسمة خلقها الله، وقد قال: مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: (32) فلا يضحى بحياته من أجل راحتها هي
والله أعلم. (2/222)
صفحة 847
فتاوى الزواج
223
ما حكم إنجاب المرأة من زوجها المتوفى عن طريق التلقيح الصناعي من حيواناته المنوية المحفوظة في مراكز المني أو التلقيح الصناعي؟ وما رأي سماحتكم بمطالبة بعض الأطباء العرب بإنشاء مراكز المني والتلقيح الصناعي بالعالم العربي والإسلامي؟
الإنجاب الفطري الذي أباحته شريعة الله تعالى الغراء هو ما يكون بين زوجين مترابطين برباط الزواج المقدس ولم ينحل، ولا ريب أن هذه الرابطة تنحل بينهما بمجرد موت أحدهما أو بما يقتضي حلها بينهما في الحياة من طلاق أو غيره، وعليه فحمل المرأة من زوجها المتوفى بعد وفاته من منيه المحفوظ لدى المصحات المختصة يعد من ضروب الزنا، ولا يكون هذا الحمل شرعياً فلا يلحق المولود به نسباً، أما ما ينادي به بعض الأطباء العرب من إنشاء مراكز للمني للتلقيح الصناعي فهو أمر يؤدي إلى اختلاط الأنساب، وانحلال نظام الأسرة وتقطع العلاقات والوشائج بين الناس، وما هو إلا شبيه بالإباحية الجنسية الممقوتة والله المستعان.
ما حكم تنظيم النسل بواسطة تحديد أيام الدورة الشهرية للمرأة؟
إن كان ذلك بتوقي الوقاع في فترة معينة وبتوافق الزوجين على ذلك
مع
فلا مانع منه، وأما إن كان باستعمال الموانع فإن ذلك لا يصار إليه إلا الضرورة القصوى، ومع استشارة الأطباء المهرة الذين يؤتمنون على هذه
الصنعة، وبشرط أن يكون ما يتخذ من الوسائل أقل ضرراً من غيره والله أعلم. (2/223)
صفحة 848
224
الفتاوى النكاح
الاستمناء:
ما حكم
الاستمناء؟
أمر الله سبحانه بحفظ الفرج إلا عن الأزواج أو ما ملكت الأيمان، قال تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَتُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون: 5، 6]، ثم بيَّن بعد ذلك أن من جاوز ذلك ـ أي من استعمل فرجه في غير زوجة وما ملكت اليمن ـ فهو ملوم، حيث قال: فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَبِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [المؤمنون: 7]، لأنه عدا حدود الله الا الله فكان جديراً بالعقاب ـ والعياذ بالله وعل -، ومن المعلوم أن اليد ليست زوجة ولا مما ملكته اليمين فلا يحل استعمال الفرج بها، ويؤكد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)، فلو كانت في الاستمناء رخصة لبينها الا، ولكنه لم ير إليه من قريب ولا بعيد، فضلاً عن التصريح به، بل أحال العاجز عن الزواج إلى الصوم، لما فيه من ضبط النفس وترويضها على الطاعة ونهيها عن المعصية. ومن المعلوم أن شريعة الإسلام جاءت بأحكام تساير المصلحة الإنسانية، فهي تدور مع جلب المنافع ودفع المفاسد، والاستمناء من أسباب المفاسد لما فيه من المضار الجسدية والنفسية التي شرحها الأطباء، فجدير بالعاقل عنه نفسه. يردع
أن
لأن
وما روي عن السلف مما يوحي بإباحته لا تنهض به حجة للمبيح، أقوال السلف ـ وإن علت منزلة قائلها إن لم تؤيدها الأدلة كالدعاوي التي
(1) رواه البخاري ومسلم ومعناه عند الإمام الربيع. (2/224)
صفحة 849
فتاوى الزواج
225
أعوزتها البينات، فالصحابي ليس قوله حجة مع مخالفته لغيره من الصحابة، إلا أن ترجح بالدليل، فضلاً عن غير الصحابي، على أن صحة نسبة هذه الأقوال إليهم تتوقف على الأسانيد الصحيحة التي تثبت بها هذه الآراء عنهم، وأين هذه الأسانيد؟!
هذا، وعلاج من وقع في هذا الأمر التوبة إلى الله تعالى بالتزام العفة التي أمر الله بها في قوله: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [النور: 33]، وعليه بالصوم فإنه علاج الشهوة، وتوبته مقبولة ولو عاد مراراً إلى معصيته، وإنما عليه أن يقوّي عزيمته، ويجعل مخافة الله نصب عينيه، والله الموفق.
هل يجب الغسل بالاستمناء؟ وهل هنالك فرق بين إن خرج المني أو لا بعدما انفصل من مقره؟ يجب الغسل بالاستمناء كما يجب بالاحتلام، واختلف هل يجب بخروج المني أو بانفصاله من مجاريه والله أعلم.
إذا كان من يفعل الاستمناء إماماً يؤم المأمومين معه؟
الناس في
الصلاة، فما حكم صلاة
في الحديث الصحيح «الصلاة جائزة خلف كل بر وفاجر» (1) والله أعلم.
هل يفسد الصوم بالاستمناء؟ وإن كان يفسد فهل يكتفي بالقضاء أم تجب عليه الكفارة؟ وإن وجبت عليه كفارة، فهل هي مغلظة أم مرسلة؟
الاستمناء ناقض، ويجب به ما يجب بالجماع من الكفارة، ولا إرسال
هنا وإنما الإرسال في الأيمان والله أعلم.
(1) رواه الإمام الربيع. (2/225)
صفحة 850
226
الفتاوى النكاح
هل يفسد الاعتكاف بالاستمناء؟ وإن كان يفسد فماذا عليه؟
نعم يفسد الاعتكاف بالاستمناء كالجماع والله أعلم.
هل يفسد الحج بالاستمناء؟ وإن كان يفسد، فماذا عليه؟
نعم يفسد الحج به إن كان قبل التحلل وتلزم به بدنة والحج من قابل كالجماع والله أعلم.
هل يجب في الاستمناء التعزير؟ وكم مقداره؟
من أصر على الاستمناء أدبه الإمام بما يراه رادعاً لأمثاله والله أعلم.
العلاقات الأسرية
أخوة في بيت واحد وعندهم زوجات وكل واحد يأمر زوجة الثاني وكذلك ذهابهن للمستشفيات وغير ذلك ما جوابكم في ذلك جزاكم الله
خيراً؟
إن كانت هذه النساء لا يظهرن لأحمائهن إلا مستترات، ولا يخلو بهن أحماؤهن إلا مع زوج أو ذي محرم، ولا يدخلون عليهن إلا بإذن فلا حرج في ذلك، وإن كان الأمر بخلاف ذلك ففيه حرج وأي حرج، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم «إياكم والدخول على النساء قيل له: أرأيت الحمو يا رسول الله؟ قال: «الحمو الموت» (1) والله أعلم.
إنني امرأة ملتزمة بالتعاليم الإسلامية ولي زوج يرتكب وينتهك حرمات
(1) رواه البخاري والترمذي وأحمد وغيرهم. (2/226)
صفحة 851
فتاوى الزواج
227
الله الا الله ويتعاطى المسكرات ويمارس فاحشة اللواط، وما من شعب من شعب الضلال إلا وهو هائم فيه، وقد طلب مني الوطء في غير الموضع الطبيعي وقد قاومته ولكن أبى إلا أن يطاوع شيطانه، فهل يا سماحة الشيخ أكون حراماً عليه بهذه الفعلة وبماذا تنصحني؟
أن
بئس الحالة حالة زوجك التي ذكرتها في السؤال، وكان ينبغي تختاري الزوج الصالح من أول الأمر، ففي الحديث: «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه وعلى أي حال فإن الخروج عنه خير من البقاء معه إلا إن تاب، وفي حرمتك عليه بإتيانك من غير المأتى الطبيعي خلاف، والصحيح أنك لا تحرمين عليه لكن تجب عليك مقاومته إن أراد ذلك ثانية، والفاحشة التي ذكرتها عنه لا تضيرك شيئاً إن لم تكوني رأيت ذلك بنفسك أو اعترف هو بها عندك بلفظ صريح، اسألي الله له الهداية ففي ذلك حل لمشكلتك إن شاء الله.
نرى بعض الأخوة يتشددون كثيراً في مصافحة النساء الأجنبيات، حتى صار يحكى عن بعضهم أنهم يمتنعون عن مصافحة ذوات المحارم، ويحكى عن العلماء المتقدمين أمثال الشيخ الرقيشي والشيخ أبي زيد والإمام الخليلي - رحمهم الله - يحكي عنهم من عاصرهم أنهم ما كانوا يمتنعون عن مصافحة الأجنبيات، ولم يزجروا أحداً عن ذلك فبين لنا الحكم الشافي في ذلك؟
أما ذوات المحارم فلا تمنع مصافحتهن، وأما غيرهن فلا تجوز مصافحتهن، لقول النبي صلى الله عليه وسلم «لأن يطعن أحدكم بمخيط من حديد في رأسه خير له من أن امرأة ليس له عليها سبيل» (1) وقد امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من مصافحة النساء عندما
يمس
(1) رواه الطبراني في الكبير. (2/227)
صفحة 852
228
الفتاوى النكاح
جئن إليه لمبايعته، وقال: «إني لا أصافح النساء» (1)، والله تعالى يقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَيُّ الْحَمِيدُ} [الممتحنة: 6، وقد أخبرت أم المؤمنين عائشة لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصافح أجنبية قط، وما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قولاً أو فعلاً لا يعارض بقول غيره أو فعله، وفي آثار أصحابنا - رحمهم الله - التشديد في مصافحة الأجنبيات، حتى أن صاحب النيل وشارحه
أن يجده في
رحمهما الله قالا في رضاع الشبهة: تمتنع به المناكحة ولا تباح به المصافحة، فلا شبهة لمن تمسك بما عسى الأثر من جوازها والله أعلم. رجل دخل في الإسلام وتزوج بامرأة مسلمة، ولكنه تبين أنها تشرب الخمر ومصرة على ذلك، فهل ترون استبقاءها خيراً له أم تطليقها؟
إن كانت مصرة على شرب الخمر فلا خير في استبقائها، وتطليقها خير له من إمساكها والله أعلم. فيمن لعن زوجته فردت عليه بالمثل فهل يؤثر ذلك على الزوجية شيئاً
والله أعلم.
باء باللعن أحدهما والبادئ أظلم، ولا يؤثر ذلك على الزوجية شيئاً والله أعلم. ما قولكم في امرأة تعاني من سوء عشرة زوجها لها وقد هجرها أكثر من خمس سنوات، وبقيت في بيت ابنها، فهل يحق لها أن تطلب الطلاق أم تبقى في بيت ابنها ما دام الزوج ساكتاً عنها؟ إن طالبت بالطلاق لتقصيره في حقها من العشرة فلها ذلك، وإن بقيت مع ابنها مع سكوت زوجها عنها وسكتت عن طلب الطلاق فلا عليها والله أعلم.
(1) رواه النسائي والترمذي واحمد وابن ماجه وابن جرير وعبد الرزاق وآخرون.
حرج (2/228)
صفحة 853
فتاوى الزواج
229
ما قولكم فيمن يزوج أبناءه الذكور من ماله فهل يلزم أن يعدل بينهم
وبين الإناث؟
القدرة أخواتهم،
اختلف في تزويج الرجل لأبنائه إذا بلغوا قيل هو واجب عليه مع وقيل هو إحسان منه، فعلى الأول لا يجب عليه العدل بينهم وبين وعلى الثاني يجب عليه والله أعلم.
ما رأي الإسلام في عمل المرأة وهل الأفضل لها وللمجتمع الإسلامي أن تعمل خارج المنزل، أم الأجدى والأنفع أن تتفرغ لرعاية بيتها وتربية
أولادها؟
لا ريب أن عمل المرأة الطبيعي هو داخل البيت، ولكن بجانب ذلك هنالك أعمال لا يمكن أن يقوم بها الرجل مع المحافظة على تعاليم الإسلام كتعليم الفتاة، فإن تعليم الفتيات يجب أن يكون من النساء لا من الرجال حتى لا يكون بينهن وبين الرجال، اختلاط، وكذلك معالجة النساء فإن الطب النسائي يجب أن تقوم به النساء لا أن يقوم به الرجال، وكذلك ما يدخل في هذا الإطار كالتضميد والتمريض، فإن ذلك أيضاً مما يجب أن تقوم به النساء لا أن يقوم به الرجال، فهذه الأعمال الضرورية التي لا بد منها يجب أن تقوم بها المرأة في الإطار النسوي، لا أن يقوم بها الرجال والله تعالى أعلم.
إذا فعلت المرأة قضية وهي في عصمة زوجها فعلى من تقع المسؤولية على الأب أم على الزوج؟
هي مسؤولة عما ارتكبت وليست المسؤولية على الزوج ولا على الأب إن كانا لم يقصرا في الواجب عليهما من أمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر (2/229)
صفحة 854
230
الفتاوى النكاح
فإن الله يقول: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] ويقول: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةُ) [المدثر: 38) والله أعلم.
فيمن علم أن زوجته تخرج بصحبة رجل أجنبي هل تحرم عليه بذلك؟ لا تحرم الزوجة على زوجها إن عصت ربها بخروجها مع أجنبي، وإنما على الزوج أن يردعها عن ذلك والله أعلم.
ما رأي سماحتكم في المرأة التي تكتب التمائم (الحروز) لزوجها حتى يحبها وتعيش معه حياة سعيدة، وهي عبارة عن آيات قرآنية؟
الأولى والأحوط أن تكتفي بالدعاء، وإذا كان ما تكتبه آيات من القرآن فأرجو أن لا يضيق ذلك، بشرط أن لا يترتب عليه ضرر على الزوج والله أعلم. فيمن طلب من والده أن يزوجه، ولكن الأب يعتذر في كل مرة بحجة واهية والابن يخاف على نفسه مزالق الشيطان فهل على هذا الابن إثم إن تزوج من غير موافقة أبيه؟
إن كان يخشى على نفسه العنت فليتزوج على بركة الله ـ وإن لم يرض بذلك والده، لأن الزواج في حقه واجب عليه لإحصان نفسه، وما عليه من عدم موافقة أبيه على ذلك والله أعلم.
سماحة الشيخ نحن أسرة أصلها من أخوين شقيقين، وعدد أفراد هذه الأسرة حوالي (20) فرداً بين ذكر وأنثى من كبير وصغير، وكل من توظف وتزوج من أبناء هذه الأسرة ينفرد في بيت مستقل بنفسه هو وأسرته. وأحياناً تجتمع كافة الأسرة في بيت واحد لمناسبة ما، على سبيل المثال لوجبة غداء أو وجبة عشاء، أو في مناسبات الأعياد تجمعنا (2/230)
صفحة 855
فتاوى الزواج
231
جميعاً أضحية واحدة، الرجال مع الرجال والنساء مع النساء، والصغير مع الكبير، من أجل التفاف الشمل الأسري. كما أن حال حصاد المحاصيل الزراعية من رطب وتمور وغيره من المحاصيل يحصل فيه اشتراك جميع الأسرة من ذكور وإناث صغيرهم وكبيرهم كما هو معتاد من عهد الآباء والأجداد، بنفوس راضية وبضمير طاهر، وتعاون صادق بالوفاء والإيمان الطاهر الزاكي النابع من صميم القلوب - والله علام الغيوب ـ، سماحة الشيخ إنه يوجد فرد من أبناء هذه الأسرة وكأنه متدين مثل الأولاد الجدد المتدينين، ومتشدد في كثير من الأمور مثل منع مصافحة ذكور الأسرة المذكورة بإناثهم، ومنع أسرته من الاشتراك في جمع وحصاد المحاصيل الزراعية كسائر الأسر، ومنع أسرته من المشاركة في عمل ما أفراد الأسرة في مناسبة جامعة لكافة أفراد الأسرة، وإنه يعتقد إن مثل هذا لاتجمع والاشتراك في الأسرة عمل غير جائز دينياً.
مع
سماحة الشيخ بماذا تنصح كافة هذه الأسرة؟ وبماذا تنصح هذا الفرد من هذه الأسرة؟
ملاحظة: شيخنا الجليل إن في سورة النور آية رقمها (61) قوله والله: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآبِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَمكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّتِكُمْ أَو بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَلَيْكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مفاتِحَة أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ اشتاتا، نرجو توضيح دلالة الآية؟ يجب أن تخضع عادات الناس لأحكام شرع الله لا العكس، ولا حكم (2/231)
صفحة 856
?
232
ملنا
الفتاوى النكاح
مع الاختلاف إلا القرآن والسنة النبوية الثابتة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بين لنا أنهما الحصنان الواقيان من الهلكة اللذان تركهما لنا، بل الحق الله قال فإن نَتَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرُ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59 ولا مجال لاتباع هوى النفس أو الركون إلى العادات والتقاليد مع مخالفتها شرع الله وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلًا ا} [الأحزاب: 36]. وفيما أنزله الله في كتابه ونطق به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الواجبات الاجتماعية والآداب الأسرية ما يكفي رادعاً لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وما يكفي لصون الأسرة والمجتمعات من التفكك والتصدع والفساد والانحلال، ناهيكم أن الله سبحانه أمر الجنسين بغض البصر قبل الأمر بحفظ الفروج، وما ذلك إلا لأن غض البصر وسيلة لحفظ الفروج، فمن أطلق لبصره العنان تردى ـ والعياذ بالله ـ في الموبقات، ثم أمر المؤمنات بالاحتشام التام في اللباس بحيث لا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ومحارمهن، وكذلك في الحركات والمشي بحيث لا يسمع جرس حليهن ولا تصدر منهن أية إثارة لهواجس النفوس وخيالاتها، لأن حس الرجل مرهف تجاه المرأة وكذا العكس، فبالله عليكم هل تمكن المحافظة على هذه الآداب مع اختلاط الجنسين في الأعمال ومزاولتهما الأشغال المشتركة بينهما؟. هذا وقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن الدخول على النساء بمنتهى التحذير، حيث قال: إياكم والدخول على النساء فقال له رجل من الأنصار: أرأيت الحمو يا رسول الله؟ فقال «الحمو الموت» (1) وهو كاف في الدلالة على أن هذه الآداب لا يجوز التساهل فيها حتى بين الأسرة الواحدة، وقد شدد النبي في مصافحة النساء حتى جعل الطعن
(1) البخاري ومسلم والترمذي وأحمد وغيرهم. (2/232)
صفحة 857
فتاوى الزواج
233
بمخيط من حديد في الرأس أهون منه، وامتنع نفسه من مصافحة النساء حتى في المبايعة، وقد جعل الله فيه الأسوة الحسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، وكم وقع الناس في شر العواقب بسبب تساهلهم في هذه الأوامر والتوجيهات القرآنية والنبوية، ولو أنى كنت أسجل القضايا التي مرت بي من هذا القبيل لجاوزت ألف قضية، منها أن فتاة حملت من زوج خالتها، وأخرى مارست معه الفحشاء ولم يصل الأمر إلى الحمل، وامرأتين تآمرتا على قتل زوجيهما مع خليليهما في أسبوع واحد من شهر رمضان المبارك، أولا يكفي ذلك كله داعياً إلى التمسك بهذه الأخلاق الشرعية والتزام هذه
القيود الدينية؟! فكيف ينعت المتمسك بها بالتشدد؟!.
أما آية النور فهي دليل على جواز الأكل من بيوت أولئك، لا على التساهل في الاختلاط بين الجنسين من غير أن يكونوا محارم، على أن جميع من ذكروا في الآية من ذوي المحارم والله أعلم.
هل يمكن أن تحدثنا عن الهيكل الداخلي للأسرة؟
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد: فإن الله تبارك وتعالى خلق الإنسان خلقاً عجيباً، وفضله على غيره تفضيلاً، وسخر له منافع هذا الوجود، وخلق له الكائنات التي في هذه الأرض، وهذا الإنسان إنما فضل تفضيلاً على غيره، وأتي ما أتي من الملكات والطاقات لأجل أنه يضطلع بأعباء ومسؤوليات الخلافة التي شرفه الله تعالى بها، وهذه الخلافة لا يمكن أن تقوم مع تشتت الإنسان حياته، فحياة الإنسان حياة اجتماعية، لذلك كان لا بد من انتظام أفراده في سلك واحد يجمعهم، ومن أجل هذا شرع في الإسلام ما شرع من الزواج ومراعاة الحقوق الزوجية بين الزوجين، ومراعاة حقوق الآباء والأمهات
في. (2/233)
صفحة 858
234
يصلح
الفتاوى النكاح
على الأبناء والبنات، والعكس، ومراعاة حقوق القرابات على اختلافها، فإن الأسرة إنما هي نواة للمجتمع، بل هي المجتمع الأصغر، وبما أن الإنسان كائن اجتماعي فلا بد أن يكون عاملاً في إطار أسرته ومجتمعه وأمته، حتى يكون هنالك التكامل، وتكون الأسرة أسرة واحدة مترابطة يشد بعضها على يد بعض ويرعى بعضها بعضاً، ويحرص البعض على مصلحة البعض الآخر، وكذلك المجتمع، لأن هذا التكامل عندما يكون بين المجتمع يكون المجتمع مجتمعاً راقياً ناهضاً، وكذلك الأمة، فإن الأمة إنما تتحد وتتكامل إذا اتحدت آلامها وآمالها ومبادؤها وغاياتها، وصارت كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ()، فلذلك كان لزاماً أن شأن الأسرة، والله الله أوجد ما أوجد من الأحكام التي أقرها على رسله في كتبه، وجاء بيانها فائقاً كل بيان فيما أنزل على قلب نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام ـ، لأن الفطرة التي فطر عليها العباد إنما هي من عند الله والدين الذي بعث به رسله إنما هو - أيضاً ـ من عند الله، ونحن نرى كيف جاء الامتنان في كتاب الله بما الله هيئه لعباده من المناخ الأسري الذي يجد فيه الإنسان الطمأنينة وقرة العين واستقرار النفس وراحة البال فالله سبحانه يقول: {وَمِنْ عَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21]، وقال عز من قائل: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَتِ} [النحل: 72] فترون أن الله تعالى في آية سورة الروم يمتن على عباده بهذه الآية الكبرى، وهي أنه خلق لهم من أنفسهم أزواجاً من أجل السكون إليها، وترون دقة التعبير (1) رواه البخاري ومسلم. (2/234)
صفحة 859
فتاوى الزواج
235
في قوله سبحانه: مَنْ أَنفُسِكُمْ، ذلك لأن المرأة إنما هي من جنس الرجل، فلم يجعل الله سبحانه الرجل جنساً والمرأة جنساً آخر، وإنما جعل الاثنين نوعين يرجعان إلى جنس واحد، كل واحد منهما مكمل للآخر، ثم لم يكن مجرد هذا الخلق فحسب بل أوجد الله ما أوجد بينهما من أسباب الترابط والتراحم والتعاون على الخير والتكامل في شؤون الحياة، وذلك أنه جعل في قلبي الاثنين المودة والرحمة، فالرجل يحمل في قلبه مودة ورحمة لامرأته، والمرأة أيضاً في قلبها مودة ورحمة لزوجها، وبدون هذه المودة لا يمكن أن تكون الأسرة أسرة سعيدة، فلذلك كان من الضرورة بمكان أن يكون بين الزوجين التفاهم والتواد، وهذا يعني أن يكون كل واحد منهما متقرباً إلى الآخر، بحيث يعمل من الأعمال ما يجعل الآخر يحس بأنه ساع إلى اكتساب وده وراغب في نيل، محبته وأن تكون هذه المعاملة ليست حباً عاطفياً فحسب، بل هو حب إيماني، ولذلك تفيض هذه المعاملة بالرحمة التي جعلها الله الله فيما بين عباده المؤمنين.
هل يلزم الرجل عدالة إذا تزوج لأحد أولاده، فيعطي الآخرين مثله، وللأنثى نصف ذلك، وإذا كان هذه التزويج قبل حدوث الآخرين هل
تلزمه العدالة؟
العدالة
بين الأولاد في العطية واجبة بنص الحديث وتركها ظلم،
واختلف فيها فقيل هي بحسب الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين، وقيل لا فرق بين ذكر وأنثى، لأن هذه عطية وليست ميراثاً، واختلف في تزويج الأولاد الذكور هل هو حق لمن بلغ منهم على والدهم أو لا؟ وعلى الأول
فإن زوج من بلغ منهم فليس عليه لمن لم يبلغ ولا للإناث في مقابل ذلك حق لمن بلغ دون من لم يبلغ، وللذكر دون الأنثى، وإنما عليه
شيء
لأنه (2/235)
صفحة 860
أن
236
پيسر
الفتاوى النكاح
للإناث تزويحهن بالأكفاء، وأن لا يرزأهن من مهورهن شيئاً، وعلى
الثاني تجب العدالة بينهم وفق ما ذكرناه من قبل والله أعلم.
هل يجوز التقبيل بين أفراد العائلة الواحدة؟
لا يجوز التقبيل من الرجل للمرأة ولا العكس في غير المحارم على الإطلاق، أما بين المحارم فيجوز إن كان للتوقير والتعظيم أو للحرمة والإشفاق، كتقبيل الولد للوالد أو العكس على أن لا يكون في موضع إثارة الشهوة، وإنما يجب أن يكون حيث لا يكون مظنة للإثارة كتقبيل الرأس مثلاً.
الحضانة
وجدنا في شرح النيل للإمام القطب هذه الأبيات:
وما سقوطها لعذر قد بدا وارتفع العذر تعود أبداً وهي على المشهور لا تعود إن كان سقوطها بتزويج قرن فما مراده من هذين البيتين؟
مراده بذلك أن الحضانة إن سقط حق المرأة فيها لسبب عذر ثم ارتفع السبب عاد حقها فيها، وإن كان سقوطها من أجل الزواج ثم طلقت لم يعد وهو رأي المالكية والعاصمي صاحب النظم مالكي المذهب، وأكثر العلماء على أن حقها يعود إليها بالطلاق أو موت الزوج، ومنشأ الخلاف هل المراد بقول النبي صلى الله عليه وسلم «أنت أحق به ما لم تنكحي) التوقيت أو التعليل والثاني
أرجح والله أعلم.
(1) رواه أحمد بن حنبل وأبو داود. (2/236)
صفحة 861
فتاوى الزواج
237
المرأة المطلقة إن تزوجت فهل يبقى لها حق حضانة ولدها؟ أحق بحضانته ما لم تتزوج، فإن تزوجت سقط حقها من الحضانة إلا
هي
إن كان هنالك ما يدعو إلى بقائه معها والله أعلم.
ما قولكم في فتاة توفي أبوها فأصبحت تحت ولاية عمها، فصار هذا العم يعاملها بقسوة مما جعلها تكره العيش معه ولا تطيق البقاء عنده. فهل يصح أن تنتقل ولايتها إلى خالها فيقوم بجميع شؤونها وحتى
تزويجها؟
الولاية للعم وبإمكانها أن تسكن عند خالها، إذ الخال أيضاً له حق الحضانة، ولا بد من مراعاة مصلحتها في أولوية الحضانة، ولا يلزم أن يكون الحاضن ولياً والله أعلم.
ما
هي مدة حضانة الأم لأولادها ذكوراً وإناثاً؟
تراعى في ذلك مصلحة المحضون ذكراً كان أو أنثى، ومع التشاجر يجب أن يجتهد القاضي في رعاية مصلحة الطفل والله أعلم.
هل يجوز للرجل أن يتنازل عن حق حضانة ابنته لأمها إن تزوجت بعده مقابل أن تتحمل هي نفقتها؟
لا مانع من تنازله عن حضانة ابنته لأمها المتزوجة، سواء تحملت نفقتها أو لا والله أعلم.
هل يجوز اشتراط التنازل عن حضانة الأولاد مقابل الفدية؟
إن تراضي الطرفان بذلك فلا حرج في ذلك فمرد ذلك إليهما
والله أعلم. (2/237)
صفحة 862
238
الفتاوى النكاح
رجل طلق زوجته طلاقاً بائناً، ولديهما طفل صغير، فما مدة الحضانة وما مقدار النفقة اللازمة على الزوج؟
الأم أحق بحضانة الطفل ما لم تتزوج حتى يجاوز سن الحضانة، وقد اختلف في سن الحضانة والراجح أن العبرة لا بالسن ولكن بمصلحة الطفل، فمن كان أحسن تربية له ورعاية لمصالحه وتوجيهاً له في أمور دينه ودنياه كان أولى بأن يكون تحت كفالته، والنفقة تختلف في المقدار باختلاف البيئة ومتطلبات الإنفاق فيها والله أعلم.
إذا تزوجت المرأة بقريب من الطفل كعمه مثلاً فما هو الراجح في المذهب هل تسقط الحضانة أم لا؟
لم أجد من أصحابنا من فرق بين كون زوج الأم نسيباً للطفل أو غير نسيب في إسقاط حقها من الحضانة بزواجها، وإنما هو رأي لبعض المالكية والحنفية والحنابلة على اختلاف بينهم، هل هو مطلق النسب أو شرط أن يكون ذا رحم أو شرط الولادة؟ والله أعلم.
ما معنى قول الشيخ السالمي في جوهره
وقال بعض أمه أولى به في كل حال وهو من صوابه يرى الإمام السالمي حمدالله أن الأم أحق بحضانة الولد على أي حال ولو تزوجت، وهو قول مروي عن الحسن البصري، وذهب إليه ابن حزم وهو رواية عن أحمد في الطفلة دون الطفل - أي في الأنثى دون الذكر، ولم أجد قول الإمام السالمي لأحد من قبله من علماء المذهب، وإنما كان يذهب مذهبه من شيوخنا العلامة الجليل الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري (1) ما سمعت منه مشافهة والله أعلم.
(1) هو مفتي سلطنة عُمان سابقاً توفي سنة 1395 هـ. (2/238)
صفحة 863
فتاوى الزواج
239
جاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم «أنت أحق به ما لم تنكحي» فهل تحد هذه الأحقية بمدة معلومة؟
لم يأت في السنة دليل على أن أحقية الأم بالحضانة موقوتة بزمان من عمر الطفل، وإنما تلك اجتهادات من العلماء، والأخذ بما دلت عليه السنة أولى، إلا إن كانت في ذلك مصلحة متعينة للطفل كالتعليم وحسن التربية، فإن مدار الأحكام الشرعية على مراعاة مصالح البشر والله أعلم.
هل رواية تخيير الطفل بين أبويه صحيحة؟ وهل تحد بزمن؟
رواية تخيير الطفل بين أبويه أكثرها موقوفة على الصحابة ـ رضوان الله عليهم.، فقد روى ذلك موقوفاً على أبي بكر وعمر وعلي ولم أجده مرفوعاً إلا في رواية أبي هريرة والله أعلم.
إذا كان المولود ذكراً أو أنثى مقيماً مع أمه وهو بالغ وأبوه يطلبه وهو يختار البقاء أمه، مع فهل يجبر أن يذهب مع أبيه أو يترك مع أمه على حسب اختياره، ما لم تتزوج الأم أو يصح تقصيرها؟ الأنثى أولى بها أمها حتى تتزوج لحاجتها إلى رعايتها وتعليمها ما يتعذر على الأب أن يعلمها إياه، والذكر إن بلغ فهو حر إن أراد البقاء أو الانتقال إلى أبيه أو الاستقلال بنفسه والله اعلم.
مع
أمه
في يتيمة عمرها ثمان سنين تزوجت أمها وعندها جدة لأم وجد لأب فمن أحق بحضانتها من هؤلاء الثلاثة؟
ينظر القاضي الشرعي أيهما أرعى لمصلحة الطفلة فمن كان منهما أرعى لمصلحة الطفلة فهو أحق بها والله أعلم.
ما تقول في رجل قد توفي وترك أطفالاً، منهم من بلغ سن الرشد ومنهم (2/239)
صفحة 864
240
الفتاوى النكاح
من لا يزال صغيراً، فالأولاد الآن عند أمهم وأخيهم البالغ، وجد الأولاد يرغب أن يكونوا تحت رعايته وذلك بعد أن تزوجت أمهم زوجاً آخر، وكذلك أخوهم البالغ يرغب أن يكونوا تحت رعايته، فمن الأولى برعايتهم؟
الأم أولى بالحضانة ما لم تتزوج فإن تزوجت أسقطت حضانتها، لحديث أنتِ أحق به ما لم تنكحي، اللهم إلا أن يتفق الجميع على أن يظلوا مع أمهم فلا مانع من ذلك، ولست أدري ما القصد بالجد في السؤال، هل المراد به أبو الأب أو أبو الأم؟ فإن كان المراد به أبا الأب فهو أولى من الأخ البالغ بالحضانة، وإلا فالأخ أولى في بعض القول، وبالجملة فإن المسألة خلافاً طويل الذيل لا يطويه إلا حكم القاضي الشرعي، أو اتفاق الجانبين على رأي والله أعلم.
في
يبقى مع
فيمن طلق زوجته وله منها ابن بلغ من العمر ثلاث عشرة سنة، أدبه أبوه وعلمه مبادئ العلوم وأخذته أمه إلى أهلها ولما طلبه أبوه أصر أن أمه، فبقي معها وأضاع علمه الذي تعلمه وتخلق بأخلاق سيئة، فهل يجبره الشرع الشريف أن يكون عند أبيه نظراً إلى مصلحته؟، وقد زوجه أبوه بابنة خاله ودفع مهرها، فهل يجبر أبوها على تسليمها إلى الولد عند الأب؟
إذا كان بقاء الولد أمه المطلقة تترتب عليه مفاسد خلقية لفساد البيئة مع فإن إجباره على السكني مع أبيه من ضمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الواجبين على كل من يؤمن بالله واليوم الآخر، وعليه فيجب على من تولى فصل الأحكام الشرعية أن يعين الوالد على إنقاذ فلذة كبده من الهلكة،
(1) رواه الإمام الربيع. (2/240)
صفحة 865
فتاوى الزواج
241
لدخول هذه الإعانة تحت مدلول قول الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى * [المائدة: 2]، وأي بر وأي تقوى أعظم من إنقاذ الإنسان نفسه وولده وأهله من نار الآخرة، والله تعالى يقول: {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6]، أما إجبار الأب على تسليم ابنته إلى زوجها وهو في بيت والده، فإن كان التزويج تأسس على ذلك ولا مضرة دينية أو دنيوية تترتب على ذلك فهو سائغ، وإلا
فلا والله أعلم. (2/241)
صفحة 866
242
الفتاوى النكاح
النسب:
ما قولكم في ابنة الزنى هل يصح أن تنسب إلى من زنى بأمها، خاصة أن بعض المعاملات الرسمية تتطلب إثبات شخصيتها، علماً أن ذلك بموافقة الرجل نفسه؟
يتم
قال النبي صلى الله عليه وسلم «الولد للفراش وللعاهر الحجر» (1)، وهذا يعني أنه لا حق للعاهر - أي الزاني - في ولد الزنى ولو تكون من مائة، فلا ينتسب إليه ولا يرث أحدهما الآخر، ولا ولاية له عليه سواء كان الولد ذكراً أم أنثى، وقوله صلى الله عليه وسلم «وللعاهر الحجر» يعني أن حظ الزاني الرجم، وقيل المراد به أنه خائب من كل شيء فلا نصيب له في الولد، وقد أنكر المسلمون على معاوية استلحاقه زياد بن أبيه ونسبته إلى أبي سفيان بسبب الزني، وعدوا ذلك من مخالفاته لأحكام الله وأحكام رسوله والله أعلم.
رجل زنى بامرأة وحملت منه ثم وضعت حملها، وقد جاء هذا الرجل يطلب الطفلة، علماً بأن المرأة قد تزوجت برجل آخر. فهل له المطالبة
بهذه الطفلة؟
إن كانت حملت منه سفاحاً فالابنة التي وضعتها ابنة أمها، لأن الولد من السفاح لا يلحق المسافح لحديث الولد للفراش وللعاهر الحجر»، فإن كانت المسافحة فراشاً لأحد ألحق به ما ولدت من السفاح، وإلا ألحق بها وحدها، وبما أن هذه الأم عندما حملت لم تكن فراشاً لأحد فالابنة ابنتها وليس للزاني إلّا الحجر والله أعلم.
(1) رواه الإمام الربيع والبخاري ومسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وابن ماجه. (2/242)
صفحة 867
فتاوى الزواج
243
امرأة هربت مع أحد الهنود إلى بلده وتزوجها هناك، وقد حملت منه، والمرأة
قد طلبت الطلاق من هذا الرجل فلمن ينسب الولد الذي حملت به؟ إن كانت تزوجت بذلك الهندي - ولو كان الزواج مشتبهاً فيه ـ فالولد للفراش ـ أي ينسب إليه ـ، ولا بد من طلاق حتى تنفصل عنه والله أعلم.
فيمن زنى بامرأة وولدت منه فهل يصبح المولود ابناً شرعياً له ويكون بينهما توارث؟ حيث إن الرجل تزوج المرأة بعدما تبين حملها؟
لا يصح الزواج في حالة الحمل، والولد للفراش وللعاهر الحجر (1) بنص الحديث، وعليه فلا يكون ذلك المولود ابناً شرعياً للزاني، وليس بينهما توارث والله أعلم.
هل يجوز أن ينسب ابن الزنى إلى الزاني أو أن ينسب إلى زوج الذي تزوجها بعد وقوع الزنى؟
أمه
«الولد للفراش وللعاهر الحجر» بنص الحديث، فلا مجال لنسب ابن الزنى إلى الزاني ولا إلى زوج أمه الذي تزوجها فيما بعد، أما زوجها الذي ولد على فراشه فهو الذي ينسب إليه في الحكم الشرعي ولو تكون من غير مائه، وإن لم تكن الأم ذات زوج عندما ولدته فهو ابن أمه والله أعلم.
امرأة طلقها زوجها، ثم تزوجت برجل آخر، وبعد ستة أشهر وضعت مولوداً فلمن يكون هذا الولد هل للزوج الأول أم الثاني؟ وهل تبقى علاقة بين الزوج الأول وبين هذه المرأة بسبب هذا الولد؟
أما المرأة فلا علاقة لمطلقها بها، فإن كانت ولدت بعد ستة أشهر من
(1) رواه الإمام الربيع والبخاري ومسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وابن ماجه. (2/243)
صفحة 868
244
الفتاوى النكاح
زواج الثاني بها فهي زوجته والولد ولده وإن ولدته قبل مضي ستة أشهر منذ زواجه بها فالزواج باطل والولد ولد الأول والله أعلم.
رجل سافر عن زوجته ثلاث سنوات وعند رجوعه وجدها حامل في الشهر السابع فقاما باجهاضه ثم قتلاه وقاما بدفنه فما يلزمهما، وما حكم العلاقة الزوجية بينهما؟
بئس ما فعلاه، وعليهما التوبة إلى الله مع دفع دية الولد (1) إلى غيرهما من الورثة، وأما المرأة فإن كانت لم تعترف عند الزوج بالزني فإنها لا تحرم عليه، لأن الولد للفراش والله أعلم.
رجل زنى بامرأة مطلقة فحملت منه، فهل يلحق الولد بالمطلق أم بالزاني؟ جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم «الولد للفراش وللعاهر الحجر» وعليه فإن هذا الولد لا يلحق الزاني، وإنما يلحق بالمطلق إن كانت مدة اللحاق لم تنته - وهي سنتان - على رأي أكثر العلماء الغابرين وإن انتهت المدة فالولد ولد أمه، ولا علاقة للزاني به شرعاً وإن كان من مائة والله أعلم.
رجل متزوج منذ ثلاث سنين ولم ينجب، فلما ذهبا للطبيب تبين له أنه مصاب بالعقم، ثم بعد سنة حملت المرأة فشك الزوج واتهمها بالزنا، وقال لها: اذهبي إلى بيت أهلك وحاولت الزوجة تبرئة نفسها ولكنه لم يقتنع، والآن قاربت المرأة على وضع حملها والرجل متحير بين الطلاق والإمساك. فهل إذا طلقها يعتبر الولد ولده وتلزمه نفقته أم لا، وهل له أن يلا عنها؟ «الولد للفراش وللعاهر الحجر» هذا هو الحكم الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم،
(1) هي غرة عبد أو أمة. (2/244)
صفحة 869
فتاوى الزواج
245
وقد أجمعت الأمة عليه، فلا مخلص له من الولد سواء طلقها أم لم يطلقها، فهو ولده تلزمه نفقته ويرث كل منهما الآخر إذا مات، ولا يجوز له أن يتخلص من الولد باللعان لأنه لم يشاهدها تزني وإنما يبني لعانه على قول طبيب لا يؤمن منه الكذب والخطأ والوهم فليتق الله وليمسك عليه زوجه وليحسن إليها وإلى ولده والله أعلم.
فيمن زنى بامرأة نصرانية فولدت له ولداً ثم توفي بعد مدة، فهل يلحق هذا الطفل بأبيه؟ وهل يدفن في مقابر المسلمين أم في مقابر
النصارى؟
هو ابن امه لأن الولد لا يلحق إلّا بنكاح شرعي، أما الزنى فلا يثبت به اللحوق وهو في الحياة الدنيا تبع لأمه في الأحكام فإن مات دفن في مقابر أهل ملتها والله أعلم.
إلى من ينسب ابن الزنى سواء عرفت أمه أو لم تعرف؟
يقال في الحالين هو «فلان بن أبيه ولا ينسب إلى أب معين، ولو كان الزاني بأمه معروفاً، للحديث الصحيح «الولد للفراش وللعاهر الحجر» فإن كانت أمه معروفة كان بينه وبينها من العلاقة النسبية ما يكون بين سائر الأولاد وأمهاتهم، وإلا كان مجهول النسب من الجانبين والله أعلم.
ما قولكم فيمن طلق زوجته مرة واحدة فراجعها، ثم طلقها طلقة ثانية فراجعها كذلك، ثم إنه طلقها طلقة ثالثة فلما رأى أنها خرجت عنه وأنه لا سبيل له إليها، تحايل في الفتوى حتى راجعها فطلبه القاضي هو والمرأة واعترفا بالمعاشرة بعد وقوع الطلاق الثالث، فقام القاضي (2/245)
صفحة 870
246
الفتاوى النكاح
بسجنه، غير أن المرأة حملت منه بمعاشرته بعد الطلاق فلمن يكون هذا الولد هل لأمه أم ينسب للزوج؟
تستمر مدة اللحوق إلى عامين. وعليه فالولد ولده لأن الولد للفراش وللعاهر الحجر والله أعلم.
رجل عقد الزواج بامرأة في شهر مايو من عام 1999 م، وبنى عليها في
19
شهر سبتمبر من عام 2000 م، أي بعد سنة وشهرين، وبعد مضي يوماً من دخوله عليها وضعت طفلاً ذكراً في منزل أهلها أثناء غيابه، وعندما علم الزوج بهذا الأمر طلقها، وبعد الأخذ والرد تبين أن رجلاً آخر زنا بها واعترفت المرأة بذلك.
لمن يكن الولد هل للزاني أم الأم أم الرجل الذي طلقها؟ وهل يلزم المطلق أي نفقة؟
العبرة في الأحكام الشرعية بالشهور القمرية لا بمايو ولا سبتمبر ولا غيرهما، قال تعالى: {يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَج) [البقرة: 189] وقال: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَبٍ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُم ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [التوبة: 36]، أي أشهر حرم في سبتمبر أو مايو أو نحوهما، وأما من تزوج فولد له بعد مدة قصيرة، فالنظر أولاً فى إمكان لقائه بها بعد العقد، فإن أمكن اللقاء وولدت بعد ستة أشهر قمرية منذ العقد فالولد ولده، لاحتمال أن يكون باشرها بعد العقد عليها، وإن كان متعذراً لقاؤهما فالعبرة بالدخول، فمن ولدته بعد ستة أشهر منذ الدخول بها فهو ولده ومن ولده قبل ستة أشهر في الصورتين فهو ابن أمه، ولا يلحق به ولا بالزاني فإن اللحوق لا يكون إلا
6 (2/246)
صفحة 871
فتاوى الزواج
247
بالزواج دون الزنا، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: الولد للفراش وللعاهر الحجر)، اللهم إلا أن تكون ذات زوج من قبل، ولم تنقضه مدة اللحوق منذ فارقها إلى أن ولدت، فالولد في هذه الحالة ولده حكماً والله أعلم.
فيمن تزوج امرأة، وبعد خمسة أشهر من دخوله عليها وضعت ولداً، فما الحكم في هذه القضية؟
إن وضعته قبل مضي ستة أشهر منذ عقد عليها وأمكنت خلوته بها فالولد يتبع الزوج الذي قبله، إن كانت المرأة مطلقة أو مميتة ولم تنقطع مدة أمه إن كان الأمر بخلاف ذلك، ولا خلاف في هذه الحالة أن
اللحوق، ويتبع زواجه بها باطل، لأنه ثبت أنه تزوجها وهي حامل، وإنما الخلاف في جواز تجديد عقده عليها، فقيل تحرم عليه إلى الأبد، وقيل يحل له تزوجها من جديد إن كان كل منهما غير عالم بالحمل، ولم يطأها بعد علمهما به أو علم أحدهما، وكان الحمل يتبع زوجاً سابقاً وبدون ذلك تحرم عليه إلى الأبد
والله أعلم.
امرأة قذفها زوجها قبل الدخول بها وقد مضى على العقد سنة ونصف، وهي الآن حامل وتطالبه بالنفقة والرجل ينكر الدخول وينفي عنه الولد
فما الحكم؟
إن كان في وضع يمكن معه أن يلتقي بها ويعاشرها فالولد يلحقه بمجرد العقد، ولا مناص له منه إلا إن تخلص منه بلعان والله أعلم.
رجل زنى بامرأة ثم تزوجها، وبعد سنة وضعت بولد فما حكم هذا الزواج ولمن يكون هذا الولد علماً أنه تكون قبل العقد؟
إن كانا معترفين بالزنا فالنكاح باطل، وأما الولد فللفراش ـ ولو كان (2/247)
صفحة 872
248
الفتاوى النكاح
الأمر كذلك ـ: إن جاءت به بعد ستة أشهر من الزواج، لأجل الشبهة والله أولى بأمرهما والله أعلم.
عن رجل تزوج بامرأة وبعد خمسة أشهر وخمسة عشر يوماً من عقده عليها وضعت بولد فما قولكم في ذلك؟
الزواج باطل، والولد لأبيه إن كان يلحق زوجاً سابقاً وإلا فهو ابن أمه، واختلف في جوازها لمن تزوج بها في الحمل بعقد جديد بعد وضع
:
أن
حملها، فقيل: تحرم عليه حرمة أبدية، وقيل تجوز له بأربعة شروط وهي: لا يكون عالماً بالحمل وأن لا تكون عالمة به، وأن لا يطأها بعد علمهما أو أحدهما بالحمل، وأن يكون الحمل تابعاً لزوج سابق والله أعلم.
علم
رجل تزوج ابنة عمه فولدت له ولداً، ثم حملت بآخر والزوج في سفر، ثم أن الزوج رجع من سفره بعدما وضعت زوجته، فقام بتطليقها ولم يعترف ببنوة الولد بحجة أنه لم يباشرها قبل سفره، فما الحكم الشرعي في ذلك؟
ما دام ولد على فراش ذلك الرجل الذي تزوج أمه فهو ولده شرعاً، ولا محيص له عنه والله أعلم.
فيمن ساءت العشرة بينه وبين زوجته وله منها خمسة أولاد، وقد زعمت بأن اثنين من الأولاد ليسا منه، وإنما هما من الزني، والآن تطلب منه الطلاق فهل يصح إمساكها بعد ذلك، وما حكم الولدين اللذين زعمت أنهما من الزني؟
قولها ذلك لا ينفي عنه الولدين بل هما ولداه فالولد للفراش وللعاهر الحجر» وإن لم يصدقها في دعواها الزنى فليمسكها ولا حرج عليه والله أعلم. (2/248)
صفحة 873
فتاوى الزواج
249
فيمن تزوج امرأة بإذن خالها ودون وليها فولدت له ثم طلقها فهل ينسب
الأولاد إلى هذا الزوج؟
هم أولاده، لأن نكاح الشبهة يترتب عليه اللحوق والله أعلم.
رجل تبنى ابن أخت زوجته الذي ولدته بالزنى من شخص آخر فهل تبنيه لهذا الطفل يحرم عليه زوجته؟
التبني باطل، والزوجة لا تحرم بذلك والله أعلم.
ما قولكم في امرأة تزوجت برجل في شهر رمضان وقد سافر عنها ولم يدخل بها، وبعد انقضاء عشرة أشهر منذ العقد ظهر بها حمل، فقالت غصبني فلان في شهر الحج وهذا الحمل منه، وفعلاً حاكمته مع القاضي فحكم بينهما بأن حلف المدعى عليه الغصب - بعد عدم البينة - يميناً بالله أنه ما غصبها، فبقي الحمل هل حكمه لأبيه الشرعي حيث إنها فراش له وللعاهر الحجر، أو حكمه لأمه حيث إنها اعترفت بعدم الدخول وادعت الغصب وأن الحمل من الغاصب والمرأة بكر، أرأيت لو اتفق الزوج مع المرأة على عدم الدخول والمواقعة فهل ينتفي الولد عن أبيه في الحكم أم لا ينتفي؟
اختلف العلماء في إلحاق الولد بالفراش، هل يكون بالعقد أو بالدخول؟ والجمهور على القول الأول، وهو الصحيح، غير أنه لا بد من التقييد بأن يمكن اللقاء بينهما، فمن تزوج امرأة وكان هو في بلد وهي في بلدة أخرى، ولم يسافر إليها ولم تسافر إليه لم يلحق به الولد، وفي هذه المسألة ينظر هل بقي بعد عقد الزواج عليها مدة في البلد بحيث يمكنهما اللقاء؟ فإن كان كذلك ألحق به الولد وإن سافر فور العقد بحيث لم يمض من الزمن مقدار ما يمكنهما فيه اللقاء لم يلحق به والله أعلم. (2/249)
صفحة 874
250
الفتاوى النكاح
مسائل متنوعة في الزواج:
فيمن اندرجت من مذهبنا إلى المذهب الشيعي فأرادت الزواج برجل من نفس مذهبها فلمن ترجع في إتمام الزواج؟ هل لمذهبها السابق أم لمذهبها الذي عليه الآن؟
أما أمر الولاية إن كان لأوليائها موقف فيرجع إلى القضاء الشرعي، وأما طريقة الزواج فكل يعمل بمذهبه والله أعلم.
خرج رجل وزوجته للنذر لمسجد أو لعين جهلاً منهما، فهل تحرم عليه
زوجته؟
إن سارا معاً معتقدين نفعاً من العين أو قدرة على رفع الضراء فهما معاً مرتدان عن الإسلام وإن عادا إلى الإسلام فقيل يبقيان على زواجهما بالعقد السابق، وقيل يجددان العقد، وأما إن أسلم أحدهما وظل الآخر على ردته فتنحل بينهما عقد النكاح وكذلك إن كان المسير من أحدهما وظل الآخر على ردته فتنحل بينهما عقدة النكاح وكذلك إن كان المسير من أحدهما استمساك الآخر بالإسلام، فإن المرتد لا يحل للمسلمة ولا العكس
مع
والله أعلم.
هل يجوز النوم بعد الجماع مباشرة بدون غسل ولا وضوء؟
يکره ذلك، وإنما يؤمر بالاستنجاء، والوضوء، واستكفى بعضهم بالمضمضة والاستنشاق بعد الاستنجاء والله أعلم.
هل يجب غسل الذكر والفرج لإعادة الجماع؟
يندب ذلك، وهو أطيب لهما والله أعلم. (2/250)
صفحة 875
ما حكم الإسلام في زواج الأقارب؟
فتاوى الزواج
251
جاء في بعض الروايات الترغيب في الإبعاد في الزواج لئلا يضعف الولد، ولكن الرواية بذلك ضعيفة عند علماء الحديث، فلذلك لم يأخذ بها الفقهاء والله أعلم.
فيمن جامعها زوجها وهو سكران فهل يلحقها إثم من ذلك؟
لا إثم عليها، وأما الرجل فلا يأثم بالجماع وإنما يأثم بالسكر والله أعلم. (2/251)
صفحة 876
[صفحة فارغة] (2/252)
صفحة 877
فتاوى الفراق (2/253)
صفحة 878
[صفحة فارغة] (2/254)
صفحة 879
الطلاق الرجعي
فتاوى الفراق
255
زوجي كان يستعد للسفر فذهب إلى البيت لكي يأخذ بعض الأغراض وينقلها إلى بيت أهلي، فحدثت مشاجرة بينه وبين أختي فقالت له: ماذا تعمل بأغراض أختي؟ هل يعني هذا أنك طلقتها؟ فسكت عنها فكررت عليه السؤال، فرد عليها بغضب نعم طلقتها، علماً أن ذلك تم في غيابي، فهل يثبت هذا الطلاق؟
جاء في الحديث «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والعتاق ولا يتوقف الطلاق على حضور المطلقة ولا الإشهاد، وعليه فإنك قد طلقت بكلام زوجك هذا طلقة واحدة فإن لم تكن هذه الطلقة مسبوقة بطلقتين من قبل فلا مانع من أن يراجعك، وطريقة المراجعة أن يشهد شاهدين في خلال العدة قبل انتهائها أنه راجعك بصداقك وعلى ما بقي من طلاقك ويخبرك الشاهدان بذلك قبل الجماع والله أعلم.
فيمن ادعت على زوجها أنه طلقها بالثلاث فأنكر طلاقها البتة، وقال: إن
كانت تريد الطلاق فأنا الآن أطلقها فهل تطلق بذلك ثلاثاً أم طلقة؟ طلقت بذلك طلقة واحدة إلا إن كانت صادقة في قولها أنه طلقها ثلاثاً ففي هذه الحالة تكون طالقاً بالثلاث من حيث الدينونة وأما من حيث الحكم الظاهر فالقول قوله مع يمينه إلّا إن تعززت دعواها ببينة، والله أعلم.
قلت:
زوجتي طالق وذلك في غيابها بحضور أشخاص ولا أنكر ذلك،
فهل تطلق بهذا علماً أنني لم أطلقها وهل يصح لي مراجعتها؟
كيف تقول إنك لم تطلق وقد قلت امرأتك طالق فما هو الطلاق في نظرك؟ ولا فرق بين أن يكون الطلاق أمام المرأة أو في غيابها، وإن (2/255)
صفحة 880
256
الفتاوى النكاح
كانت لا تزال في العدة والطلاق رجعي فلك مراجعتها في أثناء العدة بصداقها وعلى ما بقي من طلاقها وذلك بإشهاد شاهدين على ذلك
والله أعلم. فيمن طلق زوجته طلاقاً واحداً وبعد أن مضى شهر من طلاقها أراد مراجعتها فهل يصح له ذلك؟
إن كانت هذه الطلقة غير مسبوقة بطلقتين من قبل فله أن يراجعها بأن يشهد شاهدين أنه راجعها بصداقها وعلى ما بقي من طلاقها ويخبرها الشاهدان بالرجعة قبل أن يجامعها الزوج، ولا بد من أن تكون الرجعة قبل انتهاء عدتها، أما بعد العدة فهو كواحد من الخطاب لا تحل له إلا بعقد مع جميع لوازمه الشرعية وهي رضاها وإذن وليها وصداق جديد وبينة، وعدة المطلقة الحائض - أي التي تحيض عادة ـ ثلاثة قروء ـ أي ثلاث حيض ـ وقبل انتهائها تجوز للزوج مراجعتها كما ذكرنا، أما الآيس والصبية فعدتهما ثلاثة أشهر، والحامل عدتها وضع حملها سواء طالت المدة أم قصرت والله أعلم.
جديد
طلقت زوجتي وأنا في حالة غضب شديد، حتى أني لا أدري أطلقتها مرة واحدة أم أكثر فهل لي مراجعتها على هذه الحالة؟
الأصل في الطلاق أنه طلاق واحد حتى يثبت خلاف ذلك، وعليه فلا مانع من مراجعتك إياها ما دمت لا تعلم أنك طلقتها أكثر من طلقة ولم تقم عليك الحجة بخلاف ذلك، ولم تكن هذه الطلقة مسبوقة بطلقتين من قبل، وإذا كانت هي لا تزال في عدة الطلاق فلك أن تراجعها بإشهاد شاهدين أنك ردتتها إلى عصمة الزوجية بصداقها وعلى ما بقي من طلاقها، أما إن كانت (2/256)
صفحة 881
فتاوى الفراق
257
العدة قد انتهت فلا بد من عقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية وهي رضاها وإذن وليها وصداق جديد وبينة، والعدة هي ثلاثة قروء، أي ثلاث حيض
على الراجح والله أعلم.
طلقت زوجتي
طلقة
واحدة ثم راجعتها بعقد جديد، وبعد مدة حدث سوء تفاهم بيني وبينها فكتبت إلى إخوتها بطلاق أختهم فهل يصح لي بعد ذلك مراجعتها؟
الظاهر أنك طلقتها أولاً طلقة واحدة ثم طلقتها مرة أخرى طلقة ثانية، وعليه فإن كانت لا تزال في عدتها فلا عليك إن شئت أن تراجعها بإشهاد شاهدين أنك راجعتها بصداقها وعلى ما بقي من طلاقها ويخبرها الشاهدان بذلك قبل أن تباشرها، وأما بعد عدتها فلا بد من عقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية والله أعلم.
فيمن طلق زوجته طلقة واحدة ثم راجعها ثم كتب لها رسالة كتب فيها تحرمين عليّ وتحلين على أي رجل من بعدي» فهل تطلق بذلك مع قصده الطلاق وهل له مراجعتها؟
تطلق بهذا طلقة ثانية، وقد افترى على الله مرتين مرة بتحريمها على نفسه ومرة بتحليلها لغيره، فإن في كلا الأمرين رداً لحكم الله الذي جاء به قوله: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَرِهِنَّ فِي ذَلِكَ} [البقرة: 228] فمن أين صارت حراماً عليه؟ ومن أين صارت حلالاً لغيره؟ فعليه التوبة إلى الله من كلا الأمرين وأن يكفر كفارتين ولا مانع من مراجعتها والله أعلم. (2/257)
صفحة 882
258
الفتاوى النكاح
رجل تزوج امرأة ودخل بها ثم تبين له أنها ليست بكراً وأنها مصابة بالصرع فطلقها فهل يحل له المطالبة باسترجاع المهر؟
بما أنه طلقها فقد ملك السهم قصده ولا دعوى بينهما، وإنما عليه أن يوفيها حقها والله أعلم.
هل يجوز للرجل تطليق زوجته وهي حامل؟
يجوز تطليقها وهي حامل، فإن أراد ذلك فليطلقها طلقة واحدة بقوله لها أنت طالق وذلك بحضرة شاهدين وكفى والله أعلم.
حلفت على زوجتي يمين الطلاق قائلاً لها: أنت طالق طالق» فهل يجوز لى مراجعتها؟
هذا إنشاء للطلاق وليس يمين، طلاق وتطلق به المرأة تطليقتين إن قصدت بالتكرار التأسيس وهو إنشاء طلاق جديد في الثانية لأن الطلاق يتبع الطلاق ما دامت المرأة في العدة، وتطلق به طلقة واحدة إن لم تقصد به التأسيس حملاً له على التأكيد، وعلى الأول فتحل لك مراجعتها إن لم تطلقها قط قبل هذه الطلقة، وعلى الأخيرة تحل لك إن كنت لم تطلقها تطليقتين والله أعلم.
قلت لزوجتي: «والله إن خرجت من باب البيت اعتبري نفسك طالقة». وكنت أقصد بذلك تهديدها وتخويفها عن الخروج فهل يعتبر ذلك طلاقاً؟ الأحوط لك أن تراجع زوجتك رجعة شرعية، لأن قولك: اعتبري نفسك طالقة يحتمل الإنشاء أي إنشاء، طلاق، وفي هذه الحالة تعد هذه طلقة واحدة والله أعلم. (2/258)
صفحة 883
فتاوى الفراق
259
ما قولكم فيمن طلق زوجته وبعد خمس سنوات أراد أن يتزوجها من جديد فهل يصح له ذلك؟ إن كان لم يطلقها ثلاثاً فلا مانع أن يتزوجها بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية وهي رضاها وإذن وليها وصداق جديد وبينة) والله أعلم.
وقع خلاف بيني وبين زوجتي بسبب أحد الأولاد، وكنت أنصحه لأمور دينه والمواظبة على الدراسة فرد عليَّ بكلام غير لائق وغضبت عليه فضربته، فتدخلت والدته تدافع عنه، وأنا في حالة غضب شديد قلت لها: طالق بأربع» علماً أنني أعاني من مرض الضغط والسكر، وأثناء ذلك اشتد علي المرض فقلت بذلك اللفظ، وكان قصدي أن أطلقها طلقة واحدة، وهذا لأول مرة يحدث بيننا علماً أنني لدي منها عشرة أولاد
أرجو الإفادة من سماحتكم هل يعتبر هذا طلاق وهل لي الرجوع؟ إن كنت قصدت أن تقول لها: أنت طالق فانفلت منك كلمة لم تقصد النطق بها فإنها تطلق واحدة كما قصدت ولك أن تراجعها إن كانت هذه الطلقة غير مسبوقة بطلقتين من قبل، وإن قصدت النطق بقولك بأربع ولو
لم
تقصد معناه فقد بانت منك بالثلاث وما زاد فوزر عليك، وفي الحالة لا تملك رجعتها ولا تحل لك حتى تنكح زوجاً آخر نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: «مطلقة فلانة بنت فلان تحرمي عليَّ وتحلي على أي
زوج تريدينه والآن يريد مراجعتها فهل له ذلك؟
بئس ما قال فقد جاء أمراً إذا إذ تجرأ على الله بالكفر مرتين، مرة بقوله:
(1) البينة: الشهود. (2/259)
صفحة 884
260
الفتاوى النكاح
«تحرمين عليَّ ومن حرم ما أحل الله فقد كفر، كيف والله يقول: {وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَبِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} [البقرة: (228] فما باله يزعم تحريمها عليه؟! ومرة بقوله: «وتحلين لأي رجل تريدينه فمن أين له ذلك؟! والله فرض عليها عدة شرعية لا تحل لرجل آخر إلا بانتهائها، وذلك ما نص عليه قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: (228] فهل يسقط هو ما فرض الله من عدة؟ «قتل الإنسان ما أكفره ألا فليتب هذا الأرعن من هذه الورطة الكبرى وليشفق على نفسه من عذاب ربه، أو لم يقرع مسامعه قول الله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِنَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116] وأما مراجعته لها فحكمها مبني على قصده من الهراء الذي جاء به، فإن قصد بالتحريم طلاقاً ثانياً فهي طلقة ثانية، وإن قصد به بينونة كبرى بانت به بالثلاث ولم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، وإن قصد به ظهاراً فهو ظهار وعليه كفارته قبل وطئها ولو، راجعها، وإن لم يكن له قصد فحكمه حكم اليمين وعليه كفارة يمين وله في هذه الحالة مراجعتها إن لم يكن هذا الطلاق مسبوقاً بطلاقين من قبل والله أعلم.
وو
رجل كتب لزوجته رسالة جاء فيها: «فلانة مطلقة بتاريخ كذا بلا رجعة». فهل له مراجعتها؟
طلقة
إن قصد بذلك أنها طالق بالثلاث فهي ثلاث ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، وإن كان لم يقصد ذلك فهي واحدة وله أن يراجعها إن كانت غير مسبوقة بطلقتين من قبل والله أعلم.
فيمن طلقها زوجها طلاقاً رجعياً ولها أولاد فهل تبقى في بيت زوجها مع أولادها إن سمح لها بذلك أم ليس لها ذلك؟ (2/260)
صفحة 885
فتاوى الفراق
261
أما
في أثناء العدة فتبقى في بيت الزوج، وأما بعد ذلك فلا إلا إن خصص لها ولأولادها مكاناً خاصاً بحيث لا يختلط بها، فلا مانع من أن تقيم حينئذ مع أولادها لأجل الحفاظ على مصلحتهم والله أعلم.
تزوجت امرأة على حسب رغبة الأهل مع عدم اقتناعي بهذه الزوجة، وبعد مرور الأيام ظهرت المشكلات التي كانت متوقعة، وفي لحظة غضب رفعت سماعة الهاتف وأضمرت في نفسي أن أقوم بتطليقها، ولا أدري هل تلفظت بذلك أم لا ثم تراجعت ولم أخبرها بما وقع فهل يقع بذلك طلاق؟
منك
إن كنت نطقت بما يدل على تطليق امرأتك بصريح العبارة فهي طالق، وذلك إن كنت فهت بالطلاق بلسانك ولو لم تكن هي حاضرة ولم يكن أحد سواك حاضراً، فإن نطقك بالطلاق حل للعقدة التي تربط بينكما، وإن أردت في هذه الحالة إعادتها إلى عصمة الزواج فلا بد من أن تراجعها بإشهاد شاهدين على الرجعة ويخبرها بذلك الشاهدان ويكون ذلك في خلال عدتها، وإن كنت لم تنطق بالطلاق فلا يقع الطلاق ولو أضمرته في نفسك
والله أعلم.
ما قولكم في رجل متزوج وقد عاش مع زوجته سنين طويلة، ثم تزوج الرجل بامرأة أخرى وطلق زوجته الأولى، وكان قصده من طلاقه حرمان زوجته من ميراثه، وقد أقر أمام أهل الزوجة بذلك. فهل يثبت الطلاق وهو على هذه النية؟
يقع الطلاق وإن إثم المطلق بسوء نيته والله أعلم. (2/261)
صفحة 886
262
الفتاوى النكاح
كأنما
طلاق الثلاث:
ما قولكم في رجل طلق زوجته وحرمها وحللها وكان في حالة سكر، ولديه بعض الإحساس يعرف الشرق من الغرب حسب كلامه، وتلفظ بطلاق الثلاث والمرأة في حال الحيض؟
هو
ما أضل هذا الرجل وأغواه وأحيره وأعماه، فقد شرب الحرام وافترى على الله الكذب إذ ادعى تحريم ما يشاء على نفسه وتحليل ما يشاء لغيره، الخالق العظيم والشارع العليم فإن التحليل والتحريم أمرهما إلى الله لا إلى الخلق: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِنَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، هذا مع وقوعه في بدعتين محرمتين وهما طلاق الثلاث والطلاق أثناء الحيض، كل ذلك ناتج عن اتباعه هوى نفسه وعدم تقواه لربه، وقد بانت امرأته بالثلاث فلا سبيل له عليها حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس
فيه، وعليه أن يتوب إلى ربه من خطاياه قبل لات حين مناص والله أعلم.
ما الفرق بين طلاق الثلاث بلفظ واحد وبين التكرار، وما هي الأدلة على
ثبوت طلاق الثلاث بلفط واحد، ومن حلف بالطلاق فهل يقع طلاقه؟ الطلاق الذي يحق للزوج الرجعة بعده هو الأول والثاني، فإن طلقها الثالثة فلا سبيل له إليها حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، ثم تخرج عنه بوجه من وجوه الفراق وبعد عدتها منه تحل للأول بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، والثلاث دفعة كالثلاث المتفرقات على الراجح وعليه العمل، لأن من ألزم نفسه شيئاً ألزمناه إياه» وللروايات الكثيرة الدالة عليه، والحلف إن كان بصيغة التعليق فبوقوع المعلق يقع (2/262)
صفحة 887
فتاوى الفراق
263
المعلق عليه، وإن كان بصيغة القسم ففيه خلاف، والأصح أنه يترتب عليه الإثم دون الطلاق والله أعلم.
ما قولكم فيمن قال لزوجته طالق طالق طالق بالثلاث»؟
إن كان صرح بكلمة «ثلاثاً» فقد بانت منه بالثلاث، فلا يملك رجعتها ولا تحل له أبداً حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، وإن كان لم يصرح بها وإنما قال لها: أنت طالق طالق طالق. فمرجع ذلك إلى نيته في الطلاق، فإن قصد به التأسيس ـ وهو إنشاء طلاق جديد في كل مرة بانت منه بالثلاث، لأن الطلاق يتبع الطلاق ما دامت المراة في العدة وإن لم يقصد به التأسيس حمل على التأكيد وطلقت واحدة والله أعلم.
ما قولكم في رجل له زوجتان فقال لهما: «أنتما مطلقتان» ثم بعد فترة حضر معه بعض أباليس البشر، فقالوا لا يكفي ما قلته، فقال لكل زوجة أنت فلانة بنت فلان مطلقة بالثلاث». والآن هو يسأل إن كان له مراجعتها أم لا؟
بئس ما قالوا له وبئس ما عمل فهم من أباليس البشر وهو من أتباعهم، وشياطين الإنس والجن لا يدعون إلا إلى ما فيه الندم والحسرة، وقد بانت كل واحدة من الزوجتين بالثلاث فلا سبيل له إليهما، ولا تحلان له حتى تنكحا زوجاً، غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه والله أعلم.
قد سألتكم عن طلاق الثلاث دفعة واحدة فأجبتموني على سؤالي بالجواب التالي: ـ اطلعت على هذا السؤال وعلى خلفيات هذه القضية، والذي نعمل به ونعتمده في الفتوى هو أن طلاق الثلاث دفعة واحدة كالثلاث المتفرقات في كونها تبين بها المرأة، ولا تحل أبداً حتى (2/263)
صفحة 888
264
الفتاوى النكاح
تنكح زوجاً آخر نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، وهو الذي عليه جمهور الأمة، ولكن إن أخذ الزوجان بالرأي المخالف لهذا الرأي فلسنا نعترض عليهما، فإن كان صاحبا العلاقة في هذه القضية استفتيا فأفتيا بجواز الرجعة، واطمأنا إلى الأخذ بالرأي الآخر الذي أفتيا به فلا نعترض عليهما والله أعلم.
فأرجو زيادة التوضيح هل الرأي المخالف هو القائل بأن طلاق الثلاث دفعة واحدة واقع مرة واحدة؟ وهل هذا جائز شرعاً في الشريعة الإسلامية، وكما فهمت من الرسالة التي استفتيت بها مفتي مصر والسعودية أنها مؤكدة بحديث شريف، وهذا الرأي يأخذ به مئات الملايين من المسلمين وإنكم لم تعترضوا على الأخذ بهذا الرأي فلو تزوجنا على هذا الأساس هل تعتبر زوجتي على سنة الله
ورسوله؟
ذهب جمهور الأمة إلى أن طلاق الثلاث دفعة له حكم الثلاث المتفرقات في حرمة مراجعة المطلق للمطلقة، وحرمة زواجه بها حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، وعلى هذا كان العمل في عهد الصحابة والتابعين، وممن صرح بذلك ابن العربي المالكي حيث قال مضى العصران الكريمان ولم يكن مخالف لهذا القول. وقد أطبق المسلمون على القول بذلك قرناً بعد قرن إلى أن جاء ابن تيمية وتلميذه ابن القيم فقالا برد الثلاث إلى واحدة فالذين يعولون على فتواهما هم الذين ترخصوا فأباحوا مراجعة المرأة لمن طلقها ثلاثاً دفعة، وأما الذين أخذوا برأي السلف فهم الذين أغلقوا هذا الباب، وبهذا نأخذ وعليه نعول
والله أعلم. (2/264)
صفحة 889
فتاوى الفراق
265
ما حكم طلاق الثلاث دفعة واحدة؟ وهل هناك اختلاف بين المذهب الإباضي وبين المذاهب الأربعة في حكم هذا الطلاق؟
طلاق الثلاث دفعة كطلاق الثلاث متفرقات تبين بذلك المرأة بينونة كبرى فلا تحل لمطلقها حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، ولا فرق في ذلك بين مذهب ومذهب فأئمتنا وأئمة المذاهب الأربعة متفقون على ذلك وبه نأخذ، وقد مضى على ذلك عصرا الصحابة والتابعين
والله أعلم.
أن
طلقت زوجتي طلقة واحدة ثم بعد فترة جاء أبوها فطلب مني أطلقها بالثلاث وأن أحرمها وأحللها فأجبته فيما طلب، والآن أرغب في مراجعتها فهل يجوز لي ذلك؟
بئس ما فعل الأب وما فعلته أنت، وقد بانت منك بالثلاث فلا تحل لك حتى تنكح زوجاً غيرك نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، وتبوء بإثم تحليل ما الله فإنها لا تحل لغيرك إلى انتهاء ثلاثة قروء والله أعلم.
حرم
عندي زوجتان طلقت أحدهما طلاق الثلاث وحرمتها علي وحللتها لغيري دون أن أنطق باسمها فهل يلحق هذا الطلاق زوجتي الثانية؟
بئس ما قلت وساء ما صنعت، فقد تطاولت على الله بالتحليل والتحريم من تلقاء نفسك، وسوف تبوء بوزر ذلك إن لم تتب إلى ربك، مع ارتكابك مخالفة السنة بتطليقك إياها ثلاثاً، وفي الواحدة كفاية لو كنت تعقل، وقد بانت هذه المرأة المطلقة بالثلاث ولو لم تذكر اسمها ما دامت هي المقصودة بالطلاق، أما ضرتها فلا يلحقها حكم الطلاق إذ لم تطلق، ولكني لا أراها تسلم من عجرفتك وجهلك والله المستعان. (2/265)
صفحة 890
266
الفتاوى النكاح
طلقت زوجتي الاثنتين بلفظة «أنتن طالق بالثلاث» ولم أحرم ولم أحلل،
وكان ذلك دون إرادتي وإنما كنت في حالة غضب؟
أما التحليل والتحريم فأمرهما إلى الله مالك الملك لا إليك وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِنَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، وأعجب منكم أنكم لا تعرفون الطلاق إلا بالتحريم والتحليل، فهل عندكم برهان بهذا أم تقولون على الله ما لا تعلمون؟
مع أن تحريم ما أحل الله أو العكس كفر صريح، وأما طلاق الثلاث دفعة فهو كالثلاث المتفرقات تبين منه الزوجة فلا تحل لمطلقها إلا بعد أن تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، ثم تخرج عنه بوجه من وجوه الفراق وبعد عدتها منه تحل للأول بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، وعليه فإنهما بدون زواجهما من غيرك زواجاً صحيحاً لا تدليس فيه لا تحلان لك، وأما قولك بأن ذلك لم يكن بمحض اختيارك، فهل أشهر أحد في وجهك سلاحاً ليرغمك على ما فعلت؟ والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: «أنت مفارقة بالثلاث». فهل يجوز له مراجعتها؟ قوله: «مفارقة» بمعنى مطلقة في عرف أهل عُمان، بحيث لا يفهم منه عند الإطلاق إلا الطلاق، وعليه فإن من قال: «أنت مفارقة بالثلاث» في حكم من قال: أنت طالق ثلاثاً»، إن قاله لزوجته بانت منه بالثلاث فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه والله أعلم.
الطلاق بدون
فوجئت بزوجتي وهي في حالة عصبية شديدة تطلب منى سبب، وقد حاولت تهدئتها ولكن دون فائدة بل زاد ذلك من عصبيتها (2/266)
صفحة 891
فتاوى الفراق
267
فأغلقت علينا الباب وقالت: إذا لم تطلقني فسوف أقتل نفسي وأحملكم المسؤولية، وحفاظاً على حياتها اضطررت أن أطلقها بالثلاث فقلت لها: «أنت طالق بالثلاث ثم أنها ندمت على ما صار منها وطلبت مني أن أرجعها، وكما علمتم أنني لم أطلقها إلا اضطراراً فهل يصح لي مراجعتها على هذه الحالة؟
ليتك طلقتها طلقة واحدة ففيها كفاية، ونحن نعتمد على ما درج عليه السلف من الصحابة والتابعين له أن طلاق الثلاث دفعة كالثلاث المتفرقات، ولكن إن وجدت من يجرؤ على الإفتاء بالقول الآخر فلا اعتراض لنا على عملك به والله يوفقك والسلام عليك.
في حالة غضب شديد طلقت زوجتي بالثلاث وأعطيتها ورقة شرعية على ذلك، ثم إني ندمت ندماً شديداً ولمت نفسي على تطليقها، فأصبحت في حيرة من أمري وأرغب في مراجعة زوجتي، علماً أن زوجتي لم تسمع لفظ الطلاق مني فأرجو منكم النصح والإرشاد وإيجاد مخرج لي من هذه الحيرة؟
ماذا
المحكمة
عسي أن أعمل لك وقد أوقعت نفسك في شباك المحنة وأوردتها المستنقع الكدر، فماذا عسى أن أقول وقد اعترفت بنفسك في أنك طلقتها ثلاثاً ولا أعدل من شهادة الإنسان على نفسه، فاذهب فقد انكفأ الإناء وابتلع ما في جوفه الثرى، ولو أنك اتقيت ربك لجعل الله لك مخرجاً، فإن الله يقول: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: 2] ولكنك ركبت الأحموقة وأسلمت قيادك لهواك فلا تلم إلا نفسك التي أردتك
والله المستعان. (2/267)
صفحة 892
268
الفتاوى النكاح
سبق أن طلقت زوجتي طلقة واحدة منذ سنوات ثم راجعتها، ثم إنه حدث شجار بيني وبينها فلفظت عليها الطلاق ست مرات وقد حرمتها وحللتها فهل لي مراجعتها؟
المحلل والمحرم هو الله وقد تطاولت على الله سبحانه بتحليلك وتحريمك بدون هدى من الله، وقد بانت منك امرأتك بالثلاث، وما زاد فوزر عليك والله أعلم.
طلقت زوجتي بالثلاث ثم تبين لي أنها حامل، فهل يقع طلاقها وما مصير الجنين الذي في بطنها؟
نعم يقع عليها الطلاق وإن كانت حاملاً، فالحامل وغيرها في الطلاق سواء، وإلا لما جعل الله عليها عدة، وقد قال سبحانه: {وَأُوَلَتْ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: (4) وأما مصير الجنين فبيد الله سبحانه وليس بيد أحد من عباده، وإنما يلزمك شرعاً أن تنفقها حتى تلد، فإن تكفلت بحضانته وإرضاعه فعليك أن تؤتيها أجرها لقوله تعالى: {وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق: (6) والله أعلم.
فيمن قال لزوجته أنت طالق بالثلاث أو أنه كرر الطلاق ثلاثاً فهل تطلق بالثلاث أم يلحقها طلاق واحد فقط؟
إن قال لها: أنت طالق ثلاثاً بانت منه بالثلاث ولم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، وإن قال لها أنت طالق وكررها فمرد ذلك إلى نيته بالتكرار، فإن قصد به التأسيس ـ وهو إنشاء طلاق جديد في كل مرة - لحقها الطلاق بحسب تكراره، فإن كرر ذلك ثلاثاً بانت منه بالثلاث، وإن لم يقصد به التأسيس حمل على التأكيد وطلقت بذلك مرة واحدة والله أعلم. (2/268)
صفحة 893
فتاوى الفراق
269
ما قولكم فيمن طلق زوجته ثلاثاً عن طريق الهاتف؟ تطلق منه ثلاثاً والله أعلم.
ذكر مؤلف كتاب «الفقه على المذاهب الأربعة عبد الرحمن الجزيري في الجزء 303/ 4 دار الكتب العلمية في مبحث تعدد الطلاق ما يلي: -
المذاهب
يملك الرجل الحر ثلاث طلقات ولو كان زوجاً لأمة، ويملك العبد طلقتين ولو كان زوجاً لحره، فإذا طلق الرجل زوجته ثلاثاً دفعة واحدة بأن قال لها أنت طالق ثلاثاً لزمه ما نطق به من العدد في الأربعة وهو رأي الجمهور، وخالفهم في ذلك بعض المجتهدين كطاوس وعكرمة وابن إسحاق وعلى رأسهم ابن عباس فقالوا إنه يقع به واحدة لا ثلاث، ودليل ذلك ما رواه مسلم عن ابن عباس قال: «كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فقال عمر: الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم وهذا الحديث صريح في أن المسألة ليست إجماعية وهو كذلك، فإنه رأي ابن عباس وطاوس وعكرمة وبعض المجتهدين، ومن القواعد الأصولية المقررة أن تقليد المجتهد ليس واجباً فلا يجب الأخذ برأي مجتهد بعينه، وحينئذ يجوز تقليد أي مجتهد من مجتهدي
الأمة
الإسلامية في قول ثبتت نسبته إليه، ومتى ثبت أن ابن عباس قال ذلك فإنه يصح تقليده في هذا الرأي كتقليد غيره من الأئمة المجتهدين، على أننا إذا قطعنا النظر عن التقليد ونظرنا إلى الدليل في ذاته فإننا نجده قوياً لأن الأئمة سلموا جميعاً بأن الحال في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان كذلك ولم يطعن أحد منهم في حديث مسلم، وكل ما احتجوا به أن عمل عمر وموافقة الأكثرين له مبني على ما علموه من أن الحكم كان مؤقتاً (2/269)
صفحة 894
270
الفتاوى النكاح
إلى هذا الوقت فنسخه عمر بحديث لم يذكره لنا، والدليل على ذلك الإجماع لأن إجماع الصحابة يومئذ على الرضا بما عمله دليل على أنه أقنعهم بأن لديه مستنداً، وليس من الضروري أن نعرف سند الإجماع كما هو مقرر في الأصول، ولكن الواقع أنه لم يوجد إجماع فقد خالفهم كثير من المسلمين ومما لا شك فيه أن ابن عباس من المجتهدين الذين عليهم المعول في الدين فتقليده جائز كما ذكرنا ولا يجب تقليد عمر فيما رآه لأنه مجتهد، وموافقة الأكثرين له لا تحتم تقليده، على أنه يجوز أن يكون قد فعل ذلك لتحذير الناس من إيقاع الطلاق على وجه مغاير للسنة، فإن السنة أن تطلق المرأة في أوقات مختلفة على الوجه الذي تقدم بيانه فمن تجرأ على تطليقها دفعة واحدة فقد خالف السنة، وجزاء هذا أن يعامل بقوله زجراً له، وبالجملة فإن الذين قالوا: إن طلاق الثلاث بلفظ واحد يقع به واحدة لا ثلاث لهم وجه سديد وهو أن ذلك هو الواقع في عهد الرسول وعهد خليفته الأعظم أبي بكر وسنتين من خلافة عمر، واجتهاد عمر بعد ذلك خالفه فيه غيره فيصح تقليد المخالف كما يصح تقليد عمر والله تعالى لم يكلفنا البحث عن اليقين في الأعمال الفرعية لأنه يكاد يكون مستحيلاً. ا. هـ المراد منه.
إذا قال رجل لزوجته طلقتك بالثلاث وذهبت الزوجة إلى بيت أهلها، وعندما طهرت من الحيضة الثالثة ذهب وعقد عليها بعقد جديد بجميع لوازمه الشرعية من صداق وولي وبينة واعتبر طلاقه لها طلقة واحدة، أخذاً بقول ابن عباس وطاوس وعكرمة وابن إسحاق وغيرهم ممن خالف رأي الجمهور فما حكم فعله؟ رواية ابن عباس التي أخرجها مسلم بلفظ كان الطلاق طلاق الثلاث ... (2/270)
صفحة 895
فتاوى الفراق
271
إلخ». ضعفها جماعة من أئمة الحديث كما هو مبسوط في «السيف الحاد» و «الربيع بن حبيب مكانته ومسنده المحدث العصر العلامة القنوبي حفظه الله، وذكر ذلك أيضاً كل من الحافظ ابن حجر والعلامة ابن العربي والشنقيطي في «أضواء البيان وغيرهم، وقد أجاب جمهور العلماء على الاستدلال به بأجوبة أخرى كما في «الفتح» و «تفسير القرطبي» و «أضواء البيان وغيرها، وليس هذا هو المشهور من رأي ابن عباس إذ لم يروه عنه من أصحابه إلا طاوس وسائر أصحابه حكوا عنه ما يتفق مع رأي الجمهور، هذا وأما لو عمل أحد بذلك الرأي المخالف لرأي الجمهور من غير أن يحكم عليه بخلافه قاض شرعي فإنه لا يفرق بينهما إذ لا حكر في الرأي
والله أعلم.
رجل طلق زوجته منذ خمس سنوات أنسته هذه المدة ألفاظ الطلاق التي لفظها على زوجته بحضور شاهدين، عدلين أحدهما والدها ويقول بأن اللفظة كانت كالتالي: (فلانة بنت فلان مطلقنش تحرمي عليّ وتحلي لآخر تبغينه وهذا اللفظ أقرب أن يكون هو الذي قاله الزوج ولكنه غير متأكد منه التأكيد القاطع، في حين يقول الشاهد الآخر أنك قلت: «فلانة بنت فلان مطلقنشن بالثلاث تحرمي عليّ وتحلي لآخر تبغينه»، وهذا اللفظ متيقنة منه الزوجة - كما تقول - علماً بأن الأول أكثر ثقة عند الزوج دون الآخر؟
التحريم نفسه هو جرأة على الله قد تصل إلى الكفر الأكبر، لأن من حرم ما أحل الله فقد خرج من ملة الإسلام ـ إن لم يكن متأولاً ـ، وكذلك من أحل ما الله، وقد هذا الأرعن الأفاك بينهما، فيا
حرم
جمع
ويله من عقاب ربه إن لم يتب فمن أين له التحريم والله يقول: {وَبُعُولَهُنَّ (2/271)
صفحة 896
272
الفتاوى النكاح
أَحَقُّ بِرَدِهِنَّ فِي ذَلِكَ} [البقرة: 228] ومن أين له تحليلها لغيره، والله تعالى يقول: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228 ألا ما أتعس الجهل وأضل أهله، ألم يسمع بقول الله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِنَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، وعلى هذا الرجل بجانب توبته إلى ربه أن يحتاط لنفسه بأن يدع هذه المرأة والله أعلم.
أنا امرأة تزوجت رجل منذ أكثر من عشرين سنة، وولدت منه ثلاثة بنات، وهذا الرجل يشرب الخمر ويحصل بيني وبينه سوء فهم وشجار، حيث يسبني ويضربني دائماً ويهددني بالطلاق، وحسب العادة بدأ يتشاجر معي فلفظ الطلاق ثلاث مرات أمام بناتي، وطردنا من المنزل، وفي اليوم الثاني ذهب إلى مكتب قاضي المحكمة الشرعية، وأقر بأنه طلقني وحصلت على صك صادر من المحكمة الشرعية. ولكن الآن بعد هذه المدة جاء يطلب مني أن أرجع، ويقول إني لا أزال زوجته، ويدعي بأنه كان سكراناً وبدون وعي، ولم يكن ناوياً الطلاق، ونادم على ما فعله، وإنه سيتوب ويترك الخمر والمنكرات أرجو الإفادة؟
لا ريب أن طلاقه ماض، لأنه ذهب بنفسه إلى المحكمة، واعترف بالطلاق، ولا يصدق في دعواه عدم الوعي عندما أنشأ الطلاق، لأن قرائن الحال تكذبه، ولكن إن كان الطلاق رجعياً ولم يكن مسبوقاً بطلاقين من قبل فله الحق في مراجعتك، إن كانت العدة باقية لم تنته، إلا أن الشرع الشريف يفرض عليه إما الإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان، فليس له أن يمسكك ضراراً فقد قال تعالى: {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ صِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، وَلَا تَتَّخِذُوا وَايَتِ اللهِ هُزُوًا} [البقرة: (231)، وإن ثبتت الحجة (2/272)
صفحة 897
فتاوى الفراق
273
عندك بأنه يضارك فارفعي أمرك إلى القضاء الشرعي، واطلبي التفريق بينك وبينه، وإن كان زوجك راجعك في أثناء عدتك، وكان الطلاق رجعياً بحيث لم يطلقك تطليقتين قبل هذه المرة، فأنت زوجته ولا داعي إلى عقد جديد والله أعلم. ملكت على امرأة ولم أعاشرها فقلت وأنا مشتعل الأعصاب «طالق
بالثلاث»، والآن لا أريد أن أطلقها فهل لي مراجعتها؟
هي
إن كان كلامك متصلاً وقلت لها: أنت طالق ثلاثاً أو طلقتك ثلاثاً أو طالق ثلاثاً ففي هذه الحالات كلها تطلق ثلاثاً، ولا رجعة لك حتى تنكح زوجاً غيرك ولو كنت لم تدخل بها، أما إن كان غير متصل وذلك بأن قلت لها: أنت طالق ثم أتبعت ذلك قولك: ثلاثاً بعد سكتة وكنت غير داخل بها طلقت واحد، وجاز لك تزوجها بعقد جديد والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: أنت طالق مائة في المائة»؟
الظاهر من كلامه أنه أراد أنه طلقها أقصى حدود الطلاق وعليه فإنها تبين منه بالثلاث فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه والله أعلم.
عن رجل قال لزوجته طالق ثم سكت عشر دقائق فقال «طالق بالثلاث» فهل له مراجعتها؟
إن كانت هذه المرأة غير مدخول بها فلا يلحقها إلا الطلاق الأول، وإن كانت مدخولاً بها فتطلق بالثلاث ولا تحل له أبداً إلى أن تنكح زوجاً غيره،
لأن الطلاق يتبع الطلاق ما دامت المرأة في عدتها والله أعلم. (2/273)
صفحة 898
274
الفتاوى النكاح
قلت لزوجتي في حالة غضب: «طالق بالواحدة، بالاثنتين، بالثلاث» فسألت الشيخ محمد بن أحمد الخزرجي في المسألة فأفتى لي بجواز مراجعتها بسبب عدم ذكر اسم المطلقة. فأرجو من فضيلتكم الجواب ذلك؟ الشافي في
من
أخذ برأي عالم من علماء المسلمين أفتاه في مسألة بما لا يخالف النص أو الإجماع القطعيين فلا اعتراض عندنا عليه، أما إن سألت عن رأينا فإنا نرى الأخذ بالاحتياط والاعتماد على الدليل، وبما أن السلف من الصحابة والتابعين كانوا لا يشترطون ذكر اسم المطلقة فإنا لا نرى اشتراطه، وإن أخذت بما أفتاك به فضيلة الشيخ فلا اعتراض عليك والله أعلم وبه التوفيق.
ما قولكم فيمن طلق زوجته وقد ظن أن هذا الطلاق الأخير هو ثالث طلاق، غير أن أهل الزوجة يؤكدون أن الطلاق هو الطلاق الثاني فقط، علماً بأن الزوج كثير النسيان وقد بقي متحيراً في ذلك، فهل الأفضل له مراجعتها باعتبار أنه طلقها طلقتين؟ أم الأفضل له الاحتراز في دينه؟
هي
عليه أن يستفتي قلبه في ذلك، فإن كان واثقاً بما قالوه من أن هذه الطلقة الثانية فله مراجعتها، لا سيما وأن الأصل عدم ثبوت إلا ما ثبت، وإن كان يجد في نفسه حرجاً فليدع نفسه حرجاً فليدع ما يريبه إلى ما لا يريبه، فالبر ما اطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في الصدر والله أعلم.
ما قولكم فيمن حدث شجار بينه وبين زوجته فقال لها: «تجهزي لأحملك إلى أهلك» فوقفت أمه أمامه لكي تمنعه فقال لها: «أوسعي لي الطريق وإلا بالثلاث» فأخذ زوجته إلى أهلها فقال لهم: «إن ابنتكم (2/274)
صفحة 899
فتاوى الفراق
275
مطلقة
ظناً
في كل مرة؟
منه
أنه قد وقع منه الطلاق في المرة الأولى فما حكم الطلاق
بئس ما فعله هذا الأرعن السفيه الذي لم يرع حق أم ولا زوجة، هذا وأما قوله بالثلاث من غير ذكر للطلاق فلا يقع به الطلاق، فإن قصد بقوله: ابنتكم مطلقة». هذا الذي قاله أي قصد حكاية ما جرى فليس ذلك بطلاق، وإن لم يقصد الحكاية طلقت بقوله مطلقة ولو لم يقصد به إنشاء طلاق
والله أعلم. فين طلق زوجته طلاق الثلاث، ثم تزوجها آخر فمكثت عنده ما شاء الله
فطلقها فهل تحل للأول بعد أن تنقضي عدتها من زوجها الأخير؟
إن كان زواج الثاني بها زواجاً شرعياً لا تدليس فيه وذاق منها ما ذاق منها الأول ثم افترقا وانسلخت عدتها الشرعية فإنها تحل للأول بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية والله أعلم.
تكرار لفظ الطلاق
ثلاث
إنني رجل أعاني من مرض نفسي، وقد سبق أن طلقت زوجتي تطليقات متتابعات من ستة أشهر، وقد كانت المرأة حاملاً ووضعت حملها فهل لي مراجعتها؟
إن كانت كررت لفظة الطلاق ولم ترد به إنشاء طلاق جديد في كل مرة فهو محمول على التأكيد، وتطلق به المرأة طلقة واحدة، وعليه فلك أن
تتزوجها بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية لأن العدة انتهت والله أعلم. (2/275)
صفحة 900
276
يتبع
الفتاوى النكاح
فيمن قال لزوجته: «مفارقة مفارقة حرمتك حرمتك». ثم أردف قائلاً: مفارقة، مفارقة، مفارقة»؟
تكرار الطلاق يعود إلى نية المطلق فإن قصد به التأسيس ـ وهو إنشاء طلاق جديد في كل مرة - بانت منه بالثلاث إن كرر ذلك ثلاث مرات، لأن الطلاق الطلاق ما دامت المرأة في العدة، وإن لم يقصد التأسيس حمل على التأكيد وخرجت عنه بطلقة واحدة، وكذلك التحريم إن نوى به طلاقاً فهو طلاق جديد وإن لم ينو به شيئاً كان يميناً ولزمت به كفارة يمين، وهو في حقيقته افتراء كذب على الله فإن التحريم ليس من وظيفة البشر وإنما هو من اختصاص الله سبحانه، وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِب إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116] والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: «مفارقة مفارقة مفارقة تحرمي عليَّ وتحلي لكل زوج تريديه ثم ذهب إلى منزل والدها وقال له: تعال وخذ ابنتك، وطلقها بلفظ المرة الأولى. فما الحكم في ذلك؟
إن أراد بالتكرار التأسيس وهو إنشاء طلاق جديد في كل مرة طلقت ثلاثاً حسب تكراره، لأنَّ الطلاق يتبع الطلاق ما دامت المرأة في العدة، وإن قصد به التأكيد طلقت واحدة، ولكن قوله حرمت علي دليل على قصده التأسيس فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه
والله أعلم.
كررت على زوجتي الطلاق ثلاث مرات وقد خرجت من عدتها فهل يصح لي مراجعتها بدون محلل؟
إن كنت قصدت بقولك هذا التأسيس بتكراره، وهو إنشاء طلاق جديد (2/276)
صفحة 901
فتاوى الفراق
277
في كل مرة بانت منك بالثلاث، ولا تحل لك حتى تنكح زوجاً غيرك نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، ثم تخرج عنه بوجه من وجوه الفراق، وبعد عدتها منه تحل لك بعقد جديد مع لوازمه الشرعية أما الذي تسمونه المحلل فهو لا يحللها وإنما يحرمها إلى الأبد لأن صنيعه هو عين الزني، وقد ناط الله حلها بنكاح زوج لا بوطء زان، وذلك بأن يتزوجها لقصد العشرة الزوجية لا لتحليلها لمن حرمت عليه وأن تتزوجه هي لأجل العشرة الزوجية، وهذا كله لأن الطلاق يتبع الطلاق ما دامت المرأة في العدة، وإن لم تقصد به التأسيس حمل التكرار على التأكيد، ولا مانع من مراجعتها في هذه الحالة لأن قصدك بالثاني والثالث عين الأول والله أعلم.
من
قلت لزوجتي: «طالق طالق طالق حرام عليّ وحلال على غيري»؟ بئس ما فعلت وساء ما صنعت فمن أين لك أن تحلّ شيئاً أو تحرمه تلقاء نفسك؟ أظننت نفسك إله السموات والأرض حتى تفعل ذلك؟ أو أنك أردت أن تنازع الله في سلطانه فادعيت ما لا يملكه غيره؟ يا هذا «لقد جئت شيئاً إذا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّاً» أما رحمت نفسك وأشفقت على ضعفك من عقاب الله؟ ولو دريت عظم ما ارتكبته لسفحت الدموع دماً، وتمنيت أنك لم تلدك أمك، فتدارك نفسك بالتوبة النصوح والرجوع إلى عقيدة الإسلام التي هدمتها بتحليلك ما حرم الله، فمن أين تحل لغيرك مع ما فرض الله عليها من العدة الشرعية؟ ومن أين حرمتها مع أنك كنت أملك برجعتها لولا هذه العجرفة التي ارتكبتها والحماقة التي تلبست بها إلى متى يقودكم الشيطان فتنقادون ويدفعكم إلى المهالك فتندمون؟ أما تكرارك الطلاق فأمره راجع إلى نيتك فإن أردت به التأسيس ـ وهو إنشاء طلاق جديد في كل مرة ـ فقد بانت منك بالثلاث، (2/277)
صفحة 902
278
الفتاوى النكاح
لأن الطلاق يتبع الطلاق ما دامت المرأة في العدة، ودعواك التحريم تدل على هذا القصد وإلا فما معناها، أما لو قصدت بالتكرار التأكيد لكانت طلقة واحدة لا تمنع من مراجعتها من بعدها في أثناء العدة، وتزوجها بعقد جديد بعدها والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: «طالق طالق فسكت ثم قال: «طالق طلاق السنة»؟ إن قصد بالتكرار التأسيس ـ وهو إنشاء طلاق جديد في كل مرة ـ ثم أراد بالمرة الثالثة طلاقاً ثالثاً ثلاث طلقات، ولا تحل له حتى تنكح
فهي
زوجاً، غيره وإن قصد به التأكيد فهي واحدة والله أعلم.
طلقت زوجتي طلقة واحدة ثم راجعتها ثم بعد فترة طلقتها ثلاث تطليقات متتابعة فهل يصح لي مراجعتها بعد ذلك؟
إن كنت قصدت بالتكرار التأسيس - وهو إنشاء طلاق جديد في كل مرة - بانت منك بثلاث طلقات وهي الطلقة الأولى وثنتان بعدها ولم تصادف الثالثة محلاً، ولا تحل لك حتى تنكح زوجاً غيرك، وإن كنت لم تقصد التأسيس حمل على التأكيد، وخرجت منك بطلقة مضافة إلى الطلقة السابقة، وتجوز لك مراجعتها بما بقي من طلاقها وهو طلقة واحدة والله أعلم.
قلت لزوجتي: «طالق طالق طالق وحرمت وحللت. فما الحكم في ذلك؟ إن كنت قصدت بالتكرار التأسيس وهو إنشاء طلاق جديد في كل مرة فقد بانت منك بالثلاث ولا تحل لك حتى تنكح زوجاً غيرك، وأما التحليل والتحريم فهما من شأن الله ولا دخل لك في ذلك، ولكنك متطاول على الله لأنك لا تخشاه ولا تقدره حق قدره فالله المستعان. (2/278)
صفحة 903
فتاوى الفراق
279
طلقني زوجي ثلاث تطليقات متتالية وقد اعتبرت طلقة واحدة باعتبار قصده من التكرار، فراجعني ثم طلقني مرة أخرى بنفس اللفظ السابق، فما حكم رجوعي إليه وهل لي الاختيار في الرجوع؟
إن كان قصد بالتكرار التأسيس - وهو إنشاء طلاق جديد في كل مرة - فإنك تبينين بذلك منه ولا تحلين له حتى تنكحي زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، وإن كان قصد به التأكيد فهي طلقة واحدة مضافة إلى الطلقة السابقة، وله أن يراجعك ما دمت في العدة بما بقي من طلاقك وهو طلاق واحد، ولا يتوقف ذلك على رضاك، وبعد العدة يكون كواحد من الخطاب يجوز له أن يتزوجك بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية والله أعلم.
فيمن قال لزوجته «أنت طالق، فأثارته الزوجة بكلامها فقال لها مرة أخرى: «أنت طالق، فطلب منها أن تخرج من الغرفة وعند خروجها قال
مرة ثالثة: «أنت طالق، فما حكم تكرار الطلاق في هذه الحالة؟ إن أراد في كل مرة طلاقاً جديداً فهي طالق ثلاثاً، لأن الطلاق يتبع الطلاق ما دامت المرأة في عدتها، وإن أراد في المرتين الأخريين تأكيد ما طلاق في المرة الأولى تطلق، واحدة وله أن يراجعها، إن كان هذا
أنشأه
من
الطلاق غير مسبوق بطلقتين من قبل والله أعلم.
قلت لزوجتي: «يا فلانة أنت طالق .. طالق .. طالق»، ثم بعد مدة تبين أنها حامل والآن أرغب في مراجعتها، فأرجو أن تبينوا لي الجواب على مذهب الإمام الشافعي؟
لا خلاف في ذلك بين مذهب الإمام الشافعي وغيره من أئمة المسلمين، (2/279)
صفحة 904
280
الفتاوى النكاح
فالمرجع في ذلك إلى قصدك، فإن كنت قصدت بالتكرار التأسيس ـ وهو إنشاء طلاق جديد في كل مرة - بانت منك بالثلاث، لأن الطلاق يتبع الطلاق ما دامت المرأة في العدة، وإن كنت لم تقصد به التأسيس فهو محمول على التأكيد، وتطلق واحدة ولك أن تراجعها إن كانت هذه الطلقة غير مسبوقة بطلقتين من قبل والله أعلم.
فيمن طلق زوجته طلاقاً واحداً فراجعها، ثم طلقها ثلاث تطليقات متتاليات ولكنه كان فى حالة سكر، غير أنه لما صحا من سكره اعترف أنه طلقها، فهل له مراجعتها إن أراد ذلك؟
إن كان طلقها ثلاثاً وقد كان طلقها واحدة من قبل بانت باثنتين بعد الواحدة السابقة، فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، ثم تخرج عنه بوجه من وجوه الفراق وبعد عدتها منه تحل للأول بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية والله أعلم.
إنني أعاني من نوبات نفسية وأتناول الحبوب المهدئة لأجل العلاج، غير أني توقفت عن الحبوب بسبب صيام شهر رمضان، مما جعلني أطلق زوجتي طلاق الثلاث وأنا في حالة غير طبيعية، فهل يثبت الطلاق
بذلك؟
طلاق الثلاث دفعة كالثلاث المتفرقات على الراجح، تبين بها المرأة فلا تحل لمطلقها إلا أن تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، فإن كنت واعياً عندما طلقتها بالثلاث بانت منك بها، وإن كنت غير واع لأثر نفسي أو نحوه فالطلاق غير واقع، وكذلك إن قصدت طلقة فزلت لسانك ونطقت بالثلاث عن غير قصد فهي طلقة واحدة، ولا تمنع من مراجعتها إن كانت غير مسبوقة بطلقتين من قبل والله أعلم.
واحدة (2/280)
صفحة 905
فتاوى الفراق
281
فيمن قال لزوجته: «إن فعلت كذا فأنت والله العظيم طالق بالثلاث» وبعد مدة أراد الزوج أن يتراجع ويلغي هذا التعليق فهل له ذلك، والزوج والزوجة على المذهب الشافعي؟
تعليق الطلاق إنشاء لا يملك أحد الرجوع عنه كتنجيزه وكسائر الإنشاءات الأخرى، اللهم إلا إذا استثنى المنشئ حال الإنشاء من غير تأخير، وهذا مما أخذ به علماء المذاهب الإسلامية قاطبة والله أعلم.
رجل طلق زوجته بالثلاث وكان في حالة غضب شديد وفقدان الشعور بسبب شدة الغضب فهل يقع طلاقه أو لا؟
إن كان واعياً لما صدر منه فطلاقه، ماض، وتبين منه بالثلاث فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، وإن كان لم يع قط وإنما علم به من إخبار غيره به فلا يقع طلاقه والله أعلم.
حدث خلاف بيني وبين زوجتي فقمت بضربها، فتدخل أخوها للصلح بيننا ونصحني بعدم ضربها، ولكني لم أقبل منه هذه النصيحة، فغضب وقال: سوف آخذ أختي معي. قلت له: إن أخذتها فهي طالق. طالق. طالق فقال لي: قل لا إله إلا الله، فرفضت أن أقول بل قلت له: «أختك طالق طالق طالق، خذ أختك فأنا طلقتها فما حكم مراجعتها بعد
هذا؟
بئس ما قلت وساء ما صنعت وما أنت بأهل لأن تكون زوجاً لمسلمة وأنت ترفض كلمة لا إله إلا الله، فضلاً عن رفضك نصيحة أخيها لك بعدم ضربها، أو تظن أن المرأة طبل تلهو بضربه متى شئت، وما أرى إلا أن تجعل بينك وبينها دأماء البحر والحمد لله الذي خلصها منك. (2/281)
صفحة 906
282
الفتاوى النكاح
فيمن كرر لفظ الطلاق ثلاثاً، وادعى أنه أراد بذلك التأكيد ولم يرد التأسيس، فهل يقبل قوله، أم عليه أن يحلف يميناً أنه ما أراد غير
ذلك؟
إن اتهم فعليه أن يحلف يميناً بالله سبحانه أنه ما قصد به إلا التأكيد والله أعلم. أنني طلقت زوجتي بقولي لها طالق طالق طالق حرمت علي وحللت لأي رجل تبغينه)، حيث كنت في حالة انهيار نفسي) غضب شديد وبكاء حاد، إثر خلاف كان بيني وبين أهلي حول زوجتي، مما جعل غضبي وحمقي ينصب على زوجتي وطلقتها، ولكنني لم أذكر اسمها أثناء لفظي بالطلاق، ولم أشهد أحداً بأني قد طلقتها. فهل لي رجعة؟ علماً أني كنت جنباً؟
أما تكرارك الطلاق فحكمه عائد إلى قصدك، فإن قصدت به التأسيس وهو إنشاء طلاق جديد في كل مرة ـ فإنه يقع بعدد ما كررت إلى أقصى الطلاق - وهو ثلاث مرات - وعليه ففي هذه الحالة تبين منك بالثلاث، فلا تحل لك حتى تنكح زوجاً آخر نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، وإن لم تقصد به التأسيس كان محمولاً على التأكيد، وخرجت منك بطلقة واحدة، ولا مانع في هذه الحالة من، مراجعتها إن لم يكن هذا الطلاق مسبوقاً بطلاقين من قبل، وأما تحريمك إياها فهو افتراء كذب على الله تعالى، فإن التحليل والتحريم إلى الله ولا دخل للعباد فيهما قال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، وتجب عليك التوبة من ذلك، وأما تأثيره على الزوجة فبحسب نيتك أيضاً، فإن قصدت به الظهار (2/282)
صفحة 907
فتاوى الفراق
283
أو الإيلاء فكذلك، وإن لم يكن لك قصد فعليك بجانب التوبة كفارة يمين
والله أعلم. رجل قال لامرأته طالق طالق طالق، وعندما سئل عن قصده قال ذلك؟ لا أدري لأنني كنت غضبان، فما قولكم في
يحمل تكراره على التأكيد إلا إذا قصد التأسيس، لأن لأن من شأن المنفعل تكرار الكلام تأكيداً والله أعلم.
ما قولكم في رجل أمي لا يعلم التأسيس من التوكيد فقال لامرأته «طالق طالق طالق» فهل له مراجعتها؟
إن كان لا يميز التأسيس من التوكيد فتكراره محمول على التوكيد وتطلق به المرأة طلقة واحدة وله أن يراجعها على سبيل المراجعة الشرعية، إن كان هذا الطلاق غير مسبوق بطلاقين من قبل والله أعلم.
ما الحكم فيمن قال لزوجته: أنت طالق ومفارقة والعيشة معك حرام؟ إن قصد بقوله «مفارقة» بعد قوله «طالق طلاقاً جديداً فهما تطليقتان وإن قصد به تأكيد الطلاق الأول فهي طلقة واحدة، وكذلك قوله: «حرام» إن قصد به إبانتها فهو كما قال تبين منه بالثلاث وإلا فهو افتراء كذب على الله وعليه التوبة والكفارة، وسواء قصد بقوله مفارقة طلاقاً جديداً أو لا فلا مانع - إن كان لم يقصد بالتحريم إبانتها - من مراجعتها، وإنما تبقى عنده على الاحتمال الأول بطلقة وعلى الاحتمال الثاني بطلقتين، أما إن قصد بالتحريم إبانتها فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه والله أعلم. (2/283)
صفحة 908
284
الفتاوى النكاح
رجل طلق زوجته مرتين وراجعها في كل مرة ثم بعد ذلك تلفظ بطلاقها من غير أن يسمعه أحد فما الحكم في هذه المسألة؟
طلقت
هي
بمجرد ما تلفظ بطلاقها ولو لم يسمعه أحد، وبما أن هذه الطلقة الثالثة فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس
فيه والله أعلم.
ما قولكم فيمن قال لزوجته بعد العقد وقبل الدخول عليها: (فلانة بنت فلان طالق، فلانة بنت فلان، طالق فلان بنت فلان طالق) هل له
مراجعتها؟
تطلق طلقة واحدة والله أعلم. (2/284)
صفحة 909
التهديد بالطلاق:
فتاوى الفراق
285
امرأة يهددها زوجها بالطلاق إن لم تتناول حبوب منع الحمل فماذا تفعل؟ إنا لله وإنا إليه راجعون ما أجهل هذا الزوج وأحمقه وأكفره لنعمة ربه، وأما هذه المرأة المسكينة التي طوح بها سوء حظها إلى هذا الزوج العنيد فإن كانت تخشى سوء المغبة بالطلاق فلها استعمال ما لا يضر بصحتها من وسائل منع الحمل والله أعلم.
حدثت مشاجرة بيني وبين زوجتي ما جعلني أقول لها «إذا لم تتأدبي فسوف يكون طلاقك بالثلاث فما الحكم في ذلك؟
هذه تهديد بالطلاق وليس بطلاق، ولكن إياك والتلاعب بهذه الألفاظ فإن انزلاق اللسان أخطر من انزلاق القدم، ولا ريب أن انزلاق القدم يعقبه السقوط، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، فاحذر مما مغبته الندم
والله أعلم.
فيمن اتصل بزوجته بالهاتف وقال لها: «إن لم تأت الآن فسأرسل ورقة الطلاق في الصباح بالثلاث فلم تذهب إليه ولا هو أرسل لها الورقة فما حكم ذلك؟
إن قال «سأرسل ورقة الطلاق» ولم يقل إن لم تأت فهي طالق» فهذا وعد بالطلاق فإن أتمه تم وإن لم يتمه لم يتم والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: «والله إن دخل أهلك بيتنا فسوف أطلقك». فدخل أهلها البيت ولم يطلقها فهل يقع الطلاق بذلك؟
إن كان قال لها بهذه الصيغة التي في السؤال فذلك وعد بالطلاق ولا يقع به (2/285)
صفحة 910
286
الفتاوى النكاح
الطلاق، وإنما عليه أن يكفر يمينه (1) ويتوب إلى ربه لأن في كلامه داعية القطيعة،
وهو دليل أنه لا يخاف الله فبئس الزوج هو وبئس ما يقوله والله المستعان.
قال لي زوجي: «إذهبي إلى بيت أبيك تراني بطلقش، وأرسلي أحداً يأخذ ملابسك». فذهبت إلى بيت أهلي وقد مضى على ذلك مدة، ولم يأت إلى بيت أهلي ليردني إليه فهل يعد ذلك طلاقاً منه؟
ما قاله إنما هو وعد بالطلاق وليس هو طلاقاً، فلا تطلقين به حتى يطلقك، وإنما لك الحق في مطالبته إما بأن يؤدي حقوقك كلها وإما بأن يطلقك والله أعلم.
فيمن يكرر على زوجته لفظ «أطلقش أطلقش يكرر ذلك عليها بسبـ وبدون سبب فهل تطلق منه بذلك؟
هذا وعد بالطلاق، فإن طلقها طلقت وإلا فلا ولا ريب أن ذلك مناف للأخلاق التي يجب على الزوج أن يعامل بها زوجته، فهو آثم لعدم حسن عشرتها والله أعلم.
فيمن حدث شجار بينه وبين زوجته فقال لها ليس لك دواء إلا الطلاق ولكنه لن يحصل». فهل تطلق بذلك؟
ليس قوله: «ليس لك دواء إلا الطلاق طلاقاً، بل تبقى زوجته ما لم يطلقها، وعليها طاعته والقيام بكل ما له من الحقوق الزوجية، وعليه لها أيضاً كل ما للمرأة على زوجها من الحقوق والله أعلم.
(1) كفارة اليمين هي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة وإن لم يجد فصيام ثلاثة
أيام. (2/286)
صفحة 911
فتاوى الفراق
287
فيمن قال لوالد زوجته: «إذا لم تمش ابنتك على الطريق القويم والله
الأطلقها طلاق الثلاث فما قولكم في ذلك؟
إن كان سؤالك عن قوله: «والله لأطلقنها طلاق الثلاث» هل يقع به الطلاق؟ فالجواب: أن الطلاق بذلك لا يقع حتى يوقعه لأنه مجرد وعد مؤكد بالقسم فإن قصد عدم تطليقها فليكفر يمينه، ولعمر الحق إن هذا الرجل من الهوس والحماقة بمكان والله أعلم.
ما قولكم فيمن قال لزوجته: لازم أطلقك .. لازم أطلقك. فهل يقع بذلك
طلاق؟
هذا
تراني
توعد منه لها بالطلاق، ولا يقع به الطلاق حتى يطلقها والله أعلم.
لقد صارت خلافات بيني وبين زوجتي قلت لها «إذا ذهبتي الوادي أطلقك» فذهبت ولكن لم أطلقها، فقيل لي: إن الطلاق بذلك واقع. فرجعتها بلا، شهود والطلاق الثاني لفظت عليها «طالقة»، وأما الثالثة كنت في حالة نفسية وأتعالج في المستشفى ولفظت عليها «طالق»، فهل خرجت من عصمتي؟
أما قولك في المرة الأولى: «تراني أطلقك فليس بطلاق منجز، وإنما هو توعد بالطلاق فلا يعتد به وإنما العبرة بما كان منك في المرتين الأخريين، فيقع كلا الطلاقين إلا إن كانت الحالة النفسية التي ذكرتها في المرة الأخيرة أدت بك إلى فقدان وعيك، إذ لا اعتداد بتصرفات فاقد الوعي، هذا واعلم أن مراجعة الزوجة بعد الطلاق الأول أو الثاني تتوقف على إشهاد شاهدين، لقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنكُمْ} (الطلاق: 2] ولا يعتد بما يكون من المراجعة بين الرجل وامرأته من غير إشهاد، وعلى الشاهدين أن يبلغا المرأة (2/287)
صفحة 912
288
الفتاوى النكاح
قبل أن يعاشرها الزوج عشرة الأزواج وقبل انتهاء عدتها، ولئن خرجت من عدتها قبل ذلك فهي أملك بنفسها، فإن أرادها الزوج فبعقد جديد مع جميع
لوازمه الشرعية والله أعلم.
الحلف بالطلاق:
رجل حلف إن دخلت أخته بيت فلان أو فعلت الشيء الفلاني بطلاق الثلاث، فدخلت المذكورة وفعلت المحلوف عليه ماذا ترون في زوجته؟ في الحلف بالطلاق خلاف بين العلماء فذهب المتقدمون إلى وقوع الطلاق بحنث الحالف بالطلاق، وهذا هو المعول عليه عند أصحابنا من أهل المغرب ـ رحمهم الله ـ، وعليه تفرعت أقوالهم في كثير من المسائل التي لها صلة بهذه المسألة، وذهب بعض المتأخرين من أشياخنا العُمانيين إلى عدم وقوع الطلاق بذلك، لأن غاية ما فيه أنه حلف بغير الله تعالى يأثم صاحبه ولا تنعقد به اليمين ـ على الصحيح ـ فلا كفارة عليه مع الحنث، وقالوا إن ذلك لا يعدو الحلف بالمصحف والكعبة والأرض والسماء، أو الحلف بالعبادات كالصلاة والزكاة والصيام والحج، فكما أن الحلف بهذه الأشياء لا يترتب عليه حكم غير الإثم لتعظيم غير الله بالقسم، فكذلك الحلف بالطلاق وهذا هو رأي العلامة الصبحي والمحقق الخليلي ونور الدين السالمي، وقد خالفهم في ذلك الإمام العدل العلامة محمد بن عبد الله الخليلي - رضوان الله تعالى عليه ـ محتجاً عليهم بأن الحالف لم يقصد إلا إيقاع طلاق زوجته بحنثه، ولا يدور ببال أحد أنه قصد مجرد تعظيم الطلاق بالقسم، قال ومن الدليل على ذلك أن من صدر منه هذا الحلف سرعان ما يتجنب زوجته إذا حنث، ولا يرى إلا (2/288)
صفحة 913
فتاوى الفراق
289
مع تحقيقه
أن الطلاق واقع عليها، وقال إنه ليس بأقل من كنايات الطلاق، وقد كنت أميل إلى تأييد رأي الإمام الله في رد حكم هذه المسألة إلى نية الحالف مع يمينه إذا اتهم وذلك لما دل عليه حديث ركانة عندما طلق زوجته البتة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلفه أنه ما أراد إلا واحدة، أخرج ذلك أبو داود والحاكم وآخرون، ولكنني اطلعت بعد ذلك على بحث نفيس لإمامنا نور الدين السالمي - رضوان الله عليه ـ في أجوبته لم أتمالك البالغ إلا أن أتراجع عما كنت أميل إليه، ومما قاله فيه الله إن كنايات الطلاق لها ألفاظ تدل عليه من بعيد، وجعل الحلف بالطلاق منها تحميل للكلام ما لا يتحمله، فإنه لا يفهم لا من قريب ولا من بعيد أن الحلف بالطلاق يعني به الطلاق، اللهم إلا من مقاصد الناس، والمقاصد وحدها لا تكفي في هذا الباب فإن اعتبارها وحدها يشبه اعتبار وقوع الطلاق بنحو قول سبحانه الله قصده، هذا معني کلامه، وهو في منتهى النفاسة
مع
والله أعلم. رجل حلف بطلاق زوجته أنه لا يعود امرأة معينة في حالة مرضها، ثم شب حريق في المنزل التي تسكنه تلك المرأة، فذهب الرجل مع من ذهب ودخل المنزل لإخماد الحريق، فلما رجع إلى منزله خرجت زوجته مغاضبة، وتدعي أنه علق طلاقها بمجرد دخوله إلى المنزل، والزوج ينكر ذلك فما قولكم؟
ينبغي النظر في هذه المسألة من وجوه أولها هل كان الحلف بصيغة التعليق أو بصيغة القسم، فإن كان بصيغة التعليق وذلك بأن يقول: «إن كان فعل كذا فامرأته طالق مثلاً فإنه إن فعل ما علق عليه وقع الطلاق وإن كان بصيغة القسم وذلك بأن يقول: «بطلاق زوجته لن يفعل كذا»، (2/289)
صفحة 914
290
الفتاوى النكاح
ففي
ذلك خلاف إن حنث، قيل بعدمه وهو الأصح، لأنه مجرد قسم بغير الله لا يترتب عليه إلا الإثم لحرمة القسم بغيره تعالى، فهو كالقسم بسائر الأعراض أو الأجسام تجب عليه منه التوبة ولا يحنث به ـ أي لا تجب عليه به كفارة - ثانيها: هل حلف بأنه لم يدخل أو لن يدخل، لأن هنالك فارقاً بين الصيغتين يترتب عليه الاختلاف في الأحكام، فقوله: «لم يدخل» في الماضي ولا يضيره الدخول في المستقبل، وقوله: «لن يدخل» إنما هو في المستقبل ولا يضيره الدخول في الماضي ثالثها: إن الدخول لإطفاء الحريق ليس هو دخول عيادة، فلا يحنث به إن أقسم أنه لن يعود صاحبة البيت والله أعلم.
فيمن حدث بينه وبين أخيه شجار بسبب سيارة، فحلف أحدهما بأن لا يحرك الآخر السيارة من مكانها قائلاً له: «بسبيل وطلاق تحمل السيارة إلى الجراج». نرجو بيان الحكم الشرعي في هذه المسألة؟
الحلف بالطلاق إن كان بصيغة التعليق وذلك بأن يقول الحالف مثلاً: «إن فعل كذا فامرأته طالق، ففي هذه الحالة يقع الطلاق بوقوع المعلق عليه، وإن كان بصيغة القسم وذلك بأن يقول مثلاً: «بالطلاق لا يفعل كذا ففي ذلك خلاف والراجح عدم وقوع طلاق بذلك، ومن هذا الباب ما نطق به السائل وهو قوله بسبيل وطلاق .. إلخ فإن الراجح عدم وقوع الطلاق بوقوع المحلوف عليه، وإنما يأثم الحالف لحلفه بغير الله وعمل والله أعلم.
بيني وبين ابن عمي سوء تفاهم مما جعلني أحلف بالطلاق أن لا أدخل منزله، ثم بعد أربع سنوات أخبرت أن أبي قد توفي فخرجت لأشيع جنازته، ووقفت خارج منزل ابن عمي مما جعل والد زوجتي يأمر ابنته
كي (2/290)
صفحة 915
فتاوى الفراق
291
تبحث عن أحد ليقول: إنه رآني داخل منزل ابن عمي، فما الحكم في
ذلك؟
إن كان حلفك بصيغة التعليق وذلك بأن قلت: «إن دخلت فهي طالق»، فتطلق بدخولك الذي علقت عليه، الطلاق وإن كان بصيغة القسم وذلك بأن قلت «بالطلاق لا أدخل فإن الطلاق لا يقع على الراجح، غير أنك بحلفك بغير الله، فتب إلى الله يتب عليك والله أعلم.
فهي
حلفت على زوجتي بالطلاق إن دخلت منزل فلان، ثم بعد مدة طويلة أردت أن أسمح لها بذلك بسبب ظروف ملحة فهل يصح ذلك أم لا؟
إن كان حلفك بصيغة التعليق، وذلك بأن تقول: «إن دخلت بيت فلان طالق فإنها تطلق بدخولها سواء كان ذلك برضاك أو بدون رضاك، لأن الطلاق المعلق يقع بوقوع المعلق عليه، وأنت لم تقيد في تعليقك الطلاق على دخولها ذلك البيت بكونه بغير رضاك، وإن كنت حلفت بصيغة القسم وذلك بأن تكون قلت لها بطلاقك لا تدخلين ذلك البيت أو نحو هذا من القول ففيه خلاف، والراجح عدم وقوع الطلاق بمثله لأنه مجرد قسم بغير الله تأثم به وتلزمك التوبة لحرمة الحلف بغير الله، ولكن لا يقع به طلاق حتى مع الحنث، فافهم الفرق بين الصيغتين وحكميهما والله أعلم.
حلفت بطلاق زوجتي أن لا أشرب الخمر، ولكن بعد مدة عدت إلى شربه فما الحكم في ذلك؟
بئس ما فعلت وساء ما صنعت، فقد حلفت بغير الله وعصيت ربك بشرب الخمر المحرمة، فبؤت بالإثم العظيم والوزر الثقيل إن لم تتب، ما الذي دعاك (2/291)
صفحة 916
292
الفتاوى النكاح
إلى أن تعرض العلاقة الزوجية بينك وبين زوجتك للصرم (1) من غير سبب يدعوك إلى ذلك، ويحك أما بك بقية من عقل وفضلة من رشد؟ أم أن الخمر لم تبق لعقلك باقية للتفكير؟ هذا وأما حلفك بالطلاق فإن كان بصيغة التعليق وذلك بأن تقول مثلاً: «إن فعلت كذا فزوجتي طالق»، فإنها تطلق بمجرد ارتکاب ذلك، وإن كان بصيغة القسم وذلك بأن تقول مثلاً: «بالطلاق لا أفعل كذا» ففيه خلاف، والذي نأخذ به عدم وقوع الطلاق لأنه مجرد حلف بغير
الله، وإنما يأثم الحالف بمجرد حلفه بغير الله للتشديد في ذلك والله أعلم.
فيمن حلف بالطلاق أنه لا يصالح في أمر ما، ثم إنه اضطر إلى المصالحة فصالح فهل تطلق زوجته؟
»
إن كان حلفه بصيغة القسم وذلك بأن يقول مثلاً: «بطلاق زوجته لا يصالح ثم صالح فإن الطلاق لا يقع على الراجح، لأن ذلك مجرد قسم بغير الله يأثم به الحالف ولا تطلق امرأته، وعليه التوبة إلى ربه لأن الحلف بغير الله معصية الله ولرسوله، وإن كان بصيغة التعليق وذلك بأن يقول مثلاً: «إن صالح فزوجته طالق ثم صالح فإن الطلاق يقع بذلك والله أعلم.
6
ما قولكم في رجل حلف بطلاق زوجته أن لا يزوج أحداً من نفس قبيلته، ثم جاءه خاطب لابنته من نفس القبيلة فرفض الرجل أن يزوجه بها، وكانت البنت موافقة عليه. فلو قالت البنت لابن عمها مر العاقد عن أمري ورضاي فهل يحصل الطلاق؟
الحلف بالطلاق فجور وفسوق لثبوت النهى عن الحلف بغير الله تعالى فعلى من صدر منه التوبة إلى الله، عالم، ولا يمنع هذا الحلف أن يزوج وليته
(1) للانقطاع والانفصال. (2/292)
صفحة 917
فتاوى الفراق
293
بمن حلف أن لا يزوجه بها، فإن كان حلفه بصيغة التعليق وذلك بأن يقول: «إن زوجه بها فامرأته طالق مثلاً وقع الطلاق بحسب ما علق إن زوجه بها، وإن كان بصيغة القسم وذلك بأن يقول مثلاً: «بالطلاق لا أزوجه بها» ففي وقوع الطلاق مع الحنث خلاف، والأصح عدم وقوعه لأنه مجرد قسم بغير الله وعجل يأثم ولا يقع الطلاق والله أعلم.
قلت لزوجتي: «بطلاق الثلاث ما تروحي بيت أهلك إلا بعد يومين» وفعلاً المرأة لم تذهب إلا بعد ذلك فهل يقع الطلاق بذلك؟
بئس ما قلت، فإنك أقسمت بغير الله تعالى ومن أقسم بغير الله فقد كفر، يَأَيُّهَا الْإِنسَنُ مَا غَرَكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} [الإنفطار: (6) ما بالك تنسى ربك فتجعل له أنداداً؟ فإن قسم العبد لا يجوز بغير معبوده، فاتق الله وتب إلى ربك عن جعل الشريك والند له، وأمسك عليك زوجك والله أعلم.
حلف زوجي بالطلاق أنه سوف يقوم بإلغاء تأشيرة زوجة أبيه وهي هندية الجنسية خلال أربعة عشر يوماً، وذلك بسبب المشاكل التي تثيرها والتي خلفت خلافات بيني وبين زوجي والآن وقد مضى أكثر من أسبوعين ولم يلغ التأشيرة فما الحكم الشرعي في حلفه؟
لا يخلو إما أن يكون بصيغة التعليق أو بصيغة القسم، فإن كان بصيغة التعليق وذلك بأن يقول لك «إن لم يلغ تأشيرة زوجة أبيه فأنت طالق»، فالطلاق يقع في هذه الحالة بمضيء المدة التي حددها لإلغاء التأشيرة، وإن كان بصيغة القسم وذلك بأن يقول «بالطلاق لألغين تأشيرتها»، فإنه يأثم في هذه الحالة بقسمه بغير الله، ولكن لا يقع بذلك طلاق ولو لم يلغ التأشيرة على الراجح، لأنه مجرد حلف بغير الله تعالى كما لو حلف بالصيام أو الزكاة أو الحج والله أعلم. (2/293)
صفحة 918
294
الفتاوى النكاح
حلفت على ابني بطلاق أمه بسبب شربه للدخان فما الحكم في ذلك؟ بئس ما فعلت فأنت شر زوج وبئس العشير، وإلا فما الذي يعني الأم وطلاقها في أمر بينك وبين ولدك؟ ألا ما أجهلك بحق العلاقة الزوجية وقداستها، فتب إلى الله أولاً مما ارتكبته، وأما حكم ذلك فيتوقف على معرفة نص العبارة التي قلتها والله المستعان.
فيمن حلف بالطلاق أنه لا يفعل الشيء الفلاني فهل يقع الطلاق بهذا؟ إن كان حلف بصيغة التعليق وذلك بأن يقول مثلاً: «إن فعل كذا فامرأته طالق «فالطلاق واقع بفعله ما علقه عليه، لأن هذا من الطلاق المعلق، وإن كان بصيغة القسم وذلك بأن يقول مثلاً بالطلاق لا أفعل كذا» ففي وقوع طلاق امرأته إن حنث خلاف والراجح عدم وقوعه، وإنما يأثم لحلفه بغير الله فليتب إلى الله ع مما فعل فقد قال قولاً محظوراً، إذ الحلف بغير الله من الكبائر وليمسك عليه زوجه وليتق الله ربه والله أعلم.
حدث خلاف بيني وبين والدي فحلفت بطلاق زوجتي أن لا يبيت إخوتي في بيته، فلو أنهم رجعوا إليه رغماً عني فهل تطلق زوجتي
بذلك؟
بئس ما فعلت فما الذي يعني الزوجة من خلافك مع أبيك، وإنما جمعت بين عقوق الأب والإساءة إلى الزوجة فمثلك لا يستحق أن يزوج، ولكن يا لسوء حظ هذه المرأة التي رمت بها الأقدار إلى عصمتك وأردتها إلى كنفك، ولو كنت تعلم حقوق الأبوة وحقوق الزوجية لجأرت من هذا العمل الأرعن الذي صدر منك، فيا لك من أحمق جهول، هذا وإن كنت علقت طلاق زوجتك على مبيت إخوتك في بيت أبيك وقع الطلاق بمجرد (2/294)
صفحة 919
فتاوى الفراق
295
مبيتهم. عند أبيهم، أما إن كان ذلك بطريقة القسم وذلك بأن تقول مثلاً: «بطلاق زوجتي لا يبيت أخوتي في بيت أبي» فقد ارتكبت أمراً إذا بقسمك بغير الله، وهو كفر كما جاء في الحديث فعليك التوبة منه، ولكن اختلف في وقوع الطلاق بذلك مع الحنث والصحيح عدم وقوعه، وبناءً على وقوعه إن كنت جئت بالتعليق كما ذكرنا في الصورة السابقة ـ فلك أن تراجع زوجتك إن كان هذا الطلاق غير مسبوق بطلاقين من قبل، وذلك في عدتها بعد وقوع طلاقها وذلك بأن تشهد شاهدين أنك راجعتها بصداقها وعلى ما بقي من طلاقها والله أعلم.
مشكلة
أثناء
أنا شاب كنت متزوج ثم طلقت زوجتي منذ عدة أشهر، والآن أريد الزواج من فتاة ولكن هنالك مشكلة وهي أن في يوم من الأيام حصلت بيني وبين زوجتي السابقة وفي منزل والدي، فاضطر والدي إلى اتخاذ قرار ضد المشكلة التي حصلت وحلف بالثلاث بطلاق أمي لو تقدم معي لخطبة أي فتاة فهل يجوز أن يأتي معي لكي يتعرف على أحد من أهل الفتاة مثل خالها وبدون التدخل في موضوع الخطبة فقط للتعارف بينهما، هل ذلك يثبت طلاق والدتي من والدي؟
بئس ما قال هذا الأرعن الهزيل البعيد عن مدارك ذوي الأحلام، فهو وإن كان متقدماً في السن يعد طائشاً لا حلم له ولا بصيرة في قلبه، وإنما في قلبه عمى عن الحقيقة، وقبل كل شيء الحلف بغير الله تبارك وتعالى محظور، ثم ما الذي يعني المرأة من خلاف بين والد وولده أو بين ولد ووالده أو بين أخ وأخيه أو بين الجار وجاره أو بين زوجها وأي أحد كان، فما الذي يعني المرأة حتى تقحم في هذه الخلافات وتكون عرضة للطلاق من أجلها؟ إن هذا التصرف تصرف الطائشين الذين بعدوا عن حلوم الرجال (2/295)
صفحة 920
296
الفتاوى النكاح
كل البعد، ولا يكون إلا من الذين في قلوبهم مرض وفي بصائرهم عمى، وهذا الحلف إما أن يكون بصيغة القسم وإما أن يكون بصيغة التعليق، فإن كان بصيغة القسم فهو حلف بغير الله والحلف بغير الله لا يصدر من مؤمن بالله، لأن الحلف نوع من التعظيم، وهذا التعظيم لا يجوز أن يكون من الإنسان إلا لربه الله، وقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم في الحلف بغير الله عل، وقد جاء في بعض الروايات عن ابن مسعود الله قال «لأن أحلف بالله كاذباً أهون علي من أن أحلف بغير الله صادقاً فعليه التوبة إلى الله بسبب وقوع ذلك منه، وعلى القول الراجح لا يترتب عليه طلاق إن وقع المحلوف عليه وهو الخطبة لك، وأما إن كان بصيغة التعليق وذلك بأن يقول: أنها طالق ثلاثاً إن هو خطب لك تلك المرأة ففي هذه الحالة إن شارك في الخطبة بأي شيء ولو بالحضور ـ إن كان هذا الحضور يعد مشاركة منه ـ فإن امرأته التي علق طلاقها على فعل هذا الأمر تكون طالقاً ثلاثاً والله تعالى أعلم.
رجل متزوج من امرأة وعنده أولاد منها، وأراد الزواج من امرأة أخرى وعندما ذهب لخطبة المرأة الثانية قالت له هل أنت متزوج من قبل. فقال: نعم تزوجت وطلقت فقالت له: احلف بالله بذلك. فحلف الرجل على ذلك، ولكن الرجل حلف بدون قصد أو نية بالزوجة الأولى ولم يكن له النية الصادقة على طلاقها، ولم يذكر اسم زوجته الأولى ولم يحرم ولم يحلل ولم يذكر كلمة الطلاق في وجه زوجته الأولى، فما الحكم في ذلك هل تطلق زوجته الأولى منه؟ وإذا كانت تطلق فهل له أن يراجعها وماذا عليه إذا أراد أن يراجعها؟ علماً أن الرجل نادم ويريد استرجاع زوجته الأولى؟ التحليل والتحريم أمرهما إلى الله، ولا دخل لأحد فيهما في طلاق (2/296)
صفحة 921
فتاوى الفراق
297
ولا غيره وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا
ما
حرم
الله أو
حرم
عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116] ومن حلل ما أحل فهو كافر لا صلة له بالإسلام، وأما ما كان من هذا الرجل من الحلف بأنه طلق فإن كان قصد أنه طلق فيما مضى وهو لم يطلق فهو كاذب وعليه كفارة حنثه، وأما إن كان أوهم سامعه بأن منشئ طلاق زوجته بذلك فقد طلقت منه زوجته ولو لم يكن قاصداً طلاقها، لأن ثلاثاً جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة، وإن كان هذا الطلاق غير مسبوق بطلاقين من قبل فله أن يراجعها على سنن المراجعة
والله أعلم.
ما قولكم فيمن قال لآخر حلفت لك بالطلاق لا أعطيك شيئاً مما تطلبه» فهل تطلق زوجته بذلك؟
هذا فاسق لأن الحلف بالطلاق من شيمة الفساق فعليه التوبة إلى الله، وبما أن حلفه بصيغة القسم لا يقع به طلاق والله أعلم.
ما قولكم في شخص حلف بطلاق زوجتيه الاثنتين أنه ما يدخل منزل والده، بسبب مشكلات بينهما فهل يصح هذا الحلف وماذا يلزم الابن؟ بئس ما قال وساء ما صنع، فقد جمع بين معصيتين كبيرتين وهما عقوق والده بالتأكيد على قطيعته وحلفه بغير الله، مع أن الحلف بغير الله كفر، لما فيه من تعظيم غير الله تعظيماً لا يليق إلا بالله، فما أخسر صفقته وأعظم خيبته، ويله إن لم يتب إلى الله نادماً مما اقترف، ويصلح بينه وبين ربه وبينه وبين والده، هذا وأما طلاق زوجتيه بحلفه فمرده إلى ما يأتي من التفصيل، ذلك أنه لا يخلو إما أن يكون حلفه بصيغة التعليق وإما أن يكون (2/297)
صفحة 922
298
الفتاوى النكاح
بصيغة القسم، فإن كان بصيغة التعليق وذلك بأن يقول: «إن دخل بيت أبيه فامرأتاه طالقتان». فإن الطلاق يقع بمجرد دخوله بيت أبيه، وإن لم يدخل فلا طلاق، وهذه عاقبة الحماقة والجهل وسوء التصرف، فهو إما أن يظل قاطعاً أباه بما قاله محروماً من بره، وإما أن يخسر زوجتيه وتنقطع صلته بهما، وليت شعري ما جرمهما فإنهما لم ترتكبا شيئاً فتستحقا هذا الجزاء، وإذا كان بصيغة القسم وذلك بأن يقول: «بالطلاق لا يدخل بيت أبيه». فقيل حكمه كسابقه، والصحيح أن لا يقع به الطلاق لأنه مجرد قسم بغير الله المقسم به بأوزار الذنوب إن لم يتب، ولكن لا طلاق به ولا يمين تنعقد به
والله أعلم.
يبوء
فيمن حلف بطلاق زوجته أن يعمل عملاً، وكان ذلك العمل محرماً بحكم الكتاب والسنة، ولما راجعه صوابه علم أن العمل من المحرمات شرعاً فامتنع من عمله ولم يقدم عليه، فماذا عليه في أمر زوجته والحالة
هذه؟
ليس له أن يقدم على محرم وينبغي النظر في أمر زوجته، لاختلاف الحكم باختلاف لفظه، فإن كان لفظه لا تعليق فيه، وإنما هو مجرد قسم بالطلاق ففي وقوع الطلاق بالحنث خلاف شرحناه لك في جوابنا الأول، أما إن قال إن لم يفعل ذلك الأمر فامرأته طالق طلقت من حينها، إن كان ما علق على تركه الطلاق من المحرمات فإن القصد عليها من الموبقات والله أعلم. (2/298)
صفحة 923
فتاوى الفراق
299
الإكراه على الطلاق
ما حكم طلاق المكره وما يترتب عليه؟
اختلف أئمة المسلمين وعلماؤهم منذ الرعيل الأول في وقوع طلاق المكره، والذي تقتضيه الأدلة عدم وقوعه فيما بين المكره وبين ربه وفيما بينه وبين الناس إن ثبت الإكراه والله يَعْلَمُ خَانَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) [غافر: 19] وإليك نبذة مما دونه علماء المسلمين في ذلك:
قال العلامة ابن حزم الظاهري في كتابه «المحلى»: وطلاق المكره غير لازم له، وقد اختلف الناس في هذا، فروينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن سليمان الشيباني عن علي بن علي بن حنظلة عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب: «ليس الرجل بآمن على نفسه إذا أخفته أو ضربته أو أوثقته»، ومن طريق عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الملك بن قدامة الجمحي حدثني أبي: «أن رجلاً تدلى بحبل ليشتار عسلاً فأتت امرأته فقالت: لأقطعن الحبل أو لتطلقني فناشدها الله فأبت فطلقها فلما ظهر أتى عمر بن الخطاب فذكر له ذلك فقال عمر: ارجع إلى امرأتك فإنه هذا ليس بطلاق»، وعن عبد الرحمن بن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن: «أن علي بن أبي طالب كان لا يجيز طلاق المكره، ومن طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن ثابت الأعرج: قال: سألت ابن عمر وابن الزبير عن طلاق المكره فقالا جميعاً: «ليس بشيء»، ومن طريق الحجاج بن المنهال نا هشيم نا عبيد الله بن طلحة الخزاعي نا أبو يزيد المدني عن ابن عباس قال: «ليس لمكره ولا لمضطر طلاق، ومن طريق عبد الرزاق عن عبد الله بن المبارك عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن ابن عباس» أنه كان لا يرى طلاق المكره شيئاً»، وصح عن الحسن البصري طلاق المكره لا يجوز، وهو (2/299)
صفحة 924
الفتاوى النكاح أحد قولي عمر بن عبد العزيز، وصح أيضاً عن عطاء وطاوس وأبي الشعثاء جابر بن زيد، وعن الحجاج بن المنهال نبأنا عوانة عن المغيرة عن إبراهيم قال: الطلاق ما عني به الطلاق»، وهو قول مالك والأوزاعي والحسن بن والشافعي وأبي سليمان وأصحابهم وأحد قولي الشافعي.
حي
•
وروي خلاف ذلك عن عمر كما روينا عن سعيد بن منصور نا فرج ابن فضالة حدثني عمرو بن شراحيل المعافري أن امرأة سلت سيفاً فوضعته على بطن زوجها وقالت والله لأنفذنك أو لتطلقني، فطلقها ثلاثاً، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب فأمضى طلاقها، وعن ابن عمر روينا عنه أنه سأله رجل فقال له: إنه وطئ فلان على رجلي حتى أطلق امرأتي فطلقتها فكره له الرجوع إليها، وهذا يخرج على أنه لم ير ذلك إكراهاً، وروي أيضاً عن عمر بن عبد العزيز وروينا عن علي بن أبي طالب: «كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه»، وقد روينا عنه قبل إبطال طلاق المكره، وروي أيضاً عن إبراهيم وصح عن أبي قلابة والزهري وقتادة وسعيد بن جبير وبه أخذ أبو حنيفة وأصحابه.
وقول ثالث: وهو أن طلاق المكره إن أكرهه اللصوص لم يلزمه وأن أكرهه السلطان لزمه ورويناه عن الشعبي.
وقول رابع: روينا عن إبراهيم أنه قال إن أكره ظلماً على الطلاق فورك إلى شيء آخر لم يلزمه، فإن لم يورك لزمه، ولا ينتفع الظالم بالتوريك، وهو أحد قولي سفيان ا. هـ كلامه.
:
وقال الإمام ضياء الدين الثميني فى النيل المختار عندنا أنه لا يلزم الله الله مقهوراً ومكرهاً، طلاق، لقوله علي ليس على مقهور عقد ولا عهد»، وفي
رواية: «لا طلاق على مغلوب» أو قال: «مغصوب». (2/300)
صفحة 925
فتاوى الفراق
وفي ديوان الأشياخ - رحمهم الله -: طلاق الإجبار منها أو من غيرها ليس شيء، وعلى هذا درج القطب رحم الله في شرح النيل، ولهذا الرأي الوجيه - الذي قال به جم غفير من الصحابة الا الله والتابعين ومن بعدهم - أدلة كافية في ترجيحه على غيره من الآراء
منها: عدم ترتب شيء من الأحكام على المكره إن اضطر إلى قول شيء يتنافى مع قواعد الإيمان ولو نطق بالشرك، لاستثناء الكتاب له في قوله عز من قائل: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَنُ بِالْإِيمَنِ} [النحل: 106]، وليس تطليق الزوجة أعظم من قول الشرك الذي يترتب عليه ـ في حكم الظاهر - الخروج من الملة وإباحة سفك الدم وما يتبعه من الأحكام الخطيرة التي لا تدرأ عنه لولا ثبوت الإكراه، هذا وقد ثبت من طريق عائشة انا عنه عليه أفضل الصلاة والسلام: إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (1) والطلاق مندرج تحت هذا الحكم لعموم
الحديث.
العلماء
ومنها ما جاء في السنن عنه صلى الله عليه وسلم لا طلاق في إغلاق» (2) وهو وإن اختلف في معناه اختلافاً كثيراً، فلا مانع من الاستدلال به على عدم وقوع طلاق المكره، لشمول لفظة الإغلاق له على أن القطب رحمه الله صوب حمله على معنى الإكراه وحسبنا أن هذا الرأي قال به من أجلة الصحابة والتابعين من تقدم ذكره، وركن إليه الجمهور.
أما أدلة خالفه من
فهي لم تسلم من الطعن إما في صحتها، وإما في
وجه الاستدلال بها، ومن هذه الأدلة:
(1) رواه ابن ماجه.
(2) رواه أحمد والبخاري وأبو داود بلفظ لا طلاق ولا عتاق في إغلاق». (2/301)
صفحة 926
الفتاوى النكاح
ما جاء في السنن من حديث أبي هرير «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة» (1).
وأجيب بأن المكره غير هازل، ولو سلم أنه هازل فهو مخصوص من هذا العموم بحديث الإكراه، على أن ابن حزم لم يسلم لصحة هذه الرواية، فقد قال في «المحلى»: إنما رويناها من طريق عبد الرحمن بن حبيب بن أدرك، وهو منكر الحديث، لأن قوماً قالوا عن عبد الرحمن بن حبيب، وقوماً قالوا حبيب بن عبد الرحمن وهو مع ذلك متفق على ضعف روايته، ثم تعرض لروايات نظيرة لها في هذا المعنى عن أبي بردة والحسن وأعلها جميعاً، منها ما أعله بالإرسال، ومنها ما أعله بالانقطاع الفاحش، ومنها ما أعله بوجود من ذكر بالكذب في إسناده، وهي مع هذا كله لم تتعرض لذكر الإكراه.
ومن أدلتهم: ما رواه سعيد بن منصور في سننه من حديث صفوان بن عمرو الأصم الطائي عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلاً جلست امرأته على صدره وجعلت السكين على حلقه وقالت له: طلقني أو لأذبحنك. فناشدها الله تعالى فأبت فطلقها ثلاثاً، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لا قول له
في
الطلاق.
وأجيب بأن الحديث لا يصلح للاستدلال، لأن صفوان الراوي ضعيف منكر الحديث، وقد رواه عنه الغافري بن جبلة وصفه ابن القيم باللين، وقال عنه ابن حزم مغموز، ورواه عن العازي بقية وهو موصوف بالضعف
والتدليس.
ومنها: رواية عطاء بن عجلان عن عكرمة عن ابن عباس ـ ا ـ عن
(1) رواه الترمذي وابن ماجه وأبو داود. (2/302)
صفحة 927
فتاوى الفراق
النبي
أنه قال: كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله» (1).
وأجيب بأن عطاء بن عجلان مذكور بالكذب فلا تقوم بروايته حجة، وأيضاً فإن المحتجين به وهم الحنفية قد خالفوا بهذا الاحتجاج أصلهم في ترك العمل بالروايات إن خالفها رواتها من الصحابة، فإن الحديث من رواية ابن عباس ـ ا ـ، والثابت عنه إبطال طلاق المكره، فما بالهم هنا أخذوا بروايته وعدلوا عن رأيه.
يبني
أما من فرق بين إكراه السلطان وغيره فلعله مذهبه على اعتبار إكراه السلطان حكماً منه يجب امتثاله، غير أنه من المعلوم أن الأحكام لا عبرة بها ـ ممن صدرت ـ إلا إذا كانت مبنية على قواعد الشرع مستمدة من حكم الله وحكم رسوله الأمين، وقد صح في الحديث عنه عليه أفضل الصلاة والسلام من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».
أما من فرق بين أن يورك المكره أو لا يورك فالظاهر أنه بنى رأيه على رعاية المقاصد، عملاً بقوله إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى غير أن أدلة القول الأول لم تفرق وهي أقوى من هذا الاستظهار.
هذا واختلف في حد الإكراه فروي عن الإمام مالك اعتبار خوفه على نفسه أو ولده أو ماله وبذلك قال أكثر أصحابه، وقال القطب رحمه الله واختلف في حد الإكراه فقال عمر: «ليس الرجل أميناً على نفسه إن أوجع أو ضرب، وقال شريح إن القيد كره والوعيد كره والسجن كره، وقال بعض: إن خاف قتلاً أو قيداً أو ضرباً فإنه يعذر ولا يلزمه الطلاق وليس بعد الإيعاد إلا الفعل.
(1) رواه الترمذي باب ما جاء في طلاق المعتوه. (2/303)
صفحة 928
304
الفتاوى النكاح
هذا ما حضرني من الجواب على هذا السؤال النفيس، ومن الله استمد العون على قول الحق والعمل به، وهو حسبي ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
حدثت مشاجرة بيني وبين زوجتي مما جعلها تهجم عليّ وتمسكني من الرقبة بإحدى يديها ومسكت بالأخرى الخصيتين حتى شارفت على فكاكاً غير أن أطلقها بالثلاث. فهل تطلق
الهلاك، فلم أجد منها
هذه الحالة؟
مني
على
إن كنت لم تجد لنفسك فكاكاً من قبضتها المهلكة إلا بقول ذلك فطلاق المكره غير واقع والله يعلم السرائر من عباده والله أعلم.
ما قولكم فيمن هدده أبوه بالسلاح إن لم يطلق زوجته فطلقها فهل يقع طلاقه بذلك؟
إن ثبت أن أباه هدده بالسلاح ليبطش به إن لم يطلق امرأته في الحال، وهو في حال تهديده جاد غير هازل، وفي قرارة نفس الولد ـ أي الزوج - أن أباه سينفذ ما هدده به إن لم يطلق، فإن الطلاق لا يقع بذلك ولا تحسب هذه الطلقة والله أعلم.
فيمن أكرهه والداه على تطليق زوجته بدون موجب شرعي وبدون رغبة منه، فهل يقع طلاقه في هذه الحالة؟
بئس ما فعل هذان الأبوان إن أكرها ابنهما من غير موجب أن يطلق امرأته، وطلاق الابن لها ماض إلا إن أكرهاه بالسلاح ونحوه وخشي منهما
الفتك به إن لم يطلق، فلا طلاق في مثل هذه الحالة والله اعلم. (2/304)
صفحة 929
فتاوى الفراق
305
طلاق الهازل وفاقد الوعي:
رجل
سأله صاحبه عن زوجته فقال: «مطلقنها دون أن يقصد ذلك، وإنما قالها دون أن يدرك ما يترتب على اللفظ، وقد مضى على هذه القضية أعوام طويلة، والرجل يسأل عما يلزمه في ذلك؟
«ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة»، فإن كان طلقها من قبل ولم يكن قصد إنشاء طلاق آخر حمل على الطلاق الأول وإلا طلقت هذا إن تعمد النطق بهذه الكلمة وإن كانت انفلتت منه بدون قصد النطق بها فلا عبرة بها ولا يقع بها طلاق والله أعلم.
امرأة تقول إن زوجها اتصل بها وقال لها: طالق» على سبيل المزاح، والرجل ينكر أنه قال ذلك، وإنما اتصل بها ليبارك لها بالزواج لا غير فما الحكم في ذلك؟
إن كان قال لها: «أنت طالق، فقد وقع عليها الطلاق ولو كان ذلك مجرد مزاح، وإن كان لم يقل ذلك فلا، طلاق، وإن اختلفا بحيث ادعت عليه وأنكر فالقول قوله مع يمينه والله اعلم.
فيمن تزوج بامرأة، وقبل الدخول بها خطب امرأة أخرى فسألوه عن زوجته الأولى فأخبرهم بأنه طلقها علماً أنه لم يطلقها، وإنما قال ذلك لأجل أن يوافقوا على تزويجه فهل تطلق زوجته بذلك؟
جاء في الحديث عن النبي ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة» (1) فقوله: «إنها طالق» أو «إنه طلقها» يقع به الطلاق والله
(1) رواه الترمذي والسيوطي في الجامع الصغير. (2/305)
صفحة 930
306
الفتاوى النكاح
المستعان، وبما أنه طلقها قبل الدخول فعليه لها نصف ما اتفقا عليه من
الصداق عاجله وآجله إلا إن عفت فأسقطته أو عفا فأتمه والله اعلم.
ما قولكم فيمن طلق زوجته الطلاق الثالث وهو سكران، وقد كانت المرأة
حاملاً ثم وضعت حملها، والآن يريد الرجل مراجعتها فهل له ذلك؟
لم
أما إن كان الطلاق الثالث واقعاً فإنها لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه ولكن إن كان عندما طلق فاقداً وعيه بحيث أنه طلق امرأته، فقيل: إن طلاقه غير ثابت لأنه لا يثبت حله في هذه الحالة كما لا يثبت عقده، وعليه فلينظر في أمرهما فإن كان يدعي هو كذلك وصدقته
يع
المرأة في ذلك فهي زوجته بناء على هذا القول وهو الراجح والله أعلم. تشاجر أخوان فحلف أحدهما بطلاق زوجته إن دخلت بيت أخيه، وكان فاقد العقل ثم ندم على ذلك وتاب وتصالح مع أخيه، فهل يبقى عليه شيء مع زوجته؟ لا أدري معنى قولك فاقد العقل، فإن كان مجنوناً فلا عبرة بحله ولا عقده، وإن لم يكن مجنوناً فطلاقه ماض، وبمجرد دخولها بيت أخيه تطلق ولا يجدي رضاه شيئاً والله أعلم.
رجل تنتابه حالة من الجنون وأصبح يكثر من ترديده كلمة الطلاق في حال صحوه وفي حال، جنونه والزوجة لا تستطيع أن تحدد حالته في
حال الطلاق، ولها منه عدة أولاد ما زالوا صغاراً فهل يقع طلاقه أم لا؟
إن طلقها في حال وعيه فطلاقه ماض، وإن طلقها في حال جنونه فهو غير ماض، وهو الذي يستطيع في - حال صحوه - تحديد ما إذا كان ذلك في أو عدمه، ولا فرق في هذا الحكم بين صاحب الأطفال وغيرهم
حالة وعي
قلوا أو كثروا والله أعلم. (2/306)
صفحة 931
فتاوى الفراق
عقله،
307
ثم بعد ذلك
رجل وقع عليه حادث فأصيب في رأسه مما أثر في قام بتطليق زوجته فهل يقع طلاقه أم لا؟ وهل يحق للزوجة أن تبقى في
بيته بعد تطليقها؟
إن كان طلق وهو فاقد الوعي فطلاقه غير ماض، وإن كان واعياً فهو ماض، وسكنى المرأة في بيته حق لها إن كان طلاقه غير ماض وعليها أن تؤدي حقوقه، والعكس في العكس والله أعلم.
طلقت زوجتي بالثلاث وكنت في حالة غضب شديد فقدت فيه السيطرة على أعصابي وفقدت خلاله وعيي، وأقسم بالله إنني كنت في حالة لا أدري ما أقول فيها؟ إن ثبت أنك كنت فاقداً لوعيك فطلاق من لم يكن ذا وعي بما يقول غير واقع والله أعلم.
قلت لامرأتي طالق من غير أن أقصد تطليقها، ولم أذكر اسمها ولا حللت ولا حرمت فما قولكم فيما قلت؟
ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة»، فالطلاق ماض ولو لم تقصده ما دمت تلفظت به ووجهت الخطاب إليها ولو لم تذكر اسمها، وأما قولك: لا حللت ولا حرمت فما هو إلا دليل على جهلك المركب، فهل الطلاق يتوقف على التحليل والتحريم ومن أخبرك بهذا؟ ألا تدري أن تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله كفر، وأن التحليل والتحريم ليسا من شأن العبد وإنما هما من شأن الله سبحانه وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116] فاتق الله ودع عنك التلاعب بدين الله والله أعلم. (2/307)
صفحة 932
308
الفتاوى النكاح
فيمن أراد أن يخطب امرأة وسألته عن زوجته الأولى فقال لها: طلقتها، وهو لم يطلقها ولم ينو بذلك طلاقها، يقصد بذلك عدم معارضة المرأة الثانية على الزواج به فهل تطلق زوجته بذلك؟
نعم تطلق بذلك امرأته، فإن ثلاثاً جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة والله أعلم.
جاء في الحديث الشريف ثلاث جدهن جد وهزلهن جد، النكاح والطلاق والعتاق فهل لو سألت امرأة زوجها عن صيغة الطلاق بقصد التعلم فقال: الطلاق أن يقول أنت فلانة بنت فلان ـ اسم زوجته ـ «طالق
بالثلاث» فهل يساق ذلك مساق الجد وتطلق منه زوجته بلفظه هذا؟
إن كان كلامه سيق مساق تعليمها بصيغة الطلاق لم تطلق، ولكنه كلام فيه مخاطرة، والعاقل لا يحوم حول الريب ولا يرعى حول الحمى، على أن قوله: إن الطلاق هو أن يقول لامرأته: أنت طالق ثلاثاً» خطأ محض إذ لا داعي لكلمة ثلاثاً فإنه طلاق بدعي، وإنما طلاق السنة أن يطلق طلقة واحدة في طهر لم يباشرها فيه، فالعجب من الناس لا يعرفون الطلاق إلّا من طريق البدعة سعياً منهم إلى تضييق ما وسع الله عليهم وإغلاق ما فتحه لهم، ولو كان طلاق الثلاث مشروعاً ومحبوباً إلى الله لقل فاعلوه، ولكن بما إنه بدعة مخالفة لشرع الله وهو بغيض إلى الله تهافت الناس إليه، حتى إنه ليندر أن يقع طلاق بغير الثلاث لأن نفوس الناس مشغوفة بالمحظور والله
المستعان.
طلقت زوجتي وأنا في حالة نفسية صعبة، حتى أنني بعد وقوع الطلاق فقدت الوعي وحملت إلى المستشفى، ولا أذكر الطلاق إلا أنني كنت (2/308)
صفحة 933
فتاوى الفراق
309
أكرر لفظ الطلاق بدون قصد، وأخبرت بعد ذلك أنني نطقت بكلمة:
مائة تطليقة، غير أنني لا أذكر ذلك أبداً فما حكم هذا الطلاق؟
إن كنت كررت كلمة طالق من غير قصد إنشاء طلاق جديد في كل مرة، وأفلتت منك لفظة مائة تطليقة من غير قصد فهي طلقة واحدة والله
اعلم. دخل زوجي البيت وهو سكران فقال: إذا خرجت من باب الشقة فاعتبري نفسك طالق، وبسبب الخوف الذي أصابني اضطررت أن أخرج إلى بيت أهلي وبعد الأخذ والرد في القضية رجعت إلى بيت زوجي باعتبار إن الطلاق حصل وهو سكران فلا يثبت وبعد مدة من هذه القضية اعترف زوجي أمامي بأن الطلاق الذي حصل كان وهو واع فما الحكم
في
هذه القضية؟
بما أنه اعترف أنه كان واعياً عندما نطق بطلاقك المعلق فالطلاق واقع لوقوع المعلق عليه، وبقاؤك عنده بدون رجعة يعد زنا وتحرمين عليه به والله أعلم.
فيمن طلق زوجته طلاقاً واحداً فراجعها، ثم طلقها ثلاث تطليقات متتاليات ولكنه كان في حالة سكر، غير أنه لما صحا من سكره اعترف أنه طلقها، فهل له مراجعتها إن أراد ذلك؟
إن كان طلقها ثلاثاً وقد كان طلقها واحدة من قبل بانت باثنتين بعد الواحدة السابقة، فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، ثم تخرج عنه بوجه من وجوه الفراق وبعد عدتها منه تحل للأول بعقد مع جميع لوازمه الشرعية والله اعلم.
جديد (2/309)
صفحة 934
310
الفتاوى النكاح
رجل طلق زوجته بالثلاث وكان في حالة غضب شديد وفقدان الشعور بسبب شدة الغضب فهل يقع طلاقه أو لا؟
إن كان واعياً لما صدر منه فطلاقه ماض وتبين منه بالثلاث فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، وإن كان لم يع قط وإنما علم به من إخبار غيره به فلا يقع طلاقه والله أعلم.
طلاق المشرك:
الله
تم
أسلما، فهل يهدم
إذا طلق المشرك زوجته طلقة أو طلقتين أو ثلاثاً إسلامه طلاقه فيستأنف الطلاق من جديد، أم يحسب عليه، فإن كان طلقها واحدة بقيت عنده بطلقتين وإن كان طلقها طلقتين بقيت معه بطلقة واحدة، وإن كان طلقها ثلاثاً حرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره.
نعم
نرجو من سماحتكم بسط القول في هذه المسألة إذ لم نجد فيها جواباً موسعاً عند أصحابنا، حتى أن الشيخ السالمي الله ذكر في جوابه للشيخ المالكي أنه لم يجد هذه المسألة في الأثر إذ قال: إن الجواب بابه قد أغلقا ولم أجده أثراً منمقا سأل شيخنا العلامة أبو مالك إمامنا نور الدين السالمي ـ رحمهما من جوابه له: ذلك فكان عن إن الجواب بابه قد أغلقا ولم أجده أثراً منمقا لكنني أقول فانظر مشفقا خوف الخطا وحققن ودققا التوب جب للذي قد سبقا ولو يكون مائة قد طلقا فإن ذا الخطاب ما تعلقا عليه ما دام بشرك علقا (2/310)
صفحة 935
فتاوى الفراق
311
كحال من عن أمه قد فرقا
فحال من عن شركه قد عتقا يغفر عنه كل شي سبقا فاحكم عليه بابتداء مطلقا في آية الكتاب عفو أطلقا والقيد يحتاج له من فرقا واستأنفوا الطلاق من قد طلقا أو لم يطلق من مضى موفقا فذا دليل يدخل المطلقا حيث الخطاب لم يكن تعلقا
وأنت ترى أن الإمام على أجاب نظراً وأبان أنه لم يجد القول في المسألة. عن أحد، وكان من اجتهاده أنه لا عبرة بما كان إبان شركه من الطلاق، لأن الإسلام جب لما قبله وقد قال تعالى: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: (38)، وجعل إطلاق الآية للعفو شاملاً للطلاق وعليه ينهدم بالإسلام ما سبق من طلاق في حال الشرك سواء طلق واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً، ويستأنف ثلاث طلقات من جديد، والخلاف في المسألة مشهور، وبما قاله الإمام قال عبد الرحمن ابن عوف له من الصحابة كما رواه عنه قتادة، إذ قال لسائله ليس طلاقك في الشرك بشيء»، وبهذا كان يفتي، قتادة وقال به الحسن وربيعة و هو قول مالك وأبي سليمان وأصحابهما، وأيده ابن حزم مستدلاً له بقول الله تعالى: {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: 1]، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (1)، قال: فصح بهذين النصين أن كل من عمل بخلاف ما أمر الله ل به أو رسوله صلى الله عليه وسلم فهو باطل لا يعتد به، ولا شك في أن الكافر مأمور بقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله ملزم ذلك، متوعد على تركه بالخلود أطباق النيران فكل كلام قاله وقد ترك الشهادة المذكورة فقد وضع
بين
الكلام غير موضعه فهو غير معتد.
(1) رواه الربيع والبخاري ومسلم وأحمد وآخرون.
ذلك (2/311)
صفحة 936
312
وأما
الفتاوى النكاح
ثم قال: فإن قيل: فمن أين أجزتم سائر عقوده التي ذكرتم، قلنا أما النكاح فلأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر نكاح أهل الشرك وأبقاهم بعد إسلامهم عليه، بيعه وابتياعه، فلأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعامل تجار الكفار، ومات الا ودرعه مرهونة عند يهودي في أصواع من الشعير، وأما مؤاجرته، استأجر ابن أرقط ليدل به إلى المدينة وهو كافر، وعامل يهود خيبر على عمل أرضها وشجرها بنصف ما يخرج الله رحل من ذلك.
وأما هبته وصدقته وعتقه، فلقول حكيم بن حزام: يا رسول الله أشياء كنت أتحنث بها في الجاهلية من عتاقة وصلة رحم وصدقة. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلمت على ما أسلفت من خير» (1)، فسمى كل ذلك خيراً، وأخبر أنه معتد به، فبقى الطلاق لم يأت بإمضائه نص فثبت على أصله المتقدم. فإن قيل فقد قال الله تعالى: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ} [المائدة: 49]، قلنا نعم، وهذا الذي حكمنا به بينهم هو مما أنزل الله تعالى كما ذكرنا. ا. هـ كلامه، ومدار احتجاجه كما ترى على عدم الاعتداد بتصرف المشرك.
وذهب إلى أنه يعتد بطلاقه في الجاهلية - أي قبل إسلامه ـ كما يعتد به في الإسلام في جميع أحكامه عطاء وعمرو بن دينار وفراس الهمداني والزهري والنخعي وحماد بن أبي سليمان، وبه قال الأوزاعي، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما، وتوقف في ذلك عمر بن الخطاب له فقد روى عنه قتادة أنه سأله رجل طلق امرأته طلقتين في الجاهلية وطلقة في الإسلام فقال له لا آمرك ولا أنهاك».
والخلاف في المسألة مشهور في كتب المذهب كما في المصنف وغيره من كتب أصحابنا، والقول باعتبار طلاقه هو قول ابن محبوب
(1) رواه مسلم وأحمد ابن حنبل والبيهقي وآخرون. (2/312)
صفحة 937
فتاوى الفراق
313
- رحمهما الله -، والقول الفصل هو الاعتداد بطلاقه قبل إسلامه وإجراء جميع الأحكام التي تجري على طلاق المسلم عليه، كما يعتد بجميع عقوده من نكاح وبيع وإجارة وغيرها، وما احتج به الإمام السالمي - عفا الله عنا وعنه ـ لا أراه وجيهاً في هذا المقام فإن جب الإسلام لما قبله وعفو الله تعالى عما سلف من الذين كفروا إن ينتهوا، إنما هو في الأمور التكليفية من فعل المناهي وارتكاب المحارم وترك الأوامر، ولا يدخل فيه ما كان راجعاً إلى خطاب الوضع كالنكاح والطلاق، وإلا لساغ لرجل تزوج في شركه امرأة أن يتزوج في الإسلام أصولها وفروعها، كما يترتب عليه أيضاً أن لا يلتفت في الإسلام إلى ما كان قبله من رضاع وغيره من أنواع أسباب تحريم الزواج، وأنى ذلك والأحاديث ترده، كما يقتضي إطلاق ذلك جواز أن يتزوج الرجل في الإسلام من تزوجها أبوه أو ابنه قبل الإسلام ولا يقول ذلك قائل، وبهذا يتضح لك عدم وجاهة ذلك الاستدلال، والتفرقة بين النكاح والطلاق في ذلك لا أعرف وجهها. وأما استدلال ابن حزم بالآية والحديث لما ذهب إليه فقد أبعد فيه النجعة، إذ لا دليل فيهما من قريب أو بعيد على صحة قوله، فدلالة الآية الكريمة لا تعدو وعيد من تعدى حدود الله، ولا إشارة فيها إلى طلاق المشرك، بل سياقها ليس في الشرك إطلاقاً وإنما هو في إخراج وخروجها من بيتها بعد الأمر بطلاق المرأة لعدتها ونصها يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةً وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: 1] فأي علاقة بينها وبين ما ذهب إليه من إلغاء طلاق المشرك وعدم الاعتداد به؟ إن هذه كبوة لا تليق بصغار الطلبة فكيف بالعلماء المحققين.
المطلقة (2/313)
صفحة 938
314
الفتاوى النكاح
لا
يعني
وأما الحديث فغاية ما يدل عليه أن العمل المخالف لتعاليم الإسلام وأوامر النبي الله لا اعتداد به في موازين الحق، ومن الوضوح بمكان أنه طلاق المشرك من قريب ولا من بعيد وما تفريق ابن حزم بين طلاقه وعقوده وسائر أحكام معاملاته إلّا كالتفرقة بين الضأن والمعز في أحكام الزكاة وبين الذهب والفضة في أحكامها وأحكام الربا، وما هو إلا تفريق بين الشيء ونفسه فكفى بذلك دليلاً على ضعف استدلاله، والخلاصة: أن القول الصحيح أن ما كان من طلاق المشرك إبان شركه معدود في الطلاق الذي يبينها منه فلو طلق تطليقتين في الشرك وواحدة في الإسلام أو العكس
لكانت ثلاثاً تحرم عليه المطلقة إثرها حتى تنكح زوجاً غيره والله أعلم. (2/314)
صفحة 939
كنايات الطلاق
فتاوى الفراق
315
أخت زوجتي
مما جعلني أمنع زوجتي عن
حدث خلاف بيني وبين دخول بيتها وقلت لها: «إذا دخلت منزل أختك فاعتبري ما بيني وبينك
منتهي»؟
هذه كناية لطلاق معلق على دخولها بيت أختها، فإن دخلت وكنت قاصداً بذلك الطلاق طلقت وكان لك الحق في مراجعتها بإشهاد شاهدين على الرجعة وذلك في أثناء عدتها، إلا إن كان هذا الطلاق مسبوقاً بطلاقين من قبل والله أعلم.
رجل قال لزوجته: «طلاق طلاق طلاق فهل تطلق زوجته بذلك؟ كلمة «طلاق» وحدها لا تفيد شيئاً يمكن اعتماده، لذلك أرى الرجوع إلى قصد المتكلم بها، فإن أراد بها أنت طلاق» أي طالق من باب إقامة المصدر مقام اسم الفاعل - فطلاقها واقع، وتكراره يعود أيضاً إلى قصده، فإن أراد به التأسيس - وهو إنشاء طلاق جديد في المرة الثانية - فيتكرر الطلاق كذلك، لأن الطلاق يتبع الطلاق ما دامت المرأة في العدة وإلا فلا، وإن لم يقصد بقوله هذا طلاقاً فليس هو بطلاق والله اعلم.
ما قولكم فيمن قال لزوجته: «إذا ذهبت إلى منزل فلانة بطلاق»؟ هذا كلام غير تام إلا بضرب من التأويل، وهو إن فعلت كذا فعلته مصحوباً بطلاق، فتكون الباء للمصاحبة، فإن كان هذا مراده عندما قاله
لزوجته وقع الطلاق إن فعلته والله أعلم. (2/315)
صفحة 940
316
الفتاوى النكاح
فيمن قال لزوجته: «مطلقة». ثم قال لأبيه: إن زوجتي حرام. حرام. حرام» فما الحكم في ذلك؟
إن قصد بالتحريم طلاقاً جديداً فهو حسب قصده، وإن أراد بالتكرار تأسيس الطلاق في كل مرة طلقت ثلاثاً، وإن لم يقصد ذلك ولم تكن له نية بالتحريم فعليه كفارة يمين مع التوبة، ولا تطلق إلا تلك الطلقة
فحلف
والله أعلم. رجل طلق زوجته طلقتين وقد وصلت القضية إلى القاضي، الرجل أنه لم يطلقها، وبعد أربعة أشهر قال لها: «مالك رجعة في بيتي»، كررها ثلاث مرات. علماً بأن له منها طفلة فكم يحدد النفقة
لهذه الطفلة؟
إن كان مراده بقوله هذا إنشاء طلاق طلقت منه طلقة ثالثة، ولا تحل له بعد ذلك حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً لا تدليس فيه، ثم تخرج عنه بوجه من وجوه الفراق، وبعد عدتها منه تحل للأول بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، وإن كان لم يرد به الطلاق فهي غير طالق، هذا على ثبوت الطلقتين ووجود رجعة بعدهما ومع الحكم بعدم ثبوتهما فهذه تعد الطلقة الأولى إن قصد بقوله الطلاق وعليه في كلا الحالين الإنفاق على ابنته، وإن لم يتفق الطرفان على قدر الإنفاق رد ذلك إلى القضاء الشرعي والله الموفق.
وقع
طلاق بيني وبين زوجتي فقلت لها في حالة غضب «إذا ذهبت إلى بيت أهلك فأنت طايحة من رقبتي فذهبت المرأة فهل يقع طلاق بهذا اللفظ؟
هذا القول من كنايات الطلاق، فإن كنت قصدت به الطلاق وقع طلاقها
بذهابها إلى بيت أهلها لأن النية هي المعتبرة في الكناية والله أعلم. (2/316)
صفحة 941
فتاوى الفراق
317
أنت حرام
زوجي رجل كبير في السن وهو طريح الفراش، وفي يوم من الأيام قام من فراشه مغضباً دون أن يثيره أحد فقال لي: «أبعدي عني عليّ أن تكوني زوجتي في الدنيا إلى يوم القيامة». فهل أكون بذلك
طالق منه؟
مرد ذلك إلى نيته فإن قصد بقوله هذا الطلاق فهو طلاق، إن أراد به واحدة فواحدة وإن أراد به ثلاثاً فثلاث وإن لم يرد به طلاقاً فعليه كفارة يمين مع التوبة والله أعلم.
ما قولكم فيمن قال لزوجته والله العظيم إذا خرجت من بيتي من غير إذن مني لن تكوني زوجتي» ثم خرجت هي وأخو زوجها بحثاً عن ابنها المفقود، فهل يقع الطلاق بذلك أم لا؟
إن كان قصده بذلك أنها تطلق منه فهي طالق، وإن لم يكن قصده ذلك وإنما قصده التوعد بالطلاق فإن لم يطلقها حنث ولكنها لا تطلق وإنما تلزمه كفارة يمين وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فعليه صيام ثلاثة أيام
والله أعلم. قلت لزوجتي: «ما أريدك وأنت مفارقة وحرام عليّ». علماً أنه سبق لي أن طلقتها طلقة واحدة فهل يجوز لي مراجعتها؟
إن كنت قصدت بقولك: أنت حرام طلقة ثالثة بانت بها، ولم تحل لك حتى تنكح زوجاً غيرك نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، وإن كنت لم تقصد ذلك وإنما أرسلت الكلمة هكذا جاز لك أن تراجعها مع كفارة يمين بسبب تحريمها والتوبة إلى الله والله أعلم. (2/317)
صفحة 942
318
الفتاوى النكاح
رجل غضب على زوجته فذهب بها إلى بيت أهلها وقال لها: «واحد اثنان ثلاثة أنت حرمت عليّ. والآن يسأل هل تطلق زوجته بهذا اللفظ؟
قوله واحد واثنان وثلاثة ليس بطلاق إن لم يصحب ذلك ما يدل على الطلاق من قريب ولا من بعيد، وإنما قوله حرمت فإن قصد به الطلاق فهو طلاق وإن قصد به الظهار فكذلك، وإن لم يقصدهما فعليه كفارة يمين مع التوبة إلى الله لتحريمه ما أحل الله والله أعلم.
فيمن قال لزوجته «أنت حرمت عليّ»، ثم بعد ذلك قال لها: «مطلقة» فهل يصح له مراجعتها؟
أما قوله: «حرمت عليّ»، فإن قصد به الطلاق فهي طلقة واحدة، وقوله من بعد: «مطلقة» طلقة ثانية إن قصد به إنشاء طلاق آخر، وإن قصد به تفسير التحريم فتخرج بطلقة واحدة مع وجوب كفارة اليمين والتوبة لتحريمه ما أحل الله، وعلى غير الوجه الأول تكون طلقة واحدة وتحل له مراجعتها إن كانت هذه الطلقة غير مسبوقة بطلقتين من قبل، وأما على الوجه الأول فتطلق طلقتين وتحل مراجعتها إن كان لم يطلقها قط من قبل
والله أعلم.
حدث شجار بيني وبين زوجتي فقلت لها: «إنني لا أريدك لي زوجة» علماً أنني سبق وأن طلقتها طلقتين؟
أما قولك: «لا أريدك زوجة لي فهو من كنايات الطلاق، فإن أردت به الطلاق وقع وبانت منك بالطلقة الأخيرة بعد التطليقتين السابقتين ولم تحل لك حتى تنكح زوجاً غيرك نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، ثم تخرج منه بوجه من وجوه الفراق وبعد عدتها منه تحل لك بعقد جديد مع جميع (2/318)
صفحة 943
فتاوى الفراق
319
لوازمه الشرعية، وإن كنت لم تقصد به الطلاق لم يقع الطلاق وهي لا تزال في عصمتك والله أعلم.
قلت لزوجتي: «إذا لم تذهبي إلى بيت أهلك يوم السبت تكوني محرمة» فلم تتمكن من الذهاب في ذلك اليوم فما حكم ذلك؟
ليس لأحد أن يحرم شيئاً مما أحله الله، لأن ذلك مخالفة صريحة لأمر الله، قال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامُ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، ولا يخلو إما أن تقصد بالتحريم الطلاق أو الظهار أو لا تقصد أحداً منهما، فإن قصدت به أحدهما فكما قصدت، وإن لم تقصدهما فعليك التوبة إلى الله مما قلته، وعليك أن تكفر كفارة يمين وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، وأمسك عليك زوجك واتق الله ربك والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: «محرمنش من الجمعة إلى الجمعة» ويقصد بذلك الوقاع، وقد واقع زوجته أثناء ذلك قبل أن يسأل عن الحكم، فما قولكم في ذلك؟
إن كان قصد بذلك ظهاراً أو طلاقاً فذلك كما قصد، وإن لم يقصدهما فعليه التوبة من تحريمه ما أحل الله وعليه كفارة يمين وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فعليه صيام ثلاثة أيام، وإن واقعها قبل أن يكفر مع عدم قصد الظهار أو الطلاق فلا إثم عليه، وإن امتنع عن المواقعة إلى أن مضت أربعة أشهر عمداً خرجت منه بالإيلاء والله أعلم. (2/319)
صفحة 944
320
الفتاوى
النكاح
أرادني زوجي
أن أذهب إلى المستشفى للعلاج فرفضت، فقال لي:
جي من بيتي أنت محرمة عليّ إذا لم تذهبي مع فلان إلى
«اخرجي
المستشفى»،
، فلم أذهب في
ذلك اليوم، بل ذهبت في اليوم الثاني مع
شخص آخر غير الذي قصده زوجي، فهل أطلق منه بذلك؟
إن قال إنه حرمك وقصد بذلك طلاقك أو الظهار منك فعليه ما نوى، وإلا فعليه التوبة وكفارة اليمين والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: «إن رأيتني أشرب الخمر مرة أخرى فأنت طالق»، فهل إن رجع إلى بيته وهو سكران يقع طلاقها؟
إن كانت لم تره يشرب الخمر فلا يقع، طلاقها إن كان علق طلاقها على رؤيتها إياه يشرب الخمر والله أعلم.
قلت لزوجتي يوماً من الأيام إنك إذا ذهبت إلى بيت فلانة بنت فلان فاعتبري نفسك طايحة من رقبتي وفي مناسبة فرح في هذا البيت
استأذنت
6 (
مني فسمحت لها، ولكنها ترددت في ذلك، ثم كررت لها القول أن تذهب فأنا راض عنها رضئ تاماً، وبعد مضي فترة سنة كاملة أو أكثر رجعت إلى نفسي وأردت السؤال عن هذا الموضوع، وأؤكد لكم
بأنني لست قاصداً الانفصال عنها ولكن للتخويف والتهديد؟
يركب أحدكم الأحموقة فيقول ما يقول ثم يتصرف بحسب هواه من غير أن يسأل عن حكمه الشرعي، وتلك هي نتيجة الجهل والله المستعان، أما ما قلته لها فهو من كنايات الطلاق، وكنايات الطلاق تختلف عن صريحه، فصريحه يقع به الطلاق على أي حال بحسب إنشائه من تنجيز أو تعليق، وكناياته تتوقف على النية فإن قصد اللافظ بها الطلاق فتطلق بها (2/320)
صفحة 945
فتاوى الفراق
321
المرأة وإلّا فلا، وعليه فقولك إن ذهبت إلى بيت فلانة بنت فلان فاعتبري نفسك طائحة من رقبتي يعود حكمه إلى القصد، فإن قصدت به الطلاق وقع بوقوع المعلق عليه وهو ذهابها إلى بيتها، وإن لم تقصد به الطلاق فلا يقع والله أعلم.
فيمن حدث شجار بينه وبين زوجته بحضور أهلها فقال: «واحد اثنان
ثلاثة وعليكم أن تأخذوا ابنتكم»، فهل يقع بذلك الطلاق؟
أما العدد فلا يدل على الطلاق إن لم يقترن بما يدل عليه بطريقة التصريح أو الكناية، وأما قوله: «عليكم أن تأخذوا ابنتكم». فهو من كنايات الطلاق، فإن قصد به الطلاق وقع كما قصد والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: «اذهبي لا أنت زوجتي ولا أعرفك». فهل يعتبر هذا
طلاق منه، وإذا كان كذلك فهل له مراجعتها، وهل تلزمه كفارة؟
إن قصد به الطلاق فهو طلاق واحد تجوز المراجعة بعده، إن لم يكن مسبوقاً بطلاقين من قبل، وإن لم يكن ناوياً به الطلاق فهو لا شيء، ولا كفارة في ذلك إلا التوبة من الكذب والله أعلم.
رجل طلق زوجته طلاقين من قبل ثم بعد ذلك قال لها: «جاءك طلاقك» فهل يعتبر هذا اللفظ طلاقاً آخر؟
إن كان قصد بما قاله طلاقاً فهي طلقة ثالثة بلا ريب، وإما إن لم يقصد به إنشاء، طلاق، وإنما قصد به التهديد بأنه سيأتيك طلاقك، ـ كما يقول القائل لآخر: جاءك حتفك تهديداً له بالقتل - فلا أرى أن الطلاق يقع بذلك
والله أعلم. (2/321)
صفحة 946
322
الفتاوى النكاح
قلت لزوجتي: «أنت بريئة من ذمتي إذا خرجت من الغرفة» فخرجت فهل ذلك طلاق أم لا؟
هذه العبارة من كنايات، الطلاق فإن قصدت بها الطلاق فذلك طلاق،
وإن لم تقصد بها الطلاق فلا يقع بها الطلاق والله اعلم.
قلت لزوجتي: «أنت منفصلة عني». فهل يعتبر ذلك طلاقاً؟
إن كنت قصدت بذلك الطلاق فهو طلاق وإلا فلا، لأن ذلك مما يدخل
في كنايات الطلاق والله أعلم.
قال لي زوجي كلامه هذا يحتمل معنيين، فإنه إما أن يقصد بحرمة اللحم حرمة طعمه، فهذا لا يقع به طلاق، ولا ريب أنه محق في ذلك، فإن لحم الآدمي حرام على أي حال، وإن كان يقصد به حرمة الاستمتاع فهو يعود إلى نيته، فإن قصد بذلك الطلاق فهو طلاق، وإن لم يقصد به الطلاق فعليه كفارة يمين لتحريمه ما أحل الله وعلى أي حال فإني أرى أن تستقريه عن قصده بهذا الكلام وتعولي على قصده والله أعلم.
(أنت لحمك محرم علي) فهل يعتبر هذا منه طلاقاً؟
قلت لزوجتي وفي حالة غضب واحد اثنان ثلاثة فهل تطلق زوجتي بذلك؟ قولك واحد اثنان ثلاثة ليس بشيء إذ ليس هو من صريح الطلاق ولا من كناياته، اللهم إلا أن يكون مقروناً بألفاظ أخرى هي من باب صريح الطلاق أو كناياته، فإن كان مقروناً بما يدل على الطلاق صريحاً أعطي حكم الطلاق ولو لم تقصده، وإن اقترن بما يدل عليه كناية أعطي حكم الطلاق قصده، وإن لم يقترن بهذا أو ذاك فليس من الطلاق في شيء والله أعلم.
مع (2/322)
صفحة 947
فتاوى الفراق
323
لقد لفظت على زوجتي في حالة غضب وبلهجتي المحلية قائلاً لها: «أنت خلاص واحد اثنين وثلاث» فهل تطلق بذلك؟
لا أدري ما مرادك بذلك، فإن كنت قصدت به الطلاق فالطلاق واقع وإن كنت لم تقصده فلا يقع والله أعلم.
قلت لزوجتي: طالق طالق طالق قولاً لا رجعة فيه. علماً أني لم أقصد إلا
ذلك؟ طلاقاً واحداً فما الحكم في
ما
معني
هذا القصد
مع قولك: لا رجعة فيه؟ فإن كنت قصدت به إيضاح
قصدك التأسيس - وهو إنشاء طلاق جديد في كل مرة ـ، فقد بانت منك بالثلاث، لأن الطلاق يتبع الطلاق ما دامت المرأة في الطلاق ما دامت المرأة في العدة، وإن قصدت به نفاذ الطلاق فقط مع أنك لم تقصد التأسيس فهي واحدة كما قصدت والله أعلم.
فيمن قال لزوجته أنت طليقة ولم يكن يقصد الطلاق فما الحكم؟
ليس ذلك من صريح
ألفاظ الطلاق، فإن كنت نويت به الطلاق فهو
طلاق وإن لم تنو به الطلاق فليس بطلاق والله اعلم.
فيمن كان يطالب أباه أن يقتسم مع أخيه ميراث أبيهم، والأب يعرض عن ابنه قائلاً له إن في الوقت سعة، وإنك عقدت على ابنة عمك ولم تبن بها بعد، وربما تبدي إعراضاً عنك وعدم رغبة فيك متى علمت بتحريضك هذا، فقال الابن بعد وقت يوم ما تبغاني بس. والولد يزعم أن هذا القول خرج منه عفواً ولم يقصد به طلاقاً، فهل ترون عليه باساً التمسك بزوجته، وهل كلمة «بس تحمل محمل الكنايات؟
في
بناءً على ما يقوله الابن من أنه لم يقصد بذلك الطلاق فلا تطلق به (2/323)
صفحة 948
324
الفتاوى النكاح
امرأته، وأما حمل كلمة «بس» محمل كنايات الطلاق فهو يتوقف على القرائن اللفظية أو الحالية التي تهيئ دلالتها على ذلك، وعند توافر هذه القرائن تحمل على هذا المحمل وتعطى أحكام الكنايات والله أعلم.
فيمن قال لزوجته إذا ذهبت إلى مكان كذا فليس لك رجوع داخل البيت» فهل يعد هذا طلاقاً؟
مرد ذلك إلى قصده، إن قصد به الطلاق فهو طلاق وإلا فلا، لأن هذا اللفظ أقرب إلى أن يكون من كنايات الطلاق والله أعلم.
ذلك؟
أخبرت أخي أن يذهب إلى زوجتي ويقول لها: «طالق إن أردت اثنين أو ثلاث أو أربع». فاكتفت بالطلاق ولم تختر غيره فما الحكم في إن قصدت بذلك التخيير فلتختر، هي وإن قصدت بذلك إضافة طلاق جديد في كل مرة بانت منك بالثلاث والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: «إن فعلت كذا فلا أعرفك ولا تعرفيني». فهل هذا طلاق؟ هذا ليس بطلاق، إلا إن كان نوى به الطلاق فيمكن أن يحمل على أنه من كناياته والله أعلم.
ما قولكم في امرأة طلبت نقوداً من زوجها فرفض فقالت له: لماذا لا تعطيني ألست زوجتك والمسؤول عني؟ فرد عليها قائلاً: «لا أنت ما
حرمتي وكررها ثلاث مرات بنفس اللفظ فهل يعتبر ذلك طلاقاً؟
يرجع حكم ذلك إلى قصده، فإن قصد بقوله ذلك الطلاق طلقت، وإن لم يقصد به الطلاق فهو كذب يؤثم عليه ويجب عليه أن يتوب منه والله أعلم. (2/324)
صفحة 949
فتاوى الفراق
325
ما قولك فيمن قال لزوجته واحد اثنان قاصداً بذلك طلاقاً فهل تطلق بذلك وهل له مراجعتها؟
إن كان سبق بينهما حديث فيه ذكر للطلاق وكان قوله واحد اثنان يفهم منه بناءً على ذلك الكلام إنه تطليقة وتطليقتان فهي ثلاث تطليقات، ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، أما إن نطق به مبتوراً فهو ليس من صريح الطلاق ولا من كنايته والله أعلم.
ما قولكم فيمن قال لزوجته إذا دخل فلان بيتي بخروجك من البيت» فدخل. فهل يعتبر قوله لها طلاقاً إذا لم يقصد بذلك الطلاق؟ فلو حاكمته فهل عليه يمين أنه لم يقصد الطلاق؟
ليس هذا طلاقاً، فلا يقع به الطلاق ولا يمين عليه والله أعلم.
ما قولكم فيمن يقول لزوجته اخرجي من بيتي» وطردها ثلاث مرات وفي الرابعة طردها وأعطاها صداقها الغائب فهل يعد هذا طلاقاً؟
6
إن أراد بذلك الطلاق طلقت وإن كان لم يرده لم يقع، لأن قوله: اخرجي من البيت مع إعطائها الصداق الغائب يدخل في باب
الكنايات.
قلت لزوجتي: «واحد اثنان ثلاثة أنت طالق فهل تطلق بذلك؟ وهل
يحق لي مراجعتها إن خرجت مني؟
نعم تطلق بذلك، وأما مراجعتها فحكمها راجع إلى قصدك بذكر الأعداد، فإن كنت قصدت بها تعداد الطلاق الذي طلقتها إياه فقد بانت منك بالثلاث ولا تحل لك حتى تنكح زوجاً غيرك نكاحاً (2/325)
صفحة 950
326
الفتاوى النكاح
صحيحاً لا تدليس فيه، وإن كنت لم تقصد ذلك وإنما جعلت قولك: أنت طالق مستقلاً عن ذكر الأعداد قبله طلقت واحدة، وفي هذه الحالة تجوز لك مراجعتها إن كان هذا الطلاق غير مسبوق بتطليقتين من قبل والله أعلم.
رجل قال: «علي الطلاق الثلاث أن لا أعود مرة أخرى». يقصد بعوده إلى الاستمناء، وقد عاد إلى الاستمناء، وقد سأل في هذه المسألة شخص فقال له: عليك كفارة وقدرها عشرون ريالاً، وكان هذا منذ عشر سنوات، ولكن قلبه لم يطمئن إلى ذلك الرأي. فما رأي سماحتكم في هذه
المسألة؟
هذا كلام غير صريح فإن كان قصد به تعليق طلاق زوجته ثلاثاً إن هو عاد فيعطى ذلك حكم التعليق وتطلق زوجته ثلاثاً إن هو عاد، وإن كان لم يقصد ذلك وإنما ما دل عليه ظاهر اللفظ وهو إن فعل ذلك فعليه أن يطلق زوجته ثلاثاً فالطلاق لا يقع بذلك والله أعلم.
فيمن قال لزوجته وقد أرادت أن تذهب لزيارة أخوانها المرضى: «زين
اذهبي ولا تعودي لمنزلي، فهل تعتبر بذلك طالق؟
إن كنت قصدت بذلك الطلاق وقع وإلا فلا والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: «إذا دخلت بيت أهلك تعتبري خارجة مني» فخرجت، فهل يعتبر ذلك طلاقاً؟
إن قصد بقوله «خارجة مني الطلاق فالطلاق واقع وهو طلقة واحدة، وإن لم يقصد الطلاق فالطلاق غير واقع والله أعلم. (2/326)
صفحة 951
فتاوى الفراق
327
حدث شجار بين زوجي وبين الجيران مما جعله يمنعني عن دخول منزلهم وقال لي: «إذا دخلت بيت الجيران الذي بيني وبينك ينتهي». فما الحكم لو أني دخلت حيث يمنعني؟
إن كان قصده بذلك تعليق طلاقك على دخولك بيت جيرانك فإن دخلته وقع الطلاق والله أعلم.
في
ما قولكم في رجل طلب منه تعبئة استمارة، وكان من ضمن بنودها معرفة إن كان متزوجاً أم أعزباً، فكتب أعزباً مع أنه متزوج، ولكن لم
يدخل بها بعد فهل يؤثر ذلك على زواجه وهل يقع بذلك طلاق؟ لا يقع بذلك طلاق إن لم ينوه ويحتمل أن يكون قصده بقوله أعزب أنه ذلك الحال ليست عنده امرأته، فيكون صادقاً والله أعلم.
ما قولكم فيمن قال لزوجته: حرمتك ما دمت حيا»، قاصداً بذلك تطليقها طلقة واحدة، فهل تحرم عليه حرمة أبدية أم تجوز مراجعتها؟ إن قصدت بذلك طلقة واحدة فتطلق، واحدة وتحل مراجعتها إن كانت هذه الطلقة غير مسبوقة بطلقتين من قبل والله أعلم.
ما قول علماء المسلمين - رحمهم الله - عن رجل تشاجر مع زوجته، وفي أثناء المشاجرة قالت الزوجة لزوجها: طلقني، فقال لها الزوج: طلاقك معك، ثم سكتا قليلاً فقالت له: زدني فقال لها: ثلاثين، فهل فيما قاله يقع طلاق أم لا؟
قوله طلاقك معك من كنايات، الطلاق فإن قصد به الطلاق وقع، وإن لم يقصده لم يقع والله تعالى أعلم. (2/327)
صفحة 952
328
الفتاوى النكاح
فيمن قال لزوجته طاطا طا فهل يقع الطلاق؟
لا يقع الطلاق حتى ينطق بالكلمة التي تدل عليه تامة والله أعلم.
أن
عن رجل حصل بينه وبين زوجته شقاق بسبب شك الزوجة في زوجها متزوج عليها بدون علمها فحلف الرجل بطلاقها إن كان متزوج عليها، وعلى مر الأيام أخذ الرجل يردد أنت تقولين مطلقة مطلقة لماذا لا تذهبين إلى بيت أخيك فما قولكم في هذه المسألة؟
قوله «أنت تقولين مطلقة مطلقة» إن كان مراده بتكرار «مطلقة» فيه مجرد حكاية قولها فالطلاق غير واقع، وإن أراد إقرار طلاقها فهي طالق حسبما نوى بتكراره والله أعلم.
ما قولكم فيمن طلق امرأته ثلاث مرات وادعى أنه طلاقان، وذلك لأن واحداً كان بدون وعي منه فهل تقبل دعواه؟
لا تقبل دعواه أنه كان غير واع عندما طلق حتى يثبت ذلك ببينة تطمئن إليها النفس ويسكن إليها القلب والله أعلم.
شخص لفظ كلمة الطلاق عدد ثلاث مرات أمام زوجته ووالدته، وبعد انتهائه من لفظ كلمات الطلاق احتجت والدة الشخص المطلق، وقالت إذا أخرجت زوجتك من البيت فأنا أخرج برفقتها، ثم رد عليها: طلقة عشر مرات وليس ثلاث فقط، علماً بأن الشخص لفظ كلمات الطلاق دون أن يوضح من يقصده بذلك، نرجو إفادتنا هل تحل له هذه الزوجة أم ثبت طلاقها؟
لا يشترط ذكر اسم المرأة المطلقة ما دام القصد واضحاً، والقرائن تدل (2/328)
صفحة 953
فتاوى الفراق
329
عليه، وقد جاء في السؤال أنه عندما اعترضت عليه والدته في خروج زوجته من البيت أجاب أنها مطلقة عشر مرات لا ثلاثاً فحسب، إن ذلك ليوضح تمام الإيضاح أنه لم يقصد غيرها، هذا وهي بذلك تبين منه ولا تحل له أبداً حتى تنكح زوجاً غيره والله أعلم.
فيمن يكرر دائماً على زوجته قوله: «إن فعلت كذا احملي حقي رقبتك وإن فعلت كذا أعطني حقي فهل تطلق المرأة بهذا اللفظ؟
ليس هذا طلاقاً فلا يقع به طلاق والله أعلم.
على
ما قولكم فيمن قال لامرأته لفظة «تالق»، فهل يقع الطلاق؟ إن كان من عادته قلب الطاء من طالق تاء، أو كانت تلك لغة قصدها، وقع الطلاق والله أعلم.
رجل قال لزوجته: «لو بطلاق زوجتي ما أزوج أختي لفلان». ثم بعد أخته لفلان هذا، فهل تطلق زوجته بذلك؟
ذلك زوج
لا تطلق امرأته بمجرد هذا القول إذ هو ليس من صريح ولا من كناياتها والله أعلم.
فيمن قال لزوجته طلاقك معك هل تطلق بذلك؟
قوله طلاقك معك يفيد الطلاق فتطلق به المرأة والله أعلم.
ألفاظ الطلاق (2/329)
صفحة 954
330
الفتاوى النكاح
الطلاق قبل النكاح
فيمن حرم على نفسه أن يتزوج بامرأة فهل يصح زواجه بها إن رغب فيها وأرادها؟
المحرم هو الله ولا وليس العبد وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116) فعليه التوبة إلى الله مع اعتقاد الحق وهو أنه لا حرام إلا ما حرم الله ولا حلال إلا ما أحل الله، وليتزوج المرأة وليكفر كفارة يمين وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة فإن لم يجد فليصم ثلاثة أيام والله أعلم.
يتم
رجل خطب امرأة من وليها فوافق الولي على التزويج على أن العقد بعد شهر، فقال الولي للخاطب أخاف إن زوجناك أنك تطلق. فقال الخاطب بلفظ المتعجب: أطلق، فبقي الرجل تداخله الوساوس خوفاً من أن تكون هذه الكلمة لها تأثير على علاقته بزوجته بعد
العقد؟
لا يقع طلاق قبل عقد الزواج، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا طلاق قبل نکاح» (1) ولو صرح به ونواه، فكيف وكلمة أطلق، إن قصد بها معنى إيجابياً لا تعني الطلاق منجزاً وإنما تدل على مجرد وعد بالطلاق، والوعد لا يقع به الطلاق حتى ينجزه، مع لم يقصد بها إلا مجرد الاستنكار، فليدفع عن نفسه الوساوس وليتزوج على بركة الله والله أعلم.
أنه
(1) رواه الإمام الربيع. (2/330)
صفحة 955
فتاوى الفراق
331
هل معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم لا طلاق إلا بعد نكاح» أنه لا يقع طلاق قبل
عقد النكاح ولو تكرر ذلك منه؟
نعم، الطلاق لا يقع على غير الزوجة، فلو طلق أحد امرأة قبل زواجه بها لم يكن ذلك الطلاق شيئاً، ولو كرره ألف مرة والله أعلم.
الطلاق بالكتابة:
2
ما قولكم فيمن طلق زوجته بالكتابة، فهل طلاقه واقع؟
اختلف العلماء في الذي يكتب طلاق امرأته دون أن يتلفظ به، هل يكون له حكم الطلاق أم لا؟ والراجح أن الطلاق يقع بالكتابة كما يقع بالقول، لأن القلم أحد اللسانين، وهو يعبر عن كل ما عنه اللسان يعبر ويفهم عنه ما يفهم عن اللسان، فلا مناص عن وقوع الطلاق، واحتجاج القائلين بخلاف ذلك بقول الله تعالى: {قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمزًا} [آل عمران (41) مردود بأن الآية أدل على الطلاق منها على خلافه، فإن الاستثناء دليل على أن المستثنى من جنس المستثنى منه، وإذا كان ذلك في مطلق الرمز فكيف بالكتابة التي هي أكثر دلالة وأبين معنى؟ والله أعلم.
ما رأيكم في من كتب إقراراً بطلاق زوجته، ثم مزق هذا الإقرار بعد شهر، علماً بأنه لم يعلم به أي أحد، فهل يعتبر هذا الإقرار طلاقاً؟ نعم يثبت طلاقه، والقلم أحد اللسانين فهو حجة على صاحبه والله أعلم. (2/331)
صفحة 956
332
الفتاوى النكاح
ما قولكم فيمن طلق زوجته بواسطة رسالة دون تلفظ منه، أيقع الطلاق
أم لا؟
الطلاق واقع على الصحيح، وإن لم يكن هذا الطلاق مسبوقاً بطلاقين من قبل فلا مانع من مراجعتها، وذلك بإشهاد شاهدين على الرجعة قبل انتهاء عدتها، ويخبرها الشاهدان بالرجعة قبل أن يواقعها الزوج والله أعلم.
ما قولكم في رجل كتب طلاق زوجته في رسالة، ثم ندم على ذلك وتدارك الرسالة قبل وصولها إلى زوجته فهل يقع طلاقه على ذلك؟ أحد اللسانين والكتابة كالنطق فتطلق المرأة سواء وصلتها الرسالة أم لم تصلها، هذا هو القول الصحيح والله أعلم.
القلم
التوكيل في الطلاق
حصل خلاف بيني وبين زوجتي بسبب أهلها وكنت على أهبة السفر فقلت لوالدي: أنا مسافر وافعلوا ما تريدون وأنا راض به. فذهب والدي بعد ذلك وطلق المرأة فهل يقع الطلاق على هذا، أو لا بد أن أصرح له الأمر بتطليقها حتى يقع الطلاق؟
إن كنت أردت بما قلته لأبيك تفويضه في طلاق امرأتك فالطلاق واقع،
وإلا فالطلاق غير واقع إلا إن أتممت ما فعله والله أعلم.
فيمن قال أمام جماعة من الناس الذي يقوله فلان أنا أتمه. فقال هذا الفلان: زوجتك طالق. فهل يقع بذلك طلاق؟
لا
يقع
بذلك طلاق إلا إن أتمه الزوج بعد تطليق الآخر لها، أو يكون (2/332)
صفحة 957
فتاوى الفراق
333
قصد الطلاق بما قاله من قبل هذا ما أراه فلينظر فيه والله أعلم. ما قولكم في رجل أوكل إلى آخر أن يطلق له زوجته، فأخبر هذا الأخير الزوجة بأن فلان أمرني أن أطلق فلانة ولكن الوكيل لا يدري إن كان موكله أمره أن يطلق طلقة واحدة أم ثلاثاً، ثم بعد مدة توفي الوكيل والآن الرجل يريد أن يرد زوجته فهل يصح ذلك؟
الأصل في الطلقة أنها طلقة واحدة حتى يثبت خلاف ذلك، وعليه فله أن يراجعها في العدة إن لم تكن هذه الطلقة مسبوقة بطلقتين من قبل
والله أعلم.
الطلاق بالنية
2
اطلعت على الاختلاف في مسألة طلاق النفس هل هو واقع أو لا، وقد استدل القائلون بعدم وقوعه بالحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به نفسها ما لم تتكلم به أو تعمل»، فهل هذا الحديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم؟
نعم هو حديث ثابت، على أن الطلاق حل لما عقد بالقول فلا يكون إلا بالقول، كما أن العقد لا يكون إلا بالقول والله أعلم.
فيمن نوى أن يطلق زوجته وقد أخبر أخاها بذلك وعلمت هي بنيته، فهل يقع الطلاق بنيته؟
إن كان لم يقل لها: «طلقتك» أو نحو هذا من القول فالطلاق غير واقع
بها والله أعلم. (2/333)
صفحة 958
334
الفتاوى النكاح
فيمن يجول بخاطره طلاق زوجته وأحياناً يخبر عما ينويه، فهل تطلق الزوجة بذلك؟
إن كان أخبر عن مجرد النية ولم يقل أنه طلقها، فلا تطلق بمجرد النية أو بإخباره عنها والله أعلم.
طلاق الحاكم:
فيمن سافر مع زوجته إلى إحدى الدول فتركها هنالك ولم يسأل عنها، فاضطرت إلى العودة إلى بلدها ومضت سنوات دون أن يتصل بها، فأبلغت
أنه
المحكمة فتم الاتصال به عن طريق المراسلة، وطالبوه بالرجوع غير لم يستجب لهم وعاودوا الكرة مرة بعد مرة لكن دون فائدة، فاضطرت المحكمة بأمر القاضي إلى تطليق المرأة، ثم أنها اعتدت عدة الطلاق وبعد عامين رجع الزوج وعاشر زوجته ولما أخبر قال إنه لم يطلق زوجته وإنما هي التي طلقتها، طلقتها، علماً أن أغلب المحاكم في تلك الدولة غير شرعية فهل يثبت طلاق هذه المرأة وما حكم تصرف الزوج؟
المحكمة
إن كان الحاكم بالطلاق اعتمد على أصل شرعي وبنى حكمه عليه وكان عارفاً بالأحكام الشرعية فطلاقه ماض وليس للزوج في هذه الحالة أن يعود إلى المرأة إلا بأن يتزوجها بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، وإن كان الحاكم بالطلاق جاهلاً بأحكام الفقه أو تعمد بناء حكمه على قوانين وضعية لا على أسس شرعية، ففي هذه الحالة لا يعد حكمه شيئاً، وللرجل أن يتمسك بزوجته، وعليه أن يجبر تقصيره في حقها بحسن الوفاء لها وجميل صحبته معها والله أعلم. (2/334)
صفحة 959
فتاوى الفراق
335
ما قولكم في امرأة جاءت تدعي على زوجها أنه طلقها ثلاثاً والزوج ينكر طلاقها، فأتت بثلاثة شهود وهم والدي زوجها وامرأة أخرى، المرأة شهدت والأب والأم كتما الشهادة، فقام القاضي بسجن الأب والزوج فاعترف أنه طلقها مرة واحدة، فما الحكم في ذلك فإن قلت عليه يمين فيحتمل تجاسره على الحلف كما تجاسر على نكران الطلاق أول الأمر، فكيف يمكن للمرأة أن تعيش مع رجل قد طلقها بالثلاث هذا إذا أراد ردها إليه؟ إن قامت بينة عادلة بموجب دعواها فذلك، وإلا فلها عليه أن يحلف يميناً بالله تعالى بأنه لم يطلقها إلا واحدة، فإن حلف كان أملك برجعتها ما لم تنقض عدتها، والله أولى بأمره والشرع لا يحكم إلا بما ظهر، وعليها أن تتخلص منه بما يمكنها من فدية وإن انتهت عدتها فهي أملك بنفسها والله أعلم.
لقد قام القاضي بتطليق زوجتي بدون رضئ مني، وذلك بسبب عدم استطاعتي على مواقعة النساء علماً بأني مصاب بهذا المرض قبل الزواج، وقد قمت بإجراء عملية جراحية وأنا بصدد العلاج فما الحكم الشرعي في ذلك؟ سبق السيف العذل، وقد كان الأولى بك أن تعالج نفسك قبل الزواج حتى لا تدخل الهيجاء بغير سلاح والسلام عليك.
إذا طلق القاضي المرأة من زوجها فهل تلحقها بعد ذلك تطليقات زوجها إن أوقعها الزوج في عدتها من تطليق القاضي أم لا تلحقها، فيجوز له مراجعتها ولو تمت بها الثلاث؟
يلحقها الطلاق في العدة عندما يكون للزوج الحق في رجعتها، والتي يطلقها القاضي لا حق للزوج في مراجعتها، لأن المراجعة في هذه الحالة (2/335)
صفحة 960
336
الفتاوى النكاح
مصادمة لحكم القاضي الشرعي، وبهذا تعد بائنة بينونة صغرى، لذلك لا أرى وجها للحوق طلاق الزوج لها فيما بعد والله أعلم.
تقدمت إلى المحكمة الشرعية امرأة تطلب الطلاق من زوجها لعدم إنفاقه عليها وعلى أولادهما، وعدم توفيره سكناً لهم وتقصيره الشديد في حقها وحق أولادهما، وكل ذلك بسبب تعاطيه المسكرات ولهوه وعدم مبالاته كما أنه لا يمتلك شيئاً يمكنه الإنفاق منه، علماً بأنه قد تعهد عدة مرات بأداء ما عليه من واجبات تجاه زوجته وأولاده، إلا أنه لم يف بما وعد، ولم يشعر بالمسؤولية، وهو رافض أن يطلق زوجته ولو تم حبسه مدة طويلة، إذ أن أكثر وقته داخل الحبس فلا تأثير للحبس عليه في إجباره على الطلاق، وهو على هذه الحالة منذ عدة سنوات، والآن هذه المرأة ما زالت تتردد إلى المحكمة لإنهاء قضيتها فما رأي سماحتكم في ذلك؟ يرفع عنها الضرر، ويطلقها القاضي الشرعي، وذلك من باب رفع الضرر، وهو من واجبات القاضي والله أعلم وهو ولي التوفيق.
إن اختلف الزوجان وحكموا الحكمين فاتفق الحكمان على تطليق الزوجة من زوجها فهل يلزمهما حكم الحكمين أم لا؟
اختلف العلماء في الحكمين هل لهما أن يطلقا أو أن مهمتهما الصلح فقط، وبما أن المسألة خلافية فإن حكم القاضي هو الذي يرفع الخلاف فيها والله أعلم.
طلاقا
هل الطلاق الذي يتم في محكمة شرعية من قاض شرعي يعتبر ماضيًا، وهل للمحكمة التراجع عنه بعد إمضائه؟ إن كان هذا الطلاق مبنياً على أسس شرعية لرفع الضرر عن المرأة فهو ماض شرعاً، ولا سبيل للزوج إليها اللهم إلا أن تزوجها بعقد شرعي مع (2/336)
صفحة 961
فتاوى الفراق
337
جميع
لوازمه مه الشرعية، وهي رضاها وإذن وليها وصداق جديد وشاهدان، وليس للمحكمة التراجع عن ذلك الطلاق بعدما أمضته بحكم شرعي، فإنه تراجع عن الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال والله أعلم.
أحد
هذا الاستفتاء ورد من قاضي محكمة سمد الشان، حضر عندي المواطنين ومعه فتوى منكم في قضية طلاقه لزوجته، وقد أحضرت والد المرأة وقال ما عندي مانع ولكن الرجل طلق طلاق الثلاث على حضرة شاهدين، من أجل هذا توقفت عن رد هذه المطلقة على زوجها حتى أسمع كلام الشاهدين، فحضرا على يد الشيخ نائب القاضي بالمحكمة فشهدا بطلاق الثلاث، والآن الذي أشكل علينا أن الرجل يقول لم يطلق إلا طلاقاً واحداً، والمرأة تقول ما طلقت إلا واحداً، فهل يسعنا السكوت لا، علماً بأن الشاهدين من مستوري الحال؟
إن كان الشاهدان عدلين فلا تصغ إلى كلام الزوجين، فإن في هذا حقاً
الله وكل والله أعلم.
التعليق (1):
قال رجل إنه طلق زوجته طلقتين وبعد ذلك قال لها: إن خرجت من البيت فأنت طالق فخرجت فما الحكم في ذلك؟
بما أن الرجل اعترف أنه طلقها طلقتين ثم علق طلاقها على خروجها فخرجت فقد بانت منه بالثلاث، فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه والله أعلم.
(1) هو ربط الطلاق بحدوث شيء معين فيقع الطلاق بوقوعه. (2/337)
صفحة 962
338
الفتاوى النكاح
ما قولكم في رجل قال لزوجته: «والله العظيم لو جامعتك خلال شهر فأنت طالق ثم إنه جامعها قبل انقضاء الشهر، فماذا عليه في ذلك؟
تطلق منه بمجرد إيلاجه الحشفة في فرجها، فإن استمر بعد ذلك على جماعها فذلك زنى يحرمها عليه، وقد كان المخلص له في طعنها طعنة مغيبة للحشفة وفي أثناء ذلك يشهد شاهدين على المراجعة قبل أن يزيد على أن يكون فعله ذلك في حال الستر والشهود من وراء الستر
والله أعلم. قلت لامرأتي: «إذا قلت زوجي ما يعطيني فلوساً فاعتبري طالقة بالثلاث» فقالت: «كان زوجي ما أعطاني فلوساً فهل يقع الطلاق في هذه الحالة أم لا؟
الظاهر من أمركما أنك قلت لامرأتك فيما قلته لها: «إن قلت إن زوجي ما يعطيني فلوساً فأنت طالق ثلاثً»، وهي لم تقل ذلك وإنما قالت «كان ما أعطاني»، فاختلفت الصيغتان الصيغة المعلق عليها والصيغة التي قالتها، لأن الأولى بلفظ المضارع والثانية بلفظ الماضي لذلك لا نرى وقوع الطلاق بما قلته والله أعلم.
قلت لزوجتي على إثر خلاف بيننا إذا خرجت من البيت فأنت طالق»، وكان قصدي بالخروج خروجها الذي يكون كردة فعل منها بسبب النزاع لا مطلق الخروج، ثم اصطلح الأمر بيننا وبعد مدة خرجت بسبب نشوب الخلاف في أمر آخر غير الأمر الأول، فهل تطلق بذلك وهل لي مراجعتها؟ بما أنك أطلقت القول من ناحية، ومن ناحية أخرى خرجت هي بسبب كلامك فالطلاق، واقع ولكن إن كنت لم تطلقها طلقتين قبل هذه الطلقة (2/338)
صفحة 963
فتاوى الفراق
339
فلك أن تراجعها بإشهاد شاهدين أنك رددتها إلى عصمة الزوجية بصداقها وعلى ما بقي من طلاقها، ويخبرها الشاهدان بذلك قبل أن تواقعها وذلك خلال عدتها أما إن انتهت عدتها فلا بد من عقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية والله أعلم.
قلت لزوجتي: «إن صافحت رجلاً أجنبياً فأنت حرام علي فهل يقع
بذلك طلاق؟
إن كنت قصدت بقولك حرام عليّ الطلاق أو الظهار فذلك مرده إلى نيتك، فإن قصدت به الطلاق وصافحت رجلاً أجنبياً ـ أي غير ذي محرم منها - طلقت منك طلقة واحدة، وتجوز لك مراجعتها في أثناء العدة بإشهاد شاهدين أنك راجعتها بصداقها وعلى ما بقي من طلاقها، وإن كانت عدتها انتهت فلا بد من عقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، وإن كنت قصدت به الظهار فعليك أن تكفر بعتق رقبة فإن لم تجدها فصيام شهرين متابعين فإن لم تستطع فبإطعام ستين مسكيناً، وذلك كله قبل المسيس، وإن كنت لم تنو به طلاقاً ولا ظهاراً فحكم ذلك حكم اليمين، وعليك إطعام عشرة مساكين ذلك من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة، وعلى العاجز عن جميع صيام ثلاثة أيام وهي كفارة اليمين وذلك الذي ذكرناه كله بعد مصافحتها لرجل أجنبي والله أعلم.
أردت أن أمسح المخاط عن ابني بثوب زوجتي فلم ترض بذلك، فقلت: «إذا لم أنظفه بثوبك فأنت طالق فلم ترض غير أني سحبت ثوبها ونظفته به فهل يقع بعد ذلك طلاق؟ ما الداعي لهذا الشقاق والتلاعب بالطلاق؟ أهذا هو الإمساك (2/339)
صفحة 964
340
الفتاوى النكاح
بالمعروف الذي أمر الله به في قوله: {فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: 229] والعشرة بالمعروف التي حض عليها بقوله: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [النساء: 19]، أو أن هذه هي الغطرسة والعناد؟ فمالك ولثوبها تدنسه بالمخاط هلا استعملت في ذلك ثوبك؟ أو أنك اغتررت بقوتك وتطاولت على ضعفها؟ فحسبك الله ذو القوة المتين الذي ينصف المظلوم من ظالمه، ثم لم تكتف بذلك حتى أقحمت الطلاق في هذه التفاهة، أين العقول معشر الرجال؟
هذا وأما الطلاق فهو غير واقع لأنه علق على عدم شيء وقد كان ذلك الشيء - وإن كان معصية - فلا يقع طلاقها، وإنما عليك إصلاح ما أفسدت من ثوبها، كما عليك أن تجبر خاطرها وأن ترضي ضميرها والله أعلم وهو ولي التوفيق.
فيمن وقع خلاف بينه وبين صديقه فقال له: «زوجتي طالق إن دخلت بيتك ثانية فهل يقع الطلاق إن دخل بيت صديقه؟
بئس ما فعله هذا الأرعن الذي لا يقدر العلاقة الزوجية حقها، فيعرضها للإنفصام لأسباب تافهة لا ناقة لزوجته فيها ولا جمل، ومثل هؤلاء الحمقى
أن
ليسوا أكفاء للاقتران بالنساء الفضيلات والواجب على من أراد الزواج يتعلم الحقوق الزوجية، وأن يعرف لماذا شرع الطلاق ومتى يسوغ شرعاً وعقلاً إيقاعه، هذا ويقع الطلاق المعلق بوقوع المعلق عليه، فتطلق امرأة هذا القائل بدخوله بيت صديقه كما قال والله أعلم.
طالق
فيمن قال: «إذا ركبت زوجتي سيارة فلان في هذا اليوم فهي بالثلاث ولم تركب المرأة في ذلك اليوم وإنما ركبت في يوم آخر (2/340)
صفحة 965
فتاوى الفراق
341
فظن الرجل أن زوجته قد طلقت بذلك، فذهب إلى المحكمة وقال لهم «بأني طلقت زوجتي بالثلاث وأريد شهادة على هذا»، وقد مضى على ذلك عدة أشهر، ويسأل إن كان الطلاق واقعاً بهذا أم لا؟
يركب أحدكم الأحموقة ثم يسعى إلى الناس في طلب حلها، لم تكتف بارتكابها أول مرة إذ علقت طلاق الثلاث على ركوب زوجتك السيارة في ذلك اليوم، بل ارتكبتها مرة أخرى بتطليقها ثلاثاً مع عدم ركوبها في نفس اليوم كما قلت والإنسان مؤاخذ باعترافه، أما من حيث الحكم فيما بينك وبين الله فالطلاق غير واقع إن كنت لم ترد إنشاء طلاق باعترافك، وأما في الحكم الظاهر فأنت مؤاخذ باعترافك كما قلت والله أعلم.
قلت لزوجتي: «بالطلاق إذا ذهبت إلى بيت أهلك»، وبعد مدة قلت لها مرة أخرى: «بالطلاق زوجتي لم تسكن هذا المنزل»، وأقصد بذلك منزل أخي، فهل يعتبر ذلك طلاقاً؟
بئس ما صنعت وساء ما عملت قبح الله الجهل والجاهلين، ما أراك إلا تركت زوجتك شبحاً للطلاق من غير بصيرة ولا وعي، أما من حيث الحكم فقولك: «بالطلاق إذا ذهبت بيت أهلك فهو أشبه بالهذيان منه بالكلام المفهوم. فإن كنت قصدت به تعليق طلاقها على ذهابها إلى بيت أهلها فإنما تطلق إن ذهبت لا إن لم تذهب وأما قولك بالطلاق زوجتي لم تسكن هذا المنزل فالراجح في مثله عدم وقوع الطلاق، لأنه مجرد قسم بغير الله يأثم به طلاق ولا تنعقد به، يمين وبالجملة فلا أراك إلا
صاحبه من غير
متهوراً والله أعلم.
أن يقع (2/341)
صفحة 966
342
الفتاوى النكاح
طلقت زوجتي مرتين وذلك بسبب الخلافات التي تنشب بيننا باستمرار، وكانت تصر دائماً على طلب الطلاق وفي المرة الأخيرة قلت لأولادها إن كانت هي مصرة على الطلاق فهي طالق فهل هذا الطلاق واقع أو لا؟ هذا طلاق معلق على إصرارها على طلب الطلاق فإن كانت مصرة على ذلك فالطلاق، ماض، وتبين منك بهذه الطلقة لأنها ثالثة، فلا تحل لك حتى تنكح زوجاً غيرك نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، وإن لم تكن مصرة فلا
والله أعلم. فيمن قال لزوجته: «إن رسب أولادك في الدراسة هذه السنة فأنت طالق» وقد رسب بعض أولادها في بعض المواد فقط وليس رسوباً تاماً فما الحكم في ذلك؟
الطلاق يقع إن أوقع بصريح العبارة - ولو لم ينوه المطلق ـ ففي الحديث ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة»، وفي هذه المسألة المرجع في الحكم إلى قصده فإن قصد بما قال تعليق طلاقها على رسوب جميع أولادها أو بعضهم فبحسب قصده يقع الطلاق، وكذلك إن قصد مطلق الرسوب ولو في بعض المواد أو في جميعها، والأحوط أن يراجعها بإشهاد شاهدين في عدتها على المراجعة إن كان هذا الطلاق لم يسبق بطلاقين من قبل والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: «إن أمرت أحداً من أبنائي أن ينام في غير بيتي
فأنت
طالق «فماذا على الزوجة أن تفعل للخروج من هذا المأزق؟ في هذه الحالة عليها أن تتفادى أمر أي واحد من أبنائه بأن ينام في غير بيته وإن شاءوا الخروج فليخرجوا بأنفسهم لئلا تعرض نفسها للطلاق
والله أعلم. (2/342)
صفحة 967
فتاوى الفراق
343
رجل له زوجتان حصل خلاف بينه وبين إحداهما، وعندما حاول إرضاءها شرطت عليه بعض الشروط وكتبتها في ورقة، ومن ضمن هذه الشروط أنه إذا ذهب إلى زوجته الأخرى تطلق هي منه، والزوج لم يطلق وإنما وافق على هذا الشرط، فما الحكم في ذلك؟
إن كان علق طلاق زوجته الأولى على ذهابه إلى بيت زوجته الثانية بلسانه أو قلمه فطلاقها يقع بوقوع المعلق عليه، وإن كان لم يكن ذلك منه فلا يقع طلاقها والله أعلم.
فيمن قال: «زوجتي طالق - ثلاث مرات - إن أتى أبي بشيء إلى بيتي» وذلك لأن إخوته يعيرونه بمساعدة أبيه له؟
بئس ما قاله الابن، فقد عق أباه وأساء إلى زوجته، و ما الذي يقحم هذه الزوجة المسكينة في أمر بينه وبين إخوته، ولكنها الحماقة وعدم مراقبة الله ومراقبة الذمم التي فرض على عباده مراقبتها، هذا وحكم طلاقه هذا أنه معلق على إتيان أبيه بشيء إلى بيته فإن وقع المعلق عليه وقع الطلاق، وإنما النظر في نوع الطلاق فهو إما أن يكون قال لهم: «إن أتى أبي بشيء إلى بيتي فزوجتي طالق ثلاثاً، وفي هذه الحالة تبين منه بالثلاث إن أتي أبوه بشيء إلى بيته، ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، وإما أن يكون قال لهم: «إن أتى أبي بشيء إلى بيتي فزوجتي طالق، وكرر ذلك ثلاث مرات فهنا تطلق واحدة إن لم يقصد بتكراره التأسيس والله أعلم.
ما قولكم في رجل يمنع زوجته عن أشياء ويعلق طلاقها بفعله كأن يقول لها: إذا ذهبت إلى بيت أهلك فأنت طالق وإن تكلمت بالهاتف (2/343)
صفحة 968
344
الفتاوى النكاح فأنت طالق، وهذا دأبه ثم يسمح لها بعد ذلك، وفي يوم من الأيام قال لها «إذا لم تعودي من عملك إلى البيت الساعة الثامنة والنصف فاعتبري نفسك طالقاً، وقد قصد بذلك تهديدها، وقد تأخرت الزوجة عن الوقت الذي حدده لها زوجها - بسبب عدم وجود السيارة ـ مما اضطرها إلى أن تذهب إلى بيت أمها وتأخر وصولها إلى بيتها، فهل بتأخرها هذا وهي مضطرة تطلق من زوجها؟ أفتونا مأجورين.
إذا علق طلاقها على أمر ففعلت ما علق عليه الطلاق طلقت منه ـ وإن لها أن تفعله - إذ لا عبرة بسماحه لها ولا يعدم ذلك إنشاءه الطلاق سمح المعلق على فعل ما سمح لها أن تفعله اللهم إلا إن كان قيد في تعليقه وقوع الطلاق بما إذا فعلت ذلك الأمر بدون إذنه، ثم أذن لها في فعله ففعلته بإذنه، فهنا لا يقع الطلاق لعدم وقوع المعلق عليه كما هو، ولا ريب أنه إن علق طلاقها على عدم عودتها إلى البيت إلى ساعة معينة فلم تعد إليه إلى تلك الساعة فطلاقها ماض ولو كان قصد به مجرد التهديد إذ لا هزل الطلاق، كما ثبت في الحديث ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة» والله أعلم.
في
ما قولكم فيمن حدث بينه وبين زوجته شجار في حوالي الساعة الثانية عشر والنصف ليلاً فقال لها: «إن بت في هذا البيت اليوم فأنت طالق طلاقاً» ستين فخرجت المرأة من الغرفة التي كانا فيها ونامت في غرفة أخرى، ثم إنه حملها إلى بيت أهلها في الساعة الثالثة ليلاً من نفس
اليوم،
فما الحكم في هذه المسألة؟ إن باتت أكثر الليل في ذلك البيت بحيث مضى نصف الليل ولم تخرج
بانت منه بالثلاث وما زاد فوزر عليه ولو خرجت من نفس الغرفة وباتت (2/344)
صفحة 969
فتاوى الفراق
345
في غرفة أخرى، لأن البيت نفس البيت الذي علق طلاقها على مبيتها فيه
والله أعلم.
ما حكم من قال لزوجته وهو في مرض موته: إذا أنا مت فأنت طالق؟ لا أثر لهذا الطلاق وعليها عدة الوفاة ولها الميراث الذي تستحقه بالزوجية والله أعلم.
قلت لزوجتي بالطلاق وتمشي مكان ما، والطلاق وتطلعي من الباب إلا بإذني وبعد أن هدأت النفوس واستغفرت الله سمحت لها بالخروج من غير إذني إذا أرادت، فهل يقع الطلاق؟
إن كنت قصدت بهذا أنها إن مشت إلى أي مكان وقع طلاقها، فإن مشت إلى أي مكان فالطلاق واقع لا مناص منه، وإن كنت أضمرت في قرارة نفسك أنها إن فعلت ذلك بدون إذنك وقع طلاقها ـ ودلت القرائن على هذا الإضمار - فطلاقها يقع إن خرجت أو مشت بدون إذنك، وإن أذنت لها فلا طلاق يقع عليها، والخلاصة أن مرد هذه القضية إلى نيتك وضميرك
والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: «إن بايعت الرجال «بطلاقك والرجل عنده متجر، فجاء شخص ليشتري من ذلك المتجر فامتنعت المرأة عن مبايعته، ولكنه أخذ حاجته بنفسه ووضع النقود على الطاولة، فهل يقع الطلاق على هذه الصورة؟
بما أنها لم تبايعه، وإنما أخذ حاجته بنفسه كما جاء في السؤال فإن الطلاق لم يقع والله أعلم. (2/345)
صفحة 970
346
الفتاوى النكاح
رجل غضب على زوجته وقت ذهابها إلى بيت أهلها، وقال: «إما أن تأتي الآن وتطبخي لي الغداء أو تطلقي بالثلاث فخرج الرجل من ساعته من بلده إلى مسقط، وعندما بلغ الزوجة قوله بادرت فوراً بالمجيء إلى بيته فلم تجده فما قولكم في هذا التطليق هل يقع؟ وهل يؤثر عدم تمكنها من طبخ الغداء لزوجها لكونه غير موجود في البيت؟
إن لم يتحقق الطبخ والمجيء فالمرأة طالق بالثلاث، كما علق بنفسه ذلك على عدم فعلها الأمرين، وبما أنها فعلت أحدهما وقع طلاقها والله المستعان، هذا ما ظهر لي فانظر في ذلك والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: «إذا سرت بيت فلان أو كلمتيهم محرمنش بالثلاث» وقد كرر هذا اللفظ، مرتين وبعد مدة اتصل أحد أهل البيت الذين نهى الرجل زوجته أن تكلمهم بالهاتف فكلمته المرأة، فهل يقع الطلاق
بذلك؟
لقد أجبت عن هذه المسألة أكثر من مرة بأن تكليمها لذلك الرجل يؤدي إلى حرمتها على الزوج كما علق بنفسه، وأمر الطلاق من خطاب الوضع لا عبرة فيه بالعمد وعدمه والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: «إن دخلت بيت زوج أختك فأنت طالق». وبعد مدة حصل زوج أختها على بيت آخر فدخلته، فهل تطلق بذلك؟
مرد ذلك إلى نية الزوج، فإن قصد بقوله: «بيت زوج أختك» بيتاً معيناً، فلا يقع الطلاق بدخولها غيره، وإن قصد به أي بيت يملكه فتطلق بدخولها أي بيت يملكه ولو لم يسكنه، وهذا لأن الإضافة تأتي لما تأتي له الألف واللام من المعاني والله أعلم. (2/346)
صفحة 971
فتاوى الفراق
347
حضر إلينا في المحكمة رجل وقال قبل قرابة شهرين قلت لزوجتي إذا انتقلت أختي إلى المعمورة وزرتها فبطلاقك»، وقد انتقلت أختي إلى المعمورة قبل حوالي أسبوعين، وذهبت لأزورها بعد انتقالها مرتين، وقد جامعت زوجتي بعد أن ذهبت لزيارة أختي مرتين، وكنت أقصد إذا انتقلت أختي إلى بيت معين في المعمورة، وهي لم توفق في استئجار ذلك البيت وإنما استأجرت بيتاً آخر في المعمورة، ولم أنطق ذلك بلساني وإنما كنت أقصده في قلبي فما رأيكم، هل يقع
الطلاق؟
أرى أن تدعو الزوجة وتسألها هل فهمت من قوله الذي قاله لها الإطلاق أو التقييد حسب دعواه في كلامه الأخير، فإن كانت فهمت منه التقييد فالمسألة أهون لأنها مصدقة له في دعواه، وإن كانت فهمت منه الإطلاق أي إن انتقلت أخته إلى أي بيت في المعمورة ـ ففي حكم الظاهر طلقت منه، ووطؤه لها قبل مراجعتها يحرمها عليه والله أعلم.
حصل نزاع بيني وبين زوجتي بسبب العمل، فقلت لها: «والله إذا عملت فأنت طالق»، فهل يتم الطلاق بمجرد مباشرتها للتسجيل أم بمباشرة العمل؟ وهل له أن يتراجع عن هذا الطلاق أم لا؟
لا يمكن تدارك التعليق للطلاق، فمتى وقع المعلق عليه وقع الطلاق، وبما أنك علقت طلاقها على عملها فمتى عملت وقع طلاقها، وذلك بمباشرتها للعمل والله اعلم.
لزوجتي أعمام وعمات وأخوال فقلت لها إن ذهبت إلى غير هؤلاء فأنت طالق ولم أقصد بهذا المنع الجيران القريبين من البيت، وقد (2/347)
صفحة 972
348
الفتاوى النكاح
دخلت المرأة بيت أحد الجيران، فذهبت إلى الشيخ قاضي جعلان فأخبرني بأن المرأة طلقت بذلك، فأرجعنا المسألة إليك لبيان الجواب
فيها؟
من الأحوط لك أن تشهد شاهدين على مراجعتها قبل أن تنتهي عدتها، وذلك للخروج من عهدة الخلاف والله أعلم.
قلت لزوجتي: «إذا نظرت إليك فلانة مرة أخرى ولم تنازعيها تراه
ذلك؟ بطلاقك»، فما الحكم في
إذا نظرت إليها فلانة ولم تنازعها طلقت والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: إذا كلمت فلاناً أو دخلت بيته فأنت طالق وقد دخلت الزوجة ذلك البيت وكلمت الرجل فهل تطلق بذلك؟
تطلق طلاقين بدخولها وبتكليمها إياه والله أعلم.
ما قولكم في رجل قال: حرام عليّ زوجتي بالثلاث إن لعبت الورق أو لمستها»، ثم بعد مدة حضر مجلس تلعب فيه هذه الأوراق فهل تطلق زوجته بذلك؟
بئس ما قال فإنه خاطر بأهله، ولكن إن كان لم يلعب بهذه الأوراق ولم يلمسها، فلا تطلق امرأته بحضوره مكان اللعب بها والله أعلم.
رجل حدث بينه وبين زوجته خلاف حول كيس أغراض، فقال لها «إذا لم تطلقي الكيس فأنت طالق فأطلقته فما قولكم في ذلك؟
إذا أطلقت الكيس لم تطلق والله أعلم. (2/348)
صفحة 973
فتاوى الفراق
349
ما قولكم في امرأة أثارت ضجة مع زوجها، فقال لها «إن لم تمتنعي عن ذلك فأنت طالق بالثلاث»، فسكتت وأخذت تبكي فهل يقع الطلاق في
هذه الحالة؟
إن لم تستمر على ضجتها فالطلاق غير واقع، وعلى هذا الرجل أن يحذر من التلاعب بالطلاق، فليس في كل مرة تسلم الجرة والله أعلم. ما قولكم فيمن قال لامرأته بطلاق الثلاث إذا لم تسافري معي إلى
صحم»
فأبت أن تسافر إلى صحم فهل يقع الطلاق في هذه الحالة؟ الظاهر من هذه العبارة أن قائلها قصد تعليق الطلاق ثلاثاً على عدم سفرها معه إلى، صحم والقرينة تدل على قصده ذلك السفر بعينه، وعليه فإنها بعدم سفرها معه تطلق ثلاثاً، ولا سبيل له عليها ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، وإن كان لم يقصد ذلك السفر بعينه فإن ذهبت معه إلى صحم قبل انقضاء أربعة أشهر منذ قال ذلك لم يقع طلاقها بقوله هذا والله أعلم.
حصل خصام بيني وبين زوجتي فقلت لها إذا قمت بالخروج من باب المنزل إلى الخارج بدون إذني فأنت طالق. وبحكم العمل فإن معظم أوقاتي أكون خارج المنزل فأحياناً يخرج الأولاد خارج المنزل ويتطلب الأمر إرجاعهم، وأنا لست موجوداً لتطلب الإذن مني، والآن وبعد سماحي لها بالخروج ورضائي عنها هل تعتبر هذه المرة طالقة أم يعتبر الأمر منتهي بمجرد سماحي لها بالخروج، أو يتطلب السماح لها في كل مرة تريد الخروج من المنزل؟
إن كنت أذنت لها إذناً مطلقاً بأن تخرج متى شاءت لم يقع الطلاق بخروجها والله أعلم. (2/349)
صفحة 974
350
الفتاوى النكاح
ما قولكم في رجل وقع بينه وبين والده بغض من سوء التفاهم، وحلف الولد أنه لا يقبل شيئاً من والده أي من العطاء في حياته ولا بعد مماته، وإن قدر الله موت أبيه قبله لا يقبل شيئاً من ميراثه، وأكده بطلاق زوجته إذا هو أخذ ميراثاً من أبيه، فهنا هل تطلق الزوجة إذا أخذ زوجها ميراثه من أبيه المتوفى؟
إن كان علق طلاق زوجته على قبوله إرث أبيه فإن قبل إرثه طلقت زوجته، وبئس ما فعل هذا الأرعن العاق لأبيه والمسيء إلى أهله والله أعلم.
ما حكم من قال لزوجته بواسطة الهاتف: إذا كنت تريدين الطلاق فأنت طالق بالثلاث»؟
إن أرادت الطلاق عندما قال لها ذلك وقع طلاقها ثلاثاً، وبانت منه بالثلاث والله أعلم.
حدثت مشاجرة بيني وبين أخي بحضور زوجته والتي هي أخت زوجتي، فلما اشتد النزاع بيننا قال لزوجته إذا دخلت بيت أخي فأنت طالق والآن تم الصلح بيننا وأريد أن تدخل زوجتي بيت أخي. فكيف السبيل إلى ذلك؟
دعها تدخل، وبعد دخولها أشهد شاهدين أنك راجعتها بصداقها وعلى
ما بقي من طلاقها، ويخبرها الشاهدان قبل أن تباشرها والله أعلم.
رجل قال لزوجته «إذا خرجت من البيت فأنت طالق»، فخرجت المرأة بعد أن استأذنت من عمها ووالد زوجها ولما علم الزوج بخروجها قال لها: ألم أقل لك إذا خرجت من البيت فأنت طالق؟. وعندما يسأل الزوج هي مطلقة فما الحكم في ذلك؟
يقول
إن علق طلاقها على فعل شيء ففعلته وقع طلاقها، وعليه فهي
طالق (2/350)
صفحة 975
فتاوى الفراق
351
بخروجها إلى ذلك المكان طلقة واحدة، وأما قوله لها من بعد أنت مطلقة. فمرده إلى نيته فإن أراد إنشاء طلاق جديد وكان ذلك في عدتها طلقت طلقة ثانية، لأن الطلاق يتبع الطلاق ما دامت العدة باقية، وإن أراد به الإخبار عن الطلاق الواقع بخروجها إلى المكان الذي علق طلاقها على خروجها إليه فلا يعد ذلك طلاقاً جديداً، وإنما هي طلقة واحدة وإذا لم تصل الطلقات إلى ثلاث فله مراجعتها في خلال عدتها منه، وأما بعد العدة فلا بد من جديد مع جميع لوازمه الشرعية والله أعلم.
عقد
ما قولكم فيمن كتب رسالة إلى والد زوجته أنه يرغب في طلاق زوجته إن قبلوا برد المهر الذي دفعه إليها؟
إن علق طلاقها على رد المهر فلا يقع الطلاق حتى يرد الصداق، فإن رد وقع لأن الطلاق المعلق على شيء لا يقع إلا بوقوع ذلك الشيء والله أعلم.
ما قولكم في رجل زوجته تأخذ من مال الغير وقال لها «إذا عدت لمثل هذا فأنتي طالق ولم ير بعد ذلك ما يكره ماذا عليه أفدنا مأجوراً؟ هذا رجل جاهل لا يحسن التصرف، فإنه أدخل نفسه في مأزق، فلعل الزوجة تأخذ بدون علمه فماذا عسى أن يصنع؟ وبما أنه وقع في هذا الأمر يلزمه أن يسألها كلما أراد جماعها هل أخذت أو لم تأخذ؟ والله أعلم. فيمن قال لزوجته: أنت طالق في آخر يوم من عمري. فما حكم هذا الطلاق؟ وهل لها الميراث؟
تطلق في آخر يوم من عمره، ولا يجوز له وطؤها إذ لا يدري ما هو آخر أيام عمره، وإن كان هذا الطلاق غير مسبوق بطلاقين من قبل فلها الميراث وعليها عدة الوفاة والله أعلم. (2/351)
صفحة 976
352
الفتاوى النكاح
لا
حصل نزاع بيني وبين زوجتي وبعدها خرجت إلى عملي، وبعد ذلك تفاجأت بزوجتي وهي تحضر إلى مكان عملي في المحكمة فقلت لها: «لقد فضلت الطلاق بنفسك. فهل يعتبر ذلك طلاقاً؟
إن كنت لم تعلق طلاقها على خروجها من البيت أو مجيئها المحكمة بصريح العبارة ولا بكنايتها فلا يقع بذلك طلاق والله أعلم.
أخوان تخاصما وحلف كل منهما لا يدخل منزل الآخر وربط كل منهما فعل ذلك بطلاق زوجته فما الحكم في قضيتهما؟
بئس ما فعلا فقد جمعا بين أمرين منكرين وهما قطيعة الرحم وتعريض العلاقة الزوجية مع زوجتيهما للانفصام، وعليهما أن يتوبا إلى الله وأن يتواصلا بالبر والتقوى وأن يراجعا زوجتيهما إن كان هذا الطلاق رجعياً
والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: «إن فعلت كذا فأنت والله العظيم طالق بالثلاث» وبعد مدة أراد الزوج أن يتراجع ويلغي هذا التعليق فهل له ذلك، والزوج والزوجة على المذهب الشافعي؟
تعليق الطلاق إنشاء لا يملك أحد الرجوع عنه كتنجيزه وكسائر الإنشاءات الأخرى، اللهم إلا إذا استثنى المنشئ حال الإنشاء من غير تأخير، وهذا مما أخذ به علماء المذاهب الإسلامية قاطبة والله أعلم. (2/352)
صفحة 977
المراجعة:
فتاوى الفراق
353
ما قولكم في رجل تزوج امرأة وبقيت عنده عشرة أشهر، ولم يكتب ورقة بحقها الغائب ثم إنه طلقها وقد مضى على طلاقها شهران وأراد أن يراجعها وهي غير راغبة في الرجوع فما قولكم؟
إن كان أصدقها جميع الصداق المتفق عليه فيما بينهما ـ سواء كان كله عاجلاً أو كان بعضه عاجلاً وبعضه آجلاً - ولم يرزأها منه شيئاً وكانت عدتها لم تنته بعد وهي ثلاثة قروء - أيّ ثلاث حيض ـ فإن له أن يراجعها في هذه الحالة رضيت أم أبت، وإن كانت قد حاضت ثلاث حيض منذ طلاقها فلا رجعة له عليها لانسلاخ عدتها، إلا أن يتراضيا على عقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، من رضا المرأة وإذن الولي وصداق جديد، وإن كان رزأها الصداق العاجل أو الآجل فلا رجعة له عليها، إلا أن يتفقا على رد
من
شيئاً ما أخذه منها ويراجعها برضاها والله اعلم.
ما قولكم في رجل طلق زوجته قبل سنوات ثم راجعها ثم طلقها مرة ثانية، ولكنها لم تخرج من منزله فذهب إليه والده وأخوه وطلبا منه أن يراجعها فأبى، وقال قد انتهيت منها ولا أريدها، وجاءها بعد هذا الكلام وأعطاها صداقها الآجل المتبقي لها عليه، وقال لها لم أنت جالسة وأنا قد فلتك، فخرجت من بيته وقد مضت مدة لا تقل عن شهرين ثم جاءها يطلب مراجعتها. فهل له ذلك على هذه الحالة أفيدونا ولكم جزيل الأجر وعظيم الثواب؟
طلقت بذلك طلقتين، ولا مانع من مراجعتها في خلال عدتها بإشهاد شاهدين على الرجعة وإخبارهما لها قبل دخوله بها، وإن كانت عدتها قد (2/353)
صفحة 978
354
الفتاوى النكاح
انتهت فلا بد من عقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، وهي رضاها وإذن وليها وصداق جديد وبينة، والعدة هي ثلاثة قروء - أي ثلاث حيضات ـ إن كانت ممن يحيض ولم تكن حاملاً، وإن كانت حاملاً فتنتهي عدتها بوضع حملها، وإن كانت آيساً من الحيض أو كانت صبية فثلاثة أشهر والله أعلم.
طلقت زوجتي طلقة واحدة ثم رغبت في مراجعتها فلم يوافق أبوها إلّا بدفع مهر جديد فما الحكم الشرعي في ذلك؟
إن كانت لا تزال في عدتها فلك أن تراجعها ولو لم يرض والدها، وأما
بعد عدتها فلا بد من عقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية والله أعلم.
طلقت زوجتي طلقة واحدة وبعد مرور شهر على طلاقي لها ندمت على ذلك فطلبت أن ألتقي بها فوافقت وبينت لها أسباب الطلاق، واتفقنا على تجنب تلك المشاكل وقد أخبرتها بأني قد راجعتها وأنها أصبحت زوجتي كما كانت وكانت المراجعة بأن قلت لها أرجعتك وبدون شهود ولم يعلم أهلها بذلك، وقد مرّ على مراجعتي لها ثمانية أشهر،
فهل تعتبر مراجعتي لها والذي تم بيني وبينها رجعة شرعية أم لا؟ الرجعة موقوفة على إشهاد شاهدين لقوله تعالى ـ عندما بين أحكام الرجعة في سورة الطلاق - وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنكُم} [الطلاق: 2)، وعليه فإن قولك لها: «أرجعتك» وليس معكما شاهد لا يعد شيئاً، وإن أردتها الآن بعد انقضاء عدتها فلا بد من عقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، وهي رضاها وإذن وليها وصداق جديد وبينة، فإن رفض وليها ووافقت هي فلترفع أمرها إلى القضاء الشرعي، وهذا كله إن كنت لم تواقعها بعد قولك لها أرجعتك، أما إن كنت قد واقعتها فقد حرمت عليك والله الموفق. (2/354)
صفحة 979
فتاوى الفراق
355
رجل طلق زوجته وأراد مراجعتها فأخبر الشاهدين بأنه ينوي مراجعة زوجته وكان إخباره لهما وهما متفرقين ولم تعلم الزوجة بذلك إلا بعد معاشرته لها فما ترون في صحته هذه المراجعة؟
يجب إحضار الشاهدين معاً وإخبارهما بالمراجعة لا بنية المراجعة فحسب، لأن النية شيء آخر غير عين المراجعة المطلوبة، وليس بمجرد النية يتم العمل فمن نوى الزواج لم يتم له الزواج حتى يتزوج، وكذا من نوى الصلاة والصيام أو الحج لا تكفيه نيته بها عن الأعمال التي تثبت ماهيتها، وعليه فإني أرى أن هذه المراجعة لم تتم، ومباشرة الرجل مطلقته قبل المراجعة يحرمها عليه والله أعلم.
طلقت زوجتي
طلاقاً رجعياً وبما أن الطلاق الرجعي يكون الرجل أحق بزوجته لقوله تعالى: {وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} [البقرة: 228] لذلك قمت بمعاشرتها لمدة خمسة أشهر تقريباً، وفي خلال تلك المدة سألت أحد المشايخ في هذه القضية فأجابني بأن الموافقة تجعلها زوجتي فما الحكم في هذه المسألة؟
ما أجهلك وما أجهل من سألته فأجابك، ألا قاتل الله الجهل والجاهلين من أين لك أن للزوج أن يستمتع بزوجته إبان عدتها ولو كان الطلاق رجعياً؟ ومن أين لذلك الأرعن الهزيل الأحمق التعيس أن الموافقة تجعلها زوجتك؟؟ وما معنى الطلاق إذاً؟ ولئن كنت في عدتها أحق بردها ـ كما قال تعالى - فإن ذلك هو الرد الشرعي، الذي يكون بنطق وإشهاد كيف والله تعالى يقول فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ) [الطلاق: 2]، ألا إن مواقعتها هي عين الزنا وكفى بذلك إثماً مبيناً والله أعلم. (2/355)
صفحة 980
356
طلقت
الفتاوى النكاح
زوجتي طلاقاً واحداً وراجعتها بغير إشهاد وإنما جامعتها ظناً أن المراجعة تكون بالجماع فما قولكم في ذلك هل هذه المراجعة صحيحة أو لا؟
مني
ماذا عسى أن أقول لك؟ إنما هذه عاقبة الجهل وثمرة التهور ونتيجة الاندفاع الغاشم ليت شعري كيف تكون مراجعتك لها بالفعل دون القول وبغير إشهاد؟ هل طلاقك لها إلّا قول نطقته، فكيف تكون مراجعتك لها بمجرد الوقاع؟؟ أو لم تقرأ في كتاب الله ما اشترطه الله سبحانه من الإشهاد على المراجعة حيث قال في سورة الطلاق: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ منكم [الطلاق (2) إني لا أرى لك مخرجاً، فإنك لم تتق الله فيجعل لك مخرجاً، ومواقعتك لها بدون رجعة زنا فتحرم عليك به إلى الأبد والله
المستعان.
فيمن قال لزوجته: «طالق طالق فدخل السجن قبل أن يراجعها فأرادت المرأة المراجعة فكيف تتم؟
الذي يراجع هو الرجل لا المرأة، فإن كانت لا تزال في عدتها وأراد
مراجعتها فليشهد شاهدين على الرجعة ولو كان في السجن والله أعلم.
رجل طلق زوجته كتابياً فوصلتها الرسالة واستقبلت العدة، ثم تدارك وراجعها قبل انقضاء العدة بحضرة شهود فكتب إليها الرد مع الشهود، فلما وصلتها رسالة الرد إذا هي قد تزوجت بعدما انتهت عدتها فهل المراجعة صحيحة، وهل هناك فرق بين أن وصلتها الرسالة وهي متزوجة
أو وصلتها وقد انتهت العدة ولم تتزوج بعد؟ أفتونا مأجورين؟ هذه المسألة خلاف بين العلماء على أقوال عدة، فقيل: إن وصلها (2/356)
صفحة 981
فتاوى الفراق
357
الخبر بعد انتهاء العدة لم يدركها الزوج وإن لم تتزوج بغيره، وهو مروي عن بعض السلف وانتصر له ابن حزم في المحلى كما أطال المحقق الخليلي رحم الله في تأييده، وقيل: لا يدركها إن تزوجت الزوج وعليه أكثر
حتى
أصحابنا، حتى أن الإمام نور الدين السالمي الله تعالى ذكر أنه ما كان يدري ان في المسألة خلافاً أطلعه عليه سائله، وقيل: يدركها ما لم يدخل بها الثاني ذكره ابن حزم في المحلى وابن قدامة في المغني والإمام الثميني رحم الله في النيل، وقيل يدركها وإن دخل بها الثاني وعليه مالك والشافعي وانتصر له القطب رحمه الله تعالى في شرح النيل، ونفسي تميل إليه، ذلك لأن مراجعتها في العدة غير موقوفة على رضاها فعلمها بها وعدمه في سوا ـواء، على أن الرجعة في خلال العدة حق ثابت للزوج لقوله تعالى: ولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِهِنَّ فِي ذَلِكَ} [البقرة: 228] ونكاح الزوج الثاني ساقط الاعتبار بشغل ذمتها بالزوج الأول، فيندرج تحت قول النبي صلى الله عليه وسلم «عفي عن الخطأ والنسيان» (1) وقد قاس القطب هذه المسألة على مسألة المرأة تزويج من قبل وليين لزوجين مختلفين فهي للسابق منهما، وهو قياس جلي وإن لم يره نورد الدين السالمي، وفي المسألة قول خامس نسبه ابن حزم إلى وهو أنها إن أصيبت لم يدركها الأول، وإن لم تصب فهو أولى بها
ذلك
روو
وبعولتهن
عطاء
والله أعلم.
أمتي
فيمن أشهد على مراجعة زوجته شاهداً واحداً فقط فما حكم ذلك؟ لا بد للرجعة من شاهدين ولا تجوز بشاهد واحد، لقوله تعالى: وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنكُمْ [الطلاق: 2] والله أعلم.
(1) رواه ابن ماجه والحاكم والبيهقي. (2/357)
صفحة 982
358
الفتاوى النكاح
فيمن طلق زوجته طلقة واحدة وأعطاها الصداق الآجل، وسلمها أمتعتها ثم إنه راجعها من غير مهر ولا عقد فهل مراجعته صحيحة.
إن كانت لا تزال في عدتها وأشهد شاهدين على الرجعة وأخبرها الشاهدان بها فالمراجعة صحيحة والله أعلم.
ما قولكم فيمن طلق زوجته طلاقاً واحداً وردها إلى عصمته بغير إشهاد جهلاً منه بحكم المسألة وقد واقعها بعد هذه المراجعة؟
الجهل ليس عذراً، والإشهاد لا بد منه في الرجعة لقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنكُمْ} [الطلاق: 2]، وبما أنه واقعها بدون إشهاد فهي حرام وليخل سبيلها فإن ذلك أحوط له، وإلا ففي المسألة خلاف فإن أغلب أصحاب المذاهب الأخرى لا يشترطون الإشهار على الرجعة والله أعلم.
طلقت زوجتي
طلاقاً رجعياً، فلما أردت مراجعتها رفض أبوها فما
الحكم الشرعي في هذه المسألة؟
إن كانت عدتها باقية فأشهد شاهدين على المراجعة، وليخبرها الشاهدان بذلك قبل أن تواقعها وقبل أن تنتهي عدتها، وليس لأبيها اعتراض
والله أعلم.
فيمن طلق زوجته طلاقاً رجعياً فرفضت المراجعة فهل من حق الزوج أن يسترد المهر الذي دفعه إليها؟
إن راجعها في أثناء عدتها فالمراجعة ثابتة - وإن لم ترغب هي فيها ـ إن كانت تجوز له الرجعة، وإن استمر طلاقها فعليه أن يصدقها ما بقي لها من الصداق والله أعلم. (2/358)
صفحة 983
فتاوى الفراق
359
رجل طلق زوجته ثم راجعها بنفسه، وكان بحضرته عندما راجعها أخو المرأة وأمها وأختها وإخوة لها صغار، فأرجعها بهؤلاء الشهود فقط فهل يكفي ذلك أم لا؟
أن
إن كان ردها بحضور شاهدين أو شاهد وشاهدتين فالمسألة هيئة والرجعة صحيحة، وإنما يؤمر أن يخبرها الشهود بالرجعة قبل أن تنتهي عدتها وقبل يباشرها، وأما إن كان راجعها بنفسه من غير إشهاد فالمسألة عويصة، لأن الله
تعالى قال في المراجعة: {وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ} [الطلاق: 2] والله أعلم.
سألنا الشيخ محمد الخزرجي مفتي دولة الإمارات العربية المتحدة عن رجل طلق زوجته طلقتين ثم مسكها في بيته وجامعها ظناً منه أن ذلك مراجعة منه لها، فأجاب الشيخ بأنه إذا نوى بوطئها مراجعتها فالمراجعة صحيحة. فما قول فضيلتكم في ذلك؟
المراجعة عندنا بالقول لا بالوقاع، ولكن إن كان المراجع
من المذاهب الإسلامية فلا اعتراض لنا عليه والله الموفق.
آخذاً بمذهب
منعت زوجتي من دخول بيت أختها وبعد مدة سألتها إن كانت دخلت أو لا؟ فقالت إنها لم تدخل فقلت لها إن كنت كاذبة في كلامك فاعتبري نفسك طالق، وبعد شهر أقرت لي بأنها كاذبة في كلامها وأنها قد دخلت بيت أختها. ثم أني قد قمت بمسح رأسها تداركاً لما وقعت فيه، علماً أنه قد تمت المعاشرة بيننا بعد هذه الحادثة فما الحكم في
ذلك؟
بئس ما قلت وساء ما صنعت وماذا يجديك مسحك لرأسها أو تظن أن الحرام يحل بمسح الرأس؟ وعليه فإن كنت تعني بذلك أنها طالق إن كانت (2/359)
صفحة 984
360
الفتاوى النكاح
قد دخلت فقد طلقت بذلك، فإن باشترها بغير مراجعة شرعية فحكمكما
أنكما زانيان والله المستعان
هل يجزئ إشهاد الأب والولد في الرجعة؟
نعم والله أعلم.
فيمن قال لمطلقته قد راجعتك دون إحضار الشهود، ثم مسها على ذلك، فهل من رخصة في عدم تحريم امرأته في هاتين الحالتين:
الأولى: إن كان جاهلاً لحكم الإشهاد على الرجعة.
الثانية: إن كان مذهب أحدهما لا يحرمها عليه بترك الإشهاد؟
إن كان الزوجان على مذهب يسوع عدم الإشهاد على الرجعة أو كانا جاهلين بفرض الإشهاد عليها، فلا يحكم بتحريمها عليه، بخلاف ما إذا كان حالهما عكس ذلك والله أعلم.
فيمن علق طلاق زوجته على زواجه بامرأة أخرى غيرها، وبعد أعوام عديدة وقع الشيء المعلق عليه، الطلاق فجامع الرجل زوجته وهو ناس تعليقه طلاقها، ثم تذكرت المرأة موضوع الطلاق، فافترقا بسبب ذلك أنها تزوجت بعد ذلك برجل آخر وبعد فترة طلقها، والآن هل يصح للزوج الأول أن يتزوجها من جديد؟
ثم
إن كان جامعها وهو ناس تعليقه طلاقها على زوجه بامرأة أخرى فإن تلك المواقعة لا تحرمها عليه إذ لم يقصد الزنى، اللهم إلا إن كانت هي ذاكرة ووافقته على الوقاع، وأما إن تذكرا معاً بعد الوقاع فلا مانع من أن يتزوجها من بعد والله أعلم. (2/360)
صفحة 985
فتاوى الفراق
361
طلقت زوجتي
طلاقاً رجعياً و راجعتها في عدتها وأشهدت خمسة أشخاص وذلك بحضورها غير أن الشهود أبوا أن يشهدوا فما الحكم في ذلك؟ وهل تعتبر المراجعة صحيحة؟
إن أشهدتهم على الرجعة فالرجعة صحيحة، وعليهم أن يشهدوا
والله أعلم.
الإحسان للمطلقة
ولكنني
طلقت زوجتي وهي كبيرة في السن ولم تنجب ولدي زوجتان وأولاد أريد أن أحسن إليها مدى الحياة وذلك بأن تعيش معي في المنزل، حيث إن المنزل واسع فأقسم لها جزءاً من المنزل، وهي ترغب ذلك لسوء معاملة أهلها لها، فهل لي أن أفعل ذلك وهل لهم حق
في
الاعتراض؟
قال الله تعالى: {وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237] وإن من عدم نسيان الفضل بين الرجل ومطلقته أن يحسن إليها في معاشها، وأن يرعاها في حاجاتها، وعليه فإن قيامك بإيوائها على النحو الذي ذكرته أمر مرغب فيه، وفيه الفضل، والله يؤجرك عليه، وليس لأحد اعتراض في ذلك ما دامت هي راغبة فيه، وإنما يجب أن لا تخلو بها وأن لا تظهر زينتها لك والله أعلم.
هل للمطلقة متعة وما مقدارها؟
في
ذلك خلاف، والراجح نعم لعموم الآية ولا تحد بحد إلا المعروف
والله أعلم. (2/361)
صفحة 986
362
الفتاوى النكاح
امرأة بانت من زوجها ببينونة كبرى فهل يصح أن تبقى في بيته لكي ترعى أطفالها؟
إن كانت تكون في معزل عنه ولا يخلو بها إلا مع حضور ذي محرم منها فلا حرج والله أعلم.
هل يصح أن تسكن المرأة في بيت مطلقها مع أولادها؟
لا
مانع من سكون المرأة في بيت مطلقها بمعزل عنه لا تخلو به بنفسها والله أعلم.
مع
أولادها، بحيث
ما قولكم في رجل كبير في السن وقد طلق زوجته التي تقاربه في السن طلاق الثلاث، وقد طلب ابنهما الذي يسكن مع والده أن تبقى معهم في
البيت، فهل يصح لها ذلك بعد طلاقها وكيف تفعل لترضي ابنها؟ إن كان معهما ولدها أو ذو محرم منها فلا مانع من بقائها معه، مع عدم خلوته بها إلا مع وجود ذي محرم منها، أما خلوه بها في المنزل وحدهما فذلك غير جائز، لأنه أجنبي منها، ويجب على الولد أن يرضى بحكم الله ورسوله، وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36] وقد ثبت في الحديث «ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم» (1) والله أعلم.
(1) رواه احمد والترمذي والحاكم والشافعي وغيرهم. (2/362)
صفحة 987
فتاوى الفراق
363
هدم الزوج الثاني للطلاق
فيمن طلق زوجته طلقتين ثم تزوجها رجل آخر فمات عنها، وأراد الأول أن يتزوجها فهل تحسب عليه الطلقتان الأوليتان؟
نعم على قول أكثر العلماء لأن الزوج الثاني عندهم لا يهدم إلا الثلاث، وقيل بخلافه، والأول هو الذي عليه العمل والله أعلم.
فيمن طلق زوجته طلاق الثلاث، ثم تزوجها آخر فمكثت عنده ما شاء الله فطلقها فهل تحل للأول بعد أن تنقضي عدتها من زوجها الأخير؟
إن كان زواج الثاني بها زواجاً شرعياً لا تدليس فيه وذاق منها ما ذاق منها الأول ثم افترقا وانسخلت عدتها الشرعية، فإنها تحل للأول بعقد جديد
مع جميع لوازمه الشرعية والله أعلم.
الخلع (1)
2
ما الفرق بين الخلع والطلاق؟
الخلع
ما كان بعوض من المرأة المختلعة والطلاق ما كان بدونه،
أملك
ويملك الرجل في عدة امرأته من الطلاق الرجعي رجعتها ولو بدون رضاها وذلك بإشهاد شاهدين على الرجعة، وأما المختلعة فهي من أول يوم بنفسها ليس له أن يردها إلى عصمته بدون رضاها، وكلتاهما بعد العدة
تتزوجان من شاءتا والله أعلم.
(1) الخلع هو أن يتفق الزوج والزوجة على أن تفتدي المرأة من زوجها برد ما دفعه لها من
صداق أو أقل منه. (2/363)
صفحة 988
364
الفتاوى النكاح
هل الخلع طلاق أو فسخ للعقد؟
ذهب الأكثر إلى أنه طلاق، وقيل بأن الخلع هو فسخ للعقد وليس طلاقاً، وهذا رأي ابن عباس وجابر بن زيد ا ومال إليه الإمام نور الدين السالمي حمدالله من المتأخرين والله أعلم.
فيمن طلق زوجته مرتين ثم في الثالثة افتدت منه، فهل تصح له مراجعتها بعد ذلك إن أرادها؟
الخلع هو طلاق ـ في رأي جمهور أهل العلم وبه نأخذ ـ وعليه فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه والله أعلم. هل يجوز أن يخالع الرجل زوجته في طهر مسها فيه؟ وهل تصح مراجعتها بعد الخلع؟
الخلع كالطلاق في وجوب أن يكون في طهر لم تمس فيه المرأة، وتجوز مراجعة المختلعة بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية
والله أعلم.
ما الفرق بين الخلع والطلاق؟ وما عدة كل منهما؟
الطلاق هو أن يطلق الرجل المرأة من غير أن يأخذ منها شيئاً، وأما الخلع فهو أن يفسخ العقدة في مقابل أن ترد إليه ما دفعه إليها من الصداق أو بعضه، وعدتهما واحدة على الصحيح وهي ثلاثة قروء، وقيل: بل عدة الخلع حيضة والله أعلم.
ما قولكم في رجل يسيء معاملة زوجته بالضرب والشتم ويهددها بالطلاق لولا أن والده يمنعه، ثم إن الزوجة لم تستطع أن تحتمل أذاه (2/364)
صفحة 989
فتاوى الفراق
365
فطلبت منه الطلاق، فوافق على أن تدفع له ضعف المهر الذي دفعه لها فهل يحق ذلك؟
ليس للرجل أن يلجئ زوجته إلى أن تفتدي منه بسوء معاملته لها، فإن فعل ذلك فإن كل ما ياخذه منها ولو فلساً واحداً فهو سحت، قال تعالى: وَإِنْ أَرَدتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوجِ وَعَاتَيْتُمْ إِحْدَتْهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنَا وَإِثْمًا مُّبِينًا وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى
بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيتَقًا غَلِيظًا} [النساء: 20، 21]. وقال: {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ} [النساء: 19] وعندما يكون النشوز منها فله أن يخالعها على أن تدفع له مثل ما أعطاها من الصداق أو أقل لا أكثر منه، بدليل قول الله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا أَفْنَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229] مع قول النبي صلى الله عليه وسلم «أما الزيادة فلا» (1)
والله أعلم.
طلقت زوجتي ثلاث تطليقات في طهر مجامع فيه، وذلك مقابل أن تعيد إلي نصف المهر الذي دفعته لها فهل لي مراجعتها إن اتفقنا على المراجعة؟
إن كنت تعني بالتطلقيات الثلاث أنك قلت لها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، وقصدت بالتكرار التأسيس - وهو إنشاء طلاق جديد في كل مرة ـ بانت منك بالثلاث لأن الطلاق يتبع الطلاق ما دامت المرأة في العدة، وفي هذه الحالة لا تحل لك حتى تنكح زوجاً غيرك نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، وإن كنت لم تقصد به التأسيس حمل على التأكيد وخرجت
(1) رواه الإمام الربيع والإمام مالك في الموطأ كتاب الطلاق) والدارقطني. (2/365)
صفحة 990
366
الفتاوى النكاح
منك بطلقة واحدة، وفي هذه الحالة لك أن تراجعها في خلال عدتها بإشهاد شاهدين أنك راجعتها بصداقها وعلى ما بقي من طلاقها بشرط رضاها ورد الفدية إليها - إن كنت أخذت منها فدية - ولو فلساً واحداً، أما بعد العدة فإن أردتها فبعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية وهي رضاها وإذن وليها وصداق جديد وبينة والله أعلم.
ذلك؟
حدثت مشاكل بيني وبين زوجتي أدت إلى الطلاق، على أن يرد إليَّ الصداق الغائب وهو ألف ريال، ولكني رفضت أن أتسلم هذا المبلغ بعد موافقتي على تسليمه وأريد أن أرد زوجتي فهل يصح لي لك أن تتزوجها بعقد جديد، وأما مراجعتها بدون عقد جديد فإن كانت عدتها انتهت فلا سبيل إليها لأنها أملك بنفسها بعد العدة، وإن كانت لم تنته فقيل بجواز مراجعتها إن رضيت برد الفدية إليها، وقيل لا بد من عقد جديد ولو في أثناء عدتها والله أعلم.
ما قولكم في رجل طلق زوجته طلاقاً رجعياً، ثم إن هذه الزوجة أبرأته من صداقها الحاضر والمؤجل لئلا تبقى له رجعة عليها، ثم أراد الرجل أن يرجع زوجته فذهب إلى القاضي، ولكن القاضي قال: إن الرجل إذا طلق زوجته بحضور الشهود وأبرأته من صداقها فلا تصح له مراجعتها إلا بعقد جديد وشاهدين وصداق. فأرجو من فضيلتكم بيان الحكم في هذه المسألة ولكم الثواب؟
إن كانت أبرأته من صداقها فهي أملك بنفسها، وإنما قيل: إن له أن يراجعها إن أبرأته منه شريطة أن تكون راضية بذلك، وقيل: لا بد من عقد مع كافة لوازمه الشرعية وهي رضاها وإذن وليها وصداق جديد وبينة.
جديد
والله أعلم. (2/366)
صفحة 991
فتاوى الفراق
367
ذلك
رجل أراد أن يطلق زوجته ولكنه اشترط على ولي المرأة استرجاع المهر الذي دفعه لها، فكتب الولي على نفسه صكاً في ذلك لإعساره في الوقت، فقام الرجل وطلق المرأة وفي أثناء العدة توفي هذا الزوج فهل تلزم المرأة أن تعتد عليه وهل لها نصيب من تركته؟
حكم هذا الطلاق حكم الفدية وعليه فليس لها ميراث ولا عدة وفاة تلزمها، وإنما عليها الاستمرار في عدة الطلاق إلى أن تنتهي ثم تتزوج بمن شاءته ووافق عليه وليها من الرجال والله أعلم.
طلقني زوجي مقابل ردّ الصداق إليه فهل يجوز أن يراجعني إن أراد ذلك؟ أما الطلاق المبني على رد الصداق فهو خلع، والأرجح في الخلع أن تكون المراجعة بعده بعقد جديد مع كافة لوازمه الشرعية وهي رضى المرأة وإذن الولي وصداق جديد وبينة، وقيل: تجوز المراجعة المألوفة بينهما على أن يرد إليها ما اختلعت به ويشهد على ذلك شريطة أن يكون ذلك برضاها والله أعلم.
طلقت زوجتي بناءً على رغبتها مقابل فدية فهل يحق لها بعد ذلك أن تطالب بصداقها الآجل؟
ذلك يعود إلى الاتفاق الذي بينكما، فإن كنتما متفقين أن الآجل من الصداق داخل في الفدية فلا مطالبة لها، وإن كنتما اتفقتما على أن الفدية بما دفعته إليك فقط فلها المطالبة والله أعلم.
إذا أرادت المرأة أن تفتدي نفسها من زوجها فهل يجوز لها أن تدفع له أكثر مما أصدقها إياه؟
السؤال جاء مقلوباً، فإنّ الذي ينبغي السؤال عنه هل يجوز للرجل أن (2/367)
صفحة 992
368
الفتاوى النكاح
يأخذ فدية من زوجته أكثر مما أصدقها؟ لا عن جواز دفع المرأة أكثر مما أخذت من الزوج، ولا ريب أن الزوج ليس له أن يضار زوجته فيأخذ منها شيئاً مما آتاها فضلاً عن أخذه أكثر منه لأن الله تعالى يقول: {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ} [النساء: (19) ويقول سبحانه: {وَإِنْ أَردتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوجِ وَعَاتَيْتُمْ إِحْدَثهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيتَقًا غَلِيظًا} [النساء: 20، 21]، وإن كانت المضارة منها فله أن يأخذ ما أصدقها، وفي الزيادة خلاف والراجح المنع، لحديث «أما الزيادة فلا» والله أعلم.
فيمن طلبت من زوجها أن يطلقها فطلب منها أن تبرئه من صداقها، وقال لها: أنت طالق بالثلاث وقد مضى على ذلك سبعة أشهر، والآن يريد أن يراجعها إن كان له ذلك؟ يصح
إن كان طلقها ثلاثاً فقد بانت منه بالثلاث فلا يملك رجعتها ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، وأما إن كان بارأها فأبرأته من صداقها وأبرأ لها نفسها ثم طلقها بعد ذلك فلا يلحقها الطلاق بعد البرآن، سواء كان الطلاق طلقة واحدة أو ثلاثاً وله أن يتزوجها بنكاح جديد مع جميع لوازمه الشرعية والله أعلم.
حصل خلاف بيني وبين زوجتي فطلبت مني الطلاق وأبرأتني من صداقها الآجل فقلت لها أنت طالق بالثلاث وقد مضى على ذلك عام كامل فهل يجوز لي مراجعتها إن أردت ذلك؟
إن كانت افتدت منك فقد خرجت منك بالفدية، وتطليقك إياها لم (2/368)
صفحة 993
فتاوى الفراق
369
يصادف موضعاً لإن الفدية أبانتها منك، وعليه فلا مانع من أن تتزوجها بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية أما إن كنت طلقتها ثلاثاً من أول الأمر من قبل الفدية فقد بانت منك بالثلاث فلا تحل لك حتى تنكح زوجاً غيرك نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه والله أعلم.
طلقت زوجتي واحدة وكنت في حالة سكر ثم راجعتها، ثم إنها بعد مدة افتدت نفسها وقد تبت إلى الله تعالى من كل معصية وحججت إلى بيت
الله الحرام والآن أرغب في مراجعة هذه المرأة فهل يجوز ذلك؟ إن أردتها فلا بد من موافقتها، على أن يكون ذلك بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية وهي رضاها وإذن وليها وصداق جديد وبينة والله أعلم.
اختلعت
مني زوجتي مقابل مبلغ ألف ريال وقد دفعت جزءاً منه، ثم إن المرأة ندمت وطلبت أن ترجع إلى عصمتي على أن أرد لها ما دفعته لي، الآن في العدة فهل يحتاج إلى عقد جديد أم مجرد ردي للمبلغ هو
وهي
إرجاع لها؟
إن رجعت لها المبلغ فلك أن تتزوجها بعقد مع جميع لوازمه الشرعية، وقيل: يجوز في العدة أن تراجعها برد ما افتدت به إليها، والأول أحوط والله أعلم.
تزوجت من امرأة وبعد عدة أيام من زواجي منها طلبت مني الخلع لترك سبيلها وإرجاعها إلى بيت أهلها مقابل، ذهبها، ومحاولة مني لتهدئتها تظاهرت لها بالقبول وأخذت منها الذهب، ثم بعد عدة أيام أوصلتها إلى بيت أبيها لزيارة أهلها وأبلغتها أنني على سفر إلى خارج البلاد، وسألتها إن كانت تريد الخلع أم لا، وردت أنها لا تريد الخلع في الوقت الحاضر، وسوف تنظر بعد عودتي من السفر، وبعد يوم واحد ذهبت إلى (2/369)
صفحة 994
370
الفتاوى النكاح
منزل أهلها وأبلغت أباها بأنها إن ذهبت إلى منزل إحدى أخواتها فإنها طالق مني بالثلاث وقصدت التهديد (فقط)، وللأسف الشديد أخذها والدها إلى منزل إحدى أخواتها ليتم الطلاق.
هل تم الخلع بيني وبينها بعد استلامي الذهب أم لا؟ وهل الطلاق يقع ولم أقصد الطلاق إنما التهديد فقط؟
وهل يجوز لي مراجعتها إن حصلت إحدى الحالتين؟
نعم تم الخلع بينكما، لأنك أبديت موافقتك عليه والحكم كالطلاق في كون جده جداً، وهزله جداً وبوقوع الخلع لا يلحقها الطلاق، فلك أن ترجع إليها بزواج جديد مع جميع لوازمه الشرعية وهي رضاها وإذن وليها و صداق وشاهدان والله أعلم.
فيمن قال لزوجته «أنت مطلقة بالثنتين على تربية أولادك ثلاث سنوات»، وبعد أربعة أشهر جاءها وأبرأها من الشرط، ثم قال: «أنت
طالق فهل يصح له مراجعتها وهل طلاقه الأخير واقع عليها؟
أما الطلقتان السابقتان فهما، ماضيتان ولا تأثير عليهما مما يقوله من بعد، وأما الطلقة الثالثة فإن كانت بعد عدتها من الطلقتين السابقتين فلا تلحقها، وكذلك إن كانوا اتفقوا على أن تفتدي منه بتربية الأولاد، لأن الطلاق بعد الخلع لا أثر له، وبناءً على ذلك تبقى بينهما طلقة واحدة، ويجوز له إن أرادها أن يتزوجها بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، وهي رضاها وإذن وليها وصداق جديد وبينة والله أعلم.
رجل متزوج ولديه ابنة وقد حصل خلاف بينه وبين زوجته، وقد حاول أهل الخير الصلح بينهما لإعادة الأمور إلى مجاريها، ولكن الزوجة (2/370)
صفحة 995
فتاوى الفراق
371
رفضت وأصرت على الطلاق، وكان الزوج قد دفع لها مهراً قدره أربعة آلاف ريال ونصف، وأهل الزوجة مصرون على أن يردوا مبلغ ألفي ريال فقط مقابل الطلاق، والزوج يريد المهر كاملاً لإتمام الطلاق، نرجو من سماحتكم توضيح حق الزوج من المهر في حالة إذا كانت الزوجة هي التي تطلب الطلاق؟
إن كان الزوج هو الذي يريد طلاقها فليس له أن يسترد شيئاً مما أعطاها، لقوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَعَاتَيْتُمْ إِحْدَتْهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنَا وَإِثْمًا مُّبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيتَقًا غَلِيظًا} [النساء: 20، 21]، وإن الراغبة عنه من غير أن يقصر فيها حتى يلجئها إلى الافتداء، فلا
كانت
هي
مانع من أن يسترد منها ما اتفقا عليه ولو جميع الصداق والله أعلم.
إذا اختلف الزوجان فهل يجوز جبر الزوجة على الرجوع إلى بيت الزوج إذا كانت الزوجة تخشى وتخاف على نفسها من انتقام الزوج، بالإضافة إلى كراهيتها للزوج ورغبتها في الانفصال عنه؟ وهل يحق للزوجة أن تختلع من زوجها، إذا تحقق خوفها على نفسها من انتقام الزوج وكراهيتها، له مقابل فدية تدفعها؟
أما إن كان الزوج يريد الانتقام منها وبدا ذلك منه فلا يمكن من ذلك، إذ للأنفس حرمات، وقد شرع الله تبارك وتعالى أمرين للزوج، إما الإمساك بالمعروف وإما التسريح بالإحسان، وليس الإمساك للانتقام من الإمساك بالمعروف، أما إن لم يبد ذلك منه فالأصل أن عليها طاعة الزوج، والخلع جائز ولكنه يتوقف على رضى الزوجين به، فإن لم يرض به الزوج لم يكره عليه، وإن ضارّها وثبتت مضارته لها حمل على طلاقها والله أعلم. (2/371)
صفحة 996
372
الفتاوى النكاح
رجل عقد على امرأة بعد حيضتين من اختلاعها من زوجها الأول، فهل تحرم عليه بذلك؟
بما أن من علماء الأمة من يرى أن العدة من الخلع حيضة واحدة ويستند إلى حديث)، لا أرى أنها تحرم بالعقد عليها بعد حيضتين، وإنما يجدد عقد نكاحها بعد الحيضة الثالثة والله أعلم.
حدث شجار بيني وبين زوجتي حتى وصلت القضية إلى فضيلة القاضي، وطلب وطلب مني أن أقبل منها فدية، ثم إن القاضي أخبرني أن المرأة افتدت نفسها بمبلغ ثمانمائة ريال وليس لي عليها سبيل علماً بأنني لم أطلقها فما الحكم في ذلك؟
إن وافقت على الفدية ودفعتها إليك خرجت منك بالخلع، ولو لم تطلقها فلا سبيل لك عليها والله أعلم.
ما قولكم في رجل طلق زوجته قبل أن يدخل بها بناءً على رغبتها مقابل أن تدفع له ضعف مهرها الذي دفعه لها فهل يجوز له ذلك؟
حرج
فيما
إن علم أنها كارهة ولم يضطرها إلى الفدية بسوء خلقه فلا أخذه منها من الفدية بشرط أن لا تزيد على الصداق والله أعلم. افتدت زوجتي مني وقد قبلت منها الفدية ولكن بدون أن ألفظ عليها فهل تعتبر ذلك كطلاق الثلاث؟ وهل لي مراجعتها إن أردت ذلك؟ هذا خلع وليس هو طلاق الثلاث، ولا هو كالطلاق الرجعي بل المرأة تكون أملك بنفسها فإن أردتها فبعقد جديد مع كافة شرائطه المرأة وإذن وليها وصداق جديد وبينة والله أعلم.
(1) رواه النسائي (6/ 186).
وهي
رضي (2/372)
صفحة 997
فتاوى الفراق
373
فيمن تغاضبت مع زوجها فخرج عنها إلى بيت آخر ولم يعد إليها، وقد مضى عليه أكثر من خمسة عشر سنة، والمرأة الآن تعيش مع أولادها وهي تخشى أن يلحقها إثم من جهة زوجها، رغم أنها كارهة له فهل يجوز لها أن تفتدي منه؟
لعله يرضى بالفدية فلتعرضها عليه، فإن رفض فلتطلب تحكيم حكم من أهلها وحكم من أهله والله الموفق.
مضي
ما قولكم فيمن طلبت طلاقها من زوجها، فقال لها: «إذا دفعته لي ريال أطلقك». فقالت: أدفع فطلقها فهل تلزم بدفع المبلغ؟
ألف
إن سبق طلاقه الدفع الذي وعدت به فذلك وعد منها، لا يتوقف عليه طلاقه إن لم يعلقه به والله أعلم.
افتدت ابنتي من زوجها بناءً على رغبتنا بسبب المشاكل التي بينهما، وقد فديناها بجميع المهر الذي دفعه إليها، وقد بقي لدينا صك بالصداق الأجل فهل المبلغ الذي فيه من حق الزوجة أم لا؟
إن كنتم اتفقتم على الفدية بجميع الصداق فلا يبقى لها شيء، وإن كانت ببعضه فهو على حسب ما اتفقتم والله أعلم.
ما قولكم في امرأة تزوجت من رجل، وقبل أن يدخل بها اكتشفت فيه خصالاً يجعل الحياة الزوجية معه مستحيلة، فطلبت منه الطلاق على أن ترد إليه الصداق، فهل من حق الزوج أن يتمسك بعدم الطلاق بعد إصرار الزوجة على ذلك؟ أم أنه يجبر على طلاقها؟
بعدما تم عقد النكاح بينهما مستوفياً جميع شرائطه الشرعية فالرجل (2/373)
صفحة 998
374
الفتاوى النكاح
أملك بالأمر، وهو الذي بيده عقدة النكاح، وإنما يراعى في الأحكام الشرعية رفع الضرر عنها «إذ لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، وعندما يكون الضرر لا محيص منه فلا بد من تدخل القضاء للحيلولة دونه والله أعلم.
ما قولكم في امرأة طلبت من زوجها الطلاق لما تعانيه منه من ضرب وشتم وهي فقيرة لا تملك من أمرها شيئاً، فاشترط الزوج أن تغرم أربعة آلاف ريال فيطلقها فوافقت لأجل الخلاص منه بالطلاق، فهل تلزم بدفع هذا الغرم علماً بأن المرأة ليس لها مأوى وتسكن مع عمها في مسكن من المساكن الشعبية، ولها منه طفل يبلغ سنة وخمسة أشهر وهي حامل في الشهر الثالث؟
قال تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوجِ وَعَاتَيْتُمْ إِحْدَيْهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنَا وَإِثْمًا مُّبِينًا وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ، وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيتَقًا غَلِيظًا
النساء: 20، 21].
في
هذه الآيات التحذير الشديد من أن يضطر الرجل المرأة إلى الفدية ولو كانت شيئاً قليلاً وقد آتاها من الصداق شيئاً كثيراً، لأن الصداق حق واجب على الرجل للمرأة لا يجوز له أن يحتال عليها ليسقطه أو يسقط شيئاً منه، وذلك بما استحله منها مما كان حراماً عليه لولا عقدة النكاح التي من شروطها الصداق، فكيف يحل له أن يأخذ منها هذا المبلغ الكبير وقد اضطرها إلى الافتداء، فليتق الله هذا الرجل في صنيعه هذا والله أعلم.
ما قولكم في امرأة تغاضبت مع زوجها فخرج عنها إلى بيت آخر ولم يعد إليها منذ اثني عشر عاما، وهي تعيش الآن مع أولادها وتخاف الله (2/374)
صفحة 999
فتاوى الفراق
375
من تقصير في حق زوجها، فهل لها أن تفدي نفسها منه؟ وهل يلزمه
قبول الفدية وهل لها حق النفقة هي وولديها منه في الاثني عشر
الماضية؟
عاماً
إن كان هو الذي خرج عنها ولم يكن تسبب في ذلك منها فهو الذي قصر في حقها، ومن قبلها لم يكن تقصير حسبما يبدو من السؤال، وليس عليها حرج إن افتدت منه إما إلزامه قبول الفدية فلا أقوى على القول به، وإنما الأولى في ذلك أن تحل مشكلتها صلحاً، وما دخل الرفق شيئاً إلا زانه
والله أعلم.
حدثت مشاكل بيني وبين زوجتي فذهبت إلى بيت أهلها، فلما أردت إرجاعها لم يوافق على ذلك أهلها، فتم بيننا صلح على يد شيخ المنطقة على أن يدفعوا لي ألفي ريال يدفعونها مقدماً والألف الآخر بعد ستة أشهر، وبعد فترة تبين أن المرأة حامل ولم يقروا بذلك من قبل. فهل
الخلع ثابت بذلك أم يجوز لي أن أردها بعدما تبين حملها؟
الخلع ثابت وعدتها أن تضع حملها، وإن أردتها فلا بد من موافقتها برضاها، والأحوط أن يكون ذلك بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية
والله أعلم.
حدث خلاف بيني وبين زوجتي التي لم أدخل بها حتى الآن، وقد امتنعت عن ذهابها إلى بيت الزوجية مما استدعى الأمر دخولها السجن حتى تذعن لزوجها، وقد تدخل شيوخ المنطقة لأجل الصلح على أن تخرج من السجن فتانصح وتقنع لتعدل عن رأيها، وإن لم توافق يرجع المهر الذي دفعته إليها وأطلقها فقبلت بهذا الصلح راجياً رجوعها إلى (2/375)
صفحة 1000
376
الفتاوى النكاح
رشدها. والسؤال هو: هل لي أن أرجع عن هذا الصلح وأطالب بحقي في عودة زوجتي إلى بيتي؟ أرأيت لو أني طلقتها هل لي أن أمنعها عن الزواج بمن كانوا سبب الخلاف؟
إن كنت اتفقت معهم على الفدية اتفاقاً منجزاً أو معلقاً على شيء ووقع المعلق عليه فليس لك، رجوع، وإن كان مجرد وعد فذلك له حكم آخر، وأما معارضتك لأن تتزوج برجل ما بعد خروجها عنك فليس لك ذلك، لأن ذلك يعود إليها وإلى أوليائها والله أعلم.
رجل تزوج امرأة برضاه ورضاها ورضى ولي أمره وولي أمرها، وتم الزواج ودخل بها، وظلت معه في بيته فترة ثمانية أيام، أرجعها بعدها إلى أهلها وقال لها: أنت طالق. كما قال لها أن تغرم حقه، فهل يجوز أن تغرم الزوجة له حقه في هذه الحالة؟ أم على الزوج أن يعطيها صداقها الغائب؟ بئس ما يفعل الرجل أن يكره هو امرأته ويفرض عليها مع ذلك أن تفتدي منه، فإن ذلك مناف للتسريح بإحسان الذي أمر به الله في قوله: {فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَنِ} [البقرة: (229] وقد جاء في كتاب الله نهي صريح عن أخذ الرجل شيئاً من المرأة إذا أراد أن يستبدل بها غيرها، فقد قال ل: {وَإِنْ أَردتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوجِ وَوَاتَيْتُمْ إِحْدَتْهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنَا وَإِثْمًا مُّبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ، وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيتَقًا غَلِيظًا} [النساء: 20، 21] وحسب العاقل تنفيراً عن ذلك وتحذيراً قوله سبحانه: أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنَا وَإِثْمًا مُّبِينًا} [النساء: 20] وقال تعالى: {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ} [النساء: 19 بهذا كله يظهر أن ما يفعله الأزواج من مضايقة النساء إذا أرادو اطلاقهن ليفتدين منهم سحت، وإنما يأكلونه نار ـ والعياذ بالله ـ والله أعلم. (2/376)
صفحة 1001
فتاوى الفراق
377
طلقني زوجي طلاقاً بائناً وكتب علي بأن أرد عليه مبلغاً وقدره ألف ريال وذلك دون علمي وبدون علم والدي، علماً بأن الطلاق لم يكن برغبتي ولا افتديت منه حتى أرد له هذا المبلغ، فهل هذه الكتابة ثابتة عليّ ومعتمدة؟
إن كان طلقك فعليه الصداق كاملاً ولا فدية له، وإن كنت افتديت منه فعليك ما ألزمته نفسك والله أعلم.
رجل تزوج بامرأة فساءت العشرة بينهما، فطلبت منه الطلاق فوافق بشرط أن تدفع له المهر الذي أمهرها إياه، وترد له كل ما أنفقه عليها من ملابس وحلي وغيره. فهل يحق له ذلك؟
إن اتفقا على الفدية فإنها تقع على ما دفعه من صداق دون النفقة التي أنفقها عليها، ولا يجوز له أن يأخذ منها أكثر من الصداق الذي دفعه إليها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم «أما الزيادة فلا» والله أعلم.
ادعى الزوج أمام المحكمة أن زوجته تعاني من أمراض نفسيه ولم يخبره وليها بذلك قبل الزواج، وقبل حكم المحكمة اتفقا على الفدية بأن تدفع له ألف ريال، خمسمائة بعد خمسة أشهر والخمسمائة الأخرى بعد زواجها أو كنفقة حيث أنها حامل، وقال لها الزوج: مطلقة، فهل قوله لها طالق بعد أن اتفقا على الفدية صادف محلاً؟ علماً بأنها لم تدفع له شيئاً بعد؟
الفدية ماضية بعد اتفاق الجانبين عليها، والطلاق لم يصادف محلا
والله أعلم. (2/377)
صفحة 1002
378
الفتاوى النكاح
ما قولكم في امرأة افتدت من زوجها وقبل الزوج الفدية، ثم طلقها بالثلاث ثم أراد أن يتزوجها بعد سنتين، ولم تنكح بعد طلاقه إياها زوجاً آخر فهل له ذلك؟
لا طلاق بعد الفدية، لأنها خرجت منه بالفدية فلم يصادف تطليقه إياها موضعاً، لذلك جاز له أن يتزوجها بعقد جديد والله أعلم.
الإيلاء
2
فيمن قال: «إذا لم يتزوج ابني من ابنة عمته فزوجتي طالق». دون أن يحدد فترة لذلك؟
بئس ما فعل هذا الأرعن الذي جعل الطلاق عرضة لهوسه، وإن لم يتزوج ابنه ابنة عمته طلقت امرأته بمرور أربعة أشهر - وهي مدة الإيلاء ـ، وليس له أن يطأها قبل ذلك، فإن وطئها حرمت عليه زوجته أما إن تزوج الابن ابنة عمته في خلال أربعة أشهر بقيت زوجة الأب في عصمته والله أعلم.
ما قولكم فيمن حلف بالله أن لا يجامع زوجته؟
حلفه بالله أن لا يجامعها هو الإيلاء الذي نص على حكمه في القرآن الكريم، وحكمه أن يمهل أربعة أشهر، فإن جامعها في خلالها فهي زوجته وعليه كفارة يمين وإن لم يجامعها حتى مضت خرجت منه بتطليقة، قال تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَابِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَآءُ و فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ * وَإِنْ عزموا الطَّلَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 226، 227) والله أعلم.
(1) هو حلف الزوج على اعتزال الزوجة وترك جماعها ومثل الحلف الكلام المانع من وطئها. (2/378)
صفحة 1003
فتاوى الفراق
379
قال رجل لزوجته وهي تطالبه في مبالغ لها عليه «إن لم أدفعها إليك في أول واحد بالطلاق» ثم كرر بالطلاق إن لم أدفعها إليك» فالآن تبحث المرأة عن الحكم في هذه المسألة؟
يبدو أن
في عبارته قصوراً، ولكن هذا هو ديدن العوام كثيراً ما يأتون بغير المفهوم من الكلام، ولكن بما أنه معروف أنه قصد تعليق طلاقها على عدم دفع المبلغ إليها، فإن أولى ما بمثل هذا اللفظ أن تجعل الباء فيه للمصاحبة، فيكون عدم الدفع مصحوباً بطلاقها، وعليه فيعطى ذلك حكم الإيلاء فإن دفع ما تطالبه به قبل مضي أربعة أشهر فهي زوجته، وإن لم يدفعه حتى مضت الأربعة خرجت بطلقة، وليس له أن يباشرها في الأربعة حتى يدفع ما عليه إليها والله أعلم.
رجل تشاجر مع زوجته فذهبت إلى بيت أهلها، فقال لها الزوج «إذا لم تعودي إلى منزلي فأنت طالق» فلم تعد فما الحكم في
ذلك؟
إن كان مراده بقوله: «إن لم تعودي إن لم تعد في ذلك الوقت فلم تعد طلقت، وإن تكن له هذه النية أعطى قوله حكم الإيلاء فإن عادت في خلال أربعة أشهر لم تطلق وإن لم تعد طلقت والله أعلم. (2/379)
صفحة 1004
380
الفتاوى النكاح
اللعان (1):
ما حكم النكول (2) عن اللعان؟
إن نكل الزوج بعدما قذفها فعليه حدّ القذف، وإن نكلت لا عنها الزوج فعليها حد الزنى على الصحيح والله أعلم.
هل اللعان يمين أم شهادة؟
هي شهادة من الزوج تضمنت يميناً والله أعلم.
هل للزوج أن يلاعن إذا أقام الشهود على الزني؟
هي
بعدما
لا داعي للعان، ولا معنى له إن كانت الشهادة مستوفية لجميع شرائطها
والله أعلم.
هل الفرقة الحاصلة باللعان طلاق أم فسخ؟ ومتى تقع؟ ومن يبدأ بالملاعنة؟ هي فسخ، لأنها تحرم عليه للأبد، وتقع بمجرد ملاعنة الزوج، وقيل حتى تلاعنه المرأة، وذهب أبو المؤثر رحمه الله من علمائنا إلى أنها تبين منه د القذف منه، وهو محكي عن بعض التابعين ولعله مجاهد والله أعلم.
بمجرد
فيمن اتهم زوجته بالزنا ولما ترافعا إلى المحكمة الجزائية حكمت المحكمة ببراءة الزوجة من التهمة الموجهة إليها، فهل يجوز لهذا الزوج أن يراجع زوجته بعد ذلك؟
إن كان قذفها وتلاعنا حرمت عليه باللعان، وإن كانا لم يترافعا إلى
(1) هو يمين الزوج على زوجته بزنى أو نفي نسب ويمين الزوجة على تكذيبه. (2) النكول: الرجوع والنكوص وفي الشرع: هو الإمتناع من حلف اليمين المطلوبة شرعاً. (2/380)
صفحة 1005
فتاوى الفراق
381
القضاء الشرعي فقيل تحلُّ له إن تاب إلى الله من قذفه إياها، وقيل غير ذلك
والله أعلم.
منذ رجل متزوج سنين ولا زالت زوجته موجودة لديه، ولكنه في الآونة الأخيرة اتهمها بالخيانة مع رجل أجنبي وهو مصر على ذلك:
ما الحكم الشرعي في هذا الاتهام هل تكون زوجته أم أنها انحلت عقدة الزواج بينهما؟
وما حكم وجود هذه المرأة في المنزل الذي يسكنه زوجها، فيما إن رأى الحكم الشرعي أنها غير زوجته بعد هذا اللفظ؟
في
وهل الشرع يلزمها بالخروج من المنزل التي هي شاركت فيه طوال فترة الزواج، علماً بأنه لا يوجد لديها أحد سوى الزوج أو الأولاد المتزوجين حال وقوع الطلاق بينهما؟ هذه المسألة خلافية ولا يرفع خلافها إلا حكم من قاض شرعي، فإن جمهور أهل العلم يرون أن التفرقة بينهما تتوقف على الملاعنة، فإن لم تكن ملاعنة فالعلاقة الزوجية باقية، وذهب بعض أهل العلم إلى أنها تحرم بمجرد القذف، والاعتماد على القول الأول، شريطة أن يتوب إلى الله من قذفه إياها ويصلح ما بينه وبينها والله أعلم.
عليه
فيمن طلق زوجته ورماها بالزنا، وأنكر طفلته أن تكون منه فما
حکم
ذلك؟
بينهما اللعان فيما يتعلق بالطفلة إن كان ذلك في خلال عدتها منه، وجب عليه حد القاذف والله أعلم.
وإلّا (2/381)
صفحة 1006
382
الفتاوى النكاح
الظهار (1):
:
فيمن طلق زوجته ولما أراد مراجعتها قال: «سوف أرجعها ولكني إن جامعتها فقد زنيت بأمي». فذهبوا إلى أحد الناس فسألوه عن حكم ذلك فأجابهم بأن عليه صيام سبعة أيام، وعلى زوجته أن تذبح ذبيحة بقيمة
ثلاثين ريال توزعها على ستين مسكيناً. فما قولكم في ذلك؟
هذا
هو
الظهار، وعليه كفارة الظهار قبل أن يوقعها، وهي عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً كل ذلك قبل المسيس، وإن مسها قبل التكفير حرمت عليه وعليه التوبة مما
فعل، أما ما صدر من إفتاء فهو بدعة وضلالة وزيغ وجهالة والله أعلم.
ما الحكم فيمن قال لزوجته: إن نمت معك في الفراش فأنت مثل أمي؟ إن لم ينم معها ولم يواقعها حتى مضت أربعة أشهر خرجت منه بالإيلاء، وإن نام معها من غير مواقعة انتقل الحكم إلى الظهار ولم تحل له حتى يكفر قبل المسيس، وذلك بعتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، فإن مضت أربعة أشهر ولم يكفر خرجت منه بالظهار والله أعلم.
سألني رجل عن مسألتين، الأولى أنه قال لامرأته «إن جاءها فكأنه جاء أمه» ثم تاب من قوله وكفر كفارة الظهار وترك زوجته حتى بانت منه، فالجواب في المسألة خلاف، ويرى الشيخ محمد بن شامس لما سألناه عن هذه المسألة جواز ردها إليه والمسألة الثانية أنه طلقها تطليقتين ثم
(1) الظهار هو قول الرجل لامرأته أنتِ عليّ كظهر أمي. (2/382)
صفحة 1007
فتاوى الفراق
383
الثلاث
تزوجت ثم طلقت ثم تزوجها الزوج الأول وطلقها واحدة، فالجواب في المسألة خلاف واختار الشيخ موسى أن التزويج لما كان يهدم فمن باب أولى يهدم الطلقتين والواحدة ووصل عندي هو وأبو المرأة قائلين أنها راضية بردها إلى زوجها وهي قد خرجت من العدة، وعملاً بفتوى الشيخ موسى وقول غيره من العلماء، وعموم قوله تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَراجَعَا} [البقرة: 230] فقد زوجته إياها تزويجاً جديداً والله الموفق، هذا ما حصل فما رأيكم شيخنا في هذا نرجو التعليق عليه
صحة وفساداً وكتبه أخوكم سالم بن حمد بن سليمان الحارثي؟
أما المسألة الأولى فلا إشكال فيها من حيث إن الرجل كفر كفارة الظهار قبل المسيس، وفي لزوم الكفارة إن خرجت عنه المرأة بمضي أربعة أشهر بعد الظهار خلاف بين أهل العلم، فقيل بلزومها ولو خرجت سواء تزوجها من بعد لم لم يتزوجها، لأن الكفارة تجب بنفس الظهار، وهو الذي عليه أهل المغرب من أصحابنا، قال القطب حمدالله ويجدد التكفير بحسب حاله مما قدر عليه من عتق أو صوم أو إطعام سواء تزوجها أو تركها، وهذا يلزم كفارة الظهار من ظاهر سواءً فاتته أو حرمت بعد الظهار أو تركها هو بلا تكفير حتى تمت الأربعة، وبالجملة فإنها تلزم بنفس الظهار، وقيل إنما تلزم شرطاً لإدراكها ومذهبنا الأول. ا. هـ. وقيل لا تلزم إن خرجت ولو تزوجها من بعد بعقد جديد وعليه الإمام السالمي نحمد الله، والقول الأول أرجح وأحوط للنص على الكفارة في القرآن ولم ينص على التوقيت بالأربعة الأشهر، وإنما قال به أصحابنا - رحمهم الله - حملاً للظهار على الإيلاء، وهو من باب حمل المطلق على المقيد مع عدم اتفاقهما في الحكم والسبب معاً، وفي ذلك خلاف حسب أصول أصحابنا وقومنا ولا ينبغي ترك ما نص عليه لأجل الحمل على غير المنصوص. (2/383)
صفحة 1008
384
الفتاوى النكاح
وأمّا المسألة الثانية فقد أخذ شيخنا فيها برأي اعتمد فيه على ترجيح بآية من كتاب الله حسبما فهمه من تأويلها، فلا حرج عليه في ذلك، وما قاله
موسي
رحم الله هو الذي ذهب إليه إمامنا السالمي له وقال به ابن عباس من الصحابة وشريح من التابعين وعليه الحنفية، وهو أن الزوج يهدم مادون الثلاث من الطلاق كما يهدم الثلاث، وقيل لا يهدم ما دون الثلاث وعليه عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل من الصحابة - رضوان الله عليهم، وقال به ابن محبوب والقطب - رحمهما الله - وعليه المالكية والشافعية، وهؤلاء أخذوا بظاهر النص إذ لم يرد إلا في الثلاث وأولئك عولوا على القياس والله أعلم. زوجتي طلقة واحدة فتدخل الأهل لإقناعي بمراجعتها فقلت: «إذا رجعت زوجتي فأكون قد عاشرت وعاملت والدي» فهل يصح لي
طلقت
مراجعتها على هذه الحالة؟
بئس
ما قلت وساء ما صنعت، فما الذي دعاك إلى هذا القول الزور الذي ما أنزل الله به من سلطان ولا يرضاه لعباده؟ وما الذي دعاك إلى إقحام أبويك في خلاف بينك وبين أهلك؟ إنها الحماقة التي أعيت من يداويها، لقد كان لك فيما تقوله مجال واسع ولكنك أبيت إلا أن تدخل في هذا المضيق وتندفع إلى هذه الهوة السحيقة التي لا تنتهي إلى قرار، وأما الحكم الشرعي فيما قلته فهو لزوم كفارة الظهار إن راجعت هذه الزوجة وذلك قبل مسيسها، وهي عتق رقبة فإن لم تجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم تستطع فإطعام ستين مسكيناً والله أعلم.
ما قولكم فيمن خرجت عنه زوجته بالظهار هل يصح له أن يتزوجها بعقد جديد بعدما تخرج من عصمة رجل آخر؟
يجوز له أن يتزوجها، ولكن لا يطأها حتى يكفر بعتق رقبة فإن لم يجد (2/384)
صفحة 1009
فتاوى الفراق
385
فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، كل ذلك قبل
المسيس والله أعلم.
أنت» وهو
رجل قال لزوجته أنت طالق، حرمتش إذا أمي تحل لي تحلي في حالة غضب. أو إذا قال لها أنت طالق بثلاث حرمتش إذا تحل أمي أنت» وهو في حالة غضب، وبعد ثلاث أشهر أراد أن يسترجعها
تحلي
فما رأيكم؟
في الصورة الأولى هي طالق واحدة مع الظهار، وفي الصورة الثانية هي طالق ثلاثاً الظهار، ففي الصورة الأولى له أن يراجعها إن كان هذا الطلاق مع غير مسبوق بطلقتين من قبل، على ألا يطأها حتى يكفر كفارة الظهار، وهي عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، وإن مضت أربعة أشهر منذ ظاهر ولم يكفر بانت منه بالظهار، وفي الصورة الثانية تحرم عليه حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه ثم تخرج عنه بوجه من وجوه الفراق، وبعد عدتها منه تحل للأول بعقد لوازمه الشرعية، ولكن لا يحل له أن يطأها حتى يكفر كما جديد مع جميع سلف وإن مضت أربعة أشهر منذ تزوجها ولم يكفر بانت منه بالظهار أيضاً
والله أعلم.
يقول الحق: (الَّذِينَ يُظْهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآبِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَتِهِمْ إِنْ أُمَّهَتُهُمْ إِلَّا الَّتِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا} [المجادلة: 2]. ما معنى هذه الآية؟ وما هو التلفظ الذي يتم به الظهار وما حكمه؟ وماذا على من عاد في قوله؟ معنى الآية الكريمة أن المظاهر كاذب في قوله حيث جعل زوجته كأمه (2/385)
صفحة 1010
386
الفتاوى النكاح
وهي ليست أمه ولا تعطى حكمها بأي وجه من الوجوه، وأما لفظه فهو أن يقول لامرأته: أنت علي كظهر أمي. هذه هي عبارة الظهار الصريحة، فيقع بها الظهار وإن لم يقصده إن نطق بها عن قصد، وما عداها فهو من الكنايات كأن يقول لها: أنت كأمي. لاحتمال أنها كأمه في الاحترام والتقدير فإن قصد به الظهار فهو ظهار وإلا فلا، وحكمه أنه يحرم به وطء الزوجة حتى يكفر، فإن كفر قبل مضي أربعة أشهر منذ ظاهر منها فليمسكها ويباشرها، وإلا فلا بد من أن يتزوجها بعقد جديد عندنا، والكفارة هي عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً كل ذلك قبل المسيس والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: «يا أمي» ولم يقصد بذلك شيئاً، وإنما سبقت لسانه
إليها فماذا عليه؟
ليس عليه حرج، وليحذر ذلك في المستقبل والله أعلم.
رجل قال لزوجته: «إن أتيتك - يقصد الجماع ـ كأني جامعت إحدى أخواتي» فما الحكم في ذلك؟
هذا هو الظهار، وتجب عليه الكفارة قبل المسيس، وهي عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً
والله أعلم.
هذه
رجل ظاهر من زوجته ثم عاد، وقد صام كفارة الظهار ولكن انتهت الأربعة أشهر قبل أن يتم الكفارة بسبعة أيام. فهل تكون قد فاتته زوجته في الحالة أم أنه له مراجعتها ما دام بدأ في الكفارة قبل انتهاء فترة الظهار؟
ما دام قد بادر إلى الصيام قبل انتهاء المدة وهي أربعة أشهر فهي ولا تفوته بذلك إن شاء الله والله أعلم.
امرأته، (2/386)
صفحة 1011
فتاوى الفراق
387
فيمن قال لزوجته: أنت يا فلانة حرام اذهبي إلى أهلك إن كانت والدتي
تحل لي أنت لي». فهل يعتبر كلامه ذلك طلاقاً؟
كلامه الأخير دل على أنه قصد بقوله: اذهبي إلى أهلك أنت علي حرام الظهار منها، وعليه فإنه تجب عليه كفارة الظهار وهي عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً وذلك كله قبل المسيس والله أعلم.
فيمن قال لوالد زوجته: «إن كانت تجوز لي والدتي تجوز لي ابنتك وهي طالق». فما حكم هذه المسألة؟
اجتمع في هذه المسألة ظهار وطلاق فالمرأة طالق، وإن راجعها لم يحل له أن يطأها حتى يكفر، والكفارة هى عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً كل ذلك قبل المسيس والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: «لن أعود إلى شرب الخمر إن شاء الله وإن عدت تحرمي عليَّ كما تحرم عليَّ أمي ثم بعد شهر أو شهرين عاد إلى معاقرة الخمر مرة أخرى فماذا عليه؟
عليه أن يعتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً كل ذلك قبل أن يمسها، فإن مضت أربعة أشهر منذ فعل هذه الفعلة خرجت منه زوجته بظهاره، ولا بد له من التكفير ولو أرادها بعقد جديد والله أعلم.
ما قولكم فيمن يقول لزوجته «أنت أبي وأمي وأحبك مثل محبة أبي وأمي» وكذلك تقول له زوجته فهل في ذلك من حرج؟
إن كان مراده أنها كأبيه وأمه في الحب فلا حرج، ولكن لا ينبغي هذا (2/387)
صفحة 1012
388
الفتاوى النكاح
القول وتركه أسلم، وأما قوله أحبك مثل محبة أبي وأمي وقولها ذلك له
ليس فيه شيء من الريبة والله أعلم.
أحكام الغائب والمفقود
جماعة غرقوا في سفينة منهم من نجا ومنهم من مات وقد عرفوا بصورهم، والصنف الثالث لم يعرفوا بسبب تغير أجسادهم، والصنف
الرابع لم يعثر عليهم فما الحكم في الصنف الثالث والرابع؟
أما من لم تعرف صورته فيكفي أن يستدل عليه بالقرائن الدالة عليه وإن كانت ثياباً أو غيرها - إن وجدت - وإلا كان لهم حكم المفقودين، وأما الصنف الرابع فهم مفقودون ينتظر بهم أربع سنين ثم يحكم القاضي الشرعي بوفاتهم ويطلق أولياؤهم نساءهم ويعتدون عدتين عدة الوفاة وعدة
الطلاق، وتقتسم أموالهم بين ورثتهم بعد الحكم عليهم بالوفاة والله أعلم.
امرأة فقد زوجها في موسم الحج بعد حادث انهيار نفق المعيصم ولم يعرف عنه شيء فما حكم زوجته في هذه الحالة؟
حكم هذه الزوجة لا يتغير عنه قبل وقوع هذه الحادثة حتى تتبين سلامة زوجها أو وفاته، فإن لم يتبين شيء من ذلك حتى مضت أربع سنين فلترفع أمرها إلى القاضي الشرعي وهنا يحكم القاضي بوفاة زوجها ويأمر وليه بأن يطلقها، وعليها عدتان عدة الطلاق وعدة الوفاة، ويقتسم ماله بين ورثته، فإن ظهر حياً بعد ذلك رجعت إليه زوجته وماله إلا أن تكون المرأة تزوجت بزوج آخر دخل بها فهنا يخير الزوج المفقود - إن ظهر ـ بينها وبين أقل الصداقين، فإن اختارها اعتدت من الزوج الأخير وعادت إلى الأول وإلا (2/388)
صفحة 1013
فتاوى الفراق
389
فهي
للأخير، وفي حال انتظارها في الأربعة الأعوام لا يحرم عليها شيء مما
كان يحل لها، ولها النفقة من ماله لأن حكم الزوجية باق بينهما والله أعلم. رجل خرج من بلده منذ خمسة وستين عاماً ولم يعرف عنه شيء وبحث عنه في البلدان المجاورة فلم يتبين خبره فهل هذه المدة كافية للحكم بموته، فتقسم تركته وتعتد زوجته منه لا؟
أرى أن أربع سنوات كافية للحكم عليه بالموت كما ذهب إليه الإمام الخليلي - رضوان الله عليه (1) ـ، بناء على عدم التفرقة بين الغائب والمفقود وهو رأي وجيه يستند في هذا العصر إلى ما حصل من قرب البعيد وإمكان تقصي الحقائق ولو مع تنائي الديار والله أعلم.
شيخنا الجليل ما قولكم فيمن حج بيت الله الحرام ووقع حادث نفق المعيصم فلم يعرف عن هذا الرجل أين آل مصيره ولم يظهر عنه شيء، وقد مضى عليه أربع سنوات فكيف تكون حالة زوجته؟
بناءً على ما قرره الفقهاء أرى أن تذهب امرأته إلى قاضي الولاية، ويدعو القاضي بوليه فيطالبه أن يطلق امرأته - أي المفقود ـ ويحكم القاضي بوفاته، وعندئذ تعتد عدتين عدة الطلاق وعدة الوفاة والله أعلم.
فيمن غاب زوجها، فكم المدة التي يحكم بعدها بموته ويحل لها الزواج؟ ترفع أمرها إلى القضاء الشرعي لينظر القاضي هل غائب أو مفقود فيعطي كلاً حكمه، ويطلقها بعد أن يحكم عليه بالموت، ويأمرها بأن تعتد عدتين عدة للطلاق وعدة للوفاة والله أعلم.
(1) هو
الإمام العادل محمد بن عبد الله الخليلي، كان إمام علم ودولة، له أجوبة مجموعة
بعنوان «الفتح الجليل» توفي سنة 1373 هـ. (2/389)
صفحة 1014
390
الفتاوى النكاح
العدة:
هل يجوز أن يدخل على المعتدة أولاد أختها وأولاد خالتها وأولاد
عمتها؟
لا فرق بين المعتدة وغيرها من النساء فيما يحل ويحرم إلا في ثلاث: حالات وهي: أن المعتدة تمنع من الطيب والزينة والمبيت في غير بيتها الذي اعتدت فيه، أما بقية الأمور فهي فيها كغيرها يحرم عليها ما يحرم على غيرها ويحل لها ما يحل لغيرها، ودخول الرجال ذوي المحارم أبناء الأخ وأبناء الأخت والربيب ونحوهم عليها جائز، سواء كانت معتدة أم غير معتدة، وأما الرجال غير ذوي المحارم فلا يجوز خلوتهم بها إلا مع حضور ذي محرم منها، سواء كانت معتدة أو غير معتدة، لحديث «ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم» (1) والله أعلم.
ما الحكمة في كون عدة الوفاة أطول من عدة الطلاق.
عدة المطلقة ليست بالأشهر وإنما هي بالقروء ـ أي الحيض ـ سواء طالت مدتها أو قصرت إلا أن تكون صبية أو آيساً فعندئذ تعتد ثلاثة أشهر، وقد جعل الله عدة المميتة أربعة أشهر وعشراً لأن من حكم العدة استبراء الرحم، وقد عرف أن الجنين يتحرك بعد أربعة أشهر، وزيد عليها عشرة أيام للاحتياط، لأن من الأجنة ما يكون ضعيفاً والله أعلم.
المرأة المعتدة كغيرها من النساء حلاً وحرمة إلا في ثلاث: تمنع من الزينة ومن التطيب ومن المبيت في غير بيت زوجها، فما ترى سماحتكم
(1) رواه البخاري ومسلم. (2/390)
صفحة 1015
من
فتاوى الفراق
391
لو زادت في ذلك كعدم لمس التراب وعدم النظر في المرآة وما شابه ذلك مما هو معمول به عند العامة، هل عليها حرج في
ذلك؟
إن اعتقدت وجوب ذلك عليها فهي عاصية لربها، وهالكة إن لم تتب هذا الاعتقاد الفاسد والله أعلم.
ما
هو الفرق بين عدة الوفاة وعدة الطلاق من حيث التزين والطيب والنفقة والسكن والمبيت؟
أما عدة الوفاة فلا نفقة للمعتدة فيها إلا إن كانت حاملاً على رأي لبعض أهل العلم وإنما لها السكنى حيث بلغها نعي زوجها وعليها المبيت هنالك ويجب عليها ترك الزينة والطيب، وأما عدة الطلاق فإن كان الطلاق رجعياً فلها النفقة والسكنى وتؤمر بالتطيب والتزين ترغيباً للزوج في المراجعة وليس لها الخروج من البيت إلا لحاجتها ولا يجوز للزوج إخراجها، وإن لم يكن رجعياً فهو بائن وفي هذه الحالة لا نفقة لها ولا سكنى وهي بالخيار في أمر الطيب والزينة إن لم تكن مع المطلق ولها الخروج متى شاءت والله أعلم. ما المراد بالتربص في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} (البقرة: 234] وبما تدل السنة في وما ترون في مفهوم النساء الآن من أن المتربصة لا تخرج من بيتها أبداً حتى تنقضي المدة لأي شأن من شؤونها؟
ذلك،
المراد بالتربص في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234) نفس المراد بالتربص في قوله: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228) وهو التأني والتبصر (2/391)
صفحة 1016
392
الفتاوى النكاح
عن النكاح، وليس في القرآن ما يدل على غير ذلك، وإنما دلت السنة على منع الطيب والزينة للميتة، كما دلت على التزامها المبيت في بيت الزوج، فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الفريعة بنت مالك بن سنان أن تمكث في بيتها حتى يبلغ الكتاب أجله، ومع ذلك أجيز للمعتدة أن تخرج لحاجتها والاستئناس
أن
بصواحبها من وقت انتشار الناس إلى وقت هدوئهم. بهذا يتضح ما اعتادته النساء من الغلو إبان العدة أمر خارج عن الدين، وإنما هو من العادات التي تعمقت في المجتمع نتيجة الجهل وسوء الفهم للأدلة الشرعية نسأل الله العافية.
هل يجوز للمعتدة أن تكشف عن وجهها إن أرادت أن تكتب وكالة
لأحد؟
ذلك جائز، ولا فرق بين المعتدة وغيرها في ذلك والله أعلم.
ما أقل مدة تصدق فيها المرأة إن ادعت الخروج من عدتها الشرعية؟ أرى أن أقل مدة تصدق فيها المرأة إن ادعت الخروج من عدتها الشرعية تسعة وعشرون يوماً، بناء على أن أقل الحيض ثلاثة أيام وأقل الطهر عشرة، كما هو رأي أكثر أصحابنا - رحمهم الله -، وأن القروء في قول الله الله وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: (228) هي الحيض، كما هو
قول جم غفير من أساطين الفتيا من لدن الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ، وممن روي عنه ذلك من الصحابة عمر وعلي، ورواه بعضهم عن أبي بكر وعثمان، وهو قول أبي موسى الأشعري وابن مسعود وابن عباس آخرين، وقال به من التابعين ومن بعدهم أكثر من أن يحصوا عدداً، وعليه جمهرة أصحابنا العُمانيين، واتفق عليه الأحناف، وقال به أكثر الحنابلة، وانتصر (2/392)
صفحة 1017
فتاوى الفراق
393
له أتم الانتصار العلامة ابن القيم في زاد المعاد»، وإنما رجحت هذا الرأي لشواهد ظاهرة تشهد له منها أن المراد الرئيسي من العدة استبراء الرحم وهو إنما يكون بالحيض دون الطهر ومنها قوله تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228]، والحيض وجودي بخلاف الطهر فإنه عدمي، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الرجل أحق بزوجته ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة» (1)، وقوله: «طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان» (2)، وغير هذا مما لا يمكنني الآن استقصاؤه، وحاصل ما في الأمر أن العدة ثلاث حيض يتخللها طهران، فإن حاضت أقل الحيض وطهرت أقل الطهر، وكانت حيضتها الأولى فور طلاقها أمكن أن تخرج من عدتها بمضي تسعة وعشرين يوماً، وعدة الخلع هي نفس عدة الطلاق باتفاق أصحابنا، غير أن أصحاب الحديث يرون الاكتفاء بحيضة واحدة في الخلع لحديث «اعتدي بحيضة»، وهو ما لا نعرف أحداً من أصحابنا قاله والله أعلم.
عمن لم تحض منذ صغرها واعتدت بالأشهر ثم تزوجت بعد انقضاء الأشهر الثلاثة، فإذا بها تضع حملاً بعد مضي ستة أشهر من زواجها؟
يجزي المراهقة وغيرها ممن لم يحض الاعتداد بثلاثة أشهر، وليس هذا مقصوراً على الصبية فقط لعموم قوله تعالى: {وَالَّتِي بِإِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِسَا بِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَثَةُ أَشْهُرٍ وَالَّتِي لَمْ يَحِضْنَ) [الطلاق: 4]، وإنما ذهب من ذهب من أصحابنا - رحمهم الله - إلى أنها تعتد عاماً للاحتياط فقط، إذ اعتبروا ثلاثة أشهر للعدة وتسعة للحمل، وقد بين الإمام الكبير أبو نبهان له أجوبته أن ذلك من باب الاحتياط وليس هو من باب الحكم، والآية
في
(1) رواه الإمام الربيع. (2) رواه أبو داود والترمذي. (2/393)
صفحة 1018
394 الفتاوى النكاح
ظاهرة في الشمول، فلا معنى للزيادة على مدلولها، ومما يقوي هذا الرأي أن إمامنا المحقق الخليلي الله استظهر لمن قال إن المبتلاة تعتد ثلاثة أشهر فقط، من قوله تعالى: (وَالَّتِي بِإِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَا بِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَثَةُ أَشْهُرٍ} [الطلاق: 4]، حيث بين سبحانه أن اعتداد الآيسات بالأشهر للارتياب، وقال إن الريب كما يحصل في الآيس يحصل في المبتلاة، أما وضعها الحمل بعد ستة أشهر منذ زواجها بالأخير فإنه يقتضي إلحاق الولد به، لأن الستة الأشهر هي أقل مدة يثبت بها لحوق الولد والله أعلم.
رجل طلق زوجته طلاقاً واحداً قبل أن يدخل بها، غير أنه كان يختلي بها ثم بعد أربعة عشر يوماً تزوجت برجل آخر فما حكم هذا الزواج؟ ليس لها أن يتزوجها رجل آخر إلا أن تقاررا هي والزوج الأول الذي طلقها بأنه لم يمسها قط، فقيل لها أن تتزوج في هذه الحالة وذلك عند من يقول بأن العدة حق الزوج والله أعلم.
ما مدة العدة الشرعية للمعتدة عدة الطلاق؟ وما حكم مراجعة الزوج لزوجته في عدتها إن كان الطلاق رجعياً؟
إن كانت هذه المرأة ممن يحيض فعدتها ثلاث حيضات، لقوله تعالى: * وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوءٍ} (البقرة: (228) ـ أي ثلاث حيض، ولا مانع من أن يراجعها زوجها ما لم تنته الحيضة الثالثة، وإن كانت حاملاً فإلى أن تضع حملها، لقوله تعالى: {وَأُولَتُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمَلَهُنَّ [الطلاق: 4] وإن كانت آيساً فعدتها ثلاثة أشهر، لقوله تعالى: {وَالَّتِي بِإِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَثَةُ أَشْهُرٍ وَالَّتِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4، وللزوج أن يراجعها على جميع هذه الأحوال ما لم تنته عدتها والله الموفق. (2/394)
صفحة 1019
فتاوى الفراق
395
امرأة زوجها أبوها وهي صبية، ولما بلغت طلقها زوجها قبل أن يتمكن من الخلوة بها، فهل تلزمها عدة الطلاق أم لا إن أرادت الزواج من غيره؟ إن كان لم يدخل بها الأول فلا عدة عليها، لقوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ طَلَقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُونَهَا} [الأحزاب: 49] والله أعلم.
ما قولكم فيمن طلقها زوجها وبعد أربعة أشهر توفي عنها فهل تلزمها
العدة؟
إن كانت ممن يحضن ولم تحض ثلاث حيض منذ طلقها وكان الطلاق رجعياً ثم مات عنها لزمتها عدة الوفاة، لأنه مات في أثناء عدتها، وإن كانت لا يحيض لصغر أو كبر بلغ سن اليأس فعدتها للطلاق ثلاثة أشهر ممن وبعدها إن مات الزوج لم تلزمها عدة الوفاة والله أعلم.
17
لها
امرأة وقع طلاقها في يوم 17 ربيع الثاني 1421 هـ وفي يوم 17 جمادى الآخرى 1421 هـ أكملت شهرين فقط، فقالت بأنها حاضت بعد الطلاق ثلاث حيضات وطهرت منها، وأنها لا تحس بحمل فيها، وتقول أيضاً إذا يلزمها يمين بالله في ذلك فهي مستعدة لأدائه، فأولاً هل تجبر شرعاً هذه المرأة على الرجوع إلى مطلقها دون رضاها، ثانياً هل يبيح الشرع الزواج بعد انقضاء المدة المذكورة؟ إذا مضى من الزمن ما يمكن أن تحيض فيه ثلاث حيضات وادعت أنها حاضتها فهي مصدقة في دعواها لأنها أمينة على أمرها مسؤولة عنه بينها وبين ربها، لقوله تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228 ولا داعي إلى تحليفها ومن المعلوم أن الشهرين من المحتمل جداً أن (2/395)
صفحة 1020
396
الفتاوى النكاح
تحيض المرأة فيها ثلاث حيضات كيف وهي تصدق أنها حاضتها في تسعة وعشرين يوماً نظراً إلى احتمال أن تحيض أقل الحيض وهو ثلاثة أيام وتطهر أقل الطهر وهو عشرة أيام، فيكون حيضها كله تسعة أيام يتخلله طهران، كل طهر منهما عشرة أيام والله أعلم.
هل يجوز لمن طلق زوجته طلاقاً واحداً أن يراجعها قبل انقضاء ثلاثة أشهر من طلاقها، وإذا راجعها هل تعتبر تلك الطلقة باطلة، وماذا يقول إذا أراد مراجعتها، وهل للزوجة الحق في الرفض؟
فيما ذكرته خطأ من ناحيتين، أولاهما أنك جعلت العدة ثلاثة أشهر وليس الأمر كذلك فإن أصل العدة ليس بالشهور وإنما هو بالقروء قال تعالى: {وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]- أي ثلاث حيض ـ وقد تكون الثلاث الحيضات في أقل من ثلاثة أشهر، وقد تكون في مدة أطول منها، وإنما الشهور بدل من الحيض فيمن لا تحيض لبلوغها سن اليأس أو لصباها، قال تعالى: {وَالَّتِي بِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَا بِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَثَةُ أَشْهُرٍ وَالَّتِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4] ثانيتها: أنك ذكرت أن الطلاق يكون باطلاً بالمراجعة وليس كذلك فإن تلك الطلقة تبقى معدودة من ضمن طلقات المرأة، ولكن المراجعة تنسخ حكم الطلاق في منع الاستمتاع، والمراجعة هي أن يشهد الرجل شاهدي عدل أنه راجع زوجته بصداقها وعلى ما بقي من طلاقها وذلك قبل انتهاء عدتها، فإن حق المراجعة ينتهي بانتهاء العدة ويكون عندئذ المطلق كواحد من الخطاب، ثم يخبرها الشاهدان في أثناء عدتها قبل أن يباشرها الزوج يباشرها الزوج بأنه راجعها، وليس لها حق الرفض لقوله تعالى: {وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِدَهِنَّ فِي ذَلِكَ} [البقرة: 228]
والله أعلم. (2/396)
صفحة 1021
فتاوى الفراق
397
تزوجت امرأة وطلقتها قبل الدخول من غير علمها، وبعد مشورة أهل الصلاح راجعتها، والآن هي حامل فأرجو أن تبينوا لي الحكم الشرعي
فيما فعلت؟
لا مراجعة إلا في إبان عدة الطلاق ولا عدة إلا على الممسوسة، فإن الله تعالى قال: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن
تَمَسُّوهُنَ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُونَهَا) [الأحزاب: 49]، وعليه فإن كنت تتزوجها بعقد جديد بعد طلاقها قبل المسيس وإنما اكتفيت بالمراجعة
فمراجعتك لها باطلة ومباشرتك لها تعد زنا ـ والعياذ بالله ـ والله أعلم.
طلقني زوجي من غير تحريم ومن غير شهود، ولم يدفع لي الصداق المؤخر، ثم توفي بعد ذلك فهل تلزمني العدة أم لا؟
التحريم بيد الله وليس بيد المخلوق، ومن حرم من تلقاء نفسه فقد كفر بالله، ويثبت الطلاق ولو لم يكن معه، شهود، وعلى المطلق الصداق الغائب، ولئن كانت عدة الطلاق انتهت فلا عدة وفاة عليك ولا ميراث لك والله أعلم.
امرأة طلقها زوجها الطلاق الثالث ثم توفي بعد أيام، وقد زعموا أن أهل هذه المرأة قد سألوكم فيما يلزمها من العدة فأفتيتموهم بأنه إن لم يمض على طلاقها أربعون يوماً فإن عليها أن تعتد أربعة أشهر وعشراً، فهل يصح هذا الكلام عنكم أم لا وهل لها الميراث منه أم لا؟ هذا كلام باطل، فإن عدة الطلاق أولاً ليست أربعين يوماً وإنما هي ثلاثة قروء أي ثلاث حيض ـ، إلا إن كانت المرأة حاملاً فعدتها أن تضع حملها، أو تكون صبية أو آيساً فعدتها ثلاثة أشهر، والطلاق البائن لا ترث
بعده المرأة مطلقها ولو مات في نفس اليوم الذي طلقها فيه، ولا عدة عليها (2/397)
صفحة 1022
398
الفتاوى النكاح
في هذه الحالة إلا عدة، الطلاق والمطلقة ثلاثاً تبين بينونة كبرى فلا ترث بحال ولا عدة عليها إلا عدة طلاقها التي يجب عليها أن تستمر عليها
والله أعلم.
امرأة حصل بينها وبين زوجها شقاق وطلبت منه الطلاق ولكنه رفض ووصل أمرهما إلى القضاء، وحكم عليها بالحبس مدة ثلاثة أشهر، وبعد خروجها من السجن قررت عدم الرجوع إلى زوجها، وافتدت منه بخمسة
آلاف ريال.
فهل يجوز لها أن تتزوج من رجل آخر قبل أن تنتهي عدتها، لأن زوجها لم يعاشرها معاشرة الأزواج؟
هي
ثلاثة
العدة واجبة عليها ما دامت قد دخل بها الزوج ولو افترقا سنين قبل الطلاق، والعدة ليست ثلاثة أشهر - كما جاء في السؤال ـ وإنما قروء - أي ثلاث حيض، فإن حاضت ثلاث حيضات جاز تزويجها بما أنزل الله من أحكام الزواج والله أعلم.
سماحة الشيخ: مسألة من كتاب اللباب عن الأثر رجل آلا من امرأته وكانت حاملاً، فمضت أربعة أشهر ولم تضع هل تبين بالإيلاء قال: هكذا عندي، قلت: هل لها أن تزوج حين بانت بالإيلاء أم ليس لها أن تزوج حتى تضع؟ قال: عندي أن ليس لها أن تزوج حتى تضع، قلت له: وإن تزوجت قبل أن تضع ولم يدخل بها حتى وضعت، ثم دخل بها بذلك النكاح الأول هل يثبت التزويج ويجوز ذلك ولا يفرق بينهما قال معي إنه قيل في ذلك باختلاف: قول يثبت النكاح ولا يفرق بينهما، وقول لا يثبت ذلك ويفرق بينهما، لأن (2/398)
صفحة 1023
فتاوى الفراق
399
النكاح وقع قبل أن تنقضي منها أسباب الحمل من الأول، قلت له: فإن وطئها قبل أن تضع هل تحرم عليه، قال: معي أنه قيل: تحرم عليه بذلك، ولا أعلم في ذلك اختلافاً، قلت له: فعلى قول من يقول إن النكاح لا يثبت ويفرق بينهما إذا جاز بها بعد وضع الحمل، هل يملك الزوج ردها، قال: أنه لا يملك الزوج ردها، لأنها باينة منه
معي
بعد الأربعة أشهر والله أعلم. البحث الأول: عن وجه قوله قول يثبت النكاح ولا يفرق بينهما إذا تزوجها وهي حامل قبل أن تضع وهل هذا القول يطرد على المتوفاة
والمظاهر منها إذا انتهى أجل الوفاة وأجل الظهار قبل وضعها؟ البحث الثاني: إن وطئها قبل أن تضع هل يسوغ الخلاف بعدم تحريمها بناء على القول بأن كل وطء حصل بشبهة لا يحرم المرأة، أو على القول بتنزيل الجاهل منزله الناسي، حكاه أبو نبهان في بعض
مباحثاته؟
قد اطلعت على ما حكاه صاحب «اللباب عن الأثر، وأقول بأن القول بجواز العقد على من آلى منها زوجها وهي حامل بعد مضي أربعة أشهر وقبل أن تضع حملها هو من الخطأ بمكان ولا يجوز الأخذ به لمخالفته دلائل القرآن ومقاصد الشريعة الغراء.
وليس كل خلاف جاء معتبراً إلا خلاف له وجه من النظر وأي وجه لهذا القول من النظر، مع قول الله تعالى: {وَأُولَتُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]، وهو عام ولا يجوز تخصيصه مراعاة لحرمة الجنين ولئن كانت الحامل من سفاح لا يجوز العقد عليها باتفاق أصحابنا - ولو تزوجها زان، مثلها مراعاة لحرمة جنينها، فما (2/399)
صفحة 1024
من
400
الفتاوى النكاح
بالك بجنين النكاح الذي هو أولى بالحرمة؟ ولئن كان هذا قولاً باطلاً أساسه فما بني على الباطل باطل على أنه لا خلاف في الحامل المميتة أن عدتها لا تنقضي إلى أن تضع حملها، ولو قيل بعدم لزوم الحداد عليها بعد أربعة أشهر وعشر، فإن من لا يقول بأن عدتها تنتهي
بوضع حملها إن وضعته قبل أربعة أشهر وعشر يقول بأبعد الأجلين وأبعدهما هنا الوضع، أي عندما يتجاوز حملها أربعة أشهر وعشرة أيام منذ الوفاة، فلا وجه للتخريج الذي أشرت إليه، ومع ظهور بطلان هذا القول، يظهر ظهوراً أولياً بطلان القول بعدم حرمتها عليه إن وطئها قبل الوضع، ولو خرج على مراعاة أنه حصل شبهة أو على تنزيل الجاهل منزلة الناسي.
هذا ولا ينبغي ذكر هذه الأقوال وإظهارها لعوام الناس لما فيها من المفسدة. والله المستعان.
لقد توفي زوجي واستقبلت العدة، فأخبروني بأنه لا يجوز أن أمس التراب أو الذهب والفضة أو استعمال الصابون أو رؤية الرجال الأجانب، فما حكم ذلك شرعاً؟ أحسن الله عزاءك في مصابك وعظم لك الأجر وعوضك ما هو خير وأبقى، هذا والمعتدة عدة الوفاة كغيرها من النساء في باب الحلال والحرام، ولا تمنع مما يباح لغيرها من النساء إلا ثلاث حالات، وهي: أنها تمنع من الزينة والطيب والمبيت في غير بيتها، أما سائر الأحكام فهي كغيرها فمس التراب لا وجه لمنعها منه وكذلك مس الذهب والفضة من غير أن تتزين بهما، والصابون غير المعطر لا تمنع منه بخلاف المعطر، وتمنع من الخلوة بالأجانب لا من رؤيتهم والله أعلم. (2/400)
صفحة 1025
فتاوى الفراق
401
هل يجوز للمعتد عدة الوفاة أن تغتسل بالصابون وتستاك بالمعجون أو تكلم محارمها أو صديقاتها بالهاتف؟
المعتدة ليست لها أحكام تختلف عن أحكام سائر النساء إلا في ثلاث حالات، وهي: ـ أنها تمنع من الطيب والزينة والمبيت في غير بيتها، أما في سائر الأحكام فهي كغيرها، وإنما يحرم عليها ما يحرم على سائر النساء مع ما ذكرته، وبهذا يتبين لك أن كل ما ذكر في هذه المسائل مباح لها، اللهم إلا الاستحمام بالصابون فيشترط فيه أن لا يكون معطراً والله أعلم.
ما قولكم فيمن وضعت حملها بعد شهرين من وفاة زوجها هل عليها أن تكمل العدة أم تنتهي بوضع حملها؟
انتهت عدتها بوضع حملها لقوله تعالى: {وَأُوَلَتُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4] ولحديث سبيعة الأسلمية التي وضعت حملها بعد وفاة زوجها بأيام فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: حللت فانكحي» (1) والله أعلم.
هلك رجل عن زوجتين فاعتدت إحداهما في بيت أولادها ومكثت الأخرى في بيت زوجها، علماً بأن هذا البيت كبير جداً ويمكن تأجيره بمبلغ ستمائة ريال شهرياً، والورثة بحاجة إلى هذا المال، فهل من حق هذه المرأة أن تعتد في هذا البيت مع ثبوت الضرر ببقية الورثة، خصوصاً وأن هناك بيوت أخرى يمكن أن تكمل فيها عدتها، وفي حالة إصرارها على البقاء هل تلزم بدفع إيجار للبيت؟ أفتونا مأجورين؟
نعم من حقها أن تقيم بذلك البيت فإن من السنة أن تعتد المرأة حيث
(1) رواه الربيع والبخاري ومسلم والنسائي ومالك. (2/401)
صفحة 1026
402
الفتاوى النكاح
بلغها نعي زوجها، فالتي خرجت من البيت أخطأت والتي بقيت أصابت، ولكن من جهل الناس وطمعهم في الدنيا صوبوا المخطئ وخطأوا المصيب، ألا ما أعجب أمركم وحرصكم على الدنيا كأنكم ترون أنكم مخلدون فيها، أما تعلمون أنكم عما قريب صائرون إلى ما صار إليه، ولعل ذلك قبل أن تنتفعوا من التركة بشيء.
تفانى الناس في الفاني ضلالا وما خلقوا له ولوه ظهرا
توفي زوجي وحصلت على إجازة من جهة عملي مدتها أربعة أشهر وعشرة أيام، وذلك بموجب قانون الخدمة المدنية حيث إنني أعمل مدرسة، علماً أنني حامل والآن الإجازة التي حصلت عليها قد انتهت
فكيف الحكم في مباشرة عملي ومتى تنتهي عدتي؟
تنتهي
عدتك بوضعك الحمل، لقول الله تعالى: {وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]، وإنما يجوز الخروج لما لا بد منه، فلا حرج عليك في الخروج في النهار للتدريس وغيره على أن يأويك الليل في بيتك، والله يوفقك للخير والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
انتشر بين النساء أن المرأة إذا توفي زوجها تؤمر بالاغتسال في كل ما دامت في عدتها، وعندما نقوم بنصحهن لا يقبلن ذلك، ويقلن أن هذه العادة موجودة منذ خلق الدنيا. فما قولكم في
أسبوع
أما كون تلك العادة منذ خلق الدنيا فهو مجرد اجتراء في القول جزافاً، فإن الدنيا خلقت قبل آدم بما لا يحصيه من القرون إلا الله، وإن كان مرادهن منذ وجود الإنسان على الأرض فهو أيضاً قول باطل لأنه يتوقف على الدليل ولا دليل وإنما هذه بدعة من (2/402)
صفحة 1027
فتاوى الفراق
403
المحدثات وفي الحديث من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (1)
والله أعلم.
فيمن توفي زوجها فهل يجب عليها الترك أم هو سنة فقط؟
إن كان مرادك بالترك العدة الشرعية التي فرضها الله سبحانه على النساء بنص قوله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] فهي فريضة بهذا النص القطعي، وإن كان مرادك ما حمله الجهلة المعاندون المرأة المعتدة من الآصار التي ما أنزل الله بها من ليست من الدين في شيء، وإنما هي بدع وضلالات ففي الأثر عليه كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» (2)
سلطان
المجمع
فهي
والله أعلم.
ما
هي مدة العدة الشرعية للمتوفى عنها زوجها؟
إن عدة المرأة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام، لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) [البقرة: 234] إلا إن كانت حاملاً فعدتها تنتهي بوضع حملها لقوله تعالى: وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: (4) ولحديث سبيعة الأسلمية التي وضعت حملها بعد وفاة زوجها بأيام فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها «حللت فانكحي». والله أعلم.
ما قولكم من توفي عنها زوجها، هل يصح لها أن تلبس في عدتها لباسها المعتاد حيث إنه من المعلوم أن لباس النساء العُمانيات يكون
(1) رواه الإمام الربيع والبخاري ومسلم. (2) رواه النسائي والبيهقي. (2/403)
صفحة 1028
404
الفتاوى النكاح
عليه الزري والسجاف، ويكون الثوب مختلط به أكثر من لون واحد فهل يجب عليها أن تلبس اللون الأسود؟
تلبس أي لباس كان إلا لباس الزينة، فليس لها التزين في لباسها كما ليس لها التزين بالحلي، وعليه فما ذكرته من السجاف والزري (1) ممنوع عليها، أما السواد فلا يجب عليها التقيد به بل لها أن تلبس ما شاءت من الألوان من غير لباس الزينة والله أعلم.
ما قولكم في العادة الموجودة عند نساء أهل عمان، وهي أن المرأة إذا خرجت من عدة الوفاة حضرت النساء وقمن بتغسيلها وقت المغرب وتقام الذبائح للعشاء وتسمى هذه العادة بالغسالة؟
كل ذلك من البدع المحرمة والله أعلم.
هل يلزم المعتدة الغسل بعد خروجها من عدة الوفاة؟
لا غسل من العدة فإن العدة ليست حدثاً فيغتسل منها والله أعلم.
امرأة توفي زوجها وطلب منها أهلها أن تبقى في العدة أحد عشر شهراً، وطلبوا من أهل الزوج أن تعتد في بيتهم أي في بيت أبي الزوج. فهل
يصح
ذلك أم لا؟
تعتد أربعة أشهر وعشراً، إلا إن كانت حاملاً فتعتد إلى أن تضع حملها، وتؤمر بالاعتداد في حال الاختيار في البيت الذي أتاها فيه نعي زوجها
والله أعلم.
(1) السجاف والزري زخارف ونقوش توضع في ملابس المرأة. (2/404)
صفحة 1029
فتاوى الفراق
405
هل يجوز للمعتدة عدة وفاة أن تغتسل بالصابون؟
إن كان الصابون غير معطر فلا مانع منه، والاستحمام بالماء وكل منظف غير معطر مباح والله أعلم.
ما قولكم في المعتدة المميتة هل يجوز أن يدخل عليها زوج ابنة أخيها؟ المعتدة كغيرها من النساء من هذه الناحية، وزوج بنت الأخ أجنبي من عمة زوجته فلا تجوز لها الخلوة به سواء كانت في العدة أو في غيرها من الأحوال، وأما مع وجود ذي محرم منها مع وجود ذي محرم منها مع استتارها فلا حرج إن دخل عليها في العدة أو في غير العدة والله أعلم.
هل يلزم المرأة المعتدة عدة وفاة أن تلبس النقاب؟
المعتدة كغيرها من النساء في جميع الأحكام إلا ثلاثة، وهي: أنها تمنع من الطيب والزينة والمبيت في غير بيتها، وفيما عدا ذلك لا تختلف عن غيرها، فلا يلزمها التنقب إلا حيث يلزم، غيرها، وذلك في مظان الفتنة والريبة والله أعلم.
امرأة مصابة بالصمم وقد توفي زوجها، فلما أراد أهلها أن يلقنوها نية الاعتداد لم تسمع منها شيئاً فما الحل في ذلك؟
هي
التلفظ باللسان ليس من النية في شيء، وإنما النية فإن قصدت العدة أجزاها ذلك وإن لم تتلفظ بلسانها والله أعلم.
القصد بالقلب
ما قولكم فيمن يقول إن المرأة المعتدة عدة الوفاة لا تبدأ عدتها حتى يحضر رجل دين يقرؤها نية الاعتداد؟
ذلك قول باطل، فإن العدة كغيرها من العبادات يؤديها الإنسان بينه وبين
ربه، وحسبه أن ينويها بقلبه والله يعلم السرائر من عباده والله أعلم. (2/405)
صفحة 1030
406
الفتاوى النكاح
هل يجب على المعتدة عدة وفاة لبس السواد؟
لا يجب عليها ذلك، وإنما عليها أن تتجنب ثياب الزينة كالحرير إلا إن لم تجد غيرها والله أعلم.
في المطلقة إذا توفي زوجها فهل تعتد عدة الوفاة أم تكمل عدة الطلاق؟ إن كان الطلاق رجعياً اعتدت عدة الوفاة من يوم وفاته، وإن كان بائناً أتمت عدة، الطلاق وليس عليها غير ذلك والله أعلم.
فيمن توفي زوجها وله زوجة أخرى، فلما أرادت الاعتداد في بيت الزوج منعها أحد أولاد الزوجة الثانية وأراد أن يضربها وحدثت مشاجرات بينهم حتى أدى الأمر إلى حضور الشرطة، فهل يجوز لها في هذه الحالة أن تعتد في بيت أهلها إن خافت على نفسها في بيت زوجها؟ إن كانت غير آمنة في بيت الزوج فليس عليها حرج إن اعتدت في بيت آخر والله أعلم.
ما قولكم فيمن توفي زوجها ولم تستقبل عدتها، زاعمة أن المتوفى لم يكن زوجها إلا في الظاهر، ذلك لأنه زنى بها وحملت منه، ولما خاف أن يظهر الأمر تزوجها فبقيا على تلك الحال فهل تسقط عنها العدة بذلك أم لا، وإن كانت تلزمها فهل يسع القاضي السكوت إذا رفع الأمر
إليه؟
تجب عليها العدة إن كانت في الظاهر زوجة له، ولو كانت السريرة بخلاف ذلك، والله هو يتولى السرائر، ولا يحل للقاضي السكوت عنها إن
رفضت إن كان قادراً على ذلك والله أعلم. (2/406)
صفحة 1031
فتاوى الفراق
407
هل يجوز للمرأة أن تتبع جنازة زوجها حتى مكان غسله؟ وكيف تكون
نية العدة؟
إن كانت ترافقه بغير نواح ومن غير أن تزاحم الرجال الأجانب فلا مانع، وإلا فهو ممنوع ونية العدة كسائر النيات للأعمال هي القصد بالقلب إلى أداء العمل قربة إلى الله والله أعلم.
ما قولكم فيمن توفي زوجها وترك محلات تجارية وعقارات، فهل يجوز لها وهي في العدة أن تتصل بالهاتف بالعاملين في هذه المحلات، أو تجتمع بهم في بيتها بحضور ابنها، وذلك لتتابع معهم مواضيع العمل؟ نعم، لها أن تخاطبهم بالهاتف أو تكلمهم بحضور ذي محرم منها مع تسترها كما يجب والله أعلم.
هي
امرأة توفي عنها زوجها ليلة العشرين من شوال بعد صلاة المغرب، ولم تلفظ بنية عدتها ـ على ما جرت عليه العادة ـ إلا في الصباح حيث أجل دفنه إلى ذلك الحين. هل يكون يوم التاسع والعشرين من صفر هو آخر يوم من عدتها، على اعتبار أن يوم التاسع والعشرين من صفر هو تمام أربعة أشهر وعشرة أيام أم غير ذلك؟
أولاً على كل أحد أن يعلم أن النية هي غير التلفظ باللسان، وإنما النية قصد التقرب إلى الله بالعمل، وذلك هو عين الإخلاص وهو سر بين العبد وربه لا يطلع عليه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده، ـ كذا جاء في بعض الروايات عن حديث قدسي رباني، والنبي صلى الله عليه وسلم ما كان هو ولا أصحابه يأتون بألفاظ النيات في الصلاة ولا في الصيام ولا في غيرهما، وإنما كانوا يكتفون بما وقر في نفوسهم من قصد التقرب إلى الله سبحانه بأعمالهم، وضبط تلك (2/407)
صفحة 1032
408
الفتاوى النكاح
الأعمال بضوابط الحق، وقد حدثت هذه الألفاظ من بعد عندما تفشى في الناس الجهل وكثر بينهم العوام الذين لا يدرون ما ينوون وكيف ينوون، فأحدث بعض أهل العلم لهم هذه الألفاظ لتكون لهم عوناً على استحضار ما تترجمه من المعاني التي هي عين النية، وهذا يعني أنها أريد بها أن تكون وسيلة للعوام للتوصل إلى النية، ولكن مع الأسف وقف الناس عند الوسيلة ولم يصلوا إلى المقصد، إذ كل ما يهمهم أن يرددوا هذه الألفاظ ولو لم يستحضروا معانيها، فضاعت بذلك النية التي هي روح العمل. ثانياً: تجب النية فيما كان أمراً تعبدياً محضاً أي غير معقول المعنى، وتندب فيما كان معقول المعنى، واختلف في العدة من أي القسمين هي، فالجمهور من العلماء أنها معقولة المعنى وأن مشروعيتها لاستبراء الرحم والوفاء بحق الزوج بعد موته، ولذلك لم يشترطوا لها النية، واعتبروا أن الدخول فيها بمجرد موت الزوج في نفس اللحظة حتى ولو لم تكن المرأة بذلك عالمة، بل إن علمت بموته بعد انتهاء المدة المقررة للعدة ـ وهي أربعة أشهر وعشر ـ تكون قد أدت ما عليها من عدة، ولا يجب عليها أن تعتد من
جديد، وعلى هذا فإنه في مثل الساعة التي مات فيها الزوج في اليوم العاشر بعد أربعة أشهر تنتهي عدتها، وعليه فإن عدة هذه المرأة تنتهي بعد صلاة المغرب من ليلة الثلاثين من صفر أو أول ليلة من ربيع الأول والله أعلم.
ما رأي سماحتكم في الرجل الذي يقوم بالعقد على المرأة المتوفى عنها زوجها أي بمعنى قراءة نية عدة الوفاة عليها؟
أولاً علينا أن ندرك أن النية هي عقد العزم بالقلب وليست نطقاً باللسان، وذلك مفهوم من نفس دلالتها اللغوية، فإنه لو قال قائل: نويت بالأمس أن أزورك لم يفهم السامع منه إلا قصد الزيارة، ولا يمكن أن يفهم منه أنه كان (2/408)
صفحة 1033
فتاوى الفراق
409
يردد أنه
سيزور فلاناً، والنية المطلوبة شرعاً إنما هي أن يقصد الإنسان بعمله وجه ربه، وذلك هو الإخلاص المراد في قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة (5]، والإخلاص سر بين العبد وربه، والنية ضرورية في الأمور التعبدية، التي هي غير معقولة المعنى، كالوضوء فإنه غسل لجوارح معينة من الجسد من دون أن تكون ملتبسة بنجس أو دنس، ولا تلزم في الأمور المعقولة المعنى كغسل النجاسات، وإن كانت تنبغي، والعدة هي في أكثر أقوال أهل العلم من النوع الثاني، فلذلك لو مات رجل ولم تعلم امرأته بوفاته حتى مضت أربعة أشهر وعشرة أيام لأجزأها ذلك عن الاعتداد فيما بعد على قول أكثر أهل العلم، ومن يرى خلاف ذلك لا يشترط التلفظ بل يجزيها القصد بالقلب إجماعاً، على أنا لو سلمنا ما يقوله العوام من ضرورة التلفظ فكيف لا تتلفظ بنفسها؟ ولماذا يتوقف ذلك على أن يدخل رجل يقرؤها النية؟ وهل العدة أشد من الصلاة والصيام والزكاة والاغتسال من الجنابة والحيض والوضوء؟ ولماذا لا يدخل عليها رجل ليقرئها النية في هذه الأحوال؟ حتى أن العوام يظنون أن العدة لا تصح لو قرأت النية بنفسها أو أقرأتها امرأة مثلها، فالله المستعان إن منشأ ذلك كله الجهل وعدم فهم الدين والله أعلم.
هل يجوز للمعتدة عدة وفاة أن تبخر نفسها أو بيتها باللبان؟
بما أن اللبان له رائحة طيبة فلتجتنبه والله أعلم.
نسمع
بأن المرأة المعتدة عدة وفاة لا يجوز أن يراها الرجال بعد خروجها
من العدة حتى تمضي عليها ليلة كاملة فهل هذا صحيح؟
هذا كلام باطل لا أساس له من الصحة والله أعلم. (2/409)
صفحة 1034
410
الفتاوى النكاح
فيمن جاءها خبر نعي زوجها وهي في غير بيته، فهل يلزمها أن تسافر إلى البلد الذي فيه بيته فتعتد فيه أم لا؟
تعتد حيث بلغها نعيه ـ أي حيث كانت مقيمة عندما بلغها نعيه - ولا يجب أن يكون البيت مملوكاً له، كما يدل عليه حديث الفارعة بنت
سنان، والله أعلم.
ما قولكم فيمن اعتدت لوفاة زوجها في بيت أهلها، وليس في بيت الزوج فهل يلزمها إعادة العدة؟
أساءت بذلك، وليس عليها أن تعيد الاعتداد والله أعلم.
امرأة توفي عنها زوجها فعلى من تجب نفقتها أثناء عدتها؟
نفقتها على نفسها، إلا إن تحمل نفقتها غيرها من والد أو ولد، لأن المعتدة عدة الوفاة لا نفقة لها إلا إن كانت حاملاً، فقيل نفقتها من مال زوجها الميت، وقيل أيضاً من مالها والله أعلم.
المعتدة إن ماتت في عدتها هل تعطر أم لا؟
اختلف في ذلك على قولين قيل تطيب وقيل لا، والأصح جواز التطييب، لأن تعبدها بالعدة انتهى ولا تقاس على المحرم لأنه يحشر ملبياً بخلافها والله أعلم.
6
ما حكم الشرع فيما يتمسك به الناس في مجتمعنا من عادة ذبح الذبائح، وصنع الطعام، ودعوة النساء عند خروج المرأة المتوفى عنها زوجها من عدتها؟
ذلك من البدع المنافية للسنة، فإن إقامة الولائم في المصائب أمر (2/410)
صفحة 1035
فتاوى الفراق
411
ينافي الفطرة ويصطدم مع الشريعة، ولئن كان السلف الصالح شددوا في إقامة الولائم إبان المصاب، فما بالكم بتجديد ذلك بعد مضي أربعة أشهر وعشر، على أن أعمال المؤمن يجب أن تكون محكومة بهدي القرآن والسنة، وقد قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (1)، وقال: «إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها،
وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» (2) والله أعلم.
فيمن توفي زوجها، وعلمت بذلك في وقت الظهر، فمتى تبدأ حساب
عدتها؟
تبدأ عدتها من ساعة وفاة زوجها، وقيل بل من ساعة علمها، والأول أرجح والله أعلم.
امرأة توفي عنها زوجها وهي مريضة في المستشفى، وقد أجريت لها عملية خطيرة في الرأس ولم يخبروها عن وفاة زوجها خوفاً على صحتها، فهل يصح أن تبقى في المستشفى من غير عدة؟
هي في العدة سواءً كانت في البيت أو في المستشفى، وسواء كانت واعية أو فاقدة للوعي، فإن العدة هي التربص عن الزواج، وتؤمر المميتة التربص بترك الطيب والزينة، ولا ريب أنها ستجتنب ذلك كله أو ستجنبه
والله أعلم. هل يجوز للمعتدة عدة وفاة أن تذهب إلى المستشفى لتلقي العلاج؟
لا مانع من ذلك والله أعلم.
(1) رواه الربيع والبخاري ومسلم.
(2) رواه النسائي والبيهقي.
مع (2/411)
صفحة 1036
412
الفتاوى النكاح
وهل يصح أن تذهب بولدها إلى الطبيب؟
لا مانع من ذلك أيضاً والله أعلم.
فيمن توفي عنها زوجها قبل الدخول بها، فهل تجب عليها العدة؟
نعم عليها العدة ولو لم يدخل بها والله أعلم.
فيمن توفي زوجها وهي مرقدة في المستشفى وليس لديها الوعي الكامل، فهل تلزمها العدة أم لا؟
العدة
هي الامتناع عن الزواج إلى انقضائها، وتؤمر المرأة بالحداد في عدة الوفاة وذلك بترك الزينة والطيب ولا فرق في ذلك بين كونها في المستشفى أو خارجه، وإن قصرت في شيء لعدم تكامل وعيها فهي معذورة، وإنما يؤمر أولياؤها بمراقبتها والله أعلم.
هل يجوز أن أدخل على أرملة أخي بحضور الوالدين وزوجتي إذا كنت أنا العائل لهذه الأرملة ولأولادها؟
لا
حرج في ذلك إن لم تخل بها والله أعلم.
فيمن توفي زوجها وهي حامل ووضعت حملها في اليوم الرابع من عدتها، فهل تنتهي عدتها بذلك أم تكمل العدة كاملة؟
القول الراجح أن عدتها تنتهي بوضع حملها، فمتى وضعته حلت، بدليل قوله تعالى: {وَأُولَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق: 4]، وقوله صلى الله عليه وسلم لسبيعة الأسلمية وقد وضعت حملها بعد وفاة زوجها بأيام «حللت فانكحي»، ولا وجه لحصر هذا الحكم في سبيعة، فإن الأصل عدم الخصوصية، ولأن الراوية للحديث - هي أم سلمة لا زوج النبي صلى الله عليه وسلمروته في مقام فض النزاع (2/412)
صفحة 1037
فتاوى الفراق
413
الذي كان في المسألة بين ابن عباس ـ القائل بأبعد الأجلين ـ وأبي هريرة وعبد الرحمن بن أبي سلمة القائلين بوضع الحمل، و لو كانت ثم خصوصية لما جهلتها هي وعلمها من بعدها، ولأن في رواية النسائي للحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم بعدما قال لها ذلك تلا قوله تعالى: {وَأُوْلَتُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمَلَهُنَّ [الطلاق (4، ولأن في بعض الروايات التصريح بعموم هذا الحكم
والله أعلم. فيمن طلق زوجته في حملها وهي موجودة في بلد، ولم يبلغها طلاقها وقد وضعت حملها، فهل يجوز له مراجعتها أم أنها انتهت عدتها بوضع
حملها؟
انتهت عدتها بوضع حملها عند من يرى العدة عبادة معقولة المعنى، لذلك أرى أن يتزوجها إن أرادها بعقد جديد مع كافة شرائطه الشرعية
والله أعلم. امرأة توفي زوجها ولها ربيبة - أي بنت زوجها من غيرها ـ فهل يجوز لزوج البنت الدخول عليها أثناء العدة؟
لا يجوز لزوج الربيبة أن يخلو بها سواءً كانت معتدة أو غير معتدة لأنه أجنبي منها، وقد قال صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة إلا مع ذي محرم، وهذا الحكم غير محصور في العدة، وإنما جهل الناس أدى بهم إلى التهاون في غير حال العدة والتشدد على المعتدة، فأفرطوا في ناحية وفرطوا في أخرى، ولا فارق بين المعتدة وغيرها إلا في ثلاث حالات أولها عدم التطيب والثاني: عدم الزينة والثالث: عدم المبيت في غير بيتها، وفي سائر الأحوال هي كغيرها، ولقاؤها الرجل الأجنبي مع ذي المحرم منها
لا يمنع في عدة ولا غيرها مع تمام الاحتشام والله أعلم. (2/413)
صفحة 1038
414
الفتاوى النكاح
ما قولكم في رجل توفي عن زوجته وهي حبلى فوضعت بعد وفاته بأيام أو ساعات هل تنتهي عدتها أم لا؟ علماً أن أكثر قول أصحابنا - يقولون بأبعد الأجلين - عملاً بالدليلين - وهما الآية التي في سورة البقرة أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] والثانية التي في سورة الطلاق وَأُوَلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4) لكن وجدت عن شيخنا
القطب في «وفاء الضمانة عدة أحاديث عن النسائي وهي مرفوعة، وقصة سبيعة الأسلمية، وكما تعلم لا حظ للنظر مع وجود الأثر؟
الله ـ في
ذهب جمهور أصحابنا ـ رحمهم هذه المسألة مذهب علي وابن عباس، وهو الاعتداد بأبعد الأجلين جمعاً بين دلالة الآيتين، وذهب الأمة وقليل من أصحابنا إلى أنها جمهور تنتهي عدتها بوضع حملها سواء طالت مدة الحمل أم قصرت، وهذا هو الأصح بدليل حديث سبيعة الأسلمية المخصص لعموم آية البقرة، وقد أخرجه الربيع والشيخان وأصحاب السنن، وتخصيص عمومات القرآن بأحاديث الآحاد أمر مشهور عند الأمة، ويعتضد ذلك هنا بآية الطلاق {وَأَوَلَتْ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4)، وقول أكثر أصحابنا أن حديث سبيعة خاص بها ينظر فيه من أربعة أوجه، أولهما: أن الأصل في الأحكام الشرعية عدم الخصوصية فعلى مدعيها الدليل. ثانيهما: إن راوية الحديث أم سلمة لا روته حجة على من قال بأبعد الأجلين لأنها حدثت به عندما اختلف في المسألة أبو هريرة وابن عباس وأبو سلمة بن عبد الرحمن، فقال: ابن عباس بأبعد الأجلين وقال أبو هريرة وأبو سلمة بمجرد وضع الحمل، فأرسلوا إليها من يسألها فروت لهم الحديث، فلو كان الحديث خاصاً لكانت هي أولى بمعرفة ذلك. ثالثها: أن في رواية النسائي أن النبي ل تلا الآية بعدما ذكر لها الحكم.
رابعها أن في بعض الروايات أنه صرح بعموم الحكم والله أعلم. (2/414)
صفحة 1039
فتاوى الفراق
415
هل يجوز للمعتدة عدة الوفاة أن تخرج من بيتها لتقضي بعض شؤونها
إذا لم يوجد معها من يخدمها؟
نعم ذلك جائز لها والله أعلم.
ما رأي سماحتكم فيما تقوم به المعتدة عدة وفاة من تغطية كل جسمها ويديها وأرجلها، وصب الزيت وعدم مقابلة الأطفال، والنياحة والتعري وحمل السيوف، وزيادة أيام العدة وغيره من البدع؟
يقول رسول الله إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» (1) صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول - أيضاً:: «من أحدث في
أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (2).
الصلاة
والسلامة
6
حدثاً أو أوى محدثاً» (3).
ويقول الله: «لعن الله من أحدث في الإسلام هذه الأحاديث كلها تفيد أن كل ما خالف كلام الله تعالى، وهدي محمد صلى الله عليه وسلم من بيان، وامتن على الناس بإتمام النعمة وإكمال الدين بعد أن بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمانة، ونصح الأمة وكشف الغمة، فقد قال الله تعالى فيما أنزله على عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم في عرفة في حجة الوداع: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا} [المائدة: 3)، ولم يبق بعد يومئذ ـ شيء يستحق البيان، بل كل شيء بينه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد
اكتمل الدين.
(1) رواه النسائي والبيهقي.
(2) رواه الربيع والبخاري ومسلم وأبو داود.
(3) رواه الربيع والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه. (2/415)
صفحة 1040
416
الفتاوى النكاح
وإجمالاً أقول: بأن كل ما ذكر في هذا السؤال فهو من البدع والضلالات
التي لا تجوز في الإسلام.
أما
من ناحية الستر فإن المرأة مطلوب منها أن تستر بدنها عن أنظار العدة أم في غير العدة، ومطلوب منها أيضاً أن
في
الرجال سواء أكانت لا تجلس مع الرجال إلا إذا كان هناك داع للجلوس، بشرط أن لا تكون في
خلوة معهم. فقد جاء في كتاب الله تعالى ما يدل على وجوب الستر: فالله تبارك وتعالى يقول مخاطباً للنبي: يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الأحزاب: 59]، ويقول الله الله: {وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ بِهِنَّ أَوْ ءَابَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَآبِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31].
وهذا الحكم ليس خاصاً بالمعتدة، فإن المعتدة ليس لها أن تتزين حتى تمنع عن إظهار الزينة لطائفة من الناس، بل هي ممنوعة من الزينة رأساً، فمن هنا يتبين لنا أن حكم الستر ليس مختصاً بالمعتدة، وتشديد الناس على التساهل في غير حالة الاعتداد إنما يعد إفراطاً وتفريطاً، وكل مع ممنوع في الإسلام، فالإسلام اعتدال إن النبي صلى الله عليه وسلم منع المرأة أن تختلي بالرجل الأجنبي، ومنع الرجل أن يختلي بالمرأة الأجنبية: فقد قال
المعتدة
ذلك من (2/416)
صفحة 1041
فتاوى الفراق
417
رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم»)، ويقول: إياكم والدخول على النساء، فقال له رجل من الأنصار: أرأيت الحمو يا رسول الله؟ - والمقصود به قريب الزوج - فقال - صلوات الله عليه وتسليمه ـ: «الحمو الموت» (2)، فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يشبه حما المرأة بالموت لما ما في دخوله عليها واختلاطه بها وخلوته معها من المحذور، فكيف بغيره؟ رغم أن من عادة الناس أن يغاروا على نساء أقاربهم.
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما» (3)، فمن العجيب أن يتسامح الناس إذا لم تكن المرأة معتدة ويتساهلون حتى يدعوا الرجل يدخل عليها ـ وهو الذي لا يجوز أن تختلي به أو يختلي بها ـ فيجلسا منفردين هذا ترك لما فرضه الله تعالى في كتابه وعلى لسان
رسوله.
وبجانب ذلك يتشدد على المرأة في حالة الاعتداد ـ إذا كانت عدتها عدة وفاة ـ بحيث تمنع من مقابلة الأطفال، وهذا التشدد ليس له أساس من كتاب الله تعالى ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إن المرأة مع النساء المسلمات المؤمنات الصالحات يجوز لها أن تبدي ما فوق السرة وما تحت الركبة سواء في الاعتداد أو في غير الاعتداد، لأن عورة المرأة مع المرأة المسلمة البرة كعورة الرجل مع ما الرجل، وهي بين السرة والركبة فكيف يتشدد على المرأة في حالة الاعتداد، ويقال إنه لا يجوز لها أن تصافح المرأة إلا من وراء حجاب؟ وعليها أن تستر مع
(1) رواه البخاري ومسلم والبيهقي وأحمد. (2) رواه البخاري ومسلم والترمذي والدارمي. (3) رواه الترمذي وأحمد. (2/417)
صفحة 1042
418
الفتاوى النكاح النساء يديها وتستر وجهها ... هذا أمر لا أساس له من كتاب ربنا وسنة نبينا ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (1) كما قال نبينا. كذلك الإدهان بالزيت وعدم ملامسة المذكر من الأشياء والتقوقع في مكان واحد داخل حجرة مظلمة، كل ذلك ليس له أساس من كتاب أو سنة ولا قال به من علماء المسلمين.
أحد
وإجمالاً يجوز للمعتدة كل ما يجوز لغيرها من النساء ما عدا ثلاثة أشياء وهي: الزينة والطيب، والتردد خارج البيت بغير ضرورة، فالمعتدة لا يجوز لها أن تتزين أو تتطيب، أو تبيت خارج بيتها إلا في حالات الضرورة القصوى.
ويجوز للمعتدات إذا كن ذوات عدد وكل واحدة منهن لم تكن تجد من يؤنسها في بيتها أن يجتمعن في بيت واحد في النهار، ولكن يفترقن في الليل وتعود كل واحدة منهن إلى بيتها تنام فيه، كما جاء بذلك نص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أباح ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء المتأيمات (2) ... أما النياحة فممنوعة شرعاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة صوت مزمار عند نعمة وصوت مرنة عند مصيبة (3). فهي من البدع المنكرة، بل من الكبائر لأن اللعن
لا يكون إلا على كبيرة فالنائحة مرتكبة لكبيرة، وقد جاء في رواية ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن الرجل ليعذب ببكاء أهله عليه» (4)، وتحمل هذه الرواية ـ إذا لم ينه هذا الرجل عن هذا العمل - على ما سوى البكاء المعتاد الذي أباحه الشرع فعلى الإنسان أن يحذر أهله من النياحة أو أن يقر نواح نائحة بعد موته، لأن ذلك مما يخالف هدي الإسلام الذي أمر به الرسول.
(1) الإمام الربيع والبخاري ومسلم. (2) يراجع في ذلك نيل الأوطار 102/ 101/7
(3) رواه الإمام الربيع.
(4) رواه مسلم والبخاري والترمذي.
ومجمع الزوائد 7/ 5. (2/418)
صفحة 1043
فتاوى الفراق
419
شيخنا ما حكم ما يذكره البعض أن المرأة إذا كان يوم انتهائها من عدتها
يخرج الرجال من بيتها والحوامل ويعتبرون في ذلك سلامة لهم؟ إن الموت والحياة بيد الله الله، فلا يكون خروج الرجال مع خروج
6
المعتدة من عدتها سبباً لموتهم، ولا تكون غيبتهم أيضاً سبباً لسلامتهم كُلُّ نَفْسٍ ذَابِقَةُ المَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ} [آل عمران: 185]، {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَبٍ) [فاطر: 11]، وكذلك الحوامل لا يدني موتهن ولا موت أجنتهن حضورهن عند المعتدة، ولا يسلم أجنتهن ولا يسلمهن من الموت خروجهن من عندها وغيابهن عن المكان الذي تكون فيه المعتدة عند خروجها من العدة وأدهى من ذلك وأمر أن تجتمع النساء عندها في يوم خروجها من العدة، وأن تذهب بها امرأة إلى مكان الاغتسال، وخلفها امرأة أخرى تحمل سيفاً وترفعه فوق رأسها، فذلك من البدع والضلالات التي يجب محاربتها وأعظم من ذلك كله أن تعرى أمام النساء فإن أية امرأة لا يجوز لها أن تنظر إلى عورة امرأة أخرى، كما لا يجوز لرجل أن ينظر إلى عورة امرأة وكما لا يجوز لرجل أن ينظر إلى عورة رجل آخر فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الناظر والمنظور إليه، نعم يجوز ذلك في حالات الضرورة القصوى كالعلاج ونحوه وأنصح المسلمين والمسلمات بأن يتبعوا كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن لا يجعلوا للمعتدة حكماً يختلف عن غيرها، اللهم إلا في الأشياء الثلاثة التي ذكرتها الزينة والتطيب والتردد خارج بيتها بغير
ضرورة.
:
وعلى المسلمين أن يحاربوا البدع والخرافات التي تخالف كتاب الله
وسنة رسوله. (2/419)
صفحة 1044
من
420
الفتاوى النكاح
وإذا دعا داع لدخول رجل أجنبي عليها وكان معها ذو محرم فلا مانع
ذلك.
وكذلك يجب أيضاً على النساء أن يلتزمن الستر الذي فرضه الله تعالى عليهن في غير حالة العدة، وأن يلتزمن بما أمر الله تعالى به في قوله: {وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) [النور: 31)، إلى آخر الآية، وقوله تعالى: {يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَبِيبِهِنَّ} [الأحزاب: 59]، إلى آخر الآية، وذلك في غير حالة الاعتداد، فإن الحرمة في ذلك لا تختلف بين حالة الاعتداد وغيرها والله تعالى نسأله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
امرأة معتدة عدة الوفاة أجريت لها عملية جراحية في عينها ولم تستطع الاعتداد في بيت زوجها لسوء حالتها الصحية ولعدم وجود مستشفى هناك، فهل يجوز لها أن تعتد في بيت أهلها لأجل هذه الأسباب؟ ذلك لا مانع من مع الضرورة والله أعلم.
إذا طلقت المرأة كم تكون عدتها؟ وقد قال الله: (وَالْمُطَلَّقَتُ الله: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، هل هذه القروء هي ثلاثة أشهر أم أنها ثلاث حيضات؟ وهل للأمة نصف ما للحرة من العدة؟ وهل تكفي العدة حيضتان؟ وإذا لم تحض وصار لها عشرة أشهر دون حيض، فما حكمها حينذاك؟ قال الله تعالى {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] والقروء جمع قرء - بفتح القاف وضمها - ويطلق لغة على الحيض والطهر، (2/420)
صفحة 1045
فتاوى الفراق
421
وهو من باب المشترك، ومن أمثلة مجيئه بمعنى الحيض قول الشاعر: يا رب ذي ضغن وضب فارض له قروء كقروء الحائض
ومن أمثلة مجيئه بمعنى الطهر قول الأعشى:
أفي كل عام أنت جاشم غزوة تشد لأقصاها عزيم عزائكا مورثة مالاً وفي الحي رفعة لما ضاع فيها من قروء نسائكا
ولأجل اشتراك معنى الحيض والطهر في لفظ القرء اختلف في المراد منه في الآية، فقيل: هو بمعنى الحيض، وقيل: بمعنى الطهر، والخلاف في ذلك من عهد الصحابة، ولكل رأي حجته، ولكن الراجح الذي تسكن إليه نفسي أن القروء هي الحيض، بدليل قوله تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: (228)، والحيض وجودي والطهر عدمي، وقول النبي صلى الله عليه وسلم طلاق» الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان»، وقوله للمستحاضة اتركي الصلاة أيام أقرائك»، ولحديث عائشة لنا عند الربيع رحمة الله «الرجل أحق بزوجته ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة، ولأن العدة يقصد بها بجانب التعبد استبراء الرحم والاستبراء بالحيض لا بالطهر، إلى ما وراء ذلك من الأدلة الكثيرة، وعدة الأمة نصف عدة الحرة ولما كان انتصاف الحيضة متعذراً كانت عدتها، حيضتين، والآيس والصبية عدتهما ثلاثة أشهر، وأما من انقطع عنها الحيض قبل الإياس فعدتها ثلاثة قروء ولو أبطأ حيضها والله أعلم.
ما هو الراجح عندكم في عدة الحامل إذا توفي عنها زوجها؟ الصحيح عندي في هذه المسألة هو ما دلت عليه السنة النبوية - على
صاحبها أفضل الصلاة والسلام - وإليك ما جاءت به السنة: (2/421)
صفحة 1046
422
الفتاوى النكاح
أنا
روى الإمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب رحم الله عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: اختلفت أنا وأبو سلمة بن عبد الرحمن في المرأة الحامل إذا وضعت بعد وفاة زوجها بليال، قال فقلت: عدتها آخر الأجلين، فقال أبو سلمة: إذا وضعت حلت، فجاء أبو هريرة فسئل فقال: مع أبي سلمة. فبعثنا كريباً مولى ابن عباس إلى أم سلمة فسألها عن ذلك، فقالت: ولدت سبيعة الأسلمية بعد وفاة زوجها بليال، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حلت»، وروى القصة مالك في الموطأ والشيخان والترمذي والنسائي من رواية أم سلمة لها كما في المسند. وروى البخاري ومسلم حديث سبيعة من طريق سبيعة نفسها، وأخرجه الترمذي والنسائي من طريق أبي السنابل، ومالك والبخاري والنسائي من طريق المسور ابن مخرمة، والنسائي من طريق زفر بن أوس ابن الحدثان النصري، والبخاري
بن
وأبو داود والنسائي من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله عتبة بن مسعود، وكثرة طرق هذا الحديث ترتفع به إلى درجة الشهرة. أما ما قيل من أن هذا الحكم خاص بسبيعة، وأن كل مميتة حامل سواها تعتد بأبعد الأجلين فهو مدفوع بأوجه: أولها: أن الأصل في الأحكام الشرعية عدم الخصوصية، ومن ادعاها عليه الدليل، على أن يكون نصاً ثابتاً عن الشارع كما في سائر أدلة الخصوصيات. ثانيها: أنه لم يرو عن أحد ممن روى قصة سبيعة من الصحابة ـ رضوان الله عليهم - أن هذا الحكم خاص بها، بل كان استدلالهم بما رووه على شمول هذا الحكم لكل مميتة حامل، كما هو واضح في سياق رواية أم سلمة للحديث، عندما اختلف في المسألة أبو هريرة وأبو سلمة بن عبد الرحمن القائلان بانتهاء العدة بوضع الحمل، وابن عباس القائل بأبعد الأجلين، فلو كان الحكم خاصاً لما جهله أولئك الصحابة وعرفه من بعدهم. (2/422)
صفحة 1047
فتاوى الفراق
423
ثالثها: ما جاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم بعدما أجاب سبيعة في قضيتها تلا قوله تعالى: {وَأُوَلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4] وكفى به دليلاً على أن هذا الحكم في جميع ذوات الأحمال.
رابعها: ما أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وأبو يعلى والضياء في المختارة وابن مردويه وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي بن كعب له قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم «وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن» أهي المطلقة ثلاثاً أو المتوفى عنها؟ قال: هي المطلقة ثلاثاً والمتوفى عنها». قال الحافظ ابن حجر وهذا الموضوع وإن كان لا يخلو شيء من مقال، لكن طرقه تشعر بأن له أصلاً، وتعضده قصة سبيعة.
أسانيده من
مع
خامسها: أن هذا هو الذي انتهى إليه عمل الصحابة، واتفق عليه رأيهم ما عدا أبا السبطين ـ كرم الله وجهه، أما ابن عباس فقد روي عنه رجوعه عن القول بأبعد الأجلين، وروايته قصة سبيعة في معرض ذكر خلافه اللذين اختلف معهما في المسألة مؤذنة بذلك. ورأي الصحابة أولى بالاتباع، بهذا كله تعلم أن آية الطلاق مخصصة لآية، البقرة، وأن أجل الحوامل وضع حملهن، سواء كن مطلقات أو مميتات، وسواء طالت مدة الحمل أم قصرت والله أعلم.
رجل طلق زوجته في مرض موته وطلب منها أن تبرئه من مؤخر صداقها، فوافقت على ذلك بعد إلحاح منه بأن المرأة لم ترد الطلاق، وخاصة إن الزوج كان في حاجة إلى من يعتني به في مرضه، علماً أن الزوج لم
يتمكن من مباشرتها منذ تزوجها فهل تلزمها العدة وهل لها الميراث؟
إن كان أرخى عليها ستراً فعليها العدة، وبما أنه طلقها من تلقاء نفسه وهو الذي طلب أن تبرئه من صداقها نرى أن لها الميراث منه ولو خرجت من العدة، بل قيل ولو تزوجت والله أعلم. (2/423)
صفحة 1048
424
الفتاوى النكاح
امرأة تركها زوجها سنوات عديدة ثم توفي، وقد أخبرها رجلان من أهل البلد بطلاق زوجها لها، وهي لم تعلم بهذا الطلاق من قبل، فهل يثبت هذا الطلاق وهل تلزمها العدة؟
إن كانا شاهدي عدل مأمونين فالطلاق ثابت وعليها عدة الطلاق منذ
وقوعه، وإلا فهي زوجته عليها عدة الوفاة من ساعة الوفاة والله أعلم. (2/424)
صفحة 1049
بحوث (2/425)
صفحة 1050
[صفحة فارغة] (2/426)
صفحة 1051
بحوث
427
من قضايا الزواج
هو
له
الحمد لله على آياته الظاهرة، وهباته الغامرة، أحمده تعالى بما أهل من الحمد وأثني عليه، واستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه، وأؤمن به وأتوكل عليه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق فسوى وقدر فهدى وله الآخرة والأولى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بالطريقة السواء، والشريعة السمحاء، والملة الحنيفية البيضاء، فبلغ رسالة ربه، وأدى أمانته، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في سبيل الله، ودعا إليه بالحكمة والموعظة الحسنة حتى أتاه اليقين له وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فإن كثيراً من الناس يقعون في أخطاء كثيرة بسبب عدم إلمامهم بمعارف القرآن الكريم، ومعارف السنة النبوية ـ على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وسيكون موضوعنا منصباً على بعض الأخطاء المتعلقة بقضية من أهم القضايا والتي تشغل بال كل وهي قضية الزواج، الذي هو ربط مصير بمصير، فالله كرم الإنسان تكريماً ـ مع ما جعل في نفسه من الميل الفطري إلى الجنس الآخر فكل من الذكر والأنثى يميل بفطرته إلى الجنس الآخر، ولا يستغني عنه بحال من الأحوال فإما أن يلبي داعي الفطرة بالطرق السليمة، وإما أن يؤدي ذلك ـ والعياذ بالله - إلى انفجار تتلاشى معه الأخلاق، وتتحطم الفضائل، لذلك كان تأطير الزواج في إطار من أحكام الله الله مطلباً شرعياً مدنياً لا يستغني عنه أي إنسان كان ولا ريب أن الزواج جعله الله الله من تكريم هذا المخلوق، إذ لم يكن هذا اللقاء الفطري بين الذكر والأنثى غير مضبوط بضوابط شرعية ـ كما هو شأن الحيوانات العجماء، بل جعله الله
أحد، ألا
وتعالى
وتعالى
معه (2/427)
صفحة 1052
428
الفتاوى النكاح
يتم في إطار من القيود الاجتماعية والخلقية التي ميز الله الله بها الإنسان، وجعل من ثماره امتداد هذا الجنس البشري، مع تسلسل الأجيال جيلاً بعد جيل كحلقات في سلسلة واحدة يشد كل جيل منها إلى الأجيال السابقة، هذا التكريم إنما خص الله به الإنسان لأنه تبارك وتعالى جعله خليفة له في الأرض، ولأن الإنسان بطبيعته يرغب في أن يكون له امتداد بعد فنائه، ورغم أن كل إنسان له عمر محدد في هذه الحياة، إلا أن هذا الامتداد جعله الله الله في الذرية التي تتعاقب جيلاً بعد جيل، فالإنسان يحس أنه في انتقاله إلى الدار الآخرة لا ينقطع وجوده في هذه الدنيا، متمثلاً هذا الوجود في الذرية الصالحة المتعاقبة، وقد امتن الله الله على عباده بنعمة الأزواج ونعمة الذرية، فهو ل يقول: {يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء: 1]، ويقول سبحانه: {وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: (21)، ويقول عز من قائل: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَتِ} [النحل: 72]، كل ذلك يدعو الإنسان إلى أن يفكر في هذه الآلاء العظيمة الغامرة من آلاء الله الله، وأن يحرص دائماً على الارتباط بأحكام الله التي أنعم عليه بها، والزواج باعثه كامن في فطرة كل أحد من الناس خلقه الله سليما، وهو بجانب ذلك مطلب مدني، اجتماعي، لأن المدنية تتوقف عليه، ومن آيات الله تعالى الظاهرة أن جعل الإنسان يتيمز عن غيره من الحيوانات، بأن جعل الحيوان يشتهي بقدر قوته فقط، أما الإنسان فرغبته في الجنس الآخر تفوق قوته، وما ذلك إلا لأجل أن تكون حياته حياة مدنية، وقد أطر هذا اللقاء بالإطار الشرعي الذي فيه التكريم البالغ للإنسان بكل نوعيه، الذكر والأنثى، (2/428)
صفحة 1053
بحوث
429
فالله الحض أولاً على الزواج، فهو ل يقول: {وَأَنكِحُوا الْأَيْمَى مِنكُمْ وَالصَّلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَابِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [النور: 32] وجاء ذلك في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (1)، وفي معرض الحث على ابتغاء الولد يقول الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام - تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة (2)، ونجد في كتاب الله له أيضاً ما يدل على أن ولي المرأة لا يجوز له بحال من الأحوال أن يقف عائقاً في وجه تحصينها بالزواج، فهو يقول: {وَإِذَا طَلَّقْمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَضَوا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَظْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة: (232)، فترون أن الله - في هذه الآية الكريمة يخاطب أولياء أمور النساء بأن لا يقفوا سداً في طريقهن للحيلولة دون الوصول إلى رغبتهن من نكاح أزواجهن، وهي وإن كانت المطلقات اللاتي يرغبن في الرجوع إلى أزواجهن بعد أن المدة تنتهي المقررة للاعتداد الشرعي منهم، إلا أن معناها يشمل كل ولي يقف في وجه وليته بأن لا تتزوج، وفي معرض هذا الأمر الرباني يبين الله الله أن هذه هي موجهة إلى كل من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ومعنى ذلك أنه من لم يتعظ بها فليس هو من الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر، لأنه خالف إيمانه في عدم الامتثال لأمر الله بسم الله: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنِ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ
في
الموعظة
ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36].
(1) رواه الربيع والبخاري ومسلم.
(2) رواه أبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي وأحمد. (2/429)
صفحة 1054
430
بين
الفتاوى النكاح
ثم إننا نجد في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن للمرأة الحق في اختيار شريك حياتها، فالرسول - عليه أفضل الصلاة والسلام - يقول «الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها» (1)، وهنا تتجلى عظمة الإسلام واستجابته لداعي الفطرة، فإن الإسلام الحنيف ينزل كل شيء، منزلته فالمرأة قد تختلف في وضعها حالة كونها بكراً وحالة كونها ثيباً، أما الثيب فقد مارست الحياة وجربت الأمور، ولذلك كانت أحق بنفسها من وليها، وإنما وليها يأذن بالزواج الشرعي الجائز عندما تختار هي شريك حياتها، أما البكر فهي بخلاف ذلك، وإنما لها حق الاستئذان، وإذنها صماتها، لأنها من شأنها أن تتجلل بالحياء. فقد لا تستطيع أن تصرح بمبتغاها، لذلك كان سكوتها دليلاً على رضاها. وهذا يعني أن أولياء أمور النساء ليس لهم أن يجبروا ولياتهم على التزوج بمن يريدون بل عليهم أن يقدروا شعورهن، ويحترموا أحاسيسهن، فإن المرأة هي التي تشارك الرجل تكاليف الحياة، وهي التي تعيش معه، فمن هنا كان هذا التكريم في الإسلام للمرأة إذ لم يكن الأمر برمته موكولاً إلى ولي أمرها، أما مشروعية الولاية للرجل على المرأة فذلك أيضاً من تكريم الإسلام للمرأة، لأنه من المعلوم أن المرأة تجيش عاطفتها جيشاناً يملأ جميع جوانب دماغها، حتى لا يبقى هنالك مجال للتفكير عندما تتأثر بدافع عاطفي بخلاف الرجل، وهذا الكلام تقرره البحوث الحديثة التي يحررها الباحثون الاجتماعيون، فقد ذكرت باحثة فرنسية اجتماعية أن العاطفة عندما تشب في المرأة تشغل كلا جانبي دماغها، فيصبح لا يوجد مجال صالح للتفكير، أما العاطفة عندما تشب في الرجل فإنها تشغل جانباً واحداً من جوانب
(1) رواه الإمام الربيع.
• (2/430)
صفحة 1055
بحوث
431
دماغه،
هذا فالمرأة مع
الجانب الآخر من دماغه صالحاً للتفكير، ويصبح الهيجان العاطفي لا يؤمن منها أن تندفع وراء عاطفتها، فتربط مصيرها بمن لا تحمد عاقبة مصاحبته فيما بعد. فمن أجل ذلك جعل الله الله للرجل حق الولاية عليها، ولئن كان الأمر كذلك فإنه لا يستغرب أن يكون الزواج في الشريعة الإسلامية منوطاً برضى الولي، وهذا الذي تشير إليه الآيات القرأنية، ويصرح به حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عندما يقول - عليه أفضل الصلاة والسلام ـ لا نكاح إلى بولي)، ثم بجانب ذلك نرى أن الإسلام عندما يأمر بالتزويج لا ينظر إلى جانب الغني والفقر، فالغني والفقر أمرهما إلى الله: إن يَكُن غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بهما} [النساء: 135]. فمن كان عائلاً فإن الله له الا الله هو المتكفل بإغنائه بقدر ما كتب الله الا الله له من رزق، فلا معنى للحيلولة بين أن ترتبط المرأة في زواجها بالرجل الفقير، ونجد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن العبرة في اختيار الرجل لشريكة حياته وفي اختيار المرأة شريك حياتها بالتقوى، فهو ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ يقول إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير» (2)، وقال عليه أفضل الصلاة والسلام - تنكح المرأة لمالها وجمالها وحسبها ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك» (3)، فيؤمر الرجل أن يحرص على المرأة الصالحة الدينة، وتؤمر المرأة أن تحرص على الرجل الصالح الدين، لأن كل واحد منهما بصلاحه وتقواه يشد أزر الآخر، ويعينه على تقوى الله الله، وهذا هو المطلوب في العشرة الزوجية، لأن المطلوب
(1) رواه الإمام الربيع.
(2) رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم وغيرهم. (3) رواه مسلم والبخاري والترمذي وآخرون. (2/431)
صفحة 1056
432
الفتاوى النكاح
من الزوجين التكامل فيما بينهما في حياتهما الخاصة، وفي تربيتهما لأولادهما، فهما عندما يكونان متقيين الله لا يحصل هذا التكامل على
أحسن وجه.
ولربما وقف بعض أولياء الأمور حائلاً دون رغبة ولياتهم من الارتباط بهذه الرابطة المقدسة بسبب أو بآخر، وأعمال هؤلاء منافية للإيمان بالله واليوم الآخر، لأن الموعظة في كتاب الله وجهت إلى من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ولئن كان الحافز إلى ذلك الطمع الذي هو في نفوس كثير من الآباء، بحيث يرون بناتهم يشتغلن في أعمال تدر عليهن مداخيل، فيحرصون دائماً على أن يكون هذا الكسب لهم دونهن، وعندما يخرجن من أيديهم هذا الكسب لهن ولأزواجهن دونهم فإنه مع الوعيد الشديد الذي يترتب على عضلهن من الزواج يترتب عليهم ـ أيضاً ـ وعيد الظلم، ظالمون لهن بأكلهم أموالهن بغير حق، يقول الله سبحانه: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَلَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188]، ويقول تبارك وتعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنكُمْ وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانَا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: 29، 30].
يصبح
معهن،
لأنهم
ولئن قارفن أية معصية بسبب عضلهم لهن فإن إثم ذلك يعود عليهم لأنهم هم الذين دفعوهن إلى المعصية، لأن الرغبة في الزواج فطرة موجودة في كل من الذكر والأنثى، ومعاكسة الفطرة تؤدي إما إلى الأمراض النفسية والعصبية وإما إلى انفجار تتحطم معه جميع الأخلاق وتتلاشى معه
جميع القيم - كما تقدم، ويحل العار بالأسرة كلها، فعلى كل من كانت (2/432)
صفحة 1057
بحوث
433
له ولية أن يسارع بتزويجها بمن رضيت به زوجاً بتزويجها بمن رضيت به زوجاً من الأكفاء المؤمنين بالله واليوم الآخر، فإن ذلك أصون لهم ولهن ولكن هناك الكثير من الأمور التي تقف عوائق دون تحقيق هذه الرغبة من قبل الشباب أو الفتيات، من بينها المغالاة في المهور، فالمغالاة فيهن من أخطر الأمور، لأنها تؤدي إلى ارتكاب الفحشاء ـ والعياذ بالله، فهي تحول بين الشاب ومبتغاه وبين ومبتغاها، كما يقول إمامنا السالمي الله تعالى فيشتهي النساء وهو لم يجد وتشتهي الرجال وهي لم تجد فتحمل الشهوة في الصنفين على ارتكاب فاضح وشين
:
الفتاة
فتيسير الصدقات من المطالب الشرعية من أجل تلبية داعي الفطرة على أن الصداق المفروض فرضه الله الا الله من أجل التمييز بين الحلال والحرام، وجعله رمزاً لقوامة الرجل على المرأة، فلذلك لا عبرة بالمغالاة في المهور، فإنها لا تدل على قيمة، المرأة، ولو كانت المغالاة دليلاً على قيمة المرأة لكانت أولى بذلك بنات النبي صلى الله عليه وسلم مع علو أقدارهن وعظم مرتبتهن، لأنهن ينتسبن إلى النبي العظيم الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وشرفه على الخلق أجمعين، وأي أحد لا يجد شرفاً في الارتباط به صلى الله عليه وسلم عن طريق المصاهرة؟! ولو كان الأمر كذلك لتسارع الناس إلى المغالاة في مهورهن من أجل نيل هذا الشرف العظيم ولكن كانت صدقاتهن من أيسر الصدقات، وهكذا كانت صدقات نساء المهاجرين والأنصار، فلم تكن هناك مغالاة في الصدقات، على أن هذه المغالاة ليست ناشئة عن رغبة الفتيات أنفسهن، وإنما هي عن رغبة أوليائهن الذين يريدون أن يثروا من هذا الطريق، وهذا عار ليس بعده عار، ولئن كانت العرب في جاهليتها ترى من العار أن يثري الرجل من وراء الدية التي ينالها بسبب العفو عن قتل قريبه، فإن هذا العار أعظم
ناشئة (2/433)
صفحة 1058
434
الفتاوى النكاح
??
وكأنه يبيعها بيعاً وهي بضعة منه، على أن هذا الصداق ليس للولي حق فيه، فإنه حق للمرأة وحدها، بدليل أن الله الله قال: {وَءَاتُوا النِّسَاءَ صَدُقَنِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِتَا مَرِيئًا} [النساء: 4]، ولم يقل وآتوا أولياء النساء أو آباء النساء صدقاتهن نحلة، وإنما قال: {وَءَاتُوا النِّسَاءَ} [النساء: 4]، ثم جعل العفو عن جزء منه يعود إليهن لا إليهم، فهو حق لهنَّ دونهم، ومحاولة الاستكثار من الصداق من أجل الإثراء من قبل هؤلاء الأولياء أمر يتنافى مع شريعة الله الا الله السمحة.
ومن الأمور التي تقف عائقاً دون تحقيق الرغبة الفطرية التي تشغل بال الشباب والفتيات إغراق الناس أنفسهم في الترف، فإن الترف طريق إلى التلف - والعياذ بالله - والتقارب اللفظي ما بين الترف والتلف يوحي بما بينهما من الترابط السببي، والتآخي المعنوي، فإن الترف مفض إلى التلف، ولذلك لم يذكره الله الله في كتابه العزيز إلا مقروناً بالشر، فقد ذكر الله الا الله عذاب الدنيا وبين أن من أسبابه الترف عندما قال: {حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْرُونَ} [المؤمنون: 64] وقال: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَشُوا بِأَسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أَتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْتَلُونَ} [الأنبياء: 11 - 13). وذكر عذاب الآخر وبين أن سببه الترف، فعندما ذكر أصحاب الشمال قال: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} [الواقعة: 45]، وذكر عموم العذاب الذي يشمل الجميع فبين أن سببه فساد المتفرفين، فقال: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن تُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَرْنَهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16]، وذكر تكذيب المرسلين وبين أنه ناشئ عن الترف، فقال سبحانه: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} [المؤمنون: 33]، وقال: {وَمَا (2/434)
صفحة 1059
بحوث
435
أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتَرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَفِرُونَ) اسبا: 34)، وذكر معارضة المصلحين والوقوف في وجوههم وبين أنه ينشأ عن الترف، فقال تعالى: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُم وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجرمين} [هود: 116]، فالترف يقع عائقاً دون تحقيق هذه الرغبة، فكثير من المترفين يرون أن من السعادة لبناتهم السعادة لبناتهم أن يتمرغن في أوحال الترف كما تمرغوا، ومن ذلك أن الواحد منهم إذا خطبت إليه كريمته اشترط لها المنزل الفخم والأثاث الحديث الغالي النفيس، والسيارة الفخمة وغير ذلك مما يشترط ولا داعي إليه، وهي في قرارة نفسها تريد أن نفسها، وتريد أن تستجيب لداعي فطرتها، فما الداعي إلى هذه الأمور التي لا علاقة لها بهذا المطلب؟
تحصن
وعندما تتحقق هذه الأمور وتتيسر بمشيئة الله لا بد أن يكون هذا اللقاء - كما قلت - مؤطراً في إطار الشريعة السمحة، ومن هنا يجب على الإنسان قبل أن يقدم على أمر الزواج أن يكون على بينة من أمره وبصيرة مما يأتي ومما يذر، لكيلا يقع في الندم ولات ساعة مندم، فقبل كل شيء أباح الله لهذا الزواج بين مسلم ومسلمة، وحذر من تزويج المشركين كلهم من غير استثناء، ومنع تزوج المشركات عندما قال الله الله: وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنُ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَيْكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ عَايَتِهِ، لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [البقرة: 221]، فالله الله حذر ـ في هذه الآيات ـ من نكاح المشركات ومن إنكاح المشركين، لأن هذه الرابطة رابطة مقدسة فلذلك يجب أن تكون بين مؤمن ومؤمنة، ولأن المفاسد التي تترتب على إنكاح
وتعالى (2/435)
صفحة 1060
436
من
الفتاوى النكاح
المشركين أو نكاح المشركات تفوق الحصر، وإنما أباح الله الله فيما سلف أن يتزوج المسلمون من الكتابيات لأن أهل الكتاب أقرب إلى الإيمان من خلال معرفتهم بالنبوات واطلاعهم في كتابهم على ما جاء من أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الحكم ينبغي أن يكون منوطاً بغلبة المسلمين وظهور أمرهم ونفوذ سلطانهم، لا في أي وقت من الأوقات، فإن هذه الإباحة كانت لحكمة، فإن الله والله يريد لعباده الخير، ومن ضمن هذا الخير الهداية، وهذه الهداية قد تحصل لأهل الكتاب من خلال الاحتكاك بالمسلمين، والاطلاع على محاسن الإسلام والمعرفة بأدلته وبراهينه، فقد يفضي ذلك إلى أن تسلم المرأة التي تعيش في كنف الرجل المسلم، ثم قد يفضي ذلك إلى أن تسلم أسرتها بسبب الاطلاع على محاسن الإسلام خلال هذه الممارسة واللقاءات المستمرة، التي تكون بعلاقة المصاهرة التي تكون بين المسلمين والكتابيين، وذلك ميسور عندما يكون سلطان المسلمين قائماً ودولتهم غالبة ورايتهم خفاقة ضاربة في الأرض، أما عندما تكون الغلبة للكفار على المسلمين فإن الأمر قد ينقلب إلى عكس ذلك، ولذلك نحن نقول بأن تزوج المسلم في وقتنا هذا بغير المسلمة أمر لا يجوز، ومفاسد ذلك ظاهرة، فقبل فترة، جاءني رجل عُماني من قبيلة ومعه خاله وقد بلغ خاله من الكبر عتيا، بحيث جاوز السبعين أو الثمانين من العمر، لإدخاله في الإسلام، وسألته عن سبب ذلك، فأجابني بأن أب هذا الخال ـ جد الذي جاء به - تزوج امرأة نصرانية فولدت له هذا الولد، ثم طلقها، فاحتوت على الولد وربته في الكنيسة، ونشأته على النصرانية، وذريته ما زالت على النصرانية، ومن عجيب الأمور أيضاً أن جاءني شاب مسلم متدين بابن عمه ليدخله في الإسلام، وهو كاثوليكي نصراني وجنسيته بلجيكية، وحرت في هذا الأمر، فأخبرني أن السبب في
عُمانية (2/436)
صفحة 1061
بحوث
437
هذه
ذلك أن جده كان يتزوج من كل ملة من الملل من غير مبالاة. وكانت الأمهات يربين أولادهن على ملتهن، وحدثني أن عمةً له وهي كاثوليكية قد تزوجت يهوديا في فرنسا، وهم من قبيلة عُمانية عريقة، وأنا كنت أعرف أب جد هذا الشاب أي أب هذا المزواج الذي يتزوج حسب شهوته من أي ملة كانت ـ، وحدثني (1) أن في أسرته نحو أربعين من هم على المذهب الكاثوليكي النصراني فكيف مع ذلك يباح للمسلم في مثل هذا الوقت أن يتزوج من غير المسلمة، مع أن الإنسان لا يتوقع وفاته، فقد يفاجئه ريب المنون وهو في ريعان شبابه، وفي أوج طموحاته وآماله، وفي الحالة تتحكم الأم في تربية أبنائها على غير الإسلام ـ عندما تكون غير مسلمة ـ فعلى الآباء أن يتقوا الله الله في فلذات أكبادهم، وأن لا يلقوا بأبضاعهم إلى النار، وفي الحديث، عن النبي صلى الله عليه وسلم «اختاروا لنطفكم فإن العرق دساس» (2)، وجاء في الحديث عنه إياكم وخضراء الدمن، قيل وما خضراء الدمن يا رسول الله؟ قال: المرأة الحسناء في منبت السوء» (3)، هذا ونجد أن مراعاة المصلحة كانت من شأن أهل القيادة في الإسلام، حتى في حالة نفوذ الدولة الإسلامية وقوتها وانتشار سلطانها في الأرض، فقد جاء عن عمر بن الخطاب و الله الله قائلاً يا حذيفة أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خشيت أن يندفع الناس بسببك إلى جمال الكتابيات ويتركوا نساء المسلمين أيامي، فأقسمت عليك بالله أن لا تضع كتابي هذا حتى تطلقها. فلم يضع حذيفة كتاب عمر بن الخطاب له عندما قرأه حتى أن طلق تلك المرأة، امتثالاً لأمر الخليفة.
(1) أي ذلك الشاب المتدين السابق ذكره.
(2) روي في مسند الشهاب.
(3) رواه الدارقطني في الأفراد.
أرجاء (2/437)
صفحة 1062
438
الفتاوى النكاح
وهناك أيضاً ضوابط تتعلق بالأنساب والأسباب لا بد من مراعاتها، فالتحريم جاء منصوصاً عليه في كتاب الله وعمل لطائفة من النساء منهن من حرمن تحريماً أبدياً بنص القرآن، ومنهن من كانت حرمتهن مؤقتة، فالله تبارك وتعالى يقول: {وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا} [النساء: 22] ويقول الله وعل: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَتُكُمْ وَعَمَّتُكُمْ وَخَلَتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخَ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّن الرَّضَعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآبِكُمْ وَرَبِّبُكُمُ الَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَا بِكُمُ الَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَبِلُ أَبنَا بِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء: 23]، فلا بد من مراعاة الحرمة التي تكون بسبب النسب كالأم والأخت والبنت والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت أو التي تكون بسبب، والسبب قد يكون مصاهرة أو رضاعاً، فتحرم مثلاً بالمصاهرة زوجة الأب وكذلك الجد وإن علا، وزوجة الابن وإن سفل، وأم الزوجة وإن علت وبنت الزوجة، إن سفلت بشرط الدخول، وهنالك حرمة بسبب الرضاع، وقد نص القرآن الكريم على صنفين من النساء يحرمن بسبب علاقة الرضاع وهن الأمهات والأخوات، ثم جاءت السنة النبوية - على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ـ لتضيف أصنافاً أخرى منها ما يتعلق بعلاقة المصاهرة، ومنها ما يتعلق بعلاقة الرضاع، فمن حيث المصاهرة دل الكتاب العزيز على تحريم الجمع بين الأختين، و لكن السنة النبوية أضافت إلى ذلك حرمة الجمع بين البنت وعمتها والبنت
وخالتها، «لا تنكح المرأة على عمتها ولا المرأة على خالتها، لا الصغرى (2/438)
صفحة 1063
بحوث
439
على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى» (1)، وكذلك جاءت السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام - ببيان المحرمات بسبب الرضاع، فقد أخرج الإمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب - رحمة الله تعالى عليه ـ في مسنده الصحيح عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أم المؤمنين عائشة لنا قالت: إن أفلح أخ أبي القعيس هو عمي من الرضاعة استأذن علي فأبيت أن آذن له، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته، فقال: «ائذني له فإن الرضاع مثل النسب»، وقد أخرج الحديث الشيخان البخاري ومسلم من طريق عائشة ا وفي روايتهما، زيادة وهي أن عائشة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، فقال ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ: «إنه عمك فليلج عليك»، وفي بعض روايات مسلم زيادة: وكان أبو القعيس زوج المرأة التي أرضعت عائشة، وجاء في بعضها أن أفلح أخ أبي القعيس عندما استأذن على عائشة قال لها: ائذني لي فإنني عمك، فقالت له: من أين صرت عمي، قال لها: أرضعتك امرأة أخي. فقالت له: أرضعتني امرأة أبي القعيس ولم يرضعني أبو القعيس، ومع هذا عندما أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم قال لها «إنه عمك فليلج عليك». وفي رواية أخرجها الإمام الربيع والشيخان وغيرهم عن طريق عائشة قالت بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي إذ سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة، فقلت له: يا رسول الله هذا صوت رجل يستأذن في بيتك، فقال: أراه فلاناً لعم حفصة من الرضاعة، فقلت له: لو كان عمي فلاناً حياً لدخل علي، فقال: «نعم يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب». وجاء في رواية عند الترمذي يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة»، وجاء أيضاً في في الصحيحين عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم عرضت عليه ابنة عمه حمزة ليتزوجها، فقال: «إنها لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة أرضعتني
(1) رواه الإمام الربيع. (2/439)
صفحة 1064
440
نسمع
الفتاوى النكاح
وأباها ثويبة الأسلمية». وأخرج الإمام مسلم عن طريق علي ـ كرم الله وجهه - أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله مالك تنوق في قريش وتتركنا، فقال: «وهل يوجد فيكم قال: نعم، قال: «من»، قال: بنت حمزة. قال: «لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة». وأخرج البخاري وأبو داود وغيرهما عن أم حبيبة أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله هل لك في أختي، قال لها: «ماذا»؟ قالت له تنكحها. قال: «أو تحبين ذلك؟ قالت: لست بمخيلة وأحب أن يشركني في الخير أختي، فقال لها: «إنها لا تحل لي». فقالت: أولسنا أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة قال لها: «بنت أم سلمة». قالت له: نعم. قال: «لو لم تكن ربيبتي في حجري لما حلت لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأباها ثويبة الأسلمية، فلا تعرضن علي أخواتكن ولا بناتكن من خلال هذه الأحاديث الشريفة يتبين لنا أن حرمة الرضاع منتشرة كانتشار حرمة النسب، لا فارق بين الحرمتين، وعليه فإن المرأة لو أرضعت طفلاً ذكراً فهذا الطفل يصبح ولداً لها، فهي حرام عليه لأنها أمه من الرضاع، تحرم عليه كما تحرم عليه أمه من النسب، وأمها ـ وإن علت - هي حرام عليه لأنها جدته من الرضاع تحرم عليه كما تحرم عليه جدته أم أمه التي ولدته، وبناتها جميعاً ـ سواء التي رضعت معه أو التي كانت قبل ذلك بعشرات السنين أو التي ولدت من بعد رضاعه من تلك المرأة بعشرات السنين ـ كلهن عليه، حرام لأنهن جميعاً أخواته من الرضاع، فهن يحرمن عليه كما تحرم عليه أخواته من أمه التي ولدته، وخالات المرضعة هن خالات، أمه فهن حرام عليه وبنات أبنائها من حرام عليه لأنهن بنات إخوته ـ سواء الذين رضع معهم أو الذين ولدو اقبله بعشرات السنين،. أو الذين ولدوا بعده بعشرات السنين - كما تحرم عليه بنات إخوته من النسب، وبنات بناتها هن بنات أخواته يحرمن عليه أيضاً كما تحرم عليه بنات أخواته (2/440)
صفحة 1065
بحوث
441
عليه
من النسب، وزوج تلك المرأة يكون أباً له من الرضاع، والحرمة تنتشر في نسيبات ذلك الزوج كما تنتشر في نسيبات أبيه الذي ولده سواء بسواء، فأم ذلك الزوج هي جدته فهي حرام عليه لأنها أم أبيه من الرضاع، تحرم كما تحرم أم أبيه الذي ولده، وأخوات ذلك الزوج هن عماته من الرضاع فهن جميعاً حرام عليه، وعمات ذلك الزوج هن عمات أبيه من الرضاع فهن حرام عليه. وخالات ذلك الزوج هن خالات أبيه من الرضاع فهن حرام عليه، وبنات ذلك الزوج - ولو من غير تلك المرأة المرضعة ـ هن أخواته من الرضاع فهن حرام عليه أيضاً، وبنات أبناء ذلك الزوج هن بنات إخوته، وبنات بنات ذلك الزوج من بنات أخواته، فهن جميعاً حرام عليه، وامرأة ذلك الزوج غير تلك التي أرضعته هي امرأة أبيه من الرضاع، تحرم عليه كما تحرم عليه امراة أبيه الذي ولده، ولو قدرنا أن المرأة أرضعت طفلة أنثى، فإن هذه الطفلة تكون بنتاً لها، فتحرم على أبي تلك المرضعة لأنه جدها من الرضاعة، وعلى إخوة تلك المرضعة لأنهم أخوالها من الرضاعة، وعلى أعمام تلك المرضعة لأنهم أعمام أمها من الرضاعة، وعلى أخوال تلك المرضعة لأنهم أخوال أمها من الرضاعة، وعلى أبناء تلك المرضعة ـ سواء الذي رضعت معه أو الذي ولد قبلها بعشرات السنين أو الذي ولد بعدها بعشرات السنين - لأنهم جميعاً إخوتها من الرضاعة، وأبناء بنات تلك أبناء أخواتها من الرضاع فهم كلهم حرام عليها، وزوج تلك المرأة المرضعة يكون أباها من الرضاعة، فهو حرام عليها، وأبوه جدها فهو حرام عليها، وإخوة ذلك الزوج هم أعمامها فهم حرام عليها ـ كما يدل على ذلك حديث عائشة في قصة أفلح أخ أبي القعيس - وكذلك أبناء ذلك الزوج من غير تلك المرأة هم إخوانها من الرضاع، وأبناء أبنائه أبناء إخوتها من الرضاع فهم حرام عليها، وأبناء بناته هم أبناء أخواتها من الرضاع فهم
المرأة
هم
هم (2/441)
صفحة 1066
442
الفتاوى النكاح
حرام عليها، وبالجملة فما يحرم على الراضع من قبل أبيه الذي ولده، ومن قبل أمه التي ولدته، يحرم عليه من قبل المرأة التي أرضعته، ومن قبل زوج تلك المرأة المرضعة لأن الرضاعة كالنسب في انتشار الحرمة لا فرق بين الأمرين، ولكن مع هذا يخطئ كثير من الناس - للأسف الشديد ـ في هذا الأمر، فمن الجهلة من يقول: لا يحرم إلا الرضيع بالرضيع، أي الحرمة تقع بين الطفل والطفلة اللذين كان رضاعهما في وقت واحد، وهذا جهل عظيم، وهو مناف لما دلت عليه السنة ـ على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ـ، ومنهم من لا يعتقد أن الحرمة تنتشر في أنساب ونسيبات زوج المرأة المرضعة، ويعتبرون أنه لا علاقة للزوج بهذا الرضاع، وهذا القول هو في منتهى الجهل، لأن الزوج بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم هو أب للطفل الراضع أو الطفلة الراضعة من امرأته، وكثير من الناس يقعون في المحظور بسبب هذا الجهل، ويتزوجون على غير بصيرة من أمرهم، وينتهي الأمر بعد ذلك إلى الفرقة التي تترتب عليها المشكلة بسبب الأولاد الذين يكونون ضحايا لجهل الأبوين وجهل الأسرتين، فلأجل ذلك يجب على الإنسان عندما الزواج أن يكون على بينة من أمره وعلى بصيرة مما يأتي ومما يذر. وذهب أصحابنا، إلى أن الرجل الذي يزني بالمرأة لا تحل له بعد ذلك بحال من الأحوال، وهذا القول روي عن طائفة من الصحابة - رضوان الله عليهم ـ، فقد روي عن كل من الإمام علي وعائشة أم المؤمنين والبراء بن عازب وابن مسعود، أنه قال: «أيما رجل زنى بامرأة ثم تزوجها فهم زانيان أبداً، ولم يكن ذلك إلا من أجل سد ذريعة الفساد، ولئن كان هذا القول صدر من هؤلاء الصحابة الكرام في ذلك العهد الزاهر عهد الطهر والعفاف وعهد النزاهة والحشمة والوقار، وعهد الحرص على تعاليم الإسلام وتعاليم السنة النبوية، والاشمئزاز من
يقدم
على (2/442)
صفحة 1067
بحوث
443
الرذيلة وعدم الرغبة في الحوم حول حماها، فكيف بالحال في زماننا هذا، الذي انتشر فيه الفساد وغرق الناس فيه إلى الأذقان، أليس الأولى أن يوصد باب الذواقة بين الشهوانيين في حرمانهم من الزواج بعد ذلك، فإنه عندما يعرف كل منهم بأن هذه الذواقة تؤدي بهما إلى الحرمان يتأففان منه، ولو دفعتهم إليه الشهوة، على أن الزواج رابطة مقدسة يجب أن لا تشوبها ريبة وأن لا تحوم حول حماها، فإن القرآن الكريم يبين لنا أن الزواج اطمئنان يقول الله: (وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ، الا الله: أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21]، فالزواج جعله الله الله كنف رحمة، يأوي إليه الرجل والمرأة، وهو سبب للطمأنينة التي تغشى صدورهما، فيطمئن كل واحد منهما إلى الآخر، ولذلك عبر القرآن عنه بهذا التعبير عندما قال تعالى: (لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} [الروم: 21]، بحيث يسكن الرجل إلى المرأة أي يطمئن إليها طمأنينة كاملة، وتسكن هي إليه أيضاً، وأنى لرجل عاشر امرأةً على بساط الدعارة والفجور، وقاسمها الفحشاء ونازعها الرذيلة أن يطمئن إليها في يوم من الأيام؟! وأنى لها أن تطمئن إليه ولو تابا معاً، ومن هنا نجد هذا العلاج علاجاً ناجحاً في إغلاق الأبواب أمام هؤلاء الشهوانيين، الذين لا هم لهم إلا شهواتهم على أن كثيراً منهم كانوا ذئاباً مفترسة، حيث رزؤا الفتيات في أعمار الزهور، وفي أعز ما يملكن وهو
أن
عفتهن وكرامتهن، بسبب اصطيادهم لهن بهذا الأمل الخادع، وهو يكون هذا الشاب لهذه الفتاة في يوم من الأيام فارس أحلامها وشريك حياتها، وإذا به بعدما يرزؤها في أعز ما تملك يرفسها برجله، ولا يبالي بمصيرها، ولربما يكون قد ملأ أحشاءها بجنين يؤرقها بأناته المتصاعدة، والتي تحسها بأحاسيسها ومشاعرها، بسبب المستقبل المظلم الذي (2/443)
صفحة 1068
444
الفتاوى النكاح
ينتظره
ه، فإما أن يكون وئداً في مصحات الإجهاض، وإما أن تكون حياته كلها تعب وعناء واحتقار وازدراء، فلا كرامة له عند الناس، من أجل ذلك كان الحذر ـ كل الحذر ـ من الوقوع في هذا الشباك الخادع أمراً مطلوباً، وكان بجانب ذلك اجتثاث هذه الآمال بصوارم هذه الأحكام من الإدراك العميق لمقاصد الشريعة الإسلامية.
ومن
الأخطاء التي يقع فيها الناس ما يسمى في العرف الشرعي بالشغار، بحيث يشترط هذا على ذاك وذاك على هذا أن يزوج كل واحد منهما الآخر وليته وهذا أمر غير جائز، فإن كان هنالك صداق فإن الصداق كثيراً ما يكون صورياً فقط، بحيث يدفع كل واحد من الأبوين إلى ابنته الشيء اليسير الذي يرضيها به بينما الصداق في الزواج الشرعي لا يدفع من قبل الولي وإنما من قبل الزوج وأيضاً فإن الصداق يجب أن يكون بحسب رغبة المرأة لا بحسب رغبة الولي، فلا يجتاح حقها من أجل مراعاة وليها أو من أجل مراعاة قريبها من أخ أو غيره، وبجانب هذا كله فالشرط هو جزء من الصداق، وكما أنه لا يجوز أن يكون بضع امرأة صداق امرأة أخرى، فكذلك اشتراط امتلاك هذا البضع من أجل تحليل ذلك البضع هو أمر غير جائز لأنه يدخل في الصداق المحظور شرعاً، فيجب التنبه لذلك، على أننا وجدنا العواقب الوخيمة التي تترتب على هذا الزواج، فما يكاد زواج من هذا النوع ينجح قط، بل سرعان ما تكون هنالك خلافات ويكون هنالك شقاق ما بين أحد الزوجين والآخر، هذا الشقاق تحرص الأسرة الأخرى أيضاً على انتزاع ابنتها من الزوج الآخر وإن كانت على وفاق معه.
وبسبب
ومن
الأخطاء أن يلتقي الرجل بالمرأة التي يريد الزواج بها قبل العقد (2/444)
صفحة 1069
وث
445
من غير محرم، في حين أنه قد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة إلا مع ذي محرم»، ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام ـ «ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم»، وقال «إياكم والدخول على النساء». فقال له رجل من الأنصار: أرأيت الحمو يا رسول الله (أي أخو زوجها فقال: «الحمو الموت». أي خطورته على زوجة أخيه كخطورة الموت، وذلك لأن الخلوة بين الرجل والمرأة الأجنبيين مفضية إلى أن تتغلغل وساوس الشيطان في نفس كل منهما، فمن هنا كانت هذه الخلوة محرمةً شرعاً، والناس كثيراً ما يتساهلون في ذلك بسبب أن هذا الرجل هو أخو زوج هذه المرأة، أو هو ابن خالها أو ابن خالتها، أو هو ابن عمها أو ابن عمتها أو هو زوج أختها، فالخلوة في أي حال من الأحوال محرمة لا تجوز، ولكن بمجرد وقوع الخلوة - إن لم تكن مباشرة بالوقاع التي تغيب فيه الحشفة في الفرج - لا تحرم المرأة على الرجل، لأن الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم «العينان تزنيان واليدان تزنيان والرجلان تزنيان ويصدق ذلك أو يكذبه الفرج».
أن
كما أن هناك أخطاء كثيرة تقع في الطلاق، وعلى من يريد الزواج يتعلم أحكام الطلاق ويدرسها قبل أن يقدم على الزواج، لما في الخطأ
في الطلاق من عواقب وخيمة يتجرع الكل مرارتها وغصصها، ونسأل الله تبارك وتعالى العفو والعافية، ونسأله أن يهدينا إلى سواء الصراط، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (2/445)
صفحة 1070
الفتاوى النكاح
تحكيم الحكمين
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي المفتي العام
للسلطنة ... حفظه الله ورعاه،،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فكثيراً ما تعاني المحاكم من دعاوي الشقاق بين الزوجين وفي كثير من الأحيان مما يظهر من مجريات الأحداث يكون من المرأة إما لبغض فيها أو مكابرة إلى غير ذلك مما يؤدي إلى عجز المحكمة عن علاج الموضوع وردهما إلى العشرة السليمة، وهنا يأتي البحث: هل إذا لم يظهر للمحكمة الإضرار من الزوج بل الشقاق من الزوجة وعدم تقبلها الرجوع إلى زوجها لها أن تحكم بالتفريق؟ وفي حالة الحكم بالتفريق ماذا يترتب عليه بالنسبة للصداق؟ وهل الحاكم يطلق أم يجبر الزوج على الطلاق؟
وهل تحكيم الحكمين أمر واجب أم لا؟ فإن قلتم بالوجوب وطلق القاضي قبل تحكيمهما فهل ينقض حكمه أم لا؟
وهل يطلقان إن رأيا ذلك أم يطلق القاضي بناء على رأيهما؟ وهل هما حكمان أم وكيلان؟
وهل قصة ثابت بن قيس وزوجه كان الخلع فيهما حكماً من الرسول صلى الله عليه وسلم رشادًا فقط إذ وردت بعض الروايات بصيغة الأمر «خذ الحديقة»
وفي بعضها «أترضى» وتردين عليه حديقته». وإن كان الأمر يقتضي الوجوب وكان الشقاق منها أو تعذرت معرفته وقلتم بالتفريق فهل ترد عليه ما أخذت منه جميعه أو بعضه أم لا ترد كونه نال منها، ولكل موطؤة صداق؟ (2/446)
صفحة 1071
بحوث
447
وهل نفس حكم القاضي بالتطليق يعتبر إمضاء؟ أم لا بد من مخاطبتها كأن يقول لها: «أنتِ طالق، أو أنتِ مطلقة بأمر الشرع»؟ فإن قلتم بلزوم مخاطبتها بذلك فهل إذا كتب القاضي مثلاً (حکمت بتطليق المدعية أو المدعي عليها من زوجها طلقة بائنة للشقاق وتلا هذا اللفظ في جلسة النطق بالحكم دون أن يخاطبها يكون كافياً ويعتبر بمثابة مخاطبتها أم لا بد من ذلك؟
وإذا بحث القاضي عن مراده في كتابه هذه هل أراد إمضاء الطلاق أم الحكم به فقط ويمضي في وقت لاحق بناء على أن في التقاضي ثلاث درجات وحكمه في الأصل قابل للاستئناف والنقض وأجاب بأنه قصد إمضاء الطلاق من نفس الوقت الذي تلا فيه حكمه فهل يعتبر فعله هذا صحيحاً أم لا؟ نرجو التكرم بإيضاح ذلك وتبصرينا بالرأي المختار مع تمنينا لكم من الله جل وعلا دوام التوفيق والسعادة في الدارين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عبده ورسوله محمد وعلى
آله
إسحاق بن أحمد البوسعيدي
1 - بعد حمد الله تعالى وشكره وإزجاء أكمل الصلاة وأتم التسليم على وصحبه، اعلم أن العلاقة الزوجية علاقة انسجام ووئام لأنها رابطة بين قلبين وواصلة بين روحين فهي تشد روح كل واحد من الزوجين إلى الآخر، وتعطف عليه قلبه قبل أن تجتذب إليه جسمه، وهذا ما دل عليه قوله تعالى: {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21] بل هي امتزاج بين المشاعر واختلاط بين الأحاسيس، لذلك كان كل واحد من الزوجين بعضاً من حقيقة يشملهما معناها كما أنبأ الله تعالى بذلك في قوله: {وَقَدْ أَفْضَى (2/447)
صفحة 1072
448
الفتاوى النكاح
بعضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} [النساء: 21] فإنه تجسيد لهذا المعنى البليغ الذي يصور هذه العلاقة المقدسة أتم تصوير ويؤكده تسميتهما زوجين، فإن الزوج هو ما التكامل والاتحاد بين فردين فإن كل واحد منهما مكمل للآخر
ومكمل به بما يتشاركانه معا بوصالهما من طيب الحياة ونعيمها.
وبقدر هذه النعمة وجسامتها يتفاقم البلاء عندما يتكدر هذا الصفو وتسوء هذه العلاقة بينهما لما يكون من تنافر في طباعهما وحدة في، مزاجهما، فلا تلبث حياتهما أن تتحول من وفاق إلى شقاق ومن نعيم إلى جحيم فلا يتشاركان منها إلا شوكاً وعلقماً.
وبقدر عمق هذه العلاقة ومتانتها تكون مشكلاتها أعمق أثراً وأكثر تعقيداً وأصعب على من يسعى لحلها، فكثيراً ما يلتبس الأمر بسبب هذا الاختلاط في الحياة الزوجية الذي يجعل من الزوجين حقيقة واحدة حتى يتعذر أو يتعسر التمييز بين المسيء والمحسن منهما لأن ما يفضيه كل واحد منهما إلى الآخر لا يكاد يطلع عليه غيرهما، إلا أن صلة القربى التي تكتنفهما من أهليهما تمكن الأهلين أكثر من غيرهما من اكتشاف الغوامض واستظهار الخفايا، لذلك جاء التشريع الرباني العظيم متوائما مع هذا الواقع عندما أمر الله تعالى في قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء: 35] بإشراك أسرتيهما في حل نزاعهما بتمثيل كل أسرة بحكم منها ليستقصي الحكمان أسباب الخلاف ويسبرا مثار الشقاق ويستكشفا عمقه وأبعاده لينظرا فيما إذا كان داؤهما ينجع فيه الدواء فيعالجانهما بما هو أشفى لعلتهما وأقطع لدابرها ليعود إليهما الصفو بعد الكدر والألفة بعد النفرة، أما إن استحكم الداء فيهما حتى استعصى على العلاج ولم يزده من بعضهما إلا استفحالاً وانتشاراً فإن (2/448)
صفحة 1073
بحوث
449
الحل الوحيد في هذه الحالة هو الانفصال لإراحتهما من معاناة دائمة ونكد لا ينتهي إلى حد {وَإِن يَنَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًا مِّن سَعَتِهِ} [النساء: 130] وهو وإن كان مرّاً مذاقه ثقيلاً وقعه فإن الضرورة تلجئ إليه كما تلجئ المريض بداء عضوي إلى بتر عضوه المصاب الذي استفحل داؤه فخيف منه على سائر الجسم لأجل المحافظة على سلامة سائر الأعضاء.
هذا وقد اختلف أهل العلم في هذين الحكمين وصفة وظيفتهما الشرعية أهما محكمان في أمر الزوجين أم هما شاهدان عليهما وموكلان عنهما؟ وبناءً على كونهما محكمين فإن لهما بل عليهما أن يفرقا بين الزوجين إن رأيا تعذر الوفاق بينهما كما أن عليهما أن يسعيا إلى الجمع في حال رجائهما الألفة بعد النفرة والوئام بعد الخصام، وأما على القول بأن وظيفتهما لا تعدو الشهادة على الزوجين أو الوكالة عنهما فلا يسوغ لهما التفريق بينهما لأن بعثهما لا يعدو أن يكون للإصلاح بينهما وتحديد وسائل كبح جماح المشاقق منهما كقطع النفقة عن المرأة حتى تستقيم بعد اعوجاجها وتحسن معاملة بعلها، وفرض النفقة على الزوج مع عدم تمكينه من المرأة إلى أن ينقاد لمطلب الشرع في رفع الإساءة عنها وإمساكها بالمعروف كما أمره الله تعالى، ولكل واحد من القولين نصراء من أهل العلم سلفاً وخلفاً فالقول الأول محكي عن عدد من الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم ـ فقد روي الخلفاء الثلاثة عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، وهو مذهب ابن عباس وقال به سعيد بن جبير وعبد الرحمن بن أبي سلمة والقاضي شريح والنخعي والشعبي وإليه ذهب مالك والشافعي في أحد قوليه - والأوزاعي وإسحاق وأحمد - في إحدى الروايتين عنه، وبالغ ابن كثير حيث قال: «وقد أجمع العلماء على أن الحكمين لهما الجمع والتفرقة»، ودعوى الإجماع مردودة بما نقله ابن كثير نفسه ـ كما رواه من
قضاء عن
ـ (2/449)
صفحة 1074
450
الفتاوى النكاح
قبله ومن بعده - من الرأي المخالف لهذا عن بعض السلف، وسيأتي ذلك إن شاء الله، وقال ابن عبد البر: أجمعوا أن قولهما نافذ في الجمع بينهما بغير توكيل من الزوجين واختلفوا في الفرقة بينهما هل تحتاج إلى توكيل من الزوج أو لا؟».
ومما جاء في هذا ما أخرجه مالك في «المدونة» والشافعي في «الأم» وعبد الرزاق في مصنفه وابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما وسعيد بن منصور في سننه وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في سننه بأسانيدهم المتعددة عن محمد بن سيرين عن عبيدة السلماني قال: «شهدت علياً وجاءته امرأة وزوجها مع كل واحد منهما فئام من الناس، فأخرج هؤلاء حكمًا وهؤلاء حكمًا فقال علي للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتما أن تجمعا فاجمعا وإن رأيتما أن تفرقا ففرقا فقالت المرأة: «رضيت بكتاب الله فيما علي ولي فيه فقال الرجل: «أما الفرقة فلا» فقال علي: «كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به».
وفي «مصنف عبد الرزاق قال أخبرني معمر عن ابن طاوس عن عكرمة بن خالد عن ابن عباس قال: «بعثت أنا ومعاوية حكمين» قال معمر: بلغني أن عثمان بعثهما وقال: «إن رأيتما أن تجمعا جمعتها وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما ورواه ابن جرير الطبري في تفسيره عن عبد الرزاق بإسناده المتقدم وروى ابن جرير أيضا عن محمد بن كعب القرظي؛ أن علياً كرّم الله وجهه قال: «الحكمان بهما يجمع الله وبهما يفرق».
وروى الشافعي في «الأم» والبيهقي في «السنن الكبرى» بإسنادهما إلى ابن أبي مليكة أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة بنت عتبة فقالت: اصبر لي وأنفق عليك فكان إذا دخل عليها قالت: «أين عتبة بن ربيعة؟ أين (2/450)
صفحة 1075
بحوث
451
شيبة بن ربيعة؟ فقال: على يسارك في النار إذا دخلت». فشدت عليها ثيابها فجاءت عثمان بن عفان فذكرت له ذلك فأرسل ابن عباس ومعاوية فقال ابن عباس: لأفرقن بينهما، وقال معاوية: ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف، قال: فأتاهما فوجدهما قد شدا عليهما أثوابهما وأصلحا أمرهما.
ورواه ابن جرير الطبري باختصار.
وروى البيهقي بإسناده إلى علي بن أبي طلحة أن ابن عباس قال: «إن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا فأمرهما جائز» وأخرج الطبري في تفسيره والبيهقي في السنن عن الشعبي أن امرأة نشزت عن زوجها فاختصموا إلى شريح فقال شريح: ابعثوا حكماً من أهله وحكما من أهلها» فنظر الحكمان في أمرهما ورأيا أن يفرقا بينهما فكره ذلك الرجل فقال شريح: «ففيم كانا اليوم؟» وفي رواية البيهقي: «ففيم كنا فيه اليوم؟» وأجاز أمرهما. وروى الطبري في تفسيره عن إبراهيم النخعي أنه قال: «ما حكما من شيء فهو جائز، إن فرقا بينهما بثلاث تطليقات أو تطليقتين فهو جائز، وإن فرقا بتطليقة فهو جائز، وإن حكما عليه بهذا من ماله فهو جائز، فإن أصلحا فهو جائز، وإن وضعا من شيء فهو جائز».
وعن سعيد بن جبير أنه قال: «فما حكما من شيء فهو جائز».
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: «إن شاء الحكمان أن يفرقا فرقا، وإن شاءا أن يجمعا جمعا».
وأما القول الثاني فقد ذهب إليه جماعة منهم: الحسن وقتادة وعطاء وابن زيد وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وداود وهو المشهور عن أحمد وعليه عول الشافعي في «الأم»، وحكي عن أبي ثور واختاره الطبري في تفسيره والبيهقي في سننه وبه قال أصحابنا. (2/451)
صفحة 1076
452
الفتاوى النكاح
ومما جاء في هذا ما رواه الطبري في تفسيره قال: حدثنا بشار قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة عن الحسن - وهو قول قتادة ـ أنهما قالا: إنما يبعث الحكمان ليصلحا ويشهدا على الظالم بظلمه، وأما الفرقة فليست في أيديهما، ولم يملكا ذلك. ورواه البيهقي في سننه بمعناه عن قتادة عن الحسن.
والقول الأول هو أقوى حجة فيما أرى لأنه يعتضد بوجوه:
أولها: أن الله سمى المبعوثين حكمين، والتحكيم يقتضي تفويض المحكم وإسلاس القياد له والرضى بقراره ونفاذ قوله بين المتخاصمين، وهو مما ألفته الأمم ومن بينها العرب قبل أن يكرمهم الله بالإسلام ويقضي على خصوماتهم بحكم القرآن إذ لم تكن لهم محاكم منصوبة لفض نزاعاتهم، ولكنهم - مع ما عرف عنهم من الاحتكام في خصوماتهم إلى سيوفهم ـ كانوا ينزعون أحيانًا منزع العقل ويفكرون في العواقب فيجعلون أمرهم إلى عقلائهم الذين عرفوا بسداد الرأي وتوقد البصيرة والتوسط بين الأطراف في دفع الخصومات ولا يجدون غضاضة في النزول إلى حكمهم والتزام ما يفرضونه عليهم، ولو كان على غير هواهم وهو مما تأصل في عاداتهم وسجله التاريخ عن أقدميهم حتى كانوا يوصون بذلك أبناءهم فيما لو وقع بينهم نزاع، وقد يعينون لهم من يحتكمون إليه من بعدهم كما أوصى نزار بن معد ابن عدنان أبناءه الأربعة - وهم ربيعة ومضر وإياد وأنمار - إن اختلفوا بعده أن يحتكموا إلى ملك نجران الأفعى الجرهمي وقد فعلوا ذلك، واحتكم عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة إلى هرم بن سنان العبسي، وعندما تشاجرت بطون قريش في رفع الحجر الأسود إلى محله عندما جددوا بناء الكعبة المشرفة فكادت سيوفهم تنتضى ودماؤهم تسيل (2/452)
صفحة 1077
وث
453
في البلد الحرام تراجعوا فاتفقوا على تحكيم أول داخل من باب بني شيبة فكان النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي ساقه القدر الإلهي لرأب صدعهم وصون دمائهم وأرواحهم بقراره العادل الأمين الذي انقادوا له جميعاً.
سمع
ومعنى هذا أن الحكم غير الشاهد، فلكل واحد منهما معناه الذي ينساق إلى الذهن تطابقاً مع اسمه ووظيفته الخاصة التي يقوم بها في عمله، إذ الشاهد لا يعدو أن يكون مصورًا للقضية المتنازع فيها بحسب ما وأبصر، وناقلاً إلى الحكم حقيقتها الغائبة في حال الحكم، وأما الحكم فإنه يقضي بين المتخاصمين بما يراه عدلاً وصواباً بعد أن يسبرها وتتكشف له حقيقتها إما باعتراف المدعى عليه أو بالبينة العادلة التي تعضد دعوى المدعي أو بما يراه بناظريه في حال الخصومة بين المتداعيين، وعليه فإن من جعل الحكمين في الآية شاهدين وسلبهما وصف التحكيم المعروف عند العرب الذين نزل بلغتهم القرآن قد أبعد النجعة؛ لأن الله خاطب العرب بلسانهم المعهود وشرفهم إذ جعل لغتهم وعاء كلامه المنزل للهداية والإعجاز فلا يسوغ حمل شيء من ألفاظ كتابه على خلاف المعنى المعهود التخاطب بين العرب اللَّهُمَّ إلَّا أن تدل القرينة على إرادة معنى مجازي آخر وهو أسلوب معهود عند العرب أيضًا، ولكن أنَّى لهم بالقرينة الصارفة للفظ الحكمين عن حقيقته المعهودة؟ وقد أجاد القرطبي حيث قال بعد ذكره نص ما في الآية: «وهذا نص من الله سبحانه بأنهما قاضيان لا وكيلان ولا شاهدان وللوكيل اسم في الشريعة ومعنى وللحكم اسم في الشريعة ومعنى فإذا بيَّن الله كل واحد منهما فلا ينبغي لشاذ ـ فكيف لعالم - أن يركب معنى أحدهما على الآخر.
في
ثانيها: أن هذا القول محكي عن أربعة من الصحابة رضوان الله تعالى (2/453)
صفحة 1078
454
الفتاوى النكاح عليهم ثلاثة منهم من الخلفاء الراشدين ولم أجد أثرًا عن صحابي قط يدل على خلافه، ولا ريب أنه إذا تعارضت الأقوال فإن قول الصحابة أولى بالاتباع إذا لم يختلفوا لأنهم أعلم بكتاب الله وبهدي رسوله، وهو معنى ما حكي عن أبي يعقوب الوارجلاني حمل الله أنه قال مشيراً إلى قبر نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام: «لا تقليد إلا لصاحب هذا القبر وأما الصحابة فهم أولى بالاتباع لعهدهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وأما التابعون فهم رجال ونحن رجال» ثالثها: أن بعث الحكمين إنما شرع فى الكتاب العزيز لاستئصال شأفة الخصام والشقاق ونزع فتيل الفتنة الهوجاء بين الزوجين أن يشب ضرامها وينفجر بركانها، ومن المعلوم أن المصلحة لا تكون دائما في الجمع بينهما فقد تتأصل علتهما ويستحكم داؤهما حتى لا يكون له دواء إلا التفرق، ولذلك شرع الطلاق لرفع الحرج عنهما وقد يكون بقاء العلاقة الزوجية أوغر للصدور وأنكى للجراح وأبقى للخصومة عندما يبلغ تنافرهما حداً يتعذر معه الوفاق بحيث لا يكون إلا مدعاة للاحتكاك المهيج للفتنة، فماذا عسى أن يكون قرارهما في مثل هذه الحالة أيلزمان أن يجمعا بين من لا يريان جمعهما إلا مدعاة لمزيد الخصومة والشقاق واستحكام البغضاء والكراهية؟ أوليس الواجب في مثل هذه الحالة أن يبتا بما يريانه أقرب إلى العدل وأوفق التقوى وأرضى الله سبحانه ثم للضمير الحي، ولا ريب أن الشريعة تدور جلب المصالح ودرء المفاسد وحيث ما كانت المصلحة فثم شرع كما قال ابن القيم.
مع
مع
الله
رابعها أن النص على أن يكون أحدهما من أهله والآخر من أهلها دليل على أن الحكمة في ذلك مراعاة استقصاء أسباب الوفاق والشقاق لأن الأهلين أمكن في ذلك من غيرهم إذ بإمكان الأقربين أن يطلعوا على مكامن (2/454)
صفحة 1079
بحوث
455
سبر
الداء ومناشئ الشقاق التي لا يطلع عليها الأبعدون، ومن خلال ذلك يمكنهم أحوال الزوجين ودراسة أسباب الشقاق بينهما والنظر في إمكان الوفاق أو تعذره والحكم؛ كالطبيب لا بد له من استقصاء العلة لاستئصالها وعلاج كل أحد بما يلائمه فإذا رأى الحكمان أن اجتماعهما مع تنافر طباعهما هو منشأ علتهما المزمنة فلا مجال للعلاج في مثل ذلك إلا بالانفصال إذ ليس من الحكمة أن يعالج الداء بغير دوائه وفرضهما بقاء العلاقة الزوجية بينهما في هذه الحالة لا يعدو أن يكون من علاج الداء بالداء وأنَّى بمثل ذلك يكون الشفاء؟.
أهله
وبما ذكرته في هذا الوجه يظهر أن الراجح عدم جواز تحكيم الأجنبيين منهما مع وجود من هو أهل للتحكيم من أهلهما، وإن ذهب جماعة من أهل العلم إلى خلاف هذا إذ حملوا ما في الآية من كون أحد الحكمين من والآخر من أهلها على الاستحباب لا الوجوب، وليس ذلك بشيء لأنه يودي إلى إلغاء كثير من القيود الواردة في النصوص الشرعية، وذلك مفض إلى التعويل على الآراء في مقابل النصوص.
وبالجملة فإن هذه الوجوه شاهدة على صحة القول بأن للحكمين التفريق كما أن لهما الجمع بحسب ما يريانه من أحوال الزوجين المقتضية لاتباع أحد المسلكين، وبهذا يحل كثير من المشكلات الناجمة عن الخلافات الزوجية لو أحسن الناس الأخذ بهذا التوجيه الرباني وكان في الأسر من أولي البصيرة والفقه من هم أهل لتحمل هذه التبعات.
فإن قيل: ليس ما قلته مسلّما فأما الآية الكريمة فإن الشافعي استدل في كتابه «الأم» على عدم تسويغ تفريق الحكمين للزوجين بما جاء فيها من توجيههما إلى الإصلاح مع عدم تعرضها للتفريق وذلك في قوله تعالى: {إن (2/455)
صفحة 1080
456
الفتاوى النكاح
يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء: (35) وأما ما روي عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم فمنه ما يحتمل أكثر من وجه، ولذلك استدل الشافعي في «الأم» بقول علي كرّم الله وجهه للرجل: كذبت لا والله حتى تقر بما أقرت به على أنه لا يسوغ التفريق إلا بإقراره من كلا الزوجين، كما استدل لذلك بقول علي لمن حضروا ابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها حيث لم يقم وحده ببعث الحكمين وإنما أمر به الزوجين على أن بعض أصحاب الشافعي حكى عنه أنه قال في هذا المحكي عن علي: «وفي هذا الحديث لكل واحد من القولين دليل، أما دليل القول الأول وهو أنه بعثهما من غير رضى الزوجين وقال: «عليكما إن رأيتما أن تجمعا فاجمعا» وأقل ما في قوله: (عليكما) أنه يجوز ذلك، وأما دليل القول الثاني أن الزوج لما لم
يرض توقف علي ومعنى قوله كذبت أنك لست بمنصف في دعواك. قلت: تندفع هذه الاعتراضات كلها بحسن التأمل ودقة النظر أما النص على الإصلاح في الآية مع السكوت عن التفريق فلا يدل على عدم تسويغ التفريق، ذلك لأن المسكوت عنه لا يدل عليه حكم من حيث السكوت وقد فهمت من معنى التحكيم ما يدل أن للحكمين أن يجمعا وأن يفرقا وإنما اقتصر على ذكر الإصلاح لأجل الترغيب في الألفة والتنفير من الفرقة ما وجد إلى ذلك سبيل، وأما ما قاله علي كرم الله وجهه للرجل فقصارى ما فيه أنه ما أراد به إلا زجره على تعنته حيث أبى أن يرضى بما حكم الله به، وإنما أراد به أن يرده للحق الذي أباه ولو كان ذلك من أجل أن التفريق لا يسوغ إلا برضاهما معًا لما كان له أن يكرهه على قبول ما لم يرض به، فإن الصلح لا يكون بإكراه أحد ولو كان الحكمان وكيلين أو شاهدين لما كان معنى لقوله: «أتدريان ما عليكما وإنما كان المناسب في ذلك أن يقول لهما: «أتدريان بما وكلتكما كما نبه عليه ابن عبد البر فى الاستذكار وأما قوله: (2/456)
صفحة 1081
بحوث
457
من
أهلكما
(ابعثوا) فهو لا يدل على أنه خطاب للزوجين وإلا لقال ابعثا بصيغة التثنية مع إضافة الأهل إلى ضمير الخطاب المثنى دون ضمير الغيبة، وإنما قال ذلك ولم يكتف بأن يبعث بنفسه الحكمين لقصد إشراك من معه في القيام بهذا الأمر بانتخاب الحكمين الصالحين من أهليهما كما قصد بيان الحكم الشرعي في ذلك ليعرفه من لم يكن به عارفاً.
وقد يستدل للقول الآخر بأن الطلاق إنما هو من اختصاص الزوج فلا يكون بيد الحكمين إلا إن فوضهما فيه الزوج ولكن يدفع ذلك بأن الطلاق قد يصدر من غير الزوج في أحوال معينة فقد يكون بحكم من القاضي الشرعي لرفع الضرر عن المرأة وقد يكون من الولي في حال تعذر أن يقوم به الزوج إما لغيابه أو لعدم أهليته له وذلك فيما إذا طالبت به المرأة لتضررها ببقائها في عصمة الزوج.
وبهذا التحرير تدرك أن قرار الحكمين يُعد قضاء وبه تخرج المرأة عن عصمة الزوج إن اتفقا على التفريق بينهما ولا يتوقف قرارهما على حكم من القاضي إن كانا أهلين لما وكل إليهما وذلك بأن يكونا عدلين صالحين
فقيهين فإن اختلفا في الحكم فلا عبرة بقرار أحدهما حتى يوافقه الآخر. وليس لهما أن يطلقا أكثر من طلقة واحدة على الصحيح؛ لأن الغرض يتم بها ولبدعية الزيادة عليها في الموقف الواحد غير أنها تكون بائنة بها بينونة صغرى، كما لو طلقها القاضي وروي عن ابن القاسم من أصحاب مالك جواز جمعهما بين التطليقتين والثلاث إن اتفقا على ذلك، وقاله المغيرة وأشهب وابن الماجشون وأصبغ من علماء المالكية وهو قول إبراهيم النخعي كما سبق ذكره. 2 ـ لا يصار إلى تحكيم الحكمين إلا عندما يلتبس أمر الزوجين بحيث (2/457)
صفحة 1082
458
الفتاوى النكاح
لا يعرف المسيء منهما من المحسن أما لو عرف من أساء منهما وترافعا إلى القضاء الشرعي فإن على القاضي أن يردع المسيء منهما ويرده إلى الحق أنفه ولذلك فإن تطليقه للمرأة قبل التحكيم إما لتبينه إساءة الزوج ماض، لأنه بناه على أصل شرعي
رغم
لا فإن كان بعد تبينه ذلك فحكمه
أن
أو
فلا
وجه لنقضه وإن كان عكس ذلك فحكمه جائر إذ لا يسوغ له التطليق قبل تتضح له حقيقة أمرهما ويرد حكمه وينظر في أمرهما فإن اقتضى بعث حكمين لالتباسه بعثا وإلا فلا.
3 - الأصل في تطليق الحكمين إن طلقا ألا يكون مشروطاً برد الصداق إلى الرجل أو بعض منه؛ لأن الصداق حق للمرأة على الزوج لا يجوز غمطها إياه اللَّهُمَّ إلا أن يكون ذلك برضاها على أن الطلاق إنما يكون بثبوت سوء معاملة الزوج لها وفي هذه الحالة لا يسوغ للزوج أن يرزأها شيئاً منه كما نص عليه القرآن في قوله تعالى: {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ) [النساء: 19] وقوله: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} [البقرة: 229] لهذا ذهب أكثر العلماء إلى أنه لا يسوغ أن يحكما بالطلاق مع رد شيء مما آتاها إليه، وذهب إبراهيم النخعي إلى جواز أن يحكما بالطلاق مع رد جميع الصداق أو بعضه كما سبق نقل ذلك عنه، والذي أراه أنه يسوغ الحكم بالتفريق بشيء من المال سواء كان جميع الصداق أو بعضه في حالة واحدة وهي أن يريا تعذر استمرار العلاقة الزوجية بينهما لشدة نفور المرأة عن الرجل لسبب قهري لا تملك دفعه مع إحسان الرجل إليها وعدم تسببه في نفورها؛ لأن هذه الحالة تسوغ أن يسترد منها ما آتاها ليخلي سبيلها بخلاف ما إذا كان نفورها ناشئاً عن سوء عشرته ومبالغته في القسوة عليها. (2/458)
صفحة 1083
وث
459
4 ـ إذا ترافع الزوجان إلى القاضي الشرعي وتبين له موجب التفريق بينهما فإن الأصل أن يأمر الزوج بالطلاق ويجبره عليه إن امتنع إلا إن أصر على الامتناع أو تعذر أن يأمره بالطلاق لغيبته أو كونه يتعذر إحضاره للحكم عليه بسبب من الأسباب فإن القاضي في هذه الأحوال يوقع الطلاق عليها
بنفسه.
ه ـ إذا حكم القاضي بالطلاق من قبله عد حكمه تطليقاً للمرأة فلا يرد قضاؤه ولا تبقى للزوج عصمة النكاح على المرأة إلا إن كان قضاؤه ليس له مسوغ شرعاً، ولكنني أستحسن أن يصرح القاضي بإيقاع الطلاق دفعاً للبس. 6 ـ أما حديث فاطمة بنت قيس وما فيه من الأمر بأخذ الحديقة منها فليس إلزاما لهما بالخلع وإنما أراد به رسول الله صلى الله عليه وسلم الترفق بإرشادهما إلى ما فيه مصلحتهما لما رآه من نفورها عنه ولم يكن ذلك قضاء يوجب عليهما المخالعة وهو مما يتبيّن بالنظر فيما جاء من ألفاظه المروية عنه عليه أفضل
الصلاة والسلام.
هذا ما وضح لي من جوابك أيها الشيخ على هذه الأسئلة التي تضمنها بحثك فانظر فيه ولا تأخذ إلا بعدله والله أسأله لي ولك التوفيق لما يحبه ويرضاه فإنه ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (2/459)
صفحة 1084
[صفحة فارغة] (2/460)
صفحة 1085
الفهرس
مقدمة
فتاوى الزواج
الخطبة
الرضا.
الولي
الصداق
الكفاءة في الزواج
عقد الزواج
الغرر
الزفاف.
حقوق الزوجين
تعدد الزوجات
ما يحل للرجل من زوجته
النفقة (2/461)
صفحة 1086
الفتاوى النكاح
أثر الوطء في الحيض والدبر
المحللات والمحرمات من النساء الجمع بين القريبات
الرضاع
الزنا وأثره على الزواج
نكاح الشغار.
نكاح المحلل.
الزواج بالكتابية.
نكاح المتعة
زواج المسيار
الزواج بنية الطلاق
زواج الإماء
مسائل طبية
الاستمناء
العلاقات الأسرية
الحضانة
النسب
مسائل متنوعة في الزواج
فتاوى الفراق
الطلاق الرجعي
طلاق الثلاث (2/462)
صفحة 1087
الفهرس
تكرار لفظ الطلاق
التهديد بالطلاق
الحلف بالطلاق
الإكراه على الطلاق
طلاق الهازل وفاقد الوعي طلاق المشرك
كنايات الطلاق
الطلاق قبل النكاح
الطلاق بالكتابة
التوكيل في الطلاق
الطلاق بالنية
طلاق الحاكم
التعليق
المراجعة
الإحسان للمطلقة
هدم الزوج الثاني للطلاق
الخلع
الإيلاء
اللعان
الظهار
أحكام الغائب والمفقود
العدة (2/463)
صفحة 1088
الفتاوى
النكاح
بحوث
من قضايا الزواج
تحكيم الحكمين (2/464)
صفحة 1089
سلطنة عمان
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
الفتاوى
المعاملات
لسماحة الشيخ العلامة
أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عمان
الكتاب الثالث (3/1)
صفحة 1090
حقوق الطبع محفوظة
1434 هـ ـ 2013 م (3/2)
صفحة 1091
الفتاوى الفتاوى الفتاوى الفتاوى الفتاوى الفتاوى الفتاويا
الفتاوى
المعاملات
السَمَاحَة الشيخ العلامة
أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عُمَانَ
الإعداد والمراجعة
قسم الفتوى بمكتب الإفتاء وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
الكتاب الثالث (3/3)
صفحة 1092
[صفحة فارغة] (3/4)
صفحة 1093
مقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين، محمد النبي الأمي الأمين، وعلى أزواجه وأصحابه وكافة المؤمنين إلى يوم الدين، أما بعد، فيسر قسم الفتوى بمكتب الإفتاء بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية بالتعاون مع الأجيال للتسويق) أن يقدموا للمسلمين الكتاب الثالث من سلسلة فتاوى سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله تعالى المفتي العام لسلطنة عُمان.
6
وهذا الجزء اشتمل على فتاوى (المعاملات)، وهذا المصطلح إنما استعملوه لبيان الفرق بينه وبين الشعائر التعبدية كالصلاة والزكاة والحج، وإلا فإن المعاملات لا تخرج عن نطاق التعبد، فالتزام المسلم في معاملاته المالية وغيرها بمنهج الإسلام هو تعبد منه الله تبارك وتعالى.
وهذا الباب من الفقه هو محل النظر والاهتمام لتجدد مباحثه وظهور الكثير من المعاملات بفعل حركة الحياة، فكان لزاماً على
الفقهاء بذل الجهد في إنزال النصوص على واقع الحياة بمتغيراتها. (3/5)
صفحة 1094
الفتاوى المعاملات
وعملنا في هذا الكتاب كان
البحث عن فتاوى سماحة الشيخ وكتابتها.
ثم تصنيفها وترتيبها.
تم مراجعتها من قبل سماحة الشيخ، وتعديلها وفق رؤية
سماحته وتوجيهاته.
كما يحتوي الكتاب بعض البحوث والفتاوى الموسعة المتعلقة
بالمعاملات.
والله نسأل أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وآخر دعوانا
أن الحمد الله رب العالمين.
قسم الفتوى
بمكتب الإفتاء (3/6)
صفحة 1095
روح الاقتصاد في الإسلام (3/7)
صفحة 1096
الفاوي (3/8)
صفحة 1097
روح
الاقتصاد
في الإسلام
روح الاقتصاد في الإسلام
الحمد لله خالق الخلق، وباسط الرزق، الذي له ملك السموات والأرض، وبيده الأمر والنهي من محظور ومكروه ومندوب وفرض، أحمده تعالى بما له أهل من الحمد وأثني عليه، وأستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله أرسله بالهدى سراجاً للمهتدين، وإماماً للمتقين، ونعمة على الخلق أجمعين، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فجزاه الله تعالى خير ما جزى نبياً عن أمته، على آله وصحبه. أما بعد، فإن الموضوع الذي نريد أن نتحدث عنه هنا ـ وهو الاقتصاد الإسلامي ـ يعد موضوعاً هاماً جداً في حياة الأمم، لأن الاقتصاد في كل عصر من العصور هو عصب هذه الحياة، لذلك أصبح يحرك السياسات الدولية، ويبدل الأحوال من وضع إلى وضع وقد لقي العناية البالغة في الشريعة الإسلامية التي جاءت من العزيز الحميد، الذي يعلم ما في طوايا هذه النفوس، ويعلم ما في الكون
منهج
إن موضوع المال موضوع مهم جداً وجاء في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن الإنسان يُسأل عنه من أين اكتسبه، وفيم أنفقه (1)؟ لأن الإسلام في الاقتصاد مبني على النظرة السليمة إلى المال وهي أن هذا المال مال الله تعالى رب السموات والأرض، وإنما الإنسان مستخلف فيه، ويدل على ذلك قول الله تعالى: {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِى آتَنَكُمْ} [النور:
(1) أخرجه الترمذي في كتاب صفة القيامة، باب في القيامة (2425) من طريق أبي برزة
الأسلمي. (3/9)
صفحة 1098
الفتاوى المعاملات
133، ويقول سبحانه: {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد: 7]، ولما كان هذا المال مال الله كان الإنسان أميناً عليه، وحرياً أن يتحرى فيه أمر الله، بحيث لا يقدم فيه ولا يحجم إلا ببينة من ربه، فلا يتصرف فيه تصرفاً مطلقاً كما يملي عليه هواه، وجاءت الآيات القرآنية محدّرة من أخذ هذا المال من غير حله، فقد شدَّد الله سبحانه في أمر الربا، وجعله حرباً بين الله تعالى وبين العباد الذين يأكلونه، وحرَّم جميع المكاسب الخبيثة، يقول الله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبوا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَوأُ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَوَأَ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَبِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خلِدُونَ} [البقرة: (275]، وبيَّن تعالى أن الربا، وإن ظنه الإنسان نماء للمال، فما هو إلا ممحقة له، والصدقة التي يتصورها الإنسان نقصاً في المال، ما هي إلا بركة ونماء فيه، فإن الله تعالى يقول: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبوا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) [البقرة: 276]، ويقول عز من قائل: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الربوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأَذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 278 - 279]، ويقول سبحانه في معرض التحذير من أكل أموال اليتامى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10]، ويقول: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَلَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَلِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188]، ويقول: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنكُمْ وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا} [النساء: 29، 30]، وجاء في أحاديث الرسول الكثير من الروايات التي تبيّن مجملات الكتاب العزيز، والتي (3/10)
صفحة 1099
يوم
روح
الاقتصاد
في الإسلام
ذهباً
تحذر مما حذر منه الكتاب العزيز من ذلك قوله ال: «لعن الله الربا وآكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه ثم قال: هم سواء» (1)، يعني في الإثم، وقال: «اتقوا السبع الموبقات» (2)، وذكر من بينها أكل الربا، ويقول: «القليل من أموال الناس يورث النار (3)، وقال: ردوا الخيط والمخيط وإياكم والغلول فإنه عار على أهله القيامة» (4)، وفي الحديث الذي أخرجه الربيع والشيخان من طريق أبي هريرة قال: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر، ولم نغنم ولا فضة إلا الأموال والمتاع، فأهدى رجل من بني الضبيب يُسمى رفاعة إلى رسول الله غلاماً أسود يُسمى مدعماً، فتوجه الرسول صلى الله عليه وسلم نحو وادي القرى، فبينما مدعم يحط رحال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه سهم غرب أصابه فقتله، فقال الناس هنيئاً له الجنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «لا والذي نفسي بيده، إن الشملة التي من المغانم يوم خيبر لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً»، فلما الناس ذلك جاء رجل بشراك أو شراكين فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «شراك أو شراكان من نار» (). والأحاديث في ذلك كثيرة جداً.
أخذها
سمع
وجاء في صلى الله عليه وسلم أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم التحذير من الكثير من الأمور التي يكون منها كسب المال ولكنه مكسب خبيث، فقد حرّم ثمن الكلب وحلوان الكاهن، ومهر البغي وعسب الفحل، وحرّم الرشوة - والإشارة إليها واضحة في كتاب الله تعالى ـ وجعلها من أسباب اللعن، وحذر الرسول صلى الله عليه وسلم من جميع
(1) أخرجه مسلم في كتاب المساقاة، باب لعن آكل الربا ومؤكله (1598). (2) أخرجه البخاري في كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً (2766).
(3) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الإيمان والنذور، باب في الوعيد والأموال (690). (4) أخرجه الإمام الربيع في كتاب: الإيمان والنذور، باب: في الوعيد والأموال (694). (0) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الجهاد، باب: جامع الغزو في سبيل الله (47). (3/11)
صفحة 1100
12
الفتاوى المعاملات
بيوعات الغرر، وحذر من الكثير مما يتصرف فيه الناس لمجرد أهوائهم رغبةً في تنمية المال، وفي كتاب الله ـ أيضاً ـ تحريم الميسر، وقد قرنه الله بالخمر والأنصاب والأزلام: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوةُ فَهَلْ أَنتُم مُنتَهُونَ} [المائدة: 90، 91، فكسب المال إنما يجب أن يكون من طريق طيب نظيف، ومن وجه يفيض بالرحمة وتكتنفه الأخلاق الطيبة، لا من وجه يصبح الإنسان فيه أشبه بالوحوش المفترسة، فذلك يؤدي إلى سخط الله.
هذا والنفوس جبلت على حب المال فالله تعالى جعله قوام الحال وجعل قضاء الحوائج والوصول إلى المطالب من خلاله، فلذلك أشربت هذه النفوس حبه، كما يقول الله في وصف الإنسان: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات: 8]، {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمَّا} [الفجر: 20]، وهذا الحب عندما يتنامى في النفس البشرية يسيطر على جميع جوانبها، في فكرها ووجدانها وأحاسيسها فيصبح حب المال متحكماً في الحياة بأسرها، فتقوده هذه الشهوة إلى الكثير من الأمور التي تؤدي إلى الإرهاب وإشاعة الرعب بين الناس، وتتلف الأنفس وتزهق الأرواح، وتسفك الدماء، وتستباح الحرمات من أجل تنمية المال، وربما وصل الأمر إلى أن تتقطع الصلات بسبب هذا الحب الجارف للمال بين الأقربين، فقد يعتدي الإنسان على أقرب خاصته، ليصل إلى ما بيد أخيه أو حميمه من الثروة من أجل ذلك كله جاء الإسلام بالعلاج الصحيح الذي يجعل هذه الغريزة بناءة بدلاً من أن تكون هدامة، ونجد ذلك واضحاً في وضع القيود لاكتساب المال، فلا يباح للإنسان أن يکتسبه من أي وجه من الأوجه، بل من الوجوه المشروعة فقط، كما جعل الله علاج هذا المرض بالإنفاق حتى يستعلي الإنسان على هذه الرغبة، وحتى (3/12)
صفحة 1101
روح
الاقتصاد
في الإسلام
13
تتفجر في نفسه مشاعر الرحمة، ويكون العطف على الغير من طبيعتها، وجاء القرآن الكريم مبيناً قيمة الإنفاق، وما يؤدي إليه عدم الإنفاق من الخطر العظيم، فالله تعالى جعل الإنفاق في الخير من أسباب القرب إليه، ومن أهم الوسائل التي تبلغ رضوانه، وذلك في قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَأَنَّقَى وَصَدَقَ
إلى ما
بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِرُهُ لِلْعُسْرَى وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى إِنَّ عَلَيْنَا الْهُدَى وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى} [الليل: 5 - 13]، فالله تعالى يبيّن أن من اتصف بصفات الطائفة الأولى كان ذلك سبباً للوصول يصبو إليه كل عاقل من التيسير للحسنى ومعناه أن يتبوأ خير دار، وكما ترون فقد ذكر الله تعالى العطاء مقدماً على التقوى، وذكره مقدماً على الإيمان والتصديق، وذكر في المقابل البخل الذي يؤدي به إلى الإعراض عن التقوى والاستغناء بما في يده عن طاعة الله تعالى، ويؤدي به إلى التكذيب بالحسنى وتكون عاقبته أن پيسر صاحبه للعسرى، نسأل الله تعالى السلامة.
ونجد أن الله تعالى عندما يتوعد الكفرة، لا يتوعدهم على مجرد الكفر، وإنما يتوعدهم على ما يفعلون من هذه الأفعال الخطيرة، فعندما توعد في سورة (ق) كل كفار عنيد قال: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَاعِ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا وَاخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَدِيدِ [ق: 24 - 26]، فأول ما وصف به الكافر أنه مناعٌ للخير، وكذلك عندما يسأل الذين يدخلون سقر، يكون جوابهم: لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَوْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ} [المدثر: 43، 44]، فذكر أولاً أنهم ليسوا من المصلين، وبجانب ذلك أنهم لم يكونوا يطعمون المسكين. فإذاً من أهم واجبات الدين ومن أهم أسباب النجاة والسعادة، إنفاق المال ومن المعلوم أن المال إنما هو مال الله سبحانه، ويجب أن يكون التصرف به مضبوطاً بالضوابط التي أمر الله بها، ومقيداً بالقيود الشرعية حتى لا يخرج عن كونه إنفاقاً شرعياً، فتجد القرآن يوصي بالإنفاق في سبيل الله (3/13)
صفحة 1102
14
الفتاوى المعاملات
- وهو وعاء يشمل كل أنواع البر، قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261]، ولكنه ضبط هذا الإنفاق بضوابط خلقية حتى لا يتلبس بما يحبط الثواب، فيقول تعالى: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُشْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنَا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا
هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 262]، وبين خطورة المن والأذى فيقول: {قَولُ مَعْرُوفُ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ} [البقرة: 263]، ثم يتبع قوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَتِكُم بِالْمَنْ وَالْأَذَى كَالَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابُ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلَدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ) [البقرة: 264]، ففي هذه الآيات حدّر الله تعالى من إحباط العمل بالمن والأذى، فالصدقة يحبطها الرياء والمن الأذى، والذين ينفقون أموالهم مناً وأذى لا يستطيعون أن يتوصلوا بإنفاقهم إلى شيء، لأنه مثل الصفوان ـ وهو الصخر الصلب الذي عليه طبقة خفيفة من التراب - لا يمكن أن ينبت عليه شيء، فإذا نزل عليه المطر كانت العاقبة أن يتكشف عن منظره الكالح بزوال تلك الطبقة الترابية التي تغطيه، فإذا بالأمر يؤدي إلى اليأس من أي فائدة، هذا شأن الذي ينفق ماله رياءً أو مناً أو أذى، فالله تعالى من عليه بأن أعطاه المال، فكيف يمن على غيره؟ بل يجب عليه أن يشكر ربه على تيسير هذا المال، وعلى منه عليه أن أنفقه في سبيل الخير.
والقرآن يحض على الإنفاق مذكراً بأخطر المراحل التي يمر بها الإنسان، ففي معرض التذكير باليوم الآخر الذي تنقلب فيه علاقة المودة إلى عداوة إلا المتقين، يأمر بإنفاق المال فيقول: أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمُ لَا بَيْعُ فِيهِ وَلَا خُلَةٌ وَلَا شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّلِمُونَ} [البقرة: 254]، كذلك في معرض (3/14)
صفحة 1103
روح
الاقتصاد
في الإسلام
15
التذكير بالموت يأمر الله بالإنفاق قبل أن يأتي ذلك اليوم فيقول: {يَتأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَلُكُمْ وَلَا أَوَلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَيْكَ هُمُ الْخَسِرُونَ * وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِي أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَدَفَ وَأَكُن مِّنَ الصَّلِحِينَ} [المنافقون: 9، 10]، فجدير بالإنسان أن يستعد للقاء الموت بالإنفاق في سبيل الله قبل أن يبغته ويتمنى أن يمهل ولو لوقت قصير ليتصدق بشيء وأنى له ذلك؟ وقد أمر الله بإنفاق الطيب، أي المال الذي تتشوق إليه النفس ويميل له القلب، ولا ينفق مما يزهد فيه من رديء المال: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِتَاخِذِيهِ إِلَّا أَن تُعْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيُّ حَمِيدٌ} [البقرة: 267]، وقد بين القرآن أن البر يكون في الإنفاق ما تميل إليه النفس من المال لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران: 92]، وعندما ذكر خصال البر كان المذكور إثر العقيدة إنفاق الإنسان مما يحب من ماله على المحتاجين: لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِتَبِ وَالنَّبِيِّنَ وَعَالَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَنَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ} [البقرة: 177]، وهذه الحقوق من غير الزكاة بدليل أن الله تعالى أتبع ذلك قوله: {وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَوةَ، ومن المعلوم أن العطف يقتضي التغاير بين المتعاطفين، فلا يكون المعطوف عليه عين المعطوف، والله تعالى في معرض الدعوة إلى الإنفاق يبين لعباده أنه يغدق عليهم الخير الجزيل على الإنفاق فيقول: مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [البقرة: 245]، ويقول: {الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 268]، فالشيطان يأمر بالفحشاء، والله يأمر بالخير والبر، ويعد المنفق مغفرة (3/15)
صفحة 1104
16
الفتاوى المعاملات
عليم:
في الدار الآخرة وفضلاً يشمل الآخرة والدنيا، ويبين الله أن كل نفقة فهو بها وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران (92]، والإنفاق في الإسلام متنوع، فمنه إنفاق مقيد وهو الزكاة التي تجب بمرور زمن مخصوص وهو مرور الحول، وهناك إنفاق، مطلق، والقرآن يشير إلى أهمية الزكاة وأنها تضاع من قبل المشركين ويعدهم الله بالويل وقد فرضت في بداية الإسلام ووكلت إلى الأغنياء ينفقونها بقدر ما يرون، ولم يجعل لها حداً، وليس كما يقال إنها فرضت في المدينة، ويدل على ذلك الآيات الكثيرة التي نزلت في مكة مثل سورة فصلت التي نزلت في مكة وفيها: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوةَ} [فصلت: 6، 7]، وفي سورة المزمل: {وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَآتُوا الزَّكَوَةَ) [المزمل: 20]، وما قيل إن هذه الآية من بين آيات السورة نزلت في المدينة غير صحيح، فصدر هذه الآية يدل على نسخ ما فرض في أولها من قيام معظم الليل، وكان ذلك في مكة المكرمة، ثم خفف على الناس وذلك قبل فرض الصلوات الخمس، ثم فرضت الصلوات الخمس ليلة الإسراء، ويقول سبحانه بعد أن بين أعذار الناس الداعية إلى التخفيف عنهم: (وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَآتُوا الزَّكَوَةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [المزمل: (20)، وهناك الكثير من الآيات نزلت بمكة تدل على هذا الفرض، مثل ما في سورة الذاريات وهو قوله تعالى: {وَفي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّابِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 19]، وما في المعارج وهو قوله: في أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّابِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج: (25، 26] ويدل على ذلك أيضاً ما المدينة المنورة مما يدل على أن المرحلة التي أمر الله فيها الناس
في
أُنزل أن يصبروا على ما يلقون من أذى كانوا مأمورين بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وكان ذلك قبل أن يفرض عليهم القتال، وكان ذلك - كما هو معلوم ـ بمكة. والزكاة تؤدي إلى تربية ضمائر الأغنياء حيث تتفجر هذه النفوس بمشاعر الرحمة والرغبة في الإحسان وتستل الأحقاد التي في نفوس الفقراء (3/16)
صفحة 1105
روح
الاقتصاد
في الإسلام
17
الذين يشعرون بالنقمة وحب الانتقام من الأغنياء، فمن حكمة الله أن يسن هذا الإنفاق ليكون هناك تواؤم وانسجام بين طائفتي الأغنياء والفقراء، وبين أن كون المال دولة بين الأغنياء غير مرغوب فيه في الشرع، وأمر الزكاة أمر خطير في الإسلام والوعيد على ترك الزكاة كثير، وجاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمانع الزكاة والمعتدي فيها كمانعها) أي الذي يضعها في غير موضعها الشرعي، وبين الله تعالى أن الزكاة تطهير، قال تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهَرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} [التوبة: 103] على أن تسمية الزكاة تدل على الطهارة والنماء، فمعنى زكا نما، وزكا أيضاً طهر، فهي تربي النفوس على الفضائل وتبتعد بها عن آثار الشح، فترتفع بها ارتفاعاً. والإسلام بهذا النظام المالي يفارق النظامين المشهورين الشيوعي والرأسمالي، فالشيوعية تمنع الفرد من أن يتملك، أما الرأسمالية فتعطيه حرية التملك المطلق، فلا تفرض عليه قيوداً خلقية ولا اجتماعية، بعكس الإسلام الذي أجاز للفرد أن يتملك، لأن هذه سُنة الحياة، ولأن تقدم عجلة الحياة لا يكون إلا بالتنافس على اكتساب الخير، ولكن هذه الملكية مضبوطة بضوابط، فالله تعالى فرض الإنفاق المطلق عندما تكون الزكاة غير سادة حاجة الفقراء ولا بد من إيتائهم المال لأنه جسر يصل الأفراد بعضهم ببعض، وبذلك يكون المجتمع الصالح، فتذوب الفوارق، وتتحطم الحواجز، وتكون الرحمة والإحسان وعلى الإنسان أن يبادر قبل الموت بالإنفاق في سبيل الله، والنفقات المطلوبة كثيرة، فالزكاة المفروضة يجب أن تؤدي، ثم مع هذا هناك ميدان واسع للتنافس بين أهل الخير، فينفق المال على
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الزكاة، باب الوعيد في منع الزكاة (340) من طريق ابن
عباس. (3/17)
صفحة 1106
18
الفتاوى المعاملات
المحتاجين من غير الزكاة المفروضة، وكذلك هناك مجالات أخرى، فإنفاق المال في إنشاء المدارس - ولا سيما المدارس القرآنية والدينية - من أعظم البر الذي يقرب إلى الله تعالى وكذلك إقامة المراكز - ولا سيما في عطل الصيف - من أجل تنافس الطلاب على حفظ كتاب الله واقتناء المعارف الدينية، وكذلك طباعة الكتب، وإنشاء المكتبات وإنشاء جميع مراكز البر، وإنشاء المؤسسات التي تقدم القروض الحسنة البعيدة عن التعامل بالربا .. إلخ، فليتنافس في ذلك المتنافسون، واستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. (3/18)
صفحة 1107
فتاوى البيوع (3/19)
صفحة 1108
الفاوي (3/20)
صفحة 1109
البيع بالتقسيط:
فتاوى البيوع
21
في حالة الشراء بالتقسيط يدفع المشتري الدفعة المقدمة، ولنقل مثلاً أنها خمسة آلاف ريال من أصل خمسة عشر ألفاً، فالباقي هو عشرة آلاف، تقوم الشركة بعدها باحتساب فوائد قسطها بواقع (8?) سنوياً، أي أن فوائد عشرة آلاف في السنة الواحدة هي ثمانمائة ريال تضاف للعشرة آلاف وإن طلب تقسيطها على سنتين ضوعفت الفائدة السنوية، ثم قسمت على سنتين لتحديد مبلغ القسط الشهري وهكذا فما الحكم سماحة الشيخ في هذه المعاملة؟
هذه المعاملة لا يخلو إما أن تكون دائرة بين طرفين فقط، أو تكون دائرة بين ثلاثة أطراف فإن كانت دائرة بين طرفين فهي دائرة بين البائع والمشتري من غير أن يتدخل طرف طالب، وفي هذه الحالة إن كان هذا البيع مجزوماً من أوله بأنه يكون بالأقساط إلى مدة عام أو عامين بسعر كذا، بحيث يزيد السعر إن كان الطرفان اتفقا على أن يكون إلى عامين، ويقل إن اتفقا على أن يكون إلى عام، مع الجزم بأحد الوجهين - كما قلنا ـ فإنه لا حرج في ذلك، فلا مانع مثلاً أن من أحد سلعة بثلاثة بريالات نقداً ويبيعها نسئة يبيع إلى مدة عام بأربعة ريالات، ولكن الممنوع أن تكون العقدة عائمة، بحيث لا يجزم بشيء، وذلك بأن يقول البائع للمشتري: أبيعك هذه السيارة أو هذا البيت أو هذا الشيء أياً كان بعشرة آلاف نقداً وبخمسة عشر ألفاً نسئة إلى مدة كذا، فإن هذه العقدة تكون في هذه الحالة عائمة، وذلك مما يدخل في بيعين في بيع، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعين في بيع، كما جاء في رواية أخرى أنه نهى عن صفقتين في صفقة، وذلك لا يجوز، لعدم البت كما ذكرنا، وجواز هذه الزيادة مشروط بأن لا تكون مطردة، وذلك أنه قد يتأخر المشتري (3/21)
صفحة 1110
22
الفتاوى المعاملات
أن
من تسديد الثمن لسبب من الأسباب فلا يحمل زيادة على السعر الأصل إن تأخر لعسر ـ مثلاً ـ، وإن تأخر لغير عذر فإنه يطالب بالحكم الشرعي يدفع، وإذا تأخر عن الدفع فالقضاء الشرعي يتدخل في هذه الحالة ولو ببيع بعض ما يملك من أجل سداد دينه، أما إن كان هناك طرف ثالث، وذلك بأن يجتمع في هذه الصفقة بائع ومشترٍ وممول، والممول يدفع إلى البائع الثمن على أن يكون المشتري يدفع إليه الأقساط، ففي هذه الحالة يكون الممول مقرضاً ويستوفي ما أقرض بزيادة، وكل قرض جر نفعاً فهو حرام، أبي
مع
كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ففي رواية الإمام الربيع الله عن عبيدة عن جابر بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيعتين في بيعة، وعن قرض جر، منفعة، وقد جاء في بعض الروايات كل قرض جرَّ نفعاً فهو حرام»، ورواية الإمام جابر الله وإن كانت مرسلة إلا أنه لثقته وضبطه وأمانته وكثرة من لقيهم من الصحابة - رضوان الله عليهم - يعد مرسله كالمتصل ـ عند أصحابنا، فلذلك يأخذون بمراسيله ويعتبرونها حجة، هذا اعتضاد ذلك بالإجماع، فإن الإجماع منعقد على أن كل قرض جر منفعة فهو ربا، سواء كانت منفعة مادية أو معنوية، بل حتى لو توصل المقرض إلى شفاعة من المقترض إلى أحد ولولا هذا الإقراض لم يتوصل إليها، فإن ذلك يعد حراماً، ولذلك حرمت ضيافة المقترض للمقرض إن لم يكن بينهما من قبل تداخل وضيافة بحيث يتزاوران وكل واحد منهما يضيف الآخر، وكذلك إن حمله على دابته أو على سيارته بسبب ذلك القرض، فإن ذلك أيضاً يكون حراماً، جاءت بذلك الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم وهي وإن كانت لم تخل من مقال إلا أنها تعتضد ـ كما قلت ـ بالإجماع، وتعتضد بالأقوال المروية عن الصحابة رضوان الله عليهم، وقد ثبت ذلك عنهم، وذلك أنهم جعلوا القرض قربة
إلى الله تعالى لا يأخذ المقرض من المقترض بسببها أي نفع والله أعلم. (3/22)
صفحة 1111
فتاوى البيوع
23
مع
في بعض الحالات بعدما يتفق المشتري مع البائع على السيارة وعلى القيمة يقول له الدفعة المقدمة ألف ريال، فلا يكون معه ألف ريال، فيقدم سيارته القديمة كدفعة مقدمة، ثم بعد ذلك يدفع باقي المبلغ بالتقسيط، فما الحكم في هذه الصورة؟
بيع
السيارة بالسيارة لا بد من أن يكون يداً بيد، لأن بيع الشيء بمثله النسئة (1) مما يدخل في الربا، فلا يجوز بيع الشيء من جنسه إلا يداً بيد،
فبيع السيارة بالسيارة لا بد من أن يكون يداً بيد، فإن كان ذلك يداً بيد، بحث تجعل السيارة في مقابل ألف لا على أن تكون هنالك صفقتان في صفقة واحدة، بحيث يشتري هذا سيارة هذا بألف على أن يبيعه سيارته الجديدة بعشرة آلاف ولكن تكون هذه السيارة جزءاً من الثمن من أول الأمر، فإن كانت جزءاً من الثمن مع إضافة ما تبقى فلا مانع من ذلك، ولا مانع ـ أيضاً بعد ذلك أن يكون باقي المبالغ بالتقسيط، أما أن تكون مشتراة أو مشروطة في البيع والشراء، بحيث يشتري هذا من هذا وهذا يشتري من هذا، مع كون كل واحد من البيعين شرطاً في صحة البيع الآخر، بحيث يكونان في واحدة فذلك غير جائز والله أعلم.
—
صفقة
أنه بعد
لو إنسان أراد أن يشتري سيارة معينة اختارها وعينها ثم ذهب إلى إحدى شركات التمويل وطلب منهم أن يشتروها له بالنقد ووعدهم ذلك سيشتريها منهم، وفعلاً قامت الشركة بشراء السيارة له ثم اشتراها
منهم،
فهل في ذلك من حرج؟ أما إن اتفقا من أول الأمر على صفقة البيع بحيث هو يشتريها من تلك الشركة الممولة قبل أن تشتريها هي من الشركة البائعة فذلك لا يجوز، للنهي (1) النسيئة والنسأة هو التأجيل. (3/23)
صفحة 1112
24
الفتاوى المعاملات
أن
يبيع الإنسان ما ليس عنده وللنهي أن يربح الإنسان ما لم يضمن لكن إن كان ذلك مجرد وعد بحيث إن تلك الشركة تشتريها ثم تبيعها له بعد أن تحرزها ـ بعد أن تمسك مفتاحها - فلا حرج في هذه الحالة، لأنه اشترى ما صار ملكاً لبائعه، وإنما ينهى أن يبيع البائع ما ليس عنده ويشتري المشتري ما ليس عند البائع والله تعالى أعلم.
في بعض الأحيان بعدما يتفقان على السعر يتم دفع مبلغ الأقساط أحياناً باسم الشركة مباشرة وهذا لا إشكال فيه، وأحياناً يدفع لإحدى شركات التمويل التابعة لنفس الشركة كأن تكون بعض شركات السيارات عندها شركات تمويل تابعة لنفس المالك، فهل في هذه الحالة يصح ذلك أم لا؟ لا يخلو الحال من أحد أمرين: إن كانت شركة التمويل تقرض هذا فذلك غير جائز، لأنه قرض جر، منفعة، بحيث تدفع مبلغاً معيناً للبائع ثم بعد ذلك تستوفي بعد فترة أكثر من ذلك المبلغ، وإن كانت الشركة التي يدفع إليها هي بمثابة الوكيل عن البائع فتستوفي حق البائع، ويعود ذلك إلى البائع، من غير أن يكون هناك وسيط بين الجانبين، هذا الوسيط يدفع قرضاً ثم بعد ذلك يستوفي أكثر من ذلك القرض - إن لم يكن الأمر كذلك ـ فلا مانع والله أعلم.
من الإشكاليات التي تدخل في الشراء بالأقساط إشكالية التأمين الشامل، فالكثير إن لم نقل جميع الشركات السيارات لا ترضى أن تبيع بالأقساط إلا بهذا الشرط؛ شرط التأمين الشامل، وكما تعلمون أن الكثير من الشباب ليس عنده القدرة على الشراء بالنقد فهو محتاج للسيارة ومحتاج للشراء بالأقساط، فماذا ترون إذا دخل في عقد البيعة اشتراط أن يؤمن على سيارته تأميناً شاملاً؟ أولاً قبل كل شيء التأمين التجاري سواءً كان تأميناً شاملاً أو غير تأمين (3/24)
صفحة 1113
فتاوى البيوع
25
شامل هو في الأصل غير جائز، وإنما يصار إليه بقدر الضرورة عندما يضطر الإنسان إلى أن يشتري سيارة، على أن يجعل هذه ضريبة يأخذها من يأخذها بغير حق منه، وهو عندما يقتضي الأمر أن يأخذ شيئاً من شركة التأمين فإنه لا يأخذ أكثر مما دفع، وإن أعطي أكثر مما دفع جعل ذلك من المال الذي جهل ربه فيرده إلى فقراء المسلمين، إن كان بهذه الطريقة فلا حرج، فهذا إن كان مضطراً إلى السيارة، وهو ينوي أن يدفع لشركة التأمين لضرورته، على ألا يستوفي منها إذا اقتضى الأمر أن يأخذ شيئاً إلا مقدرا ما أخذ فحسب، فنظراً إلى ضرورته إلى السيارة مع نيته هذه فلا حرج في ذلك والله أعلم. في بعض الحالات تقوم الوكالة بتأمين السيارة بنفسها وإدخال قيمة التأمين ضمن المبلغ العام للشراء أو تعتبره مجانياً كوسيلة للترغيب في الشراء، فما الحكم في ذلك؟
ما دام هو غير راض بالتأمين، وهي بنفسها تدفع ذلك، فأمر ذلك إليها بنفسها والله أعلم.
مسألة الرهن في بيع السيارات فإنه بعدما يتم البيع، يكتب في الملكية أن السيارة مرهونة لمصلحة كذا، وتكون السيارة في قبضة المشتري يستعملها كيف شاء، فما الحكم في ذلك؟
ينبغي
ألا يكون شرط الرهن داخلاً صفقة في
البيع حتى لا يكون عقدان
تتم
صفقة
في عقد: عقد الرهن وعقد البيع، وإنما تكون صفقة الرهن بعد أن البيع بسبب عدم قدرته على الوفاء وهذا للاحتياط، وإلا فقد أجاز أهل العلم أن يشترط الرهن للمبيع إلى أداء الثمن إن لم يكن حاضراً، وتكون الملكية بيد المرتهن في هذه الحالة، والأصل في الرهن ألا يكون بيد الراهن ولكن بيد المرتهن، لقوله تعالى: فرهان مقبوضة، وإنما وقع الخلاف
بين
أهل (3/25)
صفحة 1114
26
الفتاوى المعاملات
العلم في جواز أن يكون الرهن في يد طرف ثالث غير المرتهن وغير الراهن باتفاقهما، ولكن عندما يكون الرهن من أمثال السيارات - الأشياء التي فيها ملكية - فالمقصود من الرهن الاستيثاق من إمكان استيفاء صاحب الحق من حقه، فلا مانع من أن يكون هذا الرهن رهناً غير منتقل، إنما يمنع بموجبه المالك من التصرف، وتكون ملكية العين المرتهنة بيد المرتهن، أو أنه يسجل
فيها عدم إباحة التصرف في العين المبيعة إلى أن يؤدي ثمنها والله أعلم. من المتعارف عليه أنه إذا اشترى إنسان سيارة بالأقساط ثم أنه استطاع بعد ذلك أن يدفع المبلغ كاملاً في أي وقت فإنه مباشرة يتم تنقيص المبلغ الذي اشترى به، فما الحكم في الحكم في ذلك؟
إن كان ذلك مشروطاً في صفقة البيع فلا يجوز، لأنه مما يدخل في بيعين في بيع، وأما إن كان غير مشروط في صفقة البيع وإنما ذلك يتم فيما بعد ففيه خلاف بين أهل العلم، مع أنه ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما أراد جلاء بني النضير عن المدينة المنورة تعلق بهم الأنصار الحقوق كانت لهم عليهم فأمر النبي الأنصار أن يحطوا ويتعجلوا، ولكن هذه الروايات طعن فيها وقيل بأنها لا تصح، إلا أن الأصل عدم المنع، ولا دليل يمكن أن يستند عليه يدل على المنع وعليه فإن أصل الإباحة يقوي الرواية السابقة ويعضدها، فلا مانع من ذلك، ولكن بشرط ألا يكون تشارط على هذا في أثناء صفقة البيع ـ كما تقدم ـ والله أعلم.
هل الشراء بالأقساط يعتبر ربا مع العلم بأنه لو دفعت جملة واحدة لكان أقل تكلفة، أما بالأقساط فإنه يزيد المبلغ؟
ليس ذلك ربا، ولا حرج فيه إن اتفق المتبايعان على السعر من أول الأمر والله أعلم. (3/26)
صفحة 1115
فتاوى البيوع
27
كنت أمتلك منزلاً ثم بعته بسبب الديون والآن أولادي يريدون شراء منزل لي عن طريق البنك وذلك على حسب الاتفاق الذي تم بيننا سيتم شراء منزل من قبل البنك بقيمة 0 2 ألف ريال) وسأشتري المنزل نفسه من البنك بقيمة (25) ألف ريال)، هل يجوز هذا الشراء؟ أم لا يجوز؟
إن كان البنك يشتريه ويقبضه ثم يبيعه له بما يتفقان عليه من الثمن فذلك جائز، وإلا فلا والله أعلم.
هناك بعض الشركات التي تقوم بأنشطة التمويل لأغراض البناء وشراء السيارات دون أن يكون ذلك ظاهراً على مسماها، وتقوم هذه الشركات بممارسة عملها كالتالي:
يتقدم المشتري بطلب شراء سيارة معينة قيمتها 10,000، علماً بأن لديه 5000 حالياً، طالباً أن تتحمل الشركة مبلغ
يحضر البائع والمشتري إلى المكتب يوقع عقد بيع داخلي بين الشركة والبائع بمبلغ 10,000 ويسلم الملكية إلى الشركة، تقوم الشركة بتسليمه مبلغ 10,000.
يتم تحديد السعر الذي سيدفعه المشتري إلى الشركة بواقع المبلغ المتوفر (5,000) والمبلغ الذي تحملته الشركة (5,000) مضافاً إليه 7?
مثلاً،
سنوياً ولمدة سنتين
وتكون النتيجة كالتالي:
=
7 × 5000
= 175:
?2500 × 7
350 في السنة الأولى
في
السنة الثانية
المبلغ المستحق
=
5000 × 525 = 5525 ريالاً.
القسط الشهري = 24/ 5525
=
9 (3/27)
صفحة 1116
28
الفتاوى المعاملات
تكتب الشركة عقد بيع داخلي آخر من الشركة إلى المالك الجديد، ويقدم المالك الجديد شيكات شهرية بالمبلغ المطلوب وللمدة المتفق عليها، علماً بأنه يدفع أيضاً تأميناً.
يتم تغيير الملكية من المالك الأصلي إلى المالك الجديد دون ورود اسم الشركة.
عند سؤال ممثل الشركة عن الفرق عن الشركات السابقة يقول إن المفتي قد أفتى بذلك، وأن الله أحلّ البيع وحرم الربا.
والسؤال الذي يدور في ذهني ما الفرق والنتيجة واحدة، فبالنسبة للشركات الأخرى تدفع أنت الخمسة آلاف للمالك الأصلي وتدفع الشركة له الباقي ثم تدفع أنت للشركة شيكات بالمبلغ المتبقي مع إضافة 7، الفرق فقط هو العقد الصوري الداخلي، فالنتيجة واحدة وهي أن الشركة تحملت عنك 5000 وردتها لها بفائدة 7? في السنة. والنتيجة أننا نوهم أنفسنا بهذا التحايل على الدين بأن العملية بيع وشراء، ونحن نعلم أن المسألة فيها مستفيدون هما ركنا الربا هنا، الشركة وهي في الحقيقة لم تشتر السيارة وإنما كان شراؤها بهدف التمويه وهو مرتبط بالشراء الثاني والمشتري الأصلي الذي كان بحوزته 5000 وأخذ 5000 وردها بفائدة.
وهم
فنرجو منكم التوضيح لما لهذا الأمر من أهمية للحياة اليومية للشباب المسلم، وحتى لا يستغل الشباب المسلم من حيث لا يحتسب، والله يوفقكم؟
لم أُفتِ بجواز هذه المعاملة، فإن ذلك هو عين الربا، وإنما قلت بأن الطريقة السليمة أن تشتري الشركة السيارة وتضمنها وتستلمها ثم تبيعها لمن (3/28)
صفحة 1117
فتاوى البيوع
29
أراد أن يشتريها سواء نقداً أو نسيئة بالثمن الذي يتفق عليه الطرفان، ويجوز رفع الثمن - لأجل الإنساء ـ أكثر من قدره عندما يكون نقداً، ولا بد من أن تكون الصفقة الثانية بعد الصفقة الأولى وبعد القبض والله أعلم.
ما قولكم في شراء السيارة بالأقساط، حيث تبيع الشركة السيارة للبنك، والمشتري يدفع شيكات للبنك، ولكن يسلم الشيكات للشركة، والشركة تدفع للبنك، فهل يجوز ذلك؟
أما إدخال طرف ثالث في البيع وهو البنك فذلك غير جائز، إذ البيع إنما هو بين طرفين البائع والمشتري، وأما اتفاق المشتري والبائع على أن يشتري منه سيارة بالأقساط بقيمة معينة يحددانها من أول الأمر، وهي أوفر من قيمة النقد، فلا مانع من ذلك والله تعالى أعلم.
يجيز بعض العلماء شراء السلع المختلفة بالأقساط وهو ما يعرف بالبيع الآجل. وفي هذه الحالة يكون سعر السلع أعلى من سعرها في حالة نقداً، البيع وهو ما يعرف بالبيع العاجل. فما قولكم في ذلك؟ لا مانع من ذلك بلا خلاف إن كان السعر متفقاً عليه من أول الأمر
والله أعلم.
رجل اشترى سيارة من الوكالة بخمسة آلاف ريال عماني نقداً، لكي يبيعها لشخص آخر بستة آلاف ريال ـ أقساطاً ـ لمدة سنتين، هل هذا جائز؟ وإذا كان جائزاً هل يلزم أن تكون أولاً باسم المشتري الأول ثم تحول إلى المشتري الثاني؟
لا مانع من ذلك إن كان لا يبيعها إلا بعد، قبضها، ولا فرق بين حكمي النقد والنسيئة في ذلك والله أعلم. (3/29)
صفحة 1118
الفتاوى المعاملات
اشترى بنك تجاري منزلاً بمبلغ خمسة عشر ألف ريال عماني، واتفق مع شخص ما على أن يشتري ذلك المنزل من البنك بمبلغ وقدره عشرون ألف ريال، على أن يدفع خمسة آلاف ريال عماني مقدماً للبنك،
والباقي على هيئة أقساط لمدة ست سنوات. هل يعتبر هذا من الربا؟ إن كان اشتراه بعدما تملكه البنك فلا حرج في ذلك، وإن كان اشتراه قبل ذلك فهو من باب بيع ما ليس عندك والله أعلم.
أراد شخص بناء منزل، فقال له المقاول: إن كنت ستدفع لي المبلغ بعد شهرين فقيمة البناء بعشرة آلاف ريال، وإن كنت ستدفع المبلغ على هيئة أقساط شهرية فسيرتفع المبلغ إلى خمسة عشر ألف ريال، فما حكم
هذه المعاملة؟
أما أن تكون العقدة عائمة هكذا فذلك غير جائز، وأما إن تعاقدا على أحد الأمرين فهو جائز والله أعلم.
شركة تقوم بأعمال البناء والخدمات على النحو التالي:
يتقدم الشريك بطلب بناء منزل، له ويتم تحديد السعر وإخبار العميل بأن سعر البناء نقداً كذا، التقسيط كذا ـ مثلاً؟ لمدة 5 سنوات وسعر بمبلغ كذا، بشرط أن لا تزيد المدة عن 90 شهراً. بعد ذلك تقوم الشركة بعد الاتفاق وإبرام العقد مع الشريك بأحد الأعمال التالية، بعد أن يدفع الشريك %30? من قيمة المنازل كدفعة مقدمة.
1 - تقوم الشركة ببناء المنزل بنفسها. 2 - تقوم الشركة بالتفتيش عن مقاول أو شركة تقوم بعملية البناء نيابة عن الشركة وعمل عقد بين الشركتين على أن تتحمل الشركة الأولى (3/30)
صفحة 1119
فتاوى البيوع
الرقابة وضمان البناء، ودفع المبلغ نقداً للشركة أو المقاول الثاني.
31
مع
فهل يلزم إخبار الشريك طالب البناء بالمقاول وسعر البناء نقداً الشركة الثانية؟ وهل يجوز أن يرشح الشريك مقاولاً لآخر يطمئن إليه ليتعامل مع الشركة لبناء بيته بدلاً أن تختار الشركة الأولى المقاول المنفذ؟ علماً بأنه في بعض الأحيان تتحمل الشركة الأولى مثلاً بعض الأعمال ويخصم من السعر، مثلاً تتحمل أعمال الحفر أو الخشب أو بعض الآلات والمعدات وغيرها؟
مع
1 - إن كانت الشركة هي التي تقوم ببناء المنزل فلا غبار على ذلك، التقيد بجميع الأحكام الشرعية في المعاملات، لأن حكمها في هذه الحالة حكم المقاول والله تعالى أعلم. 2 - أما إن اتفقت مع مقاول يقوم بالعمل مع دفعها المبلغ المتفق عليه نقداً إليه واستيفائها من الشريك أكثر منه بالأقساط، فإن كان ذلك الفارق لأجل الزمن وحده الذي تسدد فيه لأقساط فذلك من باب القرض الذي جر منفعة، وهو حرام بالإجماع، وإن كان لأجل وساطة الشركة بين الشريك والمقاول مع قيامها بالإشراف أو مشاركتها في العمل بجزء منه أو بشيء من المواد التي يتطلبها البناء فلا مانع من ذلك، وللشريك حق اختيار المقاول أو ترشيحه والله أعلم.
3 - أما شراء الشركة لبيت اختاره الشريك نقداً، وبيعه له أقساطاً بأكثر من سعره الذي اشترته به فهو جائز. بشرط أن يكون البيع الثاني بعد تمام البيع الأول، بحيث لا تتم صفقته إلا بعد الصفقة التي بين البائع الأول والشركة، ودخول البيت في ضمان الشركة واستحقاقها لمنافعه شرعاً، على أنه ينبغي أن يكون البيع الأول بإشهاد أو مكاتبة ولو بصفة عرفية (3/31)
صفحة 1120
32
الفتاوى المعاملات
بين البائع والشركة المشترية، ولا مانع من أن تكون الكتابة الرسمية ونقل الملكية بعد تمام الصفقة الثانية من البائع الأول إلى المشتري الثاني مباشرة والله أعلم.
ما حكم التعامل مع بعض الشركات التي تقوم بتمويل بعض الأشخاص في عمل مشروع معين، مثال ذلك شخص يريد فتح مخبز بتكلفة وقدرها عشرون ألف ريال، حيث تقوم هذه الشركة بشراء أدوات المخبز بنفس التكلفة (عشرين ألف ريال) وتدفعه إلى الشخص على أن يقوم هذا الشخص بدفع أقساط شهرية لهذه الشركة خلال فترة محددة، ويقوم كذلك بدفع فوائد محددة إضافية لهذه الشركة، بحيث يصل المبلغ إلى ثلاثة وعشرين ألف ريال تقريباً؟
إن كان العقد عقد
بيع
فلا مانع من
ذلك إن كانت صفقة البيع تمت بعد
ابتياع الشركة للأدوات وقبضها وأمَّا وإن كان تم ذلك بطريق القرض فلا يجوز لأنه قرض جرّ نفعاً والله أعلم.
إذا اشترى شخص سيارة بالأقساط، وبعد فترة من الزمن؛ أي بعد سداد عدة أقساط، حصل على مبلغ من المال فأراد أن يذهب إلى البائع ويسدد الأقساط المتبقية جملة واحدة، وبما أن جميع سعر النقد أقل من سعر الأقساط، فإن البائع يخفض من قيمة المبلغ المتبقي، فما قولكم في
له
ذلك؟
لا مانع من ذلك على الراجح، لأنه من باب الحط والتعجل والله أعلم. ما حكم شراء السيارات بالأقساط الشهرية من الوكالة؟ وما حكم ذلك من طريق شركات التمويل الاستثمارية؟
مع العلم بأن كلا الجهتين؟ تأخذ أرباحاً من المبلغ المقسط، وهل هناك شروط لصحة عقد شراء السيارات من الوكالة؟ (3/32)
صفحة 1121
فتاوى البيوع
33
إن اشتراها من الشركة مع الاتفاق على الثمن المقطوع فلا مانع منه، وأما شركات التمويل فإن اشترتها أولاً وحازتها ثم باعتها له فذلك جائز، وإن كانت تدفع الثمن وتأخذ زيادة عليه، فذلك قرض جرّ منفعة فهو ربا والله أعلم. سداد المبلغ
يتم
تقوم الشركة ببيع منزل أو سيارة بمبلغ معين، على أن على أقساط خلال سبع سنوات، وبعد مضي سنتين تيسر الحال عند العميل وأراد أن يدفع المبلغ نقداً، فتقوم الشركة بتخفيض المبلغ الذي عليه، ويقوم بالإذن بتخفيض المبلغ الإدارة التنفيذية، متمثلة العام، وذلك بتخويل من الشركاء له باتخاذ جميع المعاملات التي في
صالح الشركة والعملاء؟
هي
في
المدير
رخص في ذلك جماعة من أهل العلم، وهذه مسألة «حطوا وتعجلوا» المشهورة عند الفقهاء، ولا مانع من الأخذ بها، إذ لم يأت دليل على المنع، وذلك مشروط بأن لا يكون متفقاً عليه عند عقد البيع والله أعلم.
نود من سماحتكم بيان الحكم الشرعي في شراء السيارات بالأقساط الشهرية ولفترة معلومة وبنسب سنوية ثابتة، حيث تقوم وكالة بيع السيارة بعرض مشروع تمويل عملية الشراء على أكثر من شركة تمويل، من بينها بنوك، ويبلغ المشتري بنسب الفوائد السنوية التي تعرضها كل شركة على حده ليختار الأنسب أو المتدنية من بينها، مع إمكانية المساومة لتخفيض نسب الفوائد المعروضة، كما أن النظام المتبع أصبح يقتضي بأن يكتب المشتري السندات (الشيكات) الشهرية باسم البنك أو شركة التمويل التي ستستردّ الوكالة أموالها منها، مع أنه بحسب ما يتبادر فإن الجهة الممولة تقوم بشراء السيارة من الوكالة بالنيابة عن المشتري ثم تبيعها له بمبلغ أكبر في مقابل السداد الآجل، ويدون على (3/33)
صفحة 1122
34
الفاوي
المعاملات
ملكية السيارة بأنها مرهونة لجهة التمويل أي أنّ تلك الجهة شريك في امتلاك السيارة حتى سداد قيمتها كاملة، بمعنى أن التعامل وفق ما تقدم أصبح بين المشتري وجهة التمويل بشكل شبه مباشر، من ناحية أخرى فإنه من المتعارف أنّ المشتري إذا استطاع تسديد كامل المبلغ أو جزء منه قبل موعده فإن جهة التمويل تقوم بتخفيض جزء من المبلغ المضاف على القيمة النقدية الأصلية للسيارة؟
وأخيراً، يُلزم المشتري بالأقساط أن يقوم بتأمين السيارة على مدى سنوات السداد تأميناً شاملاً تحدد قيمته تبعاً لقيمة السيارة؟
يبيع
التعامل على هذا النحو فيه كثير من الوجوه المحرمة، منها: أن هذه العقدة مترددة بين البيع والقرض، فإن التمويل في حقيقته قرض، فإن ترتبت عليه زيادة فذلك عين الربا، وإن كان بيعاً فإنه لا يجوز لأحد أن ما ليس عنده، بل إن كان المبيع مما يقبض فليس له أن يبيع ما لم يقبض، لثبوت النهي عن ذلك في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم)، ومن ناحية أخرى فإن الاتفاق على أن تكون السيارة مرهونة للممول حتى يستوفي حقه إن اعتبر الممول بائعاً كان ذلك شرطاً زائداً في البيع، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن شرطين في بيع (2)، وكذلك تشارط الحط من الثمن مع تعجيل الوفاء إن دخل في صلب العقد كان حراماً، والحلقة الأخيرة في سلسلة هذه المعاملة اشتراط التأمين الشامل، وكفى به، فينبغي للعاقل تفادي هذا الأمر والله
المستعان.
وبيع
(1) أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب: بيع الطعام قبل أن يقبض ما ليس عندك (2135)، ومسلم في كتاب البيوع، باب بطلان بيع المبيع قبل القبض (1525) من طريق
ابن عباس.
(2) أخرجه الإمام الربيع في كتاب البيوع، باب: بيع الخيار وبيع الشرط (569). (3/34)
صفحة 1123
فتاوى البيوع
35
1 ـ ما هو الحكم في رجل اشترى سيارة وتم التبايع بالطريقة التالية: ذهب هذا الرجل إلى الشركة الموردة للسيارة واختار منها نوع السيارة ودفع الدفعة المقدمة مبلغاً وقدره 600 ريال، وبعد ذلك قيل له ستدفع الأقساط عن طريق شركة للتأجير، وفعلاً ذهب إلى تلك الشركة وتم توقيع الشيكات في تلك الشركة، وهي الآن تتقاضى الأقساط على أنها الشركة المالكة للسيارة، علماً إنه لا يعلم أن السيارة قد انتقلت باسم
الشركة.
فما هو الحكم، وماذا عليه، وهو الآن يمتلك السيارة هل يبيع السيارة أم كيف يتصرف لكي يستبرئ لدينه؟
إن كانت الشركة تدفع إلى الجهة البائعة مبلغاً من المال نقداً ثم تأخذ بالأقساط أكثر منه من مشتري السيارة، فذلك من باب القرض الذي جرّ منفعة، وهو حرام بلا ريب، إلّا إن كان الدفع والاقتضاء سواء، ولا يمكن أن يقال بأن الشركة الممولة أصبحت مالكة للسيارة بتمويلها، لأنها لم تشتر هي السيارة ولم تقبضها من الجهة البائعة والله أعلم.
في
2 ـ ما هو الحكم إذا اتفق مع أخيه بأن يشتري السيارة من شركة بحيث تنتقل السيارة باسم أخيه، وبعد ذلك يشتريها منه بالتقسيط، علماً أن الأخ سيشتري نقداً بالمبلغ المتبقي؟
إن كان أخوه يشتريها نقداً ثم يبيعها له بعد القبض بالأقساط، فلا حرج ذلك والله أعلم.
اشتريت سيارة جديدة من الوكالة، ودفعت جزءاً من المبلغ، على أن أدفع المبلغ المتبقي بالتقسيط الشهري، وقالت لي الوكالة إن المبلغ المتبقي (3/35)
صفحة 1124
36
الفتاوى المعاملات
عليك سوف تقوم بدفعه إلى شركة مختصة بالتمويل، ولما ناقشت الأمر معهم قالوا لي بأن هذا هو النظام المعمول به الآن، وأن الشركة ستقوم بدفع المبلغ المتبقي عليك نقداً للوكالة، وأنت بدورك تسدد الأقساط للشركة، علماً بأن الشركة زادت على قيمة السيارة مبلغاً آخر نظير طول
مدة التقسيط.
فما الحكم في ذلك، وكيف الخلاص إن كنت قد وقعت في ذلك؟ إن كنت اتفقت مع الشركة الممولة على أن تقوم هي بدفع الثمن نقداً على أن تدفعه إليها بالأقساط وبالزيادة فأنت في هذه الحالة واقع في الربا المحرم، وكذلك إن أبرمت هذا الاتفاق الشركة البائعة ورضيت أنت به، أمّا الشركة البائعة على البيع بالأقساط من أول الأمر بالقيمة مع اتفقتما عليها، من غير أن تكون على علم باتفاقها هي مع شركة أخرى، فأنت إذاً مشتر بثمن معلوم تدفع أقساطه في الأصل إلى البائع، فإن أمرك بدفعها إلى آخر فذلك مجرد إحالة، فإن كان بينهما اتفاق على ربا فإثمه على المتفقين والله أعلم.
إن كان اتفاقاً
التي
شخص أراد أن يشتري سيارة من إحدى الوكالات بقيمة أربعة آلاف ريال عماني، على أن يدفع نصف المبلغ نقداً والنصف الآخر أقساطاً شهرية. والطريقة المتبعة في الوكالة أن يتم الاتفاق بينها وبين المشتري بعد تعيين السيارة، على أن يدفع الأقساط من المبلغ المتبقي لطرف ثالث هي إحدى شركات التمويل.
1 - ما رأي الشرع في دخول الطرف الثالث في عقد البيع؟
إن كان الطرف الثالث يمول ليتقاضى أكثر مما دفع فذلك لا يجوز قطعاً، لأنه قرض جر، منفعة، وهو حرام بالنص والإجماع والله أعلم. (3/36)
صفحة 1125
فتاوى البيوع
37
2 - هل يصح العقد شرعاً إذا اشترطت الوكالة الزيادة في المبلغ المتبقي حالة التأخر في دفع أي قسط شهري؟
لا يجوز ذلك، وإنما يجوز اتفاق الطرفين على مقدار الثمن والأقساط من أول الأمر والله أعلم.
3 ـ ما حكم مجرد وجود هذا الشرط في عقد البيع ولو لم يضطر إليه
المشتري؟
بما أنه عقد محرم فهو غير جائز والله أعلم.
4 ـ ما الحكم في وجود هذا الشرط عرفا دون التنصيص عليه في المتعارف عليه كالمتفق عليه فلا يجوز بحال والله أعلم.
عقد البيع؟
تشترط أغلب وكالات بيع السيارات في حالة الشراء بالأقساط، أن يتم عقد البيع أو الشراء عن طريق طرف ثالث في العملية وليس مباشرة، فما رأي الشرع في ذلك؟
إدخال طرف ثالث بين المتبايعين بالأقساط، من أجل دفع الثمن واستيفاء ما هو أكثر منه، يعد من ضروب الربا والله أعلم.
شخص أراد أن يشتري سيارة من الوكالة فوجدها نقداً بمبلغ وقدره 5,700 ريال تقريباً، وبالتقسيط بمبلغ 7,500 ريال تقريباً، هل يصح لرجل آخر أن يشتريها نقداً ويبيعها للشخص السابق حسب الاتفاق بينهما، بحيث يستفيد الجميع من ذلك؟ وهل هناك فرق بين أن يتم الاتفاق بين الطرفين في الثمن قبل قبض السلعة أم لا؟
إن كان الرجل يشتري السيارة ويقبضها فلا مانع أن يبيعها بعد قبضها (3/37)
صفحة 1126
38
الفتاوى المعاملات
لمن يشتريها بالأقساط، ولا قيمة لاتفاقهما قبل البيع، لنهي الإنسان عن بيع ما ليس عنده والله أعلم.
إذا كان من البيوع المحرمة وشخص اشترى سيارة بهذه الطريقة، هل يقوم ببيعها ويخسر مبالغ كبيرة بسبب البيع؟ أو يبقى على سيارته ويتوب إلى الله حيث إنه لا يعلم بحرمته؟
إن كان أقدم على ذلك عارفاً فعليه التوبة والله أعلم.
رجل أراد أن يبني بيتاً عن طريق بنك، على أن البنك يكون ممولاً بين صاحب البيت والمقاول بحيث إن البنك يعطي المقاول المبلغ ليبني البيت، ثم يدفع صاحب البيت للبنك المبلغ والزيادة في المبلغ قسطاً شهرياً، ما حكم ذلك وهل يعتبر ربا أفدنا أفادك الله؟
بما أن صاحب البيت هو الذي يتفق مع المقاول، والبنك هو قارض ومستوف فقط، فذلك عين الربا والله قد الربا أخذاً وعطاء والله أعلم.
حرم
ما حكم بيع السيارات بالتقسيط؟ حيث يشتري شخص ما سيارة بالتقسيط من إحدى الوكالات مباشرة دون تدخل وسيط أو جهة تمويل وتحدد الفائدة من بداية الأمر بحيث يتم حساب القيمة الإجمالية التي
سيدفعها المشتري خلال تلك المدة، إلا أن في هذه المعاملة ما يلي: أولاً: يشترط أن تكون ملكية السيارة مرهونة للوكالة، بحيث تمثل شريكاً للمشتري في السيارة لحين استيفاء كامل المبلغ منه.
ثانياً: يشترط أيضاً أن يؤمن المشتري على السيارة تأميناً شاملاً إلى انتهاء فترة محددة، فإن لم يؤمن هو تأميناً شاملاً أو حدث أو تأخر في إحدى المرات عن ذلك قامت الوكالة بهذه المهمة بصفتهم شريكاً له، (3/38)
صفحة 1127
في
فتاوى البيوع
39
كاملاً
وأضافوا القيمة عليه إضافة إلى فائدة على قيمة التأمين هذه. ثالثاً: تنقص الوكالة قيمة الفوائد إذا ما قام المشتري بدفع المبلغ قبل انتهاء المدة المحددة، ولكن ليس بالضرورة أن يكون هذا الشرط العقد، فهل هذه المعاملة داخلة في مسألة (شرطين في بيع) المنهي عنها؟ علماً أن الوكالة إنما اشترطت ذلك لأجل الاستيثاق وهو إلى فترة تسلمها للمبلغ كاملاً، أضف إلى ذلك أن المشتري وإن أمن تأميناً شاملاً فهو في نيته أنه إن حصل حادث للسيارة مثلاً لا يأخذ من شركة التأمين إلا ما دفع، ويقوم بنفسه بدفع الباقي للوكالة، فإن كان كذلك فما ترون من وقع فيها ظانا الجواز لكونه نظر إلى أن المعاملة مباشرة بينه وبين الوكالة دون أن ينظر إلى الشروط، وما مقترحاتكم في تصحيح المعاملة إن أمكن تصحيحها للحاجة إليها؟ وما هي نصيحتكم في هذا الموضوع للشباب؟
هذه المعاملة فيها مخالفات للشريعة متعددة:
هذه
أولاً: أنه عقد اشتمل على أكثر من شرط، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن شرطين في بيع، والشرطان في البيع يؤديان إلى بطلان البيع رأساً فلا يتم معهما، لذلك كان هذا العقد باطلاً، والشرطان هنا ظاهران
الشرط الأول: أن تكون ملكية السيارة مرهونة للوكالة.
الشرط الثاني: أن يؤمن المشتري على السيارة تأميناً شاملاً.
والأمر الثاني: من مخالفات أوامر الشريعة في ذلك اشتراط شرط لا يجوز شرعاً وهو ما ذكر من التأمين وهذا لأن التأمين مخالف لأحكام الشريعة الغراء لما فيه أيضاً من الربا، فهو شرط باطل لا يصح.
(1) تقدم تخريجه. (3/39)
صفحة 1128
الفتاوى المعاملات
الأمر الثالث: أن هذا العقد اشتمل على عقد آخر متفرع عنه، فإن اشتراط أن يكون هناك عقدان - عقد البيع وعقد الرهن ـ وهذا أيضاً غير
الرهن يعني جائز، إذ النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعين في بيع)، وحمل على ذلك كل عقدين يجتمعان في عقد واحد، فكل ما يدخل في نحو هذا الإطار يعد مخالفاً لنهي النبي صلى الله عليه وسلم، نعم لو كان هنالك شرط واحد فحسب وهو أن يشترط بأن الملكية لا تسلم من أول الأمر ـ لا أن تكون مرهونة ـ وإنما يشترط أن لا تسلم إلى المشتري حتى يستوفي ثمنه تاماً لكان ذلك سائغاً مع عدم وجود أي شرط آخر.
6
وكذلك كون الوكالة تسقط شيئاً من الثمن إن كان ذلك مشروطاً أو متعارفاً عليه من أول الأمر فهو لا يجوز، لأنه مما يدخل في «بيعين في بيع، بحيث يكون البيع بالنقد بسعر كذا وأن يكون عندما لا يتعجل في دفع هذه الأقساط كذا، فإن هذه العقدة باطلة هي من هذه الناحية.
بسعر
أما لو كان البائع لا يخبر قط المشتري، فضلاً عن أن يشترط له ذلك،
وإنما ينظر هو إسقاط بعض الثمن عندما يأتي المشتري بالثمن تاماً من أول الأمر، أو عندما يقدمه قبل وقته، فذلك سائغ على رأي كثير من العلماء، مسألة الحط والتعجل، هذا من غير أن يكون مشروطاً، ولا أن يكون متعارفاً عليه، لأن ما عرف عرفاً كالذي يشترط شرطاً.
وهي
وأما بالنسبة إلى البدائل فأنا أقترح أن تكون هناك شركة يقوم بها أهل الصلاح والخير لشراء السيارات وبيعها، فعندما يأتي أحد يعرض على هذه الشركة أنه يريد سيارة معينة فهي تشتري له هذه السيارة نقداً ثم تبيعها له بالأقساط، على أن يكون عقد البيع بعد أن تشتري هي وتمسك مفتاح السيارة،
(1) أخرجه النسائي في كتاب البيوع، باب: بيعتين في بيعة (4646) من طريق أبي هريرة. (3/40)
صفحة 1129
فتاوى البيوع
41
فذلك أمر لا حرج فيه، ولو كان الثمن ضعف الثمن الأصلي، لا حرج في
جميع
عقدة
ذلك
عندما يتفق الجانبان، وتكون عقدة البيع الثانية بعد استيفاء البيع الأولى بشروطهما، فلا حرج في ذلك، فهذا هو البديل الذي أراه. والله أعلم.
هل يجوز شراء سيارة أو تأثيث منزل عن طريق البنك أو شركة ممولة
لذلك؟
إن كان ذلك غير مشوب بربا ولا غرر ولا غيرهما من الممنوعات شرعاً، فلا حرج والله أعلم.
ما حكم شراء السيارة بالأقساط كما سمعت أنه نوع من بيع الأجل)، ولكن الوكالة تلزمك على أن تؤمّن على السيارة تأميناً شاملاً حتى تسدد جميع قيمة السيارة؟
إن كنت تتفق مع الشركة على سعر رفيع للسيارة، بدون أن تتفقا على التأمين، فليس عليك حرج ولو أدخلت في ذلك ما تدفعه على التأمين
والله أعلم.
أردت أن أشتري سيارة من الوكالة وكلما أذهب إلى وكالة اشترط عليهم بأن لا ترهن لشركة التأجير، وفي أحد الأيام ذهبت إلى إحدى الوكالات ونسيت بأن اشترط عليهم هذا الشرط، وعندما استلمت الملكية من الوكالة وجدت السيارة مرهونة للشركة، فاحترت ماذا أفعل، فأرجو منكم أن ترشدوني إلى الحل، علماً بأن راتبي بسيط، أرجو أن تنقذوني من هذه الحيرة؟
إن كنت لم ترض بذلك، ولم تجد مناصاً عنه فأرجو أن تكون سالماً ـ إن شاء الله - والله أعلم. (3/41)
صفحة 1130
42
الفتاوى المعاملات
أن
ما حكم شراء السيارات بطريقة الأقساط؟ ونرجو التوضيح للطريقة الصحيحة، وقد ترهن السيارة لشركة من شركات التأمين؟
بيع الأقساط إن كان بين البائع والمشتري لا مانع منه، فالإنسان له السلعة لمن يشتريها نقداً بعشرين ريالاً، وأن يبيعها لمن يشتريها يبيع بالأقساط بخمسة وعشرين ريالاً، لكن بشرط أن يتفق الجانبان من أول الأمر على أن يكون البيع بالأقساط بخمسة وعشرين أو بالنقد ويكون بعشرين، لا أن تكون الصفقة عائمة بين الأقساط والنقد، أما أن يدخل عميل ثالث أو شريك ثالث ما بين المتبايعين على أنه يمول هو ثم بعد ذلك يتقاضى أكثر مما دفع من المشتري فهذا هو الربا، اللهم إلا أن يشتري هو هذه السلعة بنفسه ويدفع ثمنها بنفسه، وتنتقل إليه ملكيتها، ثم بعد ذلك يبيعها للمشتري الآخر، فلا مانع من ذلك، أما الرهن فيكون مقبوضاً، ويمكن أن يكون القبض قبض ملكية حتى يكون حق صاحب الحق ثابتاً في تلك السلعة، فإن كان ذلك بعد البيع - أي بعد أن آلت إليه ـ لا مانع من ذلك، أما قبل ملكه لها فليس للإنسان أن يرهن ما لا يملك والله أعلم.
تلك
بضاعة معينة كسيارة أو بيت يريد شخص شراءها، ولا يملك ثمنها نقداً، فيتفق مع جهة معينة أو شخص ليقوم بشرائها له، بحيث تقوم الجهة بشراء تلك البضاعة على أن تبيعها له بأكثر مما اشترتها به، حتى تربح في تعاملها معه، ما حكم هذه المعاملة؟
لا بد من أن يشتري ذلك الوسيط تلك البضاعة فتنتقل إلى ملكيته وعندئذٍ يكون البيع، أما أن يتفق معه على أن يشتريها منه بثمن كذا قبل أن يكون قابضاً ومالكاً فلا، لأن ذلك من بيع ما ليس عندك، مما وهو نهي
والله أعلم.
عنه (3/42)
صفحة 1131
فتاوى البيوع
43
فلا
يأتي زيد إلى عمرو ويخبره بأنه يريد شراء سيارة مثلاً وليس عنده مال، فيقول له عمرو أنا أشتري السيارة وأبيعها لك أجلاً أو تقسيطاً بزيادة، واشتراها عمرو وتملكها ثم باعها لزيد كما قال، على أن ذلك الاتفاق
السابق وعد لا عقد فيحق لزيد ألا يشتريها وإن صارت بيد عمرو؟ إن كان هذا الوعد وعداً غير ملزم وإنما قال له سأشتريها ـ إن شاء الله ـ، حرج إن باعها له فيما بعد على حسب ما يتفقان عليه فيما بعد. والله
أعلم.
ما هي شروط التقسيط ليكون صحيحاً؟ بيع أولاً: لا بد أن لا يكون المبيع من جنس الثمن، لأنه إن كان من جنس الثمن فذلك لا يجوز إلا أن يكون يداً بيد، الأمر الثاني: أن يتفقا على أول الأمر، بحيث لا تكون تلك العقدة عقدة عائمة
الأقساط
من
والنقد والله أعلم.
بين
الأقساط
عزم أبي على شراء سيارة من وكالة السيارات ودفع الدفعة المقدمة (ألف ريال عُماني) وأمن على السيارة في إحدى شركات التأمين، وكانت قيمة السيارة نقداً (ستة آلاف وثلاثمائة ريال عُماني)، وقيمتها بالأقساط (سبعة آلاف ريال عُماني). والآن يريد أبي أن يشتري هذه السيارة عن طريق
شركة
1 - هل يجوز أن يتم البيع عن طريق هذه الشركة، علماً بأن إجراءات اليبع لم تستكمل بين أبي ووكالة السيارات؟
2 ـ هل يجوز أن يشتري أبي السيارة بالأقساط، علماً بأنه يتدخل البنك في هذه الحالة كممول للمشتري؟ (3/43)
صفحة 1132
44
الفتاوى المعاملات
إن كانت الشركة تشتري السيارة من المؤسسة التي تبيع وتقبضها ثم تبيعها للعميل بالأقساط فلا حرج في ذلك، وأما بيعها قبل أن تشتريها فهو غير سائغ، وتمويل البنك حكمه حكم القرض، وكل قرض جرَّ نفعاً فهو ربا والله أعلم.
ظهر في الآونة الأخيرة مشروع يقصد مساعدة الشباب بإقامة المهن، فيأمر الذي يريد أن يعد دراسة للمشروع الذي يريده والأدوات التي يحتاجها، وبعد ذلك يرفع تقريراً عن ذلك، فإن تمت الموافقة على ذلك يتم إرسالها إلى الشركة التي تبيع هذه السلع التي يحتاجها، فيستلم هو هذه السلع من تلك الشركة وتتولى هذه الجهة دفع المبلغ عنه ثم يدفع هو مقسطاً بقيمة ترتفع عن المبلغ، مع العلم بأنه لا يعطى مبلغاً في يده، وإنما تتولى تلك الشركة أو الجهة الحكومية بالتفاهم مع الشركة التي تبيع هذه السلع وتدفع لها المبلغ، ثم هو يدفع إلى الجهة الأولى أو الحكومة المبلغ مقسطاً بقيمة أعلى، فما الحكم الشرعي في:
ذلك؟
إن كانت الجهة الممولة - سواءً كانت جهة حكومية أم جهة غير حكومية ـ هي تشتري أولاً من الشركة البائعة ثم تبيع لهذا فلا حرج في ذلك، ولو أمر هو بأن يذهب ليستلم، ولكن كونه هو الذي استلم من أول الأمر قبل أن تشتري هي - أي الجهة الممولة - فذلك مما يدخل في الربا
والله أعلم. (3/44)
صفحة 1133
فتاوى البيوع
45
بيع المزايدة والجملة
ما قولكم في بيع الجملة، بمعنى أنك إذا اشتريت كمية أكبر أو عدداً أكبر تكون قيمتها أقل من شراء نفس الكمية أو العدد عن طريق
المفرد؟
إن كان ذلك بكيل محدود أو وزن محدود فلا حرج والله أعلم.
ما حكم «المزايدة» في الشرع، حيث إن الدلال (1) يقول بسعر ثم المشترون يزيدون على هذا السعر حتى يتم البيع لأحد المشترين؟ المزايدة فيما بيع بالنداء جائزة ولا مانع منها والله أعلم.
هذه
ما قولكم في رجلين يزابنان على شراء سلعة ما من الدلال في السوق فقال الأول للثاني لا تزابن أنت بل أزابن أنا، وأعطيك النصف السلعة ما حكم هذه المعاملة؟
ذلك غير جائز لما فيه من الإجحاف بقيمة المبيع والله أعلم.
من
قام شخص بشراء مزرعة قائمة من صاحبها بمبلغ ثمانية آلاف وخمسمائة ريال عماني عن طريق ثلاثة دلالين، وقد دفع المشتري نصف المبلغ على أن يدفع الباقي بعد أسبوعين، علاوة على أنه دفع للدلالين الثلاثة حقهم في الدلالة (مبلغاً) وقدره أربعمائة ريال)، وبعد مضي المتفق عليها تأخر المشتري عن دفع ما بقي عليه للبائع لأكثر من أشهر تقريباً، وأخذ يماطل في ذلك، فقام البائع بترجيع المبلغ للمشتري،
(1) الدلال: الذي يجمع بين المتبايعين.
ثلاثة (3/45)
صفحة 1134
46
الفتاوى المعاملات
وقد قبله دون اعتراض وأعاد له مزرعته فالمشتري الآن يطالب الدلالين بإرجاع مبلغ الدلالة الذي دفعه لهم، فهل يحق له ذلك؟
قبوله لرد المزرعة إليه أمر لا يعني الدلال بعدما تم البيع، وإنما هو تصرف صادر عنه، وقد أنهى الدلال مهمته، فليس له أن يسترد شيئاً من
أجرته والله أعلم.
بيع المرابحة (1)
ورد في فتوى لكم عن حكم المواعدة في بيع المرابحة للآمر بالشراء إن كان هناك ضرر ما نصه:
والوعد ملزم ديناً وإنما الخلاف في الإلزام حكماً، والراجح أنه إن أدى الأمر
إلى التضرر فالضرر يرفع حكماً، لقاعدة لا ضرر ولا ضرار في الإسلام. السؤال (1): الخلاف في الإلزام حكماً خلاف في المذهب المذهب أم أنه مع بقية
المذاهب؟
السؤال: (2): الضرر متى يزال حكماً وكيف؟ فمثلاً إن تضرر المصرف وخسر من جراء انسحاب العميل عشرة آلاف ريال هل يلزم العميل بدفع تكاليف الخسارة أم يلزم بإكمال الصفقة مع المصرف والتي سيربح فيها المصرف؟
ليس هو خاصاً بالمذهب، فجمهور العلماء من كل المذاهب يرون أنه لا يلزم حكماً، ولكن بما أن الأحكام الشرعية منوطة برفع الضرر عن الناس، أرى أن مع وقوع الضرر على الموعود يُحكَم بلزوم الوفاء به والله أعلم.
(1)
بيع المرابحة هو بيع التاجر السلعة بالثمن الذي اشتراها به مع زيادة قدر مخصوص بعلم
المشتري منه. (3/46)
صفحة 1135
فتاوى البيوع
47
بيع المشاع)
(1)
إذا باع رجل نصيبه من مال مشاع وهو ثلث المال، قيل بتمام البيع وأن الجهالة لا تفسد بيعه ولا تحرمه والجهالة بموقعه معروفة، ثم قالوا بصحة الغير فبينما هم يثبتون البيع فإذا بهم يجيزون النقض بالغير بعلة الجهالة، فما القول في هذا؟
يرى كثير من العلماء جواز بيع ما فيه جهالة إذا كان المتبايعان يتتاممانه بعد زوال الجهالة، وبهذا يتضح وجه جواز بيع المشاع لغير الشريك، مع إثبات النقض فيه عند من يرى ذلك والله أعلم.
عن رجل يملك مالاً هو وإخوته، فباع ماله دون أن تقسم الأموال بينه وإخوته، فأراد المشتري قبض مال البائع فرفض باقي الإخوة وطلبوا منه أن يأتيهم بوكيل من أخيهم أو تجعل المحكمة الشرعية وكيلاً عنه، حيث إن البائع من زنجبار، فقال المشتري أنا أقاسمكم وليس لأخيكم شيء إلا إذا استقاله فإذا قاسموه بدون وكالة شرعية من أخيهم واستقال أخوهم المال فهل له ذلك؟ وإذا الإخوة لم يوافقوا على مقاسمة المشتري إلا بوكالة من أخيهم ألهم ذلك شرعاً؟
الأصح عدم جواز بيع المشاع وخصوصاً للغائب، لما في ذلك من الجهالة، وقسمة الشاري لا تصح لأن الشراء لم يثبت، وانتقال الملكية فرع مع ثبوت البيع والله أعلم.
(1) بيع المشاع يقصد به بيع الإنسان نصيبه في مال مشترك لم يقسم بعد. (3/47)
صفحة 1136
48
الفتاوى المعاملات
بيع الذرائع العينة) (1):
2
للوسائل حكم المقاصد، هل هناك علاقة بين هذه العبارة وبيع الذرائع؟ نفس طريقة بيع الذرائع غير مباحة وإن لم تصحبها نية سيئة والله أعلم.
رجل احتاج إلى دراهم فاشترى من رجل عشر جواني أرز بمبلغ مائة وعشرين ريالاً عُمانياً لمدة سنة كاملة، ثم إن المشتري رد هذا المباع إلى المشتري منه عن مائة ريال عُماني حاضرة، هل من بأس في مثل هذه الطريقة، وإذا قلت بذلك، فكيف تكون توبة المشتري الأول؟
هذا البيع من بيوع الذرائع المنهي عنها، وإنما سميت بيوع ذرائع لأن فيها تذرعاً إلى الربا، وإذا كانت كذلك فلا ريب في حرمتها، وأما التوبة فإنما تكون بنقض المبيع ورد الزيادة والله أعلم.
البيع قبل القبض وبيع ما لا يُملك:
ما قولكم في رجل فقير لديه قطعة أرض زراعية مشتركة بينه وبين أولاده القصر، ويرغب الآن ببيعها لسد نفقات أولاده وتلبية حاجاتهم المعيشية من المأكل والمشرب والملبس، ولم يجد مشترياً يشتري نصيبه فقط من المزرعة. فما رأي سماحتكم ببيع الوالد نصيب أولاده وذلك لنفقتهم، وكيف يكون التصرف في ثمن المبيع؟
إن اضطر إلى ذلك فلا حرج عليه، وهو القائم بشؤون أولاده والأولى برعاية مصالحهم والله الموفق.
(1) بيع الذرائع هو البيع الذي يتوصل به إلى الربا ونحوه من المحرمات. (3/48)
صفحة 1137
فتاوى البيوع
49
سماحة الشيخ: أنا عضو في شركة بمبلغ 2000 ريال عماني، وهذه الشركة خدمات بناء منازل أو شراء مواد بناء أو شراء سيارات وأشياء أخرى. تقدمت إليهم بطلب خدمة شراء مواد بناء وقد تم الاتفاق المبدئي مع
تقدم
الشركة بمبلغ 10000 ريال عُماني وتم الاتفاق على النحو التالي: دفع 30% من قيمة المشروع: 10000 × 30% = 3000 ريال عماني إذ عليّ أن أدفع مبلغ 1000 ريال حيث إن مشاركتي العضوية 2000 ريال عماني. ثم تم طرح مبلغ 1000 ريال عُماني من المبلغ 10000 ريال عماني بالباقي 9000 ريال عُماني وهو المبلغ الذي يتم الحساب عليه من حيث الفوائد للشركة.
الشركة تأخذ 6? في السنة الواحدة يعني 9000 6? _ 450 ريال عُماني.
يتم
X
اتفقت مع الشركة بأن السداد خلال سبع سنوات وأخبرتني الشركة بأني سوف أدفع مبلغ 152,100 شهرياً لمدة سبع سنوات، يعني مبلغ
12776,4 ريال عُماني.
كيف تتم عملية الشراء:
تتم عملية الشراء بأن أذهب إلى الشركة واطلب المواد التي أريدها في استمارة خاص بالشركة
المثال الأول: أريد كمية 500 كيس أسمنت، تقوم الشركة بمخاطبة شركة أخرى ويتم الاتفاق بينهما وتدفع هذه الشركة إلى الشركة الأخرى المبلغ ثم تقوم الشركة التي أتعامل معها بقيد المبلغ إلى حسابي الذي وضعته الشركة حتى أكمل مبلغ 10000 ريال عماني وهكذا.
مثال ثاني: أريد أطقم حمامات أقدّم إلى الشركة استمارة الخاصة بالشركة (3/49)
صفحة 1138
الفتاوى
المعاملات
ثم أذهب إلى شركة أخرى وأختار النوع الذي أريده ثم تقوم الشركة التي أتعامل معها دفع المبلغ للشركة الأخرى بعد أن يتم اختياري أنا للنوع مثال ثالث: أنا من ولاية الرستاق أريد بعض المواد للبناء مستعجلة أقوم بشراء المواد من محل مواد البناء وأخبرهم بأن تكون الفاتورة باسم الشركة التي أتعامل معها، ولكن أنا الذي أدفع المبلغ نقداً للمحل ثم أذهب إلى الشركة فتدفع لي المبلغ الذي دفعته للمحل، ثم تقوم بوضع المبلغ في حسابي حتى يصل المبلغ 10000 ريال عُماني.
إذا اكتمل المبلغ إلى 10000 ريال عُماني أقوم بسداده بالأقساط حسب الاتفاق المبدئي.
هل هذه المعاملات شرعية، وما الفرق بينها وبين شركة التمويل الأخرى حيث نذهب إلى شركة التمويل ونخبرها بالسيارة التي نريدها ثم تقوم الشركة بدفع المبلغ إلى الوكالة، ثم تبيع لنا شركة التمويل بالأقساط
الشهرية، فما
حكم
هذه المعاملة؟
أما على ما وصفت فهي غير شرعية، وإنما الطريقة السليمة في ذلك أن تشتري الشركة ما أنت تريده وتقبضه، ثم تبايعك إياه بعد قبضه وضمانه بالقيمة التي تتفقان عليها والله أعلم.
عميل طلب من تاجر أن يقرضه دراهم، فقال إنه ليس عنده نقود، وبايعه سلعة بمبلغ عشرين ريالاً، ثم قال له اعرضها على من يرغب يشتري فما وجد لها غير خمسة عشر، ريال فاشتراها التاجر ثانية، علماً بأنه لم ينقلها من مكانها، فهل في هذا حرام؟
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ما لم يقبض وربح ما لم يضمن، وهذه المعاملة ضرب من ذلك والله أعلم. (3/50)
صفحة 1139
فتاوى البيوع
51
تقوم شركات التمويل في بعض الأحيان ببيع السيارات التي يتأخر أصحابها عن سداد أكثر من ثلاثة أشهر من أقساطها، فما حكم شراء هذه السيارات من هذه الشركات؟ مع العلم أن السيارة تبقى مقيدة باسم هذه الشركة لحين سداد الأقساط؟
إن كان وقع العقد - عقد البيع - بين الشركة والمشتري، فلا يجوز بيع هذه السيارات ولا شراؤها من الشركة إن باعتها، إلَّا إن حكم قاض شرعي بالبيع لسبب شرعي والله أعلم.
هل يجوز للزوج أن يبيع مال زوجته دون إذنها؟
لا يجوز له أي تصرف في مالها بدون إذنها. والله أعلم.
رجلان اشتريا أثر ماء إلا ربعاً من بادة يوم الخميس، ثم قايض به أحدهما، ولم يعلم شريكه بالقياض، فهل ذلك القياض ثابت؟ ليس لأحد أن يتصرف في مال غيره إلا بإذنه، فإن أتم الشريك فذلك، وإلا رد القياض والله أعلم.
لامرأة منزل، أراد شخص شراءه، فذهب لزوج المرأة ودفع له ألفي ريال، ثم أخبر الزوج زوجته فرفضت البيع، وعندما ذهب الزوج لرد المبلغ إلى صاحبه الدافع للألفين رفض استقبال ماله فهل ينعقد البيع في هذه الحالة؟
تلقاء
الكل أولى بملكه حتى الوالد وولده والزوج وزوجه، فإن كانت الزوجة لم تفوض زوجها في بيع مالها فالبيع لا ينعقد، ولو باع الزوج من نفسه والله أعلم. (3/51)
صفحة 1140
?
52
الفتاوى المعاملات
ما قولكم فيمن اشترى قطعة أرض في إحدى شوانب (1) زنجبار لأجل بناء بيته فيها، ثم تبين له أنها مما اغتصبته الحكومة، وعثر على صاحب الحق فيها وهو غير البائع لها، فأخبره بأنها جزء من الوقف الذي هو ـ أي صاحب الحق - آخر من بقي من الموقوف عليهم من جهة النسب، وأنها من بعده لفقراء المسلمين، ثم قال له: إنه راض على بنائه على سواء أعطاه ثمنها أم لا، فهل يكون رضاه بذلك سائغاً شرعاً، للشاري أن يستنفع بالأرض فيما أراد؟
ومسون
غاً
الباقي
بما أن هذه الأرض يتعلق بها حق لفقراء المسلمين فليس بوسع من الموقوف لهم الأصليين أن يتسامح فيها لأنها ليست له ملكاً خالصاً، وإنما يملك منفعتها إلى حين، ولكن المخلص لهذا المشتري أن هذه يبقي الأرض موقوفة كما كانت ويدفع ريعها إلى مستحقيه، ويباح ـ على رأي من أهل العلم - أن يتملكها، شريطة التعويض عنها بما هو أجدى منها للوقف من الأصول، كأرض تستغل أو مزرعة أو مسكن، شريطة أن بموافقة جماعة من الأمناء أهل النظر في مصالح الأوقاف والله أعلم.
طائفة
يتم
ذلك
ما تقول شيخنا في رجلين اتفقا على أن يشتري أحدهما للآخر سيارة ويدفع قيمتها نقداً، بشرط أن يشتريها منه الآخر أقساطاً وبفائدة اتفقا عليها، فما حكم هذا البيع؟
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عندك، فهذا العقد منتقض لأن اتفاقهما على البيع الثاني بالأقساط وبثمن معلوم هو عقد للبيع فيما لم يكن مملوكاً
للبائع بعد والله أعلم.
(1) الشانبة
هي
المزرعة. (3/52)
صفحة 1141
فتاوى البيوع
53
ما قولكم في رجل باع مال امرأة دون توكيل شرعي، فهل يثبت البيع؟
لا يثبت البيع إلا إن أتمته والله أعلم.
تقوم المحاكم التجارية والجزائية ببيع بعض الأملاك من عقارات ومنقولات بالمزاد العلني أو المناقصات، وذلك بسبب إعسار صاحبها في سداد دين عليه، وقد يكون البيع لصالح بنك أو غيره، فما حكم شراء هذه المبيعات؟
لا يجوز شراء شيء من ذلك، ما لم يحكم به قاض شرعي لموجب شرعي والله أعلم.
ما قولكم فيمن كان لديه منزل ثم فاوضه رجل على البيع، وحددا مبلغاً مشافهة دون عقد مبدئي أو تقديم عربون أو شهود، واتفق البائع أيضاً مع رجل آخر على البيع ودفع عربوناً وتم كتابة البيع للشخص المشتري، فهل يجوز للأول المطالبة بإتمام الاتفاق؟
إن كان عقد البيع لم يحصل بين الجانبين فلا مطالبة له بشيء، وإن كان البيع الأخير تم بعدما تم البيع بين المتبايعين الأولين فالبيع الأول هو المعتمد، والثاني لا يعد شيئاً، لأن البائع باع ما لا يملك والله أعلم.
امرأة تربي مجموعة من الأغنام وهي في نهاية الخمسينات، وتعاني آلاماً في القدمين قد تصل في بعض الأحيان لدرجة العجز عن القيام من شدة الألم، وهي في معظم الأحيان تعتمد على الخادمة في إطعام وسقي هذه الحيوانات، هذا إلى جانب أنها تقوم بشراء العلف لها من السوق، وفي بعض الأحيان لا تتمكن من توفير الكمية الكافية لهذه الأغنام، علماً بأنها ممن يتقاضون راتب الضمان الاجتماعي وتعتمد عليه (3/53)
صفحة 1142
54
الفتاوى المعاملات
بشكل كبير في تمويل تكاليف تربية هذه الحيوانات، حيث إن أولادها الذين يعملون يستطيعون تغطية التزاماتهم المالية بصعوبة، وقد نصحها أولادها كثيراً بالتخلص من هذه الحيوانات خوفاً عليها من الذنب للأسباب المذكورة أعلاه، ولكنها ترفض ذلك بحجة أنها مرتبطة بهذه الحيوانات كثيراً ولا تتخيل حياتها بدونها، وأنها في السابق أسهمت في توفير أكثر من ذبيحة، علماً بأن ما تنفقه على هذه الذبائح يفوق بكثير ما يمكن أن تتكلفه تلك الذبائح في حال شرائها من السوق، فما الحكم فيما تفعله هذه المرأة؟ وهل يجوز لأولادها بيع هذه الحيوانات دون رضاها؟ وإن كان الجوب، لا، فما نصيحتكم لهم وكيف يتصرفون مع
أمهم؟ لا يجوز لهم بيعها بدون رضاها، لأنها الأولى بما تملك، وإنما عليهم إقناعها إلى أن تقتنع والله أعلم.
شخص اشترى سيارة من إحدى الشركات على نظام الأقساط، ثم باعها إلى شخص آخر، وعلى حسب نظام الشركة تكون ملكاً للشاري والشركة إلى حين تسديد الأقساط، علماً بأن الشخص ينوي في نفسه أن يسدد الأقساط المتبقية، فما ترون في ذلك؟
الظاهر أن هذا الرجل ما باع إلا ملكه فلا حرج عليه فيم صنع
والله أعلم. (3/54)
صفحة 1143
فتاوى البيوع
55
بيع الإقالة (1):
ما قولكم فيمن أراد بيع شيء من ممتلكاته كبيته الذي يسكنه، أو دكانه الذي يتجر به أو مائه الذي يسقي به ماله الأخضر بيع إقالة لمدة معينة، فهل يلزم البائع تسليمه للمشتري أو لا؟ وهل يحل للمشتري أخذ خراجه قبل قبضه أو لا؟
ثانياً: إذا كان المباع جزءاً من البيت أو الدكان، فهل يشترط فصله من المساحة والمساكن الأخرى لأجل معرفته وقبضه لوجود علة السكني بالمتبقي بفاصل ما، أو تكفي الإشارة على علامة به أو بالذراع مثلاً؟ ألا ترى إذا تعلل الطرفان للكاتب بقولهما اكتب الصك ونحن لن نختلف فيما بيننا، فهل يسع الكاتب ذلك إذا خشي عدم صحة المعاملة أو لا؟ وهل يعتبر الصك الشرعي قبضاً للبيع حيث تعينت أوصافه فيه دون قبض الأصل، أنه عندما يأمرهما الكاتب بالتخلية يصرحان له بدفع العقد وذلك قبل كتابة الصك، وقد ظهر أيضاً أن بعض الناس يبيع شيئاً واحداً بيعين، وذلك
مع
أخذ
بسبب دفع العقد وعدم القبض، وبعضهم يشتري ما لا يعرفه هو ولا من ينوب عنه، والمعاملة على تلك الورقة القرطاسية، فهل يحل للمشتري القعد قبل قبضه المبيع وتخلية البائع منه كما أسلفنا سابقاً أو لا؟ وما معنى الحديث الخراج بالضمان؟ وما هي المدة الكافية للتخلية؟ ثالثاً: إذا كان المبيع المذكور مؤجراً لشخص آخر، فهل تسليم قيمة
(1) بيع الإقالة: بيع اشترط فيه البائع أو المشتري أن له الخيار في إتمام هذا البيع أو الرجوع فيه إلى مدة معينة. (2) أخرجه الترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء فيمن يشتري العبد ويستغله ثم يجد به عيباً (1289) وقال: حسن صح (3/55)
صفحة 1144
56
الفتاوى المعاملات
الإيجار للمشتري قبضاً له أو لا؟ وهل يشترط إعلام صاحب الإيجار بعقد البيع أو لا؟ نرجو الإفادة في ذلك، وتوضيح ما أشكل ولك الأجر من الله وعل.
بيع الإقالة من البيوع المستحدثة التي لم تكن معروفة عند الرعيل الأول من هذه الأمة، وإنما حدث في القرن الخامس للهجرة بسمرقند، ومن هناك انتشر في بقاع كثيرة من الأرض، وقد اختلفت فيه الأمة بين موسع ومضيق وكان اللجوء إليه من الحيل التي استعملها بعض الفقهاء للاستغناء به عن المعاملات الربوية الصريحة ولا أراه حسب تعامل الناس به في عصرنا إلا ربا خفياً، والله يعلم السرائر من عباده، وبما أن من الأصول المتبعة عندنا في المذهب وعند كثير من أهل المذاهب الأخرى سد الذرائع، فإني أرى منعه بتاتاً من الضرورة بمكان لحماية الأمة من آفة الربا، ولا أدل على كونه من ذرائع الربا من أن أغلب عوام الناس المتعاملين به لا يعرفونه بيعاً بل يسمونه رهناً، وما هو إلا دليل واضح أن المتعاملين به لم يقصدوا إلا الإقراض الذي يجر نفعاً باستغلال المشتري عين المبيع إلى أن يسترده البائع بالإقالة المعهودة، وفي هذا من وضوح الحقيقة ما لا يخفى على ذي لب من كون المشتري لم يقصد إلا الغلة، مع أن أصحابنا الذين قالوا بأنه بيع مع مراعاة شرطه اشترطوا في جواز استغلال المشتري للعين المبيعة أن يكون قصده الأصل لا الغلة، ونصوا على أن قصد الغلة هو الربا بعينه، هذا والأدهى من ذلك أنهم يبيعون من هذه المبيعات ما لا علم للمشتري بعينه، بل كثيراً ما تكون العين المبيعة مشغولة بعقد، آخر، كأن تكون مؤجرة على أحد من الناس فيكتفي المشتري بتحويل الإيجار إليه من غير قبض للمبيع، بل ولا علم به إلا بمقدار الأجرة التي تتقاضى عليه في الشهر أو العام، مع أن بيع ما لم يكن فارغاً من العقود غير جائز، وكثير من المتبايعين يتفقون
منجز (3/56)
صفحة 1145
فتاوى البيوع
مع
OV
تحديد
على أن يستأجر البائع العين المبيعة من المشتري من أول الأمر الإيجار، وذلك بطبيعة الحال داخل فيما يسمى بيعين في بيع ـ أي عقدين في عقد ـ وقد نهي عنه، وداخل أيضاً في باب الشرطين في بيع وغير ذلك من المحظورات، لذلك أجنح إلى منع هذا النوع من البيع رأساً لما يكتنفه من المناهي، وقد اتفق علماء عُمان في عهد أحد أئمة العدل على منعه، وهو رأي وجيه حازم، ولئن كان أولئك الأعلام رأوا ذلك في تلك العصور التي كان الناس فيها أكثر احتياطاً وتوقياً للمحجور، فما بالك بهذاا لعصر الذي لعبت فيه الأهواء بالناس وذهبت بنفوسهم كل مذهب، أما قاعدة الخراج بالضمان فهي فيمن ضمن شيئاً فاستغله، ثم استحق عليه بوجه من الوجوه، فإن خراجه له كالذي يشتري مالاً ثم يشتفع منه والله أعلم.
لقد اختلط في عصرنا هذا مفهوم الرهن مع مفهوم بيع الإقالة عند كثير من الناس، مما أدى بهم إلى الوقوع في المحظور، فنرجو من سماحتكم أن توضحوا لنا المفهومين حتى نكون على بصيرة من الحق؟
الرهن هو توثيق مادي للدين بتسليم المدين إلى الدائن عيناً يمتلكها المدين، لتبقى في يد الدائن إلى أن يستلم حقه من غير أن يستغلها وينتفع بريعها، وإنما تبقى في يده ضماناً لحقه، وقد أرشد الله إلى ذلك في حال السفر عند فقدان الكاتب {وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِنَا فَرِهَنُ مَقْبُو مَقْبُوضَةٌ
[البقرة: 283] وذلك في حال عدم الاطمئنان إلى المدين بدليل قوله تعالى إثره فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِ الَّذِى اَؤْتُمِنَ أَمَنَتَهُ} [البقرة: 283]، والفرق بينه وبين الإقالة أن بيع بيع الإقالة نقل لملكية العين المبيعة من البائع إلى المشتري حالاً. عند من يقول بثبوته - مع بقاء حق الإقالة للبائع إلى مدة يتفقان عليها، وبعد انتهاء مدة الإقالة - عند من يقولُ بوقفه ـ في حال عدم مطالبة البائع بحقه في الإقالة إلى انتهاء مدتها والله أعلم. (3/57)
صفحة 1146
??
الفتاوى المعاملات
رجل باع بيتاً بالإقالة واستلمه المشتري فقام بتأجيره، لمن يكون العائد من الإيجار للمالك الأول أم للمشتري بالإقالة؟
الإقالة فيه خلاف كثير، ومن بيع
أباحه من علمائنا اختلفوا في حكمه،
فمنهم من قال بأنه بيع ثابت مع بقاء شرط الإقالة للبائع، ومنهم من قال بأنه موقوف، فمن قال بثبوته قال غنمه للمشتري وغرمه عليه، بشرط أن يكون قصده الأصل لا الغلة وإن قصد الغلة فقد دخل في الربا، ومن قال بوقفه قال يوقف الغنم والغرم أيضاً، وإن استحق الأصل في النهاية كان له الغنم وعليه الغرم والله أعلم.
ما حكم الرهن الذي يتعامل به الناس، وهو أن يرهن أحدهم بيتاً أو مزرعة أو غير ذلك لآخر لمدة معينة، ويقوم المرتهن باستغلال هذا المال لنفسه، وبعد انتهاء المدة إذا لم يفك المالك الأول الشيء المرهون يمتلك المرتهن المال ويسمونه بالترم فما حكم ذلك؟
نعم هو صنف من أصناف الربا، فإن الرهن المشروع بالكتاب والسنة هو مجرد وثيقة في يد المرتهن ولا يجوز له تملكه ولا استغلاله، وهو غير الإقالة أن الإقالة، وإنما بيع يبيع أحد لغيره شيئاً، ونفس البائع متعلقة
بيع
بالمبيع، ولذلك يشترط على المشتري الإقالة إلى مدة ما، وقد اختلف فيه فقيل بثبوته وعليه فللمشتري غنمه وعليه، غرمه شريطة أن يقصد شراء الأصل واستيفاءه، لا مجرد الانتفاع بالغلة، لأن قاصد الغلال مرب، وما تسمية الناس له رهناً إلا دليل على عدم قصد الأصل، وهذا هو عين الربا، وقيل هو موقوف وعليه فغنمه وغرمه موقوفان إلى أن تنقضي مدة الإقالة، فيستحق المشتري المبيع مع غنمه ويكون عليه غرمه، أو يعود إلى البائع بسبب الإقالة، فيكون أيضاً له غنمه وعليه غرمه والله أعلم. (3/58)
صفحة 1147
فتاوى البيوع
59
ما قولكم في رجل اشترى مزرعة بها نخل أو زراعة مثل القت وغيره بيع الإقالة لمدة عشر سنوات وبعد انتهاء المدة أراد صاحب المزرعة أي البائع أن يفدي ماله وبما أن المشتري (المرتهن في عرف أهل عمان) قد قام بأعمال المزرعة، ومصروفاتها، فهل على المرتهن أن يدفع
الفائدة الزائدة على خدمة المال لمدة تلك العشر سنوات أم لا؟
نعم، على القول بأنه موقوف، أما على القول بثبوته فلا يلزمه ذلك. والله أعلم.
هل يجوز للرجل أن يبيع بيته بنية الإقالة؟
نعم على رأي من أجازه مع استيفاء شروط الجواز. وهي أن يكون الثمن بسعر عادل لا استغلال فيه لحاجة البائع مع كون المشتري قاصداً تملك الأصل لا مجرد الانتفاع بالغلة، وأن يسلمه البائع إلى المشتري، لا أن يبقى فيه ويدفع إليه الإيجار والله أعلم.
دكاناً
رجل أراد أن يحافظ على مبلغ معين من المال، واشترى بذلك المبلغ ببيع الإقالة، ثم هذا الدكان أجره لشخص ثان غير مالكه بمبلغ معين. ما رأيكم في ذلك؟ وهل هذا ينطبق على الماء والنخيل والبيوت؟ إن كان مراده من الشراء بالإقالة الغلة فذلك عين الربا، لأن قاصد الغلال مرب، وإن كان مراده الأصل لا مجرّد الغلة وحدها فذلك جائز؛ عند من
يقول بثبوت بيع الإقالة، شريطة أن يتحمّل صيانة المبيع بنفسه والله أعلم.
رجل باع ماله إلى شخص آخر بيع الإقالة إلى مضي عشرين سنة، وقبل انقضاء المدة توفي ذلك الرجل المشتري، والورثة يطالبون البائع في الفداء قبل انقضاء المدة المذكورة، فهل يحق لهم المطالبة في مال ذلك الرجل؟ نعم لهم ذلك والله أعلم. (3/59)
صفحة 1148
الفتاوى المعاملات
رجل أخذ خمسة آلاف مقابل أن يستثمر المُقرض دكاكين معينة كخمسة دكاكين محددة هذه المعاملة لمدة عشر سنوات، لا يحق لمشتري الدكاكين الإقالة فيها، وإنما هي حق لأخذ الخمسة آلاف (البائع)، وكل فائدة هذه الدكاكين يأخذها المشتري، حتى إذا انقضت المدة وهي العشر سنوات، انتقلت ملكيتها إليه وللبائع الخمسة آلاف، بينما إذا أراد صاحب الدكاكين (البائع) أن يفك هذا الرهن أو بمعنى آخر أن يفسخ البيع أعاد المبلغ وهو الخمسة آلاف وكل فائدة أخذها المشتري فهي له، ولو كانت ما كانت فلا ترجع إلى البائع) صاحب الدكاكين. الحكم في هذه المعاملة؟
ما
هذا هو الربا، بعينه فلا يجوز بحال، وليس للمرتهن أن ينتفع بشيء من الرهن، حتى لو كان سلاحاً لم يجزله حمله، فكيف بالانتفاع بالريع، ومن
أجاز
بيع
الإقالة لم يجزه إلّا مع قصد الأصل والله أعلم.
رجل اشترى محلات تجارية من رجل بالإقالة بإخلاص نيته راغباً في الأصل، وبما هو جائز شرعاً، وقبض هذا المبيع، ثم أجر هذه المحلات لأناس ومن بينهم البائع نفسه، وظل يستغل هذه المحلات سنين، ومدة الإقالة لا زالت باقية، فهل ما أخذه المشتري من الإيجارات حقه، هي أم للبائع الحق إذا أراد فك البيع أن يحسب جميع ما أخذه للمشتري
ويسقطه من المبلغ الذي باع به؟
بما أنه أجرها للبائع فإن في الإيجار شبهة، وبيع الإقالة نفسه مبني على أساس متداع، فقد شبهه بعض أهل العلم بنكاح الربيبة، وآخرون بأكل الميتة
ولحم الخنزير، فالورع في تركه والله أعلم.
فيما يتعلق ببيوعات الإقالة إذا ما انتهت مدة، الإقالة، وجاء المشتري (3/60)
صفحة 1149
فتاوى البيوع
1 ?
للمحكمة يطالب بالمبلغ الذي دفعه وكان من أمرهما أن اتفقا على مبلغ معين يعتبرانه إيجاراً للعقار، ففي إطار هذه القضية؟
- هل يجوز إجراء صلح بينهما يتفقان عليه، كأن يتسامحا عن المبالغ التي دفعت إيجاراً مع عدم مطالبة البائع بالمبالغ التي دفعها إيجاراً للمشتري، وينحصر الصلح في المبلغ الأصلي فقط؟
الأصلي،
وفي حالة ما إذا طالب البائع بضمّ قيمة الإيجار إلى المبلغ فهل يجوز في هذه الحالة تناسي قيمة الإيجار، وإجراء صلح في المبلغ
إعطاء المشتري مدة لسداد المبلغ؟
الأصلي فقط مع وإذا ما جاء الطرفان يتنازعان قبل أو بعد انتهاء مدة الإقالة، فهل يحول
هذا العقد إلى عقد إثبات باعتبار حرمة بيوع الإقالة؟ قال تعالى {وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) البقرة: (279] وعليه فليس لمن دخل في هذه المعاملة إلا رأس ماله فقط، اللهم إلّا على القول بجواز المحاللة بين المتعاملين، فلا مانع في هذه الحالة من التوسط بينهما من أجلها والله أعلم.
إذا عرفنا أن ما يعرف اليوم بالرهن غير جائز إذا قصد المرتهن الغلة، من ممتلكاته في حال حاجته
فهل على الراهن من حرج إذا رهن شيئاً
إلى دراهم إلى أن يمن الله عليه باليسر؟
نعم،
لأنه يعلم ما جرت به العادة الفاسدة بين الناس والله أعلم.
إذا باع رجل لآخر بيتاً أو متجراً بيع إقالة لمدة معينة، هل يصح
للمشتري استعمال ذلك البيت أو المتجر نفسه؟
نعم، إن كان قصد الأصل لا الغلة وحدها، وهو مبني على قول من يرى أن بيع الإقالة جائز وثابت والله أعلم. (3/61)
صفحة 1150
62
الفتاوى المعاملات
رجل باع محلات تجارية لرجل آخر بيع إقالة، وكتب ذلك البيع ومدته وشهد عليه، شهود فهل يجوز للمشتري أن يستغل المحلات بالاستعمال أو التأجير؟
إن كان لا يقصد الغلة، وإنما قصد الأصل، وكان البيع عادلاً، فلا مانع من ذلك عند من يرى ثبوت بيع لإقالة والله أعلم.
أحد يريد بيع
أثر (1) ماء ببيع القطع والأصل بالإقالة لمدة عشر سنوات
عن ثلاثة آلاف ريال عُماني لأحد، فما الحكم في ذلك؟ الأولى له والأسلم أن يبيع بيعاً منجزاً لا بيع. إقالة والله أعلم.
إن رفض البائع بعد فترة استغلال المشتري للمحلات فقال له: لا أسمح لك باستغلال محلاتي، ولو كنت بعتها لك بيع إقالة، فماذا يفعل المشتري؟ وهل يحق للبائع هذا؟
بناءً على ثبوت بيع الإقالة فالمحلات للمشتري وليست للبائع، وعلى القول بالوقف فالبائع أولى بها والله أعلم.
رجل وكيل أيتام، ومعهم مال نقدي ورثوه عن أبيهم، ويريد أن يرتهن لهم به مالاً أو بيتاً، هل يجوز؟
إن كان المراد بالرهن أن يأخذ لهم عقاراً أو مالاً يستغلونه فذلك غير
جائز قطعاً، لأن الانتفاع بغلة الرهن ضرب من ضروب الربا والله أعلم.
ما قول سماحتكم .. في شخص باع منزله بيع الإقالة (رهن) لأحد أقاربه لمدة عشر سنين، والآن مضى من الوقت أكثر من خمس سنين ولم يتفقا
(1) الأثر: جمعه آثار وهو جزء من الوقت ناتج عن تقسيم الفلج إلى أجزاء. (3/62)
صفحة 1151
فتاوى البيوع
63
على إيجار، علماً بأن المشتري لم يدخل المنزل ولم يستلم مفاتيحه عند البيع، والآن لو أراد إيجاراً عن البيت كل شهر، فهل له الحق عن ذلك؟ وإذا أراد أن يخرجه من المنزل فهل من حقه ذلك، علماً بأن البائع
(الراهن لا يملك سكناً إلا البيت المذكور وهو رجل فقير؟
نرى أن هذه العقدة مترددة بين البيع والرهن، لذلك نرى بطلانها، فالبيع أساسه، وبناءً على ذلك لا نرى للمشتري إلا الثمن، ولا للبائع إلا
باطل من المبيع والله أعلم.
عن شخص ارتهن قطعة أرض بها مزروعات نخيل أي (بيع الإقالة) عن مبلغ يفوق قيمة الأرض، وذلك لفترة معلومة من الزمن، ومن بعده أصبح الورثة تشكل عليهم عبئاً ثقيلاً للقيام والاعتناء بها طوال العام الواحد، لا تعود عليهم بالنفع، فهل يمكن للورثة استرداد حقوقهم ومطالبة الراهن في المقابل بأخذ المال الذي يخصه؟ إن كان ذلك رهناً فنعم وإن كان بيع إقالة ومضت مدة الإقالة فلا والله أعلم.
وهي
قام رجل بفداء ربع مبلغ الرهن حيث كان المنزل هو الرهان المقيد فيه بين الراهن والمرتهن وبما أنّ المدة المتبقية بينهما عند المكاتبة قليلة فهل إذا انتهت هذه المدة يترم (1) المنزل، وهل من حق المرتهن أن يأخذ المنزل بعد أخذه ربع المبلغ، أم هل تجدد المكاتبة بينهما على المبلغ
المتبقي؟
(1)
أما الرهن فلا يحدد بمدة يملك بعدها المرتهن العين المرهونة، وإنما
(1) الترم: هو انتقال الملكية من صاحبها الأصلي إلى المشتري بسبب انتهاء مدة الإقالة. (3/63)
صفحة 1152
64
الفتاوى المعاملات
هو مجرد وثيقة تبقى في يد صاحب الحق حتى يستوفي حقه، ولعل السائل لا يفرق بين الرهن وبيع الإقالة وليس تعارف العوام أن بيع الإقالة رهن إلا حجة قاطعة بأن ما يتعاملون به مما يسمى بيع إقالة حرام، فإنهم لا يقصدون به بيعاً، وإنما يتذرعون به إلى الربا المحرم شرعاً والله المستعان.
سماحة الشيخ عندي بيت ورهنته بمبلغ ثلاثة آلاف وثلاثمائة ريال عماني فطلب مني صاحب المبلغ شهرياً أربعين ريالاً، فهل هذا المبلغ جائز أم لا؟
بئس ما فعلتما فقد عرضتما أنفسكما لسخط الله تعالى، فإن هذا هو عين الربا الذي لعن الله على لسان رسوله آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء» (1) أي في الإثم، ولا يجوز لك أن تعطيه فلساً واحداً أكثر مما أخذته منه والله أعلم.
ما قول سماحتكم في رجل باع منزله بيع الإقالة عن ألفي ريال عماني لمدة عشرة أعوام، والبائع لم يخرج من المنزل بل ظل ساكناً له، ويدفع للمشتري مبلغاً وقدره ثلاثون ريالاً شهرياً، وقد دفع البائع خمسمائة ريال لهذا الإيجار، وحالياً يطلب استرجاع منزله، فهل يجوز للمشتري أخذ تلك المبالغ؟ تعرض البائع والمشتري لسخط الله بهذه المعاملة المحرمة، فقد اتفقا على الربا الذي حرمه الله ولعن فاعله والله أعلم.
رجل باع مزرعة بيع الإقالة (رهن) على شخص منذ أربع سنوات على مبلغ وقدره ألف ومائتا ريال عُماني، وطلب الشخص بدل الغلة مائة
(1) تقدم تخريجه. (3/64)
صفحة 1153
فتاوى البيوع
65
وخمسين ريالاً عُمانياً في السنة الواحدة، والآن وصل مجموع المبلغ
الذي وصله ستمائة ريال عماني. هل هذا المبلغ يسقط من قيمة الإقالة أو أني أعطيه المبلغ كاملاً؟ هذا هو عين الربا وليس للمشتري إلّا ما دفع من ثمن والله أعلم.
عاماً
باع شخص لأشخاص آخرين آثر ماء من مائه الذي يملكه من الفلج، بقيمة ألف وثلاثمائة ريال لمدة عشرين بيع الإقالة للبائع ولورثته من بعده، ما حكم هذه المعاملة؟ وكيف يكون الخلاص منها إذا كانت محرمة؟ إن كان البيع بسعر عادل، وكان المشتري قصد الأصل لا الغلة، وقبض المبيع بنفسه ففيه رخصة لبعض أهل العلم، فمن ترخص بذلك لم يعنف، وإلا فهو عين الربا، وعلى المشتري الخلاص مما دخل في ذمته والله أعلم.
رجل رهن بيتاً لآخر لمدة عشرة سنوات وبعد مضي المدة علم أحد أقاربه بذلك فاشتراه منه ببيع الإقالة، على أن يفكه من الأول، وبعد مضي مدة طلب منه إيجاراً عن البيت لأنه يسكنه أو يخرج منه، فما حكم ذلك؟ بئس الصنيع صنيعهما، وهما شريكان في الباطل، والله المستعان، فإن
أي مبلغ إضافي فوق قدر ما دفعه إليه إن دفعه إليه فهو ربا والله أعلم. رجل رهن مالاً لمدة عشرة سنوات، وقام المرتهن باستغلال الرهن وهو يقصد الأصل لا الغلة، ويأخذ المغنم ويدفع المغرم، وبعد انتهاء المدة المعينة أراد تمديدها، فما الحكم في ذلك؟
الأولى ترك ذلك رأساً، وتمديد المدة بعد انقضائها مما يثير شبهة في هذا الأمر أكثر فأكثر، ولا نرى جوازه والله أعلم. (3/65)
صفحة 1154
??
الفتاوى المعاملات
أن
رجل احتاج إلى مبلغ من المال، ولديه مبنى مكون من خمس شقق سكنية، وهي مؤجرة حالياً بمبلغ 250) ريالاً شهرياً) لكل شقة، فعزم يبيع إحداهن بيع إقالة ليسد حاجته وينوي بإتمام عقد البيع أن ينقل إيجار تلك الشقة إلى المشتري، ولم يقصد بذلك معاملة ربوية، وقصد أن يكون البيع نافذاً إن انتهت مدة الإقالة بينهما، فما حكم الشرع في ذلك؟
بما أن المبيع مشغول بالإيجار ولم تنته مدته، فإنه لا يجوز أن يشغل بعقد آخر، فضلاً عن كون نية المشتري غير مأمونة أن تكون متجهة إلى الغلة لا إلى ابتغاء الأصل والله أعلم.
ورثت من أحد أقاربي منزلاً اشتراه بالإقالة، ولقد وجدته عند البائع قد استأجره، فصار هذا البائع يدفع لي إيجاراً سنوياً عن هذا المنزل، فهل يجوز هذا الإيجار أم لا؟
إن كان المتبايعان اتفقا على البيع وكان المشتري قصد الأصل وأنت أيضاً تريد أن يكون لك الأصل، فلا بأس إن أخذت بقول المرخصين في ذلك، على أن يكون عليك المغرم كما أن لك المغنم والله أعلم.
رجل باع بيته بالإقالة على رجل آخر بمبلغ من المال لمدة عشر سنوات، وقبض المشتري البيت من البائع ولكن نظراً إلى أن البائع لا يملك إلا هذا البيت فقد سكن فيه ولم يخرج منه، وطلب من المشتري أن يؤجره عليه على حسب الإيجارات المتعارف عليها في البلد، فوافق على ذلك وأجر البيت بمبلغ من المال حسب الاتفاق بينهما، هل مبلغ الإيجار هذا يعتبر ربا؟ وهل يحق للمشتري أن يخرج البائع من اليبت ويسكنه بنفسه؟ نعم يُعد م
من الربا، وهو داخل في باب البيعين في بيع أي عقدين في (3/66)
صفحة 1155
فتاوى البيوع
67
عقد، وقد نهى عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، كما يدخل ذلك في ربح ما لم يضمن، وهو منهي عنه بالسُّنَّة، وكفى بذلك إثماً مبيناً والله أعلم.
فيمن يتعامل بما يسمى عند العُمانيين بيع الإقالة»، هل يحل للمرتهن أن يأخذ قيمة إيجار البيت المرهون الذي سكنه الراهن، إذا كان المرتهن ينقص ما يدفعه له الراهن من قيمة المال الأصلي الذي اتفقا عليه أثناء عقد الرهن؟ وإذا كان هذا المال لا ينقصه المرتهن فما حكم
أخذه؟
لا يحل للمشتري الانتفاع بغلة ما اشتراه بالإقالة ما دام الأمر لا يعدو أن يكون رهناً كما هو متعارف عليه، إذ ليس للمرتهن الانتفاع بالرهن، اللهم إلا أن يحسب ذلك من الثمن والله أعلم.
وإذا قلتم لا يجوز أخذ ذلك المال، وعلم الراهن بذلك فلم يدفع للمرتهن قيمة الإيجار، ولكن المرتهن أصرّ على المطالبة بتلك الفائدة، فكيف يكون التصرف؟
عليه أن يتخلص من نفس عقدة البيع والله أعلم.
شخص متورط في عملية الرهن، حيث أخذ من شخص ثلاث آلاف ريال على أن يبيعه بيته بيع الإقالة، ثم يستأجر من عنده على حسب المبلغ الذي أقرضه إياه، حيث يأخذ منه غلة 14?، وحيث إن الراهن سوف يغلق بيته ويذهب عنه بمبلغ زهيد، فهل له أن يستعين بالقاضي الشرعي في فك هذه المعاملة؟
نعم، يستعين بالقاضي الشرعي على منع الظلم، وهذه معاملة مبنية على حرام، وكلاهما حقيق بالعقوبة والله أعلم. (3/67)
صفحة 1156
??
الفتاوى المعاملات
شخص له مبالغ من المال في أيدي الناس، وقد أخذ في هذه الأموال صكوكاً شرعية عن طريق بيع بالإقالة إلى مضي عشر سنوات، على أن يأخذ في الألف ريال عُماني مائة ريال عماني في نهاية السنة، مع ثبات رأس المال لصاحبه، مع العلم أن البيت المكتوب بين الطرفين قيمته ثلاثة آلاف ريال عُماني على سبيل المثال، وهو لم يخرج من بيته عند كتابة العقد، فما الحكم في الفائدة التي يحصل عليها هذا المشتري؟ هذا هو عين الربا، فبئست المعاملة وبئس البائع والمشتري والوسيط بينهما، وكلهم شركاء في لعنة الله إن لم يتوبوا والله أعلم.
ما قول سماحتكم في رجل احتاج واضطر إلى رهن منزله بالإقالة وتم الاتفاق فيما بينهم على أخذ أربعة عشر ريالاً في كل مائة ريال، وبعد مدة وقع الخلاف بينهم في هذا المبلغ، فتقدم المرتهن بشكوى طالباً المبلغ المتفق عليه، فرفض صاحب المنزل دفع هذا المبلغ، فطلب القاضي من بعض المشايخ التدخل بالصلح، فوقع الصلح بينهم على أن يدفع صاحب المنزل خمسين ريالاً مقدماً، ثم في كل شهر يدفع ثلاثين ريالاً من أول السنة، فرفض دفع ذلك المبلغ، وطلب صاحب المنزل الحكم الشرعي بهذا الرهن وصحته؟
فما قولكم في هذا الرهن، والصلح الذي قام به المشايخ نرجو التوضيح؟ هذا هو الربا بعينه ولا يجوز الصلح بتحليل ما حرم الله والله أعلم. رجل يمتلك محلاً للتجارة، فباعه على الرجل بيع الإقالة لمدة شهرين، فهل يجوز استغلال هذا المحل في هذه المدة؟
إن كان المشتري لم يقصد الأصل، وإنما قصد الانتفاع بالغلة فذلك عين (3/68)
صفحة 1157
فتاوى البيوع
79
الربا، وإن كان قصد الأصل وقبض المبيع فله الانتفاع على بعض الآراء
والله أعلم. شخص رهن منزله لرجل آخر وهذا المنزل اقتربت مدة الإقالة له فيه
6
على الانتهاء الترم)، وليس عنده مبلغ يفك به المنزل، ويريد أن يحيل رهن اليبت إلى رهن المزرعة، وهي أيضاً مرهونة، واقتربت مدة الإقالة على الانتهاء الترم)، وهي مزرعة كبيرة تصل إلى عشرين ألفاً، وليس عنده ما يفك به المزرعة فما رأي سماحتكم في ذلك؟
ما تسمونه رهناً هو معاملة مخالفة للشرع من أساسها، فالرهن الشرعي هو مجرد وثيقة في مقابل الدين، لا يغلق بما تسمونه الترم، فقد جاء في الحديث لا يغلق الرهن لصاحبه غنمه وعليه غرمه (1)، وهذا غير معمول به لذلك أرى السلامة لك في بيع شيء من المال بيعاً منجزاً، وفكاك
اليوم،
اليبت بثمنه والله الموفق.
رجل اشترى من رجل بيتاً ببيع الإقالة إلى مضي عشر سنين زماناً، فبعد مضي سنتين تلف البيت في يدي المشتري بالإقالة بحريق أو غير ذلك، ولم يبق منه شيء سوى الجدر، فماذا يكون على المشتري من ضمان للبائع، وماذا سيكون على البائع من المبالغ التي استلمها من المشتري؟
في بيع الإقالة خلاف قيل بثبوته وقيل بوقفه إلى انتهاء مدة الإقالة وعلى الأول ما يصيب المبيع من تلف عائد على المشتري لأن المغنم بالمغرم، وعلى الثاني فذلك موقوف إلى انتهاء مدة الإقالة، فإن رجع البائع
(1) أخرجه ابن ماجه في كتاب الرهون، باب: لا يغلق الرهن (2441)، الدارقطني في البيوع (2898) من طريق أبي هريرة. (3/69)
صفحة 1158
70
الفتاوى المعاملات
على المشتري بطلب المبيع فله المغنم وعليه المغرم، وإلا فهما للمشتري وعليه والله أعلم.
اشتريت مطعماً بالإقالة، واتفقت مع البائع على أن يدفع لي أجرة شهرية، فدفع أجرة أربعة أشهر مقدماً، علماً بأن قيمة الإيجار يدفعه عمال المطعم، وإنما البائع يتسلم هذه المبالغ ويعطيني إياها ما حكم
هذا البيع؟ هذا هو عين الربا، فلا يجوز ذلك بحال، والحرمة تدخله من عدة أبواب منها أنه يدخل في بيعين في بيع، لأن الصفقة اشتملت على بيع وإيجار، فهما صفقتان، ومنها أن هذا البيع يشبه بيوع العينة، إلى غير ذلك والله أعلم. ما قولكم فيمن اشترى بيتاً بالإقالة وقصده الأصل، والبيت مستأجر من قبل أناس لا يعرفهم المشتري ولم يتفق معهم، وإنما الاتفاق جرى
بينهم وبين البائع والمشتري يأخذ الأجرة مقدماً كل ستة أشهر؟ يجوز بيع ما كان مشغولاً بعقد آخر كإيجار، حتى تنتهي المدة المتفق
لا
عليها، ولا يجوز الانتفاع بإيجار بيت قبل قبضه والله أعلم.
توجد نقود في المحكمة الشرعية لأيتام، ويريد القاضي أن يشتري لهم بيتاً بالإقالة لكي يحصلوا منه على غلة شهرية من إيجاره المتفق عليه، فهل يصح ذلك أم لا؟ وما هو الأصلح لهم؟ الأسلم والأحوط أن يشتري لهم عقاراً أو ماء بالأصل لا بالإقالة، لما في معاملات الناس في بيوع الإقالة من الريب فإن من شروط جواز أخذ المشتري للغلة في بيع الإقالة تحمله المغرم وكونه قصد الأصل لا الانتفاع بالغلة، لأن قاصد الغلال مرب، على أن الاتفاق على دفع البائع إلى (3/70)
صفحة 1159
فتاوى البيوع
71
المشتري إيجاراً من قبل القبض هو من جملة علل هذه المعاملة، وهذا أمر شائع في هذه المعاملات، واليتامى يجب على أي حال رعاية مصلحتهم المادية والمعنوية، لقوله تعالى: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَى قُلْ إِصْلَاحُ لَهُمْ خَيْرٌ [البقرة: 220] والله أعلم.
ما قول فضيلتكم في عملية رهن المنازل والأموال الخضراء وغير ذلك علماً بأنها تعود بربح!
إن كان المراد بالرهن الإقالة التي تعارفت العامة في عُمان على تسميته رهناً، فهو مختلفُ فيه: قيل أنه موقوف إلى مضي مدة الإقالة، فإن رجع إلى البائع فله مغنمه وعليه مغرمه وإن بقي للمشتري فله كذلك مغنمه وعليه، مغرمه وقيل هو ثابت وللمشتري غلته وعليه نفقاته قبل وقوع الإقالة، ولا بد مع ذلك أن ذلك أن ينوي ينوي المشتري أنه يريد الأصل لا مجرد الغلة. والله أعلم.
ما قولكم في رجل يرتهن بيوتاً، ويشرط على الراهن بأن يخصم عليه عشرة ريالات في المائة وذلك لمدة سنة، وبعد انتهاء السنة إذا لم يفتد البيت يخصم عليه مرة ثانية كما سبق، وهكذا، فهل هذا يجوز شرعاً؟ وإذا لم يجز ذلك بين لنا الطريقة التي يجب على المسلمين اتباعها؟
نفعاً
ما ذكرته في الصورة المسماة رهناً هو عين الربا، فكل قرض جر فهو ربا، وقد تعارف عوام أهل عُمان على تسمية بيع الإقالة رهناً، والرهن الشرعي يختلف عن بيع الإقالة، فالرهن هو ما يمسكه ذو الحق من عين مملوكة وثيقة إلى أن يؤدي إليه المدين حقه، ولا يجوز للمرتهن أن ينتفع بتلك العين المرتهنة، وإنما تبقى في يده وثيقة في حقه، أما بيع الإقالة فهو أحد أحداً شيئاً مما يملك، ويشترط البائع الإقالة إلى مدة معينة،
أن
يبيع
فإن مضت المدة لم يبق له حق فيها، واختلف العلماء في ثبوت هذا
ووقفه، (3/71)
صفحة 1160
72
الفتاوى المعاملات
وتتفرع جميع يقول بثبوته يقول للشاري مغنمه وعليه، مغرمه فله غلته وعليه نفقاته، ولكن لا بد له أن يقصد الأصل من أول الأمر، فإن قصد الغلة ولم يقصد الأصل فهو مراب، كما قال الإمام السالمي رحمه الله لأن قاصد الغلال مرب)، وعند من يقول بوقفه فالغلة والنفقات موقوفة إلى أن تمضي مدة الإقالة، فإن مضت كان لمن صار إليه الأصل المغنم وعليه المغرم. والله أعلم.
أحكامه على هذين الأصلين، وكذلك الغرم والغنم، فعند من
رجل ارتهن منزل صاحبه بعشرة آلاف ريال واشترط المرتهن على صاحب المنزل أن يدفع له إيجاراً عن سكن المنزل، أو أن يخرج منه ويأجره غيره، فهل هذا الإيجار حرام؟
6
بئس العقد والشرط فهذا هو الربا، بعينه وحسبك أن هذا العقد ينطوي على أربعة أشياء كلها محرمة شديدة التحريم، أولها: ربح ما لم يضمن، وقد صح النهي عنه على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم، ثانيها: وجود أكثر من شرط في العقد، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن شرطين في بيع ثالثها: اجتماع عقدين في عقد، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعين في بيع رابعها التدرج المكشوف إلى الربا، وهو محرم بأي وسيلة كان والله أعلم.
6
فيمن رهن بيته لرجل ثم اكتراه منه، وهو - أي الراهن ـ فيه، غير أنهما اتفقا على أن يسلم الراهن للمرتهن مبلغاً معلوماً، فكيف أمرهما في
الشرع؟
يختلف الحكم بين كون الرهن المقصود في البيع رهناً مقبوضاً أو بيع خيار ـ حسبما شاع عند أكثر أهل زماننا بعمان من إطلاق اسم الرهن عليه اصطلاحاً عرفياً - فإن كان الأول فليس للمرتهن التصرف فيه بحال، وإن كان الثاني فإن للعلماء أقوالاً في بيع الخيار، منهم من يرى تحريمه
: (3/72)
صفحة 1161
فتاوى البيوع
73
على الإطلاق وهو الراجح، ومنهم من يجوزه، وبناء على جوازه اختلف المجوزون في حكمه، منهم من يرى ثبوته ومنهم من يرى وقفه إلى انقضاء أمد الخيار، فإن بنينا على صحة بيع الخيار فللمشتري الانتفاع بالمبيع سواء بسكناه ـ إن كان بيتاً ـ أو بإيجاره، وعليه كل ما يتطلبه المبيع من إصلاح وغيره، ولكن ليس له أن يتواطأ مع البائع على أن يستأجره منه، بل على البائع أن يسلمه إليه، فإن شاء أن يستأجره ه منه بعد تسليمه إليه والتخلي منه بلا مواطأة من قبل فلا مانع منه ـ على هذا الرأي ـ، وأما إن قيل بأنه موقوف إلى انتهاء المدة فالمنفعة والمغرم كذلك موقوفان إلى انتهاء المدة، ويؤولان إلى من ثبت له المبيع، أما ما شاع عند الناس اليوم من بيع بيت خياراً مثلاً واستئجار البائع له من المشتري من غير تسليم له، فهو باب من أبواب الربا، إذ ليس مراد المشتري البيت وإنما مراده ما يستنزفه من ثروة البائع بالإيجار، مع تخلصه من كل مغرم يسببه إصلاح البيت، فهذا من القروض الجارة للنفع، وكل قرض جرَّ نفعاً
فهو
ربا. والله أعلم. فيمن باع بيته بيع إقالة وقبضه المشتري، ثم أراد البائع استئجار البيت من المشتري بأجرة يتفقان عليها؟
يشترط في استئجار البائع بيته الذي باعه بالإقالة أن يسلمه للمشتري، وأن لا يكون بينهما شيء من التواطؤ على الاستئجار، فإذا حصل الشرطان فلا بأس بهذا الاستئجار على رأي المرخصين مع كون المشتري قصد تملك الأصل، والراجح منعه والله أعلم.
أخي المتوفى كان قد باع بيته بيع الإقالة، وكان قد قام قبل وفاته أسرته باستئجار البيت لمدة (8) سنوات، وتبقى له جزء من مبلغ
مع (3/73)
صفحة 1162
74
الفتاوى المعاملات
الإيجار، فهل للمشتري الحق في المبلغ المتبقي من الإيجار إضافة إلى المبلغ المذكور في عقد البيع، أم يُكفى بإعطائه المبلغ المتبقي من الإيجار ونسترجع البيت؟
إن تبايعاه وهما متواطئان على الإيجار أو اتفقا على الإيجار قبل استلام المشتري للمبيع فهذا هو الربا الذي لعن الله على لسان رسوله «آکله ومؤكله وكاتبه وشاهديه» (1)، وليس للمشتري إن أراد الخلاص إلا ثمن المبيع من غير زيادة والله أعلم.
فيمن له صكوك لبيع الإقالة لمدة ستين سنة، وقد انتهت المدة المحددة بمضي الستين سنة، فما حكم البيع؟
ما مضت مدة الإقالة المحددة له فبيعه ماض وا
والله أعلم.
في رجل باع بيته بيع الإقالة، ثم خرج من البيت بضع أيام أو ساعات، ثم استأجره الراهن بمبلغ ثلاثين ريالاً شهرياً، فما القول في الاستئجار مع بيع الإقالة هل يجوز ذلك؟
أما
فلا
من باب الحكم فإن القضية مردها مع الشقاق إلى القضاء الشرعي، وأما من باب الجائز، فإن كان المشتري بالإقالة إنما قصد شراء البيت، ولم يکن بينه وبين البائع تواطؤ على الاستئجار، وقد استلم البيت من البائع مانع من إيجاره بعد قبضه على رأي من يرخص، وإلا فلا، والراجح منع هذه المعاملة على الإطلاق والله أعلم.
فيمن باع بيتاً بالخيار لآخر، فطلب البائع من المشتري أن يؤجره إياه لأنه ساكن فيه، فعند اتفاقهما على ذلك فهل ترى حرجاً عليهما؟
(1) تقدم تخريجه. (3/74)
صفحة 1163
فتاوى البيوع
Vo
وفيمن اشترى نخيلاً وشجراً بالخيار، فطلب المشتري من البائع أن يبقى عنده ويقوم بسقيه وتعميره كصفة بيدار له وعند دراك الغلل يتصرف المشتري فيها، فهل ترى في هذا شبهة؟ إذا كان ذلك مشترطاً وتواطأ عليه البائع والمشتري فلا يصح أما إذا اتفقا على ذلك من جديد بعد البيع والقبض فقد رخص فيه بعض أهل العلم إن قصد المشتري تملك الأصل لا الغلة وحدها، والراجح أن ذلك لا يجوز على الإطلاق، أما قيام البائع بخدمة المال واستئثار المشتري بغلته فهو من الربا المحرم بالإجماع والله أعلم.
فيمن باع مالاً بالإقالة والمشتري يأخذ غلته سنوياً ولم يصلح المال بشيء، والمال يحتاج للإصلاح وحرث الأرض وسمدها، ويريد
المشتري أن يحمّل أن يحمّل ذلك البائع أفتنا على من يرجع المغرم؟
من كان بيده المال ويأكل غلته فعليه مغرمه، وأما ما ذكرته فذريعة من ذرائع الربا المحرم والله أعلم.
رجل باع لرجل آخر بيع الخيار، وصار بينهم موافقة أن لا يلزم المشتري شيء من الخسارة التي تحتاج إليه النخلة وكتب له صكاً بذلك، فهل يثبت هذا الشرط على صاحب الأصل، أم هل فيه خلاف؟
بئس ما اتفقا عليه، كيف يكون للمشتري المغنم خالصاً وعلى البائع المغرم؟ وهل هذا إلا عين الربا؟ هذا بجانب كون البيع مشتملاً على شرطين وهما الإقالة وتكفل البائع بالقيام بشؤون المال، لأجل ذلك كان البيع معيباً والعقد باطلاً والله أعلم.
رجل باع ماله بالإقالة لمدة عشر سنوات بألف ريال عماني، وقام بدفع (3/75)
صفحة 1164
76
الفتاوى المعاملات
أقساط عبارة عن مائتي ريال عُماني في كل سنة، فما قولكم في المائتين غلة المال أو رأس المال، علماً بأنه لم يكن بينهما اتفاق في
هل هي
الغلة وإنما بينهما بيع الإقالة فقط؟
ما أعجب هذا السؤال وما أعجب حال السائل، فالظاهر أنه ممن لا يفرقون بين الحلال والحرام والمباح والمحظور، وإلا فكيف سوغ عقله أن يأخذ المشتري مائتي ريال غلة في كل عام؟ وهل هذا إلا من أمر الربا المحرم الملعون هو وراكبه ـ والعياذ بالله ـ، والذي يبدو أن هذا البيع باطل من أصله من حيث إن المتبايعين تشارطا أن تكون الغلة بينهما، وهو شرط ثانٍ فوق الإقالة والشرطان في البيع يبطلانه، فضلاً عما في ذلك من التذرع إلى الربا، ودخوله في بيع ما لم يقبض وربح ما لم يضمن
والله أعلم.
رجل باع ماله بيع إقالة لمدة عشر سنوات عن مائة ريال، والمال يساوي عشرة آلاف ثم انتهت المدة المذكورة ولم يفد ماله بسبب العسر، وبقي المال لا يزال قيد الرهن وطالت المدة إلى عشر سنين أو أكثر، والمرهون عليه لا زال يستغله في هذه المدة المذكورة والآن أراد صاحب المال أن يفدي ماله، فهل يثبت له ذلك من أنه لم يترمه عليه ـ أي لم يفوته عليه، أفيدونا ولكم الأجر؟
لقد فوت البائع حقه بتهاونه إلى أن مرَّت مدة الإقالة، فلا سبيل له إلى الفدية بعد مضي المدة المتفق عليها، إلا برضى المشتري، هذا من حيث الظاهر، وأما فيما بينهما وبين ربهما فلا ريب أن هذه معاملة ما أراد بها المشتري إلا أكل مال أخيه بغير حق، فليتق الله في ذلك
والله أعلم. (3/76)
صفحة 1165
فتاوى البيوع
VV
ما قولكم في رجل مرتهن بيوتاً بالإقالة إلى مدة عشر سنوات، وبعد
ذلك استأجر أهل البيوت بيوتهم وسكنوها ويدفعون إيجاراً للمرتهن؟ إن كان المتبايعان بالإقالة اتفقا على البيع والإيجار معاً فذلك حرام من أربعة أوجه أولها: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعين في بيع أي عقدين في عقد، ثانيها: أنه نهى عن بيع ما لم يقبض وربح ما لم يضمن، ثالثها: أنه نهى عن شرطين في بيع وقد اجتمعت في هذا العقد ثلاثة شروط وهي الإقالة والإيجار وتحديد الأجرة، رابعها أن فيه تذرعاً إلى الربا وكفى به إثماً مبيناً، أما إن اتفق المتبايعان على البيع، ولم يذكر الإيجار حتى قبض المشتري المبيع، ففي استحقاق المشتري في هذه الصورة الأجرة خلاف، مبني على ثبوت بيع الإقالة أو وقفه. فمن يراه ثابتاً يرى جواز ذلك له، على أن يكون عليه غرمه، ومن يراه موقوفاً يرد المغنم والمغرم إلى من استحق المبيع من المتبايعين إما بمضي مدة الإقالة وإما بالأداء والله أعلم.
في رجل باع بيته بالإقالة لمدة عشر سنوات على أن يكتري البائع البيت من المشتري باثنين وعشرين ريالاً شهرياً، وبعد مضي سنتين جاء المشتري
وقال تزيد في الكراء أو ترد عليَّ الدراهم؟ فما رأيكم فهل ذلك سائغ؟
هذا البيع غير شرعي من بداية أمره لالتباسه بالربا المحرم شرعاً، فإن العقد بينهما ليس هو إلا صورة تمويهية، أراد المتبايعان أن يتسترا بها ليتوصلا إلى الربا، فإن من الواضح في مثل هذه الصورة أن المشتري لم يرد البيت بالشراء، وإنما أراد ما يدره العقد الثاني - عقد الإيجار - من أرباح، فعلى كل منهما أن يرد إلى الآخر ما أخذه منه من نقود، وأن يتوبا إلى الله تعالى ويستغفراه من هذه الورطة التي رمت بهما في حمأة الربا، الوبيئة دع ما ارتكباه من أنواع المنهيات التي اشتمل عليها هذا البيع، منها الجمع بين بيعين في بيع، فإن الإيجار كالبيع (3/77)
صفحة 1166
V?
الفتاوى المعاملات
في الحكم، ومنها أخذ الربح دون ضمان، وكل من ذلك نهي عنه بنصوص السنة، فقد ثبت عنه - صلوات الله وسلامه عليه - النهي عن بيعين في بيع، كما ثبت عنه النهي عن ربح ما لم يضمن الإنسان والله أعلم.
عن رجل يريد بيع ماء بالإقالة على اثنين بصك واحد، فهل يجوز ذلك؟
لم أفهم هذه المسألة، فإن كنت أنه باع نفس الماء
غير جائز بحال والله أعلم.
تعني
بيعتين
فذلك
هل يجوز للرجل أن يبيع بيته بيع إقالة مع نيته أن يستأجر البيت بعد البيع، دون أن يعلم المشتري بذلك، سواءً كان عن طريقه مباشرة أو عن طريق شخص آخر؟
هذا ليس بيعاً سليماً، ما دام المشتري لا يستلم المبيع ويتصرف فيه تصرف المالك في ملكه فيجب اتقاء ذلك والله أعلم.
ما قولكم إذا اتفق البائع والمشتري في بيع الإقالة على الإيجار من أول الأمر، فما حكم ذلك؟
نفس بيع الإقالة فيه من الريب والشُبه ما يحار منه اللب، فكيف إذا اتفق المتبايعان على الإيجار من أول الأمر، فإن ذلك هو الربا الصريح الذي لا ريب فيه والله أعلم.
رجل توفي وترك أيتاماً، وقد باع بيته بيع الإقالة ثم استأجره عن طريق اتفاق مسبق بينه وبين المشتري، فهل تصح تلك الطريقة، وهل يصح لنا نحن كفلاء الأيتام أن ندفع تلك الأجرة للمشتري؟
الاتفاق بين المتبايعين بالإقالة على أن يستأجر المبيع البائع من (3/78)
صفحة 1167
فتاوى البيوع
79
المشتري هو من ضروب الربا المحرم ويدخله النهي من وجوه شتى، فلا يجوز ذلك بحال، ولا يجوز لمن علم به أن يُقره، فلا يجوز لولي الأيتام أو وكيلهم دفع هذا الإيجار والله أعلم.
رجل باع بيته بالإقالة ثم رأى غبناً في ثمن مبيعه ـ كما هو معروف بأن ثمن بيع الإقالة أقل بكثير عن بيع القطع وحفاظاً عن غياب الأموال، فعلى ضوء ذلك هل يصح للبائع أن يبيعها بالقطع لرجل آخر عند عسره عن فكها؟ وهل من فرق إذا رضي المشتري أو لم يرض؟ وكذلك بصورة أخرى إذا أخذ البائع المبلغ ممن وعده بالشراء ففك بها مبيعه من المشتري، ثم عقد البيع للآخر الذي قبض منه الثمن، فهل هذا الصنيع سائغ شرعاً؟ أو يعتبر قرضاً حيث لم يعقد له البيع إلا من بعد ويكون داخلاً في النهي عن قرض جر منفعة؟ وأيضاً إذا رضي المشتري الأول بهذه الصورة التي بيناها وكانوا جميعاً في مجلس واحد، واتفقوا على ذلك برضاهم جميعاً، بأن أخذ البائع الثمن من الآخر ثم أعطى الأول في آن واحد ومجلس واحد، ما قولكم في
ذلك؟
ليس للمالك الأصلي أن يبيع بالقطع ما باعه بالإقالة حتى يخلصه من الإقالة، وله أن يقترض من أجل تخليصه، ثم يبيعه للمقرض من بعدما يتم التخليص، على أن يكون عقد البيع بعدما يكون المبيع بيده
والله أعلم.
اشتريت دكاناً بالإقالة من شخص وقد قمت بحيازة هذا الدكان وتسلمت مفتاحه، فإذا أردت تأجير هذا الدكان فماذا تقول في المبلغ العائد من الإيجار؟ وهل لي أن أؤجره إلى الشخص الذي بايعني إياه أم (3/79)
صفحة 1168
80
الفتاوى
المعاملات
الأولى تجنبه؟ وهل هناك فرق عندما أقصد العائد الشهري الذي يأتي
أو لا أقصده في نفسي؟
منه
إن كنت نويت من أول الأمر أن مرادك الأصل لا الغلة، فقد رخص جماعة من أهل العلم بأن تستغله ولكن إن أجرته فأجره غير الذي ابتعته منه
حذراً من الريب، والسلامة في تجنب هذه المعاملة من أساسها والله أعلم. اشتريت منزلاً من أحد الناس وأبلغني أنه مرهون، واتفقت مع البائع صاحب البيت أن نسدد الرهن أولاً وفعلاً جهزت قيمة الرهن وتوقف الأمر على أن يحضر الراهن والمرتهن لاستلام قيمة الرهن، وأما عن ثمن المنزل فقد دفعته للبائع وتحرر في ذلك عقد ولم يتم نقل الملكة حتى يتم سداد الرهن أولاً، وفجأة علمت أن البائع قام ببيع المنزل إلى شخص آخر، وتم نقل الملكية إليه؟ بعد رهن المنزل إلى شخص آخر غير المرتهن الأول الذي أخذ قيمته رهنه وحل محله المرتهن الجديد، مع العلم أن عقد البيع الأول الصادر لي من صاحب المنزل سابق على العقد الأخير، فما حكم البيع الثاني شرعاً؟
إن كان المراد بالرهن بيع الإقالة، فإن المبيع بالإقالة لا يجوز التصرف فيه ببيع ولا غيره حتى يرجع إلى البائع، وإن كان المراد به الإثبات فإن الحق يتعلق بالعين المرتهنة، فلا يسوغ التصرف فيها والله أعلم.
عند محاورتنا لبعض الناس في بيع الإقالة قال: لا يوجد أحد في هذا العصر يقرضك مالاً ولا يريد فائدة، فماذا نرد عليه؟
هذا لا يقتضي جواز هذه المعاملة، بل على الناس أن يسعوا إلى إنشاء المؤسسات التي تقرض الناس قرضاً حسناً، من غير أن يلجأوا إلى المعاملات المحرمة والله أعلم. (3/80)
صفحة 1169
فتاوى البيوع
81
ما هو حكم الشرعي في بيع الإقالة المتعارف عليه الآن، إذا كنت هذه المعاملة خالية من وجود الغلة، وإنما باع له الأصل بالإقالة ولم يشترط عليه الغلة، فما حكم ذلك؟
إن كان البيع بسعر عادي ليس فيه غبن على أحد الجانبين، وكان بجانب ذلك المشتري لم يقصد الغلة وإنما قصد الأصل، وإنما يأخذ الغلة لأنه أراد الأصل بنفسه، واعتبر هذا البيع بيعاً قائماً على أسس البيوع الأخرى، ما عدا أن البائع اشترط الإقالة، فلا حرج عليه إن أخذ برأي من يجيزه له، وإن كان الراجح منع هذه المعاملة على الإطلاق والله أعلم.
كأن
يبيع
في بيع الخيار إلى مدة معينة، هل يجوز للمشتري أن يستغل ما اشتراه من البائع إلى تلك المدة المتفق عليها، وذلك رجل لآخر خمسة آثار ماء بقيمة (عشرة آلاف ريال خياراً إلى مضي اثنتي عشرة سنة، فهل يجوز للمشتري أن يسقي بذلك الماء طوال تلك الفترة، ولماذا؟ وماذا يستحق من يتعامل بهذه المعاملة في هذا الوقت؟
قيل هو بيع موقوف، والمغنم والمغرم تابعان للأصل، فمن كان له الأصل بعد مضي مدة الخيار فله مغنم المبيع في خلال تلك المدة وعليه مغرمه، وقيل هو بيع ثابت ومغنمه للمشتري ومغرمه عليه، بشرط أن يكون مبتغاه الأصل لا الغلة وحدها، فإن كان قصده الغلة فذلك عين الربا، والقول الراجح عدم جواز هذا البيع على الإطلاق
والله أعلم.
مواطن باع منزلاً بالإقالة، وصاحب المنزل لم يخرج منه ولم يسلمه (3/81)
صفحة 1170
82
الفتاوى المعاملات
للمشتري، وعندما سلم المشتري مبلغ الشراء أسقط المشتري إيجار سنة مقدماً، فما الحكم في هذا البيع؟
هذا هو عين الربا الذي لعن الله على لسان رسول صلى الله عليه وسلم آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه والله أعلم.
أحد إخواننا يريد بيع أثر ماء بيع القطع والأصل بالإقالة لمدة عشرة سنوات، عن ثلاثة آلاف ريال عُماني لأحد إخوانه، فما حكم الشرع في
ذلك؟
الأولى له والأسلم أن يبيع بيعاً منجزاً لا بيع إقالة والله أعلم.
بيع الثمر قبل دراكه:
فيمن اقتعد نخيلاً لمدة خمس سنوات، لكي يدفع الثمن أقساطاً، يصح أم لا؟
فهل
لا يجوز بيع الثمر قبل دراكه وأمن العاهات عليه، للأحاديث الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في النهي عن بيع الثمار حتى تزهو، وإذا كان هذا حكم الله ورسوله في الثمار التي لم تدرك، فكيف بالثمار التي لم تخلق، إن هذا إلا من أكل الحرام المحض، والتجاسر على أحكام الشريعة الغراء بالوطء عليها بدون مبالاة، نعوذ بالله من هذه الحالة ومن سوء مغبتها.
ما قولكم في قعد الأموال لمدة سنة كاملة قبل أوان جناء ثمارها، هل ذلك جائز أم لا؟
لا
يصح بيع الغلل قبل دراكها لأن ذلك من بيع المعاومة، فإن كانت اتفاقية القعد مشتملة على الثمار التي تدرك كانت حراماً والله أعلم. (3/82)
صفحة 1171
فتاوى البيوع
83
هل يجوز للوكيل أن يقعد ضواحي به نخيل وأشجار للمسجد، ويعين لها سقي بقيمة معينة ولمدة معينة خمس سنوات أو أكثر، أثمرت تلكم النخيل أم لم تثمر، على أن يدفع المستقعد سنوياً مبلغاً معيناً لمدة
معينة؟
هذا هو بيع السنين المنهي عنه بنصوص الأحاديث النبوية، فقد نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة قبل دراكها، فكيف إن كانت الثمرة لم تخلق رأساً، ولا يسوّغ ذلك كون الغلة المبيعة غلة، موقوف، فإن الوقف وغيره في ذلك سواء
والله أعلم. هل يجوز قعد المال الموقوف سنوياً، وإذا منع ذلك فهل يجوز إعطاؤه من يكفله للمال عوضاً عن عمارته؟
لا يصح بيع بالأحاديث الصحيحة، وإذا كانت غلة الموقوف لا تفي بمصاريفه فلا بأس
الغلة قبل حضورها، لأن ذلك من بيع السنين المنهي عنه
بإعطائها من يقوم بكل ما يلزم من عماره إلى أن يفتح الله والله أعلم.
بيع المحرمات:
ما قولكم في بيع السجائر المعروف بالدخان وما حكم من يقوم ببيع
ذلك؟
السجائر حرام لضررها بالجسم والمال وفي استعمالها تبديل لنعمة الله، والله تعالى يقول وَمَن يُبَدِلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [البقرة: 211)، وهي قتل للنفس لكثرة الأمراض المهلكة الناتجة عنها، وقد قال تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانَا وَظُلْمًا (3/83)
صفحة 1172
??
الفتاوى المعاملات
فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا} [النساء: 29، 30] وبيع الحرام حرام وثمنه حرام، ولا أرى فارقاً بين تجار السجائر وتجار المخدرات، لأن في الكل ضرراً بالغاً وخطراً شديداً، كما لا أرى فارقاً بين استعمال السجائر واستعمال المخدرات في الحرمة، وإني لأعجب من الذين يحاربون المخدرات ويحكمون على تجارها بالإعدام، ولا يرون في الاتجار في السجائر وفي استعمالها حرجاً، فإن ذلك من المفارقات التي يحار منها العقل والله المستعان.
ما
حكم الإسلام في زراعة أشجار الغليون (التتن) حيث إن بعض الأسر تقوم بزراعته وتعتبره المصدر الرئيسي في الكسب؟ وما حكم بيعه؟ هو شجر خبيث، وثمنه خبيث لا يحل بحال من الأحوال والله أعلم.
هل يجوز بيع الدخان في وقف المساجد؟
إن كان المراد بالدخان السجائر فلا يجوز بيعه في أي مكان، وإن كان شيئاً آخر يرجى بيانه والله أعلم.
هل يجوز الشراء من محل يبيع الخمر، علماً أننا مجاورون له ومضطرون للشراء منه، لوجود سلع فيه لا تجدها في غيره؟
إن كان المبيع الذي تشترونه حلال، العين فبيع بائعه للحرام لا يحرمه، ويتأكد حله عندما تضطرون إليه ولا تجدونه في غير ذلك المحل والله أعلم.
ما حكم بيع وشراء الدجاج المستورد؟
إن كان مستورداً من بلاد الكفر فلا يحل أكله ولا بيعه ولا شراؤه، إلَّا إن قامت حجة مقبولة شرعاً بأنه مذكى ذكاة شرعية، وإن كان مستورداً من بلاد الإسلام فبخلاف ذلك والله أعلم. (3/84)
صفحة 1173
فتاوى البيوع
85
ما حكم بيع الدم للمستشفيات؟ وما الأدلة على ذلك؟ وهل هناك
ضوابط لمثل هذه القضية؟
لا يجوز الدم لنجاسته، ولأنه جزء من جسم الإنسان، وإنما يجوز بيع
التبرع بما فضل عن حاجة المتبرع من دمه عند الحاجة والله أعلم.
رجل لديه تجارة من ضمنها مواد مشتبه في أن تكون بعض مكوناتها شحوماً خنزيرية، وقد علم بذلك بعد أن اشتراها وباع قسماً منها، فما حكم ما تم بيعه؟ وماذا عليه أن يعمل بالباقي هل يرجعه إلى البائع،
وإن رفض هل يبيعه للمشركين أو يوزعه عليهم؟ أم ماذا يفعل به؟ ليس عليه فيما سبق بيعه شيء، لأنه لم يكن على علم بما يحتويه المبيع، أما ما بقي عنده فإن تأكد احتواؤه على الحرام كشحوم الخنزير فعليه التخلص منه برده إلى البائع واسترداد الثمن منه فإن رفض قبوله فعليه إتلافه ولا ولا يصح له بيعه ولو إلى مشرك، لأن ثمن الحرام حرام ولا توزيعه على المشركين لعدم
جواز إطعام الحرام ولو لمستحله، وفي الحديث أن رجلاً أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم راويتي خمر فقال له النبي (ألم تعلم أن الله حرَّمها؟ فقال أفأبيعها؟ فقال له: إن الذي حرم شربها حرم بيعها فقال أفأكرم بها اليهود؟ فقال: إن الذي حرم شربها حرم أن يكارم بها اليهود ()، ولسائر المحرمات حكم الخمر والله أعلم.
هل يلحقنا إثم وذنب من شراء مبيع حلال العين ولكنه يباع في محل تجاري يباع فيه أشياء حرمها الإسلام؟
لا حرج في ذلك إن لم يكن في ذلك تشجيع على بيع المحرمات
والله أعلم.
(1) أخرجه مسلم في كتاب المساقاة، باب تحريم بيع الخمر (1579). (3/85)
صفحة 1174
86
الفتاوى المعاملات
ما حكم من يشتري أو يبيع بعض المنتجات التي يكون لها مضرة بجسم الإنسان أو به مواد محرمة أو نحو ذلك؟
إن كانت ضراً لا نفع معه فلا يجوز بيعها ولا أخذ ثمنها لحرمة استخدامها رأساً، وإن كانت فيها منافع مباحة شرعاً، والمشتري يشتريها من أجل منافعها ويتقي ضررها فلا منافع من بيعها وابتياعها وأخذ ثمنها، وذلك كالإسبرتو الذي هو مادة مسكرة، ولكنه لغير الشرب وإنما لمنافعه الأخرى
والله أعلم.
ما حكم بيع أحذية النساء ذات الكعب العالي، التي تحدث أصواتاً عند المشي بها، وإن كان لا يجوز فماذا نفعل بالباقي؟ ما كان من هذه الأحذية تثير فتنة للرجال من قبل النساء اللاتي يلبسنها فلا يجوز الاتجار فيها، وذلك لأنه من التعاون على الإثم وقد نهينا عنه، وإن لم تكن من ورائه فتنة ولا فيه مخالفة لحكم شرعي فلا حرج فيه، وإن كان يمكن تعديل ما بقي عندك حتى يتفق وضعه مع مقتضيات الشرع الشريف فذلك هو الواجب والله أعلم. (3/86)
صفحة 1175
فتاوى البيوع
87
بيع العربون (1)
ما حكم بيع العربون؟
العربون، جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عنه، وقد أخذ
بيع
جمهور
العلماء
وهم
أصحابنا والشافعية والمالكية والحنفية بمنع بيع
العربون، بينما يجيزه الحنابلة والله أعلم.
اتفق رجل مع آخر على شراء منزل ودفع دفعة مقدمة (عربون) بما مقداره ألف ريال عُماني)، وتم الاتفاق الشفهي بينهما بأنه عندما يتوفر لدى المشتري المبلغ الكلي لشراء المنزل فسيتم التكاتب بينهما، وإذا لم يتوفر المبلغ فيتوقف أمر البيع، وعقدا لذلك مدة وقدرها شهران، وبعد مضي المدة لم يستطع المشتري توفير المبلغ وبناء عليه جاء للبائع وطلب منه رد مبلغ العربون وأخبره بأنه ينقض البيع لعدم استطاعته توفير المبلغ، إلا أن البائع أنكر عليه ذلك، مدعياً أن مبلغ (العربون) أصبح من حقه، وليس له المطالبة به، لكونه عطل عليه بيع المنزل، فهل ذلك من حقه شرعاً أم لا؟ بيع العربون غير جائز، فقد نهى عنه، وعليه فيجب رد ذلك المبلغ إلى صاحبه والله أعلم.
يدفع
إذا أراد الإنسان شراء سلعة أو عقار مثلاً، فهل يجوز له أن من القيمة مقدماً لحجز تلك السلعة (العقار) وهو ما يسمى (عربوناً)؟
مبلغاً
نعم، على أن يكون ذلك جزءاً من الثمن، ولا يستحقه البائع إلا بدفعه العين المبيعة إلى المشتري والله أعلم.
(1) العربون: هو ما يدفعه المشتري من الثمن قبل قبض المبيع على أنه إن استلم المبيع أكمل
الثمن وإن لم يستلم يأخذه البائع. (3/87)
صفحة 1176
88
الفتاوى
المعاملات
فسخ البيع ورده:
سماحة الشيخ أفتونا في رجل اشترى منزلاً من رجل أبكم، وأن هذا الأبكم بكامل قواه العقلية والطرف المشتري اشترى المنزل عن طريق البنك بواسطة شخص وسيط بين البائع والمشتري، وأخذ الوسيط من المشتري مبلغ مائتي ريال عماني كعربون وسلمها للبائع، وسلم البائع الملكية الأصلية إلى المشتري لكي يخلص الإجراءات المتعلقة بالبنك، وبعد ذلك تم إبرام اتفاقية بين المشتري والبائع تنص على أن أياً منهما إن أراد فسخ البيع عليه دفع مبلغ ألفي ريال عُماني للآخر، ويشهد على ذلك شاهدين عدول. لقد تم الكشف الهندسي على المنزل بواسطة مهندس من البنك وتمت الموافقة على شراء المنزل عن طريق البنك، وبعد ذلك وقع البائع أمام البنك وأمام شهود من البنك على عقد البيع، وبعد ذلك كان المفترض أن يذهب البائع إلى دائرة الإسكان ليتم التنازل عن ملكية المنزل للمشتري، وهنا تدخل أخ البائع الأكبر وأرغمه على فسخ البيع؟
لقد اشترى المشتري هذا المنزل بموجب قرض من البنك، وفقدانه لهذا المنزل يعني إلغاء القرض الذي يصعب الحصول عليه مرة أخرى؟
ثابت،
بما أن هذه الاتفاقية كانت بينهما بعد عقد البيع، فالبيع صحيح والاتفاقية لا تعتبر شيئاً، فلا يلزم أحدهما أن يقبل فسخ العقد، وإن أرادا الفسخ فبحسب ما يتفقان عليه من جديد، سواء تراضيا أن يكون بعوض أو
لا، والله أعلم. (3/88)
صفحة 1177
فتاوى البيوع
رجل اشترى قطعة غيار لسيارته من محل بقيمة عشرة ريالات مع قطع غيار أخرى، واشترى نفس القطعة التي بقيمة عشرة ريالات من محل آخر ولكن بقيمة تسعة ريالات؟
هذا الرجل استخدم فقط القطعة التي اشتراها من المحل الأول والتي كانت بقيمة عشرة ريالات ولم يستخدم باقي القطع مع القطعة الأخرى
التي هي بقيمة تسعة ريالات والتي كانت من المحل الثاني.
فذهب هذا الرجل ليُرجع هذه القطعة التي من المحل الثاني بقيمة تسعة ريالات) إلى المحل الذي ابتاعها منه فرفض صاحب المحل بحجة أنه لم تباع منه، فوق ذلك إن هذا الرجل قد أضاع ورقة الشراء ولا توجد نسخة أخرى في المحل. فذهب إلى المحل الأول حتى يرجع باقي السلع الأخرى التي اشتراها تلك التي كانت بقيمة عشرة ريالات والتي قد استخدمها، وأدخل تلك القطع الصغيرة مع تلك القطعة التي من المحل الثاني والتي رفض بائعها أن يسترجعها. فأخذها المحل الأول بقيمة عشرة ريالات، وهذا الرجل لم يخبر صاحب المحل الأول إن هذه القطعة قد ابتيعت من محل آخر.
منه مع
فهل على هذا الرجل من حرج فيما فعل؟ وإن كان عليه حرج فماذا يفعل؟
نعم عليه حرج في ذلك، ويجب عليه إخبار صاحب المحل بذلك وأن يدفع إليه فارق السعر والله أعلم. (3/89)
صفحة 1178
الفتاوى
المعاملات
العيوب في البيع
رجل اشترى سيارة فظهر عيب في السيارة، فأراد المشتري أن يرد السيارة فهل له ذلك؟ وكيف يكون الرد هل يتم بمحض إرادة صاحب الخيار أم يشترط لحصوله وجود التراضي بين العاقدين أو الترافع للقضاء، وهل يختلف في رد السيارة، قبل القبض وبعد القبض، أم لا يوجد فرق بين وقوعه قبل القبض وبعده وكيف تكون صيغة الفسخ وإجراءاته؟
إن كان العيب مما لا يتسامح في مثل عادة عند الناس في تعاملهم فللمشتري الغير، وذلك بأن يرجع إلى البائع الذي لم يخبره بالعيب، وفي هذه الحالة إما أن يتفقا على الحط من القيمة بقدر العيب، وإما أن يفسخ العقد، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الفسخ قبل القبض أو بعده، إن كان فور ما علم المشتري بالعيب من غير تأجيل، وإن لم يتراضيا فليترافعا إلى القضاء الشرعي، وأما إن كان العيب مما يتغاضى الناس عنه عادة في تعاملهم فلا عبرة به والله أعلم.
رجل أتى برطب غير ناضج طبيعياً، وإنما هو ناضج عن طريق دفنه في الرمل لينضج عن طريق الشمس، وأخبر الدلال بذلك ليخبر المشتري
حتى يكون المشتري على علم به، فهل على البائع شيء؟
إن كان الدلال اشترطه وبين جميع عيوبه واشتراه أحد على علم بكل أحواله، فلا حرج والله أعلم.
يقام في نزوى سوق الجمع حيث تباع فيه السيارات المستعملة، فيقوم أصحابها بتسليمها إلى الدلال على أنها مجرد حديدة والمفتاح خير (3/90)
صفحة 1179
فتاوى البيوع
91
منها، دون توضيح العيب الذي فيها مع العلم أنه ليس هناك مجال لفحصها، فما رأي الدين في ذلك؟
ذلك من الغرر المنهي عنه، ولا يجوز إلا على مذهب أهل العراق
والله أعلم.
في
السيارة
مسألة العيوب في السيارات، بعض الناس عندما يبيع لا يذكر العيوب التي فيها ولذلك أسواق معروفة، وفي أحيان كثيرة لا تذكر العيوب وإنما يقول له أبايعك إياها حديدة أو أبايعك المفتاح ونحو ذلك من العبارات فهل هذا صحيح؟ وهل إذا اكتشف بعد ذلك عيوباً له أن يرجع إلى هذا البائع أم لا؟
السيارة كغيرها، فلا بد من تشخيص عيوبها إن كانت بها عيوب، وقوله أبيعك حديدة أو أبيعك مفتاحاً ونحو هذا ليس بشيء، لأن المشتري ما قصد أن يشتري المفتاح، ولا قصد أن يشتري الحديدة، وإنما قصد أن يشتري سيارة، فلا بد من تشخيص عيوبها، هذا هو القول الراجح، وإن كان من أهل العلم من يقول بأنه إن قال له بأن كل عيب في هذا المبيع موجود ورضي المشتري فلا حرج، ولكن في هذا، غرر، إذا لا يدري العيوب الموجودة في المبيع والله أعلم.
ما
هي العيوب التي يلزم إظهارها والعيوب التي يتسامح بها؟ فإن السيارة لا تخلو مهما كان من العيوب البسيطة، فهل كل عيب يذكر أم ما هو العيب الذي لا بد من الإخبار به؟
العيب الذي ينقص من قيمتها وينفر المشتري من أن يشتريها بتلك القيمة والله أعلم. (3/91)
صفحة 1180
92
الفتاوى المعاملات
إذا كانت السيارة قديمة ومتعارف على أن القديم لا يخلو من عيوب وقد تكون العيوب كثيرة لا تحصر فهل يمكن بيعها بغير ذكر هذه
العيوب؟
لا بد من تشخيص العيوب، إلا إذا رضي الطرف الآخر بعدما عرف العيوب فلا مانع والله أعلم.
أحكام المتبايعين
إنني رجل أعمى مصاب بالشلل، أمتلك بيتاً قيمته أربعون ألف ريال، ولي زوجة لم أنجب منها ولي ورثة آخرون، فهل يجوز لي بيع
البيت لزوجتي؟
لك أن تبيعه لزوجتك من غير محاباة على حساب الورثة والله أعلم.
هل يصح البيع أو الشراء مع الأطفال وقبول الهدية منهم؟
هذا
أما الهدية فلا، وأما مبايعتهم بما جرت العادة بين الناس أن يتسامحوا في التعامل مع الأطفال فيه فلا حرج على أن يكونوا مميزين والله أعلم.
هل يصح البيع والشراء لرجل لا ينطق الكلام ولا يقرأ ولا يكتب ولا يسمع إلا عن طريق الإشارات؟
تكفي الأعجم إشارته إلى قبول البيع والشراء، إذ ليس البيع بأشد من قبول النكاح، وتكفي فيه الإشارة وإن أضيف إلى ذلك قبول وليه أو وكيله فهو أولى والله أعلم. (3/92)
صفحة 1181
فتاوى البيوع
93
هل يجوز الشراء من أي محل أثناء تأدية صلاة الجمعة، سواء بذهاب
الأطفال أو غيرهم؟
يحرم البيع والشراء إذا نودي لصلاة الجمعة على المخاطب بها دون
غيره والله أعلم.
امرأة آل إليها إرث، فهل يجوز لها بيعه لأحد الوارثين وهي
للسمع؟
فاقدة
لها أن تتصرف في مالها بالبيع والهبة إن كانت واعية قادرة على
التصرف، ولا يمنعها من ذلك فقدانها للسمع والله أعلم.
رجل باع مزرعته بدون استشارة أبنائه، فما قولكم في ذلك؟ هو حر في تصرفه، وليس عليه أن يستشير أولاده في بيعه وشرائه
ومنعه
والله أعلم. شخص يملك بيتاً واحتاج إلى بيعه ليذهب للعلاج في الخارج ذلك أولاده من بيعه، فهل لهم الحق في مع العلم أنهم لهم رواتب ويستطيعون إعاشة أنفسهم هل يحق له بيع المنزل أم لا؟
لا مانع من بيعه لما يملكه، ولا يحق لأولاده الاعتراض عليه والله أعلم. (3/93)
صفحة 1182
94
الفتاوى المعاملات
الشهادة والدعاوى في البيوع
إذا تم بيع بالإجراءات بعد ذلك المشتري وتم هذا البيع بوجود شاهدين رجل وامرأة واحدة مع وجود البائع والمشتري فهل تعتبر ورقة البيع مقبولة إذا عرضت على المحكمة مستقبلاً بوجود الشاهدين، ذلك لأني أعلم أن شهادة الرجل تعادلها شهادة امرأتين، ومن حكم البيع: {فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} [البقرة: 282]؟ ثم وضع الله السبب في ذلك بقوله تعالى: مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَثَهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَنَهُمَا الْأُخْرَى} [البقرة: 282] وفي مسألتي إذا لم تكن هناك امرأتان للشهادة وذلك لعدم توافر امرأة أخرى، فما الحكم في ذلك؟
أرض قبل ظهور الملكية للشخص البائع على أن يقوم
وهل تعتبر شهادة المرأة مقبولة باعتبار أنها تتذكر الموقف وعقد البيع جيداً، وهذا قد يمحي السبب وهو امرأتان لكي تذكر إحداهما الأخرى، أرجو إفادتي في هذا الأمر؟
لا بد من شهادة رجل وامرأتين من الذين يرتضون من الشهداء، إن لم يشهد رجلان في القضية والله أعلم.
أضاف على
شخص اشترى من آخر منزلاً ولم يقبض المبيع ولا تصرف فيه بإيجار أو غيره، والبائع بعد مضي حوالي عشرين سنة من يوم البيع المبني طابقاً آخر وهو ساكن فيه، ثم إنه انتقل عنه وجعل يؤجر الجميع ويتسلم الإيجار ولا معارضة ولا استنكار من المشتري، ثم إن البائع مات وبقي ورثته يؤجرون المبنى ويستلمون الإيجار، وفي هذه الآونة الأخيرة قام المشتري بالمطالبة بنصيبه من المبنى والبائع مات وماتت حجته، والمشتري يحتج بصك معه فيه البيع والشراء ويقول إنه تسامح (3/94)
صفحة 1183
فتاوى البيوع
95
بسکنى المنزل لابن عمه وليس لديه حجة تثبت دعواه هذه، وعلى كل فهل هذا المشتري يثبت له الجزء الذي اشتراه بعد هذا كله أم يقال إنه لم يقبض والبائع مات ولا حجة له، لأنه مات وماتت حجته والصكوك
تبقى والحقوق تقضى أم كيف وجه الحكم في ذلك نرجو الإفادة؟ بما أن المشتري لم يقبض ما اشتراه، والبائع يتصرف في المبيع تصرف المالك في ملكه، واستمر على ذلك إلى أن مات، وظل ورثته من بعده على نفس الحال فلا حجة للمشتري على ورثة البائع، بل نرى هذا البيع معلولاً من أساسه والله أعلم.
في قضية عانية وهي أن أرباب فلج أخرجوا بادة (1) باتفاق منهم وتشاور بينهم لتباع في مصالح فلجهم وخدمته وفعلاً بيعت خياراً بعد أن أخرجت ومضى لها سنون يتصرف بها المشترون، وفي هذه الأيام اختصموا فيها، فالجمهور منهم يقولون إن هذه البادة اشتريناها أصلاً بعد أن كانت خياراً عن مبلغ 2100 ريال إذا كان الخيار عن مبلغ 1600 ريال ومن بينهم الوكيل والعريف، يقولون بعنا هذه البادة قطعاً لخدمته، وأن هذا البيع وقع باطلاع أهل البلد، ومن لم يحضر حضر نائبه وهذا البيع وقع من أكثر من سنة، بينما يقول أهل البلد إن البادة باقية على بيع الخيار فقط ولم نحضر على بيع قطع فيها ولا نرضاه وإنا لا ننكر السوم في هذه البادة أي سوم بيع القطع اطلعنا على السوم في ذلك فقط، ولأنا لا نرضى بيع البادة إلا بالنداء، وعليه فطلبناهم أي مدعي بيع القطع الحجة على أن البيع وقع عن رضى الكل واطلاع على الشركاء فوعدوا
(1) البادة: هي وقت معين للفلج قد يستمر يوماً كاملًا ومقسم إلى أجزاء صغيرة تعرف بالآثار أو السهام. (3/95)
صفحة 1184
96
الفتاوى المعاملات
إحضارها، فلو فرضنا إحضارها وما استقامت أو ما عدلت، فهل هنا أيمان على المعارضين لحسم مادة النزاع أم لا؟ لأن هذا من المشاعات، ورأيتم أن لو ردّوا اليمين على المشتركين هل يحلف الكل إن رضوا أن يحلفوا بعدد مقدر من الأعيان أم كيف؟ نرجو الإفادة؟
في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: البينة على المدعي واليمين على من أنكر» (1) وهو على عمومه، سواء كان المدعي فرداً أو جماعة، وعليه فإن على المشترين إن ادعوا أنهم اشتروا بالقطع بعد شرائهم الأول بالخيار أن يقيموا البينة، فإن عجزوها أو كانت غير مقبولة كانت لهم اليمين على المدعى عليهم أن يختاروا من أكابرهم من شاؤوا ولهؤلاء أن يردوا اليمين على المدعين، فإن ردّوها لزمت جميع المدعين لأن عددهم محصور والله أعلم.
اجتمع أهل بلدي على تصريج عامد فلج ذلك البلد الذي كان غير مصرح من قديم الزمان، وعلى جوانبه نخيل كثيرة ثابتة ليس لها شرب إلا من سالة ذلك الفلج لكونه غير مصرح هذه النخيل لمساجد وأيتام وهي تباع وتشترى بصفتها ثابتة لا تحتاج إلى سقي وليس له صوار ولا يمكن إصلاحها لكثرة كبسها، لأنه يحتاج إلى أضعاف قيمتها، ولعدم وجود بادة قعد بذلك الفلج، فهل هذا العمل جائز لأهل البلد، وهل يجوز لي
الموافقة عليه بصفتي شريكاً ووكيلاً للمساجد وبعض الأيتام)؟ ذلك خلاف بين العلماء، وأقترح - لأجل الاحتياط في الدين ـ أن
في
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الأحكام، باب: الأحكام (592). (2) التصريج: هو وضع الاسمنت أو الصاروج على أرضية مجرى الفلج وجوانبه، والعامد هو المجرى الأساسي للفلج وتتفرع منه فروع (سواقي صغيرة)، سالة الفلج: هي
الفلج، الصوار فتحة في جانب الساقية تفتح وتغلق لمرور الفلج.
غطاء
مجري (3/96)
صفحة 1185
فتاوى البيوع
97
يقف قاض شرعي على الفلج والنخل من حوله، فيحكم فيه بما أراه الله، لأن حكم القاضي يرفع الخلاف في المختلف فيه بخلاف الفتوى، وإن تعذر ذلك واتفقت كلمة أهل البلد على التصريج فما عليك بأس إن وافقتهم، لأنهم أخذون برأي شرعي مشهور، ومن عمل بقول من أقوال المسلمين غير معارض لنص قاطع رجيت له السلامة والله أعلم.
نحن نساء توفي والدنا قبل واحد وأربعين عاماً، وترك لنا مالاً فقام جدنا بضمان حقوقنا بعدما أخذ حصته من الإرث وكنا عندما توفي والدنا صغاراً، وحينما بلغنا الرشد لم يدفع لنا حقنا الذي ضمنه، ولم نسأله نحن، وذلك من باب الاحترام والآن قمنا بمناشدته في مالنا الأخضر، فأجاب قائلاً: إنني بعته وضمنت لكم حقكم نقداً، كل ذلك ونحن لا نعلم، فهل لنا أن نطالب جدنا مالنا الذي باعه دون علمنا، أم نرضى بما ضمن لنا من الحقوق؟
من باب البر بالجد ورعاية حقه الأبوي ينبغي عدم التشدد معه، والوصول إلى حل مرض لتزول الشحناء، وهذا يعني أخذ ما تيسر وترك ما تعسر والله أعلم. إنني شاب مسكين أكسب رزقي من بيع الملح، وسعر الجونية نصف ريال، هذا وقد اشترى مني عمي خمساً وستين جونية ملح، وانتظرت أن يدفع لي حقي فطال انتظاري، وطالبته بذلك فأنكر وجحد، فاندهشت وأقسمت بالله أن يدفع لي أو أشتكيه، فكلمت الناس ولكنه أصر على الإنكار، فشاورت جدي - أي أباه - في أن اشتكيه لكنه رفض إلى سمعته في المجتمع، فبماذا تنصحني؟ إن كنت تجد البلغة (1) من غير أن تشكو بعمك فالإبقاء على حسن
(1) البلغة أي ما يتبلغ به من العيش. ينظر القاموس المحيط.
لأنه
يسيء
الصلة (3/97)
صفحة 1186
98
الفتاوى المعاملات
أولى رعاية للقرابة، وكفّر يمينك بإطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن عجزت عن ذلك فصم ثلاثة أيام والله أعلم.
رجل باع ماله لأحد أولاده ولا علم لباقي أولاده بهذا البيع ولم يعلموا به
إلا بعد وفاة الوالد، فهل يحق للوالد هذا التصرف؟ وما قول الشرع فيه؟ إن أقام الشاري بينة على شرائه للمال في حياة الهالك ثبت له، لأن لصاحب المال في حياته حق التصرف في المال، سواء ببيعه لوارث أو غير وارث، وإذا
كان في نفوس الورثة حرج فليرفعوا أمرهم إلى القاضي الشرعي والله أعلم.
ما حكم الشرع في شهادة الحق أمام القضاء، وذلك بذكر أسماء المجني عليهم رغم أن ذلك قد يسئ إليهم؟
إن كانت الشهادة تتوقف على ذلك فليس في ذلك حرج، فالحق أولى أن يقال والله أعلم.
هي
هناك أراض باقية آثار من عمارتها وأفلاجها تسمى بوثيلة والشبيكة ذات مساحة كبيرة، وهذه الأراضي حسب ما أخبرنا به آباؤنا بأنها ملك النوافل، ونحن لم نحفظها مزروعة، وعزز قولهم صلح الإمام الخليلي رحم الله، والآن أردنا تثبيت الملكية لتلك الأراضي، فظهر لنا معترضون من قبائل مجاورة تدعي بشراكتهم فيها، وأن هذا الصلح لا يدل على كل هذه الأراضي بل على جزء منها، فما رأي سماحتكم في هذا القول؟ وبما تفسرون هذا الصلح؟
ما حرره الإمام العالى عليه الاعتماد، ولا مجال للعدول عنه، ولكن تحديد هذه الأراضي يتوقف على وقوف قاض شرعي على حدودها للتمييز
بين الداخل فيها والخارج عنها والله أعلم. (3/98)
صفحة 1187
فتاوى البيوع
99
ادعى رجل على آخر أنه دمّر ساقية له ورثها عن أبيه تمر في ماله ـ أي مال المدعى عليه ـ وأشهد شهوداً على دعواه، ثلاثة منهم يشهدون أن أباه كان يسقي منها، ولا يعلمون أنها له أو لغيره، وشهد الرابع أنها ملك له، ويقول المدعى عليه أن أبا المدعي كان يسقي من هذه الساقية ولكن ليس على سبيل التملك وإنما على سبيل المعروف والإذن من صاحب المال الأول الذي اشترى منه هذا المال وأشهد على ذلك شهوداً بأن أب المدعي كان يسقي من هذه الساقية على سبيل المعروف لا على سبيل التملك، علماً بأن أب المدعي توفي منذ ما يقارب الأربعة عشر عاماً، والمدعى عليه اشترى المال منذ سنتين فقط، فما الحكم في هذه
الدعوى؟
قول المدعى عليه إن أبا المدعي كان يسقي من هذه الساقية على سبيل المعروف لا على سبيل التملك ينزله منزلة المدعي في هذه الدعوى لأنه اعترف بالسقي، ولكنه ادعى أنه على سبيل المعروف فعليه البينة، وبما أنه جاء بالبينة فقد ثبتت له دعواه، أما دعوى المدعي الأول فبينتها غير كافية لأنه لم يشهد له إلا شاهد واحد بحسب دعواه والله أعلم.
يعني
توفي والدي وقد باع قبل موته منزلاً وسيارة لإحدى بناته، ولكن لم يشهد أحداً على هذا اليبع، وإنما تمت كتابته بخط يده على ملكية المنزل بأنه قد باعه لابنته، وقد أخبرني وأخبر والدتي فقط بهذا البيع، فكيف يحكم في هذا البيع خاصة أن من الورثة من لم يبلغ سن الرشد؟ فهل نخرجه من
المال ثم نقسم الباقي أم يقال بأن هذا البيع غير ثابت؟ نرجو الإفادة؟ القلم أحسن اللسانين، فاعتراف الإنسان بقلمه كاعترافه بلسانه، وهذا أن كتابته حجة لكونها معروفة، ويتأكد ذلك بإخباركم بذلك والله أعلم. (3/99)
صفحة 1188
الفتاوى المعاملات
الشرط في البيع
ما معنى قول الإمام نور الدين السالمي في مدارج الكمال صحيفة (105) ذكر الشرط في البيع
والثاني نحو الرهن أو ما يحمل وكالتبري من عيوب تعقل وكون شاته لبونا أو ولد في بطنها فالبيع في الكل انعقد والشرط في صحة هذا الشرط هو كونه ذا ثمن بقسط وكونه ليس بمجهول فما قد كان مجهولاً يرد
فاعلما
اختلف العلماء في البيع والشرط هل يثبتان أو يبطلان، أو يثبت البيع دون الشرط على ثلاثة أقوال ولكل قول من هذه الأقوال حجة، فمن قال بثبوتهما احتج بما ثبت عنه ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ أنه ابتاع بعير جابر بن عبد الله فشرط جابر ظهره إلى المدينة فأقر ذلك ـ عليه أفضل الصلاة والتسليم، كما استدل لذلك أيضاً بالأحاديث التي ورد فيها ذكر الاشتراط معتبراً شرعاً، كقوله صلى الله عليه وسلم من باع نخلاً قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع، رواه الإمام الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري (2)، ورواه الإمام مالك والشيخان والترمذي والنسائي عن ابن عمر)، والظاهر أن من أبطلهما معاً يستدل لقوله بأن
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب البيوع، باب: في بيع الخيار وبيع الشرط (570)، والبخاري في كتاب: الشروط، باب: إذا اشترط البائع ظهر الدابة إلى مكان مسمي جاز (2718)، ومسلم في كتاب: المساقاة، باب: بيع البعير واستثناء ركوبه (715).
(2) كتاب البيوع، باب في بيع الخيار وبيع الشرط (572). (3) أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب من باع نخلا قد أبرت (2204)، ومسلم في كتاب: البيوع، باب من باع نخلا عليها ثمر (1543)، والنسائي في كتاب: البيوع، باب: (3/100)
صفحة 1189
فتاوى البيوع
الشرط والبيع كل منهما عقد فإذا اجتمعا صارا كبيعين في بيع، وقد صح عنه ـ صلوات الله وسلامه عليه - النهي عن ذلك، وأما من أثبت البيع وأبطل الشرط، فحجته حديث بريرة، فقد اشترتها أم المؤمنين عائشة واشترط أهلها ولاءها، فأثبت النبي وأبطل الشرط، وهؤلاء يقولون في حديث جابر إن النبي صلى الله عليه وسلم أقر جابراً على ركوب البعير من طيب نفسه ـ عليه أفضل الصلاة والسلام - إكراماً لجابر لا رعاية للشرط، وهو خلاف الظاهر. وتحرير المقام أن الشرط يختلف حكمه باختلاف نوعه، فمن الشروط ما لا اعتبار له، كشرط يخالف حكماً شرعياً، ومن هذا الباب اشتراط الولاء، فإن الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب؛ كما أخبر بذلك الشارع الأمين، واشتراط ما يخالف حكماً شرعياً لا يقره الشرع الشريف، وكذلك اشتراط المجهول، فإن المجهول كما لا يجوز بيعه لا يجوز اشتراطه ومن الشروط ما هو سائغ اشتراطه، وذلك ما دلت عليه السُّنَّة أو ما قيس على ذلك، وقد ذكر الإمام نور الدين السالمي الله مجموعة من هذا النوع في هذه الأبيات، من ذلك اشتراط بقاء المبيع في يد البائع رهناً إلى أن يدفع الشاري قيمته واشتراط حمل المبيع إلى مكان معهود، واشتراط أن المبيع خال من عيوب معهودة، واشتراط كون الشاة مثلاً لبوناً أو حاملاً، وكما يشترط في الشرط أن يكون غير مجهول كذلك يشترط فيه أن يكون مما يزيد في قيمة المبيع، هذا وأما الشرطان في البيع فقد نهى عنهما رسول الله (1) واتفق الله ـ على أنهما يبطلان مع البيع، إلا الإمام الربيع له فإنه
علماؤنا ـ رحمهم
قال ببطلان الشرطين وثبوت البيع. والله تعالى أعلم.
النخل يباع أصلها ويستثنى ثمرها (4635)، والترمذي في كتاب البيوع، باب: ما جاء في
ابتياع النخل بعد التأبير (1244). (1) تقدم تخريجه. (3/101)
صفحة 1190
102
الفتاوى
المعاملات
رجل متقاعد يبيع بيته بثمن أقل من ثمن السوق، ويشترط على المشتري أنه سيستأجر منه البيت بإيجار رمزي قدره ريال واحد شهرياً إلى أن ثم بعد ذلك للمشتري أن يتصرف في البيت كيفما شاء؟
يتوفاه الله،
هذا
بيع باطل، لاشتماله على عقدين وهو عقد البيع وعقد الإيجار، وعلى شرط مجهول وهو بقاؤه في يد البائع بأجر رمزي إلى مدة لا يعلمها إلا الله، لأنه لا يدري أحد بأجله أقريب هو أم بعيد والله أعلم.
أنشأ شخص مبنى ولم يكمل بناءه، فتكفل له أحد بإكماله وفق مواصفات مخطط البناء، على أن يستأجر بعد انتهاء بنائه مدة استيفائه ما أنفق على إكماله، فما حكم هذا العقد؟
(1)
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعين في بيع () أي عقدين في عقد، وقد اشتمل هذا العقد على استئجار البناء وإيجار المبنى فلا يجوز الله أعلم.
ما قولك في رجل يرغب أن ينتسب عضواً في إحدى الشركات الخاصة بالمشاريع والخدمات وقروض البناء، ويقوم بأعمال السمسرة في المجالات العقارية، ويشترط من الراغب في العضوية أن يدفع مقدماً (2000) ريال عُماني) حتى تقبل عضويته، وبالتالي إذا رغب هذا العضو في بناء أو شراء منزل ينتظر دوره أولاً بأول إلى أن يصل دوره، وبالتالي يدفع من قيمة العقار الذي يرغب شراءه أو بناءه 30? وما يتبقى عليه
يدفعها على مسار القسط الشهري حسب المدة التي تحددها الشركة. وهنا يأتي السؤال، إذا كان هذا العضو الذي يرغب في البداية الانتساب إلى هذه الشركة لا يتوفر لديه المبلغ المطلوب للعضوية، وإنما تتوفر لديه قطعة الأرض التي يرغب في المستقبل بناء منزله عليها، فيبيعها
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب: الطلاق (535). (3/102)
صفحة 1191
فتاوى البيوع
103
على الشركة بيع القطع عن مبلغ يتفق عليه مع الشركة، ويعتبر جزءاً من ذلك المبلغ لاشتراكه في العضوية والجزء الباقي من المبلغ يبقى وديعة لدى الشركة إلى أن يصل دوره لقرض البناء، ثم يقام له منزل على مساحة أرضه التي باعها سابقاً على الشركة، وبالتالي يباع له العقار بالمبلغ الذي يتفق عليه مقابل دفع 30% من قيمة العقار؟
إن كان البيع مشروطاً بأن تعاد إليه الأرض فهو غير جائز، وإن لم يكن مشروطاً بذلك فلا حرج والله أعلم.
أن
قمت بشراء قطعة أرض بغرض البناء والبيع بعد ذلك، بمبلغ وقدره (16000 ريال) على أن أقوم بدفع نصف المبلغ وهو (8000 ريال) في ذلك الحين والنصف الآخر يؤخل دفعة بعد ستة شهور، وتم كتابة فصل دين بالمحكمة الشرعية بنفس المبلغ، كما أنه تم الاتفاق بيني وبين البائع بشرط جزائي داخلي على أن يدفع المشتري مبلغ وقدره (2000 ريال) كفائدة في حالة مضى على المبلغ المذكور ثمانية شهور، على يدفع المشتري (10000 ريال) بعد بيع المنزل الذي تم بناؤه على القطعة نفسها، وبالفعل تم الانتهاء من بناء المنزل قبل الموعد المحدد، ولكن للأسف الشديد لم يوفقني الله في بيع المنزل، وتم الاتصال بالبائع على تمديد مهلة الشرط الجزائي وقد وافق البائع على التنازل عن الشرط الجزائي على أن أدفع مبلغاً (7000 ريال) المتبقية، حيث تم استلام مبلغ (1000) ريال) مسبقاً وقمت بإبلاغ الشهود الذي شهدوا على بيع الأرض وزوجة البائع وبالفعل قمت بتوفير المبلغ (7000 ريال) وتم المقابلة مع البائع بحضور الشهور لتسليمه المبلغ إلا أنني للأسف الشديد فوجئت بعدم الموافقة من قبل البائع باستلام المبلغ بحجة عدم الموافقة على التنازل عن الشرط الجزائي ويطلب مبلغ وقدره (9000 (3/103)
صفحة 1192
الفتاوى المعاملات
ريال). علماً بأنني لم أقم ببيع المنزل حتى الآن. ما رأي الشرع في هذا
الموضوع من الناحية الشرعية؟
ذلك الشرط باطل، فإنه شرط أحلّ حراماً وهو الربا المحرم شرعاً، وكفى به إثماً مبيناً والله أعلم.
عند شراء سيارة بالأقساط لمدة سنتين بمبلغ خمسة آلاف ريال، وبعد انتهاء سنة واحدة فقط من الأقساط تيسرت الأمور، وعند قيام المشتري بسداد المبالغ المتبقية نقداً يقوم البنك أو الوكالة أو الشركة بتخفيض مبلغ معين من تلك الأقساط، نظير الدفع النقدي، مخالفاً للاتفاق الذي بينه وبين شاري السيارة ما رأيكم في
إن كان ذلك غير متفق عليه من قبل فلا بأس به والله أعلم.
شخص يريد شراء سلعة معينة من إحدى الشركات وذلك عن طريق التقسيط، إلا أن هذه الشركات تشترط لقبول التقسيط أن يحضر الشخص ضماناً بنكياً، فهل يجوز ذلك أم لا؟
إن كان هذا الضمان لا يترتب عليه شيء من الربا، فلا مانع منه والله أعلم. قمنا بشراء مال أخضر فشرط علينا البائع في هذا المال فطرة (1) «منا (2) وربعاً»، ثم بعناه لشخص آخر، فشرطنا عليه هذا الشرط، فهل يلحقنا إثم إذا لم ينفذ هذا الشرط؟
بما أنكم اشترطتم ذلك على المشتري، فإن قصر في ذلك فالمسؤولية واقعة عليه، وقد برئت من ذلك ذمتكم والله أعلم.
(1) فطرة: ما يوقف لافطار الصائمين. (2) المن: هو وحدة للوزن عند أهل عُمان. (3/104)
صفحة 1193
فتاوى البيوع
1.0
لدي بيت وأردت بيعه لشخص آخر على أنه سيقترض من البنك لتسديد المبلغ إليَّ وأنا عارف بذلك، فهل يجوز لي أن أعقد هذه الصفقة وإتمامها؟ أما عقد صفقتك على هذا الأساس فهو باطل، لأنه عقد مؤسس على أمر لا يجوز شرعاً وهو القرض الربوي والله أعلم.
تابع للسؤال السابق فإذا كان هذا البيت لما يتم بناؤه وهو عند السقف هل لي أن أبيعه إياه على اعتبار أنه جاهز ويكون علي إتمام هذا البيع
من بناء وتجهيز؟ وهل لي بيعه على هذه الحالة التي هو عليها؟
أما بيعه على ما هو عليه من غير شرط فهو جائز، وأما الشرط فيدخله الخلاف على ثلاثة أقوال - إن كان شرطاً واحداً فقط ـ، فقيل بجواز البيع
والشرط، وقيل ببطلانهما، وقيل بجواز البيع وبطلان الشرط والله أعلم.
لقد اشتريت قطعة أرض من زميل لي وقد أعطيته من المبلغ الذي اتفقنا عليه أكثر من النصف، ولكنه أراد أن يفض البيعة ويرد لي المبلغ الذي أعطيته إياه، علماً بأن هناك شهوداً على هذا اليبع، وقد شرطت عليه شرطاً إذا أراد التراجع عن البيع أن يدفع لي مبلغ الأرض الحالي وليس المبلغ الذي اتفقنا
عليه من قبل؛ بمعنى أنه أبايعه من جديد، فهل هذا حلال أم حرام؟
إن كان هذا شرطاً اتفقتما عليه من قبل فهو من الشروط التي تعل البيع، معه يصح البيع لما فيه من الجهالة، إذ لا يدري كم تكون قيمة الأرض عندما يريد ذلك والله أعلم.
فلا
باع رجل مصنعاً بمبلغ قدره خمسة آلاف ريال عماني، واشترط البائع على المشتري بأن يؤجره المصنع مقابل مبلغ قدره مائتان وثمانون ريالاً شهرياً، واشترط عليه أيضاً أن يعطيه مبلغاً قدره خمسة آلاف ريال عماني لتشغيل (3/105)
صفحة 1194
1.7
الفتاوى المعاملات
المصنع بصفة قرض لمدة خمسة عشر عاماً، علماً بأن الأرض المقام عليها المصنع مستأجرة وليست ملكاً للبائع؟ أفيدونا جزاكم الله عنا خيراً؟
هذا
بيع فاسد لاشتماله على شرطين والله أعلم.
رجل يملك عقاراً يرغب في تأجيره لجهة حكومية، وبعد التفاوض أخبروه أن النظام المتبع عندهم يلزم المالك بتأمين المبنى ضد الحريق: 1 ـ فإذا علم بذلك بعد توقيع العقد، فهل يؤدي ذلك إلى بطلان العقد، لا سيما أن شرطهم ملزم له؟
2 ـ إذا علم بذلك قبل توقيع العقد، فهل يجوز له تأجير المبنى لتلك الجهة،
مع العلم أنه مستفيد مادياً لأنهم يدفعون له الإيجار مقدماً لكل سنة؟
1) هذا شرط يبطل صفقة العقد ما دام للمؤجر مناص عنه، والله يعوضه ما هو خير وأنفع: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) [الطلاق: 2، 3] والله أعلم.
(2) الواجب ترك ذلك العقد إلى غيره، والله يعوضه ما هو خير له والله أعلم.
شخص ذهب إلى محل من محلات بيع الذهب، ومعلوم أن الإنسان إذا اشترى من هذه المحلات عادةً يشتري بسعر أعلى، فمثلاً عندما يأتيهم أحد بذهب قديم يريد بيعه لهم سيقولون له هل ستشتري من عندنا ذهب غيره؟، فإذا قال نعم قدروا ذهبه القديم بقيمة أعلى، أما إذا لم يكن يريد ذهباً آخر منهم فيقدرونه بقيمة أقل، فما الحكم في هذا التعامل؟
هم إن رفعوا السعر من تلقاء أنفسهم من غير أن يكون هنالك تشارط، بحيث لا يشترط على نفسه أن يشتري من عندهم فلا مانع من ذلك، وإنما ينهى عن التشارط في هذا والله أعلم. (3/106)
صفحة 1195
مسائل تجارية معاصرة
فتاوى البيوع
107
شركة تسوق ميداليات ذهبية عن طريق سلسلة تسويقية، بمعنى أن من يشتري منها عليه أن يأتي بزبائن، آخرين فإذا أتى بعشرة زبائن أعطته
الشركة عمولة نقدية.
وللمشتري الحق في أن يختار إحدى الطرق التالية لشراء الميدالية؟ 1) أن يدفع قيمة الميدالية كاملة وهي 700 دولار أمريكي ويستلم الميدالية مباشرة عن طريق البريد، وإذا ما أتى بعشرة زبائن قبض عمولة مقدارها 400 دولار عن كل عشرة زبائن وهكذا دواليك (400) دولار عن كل عشرة زبائن).
(2) أن يدفع قيمة الميدالية ناقصة وهي 300 دولار أمريكي، وإذا ما أتى بعشرة زبائن استلم الميدالية، ثم إذا ما أتى بعشرة آخرين قبض عمولة مقدارها 400 دولار عن كل عشرة زبائن وهكذا دواليك (400) دولار عن كل عشرة زبائن).
أن يدفع قيمة الميدالية ناقصة وهي 300 دولار أمريكي، ويدفع بقية المبلغ وهي 400 دولار عن طريق 8 أقساط متساوية قيمة كل قسط 50 دولاراً ويستلم الميدالية بعد دفع القسط الأخير، ثم إذا أتى بعشرة قبض عمولة مقدارها 400 دولار عن كل عشرة زبائن.
4) أن يدفع قيمة الميدالية ناقصة وهي 300 دولار أمريكي، وإذا ما أتى بعشرة زبائن استلم الميدالية، ثم إذا ما أتى بعشرة آخرين قبض عمولة مقدارها 400 دولار عن كل عشرة زبائن وهكذا دواليك (400 دولار عن كل عشرة زبائن وللمشتري في الحالة الرابعة إذا لم يتمكن من جلب الزبائن (3/107)
صفحة 1196
108
الفتاوى المعاملات
الحق أن يسترد مبلغه كاملاً (300) دولار) ويخرج من العقد أو أن يستلم
ميدالية أصغر ويستمر في محاولة جلب الزبائن للحصول على العمولة؟ ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيعين في بيع، ولهذا النهي صور متعددة منها أن يتفق الطرفان على أن يبيع أحدهما عيناً بثمن معلوم على أن يشتري هو من الآخر شيئاً بثمن آخر، ومنها أن يبيع العين له بثمنين مختلفين، ثم أوفر ـ إن اختار أن يبتاعها نسيئةً ـ وثمناً أقل إن اختار أن يشتريها نقداً، ولا يجزمان بإحدى الصورتين، وإنما يبقى القعد عائماً، والخيار للمشتري فيما يختاره من الصورتين ويدخل فيه كل عقدين كعقد. بيع وإيجار معاً، ومن المعلوم أن الصور المذكورة في هذه المعاملة لا تخرج عن هذا النهي، فهي تندرج في ضمن عقدين في عقد، وهو عقد البيع وعقد القيام بالعمالة للشركة، من قبل المبتاع فهي غير جائزة بسبب ذلك، فضلاً عما فيها من الغرر والجهالة، إذ لا يدري هذا المبتاع هل يتمكن من الإتيان بعشرة من الزبائن أو لا، وهو مما يزيد المعاملة حرمة فضلاً عما اشتملت عليه هذه المعاملة من الصورة الربوية الواضحة في بيع ميدالية الذهب بأوراق نقدية نسئة، أن الذهب والأوراق مع كلاهما جنس واحد، ولذلك يحمل كل منهما على الآخر في الزكاة فلا يجوز أحدهما بالآخر إلا يداً بيد كالذهب والفضة، هذا ما أراه والله أعلم. بيع
دولاراً،
دخلت في معاملة أود أن أسأل سماحتكم عن حكمها وتتلخص في الآتي: تقوم شركة ببيع بطاقات بحيث يشتريها الفرد من شخص مقابل (40) ثم يقوم المشتري بإرسال مبلغ لشركة وقدره (40) دولاراً، ويدفع للشخص الذي في المرتبة الأولى» مبلغاً وقدره (40) دولاراً. ثم يرسل الشهادة التي اشترها للشركة فتقوم بالرد عليه بإرسال ثلاث شهادات بحيث يكون اسمه في المرتبة السابعة. (3/108)
صفحة 1197
فإن
فتاوى البيوع
109
فيقوم الشخص ببيعها لثلاثة أشخاص مقابل (40) دولاراً لكل منها. وكلما اشتراها ـ أي الشهادات - أشخاص أكثر ارتفع اسم الشخص الذي في المرتبة السابعة إلى التي أعلى منها، وهكذا حتى يصل اسمه إلى المرتبة الأولى، وبالتالي سيدفع له كل من اشترى شهادة فيها اسمه «المرتبة الأولى مبلغاً وقدره (40) دولاراً، فتصبح لديه ثروة من المال مقابل ذلك.
ماحكم هذه المعاملة؟ وماذا على من دخل فيها من متعلقات مالية؟ فإن قلتم بعدم الجواز ماذا يفعل من اكتسب أموالاً عن طريق هذه المعاملة؟
بيع
كذلك
هذه معاملة محرمة من وجهين، أولهما: الربا الذي حرمه الله تعالى النقد بالنقد نسئة ربا ولو مع عدم التفاضل، فكيف ببيعه متفاضلاً، وقد حذر الله من الربا وجعله حرباً بينه وبين العباد، وثانيهما: الغرر، إذ لا يدري أحد هل سينجح في بيع هذه الشهادات المتضمنة لهذه المبالغ حتى يتمكن من جمع هذا المبلغ، أو لا؟ والغرر حرام، وهو داخل في المقامرة والله أعلم.
شاب معه شيك بمبلغ 505 ريالات بتاريخ مؤجل، ثم احتاج للمال فذهب لأبيه، وقال أعطيك الشيك وتعطيني المبلغ نقداً .. فقال الأب أعطيك 500 ريال فقط و 5 ريالات لي. هل يجوز ذلك؟
هذا هو الربا بعينه، وإن تراضيا بذلك فهما ملعونان والله أعلم.
رجل لديه سند مالي «شيك» مؤجل أو حوالة مالية مؤجلة، فهل له أن يبيعها بسعر أقل من قيمتها الأصلية؟
لا يجوز له ذلك، لأنه من باب بيع النقد باستيفاء ما هو أكثر منه بعد حين، وذلك عين الربا والله أعلم. (3/109)
صفحة 1198
110
الفتاوى المعاملات
ما حكم التعامل بالشيكات في بيع الذهب إذا أعطيت لموظف المحل وقت البيع ولكن بتاريخ مؤجل؟ وما هي الطريقة المشروعة في مثل
هذه الحالة.
إن كانت مؤجلة فلا، وإن كانت غير مؤجلة فهي كالنقد والله أعلم.
أجر زيد محله لعمرو والذي قام بالتجارة فيه حتى أصبح مشهوراً، ولما انتهت مدة الإيجار وطالب زيد عمراً برجوع محله إليه اشترط عليه عمرو دفع قيمة الاشتهار، فما حكم ذلك؟
ذلك لا يسوغ لأنه من أكل أموال الناس بغير حق والله أعلم.
عن بطاقة الائتمان ومن صور استعمالها أنه يحق لمن يحمل هذه البطاقة أن يسحب من فروع البنك المبلغ الذي يجده، ويسدد نفس المبلغ خلال مدة لا تتجاوز أربعة وخمسين يوماً، وإذا لم يسدد المبلغ المسحوب خلال هذه الفترة يأخذ البنك فوائد بنسبة معينة حسب المبلغ المسحوب، كما أن البنك يأخذ عن كل عملية سحب نقدي لحامل البطاقة عمولة معينة أو مبلغاً معيناً، ويحق لحاملها أيضاً الشراء من المحلات التجارية التي يتعامل معها البنك دون أن يدفع مالاً نقدياً، وتكون السلفة عليه للبنك، وإذا تأخر عن سداد قيمة الذي اشتراه خلال مدة معينة يأخذ البنك مبلغاً معيناً عن كل مائة ريال ـ من قيمة البضاعة المشتراه، فما حكم استعمال هذه البطاقة؟ وهل هنالك صورة أخرى صحيحة إن كانت هذه الصورة فاسدة؟
إن كان لهذا الشخص مال في البنك بحيث يقتطع من ماله، ولا يؤخذ في مقابل ذلك ربا فلا حرج في ذلك، أما إن لم يكن له مال في البنك وكان (3/110)
صفحة 1199
فتاوى البيوع
يدفع عنه مبلغ من المال، فإن كان بغير ربا فهو جائز، وإن كان بربا فالربا حرام بالنصوص القاطعة ولا يجوز التحايل على الربا بأي طريقة من الطرق، وإذا كان هو موقناً بأنه سيسدد المبلغ قبل المدة المحددة، وهو ـ أيضاً ـ أحداً بأنه إذا مات يسدد هذا المبلغ بسرعة لئلا يؤخذ ربا، وكان حالة ضرورة وحالة حاجة لهذه المعاملة فلا حرج عليه في هذه الحالة، على أن يتم التسديد عاجلاً قبل أن يجد البنك فرصة لأخذ الربا من عنده
يوصي
في
والله أعلم.
رجل مبتعث من قبل وزارة من الوزارت للدراسة في إحدى الدول ومما يستحقه من هذه البعثة أن يصرف له تذكرة سفر، ولكنه قد يحبذ السفر براً بسيارته، ويريد أن يسترجع قيمة التذكرة، ولما كانت الوزارة لا تصرف قيمة التذاكر نقداً، فإنه يتفق مع مكتب للحجز والسفريات، والذي يقوم بالحجز عن طريق التذكرة بالتنسيق مع الوزارة أن يأخذ قيمة التذكرة من قبل مكتب الحجز السفريات مع 1 - أن الوزارة لا تصرف قيمة التذكرة لمكتب السفريات إلا بعد فترة (شهر أو شهرين أو أكثر، وبالتالي فلا يعطي مكتب السفريات المبلغ للشخص إلا بعد استلامه المبلغ من الوزارة. 2 ـ أن مكتب السفريات يأخذ مقابل أتعابه نسبة معينة من مبلغ التذكرة
ملاحظة:
الذي يستلمه من الوزارة حوالي 15% من قيمة التذكرة. ـ أن المبتعث يختار مكتب سفريات معين قبل أن تحجز الوزارة التذكرة، وذلك لأنه يتفق مسبقاً مع هذا المكتب على تعويضه قيمة التذكرة وعدم استعماله التذكرة، لأن بعض المكاتب الأخرى قد لا تتعامل بهذه الطريقة أو قد تصرف بعضها مبلغاً أقل من البعض الآخر. (3/111)
صفحة 1200
112
الفتاوى المعاملات
فما الحكم الشرعي في هذه المعاملة؟
إن كانت التذكرة حقاً له حسب النظام فلا حرج في اتباع هذا الأسلوب لاستخراج حقه، على أن يكون ما يأخذه مكتب السفريات عناءً على أتعابه، وليس من باب بيع النقد بالنقد متفاوتاً والله أعلم.
في عصرنا هذا ومع التقدم العلمي - وكما يقال أصبح العالم قرية صغيرة - وتطورت أساليب التجارة وأصبح بالإمكان شراء البضائع والسلع بقراءة مواصفاتها ومميزاتها ورؤية شكلها فقط على شبكة المعلومات «الإنترنت»، فهل يمكن المتاجرة بهذه الطريقة، وتتم من غير أن يتلاقى البائع بالمشتري؟
الصفقة
نعم، تتم الصفقة بمثل هذه الطريقة نظراً لحاجة الناس إليها وتوقف مصالحهم عليها مع الأمن من الغرر، لأن معظم الشروط التي اشترطت
لصحة المعاملات إنما تدور حول دفع الغرر عن كلا المتبايعين والله أعلم.
نرى البعض يقوم ببيع شركته أو مصنعه، فيقوم بتقويم الموجودات من المعدات والآلات والمخزونات، ويضيف عليها قيمة أخرى للعلامة التجارية، أو مقابل العاملين والموظفين الذين قام بتدريبهم في السابق لأداء هذا العمل، ولولا تدريبه لهم لما نالوا هذه الخبرة، فما رأي سماحتكم في ذلك، علماً بأن العلامة التجارية لها اعتبار عند الناس، إذ بعض العلامات التجارية المشهورة يثق بها الناس أكثر من غيرها، وهذا مما يجلب الزبائن للمشتري؟
إن كان ذلك بسبب ارتفاع قيمة الشركة وبسبب رواج ما تبيعه وما تنتجه، فإن ذلك يعتبر ويعتد به ويعد له قيمة والله أعلم. (3/112)
صفحة 1201
فتاوى البيوع
113
ما حكم بيع أو شراء قيمة المحل وشهرته دون جدرانه، أن قاعدته
التجارية، أو ما يسمى بالخلو؟
هو من أكل المال بغير حق والله أعلم.
فيمن يبيع
محلاً ويضيف إلى قيمته مبالغ أخرى لموقع هذا المحل
المتميز، مما يعرف بخلو الرجل؟
إذا كان يبيعه ـ وليس يتخلى عنه فقط ـ بحيث تنتقل ملكيته إلى المشتري فليزد ذلك في قيمة المبيع والله أعلم.
سماحة الشيخ، أحد الطلبة يدرس في المملكة المتحدة ويحصل سنوياً على تذاكر سفر له ولزوجته ولثلاثة من أولاده إذا رغب في اصطحابهم معه إلى هناك، فهل يجوز له أن يستفيد من هذه التذاكر بالسفر مع أولاده إلى دولة أخرى في حالة عدم رغبته في اصطحابهم إلى المملكة المتحدة؟ لا مانع من ذلك والله أعلم.
وبما أن هذا الطالب يحتاج إلى شراء عدد من التذاكر خلال العام نظراً إلى أنه متزوج، فهل يجوز له أن يستفيد من ذلك المبلغ عن طريق شراء تلك التذاكر وفي أوقات مختلفة؟
لا مانع من ذلك والله أعلم.
من المعلوم أنه قد نهي عن البيع والشراء في المسجد، ونحن نرى في عصرنا الحالي أن بعض الناس يتصلون من داخل الحرم وفي أثناء الطواف بالبيت، فهل هذا الاتصال يعد من قبيل البيع والشراء بين الشخص المتصل وشركة الاتصالات؟ إن كان الاتصال لمصلحة دينية أو ضرورة دنيوية لا محيص عنها، فلا
حرج والله أعلم. (3/113)
صفحة 1202
114
الفتاوى المعاملات
نرغب في طمأنة عملائنا بأن الشركة لا تتعامل مع عملائها بنظام الربا، فالتعامل مع الشركة خالٍ من الربا فإن التعامل يتماشى مع الشريعة الإسلامية، وقد أفتى العلماء المعاصرون بجواز ذلك، وها هو نص فتوى الدكتور علي محي الدين القرداغي، أستاذ ورئيس قسم الفقه والأصول بكلية الشريعة - جامعة قطر - الوظيفة المعاملات المالية، ما حكم المعاملة المالية التالية: أقوم بالتجارة في البورصات العالمية (لندن/ نيويورك / هونج كونج بشراء وبيع العملات والمعادن عن طريق وسيط مالي بنظام المارجن حسب القواعد التالية:
يتم فتح حساب لدى الوسيط في بنك في أمريكا، حيث أضع مبلغ (10000 مارجن دولار) 2 - أقوم بشراء بيع العملات والذهب بواقع (2000 دولار لكل صفقة) / حيث يتم تقسيم المبلغ (10000) إلى خمسة صفقات، ويقوم الوسيط المالي بتزويدي بباقي المبلغ لكل صفقة بحيث أشارك بمارجن (20?) على سبيل المثال من قيمة الأسعار بيعاً وشراءً. 3
- انتظر الأسعار لتصبح في صالحي ربحاً، وأقوم ببيع الصفقة الصفقات وتوضع قيمة المعاملة في حساب في البنك، وأقوم بدفع مبلغ (35) دولاراً عمولة) عند البيع عن كل عملية مالية تم إنهاؤها للوسيط المالي بغض النظر عن كوني ربحت أم خسرت، ولكن لا يأخذ الوسيط أي عمولة عند عملية الشراء. ـ لا يتحمل الوسيط المالي قيمة الخسائر الناتجة عن التعامل بحيث أقوم أنا بتحمل جميع ما ينتج عن ذلك والمخاطرة بقيمة المبلغ الذي قمت بدفعه (2000) دولار لكل صفقة، ويمكنه تغطيتي والاستمرار
مني (3/114)
صفحة 1203
فتاوى البيوع
110
في التعامل ما دام في حسابي ما يغطي قيمة الخسائر، وإذا لم يكن هنالك ما يغطي الخسائر يقوم هو ببيع الصفقة مباشرة إذا تجاوزت قيمة الخسائر (2000) (دولار ويأخذ (35) دولاراً عمولة أيضاً عن عملية البيع مع الملاحظة أيضاً أنه لا يأخذ شيئاً من الأرباح في حالة الربح عند البيع، ولكن يأخذ عمولته فقط.
ه - المبلغ الذي أملكه لا يكفي لتسديد قيمة الصفقة الواحدة؛ ولكن أدخل السوق بمساعدة الوسيط المالي في مقابل (10000 دولار) لا مع عدم ربحه أو خسارته، ولكن مقابل عمولته، ويكون هو بذلك قد وفر لي فرصة التعامل في السوق عن طريقه.
6 ـ أعرف أن الفيصل في تعاملات الذهب والفضة والعملات هو: أن تكون يداً بيد، وألا يبيع المرء شيئاً لا يملكه، وأنا ملتزم بذلك، وأيضاً لا آخذ فوائد من البنك في حالة بيع الصفقات ووضع المال فيه خلال الليل، حيث يعطيني فوائد على ذلك ولكنه يأخذ مني فوائد عند حصول عملية شراء تبييت المال بالليل في البنك، فما حكم ذلك إن حصل مع حرصي على عدم تبييت أي صفقة بيعاً أو شراء حتى لو حدثت خسارة لتفادي موضوع دفع أو أخذ الفوائد؟ 7
- إذا كانت تلك المعاملة غير جائزة شرعاً بسبب عدم امتلاكي لجميع قيمة الصفقة، فهل تصبح جائزة عند امتلاكي للمبلغ في حسابي ولكن أدفع القيمة كلها ودفعت جزءاً والوسيط المالي قام بدفع الباقي، أم تصبح جائزة عندما أقوم بدفع كامل قيمة الصفقة وحدي دون تدخل الوسيط المالي معي، ويكون دور الوسيط في تلك الحالة هو توفيره الدخول للسوق وبيان الأسعار والتحليلات المالية في مقابل عمولته (35) دولاراً) أرجو الإفادة؟ (3/115)
صفحة 1204
116
الفتاوى المعاملات
جواب الدكتور: لا شك أن التعامل في العملات من أصعب المعاملات المالية في الفقه الإسلامي؛ بحيث يشترط فيه التقابض في المجلس، وهو ما سماه الرسول صلى الله عليه وسلم: يداً بيد، ولكن الفقهاء المعاصرين اعتبروا تسجيل المبلغ في الحساب البنكي بمثابة القبض، وبذلك صدرت القرارات والفتاوى الجماعية؛ ولذلك فمن أهم شروط التعامل بالعملات
ما يلي: (1) أن يتم البيع والشراء بصورة فورية وليس فيها شرط التأجيل. (2) أن تدخل العملتان وتسجلا في حسابي البائع والمشتري.
أن يدفع ثمن الصفقة بالكامل دون أي تأخير.
(4) ألا يكون هناك فائدة في إجراء هذه الصفقات، فإذا وجدت أي فائدة ربوية فإن العقد فاسد وباطل ومحرم.
ولذلك فالسبيل الوحيد للخروج من هذا المحرم أحد الأمرين: إما أن
من
يشتري الإنسان بقدر ما عنده من نقود، أو يأخذ قرضاً بدون فائدة الوسيط، كما أنه لا يأخذ أي فائدة ربوية من نقوده، وبالمناسبة فإن هناك بعض الصناديق للاستثمار بالعملات تلتزم بهذه الشروط.
أرى أن من الضرورة التقيد بما قاله المجيب في جوابه، ومع هذا التقيد
بالشرطين المذكورين أرجو أن لا تضيق هذه المعاملة والله الموفق. (3/116)
صفحة 1205
التسعير:
فتاوى البيوع
117
يريد
ما رأي سماحتكم في التسعير؟ فقد ذهب البعض على أنه لا يجوز على أهل الأسواق، وأفتى البعض بجواز التسعير في الأقوات وفي زمان
الاضطرار، وأجاز البعض التسعير العادل إذا احتاج الناس إليه؟
الأصل في التسعير أنه غير جائز، لأن النبي صلى الله عليه وسلم امتنع عنه، وقال: بأنه الله وليست عليه ظلامة لأحد)، فمعنى ذلك أن التسعير ظلم،
أن يلقى وقد قال: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض (2)، والتسعير هو مناف لهذه الحكمة، ولكن إن أدى الأمر إلى ضرر الناس، بحيث أخذ التجار يحتكرون المواد الضرورية التي تتوقف حياة الناس عليها وهي الأقوات ورفعوا أسعارها في وقت الاضطرار إلى ذلك، فإن للحاكم أن يتدخل هنا بقدر ما يرفع الضرر عن المسلمين والله تعالى أعلم.
الغش:
ما رأيك في رجل كان يبيع سلعته بالكذب في بعض الأحيان، مع العلم أن الرجال الذين كان يبيع سلعته عليهم منهم من يعرفه ومنهم من لا يعرفه ومنهم لا يذكره، ولكن الذي لا يذكره ربما يكون حياً، ومنهم قد توفي ولم يكن له وارث، ومنهم له، وارث وأراد هذا الرجل أن يتوب هذه الأمور التي سلكها من قبل، ولكن من شروط التوبة أن يرد ما أخذه بغير رضى صاحبه، وإذا طبق هذا الشرط على هذا الرجل ليس
عن
(1) أخرجه أبو داود في كتاب الإجارة، باب: في التسعير (1287). (2) أخرجه مسلم في كتاب البيوع، باب تحريم بيع الحاضر للبادي (1522). (3/117)
صفحة 1206
118
الفتاوى المعاملات
عنده من المال الكافي لذلك، وما الحكم إذا تاب عن ذلك ثم رجع في
هذا الأمر ثم تاب مرة أخرى ولم يعد؟
أما
من يعرفه أو يعرف وارثه فإن طلب منهم المحاللة أو من ورثتهم بعد
موتهم فوافقوا على ذلك فقد برئت ذمته بذلك مما لهم، وأما من لا يعرف لهم وارثاً ولا يعرفهم بأنفسهم فمرد ذلك إلى فقراء المسلمين، فإن أمكنه التخلص مما عليه لهؤلاء الفقراء فليفعل، فإن لم يمكنه فليوص به، لعل الله يهيء له سبب التخلص في حياته أو يقيض له من يقضي عنه هذا الحق بعد وفاته، فإن لم يكن شيء من ذلك فالله أولى بعذره، وهو يقضي عنه خصمه يوم القيامة - إن علم منه صدق التوبة، والله أعلم.
ما قولك فيمن يشتري زبداً أجنبياً، ثم يصنعه في بيته ويجعله في أواني خاصة، ويقول هذا سمن بقري بلدي، هل هذا يجوز أم لا؟
ذلك هو الغش بعينه، ومن غشنا فليس منا) (1) والله أعلم.
ما حكم من يقوم بترجيع عداد الكهرباء الخاص بالمنزل؟ وإذاكان الجواب غير جائز؛ كيف يحسب تلك الأموال من قيمة الفواتير؟ وبعد حسابها لمن تعطى؟ وإذا كانت هذه الأموال ترجع إلى الشركة مثلاً، ولا يستطيع من قام بذلك بترجيع هذه الأموال للشركة كيف يتصرف بها؟ لا يجوز له ذلك، لأنه من أخذ أموال الناس بغير حق، وهو محرم بالنصوص القطعية من الكتاب والسُّنَّة، وعليه رد ذلك إلى الشركة نفسها، لأنها صاحبة الحق، ولو كان ذلك بإرساله إليها بواسطة البريد، ولو لم يذكر اسمه في الرسالة التي يوجهها إليها والله أعلم.
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب البيوع، باب في الربا، الانفساخ والغش (582) ومسلم في كتاب: الإيمان باب قول النبي من غشنا فليس منا (101). (3/118)
صفحة 1207
فتاوى البيوع
119
ما قولكم في قول التاجر الذي يقول هذه البضاعة بخمسة ريالات وتنزل
قيمتها إلى أربعة ريالات؟
إن كان في ذلك كاذباً فهو آثم والله أعلم.
ألف
بعض البائعين يقومون بترجيع عداد السيارة، فإن كانت القراءة تشير مثلاً أنها قطعت خمسمائة ألف يرجعها إلى ثلاثمائة ألف أو مائتي فهل هذا جائز أم لا؟
هذا من الغرر ومن الخيانة والمخادعة، ولا يجوز ذلك في المعاملة
والله أعلم.
أصبحت الشهادات الدراسية آفة هذا العصر، وذلك لارتباطها بكثير من الوظائف من هذا المنطلق يسعى بعض الصالحين لنيل شهادة الماجستيثر أو الدكتوراه على اعتبار أنها وسيلة وليست غاية في حد ذاتها، فما حكم الشرع في إنابة الغير لكتابة الرسالة الجامعية مقابل مبلغ مادي يتفق عليه الطرفان؟
ذلك من التمويه المحرم والتدليس الباطل فلا يجوز بحال، كيف وطلب العلم نفسه عبادة وقربة إلى الله تعالى يجب أن يكون خالصاً لوجهه الكريم، وأن لا يشاب بشائبة من حب السمعة والظهور، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم «من تعلم العلم ليباهي به العلماء أو ليماري به السفهاء لقي الله وهو خائب من الحسنات)، على أن هذا الأسلوب المذكور في السؤال ليس هو رياء فحسب بل هو زور بين وخيانة واضحة لما يترتب على ذلك
من رفعه
(1) أخرجه الإمام الربيع في باب في طلب العلم لغير الله وكل وعلماء السوء (33) من طريق أنس بن مالك. (3/119)
صفحة 1208
120
الفتاوى المعاملات
إلى قدر لا يستحقه، وإيلائه ثقة ليس لها أهلاً، وتحمله مسؤوليات ما كان ليحملها لولا هذا الزور، وهو مما يؤدي إلى ضرر ديني واجتماعي عظيم، وكفى به مفسدة والله المستعان.
وإذا كان المنيب يجمع المصادر والمراجع وكل ما يطلبه منه المستأجر لكتابة البحث، فهل حكمه نفس الحكم السابق أم لا؟
لا عبرة بجمع المراجع والمصادر، فإن ذلك لا يرفع الجاهل إلى مصاف أهل العلم، فلا فرق بين الحكمين والله أعلم.
وإذا نال شخص شهادة علمية بغير وجه مشروع فكيف تكون توبته؟ مع التوبة التخلص من تلك الشهادة والتجرد مما أضفته عليه من ثياب الشهرة الباطلة بكشفه خبيئة أمره والله أعلم.
عليه
الاحتكار:
ما قولكم في عين ماء تنزل من جبل وتسيل في الوادي، وهي ليست ملكاً لأحد وليست قرب سكن لأنها في الفلاة، لكنها في بعض الأحيان عند المحل ينزل عندها أصحاب البادية ثم بعد ذلك يذهبون إلى مكان آخر، وأراد أحد من الناس أن ينتفع به حيث إنه يعمل لها حوضاً، والماء الذي يفيض من الحوض ينقله إلى مكان آخر عن طريق الأنابيب، هل يجوز له ذلك؟
ليس له أن يحتكره عمن اعتاد الانتفاع به من الناس، بل ينتفع به هو وغيره والله أعلم. (3/120)
صفحة 1209
فتاوى البيوع
121
هل توجد نسبة محددة لربح التاجر في بيع بضاعة معينة أم لا؟ وهل للتاجر حرية البيع بأي ثمن أراد، فمثلاً يشتري بضاعة بريال ويبيعها بعشرة؟ وما قولكم إذا كان يبيع بثمن يرهق المشتري لضعف الأحوال الاقتصادية في بلاد التاجر؟
إن كان المشتري عارفاً بالقيمة، ورضي من تلقاء نفسه أن يشتري البضاعة بأضعاف قيمتها فلا حرج في ذلك، وإنما يمنع الاحتكار الذي يؤدي إلى مضاعفة البلاء وإرهاق الناس في معائشهم والله أعلم.
الرشوة وأحكامها:
ما تقول عن الرشوة في الإسلام؟ رجل رشى مجموعة من الناس لكي يحظى بالفوز على لقب رفيع، حيث إنه يدفع مبالغ باهظة وذلك للحصول على ذلك اللقب، فماذا على الراشي والمرتشي؟
قال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 183، فطلب العلو مقرون بالفساد، ناهيك إذا كان ذلك عن طريق الفساد وهو الرشوة المحرمة، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لعن الله الراشي والمرتشي» (1)، فلا ريب أن من سلك هذا المسلك ليس من الدين في
شيء
والله أعلم.
(1) أخرجه أبو داود في كتاب الأقضية، باب: في كراهية الرشوة (3580)، والترمذي في كتاب: الأحكام، باب ما جاء في الراشي والمرتشي (1336)، وابن ماجه في كتاب: الأحكام،
باب التغليظ في الحيف والرشوة (2313). (3/121)
صفحة 1210
122
الفتاوى المعاملات
ما قولكم في إغداق الهدايا سنوياً من بعض الشركات لبعض المسؤولين ممن يحملون مناصب عليا ويناط إليهم مسؤولية اتخاذ قرارات مهمة في القطاع الخاص، وهذه الهدايا قد تكون غالية الثمن، وقد تكون بسيطة ورخيصة بأن لا تتعدى الثلاثين ريالاً أو نحوه، فهل يجوز أخذ هذه الهدايا؟ وإلى أي حد يجب أن تقبل؟
هي من الرشا التي لا يجوز أخذها بحال، فلعن الله الراشي والمرتشي
والله المستعان
حقوق الملكية الفكرية:
توجد في بعض الكتب أو الأشرطة عبارة حقوق الطبع محفوظة». هل يجوز لي طباعة أو تصوير أمثال هذه الكتب أو الأشرطة، بهدف الاستعمال الشخصي لا التجاري، أم أن في فعلي هذا مخالفة وانتهاكاً لحق الناشر أو المؤلف، وإن كان لا يجوز، ألا يعتبر هذا احتكاراً من باب التحكم في السعر؟
لا وجه لاحتكار العلم، فإن الانتفاع به حق مشروع للجميع، ولا أصل لقول: إن حقوق الطبع أو النسخ محفوظة، وإنما رأى من رأى من أهل العلم مراعاة ذلك دفعاً للضرر، فإن الضرر مزال، ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام» (1) فإن كان فتح باب الطبع أو التسجيل يؤدي إلى تضرر بعض المؤسسات التي قامت من أجل النهوض بالعلم ونشره، بحيث يُخشى لو لم يتقيد بهذا النظام أن يفضي الحَال إلى تعثرها وعدم قدرتها على النهوض بأعباء مهماتها
(1) أخرجه ابن ماجه وأحمد في مسنده. (3/122)
صفحة 1211
فتاوى البيوع
123
العلمية، فلا مانع من مراعاة هذا النظام والتقيد به، وهو مما يدخل ضمن المصالح المرسلة التي اعتمدها الفقهاء في ترجيح الآراء واستنباط الأحكام، وهذا إنما يكون في الذي يطبع أو يصور أو ينسخ لأجل الاتجار لا لمجرد الإفادة والاستفادة، أما من قصد أحد الأمرين فلا وجه للحجر عليه والله أعلم. نحن مؤسسة لإنتاج الأشرطة السمعية والمرئية وتوزيعها، نقوم بإصدار الشريط متضمناً عبارة حقول النسخ محفوظة»، والذي دعانا إلى ذلك كثرة التكاليف وخوف الخسارة.
والأسئلة هي: هل مارسنا حقاً مشروعاً بمنع غيرنا من النسخ لأجل ما ذكرناه من أسباب؟ هل يجوز لغيرنا أن يقوم بنسخ ما ننتجه لغرض تجاري أو غيره دون إذن منا؟
الأصل في العلم أنه لا يحتكر، ولكن بما أنكم لو لم تفعلوا ذلك لترتبت عليكم مضار مادية، ومن القواعد الفقهية «أن الضرر مزال» «ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام»، لا أرى مانعاً من اتباعكم هذا الأسلوب الذي أصبح متعارفاً عليه دَوليّاً، وأراكم مارستم حقاً مشروعاً لكم، ولا يجوز لغيركم إيقاعكم في الضرر والله أعلم.
سمعنا
من أحد الأخوات أنك أصدرت فتوى في عدم جواز السحب من الأشرطة الأصلية، فإذا لم نقم بالسحب في سبيل الدعوة من الأشرطة الأصلية فسوف لا تنتشر الأشرطة بكثرة بين الناس، ولو أردنا أن نوزع الأشرطة الأصلية فقط فإن الناحية المادية لا تساعدنا على ذلك، فهل تسمح لنا بالسحب من الأشرطة الأصلية أم لا؟
الأصل في العلم أنه لا يحتكر، ولكن أجبنا بما أجبنا به من أجل دفع (3/123)
صفحة 1212
124
الفتاوى المعاملات
الضرر فقط عن أصحاب المكتبات، الذين ينفقون نفقات طائلة في إعداد آلات السحب وتهيئة أثاث المعرض وغير ذلك، ومع تفادي الضرر فلا مانع من السحب، لأن العلم كما قلنا لا يحتكر والله أعلم.
الصرافة وأحكامها:
هل يجوز صرف عملة بشيكات عملة أخرى؟
رخص في ذلك بعض العلماء المعاصرين - إن كان للشيكات ما يغطيها
من المال ـ والله أعلم.
ما
حكم عقد الصرف بين عملتين إذا قبضت الأولى في المجلس، وأحال القابض صاحبه على شخص في بلد العملة الثانية يقبض منه العملة الثانية؟
لا يجوز ذلك لاشتراط التقابض في الصرف وإنما رخص بعض الفقهاء المعاصرين إن كان وكيل الطرف غير القابض يقبض من وكيل الآخر المبلغ
في نفس اللحظة، في البلدة الأخرى عبر الاتصال بالهاتف والله أعلم.
هناك الكثير من الإخوة الذين يرسلون أموالاً إلى أقاربهم في شرق إفريقيا وذلك بصفة شهرية، ويتم ذلك عن طريق إعطاء المبلغ المراد توصيله إلى الأقارب لتاجر يملك محلات أو تجارة هناك، بحيث يذهب الأقارب إلى المحل لاستلام المبلغ ووجه الارتياب في هذه المعاملات هو أن التاجر عادة ما يأخذ فائدة تفوق عناءه، وأيضاً استلام المبلغ من قبل الأقارب يتم بعد أيام من استلام التاجر له، رغم أن بعض التجار باستطاعتهم الاتصال هاتفياً بوكلائهم في نفس اليوم. (3/124)
صفحة 1213
فتاوى البيوع
125
ما رأيكم في هذه المسألة، وماذا إذا لم يجد الشخص طريقة لإرسال المال إلى أهله إلا هذه؟
لا بد من التبادل الفوري بين المتعاملين بالصرف، وقد رخص علماء العصر - لأجل الضرورة ـ أن يكون التبادل عبر الهاتف، وذلك بأن يُحضِرَ طالب الصرف العملة التي عنده عند التاجر، ويتصل التاجر بوكيله في البلد الذي يوجد فيه من تصرف إليه العملة الأخرى ليصرفها إليه فيتم التقابل في نفس الوقت، أما الزيادة في الثمن إن كانت لا لأجل التأخير وإنما هي لأجل العناء فقد رخص فيها بعض المعاصرين، إذ اعتبروا العملات المتعددة كالذهب لا تجوز النسيئة في صرف أحدهما بالآخر، مع جواز تفاوت مقدارهما في التبادل التفاوت قيمتهما وأمّا مع عدم التبادل في نفس الوقت
فذلك غير سائغ، لأنه من الإنساء فيما يعد جنساً واحداً، والله أعلم.
المسألة السابقة إلّا إن التاجر لا يأخذ أي فائدة البتة وذلك نفس هي
لحاجته للعملة المحلية ليتخلص بها من عملة تلك البلدان، ولكن المشكلة فيها التأخير الذي في بعض الأحيان له أسباب، وبعضها ليس
له مبرر؟ مفهوم مما تقدم، وإنما يلجأ المضطر إلى صرف عملته بعملة دولية كالدولار، ويرسل تلك العملة المطلوبة دولياً إلى حميمه في البلد النائي، أو يتبع طريقة السفتجة (1) التي أحلها بعض الصحابة كابن عمر، وذلك بأن
فقال:
(1) قيل بضم السين وقيل بفتحها وأما التاء فمفتوحة فيهما: فارس معرّب. وفسّرها بعضهم هي معاملة مالية يقرض فيها إنسان قرضاً لآخر ليوفيه المقترض أو نائبه إلى المقرض نفسه أو نائبه في بلد آخر معين خوفاً من مخاطر الطريق. وجمعها سفاتج.
قال الزحيلي: وهي نوع من الكمبيالة المعروفة في الوقت الحاضر. (3/125)
صفحة 1214
126
الفتاوى المعاملات
يجعل التاجر أميناً في إيصال المبلغ إلى حميمه بأي عملة كانت، مع مراعاة أن يكون الدفع إليه بحسب السعر في يوم الدفع والله أعلم.
ما حكم الحوالة المصرفية الصادرة أو الواردة؟
إن كان المحيل يدفع مبلغاً من المال إلى مؤسسة لتتولى هي نقله إلى الجهة المحال إليها فلا مانع من ذلك، وإن كان مع ذلك صرف للعملة إلى غيرها فهنا تكمن المشكلة، لأن الصرف يشترط فيه التقابض في المجلس، ولكن بعض المعاصرين ترخص في ذلك، أخذاً بالمروي عن ابن الزبير في قضية السفتجة والله أعلم.
عندي رغبة في مزاولة مهنة الصرافة وهذه المهنة قابلة للربح والخسارة، حيث إن العملة التي باليد اليوم قابلة إلى أن تنخفض بالغد، فهل يجوز العمل في هذا؟
إن كان الصرف يداً بيد وبسعر يومه فلا حرج عليه، وإن لم يكن كذلك فهو أمر فيه حرج والله أعلم.
ما حكم تحويل العملة وإرسالها بواسطة البنك، بحيث تسلم مثلاً العملة العُمانية في بنك مسقط لتستلم عملة إماراتية في بنك دبي، مع العلم أن البنك يأخذ ثمن التحويل والإرسال؟ وهل الفترة بين التسليم والاستلام لها تأثير في الحكم؟
أما الاتفاق على الصرف فلا يجوز لاشتراط التقابض في الصرف، وإنما يجوز تحويلها إلى بنك دبي على أن يأخذها المحولة له بحسب رغبته هناك، فإن أراد أن تكون بصرف آخر فلا حرج، بشرط أن يكون بسعر يومه، وأن لا يفترقا وبينهما شيء، ولا مانع من أخذ البنك أجرةً على عنائه والله أعلم. (3/126)
صفحة 1215
فتاوى البيوع
127
ما حكم تحويل العملة أي بيع الصرف في البنك؟ يشترط التقابض في الصرف كما سبق والله أعلم.
هل صرف العملة العُمانية بأخرى أجنبية ربا، علماً بأننا نضطر إليه عند سفرنا إلى خارج عُمان؟
أولاً: لا بد أن يكون ذلك يداً بيد، فعندما يكون ذلك يداً بيد فلا حرج، أما التفاوت فأمر طبيعي، وقد عد العلماء في المجامع الفقهية الفرق بين العملات كالفرق بين الذهب والفضة، فيجوز فيها التفاضل يداً بيد ولا يجوز فيها الإنساء والله أعلم.
كما تعلمون أن كثيراً منا يسافر إلى الخارج تارة للعلاج أو لمهمة يكلف بها أو لغيرها من الأسباب، ويقوم الفرد منا بصرف مبلغ ما للحصول على عملة تلك البلد المسافر إليها، وعندما يذهب إلى الصراف لصرف المبلغ لا يصرف له المبلغ كاملاً وإنما يقوم الصرف بأخذ جزء منه فائدة له. ما قول سماحتكم في ذلك؟
إن كان ذلك نقداً، ولم يكن نسئة، فلا حرج والله أعلم.
هل العملتان المختلفتان هما جنس واحد أم جنسان مختلفان؟ هما جنس واحد كالذهب والفضة لاشتراكهما في النقدية والله أعلم.
أعمل في شركة وساطة مالية حيث إن طبيعة عملي بيع وشراء العملات عن طريق جهاز الكمبيوتر، الذي تأتينا عن طريقة الأسعار من بورصة أجنبية، حيث نقوم ببيع وشراء العملات ونحن بالمكتب، وتعتبر هذه تجارة، حيث إن الشخص الذي يريد أن يدخل في السوق عليه أن يدخل (3/127)
صفحة 1216
=
128
الفتاوى المعاملات
بمبلغ كبير من المال بعدها يتم التعامل مع البورصة، وهذه العملية بها ربح وخسارة، فيمكن للشخص أن يسحب ربحه في نفس اليوم من البنك الذي أودعت فيه الأموال الخاصة به هذا بخصوص المشتري، أما مجال عملي فهو كوسيط بين رجل الأموال والشركة المنمية للأموال، فأحصل على مبلغ من المال من جراء هذه العملية؟
إن كان التبايع لهذه العملات يداً بيد أو كان في حكم ذلك على حسب
سعر السوق لها فهو مباح، وإن كان بخلاف ذلك فلا يباح والله أعلم. إذا باع شخص مبلغاً من العملة العُمانية لشخص آخر بمبلغ من العملة السعودية، ولكنه أي البائع قد استلم شيكاً بقيمة العملة السعودية، فهل يعتبر قبض الشيك قبضاً لقيمته من العملة السعودية، حيث إنه يشترط لصحة الصرف تقابض البدلين في مجلس العقد؟ إن كان الشيك يقوم مقام العملة في المعاملة فلا حرج في حرج في ذلك، لأنه بمثابة شراء الشيك نفسه ولا بد من مراعاة جميع أحكام الصرف في كضرورة التقابض في المجلس يداً بيد والله أعلم.
ذلك
في رجل باع ماله الأخضر الذي في عُمان وهو في إفريقيا بثلاثة آلاف شلنج بيع خيار، فأراد أن يفدي ماله من المشتري، فهل يصح فداؤه بالشلنجات التي شرى بها المال أم تصرف الشلنجات بالريالات نقد عمان الحالي؟
إذا كان الصرف الذي وقع به البيع غير موجود أو غير متعامل به في البلد الذي وجد فيه المتبايعان بالخيار، فلا حرج أن تكون الفدية بالصرف المتعامل به، شريطة أن يكون بسعر يومه ـ كما جاء في الحديث (1) والله أعلم.
(1) أخرجه النسائي في كتاب: البيوع، باب: بيع الفضة بالذهب وبيع الذهب بالفضة (4583) (3/128)
صفحة 1217
فتاوى البيوع
129
يشتري الشخص شيئاً يسيراً، ولا يكون في يده إلا عملة خمسين ريالاً، والبائع لا يملك ما يرده للمشتري - كباقي - في تلك اللحظة، فيأخذ البائع الخمسين ريالاً ويقول للمشتري تعال لأخذ ما تبقى لك في وقت آخر، ما حكم هذه المعاملة؟
هذه المعاملة غير جائزة، لأن الصرف يجب أن يكون يداً بيد، كما جاء في حديث طلحة عبيدة الله أنه بن جاء يريد أخذ ذهب مقابل فضة من عند رجل، فأخذ يقلب الذهب ويقول: حتى يأتي خازني من الغابة، فأنكر ذلك عمر بن الخطاب وقال: لا أبرح مكانكما، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء (1) ـ أي خذو وأعط، وفي رواية أن عمر له قال لطلحة: لتردن إليه ذهبه ولتأخذن، ورقك، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء» فلا بد أن يكون الصرف يداً بيد، وبما أن هذا البيع فيه بيع وصرف فلا بد أن يكون الصرف يداً بيد، فإما أن يجد البائع ما يرده مما تبقى عن القيمة، وإما أن يترك الخمسين أمانة فى يده ثم ينصرف، وعندما يأتي فيما بعد يرد إليه الخمسين التي دفعها كاملة إليه ثم يدفع الثمن مع استيفاء ما تبقى من حقه. ما حكم مبادلة حلي بحلي أخرى سواء بزيادة دراهم أو بدونها من غير اعتبار لوزنيهما، كما تفعل النساء في محلات المجوهرات؟ وهل الحكم سواء في بيع سيارة بأخرى بزيادة دراهم أو بدونها؟
أما
في السيارة فلا إشكال مع التقابض، وأما في الحلي فلا بد من
قال:
وأبو داود في كتاب البيوع، باب في اقتضاء الذهب من الورق (3354) عن ابن عمر يا رسول الله رويدك أسألك إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه فقال رسول الله: لا بأس أن
تأخذها
بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء. (1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب البيوع، باب في الربا والانفساخ والغش (577). (3/129)
صفحة 1218
130
الفتاوى المعاملات
التقابض مع التساوي، إلا إن عوضت الزيادة بنقد ولم يكن إنساء لشيء من ذلك، اللهم إلا إن كان البدل والمبدل من جنسين، كأن يكون أحدهما ذهباً والآخر فضة، فلا حرج في التفاضل في هذه الحالة مع التقابض والله أعلم.
ما قولكم في الشيكات السياحية، حيث يدفع للصرف المبالغ العُمانية - مثلاً - فيعطيه شيكاً بعملة أخرى يستلمه متى شاء، وهذا فيه أمان لصاحب المال خاصة مع كثرة السرقات وانتشارها؟
أباح علماء ذلك، باعتبار أن شراء الشيكات بأوراق الفقه الإسلامي مجمع النقد يعتبر نفسه صرفاً، وبقبض الشيكات يحصل التقابض المشترط في الصرف، وكذلك حكم صرف الشيكات وقبض المبلغ المتضمن في الشيك والله أعلم. أعمل في محل بيع ذهب بوظيفة مدير، وما يحيرني مسألة أنني في بعض الأحيان يأتيني شخص معروف وذو مكانة اجتماعية كبيرة راغباً في شراء بعض القطع الذهبية، وعند كتابة ورقة البيع لا يدفع يداً بيد كما ورد في الحديث الشريف، ويطلب أن يكون البيع بورقة على الحساب، وذلك برضاء وموافقة صاحب المحل، والسؤال هنا كيف يكون موقفي؟ علماً بأن صاحب المحل لا يكون موجوداً في معظم الأحيان، وهذه تعليماته في مثل هذه الحالات وفي التعامل مع مثل هؤلاء، وعلماً بأنني أقوم بتسجيل أوراق الشراء على الحساب في بعض الأحيان بعد الاتصال بصاحب المحل وإبلاغه بذلك؟
لا بد من أن يكون البيع يداً بيد إن بيع ذهب أو فضة بأوراق النقد، فإن تعذر ذلك في المحل فعليك أن تجتنب مباشرة البيع وتسجيل الفواتير، وليتولّ ذلك غيرك، وليكن منك الإشراف العام على التجارة، ومباشرة البيع والتسجيل فيما كان يداً بيد، تجنباً للمحارم والله أعلم. (3/130)
صفحة 1219
القياض في السلع:
فتاوى البيوع
131
إذا كان إنسان عنده سيارة قديمة وأراد شراء سيارة جديدة، تقوم وكالة السيارة بتقييم السيارة القديمة، ثم يقال له عليك أن تدفع مبالغ زيادة
على قيمة سيارتك، فما حكم الإسلام في هذه المعاملة؟
لا حرج في لقد شاع بين الشركات التي تبيع السيارات نظام استبدال سيارة قديمة بأخرى جديدة، أي ترسل لهم سيارتك القديمة فيقيمونها لك بشرط أن تشتري منهم سيارة جديدة، وبدون أن يعطوك مبلغاً عن سيارتك القديمة نقداً، فقط ينقصوا ذلك المبلغ من سعر السيارة الجديدة، فما رأيكم في
ذلك، بشرط أن يكون تبادل السيارات يداً بيد والله أعلم.
ذلك؟
إن كان ذلك بطريق القياض مع دفع فارق السعر فلا حرج، وإلا فلا يجوز بيعان في بيع والله أعلم. (3/131)
صفحة 1220
[صفحة فارغة] (3/132)
صفحة 1221
فتاوى الربا (3/133)
صفحة 1222
الفاوي (3/134)
صفحة 1223
فتاوى الربا
135
ربا النسيئة في المؤسسات المالية) (1):
رجل قال لآخر أريد أن تبحث لي عن مبلغ قدره سبعون ألف ريال عماني، وأعطيك من عشرة آلاف ألفاً واحداً، وبعدما أقرّ المشترط على نفسه بذلك أبي أن
يدفع المبلغ الذي اشترط به هل ملزم بدفع المبلغ أم أن هناك شيئاً من الشبهة؟ الظاهر أن هذا مقرض له، فذلك إذا عين الربا أمَّا إذا كان وسيطاً بينه وبين طرف آخر يقرضه فهذه أجرة له على عمله وله ما اتفقنا عليه من الأجرة والله أعلم. أخذت من بعض الناس مالاً يقدر بألف ريال عماني، بشرط أن أرجع هذا المال لصاحبه بعد مضي حول بزيادة (350) ريالاً عُمانياً، بشرط أن أكتب هذا الحق في خالص مالي
هل أدفع المال كاملاً مع الزيادة، أو أدفع الذي أخذته فقط؟ لا يجوز لك أن تزيده على ما أخذت منه شيئاً، فإن الزيادة ربا، وهو لعنة على آكله ومؤكله والله أعلم.
هل إذا وافق المشتري بدفع مبلغ الربا يكون قد ارتكب إثماً؟ نعم، فإن الربا ملعون أكله ومؤكله والله أعلم.
هل إذا لم يدفع المقترض مبلغ الربا يكون قد خان العهد؟ لا، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل والله أعلم.
رجل حصل على سلفة من صندوق لبناء منزل، ولكن طلب منه توقيع معاملة على زيادة، علماً أن ذلك لم يطبق بعد، فما قولكم بارك الله فيكم؟
التوقيع على ذك التزام بدفع الربا وهو حرام وا والله أعلم.
(1) ربا النسيئة: هو بيع الجنس بجنسه
مع
الأجل. (3/135)
صفحة 1224
136
الفتاوى المعاملات
عن التعامل مع بنك لا يستزيد في الاقتضاء أكثر مما دان إلا بمقدار نسبة محدودة لا تضر المعطي ولا تنفع الآخذ، خصوصاً مع اعتبار إنفاق الدولة على المشروعات الحيوية للبلاد، مع تصور أن هذه الزيادة تستهلك في أجور العاملين بالبنك؟
إن الله الله حرم كثير الربا وقليله على عباده، وقد عده في كتابه حرباً بينه وبين عباده الذين لا يتقونه في معاملاتهم، قال الله: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 278، 279] وتوعد عليه أشد الوعيد حيث قال الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوْا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَنُ مِنَ الْمَسِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبوا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَمَ الرِّبوا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275]، والربا - قليلاً كان أو كثيراً ـ لا منفعة فيه لأحد المتعاملين به، وإنما مضرته عليهما معاً مضرة بالغة، لأنه داء لكل خير وممحقة لكل بركة، قال: يَمْحَقُ الله الرّبوا وَيُرْيِي الصَّدَقَتِ وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} [البقرة: 276)، وفي تذييل الآية: بقوله: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) دليل بين على كفر وإثم آكل الربا، وهو كفر نعمة إن كان دائناً بتحريمه، وكفر شرك إن لم يكن دائناً به ولكن اعتقد حليته. هذا وقد تضافرت الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم على التحذير من أكل الربا والتنفير عنه، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا السبع الموبقات» (1) وذكر من بينها أكل الربا، وفي حديث آخر: «لعن الله الربا وآكله ومؤكله وكاتبه وشاهده» (2) ثم
(1) تقدم تخريجه.
(2) تقدم تخريجه. (3/136)
صفحة 1225
فتاوى الربا
137
قال: «ه
به أن
«هم سواء» يعني في الإثم، وفي حديث عن ابن مسعود به مرفوعاً: «الربا ثلاثة وسبعون باباً أيسرها في الإثم مثل أن ينكح الرجل أمه» (1)، وحسب العاقل زاجراً عن الربا ومحذراً منه تشبيه أصدق البشر وأفضل من مشى على التراب - صلوات الله وسلامه عليه - أيسر باب من أبوابه بحالة تشمئز منها جميع طبائع الخلق، وتجمع على حرمتها شرائع الحق، وهي إتيان الرجل أمه، وعليه فإني لا أجد مسوغاً لإباحة التعامل مع البنوك بالطريقة التي جاءت في السؤال، وتبريرها بما ذكر فيه، إذ ليس من المقطوع هذ الزيادة التي تؤخذ على المقترض تنصب في أجور العاملين بالبنك لأجل هذا التعامل بعينه. وهبها كذلك فإن هذه الزيادة غير مقطوعة بل تستمر ما لم يقض المدين الدين الذي عليه بل تتضاعف مع مرور الزمن حتى تتراكم، فتكون كمثل أصل الدين أو تزيد عليه، فإن كانت نسبتها 5? مثلاً فإنها بمرور عشرين تصبح كمثل أصل الدين، وإن كانت نصف ذلك فمرور ضعف هذه المدة يجعلها كأصل الدين وهب المدين لا يتمادى في قضاء الدين إلى هذه المدة، إلا أن احتمال ذلك وارد، ومن يدري لعله يفلس أو يخسر فتضطره الظروف القاسرة إلى التمادي.
جميع
عاماً
وأما إنفاق الدولة على المشروعات التي تفيد المواطنين كالمدارس والمستشفيات وغيرها، فلا يسوغ بها أخذ الربا من أحد مواطنيها ـ وإن قل، فإن هذه المؤسسات تقام بميزانية الدولة التي تعتمد على كثير من الموارد من بينها الموارد الطبيعية كالنفط والمعادن، وإن لم تكن لها موارد فبإمكانها فرض ضرائب - بقدر ما يكفي لسد حاجتها في إنشاء هذه المؤسسات وتسديد طلباتها - على المستفيدين منها من المواطنين.
(1) أخرجه الحاكم في المستدرك. (3/137)
صفحة 1226
138
الفتاوى المعاملات
أمَّا
جعل
أحداً
من
أن
ذلك ذريعة لأخذ الربا من الذين يقترضون منها، فلم نعلم علماء الإسلام أباحه، ولو قال بإباحته أحد لكان قوله رداً عليه، لمصادمته النصوص القاطعة بتحريم الربا والإنفاق في الخير لا يسو الحرام، ففي الحديث: «لا يقبل الله صدقة من غلول» (1) والغاية لا تبرر الوسيلة.
هو
وبعد، فإن انتشار الوعي الديني الذي يتبعه الالتزام في أوساط الشعوب المسلمة من أهم مقومات حياتها، لما يتبع ذلك من التزام الحكومات النظم الإسلامية في الأوضاع الاقتصادية وغيرها، عندما تجد نفسها مضطرة إلى ذلك، بسبب إباء شعوبها أن تنغمس في الحرام، ولكن التساهل الذي يجر الويلات، ومن تأخر خطوة تقهقر بعدها خطوات، نسأل الله العفو والعافية، ونعوذ بالله من الخذلان وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هي
بنيت بيتاً وأصبحت مديناً بمبلغ اثني عشر ألفا وخمسمائة ريال عُماني لأناس اقترضت منهم ذلك المبلغ، وقرأت في كتاب «الربا والقرض في الفقه الإسلامي بجواز الاقتراض بالربا عند الضرورة، فهل هذه الضرورة تبيح لي ذلك لسداد هذا الدين؟
الضرورة لا تبيح الربا، فإن الضرورة التي تبيح بعض المحجورات التي تفضي إلى الهلاك، وهب أنك اقترضت بطريق الربا، فهل تنحل مشكلتك أو أنها تزداد تعقداً؟! فإن الربا يضاعف ما تتحمله من دين فيزداد حملك ثقلاً وكاهلك مشقة، فانظر في ذلك تجد رحمة الله بك عندما حرم الربا في تعاملك والله أعلم.
(1) تقدم تخريجه. (3/138)
صفحة 1227
فتاوى الربا
139
رجل أراد الزواج ولم يجد ما يكفيه لإتمام زواجه، فهل يجوز له الاقتراض عن طريق الربا، فهو كالمضطر إلى أكل الميتة خوف الهلاك، فإنه إن لم يفعل ذلك خاف على نفسه الوقوع فيما حرم الله؟
الربا نفسه كالزنى في الحرمة، فإنه إحدى الكبائر الموبقات، وإنما له أن يقترض وينوي في قرارة نفسه أن لا يدفع إلا قدر القرض من غير زيادة، على أن يلتزم ذلك بعون الله والله تعالى أعلم.
لا معنى
تقدمت بطلب سلفة من مقر عملي وطلعت الموافقة بعد ست سنين، وهم يأخذون 10% للصندوق التقاعدي ويحسبونها خدمة للمستلف، وإذا كان لا يحق لي أخذها فهل لي التنازل عنها لشخص آخر؟ لأخذ زيادة على المستلف لصندوق التقاعد، فإن الزيادة تعد من الربا ولو صرفت في مصرف من مصارف الخير، إذ لا يقبل الله صدقة من غلول، نعم لو كان الإنسان يدفعها من تلقاء نفسه بغير اشتراط عليه فذلك حسن، لذلك أرى أن تراجعهم فإن تنازلوا عن هذا الشرط فذلك المبتغي وإلا فاستغن بالله ومن استغنى بالله أغناه الله وما تركته لوجه الله لأجل حرمة أو شبهة فلا تتنازل عنه لغيرك، إذ الواجب أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك والله أعلم.
فيمن له على أناس دراهم مؤجلة له إلى مدة سنين، يدفع كل شهر منها ألف ريال، واحتاج صاحب الدراهم إلى بيع تلك الورقة بالدراهم التي فيها إلى شخص آخر، على أن يسقط عنه الثلث، هل يجوز ذلك أم لا؟
هذه المعاملة من المعاملات التي يحرمها الإسلام، فإن بيع الدين بالدين مما (3/139)
صفحة 1228
140
الفتاوى المعاملات
>>
ينهى عنه في البيوع، فكيف بشراء دين بأقل من قدره قبل حلول أجله، ثم استيفائه كاملا غير منقوص عند حلول أجله، إن صورة الربا في ذلك ظاهرة والله أعلم.
هل يجوز أخذ سلفية من البنك لأجل الزواج؟
إن كانت السلفية بدون شيء من الربا فلا مانع منها، أما إن كانت ربوية فلا تجوز، والله أعلم.
رجل يعيش في بيت بالأجرة، ثم أخذ قرضاً بالربا بحجة الضرورة، فما حكم الشرع في ذلك؟
ذلك حرام، لحديث «لعن الله الربا وآكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه» وقال هم سواء» (1).
ما قولكم في التعامل مع البنك، للاقتراض من أجل بناء منزل أيجوز ذلك أم لا؟
إن كان البنك يقرض قرضاً حسناً من غير ربا فلا مانع منه، وإن كان يقرض بالربا المحرم، فلعن الله الربا وآكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه، سواء كان الاقتراض لأجل بناء مسكن أو لغير ذلك والله أعلم.
نرجو من سماحتكم بيان الحكم الشرعي في اتفاق تم بين جهة معينة وبنك معين على أن يقوم البنك بإقراض موظفي هذه الجهة قرضاً إسكانياً بفائدة ثابتة ووقت سداد معلوم؟
بما أن القرض يرد بزيادة فهو من باب الربا، الذي لعن الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه والله أعلم.
(1) تقدم تخريجه. (3/140)
صفحة 1229
فتاوى الربا
141
رجل أراد أن يأخذ قرضاً من البنك لأنه وقع في ضيق من المال، وعليه
دين، فهل يجوز ذلك؟
إن كان قرضاً خالياً من الربا فنعم، وإلا فلا والله أعلم.
رجل لديه حساب بنكي و به مبلغ من المال، وفي كل عام يحسب له زيادة بنكية، ومن المعروف أنها ربا، فإذا أراد أن يستلم هذه الزيادة ويدفعها كمساعدة لهيئة رياضية، هل يجوز ذلك؟
إن أخذها فقد أكل المحرم بنصوص الكتاب والسُّنَّة، وكفى به إثماً مبيناً، ولا يجديه إنفاقها في أي باب، ففي الحديث: «لا يقبل الله صدقة من غلول»
والله أعلم.
لدي حساب ودائع يدفع لي زيادة ولكنني لا أستعمل المبلغ وإنما أعيد إيداعه في حساب خاص لبنت أختي الصغيرة، هل يلحقني أي ذنب من هذه الأموال حالياً أو مستقبلاً؟؟
نعم،
لأنه قبول منك للربا، وكفى به إثماً مبيناً والله أعلم.
رجل اشترى بضاعة بقيمة ألفي ريال عُماني، واستأجر محلاً تجارياً ثم باع هذه البضاعة لأحد العمال، على أن يدفع ذلك العامل أجرة المحل بالإضافة على دفع مائة ريال شهرياً لصاحب البضاعة الأول، غير مخصومة من الثمن الأصلي، وإنما بمثابة ربح على المساهمة بالألفين
السابقين؟
ذلك هو عين الربا فلا يجوز بحال، وإنما يجوز الاتفاق على أن يبيع البضاعة له بما يتفقان عليه من ثمن من غير إضافة إلى ذلك والله أعلم. (3/141)
صفحة 1230
142
الفتاوى المعاملات
رجل وضع مالاً في أحد البنوك الربوية ليست بكثرة ولكن لحاجة الزمان، هل الأرباح لهذه الأموال حلال أم حرام؟ وكيف يخرج الزكاة عن هذه الأموال، هل يسحب من نفس المال أم يخرج من الأرباح
الزكاة؟
ليست هي
أرباحاً وإنما هي عين الخسارة، لأن الزيادة هي عين الربا، والربا ممحوق بحكم الله تعالى وعليه فمن أخذ شيئاً من هذه الزيادة فقد اقترف الربا الملعون آكله ومؤكله وكاتبه وشاهده بنص الحديث، ولا يقبل الله زكاة منها، فإن الزكاة طهارة للمال ولا طهارة في الربا، وفي الحديث: «لا يقبل الله صدقة من غلول» والله أعلم.
ما قولكم في الفتوى التي صدرت منذ مدة من بعض الناس بتحليل ما يسمى بفوائد البنوك؟ وأخذ أضعاف النفوس يستغلونها ويتحججون بها للانغماس والتعاطي مع (ربا) البنوك)، وللأسف نجد بيننا من يروج لهذه
الفتوى، هل من نصيحة لأولئك لعلهم ينتهون؟
ثبت في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الحلال بين والحرام بين وبيهما أمور مشتبهات لا يعرفهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام»)، ونحن نقول لا شبهة في هذا الأمر بل حرمة ذلك واضحة بينة وضوح الشمس في رابعة النهار، فإن هذه المعاملة إنما هي من باب أخذ القرض ودفع أكثر منه، وكل قرض جر نفعاً فهو ربا، جاء ذلك مروياً عن النبي صلى الله عليه وسلم)، وقد انعقد الإجماع بأن كل قرض جر نفعاً فهو ربا، ومن المعلوم أن ما ذكره العلماء
الله
(1) تقدم تخريجه.
(2) تقدم تخريجه. (3/142)
صفحة 1231
فتاوى الربا
143
ألفاً
من الربا الذي أجمع عليه هو ربا الجاهلية، وربا الجاهلية كان بهذه الطريقة (أمهلني وأزيدك)، وهكذا فإنه بقدر ما تتأخر مدة الدفع تكون الزيادة، فعندما يأخذ أحد مثلاً عشرين ألف ريال من بنك يؤدي ثلاثين ألفاً، أو يؤدي خمسة وثلاثين ألفاً، وقد يؤدي أربعين ما يبقى هذا الدين عنده فإذا هذا بحسب هو الربا المحرم بلا خلاف بين أهل العلم، بل جاء النص القطعي بتحريمه، أما التذرع إلى إباحة ذلك بكون البنك يتجر، وأن هذا الاتجار هو المضاربة، وأن المضاربة محللة فقبل كل شيء يجب علينا أن نتساءل هل بين البنك وبين من يودع فيه هذه النقود عقد مضاربة؟ أم إيداع يترتب عليه ما يترتب من الربا؟! إنما البنك بمثابة الأمين ينفق هذه الأموال في هذه الطريق المتنوعة، التي تعود بالدخل ليأخذ البنك نصيبه منه، ويعيد إلى الآخرين نصيبهم من الربا المحرم، بينما المضاربة الشرعية هي أن يتفق الجانبان على المضاربة في شيء معين، أو أن يكون المضارب يضارب مضاربة مطلقة في أي شيء، بحيث يأذن صاحب رأس المال إلى المضاربة أن يضارب في أي شيء ء، بحيث يوكله توكيلاً تاماً بأن يضارب فيما يرى فيه المصلحة أو في نوع من أنواع السلع، وعندما يكون ربح يقتسمه الجانبان، على أن تكون حصة صاحب رأس المال ليست هي نسبة مئوية مما دفع من رأس ماله، وإنما هي نسبة مئوية من الربح الذي عاد إلى المشروع من تلك المضاربة، ومن المعلوم أن صاحب رأس المال ـ في معاملة البنوك الربوية ـ يأخذ نسبة مئوية بقدر ما دفع من رأس المال، من غير نظر إلى الربح وعدمه، حتى ولو كانت خسارة هذه النسبة مضمونة له، فمن أين صح أن تكون هذه النسبة بقدر رأس ماله مضمونة له؟ هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لا يؤمن - أن لو سلمنا أن هنالك مضاربة - من أن تكون هذه المضاربة في المشاريع المحرمة في الخمور والرقص والزنا والفساد بأنواعه، لأن هذه البنوك (3/143)
صفحة 1232
144
الفتاوى المعاملات
لا تديرها أيد أمينة حتى تمتنع عن هذه الأمور. ثم إنه من المعلوم أن البنوك تقرض، وبجانب هذا القرض تأخذ ربا، هذا الربا من جملة الربح الذي يعود
إلى صاحب رأس المال، فالمسألة واضحة لا غبار عليها والله المستعان. إذا اشترى رجل كيساً من الأرز على أن يرجعها كيسين من القمح، فما حكم ذلك؟
هذا هو عين الربا، فالأرز والقمح جميعاً من جنس الطعام، والطعام فيه الربا، ولا يجوز ذلك، بل ولا يجوز ولو لم يكن كيساً بكيسين إلا يداً بيد. هل يجوز أخذ قرض من بنك إسلامي؟
والله أعلم.
إن كان قرضاً حسناً بغير ربا فلا مانع منه، وإلا فهو ممنوع وا إنني مواطن اضطرتني ظروف الحياة إلى توفير مسكن لأسرتي عن طريق السلفة من البنك، وكنت أعلم بحرمة ذلك، ولكن كنت أظن بأن اضطراري إليه يدفع الحرمة، وقد استمعت لندوة سماحتكم مع بعض المشايخ وإلى ما دار في ذلك النقاش وخاصة الحديث: «لعن الله الربا ... إلخ» فهممت بالتخلص من التعامل مع البنك، ولكن المبلغ كبير لا أستطيع توفيره بالسلفة من أحد إلا ببيع البيت وبناء أو شراء آخر، وقد لا يتبقى لي من البيع ما يكفي ذلك، فهل تجدون لي عذراً بالبقاء على ذلك ما دامت النية هي الخلاص منه أي فرصة سانحة عندما الله تعالى على ذلك أم ماذا أفعل؟
يقدرني
مع
سل الله و أن يمن عليك بالخلاص، وانو التخلص في قرارة قلبك، ومتى واتتك الفرصة فلا تتوان في ذلك والله أعلم. (3/144)
صفحة 1233
فتاوى الربا
145
التعامل مع المؤسسات المالية:
اتفقت مع شركة مقاولات لأشتري منها منزلاً، على أن أدفع شيكات لهم
عن طريق البنك الذي أتعامل
معه،
ثم تغير نظامها فطلبت مني تحويل
المبالغ إلى البنك الذي تتعامل هي معه والبنك يأخذ عمولة على كل تحويلة، فما حكم هذه العمولة هل هي جائزة أم لا؟
إن كانت في مقابل عنائه وجهده فلا حرج والله أعلم.
ما حكم التعامل مع بنك لا يتعامل بالربا، لكن أرصدته مودعة في بنك يتعامل بالربا؟
إن كانت هذه المعاملة الربوية تفضي إلى العميل الذي يتعامل مع البنك فذلك حرام والله أعلم.
هل يجوز للمسلم أن يضع أمواله في أحد البنوك الربوية ولكن بغير
ربا؟
لا، لما في ذلك من التشجيع على المعاملات الربوية، إلا إن لم يجد لنقوده مأمناً في غير البنوك، فإن هذه ضرورة، والضرورة تقدر بقدرها والله أعلم.
ما حكم وضع المال في البنوك الربوية بدون ربا وبالحساب الجاري؟ لا يجوز ذلك لغير المضطر، لأن البنوك تتجر بهذا المال في طرق ربوية وعلى غير النهج الشرعي الجائز، وإنما المضطر الذي لا يجد لماله مأمناً في غير البنك فله ذلك، والضرورة تقدر بقدرها والله أعلم. (3/145)
صفحة 1234
146
الفتاوى المعاملات
ما تقول في رجل عنده دراهم وخاف عليهن من السرقة، وتركهن في البنك بلا، ربا هل يجوز ذلك، وكذلك إن تركهن وأخذ عليهن زيادة وأعطاها الفقراء، هل يجوز ذلك أم لا؟
لا يجوز له أخذ زيادة عليها وإن أعطاها الفقراء، فإن أخذها حرام ودفعها إلى الفقراء لا يؤجر عليه، ولا يجوز له أن يودع شيئاً من المال بنكاً يعامل بالربا، إلا إن كان لا يجد له مأمناً في غير البنك، فله الإيداع حتى ترتفع ضرورته، والضرورة تقدر بقدرها والله أعلم.
هل يجوز إيداع النقود في البنك الربوي بلا زيادة عند الخوف عليها من
السرقة؟
يجوز ذلك بقدر الضرورة، وعند ارتفاع الضرورة يرتفع حكم الإباحة، ولا يجوز أخذ شيء من الزيادة عليها بحال والله أعلم.
هل يجوز لنا حفظ الأموال في البنوك الربوية في حساب جارٍ أي بدون ربا، وذلك خوفاً من الحوادث التي تقع في المنازل كالسرقة أو الحريق؟ لا يجوز ذلك إلا في حالة الاضطرار والضرورة تقدر بقدرها والله أعلم.
قام جماعة بإنشاء صندوق تبرعات ليكون سنداً لهم في أوقات الحاجة والشدة، وحيث إن هذه المبالغ تزداد يوماً بعد يوم، ولا يستطيع أحد من هذه الجماعة الاحتفاظ بهذه المبالغ لأسباب أمنية وأسباب أخرى، قامت الجماعة بإيداع هذه المبالغ في أحد البنوك، وتولدت من هذه المبالغ أموال تسمى عندهم بالفائدة، والسؤال ما حكم إيداع مبالغ الصندوق في البنوك، حيث إنهم لا يستطيعون الاحتفاظ بها عند أحدهم؟
لا يجوز إيداعها في البنوك الربوية إذا وجد لها مأمناً خارجها، اللهم إلا (3/146)
صفحة 1235
فتاوى الربا
147
أن تعذر وجود مأمن لها، فتترك في البنك على أنها وديعة، لا يتصرف فيها ولا تأخذ عليها زيادة والله أعلم.
فيمن لديه مبلغ وقدره مائة ألف ريال وأراد أن يستودعها أحد البنوك، لخوفه من أن يضعها في منزله وتتعرض - لا قدر الله ـ للنهب أو الحريق أو غيرها من المخاطر، فهل يصح له ذلك، مع العلم أن البنك سوف يتاجر بهذا المبلغ، وسيختلط بالربا وسيحصل على زيادة من جراء إيداعه لهذا
المبلغ بالبنك، وهل له أن ينفق تلك الزيادة على الفقراء والمساكين؟ لا يجوز له ذلك، إلا إن لم يجد له مأمناً في غير البنك، وعندئذ يجوز، بشرط أن يكون الإيداع على نظام الحساب الجاري والله أعلم.
بنك ربوي
لحفظ المال فيه؟
ما حكم استئجار صندوق في بنك إن كان ذلك لمجرد الحفظ لعدم وجود مأمن لماله خارج البنك، فلا حرج والله أعلم.
أنا عندي واحد وعشرون ألف ريال عُماني، وخفت الضياع على هذا المبلغ، فوضعته في البنك أمانة ليس فيها ربا، فهل هذا حرام؟
ليس لك وضعها في بنك يعامل بالربا، إلا إن لم تجد لها مأمناً في غيره
والله أعلم.
هل يجوز الاحتفاظ بأموالنا وهي الرواتب الشهرية والتي تأتينا ونحن ندرس في الغرب وذلك في البنوك علماً بأنه من الصعب الاحتفاظ بها في المنزل؟
لا مانع من ذلك في مثل هذه الحالات الضرورية والله أعلم. (3/147)
صفحة 1236
148
الفتاوى المعاملات
هل يجوز إيداع المبالغ المتبرع بها في البنك، والأخذ منها الحاجة حتى يستكمل بناء المسجد؟
إن وجد لهذا المبلغ مأمن في غير البنك لم يجز إيداعه في البنك، وإن لم يوجد مأمن آخر فتلك ضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، فإن ارتفعت ارتفع حكمها، على أن تودع هذه المبالغ على الحساب الجاري، دون أخذ زيادة عليه والله أعلم.
أحد
قام أحد الإخوة في إحدى المكتبات بفتح حساب للمكتبة في البنوك تجمع فيه تبرعات أهل الخير، حيث يضع من يريد التبرع المال المتبرع به على هذا الحساب في البنك، ثم تقوم المكتبة باستخراج هذا المال في نهاية كل شهر، من غير زيادة، فما حكم ذلك؟
ذلك مقدر بقدر الضرورة، إذ لا يؤمن من البنك أن يتجر في الطرق غير المشروعة بهذه المبالغ والله أعلم.
رجل حصل على ألف ريال، وأراد الزواج به بعد سنتين أو أقل، فلم يقدر على الاحتفاظ به في المنزل، واحتفظ به في البنك بدون ربا، فهل يجوز له ذلك؟
إن كان يجد مناصاً عن البنك، بحيث يجد مأمناً لماله خارجه فلا يجوز له إيداع شيء في البنك، لأن البنوك تعامل بالربا، وفي هذا الإيداع تشجيع لها على ذلك، وإن كان لا مناص له، بحيث لم يجد المأمن فليجعلها أمانة وإن كان المؤتمن غير ملتزم، ولكن للضرورة والضرورة تقدر بقدرها، فإذا ارتفعت ارتفع حكمها والله أعلم.
فما قولكم سماحة الشيخ في رجل لديه مكتبة، وجاءه مدير أحد البنوك (3/148)
صفحة 1237
فتاوى الربا
149
واتفق معه على أن يبتاع منه بعض الأدوات القرطاسية الموجودة في المكتبة، وقال: افتح حساباً معنا فتصل إليك قيمة المشتريات على رقم حسابك، فما رأي سماحتكم في هذه المعاملة، ولكم منا جزيل الشكر
والتقدير؟
لا أدري ما وراء هذه الاتفاقية، فإن كانت خالية من المعاملة الربوية والغرر فهي مباحة والله أعلم.
قمت بوضع مبلغ من النقود في أحد البنوك من أجل الحفاظ عليه، وبعد مدة أخذت المبلغ ولم يبق لي شيء سوى الزيادة الربوية، ولا زالت موجودة على اسمي فكيف التصرف فيها؟
أرى رفض قبولها أسلم لك، إلا إن تعذر ذلك، فاصرفها على فقراء المسلمين للتخلص منها. والله أعلم.
يعمد بعض أولياء الأمور إلى فتح حساب لأولادهم في البنك، فما حكم
ذلك؟
إن كان هذا الحساب يؤدي إلى شيء من المعاملات الربوية أو شيء من المحرمات، فذلك عين الحرام الذي يجب أن يُتقى.
رجل له عدة أبناء فتح لهم جميعاً حساباً في البنك، وهذا النوع من الحسابات مخصص للأطفال، بحيث إذا بلغ الطفل يكون له رصيد ضخم في البنك، فما حكم هذا النوع من الحسابات؟ وإذا كان محرماً فعلى من الوزر؟ وإذا بلغ الطفل فماذا عليه أن يفعل؟
إن كان ذلك مشوباً بشيء من شوائب الربا فهو حرام بالنصوص القاطعة التي لا جدل فيها، ويبوء بوزر ذلك ولي الصبي الذي وافق على هذه (3/149)
صفحة 1238
10.
الفتاوى المعاملات
المعاملة المحرمة، فإن بلغ الصبي ووافق على صنيع وليه كان شريكه في الوزر، وإن لم يوافق فعليه التخلص من كل شائبة من هذه الشوائب، وإنما يأخذ رأس ماله خالصاً والله أعلم.
من يأتيه راتبه الشهري عن طريق البنك، هل يصيبه الربا؟ مع العلم أنه يقوم بسحبه عندما ينزل مباشرة؟
إن كان يأخذ حقه فقط من غير زيادة، بحيث لا يتمكن البنك من الاتجار بالطرق الربوية بذلك الراتب فلا مانع والله أعلم.
لماذا لا تقومون بالتشجيع لإقامة البنوك الإسلامية إذا كانت البنوك التجارية تتعامل بالربا؟
الرأي لمن يملكه لا لمن يراه، وإن كان الأمر بالتشجيع فمستعدون للتشجيع إن شاء الله.
احتج والدي بأن جمع أموال الموظفين تُسلّم إلى هذه البنوك، والتي بدورها تستثمرها في مشاريعها قبل أن تسلمها للموظفين، وبالتالي فإن جميع الموظفين تنطبق عليهم القاعدة، كذلك احتج الوالد بأن المسالة خلافية، فهنالك بعض العلماء من أفتى بحلّية هذه الأموال التي تؤخذ هذه البنوك، فكيف يمكن الرد على هذين الاحتجاجين؟
من
هذه ليست حجة مقبولة، فإن تسليم رواتب الموظفين إلى هذه البنوك لم يكن بموافقتهم، وإنما هو أمرٌ يجري من ورائهم، على أنه لو كان ذلك برضاهم لم يكن ليغير حكم الله، فإن أهل الأرض جميعاً لو اجتمعوا على ارتكاب حرمة من حرم الله لم يغير ذلك من حكمها شيئاً، وليس الخلاف المدعى شيئاً، فإن إجماع الأمة منعقد على أن كل قرض جر نفعاً فهو ربا، (3/150)
صفحة 1239
فتاوى الربا
151
ومحاولة لبس الحق بالباطل من قبل بعض أدعياء العلم من أجل التهوين من حكم المسألة لا يعد عذراً لأحد، فالحلال بين والحرام بين، وقد قامت حجة الله على عباده بما أنزله في كتابه وبينه رسوله وليس كل خلاف جاء معتبراً إلا خلافاً له وجه من النظر
والله أعلم.
6
نحن مجموعة نقوم بجميع تبرعات خيرية لإنفاقها لوجه الله الله وتبرعات أخرى من أجل بناء مسجد وتبرعات أخرى كثيرة كلها من أجل الأعمال الخيرية، وبناءً عليه تم عقد اجتماع ونوقش فيه إمكانية فتح حسابات في البنوك مع تفادي المعاملات الربوية فيه حتى تسهل مهمة الجمع لهذه التبرعات، وأيضاً خوفاً من تعرض هذه المبالغ للتلف كالسرقة مثلاً، نرجو فتوى سماحتكم حول موضوع إمكانية فتح الحسابات أم لا؟ علماً بأننا نرى كثيراً من مثل هذه الحسابات
ونتبرع لها! فهل بهذا التبرع نكون قد دخلنا ضمن المتعاونين على الإثم أننا لا نقصد إلا الخير؟
والعدوان؟ مع الضرورة تقدر بقدرها، فإن لم يكن لهذه التبرعات مأمن إلا في البنوك، فلا حرج في إيداعها بها مع تفادي الربا وجميع المعاملات المحرمة والله أعلم.
هل يجوز للمواطن المتقاعد أن يأخذ راتب التقاعد، إذا علم بأن هذا الراتب يأتي عن طريق البنك، بحيث أن ما يدفعه المواطنون العاملون في الدولة من رواتبهم أثناء عملهم يذهب إلى البنوك وتأخذ الحكومة أو الهيئة المسؤولة من هذه الأموال، نسبة معينة من الربا على هذه الأموال؟ لا حرج عليه في ذلك، لأن ما يتقاضاه لا يأتيه من طريق الربا، وإنما هو كله حق له، وما يأخذه البنك منه فما هو إلَّا أجرة على عمله، والله أعلم. (3/151)
صفحة 1240
152
الفتاوى المعاملات
معاملة آكل الربا:
قال النبي صلى الله عليه وسلم «كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به (1)، ولكن إذا أطعم ر رب الأسرة زوجته وأطفاله من الربويات وهم لا يعلمون، هل يكون حكم لحومهم كذلك؟ أفدنا جزاك الله خيراً.
قال تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [فاطر: 18]، فمن أطعم أسرته من الحرام ولا علم لهم به فما عليهم من إثمه شيء، وما أطعمهم إياه فهو حلّ لهم، إذ الأصل الحل فيما بيد أي أحد حتى تثبت حرمته، فكل ذي يد أولى بما تحت يده بحسب الظاهر، وعليه تبني الأحكام الشرعية، فلا يشمل الأسرة الوعيد الذي جاء به الحديث إن كانوا على غير علم بما أتى به رب الأسرة من الطعام والله أعلم.
رجل أبوه يتعامل بالربا وهو يعيش معه في بيت واحد، فهل يجوز ذلك مع استنكار ذلك الرجل من فعل أبيه؟
روو
زِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [فاطر: 18]، فما عليه من صنيع
عاش معه والله أعلم.
أبيه شـ شيء وإن
هل للرجل البالغ أن يأكل من مال أبيه الذي يتعامل بالربا، بحيث إن الابن لم يحصل على مصدر رزق أو عمل؟
إن لم يكن الربا متعيناً فيما يُرزَقهُ، فلا إثم على الولد والله أعلم.
لي صديق يعمل في إحدى البنوك الربوبة، وأقوم بزيارته، ثم أتناول معه في بيته القهوة وأحياناً وجبة الغداء فهل يلحقني ذنب من وراء ذلك؟
(1) أخرجه الترمذي في كتاب الجمعة باب ما ذكر في فضل الصلاة. (3/152)
صفحة 1241
فتاوى الربا
153
وهل ينطبق علي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم كل لحم نبت من سحت فالنار
أولى به» (1)؟
لا
يحرم طعامه، فإن النبي الله أكل من طعام اليهود (2) وهم معروفون بأكل الربا، وإنما الحرام عمله، والأجر الذي يتقاضاه عليه والله أعلم.
هل يجوز شراء المنزل الذي تم بناؤه عن طريق البنك الربوي؟ لا يحرم عين البيت لأنه بني بقرض ربوي، وإنما يحرم الربا نفسه والله أعلم.
رجل بني منزلاً عن طريق الربا، فما حكم من يأكل من طعامه وشرابه وخاصة أقرباؤه كالوالدين والأرحام؟
ليس عليهم في ذلك إثم، إذ لا يحرم طعامه وشرابه، وإنما الإثم في نفس المعاملة الربوية المحرمة والله أعلم.
هل يجوز قبول شيء من شخص يعمل في مؤسسة ربوية وليس له دخل آخر إلا من هذه المؤسسة؟
نعم،
لأن الحرمة تتعلق بذمته وقد قبل النبي هدايا اليهود، وضيافتهم (3)، مع أن اليهود - كما هو معلوم - أكثر الناس إرباء، وقبل كذلك ما كان من المشركين من الهدايا () مع أعمالهم المخالفة للشرع، لأن كل ذي يد أولى بما تحت يده، والله أعلم.
(1) أخرجه الترمذي في كتاب الجمعة، باب ما ذكر في فضل الصلاة (428). (2) من ذلك ما أخرجه البخاري في كتاب الهبة، باب قبول الهدية من المشركين (2617)، ومسلم في كتاب الطب، باب السم من طريق أنس بن مالك.
(3) تقدم تخريجه.
(4) تقدم تخريجه. (3/153)
صفحة 1242
154
الفتاوى المعاملات
ما حكم الزواج بمال اقترض بدين الربا؟
الزواج لا يترتب عليه فسخ، ولكن ما كان بمهر محرم فإن الله تبارك وتعالى لا يبارك فيه والله أعلم.
ما حكم معاملة أصحاب الحرام سواء كان الحرام قائماً بيده أو فات من يده ولزم ذمته؟
أما إن كان ذلك المال بعينه حراماً فلا تجوز معاملته فيه، وذلك بأن يسرق شيئاً ويبقى بعينه في يده فلا تجوز معاملته فيما سرق، أو أن يغصب شيئاً بعينه فلا تجوز معاملته فيما غصب، وأما إن كان الحرام متعلقاً بذمته فلا مانع من أن يكون التعامل بينه وبين المسلمين، لا في غير العين التي هي حرام، وهناك رأي ـ وقد سبق أن بحثناه بحثاً موسعاً في بعض الفتاوى (1) لبعض العلماء - وهو أن المشرك إن اغتصب شيئاً من المسلمين تجوز معاملته فيما غصب، لأنه تنتقل ملكيته إلى الغاصب المشرك، وهذا الحكم لا يتعدى المشركين والخارجين من ملة الإسلام إلى المسلمين، اللهم إلا من يرى أن المستحل من أهل التوحيد ملحق بحكم المشركين، ونحن اخترنا الرأي الآخر وهو حرمة معاملة الغاصب سواء كان مسلماً أو كان مشركاً، وإن كان مسلماً فسواء كان مستحلاً (2) أو منتهكا (3) والله تعالى أعلم.
(1) انظر بحث «معاملة الغاصب فيما اغتصبه» في آخر هذا الكتاب. (2) المستحل: هو الذي يأتي الأشياء المحرمة في دين الله تعالى اعتقاداً منه أنها حلال متمسكاً على ذلك بشبهة من كتاب أو سنة أو إجماع، فهو جازم بتلك الشبهة ومعتقد أنها الدليل القاطع ويلتزم بها تخطئة خالفه من في ذلك. ينظر في ذلك مشارق الأنوار للشيخ السالمي. (3) المنتهك: هو من يأتي الأشياء المحرمة في دينه على غير اعتقاد لها باستحلال. ينظر في ذلك مشارق الأنوار للشيخ السالمي. (3/154)
صفحة 1243
توبة آكل الربا:
فتاوى الربا
155
ما حكم من وقع في الربا عن طريق بيوع الذرائع، ولكن لم يقصد ذلك، وإنما فعله بنية حسنة؟
عليه التوبة على أي حال، لأن النيات الحسنة لا تحول الحرام إلى حلال والله أعلم. اضطررت لأخذ قرض من البنك، مع علمي بأنه حرام ولكن بعد ذلك تراجعت، ولكن المبلغ كبير لا أستطيع سداده؟
سَلِ الله ل أن يمن عليك بالخلاص، وانو التخلص في قرارة قلبك، ومتى واتتك الفرصة فلا تتوان في ذلك والله أعلم.
ربا البنك موجود مع مبالغ صندوق التبرعات، فهل يصح أخذها وتوزيعها في وجه من وجوه البر، على أن الجماعة تتعامل بأنها لا تأكل هذه الأموال والمسماة بالفائدة، وإنّما خصصت لدفع البلاء كالديات والغرامات؟
هذه ليست فائدة، لأنها ممحوقة البركة بنص القرآن: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبوا وَيُرْبِي الصَّدَقَتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَارٍ أَثِيمٍ} [البقرة: 276] ولا يجوز قبولها بحال، وإن دخلت في الحساب فيجب التخلص منها بدفعها إلى فقراء المسلمين، على سبيل التخلص لا الصدقة فإن الصدقة لا تكون إلا من المال الحلال والله أعلم.
ما قولكم فيمن أودع نقوداً في أحد البنوك، وبعد استرجاعها واستلامها وجد عليها زيادة تبلغ أربعة آلاف ريال ثم عرف أنها ربا، فهل يردها إلى البنك أم هل له إحراقها أو تمزيقها؟
كان عليه أن لا يأخذها، أما وقد أخذها فلا يردها إليهم، وليس له (3/155)
صفحة 1244
156
الفتاوى المعاملات
إحراقها ولا تمزيقها ولكن يدفعها إلى فقراء المسلمين، تخلصاً لا تصدقاً
والله أعلم.
رجل أودع مبالغ في البنك، فأخذ زيادة من هذه المبالغ جهلاً منه فماذا يفعل بهذه الزيادة؟
عليه في هذه الحالة أن يتخلص مما أخذ من الربا بدفعه إلى فقراء المسلمين والله أعلم.
اقترض شخص من أحد البنوك بربا، وابن هذا الشخص أودع ماله في بنك آخر، وقام البنك بإعطائه مالاً زائداً (ربا)، فهل يجوز لهذا الولد أن يتخلص من هذا الربا بإعطائه أباه بنية التخلص من الربا ومساعدة أبيه؟ أو هل يجوز أن يتخلص منه عن طريق إقامة الولائم؟
ذلك من أخذ الربا وإعطائه، فيجتمع للأب والابن الإثمان والله أعلم.
قمت بإيداع مبلغ في أحد البنوك كأمانة فقط لا أستزيد عليه، وبعد فترة تحصلت على جائزة مالية كهدية أخذتها لحاجتي الماسة إليها هارباً من مغبة الاقتراض من البنوك ونيتي التخلص منه بعد تحسن حالتي، سماحة الشيخ: هل توجد أدنى رخصة في ذلك، علماً أن سماحتكم - الله ـ تدركون متغيرات العصر ومتطلبات الحياة؟
أبقاكم
الخلاص فيما ذكرته، وهو التخلص منها بدفعها إلى فقراء المسلمين، فإن لم تتمكن في حياتك فالإيصاء بذلك والله أعلم.
فيمن يريد الخلاص من الربا نتيجة الغلة في بيع الإقالة، ماذا يفعل؟ إن أرادوا لأنفسهم الخلاص فليجعلوه وفاءً للدين ليسقطوا من الدين بقدره والله أعلم. (3/156)
صفحة 1245
فتاوى الربا
157
ما قولكم فيمن أخذ ألف ريال عُماني، شريطة أن يدفع له كل سنة مبلغ مائة ريال عُماني، جهلاً منه بأن ذلك رباً ثم تبين له ذلك، فكيف الخلاص إذا أراد التوبة؟
يقول الله: وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) [البقرة: 279]، وهذه الآية دالة دلالة قاطعة على أن على المربي أن يرد ما أخذ من الربا إلى صاحبه وليس له إلا رأس ماله وعليه فإنه ليس لهذا القارض إلا ألف ريال، وعليه أن يرد الباقي إلى المقترض مع التوبة النصوح إلى الله والله أعلم. رجل توفي وترك أموالاً وأولاداً، وقام جد الأولاد بالمتاجرة بأموالهم بالربا والرهن الذي يأخذ عليه، غلة، ثم أودع الأموال في البنوك الربوية،
والسؤال:
1 - ماذا يفعل الأولاد بهذه الزيادة في الأموال التي في البنوك، فهل يجوز لهم أن يعطوها لأحد أقاربهم ليبني بها بيتاً له نظراً لشدة فقره وكثرة أولاده وليس عنده ما يكفيه لبناء منزل جديد له؟
وهل يجوز الانتفاع بهذه الأموال في تصليح بيت الأولاد نظراً لخراب نوافذه وبعض أجزائه؟
2 - بالنسبة للزيادة الحاصلة من الرهن هل ترد الزيادة إلى أصحابها في
الحال؟
3 ـ هل يجب على الأولاد إخراج الزكاة المستحقة على هذه الأموال طيلة هذه السنوات مع العلم أنهم لم يفعلوا ذلك الآن فإن الأموال التي ستبقى لهم ستكون قليلة جداً، وهم الآن ما زالوا في مرحلة الدراسة
وليس عندهم ما يعتمدون عليه بعد الله تعالى سوى هذه الأموال؟ (3/157)
صفحة 1246
158
الفتاوى المعاملات
1 - لا يجوز الانتفاع بالربا ولا النفع فكل سحت والله أعلم.
2 ـ ما زاد على ما دفعه المرتهن إلى الراهن مما دفعه إيجاراً يجب رده إليه والله أعلم.
3 ـ لا زكاة في المال الحرام فإنه يجب التخلص منه جميعاً والله أعلم.
سماحة الشيخ: أختي لديها قرض من بنك تجاري وكما تعلمون سماحتكم بأنه يعتبر ربا وهي تخاف الله، ولقد فكرت بأن تجعل البنك يستقطع راتبها كاملاً ولكن لم تستطع، لأن زوجها عاطل عن العمل منذ ثلاث سنوات، وهي معيلة لثلاثة أطفال أيضاً، فماذا تفعل؟
عليها التخلص بحسب طاقتها فما زاد على ضرورتها فلتتخلص به من هذا القرض الربوي والله أعلم.
أنا شاب قبل الاستقامة اقترضت مبلغاً من بنك ربوي وقدره خمسمائة ريال عماني لتغطية تكاليف الزواج، ولم أستطع دفع ذلك المبلغ حتى الآن إلى البنك، وأنا تائب إلى الله، فهل أنا مراب؟ وهل يصح لي أداء
فريضة الحج أو العمرة؟ وإذا كان الجواب لا، فبماذا تنصحني؟ أنصحك أن تتقي الله وأن تتوب إليه توبةً نصوحاً، وأن تنوي الخلاص من هذا الأمر، وما تنفقه في الحج أو العمرة فأنفقه أولاً أو العمرة فأنفقه أولاً في الخلاص من هذا الشيء،
لتتخلص من أوزاره، حتى تفد على الله تبارك وتعالى وأنت طاهر والله أعلم. رجل اقترض من البنك خمسة وعشرين ألف ريال بغرض شراء منزل، فعندما ردها ردها خمسين ألف فإذا تاب هذا الرجل وقضى الدين فهل عليه بيع المنزل؟
الصفقة المحرمة هي ليست في شراء المنزل، حتى يقال إن عليه (3/158)
صفحة 1247
فتاوى الربا
159
أن يتخلص من ذلك المنزل، فالمنزل لا يحرم عليه، وإنما تحرم هذه
المعاملة.
رجل عامل بالحرام لسنوات عديدة حتى كون مالاً عظيماً، فماذا عليه إن أراد التوبة؟ وكيف إن كان قد خلط الحرام بالحلال؟
توبته كما قال الله تعالى: {وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: (279)، فالتائب لا يأخذ إلا رأس ماله، وعليه أن يرد الحق إلى صاحبه فإن تعذرت عليه معرفة صاحبه بسبب جهله به، وكان ذلك أمراً متعذراً لا يمكن أن يتوصل إليه بأي حال من الأحوال، ولا إلى ورثته إن كان قد مات ففي هذه الحالة يعد هذا المال مجهول الأرباب، وما كان مجهول الأرباب ففقراء المسلمين أولى به والله أعلم.
قد ذكرتم في بعض محاضراتكم أنواع البيوع الملتوية المحرمة، وقد اقتنعت بحرمة ذلك وأنا من ضمن الذين سلكوا هذه الأساليب المتخفية - أسأل الله أن يغفر لي ذنبي - فما هي نصيحتكم لي، وقد انغمست في هذا الباطل، وفي هذه البنوك الربوية المعاصرة؟
عليك أن تتخلص، فإن كنت قد اشتريت شيئاً بالإقالة وتقاضيت بسببه شيئاً من الأجر الذي لا يجوز لك فعليك الخلاص من ذلك، بدفع ذلك إلى صاحبه إن عرفته وإن تعذرت عليك معرفته فإلى فقراء المسلمين، باعتباره مالاً مجهول الأرباب وإن كان الأمر بخلاف ذلك بحيث كنت أنت الدافع فعليك التوبة والله يتقبل منك، وبالنسبة للبنوك الربوية عليك إن كنت قد أخذت شيئاً أن تدفع ما أخذته إلى فقراء المسلمين، لأنه أصبح مالاً مجهول الأرباب، وإن كنت قد أعطيتها الفقراء فتب إلى الله وتخلص من هذه المعاملة. (3/159)
صفحة 1248
17.
الفتاوى المعاملات
رجل كان يتعامل بالربا - أي يقرض الناس مبلغاً من المال لنفترض ألف ريال عماني فيأخذ عنها ألفاً ومائتي ريال عماني ـ واستمر على هذه الحالة مدة طويلة من الزمن، وبعد أن هداه الله أدى فريضة الحج، فما حكم الشرع في هذا الحج؟ وهل يرد الأموال الربوية السابقة إلى أصحابها، وخاصة أنه تاب توبة نصوحاً؟
نعم عليه رد كل ما أخذه من الربا إلى أهله، لقوله تعالى: {وَإِن تُبْتُم فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 279]، وقد كان الواجب عليه ردها قبل حجه، ليفد على الله وهو طاهر والله أعلم.
التأمين:
ما حكم التأمين؟
إن الذي يؤمن حياته ـ حسب التعبير الشائع ـ أو ماله أو أي شيء يمكن تأمينه حسب النظام المتبع، إنما يدفع مبالغ نقدية قد لا يعود إليه شيء منها، وقد يعود إليه ما هو أكثر منها بأضعاف مضاعفة، على أنّ ما يتلف من يديه - إن لم يعد إليه شيء منه - إنما يتحول إلى جيوب غيره، وما ينتقل إليه ـ إن عاد إليه شيء أكثر مما دفع ـ ما هو إلا من مساهمات سائر المؤمنين في نفس شركة التأمين، وهذا يعني أنّ المشارك التأمين هو جاهل بما يعود إليه وما يتلف مما أعطى؛ فعقد التأمين إذاً عقد على جهالة، فهو من عقود الغرر المنهي عنها في الإسلام، ويضاف إلى ذلك أمران:
في
أولهما: قد تعود إليه مساهمات غيره فتكون لصالحه وقد يكون العكس، (3/160)
صفحة 1249
فتاوى الربا
171
وهذا ضرب من الميسر الذي حرّمه الله بنص القرآن، إذ الميسر ما هو إلا أن
يدفع الناس مبلغاً
من المال كل منهم يسعى أن يربح بما دفع أضعافه، فإمّا
أن يعود بالأضعاف، وإما أن ينقلب بخسرانه رأس المال.
ثانيهما: أن صفقة التأمين صفقة هي بيع مال بجنسه، إذ المؤمن يدفع عملة نقدية لشركة التأمين، وعندما يأتي التعويض يكون كذلك عملة نقدية، ومن المعلوم أن بيع الشيء بجنسه نسئةً ربا - ولو لم يكن تفاضل بينهما ولا جهالة، فكيف مع التفاضل والجهالة بالثمن والمثمن؟ إذ لا يدري أحد مقدار ما يدفعه على مر السنين ولا مقدار ما يُدفع إليه.
وبجانب كل ما تقدم، فإن شركات التأمين تنمي حصيلة هذه المساهمات بالاتجار بها، ومن المعلوم أنها لا تتقيد في تجارتها بقيود الأحكام الشرعية، فلا يؤمن أن تتجر بالخمور والبغاء والربا وسائر المحرمات، لعدم انضباط تعاملها بضوابط الشرع، وريع كل ذلك يعود مع الأصل إلى الذين تعوضهم
الشركة، والمسلم يحتاط لدينه، ويتقي الشبهات فضلاً عن المحرمات. على أنه جاء في كتاب الله التحذير الشديد من أخذ مال الغير بغير حق، فقد قال رجل: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَلَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188]، وقال تعالى: {يَتأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَراضِ مِنكُمْ وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانَا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا} [النساء: 29، 30، وقد أثيرت مسألة التأمين سابقاً بإحدى دورات مجمع الفقه الإسلامي بمدينة جدة، فكان رأي الشيخ الزرقا شاذاً ما بين آراء سائر العلماء، وكان قرار المجمع مخالفاً لرأيه والله أعلم. (3/161)
صفحة 1250
162
الفتاوى المعاملات
ما
لقد صدر قرار يقتضي إلزام الناس بأن يؤمنوا سياراتهم، فهل يجوز للإنسان صاحب السيارة أن يتبع مقتضى هذا القرار فيؤمن سيارته، مع هو معلوم من أن التأمين يقتضي أن يدفع إنسان مبالغ قد يخسرها جميعاً وقد تعود إليه بعضها أو كلها أو أكثر منها، فما هو حكم الإسلام في
ذلك؟
نظام التأمين المتبع لا يتفق مع ما تقتضيه الشريعة الإسلامية الغراء، من تحريم أكل أموال الناس بغير حق، يقول الله وعل: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَلِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188]، ويقول سبحانه يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ مِنكُمْ وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانَا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَالِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا} [النساء: 29 (30)، وفي الحديث «القليل من أموال الناس يورث النار)، ويقول - عليه أفضل الصلاة والسلام ـ «لا يحل لأحد أن يأخذ عصى أخيه بغير طيب نفسه (2)، وقد حرم الله الميسر تحريماً حازماً لا هوادة فيه، وهو عبارة عن أكل أموال الناس بيسر، ولا ريب أن التأمين ضرب من الميسر، ولا أدل على ذلك من أن صاحبه لا يدري هل يسترد شيئاً مما دفع فيه أو مثل ما دفع أو أكثر منه، أو يخسر كل ما دفعه، هذا فضلاً عن كون شركات التأمين قد تنمي ثرواتها بطرق لا يبيحها الإسلام، كالاتجار في الخمر والمشاركة في محلات الرقص والفساد والتعامل بالربا، إلى غير ذلك من الشبه والمحرمات التي تترتب على التأمين، لذلك أرى ضرورة أن يجتهد كل مسلم مؤمن بالله واليوم الآخر في طلب المسؤولين بأن
(1) رواه الإمام الربيع ص 168
رقم
690
(2) رواه أبو داود ج 4 ص 301 رقم 5003 والترمذي ج 4 ص 462 رقم 2160. (3/162)
صفحة 1251
فتاوى الربا
163
،
يلغوا هذا القرار والله لا يضيع عمل عامل وهو ول ولي التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
بنقد
علة التحريم؟
سمعت أن التأمين على السيارات لا يجوز شرعاً فما هي علماً بأن بعض الناس إذا وقع عليهم حادث يتطلب منهم دفع مبلغ من المال، ولا يجدونه بسبب العسر، فيكون التأمين نافعاً لهم؟
علة التحريم الغرر، فهو نوع من المقامرة، وبجانب ذلك هو بيع مع التفاوت والنسئية، وذلك عين الربا بالإجماع والله أعلم.
نقد
يتم
إننا عازمون على شراء حافلة لنقل الركاب داخل وخارج السلطنة، ونظراً لتبعات العمل المتخلص في حركة النقل، ووفقاً للظروف السائدة أن التأمين على الحافلة والركاب جميعاً أو بمصطلح (تأمين شامل)، كما أن خطوط الحركة تتعدى حدود الدولة إلى دول أخرى يحددها طلب التأمين، وعليه فهل هناك حرج في إقدامنا بالتأمين على الركاب والحافلة
معاً؟
التأمين ضرب من ضروب معاملات الربا والمقامرة، لذلك لا نقوى على
إباحة ذلك، إلا في حالات الضرورة التي لا محيص عنها والله أعلم.
حيث إن ابني قد توفاه الله ل غرقاً في سيارة كان يركبها وزميل له، وقد قمت بالتنازل عن أية مطالبات تجاه أولياء المتوفى الثاني، كونه سائقاً للسيارة ومتسبباً في إقحام السيارة في البحر، فقامت شركة التأمين باستدعائي وطالبتني باستلام الدية المقررة فهل يجوز لي أخذ هذه الدية؟ وما وجه حرمتها إن كانت حراماً؟
أنت تنازلت عن حقك الشرعي، فدع الدخول في مضايق قضايا التأمين، (3/163)
صفحة 1252
164
الفتاوى المعاملات
والله يعوضك ما هو خير لك، ويجزيك خيراً على ما قدمت، {وَمَا نُقَدِّمُوا لأنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ} [البقرة: 110] والله الموفق.
تسبب بعير في حادث سير وتوفي على إثره اثنان وقررت المحكمة على شركة التأمين دفع الدية، فما حكم هذه الدية هل يجوز أخذها أم لا؟ ما كان من جهة التأمين ففيه ما فيه من الملابسات التي يجب أن تتقى، وإنما الدية واجبة على عاقلة المخطئ شرعاً والله أعلم.
رجل توفى في حادث سيارة، وبعد ذلك أقام ورثة الهالك القصر (الصغار) وكيلاً شرعياً لكي يطالب بحقوقهم الشرعية، فتقدم الوكيل أمام المحكمة الجزائية مطالباً بدية من تلك السيارة التي وقع خطأ الحادث منها، فعندما وصلت الدية إلى المحكمة الشرعية تنازل الورثة الكبار عن نصيبهم من تلك الدية ومنهم الأرملة، بحجة أن تلك الدية واردة من شركة التأمين، وقد طلب الورثة الآخرون من الوكيل أن يتنازل عن إخوانهم الصغار من تلك الدية فرفض الوكيل التنازل.
سماحة الشيخ هل هذه الدية حلالاً أم حرام؟ وإذا كانت هذه الدية حلال فهل يمكن التصرف وإعاشة الصغار منها؟ وإذا أصر الورثة الكبار على التنازل عن نصيبهم من الدية، فهل يحق للورثة الصغار (الوكيل) أخذ الدية بالكامل؟
وهل يجوز أن تؤخذ هذه الدية والحج منها عن الهالك أو ما شابه ذلك؟
الدية حلال إن لم تكن من مصدر حرام كالتأمين، وحق الصغار متعلق بالجاني لا بالشركة، ولا يجوز أن يطعموا إلا الحلال، ومن تنازل عن حقه من الدية لم ينتقل إلى غيره، وإنما يسقط منها، والحج لا يكون إلا بالمال الطيب دون الخبيث، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً والله أعلم. (3/164)
صفحة 1253
فتاوى الربا
165
رجل تعرضت زوجته لحادث دهس ونتج عن ذلك إصابتها بكسور أقعدتها في الفراش مدة طويلة، وذهب زوجها للمطالبة بحقها من الشرطة، فعرض عليه أمران:
إما الذهاب إلى شركة التأمين لأخذ التعويض، أو حضور المحكمة التي بدورها سوف تستدعي ممثلاً عن شركة التأمين، في كلا الحالتين مطلوب منه أخذ التعويض من شركة التأمين، فما حكم أخذ التعويض من شركة التأمين؟ وإذا كان الجواب بعدم الجواز، فهل للزوج أن يجبر زوجته على التنازل عن حقها؟ لا يجوز أن يأخذ أحد من شركة التأمين إلا أن يكون اضطر إلى التأمين قسراً، فله أن يأخذ مقدار ما دفع من نفس الشركة، وليس للزوج زوجته على التنازل عن حقها، ولكن يأمرها بعدم أخذه من التأمين والله أعلم.
أن يجبر
لقد أمنت سيارتي في إحدى شركات التأمين بقيمة 175 ريالاً عُمانياً، وبعد فترة من الزمن حدث أن أصيبت السيارة بكسر في الزجاج الإمامي، وذهبت إلى شركة التأمين لتعويضي قيمة الزجاج الأمامية على أن أدفع مساهمة مقدارها خمسون ريالاً عُمانياً، علماً بأن قيمة الزجاجة مع التصليح في حدود مائتين وثمانين ريالاً عُمانياً، في هذه الحالة فإنني قد دفعت مبلغاً من المال يوازي (175) + 50 = 225 ريالاً عُمانيا)، فما يكون حكم النقود التي سوف تدفعها شركة التأمين وهي بمقدار 280 - 225 = 55 ريالاً عُمانياً، حيث إن هذه النقود تعتبر زيادة؟ لك أن تأخذ من شركة التأمين بقدر ما دفعت إليها لا غير، وإن زاد ما أخذته منها فأعطه فقراء المسلمين والله أعلم. (3/165)
صفحة 1254
166
الفتاوى المعاملات
شخص قام بالتأمين على حياته وبيته بمبلغ وقدره سبعة آلاف ريال عُماني، ثم تُوفي، هل يجوز للورثة أخذ الزيادة التي تأتي من شركة التأمين، وقدرها تسعة آلاف وسبعمائة ريال عماني؟
فهو
عقد التأمين غير سائغ شرعاً، لما فيه من المقامرة والربا، أما المقامرة فإن المؤمن لا يدري هل يسترد شيئاً مما دفعه أو لا، وإن استرد هل سيكون مثل ما دفعه أو أقل أو أكثر بكثير، وأما الربا فإنه يدفع نقداً ليسترد نقداً، من باب بيع النقد بمثله مع النسئة والتفاضل، لذلك لا أرى لورثة المؤمن إلَّا ما دفعه إلى شركة التأمين فحسب، وما عداه فحكمه حكم المال الذي جهل أربابه والله أعلم.
أعمل في إحدى الدوائر، ومن ضمن اللوائح المعمول بها هو أن يتم تأمين الموظف على الحياة من قبلها دون أن يتحمل أية رسوم، وعند وفاة الموظف يدفع للورثة تعويضاً من شركة التأمين، هذا بالإضافة إلى حقوق الموظف من جهة العمل ما حكم الشرع في هذا؟
التأمين غير جائز لما فيه من المخالفات لنظم الشريعة الإسلامية، ولكن بما أن الدائرة التي يعمل فيها هي التي تؤمن بدون تدخل من الموظف، فلا إثم عليه إذ ولا تزر وازرة وزر أخرى} [فاطر: (18]، وإنما على الموظف أن يوصي ورثته بأن لا يأخذوا شيئاً من شركة التأمين لو مات والله أعلم.
روو
ما قول سماحتكم فيمن لديه عمال يشتغلون لدى مؤسسته من المسلمين وغيرهم من الملل الأخرى، هل له أن يؤمنهم لدى شركات التأمين، أو يرغمهم على تأمين أنفسهم، علماً بأن القوانين في البلاد تحمل الكفيل كافة المسؤوليات تجاه المكفول؟ فهل يجوز ذلك؟
التأمين حرام، لا يجوز إلا في حالة الضرورة التي لا مناص عنها والله أعلم. (3/166)
صفحة 1255
فتاوى الربا
167
ما قول سماحتكم عن رجل أمن نفسه في شركة التأمين وتوفي، والآن ورثته أرادوا توزيع المبلغ الذي حصلوا عليه من شركة التأمين على الفقراء، فهل يصح ذلك أم لا؟ وهل على الفقير شيء من الإثم إذا أعطي شيئاً من المبلغ بعدما علم عن مصدره؟
حرج
هذا تخلص لهؤلاء من آثار الورطة التي وقع فيها موروثهم، ولا في هذا الخلاص على الوارث المعطي أو الفقير المعطى، فإن كل مال جهل أربابه ففقراء المسلمين أولى به، ولهذا المال حكم مجهول الأرباب
والله أعلم.
رجل أرادت جهة عمله أن تقدم له قرضاً بأقساط ميسرة دون أية زوائد، إلا أن إجراءات القرض تقتضي التأمين على المسكن الذي هو في أمس الحاجة إليه، خاصة وأنه مقبل على زواج وليس لديه مسكن، فهل يجوز له الاستفادة من هذا القرض، مع أنه على يقين في قرارة نفسه أنه فيما إذا حدث أي حادث للمسكن فإنه لا يلجأ إلى شركة التأمين للحصول على التعويض، وإنما يتحمل التعويض بنفسه، فهل تجد من رخصة في
ذلك؟
إن عد ما يؤخذ منه من جملة الضرائب، وكان في قرارة نفسه أن لا يأخذ من شركة التأمين أكثر مما دفع إليها، فأرجو أن لا يضيق عليه ذلك والله أعلم.
سماحة الشيخ إنني أعمل في وزارة والوزارة تقدم لنا قروضاً ميسرة لبناء أو شراء مسكن والقرض خال من الربا، ولكن هناك ما يسمى بالتأمين على القرض وعلى المسكن ضد السرقة والحريق وما شابه ذلك، وهذا التأمين إجباري يخصم من راتب المستقرض سنوياً بنسبة (3/167)
صفحة 1256
168
الفتاوى المعاملات
ما، وأنني متردد من أخذ القرض بسبب التأمين، مع العلم بأني محتاج
إلى بناء مسكن لي ولعائلتي ما رأي سماحتكم في هذا القرض؟ إن كنت توافق على التأمين فهو غير سائغ، وإن كنت غير موافق عليه
وإنما أمضي من ورائك فأنت غير مسؤول عما يفعله غيرك والله أعلم. رجل يعمل في شركة، واقترض منها مبلغاً لبناء منزل، والشركة تؤمن هذا المبلغ سنوياً، وتأخذه من راتب الموظف عند كل تأمين، ما الحكم الشرعي في حالة وفاة هذا الموظف في المبلغ المتبقي عليه، هل على الورثة أن يقبلوا من الشركة إسقاط هذا المبلغ؟
ليس له أن يرضى بالتأمين، وأما إسقاط الشركة حقها فذلك أمر جائز، ولا حرج على الورثة في تقبله والله أعلم.
شخص يريد العمل لصالح شركة هاتف عالمية، وذلك كمروج وبائع لخدمات هذه الشركة للناس في مختلف أقطار العالم، ولكن سياسة الشركة تستدعي أن يفتح الزبون حساباً لدى الشركة، ليسدد ما عليه من مبالغ نظير استئجار أو شراء خدمات الشركة ببطاقة الائتمان المصرفية، فهل على هذا الشخص إثم إن هو عمل لصالح هذه الشركة، علماً بأنه ليس عليه فتح مثل هذا الحساب لدى الشركة، لأنه لا يريد استئجار أو شراء خدماتها، إنما هو مجرد مروج وبائع لخدمات الشركة لغيره من الناس الراغبين في ذلك؟ أفتني ولكم الأجر والثواب؟
الترويج لمعاملة فيها شيء من الملابسات التي لا يقرها الشرع غير جائز، لقول الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا نَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: 2)، وعليه فإن كان يشترط للمتعامل مع هذه الشركة أن يكون بطريقة بطاقة الائتمان، فهو غير سائغ شرعاً والله أعلم. (3/168)
صفحة 1257
فتاوى الربا
169
لدينا طريقة لمن يشترك في نظام التأمين كل شخص مشترك في نظام التأمين يدفع تأميناً سنوياً، فلو نوى كل واحد من الأشخاص المشتركين في النظام أن لو حدث أي ضرر مالي لأي واحد منهم أن يتبرع بمبالغ التأمين التي دفعها لصالح الشخص المتضرر، فمثلاً لو كان ما مجموع دفعته المجموعة في شركة التأمين ثلاثين ألفاً، فوقع لأحدهم حادث، ودفعت الشركة عنه عشرة آلاف فإنها تعتبر من ضمن الثلاثين؟
إن كانت هذه المجموعة وافقت على التأمين من تلقاء نفسها فذلك غير جائز، لأنها بنت معاملتها على ما هو محرم، وإن كانت غير موافقة عليه، وإنما أكرهت عليه، وقد وقع التراضي بينها أن تنتصر من الشركة باسترداد حقها عندما يقع حادث على أحد منها، باسترداد ما أمكنها استرداده مما أخذ منها، والسماح به لمن وقع عليه الحادث، فأرجو أن لا يضيق ذلك
والله أعلم. جماعة من الناس اتفقوا على أن يؤمنوا في شركة تأمين واحدة كافة مركباتهم، ثم يعتبروا هذا المال الذي تأخذه الشركة غصباً طبعاً) تبرعاً من كل واحد منهم لأي واحد يحدث لسيارته عطب يستدعي أخذ النقود من الشركة، بمعنى أنه لو كانت المبالغ التي أمنوا بها سياراتهم قد بلغت ولعدة سنوات (1,500 ريال)، وحدث لسيارة أحدهم، وكانت مصاريف التصليح لها (1000 ريال) فيأخذ صاحب السيارة من الشركة ذلك المبلغ، معتبراً تبرع زملائه له بذلك، وإن زادت مصاريف التصليح عن القيمة الموجودة (1,500
ريالاً)، أخذ تلك الزيادة بنية أنهم سيأمنون في هذه الشركة مستقبلاً؟ إن أخذه انتصاراً للكل، ووافق الجميع بعد الأخذ على تبرعهم بحقوقهم له، ففي ذلك سعة والله أعلم. (3/169)
صفحة 1258
170
الفتاوى المعاملات
لقد وقع حادث اصطدام بين سيارتين وكان المخطئ أخي وقد توفي وتوفيت معه امرأة، وحكمت المحكمة الجزائية على شركة التأمين بدفع الدية للهالكين فهل يجوز استلام هذه الدية؟
إن كانت الدية تؤخذ للتملك من قبل شركة التأمين فلا يسوغ، وإن أخذتموها على أنه مال مجهول الأرباب يصرف على الفقراء المضطرين فلا حرج والله أعلم.
وقع حادث سير لسيارتي بقيادة أخي وكان المخطئ السيارة الأخرى، فاقتضى الأمر أن تدفع لي شركة التأمين غرامة مالية عوضاً عن سيارتي، وقدرها ألف وأربعمائة ريال وذلك بالحكم عن المخطئ من قبل المحكمة الجزائية، وقمت باستلام المبلغ من شركة التأمين، فما حكم
هذا المبلغ؟ لا يجوز أخذ الدية والغرامة من شركة التأمين إلا للفقير المضطر بقدر ضرورته فقط، ذلك لما فيه من معاملات مبنية على أسس غير مشروعة، وحكم المال الذي بيده حكم المال المجهول الأرباب، فيجوز للفقير المحتاج أن يأخذ منه بقدر حاجته والله أعلم.
سيارة مؤمنة تأميناً شاملاً وتحطمت كلياً في حادث سير، وتوفي صاحبها ورجل آخر معه، وغرمت شركة التأمين مبلغ خمسة آلاف ريال، هل يجوز أخذ هذا المبلغ؟
ما كان من شركة التأمين فلا يجوز أخذه، وإنما يأخذون قيمة السيارة الحقيقية مما كان السبب في تحطمها والله أعلم.
لي أخ أخذ سلفة من بنك تجاري واستمر في دفع الأقساط مدة سنة (3/170)
صفحة 1259
فتاوى الربا
171
تقريباً، وانتقل إلى الدار الآخرة، وأنا حالياً أرغب في سداد المبلغ
المتبقي إلا أن البنك أفادنا أنه قام بتأمين السلفة والتأمين هو ملزم حالياً بسداد باقي المبلغ، علماً بأن البنك سوف يجمع المبلغ الذي أدفعه أنا إضافة إلى المبلغ الذي يدفعه التأمين وهذا قانون متداول لدى البنوك، أفدنا أفادكم الله ولكم الأجر والثواب؟
هذه المسألة مشكلة من أساسها، ولكن بما أن البنك هو الذي أمن ورضي أن يتنازل عن حقه عليكم بموجب التأمين، فيسعكم السكوت والله الموفق.
ما قول سماحتكم في شركة تأمين، يقوم المؤمن بدفع مبلغ (50) ريالاً عمانياً شهرياً لهم عن كل طفل وذلك لتأمين دراستهم العليا بعد إكمال دراستهم الثانوية، حيث إن هذه الشركة ستتكفل بكافة مصاريف دراساتهم الجامعية، وفي حالة عدم رغبتنا في إكمال الدراسة عن طريقهم سيقومون بإعادة المبلغ التي قمنا بدفعها لهم؟
هذه معاملة فيها كثير من الغرر، والغرر محرم في الإسلام، ولذلك حرم الله الميسر، وجاءت السُّنَّة النبوية - على صاحبها أفضل الصلاة والسلام - بتحريم بيوع الغرر وجميع المعاملات التي فيها، غرر، لذلك لا أرى وجهاً لجوازها والله أعلم.
لقد وقع حادث اصطدام مما تسبب في وفاة أم وابنتها، فقام وكيل الورثة بالمطالبة بحقوق الورثة فإن كانت شركة التأمين تقوم بدفع الدية دون علمه بالأحكام الشرعية في ذلك، وعلى ضوء المطالبة قررت المحكمة بإلزام شركة التأمين بدفع الدية للورثة، وبعد استفتاء وكيل الورثة عن حكم أخذ الدية من شركة التأمين اتضح له عدم جواز ذلك، ثم قامت الشرطة تطالب الوكيل بأخذ المبلغ المتفق عليه (3/171)
صفحة 1260
172
الفتاوى المعاملات
بصورة مستمرة لأنه قرار من المحكمة ولا بد من تنفيذه، هل يحق للوكيل أخذ المبلغ وصرفه في وجوه البر كتوزيعه على الفقراء أو إصلاح لطريق .. إلخ؟
نظراً إلى أن المبلغ تقرر دفعه من قبل الشركة فليأخذه وليصرفه إلى فقراء المسلمين تخلصاً منه والله أعلم.
رجل مات في حادث سير بسبب تدهوره ودفع لورثته ديةٌ من التأمين، فما الحكم الشرعي في هذه الدية؟ وهل يصح الحج منها؟
إن كانوا أخذوها من التأمين فليتخلصوا منها بدفعها إلى فقراء المسلمين وإن أخذوها من القاتل فلا عليهم شيء - وإن كان دفع إليه من شركة التأمين ما دفع - لأن الحرام يتعلق بذمته والله أعلم.
امرأة غير متزوجة في العقد الثاني من العمر، توفيت في حادث وحصل أهلها على دية من شركة التأمين:
سير،
1 - هل يجوز التبرع بجزء من هذه الدية لصالح أحد المساجد لتكون
صدقة جارية لها؟
2 ـ وهل يجوز تأجير حجة عنها من هذه الدية؟
3 ـ وهل يجوز لوالديها أخذ شيء من هذه الدية لصالحهما؟
المال الذي يأتي من شركة التأمين هو مال مشتبه، وما كان كذلك فلا يجوز بناء مسجد به ولا الحج منه، وإنما يتخلص منه بدفعه إلى فقراء المسلمين لأجل التخلص لا للصدقة والوالدان إن كانا فقيرين فلهما ما لغيرهما من الفقراء بقدر حاجتهما، وإلا فلا والله أعلم. (3/172)
صفحة 1261
فتاوى الربا
173
لدي سيارة قمت بشرائها عن طريق الأقساط، وقمت بتأمينها تأميناً شاملاً، حيث إن النظام لا يسمح إلا بالتأمين الشامل في مثل هذه الحالات، وقد قدر الله أن أتسبب في حادث سير، وكان الخطأ علي حسب تقدير رجال الشرطة، فتم إصلاح السيارتين عن طريق تأمين سيارتي بمبلغ وقدره ألف وخمسمائة ريال عماني، وأنا حقيقةً لم أدفع لشركة التأمين سوى مبلغ مائتين وخمسين ريالاً، ولم يكن لدي من المال ما أصلح به السيارتين، وكنت في حاجة ماسة للسيارة، فماذا عليّ في مثل هذه الحالة؟
إن كنت في غنى فادفع هذه الزيادة التي أخذتها إلى فقراء المسلمين، وإن كنت معسراً فانو الخلاص متى يسر الله لك والله أعلم.
سير، وكان الخطأ
ما رأي سماحتكم في خمسة أشخاص من أسرة واحدة حصل لهم حادث من سائق السيارة الأخرى التي اصطدمت بسيارتهم، فتوفي نتيجة الحادث الأم أما أبناؤها فيهم كسور بالغة وهم طريحو الفراش بالمستشفى وربما تطول فترة بقائهم للعلاج بالمستشفى، المبالغ التي نحصل عليها من شركة التأمين كدية للمتوفين وتعويض للمصابين، هل هي جائزة؟ وإذا رغبنا في إنفاقها في أوجه الخير كبناء مسجد وغيره، هل يجوز ذلك؟
أما ما كان من شركة التأمين فلا يجوز أن ينفق في بناء مسجد، لأن المساجد لا يحل بناؤها إلا بالمال الحلال الطيب وقد قال العلماء بأن كل مسجد بني بمال حرام أو بأرض مغصوبة فهو لاحق بمسجد الضرار في عدم جواز الصلاة فيه، ومن المعلوم أن الاشتراك في التأمين التجاري في مؤسساته هو حرام لحرمة هذا التأمين وإنما يجوز لمن اضطر إلى ذلك ولم (3/173)
صفحة 1262
174
الفتاوى المعاملات
يجد مناصاً منه أن يؤمن بشرط أن لا يأخذ من الشركة إلا مقدار ما دفع من غير زيادة، وإنما يأخذ ذلك المقدار استرداداً لماله بطريق الانتصار، وما زاد على ذلك فعليه أن يصرفه إلى فقراء المسلمين، لأنه مال مجهول الأرباب، أو أن يرده إلى أمثاله من الذين اضطروا إلى التأمين في تلك الشركة اضطراراً من غير رغبة منهم هذا كله إن كان ولي أمر القتلى هو الذي يستلم من تلك الشركة، أما إن كان الجاني هو الذي يدفعها إليه فإنه في هذه الحالة يأخذ حقه ممن عليه الحق، وما عليه إن كان ذلك الجاني أخذ ذلك المبلغ من التأمين، فإن الحرمة إنما تتعلق بذمته والله أعلم.
في
مسألة أخذ الديات من شركات التمويل سبق وأن أفتيتم سماحة الشيخ بعدم جواز ذلك إلا أن يأخذ الإنسان مقدار حقه في ذلك، إلا أنه في بعض الأحيان يريد الإنسان ألا يدخل فيها إلا أنه يطلب منه أن يوقع على الورقة - ورقة المطالبة أو الاستلام ـ ثم الشخص المتسبب هو الذي يذهب إلى الشركة ويطالب بالمبلغ إلى أن يناله ثم يدفعه إليه، فهل له أن يوقع؟
لا يشارك في ذلك بشيء، إنما يطلب حقه منه وحده والله أعلم.
ربا الفضل
(1)
ما حكم ربا الفضل؟ وما دليله؟
الراجح ما مال إليه الإمام أبو يعقوب الوارجلاني، وأشار إلى اختياره القطب ورجحه الإمام الخليلي - رحمهم الله جميعاً ـ، وعليه في عصرنا إمام
(1) ربا الفضل: هو بيع الجنس بجنسه متفاضلا يداً بيد. (3/174)
صفحة 1263
فتاوى الربا
175
المعقول والمنقول القنوبي - حفظه الله -، وهو عدم جواز ربا الفضل، وذلك للأحاديث الواردة في ذلك والله أعلم.
ما حكم مبادلة حلي بحليّ أخرى، سواء بزيادة دراهم أو بدونها، من غير اعتبار لوزنيهما، كما تفعل النساء في محلات المجوهرات؟ وهل
الحكم سواء في بيع سيارة بأخرى بزيادة دراهم أو بدونها؟
اللهم
أما في السيارة فلا إشكال مع التقابض، وأما في الحلي فلا بد من التقابض مع التساوي، إلا إن عوضت الزيادة بنقد، ولم يكن إنساء في ذلك، الا إذا كان البدل والمبدل منه من جنسين، كأن يكون أحدهما ذهباً والآخر فضة، فلا حرج في التفاضل في هذه الحالة مع التقابض والله أعلم. فيمن باع ذهباً قديماً واشترى جديداً، لكنه لم يقبض الثمن، بل إنه دفع ما عليه من زيادة جهلاً منه، ماذا عليه الآن؟ لا بد من التقابض حَالاً، وإن لم يمكنه استرجاعه فليتب إلى الله من صنيعه والله أعلم.
من
هل يجوز أن تستبدل المرأة ذهبها بذهب آخر، فمثلاً تبيع خاتماً ذهب وتأخذ مكانه سلسلة من ذهب وإذا كان لا يجوز فهل يجوز أن من ذهب مثلاً بعشرين ريالاً وتأخذ آخر بعشرين ريالاً أيضاً؟
تبيع
خاتماً
القول الذي نأخذ به أن الذهب بالذهب وسائر الأصناف لا تباع متفاضلة، كما لا تباع نسئة، وإنما يجب أن يكون بيعها يداً بيد ومثلاً بمثل، لقوله «الذهب بالذهب والفضة بالفضة .. - إلى أن قال ـ يداً بيد مثلاً بمثل فمن زاد أو استزاد فقد أربى» (1)، ولقوله «بع الجمع بالدراهم وابتع بالدراهم
(1) تقدم تخريجه. (3/175)
صفحة 1264
176
الفتاوى المعاملات
جنيباً (1) (2)، وعليه فيجب وزن الخاتم والسلسلة، فإن كان وزن ذهبهما واحداً أحدهما بالآخر يداً بيد، وإلا فلا بد من أن يكون البيع بإحدى
جاز بيع
العملات والشراء كذلك والله أعلم.
مسألة
جاء في شرح الجامع الصحيح الجزء الثالث، عند الحديث عن بيع الربوي بالربوي ما نصه: «أمّا إذا كان الربوي يشاركه مقابله في العلة، فإن كان بيع الذهب بالفضة أو العكس فإنه يشترط التقابض
إجماعاً،
وإن كان في غير ذلك من الأجناس كبيع البر بالشعير أو بالتمر أو العكس، فظاهر الحديث المنع وإليه ذهب الجمهور» (3). والسؤال عن ما يلي: -
أ ـ ما وجه التفريق بين الذهب والفضة وغيرهما من الأجناس، فيجوز بيع أحدهما بالآخر مع شرط التقابض، ولا يجوز في غيرهما من الأجناس؟ ذلك لأن الذهب والفضة مشتركان في النقدية، فكلاهما ثمن للمثمنات، وقد نص حديث طلحة بن عبيد الله (4) على عدم جواز العامل فيهما بالصرف إلا يداً بيد، وعليه الإجماع والله أعلم.
ب ـ الجمهور يقولون بأن البر والشعير جنسان كما حكى عنهم ذلك الشيخ
السالمي الله فلم يمنعون بيع أحدهما بالآخر وقد اختلف الجنسان؟ لا يبين لي إلا أن القول بأنهما كل منهما جنس ينبني عليه جواز
(1) الجمع: الرديء أو الخليط من التمر، والجنيب: تمر جيد.
(2) رواه الإمام الربيع ص 230 رقم 279 والبخاري ج 2 ص 767 رقم 2089 ومسلم ج 3 ص 1215 رقم
1593
(3) شرح الجامع الصحيح للإمام السالمي ج 3 ص 193.
(4) أخرجه الإمام الربيع في كتاب البيوع، باب في الربا والانفساخ والغش (576). (3/176)
صفحة 1265
فتاوى الربا
177
الإنساء فيما بينهما، وإنما المنع مبني على أنهما جنس واحد والله أعلم.
نلاحظ كثيراً من النساء يذهبن إلى محلات بيع الذهب، ويبعن الذهب
القديم، الذهب بالذهب هل يجوز ذلك؟
نعم، إن كان يداً بيد ومثلاً بمثل والله أعلم.
العملة الصعبة بالريالات المحلية مثل شراء الدولار
ما حكم شراء وبيع مقابل ثلاثمائة وخمسة وثمانين بيسة؟
أصناف
لا يخلو هذا البيع، إما أن يكون نقداً أو نسئة، فإن كان نقداً فلا داعي إلى التشديد لجواز بيع الشيء بجنسه نقداً ولو متفاضلاً، على رأي أكثر أئمتنا - الله تعالى، وهب التفاضل غير جائز، فإن العملة الصحيحة رحمهم قيمة هي السوق لا القيمة الرسمية الإجبارية، وإنما هذه تفرض فرضاً من قبل السلطات التي لا تتقيد بأحكام الله ورسوله، وإن كان نسئة فهو غير جائز لحرمة بيع الشيء بجنسه نسئة ولو مع عدم التفاضل، ولا ينحصر ذلك في معينة، والعملات اختلافها جنس واحد لأنها تؤدي مهمة واحدة، كما أن مع الذهب والفضة جنس واحد بالإجماع لاشتراكهما في النقدية والله أعلم. رجل اشترى ذهباً بالأوراق النقدية نسيئة لمدة معلومة، فهل هذه المعاملة جائزة؟ وإن كانت غير جائزة فهل يكفي للتوبة أن يرجع المشتري قيمة الذهب للبائع؟ أو لا بد أن يرجع الذهب نفسه؟ وما قولكم إن كان الذهب قد ذهب من المشتري بأي طريقة كانت؟
اختلف أهل العلم في الأوراق النقدية، هل تعد مع الذهب جنساً واحداً فيحرم بيع أحدهما بالآخر، أو أنهما جنسان فيحل ذلك؟ والأول أرجح لاشتراكهما في النقدية كالذهب والفضة فإن الذهب نقد بطبعه، والأوراق (3/177)
صفحة 1266
178
الفتاوى المعاملات
نقد اصطلحت عليه دول العصر، ولكن لا يقطع في المسألة عذر المخالف، ونختار لمن وقع في ذلك التوبة وكفى والله أعلم.
امرأة لديها ذهب وتريد استبداله بذهب آخر، فطلب منها بائع الذهب وضع ما عندها من ذهب على الميزان وأعطاها بدلاً منه كمية أقل، وقال
لها إذا أردتِ أكثر ادفعي الفرق؟
اختلف
في ذلك، والأرجح المنع والله أعلم.
رجل أخذ من آخر عشرة ريالات عُمانية وأعطاه تسعة ريالات وتسعمائة وخمسين بيسة يداً بيد، ما قولكم في هذه المعاملة؟
هذا هو ما يسمى بربا الفضل، وفيه خلاف أهل العلم والحوطة في تركه، والأدلة من الحديث تقتضي منعه. لذلك نميل إلى عدم جوازه والله أعلم.
فما
ما الحكم في رجل اشترى ذهباً ثم عاد إلى نفس المحل بعد أيام راغباً في استبداله، وقام موظف المحل بكتابة عقد بيع جديد واستلم من المشتري أو سلمه فرق السعر؟ وإذا كان ذلك غير صحيح، الطريقة الصحيحة في مثل هذه الحالات؟ وهل يأثم الموظف على ذلك علماً بأن ذلك بمعرفة صاحب المحل؟
هي
لا بد في هذه الحالة إن رد الذهب أن يسترد القيمة، ثم يكون بيع الذهب الذي أراده بعقد جديد وينقد ثمنه والله أعلم.
مع المشتري بقيمة معينة وتراضيا
شخص يريد أن يبيع الذهب، فاتفق على تلك القيمة، فهل يلزمهما في هذه الحالة معرفة وزن الذهب وقيمته بالسوق قبل أن يتم هذا البيع أم مجرد الاتفاق والتراضي كاف؟
إن كان ذلك بعملة غير الذهب فلا حرج إن بيع غير موزون يداً بيد والله أعلم. (3/178)
صفحة 1267
فتاوى الربا
179
1 ـ شخص يمتلك صيغة ذهبية، فذهب إلى الصائغ ليبيعها له، فقال له الصائغ إن هذا الذهب قيمته خمسمائة ريال ولكن الصائغ لم يعطه قيمتها بل قال له بأن يأخذ صيغة ذهبية أخرى بما يعادل قيمتها خمسمائة ريال،
نقداً
فما حكم هذه المعاملة؟
لا بد من أن يكون بيع
الذهب بالذهب يداً بيد مثلاً بمثل والله أعلم.
2 - وإذا كانت تلك المعاملة أعلاه جائزة، فما قولكم إذا اختار البائع صيغة قيمتها أكثر من خمسمائة ريال على أن يدفع للصائغ فارق القيمة فقط، فهل هذا جائز؟
في هذه الحالة لا بد من بيع كل واحدٍ من الصيغتين الذهبيتين بقيمة مستقلة يداً بيد والله أعلم. (3/179)
صفحة 1268
[صفحة فارغة] (3/180)
صفحة 1269
فتاوى الديون (3/181)
صفحة 1270
الفاوي (3/182)
صفحة 1271
الديون وأحكامها والانتصار (1)
:
فتاوى الديون
183
نرجو أن تبينوا لنا حكم الشرع الحنيف في هذه المسألة آجركم الله، كان لرجل عند رجل مستحقات ولا يملك إثباتها، بل ملك الثاني ما يلغي صحة ادعاءات الأول، وعليه فقد قُضي بأن ليس للأول شيء من تلك المستحقات عند الثاني؟ وأغلقت القضية على ذلك ـ ثم كان أن استدعى الثاني الأول في قضية أخرى - لا تمت بصلة للأولى - بطلب من المحكمة للتحقيق معه بَيْدَ أن الشهادة الحقة التي يملكها الأول فيما استدعي له هي كافية لو أدلى بها لتزج به إلى السجن مما دعاه إلى الكذب على المحكمة كذبه هذا أدى إلى حصوله ـ أي الأول ـ على مبلغ من المال من الثاني حكمت به المحكمة، فإذا علمتم - سيدي - أن هذا المبلغ المحكوم فيه للأول على الثاني ـ في هذه القضية الثانية - يساوي ويزيد قليلاً على المبلغ الذي كان مستحقاً للأول على الثاني، ولم يحكم به له قضاء، هل له حق الانتفاع به على اعتبار أنه استرد ماله من الثاني، أم يرجع القليل الزائد عليه إن كان ثم زيادة، أم ليس له حق الانتفاع به بتاتاً، وعليه فهل يعيده إلى صاحبه أن يجوز له صرفه إلى أيّ هيئة خيرية بما أن المحكمة حكمت به له؟
هذه المسألة ترتبط بالمسألة المعروفة عند أصحابنا بمسألة الانتصار، وعند غيرهم بمسألة الظفر، وهي مقاصة المماطل من ماله من غير علمه، وفي ذلك خلاف بين أهل العلم، فمذهب أصحابنا وطائفة من أصحاب المذاهب الأخرى جواز ذلك، وذهبت طائفة إلى المنع، وقد احتج المجيزون
(1) الانتصار ويسمى الظفر وهو أخذ الإنسان حقه سراً ممن أخذه منه عندما لا يصل إليه بالمطالبة لجحود من هو عليه، مع عدم البينة التي تشهد به. (3/183)
صفحة 1272
184
الفتاوى المعاملات
بأدلة، منها قوله تعالى: {وَالْحَرُمَتُ قِصَاصُ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] وقوله تعالى: {وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ، فَأُوْلَيْكَ مَا عَلَيْهِم من سبيل} [الشورى: 41]، وحديث هند بنت عتبة زوج أبي سفيان، الذي أخرجه الإمام الربيع والشيخان من طريق ابن عباس، وجَاءَ فيه أنها قالت لره سول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني ما يكفيني وولدي، أفآخذ من ماله بدون علمه؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف (1)، واحتج المانعون بأدلة لا تقوى على معارضة أدلة المبيحين، أقواها حديث أخرجه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك» (2) وهو حديث ضعيف الإسناد وفيه انقطاع على أنه لو سلم أنه صالح للاستدلال به فإن دلالته على ما ذهبوا إليه غير واضحة، إذ المنتصر آخذ لحقه وليس بخائن، وما أوردوه على أدلة المبيحين يمكن رده بدون أدنى تكلف، ولولا الشاغل عن الإطالة لأوضحت ذلك، وإذا ثبت جواز الانتصار فللمظلوم أن يقاص ظالمه بقدر حقه من غير زيادة، ولو كان من غير جنسه؛ على الراجح، غير أنه لا يباح اتخاذ الوسائل المحرمة لذلك كالرشى والكذب وشهادة الزور، فإن اعتمد على شيء من هذه الوسائل فعليه التوبة من ذلك، كما أن عليه أن يرد ما زاد على حقه
والله أعلم.
في آية الدين في سورة البقرة وردت أوامر بشأن توثيق المعاملات المالية المختلفة، وما حكم الشرع في هذه الأوامر من حيث الإباحة أو الوجوب
(1) رواه البخاري ج 2 ص 769 رقم 2079 وج 6 ص 2626 رقم 6758 ومسلم ج 3
ص 1338 رقم 1714
(2) رواه أبو داود ج 3 ص 290 رقم 3534 ورواه الترمذي ج 3 رقم 1264. (3/184)
صفحة 1273
فتاوى الديون
185
أو الندب؟ خاصة في هذا العصر، وما حكم الكتابة والشهادة في آية
الدين؟
ذهب
العلماء.
جمهور
-
ومنهم أصحابنا - أن ذلك خارج مخرج الندب
والإرشاد، وذهب بعض علماء السلف أنه للوجوب وعليه الظاهرية، واعتمده بعض علماء الأمة المتأخرين، وهو إذا تؤمل له وجه وجيه من النظر، فإن الأصل في الأمر الوجوب، ويعتضد ذلك بالتأكيدات المتلاحقة في آية الدين، على أن في ذلك حكمة بالغة فإن الكتابة أدعى إلى حفظ الحقوق، وسلامة الصدور من الظنون السيئة والمجتمعات من التفكك والخلاف، الناتجين عن الخصام في الحقوق عندما يختلف فيها الأطراف والله أعلم. هل يلزم الإشهاد على الاقتراض؟ فإن كان المقترض منه أميناً، هل يلزم هنا؟ نعم على المقترض أن يشهد أو يكتب على نفسه صكاً، خشية غشيان الموت والله أعلم.
علي دين كثير، وجاءني رجل يريد أن أسلفه مبلغاً من المال، وحسب كلامه أنه في أشد الحاجة إليه، فهل يجوز لي أن أؤجل الدين إلى أجل
غير مسمى، وأعطي السائل حاجته؟
إن كان الدين لم يحضر أجله فلك أن تقرضه، وإلا فعليك قضاء الدين
أولاً والله أعلم.
أرجو توضيح الفرق بين الدين المؤجل والحاضر؟
الدين المؤجل هو الذي ضرب لوفائه أجل ولم يحضر ذلك الأجل، والدين الحاضر هو الذي لم يضرب لوفائه أجل، أو ضرب لوفائه أجل وحضر ذلك الأجل والله أعلم. (3/185)
صفحة 1274
186
الفتاوى المعاملات
ما حكم وفاء الدين في المسجد؟
ينبغي تنزيه المسجد عن ذلك، خشية أن يصحب ذلك حديث يتعلق بالمداينة والله أعلم.
أيهم أفضل التصدق مع وفاء الديون؟ أم وفاء الديون أولاً ثم التصدق؟ إن كان الدين حالا فلا يجوز تأخيره وتقديم الصدقة على وفائه، إلّا إن رضي صاحب الدين، لأن الفريضة لا تضاع من أجل النافلة والله أعلم.
هل تعتبر الاستدانة لغير حاجة ضرورية أمراً محرماً؟
إن كانت الاستدانة لمصلحة - ولو لم تكن ضرورية - لا تحرم والله أعلم.
ما قولكم فيمن له على فلان، دين، ويخجل بمطالبته، هل يأثم بذلك؟ لا يأثم بذلك والله أعلم.
ليس عندي مبلغ من المال الآن لسداد هذه الديون والكفارات وبالتالي أرغب في بيع منزلي الذي أسكنه لأنتهي من السداد وأستأجر منزلاً أعيش فيه؟
إن لم تقدر على الوفاء في حياتك، فأوص به بعد موتك والله أعلم.
إذاجهل أحد الورثة الدين وتجاهله، بحجة دعوى الحي على الميت باطلة، لعدم ثبوته في صك، في حين يقره الآخرون، فما الحكم الشرعي وفائه، وهل للمتجاهل إثم في ذلك أو ضمان لانفراده برأيه؟ وحجة الذين يقرون كون ذي الحقوق غير مشكوك في مطالبتهم.
على الذين أقروا بالدين منابهم منه، وعلى الذين لم يقروا به أن يحلفوا (3/186)
صفحة 1275
فتاوى الديون
187
بالله أنهم ما علموا أن على موروثهم هذا الحق، وقيل إن شهد عدلان من الورثة به ثبت على الكل، وهو الأظهر والله أعلم.
عندما يقترض شخص من شخص وينسى المدين إرجاع الدين ويستحي صاحب الدين أن يطالبه بحقه، فهل يصح للدائن أن يقترض من المدين قدر ذلك المبلغ، ولا يرجعه له ولا يخبره؟
لا، بل عليه أن يذكره بدينه والله أعلم.
رجل أقرض رجلاً آخر مبلغاً من المال بدون علم أحد من الناس، وشاءت الأقدار أن يتوفى الرجل المقترض قبل أن يسدد المبلغ الذي اقترضه، وقال الرجل المقرض في قلبه بأنني سامحت المتوفى من المبلغ ولم يبلغ أحد عن ذلك. فهل يلحق المتوفى وورثته أو المقرض شيء من الإثم؟ وهل يجب على الرجل المقرض أن يبلغ ورثة المتوفى عن الأمر؟
إن عفا عن حقه الذي عليه (1)، فإن الله أكرم من أن يؤاخذه به، وليس على الورثة شيء إن كانوا غير عالمين بالحق وإن كانوا عارفين به وأراد مسامحتهم فليخبرهم بذلك والله أعلم.
أحد عليه دين لأحد، مبلغ قدره خمسة ريالات، وعندما أراد أن يوفيه دينه لم يجده فماذا يفعل؟
يبحث عنه، فإن أيس من معرفته فليعط ذلك الفقراء المسلمين، فإن وجده خيره بين الأجر وغرمه له والله أعلم.
(1) أي على المقترض الذي توفي. (3/187)
صفحة 1276
188
الفتاوى المعاملات
إذا اشترى رجل سلعة من تاجر بمبلغ مائة ريال ـ مثلاً ـ ديناً لمدة شهر أو أكثر، فهل يجوز للمشتري أن يدفع أكثر من مائة ريال عند سداد الدين؟ علماً بأن البائع لم يشترط على المشتري ذلك؟
الزيادة على قيمة السلع للوفاء إن لم يشترطها الدائن غير ممنوعة، وقد اقترض النبي بكراً وقضى رباعية وقال: «إن خير الناس أحسنهم قضاء» (1)، وفي هذا دليل الجواز والله أعلم.
فيمن استدان قروشاً منذ مدة، فهل عليه شراء قروش إن وجدها، أم يدفع
قيمتها في هذا الوقت وكم قيمة القرش الواجب بالريال؟ يدفع قيمتها في وقت قضاء الدين ويسأل عنها الصاغة والله أعلم. هل يجوز لمن استلف ريالات عُمانية أن يفي بدراهم الإمارات مثلاً؟ إذا كان يقضي بسعرها وقت القضاء فلا بأس والله أعلم.
عن رجل يعمل في إحدى الشركات وتقوم هذه الشركة بتأمين عمالها على نفقاتها الخاصة، كما تقوم بقرض الموظفين لبناء المنازل بدون ربا، وإذا مرض المقترض أو عجز عن سداد المبلغ أو توفي تعفيه الشركة عن السداد ويبقى المنزل له ولأولاده، فهل في ذلك شيء على المقترض؟ إن عفت الشركة عن قيمة البيت وأسقطته عنه أو عن ورثته بطيب خاطرها، فلا حرج في ذلك والله أعلم. يستبيح بعض العمال بأوروبا أخذ بعض الحاجات من المصانع، واستغلال بعض المصالح والأشياء مقابل شعورهم بأن حقوقهم
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب البيوع، باب في الربا والانفساخ والغش (581) من طريق ابن عباس عن أبي رافع. (3/188)
صفحة 1277
فتاوى الديون
189
مهضومة، وبدعوى أن الخيرات الموجودة بأوروبا نهبت قديماً من بلدانهم زمن الاستعمار، فكأنهم يستردون حقهم المغصوب، فما حكم هذا التصرف؟
ما من شك أن اليهود والنصارى اليوم هم في حكم أهل الحرب، فإنهم ما فتئوا يوقدون نار الحرب على دين الله وأهله، ويكيلون لهم المؤامرات وينصبون لهم الدسائس، ولكن أين الكيان الإسلامي الذي يُوجّه إليهم دعوة الحق ويقيم عليهم، حجته، ويعلن عليهم الحرب إن واجهوه بالصد والعناد؟ فإن من واجب أهل الإسلام أن يدعوا قبل الحرب، وليس إعلان الحرب من قبل أفرادهم لما يؤدي إليه ذلك من الفوضى، وإنما يعلنها قائدهم الناصر للملة، وأنى لنا به؟ وليست إباحة أموال المشركين مطلقة في الإسلام، وإنما هي إبان جهادهم لإعلاء كلمة الحق ورفع راية التوحيد، وإلا لأبيحت كذلك نساؤهم بعد استبرائهن، وهل إلى ذلك من سبيل؟ وعليه فإني لا أرى وجهاً لاستباحة هذه الأموال إلا على سبيل الانتصار، إن صحت ظلامة لأحد فله الأخذ منها بقدر ظلامته والله أعلم.
حد بعينه
أخبرني صديق لي أنه ظلم من قبل جهة عمله ولم يرق لفترة طويلة من الزمن وفي إحدى المرات سنحت له الفرصة أن يستغل تلك الجهة، أي أن يحصل على مبالغ فقد أوكلت إليه مهمة الإشراف على عمل ما وأودع تحت تصرفه الأموال اللازمة لذلك، على أن يوافي الجهة بالمستندات التي تثبت صرف تلك الأموال، ومن بينها مكافآت لأشخاص ساهموا معه، وقد وقع كل منهم أمام اسمه على أنه استلم مبلغ المكافأة المقررة له حسب القانون، ثم إن صاحبي زاد في المبالغ وكان هناك مبلغ فائضاً وضعه في جيبه. (3/189)
صفحة 1278
190
الفتاوى المعاملات
والآن وبعد أن مضى على الحادثة مدة طويلة من الزمن، تقارب العشر سنوات استقام صاحبي وتابَ إلى الله، وبقي له معالجة هذه المشكلة، فهو لا يعرف كم من المال قد أخذ ولا الأشخاص الذي صرف لهم، وقد أتلف الوثائق بعد أن مرت عليها خمس سنوات ـ حسب القانون المعمول به في الدولة هل يأخذ صاحبي بمقولة بعض «مالنا وعاد إلينا» لإحساسه بالظلم من جهة عمله، أم ماذا عليه أن يفعل؟ الانتصار إنما يباح للإنسان في حق متعين له إن ظلمه فلم يتوصل إليه إلا من طريقه، أما الحقوق التي هي غير مقدورة بقدر كالترقيات ونحوها فلا مجال للانتصار فيها، وعليه فعلى هذا الرجل أن يتوب إلى الله ويدفع ما جهل
ربه إلى فقراء المسلمين خلاصاً، أما ما علم ربه (1) فيدفعه إليه والله أعلم.
ما حكم من اقترض مبلغاً من المال بالعملة السعودية، وبعد فترة سدد هذا الدين بما يعادله بالعملة العُمانية حسب السعر يوم السداد وليس بالسعر السابق وقت استلام المبلغ فما حكم هذه المعاملة، أسعار تغيير العملة إلى أخرى غير ثابتة حسب السوق؟
إن كان التسديد بحسب سعر العملة المسدد بها
نقداً فلا حرج ـ إن شاء الله ـ والله أعلم.
-
مع العلم أن
يوم السداد وكان ذلك
فيمن ظلم هل يجوز له أن يأخذ حقه بنفسه، وإذا جاز له ذلك، فما الأفضل أن يأخذ حقه بنفسه أو أن يتركه حتى يحاكمه بين يدي
العدل؟
الملك
ذهب أصحابنا ـ رحمهم الله ـ إلى جواز أن يأخذ الإنسان حقه بيده في
(1) ربُّ المال أي صاحبه. (3/190)
صفحة 1279
فتاوى الديون
191
ما
غيبة الظالم إذا لم يجد المنصف أو لم تكن له بينة في حالة إنكار الظالم، وهذا يسمى عندهم انتصاراً أخذاً من قوله تعالى: {وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَيْكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيل) [الشورى: 41]، ووافقهم على هذا الرأي أكثر الشافعية وبعض المالكية، والحجة لهم قوله تعالى: {وَالْحُرُمَتُ قِصَاصُ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]، وقوله تعالى: {وَجَزَاؤُاً سَيِّئَةِ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40]، ومن السُّنَّة حديث هند زوج أبي سفيان التي شكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلة إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني يكفيني، وولدي أفآخذ من ماله فقا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» (1)، وذهب الحنابلة وأكثر المالكية وبعض الشافعية إلى منع ذلك مستندين إلى أحاديث تمنع أخذ الإنسان حقه بيده، وقد أجابوا عن الآيات بأنها عامة مخصصة بهذه الأحاديث، وعن حديث هند أنه خاص بنفقة الزوجة والأولاد لتعذر إقامة الدعاوى والبينات كل يوم في الإنفاق وبالجملة فإن المسألة تحتاج إلى بحث واسع لا يسع له المقام، هذا من ناحية الحكم في الانتصار، أما من ناحية الأفضلية بينه وبين تركه فلا ريب أن الترك أولى، أما أولاً فلقوله تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [الشورى: 40]، وأما ثانياً فلأن ترك الدخول في المختلف فيه أسلم
والله أعلم.
إذا توفي المدين ونحن ورثته هل يجوز إكراهنا فوراً على السداد؟ قيل تحل ديون المدين بمجرد موته إن كان ذلك ديناً، وهو رأي حسن.
والله أعلم.
(1) أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب: من أجرى في أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم
(2097) (3/191)
صفحة 1280
192
الفتاوى المعاملات
توفي رجل في حادث سير، وقد عينني ورثته وكيلاً عنهم، هذا وبذهابي
ذلك
إلى البنك المحول عليه راتبه الشهري تبين أنه قد اقترض من البنك مبلغاً من المال وقدره ستة آلاف وسبعمائة ريال عماني سدد منها أربعة آلاف وعشرة ريالات مضافاً إليها الربا، هذا وقد أفادني البنك بأنه يتبقى عليه مبلغ قدره ألفان وتسعون ريالاً، لكن شركة المؤمن لها البنك ستقوم بدفع المبلغ لكون المقترض قد توفي في حالة قيام المتوفى بدفع المبلغ المذكور (4010) وإذا أضيف إليها الربا سيصبح المبلغ هو مجمل القرض أو يقل بقليل، هل يتم السكوت عن البنك في ويتصرف البنك مع الشركة؟ وهل سيلحقني أي إثم فيما لو وافقت شركة التأمين بدفع المبلغ المتبقي؟ أم أنه من الواجب والأسلم تسديد مبلغ الدين، كالتصرف ببيع أية ممتلكات قد تكون للمتوفى؟ إن كانت الشركة تقوم بالتسديد من تلقاء نفسها، من غير طلب منك وتوسط لديها فلا إثم عليك، أما أن تتوسط لهم في ذلك فلا والله أعلم. علي ديون كثيرة ولا مال عندي لأسدد الديون المتراكمة علي، فهل يجوز لي أن آخذ قرضاً من بنك ربوي؟ مع العلم بأن أصحاب الديون يعجلونني بالدفع ولا خيار عندي غير ذلك؟
البنك الربوي إن أقرضك تضاعف دينك، فما هذا الحل الأهوج؟! وإنما عليك أن تسعى في قضاء دينك حسب وسعك، لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286] والله أعلم.
شخص له دين على آخر وماطل المدين عشرات السنين ثم نزلت قيمة العملة وأصبح ثمنها بخساً وأراد أن يدفع الآن، فكيف يكون الدفع؟
إن الذي عليه أهل العلم من السلف والخلف واعتمده المعاصرون أن (3/192)
صفحة 1281
فتاوى الديون
193
العملة ـ وإن انحطت قيمتها - تكون هي المعيار لوفاء الدين المبني عليها، ما لم تلغ أو تفقد جميع قيمتها والله أعلم.
عن رجل له نقود على رجل آخر وهي ألف ريال عماني، ولم يستطع الحصول عليها منه، فأتاه شخص آخر وقال له تنازل عن ثلاثمائة ريال وأنا أعطيك الباقي وأقوم بدوري بمتابعة الذي عليه الحق، سواء أعطاني أم لم يعطني، فهل يعتبر هذا ربا أم لا؟ وما حكمه؟
هذا
من باب
بيع
هو عين الربا والله أعلم.
الدين، وذلك منهي عنه، والتفاوت عنه، والتفاوت بين الأخذ والعطاء
توفي رجل وترك زوجة وأولاداً وكان قد اشترى سيارة من الوكالة بالأقساط، وبعد وفاته قررت الوكالة استرداد السيارة أو دفع المبالغ المتبقية على المتوفي فقررت زوجته شراء السيارة بالدين من بعض الأشخاص، وأيضاً قامت بكتابة السيارة باسم أحد إخوتها على أمل استرداد السيارة بعدما يكبر أحد أبنائها، وهذا ما هو متعارف عليه بينها وبين أهلها أن المالك للسيارة هي وليس أخاها، وبعد فترة توفيت حادث الزوجة في وبنفس السيارة، وبعد مدة من وفاتها طالب الأشخاص الدائنون بالمبالغ المستحقة عليها في هذه الحالة من يتحمل سداد هذه الديون هي بوصفها المالك الحقيقي للسيارة بدون أوراق رسمية، أم أخوها بوصفه المالك في الأوراق الرسمية، الأوراق الرسمية، مع العلم أنها تركت مبالغ كافية لسداد المبلغ المطلوب؟
سير
إن كانت هي المالكة الحقيقية للسيارة فالدفع من تركتها، وتؤول السيارة إلى ورثتها والله أعلم. (3/193)
صفحة 1282
194
الفتاوى المعاملات
هل يجوز للدائن أن يأخذ مبلغاً أكثر من دينه؟
لا يجوز للدائن أن يأخذ أكثر من دينه، وإن أخذ أكثر منه فقد وقع في
الربا والله أعلم.
إنني
مطالب بمبلغ لأحد الأشخاص مقداره ألف ريال عُماني واجبة السداد، ولا يوجد لديّ مبلغ نقدي لكي أسدد هذا الدين سوى وجود صك شرعي أطالب فيه شخصاً آخر بمبلغ خمسة آلاف ريال عماني، فذهبت إليه راغباً إحالة ذلك الصك إليه وأتنازل له عن مبلغ خمسمائة ريال، ويعطيني ما بقي لي من المبلغ الذي بالصك قدره ثلاثة آلاف ريال، فما حكم هذه المعاملة؟
إن كنت تتنازل عن جزء من دين حاضر فلا حرج في ذلك، وإن كنت تحط جزءاً منه في مقابل التعجل في اقتضائه ففي ذلك خلاف لأهل العلم، ومن ترخص وأخذ بالرخصة فلا يعنف ومن احتاط فخرج من عهدة الخلاف فذلك أحزم والله أعلم.
توفي رجل وترك أوراقاً بخط يده ديوناً على نفسه ودون أن يشهد فيها أحداً، وترك ورثة منهم البالغ وأكثرهم غير بالغين، والبالغون منهم والوصي يقرون أن ما كتب هو بخط الهالك، فهل تثبت هذه الديون
عليه؟
إن ثبت أن اعترافه بخط يده وكان اعترافه صريحاً فهو حجة عليه
والله أعلم.
ما هو بيع الدين بالدين أو الكالئ بالكالي؟ وما حكمه؟
هو
أن يكون لأحد على أحد دين ولشخص على آخر مثله، فيتفقان (3/194)
صفحة 1283
فتاوى الديون
195
على أن يستوفي كل واحد من الدائنين حقه من المدين الآخر غير المدين الذي دانه هو، وحرم ذلك من أجل عدم التقابض والله أعلم.
ما حكم توثيق دين القرض بالكتابة والشهادة؟ وما تفسيركم لقوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنِ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) [البقرة: 282]، إذ يرى بعض الفقهاء أن الأمر بهما في الآية إرشاد إلى الأوثق والأحوط ولا يراد به الوجوب؟
العلماء على أن هذا الأمر أمر إرشاد، هذا الذي ذهب إليه جمهور الأكثرون، وذهب ابن حزم الظاهري - وأظنه رأي الظاهري جميعاً ـ إلى أن الأمر للوجوب وأنه لا بد من تسجيل الدين وتوثيقه، والجمهور استدلوا بقوله الله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنِ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282]، ومعنى ذلك أن أمن بعض الناس من بعض بأن يقضي دينه أمر مشروع وجائز، وعلى من كان مأموناً أن يحرص على قضاء ما عليه من الدين، وأن يؤدي الأمانة التي أؤتمن إياها حتى يتخلص من تبعاتها، وفي هذه الحالة لا يلزم أن تكون هنالك كتابة إن كانت هنالك ثقة وطمأنينة، كذا فهم ابن عباس له وأخذ بذلك جمهور أهل العلم والله أعلم.
في بعض مكاتب تأجير السيارات أو في بعض الوكالات إذا تأخر بعض العملاء عن تسديد ما عليهم يضطرون لرفع القضية إلى القضاء، وهذا قد يضطرهم إلى دفع مبالغ إلى مندوب الشركة الذي يتابع القضية أو إلى توكيل محام في بعضا لأحيان، وهذا يستلزم دفع مبالغ لهؤلاء، فهل يجوز شرعاً أن يلزم الشخص المتأخر مبالغ هؤلاء الأشخاص ونحوهم؟ الأصل أنه عليه الدين الذي عليه فحسب، ولكن إن كان تمادى وامتنع من وفاء هذا الدين فسبب خسارة على الطرف الآخر بسبب تماديه مع
قدرته (3/195)
صفحة 1284
196
الفتاوى المعاملات
على الوفاء وإنما كان مماطلاً، فبسبب تعريضه الطرف الآخر للخسارة يتحمل
هو
هذه الخسارة التي تسبب لها والله أعلم.
القرض:
طلب رجل من عدة أشخاص أن يشاركوه في تشييد عمارة سكنية تجارية، على أن يساهم أحدهم بمبلغ من المال حسب الاستطاعة وعلى صاحب المال أن ينتظر بعد الانتهاء من التشييد خمس سنوات، أي أنه لا يحق له أن يطالب بمبلغه قبل الانتهاء من المدة، وخلال هذه السنوات الخمس يحق لصاحب المبلغ أن يحصل على جزء من عوائد الإيجارات للعمارة يتفق بشأنه مع المالك، وبعد خمس سنوات يعود إليه مبلغه كاملاً، علماً بأنه ليس له في العمارة أي اسم، أي أن الملكية باسم صاحب الأرض، فهل هذا حائز؟
فلذلك
هذا هو عين الربا، فإن كل قرض جر منفعة فهو ربا بالإجماع، ولا يجوز أن تكون الزيادة ـ وهي الجزء الذي يتقاضاه في مقابل التأخير من العوائد التي من الإيجارات - حلالاً له، لأن المقرض يحتسب أجره عند الله تعالى، الله عليه أن يستزيد على ما أقرض ولو فلساً واحداً، والنص القرآن صريح في ذلك، وذلك قوله تعالى: {وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: (279)، وعليه فإن على هذا الرجل أن يقنع بما دفع فقط، وفي الحلال ما يكفيه عن الحرام والله أعلم.
حرم
رجل بنى بيناً بتمويل من أحد، وبعد الانتهاء من بنائه، يتم توزيع الدخل الشهري أو السنوي من الإيجارات بالتساوي بينه وبين الممول، علماً بأنه سوف يكون شريكاً معه في مدة سنوات الاستثمار، وهي (3/196)
صفحة 1285
فتاوى الديون
197
إحدى عشرة سنة، هل يوجد في ذلك حرج أو شبهة شرعية تحرم
النوع من الاتفاق والشراكة؟
هذا قرض جرَّ نفعاً فهو ربا بالإجماع والله أعلم.
عن
هذا
أناس يقبضون مساعدة راتب من الضمان الاجتماعي، وإذا حصلوا على ألف ريال، يقرضونها الناس ويأخذون منها الربا سنوياً، فهل تصح
لهم
المساعدة وهم على ذلك؟
لا وهؤلاء محتالون والله أعلم.
يا سماحة الشيخ إنني على وشك عقد اتفاقية مع إحدى الشركات العاملة بالسلطنة، بمقتضى أن أقترض منها مبلغاً لكي أبني منزلاً لي، على أن أسدد المبلغ في خلال خمسين شهراً، وعلى أن أعطي للشركة حق الانتفاع من المنزل بعد اكتمال بنائه حتى نهاية سداد المبلغ، علماً بأن المبلغ المقترض بدون ربا، حيث إن الشركة لا تتاجر في المحرمات، ما حكم الشرع في هذا العقد؟
كل قرض جرَّ نفعاً فهو ربا، وبما أنهم ينتفعون بالبيت المبني فهو عين الربا والله أعلم.
نرغب في بناء منازل، وتقدمنا بطلبات قروض للشركة التي نعمل لديها، وقد وجهنا المسؤولون للتقدم إلى أحد البنوك للحصول على قروض سكنية، وتعهدت الشركة بدفع الربا المترتب على هذه القروض كمنحة منها، فهل يجوز لنا هذا القرض؟
إن كان القرض خالياً من الربا فذلك سائغ، وإلا فلا يجوز، ولو تكفل بدفع الربا آخر والله أعلم. (3/197)
صفحة 1286
198
الفتاوى المعاملات
شركة تعمل في مجال الأسماك، طلبت من إحدى شركات التمويل مبلغاً قدره خمسون ألف ريال عُماني، فطلبت هذه الشركة منهم عقاراً أو أرضاً تساوي قيمته مائة ألف ريال عُماني كضمان حتى سداد المبلغ، وبما أنهم لا يملكون شيئاً من ذلك طلبوا مني بأن أضع عقاراً أملكه كضمان لهذه الشركة، على أن يعطوني نسبة من أرباحهم السنوية حتى انتهاء فترة الضمان؟
ذلك غير سائغ شرعاً، لأنك في هذه كأنك أقرضتهم العمارة بشيء من الفائدة وهذا لا يجوز والله أعلم.
هل يجوز أخذ قرض من البنك لبناء بيت على أن تقوم الشركة بدفع الفائدة من القرض للبنك؟
إن كان القرض خالياً من الربا فذلك سائغ، وإلا فلا يجوز ولو تكفل بدفع الربا آخر والله أعلم.
هل يجوز أخذ قرض لأجل بناء مسكن، مع العلم بأن القارض لا يأخذ زيادة، ولكن يلزمك أن تؤمن على البيت حتى تدفع له كامل المبلغ،
ولكي يضمن مبلغه من شركة التأمين إذا توفي المستقرض؟ أما القرض فغير ممنوع، وأما التأمين فممنوع، ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه والله أعلم.
ما حكم الاقتراض من شخص يعمل بأحد البنوك، علماً بأن القرض هو شخصي، وليس به أي زيادة ربوية؟
لا مانع منه والله أعلم. (3/198)
صفحة 1287
فتاوى الديون
199
من
رجل اقترض من عند آخر مبلغاً من المال، وعلى الشخص المقرض مبلغ المال للمقترض، فأرسل المقترض ما عليه من المال للمقرض، مع خصم الدين الذي على المقرض للمقترض، فلم يرض المقرض، فماذا على المقترض؟
بما أنه أخذ حقه الذي له، فليس عليه في ذلك حرج والله أعلم.
أعطيت أحد الإخوة مبلغاً قدره مائتا ريال عُماني، وذلك لدفعها كتأمين لقرض في بنك تجاري، على أن يرد المبلغ لي بعد شهر، وعندما طالبته بالمبلغ قال لي بأن التأمين حرام ولا أرد لك المبلغ حتى تأتيني بفتوى هل حرام أم حلال؟ فأنا أطالبه بحقي بغض النظر عن كيفية صرفه لذلك
المبلغ؟
عليه أن يرد القرض الذي اقترضه ولا يسقط هذا الحق كونه اقترضه للتأمين، فإن ممارسته للحرام لا تحل له أكل أموال الناس والله أعلم. هل القروض الإنتاجية التي تُمنح للأفراد وتؤخذ عليهم فائدة تعتبر
ربوية؟
إن كان المقترض يدفع ما اقترض من غير زيادة فلا ربا، أما إن كانت زيادة فكل قرض جر نفعاً فهو ربا.
بيع
ذلك
أراد رجل الخلاص من قرضه الربوي، وكان يمتلك عقاراً فأراد العقار، فاشترته زوجته، لكنها أخذت قرضاً ربوياً لشراء ذلك العقار، علماً بأن زوجها على علم بذلك القرض الربوي، فهل يأثم على ذلك؟
نعم إن أقرها على الحرام، فإقراره إياها على الحرام هو حرام. (3/199)
صفحة 1288
200
أعلم.
الفتاوى المعاملات
ما رأي سماحتكم إذا اشترط في عقد القرض أن يكون الوفاء في بلد آخر؟ ذلك غير جائز لأنه مما يؤدي إلى التخفيف عن المقرض، والله تعالى
هل يجوز إقراض المنافع؟
هذه المسألة وقع فيها خلاف هل ربا في المنافع كسكن الدار ونحوها، والاحتياط في الامتناع من ذلك، وإن توسع أحد بحيث أخذ برأي المجيزين فإنه لا يعنف والله تعالى أعلم.
سماحة الشيخ ما رأيكم في الاقتراض من بيت المال أو مال الوقف، وهل هنالك شروط لذلك؟
بيت مال المسلمين هو لخدمة المسلمين جميعاً، ولكن القائم على أمر المسلمين هو الذي يوجه استغلال هذه المؤسسة المالية في الطرق المشروعة التي تعود بالمصلحة على الأمة، فإن رأى المصلحة تقتضي إقراض بعض المسلمين من بيت مال المسلمين لأجل درء مضرة عنهم فإن ذلك من السائغ، كما أنه يسوغ أن يعطي يعطي منه المضطرين، إذ هو في الأصل لمصلحة المسلمين، وأما الوقف فإنه يصرف فيما وقف له، ولا يجوز العدول عن ذلك، فإن كان القائم عليه أقرض أحداً منه فإنه يكون في هذه الحالة ضامناً لما أقرض والله تعالى أعلم.
سماحة الشيخ هل يجوز الإنفاق على اللقيط المحتاج وإطعام الجائع
وكسوة العاري إن لم يكن فقيراً في بلده بنية القرض؟
هؤلاء كيف يكون إطعامهم في حالة ضرورتهم إلا وهم مضطرون، (3/200)
صفحة 1289
فتاوى الديون
201
والضرورة تعد فقراً، وهب هذا غنياً في بلده، ولكن لا يتوصل إلى ما عنده
من الثروة لينتفع بها في هذه الحالة فإن دفع ما هم محتاجون إليه أمر مشروع وضروري، ولذلك نجد أن الله تبارك وتعالى قال في معرض ذكر أعمال البر: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبّهِ ذَوِى الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ} [البقرة: 177]، ثم قال: {وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَعَاتَى الزَّكَوةَ} [البقرة: 177]، ومعنى ذلك أن إيتاء المال هؤلاء يجب أن يكون من غير أن يقرضوا،
177]،
إذ هؤلاء في حاجة، نعم من كان يجد ثروة في بلده وهو في حال احتياج لا لمطعمه، وإنما لأمور أخرى في سفره، فإنه لا مانع من أن يقترض من الناس ويسدد القرض بعد ذلك عندما يتمكن منه، وذلك عندما يعود إلى أهله أو يتمكن من استيراد بعض ثروته لسداد هذا القرض الذي عليه والله
تعالى أعلم.
فضيلة الشيخ، إنني حالياً أسكن عند والدي في منزله الخاص به، حيث إن نصف البيت قائم بالطين والنصف الآخر بالأسمنت، وقد قمت بهدم الجزء المبني بالطين وغيرته بالأسمنت بمبلغ قدره ثلاثة آلاف وستمائة ريال عماني، وسؤالي هنا: هل لي الحق بأن أطالب والدي بصك شرعي يثبت حقي على العمل الذي قمت به فقط، حيث إن والدي يوجد لديه أبناء ذكور وإناث الذكور يعملون والإناث متزوجات؟
إن كنت قمت بذلك تبرعاً فهو غير جائز، لأن من تبرع بشيء فليس له أن يطالب به، ولو كان المتبرع له هو غير الوالد، فكيف إن كان الوالد؟ وإن كنت لم تتبرع له، ولكن كان ذلك بطريقة القرض أو الاتفاق على أن تبني البيت ويحتمل هو الخسارة فذلك جائز، وتركه أفضل تقديراً لمقام الأبوة
والله أعلم. (3/201)
صفحة 1290
202
الفتاوى المعاملات
رجل عليه دين وهو في نفسه يدفع قسط سيارة، ولكونه كان يعمل في صلالة بينما منزله في قريته مؤجر لمؤسسة حكومية فقد كانت حياته كفافاً، لكنه أجبر على النقل من قبل جهة عمله إلى منطقة مسقط، حيث تكاليف المعيشة أصعب من ارتفاع أجور السكن، فتعقدت أموره وما يبقى من راتبه لا يكفي إلا لأيام معدودة، فحاول بيع سيارته ولو بالخسارة فلم يجد المشتري، ثم إنه حاول عمل جمعية فلم يجد من يشاركه للارتباط في جمعيات أخرى، ثم حاول الاستدانة ممن يتوسم فيهم الخير والصلاح فأخفق لعدم استطاعتهم، ثم إن أصحاب الحقوق واجب الوفاء لهم وحالته شاقة وحياته صعبة وأسرته تتكبد معه هذه المعاناة، وسط كل ذلك قُطعت عنه خدمة الهاتف ثم قطعت خدمة الكهرباء لعدم القدرة على السداد، وحتى ضروريات المعيشة يأخذها من البقالة على أن يسدد كل شهر ويعجز عن ذلك، فهل له أن يأخذ سلفة من البنك تساوي ما عليه فقط، وذلك بقسط أقل بكثير مما يدفع حالياً للسيارة، مما سيوفر له بعض المال؟
إن كان القرض بدون ربا فهو مباح، وإلا فإن الربا سيضاعف الحساب عليه، ومن أين له القيام بتسديده فيما بعد؟ هذا من الناحية الدنيوية، فضلاً عن الناحية الدينية. {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ والله أعلم. هل يجوز شرعاً أخذ قرض من البنك بقصد إقامة مشروع صناعي أو زراعي أو غيره، مع العلم أن البنك يأخذ رسوماً إدارية بواقع 3% فقط، عن الأعمال التي يقوم بها لإتمام المشروع من حيث دراسة جدوى المشروع ومتابعة تنفيذ المشروع بإرسال مهندسين ومختصين للتوجيه والإرشاد، إضافة إلى أعمال إدارة القروض، علماً بأن هذه
وذلك (3/202)
صفحة 1291
فتاوى الديون
203
الرسوم لا تغطي مصاريف البنك من رواتب وإيجار وغيره، وتتم التغطية من الدولة بواقع 6% لكل مشروع، وقد أقامت الدولة هذا البنك بقصد التنمية وإيجاد فرص عمل، وليس بقصد الحصول على الفوائد من رأس المال، ونظراً لعدم الحصول على فتوى حول هذا الموضوع فقد أحجم الشباب الملتزم على الدخول في هذه المشاريع وانحسارهم عن ساحة التنمية وبروز غيرهم؟
إن كنتم على يقين بأن البنك لا يأخذ شيئاً من الربا، وإنما يأخذ جزءاً
من نفقاته الضرورية، فلا مانع من ذلك، وإلا فكل ربا حرام والله أعلم.
شخص يعمل بأحد أجهزة الدولة، وهذا الجهاز يعطي قرضاً مالياً لبناء منزل لكل العاملين، وهذا القرض يكون عن طريق البنك، في بداية قطع القسط الشهري المترتب على هذا القرض يتم استقطاع الربا، ولكن في نهاية كل سنة يتم تعويض الموظف عن ذلك الربا الذي استقطع من راتبه ويُسلم المبلغ الربا تتحمله جهة العمل، فما حكم الشرع في هذه
المعاملة؟
الموافقة على الربا والاتفاق عليه، حرام ولو كان الدافع غير المقترض
والله أعلم.
أنا امرأة مطلقة ولدي ابنتان وولد وأسكن في منزل الورثة الذي تركه لنا والدي، حيث إن لدي إخوة متزوجين ويسكنون معي في نفس المنزل، والبيت صغير ولا يسع كل هذا العدد، لذا أود أن أتقدم بطلب قرض إسكاني إلى البنك، لأنني في حاجة ماسة لذلك، فهل يجوز لي ذلك؟ إن كان القرض بدون ربا فهو سائغ وإلا فلا، لما جاء في حديث (3/203)
صفحة 1292
204
الفتاوى المعاملات
رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الربا وآكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه» (1) وهو مما أجمع عليه، فاحذري الدخول في هذه المزالق، وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2، 3] والله أعلم.
إذا اشترط على طالب القرض إعطاء ضمان من بنك يقضي بقيام البنك بسداد الدين عند حلول الأجل إذا عجز المدين عن ذلك، ليصبح البنك بعدئذٍ هو الدائن له ويصير الدين، ربوياً، فهل على المقترض من حرج إذا وافق على الضمان لأجل تحصيل القرض، وفي نيته أن يسدد الدين في الأجل ولو باقتراض من أناس آخرين؟
هذه معاملة علقت على محرم، وما علق على المحرم فهو حرام
والله أعلم.
لقد قالوا في القرض لا يؤجل عند الأكثر، وقد يطلب فقير من ذي سعة قرضاً، ولا يطمئن المقرض من المقترض أن يعطيه قرضاً إلا أن يؤدي له إياه أقساطاً، لأنه ربما لا يستطيع الوفاء أو يتمادى، ويريد إنقاذه من ربا البنوك فيتفقان على الأقساط شهرياً، ويثبت له بيته إلى أن ولكن يبقى البيت في يد صاحبه، فهل ترى هذا جائزاً، كما أن المقترض ذلك أخف لديه من أن يسلم دفعة واحدة؟
يري
يتم
الوفاء
لا مانع من ذلك إن لم يكن مشوباً بربا، وهذا لأن من العلماء من أجاز التأجيل في القرض، ولا دليل يمنعه والله أعلم.
رجل يريد أن يقترض مبلغاً معيناً من البنك ليسدد به ديناً هو عبارة عن قيمة أغراض اشتراها من رجل يدين بالهندوسية ويلح في طلب
(1) تقدم تخريجه. (3/204)
صفحة 1293
فتاوى الديون
205
حقه، وللرجل قطعة مال مشترك مع إخوته ولم يجد لها مشترياً، فهل القرض الذي يأخذه حرام أم حلال أم ماذا يفعل بالبيت؟ وإذا افترضنا أنه أخذ هذا القرض مع علمه السابق بأنه حرام، فماذا عليه حتى يرضى
عنه الله الله؟
لا يحل له ذلك، إلا أنه إن تاب وأخلص التوبة يقبل الله توبته، وليتخلص من هذا الدين والله أعلم.
كما تعلمون سماحتكم أن كثيراً من الشباب حالت ظروفهم دون الحصول على وظيفة يستعينون بها على قضاء حوائجهم في الحياة من مأكل ومشرب وملبس، ويتمكنون من تحصين أنفسهم بالزواج وإنشاء منازل لهم تؤويهم وأسرهم، فقلة فرص العمل بالبلاد تقف حجر عثرة أمام هؤلاء الشباب الطامح إلى تحقيق أمانيه وآماله.
إزاء هذا قامت الحكومة بإنشاء مجموعة من الصناديق الوطنية التي تهدف إلى توفير فرص عمل جديدة للباحثين عن العمل، والمساهمة في القيام بمشاريع تجارية صغيرة، بحيث تقدم هذه الصناديق قروضاً ميسرة للشباب الراغب في ذلك لقيام هذه المشاريع، إلا أن هذه الصناديق تشترط إلى جانب تسديد هذه القروض على أقساط شهرية أن تدفع نسبة تعادل (2?) زيادة على المبلغ المقترض لتغطية المصروفات الإدارية لهذه القروض هل يجوز التعامل مع هذه الصناديق والاقتراض منها أخذها نسبة الفائدة المذكورة أعلاه؟ علماً بأن هذه الصناديق هي المجال والمنفذ الوحيد حالياً للاقتراض، خاصة في ظل عدم تعاون أفراد المجتمع مع هؤلاء الشباب والأخذ بأيديهم لتكوين مشاريع لهم، كما تعلمون سماحتكم أهمية رأس المال في كل عمل، فهل يبقى الشباب
مع (3/205)
صفحة 1294
206 الفتاوى الفتاوى المعاملات
العاطل عالة على أسرهم يتكففون الناس أم يلجأون إلى هذه الصناديق ويقترضون منها؟ وإلا فما البديل عنها؟
إن كانت هذه الزيادة لا تتجاوز قدر النفقات الضرورية من أجل تسيير أعمال هذه الصناديق فلا مانع من ذلك والله أعلم.
الجمعيات التعاونية:
فئة من الإخوة يدخرون جزءاً من رواتبهم يجمعونها، فيأخذها شخص ثم الآخر ثم الآخر وهكذا، ويكون الأخذ بالقرعة، فما قولكم في
المعاملة؟
هذه
إن كانوا لا يتفاوتون من حيث التقاضي، وإنما يتفاوتون في الزمن فقط تقدماً وتأخراً فلا مانع من ذلك، وإن كان ينعم بعضهم بقسط أوفر وبعضهم بقسط أقل بسبب القرعة فهو من المقامرة المحرمة، ولا يجوز بحال والله أعلم.
اجتمع إخوة أو جماعة على تكوين ما يسمى بصندوق التعاون، وهو أن يدفع كل فرد من المشتركين مبلغاً معيناً كل شهر، لتكون تلك الأموال أو المبالغ التي تجمع عوناً لهم على نوائب الزمن، وشروطه وبنوده
كالتالي:
1 - الذي يعمل يدفع كل شهر عشرين ريالاً عُمانياً، والذي لا يعمل والمتقاعد يدفع كل شهر خمسة عشر ريالاً.
2 - يجوز خفض دفع المبلغ بشرط أن لا يقل عن نصف مقداره الحالي، ويكون بعلم الجميع مع الاجتماع وكذلك رفعه. (3/206)
صفحة 1295
فتاوى الديون
207
3 ـ لا يجوز للمشترك أن يؤخر الدفع لأكثر من ثلاثة أشهر، وإن جاوز ستة أشهر فيعتبر منسحباً، وليس له المطالبة بالمبالغ التي دفعها سابقاً، ولا يدخل مرة أخرى إلا باتفاق المشتركين ويلتزم بما يفرض عليه. 4 - يجوز تنمية أموال الصندوق باتفاق المشتركين وبالطريقة التي تتفق مع الشريعة الإسلامية.
ه - تصرف مالية الصندوق في المصالح الجماعية للمشتركين، وفي الظروف التي تكون خارجة عن إرادة الشخص.
6 - يجوز للمشترك الاقتراض من الصندوق بعد سنة من بداية اشتراكه، ويشترط أن لا يزيد المبلغ عن الربع من المبلغ الإجمالي، وذلك بعد النظر وحسب شروط الموافقة.
7 ـ لا يلزم الصندوق بمساعدة مرتكب جريمة سكر أو جريمة مخلة
بالشرف.
- تكون أموال هذا الصندوق لصالح الذكور المشتركين وذريتهم
الذكور فقط.
- يفوض بالتوقيع اثنان من المشتركين للإيداع والسحب إذا اقتضى الأمر، وعليهما بيان ما يثبت معرفة ذلك.
فما الحكم في هذه المعاملة؟
لا أرى مانعاً من
ذلك، إلا أنه ينبغي أن يعاد النظر في المادة رقم (3)،
فإن كان المشترك يحرص في اشتراكه هذا على ثواب الآخرة، وهو يعد ما يدفعه تبرعاً فلا مانع من أن يكون ليس له الحق في استرجاع ما دفعه، لأن تبرع به الإنسان يكون خارجاً من ملكه، وأما إن كان من أجل المنفعة التي يحصل عليها، فيجب إلغاء هذه المادة والله أعلم.
ما (3/207)
صفحة 1296
208
الفتاوى المعاملات
هل يجوز لغرض توفير دعم مادي للجمعيات الخيرية طرح بعض المنتجات الاستهلاكية غير المكلفة كالأقلام والميداليات وبطاقات المعايدة .. إلخ، يتم بيعها بقيمة تكون أضعاف تكاليف إنتاجها (مثلاً ميدالية تكلف مائة بيسة يتم بيعها بريال واحد)، على أن يتم بالقرعة على هدايا تشجيعية لمن يقوم بشراء هذه المنتجات؟ وما هي الطريقة الشرعية الأنسب لتحقيق نفس الهدف؟
بيع
س
هذه المنتجات بأضعاف قيمتها جائز إن كان المشترون عارفين بقيمتها الحقيقية، واشتروها بأضعافها راضين مختارين، ولكن دفع الهدايا التشجيعية إلى المشترين بطريقة السحب بالقرعة غير جائز، لما فيه من الغرر، فإن كل واحد من المشترين يتطلع في هذه الحالة إلى أن تكو الجائزة له، وهذا التطلع هو الحافز إلى أن يشتري ولا يدري أينال الجائزة أم لا؟ وهو عين المقامرة المحرمة الممقوتة شرعاً، والطريقة الشرعية هي جمع
التبرعات، وتنميتها لصالح الجمعيات في الوجوه الجائزة شرعاً والله أعلم.
ما رأي سماحتكم في مجموعة من الشباب كونوا صندوقاً تعاونياً يساهم كل شخص بمبلغ 10 ريالات شهرياً، وفي حالة احتياج الشخص لمبلغ من المال يقدم طلباً للقرض من الصندوق (مثلاً: احتاج 200 ريال)؟، ثم يقوم بتقسيط هذا المبلغ لمدة عشرة أشهر، بحيث يدفع كل شهر عشرين ريالاً، بالإضافة إلى القسط الشهري 10 ريالات، ما رأي الشرع في ذلك؟
ذلك أمر حسن، ولكن ينبغي أن ينمَّى هذا الصندوق بمشروع تجاري لئلا تأكله الزكاة وهو لا ينمو، لذلك أقترح ذلك على القائمين بهذا المشروع، والله يوفقهم للخير. (3/208)
صفحة 1297
فتاوى الديون
209
لقد اشتركت مع مجموعة من الأصدقاء في تكوين جمعية تعاونية يكون الدفع فيها بشكل شهري، حيث اشتريت أربعة أسهم، وكان عدد المشتركين ما يقارب من تسعة وستين سهماً، ولكن بعد التوزيع انسحب عدد منهم، لأن التوزيع لم يكن عادلاً ـ أي لا بالقرعة ولا على الحاجة ـ، فكل الأفراد محتاجون هذه الأيام، فكان في البداية لي سهم واحد في نهاية السنة الأولى حيث كنت أزمع به تسديد دين مستحق علي للبنك، ولكن للأسف بعد الآن لم يتبق سوى أربعة وأربعون سهماً أي لا يكفي لسداد ديني وبقيت أسهمي متوزعة على
حسب
السنة الثالثة والرابعة.
وإنني أنوي الانسحاب من هذه الجمعية حتى أتمكن من تسديد ديوني البنكية بأسرع وقت ممكن، فهل علي ذنب إن فعلت ذلك؟ وهل يحق لي الانسحاب؟
نظراً إلى أنك واجهت مشكلة لم تكن تتوقعها عندما دخلت الأمر، فليس عليك حرج في الانسحاب والله أعلم.
جمعية إقراضية يصل دخلها الشهري إلى مائة وثمانين ألف ريال شهرياً،
ما
وتضم ما يزيد على الألف وأربعمائة مشترك، ولا يخفى عليكم تواجهه الجمعيات من صعوبات في تلبية حاجات المشتركين ورفع فاقتهم وحل ظروفهم المالية الصعبة، إذ تحاول الجمعية جاهدة أن توجد الحلول المناسبة ليكتب لها الاستمرارية وتحقيق الهدف من إنشائها وفق الله وعجل، رأت إدارة الجمعية القيام ببعض الإصلاحات التي من
شرع شأنها أن تحسن سير الجمعية وهي كالتالي:
أولاً: استحداث نظام (تغطية الشخص المنسحب) أي لو أن شخصاً (3/209)
صفحة 1298
210
الفتاوى المعاملات
انسحب من الجمعية فإن الجمعية تفقد جزءاً من رأس مالها لذلك تسعى الجمعية أن تحافظ على سد الثغرة الحاصلة بالانسحاب ويكون بالآتي: إيجاد البديل عوض الشخص المنسحب على أن يسدد الشخص البديل كل ما دفعه المنسحب من مبالغ مع أخذ البديل لنفس الدور الذي كان للمنسحب والسؤال:
1 - ما حكم هذه المعاملة؟ ـ
2 ـ إذا فرضت الجمعية لزوم إيجاد البديل سواء أكان عن طريق المنسحب أو إدارة الجمعية وعدم السماح لمنسحب بأخذ ماله إلا بعد إيجاد البديل، فهل للإدارة ذلك، علماً بأن كثرة الانسحاب يضعف سير الجمعيات ويخلخل توازنها ويلحق بالجمعية بعض الأضرار، وعند تعذر إيجاد البديل فإن الشخص المنسحب لا يسلم ماله إلا بعد وصوله للدور الذي يستحق به مبلغ الإقراض؟ ثانياً: رأت إدارة الجمعية لحل إشكالية أصحاب الظروف والحالات الصعبة من المشتركين الذين لا يستطيعون الاستمرار في سداد قسط الاشتراك أو انتظار فترة الوصول إلى الدور الذي به يحصل المشترك على مبلغ الإقراض حسب نظام القرعة ما يأتي: استقطاع مبلغ شهري من المال قدره واحد وعشرون ألفاً من أصل المبلغ الإجمالي وهو مائة وثمانون ألف ريال لصالح المشتركين، على أن يشمل صنفين هما:
-
المشترك الجديد حتى تصل فترة اشتراكه إلى عام يعطى هذا الصنف ثمانية آلاف ريال، بواقع ألفين ريال لكل مشترك، ويكون بالقرعة فيشمل أربعة مشتركين لكل شهر. (3/210)
صفحة 1299
فتاوى الديون
211
اثنا
الصنف
أصحاب الظروف الصعبة من المشتركين والذين يعانون من ضغوط مالية، بعد أن تجاوز مدة الاشتراك سنة، ويعطى هذا الصنف مبلغاً قدره عشر ألفاً بواقع ألفين لكل مشترك مع ملاحظة أن المشترك الذي تتعدى فترة اشتراكه سنة ولا تحاصره شيء من الظروف يبقى مع السابق، وعليه فإن حصول صاحب الظروف على جزء من مبلغ المقدم من القرض أكثر من غيره مراعاةً لحل أزماته ومشكلاته، شريطة أن يقدم صاحبها ما يثبت على صحة حاجته وظروفه، علماً بأن الواحد والعشرين
ألف جار استقطاعها من قبل، وإنما الذي سيتغير توزيعها وتقسيمها. ثالثاً: دفعاً لاستمرار حركة الجمعية وتشجيعاً منها أن يحاول أعضاؤها المشتركون أن يحثوا الناس على الاشتراك رأت الإدارة أن تتقدم بهذا الاقتراح لمعرفة حكمه الشرعي وهو كالتالي:
كل مشترك يأتي بشخص أو أكثر يعطى قرضاً ما يعادل المبلغ الذي ينظم
به الداخل عن طريقه لمدة أربعة أشهر، لتوضيح ذلك بالمثال الآتي: زيد مشترك في الجمعية قام بإحضار عمرو ومحمد وكان مجموع أسهم كل منهما مئتي ريال شهرياً، فلزيد أحقية الحصول على مبلغ ثمانمائة ريال من مبلغ القرض بعد مضي أربعة أشهر على دخول المشتركين الجدد الذين جاؤوا عن طريقه؟
1 - لا مانع من اشتراط البديل في انسحاب أحد من المشاركين، من أجل الحفاظ على استمرار الجمعية، وقيامها بالدور المطلوب منها والله أعلم. 2 - لا مانع من اقتطاع ذلك المبلغ لتغطية حاجات ذوي الظروف الطارئة الضرورية، مع حساب ما أخذوه عليهم عندما تأتي فترة أخذهم دورهم في أخذ القرض والله أعلم. (3/211)
صفحة 1300
212
الفتاوى المعاملات
3 ـ لا مانع من تشجيع الذين يأتون بشركاء جدد يسهمون في دفع عجلة الجمعية إلى الأمام بقروض رمزية كما ذكر في السؤال والله أعلم.
كُلفت
من قبل بعض الإخوة بإدارة جمعية مالية مساهمة، والحقيقة أن هذه الجمعية مسؤولية كبيرة وعظيمة فهي تحتاج إلى وقت وجهد، وكذلك إلى شيء من المال لشراء السجلات ودفاتر الإيصالات والمكالمات الهاتفية، ناهيك عن المسؤولية في حفظ هذه المبالغ والتي قد تصل إلى عشرات الآلاف من الريالات، وكل هذه المسؤولية على عاتق الشخص المسؤول عن هذه الجمعية، فهل يجوز لهذا الشخص أن يطلب من المشتركين في هذه الجمعية أن يدفعوا له مبلغاً رمزياً ـ وليكن نصف في المائة ـ مقابل ما يقوم به من هذه الأعباء والمسؤولية؟ وإذا اعتبرنا النصف في المائة مبلغاً كبيراً في حالة زيادة عدد المشتركين فهل لكم أن ترشدونا في قيمة المبلغ المعقول؟
نعم يجوز له أن يأخذ منهم قدر التكاليف التي يتحملها، وإن فضل شيء رد إليهم والله أعلم.
أشخاص أقاموا جمعية وعملوا فيها دون مقابل مادي، وبعد انتهاء مدة الجمعية وتسليم كافة المبالغ لأصحابها وجد فائض مالي، فكيف يتم التصرف بهذا المبلغ؟ وهل يجوز للأشخاص المذكورين الانتفاع بالمبلغ أو توزيعه بينهم؟
إن كانت إدارة الجمعية مفوضة في ذلك فإنها تعطى ذلك لهم بقدر عنائهم، وما بقي فمرده إلى جميع المشاركين والله أعلم. (3/212)
صفحة 1301
فتاوى الديون
213
مجموع
وعة أشخاص اشتركوا في جمعية مالية مرتبطة بجمعيات أخرى، ومدة الجمعية عشر سنوات، ولهذه الجمعية مؤسسون يديرون أموال الجمعية المرتبطة بالجمعيات الأخرى، أراد هؤلاء المؤسسون استحداث نظام جديد في الجمعية وهو مضاعفة السهم للمشترك عند استلامه للمبلغ، وذلك مع مضاعفة قيمة المبلغ الذي يستلمه، مثال ذلك اشترك شخص بسهم قيمته خمسون ريالاً لمدة عشر سنوات، فيكون المبلغ الذي يستلمه عندما يأتي دوره ستة آلاف ريال عماني، فإذا ضاعف قيمة السهم إلى مائة ريال فيستلم مبلغاً قدره اثنا عشر ألف ريال، ويستمر في دفع المبلغ المفترض إلى نهاية المدة، ذلك يؤثر سلباً على بقية المشتركين بتأخير الأدوار، فما حكم الشرع في هذا النظام؟ وهل يجب على المؤسسين مشاورة جميع المشتركين في الجمعية أم لا؟
إن كان ذلك يضر بغيره من المشتركين ويؤثر عليهم فهو غير جائز
والله أعلم.
التحقت بإحدى الجمعيات الخيرية دون أي شروط سوى شرط واحد وهو عند الاستلام أحضر صكاً شرعياً بالمبلغ المستلم، أردت الانسحاب من هذه الجمعية فاندهشت لما أبدوه حول انسحابي من أنه يجب أن أدفع لهم عن كل مائة ريال مقدار ريال واحد، ولما سألتهم عن سبب هذه الزيادة المأخوذة عني أخبروني بأنها عمولة مكتبية، فهل يجوز ذلك
شرعاً؟
إن كانت الجمعية تنفق ذلك فيما لا بدّ منه من النفقات الضرورية لأجل تسيير أعمالها فذلك جائز والله أعلم. (3/213)
صفحة 1302
214
الفتاوى المعاملات
اشترك شخص في جمعية دون شروط عدا شرط الصك الشرعي، ولما جاء دوره في الاستلام أخبروه بأن يحضر شيكات من البنك بالإضافة إلى رهن المنزل أو أن يرهن أرض تعادل المبلغ، فهل يجوز ذلك شرعاً؟
يجوز الرهن من غير استغلال للعين المرتهنة من قبل المرتهن والله أعلم.
كما
نحن ولله الحمد ندير مجموعة من الجمعيات الخيرية، والتي تعلمون أنها جميعات غير ربحية ولا تجارية بل هي جمعيات تعتمد على القرض الحسن والتكافل بين أبناء المجتمع الواحد، ومن المعروف أن مشرفي هذه الجمعيات لا يتقاضون راتباً ولا مقابلاً نظير جهودهم، بل يرجون من الله السداد والمثوبة، ويتسابقون في أن يكونوا أنفع الناس للناس، إلا أن مصاريف هذه الجمعية أصبحت تشكل عبئاً على القائمين على مثل هذه الجمعيات وهذه المصاريف تتمثل في الآتي:
(طباعة قوائم المشتركين شهرياً من جهاز الحاسب، طباعة دفاتر إيصالات ودفاتر لتسليم المبالغ للمشتركين تصل كل طبعة إلى مائة دفتر أو يزيد، شراء أجهزة ترتبط بالحاسب الآلي لحفظ بيانات المكالمات التي تخص الجمعية ومتابعة سيرها، إنشاء مقر في المستقبل لتسهيل عمل الإدارة.
كما نود عمل صندوق للجمعية لكي ترتكز عليه ويحفظها من نوائب الدهر شأنها شأن كل مؤسسة تحمي نفسها برأس مالها. وحرصاً منا على مسيرة هذه الجمعيات على ما يرضي الله تعالى نتوجه إليكم بالأسئلة:
1 - ما رأي سماحتكم في أخذ نسبة مقدارها (1?) من مجموع المبلغ المسلم لكل شخص (أي عشرة ريالات في كل ألف)؟ وهل يشترط (3/214)
صفحة 1303
فتاوى الديون
215
رضى المشتركين بذلك علماً بأن المشترك تعهد بأن يكون خاضعاً لأي بند جديد تراه الإدارة للمصلحة العامة؟
2 - ما رأي سماحتكم إذا توفي أحد المشتركين ـ لا قدر الله ـ وكان دائناً للجمعية وليس مديناً ولكن دوره لاستلام حصته من الجمعية لم يصل بعد، فهل يعجل له ماله الذي دفعه أم أن الأمر يتسع لنا في تخيير الورثة بالاستمرار في الدفع عن صاحبهم أو إعطائهم المال حسب دوره في الجمعية طالت الفترة أم قصرت؟
- نقوم عادةً في حالة فصل أي عضو من الجمعية لعدم التزامه بقوانين الجمعية ولم يستلم دوره بعد بإيجاد مشترك آخر يشتري رقم المشترك الأول، وبمعنى آخر أن المشترك الجديد سيحل محل المشترك المفصول عن طريق دفع كل المبالغ التي دفعها فيه الأول، وتعاد تلك المبالغ للمشترك المفصول، فما رأي سماحتكم؟
أخذ
1 - نظراً إلى أن ذلك من ضروريات العمل ونجاحه فلا حرج في هذه النسبة الضرورية، ولا يتوقف ذلك على إخبار المشتركين ما داموا راضين بتسيير العمل وفق متطلباته والله أعلم.
2 - إذا كان الورثة مالكين الأمر بحيث لا يكون من بينهم يتيم ولا مجنون فالخيار لهم، وإلا فمع إمكان تقديمهم على غيرهم، فذلك أولى والله أعلم.
ـ لا حرج ما دام يرد إلى المفصول حقه كاملاً والله أعلم.
نحن مجموعة أفراد من أسرة واحدة اتفقنا على أن يدفع كل شخص مبلغ عشرة ريالات شهرياً، وذلك منذ ما يقارب الخمس سنوات، وفي بعض الأحيان نتوقف عن الاستمرار في دفع المبلغ المقرر وذلك لظروف (3/215)
صفحة 1304
216
الفتاوى المعاملات
خاصة، وكان الهدف من تجميع هذا المبلغ هو الاستفادة منه في الحالات الطارئة التي تحدث ـ لا قدر الله ـ على أحد هؤلاء الأعضاء تدفع عنه كتأمين حتى ينظر في أمره، وأيضاً مساعدة الأقارب المحتاجين في حالة وجود فائض منه، وقد بلغ مجموع المبلغ الحالي خمسة آلاف ريال. هل على هذا المبلغ زكاة؟ وفي حالة وجوب الزكاة عليه، فكيف تحسب الآن منذ تكوين هذه الجمعية وحتى الآن؟
إن كانت الجمعية لمصلحة المشاركين فيها فقط فهي مال خاص تجب فيه الزكاة إن حال عليه الحول وقد بلغ النصاب، وإن كان لمصلحتهم ولمصلحة غيرهم فهو كالوقف الخيري ولا زكاة فيه والله أعلم؟
الرهن:
ما هو الرهن وكيف العمل به شرعاً؟
هو عين متمولة يدفعها من عليه الحق إلى من له إلى أن يسترد حقه،
لتكون وثيقة في يده والله أعلم.
ما هو الإثبات الشرعي؟
هو إثبات الدين في عقار ونحوه إلى أن يستوفيه الدائن من المدين
والله أعلم.
ما هي الطريقة المثلى التي أقرها الشرع الحكيم في رهن البيوت؟ الطريقة السوية في ذلك أن يثبت حق الدائن في البيت، ويمنع صاحبه من التصرف فيه حتى يقضي دينه وتبرأ ذمته، ويبقى البيت في يد مالكه (3/216)
صفحة 1305
فتاوى الديون
217
يسكنه أو يؤجره، وإنما يمسك الدائن ملكيته لضمان حقه، وإن كان بخلاف ذلك فهو قرض جَرَّ نفعاً، وكل قرض جر نفعاً فهو ربا والله أعلم.
رجل ارتهن بيتاً من رجل بمبلغ معين من المال، فأجر البيت على صاحبه بإيجار شهري وكان ذلك على رضى الطرفين، هل يعتبر هذا نوعاً من الربا؟
نعم، هو عين الربا الذي لعن الله آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه، فإن المرتهن لا يحق له الانتفاع بالرهن، وإنما يبقى في يده وثيقة لدينه فقط
والله أعلم.
ما رأيكم في شخص قام بيناء عمارة سكنية تجارية، وأثناء البناء تعسرت عليه بعض المبالغ، ولم يستطع إتمام البناء، ولديه عمارة أخرى في موقع آخر، والمحلات التجارية التي توجد بهذه العمارة مؤجرة بالكامل، فقام برهن هذه المحلات بالكامل كل محل على حدة لعدة أشخاص، علماً بأن المرتهن يتقاضى قيمة إيجار المحل مقابل قيمة مبلغ الرهن، والآن أراد الراهن أن يفك ذلك الرهن، فهل المبالغ التي يستلمها المرتهن من إيجار المحل خلال فترة الرهن هي حق من حقوقه الشرعية، أم أن تلك المبالغ مرجعها للراهن؟
الرهن لا يجوز فيه استغلال المرهون من قبل المرتهن، وعليه فإن يجب أن يقتصر على استيفاء المبلغ الذي دفع إلى الراهن دون الإيجار المتفق عليه، لأن أخذه يعد من الربا والله أعلم.
رجل ارتهن منزلاً بـ 2000 ريال عُماني لمدة لا تقل عن أربع سنوات، وبعد ذلك أجر المنزل بثلاثين ريالاً لغير صاحب المنزل، وأن هذا المرتهن (3/217)
صفحة 1306
218
الفتاوى المعاملات
يقوم بتصليح المنزل من هذا المبلغ، فهل هذا يكون داخلاً في حكم الربا؟ نعم، هو عين الربا، إذ لا يجوز للمرتهن الانتفاع بالعين المرتهنة
والله أعلم.
شخص رهن بيته لآخر، وطلب الراهن من المرتهن بأن يؤجر له البيت لمدة غير معلومة، مع العلم أن الأجر خارج عن مبلغ الرهن، فما الحكم
هذا؟ الشرعي في
ذلك هو عين الربا والله أعلم.
رجل ارتهن من آخر بيتاً بعشرة آلاف ريال، ويعطي الراهن المرتهن سنوياً مبلغاً قدره (1200) ربحاً، فما حكم هذا الرهن؟
هذا هو عين الربا، لعن الله آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه والله أعلم.
رجل اقترض من جهة مبلغاً، على أن يدفع لهم أقساطاً معلومة لوفائها، وطلبوا منه أن يثبت لهم في حقهم شيئاً، فأثبت لهم بيته، ثم أراد أن ذلك البيت، فهل له أن يبيعه وهل للمشتري أن يستغل ذلك البيت
يبيع
بسكن أو إيجار؟
بما أنه أثبت حق الدائن فى البيت فليس له بيعه بدون إذن الدائن إلا بعد وفاء حقه، وله ـ أي المدين - الانتفاع به بالسكنى والإيجار والله أعلم. رجل أراد أن يرهن منزله حتى يسدد ما تبقى عليه من نقود للمقاول، وهو في أمس الحاجة لهذا المال فهل يلزمه عنه رهن المنزل أن يخرج منه، على الرغم أنه في حاجة شديدة إلى سكناه؟
رهن المنزل لا يكون إلا بإثبات حق الدائن - أي الدين ـ فيه، ويتصور (3/218)
صفحة 1307
فتاوى الديون
219
فيه القبض بتسليم الملكية - في الوقت الحاضر حسب نظمه ـ إلى صاحب الدين، مع بقائها باسم المدين، وإنما تكون أمانة بيد الدائن والله أعلم. هل يجوز الرهن في آثار الماء، وكيف يكون القبض والحيازة فيها؟ وهل يجوز للمرتهن السقي بتلك الآثار، مع رضى الراهن أي مالكها؟ الرهن في ذلك بمجرد منع التصرُّف في الأصل وقبض الملكية، وأمّا الانتفاع بسقي الماء فهو من الربا، ورضى صاحبه لا يحله، كما لا يُحلُّ أكل الربا رضى مقترضه والله أعلم.
رجل يريد أن يرهن بعض ماله فهل سيبقى هذا المال المرهون في يد صاحبه الراهن، في حين أن المرتهن يأخذ الثمار والغلال، أم أن المرتهن يتولى هذا المال بمجرد الرهن، ويبقى معه طوال مدة الرهن إلى أن يسترد الرهن؟
ليس للمرتهن الانتفاع بالعين المرهونة وإنما هي وثيقة فقط تبقى في يده لضمان استيفاء حقه، أمَّا مَا ذكرتموه من الانتفاع بالثمار والغلال فذلك عين الربا والله أعلم.
دفع شخص نخيله إلى شخص آخر كرهن عنده مقابل اقتراض مبلغ من المال، فهل يحق للمرتهن الانتفاع بثمار هذه النخيل إذا كان يرعاها، (أي يرويها ويحرثها وينظفها ويقوم بتسميدها؟ وهل يحق له الانتفاع بثمارها إذا كان صاحبها الأصلي هو الذي يقوم بهذه الأشياء المطلوبة
لها؟
ليس له ذلك، فإن المرتهن لا يجوز له الانتفاع بالرهن، وإنما على مالك النخيل أن يقوم بجميع ما تتطلبه من أعمال والرهن في الأصول إنما هو (3/219)
صفحة 1308
220
الفتاوى المعاملات
مجرد إثبات حق لصاحب المال حتى لا يضيع ماله، ويمنع الراهن بموجبه من التصرف في العين المرهونة إلى فكاك الرهن والله أعلم.
أعمل موظفاً بإدارة إسكان، وأقوم من ضمن وظيفتي بتوثيق العقود المختلفة كعقود البيع والمبادلة والرهن، هل عملي هذا فيه نوع من الشبهة لا، نظراً لما يحتويه عقد الرهن من تحديد الفائدة التي يتحملها الراهن؟
إن كان الرهن غير مشوب بمعاملة محرمة، وإنما هو مجرد وثيقة شرعية في مقابل دين للمرتهن على الراهن، من غير أن يكون في معاملة ربوية، فلا حرج في ذلك، وما خفي عليك لم يلزمك البحث عنه والله أعلم.
رهنت بيتي لرجل، وكنت أدفع له إيجاراً، وقد استلم حتى الآن ما يقارب ألفي ريال عماني، فهل يجوز ذلك أم إن هذا المبلغ يسقط من قيمة الرهن؟
هو
بئس ما فعلتما، فقد عرّضتما أنفسكما لسخط الله تعالى، فإن هذا عين الربا الذي لعن الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال «هم سواء» (1)، أي في الإثم، ولا يجوز لك أن تعطيه فلساً واحداً أكثر مما أخذت منه والله أعلم.
رجل ارتهن مبني به محلات وشقق سكنية بمبلغ يقارب من قيمة العقار السوقية، وتم الاتفاق في العقد على أن يكون الرهن حيازياً، أي أن المرتهن يستغل إيجار العقار لنفسه حتى يقوم الراهن بسداد مبلغ الرهن، وينص العقد على أن مدة الرهن خمس سنوات، فهل يجوز للمرتهن في هذه الحالة أن يستغل عوائد المبنى لنفسه؟
كل قرض جرَّ نفعاً فهو ربا والمرتهن ليس له الانتفاع بالرهن والله أعلم.
(1) تقدم تخريجه. (3/220)
صفحة 1309
فتاوى الديون
221
رجل اشترى بيتاً من شركة وهذه الشركة تشترط رهن البيت في مؤسسة حتى تتم سداد الأقساط، ونتيجة لهذا الرهن فإن المؤسسة تأخذ مبلغاً معيناً عند بداية الرهن وعند فك الرهن فهل هذا الرهن جائز شرعاً؟ أما أخذ المرتهن شيئاً من الرهن فهو غير جائز، بل يعد من ضروب الربا
والله أعلم.
يوجد لدي منزل قد اشتريته منذ فترة وجيزة، وقد أجرته بمائة وعشرة ريالات عمانية شهرياً، وخلال هذه الأيام وقع أخي الأكبر في ظروف فأصبح مطالباً مالياً بسداد مبلغ خلال شهرين تقريباً، لذا قد عزمت على رهن منزلي المستأجر أعلاه، ولا أعرف أحكام الرهن الصحيح، وخوفاً من الوقوع في الربا - والعياذ بالله ـ وضحوا لنا ذلك؟
لك
الرهن الشرعي المباح هو أن تثبت له الحق في البيت، فلا يباح التصرف فيه، من غير أن ينتفع بشيء من غلته، وإن انتفع كان ذلك ربا
والله أعلم.
عن رجل ارتهن مزرعة ولكنه قال إنه ليس لديه وقت لزراعتها، فقال للراهن قم أنت بزراعتها وادفع لي مبلغ مائة وخمسين ريال كل شهر عن المبلغ، فوافق الراهن على اعتبار أنه إيجار للمزرعة، فدفع إيجار مدة ثلاثة أشهر (أربعمائة وخمسين ريال ثم توقف عن الدفع، والآن يسأل: هل يحق للمرتهن مطالبة الراهن بدفع هذا المبلغ، علماً بأن المزرعة ليس بها دخل وبها عمل؟
هذا هو عين الربا، ولا يحل أخذ أي شيء من هذا المبلغ، وهذه المعاملة يكتنفها الحرام من عدة أوجه والله أعلم. (3/221)
صفحة 1310
222
لعن
الفتاوى المعاملات
ما قولكم فيمن يرتهن نخلاً أو بيتاً مثلاً، فيستغل ذلك الرهن، كأن يأخذ ثمرة النخل أو أن يؤجر البيت لصاحبه ويأخذ ثمنه، فهل يجوز ذلك شرعاً؟
هذا هو عين الربا، الذي حرمه الله في كتابه وعلى لسان رسوله، وقد الله المتعاملين به على لسان رسوله، إذ ليس للمقرض أن يقتضي أكثر مما أقرض ولو بفلس واحد والرهن الشرعي ما هو إلا وثيقة بيد المسترهن يستوثق بها من استيفاء حقه، وليس له أن ينتفع به في شيء، وإلا فقد خاض غمار الربا والعياذ بالله منه. والله أعلم.
رجل رهن دكاناً، ثم أجره، فهل النقود التي يستلمها من الإيجار حرام أم
حلال؟
إن كان الرهن وثيقة الدين فما على الراهن حرج إن انتفع بماله سواء كان بالسكنى أو بالإيجار. والله أعلم.
رجل رهن بيته على بنك، ثم عقد عقداً آخر بالمحكمة، فما حكم ذلك؟ إن كان البيت مشغولاً بعقد فالعقد الثاني باطل والله أعلم.
عندي بيت في تنزانيا، وأريد أن أرهنه في بنك ربوي وأستخدم النقود - نقود الرهن - في تجارة ما فهل يجوز ذلك؟ مع العلم أني في
لذلك المال؟
حاجة
هذه معاملة ربوية إن كان البنك يستغل البيت أو يتقاضى زيادة على القرض، وفي الحديث «لعن الله الربا وآكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه) والحاجة لا تبيح الربا المحرم والله أعلم.
(1) تقدم تخريجه. (3/222)
صفحة 1311
فتاوى الديون
223
رجل رهن أرضه مقابل مبلغ من المال، وأخذ المرتهن يستغل الأرض
طيلة تلك الفترة إلى أن رجع المال، فماذا يلزم كلاً منهما؟
هذا قرض جر
نفعاً
وهو ربا، بالإجماع وعلى الجانبين التوبة، وعلى
المقرض رد ما أخذه إلى المقترض ما عدا مقدار قرضه والله أعلم.
يمنحني
احتجت مبلغاً من المال قدره خمسة آلاف ريال، وذهبت إلى أحد المواطنين الميسورين وطلبت منه هذا المبلغ، ووافق أن وطلب مني أن أقوم برهن ملكية منزلي الذي أقيم فيه لإثبات حقه، وأطلب المدة التي تكفي لرد المبلغ وطلبت مدة عشر سنوات، ولكن طلب مني أن أدفع مبلغ خمسين ريالاً إيجار المبلغ، والآن مضى عامان وأنا أدفع له، حيث دفعت ألفاً ومائتي ريال عماني، هل الذي أدفعه كل شهر خمسين ريال ينزل من مبالغ الخمسة آلاف أم لا؟ وهل له الحق أن يخرجني من منزلي إذا توقفت عن دفع الإيجار الشهري مثل ما يقول أم لا؟ مع العلم بأنه يوجد عندي مهلة باقية قدرها (8) سنوات لرد المبلغ.
ذلك الاتفاق هو عين الربا ولا يحل بحال، وعليه أن يعتبر ما تدفعه من قضاء الدين، ولا معنى لإخراجك من البيت وإنما عليك أن تقضي حقه
والله أعلم. استلف رجل من آخر مبلغاً من المال فأسلفه برهن (24) نخلة، ثم قال الذي أسلف لصاحب الرهن انتفع باثنتي عشرة نخلة وانتفع أنا بالباقي،
فهل تصح صورة هذه المعاملة؟
ذلك هو عين الربا والله أعلم. (3/223)
صفحة 1312
224
الفتاوى المعاملات
رجل وكيل أيتام ولديهم مال ورثوه من أبيهم، ويريد أن يرتهن لهم به مالاً وبيتاً، هل يجوز ذلك؟
إن كان المراد بالرهن أن يأخذ لهم عقاراً أو مالاً يستغلونه فذلك غير جائز قطعاً، لأن الانتفاع بغلة الرهن ضرب من ضروب الربا والله أعلم.
هل تلحق عقوبة الربا الراهن إذا كان الراهن غير متعلم لا يعرف أن هذا هو الربا؟
عليه أن يتعلم، ولو كان الجهل سلامة للمرء لكان خيراً له من العلم
والله أعلم.
قمت برهن حجرتين من منزلي مقابل مبلغ وقدره ألفان وستمائة ريال عُماني، على أن تكون مدة الرهن عشر سنوات، ومبلغ خمسين ريالاً عُمانياً كقسط شهري، عموماً استمريت بدفع القسط المتفق عليه لمدة سبع سنوات وعشرة أشهر، حينها توقفت عن الدفع حيث أصبح إجمالي المبلغ المدفوع أربعة آلاف وسبعمائة ريال عماني، أي بفارق زيادة قدرها ألفان ومائة ريال عُماني عن المبلغ الأصلي. صاحب الحق المرتهن لا يزال يطالب بالمبلغ الأصلي ألفين وستمائة ريال عماني، فهل يحق له ذلك؟
بئس ما اتفقتما عليه فهذا هو عين الربا الذي لعن الله على لسان رسوله آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه» (1)، وقد جعله الله حرباً بين آكليه وبينه، وليس للمرتهن إلا ما دفع فقط والله أعلم.
(1) تقدم تخريجه. (3/224)
صفحة 1313
فتاوى الديون
225
قام رجل بفداء ربع الرهن، حيث كان المنزل هو الرهان المقبوضة بين الراهن والمرتهن، وبما أن المدة المتبقية بينهما عند المكاتبة قليلة، إذ انتهت هذه المدة فهل يترم (1) المنزل؟ وهل من حق المرتهن أن يأخذ المنزل
بعد أخذه ربع المبلغ؟ أم تجدد المكاتبة بينهما على المبلغ المتبقي؟
أما الرهن فلا يحدد بمدة يملك بعدها المرتهن العين المرهونة، وإنما هو مجرد وثيقة تبقى في يد صاحب الحق حتى يستوفي حقه، ولعل السائل لا يفرق بين الرهن وبيع الإقالة، وليس تعارف العوام أن بيع الإقالة رهن إلا حجة قاطعة بأن ما يتعاملون به مما يسمى بيع إقالة حرام، فإنهم لا يقصدون به بيعاً، وإنما يتذرعون به الربا المحرم شرعاً والله المستعان.
شخص أراد أن يبيع منزله لشخص آخر مقابل أن يقوم المشتري بإعطاء البائع أرضه السكنية إضافة إلى مبلغ خمسة وعشرين إلف ريال عماني، إلا أنه لن يدفع هذا المبلغ جميعه للبائع ولكن يدفع جزء منه والباقي على أقساط شهرية، فقال له البائع أسلمك البيت بعد أن تسدد جميع الأقساط، واتفقا على ذلك، فما حكم هذا البيع؟ ليس للبائع منع تسليم البيت المبيع إلى المشتري لأجل تأخير ثمنه، حتى لا يكون من باب المنفعة في مقابل الدين، وإنما له أن يمسك الملكية ويبقيها باسمه إلى أن يستوفي ثمن المبيع والله أعلم.
ارتهن أبي مزرعة من شخص آخر بقيمة تسمعائة ريال عماني، وبعد أن تم عقد الرهن واتفق الطرفان، قام أبي بتولي أمر هذه المزرعة وكأنها صارت ملكه وأخذ يأكل غلتها وذلك لمدة أربع سنوات، مع العلم بأنه
(1) أي تنتقل ملكيته من صاحبه الأصلي إلى المشتري بسبب انتهاء مدة الإقالة. (3/225)
صفحة 1314
226
الفتاوى المعاملات
لم يشتر هذه المزرعة وإنما أكل غلتها بدون مقابل جهلاً منه بالحكم الشرعي، ومعتبراً أن الرهن كأنه بيع، ولم يكن صاحب المزرعة بأقل جهلاً فقد رضي بذلك، وهذه العادة وللأسف الشديد متفشية وخاصة في أوساط كبار السن والذين لا يقتنعون بكلام ناصحهم:
1 - ما الحكم الشرعي لفعل أبي هنا؟
الرهن إنما وثيقة دين، ولا يحل للمرتهن أن ينتفع بأي شيء من الرهن، وإلا وقع في الربا والله أعلم.
2 ـ ما حكم أكلنا أنا وإخوتي من غلة هذه المزرعة؟
لا يحل لكم ذلك والله أعلم.
3 ـ ما صحة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الرهن لمن رهنه له غنمه وعليه
غرمه»؟
هو مجمع على معناه والله أعلم.
4 ـ هل من كلمة توجه لهؤلاء الناس تردعهم عن هذه العادة؟
عليهم أن يتقوا الله وأن يتجنبوا هذه المزالق والله أعلم. (3/226)
صفحة 1315
فتاوى الشركات (3/227)
صفحة 1316
الفاوي (3/228)
صفحة 1317
الشركات
فتاوى الشركات
229
شخص سلّم آخر مبلغاً من المال لإنشاء شركة صناعية، فسجلها الآخر باسمه، وتقاسماً الأرباح طوال ما يربو على 15 سنة، ازدهرت الحركة واكتسبت شهرة وأموالاً عقارية ومنقولة، وبعد تلك المدة أرجع الثاني للأول مبلغاً ضئيلاً من المال مخبراً إياه دون اتفاق سابق أنه أنهى الشراكة بينهما، مدعياً أن المبلغ المقدم مجرّد سلفة، ولا رأس مال في الشركة له، في حين أن ذلك المصنع متواصل النشاط وبقي يجني أرباحه لوحده. أستفتي سماحتكم عن حكم الشرع في هذا التصرف؟
وكيف يمكن إرجاع الحقوق لصاحبها في مثل هذه الحالة، لكي ينجي الشريك الثاني نفسه في الدنيا والآخرة؟
إن كان جعله أميناً له أو شريكاً له في الشركة فهما على ما اتفقا، وعلى الثاني أن يدفع للأول كامل حقه، وإن كان دفع الأول للثاني ما دفع الأول للثاني ما دفعه إليه على أنه سلفة فما عليه إلّا أن يرد المبلغ، ولكن هذا يتنافى مع تقاسمهما الأرباح لمدة اثني عشر عاماً، وإن كان غمطه حقه فتوبته موقوفة على رد المظالم والله أعلم.
شركة تعمل في استيراد وتصدير العملات العربية والأجنبية، ولا تحدد نسبة الفوائد التي تعود على الشخص المشترك، فهذه الأرباح قابلة للزيادة والنقص حسب الأرباح التي تعود على الشركة. فما حكم الاشتراك في هذه الشركة؟
إن كانت الشركة متقيدة بالشريعة الإسلامية في جميع معاملاتها، بحيث لا يكون الصرف إلا يداً بيد فهو سائغ، وإلا فلا، والله أعلم. (3/229)
صفحة 1318
230
الفتاوى المعاملات
ما قولكم في المساهمة في شركة أو جمعية تعاونية تعمل في سلك التجارة، إلا أن جزءاً صغيراً من تجارتها يدخل في بيع السجائر، أو غيرها من البضائع التي تدخل في المحرمات شرعاً لاستعمالها لغرض محرم؟
إن كان فيها اشتراك في محرم، فلا تجوز المشاركة فيها والله أعلم.
كل سنة
بجمع
المساهمات
توجد في المدارس النظامية مؤسسة تسمى بـ (الجمعية التعاونية) المشتهرة على الألسنة باسم (المقصف)، وهي مؤسسة تابعة للمدرسة وتقوم ببيع وجبة الإفطار لطلبة المدرسة، وهذه المؤسسة تقوم في بداية من الطلاب، وتكون الأرباح موزعة على المديرية التي تتبعها هذه المدرسة بنسبة معينة، والمدرسة بنسبة معينة والطلاب المساهمين كذلك، علماً بأن الجمعية التعاونية تودع أرباحها إلى نهاية السنة في أحد البنوك، ويكون ربح الطالب المشارك زيادة عن مشاركته، أو ترجع له نفس الحصة التي شارك بها من غير زيادة، فما حكم هذه المعاملة؟
ليس لأحد أن يشارك في مؤسسة لا تجتنب الربا، وإن اضطر إلى المساهمة فليأخذ رأس ماله فقط، هذا إن كان الإيداع في البنك يترتب عليه أخذ شيء من الربا، وإلا فلا جناح في ذلك والله أعلم.
إن لم تدخل المؤسسة أموالها في البنوك وإنما استغلتها في التجارة الخاصة بها (بيع الأغذية للطلاب والقيام بمشاريع مثمرة للمدررسة)؟
فما حكم المشاركة؟
لا مانع والله أعلم. (3/230)
صفحة 1319
فتاوى الشركات
231
إذا طلبت المدرسة من أحد المعلمين المواطنين القيام بإدارة أمور هذه
المؤسسة؟ فهل يقبل على الحالة الأولى؟
لا، إلا مع توقي الربا والله أعلم.
على الحالة الأولى: لو شارك أحد الطلاب في هذه المؤسسة بالمساهمة المالية (جهلاً)، ثم أربح مالاً نهاية السنة فماذا يصنع به الآن؟
يتخلص منه بدفعه إلى الفقراء إن اختلط بالربا والله أعلم.
ثلاثة إخوة اشتروا مالاً أخضر، الأول ألفاً دفع
وخمسمائة قرش فضة،
ألفاً وثمانمائة قرش
ألفاً وستمائة قرش فضة، والثالث دفع والثاني دفع فضة وموجود بالخارج، واقتسم المال بين الأول والثاني، والثالث لم يعط شيئاً (الموجود في الخارج لأنه ليس له وكيل، والشهود شهدوا على قسمة المال ولم يعطوا المذكور الموجود في الخارج شيئاً من المال، والمال باسم الثلاثة، فما الحكم؟
لكل نصيبه بقدر ما دفع من الثمن، وإن تشاجروا فليترافعوا إلى القضاء الشرعي والله الموفق.
لقد تم الاتفاق بيني وبين قريبي على أن يشاركني في شراء منزل، وهذا المنزل مؤجر على أن يكون الإيجار بنسبة الاشتراك برأس المال لكل منا، علماً بأني بعد فترة سوف أقدم على شراء المنزل المشار إليه لحاجتي للسكنى فيه، فهل هذا الاتفاق فيه ربا أم لا؟
إن كنتما اشتركتما في الشراء فحصة كُل منكما بحسب شركته، وليس في ذلك ربا، ولو أنكما اتفقتما من بعد على أن تشتري حصة صاحبك أو يشتري حصتك والله أعلم. (3/231)
صفحة 1320
232
الفتاوى المعاملات
إذا كانت شركة مساهمة تقسم الربح مرة في العام، فهل يجوز لها أن تحسب الربح بحساب شهور العام، فتعطي من اشترى أسهماً وسط العام من الربح دون ما تعطي من اشترى أول العام؟
جميع
إن كان توزيع الربح بحسب الأسهم، وبحساب دقيق، بحيث يعطى كل ذي حق حقه فلا مانع من ذلك، وهذا لا يتم إلا بمعرفة الربح ومقداره في أشهر العام والله أعلم. فتحت شركتنا صندوقاً تعاونياً يدفع المشترك مساهمة شهرية، على أن تقوم الشركة ببناء أو شراء منازل يتم تمليكها للمشتركين حسب قرعة تجرى سنوياً لاختيار عدد معين من المشتركين في هذا الصندوق، ويقوم المشترك بعد حصوله على المنزل بدفع رسم استعمال شهري مقابل استخدامه لذلك المنزل ولمدة زمنية محددة، الاتفاق عليها سابقاً ـ لحين توفير المساكن لجميع المشتركين، علماً بأنه يتم رهن قطعة الأرض والبناء لصالح الشركة لحين الانتهاء من تمليك المنازل لجميع المشاركين، فما رأيكم في
تم
المعاملة؟
-
هذه
إن كان ملك هذه المنازل يظل للشركة إلى حين استيفاء ثمنها، وتكون ملكيتها بيد الشركة من أجل الاستيثاق من الوفاء، ويكون الرسم إيجاراً للشركة، فأرجو أن لا يكون في ذلك حرج والله أعلم.
نحن خمسة أشخاص نود الاشتراك في بناء بيوت على الطريقة الآتية: كل منا يملك أرضاً سكينة باسمه في أماكن مختلفة.
يدفع كل منا خمسمائة ريال شهرياً (أي المبلغ الإجمالي في الشهر ألفان وخمسمائة ريال ثلاثون ألف ريال سنوياً). (3/232)
صفحة 1321
فتاوى الشركات
233
يبنى في كل عام بيت لأحدنا في أرضه وذلك بالاتفاق ما بيننا أو بالقرعة). يستلم صاحب الأرض المتفق على بنائها المبلغ شهرياً، ويقوم ببنائها حسب خارطته على ألا تقل قيمة البيت عن ثلاثين ألفاً) وله أن يزيد عن ذلك إذا أراد.
يكون البيت ملكاً للجميع وعلى صاحب الأرض أن يستأجر هذا البيت بعد اكتمال البناء بإيجار يحدد مسبقاً عند الاتفاق على الشراكة، ولكنه لا يتم تحصيل الإيجار إلا بعد إكمال بناء البيت.
يوزع الإيجار على خمسة أشخاص بالتساوي. تنتهي الشراكة بعد أن يكمل بناء جميع الأرض، ويكون لكل منا بيت ملك له، وله أن يتصرف به ما يشاء، ما حكم هذه المعاملة شرعاً؟ لا أجد مانعاً من العمل بهذا النظام، وفي ذلك احتراز من الربا والوقوع فيه والله أعلم.
ما قولكم في شركة يُسلّم إليها الناس بضائعهم لتبيعها وتتقاضى منهم أجرة محددة بنسبة معينة من قيمة البضاعة أو من ربحها، على
الاتفاق؟ وما الذي يعجبكم في حكم المضاربة بغير النقود؟
أن لا مانع من تبيع الشركة البضاعة، على أن تكون شريكة في الربح أو لها نسبة من قيمتها فيما أرى، ولا بد في المضاربة أن تكون بالنقود أو العملات المتداولة لأجل الضبط والله أعلم.
بعض الشركات يكون لها فروع فيذهب إنسان إلى فرع من فروعها فلا تكون تلك السلعة موجودة، وإنما هي موجودة في الشركة الأم، فيقوم بإبرام الصفقة مع ذلك الفرع مع أن السلعة غير موجودة فيه، فهل هذا (3/233)
صفحة 1322
234
الفتاوى المعاملات
يدخل في بيع ما ليس عنده أم تعتبر شركة واحدة ويكون اليبع صحيحاً؟ إن كان المالك واحداً للفرع وللأصل ـ سواء كان المالك فرداً أو جماعة ـ ففي هذه الحالة لم يبع ما ليس عنده، وإنما باع ما لم يك حاضراً هنالك، ولكن المواصفات الدقيقة الآن أصبحت تقرب صفة المبيع من
إدراك المشتري فلا حرج في ذلك والله أعلم.
المضاربة (1):
ما
هي
الأركان التي يقوم عليها عقد المضاربة؟
أركانه المضارب، وهو العامل الذي يعمل، وصاحب رأس المال، ورأس المال نفسه مع كون التجارة معروفة فإما أن يطلق له العنان بحيث يتجر
بأي شيء، وإما أن يحدد له صاحب رأس المال ما يتجر فيه والله أعلم.
صاحب رأس المال، هل يشترط فيه البلوغ والعقل أم يمكن أن يضارب بأموال اليتامى والمجانين؟ اليتامى والمجانين لا يجوز أن يكون العقد بينهم وبين المضارب، لا يملكون التصرف، وإنما يملك التصرف في أموالهم وفق مصلحتهم القائم بأمرهم، فإن كانت المصلحة متعينة لهم في ذلك، ولا يخشى عليهم تلف مالهم فلا مانع من ذلك، لأن ذلك يندرج ضمن قوله تبارك وتعالى: وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَى قُلْ إِصْلَاحُ لَهُمْ خَيْرٌ} (البقرة: 220] أي تراعى مصلحتهم،
لأنهم
وكذلك حكم المجانين والله أعلم.
(1) الاتفاق على إعطاء نقد للتجارة به مقابل جزء من ربحه. (3/234)
صفحة 1323
فتاوى الشركات
235
هل يجوز المضاربة بالعروض؟ فبدلاً من أن يعطيه نقداً يعطيه عروض
يتاجر بها؟
لا، يجب أن يعطيه نقداً، لأن العروض ترتفع قيمتها وتنزل (1) والله أعلم.
إذا دفع إنسان ماله لآخر مضاربة وحدد له وقتاً معيناً تنتهي عنده المضاربة كأن قال له خذ هذا المال لسنة أو سنتين، فما هو الموقف من هذا التقييد؟ ولو انتهت المدة ولم يبع السلع بعد، فما رأي سماحتكم في ذلك؟
إن كان لم يبع السلع ولم يتيسر له ذلك فإن ما باعه فقد انتهى الأمر فيه باستحقاقه النسبة التي اتفقا عليها من ربحه، وإن كان قد قام بعناية فوق ما استحقه من ربح الذي باعه، فإن هذه العناية يحسب له أجرها أجر المثل، والسلعة ترجع إلى صاحب المال والله أعلم.
هل يجوز اشتراط مبلغ معين للمضارب في المضاربة؟
اشتراط مبلغ معين هو خلاف ما تقتضيه المضاربة، لأن المضاربة إنما هي مشاركة في ريع التجارة وليست أجرة معينة تحسب للمضارب والله أعلم.
بنك إسلامي خارج البلاد يطلب المشاركة في أمور تجارية على أساس الربح والخسارة، ولكن للربح شرط، وهو إذا بلغت الأرباح نسبة معينة وتعدتها، فإن الزيادة على النسبة المذكورة لا توزع للمشاركين، بل تحول للميزانية الاحتياطية، وإذا تعرض البنك لأي خسارة فسيتم تغطيته
(1) لما رواه الربيع في كتاب البيوع في باب الربا والانفساخ والغش (587) من طريق ابن عباس مرفوعاً ... ولا قراض إلا بعين». (3/235)
صفحة 1324
236
الفتاوى المعاملات
من الميزانية الاحتياطية، فهل المشاركة جائزة أم لا؟ أفيدونا وجزاكم
خيراً؟
إن كان ذلك برضى الجميع فلا حرج والله أعلم.
الله
اتفق أخوان على القيام بأعمال تجارية مختلفة ومشروعة، قدّم أحدهم رأس المال والآخر خدمات لتنمية رأس المال وتحقيق الربح، فهما شريكان في التجارة، علماً بأن الشخص الذي قدّم رأس المال اشترط بأن لا يشترك في الخسارة وإنما يشترك في الربح فقط، وبعد فترة متفق عليها بأن يرجع رأس المال كاملاً إلى صاحبه الذي قدمه؟
هذا هو عين الربا، فإن المضاربة الشرعية تقتضي أن يكون المضارب أجيراً ليس عليه من الخسارة المالية شيء، وحسبه أن يخسر عناءه، وإنما الخسارة المالية كلها على صاحب رأس المال فإن ربحت المضاربة كان الربح بينهما حسب النسبة المتفق عليها، وما اتفق عليه الطرفان حسبما جاء في السؤال هو خلاف ذلك، فهو ربا، محض، لأنه من جنس القرض
والله أعلم.
رجل طلب مبلغاً من المال من البنك لشراء سيارة، وكان الاتفاق بينه وبين البنك على أن يبيع الرجل السيارة ويتقاسما الربح بعد البيع، فيعيد المبلغ الذي استلفه من البنك بالإضافة إلى نصف الربح، وهذا ما يسمى بالمرابحة، فما الحكم الشرعي في ذلك؟
إن كانا متفقين على أن يشتري تلك السيارة ويبيعها على هذا النحو فهذا يدخل في ذرايع الربا، أما إن كان البنك أعطى العميل مبلغاً من المال على أن يتاجر في السيارات، بحيث يبيع ويشتري ويكون الربح بينهما قسمين، (3/236)
صفحة 1325
فتاوى الشركات
237
وتكون الخسارة على البنك نفسه لأنه هو صاحب المال، والعميل يتاجر المضاربة
بهذا المال فقط - إن كان الأمر كذلك ـ فلا حرج فيه، لأن هذه هي الشرعية والله أعلم.
امرأة أعطت أخاها مبلغاً من المال قدره عشرة آلاف ريال، وهو في الأصل لابنتها، وذلك يدخله في تجارته عن طريق المضاربة، ولم تتم المكاتبة بينهما لا في المدة ولا في نسبة الربح، ولا في أي شرط من الشروط، ثم احتاجت صاحبة المال إلى مالها لأمر ألم بها:
هل لها أن تطلب رأس المال من المضارب؟ هل يجب عليه توفير رأس المال سواء كان مستطيعاً أو غير مستطيع؟ - ما الحكم الشرعي إن هو رفض إعطاءها رأس المال بدعوى أنه تاجر به في تجارته، ولا يستطيع جمعه إلا بعد سنين، لا سيما وأنه لم تكن بينهما مكاتبة ولا شروط بل كانت الثقة بينهما هي الأصل؟ أخطأت المرأة في إدخال مال ابنتها في التجارة إن كانت لا تملك أمرها أو لم تكن راضية بذلك، وعليها ضمانه إن تلف، أما الأخ المضارب فلا يلزم - إن كان لا يعرف أن هذه المرأة جاءت به من غير مالها ـ أن يرده إلى أن يتمكن من تصفية هذه التجارة وإعطائها حقها ونصيبها من الربح، وإن كان متواطئاً مع أخته على ما صنعا وهو يدري أن المال غير مالها فعليه التعجيل في توفير المبلغ لها والله أعلم.
رجل يملك سجلاً تجارياً ويريد أن يعمل بالتجارة، بحيث يفتح على سبيل المثال محل خطاط وسوف يعمل بالمحل موظفان أحدهما أكثر خبرة في مجال الخط ونقوشه عن الآخر، وحيث إنهم جميعاً متفقون (3/237)
صفحة 1326
238
الفتاوى المعاملات
على المبدأ بحيث لا يكون للموظفين راتب مقطوع من أول الأمر أو لصاحب السجل أصل رأس المال نسبة محددة، فإنهم قد عزموا على تقسيم نسبة الربح بالنسبة بينهم جميعاً، بحيث يأخذ صاحب السجل التجاري (50) من نسبة الأرباح نظراً لكونه صاحب السجل والممول للمشروع والمتحمل لنفقاته وغراماته، بينما يأخذ الفرد الثاني نسبة (30) من الأرباح لكونه الأكثر خبرة في مجال كتابة الخطوط ونقوشها، أما الثالث فله نسبة (20?) من الأرباح لكونه الأقل خبرة من زميله فإذا كان الجميع راضين عن هذا الاتفاق فما مدى مشروعية هذا الاتفاق؟
لا مانع منه، فإن هذه هي المضاربة الشرعية والله أعلم.
الأسهم والسندات:
ما حكم بيع وشراء الأسهم:
أولاً: يجب أن يكون معلوماً عند المتاجرين بهذه الأسهم بيعاً أو شراء أنَّ الإسلام يحرم الغَررَ في المعاملات كلها، ولذلك حرم المقامرة لما فيها من الغرر، ونص النبي صلى الله عليه وسلم على النهي عن بيع الغرر)، كما نص على النهي عن بيوع بعينها لما فيها من الغرر كبيع الثمرة قبل دراكها (2)، واتفق أهل العلم على أنه مما يدخل في بيع الغرر كل ما كان مستوراً، فكان مجهول
(1) تقدم تخريجه. (2) أخرجه الإمام الربيع ص 244 رقم 558 بلفظ «نهى النبي عن بيع الثمار حتى تزهو»، فقيل له: يا رسول الله وما تزهو؟ قال: «تحمر» فقال رسول الله: «أرأيتم لو منع الله الثمرة فيما أخذ أحدكم مال أخيه». (3/238)
صفحة 1327
فتاوى الشركات
239
العين أو الوصف أو المقدار، كالتمر في الظرف بدون نقش، وما كان في داخل الأرض من الثمار كالجزر ... إلخ، وعليه فإنه لا يحل بيع وشراء الأسهم إلَّا بعد معرفة مقدار رؤوس أموالها، وإحراز ما حققته من أرباح، والتمييز ما بين الأموال الناضة - أي النقدية - وبين عروض التجارة التي تتعرض لارتفاع السعر وانخفاضه، وتقدير كل من ذلك بقدره، ثم بجانب ذلك لَا بُدَّ من أن يكون بيع الأموال النقدية يداً بيد ومثلاً بمثل، كما نص عليه الحديث الشريف، وذلك قوله لال «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والزبيب بالزبيب والملح بالملح، يداً بيد مثلاً بمثل، فمن زاد أو استزاد فقد أربى» (1)، على أن تكون الشركة ذات الأسهم المتداولة متقيدة بأحكام الشريعة الإسلامية، بحيث تجتنب الربا والغش والغرر، وجميع المعاملات المحجورة، ولا تتجر إلا في أعيان مباحة، هذا ما ظهر لي والله أعلم.
ما قولكم في التعامل بأسهم لسوق الأوراق المالية؟ ولقد سمعت سؤالاً عن هذا الموضوع ولم أفهم الإجابة من لدنكم، فأرجو التوضيح؟ وهل هنالك ما يدل على أن سوق الأوراق المالية من مساوئ الربا، علماً بأنه يعتبر من نوع المضاربة المالية، أي أن المشتري لا يعلم بالربح
ولا بالخسارة؟
أولاً: هذا المشتري ما الذي يشتريه. إذ يدخل الإنسان السوق ويتجر بيعاً وشراء فلا يعرف ما الذي اشتراه وما الذي باعه وبلغني أن أحداً من الناس دخل السوق، وفي ظرف مدة يسيرة استفاد نصف مليون، بأي طريق؟ ما الذي يبيعه؟ وما الذي يشتريه؟ مع أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيوع الغرر، فبيوع الغرر بيوع
(1) تقدم تخريجه. (3/239)
صفحة 1328
240
الفتاوى المعاملات
محرمة، ولذلك حرم الميسر من أجل الغرر الذي فيه، ومن ذلك أن يبيع الإنسان الثمر قبل دراكه، حرم لأجل الغرر، أو أن يبيع السلعة غير مكشوفة، فلا يعرف
ما
نوعها ولا يعرف حجمها ولا يعرف قدرها كذلك هذا الذي يشتري الأسهم، هو الشيء الذي يشتريه؟ لا بد من أن يكون على بينة، بحيث يعرف ما يبيعه وما
يشتريه، لا أن يبيع شيئاً وهمياً أو أن يشتري شيئاً وهمياً ويربح في شيء وهمي، فإن كانت شركة تعرض أسهمها للبيع فلا بد أن تعرف ما هو رأس مالها؟ وإن كانت تتجر ففي أي شيء تتجر، هل تتجر في مواد البناء، أم تتجر في الحديد، وما هو مقدار الحديد الذي عندها؟ وإن كانت تتجر في المواد الغذائية، فما هي مقاديرها؟ ومن أي نوع هي؟ حتى يعرف مقدارها، وإلى كم سهم تنقسم؟ حصة هذا المشتري من هذه الكمية الموجودة من هذه المواد الغذائية؟ ذلك أنه لا بد من أن تقدم كشوفاً بكل ما عندها، ثم بجانب ذلك لا بد يكون البيع فيما عندها من الأموال الناضة - أي الأموال النقدية - يداً بيد ومثلاً بمثل، وأن تكون هذه الشركة أيضاً قائمة على أسس شرعية، بحيث لا تتجر في الربويات ولا تعامل الناس بطريق الربا والله أعلم.
وما
هي
ومعنى
أن من
هل يجوز بيع وشراء أسهم في سوق الأوراق المالية، إذا كان شخص اشترى أسهماً من هذا السوق بمبلغ ريال واحد للسهم، وباعه بعد ذلك في فترة ما بريالين؟ إن كان ذلك سعراً حقيقياً، وباعه نقداً يداً بيد فلا حرج في ذلك والله أعلم. هل يجوز شراء الأسهم من الشركات المساهمة العامة، والتي تُطرح عن طريق سوق الأوراق المالية؟
إن كانت الشركات متقيدة في معاملاتها بالشريعة الإسلامية، وكان بيع
أسهمها لا غرر فيه، والبيع نقداً يداً بيد، فلا مانع من ذلك والله أعلم. (3/240)
صفحة 1329
فتاوى الشركات
241
ما حكم الإسلام في شراء وبيع الأسهم من الشركات بسوق الأوراق
المالية؟
أولاً: يجب الاحتياط والتحرز باستقصاء أحوال هذه الشركات، وما إذا كانت متقيدة بالضوابط الشرعية في معاملاتها، بحيث إن كانت خارجة عن إطار الشريعة فإن المساهمة فيها غير جائزة، أما إن كانت متقيدة بأحكام المعاملات الشرعية فإن ذلك يجوز، بشرط أن يحصى ما فيها من النقود ومن العروض، ويكون البيع بسعر السوق الحقيقي يداً بيد، حتى لا يقع هناك بيع شيء بجنسه نسئة، مع اعتبار أن تكون النقود بقيمتها، بناء على اعتبار ربا الفضل كما هو قول طائفة من المحققين والله أعلم.
أريد شراء ألف سهم من شركة الأسماك بسعر عشرة آلاف ريال عماني للمضاربة فيها، سواء أخذ الأرباح السنوية، أو البيع في حالة ارتفاع سعر السهم، فما حكم الشريعة الإسلامية في ذلك؟
بما أن هذه الأسهم مرتبطة بالمعاملات الربوية، لأن معاملاتها مربوطة
بالبنوك، أرى أن تجتنب ذلك والله أعلم.
ما حكم التعامل بالأسهم من حيث:
(أ) الاكتتاب بالأسهم مع شركات الخدمات.
ب الاكتتاب مع شركات المساهمة الاستثمارية والبنوك.
ت الاكتتاب في أسهم المصانع.
إن كانت الشركات والمؤسسات التي يتعامل مع أسهمها متقيدة بالشريعة
الإسلامية، فلا حرج في التعامل معها، وإن كانت غير متقيدة بأحكام الشريعة
الإسلامية فالاكتتاب فيها ممنوع والله أعلم. (3/241)
صفحة 1330
242
الفتاوى المعاملات
ما حكم التعامل في بيع وشراء الأسهم السابقة بدون انتظار الفائدة السنوية، من حيث ارتفاع قيمة السهم وانخفاضه، علماً بأن هناك شركات المحافظ المالية لديها عقود، يمكن للشخص أن يستثمر مبلغاً قدره خمسة آلاف ريال عماني، وهي تقوم بشراء وبيع الأسهم عنه لمدة عام، وبعد عام تعطيه الفائدة بدون تحديد مقدار الفائدة؟
يشترط أولاً: أن تكون الأسهم في شركات متقيدة بأحكام الشريعة، ثم
أن تكون التجارة فيها بالقيمة الحقيقية لا الاسمية، وأن يكون البيع يداً بيد
والله أعلم. ما الحكم فيمن قام بشراء أسهم من إحدى الشركات بسعر السهم في ذلك اليوم، وقد قام بتسليم المبلغ المبلغ نقداً، وبعد عدة أيام قام بعملية بيع تلك الأسهم بسعر أعلى نتيجة لارتفاع سعر السهم، وقد قام بتحصيل المبلغ بشيك مسحوب على أحد البنوك؟ وإذا كان هذا حراماً فما هو وجه الحرام فيه أفدنا أفادك الله؟
أولاً يجب التأكد من أن تلك الشركة نظيفة المعاملة، بحيث تتقيد بأحكام الشريعة الإسلامية في جميع معاملاتها، وإن لم تكن كذلك فالدخول في جميع معاملاتها حرام، ويجب ثانياً معرفة القيمة الحقيقية لمحتويات هذه الشركة، وإلا كان ذلك داخلاً في بيوع الغرر التي نهى عنها رسول الله)، ثم يجب أن يكون البيع نقداً، لأن من محتويات الشركة الأموال الناضة؛ أي النقود، ولا يجوز بيعها بمثلها إلا يداً بيد والله أعلم.
صل الله)
ما رأي الشرع الشريف في السندات التي تطرح من قبل المؤسسات،
(1) تقدم تخريجه. (3/242)
صفحة 1331
فتاوى الشركات
243
حيث يحصل المشترك على نسبة محددة سلفاً من الفوائد، وذلك على
مدار السنة؟
تحديد الفائدة غير جائز، فقد يعتري المؤسسة الربح والخسارة، ويجب أن يكون المشترك يتحمل قسطه من الخسارة، كما ينال نصيبه من الربح والله أعلم
هل السندات التي تصدرها البنوك هذه الأيام جائز التعامل معها، وشراء أسهم منهم بفائدة معينة، وبزمن معين حسب علمي؟
ذلك هو عي الربا والله أعلم.
رجل ساهم في شركات تجارية منذ سنوات، وكان لا يعلم أن هذه الشركات تقوم بممارسة الربا (معاملة البنوك على سبيل المثال)، وكذلك تقوم بعملية التأمين لصالحها ومرافق إنتاجها والآن وقد اتضح للمساهم ذلك ماذا يفعل؟
عليه أن يتخلص منها ويأخذ ماله فقط والله أعلم.
الأسهم
ما هو الحكم الذي يمكن أن يُخرج الإنسان من العهدة في بيع وشرائها وخاصة ما إذا كان السهم مقبوضاً، وله إثبات بسند قبض؟ يبيعه بسعر اليوم يداً بيد، ويقبض ماله، ويدفع ما زاد للفقراء والله أعلم.
في حالة وجود أسهم في شركة تتعامل مع البنوك الربوية فكيف يمكن التخلص من هذه الأسهم؟ وهل يجوز بيعها لشخص آخر لأن الشركة ترفض شراءها؟
لا مانع من بيعها لمن يبتاع مع إخباره بحقيقة أمرها، على أن يتخلص البائع من الفائدة بدفعها إلى فقراء المسلمين ما دام غير جائز شرعاً والله أعلم. (3/243)
صفحة 1332
244
الفتاوى
المعاملات
ما حكم استثمار الأمول في سوق الأوراق المالية عن طريق شراء وبيع مختلف أنواع الأسهم، علماً بأن الأموال معرضة للربح أو الخسارة؟
هذه
مع
هذه معاملة فيها جهالة وغرر، إذ لا يدري الإنسان متى يرتفع سعر الأسهم ومتى ينخفض، وعلى أي أساس يكون النزول والارتفاع، هذا عدم قبض شيء في البيع والشراء، لذلك أرى التعامل بها على موجب نظامها المتبع مما يدخل في المنهي عنه والله أعلم.
شركة أسمنت أرادت أن تزيد من طاقتها الإنتاجية فطرحت أسهماً للبيع، قيمة السهم الواحد ريال وثمانمائة، علماً بأن قيمة السهم بعد مضي سنة واحدة سوف يرتفع إلى أكثر من ريالين، ما قولكم في هذه
الزيادة؟
إن كانت هذه القيمة هي قيمة السوق الحقيقي فلا حرج في الزيادة
والله أعلم.
المقاولات:
لدينا عمل في مقاولات البناء، ويتقدم إلينا الكثير من الناس بطلب بناء منازل سكنية أو محلات تجارية لهم ممولة من البنك، وهذا التمويل هو عبارة عن قروض ربوية تلقاها المذكورون من ذلك البنك، فهل يجوز لنا نحن المقاولين ذلك؟
إن كان الاتفاق بينكم وبين أرباب البيوت، من غير أن تدخلوا في معاملات ربوية فلا مانع منه، ولا يضيركم تعامل أصحاب البيوت مع مؤسسات ربوية والله أعلم. (3/244)
صفحة 1333
فتاوى الشركات
245
أباح صاحب أرض لتاجر بناء متجر فيها على أن يؤول ملك المتجر إلى صاحب الأرض بعد مدة معلومة محددة باعتبار إيجار المتجر للتاجر من وقت انتهاء البناء إلى أن يستوفي تكلفة البناء، وذلك برضى الطرفين، فما حكم هذا العقد؟
في مثل هذه الحالة ينبغي أن تكون الأجرة على الأرض، وأن تكون أوصاف البناء محددة، وأن يكون أمد الاستغلال محدداً، وأن لا يكون غرر على المستغل ولا على الطرف الآخر والله أعلم.
شركة قامت بشراء قطعة أرض، وعملت خرائط تتكون من محلات وعدد 16 شقة، وتم تحديد مواصفات الشقة تحديداً دقيقاً تفصيلياً من حيث مساحة الغرف والارتفاع ونوع وشكل المواد المركبة وتاريخ الانتهاء من العمل وغير ذلك، وحالياً تنوي الشركة أن تبيع هذه الشقق للعملاء عند بداية العمل في العمارة، بسعر أربعة عشر ألف وخمسمائة ريال)، على أن يدفع العميل مبلغ (سبعة آلاف ريال) مقدماً، والمبلغ الباقي بعد تسليمه المفاتيح، ويحق للمشتري أن ينقض البيع إذا كانت المواصفات غير مطابقة
حسب ما وضع في عقد البيع، وأن يطالب بالتعويضات جراء الضرر؟ إن كانت المواصفات دقيقة من حيث مواد البناء وتفاصيله واتساعه ومتانته، فلا حرج في ذلك - إن شاء الله ـ والله أعلم.
أصبحت المقاولات من المعاملات المشكلة في عصرنا الحاضر، وذلك لجهل الناس بحكمها، ومما أشكل علينا عدة صور يقوم بها المقاولون وهي كالآتي:
1 - يأخذ المقاول البيت بقيمة عشرين ألفاً مثلاً ويعطيه عماله ليقوموا ببنائه بأقل من تلك القيمة، بحيث يكون ربحه في الصفقة ألفين أو ثلاثة. (3/245)
صفحة 1334
246
الفتاوى المعاملات
2 - يأخذ المقاول البيت بنفس القيمة
وهي عشرون ألفاً ألفاً ويعطي عماله
أجرة عنائهم وهي ما يسمونها قيمة اليد أو اليد العاملة.
3 ـ يأخذ المقاول البيت بنفس القيمة السابقة ويخبرهم بالقيمة على أن يأخذ منهم نسبة (5?) أو (6%) حسب ما يتفقون عليه؟
4 ـ يأخذ العمال البيت بقيمة معينة، وتكون الاتفاقية عن طريق المقاول،
فلا تتم إلا بتوقيع المقاول ولا يرضى على التوقيع إلا بنسبة معينة، وهو يسمونه التوقيع على الختم.
ما
فما ترى شيخنا في تلك الصور السابقة؟ وهل يختلف الكلام إذا كان العمال لنفس الشخص المقاول أو كانوا مستأجرين؟ وإذا كانت جميع الصور هذه المسألة؟ خاطئة، فما هو الصواب في أما الصورة الأولى فإن كان المقاول لا يقوم بأي عمل ولا يحضر مواد البناء ولا غيرها فهي غير جائزة، إذ لا وجه للربح الذي يأخذه، وأما الصورة الثانية، فإن كان العمال يأخذون عناءهم منه ويتحمل صاحب البنيان نفسه إحضار مواد البناء فهي كسابقتها، وإن كان المقاول هو الذي يحضر المواد كما أنه يؤجر العمال فلا حرج فيها، والصورة الثالثة تعود أيضاً إلى الصورتين السابقتين في حكمها، فإن كان المقاول هو الذي يتكفل بإحضار المواد فلا حرج، وإلا فليس له أن يأخذ أجرة من غير عناء ولا مغرم، وأما الصورة
الرابعة فلا أجد فيها مبرراً لأخذ الأجرة على مجرد التوقيع والله أعلم.
يقوم بعض المقاولين باستئجار بعض العمال، وبعد ذلك تأجيرهم للغير، فما حكم هذه المعاملة؟
ذلك غير جائز، لما فيه من أخذ الأجرة بغير عناء والله أعلم. (3/246)
صفحة 1335
فتاوى الشركات
247
يقع المقاول أو المهندس أو البناء في
أخطاء عند البناء، مع شهادة أهل
الاختصاص لهم بذلك .. وتترتب على هذه الأخطاء أضرار على صاحب
المنزل.
ما الجهة المطالبة بتعويض الضرر الحاصل؟
الخطأ
في
الأموال مضمون والضامن هو الواقع في
الخطأ
منهم
والله أعلم.
المقاول،
درجت عادة الناس عند بنائهم البيوت على كتابة عقد مع يدفع الأخير بمقتضاه مبلغاً مالياً محدداً عن كل شهر يتأخر فيه عن تسليم المنزل لصاحبه في الوقت المعين والذي دعا الناس إلى ذلك إرادة دفع الضرر المترتب عليهم من جرّاء هذا التأخير، فقد يكون إيجار ذلك المنزل ثلاثمائة ريال شهرياً، فيتأخر المقاول عن التسليم سنة، فتفوت على صاحب المنزل من ذلك مبالغ طائلة، والسؤال: هل هذا العقد إذا كان بمقدار الضرر وبرضا الطرفين؟ وإذا كان لا يشرع فكيف يتوصل صاحب المنزل إلى إزالة الضرر الحاصل
يشرع
له؟
يجب
أن يراعى ما يحيط بالمتعاقد من الظروف والملابسات، فينظر أولاً بالنسبة إلى المقاول هل تعمد الإهمال حتى يتأخر عن إنجاز العمل في الوقت المحدد، أو أنه ألجأته إلى ذلك ظروف لا مناص عنها؟ فإن كان تأخيره لظرف قاسر لم يستطع الخلاص منه فلا يجوز أن يكلّف شيئاً، ثم ينظر في حال المالك هل يتضرر بهذا التأخير أو لا؟ فإن كان يتضرر مادياً، وكان التأخير ناشئاً عن إهمال المقاول فعليه أن يعوضه بقدر تضرره
والله أعلم. (3/247)
صفحة 1336
248
الفتاوى المعاملات
عندما يبرم اتفاق بين المقاول ومالك المنزل يوضع نص جزائي، وهو خصم مبلغ يومياً أو شهرياً في حال تأخر المقاول عن البناء، وغالباً ما يكون هذا المبلغ أقل من المبلغ الذي يمكن أن يتحصل عليه عند إيجار المبنى في تلك المدة، فهل نستطيع تنفيذ هذا النص الجزائي عندما لا يستطيع المقاول تقديم عذر مقبول عن سبب تأخيره في تسليم
المبنى؟
في
هذا الاتفاق شيء من الغرر، والغرر في المعاملات مرفوض في الإسلام، وإنما ينبغي أن يتفق الطرفان على أن يحتكما إلى القضاء الشرعي عند حدوث شيء من هذه الحالات، فإن كان التأخير بتهاون من المقاول ألزمه القاضي ما يترتب على تهاونه من تضرر المالك والله أعلم.
ما قولكم في رجل يعمل في مقاولات بناء ولديه عمال، فأخذ مقاولة بخمسين ألف ريال عُماني وأعطاها لعماله بخمسة وأربعين ألفاً، والعمل على مسؤوليته وعلى اسمه، وإن تعاقد مع عمال غير عماله، فما قولكم في هذه الفائدة التي يحصل عليها؟
إن كان العمال في ذمته وعلى مسؤوليته، وقد اتفق مع صاحب العمل على أن ينفق هو على البناء، فإن زاد الإنفاق عما اتفقا عليه من الثمن فعليه الخسارة، وإن فضل شيء فله الربح، وكان هو الذي يشتري مواد البناء فلا حرج في الربح، أما إن يتفق على عمل ما مع أحد ثم يحوله إلى غيره، من غير أن يخسر شيئاً، فذلك داخل في ربح ما لم يضمن
بسعر
أقل،
والله أعلم. (3/248)
صفحة 1337
فتاوى الشركات
249
السلم (1).
(1)
2
ما هي
المعاملات التي يجوز فيها السلم؟ وهل هي خاصة بالطعام أم
يشملها مع غيرها؟ وما هو ضابط ما يجوز فيه السلم؟
استمد حكم السلم من تعامل الناس به بالمدينة المنورة، فقد هاجر إليها النبي صلى الله عليه وسلم والناس يسلمون في الحبوب فأقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، وإنما شرط عليهم أن يكون ذلك إلى أجل معلوم وبوزن معلوم أو وكيل معلوم، واختلف العلماء من أجل هذا في السلم في الأنواع الأخرى مما يحتاج إليه الناس لغير مطعمهم، فمنهم من حصر الرخصة في الطعام وحده، لأنه حري بالتسامح فيه من أجل الاقتيات وليس المقتات به كغيره، ثم إن هذه رخصة والرخصة لا تتعدى مكانها ولا يقاس عليها لأنها بنفسها خارجة عن سنن القياس وكل ما خرج عن القياس فإن غيره عليه لا يقاس، وإنما كانت رخصة للنهي عن بيع الإنسان ما ليس عنده، ومن المعلوم أن السلم لا يكون إلا في غائب غير موجود، ومنهم من أباحه في كل ما يمكن أن يضبط بضوابط تحدده، وكان مما يحتاج إليه الناس، فيدخل في ذلك كل ما يحتاج إليه الناس للباس أو غيره من ضروراتهم، على أن يكون ذلك له ضوابط تحدده كما تضبط الحبوب بالكيل والوزن ومن المعلوم أن ضوابط الأجناس تختلف فمنها ما يدخل الوزن في ضبطه ومنها ما لا يكون بالوزن رأساً وإنما هو بطوله وعرضه وسائر أوصافه التي تراعى في قيمته، وما من ريب أن هذه المعاملة وإن كانت في أصلها رخصة والرخص لا تتعدى مواضعها إلا أن هذه الرخصة إنما كانت من أجل مراعاة حاجة الناس، لذلك كان الأخذ بها فيما تشتد إليه الحاجة أو يدخل في حكم الضرورة
(1) السلم هو الشراء مع تقديم الثمن وتأخير المثمن فيه (العين المبيعة) لأجل معلوم. (3/249)
صفحة 1338
250
الفتاوى المعاملات
أرفق بالناس وأوفق بمصالحهم، خصوصاً في هذا العصر لحاجة الناس إلى الاستيراد لكثير مما يعد من ضرورات حياتهم، كالعتاد الحربي وآلات العمل وغيرها مما لا يمكن الحصول عليه إلا بالاستيراد وقد يتعذر الاستيراد إلا بهذه الطريقة، على أن الدقة في ضبط أوصاف كل هذه الأشياء المطلوبة يمكن أن تحددها تحديداً دقيقاً حتى تكون في حكم الشيء المشاهد، وكثيراً ما تكون لها نظائر من قبل معرفة عند الجميع وعندما تطلب يمكن أن تصنع وفق أوصافها وإن لم تكن موجودة وتسلم في الوقت المتفق عليه بين الطرفين، أرى من الضرورة الأخذ بذلك اعتماداً على هذه الرخصة في وقتنا هذا وإلا لتعطلت المصالح أو يلجأ الناس إلى معاملات غير مباحة أصلاً والله تعالى أعلم.
جاء في الحديث ما يدل على اشتراط أن يكون السلم إلى أجل معلوم، هل يمكن أن يكون الأجل فصلاً كالصيف أو الشتاء أو القيض أو ظهور ثمرة معينة، وإن قيل بالجواز، فهل يحدد من بداية الفصل أم نهايته؟ نظراً إلى أن الأجل لا بد من أن يكون معلوماً، فإن هذا يقتضي أن تكون المدة محددة، والفصل يطول، إذ الفصل يأخذ مدة ثلاثة أشهر، ولأجل هذا فإننا نرى أن يحدد ذلك بميقات شهري تفادياً لهذه المشكلة والله تعالى
أعلم.
هل يجوز تأخير قبض رأسمال السلم عن مجلس العقد؟ ولماذا؟
لا، لأن هذه، رخصة والرخصة لا يتجاوز بها ما ضبط به التعامل في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم الذي رخصها، وإباحة أن يسلم بثمن غير حاضر مما يؤدي إلى أن يكون بيع غائب بغائب، لأن الثمن غائب والمثمن غائب، فيكون من (3/250)
صفحة 1339
فتاوى الشركات
251
باب بيع غائب بغائب، مع أن السلم الأساسي إنما هو بيع غائب بحاضر،
ولا يجوز بيع غائب بغائب، وإنما ترخص من ترخص لمدة ثلاثة أيام، ولكن لا نرى مسوغاً لهذه الرخصة والله أعلم.
هل يجوز أن يكون رأس مال السلم منفعة كسكني الدار أو عروضاً أم يلزم
أن يكون في النقد؟ وما حكمها في الأوراق النقدية الحاضرة؟ لا بد من أن يكون ذلك نقداً، وقد كان النقد من قبل دراهم و دنانير والآن أصبح النقد هذه الأوراق، ولذلك يشترط أن يكون التعامل بالعملة المتداولة المعروفة بين الناس والتي تضبط بها أثمان الأجناس البديلة
والله أعلم.
لا
إذا كان المسلم فيه معدوماً وقت العقد كحب لا يوجد إلا في فصل
معين، إلا أنه عادة يوجد عند نهاية الأجل، فهل هي جائزة؟
لم يأت في الحديث ما يدل على اشتراط أن يكون موجوداً، فلذلك حرج في ذلك، لكن بشرط أن تكون مدة السلم إلى فترة يمكن أن يتيسر فيها هذا المسلم فيه - أي المثمن - وبهذا تنحل المشكلة، ولا يشترط أن يكون موجوداً في وقت العقد والله أعلم.
من المعاملات المرتبطة بهذا الاشتراكات السنوية في مجلات دورية ونحوها، بحيث يدفع المشترك قيمة الاشتراك لسنة كاملة، ثم كلما صدر عدد من هذه المجلة أعطي إياه، فهل هذه المعاملة جائزة؟ وهل هي داخلة في السلم أم لا؟
إذا كانت المجلة مضبوطة بضوابط ومقدرة بحيث تكون صفحاتها محدودة ومعينة، فلا مانع من ذلك والله أعلم. (3/251)
صفحة 1340
252
الفتاوى المعاملات
الاستصناع:
ما صورة عقد الاستصناع عند أصحابنا - رضوان الله تعالى عليهم ـ وما
أدلة مشروعيته؟
لا تختلف صورة عقد الاستصناع عند أصحابنا عند غيرهم، فهو اتفاق بين طرفين على أن يصنع أحدهما للآخر شيئاً عَلى أوصافه معلومة، وبقدر معلوم، ومن مادة معلومة إلى أجل معلوم وأدلة جوازه كثيرة منها أدلة الإجارة، وإن كان المستصنع يقدر إلى الصانع الأجرة من قبل عند العقد، كون المادة على الصانع فهو مما يدخل في السّلم، وأدلته أدلة جواز السلم
والله أعلم.
مَعَ
هل الاستصناع وعد أم عقد، وما رأي أصحابنا - رضوان الله عليهم ـ في
ذلك؟
إن اتفق عليه الطرفان كما تقدم فهو عقد والله أعلم.
هل عقد الاستصناع عقد مستقل بذاته أم هو مندرج تحت عقد السلم؟
هو كما تقدم والله أعلم.
إذا صنع إنسان مع صانع كنجار أو كحداد، فهل من حرج إذا دفع له
مبلغاً مقدماً؟
لا حرج في ذلك والله أعلم. (3/252)
صفحة 1341
الأجرة والإجارة:
فتاوى الشركات
253
عن فتنة هوجاء وقعت بين صاحب محل أكراه (1) لغيره وبين مكتريه (2)، إذ خسر المكتري جميع التجهيزات التي جهز بها المحل، وقد أنفق عليه الملايين ولم يشرع في الاستغلال إلا قليلاً وخسر صاحب المحل قيمة محله، لأن النار التي التهبت فيه أذهبت رونقه وكادت تأتي عليه، وقد كان اتفاقهما على أن يكتري صاحب المشروع المحل من صاحبه لمدة ثلاث سنوات، ودفع من إيجاره لمدة ستة أشهر فقط، وصاحب المحل يطالبه بدفع ما بقي منه،
كما يطالبه بإصلاح محله ليسلمه إليه سليماً منه، منه، إلخ ما في السؤال؟ الذي أراه في هذه المسألة أن هذه جائحة أصابت كلا المتعاملين في ماله، فقد أودت بتجهيزات صاحب المشروع كما أفسدت على صاحب المحل محله، ولا ضمان على أحد الرجلين للآخر في ماله، فليتحمل كل منهما خسارته إن لم يجدا من ينصفهما من المفسد أو لم يمكن العثور عليه، وقبل الدخول في حكم استمرار العقد إلى غايته المتفق عليها أو انفساخه ـ لعدم تمكن المكتري من الانتفاع - أرى أن أنقل بعض نصوص العلماء من أئمة المذهب وغيرهم في أصول هذه المسألة ونظائرها، وللشيء حكم نظيره. قال صاحب «النيل» الإمام الثميني رحمه الله: هل عقد الإجارة لازم كالبيع أو جائز ولكل رجوع فيه؟ قال القطب - رضوان الله عليه ـ في شرحه: ولو نقد الثمن ودخل في العمل ما لم يتمه وهو ظاهر قول أبي زكريا في كتاب «الأحكام»، ثم نقل - بعد كلام له - عن أصحاب الديوان ـ رحمهم الله - الله - أنهم نقلوا الخلاف الذي ذكره صاحب النيل.
(1) أكراه: أي أجره.
(2) المكتري هو المستأجر. (3/253)
صفحة 1342
254
الفتاوى المعاملات
ظلماً
وقال في «النيل» أيضاً: ومن كرى داراً بمعلوم نقد سنة معينة ثم أخذت من ساكنها بعد أن سكن فيها بعضها حتى انقضى الأجل فلا رد على
ربها لقدر المنع، ولزمه بالأمر العام له ولغيره، وكذا إن حبس حتى انقضى، وإن وقع ذلك قبل الدخول فيها وجب الرد ولو نقد، وإن هدمت قبل التمام أجبر بها ببنائها وإصلاحها أو يرد الباقي إن امتنع.
قال القطب رحمه الله في شرحه: وإن انهدم البعض فقط ولم تكن على المكتري مضرة فيه ولا نقص مصلحة لم يجبر على البناء ولا على رد الباقي. وقال الشيخ عامر صاحب الإيضاح العالى: وإن أكرى رجل لرجل داراً بكراء معلوم في سنة معلومة في سنة معلومة فنقده الأجرة، ثم إنه سكن نصف تلك السنة فأخذت الدار من يده ظلماً، أخذها منه سلطان جائر، فسكن فيها أو أغلقها ومنعه من سكناها حتى انقضى الأجل الذي بينهما، فقد ذكر في الأثر أنه ليس على رب الدار ما ينوب الذي منع فيه من سكنى الدار، إلا أن يكون أمراً عاماً للناس فله عليه رد ما منع من سكناها بحسابه، وكذلك إن أخذه سلطان جائر فحبسه حتى انقضى الأجل الذي بينهما فلا رد على رب الدار ـ إلى أن قال: وإن حبس من سكناها أو منع أو أخذت منه قبل دخوله فيها فله الرد على رب الدار نقد أو لم ينقد والله أعلم، وإن هدمت الدار قبل السنة فله على رب الدار بنيان داره وإصلاحها أو الرد لما ينوب الذي بقي من السنة بحسابه إن أبى على إصلاح داره، لأن رب الدار في الموضع يمكن أن يصلح داره، ولذلك وجب عليه إصلاحها أو الرد لما فات من حساب السنة، إلا أن يتفقا أن يسكن الآن بقيمة سنته فلا بأس، وقد قيل: له السكنى لما بقي من السنة دون الرد إلا أن يتفقا عليه. وهذا فيما يوجبه النظر على قوله من ذهب إلى أن الأجر بمنزلة البيع، ولكن إنما يدرك عليه
السكني بعد الأجل حيث يدرك عليه إصلاح داره في الأجل والله أعلم.
هذا (3/254)
صفحة 1343
فتاوى الشركات
255
بين
قال العلامة المحشي الله تعالى: قوله إلا أن يكون أمراً عاماً إلخ. إما فرق الأمر العام والخاص، لأنه في الخاص قصده الظالم بذلك وأراد ضرره وحده، بخلاف العام فإنه بمنزلة المصيبة التي جاءت من قبل الله كالهدم مثلاً، فلذلك كان له الرجوع والله أعلم.
وقد نقل هذا قطب الأئمة في شرحه على «النيل» وأقره.
وقال العلامة الخرقي من الحنابلة ـ في مختصره ـ: فإن جاء أمر غالب يحجز المستأجر عن منفعة ما وقع عليه العقد لزمه من الأجر بمقدار مدة
انتفاعه.
من
قال شارحه العلامة ابن قدامة الحنبلي في «المغني»: وجُملته أن استأجر عيناً مدة فحيل بينه وبين الانتفاع بها لم يخل من أقسام ثلاثة، أحدها: أن تتلف قبل قبضها فإن الإجارة تنفسخ بغير خلاف نعلمه، لأن المعقود عليه تلف قبل قبضه، فأشبه ما لو تلف الطعام المبيع قبل قبضه، الثاني: أن تتلف عقيب قبضها فإن الإجارة تنفسخ أيضاً وسقط الأجر في قول عامة الفقهاء، إلا أبا ثور حكي عنه أنه قال يستقر الأجر، لأن المعقود عليه لما أتلف بعد قبضه أشبه المبيع، وهذا غلط لأن المعقود عليه المنافع و قبضها باستيفائها أو التمكن من استيفائها ولم يحصل ذلك فأشبه تلفها قبل قبض العين.
الثالث: أن تتلف بعد مضي شيء من المدة، فإن الإجارة تنفسخ فيما بقي من المدة دون ما مضى ويكون للمؤجر من الأجر بقدر ما استوفى من المنفعة، قال أحمد في رواية إبراهيم بن الحارث: إذا اكترى بعيراً بعينه فنفق البعير يعطيه بحسب ما ركب، وذلك لما ذكرنا من أن المعقود عليه المنافع، وقد تلف بعضها قبل قبضه، فبطل العقد فيما تلف دون ما قبض، (3/255)
صفحة 1344
256
الفتاوى المعاملات
أصلاً
كما لو اشترى صبرتين فقبض إحداهما وتلفت الأخرى قبل قبضها، ثم تنظر إن كان أجر المدة متساوياً فعليه بقدر ما مضى، إن كان قد مضى النصف فعليه نصف الأجر وإن كان قد مضى الثلث فعليه الثلث كما يقسم الثمن على المبيع المتساوي، وإن كان مختلفاً كدار أجرها في الشتاء أكثر من أجرها في الصيف، وأرض أجرها في الصيف أكثر من الشتاء، أو دار لها موسم كدور مكة رجع في تقويمه إلى أهل الخبرة، ويقسط الأجر المسمى على حسب قيمة المنفعة، كقسمة الثمن على الأعيان المختلفة في البيع، وكذلك لو كان الأجر على قطع مسافة كبعير استأجره على حمل شيء إلى مكان معين وكانت متساوية الأجزاء أو مختلفة، وهذا ظاهر مذهب الشافعي. ثم قال: القسم الثاني أن يحدث على العين ما يمنع نفعها، كدار انهدمت وأرض غرقت أو انقطع ماؤها، فهذه ينظر فيها، فإن لم يبق فيها نفع كالتالفة سواء، وإن بقي فيها نفع غير ما استأجرها له مثل الانتفاع بعرصة الدار والأرض لو وضع حطب فيها، أو نصب خيمة في الأرض التي استأجرها للزرع، أو صيد السمك من الأرض التي غرقت انفسخت الإجارة أيضاً، لأن المنفعة التي وقع عليها العقد تلفت فانفسخت، كما لو استأجر دابة ليركبها فزمنت بحيث لا تصلح إلا لتدور في الرحى، وقال القاضي في الأرض التي ينقطع ماؤها لا تنفسخ الإجارة فيها وهو منصوص الشافعي، لأن المنفعة لم تبطل جملة، لأنه يمكن الانتفاع بعرصة الدار بنصب خيمة أو جمع حطب فيها، فأشبه ما لو نقص نفعها مع فعلى هذا يخيّر المستأجر بين الفسخ والإمضاء، فإن فسخ فحكمه حكم العبد إذا مات، وإن اختار إمضاء العقد فعليه جميع الأجر، لأن ذلك عيب فإذا رضي به سقط حكمه، فإن لم يختر الفسخ ولا الإمضاء، إما لجهله بأن
فهي
أن يمكن
بقائه، (3/256)
صفحة 1345
فتاوى الشركات
257
له الفسخ أو لغير ذلك، فله الفسخ بعد ذلك والأول أصح، لأن بقاء غير المعقود عليه لا يمنع انفساخ العقد بتلف المعقود عليه كما في البيع، ولو كان النفع الباقي في الأعيان مما لا يباح استيفاؤه بالعقد، كدابة استأجرها للركوب فصارت لا تصلح إلا للحمل أو بالعكس انفسخ العقد وجهاً واحداً، لأن المنفعة الباقية لا يملك استيفاؤها مع سلامتها، فلا يملكها مع تعيبها كبيعها، وأما إن أمكن الانتفاع بالعين فيما اكتراها له على نعت من القصور، مثل أن يمكنه زرع الأرض بغير ماء، أو كان الماء ينحسر عن الأرض التي غرقت على وجه يمنع بعض الزراعة أو بسوء الزرع، أو كان يمكنه سكنى ساحة الدار إما في خيمة أو غيرها لم تنفسخ الإجارة، لأن المنفعة المعقود عليها لم تزل بالكلية، فأشبه ما لو تعيبت، وللمستأجر خيار الفسخ على ما ذكرنا، إلا في الدار إذا انهدمت، فإن فيه وجهين:
أحدهما: لا تنفسخ الإجارة.
والثاني: تنفسخ، لأنه زال اسمها بهدمها، وذهبت المنفعة التي تقصد منها، ولذلك لا يستأجر عرصة دار ليسكنها ... إلخ.
ثم قال: القسم الثالث أن تغصب العين المستأجرة، فللمستأجر الفسخ، لأن فيه تأخير حقه ... إلخ ما شرحه من فروع هذا القسم، ثم استطرد في ذكر سائر الأقسام.
ونستخلص من هذه النصوص المتعددة أن المكتري لا يكلف إصلاح ما أكتراه عندما تعرض له عوارض خارجة عن ممارسته قد تؤدي إلى تحول العين المكتراه عن طبعها وعدم صلاحها للغرض الذي اكتريت من أجله، بل نستخلص منها أن للمكتري أن يرجع إلى المكري فيما دفعه إليه من الكروة إن تعذر انتفاعه بالعين المكتراة بسبب ما طرأ عليها مما هو (3/257)
صفحة 1346
258
الفتاوى المعاملات
خارج عن تسببات المكتري، سواء كان هذا الرجوع بالفسخ الذي يطرأ على العقد تلقائياً بسبب هذه العوارض، أم كان ذلك بما للمكترى من حق الخيار بسببها، وهي نصوص واضحة لا غبار عليها، لذلك لا أجد داعياً إلى تحليلها والتعليق عليها، بل النص المنقول أولاً من «النيل» وشرحه صريح في أن عقد الإيجار مختلف في كونه ملزماً أو غير ملزم من غير أن يطرأ ما يمنع من الانتفاع بالعين المؤجرة، وإني وإن كنت لا أرى وجهاً للقول بعدم الإلزام لأنه عقد اتفق عليه الطرفان، وقد أمر الله بالوفاء بالعقود في قوله: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]، فيدخل هذا العقد في عموم هذا الأمر، وهو للوجوب، إذ لا مناص عن حمله عليه، فإني أرى انحلال عقدة الأجر عندما يطرأ على العين المؤجرة ما يحول دون انتفاع المستأجر بها، ولا يجوز حمل الإيجار على البيع، فتحمل الخسارة على المستأجر كما تحمل على المشتري فيما لو فسد المبيع أو ضاع بعد قبضه لاختلاف القضيتين، فإن العقد في البيع واقع على العين المبيعة والثمن عوض عنها، فإذا مكّن منها المشتري كان ضمانها عليه لأنه مالك
لتلك العين
أما عقد الإيجار فهو واقع على منفعة العين المؤجرة والثمن عوض عن تلك المنفعة، لأن المستأجر لا يملك العين وإنما يملك المنفعة، فلو حيل بينه وبين استيفاء تام لها لم يكن عليه من الثمن إلا بقدر ما استوفاه، وكان مثله مثل المشترى إن ضاعت العين المشتراة قبل تمكينه من قبضها، لا فإن تسقط عنه قيمتها أو قيمة ما ضاع منها إن ضاع بعضها دون بعض، وقد نبه على هذا صاحب المغني في طوايا ما سبق نقله عنه.
نعم يبقى عقد الإيجار فيما لو كان الطارئ على العين المؤجرة يمكن (3/258)
صفحة 1347
فتاوى الشركات
259
تلافيه من قبل المؤجر (مالك العين بالإصلاح بحيث لا تفوت مصلحة المستأجر والخلاصة أني لا أرى على المستأجر في المسألة التي وجهتموها إليَّ إلا الأجرة اللازمة عليه قبل أن يطرأ على البناية المستأجرة ما طرأ والله أعلم. ما قول سماحتكم في رجل أُجر ليرافق مريضاً إلى خارج السلطنة، وأخذ المؤجر يماطل بالسفر حتى مضي مدة طويلة، وفيما بعد ألغى مهمة السفر بعدما كان المؤجر لديه عمل مهم يود أن يواصل عمله ليطعم أولاده وأسرته، فما قول سماحتكم في ذلك؟
الأجرة حسب اتفاقهما، وإن اختلفا فمردهما إلى القضاء الشرعي وعلى القضاء أن يقدر ما خسره بسبب تعطيل عمله ويلزم الطرف الآخر أن يعوضه عن ذلك والله الموفق.
سماحة الشيخ: تعاقدت مع عامل في بناء سور للمنزل، ودفعت للعامل بعض الأجرة وبقي بعضها، وتم سفر العامل إلى بلاده، وبعد أربع سنوات قام كفيل العامل والعمال المساعدون بمطالبتي بالمبلغ المتبقي أن العامل ذكر لي بعدم دفع المبلغ للكفيل، وبما أن العامل
للعامل، مع حالياً في بلاده، فأرجو إفادتي في هذا الموضوع؟ ذلك الحق إنما هو للعامل وليس للكفيل، فلا يسقط عنك بدفعه للكفيل، وإنما عليك البحث عن صاحبه والله أعلم.
رجل أوصى قبل وفاته أن يُقرأ عنه القرآن الكريم ويختم مرتين، ويوهب له الأجر، بأن تكون أجرة ذلك من ماله هل يجوز قراءة القرآن للميت بالأجرة؟
في
ذلك خلاف، والراجح المنع والله أعلم. (3/259)
صفحة 1348
260
النبي
الفتاوى المعاملات
ما رأي سماحتكم في الشخص الذي يقوم بتأجير قراءة القرآن لشخص ميت؟ الأجرة على القرآن غير جائزة، وقراءته عن الغير أمر غير معهود عن
والصدر الأول من هذه الأمة، والأولى اتباعهم والله أعلم.
فيمن يقرأ القرآن بالأجرة، فهل يجوز لهذا القارئ أن يقرأ سراً، إذا كان هذا القارئ يحصل له نشاط في القراءة السرية أكثر من القراءة الجهرية، وهو بذلك يراعي مخارج الحروف من مخارجها الصحيحة، أفدنا جزائكم الله خيراً؟
للإنسان أن يقرأ القرآن سراً وجهراً، وَلِكُلِّ دَرَحَتُ مِمَّا عَمِلُوا} [الأحقاف: 19، ولكن لا أرى وجهاً لقراءة القرآن بالأجرة، فإن تلاوة القرآن عبادة من العبادات التي يتقرب بها إلى الله، وما كان من الأعمال عبادة وقربة إلى الله فلا يؤخذ عليه أجر، فإن أخذ الأجر ينافي الإخلاص المطلوب في العبادة، وقد قال عل: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] والله أعلم.
ما قولكم في استئجار قراءة القرآن واستئجار الصوم؟
في
ذلك خلاف، والأحوط اجتناب ذلك والله أعلم.
ما قولكم في رجل لديه سجل تجاري وهو لا يستخدمه، وأحياناً يطلبه بعض الناس مقابل إعطائه مبلغاً من المال فهل يعتبر هذا المال حلالاً أم حراماً؟
الورع في ترك ذلك، لما فيه من الشبهة والله أعلم.
هل يجوز شرعاً تأجير رقم الأجرة بدون المركبة؟
إن كان تحصيل الرقم يكلف مالاً وعناء، فلا حرج في تأجيره والله أعلم. (3/260)
صفحة 1349
فتاوى الشركات
261
في رجل حصل على ترخيص لرقم سيارة أجرة، وأراد أو تأجير
بيع
هذا الرقم على آخر، فهل يصح هذه المعاملة؟ فقد تفشت في المجتمع، مع العلم بأن هذا الرجل صاحب الرقم يدفع أموالاً لإنهاء المعاملة واستخراج الرقم.
يمكن أن تخرج الرخصة في ذلك، على اعتبار أن المنفعة متوقفة عَلَى هذه اللوحة، فصاحبها لا يؤذن له في امتلاك سيارة من ذلك النوع بدونها، وكذلك المستأجر لها ومبتاعها يوقف تحقق منفعته التي يرومها عليها،
والأصل فيما ينتفع به جواز بيعه وهبته وإيجاره والله أعلم.
تعاقدت
المعلمة
معلمة
مع لتعليم قيادة السيارة، وكان الاتفاق على أن أدفع لها
مائة
القسط
مبلغ ثلاثمائة ريال عُماني، مقابل حصولي على رخصة قيادة، وقد دفعت لها القسط الأول مائة وسبعين ريالاً، على أن أدفع القسط الثاني وثلاثين ريالاً عند نهاية التعليم وأخذ الرخصة، وشاءت الأقدار بموت مع عدم حصولي على الرخصة، الآن ما الموقف من دفع مائة وثلاثين ريالاً للورثة مع عدم حصولي على الرخصة؟ الاتفاق على التعليم إلى خروج الرخصة أمر فيه غرر، فإن تتاممه الطرفان بعد صدور الرخصة تم وإلا رجعا إلى أجر المثل، وعليه فأرى
الثاني
عليك دفع ما يرضى به الورثة، وإلا فارجعوا إلى أجر المثل والله أعلم.
عندي سيارة تعليم، وأريد أن أؤجرها لشخص بمبلغ ثابت شهرياً، ويقوم الشخص المستأجر بالعمل بالسيارة، ويكون مسؤولاً عن السيارة
أو
كل المسؤولية، ووقت استردادها تكون في حالتها السابقة، سواءً ربح خسر، ويستخدم السيارة استعمالاً شخصياً وتجارياً وجزاكم الله كل خير؟
إن كانت الأجرة معلومة، فلا حرج في ذلك والله أعلم. (3/261)
صفحة 1350
262
الفتاوى المعاملات
إنني أقوم بتعليم سياقة السيارة، وسؤالي هو بطريقة التعاقد أو الاتفاق بيني وبين المتعلمين وهناك طرق الاتفاق أو التعاقد وهي:
-
1 - نظام الساعات ويكون الاتفاق بمبلغ معين للساعة، بين الطرفين.
2
- يتم
ويتم
الموافقة
- يتم الاتفاق بمبلغ معين حتى حصوله على رخص السياقة. الاتفاق بعدد الامتحانات للسياقة بمبلغ معين يتم الاتفاق عليه بين الطرفين، وإذا نجح في الامتحان الأول أو انتهى عدد الامتحانات المتفق عليه يكون المبلغ كامل للمدرب سواءً نجح في الامتحان الأول
2
أو الأخير. - يتم الاتفاق بمبلغ معين، وبعد ذلك يحسب كم عدد الساعات بالمبلغ هذا ثم يقوم المدرب بزيادة ما يقرب عشر ساعات إضافية حالة إكماله الساعات المحددة ولم يحصل على الرخصة فيقوم المدرب بإعطائه عشر ساعات إضافية، وإذا حصل على الرخصة بأقل من الساعات ففي هذه الحالة يكون المبلغ المتفق عليه في الأول كاملاً للمدرب، وهذا برضا الطرفين؟
أما النظام الأول فهو لا غبار عليه، لأنه ليس فيه غرر على أحد الطرفين، فإن مقدار الجهد معلوم والأجرة معلومة، وأما بقية الأنظمة ففيها جهالة لذلك كان التعاقد بموجبها موقوفاً على تراضي الطرفين بعد الانتهاء من التدريب، فإن تتاماه تم عندئذ، لزوال الجهالة بانتهاء العمل المتفق عليه، وإن تناقضاه انتقض وعادا إلى أجر المثل والله أعلم.
راجت في بلادي تجارة بيع السجائر بأنواعها المختلفة إلى القوارب الأجنبية التي تصل بأعداد كبيرة يومياً إلى الميناء، ويصرح المتعاملون فيها بحرمة شرب الدخان أو مكروهيته على قول بعض المتفقهين منهم (3/262)
صفحة 1351
فتاوى الشركات
263
ولكل جزاء عمله، لكن المشكلة أن هذه السجائر تصل بكميات كبيرة تفوق الوصف، مما نتج عنه اعتماد كثير من الأهالي عليها كمصدر دخل رئيسي، وذلك بتأجير بيوتهم كمخازن لحفظها وتأجير سياراتهم لنقله من الخازن إلى الميناء، وبعضهم يقول إن السجائر حرام شرب دخانها لكن لا يوجد ما يمنع شرعاً الاستفادة من الاتجار فيها، أو نقلها بالسيارات وتأجير المخازن لحفظها، ويضربون المثل على ذلك بالحمار يحرم أكل لحمه بينما يجوز استخدامه، فما قولكم في المشاركة في المعصية معصية، وأجرتها محرمة، ولا يجوز قياس ذلك على حكم بيع الحمار، فالحمار تجوز منفعته وهي محللة أصلاً، بخلاف السجائر فهي ضرر لا نفع فيه، فأي وسيلة من وسائل نشرها محرمة، لأنها وسيلة إضرار، وأخذ أجرتها حرام أيضاً والله أعلم.
ذلك؟
رجل عنده قطعة أرض تجارية، وأراد البنك أن يستغلها لفترة محدودة ببناء عمارة بتلك الأرض، وبعد مضي المدة المتفق عليها مع صاحب الأرض تعود تلك الأرض وما عليها من مبانٍ لمالكها، فما هو الرأي الشرعي في ذلك؟
بغض النظر عما عسى أن يكون في أصل هذه المعاملة من المحاذير، فإن الإيجار لمؤسسة ربوية غير جائز لما في ذلك من التعاون على الإثم، وقد قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ) [المائدة: 2] والله أعلم.
مسجد جامع به محلات تجارية هي وقف له يرجع إيجارها في خدمة المسجد، أحد هذه المحلات مؤجر كمحل للحلاقة لبعض الأجانب، إلا أنهم يقومون بحلق وتقصير اللحى، علماً بأن هذا المحل ملاصق لمبنى (3/263)
صفحة 1352
264
الفتاوى المعاملات
المسجد فالسؤال: ما حكم أخذ هذا الإيجار من هذا الوقف، وإدخاله في
مصلحة المسجد الجامع؟
لا يجوز تأجير شيء لأمر فيه معصية، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] والله أعلم.
ما حكم تأجير الدكاكين للحلاقة لمشركين مع العلم أنهم يحلقون اللحي؟
نظراً إلى جوار المسجد، وإلى طبيعة العمل الذي يقومون به فيها، لا يجوز ذلك والله أعلم.
معنا محلات تجارية خاصة بالمسجد، وقد قمنا بتأجير بعضها لحلاقين وأنتم تدرون عمل الحلاقين، فإنهم يحلقون الرؤوس واللحى، فنرجو التكرم بتوضيح الموضوع بالجواز من عدمه؟
قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) [المائدة: 2]، ومن المعلوم أن التأجير لمن يحلق اللحى من باب التعاون على الإثم والله أعلم.
شخص بنى مسجداً في منطقة وألحق بهذا المسجد دكاكين تجارية، وقام بتأجير هذه الدكاكين إلى حلاقين؟ ما حكم الشرع في هذه المحلات التجارية؟، وهل يجوز الانتفاع بمردود هذه المحلات لصيانة المسجد؟
إن كان الحلاقون يلتزمون أن لا يحلقوا ما لا يجوز حلقه، فلا حرج في هذا الإيجار للمسجد والله أعلم. (3/264)
صفحة 1353
فتاوى الشركات
265
هل يصح تأجير المتجر لبيع أشرطة الغناء، أو للبنوك الربوية، وكذلك
تأجيره لتجميل النساء؟
لا يجوز تأجير شيء لأي معصية والله أعلم.
ما قولكم في تأجير المباني للبنوك الربوية؟
تأجير المباني للبنوك الربوية التي تتبع النظام الربوي في معاملاتها غير جائز، لما فيه من التشجيع على الحرام والعدوان عليه، وقد قال تعالى {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]
عاماً
والله أعلم. ما حكم الدين الإسلامي في شركاء قاموا بتأجير محل لبنك من البنوك الربوية لمدة تزيد عن عشرين وحتى الآن، علماً بأن أحد الشركاء يريد التخلص من تلك الشراكة وهو في نفس الوقت لا يود بيع وذلك للموقع الممتاز للمحل، كما أن البنك لا يعتزم إنهاء العقد إلا بانتهاء المدة المحددة للإيجار، ومن ناحية الشركاء لا يودون إنهاء العقد، فما الحكم وكيف لهذا الشريك الخلاص؟
حصته
عليه أن يسعى إلى إقناع شركائه بالتخلص قدر استطاعته والله أعلم. شباب يعملون في شركة، ويقتضي العمل أن يداوموا مع بعض، فاتفقوا على أن يداوم بعضهم اليوم وفي اليوم الآخر يداوم الآخر، فما الحكم في ذلك وما حكم راتبهم؟
هو غير جائز، والأجرة التي يأخذانها محرمة، لأنها منوطة بالدوام والله أعلم. (3/265)
صفحة 1354
266 الفتاوى المعاملات
اصطلح العاملون في وظيفة حكومية أو عسكرية واحدة على بيع إجازاتهم لبعضهم البعض، أو على أن يبيع المناوب مناوبته لشخص آخر، فما حكم ذلك؟
إن كان ذلك أجرة على العمل الذي يقوم به المناوب، وكان محدداً معلوماً، فلا حرج والله أعلم.
رجل يعمل في إحدى المؤسسات ولديه استحقاقات مالية نظير قيامه بعمل إضافي، إلا أنه لم يتم صرف هذه الاستحقاقات له، بحجة عدم توفر المخصصات المالية ببند العمل الإضافي، وقد رأى مسؤوله المباشر أن تجرى عملية الصرف من أحد البنوك الأخرى (بند المهمات)، مما يترتب على ذلك تغيير كافة الأوراق الرسمية الخاصة بالصرف، بمعنى أن يقوم هذا الرجل بإعداد أوراق جديدة عن قيامه بمهمات غير حقيقة وذلك حتى يتمكن من الحصول على
استحقاقاته.
ما هو الحكم الشرعي في الحصول على المستحقات بهذه الطريقة؟ إن كان يستحقها فعلاً ـ حسب نظام العمل ـ فهي له حلال، وإن كان لا يستحقها وإنما ذلك مجرد تحايل فلا تحل له والله أعلم.
عامل يسند إليه عمل يؤديه في أربع ساعات، ويتقاضى عليه أجرة ثمان ساعات، بموافقة صاحب العمل، وبتقدير للتوقيت منه، فما هو الحكم في هذه المسألة؟
إن كان ذلك برضى المعمول له، فما به من حرج والله أعلم. (3/266)
صفحة 1355
فتاوى الشركات
267
ما حكم تأجير محل تجاري ليباع فيه المحرمات كأشرطة الغناء وعلب السجائر، ومحلات الحلاقة المشتملة على حلاقة اللحية، وإن كان المؤجر لا يدري أولاً ثم علم، فهل يجوز له تجديد العقد؟
قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: 2]، وتأجير دكان أو غيره لبيع المحرمات مما يدخل في التعاون على الإثم، بل هو من أسباب الفساد وانتشاره بين الناس، فلا يجوز ذلك ابتداء، ولا الاستمرار عليه والله أعلم.
ما قولكم فيمن استأجر رجلاً ليعمل في نخيله بقيمة معينة، على أن للمستأجر شراء النبات الذي يلقح به النخيل وذلك قبل ظهور ثمار النخيل، سواء خسر المستأجر أو ربح؟
إن كانت الأجرة على العمل، فلا حرج في ذلك والله أعلم. أ ـ شخص اکترى محلاً فارغاً لإنشاء تجارة فيه لأول مرة (أي لم يكن محل تجارة في السابق)، فكونه المكتري وأصلحه وأعده وجهزه، علماً بأن صاحب المحل اشترط عليه أن يعيده إليه عند نهاية المدة المتفق عليها في الكراء دون قيد وشرط.
هل للمكتري في هذا النوع حق في القاعدة التجارية أو المطالبة بحق إشهار المحل؟ ب ـ شخص اکتري محلاً سبق أن كان محل تجارة، وكان الكراء أيضاً لمدة معينة، وعلى شرط أن يسلم المحل إلى صاحبه عندما يحتاج إليه المدة المتفق عليها دون قيد أو شرط، هل للمكتري حق في
أو تنتهي القاعدة التجارية أو حق إشهار المحل؟ (3/267)
صفحة 1356
268
الفتاوى المعاملات
والفرق بين النوعين: كون المكتري الأول أنشأ المحل التجاري إنشاء، بينما الثاني وجد المحل قديماً في التجارة.
إن اتفق الجانبان على إكراء المحل التجاري إلى زمن محدود فالإكراء صحيح، وهما على شرطهما الذي اتفقا عليه، وما قام به المستأجر من إعداد المحل للتجارة إما أن يكون بدون موافقة صاحب المحل، وإما أن يكون بموافقته، ففي الحالة الأولى يعد متبرعاً، ولا عناء له على ما عمل عند الخروج من المحل، وفي الحالة الثانية يعول على اتفاقهما والله أعلم.
أحد
بضاعة لا يسمح باستيرادها إلا للمواطنين فقط، فإذا قام المواطنين باستخراج تصريح دخول تلك البضاعة وأعطى التصريح لرجل أجنبي لاستيراد هذه البضاعة لصالح الأجنبي، على أن يأخذ المواطن مقابل ذلك التصريح مبلغاً مقداره 2,5 في المائة، فهل يجوز
ذلك؟
إن كان استخراج التصريح يكلف المواطن عناء ولم يكن في ذلك غرر فلا بأس بذلك والله أعلم.
توجد الآن بما يسمى بمكاتب بيع العقارات وتخليص المعاملات «السماسرة»، فعندما يتم عقد البيع بواسطتهم بين البائع والمشتري يأخذون مبلغاً من البائع والمشتري معاً مقابل أعمالهم، فما حكم هذه العمولة التي تؤخذ من البائع والمشتري؟
هي مباحة لهم، في مقابل جهدهم الذي يبذلونه والله أعلم.
رجل اشترى لابنه سيارة يستخدمها لقضاء حوائج البيت ويذهب عليها (3/268)
صفحة 1357
فتاوى الشركات
269
للدراسة، فهل يصح له أن يستخدمها بعد وفاة أبيه لأموره الخاصة؟ علماً بأن المتوفى ترك أيتاماً؟
لا يجوز له استخدامها إلا مع دفع إيجار المثل لهذا الاستخدام بقدر ما يقدره العدول، ويسقط منه بمقدار حصته والله أعلم.
هل يجوز لأحد أن يؤجر سيارته لفندق أكثر نزلائه من السياح الإفرنج، إذا كان لا يأمن أن تحمل عليها الخمور؟
دع ما يريبك إلى ما لا يريبك والله أعلم.
عن رجل عنده عمارة فأجرها لبنك وأخذ أجرته، والآن جاء يسأل عن حكم هذه الأجرة؟
إن كان المستأجر استأجر تلك العمارة على أن يستغلها في غير مباح كاتخاذها مصرفاً ربوياً أو دار بغاء، وكان ذلك متفقاً عليه بين المستأجر ومالكها، فذلك حرام، والأجرة على الحرام حرام، وإن كان الاتفاق بين الطرفين ليس على هذا الأساس فالأجرة جائزة له، وعندما تكون حراماً عليه أن يتخلص منها بدفعها إلى فقراء المسلمين والله أعلم.
اشتركت في موقع أجنبي بالإنترنت وأخبروني أنهم سيقومون بإرسال إعلانات لمواقع أخرى إلى بريدي الإلكتروني، كل إعلان استلمه من عندهم يعادل خمسة سنتات هذه الخمسة هي أجرتي لأني قمت بقراءة إعلان ما ستقوم الشركة بعد ذلك - وعندما يصل رصيدي إلى مبلغ معقول ـ بإرسال شيك مالي إلى عنوان المنزل، ما حكم ذلك؟
لا حرج في ذلك، على أن تأخذ بالخير وتتقي الشر والله أعلم. (3/269)
صفحة 1358
270
الفتاوى المعاملات
ما حكم فتح محل لتأجير الإنترنت، ويأتي المستخدم ليستخدمه الساعة بريالين أو بريال ونصف حسب الإيجار المقرر، مع العلم أنه من الممكن أن يستخدم في الخير والشر؟
إن كان ذلك في خدمة مصلحة ظاهرة جائزة فلا حرج، وإلا فهو غير سائغ والله أعلم. رجل يستخرج مأذونيات عمل ويبيعها على أشخاص أجانب لإحضار شخص من بلده للعمل في البلاد، فما حكم البيع هل هو حلال أم لا؟ إن كان بيع المأذونيات بقدر عناء مستخرجها وغرامته فلا مانع منه، وإن كان استغلالاً فلا يجوز والله أعلم.
ما حكم الأموال التي يستلمها الشاب الذي يعمل في البنك الربوي وحكم المهر الذي يقدمه؟
الأجرة على العمل المحرم محرمة، والمهر لا يحرم لذاته، وإنما يبقى الإثم على ما ارتكب الحرام أو أقره والله أعلم.
إذا أعطى صاحب سيارة سيارته لسائق يعمل فيها نقلاً بالأجرة وتقاضى من السائق في نهاية كل يوم عمل مبلغاً ثابتاً من الكسب، وترك ما زاد على ذلك جزاء عمله، وذلك لأن الغالب المعتاد في بلادنا أن السائقين غير ناصحين لأصحاب السيارات ولا يصدقونهم فيما يكسبون، ثم يلجأ أصحاب السيارات إلى تقدير الكسب اليومي عن تجربة وخبرة من أنفسهم على سبيل الاحتياط، فلا يشددون على السائق إذا تعذر عليه إيفاء المبلغ لقلة الكسب، فما قولكم في هذه المعاملة؟ في
هذه الحالة ينبغي لمن أراد اتباع الطريقة السليمة أن يؤجر السائق سيارته بمبلغ معين سواء كان شهرياً أم يومياً والله أعلم. (3/270)
صفحة 1359
فتاوى الشركات
271
أنوي القيام بتأسيس مؤسسة عُمانية لتشغيل العمالة الوطنية، على أن يتقدم كل من يطلب عملاً إلى مؤسستنا، وتقوم المؤسسة بتسجيل كل بياناته في الحاسوب، كما أن مندوب المؤسسة يقوم بالاتصال بالشركات والمؤسسات العامة بالسلطنة وحصر طلباتهم، وننوي تحصيل بعض الرسوم من المواطن الذي يتم تعينه، وذلك بنسبة معينة من أول راتب أساسي للشخص، فهل ذلك جائز؟
هذه الرسوم هي أجرة على عملكم الذي تقومون به فهي مباحة، وأما الراتب فهو مجهول ونسبته وإن كانت محددة إلا أنها مجهولة المقدار سبب الجهالة التي في الراتب قبل الاتفاق عليه وعليه فإن تراضى بذلك الطرفان بعد معرفة الراتب جاز أخذه، وإن أنكر أحد الطرفين فله ذلك، على أن يرجعا إلى أجر المثل الذي يقدره الخبراء المختصون والله أعلم.
ما قولكم في جواز تأجير الرجل اسمه التجاري على آخر ليستعمله مقابل مبلغ من المال؟
لا أرى وجهاً لجواز ذلك والله أعلم.
ما رأيكم في أعمال الوساطة لجلب الأيدي العاملة، وتسهيل حصولها على تأشيرات للعمل، مقابل مبالغ مالية يتفق عليها بين الوسيط المحلي والوسيط في بلد العامل الأجنبي على النحو التالي:
1 - يتكفل الوسيط المحلي بالحصول على تأشيرة عمل للعامل.
2 - يتحمل العامل تكاليف التأشيرة وتذكرة السفر كاملة.
ـ يدفع العامل مبلغاً مالياً يتفق عليه للوسيط المحلي في بلد العامل (المبلغ المدفوع عادة ما يكون باهظاً فوق طاقة العامل الذي يدفعه مرغماً بسبب الحاجة). (3/271)
صفحة 1360
272
الفتاوى المعاملات
4 ـ يدفع الوسيط في البلد الأجنبي البلد الأجنبي مبلغاً يتفق عليه للوسيط المحلي (في عُمان) نظير الحصول على التأشيرة.
وفي
أغلب الأحيان يكون الهدف من هذه العملية هو الحصول على إذن
خروج للعامل من بلده دون الحضور إلى عُمان، وإنما الخروج إلى دولة أخرى، وبعد خروجه تعاد التأشيرة لإلغائها واستصدار تأشيرة أخرى
بنفس الطريقة، ولنفس الغرض، وهذا ما يعرف بالمتاجرة بالتأشيرات؟ ذلك غير جائز، لأن فيه تزويراً إن كان القصد من وراء ذلك الخروج إلى دولة أخرى للذي تمنح له التأشيرة، وهي الدولة التي ينوي التحايل على دخولها والاستقرار بها بهذه الطريقة الملتوية، ولا ريب أن التزوير غير جائز إلا إن كان فيه إنقاذ لأحد من هلكة والله أعلم.
سماحة الشيخ، أمارس هواية التحكيم في مباريات كرة القدم، ومن خلال ذلك قد تحدث هفوات غير متعمدة كظلم فريق على حساب الفريق الآخر، مما يجعل الفريق المظلوم يكيل الشتائم بحقي، وقد الأمر لتوجيه الشتائم إلى والدي والأقارب، وما يصبرني على
ذلك
يصل بهم هو حاجتي إلى المال، حيث نمنح من ممارسة مهنة التحكيم مبالغ تساعدنا على التقليل من أعباء المعيشة الغالية.
وعليه من خلال ما أسفلت فيه، ما الحكم في ممارسة التحكيم؟ وما حكم المبالغ التي أُمنح إياها من التحكيم؟
إن كان التحكيم والحكم عادلين فلا حرج عليك في ممارسة ذلك، ولا في المبالغ التي تمنحها، ولكن مع تجنب أي شيء مما يخالف الأحكام الشرعية والآداب الإسلامية، وقد يحرم الشيء المباح إن كان يؤدي إلى
الوقوع في الحرام، كالتجني على الوالدين بالسباب والشتم والله المستعان (3/272)
صفحة 1361
فتاوى الشركات
273
إنني مقاول وأقوم ببناء المساكن والمنشآت بالسلطنة، ولدي مجموعة من العمال الذين يقمون بالبناء، وفي بعض الأحيان يقوم أفراد أو شركات المقاولات باستئجار بعض من العمال لدّي لفترات معينة، حيث أطلب من المستأجر مبلغاً أكثر من أجرة العامل، حيث إنني مسؤول عن سلامتهم وتأمينهم وأضمن حقوقهم في حالة أن المستأجر لم يسدد المبلغ المتفق عليه بيننا، فما الحكم الشرعي في الفارق ما أدفعه بين للعمال من راتب وما أستلمه من المستأجر؟
لا يجوز ذلك، فإن الإنسان لا يؤجر، وأنت لا تملك رقاب أولئك، أما إن كنت تقوم بجهود فيما يتعلق ببقائهم بالسلطنة وممارستهم العمل فلك أن تأخذ منهم من الأجر ما يكافئ جهدك، وأما الكفالة وحدها فلا تبيح أخذ
الأجر، إذ لا أجر على الكفالة والله أعلم.
ما
حکم
أخذ الأجرة على تعليم القرآن الكريم وعلوم الشرع الحنيف، سواءً اشترط المعلم أو الطلبة أو من تولى مشروع تعليم القرآن وعلوم الشرع الأجرة أم لم يشترط؟
شدّد جماعة من علمائنا المتقدمين في أخذ الأجور على تعليم القرآن الكريم، وقالوا بأن القرآن لا يكتسب منه، واعتبروا ذلك من اشتراء الثمن القليل بالقرآن العظيم، ولكن من المعلوم أن الناس عندما كانوا لا يتقيدون عندما يقومون بتعليم القرآن بأوقات معينة، لأن هذه الأوقات يقضونها في التعليم من غير أن يتفرغوا فيها للعمل والكسب كان الأمر سهلاً، إلا أن نمط الحياة تغير، وطبيعة الإنسان تغيّرت، ومن المعلوم أن الجهاد في سبيل الله سبحانه عمل شريف يقرّب العباد إلى الله، وهو من أعظم القربات التي تقربهم إلى الله زلفى، ومع هذا لم يكن هناك مانع من أن ينتفع الناس الله (3/273)
صفحة 1362
فلا
274 الفتاوى المعاملات
من وراء هذا الجهاد بالغنائم التي يحرزونها، فقد أباح الله الا الله الغنائم عندما يكون الجهاد في سبيل الله من أجل إعلاء كلمة الله بين المسلمين والمشركين من أموال أولئك المشركين مع اشتراط إخراج الخمس: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى} [الأنفال: 41] إلى آخر الآية الكريمة، وهذا يدل على أن العمل الأخروي عندما يعمله الإنسان ولا بد من أن يتفرغ وينقطع له، لا يمنع من أخذ شيء مقابل هذا التفرغ والانقطاع، وإلا لأدى ذلك إلى تعطيل الأعمال، فلو أن القائمين على تعليم القرآن وتعليم علم الشريعة وعلى أمور البر والإحسان طلب منهم أن يتخلّوا عن أي أجر دنيوي وأن يكونوا متفرغين لأعمالهم من أجل الأجر الأخروي فحسب، ريب أن هذا سيؤدي إلى تعطيل هذه الأعمال بأسرها، ومقاصد الشريعة تعتبر، فمقصد الشرع الشريف المحافظة على مصالح الناس الدينية والدنيوية، وبهذا تتعطل المصالح الدينية، ويتبعها تعطيل المصالح الدنيوية، فلا ينبغي التشدد في مثل ذلك، ولا سيما لمن عاش في مثل هذه العصور، وأبصر ما أبصر من تطورات الأزمان وتغيرات الأحوال، إنما الذي يطالب به الذي تبرع بالتعليم وبالدروس إلى الناس ليتعلموا منه أمور دينهم. ويتدارسوا عليه كتاب ربهم الله ويتحفظوه، أن يخلص النية لله تعالى، بحيث لا يقصد مجرد ذلك العطاء القليل الذي يعطاه، فإن ذلك العطاء لا يساوي شيئاً بجانب الثواب العظيم الذي أعده الله الا الله لمن أحسن صنعاً، وأخلص النية لله وحل، فهذه عبادة عليه أن يكون متقرباً بها إلى الله، وإنما يعتبر العطاء بلغة له، ليتمكن من القيام بهذا العمل الشريف، وليتمكن من الاضطلاع بهذه المهمة المقدسة، وبهذا تكون نيته خالصة، وبجانب كونه ينتفع بما يعطاه في هذه الدنيا لا يفوته أجر الآخرة، فإخلاص النية من أهم الأمور في مثل هذه الأحوال والله تعالى أعلم. (3/274)
صفحة 1363
فتاوى الشركات
275
أن
اتفقت مع شركة مقاولات على أن أشتري منهم منزلاً بالأقساط، على يتم السداد على طريق شيكات يسحبونها شهرياً من حسابي الخاص من البنك، وذلك على تسعين شهراً، ولكن عندما تم تشييد المنزل تغير النظام المعمول به في الشركة بحيث يتم سحب المبلغ من حسابي إلى حساب الشركة مباشرةً دون حاجة إلى شيكات، ونتيجة لهذا التغيير في النظام فإن البنك الذي به حسابي الخاص بدأ يأخذ عمولة مالية عن كل تحويل يتم شهرياً، فما حكم هذه العمولة هل هي جائزة أم لا؟
إن كانت في مقابل عنائه وجهده فلا حرج فيها والله أعلم.
شخص عنده محل تجاري فقام بتأجيره لشخص آخر، فإذا تاجر ببعض البضائع المحرمة كالدجاج غير المذبوح على الطريقة الشرعية وما شابه ذلك من المحرمات، فمن الذي يأثم هل البائع فقط أم يأثم كذلك صاحب المحل؟ وهل مطالب صاحب المحل بالتأكد من البضائع التي تباع في ذلك أم لا؟
صاحب المحل إن أجره من هو في ظاهر أمره مأمون على الدين فليس له أن يستقصي الأمر، وليس له أن يفتش وإن كان شخصاً متهماً فعليه أن يشترط عليه من أول الأمر، ثم بعد ذلك يكون البائع هو المسؤول عن تبعة
هذا الأمر والله أعلم.
6
شخص استأجر سيارة أجرة بسائقها لتوصله لمكان معين بقيمة معينة بقيمة ريالين أو ثلاثة مثلاً، ثم تعطلت السيارة في منتصف المسافة، فهل يلزمه أن يدفع المبلغ كاملاً لأنه اتفق معه عليه أم بمقدار المسافة التي * إليها؟
قيل لا يلزم أن يدفع شيئاً حتى يصل إلى المكان الذي قصده، وقيل (3/275)
صفحة 1364
276
الفتاوى المعاملات
المحاصصة، أما أن يلزم أن يدفع كل ما اتفق عليه مع أنه لم ينتفع إلا
باليسير فلا والله أعلم.
بعض الأشخاص الذين يقومون باستئجار بعض السيارات يقولون بأن
هذه السيارة في هذه الفترة هي كملك لي، بمعنى أنه يتصرف فيها كيفما شاء، فلا يحافظ عليها وربما أسرع بها وربما سار بها بسرعة كبيرة في أماكن ترابية ونحو ذلك، فهل يصح له ذلك مع أنه مستأجر لهذه
السيارة، أم يلزمه المحافظة عليها حتى يرجعها إلى أصحابها؟
هو أمين فيها، فعليه أن يحافظ عليها كما يحافظ على ماله، ويترفق بها كما يترفق بما يملك والله أعلم.
ما قولكم فيمن يملك سيارة أجرة، وفي بعض الأحيان يركب نساء سواءً كن مسلمات أو غير مسلمات يجدهن في الطريق ويحملهن لمسافات غير كبيرة، فهل يجوز له ذلك؟
هذه الأمور تراعى فيها الظروف والأحوال، فعندما تكون هناك ضرورة، بحيث يكون في ذلك إنقاذ لنفس، ودفع هلكة، ففي مثل هذه الحالات يتسامح ما لا يتسامح في غيرها، كما تقول القاعدة الفقهية «الشيء إذا ضاق اتسع وإذا اتسع ضاق فإذا ضاق الشيء اتسع حكمه، وإذا اتسع هو ضاق حكمه، فلا بد من مراعاة مثل هذه الأحوال، ومع هذا إذا كانت هناك ضرورة داعية لمثل هذا فعليه أن يتقي الله تبارك وتعالى، وأن يغض من بصره، وأن يحذر من الشيطان ودخوله عليه والله أعلم.
حد
شخص يملك عقاراً معيناً كمنزل أو محل ويرغب في تأجيره، فإلى أي هو مطالب بالتأكد من المستأجر من ناحية كونه يستخدم فيه شيئاً من الحرام، (3/276)
صفحة 1365
فتاوى الشركات
277
كأن يرتكب في منزله شيئاً من المعاصي أو يبيع فيه شيئاً من المحرمات أو المشتبه فيها كالسجائر أو اللحوم غير المذكاة أو لحوم الخنزير أو نحو ذلك، فهل هو مطالب أن يتثبت عن ذلك، ثم إذا ثبت له بعدما استأجره أنه يستخدمه في شيء من المحرمات كيف يكون تصرفه معه؟
الأصل في الناس حسن الظن، خصوصاً المسلمون، وليس عليه التفتيش والتنقيب عن هذه الأحوال، والناس لا يتجسس عليهم مسلمهم وكافرهم، لأن الله تعالى أطلق منع التجسس حيث قال: {وَلَا تَجَسَّسُوا} [الحجرات: 12] ولم يقل ولا يتجسس بعضكم على بعض كما قال: {وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضًا [الحجرات: 12]، وإنما أطلق النهي عن التجسس، فالتجسس الأصل فيه أنه ممنوع سواء كان على المسلم أو على الكافر، وليس من الورع ولا من الإسلام أن يبقى الإنسان يتجسس على أحوال الناس وما يفعله الإنسان بينه وبين ربه فهو المسؤول عن ذلك، وإن تبين له أنه اتخذ ذلك البيت وكراً للفساد، كأن يفتح فيه ماخوراً أو يفتح في مخمرة أو يصنع فيه شيئاً من هذه
الأشياء فهنا عليه الإنكار عليه وعليه السعي إلى إنهاء العقد والله أعلم.
زوجتي تعمل في أحد البنوك التجارية، وهي راغبة ـ إن شاء الله ـ في إنهاء خدماتها من البنك خلال الأشهر القادمة، وهي عليها دين ما يقارب الستة آلاف ريال للبنك وسأقوم بتسديده عنها عند استلامي مبلغ الجمعية التي اشترك فيها، علماً بأن زوجتي تستحق مبالغ عن نهاية الخدمة من قبل التأمينات الاجتماعية كراتب تقاعدي أو مستحقات مرة واحدة حسب مدة الخدمة، فما حكم هذه المستحقات، هل هي حلال أم حرام؟ وهل يجوز أخذ هذه الأموال لسداد مبلغ الجمعية المرتب عليّ؟
الأجرة هي في حكم العمل من الحل أو الحرمة، فإن كان العمل الذي (3/277)
صفحة 1366
278
الفتاوى المعاملات
تقوم به حلالاً فأجرته حلال وإلا فلا، ولئن كانت مضطرة إلى هذا المبلغ فلها منه قدر ضرورتها، وعن الشق الثاني من السؤال فذلك يتوقف على الضرورة كما قلنا والله أعلم.
الأعمال المحرمة والمباحة
ما قول سماحتكم في رجل يتاجر بملابس نسائية، أيلزمه شيء أم لا يلزمه إذا كانت هذه الملابس يستخدمها المشتري وخاصة النساء للزينة والتبرج وخياطتها بتفصيلات شبه عارية؟
إن كان يعلم أن هذه الملابس تتخذها النساء للتبرج الجاهلي فلا يجوز له الاتجار فيها، بل هو رأس الضلال، لأن المعين على الباطل شريك فيه، فقد قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: 2] والله أعلم.
إنني أعمل في مجال المحاسبة حيث طبيعة عملي هي قبض الأموال، وهي تشتمل على القروض (بدون ربا) والمساعدات وأموالاً تابعة لأقسام أخرى، وأموال تابعة لمطاعم، بحيث أي مصروفات أو مدفوعات تتم عن طريقنا، إلّا أن المطاعم يوجد فيها خمور.
فما حكم العمل في هذا المجال؟ لك أن تدفع ما عدا قيمة الخمور وسائر المحرمات، فإن أي تعاون فيها إنما هو من التعاون على الإثم والعدوان المنهي عنه بنص القرآن، ومثل الدفع الأخذ، فإن أخذ قيمة الخمر وسائر المحرمات حرام
والله أعلم. (3/278)
صفحة 1367
فتاوى الشركات
279
ما الحكم الشرعي في عمل يسند إلى موظف يتعلق بطباعة تصاريح الخمر، ولو اعتذر أحد الموظفين عن القيام به أسند إلى شخص آخر، ولو اعتذر الجميع لأجبر الموظف على عمل ذلك؟
ذلك العمل حرام، فإن كل من شارك في الخمر فهو ملعون بنص الحديث (1) وكفى به رادعاً والله أعلم.
رجل يعمل بوظيفة مسؤول، ومن قبله يتم التوقيع على أشياء واردة من الخارج، كدخول اللحم والسمك، وغيرها، ومن بين تلك اللحوم الخنزير، وهو لا يستطيع بحكم عمله منع دخول تلك اللحوم إلا إذا كانت فاسدة.
ما قول سماحتكم .. في عمل هذا الرجل من جهة دخله الشهري؟ وإذا قلتم لا يجوز الانتفاع بذلك الدخل وعليه أن يستقيل مثلاً من وظيفته فلربما لن يجد عملا آخر يستر به نفسه وأولاده، وأنتم أدرى بالوظائف في هذا الوقت فهي قليلة جداً إن لم تكن نادرة؟
إن كان يشارك في بيع الخنزير أو ترويجه أو إعداده فعمله حرام، وعليه تركه، وإن كان متجنباً له وإنما يقوم ببيع غيره فلا حرج
والله أعلم.
عليه
أود إفادة سماحتكم بأنني أعمل في دائرة المالية بفندق، ويوجد لدى الفندق الكثير من المأكولات والخمور وغيرها، وإن طبيعة عملي هو فحص وإرسال الفواتير إلى الشركات والوزارات المختلفة التي قامت بإرسال وفد للضيافة في الفندق، وإنني أستلم الراتب شهرياً من
(1) نص الحديث لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومشتريها وعاصرها والمحمول إليه»، وقد تقدم تخريجه. (3/279)
صفحة 1368
280
الفتاوى المعاملات
البنك .. فهل في هذه الحالة الراتب الذي أستلمه من الفندق حرام أم
حلال؟
«لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومشتريها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها (1)، وبما أن عملك له علاقة بمعاملات الخمور فهو حرام، والأجرة على الحرام حرام والله أعلم.
سماحة الشيخ في الحديث الشريف عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله آكل الربا ومؤكله وشاهده وكاتبه» (2). نظراً للحرمة الواقعة على من شهد الربا أو كاتبه فضلاً عن حرمة من يأكل ذلك الربا بنص هذا الحديث الشريف، فهل هذا الحكم ينطبق على من هم يعملون في الوظائف التي تتطلب وتقتضي عليهم وظائفهم التعامل مع البنوك، فهم يقومون بإحضار كشوف الحساب للأرصدة المالية في آخر كل شهر، ليتعرفوا على الربا المرصود ويقوموا بدورهم بالتحقق من صحة الرقم المرصود من قبل البنك للفائدة، وإرساله بعد ذلك إلى جهة الاختصاص.
فهل يلحقهم من غباره شيء، وذلك من خلال تلك المعاملة؟ وهل الحديث الشريف ينطبق على أصحاب تلك الفئة من الوظائف؟
قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبَرِ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2، فإن كان العمل له ارتباط بمعاملة ربوية فالعامل شريك في إثمه
والله أعلم.
(1) تقدم تخريجه.
(2) تقدم تخريجه. (3/280)
صفحة 1369
فتاوى الشركات
281
ما قولكم في من يعمل بالمصارف التجارية براتب شهري منتظم كغيره من الموظفين في باقي المؤسسات؟ لكنه يظن أن ذلك حرام بسبب المعاملات البنكية؟ إن كانت هذه المصارف ربوية فلا ريب أن العمل فيها حرام، والأجرة على الحرام حرام والله علم.
فيمن يقوم من خلال عمله بتوقيع الشيكات في البنك الربوي ويتقاضى أجرة عمله منه؟
يترك العمل ويتوب إلى ربه توبة نصوحاً والله أعلم.
لقد تخرجت كمهندس مدني منذ أربع سنوات .. ومنذ ذلك الحين وأنا أعمل بشركة، ولكن في تخصص آخر عن مجال دراستي في الجامعة، وعثرت على وظيفة شاغرة ببنك، حيث إن طبيعة عملي ستكون الإشراف على المباني التي سيقوم بتنفيذها البنك والتأكد من سلامة التنفيذ وفقاً للخرائط المقدمة، بمعنى آخر سيكون دوري هو الإشراف الهندسي وهذا هو تخصصي الدراسي. ووفقاً لما تقدم .. أرجو من سماحتكم إجابتي عما إذا كان حلالاً أم حراماً أن التحق بتلك الوظيفة؟ وهل سأكون مشاركاً في ذنب يغضب الله ورسوله بالعمل في هذه الوظيفة؟
إن كان تعامل البنك ربوياً ففي ذلك عون له على تعامله هذا، وإن لم يكن ربوياً فلا حرج في ذلك والله أعلم.
ما رأي سماحتكم في العمل بالهيئة العامة لسوق المال؟
إن كانت الهيئة تتقيد في عملها بالضوابط الشرعية فلا مانع من العمل بها، وإلا فلا بد من تجنب المعاملات المحرمة والله أعلم. (3/281)
صفحة 1370
282
الفتاوى المعاملات
من
ما رأي سماحتكم في التعامل مع الهيئة العامة لسوق المال؟
إن كان تعاملاً سليماً فلا مانع منه والله أعلم.
حصلت على وظيفة في بنك، هل الراتب الذي أتقاضاه حلال أم حرام؟
إن كان هذا البنك لا يعامل بطريقة فيها شيء من الربا ولا يتلبس بشيء المعاملات المحرمة فالعمل فيه جائز، والراتب على العمل حلال، وإن كان فيه معاملات ربوية أو أي معاملة محرمة فلا يجوز العمل فيه، ولا يحل راتبه والله أعلم.
أنا رجل أعمل مندوباً في شركة لبيع الأثاث، وتتعامل هذه الشركة أحياناً مع البنوك حيث تورد لها الأثاث، فما حكم عملي كمنسق لهذه المعاملات بين الشركة والبنوك؟
إن كانت هذه المعاملة خالية من الربا والغرر وكل محرم فلا حرج عليك فيما تعمله، وإلا فأنت شريك في الوزر، وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِ وَالتَّقْوَى وَلَا نَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ} [المائدة: 2] والله أعلم.
شخص يعمل في شركة تجارية بوظيفة مندوب علاقات عامة، طبيعة عمله تخليص المعاملات في القطاع العام والخاص، علماً بأن هذه الشركة تقوم بوساطة عن طريق الأسهم في سوق المالية، ومن المعلوم أن هذا الشخص لا يتعامل بهذه الأسهم، فهل يجوز له أن يعمل في هذه الشركة على الوظيفة المذكورة؟
إن كان لا يشترك في هذه الأسهم قط من حيث عمله، وإنما يخلص بقية المعاملات الجائزة للشركة فلا حرج والله أعلم. (3/282)
صفحة 1371
فتاوى الشركات
283
علماً
ما حكم العمل في سوق الأوراق المالية، هل هو حلال أم حرام، بأن الأجر يأتي من إيرادات السوق من كل الشركات بمختلف أنواعها، وهذه الشركات هي شركات التأمين والبنوك وغيرها؟
بما أن المعاملة يدخل فيها التأمين والبنوك الربوية وسائر المعاملات التي هي غير مضبوطة بضوابط الشريعة الغراء فالعمل في هذه المؤسسة غير جائز، أمّا لو كانت المؤسسة متقيدة بقيود الشريعة الغراء فلا مانع من العمل بها والله أعلم.
ما الحكم في وظيفة المحاسبة في الحالتين التاليتين:
أولاً: عندما تقترض شركة بفوائد (الربا) يقوم المحاسب بتسجيل الربا مع بقية حسابات الشركة، علماً بأنه ليس هو صاحب قرار الاقتراض، وليس هو الذي يقوم بعملية الاقتراض؟
ثانياً: إذا كان المحاسب يقوم بعملية الاقتراض، ولكن قرار الاقتراض لغيره؟
كلا الأمرين غير جائز لحرمة التعاون على الإثم والله أعلم.
هل هو حرام أم جائز العمل في شركات التأمين والبنوك؟ وماذا
حكمه؟
كل مؤسسة تعمل بما يخالف شريعة الله فالعمل فيها حرام والله أعلم.
ما حكم التكسب بالشعر؟ حيث تكتب القصيدة إلى أحد الحكام خارج الوطن فيأمر هذا الحاكم بإعطاء مبلغ من المال لمن كتب القصيدة دون أن ينظر ويرى الحاكم هذه القصيدة، وكذلك هذه القصيدة لم تقرأ أمامه، (3/283)
صفحة 1372
284
الفتاوى المعاملات
وإنما كتبت هذه القصيدة من أجل الحصول على العطاء والمال، فما حكم ذلك؟
التكسب بالشعر من السحت لما فيه من وصف المذموم بصفة المدح والمبالغة في الإطراء وتجاوز الحقيقة في الوصف، وكل ذلك لا يقره الإسلام، ولذلك ذم الله الشعراء في القرآن ما عدا طائفة استثناها، إذ قال تعالى: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُنَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} [الشعراء: 224 - 227]، ومن أجل ذلك قال الفقهاء برد شهادة الشاعر المتكسب بشعره والله أعلم.
لدي مكتب عقاري، وتقدم لمكتبنا أحد المواطنين راغباً في بيع مزرعته، ولهذه المزرعة تصريح لبناء فندق، علماً بأننا وجدنا من يرغب في شراء هذه الأرض من أجل بناء فندق، فهل على المكتب حرج من التوسط في هذا البيع على الصفة المذكورة للأرض؟
إن كان في الفندق ارتكاب محارم كبيع الخمور والرقص وسائر
المنكرات فعلى المكتب نصيبه من الوزر، وإلا فلا والله أعلم.
احتج الكثير من الناس بأن الإسلام دين يسر وليس دين عسر، فمن لم يجد عملاً فليس عليه بأس بالعمل في مثل هذه البنوك، وذلك لأنه مضطر إلى ذلك، وإلا فإنه سيظل عاطلاً عن العمل، فكيف الرد على هذه الادعاءات؟ وما موقف الإسلام من ذلك؟
لا يعني يسر الإسلام أنه يبيح ارتكاب الحرم واقتراف الآثام وتعدي الحدود، وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2، 3)، وفي ذلك ما (3/284)
صفحة 1373
فتاوى الشركات
285
يكفي من كان له قلب عن التحايل على الحرام بهذه المعاذير والله أعلم.
ما حكم العمل في البنوك؟
إن كانت البنوك متقيدة بالشريعة الإسلامية بحيث تتجنب الربا والغرر والمعملات المحرمة، وتضبط معاملاتها بضوابط الشريعة، فالعمل فيها جائز، وإلا فلا «لعن الله الربا وآكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه».
البنك؟
تقدم ابن عمتي للزواج من أختي، وهو يعمل بأحد البنوك ككاتب، فوافق الوالد على تزويجه، ولكني عارضت ذلك الزواج بسبب عمله في إن كان البنك يعامل بالربا فالعمل فيه حرام، للحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الربا وآكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه» ثم قال: «هم سواء» (1) أي في الإثم، وكفى به دليلاً على الحرمة والله أعلم.
ما حكم من تتطلب أعمالهم القيام بإجراءات استيراد أو نقل أن تخليص الخمور؟
قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:، فأي عمل له صلة بالخمور ولو من بعيد فهو محرم غير جائز للآية والأحاديث، فيجب اتقاء ذلك والله أعلم.
هل يجوز العمل في الهيئة العامة لسوق المال بوظيفة فني صيانة كهربائي والتابعة لمبنى سوق الأوراق المالية؟
بما أن العمل لا يتعلق بالمعاملات لا أقول بحرمته، وإن كان الأسلم
تركه، والله أعلم.
(1) تقدم تخريجه. (3/285)
صفحة 1374
286
الفتاوى المعاملات
أنا شاب انتهيت من الدراسة ولم أجد عملاً، وحالة أسرتي ليست جيدة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، حيث إن أبى متقاعد وعليه ديون، وعندي إخوة كثيرون - والحمد لله، ووجدت في آخر الأمر عملاً واشترطوا علي ارتكاب معصية ولم أقبل، ولكن أهلي أصروا عليّ أن
أذهب إلى ذلك العمل مع ذلك الشرط، فما نصيحتكم لي؟
أبحث عن عمل لا تلجأ فيه إلى ما حرم الله: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ** وَيَرْزُقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2، 3] والله أعلم.
امرأة تعمل في أحد البنوك الربوية، حيث المعاملات الربوية والاختلاط بين الرجل والنساء، وقد حاول زوجها معها مراراً لتترك هذا النوع من
العمل ولكن دون فائدة
1 ـ ما حكم هذه المرأة؟
بئس ما أصرت عليه فإن المعاملات الربوية يلعن من شارك فيها بنص الحديث، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعن الله الربا وآكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه»، ثم إن الاختلاط بين الجنسين هو نار الفتنة التي تطلع على الأفئدة، ولا يرضى لنفسه الاصطلاء بها مؤمن ولا مؤمنة، ثم إن طاعة الزوج أوجب الواجبات فكيف تصر امرأة مسلمة على مخالفته؟ والله المستعان.
2 - وماذا يفعل زوجها معها بعد أن حاول كثيراً في منعها ولكن دون
فائدة؟
عليه أن يتبع معها جميع الأساليب، بما في ذلك الترغيب والترهيب واللين والشدة، ولا يكلفه الله ما لا طاقة له به فإن الهداية بيد الله وبالله
التوفيق. (3/286)
صفحة 1375
فتاوى الشركات
3 ـ وهل يلحقه شيء من الإثم بعد أن قام قدر وسعه في نصحها؟
إن لم يقصر فيما يجب عليه فالإثم عليها لا عليه والله أعلم.
287
إنني متزوجة وزوجي عليه ديون كثيرة، ورغم راتبه الكبير إلا أنه يكاد لا يبقى منه شيء، مما ألجأه إلى الاقتراض من بنك ربوي من أجل الصرف على والده، والذي بدوره عليه أيضاً ديون كثيرة، وقد أمره بذلك أبوه، فلجأت للعمل في أحد البنوك التجارية (الربوية) - تحت وطأة هذه الظروف ـ وأسئلتي كالتالي:
هل العمل في البنك حلال أم حرام؟ أم يعتمد على نوعيته؟ ما الحكم الديني في العمل بالبنك إذا كان العمل بعيداً عن القروض؟ بماذا تنصحوني أيها الشيخ العلامة هل أترك العمل بالبنك؟ علماً بأن علي التزامات مالية لجهات مختلفة، منها وكالة السيارات والمساعدة في مصاريف المنزل، حيث ما ذكرت لكم عن راتب زوجي والتزاماته، وغير ذلك من التزاماتي؟
ما حكم المبالغ والرواتب التي استلمتها من البنك من قبل؟ ما هو المطلوب مني الآن؟ وكيف المفترض أن أفعل، وما ترونه هو الصواب لي في هذه الحالة؟ مع العلم بأنني أملك قطعة أرض وهذه السيارة التي أدفع أقساطها الآن، هذا لا غير؟
أسأل الله أن پيسر لك الخير، وأن يباعدك من الشر، ويحفظك من السوء، وبعد: فإن من الخطأ الذي وقعت فيه أنت وزوجك الاقتراض من البنوك الربوية، فإن الربا يشترك في إثمه أكله ومؤكله، فقد نص على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الربا وآكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه»، وقال: «هم سواء»، ولا يبرر صنيع زوجك أن أباه أمره بذلك، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. (3/287)
صفحة 1376
288
الفتاوى المعاملات
وهذا وأما العمل في البنك الربوي، فإنه إن كان عملاً جانبياً ولا يباشر العامل الجوانب الربوية، إلا أنه يعد من التعاون عليه، لذلك لا أجد رخصة فيه، فإن الله تعالى قال: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]، وبناءً عليه فإن نصيحتي لك أن تستبدلي هذا العمل بعمل آخر هو أبرأ لذمتك فيما بينك وبين ربك تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2، 3 وما استلمته من الرواتب في هذا العمل فإن الله أحق بالعفو عنه مع التوبة، وأوصيك بتقوى الله، وإيثار الدار الآخرة والله المستعان.
التابع
ما قولكم فيمن حصل على فرصة عمل ببنك في قسم الشؤون القانونية لذلك البنك والتي يرغب الالتحاق به لغرض اكتساب مزيد من الخبرة تؤهله للحصول على وظيفة أفضل مستقبلاً، فما قولكم في ذلك؟ إن كان ذلك لكسب الخبرة من غير أن يشارك قط في شيء من المعاملات الربوية فلا حرج والله أعلم.
المساقاة والمزارعة:
هل تصح منه العمل، وثالث عليه معدات العمل، ولهم الربح بنسبة معينة؟
المساقاة أو المزارعة من ثلاثة أشخاص، رجل له أرض، وآخر
عقد المساقاة هو عقد استثنائي أبيح لما فيه من المصلحة، ـ وإن كان لا يخلو في أصله من الغرر، فهو أشبه بالرخصة، والرخص لا تتعدى مواضعها الواردة فيها، ومن المعلوم أن الغرر الذي يكون على العامل بسبب ضياع جهده عندما تفسد الثمرة أو تصيبها جائحة أهون من الغرر (3/288)
صفحة 1377
فتاوى الشركات
289
الذي يلحق صاحب المعدات، الذي يخسر ماله عندما يكون الناتج من العمل لا يحقق الربح المطلوب للوفاء بالنفقات، لذلك لا أرى جواز هذه الصورة في المساقاة، وإن كنت لم أجد حكم ذلك منصوصاً عليه، والله أعلم.
إن كلف السقي مؤنة من المال - سواء بقعد الفلج أو فاتورة الماء ـ فعلى من تلك المؤنة؟ وهل للعرف تحكيم فيها؟ وإن اقتضى الأمر مد أنابيب للري فعلى من يكون؟
إن كان في ذلك عرف متبع فهو الذي يحكم في ذلك، وإن لم يكن ذلك عرف فإن الأصل في الماء أن يكون على صاحب النخل والشجر، وكذلك الأنابيب، وإنما على المساقي العمل، هذا ما بان لي، والله أعلم.
في
إن اقتضى الأمر استخدام المبيدات - سواء التي تنفع الشجر أو الثمر - فتكون على من منهما؟
-
استخدام المبيدات هو لمصلحة الثمر، ومن هنا يتبين لي أن على لأنه القائم بالعمل، إلا أن تشارطا بخلاف ذلك. والله أعلم.
المساقي
هل يصح أن يشترط العامل أجرة بعض العمال على المالك؟ وإن أجيب الصحة، فهل تفسد المزارعة أو المساقاة بذلك؟
بعدم
بما أن العامل الأصلي الذي تم العقد معه بأن يقوم بأعمال المساقاة هو المسؤول عن جميع أعمالها، لا أرى وجهاً لاشتراطه على المالك أن يكون عليه أجور العمال الفرعيين واشتراطه ذلك يخل بصحة عقد المساقاة فيما
أرى، والله أعلم. (3/289)
صفحة 1378
290
الفتاوى المعاملات
ما قولكم في رجل دفع مالاً لآخر في أرضه نخلاً وشجراً، وجعل له النصف مما يغرسه، ولم يذكر الأرض في الاتفاقية التي كتبها بقلمه نفياً وإثباتاً، وحيث إن المال توجد فيه بعض النخيل الكبيرة فقد ساقاه عليها، وجعل له الثلثين من ثمرتها والمدة اثنا عشر عاماً، واشترط أن جميع ما يحتاج إليه المال من المصرف في الغرس والمساقاة فهو على الغارس، وبعد انتهاء المدة أرادا القسمة، ولكن من وجهة نظر الغارس أن تكون القسمة في الأرض والنخل والشجر بالنسبة فيما غرسه، على أنها مساقاة أصول، مستدلاً بما ذهب إليه بعض كبار العلماء قال تجوز
المساقاة في الأصول، كأن يدفع رجل لآخر أرضاً ليغرسها نخلاً أو شجراً ويقوم بسقيه وإصلاحه إلى أن يثمر على أن له الربع أو الثلث مثلاً، بشرط أن تحدد المدة بإثمارها مثلاً، وأن يأخذ العامل نصيبه من الأرض والشجر معاً، ثانياً استثناء عدم رب المال الأرض في الاتفاقية
هل يستحق الغارس نصيبه مما غرسه في الأرض أم لا؟ وإذا قلتم إن الغارس لا يستحق النخل مع الأرض والنخل مستقرة للبقاء مدة طويلة فهل للغارس حق أن يحفر بئراً مثلاً، وأن يزرع في الأرض البيضاء في
نصيبه فيما لا غنى عنه في غير إذن صاحب الأرض أم لا؟
ينتهي
أمد المساقاة بانتهاء المدة التي حدداها، وتعود الأرض المزروعة إلى صاحبها، أما الأرض المغروسة نخلاً وشجراً فهي تابعة للنخيل أو الشجر، لعدم استقلال النخيل والأشجار على الأرض، ولو لم ينص في الاتفاقية على دخولها وقسمة الأرض بحسب قسمة لنخيل أو الشجر.
والله أعلم. (3/290)
صفحة 1379
أوجه من المعاملات (3/291)
صفحة 1380
الفاوي (3/292)
صفحة 1381
أوجه من المعاملات 293
الهبة والهدية والعطية (1):
2
سمعنا بأنه ليس للإنسان أن يرد الهدية، ولا نعرف إن كان في هذا سنة، أم أن هذا مما تعارفه الناس، وهل للإنسان أن يُرجع هدية من تعرض له بالسب أو شتم أحد أقاربه أو كذب عليه؟
لا
مانع من رد هدية من لا يرتضى، أو يخشى أن يترتب على قبولها ما يحذر والله أعلم.
أعطيت أخي نخلة من مالي عطاءً ليس عن ضمان ولا غير ذلك، وكنت إذ ذلك ميسور الحال، والآن أصبحت فقييراً وذا عائلة والآن أنا بحاجة إلى هذه النخلة، هل لي الرجوع عن هذا العطاء أم لا؟ ليس للمعطي أن يرجع في عطيته، سواءً كان من أعطاه قريباً أو بعيداً
والله أعلم. شخص أحسن إلى والده كثيراً وكون له أموالاً كثيرة، وأراد الوالد أن يكافئه دون باقي إخوته، فهل له ذلك أم لا؟
له أن يكافئ ولده الذي أحسن إليه بقدر إحسانه، من غير إيثار له على غيره والله أعلم.
رجل اشترى مالاً مع أثري ماء، وأراد أن يبيعه على أحد أولاده، هل
يحق له ذلك؟
إن كان يعطي مثل ذلك بالعدل لجميع أولاده ذكوراً وإناثاً فلا حرج،
(1) راجع بحث الهبة والهدية» في آخر هذا الكتاب. (3/293)
صفحة 1382
294
الفتاوى المعاملات
وإلا فليس له أن يؤثر بعض أولاده على بعض،
والله أعلم.
أما البيع فلا
يمنع
منه
ما
رجل أراد أن يتنازل لأولاده عن جزء من ماله بحيث لا يطالبونه بأي شيء من الإرث بعد موته خارج ما تنازل عنه؟ وهل يجوز تقسيم تنازل عنه حسب ما يراه هو؟
إن كان يوزع ماله بين ورثته جميعاً عطية منجزة في حياته فله ذلك، وإلا
فلا والله أعلم. فيمن لها أولاد ذكور وإناث، فأرادت أن تقسم مالها بينهم كل حسـ
نصيبه من الميراث، وذلك برضى
جميع الأولاد، فهل يصح
إن قسمت بالعدل فلا حرج. والله أعلم.
لها ذلك؟
ما قولكم في رجل له عدة أولاد، وهو غير عادل معهم، إذ إنه يشتري العقارات ويكتبها باسم أولاده الصغار الذين من زوجته الأخرى، فهل يجوز له ذلك، وهل لأولاده الآخرين حق في اعتراضهم على فعل
أبيهم؟
هذا من الحيف الذي لا يرضاه الله، وللأولاد الكبار ـ إن لم يرضوا بصنيع أبيهم - أن يرفعوا أمرهم إلى القضاء الشرعي والله الموفق. رجل عنده بنون وبنات وبما أنه زوّج الذكور، فهل يلزمه إعطاء الإناث نصف مصاريف زواج إخوتهن؟ أم ماذا عليه؟
تزويج
يلزمه ذلك على قول من يقول بأن الذكور تبرع منه وليس واجباً عليه، وأما من يراه حقاً فلا يلزمه والله أعلم.
حقاً (3/294)
صفحة 1383
أوجه من المعاملات 295
أعطى شخص ابنته بيتاً وذلك عن ضمان لزمه لها، مع العلم أن له أولاد عم آخرين وليس له أولاد فهل تثبت هذه العطية أم لا؟
لا مانع من عطية الوالد لولده، ولو كان له ورثة آخرون، وإنما عليه أن يعدل بين أولاده في العطية، إلا إن كان تخصيصه لبعضهم بها بسبب ضمان لزمه له ـ كما في صورة السؤال، فإن الضمان حق يجب الوفاء به، ولو بين الوالد وولده والله أعلم.
ما هو حكم الشرع الشريف في هبة الأقارب على الفرضية التالية: رجل وهب أحد أبنائه بالإضافة إلى أحد أحفاده جزءاً من ممتلكاته، وحرر بذلك مستندات كتابية مشهوداً عليها، مع الأخذ في الاعتبار
المعطيات التالية:
(1) إن هذه الهبات لم تستغرق كل تركة الواهب. (2) إن مستندات الهبة نصت على ما يثبت قبض المال الموهوب من قبل الموهوب له. (3) إن الواهب لم يحرم سائر أبنائه من هبات قد تكون مماثلة أو أكثر من حيث القيمة وأحفاده أوصى لهم من ثلثه. وخص أرملته بوصية من الثلث فوق حقها من الميراث.
أفيدونا زادكم المولى فهماً في العلم وتبصرة في الدين؟
أحداً
على أحد،
إن كان أعطى هذا الولد مثل ما أعطى غيره، ولم يؤثر لا ذكراً على أنثى ولا العكس، فلا حرج عليه، ولا وصية لوارث، فلا تستحق زوجته فوق حقها الشرعي من الميراث، إلا إن وافق جميع الورثة على إثبات
الوصية والله أعلم. (3/295)
صفحة 1384
296
الفتاوى المعاملات
أعطى والدنا في حياته بعض إخواننا دون البعض، والعطية عبارة عن أرض مقام عليها منزل، ولا يوجد عنده شيء آخر، وقد توفي، وبعض الإخوة أطفال، فما حكم هذه العطية شرعاً؟
أما فيما بينه وبين الله فلا يجوز، إذ يجب على الأب العدل بين أولاده ذكورهم وإناثهم، وأما في الحكم فإن القضاء لا يتدخل فيما أمضاه ومات عليه، ولله الأمر من قبل ومن بعد. والله أعلم.
رزقني الله خمسة أولاد أكبرهم أهداني منزلاً وأريد أن أجعله وقف ذرية للأبناء الأربعة، مع العلم أن عندي ست بنات، هل جائز تخصيص المنزل المذكور للأبناء فقط؟
ذلك من الإيثار الذي لا يجوز شرعاً والله أعلم.
شيخنا الجليل: لدي مسألة وأنا مبتلى بالحكم فيها وهي من مسائل الخلاف، فأرجو تفضل سماحتكم بالرد عليها حتى أكون على بصيرة من أمري. عن رجل وهب بيته لابنه الصغير الذي يبلغ العامين، وعند الرجل أولاد من امرأة طلقها قبل أن يتزوج أم الولد الموهوب، وظل أمر الهبة سراً، وكان الرجل وزوجته وولده الصغير يقضون بعض الأيام في هذا المنزل حيث إنهم يسكنون في بلد آخر، بعد ذلك أصيب الرجل بخلل عقلي وحجر عليه قاضي البلاد التصرف في أمواله، ثم تقدم الأولاد بعد علمهم عن الهبة بعد حوالي أربع سنوات مطالبين برد الهبة إلى ملك أبيهم، فحضر أخ المحجور عليه ووكيله من قبل الشرع، وأجاب أن أولاد أخيه أهملوا أباهم وتركوه بعد طلاق أمهم، فتزوج امرأة أخرى ووجد إحساناً من الزوجة الثانية، أحب أن يكافئها على إحسانها، فوهب ابنها منه ولم يخبرها بذلك، وعلمت الآن بعد الكشف على الأوراق التي كان يخفيها (3/296)
صفحة 1385
أوجه من المعاملات 297
الزوج، وحيث أنه لم يعد قادراً الآن على التنقل طلب وكيل الأب من أخ الزوجة أن يؤجر البيت، وهو الآن مؤجر منذ شهر أو شهرين حسب
قوله، ويطلب الوكيل أن تبقى الهبة على ما هي عليه.
هذه هي
المسألة وأترقب رد سماحتكم حتى أتمكن من الحكم في القضية؟
قول الوكيل دعوى تفتقر إلى بينة، وعمل الأب حسب ظاهره مناف لأمر الشارع، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (1)، وعليه فأرى إبطال العطية لمنافاتها حكم الشارع وا والله أعلم.
أعطى رجل أحد أبنائه نخلة، فقبضها الولد حتى وفاة والده، فخاصمه
الورثة فيها، وقالوا نجعلها في الموقوف فهل لهم ذلك؟
إن قبضها فلا والله أعلم.
رجل له مجموعة من الأولاد والبنات وقد أعطى بعض أولاده الذكور نوقاً وأراضي، ولم يعط البعض الآخر، وقد توفي الرجل بعد ذلك، فهل هذه العطية ثابتة نرجو الجواب؟
يأثم بإيثاره بعض أولاده بالعطية على بعض، ولكن العطية تمضي في الحكم إن أحرزوا والله أعلم.
أعطانا والدنا أرضاً، وبعد مسح الأرض من الدولة أُخبرنا أنها متأثرة، وأعطونا قطعتين لي ولأخي باسمنا، فهل يحق لباقي إخوتي المطالبة بنصيب من هاتين القطعتين؟
إن كان والدكما أعطاكما هاتين القطعتين في حياته، وأحرزتما العطية، فهما لكما خاصة والله أعلم.
(1) أخرجه الإمام الربيع في باب في الولاية والإمارة (49) من طريق ابن عباس. (3/297)
صفحة 1386
298
الفتاوى المعاملات
رجل أعطى حفيده ضاحية من ماله مع بيته، وقد قبض المعطى له هذه العطية في حياة المعطي، وقام بإصلاحها فهي في حوزته، هل تثبت هذه العطية على الورثة، وهل له نصيب من تركة جده الهالك أفتنا مأجوراً؟
إن كان حاز في حياة المعطي عطيته وكان المعطي جائز التصرف فهي ثابتة، فإن كان أحد الورثة لم تمنعه العطية حَقَّهُ من الإرث والله أعلم.
بناءً على السؤال السابق:
قبضت تلك العطية من جدي قبل أن يتوفى بما يقرب من ثلاث عشرة سنة، وقمت بالتصرف فيها فسكنت البيت وسورته وسقيت المال واستغللته، فهل يعتبر قبضاً أم لا؟
إن كان الأمر كما تقول فهو قبض والله أعلم.
ما قول الشرع الشريف في رجل أصيب بحادث وتأثر فأصبح معوقاً، وتحصل على نقود إثر إصابته، وكان يعمل وتحصل على مكافأة، فاجتمعت له نقود، فسلّمها إلى زوجته التي هي في عصمته وله منها خمسة أولاد، وله من زوجة سابقة طلقها ثلاثة أولاد لا يألون منه شيئاً فالمرأة التي في عصمته الآن قبضت النقود واشترت منزلاً باسمها، فالظاهر بأن هذا الرجل آثر أولاده الآخرين وحرم أولاده السابقين، فهل يسمح له الشرع بذلك؟
إن كانت العطية لزوجته لا لأولاده منها، ولم يقصد بذلك حرمان أولاده
الآخرين، فلا مانع منها، والله يعلم السرائر من عباده والله أعلم.
نحن أربعة توفيت والدتنا فقام والدنا بالزواج من امرأة ثانية وأنجب منها سبعة أبناء، وفي الآونة الأخيرة استدعانا شيخ المنطقة ليخبرنا بأن (3/298)
صفحة 1387
وصرّح
أوجه من المعاملات 299
والدنا ينوي تبرئة ذمته وإعطاءنا حقوقنا، وتم تقييم المنزل الذي يملكه بأنه يرغب في تقسيم قيمته على أبنائه الأحد عشر، بعد ذلك يبقى المنزل لأبنائه السبعة من الزوجة الثانية، فاعترضنا على ذلك لأنهم سيأخذون نصيبهم من ثمنه معنا، ثم يكون المنزل لهم بعد ذلك، ثم واجهنا والدنا بأملاكه الأخرى بما فيه مزرعة فنفى أمرها ولم نصل لحل وخرجنا من عند الشيخ دون نتيجة، وعلمنا بعد ذلك أنه قام بتسجيل المنزل باسم زوجته الحالية دون علمنا، ثم علمنا بأنه قد تقدم بشكوى ضد أحد أبنائه السبعة من زوجة الحالية يطالبه فيها باسترجاع المزرعة والتي كان قد سبق وسجلها باسمه، كما نما إلى علمنا بأن والدنا يمتلك شركة ومبالغ في البنوك وأنه يرغب بتسجيل هذه الشركة باسم أحد أبنائه من زوجته الحالية، وأخيراً وجدنا والدنا بعد تقدمه في السن منصرفا في اللهو والمجون، فبعد كل ذلك هل لنا الحق في المطالبة بحقوقنا خشية ضياعها؟ وهل له الحق فيما قام به، وما سيقوم به من تسجيل أملاكه لزوجته الثانية وأبنائها منها دون سائر الأبناء من زوجته
الأولى؟
أما الأولاد فلا بد له من العدل بينهم وليس له إيثار أحد على أحد، وأما الزوجة فإن شاء فلا مانع من أن يعطيها من ماله ولا يشترط استئذان الأولاد في ذلك والله أعلم.
رجل سجل منزله باسم زوجته الثانية قاصداً حرمان أبنائه من زوجته الأولى، وستعود ملكية المنزل بعد ذلك لأولادها، وقد اعترف بذلك أمام شيخ المنطقة، فما الحكم في ذلك؟
أما فيما بينه وبين ربه سبحانه فلا أنه
ريب
آثم إن قصد بإعطائه البيت (3/299)
صفحة 1388
الفتاوى المعاملات
لزوجته الثانية إيثار أولاده منها على بقية أولاده من زوجته الأولى، وأما في
يمنع،
ماله
الحكم الظاهر فإن تصرفه هذا لا لأنه حسب ظاهره تصرف في بما يحق له، والغيب الله، فالله وحده هو الذي يحاسبه على طويته والله أعلم.
رجل قبل وفاته كتب مبلغاً من المال لابن أخته، فتوفي الرجل وأصبح ابن أخته من ضمن الورثة في هذه الحالة هل يصبح هذا المال لابن الأخت وحده، أم يقسم لجميع الورثة؟
إن كان أقر له بهذا المبلغ عليه فالإقرار ثابت، ويكون المبلغ للمقر له وإن كان وارثاً، والله أعلم.
رجل كتب صكوكاً لزوجته - التي هي عمتي ـ في أملاكه فهل هذه الصكوك ثابتة لها أم لا؟ وقد قمت بتسفيرها للخارج للعلاج على وأقمت لها عزاء بمال من عندي، فهل هذا كله يتحمله الزوج
حسابي ويدفعه أم لا؟
إن لم يكن اتفاق بينك وبين أحد فيما يتعلق بالعلاج، وأنفقت ذلك من مالك فليس لك أن تطالب بشيء، لأنك تعد متبرعاً بما أنفقت، وكذلك العزاء ونفقاته، أمَّا مَا أعطاه الزوج لزوجته في حياتهما فعطيته منجزة، وكذلك ما أوصى به من ضمان لها عليه، فإن الضمان حق ثابت على الضامن للمضمون له والله أعلم.
لقد تنازل لي ابن أخي عن بيته كهبة لي بقاعة المحكمة، وبموجب صك شرعي، هل هذا تنازل ثابت أم لا؟
إن كان تنازل عما يملكه بنفسه، وكان ذا أهلية للتصرف، فتنازله ثابت
والله أعلم. (3/300)
صفحة 1389
أوجه من المعاملات 301
إنني كتبت لزوجتي ورقة فيها ألفا ريال عُماني، وقد أخذت زوجتي الورقة وقد كتبت لها هذا المبلغ بعد مماتي، والآن أنا على قيد الحياة، فهل هذا يثبت أم لي الرجوع؟
إن كنت أعطيتها هذا المبلغ بعد وفاتك وقيدت بذلك العطية، فحكم ذلك حكم الوصية، ولا وصية لوارث (1)، وبما أنّ الزوجة وارثة فلا يثبت هذا العطاء، إلا إن كان من ضمان والله أعلم.
من القضايا المهمة والتي يكثر السؤال عنها الهبات التي تعطى للأطفال عند ميلادهم، هل هي للطفل وحده أم يجوز للأم الانتفاع بها، علماً أن هذه الهدية تختلف باختلاف المولود، فالذكر يعطى أكثر من الأنثى، كما أن الطفل الأول يعطى أكثر من الأطقال الآخرين، وذلك راجع إلى مقدار الفرحة التي يحدثها المولود، وأيضاً فإن كثيراً من الناس يدفعونها من غير استحضار مقصد معين للهدية أهي للطفل أم لأمه؟ نرجو منكم البيان في هذه المسألة؟
القيام
هذه العطايا ينظر فيها إلى العرف عند الناس فإن العرف محكّم في حياة الناس، فإن كان الذي يقدم هذه الهدية لا ينوي بها الأم وحدها أو الطفل وحده فهي تعود إلى تصرف القائم على ذلك الطفل، وإن عناها شيء من الحاجة فلا مانع من أن تستفيد من هذا المال كذلك، مع بالإنفاق على الطفل خارج ذلك المال حسب حاجته، وإن كان هنالك شيء من القرائن التي يمكن أن تدل على قصد الأم أو قصد الطفل أخذ بها، وأبرز هذه القرائن طبيعة الهدية هل يمكن تكون منفعة للطفل وحده، أو تكون منفعة للأم وحدها - لأن بعض الهدايا لا يمكن أن تنتفع
(1) أخرجه الإمام الربيع، باب في المواريث (667) من طريق ابن عباس. (3/301)
صفحة 1390
302 الفتاوى الفتاوى المعاملات
بها الأم، وبعض الهدايا لا يمكن أن تسخر منفعة للطفل ـ، فمثال الهدايا التي لا يمكن أن تنتفع بها الأم ثياب الأطفال، فهذه قرينة ظاهرة على أنها ما أريد بها إلا الطفل، لأن الأم لا يمكن أن تنتفع بها، أما إن كانت الهدية مما لا يمكن أن ينتفع به الطفل كعطر أو غيره مما تكون الأم أحوج إليه فهذه لمصلحة الأم وتعود إليها، هذا وإن كان هنالك تسامح بين الناس، بحيث اقتضى العرف بينهم أن تقدم هذه الهدايا بمناسبة ميلاد الأطفال من غير اعتبار لأن يكون المنتفع الأم أو الطفل فهذه لمصلحة الجميع، فيمكن أن تكون لمصلحة الطفل ويمكن أن تكون لمصلحة الأم والله تعالى أعلم.
سماحة الشيخ أحياناً تكثر الملابس المهداة، حيث يملك الطفل من النوع الواحد جملة كبيرة تخرج عن حاجته، فكيف يتصرف بهذه الكمية الزائدة؟ وهل يمكن للأم أن تقوم بإهدائها لامرأة أخرى ولدت طفلاً؟
إن كان الطفل يوفر له ما يحتاج إليه، وذلك بأن تكون الأسرة القائمة هي على ذلك، كأن يكون الأب هو القائم على ذلك، وهو في نفس الوقت لا يرى حرجاً أن تقوم أم الطفل بإهداء هذه الملابس إلى غيرها من النساء عندما يلدن فلا حرج في ذلك والله أعلم.
وهل يجوز أن يشترى بها بعض الألعاب والكماليات للطفل؟
بما أنها لمصلحة الطفل فلا حرج في ذلك والله أعلم.
من المعلوم أن الشارع الحكيم قد أوجب على الآباء العدل بين الأولاد العطية لقوله صلى الله عليه وسلم: اتقوا الله واعدلوا بين أبنائكم، ولكن لا يخفى
عليكم
أن حاجات هؤلاء تختلف بحسب اختلاف
سنهم،
فمثلاً قد (3/302)
صفحة 1391
أوجه من المعاملات 303
يحتاج أحدهم إلى ملابس بينما الآخر مستغن عنها في ذلك الوقت، وقد يحتاج أحدهم إلى حقيبة ودفاتر بينما الآخر لا يحتاج، فهل يلزم تعويض الآخر مثل ما أعطي الأول أم لا؟
هذا لا ينافي العدل، لأن العدل المطلوب ألا يؤثر الأب أو الأم أحد الأولاد على الآخرين، إذ العدل إنما هو منع الإيثار، وذلك بأن يعطي هذا مع حرمان الآخرين، أما إن كان يعطي أحدهم لحاجته مع استغناء الآخر، وعند حاجة الآخر أيضاً يعطيه مثل تلك الحاجة التي هو بحاجة إليها فلا مانع من ذلك، لأن هذا لا يتنافى مع العدل، بل أبيح إن كان أحد الأولاد فقيراً وكان الآخرون في غنى أن يعطي الأب ابنه الفقير بقدر ما يسد به حاجته ولو لم يعط الآخرين، لأن هذا ليس من الإيثار، وإنما هو من تقديم المساعدة إلى من هو محتاج إليها والله أعلم.
عما يعطيه الوالد لأولاده من مصروف مدرسي، فهو يتفاوت من ولد لآخر، فقد يعطي أحدهم مثلاً مائتي بيسة والآخر مائة بيسة مراعاةً للسن والحاجة، فهل في ذلك حرج؟
إن كان في منه والله أعلم.
ذلك مراعاة للحاجة، ولم يكن إيثاراً لأحد على آخر فلا مانع
إذا أنفق الوالد على بعض أولاده مبالغ لتدريسهم، نظراً لأنه لم يجد الدراسة المجانية، فهل يلزمه أن يعوض الآخرين مقابل هذه الدراهم؟ إن كان الآخر وجد فرصة للدراسة وهذا لم يجد الفرصة للدراسة، فلا يعد ذلك إيثاراً، ولا مانع ولا مانع منه والله أعلم.
لو اشترى الوالد لأبنائه الذكور ما يحتاجه الرجال كالخناجر أو السيوف (3/303)
صفحة 1392
304 الفتاوى الفتاوى المعاملات
أو العكس، كأن اشترى لبناته ذهباً ونحوه، فهل يلزمه أن يدفع للطرف الآخر مثل ذلك؟
الحاجة -
يشتري لكل جنس ما هو بحاجة إليه، فإن اشترى للذكور الخناجر وما أشبهها، فإنه يشتري للإناث الحلي من الذهب وما أشبهه، ليكون ذلك عوضاً عما أعطاه الذكور، وكذلك إن اشترى للإناث يعطي للذكور - مع محتاجون إليه أو ما به تكون زينتهم، ولا تلزمه المساواة في ذلك، وإنما هو بقدر الحاجة، وليس ذلك من الإيثار والله أعلم.
ما
هم
نرى الرجال والنساء إذا ما ذهبوا إلى زيارة امرأة والدة يعطون الصبي «المولود» مبلغاً من المال فما حكم ذلك؟
لا مانع من ذلك، وإنما يكون هذا العطاء ملكاً للصبي والله أعلم. الذي عرفناه أن الطفل إذا ولد وأهدي شيئاً يصبح ملكه، ولكن هناك عادة معنا نحن العُمانيين وهي عادة النحل، وإذا نحلت المرأة بعد ذلك ترد النحل للمرأة التي نحلتها، والمرأة التي لم تنحلها تتوقف عن نحلها، هل هذا النحل يعتبر ملكاً للمولود أو يجوز أن يتصرف فيه الوالدان بحكم أنهم يرجعون هذا النحل للإنسان الذي نحلهم؟
إن كانت هذه عادة متداولة فلا حرج على أن تأخذ أم الطفل ما تأخذه على أنه لها لا له والله أعلم.
كثير من الأطفال يحصلون على هدايا مادية ومالية، فهل يجوز للأم التصرف بذلك المال من أجل شراء لوازم الطفل؟ وهل يجوز أخذ شيء من ملابس الطفل المهداة إليه لتكون لطفل آخر؟
أما أن تكون هدية الطفل لمصلحته فنعم، وأما كون الأم تتصرف فيما (3/304)
صفحة 1393
أوجه من المعاملات 305
أهدي إلى الطفل، فهذا مبني على القول بأن لها ما للأب، وهذا القول هو
جمهور
الأرجح، حتى أن العلماء الذين قالوا بجواز رجوع الأب فيما يهديه إلى ولده قالوا يجوز للأم ذلك، لأنها داخلة في مسمى الوالد، وكثير منهم أباحوا حتى للجد من قبل الأب ومن قبل الأم والجدة من قبل الأب والجدة من قبل الأم الرجوع، لأن كل واحد منهم يدخل في مدلول كلمة الوالد، فأباحوا لهم الرجوع، وأما التصرف فإنما هو من أب مباشر وأم مباشرة والله تعالى أعلم.
رجل استخرج من الحكومة أراضي سكنية لبعض أولاده، وفي حياته لم يسلم تلكم الأراضي للأولاد، فبقيت مستنداتها في حوزته، وبعد موته أرادوا أخذ هذه الأراضي دون بقية الورثة، علماً بأنهم لم يبذلوا في
استخراج تلكم الأراضي جهداً ولا مالاً، فهل يصح لهم ذلك؟ إن كانت الدولة منحتها لأولاده وظلت كما هي، فهم أحق بما منحوا
والله أعلم.
رجل له راتب مشيخة، وحصل على مبلغ مساعدة من الدولة من بند المساعدات، ثم حصل بعد ذلك على مساعدة أخرى لبناء بيته، فما حقيقة هذه المبالغ التي حصل عليها، وما الفرق بيها وبين الجوائز التي تقدم من بعض الشركات؟
ما أتاه من المال من غير تحايل ولا طمع، وإنما كانت عطية خالصة من ولي الأمر فلا حرج، ولا حرج في قبول عطايا الشركات أيضاً، إن لم تكن لسبب غير جائز، ولا بطريق السحب المبني على إسهام من المعطي
والله أعلم. (3/305)
صفحة 1394
306
موض
الفتاوى المعاملات
وظف يعمل بإحد المؤسسات في مجال الشؤون المالية، وبحكم هذا العمل يقدم له تخفيضات لسلع يشتريها لنفسه، وبعض الأحيان تكون مجانية على سبيل الهدية حسب المعمول به في هذا المجال، فهل في هذه الحالة تكون تلك المعاملة جائزة شرعاً أم لا؟ وإذا كانت غير جائزة فما المخرج إذا أراد أن يبرئ نفسه؟
الأولى له والأسلم أن يتورع عن أخذ هذه الهدية لنفسه، ويجعلها لفقراء المسلمين، سواءً وزعت عليهم، أو جعلها في وقف يعود إليهم والله أعلم.
شخص أهدي ساعة فيها ذهب 22 قيراطاً هل يجوز أن يلبسها؟ وإذا كان لا يجوز هل يجوز بيعها لشخص قد أخبره بأنه سيلبسها؟
لا يجوز لبسها، ويجوز بيعها لامرأة أو لغير مسلم والله أعلم.
أنا أخ لثلاث بنات وقد اشترى أبي بيتاً قبل وفاته وكتبه باسمي، فهل للبنات والوالدة حق في إرث البيت بعد وفاة الوالد؟
إن كنت تعلم أن أباك آثرك بذلك دونهن فهو غير جائز، وعليك التخلص، فإن العدل واجب بين أولاده الذكور والإناث في العطية، فخلص نفسك وأباك من الإثم والله أعلم.
ما قولكم في جملة أولاد أعطوا قطعة أرض تقدم بطلبها أبوهم وحدد أسماءهم، فهل يجوز إضافة أولاد آخرين معهم، أو تكون لهم
وحدهم؟
إن كان الأولاد الذين أعطوا أحرزوا العطية فهي لهم وحدهم والله أعلم. (3/306)
صفحة 1395
أوجه من المعاملات 307
لي مجموعة من الأولاد، فأعطيت أحدهم مزرعة دون إخوانه، فهل عليَّ حرج في الرجوع عن هذه العطية؟
لا حرج عليك في الرجوع، بل العدل في العطية بين الأولاد أمر واجب.
والله أعلم.
تنازلت امرأة لأخيها عن بعض أملاكها التي ورثتها من والدها برضى نفسها أمام القاضي مع وجود شاهدين في ذلك التنازل، وفي الآونة الأخيرة توفي الأخ، ثم قالت لزوجة أخيها أرجو أن لا يطلع فلان على هذا التنازل وهو ابن أخيها الهالك من ضمن الإخوة الوارثين، هل يجوز لها أن تقول هذا؟ وهل يجوز لها أن تلغي التنازل الذي تنازلت به
لأخيها؟
إن كان هذا التنازل برضى لم يشبه إكراه ولا حياء وحاز المتنازل له حصتها فلا وجه لإخفائه، ولا يجوز شرعاً الرجوع؛ لأن الرجوع في هبته كالكلب الآكل لقيئه. والله أعلم.
إنني رجل متزوج من امرأتين ولديّ أربعة أبناء ذكور، واثنتا عشرة بنتاً، وأمتلك سبعمائة نخلة، فأردت إعطاء أحفادي مائتي نخلة، فهل يجوز لي ذلك؟
إن كنت أردت بذلك البر ولإحسان إليهم، ولم تقصد الإلجاء، فلا مانع من ذلك، وإن قصدت أن تلجئ المال عن ورثتك فإن ذلك تحايل على الحق، وكفى به إثماً مبيناً والله أعلم.
ولد وهبه أبوه قطعة أرض في البيت الذي يسكنه حالياً، وذلك لكي يبني بها ما يلزمه لإتمام زواجه، مع أن هذا الوالد لديه أولاد غير أشقاء لابنه المعني، (3/307)
صفحة 1396
الفتاوى المعاملات
ولكنهم يصغرونه سناً،
وفي
الآونة الأخيرة سمع الوالد فتوى مقتضاها بأنه
غير جائز شرعاً إعطاء هذا الولد دون إخوته، إلا إذا أعطى الإخوة مثله،
والبناء الآن قائم، فهل يصح أن يقوم الابن بشراء قطعة الأرض هذه؟ نعم، يشتري الابن من أبيه تلك القطعة ويدفع إليه ثمنها، وتنحل المشكلة - إن شاء الله - والله أعلم.
رجل لديه مزرعة، ويرغب في كتابة جزء من هذه المزرعة لأبناء ابنه، وله ولد وثلاث بنات، فهل يجوز له ذلك؟ أفيدونا أفادكم الله.
إن كان ذلك منحة أو إيصاء - ولم يقصد حرمان وارث من حقه - فله ذلك، وإن قصد الحرمان فذلك غير جائز، وكذلك إن أوصى بأكثر من الثلث. والله أعلم.
هل للولد حق في جبر والده على انتزاع شيء من ماله؟ وهل للأب أن يخص الولد من دون الورثة أو الأولاد بشيء؟
ليس للولد أن
ينتزع
شيئاً ملك أبيه بغير رضاه، وعلى الأب أن يعدل
بين أولاده في العطية بحسب ميراثهم. والله أعلم.
هل يحق للأب أن يرجع عن عطيته لأولاده؟
لا مانع من رجوع الأب في عطيته لأولاده. والله أعلم.
رجل أعطى أحد أولاده بئراً فحازها الولد له، وللمعطي أولاد فهل له
الرجوع في عطيته؟
إن كان لم يعدل بين أولاده في العطية فعليه أن يرجع إلى العدل، ولو
بانتزاع ما أعطى لولده. والله أعلم. (3/308)
صفحة 1397
أوجه من المعاملات 309
ما قولكم فيمن كان له دين على أخيه المسلم، ثم عفا عن ذلك الدين، فما قولكم في الرجوع في هذه العطية؟
ما تبرع به للغير لا يرجع فيه، فإن العائد في صدقته كالكلب العائد في قيئه. والله أعلم.
هل يجوز لي أن أكتب لزوجتي بيتاً من بيوتي عطية ليس من ضمان، ولكنها مكافأة لها على حسن عشرتها لي وهل فرق بين هبتي لها في حياتي أو بعد مماتي؟
لك أن تهبها في حياتك، وأما الإيصاء بذلك بعد موتك فلا، لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: لا وصية لوارث (1)، وعليه الإجماع. والله أعلم.
في
توفي والدي وأخبرني أنه ينوي إعطاء أمي وأختي شيئاً من المال حياته، فهل تثبت العطية، ولم يوص فهل تثبت وصية في ماله وله أيتام وعليه ديون ومتى نقسم الميراث؟
العطية لا تثبت بمجرد القصد، بل لا بد من أن فيها عطاء يجتمع وقبول وقبض. وبما أن أباك لم يعط أمك ولا أختك في حياته، وإنما نوى إعطاءهما فالعطية غير ثابتة وبما أنه لم يوص بشيء فلا تثبت وصية في ماله، إلا إن شاء الورثة التبرع عنه بشيء، وكان ذلك في نصيب البلغ العقلاء منهم دون غيرهم، فإن ذلك عائد إليهم ويرجى لهم الثواب به، وقضاء الدين قبل قسمة الميراث، لقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دين} [النساء: 11]. والله أعلم.
(1) تقدم تخريجه. (3/309)
صفحة 1398
310
الفتاوى المعاملات
رجل توفي وقد أعطى ابنه ناقة في حياته، فهل تدخل هذه الناقة في القسمة بين الوارثين؟
إن كان قد أعطاها لابنه وقبلها الابن وحازها فهي ملكه دون سائر الورثة.
والله أعلم.
هل لابن الأخ الرجوع فيما تبرع به لأداء حجة عن عمه الهالك؟ بعدما تبرع ابن الأخ فليس له الرجوع فيما تبرع به والله أعلم.
ما قولكم في زوج أعطى زوجته بيته بجميع ما فيه وهو في حياته، على الرغم من أن الزوجة وارثة؟
يجوز له التصرف في حياته فيما يملك ما دام بحالة لا يمنع فيها من التصرف. والله أعلم.
قامت جهة عمل المتوفى بإعطاء أرملته مبلغاً من المال كتعويض عن وفاة زوجها، فهل يكون المبلغ لها أم لجميع الورثة؟
إن كانت هذه عطية خالصة فهي حسب تخصيص المعطي؛ فإن للإنسان أن يعطي من ماله من يشاء، وإن كان ذلك من حق واجب على تلك الجهة للمتوفى، فهو يعود إلى جميع الورثة بحسب استحقاقهم في الإرث.
والله أعلم.
هل يجوز للأم أن تهب بناتها منزلها مكافأة على معروفهن ومساندتهن مع رضى البنات الأخريات؟
ليس لها أن تؤثر بعض أولادها على بعض، فإن كانت تعطي بناتها من أجل مكافأتهن على معروفهن وإحسانهن إليها، وكانت العطية بقدر ما قدمن (3/310)
صفحة 1399
من
ذلك، فلا
أن يرجع
حرج
أوجه من المعاملات 311
عليه، وإن كانت إيثاراً لهن فهو غير سائغ. والله أعلم.
ما قولكم في رجل لديه امرأة لها مال فأعطته زوجها، وبعد مدة أراد هذا المبلغ إلى الزوجة فقالت إن هذا المال لك ومبرأ منه في الدنيا والآخرة، وبعد مدة أراد الرجل أن يتزوج امرأة ثانية ولم تقبل، وقالت إذا أردت الزواج فارجع لي مالي، فهل أرجع المال أم لا؟
إن كانت أعطته من طيب خاطرها فهو حلال له، وإنما ينبغي له أن يعف عنه فيرجعه إليها عند مطالبتها إياه، وهذا هو الورع والحيطة بالنسبة إليه. والله أعلم. ما قولكم في رجل اشترى أرضاً بمبلغ ثمانمائة ريال عماني، فباعها لأبنائه السبعة الذكور، وبنفس المبلغ الذي قاموا ببناء الأرض المشتراة به، ولديه ابنة فأراد أن يمنحها شيئاً من الثمانمائة، فماذا يفعل؟ علماً بأن الأب يعتبر هذا ميراثاً لهم، ويريد قسمته في حياته قبل موته. نرجو الإفادة أثابكم الله؟
إن أعطى الذكور شيئاً فيعطي الأنثى نصف ما أعطى الذكور، وقيل هما سواء والله أعلم.
ما قولكم في رجل أعطى ابنته شيئاً من ماله الأخضر ثم رجع في عطيته وباعها، ثم تزوج امرأة أخرى ثم توفي، وقد خلف من هذه المرأة الأخرى أولاداً وأرادوا القسمة فكيف يكون مصير العطية؟
إن كانت لم تقبض العطية فله الرجوع والتصرف فيها ببيع أو غيره يعد رجوعاً والله أعلم. (3/311)
صفحة 1400
312
الفتاوى المعاملات
خطأ
قمت بكتابة ملكية المنزل الذي أسكنه باسم أبنائي من المرأة الثانية، وكنت أقصد أن أتنازل عن المنزل الذي تقل مساحته، ولكن وقع غير مقصود في ذلك، فهل يجوز لي شرعا استبدال ملكية المنزل الثاني ليكون باسم الأولاد بدلاً من ملكية المنزل الأول الذي ستعود ملكيته باسمي شخصياً؟
عليك أن تعدل في العطية بين أولادك، وأن لا تؤثر أحداً على آخر من أجل أمه أو من أجل محاباة تؤثره، بها، وعليه فإما أن تجعل هذه العطية للجميع، أو أن تمنح الآخرين ما يسد مسد عطيتك لهؤلاء، وإما أن تسترد العطية من هؤلاء الذين خصصتهم بها والله أعلم.
لدي ثلاثة أولاد ذكران وبنت واحدة وقد أعطيت كل واحدٍ منهم بيتاً خاصاً به، ليس عن ضمان أو حق عليَّ لهم بل هو هبة مني لهم، ولكن على مر الزمان لم أر منهم إلا قلة الإحسان والمعروف وعدم الاهتمام، لذا فهل يصح لي أن أرجع عن عطيتي هذه وهي حسبما ذكرت بأنها هبة وليست عن حق واجب عليّ لهم؟ المسألة فيها خلاف إن كانوا قد أحرزوا العطية فإن رأيت أن تتغاضى
وتسكت فذلك أولى، وإلا فلك أن تأخذ بالرأي الآخر والله أعلم.
ما حكم التهادي بين المسلمين والمشركين؟ وهل قبل رسول الله هدايا المشركين؟
نعم، قبل الرسول صلى الله عليه وسلم هدية المشركين، فقد أخرج الترمذي من طريق الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى إليه كسرى وقبل هديته، وأنه أهدى إليه قيصر وقبل هديته وأنه أهدى إليه مشركون وقبل (3/312)
صفحة 1401
أوجه من المعاملات 313
هداياهم)، وجاء أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى له حاكم القبط بمصر جاريتين وبغلة وأشياء فقبلها منه النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ إحدى الجاريتين لنفسه وهي مارية التي ولدت له إبراهيم ابنه - عليه أفضل الصلاة والسلام ـ، وأعطى الأخرى حساناً (2)، وهذا يدل على جواز قبول هدية الكفار، وكذلك في رواية بلال الى أنه تحمل ديوناً فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فوجد على باب بيت الرسول صلى الله عليه وسلم أربعاً من النوق محملات، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: جاءك الفرج من عند الله، وقال له بأن هذه النوق بجميع أحمالها أهداها إليه ـ صلوات الله وسلامه عليه - عظيم فدك وقال له هي لك وما عليها من طعام وكساء، وهذا دليل على جواز قبول هدية الكفار، ولكننا في المقابل نجد دليلاً آخر يدل على خلاف ذلك، فعن عياض بن حمار المجاشعي الى أنه أهدى النبي صلى الله عليه وسلم ـ قبل إسلامه ـ ناقة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل أسلمت؟ قال له: لا. قال له ـ عليه
:-
أفضل الصلاة والسلام: «إني نهيت عن عطاء المشركين» (3)، أو كما قال له عليه أفضل الصلاة والسلام، وهذا الحديث اختلف في الجمع بينه وبين الأحاديث الأخرى، منهم من قال بالتناسخ، وقد اختلف العلماء أيهما نسخ الآخر، قيل: هذا ناسخ لتلك الروايات وقيل بل هي ناسخة له، ومن المعلوم أن النسخ يتوقف على معرفة التوقيت، بحيث يعرف القائل بالنسخ متى ورد الدليل الناسخ، ومتى ورد الدليل المنسوخ، وهذا أمر يتعذر في مثل هذه الحالة، فلذلك لا يمكننا أن نقول بالنسخ، على أنه لا ينبغي أن نذهب إلى
(1) أخرجه الترمذي في كتاب السير باب قبول هدايا المشركين (1576) وأحمد 96/ 1. (2) أخرجه الطبراني في الأوسط (3549/ 4) من طريق بريدة. (3) أخرجه أبو داود في كتاب: الخراج والإمارة، باب في الإمام يقبل هدايا المشركين (3057)، والترمذي في كتاب السير، باب: في كراهية هدايا المشركين (1577) وقال: (3/313)
صفحة 1402
314
الفتاوى المعاملات
النسخ مع إمكان الجمع ما بين الدليلين والجمع متيسر، وذلك بأن يقال بأن الامتناع منه عن قبول عطايا المشركين إنما كان ذلك لسبب، وذلك عندما يعرف أنهم يريدون أن يشتروا بعطاياهم ولاءه لهم، فلذلك امتنع في مثل هذه الحالة من قبولها على أنه جاء في رواية عن أسماء بنت أبي بكر الى أن أمها وفدت عليها بهدايا وامتنعت من قبول هدايا أمها، ولكن سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قبولها لهدايا أمها وعن صلتها لأمها؛ أي أن تهدي هي لأمها وتصلها، وكانت أمها على الشرك، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تقبل هداياها وأن تصلها)، ونزل في ذلك ـ كما جاء في رواية للبخاري ـ قول الله تبارك وتعالى: لَا يَنهَنكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ
مع
وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8]، وهذا يعني أنه عندما يكون التهادي بين مسلم وغير مسلم لا لأجل التأثير على نفسية المسلم، وا ولا المعاداة البالغة من غير المسلم للمسلم بحيث يتقوى بتلك الهدية على حربه للمسلمين، فلا مانع من أن يكون هنالك تواصل، وأن يكون هناك إقساط من قبل المسلمين في حق غير المسلمين، ومن المعلوم أن الهدايا التي تكون بمناسبات غير مشروعة في الإسلام - كعيد الميلاد مثلاً - لها أثر في اجتذاب نفوس المسلمين عندما يتقبلون هدايا النصارى في هذه الحالة، أو عندما يهدونهم، هم فذلك اعتراف ضمني بهذه المناسبة التي يهدون من أجلها أو يتقبلون الهدية من أجلها، فلذلك نرى في مثل هذه الحالة أنه لا يجوز إهداؤهم ولا يجوز قبول الهدية منهم أما في غير هذه الحالة فلا مانع من قبول هديتهم ولا مانع من إعطائهم الهدية، والنص الصريح في قول الله تبارك وتعالى: لَا يَنهَنكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم
(1) أخرجه البخاري في كتاب الهبة باب الهدية للمشركين (2620). (3/314)
صفحة 1403
أوجه من المعاملات 315
مِن دِيَرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ} [الممتحنة: 8] دليل على جواز الإهداء إليهم في غير حالة حرب، بحيث يتقوون بهذه الهدية على حرب المسلمين، بل وإن كانت فيهم عداوة ويضمرون الكراهية للمسلمين، ويرجى بهذه الهدية أن يلان جانبهم، أو أن يقل عداؤهم للإسلام والمسلمين فلا مانع في أن يهدى إليهم في مثل هذه الحالة، والنبي صلى الله عليه وسلم دفع إلى المشركين ـ أيضاً ـ هدايا، فقد أهدى ـ عليه أفضل الصلاة والسلام - رسولي كسرى إليه منطقة (1) من ذهب، وعمر بن الخطاب إلى كسا أخاه ـ الذي كان على الشرك ـ ثوباً من حرير أعطاه إياه رسول الله (2)، وهذا مما يدل على جواز إهداء المسلم لغير المسلم والله
تعالى أعلم. بعض الناس يحتلفون بأعياد ميلادهم سنوياً، فما حكم الإسلام في ذلك؟ وهل يجوز إعطاؤهم الهدية في هذه المناسبة؟
هذا من تقليد غير المسلمين، وهو غير جائز شرعاً، ولا يجوز الإهداء في مثل هذه المناسبات.
هل على المسلم أن يتقبل هدية الكافر أو النصراني ـ أياً كان نوعها ـ أم
يرفضها؟
أنا أتعجب ممن يقول الكافر أو النصراني وهل النصراني غير كافر؟ هذا الأمر نبهنا عليه كثيراً، ولكن الناس يتاصممون عنه، فالله تبارك وتعالى يقول: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكَينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) [البيئة: 1]، ويقول: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ
(1) المنطقة: هي كل ما شد به الوسط.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب صلة الأخ المشرك (5981). (3/315)
صفحة 1404
316 الفتاوى المعاملات
رو
فِيهَا أُوْلَيْكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} [البينة: 6]، ويقول الله الله: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، ويقول: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: 17]، فماذا عسى أن يكون الكفر إن كان النصراني غير كافر؟ فمن أين جاؤوا بهذا الرأي؟ وأتعجب كثيراً من التفرقة بين الكافر والنصراني على أننا نقول بأن القول الراجح الذي عليه جمهور العلماء أن الكافر الكتابي هو مشرك، فالقرآن يدل عليه، فالله تبارك وتعالى يقول في أهل الكتاب: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أربابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَيْهَا وَاحِدًا لَّا إِلَهَ إِلَّا هو سُبْحَنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31]، فقال سبحانه: عَمَّا يُشْرِكُونَ}، فإذاً هم يشركون لاتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، ولئن كانوا يشركون فهم مشركون، إذ لا يمكن أن يقال في أحد مشرك وهو غير مشرك، وكذلك نجد أن الله تبارك وتعالى يقول: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ عَامِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهَا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [النساء: 47]، ثم يتبع ذلك ما يدل على توعدهم على شركهم قال إثر ذلك: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48]، هذا واضح، فإذاً لا معنى للتفرقة بين الكافر والنصراني، والمسألة أجبنا
عليها.
عندما
هل يجوز في وقتنا الحالي قبول شيء من شخص لا يصلي
ولا يصوم؟
إن لم يكن في ذلك تشجيع على تركه الصلاة وتركه الصيام فلا مانع
من قبول هديته، إذ ليس هو أشد من المشركين والله أعلم. (3/316)
صفحة 1405
ما رأي سماحتكم في هدية المقترض للمقرض؟
أوجه من المعاملات 317
جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن إهداء المقترض للمقرض (1)، إلا أن يكون بينهما التهادي من قبل وكان هذا الإهداء لا بسبب الاقتراض وإنما لما
6
نفعاً
فهو
بينهما من صداقة قائمة من قبل، وقد جاء في رواية: «كل قرض جرَّ ربا (2)، وهذه الرواية وإن كانت ضعيفة الإسناد إلا أنها تقوى بالإجماع، فإن الإجماع قد انعقد على عدم جواز انتفاع المقرض من المقترض بأي شيء في مقابل القرض الذي أقرضه إياه والله تعالى أعلم.
جماعة في بلدة طلب بلدة طلب منهم جمع تبرعات لبناء مكتبة تكون تابعة لها، وتم جمع هذه التبرعات، ولكن حدثت بعض الأمور التي أدت إلى تأخير بناء هذه المكتبة، فعرض بعض الإخوة فكرة بتطوير غرفة تابعة للمسجد لتقام عليها المكتبة في الوقت الحاضر إلى أن تتيسر تلك ور ويتم بناء المكتبة، فهل يصح لنا استخدام هذا المبلغ الذي تم تجميعه دون أن نعلم من تبرع بذلك، علماً بأنه قد يقع حرج بفعل ذلك، أي بإخبار كل من تبرع؟ ليس له ذلك، إلا إن وافق المتبرعون جميعاً على تحويل ما تبرعوا به إلى هذه الغرفة الموقوتة والله أعلم.
الأمور
توفي رجل وترك أولاداً منهم البالغ ومنهم الصبي، وقد منح بعض هؤلاء الأولاد راتباً من الضمان الاجتماعي والأولاد الذين كان لهم الراتب ثلاثة، وكان أكبرهم في وقت وفاة أبيه في أول المرحلة الثانوية،
هم
(1) تقدم تخريجه.
(2) تقدم تخريجه. (3/317)
صفحة 1406
318 الفتاوى المعاملات
وكان لا يطالب إخوته الذين أصغر منه بشيء من الراتب لعدم الحاجة إليه، وكان الراتب طوال هذه الفترة يُصرف في الصالح العام للأسرة كحاجات المنزل وما شابه ذلك وبرضى وكيل هؤلاء الأيتام، وبعد أن أتم الأخ الأكبر - من الذين يحق لهم الراتب - المرحلة الثانوية كانت حاجته إلى الراتب، إلا أنه بعد التخرج من الثانوية كان لا يحق له الراتب حسب قانون الضمان الاجتماعي، فهل له الآن أن يطالب بشيء من الراتب بدعوى أنه لم يأخذ شيئاً منه طيلة ثلاث سنوات، مع العلم أن الراتب حالياً يُسلم باسمه هو؟ وهل له أن يطالب بحقه في الثلاث سنوات الماضية متعللاً بحاجته إليه ولأنه يتحمل إيجار المنزل ويدفع مصروفات الأكل والشرب والكهرباء وغير ذلك من المصروفات في فترة الدراسة بعد الثانوية؟ إذا كان له ذلك، فهل له أن يطالب إخوته الأصغر
منه الذين يستلمون الراتب - وهم بلَّغ ـ أم يطالب وكيل إخوته؟
ما سكت عنه من حقه من قبل في ميقاته ليس له الرجوع إليه من بعد
والله أعلم.
رجل لديه عدة أولاد، فقام ببيع ربع مزرعته لأحد أبنائه بمبلغ ألفي ريال عماني، وتم توثيق ذلك بصك شرعي، ومضى على ذلك عام كامل دون أن يستلم الرجل من ابنه أي جزء من المبلغ المتفق عليه، وذلك لضعف حالته المادية، لا سيما أنهم يعيشون من منزل ذلك الابن ويقوم بالصرف على والده وإخوته، فهل يجوز للرجل أن يتنازل عن ثمن الأرض بالكامل لابنه؟، وإذا كان الجواب بلا، فكم الثمن المعقول كجزء من الألفين يطالب به ربع أم نصف المبلغ؟، وإذا تعذر ذلك فهل يحق للرجل أن يستلم من ابنه مبلغاً ولو كان زهيداً، ويظل يطالبه بباقي (3/318)
صفحة 1407
أوجه من المعاملات 319
المبلغ حياً كان أو ميتاً يؤديه له أو لورثته؟، وهل يلحقه إثم عندما ميّز ابنه هذا وباعه جزء من المزرعة، وكان قصده مساعدته نظير إحسانه لوالديه دون رغبة منه في شرائها؟
إن كان ما يقوم به الابن من نفقات على الأسرة بأكملها يوازي هذا المبلغ الذي يتنازل عنه أبوه له فلا مانع من هذا التنازل، والله يوفقكم للخير والله أعلم.
أنا امرأة في الخامسة والخمسين من عمري ولدي أربع بنات وولدان، وجميعهم متزوجون ومستقرون في بيوتهم عدا ولدي الأصغر الذي ما زال أعزباً، وأنوي تزويجه، وهو ولد مطيع لي وبار بي، وقد بذل الغالي والرخيص لمعالجتي في الخارج ثلاث مرات، ويوجد لدي منزل باسمي أريد أن أكتبه باسمه، فهل يحق لي ذلك؟
لا يجوز إيثاره عن إخوته، وإنما لك أن تعوضيه بمقدار نفقاته التي أنفقها عليك فقط، اللهم إلا إن رضي جميع إخوته وأخواته بمنحه المنزل
فلا حرج
عندئذ والله أعلم.
العارية:
من أُعير عارية فتلفت من غير تقصير منه، فهل عليه ضمانها؟ وهل
يجوز اشتراط الضمان في العارية؟
لا ضمان عليه إن لم يقصر، إلا إن اشترط عليه الضمان، وذلك جائز لقول النبي صلى الله عليه وسلم عندما استعار أدراع صفوان بن أمية ولكن عارية مضمونة» (1) والله أعلم.
(1) أخرجه أبو داود، باب في تضمين العارية (3562). (3/319)
صفحة 1408
320
الفتاوى المعاملات
إذا خالف المستعير في استعمال العارية بحيث استخدمها في غير ما استعارها من أجله أو فرط في الاستعمال فما عليه في حالة تلفها أو عدم تلفها؟
نعم عليه الضمان في كلتا الحالتين والله أعلم.
فيمن استعار عارية لمدة معينة فتوفي المعير قبل انتهاء مدة الإعارة، فهل يجوز للمستعير استعمال العارية إلى نهاية المدة المتفق عليها؟، وإذا
توفي المستعير، هل يجوز لورثته إكمال مدة الإعارة؟
بوم
فاة المعير انتقل الملك إلى ورثته، فليس للمستعير أن يستعمل العارية في هذه الحالة، إلا إن أذن له الورثه وهم جميعاً أهل للإذن، وإن مات المستعير فقد انتهت الإعارة لأنها أعيرت له دون ورثته، فليس لهم استعمالها إلا بإذن صاحبها والله أعلم.
هل يجوز لمن استعار عارية أن يعيرها لغيره بغير إذن صاحبها؟
ليس له ذلك، وإن فعل فهو ضامن والله أعلم.
الغرر
هل يجوز لشخص أن يعطي شخصاً آخر حيوانات ليرعاها، ويتقاسما بينهما ما وُلِدَ؟ وما الدليل على جوازه أو عدمه؟
ذلك غير جائز، لما فيه من الغرر، وقد نُهي عن عقود الغرر (1) والله أعلم.
(1) جاء النهي عن بيع الغرر عند مسلم جـ 3 ص 1153 رقم 1513 والترمذي جـ 3 ص 531 رقم 1229 والنسائي جـ 7 ص 262 رقم 4518 وأبو داود جـ 3 ص 254 رقم 3376. (3/320)
صفحة 1409
أوجه من المعاملات 321
1 - رجل أعطى ناقة سباق لآخر على أن يقوم بشأنها ويتحمل الخسائر، وصاحب الناقة لا يتحمل شيئاً، وفي حالة فوز الناقة في السباق وبيعت هذا الآخر أن يعطيه شيئاً شرطه عليه من قبل مثل تسعة آلاف ريال أو خمسة آلاف ريال، فهل تجوز هذه المسألة؟ وإذا لم تجز، فماذا عليه علماً بأنه لم يكن يعلم سابقاً؟
فعلي
2 - بعض الناس يفعل نفس الشيء مع اختلاف بسيط، وهو أن صاحب الناقة يعطي الناقة لشخص يقوم بشأنها مع أن صاحب الناقة يأخذ مقداراً من النقود في البداية حسب الاتفاق حوالي ألف ريال أو تسعمائة ريال، وإذا فازت وبيعت يأخذ صاحب الناقة مزيداً من النقود، وإذا فشلت هذه الناقة يأخذ الناقة من قام بها، وتكون النقود التي أخذها صاحب الناقة أولاً عنده ولا يرجعها، ما رأيكم في
هذه معاملة باطلة على كلا الوجهين لما فيها من الغرر، ففي الصورة الأولى لا يدري الرجل الثاني - غير صاحب الناقة - هل تذهب معاناته سُدى
من
ويخسر كل ما أنفق في القيام بالناقة إن لم يتم بيعها بربح، أو ينال حظاً ربح البيع، وفي الصورة الثانية يجتمع مع الغرر بيعان في بيع، وكل من ذلك حرام في الإسلام، مع أن الغرر شبيه بالميسر الذي حرمه الله بالنص، فكلتا المعاملتين باطلة لا تجوز والله أعلم. (3/321)
صفحة 1410
322
الفتاوى المعاملات
وجوه الإنفاق:
يقوم بعض الناس بإنفاق أموالهم في أمور لا تؤدي إلى الإصلاح والخير، بينما تنقبض نفوسهم عن الإنفاق في جوانب العلم كالتدريس والكتب، والتبرع برحلات العمرة للطلاب المحتاجين من أهل العلم، فما نصيحتكم لهم؟ نصيحتي لهؤلاء أن يتقوا الله، ولا ينفقوا المال إلا في ما يرضي يذكر أن بعض ما نزل على الأنبياء السابقين: يا ابن آدم لماذا تشتري النار غال ولا تشتري الجنة بثمن رخيص؟ وفسر العلماء أن اشتراء النار بثمن غال أن ينفق النفقات فيما حرم الله، ولا ينفق النفقات ـ ولو كانت
بثمن
الله،
يسيرة - فيما أمر الله.
الدلالة والتعارف
ما المقصود بالدلالة والتعارف؟ وما الفرق بينهما؟ وما ضوابط كل
منهما؟
الدلالة أن تطمئن نفس أحد من الناس إلى أحد غيره أنه لا يجد في صدره حرجاً أن يأكل ذلك من ماله، بل لو أبصره يأكل لسره ذلك لما بينهما من الألفة والمودة والانسجام، وشرط جوازها أن يكون الآكل لو أبصره صاحب المال لما داخله شيء من الحياء والريبة فإن الحياء دليل عدم الاطمئنان، والأصل لها قوله سبحانه تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتَا فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَرَكَةً كذلك يُبين اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [النور: 61] (3/322)
صفحة 1411
أوجه من المعاملات 323
فإن الأكل من مال الصديق في غيبته باطمئنان هو الدلالة، وأما التعارف أن يتعارف أبناء المجتمع الواحد على أمر يتعلق بأموالهم لا يجدون فيه حرجاً، كالذي جرى به العرف عندنا في عُمان من استعمال مياه الأفلاج للغسيل والوضوء وتغسيل الملابس واستعمال البيوت وكالتقاط ما يتساقط من ثمر النخل غير المجدر في غير وقت هبوب الرياح، ومثل ذلك ما أدركنا عليه الناس في زنجبار من إباحة رعي الماشية في الأعشاب النابتة في أموال الغير، والانتفاع بما يتساقط من ثمار تلك الأموال والزرع في أراضيها بدون
استئذان أصحابها، وهذا كله سائغ ما دام الكل قد تعارف عليه والله أعلم. الدلالة والتعارف هل يجريان على أموال الأيتام والمجانين والمساجد والقصر ومن لا يملك أمره؟
أما الدلالة فلا، لأنها لا تكون في مال من لا يملك الإذن، وأما التعارف فنعم، لأن هؤلاء يجري على أموالهم ما يجري على أموال غيرهم، كيف والأفلاج التي ينتفع الناس بمياهها قد يكون من بين أربابها الصبي والمجنون والغائب والمسجد وغير هؤلاء والله أعلم.
ثلاثة أشخاص بينهم تعارف إذا أراد الأول مبلغاً من المال أخذه من الثاني وإذا أراد الثاني أخذه من الثالث وهكذا، ولا يكتب كل منهم المبلغ الذي يأخذه من صاحبه والذي يعطيه إياه، ولا يعرف كل واحد منهم الذي له والذي عليه.
فهل يعتبر هذا قرضاً؟ وماذا يجب عليهم؟ وهل يجوز التعامل بمثل
هذه الطريقة؟
إن كانوا متراضين بأن يأخذ كل منهم من مال الآخر حاجته من غير رد فليس ذلك بقرض، وإلا فهو قرض والله أعلم. (3/323)
صفحة 1412
324
الفتاوى المعاملات
رجل يمتلك قطعة أرض مزروعة بمحصول الذرة (علف للمواشي)، فتقدم شخص آخر لشراء المحصول، فاشترط صاحب الأرض أن يقوم المشتري بقطع المحصول بنفسه، وأثناء القطع وجد المشتري خلية نحل في وسط المحصول، مع عدم علم البائع بوجودها، فهل يصح للمشتري
أخذ الخلية؟
إن كان ذلك مما تسمح به النفس عادة في عرف الناس في ذلك البلد فلا حرج في أخذها، وإلا فرب الأرض أولى بها ولا يحل أخذها بغير إذنه
والله أعلم.
ما قولكم فيمن يكلف عامله بدفع مبالغ تجديد بطاقته سنوياً؟ إن كان تجديد بطاقة العامل مما يتحمله العامل عرفاً فلا مانع من أخذ تكلفة ذلك منه، وإلا فبحسب العرف والله أعلم.
ما حكم استخدام أجهزة ومعدات الدولة من قبل الموظفين في قضاء حوائجهم الشخصية مثل استخدام السيارات والهواتف وآلات التصوير والأدوات القرطاسية والمكتبية ودور الضيافة ... إلخ والخروج من العمل في وقت الدوام الرسمي؟
إن كان ذلك بموافقة من له الحق في الموافقة على ذلك فنعم وإلا فلا
والله أعلم.
بل
من جعل لرجل أن يأكل من ماله ويطعم غيره ولم يحد له فيه حداً، قال له: أنت في حل فيما يستقبل فيما أكلت من مالي أو أطعمته أحداً، فهل له أن يأكل من ماله أو يطعم غيره متى أراد؟
بما أنه أذن له في ذلك فهو مباح له متى أراد أن يأكل من ماله أو يطعم (3/324)
صفحة 1413
أوجه من المعاملات 325
غيره، إلا إن حد له في ذلك حداً، فعليه أن يقف عند الحد الذي حده
والله أعلم.
اللقطة:
كيف يتم تعريف اللقطة؟
يقول: ما ضاع له مال فليخبرني، ثم ينظر في كلام المخبر هل يتفق مع وصفها من جنسها ونوعها وكذلك ظرفها إن كان لها ظرف والله أعلم.
ما
حكم
اللقطة إذا أخذها الإنسان في صغره ولم يعرفها؟ وماذا يجب عليه بعد أن بلغ سن التكليف؟
إن كان قصر في تعريفها ولم يتمكن من تعريفها فيما بعد، فليدفعها إلى فقراء المسلمين أو قيمتها إن تلفت والله أعلم.
ما الحكم فيمن وجد لقطة النقود في عصرنا هذا، كورقة ريال واحد أو ما كان أكثر منها أو أقل؟
إن أمكنه تعريفها بشيء كالأرقام مثلاً فليعرفها، وإلا فليدفعها إلى الفقراء
والله أعلم.
رجل أخذ لقطة في بلدٍ كان يعمل أو يدرس فيها، ولم يرجعها إلى أصحابها بل كان منه أن أخذها ولم يعرفها ثم رجع إلى بلاده، وقد
مضى عليها زمان، ماذا عليه؟
يدفعها إلى فقراء المسلمين والله أعلم. (3/325)
صفحة 1414
326 الفتاوى
المعاملات
رجل لقط ريالاً عُمانياً قدام محل تجاري، ولم يعرف صاحبه، ماذا يفعل
يعطيه لفقراء المسلمين والله أعلم.
ما قولكم في شخص التقط مالاً ولم يعرفه، وقام بشراء بعض الحاجيات منه كشراء الكتب والملابس فهل هذا حلال أم حرام؟
إن كان ما التقطه يمكن تعريفه بشيء مما يعرف، فإنه يجب عليه أن يعرفه بقدره، فإن لم يظهر له صاحب ففقراء المسلمين أولى به، وإن كان هو نفسه فقيراً فلا حرج عليه إن انتفع به، وإن كان لا يمكن تعريفه بشيء ففقراء المسلمين أولى به من أول الأمر، وإن كان هو فقيراً جاز له أخذه والله أعلم.
ما قولكم فيمن لقط ساعة، أيجوز له الاستفادة بوقتها من خلال النظر
إليها؟
لا مانع من قبل والله أعلم.
ذلك، إن كان ذلك بدون تشغيلها وإنما كانت مشتغلة
من
ما قولك في رجل عثر على دابة وقام بتعريفها ولكنه لم يجد لها صاحباً، وظلت عنده سنة أو سنتين وولدت فما حكمها؟ إن كان ربها (1) لم يعرف، فإن كان هو فقيراً فهو أولى بها، وإلا ففقراء المسلمين أولى بها والله أعلم.
إذا وجد رجل نقوداً في مكة خلال أيام الحج بوسط طريق المركبات وتكاد أن تتلف، وأخذها ووضعها في الصناديق الموجودة أمام الحرم
(1) ربها: أي صاحبها. (3/326)
صفحة 1415
أوجه من المعاملات 327
المخصصة للفقراء والمساكين، هل هو أصاب أم أخطأ؟ وماذا عليه أن يفعل إذا كان أخطأ؟
عليه أن يبحث عن صاحبها، فإن آيس منه دفعها لفقراء الحرم والله أعلم. يقوم بعض أصحاب محلات غسل الملابس ببيع الملابس التي لم يراجعهم أصحابها بعد مدة طويلة، فهل يجوز الشراء منهم لغرض توزيعها على المحتاجين؟
إن كان آيس من معرفة أصحابها، فلا
حرج في ذلك والله أعلم.
رجل يعمل في شركة من الشركات، وتعمل هذه الشركة على رمي بعض الأغراض - وقد تكون الأغراض صالحة للاستعمال ـ في خندق، ثم يهال عليها التراب، والسؤال: هل يحق لأحد الموظفين أخذ هذه؟
نعم هي حلال، ولا يجوز إتلاف المال النافع والله أعلم.
شاب يدرس في إحدى المؤسسات التعليمية، وكان قاطناً في السكن الداخلي للطلاب، وكان منه أن أخذ شيئاً مما يوزع على الطلاب ويُطلب منهم إرجاعه عند نهاية السنة الدراسية كالفراش مثلاً، وقد استعمل ما أخذه سنين، فماذا يجب عليه الآن؟
إن تعذر عليه رجعه، فليدفعه أو قيمته إلى فقراء المسلمن والله أعلم.
هل يضمن من وجد لقطة أو عنده مال مجهول ربه إذا دفعه إلى الفقراء ثم وجد صاحبه؟ وهل في ذلك فرق بين الغني والفقير؟
المشهور أنه يخير صاحب اللقطة بين قيمتها وأجر التصدق بها، فإن اختار قيمتها فعلى من أنفقها أن يعوضه عنها، وإن اختار الأجر فذلك خير (3/327)
صفحة 1416
328
الفتاوى المعاملات
له، وذهب الإمام أبو نبهان والسيد العلامة مهنا بن خلفان ـ رحمهما الله ـ إلى أن من عرّف ولم يقصر ثم دفعها إلى الفقراء فليس عليه ضمانها، وقولهما من القوة بمكان، فإن ذلك الذي صنعه هو الواجب عليه، ولا تشغل ذمة أحد بأمر واحد، مرتين فإن أداه كما وجب عليه فقد برئت بذلك ذمته، وقد أحسن صنعاً فيما عمل، والله تعالى يقول: مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن [التوبة: 91] والله أعلم.
إذا وجد شخص نقوداً من مائة بيسة إلى ريال، فهل يعرفها سنة؟ يعرفها إلى أن يرى أنه لن يجد صاحبها حسب ما في نفسه والله أعلم. إذا وجد شخص ساعة مثلاً وعرَّفها فلم يجد صاحبها، فهل يتصدق بها هكذا أم يبيعها ويتصدق بثمها؟ وهل يدفع قيمة النقود لفقير واحد
فقط؟
كل ذلك جائز والله أعلم.
من وجد مالاً في مكان عام، فهل يجوز له أخذه؟ وهل هناك فرق باعتبار كمية ذلك المال؟ وإن كان لا يجوز، فكيف يتنصل من أخذه؟ وهل هناك فرق إذا كان الواجد له غنياً أو فقيراً؟ مع العلم أن واجده لا يعلم
صاحبه؟
إن كانت للمال علامة معرّفة فهو لقطة، واللقطة يجب التعريف بها إلا إن كانت من القلة بحيث لا تشح النفس بها عادة فيجوز أخذها لغير معرف، وإن أخذها وعرف بها ولم يظهر صاحبها أيس من معرفته فهي لفقراء المسلمين، فإن كان اللاقط نفسه فقيراً فله الانتفاع بها بعد التعريف واليأس من معرفة صاحبها، وإن كان غنياً فليدفعها لفقراء المسلمين، وأما ما (3/328)
صفحة 1417
أوجه من المعاملات 329
لا علامة له معرفة فالفقراء أولى به إن لم توجد وسيلة إلى معرفة صاحبه، أخذه بغير وجه شرعي فخلاصه أن يرده إلى الوجه الشرعي والله أعلم.
ومن
المال المجهول:
هل يمكن الشراء بالمال المجهول أربابه بعض ما يخص طلبة العلم وتوزيعه عليهم؟
إن كانوا فقراء فنعم، لأن فقراء المسلمين أولى به والله أعلم.
رجل اشترى مالاً مسروقاً وهو يدري أنه مسروق من أحد العباد، وهو غير معروف في الحال ولا موجود ولا ورثته، فما يجب على المشتري وما يلزمه؟ إن لم يكن له وجود ولا لورثته، وتعذر الوصول إليهم، فمرد حقهم إلى فقراء المسلمين والله أعلم.
ما تقول في رجل صاحب ورشة يصلح إطارات السيارات، وترك عنده إطار سيارة وظل عنده مدة وصاحبه لم يرجع إليه، هل يجوز بيعه ه أم يترك إلى أن يجئ صاحبه؟
يباع ذلك الإطار، وتُعطى قيمته لفقراء المسلمين، لأنه مال جهل أربابه ففقراء المسلمين أولى به قياساً على اللقطة والله أعلم.
أطفال أحضروا بعض الأواني إلى المنزل، ولا يُعرف أصحابها، فكيف يتصرف بها؟
حكم هذه الأواني حكم المال المجهول ربه، فإن عرف صاحبها أعطيت له، وإلّا أعطيت الفقراء والله أعلم. (3/329)
صفحة 1418
330
الفتاوى المعاملات
فلا
نرى بعض الناس ينذرون عند العيون وغيرهم فيرمون عندها بعض النقود والمأكولات؟ ما حكم أخذ تلك النقود؟
هي مجهولة الأرباب وفقراء المسلمين أولى بها، فإن كان آخذها فقيراً
حرج عليه والله أعلم.
مال اليتيم وفاقد الأهلية:
مال ونخيل لرجل معتوه ومريض عاش مع أخته لسنين طويلة، وهذا المال لا يستفيد منه شيئاً وخسارته أكثر من ربحه، ويحتاج إلى رعاية وإصلاح، وليس هنالك من أحد له وليس منه دخل، فما رأي سماحتكم في التصرف في مال هذا اليتيم المريض المعتوه؟
إن كان المال لا دخل فيه فلكم بيعه على نظر العدول ذوي الخبرة في شؤون الأموال، ويستعاض بثمنه عقار له ريع يعود ريعه على صاحب المال بالإنفاق عليه منه والله أعلم.
لا
رجل أصيب بسبب حادث بخلل في عقله، وقام يبعثر أمواله، فقمنا بإعطائه مبلغاً قدره عشرون ريالاً، واستمر على ذلك، ثم اشتكى مع القاضي ورفع
المبلغ إلى أربعين ريالاً، فهل له ذلك أم لا يسمح له بتبذير ماله؟
إن ثبت ـ بما لا فيه - اختلال عقله وفقدان توازنه، فيجب أن ريب
يسمح
له بأن يبذر ماله والله أعلم.
هل يجوز بيع مال اليتيم
يجب
الأخضر الذي لا غلة فيه، وتكاليفه باهظة؟
أن تراعى في مال اليتيم مصلحته، لقوله تعالى: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ
الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاح لَّهُمْ خَيْرٌ [البقرة: (220) والآية على إطلاقها، فتفيد جواز بيع (3/330)
صفحة 1419
أوجه من المعاملات 331
ماله مع تيقن مصلحته في ذلك، وقاعدتا دفع المفسدة وجلب المصلحة معروفتان في الشرع، وليس من مصلحة اليتيم أن يترك ماله لاستهلاك خدمته حتى يفنى أو تتراكم الديون عليه، ومن المعلوم أن العقار ـ في وقتنا هذا ـ أجدى نفعاً وأكثر ريعاً وأقل مؤنة من المال الأخضر، فلا مانع من أن يستبدل مال اليتيم الأخضر عقاراً ما دامت المصلحة تقتضيه، شريطة أن على أيدي الأمناء العدول ذوي الخبرة في شؤون الأموال، وتحت إشراف الشرع الشريف. والله أعلم.
يتم
ذلك
يوجد لأيتام ماء في فلج، ولكنهم لا يملكون أرضاً يسقونها بذلك الماء، فلا يستفيدون منه، فهل يجوز بيع مائهم؟
الاستعاضة
تراعى مصلحة اليتيم في ماله، فإن اقتضت المصلحة بيعه مع عنه ما هو أنفع وأجدى له فلا مانع منه، شريطة أن يتم ذلك على أيدي الأمناء ذوي الخبرة في مصالح الأموال والله الموفق.
أيتام توفي والدهم فقيراً معدماً وبقوا عند أمهم، إلا أنهم يعانون من ضيق المعيشة، وبيتهم تأثر من جراء الأمطار ومحتاج إلى صيانة، وقد ترك لهم والدهم شيئاً من النخيل والآن ترى والدتهم أن تبيع هذه النخيل فتقوم بإصلاح البيت وتستعمل الباقي في مستلزمات المعيشة الضرورية، بعد أن يعطى الأولاد البالغون حقهم من المبلغ والبالغون اثنان وهما موافقان على البيع، وهذه الضرورة تلجئها إلى ذلك، لأن الراتب الضئيل الذي تتقاضاه هذه الأسرة لا يفي بمستلزماتها، وإذا رأيتم ذلك فإننا نرى أن تعين الأم وكيلة عن الأيتام في البيع وقبض الثمن، إذ
إنه لو وكل غيرها لاحتاج إلى عناء، وهذا سيشكل عبئاً علي الأيتام؟ أرى أن تراعى في ذلك مصلحة الأيتام، فإن اقتضت الضرورة الملحة (3/331)
صفحة 1420
332
الفتاوى المعاملات
بيع
المال فلا حرج في ذلك، وإن أمكن تفاديه بطريقة أو بأخرى فلا مجال للبيع لوجوب المحافظة على أموالهم، وتوكيل الأم إن اقتضته المصلحة لا مانع منه والله أعلم.
لي زوجة توفاها الله تعالى وتركت مالاً به صك شرعي إقراري لها به، وتركت أبناء ثمانية ستة منهم صغار السن تحت كفالتي، وطلبت من الشخص المستأمن للصك الشرعي تسليمي الصك بصفتي شريكاً في الورث ومسؤولاً عن أبنائي، ولكنه عارض، فهل من حقي ضمان حق أولادي وقبض وحفظ ما لديهم من أوراق وأموال، بما أني والدهم وأدرى بمصالحهم؟ احفظ أموال أولادك تحت إشراف الجهة المسؤولة عن القُصَّر في الدولة
والله أعلم. ما قولكم في هالك ترك أيتاماً ومزرعة اقترض لها من البنك بالربا، وأراد وكيل الأيتام بيعها فرفض البنك إلا بتسديد المبلغ مع الربا؟ الربا حرام، وعلى الوكيل أن يراعي مصلحة الأيتام، {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَى قُلْ إِصْلَاحُ لَهُمْ خَيْرٌ} [البقرة: 220] والله أعلم. (3/332)
صفحة 1421
أوجه من المعاملات 333
الضمانات:
ما حكم الضمان الذي يقدّمه البائع للمشتري على السلعة التي يشتريها منه، فقد يكون الضمان أبدياً أو لسنة، أو محدداً بمقياس آخر كعدد ساعات العمل، أو عدد الكيلومترات المقطوعة، كأن يشتري ساعة بحيث يقوم البائع بإصلاح الساعة أو استبدالها إذا أصابها شيء، فما الحكم في ذلك؟
إن كان الضمان غير محدود بحد زمني ولا غيره فهو غير جائز، وإن كان محدوداً بحد ولم تكن فيه جهالة فهو سائغ والله أعلم.
رجل لديه مبلغ ألف درهم وذهب ليستبدلها بعملة عُمانية، وقد أناب صديقاً له كان برفقته ليستبدل له الدراهم بعملة عُمانية، وعند وصول صاحبه إلى المحاسب أخطأ المحاسب وأعطاه زيادة ضعف مبلغه، فأخبر نائبه صاحب المبلغ بهذه الزيادة ولكنه أصر على أخذها، وقد أعطى صاحب المبلغ نائبه مبلغاً بسيطاً من هذه الزيادة، وقد توفى الله صاحب المبلغ، فما قول سماحتكم في هذه الزيادة على من تكون ضمانتها هل على صاحب المبلغ أم على نائبه الذي استلم الزيادة من يد الصراف أم عليهما معاً، كل يضمن المبلغ الذي أخذه؟
يرجع
الضمان يتعلق بذمة كل واحد منهما، ولكن إن أداه صاحب المبلغ سقط عن واسطته، وإلا فإن ذمته تظل مشغولة به أيضاً، لأنه كان عليه أن. إلى المحاسب بالزيادة التي أخطأ فيها قبل أن يدفعها إلى صاحب المبلغ
والله أعلم. (3/333)
صفحة 1422
334
الفتاوى المعاملات
عن مالين أخضرين (1) متجاورين لشخصين فمالت نخلة من المال الأول على مال الشخص الآخر، وهذه النخلة مهجورة وصاحبها لا يجني ثمارها من عدة سنوات، وكاد سقوطها أن يحدث ضرراً على مال جاره، فأبلغه بإزالة نخلته لكي لا يحدث الضرر، فإذا سقطت النخلة من تلقاء نفسها أو أسقطها صاحب النخلة بنفسه وأحدثت ضرراً في كلا الحالتين على مال جاره ماذا يجب على صاحب النخلة؟
على من يخشى الضرر أن يتقدم إلى صاحب النخلة المخوف منها الضرر بطلب قطعها، فإن أبى فليرفع أمره إلى القضاء الشرعي، وإن وقعت قبل أن يحكم القاضي وبعد إقامة الحجة ممن يخشى ضررها على صاحبها وأضرت به فعلى صاحبها الضمان والله أعلم.
رجل أوقف سيارته في أحد المساجد التابعة للحكومة في المواقف الخاصة للوقوف، وفي هذه المواقف مصابيح للإضاءة، وفي أثناء رجوعه بالسيارة أصاب شيئاً منها ولم يتلف هذا المصباح، إلا أن الإسمنت المعتمد عليه انكسر، وقد قام عمّال المسجد بإصلاحه فما يلزم هذا
الرجل؟
إن كانت الحكومة متحملة لإصلاحه فلا حرج عليه والله أعلم.
ماذا يلزم المتلف لشيء من الأغراض المنزلية التابعة للحكومة، وهذا المتلف لم يتعمد التلف، وهو أحد القاطنين فيها؟
كسابقه والله أعلم.
(1) المال الأخضر هو البستان. (3/334)
صفحة 1423
أوجه من المعاملات 335
إن شركات الطيران لتضمن زبائنها تقوم بحجز مقاعد السفر للزبائن، علماً بأن عدد الزبائن يفوق مقاعد الطائرة بكثير، وفي حالة تأخر أحد
الحاجزين تقوم بإحلال غيره محله، ثم تعوض ذلك المتخلف قدراً المال، وربما تكفلت بإعطائه ما يسد نفقة بقائه ونحوها، ثم تتكفل إجراء حجز قادم له. ما حكم أخذ هذه التعويضات؟ وهل يجوز تعمد الزبون التأخير ليحظى بها؟
إن كان يتضرر من هذا التأخير، فله أن يأخذ العوض بقدر تضرره لأن ذلك حق له، وأما أن يتعمد التأخير لقصد الانتفاع بالعوض، فهذا من التحايل الذي لا يقره الدين والله أعلم.
ماذا تقول في من أخذ إسطوا أخذ إسطوانتي غاز من شركة لمصلحته بنفسه، فماذا يلزمه؟
عليه أن يتخلص من هذا الحق بالعين إن وجدت، أو المثل إن لم تبق العين، أو القيمة إن لم يوجد المثل، فإن لم يجد أربابه وتعذر عليه ذلك، فهو لفقراء المسلمين والله أعلم.
لديَّ عمال أجانب، وبعض هؤلاء العمال هرب من العمل ولم يعد، وقد مضى على بعضهم أكثر من سنتين، وسمعت عن بعضهم أنه غادر السلطنة، والذي لم يصلني خبر مغادرته لا أعرف أين مكانه، ولا أعرف الأحياء من الأموات منهم، ولهم عندي مبلغ وحقوق عليَّ، فكيف أبرئ نفسي منها؟
إن تعذر التوصل إليهم وإلى ورثتهم من بعدهم، فسبيل هذه الحقوق سبيل ما جهل أربابه من الأموال، وفقراء المسلمين أولى بذلك والله أعلم. (3/335)
صفحة 1424
336
الفتاوى المعاملات
ما قولكم في رجل اشترى بضاعة من تاجر ثم إنه مضت عليها سنوات حتى نسي المشتري إن كان دفع له حقه لا، فلما سئل التاجر قال:
لا أحفظ على المشتري شيئاً؟ فماذا يلزم المشتري في ذلك؟
إن كان استدان فالأصل عدم الوفاء حتى يثبت وعليه أن يحالل صاحب الحق في حقه والله أعلم.
ما قول سماحتكم في رجل عليه مبلغ من المال لشخص وقد توفاه الله، فأراد الذي عليه المبلغ أن يدفعه للورثة، فذهب إلى أرملتيه وأعطى كل واحدة منهن نصف المبلغ الذي عليه علماً بأن كل أرملة لديها أولاد ذكوراً وإناث، وبعد فترة من الزمن تذكر أن من بين الورثة بنات متزوجات وعددهن أربع بنات، فهل يكفي أنه دفع المبلغ الذي عليه لأرملتيه مع أولادهما، أم يعطي البنات المتزوجات نصيبهن مرةً أخرى؟ لا بد من تأكده بأن كل ذي حق أخذ حقه، وإلا فليرجع لأجل أن يتراددوا الحقوق التي بينهم والله أعلم.
أنني
كنت أدرس بمعهد التدريب خارج ولايتي، وكان علي دين لدكانين، لكل واحدٍ منهما مبلغ أربعمائة وخمسين بيسة عُمانية، ومر على ذلك أربع سنوات، والآن لديَّ النية لإرجاع هذا المبلغ، ولكن مشكلتي لست متأكداً من أصحاب الدكانين إن كانوا هم أم لا؟ والدين غير مسجل في ورقة، فماذا أفعل؟
اسأل صاحبي الدكانين عن وجودهما في هذه المتجرين، هل كان في تلك الفترة التي كنت تدرس فيها، فإن كان الجواب بنعم عرفت صاحبي الحق ودفعت لكل حقه، وإلا فبإمكانك البحث عمن كان في هذين الدكانين (3/336)
صفحة 1425
أوجه من المعاملات 337
في تلك الفترة، فإن تعذر التوصل إليهما فادفع مالهما عليك إلى فقراء المسلمين لأنه مال جهل ربه والله أعلم.
ترك رجل عصاه في المسجد، ولما فرغ من صلاته لم يجد عصاه، ولكنه وجد مكانها عصاً أخرى، فوقع في قلبه أن رجلاً آخر أخذ عصاه وترك هو عصاه، فأخذ الرجل العصا وسأل عن صاحبها في الحضور فلم يعثر على صاحبها،
فأخذها لنفسه واستمرت عنده قرابة السنة، فما الحكم في هذه المسألة؟
ما كان له أن يأخذ عصا لا يعرف ربها، وبما أنه أخذها ولم يتوصل إلى معرفة ربها فإن عليه أن يتخلص منها إلى ربها، فإن لم يعرفه ففقراء
المسلمين أولى بها، لأن سبيلها سبيل المال الذي جهل ربه والله أعلم.
موظف يعمل في مصلحة حكومية يقوم بتحصيل مبالغ من المراجعين مقابل خدمة تقدمها لهم تلك المصلحة الحكومية، ويقوم هذا الموظف في بعض الأحيان بتقسيط هذه المبالغ على العميل، ثم يفاجأ في بعض الأحيان أن بعض العملاء لا يقومون بتسديد باقي الأقساط التي عليهم، وبذلك يصبح ما استلمه منهم مبلغاً ناقصاً، وليس فيه سند استلام بحيث يقوم هذا الموظف بتسجيله وتوثيقه في سجل خاص بذلك ثم يرحل إلى الجهة المختصة، فهل يستطيع هذا الموظف أن ينفق ذلك المبلغ في سبيل الخير أو على الفقراء والمساكين؟ وإذا كان هذا الموظف نفسه محتاجاً، فهل من الممكن أن يستفيد منه؟ علماً بأن ذلك لا يسبب ضرراً لأي شخص من زملاء العمال أو غيرهم، وكذلك لا يستطيع إشهار ذلك المبلغ أمام مسؤوليه لأنه ليس فيه سند استلام؟
عليه أن يستأذن من دفع إليه المبلغ في ذلك، فإن أذن فذلك وإلا فلا، (3/337)
صفحة 1426
338
الفتاوى المعاملات
وإن جهل من دفع ولم يكن خصصه لجهة معنية فإن صرفه في جهات الخير يرجع إلى نظر القائمين والله أعلم.
رجل أخذ بعضاً من حقوق الناس في صباه، فهل يلزمه رد هذه الحقوق؟ وإن كان وجدها في الطريق وأخذها، فما الحكم؟ فإن كان الجواب بنعم، فما السبيل إلى رجع تلك الحقوق؟
ذلك يتعلق بماله فعليه رده إلى أهله ولا يلزمه إخبارهم بأنه اختلسه منهم، وما أخذه من الطريق فهو مجهول الأرباب ومرده إلى فقراء المسلمين إن لم يعرف أربابه والله أعلم.
مجموعة من الشباب وجدوا عربتين لنقل المواد، فقاموا بأخذهما أو سرقتهما، فهل يلزمهم جميعاً دفع القيمة أو تكون فقط على الذين أخذوا العربتين فيما بعد؟ علماً بأنهم لا يعرفون أصحابها؟
بما أنهم اشتركوا في السرقة فهم شركاء في الضمان والله أعلم.
هذه
قام شخصان بسرقة سمك من إحدى الشباك الملقى في البحر ولم يعرفا صاحبها فباعوه واقتسما ثمنه فأراد أحدهما أن يبرئ ذمته من التبعة، فهل يعيد المبلغ كاملاً أم يعيد الذي أخذه مناصفة؟ علماً بأن رب أو صاحب الشباك مجهول لديه؟
إن اتفقوا على التخلص فليدفع كل واحد منابه، وإلا فإن ذمتهم جميعاً الضمان، وهو لفقراء المسلمين إن لم يعرفوا رب الشباك بجميع
مشغولة
والله أعلم.
بعض الشباب سرقوا بعض الأمتعة من أحد المحال، فأراد أحدهم أن يبرئ ذمته فاشتبه عليه المحل بحيث يوجد هناك محل آخر شبيه به (3/338)
صفحة 1427
أوجه من المعاملات 339
لبيع نفس الأغراض أو قريباً منها، فهل يعيد قيمة الأشياء المسروقة كاملة أم يعيد قيمة ما أتلف ولمن؟
كالذي قبله نظراً إلى أن ذمة كل واحد منهم مشغولة الضمان ما بجميع لم يشتركوا في التخلص منه والله أعلم.
ذهب بعض الشباب للغوص فوجدوا بقعر البحر مشبكتين عتيقتين بهما مجموعة من سمك الشارخة فأخذوه وباعوه واقتسموا الثمن فيما بينهم، ولكنهم لم يعرفوا إذا كانت هذه الشباك مهملة أم أنها لأناس فكيف أن يبرئ ذمته أن يعمل هل يعيد جميع المبلغ أم يعيد
لمن أراد
منهم
المبلغ الذي ناله فقط؟
هو أيضاً كالذي قبله والله أعلم.
كاوي ملابس أراد السفر، فما كان من بعض الشباب المتهورين إلا أن أخذوا يبعثرون الملابس الموجودة بالمحل، فماذا على من أخذ بعض
هذه الملابس إن أراد أن يبرئ ذمته منها ولكنه لا يعلم أصحابها؟ عليه الخلاص بدفع قيمة ذلك إلى صاحب الملابس وإلا لفقراء المسلمين والله أعلم.
جماعة يعملون بمسقط ويسكنون في بيت واحد، فحددوا أحدهم ليتولى عنهم مسؤولية دفع الإيجار لصاحب البيت وكذا مبلغ الكهرباء والماء وحتى جلب المواد الغذائية وغيرها التي يحتاجونه يومياً وهم يدفعون مبلغاً محدداً كل شهر ـ مثلاً عشرين ريالاً، فهل على المتولي شؤونهم إثم إن أخذ ما بقي من مجموع المبالغ من شيء أم يرده إليهم؟
عليه رده إليهم إلا إن سمحوا به له والله أعلم. (3/339)
صفحة 1428
340
الفتاوى المعاملات
إذا إنسان صدم سيارة واقفة وأدى ذلك إلى إصابتها بخدش طفيف، فهل يلزمه أن ينتظر صاحبها حتى يستسمحه أم يمكن أن يذهب نظراً إلى أن هذا الحادث بسيط ولم يؤثر في السيارة كثيراً؟
العبرة بما تعارف عليه الناس، إذ الأصل أن على من أتلف شيئاً أو أفسده أن يضمنه سواء كان قليلاً أو كثيراً، ولكن إن وقع تعارف بين الناس بأنهم يتسامحون في هذا، ولا يكون في الصدر حرج من ذلك، وكل واحد مطمئن
إلى ذلك لأنه عرف عام فيما بينهم فلا حرج في هذا عند ذلك والله أعلم. شخص تسبب أو صدم سيارة وذهب ولم يقف ثم بعد ذلك ندم وأراد التوبة، لكنه لا يعرف ذلك الشخص الذي صدمه، فماذا يلزمه؟ عليه البحث عنه، وعليه أن يرجع إلى جهات الشرطة المسؤولة عن حوادث السير والمرور، فلعله أن يتوصل إلى ذلك مع ضبط التاريخ، ولكن إن تعذر عليه نهائياً ولم يمكنه الوصول إليه فهو حق مجهول ربه مرده إلى فقراء المسلمين والله أعلم.
إنسان اشترى من شخص سيارة واتفقا على البيع إلا إنهما لم يقوما بنقل ملكية السيارة، وفي خلال تلك الفترة وقع على ذلك ضمانات أو نحو ذلك، فحسب نظام الشرطة هي تتعامل مع الملكية، والتي ما زالت باسم الشخص الأول (البائع)، إلا أنهما اتفقا على البيع قبل أن ينقلا الملكية، فهذه الضمانات وهذه الإصلاحات هل يلزم بها صاحب الملكية التي ما زالت باسمه أم المشتري؟
إن تمت الصفقة بينهما فإن الصفقة هي المعتبرة في انتقال المبيع من ذمة البائع إلى ذمة المشتري، فكل ما يترتب عليه إنما يعود إلى المشتري
والله أعلم. (3/340)
صفحة 1429
الجوائز وأحكامها:
أوجه من المعاملات 341
شخص وضع أمواله في أحد البنوك الربوية وحصل على جائزة، فما
حكم هذه الجائزة؟
هي حرام، فإنها لا تأتي إلا من الحرام، ولو لم تودع. البنك شيئاً من المال لما أعطاك جائزة والله المستعان.
عما يسمى بالجائزة أو الهدية، والتي يحصل عليها الشخص عن طريق القرعة وذلك لإيداعه مبلغاً من المال في البنك الربوي أو فتحه حساباً فيه، فما حكم أخذ هذه الجائزة؟
هذه الجائزة محرمة، لأنها في مقابل الإيداع في البنك، فهي ربا مغلف، والله يعلم السرائر، وهب هذا لم يودع في البنك شيئاً أكان يعطيه جائزة، ولأنها أتت من معاملات البنك الربوية فالله المستعان.
لم
حصلت زوجتي على سيارة في أحد السحوبات التي أجراها البنك الربوي، فما الموقف الشرعي من هذه السيارة تأخذها أم لا؟ وإذا تأخذها وأرجعناها إلى البنك ألا نكون بذلك قد ساعدنا البنك بصورة غير مباشرة؟ هل لزوجتي أن تأخذ السيارة من البنك ثم أقوم بشرائها منها بمبلغ من المال ثم تقوم هي بتوزيع هذا المال على فقراء المسلمين، وألا تعتبره صدقة منها؟
هل لنا أن نعطي جزءاً من هذا المال لإحدى المكتبات العامة؟ هل تستطيع زوجتي أن تأخذ السيارة ثم تعطيها لأحد أقربائها دون مقابل؟ (3/341)
صفحة 1430
342
الفتاوى المعاملات
ما هو موقفي أنا كزوج لهذه المرأة، إذا ما أصر أحد أهلها على أن تستلم السيارة، وأنا غير راض بذلك؟
السلامة في ترك هذه السيارة رأساً، اللهم إلَّا أن يخشى أن تصرف أو تصرف قيمتها فيما لا يعود إلا بمضرة على الدين والأخلاق، فعندئذ تؤخذ لا تملكاً ولكن بنية دفع هذه المضرة، وتباع وتعطى قيمتها لفقراء المسلمين، باعتبارها مالاً مجهول الأرباب، ولا ينبغي صرفها في المكتبات العامة، لأن هذه مؤسسات خيرية لا تقام إلا بالأموال الطيبة والله أعلم.
أنا موظفة وجرياً للإجراء المعمول به حيال تحويل راتب الموظف إلى حسابه في البنك، فقد قمت بفتح حساب لهذا الغرض فحسب، دون أن أحصل على أي زيادة من البنك، وقد تم إبلاغي من قبل البنك بأنني قد حصلت على سيارة من نوع مرسيدس وذلك خلال السحب الشهري للبنك، غير أنني لم أراجع البنك ولم أستلم تلك السيارة، ثم تم إبلاغي
من قبل البنك بأنني قد حصلت على سيارة أخرى من نفس النوع؟ علماً بأنه عند سماع بعض الناس عن عدم استلامي للسيارتين كانت لهم مطالبة بالتبرع بالسيارتين لأعمال خيرية، مثل المساهمة في رصف الطرق الداخلية في الولاية أو جمعية المعوقين أو لتوزيعها على الفقراء أو لأية أعمال خيرية أخرى وذلك بدلاً من التنازل عن السيارتين للبنك الذي قد يدخلها في عوائده أو يعيد سحبها مرة أخرى، ويكون هو المستفيد في الحالتين، فما الحكم في ذلك؟ علماً بأن هذا البنك
ربوي.
احذري من أخذ السيارتين لامتلاكهما، فإنَّ ذلك سحت، وما نبت من سحت فالنار أولى به، ولكن إن اعتبرت ذلك من المال الذي جهل ربه، (3/342)
صفحة 1431
أوجه من المعاملات 343
فيمكن أن يترخص في صرفهما إلى مصالح فقراء المسلمين، لئلا يتصرف البنك فيهما بما فيه ضرر على المسلمين والله أعلم.
رجل قام بإيداع مبلغ من المال في أحد البنوك التجارية الربوية، لأجل المحافظة على هذا المال من السرقة والضياع، دون أن يقصد من إبداعه هذا المال الحصول على جائزة نقدية عن طريق القرعة، وبعد فترة من الزمن القصير حصل هذا الرجل على جائزة نقدية قدرها 30,000 ر. ع نظير إيداعه مبلغاً بسيطاً في البنك، فهل يجوز أخذ هذه الجائزة النقدية والاستفادة منها في أعمال الخير كتوزيعه على الفقراء والمساكين أو بناء المساجد وغيرها من أعمال الخير والصلاح؟ من المعلوم أن هذه الجائزة لم تأت من قبيل التبرع من أحد لمن دفعت إليه، وإنما مما اجتمع في المعاملات البنكية من أدران الربا، فلا يجوز أخذها، والتصدق بها غير جائز، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وفي الحديث: «لا يقبل الله صدقة من غلول» (1) وأما بناء مسجد بهذا المال فهو من باب أولى غير جائز، فإن المساجد لا تبنى إلَّا بالمال الحلال، حتى أن أهل
العلم قالوا بعدم جواز الصلاة في مسجد بني بالمال الحرام والله أعلم.
امرأة حصلت على سيارة في سحب البنك الربوي الذي به حسابها، علما بأنها عند فتح الحساب وقعت على عدم الرغبة في أي ربا، والبنك أدخل اسمها بدون رأيها في عملية السحب وقد قامت بصرف قيمة السيارة من البنك، وزوجها عليه سلفة لبنك آخر ويريد دفع هذا المبلغ له إذا صح ذلك، وإلا فكيف يمكن التصرف في هذا المبلغ؟ إن وافقت على ذلك فقد وافقت على قبول الربا، فالأولى لها الرفض،
(1) تقدم تخريجه. (3/343)
صفحة 1432
344
الفتاوى المعاملات
اللهم إلا إن كان هذا الاتفاق بين زوجها وبين البنك، ولم تتدخل هي. شيء، فلا يعنيها فعل غيرها إن لم توافق عليه والله أعلم.
في
فتح رجل حساباً خاصاً باسمه من مصرف تجاري ربوي بطلب من جهة
أحد
عمله، وذلك من أجل تحويل راتبه الشهري إلى ذلك المصرف، وفي الشهور تأخر في استلام راتبه من المصرف دون قصد، لكنه فوجئ باتصال من المصرف أبلغه فيه بأنه فاز بهدية كبرى، وهي عبارة عن مبلغ نقدي كبير. أ ـ فهل يمكن له أن يستلم هذا المبلغ ليستفيد منه إذا كان هذا الرجل في حاجة ماسة إليه؟ لا يحل له أخذها ما لم تلجئه إلى ذلك ضرورة لا محيص عنها، وفي حال الاضطرار يأخذ بقدر ضرورته على نية التخلص عند يسره مما أخذه إلى فقراء المسلمين، ومع التخلص من سائرها إليهم، باعتبارها مالاً مجهول الأرباب والله أعلم.
ب ـ وهل يجوز أن يتصدق به للفقراء والمحتاجين، وأن يبني به مسجداً؟ الصدقة إنما هي من المال الحلال، ففي الحديث «لا يقبل الله صدقة من غلول»، وإنما يتخلص منها إلى فقراء المسلمين باعتبارها مالاً مجهول الأرباب، أما المسجد فلا يبنى إلا من المال الحلال الخالص، فقد نص العلماء أن كل مسجد يبنى بمال حرام حكمه حكم مسجد الضرار في عدم جواز الصلاة فيه، ووجوب هدمه والله أعلم.
تم إيداع مبلغ من المال لوقف في أحد البنوك الربوية، وبعد فترة من الزمن أبلغ الأهالي القائمين على الوقف بأنه تم فوزهم بجائزة مقابل إيداعهم لذلك المبلغ. (3/344)
صفحة 1433
أوجه من المعاملات 345
فهل يمكن التصرف في المبلغ فيما يخدم المصلحة العامة كإدخاله في ميزانية إحدى الفرق التابعة للنادي، والذي سوف يتم استخدامه في مناشط الفريق الثقافية لإقامة مراكز صيفية لتعليم القرآن الكريم، وعلوم الدين والتي تحتاج إلى مبالغ؟
لا يجوز شيء من ذلك، لأن ذلك مال خبيث، لا يجوز إنفاقه في عمل طيب والله أعلم.
نجد في بعض المحلات التجارية عندما نشتري بضائع منهم بمبلغ معين نعطى قسيمة كوبون)، وكلما اشترينا أكثر حصلنا على قسائم (كوبونات) أكثر، إلى أن يتجمع لدينا عدد معين، ثم نستبدل هذه الأوراق بجائزة ما، علماً بأنه قد يحدد عدد القسائم والجوائز المقابلة لها، ما الحكم الشرعي في مثل هذه الجوائز؟
إن كان الشراء من أجل هذه الجائزة فهو غير جائز، أو كان ذلك بطريقة السحب لما فيها من الغرر، وإن كان بخلاف ذلك فلا مانع من قبول الجائزة، والترك أحوط والله أعلم.
تقوم بعض شركات المرطبات بوضع صور على علب العصير، وبجانب ذلك تقوم بتوزيع كتيبات وتطلب من المشتري أن يملأ هذه الكتيبات بالصور الموجودة على العلب، فإذا انتهى الشخص من ملء هذا الكتيب، فإن الشركة تقوم بإعطائه مكافأة على ذلك؟
كل ما كان يدرك بطريقة السحب والاقتراع في البيوعات فإنه يدخل في الغرر المنهي عنه، فإن المشتري قد يشتري طمعاً في الجائزة، وقد لا ينالها فيخسر الصفقة، وإن لم يكن بطريق السحب فهو جائز والله أعلم. (3/345)
صفحة 1434
346
الفتاوى المعاملات
ما الحكم فيما يسمى (بالسحب الكبير) وذلك مثاله: ما أن لو اشترى رجل سيارة من الوكالة فله حق الدخول في السحب الكبير، وذلك عن طريق استمارة يأخذها، ويكتب بياناته الشخصية وينتظر يوم الاقتراع، فيمكن أن يعطى سيارة مجانية ويمكن أن تكون من نصيب غيره؟ ذلك من القمار المحرم والله أعلم.
تنشر بعض المجلات مسابقات، ويشترط في الاشتراك فيها قص قسيمة من المجلة، بحيث لا يمكن أن يشترك في المسابقة إلا من يشتري المجلة، ما حكم الشرع في الاشتراك في هذه المسابقات؟
إن كانت المسابقات فيها سحب فذلك ضرب من المقامرة، وإن لم يكن فيها سحب وكانت بشرط ابتياع المجلة ففيها أيضاً ريبة، أما إن كانت بدون شيء من ذلك فلا مانع والله أعلم.
تقوم بعض فرق كرة القدم ببيع قسائم ورقية تباع بقيمة نقدية معينة، والمطلوب هو الإجابة على سؤال بهذه القسيمة، ثم يكون المشارك مؤهلاً للدخول في السحب على الجوائز ما قول سماحتكم في
ذلك؟
هذا هو القمار المحرم الذي جعله الله رديف الخمر في كتابه، وعده من عمل الشيطان وبالغ في إنكاره، فهو لا يحل بحال من الأحوال والله أعلم.
بعض كبار المحلات يقومون بتجهيز بعض الهدايا لزبائنهم، وذلك بأن يعطوهم بعض القسائم (الكوبونات) عن مشترياتهم، عن كل شراء بمبلغ معين مجموعة من القسائم، وهناك هدايا يمكنهم استلامها نظير تلك القسائم وما هذا إلا تشجيعاً للناس ليشتروا من عندهم، وربما أيضاً (3/346)
صفحة 1435
أوجه من المعاملات 347
يخصصون سيارة مثلاً لتكون هدية يتم السحب للفوز بها، فما حكم ذلك علماً بأننا نشتري من هذا المحل ليس بسبب الهدايا، ولكن بسبب أن قيمة السلع به أرخص من غيره؟
إن كان ذلك بطريق السحب فهو حرام لدخوله في الغرر المحرم شرعاً، وإن كان ذلك لكل مشتر بقدر ما اشترى فلا مانع منه والله أعلم.
مختلفة، صور
ما الحكم في ظاهرة الترويج للبضائع بشتى أنواعها، واتخذ لهذا الترويج من أهمها منح جائزة مجانية ـ حسب زعمهم - مع ذلك حسب طرق قد يبدو شكلها مختلفاً إلا أنها متفقة الهدف، وهو جذب الناس لشراء هذه البضاعة، فما قول سماحتكم
البضاعة، ويتم
في
في
ذلك؟
إن كانت هذه الجائزة بالسحب فهي غير جائزة لما فيها من الغرر، وإن لم تكن كذلك جازت والله أعلم.
عند شراء بضاعة ما يجد المشتري على البضاعة عبارة (اشتر اثنين واربع واحدة مجاناً)؟
إن كان ذلك بطريق السحب، فكل عمليات السحب المحرّم، وإلا فذلك جائز والله أعلم.
هي من القمار
عند الدخول في بعض الأماكن التي يعرض فيها (ضريبة دخول) على كل من يرغب في الدخول إليها، يتم إجراء سحب على ورق إثبات الدفع، ليربح أحد الداخلين الجائزة المخصصة لذلك؟
كل عمليات السحب هي من القمار المحرم والله أعلم. (3/347)
صفحة 1436
348
الفتاوى المعاملات
في حال حرمة شيء من الجوائز، ما هو العمل الواجب القيام به من قبل
المشتري، فيما قد ربحه من جوائز؟
عليه الاحتراز من قبولها والله أعلم.
لقد اشتريت من إحدى الوكالات سيارة وذلك لحاجتي الماسة لهذه السيارة، وعند شرائي هذه السيارة حصلت على هدية من الوكالة عبارة عن سيارة، علماً بأنني لم أطلب هذه السيارة، ولم أقصدها عند شرائي سيارتي الأولى، وقد سمعنا بأن الجوائز التي يحصل عليها المشتري دون أن يقصدها في شرائه فهي جائزة، والأصل الإباحة، علماً بأنني محتاج لثمن هذه السيارة وعلي دين؟
إن كانت أتتك بغير طريق السحب فلا حرج عليك في قبولها، وإن كانت بطريقه ففيها حرج والله أعلم.
رجل أخذ سيارته للتصليح في إحدى الوكالات المحلية، فلما وصل إلى مقر الوكالة وجدها قد عملت عرضاً على سحب سيارة، بحيث إن كل من يصلح سيارته بما قيمته عشرة ريالات يحق له الدخول في السحب، وذلك عن طريق تعبئة استمارة معدة لذلك تسمى بالكوبون هذا الرجل لم يكن لديه علم سابق بهذا الأمر و لم يذهب لأجل هذا، وإنما نيته هو تصليح سيارته ليس إلا، ولم يقم بتعبئة الاستمارة الموضحة أعلاه، وإنما العامل المختص بذلك هو الذي قام بتعبئتها دون علم الرجل نظراً لأن قيمة تصليح سيارته كانت أكثر من عشرة ريالات. وبعد فترة من الزم فوجئ هذا الرجل بإدراج اسمه في الصحف المحلية، وأنه هو الفائز بالسيارة بعد إجراء السحب. (3/348)
صفحة 1437
أوجه من المعاملات 349
وسؤالي: هل يحق لهذا الرجل أن يستلم السيارة والانتفاع بها؟ أم ماذا يفعل؟ إن كان يقتطع شيء مما يدفعه أو كانت المعاملة بطريقة السحب، فعليه تجنب ذلك، لأن هذا مما يدخل في باب الغرر المحرم شرعاً والله أعلم.
هل يجوز للتاجر أن يقدّم هدية للزبائن وذلك للترويج، وذلك مقابل الشراء بمبلغ معيّن مثلاً بما لا يقل عن 15 ريالاً عُمانياً؟
تقديم الهدايا قد يفضي إلى أن يكون إقبال الزبائن على الشراء من أجلها، وإن لم تكن لهم رغبة في البضاعة، مع أنهم لا يدرون بالهدية ومقدارها، وهذا مما يدخل في الغرر المنهي عنه والله أعلم.
هل القرعة تحل على الإطلاق؟ وهل إن وجد إنسان جائزة في بضاعة اشتراها يجوز له أخذها؟
تحل القرعة في غير ما حرم الله، والجائزة التي لم يقصدها في شرائه ليس عليه فيها حرج والله أعلم.
رجل اشترى زجاجة عصير ولقي في غطائها مكتوب ريال واحد مجاناً، أو زجاجة عصير مجاناً أو حقيبة مجاناً، فما رأيكم في هذه الأشياء هل
هي
حلال أم حرام؟ أما إذا كان ذلك من الميسر فهو حرام، وذلك بأن يكون قاصداً حصول
ما حصل له من الربح بشرائه تلك الزجاجة، وإن لم يكن قصده ذلك فلا أحب له أخذ ما يأخذه لئلا يتشبه بأهل الميسر والاحتياط واجب، «ومن
حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه» (1) والله أعلم.
6
(1) تقدم تخريجه. (3/349)
صفحة 1438
350
الفتاوى المعاملات
تَعْمَدُ بعض الشركات إلى وضع مبالغ نقدية في داخل السلعة المبيعة لترويج مبيعاتها، فما حكم أخذنا لتلك المبالغ عندما نجدها؟
إن كان المشتري يشتري السلعة من أجل تلك المبالغ فهو من الغرر غير الجائز، وأما إن أتته من غير أن يحسب لها حساباً فلا
والله أعلم.
يمنع من
أخذها
نحن شركة تجارية، نريد أن نقوم بعمل حملة ترويجية لأحد منتجاتها، وذلك من خلال تقديم بعض الجوائز أو الهدايا .. (بأن نضع في بعض الأحيان في عبوات هذا المنتج بطاقة توضح نوع الهدية، وعندما يشتري العميل هذا المنتج فإن وجد في العبوة التي اشترها بطاقة يقدمها مباشرة إلى إدارة الشركة ويحصل على هدية فوراً) العلم بأن ذلك لا يؤثر على الأسعار المطروحة في السوق للمنتج. فما حكم الشرع في ذلك؟
مع
ذلك لا يجوز، لأن المشتري قد يشتري السلعة لأخذ الهدية فقط لا لقصد شراء السلعة، وقد يجد الهدية أو لا يجدها، فهذا نوع من القمار المحرم، ومن جهة أخرى لا يجوز للبائع أن يمتدح سلعته ويزينها للناس لجذبهم إليها، كما في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم.
ترصد من قبل المحلات التجارية جوائز المسابقات شهر رمضان المبارك تذاع في الإذاعة والتلفاز وتنشر في الصحف، فما رأيكم في أحقية صاحب الحظ لتلك الجائزة التي فاز بها عن طريق القرعة، والذي قام الأسئلة وأجاب عليها، ثم بعثها للإذاعة أو التلفاز؟
بجمع
إن كان ذلك تشجيعاً على تنشيط المهارة العلمية فلا مانع منه والله أعلم. (3/350)
صفحة 1439
أوجه من المعاملات 351
تقوم بعض شركات الحليب بعمل دعاية لمنتجاتها، وذلك تشجيع منها على شراء هذه المنتجات حيث تخصص جوائز معينة لمن يقوم بجمع مجموعة من الأغطية، وهذه الجوائز لا يتم توزيعها إلا بعد حصول أمرين هما:
الإجابة على مجموعة من الأسئلة المعدة لهذا الغرض.
- إدخال الإجابات الصحيحة لهذه الأسئلة في سحب، فمن كان الحظ حليفه فإنه سوف يفوز بإحدى هذه الجوائز، فما رأي سماحتكم فيمن بأمثال هذه الجوائز؟
ابتلي
إن كان ذلك خاصاً بمن اشترى من ذلك الحليب، أو في مقابل دفع شيء من المال للمشارك فذلك غير جائز لما فيه من الغرر البين، وإن كان ذلك تشجيعاً على البحث العلمي، من غير اشتراط أن يكون المشارك باغ شيئاً أو اشترى، ومن غير أن يدفع المشارك شيئاً من المال، فلا حرج في ذلك، وعلى الوجه الأول فمن أخذ شيئاً فليتخلص منه بدفعه إلى فقراء المسلمين والله أعلم.
ما رأي سماحتكم - حرسكم الله من كل مكروه ـ في جوائز مسابقات رمضان؟ وهي عبارة عن جوائز أعدت لمن يقوم بالإجابة على الأسئلة التي تعرض في التلفاز خلال شهر رمضان المبارك، مع ملاحظة أن هذه الإجابات يتم إدخالها في سحب، ثم يتم تحديد الفائزين من خلال هذا السحب؟
إن كانت غير مترتبة على ابتياع شيء، أو دفع شيء من المال، فليس
فيها من حرج، وإلا فعلى ما سبق في الجواب الذي قبله والله أعلم. (3/351)
صفحة 1440
352
الفتاوى
المعاملات
دخلت إحدى قاعات عرض بيع السيارات واشتركت في اليانصيب وفزت بجائزة، فما حكمها؟
ليس ذلك فوزاً وإنما هو خسران، وأي خسران، فإن ذلك ضرب من القمار المحرم إجماعاً والله أعلم.
هل يجوز أخذ الهدايا أو الجوائز لمن قدم لشراء سلعة بمبلغ كذا ريال فحصل على قسيمة كوبون يكتب فيها بياناته الشخصية ويدعها في صندوق، وبعد فترة يتم السحب، فإن حالفه الحظ حصل على جائزة أو نقد مالي، فهل هذا حلال أم حرام.
لا، لأن ذلك من القمار والله علم.
ما قولكم فيمن حصل على مبلغ من المال عن طريق بنك تجاري ربوي، معتبراً أن هذا المال هدية من البنك، وبنى بهذا المال منزلاً ليقيم فيه وأولاده، أو لتسديد دين عليه لبنك آخر أو لأناس آخرين؟ نرجو الإفادة أفادك الله في هذا.
عليه أن يتخلص من ذلك المبلغ بدفعه إلى فقراء المسلمين، وفي ذلك خلاصه لأنه مال مجهول الأرباب والله أعلم.
ما قولكم في هدايا البنوك الربوية كالسيارات وغيرها، علماً بأن المتعامل مع البنك ليس لديه حساب توفير؟
لا يجوز أخذ شيء من ذلك، فإن في ذلك، فإن في ذلك تشجيعاً على المعاملات الربوية، ولا ريب أن الناس يخادعون الله بشتى الأساليب وهم لا يخدعون إلا أنفسهم بذلك، فإن الله لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، فالزيادة سواءً كانت بأسلوب الهدية أو كانت بأي طريقة من هذه الطرائق (3/352)
صفحة 1441
أوجه من المعاملات 353
إن كانت على ودائع - فإنها تعتبر عين الربا وكذلك إن كانت المعاملة في المؤسسات الأخرى كشركات بيع السيارات بهذه الطريقة المحرمة، وهي الطريقة الربوية، فإن الجائزة على ذلك تُعد، محرمة، أما إن كانت هدية غير مشروطة بشيء فلا مانع من أخذها والله أعلم.
لصالح
لقد علمنا في وقت سابق بأنكم أفتيتم بأن بيع بطاقات اليانصيب الأعمال الخيرية (الجمعيات الأهلية) يُعد ضرباً من ضروب القمار، كون الشاري لهذه البطاقة قد يشتري لأجل كسب الجائزة، فما هي الطريقة الشرعية الأنسب لهذا الهدف؟
الطريقة الشرعية هي جمع التبرعات وتنميتها لصالح الجمعيات في الوجوه الجائزة شرعاً والله أعلم.
ما حكم من شارك في أحد العروض لجوائز السحب، وإذا كانت من غير قصد وأدرج اسمه في القائمة وفاز بإحدى الجوائز؟ وما قولكم في جوائز البنوك الربوية؟ وهل يجوز لي أن اشتري ذهباً أو فضةً بمبلغ من المال وأدفعه على أقساط؟
لا يجوز قصد الابتياع من هذا المعرض ابتغاء التوصل إلى الجائزة، لما في ذلك من الغرر، وهو من ضروب القمار، ومن أخذ هذه الجائزة بهذه الطريقة فعليه أن يتخلص منها بدفعها إلى فقراء المسلمين، وأما إن أتته من غير قصد لها فتركها أنزه، له، وإن أخذها فلا أقوى على القول بأنها حرام عليه، وجوائز البنوك لا تجوز بحال لأنها ربا، خفي، ومصدرها لا ريب أنه من العوائد الربوية، فلا يجوز أخذها وبيع الذهب والفضة بأوراق النقد نسيئة أجيز على رأي جماعة من أهل العلم إن لم يكن التسعير ولا الدفع إلا (3/353)
صفحة 1442
354
الفتاوى المعاملات
بالأوراق، ولكن الراجح عدم جوازه، لأن الأوراق لها حكم النقدين لحلولها محلهما في التعامل والله أعلم.
ما رأي سماحتكم فيمن يبيع القسائم الكوبونات» بسعر ريال أو ريالين وربما أكثر، على أساس أن أرقام هذه الكوبونات ستدخل في السحب، والرقم الفائز يحصل صاحبه على سيارة مثلاً، ملاحظة مع أنه يكون مدوناً على القسيمة أحياناً أن هذا يباع لصالح مشروع خيري إنساني؟
الغلة
لا، فإن هذه هي المقامرة المحرمة شرعاً، وهي لا تحل بحال، كيف وكل من اشترك فيها يطمع في الجائزة، وهي لا تكون إلا لواحد، ومن عداهم يخسرونها، ـ وكلهم في الحقيقة خاسرون ـ، على أن الإسلام يحرم كل غرر، ولذلك جاء عن النبي النهي عن كل غرر في البيع، كبيع قبل إدراكها، وكذلك كل ما كان مستوراً غير ظاهر، ولا يبرر هذا كون البيع لصالح مشروع خيري إنساني، فأهل الجاهلية الذين كانوا يتعاملون بالميسر كانوا ينفقون ما يحصلون عليه في إطعام الجائعين، وقد قال تعالى ياتها الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90]، فلم يفدهم إنفاق ذلك على المحتاجين شيئاً، ولم يغير حكماً والله أعلم.
موظف يعمل بإحدى المؤسسات في مجال الشؤون المالية، وبحكم هذا العمل تقدم له تخفيضات لسلع يشتريها لنفسه، وفي بعض الأحيان تكون مجانية على سبيل الهدية - حسب المعمول به في هذا المجال ـ، والسؤال هو: إذا كان هذا الموظف لا يحابي تلك الشركات في التعامل، وإنما يتحرى مصلحة الجهة التي يعمل لديها بقدر ما أوتي من معرفة (3/354)
صفحة 1443
أوجه من المعاملات 355
في هذا المجال، ويبذل في ذلك كل جهده، فهل في هذه الحالة تكون تلك المعاملة جائزة شرعاً أم لا؟ وإذا كانت الأخيرة فما المخرج إذا أراد أن يبرئ نفسه، علماً بأنه لا يستطيع إرجاعها لمضي فترة طويلة تم استهلاكها ـ أو أصبحت عاطلة عن العمل، فهل يمكن أن يقدرها بمبلغ من المال ويقوم بدفعه لعمل خيري، مثل المساهمة في بناء مسجد أو السهم الوقفي؟ الأولى له والأسلم أن يتورع عن أخذ هذه الهدية لنفسه، ويجعلها لفقراء المسلمين، سواءً وزعها عليهم أو جعلها في وقف يعود إليهم
والله أعلم.
ما حكم المسابقة التي يدفع فيها المشتركون مبلغاً مقابل اشتراكهم؟ علماً بأنهم راضون بذلك، ومن شروط المسابقة أن يُعطى الفائز بالمركز الأول مبلغاً أكثر مما دفع وهكذا للثاني والثالث، ويعطى الباقون أقل مما
دفعوا؟
لا تجوز المسابقة إلا في نصل أو حافر أو خف، أو ما يعود بالمصلحة، ولا بد من إدخال أحد في المسابقة لا يشترك في الدفع، وبدون ذلك لا تجوز والله أعلم.
ما حكم المسابقة التي يدفع فيها المشتركون مبلغاً من المال مقابل قيمة
ورق الأسئلة؟
ذلك غير جائز لما فيه من الغرر والله أعلم.
ما حكم من اشترك في هذه المسابقات؟ وإذا أراد التوبة ماذا يفعل؟
يدفع
ما أخذه إلى فقراء المسلمين والله أعلم. (3/355)
صفحة 1444
356
الفتاوى المعاملات
ما حكم الجوائز الفورية داخل غطاء الزجاجات مثل المشروبات الباردة التي تباع في الأسواق؟
إن كانت الجوائز تعطى بغير طريقة السحب، ولم تكن فيها ريبة بأنها من مصدر غير جائز، فلا مانع من أخذها والله أعلم.
ما قولكم في رجل حصل على جائزة من البنك، وأراد التبرع بها لصالح خدمة الأفلاج، وعرض علي المبلغ بصفتي وكيل الفلج، ولكني لم أستلم المبلغ حتى أعرف إفادتكم بمشروعية ذلك؟
إن كنت لم تستلمها فلا تستلمها، فإنها عين الربا، أما إن استلمتها فتخلص منها بدفعها إلى فقراء المسلمين، فإن حكمها حكم ما جهل أربابه
من الأموال، وكل ما جهل أربابه ففقراء المسلمين أولى به والله أعلم.
في
حصلت على جائزة من أحد البنوك الربوية، والجائزة هي عبارة عن مبلغ من المال، بحيث إنني أودعت مبلغاً معيناً في هذا البنك بدون أي ربا، وفوجئت بهذه الجائزة منه، مما دعاني أن أسأل أهل الذكر كيف أتصرف هذا المبلغ؟ مع العلم أنني قدمت سلفة من أحد البنوك الربوية وكان الربا (13) ولله الحمد انتهيت من سداد هذه السلفة للبنك المذكور، وكانت السلفة لبناء منزل لأسرتي، كما أنني مدين لإحدى المؤسسات بمبلغ ليس بالصغير، ويتم استقطاع جزء من راتبي شهرياً مقابل هذا القرض، وظروفي المعيشية صعبة، فأرجو الإفادة في كيفة التصرف في مبلغ هذه الجائزة البنكية؟
الجائزة البنكية ما هي إلا ربا مغلّف فلا يجوز أخذها، وإن كنت أخذتها فاصرفها إلى فقراء المسلمين، وإن اضطررت إلى أن تقضي بها دينك أو (3/356)
صفحة 1445
أوجه من المعاملات 357
تستعملها في مصالحك فأوص بتنفيذها من بعدك في فقراء المسلمين
والله أعلم.
في
رجل يستلم راتب التقاعد عن طريق البنك، فتلقى مكالمة هاتفية بأنه حصل على جائزة مالية وقدرها ثلاثمائة ريال عماني، ولما سأل عن سبب حصوله عليها قيل له أن البنك وزع جوائز على بعض عملائه، فكان هو من ضمن من حظوا بهذه الجوائز، فهل له أن يأخذ هذا المبلغ ويصلح به طريقاً لكي يتخلص منه كي لا يستفيد منه البنك، لأنه لا يريد إدخاله في حلاله؟
السلامة في تركه، وإن أخذه وأخبرهم أنه لا يستحله، وإنما يدعه مصلحة عامة، من غير أن يكون متطلعاً إلى مثله، فأرجو أن لا يأثم
والله أعلم.
البنك
ما الحكم الشرعي في أخذ الجوائز البنكية البسيطة كساعة يد عليها شعار البنك؟ علماً بأن مثل هذه الهدايا تعطى لمن يتعاملون مع بشكل مستمر، فهل يجوز أخذها؟، وإذا كان الجواب بالنفي، فما حكم قبل معرفته بالحكم الشرعي؟ وكل هذه الهدايا فيها شعار
أخذها من
البنك، فكيف يمكن التخلص منها؟
مصادر هذه الهدايا إنما هي المعاملات المحرمة فهي غير جائزة، ومن
أخذ منها شيئاً فليتخلص منه إلى فقراء المسلمين والله أعلم. (3/357)
صفحة 1446
358 الفتاوى المعاملات
الكفالة والوكالة
2
كفيل قام بتوريد عمالة وافدة، فتركهم يعملون بحرية حيث شاؤوا وأي عمل شاؤوا، بشرط أن يأخذ على كل فرد مبلغاً معيناً آخر كل شهر، يتراوح بين عشرين إلى ثلاثين ريالاً، ما حكم هذا المبلغ، وهل فيه أدنى شبهة، مع العلم أن الكفيل عندما يستورد عاملاً فإن عملية استيراده تكلفه مبالغ وجهد في متابعة معاملاته، فهل يضيع هذا الجهد هدراً، إذا كان المبلغ المعطى للكفيل حرام؟
لا يجوز أخذ أجرة على الكفالة، وإنما يجوز للكفيل إن كانت الكفالة كلفته مالاً أن يأخذ من المكفول قدر التكلفة فقط، من غير زيادة شيء
والله أعلم. ما رأيكم فيمن استجلب عمالاً أجانب للعمل، واتفق معهم على أن يتحملوا جميع المصروفات من سكن وتذاكر وعلاج، ويعطوا الكفيل مبلغاً من المال إذا عملوا، ولا يعطونه شيئاً إذا لم يعملوا؟ أخذ الأجرة على الكفالة غير جائز، وإن كان أخذها في مقابل ما يوفره من إسكان ونحوه فلا حرج، والله أعلم.
رجل يقوم باستخراج التأشيرات من دائرة العمل وبيعها على الأجانب، وبعد وصول العمال يقبض من كل عامل عشرة ريالات باعتباره كفيله وقد اتخذ من هذا العمل تجارة لفترة من الوقت فما قول سماحتكم في هذا الشأن؟
نص العلماء على عدم جواز أخذ الأجرة على الكفالة، ومنها الكفالة التي اتخذها الناس الآن وسيلة من وسائل الكسب، حيث يكفلون عدداً (3/358)
صفحة 1447
أوجه من المعاملات 359
من العمال، ثم يرخون لهم العنان ليكتسبوا حيث شاءوا، وما عليهم إلا أن يدفعوا ضريبة شهرية للكفيل، فمع ما في أخذ الأجرة على الكفالة من حجر، فإن هذا العقد هو عقد جهالة، إذ لا يدرون مقدار ما يكتسبون والله أعلم. لدي شركة تجارية، وطلبت مني شركة أخرى أجنبية من الدول المجاورة الكفالة، وذلك حتى يتسنى لها مزاولة الأعمال (توريد معدات) بالسلطنة، ويكون ذلك مقابل أجرة سنوية يتم الاتفاق عليها بين الشركتين، ما قول سماحتكم في هذا المبلغ؟ وما قولكم فيم إذا كانت أجرة الكفالة مشفوعة بمعاونة الشركة في تخليص بعض أعمالها؟
لا أجرة على الكفالة في الإسلام، ولكن يمكنك أن تقوم بأعمال تعوضك الشركة عنها والله أعلم.
أراد مني أحد الأصدقاء أن أكفله بمبلغ معين، وذلك ليسدد ما عليه للبنك بنفسه، فهل يجوز لي أن أكفله لذلك؟
إن كان في هذه المعاملة ربا فلا تجوز الكفالة فيها، والكفيل شريك في اللعنة الله أعلم.
ما قولكم إذا أراد أحد كفالة أحد يقترض من البنك الربوي؟
الكفيل مشارك في الإثم، فإن كل من دخل في المعاملات الربوية - ولو بشهادة - هو شريك فى الإثم، فقد قال: «لعن الله الربا وآكله ومؤكله وشاهديه» وقال «هم سواء» (1)، أي في الإثم والله أعلم.
(1) تقدم تخريجه. (3/359)
صفحة 1448
360
الفتاوى المعاملات
ما الحكم فيمن يجلب عمالاً من الخارج ـ مثلاً ـ ويكونون في كفالته، ويتفقون مع كفيلهم على أن يزاولوا تجارة معيّنة يبيعون ويشترون، دون أن يتدخل الكفيل في ربحهم وخسارتهم، وإنما عليهم فقط أن يعطوه كل شهر مائة ريال مثلاً، فهل هناك حرمة في ذلك؟
هذا من أكل أموال الناس بغير حق، فهو من السحت ـ والعياذ بالله ـ والله أعلم.
رجل لديه مؤسسة تجارية تعمل في مجالات المقاولات، الخياطة ... إلخ) ويعمل لديه عدد من العمال الأجانب يتولون تدبير شؤونهم في البحث عن مصادر العمل من أمثلة ذلك (مقاولات بناء)، إذ يقوم صاحب المؤسسة بعقد اتفاقية بناء منزل مع أحد الأشخاص بحيث تشمل ضمانته للمشروع والإشراف والمتابعة لسير العمل، ثم يتولى مسؤول العمال ترتيب كافة الإجراءات المتعلقة بالشروط والمواصفات والقيمة النهائية للمشروع، على أن يحصل صاحب المؤسسة على شيء معين من المال عن كل مشروع أو شهرياً - حسب الاتفاق بين الطرفين. احتساب ذلك مقابل كفالتهم واستخدام تسمية المؤسسة.
فما قول سماحتكم في ذلك؟ أما الضمانة فلا يؤخذ عليها أجر، وأمَّا الإشراف والمتابعة فلا مانع من أخذ الأجرة عليهما والله أعلم.
أنني
لقد قمت بفتح محل خياطة وأحضرت له خياطاً، فهل يلحقني وزر إذا قام هذا الخياط بخياطة ملابس تخالف الشريعة الإسلامية، بوصفي الكفيل أو صاحب المحل؟
من أعان على خير كان له نصيب من أجره، ومن أعان على إثم كان (3/360)
صفحة 1449
أوجه من المعاملات 361
عليه نصيب من وزره، وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: 2] فإن كانت الملابس التي تُخاط في هذا المحل منكرة، وعلم بذلك صاحب المحل كان عليه نصيب من الوزر، لذلك أرى أن عليك أن تأمر الخياطين أن يتقيدوا بخياطة الملابس الجائزة شرعاً والله أعلم.
هل دعوى الموكل باسترجاع ما باعه وكيله بعد إلغاء وكالته لا تسمع؟ وأن حقه ضاع، لا لشيء إلا لأن الوكيل جاهل بعزله؟
لا بد من إبلاغ الوكيل بعزله، وإلا فما أمضاه ماض والله أعلم.
ما هي
النسبة المئوية التي تحق للوكيل الشرعي، عناءً له في مطالبة
أصحاب الديون واستلام الإيجارات والعقارات؟
هي
على حسب اتفاق الطرفين من قبل، فإن لم يكن بينهما اتفاق فله عناء المثل، الذي يحدده القاضي الشرعي حسبما يراه من جهد الوكيل والله أعلم.
رجل توكل بوكالة شرعية عن بعض أقاربه للمطالبة ببعض المبالغ، وهو شريك في المبلغ، هل له الحق شرعاً المطالبة عن أتعابه، علماً بأنه قد طالب بالمبلغ لمدة خمس سنوات؟ وكم نسبة حقه في ذلك؟
له المطالبة بقدر عنائه بالنسبة إلى أنصباء شركائه، ولا يقدر ذلك بنسبة معينة، فإن اتفقوا على شيء من ذلك فحسن، وإلا قدر له عناء المثل والله أعلم. أحد الإخوة توكل عن جماعته في بيع أراض، وحصل على مبلغ مقداره ثلاثون ألف ريال عُماني فماذا له من هذه الدراهم عن وكالته؟
إن اتفقوا على شيء معين فهم على ما اتفقوا عليه، وإن لم يتفقوا فله
أجر المثل، وذلك شيء يقدره أولو الخبرة والاختصاص والله أعلم. (3/361)
صفحة 1450
362
الفتاوى المعاملات
ما قول سماحتكم في رجل وكيل لأموال المسجد، هل يحق له أن
غلة يستطني حاله كحال أي شخص في تلك البلدة؟
من أموال المسجد الوكيل لها، بواسطة؟ دلال في المناداة،
ينبغي
له أن يترك غيره وكيلاً عنه، ليزابن ولا يزابن بنفسه والله أعلم.
يوجد حصة لفلج في بلد ما، وهي حصة دورية تقعد لصالح الفلج كل أحد عشر يوماً، هو يصح للوكيل القائم بأعمال الفلج أو من ينوب عنه أن يستقعد من تلك الحصة لماله الخاص؟
لا يجوز له ذلك، إلا إن وكل غيره ليقوم مقامه، إذ لا يجوز أن يكون العقد إلا بين متعاقدين، فلا يجوز أن يكون هو البائع والمشتري والله أعلم.
توفي رجل وترك أولاداً يتامى ولم يكن له أخ أو أخت أو عم أو ابن عم، إلا أقرباء له يلتقون معه في سادس جد، لِمَنْ تكن حق الوكالة الشرعية للأقرباء الذين يلتقون معه في سادس جد، أو خال الأيتام؟ علماً بأنه عند سؤال الأرملة لاختيار أصلح وكيل للأيتام أفادت باختيار أخيها خال الأولاد؟
الأبر والأحزم هو أحق بالوكالة، وإن كان أبعد والله أعلم.
هلك رجل وترك ولداً عمره ست سنوات وله أختان شقيقتان وابن عم، فمن هو الأولى بأن يكون وكيلاً شرعياً له في تربيته وأمواله وغير ذلك، وما هي صلاحية الوكيل؟
الأولى بالوكالة من كان أحفظ للأمانة وآهل للمسؤولية وأبر باليتيم، وإن كان أقرب أهله نسباً، وعلى القاضي الشرعي أن ينظر في ذلك والله أعلم. (3/362)
صفحة 1451
أوجه من المعاملات 363
ما قولكم في شخص أعطِي بضاعة يبيعها بالأجل ويستلم قيمتها ويجمعها معه حتى تكتمل ثم يعطيها صاحبها، إلّا أنه في الفترة التي يجمع فيها بعض النقود تعوزه الحاجة إلى المال فيأخذ من تلك النقود لقضاء حاجته، ثم بعد وقت محدود يرجعها إلى ما بقي مما أخذ منه، فإذا ما اكتملت قيمة البضاعة المباعة دفعها إلى صاحبها كاملة دون نقصان فهل يأثم بفعله ذلك أم لا. علماً أنه ليس له أي مصلحة من قيمة تلك البضاعة التي يبيعها أفدنا ولك
الأجر؟
ليس له فعل ذلك إلا بإذن من صاحب المال، وهو على أي حال ينقلب بفعله هذا من الأمانة إلى الضمان، فإن ضاع شيء من الثمن كان له ضامناً بعدما استدانه حتى يرده إلى صاحبه والله أعلم.
أصيب والدي بتأثر في الرأس من جراء حادث وقع عليه، وله أعمال
بحاجة إلى إنجاز، فهل يجوز عمل توكيل لي لأقوم بإنجازها؟
ذلك يتوقف على وعيه، فإن وعى صح توكيله، وإلا فلا، إلا إن كان توكيلك من قبل القضاء الشرعي والله أعلم.
ما حكم الشرع في الاشتراك السنوي في المجلات والدوريات، علماً بأنَّ ذلك لا يتم إلا بحوالة مصرفية عبر مصرف (بنك) تتعامل معه المؤسسة التي تنشر المجلة؟
إن كانت المعاملة بين المشترك وبين البنك ليس فيها ربا، وإنما البنك لا يعدو أن يكون وكيلاً للمجلة في قبض الحق، فلا مانع من ذلك والله أعلم. (3/363)
صفحة 1452
364
الفتاوى المعاملات
هل لى بأن أتعاقد مع تاجر لتكون تجارته باسمي، وإنما الأموال أمواله، ولكنه لا يستطيع أن يتاجر باسمه بحسب ما تقضي به بعض القوانين في بعض البلدان، وهل لي أن أخد منه من المال مقابل إعطائه اسمي؟ أما إن كانت الأجرة التي تستلمها منه في مقابل الكفالة، فهي غير جائزة، وإن كانت في مقابل عمل تقوم به فلا حرج والله أعلم.
رجل لديه محل لبيع المواد الغذائية، وقد أسس المحل بقرض من بنك تجاري بمبلغ قدره ألف وخمسمائة ريال عُماني، وجلب له عمالاً وافدين تحت كفالته، على أن يتقاضى الرجل من هؤلاء العمال مبلغاً قدره ستون ريالاً عُمانياً في صورة سلع عينية ومبلغاً نقدياً شهرياً، وأن يتكفل العمال بدفع المصاريف كإيجار المحل والكهرباء وأي التزامات أخرى، ولا يتحمل الكفيل الربح والخسارة، وذلك بمحض إرادتهم والاتفاق بين الطرفين، علماً بأنه قد تم تسديد المبلغ المقترض من البنك منذ فترة طويلة: 1 - ما حكم المعاملة التي تمت بين ذلك الرجل والبنك؟ وما هي الطريقة التي يستطيع بها التكفير إذا كانت غير جائزة؟ وما الحكم في الأموال التي جناها صاحب المحل من الفوائد التي عادت له من استغلال المال المقترض من البنك في المحل، كذلك يوجد الدخان من بين المواد الغذائية بالمحل؟
2 ـ ما الحكم في المبلغ الذي تقاضاه ذلك الرجل من العمال منذ تلك الفترة
وحتى نهاية شهر ذي الحجة 1419 هـ نتيجة استغلاله للمبلغ المذكور؟ ـ هل يحق للرجل استرجاع المبلغ المستغل على هيئة دفعات بقيمة مائة ريال في صورة سلعة ونقد، حيث أراد العمال أن يكون المحل خاصاً بهم؟ (3/364)
صفحة 1453
أوجه من المعاملات 365
4 ـ هل يحق للرجل أخذ مبلغ شهري من العمال كونهم على كفالته بعد استرجاعه رأس المال، علماً بأن المحل لا زال قائماً باسمه؟ ه ـ ما الحكم إذا قام الكفيل بتأجير المحل للعمال بمبلغ يزيد عن
المبلغ الذي يسدده الكفيل لصاحب العقار أم هذه الطريقة فيها شبهة؟
(1) معاملة البنك إن كانت بدون ربا حيث كانت بطريقة المضاربة الشرعية، أو القرض الحسن الذي لا يرد معه المقترض إلا ما اقترض من غير زيادة فهي جائزة، وإن كانت بطريقة الربا المحظور شرعاً فهي محرمة، هذا وإن اقترض من البنك أو غيره أحد فاستغل ما اقترضه فيما لا يحرم شرعاً فإن الحرمة تتعلق باقتراضه لا باستغلاله فلا يحرم عليه ما جناه من أرباح إن كان الاستغلال لم يُشب بمحظور ـ كما ذكرنا ـ، وإنما عليه التوبة والتخلص من ذلك القرض الربوي والله أعلم، أما الدخان ونحوه فالتجارة فيه حرام ولا بد من التخلص مما اكتسبه منه.
2) ما تقاضاه من الأجرة فهو غير جائز، فإن أموال الناس محظورة إلا بوجه شرعي ولا وجه هنا لما أخذه منهم، فإن كان ذلك من أجل الكفالة فالكفالة لا يجوز أخذ الأجر عليها، وإن كان لوجه آخر فإني لا أعرفه
والله أعلم.
3) أما ما في المتجر من بضاعة وأثاث فله تمليكه لأولئك الأجانب، بعد تجريده وإحصائه لئلا يكون في المعاملة غرر، ولا مانع من تقسيط ثمنه حسب الاتفاق بينهم، ولكن بشرط أن يكون الدفع عملةً عينية أو ورقية، أما إن كان سلعة من جنس ما كان في المتجر سابقاً فلا يجوز، لحرمة اتحاد الثمن والمثمن في الجنس ما لم يكونا يداً بيد والله أعلم.
4) لا يجوز أخذ شيء على الكفالة كما تقدم والله أعلم. (3/365)
صفحة 1454
366
الفتاوى المعاملات
ه ليس لأحد أن يؤجر عقاراً استأجره إلى غيره بأكثر مما استأجره به،
إلا إن قام بعمل فيه كتأثيثه، وبشرط رضى صاحب العقار والله أعلم.
ما قولكم في أموال الفلج التي أراد الأهالي بيعها؟ وكيف تكون كتابة
الصك؟ وهل يقر وكيل الفلج بالبيع، وكيف يكون الإقرار؟
إن كان وكيل الفلج مخولاً في مطلق التصرف في مصالح الفلج فهو الذي يقر، وإن لم تكن وكالته مطلقة فعلى أصحاب الفلج أن يطلقوها
والله أعلم. هل يجوز أن يوكل بيت التمويل أحد التجار توكيلاً شكلياً يقوم مقام الرهن مع قيام التاجر بجميع العمليات بنفسه؟
إن كان المراد بالتوكيل الشكلي القائم مقام الرهن هو أن يكون التاجر ويتحمل الخسارة التي ربما كانت بغير تسبب منه فهذا لا يجوز مال
ضامناً
شرعاً، لأن للتوكيل أحكاماً وللمضاربة - إن كان يقوم بالمضاربة في بيت التمويل - أحكاماً أخر، ولا يجوز الخلط بينهما، ففي التوكيل ما هو إلا أجير حسبما اتفق عليه الطرفان، يجب عليه أن يقوم بما لزمه القيام به مع توفيته أجر عمله وفي المضاربة يضارب بالمال الذي سلم إليه للمضاربة على أن يكون له جزء من الربح، وإن خسرت التجارة فليس عليه خسران بالإجماع، وإنما حسبه أن يخسر عناءه، وإن كانت الخسارة عليه فالتجارة له، وليس لصاحب رأس المال إلا رأس ماله حال الربح أو الخسارة، لأنه مجرد مقرض، وكل قرض جر نفعاً فهو ربا والله أعلم.
رجل وكل بوكالة شرعية عن بعض أقاربه للمطالبة ببعض المبالغ وهو شريك في هذه المبالغ هل له الحق شرعاً المطالبة عن أتعابه؟ علماً (3/366)
صفحة 1455
أوجه من المعاملات 367
بأنه قد طالب بالمبلغ لمدة خمس سنوات، وكم نسبة حقه في ذلك؟ له المطالبة بقدر عنائه بالنسبة إلى أنصباء شركائه، ولا يقدر ذلك بنسبة معينة، فإن اتفقوا على شيء من ذلك فحسن، وإلا فله قدر عناء المثل والله أعلم. منزل موصى به وقف ذرية، وورثته أولاد أخ وابنة بنت متزوجة وولد، وهذا المنزل الموقوف به له وصي شرعي ثم إن ابنة البنت جعلت لها وكيلاً شرعياً من نفسها وليس من الورثة، فهل للوكيل ذلك النزاع أم للوصي الشرعي؟
إن كان لها حق شرعاً فهي توكل من شاءت في المطالبة بحقها والله أعلم.
نقوم بشراء بضاعة من خارج السلطنة، ويطلب البائع تحويل قيمة المبيع بحوالة مصرفية في بنك في بلده، فندفع الريالات العُمانية إلى البنك هنا فيحولها على حساب البائع على عملة بلده فما حكم الشرع في هذا
التعامل؟
إن كان هو وگل ـ أي البائع - البنك الذي في بلده، والبنك الذي في بلده وكَّل البنك الذي هنا أو هذا البنك الذي هنا فرع للبنك الذي هناك، فهذا التوكيل يسوغ أن يأخذ الوكيل المفوض الثمن من أجل أن يجعل ذلك الثمن في حساب المالك الذي باع تلك البضاعة ولو كان ذلك بغير العملة التي تم بها عقد البيع، على أن يكون بسعر الوقت نفسه من غير أن يكون افتراق بين ممثلي البائع والمشتري وبينهما شيء والله أعلم.
سألني أحد الأشخاص عن قيمة أغراض معينة، فقمت بإخباره عن سعرها في المنطقة التي أقطنها، فقام بإرسال المبلغ المطلوب لشراء تلك (3/367)
صفحة 1456
368
الفتاوى المعاملات
الأغراض، ولكن عند وصول المبلغ اتضح لي بأنه يمكنني أن أشتري هذه الأغراض من منطقة - بعيدة نوعاً ما عن مدينتي ـ بسعر أقل، فقمت بالذهاب إليه وشراء الأغراض المطلوبة منها بسعر أقل وأرسلتها له، فهل يحق لي فرق السعر بين المدينتين؟
ليس لك إلا مقدار ما خسرته بذهابك إلى مكان بيع تلك الأغراض بسعر أقل اللهم إلا إن أخبرت طالب الأغراض وسمح لك بما فضل عن ثمنها والله أعلم.
رجل يملك محلاً لصيانة كهرباء السيارات، وجلب له عاملاً أجنبياً، ثم هرب ذلك العامل، وكان على ذلك العامل مبلغ من المال فقام الكفيل بتسديده نيابة عنه، وأشرف الرجل على محله بنفسه وجلب له عاملاً آخر، وكان يعطي العامل راتباً شهرياً، وبعد فترة أراد العامل تحمل مسؤوليات ونفقات المحل من صاحبه على أن يدفع للكفيل مبلغاً قدره تسعون ريالاً شهرياً، وتم الاتفاق على هذا، وبعد فترة من الزمن هرب العامل وجاء أجانب آخرون لاستثمار المحل على أن يدفعوا للرجل مبلغاً قدره أربعمائة وخمسون ريالاً مقدماً ومبلغاً شهرياً قدره خمسون ريالاً، على أن يُحضر ذلك الأجنبي شخصاً على كفالة الرجل، وتم له ذلك - علماً بأنه يوجد بالمحل آلات وقطع غيار تزيد قيمتها على المبلغ المدفوع - ثم جلب خمسة آخرين يتحمل تشغيلهم بمعرفة الوافد الأجنبي المستثمر للمحل ورفع العامل الأجرة إلى مائة وأربعين ريالاً شهرياً، على أن يتكفل المستثمر الأجنبي بدفع كافة التكاليف للعمال
والمحل:
ما الحكم في المبلغ الذي يستلمه الكفيل؟ (3/368)
صفحة 1457
وماذا عليه إذا كان المبلغ المستلم غير جائز أخذه؟
أوجه من المعاملات 369
وما هي الطريقة التي يستطيع أن يكفر بها عن نفسه؟
إن كانت هذه الأجرة في مقابل الكفالة فهي محرمة لا تجوز، وإن كانت في مقابل تأجيرهم محلاً أو آلات عن غير غرر فلا مانع من ذلك، وإن أخذ أجرة حيث لا تجوز فعليه التوبة ورد المبلغ، وبذلك يكون قد خلص نفسه من تبعة مخالفة الشرع والله أعلم.
نحن ثلاثة أشخاص اتفقنا على أن نقيم مدرسة خاصة لتعليم الأطفال في الروضة والتمهيدي والابتدائي، وتم تكليف أحدنا للإشراف على هيئة التدريس وإدارة وتطوير المدرسة، لأنه أكثرنا تفرغاً ولدية دراية ومعرفة بالعمل، فهل لنا أن نعطيه مكافأة أو راتباً شهرياً نظير ما يقوم به من
عمل؟ علماً بأن الشراكة بيننا بالتساوي؟
لا مانع من ذلك في مقابل جهده الذي يبذله والله أعلم.
الشفعة
ما قولك فيمن اشترى مالاً وله شرب معتاد من ماء زيد، والمشتري شريك في ذلك المال بالساقية أو بالطريق أو بهما جميعاً، فهل لزيد شفعة، حيث إنه يشرب من مائه؟
لا شفعة للشفيع ما دام الشاري شريكاً، ولو شريك منفعة والله أعلم. من اشترى مالاً بالإقالة، ثم بيع مال يشفعه المال المبتاع بالإقالة له، فهل تثبت الشفعة للمشتري بالإقالة إذا طلبها دون صاحب الأصل، أو تجب (3/369)
صفحة 1458
370
الفتاوى المعاملات
لصاحب الأصل دون المشتري بالإقالة، فإن قلتم إن الشفعة تجب للمشتري بالإقالة فلمن يصير المال المشفوع إذا فك البائع الإقالة؟ وإن قلتم إن الشفعة للبائع، فإذا تمت الإقالة فلمن يصير المال المشفوع
أيضاً؟
إثبات الشفعة بالمال المشترى بالإقالة للشاري مبني على ثبوت بيع الإقالة، وأن الإقالة بيع جديد، وعليه فلا حق للبائع فيما اشتفعه المشتري إن رجع إليه المبيع، كما لو اشترى أحد من غيره مالاً بالأصل فاستحق به الشفعة، ثم اشتراه منه البائع مرة أخرى، فإنه لا يستحق مع المال الذي اشتراه ما أشفع بسببه والله أعلم.
رجل اشترى مالاً يسقى بفلج، وهذا المشتري شريك في ماء المبيع، وتقدمت ابنة المشتري بطلب الشفعة باعتبارها شريكة أيضاً في الماء، ولها شركة في الأرض أي ملاصقة المال، فهل ترون لها شفعة فيه؟ أن المشتري والدها وهو شريك في الماء كما أسلفنا؟
مع
لا شفعة لهذه المشتفعة من كلا الأمرين من حيث إن المشتري شريك ولا شفعة على شريك، ومن حيث إنه أبو المشتفعة هذا ما أراه والله أعلم. ممن تطلب الشفعة من المشتري أو القاضي، وماذا يقول مريدها في المال الأخضر أو العقار؟ وماذا عن الإسراع والتأخير فيها؟
يسارع الشفيع إلى طلب شفعته من المشتري أو القاضي أو من يعتد به من الناس مع إشهاد الأمناء، وذلك بأن يقول مثلاً: نزعت شفعتي مما اشتراه فلان من فلان بثمنه، وأما البت في الإسراع والتأخير فمرد ذلك إلى القضاء الشرعي والله أعلم. (3/370)
صفحة 1459
أوجه من المعاملات 371
هل في العطية شفعة؟
لا شفعة في عطية. والله أعلم.
هل توجد شفعة في الأموال المعطاة غير الأقارب في مال يسقى من صوار واحد (مدخل الفلج إلا أن كل قسم بحوزته، ويسقى كل قسم في أوقات مختلفة؟
الشفعة في البيوع لا في الهبات، فلا شفعة فيما وهب أحد لغيره، سواء كان الموهوب قريباً أو أجنبياً. والله أعلم.
ما قولكم في المدة التي تفوت بها الشفعة عن الشفيع؟
قيل: تفوته بمجرد تمكنه من طلبها ولم يطلبها، وقيل: تفوت بمضي ثلاثة أيام، وقيل: هي حق لا يفوت بمرور الزمن والله أعلم.
رجل اشترى مالاً وله شركة في نصف ماء هذا المال، من أصل ثمانية وأربعين أثراً، وقد شفع هذا المال شفيع آخر وله كذلك شركة في الماء. علماً بأن المال هو أقرب للشفيع من المشتري؟
إن كان المشتري شريكاً فلا شفعة لشفيع، إذ الشريك نفسه شفيع والله أعلم.
شخص أراد أن يبيع ماله أو بيته وبجواره شخص آخر، وأعطى هذا المبيع دلالاً، هل يلزم على الشخص الثاني المجاور لهذا المبيع أن يزابن فيه ولو ارتفعت قيمة هذا المبيع، أو يسكت وبعدما يباع يذهب يتشفع، أما ماذا يعمل؟
لا شفعة - على الرأي المعمول به ـ فيما بيع نداء والله أعلم. (3/371)
صفحة 1460
372
الفتاوى المعاملات
عَنْ أرض مجاورة لمزرعتي وتشربان من ماء واحد، قام صاحبها بالمناداة عليها، ولكن عندما أزيد عشرة ريالات يقوم شخص آخر بزيادة مائة ريال، فهل لي أن أتوقف عن المزابنة وأستشفعها؟
لا شفعة - على الرأي المعمول به ـ فيما بيع نداء والله أعلم.
رجل أراد وقف بعض ماله لمسجد في بلدته، وبعد عزمه وإخباره بهذا، قام أصحاب الأموال المجاورة لماله بطلب الشفعة، فماذا يفعل؟ هل يمضي على عزمه؟ أم أن لهم الحق في شراء المال منه؟
لا شفعة في صدقة ولا في وقف، وإنما الشفعة في البيع والله أعلم.
ستا،
أعطاني عمي أرضاً لبناء بيت وأخرجت لها ملكية، ولكن لم أبن فيها وهي مجاورة لأرض عمي وأريد الآن أن أبيعها فماذا عليّ؟ هل أخبره أم أتركه يشتفعها إن بعتها؟
إن كان عمك يتضرر من بيعك هذه الأرض لغيره، فله أن يتشفعها إن بعتها، لذلك أقترح أن تعرض عليه بيعها له، ففي ذلك اتقاء الشقاق والله
المستعان.
هل للمستشفع فيما يُباع بالمزاد العلني شفعة؟
إن كان يباع بالمزاد العلني فالمشهور أن لا شفعة فيه لشفيع والله أعلم.
ما قولكم في شفيع يدعي صفقة البيع بأقل مما كتبه المشتري في صك البيع، مدعياً أن الصفقة سوماً أقل مما بلغ بالنداء، وإنما كان النداء فراراً عن شفعة الشفيع، فإن كانت دعواه مسموعة وعجز البينة والبيع واقع بواسطة وكيل، فهل اليمين على الوكيل كونه من تصرفاته أم على (3/372)
صفحة 1461
أوجه من المعاملات 373
صاحب المال، إن الصفقة هي التي بالنداء وتم البيع بكذا، أفتنا في ذلك؟ إذا ادعى الشفيع أن الصفقة بين البائع والمشتري بأقل مما أظهرا سمعت دعواه وطولب بالبينة، فإن أعوزته فله اليمين على المشتري، لأنه الذي يدفع
إليه القيمة، والخصومة بينه وبينه وليست بينه وبين البائع والله أعلم.
هل تجب الشفعة في بيع الإقالة إذا طلبها صاحبها من يدركها من الذي اشتراها إذا كان ذلك المال المباع بالإقالة للغير في وسط مال الطالب للشفعة أو ملاصق لبيته الذي في بستانه ويخاف أن يطلع هذا الرجل المشتري على أهله، فماذا ترى في ذلك؟
اختلف العلماء في البيع بالإقالة هل يدرك الشفيع شفعته عند البيع أو حال انتهاء مدة الإقالة والخلاف مبني على الخلاف في بيع الإقالة هل هو ثابت أو موقوف؟ وبناءً على ذلك اختلف أيضاً فيما بيع قبل انتهاء مدة الإقالة، هل يدركه الشاري بالإقالة إن اشتفعه والله أعلم.
ما قولكم فيمن يطلب الشفعة في مال بجواره، وأثناء التحاكم وجد أن هذا المال انتقل إلى صاحبه الجديد عن طريق المقايضة مقابل عقار، ولم يحدد الثمن لكل من المال أو العقار، وقد اتهم المتقدم بالشفعة المتقايضين بأنهما متواطئان على إخفاء الثمن بقصد حرمانه من الشفعة، فهل ترون سماحتكم أن من حقه تحليفهما على ذلك؟
اختلف
بيع؟
اختلف في القياض هل هو بيع أو غير بيع؟ وبناءً على هذا الاختلاف في الشفعة في القياض، فقيل بوجوب الشفعة فيه، لأنه ضرب من ضروب البيع، وقيل بعدم وجوبها، نظراً إلى أن الشفعة شرعت لدفع الضرر، وإيجابها في القياض لا يخلو من مضرة، هذا وإذا حكم القاضي بعدم الشفعة في القياض فلا وجه لتحليف المتقايضين والله أعلم. (3/373)
صفحة 1462
374
الفتاوى
المعاملات
رجل باع مالاً بالإقالة لمدة محدودة، وبعد انقضاء المدة عجز عن الفداء وترك المال فصار ملكاً للمشتري لا ينازعه فيه غريم، وبعد فترة طويلة باع المال بثمن زائد عن الذي اشتراه به فاستشفع صاحب المال الأول، فهل تثبت له الشفعة؟ وهل تكون بالثمن الأول أم الثاني؟
إذا لم يكن هنالك موجب للشفعة كشركة منافع أو شركة مشاع فلا وجه للشفعة، إذ لا مجال للشفعة من غير سبب يوجبها، وإلا لجاز لكل من باع مالاً أن يشتفعه إن بيع من بعد ولو بعد حين، لأن بيع الإقالة كغيره من البيوع والله أعلم.
في صك فيه صورة بيع أرض من زيد لعمرو وتاريخ الكتابة منذ ست عشر سنة، والبائع والمشتري في البلاد ولم تسبق في الأرض عمارة من أحد ولم يعلم أحد بهذا البيع حتى يتداول بين الناس ويشتهر، وفي هذا الوقت وقع الخصام بينهما وعند ذلك جاء الشفيع يطلب هذا المبيع، فإن فإن صح هذا البيع هل طيلة هذه المدة تبطل
شفعته
الشفعة؟
من
إذا كان البيع غير مشهور ولم يعلم به الشفيع، ولم يتأن في طلب شفعته بعد علمه، فإن الشفعة لا تفوته بمضي المدة والله أعلم.
باعه
لقد أشكل علينا التفريق الموجود في الأثر في الشفعة ما بين الابن لأبيه وما باعه الأب لابنه والاستدلال بالحديث أنت ومالك لأبيك» (1)، وحسب فهمنا القاصر أن الظاهر أن المال إذا انتقل إلى الابن فهو لأبيه لا يعد انتقالاً حسب الحديث، وماذا يقال في الحديث الآخر
(1) أخرجه ابن ماجه في كتاب التجارات باب ما للرجل من مال ولده (2291). (3/374)
صفحة 1463
أوجه من المعاملات 375
«كل أحق بماله»، وهل الشفعة وجدت إلا لدفع المضرة؟ نرجو الإيضاح وتبيين الأرجح في المسألة ولكم الأجر؟
الذي يبدو أنهم قالوا ذلك من أجل تعظيم حق الأب وتمكن الولد من بره، فإنه ربما تساهل في ثمنه من أجل مراعاة حق الأبوة، فإن انتزع منه بالشفعة كان ذلك عائقاً للولد عما يطمح إليه من بره بأبيه، ومن ناحية أخرى فإن للوالد أن ينتفع بمال ابنه بدون إذنه دون العكس والله أعلم.
ما رأيكم فيمن انتزع شفعته من مال ترم بيع الإقالة هل يأخذه الشفيع بالثمن الأول أم أن المدة التي ترم بها المال تقدر بقيمة تضاف إلى القيمة السابقة بنظر العدول ويردها منتزع المال لاعتبار الفقهاء أن المدة به قسط من الثمن استحق المشتري بها المال لتأصيله؟ أرجو الإفادة لأهمية هذا السؤال وكثرة ما يقع بأخذ الشفيع المال بسهولة على قيمته الأولى من غير نظر وتقدير لهذه المدة التي نما فيها المال وصبر هو طيلة هذه السنوات استغلال مبالغة إن كان المال لا غلة فيه أو الغلة لا تكفي لعماره ومعاناته؟
اختلف في بيع الإقالة هل هو ثابت أو موقوف إلى انتهاء مدة الإقالة وعلى القول الأول فإن الشفيع يستحق الشفعة فيه بمجرد وقوع البيع وعلى الثاني يستحقها إذا مضت مدة الإقالة ولا يزيد الشفيع على ما أعطى الشاري من الثمن ومدة الإقالة تنطبق عليها القاعدة المعروفة «الخراج بالضمان»
والله أعلم. (3/375)
صفحة 1464
376
الفتاوى المعاملات
القسمة
شركاء ثلاثة في محل تجاري، توفي أحدهم وأراد الاثنان إعطاء ورثة الشريك الثالث من الشركة وتوجد بضاعة بالمحل، فماذا يفعل بها لإخراج الحق منها، وثانياً: يوجد أثاث والأسعار السابقة تختلف عن الحالية، فكيف يخرج حقه منها، وثالثاً: أن على المحل ديوناً فكيف العمل فيه أيضاً؟
1 - تقوّم البضاعة الموجودة بسعرها الحالي، بغض النظر عن فائدتها وخسارتها. والله أعلم.
2 ـ يقوم الأثاث بقيمته الحالية، مع غض النظر عن كونها أرفع من قيمته الأصلية أو أدنى. والله أعلم.
3 ـ الديون توزع بين جميع الشركاء، كما توزع سائر الأموال. والله أعلم.
أتقدم لسماحتكم بفتوى حول قسمة منزل هل يباع بالمزاد أم يقسم بالشبر أو يشترى من أحد الورثة؟ علماً بأن المنزل يحيط به سور من الطين وبه دكاكين، بحيث سمح لبعض الورثة بتعمير هذه الدكاكين واستغلالها ومضى على ذلك سنوات، والبعض منها قائم والآخر داثر، هل في هذه الحالة يحق للذي قام بالعمار في تعويض عن ما أنفقه أو يعتبر استغل حقه بمضي سنين الاستهلاك؟
كل ما تعذر اقتسام عينه يباع ويقتسم ثمنه، إلا إن اتفق الشركاء على بقائه واقتسام، منفعته كاقتسام إيجاره بعد التأجير وما أحدثه أحد الورثة من الدكاكين بإذن سائر الوراث فمرده إلى ما اتفقوا عليه، إن كان اتفاقهم على أن يكون الريع الذي يعود منها هو عوض بنائه فذلك، وإلا فتقوم الدكاكين (3/376)
صفحة 1465
أوجه من المعاملات 377
في وقت بنائها، وينظر مقدار ما استفاده منها، فإن كان دون ما أنفقه عوض من أصل الثمن الذي يباع به العقار كله والله أعلم.
ما قولكم في شركاء ثلاثة في شجرة أمبا خسروا ثمرها وخسروا ثمن أحد الشركاء، قيل له بأن يشتري السهمين فرفض وقيل له
طناها بسبب
أن: يبيع فرفض، فهل يجبر على البيع أو الشراء؟
ما لا يمكن اقتسام عينه يقتسم ثمنه، فمن رفض البيع والشراء أجبر على البيع والله أعلم.
لولد وثلاث بنات توفيت إحدى البنات وخلّفت ولداً، إحدى البنات الثلاث غير متزوجة والاثنتان والولد متزجون، توفيت الأم وتركت مبلغاً قدره ستمائة ريال عماني، وكانت الأم تستلم ضماناً من الشؤون الاجتماعية عنها وعن البنت غير المتزوجة، وكانت هذه البنت تساعد والدتها في رعاية إخوتها، فما حكم البنت غير المتزوجة في إرث أمها
الهالكة؟
ما كان بيد الهالكة فحكمه أنه لها، إذ سكوت ابنتها يُعد رضى منها بأن يكون نصيبها لأمها، إلا إن أتت ببينة أنها كانت تودع أمها حقها، وبينت
مقدار ما أودعتها بالبينة المقبولة شرعاً، فيعطى كل حقه والله أعلم.
توفي رجل وترك أخوين لأب وترك أموالاً، وكان مما تركه قطعة أرض زراعية «عابية» في قرية من القرى التي تارةً تحيا وتارةً أخرى تموت بسب ضعف فلجها، ففي الخصب يحيا وفي المحل يضعف أو يموت، فقسم الأخوان لأب بقية الأموال، وهذه العابية تركت ولم تقسم إلى أن مات الأخوان لأب وخلّفا عليها ورثتهم، وهؤلاء الورثة منهم من توفي (3/377)
صفحة 1466
378
الفتاوى المعاملات
ومنهم لا زال
لا زال حياً، وممن بقي حياً من ورثتهما ابن أخ وبنت أخ لأب لابن الأخ لأب، والآن يسأل ابن الأخ لأب، هل له الحق إذا أراد التصرف في هذه الأرض؟ وكيف يتصرف فيها؟
هي
ابنة عم
يأخذ منها نصيبه ويدع أنصباء الآخرين لهم، ويجب أن تكون القسمة
بينهم على اتفاق، أو يوكّل غير الحاضر منهم من ينوب عنه والله أعلم.
والدي قسم ماله في حياته بين الجميع من هم له الحق في ميراثه، وعندما أراد أن يعطي كل واحد منهم حقه حصل نوع من التردد بين الأولاد، وقد ذهب إلى قاضي المحكمة الشرعية لكي يكتب ويبين حق كل واحد على حدة في مستند شرعي، وبما أن القاضي رفض أن يكتب إلا عندما يجمع جميع الأولاد مع زوجاته فلم يتم. ذلك (وقد سأل أبي سماحتكم شخصياً ومعكم الشيخ حمود بن حميد الصوافي سابقاً عن هذا الموضوع ولا أعلم ما هو ردكم)، وقد تأثرت صحة أبي مما أدى ذلك إلى فقد للوعي والحركة لكي يتصرف في ماله، وفي الفترة ذاتها تحملت الواجب الذي يلزمني تجاه أبي وماله ومن هم في بيته وقمت بدفع مصاريف البيت والأموال من مالي الخاص، (وعلماً بأنني أنا الوكيل الشرعي لأموال أبي منذ أكثر من ست سنوات) والسؤال: 1 - هل هذه القسمة ثابتة قسمة أبي لماله على جميع أولاده وزوجاته، علماً بأن هناك شهود على هذه القسمة؟ ولكن لم يقبض أحد من الأولاد حقه بعد؟
2 ـ هل يجوز للوكيل الشرعي أن يبيع بعض الأموال التي ليس لها مدخول لكي يدفع مصاريف البيت والأموال؟
3 ـ إذا لم يبع شيء من الأموال لدفع المصاريف هل يلزم الأولاد (3/378)
صفحة 1467
أوجه من المعاملات 379
أن يصرفوا على أبيهم ومصاريف البيت والأموال ودفع
جميعهم المصاريف السابقة؟
4 ـ توفي أخي بعد القسمة وله أيتام فهل حقه يسقط أم يؤول لأولاده
الأيتام؟
-
بما أنني الوكيل الشرعي لأبي، فهل يجوز أن أتنازل عن حق أبي من تركة أخي للأيتام أولاد أخي)؟ علماً بأن أبي فاقد الوعي والحركة؟ 1 ـ لو اتفق الورثة جميعاً على القسمة وحاز كل منهم نصيبه لكانت ثابتة، ولكن بما أن ذلك لم يكن ولم يقبض أحد نصيبه فهي نصيبه فهي لا تثبت
والله أعلم.
- لا مانع من بيع الوكيل الشرعي ما تدعو إلى بيعه ضرورة الإنفاق
لا سيما ما لم يكن منه نفع والله أعلم.
3 ـ نعم إن لم يكن له، مال، أما إن كان له مال فالنفقة الضرورية له
ولمن يجب عليه عوله من ماله إلا أن يتبرعوا والله أعلم.
4 ـ بما أن القسمة لم تثبت فهي كأن لم تكن والله أعلم.
ه - ليس لك إسقاط حق أبيك، فإن ذلك من اختصاصه وحده، إلا إن أذن، وفي هذه الحالة لا إذن له والله أعلم.
بيعت قطعة أرض وهي ملك لجماعة ينتمون لقبيلة واحدة، وعندما أرادوا تقسيمها استثنت الفئة البيضاء الفئة السوداء بحجة أنهم عبيد ولا يحق لهم ما يحق للفئة البيضاء، فما قولكم في ذلك؟
الأرض لمن يملكها سواءً كان من البيض أو السود، وإن كانت مشتركة بينهم فهم فيها شركاء، ولا يجحف حق أحدٍ بلونه والله أعلم. (3/379)
صفحة 1468
الفتاوى المعاملات
رجل يمتلك قطعة أرض سكنية، فاتفق مع زوجته على أن يأخذا معاً سلفة من البنك لبناء هذه القطعة، على أن يسدد الزوج السلفتين: سلفته وسلفة زوجته، وكان مقدار القرض ثمانية آلاف ريال عماني، كل منهما أربعة آلاف ريال عُماني، وبعد بناء المنزل تم تأجيره على سنوات متفاوتة، وتم صرف قيمة الإيجار في مصاريف المعيشة، وبعد فترة تقرر بيع المنزل بمبلغ عشرين ألف ريال عُماني، فهل للزوجة نصيب من هذا المنزل، أم يكون الحق للزوج وحده، لكونه قام بسداد كافة الأقساط للبنك عنه وعن زوجته وتحمّل كل ما ترتب عن إنشاء هذا
قيمة بيع
المنزل؟
إن كان الزوج دفع الأقساط كلها، من غير أن تتحمل المرأة دفع شيء منها، فالثمن كله للزوج، إلا إن أراد أن يقابل معروفها بشيء يدفعه إليها
والله أعلم. (3/380)
صفحة 1469
إحياء الموات:
أوجه من المعاملات 381
هل يشتري إذن الإمام لإحياء الموات، سداً لذريعة النزاع بين الناس، أم لا يشترط ذلك؟
جمهور فقهاء الأمة لا يشترطون إذن الإمام في إحياء الموات واشترطت إذنه الحنفية، ورأي الجمهور أقوى، ولكن إن أفضى ترك الناس وشأنهم في ذلك إلى النزاع، فاستئصال شأفة النزاع بتدخل الحاكم واجب، لسد ذرائع الفساد والله أعلم.
فما رأيكم فيما جرت به عادة الناس من القيام بالتعاقد بيعاً وشراء في الأراضي السكنية أو التجارية الممنوحة من الدولة، وهي أراض بيضاء
لم يجر عليها نوع من الإحياء المفيد الملك شرعاً. فإن كان الجواب بالمنع، فكيف يجاب من يدعي أن حاجة الناس إلى ذلك تستدعي الترخيص، لأن الحاجة الماسة نازلة منزلة الضرورة التي ترتفع عندها الأحكام وتمثل هذه الحاجة في عدم تمكن أي إنسان من عمارة أرض بيضاء إلا بموافقة الدولة. ثم إن هناك بحثاً مفاده هو هل ممكن أن يقال إن المشتري هنا نازل منزلة المضطر للميتة، ولا يجدها إلا في يد من يطلب لها عوضاً، فإنه قيل إن كان واجداً لذلك ولم يقدر على أخذها ممن هي في يده بطريق آخر، إن له ـ إن لم يكن عليه ـ أن يدفع العوض ويأخذها، مع تصريحهم ذلك العوض على من استعاضه عن الميتة، وإذا صح هذا التنظير أمكن القول بجواز ذلك للمشتري دون البائع خاصة هؤلاء السماسرة وأصحابهم الذين اتخذوا ذلك مصدراً للربح.
بتحريم. (3/381)
صفحة 1470
382
الفتاوى المعاملات
ثم ما حكم بيع وصل استخراج الملكية لهذه الأرض ـ أن لو قيل بجواز التعاقد في ذلك ـ هل هو المنع قبل استخراج الملكية أو الجواز، بناء على ما قيل من أنه لا يشترط القبض فيما وعد به السلطان أو من
ناب عنه. أرأيتم ـ أن لو قيل بالحرمة مطلقاً ـ فمن باع قبل معرفة هذا الحكم هل يلزم برد العوض أم تلزمه التوبة فحسب ويعفى عن رد ثمن ما باع، لأخذه له على جهة الاستحلال والمستحل لا يلزم برد ما أتلفه أو أخذه على أكثر ما قيل فيه.
تفضلوا - شيخنا - بتوسيع دائرة الجواب على هذا السؤال، لوجود
الحاجة الداعية إلى ذلك، ولكم جزيل الشكر وعظيم الثواب.
ليس للإنسان أن يبيع ما لم يتملكه، والأرض قبل إحيائها ليست متملكة لأحد إن كانت مواتاً، فلا يحق لمن منحت له أن يبيعها حتى يحييها بوجه من وجوه الإحياء، أما منح الدولة لها إلى أحدٍ بعينه فلا يعدو أن يكون إذناً بالإحياء، وما ذكرتموه من حاجة الناس ليس مسوغاً لإباحة البيع قبل التملك، فإن المخلص من هذه الحاجة ممكن بالإحياء المعتبر شرعاً، وباتباع الإجراءات المعمول بها في طلب الأراضي من أجل التمكين من إحيائها وبما أن المشتري يمكنه الوصول إلى حاجته بطريقة شرعية، فلا يمكن إنزاله منزلة المضطر إلى الميتة، وإذا امتنع بيع الأرض قبل إحيائها، فأحرى أن لا يجوز بيع الوصل كما يفعله الناس، ومن وقع في شيء من ذلك فعليه رد الثمن وتكفي فيه المحاللة، هذا ما أراه فانظر فيه ولا تأخذ إلا بعدله، فإنك أنت الدراكة الخبير والجهبذة
البصير والله أعلم. (3/382)
صفحة 1471
أوجه من المعاملات 383
ما حكم الحيازة في الفلوات وإذا ادّعت قبيلة معينة بملكية جزء من الفلاة فهل يسمع دعواها أم لا؟
لا تسمح دعوى الخصوصية في الفلوات الخارجة عن حريم البلدان،
فإن الفلوات لا تملك، ولا عبرة بالحوزات المدعاة والله أعلم.
أرض بجانب بيتي ليست ملكاً لأحد أدخلتها في بيتي وسورت عليها، فما الحكم في ذلك هل تثبت لي أم لا؟
بما أن هذه الأرض غير ملك لأحد، وهي بجوار بيتك، فأنت أحق بإحيائها، والموات لمن أحياه والله أعلم.
ما
ما قولكم في بيع أرض موزعة ليس فيها آثار ملك، وهل يعذر من يعتمد بيعاً كهذا على حسن الظن بالناس وحاجة الناس إلى ذلك؟
إن كانت الأرض مواتاً فلا تُمتلك إلا بالإحياء، لذلك يتوقف التعامل
فيها بالبيع على الإحياء، وبدونه لا يصح اعتماد البيع والله أعلم.
أرض بيضاء ليس بها بنيان ولها ملكية، هل يجوز تأجيرها؟ إن كانت عمرت من قبل فلا مانع من تأجيرها من قبل مالكها، وإن كانت مواتاً فلا تؤجر حتى تحيى والله أعلم.
ما قولكم في الأراضي التي يُحصل عليها من الدولة بسبيل المنحة أو التعويض عن ممتلكات هل فيها شفعة إذا بيعت قطعة فأراد الشفعة صاحب القطعة المجاورة، علماً بأنها أراض لم تعمر بعد لا من الممنوح ولا من قبل الشفيع، وإذا كان أحدهما قد وضع أعمدة من الأسمنت (3/383)
صفحة 1472
384 الفتاوى المعاملات
لمعرفة حدود قطعته هل هذه الأعمدة تعتبر مانعاً للشفعة، إذا لم يكن
هنا
لا
سبب للشفعة غير الجوار؟
يصح بيع ما لم يُحي من الموات والشفعة فرع عن ثبوت البيع، ومن أن الجدر الفاصلة هي موانع من الشفعة - لو كانت مستحقة ـ ما لم تكن هذه الجدر مشتركة والله أعلم.
المعلوم
قطعة أرض كان يصلي فيها الناس صلاة العيدين، ثم انتقل أهل تلك المحلة وتركوا الصلاة في هذه القطعة زعم رجل أن هذه القطعة كانت من ماله وطمع الآن في حيازتها وضمها إلى ماله للانتفاع بها، فهل يجوز له ذلك أم تبقى هكذا إلى يوم القيامة لأنها استخدمت كموضع للعبادة ولا تبدل؟
استخدام أرض لصلاة العيد باستمرار يخرجها عن حكم الموات الذي يباح لأي أحد إحياؤه، وإنما تكون بعد هجرانها إلى غيرها من مترفقات البلاد العامة، وأما منع استعمالها لغير الصلاة فذلك بإحاطتها بجدار أو جعل محراب لها والله أعلم.
يتقدم بعض الناس بطلب إلى الحكومة للحصول على أرض تجارية أو سكنية، مقابل رسوم مخفضة، وبعد إتمام الإجراءات وسحب القرعة يحصل صاحب الطلب على (وصل) يستحق بموجبه تلك القطعة بعد سداد الرسوم المقررة بعض الأشخاص المستحقين لا يتملكون قيمة الرسوم لاستلام قطعتهم، فيعمدون ذلك (الوصل) إلى مشترٍ يقوم بسداد المبلغ عنه، فتستخرج الملكية باسم البائع، وعندها يتناول عن الأرض لصالح مشتري
إلى
بيع (3/384)
صفحة 1473
أوجه من المعاملات 385
(الوصل)، فما هو حكم الشرع في شراء (الوصل) قبل استلام
الملكية
مع بيان الدليل؟
ذلك غير جائز، لأنه لم يتملك شيئاً بعد، فهو يبيع ما لا يملكه ولا خلاف في النهي عنه، بل لا يجوز بيع الأرض الموات قبل إحيائها، فإن تملكها إنما يكون بالإحياء والله أعلم.
من المعلوم أن الحكومة تقوم بعملية تخطيط الأراضي وتحديدها وعمل رسم مساحي لكل أرض، ويكون مثبتاً على أوراق رسمية، هذا بالإضافة إلى وضع ركائز حديدية لكل قطعة أرض على حدة، بحيث تكون كل قطعة أرض محددة ومعينة تعييناً تاماً، ثم يعطى صاحب الطلب وصلاً يكتب فيه استحقاقه لإحدى هذه القطع المحددة، ثم تصدر الملكية لصاحب الطلب بعد سحب القرعة وسداد الرسوم وإتمام كافة الإجراءات، فهل يعتبر هذا العمل من الحكومة بمثابة إحياء لهذه الأراضي الموات؟ فإن لم يتعبر ذلك نوعاً من الإحياء، فما هي وسيلة الإحياء المعتبر شرعاً؟ الإحياء لا بد من أن يكون بحائط أو سقي أو قلع شجر أو نحو ذلك
والله أعلم.
سماحة الشيخ أصبح إحياء الموات الآن لا كما يريد الإنسان، إذ قد تتدخل الجهات الرسمية لمنع الإنسان من الإحياء، فهل لا بد لمن أراد أن يبيع أرضاً أن يحييها؟ وما هي صور هذا الإحياء؟
إن أحياها بإحاطتها بسور أو بغرسها أو ببعثها، بحيث اعتنى بتسويتها وبقلع الشجر منها، فكل من ذلك يعد إحياء، ومثل ذلك لو جاء بآلات الحفر الحديثة وأمرهم بتسويتها والله أعلم. (3/385)
صفحة 1474
386 الفتاوى المعاملات
الغصب:
نظراً لعموم البلوى بالأراضي المغصوبة في ريف زنجبار أصبح الامتناع عن التعامل على غلالها وعن الإجارة فيها أمراً فيه حرج شديد على بعض سكان الريف ممن ليس لهم حظ من التعليم الدنيوي يمكنهم من العمل في العاصمة، ولا رأس مال يتاجرون به، ويخافون على بقية أصولهم في الريف إن هجروها وعلى عيالهم أن يضيعوها، فهل لهم من رخصة في عدم الامتناع عن ذلك؟
ما تبين لهم غصبه لم يجز لهم التعامل فيه، وما كان بخلاف ذلك فهو جائز، وما كان بين هذا وذاك فهو من المشتبه والله أعلم.
ما قولكم في شراء تراب لأجل البناء مأخوذ من أرض مغصوبة، علماً بأن الحكومة قد منعت منعاً باتاً أخذ التراب من غير تلك الأرض التي
غصبتها؟
لا
يجوز ذلك،
ومع الاضطرار لا بد من تعويض الجهة المغصوب منها
والله أعلم.
هناك أراض غصبت وبني عليها عمارات ومحلات تجارية: ما حكم البناء على هذه الأرض؟
ما حكم شراء البيت المبني على هذه الأرض؟
هل يجوز لأحد أن يستأجر هذه البيوت لفتح المحلات التجارية؟ هل لأحد أن يكون موظفاً من قبل الحكومة ومكتبه داخل هذا البنيان؟
كل هذه الأمور غير جائزة، فإن المال المغصوب لا يجوز التصرف فيه (3/386)
صفحة 1475
أوجه من المعاملات 387
حتى يرد إلى مالكه الذي غصب منه، ويكون التصرف فيه بإذنه والله أعلم.
من غصب شيئاً فزاد في يده، كأن يكون تاجر بما غصب فهل يرجع،
اغتصب فقط
ما
فقط أم يرجعه مع ربحه كأن يكون أنشأ به تجارة فربح منها
الآلاف أو كان حيواناً فتناسل هذا الحيوان؟
أما إن كان حيواناً فإنه يرجعه مع ما ولده إذ النتاج إنما هو منه، وأما
إن كان غصب نقداً وأتجر بذلك النقد وربح فإنه يرد مقدار ما اغتصب فقط
والله أعلم. (3/387)
صفحة 1476
388 الفتاوى المعاملات
التعزير بالمال
سماحة الشيخ هل تجوز مصادرة أموال بعض الناس سواء كانوا مسلمين
أم غيرهم؟ أما أن يصادر مال إنسان هكذا من غير أن يكون المال وقع في يده بطريقة غير مشروعة فهذا غير جائز، لأن للأموال حرمات، فإما أن يكون هذا المال ماله بنفسه، وإما أن يكون هذا المال مالاً وقع في يده بطريقة غير مشروعة، فإن كان ماله بنفسه فلا يجوز أن يصادر عليه سواء كان مسلماً أو كان ذمياً أو كان معاهداً، لأن مال المسلم محفوظ ومال الذمي والمعاهد ـ أيضاً ـ محفوظ، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» (1)، فكما لا يجوز أن يسفك دمه من غير موجب لذلك، ولا يجوز أن ينتهك عرضه، فكذلك لا يجوز أن يؤخذ ماله إلا بوجه من وجوه الشرع، أما إن كان ذلك المال مالاً مجهولاً، ربه، وذلك بأن يكون ذلك شخصاً ظالماً، أخذ أموال الناس وسعى في الأرض فساداً وأتلف حقوق الناس، وجهل أولئك الذين هم أصحاب المال - الذين يستحقون استرداد حقوقهم فإنه في هذه الحالة يجوز أن يصادر عليه المال الذي يتصور بأنه وقع في يده من مال المسلمين الذين جهلوا، حتى يكون هذا المال لمنفعة المسلمين، وهذا وقع في أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى فإنه عندما وجه التهمة إلى بعض ولاته بأنهم تصرفوا تصرفاً غير شرعي وغير مأذون به في بيت مال المسلمين أخذ منهم بعض ما بأيديهم ورده إلى بيت مال المسلمين، ليكون لمنفعة المسلمين جميعاً، ووقع ذلك من أئمة العدل
منه -،
(1) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة باب تحريم ظلم المسلم (2564).
جميع (3/388)
صفحة 1477
من
أوجه من المعاملات 389
أصحابنا، ومن بين من فعل ذلك الإمام عمر بن الخطاب الخروصي عندما حكم بمصادرة أموال بني نبهان لأن هذه الأموال كلها كانت من مظالم العباد، وأصحاب الحقوق جهلوا فاعتبروا ولي أمر المسلمين هو الوكيل عن أصحاب الحقوق، ورد ذلك إلى مصلحة المسلمين جميعاً، ومن بينهم - أيضاً - الإمام عزان بن قيس والإمام سالم بن راشد ـ رحمهما الله ـ، فإن مثل هذه المصادرة وقعت في أيامهما، أما أن يصادر مال امرئ مسلم من غير أن يكون هذا المال من أصل حرام فذلك غير جائز، إذ الأصل في أموال المسلمين أن تراعى حرماتها، بل وذلك هو الأصل أيضاً في أموال الذميين وفي أموال المعاهدين والله تعالى أعلم.
هل يجوز أن يعزّر الجاني بجرائم التعزير بأخذ المال عن طريق الغرامة
أو المصادرة؟
أما عندنا فلا، ذلك لأن مال المسلم كما قلنا مصون، وقد دل على ذلك حديث «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه»، إلا أن يكون أحد أخذ أموال الناس بغير حق، فإن ما أخذه منهم يرد إليهم إن عرفوا، وإن لم يعرفوا فمرده إلى بيت مال المسلمين يتصرف فيه إمام المسلمين بحسب مصالح هؤلاء المسلمين، وكذلك أموال الذميين وأموال المعاهدين هي مصونة، ولا يجوز أخذ شيء منها إلا ما يؤخذ من الذمي بقدر الجزية المشروعة، التي تعود إلى بيت مال المسلمين في مقابل ما يكون له من
أمن، ومن تمتعه بحقوق المواطنة في الدولة الإسلامية والله تعالى أعلم. (3/389)
صفحة 1478
390
الفتاوى المعاملات
مسائل متنوعة:
ما هو تعريف المال عند أصحابنا؟ وما هي تقسيماته عندهم؟ المال كل ما يمتلك من أصول (1) وعروض (2) وحيوانات ونقود وغيرها والله أعلم.
هل تعتبر المنافع أموالاً متقومة أم لا؟ فيقتصر اسم المال على الأعيان
دون منافعها؟
نعم تعد المنافع أموالاً، وتقوم بقدرها في الضمانات وغيرها، وذلك كسكنى الدور واستخدام المركبات وسائر الآلات فمن استغل شيئاً من ذلك بدون إذن صاحبه فعليه ضمانه بقدر المنفعة التي استغلها والله أعلم.
عاماً،
ثم
قمت بشراء منزل من أمي وكان مبنياً بالطين منذ خمسة عشر قمت بهدمه وتغييره بالإسمنت، فهل يثبت لي البيت والأرض معاً أم
SY
إنما يثبت لك ما باعته لك، أمك، وهو العمارة دون الأرض)
والله أعلم.
(1)
مسألة بخصوص المكاتبة في البيوعات فنحن أهالي المنطقة عندنا أغلب الأموال تشرب بالحول، وليس يخص أحد بماء معلوم إلا قليل، وقد جرت العادة من قديم الزمان بأن يكتب الكاتب بينهما مهما بيع بالإقالة أو القطع أن يكتب له من بادة معلومة، وفي هذه البادة فضلة
(1) الظاهر من هذا الجواب أن المجيب عرف من مشافهة السائل بأن أمه باعته البناء دون الأرض وإلا فالأصل في البيت المبيع أن البيع يشمل بناءه وأرضه (سماحة المفتي). (3/390)
صفحة 1479
أوجه من المعاملات 391
تخص أناساً آخرين يتصرفون فيها، وأنا متوقف من أجل هذه الشبهة،
فأرجو الإفادة؟
الأولى أن
تتبع
ما سبق من العادة، وإن بينت بطريقة لا تضر بأحد فلا
مانع من ذلك والله أعلم.
هل تكون المعادن والكنوز ملكية فردية أم يمكن اعتبارها من أملاك الدولة، سواء وجدت في أرض مباحة أو أرض مملوكة؟
كان الفقهاء المتقدمون يعدون المعادن والكنوز التي يحصل عليها الفرد ملكاً خاصاً به، ولكن من الفقهاء المعاصرين من يراها ملكاً عاماً للمسلمين، ودولتهم أولى بها إن كانت في أرض غير مملوكة، أما إن كانت في أرض مملوكة فمالكها أولى بها والله أعلم. (3/391)
صفحة 1480
[صفحة فارغة] (3/392)
صفحة 1481
بحوث (3/393)
صفحة 1482
الفاوي (3/394)
صفحة 1483
بحوث
395
معاملة الغاصب فيما اغتصبه (1)
ما حكم معاملة الغاصب فيما اغتصبه؟
أقسام الغاصبين:
لا يخلو الغاصب لهذه الأموال إما أن يكون موحداً أو مشركاً، والموحد
إما منتهكاً أو مستحلاً.
الغاصب المنتهك:
في
والقول إن كان منتهكاً في فعله غير متأول في بطله بادعاء حله، أنه لا تصح معاملته فيما اغتصب على حال ولا نحفظ جواز ذلك عن أحد أن مقال، سوى من أتى ذلك قد اعتنق البلايا الموبقة، وارتكب الخطايا المحرقة، لأنه قد أكل المال الحرام، المغتصب على البلغ والأيتام، فليتدارك لنفسه، قبل أن يحل رمسه فيغسلها بالمتاب من أدران المعاصي، حذراً من يوم يؤخذ فيه بالأقدام والنواصي، إذ الله الا الله يقول: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ
(1) كانت إجابة المجيب على هذا السؤال في مرحلة مبكرة من إنتاجه، فقد وصله هذا السؤال ضمن أسئلة أخرى من أحد إخوانه وزملائه بزنجبار على أثر مصادرة الثورة الشيوعية لممتلكات الناس هنالك، فأجاب عليه في شهر رجب عام 1387 هـ، لذلك كان أسلوب الجواب تقليدياً مع ما اشتمل عليه من الأمور، والتي قد تحتاج إلى تمحيص، وقد أراد المجيب عند النشر أن يعدّل الجواب ويتوسع فيه أكثر بضم أدلة أخرى هي أقوى وأثبت تؤيد الرأي الذي اختاره، ولكن أحد أبنائه من طلبة العلم رغب إليه أن يبقيه كما على ركة أسلوبه، لأنه يعكس أسلوب بحثه في مرحلة من عمره، لذلك لم يعدل فيه شيئاً ما عدا أنه حذف كلمتين فقط منه لم ير داعياً إليهما، وعسى الله أن يمن بفرصة لكتابة بحث في موضوعه (سماحة المفتي).
هو (3/395)
صفحة 1484
396 الفتاوى المعاملات
منكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانَا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا} [النساء: 29، 30]، وقال سبحانه: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188]، وقال سبحانه في الوعيد في أكل أموال التيامي بغير حق {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «القليل من أموال الناس يورث النار»، رواه الإمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب رحمه الله في مسنده الصحيح عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس، وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ردوا الخيط والمخيط، وإياكم والغلول، فإنه عار على أهله يوم القيامة» (1)، وروى الإمام الثبت الربيع بن ه ـ أيضاً ـ في مسنده الصحيح العالي عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك لها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من اقتطع حق مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار»، فقال رجل: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وإن كان قضيباً أراك» (2)، وقد رواه أيضاً مالك في الموطأ وأحمد والنسائي وابن ماجه من حديث أبي أمامة (3)، وفي مسند هذا الإمام الحافظ به أيضاً: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر،
من
(1) رواه الإمام الربيع، باب في الوعيد والأموال، (694).
(2) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الأيمان والنذور (660). (3) أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة (351)، ومالك في الموطأ في كتاب الأقضية، باب ما جاء في الحنث على منبر النبي (1417)، والنسائي في كتاب آداب القضاة، باب: القضاء في قليل المال وكثيره (5434)، وابن
ماجه في كتاب: الأحكام، باب: من حلف على يمين فاجرة ليقتطع بها مالاً (2324). (3/396)
صفحة 1485
بحوث
397
ولم نغنم ذهباً ولا فضة إلا الأموال والمتاع، فأهدى رجل من بني الضبيب - يقال له رفاعة بن زيد - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاماً أسود يقال له مدعم، فوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وادي القرى حتى إذا كنا بها، بينما مدعم يحط رحال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء سهم غرب فأصابه فقتله، فقال الناس هنيئاً له الجنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا والذي نفسي بيده، إن الشملة أخذها من المغانم يوم
خيبر لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً»، فلما
التي
سمع
الناس ذلك جاء رجل
بشراك أو شراكين فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «شراك أو شراكان من النار» (1)، وعن أبي حميد الساعدي يرفعه لا يحل لامرئ أن يأخذ عصى أخيه بغير طيب نفسه» رواه البيهقي وابن حبان والحاكم في صحيحهما (2)، وروى الدارقطني عن أنس يرفعه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه» (3)، فهذه الآيات والأحاديث مع نظائرها - تركناها مخافة التطويل ـ قاطعة بتحريم أكل أموال الناس بغير وجه حق يبيحها، وقاطعة بتعذيب من أتى ذلك وتحريم الجنة عليه، سواء كان المال قليلاً أو كثيراً، ولا فرق في ذلك بين أن يظلمه
بنفسه أو يعامل من ظلمه
مع علمه بظلمه.
والقول إن كان الغاصب مستحلاً لذلك المال سيأتي ـ إن شاء الله ـ آخر ما للذي اغتصبه المشركون من مقال.
الغاصب والمشرك:
وإن كان الغاصب لتلك الأموال من المشركين ففي معاملته فيما اغتصبه من أموال المسلمين خلاف شهير بين علماء الأمة قديماً وحديثاً، فقيل إن
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الجهاد، باب: جامع الغزو في سبيل الله (470). (2) أخرجه أحمد (425/ 5)، والبيهقي (100/ 6)، وابن حبان (5978).
(3) أخرجه الدارقطني في كتاب: البيوع (2862). (3/397)
صفحة 1486
98 الفتاوى المعاملات
الله
الأموال باقية لأربابها لا يحل لأحد أن يعامل المشركين فيها بعد اغتصابها، وهو قول سيد الأمة الصديق الأكبر أبي بكر الى، وهو المأخوذ به عند الشافعية، وقال به إمامهم الشافعي وجماعة، وقال به من أصحابنا. - رحمهم الله تعالى - الجم الغفير منهم صاحب السؤالات والإمامان العادلان الرضيان عبد الوهاب وابنه أفلح ابن عبد الوهاب المغربيان، والإمام ابن بركة وأبو الحسن، وسيدنا القطب الرباني والبحر الصمداني المحقق الخليلي، وابنه العيلم العلامة الصالح، وإمامنا الأكبر نور الدين السالمي - رحمهم تعالى ورضي عنهم، وقد قال صاحب السؤالات وأبو الحسن - رحمهما الله ـ إنه المعمول به، وعند هؤلاء أن لصاحبها أن يحتال على إخراجها بدون قيمة من يد مغتصبيها الضلال، وإن اغتنمها المسلمون من المشركين ردت إليه ولو اقتسمت، إن أتى ببينة على أنها منه أخذت، وقيل: إن أدركها مقسومة فهي لقاسميها وإلا فهي له، وهو المروي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وبه يقول عمروس اليمن بن ربيعة وعطاء والليث ومالك وأحمد، ونقله ابن أبي الزناد عن أبيه عن الفقهاء السبعة، وروي عن الحسن وأبي حنيفة إلا في الآبق فإن أبا حنيفة يقول فيه كالثوري أن صاحبه أحق به مطلقاً، وقيل: إن استيلاء المشركين على تلك الأموال ينقلها عن ملكية أربابها إلى ملكيتهم، فتصح معاملتهم فيها وقبولها منهم إن وهبوها، ولا يحل لأربابها أن يحتالوا على إخراجها بدون قيمة من أيدي غصابها، وهو قول علي بن أبي طالب والزهري وعمرو بن دينار، وهو أشهر الروايتين عن الحسن، وقال به من أصحابنا الإمام الحافظ المحدث الربيع بن حبيب والمحققون من أصحابنا المغاربة ـ رحمهم الله، كالإمام شمس الدين أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، وصاحب الإيضاح، وصاحب القواعد، والبدر أبي ستة - رضوان الله تعالى عليهم ـ، وعليه العمل عند أهل (3/398)
صفحة 1487
399
بحوث
المغرب، وصححه إمام المحققين قطب الأئمة ـ رضوان الله تعالى عليه ـ في غير موضع من جواباته وعجيب، مصنفاته واختاره بعض علماء عُمان المتأخرين. احتج أرباب القول الأول بأدلة منها قوله الا الله: وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141]، ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا عرق لظالم ولا ثواء على مال امرئ مسلم (1)، والثواء بالثاء المثلثة والمد الإقامة، أي لا إقامة لأحد على مال مسلم، بل يلزمه رده والتخلص منه، أو بالتاء المثناة من فوق والقصر بمعنى الهلاك، ومعنى الحديث إذاً لا يهلك مال المسلم خروجه من يده، بل يبقى له متى أمكنه استرداده استرده بأي وجه أمكنه، ويحكم له برده بعينه إن كان موجوداً بعينه، وبمثله إن فقدت عينه، وبقيمته إن عدم المثل، ومنها ما رواه ابن عمر لها من أن المشركين أغاروا على سرح المدينة فذهبوا به وفيه العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وامرأة من المسلمين، فركبت عليها ذات ليلة إلى جهة المدينة ونذرت إن نجاها الله عليها لتنحرنها، ولما وصلت المدينة بلغ خبرها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «لا نذر فيما لا يملك ابن آدم (2)، فدل ذلك لاعلى بقائها له، وعدم استهلاكها بأخذ المشركين إياها، وهو - صلوات الله وسلامه عليه - كغيره في غير ما قام الدليل على خصوصيته به، ومنها ما رواه البخاري من طريق ابن عمر أنه ذهب فرس له، فأخذه العدو فظهر عليه المسلمون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرده عليه ـ صلوات الله وسلامه عليه، وأبق له عبد فلحق بالروم فطهر عليه المسلمون
(1) أخرجه أبو داود في كتاب الخراج، باب: في إحياء الموات (3073) من طريق سعيد بن
زيد.
(2) أخرجه مسلم في كتاب النذر، باب: لا وفاء لنذرٍ في معصية الله ولا فيما لا يملك
(1641) (3/399)
صفحة 1488
400
الفتاوى المعاملات
من
من
عنهم
فرده عليه خالد بن الوليد في عهد أبي بكر الصديق (1)، وذلك في ملأ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينكره أحد منهم، ومنها ما رواه الإمام شمس الدين أبو يعقوب الله في زيادة الترتيب عن الإمام أفلح بن عبد الوهاب الله عن كتاب أخذه عن أبي غانم بشر بن غانم الخراساني تأليف يزيد الخوارزمي في السير رفع فيه أبو يزيد الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن رجلاً من الأنصار وجد مع رجل سيفاً لأخيه في السوق، فرافعه الأنصاري إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقص عليه الرجل القصة، ومن أين صار له السيف فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ابتغ الغنيمة في غير مال أخيك» (2)، ومنها ما رواه أيضاً شمس الدين الله في الزيادة عن الخوارزمي أن رجلاً وجد فرساً يباع في السوق فعقل أنه لأخيه، فسأله عن شأنه، فقال له صاحبه أصابني سهمي من غنيمة، فرافعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال - صلوات الله وسلامه عليه ـ: «المسلمون يد واحدة يرد بعضهم على بعض» (3).
وأجيب عن الاستدلال بالآية الكريمة بأنها ليست نصاً في الموضوع، ولأهل التفاسير فيها، أقاويل، وأجيب عن الاستدلال بحديث ـ لا عرق
لظالم - بوجوه:
* الوجه الأول: أنه عام ويخصصه حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في دور مكة ورباعها، فقد دخل على أهل مكة عنوة فسوغ لهم جميع ما بأيديهم من كسب أو غصب، وقد كان للمهاجرين المسلمين فيها دور خالف عليها المشركون من بعدهم واغتصبوها فهنأها لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يرد على
(1) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب: إذا غنم المشركون مال المسلم ثم وجده المسلم (3067، 3069).
(2) ينظر مسند الإمام الربيع الحديث (902) ص (250). (3) ينظر مسند الإمام الربيع الحديث (903) ص (251). (3/400)
صفحة 1489
بحوث
401
أحد من المهاجرين داره ولا انتزعها من أيدي المغتصبين، ومن تلك الدور المغتصبة دوره ومولده ودور عبد المطلب، فإنها كانت بيد عقيل، ولما قال أسامة بن زيد الرسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح، وكان رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده: أين تنزل غداً يا رسول الله؟ قال - صلوات الله وسلامه عليه ـ: «وهل ترك لنا عقيل من منزل، أنزل بالأبطح» (1)، ومنها دار خديجة زوج رسول الله ا التي فيها مولد فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم - رضوان الله عليها ـ، فإنها صارت إلى أبي سفيان، واغتصب أبو سفيان أيضاً دار أبي أحمد بن جحش فاستعدى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يعده، فقال: يا رسول الله دار أبي اغتصبها أبو سفيان؟ فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه من عن يمينه فأعرض عنه، من قبل شماله فأعرض عنه، ثم مضى وهو يقول معرضاً بأبي سفيان:
فأتاه
دار ابن عمك بعتها
اذهب بها اذهب بها
6
تنفي بها عنك الغرامة طوقتها طوق الحمامة (2)
وابتيعت تلك الدار بعد ذلك في غلاء دور مكة بمائة ألف دينار، اشتراها أبان بن عثمان.
*
* الوجه الثاني: أن إثبات الأموال للمشركين الغانمين لها إنما هو لأخذهم إياها مع اعتقادهم أنها حلال لهم، لا لمجرد تعنيهم في أخذها،
فضلاً عن أن يستدل بأن لا حق لعرقه والذي هو تعنيهم ومناولتهم. الوجه الثالث: أن المعروف عند الأمة أن معنى «لا عرق لظالم» لا أجرة للغاصب فيما تعناه في المغصوب، مثلاً أن يغصب بعيراً فيرعاه
*
(1) رواه البخاري، باب قول النبي لليهود «أسلموا تسلموا»، ورواه مسلم، باب: النزول لمكة للحاج وتوريث دورها.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها (1588). (3/401)
صفحة 1490
الفتاوى المعاملات
402
حتى ولو سمن، أو يزيل عنه القرد، ومثلاً أن يغصب أرضاً فيحفر بها بئراً فإنه لا أجرة له ومثلاً أن يغصب جناناً فيسقيه من ماء مخصوص بالجنان أو غيره، فإنه لا أجرة لرعيه أو إزالة القرد أو الحفر أو سقي الجنان، وليس المعنى أنه لا حظ له في المغصوب، فضلاً عن أن يستدل بالحديث على أنه ليس للمشركين حظ فيما غنموا، وحديث لا ثواء على مال امرئ مسلم» مخصوص بما تقدم من إثبات أموال المهاجرين لمن اغتصبها من المشركين، كما خص بإعطاء اللقطة لمن يستحقها بعد النداء عليها وعدم ظهور ربها، وكما خص بجواز أخذ اللقطة إن كان مما تسمح به النفس عادة، ولو مع عدم اليقين برضا صاحبها، هذا مع التسليم بأن المشرك مؤاخذ على إقامته على المغصوب لكونه مخاطباً بفروع الشريعة على الصحيح، فهو معذب بغصبه، كما أنه معذب على عناده لربه إن مات على ذلك، وذلك لا ينافي عندهم بقاءه له حكماً، وحليته لمن انتقل إليه بهبة أو شراء، قالوا: ولو بقي الحديث على عمومه لزم المشرك أن يرد ما اغتصبه في حال شركه مهما أسلم، والإجماع على خلافه.
وأجيب عن الاستدلال بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث العضباء: «لا نذر فيما لا يملك ابن آدم» (1) بأنه لا دليل فيه من وجوه:
الأول: أن ماله ليس كمالنا في مسألة غصب المشرك له، فإنه لا ينتقل بغصبه عن ملكه إلى ملك المشرك الغاصب له، فضلاً عن أن ينتقل إلى ملكية من احتال على إخراجه من يد المشرك، وذلك من خصوصياته ـ صلوات الله وسلامه عليه - تعظيماً له عليناً وتمييزاً لشأنه من بيننا، ويدل
(1) أخرجه مسلم في كتاب: النذر، باب: لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك
(1641) (3/402)
صفحة 1491
بحوث
403
على
أن هذا الحكم خاص به صلى الله عليه وسلم حكمه في دور المهاجرين بأنها لمن اغتصبها من المشركين قالوا ولا يرد على هذا تركه دوره لمن اغتصبها، لأن ذاك إنما كان بطيب نفسه.
الثاني: أن حكمه في دور مكة أمر صريح، وقوله: «لا نذر فيما صلى الله عليه وسلم لا يملك ابن آدم» كناية وتلويح بأن العضباء لم تدخل في ملك المرأة الراكبة عليها، والصريح مقدم على الكناية والتلويح.
الثالث: أن حديث العضباء متقدم لأنه في المدينة، وحديث الدور متأخر
لأنه بمكة بعد الفتح، والمتأخر مقدم على المتقدم لكونه ناسخاً له. الرابع: أن رواية حديث الدور متواترة، ورواية حديث العضباء أحادية جاءت من طريق ابن عمر. الخامس: أن حديث الدور رواه شمس الدين أبو يعقوب الوارجلاني حمدالله وهو أعلم بالفقه وأصوله والنحو واللغة ممن روى حديث العضباء عن ابن عمر، وذلك من المرجحات عند التعارض كما تقرر في الأصول. السادس: أن المثبت مقدم على النافي عند الأصوليين، وحديث الدور أثبت فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أموال المهاجرين للمشركين، وحديث العضباء فيه
نفي المال عن المغتصب فيقدم المثبت على النافي.
وأجيب عن الاستدلال بحديث ابن عمر في قصة الفرس والعبد، بأن الفرس والعبد اتصلا بهروبهما بالمشركين فكانا باقيين على ملك صاحبهما، بخلاف ما اغتنمه المشركون عليهم إذ الهارب المتصل بهم سبيله سبيل اللقطة والضالة.
وأجيب عن الاستدلال بما رواه أبو يزيد الخوارزمي من قصة السيف (3/403)
صفحة 1492
404
الفتاوى المعاملات بأنه إنما أمره برده لكونه مدعياً أنه أصابه من سهمه في الغنيمة ولا بينة له فيما ادعاه، مع كونه مصدقاً لخصمه في دعواه أنه لأخيه احتج أرباب القول الثاني بحديث جاء عن ابن عباس مرفوعاً بذلك التفصيل أخرجه الدارقطني ()، لكن قيل فيه إن طريقه ضعيف جداً. احتج أرباب المذهب الثالث بحجتين، الأولى: ما تقدم ذكره من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح بمكة في دور المهاجرين بأنها لمن اغتصبها من المشركين، الثانية: أمره لسلمان وقد كان على دين فباعه المشركون ليهودي، فأمره - صلوات الله وسلامه عليه ـ أن يستكتب فاستكتب، وأجيب عن الاستدلال الأول: بأنه لا دليل فيه على المطلوب، لأن الدور كانت في أيدي أهل مكة وقد أسلموا قبل أن يطالبوا برد ما اغتصبوا، وقد قال الله تعالى: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38]، وقال: إنما قيل للجاهلية جاهلية لجهالة أهلها وضعف علمها، فمن أسلم على شيء وهو في يده فهو له» (2)، وقال عمر: لسنا بنازعين شيئاً من يد أحد إذا أسلم عليه وأجمعت الأمة المحمدية على أن المشرك لا يؤاخذ برد ما بيده من المظالم إن أسلم عليه، وأجيب عن الاستدلال الثاني بأن سلمان إنما أخذه المشركون قبل أن يظهر الإسلام وهو يومئذ نصراني، ولا يخفى ما في تلك النصرانية من جعل عيسى ولداً وجعل الآلهة ثلاثة والكل شرك، وأيضاً فاليهودي الذي استكتب منه سلمان لم يغتصب سلمان وإنما اشتراه من غيره، فما لم تقم بينة أنه مغتصب فهو ملك لليهودي، ومع وجود هذا الاحتمال لا يتم ذلك الاستدلال، هذا حاصل ما وجدته في الأثر عن أولي
(1) أخرجه الدارقطني في كتاب السير من سننه (4155).
(2) أخرجه البيهقي في كتاب السير باب من أسلم على شيء (113/ 9). (3/404)
صفحة 1493
بحوث
405
العلم والبصر. والذي أعول عليه وأرشد من استرشدني إليه هو القول الأول، لوجوه تؤذن بأن يكون عليه المعول
* الوجه الأول: سلامة العامل به من إتيان المختلف في حله، وذلك مما ينبغي للإنسان مع الإمكان، ولا سيما من كان ضعيفاً كمثلي، وما أحرى ذلك بأهل الورع في الدين، فقد قال عمر: كنا ندع سبعين باباً من الحلال مخافة الوقوع في الحرام.
*
الوجه الثاني: أن في العمل به احتراماً للمسلم في ماله وعدم إحزانه
بمعاملة عدوه فيما اغتصبه من حلاله وفي العمل بغيره عكس هذا. الوجه الثالث: أنه أدعى لجمع كلمة المسلمين وإهانة أعدائهم الكافرين، حيث يرونهم على مقاطعتهم فيما اغتصبوه من إخوانهم مجتمعين وعلى مخاصمتهم بسبب ذلك الغصب متحدين، وذلك محبوب طبعاً ومطلوب شرعاً، وقد أرشد إلى ذلك الكتاب العزيز في قوله سبحانه: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، كما أرشد إلى ذلك الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم حيث وصف المسلمين بأنهم يد على من سواهم، فإن قلت: إن في حكمه صلوات الله وسلامه عليه ـ في دور المهاجرين بأنها لمن اغتصبها من المشركين ما يرد مقالك، إذ ذلك منه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ إباحة لمعاملتهم فيها، فيلزم على ما تزعم أن يكون بذلك مهيناً للمسلمين ومعززاً لأعدائهم المشركين قلت: إن أولئك المغتصبين قد أسلموا فصاروا إخواناً للمسلمين فبذلك انتفى المحذور، وصارت معاملتهم فيها من غير المحظور، إذ الإسلام جب لما قبله، ويعضد ذلك قوله - صلوات الله وسلامه عليه ـ: «من أسلم على شيء وهو في يده فهو له» (1)، والأثر المروي عن عمر ـ
-
(1) تقدم تخريجه. (3/405)
صفحة 1494
406
الفتاوى المعاملات
ورد
رضوان الله عليه ـ «لسنا بنازعين شيئاً من يد أحد إذا أسلم عليه»، وما ذلك إلا ترغيب في الإسلام وعدم إحراج لمن أراد الدخول فيه من الأنام. فإن قلت: هلا قيل في الحديث المذكور والأثر المروي عن عمر بأن الأصل فيهما أو لم يسلم حملاً لمفهومها على موافقة النص المشهور من حكمه في الدور، فحذف منهما العاطف والمعطوف لقرينة هذا النص، أو أنه إنما ذكر فيهما الإسلام وحده ترغيباً فيه، أو لكونه الواقع في القصة التي لأجلها، أو إنما ذكر فيهما الإسلام احترازاً عمن لم يسلم، فإن ما بيده يؤخذ غنيمة في الجهاد، سواء كان له أو لغيره من العباد، قلت: قد قال بذلك أحد جهابذة العلماء المتبحرين، ولكن يرد مقاله كون المفهوم هنا غير مخالف للنص بل موافقاً له، أمر لا ريب فيه كالشمس في كبد السماء بيوم لا غيم فيه، فإن المغتصبين للدور قد أسلموا عليها قبل التمكن من المطالبة بردها، فلذلك أقرها، لهم، وإنما يحتاج إلى هذه التأويلات أن لو كان النص مخالفاً للمفهوم.
* الوجه الرابع ظهور برهانه وقوة، أركانه فإن أدلته أقوى دليلاً وأقوم قيلا، لما تقدم من الإيراد على أدلة من خالفه وأما الإيرادات الي وردت على أدلة هذا القول فيمكن الجواب عنها، ألا ترى أن ما اعترض به على الاستدلال بالآية الشريفة يمكن الجواب عنه بأن كون الآية غير نص في الموضوع لا يمنع من الاستدلال بها، إذ غالب أدلة الشرع غير ناصة على مستدلاتها، وإنما يستنتج منها الحكم استنباطاً، فلذلك تختلف الآراء وتتعدد المذاهب، وأيضاً فالسبيل في الآية الكريمة نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي للعموم عند الأصوليين، فيؤخذ من ذلك نفي أي سبيل للكافرين على المؤمنين، ومن ذلك عدم انتقال أموالهم إلى من اغتصبها (3/406)
صفحة 1495
بحوث
407
من
من المشركين لا يقال إن عمومها مخصوص بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في دور المهاجرين لمن خالف عليها من المشركين، لأنا نقول إنما حكم لهم بها بعد أن صاروا مسلمين، وأما ما اعترض به على الاستدلال بحديث «لا عرق لظالم ولا ثواء على مال امرئ مسلم (1)، فيمكن الجواب عنه: بأن ذلك مسلّم أن لو سلم الاستدلال بحديث الدور على جواز المعاملة في المغصوب، وأما مع ما تقدم من الإيراد عليه فلا نسلم تخصيصه لعموم هذا الحديث من هذه الناحية، وإنما هو مخصص له فيما إذا أسلم المشرك على مال مسلم بيده، وأما تخصيصه بإعطاء اللقطة لغير ربها إن جهل ربها بعد النداء عليها، وتخصيصه بأخذ اللقطة إن كانت مما تسمح به النفس عادة ولو مع عدم اليقين برضى صاحبها، وبترك المشرك وما بيده إن أسلم عليه فذلك لمخصصات اقتضت ذلك، ولا ذلك يمنع الاستدلال بالحديث على ما لم ينله التخصيص، وتسليم المعترض بمؤاخذة المشرك فيما بينه وبين ربه قاض بمنع معاملته فيما اغتصب إذ لا يحل لامرئ أن يعامل أحداً فيما يؤاخذ عليه، لأنه من التعاون على الإثم والتعاضد على الظلم، ومن هنا يظهر الفرق بين معاملة من أسلم فيما اغتصبه في حال شركه، ومعاملة من بقي على شركه فيما اغتصبه، فإن من أسلم غير مؤاخذ على غصبه، بخلاف من بقي على عناده لربه، وأما ما اعترض به على الاستدلال بحديث ابن عمر في قصة العضباء فيمن الجواب عنه بأنا لا نسلم أن عدم انتقال ملك المغصوب منه عن الذي غصبه من المشرك خاص به، بل هو وأمته في ذلك سواء، كما أنهم سواء في إزالة ملكهم عن المغصوب منهم إن أسلم الغاصب عليه بعد شركه، ويدل على ذلك تركه صلى الله عليه وسلم دوره لعقيل، ولا نسلم أن ذاك إنما كان بطيب نفسه، لأن السياق يأباه، وبقية الوجوه التي
(1) تقدم تخريجه. (3/407)
صفحة 1496
408
الفتاوى المعاملات
رجح به حديث الدور على حديث العضباء مسلمة أن لو سلم الاستدلال بحديث الدور على المطلوب، وأما مع ما تقدم من الإيراد عليه فلا، وأيضاً فإن ترجيح حديث الدور على حديث العضباء بكونه رواه الإمام شمس الدين أبو يعقوب الله، معارض بكون الإمام شمس الدين هو الذي روى حديثي السيف والفرس، اللذين رواهما أبو يزيد الخوارزمي، وهما دالان على عكس ما استدل عليه بحديث الدور، وكون حديث العضباء يقتضي النفي وحديث الدور يقتضي الإثبات، فيرجع ما اقتضى الإثبات على ما اقتضى النفي، معارض بأن حديث العضباء مثبت للأصل، وهو بقاء الأموال لأربابها، عكس حديث الدور فإنه نافٍ للأصل، فالأولى إذا الأخذ بما أثبت الأصل، وأما ما اعترض به على حديث ابن عمر في قصة فرسه وعبده، فيمكن الجواب عنه بأن القائلين بانتقال أموال المسلمين إلى المشركين بغصبهم لها يقولون إن سبب انتقالها إليهم استيلاؤهم عليها واستحلالهم لها، وذلك حاصل في قصة الفرس والعبد كما في أموال المهاجرين، فإذاً لا فرق بين الأمرين إلا كون المغتصبين لأموال المهاجرين أسلموا عليها بخلاف الغاصبين لعبد الله ابن عمر، وفرسه وليت شعري هل المشركون الذين اتصل بهم العبد والفرس اعتقدوا أنهما بأيديهم ضالة إلى أن يظهر ربهما أم استحلوهما لكونهما ملكاً للمسلمين؟! وأما ما اعترض به الاستدلال بحديث السيف الذي رواه أبو يزيد الخوارزمي فيمكن الجواب عنه بأن سياق الحديث يأبى كون رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر من بيده السيف أن يرده لصاحبه لكونه مدعياً أنه أصابه من سهمه في الغنيمة ولا بينة له على ذلك، إذ قوله - صلوات الله وسلامه عليه - ابتغ الغنيمة في غير مال أخيك» دال بمنطوقه على إباحة الغنيمة من المشرك ما لم تكن ملكاً لمسلم، ودال بمفهومه على النهي عنها إن كان أصلها للمسلمين، ولو انتقلت بالغصب إلى
على (3/408)
صفحة 1497
بحوث
409
المشركين، ولا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ، ويعضد ذلك قوله الحديث الآخر المسلمون يد واحدة يرد بعضهم على بعض، هذا ما ظهر لي من الجواب عن هذه الإيرادات، ولم أجد ذلك عن أحد من أولي
الدرايات.
* الوجه الخامس أن الآيات والأحاديث التي سبق ذكرها في صدر الجواب تضمنت زجراً بالغاً، ووعيداً شديداً في أكل أموال الناس إلا بوجه مبيح، وأنت ترى أن هذه الأموال المغتصبة على المسلمين أصلها لملاكها وانتقالها عنهم يحتاج إلى دليل قاطع، لأن اليقين لا يزيله إلا يقين مثله، وحجج من قال بانتقالها غير كافية لما سبق من الإيراد عليها، ولمعارضتها أقوى منها في نفسها، وبكونها معتضدة بالأصل، فالأولى إذاً التمسك بحجج بها، لأن التعارض موجب للرجوع إلى الأصل، ولا سيما مع رجحانية ما
يؤيده.
الغصب المستحل:
* هذا وبعض من يقول بجواز معاملة المشرك فيما اغتصبه من المسلم ألحق المستحل بالمشرك في ذلك إذا كان باستحلاله متأولاً على الخطأ لضلاله شيئاً من أدلة الكتاب أو شنّة الرسول الأواب، أو إجماع أولي الألباب كالصفرية والنجدية والأزارقة وسائر فوق الخوارج المارقة، فإنهم يستحلون أموال أهل التوحيد، ويدينون بسفك دمائهم على غير حق لربهم الحميد، فعلى رأي من ألحقهم بالمشركين تجوز معاملتهم فيما أخذوه على التأويل من أموال المسلمين، وإن كانوا في ذلك ضالين، وعن الحق مائلين، وممن قال بذلك إمامنا شمس الدين الوارجلاني، وسيدنا إمام المحققين قطب الأئمة، وإمامنا العلامة الجيطالي - أفاض الله عليهم شآبيب رضوانه (3/409)
صفحة 1498
410 الفتاوى المعاملات
وأسكنهم بحبوبحة جنانه، ونفعنا بعلومهم، ولكنك قد علمت ما هو الأرجح، والنفس إلى الأخذ به أجنح.
* وإني لأوصيكم بالتحرز عن المحجور، والابتعاد عن المحظور، وتجنب كل ما يؤدي في دينكم إلى محذور، فما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور، فاستعدوا ـ رحمكم الله - ليوم النشور، فكأني بالدنيا قد مضت، وبزخاريفها قد انقضت، واقترب الوعد الحق، فنفخ في الصور، وأن النشور، وأخذ بالنواصي والأقدام، وأبرزت المعاصي والآثام، وزخرفت الجنان لمن نهى النفس عن الهوى، وجنبها ما تهوى وبرزت النيران لمن أعطى نفسه هواها، وجنبها رضوان، مولاها فالفوز كل الفوز لمن كان يومئذ من الفائزين والويل كل الويل لمن كان فيه من الهالكين فيا رب عفوك لعبدك الذي كثرت ذنوبه و عظمت عيوبه وجلت خطوبه.
وهذا ما فتح الله لي من الجواب على هذا البحث المستطاب، وقد خرج ما فيه الخطاب من حيز الاختصار إلى حيز الإطناب، وما ذلك إلا لما حل هنالك مما لا يحصى من الظلم ولا يستقصى من أسباب الإثم، والحمد لله بنعمته تتم الصالحات، وبمنته تتضح المشكلات، حمداً نستظهر به العلوم الخفيات ونبلغ به منتهى الغايات والصلاة والسلام على رسوله المبعوث بأكمل البينات، وأتم الكمالات، وعلى آله وصحبه الكرام أفضل صلاة
وسلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. (3/410)
صفحة 1499
الإقالة
بحوث
411
كثر التعامل في مجتمعنا بما يسمى بيع الإقالة أو بيع الخيار، ولا يخفى عليكم ما تنطوي عليه عقدة هذا البيع من مفاسد جمة، أصبح المجتمع يعاني من ويلاتها، فكم من محتاج لزت به حاجته إليه ورجا أن يجد فيه المخلص من مشكلته، فإذا به يخسر الطارف والتليد، ويبقى عائلاً مسكيناً بسبب استغلال المشتري وجشعه الذي لا يرق معه لحالة مضطر، وقد وجدنا من الناس من يروج لهذه المعاملة محاولاً أن يضفي عليها الصفة الشرعية للبيوع، مستنكراً ما يقوم به المصلحون من النهي عنها بحجة أنه لم يتفق العلماء على منع هذا البيع، فجم غفير منهم أباحه كما تشهد به آثارهم وفتاواهم، ومن قلد عالماً كان سالماً، على أنه جرى العمل به بين ظهراني أئمة العدل وعلماء الإسلام، فلو كان محجوراً لشددوا فيه، ومن هؤلاء من ينزع في الاستدلال لإباحته منزعاً عجيباً، وذلك أنه تناط به منفعة دينية ودنيوية، وهي أن فيه مندوحة للناس في حاجتهم عن القروض الربوية التي تقدمها مؤسسات الأموال مشروطة بالربا الصريح، فكانت إباحته - لهذا السبب - أمراً ضرورياً يقتضيه النظر في مصالح المسلمين، وقد أثرت هذه الشبهات في نفوس كثير من عوام الناس الذين لا يفرقون بين التمر والجمر ولا بين الذئب والحمل.
يزعم
أنه
لذلك وجهنا إليكم هذا السؤال راجين منكم تسليط الضوء على هذه المسألة بما فيه شفاء الغليل، وبما يقطع رأس كل شبهة، ويستأصل شأفة كل ريبة.
بعد حمد الله بما هو له أهل والصلاة والسلام على نبيه الذي كشفبه
6
الغمة، وأزاح بطلعته دياجر الجهل المدلهمة، وعلى آله وصحبه نجوم الهدى لمن سرى في طلب الحق وأمه. (3/411)
صفحة 1500
412
الفتاوى المعاملات بيع الإقالة:
مصطلحات
اعلم أن ما تعورف على تسميته عندنا الإقالة أو
ببيع
بيع
الخيار بحثه
علماء الأمة من شتى مذاهبها معنوناً بأسماء مختلفة، فالمشهور عند الحنفية
المعاملة،
تسميته بيع الوفاء، ومنشأ هذه التسمية عند أهل سمرقند، وقد سمي عندهم بأسماء أخرى، فمنهم من يسميه البيع الجائز، ومنهم من يسميه بيع وسماه آخرون بيع الأمانة وهو المشهور بمصر، وبيع الطاعة أو الإطاعة وهو المشهور عند أهل الشام، وسمي عند حنفية تونس الرهن، أما المالكية فقد اشتهر عندهم ببيع الثنيا، كما اشتهر عند الشافعية ببيع العهدة، وعند الحنابلة الأمانة كحنفية مصر، ويسمى في طرابلس الغرب بيع الوعدة، وعند أهل اليمن بيع الرجاء، وأشهر أسمائه عند غيرنا بيع الوفاء، ولعل ذلك راجع إلى أن هذا الاسم هو الذي سماه به أول الناس تعاملاً به وبحثا في أحكامه وهم الحنفية كما سيأتي إن شاء الله.
ببيع
نشأة هذا البيع: لم يكن التعامل بهذا البيع معهوداً في الصدر الأول، ولذلك لم يرد له ذكر في الحديث الشريف، ولا في الآثار المروية عن الصحابة ـ رضوان الله عليهم ولا في أقوال التابعين، بل ذهب كثير من الفقهاء الذين بحثوا أحكامه إلى أن نشأته كانت في القرن الخامس الهجري ببلاد ما وراء النهر، وفي هذا يقول العلامة محمد بن محمد بيرم الثاني ـ من علماء الحنفية ـ في كتابه «الوفاء بما يتعلق الوفاء»: ببيع
إعلم أنه لما كان الغالب على الناس في عصر المجتهدين وما قرب منه قصد النفع الأخروي، حتى كان المقرض منهم يقرض لوجه الله وعل لم يكن لهذا العقد وجود في دائرة الشهود، فلما انقلبت الأوضاع وغلب حب (3/412)
صفحة 1501
بحوث
413
الدنيا على الطباع وصار الإنسان كما قال صاحب الفصول: (لا يقرض غيره شيئاً كثيراً من ماله من غير أن يطمع بحصول نفع مالي) أحدثوه لتحصيل الأرباح بطريق مباح، وأظن أن مبدأ ظهوره كان بسمرقند، لأن الكلام فيه للسمر قنديين. اهـ.
وقال الأستاذ المحاسني في شرحه على المجلة: «إن بيع الوفاء حدث
أن
اعتباره والقول به بين العصر الخامس والسادس في ديار بخارى وبين أصله أن تلك الديار تراكمت فيها الديون على أصحاب العقارات بدرجة
كادت تذهب بها.
وذكر العلامة الشيخ مصطفى الزرقاء في بحثه «بيع الوفاء وعقد الرهن أن أول ظهوره وتعامل الناس به في القرن الخامس الهجري في مدينة بلخ. * الوجه الحقيقي لهذا البيع:
وهو بيع لم يقصد به إلا التحايل على الربا بأسلوب المخاتلة والخداع
ليخفى هذا القصد، فإن المتعاملين به يعمدون إلى إظهار وجه البيع ومواراة وجه الربا، وقد تفطن لذلك أهل العلم، فمنعه جمهورهم من
منه
أصله
الأمة
لما ينطوي عليه من سوء المقصد، ويترتب عليه من فساد في دين وأخلاقها، ولأن الحلال والحرام لا ينظر في حكمها إلى الصور الظاهرة، فإن الله العليم الخبير هو الذي تعبد عباده بتحليل ما أحل وتحريم ما حرم، وهو سبحانه لا تخفى عليه خافية مما يعتمل بين طوايا النفوس وحنايا الضمائر، والعبرة إنما هي بالجوهر لا بالشكل، وبالحقيقة لا بالخيال، وهل تتحول النجاسة عن حكمها وتستحيل عن طبيعتها إن هي صبت في وعاء حسن الصورة نظيف المظهر طيب الرائحة؟ (3/413)
صفحة 1502
414
الفتاوى المعاملات
* حكم هذا البيع عند الفقهاء:
وقد اشتهر الحنفية بالتسامح في المعاملات والتوسع في كثير من الأحكام حسبما يوحي به الظاهر أحياناً من عدم مجانبة شرع الله، لذلك كانوا أكثر المذاهب توسعاً في أحكام هذا البيع، بل أصل نشأته كانت في أكنافهم، ولكنهم مع ذلك اختلفوا في حكمه إلى آراء متعددة، قال العلامة بيرم الثاني منهم: «والتحليل لذلك وإن كان مشروعاً لكن صلوحية هذا لذلك ليس ببين، ولس هو من الأمر الهين، فلذلك اختلفت فيه أنظار من ظهر في عصرهم من نوادر الدهر وحاملي لواء المذهب النعماني بما وراء النهر» وقد أنهى العلامة البزازي في جامعه وهو من علماء الحنفية خلافهم ذلك إلى تسعة أقوال وهي مشروحة في أمهات كتبهم كما أوسعت في بحوثهم ورسائلهم بياناً وتفصيلاً، ولكن العلامة بيرم الثاني ردها إلى خمسة ثم قال: «وما زاد عليها راجع بقليل تأمل إليها» ومن أجل اختصار الجواب أقتصر فيه على إيراد هذه الخمسة بشيء من التلخيص والإيجاز
في
فدونكها:
*
أولها: أن هذا العقد لا يعدو أن يكون رهناً في حكمه ولو عبر عنه
بلفظ البيع، حتى لا يكون للمشتري فيه غير حبس العين فيما يكون له على البائع من دين، ومعناه أنه ليس له أن ينتفع بشيء من ريعه، وهو مذهب أبي شجاع وابنه والسعدي وأبي الحسن الماتريدي والقاضي الأمير، استدلالاً بأن العبرة في العقود بمعانيها لا بمبانيها، بدليل جعلهم الكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة والحوالة بشرط عدم براءته كفالة، وما هو إلا اعتبار لجانب المعنى وإلغاء لظاهر المبنى، والذي يفهم من الخيرية أن هذا هو رأي أكثر الحنفية، وما من ريب أن الأخذ بهذا الرأي يفوت على ذوي الأطماع
منهم (3/414)
صفحة 1503
بحوث
415
ما يرومونه من التذرع بهذه المعاملة إلى أكل الحرام، فإنهم لا يجدون سبيلاً إلى استغلال العين التي اشتروها رأي العين عندما يلزمونه به. ثانيها: أنه بيع جائز لازم إذا عقد بلفظ البيع من غير ذكر شرط فيه لا فرق بينه وبين البيع البات الصحيح في حكم ما، فلا يسوغ فسخه من طرف واحد وإنما بالتراضي بين الطرفين على جهة الإقالة، وهو الذي نقل غير واحد عن النسفي اتفاق شيوخه في زمنه عليه، وحجتهم أن متعاقديه تلفظا بلفظ البيع من غير ذكر شرط الفسخ فيه وإن أضمراه بقلوبهما إذ ذاك، أو شرطاه نصا قبل العقد بناء أن العبرة في الشرط المفسد بقرانه للعقد ذكراً باللسان دون تقدم ذكره عليه ولا قرانه به مضمراً بالجنان.
قلت: في هذا المذهب نظر لا يخفى على متأمل، ذلك لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، فإن توارد المتعاقدين على ما في نفسيهما من الشرط الذي تشارطاه من قبل العقد أو تعارفا عليه وإن لم يذكراه رأساً لم يختلف حكمهما عما لو تشارطا ذلك في صميم العقد، إلا أنه مع هذا لا يتفق هذا المذهب مع ما يجري عليه عمل الناس من النص على ذكر شرط الإقالة في
وثيقة البيع. ثالثها: أنه
بيع جائز لكنه غير، لازم فيحل للمشتري الانتفاع بالمبيع لجوازه ويفسخ بطلب أحدهما لعدم لزومه، وهو الذي ذكره قاضي خان أثناء كلام له، غير أنه يفيد أنه إن ذكر البيع بلا شرط ثم ذكرا الشرط على وجه المواعدة جاز البيع ولزم الوفاء بالوعد، وهو كما ترى يقتضي أن لا يعتبر الشرط في صميم عقد البيع بل تسمية ذلك شرطاً من باب المجاز ليس إلا، إذ الشرط ليس كالوعد وقد عدوه من باب المواعدة، لذلك أنكر بيرم ما جاء من تصويره نقلاً عن حواشي جلال الدين على الهداية بأن يقول: «بعت منك (3/415)
صفحة 1504
416
الفتاوى المعاملات
هذه العين بألف على أني لو دفعت إليك ثمنك تدفع العين اليس إذ قال على أثره: «ولا يخفى أن هذا الذكر على وجه الشرط لكونه كلمة «على» من أدواته عند الفقهاء لا المواعدة، ليت شعري أن لم يكن هذا ذكراً على وجه الشرط فما صورته؟! وإنما صورة الذكر على وجهها أن يقول أحدهما للآخر بعد الإيجاب والقبول: «أريد منك متى رددت عليك ما قبضت منك ترد عليّ ما قبضت مني فيقول: نعم» أو يقول للبائع ابتداء: «إن رددت علي الثمن رددت عليك المبيع». . اهـ.
* رابعها: أنه بيع فاسد سواء كان شرط الفسخ ـ أي الإقالة - مقرونا به أو سابقاً عليه أو جاء بعد العقد في مجلس العقد، وقيل ولو بعده ـ وهو الصحيح عندهم كما في الخانية - أو لم يكن ملفوظاً قط وإنما تواطأ عليه
العرف بينهما، وعلى الفساد صاحب العدة واختاره ظهير الدين.
* خامسها: أنه مركب من رهن وبيع جائز بات، على معنى أنه يعتبر رهناً بالنسبة للبائع حتى يسترد العين عند قضاء ما عليه من الدين ويضمنها له المشتري بالهلاك أو الانتقاص ضمان الرهن وبيعا باتا صحيحاً بالنسبة للمشتري في حق نزوله ومنافعه حتى يطيب له أكل ثمره والانتفاع به سكناً وزراعة وإيجاراً، وعليه استقر عمل شيوخ النسفي على ما نقله عنه الزيلعي وذكر العمادي أن فتوى جده برهان الدين وأولاده ومشايخ زمانهم على أن الملك يثبت للمشتري شراء جائزاً في زوائد المبيع ولا يغرم لو استهلكها. وهذا القول هو أقصى ما وصل إليه الحنفية من التوسعة والترخص فيه، وثم أربعة أقوال لهم غير ما ذكرت تركتها اختصاراً كما سبق، فمن أرادها فليرجع إليها في مظانها من كتبهم. أما المالكية والشافعية والحنابلة فجمهور علمائهم على حرمة التعامل (3/416)
صفحة 1505
بحوث
417
بهذا البيع وأنه فاسد من أساسه، وإن لم يخل مذهب من هذه المذاهب من
اختلاف فيه.
*
رأي فقهاء الإباضية:
وأما أصحابنا - رحمهم الله - فإن أوائلهم لم يتعرضوا لحكم هذا البيع
لأن الله تعالى عافاهم منه إذ لم يكن معهوداً في زمانهم، وإنما سرى من بعدهم إلى أعقابهم داؤه واستشرى في مجتمعاتهم وباؤه، فكان بحاجة إلى بحث أحكامه وتفصيل أدلته من قبل أولى العلم والنظر كسائر العقود المستجدة، وقد تفاوتت نظرة أهل العلم إليه بين واقف على شكله الظاهر وغائص إلى أعماق جوهره الباطن، وقد جمع الشيخ الخراسيني من فتاواهم وأحكامهم وأقوالهم في مسائله كتاباً يشتمل على ثلاثة أسفار كل منها كبير الحجم سماه «خزانة الأخيار في بيوعات الخيار، ومما جاء من قوله في خطبة الكتاب: أما بيع الخيار ففي تحليله وتحريمه اختلاف بين أهل العلم لأنه لم يكن في قديم الزمان وإنما أحدثوه في آخر الزمان، فقد استهواهم الشيطان وزين لهم كثيراً من فعله وركض عليهم بخيله ورجله، للذي لا يريد الربا ظاهراً ويستحيي أن يكون منه شاهراً، فأعلمه ببيع الخيار ودله، وحاد به عن الطريق وأزله، ولعمري أن أكثر الربا في التجارات لا سيما هذه البيوعات. اهـ وكلامه هذا دليل على الفطنة والدراية بما ينطوي عليه هذا البيع من الربا المبطن، وما يترتب على التعامل به من فساد في الدين. ومثله قول العلامة الصحاري صاحب كتاب الكوكب الدري والجوهر
البري»: اختلف المسلمون في تحريمه وتحليله، لأنه إنما هو محدث باستهواء الشيطان وتضليله، وزين لهم الشيطان سوء أعمالهم وركض عليهم بخيله ورجله، فذلك أعمى لهم، ولعمري إنه المحض الخالص من الربا المرجح، وإلى الشبهة في البيوعات أرجح». اهـ. (3/417)
صفحة 1506
418
الفتاوى المعاملات
أحمد
وأنت ترى أن المؤلفين قد اتفقا على أن بيع الخيار لم يستلهم إلا من وحي الشيطان الذي لم يرد به إلا إضلال الناس وإغواءهم عن الحق وإيقاعهم في شراك حيله، وأنه عين الربا المحرم بالنص والإجماع. هذا وقد حكيا جميعاً عن العلامة أبي عبدا الله محمد بن عمر بن بن مداد إلى أن بيع الخيار يختلف حكمه باختلاف قصد المشتري الله بين ابتغاء غلته أو ابتغاء أصله، وأضاف إلى ذلك صاحب «الكوكب الدري قوله: «ومن ابتاع بيعاً خياراً طمعاً في غلته فهو المحرم المحجور»، لقوله: ومن أجبى فقد أربى) (1) ولأنهم جعلوا هذا سلما يترقون به إلى تحليل الثمرة لغباوة عقولهم، إذ أتوا بأقوال وأعمال منكرة، فصار أمرهم كمن تزوج بضة وأكن تحليلها لمن أبانها، وكمن باع نسيئة مثلاً بمثلين تأسيس البيع أنه بالتبر أو بالورق، وكمن فجر بخرعوبة (2) وأظهر
وأظهر في
أنه نكحها.
ثم
أضاف إلى ما تقدم قوله أيضاً: «حجة من حرم ثمرة المبيع بالخيار أنه إن كان البيع على أصل المبيع فهو ما أغل لمشتريه، وإن كان على الثمرة صح تحريم البيع في الثمرة قبل دراكها على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد سماه رباً (3)، وكذا صح نحوه عن بيع المعاومة (4). وحكى عن الشيخ ابن المعقدي الله قوله: إن ثمرة بيع الخيار حرام، وهي كمن نكح أختاً في عدة أختها حين طلق الأولى، وكمن طلق الرابعة من أزواجه فنكح
عمر
(1) قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الكبير وفيه بقية لكنه مدلس وهو ثقة. (2) الفتاة الشابة اللينة.
(3) أخرجه الإمام الربيع في كتاب البيوع، باب ما ينهى عنه من البيوع (560). (4) أخرجه مسلم في كتاب البيوع، باب النهي عن المحاقلة والمزابنة (1536) هو بيع السنين، ومعناها أن يبيع ثمر الشجرة لعامين أو ثلاثة أو أكثر.
وبيع
المعلومة (3/418)
صفحة 1507
بحوث
419
الخامسة في عدتها وهذا كله حرام، محظور، وفاعله تسنم المحجور، وقيل كمن باشر عرسه وقد طهرت من الحيض قبل أن تتطهر بالماء، وكمن طلق عرسه تطليقتين ثم باشر فرجها، وحكى عن الشيخ صالح بن وضاح قوله: إنما أوقفوا بيوعات الخيار على زيادة الدراهم، وإذا كان البيع الصحيح على أعظم الخطر فكيف بالبيوعات الفاسدة؟ فنسأل الله تعالى النجاة مما يكره. وأمثال هذه النصوص واردة في «خزانة الأخيار» بكثرة، وقد حكى مؤلفها عن الشيخ الفقيه صالح بن وضاح على أنه قال: قد عاب هذا البيع بعض أصحابنا وأكثر مخالفينا وحرموه، وقالوا: هذا بيع وقع على تحليل الثمرة ولم يقع على الأصل فهو حرام، فصارت أكثر بيوعات الخيار لا تقع على بيع الأصل ولا على تحليل الثمرة، وإنما على زيادة الدراهم، يعطي الرجل صاحبه كذا وكذا ديناراً ويبيع عليه مالاً لا يعرفه يربي عليه كل سنة كذا وكذا ديناراً، فهذا لا يسع كل مسلم إلا إنكاره، وإذا كان البيع الصحيح مختلفاً فيه ـ أي مع شرط الخيار ولو استوفى شروط إباحته عند من أباحه - وراكبه على خطر فكيف بالسقيم؟ نسأل الله النجاة من كل ما دخله ضيق وحرج». اهـ.
وحكي عنه أيضاً أنه قال: «نشهد الله في ليلتنا ويومنا وما مضى من أيامنا وبقية أعمارنا أنا ناهون من رأينا وعاينا ومنكرون عليه بألسنتنا ما وجدنا إليه سبيلاً ـ إلى أن قال ـ وقد كنت في بُهلا لحاجة عرضت، فكلمني في هذه البيوع التي أحدثت الفقيه الرضي النقي المرضي عمر بن أحمد بن معد، فكان جوابي له إن شاء الله تعالى لا نعملها ولا نفعلها ولا نأمر به ولا نرضاها من فاعلها، وننهاه عنها وننكر عليه فعلها». اهـ.
وحكي عن
العلامة مداد بن عبد الله بن مداد أنه قال: «سألت عن تحريم
غلة
بيع الخيار؟ السبب فيه كثرة إظهار الربا، ولا يعقد البيع إلا على عدد (3/419)
صفحة 1508
420
الفتاوى المعاملات
الدراهم إن كثرت الدراهم كثرت الإجارة وإن قلت قلت الإجارة، ويقول المشتري عندي دراهم العشرة باثني عشر والعشرة بثلاثة عشر، ولا يعقدان البيع إلا تغطية، ويعقده المبيع سنين بكذا وكذا ديناراً وهذا كله حرام حرام
إلى يوم
القيامة ... » إلخ.
وهذا وممن اشتد نكيرهم من العلماء على المتعاملين ببيع الخيار الشيخ الفقيه راشد بن خلف بن راشد المنحي من علماء القرن الثاني عشر وكان مما قاله فيه:
لقد أكل الربا متجاهلونا وتابعهم عليه الجاهلونا ببيع خيارهم أكلوا حراماً وكانوا للحرام محللينا تراهم قيمة الألفين نقداً بدون الألف هم يتبايعونا وبعد فيأخذون لكل ألف قعادات تسمى في السنينا وسموها قعادات لأصل وهم فيها أراهم كاذبينا
وإن تنقص دراهمهم يكونوا
فلا
بقدر الناقصات مقصرينا
أكل الحرام محللونا
بيع هنالك بل خداع لقد جمعوا لغيرهم حراما ومن أوزاره هم يضلعونا
فتبا ثم بعدا ثم سحقا
وتقبيحا لفعل الظالمينا
ولم يتناه أهل عمان عنه وذلك بئس ما هم يفعلونا
وخوف العار يستخفون ناسا ولا يخشون خلاقا مبينا لقد ضلوا جميعا بل أضلوا كثيراً ثم أضحوا هالكينا أليس الله ربهم عليما بما تخفي صدور العالمينا فهم قد خادعوا ذا العرش عمدا وأنفسهم أراهم يخدعونا وهم قد حاربوا ذا الطول جهلا محاربة المجوس المسلمينا أما يخشون زجراً يقتضيهم فينقلبوا جميعا خاسرينا (3/420)
صفحة 1509
بحوث
421
عليهم لعن خالقهم مقيما يعمهم ولعن اللاعنينا يذيقهم الإله غداً عذاباً أليما في جهنمهم مهينا ونبرأ من فعالهم جميعا سوي قوم لذلك تاريكينا وقوم راجعين عن المعاصي وهم من كل إثم تائبونا وخوف الله ردوا ما استردوا
وإما ينتهوا عن ذا ولما
إلى من منه كانوا آخذينا
يكونوا للنصيحة سامعينا
فقد علم الإله الظلم منهم «بإصرار (1) فهم لا يؤمنون
ومعذرة إلى الرحمن قلنا
لعل البعض منهم يتقونا
ويقول أيضاً:
ظهر الفساد في جميع
الدار
في البحر والبلدان والأقطار فتشاغلوا بتكاثر وفخار
غرتهم الدنيا ولذة عيشها
عميت قلوبهم التي بصدورهم وعيونهم فصحيحة الأبصار قد أحدثوا حيلا بها أكلوا الربا واستخرجوها من بيوع خيار يتبايعون أصولهم بخيارهم من مثل مال رائق أو دار لم ينو بائعهم يبيع ولا الذي يشري شراء الأصل والأشجار فيحوز غلته الذي يبتاعه متغافلاً عن نقمة الجبار فيجوز غلته وغلته ربا يهوي باكله غداً في النار
فيجمع الثمن الكثير من الربا
هم أظهروا بيع الخيار بلفظهم
ويبوء يوم الحشر بالأوزار خوف المذمة واتقاء العار
فالله يعلم ما تكن صدورهم وهو العليم بغامض الأسرار
(1) كلمة بإصرار غير موجودة بالأصل وفي موضعها بياض وإنما زادها المجيب ليستقيم
الوزن وليتم المعنى. (3/421)
صفحة 1510
422
الفتاوى المعاملات
ولا
غفلوا عن استدراج ربهم غفلات ضأن عن هزبر ضار هلا تناهوا عن فعالهم التي ظهرت ظهور الشمس نصف نهار ورؤوس مالهم لهم فلينصفوا لا غيرها طوعا بحكم الباري ثم يردوا ما استردوا بعد من تمر وحب كان أو دينار من بعد توبتهم بقلب مخلص صاف من الإعجاب والأكدار
*
ويستخلص من هذه النصوص عن علمائنا الله تعالى أمور:
أولها أن
رحمهم
بيع الخيار بيع مبتدع لم يكن معهوداً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم
ولا في عهود الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم من أئمة السلف، وإنما حدث بعد ذلك بقرون، وهو خلاف ما يروجه أولئك الذين يسعون إلى
التلبيس على عوام الناس بإضفاء صفة الشرعية على هذه المعاملة.
ثانيها: أن أصحابنا رحمهم الله لم يختلفوا قط في حرمة التعامل ببيع الخيار عندما يكون القصد منه التوصل إلى ما حرم الله من الربا، ولو كان ذلك بمجرد أن يقصد المشتري الانتفاع بالغلة من غير قصد امتلاك الأصل،
*
لأن هذه النية وحدها كافية في إضفاء حكم الربا على هذه المعاملة. ثالثها: أن الخلاف بين علماء المذهب قائم فيما إذا ضبطت هذه المعاملة بالقيود الشرعية لصونها من تسرب آفة الربا إليها، فمنهم من يحرمها على الإطلاق لما يشوبها من العِلل، ومنهم من يبيحها بشرط مراعاة تلك القيود والحذر من التفريط في اتقاء المحارم والشبهات، وهذا الاختلاف يدل عليه كلام الإمام أبي نبهان - رضوان الله عليه ـ «إن كان مراده به الغلة فالحرام أولى بها، وإن أراد به الأصل فالخلاف في تحليلها وتحريمها» وقد حكاه عنه الإمام السالمي الى وأقره، كما أيده في مواضع جمة من آثاره
جميع (3/422)
صفحة 1511
بحوث
423
* رابعها: أن المسألة تخرج عن دائرة الرأي إلى حكم الدين القطعي عندما تكون المعاملة سبباً للتذرع إلى ما حرم الله من الربا وأكل المال بالباطل، لذلك نص من نص من أولئك العلماء على لعن من وقع في ذلك والبراءة منه واستحقاقه وعيد الله الشديد لأكله الربا وهو الذي يؤذن به كلام الإمام السالمي رحمه الله في جوهره كما سيأتي.
وبالجملة فإن لأصحابنا رحمهم الله تعالى آراء في بيع الخيار، منهم من يرى بطلانه رأساً وفساده أصلاً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن شرطين في بيع، وقد عد قائل ذلك شرط الخيار فيه بمثابة الشرطين لتركبه من أصل الخيار وتحديد زمنه، فضلاً عن كونه مظنة التذرع إلى الربا ومنهم من يرى صحته حال انضباط المتعاملين به بأحكام الشريعة من غير مقارفة لشيء من محارم الله وهؤلاء اختلفوا إلى رأيين:
*
مع
أولهما: أنه يثبت من يوم العقد فيترتب عليه استحقاق مشتريه لغلته تحمله لجميع مغارمه، بشرط أن يكون قصد امتلاك الأصل لا نفس الانتفاع
بالغلة فحسب.
*
:
ثانيهما: أنه موقوف إلى انتهاء مدة الخيار وعليه ففي مغنمه ومغرمه رأيان؛ قيل لبائعه مغنمه وعليه مغرمه لأنه لا يستحقه مشتريه إلا بمضي مدة الخيار، وقيل: بل هما يدوران مع أصله فإن رجع الأصل إلى البائع بحكم الخيار كان له مغنمه وعليه، مغرمه، وإن استحقه مشتريه بمضي مدة الخيار مع عدم فسخ البائع لعقدة البيع بما له من حق الخيار أخذ معه مغنمه وتحمل مغرمه، وقد حرر هذا الخلاف الإمام السالمي رضوان الله عليه في جوهره تحريراً لم يسبق إليه، مع إنزاله قوارع إنكاره على الذين خلطوا بين فروع هذا الاختلاف وأصوله، فلم يلتزموا رد كل فرع إلى أصله، فنشأ
عن (3/423)
صفحة 1512
424
الفتاوى المعاملات
هذا تذرع الناس بهذه المعاملة إلى أكل الحرام المحض والانغماس في رجس الربا الوبيء، وإليكم ما قاله بنصه وفصه:
إن الخيار في البيوع يوجد بعلة أو بشروط تعقد الأخبار أصوله في جملة الآثار
فالأول الموجود في والثاني أن يشترطن المشتري أو بائع مدته للنظر
أو يجعلان لهما الخيارا
ينظر كل واحد ما اختارا
إلى انقضاء ذلك الزمان ثم يصير ثابت الأركان وهو خيار الشرط فيه اختلفوا أثبته قوم وقوم وقفوا وبعضهم أفسده لأجل ما حوى من الشرطين فيه فاعلما هما حصول مدة الخيار ونفسه لبائع وشار
الصحب
والقائلون بالثبوت قالوا يثبت ما لم تقصد الغلال فإن قاصد الغلال في ماله عند جميع وإنما يسوغونه لمن قد قصد الأصل الذي يثبتن يريد أن يأخذه تدرجا إذ لم يجد للقطع حالا منهجا هذا الذي قد جوزوه لا سوى لكن فشا في الناس أتباع الهوى فلا ترى من يشتريه أبداً منهم لغير غلة قد قصدا هم جعلوه منهجاً للغلل واستسهلوا مأخذه للمأكل تراهم للمال يشترونا وهم به للأصل لا يبغونا إن قرب الوقت يؤخرونا ومدة أخرى يمددونا ويجعلون ذاك حسن خلق وهو ضلال لا يكون في تقي حالهما كحال الزانيين كانا على ذا متراضيين وقد مضى أن الربا أشد من الزنا فالوصف لا يشتد ومنهم من يزعمن أنا مراده الأصل ويكذبنا (3/424)
صفحة 1513
بحوث
425
يخادع الله بقول كاذب مع
أنه للأصل غير طالب
يقول لو قد تركوه يوما
أريده فلا أخاف لوما
فقوله لو تركوه يقضي
عليه باستلزامه ما يفضي
كأنه يقول لست ألقى بدا فلا أترك مالي ملقى
أمثل هذا من يريد الأصلا
لكنه يريد ما استغلا
كلا وربي ما أراد أصلا
من ذاك تلقاه يبيع الأصلا
ويشتري مالا على خيار يقول في الخيار رزق جار
ينال فوق غلة الأصول فتكثر الخيرات في المحصول
غلته لبيتنا تساق
تكثر عندنا بها الأرزاق
بائعه يقوم بالعمار يا لك من بيع بذا الخيار
به غدا يعذبنا
وهو لعمر الله يأكلنا ربا
ودان لله بحسن توبته
إلا إذا ما تاب من خطيئته
وحيثما عمّ الفساد قمنا
عن ارتكابه نشددنا
ومن يوقفه يوقفه إلى أن ينقضي الوقت الذي قد أجلا وبعد أن تم فيجعلنه للمشتري وقبل ينفينه فيجعل الغلة للبائع ما لم ينقض الوقت الذي قد أبرما كذاك كل مغرم يلزمه فصاحب الأصل الذي يغرمه وبعضهم يوقفن الكلا حتى يرى من يأخذن الأصلا فيدفع الغرم ويأخذ الغلل وذاك كله إذا تم الأجل وأصله الخلف الذي عنه وجد في عقده متى تراه ينعقد فبعضهم يقول عند الصفقة وبعضهم عند تمام المدة وقبلها يكون مثل الحوز وهو مراد أكثر المجوز كانت فتاويهم على ذا تخرج والناس عنها للحرام اندرجوا (3/425)
صفحة 1514
426
الفتاوى المعاملات
وذاك أن بعض من تأخرا صحح عقده وحلل الشرا فأخذوا بقوله وعاملوا من باع بالوقوف إذ يعامل هم يأخذون غلة المبيع ويلزمونه عنا التضييع
بين الفروع وهو التخبيط
وأنت تدري أنه تخليط مشابه مسألة الصبية حالهما
متحد
القضية
قد خلطوا بين فروع الكل وقد كشفت فيها معنى العدل أوضحت حقها بها إيضاحا
رسالة سميتها الإيضاحا وإن نظرت في فتاوى الأثر وجدتها على الوقوف تنبري في نادر الأحوال تلقى مسألة على ثبوت عقده مفصلة فمن غباوة عرتهم حسبوا بأنها فرع لما قد ركبوا قالوا لنا غلته حلالا والغرم أنت قم به ه کمالا
والربح بالضمان حكم يعرف بينهم فما لهم تخلفوا أيأكلونه طريا والغرم مض البائعين مضا
غضا
ثم أخذ يبين تلك الفروع التي وقع فيها التخليط بما يطول به المقام، وكلامه إن دل على شيء فإنه يدل على أنه لا يرى تعامل الناس ببيع الخيار حسب النهج الذي اختطوه لأنفسهم يسوغ تخريجه على وجه من وجوه الإباحة قط، وهو الذي نص عليه في كثير من فتاواه كما في قوله: «اعلم أنهم اتفقوا على تحريم الخيار على قصد الغلة، وإنما أجازه من أجازه عند إرادة الأصل، وقد تساهل الناس في زماننا فجعلوه ذريعة إلى الربا ـ والعياذ بالله ـ فلو ارتفع للمجوزين رأس وشاهدوا ما عليه الناس لصاحوا عن لسان واحد ما هذا الذي أجزنا؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون، انطمس العلم، وظهر الجهل، وذهبت الغيرة وقلت الحمية الإسلامية، وكاد الناس أن يرجعوا إلى جاهليتهم الأولى»، وقال فيه أيضاً: وأما معاملته في نفس ما اشتراه بهذه (3/426)
صفحة 1515
بحوث
427
الصفة فحرام لأنه ليس بالبيع قطعاً، كيف يكون بيعاً وهم على يقين أنهم لا يملكونه إنما هو الربا في صورة الشراء سواء بسواء، فالله المستعان».
يصح
وعندما سئل عن حكم المكاتبة بين المتعاملين به أجاب: «هذا لا أن يكتب وليس هو ببيع فمن كتبه بيعا فقد كذب، وأقول نصحاً وإرشاداً: إياك أن تكتب بيع الخيار فإن الناس قد عملوا فيه بغير الحق وجعلوه ذريعة إلى الربا، فإن كنت تحب سلامة دينك فاكسر القلم عن كتابته.
وليس إنكاره إلى على المتعاملين ببيع الخيار والمشاركين فيه ولو بكتابة أو شهادة بدعاً، فقد سبق إلى ذلك أهل العلم والبصائر منذ قرون قبله، عندما استشرى هذا الوباء الفتاك والداء العضال بين الناس لنهمهم على الدنيا وشغفهم بزخرفها ولهوهم بفتنتها، فقد اجتمع علماء المسلمين بعمان في عهد الإمام محمد بن إسماعيل على كلمة سواء، وهي تحريم الانتفاع بغلة المبيع بالخيار ومنع الناس منعاً باتاً من الحوم حول حمى هذا الأمر استئصالاً لشأفة الفساد وقطعاً لدابر حزب الشيطان، وحرروا بهذا وثيقة شرعية أمضاها الإمام محمد بن إسماعيل وأكابر علماء عصره وإليكموها بنصها وفصها نقلاً عن كتاب «خزانة الأخيار في أحكام بيع الخيار»:
لما كان نهار يوم الأربعاء لست بقين من شهر جمادى الآخرة سنة ثماني وعشرين وتسعمائة قد صح الحكم الصحيح الثابت الصريح من الإمام العدل إمام المسلمين محمد بن إسماعيل ومن حضره من المسلمين وما أجمعوا عليه، أن غلة بيع الخيار لا تجوز وأنها ربا حرام، لأن المراد بها الثمرة، ووافق ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم «من أجبى فقد أربى»، وقد جاء في الأثر عن عمرو بن علي في قول المسلمين في بيع الخيار أنه غير ثابت، وهذا قول من لا يراه ثابتاً، الأصل فيه عنده أن هذا البيع قد وقع على الثمرة (3/427)
صفحة 1516
428
الفتاوى المعاملات
لا على الأصل، وكانت هذه حيلة على تحليلها، وكذلك قال الذين احتجوا بتحريمه قالوا لما عندنا أن بيع الخيار المراد به الثمرة حينئذ قلنا
صح
بفساد ذلك البيع، وكان هذا موافقاً لما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «من أجبى فقد أربى»، والدليل على هذا ما صح عندنا أنهم جعلوا هذا البيع طريقاً يتوصلون بها إلى تحليل الثمرة على الجهلة من قولهم، وأظهروا هذا البيع على تغطية ما لا يجوز، وكان قولهم هذا موافقاً للرجل الذي تزوج المرأة في السريرة تحليلاً لمطلقها، أو كالرجل الذي في نيته في بيع باعه مكوكاً بمكوكين أو تمراً بحب أو حباً بتمر ثم أظهر عند عقدة البيع أنه بدراهم، وكالذي وطئ المرأة في السريرة فأظهر أنه قد عقد عليها نكاحاً وأنه قد تزوجها، وما يجئ نحو هذا، وهذا كله حرام، فقد قيل في النيات، هن المهلكات وهن المنجيات وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى وقال: «نية المؤمن خير من عمله ونية الفاجر شر من عمله» وقد عندنا أن المراد المراد ببيع الخيار الثمرة وإنما جعلوا هذا طريقاً فيما زعموا للتغطية على تحريمها، والدليل على فساد هذا إن كان هذا البيع وقع على النخلة وكانت الثمرة لربها، وإن كان المراد به الثمرة فقد وافق هذا البيع قول النبي: من أجبى فقد أربى» فهذا أحد وجوه الفساد في ذلك، والوجه الثاني مثل هذا كمثل رجل تزوج امرأة ثم طلقها ثلاثاً فتزوجها متزوج لإحلالها لزوجها الأول، وهذا مما قال بفساده المسلمون على الزوج الأول والثاني، والوجه الثالث كرجل وافق رجلاً على شراء حب أو تمر عنده المكوك بمكوكين، تمراً بحب أو حباً بتمر ثم أشهد على نفسه أنه بدراهم فهذا بيع أيضاً في السريرة حرام، قال: فهذا قولنا في بيع الخيار والله أعلم. هكذا جاء في الأثر كتبته كما وجدته.
نعم
صح
ما كتب عني فهو من إملائي والحق أحق أن يتبع وما بعد الحق (3/428)
صفحة 1517
بحوث
429
إلا الضلال، كتبه الفقير إلى الله تعالى الإمام محمد بن إسماعيل بن محمد
الحاضري بيده حامداً الله وحده مصلياً مسلماً مستغفراً.
بيع
صحيح ثابت ما حكم به الإمام من تحريم غلة الخيار فهو الحق والصواب الموافق لآثار السلف، وبذلك جاء الأثر وعليه العمل، كتبه العبد الفقير الله مداد بن عبد الله بن مداد بيده
صحيح ثابت ما حكم به الإمام العدل محمد بن إسماعيل في تحريم ثمرة بيع الخيار فهو الحق والصواب لا شك فيه ولا ارتياب، وبه جاء الأثر وبه نعمل، كتبه العبد الذليل الله تعالى محمد بن أبي الحسن بن صالح بن وضاح بيده.
صحيح ثابت ما حكم به الإمام العدل محمد بن إسماعيل في تحريم ثمرة بيع الخيار فهو الحق والصواب لا شك فيه كتبه الفقير الله تعالى عبد الله بن محمد بن سليمان بيده.
صحيح ثابت ما حكم به الإمام العدل محمد بن إسماعيل في تحريم ثمرة بيع الخيار فهو الحق والصواب لا شك فيه ولا ارتياب هكذا جاء الأثر عن أولى العلم والبصر، وعمل به أشياخنا، وسطره أفقر خلق الله أبو غسان بن ورد بن أبي غسان بيده، حامداً الله وحده مصلياً مسلماً. صحيح ثابت ما حكم به الإمام العدل محمد بن إسماعيل في تحريم الخيار فهو الحق والصواب وعليه العمل لا شك فيه ولا ارتياب، هكذا جاء الأثر عن أولي العلم والبصر وعن أشياخنا كتبه العبد الأقل عبدا لله بن عمر بن زياد بن أحمد بيده. اهـ.
بيع
كالعلامة أحمد بن
وقد أورد هذا الحكم العلماء الذين تعاقبوا من بعدهم مداد بن عبد الله بن مداد، والعلامة بن مداد، والعلامة عبد الله بن محمد القرن، وأورده إمامنا (3/429)
صفحة 1518
430
الفتاوى المعاملات
السالمي في تحفته، وكلهم أقروه وعدلوا على مضمونه، وفي نصه ما يدل بوضوح عبارته أن هذا الرأي هو الذي درج عليه علماء السلف الذين كانوا قبل هؤلاء الحاكمين وهو الحق الذي لا غبار عليه.
الرأي المختار ودرء الشبه عنه:
ولعمر الحق إن بيع الخيار وباء منتشر وشر مستطير، أفسد الناس دينهم وأخلاقهم وأهلك طارفهم وتليدهم، ولا غرو فإن الله رحل قد آذنهم بحربه إن لم يذروا الربا في قوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأَذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة: 278، 279] وقد وضح الصبح لذي عينين، فتبدى لكل ذي بصيرة أن التعامل به ليس هو إلا وسيلة من وسائل الربا، من أجل هذا ذهب من ذهب من أهل العلم إلى حرمته على الإطلاق، وهذا القول هو الذي أختاره وأعول عليه، وإن كنت لا أقطع عذر المخالف فيه ما دام يقيد الإباحة بما يمنع من سريان أحكام الربا إليه، فإنه ليس من شأننا أن نجعل الرأي ديناً، وإنما اخترت منعه على الإطلاق لأمرين:
*
أولهما: أن شرط الخيار فيه يعود على أصل البيع بالنقض، فإن مشتريه تبقى ملكيته فيما اشتراه غير مستقرة، إذا لا يدري متى يأتيه البائع لاسترداده منه وانتزاعه من يده، وهذا مما يؤدي إلى عدم اطمئنانه إلى عمارته وإصلاحه، فقد يكلفه ذلك نفقات قد لا يتمكن من استردادها عندما يفاجئه البائع بطلب انتزاعه منه قبل الانتفاع بغلته، وهذا من أنواع الغرر وهو ممنوع شرعاً، ولئن كان النبي صلى الله عليه وسلم أبطل البيع والشرط، في حين أن الشرط يفوت على المشتري الانتفاع بما اشترى كما جاء في حديث ابن عباس لا عن الربيع نعم الله أن تميماً الداري باع داراً واشترط سكناها، (3/430)
صفحة 1519
في
بحوث
431
فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم البيع والشرط، فأحرى أن يبطل البيع بالشرط الذي يعود على أصله بالنقض كما في مسألتنا، على أن من أهل العلم من يمنع الشرط عقدة البيع مطلقاً، كما هو رأي ابن عباس نا حيث قال في حديث تميم الداري: «أبطل النبي اليبع والشرط لأن الشرط كان في عقدة البيع؛ وقال في حديث جابر إذ باع للنبي صلى الله عليه وسلم بعيراً فاشترط جابر ظهره من مكة إلى المدينة، فأجاز النبي البيع والشرط، إنما أجاز النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لأن الشرط لم يكن في عقدة البيع؛ قال الإمام السالمي نحمد الله: لعل أرباب هذه العلة يمنعون ثبوت الشرط في البيع مطلقاً لأنه يمنع المشتري من مطلق التصرف، وذلك مناف لحكمة البيع لأنه إنما شرع لأجل المنفعة. اهـ.
هذا وإن من أهل العلم من نسب إلى الأكثر عدم التفرقة بين الشرط والشرطين في إبطال صفقة البيع، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وغيرهما، وقد احتجوا بحديث النهي عن بيع وشرط وحديث النهي عن الثنيا)، ونحن وإن كنا لا نقول ببطلان مطلق الشرط ومطلق الثنيا، لأن حديث النهي عن بيع وشرط لا يخلو من مقال، ولأن النهي عن الثنيا مقيد بألا تعلم، ولتسويغ بعض الشروط في الحديث كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «من باع نخلاً قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع إلا أنا نقول بعدم صحة البيع والشرط إن كان الشرط يعود على صفقة البيع بالنقض، أو كان يقتضي تفويت منفعة المبيع على المشتري، أو كانت به جهالة، وحديث تميم الداري وأحاديث النهي عن الغرر كلها شاهدة على ذلك.
فإن قيل: جاء في الأحاديث ما يدل على تسويغ شرط الخيار في البيع. قلنا: ليس ذلك من هذا القبيل وإنما هو في مدة يتبين فيها كل من
(1) رواه الطبراني في الأوسط. (3/431)
صفحة 1520
432
الفتاوى المعاملات
المتبايعين الغبن من، عدمه فاشتراط الخيار إنما هو لتفادي الغرر، كما جاء في حديث ابن عمر ما عند أحمد والشيخين قال: ذكر رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يُخدع في البيوع فقال: «من بايعت فقل لا خلابة»، ونحوه في رواية أنس عند أحمد وأصحاب السنن والحاكم، على أن من أهل العلم من يرى أن مدة هذا الخيار لا تتجاوز ثلاثة أيام، وهو المروي عن عمر الى وذلك في قوله: «ما أجد لكم أوسع مما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لحبان، جعل له الخيار ثلاثة أيام إن رضي أجد وإن سخط ترك وبهذا أخذ أبو حنيفة والشافعي، وحديث المصراة يدل عليه)، وأين هذا من خيار يدوم سنين أو عقوداً من السنين ما ذكرناه من الجهالة والغرر، فقد يكون المبيع بيتاً أو حانوتاً يحتاج إلى الترميم أو تجديد البناء، وقد يرجع البائع على المشتري بالخيار فور فراغه من ترميمه أو تجديد بنائه، وهو قد أنفق فيه النفقات ولم يحصل منه على طائل، فالجهالة فيه قائمة والغرر حاصل.
مع
ثانيهما: ما يُخشى من إباحته من تذرع ذوي الأطماع به إلى أكل الربا والانغماس في المعاملات المحرمة، وهذا هو الذي وقع فعلاً كما نقلنا عن العلماء الذين شددوا في هذه المعاملة، وكما سنبينه فيما سيأتي إن شاء الله، وسد ذرائع الفساد مطلب شرعي وأصل فقهي دلت عليه دلائل الكتاب والسُّنَّة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وعول عليه أهل العلم في الأحكام، ومن دلائل الكتاب عليه قول الله تعالى: {يَتأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا أنظرنا} [البقرة: 104] فإن الله تعالى منع المؤمنين فيه كلمة حق يقولونها لنبيهم الله حتى لا تتذرع بها اليهود إلى مقصد سوء وإضمار تنقيص لقدره الله، ومن ذلك قوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ
من
(1) رواه الدارقطني (216) البيهقي (10242) (3/432)
صفحة 1521
بحوث
433
يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدَوا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108] فقد منع الله سباب آلهة المشركين ـ مع ما في سبابها من الحمية للدين والغيرة على التوحيد وإهانة الشرك والمشركين - لئلا يؤدي إلى سباب المشركين لله ول، وهو دليل لا غبار عليه أن الخير قد يجب تركه لئلا يفضي إلى شر أكبر؛ ومن أدلته في السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يرث القاتل المقتول، عمداً كان القتل أو خطأ» (1). وما ذلك إلا لأجل قطع السبيل على الذين يريدون التعجل في الميراث، ولا يؤمن منهم أن يغدروا بموروثيهم ويُدعوا الخطأ في فعلهم مع أن الإرث حق للوارث في مال موروثه نصت عليه الشرائع واتفقت عليه الأعراف، ولكن هذا الحق يسقط شرعاً بالقتل ولو كان خطأ صوناً للدماء وسداً لذرائع سفكها.
هذا
معه
ومن ذلك ما جاءت به السنن من النهي عن التشبه بالكفار حتى في الأمور المعتادة كما ورد عن النبي أنه كان قائماً عند دفن ميت، وكان أصحابه قياماً فمر بهم يهودي وقال: هكذا تصنع أحبارنا. فقعد وأمر أصحابه بالقعود (2)، مع أن القيام مباح أصلا وهو من الأمور المعتادة عند الناس، ولكنه صلى الله عليه وسلم آثر تركه خشية أن يتأثر المسلمون باليهود فيتبعوهم في سننهم، ومن هذا الباب ما نراه من تعليله صلوات الله وسلامه عليه كثيراً مما يأمر به أو ينهى عنه بمخالفة اليهود أو مخالفة أهل الكتاب أو المجوس أو
المشركين لئلا تؤدي متابعتهم إلى ذوبان شخصية المسلم في عاداتهم. وقد أخذ بسد الذرائع كثير من المسلمين وأوسعوه بحثاً وتمحيصاً، حتى أن من علماء العصر من ألف فيه كتاباً ضخماً كبيراً، وقد أطال ابن القيم
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الأيمان والنذور، باب الوصية (676). (2) أخرجه أبو داود في كتاب الجنائز، باب: القيام للجنازة (3176). (3/433)
صفحة 1522
434
الفتاوى المعاملات
في الاستدلال له وبيان وجوهه في كتابه أعلام الموقعين» إذ ذكر له تسعة وتسعين وجهاً مما استظهره من أحكام الكتاب والسنة وأقوال سلف علماء الأمة، كما أطال في بيان حجيته ووجوب التعويل عليه وقوة الاستدلال به في كتابه هذا وفي غيره، كما في تهذيبه لسنن أبي داود وكتاب «إغاثة اللهفان». وإذا عدنا إلى آثار أصحابنا رحمهم الله وجدنا أنهم قد تشجعوا في توسيع باب سد الذرائع بقدر ما لا نجده عند غيرهم، ومن هذا الباب ما ذهب إليه كثير منهم من تحريم المرأة على زوجها تحريماً أبدياً إن وطئها في حيضها أو في دبرها مع أن هذا التحريم يترتب عليه تحليلها لزوج آخر، والأصل فيها أن لا تحل له إلا بثبوت انفصالها عن الزوج الأول شرعاً، لأن زواجه بها ثابت بالكتاب والسُّنَّة فانظر كيف سوغوا التفريق بين الزوجين بسبب ارتكاب هذا الأمر المحرم مع علمهم بما يترتب عليه من نكاح المرأة رجلاً آخر، وما ذلك إلا لسد الباب على الشهوانيين الذين لا يبالون بالوقوع في الرجس وارتكاب المحظور من أجل إرواء سعار شهواتهم، وقد بين هذا الإمام السالمي العالي بقوله:
فراقها والرب لا يخشونا
وإنما فرق من قد فرقا لجعله باب المعاصي مغلقا رأوا بأن فتح هذا الباب بين الورى يفضي إلى العطاب لأن غالب الورى يخشونا فعاقبوه بفسادها لكي ينسد باب الفحش عن ذاك الفتي واستنبطوا حجته أن جعلوا ذلك مثل أرث من قد يقتل أيضاً وفي الأصول أن النهي قد يفضي إلى فساد ما فيه ورد
من هاهنا تشجعوا وفرقوا
وحصل المطلوب حين وفقوا
ومن هذا الباب قولهم بحرمة نكاح الزاني بمزنيته، وحرمة المنكوحة في العدة، بل شدد بعضهم فحرم نكاح المخطوبة في العدة؛ ولئن ساغ الأخذ بهذا في (3/434)
صفحة 1523
بحوث
435
باب الأنكحة فإنه أحرى أن يؤخذ به ويعول عليه في المعاملات، لأن الأخذ به فيها لا يترتب عليه أي محذور، بل هو مزيد احتياط في الدين وورع عن الوقوع في الشبهات والحوم حول حماها بخلاف ما يتعلق منه بباب الأنكحة، فإن الأصل في المرأة - كما قلنا - أن تكون حليلة لمن عقد عليها الزواج عقداً شرعياً حتى يثبت انفصالها عنه، وأنها لا تحل لغيره بدون ثبوت الانفصال على أن الأصل حلية النساء للرجال بطريق النكاح الشرعي في غير ما دل الدليل الشرعي على منعه، وذلك لعموم قوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24].
أجل
هذا وقد علمتم أن نشأة هذه المعاملة من أول أمرها كانت من تفادي أكل الربا ظاهراً مع انطوائها على حقيقة الربا في باطنها، وهذا كله مما يرجح وجوب ترك التعامل بها على الإطلاق.
وأما ما أصبح سائداً عند المتعاملين بها اليوم من التذرع بها إلى الربا الواضح فإن حرمته قطعية ولا مجال للنظر والاجتهاد فيه لقطعية النصوص المحرمة للربا، ولم يعد وجود قط للتقيد بما رآه المبيحون من شروط لحلها عندهم، فقد أصبح ذلك من مطويات النظريات التي لم يعد لها أثر في التطبيق، لذلك قلنا بأن هذه المعاملات مما يدخل في الحرام القطعي، وإن جادل في ذلك أولئك الذين استمرأوا الحرام حتى تخمت منه بطونهم، فعافت نفوسهم الحلال لما طرأ على فطرهم من الفساد، وعلى مداركهم من الضلال، والله المستعان.
*
شبه المجادلين في هذا البيع
*
ولهم في مجادلاتهم هذه طريقان كما جاء في السؤال:
أولها: ادعاء أن
في
المسألة خلافاً لأهل العلم، وأن من أخذ برأي أحد
من عدول العلماء فهو سالم. (3/435)
صفحة 1524
436
الفتاوى
المعاملات
*
ثانيهما: أن في هذه الإباحة كفاية للمحتاجين لئلا يندفعوا إلى بيوت الأموال الربوية للاقتراض منها فإنه إن شد على الناس هذا الباب لم يجدوا مناصاً على التعامل بالربا المحض.
ولس فيما قالوه شيء من الحق ولا نصيب من الصواب.
شبهة «من أخذ بقول عالم فهو سالم»:
أما أولهما: فإنه لا قائل قط من أهل العلم بجواز بيع الخيار على الإطلاق حتى تكون معاملاتهم هذه مباحة على قول أحد منهم، لأن الربا فيها ظاهر كما قال الإمام السالمي: «لو ارتفع للمجوزين رأس وشاهدوا ما عليه الناس اليوم لصاحوا عن لسان واحد ما هذا الذي أجزنا»، وإنما أجازه أجازه بشرط كون المشتري ما قصد إلا الأصل ولم يكن مراده الانتفاع بالغلة وحدها وإلا كان واقعاً في الربا، وما جاء في الآثار عارياً عن هذا القيد فهو محمول عليه، لأنه ظاهر معروف عند الجميع، وكما أن الأدلة الشرعية الكتاب العزيز والسُّنَّة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام يجب
من
في
حمل مطلقها على مقيدها ومجملها على مبينها وعمومها على خصوصها فإن آثار أهل العلم هكذا يجب التعامل معها، وإلا وقع الناس في الضلال المبين والفساد الماحق، وما المجادلة المبنية على الاستدلال بالمطلق مع إلغاء قيده الشرعي في حين كون تقييده معلوماً إلا من باب المجادلة بالباطل لإدحاض الحق، كما قال أحد مجّان الشعراء:
فالله ما قال ويل لألى سكروا وإنما قال ويل للمصلينا فأنتم ترون كيف جعل من الحق الذي أنزله الله وسيلة لنقض عرى الحق وهدم دعائم الدين واستباحة محارم الله، وذلك كله راجع إلى تمسكه بإطلاق الوعيد للمصلين وإلغائه القيد الذي قيد به، ونحو هذا ما لو استدل (3/436)
صفحة 1525
بحوث
437
أحد بإطلاق الأمر بالإنفاق في العديد من الآيات كقوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمُ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَةٌ وَلَا شَفَعَةٌ} [البقرة: 254] وقوله: {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} [المنافقون: 10] على مشروعية الإنفاق فيما حرم الله كإنفاق المال في الخمر والدعارة وسائر وجوه الفساد.
ومما يقرب من هذا قول إحدى الشاعرات الداعيات إلى أن تعود المرأة المسلمة إلى تبرج الجاهلية وتخلع عنها جلباب الفضيلة الذي كساها الإسلام: سيري كسير السحب لا تأني ولا تتعب لا تكسحي أرض الشوا رع
بالإزار المسبل
السفور فحكمه في الشرع ليس بمعضل
الأئمة فيه
جوز بالإجماع
ــن محرم ومحلل
ــد قصد تأهل
وذلك أنها استغلت خلاف العلماء في وجوب ستر المرأة وجهها فأضفته على السفور المعروف في عالم اليوم الذي هو عين تبرج الجاهلية، وجعلت إجماعهم على جواز رؤية الوجه لمن قصد الزواج وسيلة لإباحة رؤية ما زاد عليه، وهو من التلبيس الذي لا يكون إلا ممن مرضت نفسه.
وهب العلماء أباحوا بيع الخيار على النحو الذي يبيحه هؤلاء الذين يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق، أيكون قولهم حجة على كتاب الله وسنة رسوله؟ كلا وألف كلا {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36، وما أشبه أولئك الذين يستدلون بمجملات الآثار ومطلقاتها على إباحة مع تصاممهم وتعاميهم عن القيود التي قيدت بها هذه الإباحة
بيع
الخيار مع (3/437)
صفحة 1526
438
الفتاوى المعاملات
عند المجوزين، ومع إهمالهم النظر فيما ارتكس فيه الناس اليوم من الربا الذي لا يماري في حرمته إلا من كان في قلبه مرض بسبب هذه المبايعة، ما أشبههم بالذين يتمسكون بمتشابه الكتاب ويتعاملون عن محكمه أولئك الذين قال الله فيهم فَأَمَا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ
وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7].
شبهة «فيه كف الناس عن بيوت الربا»:
وأما ثانيهما: فهو من غرائب الاستدلال وعجائب التلبيس لا ندري عن علم من قائله أو عن جهل منه.
أصدر
إن كنت لا تدري فتلك مصيبة أو كنت تدري فالمصيبة أعظم ليت شعري أتباح محرمة من محارم الله لأجل اتقاء الناس الوقوع في محرمة أعظم منها، فإن ذلك يلزم قائله أن يبيح للناس الزنا لئلا يقعوا فيما هو أعظم منه منه وهو فاحشة قوم لوط، بل من البدهيات الظاهرة أنه يجب أن يكون الزنا مشروعاً عند الذي ركن إلى هذا الاستدلال، خصوصاً في ديار الغربة وفي أوساط الشباب ليتمكنوا من قضاء حاجتهم الشهوانية وإرواء ظمئهم الجنسي لئلا يندفعوا إلى الشذوذ فيفقد بعضهم أو كلهم رجولته، وإلا فما الفارق بين الأمرين؟ هذا لو سلم أن ما يجري به التعامل بين الناس اليوم وراء لافتة الخيار هو أهون من الربا، الصريح، ونحن لا نسلم لذلك، فإن الربا هو عين الربا سواء وقع مكشوفاً أو باحتيال، قال الإمام السالمي الى: «وهيهات لم الله شيئاً ثم يحله بالحيلة ولا تخفى على الله خافية» وقال أيضاً: «إن الحق لا يدفع بالحيل وقد هلك أهل السبت من قبلكم حين احتالوا على الاصطياد يوم السبت، وضعوا الشباك يوم الجمعة ورفعوها ليلة الأحد وقالوا: ما اصطياد يوم السبت، فجعلهم الله قردة وخنازير» وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَلَ لِلنَّاسِ} [النور: 35].
يحرم
بيع (3/438)
صفحة 1527
بحوث
439
ممن
وأقول: بأن من أتى الحرام مخادعاً محتالاً هو أعظم جرماً وأفحش إثماً أتاه بغير احتيال، لأنهما وإن اشتركا في الحرام فإن المحتال زاد على غير المحتال بمخادعته الله وللمؤمنين يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ} [البقرة: 9]، وهو لا يدل إلا على استخفافه بمقام الألوهية واستهزائه بشرع الله تعالى، وذلك لا ينبئ إلا عن ضلال المعتقد في الله تعالى، وهو أبعد له عن المتاب، لأن فجوره ناشيء عن انحراف في التصور وظلمة في الفكر وفساد في الاعتقاد، ولأن استحلاله لمحارم الله تعالى بهذه الحيل أدى إلى الانهماك في غيه والاسترسال في ضلاله، أما من كان غير محتال فهو أقرب إلى التوبة والرجوع لأنه يشعر بحرمة ما يأتي، فقد يؤنبه ضميره يوماً فيثوب إلى رشده ويرجع إلى طاعة ربه، والله در أيوب السختياتي حيث قال أمثال هؤلاء: يخادعون الله ما يخادعون الصبيان لو أتوا الأمر على وجهه
في
كان أسهل».
هذا؛ ولا يكون في شرع الله بديلاً عن الحرام ما كان فاسداً ضاراً، وإنما شرع الله تعالى أنواعاً من المعاملات فيها كفاية وغنى عن مقارفة المحرمات، فمالنا وللدعوة إلى أن يكون البديل نفسه رجساً محرماً يتوصل إليه بمخادعة الله تعالى والمؤمنين؟! فهلا دعا هذا المستدل بهذه الشبهة الواهية إلى الاستغناء عن الربا خفية وجليه بالعقود المشروعة كالمضاربة والسلم وما استنتجت إباحته من الأدلة الشرعية كعقود الاستصناع وبيع المرابحة ضبط ذلك كله وقيده بقيود الشريعة العادلة؟ أليس في هذه كله ما يسد حاجة الناس ويغنيهم عن ارتشاف سموم الربا ويكفيهم عقوبة الله على مخادعته سبحانه ومخادعة عباده المؤمنين بالوسائل الملتوية والمسالك المنحرفة؟ ومع كل هذا فإن هناك حلاً جعله الله وسيلة للتكافل الاجتماعي والترابط الإيماني بين أفراد المجتمع المسلم وهو القرض الحسن الذي يرفع الله
مع (3/439)
صفحة 1528
440
الفتاوى المعاملات
تعالى به الدرجات ويضاعف من أجله الحسنات فلئن كانت الصدقة بعشرة أمثالها فالقرض بثمانية عشر؛ كما جاء به الحديث (1)، وهو مكسب أخروي يحرص عليه المؤمنون، مع ما يجعل الله بسببه من البركة في المال، أو ليس في إحياء ذلك كله غنية للعباد عن التهالك على الحرام والتدافع إلى الآثام؟ على أنه من الممكن أن يراعى في هذه الحلول تفاوت أحوال الناس، وانقسام مطالبهم إلى ضروريات وحاجيات وتحسينيات، فما كان منها من قبيل الضروريات كالأقوات والمساكن والملابس التي لا بد منها، وإعفاف النفس بالزواج الأول، فيمن يخشى على نفسه العنت والفجور، فسبيل حلها الصدقات أو القروض الحسنة، وما زاد عليه ككسب المال الحلال الزائد على حاجات النفس الضرورية، فيمكن أن يرد إلى صنوف المعاملات المباحة كالمضاربة والسلم والمزارعة والمساقاة وأنواع الإيجارات الشرعية، وفي ذلك مصلحة للمجتمع كله عندما تحرك رؤوس الأموال بما يعد بالخير على أصحابها وعلى العمل، مع ما يترتب على ذلك من فرض الزكاة التي يرجع عائدها إلى ذوي الخصاصة، وهذا كله يجب أن يؤطر في الإطار الشرعي لتجنب كل ما يؤدي إلى الانزلاق والوقوع في مهاوي الحرام، ولصون حقوق المحتاجين حتى لا تكون عرضة للتلف في مهب أعاصير شهوة المال في نفوس الأغنياء الذين ماتت ضمائرهم فغارت ينابيع الرحمة في نفوسهم لاستبداد الطمع بمشاعرهم وأحاسيسهم، ليت شعري لم لم يرجع من قال بضرورة إباحة بيع الخيار على علاتة بصره كرتين في هذه الجوانب، فيدرك ما فيها من السلامة وما يمكن أن تنتجه من ثمرات طيبة، عندما تصفو النوايا ويتعاون أصحاب رؤوس الأموال على إنشاء هذه المشاريع التنموية التي تصون مجتمعاتهم عن التردي في المهالك، أو أنها لا ترضي ضميره لأنها
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب: الزكاة والصدقة، باب: جامع الصدقة والطعام (365). (3/440)
صفحة 1529
بحوث
441
لا تسوق الناس جماعات ووحدانا إلى ارتكاب محارم الله والارتماء في أتون الربا المتأجج الذي يأتي على الطارف والتليد مما ملكت أيديهم؟! ما أعجب شأن من آثر الخبيث على الطيب والحرام على الحلال والباطل على الحق!
صور من تعاملات الناس الفاسدة:
التي
الآثار
على أنه لم يبق عند ذي لب أدنى ريب أن معاملات الناس اليوم يعنونون لها ببيع الخيار هي أبلغ في الإثم وأفحش في الحرمة وأبعد عن ساحة المباح مما اتفق العلماء على حرمته وأنكروه فيما دونوه من وعدوه من صنوف الربا، وهو أن يكون المشتري قصد من الابتياع الانتفاع بالغلة دون امتلاك الأصل، فإن تعامل الناس اليوم لم يقف عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى ما لم يكن يدور بخلد أحد من علماء السلف، فإن غالب معاملات الناس اليوم التي يكتنفها ما يسمى ببيع الخيار في صنوف العقار من البيوت أو الحوانيت أو غيرها، ولا يدور بخلد البائع أن يسلم المبيع ولا بخلد المشتري أن يستلمه وإنما يتفقان على صفقتين، صفقة لما يسمونه الخيار فيها إقرار البائع للمشتري بالبيع، وصفقة للتأجير فيها إقرار المشتري للبائع بتأجيره العين المبيعة ولا تكون الأجرة بقدر قيمة العين الحقيقية ومنفعتها، وإنما هي بقدر ما دفع المشتري إلى البائع من المال الذي هو في صورة الظاهرة ثمن للبيع وفي طوية المتبايعين قرض يدفعه صاحب المال إلى المحتاج في مقابل ما يتقاضاه منه من الربا في كل شهر أو في كل عام، وإنما يصور خديعة ومكراً أنه أجرة للعين المبيعة، وعندما يحتاج من يسمى البائع إلى مزيد من المال فالذي يسمى بالمشتري يقدم إليه الزيادة، وبقدرها يزداد الربا المسمى عندهم أجرة، وتضم هذه الزيادة
بيع (3/441)
صفحة 1530
442
الفتاوى المعاملات
ما
إلى أصل الثمن الذي هو في حقيقته قرض ربوي، ويا الله للعجب من هذه المعاملة!! فإن كانت صفقة البيع واقعة بين المتبايعين وبموجبها استحق المشتري الانتفاع بالعين المبيعة فما بال هذه الزيادة تضاف مرة أخرى إلى الثمن حتى ولو كانت بعد الصفقة بأعوام وبأي تفسير تفسر!؟ وعلى أي محمل تحمل!؟ وهل سمعتم أن مشترياً يزيد بائعاً فوق الثمن الذي تمت عليه صفقة البيع بعد امتلاكه المبيع؟ على أنه ثبت بالاستقراء وتتبع عند المتعاملين بهذه المعاملة أن كل زيادة تضاف إلى الثمن الأول يترتب عليها من الزيادة في الأجرة بقدرها، وهذا مما اعترف به الذين وقعوا في هذه المعاملة النكراء، وصاروا يعضون على بنان الندم بما خسروه من أموالهم ولات ساعة مندم كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَر لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [القلم: 33] والعجب كل العجب أن يتمالأ الناس على هذا الأمر فتكتب هذه الزيادة في الصكوك الشرعية بأيدي كتاب العدل في المحاكم، ويعتمد هذه الصكوك قضاة شرعيون! ليت شعري أو لم يطرق أسماع هؤلاء قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الربا وآكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء»)، أم يحسبون أن الله سبحانه تخفى عليه حقيقة هذه المعاملة وأنه يخدع كما يخدع الأغرار من
الناس؟
أما في قلوب هؤلاء رحمة بأنفسهم وإشفاق عليها من عذاب ربها؟ هذا وكما أن هذه الزيادة على الثمن الأصلي ولو بعد حين تقتضي الزيادة في الربا المسمى بالإيجار، فإن النقص منه باسترداد المشتري شيئاً من أصل ثمن البيع يؤدي إلى النقص في مقدار الربا الذي يتقاضاه المشتري من البائع في صورة الأجرة.
(1) أخرجه مسلم في كتاب المساقاة، باب: لعن أكل الربا (1598). (3/442)
صفحة 1531
شبهة «تسليم البائع المفتاح للمشتري»:
بحوث
443
هذا وأما ما يفعله بعضهم من مجئ من يسمى بالبائع بالمفتاح وتسليمه للمشتري ثم استرداده منه بناء على أنه استأجر المبيع منه بعد تسليمه إياه، أو ما يكون من تخلية البيت أو الحانوت المبيع لبضع دقائق سب تعارفهما، فما هو إلا إمعان في مخادعة الله تعالى والذين آمنوا، ولا يدل إلا على فساد عقيدة الذين يفعلون ذلك، وذلك أعظم جرما وأشد فحشاً من الربا الصريح، لما في هذا الفعل من ضميمة سواء المعتقد في الله إلى التعامل بالربا، ولئن انخدع الناس وظنوا أن الإيجار ما تم إلا بعد القبض فإن الله العليم بخفايا ما في الصدور لا يعزب عن علمه أن ذلك لم
يرد به إلا المخادعة، وأن المشتري لم يدر بباله قط أن يستلم المبيع وأن يحوزه، كما أن البائع لم يكن في قصده تسليم ما باعه للمشتري، فكل منهما ضامن لمبتغاه، فالبائع ضامن بأن المشتري لن يخرجه من البيت أو الحانوت الذي باعه إياه والمشتري ضامن أن البائع سيظل حائزاً للعقار وسيظل يدفع إليه الربا في صورة الإيجار بمقدار ما دفعه إليه في صورة الثمن، وهبهما لم بتشارطا ذلك فإن ذلك مما تعورف عليه والمعروف عرفاً
كالمشروط شرطاً.
وجوه بطلان هذا البيع:
على أننا لو سلمنا أن ما كان بينهما لا يعدو أن يكون بيعاً وإيجاراً فإن هذا العقد باطل من أصله لأربعة أمور:
*
أولها: أن النبي صلى الله عليه وسلم «نهى عن بيعين في نهى عن بيعين في بيع كما في حديث أبي» هريرة عند أحمد والنسائي وأبي داود والترمذي وصححه، وفي رواية ابن مسعود ه عند أحمد قال: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة»، ومما (3/443)
صفحة 1532
444
الفتاوى المعاملات
يندرج في مدلول هذا النهي اجتماع عقدين عقد إيجار وعقد بيع في عين
واحدة وبعقدة واحدة، ويؤيده نهيه
سلف
عن
وبيع كما سيأتي.
ثانيها: أنه صلى الله عليه وسلم: «نهى عن شرطين في بيع» رواه الربيع الله بسنده إلى ابن عباس، وأخرج أحمد وأصحاب السنن إلا ابن ماجه عن ابن عمر لا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع»، وأخرجه من طريقه أيضاًلا ابن حبان والحاكم وصححه الترمذي وابن خزيمة، قال الإمام السالمي الى: «واتفقوا على فساد ما فيه شرطان فأكثر»، ولا يخفى أن في هذا العقد أكثر من شرطين، فالخيار نفسه شرط، ومدته شرط، ثان واستئجار البائع للمبيع شرط ثالث وتحديد قدر الإيجار
*
حله
شرط رابع. * ثالثها: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ربح ما لم يضمن، بل صرح بعدم كما في رواية أصحاب السنن عن عمرو بن شعيب قال: حدثني أبي عن أبيه حتى ذكر عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم تضمن، ولا بيع ما ليس عندك». قال الترمذي فيه: حديث حسن صحيح، ويشبه أن يكون تصحيحه له بالتصريح فيه بذكر عبد الله بن عمرو كما ذكره بعض أهل العلم بهذا الفن.
مما
* رابعها: أنه لا يرتاب عاقل في كون ذلك داخلاً في بيوع العينة، لأنه يندرج تحت ذرائع الربا، ولا ريب في تحريم بيوع الذرائع، فإن الذريعة إلى الحرام حرام، وقد سبق أن ابن القيم ذكر في استدلاله على تحريم ذرائع المحرمات تسعة وتسعين وجهاً في كتاب واحد، وقد جاءت الروايات عن الصحابة ـ رضوان الله تعالى عليهم - دالة على منتهى التشدد في أمر الذرائع، ومن هؤلاء عائشة وابن عباس، وأنس فعن عائشة لنا أنها قالت (3/444)
صفحة 1533
بحوث
445
لأم ولد لزيد بن أرقم - حين بلغها دخوله في بيع الذرائع: «أبلغي زيداً أن جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بطل إلى أن يتوب رواه البيهقي والدارقطني وغيرهما، وفي كتاب أبي محمد النجشي الحافظ عن ابن عباس أنه سئل عن العينة فقال: إن الله لا يخدع هذا مما حرم الله ورسوله»، وروى ذلك محمد بن عبد الله الحافظ المعروف بمعطين في كتابه عن أنس له، ورُوي عن أنس أنه قال: (اتقوا هذه العينة لا تبيعوا دراهم بدراهم بينهما حريرة)، ولا غرو في ذلك فإن الله تعالى يحاسب عباده بنواياهم {وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ} [البقرة: 284]، ولئن كانت الصورة الصحيحة الشرعية للعمل لا تفيد شيئاً عندما يكون القصد به قصداً غير مشروع ما في حديث عمر: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوي، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (1) فما بالك بما كان باطلاً صورة ومعنى.
الوسيلة لا تبيح المحرم:
والوسيلة لا تبيح المحرم، بل هي عينها حرام إن أدت إلى حرام، كما ثبت في الصحيح من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا ثمنها (2)، ومعنى جمولها أذابوها وخلطوها، وهي بذوبانها واختلاطها لا تسمى شحماً لغة ولا عرفاً، ولكن لم ذلك كله بل كانوا عرضة للعنة الله تعالى من حيث إنهم احتالوا على محارمه، على أنهم لم ينتفعوا بأعيانها وإنما بأثمانها، وليت شعري ما هو
يغنهم
(1) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب كيف كان بدء الوحي (1). (2) أخرجه البخاري في كتاب: الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل (3273). (3/445)
صفحة 1534
446
الفتاوى المعاملات
الفارق بين صنيع اليهود هذا وصنيع الذين يتذرعون إلى استباحة ما حرم من الربا بطريق بيع الخيار؟ أو ليس هؤلاء أحرياء بأن صنع بأولئك؟
يعمهم
بهم
الله
الله بلعنته كما
ومثل ذلك ما كان من تحايل اليهود على اصطياد الحيتان التي تأتيهم يوم سبتهم شرعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، فقد نصبوا لها الشباك يوم الجمعة وأخذوها ليلة الأحد، فعاقبهم الله بأن مسخهم قردة وخنازير، ولم يعاقبوا على غير هذا من جرائرهم الكثيرة ـ كقتلهم الأنبياء بغير حق، وأكلهم الربا ـ بهذه العقوبة التي فيها عظة وذكرى لمن عاصرها ولمن أتى من بعدها، وما ذلك إلا لأنهم فعلوا ما فعلوا مخادعين الله، ومن خادع الله كان حريا بمثل هذا العقاب، ولذلك قال تعالى تذكيراً لهم ولغيرهم: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَسِنِينَ فَجَعَلْنَهَا نَكَلًا لِمَا بينَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: (65، 66، ليت شعري أيأمن هؤلاء الذين يتذرعون إلى محارم الله الخيار أن يفعل الله ببيع ما فعله ببني إسرائيل فيكونوا قردة خاسئين؟! ولئن لم تمسخ أبدانهم ففي مسخ قلوبهم عظة للمتقين، أوليسوا يخادعون الله كما خادعه بنو إسرائيل، ولقد علموا - لو كانت لهم قلوب يعقلون بها - أن هذه المخادعة لا تفيد أحداً، ولو كانت تفيد لأفادت المحلّل والمحلل له، لأن نكاح كل منهما في صورته الظاهرة نکاح صحيح استوفى شرائط صحة النكاح لكن النية جعلته سفاحاً، فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعن الله المحلّل والمحلل له وهو حديث مشهور رُوي من طرق شتى وبألفاظ متعددة، إلا أنها تتحد في مؤداها فقد أخرجه أحمد من طريق علي - كرم الله وجهه - إلا أن إسناده لم يخل من مقال، وأخرجه أحمد والترمذي والنسائي من طريق ابن مسعود، وقال فيه الترمذي: حديث حسن صحيح»، وأخرجه الترمذي من حديث جابر بن عبد الله
انه (3/446)
صفحة 1535
بحوث
447
ورواه ابن ماجه والحاكم وصححاه والبيهقي من طريق عقبة بن عامر ورواه ابن ماجه من طريق ابن عباس، وأخرجه عنه الجوزجاني بلفظ آخر، وكذا رواه الحكيم من طريق ابن عمر ا بمعناه وأخرجه أحمد وابن أبي شيبة والجوزجاني والبيهقي بلفظ: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له» من طريق أبي هريرة له، وليس استحقاق اللعن إلا على كبيرة تؤدي إلى الطرد رد من رحمة الله والعياذ بالله وما كان ذلك إلا لأن من ركب هذا الأمر قد خادع الله والمؤمنين بفعله، إذ أتاه في صورة ما أباحه الله في شرعه مع انطوائه على قصد آخر، وهل في هذا فرق بين النكاح والمعاملات المالية؟. وقد أجاد تحرير هذا المقام ابن قيم الجوزية حيث قال: «فوازن بين قول القائل: آمنا بالله واليوم الآخر، وأشهد أن محمداً رسول الله، إنشاء للإيمان وإخباراً به، وهو غير مبطن لحقيقة هذه الكلمة ولا قاصد له ولا مطمئن به، وإنما قاله متوسلاً به إلى أمنه وحقن دمه أو نيل غرض دنيوي، وبين قول المرابي: بعتك هذه السلعة بمائة، وليس لواحد منهما غرض فيها بوجه من الوجوه ولا مبطناً لحقيقة هذه اللفظة ولا قاصداً له ولا مطمئناً به، وإنما تكلم بها متوسلاً إلى الربا، وكذلك قول المحلل: تزوجت هذه المرأة أو قبلت هذا النكاح، وهو غير مبطن لحقيقة النكاح ولا قاصداً له ولا مريداً أن تكون زوجته بوجه ولا هي مريدة لذلك، هل تجد بينهما فرقا في الحقيقة أو العرف؟ فكيف يسمى أحدهما مخادعاً دون الآخر؟ مع أن قوله بعت واشتريت واقترضت وأنكحت وتزوجت غير قاصد به انتقال الملك الذي وضعت له هذه الصيغة ولا ينوي النكاح الذي جعلت له هذه الكلمة، بل قصده ما ينافي مقصود العقد أو أمر خارج عن أحكام العقد، وهو عود المرأة إلى زوجها المطلق، وعود السلعة إلى البائع بأكثر من ذلك الثمن، بمباشرته لهذه الكلمات التي جعلت لها حقائق ومقاصد مظهراً لإرادة (3/447)
صفحة 1536
448
الفتاوى المعاملات
حرم
طلق
الله
حقائقها ومقاصدها ومبطناً لخلافه، فالأول نفاق في أصل الدين وهذا نفاق في فروعه، يوضح ذلك ما ثبت عن ابن عباس أنه جاءه فقال: إن عمّي امرأته ثلاثاً أيحلها له رجل فقال: من يخادع الله يخدعه، وصح عن أنس وعن ابن عباس أنهما سئلا عن العينة فقالا: إن الله لا يخدع، هذا مما ورسوله فسميا ذلك خداعاً، كما سمى عثمان وابن عمر نكاح المحلل نكاح دلسة، وقال: أيوب السختياني في أهل الحيل يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان فلو أتوا الأمر عيانا كان أهون عليّ، وقال شريك بن عبد الله القاضي في كتاب «الحيل»: هو كتاب المخادعة».
*
دلائل أن تعامل الناس ببيع الخيار غير خارج عن الربا:
ولا يخفى على لبيب أن ما يروجه الذين راقت لهم هذه المعاملات المحرمة من أن بيع الخيار قال بجوازه طائفة من أهل العلم، لا يعدو أن يكون من ضروب هذه المخادعة الممقوتة وافتئاتاً على العلماء الذين هم أنزه وأورع من أن يبيحوا للناس محارم الله، فإن القيد الذي قيدوا به هذه الإباحة لا يكاد يكون له وجود في معاملات الناس اليوم قط، وإن كنت لم تقنع بكل ما أسلفناه فدونك من الشواهد ما يستأصل شأفه كل ريب اللهم إلا ممن كابر عقله وأنكر حسه:
أولها: أن الصكوك التي تتضمن بيع الإقالة تشير بأن المعاملة لا تعدو أن تكون قرضاً جرّ منفعة، فهي وإن سميت بيعاً لم تنبن على البيع وإنما أسست على القرض، فالكُتَابُ لا يكادون يكتبون إلا هذه العبارة «أقر فلان أن عليه لفلان كذا من المال، وقد باعه بحقه هذا بيته الفلاني ـ مثلاً ـ واشترط عليه الإقالة لمدة كذا من السنين، فبالله عليكم على ماذا تدل هذه العبارة؟ فإن لم تكن دليلاً على أن المعاملة مبنية على القرض فليس يصح في الأذهان شيء. (3/448)
صفحة 1537
بحوث
449
ثانيها: أنه لا يكون في قرارة نفس البائع انتقال ملك ما باع عنه، ولا في قرارة نفس المشتري انتقال ملك ما اشتراه إليه، فعند كل منهما أن الملك إنما هو ملك البائع، وإنما المشتري مرتهن فحسب، ولذلك يسمونه رهناً، ولكنه رهن يستغله المشتري لمصلحته في مقابل الدين الذي على البائع، وهذا الاستغلال لا ريب في ربويته، ولو لم يكن من طريق مغرم يدفعه البائع على أنه إيجار للعين المبيعة، فإن الرهن المشروع إنما هو توثيق للدين بحيث يقبض الدائن عيناً يملكها المدين إلى أن يأتيه بحقه، ولا بد من قبضه كما قال تعالى: {فَرِهَنُ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: (283)، والأصل فيه أن يكون بيد ذي الحق ـ وهو الدائن - إلا إن اتفق مع المدين على أن يقبضه طرف ثالث يكون في حكم النائب عن المرتهن ففي ذلك خلاف لأهل العلم مبسوط في موضعه ويبطل الرهن ببقائه في يد الراهن ومن كل هذه الوجوه تنأى هذه المعاملة كل النأي عن الرهن الشرعي، وإن سموها رهناً، كما أنها ليست من البيع في شيء، ولئن كانت بعيدة عن الرهن والبيع معاً فهي لا تعدو أن تكون حيلة من أجل أكل الربا، فالعين المبيعة أو المرهونة - ب قولهم - لا تخرج من يد البائع وإنما حسب المشتري منه أن يأتيه بريعها مدراراً حسبما اتفقا عليه؛ على أن ذلك إنما هو بمقدار الدين أو القرض وليس بمقدار الانتفاع بالعين كما ذكرته على أن الرهن الشرعي لا يغلق بمضي مدة محددة بل يبقى ملك المرتهن للراهن، ففي الحديث «لا يغلق الرهن) وفي رواية زيادة على ذلك لصاحبه غنمه وعليه غرمه» (2)، وهو دليل على عدم جواز انتفاع المرتهن بمنفعته - وهو عكس ما جرى عليه العمل في بيع الخيار - اللهم إلا ما جاء في بعض الروايات مما يدل على
(1) أخرجه ابن ماجه باب لا يغلق الرهن (2441).
(2) أخرجه الحاكم في كتاب: البيوع 51/ 2. (3/449)
صفحة 1538
450
الفتاوى المعاملات
جواز الانتفاع ببعض ما يرهن في مقابل نفقته إن كان يستدعي الإنفاق، ومن ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة» (1)، وتخصيص ذلك بهذا الحكم إنما هو من أجل التيسير فإن العين المرهونة لا بد من أن تكون في يد المرتهن ومع حاجتها إلى النفقة قد يتعذر أو يتعسر أن يكون المالك الراهن هو الذي يتولى ذلك في هذه الحالة فأبيح للمرتهن الانتفاع بقدر هذه النفقة.
وقد شدد علماؤنا رحمهم الله في انتفاع المرتهن بما ارتهن لما في ذلك من الزيادة على الدين أو القرض وهي عين الربا، قال الإمام السالمي حمدالله:
وما له يستعمل المرهونا
وبعد الاستعمال يضمننا
لأنه صار له أمينا
من
بعد أن كان يؤمننا
وليس توارد هؤلاء جميعاً على تسمية هذه المعاملة رهنا إلا دليلاً واضحاً على أنهم لم يريدوا بهذه المعاملة بيعاً ولا ابتياعاً، وإنما أرادوا ما يتوسلون بها إليه من أكل المال بالباطل، وهي أيضاً ليست رهناً شرعياً لما ذكرناه من الفرق بينها وبين الرهن.
فإن قيل: أن تسميتها رهناً لا يؤثر في العقد شيئاً كما يقتضيه جواب الإمام السالمي رحمة الله حيث قال: «لا يؤخذ في هذا بفلتات لسانه وإنما يعامل فيه بمقتضى العرف والعادة، ولا ضير في التسمية ولا مشاحة في الاصطلاح إذا اتحد المقصود، ومن قواعد الفقه الشهيرة أن الأمور بمقاصدها، وفي الحديث: «وإما لكل امرئ ما نوى».
(1) أخرجه البخاري في كتاب الرهن، باب الرهن مركوب ومحلوب (2377). (3/450)
صفحة 1539
بحوث
451
قلت: ما قاله الإمام رحم الله هو كله حجة واضحة على أصحاب هذه المعاملة، إذ لم يكن قولهم هذا فلتة من فلتات، اللسان، وإنما هو تعبير عن مکنون ضمير كل منهم، فإن الكل لا يتصورون خروج المبيع بهذه الصفقة عن ملك البائع وانتقاله إلى ملك المشتري، وليس في مقصود البائع أن يبيع ولا المشتري أن يشتري، وقرائن الأحوال التي ذكرها الإمام السالمي حمدالله في «جوهره» وفي «أجوبته شاهدة على ذلك، وأدل من هذا كله على هذا أن المبيع لا يكاد يخرج من يد البائع وإنما لمشتريه ما يتطلع إليه من ريعه الربوي الذي يتقاضاه من البائع في كل شهر، أو لا يكفي ذلك دليلاً على هذه الطوية؟ وهل يستدل على المخبر إلا بالمظهر؟
*
ثالثها: أن المشتري لا يعنيه - حسبما هو متعارف عليه عندهم ـ شيء
من ترميم المبيع وإصلاحه، وإنما ذلك كله مما يكون على حساب البائع. * رابعها ما ذكرته من قبل من أن البائع عندما يحتاج إلى زيادة من المال لا يتردد المشتري أن يضيف إليه ما طلب مع إضافة ذلك إلى أصل الثمن، وما هذه الزيادة في الحقيقة إلا قرض جديد يضاف إلى سابقه ليضاف بسببه ربا فوق ربا القرض الأول، وإنما يلبس زوراً كما ألبس ما قبله ثوب الأجرة مخادعة لله وللمؤمنين، وهذا أمر لا يكاد ينكره أحد، فكم رأينا صكوك بيوع الخيار التي كتبت في المحاكم مذيلة بهذه الزيادات بأيدي كتاب العدل ومعتمدة من قبل القضاة الذين لا يتورعون عن هذه المعاملات، وأدهى من ذلك وأمر أن صاحب العقار الواحد قد يقترض في آن واحد من عدد من الناس، ويكتب ذلك العقار نفسه لكل واحد من أولئك بطريق بيع الخيار، من غير أن ينتقل إلى يد أحد منهم، وإنما يكتفي كل منهم بما تتلقفه يده في كل شهر من الربا المشروط المسجل أنه أجرة للعقار، وقد هذا وقع من رجل مرموق بما كان يشغله من منصب ديني جدير بأن يكون صاحبه (3/451)
صفحة 1540
452
الفتاوى المعاملات
في غاية العفة والنزاهة، ولكن مما يدعو للأسف أنه استغل وجوده في هذا المنصب لينحدر به إلى أسفل دركات هذه المعاملة الدنيئة، إذ اقترض من أربعين رجلاً قرضاً ربوياً وكتب بيته الذي يسكنه لكل واحد منهم بطريق بيع الخيار، وهو يدفع لكل واحد من أولئك المنهومين بحب المال ربا على رأس كل شهر، سجل أنه إيجار لذلك البيت، وقد سقط بموته برقع النفاق الذي كان يواري هذه الحقيقة، فإذا بكل واحد من أولئك المقرضين يطالب بما يدعيه حقه، ولم يدع ذلك الهالك من تركته إلا ذلك البيت الذي لم يف حتى بربع مقدار تلك القروض التي أسموها ثمناً له، فإنها بلغت مائة وثمانين ألفاً، بينما لم يتجاوز ثمن بيعه بعد موته أربعين ألفاً، أليس لأولئك الذين أوقعهم الشيطان في حبائل الهوى، واقتادهم بأرسان الطمع إلى مهاوي الردى، فأخذوا يدافعون عن مفاسد بيع الخيار بكل ما زينه لهم الشيطان من تدليس وتلبيس ومجادلة بالباطل لإدحاض الحق، ولعمر الله لو كان الحق أنشودتهم لكفتهم هذه العبر {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لمَن يَخْشَى} [النازعات: 26].
في
ذلك معتبر
وليس ما ذكرته دعوى اختلقتها ونسجت بردها من خيوط الخيال، وإنما هي حقيقة واقعة وما يمنعني من التعريف بشخص المتورط المشار إليه إلا الحرص على ستر سوآت الموتى وعدم التشهير بهم، فإنهم أفضوا إلى ربهم: وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} [الإسراء: 17].
وعلى أن هذه القضية لم تكن فريدة من بين قضايا التعامل ببيع الخيار بهذا الأسلوب العجيب فثم قضايا أخرى مثلها أو قريبة منها، ومن ذلك ما نبئته عن رجل من هؤلاء المحتالين - معرفتي به عن كثب ـ أنه باع مزرعة له عشرين بيعة خيار لعشرين رجلاً في آن واحد. (3/452)
صفحة 1541
بحوث
453
وبعد فإنه لا يبقى عند من كانت الحقيقة أنشودته مجال للارتياب في كون هذا الذي يسمونه بيع خيار ليس بيعاً أصلاً، وإنما هو وسيلة لا يواريها نسيج الباطل عن بصائر أولى البصر إلى ارتكاب المحارم والارتماء في مستنقعات الربا، وأنى للحقائق أن تخفى بما يضفي عليها من نسيج الزور، وقد كتب الله إظهارها وفضح المتعاملين فيها بغير حق، وما أبلغ قول الشاعر: ثوب الرياء يشف عما تحته فإذا التحفت به فإنك عار
كل قرض جر نفعاً فهو ربا
سلف
ولئن لم يكن ذلك بيعاً فما هو إلا قرض، وأنتم تدرون أن كل منفعة عاجلة تترتب على القرض فهي محرمة، فقد روى الربيع الله عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: «بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الاحتكار، جر منفعة، وعن بيع ما ليس عندك» (1)، وهذه الرواية وإن كانت مرسلة فإن مراسيل جابر الله هي حجة عند أصحابنا لثقته وأمانته وضبطه بحيث تنزه ساحته عن الرواية إلا عن العدول الثقات مع كثرة من لقيهم وروى عنهم من الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم.
وعن
وقد رُوي هذا الحديث من طريق علي - كرّم الله وجهه ـ بلفظ «كل قرض جر منفعة فهو ربا (2) لكن في إسناده مقال، ورواه البيهقي في السنن الكبرى موقوفاً على ابن مسعود وأبي ابن كعب وعبد الله ابن سلام وابن عباس ا وهو مما انعقد الإجماع عليه، فلا يسوغ فيه القول بخلافه، ويعضده ما رواه ابن ماجه عن أنس له أنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقرض أخاه المال فيهدي إليه فقال: «إذا أقرض أحدكم قرضاً فأهدي إليه أو حمله
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب البيوع، باب ما ينهى عنه من البيوع (563).
(2) أخرجه الحارث بن أسامة في مسنده. (3/453)
صفحة 1542
454
الفتاوى المعاملات
على الدابة فلا يركبها ولا يقبله إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك» وما أخرجه البخاري في تاريخه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أقرض فلا يأخذ هدية» (1)، ومهما قيل في هذين الحديثين فإن اتفاقهما مع أصول الشريعة يعضد دلالتهما، وإجماع الأمة على حرمة أن يكون القرض وسيلة لمنفعة ينالها المقرض من المقترض هو الفيصل في ذلك.
قال الإمام السالمي رحم الله في شرح الحديث: «والمراد بالسلف هنا القرض، فإن السلف يطلق على معانٍ منها القرض الذي لا منفعة فيه للمقرض غير الأجر والشكر، وهو عمل من أعمال البر ولا يجوز أخذ النفع العاجل على شيء من أعمال الآخرة»، وقال في جوهر النظام: وكل قرض جر نفعاً فربا ويهلكن من لذاك ركبا وفي مغني ابن قدامة وكل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف، قال ابن المنذر أجمعوا على أن السلف إذا اشترط على المستسلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة في ذلك ربا، وقد روي عن أبي بن كعب وابن عباس وابن مسعود أنهم نهوا عن قرض جر منفعة، ولأنه عقد إرفاق وقربى فإذا شرط فيه الزيادة أخرجه عن موضوعه، ولا فرق بين الزيادة في القدر أو في الصفة، مثل أن يقرضه مكسرة ليعطيه صحاحاً أو نقداً ليعطيه خيراً منه، وإن شرط أن يعطيه إياه في بلد آخر وكان لحمله مؤنة لم يجز لأنه زيادة، وإن لم يكن لحمله مؤنة جاز، - إلى أن قال - وإن شرط أن يؤجره داره بأقل من أجرتها أو على أن يستأجر دار المقرض بأكثر من أجرتها أو على أن يهدي له هدية أو يعمل له عملاً كان أبلغ في التحريم، وإن فعل ذلك من غير شرط قبل الوفاء لم يقبله ولم يجز قبوله إلا أن يكافئه
(1) أخرجه ابن ماجه في باب: القرض (2432). (3/454)
صفحة 1543
«إني
بحوث
455
أو يحسبه من دينه، إلا أن يكون شيئاً جرت العادة به قبل القرض، لما روى الأثرم أن رجلاً كان له على سَمَّاك عشرون درهماً فجعل يهدي إليه السمك ويقومه حتى بلغ ثلاثة عشر درهما فسأل ابن عباس فقال: أعطه سبعة دراهم، وعن ابن سيرين أن عمر أسلف أبي بن كعب عشرة آلاف درهم فأهدى إليه أبي بن كعب مرة ثمرة أرضه فردها عليه ولم يقبلها، فأتاه أبي فقال لقد علم أهل المدينة أني من أطيبهم ثمرة وأنه لا حاجة لنا فيم منعت هديتنا؟ ثم أهدى إليه بعد ذلك فقبل، وعن زر بن حبيش قال: قلت لأبي بن كعب: أريد أن أسير إلى أرض الجهاد إلى العراق فقال إنك تأتي أرضاً فاش فيها الربا، فإن أقرضت رجلاً قرضاً فأتاك بقرضك ليؤدي إليك قرضك ومعه هدية فاقبض قرضك واردد إليه هديته»، رواهما الأثرم، وروى البخاري عن أبي بردة عن أبي موسى قال: قدمت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام ـ وذكر حديثاً وفيه ـ ثم قال لي: «إنك بأرض فيها الربا فاش، فإذا كان لك على رجل دين فأهدي إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فلا تأخذه فإنه ربا، قال ابن أبي موسى ولو أقرضه قرضاً ثم استعمله عملاً لم يكن ليستعمله على مثله قبل القرض كان قرضاً جر منفعة ولو استضاف غريمه ولم تكن العادة جرت بينهما بذلك حسب له ما أكله».
ومثله في «الشرح الكبير»، وهو ما تواردت عليه آثار أهل العلم، ولئن كان علماء الأمة سلفهم وخلفهم يتشددون في انتفاع المقرض من المقترض ولو في توافه الأمور كالهدية المتواضعة أو الحمل على المركوب أو الضيافة ويعدون ذلك ربا ولو لم يكن بتشارط بينهما فكيف بهذا القرض الذي أنه يصور بيع خيار ويترتب عليه إرهاق المقترض بضرائب الربا، وإن لم يسموه باسمه، وادعوا أنه إيجار فإن الله الذي حرم الربا لا تخفى عليه هذه
النوايا فهو بها خبير. (3/455)
صفحة 1544
456
الفتاوى المعاملات
خاتمة
ولئن ساغ لبعض علمائنا فيما تقدم أن يبيحوا بيع الخيار مع تقييده بشروط لصونه من تسرب الربا إليه، فإنه لا يسوغ الآن ـ بعدما وضح الصبح لذي عينين وتبين لكل الناس كيف استغلت هذه الرخصة للوصول إلى الحرام المحض - أن يقال بإباحته، وإن عجبت فإني أعجب من وجود هذه الرخصة في المذهب عندنا - وإن كانت لبعض علمائنا دون بعض - مع ما عرفوا به من الاحتياط والتشجع على إغلاق الأبواب في وجوه الذين لا يؤمن منهم أن يتذرعوا بالرخص إلى محارم الله حتى أنهم بنوا على قاعدة سد الذرائع أحكاماً في الفقه لم يبنها علماء أي مذهب آخر، كالذي أشرنا إليه فيما يتعلق بالأنكحة فكيف فاتهم أن يبنوا على هذا الأصل أحكام هذه
المسألة؟
من
هذا ولا ريب أن الذين سبقوا إلى إباحة بيع الخيار كانوا أكثر احيتاطاً الذين جاؤوا من بعدهم، لأنهم قالوا، بوقفه وإن اختلفوا في مغنمه ومغرمه هل يرجعان إلى البائع إلى أن تمضي مدة الخيار أو أنهما موقوفان كالأصل،
فمن استحق الأصل بعد مضي مدة الخيار فاز بالمغنم ولزمه المغرم؟ وإنما انفتح باب الربا في معاملات الخيار عندما قيل بثبوت البيع واستحقاق المشتري لريعه، مع عدم انضباط الناس وتقيدهم بما وضعه أصحاب هذا القول من القيود على هذه المعاملة.
هذا ولا استبعد من الذين يغصون بكلمة الحق في هذا الجواب أن يملأوا الدنيا ضجيجاً ـ كعادتهم ـ بأن ما قلته تنقيص من أقدار العلماء الغابرين واجتراء على مقاماتهم وتفنيد لآرائهم، وما عليّ من هذا الضجيج فالله هو الخبير بنيتي ونواياهم فإن أولئك العلماء أنفسهم لو عادوا
شيء، (3/456)
صفحة 1545
بحوث
457
اليوم إلى الدنيا لضاقت صدورهم مما يرونه من أعمال هؤلاء، وانشقت حناجرهم بالإنكار عليهم، ولو علموا أنه سيأتي أقوام لا هم لهم إلا أن يقتنصوا من أقوالهم ما يتذرعون به إلى ارتكاب المحارم لما فاهت أفواههم ولا سطرت أقلامهم شيئاً قط مما يتذرع به هؤلاء إلى هذه العظائم التي ترتكب والحرمات التي تنتهك فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وبعد ما أقبلت - في هذا الأمر - حجة الحق تتبختر اتضاحاً، وأدبرت شبهاة الباطل تتضاءل افتضاحاً، لم يبق - في أيدي الذين يتعامون عن الحقيقة ويؤثرون الوهم عليها، ويستحبون الباطل على الحق والضلال على الهدى - ما يتشبثون به إلا المكابرة، والعناد، وما لأحد بهؤلاء حيلة فإن الله تعالى يقول: {إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُم مِّن نصرين) [النحل: (37) وقال: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: (46)، ومع ذلك كله أدعوهم إلى أن يتقوا الله ـ معذرة إلى سبحانه ـ وأن يفكروا في عاقبة هذه المخادعة الله وللذين آمنوا بترويج هذا الباطل والدفاع عنه، فإنهم ما يخدعون بذلك إلا أنفسهم، ألا وليتق الله كل من رحم نفسه وأشفق عليها من عذاب ربها وليدع قربان أي شيء من هذه المعاملات ولو بالكتابة أو الشهادة أو الإمضاء أو الحكم بموجب ما يقتضيه هذا التعامل {يَتَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوةُ الدُّنْيَا وَلَا زَنَكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ * القمان: 33]. ألا هل بلغت اللهم فاشهد، وصل اللهم
ربي
وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (3/457)
صفحة 1546
458
الفتاوى المعاملات
تمهيد
الهبة والهدية
لقد ميّز الله البشر بما جعل فيهم من الخصائص الاجتماعية التي تشد كل إنسان إلى بني جنسه، ويتجلى ذلك واضحاً في التداخل بين المصالح المشتركة للجنس البشري، لذلك كان كل فرد من أفراد هذا الجنس يحس أعماق نفسه أنه لا غنى له عن سائر أفراد بني جنسه، وبما أن الإسلام دين الفطرة، فقد تضمن في تشريعه المتقن الدقيق كل ما يكون من أسباب الألفة والمودة بين الناس، ومن بين هذه الأسباب التهادي، لما للهدية من أثر في استلال الأحقاد وتطهير النفوس من أدران السخائم.
في
الحث على الهدية: لذلك جاءت الروايات عن النبي خاصة أمته على التهادي، ومن بينها ما أخرجه الترمذي من طريق أبي هريرة له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تهادوا يذهب عنكم وحر الصدر ولا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة)
والجزء الأخير من الحديث أخرجه الشيخان من طريق أبي هريرة أيضاً.
وجاء في رواية عند البخاري في أدبه، وعند البيهقي وغيرهما من طريق أبي هريرة أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تهادوا تحابوا (2) وهذا يعني أن الهدية تورث المودة بين المتهادين.
(1) أخرجه الترمذي في كتاب الولاء والهبة، باب: في حث النبي على التهادي (2130)، وأخرج الجزء الأخير منه البخاري في كتاب الأدب، باب: لا تحقرن جارة لجارتها
(6017)، ومسلم في كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بالقليل (1030). (2) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، باب: قبول الهدية (594)، والبيهقي في كتاب: الهبات، باب: شروط القبض في الهدية (169/ 6). (3/458)
صفحة 1547
بحوث
459
الفرق بين الهدية والهبة
والهدية غالباً تكون للتكريم، وهي في مدلولها تتفق مع الهبة، إلا أنها تكون من الأدنى إلى الأعلى، فقد يهدي الضعيف إلى القوي، والمحكوم إلى الحاكم، والصغير إلى الكبير، وأما الهبة فتكون من الأعلى إلى الأدنى، كيف والله ل هو الوهاب، وإنما سمي وهاباً لما يهبه عباده من الآلاء الكثيرة والنعم الواسعة.
تعريف الهدية:
واللغويون قالوا بأن الهدية هي ما ينقل من المنافع من أحد إلى غيره، واصطلح الفقهاء على أنها ما يدفع من غير عوض، ورأى القطب رحم الله أن يكون التعريف مقيداً بأنها ما كان بغير عوض مذكور، لأجل دخول هدية الثواب وهي الهدية التي يهديها الإنسان المستضعف - غالباً - إلى من هو أقوى منه، تعرضاً لمثوبته عليها وهدية الثواب حصلت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد أهدي إليه وأثاب على الهدية، كما ثبت ذلك في سنن الترمذي من حديث عائشة.
أقسام الهدية:
وبناء على هذا فإن الهدية تنقسم إلى أقسام منها هدية الثواب: وهي التي يهديها الفقير إلى الغني تعرضاً لجدواه، وهي مشروعة عند أكثر الفقهاء، لأجل ما روي عن النبي له من التعامل بها، إذ عَوَّض ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ كثيراً ممن أهدوه على هداياهم بعدما قبلها، وقد جاء من طريق ابن عباس ما أن أعرابياً أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعيراً فعوضه عنه ستة أبعرة، ولكنه لم يرضه هذا العوض، فأخذ يتشكى ويتسخط، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في الناس أنه لن يقبل هدية إلا من مهاجر أو أنصاري أو قرشي أو ثقفي أو (3/459)
صفحة 1548
?
الفتاوى المعاملات
دوسي
تجنباً لهذا الإحراج، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إليه أحد من الناس بهدية فعوضه عنها، وقال له هل رضيت؟ فقال له لا فزاده النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: هل رضيت؟ فقال له: لا فزاده ثالثة ثم قال له هل رضيت؟ فقال له نعم، فخطب
النبي صلى الله عليه وسلم وبين أنه رأى أن لا يتقبل هدية إلا من تلكم الجهات (1).
مغلف
ورأى الإمام الشافعي بطلان هدية الثواب لأنها شبيهة بالبيع أو أنها بيع ومع ذلك لا يكون قدر الثواب معروفاً، وهذا هو الغرر، والغرر غير
جائز في البيوع، بل يبطل به البيع.
ومنها هدية القربة إلى الله تعالى لا لأجل منفعة دنيوية، وهذه شبيهة
بالصدقة.
ومنها ما يكون بين الأقارب من أجل حسن الصلة بينهم، ويدخل في ذلك إهداء الرجل إلى أصهاره من أجل تقوية علاقته بهم وكذلك المرأة. وقد تكون الهدية من الخاطب إلى المرأة التي تقدم لخطبتها، من أجل تيسير مراده، وقد تهدي المرأة الرجل تودداً إليه لتنعم بالزواج منه، ومن المعلوم أن مثل هذا التهادي يجب أن يكون قبوله من المرأة أو الرجل مصحوبا بالرغبة في موافقة الآخر على ما في نفسه من الرغبة، أما عندما يقرر أي واحد منهما في نفسه رفض هذا العرض فعليه أن يرد الهدية، اللهم إلا أن يعوض عنها عوضاً هو خير منها.
أركان الهدية
وللهدية ثلاث أركان لا تتحقق بدونها وهي المهدي والمهدى إليه،
والعين المهداة، ولكل منها أحكامه في الفقه الإسلام.
(1) أخرجه أبو داود في كتاب الإجارة، باب: في قبول الهدايا (3537) من طريق أبي هريرة. (3/460)
صفحة 1549
بحوث
461
المهدي:
أما المهدي فيشترط فيه أن يكون إنساناً بالغاً عاقلاً حراً مالكاً لما يهديه، ويجوز أن تكون الهدية من مال اليتيم عندما يرى الخليفة القائم على مصالحه أن مصلحة ماله تتوقف على الإهداء، وذلك مما يدخل فيما دل عليه قول الله سبحانه: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَى قُلْ إِصْلَاحُ لَّهُمْ خَيْرٌ} [البقرة: 220] ولئن جاز في مال اليتيم فأحرى أن تجوز في مال غيره من الصغار والذين لا يملكون التصرف في أموالهم، وذلك من قبل الوالد أو الولي أو الوصي أو الخليفة، على أن يكون ذلك مراعاة لما يترتب على هذا الإهداء من مصلحة متيقنة لهم، تفي بقدر الهدية أو تزيد عليها. وقد أجاز العلماء قبول هدية الصغير فيما يتسامح فيه الناس عادة، كما أن الرقيق يملك قبول هديته مما ملكت يده، وذلك يتضح فيما لو أهدي إلى الرقيق شيء أو أوصي له به، أو استحق ملكه بأي وجه
أجاز من يرى
من الوجوه المشروعة.
المهدى إليه:
وأما المهدي إليه فيشترط فيه أن يكون صالحاً للتملك، ويدخل فيه الصغير والمجنون، وكل من لا يباح له التصرف في ملكه، كما يدخل الرقيق بناء على جواز تملكه كما تقدم.
ويجوز الإهداء إلى المؤسسات والمرافق العامة التي تعود منفعتها على الناس، فإن الإهداء إلى هذه المؤسسات بمثابة الإهداء إلى من يملك، لما لها من الشخصية الاعتبارية كالمساجد والمعاهد والمدارس والمستشفيات وملاجئ الأيتام ومنازل الأضياف والفقراء والمساكين واليتامى وجميع المؤسسات الخيرية، كما يجوز الإهداء إلى المؤسسات التي لا يملكها (3/461)
صفحة 1550
462 الفتاوى المعاملات
أناس بأعيانهم، وإنما هي للعامة، على أن يكون هنالك من يتقبل هذه الهدية ويحرزها نيابةً عن هؤلاء جميعاً، كوالد الطفل وولي أمر اليتيم ومالك الرقيق والخليفة الشرعي والوصي الشرعي ومن حُوّل إليه تمثيل المؤسسة في
معاملاتها.
الهدية:
أما الركن الثالث وهو ما يهدى فسيأتي - إن شاء الله ـ الحديث عنه فيما
بعد لأجل تشعبه.
اشتراط القبول في الهدية
هذا ويشترط في الهدية بذل مهديها لها ـ وهو مما لا خلاف فيه بين العلماء -، وقبول من أهدى إليه - على رأي الأكثرين منهم، وهو القول الراجح لاعتضاده بالكثير من الروايات منها ما رواه البخاري من طريق أبي هريرة مرفوعاً «لو أهدي كراع أو ذراع لقبلت، ولو دعيت إلى كراع أو ذراع لأجبت» (1) وفي رواية الترمذي «لو أهدي إليّ كراع لقبلت، ولو دعيت إليه لأجبت» (2)، والكراع هو ما كان دون المرفق، أصله في غير ذوات الأظلاف، وإنما يطلق على ذوات الأخفاف، ولكن استعمل حتى في الشاة، واشتهر ذلك حتى صار من الأمور الشائعة المعروفة.
وذكر بعض العلماء - ومن بينهم الحافظ ابن حجر العسقلاني ـ أن ذكر الكراع والذراع هنا من باب التنبيه على الأدنى وعلى الأعلى، فالذراع أعلى، والكراع أدنى، إذ كان النبي أحب اللحم إليه لحم الذراع، ورد بأن ذلك كله إنما هو تنبيه على الأدنى، إذ الذراع وحده لا يسد جوع أحد إن لم يكن
(1) أخرجه البخاري في كتاب الهبة بابه القليل من الهبة (2568). (2) أخرجه الترمذي في كتاب الأحكام، باب ما جاء في قبول الهدية (1336). (3/462)
صفحة 1551
بحوث
463
معه أعلى، فالنبي صلى الله عليه وسلم ما أراد بهذا إلا الحض على قبول الهدية وإن كانت شيئاً قليلاً يسيراً، لما في قبولها من تطييب خاطر المهدي، وما في ردها من الجفاء، وهو من مكارم أخلاقه - عليه أفضل الصلاة والسلام ـ، إذ لم يكن عظم شأنه باعثاً له على احتقار ما يهدى إليه، ويؤكده ما جاء في حديث «لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة)، والمراد به ظلفها أو ما يكون مع ظلفها، وفي رواية الإمام الربيع بن حبيب الله لا تحقرن جارة لجارتها ولو كراع شاة محرق» (2).
وذكر القبول في حديث أبي هريرة دليل على أنها لا تنتقل إلى ملك من أهديت إليه إلا بقبوله لها، ومما يؤكده ما أخرجه أبو داود من طريق أم كلثوم بنت أبي سلمة ـ وهي ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي الأهدى إلى النجاشي حلة وأواقي من مسك، وكان ذلك عندما تزوج - صلوات الله وسلامه عليه ـ أمها أم سلمة لنا فقال النبي الأم سلمة: «إني أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي من مسك ولا أرى النجاشي إلا قد مات ولا أرى هديتي إلا مردودة إلي فإن ردت إليّ فهي لك (3)، فردت إليه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ كما قال، فأعطى منها كل واحدة من أزواجه أوقية من مسك وأعطى الحلة وبقية الأواقي لأم سلمة، ودلالته ظاهرة أن الهدية لم تنتقل إلى ملك من أهديت إليه لخروجها عنه الله، وإلا لما كان للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقبل رجوعها إليه بعدما خرجت عنه، ومن العلماء من فرق بين أن يسلمها المهدي إلى رسوله أو إلى رسول من أهديت إليه، فإن سلمها إلى رسوله فهي لم تزل
(1) أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب: لا تحقرن جارة لجارتها (6017)، ومسلم في كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بالقليل (1030).
(2) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الزكاة والصدقة، باب: جامع الصدقة (359).
(3) أخرجه أحمد في مسنده (404/ 6). (3/463)
صفحة 1552
464
الفتاوى المعاملات
على ملكه حتى يتقبلها المهدى إليه، وإن سلمها إلى رسول المهدى إليه فاستلمها منه ان ذلك قبولاً لها نيابةً عمن أرسله، وبناءً على هذا الشرط فإن أهديت لصبي أو من لا يملك أمره فإن قبول والده أو وليه أو الخليفة القائم بأمره ويكفي، أما إن لم يكن قبول من أحد هؤلاء فإنها تكون معلقة حتى
له
يبلغ الصبي أن يرتفع المانع من اعتبار، قبوله، فإن قبلها بعد ذلك فهي وإلا فهي لصاحبها وله أن يرجع فيها قبل ذلك، وذلك بخلاف ما لو مات
الصبي
أو من لا يملك أمره.
اشتراط القبض
اشترط كثير من العلماء من أصحابنا ومن غيرهم القبض للهدية من قبل المهدى إليه أو من يقوم مقامه من وكيل أو غيره، ولذلك اشترط هؤلاء في الإهداء إلى الصبيان قبض أوليائهم أو وكلائهم أو الخليفة القائم بأمرهم أو من يقوم بمراعاة مصالح المسلمين من إمام أو محتسب، وفي مقدمة الأولياء الآباء، وهكذا حكم كل من لا يملك أمره كالمجانين أو الغياب، وإنما يقوم وكيل الغائب مقامه سواء كان توكيله من قبله أو من قبل ولي أمر المسلمين، ومن العلماء من لا يشترط القبول رأساً لثبوتها وانتقالها إلى المهدى إليه، ومنهم من اشترطه دون القبض وهو الذي رجحه صاحب النيل وتابعه شارحه قطب الأئمة - رحمهم الله -، ومن العلماء من فرق بين هدية
الوالد وغيره، فاشترط القبض في هديته دون هدية غيره.
وقد استدل من اشترط - سواء في هداية الوالد إلى أولاده فحسب أو على الإطلاق - باسترجاع أبي بكر الصديق له ما أهداه ابنته أم المؤمنين عائشة وهو عشرون وسقاً من جاد النخل مما ينبته بالمدينة المنورة، ولم تقبض ذلك حتى مرض مرض موته فقال لها وددت لو قبضته وإنما (3/464)
صفحة 1553
بحوث
? ?
هو
من
الآن مال الوارث وإنما هو أخواك وأختاك» (1)، واعتذر إليها بأنه ما أحد بعده أحب إليه غناه منها، وما من أحد أبغض إليه فقره منها، ولكنها بعدم قبضه فاتها، فكان لكل وارث حقه منه، وهي ما لم تتردد في التسليم لذلك بل ذكرت بأنه لو كان ما كان لما شرهت نفسها إليه، وأيد ذلك بما روي عن عمر له أنه حذر الآباء الذين ينحلون أولادهم نحلاً ولا يسلمونها لهم، بل يبقى أحدهم قابضاً لنحلته حتى إذا مات الولد قال: هذا مالي ولم
أنحله أحداً، وإن حضره هو الموت قال: هذا مال ولدي نحلته إياه، وبيَّن أن ما لم يقبضه المنحول فهو ملك للناحل ويقع فيه الميراث، وروي مثله عن علي - كرّم الله وجهه - وقال بعض أهل العلم بأنه لا يعرف لهؤلاء
،
مخالف من الصحابة، فهو في حكم الإجماع، ويعني به الإجماع السكوتي، وهو وإن كانت حجته ظنية إلا أنه إن لم يعارض بحجة أقوى فلا مانع من
الاستدلال به.
والمستدلون بهذا على التفريق بين ما أهدي للولد وما أهدي إلى غيره راعوا مورد كل ما حكي عن الخليفتين أبي بكر وعمر، إذ ما قاله أبو بكر إنما كان فيما بينه وبين ابنته وما روي عن عمر إنما هو في نحل الآباء لأولادهم، أما جمهور الذين اشترطوا القبض فإنهم لم يقصروا هذا الحكم على مورده فحسب، وإنما نظروا إلى نفس اشترط القبض فجعلوه حكماً مطرداً في كل ما يهدى سواء كان لولد أو لغيره، لأن العلة واحدة، ولا معنى لتخصيصها بالولد دون غيره وقولهم هذا من القوة بمكان، إذ لا معنى للتشديد فيما بين الوالد والولد وعدم التشديد فيما بين الآخرين، لأن ما بين الوالد وولده من الانسجام والصلة داع للتسامح أكثر مما بينه
(1) أخرجه مالك في الموطأ (576/ 2)، والبيهقي في السنن الكبرى (170/ 6). (3/465)
صفحة 1554
??
الفتاوى المعاملات
وبين غيره، على أنهم راعوا ذلك فيما بين الزوجين، فلم يشترط أكثرهم القبض فيما يهديه أحدهم للآخر، وعللوا ذلك بأن ما بينهم من الألفة والمودة والانسجام في شؤون الحياة كاف لجعل ماليهما كالمال الواحد، وهذا الذي ذهب إليه مشترطو القبض في ثبوت الهدية ما عدا ابن بركة إذ
لم ير وجهاً لاستثناء الزوجين.
حكم رجوع المهدي في هديته:
عندما تنتقل الهدية إلى ملك من أهديت إليه حكماً سواء بمجرد الإهداء عند من يقوله، أو مع القبول عند من يشترطه، أو معه القبض عند ومع من يشترطهما جميعاً فلا يجوز للمهدي رجوعه فيها، لما ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مثل من أهدى إلى أحد هدية ثم رجع في هديته كمثل الكلب يرجع في قيئه»، وفي رواية ليس لنا مثل السوء، مثل الراجح في الهدية كمثل الكلب يقيئ ثم يرجع في قيئه»، وتضافرت بهذا الروايات من طرق شتى يشد بعضها بعضاً، وكلها تدل على سوء المثل فيمن يرجع في هديته واستدل ابن بركة لهذا بأن الهدية قد انتقلت إلى ملك المهدى إليه وأخذها منه بغير إذنه يعد تعدياً على مال الغير، سواء كان ممن أهداها أو من غيره، والعدوان على مال الغير ظلم ترتب عليه الوعيد الشديد في القرآن والسنة، ومما جاء منه في القرآن قوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ مِنكُمْ وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا الله وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانَا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا} [النساء: 29، 30]، ومما
(1) أخرجه البخاري في كتاب: الهبة وفضلها، باب: لا يحل لأحد أن يرجع في هبته (2479). (3/466)
صفحة 1555
بحوث
467
جاء منه في السنة، قوله صلى الله عليه وسلم «القليل من أموال الناس يورث النار» (1). والقول بحرمة الرجوع في الهدية هو الذي عليه أصحابنا والجمهور، وذهبت الحنفية إلى جواز ذلك ونسب إلى الهادوية، واستدل هؤلاء لما ذهبوا إليه بأن النبي صلى الله عليه وسلم شبه ذلك بحالة الكلب الذي يأكل حتى يشبع ثم يقيئ ثم يرجع إلى قيئه، والكلب غير مكلف، فمن وقع في ذلك لم يترتب على فعله هذا إثم، وهذا من عجيب الاستدلال، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ما ضرب لذلك هذا المثل الذي تتقزز منه النفوس وتنفر منه الطباع إلا لأجل التنفير منه. ولذلك قال «ليس لنا مثل السوء»، ومعناه أن على كل منا أن يحذر انطباق هذا المثل عليه، فإن مثل السوء لا يكون للنبي صلى الله عليه وسلم ولا لأتباعه، وإنما لمن انحرف عن الجادة وضل عن سواء السبيل، وناهيك ذلك حجة واضحة على حرمة ما ضرب له المثل ومن رضي لنفسه ذلك فعلى من حوله نصحه وإرشاده وتبصيره بسوء هذا المثل الذي ينطبق عليه، فإن أصر وأبى إلا أن يتبع هواه فإنه ينبغي أن تعاد إليه هديته إذ لا خير في هدية أمثاله.
هذا ومما يؤيد الجمهور فيما ذهبوا إليه أن الهدية من أقوى أسباب التراحم والتلاحم بين الأقربين والأصدقاء، وما الرجوع فيها إلا مهيج للسخائم ومؤجج للأحقاد، وذلك ما لا جواز له في شرع الله تعالى، فإن جميع ما شرع في الإسلام مما يكون في العلاقات بين الناس مطفئ لنار الفتن وقاطع لدابر الشقاق والخلاف.
وأجاز أهل العلم الرجوع في هدية الثواب إن لم يعوض مهديها لأنها كانت من أجل العوض فإن شح به المهدى إليه كان للمهدى أن يرجع فيها، بل من العلماء من ذهب إلى أنها حكمها حكم البيع بحيث ترد بظهور
(1) أخرجه الإمام الربيع باب في الوعيد والأموال (690) من طريق ابن عباس. (3/467)
صفحة 1556
468
الفتاوى المعاملات
العيب فيها، وتجوز التولية والإقالة فيه، بل يقال إن الشفعة تترتب عليها بخلاف ما ابتغي به وجه الله فإنه في حكم الصدقة، وقد جاء في الحديث تشبيه المتصدق الذي يرجع في صدقته بالكلب أيضاً.
هذا وبما أن الولد وماله لأبيه - كما جاء في الحديث ـ فإن إهداء الوالد لولده لا يعد خروجاً لما أهداه عن ملكه فلذلك أجيز استرداد الوالد له، وهذا مما جاء استثناؤه في الحديث، ففي السنن عنه ـ صلاة الله وسلامه عليه ـ «لا يعود أحد في هديته إلا ما أهداه والد لولده)، وهذا الذي عليه أكثر أهل العلم، وذهب أحمد وأبو ثور إلى عدم استثناء ذلك، وبناء على قولهما فإن الوالد كغيره في هذا الحكم إلا أن النص على هذا الاستثناء في الحديث مع ما جاء في الروايات الأخرى من أن للوالد أن للوالد أن ينتفع بمال ولده كماله يدل على أن رأي الجمهور أرجح، وعلى رأي الأكثرين فإن للأم في ذلك ما للأب لانطباق وصف الوالدية عليها، بل حقها على ولدها أعظم من حق أبيه، ومن العلماء من ألحق بهما في ذلك الجد والجدة من قبل الأب أو من قبل الأم، لأن وصف الوالد ينطبق عليهم جميعاً.
العدل بين الأولاد في العطية
مع
نحلته
ما أوتي الوالد من سلطة في مال الولد إلا أنه شدد عليه في لأولاده فمنع أن يؤثر أحداً منهم على غيره، وفرضت عليه العدالة فيما بينهم جميعاً، لما في محاباة بعضهم وتخصيصه بالعطية أو إعطائه أكثر مما أعطى
(1) أخرجه النسائي في كتاب الهبة باب: رجوع الوالد فيما يعطي ولده (3692)، وأبو داود في كتاب: البيوع والإجارات، باب: الرجوع في الهبة (3539)، والترمذي في كتاب: البيوع، باب: ما جاء في الرجوع في الهبة (2131)، وابن ماجه في كتاب: الهبات، باب: من أعطى ولده ثم رجع فيه (2377). (3/468)
صفحة 1557
بحوث
469
غيره من إيغار لصدورهم وإيقاد لنار الحسد والبغضاء في نفوس المحرومين فإن أولاده جميع هم بحاجة إلى حنانه وبره، وجميع الأحكام الشرعية تدور حول المصلحة وتقتضي أن تكون الصلات بين الناس -
منهم،
لا سيما الأقارب - قائمة على الود والتفاهم والوئام والانسجام، وإن من أبرز سماتها سد ذرائع الفساد وقطع دابر الشقاق والخلاف، وهذا ما دل عليه حديث النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم» (1)، وجاء من طريقه ـ أيضاً ـ أن والده بشير بن سعد نحله نحلة بطلب من امرأته عمرة بنت رواحة ـ وهي أم النعمان ـ وقالت له: أشهد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: يا رسول الله إني نحلت نحلت ابني وفي رواية نحلت ابني هذا نحلة من مالي وأشهدك على ذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أكل ولدك نحلت مثله قال له: لا، قال له: فارجعه» (2)، وفي بعض الرويات «لا تشهدنا إلا على حق» (3)، وفي بعضها هذا جور»، وفي أخرى لا تشهدني على جور» (4) وفي غيرها «أشهد على هذا غيري (0) إلى غير ذلك من الألفاظ المروية، وهي جميعاً تدل على عدم إقرار هذا الأمر، وهذه الروايات بعضها في مسند الإمام الربيع بن
غلاماً.
-
(1) أخرجه النسائي في كتاب: النحل، باب: ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر النعمان (3689)، وأبو داود في كتاب: الإجارة، باب: في الرجل يفضل بعض ولده في النحل (3544)، وأحمد في مسنده (275/ 4).
(2) أخرجه البخاري في كتاب الهبة، باب: الهبة للولد (2586). (3) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الأحكام (595)، ومسلم في كتاب: الهبات، باب: تفضيل بعد الأولاد في الهبة (1624)، وأبو داود في كتاب الإجارة، باب: الرجل يفضل بعض
ولده (3545).
(4) أخرجه النسائي في كتاب النحل باب ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر النعمان (3685). (5) أخرجه النسائي في كتاب النحل باب ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر النعمان (3687). (3/469)
صفحة 1558
470
الفتاوى المعاملات
حبيب، ومنها ما هو في الصحيحين، وبعضها عند أصحاب السنن وغيرهم. من أجل هذا قال أصحابنا وطائفة من أهل العلم - منهم طاوس وأحمد وإسحاق ـ بأنه يتحتم العدل بين الأولاد، وذهب جمهور أهل العلم من المذاهب الأخرى إلى أن العدالة مستحبة وليست واجبة، وهو بعيد من الصواب لمخالفته هذه الأدلة الصريحة بوجوب العدالة، كيف وقد أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «اعدلوا بين أبنائكم مكرراً ذلك ثلاثاً لأجل تأكيده وأمره من أمر الله تعالى لوجوب طاعته وحرمة معصيته، فيحمل على الوجوب ما لم تصرفه قرينة وليست هنا قرينة صارفة له إلى غير الوجوب، بل القرائن بأسرها متضافرة دلالاتها على تأكيد الوجوب، وكفى بالتكرار حجة على ذلك، فإنه لا يقصد به إلا التأكيد بجانب كون النبي صلى الله عليه وسلم امتنع من الشهادة على ذلك، وسماه جوراً، ومفهوم ذلك أن هذا ليس بحق، وقال «لا تشهدنا إلا على حق»، ومفهوم ذلك أن هذا ليس بحق، ونقيض الحق هو الباطل، فماذا بعد الحق إلا الضلال والباطل مردود على فاعله.
الرد على أجوبة الجمهور على حديث النعمان بن بشير:
وقد حاول الجمهور التخلص من هذا الذي يدل عليه الحديث من المنع بالعديد من الأجوبة التي لا تفيد شيئاً، وقد أورد كل من الحافظ ابن حجر والشوكاني عشرة أجوبة لهم، حاولوا بها صرف حديث النعمان بن بشير عما
يدل عليه من المنع.
منها: أنه أتاه أبوه
جميع
ماله فلذلك امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من الشهادة على هذه العطية وشدد في ذلك، وهو مردود بأنه جاء في بعض الروايات أنه نحله غلاماً، ولم يكن الغلام كل ما يملكه، وفي بعضها أنه قال: نحلت ابني هذا نحلة من مالي وهو نص على أنه أعطاه شيئاً من ماله ولم يعطه جميع (3/470)
صفحة 1559
بحوث
471
المال، على أنه لم تأت رواية قط تدل ولو من بعيد على أنه نحله
ماله.
جميع
ومنها: أن للإنسان أن يعطي غير أولاده جميع ماله، ولئن جاز ذلك في غير ولده فلم لا يجوز في ولده على أنه لا يعطيه جميع المال وإنما بعضه، وهو مردود بكونه قياساً في مقابل النص، ولا يسوغ القياس مع النص - كما أفاد ذلك الحافظ ابن حجر، على أن هناك فارقاً بيناً بين عطيته للأولاد وعطيته لغيرهم، إذ لا يخشى من عطيته لغير الأولاد أن يثير عداوة وبغضاء بين الذين أعطوا وبين غيرهم، أما الأولاد فبخلاف ذلك - كما سبق ـ فإن إيثار بعضهم على بعض لا يترتب عليه إلا ثوران الغيرة في نفوس المحرومين فإن قيل: إن عطيته لغيرهم ـ أيضاً ـ قد تسبب لهم الاستياء والكراهية، لأنهم يحسبون أن أباهم آثر غيرهم بما يملك، والجواب أن ذلك وإن كان مما يتوقع إلا أن أثره أقل ضرراً من أثر ما يكون من الكراهية والقطيعة بين الإخوة، فإن غيرتهم من الأجنبي ليست كغيرة بعضهم من بعض، والصلة التي تجب أن تكون بينهم أنفسهم أبلغ مما يجب يكون بينهم وبين غيرهم. ومنها: أن من القرائن التي تصرف هذا الأمر من الوجوب إلى الندب صنيع أبي بكر وعمر لها، فقد نحل أبو بكر له عائشة ـ رضوان الله عليها - ما نحلها، ونحل عمر له ابنه عاصماً، وأجيب بأن صنيع أبي بكر كان بموافقة سائر أولاده وطيب نفوسهم، كما نص على ذلك عروة، وهو لا يقول إلا عن دراية فإنه ابن أخت عائشة، وعلى هذا يحمل صنيع الفاروق، ومن المعلوم أنه يجب ما ينسب إلى الخليفتين الراشدين - رضوان الله عليهما ـ على موافقة السُّنَّة لا على مخالفتها على أنه لو ثبت خلاف ذلك فإن الحجة فيما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لا فيما ذهب إليه غيره
أن (3/471)
صفحة 1560
472
الفتاوى المعاملات
ومنها: أن النبي ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ ذكر لبشير ما يدل على أن هذا من باب الإرشاد لا من باب الإلزام إذ قال له: «ألا تريد أن يكونوا في برك سواء؟»، قال له: نعم، قال له: «فرجعه إذن»، وهو مردود بأن هذه الرواية لا تقوى دلالتها على رد ما دلت عليه الروايات الأخرى من كون ذلك جوراً وليس حقاً، إذ لا مسوغ على حمل ذلك على الإرشاد، مع كون الروايات الأخرى صريحة في دلالتها على خلاف ذلك، وإنما غاية ما تدل عليه هذه الرواية هو بيان الحكمة من هذا التوجيه النبوي الشريف، فإن الأب مطالب بتربية أولاده جميعاً على ما يحفزهم على بره والإحسان إليه، وهذا
مطلب فطري تتطلع إليه نفس كل والد فضلاً عن كونه مطلباً شرعياً.
ومنها: أن هذه العطية لم تكن عطية منجزة، لأنها كانت بدون قبض، وأجيب بأن القبض حاصل، لأن العطية كانت ماضية من قبل، فإنه قال: «نحلت» وهو يدل على أن العطية قد أمضاها، وإنما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم لطلب الشهادة منه على ذلك للاستيثاق بشهادته - عليه أفضل الصلاة والسلام ..
ومنها: أن هذه العطية كانت ماضية ولكنه أراد إرشاده إلى الأولى، ويدل على أنها نافذة شرعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بارتجاعها، ولا يكون الارتجاع إلا للذي نفذ، وهو مردود لأن أمره بالارجاع ما كان إلا بسبب عدم موافقة العطية للأمر الشرعي.
ومنها: أن امتناعه عن الشهادة ما كان إلا لأنه هو الحكم بين الناس، ولا ينبغي لمثله أن يشهد، وإنما يسمع الشهادة من غيره، فلذلك أرشد بشيراً إلى أن يشهد غيره كما هو واضح في قوله: «أشهد غيري»، وما كان ليأمره بإشهاد غيره لولا أن ذلك جائز، وهو مردود بأن قوله: «أشهد غيري» غير خارج مخرج الإرشاد والتوجيه ولكنه وارد مورد التهديد والتغليظ، استنكاراً (3/472)
صفحة 1561
بحوث
473
لفعله، وكيف يحمل هذا المحمل والروايات الأخرى تدل على أنه بعيد عن قصده الله كقوله: «لا تشهدنا إلا على حق، وقوله: «لا تشهدني على جور»، وقوله: «هذا جور»، وهي دالة على أنه لالالالالالا لا يمتنع عن الشهادة إن استشهد على حق ولو كان هو الحكم بين الناس.
فهذه صورة من الاعتراضات الموجهة إلى الاستدلال بالحديث على المنع، وهناك اعتراضات أخرى وهي كلها ساقطة متهالكة إذ لا يعدو أي منها أن يكون فراراً من الواضح إلى المشكل.
حكم ما لو اختص الوالد بعض أولاده بالعطية:
هذا وإذا ثبت عدم جواز اختصاص الوالد بعض أولاده دون بعض
مع
بالعطاء أو إيثار بعضهم على بعض فيه، فكيف لو فعل؟ هل يقر فعله. تحميله وزر ما فعل؟ أو يرد لمخالفته الحق؟، ذهب أكثر القائلين بالمنع إلى أن فعله - وإن كان محجوراً يبوء بوزره ـ لا يرد في الحكم وهو المروي عن أحمد، وذكر الإمام السالمي رام الله أنه ظاهر المذهب. ولئن كانت الأقوال - وإن جلت منزلة قائلها - لا تعدو أن تكون دعاوى
مع
دلالة صريح
الأدلة
الحديث أنه
أعوزتها البينات ما لم تساندها الأدلة، فإني لا أرى لهذا القول وجهاً لقيام على خلافه، فليت شعري كيف يقر غير الحق جور، وماذا بعد الحق إلا الضلال، وأدلة الكتاب والسُّنَّة شاهدة على أن كل ما خالف الحق فهو منقوض من أساسه ومردود على من جاء به، كيف وقد قال تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُهُ هُوَ زَاهِقٌ} [الأنبياء: 18]، وقال: {إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81]، وقال: {لِيُحِقَ الْحَقِّ وَيُبْطِلَ الْبَطِلَ} [الأنفال: 8]، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وفي حديث آخر: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، فكيف يسوغ مع ذلك أن (3/473)
صفحة 1562
474
الفتاوى المعاملات
يقرّ في الحكم الشرعي أمر جاء مخالفاً لحكم الشرع الثابت بصريح السنة النبوية ـ على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ـ مع أن الله تعالى قد أمر بطاعته صلى الله عليه وسلم وحذر عن معصيته حيث قال: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حمل وَعَلَيْكُم مَّا حَمَلْتُمْ} [النور: 54]، وقال تعالى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63)، وبين تعالى أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم من طاعته ل حيث قال مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80، وأمر مع التنازع أن يحتكم إليه وإلى رسوله حيث قال: {فَإِن نَنَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء: 59].
ولله در العلامة أبي محمد بن بركة ـ ما أصوب رأيه وأعمق نظره ـ حيث قال: بأن من فعل هذا فقد خالف الحق الذي جاء به شرع الله الحق رد إليه كارهاً.
خالف ومن
ولئن كانت المقاصد الشرعية تراعى في ترجيح الأقوال فإن مقصد الشارع من هذا واضح وهو إقرار العدالة بين الأولاد ورفع الحيف في التعامل معهم لإبقاء العلاقات بينهم قائمة على الود والوئام، فلا مجال عن العدول عما يقتضيه هذا المقصد.
هذا وقد أرجأنا فيما تقدم بيان الركن الثالث من أركان الهدية وهو العين المهداة ونختتم ـ إن شاء الله - حديثنا هذا ببيان ذلك.
العين المهداة:
قد اتضح مما سبق في بيان حكم الركن الأول أن المهدي لا بد من أن يكون مالكاً لما يهديه متمكناً شرعاً من التصرف فيه، وبهذا يتضح أن ما يهدى يشترط فيه أن يكون مملوكاً لمن أهدى. (3/474)
صفحة 1563
بحوث
475
وتتنوع الهدية إلى نوعين، لأنها إما أن تكون تمليكاً للرقبة، وإما أن تكون تمليكاً للمنفعة، فإن كانت تمليكاً للرقبة فإن العين المهداة تنتقل ملكيتها بجميع منافعها إلى من أهديت إليه، فلا تمنع يده أن يتصرف فيها أي تصرف يباح شرعاً لمن ملكها، وإن كانت تمليكاً للمنفعة فإن ملكية عينها تبقى لصاحبها الأول وهو مهديها، وإنما يملك من أهديت إليه منفعتها تلك المنفعة وحدها، وهذا يتصور في كثير من الأشياء، منها المنيحة وهي الشاة اللبون، تمنح أحداً لينتفع بلبنها إلى أمد، وذلك مما يعد من القربات، كما في مسند الإمام الربيع بن حبيب رحمه الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير الصدقة المنيحة الصفي تروح بإناء وتغدو بآخر»، ومن المعلوم أن رقبة الشاة لا تنتقل ملكيتها بذلك إلى من أهديت إليه، فليس له بيعها ولا ذبحها ولا إهداؤها لغيره، وإنما ينتفع بما تدره من اللبن وذلك هو ملك المنفعة، ومثل ذلك ما لو أعطى أحد غيره دابة ليركب على ظهرها أو يحمل عليها متاعه أو يستخدمها في الحرث أو السقي أو نحو ذلك، ومثل ذلك حكم السيارة وسائر المركبات والآلات، فإن العين في هذه الأحوال كلها تبقى ملكاً لصاحبها، ولا يملك المعطى إلا المنفعة التي أبيحت له.
العمري والرقبى:
ومثل ذلك العمرى والرقبى والعمرى هي أن يعمر أحد غيره عقاراً كبيت يسكنه أو أرض يحرثها أو حديقة يستغلها، بحيث يقول له: أعمرتك أو عمرتك هذا المال مدة حياتك فإن مت رجع ذلك إليّ، وقد وقع خلاف أهل العلم في حكمها، فمنهم من قال بأنها لا تسترد من قبل صاحبها، وهؤلاء استدلوا بحديث جابر بن عبد الله له عند مسلم أن الأنصار كانوا يعمرون إخوانهم المهاجرين الله أموالهم فقال لهم النبي: «أمسكوا
ما (3/475)
صفحة 1564
476
الفتاوى المعاملات
عليكم أموالكم فإن من أعمر أحداً عمرى فهي للمعمر ولعقبه أبداً»، والحديث يفيد أن العمرى تنتقل إلى ورثة من أعمرها كسائر تركته، ولكن هذا الإطلاق فيه قيّد في حديث آخر، فعنه من عمر ـ وفي رواية من أعمر - عمرى له ولعقبه فهي للذي أعمرها أبداً»، وهو يفيد أن حكم العمرى بأنها للمعمر ولعقبه إنما هو مشروط بأن تكون مقرونة بالتعقيب، وذلك بأن يقول المعمر للمعمر: أعمرتك لك ولعقبك، وقد قال بهذا طائفة من أهل العلم وهو أرجح لوجوب حمل المطلق على المقيد، وذهب من ذهب من أهل العلم إلى أن العمرى ترجع مع التعقيب وعدمه إلى المعمر وهو المالك الأول، وهذا القول هو من الضعف بمكان لمخالفته الأدلة الشرعية وهي نصوص الحديث التي ذكرناها، ولئن كانت الهدية مشروطة بالقبول - كما سبق ـ فإن العمرى لا تكون نافذة إلا إذا قبلها المعمر.
وأما الرقبى فكالعمرى وإنما تختلف صيغة الإهداء فيها، وذلك أن المهدي قول للمهدى له قد أعمرتك كذا على أني إن مت قبلك فهو لك،
وإن مت قبلي فهو لي، وذلك أن كلاً منهما يكون مراقباً لموت الآخر. هذا ومسائل الهبة والهدية أوسع مما ذكرنا، وإنما أوردت في هذا المقام (1) ما سنح للذاكرة واتسع له الوقت والله ولي التوفيق، وصلى الله
وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(1) كان هذا تلخيصاً لمحاضرة ألقاها سماحته ثم أعاد صياغتها. (3/476)
صفحة 1565
بيع العينة
بحوث
477
الحمد لله ذي الجلال والإكرام الذي شرع لعباده الحلال والحرام، ليهلك من هلك عن بيئة ويحي عن بينة، ويحيى من حي عن بينة، وجعل فيما أباحه البيع، لضرورة الناس إليه، وفيما حرَّمه الربا، لترتب الكثير من المفاسد عليه، أحمده تعالى بما هو له أهل من الحمد وأثني عليه، وأستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه، وأؤمن به وأتوكل عليه من يهده الله فلا مضل له. ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله أرسله إلى خلقه هادياً وبشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ رسالة ربه، وأدى أمانته، ونصح هذه الأمة، وكشف الله به عنها الغمة، صلى الله وسلم تسليماً عليه، وعلى آله أجمعين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم
الدين.
وصحبه
أما بعد، فبتحية الإسلام الخالدة التالدة أحيّيكم أيها الإخوة الكرام: فالسلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته ...
إن الله الله لم يخلق عباده، هملاً ولم يتركهم سدى، بل خلقهم ليتحملوا أمانة وهم مجزيون بأعمالهم، ومحاسبون عليها، وقد أقام عليهم الحجة بما أرسل إليهم من رسله وأنزل عليهم من كتبه، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيَّ عن بينة، وقد بيّن لهم ما أحله لهم وما حرمه عليهم، ولم يجعل لأحدٍ منهم أن يقدم بمجرد هواه على تحليل ما يريد تحليله، وتحريم ما يريد، تحريمه، فإن أمر التحليل والتحريم إلى الله تبارك وتعالى، وقد قال عزّ من قائل: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) [النحل: 116]، فالحلال ما أحله الله الله، ولو راق الناس تحريمه، والحرام ما (3/477)
صفحة 1566
478
الفتاوى المعاملات
حرمه عليهم ولو أنهم اختاروا لأنفسهم تحليله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36]، وقد أنزل الله الا الله كتابه على عبده ورسوله، فيه تبيان كل شيء، ولكن في تضاعيف آياته وأحكامه مبهمات، هذه المبهمات فصلتها سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد بين الله لنا في كتابه أن من مهام الرسول صلى الله عليه وسلم التي اضطلع بأمانتها تبيين مجملات هذا الكتاب، فهو تعالى يقول: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44)، وجاءت سنته مفصلة لمجملات القرآن الكريم، ومُخصصة لكثير من عموماته ومقيدة لكثير من مطلقاته، وبما أن هذه السُّنَّة هي من وحي الله تعالى، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْى يُوحَى} [النجم: 3، 4، ليس لأحد الاختيار فى القبول والرفض فيما جاء عنه ـ صلوات الله وسلامه عليه، بل يلزم التسليم التام لذلك، وذلك هو عنوان الإيمان يقول الله: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]، فما كان لأحد يؤمن بالله وبرسوله أن يعترض على شيء من أمر الرسول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام، كما أنه لم يكن له أن يعترض على شيء من أمر الله الا الله له ف التسليم التام هو شأن المؤمن الذي رضي شأن المؤمن الذي رضي بالله رباً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً، وبالقرآن الكريم هادياً ودليلاً، وسوف يكون حديثنا هنا منصباً حول بعض البيوع الممنوعة في الإسلام، وهو موضوع جديرٌ بالاهتمام، فكم هي البيوع المحرمة في الإسلام التي يتعامل بها الناس الآن، إما لجهلهم بأحكام الله وبأحكام رسوله - عليه أفضل الصلاة والسلام، وإما لجشعهم المالي بحيث استولى هذا الجشع على نفوسهم، حتى لم يبق للإيمان أثر فعلي في هذه النفوس، فانقادوا للشهوات المالية انقياداً.
6 (3/478)
صفحة 1567
بحوث
479
إن الله لبين للناس ما يأتون وما يذرون، ولذلك شاع في الناس الكثير من الأحكام الشرعية، فتبين لهم الحلال والحرام، ولكن بقيت هناك شبهات متعددة، وقد جاء في الحديث الذي أخرجه الشيخان عن النعمان بن بشير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعرفهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك جمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، القلب)، فالنبي يبين هنا أن الحلال بين والحرام بين، ولكن
ألا
أن
وهي
يدوس
هنالك مساحة ما بين الأمرين، وهي مساحة الشبهات التي يجهلها الكثير من الناس، فهذه الشبهات يجب أن تُتَّقى، لأن من وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام، ومثله كمثل الذي يرعى حوى الحمى، فإنه قد يندفع إلى ذلك الحمي، ويتجاوز ذلك الحجر، ولكل ملك حمى، وحمى الله تبارك وتعالى محارمه، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أتبع ذلك بيان المضغة التي في الجسد يترتب عليها صلاح الجسد وفساده، فإن صلحت صلح الجسد كله، وإن فسدت فسد الجسد كله، وهي القلب، ذلك لأن للوقوف عند حدود الله تبارك وتعالى بالاقتصار على ما أحل دون ما حرم تأثيراً في إصلاح القلب وكذلك لتعدي حدود الله وانتهاك محارم الله سلام الله تأثيراً في إفساد القلب، فالقلب يتأثر بالمعصية تأثراً بالغاً، فكيف للإنسان الذي يعيش على الحرام، يأكل الحرام ويشرب الحرام، ويلبس الحرام، وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يرفع يديه إلى السماء يا رب
(1) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه (52)، ومسلم في كتاب: المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات (1599). (3/479)
صفحة 1568
480
الفتاوى المعاملات
يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وغُذّي بالحرام فأنى يُستجاب لذلك (1). وجاء في حديث أبي هريرة رسل المال الذي أخرجه أحمد وأصحاب السنن وابن جرير الطبري ما يدل على تأثر القلب بأية معصية يرتكبها الإنسان، عندما يُسْلِسُ لها القياد ولا يقاومها حتى يتخلص من آثارها، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن العبد إذا أذنب الذنب نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو تاب ونزع واستغفر صقل، وإن هو عاد عادت حتى تملأ قلبه، فذلك الران الذي ذكر الله في قوله: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (المطففين: 14] (2)، وهكذا شأن معصية الله تعالى ـ والعياذ بالله ـ، وهذا يدعو الإنسان إلى أن يتحرى الحلال، وأن يحرص عليه، وأن يقتنع به، وأن يكف عن الحرام وعن الشبهات، حرصاً على إصلاح قلبه الذي هو سلطان جوارحه، تنقاد له الجوارح، وتتبعه في فساده وصلاحه، وقد أحل الله تبارك وتعالى من فضله لعباده البيع، وحلّية البيع أمر ضروري تتوقف عليه مصالح العباد جميعاً، وهو أمر تعورف عليه في الأوضاع البشرية جميعاً، ذلك لأن الناس محتاجون إلى الانتفاع بالمطعم والمشرب والملبس والمسكن وغير ذلك مما تتوقف عليه منافعهم، ولم تكن هذه الأمور ميسرة لكل أحد يستقل بتيسيرها لنفسه بنفسه، وإنما يحتاج الإنسان إلى ما في يد غيره، والنفوس جُبلت على الشر، فلو لم يشرع لهم البيع، ولو لم يتعارفوا على البيع، لكانت مشكلة كبيرة، لأنه إما يبقى الإنسان محروماً مما يحتاج إليه ويفتقر من المنافع التي جعلها الله تبارك وتعالى في أيدي غيره من الناس، وإما أن يتناولها بالعدوان، وذلك مما يؤدي
(1) أخرجه مسلم في كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب (1015) من طريق أبي هريرة.
(2) أخرجه الترمذي في كتاب التفسير باب ومن سورة ويل للمطففين (3345)، وابن ماجه في كتاب الزهد باب ذكر الذنوب (4244). (3/480)
صفحة 1569
بحوث
481
إلى التدافع، وتكون عندئذ الفتن، وتحصل الكوارث التي تأتي على الطارف والتليد، وتهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد، فلذلك شرع الله الله أحكام البيع، وجعل البيع ما تميل إليه نفوس العباد من أجل قضاء المصالح وتبادل المنافع، ويسره لهم تيسيراً، ولكن بجانب ذلك فإن الله تبارك وتعالى لم يكل أمر البيع إلى أهواء العباد، وإلا لتصرفوا تصرفاً يؤدي إلى الضرر فيما بينهما، وإنما ضبط الله الا الله في أحكامه التي أنزلها في كتابه وبينها رسوله البيع بضوابط أخلاقية هذه الضوابط كلها تنم عن الرحمة، وتدعو إلى البر والإحسان بين الناس، وتحد من جشع النفوس وحرصها على المال، فالبيع في الإسلام مضبوط بهذه الضوابط، ولذلك نهي عن كل بيع يترتب عليه فساد، لأن الله تبارك وتعالى جعل الإسلام رحمة للعباد {وَمَا أَرْسَلْنَك إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].
ونحن عندما نرجع إلى الأوضاع البشرية القديمة والحديثة، والأنظمة التي تتعلق بهذا الأمر المهم الحيوي في حياتهم، نجد أن ما جاء به العباد ظلم في ظلم، فالعباد لم يشرعوا لأنفسهم القانون الأخلاقي في معاملاتهم فيما بينهم، بل نجد الاستغلال البالغ والوحشية التي تتجاوز الحدود، وهذا مما هو معروف في جميع الحضارات التي تعاقبت على المحيط الإنساني منذ عهود قديمة فجميع الأمم الموصوفة بالحضارات منذ أقدم العصور كانت معروفة بالمعاملات الربوية، وعدم التورع عن الربا، واستغلال حاجة المحتاج، وكذلك عندما ننظر إلى الأوضاع المالية البشرية في العصر الحاضر فإننا نجد أن الأنظمة البشرية لم تأت بخير، فهي تستغل حاجة الإنسان استغلالاً دنيئاً خطيراً، فها هي هذه الأمم المتحضرة الآن التي تنادي باسم الحضارة الإنسانية وبحقوق الإنسان وترفع عقيرتها لتزعم بأنها راعية لهذه الحقوق نجدها منغمسة انغماساً غريباً في هذا الأمر، والمسلمون (3/481)
صفحة 1570
482
الفتاوى المعاملات
- مع الأسف الشديد بسبب عدم استقلالهم في المناهج الاقتصادية ـ هم تبع لغيرهم، متأثرون بهذه المناهج تأثراً أتى على كل دقيقة وجليلة من معاملاتهم، فهم منساقون وراء غيرهم انسياقاً، وقد اعتبروا المعاملات الربوية مظهراً من مظاهر الحضارة، حتى أن الذي ينادي بحرمة الربا ومنعه وأنه حرب بين العباد وبين ربهم الا الله يعدونه متخلفاً، وأنه ينزع منزعاً رجعياً في فكره، وعندما ننظر إلى الوضع في المجتمع الشيوعي نجد أن الشيوعية في مجتمعاتها حرمت الربا، ولكن بجانب ذلك لم تمتنع عن التعامل بالربا فيما بين دولها وما بين سائر الدول، بل هي تتعامل بالربا كما تتعامل المؤسسات الرأسمالية من غير فرق، وليس تحريم الربا في المجتمعات الشيوعية رفقاً بالعباد أو رحمة بهم، ولكن لأن الأنظمة الشيوعية أتت على كل ما كان للناس من أموال وحقوق، فالدولة هي مالكة للجميع، وليس البشر الواقعون تحت سلطاتها إلا كالدمى التي تتحرك بضغط على الأزرار، فهي لم تأت بخير، ولكننا عندما ننظر إلى الإسلام دين الله الله الحق، وإلى منهجه الاقتصادي، وإلى حكمه في التعامل نجد الرحمة والأخلاق، ونجد التربية للضمير الإنساني هذه التربية التي لم يعرفها مجتمع من المجتمعات، ولا فلسفة من الفلسفات ولا نظام من الأنظمة هذه التربية للضمير الإنساني من خلال بعث الناس على التعاون فيما بينهم، تعاوناً يفيض بالرحمة وينضح بالإحسان ويتدفق بالمعروف.
إن الله له شدد في أمر الربا تشديداً بالغاً، فقد قال عز من قائل: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرّبوا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَنُ مِنَ الْمَسِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبوا وَأَحَلَ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبوا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَبِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275]، ويقول الله: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا (3/482)
صفحة 1571
بحوث
483
بَقِيَ مِنَ الرِّبوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأَذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 278 - 280]، والله تبارك وتعالى يبين في كتابه كيف يتدرج التعامل بالربا في أكل أموال الناس حتى تبقى أكفهم صفراً مما كانوا يملكون فالله تعالى يقول: {لَا تَأْكُلُوا الرّبوا أَضْعَفًا مُضَعَفَةٌ) [آل عمران: 130]، فالربا مع مرور الزمن يؤدي إلى أن يكون أضعافاً مضاعفة، ذلك كله مما يدل على الرحمة العظمى التي جاء بها هذا الدين الحنيف، وأن العمل به فيه السلامة والسعادة، وفيه الرحمة والبر والإحسان، وعندما يهجر الناس العمل بهذا الدين تكون الكارثة الكبرى، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم تضافرت بما يدل على التشديد في أمر الربا، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «اجتنبوا السبع الموبقات» (1)، وذكر من بينها أكل الربا، فجعل أكل الربا من الموبقات أي المهلكات، ويقول: «لعن الله الربا وآكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه»، وقال: «هم سواء» (2) واللعن هو الطرد من رحمة الله تعالى ولا يكون الطرد من رحمة الله إلا بسبب مقارفةٍ كبيرة من الكبائر، فإن اللعن لا يكون إلا على كبيرة، فإذا ترتب على أي معصية من المعاصي لعن دل على أن تلك المعصية من كبائر الذنوب، وقد جاءت أحاديث كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مشددة في أمر الربا، وإن طعن في أسانيدها إلا أنها صالحة للاستشهاد بها والاعتضاد بها في التنفير من الربا، من ذلك
(1) أخرجه البخاري في كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ الْيَتَمَى ظُلْمًا} (2766)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب: الكبائر وأكبرها (89). (2) أخرجه مسلم في كتاب المساقاة، باب: لعن آكل الربا ومؤكله (1598) من طريق جابر ابن عبد ال بد الله. (3/483)
صفحة 1572
???
الفتاوى المعاملات
الحديث الذي رواه الحاكم وصححه (1) عن ابن مسعود ه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الربا ثلاثة وسبعون باباً، أيسرها في الإثم مثل أن ينكح الرجل أمه»، والحديث روي بمعناه من طريق أبي هريرة عند ابن جرير الطبري «في الربا اثنان وسبعون بابا»، وجاء من رواية البراء الله الربا سبعون بابا»، وذكر هذه الأبواب لا يدل على الحصر، وإنما يدل على أن أبوابه كثيرة ووجوهه مختلفة، وشعبه متعددة، فعلى الإنسان أن يتقي الحَوْمَ حول الربا.
نحن لا نريد هنا أن نتناول موضوعات الربا التي هي معلومة للعباد، ولكننا نريد أن نبين بعض الأشياء التي يتذرع بها الناس إلى أكل الربا، فإنها من الخطورة بمكان، وهي محاربة بين هؤلاء الذين يأكلون الربا بهذه الأساليب الملتوية والطرق المتخفية وبين ربهم، بل هم في قرارة نفوسهم يظنون أنهم بلغوا مآربهم ووصلوا إلى الأمن من العقاب بسبب هذه الطرق المتخفية التي يسلكونها ولا يدرون أن الله تبارك وتعالى يعلم السر وأخفى، وأنه وعل يحاسب الناس على ما في طوايا ضمائرهم، فهو العليم بذلك، ففي الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع له الله في مسنده الصحيح عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس ال لها: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى (2)، وأخرج الحديث الشيخان وغيرهما من طريق عمر بن الخطاب بلفظ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (3).
(1) أخرجه الحاكم في كتاب البيوع، باب: إن أربي الربى عرض الرجل المسلم (230). (2) أخرجه الإمام الربيع في باب: في النية (2). (3) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب ما جاء في أن الأعمال بالنية والحسبة (54) ومسلم في كتاب: الإمارة، باب قوله إنما الأعمال بالنية» (1907). (3/484)
صفحة 1573
بحوث
485
ومن المعلوم أن الفقهاء عندما يترخصون في بعض الأمور، إنما يتحدثون عن الظاهر الذي يتجلى لهم، ولكن النوايا يعلمها الله، وهو المتكفل بمحاسبة العباد عليها: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدُ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 16 - 18]، والفقهاء وإن وُجد فيما بينهم المترخص في بعض الأمور لا في جميع الأمور، فإنهم يقولون: بأنه إذا اتضح تواطؤ الجانبين على الحرام، فإن ذلك مما يمنع حكماً بدون خلاف.
هذا وإن من بين الطرق الملتوية التي يسلكها الناس من أجل أكل الربا ما عُرف ببيوع الذرائع وهي البيوع التي تسمى بيوع العينة، لأن أحد المتعاملين بها إنما يريد العين، فهو يريد بهذه الصورة الظاهرة للبيع التوصل إلى العين التي يقصد اقتراضها، ولكن بطريقةٍ فيها تمويه حتى تتجلى للناس وكأنها بيع، هذه البيوع بيوع محرمة، وقد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على هذه الحرمة، فقد أخرج أحمد وأبو داود والطبراني وابن القطان من طريق ابن عمر لا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ضن الناس بالدرهم والدينار، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد، أصابهم الله بذل لا يرفعه عنهم إلا أن يراجعوا دينهم، وفي رواية أخرى: إذا تبايعتم بالعينة واتبعتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد أصابكم الله بذل لا ينزعه عنكم إلا أن ترجعوا إلى دينكم (1)، فالمبايعة بالعينة هي المبايعة بهذه الطرق الملتوية التي تسمى بالذرائع، وسميت بالذرائع لأن الناس اتخذوها ذريعة من أجل التوصل إلى المعاملات الربوية المتفشية
(1) أخرجه أبو داود في كتاب الإجارة، باب: في النهي عن العينة (3462)، وأحمد في مسنده (28/ 2) والطبراني في الكبير (13583). (3/485)
صفحة 1574
486
الفتاوى المعاملات
بطرق مختلفة، طرق قد يحسبها الإنسان في الظاهر آخذةً وجهاً من الوجوه الشرعية، ولكنها في الحقيقة ما أُريد بها إلا الربا.
وقد ذهب أصحابنا وجمهور الأمة إلى تحريم بيوع الذرائع وعدم جواز التعامل بها بأي حال من الأحوال، وهذا مما يدل عليه الحديث الشريف، ويعضده ما رُوي عن أم المؤمنين عائشة لنا كما أخرج ذلك الدارقطني: أن أم ولد لزيد بن أرقم له ذكرت لها بأنها باعت لزيد غلاماً بثمانمائة درهم نسيئة واشترته منه نقداً بستمائة، فقالت لها عائشة أم المؤمنين لنا بئس ما شريت واشتريت، أبلغي زيداً بأنه أبطل جهاده مع رسول الله (1) وليس مثل هذا الكلام من الممكن أن يُقال من قبل أحد إلا بتوقيف من الشارع، فما كان لأم المؤمنين عائشة لا بأن تقول بأن زيداً أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجرد مخالفتها له ومخالفته هو لرأيها الذي تراه، فلو كان هذا مجرد خلاف بين صحابيين لما أمكن بأن تقول مثل هذا القول، ولكنها أدركت أن الأمر فيه خطورة، وأنه ربما خفي الحكم على زيد، ولذلك أرادت أن تقوم عليه الحجة بإبلاغ أم الولد التي كان بينه وبينها التبايع لذلك حتى يتراجع عما هو عليه ومن المعلوم أن بطلان الجهاد أن يحبط ثوابه ولا يكون إحباط ثواب العمل إلا بارتكاب كبيرة من
هو
الكبائر، ولا عبرة بما قاله ابن حزم بأن هذا الحديث مما يدل على ضعفه أن يوجه مثل هذا الخطاب إلى زيد وهو أحد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان معروفاً بمناصرته الإسلام، فإن الله تبارك وتعالى وجه مثل هذا الخطاب أيضاً إلى صحابة النبي عندما قال: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنتُمْ لَا
(1) أخرجه الدارقطني في كتاب: البيوع (2982). (3/486)
صفحة 1575
بحوث
487
تشْعُرُونَ} [الحجرات (2 فمن المعلوم أن الذين وجه إليهم هذا الخطاب هم صحابة، فإن الذين يمكنهم أن يرفعوا الصوت فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم من المؤمنين هم الصحابة إذ لم يكن مؤمن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يمكن أن يلتقي به ويتحدث إليه حتى يتمكن من رفع صوته على صوته إلا وهو من الصحابة، والذين جاؤوا من بعده وإن كان خطاب الذين آمنوا يشملهم إلا أنهم يتعذر ذلك عليهم، لأنه لا يمكن أن يكون بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاب في هذه الدنيا.
ذرائع الفساد،
وقد أطال ابن قيم الجوزية في الجزء الرابع من كتابه «أعلام الموقعين» في بيان خطورة الذرائع، وأن كثيراً من الأحكام الشرعية جاءت من أجل سد ذرائع الفساد، وكثيراً من الخطاب الذي جاء في كتاب الله تعالى، وجاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم موجهاً إلى المؤمنين جاء من أجل سد ذرائع فلربما ينهى عن الشيء، ولكن لم يُقصد من النهي النهي عن ذات ذلك الشيء، إلا أنه نهي عنه بسبب ما يؤدي إليه من الفساد، وقد استظهر القرطبي في تفسيره تحريم بيع الذرائع من قول الله تبارك وتعالى: {يَتأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا} [البقرة: 104]، فإن هذه الكلمة من أجل كونها يمكن أن تستغل من قبل أعداء الإسلام للتنقيص من حق النبي صلى الله عليه وسلم نهي عنها، فإذاً ما كان فعلاً هو أحرى بأن يُنهى عنه عندما يترتب عليه ما يترتب من الفساد وبيوع الذرائع بيوع خطيرة جداً.
اقتراض
وقد بلغني أن جماعة من الناس يتعاملون بها، فعندما يريد أحدهم راضاً، ولكن لا يجد من يقرضه بالطريق الشرعي القرض الحسن الذي أباحه الله وحض عليه، يسلك مع صاحب المال مسلكاً ملتوياً من أجل أخذ القرض بطريق ربوي غير مكشوف، فيأتي أحدهم إلى التاجر ويقول له أريد منك كذا، فيبايعه - مثلاً - كيساً من الأرز، وقيمة ذلك الكيس (3/487)
صفحة 1576
488
الفتاوى المعاملات
تقريباً عشرون ريالاً، فيبيعه له إلى أجل بخمسة وعشرين ريالاً، ثم على الفور يشتريه منه بعشرين ريالاً بقيمته، فتكون العشرون في مقابل خمسة وعشرين، هذا هو عين الربا، الذي لا يجوز أبداً، ومن المعلوم أن العلماء شددوا في ذلك، ولم يجيزوا بحالٍ من الأحوال هذا البيع ولو لم يكن تواطقٌ بين الجانبين، ولو قبض المشتري السلعة التي اشتراها، فكيف ـ حسبما بلغني بأن ذلك الكيس الذي يباع لا ينتقل من مكانه، ولا يقبضه المشتري من البائع، بل يبيع له على الفور، ولربما لم يره بعينه، وهذا أمر فيه من الخطورة ما فيه، وهو من المحرمات على أي حال.
من
ومن المعلوم ـ أيضاً ـ أن العلماء اتفقوا على عدم جواز بيع الطعام حتى يُكال، فمن اشترى من أحدٍ طعاماً كالقمح والشعير والأرز ونحو ذلك الأطعمة فإنه لا يجوز له أن يبيعه لغير ذلك الذي اشتراه منه إلا بعد أن يمسكه، ويكيله وهذا مما دل عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم)، والمسألة في غير الطعام مختلف فيها، وفي الطعام مجتمع عليها لا خلاف في ذلك، والخلاف في غير الطعام - على أقوال بلغت ثلاثة عشر قولاً، فمن العلماء من يجعل حرمة ذلك سارية في أي شيء كان كما هو رأي ابن عباس، ذلك لئلا يكون هذا البيع مقصوداً به أن تشترى دراهم بدراهم أو دنانير بدنانير، فلذلك قالوا لا بد من القبض، ولو كان ذلك البيع لغير ذلك المشترى منه، فكيف إذا كان المشتري الثاني هو البائع فإن في هذا من التذرع إلى الربا ما لا يخفى، ولا حجة فيما قاله بعض الناس، من أن قول النبي قول النبي صلى الله عليه وسلم «لا تفعل الجمع بالدراهم وابتع بالدراهم جنيباً» (2) دال على جواز مثل هذه، إذ قالوا:
بع
(1) أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب: بيع الطعام قبل أن يقبض (2135)، ومسلم في كتاب البيوع، باب بطلان بيع المبيع قبل القبض (1525) من طريق ابن عباس. (2) أخرجه الإمام الربيع في كتاب البيوع، باب في الربا والانفساخ والغش (579) من طريق (3/488)
صفحة 1577
بحوث
489
بأن
في هذا الحديث ما يدل على كون مثل هذه الحيل جائزة، والجواب:
إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بع الجمع بالدراهم، ولم يقل بع ذلك للذي تشري منه، وإنما بعه في سوق المسلمين ليشتري منك أي أحد، أن هذه المعاملة مع ليست فيها معاملة بتأخير الثمن، وإنما يبيع كل واحدٍ منهم بالثمن، ويمسك الثمن ثم يبتاع ما يريد أن يبتاعه بذلك الثمن، فلا دليل في هذا الحديث
على ذلك قط.
أبي سعيد الخدري. (3/489)
صفحة 1578
الفاوي (3/490)
صفحة 1579
الفهرس
مقدمة
روح الاقتصاد في الإسلام
فتاوى البيوع
البيع بالتقسيط. بيع المزايدة والجملة
بيع المرابحة
بيع المشاع
بيع الذرائع (العينة)
البيع قبل القبض وبيع ما لا يملك بيع الإقالة
بيع الثمر قبل دراكه
بيع المحرمات
بيع العربون
فسخ البيع ورده (3/491)
صفحة 1580
الفتاوى المعاملات
العيوب في البيع
أحكام المتبايعين
الشهادة والدعاوى في البيوع الشرط في البيع
مسائل تجارية معاصرة
التسعير
الغش
الاحتكار
الرشوة وأحكامها
حقوق الملكية الفكرية
الصرافة وأحكامها
القياض في السلع
فتاوى الربا
ربا النسيئة في المؤسسات المالية)
التعامل مع المؤسسات المالية
معاملة آكل الربا
توبة آكل الربا
التأمين
ربا الفضل
فتاوى الديون
الديون وأحكامها والانتصار (3/492)
صفحة 1581
رس
القرض
الجمعيات التعاونية
الرهن
فتاوى الشركات
الشركات
المضاربة
الاسهم والسندات
المقاولات
السلم
الاستصناع
الأجرة والإجارة
الأعمال المحرمة والمباحة
المساقاة والمزارعة
أوجه من المعاملات
الهبة والهدية والعطية
العارية
الغرر
وجوه الإنفاق
الدلالة والتعارف
اللقطة
المال المجهول (3/493)
صفحة 1582
الفتاوى المعاملات
مال اليتيم وفاقد الأهلية
الضمانات
الجوائز وأحكامها
الكفالة والوكالة
الشفعة
القسمة
إحياء الموات
الغصب
التعزير بالمال
مسائل متنوعة
بحوث
معاملة الغاصب فيما اغتصبه بيع الإقالة الهبة والهدية
بيع العينة. (3/494)
صفحة 1583
سلطنة عمان
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
الفتاوى
الوصية - الوقف - بيت المال
المساجد - مدارس تعليم القرآن - الأفلاج
لسماحة الشيخ العلامة
أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عمان
الكتاب الرابع (4/1)
صفحة 1584
حقوق الطبع محفوظة
1434 هـ ـ 2013 م (4/2)
صفحة 1585
الفتاوى الفتاوى الفتاوى الفتاوى الفتاوى الفتاوى الفتاويا
الفتاوى
الوصية + الوقف + بيت المال المساجد • مدارس تعليم القرآن) الأفلاج
السَمَاحَة الشيخ العلامة
أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عُمَانَ
الإعداد والمراجعة
قسم الفتوى بمكتب الإفتاء وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
الكتاب الرابع (4/3)
صفحة 1586
[صفحة فارغة] (4/4)
صفحة 1587
مقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فهذا هو الكتاب الرابع من سلسلة فتاوى سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي - حفظه الله - المفتي العام لسلطنة عُمان والمتمثلة في فتاوى الوصية والوقف وبيت المال والمساجد ومدارس القرآن الكريم والأفلاج.
وقد قام مكتب الإفتاء بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية بسلطنة عُمان بالتنسيق مع الأجيال للتسويق بإخراج هذا الكتاب التي تفضلت - مشكورة - بتصميمه وطباعته ونشره وكان العمل في هذا الكتاب جرياً على القاعدة السابقة في ترتيبه وتنسيقه ومراجعته وعرضه على سماحة الشيخ.
كما يحوي الكتاب على بحث مهم يتوافق وموضوع هذا الكتاب. (4/5)
صفحة 1588
الفاوي
نسأل الله تعالى أن يتقبل منا هذا العمل وأن يعيننا على إخراج بقية الفتاوى وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم وأن ينفع به جميع
والله الموفق لما فيه الخير والصلاح.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
المسلمين
قسم الفتوى
بمكتب الإفتاء (4/6)
صفحة 1589
فتاوى الوصية (4/7)
صفحة 1590
الفاوي (4/8)
صفحة 1591
فتاوى الوصية
حكم الوصية والإشهاد عليها
من الذي يلزمه الإيصاء؟
جاء في كتاب الله الله قوله سبحانه: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180]، وهي تدل على وجوب الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف، لكن جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا وصية لوارث» (1)، وهذا الحديث جاء من طرق متعددة حتى أنه بلغ درجة الشهرة لكثرة طرقه، ويتأيد ذلك بما في كتاب الله تبارك وتعالى من
قوله الا بعد قسمته المواريث بين عباده بعدله: {تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَلِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينُ} [النساء: 13، 14]، ومعنى هذا أنه لا يجوز للإنسان أن يتجاوز ما رسمه الله تبارك وتعالى له من الحدود فيما يتعلق بأمر المواريث، إذ لم يكلها الله تبارك وتعالى إلى أحدٍ من خلقه، فلم يكلها إلى ملك مقرب ولا إلى نبي مرسل وإنما قسمها بعدله فأعطى كل ذي حق حقه، وكل تدخل في ذلك يعتبر تبديلاً لقسمة الله، فمن أعطى أحداً أكثر مما أعطاه الله تبارك وتعالى فقد تجاوز حدود الله وكان حقيقاً بذلك العقاب الذي ذكره الله تعالى في الآية الكريمة، وقد وقع الإجماع على أن الوصية لا تجوز لوارث، بقي ماذا يقال
في معنى الآية الكريمة؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم، فمنهم من بأن هذا الحكم، نسخ، ثم اختلفوا في ناسخه، فمنهم من قال: بأن ذلك
(1) رواه الربيع (667)، وأحمد (186/ 4)، والترمذي (2121). (4/9)
صفحة 1592
الفاوي
نسخ بالحديث المتقدم، ومنهم من قال نسخ بآية المواريث، ومنهم من قال: بأنه نسخ بكلا الأمرين مع اعتضاد ذلك بالإجماع، هذا قول طائفة من أهل العلم، وذهبت طائفة أخرى إلى أن هذا الحكم لم ينسخ وإنما هو في الوالدين والأقربين غير الوارثين، وهذا القول قاله عدد من علماء التابعين منهم الحسن وطاوس والضحاك، وهؤلاء قالوا بأن الآية من باب العموم الذي أريد به الخصوص، وهو الذي كان يميل إليه شيخنا أبو إسحاق إبراهيم أطفيش، فقد قال بأن هذا الحكم إنما هو في الوالدين غير الوارثين لشركهما أو لأنهما مملوكان، فإن شركهما لا يقطع حقهما من صلته بهما بعد موته وكذلك رقهما، فيوصي لهما بما يمكن أن يتملكاه بعد عتقهما، وهذا الرأي هو الذي جنح إليه العلامة أبو الحسن البسيوي في كتابه الجامع، وحكى بأن الآية الكريمة خصصت بما دل عليه الحديث وهو وإن كان عاماً ولكن له جانب خاص هذا الجانب هو الذي خصص الآية الكريمة، وهذا القول هو من القوة بمكان ومن هنا فالإنسان مطالب بأن يوصي لوالديه ولأقاربه الذين لا يرثونه.
هذا والقول بوجوب الوصية للأقربين الذين لا يرثون هو الذي قال به أصحابنا بغير خلاف بينهم، وهو الذي ذهب إليه الزهري وأبو مجلز وأيده المفسر الطبري، وهو من القوة بمكان لأن الله تعالى قال: كُتِبَ، وكتب بمعنى فرض وقال حَقًّا، وكلمة حقاً تدل على الوجوب، وقال: {عَلَى الْمُتَّقِينَ * وكل أحد من المسلمين يجب أن يكون من المتقين مع أن على تفيد الوجوب، أما من قال بأن قوله: (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (قرينة تدل علي صرف هذا الحكم عن الوجوب لأن هذا الحق جعله الله على المتقين ولم يجعله على العامة، فالجواب عن ذلك أن الله لا قال: {وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَاعُ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: (241) فهل يسقط حق المتعة عن (4/10)
صفحة 1593
فتاوى الوصية
غير المتقي ويحصر وجوبه في المتقين وحدهم فحسب؟! أو أن قوله الله: عَلَى الْمُتَّقِينَ} يدل على تأكيد هذا الحكم، إذ كل واحد يجب عليه أن
يكون من المتقين.
هذا ويقع كثير من الناس في الخطأ عندما يقولون بأن الوصية لفقراء الأقربين، في حين أنها ليست لفقراء الأقربين وإنما هي للأقربين فقراء كانوا أو أغنياء، لأن الله تبارك وتعالى جعلها صلةً لهم بعد الممات، فكما أن على القريب أن يصل قريبه في حياته كذلك عليه أن يصله بعد مماته، حتى من العلماء ذهبت إلى أن من أوصى للفقراء أوصى للفقراء مثلاً ولم يوص للأقربين
طائفة
أن
فإنه يعطي الأقربون ما أوصى به للأبعدين، وهذا القول روي عن طاوس والحسن وقتادة وجابر بن زيد وجماعة آخرين، وروي عن أبي الشعثاء رحم الله وعن طائفة من أولئك العلماء بأن الأقربين يعطون الثلث، والذي ذهب إليه أكثر أصحابنا بأن الأقربين يعطون الثلثين مما أوصى به لغير الأقربين من الفقراء وغيرهم، والموصى لهم يعطون الثلث، إلا الإمام السالمي رحم الله فإنه قال: ـ كما في المدارج - بأن الوصية تنفذ كما هي ويتحمل هو تبعة مخالفته لحكم الشرع، ولعل الذين ذهبوا إلى الرأي الأول رأوا العمل بما دل عليه الحديث الشريف: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (1)، أما بقية علماء الأمة فإنهم قالوا بئس ما فعل إن أوصى للأبعدين ولم يوص للأقربين ووصيته تنفذ كما أوصى بها ولا تبدل عما جاء به نص وصيته. وكذلك تجب الوصية على من كان عليه حق لم يتمكن من أدائه في حياته كأن يكون عليه دين أو صداق غائب لامرأته أو تبعة من وجه من الوجوه، كضمان لأحد من الناس سواء كان ضماناً يتعلق بمال أو بعرض، وذلك بأن
(1) رواه الربيع (49)، والبخاري،91/ 3، ومسلم في الأقضية 18. (4/11)
صفحة 1594
12
الفاوي
يكون قد انتهك عرضاً ـ والعياذ بالله - كأن يكون جنى على امرأة أو على
رجل فيما يتعلق بشرفهما أو عرضهما والله تعالى أعلم.
به)
إن قلتم بوجوب الوصية، فكيف تردون على استدلال من استدل على عدم الوجوب بقوله: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده (1) قالوا فالحديث فيه: (شيء يوصي بمعنى يريد أن يوصي به وهو دليل الاستحباب؟ أولاً: الحديث الأحادي لا يعارض القرآن والقرآن صريح في وجوب الوصية، فالله تعالى يقول: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ} [البقرة: 180] فقال سبحانه: {كُتِبَ) وكتب بمعنى فرض، وقال: وكلمة حقاً تدل على الوجوب، وقال: عَلَى الْمُتَّقِينَ} وكل أحد
حقا
من المسلمين يجب أن يكون من المتقين، مع أن «على» تفيد الوجوب. ثانياً: هذا الحديث رواه الإمام الربيع حمدالله بلفظ: «لا يحل لامرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه» (2) وهو يدل على الوجوب، والأخذ بما وافق القرآن أولى من الأخذ بما خالفه (3).
ثالثاً: يمكن حمل هذا الحديث على ما يتوافق مع الآية وحديث الربيع، فيكون التقدير له شيء يجب أن يوصي به، ولا إشكال في ذلك لأن الوصية لا تجب على كل أحد وإنما تجب على من ترك خيراً كما نصت الآية الكريمة والله أعلم.
(1) رواه البخاري (2738)، ومسلم (1627).
(2) رواه الربيع (677).
(3) وذلك لأن قوله: «شيء يوصي به ليس صريحاً في عدم الوجوب، بينما قوله: «لا يحل»
صريح في الوجوب (الناشر). (4/12)
صفحة 1595
فتاوى الوصية
13
رجل توفي وأوصى بمبلغ لأشخاص كان بينه وبين أهاليهم مشكلات وحروب قبلية، فهل يجب دفع هذا المبلغ أم لا؟ علماً بأن ورثة الموصي لا يستطيعون الذهاب للموصى لهم وإخبارهم بالمبلغ الموصى به لهم؟ يجب إبلاغ الحقوق إلى أصحابها، فمن أوصي له بشيء وجب أن يبلغ إليه والله أعلم.
هلك رجل وترك ورثة، وكان الهالك قد اقتسم مع والده ميراث أمه واتفقا على أن يدفع الوالد مبلغ ألفي ريال عُماني له مقابل تحمله تنفيذ وصية أمه وهي عبارة عن صوم وصلوات وحجة وبعض الصدقات وكان الهالك قد بدأ في تنفيذ هذه الوصية بأن أجر بالحجة، وعندما رجع المؤجر من الحج وجد مؤجره قد توفي قبل أن يقبض منه أجرته، وكذلك كان للهالك مال وكان قد رهن منه سبع نخلات، علماً بأن
الهالك قد توفي في حادث سير ودفعت لورثته دية والسؤال هنا:
1 - ما حكم هذه الوصية هل تعتبر لاغية بموت الرجل؟ فإذا كانت كذلك فماذا عن حق المؤجر عن حجة أمه؟
2 - هل يتم فك الرهن من الدية التي دفعت لورثته؟
ـ هل
أن يخصم من نصيب الأب ألفا ريال اللذان كان قد اتفق يصح
أن يدفعها لولده؟
4 - هل يتم تنفيذ الوصية التي على الهالك من ديته؟ وهل يتم ذلك قبل توزيعها أم بعدها؟
1) لا تلغى الوصية بموت أحد إن كانت وصية شرعية صحيحة، بل يجب إنفاذها، ويجب إخراجها من مال الميت، الأول، فإن اقتسمه الورثة (4/13)
صفحة 1596
14
الفتاوى
على أن تخرج الوصية من نصيب الوصية من نصيب أحدهم وكان ذلك برضاه وجب إخراجها بعد موته من ماله والله أعلم.
2) الدية من ضمن التركة فلا مانع من فك الرهن بها والله أعلم. (3) هي (1) من ضمن التركة وتعود إلى جميع ورثة الميت الثاني
والله أعلم.
تنفذ الوصية من أي شيء من تركة الميت، وذلك قبل اقتسام التركة
والله أعلم.
امرأة أوصت شفاهةً على بنات أختها بالمحافظة على أغنامها بعد موتها على أن تكون هذه الأغنام سبيلاً لهن منها إلا الجدي الصغير والعجوز وإلا ألبانها، ومكثت هذه الأغنام في أيديهن مدة أربعين سنة، بعدها أردن دفع هذه الأغنام لابن عم الموصية باعتباره الوارث لها، لم يطالب بها طيلة هذه المدة، فهل لهن ذلك؟ وهل لابن عم الموصية أم تجب عليه المحافظة عليها كما ورد في
الحق في أخذها اثا،
الإيصاء؟
مير
مع
أنه
الوصية لا تبدل ما دامت متفقة مع تعاليم الدين، لقوله تعالى: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 181]، وكيف ترجع ميراثاً إلى الوارث؟ وقد أخرجها الموروث بالوصية عن ملك الوارث وجعلها في باب من أبواب البر، وإنما يجب على الوارث كغيره ممن تكون تحت يده - أن يحافظ عليها بحسب مقتضى الوصية
والله أعلم.
(1) يراد هنا الدية. (4/14)
صفحة 1597
فتاوى الوصية
15
وجد الورثة في دفاتر الهالك المحفوظة منذ عشرة سنين ـ وبخط يده وقلمه ـ كل ما له وما عليه من ديون مع علمهم بأنه كان يقضي ما عليه إلا أنه لا يحذفه، فهل يلزمهم قضاء هذه الديون؟
الأصل ثبوت ما أثبته الهالك على نفسه بقلمه، لأن القلم أحد اللسانين، اللهم إلا أن يثق الوارث ويطمئن بأنه قد قضى تلك الحقوق في حياته، فلا مانع من الإكتفاء بذلك من جهة الطمأنينة لا الحكم
والله أعلم.
ما قول فضيلتكم في رجل هلك وخلّف أخاً، وأوصى بنصف منزله وبعض من النخيل، ثم ألحق بالوصية تخصيص الجزء الموصى بعد كتابة الصك والشهود وتوقيع القاضي بحيث ينقض ذلك الإلحاق الشهود، فهل يحق للوارث نقض ذلك؟
ليس للوارث شيء من الإرث إلا بعد إنفاذ الوصية، لقول الله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: (11)، وما ثبت في الوصية ليس للوارث نقضه، وأرى القاضي قد أمضى على هذا التخصيص، فالظاهر أنه كان باطلاعه والله أعلم.
نحن أهالي الفلج تلقينا طلباً من أحد المواطنين مفاده أن والدته قد أوصت عليه وبحضور أناس آخرين شفوياً بحفر ست ثقاب للفلج بعد وفاتها، وهذا الطلب قد مضى عليه ثلاث سنوات ونحن نطالب المسؤولين بتنفيذ الوصية، إلا أننا لم نتلق عدم الممانعة، وها نحن نعود إلى سماحتكم للتكرم بالإفادة عن تنفيذ هذه الوصية والوصي قد تعب بحملها، فإن كانت واجبة التنفيذ والحال أنه ممكن في ساعد (4/15)
صفحة 1598
16
الفاوي
الفلج الغربي بحيث لا يضر أحداً أبداً حسب النظام المتبع، أما إذا كان لا يجب التنفيذ فنحن سنقف عند
رأيكم؟
إن كانت الوصية لا تضر بأحد ولا تنافي حكماً من الله فيجب تنفيذها ولا يجوز التمادي فيه والله أعلم.
إذا كان إنسان مريضا، وأثناء مرضه أوصى إخوته أن يقام عنه حجة وصيام رماضين، وعند وفاته تم تبليغ أولاده بالوصية التي أوصى بها، ولكن لم يقوموا بتنفيذ هذه الوصية وقسموا جميع الأموال التي خلفها، فهل هذه القسمة تامة وصحيحة دون تنفيذ الوصية بحجة عدم وجود كتابة؟ وهل يلزم أن تكون الوصية كتابياً أن يستكفى بالشهود من اثنين إلى ثلاثة شهود؟
إن كانت الوصية ثابتة عندهم بشهادة عدلين فعليهم إنفاذها وإن لم تكن مكتوبة، وإن اقتسموا المال فليعيدوا القسمة والله أعلم.
ما حكم وصية المنافق هل تنفذ أم لا؟
النفاق ينقسم إلى قسمين: نفاق عقيدة ونفاق عمل، فنفاق العقيدة هو أن يبطن الإنسان عقيدة الكفر بين حنايا ضميره وفي طوايا نفسه ويظهر عقيدة الإسلام، وهذا الذي كان عليه معظم المنافقين في عهد النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، ومما يدل على ذلك قوله الله: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لكَذِبُونَ} [المنافقون: 1]، وكذلك قوله سبحانه: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8]، وقوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ} [البقرة: 14]، وأما (4/16)
صفحة 1599
فتاوى الوصية
17
النفاق العملي فهو ما دل عليه الحديث الشريف: «ثلاث من كن فيه فهو منافق» (1) وفي رواية «أربع» (2)، إلى آخر الحديث، والنفاق العقدي هو وإن كان في حقيقته كفراً بالله سبحانه وإشراكاً من حيث الطوية التي ينطوي عليها هذا المنافق إلا أنه تجري عليه جميع أحكام المسلمين في الظاهر، والوصية أمر لا يختلف فيه المسلم والكافر، ولو اعتبرنا ما في طوايا نفسه ولم بظاهر قوله فإن ذلك لا يمنع أن يحكم له بما يحكم لغيره من جواز الوصية،
نأخذ
فوصية الكافر تنفذ كما تنفذ وصية المسلم إن كانت وصية ببر، ولذلك قال العلماء بأن الكافر كفر شرك إن أوصى لأقربائه، ومن بين أقربائه مسلم فإنه يدخل في ضمن الموصى لهم، وكذلك العكس فلو أوصى مسلم لقرابته ومن بينهم ذمي فإنه يدخل في ضمن الموصى لهم ولا يحرم منها، وذلك لأن الوصية لا يشترط لها الإيمان وإنما هي تقرب إلى الله وصلة أيضاً القرابة بالنظر إلى وصية الأقربين، وأما نفاق العمل فلا ريب أنه لا يؤدي إلى إبطال وصية صاحبه ما دامت لا تتصادم مع حكم الدين والله أعلم.
مع
المجنون الذي يشهد الناس أن له عليهم ديوناً وقد دوّن في وصيته ذلك إلا أنه بعد أن جنّ فقد مكان الوصية، فهل تثبت وصيته؟
كونه له عليهم ديون أمر لا يشترط فيه أن يوصي لهم، بل ثبوت ذلك الدين حجة على المدين سواء كان ثبوته بإقراره أو بشهادة عادلة، إذ لو أوصى بأن لي على فلان كذا من الدين لما كان ذلك حجة، لأن هذه دعوى منه، بخلاف ما إذا أوصى بأن عليه ديناً أو شهد شهود بذلك أو وجدت
(1) رواه الربيع في زوائد المسند (936)، وأحمد (536/ 2)، ونحوه عند البخاري (33)،
ومسلم (59).
(2) رواه البخاري (34)، ومسلم (58). (4/17)
صفحة 1600
18
الفاوي
وثيقة شرعية تثبت الدين ولكن ثبوت الدين عليه باعترافه إن كان عند الاعتراف مجنوناً لا عبرة به والله أعلم.
هل تجوز أن تشهد في الوصية امرأتان مع رجل؟
الوصية مطلب يطلب من الإنسان عندما تحضره الوفاة لقول الله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} (البقرة: 180]، ولذلك قال العلماء بأن من حضرته الوفاة فعليه أن يوصي بهذا فإن وجد شهوداً عدولاً فليشهدهم وإن لم يجد العدول فليشهد غير العدول، وإن لم يجد أحداً فليكتب وصيته، وإن تعذر عليه كتابتها في ورقة مثلاً فليكتبها ولو على الأرض، وإن لم يستطع ذلك كله فليجهر بالقول، وذلك عذر له فيما بينه وبين ربه، لعل ملائكة الله تعالى تسمع قوله وتكون شاهدة بذلك، ولا ريب أن شهادة الرجل العدل والمرأتين العدلتين حجة مقبولة فيما يتعلق بالحقوق والمعاملات ومنها الوصية والله أعلم.
من وجبت عليه الزكاة في حياته ولم يؤدها، فهل يعذر إذا أوصى بذلك في وصيته؟
إن كان تائباً إلى الله تبارك وتعالى من تقصيره وكانت وصيته خشية أن يفاجئه الموت قبل التمكن من الأداء لا لأجل التهاون بالأداء والتعويل على الوصية من غير أن يقصد أن يؤديها في حياته ففاجأه الموت فإن الله أولى
بعذره ونرجو له القبول عند الله والله يعلم المفسد من المصلح والله أعلم. كثير من الناس يؤخرون أفعال البر إلى وصاياهم، فهل للوصية ميزة لمزيد من الثواب؟
لا؛ بل جاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن أفضل الصدقة أن (4/18)
صفحة 1601
فتاوى الوصية
19
تتصدق وأنت صحيح شحيح (1)، وجاء أيضاً في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن درهماً يتصدق به الإنسان في حياته خيرٌ له من مائة درهم بعد وفاته (2)، إلا وصية الأقربين فهي صلة بعد الموت ولو برهم في حياته، فإن بره لهم لا يسقط حقهم بعد مماته، وكذلك يؤمر الإنسان أن احتياطاً بما يوصي عليه من الحقوق لئلا يفاجئه الموت قبل أن يؤدي الحقوق التي عليه، وإلا فالإتيان بأعمال البر وصدقات النوافل في الحياة خير منه بعد الممات والله تعالى أعلم.
ما قولكم فيمن أوصى بوصية بخط يده ولم يشهد عليها أحداً، فهل تثبت وصيته؟ وكان قد أوصى بحجة مع أنه كان قد حج في حياته، وأوصى بصيام وأوصى بكفارات صيام وصلوات وتبرع، وأوصى لأناس من أقاربه وغيرهم، وعليه ديون أيضاً؟
إن كانت هذه الوصية بخط يده فهي ثابتة عليه، ولو لم يشهد أحداً عليها، والحج الذي أوصى به واجب إنفاذه ولو حج في حياته، وإنما تخرج من ثلث ماله، والوصية بالصيام يجزي عنها إطعام مسكين عن كل يوم أوصى بصيامه، وأما كفارة الصوم فهي إطعام ستين مسكيناً عن كل كفارة، وأما الصلوات فلا يصلي أحد عن أحد إلا إن قصد بهن كفارات صلوات فهن ككفارات الصيام وتثبت وصايا التبرع إلا لوارث فلا وصية لوارث إلا إن كانت من ضمان، ولا تزيد وصايا التبرع عن ثلث المال فهي تخرج من الثلث، أما الحقوق الواجبة فتخرج من أصل المال
والله أعلم.
(1) رواه البخاري (1419)، ومسلم (1032).
(2) رواه أبو داود (2866). (4/19)
صفحة 1602
الفاوي
امرأة لا تملك مالاً ولا ذهباً وقد أدت ما عليها من حج وزكاة وصيام، وقد قيل لها إنه يجب عليها الوصية حتى ولو لم تملك شيئاً، فهل هذا صحيح؟
ليس بصحيح، فالوصية إنما هي على من ترك خيراً، إذ الله تبارك وتعالى يقول: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180]، فقوله سبحانه: إن ترك خَيْرًا) بمعنى إن ترك مالاً والله أعلم.
رجل يريد أن يوصي فهل الأفضل أن يوصي للمسجد أم للمقبرة «لحفر القبور» أم لمدرسة «لمدرسيها وبنايتها»؟
أولاً
يجب عليه أن يوصي لأقربيه الذين لا يرثونه، وهي وصية واجبة بنص القرآن، فالله تبارك وتعالى قال: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180]، أما الوالدان فمن العلماء من قال بأن حقهما، نسخ، ومنهم من خصه بالوالدين المشركين نظراً إلى أن المشركين لا يرثان، وقال الإمام أبو الحسن البسيوي بأن هذا القول هو الذي يعول عليه، فتجعل الآية الكريمة مخصصة بما دل من الروايات على أن المشرك لا يرث من المسلم فلهما حق في الوصية ولو كانا على الشرك، وهو قول وجيه.
ثم إنه يجب عليه أن يوصي بما عليه من الحقوق التي لم يتمكن من أدائها في حياته، فما كان يخشى أن يؤديه في حياته من الحقوق فعليه أن ليقضي عنه بعد مماته.
به
وبعد هذا فلينظر في حاجة الناس، هل هم بحاجة إلى مسجد، أو إلى وقف للمسجد، أو إلى أن يوصي للمسجد بشيء من أجل إصلاحه، أم أن الحاجة داعية إلى مدرسة للقرآن بحيث لم تكن المدرسة قائمة، أم أن الفقراء (4/20)
صفحة 1603
فتاوى الوصية
21
أحوج؟ فقد يرى أن الوصية لمدرسة القرآن أفضل، ولكن المدرسة قائمة ولها أوقاف كثيرة وليست بحاجة إلى مزيد، وقد يرى المسجد هو أفضل وأنه أولى بأن يوصي له، ولكن المسجد قائم وله أوقاف فاضلة عن حاجته له، وإنما على الإنسان أن يتحرى، وأن ينظر حيث
فلا داعي
لأن يوصي الحاجة، فحيثما تكون الحاجة فثم موضع الوصية والله أعلم.
يرى كثير من الناس أن الوصية تكتب إذا تقدم بهم العمر، فمتى يمكن للإنسان أن يوصي؟ وهل يغير وصيته كلما تقدم به العمر؟
الإنسان مطالب بأن يحرص على الوصية دائماً منذ بلوغه الحلم، فقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر يجد به أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة تحت رأسه» (1)، وهذا يدل
ما
يوصي
يوصي
بما
على عظم شأن الوصية، فمن واجب الإنسان أن يحرص على أن عليه من الحقوق ويوصي لأقربيه الذين لا يرثونه، فإن ذلك حق عليه، وأن لا يتمادى في ذلك، وبإمكانه أن يغير الوصية من حال إلى حال والله أعلم.
يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من مات ولم يوص مات ميتة جاهلية» فهل هذا الحديث صحيح؟
هذا الحديث لم أطلع عليه بهذا اللفظ والله أعلم.
من أوصى بأن يضحى عنه بعد موته لعدة سنوات، ما حكم هذه الوصية؟ وهل هي مشروعة؟ وهل يجب تنفيذها بعد أن أوصى بها؟
بما أنه أوصى بقربة فلا مانع من تنفيذها، ولئن كان إذا أوصى بمباح يجوز تنفيذه بل يجب، فكيف إذا أوصى بما هو قربة والله أعلم.
(1) رواه الربيع (677). (4/21)
صفحة 1604
22
الفاوي
حد الوصية:
هل تجوز الوصية بأكثر من الثلث إن أجاز الورثة أو بعضهم؟
الأصل في الوصية أن لا تكون إلا بالثلث الثلث والثلث كثير (1)،
6
هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا في وصايا التبرعات، أما حقوق الناس فلا خلاف في أنها تُخرج من أصل المال لا من الثلث، لأن حق الناس يتعلق بالمال كله، وأما حقوق الله ففيها خلاف، فمن العلماء من قال بأنها تُخرج من أصل المال، ومنهم من قال: بأنها تخرج من الثلث، والقول بإخراجها من الثلث هو قول الأكثرين من أصحابنا، فبه قال: غفير منهم كموسى بن علي وابن محبوب وأبي سعيد وأبي محمد وأبي المؤثر وغيرهم، وإنما قال سليمان بن عثمان بأنها تخرج من أصل المال، وهذا القول يتبين لي رجحانه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن حق الله تعالى مقدم على حق المخلوقين حيث قال:
جم
الله
فاقضوا فدين الله أحق بالقضاء» (2)، فهذا يدل على أن دين المخلوق ودين يشتركان في كونهما يقضيان جميعاً وإنما دين الله أحق، فلأجل هذا لا ينبغي أن يقال: بأن دين الله يخرج من ثلث المال بينما دين المخلوقين يخرج من أصل المال.
هذا وإذا وافق الورثة عند حضور الموت على الوصية بأكثر من الثلث فلا مانع من ذلك، واستدل لذلك بقول الله تبارك وتعالى: {فَمَنْ خَافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} (البقرة: 182]، والمعنى: فلا إثم على من أصلح بين الموصي وبين ورثته حتى يجنب الورثة الحيف والظلم
(1) رواه الربيع (680)، والبخاري (2743)، ومسلم (1629).
(2) رواه بنحوه البخاري (1953)، ومسلم. (4/22)
صفحة 1605
فتاوى الوصية
23
لئلا يكون قصد إلجاء المال عنهم، وفي نفس الوقت لا حرج أيضاً أن يوافق الورثة على ذلك لأن ذلك حق يتنازلون عنه.
وقيل: ولو وافقوا على ذلك عند الإيصاء فإن لهم الحق أن يرجعوا عن هذه الموافقة لأن الوصية إنما تلزم بالموت ولا تلزم بمجرد الإيصاء، وهذا القول من حيث النظر قول قوي ولكن إذا جئنا إلى الآية الكريمة فإن الآية تجيز الصلح، والصلح يكون في حال الإيصاء، ولو لم يكن هذا الإيصاء نافذاً لما كان معنى لإثباته في النص القرآني، لذلك ذهب طائفة من العلماء إلى أن ما أثبتوه عند الوصية يكون ثابتاً عليهم عند موت الموصي، والله
تعالى أعلم.
امرأة من أقاربنا توفيت منذ أربعة أعوام وتركت وصية تنفذ من مالها بعد موتها، وجعلت أوصياءها ابن عمها وابن أختها وجعلتني ثالثهم، وقمنا بالإجراءات اللازمة لتنفيذ الوصية ولكن لم نجد شيئاً بما ينفذ به هذه الوصية؛ حيث إن الميتة كان عندها بيت ملك في السيب في منطقة الحيل والبيت هذا مكتوب وقف لأبناء إخوانها الأشقاء، ولما رجعنا إلى ابن أخيها الذي كان مقيماً عندها في حياتها وسألناه عن التركة رد علينا أنها لم تترك شيئاً سوى أثاث المنزل وسيارة مستعملة وأيضاً
بعض المتاجر البسيطة التي لا تغطي الدين الذي عليها، فكيف ننفذ
الوصية؟
يبدأ بقضاء الديون التي عليها ثم تنفذ الوصايا، والوقف هنا من جملة الوصايا لأنه موصى به بعد موتها وليس منجزاً في حياتها، والوصايا كلها ترجع إلى ثلث التركة لأنها وصايا تبرعية بما في ذلك الوقف، وعليه فإن التحاصص فيما بينها في الثلث والله أعلم. (4/23)
صفحة 1606
24
الفاوي
ما قولكم في امرأة هلكت وتركت شيئاً قليلاً من المال عبارة عن بعض النخيل، ولها أربع بنات وابنا ابن ذكور، وكانت قد أوصت بحجة وبصيام شهرين متتابعين وبكفارات لا نعلم عددها، وقد كانت هذه الوصية على يد أخيها وبغياب الورثة، وبتقييم المال وجد أنه لا يتعدى ألفي ريال عماني؟ أما ما كان من الوصية من حقوق الناس فمخرجه من أصل المال ولو استغرق المال كله وليس للوارث إلا ما فضل من التركة، لقول الله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 12]، وأما ما كان من حقوق الله الواجبة، ففيه خلاف بين العلماء. فمنهم من قال بأن حقوق الله كحقوق الناس تجب في أصل المال، ومنهم من رأى أنها في الثلث، أما وصايا التبرعات فهي من الثلث قولاً واحداً والله أعلم. امرأة كبيرة في السن على ذمة رجل وليس لديها أولاد، ولديها الكثير من المال ترغب أن توصي به وتوكل عليه ابن أختها ليقوم بتنفيذ وصيتها التي فيها حجة وصيام شهر والمتبقي من المال أوصت به لابن أختها منفذ الوصية يتصرف به دون غيره، فهل يحق لها ذلك
ليس لها أن توصي بأكثر من ثلث مالها إلا من ضمان عليها للموصى له
والله أعلم. رجل أوصى بعمارة من ماله يبنى بثمنها مسجد أو عدة مساجد، وقيمة هذه العمارة تفوق ثلث ماله، فهل في هذه الحالة تكون الوصية ثابتة أم لا؟ إن زادت الوصية على الثلث ردت إليه، إلا إن رضي الورثة بالزيادة والله أعلم. جد أوصى ببيت لأكثر من عشرة من البنين منهم البالغ ومنهم غير البالغ، وكان قد أوصى للأولاد، كما أوصى أن يأوي الأخوات، كما أوصى للعمات، فكيف يكون تنفيذ هذه الوصية؟ (4/24)
صفحة 1607
فتاوى الوصية
25
إن كان الموصى لهم غير ورثة، وكانت الوصية مع سائر الوصايا التبرعية لم تجاوز الثلث فهي ثابتة وإلا فهي باطلة والله أعلم.
رجل هالك كان قد أوصى من ماله بوصايا من ضمنها حجة عن والدته وحجتين عن نفسه، فهل يلزم الورثة إخراج الحجج كلها يجوز لهم إخراج الحجة المفروضة فقط؟، وكان أيضاً قد كتب لأحد أولاده بأموال كثيرة من سقي فلج بجميع نخله ومائه وكتبها عن ضمان بدون أن يوضح كيفية ذلك الضمان حيث إنه كتبها بعد موته، ونظراً لكون هذا الولد وارثاً، فهل يثبت هذا الضمان؟ كما كتب لولد ولده بمال عن ضمان أيضاً
ولم يوضح الضمان عن أي شيء، فما رأي سماحتكم في ذلك؟
أما الوصايا ففي حدود ثلث التركة، فما زاد على ذلك فعلى إجازة الورثة لها، إلا إذا كانت متعلقة بحقوق الناس فتنفذ من أصل التركة، وأما الوصية للوارث عن ضمان فهذه المسألة حكمية مرجعها القضاء، ولا فتوى في دعوى والله أعلم.
رجل هالك كان قد أوصى لأقربيه الذين لا يرثونه بمبلغ خمسمائة ريال عُماني، وقد ترك أولاده وعائلته دون عائل سوى مبلغ المعاش والذي لا يزيد عن الثمانين ريالاً إلا قليلاً، وقد سلم بعض ما عليه من ديون وبقي عليه من الديون مبلغ وقدره ثمانون ريالاً عُمانياً، فهل نسلمه من هذه الريالات الموصى بها لأقربيه والباقي توزع عليهم أم لا يجوز؟ وماذا ترى في كيفية توزيعها عليهم هل على حسب مستوياتهم من ناحية الدخل أم بالتساوي بينهم؟ وإلى أي مرتبة منهم ترى توزيعها عليهم؟ علماً بأن صلة القرابة كالآتي: إخوة «أخ من أم وأخت من أب وأولاد أخ وخال، وابن خال، وأولاد عم بينه وبينهم أربعة جدود، وأولاد عم يبعدون (4/25)
صفحة 1608
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: فقه
------------------------------------------
العنوان: الفتاوى
المؤلف: أحمد بن حمد الخليلي
الإعداد والمراجعة: قسم الفتوى بمكتب الإفتاء، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1434ه/ 2013م
الطبعة: د.ط
عدد الأجزاء: 6
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/690
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 12 رمضان 1446ه/ 12 - شهر 03 - 2025م. 26
الفاوي
عنه بخمسة جدود تقريباً، وهؤلاء يتفرعون من ناحية جده ثلاثة فروع، فيما أظن في مستوى واحد ولكل من أولاد العم أولاد، فهل الذين
وهم
هم أقرب إليه أولى بإعطائهم من هذه الوصية دون غيرهم من الأولاد؟ لا تخلو هذه الوصية إما أن تكون في حدود ثلث المال أو أكثر من ذلك، فإن كانت في حدود الثلث مع باقي وصايا الهالك فهي ثابتة، ولا يجوز صرفها عن موضعها الذي خصصها له الموصي لقوله الاله: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: (181]، وإن كان على الهالك دين فالدين يقضي من أصل ماله الذي تركه ويقدم على الوصايا وإن قدمت الوصية ذكراً في القرآن فإنها متأخرة رتبة عند جميع العلماء، لأن الدين حق ثابت بذاته على المدين ولو لم يُلزمه نفسه، بخلاف الوصية فإنها تجب بإلزام الموصي بها نفسه، وإنما قدم ذكرها في القرآن عليه للحض على عدم التفريط فيها، وأما
ترتيب الحقوق الواجبة في المال بعد موت صاحبه فكما قال التلمساني: إن امرؤ قد قدرت منونه جهز ثم أديت ديونه وبعد ذاك تنفذ الوصية ويقع الميراث في البقية فإن كانت الديون التي على الهالك لم تقض فلتقض أولاً ثم ينطر في الباقي، وتنفذ الوصايا من ثلثه والله أعلم.
امرأة توفيت وخلفت مبلغاً مالياً كبيراً يقدر بمائة وخمسين ألف ريال عُماني، وليس لها من الورثة سوى عشرة من أولاد العم وكانت قد أوصت قبل مماتها بوصية عن ضمان لأبناء الورثة، فما حكم هذه الوصية هل هي ثابتة أم باطلة؟
لها أن توصي بثلث مالها تبرعاً كما تشاء، وأن توصي بأكثر منه إن كان من ضمان والله أعلم. (4/26)
صفحة 1609
فتاوى الوصية
27
ما قولكم في رجل أوصى بجلبة (1) من ماله بعد موته، كما أوصى بثلث ماله لأناس آخرين، فما يكون خروج هذه الجلبة: من الثلث الذي كان قد أوصى به أم تكون هذه الجلبة من أصل المال؟ علماً بأن وصية الجلبة المذكورة كانت قد كتبت قبل الوصية الأخرى بثلاث سنوات، وأصحاب الثلث يطالبون به، كاملاً، علماً بأن صاحب الوصية كان قد
سبق له أن أوصى بكتابة جلبة أخرى عن ضمان من نفس الموصى له؟
الوصية بغير ضمان لا تكون إلا من الثلث ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الثلث والثلث كثير» (2)، وعليه فإن كانت هذه الوصية عن ضمان فهي من أصل المال، وإن لم تكن عن ضمان فهي تحاصص بقية الوصايا في الثلث والله أعلم. رجل أوصى بمزرعته وقفاً توزع غلتها لفقراء البلدة، مع العلم أن هذه
المزرعة تقدر بنصف، تركته، وله ورثة فقراء يستحقون الصدقة، فما قولكم في هذه الوصية؟
إن لم يوافق الورثة على الوصية أخرجت الحقوق اللازمة من أصل المال، وما زاد عليها من التبرعات رد إلى الثلث وتكون المحاصصة بينها فيه والله أعلم.
إنني رجل مسن وقد يسر الله عليّ وعندي بعض الأملاك والعقارات ولا أحد يرثني إلا ابن أخ لي فقط وهو رجل كبير وله أولاد، وبما أنني وكما ذكرت بلغت من العمر عتياً فإنني أريد أن أوصي ببعض العقار أو
(1) الجلبة: هي قطعة من الحديقة أو البستان ناتجة عن تقسيم الحديقة إلى أجزاء. (2) رواه الربيع (680)، والبخاري (2743)، ومسلم (1629). (4/27)
صفحة 1610
28
الفاوي
أجرة بعض العقار لبعض الأيتام من الجيران والأقارب، وذلك لينتفعوا بها بعد موتي، فماذا تقول وبماذا توجه سماحتكم؟ وما هي الإجراءات الشرعية للوصية؟
لك أن توصي بالتبرعات الخيرية على أن لا يتجاوز ما توصي التركة، إلا إن كان حقاً واجباً عليك والله أعلم.
به ثلث
امرأة توفيت تاركة بيتاً وأثر (1) ماء بقيمة خمسمائة ريال ومبلغاً نقدياً وهو سبعمائة ريال وكانت قد أوصت بحجتين الأولى عنها والثانية عن والدتها ورمضانين، وما يتبقى يكون للورثة، فما حكم هذه الوصية؟ وهل يجوز الحج عنها وترك الحجة الثانية عن والدتها؟
ترد الوصية إلى الثلث، وتقدم حجتها على حجة أمها والله أعلم.
رجل كان قد أوصى قبل موته بمبالغ للكفن والمكفن والمغسل وحافري قبره ولسائقي عربات نقل المياه وللأقربين الذين لا يرثون، بالإضافة إلى كفارتين كل واحدة منهما إطعام ستين مسكيناً وبحجة وعمرة، مع العلم أن الهالك لا يملك سوى بيت واحد تقطنه أسرته المكونة من ثمانية من الأولاد وزوجته، كما أنه عليه الكثير من الديون، فما مدى إمكانية تنفيذ هذه الوصية؟
تقضى ديونه أولاً من تركته، وما بقي يخرج ثلثه للوصايا، ويحاصص الثلث بينها جميعاً إلا ما كان حقاً واجباً عليه لأحد من الناس فله حكم
الدين ويخرج من رأس المال والله أعلم.
(1) الأثر: جمعه آثار وهو جزء من الوقت ناتج عن تقسيم الفلج إلى أجزاء. (4/28)
صفحة 1611
فتاوى الوصية
29
بين
ما قولكم في رجل كان قد أوصى قبل موته بثلاثين حجة إلى بيت الله الحرام وبثلاثين صلاة وثلاثين، رمضان، والمال الذي خلفه ليس يكفي ما أوصى به؟ يُنفّذ ما يمكن إنفاذه من هذه الوصية من ثلث تركة الموصي بالمحاصصة ما أوصى به، ولا يلزم شيء فوق ذلك والله أعلم.
ما قولكم في رجل هلك وخلف زوجة وأخاً وأختاً من أب، وكان قد ما خلّفه من مال ومما أوصى به حجتان، علماً بأنه كان أوصى بجميع قد أدى فريضة الحج قبل وفاته أربع مرات عنه وعن آبائه، وأوصى كذلك ببناء مسجد، علماً بأنه سبق وأعطى بيته لأحد المساجد، ولديه بيت آخر بالعاصمة ويملك أشياء أخرى مثل الخنجر وغيره اتضح أنه أوصى به لأحد أقاربه بحيث لم يبق من الميراث شيء؟
ما أوصى به ثابت ولو نفذه في حياته إن لم يُلغه من الوصية، وإنما يبطل من الوصية ما زاد على الثلث إن لم يقره الورثة، فما زاد على الثلث رد إلى الثلث والله أعلم.
ما قولكم في الإيصاء بثلث المال وما زاد فوق الثلث؟ وهل للورثة اعتراض على الوصي؟
للإنسان أن يتصرف في الإيصاء بثلث ماله، وليس للوارث اعتراض في ذلك إن لم يوص بمحجور، أما ما زاد على الثلث فلا تثبت به الوصية إلا بموافقة الورثة، اللهم إلا إن كانت الوصية من ضمان، فإن الحقوق الواجبة تخرج من أصل المال لا من الثلث والله أعلم.
ما قولكم في رجل له زوجة وكان له منها ابنان توفيا قبل وفاته، ثم توفي هو من بعدهما بعد معاناة مع المرض لشهور عدة قامت برعايته فيها (4/29)
صفحة 1612
الفاوي
زوجته، وليس له من الورثة سوى زوجته المذكورة وخالته ووجد أن عليه ديوناً للزوجة عبارة عن مبلغ وقدره سبعمائة ريال عماني، ولأناس آخرين عبارة عن مبلغ قدره خمسمائة ريال عماني، وكذلك كان قد أوصى بصيام شهر رمضان عوضاً عما فاته من صيامه، وأوصى للزوجة بالبيت حقاً من ضمان في حضرة أحد الجماعة، فكيف يكون توزيع
الميراث بين الزوجة وخالة الهالك؟
يخرج
أولاً من التركة ما عليه من الديون وما أوصى به وصية شرعية
ثابتة، ثم تعطى من الباقي الزوجة الربع، والباقي قيل يرد إليها لعدم العاصب أو ذي السهم، وقيل يعطى الخالة لأنها ذات رحم، وحكم القاضي هو الذي
يرفع الخلاف إن لم يتفق الطرفان ويتصالحا والله أعلم.
لدي
ابنا عم لم يتزوجا وبالتالي ليس لهما أولاد هلك أحدهما وكان قد ترك مالاً يقدر بسبعة آلاف ريال عُماني ووصية شرعية بحجة عن نفسه وأخرى عن أمه وثالثة عن جدته لأبيه ورابعة عن جدته لأمه والتي ربته وأحسنت إليه في صغره، ووصى أيضاً بصيام شهر عنه قضاء وكفارتين عما لزمه، وكان قد خلّف أخاً أصغر منه لم يعرفه في حياته ولا أثناء مرضه بل كان يتمنى زواله وانقضاء أجله حتى يرثه، وهو مدمن للخمر لا يعرف حقوق الأخوة والأهلية وما عليه تجاه أخيه، فهل يجوز أن لا يسلم هذا الرجل ما تركه أخوه الهالك وهو على حالته هذه، خوفاً من أن يصرف هذه الأموال في الفجور والفسوق وغير ذلك من الموبقات؟ علماً بأنني الوكيل والوصي على تنفيذ وصية الهالك، وهل تنفذ الوصية بالكامل أم من ثلث المال فقط؟ وصية التبرع لا تتجاوز الثلث والباقي يعود إلى الوارث سواء كان براً أو (4/30)
صفحة 1613
فتاوى الوصية
31
فاجراً، فإن فجور الوارث لا يمنعه من حقه في الإرث ما لم يخرجه من الملة
والله أعلم.
ما قولكم فيمن أوصى بثلث ماله ليكون منه الحج والكفارات والرماضين إلى آخره، وما بقي من ثلث المال يعود إلى أناس آخرين لا يرثونه، إلا أن هناك ديوناً ورهناً في مال الموصي، فمن أين يتم إخراج هذه الديون والرهن وحقوق الناس عليه، هل من الثلث أم من جميع التركة؟
جميع
ما على الميت من تبعات مالية ثابتة تُخرج من أصل ماله، ثم تنفذ بعد ذلك وصاياه (1)، ثم يوزع الباقي على الورثة بموجب قسمة الميراث التي جاء بها الكتاب والسنة والله أعلم.
أوصى الهالك بوصايا عدة بعد موته إلا أن الهالك لا يملك شيئاً إطلاقاً والوصية التي أوصى بها تحتاج إلى مبالغ كثيرة ونحن لا نملك هذه المبالغ لتنفيذ هذه الوصية، فما العمل؟
إن كان للميت مال ولو قليلاً فالوصية مردودة إلى ثلث ماله، وتقع المحاصصة في الثلث بقدر ما يتسع له، وإن لم يكن له مال رأساً فالوصية ساقطة ولا يلزم الورثة إنفاذها والله أعلم.
لقد اطلعت على وصية الهالك الذي جعلني وصياً عنه لإنفاذها، فقد أوصى بأجرة من يحج عنه وعن أبيه وبكفارات وأجرة صيام وللأقربين الذين لا يرثون وبأجرة حفر قبور وبالتقدير إن مجموع الوصية كان ألفين ومائتي ريال، ومجموع التركة ألفان وخمسمائة ريال، فما رأيكم
(1) في الثلث من التركة. (4/31)
صفحة 1614
}
32
الفاوي
هذه الوصية هل أجرة الحج تخرج من رأس المال أم لا؟ وكذلك الحجة التي أوصى بها عن أبيه؟ وبقية الوصية؟
أرى أن تخرج هذه الوصية كلها من الثلث لعدم وجود ما يدل على أن عليه ضماناً لأحد من الناس والله أعلم.
هل الثلث من المال كله؟ فإذا كان رجل عنده مزرعة وعنده مجموعة سيارات فأوصى بثلث المزرعة وأبقى للورثة السيارات والباقي من المزرعة، لكن الورثة يقولون بأنهم بحاجة إلى المزرعة أكثر من السيارات؟ إن أوصى بشيء بعينه ولم يكن ذلك زائداً على الثلث فإن وصيته تنفذ ولو كانت نفوسهم تتطلع إليه، فلو كان يملك مزرعة واحدة وأوصى بالمزرعة كلها وله مال آخر بحيث إن تلك المزرعة لا تزيد عن ثلث ماله فوصيته تنفذ ولا يجوز تغييرها والله أعلم.
رجل جاوزت وصيته الثلث وكان بعض ما أوصى به واجباً عليه من حقوق الله تعالى وبعضها احتياطياً وبعضها تنفلاً، فهل يحاصص بين هذه كلها أم يقدم بعضها على الآخر؟
اختلف العلماء في حقوق الله هل تخرج من الثلث أو تخرج من أصل المال، والحديث الشريف يدل على أنها تخرج من أصل المال، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فاقضوا فدين الله أحق بالقضاء»)، وبما أن دين الله أحق بالقضاء فهو حق واجب إخراجه ولو لم يوص به على الصحيح لأن الحديث سيق في هذا المساق هذا الذي ذهب إليه الحنابلة والشافعية، بينما أصحابنا والحنفية والمالكية يقولون بأن حقوق الله لا تنفذ إلا إن أوصى بها، لكن بما
(1) رواه بنحوه البخاري (1953)، ومسلم. (4/32)
صفحة 1615
فتاوى الوصية
33
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسائله: «فاقضوا فدين الله أحق بالقضاء»، فلا نرى التردد في
الأخذ بما دل عليه الحديث الشريف.
أصل
وبناءً على هذا فإن ما كان من حقوق الله تعالى فهو يخرج من المال، وما كان من الأمور الاحتياطية أو كان من التنفلات فهو يخرج من الثلث والله تعالى أعلم.
هل تجوز الوصية بأكثر من الثلث لمن لا وارث له؟
هذه المسألة مما اختلف فيه أهل العلم والراجح الجواز، وذلك لأن بيت المال الذي ستؤول إليه تركة الميت بسبب عدم وجود الورثة هو غير وارث وإنما هو حافظ للمال وصائن له، وأما المانعون فيرون أن بيت المال وارث في مثل هذه الصورة والله أعلم.
رجل ترك مبلغ ستة آلاف ريال، وأوصى بأربعة آلاف ريال ـ أي بثلثي
ماله - للأشياء التالية:
1 - لمسجد بستمائة ريال.
2 ـ لبعض أحفاده بخمسمائة ريال.
- للفلج بأربعمائة ريال وهكذا.
قالوا يحاصص بينها، فكيف تكون طريقة المحاصصة بينها، هل يقسم نصيب كل مما ذكر على اثنين لأن ثلث الوصية هو نصف ما أوصى به؟ وبما أن الثلث قسم على اثنين فكذلك من استحق شيئاً من الوصية أخذه مقسوماً على اثنين؟
نعم، فمن أوصي له بستمائة يعطى ثلاثمائة، ومن أوصي له بخمسمائة (4/33)
صفحة 1616
34
الفاوي
يعطى مائتين وخمسين، ومن أوصي له بأربعمائة يعطي مائتين وهكذا
والله أعلم.
أحكام الموصي والموصى له:
ما حكم الوصية للحمل؟
لا مانع من الوصية للحمل، لأن الوصية ليست كالإرث، فالإرث لا يستحقه إلا من كان مولوداً إبان موت الموروث، أما الوصية فهي بخلاف ذلك، ولذلك يمكن للإنسان أن يوصى للناس جيلاً بعد جيل، فيوصي لهذه الأسرة ثم لأولادهم فيما بعد ثم لأولاد أولادهم فيما بعد وهكذا كما هو الشأن في الوقف عندما يوصي به الإنسان، ولكن الإرث لا يكون كذلك، فالإرث لا يكون إلا للجيل الأول إلا أن ينتقل إلى ورثة الوارثين من خلال إرثهم لهؤلاء الوارثين لا من خلال إرثهم للموروث الأول، فلذلك لا مانع من أن يوصي الإنسان للحمل والله أعلم.
هل يجوز للطفل أن يوصي؟ وهل تثبت وصيته؟
أولاً: نحن لا نسميه طفلاً ما دام عاقلاً، ووصية الصبي إن كان عاقلاً مختلف فيها بين العلماء، منهم من قال بأن الصبي لا يعتد بوصيته كما لا يعتد بطلاقه ولا ببيعه ولا بابتياعه ولا بمعاملاته جميعاً وهذا هو قول الشافعي وأصحابه وكثير من العلماء، وذهب كثير من أصحابنا والحنفية والمالكية إلى أن الصبي إن كان عاقلاً فإنه وإن كان لا يباح له أن يتصرف في ماله إلا أن له أن يوصي، وزاد أصحابنا أيضاً بأنه له أن يعتق والله تعالى أعلم. (4/34)
صفحة 1617
ما حكم وصية المريض والصبي؟
فتاوى الوصية
35
المريض له أن يوصي بل هو أحوج ما يكون إلى الإيصاء، والله تبارك وتعالى يقول: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} [البقرة: 180]، وحضور الموت في الآية يعني به أن تكون أمارات الموت حاضرة سواء كان ذلك لمرض أو لأنه حكم عليه بالإعدام أو نحو ذلك.
يوصي
لأن
وأما الصبي ففي وصيته خلاف، فمنهم من رأى أن له أن الوصية تختلف عن العطية، ولأن الصبي يتقرب إلى الله تبارك وتعالى ماله أيضاً ضمان في
بالقربات فلا مانع من أن يوصي، وقد يلزم الصبي بناء على أن بعض تصرفات الصبي يترتب عليها الضمان في ماله، فمن
العلماء
ما أكله
من قال: بأنه يلزم الصبي في
بعد البلوغ أن يؤدي ذلك من
ماله، فقد
بطنه أو ركبه بفرجه، فهنا يلزمه
بذلك
يوصي
من
ماله لأنه حق
كما
متعلق بالمال، هذا على القول بأن هذين الحقين يتعلقان بمال الصبي يقول بعض أهل العلم، ومنهم من منع وصية الصبي إلحاقاً بسائر معاملاته الممنوعة والله أعلم.
الوصية لحفر القبور هل تجوز على اعتبار أن الحفر عمل إنساني واجب؟
لا مانع من ذلك، وفي ذلك بر إن شاء الله والله أعلم. (4/35)
صفحة 1618
36
الفاوي
أحكام الوصي:
رجل كتب وصية أوصى فيها ببعض الوصايا تُنفّذ بعد وفاته، ولكن الوصي رجع الوصية لصاحبها قبل وفاته متعذراً بعدم إمكانيته تحمل مسؤوليتها، وظلت الوصية مع صاحبها حتى توفاه الله، فهل على الوصي ـ الذي اعتذر في حياة الموصي - تبعة في الوصية ومتابعة
تنفيذها؟
إن تعذر الوصي في حياة الموصي لم تبق عليه تبعة بعد مماته والله أعلم. هل يجوز للوصي أن يقوم بدفع مبالغ الوصية من ماله الخاص على أن يسترده فيما بعد من تركة الموصي الهالك، وذلك في مثل حفر القبر والمغسل وفقراء الأقربين والكفارات وصوم رمضان والحجة؟ وما قولكم
في الأقربين ومن هم؟
لا
حرج
عليه إن وجد عسراً في استخراج ذلك من مال الميت أول الأمر فدفعه من ماله إلى أن يتيسر استخراجه من التركة، ووصية الأقربين هي لجميع الأقربين أغنيائهم وفقرائهم، ولا تخص لفقرائهم كما جاء في السؤال، وتوزع بينهم بالسواء بقدر ما تتسع له من درجاتهم، سواء كانت قرابتهم من قبل الأب أو من قبل الأم، وإنما يراعى تقديم الأقرب فالأقرب والله أعلم. رجل كتب وصية وأودعها أمانة عند أمين، وبعد سنوات توفي الموصي كما توفي الشخص الذي كانت الوصية في أمانته بسنين، ووجدت الوصية من ضمن أوراقه، والوصي لا يعلم بها،
من بعده
وكان الورثة قد اقتسموا التركة، فهل على الوصي مطالبة الورثة بتنفيذ (4/36)
صفحة 1619
فتاوى الوصية
الوصية بعد مضي أكثر من عشرين سنة من وفاة الموصي
السكوت عنها؟
نعم
أو أنه
37
يسعه
عليه أن يطالبهم بذلك، وأن يرفع الأمر إلى القضاء الشرعي إن
امتنعوا والله أعلم.
أوصى رجل بثلث ما يمتلكه من عقار ونقود ونخيل خيراً يصرف ذلك بعد وفاته من جميع ما يحتاجه الميت من تجهيز دفنه وقراءة الأنعام والفاتحة وختمة رطبة، والباقي من الخير يبنى به مسجداً في أي مكان حسب ما يراه وكيله سالمين، فمن الوكيل الوحيد في التصرف بالثلث الذي أوصى به المتوفى؟
بما أن الموصي عيّن وصيه الذي هو يتولى تنفيذ وصيته، والعمل المشار إليه مما يتعلق بإنفاذ الوصية، فإنه هو الذي يقوم به، اللهم إلا إن ثبت شرعاً أنه غير صالح لذلك والله أعلم.
في رجل توفي وأوصى بوصية وجعل وصيه على هذه الوصية شخصاً من غير ورثته وقد جعل له عن تنفيد الوصية مبلغاً وقدره مائة ريال عُماني، وأراد الورثة أن ينفذوا وصيته بأنفسهم ويعطوه المبلغ الذي أوصى به المتوفى للوصي، فهل يجوز لهم ذلك؟
بما أنه وصي عينه الموصي بنفسه ولم يعتذر عن تحمل مسؤولية إنفاذها عندما علم أن الموصي اختاره لذلك فليس له التخلي بل يجب عليه الإنفاذ، وعلى الورثة أن يمكنوه من ذلك، إلا إن ظهرت لهم منه خيانة فعليهم إقامة الحجة بذلك عند القاضي الشرعي والله أعلم.
ما قولكم في رجل أوصت على يديه والدتي بوصايا ينفذها بعد موتها، (4/37)
صفحة 1620
38
الفاوي
وقالت له: أمسك هذه ضاحية النخل واحسب المبالغ التي قد تدفعها قيمة الوصايا في هذه الضاحية ثم قام على الوراث وقال لهم: أدوا ما عليكم من قيمة الوصايا التي نفذها وهم متكاسلون لأنهم ورات بنون وبنات والوصي منذ قبض هذه الضاحية يعمرها ويستغلها فلا أدري ماذا عليه من استغلاله الضاحية وما يلزم الوراث؟
الإرث إنما هو بعد إنفاذ الوصايا وقضاء الديون لقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 12]، وعليه فإن لم يؤد الورثة ما بحوزتهم من حق الوصية أعيدت القسمة من جديد، وإن كان الموصي عيّن شيئاً من ماله تنفذ منه وصاياه فإنه يُراعى ذلك في الإنفاذ إلا إن لم يكف ما عينه لإنفاذها فيرجع في الباقي إلى سائر المال، ويرد إلى الورثة ما زاد على نفقاته التي أنفقها على الضاحية من غلتها والله أعلم.
أراد
عن رجل جعل رجلاً وصيه ومعه أحد الورثة، فلما توفي الموصي الورثة أن ينفذوا وصية والدهم بأنفسهم دون الرجوع إلى الوصي، فهل هذا الوصي أن يتخلى عن إنفاذ هذه الوصية لأنه لا يحب أن يدخل
يسع
في نزاع مع الورثة لا سيما وأن أحد الورثة من جملة الموصى إليهم؟
إن كان أقر الموصي في حياته عندما اختاره وصياً ولم يعتذر إليه فإنه لا يحق له التخلي بعد وفاته، فإنه لم يختره لتحمل هذه الأمانة إلا لثقته فيه وائتمانه إياه، فعليه أن يكون مع حسن ظنه وأن لا يخيب فيه أمله والله الموفق.
ما قولكم إذا عين الموصي أوصياءه لإنفاذ وصيته أو عين أشخاصاً بأعينهم من الأقربين فأوصى لهم دون الباقين؟
أما إن أوصى لبعض الأقربين دون بعض فقيل بأن الوصية تعمم لكل من يستحقها من الأقربين، وقيل: إن كان الذين أوصى لهم تنالهم الوصية (4/38)
صفحة 1621
فتاوى الوصية
39
عين
بحيث إنه لم تكن هناك درجة أقرب منهم إليه فهم أولى بها دون الآخرين، وإن لم تكن تنالهم فإنها تعمم للجميع، أما إذا شخصاً ليكون وصيه فإنه يعتد بذلك وعليه أن يعين ثقة، وله أن يعين اثنين فصاعداً، وإن عين اثنين فصاعداً فإما أن يعتبرهم جميعاً أوصياء معاً. ففي هذه الحالة لا يستقل أحدهم بتنفيذ وصيته دون الآخر، بل لا بد أن يشتركوا في التنفيذ جميعاً، أما إن قال مثلاً بأن الحاضر منهم يقوم مقام الغائب والصحيح يقوم مقام المريض والقادر يقوم مقام العاجز والحي يقوم مقام الميت، فإن من حضر وهو صحيح قادر على تنفيذ الوصية فهو يقوم بتنفيذها ولا حرج إن لم يشاركه الآخر والله تعالى أعلم.
هل للوصي أن يوكل غيره في إنفاذ الوصية التي أوصي إليه بأن ينفذها؟ إن كان غير قادر على تنفيذها فله أن يستعين بغيره مع مراقبة ما يفعله الغير وليحرص على أن لا يستعين إلا بأمين والله أعلم.
ما هي
هذه
شروط الوصي الذي تسند له الوصية؟ وهل المعتبر في الشروط وقت الإيصاء أم الموت أم إنفاذ الوصية، فمثلاً لو جعل وصيه ابنه الصغير فهل يكون وصياً شرعياً فينتظر إلى البلوغ أم لا وتسند إلى
غيره؟
إن كان عند الإيصاء صبياً وعند الوفاة بالغاً فإنه يعد وصياً ويتولى إنفاذ الوصية، وأما إن كان وقت الوفاة صبياً فإنه لا ينتظر إلى وقت بلوغه وإنما يوكل إنفاذ الوصية إلى غيره، وذلك لما يؤدي إليه الانتظار من تعطيل المصالح، فإن تركة الميت تتعلق بها عدة، حقوق، فيتعلق بها إنفاذ ديون الميت أولاً ثم إنفاذ الوصية ثم إعطاء الورثة أنصباءهم، والانتظار يؤدي إلى الإضرار بذلك والله أعلم. (4/39)
صفحة 1622
الفاوي
هل يجوز للوصي شراء ما بيع من مال الميت لتنفيذ الوصية؟
أما أن يكون هو البائع والمشتري فلا، وإنما يوكل من يشتري له على أن يكون هناك أكثر من شخص يرغبون في الشراء حتى لا تكون في ذلك محاباة والله أعلم.
ما يدخل تحت لفظ الوصية:
ما قولكم فيمن أوصت لابنتها من بعد موتها ببيت لها عن ضمان، وذكرت بما اشتمل عليه من أبواب وجذوع وأثاث، وفي البيت مناديس وصياني وصفاري، فهل تدخل في المشتمل بعدما عينت من المشتمل الأبواب والجذوع والأثاث أم أن الأثاث يطلق على كل شيء في البيت؟ من أوصى لأحد ببناية بما اشتملت عليه من جذوع وأبواب وأثاث، فإن كلمة الأثاث يندرج تحتها ما يصدق عليه هذا اللفظ عرفاً، لأن العبرة بالعرف في مثل هذه الأمور، أما من ناحية اللغة فإن الأثاث يطلق لغة على متاع البيت، والمتاع كل ما ينتفع به، لأنه مأخوذ من الاستمتاع، وقد سمى الله الدنيا متاعاً، هذا وإذا كان هنالك استثناء فإن الاستثناء قرينة دالة على أن ما عدا المستثنى داخل تحت مدلول اللفظ إذا كان من جنس المستثنى والله أعلم.
رجل توفي وكان قد أوصى بثلث ممتلكاته خيراً، وهي منزل بني بالمواد الثابتة وبه دكانين في أرض محاطة بجدار إسمنتي وثمانية عشر ألف ريال عماني، وبما أن أولاده ووالدتهم مقيمون في ذلك المنزل، فهل يعتبر من ضمن الوصية أم لا؟
كل ما يصدق عليه اسم تركة يدخل في التركة وإنما يمكن الاعتماد على التقويم فيسلموا ثلث قيمة المنزل للوصية والله أعلم. (4/40)
صفحة 1623
فتاوى الوصية
41
توفي رجل وكان قد أوصى لزوجته بجلبة نخيل تسمى جلبة المحبوبة، ونصت الوصية على أن الجلبة تحتوي على نخلتي خصاب، وبعد وفاته أراد منفذ الوصية تنفيذ ما جاء فيها، إلا أنه ظهر أن هذه الجلبة تحتوي على أكثر من سبع نخلات مع العلم وحسبما تقول زوجته الموصى لها بذلك أنه قال لها في حياته بأن لها الجلبة كاملة بعد وفاته، فما قولكم ذلك، أتثبت لها الجلبة بما فيها من نخيل أم تثبت لها النخلتان المشار إليهما في ظاهر الوصية؟
في
بما أنه ذكر نخلتين بعد ذكره الجلبة، فإن أكثر المشايخ رأوا أنها لا تستحق إلا نخلتي خصاب من أوسط نخيل الجلبة، وعليه نعتمد، هذا إن كانت الوصية من حق لها عليه، أما إن كانت تبرعاً منه لها فلا تثبت لعدم جواز الوصية للوارث إلا من ضمان والله أعلم.
رجل أوصى بمبالغ لمن يغسله: - من يدخل في لفظ التغسيل هل هو من تولى العرك أم كل من شارك الغسل كالصاب الماء والممسك للستر؟
ـ لو اشترك في الغسل والعرك أكثر من واحد، فهل يستحقون ذلك جميعهم؟
يراعى في ذلك العرف، والظاهر أن العرف يقتضي دخول هؤلاء جميعاً
فيما أوصي به لتغسيل الميت ولو بصب الماء وإمساك الستر والله أعلم.
رجل أوصى بثلث ماله بعد موته لأناس ربما لحقه ضمان منهم، والوصية ناطقة من أموال خضراء (1) وبيوت ورموم ورثة وغيره من الأموال، فهل
(1) الأموال الخضراء: هي البساتين والمزارع. (4/41)
صفحة 1624
42
الفاوي
يتم إخراج هذا الثلث من المبالغ النقدية التي خلفها الموصي أم يكون من الأموال الخضراء والعقارات دون الدراهم؟
إن كانت الوصية بثلث المال فجميع التركة تدخل في المال إلا إن فترها بقوله من كذا وكذا فإنما تُخرج من تلكم الأصناف المفسرة قدر ثلثها، لأن ذلك تخصيص لعموم التركة والله أعلم.
ما قولكم في رجل أوصى بأربع نخلات من ماله لأربعة مساجد ولم يحدد النخلات ولم يكن بقرب هذه المساجد نخيل له علميان لديه أربعة أفلاج وبكل فلج نخيل، فكيف تخرج هذه النخلات؟ وهل يجوز للورثة شراء هذه النخيل وتعويض النخيل بالقيمة؟
تخرج
هذه النخيل من وسط ماله أي من أوسط النخيل التي يملكها الموصي، ولا يجوز تعويض القيمة عنها لما في ذلك من تبديل الوصية
والله أعلم.
لقد أوصى رجل لآخر ببيته ويوجد في الوصية كلمة مستحقات، فما المقصود بها، هل هي الأثاث أم غير ذلك؟ وكذلك وجدنا أنه باع نفس إقالة، فماذا ترون في ذلك، علماً بأن بيع البيت كان بعد
البيت بيع
كتابة الوصية؟
مستحقات البيت جميع ما يتكون منه من أبواب وأخشاب وحريم وأمثالها، وتصرف الموصي فيما أوصى به بالبيع يعد رجوعاً عن الوصية
والله أعلم.
من أوصى بشيء من ماله لرجل ثم تبين أن له شيئان أو ثلاثة من جنس له بسيارته أو بمزرعته فيوجد له أكثر من كأن يوصي
المال الموصى به (4/42)
صفحة 1625
فتاوى الوصية
43
سيارة وأكثر من مزرعة فكيف يتصرف في مثل هذه الحالة؟ المشهور في مثل هذه الحالة أن يعطى الوسط من حيث النوع ومن
حيث الجودة والله أعلم.
وصية الأقربين:
هل الوصية للأقربين لازمة؟ فإذا كانت لازمة فمن هم الأقربون اللازمة فيهم الوصية؟ علماً بأن أموال الموصي ديون في أيدي الناس؟
في
تجب وصية الأقربين على من ترك خيراً أي مالاً ولو كان ديناً ذمة الناس، لقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180]، وقد أسقط حق الوالدين بما دلت عليه السنة والإجماع أنه لا وصية لوارث وبقي حق الأقربين الذين لا يرثون، وعليه فإن من كان له أبناء صلب يرثونه فالأقربون في استحقاق هذه الوصية أولاد الأبناء وكذلك الأجداد مع الآباء ثم الإخوة والأخوات وأولادهم ثم الأعمام والأخوال والخالات وأولادهم وهكذا
والله أعلم.
إلى كم تقطع وصية الأقربين؟ وإذا فضل شيء قليل من دراهم الوصية لا يمكن قسمتها، فإلى من تدفع؟
اختلف العلماء هل تقطع وصية الأقربين بعد أربعة آباء أو خمسة أو إلى سبعة؟ أقوال، وإن فضل شيء من الدراهم التي لا تمكن قسمتها بين الأقربين أعطيت الأقرب والله أعلم. (4/43)
صفحة 1626
44
الفاوي
إذا لم تكف الدراهم الموصى بها للأقربين، فهل يجوز قطعها في بعضهم دون بعض؟
إذا كان ما أوصى به للأقربين لا يكفي لهم جميعاً أُعطي الأقرب فالأقرب منهم، وقطعت الوصية عندما يبقى من المبلغ ما لا يكفي للانتفاع به إذا قسم على الأفراد والله أعلم.
فيمن توفي له بعض أقاربه وأراد أن يتصدق عنه بشيء، فهل الأفضل تركها لأقاربه أم لفقراء المسلمين؟ وهل هناك فرق إذا أوصى الهالك لأقاربه أو لم يوص؟
إذا أوصى أحد لأقربيه وجب تنفيذ الوصية فيهم، ووصية الأقربين واجبة عندنا لقول الله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180]، وإذا لم يوص للأقربين وأوصى لغيرهم أعطي الأقربون الثلثين والثلث للآخرين في قول أكثر علمائنا، وقيل بعدم التبديل، أما إذا أوصى للفقراء مطلقاً وكان هنالك فقراء من أقربيه فلا مانع من إعطائهم من الوصية لفقرهم، شريطة أن لا يكونوا ورثة والله أعلم.
ذكر العلماء أن وصية الأقربين تقطع قسمتها بدائق واحد، فما هو الحد الذي تقطع معه وصية الأقارب في هذا الوقت؟
تقطع وصية الأقربين في وقتنا هذا إذا انتهت إلى حد ما لا ينتفع به، والدائق (1) لم يتفق عليه سابقاً، وإنما هو رأي لبعض العلماء، وإلا فقد قيل بنصف دائق، وبدانقين وكل هذه الآراء مبنية على الاجتهاد والنظر والله أعلم.
(1) الدائق: يساوي سدس درهم. (4/44)
صفحة 1627
فتاوى الوصية
45
ما قول سماحتكم في رجل أوصى بمائتي ريال للفقراء الأقربين الذين لا يرثون مع العلم بوجود أولاد الابن والإخوة الأشقاء والإخوة من الرضاع والأعمام والعمات والأخوال والخالات وأولادهم، فكيف توزع هذه الوصية؟
الأخوة من الرضاع لا يدخلون في الوصية، لأن الرضاع سبب وليس بنسب، ومع اتساع الوصية يعطى منها هؤلاء كلهم بالسواء، ولا تختص هذه الوصية بالفقراء، وإنما هي لكل قريب، لأنها حق للغني والفقير معاً القربى والله أعلم.
من لم يوص لأقربيه، ما الحكم؟
بس
الوصية تجب على الإنسان لأقربيه إن كان واجداً وذلك لنص الآية، وإن لم يوص بها كان آثماً، ولكن لا يصرف من ماله لأقربيه من غير وصية والله أعلم.
رجل كان قد أوصى قبل موته بمبلغ من المال لأقاربه الفقراء، فمن هم
هؤلاء الفقراء حسب تحديد الشرع؟ وهل تراعى درجة فقر كل منهم؟ تنفذ الوصية حسبما أوصى، فإن أوصى لفقراء قرابته فلتوضع فيهم، وإن كانت الوصية حقاً للأقربين غنيهم وفقيرهم، لقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180]، والفقير كل من لا يكفي دخله لنفقاته الضرورية والله أعلم.
أم
من هم الفقراء الأقربون هل هم أولاد الأولاد من الذكور أم من الإناث الأقارب الذين لا يرثون شيئاً؟ جميع وصية الأقربين غير خاصة بفقرائهم، بل هي شاملة للغني والفقير، لقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ (4/45)
صفحة 1628
الفاوي
وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: (180)، فترى أنه لم يقيدها بفقراء الأقربين، والأقربون هم جميع القرابة الذين لا يرثون، سواء كانوا أولاد الأولاد أو من كان من قبل الأب أو من قبل الأم من الأقربين، وإنما يقدم الأقرب فالأقرب حسبما تتسع الوصية والله أعلم.
رجل هالك كان قد أوصى بمبالغ للفقراء الأقربين بعد موته، فمن يكون هؤلاء الأقربون؟ وهل تعم الذكور والإناث على السواء؟
وصية الأقربين غير خاصة بالفقراء، بل هي شاملة للأقربين فقراء كانوا أم أغنياء، لأنها صلة لذوي القرابة بعد الموت، وقد ذكرها الله في القرآن مطلقة غير مقيدة بالفقر، فتقييدها بذلك من تصرف الجهال وليس من الحق في شيء، وهي خاصة بالأقرباء الذين لا يرثون لحجبهم بمن هو أقرب منهم، أو لكونهم من ذوي الأرحام، كأولاد الأولاد مع وجود الأولاد، وكذلك الإخوة والأخوات وأولادهم، والأعمام والعمات والأخوال والخالات وأولادهم، والذكر والأنثى فيها بالسواء والله أعلم.
رجل كان قد أوصى قبل وفاته لأرحامه بمبلغ مائتي ريال عماني، وله من الأرحام أولاد أولاده وأولاد عمه وأولاد خاله وأولاد خاله وغيرهم الكثير، فكيف
يوزع
هذا المبلغ بينهم؟ الأصح توزيع هذه الوصية بين أقربيه بالسواء إن لم يميز بينهم في وصيته والله أعلم.
رجل أوصى للأقربين منهم أولاد عم ومنهم أولاد أخ، فمن منهم يأخذ أكثر من الوصية؟
اختلف في وصية الأقربين، هل توزع بينهم بالسواء أم يعطى الأقرب (4/46)
صفحة 1629
فتاوى الوصية
47
ضعف الأبعد؟ والراجح الأول لاشتراكهم جميعاً في صفة القرابة، وبناءً على التمييز فإن أولاد الأخ أقرب من أولاد العم والله أعلم.
رجل أوصى بمائة ريال عُماني يخرج منها كفارة صلاة والباقي للفقراء الأقربين، وكان قد ترك من الأقربين أولاد ابن وأولاد بنت وأولاد أخ وأولاد أخت وأولادهم وأولاد عم ذكوراً وإناثاً، فكيف تقسم هذه الوصية
بينهم؟
كل هؤلاء أقربون فلهم حق في هذه الوصية، وتقسم بينهم بالسواء، لا فرق بين ذكر وأنثى، ولا بين أقرب وأبعد والله أعلم.
ما قولكم فيمن أوصى قبل وفاته بألف ريال عماني لأقربيه الذين لا يرثون من ماله شيئاً، وللهالك أحفاد وأخ شقيق وأبناء أخ شقيق، فهل للأخ وأبناء الأخ نصيب من هذا أم لا؟
نعم هؤلاء كلهم أقربون، فلهم نصيبهم من الوصية، وإنما اختلف في توزيعها بينهم فالمتقدمون من علمائنا يرون توزيعها بالدرجات، وإمامنا السالمي رحمةالله يرى توزيعها بينهم بالسواء وبه نأخذ والله أعلم.
امرأة كانت قد أوصت الأرحامها بمال ومن أرحامها أولاد أخ وألاد أخت وأولاد خالة، فمن منهم يستحق من الوصية، وما المقدار لكل
منهم؟
الوصية للأرحام يستحقها جميع الأرحام الذين لا يرثون، وهم الأقربون غير الوارثين الذين دلت على وجوب الوصية لهم من ترك الخير آية من كتاب الله، ويشتركون جميعاً في الوصية لاشتراكهم في صفة القرابة ومعنى الرحم والله أعلم. (4/47)
صفحة 1630
??
الفاوي
رجل كان قد أوصى قبل وفاته بوصية للأرحام، فمن هم هؤلاء
الأرحام؟
الأرحام كل من يربطه نسب ولو إلى خمسة آباء، وقيل: إلى سبعة آباء
والله أعلم.
ما قولكم فيما يكتبه كثير من الناس في وصاياهم للأقربين، حيث إنهم يكتبون فقراء الأقربين، وعند تنفيذ هذه الوصايا يحتار الورثة في أن يعطوا الأقربين دون تقييد أو يقتصرون على مورد النص فيعطون الفقراء فقط خوفاً من دخولهم في قوله: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّهَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 181]؟
يعتبر في هذا القصد وإن لم يدل عليه اللفظ والله أعلم.
من أوصى لأقاربه الذين لا يرثون إلا أنه نص في وصيته أن المال لفقراء الأقربين، فهل يقصر تنفيذها على الفقراء منهم أم تعمم أم تعمم على جميع
الأقربين؟
هذا من الخطأ الذي يقع فيه الناس بسبب الجهل، فوصية الأقربين تشمل كل قريب غنياً كان أم فقيراً، ولكن بما أن مقصد الموصي الإيصاء للأقربين جميعهم ولكن الجهل جعله يكتب لفقراء الأقربين، نرى تعميم الوصية على الأقارب وعدم قصرها على الفقراء منهم والله أعلم.
في وصية الأقربين إن اقتصر بتوزيعها على الدرجة الثالثة من الموصي مثل ابن ابن دون من هو أعلا من ذلك، ولكن وجد لهذا الميت الموصي قريباً له بالدرجة الخامسة وأراد الوصي إعطاءه من الوصية مثل نصيب ما أعطى من بالدرجة الثالثة لسبب معرفة صلة النسب بين الموصي (4/48)
صفحة 1631
فتاوى الوصية
49
وهذا القريب خوف التناسي، فهل في ذلك من حرج أم يلزم التساوي في الإعطاء لكل الأقارب؟
لا يترك الأقرب ويعطي الأبعد ما لم يخصه الميت بوصية والله أعلم. إذا أوصى الهالك بوصية مثل مال أو فلوس لأحد الأقربين من بعد الوصية التي أوصى لهم بها، فهل يحق لهم نصيب من وصية
الأقربين؟
إذا خصص
أحد
بعض أقربيه بوصية وأوصى كذلك للأقربين بالوصية المشروعة لهم فلا يمنع إيصاؤه لهؤلاء أن يدخلوا في الوصية العامة لاحتمال أن ما أوصى به لهم خاصة لضمان لزمه أو لوجه يقتضي الوصية، اللهم إلا أن يتضح أن وصيتهم من باب الوصية للأقربين والله أعلم.
هل يحق للأقربين بأن يطالبوا بحق الوصية التي أوصى بها الهالك لهم
شرعاً؟
يحق لكل من أوصي له بشيء أن يطالب به بعد موت الموصي سواء
كان من الأقربين أو من غيرهم والله أعلم.
الوصية للأقارب غير الوارثين:
امرأة أوصت في حياتها بخمس نخلات لحفيدها (ولد ولدها) في حضور شهود ودون كتابة فهل يحق لها ذلك إذا كان لديه إخوة؟
إن كان غير وارث فذلك جائز إن لم تتجاوز الوصية الثلث
والله أعلم. (4/49)
صفحة 1632
0.
الفتاوى
رجل كان قد كتب وصية قبل وفاته بنصف منزله لابن أخيه، وذلك مقابل مبلغ ثلاثمائة ريال عُماني كان قد دفعه لعمه الهالك قبل وفاته عند بناء هذا المنزل، وقيمة المنزل المذكور تبلغ ألفاً ومائة ريال عُماني، فهل يجوز له ذلك؟ علماً بأن الهالك خلّف وراءه زوجة وأربعة
من
الأبناء؟
ذلك تصرف من مالك المنزل، فماذا يقال فيه؟
رجل أوصى ببيته لأولاد ابنة أخته فهل تثبت هذه الوصية وينتقل بها هذا البيت إلى الموصى لهم بعد وفاة الموصي أم أنها غير ثابتة فيكون من ضمن التركة تقسم بين جميع الورثة؟
إن كانت هذه الوصية لا تتجاوز مع سائر ما أوصى الثلث ما أوصى الثلث فهي ثابتة وإن تجاوزت الثلث ردت إليه بالمحاصصة والله أعلم.
1 - رجل أوصى ببعض ماله لأولاد أولاده ما تناسلوا الذكور منهم هكذا أورد في الوصية - هل تعم هذه الوصية نسل الأولاد الذكور والإناث أم نسل الذكور فقط؟
2 - أصبحت الآن هذه البيوت والنخل الموقوفة متهدمة ولا ينتفع بها، فماذا نفعل، هل لنا أن نبيعها ونشتري بها ما فيه منفعة لهذا الوقف؟ (1) بما أن الموصي نفسه خصص الوصية بأولاد أولاده الذكور فلا تدخل في هذا الذي أوصى به الإناث والله أعلم.
(2) تجوز الاستعاضة عن الموقوف بما هو أجدى نفعاً على أن يكون ذلك باتفاق الموقوف لهم والله أعلم. (4/50)
صفحة 1633
الوصية للوارث:
فتاوى الوصية
51
منهم
رجل توفي وأوصى بإعطاء البستان الخاص به لورثة رجلين، وورثة هذين الرجلين يختلفون في العدد، كما أن أحد ورثة الرجلين يرث
الرجل المتوفى صاحب الوصية، فكيف تكون القسمة بينهم شرعاً؟
يقسم البستان بين جميع ورثة الرجلين بالسواء، إلا من يرث الموصي فلا نصيب له من الوصية، اللهم إلا أن يبين أن الوصية من ضمان لزمه
لهم والله أعلم.
ما قولكم في رجل توفي وله ولد وبنت وكان قد أوصى أن يقسم المال الذي تركه بالنصف بين الولد والبنت وأشهد على ذلك ثلاثة رجال، وبعد أن توفي والدهما أرادا أن يقسما الورث بينهما ولكن الولد رفض إعطاء أخته النصف كما هو مكتوب في الوصية، وقال لها لك الثلث فقط؟ هذه الوصية باطلة من أساسها لمخالفتها حكم الله المنصوص عليه في
كتابه والمتوعد مخالفه بأشد الوعيد فتقسم التركة بكتاب الله والله أعلم.
ما قولكم في رجل له زوجتان واحدة منهن أدى حقوقها كاملة، أما الثانية فعقها مدة طويلة ولم يؤد حقها كما فرضه الله عليه، ثم رجع وندم على ما فعل وتاب إلى الله وأراد بعد ذلك أن يوصي لها - دون زوجته الأخرى ـ من ماله شيئاً بعد موته من الضمان الذي لحقه منها، فهل يجوز له ذلك؟
له أن يوصي لزوجته التي قصر في حقها بقدر ما لها من حق بدون زيادة عن ذلك، ولا يلزمه بجانب ذلك أن لزوجته التي وفر لها حقها والله أعلم.
يوصي (4/51)
صفحة 1634
52
?
الفاوي
رجل أوصى في حياته من ماله لبعض من أولاده دون الآخرين (صغار السن)، والآن بقي القليل من ماله، فهل يكون للذين كانوا صغاراً ولم يوص لهم من قبل أم يشترك فيه الجميع؟
الوصية للورثة باطلة، فلا وصية لوارث بالسنة والإجماع، اللهم إلا إن كانت من ضمان على الموروث لوارثه، وعليه فإن الموصى به لهم من غير ضمان مع سائر التركة لكل وارث فيه حق بحسب قسمة الحق التي شرعها الله والله أعلم.
امرأة عندها بنتان وأخ خليص (1) وأخ من أب، وبما أن كل ما تمتلكه من ميراث زوجها وابنها كانت قد كتبته لبناتها، والمرأة ما زالت على قيد الحياة، فهل يحق لأخيها الخليص شيء من الورثة؟ أما الوصية فلا وصية لوارث، وأما العطية فلا مانع من أن يعطي أولاده في حياته العدل بينهم والله أعلم. مع
أحد
رجل توفي وترك صبية، وكان له زوجتان للزوجة الأولى المتوفية ولد وبنت لا يزالا على قيد الحياة، والأخرى لا تزال على قيد الحياة لديها ثلاثة ذكور ومثلهم من الإناث وهم صغار في السن ولا يزالون على قيد الحياة أيضاً، فكتب الهالك وصية للزوجة الثانية وأولادها بمبلغ خمسة آلاف ريال ومنزل بمبلغ ستين ألف ريال عُماني، في حين لم يوص لبقية أبنائه من الزوجة الأولى بشيء، فما قول سماحتكم في
الوصية؟
لا وصية لوارث إلا إن كانت من ضمان والله أعلم.
هذه
(1) الأخ الخليص: هو الأخ الشقيق. (4/52)
صفحة 1635
فتاوى الوصية
53
رجل أراد أن يكتب لزوجته بيتاً أو شيئاً من أملاكه من ضمان يخاف أن يكون قد لزمه لها أثناء المعاشرة الزوجية في حياتهما، ولكنه اشترط أن لا يكون لها أي حق في التصرف فيه وألا تستغله إلا بعد موته، فهل له
ذلك؟
هذه وصية، إذ الوصية لا يستحقها الموصى له إلا بعد موت الموصي وثم يتمكن من التصرف فيها، وهي لا تحق للوارث إلا إذا كانت من ضمان مؤكد وبقدره، أما إذا كان غير واثق من الضمان وإنما هو مجرد احتياط، فليس له أن يوصي لوارثه زوجةً أو غيرها، وإنما تباح العطية للوارث في الحياة من غير حجر التصرف والله أعلم.
أثناء
عن رجل توفي وترك زوجتين، حيث أوصى لهما بالقيام الكافي العدة، وهاتان الزوجتان كل واحدة منهما في بيت لوحدها، وكل واحدة البيت ولدها وعائلتها، وعند الهالك عدة أولاد متفرقين كل
في واحد في بيته فما ترى لهاتين الزوجتين على الورثة الواجب دفعه لكل واحدة منهن من دراهم؟
الزوجتان وارثتان ولا وصية لوارث بنص الحديث النبوي الشريف وبإجماع الأمة، وعليه فالوصية باطلة إلا إن اتفق على إقرارها جميع الورثة فذلك إليهم، وعندئذٍ يتفقون بينهم في القدر الذي يدفعونه لهما، إذ لا إلزام
في
ذلك والله أعلم.
ما قولكم فيمن أوصى لزوجته ببيته المرهون إلى البنك وعليه أقساط، فهل يثبت لها العطى أم لا؟
الزوجة، وارثة والوصية للوارث غير جائزة، إلا إن رضي سائر الورثة أو (4/53)
صفحة 1636
54
الفاوي
كانت
من ضمان لازم شرعاً، وما أوصى به وهو مرهون إن قيد في الوصية بعد فكاكه من الرهن ثبتت الوصية فيه وإلا فلا والله أعلم.
رجل أراد أن يوصي لأولاده الأيتام ذكوراً وإناثاً بعد موته بغلة دكاكين، وتوزع غلته الشهرية لهم عوضاً عما أعطى إخوتهم لزواج وسلاح ما دامت قبضة الدكاكين باقية بأيديهم، فهل يحق له ذلك شرعاً؟
الوصية للوارث باطلة بإجماع إلا أن تكون عن ضمان، وعلى الرجل أن يعدل بين أولاده في العطاء، فلا يؤثر أحداً على غيره، لحديث النعمان بن بشير عند الربيع الله وغيره، وعليه فمن أعطى أولاده الكبار فعليه أن ينصف للصغار فيعطيهم بمقدار ما أعطى إخوتهم، سواء منحهم في حياته أو أوصى لهم بعد مماته، على أن تكون الوصية لكل منهم بقدر ما ناب من العطاء لكل واحد من إخوتهم، وإنما يعطي الذكر ضعف الأنثى والله أعلم.
ما قولكم في رجل أوصى بأن يكون من ماله بعد وفاته حق لأبنائه الذكور لزواجهم في حالة عدم تمكنه في حياته من تزويجهم، حيث إنه
يوصي
كان قد زوج ابنه الأكبر، علماً بأن الوصية مقصورة على الذكور فقط؟ اختلف العلماء في تزويج الولد إذا بلغ الحلم، هل هو حق على الأب له أو لا؟ وبناءً على أنه حق واجب على الأب فليس عليه أن للصبيان الذين لم يبلغوا الحلم بقدر مهور زواجهم، لأن حقهم لم يجب عليه بعدم بلوغهم وعليه فالوصية بذلك، باطلة إلا إن أقرها الورثة، وبناءً على أنه غير واجب عليه، وزوج البلغ منهم فعليه أن يوصي لغير البلغ بقدر صدقات زواجهم، كما عليه أن يوصي لكل أنثى بنصف ما أوصى به لذكر والله أعلم. (4/54)
صفحة 1637
فتاوى الوصية
55
لدي الآن والحمد لله عشرة من الأولاد ذكوراً وإناثاً، وفي السابق كان لدي ولدان فقط وقمت حينها بكتابة عن طريق المحكمة بأن يكون جزء من بيتي لهذين الولدين بعد وفاتي ضماناً لمستقبلهما. أما الآن وبعد أن رزقني الله بهذا الكم من الأبناء فقد بدأ إخوتهم الباقون يتنكرون لهذه الوصية ويطالبونني بإلغائها، وسؤالي لسماحتكم عن مدى صحة هذه الوصية؟ وهل الواجب أن أقوم بإلغائها أم أنها صحيحة حسب ما حدده
الشرع؟
الوصية للورثة باطلة بإجماع الأمة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا وصية لوارث» (1)، فيجب عليك الرجوع عن هذا الإيصاء الباطل المجانب للحق
والله أعلم.
رجل هلك قبل خمسة وعشرين عاماً، وخلف أربعة أولاد ذكور وأربع إناث وزوجة وأموالاً كثيرة، وطيلة هذه الفترة لم يفكر الورثة في اقتسام التركة، وبعد مضي هذه المدة أراد الورثة اقتسامها، فوجدوا وصية من الهالك بمبلغ ثمانمائة قرش (2) للأولاد الذكور وأربعمائة قرش للإناث وثلاث نخلات للزوجة وبمبلغ مائة قرش، والأموال تغطي كل ذلك، ولكن وكلاء البنات رفضوا هذه الوصية بحجة أنها لم تكتب عن ضمان لزمه لهم ولا يوجد شهود بذلك، فما قول سماحتكم
في ذلك؟
الوصية للورثة باطلة إلا إن أقرها جميع الورثة والله أعلم.
(1) رواه الربيع (667)، وأحمد (186/ 4)، والترمذي (2121). (2) القرش: هو عملة قديمة كانت متداولة في عُمان. (4/55)
صفحة 1638
10
الفاوي
أنها
ما قولكم في امرأة كانت قد أوصت لولدها من زوجها الهالك مع الآن في عصمة رجل آخر ولديها منه أولاد، فهل يجوز لها ذلك شرعاً أم أنه يكتفي بالإرث مع إخوانه من أمه؟
لا وصية لوارث إلا إن كان ذلك من ضمان والله أعلم.
ما رأي الشرع الشريف في رجل هلك وترك ثروة، وكان قد أوصى بجزء منها لزوجته وبعض أبنائه دون الآخرين، وذلك وفاءً لضمان لزمه ولم يحدد بالوصية نوع الضمان فهل هذه الوصية ثابتة شرعاً؟
إن كان ذلك من ضمان فتثبت الوصية، وإن اتهم سائر الورثة الموصي أنه أراد إلجاء (1) فلهم يمين على الموصى لهم أنهم لا يعلمون أنه قصد بذلك الإلجاء والله أعلم.
امرأة تملك بيتاً أرادت كتابته لبناتها من ضمان لهن عما قمن به من رعاية لها في حال صحتها ومرضها مع العلم أنها لها أخت شقيقة، فهل يجوز لها ذلك أم أن أختها شقيقتها لها حق في الإرث؟
إن لم يكن عليها لبناتها ضمان فلا يجوز لها أن توصي لهن، لحديث: لا وصية لوارث» (2). وعليه الإجماع، وقيامهن بخدمتها أمر واجب عليهن فإنه من البر اللازم على الولد تجاه والديه، وإنما لها أن تعطي بناتها من مالها ما تراه عوضاً لهن عن معروفهن من غير قصد إلجاء عن أحد الوراث، على أن تكون هذه العطية في حياتها لا إيصاء بعد موتها، والأخت وارثة مع البنات، فإن الأخوات مع البنات عصبات والله أعلم.
(1) إلجاء لهم: أي تحايلاً لحرمانهم من حقهم في التركة. (2) رواه الربيع (667)، وأحمد (186/ 4)، والترمذي (2121). (4/56)
صفحة 1639
فتاوى الوصية
OV
مع
قطعة
رجل أوصى لأولاده الذكور والإناث ببيت بما فيه من الأثاث مال أخضر على أن يسكنوا المنزل، وأما غلة المال فهي لعمار البيت إلا إذا أرادوا القسمة وحيث إن الأولاد عددهم ثمانية وكل واحد منهم لديه عائلة
فلم يستطيعوا السكن جميعهم، فهل يصح البيع وتقسم القيمة بينهم؟ هذه الوصية باطلة من أصلها، لأنها وصية لوارث، والورثة ليس لهم حق في التركة إلا ما فرضه الله لهم، ولم يكل الله تعالى أمر المواريث إلى نبي مرسل ولا إلى ملك مقرب وإنما تولى بنفسه تفصيلها في سورة النساء وجعلها من حدوده التي لا يجوز تعديها حيث قال بعد بيان أحكامها تلكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّتِ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَلِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ, يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِيرٌ} [النساء: 13، 14، وتغيير أي شيء من أحكام المواريث بوصية أو غيرها تجاوز لأمر الله وتعد لحدوده، وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا وصية لوارث» (1)، وقد أجمع على ذلك المسلمون والله أعلم.
توفي شخص وأوصى لأحد أبنائه وهو ابن صغير بقطعة أرض من ماله دون بقية إخوانه، ولما جاء الورثة لقسمة التركة وجدوا هذه الوصية، فأرادوا أن لا ينفذوها لما في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا وصية لوارث (2) ولكن ما إن علم الأخ الصغير بنيتهم عدم تنفيذ الوصية حتى أقام الدنيا عليهم ولم يقعدها وهددهم بأن لا يكلمهم إن لم يعطوه
(1) رواه الربيع (667)، وأحمد (186/ 4)، والترمذي (2121). (2) رواه الربيع (667)، وأحمد (186/ 4)، والترمذي (2121). (4/57)
صفحة 1640
??
الفاوي
الأرض التي أوصى بها والده وكذلك فعلت والدته، فاضطروا إلى إعطائه الأرض وإخراجها من المال المقتسم فمن هو المذنب في هذه القضية هل الأب الذي أوصى أم الأخ وأمه؟
الأب أذنب بوصيته للوارث وذلك حيف وظلم وتعد على حدود الله، فإن للوارث نصيبه الذي حدده الله تعالى له، وقد قال تبارك وتعالى بعد قسمة المواريث: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَلِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [النساء: 13، 14]. والولد وأمه عاصيان أثمان يبوءان بوزرهما لأنهما حرصا على إنفاذ الباطل، فهو لا يستحق هذه الوصية بنص القرآن الكريم وبنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن القرآن دل على أن كل تعد في أمر المواريث إنما هو تعد لحدود الله، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم جاء واضحاً صريحاً فى هذا، وقد كان جديراً بهذا الولد أن يحرص على التخفيف عن والده، وأن لا ينفذ الباطل الذي أوصى به والده بل عليه أن يحرص على
الابتعاد عن هذا الباطل وأن يكون ضد إنفاذه، والله تعالى أعلم.
وهل رضاء الأبناء لتفادي هذه المشكلة يخفف عن والدهم؟
ذلك أمره إلى الله عل، وإلا فقد وقع هو في مخالفة أمر الله والله أعلم.
6 (4/58)
صفحة 1641
فتاوى الوصية
59
الوصية للفقراء ووصايا الضمان:
ما مقدار المبلغ الذي يمكن تقسيمه على فقراء المسلمين من المبلغ
الموصى به في الوصية؟
بحسب ما تقتضيه الوصية والله أعلم.
إذا كان في منزل ثمانية أفراد، وفي منزل آخر ثلاثة أفراد، وهؤلاء الثلاثة أحق من الثمانية فهل يجوز أن يصرف للثلاثة ما يصرف للثمانية، أي
بمبلغ مساو؟
إن كان ذلك مبلغاً خاصاً بالفقراء لم يحدده الشارع ولا الموصي حرج والله أعلم.
تقسم
فلا
ما قولكم فيمن أوصى بعشرة ريالات لفقراء البلدة، علماً بأن البلدة بها الكثير من الفقراء صغاراً وكباراً، وتتفاوت درجات فقرهم، فمن منهم أحق بهذه الوصية؟
من كان أشد فقراً فهو أولى بهذه الوصية صغيراً كان أو كبيراً، وينبغي أن
لثلاثة فصاعداً
منهم
والله أعلم.
لدينا نخلات أوصي بتفريق غلتهن على الفقراء كفارة، ولكن لا أحد يرغب في التمر، فهل يجوز لنا طناؤها وشراء أرز أو غيره بديلاً عنه
ونقسمه؟
إذا لم يوجد من يقبل التمر فلا بأس بطناء النخل وشراء أرز بقيمة الطناء
وتوزيعه بدلاً
من التمر والله أعلم. (4/59)
صفحة 1642
الفاوي
رجل أوصى قبل وفاته بمبلغ معين لفقراء منطقته ويطالب الفقراء الآن ببناء مخزن عام يخدم تلك المنطقة، فهل يجوز للوصي أن يستجيب لطلبهم أم يوزع المبلغ حسب الوصية؟
إن كانت الوصية تقتضي التوزيع فعليه أن يوزع كما جاءت به الوصية، وللموزع عليهم الحق في أن يجمعوا هذا المبلغ برضاهم لبناء المخزن
والله أعلم.
رجل أوصى بخمسة ريالات عن ضمان ولا يعرف ربه)، فأين يكون
مرجع
هذه الوصية؟
كل مال جهل أربابه ففقراء المسلمين أولى به، ويدل على ذلك حكم اللقطة، لذلك أرى أن تصرف هذه الريالات الخمسة الموصى بها إلى فقراء المسلمين، وفي ذلك تبرئة لساحة الوصي والموصي والله أعلم.
جاء رجل مغترب من بلده، وقام ببلدنا «حاجر دغمر» وعمل جابياً للعشور من محاصيل السمك، ثم عاد إلى بلاده منذ سنين، وقد توفاه الله وأوصى بمائة وثمانين ريالاً عُمانياً تعطى لأهل بلد حاجر دغمر
كضمان عليه، فماذا ترون فضيلتكم في هذا المبلغ؟ وكيف يجب
توزيعه؟
إذا كان قد
عمم
أهل الحاجر في وصيته ولم يخص الرجال أو الفقراء أو نحو ذلك، فإن هذا المبلغ يوزع بين جميع سكان الحاجر من ذكر وأنثى
على عدد رؤوسهم والله أعلم.
(1) أي لا يعرف صاحبه. (4/60)
صفحة 1643
فتاوى الوصية
61
رجل أوصى من ماله بعد موته بديتين لقتيلين مجهولين قتلا في بلدته في زمن الجور، وهما عابرا سبيل لم يعلما من أي قبيلة بل ولا من أي بلدة، وأخبرني الموصي بنفسه أنه لما سمع الصريخ في البلاد خرج مع جماعة الخارجين من بلدته وهو غير عالم بخروج الخارجين أنهم ليقتلوا أناساً، فعندما دنا منهما قتلا في حضرته، فلا شك أنه كثر سواد البغاة ورأى لنفسه أن يتخلص فأوصى من ماله بإنفاق ديتي قتيلين وجعلني وصياً له، فأسألكم ماذا تأمرون في إنفاقهما ومن المستحق لهما؟ وكنت قد سألت قاضي الولاية الشيخ سيف بن راشد فأجاب شفاهةً أن من رأيه أن يُشترى بهما ماء ويقعد سنوياً وتنفق قعادته في الفقراء الضعفاء، وأن يكون الأصل باقياً فيما إذا لو وجدوا ورثة القتيلين
وعلموا من أي قبيلة أو من أي بلدة لكان الأصل موجوداً لم يتغير؟ الظاهر أن هذا الموصي لا يلزمه شيء من دية القتيلين، لأنه لم يخرج لتكثير سواد البغاة وإنما حصل ذلك أمامه بمجرد الصدفة، ولكنه لما وصى بهذه الدية لزم تنفيذ الوصية، وإذا لم يمكن التوصل إلى ورثة القتيلين لزم على الصحيح جعل هذه الدية الموصى بها في فقراء المسلمين، لأنه مما جهل أربابه، وكل مال جهل أربابه ففقراء المسلمين أولى به، والأصل في ذلك حكم اللقطة الثابت بالسنة، فإن رأيت توزيع هذه الوصية على فقراء المسملين فحسن، وإن رأيت الأخذ برأي الشيخ سيف قاضي الولاية فكذلك تبرأ ذمتك والله أعلم.
رجل أوصى بمال للفقراء، فما هو أقل عدد من الفقراء يجزي لإنفاذ الوصية؟ الفقراء جمع وأقل الجمع ثلاثة، فإن أعطى ثلاثة فصاعداً أجزى ذلك
والله أعلم. (4/61)
صفحة 1644
62
الفاوي
الوصية بالكفارات
إن أوصى الميت بكفارة مغلظة، فهل يجوز إطعام ما دون الستين من المساكين أو لا بد من إطعام الستين؟
ذهب أصحابنا والجمهور إلى أن الإطعام في الكفارات المغلظة يجب أن يكون لستين مسكيناً، ولا يجزي أقل من هذا العدد ولو كرر الإطعام بقدر ما يكفي للستين، لأن الشارع حدد عدد المساكين والتقصير دون هذا العدد تقصير عن أمر الشارع، اللهم إلا أن يندر وجود المساكين لطغيان المال وشمول الغنى فلا مانع عندئذٍ من إطعام العدد الحاصل وتكرار الإطعام بقدر ما يكفي لستين مسكيناً، وذهبت الحنفية إلى أن المقصود إطعام طعام يكفي لستين مسكيناً ولو كان لمسكين واحد ورد بأن ذلك هروب من الواضح إلى المشكل، فإنه ينبني عليه العدول عن العدد المذكور وهو ستون مسكيناً إلى تحديد طعام ستين لمسكين واحد والله أعلم.
رجل أوصى بكفارات، فهل الكفارات توزع قيمتها نقداً؟ وإذا صح ذلك، فكم تكون القيمة لكل فرد يستحقها؟ وكذلك أوصى بخمسة ريالات لمغسله غسل الموتى وسمح منها الغاسل، فما
المبلغ؟
مصير
هذا
لا مانع من إعطاء القيمة في الكفارات إن تعذر إخراج الطعام أو تعسر، لأن المراد سد حاجة المسكين وريال عُماني واحد مجز للمسكين الواحد بحسب سعر هذا الوقت، أما ما أوصى به الفاسل ولم يقبله فمرده إلى الورثة وما رده الموصى له يرجع إلى الورثة والله أعلم.
أوصت امرأة بأربع كفارات مرسلة إطعام عشرة مساكين عن كل كفارة، (4/62)
صفحة 1645
فتاوى الوصية
63
فهل يجوز العدول عن الإطعام إلى النقد؟ وكم تساوي قيمة النقد عن
كل شخص؟
الأصل في ذلك الإطعام، ولم يذكر النقد عند السلف، وإنما يصار إليه بدلاً من الطعام مع تعذر الإطعام، ويعطى كل واحد من المساكين ما يكفيه لغدائه وعشائه، وذلك يختلف باختلاف الزمان والمكان فلا يمكن تحديده، وإنما على من اضطر إلى ذلك أن يقدر بنفسه ما ينفقه في يومه على غدائه أو عشائه فيعطي ذلك للمسكين والله أعلم.
توفي رجل وكان قد أوصى بإطعام ستين مسكيناً، فمن هو الذي ينطبق عليه لفظ مسكين في هذا العصر؟ وهل يمكن استبدال الإطعام بتوزيع مبلغ من المال؟
الفقير كالمسكين، وهو كل من لا يكفي دخله لحاجاته الضرورية،
ولا ينبغي العدول عن الإطعام إلى إعطاء القيمة مع إمكانه والله أعلم.
رجل هلك، وكان قد أوصى من ماله بعد موته بكفارات مغلظات كل كفارة إطعام ستين مسكين، كيف يكون هذا الإطعام؟ وهل يكفي مثل ما نرى كثيراً من الناس يوزعون عن كل كفارة جونية أرز بدون إدام؟ وهل يجوز إخراج النقود بدل الإطعام؟ إن كان الأرز الموزع كافياً بحيث يكون نصيب كل مسكين منه وافياً بقيمة الطعام والإدام فلا مانع من ذلك، وذلك للغداء والعشاء، وإن دفعت القيمة فلتكن بقدر ما يفي بغداء وعشاء كل مسكين والله أعلم.
توفي والدنا، وكان قد أوصى بكفارة مغلظة إطعام ستين مسكيناً، علماً بأنه لا يوجد ستون مسكيناً في منطقتنا، ولديه خمسة عشر ولداً وهم (4/63)
صفحة 1646
64 الفتاوى
أيتام تتراوح أعمارهم بين سنتين واثنتي عشرة سنة، فهل يحق لهم من هذه الوصية شيء، وإذا كان الجواب بنعم فما مقدار حق كل فرد منهم من هذه الوصية؟
تعطى هذه الكفارة للمساكين أينما وجدوا، والمسكين من لا يكفيه دخله لنفقاته الضرورية، ولا تعطى الكفارة لغير المساكين ولو كانوا أيتاماً، ولا مانع من إعطاء ورثته من كفارته إن كانوا مساكين والله أعلم.
ما قولكم في رجل هلك وكان قد أوصى بكفارة دون تحديد نوع هذه الكفارة، فكيف يمكن تنفيذها؟ وهل تعتبر مغلظة؟ وكيف تنفق ومن هم مستحقوها؟
أقل الكفارات كفارة مرسلة، فتدفع عنه، وهي للمساكين والله أعلم.
ما قولكم في رجل أوصى قبل وفاته من ماله بكفارات مغلظات ومرسلات، وبعد موته أراد ورثته إخراج دراهم مقابل هذه الكفارات، فهل يجوز لهم ذلك؟ وما هي القيمة المخرجة للكفارات المغلظات والمرسلات؟
اختلف العلماء في الكفارات، هل يجوز فيها دفع قيمة الطعام بدلاً من الإطعام؟ ولا بأس بذلك مع الضرورة، وفي وقتنا هذا نرى لكل مسكين ريالاً يسد مسد طعامه المطلوب، وعليه فمن أراد أن يدفع القيمة فليدفع عن الكفارة المغلظة ستين ريالاً عُمانياً لستين مسكيناً، وعن المرسلة عشرة من الريالات كل ريال لمسكين والله أعلم.
عن رجل نفّذ وصية والده، ومن ضمن ما جاء في الوصية خمس عشرة كفارة عن صلوات، كل كفارة إطعام ستين مسكيناً، وجاء تنفيذ الرجل (4/64)
صفحة 1647
فتاوى الوصية
65
للوصية بأن كمية من الأرز بمقدار ما يعادل خمس عشرة كفارة، جمع وجعل يفرقها بين المساكين دون أن يحصر عدد المساكين عن كل كفارة، ولربما نفّذ كفارة لعشرة مساكين فقط، فما قول سماحتكم في ذلك وأيضاً من ضمن الوصية إطعام ثلاثمائة مسكين بدلاً عن الصيام والولد لم يتقيد بعدد المساكين؟ وهل نصف الصاع يكفي لكل مسكين ويجزي عن الإدام؟
لا بد من مراعاة العدد في الكفارات، وذلك بأن تكون كل كفارة إطعام ستين مسكيناً، ولا مانع من أن يعطي أولئك المساكين أنفسهم من الكفارة الثانية، والثالثة، وأما الإطعام الذي هو بدل الصيام فيجوز إعطاء المسكين الواحد إلى حد الكفاية إلا إن كان الموصي قد حدد في وصيته إطعام عدد محدود من المساكين فلا بد من التزام ما حدده والله أعلم.
الوصي - سواء كان وارثاً أم لا - هل له سهم من كفارة الإطعام؟
الكفارات إنما تعطى المساكين، فإن كان الوصي يصدق عليه وصف المسكنة ورأى الوراث أن يعطى من الكفارات لمسكنته فلا مانع من ذلك وإلا فلا والله أعلم. (4/65)
صفحة 1648
66
الفاوي
الوصية بقراءة القرآن:
ما حكم الإيصاء بقراءة القرآن بعد الوفاة؟
يوصي بها،
اختلف أهل العلم في ذلك، وقد ذهب كثير منهم إلى إثبات هذه الوصية، والذي أراه أن القرآن يتلا تقرباً وتعبداً ولا يتلا اكتساباً، ولما كانت تلاوته عبادة فلا يؤخذ الأجر عليه، هذا إن كان أوصى بأن يؤجر من ماله بعد موته من يقرأ عنه شيئاً من القرآن حتى لا تكون تلاوة القرآن ذريعة للتكسب، أما إن أوصى بأن يقرأ القرآن من غير إيجار فلا مانع من إنفاذ هذه الوصية وإن كنا لا نجد دليلاً يدل على أن الميت ينتفع بهذه القراءة، نعم إن كان أوصى بتقوى الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج بيت الله الحرام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبالبر والتقوى وبتلاوة كتاب الله والعمل به وباتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن هذا من الوصية الحسنة التي يؤمر الإنسان أن كما وصى إبراهيم بنيه ويعقوب بأن لا يعبدوا إلا الله وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَنبَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الذِينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَا بِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهَا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 132، 133]. هذا ومما ينبغي التنبيه عليه أن بعض الناس يوصون بقراءة القرآن الكريم على قبورهم، وهذه وصية باطلة؛ لأنها مخالفة لهدي الرسول الله. إذ هديه صلى الله عليه وسلم أن تكون زيارة القبور للاتعاظ والذكرى والدعاء للميت لا أن تكون من أجل إقامة شعائر دينية، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (1) وأمر عليه أفضل الصلاة والسلام بقراءة القرآن في
(1) رواه البخاري (435)، ومسلم (530).
6 (4/66)
صفحة 1649
67
فتاوى الوصية
البيوت، فقال: «اقرأوا القرآن في بيوتكم ولا تجعلوها قبوراً (1) إشارةً إلى أن المقابر ليست أماكن لقراءة القرآن، وقد أجاد في هذا الإمام السالمي العلالى
عندما قال:
أتعمرون قبورنا الدوارس
وهذه المساجد المعدة
ويترددن إليها الدارس نتركها وهي لذاك عدة
والمصطفى قد زارها وما قرا إلا سلاماً ودعا وأدبرا حسبك أن تتبع المختارا وإن يقول خالف الآثارا وقد سبقه إلى مثل هذا المحقق الخليلي رحم الله حتى أنه أفتى بإبطال هذه الوصية وبيع المال الموصى به لمصلحة المسلمين إن لم يكن الورثة معروفين وإلا رد على الورثة والله أعلم.
هل تجوز قراءة القرآن في الاجتماع للمآتم بصفة عامة، فالبعض يقرأ وفي نفس الوقت هناك سلام وكلام وعدم استماع للقرآن، وهذه القراءة على معنى القربة إلى الله تعالى وإهداء الثواب للميت؟
قراءة القرآن في المآتم من الأمور التي يجب القضاء عليها، لما يحدث من امتهان لقيمة، القرآن فالناس لا يكفون عن الحديث حال القراءة ويترددون جيئة وذهاباً، والقارئ نفسه يبقى بين قيام وقعود، والله تعالى يقول: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْهَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا} [الأعراف: 204]، وأين الإنصات والاستماع في هذه الحالات؟ لذلك أرى عدم جواز القراءة فيها والله أعلم.
(1) هما حديثان: الأول: «أكثروا من تلاوة القرآن في بيوتكم» رواه الدارقطني في الأفراد عن أنس وجابر. الثاني: «صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً» رواه البخاري (432)، ومسلم
(777) (4/67)
صفحة 1650
?
الفتاوى
وقال سماحته في جواب عن سؤال وصله:
نظرت في وصية هالككم، ورأيت ترك ما أوصى به من قراءة ثلاث ختمات عليه بعد وفاته مع إطعام الطعام لمدة ثلاثة أيام، لأن ذلك لا يجديه شيئاً، بل هو مخالف للسنة، وقد قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (1)، كما رأيت تعديل ما كتبه الكاتب أنه أوصى بخمسمائة ريال عُماني «لفقراء المساكين» إلى «فقراء المسلمين، وينبغي اتباع القواعد العربية في الكتابة، فتكتب كلمة ألفي ريال بدل ألفين ريال، لأن النون الداخلة على المثنى لا تجامع الإضافة والله الموفق.
فيمن أوصى بست ختمات ثلاث منها تقرأ في بيته وثلاث تقرأ في المسجد، ولهذا الرجل ولدان واحد منهما يسكن في نفس البلدة والآخر خارجها، فأراد الذي يسكن خارج البلدة أن ينفذ هذه الوصية من ماله الخاص، فهل يلزمه أن يقرأ هذه الختمات في نفس المكان الذي أوصى
به والده الهالك أم يسعه أن يقرأها في البلدة التي يسكن فيها الآن؟
قراءة القرآن بأجرة غير جائزة على الصحيح، لذلك لا أرى ثبوت هذه الوصية إلا إن قام الورثة أنفسهم بالقراءة بغير أجرة والله أعلم.
(1) رواه الربيع (49)، والبخاري (91/ 3)، ومسلم في الأقضية (18). (4/68)
صفحة 1651
الوصية بالصيام
فتاوى الوصية
69
امرأة أوصت أولادها بأن يصوموا عنها أربعة أشهر وأن يحجوا عنها ويعتمروا، فكيف يكون هذا الصيام؟
اختلف أهل العلم، هل يصوم أحد عن أحد أو لا؟ فذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يصوم أحد عن أحد أخذاً بالقياس، نظراً إلى أن الصيام عبادة بدنية خالصة، ولما كان عبادة بدنية خالصة فلا يسوغ أن يصوم أحد كما لا يسوغ أن يصلي أحد عن
عن
أحد.
أحد
ومنهم من استثنى صيام النذر لأجل الحديث الذي جاء فيه أن امرأة نذرت أن تصوم ولم تصم وسأل ابنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره بالصيام عن أمه (1). وذهب فريق آخر من العلماء إلى أن من مات وعليه صيام صام عنه
الله
وليه، وهذا هو الذي جاء به حديث عائشة الى عند الشيخين، ونصه: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» (2) وحمله بعضهم على صيام النذر خاصة، ولكن هذا يتنافى مع ما ذهب إليه أكثر الأصوليين من أن الحكم العام إذا ورد لفرد من أفراد مدلولاته في نص آخر لا يدل على أنه خاص بذلك الفرد، أي لا يخصص عمومه بل يبقى عمومه كما هو، وقوله: «من مات وعليه صيام الصيام فيه مطلق، و «من» من أدوات العموم فمعنى ذلك مات من وعليه أي صيام كان فإن ذلك الصيام يمكن أن يصومه عنه وليه. والولي ههنا
بمعنى القرابة.
ومن العلماء من توسع - وهذا مذهب أصحابنا المشارقة - حتى أباحوا ـ
(1) روي نحوه الربيع (659).
(2) رواه البخاري (1952)، ومسلم كتاب الصيام (153). (4/69)
صفحة 1652
70
الفاوي
أن يصوم الأجنبي، وأباحوا أن يكون هذا الصيام بأجرة، ولكن بما أن ذلك لم يأت به حديث، وصيام شخص عن شخص خارج عن سنن القياس، لا نرى ذلك، ولولا النص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قلنا بصيام أحد أحد، عن فلا نقول بحال بأنه يسوغ أن يصوم غير الولي وأن يكون هذا الصيام بأجرة، وإنما نقول بأن أولى الناس بالصيام هم ورثتها فيقتسمون الأيام بينهم بحسب الميراث، وإن تكفل بعضهم فذلك خير، ولكن لا يصوم اثنان في وقت واحد، وإنما يصوم هذا عندما يفطر هذا حتى لا يكون صيامان عن شخص واحد في يوم واحد والله أعلم.
رجل هالك كان قد أوصى بسبعة رماضين تصام عنه وستة كفارات وبسبع صلوات، وعنده القليل من المال ولكنه يكفي لهذا ويزيد فكيف يكون إنفاذ الكفارات والصلوات مع صعوبة إيجاد من يصوم
عنه؟
الكفارات إن كانت كفارات صوم أو صلاة أو نحو ذلك فكل واحدة منها إطعام ستين مسكيناً غداءً أو عشاء أو قيمة ذلك، ولا مانع من مضاعفة العطاء لعدد قليل من المساكين إن لم يوجد العدد المطلوب، وكفارات الأيمان المرسلة إطعام عشرة مساكين عن كل كفارة على النحو الذي تقدم وإذا لم يوجد من يصوم عن الميت فليطعم عنه عن كل يوم أوصى بصيامه مسكين واحد والله أعلم.
في رجل أوصى بصيام شهرين فهل يجوز الإطعام عنه؟
من أوصى بصيام شهرين
بدلاً عن صيام رمضان أو احتياطاً أو لكفارة
يجوز فيها الإطعام فلا مانع من العدول عن الصيام إلى الإطعام، خصوصاً
في حالات تعذر من يصوم والله أعلم. (4/70)
صفحة 1653
فتاوى الوصية
71
إن أوصى ميت بأن يصام عنه، شهر، فعزّ الأجير الذي يصوم، فهل يجزي الإطعام؟ وإن أجزى، فما مقداره؟
إن أوصى أحد الهالكين بصيام فعزَّ من يصوم فلا مانع من العدول إلى إطعام مسكين عن كل يوم أوصى بصيامه والحجة لذلك قول الله سبحانه: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينِ} [البقرة: 184] بناءً على أن الآية محكمة غير منسوخة كما روي عن حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس وغير واحد من المفسرين والفقهاء، إذ قالوا إنها نزلت في الشيخ الكبير والمرأة العجوز والمريض الذي لا يرجى برؤه والحامل إذا خافت على جنينها والمرضع إذا خافت على طفلها، وفسروا يطيقونه بيتكلفونه، وإذا كانت الرخصة حاصلة لهؤلاء مع أنهم على قيد الحياة وليس ببعيد أن يكون في مقدورهم في يوم ما قضاء الصوم الذي أفطروه، فالميت الذي لم يوجد من يصوم عنه أولى بالعذر على أن بعض العلماء من أصحابنا ومن قومنا أجازوا العدول عن الصيام إلى الإطعام حتى في حال السعة، إذ قالوا فيمن أوصى بصيام جاز العدول عنه إلى الإطعام، ومن أوصى بإطعام لم يجز العدول عنه إلى الصيام، ويستأنس له بأن بعض العلماء لا يرون صيام عن أحد، لأن الصيام عبادة بدنية تشترط فيها النية كالصلاة، وهو وإن كان قولاً مردوداً بالأحاديث الصحيحة فهو كافٍ لجعله من مرجحات القول الذي ذهبنا إليه والله أعلم.
أحد
رجل هالك أوصى بكفارتي صلاة وصوم شهرين بدلاً عن تضييع شهر رمضان المبارك، ولمن يعتمر عنه من مكة المكرمة، وبعشرة قروش يفرقن عنه في مكة المكرمة للفقراء وبخمسة وعشرين قرشاً لمن يعلم القرآن الكريم في بلدته، فما قولكم إن تعذر من يصوم عنه أو غليت (4/71)
صفحة 1654
72
الفاوي
فأين
الأجرة حيث لا تكفي دراهم الوصية، أو لم يوجد الأمين في دينه، فهل يصح استبدال الكفارات عن الصوم؟ فإن قلتم بذلك وفضلت الدراهم، مرجع هذه الفضلة؟ وكذلك دراهم التعليم، فإن البلاد القاطن بها الموصي لم يكن من يتعلم بها إلا القليل وأكثر الناس ارتحلوا منها إلى البندر، والمدرس بها هو ابن الهالك، فهل يصح أن تدفع له هذه الدراهم المذكورة؟
إذا تعذر من يصوم عن الهالك أو تعسر جاز إبدال الصيام بالإطعام بعدد الأيام الموصى بصيامها استناداً على قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينِ} [البقرة: 184]، حسب رأي ابن عباس ما أن الآية محكمة غير منسوخة، وأنها خاصة بالعاجز، حملاً ليطيقونه على معنى يتكلفونه، وإذا كانت هذه الرخصة حاصلة للحي، فالميت أولى أن يترخص له، وإذا فضل شيء من الدراهم عن الوصية رد إلى الورثة، وأما ما أوصى به لتعليم القرآن في بلد معين فلا يصح تحويله عن ذلك البلد، اللهم إلا أن يتعذر التدريس فيه فلا بأس من تحويل المنفعة إلى مكان آخر، وإن كان أقرب إلى البلد المخصوص في الوصية فهو أولى والله أعلم.
ما قولكم في امرأة أوصت بأجرة من يصوم شهرين عنها بعد موتها، فهل يجوز العدول عن الصيام إلى الإطعام؟ وإذا جاز فما مقدار هذا
الإطعام؟
لا مانع من ذلك ويطعم مسكين عن كل يوم، ولا يجوز العكس
والله أعلم. (4/72)
صفحة 1655
فتاوى الوصية
73
إذا أوصى الرجل بصيام أشهر ذكرها، فهل هنالك فرق بين تأجير الرجل والمرأة؟ أي هل يجوز أن نؤجر امرأة تصوم شيئاً من هذه الأشهر إذا كان
الموصي
رجلاً؟
لا مانع من نيابة المرأة عن الرجل في الصوم إن كانت ممن لا يحيض لبلوغها سن الإياس، حتى لا يكون الحيض فاصلاً بين الصوم والله أعلم.
رجل توفي وترك وصية ومن ضمن ما ذكر فيها صيام أربعة أشهر بعد وفاته، مع العلم أن الوصية قد كتبت منذ ستين عاماً، وقد أشار بعض ورثته بأن يدفع مبلغ من ماله للمسجد تعويضاً عن صيام الأربعة أشهر، لهذا نود الإفادة هل يكفي دفع المبلغ للمسجد أم لا بد من صيام الأشهر الأربعة بالكامل أم ماذا نفعل؟
الوصية لا يبطلها تقادم الزمن ولو إلى قرون ولا يكون الدفع لمسجد بديلاً عن الصوم الموصى به، وإنما يجوز إبداله بإطعام مسكين عن كل يوم
والله أعلم.
رجل توفي وترك أولاداً بعضهم صغير والبعض الآخر كبير، وكتب في الوصية ثلاثة رماضين، ولم يجد أولاده أحداً يصوم هذه الرماضين، فهل يجوز للأولاد أن يصوموا هذه الرماضين؟
لا مانع من ذلك والله أعلم.
ما قولكم في رجل توفي وكان قد أوصى برمضانين هل على الوصي شيء إن أجر بالصوم في شهر واحد على المستأجرين، أم يفرق بينهما شهراً تلو شهر؟ الأولى: أن لا يكون صيامهما في وقت واحد، ويصام شهر ثم شهر والله أعلم. (4/73)
صفحة 1656
74
الفاوي
رجل كان قد أوصى قبل موته بخمسة رماضين، والوصي تكلف ببيع بعض مال الهالك بقيمة ضعيفة ثم قام بتأجير الرماضين في تنزانيا، لأنه أقل تكلفة عن عمان، فهل يجوز له ذلك؟
لا مانع من ذلك إن وجد الأمناء الذين يصومون والله أعلم.
رجل كان قد أوصى قبل وفاته بصيام شهرين متتابعين عنه خشية فساد في صومه لشهر رمضان المبارك، فلما توفي قامت زوجته بالصيام عنه الشهر الأول، فلما انقضى واصلت ابنته الصيام عنه في الشهر الثاني
ذلك؟ فهل يجزي
نعم يجزي ذلك والله أعلم.
تصادفنا عند إنفاذ الوصايا ممّن كتب بأجرة صيام شهر أو غير ذلك، وتارةً بصيام دون تخصيص أجرة، فهل هناك فرق في اللفظ؟
يصوم،
وإذا كتب بدلاً وقضاء عما لزمه من إفساد صوم شهر رمضان أو لم يكتب، وأراد الوصي الإطعام بدلاً من الصيام وخاصة لمن لم يجد من وأراد الوصي أن يوزع مبلغاً دون الحبوب، والأجرة عن كل شهر مائة ريال لو أجر، وبالإطعام أو قيمته تقل عن الأجرة، فهل يوزع المبلغ حسب قيمة الأجرة أم قيمة الإطعام لعدد ثلاثين مسكيناً للشهر؟ وهل يقاس هذا التوزيع مثل الإطعام عن الكفارات بحيث يوزع لعدد ثلاثين مسكيناً؟ أم يصح أن يوزع لأقل من ثلاثين مسكيناً بخلاف الكفارات؟ إن أوصى بصيام ولم يذكر الأجرة جاز أن يصوم عنه الوارث بغير أجرة، ولا فرق أن يذكر بدل رمضان أو لا يذكر ذلك، فيجوز الإطعام بدلاً من الصيام على أي حال، ويجوز أن يكرر الإطعام ولو لمسكين واحد نظراً إلى (4/74)
صفحة 1657
فتاوى الوصية
Vo
أن كل يوم مستقل عن غيره من الأيام، فالإطعام عن كل يوم مستقل أيضاً، وذلك بخلاف الكفارات فإن الكفارة لا تتجزأ وقد حدد لها عدد معين من المساكين والله أعلم.
لقد اعتاد الناس الإيصاء بالصيام احتياطاً لما قد ضيعوه من صيام رمضان، وينصون في الوصية بتأجير من يصوم عنهم شهرين أو أكثر، وحيث إن سماحتكم ترون عدم مشروعية الإيجار بالصيام وأنه إذا لم يقم أولياء الميت بالصيام عنه فيتعين الإطعام بدل كل يوم مسكين. وبناء على ذلك يظهر هنا تساؤل من وجهين: الأول: أليس في هذا تغيير للوصية التي نصت على التأجير بالصيام وهي مختومة بالآية: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيه عليمٌ} [البقرة: 181]؟
الثاني: أليس في ذلك تقصير وتفريط في حق الموصي الذي أوصى بالتأجير وهو يعلم أن أجرة كل شهر تزيد عن مائة ريال عماني وأن الإطعام المبدل منه لا تتجاوز قيمته عشرة ريالات تقريباً، لأن مقدار إطعام ثلاثين مسكيناً حوالي (31) كغم؟
1 - الوصية لا بد أن تكون موافقة للحكم الشرعي، ومن المعلوم أن الصيام عبادة بدنية خالصة، والأصل في العبادة البدنية أن لا ينوب فيها أحد عن أحد، فلذلك لا يصلي أحد عن غيره، وإنما ورد الاستثناء في الحديث الشريف في صيام الولي عن وليه إن مات وعليه صيام كما جاء في حديث عائشة الى عند الشيخين: من مات وعليه صيام صام عنه وليه» (1)، لذلك
(1) رواه البخاري (1952)، ومسلم كتاب الصيام (153). (4/75)
صفحة 1658
76
الفتاوى
قلنا بأنه إن كان سيصوم عنه غير الولي فإن العدول إلى الإطعام أولى لموافقته السنة، على أنا لم نجد من يقول باستئجار من يصوم عن الغير إلا أصحابنا العُمانيين، وقد نصوا على أنهم توسعوا في ذلك، أما أصحابنا المغاربة وغيرهم وسائر أصحاب المذاهب الأخرى فلا يقولون بذلك، وأنت تدرك أن مثل هذه الأمور يتوقف الحكم فيها على نص شرعي فإن العبادات أمرها توقيفي والله أعلم. 2 - بما أن هذه هو الأوفق لحكم الشرع فلا تقصير في ذلك والله أعلم.
الوصية بالحج:
فعله
ما قولكم عن الوصي إذا أجر بحجة عن رجل يسكن بلدة نزوى والمؤجر والمستأجر يسكنان مسقط، وقد عقد المستأجر النية وصلى ركعتي القدوم ببيت الوصي أو بمسجد الوصي قائلاً إن الهالك سكن بهذا البيت أو صلى بهذا المسجد منذ سنوات طويلة، فهل يكفي هذا؟، وإن كانت هذه الوصية فيها خمسة أشهر صياماً بدلاً من رمضان، والثلث يسع جميع الوصية، ولم يوجد من يستأجر ولو بأغلى الأثمان والورثة فيهم اليتيم، والغائب، فما ترى الأصلح فعله؟
عن السؤال الأول يكفي ما فعله هذا الأجير، وعن السؤال الثاني إن لم يوجد من يصوم عن الهالك حي وصيته، فليطعم عن كل يوم أوصى بصيامه مسكين واحد والله أعلم.
ما قولكم في امرأة أوصت بحجة وزيارة ومكتوب فيها حجة الفريضة، وبعد كتابة الوصية وقبل موتها قامت بالتأجير بأداء فريضة الحج عنها (4/76)
صفحة 1659
فتاوى الوصية
VV
ثم توفاها الله بعد ذلك، فاحتار الوصي هل يلغي الحجة أم يؤجر لها من يحج عنها نافلة؟
إن لم تلغها الموصية بنفسها فإنها تبقى ثابتة وعلى الوصي إنفاذها بعد موتها والله أعلم.
عنه،
رجل كتب في وصيته حجة عن والده، وبعدها ذكر لزوجته أنه كتب ذلك، ولكنه عزم أن يحج عن والده بنفسه وبالفعل عودته عاجلته المنية قبل أن يغير في الوصية، وبما أن الوصية بالحجة ما
زالت باقية، فهل تسقط لقيامه بها بنفسه أم تظل ثابتة؟
وعند حج
بما أنه لم يغير الوصية فهي باقية ويلزم الحج عنه والله أعلم.
ته مون
أحج
كان والدي الهالك قد أوصى بحجة الفريضة، وبعد كتابته للوصية وقبل قام بالحج بنفسه أربع مرات فهل عليَّ - باعتباري الوصي - أن عنه مرة أخرى؟، ومكتوب في الوصية «ويخرج هذا من ثلث ما عنده من أموال، وما بقي من الثلث يوزعه الوصي فيما يختاره»، وقمنا جميع ما أوصى به الوالد، والآن نريد نبيع منزلاً آخر له، فهل لنا أن نخرج ثلث القيمة كما هو مكتوب بالوصية؟
بتنفيذ
إن كان لم ينسخ وصيته بالحج فهي ثابتة ولو حج في حياته مراراً، والوصية تنفذ كما أوصى الموصي، فإن كان أوصى بإخراج ما فضل عن الثلث حسب رأي الوصي فذلك عام لجميع التركة من عقار وأموال خضراء ونقود وعروض والله أعلم.
ما قولكم في رجل كتب وصيته من ماله بعد موته بحجة وعمرة وزيارة يؤديها الوصي بعد موته، علماً بأن الموصي كان قد حج في حياته عن (4/77)
صفحة 1660
V?
الفاوي
نفسه وأدى الواجب وبقيت الوصية على حالها ولم يغيرها الموصي قبل موته، فهل يلزم الوصي أن ينفذها من مال الموصي حسب ما أوصى به أم لا علماً بأنه قد خلّف أيتاماً؟
من أوصى بحجة ثم حج بنفسه ومضى عليه من الوقت ما يمكنه معه تغيير الوصية فلم يبدلها لزم الوصي تنفيذ ما أوصى، إذ من المحتمل أن يكون مرتاباً في حجه وأراد الاحتياط والله أعلم.
ما قولكم في رجل هلك وترك ابناً وزوجة وخلّف من المال أربعة آلاف وسبعمائة ريال عُماني، وكان قد أوصى بمبلغ ألف وثمانمائة وخمسين ريالاً بحقوق وتبرعات ومن ضمنها حجة، وبما أنه كان قد حج في حياته فهل تجب الحجة أم لا؟
ما كان من هذه الوصية من الحقوق الواجبة فهو من أصل المال، وما كان من التبرعات فمخرجه من الثلث والحجة غير الواجبة تخرج من الثلث، وإن كانت التبرعات نافت على الثلث فمرد ذلك إلى الورثة إن كانوا بلغاً عقالاً، فإن رضوا بإخراجها من أصل المال فذاك، وإن لم يرضوا ردت إلى الثلث بالمحاصصة والله أعلم.
كلهم
رجل أوصى بحجة لبيت الله الحرام، ولم يقيدها بحجة فرض أو نفل، ثم توفي الموصي بعد أن حج حجة الفريضة عن نفسه، فهل يلزم إنفاذ هذه الحجة أم لا؟
الأصل في الوصية بقاؤها ما لم يثبت نسخها بقول ثابت من الموصي، وعليه فإن هذه الوصية بالحج باقية وإن حج الموصي في حياته بعد أن أوصى، إذ لو أراد نسخها لكتب ذلك، ويحتمل أن يكون أراد الاحتياط بها، لما عسى أن يكون وقع منه في حجه من تقصير والله أعلم. (4/78)
صفحة 1661
فتاوى الوصية
79
رجل توفاه الله وترك أولاداً ذكوراً وإناثاً وترك مالاً لا بأس به بفضل الله ثم بمساعدة أولاده الذكور، وهناك أسئلة:
1 ـ كتب في وصيته بحجة وبعض من الورثة لم يثبتها لكونه كان قد أجر بحجة في حياته وأراد أن يتبرع لوجه الله تعالى، علماً بأن الحجة المكتوبة تاريخها قبل الحجة التي كان قد أجر بها في حياته، فهل تثبت الوصية؟
2 - وقف بعضاً من ماله لأولاده الذكور وجعله وقفاً مؤبداً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها لا بيع فيها ولا شراء، وعلى أن يجعله لإكرام الضيف، فما قولكم في هذه الوصية؟
3 - ترك الميت أطفالاً صغاراً في السن ويلزمهم وكيل شرعي، فهل يجوز أن يوكلوا أخاهم الأكبر عنهم؟
1 ـ ما أوصى به يثبت وإن أنفذه في حياته إذا لم يشهد على إبطال ذلك من الوصية أو يكتب بإبطاله والله أعلم.
2 - لا وصية لوارث، وتخصيص الأولاد دون الإناث حيف، ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد والله أعلم.
3 ـ على الجهة المسؤولة أن تختار وكيلاً أميناً لهم، سواء كان أخاً أو غيره والله الموفق.
كان والدي قبل وفاته قد أوصى بحجة إلى بيت الله الحرام، وبما أنني لدي بعض الأصدقاء في المملكة العربة السعودية، فهل يجوز لي أن أبعث إليهم بمبلغ ليحج أحدهم عن والدي الهالك أم أقوم بتأجير شخص من بلدتنا؟
إذا كانت هذه الحجة بوصية من الهالك، فالمفروض أن يخرج من يحج (4/79)
صفحة 1662
80
الفاوي
عنه من بلد الهالك، إما من بيته الذي يسكنه أو من مسجده الذي كان يصلي فيه، ولا ينبغي - مع الإمكان ـ أن يخرج من يحج عنه بالحجة من بلد هو
أقرب إلى الحرم من البلد الذي كان يقيم فيه الموصي والله أعلم.
رجل كان قد أوصى قبل وفاته بعدة وصايا منها حجة، علماً بأنه رجل فقير وليس لديه دخل ولا يمتلك إلا القليل من المال)، والمال الآن مغرم وليس بمغنم ويبلغ قيمته بالأصل أربعة آلاف ريال عماني، وخلّف وراءه عيالاً، وبهذا الوضع يمكن تنفيذ كافة الوصايا عدا الحجة للعجز المالي، فهل يجوز لهم ترك تنفيذ الحجة؟
الأولى أن تكون الحجة كغيرها تدخل ضمن الوصايا بالمحاصصة، وبدلاً من أن يكون السفر إليها من داره يؤجر لها من يسافر إليها من حيث
تكفي
النفقة كالمدينة المنورة والله أعلم.
إنفاذ الوصية في الحياة:
امرأة ترغب في إنفاذ وصيتها في حياتها، فهل يجوز لها ذلك؟ لا مانع من ذلك، إلا في وصية الأقربين فإنها حق بعد الموت والله أعلم.
رجل حج عن نفسه عدة مرات كما كفّر عن الكفارات التي تجب عليه، ثم أوصى عن نفسه من بعد موته بحجة وكفارات، ولكنه بعد مدة شعر بأنه ما زال قادراً على الحج فقام بأداء الحجة التي أوصى بها بعد موته، وبقيت الكفارات، فهل يصح له قضاء الحجة في حياته؟ وهل يجوز
(1) يقصد بالمال هنا الأخضر الذي هو البساتين والمزارع. (4/80)
صفحة 1663
فتاوى الوصية
81
له أيضاً إنفاق الكفارات بنفسه؟ وكم مقدار الكفارة الواحدة بالريال
العُماني؟ وكم نصيب المسكين من هذه الكفارة؟
كل ما ينفقه الإنسان في حياته خيرٌ له مما ينفق عنه بعد موته ولو أوصى به سواء في ذلك الحج والكفارات والصدقات وقضاء الحقوق وغير ذلك، بل قيل درهم في حياته خيرٌ له من سبعين درهماً بعد وفاته، والوصية لا تعني إسقاط القيام بأداء هذه الحقوق في حياته، وإنما هي احتياط لئلا يفاجئه الموت قبل أدائها، اللهم إلا وصية الأقربين فإنها صلة بعد الموت، وكفارة اليمين هي إطعام عشرة مساكين، وأما كفارة القتل فهي عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، وكفارة الظهار والصيام هي عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، ولا يقدر
الإطعام بقيمة معينة لأن ذلك يختلف باختلاف الزمان والمكان والله أعلم. ما قولكم في رجل أوصى بصيام شهر رمضان وبالصلاة وبكفارتين ومكتوب في الورقة أنه مؤدٍ له في حياته والفقراء الأقربون أعطاهم في حياته، وله ورثة ثلاث بنات وأخ من أب وعمتان؟
ما ثبت إيصاؤه به ولم يرجع عنه ينفذ سواء كان صياماً أو كفارة، وأما الصلاة فلا يصلي أحدٌ عن أحدٍ، ووصية الأقربين لا تنفذ في الحياة لأنها صلة بعد الموت أما الإرث فللزوجة الثمن وللبنات الثلثان والباقي للأخ وليس للعمات شيء، لأن العمة من ذوي الأرحام والله أعلم.
لهم
امرأة أوصت بوصية ومن ضمنها صيام شهرين تطوعاً، ثم أرادت تنفيذها في حياتها، فهل لها أن تكفر عن الصوم في حياتها أم لا؟
لا مانع من تنفيذ وصيتها في حياتها إلا وصية الأقربين، فإنها حق بعد الموت، لقول الله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن (4/81)
صفحة 1664
82
الفتاوى
تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180]، ولا مانع من إبدال ما أوصت به من صيام النفل بإطعام المسكين، بل ذلك أولى، فإن النيابة في صوم النفل لم يقم عليها دليل والله أعلم.
الإيصاء بأكثر من وصية:
حضرة الشيخين الفاضلين الوالدين العزيزين محمد بن عبد الله السالمي وسعود بن عامر المالكي - حفظهما الله تعالى.
-·
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وإني أحمد إليكما الله وأشكره، وأسأله لي ولكما التوفيق، ولكم حسن العزاء في المصاب الحادث، والله يتولى الفقيد بلطفه، ولا أراكم مكروهاً، وإنا لله وإنا إليه راجعون ..
وبعد،،
فقد وصلني بحثكم فيما يتعلق بوصيتي الهالكة، هل كلتاهما ثابتتان أم تعتبر الثانية ناسخة للأولى؟ وإليكم الجواب
إذا وجدت للميت وصيتان وعرف تاريخ كتابتهما ولم ينص في الأخيرة على نسخها لما تقدم، فإن القول الراجح ثبوت كلتا الوصيتين، لأن الأولى ثبتت بيقين، ولا يرفع اليقين إلا يقين مثله كما هو الحال في القواعد الفقهية المعروفة عند الجميع، واحتمال قصد الموصي نسخه بالثانية مجرد احتمال لا تبنى عليه حجة في رفع الثابت باليقين، ولبعض العلماء رأي آخر وهو التعويل على الأخيرة فحسب، ومنهم من يفرق بين ما إذا اتحدتا أو إذا اختلفتا، ولكن الرأي الأول هو الأرجح، غير أنه لا بد من اشتراط عدم مجاوزة ثلث التركة مع اجتماع الوصيتين والله أعلم. هذا وإني لأرى أن يعتمد في تنفيذ هاتين الوصيتين على الوالد حمود بن ناصر بن (4/82)
صفحة 1665
فتاوى الوصية
83
سالم الحجري لثقته وأمانته، وأن يكون له من العناء ما أثبت في الوصيتين للوصي، هذا والله يوفقكم للخير والسلام عليكم
رجل هالك ترك بنتين وأخاً من أب كما ترك بعض المال يقدر بعشرة آلاف ريال عماني، وترك وصيتين ذكر في كل منهما حجة عنه وعن والده وأخرى عن والدته وصيام أربعة أشهر عنه وأربعة أخرى عن والده وبشهرين عن والدته وبشهرين عن خالته وبشهرين عن جدته، وبثلث ماله المذكور لأولاد أخيه من ناحية الأب وهو لم يرهم فهم من مواليد تنزانيا، ولم يذكر في الوصية إن كان للذكور أم الإناث، والوصية كتبت من قبل ثمانية وعشرين عاماً، وكُررت الوصية الثانية من قبل خمسة حسب ما أوصى به في الوصية الأولى، فهل هذه الوصايا تنفذ جميعاً من حجة وصيام وغيرها أم لا تكرر ويؤخذ منها بقدر ثلث المال أم لا يجوز ذلك؟ وقد قمت بإنفاذ الوصية المذكورة سابقاً ولم
عشر
عاماً
يبق للورثة إلا القليل من المال، فما الحكم في ذلك؟
تثبت الوصيتان معاً إن لم ينص في الثانية بأنها ناسخة لما تقدمها من الوصايا، ولكن إن زاد ما في الوصيتين على ثلث التركة ردتا إلى الثلث، إذ لا وصية بأكثر من الثلث إلا في الضمانات الواجبة والله أعلم.
ما قولكم في رجل أوصى بوصيتين، فهل تثبتان أم تكون إحداهما ملغاة؟ علماً أن هذا الشخص تغير عقله من زمن طويل حسب ما يقوله أهله؟
بما أن الوصيتين ثابتتان عندكم ولم ينص في الثانية على إلغاء أولاهما فإنهما تنفذان جميعاً، ولا يلغى منهما شيء إلا ما لا يمكن تكرره كفريضة الحج، وأما دعوى الورثة تغير عقله عندما صدرت منه إحدى الوصيتين أن يقيموا على صحة ذلك بينة عادلة والله أعلم.
فعليهم (4/83)
صفحة 1666
??
الفاوي
كتبت امرأة وصية وذكرت فيها ما عليها من ضمان وغير ذلك من مستحقات لازمة، ثم كتبت بعدها وصية ثانية لم تذكر فيها ضماناً وذكرت في وصيتها الثانية بأنها ناسخة لما قبلها، فهل تعتبر الوصية الثانية ناسخة للأولى أم يثبت الضمان الذي في الأولى؟
إذا كانت الوصية الثانية ثابتة فهي ناسخة لكل ما في الأولى إن أثبت ذلك الموصي فيها، بما في ذلك الضمان لأن الموصي أمين نفسه
والله أعلم.
ما قولكم في رجل كان قد أوصى بوصيتين منفصلتين وبتواريخ مختلفة، فهل على الوصي تنفيذ الوصية المتأخرة فقط أم كلاهما ثابتتان واجبتا التنفيذ، علماً بأنه لا يوجد ما يفيد بنسخ المتقدمة؟
الأصل في الوصايا كلها الثبوت إلا ما دل الدليل على نسخه، وعليه فمن أوصى بوصيتين ولم يأت في الثانية ما يدل على نسخ الأولى أثبتت الوصيتان جميعاً، اللهم إلا أن يذكر في الوصيتين ما لا يمكن تكرره، كأن يوصي في الوصيتين جميعاً بعتق رقبة بعينها، أو يوصي بشيء بعينه لوجه من وجوه الخير في كلتا الوصيتين، وهذا كله ما لم تجاوز الوصية الثلث
والله أعلم.
امرأة توفيت وخلفت ورثة بنتاً وأولاد عم فوجدنا وصايا، إذ أوصت للبنت في وصية بمال معين وفي وصية ثانية ببيتها ونخلتين من أموالها وهن عن ضمان، والوصية الثالثة صك شرعي وهي ستمائة ريال عُماني، وهذا قرض، ووصية فيها حجة ورمضانين وصلوات، وهي قد أدت حجة الفريضة عن نفسها في حياتها، فما قول سماحتكم في الحجة الموصى (4/84)
صفحة 1667
فتاوى الوصية
85
بها؟ وما قولكم في الوصيتين الأوليتين اللتين عن ضمان رغم أن البنت مريضة لم تتزوج حتى الآن ولا تستطيع إطعام أمها لأنها لم يكن لديها شيء، وبعد وفاة أبيها أطعمتها أمها، فما قولكم في وارثة أمها، هل يثبت؟
هذا الضمان وهي
العطايا التي في حياتها ليست من الوصية وإنما هي عطايا منجزة، وتثبت جميع الوصايا، إلا إن كان في المتأخر منها نص على نسخه المتقدم، والحجة تبقى الوصية بها إن لم تنسخها ولو حجت في حياتها، والوصية للوارث لا تثبت إلا إن كانت من ضمان، ولئن نص الموصي أنها من ضمان قبل قوله، وإن انهم حلف الموصى له بأنه لا يعلم أنه قصد بذلك إلجاء
والله أعلم.
امرأة وجدت لها وصية واعتراف والإشكال في وصيتها لرجل يدعى مسعود بمائة ريال عُماني ولزوجته عائشة، ولقد ذكر في الاعتراف أنها أوصت لمسعود المذكور بسبعمائة ريال عُماني ولزوجته بثلاثمائة ريال عُماني، فما الذي يعتمد أيُنفذ ما تنص عليه الوصية أم ينفذ ما ينص عليه الاعتراف علماً بأن الوصية متقدم تاريخ تحريرها عن تاريخ تحرير الاعتراف؟ وهل تجوز وصيتها بجميع ما تبقى من مالها لمسجد ما؟ وهل يصدق قولها في الاعتراف أنها لا تعلم بوارث يرثها؟ وهل لفظ وجميع الذي تتركه بعد موتها في الاعتراف يدل على جميع البيت أم يدل على ما تبقى دون البيت؟ نرجو من سماحتكم إيضاح ما جاء في هذه الوصية، وكذلك الاعتراف ولمن يكون ميراثها، علماً بأننا حسب بحثنا لم نتوصل إلى وارث يرثها لا من الفروض ولا التعصيب ولا من الأرحام، ويقال: إن هناك ورثة لمعتقها، أيرجع ميراثها إليهم إن
المال
مع (4/85)
صفحة 1668
86
الفاوي
لم تثبت وصيتها للمسجد، وكذلك هل يرث الذكور فقط أم الذكور
والإناث يقسم بينهم بالسوية، وذلك إذا ثبت لهم ميراثها شرعاً؟
يثبت ما أوصت به لمسعود في كلتا الوصيتين، إذ لم تنص في الثانية أنها ناسخة للأولى، وقولها «لا وارث لها هي مصدقة فيه إن لم تقم حجة بوجود الوارث، فإن قامت أخذ بها، والتوريث بالولاء مختلف فيه، وأكثر أصحابنا لا يقولون، به ومع عدم وجود الوارث يجوز لها الإيصاء بكل ما خلفته، والعموم في قولها وجميع الذي تتركه بعد موتها» مخصص باستثناء البيت إذ الخصوص مقدم على العموم، وعلى القول بالتوريث بالولاء فلا تدخل فيه النساء إلا المرأة التي أعتقت بنفسها أو أعتقت المعتق والله أعلم.
توفي رجل ووجدنا في خزانته، وصيتين، وصية أصلية كتبت من 8 أشهر والثانية صورة لوصية كتبت منذ 16 سنة لا يوجد لها أصل، فبحثنا عن أصل الوصية المذكورة ولم نجد لها أصلاً سوى الصورة، ولعل الموصي مزقها واعتبر الثانية بدلاً لها إلا أنه لم يوجد دليل على ذلك، فما رأي سماحتكم في الصورة التي لم يوجد أصلها هل تنفذ أم إن الوصية الأصلية حديثة التاريخ تكفي عن صورة الوصية؟
بما أنه ثبت إيصاؤه فالأصل بقاء تلك الوصية ما لم يثبت نسخها
والله أعلم. (4/86)
صفحة 1669
فتاوى الوصية
87
إنفاذ الوصية في غير ما أوصي بها:
ما قولكم في الوصية والوقف هل يجوز التصرف فيهما؟ وهل يجوز للورثة التصرف بأموال الوقف؟
يجب الالتزام بإنفاذ الوصية من غير إخلال بشيء مما تضمنته ما لم تكن فيها مخالفة لأوامر الشرع أو تعد لحدوده، والوقف إن كان ثابتاً فلا يجوز التصرف فيه، اللهم إلا إن اقتضت المصلحة الظاهرة الاستعاضة عنه بغيره، وكان ذلك عن رأي الثقات الأمناء ذوي الخبرة في شؤون الأموال، على أن يتم التصرف والاستعاضة على أيديهم والله أعلم.
ما قولكم في رجل هلك، وكان قد أوصى بمال لمسجد، والمسجد الموصى له داثر، وهذه الأموال لا تكفي لإعمار هذا المسجد وترميمه، بالإضافة إلى أن أهل الحي الذي به المسجد قد رحلوا عن الحي فلا أحد يقطنه، فهل يجوز إعمار المسجد الجامع بهذا المال، وأيضاً فهذا المسجد الموصى له لديه بعض الأموال، فهل يجوز أن يعمر به مال
آخر؟
إذا اقتضى ذلك نظر أهل الصلاح والاستقامة في المحلة أو البلد، واتفقوا على ما رأوه من الصلاح والاستقامة في تحويل هذه المبالغ إلى المسجد الجامع فلا بأس بذلك والله أعلم.
يوجد ببلدة ما مسجد وله مال بعض منه حي والبعض الآخر ميت، وهذا المال مقسم ما بين المسجد والفطرة والأكفان وله ماء مشترك، وكان أحد المواطنين قد أوصى بمبلغ ثلاثمائة ريال عُماني، ثلثها لعمار المسجد والثلث الثاني للفطرة والثلث الأخير للأكفان فهل يجوز تحويل المبلغ (4/87)
صفحة 1670
88
الفاوي
لإصلاح الأموال، أو نقعد (1) الماء ونترك إعمار الأموال؟ علماً بأن ترك الأرض خالية دون إعمار فيه ضياع لها؟
بما أنه حدد الوصية بنفسه فتنفذ كما أوصى بها والله أعلم.
امرأة كانت قد أوصت قبل وفاتها باستغلال قطعة الأرض التي تمتلكها بزراعتها بأي محصول، على أن يقوم الذي يستغل هذه الأرض بقراءة المصحف الشريف بكامله مرة كل عام سواءً بنفسه أو يقوم بتأجير من يقوم بقراءته عنه، ونظراً لعدم قيام أحد باستغلال هذه الأرض فقد رأى بعض أصحاب الرأي باستغلال هذه الأرض ببناء مجلس عام لأهالي البلدة، وسيتم قراءة القرآن الكريم في هذا المجلس بصورة مستمرة وعند كل عزاء يقام فيه، فهل يجوز لهم ذلك؟
لا تخرج الوصية عما حدده الموصي، وإذا تعذر إنفاذها ردت إلى الورثة
والله أعلم.
ما قول سماحتكم في رجل هلك وخلّف بنين وبنات وترك لهم أموالاً اقتسموها فيما بينهم ما عدا ثلاثة مواضع، وكان الهالك قد أوصى بموضعين لأعمال الخير، وبموقع لأحد مساجد البلدة، وبعد مرور ستين من وفاته حاول بعض الورثة بيع ما أوصى به الهالك لأعمال الخير والمسجد متجاهلين الوصية التي ما زال شهودها على قيد الحياة، فهل
عاماً.
يجوز لهم ذلك؟ وبافتراض جواز ذلك فلصالح من يكون البيع؟
إن ثبت بحجة مقبولة شرعاً أنه أوصى بالموضعين لجهة خيرية فلا يجوز بيعهما ولا امتلاكهما من قبل أحد لمنافاة ذلك حكم الوصية الذي
(1) القعد هو تأجير ماء الفلج. (4/88)
صفحة 1671
فتاوى الوصية
89
نص عليه قوله تعالى: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عليمٌ} [البقرة: 181] والله أعلم.
لوالدي وابن عمه عابية (1)، وقد كانت تلك العابية لامرأة أوصت بها لمن يريد زراعتها واستغلالها أن يقرأ لها ختمة كل سنة. وبعد وفاة والدي وابن عمه تكفل أخي الأكبر وابن ابن عم والدي بالعابية، بعد ذلك توفي أخي وأردت أن استغل تلك الأرض ببناء منزل فيها لأسرتي، ولكن كما تعلمون أن وزارة البلديات ووزارة الإسكان لن تصدرا لي إباحة البناء إلا إذا كانت ملكية الأرض باسمي، فهل يجوز لنا أن نثمن الأرض وبثمنها نبني مسجداً يرجع إلى صاحبة العابية؟ أو أن هناك طريقة أخرى تراها سماحتكم مناسبة؟
تبقى الوصية كما أوصى بها الموصي فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّهَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 181) والله أعلم.
رجل أوصى بنخلة من وسط قطعة مال وجعلها للمسجد، ولما علم أقاربه طلبوا منه أن يبدل هذه النخلة التي هي في وسط القطعة لتكون من الأموال الأخرى ولكنه رفض قائلاً إنني اخترت هذه النخلة ولن أبدلها، وبعد وفاة الموصي أراد ولده أن يبدل هذه النخلة المذكورة إلى
أخرى وتكون بالقرب من أموال المسجد، فهل يجوز له ذلك؟
ليس لولده أن يتصرف في ذلك إلا بحسب ما تقتضيه الوقفية، لأن ذلك تبديل لما أوصى به الموصي، وقد قال تعالى: (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّهَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: (181]، وإنما يجوز لجماعة المسجد أن
(1) العابية: هي المزرعة. (4/89)
صفحة 1672
الفاوي
يقايضوا بهذه النخلة غيرها إن رأوا مصلحة المسجد متعينة في ذلك، على أن يكون ذلك بإشراف الأمناء ذوي الخبرة والدراية بالأموال وشؤونها والله أعلم.
كان الوالد قبل وفاته يتكلم عن نخلة يريد أن يوصي بها لمصلحة الفلج، وكان هناك عدة وصايا على يد ابن أخت والدي، بعد الوفاة أردنا أن ننفذ الوصية ولكن الوصي أفادنا أن الوصية لم يعثر عليها، فقمنا أنا وإخواني بتنفيذ الوصية بشكل عشوائي، ثم بعد فترة من الزمن أفادنا أنه عثر على الوصية واتضح لنا أن النخلة لم تذكر في الوصية إنما أوصى بمائة ريال عُماني لصيانة الفلج، فهل تجزي النخلة عن المائة ريال عُماني المكتوبة في الوصية؟
الوصي
أنفذوا الوصية كما وجدتموها من غير تبديل والله أعلم.
ما قولكم في رجل أوصى ببيت بعد موته يباع ويبنى بقيمته مسجد، إلا أن البيت لم يوجد له إلا ثمن زهيد لا يصل إلى نصف قيمته الحقيقية، فما قولكم في إيجار هذا البيت ويكفر من الإيجار عن الموصي أو أنه يبنى له مسجد بالقيمة التي تحصل عليها من بيع البيت؟
على الوصي أن يجتهد في تحصيل أعلى قيمة ممكنة، وإن لم يمكن
فليبعه بقيمة غير بخسة ويبن المسجد بما تيسر من قيمته والله أعلم.
هل يحق للوصي بأن يتصرف بالوصية حيث ما يشاء أم ينفذ على حسب حكم الشرع؟
الوصية يجب تنفيذها في الأمور التي خصصها بها الموصي ما لم تخرج عن حدود المشروع، وتبديلها من أسباب الإثم لقوله قال: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا
وروح سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ وَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 181] والله أعلم. (4/90)
صفحة 1673
فتاوى الوصية
91
رجل أوصى بثلث ماله لبناء المسجد الواقع بالقرب من فلج معين، وقد اختلف الورثة وبالتحديد المعنيين بتنفيذ الوصية وانقسموا إلى قسمين قسم يرى إعادة بناء مسجد السوق وتوسعة مسجد آخر، وقسم آخر يطالبون بإعادة بناء مسجد «الخبيب» أو بناء مسجد جديد شمال المنطقة أو مساعدة أهالي المزارع في إعادة بناء مسجدهم، فما ترون سماحتكم في ذلك؟
يجب إنفاذ الوصية كما نص الموصي، الذي خصصه والله أعلم.
،
فلا يعمر بهذا المبلغ إلا المسجد
أخي المتوفى كان قد أوصى وبخط يده ببناء مسجد، وتم تثبيت الوصية شرعاً، فقمت باختيار موقع بناء المسجد وأكملت إجراءاته، ولم أكن أعلم بأن هذا الموقع تجترفه الأودية، فأخبرني كبار السن بأن بناء المسجد هنا معرض فيما بعد لجرف الأودية له في حالة هطول الأمطار واستمرارها، فأوقفت تنفيذ المشروع، والآن أرغب أن أحول المشروع إلى مسجد جامع البلد القديم والذي يحتاج إلى إعادة ترميم، علماً بأن به مصلين كثر، والمواطنون بحاجة إليه أكثر من الموقع الآخر والذي تحيط به ثلاثة أو أربعة منازل فقط، وفي موسم الأمطار يبقى مغلقاً لكونه قريب من الوادي، فهل يجوز لي ذلك؟
إن كان الموصي لم يحدد الأرض التي يبنى عليها المسجد لا مانع من بنائه بأي أرض تراها والله أعلم. (4/91)
صفحة 1674
92
الفتاوى
تأخير إنفاذ الوصية:
رجل توفي وأوصى بصلاة (1) واحدة مع العلم بأنه إذا مات رجل وأوصى بصلاة فقد جرت العادة أن يفرق له تمر أو شعير أو عيش، وهذا ما اتفقوا عليه في زماننا هذا، فهل يجوز شراء جونية عيش ووضعها مع يوم تفريق عيش الوقف، ألا وهو يوم التاسع من ذي الحجة؟
الأولى أن يعجل في إنفاذ وصية الهالك، ولا ينتظر بها يوم عرفة، فإن الوصية مقدمة حتى على الإرث لقوله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بهَا أَوْ دَيْنِ} [النساء: 12] والله أعلم.
وصل إلينا رجل وبيده وصية امرأة وقد جعلته وصياً لها، ومضى منذ وفاتها أكثر من عشرين سنة، وقد اقتسم الورثة المال وبعضهم توفي وسؤاله هل يسعه السكوت أم لا؟ وإن كان لا يسعه فعلى من يوجه دعواه؟ وهل الأصل التنفيذ أم عدمه؟ وهل يختلف الحكم إذا كان الوصي عنده علم بالوصية؟
أن
الأصل عدم إنفاذ الوصية حتى يصح إنفاذها، ولا يسع الوصي يسكت، بل عليه أن يرفع دعوى عى الورثة ويقيم الحجة عليهم، وإن كان أهملها مع علمه بها وتحمله إياها فهو ضامن لها في ماله، وليرجع بعد ذلك على الورثة بعد إقامته الحجة عليهم والله أعلم.
الوصي
رجل توفي، وكان قد أوصى بحجة تدفع من ماله، علماً بأنه يمتلك قطعة أرض، ولم يتمكن الورثة من بيعها حتى الآن، وقد خلف بنتين
(1) أي كفارة صلاة. (4/92)
صفحة 1675
فتاوى الوصية
93
لا تمتلكان شيئاً من المال وترغبان في تنفيذ وصية والدهما، فهل يجوز لهما أن تقترضا من أزواجهما مبلغاً لأداء الحجة الموصى بها أم تنتظران قطعة الأرض؟ وهل يجوز تأجيل الحجة إلى عام آخر متى تم
حتى بيع
بيع
قطعة الأرض؟
الأولى لهما انتظار بيع قطعة الأرض ولو تيسر ذلك بعد عام، ذلك لأن الحج لا يقترض له ولو أراد الإنسان أن يحج عن نفسه فكيف بغيره
والله أعلم.
ما قولكم في رجل كان قد أوصى قبل وفاته بصيام عشرة أشهر، وبعد وفاته أعطى الورثة الوصي قيمة أجرة صيام العشرة أشهر، ولكن الوصي لم يقم بتنفيذ الوصية في حينها ومرت السنون، والآن أصبح ما أعطاه الورثة لا يفي في هذا الزمان أجرة صيام شهر واحد بسب غلاء الأسعار، فماذا ترون سماحتكم؟ إذا ثبت أن الوصي تمادى من غير عذر في تنفيذ الوصية إلى أن ارتفعت الأسعار فلم يكف ما أعد لتنفيذ الوصية، مع أنه لو تعجل تنفيذها لكفي، فهو آثم غارم لما كان من قبله من التقصير والله أعلم.
ما قولكم في رجل أوصى بمائة قرش يشترى بها مال تنفق غلته في يوم عرفة، ولكن الوصي لم يتمكن من الحصول على مال بهذه القيمة فاحتفظ بالقروش إلى أن تغير الصرف، عندها بادر بصرفها عن خمسين ريالاً، وكما تعلمون أن قيمة القرش في تغير مستمر، فمرة ترتفع وأخرى تنخفض، فهل ترون أن الضمان يلزمه؟ وماذا عليه أن يعمل؟
ليس على الوصي في ذلك كله، حرج، لأنه لم يقصد إلا الإحسان والله تعالى يقول: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِين مِن سَبِيل) [التوبة: 91] وارتفاع سعر القرش (4/93)
صفحة 1676
94
الفاوي
وانخفاظه أمرهما إلى الله الذي يخفض ويرفع وهو الذي بيده كل شيء، وأما ما تبقى بيده فعليه - إن لم يجد ما يشتريه به من أصل ـ أن يوزعه على الفقراء في يوم عرفة والله أعلم.
-
امرأة توفيت وقد كتبت وصيتها غير أن الوصي لم ينفذ الوصية منذ 4 سنوات، فهل على الورثة من ضمان أن لو قصروا في متابعة
الوصية؟
الورثة ليس لهم أن يرثوا شيئاً من المال إلا بعد إنفاذ الوصية وقضاء الدين كما جاءت بذلك نصوص القرآن فإن الله تبارك وتعالى قال: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 11]، وقال: مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنِ} [النساء: 12]، وقال: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 12]، فلا يجوز لهؤلاء الورثة أن يتساهلوا في أمر الوصية، ولو قدرنا أن الوصي تهاون وفرط في القيام بهذه الوصية فعليهم أن يقوموا بها، وإن كانوا في بلد إسلامي حيث يوجد من يحتكم إليه بشرع الله تبارك وتعالى فعليهم أن يحتكموا إليه، ومن الواجب على الحاكم إن ثبتت عنده خيانة من الوصي أن يقيم شخصاً آخر أميناً ثقة ينفذ هذه الوصية بأمانة، وإن اتهم ولم تثبت عليه خيانة فإن على الحاكم أن يهيئ من يشرف عليه في جميع أعماله لئلا تكون من قبله خيانة والله تعالى أعلم. رجل كان قد أوصى قبل وفاته بوصايا، والآن مرت سنين طويلة على
هي
ذلك وتغيرت العملة عن تلك الفترة التي كانت فيها العملة المتداولة القروش الفرنسية، فكيف يكون تنفيذ هذه الوصية الآن، أيجعل الريال الواحد مكان القرش الواحد أم على ما يبلغه من السعر الحالي؟
بما أن القروش أعيان مستقلة بقيمتها لم تزل ولا تزال كذلك (4/94)
صفحة 1677
فتاوى الوصية
95
فإنها تكون هي المعيار في إنفاذ الوصية، فإما أن تخرج بأعيانها كما تقتضيه الوصية، وإما أن تخرج أثمانها بحسب سعرها في يوم التنفيذ
والله أعلم.
تعذر إنفاذ الوصية:
رجل كان قد أوصى قبل وفاته بنخلتين يشترى بهن عبد ويعتق لأنه لزمه عتق، وفي ذلك الزمان العبيد موجودون ولم ينفذ الورثة الوصية إلى الآن وأرادوا الآن إنفاذها إلا إنه في زمننا الحالي يتعذر إنفاذ مثل هذه الوصية لعدم وجودها، فهل يجوز بيع النخلتين وتفريق ثمنها على الفقراء أم لا؟
إذا تعذر الحصول على الرقيق حسب مقتضى الوصية فالأولى بهذه الوصية فقراء المسلمين في رأي بعض مشايخ العلم المتأخرين، واحتج له أن الله سبحانه جمع بين عتق الرقبة وإطعام المحتاج في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة، ويؤيده أن الله سبحانه جعل عوض العتق في الكفارة الصيام والإطعام في مواضع والله تعالى أعلم.
ما قولكم في رجل كان قد أوصى بعتق رقبة والرقبة لا توجد الآن، فماذا يعمل، علماً بأن قيمة الرقبة أربعمائة ريال عُماني ()
(1)؟
توزع قيمة الرقبة إن لم توجد ـ إذا أوصى موص بعتقها ـ على فقراء
المسلمين المحتاجين فإنهم أحق بهذه القيمة والله أعلم.
(1) لعل السائل يقصد بأن المبلغ الموصى به لعتق الرقبة هو أربعمائة ريال عُماني. (4/95)
صفحة 1678
96
الفاوي
إذا أوصى الموصي بعد موته بعتق رقبة، ولم توجد الرقبة فماذا يفعل
الوصي؟
يُخرج من المال بقدر قيمة العبد فإن وجد العبد اشتري وأعتق، وإن لم يوجد أنفذ ذلك في فقراء المسلمين، لأن الله تعالى جمع بين العتق وإطعام المساكين في قوله: {فَلَا أَقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَنكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُ رَقَبَةٍ ** أَوْ إِطْعَمُ فِي يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ يَتِيمَا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينَا ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: 11 - 16]
والله أعلم.
ما قولكم فيمن أوصت لأولاد ولدها عن ضمان، وفي حياتها خططت الحكومة طريقاً في جزء من المال بموافقتها، وبعد وفاتها وصل تعويض عن الجزء المقتطع من الحكومة، فهل التعويض لورثتها أم أنه للأولاد، حيث إنه عن ضمان؟
من ن أوصى لأحد بأرض من ضمان ثم اقتضت الضرورة أخذ جزء تلك الأرض لمصلحة عامة كطريق مثلاً، فإن التعويض عنه يعود إلى الموصى له إن نيل بعد موت الموصي والله أعلم.
من
فيمن أوصى بقطعة من ماله، ونص الوصية هو وبالجانب الفلاني لبني ابنته تعيبوه بنت محمد .. والإشكال أنه ليس أحد من بناته اسمها تعيبوه، بل هذا الاسم لزوجته وهي معها أولاد منه من ذكر وأنثى، ولبناتها أبناء، وهؤلاء جميعاً فيهم البالغ واليتيم، فهل ترون إبطال هذه الوصية أم ثبوتها، وإن ثبتت فلمن تصير؟
إن لم يكن له ابنة حية ولا ميتة اسمها تعيبوه فالوصية لأبنائها باطلة، وترجع إلى ورثته والله أعلم. (4/96)
صفحة 1679
في
فتاوى الوصية
97
رجل أوصى بأن يجهز بعد موته جهاز الموتى وأن يحفر له قبر ويكون ذلك من ماله الخاص، فتوفي هذا الرجل بدولة أخرى وتم تجهيزه ودفنه بها، فهل ما أوصى به لجهازه بعد موته راجع إلى الورثة أم ينفق ذلك في وجه من وجوه البر؟ وهل يلزم الوصي أن يذهب إلى تلك الدولة للتشاور مع الورثة البالغين حول ما أوصى به من كفارات أم يبيع من
ماله الموجود في بلده لإخراج الوصية من دون مشاورة الورثة؟
يرجع
ذلك إلى الورثة إلا إن تبرعوا به لوجه من وجوه البر، وإن كانوا منأى عن البلد الأصلي للميت والذي فيه الوصي فيكفي أن يكتب إليهم
ببيعه ما يبيعه من ماله لإنفاذ وصيته ولا يلزمه السفر إليهم والله أعلم.
ما قول سماحتكم في رجل أوصى بقطعة أرض ليعمل منها لبن للحود الأموات ولبنيان حيطان للبيوت، ثم إن الناس استغنت عنه باستعمال الأسمنت في البنيان والقبور وأصبح الطين لا داعي له، وبما أن هذه الأرض صالحة للسكنى لأنها قريبة من البلد، فهل يجوز أن يسكن فيها
الناس لحاجة الناس لذلك خاصة وأن مطلب الموصي نيل الثواب؟ إذا تعذر تنفيذ الوصية كما أوصى الموصي فالأولى أن يكون التنفيذ فيما هو قريب من نوع الوصية من المصالح وعليه فإني أختار إيجار هذه الأرض وشراء سقوف للقبور من قيمة الإيجار وبناء حيطان بالأسمنت هذه القيمة والله تعالى أعلم.
من
كان الوالد مريضاً لفترة طويلة في المستشفى ثم تعافى وخرج منها إلى بيت ولده الأكبر، ثم ذهب لزيارة إحدى بناته في منطقة مجاورة، وهناك كتب وصية دون علم أحد من أولاده سوى تلك البنت المقيمة هناك أنه كان له وصية سابقة، وبعد فترة قصيرة وافته المنية في بيت ولده
مع (4/97)
صفحة 1680
98
الفاوي
الأكبر. فبذلك كان له وصيتان الأولى موجودة والأخيرة لم نحصل عليها أبداً ولا نعرف عن مضمونها شيئاً مع مرور أكثر من عشر سنوات من البحث ومحاولة الحصول عليها، فماذا يلزمنا في ذلك؟ وهل نسير على الوصية الموجودة والتي يعلم بها جميع الورثة؟ علماً أن الوصية الموجودة معنا تتضمن حجتين له ولزوجته الهالكة وقد نفذهما بعد أن تشافي من مرضه، وبعض الأمور في الوصية لم يتمكن من تنفيذها كاملةً،
فماذا علينا في ذلك ونحن نريد أن نقسم الميراث في أقرب وقت؟
نفّذوا الوصية التي وجدتموها ما لم يثبت عندكم نسخها، وبما أنه لم ينص على إلغاء الحجتين فهما ثابتتان ولو قام بتنفيذهما في حياته والله أعلم.
والدتي أوصت بأن يكون الكفن على نفقتها الخاصة، وعندما توفيت قامت إحدى الجارات بإحضار الكفن وبعد الانتهاء من العزاء قمنا بشراء الكفن من حساب والدتي لرجعه إلى الجارة ولكنها رفضت استلام الكفن، فماذا يجب علينا فعله الآن؟
إن لم تقبله فتصدقوا به على الفقراء والله أعلم.
عن رجل أوصى ببناء مسجد في منطقة سماها إلا أن الجهات المسؤولة منعت من بناء المسجد في تلك المنطقة وذلك لقربها من بعض المساجد، والسؤال هل ترجع الدراهم التي أوصى بها لبناء المسجد إلى الورثة أو أنه يبنى به مسجد في منطقة أخرى، والبحث إذا لم يرض بذلك الورثة أو كان فيهم بعض الأطفال ونحوهم ممن لا يصح رضاهم؟
إن تعذر إنفاذ الوصية فالموصى به يرجع إلى الورثة يقسم بينهم حسب نظام الإرث الشرعي، إلا إن رضي الورثة بأن يصرف إلى وجه من وجوه (4/98)
صفحة 1681
فتاوى الوصية
99
أو من لم
البر كبناء مسجد آخر حيث تدعو الحاجة، فإن كان في الورثة يتيم يرض بالنزول عن حقه فليكن ذلك في نصيب من رضي من البلغ دون غيره
والله أعلم.
رجل أوصى بخمسين ريالاً لمسجدين أحدهما قائم ويصلى فيه والآخر
مندثر، فكيف يتصرف في هذه الحالة بنصيب المسجد المندثر؟
هذه المسألة مما وقع الخلاف فيه، فقيل أقرب المساجد إلى ذلك المسجد الموصى له هو أولى بهذا المال إن كان يتعذر أو يتعسر أن يجدد بناؤه، وقيل بأن ذلك للمسجد الجامع، وقيل بأن هذه الوصية لا محل لها فهي ترجع إلى الورثة نظراً إلى أن كل وصية لا محل لها ترجع إلى الورثة، ولكن ينبغي للورثة بما أن والدهم ذكر بجانب المسجد المندثر مسجداً قائماً أن يجعلوا الخمسين كلها للمسجد القائم والله تعالى أعلم.
ما لا يلزم إنفاذه من الوصايا والوصايا الباطلة:
:
ما رأي سماحتكم في رجل أوصى في حياته بإقامة عزاء له لمدة سبعة أيام وثلاث فتحات (1) وصيام شهرين متتابعين بعد موته، وتوفي هذا الرجل وخلّف أيتاماً، فهل تصح الوصية في ذلك؟
أما العزاء سبعة أيام فهو بدعة فلا يثبت به الإيصاء، وأما ما عداه فيخرج من الثلث والله أعلم.
(1) الفتحات: يقصد بها هنا الفاتحة الشريفة. (4/99)
صفحة 1682
الفاوي
امرأة توفيت منذ أيام، وقد كتبت في وصيتها بأن يعزى لها لمدة سبعة أيام، فهل هذا جائز شرعاً؟ وهل هناك مدة محددة شرعاً لإقامة العزاء بالنسبة للرجال وللنساء؟
هذه وصية مخالفة للشرع فهي باطلة وحد العزاء ثلاثة أيام، لأنها الأيام التي أباح الشارع فيها حداد المرأة على غير زوجها من الرجال والله أعلم. ما قولكم في الوصية بالغسالة؟
إن كان المراد بالغسالة ما يقدم من الأطعمة بعد انتهاء العزاء فذلك من البدع المحرمة، والوصية بذلك باطلة لمخالفتها هدي الإسلام والله أعلم.
هل يجوز للإنسان بأن يوصي من ثلث ماله بإطعام الواصلين في أيام العزاء الذين يأتون من أماكن بعيدة؟
هذه وصية باطلة لمخالفتها السنة والله أعلم.
هل يجوز لصاحب العزاء بأن يطعم الواصلين الآتين من أماكن قريبة وبعيدة من ماله الخاص دون أن يمس مال الأيتام؟ وإذا كان لا يجوز، فهل يأثم الذين يأكلون من هذا الطعام؟
هذا العمل أيضاً مخالف للسنة، ولا يجوز للواصلين تعمد البقاء من أجل الأكل من هذا الطعام والله أعلم.
رجل أوصى بأن يؤدى عنه ما لزمه من أكل الميتة بعد موته، فهل يلزم الوصي أن يؤدي عنه شيئاً أم لا؟، فإن كان يلزمه فما هو المقدار الذي
يؤديه؟
إن كان أكله للميتة اضطراراً لم يلزمه شيء إجماعاً، لإباحتها للمضطر (4/100)
صفحة 1683
فتاوى الوصية
بالنص القاطع، وإن أكلها اختياراً فهو مرتكب لإحدى الكبائر الموبقات، وهل عليه غير التوبة، ذهب أصحابنا المشارقة وجمهور الأمة إلى أن التوبة النصوح مجزية له، وذهب أصحابنا من أهل المغرب إلى أن التوبة يجب أن تقترن بكفارة مغلظة، وذلك عندهم حكم مطرد في ارتكاب أية كبيرة، والراجح القول الأول لما جاء في مسند الإمام الربيع رام الله عن أبي عبيدة ـ ه ـ أنه قال: سمعت أناساً من الصحابة يروون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الذنوب على وجهين ذنب بين العبد وربه وذنب بين العبد وصاحبه، فالذنب الذي بين العبد وربه إذا تاب منه كان كمن لا ذنب له، وأما ذنبه بينه وبين صاحبه فلا توبة له حتى يرد المظالم إلى أهلها» (1)، والحديث يشمل كل ذنب إلا ما قام الدليل على تخصيصه منه، وعليه فلا يلزم الوصي شيئاً من المال هذه الوصية على أي حال
أن يؤدي عن الموصي
والله أعلم.
بسبب
بعموم
مه
رجل توفي وخلف بنات اثنتين وزوجة وولد أخ وأولاد أخ، فوصى: علماً بأن أولاد أولاد الأخ والدهم متوفى قبل الوصية:
بالآتي: 1 - تزوج إحدى بناته لأحد أولاد أولاد الأخ المتوفى.
2 - توزع أمواله التي خلفها على بناته وزوجته وولد أخيه وأولاد أولاد أخيه المتوفى.
فما حكم الشرع الشريف في هذه الوصية، أهي صحيحة أم لا؟
الوصية الأولى ثابتة مع موافقة البنات على ذلك، والثانية باطلة
لمخالفتها الشرع الشريف والله أعلم.
(1) رواه الربيع (691). (4/101)
صفحة 1684
102
الفاوي
إذا أوصى شخص في حياته على أن لا يتبع فلان ابن فلان جنازته ولا يقيم في عزائه، فهل يجوز إنفاذ هذه الوصية؟
ذلك إيصاء باطل، فليس لأحد أن يمنع أحداً أحداً من شهود جنازته أو المشاركة في عزائه والله أعلم.
سماحة الشيخ بعض المواطنين كانوا يقطنون في السابق في مناطق نائية ذات طرق وعرة وتحيط بها جبال صلبة، ثم انتقلوا من تلك المناطق الجبلية إلى سهل الباطنة، والسؤال هنا: عندما يتوفى أحد من أهالي تلك المناطق السابقة الذكر يوصي بدفنه بعد وفاته في منطقته السابقة ذات الطبيعة الوعرة مما يؤدي إلى صعوبة الوصول إليها من قبل المشاركين في تشييع جثمانه بسبب وعورة الطرق وبعد المسافة وصعوبة حفر القبر، فهل يجوز أن لا تنفذ تلك الوصية ويدفن في إحدى المقابر القريبة من مسكنه الجديد؟ وإذا كان لا بد من تنفذ الوصية، وكان هناك شخص آخر توفي ولم يوص بدفنه في مكان إقامته السابقة ولكن أبناءه وأقرباءه أصروا على دفنه في منطقته السابقة ذات الطبيعة الجبلية الوعرة رغم اعتراض بعض أهله على
ذلك، فهل يجوز أن يدفن في إحدى المقابر القريبة من مسكنه أيضاً؟ لا مانع من أن يدفن في بلدته التي مات بها ولو أوصى أن يدفن في بلده الأصلي، إذ هذه الوصية لا ينتفع بها الموصي فمخالفتها لا تضير شيئاً والله أعلم. يسأل السائل عما يفعله بعض الناس في وصاياهم من تحديد مكان لقبرهم فيه أو مكان لتغسيلهم فيه، وقد يكون في ذلك نوع من المشقة والعناء، فهل تنفذ مثل هذه الوصايا؟
هذه الوصية تنفذ في حال اليسر ولا تنفذ في حال العسر والله أعلم. (4/102)
صفحة 1685
فتاوى الوصية
103
ما قولكم في امرأة أوصت ألا تكفن بالثوب الأبيض بعد موتها، فهل
يجوز ذلك؟
يجوز تكفينها في غير ثوب أبيض والله أعلم.
رجل توفي وأوصى بإيقاف قسمة تركته حتى يبلغ باقي الورثة سن الرشد، فما الحكم في ذلك؟
هذه وصية لا تثبت لأن الإنسان ليس له منع الوراث حقوقهم بعد بأن يرعى حقوق اليتامى من يرتضيه لهذه المهمة يوصي
موته وإنما له أن
والله أعلم. إذا حدد الموص وصي شخصاً بعينه ليقوم بتغسيله بعد وفاته بغض النظر إن كان ذلك الشخص يجيد تغسيل الميت أو لا، فهل تثبت مثل هذه
الوصية؟
هذه
لا ينبغي للإنسان أن يحدد شخصاً يغسله إلا أن يكون خبيراً بتغسيل الموتى، فإن أوصى أن يغسله غير خبير بالتغسيل فإنه يكون مخطئاً في الحالة، ولا بأس أن يشارك الموصى إليه في التغسيل من غير أن يتولى هو التغسيل بطريقة فيها خطأ ومجانبة لطريق الحق، وإنما يحرص على أن يشارك غيره فيه ولو بصب الماء مع مباشرة التغسيل من كان عارفاً بطريقة الغسل والله أعلم. (4/103)
صفحة 1686
1+2
الفاوي
رجوع الموصي عن وصيته
فيمن أوصى بعد موته بمزرعة أو جزء منها ثم باعها في حياته، فماذا يعد تصرفه هذا؟
تصرفه فيما أوصى به ببيع أو غيره يعد تراجعاً عن الوصية فلا تثبت بعده والله أعلم.
هلك رجل وترك وصية ضمان، ومن جملة الضمان أوصى بثلاث من أجود النخلات من ماله لأخيه لأمه، ولكن الهالك باع المال الذي كتب منه هذه النخلات في حياته ولم تغير الوصية حتى وفاته، فهل تكون ثابتة لا؟ وهل يحق للموصى له شيء من هذه النخلات أم يكون له قيمتها؟ بيع النخيل إبطال للوصية، وثم عدة احتمالات منها: أن يكون قد تخلص من الضمان في حياته، ومنها: أن يكون قصده بالوصية الاحتياط وقد اتضح له فيما بعد عدم الضمان ومنها أن يكون قصده بذكر الضمان الاحتيال على إثبات الوصية ثم رأى الإقلاع عن ذلك فأبطل الوصية ببيع الموصى به، ومن حيث إن الوصية تثبت بموت الموصي، وقد كان ما أوصى به حال موته ليس ملكاً له فلا مساغ لإثبات الوصية، اللهم إلا أن الموصى له الحجة بثبوت الضمان فله من تركة الهالك بمقدار ضمانه والله أعلم.
يقيم
رجل - ما زال حياً يرزق - كان قد أوصى منذ زمن طويل بستة أشهر صيام، والآن أراد تغييرها إلى ثلاثة أشهر فقط، ويريد أن يوزع عنها أرزاً أو نقوداً، فهل يجوز له ذلك؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب فكم يكون مقدار النفقة عن كل شهر؟ إنفاذ الواجبات في الحياة خيرٌ من الوصية بها بعد الموت، فإن الوصية (4/104)
صفحة 1687
فتاوى الوصية
1.0
احتياط لئلا يفاجئه الموت قبل الإنفاذ، والواجب على العبد أن يتخلص بنفسه، ومن أراد تغيير وصيته فلا مانع منه، وإن أراد أن يطعم عما أوصى بصيامه فليطعم عن كل يوم مسكيناً إن كان غير قادر على الصيام بنفسه والله أعلم.
ما قولكم في رجل أوصى لابنه بمبلغ من المال ثم أراد أن ينقض ما أوصى به، وكذلك أوصى لأولاد ابنه ببعض من النخيل ويريد إلغاءها
أيضاً؟
الوصية للوارث لا تصح بحال ما لم تكن من ضمان، لأن الله تبارك وتعالى أعطى الوراث حقوقهم وميز أنصباءهم من التركة، وبين أحكام ذلك كله بنفسه، فأية وصية لوارث بعد ذلك خروج سافر على حكم الله وانتهاك لحرمة كتابه، ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم اشتهر عنه قوله: «لا وصية لوارث» (1)، وأما سائر الوصايا التبرعية فللموصي الحق في الرجوع عنها قبل موته، لأن الوصية إنما تستحق بموت الموصي والله أعلم.
ما قول سماحتكم في رجل هالك كان قد كتب ـ بكامل إرادته وتمام عقله - وصيته في ورقة رسمية وبتوقيع رسمي، وبعد وفاته قام صهر المتوفى وابنه بعمل ورقة غير رسمية يبطلون فيها الوصية، فهل يجوز
لهم ذلك؟ علماً بأن أموال الهالك وبيته وسياراته توجد حالياً خارج السلطنة وتم التصرف فيها؟ (مرفق صورة من الوصية الرسمية ومن الورقة الأخرى غير الرسمية). إبطال الموصي للوصية قبل موته ثابت سواء كان في صك رسمي أو
(1) رواه الربيع (667)، وأحمد (186/ 4)، والترمذي (2121). (4/105)
صفحة 1688
106
الفتاوى
أن
لأن للموصي الحق في أن يبطل ما شاء من وصيته قبل غير رسمي، يموت، إذ الوصية لا تجب إلا بموت الموصي، والعبرة في ذلك بثبوت الإبطال بكتابة كاتب عدل وشاهد عدل، وأراك لم تتق الله بدعوتك أن صهر وولده هما اللذان أبطلا الوصية بكتابة صك إبطالها، مع أن الواقع
الموصي أن الإبطال كان بإقرار الموصي نفسه كما ينص عليه الصك المرفق، وهو بخط كاتب عدل نعرف أمانته وصدقه، وكذلك نعرف أحد الشاهدين بالعدل والأمانة، فإياك يا أخي أن تفجر في خصومتك، فإن هذه صفة المنافق كما جاء في حديث صفات المنافق، إذ جاء فيه: «وإذا خاصم فجر)، هذا والسلام عليكم.
عاماً
ما قولكم في رجل كان قد أوصى قبل أربعة عشر بثلاثين نخلة وشجرتين لأولاد الوصي الذي استوصاه بعد موته، وتساوي ثلث ماله، وكان وقتها غير متزوج، وبعدها تزوج ولديه الآن ولد عمره ست سنوات وبنت عمرها تسع سنوات فقام الرجل ببيع المال المذكور وبحضور الوصي وسلم المبلغ للوصي للتأكد من القيمة، وبعد ذلك رده إليه ثم سلم ملكية المال المبيع للمشتري الذي اشتراه وبعدها توفي الرجل في مساء يوم البيع، فما حكم الشرع في إن باع ما أوصى به في حال جواز تصرفه فبيعه رجوع عن الإيصاء، وله أن يرجع في وصيته ما دام حياً والله أعلم.
ذلك؟
عن رجل أوصى بوصية وتركها عند وصيّه، ولكن الوصي أطلع أبناء الرجل على وصية والدهم في حياته، ولسبب ذلك كانت المشاكل بين الرجل
(1) رواه البخاري (33)، ومسلم (59). (4/106)
صفحة 1689
فتاوى الوصية
107
وأولاده، مع العلم أن الوصية في حد الثلث، فهل يجوز نقض الوصية وإبدال الوصي؟؟ وماذا يترتب على الوصي من أحكام الشرع بسبب فعله هذا؟ إن كان الموصي حياً فله أن يعدل ما أوصى به نفلاً أي غير ما يجب عليه، وله أن يبدل الوصي بوصي غيره، وإن كان قد مات فلا بد من إنفاذ وصيته ما لم يوص بباطل، أي بما لا يجوز له شرعاً، وعلى الوصي وقد قبل القيام بمهمة تنفيذ الوصية في حياة الموصي أن لا يتلكأ في القيام بواجبه، ولا يجوز له تبديل ما تثبت به الوصية فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ، فَإِنَّهَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 181]، هذا وليس للورثة اعتراض على موروثهم في الإيصاء بالثلث إن لم يوص بما لا يحل شرعاً والله أعلم.
رجل أوصى بثلاث ضواحي السبلة، وقد وجد ورثته من ضمن أوراقه أنه باع إحدى هذه الضواحي، وتاريخ البيع بعد تاريخ الوصية، فهل هذا البيع يبطل الوصية؟
تصرفه في المال الذي أوصى به بالبيع يعد إبطالاً للوصية والله أعلم. هل يجوز للموص رصي أن يرجع عن وصيته، وهل يعتبر التصرف في العين الموصى بها رجوعاً عن الوصية، كأن يوصي رجل بدراهم أو بريالات معينة ثم يستخدمها أو ببيت فيهبه أو بمزرعة فيبيعها؟
الوصية تثبت بموت الموصي، وقبل أن يموت له أن يتصرف فيها فيقدم ويؤخر ويبدل ويغير ويحذف ويزيد وهكذا، أما بعد أن يتوفى فلا تغيير فيها لأحد والله أعلم. (4/107)
صفحة 1690
108
الفاوي
موت الموصى له قبل الموصي:
كان والدنا قد أوصى قبل وفاته بمبلغ خمسة عشر قرشاً فضة لشخص بعينه وبعد وفاته اتضح لنا من قول أقارب ذلك الشخص أنه متغرب منذ فترة طويلة بزنجبار ولا أحد يدري أحي هو أم لا، فهل يجوز لنا شرعاً دفع مبلغ الوصية لورثة ذلك الشخص (أبناء عمه)؟
عليكم أن تتبعوا أمره وأن تسألوا الآتين من زنجبار عنه، فإن كان حياً وجب صرف ذلك إليه، وإن كان مات بعد الموصي فادفعوا ذلك إلى ورثته، وكذلك إن كان مات قبل الموصي وكان ذلك من ضمان لزم الموصي للموصى له، أما إن لم يكن الإيصاء عن ضمان ومات الموصى له قبل الموصي رجع الموصى به إلى ورثة الموصي والله أعلم.
رجل أوصى لأخته بشيء من المبالغ فتوفيت أخته قبله وهو لا يزال على قيد الحياة، هل يلزمه تنفيذ الوصية لورثة أخته علمًا بأن لها ولداً واحداً فقط؟
لا إلا إن كانت الوصية من ضمان والله أعلم.
ترك أحد أجدادنا وصية لزوجته بأن ترث مائة ريال عماني وجزء من المنزل، ولكن قبل وفاة الزوج توفيت الزوجة وبعدها بشهرين توفي
الزوج، فكيف ننفذ هذه الوصية؟ وهل تصح الوصية بعد وفاتها؟
الزوجة وارثة ولا وصية لوارث بنص الحديث والإجماع، فلا يثبت الإيصاء لها ولو مات الزوج قبلها، وإن مات الموصى له قبل الموصي لم تثبت الوصية، اللهم إلا إن كانت من ضمان فتثبت في الحالين والله أعلم. (4/108)
صفحة 1691
فتاوى الوصية
109
ما قولكم فيمن يرثها أبناء عم ثلاثة وقد أوصت بنصف مالها لأولاد أختها الخالصة الذي تستحقه أختها كما لو كانت حية، والأولاد الموصى لهم ثلاثة أبناء وبنت وقبل موت الموصية توفي ولد وبنت وبقي ولد واحد وهو الوصي عنها في إنفاذ وصيتها، فهل الاثنان - البنت والابن - المتوفيان ورثتهما ينالون نصيباً من الوصية أم هي للولد الباقي فقط؟ بَيْدَ أن الوصية ما طرأ عليها أي تعديل قبل وفاة الموصية ثم توفيت بعدها بعشر سنوات؟ ترد الوصية إلى ثلث تركتها مع بقية وصاياها إذ ليس لأحد أن بما لا يجب عليه إن زاد على الثلث وإنما ترد إلى ثلث مالها، وهذه الوصية لأولاد أختها دون أولادهم فإن ماتوا وبقي واحد منهم فهي لذلك الواحد دون إولاد إخوته وأخواته والله أعلم.
يوصي
إذا مات الموصي والموصى له معاً ولم يعرف المتقدم منهما، فهل تثبت
الوصية؟
لا يستحق الموصى له المال الموصى به إلا بتحقيق حياته بعد موت الموصي، وهذه المسألة شبيهة بمسألة ميراث الغرقى والهدمي، والراجح في ميراث الغرقى والهدمى أنه لا يرث أحدهما من الآخر، لأن الميراث لا يكون بشك، فكذلك الوصية والله أعلم. (4/109)
صفحة 1692
الفتاوى
دخول من ولد بعد الوصية فيها
أبنائه من
ذلك
توفي رجل منذ سنوات بعد أن أوصى بثلث ماله إلى أحفاده الذكور، وكان له وقت وفاته ابنان متزوجان وثالث غير متزوج في الوقت ثم تزوج بعد وفاة أبيه وأنجب أولاداً قبل قسم التركة، فهل يكون لأولاده نصيب من هذه الوصية أم هي مقصورة على أن أولاد الأخوين الذين تزوجا قبل وفاته؟
يستحق الوصية من كان موجوداً من أولاد الأولاد في حال وفاة الموصي دون من حدث من بعد ذلك والله أعلم.
أوصى جدنا لأولاد ولده صالح عن ضمان لزمه لهم، فهل تشمل هذه الوصية أولاد صالح الذين كانوا مولودين في الفترة ما بين إنشاء الوصية ووفاة الموصي؟ أم أن هذه الوصية تشمل أيضاً الأولاد الذكور الذين ولدوا بعد وفاة الموصي، خصوصاً وأنه رزق بأولاد ذكور بعد الوصية من زوجة أخرى؟
تشمل الوصية أولاد صالح الذين كانوا موجودين عندما توفي الموصي
إن لم يعينهم، أما الذين ولدوا من بعد فلا تشملهم والله أعلم.
لقد أوصت جدتنا نحن أبناء صالح بمال عن ضمان عليها لنا حسب منطوق الوصية، وسؤالنا هل هذه الوصية مقتصرة على أبناء صالح الموجودين أثناء كتابة الوصية أو عند وفاة الموصية، أم أنها تشمل الذين ولدوا بعد كتابة الوصية والذين ولدوا أيضاً بعد وفاة الموصية؟
الضمان إنما هو لمن كانوا موجودين إبان كتابة الوصية أما الذين ولدوا بعد ذلك فلا يدخلون في الوصية والله أعلم. (4/110)
صفحة 1693
بيع المال الموصى به:
فتاوى الوصية
111
أوصى رجل بجميع أمواله وعقاراته من أفلاج وغيرها بعد موته لأولاد أولاده، فهل يجوز لهم بيعها وتقسيم ثمنها؟
لا يخلو إما أن يكون أوصى بهذه الأموال أن تكون ملكاً لأولاد أولاده أو أنها موقوفة عليهم، فإن كانت موقوفة فلا يجوز اقتسام أصلها وإنما يقتسمون، منفعتها، ولكن لهم أن يبيعوها إن اقتضت المصلحة ذلك ويشترى بثمنها ما يكون بدلاً عنها من العقار أو المياه أو الأموال ليكون ريعه أيضاً بين الموقوف لهم، وإن أوصى بها ملكاً فلهم أن يبيعوها ويقتسموا ثمنها
والله أعلم.
رجل أوصى قبل موته بنخلات معدودة لأقربائه تقسم غلتهن بينهم، وكما تعلمون بأن النخيل في هذه الأيام تحتاج إلى مؤونة أكثر من الغلة، وقد لا ينتفع الموصى لهم بشيء من ذلك مع ما تحتاج إليه من وكيل وغيره، فهل يجوز بيع هذه النخلات وإعطاء أهلها كل بقدر حقه؟
إذا كانت الوصية لمحصورين فلا مانع من بيع الأصل الموصى به، وقد أجاز الإمام الخليلي رحم الله بيع مال موقوف لعدد محصور إن اتفقوا على ذلك، والوصية كالوقف والله أعلم.
توجد سبلة (1) قديمة مشتركة بين طائفتين من طوائف قبيلة ما، أقيمت بالبلاد سبلة عامة للجميع وصارت هذه السبلة مهجورة ومأوى للأقذار والحشرات وتقول إحدى الطائفتين إن بعض شركائهم قد تعدى على
(1) السبلة: هي المجلس، وقد يكون عاماً لقبيلة أو طائفة وقد يكون خاصاً في منزل الشخص. (4/111)
صفحة 1694
112
الفاوي
بعض حريم من حريمها فاجتاحه وهم الآن يريدون قسمة هذه السبلة أو بيعها لتقسم قيمتها على الرؤوس، وبعض أفراد الطائفة الأخرى لم يوافقوا، وقد أخبرنا مسؤول بلادهم أنها إذا بقيت على هذا الوضع يخشى أن تقع فيها فتنة بينهم ويشجع على بيعها والانتفاع بقيمتها ولا تبقى ضائعة لأن أهلها في غنى عنها إذ كل واحد منهم معه مجلس خاص في بيته ومجلس عام في البلاد؟
عرضت هذه المسألة على المشايخ أهل العلم وأعدت النظر فيها بنفسي، فاتضح لي ولهم أن سبيل هذه السبلة، الوصية، والوصية إن لم يكن لها موضع رجعت إلى جميع الورثة لا فرق بين ذكر وأنثى تقسم بينهم قسمة المواريث حسبما شرع الله، وعليه فإن عرف ورثة من جعل هذه السبلة موقوفة رجعت إليهم وإلى ورثتهم من بعدهم، وإن لم يعرفوا فهي لفقراء المسلمين على القول الأرجح فيما جهل أربابه والله أعلم.
امرأة أوصت بقطعة أرض للنباهنة بمنطقة ما منذ عشرات السنين، حيث إن الأشخاص الموجودين في تلك الفترة قليلون وقد تكاثروا، منهم من يصل امتداد أسرته الآن إلى أكثر من خمسين شخصاً ومنهم من لا يتعدى خمسة أشخاص، ومن ذلك الوقت منهم من ترك المنطقة بعد الوصية ومنهم من جاء إلى المنطقة وسكن فيها حتى يومنا هذا، وقد توفي أغلب الأشخاص الموجودين ولم يبق إلا الأبناء أو الأحفاد، وقد تم بيع هذه الأرض الآن، فكيف يكون تقسيم هذا المبلغ؟
إن كانت أوصت بها لمعينين فهي لهم، فإن بيعت من بعد فثمنها يرجع إلى ورثتهم كل بقدر نصيبه في الإرث إلا إن تعذرت معرفتهم فتؤول إلى ذريتهم بعدد رؤوسهم والله أعلم. (4/112)
صفحة 1695
فتاوى الوصية
113
الوصية بمثل نصيب أحد الورثة:
لقد توفي ابني تاركاً أطفالاً صغاراً، ومن منطلق حرصي على مصلحة هؤلاء الأيتام فإني أريد أن أوصي لهم بجزء من مالي، وبما أنني رجل تاجر ورأسمالي معرّض للزيادة والنقصان فإني أخشى إن أوصيت لهم بشيء محدد من ممتلكاتي أن يزيد المال فيكون ما أخذوه أقل من نصيب أولادي الآخرين، أو ينقص فيكون ما أخذ أولادي أقل مما أخذه أولاد ابني المتوفى،
فهل يجوز لي أن أوصي لهم بما يساوي نصيب أبيهم بعد وفاتي؟ نعم لك أن توصي لهم بمثل نصيب أبيهم أن لو كان حياً، أو بنصيب أبيهم أن لو كان حياً والله ولي التوفيق.
ما
عن وصية رجل أراد إنفاذ ما جاء فيها، ومن جملة ما أوصى به الموصي أوصى لأولاد ابن أخيه الراحل بسهم أبيهم من تركته من جميع يتركه .. إلخ، فيكونون كواحد من بني إخوته الذين يستحقون ميراثه أن لو كان أبوهم حياً»، وأبوهم قد مات قبله ولا سهم له في ماله، وكأن هذا الرجل الموصي أراد معنى قصرت عبارة المعبر عنه كما يفهم من سياق آخر العبارة، فما قول سماحتكم في ذلك مع العلم بأن أولاد أخي الموصى لهم أيتام وأكبرهم سناً بالغ إلا أنه أعجم؟
مراد الموصي يتضح من قوله فيما بعد أن لو كان أبوهم حياً، وعليه فلا أرى مانعاً من إنفاذ الوصية كما يقتضيها قصد الموصي.
توفي ولدي وخلف أولاداً ذكرين وأربع إناث، ولدي زوجة وبنت عم، فهل يجوز لي أن أوصي لأولاد ولدي بشيء محدد؟
إن أردت أن توصي لهم بمثل نصيب أبيهم أن لو كان حياً فلا حرج في (4/113)
صفحة 1696
114
الفتاوى
ذلك، على أن لا يزيد عن الثلث، فإن زاد عن الثلث ردت الوصية كلها إلى
الثلث والله أعلم.
الإضرار في الوصية:
ما حكم من يوصي بماله بقصد حرمان الورثة؟
هذا أمر خطير فإن الوصية إنما هي طاعة وقربة وليست معصية ومجانبة
6
لحكم الله تعالى، ولذلك شدد الحديث الشريف في ذلك تشديداً بالغاً، فقد أخرج الدارقطني من طريق ابن عباس الا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الإضرار في الوصية من الكبائر» (1)، أي مضرة الإنسان لورثته بأن يوصي لأحد بقصد حرمانه الورثة، وكذلك جاء في الحديث الذي أخرجه أبو داود من طريق أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار» (2) والقرآن قبل ذلك هو أصرح وأدل ما يكون على هذا الحكم، إذ الله تعالى يقول: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَلِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ, يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ نُهِير} [النساء: 13، 14]، ففي هاتين الآيتين وعيد على تغيير حكم الله تبارك وتعالى ولو بالتحايل والله أعلم.
وو
رجل لديه منزل واحد فقط مكون من إحدى عشرة حجرة دون الحوش،
(1) رواه الدارقطني (151/ 4).
(2) رواه أبو داود (2867)، والترمذي (2117)، وأحمد (278/ 2). (4/114)
صفحة 1697
فتاوى الوصية
110
وله ورثة أيتام، فقام ببيع هذا المنزل لزوجته التي ليس لديها أولاد منه، علماً بأن الرجل لديه سجل تجاري وعمال وليس بحاجة إلى بيع المنزل، وزوجته لا تملك قيمة المنزل المقدر بأربعين ألف ريال، بل باعه لها لكي يحرم الأيتام الذين يرثون من إرث والدهم، فهل يحق له ذلك؟ إن قصد حرمان الورثة فهو آثم والله أعلم.
ما قولكم في امرأة أوصت بجميع تركتها لبعض ورثتها من ضمان لزمها، ومعلوم أن لها بنات يأخذن بالشرع ثلثي تركتها، أرادت بذلك حرمانهن من الإرث وذلك واضح من الوصية، لأنها تأتي على جميع مالها، وأما كون هذه الوصية عن ضمان فتحايل على الشرع أرادت منه حرمان بناتها من الإرث، وإلا فلا ضمان لهم عليها فقد كانت تطعم من أوصت لهم بعد موت والدهم، وهم أيضاً يرثون ثلث مالها لو كان هناك شيء بعدما
أوصت به، وهي ليس لديها شيء آخر سوى الذي أوصت به؟
بما أنها أوصت بذلك من ضمان لزمها فالوصية ثابتة، وإن كانت أرادت بما ذكرت التدليس فالله أولى بها، وإنما نحكم بالظاهر، والظاهر ثبوت الوصية والله أعلم.
أم عندها أربعة أولاد، ثلاثة ذكور وأنثى، وترغب قبل وفاتها أن تكتب وصية ليكون ثلث مالها لأولاد اثنين من أولادها الذكور، أما ثالثهم فلا تريد أن تكتب له شيئاً ولا لأولاده بسبب مقاطعته لها منذ فترة طويلة جداً ولا يأتيها حتى في العيد، وكذلك ابنتها الوحيدة والمطلقة تريد
كتابة البيت باسمها مع عدد قليل من النخيل، فهل يحق لها ذلك؟ الظاهر أن قصدها من هذه الوصية الإلجاء، والإلجاء لا يجوز في الإسلام، فإن الله أعطى كل ذي حق حقه، وتعدي قسمة الله ظلم، والأولى لها (4/115)
صفحة 1698
116
الفاوي
أن توصي بما يلزمها من حقوق الله وحقوق الناس ثم تتقرب من بعد إلى الله بما هو خير وأبقى من أصناف القربات والله أعلم.
الدعاوى في الوصية:
رجل مات وخلّف أيتاماً، ويقول أصحاب القول بأنه ترك وصية، والأيتام ليس لهم علم بها، فهل تثبت هذه الوصية؟
يتوقف ثبوت الوصية على قيام البينة العادلة بها أو تصديق الورثة بها إن كانوا بلغاً عقالاً والله أعلم.
أوصى رجل لآخر بخنجر، وبعد وفاته نفذ الورثة وصية المتوفى، وبعد أشهر توفيت زوجة الهالك، وقام ورثتها من بعدها بالمطالبة بالخنجر بأن الوصية التي تركها زوجها المتوفى غير صحيحة، فما حكم
مدعين
هذه الوصية أهي نافذة أم لا؟
ينبغي أن ينظر في الوصية، فإن كانت صحيحة أو أقرها الورثة فلا وجه لإنكار أحدهم والله أعلم.
ورثة يعتبرون وصية وريثهم الهالك غير صحيحة لعدة أسباب هي:
1 - بأن الموصي لا يوجد له توقيع أو بصمة.
2 ـ بأن الموصي ذكر في الوصية بأنه ليس له عاصب يعرف لحوق نسبه بنسبه، وهو له ابنة عم قام بتربيتها بعد موت أبيها؟
3 ـ بأن الوصي يقول بأنه ليس له علم بهذه الوصية، فما قولكم في
-
ذلك؟ (4/116)
صفحة 1699
فتاوى الوصية
117
هذا كله لا يؤثر على الوصية شيئاً، فإن توقيع الموصي في الوصية ليس ضرورياً، وابنة العم ليست عاصبة بل هي من ذوي الأرحام، ولا ميراث لذي رحم مع عاصب أو ذي سهم، ولا يلزم علم الوصي بالوصية، أي لا تتوقف صحتها على علمه بل يكفي أن يكتبها كاتب عدل ويشهد عليها شاهد عدل
والله أعلم. امرأة مريضة وطريحة الفراش وبعد مدة يسيرة توفاها الله، وبعد موتها أظهر الموصى له الوصية إلا إن ورثتها غير راضين عن الوصية لكونها بغير علمهم ورأيهم، فما قول الشرع الشريف في ذلك؟
لا تتوقف صحة الوصية وثبوتها على علم ودراية الورثة، فإن كانت الوصية ثابتة في نفسها فلا عبرة باعتراض الوراث بل يجب إنفاذها، لأن حق الوارث في التركة إنما هو بعد إنفاذ الوصية وقضاء الدين كما نص عليه قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةِ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 11]، وقوله تبارك وتعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 12]، وقوله تعالى: {من بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنِ} [النساء: 12]، وقوله سبحانه: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 12] والله أعلم.
رجل معه ثلاثة أولاد فتزوج لاثنين منهم في حياته، وقبل وفاته أوصى للثالث ـ بسبب عدم تزويجه - بخنجر وغرفة من البيت، وقد قسم الورثة مال الميت ما عدا الخنجر والغرفة الموصى بها، ثم توفي الأخ الأكبر فقام أولاده بمطالبة عميهما بقسمة الغرفة والخنجر ولم يعترفوا بالوصية بسبب عدم وجود كتابة كما أن أحد الشهود توفي وبقي شاهد واحد، فما قولكم في هذه المسألة؟
إن كانت لم تقم بينة عادلة على الوصية لم تلزمهم والله أعلم. (4/117)
صفحة 1700
118 الفتاوي
كان أخي المتوفى قد أوصى بحجة إلى بيت الله الحرام، وله أطفال صغار لم يبلغوا سن الرشد، فقمت بإيجار أحد الأشخاص بالحجة من أموال الورثة، وكان المبلغ ستمائة وخمسين ريالاً عمانياً لا غير، وكانت وصية أخي بالحجة شفهية بيني وبينه والله شهيد بيننا، فهل اعتبر قد نفذت وصية أخي على وجهها الأكمل؟
إن لم يشهد شاهدان عدلان بموجب هذه الوصية، فعليك أن ترد ما أنفقته في الحج إلى الورثة إلا إن سامحوك، ومسامحة الأيتام بعد بلوغهم
لا قبله والله أعلم.
التبرع عن الميت:
امرأة توفيت في حادث سير وتركت مالاً وذهباً غير أنها لم توص بحج، وأراد الورثة أن يحجوا عنها، فهل لهم ذلك؟
هذا من البر والإحسان، وهذه المسألة مما اختلف فيه أهل العلم، فعند أصحابنا والمالكية والحنفية أن حقوق الله تعالى الواجبة على الإنسان إن
لم يوص بها فإنها لا يجب إخراجها من مال الميت ولو عرف ذلك الورثة وإنما ينبغي لهم أن يخرجوا هذه الحقوق، وذهب الشافعية والحنابلة إلى وجوب إخراج الحق الواجب على الإنسان من ماله عندما يتضح ذلك ولو لم يوص به، وهذا القول هو الذي أميل إليه، بدليل حديث النبي صلى الله عليه وسلم في مسند الإمام الربيع بن حبيب من طريق ابن عباس لما أن النبي عليه أفضل أن الصلاة والسلام جاءته امرأة خثعمية وقالت له يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع الثبوت على الراحلة أفأحج عنه، فقال لها: أرأيت أن لو كان على أبيك دين فقضيته أكان مجزياً، (4/118)
صفحة 1701
فتاوى الوصية
119
فقالت: نعم.
فقال: «فذاك ذاك» (1)، وجاء في رواية الشيخين من طريق عائشة وغيرها أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن يُقضى الحق الذي على الميت وقال: «فاقضوا فدين الله أحق بالقضاء» (2)، وقوله: «فدين الله أحق بالقضاء» يدل على أن دين الله تبارك وتعالى مقدم من حيث القضاء وإن قال كثير من أهل العلم أن دين الناس مقدم على دين الله وذلك لتيسيره سبحانه، وإلا فالأصل في دين أنه مقدم على دين الخلق، ولما كان مقدماً على دين الخلق، ودين الخلق ولو لم يوص به إذا ثبت أنه في ذمته وجب أداؤه من ماله وكان ذلك مقدماً على الوصية، كما يقول التلمساني:
إن امرؤ قد قدرت منونه كفن ثم أديت ديونه وبعد ذاك تنفذ الوصية ويقع الميراث في البقية فدين الله من باب أولى يجب إنفاذه.
الله
هذا وإنما ذكرت الوصية قبل الدين في أربعة مواضع من سورة النساء في قول الله تبارك وتعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 11]، وقوله: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 12]، وقوله تبارك} وتعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنِ} [النساء: 12]، وقوله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: (12] لأجل التأكيد على الوصية، لأن الناس قد يتساهلون في أمر الوصية ما لا يتساهلون في الدين والله أعلم.
في رجل مات ولم يوص بشيء من ماله أبداً، فأراد ورثته أن يتبرعوا بإخراج ثلث التركة عنه، فمن الأولى بذلك؟ وما هي الأوجه التي يستحسن أن يوضع فيها ذلك المخرج؟ وهل هناك فرق بين من كان
(1) رواه الربيع (392).
(2) رواه بنحوه البخاري (1953)، ومسلم. (4/119)
صفحة 1702
120
الفاوي
مستقيماً في دينه ففاجأته المنية قبل أن يوصي وبين من لا يعلم حاله أو علم عدم صلاحه؟
من مات ولم يوص، وأراد ورثته أن يتبرعوا له بثلث التركة ينفق في سبيل الخير، فالأولى أن يبدأوا بما كان لازماً عليه مما لم يوص به سواء كان من حقوق الله أو حقوق الناس نحو حق الأقربين المفروض، لأن الوصية به لازمة بنص الكتاب، وكذلك أجرة من يحج عنه إن لم يحج بنفسه، وهكذا كل ما أضاعه من الحقوق الواجبة عليه، ثم يأتي بعد ذلك الأمور الاحتياطية كالاحتياط عما أضاعه من الزكوات أو بقي عليه من الضمانات التي لا يعرف ربها، ثم يأتي بعد ذلك الإنفاق المندوب إليه كمواساة الفقراء من غير الزكاة الواجبة وعون المحتاجين وبناء المساجد والمدارس الدينية وحج النفل وكل ما كانت الحاجة إليه أمس فالإنفاق فيه، أولى ومن كان على استقامة وتقوى فهو أولى بأن يبر بعد موته بإنفاق ذلك عنه والله أعلم.
امرأة توفيت وخلّفت بنتاً، وكانت قبل وفاتها قد كتبت البيت الوحيد الذي تملكه لبنتها وبعدها مرضت فقامت بكتابة وصية توصي فيها بعمل حجة لها وصيام شهر رمضان وأشياء أخرى، فهل يجب على البنت
بيع البيت وإنفاذ وصية أمها علماً بأنها فقيرة وأمها ليس لديها مال؟ بما أن البيت ملك للبنت - إن كانت الأم منحته لها في حياتها - والأم ـ لم تترك مالاً، فلا يلزمها ذلك حكماً، اللهم إلا إن قصدت البر بأمها، فإن ذلك حسن والله يؤجرها عليه والله أعلم.
امرأة توفيت فجأة قبل أن تكتب وصيتها مخلفة ثلاثة أبناء بارين بها، وكانت في حياتها دائمة التفكير في أداء فريضة الحجة وقراءة ختمة وصيام ولكن عاجلها الموت قبل تنفيذ أمنيتها هذه، والآن يرغب (4/120)
صفحة 1703
فتاوى الوصية
121
أولادها في تحقيق رغباتها هذه براً بها ووفاءً لذكراها، علماً بأن كل منهم يريد القيام بتنفيذ هذه الأشياء ثم يقتسموا التكاليف جميعاً فيما بينهم بالتساوي؟
الأولى أن يتفقوا فيما بينهم بحيث يتحمل كل واحد منهم شيئاً
والله أعلم. امرأة توفيت وتركت ابنة، ثم أرادت البنت أن تتصدق لوالدتها المتوفاة بتلاوة القرآن الكريم بالأجرة، فهل يجوز لها ذلك؟
لا مانع من ذلك، إن قرأت القرآن بنفسها وأما وصول الأجر إليها فأمره إلى الله وأما إن كانت تؤجر غيرها أن يقرأ القرآن فذلك غير جائز والله أعلم.
يسمى
مصاريف
موظف بالدولة توفي، فصرفت الدولة لورثته مبلغاً الجنازة والعزاء، علماً بأن الهالك كان قد أوصى بهذه المصاريف تكون من ماله الخاص، فهل يجوز تنفيذ الوصية أو جزءاً منها من هذا المبلغ؟ هذا المبلغ إن كان عطية من الدولة للميت فلا مانع من إنفاذ الوصية منه، لأن حكمه حكم تركته والله أعلم.
منذ
سبع سنوات لدينا امرأة كانت تطلب من ابنتها أن تقوم بعمل وصية لها حتى أنها ذكرت لها أسماء الأشخاص الذين كانت تريد أن توصي لهم في تلك الفترة، مع العلم أن المرأة كانت عمياء، لكن البنت لم تأخذ الموضوع بنوع من الجدية إلا بعد مرور سبع سنوات لكنها لم تستطع تذكر الأشخاص الذين كانت تريد أن توصي لهم على العلم أن المرأة ما زالت على قيد الحياة ولكنها كبيرة في السن وغير حاضرة العقل، فما حكم ذلك؟ الأمر قد فات والوصية لا تكون باعتراف ولد عن والده ولا العكس (4/121)
صفحة 1704
122
الفتاوى
سواء الذكور والإناث، وإنما يقر الموصي بنفسه بما يريد الوصية به في حال حضور عقله، ولكن تؤمر البنت أن تتبرع عن أمها بأن تخرج من مالها ـ إن كانت ذات مال ـ ما أرادت الأم إخراجه إلى من أرادت الأم الوصية لهم، فإن جهلتهم فلتدفع ذلك إلى فقراء المسلمين، ولتخرج بعد وفاتها شيئاً من المال إلى أقربيها الذين لا يرثونها والله أعلم.
رجل ركب في سيارة مع آخرين ثم انقلبت السيارة ومات الرجل، وبعد منازعات طويلة سلم صاحب السيارة غرامة مالية لأهل الميت، فكيف يكون التصرف فيها مع العلم بأن الرجل ولد سفاح لا أب له، فهل يجوز لهم أن يتصرفوا فيها بإنفاقها في وجوه الخير لأجل الميت، مثل الحج والصدقة والإنفاق على الأقربين؟ وهل هذه الدية محرمة شرعاً؟
هي لورثته وهم عصبة أمه، فإن رأوا إنفاقها في وجوه البر عن الميت وهم ممن يحق لهم التصرف (1) فلا حرج عليهم، بل ذلك مما يثابون عليه، وذلك كله بعد إنفاذ وصيته وقضاء دينه ولا وجه لتحريمها ما داموا واثقين أن سائق السيارة كان مخطئاً وكان ذلك سبباً لانقلابها والله أعلم.
إذا لم يوص الفقير بشيء هل للورثة أن يقوموا بتنفيذ الوصية؟ نعم ذلك من البر والإحسان والله أعلم.
(1) لأهليتهم بالبلوغ والعقل (4/122)
صفحة 1705
فتاوى الوقف (4/123)
صفحة 1706
الفاوي (4/124)
صفحة 1707
تعريف الوقف:
فتاوى الوقف
125
أي التعبيرين أصح: وَقَفَ أَم أَوْقَفَ؟
الوقف مصدر وقف يقف، لأن وقف يأتي لازماً ومتعدياً، فاللازم مصدره وقوف، والمتعدي مصدره وقف ومما جاء متعدياً في ذلك قول الله تبارك وتعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ} [الصافات: 124، وقوله الله: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّلِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَتِهِمْ} [سبأ: 31)، هذه هي اللغة الفصحى، وذكر صاحب القاموس لغة ضعيفة أوقف يوقف، وكثير من الناس يقول: بأن ذلك خطأ، ولكن شاع ذلك عند كثير من الناس في استعمالهم والله أعلم.
هل يشترط في الوقف القول أو الكتابة أم تكفي مجرد النية؟ بمعنى لو نوى بقلبه أن الشيء الفلاني وقف، فهل يلزمه بمجرد هذه النية وعليه إخبار الناس بذلك أم يقال بأن الوقف لم ينعقد بعد؟
الوقف عقد من العقود، ولما كان عقداً فإنه لا بد من التلفظ فيه ولا يُجزي فيه أن ينوي في قرارة نفسه - من غير أن ينطق ـ بأنه وقف ذلك المال للغرض الذي خصصه له، فلو نوى في قرارة نفسه أن ذلك المال موقوف ولكنه مع ذلك لم يوقفه، فالوقفية لا يسري حكمها والله تعالى أعلم.
ما حكم الوقف المعلق على غير الموت؟ كأن يقول: إذا حدث الشيء الفلاني فقد وقفت مالي الفلاني؟
بما أنه علق الوقف بحصول شيء معين فإن الوقف يثبت بوقوع ذلك
الشيء كمثل الوقف المعلق بالموت والله أعلم. (4/125)
صفحة 1708
126
الفاوي
ما يجوز وقفه:
من وقف حصة له في مشاع ما حكمه؟ وما هو المشاع؟
لا مانع من ذلك، لأن الوقف لا يشترط فيه أن يكون الموقوف متعيناً متبيناً واضحاً، إذ الوقف كالصدقة بل هو صدقة تستمر بعد الموت، فكما أن للإنسان أن يتصدق بحصته من المشاع فكذلك له أن يقف حصته من المشاع، وليس ذلك كالبيع، إذ العوض عن الوقف ليس في الدنيا وإنما العوض عنه في الدار الآخرة.
والمشاع هو المال المشترك، سواء كان هذا الاشتراك بسبب ميراث، وذلك بأن يرث الإنسان حصة من مال وبسبب ذلك الإرث كان ذلك المال مشتركاً بينه وبين غيره فله حصة منه وللآخرين حصص منه، أو بسبب أنهم اشتروا المال جميعاً ولم يقتسموه فيما بينهم فلم يكن نصيب كل واحد منهم متميزاً عن أنصباء الآخرين بل حق كل واحد منهم في جميع المال وليس في جزء معين منه والله أعلم.
رجل يملك غنماً، وكان يجعل المواليد الذكور منها وقفاً يطلقها في سبيل الله ولم يذبح منها شيئاً ولا يأكل من لحومها، ويقال إنه أوصى لأولاده أن يحذوا حذوه بعد موته، فعمل أولاده مثله بعد وفاته مع كونهم يملكون أغناماً لم يخلفها والدهم بل اشتروها من مالهم الخاص، والبعض الآخر تحصلوا عليه هدية فنرجو والحالة كذلك أن تتكرموا بإفادتنا هل ما كان يعمله الهالك هو وقف أو نذر؟ وهل يسري مفعول هذا العمل إلى ذريته فيما إذا ثبت بأنه قد أوصى وصية شفهية لا كتابية؟ جاء في السؤال أن الرجل - الذي هو الوالد - جعل مواليد هذه الأغنام (4/126)
صفحة 1709
فتاوى الوقف
127
الذكور وقفاً، وعليه فلها حكم الوقف ولا معنى لاعتبارها نذراً، ولا يسري هذا الوقف إلى ما امتكله الأولاد من بعد، فإن للإنسان أن يوصي بجزء من ماله بعد موته لا أموال غيره، وإن كان الغير وارثاً، والعبرة بثبوتها النظر عن كون ذلك بالإشهاد أو الكتابة والله أعلم.
مع
غض
ما الحكم في أنني وقفت في حياتي أربعة آثار ماء من فلج الفليج عني وعن زوجتي وأختي وابنتها نصفها ليوم عرفة، ونصفها الآخر لفطرة رمضان لوجه
الله، وليس لي رجوع فيها ما زلت حياً أو بعد الممات، فهل هذا جائز؟ ما وقفه الإنسان من المال في حياته، وأخرجه من ماله للموقوف له، وكان الموقوف له وجهاً من وجوه البر جاز ذلك، ولو كان أكثر من ثلث ماله
والله أعلم.
علماً
نحيط سماحتكم بوجود مبالغ ربوية عائدة لأموال الأوقاف وأموال الأيتام النقدية المحفوظة لدى البنك، وقد سبق حكمكم بأنها مجهولة الأرباب ومرجعها لفقراء المسلمين، فهل يجوز شرعاً استغلال هذه المبالغ الربوية وتنميتها لمصلحة الفقراء المحتاجين، ليشترى بها بنايات سكنية أو محلات تجارية، يكون عائدها للفقراء كمصدر رزق يخفف عنهم بعض مطالب الحياة الضرورية؟ علماً بأنه توجد مبالغ أخرى محفوظة خاصة بالزكاة تكفي لسد حاجات الفقراء وقضاء مآربهم
منه، بينوا لنا حكم الشرع الشريف فيه، ولكم الأجر والثواب؟
بما أن هذه الأموال بعدما صارت مستلمة وهي مجهولة الأرباب أولى بها فقراء المسلمين، فلا يمنع أن تصرف لهم مباشرة أو يشترى بها عقار أو نحوه ليعود ريعه عليهم، ويُقصد بذلك الخلاص من الربا لا استباحته
والله أعلم. (4/127)
صفحة 1710
128
الفتاوى
رجل وقف طعاماً وعلقه بمحل له بقوله: «وقفت مقدار كذا من الطعام معلقاً بمحلي كذا على أن يقوم كل من انتقل إليه محلي هذا بميراث أو بيع أو هبة أو غير ذلك بتنفيذه بأن يطبخ ويقدم لقارئي القرآن في وقت كذا ومكان كذا، وهذا دون انقطاع إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. مع العلم أنه عندما ينتقل هذا المحل من شخص إلى شخص آخر ببيع مثلاً يقوم الخبراء بتحديد قيمة ذلك الوقف لكي تطرح من قيمة المحل ومع العلم أيضاً أن قيام الشخص الذي انتقل إليه المحل بتنفيذ هذا الوقف قد يستهلك تلك القيمة المطروحة في سنوات معدودة وهو مطالب بتنفيذه مدى الحياة ما دام ذلك المحل ملكاً له، ما حكم هذا الوقف؟ وهل هو مطابق للشريعة
الإسلامية؟
هذا وقف فيه إشكال، فإن قيمة الطعام تعلو وتنزل والبيع للمال الذي شمل الوقف على هذا يكون مصحوباً بالغرر لذلك أرى أن يقدر الموقوف بقدر من أول الأمر ويفصل من المال المشتمل عليه وينفق في سبيله إن كان سبيل خير والله أعلم.
ما هو ضابط ما يجوز وقفه؟
هو كل مال متملك فيه منفعة، بحيث تبقى عينه وينتفع بمنفعته، فما كان له ريع فإنه يوقف لأجل أن يكون ريعه ملكاً للجهة الموقوف لها، بينما العين تبقى غير متملكة لأحد بعد أن خرجت عن ملكية صاحبها الواقف وصارت وقفاً، فلا تباع ولا تشترى ولا توهب ولا ترهن ولا يتصرف فيها أي تصرف والله أعلم. (4/128)
صفحة 1711
فتاوى الوقف
129
هل يجوز وقف المتنقلات كالمركبات وقطع الأثاث والسلاح؟ بما أن ذلك مما ينتفع به فهو جائز، إلا أن المنفعة هي التي تعود على الجهة الموقوف لها بينما الأصل يبقى، فلا مانع من وقف المركبات أو الأسلحة أو الثياب أو الحلي أو الكتاب الذي يقرأ وينتفع بالقراءة منه من غير أن تتملك عينه، وهذه المتنقلات ينتهي وقفها بانتهائها إلا إذا كان هنالك مال وقف لأجل تجديد ما تلاشت عينه منها فيشترى بديل لذلك المال فلا مانع والله أعلم.
رجل وقف دراهم لينتفع بها، فما حكم هذا الوقف؟ والمنتفع هل له أن يستهلكها أم يرجعها أو مثلها بعد الانتفاع؟
ما
هي طريقة الانتفاع بالدارهم؟ هل المراد بهذا أن تلك الدراهم تقرض للمحتاج ثم بعد يسره يردها لتقرض غيره أم المراد غير ذلك؟
أما إن كانت موقوفة من أجل أن تقرض للمحتاجين ثم بعد ذلك يردها المقترض وتبقى في حكم الموقوف ينتفع بها كل من كان محتاجاً إليها مع ردها فلا حرج أما إن كانت تستهلك عينها ولا يبقى حق في الذمة متعلق بسببها فهذا لا يعني الوقفية وإنما يعني التمليك والله أعلم. (4/129)
صفحة 1712
130
الفاوي
الإنفاق على الوقف والإشراف عليه:
نخل محاط بجدار، وفي أحد أركانه نخلة أوصى بها رجل أن تكون وقفاً لكفن الموتى، ومنذ اثني عشر عاماً ماتت هذه النخلة واندثر موقعها، وفي هذا العام عندما نزلت الأمطار تأثر جدار النخل من جهة موقع النخلة المذكورة، والآن يطالب ورثة صاحب النخل بإصلاح هذا الجدار، وهذه النخلة تخص ورثة ثلاثة أولاد وبنت عم، وأولاد العم
موجودون والبنت توفيت ولها ولد صبي، فهل إصلاح هذه النخلة الدائرة منذ اثني عشر يلزم أولاد العم أم يلزم ابن البنت المتوفاة، أم يمكن
عاماً
تسليمها للأوقاف؟
بما أنهم غير وارثين لهذه النخلة، وإنما هي موقوفة، فإصلاح موضعها يرجع إلى من بيده أمرها والله أعلم.
دخله
ما قولكم في وقف الذرية الذي احتاج إلى وكلاء للمطالبة في والنزاع من أجله، علماً بأن الوكلاء هم من ضمن أفراد الذرية الذين وقف هذا المال لهم. هل يحق لهؤلاء الوكلاء أجرة عناء مقابل السعي والمطالبة في الوقف؟
لهم العناء بالمعروف والله أعلم.
يوجد مال مخصص لفطرة الصائمين في البلدة، وهذا المال الأخضر يحتاج إلى خدمة ويتطلب مصروفات لهذه الخدمة طوال العام، فهل يصرف أولاً تكلفة مصاريفه من سقى وتنبيت (1) وبيدار (2) وما يحتاجه،
(1) التنبيت: هو تلقيح النخل.
(2) البيدار: هو العامل الذي يقوم بإصلاح النخيل وقطع ثمرها بجزء من غلتها. (4/130)
صفحة 1713
فتاوى الوقف
131
ثم الباقي من الغلة تصرف للصائمين كتفطير لهم حسب القاعدة المعروفة السابقة، أم تصرف الفطرة أولاً وتكاليف الخدمة تحتسب فيما بعد؟ غلته أولاً على خدمته والباقي يصرف فيما أوصي به والله أعلم.
ينفق من
بعض الأراضي الزراعية وقفها أصحابها، بأن يقوم القائم بشأنها بعمل وليمة لإطعام الناس كل عام فهل تؤول ملكية هذه الأراضي ـ سواءً
كانت خالية أم بها نخيل - إلى الأوقاف أم إلى القائم بشأنها؟
لا يملكها القائم بها، وإنما هو أمين فيها، وملكها خاص بما وقفت له
والله أعلم.
ما قول سماحتكم في نخلة موقوفة لوقف ما ـ وموقعها في جزء من مال رجل ما - وقد أراد وكيل المال الموقوف أن يفسل فسيلة تحت تلك النخلة قبل طياحها أو موتها فهل يكون موقع الفسيلة بجوار تلك النخلة أم يقطع جزء من قاعدة جذورها ويغرس فيه تلك الفسيلة وكأنها خرجت منها أم يأخذ لها إحراماً من مال ذلك الرجل الذي تقع النخلة المذكورة بماله؟
يفسلها في موقع النخلة السابقة بعد سقوطها والله أعلم.
عن رجل اشترى مالاً أخضر بدون ماء له بالأصل، وفيه خمسة عشر مناً تمراً يابساً فطرة للمساجد، وكان ذلك الوقت بالمال بيدار قائم بأعمال المال كالسقي والنبات والجداد (1) وغير ذلك من المصالح، ويأخذ البيدار من كل نخلة عذقاً فقط، وكان المحصول من المال يكافئ
(1) الجداد: هو قطع الثمر. (4/131)
صفحة 1714
132
الفاوي
المصروف فقط، وكذلك فيه وصية عرفة ثلاثة قروش فضة تعادل ريال ونصف عُماني، ومجموع النخيل ستة عشر نخلة مبسلي وكانت الفطرة وما لعرفة تخرج من هذا المال سنوياً آنذاك أما الآن فالبيدار خرج من المال وصاحبه أصبح يؤجر على سقي ماله ويؤجر أيضاً على النبات والجداد ويأخذ له منه بالقعد بحيث أصبح المصروف على المال أكثر من المحصول منه، فهل الفطرة وما لعرفة تلزم صاحب المال هذا ولو كان محصول المال لا يكافئ مصروفه أم لا يلزمه ذلك بسبب زيادة المصروف على المحصول؟
لا ضرر ولا ضرار في «الإسلام هذه قاعدة شرعية تراعى مع مراعاة حق كل ذي حق، وعليه فإني أرى أن يجتمع أهل الصلاح والفضل والخبرة في شؤون الأموال فيخرجوا من المال المذكور بعض النخيل لتكون ملك الوقف المشترط ويخرج ما تتطلبه من إنفاق لخدمتها من غلتها والله أعلم.
بموجب النظام المالي المتبع فإن المبالغ التي يتم تحصيلها من قبل المستأجرين لبنايات وعمارات الأوقاف الخيرية وبنايات أوقاف المساجد والمحلات التجارية التابعة للمساجد والمبالغ البسيطة الآيلة من طناء النخيل، فإن هذه المبالغ يتم إيداعها جميعاً في حسابات بأحد البنوك التجارية العاملة بالسلطنة نظير زيادة معينة على المبالغ المودعة، ففتح لها حساب خاص مستقل عن حسابي الأوقاف الخيرية وأوقاف المساجد. ونظراً لعدم كفاية مبالغ الإيرادات الناتجة من إيجارات البنايات في صيانة هذه المباني بصفة دائمة طوال العام حيث يستغل الجزء الأكبر من دخل هذه البنايات في صرف رواتب المدرسين وأئمة المساجد والمؤذنين وعمال النظافة الذين يتقاضون شهرياً رواتبهم من (4/132)
صفحة 1715
فتاوى الوقف
133
دخل الأوقاف الخيرية ودخل أوقاف المساجد، مما نضطر في كثير من الأحيان إلى صرف مبالغ الصيانة من هذه الفوائد، فما مدى جواز الصرف
منها؟
ما يسمى بالفوائد ليس هو من الفائدة في شيء وإنما هو عين الخسارة فإنه الربا الذي حرمه الله ولعن آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه وجعله ممحوقاً من كل بركة {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبوا} [البقرة: 276]، ولا يحل أخذ شيء من الربا ولو صرف في وجوه البر، فإن الله لا يقبل صدقة من غلول والله أعلم.
وقف رجل كل كتبه الله تبارك وتعالى، وحفاظاً على تلك الكتب من الضياع والعبث جعل الرجل الواقف نفسه مسؤولاً وأميناً على تلك الكتب، وقد أناب غيره عنه في بعض الأوقات، فهل هذا الأمر جائز؟ وهل الوقف بهذه الصورة معتبر شرعاً؟
يجوز للواقف أن يشترط لنفسه بأن يشرف على التصرف فيما وقفه في سبيل الله تعالى من الأموال لأجل الأعمال الخيرية، ويجوز أيضاً أن يشترط بأن يكون مرد الإشراف على ذلك بعد وفاته إلى أحد أولاده أو إلى الأفضل الأبر الأوفى من أولاده، فإن هذا الاشتراط لا ينافي الوقفية ولا ينافي التقرب إلى الله الا الله والله تعالى أعلم.
جماعة ببلدة معينة قد وقفوا أموالاً سميت بـ (مال المسجد) و (مال الكفن ومال الفلج، وحيث إنهم يوفدون من مناطق متباعدة لطني الأموال المشار إليها يضطرون إلى البقاء فيها يوماً كاملاً، وعليه فهل يجوز تخصيص مبلغ معين لتغطية تكاليف ضيافتهم؟
إن كان ذلك بقدر زادهم بالمعروف من غير إسراف فلا
حرج والله أعلم. (4/133)
صفحة 1716
134
الفاوي
بئر هي وقف للمسجد وكان لها أراض زراعية ليس بها نخيل ولا شجر فهي معطلة عن الزراعة، فرأى وكلاء المسجد أن تقسم هذه الأراضي إلى مساكن وتأجيرها للمواطنين، ولما قام البناء تم حفر هذه البئر ليسقى منها الساكنون في هذا البناء ومن حولهم، وبعد ذلك صدرت أوامر من الحكومة بتوفير الماء للمواطنين، فوافق جميع المواطنين على ترميم هذه البئر وتوزيع مائها لهم ولم يعارض في ذلك إلا اثنان فقط، والسؤال باعتباري مسؤول عن الجماعة والبلد هل لي الحق في البحث والاطلاع على الداخل والخارج من هذه الأوقاف؟ وهل يذهب المبلغ في صالح الرشداء والجماعة؟
الأوقاف تراعى فيها مصلحتها لا مصلحة الأعيان ولا الجمهور، فما كان أصلح للموقوف له عمل به وإلا فلا لأن سبيل الوقف سبيل اليتيم، والله تعالى يقول: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَى قُلْ إِصْلَاحُ لَهُمْ خَيْرُ) [البقرة: 220] وللجماعة أو أعيانهم الذين اتفقوا عليهم أن يسألوا الذين ولوهم أوقافهم عن الزيادة والنقصان فيها والله أعلم.
ما الحكم فيمن وقف مالاً له في وجه من وجوه الخير في حياته، وشرط
لنفسه الانتفاع به أو ببعض غلته مع انتفاع من وقف لهم؟
للواقف أن ينتفع بالموقوف إن اشتراط ذلك بنفسه في حياته، وله أن يشترط لنفسه الإشراف عليه في حياته، وله أن يشترط أيضاً أن يكون أحد من ورثته هو المشرف عليه من بعد وفاته ولا مانع كذلك من أن يخصص أحداً من الناس يشرف على هذا الوقف والله أعلم.
إذا احتاج الوقف إلى النفقة من أجل إصلاحه أو تعميره، فمن أين يكون
ذلك؟
لا يخلو إما أن يكون الواقف خصص له مصدراً لإصلاحه وترميمه (4/134)
صفحة 1717
فتاوى الوقف
135
وتعميره
أم
لا، فإن كان خصص له مصدراً فيُصلح بالمصدر الذي خصصه
الواقف، وإن لم يخصص له فإنه يصلح من غلته، والفاضل من الغلة يصرف في الجهة الموقوف لها والله أعلم.
الوقف الخيري:
نود الإفادة إلى أنه تحت إشراف المديرية العامة للأوقاف وبيت المال والزكاة وقوفات منها ما يخص المساجد ومنها ما يخص الوقف الخيري. فهل يجوز الصرف من دخل الوقف الخيري في تعيين أئمة ومؤذنين للمساجد التي ليس لها دخل؟ وهل يجوز الصرف من الوقف الخيري لعمال يعملون فيما لا يخص المساجد؟
لا مانع من الصرف على الأئمة والمؤذنين من أوقاف الخير، وأما الذين يعملون فيما لا يتعلق بالمساجد فلا يجوز الصرف عليهم من هذه الأوقاف، إلا إن كانوا يعملون في تدريس ووعظ ونحوهما من أعمال الخير والله أعلم.
نود الإفادة بأنه يوجد وقف خاص لأهالي بلدتنا، والأهالي يطالبون حالياً بصرف حسابات الكهرباء الخاصة بسبلة العزاء بالبلدة من دخل الأوقاف المذكورة، فهل يعتبر الوقف المذكور من الأوقاف العامة أم الخاصة؟ وهل يقاس الوقف المذكور على وقف الأفلاج فيتبع عرف
البلدة وعلى ذلك يسع الوزارة تسليم الأهالي ذلك الوقف أم لا؟ بما أن هذا الموقوف للبلد فكل مصلحة لأهل البلد يجوز إنفاذها منه، وهذه من ضمن المصالح العامة للبلاد، فلا مانع من صرف حسابات الكهرباء المستخدمة في مجلس البلاد العام منه والله أعلم. (4/135)
صفحة 1718
136 الفتاوى
قبيلة لهم وقوفات خاصة بهم ويريدون بيعها لأجل بناء مجلس لعامة القبيلة ليجلسوا فيه وقت الفرح والترح، وحيث إن هذا الوقف لم يثبت
أنه موقوف لشيء معلوم سوى ما ذكر، فما قولكم في ذلك؟
إن كان هذا الوقف لمصالح القبيلة المشار إليها فلا مانع من بناء مجلس لهم من ريعه وإن اضطروا إلى بيع شيء منه لهذا الغرض فلا مانع، ذلك كله إن كان غير مخصوص بشيء معين والله أعلم.
رجل ترتب عليه مبلغ للوقف وهو يطلب بإعفائه من المبلغ، والرجل كبير وضرير وفقير وعاجز عن سداد الدين وبحيث إن العائد من الوقف يتم توزيعه على المستحقين من الفقراء والمساكين بالبلدة والمذكور من ضمن المستحقين فهل يجوز إعفاؤه منه؟
إن كان الوقف لصالح الفقراء، والمواطن المذكور من ضمن الفقراء فلا مانع من ذلك والله أعلم.
مال أوصى به صاحبه من أجل الخير توزع غلته على الفقراء والمساكين، ولكنه منذ خمس سنوات تقريباً قلّ الماء من فلج البلدة كثيراً - حتى أنه لم يكن ليروي الأموال التي على مخرجه مباشرةً، ونتج عن ذلك موت ثلاثة أرباع البلدة، ومن ضمنها هذا المال الموصى به من أجل الخير، حيث لم يتبق منه سوى شجرتي نخل وصرمتين)، حيث إنها لا تكفي لسداد أجرة العامل الذي يشتغل في هذا المال، وباقي الأرض خالية من الأشجار ومساحتها قليلة تقدر بأقل من فدان.
(1) صرمتين: مفردهما صرمة وهي النخلة الصغيرة «الفسيلة». (4/136)
صفحة 1719
فتاوى الوقف
137
وسؤالنا لسماحتكم هل يمكن بيع هذا المال والتبرع بثمنه لأحد المساجد لترميمه وإصلاحه أم ماذا يفعل به؟
الوقف يبقى كما هو موقوف للغرض الذي وقف له، فإن اقتضت المصلحة بيعه فلا يجوز أن يصرف ثمنه إلى جهة أخرى، بل يُشترى به من الأصول ما يكون عوضاً عن المبيع، ويبقى للغرض الموقوف له لا يتبدل والله أعلم.
الوقف على الذرية:
قسمته
ما ترون في رجل وقف بيتاً له على ذريته ووقف له مالاً لصلاحه وما فضل من غلة المال فيقسم على الذرية الموقوف لهم البيت المشار إليه، وهذا الوقف خاص بذريته ما بقوا وإن فنوا فيرجع الوقف بجميع شروطه وحقوقه إلى فقراء المسلمين وبعد فترة اختلف الموقوف لهم فأراد بعضهم بيعه وأراد بعضهم بقاءه على حاله وأراد بعضهم خوف استئثار بعضهم به؟ إن الله تبارك وتعالى قد قسم المواريث بين عباده على مقتضى حكم كتابه ولم يكل قسمتها إلى أحد من خلقه حتى من هو أرفعهم عنده مكانة وأعظمهم منزلة، بل أنزل أحكامها مفصلة في سورة النساء من كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ثم أتبع أحكام المواريث بياناً قاطعاً بأنها من حدوده فلا يصح لأحد تعديها، وأوضح عقوبة من تعداها، كما أوضح مثوبة من أطاع الله ورسوله بالتزام الوقوف فيها حيث قال عز من قائل: تِلكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّتِ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَلِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ومَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ (4/137)
صفحة 1720
138
الفاوي
عَذَابٌ مُّهِينٌ} [النساء: 13، 14، وبعد فليس ثم من طريق لإبدال ميراث أو تغيير شيء من أحكامه فإن ذلك اعتراض على الله الذي أعطى جميع الورثة أنصباءهم من ذكور وإناث، ومحاولة التملص من حكم الله دليل على
21
6
عدم الرضى بما قضى وذلك عنوان النفاق وشارة الشقاق، فإن الله لا يقول في محكم كتابه: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36] وليس الوقف على الذرية إلا نوعاً من أنواع الإعراض عن حكم الله والخروج عن أمره، فإن لكل وارث حقاً في كتاب الله يعود بعد موته على ورثته، والوقفية تنافي ذلك لحرمان ورثة الإناث من الموقوف بعد موت موروثتهم وصرف حقها إلى الذكران وذريتهم، على أن الحديث المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا وصية لوارث (1) يوصد هذا الباب، وقد أجمع المسلمون على صحته والعمل بمقتضاه حتى عده بعضهم من المتواتر والوقف حكمه كالوصية إن كان بعد موت الواقف، أما ما كان في حياته فإن كان على الذرية فإنه أيضاً غير سائغ إذ لا وجه في حياة الموروث أن يقسم شيئاً من ماله على ذريته إلا على وجه العطية وأحكام العطية تنافي أحكام الوقف من شتى الوجوه؛ منها أنه ليس للمعطي أن يمنع المعطى من التصرف في عطيته، ومنها أنها تنتقل بعد موت المعطى إلى ورثته بالإجماع، والوقف بخلاف ذلك، فإن ورثة الإناث يحرمون منه بعد موتها، لذلك لا أرى وجهاً لثبوت شيء من أوقاف الذرية عملاً بقوله: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (2)، وليس الإسناد إلى باب من أبواب البر الذي يجملون به إلا مكراً وخديعة كما قال إمامنا نور الدين السالمي - ه -، وإنما يقصدون بالإسناد التذرع إلى إثبات
(1) رواه الربيع (667)، وأحمد (186/ 4)، والترمذي (2121). (2) رواه الربيع (49)، والبخاري (91/ 3)، ومسلم في الأقضية 18. (4/138)
صفحة 1721
فتاوى الوقف
139
الوقف لا غير وإلا فما المانع من جعل الوقف براً خالصاً لا يشاب خيره ولا طاعته بمعصية، هذا ما أراه والله ولي التوفيق.
من وقف مالاً وقال وقفت هذا المال لأولادي ولأولاد أولادي، فهل يدخل في هذا البنات وبنات البنات؟
أولاً: علينا أن ننظر في هذا الوقف الذي هو للأولاد لأنه وقف للورثة، والوقف له حكم الوصية، والله تبارك وتعالى لم يجعل الوصية لوارث وذلك واضح من النص القرآني الذي دل على أن التدخل في أمر الوصايا أمر لا يجوز بحال من الأحوال، فالله الله قد قسم المواريث بعدله ولم يكلها إلى نبي مرسل ولا إلى ملك مقرب، وبعد قسمتها قال تعالى: {تلك حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهر خلدين فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ, يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ) [النساء: 13، 14] هكذا بين الله الله أن الخروج عما رسمه لعباده في قسمة المواريث إنما هو تعدٍ لحدوده، وتوعد الذين يتعدون حدوده بهذا الوعيد الشديد وهو أن لهم ناراً خالدين فيها ولهم عذاب مهين، فليس هنالك مساغ لأن يقف الإنسان وقفاً على أولاده لأن قسمة المواريث بينهم قسمة عادلة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: لا وصية لوارث» (1)، والوقف له حكم الوصية - كما تقدم - فلذلك يُسئل عنه العبد كما يسئل عن الوصية، فلا يجوز أن يتعدى فيه حدود الحق كما لا يجوز أن يتعدى حدود الحق في الوصية.
نعم لو وقف إنسان مالاً لأسرة ومن بين الأسرة الأولاد فذلك خير، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى علينا أن ننظر في مفهوم الأولاد ما هو؟ فإن
(1) رواه الربيع (667)، وأحمد (186/ 4)، والترمذي (2121). (4/139)
صفحة 1722
140 الفتاوى
مفهوم الأولاد يشمل البنين والبنات فالله تبارك وتعالى يقول: {يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَدِ كُم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ} [النساء: 11]، فسمى الجميع أولاداً، وكذلك نجد أن الآيات القرآنية تدل على أن الذكر والأنثى كل منهما ولد، فالذكر ولد والأنثى ولد، على أن الذين يخصون أولادهم بالأوقاف أو الذين يقفون الأموال لذراريهم هم بين صنفين بين من يخص الذكور دون الإناث وفي هذا تعد عظيم، فلماذا يخص الذكر دون الأنثى وقد أعطى الحق تبارك وتعالى كل واحد نصيبه؟ وإما أن يجعلوا هذا الوقف للذكور والإناث ثم لأولاد الذكور دون أولاد الإناث، وفي هذا أيضاً حيف على الإناث، فلماذا يخص هذا الوقف بأولاد الذكور دون أولاد الإناث؟ فلا بد من النظر في ذلك والاحتراز من الزلل وترك الأمر لله تبارك وتعالى كما فعل في
المواريث من غير اعتراض عليه سبحانه في ذلك والله أعلم.
امرأة وقفت غنماً لبناتها ينتفعن بألبانها ونسلها ويذبحن منها أيام الأعياد وعند قدوم الضيوف، وبقيت الأغنام الآن في يد ابن بنت الموقفة، وهو يقول إنه لا يستطيع القيام بشؤونها، وإذا دفعها إلى بعض أولاده يخشى عليها التبديل، فماذا يصنع فيها؟
6
الوقف على الذرية باطل من أصله إذ لا وصية لوارث» (1) كما ثبت في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وللوقف حكم الوصية، لذلك أرى أن يرد هذا الوقف على ورثة المرأة الواقفة، فإن لم يوجد فإلى ورثتهم حسب قسمة الشرع الشريف في المواريث والله أعلم.
رجل وقف مالاً لأولاده الذكور دون الإناث، ولأولاد أولاده إذا ما تناسلوا
(1) رواه الربيع (667)، وأحمد (186/ 4)، والترمذي (2121). (4/140)
صفحة 1723
فتاوى الوقف
141
درجة بعد درجة إلى يوم القيامة، فانقرض الأولاد الذكور وبقي أولاد أولاده، وهم بدورهم لهم أولاد، فهل لهم نصيب من هذا الوقف ـ أي أولاد أولاد الأولاد ـ أم لا؟
هذا الوقف حيف وجور من أساسه، وذلك لما فيه من الإيثار البين، ولكن بما أن البنات انقرضن ولم يطالبن بحقهن لا نرى سبيلاً للاعتراض عليه في هذا الوقت، ونرى أحقية جميع الطبقات الموجودة، لأن النص الموجود في الوصية ولأولاد أولاده بدون العطف بثم أو ما يسد مسدها
والله أعلم.
رجل وقف نخلاً وأرضاً لأولاده، ولأولادهم من بعدهم، وحبس لهم غلته، وإذا عدموا فلفقراء المسلمين المستحقين، ولقد تأثر هذا الوقف بالقطع للطريق العام بأمر من له الأمر، فقطع واستحق تعويضاً يبلغ ستة عشر ألفاً وأربعمائة واثنين وستين ريالاً عُمانياً، فما هو قول الشرع الشريف في هذا المبلغ، أيقسم على الموجودين من أولاد أولاده أم يشترى به وقف ليأخذوا غلته؟ علماً بأن الموجودين الآن هم ابن ابن الموقف وابن وبنت ابنته فقط؟
يقسم بين الورثة حسب الميراث، فإن وقف الورثة باطل من أساسه لمخالفته حكم الله والله أعلم.
رجل وقف أموالاً لأولاده ثم لأولادهم وأولاد أولادهم من بعدهم ما تناسلوا - أي ما دامت ذريتهم باقية، فإذا انقرضوا فيكون يومئذ هذا الوقف لمسجده الذي بناه بنفسه فتنفق في مصالحه، وكان المسجد المشار إليه في محلة معروفة في بلد معروف، فتكون غلة هذا الموقوف مصلحة خالدة باقية الأجر للموقوف له، وإذا كان هذا المسجد الآن فيه (4/141)
صفحة 1724
142
الفاوي
بعض الخراب وربما يتتابع خرابه، فهل يصح تصليحه من الدراهم المتجمعة من غلة هذا المال أم لا تصح إلا برضى الموقوف لهم؟ وإذا رضوا هل في ذلك من حرج؟ وإذا اختلف الموقوف لهم بعضهم يوافق على إصلاح المسجد بينما البعض الآخر لا يوافق على ذلك، ويوافق بعضهم على هدم المسجد وبنائه من جديد من هذه الأموال، والبعض الآخر يرغب في قسمة غلته سنوياً، قسمة غلته سنوياً، وكذلك إذا كان هذا الموقوف نفسه محتاجاً إلى إصلاح فأي الأحوال أولى في هذه الحالة؟
الوقف على الأولاد باطل من أصله، لأن للوقف حكم الوصية، وفي الحديث الشريف «لا وصية لوارث»)، وعليه الإجماع، وإسناد الوقف إلى باب من أبواب البر إنما هو نوع مكر كما يقول إمامنا السالمي ـ الله وعليه فأرى أن يقسم هذا الوقف قسمة الميراث بين جميع الورثة، فإن رأوا أن يجعلوه للمسجد فذلك أولى وأحوط والله أعلم.
6—
ما قولكم فيمن وقف وقف ذرية، ومن ضمنه مزرعة نخيل، ونظراً لأن المزرعة لا تدر أي عائد إضافة إلى أنها تحتاج إلى مصاريف وإشراف تستقطع من عائدات باقي الممتلكات مما يشكل خسارة للوقف ذاته أو للمنتفعين أنفسهم. فهل جائز بيع هذه المزرعة ودفع ما يتحصل من ثمنها لشراء ممتلكات أخرى يكون عائدها لصالح الورثة؟
القول الذي أعتمده أن وقف الذرية باطل لقوله ـ عليه أفضل الصلاة والسلام - لا وصية لوارث (2)، وللوقف حكم الوصية، وعليه فلا مانع من بيعه واقتسام ثمنه حسب الميراث الشرعي والله أعلم.
(1) رواه الربيع (667)، وأحمد (186/ 4)، والترمذي (2121). (2) رواه الربيع (667)، وأحمد (186/ 4)، والترمذي (2121). (4/142)
صفحة 1725
فتاوى الوقف
143
ما قولكم في رجل وقف مالاً لأولاد أولاده، وقد أُهمل هذا الوقف لفترة، أراد أولاد الأولاد أن يقتسموه فهل يجوز ذلك أم لا؟
ثم
إن كان أولاد الأولاد وارثين فالوقف باطل من أصله، لبطلان الوصية للوراث، وإن كانوا غير وارثين فلا مانع من بيع ما وقف لهم إن اتفقوا عليه جميعاً لأنه وقف لمحصورين والله أعلم.
ما قولكم في تصرف بعض الأثرياء ممن يوصون بحبس بعض أموالهم الثابتة كضمان لأبنائهم من بعدهم يخشون عليهم من الحاجة والمسغبة التي قد يتعرضون لها من بعدهم، وخصوصاً حبس المنازل لهؤلاء، خوفاً على أبنائهم من الضياع والمعاناة، فهل هذا الحبس يتنافى مع الشريعة الإسلامية؟ وإذا تم هذا الحبس من بعد وفاة الحابس ورضى الورثة من بعده، فهل يمكنهم بعدما يرون أن هذا العقار لم يعد صالحاً للسكن وأن مصلحتهم تقتضي التصرف فيه، فهل يجوز لهم ذلك؟
إن الله قسم المواريث بعدله، وأعطى كل ذي حق حقه، ثم قال تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَلِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ} [النساء: 13، 14]، وفي الحديث المشهور المجمع على صحته «لا وصية لوارث»، لذلك أجنح إلى القول ببطلان الوقف للورثة، وأن ذلك يعود إليهم إرثاً، لكن إن أقروه وأمضوه إلى أن انقضى جيلهم ثبت عليهم، ولم يجز لمن بعدهم نقضه، فإن لم يصلح لما وقف له استعيض عنه غيره، فإن تعذر ذلك رجع إلى الورثة والله أعلم.
(1) رواه الربيع (667)، وأحمد (186/ 4)، والترمذي (2121). (4/143)
صفحة 1726
144 الفتاوى
لقد أرادت صاحبة ملك بيت للسكن أن تغير في نص وقف هذا البيت، بعد أن كانت قد وقفته لها ولأخيها المتوفى حالياً وأولاد هذا الأخ وذريتهم من بعدهم، فهي ـ وفي كامل قواها العقلية - ترى حالياً وبعد مرور عشر سنوات على ذلك، أن يكون الوقف لواحد من الأولاد المذكورين أعلاه وذريته من بعده دون إخوانه، فهل يجوز لها تغيير الوقف على النحو المذكور؟
ج
الذي نراه ونعتمده أن الوقف على الورثة باطل لا يصح، لأن للوقف حكم الوصية، وقد قال تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَلِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [النساء: 13، 14] وذلك بعد تبيان أحكام المواريث، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لا وصية لوارث» (1)، وهذا مما أجمع عليه والله أعلم. رجل وقف بيتاً له مبنياً من الطين لأقاربه، وهو بيت قديم خرب ويوشك أن يندثر، فلمن يرجع هذا البيت لورثته أم لأقاربه؟ بما أنه أوصى بالبيت لأقاربه فهو كما أوصى، وليس لوارث فيه ميراث
والله أعلم.
اتفقت ابنتا الهالك على عدم تقسيم ميراثهما، وأن يجعلاه وقفاً على أولادهما بطناً بعد بطن، فلما أنجبت كل واحدةً منهما عدة أولاد نشأ بين الجانبين نزاع حول المال الموقوف، فأرادت كل واحدة منهما أن تفسخ الوقف وتأخذ نصيبها، فهل يجوز لهما فسخ الوقف في هذه الحالة؟ الوقف على الورثة باطل من أساسه من غير أن يبطله الواقف والله أعلم.
(1) رواه الربيع (667)، وأحمد (186/ 4)، والترمذي (2121). (4/144)
صفحة 1727
فتاوى الوقف
145
رجل وقف مالاً لأولاده، ونظراً للحال التي عليها الآن إذ لا يستفيد أحد من هذا المال، يرغب أصحاب الوقف في بيعه وبناء مجلس عام على أرض وقف لهم بالمنطقة، فهل يصح ذلك شرعاً؟ وما هي الإجراءات الواجب اتخاذها إن صح ذلك؟
من
بعد اطلاعي على نص الوقفية أرى أن هذا الوقف باطل أساسه، لأنه وقف لورثة، ولا وصية لوارث، وعليه فإن اتفق الورثة على أن يبنوا به مجلساً فلا حرج عليهم في ذلك، ولكن لا بد من استقصاء الورثة أولاً والله أعلم. وقف رجل بعض بيوته لأولاده وأولادهم من بعدهم، وفي الوصية توقيف أموال لإصلاح السبلة، والتي هي في داخل حوش البيت، فما الحكم الشرعي لهذه الوصية؟
إن كانت هذه السبلة في بيوت هؤلاء الأولاد فهي خاصة بهم، والوقف لها من باب الوقف للورثة، فهو باطل والله أعلم.
رجل وقف بيته لابنتيه دون ورثته الآخرين مراعاة لمصلحتهما حتى لا يضايقهما سائر الورثة على أن تنتفعا به في حياتهما ومن بعدهما نسلهما بطناً بعد بطن، فهل يجوز ذلك؟ وإذا اتفقت الابنتان بعد موته على تقسيم الوقف بينهما تفادياً لما قد يحدث من نزاع بين أولادهما، فهل يجوز لهما ذلك؟
لا يجوز فعله هذا لمنافاته حكم الله ورسوله، ولا يجوز للابنتين الاستئثار بالبيت قسمةً ولا وقفاً، وإنما يجب أن يقسم على جميع الورثة على حكم كتاب الله، إلا إن نزل الورثة عن حقهم فلهم ذلك، ويجوز عندئذ للبنتين، اقتسامه، شريطة أن يكون نزول الورثة عن حقهم باختيارهم
والله أعلم. (4/145)
صفحة 1728
146
الفاوي
سماحة الشيخ أنا رجلٌ أنا رجل ميسور الحال وأولادي كبار في السن وكل منهم مستقل ببيته، وأريد وقف بيتي وقفاً مؤبداً لأولاد أولادي وجميع الذرية، فهل يجوز لي ذلك شرعاً؟
أرى أن تعدل عن رأيك هذا، ففي وقف الذرية من الإشكال ما لا يخفى على اللبيب والله أعلم.
فقد اطلعنا على جواب سماحتكم على رسالة أخواتنا حول تركة والدنا وما وقفه منها وأنه لهن الحق في تغيير هذا الوقف، وقد سبق أن وقف ابن عمنا أحد بيتيه لتوزع غلته يوم عرفة، وقد أنكر الورثة هذا الوقف لكونه أكثر من الثلث فثبت البيت الأصغر، أفلا يرد وقف أبينا إلى الثلث أيضاً؟ أم هناك فرق بين الوقفين؟
لأن
الفارق بين الوقفين أن وقف ابن عمكم ليس هو لوارث وإنما هو وقف خيري، الذي وقفه إنما وقفه لتوزع غلته يوم عرفة وإنما دخل عليه من حيث إنه زاد على الثلث وسبيل الوقف بعد الوفاة سبيل الوصية فلا يجوز بأكثر من الثلث، أما وقفكم فهو لوارث وهو بعد الوفاة، فسبيله أيضاً سبيل الوصية، ولا وصية لوارث بالنص والإجماع، لذلك لم نقل برده إلى الثلث لأن الوصية للوارث من أصلها لا تثبت والله أعلم.
إذا كان الوقف على الذرية غير جائز كالوصية لهم، فما الحكم فيما لو أراد أحد أن يقف ماله على ذريته تاركاً لأولاده الخيار من بعده بين إمضاء الوقف وإبطاله؟
الأحب إليَّ ترك ذلك، وفي المشكلات المتنوعة التي تنجم عن مثل هذا الوقف ما يدعو إلى التحرز منه والله أعلم. (4/146)
صفحة 1729
فتاوى الوقف
147
رجل توفي وخلّف أموالاً من بينها منزل، وقد تكلم أمام زوجته وإحدى الجارات وفي مرة ثانية أمام أحد أبنائه بأنه ينوي أن يجعل هذا المنزل وقفاً لأولاده من بعده لا يجوز فيه البيع والشراء، علماً بأنه قد ترك وصية مكتوبة منذ خمس سنوات ولم يثبت فيها هذا الوقف، والكلام عن نيته لجعل المنزل وقفاً لأولاده كان قبل وفاته بفترة، ولم يتمكن من
إثبات هذه النية في الوصية، فما قول سماحتكم في نية هذا الرجل التي صرح بها هل تعتبر وصية ثابتة أم لا؟
قوله «ينوي ذلك لا عبرة به فإن من نوى الوقف لمسجد أو مدرسة أو غير ذلك لا يثبت ما نواه حتى يجزم به ويشهد عليه، على أن الوقف على الأولاد لا يجوز ولا يثبت، فإن الوقف كالوصية ولا وصية لوارث نصاً وإجماعاً، والله تعالى قسم بين عباده المواريث بنفسه ولم يكلها إلى أحد من خلقه وجعلها من حدوده التي توعد من تعداها بالخلود في النار، حيث قال بعد تقسيمها: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَلِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ, يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ
ج
عَذَابٌ مُّهِينٌ} [النساء: 13، 14]، فلا عبرة بالذي قاله والله أعلم. 13،
نسألكم عن رجل أوصى بمال لجعله لذريته ومن بعد الذرية لفقراء الأقربين، لكن هذا المال أصبح أرضاً بلقع، ولهذه الأرض ماء، والأرض أصبحت لا فائدة منها مع أن ذريته تزيد كل يوم، فما رأي سماحتكم في هذا الموضوع هل تجيزون بيع هذه الأرض والدراهم تفرق على الذرية حسب الميراث أم لا؟ وما هو الحل في هذه القضية؟
وقف الذرية في ذاته مخالف لما أمر الله به من عدم الإيصاء للورثة، فإن (4/147)
صفحة 1730
148
الفاوي
الله قسم المواريث بعدله ولم يكلها إلى نبي مرسل ولا إلى ملك مقرب، وبين أنها من حدوده، ثم وعد من وقف عندها وتوعد من تعداها، حيث قال تبارك وتعالى: {تِلكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَلِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ و مَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ, يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينُ} [النساء: 13، 14]، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا وصية لوارث)، وهو مما أجمع عليه، وقد اختلفوا فيما إذا أسندت الوقفية إلى باب من أبواب البر، فقيل بالجواز لأنه منطو على بر، وقيل ببطلانه لأن البر لا يتوصل إليه بالفجور ولا يبرره، وهو القول الصحيح، وعليه فلا حرج على الوراث في اقتسام هذا الوقف، والأولى لهم أن يرعوا حق الأقربين غير الوارثين فيعطوهم منه بقدر ما تطمئن نفوسهم من صلة والله أعلم.
اتفقت فرقة من إحدى القبائل على توقيف أراضي ورموم وبئر لأبنائهم ولأبناء أبنائهم ما تناسلوا، ما حكم هذا الوقف هل هو حرام أم حلال لعدم وراثة البنات من هذا المكان؟ وإذا كان حرام كيف التخلص منه؟ بما أن هذا وقف فالوقف على شرط الواقف والله أعلم.
قام رجل بوقف شيء من ماله وقفاً ذرياً، فكيف يحسب نصيب الأنثى مقارنة بنصيب الذكر؟
إن كان ذلك لذرية غيره فعلى ما نصت الوصية من التساوي أو التفاضل، وإن كان على ذرية نفسه فالذي نأخذ به أنه لا يجوز الوقف على وارث كما لا تجوز الوصية له والله أعلم.
(1) رواه الربيع (667) وأحمد (186/ 4)، والترمذي (2121). (4/148)
صفحة 1731
فتاوى الوقف
149
أبلغنا بعض الورثة أن مورثهم وقف مالاً وماء وبيتين لأولاده، ويقولون إنهم في أشد الحاجة إلى الانتفاع منه لأنهم فقراء ولا معيل لهم، وأن هذا الموقوف له قيمة تعادل نصف التركة، ولعلمك شيخنا أن التوقيف للوارث يعتبر وصية حسب رأي بعض العلماء، فهل ترى إثبات ذلك لأنك أرسخ علماً وأدق فهماً وأصوب رأياً؟
الوقف على الأولاد كالوصية في المنع سواء كان الوقف على بعضهم أو على جميعهم اللهم إلا أن يتم ذلك الورثة، فإن أتموه فقد نزلوا عن حقهم بأنفسهم، وعليه فإني أرى للورثة تغيير هذا الوقف ما لم ينقرضوا، فإن انقرضوا لم يكن ذلك لوارثيهم والله أعلم.
لدي أولاد ذكور وإناث، ولدي أملاك من ضمنها المنزل الذي نقطنه والذي أريد أن أكتبه وقفاً بعد موتي لجميع الورثة وألا يقسم بينهم، ليلجأ إليه أي واحدٍ منهم عند الحاجة للمأوى، مثال ذلك: عند اختلاف إحدى بناتي مع زوجها تستطيع أن ترجع إلى مأوى، فهل يجوز لي ذلك؟ الوقف كالوصية، وكما أن الوصية لا تجوز لوارث بالنص والإجماع فكذلك الوقف، ذلك لأن الله قسم المواريث بعدله ولم يكلها إلى نبي مرسل ولا إلى ملك مقرب، ثم قال تعالى: {تِلكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَلِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِي} [النساء: 13، 14]، وفي الحديث الصحيح لا وصية لوارث» (1)، وعليه فإني لا أرى لك أن تعدل عن هذا التوجيه القرآني النبوي إلى وقف بيتك لورثتك والله أعلم.
(1) رواه الربيع (667)، وأحمد (186/ 4)، والترمذي (2121). (4/149)
صفحة 1732
10.
الفاوي
مع
بعض الناس يقومون بتوقيف أموالهم على ورثتهم أو أبناء القبيلة سائر الورثة، فهل مثل هذا الوقف ثابت شرعاً لا يتغير؟ وإذا كان ثابتاً شرعاً، فهل يعطى أحد منه دون البعض الآخر من الورثة ذكوراً وإناثاً؟ وإذا لم يثبت، فما مصيره؟ أما الوقف على الورثة فلا يصح، لأنه كالوصية، و «لا وصية لوارث» (1)، وأما على القبيلة فجائز، وتدخل فيه الذرية إذا انطبقت عليهم صفة الاستحقاق حسب مقتضى الوصية، وتوزيع الوقف أي دخله إنما هو على ما تقتضيه الوقفية والله أعلم.
ما قولكم في رجل أوصى بمال تنفذ غلته لأولاد أولاده الذكور ثم أولادهم وأولاد أولادهم إلى أن ينقرضوا ثم لفقراء المسلمين من بعدهم، وورثة الواقف يرغبون في قسمته بينهم لا سيما وأنهم يختلفون فيه دائماً حتى يفضي بهم الحال في بعض الأحيان إلى التضارب واستمرار القطيعة فيما بينهم، لكن قسمته وهو قد أسند إلى بر لا يجرأ
ميراثا
من
عليه إلا من رسخ في العلم ومعه العلم والفهم إلى استنباط الأدلة مضانها لهذا فإن الورثة يقدمون موضوع قسمته إلى سماحتكم إن رأيتم لهم وجهاً في ذلك ليعتمدوه ويبنوا عليه قسمة هذا الموقوف؟
إن كان الورثة يرون إبطال هذا الوقف ويسعون إليه قبل انقضاء الطبقة الأولى منهم أي الذين ورثوا الواقف مباشرة، فالإبطال سائغ، لأن للوصية الثابتة شروطاً منها أن لا تكون لوارث، هذا ما أراه والله أعلم.
رجل أوصى لأولاده الذكور والإناث ببيت بما فيه الأثاث من
(1) رواه الربيع (667)، وأحمد (186/ 4)، والترمذي (2121).
قطعة مع (4/150)
صفحة 1733
فتاوى الوقف
151
مال أخضر على أن يسكنوا المنزل، وأما غلة المال فهي لعمار البيت إلا إذا أرادوا القسمة وحيث إن الأولاد عددهم ثمانية وكل واحد منهم لديه عائلة فلم يستطيعوا السكن جميعهم، فهل يصح البيع وتقسم القيمة
بينهم
هذه الوصية باطلة من أصلها، لأنها وصية لوارث والورثة ليس لهم حق في التركة إلا ما فرضه الله لهم، ولم يكل الله تعالى أمر المواريث إلى نبي مرسل ولا إلى ملك مقرب وإنما تولى بنفسه تفصيلها في سورة النساء وجعلها من حدوده التي لا يجوز تعديها حيث قال سلالالالالا بعد بيان أحكامها: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَلِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ، يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينُ} [النساء: 13، 14)، وتغيير أي شيء من أحكام المواريث بوصية أو غيرها تجاوز لأمر الله وتعدٍ لحدوده، وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا وصية لوارث» (1)، وقد أجمع على ذلك المسلمون والله أعلم.
وو
امرأة توفيت وخلفت أولاد أخ وابنة بنت متزوجة وولداً وأوصت لهم بمنزل وقف ذرية كل من يريد أن يسكنه عليه أن يعمره، فمن الأولى بتعميره من هؤلاء الورثة؟ ثم إذا أراد الورثة قسمته لنزاع بينهم، فهل لهم قسمة ذلك المنزل؟
إن كانت تركت ولداً فهو وارث ولا وصية لوارث» (2) ولا وصية لغير الوارث أيضاً بأكثر من الثلث إلا إن أذن الوارث والله أعلم.
(1) رواه الربيع (667) وأحمد (186/ 4) والترمذي (2121). (2) رواه الربيع (667) وأحمد (186/ 4) والترمذي (2121). (4/151)
صفحة 1734
152
الفاوي
رجل أوصى في ورقة وغابت عن أولاده ويقول فيها إنه وقف أغناماً لهم يأكلون منها ويطعمون منها الضيوف، وبرضى الأولاد تركوها مع والدتهم تعمل فيها ذلك كما وقف لهم أثر ماء يقعد كل سنة تمر وغلته لعيدهم وينفقون منها شيئاً يسيراً، فهل هذا جائز أم لا؟
الوصية في كلا الوجهين، باطلة، لأنها وصية لوارث، والله قد أعطى الورثة حقوقهم ولم يجز الوصية لهم، وقد جعل تعالى أحكام المواريث من الحدود التي توعد على تعديها، حيث قال بعد بيان حقوق الناس في المواريث: تِلكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَلِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِيبُ} [النساء: 13، 14، وفي الحديث المشهور: «لا وصية لوارث» (1) والله أعلم.
أوصى والدي برموم وبيوت، ولم يوص لها بأموال لإصلاحها عند دثارها، وأصبحت الآن تهدد حياة البشر، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى لا يعرف نصيبه من هذه الرموم لأنها بينه وبين أخيه ولم تقسم، والرموم التي اشتراها بنفسه لم يبق منها شيء لأنه باعها في حياته، وعلى المتوفى ديون كثيرة، فما تقولون سماحتكم في هذه الوصية؟
لقد اطلعت على هذا السؤال كما اطلعت على صورة من الوصية، وعندي أن الوصية باطلة من أساسها لأنها لأولاد الهالك وهم في مقدمة وراثه، والله تبارك وتعالى أعطى كل وارث نصيبه وجعل ذلك من حدوده وتوعد من تعداها بأكبر الوعيد وهو الخلود في نار جهنم والعياذ بالله، فكيف بعد هذا
(1) رواه الربيع (667)، وأحمد (186/ 4)، والترمذي (2121). (4/152)
صفحة 1735
فتاوى الوقف
153
عه الله له؛ مع
يحق لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يزيد وارثاً فوق حقه الذي شرعه أن الحديث المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم لا وصية لوارث» صريح في حظر هذا الأمر، وما إسناد الوقف إلى البر إلا خديعة ومكر فإن الحق لا يتوصل إليه بباطل والله أعلم.
وقف الكفن والموتى:
ذلك؟
مال وقف لشراء أثواب الكفن لأموات المسلمين، وكانت هذه الوصية تنفذ في السابق، ولكن الآن تعسر علينا تنفيذها، لأننا لا نجد من يحتاج الكفن فالكل يوصي بشراء كفنه من ماله الخاص، فما الحكم في إن تعذر أو تعسر إنفاذ الوقف فيما وقف له فإنه ينفذ في باب من أبواب البر التي هي أقرب شبهاً إليه، فالموقوف لأكفان الموتى - مثلاً - إذا لم يوجد له مصرف يصرف فيه حسب مقتضى الوقفية لا يمنع من إنفاذه في حفر قبور الموتى، لأن في كلا الأمرين ستراً للميت وقياماً بالمشروع في حقه، ويجوز صرفها إلى فقراء المسلمين والله أعلم.
بيدي وقف لكفن الموتى، وقد تجمع لدي بعض النقود وثياب الكفن، ولكني لا أجد من يستعملها في بلدتي ولا في البلاد المجاورة لنا ولا حتى الأحياء من فقراء المسلمين وذلك لكسوتهم، وذلك بسبب يسر الناس، فهل يجوز صرفها في شراء سقوف للمقابر وفي أجرة المقابر؟ لأنه المرغوب الآن، أم احتفظ بها أمانة بيدي حتى يحتاج إليها الناس لتقلب الأزمنة من شدة ورخاء؟ الأولى أن تنفذ غلة هذا الوقف فيما يتعلق بدفن الموتى، كحفر القبور (4/153)
صفحة 1736
154
الفتاوى
وشراء السقوف ـ كما جاء في سؤال السائل، وفي هذا تبرئة لساحة الوكيل
والله أعلم.
-
توجد لدينا نخلة من زمن الآبار جعلوها للقبر المعروف بقبر الشيخ هاشم بن غيلان، وكانت سابقاً يؤجر بها لتصليح خيمة على القبر، ومنذ مدة مر على القبر أحد مشايخ العلم وأمر بهدم الخيمة ومنع عن بنائها مرة أخرى، ففي ذلك الوقت سقطت نخلة وغرسنا أخرى مكانها، والآن هذه النخلة مقبلة بالغلة، فما نظركم في وضع هذه الغلة نرجعها للمسجد أو لمسجد النساء أو للطرق أو كسقوف للمقابر أم تبقى على حالها للقبر، أفدنا سماحتكم؟
القراءة على القبور والبناء عليها من البدع التي لا تصح، وما وقف لذلك الأموال فوقفيته باطلة، فإن عرف الواقف أو ورثته رد إليهم، وإلا فهو لفقراء المسلمين والله أعلم.
من
دكان موقوف للأكفان، ونؤجره سنوياً، ولكن لا أحد يقبل منا أن نعطيه كفناً أو أن ندفع له قيمة الكفن وخاصة في الوقت الحاضر، فهل يجوز للوكيل أن يسوّر به مقبرة قد أوصى بها نفس الموصي بالدكان أو غيرها من مقابر المسلمين؟ إن لم يوجد من يقبل شيئاً من هذه الأكفان لموتاه كسى بها فقراء المسلمين الأحياء والله أعلم.
قطعة أرض موقوفة لزيارة القبور، ومن بعدهم أراد ورثتهم التصرف فيها بالبيع والشراء أو الهبة، فهل لهم ذلك؟ وهل المشتري يسلم من الضمان؟
الوصية لزيارة القبور، بدعة فهي أولى بالبطلان والله أعلم. (4/154)
صفحة 1737
فتاوى الوقف
155
يوجد وقف لقراءة القرآن الكريم على الأموات، وهذا الوقف موجود لدى المواطنين، ولعدم وجود من يقرأ القرآن الكريم ويهبه الأموات فكيف يفعل بها؟
نرى أن يجعل في فقراء المسملين والله أعلم.
توجد ضاحيتا نخيل بمنطقتنا وقفا لقرءة القرآن الكريم على القبور وحسب إفادة مشرف الأوقاف أن هذه الأموال الموقوفة لا يعرف من وقفها، وحيث إن سماحتكم سبق أن أصدرتم فتوى في بطلان وصية مثل هذه الأوقاف وبيعها وتسليم قيمتها إلى ورثة الموقفين، لذا نرفع الموضوع لسماحتكم لإفادتنا برأيكم الشرعي في أمر هاتين الضاحيتين، وإن رأيتم بيعها فأين توضع قيمتها؟ أرى إنفاذ غلة هذا الوقف في المصالح العامة كتعليم القرآن الكريم أو في فقراء المسلمين، ولا مانع من بيعها للاستعاضة بثمنها بما هو أجدى نفعاً من الأصول والله أعلم.
هذه
توجد عندنا مقبرة للموتى وكان يؤتى لها بالماء من الفلج الذي يبعد عنها بمسافة فلما رأى والدي ذلك قام بحفر بئر على مقربة من المقبرة، إلا أن المقبرة لم تسور في ذلك الوقت، ولكن بعد ذلك سُور على المقبرة فدخلت البئر في سور المقبرة، ووالدي قد توفي الآن ولا نعرف قصده من هذه البئر هل هي وقف للمقبرة أم عامة؟ كما أنه لم يترك كتابة فيها، وعندما سألت بعض أقاربي الذين عاصروا والدي عن قصد والدي من البئر قالوا لا ندري إلا أن والدك لما رأى العناء على الناس في جلب الماء من الفلج قام بحفر هذه البئر. وسؤالي هو: إنني عازم على بناء منزل قريب من هذه البئر، فهل لي أن آخذ من مائها لبناء (4/155)
صفحة 1738
156 الفتاوى
المنزل وكذا للاستخدام المنزلي بعدما يجهز المنزل؟ وهل لها حكم
الوقف أم لا؟
عن
بما أن الكل يقول بأن حفر هذه البئر إنما كان لأجل منع العناء الناس بتيسير الماء لهم من قريب لئلا يعتنوا بحمله من الفلج في دفن الموتى، فإن الظاهر أن حافرها أرادها وقفاً للمقبرة، ويقول في مثل ذلك على القرائن، ورأى شيخنا سعيد بن خلف الخروصي - حفظه الله تعالى - جواز الانتفاع الموقوت بفضل مائها وذلك في حال البناء مع تجنب فيما بعد في الاستخدام المنزلي، ورأيه وجيه والتنزه من ذلك أحوط
ذلك
والله أعلم. رجل وقف نخلات بعد موته لزيارة قبره وقبور أولاده من بعده، وآخر وقف للفقراء، فما حكم هذين الوقفين؟
أما ما وقف لزيارة القبور فهو وقف باطل لمخالفته أمر الله تعالى الوارد على لسان رسوله الأمين، لأنه نهى عن زيارة القبور لغير الاتعاظ وتذكر المصير الذي بين يدي كل إنسان، ومثل هذه الزيارة لا تصح الأجرة عليها، وأما ما وقف للتفريق لفقراء المسملين فهو داخل تحت البر الذي يجب تنفيذه ولا يجوز تحويل هذا الوقف ونحوه عما وقف له لدخول ذلك تحت قول الله سبحانه: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّهَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ} [البقرة: 181] اللهم إلا أن تقتضي المصلحة بيعه والاستعاضة عنه في جهة أخرى بما هو أجدى نفعاً ففي ذلك رخصة لبعض العلماء، شريطة أن ذلك تحت إشراف أهل التقى والصلاح والخبرة بشؤون الأموال، هذا والوقف المحكوم ببطلانه يعود إلى الورثة أو ورثتهم إن وجدوا ولو بعدوا وإلا رد إلى فقراء المسلمين والله أعلم.
يتم (4/156)
صفحة 1739
فتاوى الوقف
157
جلبة صغيرة موقوفة، وقفها الهالك لأبناء أخيه إن كانوا متعلمين، وفقراؤهم أحق بذلك من غيرهم ومنذ ستين سنة وهم يقتسمون غلتها بالسواء، والآن دثر المال وخرب ولم يبق منه إلا القليل ويخشى ذهاب ماله، فأراد أحد أولاد الهالك أن يضمها مع وقف زيارة قبر هذا الشيخ ذلك؟ وأسرته لقراءة القرآن الكريم، فهل يصح
لا
يصح تبديل الوقف عما له اللهم إلا في بعض الحالات وليست هذه منها، ووقف الزيارة من الأوقاف التي لا تصح، لأن الزيارة إما أن يراد بها
له
مجرد زيارة القبور وهي لا يصح أن يوقف لها، لأن زائر القبور إنما تصح زيارتها للذكر والاتعاظ لا غير، ولا يصح أخذ أجر على ذلك، وإما أن تكون الزيارة مقصوداً بها قراءة القرآن على المقابر وذلك من البدع المحرمة، لحرمة اتخاذ القبور مساجد، والمحرم لا يصح أن يوقف له، فكيف يصح تحويل ما وقف لبر إلى أمثال هذه الأمور المنافية للدين اللهم إن ذلك من المحجور قطعاً والله أعلم.
أموال موصى بها للأكفان وقد اشتريت بعض الثياب من زمن سابق ولم يتم استعمالها، وفي هذا الوقت قد توقفنا عن شراء هذه الثياب حيث إنه لا أحد يستخدم هذه الثياب ولا أحد يحتاج إليها، ومن زمن قريب قمنا بطناء بعض النخيل ووضعنا بعض النقود القليلة في أمانتنا، فما هو رأي سماحتكم في هذه النقود القليلة؟
سوغ بعض أهل العلم أن يصرف الفاضل من هذه الأكفان عن حاجة الموتى إلى فقراء المسلمين، وسوغ غيرهم أن يصرف فيما يعود على الموتى بالمصلحة كحفر القبور وأرى كلا الرأيين سائغاً العمل به والله أعلم.
هل يجوز تحويل الأموال الموقوفة لشراء الأكفان إلى شراء ألواح من (4/157)
صفحة 1740
158
الفاوي
الحجر لتسقيف قبور الموتى أو شراء أدوات الحفر للقبور؟
أما تحويل الأموال الموقوفة إلى غير ما وقفت له فلا يجوز ذلك بحال، وأما صرف الفائض من الغلة عن حاجة الموقوف له فقد رخص بعض أهل العلم أن يُصرف إلى ما كان من مصلحة الموتى كحفر القبور ونحو ذلك، ورأى آخرون صرف ذلك إلى فقراء المسلمين، وفي كل خير ولكن الأصل كما هو غير مبدل والله أعلم.
مع
بقاء
رجل هلك وترك ابنين كما ترك وصية رهينة ثلاثين قرشاً فرنسياً بحفر قبور، ومضى على ذلك زمن طويل، بعدها اقتسم الوريثان التركة، ووضعا الوصية في مال أحدهما فأراد استئجار من يقوم بحفر القبور فلم يجد، وقد صار رجلاً ضعيفاً لا يستطيع الحفر، فهل يصح له وضع هذا المال كوقف أو في مال المسجد؟
لا
يصح أن يغير ما وقف لحفر القبور عما وقف له، وبما أنه لا بد من حفر قبور للموتى، أرى أن يعان حافروا القبور من هذا الوقف والله أعلم.
بها
أناس قد أوصوا لأكفان موتى البلدة التي يقطنونها، وأصبحت غلة المال فائضة عن احتياجات أكفان موتى أهالي البلدة، فهل يجوز أن يشتروا أكفاناً ويوزعوها على بلدان أخرى؟ إذا أوصي بمال لأكفان الموتى في بلد معين وفاضت غلته عن حاجة ذلك البلد فلا مانع من توزيع أكفان من فائض الغلة على البلدان المجاورة والله أعلم.
ما قولكم في رجل كان قد أوصى قبل موته بدكان تنفذ أجرته لأكفان الموتى، فعمل بهذه الوصية لفترة من الزمن إلا أنه في الفترة الأخيرة استغنى الناس عن هذه الأثواب التي يكفن بها الموتى، فبقيت في يد (4/158)
صفحة 1741
من
فتاوى الوقف
159
الوكيل حتى أنها قاربت أن تتلف فجمد الوكيل الدراهم المتحصلة من إيجار الدكان، وبمرور الزمن صارت مبلغاً كبيراً، فهل يصح له أن يقسمها على فقراء المسلمين الأحياء الذين يراهم مستحقين لها؟ وهل يقسمها أثواباً أم دراهم؟
الأخذ
إذا تعذر تنفيذ وقف الأكفان فيما وقف له لانصراف الناس عن أكفان الوقف لموتاهم فلا بأس أن يُكسى منه الأحياء المحتاجون، وإذا
اقتضت المصلحة توزيع نقود من الوقف فلا بأس بذلك والله أعلم.
رجل أوصى بنخلة لأكفان الموتى لكن هذه النخلة عندما تعرض للطني يتجنبها الناس نظراً لأن هذه الأموال كما يقولون لا تصرف في حقها وإنما يستغلها القائمون عليها هل للقائمين عليها أن يخفوا هذا الأمر عن الناس بحيث يكون سرياً حتى يشتروا أو يتعاملوا معها؟
لا مانع من ذلك، وعليهم أن يحرصوا على ما فيه المصلحة والله أعلم.
يوجد بولايتنا وقف يسمى وقف زيارة وهو عبارة عن قطعة أرض زراعية صغيرة بها أربع نخلات وقفت منذ فترة طويلة، وقد كانت تؤجر في الماضي لبعض المزارعين للاستفادة منها بجني حصادها على أن يقوموا مقابل ذلك بزيارة قبور الأشخاص الذين وقفوها من أجل قراءة القرآن عليها، فما الحكم في ذلك؟ وماذا على وكيل هذا الوقف أن يفعل تجاه هذا الوقف؟
ذلك مخالف للسنة وعليه فتصرف هذه الأوقاف في مصالح المسلمين كنشر العلم وتيسير أدواته والله أعلم. (4/159)
صفحة 1742
160
الفتاوى
وقف طلبة العلم:
ما قولكم في مبالغ ماء موقوف لطلبة حفظ القرآن ودراسة الأثر لم توزع منذ ثلاثة أعوام على المتعلمين، حيث تتجه النية في إنفاق هذه المبالغ المجتمعة من دخل ثلاث سنوات لبناء مدرسة لتعليم القرآن الكريم، فهل يجوز ذلك أم لا؟ علماً بأن المتعلمين لا توجد لديهم مدرسة لتعليم القرآن الكريم أفدنا ودمتم؟
إن كان الوقف موقوفاً لتعليم القرآن فلا حرج، لأن ذلك من مصالح التعليم، وإن كان موقوفاً لمتعلمي القرآن فيجب إنفاق غلته على المتعلمين، ولا يجوز صرفه لغير ذلك لأنه من التبديل والله أعلم.
فقد وقفنا على الاتفاق في فتوى وقف المتعلمين الذي بينتم سماحتكم وبين المشائخ في شأن غلة الماء الذي وقفه الإمام سلطان بن سيف، ونصت الاتفاقية على أنه يستحقه طلبة العلم الشريف الذين يقرؤون العلوم الإسلامية، سواء كان هؤلاء المتعلمون من طلبة المعهد بجامع الولاية أو من طلبة المدارس النظامية بالولاية. فاللجنة تستفسر عن توزيع هذه الغلة هل تعم جميع المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية والمعاهد والكليات ومحو الأمية، ومنهم من في الجامعات والكليات في داخل السلطنة وخارجها من بنين وبنات؟ وهل تدخل في الولاية القرى المتعلقة بها؟ ثم كيف يتم توزيع المبلغ على المستحقين، هل بالتفاوت أو بالتسوية؟ وهل حملة العلم يستحقون زيادة عن غيرهم؟
الوقف هو لمتعلمي العلم الشريف والمراد به العلوم الدينية، فمن كان ملتزماً بدراسة العلوم الدينية ومعتنياً بها يعطى من هذا الوقف، سواء كان في (4/160)
صفحة 1743
فتاوى الوقف
161
المعاهد أو في الجامع أو في المدارس النظامية والله أعلم.
إشارة إلى الفتوى التي تفضلتم بها حول إنفاق غلة الماء الذي وقفه الإمام سلطان بن سيف لمتعلمي العلم الشريف نود أن نستوضحكم مرة أخرى عن نقاط ثلاث:
الأولى: أن فضيلة الشيخ سعود بن سليمان الكندي قاضي المحكمة الشرعية بنزوى وهو أحد أعضاء اللجنة المشرفة على توزيع الوقف يرى تعميم التوزيع على المعاهد والمدارس حتى الابتدائية، وبناءً على ذلك فإن الطلبة كثيرون والمال وإن توفر الآن بسبب تجميده منذ عدة سنوات إلا أنه في المستقبل يكون قليلاً وعدد الطلبة في تزايد مستمر، ومن ناحية أخرى هل يمكن تحديد من يدرس في المرحلة الابتدائية أنه ملتزم بالعلم الشريف معتن به طبقاً لفتوى سماحتكم؟ الثانية لو خصصنا ممن يدرس بالمدارس النظامية بعض الأشخاص باعتبار أنهم أحق من غيرهم لأحدث ذلك ولا شك نوعاً من الإحراج وأدى إلى حصول خلاف أو حقد للجنة وللمدرسين الذي استعانت بهم في تعيين من يرون استحقاقه، وقد يكون مثار شقاق بين الطلبة، فهل يضير لو خصص جزء من الغلة لكل مدرسة على حدة ثم يوزع
طلبتها؟
بالتساوي بين جميع الثالثة: نصت فتوى سماحتكم على أن كل ملتزم بتعلم العلم الشريف معتن به له الحق في هذا الوقف، فهل يكون التوزيع بينهم على حسب تفاوت درجاتهم في العلم حسبما يظهر أم يتم التوزيع بينهم بالتساوي بغض النظر عن منازلهم في العلم أو المراحل التي يدرسون فيها؟
1 - لا أرى توزيع هذه المبالغ على جميع الطلبة بحيث يشمل الطلبة (4/161)
صفحة 1744
162
الفاوي
الابتدائيين لما يترتب على ذلك من الإشكال فيما بعد، ولعدم إمكان التمييز
بين الجاد منهم في طلب العلم الشريف وغير الجاد في هذه المرحلة.
2 ـ ومثل ذلك إعطاء كل مدرسة حصتها من الوقف لتوزيعه بين طلابها لعدم انفكاكه عن الملاحظتين المذكورتين في الصورة السابقة.
3 ـ أرى أن يقتصر في توزيع هذا الوقف على طلبة علوم الشريعة وما يرتبط بها من علوم الآلة، سواء كانوا في المدارس النظامية أو في الجامع، شريطة اهتمامهم بهذا الجانب من العلم، ويحسن تفضيل بعضهم على بعض حسب نشاطهم في الطلب وحسب تفاوتهم في العسر واليسر.
العطاء في والله أعلم.
قطعة أرض بها أربع آثار ماء موقوفة لمساعدة فقير عاجز ليجازي مُعَلِّمَ ولده، وبعد وفاة الواقف وفي عصرنا الحاضر، فقد أصبح المعلم يأخذ الراتب الذي يكفيه ويفضل عنه ولم تعد حاجة لريع الوقف تجاه المعلم يعود هذا الوقف لأولاد أولاد الواقف المتوفى، ومنهم من
فهل يصح
هو فقير؟
لا
أن
يصح أن يرد الوقف إلى ذرية الواقف إلا في حالة بطلانه، ولا وجه لإبطاله هنا، لأنه قصد به وجه من وجوه البر من أول الأمر، والرواتب التي تدفع من الدولة لمعلمي القرآن الكريم لا تمنع من إعطائهم حقهم مما وقف لهم، ليستعينوا بها على نوائب زمانهم ومن بدل ذلك دخل في قوله تعالى: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 181]
والله أعلم.
رجل وقف ماء من فلج للتعليم في البلدة، والقعد يوجد فيه فضلة، (4/162)
صفحة 1745
فتاوى الوقف
163
وتوجد بعض المزارع والبلدان التي تعد من أعمال هذه البلدة تحتاج إلى معلم، فهل يجوز الإنفاق عليهم من هذا المال؟
إن فضلت فضلة عن حاجة البلاد نفسها فلا مانع من صرفها في الوجه
الذي وقفت له فيما حول البلاد فيما أرى، وانظر في ذلك والله أعلم. سماحة الشيخ: إن مما نعلمه أن والدنا الهالك كان قد أعطي من قبل إمام المسملين محمد بن عبد الله الخليلي - رضوان الله عليه ـ أثر ماء من فلج الملكي، وهذا الأثر خاص بوقف ماء المتعلمين المعروف عند أهل البلد، ولقد أعطي والدنا هذا الأثر من قبل الإمام باعتباره أحد المتعلمين مع الإمام في ذلك الزمان، وظل والدنا يستفيد من هذا الأثر من الماء في حياة الإمام وبعد مماته رحم الله دون معارضة من أرباب الفلج وأهل الولاية، ولكن بعد وفاة الوالد طالبنا المسؤولون عن الفلج عن قيمة هذا الأثر من الماء، فما كان من وكيلنا سابقاً إلا أن قام بدفع القيمة السنوية لهذا الأثر من الماء ومن بعد وفاة الوالد وإلى يومنا هذا ونحن ندفع قيمته، فهل دفع القيمة السنوية لهذا الأثر واجب علينا مع العلم أن الوالد ظل ينتفع به طوال حياته مع يسره ونحن بعد وفاته أحوج إلى العون والمساعدة لضيق ذات اليد؟
إن كنتم من طلاب العلم الذين ينطبق عليهم الوصف المطلوب في الوقفية فلا معنى لإلزامكم دفع قيمته، لأنكم مستحقون له كما كان والدكم والله أعلم.
نود الإفادة إلى أنه يوجد منزل وقف للمتعلمين، وهو تحت قبضة أحد المواطنين بالبلدة، وقد تقدم جماعة من أهل البلدة المذكورة يطلبون تحويل هذا المنزل من سكن إلى مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم، فما (4/163)
صفحة 1746
164
الفاوي
رأي سماحتكم في ذلك؟
إن كان البيت موقوفاً لسكنى المتعلمين أو للتأجير على أن يكون ريعه يعود إلى المتعلمين فلا يجوز تحويله عن ذلك، لأن الله تعالى قال في الوصية: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 181]، وللوقف حكم الوصية والله أعلم.
أموال وقف ثلثها للمتعلمين بولايتنا، وقد تكفلت الحكومة الآن بالنفقة على المدارس كما هو معلوم لديكم، وقد ابتدر بعض الإخوان في الولاية بإقامة مركز صيفي لتحفيظ القرآن الكريم ودراسة علوم الشريعة الإسلامية وهي بحاجة ماسة إلى من يوفر لهم وسيلة النقل التي توصل المتعلمين إلى مكان المراكز التعليمية، كما أنهم بحاجة إلى توفير الجوائز التشجيعية للمشاركين، فهل يجوز تحويل ثلث الأموال الموقوفة
المذكورة آنفاً إلى هذه المصلحة؟
لا مانع من ذلك، فإن القرآن الكريم أساس العلوم ومصدر الفهوم، والله يوفقكم لما فيه الخير والله أعلم.
عن وقف ماء للمتعلمين ببلدنا الظاهر وما نصت عليه من تعبير على أن تنفق في البلدة دون غيرها من البلدان {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 181]، وقد رأينا شيخنا جوابكم الذي أيد دفع المبلغ لتدريس الفترة الصيفية لتحفيظ القرآن الكريم في منطقة تبعد عن بلدتنا بحوالي ثلاثة كيلومترات أو أقل بقليل، وهناك أودية تقطع بينها وهي أقرب لبلدة دبيك لأنها لا تبعد عنها إلا بضعة أمتار إن لم تكن فيها، وإذا كان الأمر حسب ما نصت (4/164)
صفحة 1747
فتاوى الوقف ?? ?
عليه الفتوى فإن هناك الكثير من المناطق قد تنهج نفس النهج، فما قول سماحتكم في ذلك؟
اطلعنا والذي رأيناه من خلال مراجعتنا نص الوقفية أن الواقف نص على الجهة التي يُصرف فيها الفاضل عن تعليم القرآن ببلدة الظاهر من دخل هذا الوقف وهي المتعلمون الذين يطلبون العلم الشريف من أهل بلدة الظاهر نفسها، وعليه فإن هذا الوقف يجب أن لا يتعدى ما خصصه به الواقف، أما الفتوى التي صدرت منا فقد كانت قبل اطلاعنا على نص
الوقفية والله أعلم.
وقف عرفة:
نخل موقوف يشترى من غلته أرز يوزع يوم التاسع من ذي الحجة من كل عام على فئة معينة من الناس، فهل يجوز تبديل الأرز وتوزيع نقود بدلاً منه، علماً بأن بعض الشركاء يعترضون على ذلك؟
يتقيد بما نص عليه الواقف، إذ لا ضرورة تلجئ إلى التبديل والله أعلم.
وقف عبارة عن مجموعة من النخيل تطنى غلتها سنوياً، وفي يوم التاسع من ذي الحجة يعمل بهذه المبالغ التي تحصل من غلتها وجبة غداء عامة للبلاد من غني وفقير، ولكن عندما تكون الغلة غير كافية فهل يجوز أخذ شيء من طناء أموال المساجد ليكمل بها هذه العادة؟ وإذا لم يكن شيء من ثمار هذا المال الموقوف ليوم التاسع فهل يجوز أيضاً أخذ شيء من غلة المساجد لتستمر هذه العادة السنوية؟ وكذلك البعض اعتاد أخذ شيء من أموال المساجد - أي مما يفضل من غلتها ـ لإكرام الضيوف (4/165)
صفحة 1748
166
الفاوي
القادمين أو عمل خرجات في إصلاح أمر من الأمور الدنيوية، فما حكم
ذلك؟
لا يجوز شيء من ذلك، فإنه تبديل للوقف عما وقف له، وقد قال تعالى: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 181]
والله أعلم.
عن بئر ماء مع أرض له أوصي أرض له أوصي به ليوم عرفة وقفاً لفقراء المسلمين، ومضت هذه الوصية منفذة طوال الأعوام الغابرة يعمل بمبلغ الإيجار وجبة غداء في اليوم المذكور أعلاه. ونظراً لما نحن فيه في هذا الزمان أصبح الفقراء غير موجودين في محلة واحدة، وإنما يعيشون في مناطق مختلفة، فهل من الممكن أن يحول مبلغ الإيجار ليوزع نقداً على الفقراء ليشمل جزء كبيراً منهم؟ وهل يجوز أن نخصم ربع هذا الإيجار ادخاراً للبئر خشية أن يقع به ضرر ويكون محتاجاً للصيانة؟
إن كانت الوصية غير مقيدة بالإطعام فلا مانع من صرف النقد لهم، وإن كانت مقيدة فبحسب التقييد، وصيانة البئر من دخلها بقدر الحاجة والله أعلم. (4/166)
صفحة 1749
وقف الفطرة:
فتاوى الوقف
167
مسجد جامع له بعض الأموال كان ينفق من غلتها لإفطار الصائمين في رمضان، كما ينفق من ماله لمصالحه وفرشه وخدمة ماله، وإذا بقيت من غلته بقية يشترى أرز يفرق يوم عرفة حسب أوقاف عمان المعهودة. والآن زادت تكلفة غرمة الفطرة وأجرة من يعتني بها، حيث بلغت غلة المال خمسة وثلاثين ريالاً وما ينفق من أجل الاعتناء بها ثلاثين ريالاً فصارت الغلة كلها تستهلك في هذه الفطرة، فهل يمكن إلغاء هذه الفطرة وتبديلها، وذلك لتبدل الزمن وتبدل أحوال الناس عن السابق؟
إذا لم ير الوكيل مصلحة في توزيع الفطرة حسبما تقتضي الوقفية، فلا مانع من تصرف آخر معقول، كتوزيع حاصل الغلة على الصائمين الذين يستحقون الفطرة، إلى أن تعود أوضاع المال على ما كانت عليه من قبل
والله أعلم.
مال وقف لفطرة صائمي شهر رمضان من كل عام في مساجد القرية، وفي الآونة الأخيرة لم يعد هناك من يستفيد منها، نظراً لكثرة وصايا الفطرة إذ هذه المساجد تصنع فيها الفطرة ولم يوجد لها من يأكلها، فهل يجوز توزيعها أرزاً على فقراء المسلمين؟
ما أوصى به لفطرة الصائمين يطعمونها في مسجد ما ولم يوجد من يحضر في ذلك المسجد للفطور، فإنه يحول إلى مسجد آخر من المساجد المجاورة له، وإن لم يوجد تجمع في شيء من المساجد أعطي الطعام لجماعة المسجد الصائمين ليأكلوه ولو في بيوتهم والله أعلم. (4/167)
صفحة 1750
168
الفتاوى
رجل وقف آباؤه أربع نخلات فطرة لصائمي شهر رمضان، ولكنه في الوقت الحاضر لم يجد لها من يقوم بشؤونها، وحتى في حصادها يتعذر ذلك، فهل ترى سماحتكم وجهاً في بيعها ووضع ثمنها في إصلاح شيء من المساجد أو في شيء من طرق الخير وصولاً لمصلحة هذا الوقف؟ تبقى للفطرة كما وقفت وإن اقتضت المصلحة بيعها فلا مانع منه
بشرطين
أولهما: أن يشترى بثمنها شيء من الأصول ذات الدخل المستمر، لإنفاق دخله فيما وقفت له النخلات. ثانيهما: أن يتم ذلك تحت إشراف الأمناء ذوي الخبرة في مصالح الأموال والله أعلم.
وقف للإفطار يخص أربع محلات، ولعدم وجود من يقبل الأكل فقد ترك تنفيذ الوصية منذ أربعة أعوام، مع العلم أن غلة الوقف تساوي مبلغ ثلاثمائة ريال عُماني سنوياً، وخوفاً من غيابه قمنا بالمطالبة بهذا الحق، واقترحنا قسمته سنوياً على تلك المحلات المشتركة وتأسيس صندوق لكل منها على أن يعين مسؤول أمين يقوم برعايته وينفق في مصلحة كل حلة، فهل يجوز ذلك أم يترك كما هو عليه؟
الأصل في الوقف عدم جواز تغييره لقوله تعالى: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: (181)، ولكن إذا تعذر صرفه فيما وقف لأجله، كعدم وجود من يقبل الأكل منه كما في هذه المسألة، فلا مانع من اجتماع أصحاب النظر وأهل الفضل على مصلحة الوقف ينفقونها فيه على تشاور بينهم وتعارف والله أعلم. (4/168)
صفحة 1751
فتاوى الوقف
169
يوجد مال موروث وهذا المال منه فطرة لمسجد في البلدة ومقدار الفطرة أربعة أمنان وفي السابق يأتي وكيل المسجد ويأخذ هذه الفطرة، ولكن منذ أن توفي وكيل المسجد لم يأت أحد لأخذها، وذلك لمدة تقارب ست عشرة سنة، مع العلم أن المسجد الذي له هذه الفطرة مندثر ولا يصلي فيه أحد، فما رأي سماحتكم في توزيع هذه الفطرة، علماً بأن صاحب المال الحالي رجل معسر الحال ويتقاضى راتباً من الضمان الاجتماعي، فهل يجب عليه إخراج هذه الفطرة من ماله الذي ورثة أم لا؟ الوقف بالفطرة على هذا النحو أمر فيه إشكال كبير، ذلك لأن الأموال تنتقل من موروث إلى وارث ومن بائع لمشتر، وينقسم بعد أن كان مجتمعاً، والغلة تزيد وتنقص، وتوزيع الفطرة على الصائمين ليأكلوها في بيوتهم سائغ في مثل هذه الحالة والله أعلم.
يوجد لديّ مال (نخل) بولاية جعلان بني بوحسن، وبه أربع نخلات وقف (فطرة)، وقد تم بيع هذا المال منذ سنوات ما عدا الوقف، ونظراً لعدم وجود من يكفل هذا الوقف، حيث إنني من سكان ولاية صور وأقيم حالياً في محافظة مسقط، ولرغبة مشتري المال في شراء نخيل الوقف فإنني أرجو تكرم سماحتكم الإفادة عما إذا كان يجوز بيع الوقف واستغلال مبلغ البيع في أي مشروع خاص بالصدقات الجارية الذي يدار من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الموقرة؟
هذا
بما أنه وقف للفطرة فلا يجوز تحويله إلى مصرف آخر من مصارف الخير، وإنما يجب أن يبقى كما هو، أما النخلات الخاصة بهذا الوقف فإن كان في بيعها مصلحة بينة وسيكون البديل أفضل منها قيمة وريعاً فلا مانع من ذلك والله أعلم. (4/169)
صفحة 1752
170
الفاوي
رجل يملك نخلاً فيه وصية بإخراج قدر معين منه للفطرة يصل تقريباً إلى الثلث، ونظراً لعدم قيام هذا المالك على المال بنفسه فإنه يقوم بتأجيره مقابل قدر من المال يعطيه العامل، إلا أن مقدار ما يغرمه على هذا المال قد فاق عوائد النخل الداخلة عليه بما فيها عائد الفطرة بحيث لو نظر فيما يخرجه لوجد أنه أخرج قدراً يزيد عما يعود إليه من النخل بأسره، فهل هو مطالب بعد هذا بإخراج الفطرة؟
الأسلم والأولى أن يتفق مع أهل الخبرة على إخراج نخلات معينة بقدر حصة الوقف على أن تكون تلك النخلات راجعة إلى الوقف بربحها وخسرها وتخرج عنه والله أعلم.
يوجد لدينا مسجد قديم متهدم لم يبق منه إلا أطلال وقد أوصى له أحد فاعلي الخير بوزن ثلاثين مناً من التمر من نخيله إذا كان بها ثمر وحيث إن المسجد متهدم ولا تقام فيه الصلوات فقد تجمع مبلغ مقداره مائة وخمسون ريالاً عُمانياً من قيمة التمر المباع الموصى بها للمسجد المذكور، نطلب من سماحتكم التوجيه الشرعي حول هذا المبلغ الموجود والمبالغ التي سوف تجمع متى وجد في النخيل الثمار؟
يصرف هذا المبلغ إلى أقرب مسجد إلى المسجد الموقوف له من أجل تفطير الصائمين به، وإن تعذر ذلك صرف إلى الفقراء من الصائمين ليفطروا به ولو في بيوتهم والله أعلم.
يوجد بمسجدنا وقف للفطور وآخر للسحور وآخر للهجور والمسمى (بنقض الريق)، ولكن في هذا الزمان صار الناس لا يأتون لمثل هذه (4/170)
صفحة 1753
فتاوى الوقف
171
الوجبات وإنما يفطرون ويتسحرون في بيوتهم، فما حكم هذا الوقف، هل يجعل في مصلحة المسجد أم يجعل للفقراء أم يرد إلى ورثة الموقف إن علموا ولم يعلموا فماذا يصنع به؟
يصرف إلى الفقراء ليأكلوه في بيوتهم إبان الأوقات التي خصص بها
والله أعلم.
من أوصى بفطرة للصائمين في مسجد ما ولم يوجد من يحضر في
المسجد للفطرة؟
ذلك
المساجد
أما ما أوصي به لفطرة الصائمين يطعمونها في مسجد ما ولم يوجد من يحضر في ذلك المسجد للفطور فإنه يحول إلى مسجد آخر من المجاورة، وإن لم يوجد تجمع في شيء من المساجد أعطي الطعام لجماعة المسجد الصائمين ليأكلوه ولو في بيوتهم والله أعلم.
رجل أوصى بفطرة تمر يفطر بها في شهر رمضان المبارك لمسجدين، أحدهما عامر وله قيام وأذان وصلاة جماعة، وفي وسط البلد، وله نصف من الفطرة والآخر مصلى نازح عن البلد التي بها المسجد المذكور وله نصف الفطرة، وهذا المصلى ليس له بناء من أي شيء إلا بالحجر، وهو نازح عن طريق السيارات ومن الشارع إلى هذا المصلى قاطع وادي والمصلى مرتفع أعلى الوادي وليس له مكان لشق طريق لوصول السيارة إليه، وبقربه بليدة صغيرة (حيل) وبها بيت واحد وتبعد 3 كيلومتر ونصف، وفي القديم كان أهل البلدتين هذا وأهل البليدة (الحيل) قرب المصلى يجتمعون كلهم للفطرة في المصلى غير المعتمر، وبعصرنا كل شيء تبدل وتغير وقالوا لا نذهب (4/171)
صفحة 1754
172
الفاوي
نفطر بمكان بعيد، إلا إذا كان تعطونا دراهم، والوكيل لهذه الفطرة محتار كيف يعمل؟
إن كانت الفطرة لأهل الحيل فلا مانع من إعطائهم إياها ليأكلوها حيث أرادوا، وإن كانت لجماعة المصلى فلا تُعطى إلا لمن يصلي فيه، فإن لم يوجد فلتعط لجماعة أقرب مسجد إلى المصلى المذكور والله أعلم.
رجل أوصى بثلاثين مناً من التمر في ماله الأخضر فطرة لصائمي شهر رمضان، وكان المال فيه تسعة آثار ماء من الفلج، وقد توالت هذه الوصية من وارث إلى آخر حتى دارت على خمسة ورثة من عصبة الموصي الأول، وقد باع الوارث الرابع سبعة آثار من أصل تسعة آثار من الماء المشار إليها، وبقي منه أثران فقط، ثم إن المال ماتت جميع النخيل فيه في عهد الوارث الخامس وقام بفسله من جديد واستقعد له ماء مائه مع القديم وقد أثمر الفسل الجديد، فالسؤال هل الفطرة تبقى في هذا المال سارية المفعول تؤخذ منه كما تؤخذ سابقاً من النخيل التي ماتت، علماً بأن الوصية أمنان في عموم المال وليست في نخيل محدودة ومعروفة في
المال؟
هذه الوصية فيها من الجهالة ما لا يحتاج إلى بيان، ولو قيل ببطلانها من أصلها لما كان ذلك بعيداً من الحق، والذي استحسنه لصاحب هذا المال أن يخرج من نخله ما تقدر غلته بقدر ما أوصى به، ويجعلها وقفاً لما أوصى له والله أعلم.
رجل كان قد أوصى بسبع نخلات من ماله لفطرة الصائمين، واستمرت هذه الفطرة كما أوصى بها لفترة طويلة، والآن ماتت النخيل الموصى (4/172)
صفحة 1755
فتاوى الوقف
173
بها وبقيت الأرض، فهل تلك الأرض راجعة للفطرة أم أنها راجعة للورثة بعد موت النخيل؟
الأرض للوقف ما لم يقيد الموصي الوصية بأن هذه النخلات وقائع (1)
والله أعلم.
رجل أوصى ببعض المال لفطرة الصائم في شهر رمضان المبارك، ومن العادة أن تكون هذه الفطرة في المساجد أو الأماكن المخصصة لها، وقد جاء على الناس زمان تعففت فيه عن الحضور إلى المساجد والإفطار فيها أو حتى الأمكنة التي كانت حافلة بالناس مما تعذر على الموصى عليه أو القائم بذلك المال إنفاقه في الشيء المخصص، فهل يجوز له نقل ذلك المال إلى عمارة المساجد؟
الأولى أن تعطى هذه الفطرة للصائمين ليأكلوها في بيوتهم، والفقراء أولى بذلك، فإن امتنعوا من قبولها جاز حينئذ أن تصرف في مصالح المسجد التي يراها القائمون والله أعلم.
لدينا نخلات أوصي بغلتهن بعد إصلاح أصلهن لفطرة صائمي شهر رمضان بمسجد البلدة، واليوم لا أحد يجيء إلى المسجد للإفطار إلا القليل مما جعل هذه الغلة تفضل والمسجد يحتاج إلى إصلاح وتعمير ولا مال له، فهل يجوز أن نعمر بالغلة الفائضة المسجد أم لا؟
الأولى أن تفرق غلة هذه النخلات الفاضلة عن إصلاح أصلهن على الصائمين ولو أكلوها في بيوتهم، وذلك أن قصد الواقف هو حصول الثواب
(1) وقائع أي أن الوقف ثابت بوجود النخلات فإذا ماتت أو وقعت انتهى الوقف وذلك لأن الأرض التي بها ليست موقوفة وإنما أصل النخلات فقط. (4/173)
صفحة 1756
174 الفتاوى
بإفطار الصائمين من وقفه، لحديث من فطر صائماً ... إلخ)، وهذا يحصل مع إخلاص النية، سواءً كان الإفطار في المسجد المخصوص بالفطرة أو غيره، على أن الإمام أبا نبهان رحم الله كان يرى أن يفطر جماعة المسجد من الفطرة المخصوصة بالمسجد خارجه ولو مع إمكان اجتماعهم في المسجد، وذلك لما يجره اجتماعهم فيه للأكل من رفع الأصوات المنهي عنه في المساجد، وما يكون من أحوال تتنافى مع قدسية المساجد ونزاهتها والله أعلم.
رجل كان قد أوصى بقطعة أرض كانت تؤجر ومن غلتها تشترى حلوى السحور لشهر رمضان للذين يصلون صلاة السحور في مسجد البلدة، والآن لا أحد يحضر لصلاة السحور بالمسجد، فتم هذه القطعة بمبلغ ثمانية آلاف ريال عماني، فما مصير هذا المبلغ، هل يصرف في إعادة بناء المسجد أم يرجع لوقف المحلة الذي يصرف يوم تاسع لسكان المحلة؟ علماً بأن المسجد يحتاج إلى إعادة بناء؟
بيع
يُشترى بهذا المبلغ عقار أو ماء تصرف غلته في الوجه الموقوف له وهو إطعام الحلوى للمصلين صلاة السحر في شهر رمضان المبارك، فإن لم يُصل سحراً أحد في ذلك المسجد ففي أقرب مسجد تصلى صلاة السحر والله أعلم.
سؤال عن الديون التي ترتبت على وقف مسجد في فترة الوكيل السابق، فهل يجوز وفاء هذا الدين من وقف فطرة الجماعة، إذا اتفق جماعة
(1) نص الحديث: «من فطر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء» رواه أحمد (192/ 5)، والترمذي (807). (4/174)
صفحة 1757
فتاوى الوقف
175
المسجد على أن توفى هذه الديون من الفطرة الفاضلة، علماً بأن الدين
على وقف المسجد من عماره ومن وقف الجماعة؟
إن كان وقف الفطرة فائضاً عن الحاجة التي وقف من أجلها، واتفق رأي الجماعة على صرف فضل غلته في قضاء الدين المتعلق بوقف المسجد، فلا جناح في ذلك ـ إن شاء الله
وقف الأضياف:
توجد بادة ماء منذ قديم الزمان وهكذا وجدت سيلة للجماعة، وهذه البادة موزعة على بعض أهل البلد على أن يقوموا بضيافة من يقيم في هذه السبلة من ضيوف فهل قسمة هذا الماء في الميراث تخص الذكور دون الإناث أم كما فرضه الله؟، وبما أنه الآن تعذر القيام بالضيافة لعدم نزول ضيوف بالسبلة، فهل يجوز التصرف في هذا الماء في منافع أخرى غير الضيافة لتعذرها؟ وإن رفض من بيده الماء فهل يجبره أهل البلدة على ذلك؟
هذا الماء مخصص، بالضيافة، فإن تعذرت الضيافة صرفت غلته إلى المصلحة التي يراها أهل المنطقة، ولا يعود إلى الذكور ولا الإناث والله أعلم.
دراهم موقوفة لجماعة الورود جعلت للضيافة والعزائم والنوائب التي تنوب القبيلة، والآن عمروا سبلة عامة جامعة للجماعة وأرادوا صرف هذه الدراهم في بناء هذه السبلة وتكون معدة لإنزال الضيف ولنائبة العزاء وغير ذلك، واتفق الجماعة على ذلك، فهل يجوز لهم ذلك؟
إذا كان الوقف للمصالح العامة فإن السبلة من ضمن هذه المصالح ما (4/175)
صفحة 1758
176 الفتاوي
دامت الحاجة إليها، داعية ولا مانع من إعانتهم ببعض ريع الوقف لبنائها، وأما إذا كان الوقف مخصوصاً بشيء آخر لا تدخل السبلة فيه فلا يصح ذلك، والظاهر أن الوقف المذكور للمصالح العامة ـ حسبما رأينا في أجوبة الإمام الخليلي - ه - عن وقوف الورود ـ والله أعلم.
وقف جدنا مالاً للقيام بواجب الضيف النازل في مجلسه، حيث كان مقصوداً ينزل عنده الناس ويفد عليه الركبان والقبائل من شتى أنحاء عُمان، وقد أصبح المجلس معدوماً لا وجود له يذكر، وكل من يرغب من أبناء أبنائه التكرم على ضيف أو أخ صديق يكرمه في منزله ومن ماله الخاص، كما أصبح المال ميتاً يحتاج إلى كثير من الصيانة والقيام، وإن كان حياً فالحاصل منه لا يقاوم نصف المخسور عليه، فكيف وهو ميت مهمل. كما وقف المذكور بيتاً يشبه الحصن ليكون مرجعاً ومأوى لأبنائه وأبنائهم لمن لم يجد منهم مأوى يأوي إليه ولبناته ممن تخلو منهن من الزواج، وقد هجر هذا البيت وتهدمت جدرانه وتكسرت أبوابه وسقطت نوافذه لا يصان ولا يدخله أحد، وحسب النظر الحالي لن يحتاج إليه أي فرد من أفراد أسرته في الحاضر ولا المستقبل، فما هو رأي سماحتكم في هذا الوقف؟ هل للورثة بحال الحق في قسمة المال والبيت، لأنه لا وجود لما وقف من أجله؟
أما إن تعذر إنفاذ ما تقتضيه الوقفية فينبغي بيعه واشتراء شيء من الأصول ذات الدخل كماء أو عقار بثمنه لينفق دخله فيما هو أقرب شبهاً إلى غرض الواقف أو إلى فقراء المسلمين على مشورة أهل الصلاح والفضل وإن كان ورثة الواقف فقراء فهم أولى بذلك والله أعلم.
وقف أجدادنا مالاً لسبلة يطعم فيها عابر السبيل وكل من ينزل فيها، (4/176)
صفحة 1759
فتاوى الوقف
177
بحيث يكون العائد من المال ينفق في هذا القصد وفي إصلاح المال وما يتبقى منه ينفق في يوم عرفة، والآن كبرت النخيل وأصبح العائد منها قليلاً وتهدمت السبلة، وما ينفق على المال أكثر مما يعود منه، وجدوى السبلة انعدمت لأن ابن السبيل لا يقصدها إن وجد، فما
الحل؟
أرى أن يباع الوقف ويستعاض عنه ما هو أنفع منه، نحو عقار أو ماءٍ تنفق غلته في الموقوف له، فإن بقيت السبلة وبقي روادها كالمعتاد صرفت الغلة فيها وما فضل وزع يوم عرفة كما يقتضيه نص الوقف، وإن لم توجد السبلة فيصرف جميع العائد فيما كان يصرف فيه يوم عرفة، وذلك كله مشروط بأن يكون البيع والابتياع لا غبن فيهما على الوقف، وأن يكون بنظر الأمناء ذوي الخبرة في شؤون الأموال والله أعلم.
رجل وقف والده مالاً للأضياف في سبلة عندهم بالولاية، ولا يخفى على سماحتكم حالة الأموال الآن وقلة غلتها وأن مصيرها للذهاب ولا تبقى مصلحة تعود للوقف، فهل يجوز له بيع هذه الأموال الموقفة وتعمر بها السبلة لأنها تبقى وهو قائم بها وما تحتاج إليه وأولاده لا يتركونها لحاجتهم إليها؟
6
نظراً إلى كون هذا المال موقوفاً على الأضياف وليس وقف ذرية أرى في بيعه وصرف قيمته في عمارة السبلة تبديلاً لما تقتضيه الوقفية، وقد قال تعالى {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّهَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 181، لذلك اقترحت على المعنى بأمره أن يبيعه بيعاً لا غبن فيه ويشتري بثمنه عقاراً كدكان يصرف ريعه في الأمر الموقوف له وبهذا تنحل مشكلته إن شاء الله والله أعلم. (4/177)
صفحة 1760
178
الفاوي
منهم
ما قولكم في رجل أوصى بسبلة لينزل بها الضيوف، ولها أموال لتكون وقفاً مؤبداً في قبضة الأصلح من أولاده، وبعد وفاته بفترة اجتمع أولاده وقرروا هدمها وبناءها من جديد ظناً أن السبلة لهم ولأولادهم من بعدهم وقفاً دون أن يطلعوا على نص الوصية حيث إن الوصي لم يطلعهم عليها، وبعد بنائها وتأثيثها تحكّم فيها أحد أولاده غير الذي بيده الوصية وذلك لاطلاعه على (الوصية إلا أن أحد إخوته اعترض عليه لتحكمه في السبلة، فهل تبقى السبلة في يد الأصلح حسب نص الوصية أن تكون في يد جميع المشتركين في بنائها؟ وإذا ثبت بأن الوصية تكون في يد الأصلح، فما قولكم فيما تحتاجه السبلة من مصاريف كالكهرباء والمياه والتأثيث فهل تلزم هذه المصاريف جميع المشتركين في بنائها أم الذي بيده السبلة فقط؟ وهل للأصلح الحق في
منع المشتركين من دخول السبلة أو منع عامة الناس من ذلك؟
الأصل في ذلك إنفاذ ما في الوصية إلا إن تبين فيها الحيف والظلم،
كقصده اختصاص بعض أولاده بشيء دون الآخرين والله أعلم.
رجل أوصى بوقف سبلة لينزل بها الضيوف، وأن تكون في يد الأصلح من أولاده، والسؤال:
1 ـ إذا وجد الأصلح من الأولاد، فأين حق بقية الأولاد وذريتهم في هذه
السبلة؟
2 - هل يكون الوقف - في الشريعة الإسلامية - لفرد واحد من عائلة دون
إخوته؟
3 ـ إذا ثبتت الوصية، فهل للأصلح من الأولاد الحق في مطالبة إخوته وأولادهم بدفع مبالغ لترميم والكهرباء وغيره؟ (4/178)
صفحة 1761
فتاوى الوقف
179
إن كانت السبلة الموصى بها لمصلحة البلاد لا لمصلحة فرد من الورثة فالوصية ثابتة وإن لم تكن لمصلحة البلاد وكانت لمصلحة قابضها من الورثة ولم يرض بذلك الورثة فليرفعوا أمرهم إلى القضاء الشرعي وكفى به فاصلاً والله الموفق.
نقل الوقف من مكانه:
كان والدنا وعمنا شركاء في الأموال والعقارات، ثم توفي والدنا فاقتسمنا الميراث نحن وعمنا وكل منا أخذ حقه، واتفقنا جميعاً على وقف قطعة أرض بها حفرة تنور تستعمل لشوي اللحم في مناسبة الأعياد، وحررنا فيها مكاتبة، والآن أراد أحد الشركاء الذين وقفوا تلك الأرض أن يحول منها التنور إلى جلبة قطع منها نخلة من ماله، وهذه الجلبة تقع في وسط الأموال وبجوارها مال لنا به نخيل وأشجار، ولم تتعد الحفرة الجديدة ثلاثة أذرع يفصل بينها وبين مالنا جدار ارتفاعه ذراع ونصف فقط، فهل يصح له نقل التنور الموقوف لاستعمال كافة أهل الحارة من مكانه الأصلي إلى مكان آخر يمتلكه الشريك المشار إليه؟، فإن كان جائزاً، فهل الأرض الموجود بها التنور الموقوف تعود لكافة الشركاء في الميراث أم أنها تبقى على حالها؟ علماً بأن الشريك الذي يحاول نقل التنور من مكانه الأصلي طامع في قطعة الأرض الموقوفة ليدخلها في منزله، ثم هل يجوز شرعاً أن يعمل تنوراً وسط أموالنا - وإن كان في أرضه الخاصة - إلا أن التنور تشعل فيه النار ويحتمل أن تسبب أضراراً في نخيلنا وأشجارنا؟
ليس للإنسان أن يرجع في وقف وقفه لباب من أبواب البر، نعم إذا اتفق (4/179)
صفحة 1762
180 الفتاوى
الموقوف عليهم ـ وهم أهل البلد في مثل هذه القضية ـ على أن يتصرفوا في الوقف ويستعيضوا عنه من جهة أخرى - إن اقتضت ذلك المصلحة ـ فلا مانع منه على رأي لبعض العلماء، وقيل بالمنع حتى في مثل هذه الصورة، لقول الله تعالى في الوصية: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 181]، وللوقف حكم الوصية والله أعلم.
سماحة الشيخ لدي سؤالان:
من
1 - رجل حفر بئراً في مقبرة بقصد استعمال مائها لرش القبر عند الدفن وللصلاة لو حضرت لمشيعي الميت، وقد مات الرجل، والآن أصبح ماء البئر مالحاً لدرجة أنه يتجمد في حال وضعه في إناء، وأصبح الناس لا يستعملونها ويأتون بالماء بسهولة من الفلج بسياراتهم بدلاً استعمال الدلاء لجلب الماء من البئر، فهل يصح أن تهدم هذه البئر ويستبدل عنها بأخرى في مكان آخر أو في مقبرة بلدة أخرى؟ 2 ـ حافر هذه البئر وقف لها أثر ماء من فلج معلوم، وقد تجمع شيء من المبالغ من قعدها، فكيف مصير هذا الأثر والمبلغ المتحصل من قعدها؟ 1) يجوز هدمها على أن تعوض عنها بئر أخرى لمصلحة تلك المقبرة نفسها والله أعلم.
2) مصير هذا الوقف لمصلحة البئر الثانية والله أعلم.
يوجد بالولاية سوق قديم يقع بين بيوت ومحلات بالية من بينها بيت للوقف من الجهة الشرقية وأموال من الجهتين الجنوبية والغربية، وهناك طريق يتوسط هذا السوق، فرأى أهالي الولاية القيام بإعادة تخطيط و تنظيم السوق حتى تكون له مساحات عامة يتمكن المتسوقون والبائعون (4/180)
صفحة 1763
فتاوى الوقف
181
بالانتشار فيها، بجانب توفير بعض المرافق العامة كمضلات للبيع والمواقف ودورات المياه وغيره مما يتطلب مساحة أكبر، لذا يكون لزاماً هدم ودمج المنزل الموقوف، فهل يجوز هدم المنزل المذكور وتعويض الوقف بمنزل آخر في موقع مناسب؟
الأوقاف تراعى فيها المصالح كاليتامى الذين قال الله تعالى فيهم: وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَى قُلْ إِصْلَاحُ لَهُمْ خَيْرٌ} [البقرة: 220]، فإن كانت مصلحة الوقف متعينة في نقله من هذا الموضع إلى غيره فلا مانع من ذلك، بشرط
أن يكون العوض خيراً من المعوض عنه من جميع الاعتبارات والله أعلم.
لا
رجل وقف مكاناً يخصص لاجتماعات قبيلته، إلا أن هذا الوقف أصبح الآن داثراً ومساحة الأرض صغيرة، والذين يقطنون بجوارها قليلون، والآن الناس ترغب بفتح باب التبرعات لشراء قطعة أرض بمكان آخر باسم هذا الواقف وبناء مجلس عام أكبر حجماً ويضاف إليه مدرسة لتعليم القرآن الكريم، بدلاً من الاجتماع في المساجد، فهل يجوز ذلك؟ مانع من نقل هذه المؤسسة الوقفية من مكانها إلى مكان آخر حيث تقطن تلك القبيلة الموقوف لها نفسها، شريطة أن تكون مصلحة الوقف متعينة في هذا النقل لأن الأوقاف كاليتامى، وقد قال تعالى: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَى قُلْ إِصْلَاحُ هُمْ خَيْرٌ} [البقرة: (220]، ولا مانع من تبرع المحسنين بما يزيد الوقف ثروةً وريعاً، وإنشاء مدرسة قرآنية هناك مما يعود بالمصلحة على الكل، فهو خير - إن شاء الله - والله أعلم.
توجد نخلة نغال تخص وقف البلد كانت في الماضي مخصصة لمن يقوم بتعبئة خرس (1) ماء الشرب، وقد تنازل عنها القائم بذلك العمل
(1) الخرس: هو وعاء من طين يخزن فيه التمر ونحوه. (4/181)
صفحة 1764
182
الفاوي
في تلك الحقبة من الزمن، ونخلة النغال تقع وسط الشارع المؤدي إلى البيت الكبير وهو أحد الصروح التراثية الشامخة وقد تكلفت الشيء الكثير عملية ترميمه كذلك يقصده الكثير من المواطنين والسواح، كذلك فأن لبلدية مسقط النية في رصف الطريق الجانبي والمؤدي إلى البيت الكبير، وبما أن هذه النخلة تتوسط الشارع فسوف تكون عقبة في عملية الرصف فهل يجوز قطعها؟
لا بد من تعويض الوقف بنخلة أخرى تكون بديلاً عن هذه النخلة التي يراد قصها والله أعلم.
جيل للفطرة غير صالح للزراعة حيث قام صاحبه بزراعته عدة مرات ولكن بدون فائدة، هل يجوز تحويله إلى مكان تحرق فيه مخلفات النخيل من قبل صاحب المال؟
لا بد من تعويض الوقف البديل الأصلح والله أعلم.
ما حكم الشرع الحنيف في جواز استبدال بئر وقف في مقبرة ماؤها شديد الملوحة بأخرى تكون مورداً للمنفعة العامة في منطقة تقطنها فئة من الناس، علماً بأن موقف البئر متوفى وقد ترك لها وقفاً لتمويل القيام بشؤونها، والبئر الحالية لا ينتفع بها البتة لملوحة مائها، والمنطقة التي تقع فيها المقبرة المعنية تعاني من ندرة المياه الصالحة إضافة إلى انعدام الحاجة إلى مياه البئر التي تتطلب الغرف بالدلو نظراً لعدم توفر الكهرباء، وفي المقابل سهولة حمل المياه إلى المقبرة عن طريق السيارات متى دعت الحاجة، وحيث إن القرية صغيرة ومرافق غسل الموتى والصلاة عليهم توجد في القرية فإن الحاجة إلى المياه قليلة جداً، وسهولة توفير (4/182)
صفحة 1765
فتاوى الوقف
183
المياه للمقبرة تيسر بعد حفر البئر بسنوات حيث إنه لم يكن متيسراً في زمن حفر البئر، والوضع نفسه في القرى المجاورة، وعليه يتبين عدم جدوى استخدام البئر في وضعها الحالي أو استبدالها بأخرى في نفس المقبرة أو في مقبرة قرية أخرى مجاورة، وعليه نرجو التكرم بإفتائنا في جواز استبدال البئر المذكورة بأخرى في منطقة الحاجة فيها إلى مورد ماء أكثر إلحاحاً وأعظم منفعة؟
إن كان الانتفاع بالبئر المستبدلة لنفس الغرض الذي وقفت له البئر
المستبدل منها فلا حرج في ذلك رعاية للمصلحة والله أعلم.
يوجد عندنا ماء موقوف لإصلاح كتب أحد من أهل العلم، ولم يبق في هذه المكتبة شيء من هذه الكتب حيث تعرضت للسرقة، فهل يجوز نقل هذا الوقف إلى مكتبة أخرى موقوفة لطلبة العلم أم ماذا نفعل بهذا الوقف؟ إن كانت هذه الكتب غير موجودة فلا مانع من صرف ريع هذا الوقف إلى مكتبة أخرى، وإن كانت هذه المكتبة أقرب إلى هذه فذلك أولى والله أعلم.
ما قولكم فيمن تقدم بطلب لشراء مال الوقف وذلك لحاجته الشديدة إلى فتح طريق إلى منزله من هذا المال ولعدم وجود مسار غيره؟
العبرة في هذا بمصلحة الوقف، فإن كان يعوض الوقف ما هو أصلح له من حيث القيمة والجدوى فذلك سائغ، شريطة أن يتم بنظر العدول ذوي النظر في مصالح الأموال وشؤونها والله أعلم.
أرض موقفة ليوم عرفة وهي تقع بين مقبرتين ولا يستفاد منها للأمرين ولا لأي غرض كان بحكم موقعها، فهي أرض بيضاء لم يوجد بها (4/183)
صفحة 1766
184
الفتاوى
سوى أشجار الغاف فقط ولضيق سعة المقبرة المجاورة لها فإن المقبرة بحاجة ماسة لها لأنها مزدحمة ولم يوجد بها سعة، والناس بحاجة ماسة إلى تلك الأرض المذكورة، فهل يصح إضافتها إلى المقبرة أم لا؟ وإذا كان لا يصح فما الحل في ذلك؟
لا مانع من أن تضاف إلى المقبرة على أن يعوض الوقف أرضاً أخرى
لا تقل عن هذه قيمة ولا مساحة ولا منفعة والله أعلم.
ما قولكم في مال فطرة أو مال وقف في بلد وأراد رب هذا المال أن
يغيره من هذا البلد إلى بلد آخر؟
الظاهر أن هذا المال موقوف للفطرة والموقوف لا يصح لأحد أن يتصرف فيه ببيع وغيره وإنما يصح نقله بالقياض لمصلحة الوقف نفسه، تجوّزاً على رأي بعض العلماء إذا اتفق على ذلك أهل النظر والصلاح من جماعة المسلمين بالبلد الموقوف فيه والله أعلم.
أتقدم لمساحتكم ببعض الأسئلة آملين التكرم بالإجابة عليها:
1 - توجد لدينا أرض خاصة بالوقف، ونظراً لحاجتنا الماسة إلى جعل هذه الأرض مقبرة نظراً لعدم توفر مقبرة لدينا، فهل يجوز لنا ذلك؟ - إذا كان بالإمكان تحويل هذه الأرض إلى مقبرة، فهل تقدر بثمن؟ وإذا قدرت بثمن، فماذا يجب أن نعمل بثمنها المقدر؟
3 ـ هذه الأرض محاطة بأراض أخرى، فهل يمكن إنشاء مقبرة عليها
حتى وإن أخبر أصحاب الأراضي المجاورة بعدم رضاهم بذلك؟
4 - توجد لدينا مبالغ خاصة بالأكفان ونظراً لعدم الحاجة إلى الأكفان (4/184)
صفحة 1767
فتاوى الوقف
185
لكون أن أي إنسان يتوفى عنده أحد أقاربه لا يرغب في تكفين قريبه من هذه المبالغ، ففيم تصرف هذه المبالغ؟
ه - هل يمكن أن نعمل بهذه المبالغ سور للمقبرة المزمع إقامتها في الأرض المشار إليها آنفاً؟
إن كانت موقوفة لمخصوصين واقتضى نظرهم ذلك فلا مانع من تحويلها إلى مقبرة وكذلك إن كانت وقفاً عاماً للمصلحة العامة، وأما إن كانت لمصلحة مخصوصة فيشترط في ذلك التعويض الذي يراه أهل الخبرة بشؤون الأموال، ويشترى بالعوض ما يكون بديلاً للوقف، وإن كره المجاورون لها جعلها مقبرة نظر في المصلحة والمفسدة ودرئت عنهم المضرة، وما خصص للأكفان ولم تدع إليه الحاجة جعل في مصالح الموتى كحفر القبور، ولا بأس بأن تُسوّر به المقبرة والله أعلم.
هل يجوز إخراج المصاحف أو الكتب الموقوفة لمسجد للقراءة منها
خارج المسجد في مكان قريب منه وذلك يحدث في الحالات التالية: 1 ـ أن تكون في المسجد حلقة علم ويحتاج شخص إلى مراجعة القرآن والمسجد ليس بكبير - فقد يشوش على الحلقة أو تشوش عليه فيخرج بالمصحف إلى مكان قريب.
2 - قد يجتمع ـ خاصة في الصيف - مجموعة من الطلبة لطلب العلم فيحتاج أحدهم إلى القراءة الفردية بعيداً عن الاجتماع فيخرج بالكتاب أو المصحف إلى خارج المسجد ثم يعيده بعد القراءة؟
بما أن هذه المصاحف والكتب وقفت للفائدة ومن العسير أن تتحقق الفائدة عندما يمنع قراؤها من إخراجها خارج المسجد لما ذكر في السؤال (4/185)
صفحة 1768
186
الفاوي
من السببين لا أرى مانعاً من إخراجها لمراجعتهم منها بقدر الحاجة ثم ترد إلى قرارها في المسجد والله أعلم.
صرف الوقف في غير ما وقف له جوازاً ومنعاً:
ما قولكم في رجل مسلم توجد بمحلته أموال موقوفة لمساجد وغيرها، هل يسعه السكوت والوقوف عنها إذا ما رأى أنه إذا فعل ذلك فإن تلك الأوقاف ستتعرض للخراب والتلف وللأيدي التي يخشى منها، فهل عليه أن يتولى ذلك أم يسعه التخلي؟
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان على كل أحد، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)، وكل عمل يؤدي إلى خراب الوقف من المنكرات التي يجب
إنكارها على القادر بحسب استطاعته، والسكوت عن ذلك لا يجوز والله أعلم.
يوجد لدينا بئران للوقف، وقد جعل لهذين البئرين نخيل، فماتت النخيل مع أن البئرين مياههما كثيرة، فأراد أهلها أن تؤجر هذه الآبار وتترك قيمتهما كمساعدة لمن تحصل عليه غرامة مالية، سواء في حادث أو في مشكلة مالية، علماً بأن هذين البئرين كانتا موقفتين لتلك النخيل، وجعلت الغلة ليوم التاسع والعاشر من ذي الحجة من كل عام، يطبخ فيها عيش ويجتمع الناس للأكل، والآن تعذر وجود من يقوم بالطبخ والعناء، ولا أحد يأتي للأكل، فهل يجوز هذا التصرف.
لست أدري لماذا وقفت هذه النخيل والبئران؟ فإن كانت لمطلق أهل
(1) رواه مسلم (49)، وأبو داود (1140)، والنسائي (5008). (4/186)
صفحة 1769
فتاوى الوقف
187
البلد فلهم أن يتفقوا على رأي فيها، وإلا فلا يجوز صرف الوقف لغير أهله
والله أعلم. بنى جدي في السابق بيتاً خارج الحي، وذلك لعزل مرضى الجدري فيه ولاغاثتهم فيه، وكان هذا المرض قد تفشى في ذلك الزمان والذي يعزل فيه المريض خوف العدوى، فبقي البيت وآثاره منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا، ونتيجة للنمو السكاني تكاثرت البيوت وتكاد تحيط بالبيت الآن، كما أنه لم يتضح لنا أن هذا البيت وقف مؤبد، ولا وجدناه في الإيصاء، فهل تصح لنا نحن الورثة ملكية هذا البيت؟
يجب إبقاء هذا البيت على ما وجد عليه، ولا لورثة بانيه تملكه يصح بحال، وكيف يتملكونه؟ والباني بناه من أول يوم للغرض الذي استعمل لأجله، وقد انقضت على ذلك أجيال، وإذا تعذر استعماله فيما بني له فلا مانع من استعماله في طرق البر التي هي أقرب إلى ذلك السبيل، أما ذكره في الوصية فلا يدل على بقاء ملكيته، ذلك لأن الباني قد أخرجه عن ملكيته فعلاً في حياته والله أعلم.
عدم
بئر موقوفة مهجورة لا تصلح إلا لجار لها، فهل له عمارتها لسقي ماله بنية إهداء نصف مائها لموقفها؟
الأوقاف تراعى مصالحها، فحيث توفرت مصلحتها فثم حكم الله فيها، لأن الله لا يقول في اليتامى: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَى قُلْ إِصْلَاحُ لَهُمْ خَيْرٌ} [البقرة: 220 والوقف كاليتيم من حيث كونه غير مالك لأمره، فإن كانت مصلحة الوقف لا تحصل إلا بهذه الطريقة، أو أن هذه الطريقة هي أنجح الطرق في خدمة الموقوف فليتفق مع وكيل الوقف أو القائم بأمره من رغب في ذلك والله أعلم. (4/187)
صفحة 1770
188
الفاوي
مال أخضر لجدّي أخرجه وجعل نصفه خيراً والنصف الآخر وقفاً لمسجد البلد (الجامع القديم، وكان والدي يبيع غلته كاملة، ثم يعطي نصفه للأرحام والنصف الآخر لإمام المسجد المذكور، وبعد مضي سنين أوصى والدي بجميع الأموال تعود على تصرف أبناء عمه، وبعد مضي سنين أخرى استلمت أموالي وكان هذا المال من ضمن تلك الأموال وفي سور واحد، والآن مات هذا المال ولم يبق منه إلا بعض النخلات العاجزة كما توجد بئر قديمة، فما قول سماحتكم في تصرفي في أرض هذا المال المذكور، من حيث إنه في قبضة يدي إلى الآن منذ أن خلفه والدي من يد الوكيل المذكور؟
إن كان هذا المال موقوفاً لوجه من وجوه البر فلا يجوز صرفه في وجه آخر، وإنما يبقى كما هو، لأن للوقف حكم الوصية، وقد قال تعالى في الوصية: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 181]، ولا يحق لوارث الواقف تغيير ما نصت عليه الوقفية، وإن كان هنالك ما يدعو إلى التصرف في أصل هذا المال للاستعاضة عنه بما هو أجدى وأنفع، فلا بد من أن يكون ذلك تحت إشراف الأمناء ذوي الخبرة في شؤون الأموال، وأن تكون مصلحة الوقف متعينة في ذلك والله أعلم.
1 - هل الممتلكات والأموال الموقوفة لعائلات معينة باطلة؟ إن كانت الوقفية ثابتة شرعاً فلا وجه لإبطالها، أما إن كانت متلبسة بأمر يبطلها شرعاً فهي باطلة والله أعلم.
- وإذا لم تبطل هذه الممتلكات والأموال الموقوفة، فهل تصح قسمتها؟
لا، والله أعلم. (4/188)
صفحة 1771
فتاوى الوقف
189
3 ـ هل للمرأة الحق في أن ترث من هذه الأموال والممتلكات إذا كانت
موقوفة؟
الوقف لا يورث، فلا يرثه رجل ولا امرأة إن كان ثابتاً شرعاً والله أعلم. 4 ـ هل يحق للزوجة أن ترث من هذه الأموال والممتلكات إذا كانت
موقوفة؟
كالذي قبله والله أعلم.
ما رأيكم إذا آل مال موقوف إلى رجل، وهذا الرجل قام من قبل بمقايضة مال المساجد عدة مرات ولا أحد ينكر ذلك خوفاً من بطشه، فهل يؤثم الجميع على سكوتهم، وإذا لجأ أحدهم إلى الشرع الشريف منكراً فعلته فهل ينأى بنفسه عن الإثم؟ مع العلم بأن هذا الرجل هو المسؤول عن المنطقة، فما قولكم في ذلك؟
من سكت مع قدرته على الإنكار فهو آثم، ومن أنكر سقط عنه الإثم
والله أعلم.
لا
والدي وعمي الأشقاء قاما بوقف مالهما الأخضر للخير وقفاً أبدياً، بيع فيه ولا شراء ولا هبة، ولا، ميراث ولا يرهن ولا يملك، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وبعد هلاكهما رغب الورثة بقسمة هذا المال الأخضر الموقوف بينهم، وهذا الوقف كان قد كتب على صك شرعي ولم يصدق من قبل المحكمة وكاتبه والشاهد الثاني توفيا، أما الشاهد الأول فهو على قيد الحياة، فما قولكم في ذلك؟
الموقوف للخير يصرف في وجوه الخير، وليس للوارث فيه نصيب، فكيف يقتسمه الورثة؟ والله أعلم. (4/189)
صفحة 1772
190
الفاوي
عن رجل كان مسؤول بلدة، فوقف مالاً للسبلة وللإكرام من محصول المال، ثم مات الرجل وخلفته ابنته الوحيدة القاصرة، فانتقلت المسؤولية بعد ذلك لعدة أشخاص حتى آخرهم، والوقف ينتقل معهم، والأخير منهم لا يوجد له فرع ولا أصل سوى إخوة، فأوصى بالمال لأبناء أحد إخوته بعد موته كعطية منه، فلقد جعله من ممتلكاته، فهذا الرجل هو شبه مسؤول، ولا سبلة توجد لديه ولا مجلس ولا كرم ولا إكرام، وإن ابنة الموقف موجودة وعاجزة وفقيرة وبحاجة ماسة للعون، فما هو موقف الشرع الشريف في هذا المال؟ وفي تصرف هذا
الرجل فيه، والمرأة تطالب بإعادة المال إليها لأنه من مال أبيها؟ الوقف لا يعود إلى الوارث ما دام وقفاً معتداً به في أحكام الشرع، وإنما يصرف للجهة الخيرية الموقوف لها والله أعلم.
هل يجوز شرعاً لأحد تغيير اسم الواقف على وقف معين وقفه في حياته دون علم ورثة الواقف، كمثال وقف مسجد فلان ابن فلان وتم التغيير إلى وقف الجماعة الفلانية؟
لا يُبدل الوقف عما نصه عليه الواقف، وإن كان في تبديل الاسم تبديل للمسمى فهو غير جائز والله أعلم.
نخلة موقوفة الله، حيث يصنع من ريعها كل عام وليمة من الأرز واللحم لأهل البلدة، واستمر الحال بعد وفاة الواقف والآن أصبحت الغلة لا تكفي هذه الوليمة، فاقترح بعض أهل البلدة توزيعها على الأولاد في العيد،
لصنع
واقترح البعض الآخر أن تعطى للمسجد، فماذا ترون الأصوب شرعاً؟
إن كانت الغلة لا تكفي لإنفاذها بموجب الوقفية، فلا مانع من صرف (4/190)
صفحة 1773
فتاوى الوقف
191
ما يمكن صرفه إلى من كانت تقام لهم الوليمة بموجب الوقفية، والأولى أن يوزع طعام على فقرائهم المحتاجين والله أعلم.
لدينا نخلة موقوفة لسحق البر، وذلك في السنين الماضية، والآن وكما تعلمون أن آلات سحق البر موجودة في كل مكان، وقد تجمعت لها بعض الدراهم من الغلل، وبما أن النخلة المذكورة هي في بلد وخصصت لبلد آخر من البلدان التابعة لهذه الولاية، فأين هذه نضع الغلل المتحصلة من هذه النخلة المذكورة؟
تصرف غلة هذه النخلة على فقراء المسلمين في البلدة التي وقفت لسحق البر فيها إذا تعذر صرفها فيما وقفت له والله أعلم.
نخيل موقوف لورثة علي تردت حالة النخيل ولم يعد منه نفع، بل ربما دفع الورثة من أموالهم الخاصة لإصلاحه، واقتضى نظر أربابه بيعه والاستفادة من قيمته في بناء سبلة خاصة بهم فهل لهم ذلك والمصلحة ذلك ظاهرة للموقف ولأصحاب الوقف؟
بما أن الوقف لورثة علي، وفيهم الذكر والأنثى، ولا تستفيد الإناث من السبلة شيئاً، لا أرى وجهاً لجواز تحويل الوقف إلى سبلة، وإنما أرى جواز أن يباع ويستعاض عنه ما هو أجدى نفعاً وأكثر ريعاً، كالماء والعقار والله أعلم.
ما قولكم في دمج غلة الموقوف للمساجد والمدارس وسيلة للجماعة وموارد ماء في الصحراء وآبار داخل الحلة سنوياً وصرفها لأي من هذه الأوقاف
دون التمييز بينها وذلك لمصلحة العامة، وهذا الدمج للغلة دون الأصل؟ هذه أوقاف مختلفة لوجوه متعددة، لذلك لا أرى وجهاً لإدماجها، لما (4/191)
صفحة 1774
192
الفاوي
يفضي إليه ذلك من فوات إعطاء كل ذي حق حقه من غير زيادة ولا نقصان
والله أعلم.
ما قولكم في رجل اشترى ضاحية في وسطها مفسل وقف مجهول الأرباب وليس من أهل البلد، فما حكم هذا المفسل، هل يفسل أم يباع ماذا يفعل مالك الضاحية للتخلص من هذا الوقف؟
يفسل ويبقى كما كان من قبل، إلا إن اقتضى رأي أهل النظر والصلاح بيعه للمصلحة والاستعاضة عنه بما هو أصلح، وإذا جهل أربابه فمرد منفعته إلى فقراء المسلمين والله أعلم.
رجل أسس منزلاً وقد أوصى له بمال وأيضاً ورثته من بعده قاموا يوصون له بمال إلى أن مضى عليه أكثر من مائتي سنة، والآن المنزل تهدم وجميع المشاركين فيه استغنوا عنه وبقي دائراً وإن غلل ذلك المال لم تنفذ في شيء، فما يكون في تلك الغلة، هل يحق لهم أن ينفذوها في شيء من الصلاح الذي يؤدي لمجتمعهم أم تبقى مجموعة لديهم؟ إذا كان البيت موقوفاً لمخصوصين واستغنوا عنه واتفقوا على أن ينفذوا غلته أو غلة المال الموقوف لإصلاحه فيما ينفعهم جميعاً فلا حرج من ذلك والله أعلم.
امرأة أوصت، ومن وصيتها أنها أوصت بأرضها التي ورثتها وقفاً بعد موتها لأولاد خالد ولأولاد حمد وأولادهم ما تناسلوا لكل واحد منهم د بالبلاد، والخارج منها فليس بداخل معهم، وبثلاثمائة ريال وقفاً لهم عن ضمان لزمها لهم وكذا الأرض السابقة عن ضمان لزمها لهم. هؤلاء الإخوة الموقوف لهم الوقف المذكور لا مصلحة لهم فيه
موجود (4/192)
صفحة 1775
فتاوى الوقف
193
ولا لنسلهم من بعدهم، وفي النهاية يتلاشى ولا يستفيد منه أحد، وعندهم سبلة عامة لهم ولأولادهم ولجماعتهم ويريدون صرف هذا الوقف وبيعه في مصلحة السبلة، فهل ترى لهم ذلك؟
نظراً إلى أن هذا الوقف ليس خاصاً بهؤلاء، وإنما هو لهم ولأعقابهم من بعدهم أرى بيعه وجعل ثمنه في سبلة الجماعة تبديلاً للوقفية، وعليه فالأسلم إن كان لا يستفاد منه أن يبيعوه ويستعيضوا بثمنه عقاراً يعود مصلحته على الموقوف لهم والله أعلم.
وقف للمسجد أو للمدرسة هل يجوز صرفه مع الوقف الذي يوزع يوم تاسع الحج؟ يجب أن يصرف كل وقف فيما وقف له ولا يجوز صرفه في مصرف آخر، لأن ذلك من التبديل غير الجائز شرعاً والله أعلم.
من المعلوم لدى العُمانيين بأن بيت الرباط بمكة المكرمة أوصى به أحد المواطنين ليكون مقراً لفقراء الإباضية العمانيين والزائرين لبيت الله الحرام، فهل يعد خلافاً لما جاءت به الوصية أن يسكنه أشخاص من نفس المذهب إلا أن رواتبهم الشهرية لا تقل عن أربعمائة ريال عماني وهم والحمد لله ميسورون؟ وكذلك إذا كان ذلك البيت فارغاً خاصة غير مواسم الحج، فهل يجوز للأغنياء أو ميسوري الحال الإقامة به؟
في
أما من لم يكن من الفقراء فلا ينزل به إلا إن كان يعوض عن نزوله مبلغاً يصلح به البيت مع الحاجة أو يعود إلى مصلحة الفقراء الذين ينزلون فيه للحج أو العمرة، وذلك نحو تسديد فواتير الماء أو الكهرباء، ولا بد من اشتراط أن لا يزاحم المستحقين ويضايقهم عندما يتكاثرون ويضيق بهم البيت والله أعلم. (4/193)
صفحة 1776
194
الفاوي
هل يجوز بيع بئر موقفة للسبيل وشراء محلات تجارية بثمنها لتكون وقفاً لأيتام المسلمين أو بناء مسجد بهذا المال؟
إن كانت البئر موقوفة للسبيل فلا يجوز صرفها إلا لما وقفت له والله أعلم.
ما الحكم إذا تعذر إنفاذ الوقف فيما وقف له؟
إن تعذر إنفاذ الوقف فيما وقف له فإنه ينفذ في باب من أبواب البر التي أقرب شبهاً إليه، فالموقوف لأكفان الموتى مثلاً إذا لم يوجد له مصرف يصرف فيه حسب مقتضى الوقفية لا يمنع من إنفاذه في حفر قبور الموتى،
هي
لأن في كلا الأمرين ستراً للميت وقياماً بالمشروع في حقه والله أعلم.
قبيلتنا لديها سابقاً مال أسس السبلة الجماعة تابعة لقبيلتنا من ذكور وإناث والآن السبلة التغت ونرغب في دمج مال السبلة إلى مال وقف ذلك؟ القبيلة الذي يوزع يوم عرفة، فهل يصح
إن كانت السبلة لنفس القبيلة ولم يكن للسبلة وجود قائم فلا مانع من صرف الغلة فيما تصرف فيه غلة وقف القبيلة إن أرادوا ذلك إلى أن يعود وجود السبلة فيعود الوقف كما هو والله أعلم.
شيخي الوقور توجد لدينا بئر ماء ولدينا لها ملكية من وزارة موارد المياه وجعلناها مورداً للشرب لمن يسكن حولها أو يمر عليها أو يحمل منها إلى منزله بسيارة أو خزان فوق السيارة أو على الدواب، ولكن لم نجعلها بأنابيب ويؤخذ منها للمنازل، فما حكم المورد الموقوف في الشرع؟ وهل يصح أن يجلب الماء بأنابيب ويوصل إلى خارج المنطقة الموقوف لها؟
إن كنتم وقفتموها لجهة خاصة وثبتت الوقفية فلا يجوز تجاوز تلك الجهة الموقوف لها والله أعلم. (4/194)
صفحة 1777
فتاوى الوقف
195
ما حكم الشرع في رجل طنا مال، وقف مثل مال الأكفان ومال الفطرة ومال المسجد جميعهم في صفقة واحدة بدون أن يميز بينها؟ وللعلم أنه يفعل نفس الشيء كل عام لعدة سنوات، وعندما يقول له أهل البلدة: اتق يرد عليهم بأنه قد طناه وانتهى الأمر؟
الله،
إذا كان لكل وقف مصرف خاص - كما جاء في السؤال - فلا يجوز بيع غلل الأوقاف جميعاً في صفقة واحدة أما إذا كان مصرف الأوقاف جميعاً واحداً واقتضت المصلحة أن تباع غللها في صفقة واحدة فلا حرج في ذلك
والله أعلم.
ما قولكم في رجل كان قد أوصى قبل وفاته بمال للسبلة، واستمر الإنفاق لمدة طويلة حتى تغير الزمان وأصبح كل واحد لديه سبلة في بيته ومات أولاد الموصي فأهمل المال ولم يبق إلا أثره، فهل هذا المال المذكور يعود للورثة الشرعيين ويتصرفون فيه ويقسم بينهم؟
بعدما خرج عن الورثة، بل أخرجه الموصي بنفسه لا يرجع إليهم، وإنما
يصرف في المصالح الأخرى حسب اتفاق أهل البلد والله أعلم.
ما قولكم في رجل وقف مالاً لأجرة صيام شهر رجب وغلته عشر سنوات لا تكفي إلا لإيجار شهر واحد فقط، فهل يجوز أن يبدل بالإطعام؟ من وقف مالاً لصيام شهر رجب عنه في كل عام فلم تكف غلته، فلا مانع من جمع الغلل حتى إذا اجتمع ما يكفي لإيجار صيام شهر رجب أجر من يصوم عنه، وإن نفذت غلته في الفقراء من أول الأمر فهو حسن أيضاً، ويستأنس له بما جاء في بعض الآثار أن من أوصى بالصيام عنه جاز للورثة
العدول عن الصيام إلى الإطعام، وإن أوصى بالإطعام لم يجز العدول عنه (4/195)
صفحة 1778
196
الفاوي
إلى الصيام، ومما يقوي جانب الرخصة في زماننا تعذر أو تعسر من يستأجر الصيام لتغير الأحوال وتبدل الظروف والله تعالى أعلم.
إتلاف الأموال الموقوفة:
ما قولكم في قائم على وقف من نخيل وزرع فتسبب في حريق أتى على المال، فماذا يلزمه، هل يعذر في حال الخطأ ويلزمه الضمان حال العمد؟ وفي حالة ما إذا لزمه الضمان فهل يلزم بأن يزرعه من جديد؟
فإن كان كذلك أما ترون أن الحصاد قد يتأخر والموقوف له يتضرر؟ يسقط عنه الإثم في حال الخطأ، وأما الضمان فيجب عليه في العمد والنسيان، والضمان إنما هو بمثل ما أتلف إن أمكن التعويض بالمثل وإن لم يمكن فالقيمة، وهي التي تتعين هنا لعدم إمكان المثل والله أعلم.
تركت والدتي لدي مبلغاً من النقود أمانة، وقمت بالتصرف فيها حيث إنني قمت بحفر بئر ماء للشرب، وتكون هذه البئر على سبيل الوقف، وقمت بتسجيلها لدى الوزارة المختصة لأجل التقرب عنها إلى الله تعالى إلا أنني لم أخبرها بذلك ولم توقع هي على ورقة التسجيل، وبعدما أخبرتها رفضت ذلك وطالبتني برجع نقودها كاملة، فما قول سماحتكم في ذلك؟
بما أنك تصرفت بدون إذنها في نقودها فعليك ضمانها كاملة والله أعلم. رجل استؤجر لتنظيف بعض أموال الناس وكان يقوم بعملية حرق بعض مخلفات النخيل مما تسبب في نشوب حريق في النخيل المجاورة (4/196)
صفحة 1779
فتاوى الوقف
197
وفيها عدد أربع نخلات للأوقاف، وجميع الناس الذين تضررت أموالهم من جراء الحريق قد تنازلوا عن المطالبة بالتعويض نظراً لكون المواطن المتسبب في الحريق رجلاً فقيراً وقد استأجر بعشرين ريالاً فقط، فهل
يجوز التنازل عن المطالبة بتعويض نخلات الأوقاف من عدمه؟
الوقف لا يملك أحد أن يتنازل عن حقه، فإن لم يجد الآن ما يسد به حقه فليبق ذلك ديناً عليه إلى ميسرته، ويجوز أن يعان على وفاء هذا الحق من بيت المال أو الزكاة لكونه فقيراً وكونه غارماً والله أعلم.
جماعة قاموا بتسديد بعض تكاليف المسجد من مال الكفن على أمل رجعه مستقبلاً، إلا أن ما توفر لمال المسجد لم يف بتسديد المبلغ المستحق لمال الكفن فما مدى جواز ذلك؟ وما هي الوسيلة المناسبة لتسديد مستحقات مال الكفن حال وجوب تسديدها؟
لا يصرف وقف الكفن إلى المسجد لما في ذلك من التبديل، وعلى من تصرف بخلاف ذلك الضمان والله أعلم.
البناء على الأرض الموقوفة:
بلدة بها ما يزيد على سبعين منزلاً، وليس بها مسجد يسع لهم لإقامة
شعيرة الصلاة، فهل يجوز إقامة المسجد في أرض موقوفة؟
إن لم تجدوا مناصاً
عن البناء في تلك الأرض الموقوفة فعوضوا الوقف
بأرض أخرى لا تقل عنها قيمة ولا دخلاً والله أعلم.
رجل متوفى وقف أرضاً سكنية لورثته، وبها جزء لم يسكن فيه أحد، (4/197)
صفحة 1780
198
الفاوي
فأراد الجماعة الذين بجوار هذه الأرض مع الورثة بناء مجلس عام في الجزء غير المسكون من هذه الأرض، يجتمعون فيه في المناسبات الضرورية من أعياد وعزاء والمشاورات بينهم، بحيث يكون المجلس من ضمن وقف الأرض وكتابة صك شرعي بذلك، فهل يجوز
موقوفاً
لهم ذلك؟
إن كان الموقوف لهم الأرض بحاجة إلى مجلس فلا مانع من بناء المجلس في جزء من هذه الأرض، لأن المجلس من متممات السكني
والله أعلم. ما القول في ساقية ترابية تخترق نخلاً للوقف، وهي لأصحاب أرض يسقون منها، فهل لأصحاب الساقية تصريح ساقيتهم، مع العلم أن الماء في الساقية الترابية في مال الوقف ينتفع منه، بخلاف إذا ما صرجت فلا نفع لمال الوقف؟
مرور
تصرج
الساقية لصون الماء، ويترك منها منافذ بقدر ري نخل الوقف
حتى لا تتضرر والله أعلم.
(1)
ما قولكم في مطهرة (1) للنساء كانت مبنية من السعف، فقام أحد المتبرعين ببنائها من المواد الثابتة، ولكنه أخذ بقدر ذراعين من جانبيها من أرض الوقف، فأنكر عليه الوكيل ذلك، فهل يسع السكوت عن ذلك لأن المطهرة غير مملوكة أم الأولى الحكم بإزالتها؟
لا يجوز بناؤها في أرض الوقف، إلا إن عُوّض عنها بأرض أخرى أكثر
منها قيمة ونفعاً والله أعلم.
(1) مكان للاغتسال به ماء جار. (4/198)
صفحة 1781
فتاوى الوقف
199
هناك قطعة أرض خاصة بالوقف، مقام على جزء منها دكان، وبجوار الدكان هناك جزء خالٍ، يريد أحد الأشخاص بناء منزل مكان الدكان، وقد رأينا أن البنيان أفضل وأغلى وأجدى من الأرض - إذ العائد من البنيان أكبر من العائد من الأرض، ما رأي سماحتكم في
ذلك؟
ذلك لا بد في من مراعاة مصلحة الموقوف له، فإن تعينت المصلحة فلا حرج والله أعلم.
قطعة أرض كان يوجد بها في السابق بئر وقفها أحد أهل الخير والصلاح لعابري السبيل للتزود من مياهها والمكوث فيها ساعات للراحة، ونظراً لتغير الأحوال في الوقت الحاضر وعدم الاستفادة من هذه الوقفية ولجفاف هذه البئر فإننا نستطلع رأيكم في مدى جواز بناء وحدات سكنية على هذه الأرض لتكون وقفاً للمساجد الفقيرة يصرف ريعها لصيانة وترميم هذه المساجد أو تكون وقفاً خيرياً للصرف من ريعها على جهات البر كالفقراء والمساكين والمتعلمين ووقف عرفة أو للمرضى وغيرها من أعمال الخير والطاعات؟
الأولى أن تكون وقفاً خيرياً ينتفع به الفقراء والمحتاجون والله أعلم.
ما قولكم في إمكانية تحويل محل تجاري تابع للمسجد في الوقت الحالي إلى مجلس عام ليبقى أيضاً للمسجد نفسه، وقد سألتكم من قبل ولكن لعل السؤال وقع لبس عليكم، وتوضيحاً له نقول بأن الأرض الموجود عليها الدكان الحالي هي في الأصل موقوفة لأهالي المحلة وليست للمسجد، ولكن بعد حدوث مشكلة بين شخصين على هذه الأرض قام بعض الأغنياء ببناء الدكان المذكور الذي لا يتجاوز (4/199)
صفحة 1782
200
الفاوي
إيجاره الشهري مبلغاً وقدره عشرة ريالات فقط، والسؤال الذي نود منكم الإجابة عليه هو هل يجوز وقف الأرض الموقوفة مرتين، علماً بأننا لا نريد هذا الدكان لمصلحة شخصية وإنما نريده أيضاً ليكون مجلساً عاماً للمحلة، لكي تقام فيه العديد من الواجبات كالعزاء وعقود القرآن من المسجد، وبذلك يكون المجلس تابعاً للمسجد أيضاً، فما قول
بدلاً
سماحتكم في ذلك؟
بناءً على هذا الذي اتضح الآن - من أن الأرض ليست موقوفة للمسجد وإنما هي موقوفة للأهالي - لا أرى مانعاً من هدم البناء الذي عليها وتحويل مكانه إلى مجلس لمصلحة الأهالي والله أعلم.
أوصى والدنا - أبقاه الله - أن يكون عاضد (1) من المال بجانب البئر وقفاً من بعد وفاته، ويبعد عن هذه البئر مجرى للمياه، إذ تم تصريفه من الأعلى يصب في هذا المكان وفي الفترة الأخيرة قام أحد إخواني بتغيير مجرى المياه في العاضد المحدد للوقف هل يجوز تغيير مجرى المياه إلى محل الوقف؟ وهل يختلف الحكم باختلاف نوع الوقف؟ علماً أنه يمكن جعل مجرى المياه في مكان بعيد عن المال المخصص للوقف وهو أيضاً من الأموال الخاصة بالوالد؟
إن لم يكن في ذلك ضرر على أحد، وكان لمصلحة الوقف فلا حرج والله أعلم.
نخلات موقوفة يصلح بغلتها الطرق التي داخل البلاد، منها لطريق معينة من المكان الفلاني إلى المكان الفلاني والآن قد بنت الحكومة مدارس
6
(1) العاضد: هي النخيل التي تكون على مجرى الماء «الفلج». (4/200)
صفحة 1783
فتاوى الوقف
201
في
هذه الطريق وجعلت عنه طريقاً رصفته بالقار ولم يحتج إلى خدمة،
فأين توضع قيمة غلة تلك النخلات؟
إن أمكن أن تصلح بغلة هذه النخلات الطريق البديلة فذلك أولى وإلا صرفت إلى فقراء المسلمين والله أعلم.
ما قولكم في مال موقوف ليوم عرفة يؤخذ بغلله طعام ليؤكل يوم عرفة من شهر ذي الحجة الحرام، وهذا المال قد يكون يمر عليه جزء لترصيف الشارع ووزارة المواصلات لا تنوي تعويض المواطنين عن أموالهم التي تدخل في الشارع وتطلب من المواطنين التكاتف معها حول المصلحة العامة ورصف الشارع هو مصلحة عامة. بقي السؤال هنا في مال الوقف المذكور ولا أحد من المواطنين يقوم بتعويض هذا
المال للوقف؟
لا يجوز أخذ شيء من أرض الوقف إلا للضرورة بشرط أن يعوض تعويضاً عادلاً على نظر العدول ذوي الخبرة في شؤون الأموال والله الموفق.
مواطن تبرع بمنزل ليكون وقفاً للمتعلمين من أهل البلدة وكان أحد المواطنين يسكن بالمنزل لفترة طويلة من الزمن، الأمر الذي استدعى إضافة بعض الغرف بالمنزل، وفي الآونة الأخيرة طلبت منه الوزارة بتسليم المنزل، وهذا ما حدث فعلاً، ويطالب المواطن بتعويض مادي عن الإضافات التي أضافها، فهل يجوز ذلك؟
إن كانت إضافته لها في المنزل باتفاق
مع أحد يمثل الوقف واشترط له
أن يدفع إليه غرمه فذلك حق له وله المطالبة به، أما إن كان قام بذلك من تلقاء نفسه فيعد متبرعاً وليس له المطالبة بشيء والله أعلم. (4/201)
صفحة 1784
202 الفتاوى
أناس وقفوا نخلة وماتت منذ زمن وأراد أهل المزرعة مد ساقية مكانها، فهل يجوز أن يوقفوا بدلاً منها نخلة في مزرعة أخرى؟
هناك أحد أمرين، هذه النخلة إما أن تكون نخلة أصيلة أي هي وأرضها موقوفة، وإما أن تكون وقيعة بحيث إن مالكها يملك النخلة ولا يملك أرضها، فإن كانت وقيعة فبانتهائها انتهى كل شيء، وإن كانت أصيلة فإن الأرض تبقى للوقف وفي هذه الحالة يجب أن تغرس هنالك نخلة بدلاً من النخلة، ولا يجوز تحويل الوقف عن ذلك المكان إلا إن كانت المصلحة في ذلك متعينة، وذلك بأن يكون موضع هذه النخلة اقتربت منه الطريق مثلاً فأصبح غير صالح للغرس، أو أن تكون هنالك حالة من الحالات أدت إلى أن يكون ذلك المكان غير صالح للغرس، ففي هذه الحالة لا مانع من أن يعوضوا عنه مكاناً آخر ويتركوا هذا المكان للانتفاع به بطريقة أخرى، هذا والأصل في النخلة أن تكون غير وقيعة، أما كونها وقيعة فهو أمر يتوقف
على الدليل ومن ادعى أنها وقيعة فعليه أن يأتي بالحجة والله أعلم. (4/202)
صفحة 1785
فتاوى الوقف
203
إخراج بدل غلة الوقف:
مزارع معهودة، كانت تزرع في السابق في كل عام ثلاث زرعات، الأولى دخن، والثانية علس (1)، والثالثة ذرة وهذه المزارع المذكورة عهد فيها وقف بكيل هو تسعون مكيالاً، ويخرج هذا الوقف من زراعة الدخن، فإذا عطبت هذه الزراعة المذكورة توقف هذا الوقف المذكور إلى العام المقبل مع السداد، ولا يخرج من زراعة العلس ولا من زراعة الذرة، وهذه المزارع داخلة في وسط جملة مزارع ولكن المزارع قد فسلت ما حولها، وصارت المزارع التي فيها هذا الوقف في حالة المضرة من النخيل وفسلوها أهلها نخيلاً، والآن ذهبت الزراعة منها وتناكر أهلها ووقف عليها ناظر الأحكام، والذي وقف حكم بالحريم ستة عشر ذراعاً، والذي سبق من الفسل قبل أن يحكم بهذا الحريم ثبت، لأنه نخيل صادرة تجد بميراد (2)، وهذه المزارع التي فيها الوقف الفسل الذي عليها نبت على حرم الثلاثة الأذرع، والسؤال إن عدم الحب المذكور للوقف يكفي أن يبدل عنه حب الدخن بدلاً عن المكيال مكيال، ويفرّق على قاعدته، لأن حب الدخن لا يوجد، فما الحكم؟
إذا تعذر حصول الذرة والدخن من تلك الأرض فلا حرج في إبدالها بالبر، لأن المصلحة تحصل به أكثر مما تحصل بهما والله أعلم.
رجل هلك وأوصى بماء تفرق غلته لأيتام فقراء المسلمين ثياباً بيضاً،
(1) نوع من الحبوب.
(2) معنى صادرة أي مرتفعة والميراد هو الحبل الذي يستخدمه من يقوم بقطع الثمار لإنزال الثمرة. (4/203)
صفحة 1786
204 الفتاوى
وأراد الوكيل أن يفرق عنه دراهم، فهل يجوز له ذلك باعتبار أن الملابس لا تقبل في وقتنا هذا؟
إن لم يجد من يقبل الملابس فلا مانع من أن يفرق دراهم، وإن وجد من يقبل الملابس فذلك أولى والله أعلم.
تأجير الوقف
توجد أموال وقف في بلدتنا، وليس لها شخص محدد يرعاها، وفي الآونة الأخيرة اتفق الأهالي على إعطائها بالقعد إلى بعض أشخاص يقومون بإصلاحها ورعايتها ودفع الأجرة، فهل يجوز لهم ذلك، علماً بأن هذه الأموال تتكون من نخيل وعوابي زراعية؟
أما الأراضي الفارغة فلا مانع من تأجيرها، وأما النخيل فلا يجوز بيع غلتها إلا بعد دراكها والله أعلم.
قطعة أرض موقوفة كانت تستعمل جنوراً (1) لدق حبوب القمح، فهل يجوز منحها أو تأجيرها لإقامة نادٍ مع مرافقه من قاعة اجتماعات ومكتبة وبعض الملاعب ومسرح لإقامة الحفلات؟
إن كانت في ذلك مفسدة دينية أو اجتماعية أو اقتصادية في جانب الوقف فإنه لا يسوغ شرعاً والله أعلم.
ثلاثة المتألف من
عزم ثلاثة إخوة من أصحابنا بزنجبار على وقف بيتهم طوابق في حياتهم لمسجد الاستقامة والمدارس التابعة له، على أن يؤجر
(1) الجنور: هو المكان الذي تدق فيه الحبوب. (4/204)
صفحة 1787
فتاوى الوقف
205
لهم البيت لمدة أربعين عاماً بأجرة ثابتة يراعى في تحديدها قدرتهم على دفعها، وذلك لأنهم لا غنى لهم خلال هذه المدة عن السكنى في البيت وإدارة أعمالهم التجارية فيه، وإنما حملهم على تنجيز الوقف خشية وقوع التبديل من ورثتهم، فهل الوقف بهذه الصفة ثابت شرعاً؟ وإن كان غير ثابت فتفضلوا بإرشادنا إلى ما به تحصيل البغية الصالحة وتحقيق المصلحة العامة؟ لأن للواقف أن يشترط في وقفه ما لا يخل بتعاليم الإسلام
لا مانع والله أعلم.
منه،
بيع الوقف والقياض به:
شخص أوقف مالاً لأشخاص معينين فهل لهم بيعه أو قسمته:
أولاً: أنبه أن الوقف مصدر من وقف يقف وقفاً، وهو فعل يتعدى بنفسه، ولا يحتاج في تعديته إلى همزة، فكما أنه يأتي الفعل بهذه الصيغة الثلاثية لازماً يأتي كذلك متعدياً، فوقف اللازم مصدره وقوف، ووقف المتعدي مصدر وقف، والدليل على أن وقف يتعدى بنفسه قول الله تبارك وتعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ} [الصافات: 24]، ولم يقل «أوقفوهم»، وكذلك قوله تبارك وتعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّلِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} (سبا: 31)، ولم يقل «موقفون»، ولذلك قال بعض العلماء بأن أوقف خطأ، ومنهم من قال
ضعيفة.
هي
لغة
والوقف هو صدقة تستمر بعد موت الإنسان، فإن كان هذا الوقف وقفاً لأحد أن يتصرف فيه، اللهم إلا إن أصبح لا يجدي
نفعاً،
فعندئذ
عاماً فليس يمكن التصرف فيه ببيع على نظر العدول الثقات الأمناء ذوي الخبرة في (4/205)
صفحة 1788
206 الفتاوى
شؤون الأموال الذين يرون أن بيعه أمر ضروري لا بد منه لأجل أن تستمر منفعة الوقف التي تعطلت بسبب عدم القدرة على الاستفادة منه، وأما فيما عدا ذلك فلا يجوز بيعه. وإن كان وقفاً موقوفاً لقوم مخصوصين فهم يملكون المنفعة ولا يملكون العين، فلذلك لا يجوز لهم بيعه إلا أن يروا المصلحة في بيعه بسبب
لا
نفعاً.
أنه
يجديهم نفعاً ولا يجدي من بعدهم فالوقف إما أن يكون وقفاً مقطوعاً بحيث إنه يعود إلى الورثة بعد موت
الطبقة الموقوف عليها وإما أن يكون وقفاً مستمراً في أعقابهم، فالذين وقف عليهم وقف مقطوع محدود بجيل معين وبعده يعود إلى الورثة فذلك الوقف لا يملكون منه إلا المنفعة، أما بالنسبة للوقف الذي يتحول إلى أعقابهم فيما بعدهم فإنهم أيضاً لا يملكون عينه وإنما يملكون منفعته، فلا يسوغ لهم أن يبيعوه إلا عندما تتعين المصلحة وتتبين الضرورة إلى البيع بحيث إنهم لا يجدون منفعة من بقائه بسبب عدم إمكان استغلالهم له، ففي هذه الحالة تنظر المصلحة لأن الوقف حكمه حكم اليتيم وقد قال الله تبارك وتعالى في اليتامى: (وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَى قُلْ إصْلَامٌ لَّهُمْ خَيرٌ [البقرة: (220) والله أعلم. 220]
وقفت أموالاً لينتفع بغلتها طلبة العلم الشريف، وجرى ذلك لفترة، ولكن منذ خمس سنوات لم نتحصل منها على شيء من الغلة، ومع هذه الأموال مياه أفلاج لسقيها، فهل لنا أن نتصرف في هذه الأموال والمياه بشيء من
أو
الوجوه سواء كان ذلك بالقياض من جانب آخر من البلدة أو بالبيع نتركها بغير سقي ونصرف الماء بالقعادة لينتفع المتعلمون بثمن القعادة، وتبقى الأموال مع أرضها موقوفة إلى ما شاء الله، فما حكم ذلك؟
ذهب فريق من العلماء إلى عدم جواز التصرف في أموال الأوقاف (4/206)
صفحة 1789
المصلحة
فتاوى الوقف
207
إلا بما تقتضيه الوقفية لأن الأوقاف كالوصايا، وقد قال الله في الوصية: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّهَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 181]، وذهب آخرون إلى جواز التصرف حسبما تقتضيه المصلحة، نظراً إلى أن هي القصد من الوقف، وقد تختلف المصلحة بين زمان وآخر، ولا بد من رعاية الظروف والأحوال، وهذا القول له مساغ في النظر، ولكن لا بد فيه من قيد، وهو أن يكون التصرف تحت إشراف الثقات الخبراء بمصالح الأموال، مع ضمان تعويض الوقف بما هو أصلح، وأما ترك أرض الوقف بلا سقي إلى أن تتغير الأحوال مع الاكتفاء بقعادة حرصاً على تجنب الإنفاق المجحف فيما لا طائل تحته فهو وجه سائغ، ولعله أسلم الوجوه
والله أعلم. يوجد في إحدى الولايات مال وقف أو مال مسجد، والآن يباع عن طريق اللجنة المحلية، وأنا أرغب في شرائها للزراعة، فهل هذا حرام؟
إن كان البيع بقرار شرعي من قاض شرعي لمصلحة الوقف، وكان بأيدي الأمناء ذوي الخبرة في شؤون الأموال، فلا حرج في شرائه والله أعلم.
يوجد عندي ثلاث نخلات فطرة صائم شهر رمضان، وأريد أن أبيع النخل التابع لي والذي من ضمنه هذه الثلاث نخلات، وأرغب في شراء نخل آخر بدلاً عنها، وأريد تغيير الفطرة من النخل السابق الذي أريد بيعه إلى النخل الذي أرغب في شرائه، بشرط أن تكون الثلاث نخلات ـ الخاصة بالفطرة - من أحسن النخل الذي اشتريه، ويكون اختيارها بواسطة قاضي المنطقة أو مشايخ البلاد، فهل يجوز بيع الفطرة واستبدالها بنخل آخر؟ تراعى في ذلك المصلحة، فإن كانت المصلحة في الإبدال فلا حرج في (4/207)
صفحة 1790
208
الفاوي
ذلك، لأن للوقف حكم اليتيم، وقد قال سبحانه: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَى قُلْ إصْلَاح لَّهُمْ خَيْرٌ} [البقرة: 220] والله أعلم.
رجل وقف نخلتين تفرق غلتهما على الفقراء والمحتاجين، وكان في أيام شبابه ينبت هذه النخيل ويخرفها (1) ويفرّق غلتها، أما الآن فليس لديه الاستطاعة للقيام بذلك، ولم يجد لها أحداً يقبضها، فهل يصح له هذه النخلات ويفرّق قيمتها أم يكتب هذه النخلات وقفاً لأحد يبيع المساجد أو جعلها للفلج؟
أن
النخلتان قد خرجتا عنه ما دامت الوقفية منجزة في حياة الواقف، وإنما
بيع
هو كواحد من أهل النظر في مصلحة الوقف، فإن اقتضت المصلحة النخلتين واستبدلهما بشيء مما ينتفع بغلته بدلهما كماء أو عقار، على أن يكون هذا المستبدل للفقراء حسب الوقفية فلا مانع حسب الوقفية فلا مانع منه والله أعلم.
ما قولكم في أرض موقوفة لأناس معينين وكان تحديد الوقف لمن شاء أن يسكن منهم أو يزرع، ولكن بهذه الأرض بيوتهم فباع أحدهم بيته المبني بالطين فاشتراه رجل ليس له شراكة بالوقفية، فسكن فيه أناس أجانب وسط عوائلهم، وأصحاب الوقفية جملة ولديهم أولادهم، فإذا كان كل واحد يقوم ببيع بيته ويستبدله بآخر يبنيه بهذه الأرض فأين يسكن الباقون؟ وهل لهؤلاء الشفعة أم لا؟
إذا كان الوقف صحيحاً فلا يصح تغييره، لدخول ذلك تحت وعيد قول الله سبحانه: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّهَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 181]، وبناءً على ما في السؤال استحسن رفع القضية إلى القاضي
(1) الخرافة: هي جني رطب النخيل. (4/208)
صفحة 1791
فتاوى الوقف
209
الشرعي لينظر القضية، إن لم يتم التفاهم مع هذا الشخص الذي يريد عدم التزام أحكام هذا الوقف والله الموفق للخير.
إذا كان يوجد في بلدة ما مال موقوف لقبيلة من القبائل، وهذا المال لا يستفيد منه أحد، فهل يجوز بيع هذا المال وتوزيع قيمته لمستحقيه أو شراء مال آخر يستنفع منه أصحابه؟
لا يجوز توزيع ثمنه، وإنما يجوز أن يشترى بثمنه أصل آخر يكون أجدى من الأول، لتنتفع القبيلة بريعه، ويشترط لجواز ذلك أن يتم البيع والشراء تحت إشراف الأمناء ذوي الخبرة في شؤون الأموال والله أعلم.
يوجد أمام منزلي أرض وقف غير مستفاد منها، بالإضافة إلى أنها تقع في وسط المنطقة، ولا يمكن استغلالها أو الاستفادة منها، وهي على هذا الحال منذ أمد طويل، فهل يجوز استبدالها بأرض زراعية ملك لي في موقع آخر مناسب بحيث أستفيد أنا من القطعة الموقوفة بجانب الاستفادة من تأجير القطعة الزراعية من جانب وكلاء الوقف؟
الوقف حكمه حكم اليتيم، وقد قال الله تعالى: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَى قُلْ إِصْلَاحُ لَهُمْ خَيْرٌ} [البقرة: (220)، فإن كانت المصلحة في ذلك متعينة ظاهرة للوقف فلا حرج فيه، شريطة أن يكون ذلك بأيدي الأمناء العدول ذوي الخبرة في شؤون الأموال والله أعلم.
وهي
عندنا مال خاص لتعليم أولاد أسرتنا، وهذا المال في بلد كان يسكنه أجدادنا، وقد انتقلت الأسرة إلى بلدة أخرى مجاورة منذ زمن ليس بالقصير، وقد أصبح المال في الوقت الحاضر مردوده قليل والعناية به (4/209)
صفحة 1792
210
الفاوي
تكلف كثيراً، فما قولكم شيخنا في بيعه وشراء بيت في البلدة الجديدة بدلاً منه، نقوم بتأجيره وصرف الإيجار على تدريس أولاد الأسرة؟
إن كانت مصلحة الوقف متعينة في ذلك فلا مانع منه، لأن الوقف كاليتيم، وقد قال تعالى: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَى قُلْ إِصْلَاحُ لَهُمْ خَيْرٌ} [البقرة: 220]،
وهو يعني أن اليتيم يجب أن تراعى مصلحته في جميع شؤونه، وهكذا المساجد والأوقاف، ولكن يشترط لذلك أن يكون تحت إشراف الأمناء ذوي الخبرة في شؤون الأموال والله الموفق.
توجد مواقع فسل نخيل تخص أوقافاً منها للمساجد ومنها للصيام وغير ذلك على جانبي سواقي الأفلاج، وهذه الفسائل أتت عليها طرق السيارات، حيث لم يكن هناك مجال لحركة الناس، حيث إن الطرق أصبحت شريان الحياة ولا بد منها هذا وإن وكلاء الأوقاف يريدون فسل هذه المواقع، ولا شك أن الطرق تتعطل ويترتب عليها تعطيل مصالح الناس وحركتهم، فما قولكم في هذه القضية؟ أيسمح لوكلاء الأوقاف بالفسل وتتعطل حركة ومصالح الناس؟ أم تترك هذه المواقع كما هي عليه الآن وتقدم مصالح الناس على مصالح
الأوقاف؟
تعوض مواقع الفسل المملوكة للمساجد بمواقع أخرى لا تقل عنها قيمة ولا جدوى، سواءً كان هذا التعويض من قبل المنتفعين بتوسعة الطريق أو من قبل متبرع بذلك، ولا تضاع حقوق المساجد والله أعلم.
توجد أموال خضراء وأراض بيضاء وقفها أهل الخير والصلاح لمصابي مرض الجذام في كثير من ولايات السلطنة وهناك توجه ـ لقلة عائد (4/210)
صفحة 1793
فتاوى الوقف
211
الأموال الخضراء ـ لبيع هذه الأموال واستغلال قيمة البيع في نواح تدر عائداً أكبر لهؤلاء المرضى، فما هو رأي الشرع الشريف في
ذلك؟
إذا قام على هذا الوقف الأمين المخلص فيجوز بيع هذه الأموال الخضراء والأرض البيضاء وابتياع مشاريع استغلالية لأجل علاج هؤلاء المرضى، شريطة أن تكون المصلحة في جانب الوقف والله أعلم.
أود أن استفسر عن وقف على طريق بجانب ساقية الفلج، ويتكون من ثلاث نخلات، فهل يجوز تعويض هذه النخلات بنخلات أخر وردم حفرها وتمرير طريق، علماً بأن الوقف من زمن سابق منذ تكوين الساقية والطريق؟
إن كانت مصلحة الوقف متعينة في هذا العوض، وكان أوفر قيمة وأكثر دخلاً فلا حرج في ذلك، على أن يتم ذلك تحت إشراف الأمناء ذوي الخبرة في شؤون الأموال والله أعلم.
وقف والدي قبل وفاته من ماله نخلتين وشجرة ليمون صدقة وعدداً آخر لعرفة وعدداً آخر فطرة، والآن أقوم على عمارة هذه الوصية بجميع ما تحتاجه من مصاريف وبالنظر إلى ما يعود من هذه النخيل مقابل عمارتها فهو لا يساوي تكاليف عمارتها، مما يضطرني أن أصرف عليها من مالي الخاص، فهل يجوز لي شرعاً أن أقوم ببيع هذا المال ودفع ثمنه في عمارة مسجد أو فلج؟
إن اقتضت ذلك مصلحة الوقف فلا حرج في بيعه، على أن يشترى بثمنه عقار أو ماء يعود ريعه على الجهات الموقوف لها بحسب حصة كل منها
والله أعلم. (4/211)
صفحة 1794
212
الفاوي
ذلك،
ما تقول في مال وقف تنفذ غلته خبزاً يؤكل ليلة الجمعة بعد صلاة المغرب في المسجد الجامع، وفي هذه السنوات الأخيرة صارت غلته لا تكفي لسقيه فضلاً عن احتياجاته الأخرى، ولجماعة الجامع مياه وأموال غير هذا تقعد سنوياً ويوزع لهم الناتج من هذه الأموال ريالات حسب العادة المتبعة فهل يجوز لوكيل الجماعة أن يأخذ مبلغاً من المبالغ التي توزع لهم لإصلاح المال المذكور، وإذا كان لا يصح فهل يجوز أن يباع ويشترى بغلتها أرز ويوزع على أهالي الحلة في اليوم التاسع من ذي الحجة، ويقدر ثمن هذه الجلبة بحوالي ألف ريال عماني، إلا أن تكاليف هذه الجلبة من مياه وتحدير وتنبيت وغير ذلك تكون ضعف، مردودها، أي إذا كان مردود الغلة عشرة ريالات فإن تكاليفها تصل إلى عشرين ريالاً تقريباً، والوصي هو الذي يدفع الفارق من عنده، أنه من معرض للاتهامات لكونه لا يوزع أرزاً، وقد فكرت أن أبيع هذه الجلبة وأشتري أرزاً حسب الحاجة وأوزعه في اليوم المحدد لذلك، ويتم تكرار ذلك سنوياً حتى انتهاء ثمن الجلبة، فهل يجوز ذلك شرعاً؟ في هذه الحالة ينبغي لك أن تبيع الجلبة وتشتري بثمنها عقاراً أو ماء، ويكون ريعه مصروفاً في المصلحة التي كان يصرف فيه ريع الجلبة والله أعلم. هناك مقبرة أصبحت الآن مكتظة وفي حاجة إلى توسعة، وهذه المقبرة بجوارها مباشرة أرض وقف، فهل يجوز ضم أرض الوقف هذه أو جزء منها للمقبرة أم لا؟
فضلاً
إن اقتضت الضرورة ذلك فيجوز ضم هذه الأرض الموقوفة إلى المقبرة،
على أن يعوض الوقف بأرض أخرى أجدى وأنفع والله أعلم. (4/212)
صفحة 1795
فتاوى الوقف
213
ما قولكم في رجل قابض مال المساجد والفطر، فجاءه أحد المواطنين وعنده فطرة: ستون من (1) تمر، وجاء يساومه في قيمة هذا التمر، علماً بأن النوع الجيد من التمر يباع المنّ منه بريال عماني واحد، وهذا التمر (تمر (الفطرة مخلوط من سائر وطيب، وصاحب المال الذي فيه الفطرة هو بنفسه الذي يسقي المال، وعلى حسب ما تعلمون عندنا أموال في البلدة تعطى البيدار بالغلة، فهل يحق للوكيل أن يساومه بسعر أقل من قيمة التمر؟ لسبب أنه متكلف عليه بالمصاريف والسقي وأصبحت
الأموال سائبة؟
لا
يباع شيء من غلة الموقوف بأقل من سعره، إذ لا محاباة في الوقف
والله أعلم.
بيت ونخل موقوفة ويوجد صك شرعي بها، وقد وقع بين أهل الوقف التشاجر والتنافس عليها، وحسماً لهذا النزاع، هل يجوز بيعه وقسمة
ثمنه بينهم!
سبعين
عاماً،
من حيث إن الوقف منجز في حياة الواقف، وقد مضى عليه أكثر من وهو للموقوف لهم ولذراريهم من بعدهم إلى قيام الساعة، رأى شيخنا سعيد بن خلف الخروصي عدم جواز قسمة هذا الوقف بين الموقوف لهم، وإنما يجوز بيعه لاستبداله عقاراً أو ماء بقيمته، ويقتسم الموقوف لهم، منفعته، فإن تشاجروا في قبض هذا البديل فليترافعوا إلى القاضي الشرعي، وهو يعين أرشدهم لقبضه، وهذا هو الرأي الذي أراه
والله أعلم.
(1) المن: هو وحدة وزن كانت تستخدم في عُمان سابقاً. (4/213)
صفحة 1796
214
الفتاوى
ما قولكم في امرأة توفيت وتركت مالاً مكوناً من عدد من النخيل ومنزلاً وقطعة أرض تصلح لزراعة القت بالبلدة، وقد وقفت هذا المال لأولاد أولاد ابن أخيها، علماً بأنه لا توجد أوراق ثبوتية بذلك، إلا أن معظم أهل البلدة يعلمون بذلك، فهل يجوز بيع هذه الأموال وقسمتها بين الموقوف لهم؟ فإذا كان الجواب بالنفي، فهل يجوز بيع قطعة الأرض الصغيرة، وبقيمتها يتم إصلاح المنزل الذي أصبح داثراً وغير صالح للسكن، وذلك ليكون مرجعاً للعائلة بنفس البلدة؟
إن كان الوقف لهم ولأولادهم من بعدهم فذلك غير جائز، لأن في هذا الوقف حقاً لأعقابهم من بعدهم، وفي بيعه حرمان لهم من هذا الحق، بيع جزء منه لأجل المحافظة على سائره فيجوز إن اقتضته الضرورة
أما
والله أعلم.
أناس عندهم كتب مخطوطة، وأصبحت متهالكة ومعرضة للتلف، وقد وقفت لطلاب العلم، وكما تعلمون فضيلتكم إعراض الناس عن قراءة المخطوطات القديمة لصعوبة المراجعة فيها وعدم فهرستها وتقطعها في بعض الأحيان، وقد خاطبتهم في نقل هذه الكتب إلى مكتبة أمينة فيها صيانة للكتب المخطوطة من جميع النواحي، وهي محل للاستفادة هذه الكتب وغيرها، وهي مكتبة وزارة التراث التي تعتبر مرجعاً للناس، ويؤمن عليها من التلف فما رأيكم باستبدال هذه الكتب بإحدى
من
طريقتين أولاً: أن تعوض عنها نسخة من كل كتاب طبعته الوزارة بحيث تتكون
مكتبة كبيرة للوقف،
مع أن الكتب المخطوطة لا تتجاوز عشرة كتب،
وتصبح المبدلة أسهل للمطالعة. (4/214)
صفحة 1797
فتاوى الوقف
215
ثانياً: تبذل الوزارة قيمة عنها، ويشترى بها كتب أخرى تضاف إلى المكتبة الموقوفة، وفي نظر أهل الصلاح أن ذلك أفضل من خزنها في خزانة لا تفتح وتصبح بعد فترة تالفة لا تصلح لشيء، فما قول سماحتكم في ذلك؟
إن كانت هذه الكتب تعوض بنظائرها من المطبوعات وكتب أخرى، وكانت المصلحة في ذلك متعينة فلا مانع منه والله أعلم.
نخلة موقوفة توزع ثمارها على أهل البلدة، وبعد فترة نبتت صرم
«فسائل لها فتم قلعها ثم بيعها، فما حكم هذه المبالغ؟
منهم
حکم والله أعلم. رجل هلك قبل عشرين عاماً كان قد وقف بيتاً لأولاد الأولاد ـ ما بقي أحد، والآن أراد الأولاد بيعه واقتسام ثمنه، فهل يجوز لهم ذلك؟ فإن قلت لا يجوز، فهل لهم الاستعاضة عنه بما هو أصلح وأجدى، لأن الأموال لا تفي بما عليها من المغارم والماء لا يحتاج إلى مصاريف؟ إذا كان الوقف لقوم مخصوصين فلا مانع من بيعه واقتسام ثمنه فيما بينهم والله أعلم.
فسائلها حكم غلتها، فتصرف قيمتها فيما تصرف فيه الغلة
وقف أحد أجدادنا نخلتين لصيام شهر والذي يصوم شهراً يستغلهن، وبعد سقطت النخلتان ولم يهتم أحد بفسل نخل آخر بدلهما، وفي هذه الأيام جاء رجل واشترى المال وفيه موضع نخلة من النخلتين المذكورتين، وقال إنه يريد أن يعطي الذي له علاقة بهذا الموضوع ريالاً عُمانياً، وللعلم ليس للموضع ماء خاص للنخلة، إنما
خمسين (4/215)
صفحة 1798
216
الفاوي
تُسقى من ماء أي كان عن طريق النضح، ولا يوجد من يصوم شهراً ستغل النخلة في عصرنا هذا، فهل يجوز بيع هذا الموضع؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب، فماذا يعمل بثمنها؟
تجب مراعاة مصلحة الوقف كاليتيم ولا أرى مصلحة الوقف في هذا، فلا يجوز ذلك، بل يجب فسل نخلة مكان النخلة السابقة، إلا إن عوض صاحب المال نخلة شاربة والله أعلم.
بجوارنا أرض موقوفة لمقبرة، وبجانب تلك الأرض طريق مشاة يخترق أرض المقبرة إلى تلك المنازل، وتلك المنازل قديمة، والآن اضطر أهل تلك المنازل إلى طريق سيارة لأنه لا طريق لهم من أي جهة، وعندهم أرض مطابقة لأرض المقبرة من جهة الغرب، فهل يصح أن تعوض المقبرة من الأرض المطابقة لها ونأخذ من أرض المقبرة بقدر مرور سيارة نظراً للحاجة الماسة لذلك؟
إن كان المرور فوق القبور فلا يجوز ذلك، وذلك لحرمة الموتى، وإن كان في موضع خالٍ من القبور فلا مانع من ذلك، شريطة أن يكون العوض للمقبرة خيراً من المعوض عنه والله أعلم.
توفي والدي وأوصى بثلاثة آبار اثنتين في البلدة والثالثة في بلدة أخرى تبعد قرابة الخمسة عشر كيلو، وقفاً للورد، وقد ترك الناس
في
هذا الزمان استخدام الحبل والدلو لجلب الماء من البئر، وصاروا يستخدمون وسيلة الضخ لذلك، وبذلك توقفت المصلحة، وتوقف العمل بهذه الآبار، فما رأي سماحتكم في بيع إحدى الآبار الثلاثة وبالأخص تلك التي تبعد عن البلدة، واستخدام خزانات وثلاجات (4/216)
صفحة 1799
فتاوى الوقف
217
للشرب،
علماً بأن السكان الذين كانوا يستفيدون من هذه الآبار هم
الذين يطالبون بذلك وباقي المبلغ يُشترى به ماء لتعمير هذه الآبار
سنوياً؟
الأصل فيما أوصى به للوقف أن لا يباع، اللهم إلا إن اقتضت ذلك الضرورة، وإذا تعينت المصلحة في بيع إحدى هذه الآبار ورأى ذلك أهل الصلاح والنظر، فأرجو أن لا يكون به بأس والله أعلم.
أحد الصالحين وقف مال للذرية، ومن بعدهم لفقراء المسلمين، والآن - بعد انقراض الذرية - تأثر بعضها بمشروع طرق، واستلم الوكيل تعويضاً مالياً من الحكومة. هل يشتري بمال التعويض هذا مال يضم لذلك الوقف أم يوزع على الذرية الحاضرين؟
نعم يشترى به مال يضم إلى الوقف والله أعلم.
المال
رجل له مال من نخل، وبهذا المال عدد من النخيل الموقوفة، وله مال آخر ويريد هذا الرجل أن ينقل هذا الوقف عن طريق القياض من الأول إلى ماله الثاني من نفس الفلج، ومساوياً له في التربة ويفوقه في العمار، فهل يجوز له ذلك؟، وفي حالة الجواز من هو المتكفل بالمقايضة نيابةً عن المال الموقوف، أهو القاضي أم مشرف الأوقاف بالولاية أم وكيل المال المباشر أم أعيان البلاد الذين لهم دراية في الأموال وقيمتها؟
تراعى في ذلك مصلحة الوقف، فإن كانت المصلحة في ذلك متعينة ذلك على أيدي الأمناء ذوي الخبرة في مصالح
جاز. ولا بد من
أن
الأموال والله أعلم.
يتم (4/217)
صفحة 1800
218
الفاوي
مال موقوف لبيت معروف، فاتفق أهله على بيعه وبناء مسجد للصلاة بثمنه، فهل يجوز لهم ذلك؟
إن كان موقوفاً لهم ولأعقابهم من بعدهم فليس لهم ذلك والله أعلم.
هل يجوز لوكيل في مال وقف أو مال فطرة أن يبادل به إن رأى في ذلك صلاحاً ويأخذ بدل الأصل أصلين وفوق ذلك بعض الدراهم؟ وهل يجوز له أن يقطر بهذه الدراهم إذا لم تكن الغلة كافية للفطرة؟
يجوز له أن يعمل ما فيه مصلحة الوقف، ولا يجوز التفطير بثمن الأصل ولكن بالغلة والله أعلم. وقف رجل مالاً لابني أخيه، فباع أحدهما المال، فهل يثبت هذا البيع أم
SY
إن كان لهما ولذريتهما من بعدهما فلا يجوز بيعه لتعلق حق الغير به، وكذلك إن كان موقوفاً لهما في حياتهما فقط ثم يعود إلى غيرهما، وأما إن كان عطية لهما فلهما حق بيعه إن اتفقا عليه والله أعلم.
من جملة ما أوصى به والدي الهالك ضاحية للسبلة العامة، وكانت مبنية من الطين والحجر، والآن تهدمت ولم تعد صالحة للاستعمال، كما توجد بها نخيل لا تكفي غلتها في إصلاحها أو حتى فسلها، بينما قيمة الصرمة الآن، عالية فهل يجوز بيع بعض من نخيل هذه الضاحية لبناء
السبلة؟
إن توقف بناء المجلس على بيع شيء من تلك النخيل فلا حرج في ذلك، على أن يكون البيع بقدر الحاجة ويكون بسعر عادل تحت إشراف الأمناء والله أعلم. (4/218)
صفحة 1801
فتاوى الوقف
219
رجل وقف ماله، ونظراً لما آل إليه حال أغلب المواقيف بالسلطنة من قلة الدخل وعدم الجدوى الاقتصادية منها بل إنها أصبحت تشكل عبئاً على الأوصياء، مما يعني تلف مصدر دخل الفقراء. وحيث إننا نعلم أن المقصد الذي أراده الواقف هو ابتغاء مرضاة الله تعالى والتقرب إليه بعون عباده ببعض ما آتاه من فضله فقد نظرنا في حال هذا الوقف المشار إليه فوجدنا دخله السنوي لا يتعدى خمسة ريالات وذلك بعد إخراج مغارمه، مما يعني ذهاب هذه المنفعة عن أصحابها، وعلى مضي السنين يضعف هذا الوقف ويرغب الناس عنه شيئاً فشيئاً كما هو مشاهد فهل يجوز استبدال هذا الوقف بنصف أثر ماء ليكون مجموع ما للوقف أثراً كاملاً يتم قعده سنوياً بما لا يقل عن ثلاثين ريالاً، إضافةً إلى كون تغيره بفعل عوامل التغييرات التي تطرأ يعتبر قليلاً بالمقارنة مع الأموال الخضراء، وقد التزم عندي المشتري نفسه باقتعاد هذا الماء سنوياً عن مبلغ وقدره ثلاثون ريالاً فينتفع هو من جهة وينتفع الوقف من جهة أخرى، فما حكم ذلك؟
إن اقتضت ذلك المصلحة واتفق عليه أهل النظر والخبرة في شؤون الأموال فلا مانع منه، ولكن لا يجوز التشارط مع المساقب بأن يستأجر الماء، لأنه مما يدخل في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعين في بيع، وفي رواية عن صفقتين في صفقة والله أعلم.
رجل أوصى ببيته الذي كان يسكنه ليكون وقفاً أبداً لتنتفع به عشيرته الأقربون وبعد انقراضهم فعشيرته الأبعدون وبضاحية لتكون وقفاً أبداً وتنفق غلتها في إصلاح هذا البيت الموقوف، فهل يجوز بيع هذا البيت نظراً لتهدمه واندثاره لأنه مبني بالطين، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى (4/219)
صفحة 1802
220
الفاوي
تشعب الأقارب وكثرتهم وصعوبة اتفاقهم على إعادة بنائه ثم الاتفاق
على كيفية الانتفاع به؟
إن تعذر ترميمه وإصلاحه لأجل الانتفاع به فلا مانع من بيعه على أن يعوض بثمنه بيت آخر يتلاءم مع المطلوب من الوصية حسب قصد
الموصي، وهو انتفاع عشيرته الأقربين ثم عشيرته الأبعدين به والله أعلم.
أربع نخلات للفطرة في مال شخص آخر، فهل يجوز أن يقوم القائم على هذه النخيل ببيعها إلى صاحب المال بسبب أن صاحب المال لم يستطع أن يقوم بصيانتها من سقي وغيره، علماً بأن القائم عليها يقصد من البيع شراء مكان آخر للفطرة حيث يقوم صاحب المال بصيانتها؟
تراعى في
ذلك مصلحة الوقف، فإن كانت المصلحة في ذلك متعينة ذلك على أيدي الأمناء ذوي الخبرة في مصالح
يتم
فلا مانع منه، على أن الأموال، وأن لا يكون غبن على الوقف لا في بيع الأصل ولا في ابتياع البديل، وأن يكون البديل خيراً من الأصل والله أعلم.
تقدم مواطن بطلب شراء نخلتين تابعتين لأكفان وقف بلدته أو القياض بنخلتين أو ثلاث نخلات على عامد فلج البلدة المذكورة، فما قولكم في ذلك؟ الأسلم والأولى أن تكون المعاملة قياضاً، على أن يكون البديل أغلى وأجدى للوقف من النخلتين، وأن يتم ذلك على أيدي الأمناء ذوي الخبرة في شؤون الأموال والله أعلم.
رأى أهل الصلاح في البلاد بيع بعض الأموال الموقوفة للمساجد والمدارس وغيرها من وجوه الوقف، واستثمار ثمنها في بناء عقار وتأجيره لمصلحة تلك الجهات المذكورة، ورأوا أن يقام هذا المبنى على أرض (4/220)
صفحة 1803
فتاوى الوقف
221
موقوفة لطرق البلدة على أن يقوم العدول قيمة الأرض بسعر السوق، وتحسب هذه القيمة ضمن تكاليف المشروع، وتكون الطرق شريكة مع جهات الوقف الأخرى، وتكون المشاركة بعدد الأسهم على أن تكون قيمة السهم ريالاً واحداً. ولتوضيح المسألة على سبيل المثال، لو كانت قيمة الأرض خمسة آلاف ريال، فإن نصيب الطرق في المشروع خمسة آلاف سهم هي قيمة الأرض، وتصبح الأرض وما عليها ملكاً مشتركاً للطرق والمساجد والمدارس وغيرها من الجهات التي ساهمت في إقامة المشروع، فنرجو من سماحتكم التكرم ببيان الحكم الشرعي في هذا التصرف؟ الأوقاف لها حكم اليتامى، وقد قال الله: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَى قُلْ إِصْلَاحُ همْ خَيْرٌ} [البقرة: 220)، وعليه فحيث تكون مصلحة الأوقاف متعينة فاتباع ذلك سائغ جائز ولا مانع منه والله أعلم.
امرأة هالكة كانت قد أوصت ببناء مخزن لمقبرة البلدة يحفظ فيه معدات الحفر ولبن الدفن المصنوع من الطين في ذلك الزمان، وبعد مرور السنين وتغير الأحوال صار المخزن بعيداً عن المقبرة إذ صار يفصله الشارع العام عن المقبرة وبعض المحلات التجارية والسكنية، والمقبرة تم عمل سور لها وبوابة من الناحية الأخرى البعيدة عن المخزن، وبمرور الزمن تهدم بعض سور المخزن وكذلك السقف ولبن المقابر صار من الحجارة ولا يحتاج إلى حفظه في مخزن، وصار المخزن غير مفيد للمقبرة ويحتاج إلى مال لصيانته، فهل يجوز بيعه وجعل ثمنه في إصلاح المقبرة على رأي فضيلة قاضي الولاية والصالحين من أهل البلدة؟
إن تعذر الانتفاع به فلا حرج في بيعه وجعل ثمنه في مصلحة المقبرة المذكورة نفسها والله أعلم. (4/221)
صفحة 1804
222
الفتاوى
إن كانت نخلة موقوفة وكان الماء لا يكفيها وظلت زمناً طويلاً ميتة، فهل يستبدلونها بنخلة أخرى من أجل أن يستغلوا غلتها؟
إن كانت النخلة البديلة من حيث القيمة ومن حيث الريع أفضل، ورأى ذلك العدول الذين لهم النظر في شؤون هذه الأموال ولهم الخبرة في الغرس وما يحتاج إليه فلا مانع من ذلك والله أعلم.
إذا كانت النخلة فوق تل أو فوق ركام من التراب وأرادوا تسوية ذلك التراب، فهل التراب يعتبر أيضاً من الوقف ويباع ويستغل؟
تلك الأرض وما احتوته هي داخلة في الوقف والله أعلم.
زكاة الوقف
نحن مجموعة أفراد من أسرة واحدة اتفقنا على تجميع مبلغ شهري في
هذا
حدود عشرة ريالات شهرياً على كل فرد وكان القصد من تجميع المبلغ أنه في حالة ارتكاب أي فرد من المشتركين حادث سير، وينتج عن ذلك إصابات دهس أو وفيات ويوقف الشخص على ذمة التحقيق يدفع هذا المبلغ كفالة (ضمان) عنه حتى تظهر نتيجة القضية (الحكم)، ثم يعاد المبلغ إلى الصندوق مرة ثانية. وقد مضى على تجميع هذا المبلغ ما يقارب ثمان سنوات ووصل إجمالي المبلغ ما يقارب خمسة آلاف ريال عماني، فهل على هذا المبلغ زكاة؟
إن كنتم اعتبرتم هذا المبلغ وقفاً خيرياً وذلك بأن يكون لا يعود إلى ملك الدافعين له لأنهم تبرعوا به لمصلحة العشيرة أو الأسرة فهو كسائر الأوقاف لا زكاة فيه، وإن كنتم تعتبرونه شركة بينكم بحيث إنكم لم تخرجوه من ملككم فالزكاة فيه واجبة والله أعلم. (4/222)
صفحة 1805
فتاوى الوقف
223
هل يتصور أن يكون في الوقف زكاة؟
الوقف هو صدقة وليس فى الصدقة صدقة، فمن وقف لمدرسة أو للفقراء أو للمساكين أو للقربي أو لنحو ذلك فلا زكاة في الوقف، والعلة ذلك أنهم لا يملكون الأصل حتى يقال بأن في ذلك زكاة، وإنما هم مالكون للمنفعة فحسب، وهذه المنفعة بمثابة الصدقة الجارية التي تجري
في
عليهم والله أعلم. رض كتبتها وقفاً في وجه من وجوه الخير بعد وفاتي، ومنذ ذلك
في
التاريخ لم أزكها ظناً
مني
أنه لا تجب فيها الزكاة بعد الوصية، فهل ظني
صحيح؟ وأنا أفكر الآن في بيعها، فهل يجوز لي ذلك؟ وهل يؤثر ذلك
في
مسألة الزكاة؟
الأرض لا زكاة فيها إلا إن كانت مستغلة بزراعة أو بعقار مؤجر، فالزكاة هذه الحالة في غلتها، وبما أن هذا الوقف معلق بالوفاة فهو لا يثبت إلا بوفاة الواقف، وله أن يرجع عن هذا الوقف غير المنجز، ولا تجب فيها الزكاة ما لم يعرضها للبيع والله أعلم. (4/223)
صفحة 1806
224 الفتاوى
رجوع الواقف عما وقف:
رجل وقف عقاراً له لينفق ريعه في وجه من وجوه البر بعد وفاته، ولم يكن وقفاً منجزاً في حياته، فهل يجوز له أن ينثني عن الوقفية أو يبدل العقار الموقوف بعقار آخر؟
بما أن هذا الوقف غير منجز في حياة الواقف، وإنما هو منوط بوفاته فإن له حكم الوصية، وللموصي أن يرجع فيما أوصى به من التبرعات، وله تبديل ما يرى تبديله حسب المصلحة التي يراها والله أعلم.
هل يجوز شرعاً للواهب أو الموصي أن يشترط عدم جواز الحجز على المال الموهوب أو الموصى به لدين الموهوب له أو الموصى له لأسباب مشروعة؟، وإذا كانت الإجابة بالإيجاب فهل لجميع الديون أم لديون خاصة فقط؟، وإذا كان الدين سابقاً أو لاحقاً للهبة أو الوصية، فهل له نفس الحكم؟
هذا شرط باطل والله أعلم.
عن شخص تصدق عن أهله بمال وبعد فترة رأى أن يبدله بمال آخر، ويمكن أن يكون المبدل به أفضل من المبدل عنه، والمتصدق للمسجد، فهل يجوز ذلك أم لا؟
ليس له الرجوع في صدقته اللهم إلا أن يتفق مع من بيده الوقف على القياض فإن كانت في ذلك مصلحة الوقف فلا يعدو من رخصة على بعض الأقوال والله أعلم.
امرأة تملك بئر ماء للسبيل، وبعد فترة غيّرت رأيها وباعتها لولدها (4/224)
صفحة 1807
فتاوى الوقف
225
بحجة أن هذه البئر جف منها الماء ثم تدهورت ولا تستطيع أن تقوم بصيانتها لأنها فقيرة ولا تملك مالاً إلا القليل، فهل يجوز هذا البيع؟ إن كانت وقفتها وقفاً منجزاً في حياتها فليس لها الرجوع في الوقفية لأنها أخرجتها من ملكها والله أعلم.
هل يجوز الرجوع عن الوقف المنجز وكذلك الوقف المضاف وذلك في غير وقف المسجد؟ مثال 1 شخص وقف بعض ممتلكاته لمدرسة القرآن الكريم أو المقبرة أو للمتعلمين أو غير ذلك من أنواع الوقوفات الخيرية، وقد قام بتسليم المال الموقوف إلى هذه الوزارة ويتم صرف ريع هذا المال إلى الجهة الموقوف لها، وبعد أشهر أو سنوات من وقف هذا المال خاطب الوزارة برغبته في الرجوع عن هذا الوقف، فهل يحق له ذلك شرعاً؟ مثال 2: شخص أوصى بوقف بعض ممتلكاته إلى جهة من جهات البر ثم بعد فترة طلب الرجوع عن هذا الوقف المضاف، فهل يحق له ذلك شرعاً؟ من وقف وقفاً في حياته وسلمه إلى الجهة التي ترعى الوقف فلا رجوع له فيه، وأما من أوصى بوقف شيء من ممتلكاته بعد موته فله الرجوع عن وصيته ما دام حيّاً والله أعلم.
امرأة أوصت بعد موتها بنخلة من مالها لوقف يوم عرفة، ثم قام زوجها بطناء تلك النخلة في حياتها وحصل شقاق بخصوصها بين زوجها وأهل البلد، فهل يصح أن تغير هذه المرأة النخلة التي أوصت بها بمبلغ
معين بديلاً عنها ينفق يوم عرفة حسب الوصية الأولى؟
إن كانت أوصت بها بعد موتها لم تجعلها وقفاً في حياتها ولم تخرجها (4/225)
صفحة 1808
226
الفتاوى
من ملكها إلى الجهة الموقوف لها فلها أن ترجع في وصيتها، وطناء النخلة في حياتها لا يؤثر شيئاً على الوصية إن لم ترجع عنها، أما إن وقفتها في حياتها وأخرجتها من يدها إلى الجهة الموقوف لها فتلك الجهة أولى بها، وما لها أن تعود إليها أو تتصرف فيها والله أعلم.
ما قولكم في رجل أوصى لأولاد ولده بقطعة من المال، فإن انقرضت درجة الأولاد ترجع إلى فقراء المسلمين، والآن يريد الولد التصرف في هذه القطعة الموصى بها ببيعها لوفاء الديون التي عليه، حيث لا يوجد له أموال أخرى وليس له شريك من إخوته ولا أولاد إخوته وعنده أولاد، فهل له وجهاً في التصرف في هذه الوصية؟
إن للموصى له الانتفاع بالغلة دون تملك الأصل، ثم إن في هذا الموصى به حقاً لفقراء المسلمين بموجب الوصية، فلا أرى مساغاً لبيع الموصى له هذا المال بسبب ذلك والله أعلم.
رجل أوصى بتوقيف ماء للفلج، وقد احتاج الموصي إلى مائة ريال لضيق ذات يده، فهل له أن يرجع الآن عن هذه الوصية التي أوصى بها أن تنفذ بعد موته أم ليس له ذلك؟
إن كان هذا غير وقف منجز في حياته وإنما كان وصية بعد مماته فله الرجوع والله أعلم. (4/226)
صفحة 1809
انتقال الموقوف عليهم:
فتاوى الوقف
227
ما تقول شيخنا في أموال وقفها لحارة البلد، وقد كان جميع أهل البلد يقطنون في تلك الحارة، وكان يوزع على جميع الساكنين، وفي الآونة الأخيرة ونظراً لتوسع العمران خرج الأهالي من الحارة وبنوا بيوتاً خارج الحارة، فكيف تصرف المبالغ العائدة من هذا الوقف، علماً بأن الوقف لم يحدد لأشخاص معينين؟
إن كان البناء الجديد توسعاً في الحارة السابقة بحيث صار امتداداً لها فالوقف يشمل أهله، وكذلك إن رأى أصحاب الحارة السابقة أن مساكنهم لا تصلح فاستبدلوا بها مساكن أخرى في مكان لم يشاركهم فيه مشارك، بحيث أصبحوا فيه يشكلون نفس الكيان الذي كان لهم سابقاً في حارتهم القديمة والله أعلم.
يوجد وقف لإحدى الحارات كغيرها من حارات الولاية، وقد اتفق الأجداد السابقون على أحقية توزيع هذا الوقف للأشخاص الذين يملكون مساكن في هذه الحارة، أما الأشخاص الذين ينتقلون منها فإن نصيبهم يسقط منه، وفي هذه الآونة خرج عدد كبير من سكان هذه الحارة لتزايد عدد أفراد الأسرة وعدم وجود أماكن يقيمون عليها المباني في نفس موقع نفس موقع هذه الحارة حتى أنه بقي حالياً بالحارة عدد بسيط جداً. من السكان يتمثلون في منزلين فقط، وقد أوقف الوكيل توزيع نصيب الأسر التي خرجت من هذه الحارة مدعياً بأن الاتفاق المنصوص عليه من قبل السلف والأجداد السابقين يقضي بذلك وعليه ألا يخالف هذه العوائد المأخوذة من الوقف، كما أن أصحاب أملاك هذه الحارة يريدون الآن توزيع هذه العوائد على الجميع ما عدا شخص (4/227)
صفحة 1810
228
الفاوي
واحد بالرغم من أن كافة ممتلكات هذه الأسر التي خرجت من هذه الحارة موجودة ومملوكة لهم وتتمثل في المنازل، كما أن الاتفاق كان من قبل أهالي الحارة السابقين وقد هلكوا جميعاً، وفي الوقت الحاضر اتفق الأهالي جميعاً على توزيعه، علماً بأن جميع الحوائر بالولاية يتم توزيع نصيب الوقف لأي شخص منهم الساكن والخارج عن حارته متمشياً حسب ظروف الزمان ومطالبه الحالية، لذلك يطالب أهالي هذه الحارة بنصيبهم من عوائد هذا الوقف مبررين ذلك أنهم لم يخرجوا لعدم حبهم لحارتهم ولكن الظروف السكنية هي التي أجبرتهم على ذلك، كما أن جميع الأهالي يتساءلون لماذا تلك العوائد توزع بشكل يختلف عن الحوائر الثانية بالرغم من أن تلك الحارة تقع وسط هذه الحوائر وإن كانت الحجة هي الاتفاق الأجداد فإن الأجداد الآن مع هلكوا، فما قولكم في
ذلك؟
إن كان هؤلاء الذين خرجوا لا يزالون مرتبطين بها ولا يعدون منفصلين عنها فلهم الحق في هذا الوقف والله أعلم.
نحن جماعة أولاد عمران أوصى لنا جدنا عمران بأرض تكون وقفاً لأولاده يوزع عائدها عليهم، وقد مضى على ذلك سنوات طوال، ولكن مع تقلب أحداث الزمن وتوزع مصادر الرزق اضطر بعض أولاده إلى الهجرة خارج الولاية فسكنوا واستقروا هناك، ومنهم من غير قبيلته ومنهم من بقي عليها، فهل يحق لأولاده الذين غيروا قبيلة جدهم ينتفعوا من هذا الوقف؟
أن
إن كان هؤلاء من ذرية الواقف والوقف هو لذريته فلهم منه نصيبهم
والله أعلم. (4/228)
صفحة 1811
فتاوى الوقف
229
ما قولكم في وقف مخصوص لقوم في بلدة وبعد فترة انتقل بعض أهل هذه البلدة وسكنوا بلدةً أخرى واستقروا فيها لسنين عديدة، فهل يبقى لهم حق في الوقف بعد انتقالهم من بلدتهم الأصلية أم يسقط، والوقف مسمى لأهل البلد التي فيها الوقف؟
إذا كان الوقف مشروطاً فيه وجود الموقوف عليهم في بلد معين فلا بد من اعتبار هذا الشرط، وأما إن كان موقوفاً عليهم وقفاً مطلقاً بدون قيد فلا
وجه للتقيد والله أعلم.
الدعاوى في الوقف
في
أن
بجوارنا أرض موقوفة للمقبرة والسكن، وقد سكن فيها عدد من الناس السابق بمواد غير ثابتة والآن يوجد ادّعاء بأنها مقبرة كاملة وادعاؤهم في ذلك بأن في هذا الزمان لا يوجد من يسكن بمواد غير ثابتة، ويطالبون بتسويرها، علماً بأنها أمام منازلنا، فهل يصح تستعمل كمقبرة بالكامل أو يجب فصلها جزء للمقبرة والجزء الثاني الذي أمام البيوت للسكن؟ يتبع فيها نص الوقفية إن وجد، وإلا فعلى القاضي الشرعي أن يتتبع ما عند المتداعيين من البينات فيها، ويفصل فيها بموجب ما ثبت عنده والله الموفق. رم اختصم فيه رجلان أحدهما يدعيه لنفسه والآخر يدعيه لمسجد أو لمقبرة أو موقوفاً لباب من أبواب البر، ولم يكن الرم بأيديهما، فطالبهما القاضي بالبينة باعتبارهما، مدعيان فهل يكون حكمه صحيحاً؟ فإن عجزا عن البينة، فما الحكم بينهما؟ الرم الذي يتنازعه من يدعيه لنفسه ومن يدعيه وقفاً لمصرف خيري يظل (4/229)
صفحة 1812
230
الفتاوى
موقوفاً عن الطرفين حتى تقوم لأحدهما حجة على صحة دعواه، فإن عجزاها
جميعاً فحكمه أنه مجهول الأرباب والله أعلم.
رجل قام بالاعتداء على أرض المقبرة الموقوفة بالبناء عليها، فقمت بإقامة دعوى قضائية ضده، وقام مجموعة من الناس بمساعدة هذا المعتدي قبل أن يحكم فضيلة القاضي بالصلح لمصلحته، فهل يجوز هذا الصلح على أرض مقبرة موقوفة؟
الصلح جائز إلا ما أحل حراماً أو حرّم حلالاً، وانتهاك حرمات المقابر من ضمن تحليل الحرام الممنوع والله أعلم.
رجل كان مستأجراً بناية الأوقاف الخيرية، وتجمعت في ذمته إيجارات بلغت جملتها أربعة آلاف وستمائة وثمانية وتسعين ريالاً عُمانياً وأربعمائة بيسة وقد عسر عن أدائها وصدر بحقه قرار من لجنة الإيجارات يلزمه بدفع المبلغ المذكور، ولكنه لم يستطع دفعه نتيجة لكثرة الديون التي عليه مما أدى إلى إيداعه في السجن منذ ستة أشهر. وفي محاولة من إخوته للإفراج عنه يقومون بالاتصال بأصحاب الحقوق للتفاوض معهم بإسقاط شيء من ديونه وقيامهم بتسديد المتبقي، وقد حضروا لدينا بطلب الموافقة بقبول مبلغ ألفي ريال وإعفاء أخيهم من المتبقي لبناية الأوقاف، فما حكم ذلك؟
أرى قبض ما تيسر دفعه من حق الوقف ويبقى سائر الحق في ذمته إلى أن يمن الله عليه بالإيسار، فإن لم يؤسر فالله أحق بالعفو.
رجل حفر بئراً مبتغياً بها الأجر، وقد وقف لها مالاً لبعض ما يلزم الإصلاح البئر، فقام رجل بحوزتها لغرض التملك، فقام ورثة الموقف (4/230)
صفحة 1813
فتاوى الوقف
231
بمنازعته فأراد بعض الناس عقد مصالحة بين الطرفين، فهل يصح ذلك؟
إن كان الصلح لمصلحة الوقف فنعم والله أعلم.
جاء في
أحد الأحكام ما نصه ليعلم من يراه بأن الرم الواقع غربي الطريق الجائز إلى الفسلة التي تخص وقف أهل غيلة في موضع المزارع، لقد صح لدينا أن تلك الأرض التي ذكرناها هي مقبرة ليس لأحد أن يحدث فيها حدثاً وقد وقع فيها نزاع ما بين أرباب الوقف المذكور وأولاد أحد أهالي البلدة، وذلك بعد أن ناظرت الشيخ سالم بن حمود السيابي وقد صادق عليها بأنها مقبرة، سماحة الشيخ الجليل هل يسعنا السكوت إذا أراد أصحاب الوقف المحكوم عليهم بأن الأرض مقبرة أن يبنوا عليها؟
بما أن هذه الأرض مقبرة بحكم شرعي ثابت لا يجوز إحداث بناء فيها، وإن أحدث بناء فيها من قبل أحد وجب على من عرف الحقيقة تغييره بإبلاغ الجهات المسؤولة عنه ولم يجز السكوت ممن كان قادراً على ذلك، لأنه منكر واضح للعيان، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (1)
والله أعلم.
قدمت إلينا في هذه المحكمة دعوى بين ورثة رجل، وتتعلق الدعوى بأرض اتفق طرفا النزاع على أنها وقف لذرية المتوفى، غير أنهم اختلفوا حول طبيعة هذا الوقف حيث ادعى البعض أن الوقف الذريته ويطالبون بقسمته بين الورثة حسب الفروض الشرعية بحجة عدم وجود د مصلحة
(1) رواه مسلم (49)، وأبو داود (140)، والنسائي (5008). (4/231)
صفحة 1814
232
الفاوي
في بقائه ويخافون على الأرض الحيازة من قبل الغير، بينما عارضهم البعض الآخر في طلبهم هذا إذ قالوا بأن الوقف هو للفقراء فقط من ذريته، أما غير الفقير فلا يحق له الانتفاع بأرض الوقف، فما رأيكم
سماحتكم في هذه القضية؟
البينة على مدعي الخصوصية والله أعلم. (4/232)
صفحة 1815
بيت المال (4/233)
صفحة 1816
الفاوي (4/234)
صفحة 1817
بيت المال وفيما ينفق
بيت المال
235
تقدمت وزارة التربية والتعليم بطلب قطعة أرض فضاء تابعة لبيت المال تقع بجوار مدرسة البنات، وذلك بهدف إقامة مدرسة عليها، وقطعة الأرض المذكورة ذات موقع جيد لوقوعها على امتداد شارع فرعي، مع بأن وزارة التربية سبق وأن أقامت المدرسة المشار إليها على أرض
العلم
بيت المال أيضاً، فهل يجوز التنازل عنها للوزارة المذكورة؟
أما التنازل فلا، لأن بيت المال لا يتحول عن حكمه كالوقف، وإنما يجوز السماح بإقامة مشروع ذي مصلحة للمسملين على أرض بيت المال باعتباره وقفاً عاماً للمسملين يستغل في مصالحهم، والمدارس العلمية التي تعلم ناشئهم علوم دينهم ودنياهم هي من مصالحهم، مع استمرار حكم الأرض أنها لبيت مال المسلمين والله أعلم.
قام المواطنون بحفر تنانير على الأراضي التابعة لبيت المال، حيث حفرت ثلاثة تنانير في مكان واحد، وقد تم عرض الموضوع على لجنة الأوقاف وبيت المال والتي رأت بردم تنورين وإبقاء واحد لمصلحة أهل البلد، فما ترون سماحتكم في ذلك؟
إن كانت الضرورة ملحة وداعية إلى بقاء هذا التنور لحاجة أهل البلد إليه فلا حرج، شريطة أن تبقى الأرض لبيت المال والله أعلم.
هذا
يوجد مصلى قديم كائن على أرض بيت المال، ونظراً لصغر حجم المصلى فإن الأهالي يطالبون بتوسعته من ضمن أراضي بيت المال المحيطة به، فما الحكم في ذلك؟ (4/235)
صفحة 1818
236
الفاوي
إن تعذر نقل المصلى إلى أرض أخرى لأجل توسعته فلا حرج في توسعته في أرض بيت المال والله أعلم.
مواطن تقدم إلينا بطلب الحصول على قطعة أرض من أموال بيت المال، وذلك لإقامة مدرسة لتعليم القرآن الكريم، فما هو الحكم الشرعي في
ذلك؟
إن تعذر وجود أرض أخرى لبناء المدرسة عليها ما عدا أرض بيت المال فلا حرج في بنائها على أرض بيت المال على أن تكون الأرض المبنى عليها ملكاً لبيت المال بعد البناء والله أعلم.
نود إفادة سماحتكم بأنه يوجد مبلغ (تسعة آلاف ريال عماني) عبارة عن تعويض خاص ببيت المال ويوجد حالياً بدائرة الأوقاف وهو غير مستغل، ويوجد مسجد في حاجة ماسة إلى إعادة بنائه إلا أن الإمكانيات المالية غير متوفرة فهل يجوز استغلال المبلغ في بناء المسجد المذكور تحت إشراف الأمناء؟
إن كان بناء المسجد ضرورياً وتعذر إلا بصرف هذا المبلغ فيه فلا حرج في ذلك على أن ذلك بأيدي الأمناء والله أعلم.
يتم
أن
هل يجوز إقامة مسجد على أرض خاصة ببيت المال؟ ومن البديهي المسجد لن يقوم بدفع إيجار عنه وسوف تخرج الأرض بذلك عن ملك
بيت المال؟
لا يسوغ ذلك شرعاً إلا مع تعذر وجود أرض أخرى يبنى عليها المسجد وحاجة الناس إليه والله أعلم. (4/236)
صفحة 1819
بيت المال
237
تقدم جماعة مسجد بطلب هدم وتوسعة مسجدهم في ضاحية بيت المال المجاورة له بمقدار ستة أمتار من جهة الغرب وثلاثة أمتار من الجنوب، وتوجد في المنطقة مساجد واسعة قريبة لكن هذا المسجد يقع على مفترق طرق فهل ترون جواز موافقتهم على ذلك؟
بما أنه لا ضرورة تدعو إلى ذلك لوجود مساجد أخرى، وقد شدد العلماء في بناء المساجد في الصوافي) أرى عدم الموافقة على هذا الطلب والله أعلم. توجد في ولايتنا عدد من الأموال والضواحي، وقد عهدت أنها تابعة لأوقاف الجامع، وقد أمر أحد الأئمة السابقين بهدمه وضم أملاكه إلى أملاك بيت المال.
وبما أن هذه الإدارة هي المنوطة بعملية الإشراف على هذه الأملاك والقيام برعايتها وسقيها وطناء ثمارها حالها كحال أملاك بيت المال بالولاية والولايات الأخرى التي تشرف عليها هذه الإدارة والعائد من تلك الأموال يرجع إلى خزينة الدولة.
وتعتزم الإدارة المسؤولة عنه استخراج الإثباتات الشرعية والرسومات المساحية وسندات التملك، لكن في بادئ الأمر نود أن نستوضح منكم هل تقوم الإدارة بمخاطبة فضيلة الشيخ قاضي المحكمة الشرعية بطلب استخراج الإثباتات الشرعية؟ وهل تكتب تبعية هذه الأملاك لبيت المال تابعة لأوقاف المسجد المذكور مع العلم بأن المسجد مهدوم
أم
وتحيط بموقعه القبور؟
(1) الصوافي: بتخفيف الواو جمع صافية وهي الأملاك والأراضي التي جلا عنها أهلها أو ماتوا ولا وارث لها، ومن أمثلتها أموال بني النضير التي جلا عنها أهلها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. (4/237)
صفحة 1820
238
الفتاوى
الذي نراه أن تصرف هذه الأوقاف إلى الجامع القائم الآن بالولاية، فإن فضل من غلتها شيء عن حاجة الجامع فليصرف في المصالح التي يراها أهل الصلاح كتعليم العلم الشريف والله الموفق.
رجل كان بيداراً لضاحية تابعة لبيت المال، وقبل وفاته وبعد عجزه عن العمل في الضاحية تم الاتفاق معهم على إخلاء المنزل الواقع في الضاحية وتأجيرهم قطعة أرض من الضاحية نفسها بمحاذاة منازل مشيدة أيضاً على نفس الأرض، وبعد وفاته قامت زوجته بتسوير الأرض منذ فترة طويلة إلا أنها لم تقم ببناء منزل عليها علماً بأنها ملتزمة بدفع إيجار الأرض، وهي تطالب حالياً بالسماح لها ببناء منزل على الأرض
لحاجتها لذلك؟
إن كان ذلك لمصلحة بيت المال فلا مانع منه والله أعلم.
قامت دائرة بيت المال بشراء أعمدة إنارة ليتم تركيبها في طرق وممرات السوق التابع لبيت المال وذلك من مصاريف صيانة أموال بيت المال ولم يتم تركيب هذه الأعمدة لكونه سوف يتم إعادة بناء السوق على الطراز المعماري التراثي من جديد وإنارته ستكون من ضمن المشروع، فهل يجوز نقل الأعمدة المشتراة لسوق بيت المال إلى الطريق المؤدي إلى مقبرة من نفس الولاية خدمة لصالح المسلمين؟
بما أن ذلك خدمة لمصالح المسلمين، لا أرى مانعاً منه والله الموفق.
من المتعارف عليه منذ فترة طويلة بأن أراضي بلدتنا خاصة ببيت المال إلا أن الوزارة لا يوجد لديها أي إثبات شرعي بذلك كما لا يوجد أيضاً من لديه الاستعداد للشهادة سوى أقوال الناس الشائعة بأن (4/238)
صفحة 1821
بيت المال
239
الأرض هي لبيت المال، لذا نرجو من سماحتكم التكرم بإفادتنا بحكم
الشرع الشريف في جواز السكوت عن الموضوع أو إثارته
الاختصاص؟
جهات
إن كانت لا توجد بينة تثبت كون هذه الأراضي تابعة لبيت المال فواسع السكوت عنها حتى توجد البينة والله أعلم.
تأجير أرض بيت المال:
انطلاقاً
عدد من
من سياسة الحكومة في تثمير أراضي بيت المال في ولايات السلطنة، رأت دائرة بيت المال تأجير الأراضي الصالحة للزراعة على المواطنين لاستغلالها بإيجارات رمزية سنوية دون أن تشترط مدة معينة للإيجار، كما أنه لم يوضح نوع الأشجار والمحاصيل الزراعية التي تغرس في تلك الأراضي الأمر الذي دعا المواطن المستأجر إلى غرس أشجار كبيرة كالنخيل والأمباء والحمضيات، والذي يخشى منه مستقبلاً في حال عجز المستأجر عن الاستمرار في استغلال الأرض مطالبته للحكومة بالتعويض عن الأشجار المغروسة، فهل ترون إضافة هذا الشرط في عقد الإيجار مستقبلاً مع إفادتنا برأيكم عن الحالات السابقة التي أشرنا إليها؟
نرى أن يشترط على المستأجرين أن جميع ما يغرسونه في هذه الأرض مرده إلى بيت المال بعد انتهاء المدة المتفق عليها، ويقيد الإيجار بمدة معينة والله أعلم.
قامت الوزارة في السنوات الماضية بتأجير عدد من الأراضي الخاصة (4/239)
صفحة 1822
240
الفاوي
ببيت المال في عدد من المناطق لبعض المواطنين بقصد بنائها بالمواد الثابتة كمنازل ومحلات تجارية ولم تشترط الوزارة مدة معينة لتعود تلك المباني لبيت المال، وإنما اكتفت بالإيجار الرمزي الذي يدفع سنوياً، وبما أن سماحتكم أفتيتم سابقاً بأنه يجب أن تكون هناك اتفاقية بأن هذه المباني يستغلها الباني إلى مدة معينة ثم تنتقل بعدها إلى ملكية بيت المال، فهل ترون سماحتكم إجازة السكوت فيما سبق وبقاء الوضع في المباني القائمة سابقاً كما اتفق عليه بين الوزارة والمستأجر أو ترون إعادة النظر في تلك المباني ونطالب المستأجرين بموجب فتواكم التي أشرنا إليها؟
مصلحة بيت المال هي التي يجب رعايتها والمصير إليها في ذلك، فإن كانت المصلحة في تعويض المواطنين الذين بنوا على أرض بيت المال وتمليك البنايات لبيت المال أخذ بذلك، وإن كانت المصلحة في ترك المباني بأيدي أهلها وأخذ أجرة عادلة عن الأرض منهم عمل به والله أعلم.
في بعض بلدان عُمان توجد أراض لا يدعي ملكيتها أحد وإنما مرجعها الحكومة، وقد قسمت منها ما سُمي «بيت المال» ومنها غير ذلك، وما أطلق عليه «بيت مال صارت وزارة الأوقاف مسؤولة عنه والباقي يرجع لوزارة الإسكان، وكثير من هذه الأراضي التي هذه الأراضي التي منحت للمواطنين استعملت للزراعة وملكت أصحابها، بينما تلك التي أُطلق عليه اسم «بيت المال» لم تملك أصحابها ويُفرض عليهم «قعد» سنوياً بحجة أنه لا يجوز شرعاً تمليك تلك الأراضي أو إعفاؤها من القعد، فهل هذا
صحيح؟
بيت المال حق للمسلمين جميعاً لا يمتلكه أحدهم وإنما الدولة أمينة (4/240)
صفحة 1823
بيت المال
241
عليه، وقد أخذ العلماء من قول الله تبارك وتعالى: الْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَيْكَ هُمُ الصَّدِقُونَ} [الحشر: 18، إلى قوله: وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ} [الحشر: 10 دليلاً على أن بيت المال لا تملك رقبته وإنما تملك منفعته فقط والله أعلم.
قامت الجهات المسؤولة بتأجير العديد من قطع الأراضي التابعة لبيت المال على بعض المواطنين بهدف إقامة المنشآت الحيوية عليها وخاصة تشييد المنازل، وبناءً على فتوى سماحتكم التي لم تجز تأجير أراضي بيت المال إلا عن طريق التثمير فإن العمل تم بموجبها إلا أن الإحجام من قبل المواطنين بدا واضحاً منذ الوهلة الأولى بخلاف بعض الأشخاص الذين قاموا بتشييد منازل وبمبالغ كبيرة هم حالياً يطالبون بتحويل عقد الاستثمار إلى عقد إيجار والقائمون بالإشراف على بيت المال يرون أن عملية إيجار الأراضي بها من المحاسن الشيء الكثير يأتي في مقدمتها المحافظة على تلك الأراضي وحفظها من التعدي من قبل المواطنين، كما أن تأجيرها يأتي من باب استغلال الأرض في مصلحة عامة، والشيء الأهم هو استغلال تلك الأراضي لصالح المواطنين الذين يفترض أن يكون بيت المال وجد في أساسه لخدمة مصالح المحتاجين. وعلى ضوء ذلك فإننا نرى بعد موافقة سماحتكم أن تأجير تلك الأراضي بواسطة عقود إيجار وبمبلغ يقدر حسب موقع
يتم
تلك الأراضي؟ قلنا بعدم جواز تأجير أراضي بيت المال إلا بطريقة الاستثمار خشية تسلط المستأجرين على بيت المال بحيث يتعذر فكاك ما بأيديهم منه (4/241)
صفحة 1824
242
الفتاوى
ويتحكمون في مقدار الإيجار كما يهوون بأنفسهم، أما إن كان التأجير بطريقة عادلة لا حيف فيها على بيت المال فلا مانع والله أعلم.
طلبت مؤسسة بناء مشروع تجاري على أرض تابعة لبيت المال على أن تكون هذه الدكاكين وقفاً للمسجد، فهل تعفى من إيجار الأرض طالما أنها وقفت الدكاكين للمسجد أم لا؟
لا مانع من ذلك على أن يكون إسقاط الإيجار إلى حين ما تقتضي المصلحة العامة خلافه والله أعلم.
ساقية مخصصة لسقي عدد من الأراضي التابعة لبيت المال والمؤجرة لبعض المواطنين بالولاية، وفي الآونة الأخيرة تم عمل صيانة للساقية المذكورة بحيث يكون على كل مستأجر لأرض زراعية تنتفع بتلك الساقية المساهمة في عملية الصيانة وذلك بدفع مبلغ معين، إلا أن مواطنين اثنين رفضا دفع المساهمة، وفي هذه الحالة ليس أمام الوزارة إلا إلزامهم بدفع المبلغ الذي على كل واحد منهم أو سحب الأرض المؤجرة لهم وتأجيرها
بالمزاد العلني، وعلى الوزارة تحمل المبلغ فهل يجوز إلزامهم بذلك؟ بما أن في ذلك مصلحة الوقف فلا مانع من إلزامهم كما ذكرتم والله أعلم.
مواطن مستأجر لأرض سكنية تابعة لبيت المال وحيث إن المذكور قد أخذ مبلغاً من المال من ولده وذلك لإصلاح المنزل القائم على أرض بيت المال فهو يرغب في إثبات حق ولده وذلك عن طريق إثبات ذلك الحق في المنزل المذكور، فهل يحق له إثبات ذلك الحق في المنزل المذكور لولده نظير المبلغ الحالي الذي أخذه منه؟
إن كان ذلك من أجل تعويضه عن حقه بالعدل فلا حرج وا والله أعلم. (4/242)
صفحة 1825
بيت المال
243
بيع أموال بيت المال أو التنازل عنها:
سؤال عن بعض المحلات التجارية التابعة لبيت المال، حيث إن هذه المحلات تم تشييدها من قبل المواطنين على أرض تخص بيت مال المسلمين، وقد كانت تكلفة المحل الواحد ألف وثمانمائة ريال عُماني، والوزارة ترى بيع هذه الأرض للمواطنين، إذا رأيتم سماحتكم جواز ذلك شرعاً، حيث إن الإيجار الرمزي زهيد، ثم إن أصحاب المحلات يماطلون في الدفع؟
الأصل في بيت المال عدم جواز بيعه إلا إن اقتضت المصلحة، وفي هذه الحالة لا بد من أن يكون البيع بسعر عادل ويشترى بالثمن العوض الأنفع لبيت المال، على أن يتم ذلك بأيدي الأمناء ذوي الخبرة في شؤون الأموال والله أعلم. أقيم عشرون دكاناً على أرض بيت المال عشرة منها للأوقاف بتمويل من الأوقاف وعشرة منها لبيت المال بتمويل من خزينة الدولة، وفي الوقت الذي تسعى الوزارة بتسليم السوق إلى وزارة أخرى اقترح الإخوة القائمون على الأوقاف وبيت المال بأن تسجل تلك الدكاكين كلها
للأوقاف لحاجتها إلى الدعم المادي، فما رأي سماحتكم في ذلك؟
إن كانت الدكاكين العشرة التي خصصت لبيت المال من خزينة الدولة، ثم رأت الدولة جعلها للأوقاف للمصلحة قبل أن تسلم لبيت المال فلا مانع من ذلك والله أعلم.
هل يجوز تحويل أراض تابعة لبيت المال إلى الأوقاف؟
يمنع
ذلك إلا إن عوض بيت المال بأرض أخرى تكون أصلح له من
تلك الأرض والله أعلم. (4/243)
صفحة 1826
244 الفتاوى
تقدم بعض المواطنين إلى الجهات المسؤولة بطلب شراء أرض فضاء أو عقار تابع لبيت المال، كما أن البعض يطالب بشراء الأرض التي شيد عليها منزلاً خاصاً به لتفادي الإيجار السنوي الذي يدفعه للوزارة عن تثميره ليضمن حقه كاملاً في تملكه للأرض وللمنزل معاً، حيث من المتبع حالياً تملك المستأجر للعقار فقط دون الأرض التي تعود ملكيتها لبيت المال عليه فإننا نرجو الإفادة عن مدى إمكانية تحقيق مطلبهم في الشراء في الحالتين المذكورتين؟ كما نرجو التكرم بالإفادة عن مدى إمكانية رفع الإيجار لأراضي وممتلكات بيت المال بحيث تتناسب وتتوافق مع قيمة السوق حيث من الملاحظ بأن الإيجار زهيد
بيع
أراضي بيت المال مشروط جوازه بأمور أولها: أن تكون القيمة عادلة لا غبن فيها على بيت المال ثانيها: أن يستعاض بهذه القيمة عقار لبيت المال لا يقل قيمة ولا نفعاً عن الأصل المبيع، ثالثها: أن يكون ذلك بإشراف الأمناء ذوي الخبرة في شؤون الأموال. رفع إيجار أراضي بيت المال فيراعى فيه حال المستأجر فيفرق بين الغني والفقير، إذ المحتاج أولى بأن يوسع له من بيت المال
أما
والله أعلم.
طلب أهالي بعض المناطق قطعة أرض من أراضي بيت المال لإقامة مجلس عام عليها، فما مدى جواز ذلك؟
بما أن المجلس يشغل جانباً من أرض بيت المال فلا بد من تعويضه بأرض أخرى لا تقل عن هذه الأرض ثمناً ولا سعة ولا دخلاً، أو أن يُبنى
المجلس لبيت المال بحيث تكون ملكيته له والله أعلم. (4/244)
صفحة 1827
بيت المال
245
طلب جماعة مسجد إقامة دورات مياه مع مصرف صحي للمسجد المذكور على أرض تابعة لبيت المال، فهل يجوز ذلك؟
يتعين في هذه الحالة أن يعوض بيت المال بأرض أخرى لا تقل عن هذه الأرض مساحةً ولا قيمة ولا فائدة والله أعلم.
نرغب في بناء مسجد بأرض بيت مال ومساحتها أربعون كيلومتراً مربعاً، ثم نقوم بتعويض بيت المال بالثمن؟
في هذه الحالة لا بد من تعويض بيت المال بأرض مماثلة لا تقل عن هذه الأرض قيمة ولا ريعاً، أو تعويضها بعقار تعود منفعته إلى بيت المال، وهذا
أمر يعود إلى المسؤولين عن بيت المال فينبغي عرضه عليهم والله الموفق.
تقدمت مواطنة طالبةً القياض بين أرض لبيت المال وأرضها التي تملكها في نفس الولاية، وقد طلبنا من فضيلة الشيخ قاضي المحكمة الشرعية الوقوف على هذه الأراضي، وبحضور مدير إدارة الأوقاف ومسؤول مكتب الأوقاف ومن يختارهم من أعيان الولاية، وعلى ضوء ذلك وافانا فضيلته بأن القطعتين متساويان كل قطعة تمتاز عن الأخرى بشيء، فقطعة الأرض الخاصة بالمواطنة تمتاز من الماء خصباً ومحلاً وأرض بيت المال تمتاز بقرب الطريق منها ولا يصل إليها الماء إلا وقت الخصب، وتم تثمين الأرضين كل قطعة عن ألفي ريال عماني ثم عرضنا على المرأة أن تدفع زيادة على أرضها لمصلحة بيت المال مبلغاً وقدره خمسمائة ريال عُماني فوافقت على دفع المبلغ، فنرجو من سماحتكم الإفادة عن رأيكم الشرعي في هذا القياض؟ لا مانع من القياض بين هاتين الأرضين على أن تستصلح
الأرض (4/245)
صفحة 1828
246 الفتاوى
التي تؤول إلى بيت المال بما يدفع من قبل صاحبة الأرض الأخرى وهو خمسمائة ريال حسب الاتفاق والله أعلم.
توجد بعض الأراضي مختلفة الاستخدام تابعة لبيت المال واقعة بين منازل المواطنين ولقد قام أصحاب المنازل ومنذ فترة طويلة بفتح أبواب عليها، مما أدى إلى تأثر تلك الأراضي عند إعادة تخطيطها واستخراج سندات تملك لها لأنه أصبح من الضروري فتح طرق بين أراضي بيت
المال ومنازل المواطنين علماً بأن المنزل الواحد به أكثر من باب.
المال
والسؤال عن أحقية أصحاب هذه المنازل بفتح أبواب على أرض بيت من عدمه، علماً بأن تلك الأراضي كانت ملاصقة لمنازل المواطنين بدون إحرامات عند التخطيط الأول لها؟
ذلك يقدر بقدر ضرورة أصحاب تلك المساكن فإن احتاجوا إلى فتح هذه الأبواب ولم يكن مناص عن فتحها على أرض بيت المال فلا حرج في
ذلك والله أعلم. (4/246)
صفحة 1829
إعفاء من عليه حق لبيت المال
بيت المال
247
مواطن مستأجر للأرض الزراعية التابعة لبيت المال، حيث إن المذكور قد ترتبت عليه مبالغ قدرها مائة وثلاثون ريالاً عُمانياً وخمسمائة بيسة، وذلك عن الفترة من 1405 هـ وحتى 1419 هـ، وحيث إنه رجل فقير وهو يستلم راتباً من الضمان الاجتماعي ولديه عائلة، فإن مدير إدارة الأوقاف يوصي بإعفاء المذكور عن المبالغ المترتبة عليه تقديراً لظروفه، فهل ترون جواز ذلك؟
نظراً إلى فقر المذكور وسوء حاله لا أجد مانعاً شرعياً من إعفائه عن المبالغ المترتبة عليه والله أعلم.
رجل استأجر أرضاً زراعية لبيت المال ودفع إيجار لعامي 1407 هـ و 1408 هـ، وفي عام 1409 هـ تقدم برسالة إلى سعادة والي منح تتضمن تنازله عن عمارة الأرض لأحد المواطنين، وأحيل طلبه إلى إدارة الأوقاف إلا أنه لم يقم بتكملة الإجراءات حسب النظام المتبع، وقد تم مخاطبته بعدد من الرسائل من قبل إدارة نزوى لدفع الإيجار المترتب عليه ولم يتجاوب، وقد حضر أخيراً إلى إدارة الأوقاف قائلاً بأنه لم يستغل هذه الأرض بسبب عدم وجود بئر ويطلب التنازل عنها للوزارة ويطالب أيضاً بإعفائه عن قيمة الإيجار المترتب عليه للأعوام السابقة؟ عقد الإيجار عقد ملزم ولا مجال للتنازل عن شيء منه إلا إن كان المستأجر فقيراً يستحق المساعدة من بيت المال والله أعلم.
مواطن استأجر أرضاً زراعية تابعة لبيت المال بإيجار سنوي وقدره مائة وأربعون ريالاً، وقد ترتب عليه مبلغ ستمائة وعشرون ريالاً، وهو رجل (4/247)
صفحة 1830
248
الفاوي
فقير ورب أسرة كبيرة تتكون من ستة وثلاثين فرداً، وليس لديه دخل سوى ما يحصل عليه من بيع الأعلاف والقت الموجود بالمزرعة وقد عجز عن دفع المبلغ المترتب عليه، فهل يجوز إعفاء المواطن المذكور من المبالغ المترتبة عليه وتخفيض قيمة الإيجار إلى خمسين ريال؟ لا مانع من إسقاط هذا الحق عنه لفقره، فإن بيت المال لمصالح المسلمين ومنهم الفقراء والله أعلم.
ما
مواطن استأجر دكاناً من الدكاكين التابعة لبيت المال، ثم توفي بعد ذلك وبقيت في ذمته إيجارات قدرها ألف وأربعمائة وخمسة وأربعون ريالاً عُمانياً لم يسددها في حياته، ثم تقدم وكيل أيتام أبناء المذكور برسالة تفيد بأن المتوفى عليه ديون كثيرة ولا يستطيع ورثته تسديد
قيمة الإيجارات المتبقية عليه، فما مدى جواز ذلك؟
يتسع
إن ثبت إعسار الميت فلا مانع من إسقاط هذا الحق، وإن كان في تركته لقضاء ما عليه من حق فليقض بحسب الوسع إلا إن أدى ذلك إلى الضيق والشدة بأولاده اليتامى، فإن بيت المال أولى بالاحتمال في هذه الحالة والله الموفق.
تقدم مواطن بطلب إعفائه عن قيمة إيجار الأرض الزراعية التي بحوزته والتابعة لبيت المال، وذلك لعدم استغلاله لهذه الأرض حتى الآن بسبب أن الجهات المسؤولة عارضت حفر بئر بها لكونها قريبة من أحد الأفلاج بالمنطقة، والأرض لا يوجد بها أي أثر للزراعة فهل يجوز إعفاؤه عنها؟
لا مانع من ذلك نظراً إلى أن الرجل لم يتمكن من استغلال هذه الأرض والله أعلم. (4/248)
صفحة 1831
الاعتداء على بيت المال:
بيت المال
249
هناك الكثير من المستأجرين للأراضي الزراعية التابعة للأوقاف وبيت المال يقومون بالبناء في تلك الأراضي دون أخذ موافقة من هذه الوزارة، وذلك مخالف للأنظمة المتبعة حالياً، وهم يسعون من وراء ذلك لجعل الوزارة أمام الأمر الواقع ويتخذون ذلك سبيلاً للمطالبة بتملك تلك الأراضي، فهل يجوز مخالفة كل من يتعدى النظام المعمول به وإمكانية إزالة ما قام به دون أخذه للموافقة من هذه الوزارة؟
إن كان بناء أولئك من دون إذن من الجهة المختصة فإنه يعد اعتداء ويزال أثر الاعتداء، إذ لا ضمان لمعتد والله أعلم.
فيمن أخذ شيئاً من بيت المال زمن الإمامة العادلة بغير وجه من وجوه الحق، وأراد التوبة في الوقت الراهن، فماذا يلزمه؟ وإلى أي جهة يدفع هذا المال الذي أخذه؟
يرده إلى جهة أمينة قائمة بشؤون بيت المال فإن لم توجد فيحاول بنفسه إصلاح بيت المال بقدر ذلك المبلغ، فإن تعذر ذلك فليدفع ما أخذه إلى فقراء المسلمين المحتاجين والله أعلم. (4/249)
صفحة 1832
[صفحة فارغة] (4/250)
صفحة 1833
المساجد (4/251)
صفحة 1834
الفاوي (4/252)
صفحة 1835
المساجد
253
بناء المسجد: حقوقه والإشراف عليه:
نلاحظ في كثير من المساجد أن كثيراً من الناس شيباً وشباباً يتكلمون في أوقات الصلاة بغير ذكر اسم الله، وأغلب هذا الكلام في الأمور الدنيوية مما يؤدي إلى إزعاج المصلين بأصواتهم العالية وعدم علماً بأنهم على علم بذلك، فما نصيحتكم لهم؟ وما هو
خشوعهم
الحكم الشرعي في ذلك؟
الحديث بأمور الدنيا في المساجد من المنكرات، فإنها بيوت الله ولا يجوز فيها إلا ما أذن به، وقد قال له: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) [النور: 36]، وما خرج عن ذلك في إنشاد الضالة بالمسجد) وإذا منع إنشاد الضالة وهو مما تدعو إليه الحاجة فما بالكم بما لم تدع إليه الحاجة من
الحديث الدنيوي؟ لا ريب أنه أحرى بأن يشدد فيه ويزجر عنه والله أعلم.
كثير من الناس عندما يدخلون المسجد يدخلون معهم أجهزة الهاتف النقال دون إغلاقها مما يؤدي إلى إزعاج المصلين وعدم خشوعهم، فما هو الحكم الشرعي فيمن يفعل ذلك؟
ذلك حرام لأنه مما يمنع من ذكر الله وذلك بالصد عن الخشوع في الصلاة وهو روح الذكر، فيجب ترك هذه الهواتف جانباً عن المسجد وإغلاقها، على أن كثيراً منها تصدر منها نغمات موسيقية مثيرة للنفس وصادة عن ذكر الله فكيف إذا كانت في أثناء الصلاة؟ لا ريب أنها أبلغ في المنكر وأعظم في الإثم والله أعلم.
(1) رواه الربيع (260) ونصه: «طهرت المساجد من ثلاث من أن ينشد فيها بالضوال، أو يتخذ فيها طريق، أو يكون فيها سوق». (4/253)
صفحة 1836
254 الفتاوى
فضيلة الشيخ مفتي عمان الأكبر:
بصفتي عضو من المجتمع المسلم في أوكسفورد، أطلب توجيهك على أساس من القرآن والسنة الشريفة في مسألة بغاية الأهمية إلى كل المسلمين في بريطانيا: السؤال: هل يمكن نتيجة لظروف يمر بها مسجد هنا أن يسجل ويدار بواسطة غير المسلمين؟»
سبب هذا السؤال هو أن قاضي محكمة عليا قد حكم أن الأرض وملكية المسجد في أوكسفورد يجب أن تسجل لمحاميين غير مسلمين، أحدهما أنثى. هؤلاء المحامون يعملون كأوصياء على المسجد لفترة من الوقت حتى تحل المشكلة الموجودة حالياً في المسجد بين لجنة الإدارة
القديمة والحالية؟
قال الله تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَعَالَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ} [التوبة: 18]، ولئن كانت عمارته لا تجوز من غير المسلمين فما بالكم بإدارته والاستيلاء على ممتلكاته وأوقافه؟ فإن ذلك من خصوصيات المسلمين، ولا يجوز إقحام غيرهم في ذلك بحال، بل هو معدود من صلب، عمارته، وقد قال له ما كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَجِدَ اللهِ} [التوبة: 17] والله أعلم.
:
هل يجوز بناء مسجد بمنطقة ذات كثافة سكانية فيها تقدر بسبعين نسمة وعدد المنازل بها أحد عشر منزلاً، وأقرب مسجد عامر يبعد منها بمسافة متر جنوباً، ويفصل ما بين الموقع المقترح لبناء المسجد
خمسمائة
وأقرب مسجد عامر مجرى وادي؟
اطلعت على ما حرر أعلاه وأرى أن المساجد يجب أن تكون بينها (4/254)
صفحة 1837
المساجد
255
مسافة فلا يبنى مسجد بجوار مسجد اللهم إلا إن كانت هناك ضرورة تدعو إلى ذلك كأن يكون الوادي الفاصل بينهما وادياً فحلاً يمنع ممن بهذه الضفة من الصلاة في المسجد الموجود في الضفة الأخرى عند سيلانه فلا عندئذ من موافقتهم عليه والله أعلم.
حرج
إنني وكيل لأحد المساجد بالبلدة ويوجد له أموال إلا أنه يحتاج إلى عناء من سقي وتأبير وإصلاح، وربما لا تكفي غلته لإصلاحه وحتى أحياناً لا يثمر إلا القليل، وبما أن غلة ثمار هذا المسجد مشتركة لمصلى آخر بالوزن ووكيله، غيري فهل يلزم الخسارة كلا من المسجد والمصلى الذي يوزن له من غلة ثمار المسجد كون المصلى له وزن معروف، ولكن تغيرت الأحوال بسبب ما تحتاجه الأموال؟
المغنم والمغرم مشتركان بين المسجد والمصلى بقدر حصة كل واحدٍ منهما والله أعلم.
كان لنا مسجد بني من طين في ولاية ما، ووالدنا يصلي فيه إماماً وخطيباً من سنين عديدة، وبعد وفاة والدنا أقام من بعده ولده في المسجد يصلي إماماً وخطيباً، ولما انهدم بنيانه تقدم إلى وزارة الأوقاف يطلب المساعدة لبنائه بالمواد الثابتة فلم يحصل على المساعدة من الحكومة ولكن حصلت له الموافقة على بنائه بتكلفة ثلاثة آلاف وسبعمائة ريال عُماني على نفقته الخاصة واستمر بقيامه فيه مدة من الزمان، ولما ازداد عدد المصلين فيه لم يستوعبهم فتقدم للوزارة مرة ثانية يطلب المساعدة والسماح له بهدمه فحصلت له الموافقة فتم بنيانه بتكلفة قدرها ستون ألف ريال عماني، واستمر قيامه فيه يصلي إماماً وخطيباً، وبعد أيام قليلة دخلت فئة من أهل حلة ليس لها علاقة بالمسجد ولم يكن لهم دخل في (4/255)
صفحة 1838
256
الفاوي
المسجد
شؤون المسجد سوى الصلاة فيه في يوم الجمعة وانضم معهم طرف آخر من أهل الحلة فساندوهم على انتزاع المسجد عن أصحابه الشرعيين ظلماً وعدواناً ومنعوا إمام المسجد من الصلاة فيه إماماً، وبقي في أيديهم فطالبهم بإعادة المسجد إليه فلم يحصل منهم، وحيث إن ذلك الرجل لا يحب الخصام والشقاق استهانوا به فصبر على ما أصابه موقناً بأن العدل موجود، وها هو يتقدم إليكم بسؤاله هذا راجياً من سماحتكم التوضيح فيما هو أحق أن يتبع؟
أرى أن يتقدم الشخص القائم بأمر المسجد إلى جهة الاختصاص بطلب رد المسجد إليه، ولا ريب أنه لا وجه لسلب المسجد من صاحبه القائم عليه من غير وجه شرعي والله أعلم.
بنيت مسجداً منذ عشر سنين ولكن السؤال أن المال الذي بنيت به المسجد قد اقترضته من البنك ولم يكن عندي علم أن الاقتراض من البنوك لا يحل، والآن بعد مرور هذه المدة من الزمن ما هو الحكم في هذا المسجد، فهل يهدم مع العلم أنني قد رجعت أموال البنك كلها ولم يبق عليَّ شيء؟
إن كان القرض خالياً من الربا فلا حرج عليك، وأما إن كان قرضاً ربوياً فذلك عين الحرام، ففي الحديث: «لعن الله الربا وآكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه»، وقال «هم سواء» (1) أي في الإثم، وبناء المسجد طاعة وقربة إلى
من
الله فكيف يكون قربة مشوبة بسخط الله سبحانه وقد نص العلماء أن ما بني المساجد بنفقة محرمة فحكمه أنه لاحق بمسجد الضرار لا تجوز الصلاة فيه ويجب هدمه، وهو واضح الدليل، فإن الله تعالى قال: لَمَسْجِدُ أُسَسَ عَلَى
(1) رواه مسلم (1598). (4/256)
صفحة 1839
المساجد
257
التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} [التوبة: 108]، ومفهومه أن ما أسس على غير تقوى ليس حقيقاً بالقيام فيه، وما بني بالمال غير المباح فليس مؤسساً على تقوى والله أعلم.
نرفع لمساحتكم مسألة مسمى مسجد حلة القشي المعروف باسم مسجد أولاد أحمد، وتسميته باسم مسجد الإمام محمد بن عبد الله الخليلي رحمة الله؟
إن كانت جماعة المسجد اتفقت على هذا الرأي فلا مانع من ذلك.
تقدم رجل بطلب الموافقة بتوصيل التيار الكهربائي للمسجد المجاور لمنزله، هذا وبعد زيارة المسجد تبين بأنه عبارة عن غرفة لها محراب وتتسع لحوالي خمسين مصليا، والقبلة ليست على الاتجاه الصحيح بل منحرفة، ويوجد بها مكبر صوت وتبعد هذه الغرفة عن المسجد القائم بالمنطقة بمسافة مائة وخمسين متر فقط، ولا يوجد أي موانع من الوصول إليه، فالمسجد يتسع لكل المصلين وهو جامع البلدة المذكورة، فهل يجوز موافقته على ذلك؟
كلا لا يجوز بحال أن يُتَّخذ هذا البناء مسجداً وهو بجوار مسجد لا يبعد عنه إلا بقدر هذه المسافة فحسب، وإن اتخذ مسجداً فحكمه حكم مسجد الضرار في عدم جواز الصلاة فيه ووجوب هدمه والله أعلم.
هل يجوز بناء دورات مياه ونقاط وضوء وذلك على نفقة أحد المتبرعين هذا وبعد أن تم الاطلاع على خرائط المشروع تبين بأن دورات المياه ونقاط الوضوء ستنشأ في الطابق الأرضي وسيكون أعلى منها في الطابق الأول غرفة دراسة ومكتبة ومخزن وسيقام أعلى منه طابق ثان يشمل (4/257)
صفحة 1840
258
الفاوي
على مصلى ومكتب ومكتبة وغرفة للإمام وسيكون في الطابق الثالث غرفة دراسة؟
إن كان بناء ذلك لمصلحة المسجد فلا مانع منه والله أعلم.
يطلب أحد المسؤولين وضع حل للمساجد المهجورة والقديمة في ولاية ما نظراً لكثرة المخاطبات التي تتلقاها الإدارة من بلدية الولاية، راجين تفضل سماحتكم بالاطلاع وإبداء الحكم الشرعي بشأن المساجد المشار إليها؟ ما كان من هذه المساجد غير مضار لمسجد آخر فلا معنى لهدمه إلا إن كان هدمه من أجل تجديد بنائه والله أعلم.
تقدم مواطن بطلب رجع قطعة الأرض التي اشتراها من أحد المواطنين، وسمح ببناء مسجد بها وبعد دراسة طلب بناء المسجد عليها رأت الوزارة بأنها غير مناسبة لذلك لوقوعها بين عدة مساجد وهي حالياً للاستعمال السكني لم يتم تغييرها إلى مسجد فهل يجوز ردها إليه؟ لا مانع من ردها إليه والله أعلم.
أفيدكم بأني إمام مسجد منذ سنة 1373 هـ، وهذا المسجد خاص والآن يبنى من جديد والوكيل وقف راتبي بسبب عدم وجود المسجد حالياً، وتستمر هذه الحالة مدة لا تقل عن ثمانية أشهر وأنا متضرر والوكيل لم يقل لي من قبل، فما رأيكم في هذا؟
من
إن كان الراتب من وقف المسجد فهو كما قال الوكيل، وإن كان جهة أخرى يمكن من قبلها التسامح كالمؤسسات الحكومية فينبغي استمرار راتبك، ويمكن أن تعوض عن هذا الراتب من قبل الوزارة الموقرة من الأوقاف الخيرية العامة أو من جهة أخرى والله أعلم. (4/258)
صفحة 1841
المساجد
259
تقدم بعض الأهالي بطلب الموافقة على إعادة بناء مسجد سابق، إلا أن الأهالي شرعوا في بناء مسجد جديد مطابق للمسجد القديم الذي تركوه على حاله بدون منفذ، فهل يجوز لهم ذلك؟
إهمال المسجد السابق غير جائز اللهم إلا أن يدخل في ضمن المسجد الجديد ولو في صرحته التي يصلى فيها على قول من قال بأن صرحة المسجد منه والله أعلم.
لقد اشترت امرأة منزلاً بمبلغ ألف وثمانمائة وأربعة وتسعين ريالاً ووقفته لمسجدين منذ عام 1403 هـ وسلمته لهذه الوزارة، وقامت الوزارة بتأجير المنزل وصرف عائدة في أجرة القائمين على المسجدين، وكان الإيجار في ذلك الوقت كافياً لأجرة القائمين، ثم توقف الإيراد وتوقفت أجرة القائمين على المسجدين لعدم وجود من يستأجر حسب قول المختصين بالإدارة هناك، فطلبت المرأة الموقفة بأن تستلم هذا الوقف وتتكفل بمصاريف صيانة المسجدين وأجرة القائمين عليها، وستقوم هي ببيع الأرض وما عليها من مباني كما ستقوم ببناء محلات تجارية أخرى قرب المسجدين تخصصها لوقف المسجدين، فهل ترون سماحتكم جواز ذلك شرعاً؟
أما أن تتولى الوقف بنفسها فلا مانع منه إن كانت أمينة، وأما تصرفها فيه بالبيع فلا يسوغ إلا إن اقتضت ذلك المصلحة وكان ذلك بإشراف الأمناء وعن موافقة الجهة المسؤولة في الدولة عن الأوقاف على أن يكون البديل أنفع للوقف والله أعلم.
تقدم رجل بطلب إعادة بناء مسجد مبني بالطين على نفقته الخاصة، إلا أنه يوجد مسجد قائم منذ عام 1393 هـ يبعد عن المسجد المذكور (4/259)
صفحة 1842
260
الفاوي
بمسافة مائة متر فقط ولا يفصل بينهما فاصل ويقعان في أرض واحدة، ويرى غيره إعادة بناء المسجد الأخير، وقد أفاد المسؤولين بأنهم قاموا بالصلح بين الرجلين المذكورين بأن يقوما بهدم المسجدين المشار إليهما ويدمجان في مسجد واحد طالما المسافة قريبة بينهما، والمسجد الآخر المشار إليه يقع على حافة الوادي ويتأثر بهطول الأمطار وجريان الأودية، فما ترون سماحتكم في ذلك؟
لا يجوز بناء مسجد يضار مسجداً آخر، وكل ما بني من المساجد بجوار غيره بحيث يضاره فحكمه هدم الأخير منهما، وعليه فأرى إما أن يدخل أحد المسجدين في الآخر فيكونا مسجداً واحداً وإما أن يبقى المسجد الأنسب ويحول الثاني إلى مدرسة أو مكتبة والله أعلم.
نفيد سماحتكم بأنه توجد بمنطقتنا قطعة أرض مساحتها 5928,66 م 2 مخصصة لبناء مسجد، ولكن الظروف لم تسمح بالبناء بسبب إنشاء مسجد آخر بالقرب من المنطقة، وبناءً عليه فقد قام أحد المواطنين بطلب استغلال الأرض المذكورة ببناء محلات تجارية ومدرسة لتحفيظ القرآن الكريم تكون وقفاً لمسجد آخر يقع بالقرب من الأرض، فهل
ترون جواز ذلك؟
لا مانع من ذلك والله أعلم.
يوجد مصلى للنساء يحده من الغرب غرفة أو قلعة ومن الشرق مال لشخص ومن الجنوب طريق ومن الشمال أموال لأشخاص آخرين
والسؤال:
1 - هل مصلى النساء يعتبر في حكم المسجد؟ (4/260)
صفحة 1843
المساجد
261
2 ـ إذا كان هذا المصلى مندثراً هل يجوز شرعاً بناء حظائر للأغنام والأبقار بالقرب منه؟ وإذا كان جائزاً فما المسافة هي التي يجب أن تترك بين الحظائر والمصلى؟ مع العلم بأن روائح مخلفات الأغنام والأبقار سوف تصل للمصلى، وحيث إن بعض أهالي البلدة يتجاهلون منزلة مصلى النساء ويقولون إنه ليس كمصلى الرجال، حيث إن أحد الأشخاص يريد أن يبني حظائر للأغنام والأبقار؟ 3 ـ من المسؤول شرعاً في الدفاع عن حرمة المصلى هل هم مشايخ
البلدة؟
جاء في آثار علمائنا أن للمصليات حكم المساجد، وعليه فلا يجوز إيجاد حظائر للأغنام والأبقار بالقرب من مصلى الرجال أو النساء ولو كان مندثراً إلا أن تكون بحيث لا تصل الروائح الكريهة إلى المصلين لو أعبد بناؤه، ويجب على جميع المسلمين من أهل الحي أن يصونوا مساجدهم، ومن كان أقوى فمسؤوليته أكبر والله أعلم. (4/261)
صفحة 1844
262 الفتاوي
نقل المسجد من مكانه
:
ضمن المشاريع التي تقوم بها البلدية سد وادي، وتقع بقرب هذا السد قرية تم إخلاؤها من ساكنيها ولم يبق فيها سوى المسجد القائم فيها، والبلدية تعتزم حالياً هدم المسجد لترحيل الأهالي وإقامة السد، نرجو من سماحتكم التكرم بإفادتنا عن مدى جواز هدم ذلك المسجد بعد أن أصبح لا حاجة إليه بعد إزالة كافة المنازل القائمة وترحيل أهاليها إلى مكان آمن بهدف إقامة السد، علماً بأنه تم تعويض المسجد بمبالغ وأرض أخرى في المحلة الجديدة؟
المساجد لا تنقل من مكانها إلا للضرورة القصوى، فإذا تعذر بقاء المسجد مكانه فلا مانع من نقله إلى حيث ينتقل السكان، شريطة أن لا يكون البدل أقل من الأصل سعة ومتانة والله أعلم.
هل يجوز بناء مسجد جديد بإحدى الولايات يكون عوضاً عن المسجد القائم بها حالياً والذي يقترح الأهالي تحويله إلى مدرسة للقرآن الكريم نظراً لتأثره بصفة دائمة بمياه البحر، وقد تمت زيارته من قبل دائرة المساجد وتبين من تقريرها بأن ذلك المسجد يقع على مقربة من البحر، وقد أثرت فيه الملوحة بشكل ملحوظ، وأفادنا كبار السن من الأهالي بأن البحر إذا كان في حالة المد تتلاطم أمواجه في جدران المسجد، وأحياناً تجري بداخله خصوصاً في فصل الصيف، علماً بأن المسافة بين المسجد الحالي والموقع المقترح لبنائه تقدر بحوالي خمسين متراً تقريباً فقط؟
إن كان موقع المسجد السابق يعسر بقاؤه كمسجد لأسباب طبيعية فلا مانع من ذلك والله أعلم. (4/262)
صفحة 1845
المساجد
263
بني
يوجد في بعض الوحدات والقواعد العسكرية مساجد قديمة بعضها بالمواد الثابتة وبعضها الآخر بغير ذلك، ونظراً لقدمها وضيقها استبدلت
بمساجد حديثة تتسع للمصلين، هذا كما توجد مساجد أشبه بمصليات بالمواد الثابتة وغير الثابتة تؤدى فيها بعض الصلوات اليومية والبعض الآخر لا يصلي فيه إلا أفراد قلائل ما الحكم الإسلامي لتلك المساجد القديمة التي أقيمت بجانبها مساجد ثابتة؟ وهل يجوز إغلاقها أو هدمها ثم تسويرها لتكون لها حرمة المسجد حتى لا تحدث الفرقة وينقسم المصلون لقسمين؟ وهل يجوز إبقاؤها للانتفاع به كمكتبة أو مدرسة للقرآن الكريم أو مخزن للكتب والأدوات القرطاسية؟ علماً بأن تلك المساجد قريبة من بعضها البعض؟
تبقى لتستخدم مكتبات دينية أو مدارس للقرآن الكريم مع إبقاء حرمات المساجد لها، وذلك أولى من هدمها أو إبقائها مساجد يصلى فيها لما في الوجه الأول من تعريضها لهتك حرماتها، وما في الوجه الثاني من الداعي لتفريق الجماعات والله أعلم.
نحن جماعة بلدة وننوي إعادة بناء مسجد البلدة القديم، ولكن هذا المسجد يقع أمام مقبرة وكذلك في مكان ضيق ومرتفع بحيث لا يمكن توسعته ولارتفاع المكان يصعب على كبار السن الوصول إليه، فهل لنا بناء مسجد آخر في مكان مستو ومنخفض حيث يسهل الوصول إليه مع ترك المسجد القديم لصلاة الجنازة؟
يصح
إن كانت تتعذر توسعته وأنتم بحاجة إليها فلا مانع من بناء مسجد
آخر حيث السعة، والإمكان وليكن المسجد السابق مصلى للأموات
والله أعلم. (4/263)
صفحة 1846
264
الفاوي
يوجد مصلى للعيد غير مستخدم حالياً، وترغب الوزارة في تحويله إلى وقف للمساجد ليدر دخلاً لها نظراً لموقعه في منطقة تجارية، لا سيما يوجد البديل لهذا المصلى، فهناك العديد من المساجد الكبيرة التي تستوعب جموع المصلين الغفيرة، فهل يجوز ذلك؟
وأنه
إن كان المصلى له محراب فلا يجوز تحويله إلى أي شيء إلا أن يبنى
في موضعه مسجد، ويتأكد ذلك إن كانت الصلاة تقام فيه والله أعلم.
هل يجوز تحويل استخدام مسجد إلى مصلى للنساء وإنشاء مسجد جديد عوضاً عنه يبعد مسافة مائة متر، لأن المسجد السابق يقع على مدخل منزل أحد المواطنين وملاصق له ولا توجد بالقرب منه مساحة لمواقف للسيارات، وهو صغير الحجم ومسقف بالمواد غير الثابتة ولا يمكن توسعته حيث إنه محاط بأشجار من جهة الغرب والجنوب ومن جهة الشمال منزل ومن جهة الشرق طريق ونسبة المصلين به
حوالي عشرين مصلياً في أكثر الأحيان، وقد وافق مشايخ وأعيان البلدة على تحقيق الطلب نظراً للأسباب أعلاه، أما الموقع المقترح فسيكون عن المنزل وسيقام المسجد على جزء من مزرعة مقدم الطلب وستكون بالقرب منه مواقف للسيارات وأكثر مناسبة من المسجد
بعيداً
السابق؟
لا
مانع من موافقته على ذلك شريطة أن يظل المسجد السابق مسجداً له حرمات المساجد وإنما يخصص لصلاة النساء على أن يتم ذلك بعد بناء المسجد الجديد والله أعلم.
مصلى للأعياد قديم غير مستخدم حيث إن الأهالي أقاموا مصلى في موقع آخر، ونظراً لكون المصلى المذكور يقع وسط الأحياء التجارية (4/264)
صفحة 1847
المساجد
265
والسكنية فإن الوزارة تفكر في تغيير استعمال المصلى إلى تجاري سكني، فهل يجوز ذلك؟
إن كان المصلى غير مبني وإنما تقام في أرضه الصلاة فقط فلا مانع من ذلك، وإلا فإنه أن يمنع يستغل إلا لنحو مسجد والله أعلم.
هل يجوز تحويل قطعة أرض تنازل عنها أصحابها لبناء مسجد ليتمكنوا من بناء مجلس عام عليها لقربها من عدة مساجد ولعدم وجود مجلس عام في تلك المحلة مناسبة لذلك؟
وهي
نظراً إلى أنها بجوار مساجد فلا مانع من أن تحول إلى مجلس والله أعلم.
زخرفة المسجد:
نحن في بلدتنا نبني مسجداً جامعاً كبيراً على حساب الأهالي، ومجموعة من الأهالي ملحون على عمل الكاشي المزخرف الملون على جدار المسجد كما نراه الآن منتشراً في المساجد، ومجموعة أخرى تريد عمل كاشي لكن غير مزخرف أي من لون واحد سادة، وذلك بسبب احتجاجهم بكراهية الشرع للزخرفة، فاتفقنا جميعاً على أن نترك لسماحتكم هذا الموضوع وإفادتنا بما هو خير لنا في ديننا ودنيانا وآخرتنا ومنفعة للمسلمين، فبماذا تأمرون سماحة الشيخ في
ذلك؟
الخير لكم في دينكم ودنياكم وآخرتكم عدم زخرفة المسجد اتباعاً للسنة واجتناباً لمحدثات الأمور والله يوفقكم للخير والله أعلم. (4/265)
صفحة 1848
266
الفاوي
ما حكم عمل الجبس المزخرف بلون واحد فقط (أبيض) على جدار المنطقة المحيطة بمحراب المسجد؟
ترك المزخرف على أي حال أفضل وإن كان ذلك من لون واحد ولكنه أسلم من الألوان المختلفة والله أعلم.
ما حكم الفرشة المزخرفة زخرفة كثيرة بفرشها في المسجد؟ زخرفة الفراش أضر من زخرفة الجُدر لأنها تشغل المصلي أكثر مما يشغله ما في الجدر فيجب اجتناب ذلك والله أعلم.
تأجير أرض المسجد:
توجد مجموعة من الأراضي البيضاء موقوفة للمساجد وهي غير مستغلة أبداً في أي غرض كان، وقد تقدم في الفترة الأخيرة أحد المواطنين بطلب استئجار الأرض لإقامة ملعب كرة قدم عليها، فهل يجوز تأجير هذه الأرض لإقامة ملعب عليها سواء لكرة القدم أو أي نشاط رياضي
آخر؟
إن كان اللعب بالكرة بحالة لا يستكمل فيها ستر العورة الواجب أو تؤدي إلى إهمال المحافظة على الصلاة فهو محجور شرعاً، والتعاون عليها بأي وجه كان هو من التعاون على الإثم المنهي عنه بنص القرآن ولا يسوغ تأجير أرض له سواء كانت موقوفة أو غير موقوفة والله أعلم.
رجل مستأجر للمحل التجاري التابع للمسجد، وقد تعهد ببناء دكان إضافة للدكان القائم على نفقته الخاصة بشرط أن يؤجر الدكان عليه (4/266)
صفحة 1849
المساجد
267
حالة
وألزم نفسه بذلك، وبعد فترة لم يتمكن من إقامة المحل، وهو يطلب حالياً تسليمه الصك المتعهد فيه وإعفاءه من تعهده وذلك نظراً لضعفه المادي، فهل ذلك سائغ شرعاً؟
إن كان عاجزاً فلا يكلف ما ليس في وسعه والله أعلم.
بدفع
رجل كان مستأجراً إحدى الشقق التابعة للمسجد وكان ملتزماً الإيجار لفترة من الزمن، بعدها توقف عن دفع الإيجار مما ترتب عليه مبلغ وقدره تسعمائة ريال عُماني، ونظراً لكون المذكور كان صاحب شركة مقاولات وعليه التزامات مالية لأكثر من جهة الأمر الذي حدا بتلك الجهات تقديم شكوى ضده لدى المحكمة، وفي الآونة الأخيرة تقدمت أسرة المذكور برسالة يطالبون من خلالها بإعفاء والدهم من المبلغ الذي عليه لهذه الدائرة، فما قول سماحتكم في إسقاط حق المسجد ليس في وسع أحد، ولكن يبقى ذلك ديناً عليه إلى
ذلك؟
يسره {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280] والله أعلم.
استأجر رجل محلين تجاريين وقفا لمسجد، وقد ترتب على المذكور مبلغ وقدره مائتان وثمانون ريالاً شهرياً، وعند مطالبته بدفع المبلغ تعذر عن الدفع لعدم استطاعته توفير المبلغ بعدما تقدم برسالة يطلب فيها إعفاءه عن نصف المبلغ المذكور أعلاه، فهل يسوغ ذلك؟
أما الإعفاء فلا أرى له مساغاً لأنه لا يملك أحد أن يسقط حق مسجد، وإنما ينظر إلى ميسرته إن ثبت إعساره لقوله تبارك وتعالى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةِ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة} [البقرة: (280) والله أعلم.
توجد محلات تجارية بجوار عدد من المساجد المنتشرة في البلاد، (4/267)
صفحة 1850
268 الفتاوى
وتلك المحلات يعود ريعها لصالح تلك المساجد، وهي مؤجرة وأغلب الباعة في تلك الدكاكين من الوافدين ويمارسون فيها بيع مختلف المواد ومن بينها (السجائر)، وقد كتب إلينا بعض المواطنين مستنكرين تلك الظاهرة السيئة، فهل يجوز ذلك؟
إن كانوا يبيعون المحرمات كالسجائر فلا يجوز إقرارهم عليه ويجب إنكار ذلك عليهم والله أعلم.
مال لوقف مسجد وله سقي على أحد أهالي المنطقة من ماء فلج ودورانه المعتاد كل عشرة أيام، وهذا الوقف مهجور منذ أكثر من ثلاثين عاماً ولا توجد به زراعة ولا نخيل وعبارة عن أرض فضاء، وكل الأموال التي حوله على وشك الانقراض من الذي عليه الشرب، وهل يصح له شراء مقدار هذا الشرب حسب معرفة أهل الخبرة في أصول الأموال وتبقى
الأرض للوقف؟
أن يجب دورانه المعتاد ولا يجوز استغلال ذلك من غير عوض، فإنه ظلم للوقف والموقوف له والله أعلم.
تكون للمسجد قعادة هذا السقي على من ينتفع به بحسب (4/268)
صفحة 1851
المساجد
269
بيع أموال المسجد:
عن مزارع للمساجد كانت تزرع زراعة واحدة وهي البر، وكانت تسقى بالنزح، ومنذ خمسة عشر عاماً لا أحد يريدها لتغير الظروف ولأن الأودية سالت عليها وهدمت السياج الحامي لتلك الأرض مما أفقدها قيمتها، واعتذر وكيل المسجد بأنه لا مال عنده لإصلاحها، فكيف يتصرف فيها؟
وروج
الأصل في الأموال الموقوفة وجوب بقائها على ما هي عليه من الوقفية وعدم جواز تحويلها عن ذلك؛ لأنه الا الله يقول في الوصية: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ، فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 181]، وللوقف حكم الوصية في ذلك لإشتراكهما في قصد التقرب إلى الله سبحانه، ولكن إن أدى بقاء الموقوف على ما هو عليه إلى ضرر عليه أو على ما وقف لأجله من المصالح فلا مانع من التصرف فيه بالقياض بل وحتى بالبيع إن لم يكن من ذلك بد بشرط الاستعاضة بما هو أجدى نفعاً وأقل ضرراً من الأموال، ليكون في حكم الوقفية بدلاً من الأصل وليس هذا تبديلاً؛ لأن الواقف لم يقصد إلا المصلحة فأينما وجدت اتبعت والله تعالى أعلم.
مسجد له أراض موقوفة، وهي قريبة من مساكن أهل البلد وأراضيهم، فهل يجوز لأحد من أهل البلد استبدال أرضه بأخرى مساوية لها من أرض الوقف، وصلاحية تربتها بنفس صلاحية الوقف وبرضى الوكيل القائم ورضى أهل البلدة؟
لا بد من رعاية مصلحة الوقف، فإن كانت المصلحة في ذلك ظاهرة،
بحيث يكون الغبن له لا عليه فلا حرج، وإلا فلا يجوز ذلك والله أعلم. (4/269)
صفحة 1852
270
الفاوي
تقدم إلينا شخص لشراء الوقف الذي أوصى به رجل من قبل وقفاً أبدياً ولا يوهب تنفذ غلته لصلاح المسجد، وهو عبارة عن حجرة مع
لا
يباع
المسبح والمطبخ بالإضافة إلى غرفة تقع في أعلى البنيان وذلك من بيته الكائن بالمنطقة المذكورة الذي آل حالياً للمواطن المذكور أعلاه المتقدم لشراء الوقف ويرغب في إعادة بناء هذا المنزل ولا يمكنه تحقيق ذلك إلا في حالة شراء الجزء الذي يخص وقف المسجد لكونه ملاصقاً للبيت ولا يمكن فصله بأي حالٍ من الأحوال، فهل ترون سماحتكم
إمكانية ذلك؟
الوقف لا يملك أحد بيعه، اللهم إلا إن تعذر الانتفاع به فعندئذ يباح بيعه على نظر أهل الصلاح والخبرة في شؤون الأموال، على أن يشترى بثمنه تحت إشرافهم البديل الأنفع وأن لا يكون غبن قط على الوقف لا في البيع ولا في الشراء والله أعلم.
هل يجوز بيع أراضي أراضي المسجد لأجل تعميره؟
إن الأصل في الأوقاف عدم جواز التصرف فيها ببيع ولا غيره، لقوله تعالى في الوصية: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ عليم [البقرة: 181]، اللهم إلا إن اقتضت الظروف التصرف، كما إذا لم يمكن أن يعمر المسجد بحال إلا ببيع الوقف ولم يكن مرجواً أن ينال تبرعاً من الدولة ولا من المواطنين لعمارته، فلا مانع من التوسع بالبيع لأجل هذه المصلحة، شريطة أن يتم ذلك بإشراف أهل الورع والأمانة، مع ضمان القيام ببناء المسجد، وأن لا يتجاوز البيع ما تدعو إليه الضرورة، وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} [البقرة: 220] وهو ولي
التوفيق. (4/270)
صفحة 1853
المساجد
271
هل يجوز بيع منزل موقوف لمسجدين حيث إن المنزل دائر وإعماره يكلف الكثير من المال وللمسجد وقوفات تجارية عبارة عن محلات في السوق التجاري بحاجة إلى إعمار، فقد رأى جماعة المسجد أفضلية المنزل وبقيمته تعمر المحلات التجارية، لأن هذا سيوفر دخلاً أفضل للمسجدين؟
بيع
إن كانت مصلحة المسجدين في ذلك متعينة فلا مانع منه على شرط أن لا يكون فيه غبن في الثمن على الوقف وأن يتم ذلك كله بأيدي الأمناء ذوي الخبرة في شؤون الأموال والله أعلم.
نرغب في بيع قطعة أرض صغيرة مساحتها مائتي متر مربع تابعة
للمسجد، وذلك لبناء مثلاً منارة للمسجد أو شراء مكيفات له؟
إن كان ما يراد بيعها من أجله ضرورياً ويتوقف على البيع فلا مانع على أيدي الأمناء ذوي الخبرة في شؤون الأموال
منه شريطة أن
والله أعلم.
يتم
يطلب أهالي منطقتين بإحدى الولايات شراء موقع نخلتين تخصان أحد المساجد لرصف الطريق المؤدية إلى المنطقتين المذكورتين، فما الحكم
في
ذلك؟
مثل هذه الحالة يسوّغ قطع النخلتين لتوسعة الطريق مع تعويض المسجد عنهما بما هو أنفع له منهما والله أعلم.
توجد أرض زراعية تابعة لأوقاف بعض المساجد قام الوكيل بتأجيرها لأحد المواطنين للزراعة الموسمية وبعقد وقع بين الطرفين لمدة معينة، ونظراً لوجود د طريق مارة بعرض متر على هذه الطريق تؤدي إلى منزل المستأجر قام هذا المستأجر بتوسعة الطريق المذكورة من أرض الوقف (4/271)
صفحة 1854
272
الفاوي
تسمح لمرور سيارة، فالمستأجر يرغب في بقاء هذه الطريق بنفس المساحة الحالية على أن يقوم بشراء هذه الزيادة وفق ما يراه العدول
الأمناء ذوو الخبرة في هذا المجال، فما ترون في ذلك؟
إن كانت الزيادة في هذه الطريق لا تؤثر نقصاً في قيمة الأرض فلا حرج ذلك على أن تصرف قيمتها في مصلحة نفس هذا الوقف وحبذا لو كان العوض أصلاً يضاف إلى الوقف نفسه والله أعلم.
في
نود الإفادة بأن وكلاء لوقف تقدموا بطلب بيع ضاحية تابعة لمسجد وذلك لغرض إقامة محلات تجارية تعود بالنفع لصالح المسجد، علماً بأنه تم عرض الأرض في المزاد العلني وبلغت قيمتها مبلغاً وقدره ستة ذلك؟ آلاف ريال عماني، فما ترون سماحتكم في
لا مانع من ذلك إن كان السعر عادلاً على أن يكون ذلك بأيدي الأمناء ذوي الخبرة في شؤون الأموال ويتم على أيديهم اختيار البديل المناسب للوقف حسب المصلحة والله أعلم.
تقدم
أحد المواطنين بطلب تخصيص أرض من أراضي الوقف التابعة لمسجد الحارة وذلك لتكون مقبرة للأموات فهل يجوز ذلك في حالة تعويض المسجد بأرض أخرى أو تثمينها بالبيع؟
إن كانت الضرورة داعية إلى ذلك فلا حرج فيه على أن يعوض الوقف بما هو أرفع قيمة وأكثر جدوى من الأصول والله أعلم.
توجد مجموعة من الأجيال تشرب من الفلج بمعنى بعض منها لها مياه معلومة والبعض الآخر له، شرب والآن أصبحت تلك الأموال متروكة ونخاف عليها من الانقراض ونطلب جمعها في مكان واحد (4/272)
صفحة 1855
المساجد
273
بحيث يكون الأصلح وبماء معلوم، فهل يصح ذلك في أموال
المسجد؟
إن كانت هي موقوفة لمسجد فإن المساجد تجب مراعاة مصالحها لأن حكمها حكم اليتامى، وقد قال تعالى: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَى قُلْ إِصْلَاحُ لَهُمْ خَيْرُ} [البقرة: 220]، فما دامت المصلحة متعينة في هذا الجمع ورآه أهل العدل والنظر في مصالح الأموال فلا بأس به والله أعلم.
وفق الله والدي في إعادة بناء وتوسيع مسجدين للجماعة بقريتي، وحفر أيضاً بئراً لتكون مورد ماء للشرب بالقرب من الشارع العام القديم ولكن لا زال الانتفاع منه قائماً، وقد وقف جلبة نخيل بها ثمان نخلات وأثر ماء من الفلج، وبما أن البناء كان من الطين رغب أهالي القرية هدم المسجد وإعادة بنائه والتنازل عن دخل الجلبة بأنفسهم، كما أن المسجد الآخر والذي أتولى رعايته مع المورد قد عملت له تغطية من الداخل والخارج بالأسمنت، لكن بدأت التغطية الخارجية تسقط ونرغب في بنائه بالأسمنت المسلح ولديَّ ألفا ريال عُماني أوصى بها عمي الهالك للمسجد نفسه، وأحتاج إلى سبعة آلاف أخرى لا أتوقع الحصول عليها كلها ممن يسعى إلى الخير، وليس هناك سعة في أرض المسجد لبناء دكان للدخل، وأنوي تخطيط البناء بأن أبني بقاعه دكاناً يكون تحت صرح المسجد ويحتاج للرفع عن المعتاد إلى شيء بسيط، فهل يصح بيع الجلبة للاستفادة في بناء المسجد والاستعاضة من دخلها بالدكان الذي أخطط لبنائه حسبما ورد؟ العلم أن إيجار الدكان يساوي عشرة أضعاف دخل الجلبة؟
مع
بما أن هذه الجلبة موقوفة لمسجدين وبئر فإن صرفها لمسجد واحد فقط غير جائز، إذ لا يملك أحد أن ينزل عن حق المسجد لمسجد آخر ولا حق (4/273)
صفحة 1856
274
الفتاوى
البئر إلا إن عوضه ما يسد مسد حصته من هذا الوقف بحيث يكون له ريعه ويكون أصل هذا العوض وقفاً بديلاً لذلك المعوض، وفي هذه الحالة يبقى هذا الوقف خالصاً للجهة التي أبقي لها، فإن اقتضت الضرورة بيعه وذلك يحتاج المسجد المختص بالوقف إلى عمارة وتتعذر إلا بالبيع فلا مانع عندئذ من بيعه والله أعلم.
بأن
مسجد يمتلك عدد خمس عشرة نخلة متفرقة، وكان أحد المواطنين وكيلاً لتلك النخيل، ونظراً لكونها لا تدر أي نفع للمسجد فقد تخلى هذا الوكيل عنها، وقد قام شيخ المنطقة بالبحث عن شخص آخر يقوم مقامه ولكن دون فائدة، وتم رفع الموضوع لقاضي الولاية فاقترح فضيلته ببيع تلك النخيل وشراء البديل الأنفع للمسجد، وتم طرحها في مزاد ولكونها غير مجتمعة في مكان واحد فقد تفاوتت أسعارها، فنرجو من سماحتكم إبداء الرأي الشرعي في ذلك؟
علني
إن لم يكن غبن على الوقف في البيع حسـ حال هذه النخلات فلا مانع منه، على أن يعوض الموقوف ما هو أجدى نفعاً من الأصول، وعلى أن
يتم
في
ذلك تحت إشراف الأمناء ذوي الخبرة في شؤون الأموال والله أعلم.
تقدم أهالي بعض المناطق بطلب توسعة مسجدهم باستقطاع جزء من الأرض الزراعية الخاصة بمسجد آخر بتلك القرية بواقع عدد سبع نخلات، حيث لا يوجد مجال آخر لتوسعة المسجد المذكور إلا بقطع هذه النخيل، فما قول سماحتكم في ذلك؟
إن تعذرت توسعته ـ وكانت ضرورية ـ إلا بقطع هذه النخلات فلا حرج ذلك، وإن أمكن تعويض المسجد عنها فذلك أحوط والله أعلم. (4/274)
صفحة 1857
المساجد
275
تقدم بعض الأهالي بطلب شراء نخلة نغال تابعة للمسجد وهي تشرف على الطريق المؤدية إلى المحلة بغرض توسعة الطريق، فهل يجوز موافقتهم على ذلك؟
إن كان ذلك أمراً ضرورياً فلا حرج على شرط أن يكون البيع بسعر عادل وأن يعوض المسجد بثمنه ما يعود بالمصلحة عليه، وأن يكون ذلك بإشراف الأمناء الثقات ذوي الخبرة في شؤون الأموال والله أعلم.
يصح
مسجد أراد أهله تجديد بنائه ولكن المبالغ الموجودة له لم تكف وللمسجد أملاك تأثرت من جراء مرور شارع فعوضت بمبالغ، فهل أن يكمل بناؤه من مبالغ التعويض أم لا؟ إن كان بناء المسجد ضرورياً وكان متوقفاً على الأخذ من هذه المبالغ فلا مانع من ذلك بقدر الحاجة فقط والله أعلم.
ما قولكم في طلب بعض المواطنين القياض مع مال تابع لمسجد مقابل مبلغ معين؟
القياض لا يكون بنقد وإنما بعين متمولة وإلا كان بيعاً لا قياضاً، وعليه فلا بد هنا أن يكون البديل إما مالاً أخضر وإما عقاراً وإما ماء يثبت للوقف على أن يتم ذلك بموافقة قاضي الولاية مع كون المصلحة فيه متعينة للوقف
والله أعلم. نرغب في توسيع المسجد بالبلدة بحيث يصبح جامعاً لأهلها ولإقامة صلاة الجمعة فيه، وكما يعلم سماحتكم فإن أعداد المصلين في ازدياد وحالياً لا تقام صلاة الجمعة في البلدة كما أنه لا يوجد موقع آخر مناسب لبناء جامع جديد وأن هذا الموقع هو المكان الأفضل حيث يقع في (4/275)
صفحة 1858
إلا
276
الفاوي
وسط البلدة، ولهذا اضطررنا إلى أخذ جانب من مال المسجد لتوسعته والتفاصيل كما يلي: من الغرب موقع (4) نخلات، ومن الجنوب (3)، ومن الشمال، نخلتين ومن الشرق (3) نخلات كما أن هناك ساقية تحيط بالمسجد من الجهتين الجنوبية والغربية عندما يتم بناء المسجد سوف يتم نقلها حسب إمكانية توسع المسجد أي على حافة الجهتين كما هو ذلك؟ عليه الحال، فهل يسع
إن اقتضت ذلك الضرورة ولم يكن مناص منه فلا حرج فيه والله أعلم.
هل يجوز بيع عابية موقوفة لمسجد وذلك لغرض تغطية المبالغ التي سوف تكلفها عملية الإصلاح وترميم المسجد، علماً بأنه تعذر الحصول على مبالغ لتغطية تكاليف إصلاح المسجد؟
إن كان هذا الترميم ضرورياً لأجل المحافظة على المسجد؛ وكان متعذراً ببيع هذه العابية فلا حرج في بيعها لهذا الغرض؛ على أن يكون ذلك بأيدي الأمناء الموثوق بهم ذوي الخبرة في شؤون الأموال من غير أن يكون على المسجد غبن والله أعلم.
مسجد يمتلك عدة نخيل، وفي الآونة الأخيرة تقدم أهالي البلدة بطلب بيع شيء من تلك النخيل لغرض بناء دورات مياه للمسجد المذكور؟ فهل يجوز ذلك؟
إن تعذر بناء هذه الدورات إلا ببيع هذه النخيل؛ وكان بناؤها من ضرورات المسجد اللازمة فلا أجد حرجاً من الترخص في ذلك والله أعلم. معسكر يشغل قطعة أرض موقوفة لعدة مساجد، وقد تم تأجيرها للوزارة التابع لها هذا المعسكر منذ فترة زمنية طويلة، وقد وصلت القيمة (4/276)
صفحة 1859
المساجد
277
الإيجارية للأرض حالياً مبلغاً وقدره ألف ومائتا ريال سنوياً، سماحة الشيخ المفتي: إن العائد من إيجار الأرض يصرف على المساجد ومدارس تحفيظ القرآن الكريم متمثلاً في صرف رواتب شهرية للقائمين على المساجد من أئمة وعمال نظافة ومدرسي قرآن بالإضافة إلى أعمال الصيانة التي تتطلبها تلك المنشآت، وهذا الأمر يكلف مبالغ طائلة، فقمنا بمخاطبة القائمين على المعسكر حول إمكانية رفع قيمة الإيجار لتصبح ألفين وأربعمائة ريال عُماني بدلاً من الإيجار السابق، وقد جاء ردهم بعدم إمكانية ذلك وقد اقترحوا تعويض الوقف بأرض أخرى من نفس الولاية بدلاً عن الأرض الحالية التي يشغلها المعسكر، وللعلم فإن الأرض المقترحة لن تكون بذات الأهمية، وكما تعلمون سماحتكم فإن موقع الأرض الحالية ذو أهمية؛ حيث إنها بالقرب من سوق الولاية وتقع منطقة نشطة تجارياً وعمرانياً فضلاً عن كونها تمثل مصدر دخل ثابت
لتلك المساجد التي وقفت من أجلها، فهل يجوز موافقتهم على ذلك؟ المساجد كالأيتام في وجوب المحافظة على أموالها ورعاية حقوقها واتباع مصالحها، وعليه فلا يجوز قبول عوض عن هذه الأرض الموقوفة للمساجد يكون أقل منفعة أو قيمة منها والله أعلم.
ما قولكم في رجل توفي وترك وصية نصف مزرعة محاطة بجدار غير ثابت ونذر بها للمسجد، والمسجد مسجد نذر ينذرون عليه بذبائح وبالحلوى والخبز وغيرها من الأمور، ويقع في منطقة نائية في الجبال، وهذه الوصية منذ أكثر من 200 سنة، فما قولكم في هذه الوصية؟
إن تعذر صرف الناس عن النذر لهذا المسجد فيجب أن يصرف
الوقف إلى مسجد آخر كالمسجد الجامع والله أعلم.
ريع
هذا (4/277)
صفحة 1860
278
278 الفتاوى
مسجد يمتلك قطعة أرض وهو بحاجة إلى ترميم حيث إنه في الأمطار تنهمر المياه على المصلين من خلال السقف، والمسجد
موسم
لا يمتلك مالاً نقدياً، فما هو رأيكم الشرعي حول إمكانية بيع لإعادة بناء المسجد وإصلاحه؟
الأرض
ذلك،
مع ضرورة الترميم وتوقفه على بيع شيء من ممتلكاته لا يمنع شريطة أن يقتصر منه على قدر الحاجة وأن لا يكون غبن على المسجد في البيع، وأن يتم على أيدي الأمناء ذوي الخبرة في شؤون الأموال والله أعلم. هل يجوز استغلال الضاحية الكائنة في الجهة الشرقية من موقع مسجد والتابعة لوقف هذا المسجد وذلك بإقامة مدرسة لتعليم القرآن الكريم ودورات مياه للمسجد، وقد وقف عليها قاضي الولاية فكان رأيه هو «لا مانعاً من إقامة ذلك على ضوء إجماع جماعة المسجد والصالحين لما سوف يؤديه المشروع من خدمة ولما سيعود به من منفعة»، فما تعليق سماحتكم على ذلك؟ دورات المياه أصبحت من الضرورات للمسجد فنرى اعتماد رأي فضيلة القاضي والله أعلم.
نري
قطعة أرض وقف لمسجد البلدة، وموقع هذه القطعة قريب من موضع سيل الوادي ومحاطة بأراض سكنية من الجهات الأربع، ومع ذلك هي بعيدة عن المسجد، واتخذها الناس معبراً لسياراتهم، وهي لا تصلح هذه القطعة للزراعة وتكاد تنقرض مع مرور الزمن، فهل يجوز بيع بواسطة الأمناء والاستفادة من عائدها لإصلاح المسجد، والذي هو في حاجة ماسة للإصلاح، وليس له أموال غيرها؟
لا بأس في بيعها بقدر ما تستحق من قيمة، والاستعاضة بثمنها أصلاً (4/278)
صفحة 1861
المساجد
279
يعود بالريع على المسجد الموقوف، على أن يتم ذلك تحت إشراف الأمناء من ذوي الخبرة في قضايا الأموال والله أعلم.
نخيل موقوفة لمسجد البلدة، وهي تقع على الطريق العام بالبلدة، والآن يراد توسعة هذا الطريق بسبب حوادث السيارات، فهل يصح تعويض هذه النخيل بأخرى مثلها أو أحسن منها؟ وإذا تعذر إيجاد النخيل
البديل، فهل يصح بيعها وبثمنها يتم صيانة المسجد الموقوفة له؟
إن كان الوقف يعوض بنخيل لا تقل قيمة ولا منفعة عن هذه النخيل فلا مانع من ذلك، وأما تعويض القيمة فلا إلا إن صرفت القيمة في شراء نخيل لا تقل عن هذه النخيل المعوض عنها من جميع النواحي
والله أعلم.
لدي أموال موقوفة للمسجد الجامع بالبلدة، وهذه الأموال لها مدة طويلة وهي دائرة ولم نجد أحداً يتكفل برعايتها، وأصبحت موقفاً للسيارات كما أن مياهها يسقى بها أموال الآخرين وهذه الأموال ودوران سقيها معروفة بوجودي في الحياة، وخوفاً من أن تكون عوابي يابسة فيما بعد، نستفتيكم في بيعها وإيجاد البديل الأصلح بثمنها للمسجد؟
الأوقاف حكمها حكم اليتيم في وجوب رعاية مصلحتها، فإن الله يقول في اليتامى: (وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَى قُلْ إِصْلَاحُ هُمْ خَيْرٌ) [البقرة: 220]، وبما أن مصلحة هذا الوقف في بيع هذه الأراضي فلا مانع من بيعها بالنداء العلني أو السوم - إن كان أصلح - على أن يشترى بقيمتها من الأصول ما هو أجدى نفعاً للوقف وشريطة أن ذلك على أيدي الأمناء ذوي الخبرة في شؤون
الأموال والله تعالى أعلم.
يتم (4/279)
صفحة 1862
280
الفاوي
ما قولكم في أرض موقوفة منذ مدة طويلة لمسجد، فأراد أحفاد الواقف بيعها لغرض إعمار المسجد أو تقسيمها بينهم، فهل يجوز لهم ذلك؟
المسجد
لا يصح بيع وقف مسجد في غير ضرورة داعية، كما لو تهدم ولم يمكن بناؤه إلا ببيع ماله وأما تقسيم ثمن الوقف بين البائعين فذلك عين الظلم والله أعلم.
والدي وقف أربع نخلات لمسجدين وكانت تلك النخلات مغروسة أمام المنزل وقد مضت عليها السنون وسقطت، والآن أريد أن أشيد منزلاً وأضم القطعة التي كانت بها النخيل إلى المنزل واستبدل الموقوف بآخر من مالي الخاص، فهل هناك مانع شرعي في مثل هذا؟ لا مانع من ذلك بشرطين
أولهما: أن يكون العوض خيراً من المعوض عنه.
وثانيهما: أن يتم بأيدي الأمناء ذوي الخبرة في مصالح الأموال والله أعلم.
ما قول الشرع في رجل هم ببيع شيء من أموال الوقف التابعة لأحد المساجد بغرض إنشاء دورات مياه للمسجد (مع أنه ليس وكيلاً لتلك الأموال علماً بأن أصحاب البلد قد أبدوا استعدادهم لتحمل نفقات هذا المشروع دون الحاجة لبيع أي شيء من أموال الوقف، ولكن هذا الرجل أبدى إصراره ورفضه لتلك الاستعدادات وأبى إلا أن تقام هذه الدورات من أموال المسجد؟
الوقف لا يباع إلا للضرورة، وفي حال عدمها لا يجوز بيعه، وبما أن الضرورة في مثل هذه الحالة المذكورة لا وجود لها لسد الحاجة بتبرع المتبرعين لا داعي إلى البيع ولا مبرر له والله أعلم. (4/280)
صفحة 1863
المساجد
281
أهالي إحدى المناطق تقدموا بطلبهم فتح طريق لمحلتهم والتي ستعبر على مال لمسجد قصرى، وقد جاء في رسالتهم بأنهم على استعداد لدفع التعويض العادل عن مساحة الأرض التي تأخذها الطريق وحرمها فهل يسوغ ذلك شرعاً؟ علماً بأنه لا يوجد مكان بديل لتحاشي مرور الطريق بأرض الوقف؟
مع الضرورة لا مانع من توسيع الطريق في أرض الوقف، على أن
يعوض الوقف أرضاً أخرى هي أوفر قيمة وأكثر دخلاً والله أعلم.
عندنا مسجد ببلدنا وله مال في بلدة أخرى، وهذا المال لا يجلب مصلحة للمسجد، ولا منفعة منه بل فيه دفع مغرم، ولا دخل لهذا المسجد حتى يسدد المغارم، وله مال آخر في بلدة ثالثة ولا فائدة منه أيضاً. والمسجد محتاج إلى نوافذ وأبواب وإصلاح جدرانه وتسقيف الصرح، فهل يصح بيع هذا المال ويعمر من ثمنه المسجد وما بقي من الثمن يشترى به مال من نفس البلدة التي بها المسجد؟
لا حرج في
ذلك ما دامت المصلحة تقتضيه على أن يتم ذلك بأيدي
الأمناء ذوي الخبرة في شؤون الأموال والله أعلم.
عندما يبنى مسجد يقال للناس من أراد أن يتبرع أو أن يوقف شيئاً من ماله لأجل نفع هذا المسجد فعليه أن يفعل، فقام أحدهم وأتى مثلاً بألف طابوقة
واستخدم منها مثلاً خمسمائة وبقي العدد الباقي، فكيف يتصرف به؟
هي
ملك للمسجد فتباع لمصلحته فإن كان المسجد بحاجة إلى عمارة فليعمر بها، وإن لم يكن بحاجة إلى عمارة فمن الممكن أن يدخل المبلغ
في شراء أصل يكون وقفاً للمسجد ويعود ريعه عليه والله أعلم. (4/281)
صفحة 1864
282
الفاوي
إتلاف أموال المسجد:
شب حريق في نخيل تابعة للمساجد تسبب فيها عامل أجنبي استأجره مواطن لإزالة المخلفات الناتجة عن الشراطة وغيرها، وقد حرقت أمواله وأموال المسجد، فوجد خمس عشرة نخلة للمساجد طالها الحريق بالكامل، وبسؤال المواطن للعامل هل قمت بإخماد الحريق فأجابه فاعتمد على كلامه دون أن يراجعها بنفسه، ولكن بعد ذلك هبت ريح اشتعلت على إثره النار في بعض الحشائش الجافة وحدث ما لم يتوقع، فمن الضامن لها في هذه الحالة؟ وهل على المواطن من ضمان وإن كان فقيراً؟
بنعم،
ضماناً،
بناءً على ما اطلعت عليه من قبل لا أرى أن على ذلك المواطن لأنه لم يكن السبب في الحريق وإنما هو من فعل غيره، وذلك الغير بالغ عاقل، فالضمان يتعلق بالمتسبب دون صاحب العمل والله أعلم.
تقدم إلينا شخص برسالة ذكر فيها بأنه يوجد بساحة المسجد عندهم نخلة عالية لا تدر أي مصلحة للمسجد، وهذه النخلة ضارة بالمسجد خاصة عند هبوب الرياح تشكل خطراً على بناء المسجد، وكذلك خط الكهرباء الخاص بالمسجد، فهل يجوز إزالة هذه النخلة لتفادي الضرر الذي سوف يلحق بالمسجد من جانب النخلة؟
بما أن إزالتها ضرورية فإزالتها واجبة دفعاً للضرر والله أعلم.
ما قول سماحتكم في رجل بنى مسجداً وبنى أيضاً لهذا المسجد دكاناً بجنبه ثم أجر الدكان بثلاثين ريالاً عُمانياً، ومن هذا المبلغ ما يصرفه لصالح المسجد كإصلاح المصابيح وغيرها وما بقي من المبلغ يأخذه (4/282)
صفحة 1865
المساجد
283
له، فهل ترون عليه شيئاً في دينه إذ هو القائم بشؤون المسجد من أذان
وتنظيف؟
بما أنه جعل الدكان وقفاً للمسجد فقد أخرجه من ملكيته إلى ملكية المسجد، فليس له أن يأخذ من إيجاره شيئاً والله أعلم.
هل يحق لأهل البلد أن يتصرفوا تصرف المالك في أرض بئر زراعية ومعهودة من قبل بالزراعة، والأرض خاصة لمساجد الله ومن بينهن جامع المسلمين على أن يوزعوا تلك الأرض سكناً لهم للتوسع مع العلم أنهم يسكنون بيوتاً غيرها من قبل ولديهم أملاك من نخيل وأراض، واتفق أمرهم على أن يجعلوا على كل بيت في أرض المساجد ريالين أو ثلاثة ريالات سنوية ومنهم من مُلك قسطه من الأرض شريطة أن يعوض المساجد نخلة أو نخلتين ولو قعدت الأرض للزراعة ربما المصلحة من ذلك، فهل يصح شرعاً السكوت عن عرفهم حيث إنهم لم يناظروا علماء المسلمين لإبداء رأيهم عن هتك محارم الله؟
أكثر
ورد وروج
إن التصرف في أوقاف المسلمين بمثل هذه الحالة لا يصح لحرمة تبديلها فإن الله الله يقول في الوصية فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 181] والوقف داخل في حكم الوصية، اللهم إلا إذا نظر في ذلك أهل الصلاح والخبرة مصلحة للوقف، وذلك بتوفر دخله فلا مانع من مثل هذا التصرف، شريطة أن يتم ذلك على رأي أهل المعرفة بالمصالح في الأموال المبرئين من الميل والهوى والله أعلم.
توجد في بلدتنا أرض تخص مسجداً بجواره غير بعيدة عنه، فأراد وكيل المسجد والبلدية إقامة ملاهي وألعاب للأطفال مما يؤدي إلى اجتماع السفهاء الذين لا خير فيهم والذين يقومون بإزعاج المصلين وإزعاج (4/283)
صفحة 1866
284
الفتاوى
أهل الطرق، وإذا أقيم هذا الملهى فإن أرض وقف المسجد ستذهب، فهل ترى هذا العمل يصح؟ وإذا جاز فكيف؟ وهل يصح لنا نحن الأهالي السكوت على ذلك؟
ليس ذلك للوكيل وإنما عليه أن يستغل الأرض لصالح المسجد
والله أعلم.
صرف أموال المسجد في غير مصالحه:
بناءً على الفتوى التي صدرت منكم في المسجد القديم بولايتنا بأنه لا مانع من تحويله إلى مدرسة للقرآن الكريم - لأجل الضرورة التي بينت في السؤال - مع مراعاة حرمات المسجد فيه، بحيث يكون حكمه حكم المسجد، فالآن قد بني عنه مسجد آخر بجانبه، والسؤال عن مال
المسجد القديم هل يجوز تحويله لإصلاح المسجد الجديد أم لا؟
بما أن المسجد السابق عطل فلا مانع من صرف غلة ماله إلى المسجد الجديد هذا إن كان بناء المسجد الجديد أمراً ضرورياً، وذلك بأن يكون المسجد السابق لم يتسع للمصلين وتعذرت توسعته لأجل ضيق أرضه ولم يمكن أن تضاف إلى أرضه أرض مجاورة له، وأما إن كان الأمر بخلاف ذلك فإن إحداث المسجد الجديد بجوار القديم منكر تجب إزالته والله أعلم.
ما قولكم في مال موقوف لبناء مساجد ويوجد فيه بقية نخل، فأراد العاملون في مال الوقف المذكور بناء مصلى للعيدين فيه بالإسمنت
ذلك؟ فهل يصح
لا يجوز التصرف في الوقف بخلاف ما تقتضيه الوقفية، وإيجاد بناء في (4/284)
صفحة 1867
المساجد
285
وسط الأرض الموقوفة مما يمنع الانتفاع بها في مصلحة الوقف، لذلك نرى أن ترك ذلك أسلم والله أعلم.
مال موقوف لمسجد، وله سقي على أحد أهالي المنطقة من ماء الفلج
عاماً
ودورانه المعتاد كل عشرة أيام، هذا الوقف مهجور أكثر من ثلاثين ولا توجد به أي زراعة أو نخيل عبارة عن أرض فضاء) وكل الأموال التي حوله على وشك الانقراض، فمن الذي عليه الشرب، وهل يصح له شراء مقدار هذا الشرب حسب معرفة أهل الخبرة في شؤون الأموال وتبقى الأرض للوقف؟
يجب أن تكون للمسجد قعادة هذا السقي على من ينتفع به بحسب دورانه المعتاد، ولا يجوز استغلال ذلك من غير عوض، فإنه ظلم للوقف والموقوف له والله أعلم.
تقدم أهالي بلدة ما بطلب الموافقة لهم على بناء دورات مياه لمسجد الدك، والذي يعاد بناؤه على نفقة أحد المواطنين في مال مسجد الحمامين وذلك لعدم وجود موقع مناسب لإقامة هذه الدورات عليه نرجو التكرم من سماحتكم بإبداء رأيكم الشرعي حوله ليتسنى لنا عمل اللازم بشؤونه وفق فتوى سماحتكم؟
نرى من باب الحوطة أن يعوض المسجد الذي له هذه الأرض بقدر
قيمتها والله أعلم.
نفيدكم
علماً بأنه يوجد مسجد كبير بسوق الولاية وعليه جماعة كثيرون من أهل البلدة والوافدين للسوق، ويوجد به دورات مياه مغلقة وذلك بسبب وجود بئر قريبة من المسجد وقد تأثرت هذه البئر بالصرف (4/285)
صفحة 1868
286 الفتاوى
الصحي، وبقي المسجد بدون دورات مياه سوي محلات للوضوء فقط ولا توجد به سعة لإقامة دورات مياه مع الصرف الصحي، وقد خاطبنا إدارة الأوقاف بالمنطقة الداخلية ولم نجد حلاً لهذا الموضوع، وتوجد أرض قريبة من هذا المسجد وهي تخص مسجد آخر، فهل يجوز أن نأخذ هذه الأرض؟
لا مانع من استغلال هذه الأرض بإقامة دورات مياه فيها للمسجد المجاور لها على أن يعوض المسجد المالك لها بالبديل الأنفع على رأي الأمناء ذوي الخبرة فى شؤون الأموال والله أعلم.
مسجد بني على نفقة الأهالي ويتبع له دكان مؤجر بإيجار شهري وقدره ثلاثون ريالاً، وليس له دخل آخر مع العلم بأنه يوجد للمسجد عامل يقوم بنظافته مقابل راتب شهري وقدره خمسون ريالاً، فهل يجوز التصرف بالمبلغ المتحصل من إيجار الدكان وصرفه للعامل كراتب شهري أم يبقى هذا المبلغ ادخاراً لحاجات المسجد الضرورية وراتب العامل يصرف من حساب تبرعات الأهالي؟ وهل يلزم وجود عامل
بالمسجد؟
إن كان الدكان موقوفاً لعمارة المسجد فلا يجوز صرف دخله لغير ذلك
كأجرة للعامل، لأن ذلك خارج عن العمارة الموقوف لها والله أعلم.
رجل قام بحفر بئر على نفقته الخاصة لصالح المسجد، فهل له الاستفادة منها باستعمالها لسقي مزرعته المجاورة للبئر مع تعهده باستمرارية تزويد المسجد بالماء وبدون دفع إيجار للمسجد؟
إن كان حفرها للمسجد فليس له الانتفاع بها إلا إن كان يعوض المسجد قدر انتفاعه والله أعلم. (4/286)
صفحة 1869
المساجد
287
مسجد يملك مالاً أخضر، وهذا المسجد داثر وبجانبه مسجد بحالة جيدة والناس تصلي فيه، هل يجوز الأخذ من مال هذا المسجد المندثر لصيانة
المسجد المجاور له؟
لا مانع من ذلك مع بقاء الأصل للمسجد الأول فلعله يعود يوماً إلى أداء دوره بعد عمارته والله أعلم.
هل يصح بناء دورات مياه لمسجد على قطعة أرض موقوفة لصالح ثلاثة مساجد بالبلدة نفسها وعلى نفقتهم الخاصة؟
أرى أن يعوض الوقف عن هذه الأرض التي تقام عليها دورات المياه؛ ذلك لأن وقفيتها ليست لهذا الأمر وإنما تراعى حالة الضرورة والله أعلم.
عن محلة موقوفة، وقد بنى بها أحد المحسنين دكاناً وجعله وقفاً للمسجد، هل يجوز تغيير هذا الدكان إلى مجلس تابع للمسجد؟ إن كانت الأرض موقوفة للمسجد وبنى عليها دكان وكان لمصلحته فلا يجوز تغييره إلى مجلس والله أعلم.
يوجد لدينا مسجد في القرية التي نسكنها والأهالي قديماً كانوا يقطنون في بيوت مبنية بالطين، وهذا المسجد موجود من ضمن هذه البيوت، ثم انتقل أهل القرية إلى الجانب الآخر فبقي هذا المسجد من ضمن البيوت التي انهارت، ولم يوجد أحد يصلي فيه وليس يوجد بقربه ماء والمسجد يوجد لديه، غلة، فهل من الممكن نقل هذه الغلة إلى المسجد الآخر والذي تقام فيه الصلوات الخمس جماعة من الأهالي، وهذا المسجد يحتاج إلى إصلاحات مثل الصيانة والأصباغ ولم توجد له دراهم تكفي لإصلاح المسجد، والمسجد الذي انهار (4/287)
صفحة 1870
288
الفتاوى
لو جمعت غلته لعدة سنوات قادمة لا تكفي لإصلاحه وهو بعيد عن
الأهالي؟
نعم تنقل الغلة مع إبقاء الأصل الموقوف له لعله يعمر في يوم ما
والله أعلم. تقوم الجهات المسؤولة برصف طريق، فهل تجوز إزالة جزء من سور المسجد الذي تأثر بمسار الشارع العام الذي يرصف حالياً في تلك المنطقة؟ إن تعذر تفادي ذلك فعلى الجهة التي تقوم بهذا المشروع أن تصلح
سور المسجد وأن تعوضه أرضاً أخرى تكون أجدى له والله أعلم.
مواطن سحب مياه لسقي مزروعاته من بئر مسجد، فهل يسوغ ذلك؟ يجب أن تراعى مصلحة المسجد، فإن كانت مصلحة المسجد متعينة في ذلك، بحيث كان يعوض عن ذلك الماء ما هـ هو منفعة ظاهرة له وكان ذلك برأي الصلحاء أهل النظر فلا مانع منه والله أعلم.
امرأة مطلقة وفقيرة معيلة لأولاد صغار السن وتجد مشقة كبيرة أثناء بحثها عن سيارات نقل المياه وتريد أن تنتفع بمياه الشرب من البئر التابع للمسجد
الواقع على الشارع العام بالقرب من منزلها، فهل ترون جواز ذلك لها؟ إن كانت تنتفع بما يفضل من الماء عن حاجة المسجد فلا مانع من ذلك والله أعلم.
هل يجوز قطع جزء من المسجد لفتح شارع فرعي بين المسجد والبيت المجاور له حيث إنه كان فيه سابقاً ممر للناس ولكن لا يسع مرور سيارة، وبعد توسعته سوف يتسع لسيارة كبيرة تحمل المياه، وفي (4/288)
صفحة 1871
المساجد
289
الحقيقة هي تشوش على المصلين في وقت الصلاة عند تشغيلها، فهل يجوز فتح طريق لهذه السيارة أم لا؟
أما
إخراج جانب من المسجد عنه من أجل إدخاله في الطريق فذلك غير جائز، لأن للمسجد حرماته إلى يوم القيامة وإن كان ذلك الجزء غير داخل في المسجد وإنما هو من ممتلكاته ولا تترتب مضرة على إدخاله في الطريق
فلا مانع من ذلك، شريطة تعويض المسجد بما هو أصلح له والله أعلم.
يوجد مسجد بمنطقتنا وقد تم هدمه وبني مبنى جديد (غير مسجد)، وتوجد للمسجد المذكور بعض النخيل، وقد تقدم بعض المواطنين بطلب تخصيص هذه النخيل لمسجد قرية مجاورة بدلاً من المسجد الذي تم هدمه، فما قول سماحتكم في ذلك؟
إن كان هنالك أمل بأن يبنى مسجد عوضاً عن المسجد الذي هدم فينبغي أن تخصص هذه الأموال للمسجد المبنى، وإلا فتصرف الغلة إلى مسجد آخر من المساجد المحتاجة إلى النفقة من جهة أخرى لعدم وجود وقف لها والله أعلم.
المسجد الشرقي ببلادنا تهدمت أسقفه وبعض من جدرانه وأصبح غير صالح لإقامة الشعائر الدينية فيه وله أراض مر الشارع المرصوف في جزء منها وعوض مبلغاً يزيد على أحد عشر ألف ريال عماني، وقد بني على أرض هذا المسجد أو جزء منها مسجد جديد منذ سنوات ويريد الآن بعض الناس أن يصرفوا المبلغ المعوض للمسجد الأصلي
أن
في توسعة المسجد الجديد كونه قرب الشارع وبجوار منازلهم مع معظم أهل البلد يقطنون الحارة الشرقية ويلحون على ترميم وإعادة
بناء المسجد الشرقي لأن له أموالاً وما يزيد من مصاريف التعمير هم (4/289)
صفحة 1872
290
الفتاوى
على استعداد للتبرع له كونه في وسط الحارة علماً بأن المسجد الجديد ليس له أي أرض بل أقيم على أرض المسجد المعوض، هل يجوز أن يبقى المسجد صاحب المال دائراً وثلثا أهل المنطقة يطالبون باعماره لحاجتهم إلى إقامة الشعائر الدينية فيه وتعطى أمواله إلى مسجد آخر يوسع بها وأن المنازل الواقعة في ناحية ذلك المسجد هي أقل من ثلث
المنازل؟
لا يجوز صرف هذا المبلغ إلى مسجد آخر وترك المسجد الموقوف له داثراً، لأن المال مخصوص بهذا المسجد فكيف ينقل عنه إلى غيره مع حاجته إليه وحاجة الناس إلى هذا المسجد نفسه لإقامة الصلاة فيه والله أعلم.
كذلك
بين
هذا
ما تقول في مسجد له طريق واحدة وهي من أمام المسجد، وهي صعبة وهناك جلبة نخل لمسجد ثانٍ، فهل يجوز أن يشق طريق خلال هذه الجلبة للمسجد المذكور، علماً بأن هذه الجلبة حائلة المسجد والطريق العمومي، والقصد من ذلك هو الصلاح والإصلاح، فما هو الحكم الشرعي في ذلك؟ لا يجوز استحداث طريق في وقف مسجد، لأن ذلك مضر بالوقف ومناف لأحكام الوقفية والله أعلم.
ما قولكم في وقف خيري للمساجد، فهل يجوز أن يبدل من فعل خير إلى وقف ذرية، والمساجد خاربة والغلة يأكلها رجل مفسد غير مصلح؟
لا يجوز تبديل الوقف عما وقف له، لقوله تعالى في الوصايا: {فَمَنْ بَدَلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ، فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 181)، وحكم الوقف كحكم الوصايا والله أعلم. (4/290)
صفحة 1873
المساجد
291
لقد تقدم أهالي بعض المناطق بطلب الموافقة على تخصيص أحد المحلين التجاريين التابعين لوقف مسجدهم مدرسة لتعليم القرآن الكريم، فهل يجوز ذلك؟
إن كان المحل عاطلاً بحيث لم يوجد من يستأجره فلا مانع من استخدامه لهذه المصلحة مؤقتاً إلى أن يتهيأ الظرف المناسب لخلاف ذلك
والله أعلم.
صرف الفاضل من غلة مال المسجد:
ما قولكم في رجل بنى محلات تجارية للجامع لكونه هو الذي بناه سابقاً، وذلك لقصد عماره وتعميره فهل يصح لي أن أنفق ما فضل
عن حاجة هذا المسجد الجامع من مصالحه لطلبة العلم فيه وتشجيعهم لطلب العلم وتقريبهم إليه للدراسة أم لا ذلك؟
نعم
يصح
ذلك جائز لك بل هو من القربات إلى الله لما فيه من نشر المعارف، وقد أفتى علماؤنا - رحمهم الله - بجواز إنفاق فضلات أموال المساجد في المنافع التي تتفق عليها الجماعة، ونشر العلم في مقدمة المنافع التي ينبغي الحرص عليها وإنفاق المال في سبيلها فامض في ذلك والله أعلم.
وقف دخله السنوي يتراوح ما بين أربعمائة إلى خمسمائة ريال عماني يصرف بكامله إلى خطيب الجمعة فقط، فهل يجوز ذلك أم لا؟ علماً بأن مصاريف الوقف يتحملها المستأجر، والمسجد حالياً ليس في حاجة إلى هذا المبلغ، وما الحكم لو كان الوقف مطلقاً لا يختص بمسجد معين؟»
إن كان المسجد في غنى عن ذلك واتفق أصحاب المسجد على أن (4/291)
صفحة 1874
292
الفتاوى
يعان بهذا المبلغ خطيب الجمعة إلى أن يجدوا مخرجاً فلا حرج في ذلك
والله أعلم.
مواطن تقدم بطلب مساعدة شهرية نظير قيامه بإمامة المصلين بمسجد قامت الوزارة بإعادة بنائه وقد تمت مخاطبة جهات الاختصاص بالوزارة لتوفير المساعدة إلا أن الرد جاء بالاعتذار، وقد اقترح بعضهم تعيين المذكور على مساعدة مقدارها ثلاثون ريالاً عُمانياً شهرياً من دخل جامع السوق الذي يوجد به إمام وعامل نظافة معينين على درجة مالية، فهل ترون جواز ذلك؟
إن كان ذلك من فضل غلة أوقاف المسجد المذكور الزائد على حاجة المسجد الموقوف له فلا حرج على نظر أهل الرأي هنالك والله أعلم.
توجد مساجد لها أموال ومساجد ليس لها أموال، فهل يجوز صيانة أو نظافة المساجد التي ليس لها أموال من دخل المساجد التي لها أموال؟ لا مانع من ذلك إن كانت الصيانة والنظافة من الفاضل عن حاجة تلك المساجد التي لها هذه الأموال والله أعلم.
هل يلزم وكيل المسجد أن يشتري مكيفاً للجماعة من عنده أو من وقف
المسجد؟
إن كان في غلة الموقوف للمسجد فضلة وأرادت الجماعة منها مكيفاً للتبريد فعلى الوكيل أن يشتري لهم منها، وأما أن يشتريه من ماله فلا يجب ذلك عليه إلا إن تبرع والله أعلم. (4/292)
صفحة 1875
المساجد
293
هل يجوز شرعاً الصرف على تكاليف حفر القبور وتجهيز الموتى من المبالغ الفائضة التابعة للمساجد إن تعذر وجود مبلغ لذلك؟ إن كان ذلك المبلغ فائضاً عن حاجة المسجد واتفق رأي جماعة المسجد على صرفه في هذا السبيل فلا مانع منه والله أعلم.
نفيد سماحتكم بأن وكيل أحد الجوامع عقد اتفاقية بينه وبين المقاول للقيام بهدم وإعادة بناء مسجد من دخل المسجد، حيث بلغت قيمة الاتفاقية سبعة عشر ألف ريال عُماني، وقد استلم المقاول المذكور حتى الآن مبلغاً وقدره عشرة آلاف ومائة ريال عُماني، وتبلغ أموال المسجد الحالي ألفين وخمسمائة ريال عُماني، ولا زال المقاول يطلب سداد ما تبقى له من مبالغ، علماً بأن المشروع شارف على الانتهاء، يرجى التكرم من سماحتكم بإفادتنا بالرأي الشرعي الشريف في إمكانية صرف المبلغ من الدخل العام للمساجد والموجود بالدائرة؟
يجوز الصرف من فضلات الأوقاف بشرط أن يكون زائداً عن حاجة الجهة الموقوف لها، وكون الجهة المصروف لها لا تختلف عن الجهة الموقوف لها والله أعلم.
مال موقوف لمسجد بإحدى القرى، وهناك صك بخط الشيخ العلامة ماجد بن خميس بتفويض جماعة المسجد في إنفاق الفاضل من الغلة في إصلاحه وعمارته وضيافة النازل بتلك البلدة، فهل يجوز الجماعة المسجد صرف الفاضل من الغلة في إصلاح فلج البلدة المذكورة؟ مقتضى الصك الذي كتبه شيخنا الماجد العالى أن الفاضل من غلة المال الموقوف عن إصلاحه وعمارته وضيافة النازل بتلك البلدة يصرف في أبواب (4/293)
صفحة 1876
294
الفاوي
البر التي يراها جماعة المسجد، وهذا يدل على تفويضهم في نظر المصلحة التي يُنفذ فيها ما فضل من غلة المال، وعليه فلا أجد مانعاً من إنفاق هذا الفاضل في مصلحة الفلج إن اتفق على ذلك جماعة المسجد والله أعلم.
البناء على أرض المسجد:
تقدم رجل بطلب عمل مظلة لسيارته على أرض موقوفة لمسجد، هل
يجوز ذلك؟
يجب أن يحافظ على أراضي المساجد كما يحافظ على أموال اليتامى أو أكثر، فقد يبلغ اليتيم ويتسامح في حقه ولكن أنى للمسجد أن ينزل أحد عن حقه؟ فلا مجال لمثل هذا الطلب والله أعلم.
يوجد ببلدتنا مسجد أسس منذ ما يربو على مائة وعشرين سنة، ولهذا المسجد - بجانبه - أموال وقف له نخيل قائمة وبجانب هذه الأموال أرض فضاء لا زرع فيها ولا ماء ولقد أقام - على جزء منها ـ آباؤنا سبلة صغيرة منذ ثلاثين عاماً كانت مركز اجتماعهم ومكان لقائهم واستقبال ضيوفهم، ونظراً لحاجة هذه السبلة للصيانة ولكونها صغيرة لا تتماشى والكثافة السكانية الحالية والتي هي أضعاف مضاعفة عما كانت عليه وقت بناء هذه السبلة، لجأ القاطنون إلى استخدام المسجد لإقامة ولائم الأفراح والعزاء، عليه وتنزيهاً لبيوت الله عن الحديث فيها واللغو وإعظاماً لها نويت بناء سبلة عامة كبيرة مكان هذه السبلة القائمة بحيث تتمدد هذه السبلة المزمع إقامتها على تلكم الأرض الخالية والتابعة لوقف المسجد، فهل يجوز لي ذلك؟ حالة وفي عدم الجواز هل (4/294)
صفحة 1877
المساجد
295
يمكن تعويض المسجد نقداً عن قيمة هذه الأرض؟ ومن له حق تقييم
هذه الأرض، هل هو الوكيل الشرعي لأموال المسجد أم جهة أخرى؟ لا بد في هذه الحالة من تعويض المسجد أرضاً أخرى أو عقاراً آخر أنفع له وأجدى من هذه الأرض، لأن المسجد كاليتيم، وقد قال تعالى: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَى قُلْ إِصْلَاحُ لَهُمْ خَيْرٌ} [البقرة: (220] على أن يتم ذلك على رأي الأمناء ذوي الخبرة في مصالح الأموال وشؤونها بجانب وكيل المسجد والله أعلم.
هل يجوز بناء مجلس عام على جزء من الأرض التابعة للمسجد ليقلل التجمعات البشرية؟
إن كان المجلس لمصلحة المسجد فلا مانع من ذلك وإلا فلا بد من تعويض
المسجد بأرض أخرى لا تقل عن هذه الأرض جدوى ولا قيمة والله أعلم.
تقدم بعض المواطنين بطلب الموافقة على بناء مجلس عام على أرض تخص المسجد بالمنطقة، وذلك لغرض عقد اجتماعات فيه أيام مناسبات العزاء والأفراح وغيرها من المناسبات، فهل تصح موافقتهم على ذلك؟
لا مانع من ذلك إن كانوا سيعوضون المسجد أرضاً أخرى هي أوفر قيمة وأكثر دخلاً والله أعلم.
هل يجوز توسعة مسجد على أرض يوجد بها نخيل وهي وقف لذلك المسجد على أن يتم قطع بعض من تلك النخيل علماً بأن أهالي البلدة سوف يتكلفون بمبلغ التوسعة على نفقتهم الخاصة لكون المسجد ليس له مبلغ من المال؟
توسعة المسجد في أرضه لا مانع منها، ولكن ينبغي ـ احتياطاً ـ تعويض وقفه عن نخيله التي تقطع والله أعلم. (4/295)
صفحة 1878
296
الفاوي
يوجد في بلدنا مسجد قديم متهالك، والآن نريد أن نهدمه ونعيد تعميره بالإسمنت، ويحتاج كذلك إلى توسعة وتوجد هناك نخلة صغيرة تابعة لمال الهجور وتطل على حافة جدار المسجد، فهل يجوز لنا إزالتها أم نقوم بالتعويض عنها من مال المسجد؟
أرى أن تعوض نخلة الهجور بغيرها مما لا يقل عنها قيمةً ولا غلةً والله أعلم.
امرأة وقفت أرضاً لبناء مسجد جديد عليها، إلا أن تلك الأرض غير صالحة فهل لها استرجاعها؟ علماً بأن قطعة الأرض تم تحويلها إلى مسجد والمواطنة ترغب في استرجاعها، فنرجو إبداء الرأي الشرعي حول إمكانية إعادة قطعة الأرض إليها بعدما وقفتها لبناء المسجد ولم يتم بناؤه بسبب عدم توفر الشروط الواجب توافرها في ذلك، وللعلم
فإن المذكورة قامت ببناء مسجد آخر في نفس الولاية بدلاً منه؟ بما أن هذه الأرض وقفتها الواقفة لبناء مسجد وقد تعذر بناء المسجد على تلك الأرض وقامت ببنائه على أرض أخرى أرى أن تعاد إليها
والله أعلم. (4/296)
صفحة 1879
وقف عمار المسجد:
المساجد
297
هناك مبالغ وقف لجماعة المسجد، فهل يجوز صرفها لإعمار المسجد مع رضاهم بذلك؟
بما أن الجماعة اتفقت كلمتهم على ذلك، فلا مانع منه والله أعلم.
توجد فضلة في وقف عمار المسجد، فهل يجوز الأخذ من تلك الفضلة لصرفها للفطرة خلال شهر رمضان المبارك، وذلك لعدم وجود وقف خاص بالفطرة؟
لا مانع من صرف الفاضل من غلة وقف العمار في تفطير الصائمين في المسجد الموقوف له مع رضى الجماعة بذلك والله أعلم.
رجل أوصى بمبلغ لجماعة المسجد، والجماعة كثيرون وربما يصل عددهم إلى سبعين مصل والمقيمون للصلوات الخمس عشرة أو أقل، فكيف يكون توزيع هذا المبلغ؟ وإذا أنفق هذا المبلغ في إصلاح المسجد برضى الجماعة فهل يجوز ذلك؟ علماً بأن المسجد يحتاج إلى إصلاح وليس له دخل؟
إن رضي بذلك الموصى لهم جميعاً فلا حرج، والأصل أنه لجماعة المسجد الملازمين للصلوات الخمس فيه إلا في حالات الضرورة والله أعلم. (4/297)
صفحة 1880
[صفحة فارغة] (4/298)
صفحة 1881
مدار مدارس القرآن (4/299)
صفحة 1882
الفاوي (4/300)
صفحة 1883
بناء مدارس القرآن
مدارس القرآن
301
مسجد بحاجة إلى إعادة بناء، ولهذا المسجد عدد من الأموال الدائرة، وكذلك عدد من الأموال التي لا زالت تدر غلة، وبما أن إعادة بناء المسجد تحتاج إلى مبلغ يقدر بأربعين ألف ريال فإن بيع تلك الأموال الدائرة للمسجد لا تفي بالغرض، فهل يمكن تجاوز البيع إلى الأموال الأخرى لتكملة باقي المبلغ؟، كما أنه سيتم بناء مدرسة لتدريس القرآن الكريم تحت المسجد، فهل يجوز بناؤها من نفس تكلفة بناء المسجد
المذكور؟
إن اقتضت الضرورة إعادة بنائه وتعذر ذلك إلا ببيع شيء من ماله فلا حرج من البيع ولو كان المبيع غير دائر، على أن يقدر ذلك بقدر الحاجة، وعلى أن يتم تحت إشراف الأمناء ذوي الخبرة في شؤون الأموال، أما المدرسة فلا يجوز بناؤها من مال المسجد، اللهم إلا إن كانت للمسجد غلله فائضة عن حاجته فإنها تصرف في المصالح التي تتفق
فضلات من
عليها جماعة المسجد ومنها بناء المدرسة والله أعلم.
يوجد بيت وقف بالبلدة، وهو الآن غير مسكون وصار متهدماً، ولقد اتفق أهالي البلدة على إقامة مدرسة لتعليم القرآن الكريم مكان البيت المذكور فما قول سماحتكم؟ إن كان وقفاً لتعليم القرآن واقتضت المصلحة ذلك فلا حرج والله أعلم. ما قولكم في التعويض الذي دفعته الحكومة لرجل يدعي أنه من ذرية الشيخ راشد بن محمد القاسمي مؤسس المدرسة الدينية التي كان شيخها الشيخ حبيب بن يوسف ثم خليفته الشيخ عبد الله بن
محمد، (4/301)
صفحة 1884
302 الفتاوى
يريد أن يبيع
فقد تسلم الرجل المذكور التعويض على أن يبني به المدرسة التي تسلم التعويض عنها، ولكنه صرفه في مصالحه الخاصة؟ ثم ما قولكم في الأوقاف التي وقفها أهل الخير على تلك المدرسة وها هو الرجل تلك الأوقاف بتلك الحجة المذكورة، فهل يجوز له ذلك بغير وكالة شرعية من الجهة المختصة؟ وهل يجوز لصلحاء المسلمين أن يقوموا بمنعه من ذلك؟ وكذلك هل يجوز أن يحول وقف المدرسة الذي هو بمجز الكبرى مع عدم وجود مدرسة دينية إلى مسجد جامع مجز الصغرى التام المسجدية دون جامع مجز الكبرى الذي هو غير التام المسجدية، لعدم وجود شرط المحققون من علماء الشافعية؟
التعويض ليس ملكاً للوارث، وإنما هو حق للمدرسة، فيجب صرف المبالغ التي خصصت لأن تكون عوضاً عن المدرسة في إنشاء مدرسة أخرى تكون بمثابة سابقتها، وما كان من وقف للمدرسة السابقة يرد إلى هذه المدرسة البديلة عنها، ولا يجوز بيع شيء من هذا الوقف، ومن اجترأ على البيع منع، ويجب على صلحاء المسلمين منعه من ذلك، لأنه مما يدخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومع عدم قيام المدرسة البديل فلا مانع
من صرف ريع هذا الوقف على مسجد تقام فيه حلقات العلم والله أعلم. (4/302)
صفحة 1885
مدارس القرآن
303
بيع وتأجير أموال مدارس القرآن:
نفيدكم بأنه توجد غرفة صغيرة مساحتها تقدر بحوالي عشرين متراً مخصصة لتدريس القرآن الكريم، والغرفة المذكورة مهجورة منذ فترة، وغير مؤهلة لتدريس القرآن فيها حيث إنها بحاجة لصيانة ولا يوجد بها مرافق خدمية مثل دورة مياه وبناءً عليه تقدم أحد مواطني الولاية بطلب تثميرها
والمبلغ العائد من ذلك سوف يخصص للمدرسة، فهل يجوز ذلك؟ إن كانت توجد مدرسة للقرآن بديلة منها فلا حرج في أن يكون هذا الاستثمار لصالح المدرسة والله أعلم.
عابية
نود إفادة سماحتكم إلى أنه وردت إلينا رسالة يطلب أهلها بيع لمدرسة القرآن الكريم بمنطقة السياح، وذلك من أجل إعادة بناء المدرسة المندثرة، فهل يجوز ذلك؟
لا مانع من ذلك إن كان بناء المدرسة ضرورياً وتوقف بناؤها على بيع هذه العابية، على أن يكون ذلك على أيدي الأمناء والله أعلم.
توجد أرض بيضاء بوسط مال، أخضر، هذه الأرض جعلت لمدرسة من زمن طويل جعلها أجداد صاحب الأموال المحيطة بها، حيث إن هذه الأرض مرتبطة بالأموال الثلاثة المحيطة بها مباشرة والتي لا يوجد بينها حاجز. وكما تعلم أن هذه الأرض لا تصلح للمدارس الحديثة، لأنها تتطلب مساحة أكبر من هذه الأرض، بينما هذه الأرض مساحتها لا تزيد عن فدان واحد فقط، وأيضاً من ناحية أخرى لا تصلح لإقامة المدرسة بها لوجودها وسط المزارع، فما رأي سماحتكم في هذه الأرض؟ الأصل أن تكون هذه الأرض لمدرسة يعلم فيها القرآن الكريم، لأنها (4/303)
صفحة 1886
304 الفتاوى
المعروفة باسم المدرسة حسب العرف المشهور بين الناس سابقاً، فلا يصح استغلالها لصالح مدرسة أخرى، وإنما يجب أن تكون منفعتها لما وقفت له، فإن تعذر نفعها فلا حرج في بيعها على أن يستعاض بثمنها ما هو أجدى نفعاً، كعقار يؤجر شريطة أن يتم ذلك تحت إشراف أهل الخبرة في مصالح الأموال، ومن ذوي الأمانة عند المسلمين والله أعلم.
مال عبارة عن أرض وبها نخيل موقوفة لمدرسة منذ خمسين عاماً أو أكثر، ولم تستفد منه المدرسة، حيث إنه ينادى على غلته كل سنة ولا يأتي إلا بمبلغ خمسة عشر ريالاً عُمانياً أو أقل منه، وهذا المبلغ لا يكفي حتى للنبات والشراط، والحدار، علماً بأن هذا المال فيه مضخة مياه وتحتاج إلى وقود وزيت وغيره، فأصبح هذا المال عليه ديون، عن أن تستفيد منه المدرسة، ولا تنمو فيه الأشجار لملوحة الماء فيه، فهل يجوز شرعاً للوكيل بيع هذا المال وشراء بيت أو دكان بثمنه وتأجير هذا المحل التجاري؟
فضلاً
لا مانع من بيعه بموافقة قاضي البلد ونظر أهل الصلاح والخبرة بالأموال في مصلحة الوقف والله أعلم.
ما حكم بيع قطعة أرض تخص الوقف الخاص بمدرسة لتعليم القرآن الكريم، وذلك لعدم استغلال هذه الأرض وعدم وجود مردود مفيد لهذه المدرسة من هذه الأرض، والغرض من بيعها بناء مدرسة جديدة لتعليم القرآن الكريم بجوار المدرسة القديمة المندثرة، ولأنَّ المدرسة القديمة غير واسعة وليست مصونة البنيان لمرور الزمن عليها، ولمزيد البيان فإن هذه الأرض أصبحت منزوعة الحرمة من قبل العابثين الذين يرمون مخلفات أموالهم بالأموال الموقوفة، كما توجد عابية بها نخل قائمة (4/304)
صفحة 1887
مدارس القرآن
305
وغلتها لا تفي بمخسور إصلاحها من جميع نواحي الإصلاح، وهي
لا تسقى وليس لها نصيب من الفلج فأردنا إدخالها في البيع؟
إن كانت المدرسة القديمة يتعذر تجديدها فلا حرج في بناء مدرسة بديلة منها ولو كان ذلك بجزء من وقف المدرسة السابقة، لأن بدل الشيء له حكمه، وإن تعذر بناؤها مع الضرورة الملحة إليه إلا ببيع جزء من الوقف جاز بقدر ما تقتضيه الضرورة فقط من غير زيادة لأن الضرورة تقدر بقدرها وحسبما وصفت هذه الأرض في السؤال فإن بيعها من مصلحة الوقف والله أعلم.
تملك أراضي مدارس القرآن
لدينا وقف مكون من مدرسة لتعليم القرآن وملحق بها منزل وأرض زراعية ومياه تسقى بها الأرض الزراعية، ولهذه المدرسة معلم كما أنه يصلي بالناس في المسجد، وذلك مقابل استغلاله للأرض الزراعية وانتفاعه بالسكن في منزل المدرسة وله راتب شهري من وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، فهل يجوز لهذا المعلم أن يمتلك البيت الخاص بالوقف؟ وإذا ملك البيت وقام ببنائه ثم توفي أو تقاعد أو امتنع عن القيام بعمله كمعلم في مدرسة القرآن فمن يدفع له أو لورثته من بعده كي يخليه وينتفع به المدرس الجديد الذي سيحل محله؟ وإذا سمح له بالبناء فقط دون التملك، فمن سيدفع لورثته من بعده ما صرف في البناء؟
البيت الموقوف لا يملك من قبل أي أحد من الناس، بل يظل موقوفاً
كما كان، وإنما لمن يستحق الوقف الانتفاع به دون ملك رقبته والله أعلم. (4/305)
صفحة 1888
306 الفتاوى
شيخ فقيه زاهد وقف مدرسة صغيرة الحجم لتعليم القرآن الكريم ملاصقة للمسجد وقفاً، كما وقف لها بعض النخيل من ماله، والآن صارت المدرسة قديمة، وما عادت تستعمل وتحتاج إلى إصلاح، وغلة النخيل لا تكفي لعمارها وبنائها من جديد، فهل يصح أن تحوّل من مدرسة إلى مكتبة تابعة للمسجد المذكور أعلاه؟
لا مانع من ذلك ما دامت المدرسة عوضت بمدرسة أخرى، والمكتبة مصدر نفع علمي كالمدرسة، فالمنفعة المطلوبة تحصل بها كما تحصل بالمدرسة وإن اختلفت وجوه المنفعة في الحالين والله أعلم.
معلم يدرس القرآن الكريم منذ ثمانية وعشرين عاماً، ويسكن أرضاً تخص المدرسة وهي ملاصقة للمسجد، فهل يجوز إصدار ملكية لهذا المعلم في هذه الأرض، حيث إنه لا يأخذ ثمناً على قيامه بالمسجد ولكن يحصل على شيء من التدريس وهو فقير وذو عائلة؟
إن كانت الأرض ملكاً للمدرسة فلا يجوز إصدار ملكية فيها إلا باسم المدرسة، اللهم إلا أن تعوض عنها المدرسة أرضاً أخرى هي أجدى منها نفعاً وأغلى منها قيمة والله أعلم.
هل يجوز تحويل أرض الوقف المخصصة لمدرسة القرآن الكريم إلى
مصلى للعيدين بناءً على طلب أهالي المنطقة؟
جواز ذلك موقوف على تعويض الوقف ببديل لا يقل عن هذه الأرض قيمة ولا جدوى والله أعلم. (4/306)
صفحة 1889
مدارس القرآن
307
صرف الفاضل من غلة مدارس القرآن:
هل يجوز صرف مكافآت مالية للمواطنين الذين سيكلفون بإمامة المصلين في صلاة التراويح وذلك من دخل أوقاف مدرستي القرآن الكريم، حيث إن الأموال النقدية لهاتين المدرستين كبيرة وغير مستغلة؟ إن كانت الإمامة تتوقف على ذلك، وكان في غلة المدرستين ما يفضل عن حاجتهما فلا حرج في صرف الفاضل عن الحاجة في ذلك على نظر العدول أهل النظر والله الموفق.
وقف نفر من أهالي بلدة بعض الأموال كالأفلاج وغيرها من الأموال التي تخصهم في قريتهم وفي قرى أخرى، وهذا الوقف للمتعلمين، حيث كانت تنفق على متعلمي القرآن في هذه القرية، إلا أنه الآن وبعد افتتاح المدارس العصرية انقطع طلاب دراسة القرآن فكيف يتصرف بهذه الأموال، فهل تنفق في القرى الأخرى على التعليم أو تنفق في تحفيظ القرآن في الفترة الصيفية على المعلمين والطلبة أم أن هناك طريقة أخرى؟، كما أنه توجد قطعة أرض تابعة لهذه الأوقاف لمدرسة القرآن، وحيث إنه لا مدرسة للتدريس فكيف يتصرف بهذه الأرض، علماً بأنها الآن غير مستفاد منها؟
الأولى إنفاق ذلك في تحفيظ القرآن في نفس القرية، أما قطعة الأرض فإن كانت لا تنتج شيئاً فلا مانع من بيعها وابتياع أصل آخر بثمنها لينفق ريعه في تحفيظ القرآن الكريم والله أعلم.
توجد أموال موقوفة لمدرسة، قرآن، ينفق منها على المدرسة وعلى المدرسين والمدرسات الذين يدرسون القرآن فيها في الفترة الصيفية، (4/307)
صفحة 1890
308 الفتاوى
فهل يجوز أن ينفق من أوقاف هذه المدرسة لمدارس أخرى هي بحاجة إلى ذلك؟
يجوز من الفضلات دون أصل الغلة والله أعلم.
يوجد في قرية الجاحس نصف أثر ماء موقوف لمدرسة هاتوه بقرية هاتوه، وقد أمكن الحصول من هذا الوقف على غلة هي عبارة عن مبلغ وقدره تسعون ريالاً عُمانياً، والآن لا توجد مدرسة بالمنطقة، ففي أي مصلحة ينفق هذا المبلغ؟
ينفق في المدرسة التي يدرس فيها أولاد هاتوه، فإن لم تكن بها مدرسة وكان الأولاد يذهبون إلى قرية أخرى للدراسة، فلينفق هذا المبلغ لأقرب مدرسة إلى هاتوه والله أعلم.
في مدرسة للقرآن الكريم لها مال موقوف كان يدفع سابقاً للمدرس الذي يقوم بالتدريس فيها، ثم إن المدرسة بقيت لسنوات بلا مدرس والغلة يقبضها الوكيل، ثم تم تعيين عدة مدرسين الواحد تلو الآخر ويصرف لهم راتب من الوزارة ولم يعطوا غلة هذا الوقف ولم يطالبوهم بها، والآن عين مدرس يتقاضى راتباً شهرياً أيضاً، ترى ما هو مصير
غلل هذه الأموال الماضية والحاضرة؟ وهل يحق للمعلم الأخذ منها؟
إذا كان الراتب الذي تسلمه الوزارة إلى المدرس لا يفي بحاجته المادية فلتدفع إليه غلة هذا الوقف، وإلا أضيف إليه مدرس آخر لتعليم القرآن ودفع له من هذا الوقف والله أعلم. (4/308)
صفحة 1891
الأفلاج (4/309)
صفحة 1892
الفاوي (4/310)
صفحة 1893
الأفلاج
311
المحافظة على أموال الأفلاج (1)
عندنا مزرعة في بلدنا تزرع في أشهر الصيف براً وله سقي من الفلج كل خمسة أيام، وبعد الصيف تزرع ذرة أربعة أشهر وشعيراً أربعة أشهر، وله أيضاً سقي كل خمسة عشر يوماً، ونظراً إلى تعذر هذه الزراعة هل يجوز إبدالها بالقت (2)؟ مع العلم أن سقي القت ليس كسقي البر والذرة بل يحتاج إلى ماء أكثر، وهذا الفلج مشترك وفيه نصيب للأيتام والأوقاف وغيرهم؟
لا مانع من استبدال هذه الزراعة بزراعة القت شريطة تعويض الفلج بقيمة زيادة السقي وعدم الإضرار به وبالشركاء فيه، خصوصاً اليتامى والغياب والأوقاف وكل من لا يملك أمره والله أعلم.
(1) الفلج هو المياه الجوفية المستخرجة والتي تجري في جداول مخصصة لها لري الأشجار
والنخيل، والأفلاج نظام الري في عُمان
(2) القت: هو البرسيم الذي يستعمل
علفاً
للمواشي. (4/311)
صفحة 1894
312
الفتاوى
صيانة الأفلاج والإنفاق عليها:
عن السواقي التي تفرغت من مفرق الصورة ـ أعني بمفرق الصورة مبدأ تفرقها ـ وهي خمس سواقي متفرعة من هذا المفرق، وهذه السواقي الخمس كل واحدة منهن مشتملة على عدة منافذ للفلج لأجل بساتين الناس، وأيضاً تتفرع منهن سواقي، فأراد أرباب الفلج
إصلاح
هذه السواقي الخمس، فهل يكون ثمن الإصلاح من مال
الفلج أم لا؟
الفلج يتحمل تصريج (2) وإصلاح الساقية الأصلية التي هي مجرى الفلج كله، وأما السواقي الفرعية فلا يتحملها الفلج، وإنما يقوم بإصلاحها أربابها، المستفيدون منها والله أعلم.
وكيل فلج قد عمل عادة وهي أن يكون للفلج من يتتبعه ويوصل الماء
الثلاثاء
:
لأصحابه يوم ريالاً، يؤخذ هذا المبلغ من قعد الفلج كاملاً، وقد مضت مدة طويلة على ذلك، وقد بدل هذا الوكيل بوكيل، آخر ولا زالت هذه العادة مستمرة، هل هذه العادة ثابتة شرعاً أم باطلة؟
ويوم الجمعة من كل أسبوع، بمبلغ وقدره 250
إن كانت فيها مصلحة الفلج فثابتة، وإلا فتغير والله أعلم.
ما تقول في فلج لم تسبق العادة فيه بدفع ما ينوب أموال المساجد والأوقاف والأفلاج لخدمته، ويطالب البعض بالدفع فما رأي
(1) الصورة أو الصوار: فتحة في جانب الساقية تفتح وتغلق لمرور الفلج. (2) التصريح: هو وضع الإسمنت أو الصاروج على أرضية مجرى الفلج وجوانبه. (4/312)
صفحة 1895
الأفلاج
313
سماحتكم؟ وإن قلتم بثبوت العادة هل تدخل فيها الأوقاف
الخاصة؟
لا أستطيع أن أقول بفرض هذه العادة لاحتمال أن يكون ذلك مجرد تبرع من أصحاب الفلج للمساجد والأوقاف، وإنما أرى أن يلزم كل أحد ما عليه في ذلك والله أعلم.
قطعة،
نوجه إليكم سؤالنا في فلج من رأسه إلى آخره يسمى الساعد الرئيسي، وكان سابقاً مصرح إلى مكان اسمه المعتاد» وما بقي يخدموه بالمحراث، والأجرة تسير بين الأهالي، ومتى توجد فضلة للفلج يقوم الوكيل بتصريج جزء منه حيث قام الوكيل الأول بزيادة تصريح وكذلك قام الوكيل الثاني بتصريج قطعة ثانية، والآن أراد الأهالي أن يصرجوه إلى آخره، والأهالي منهم الموافق ومنهم الرافض، وأغلبهم مشاركون من أول الفلج وآخره ومنهم من لم يشارك في آخره، كما أنه يوجد في آخر الفلج أموال مواقيف وأموال مساجد، فهل يكون تصريج ما تبقى من الساقية على الأهالي أم من النقود التي توجد عند الوكيل؟
الأصل في تصريح الفلج أن يكون من دخله، إلا إن لم يكف دخله لذلك، ولا مانع من تصريجه بإذن جباه أهله إن لم يكن فيه ضرر على أحد
والله أعلم. (4/313)
صفحة 1896
314 الفتاوى
الاعتداء على الأفلاج وأموالها
لقد أوصى رجل بمبلغ وقدره ثلاثة آلاف ريال عماني نقداً للفلج، وفعلاً تم استلام ذلك المبلغ بعد وفاة الرجل مباشرةً، إلا أن وكيل الفلج أراد
أخذ العشر من ذلك المبلغ، فهل يجوز له ذلك أم لا؟
6
المبلغ أوصي به للفلج لا للوكيل فما وجه أخذ الوكيل جزءاً منه؟ ما ذلك إلا جشع ودليل على عدم أمانة هذا الوكيل وإلا لاتقى الله فيما أُتمن
والله أعلم.
ومن
سماحة الشيخ تعلمون أن للأفلاج نظاماً متبعاً في السلطنة، وهذا النظام ما يسمى بالبادة (1) وتباع بطريقة القعد على حسب دورانها، هذا القعد يحصل الفلج على أموال تستخدم في مصلحة الفلج من تنظيف وصيانة ويقوم بهذا العمل أشخاص متعارف عليهم من قبل أهل البلد في تحصيل هذه المبالغ، ولكن ما يحدث في بلدنا أن هؤلاء الأشخاص يقومون بصرف هذه الأموال لأجرة السيارات التي يستقلونها لأداء واجب العزاء سواء القريب من البلد أو البعيد، كما يقومون بمشاوير طويلة بحجة أنهم يتابعون في بعض المصالح العامة ويقوم بذلك عشرات الأشخاص مما يضطرهم الأمر إلى أنهم يتغدون على حساب المصلحة العامة للفلج وتندرج تحت ستار هذه المصلحة مصالح شخصية لهؤلاء الأفراد مع العلم بأن الأشخاص المتعارف عليهم في قعد مياه الفلج لهم نسبة معينة من دخل الفلج سواء كان ذلك الدخل من القعد أو من بيع ثمار النخيل الخاصة بالفلج وتحسب
(1) البادة: هي نصيب من الفلج يستمر السقي به وقتاً محدداً. (4/314)
صفحة 1897
الأفلاج
315
لهم هذه النسبة عن دخل الفلج وما صرف عليه وهي ما تسمى بالعشر، فهل هذا جائز؟
الفلج يشترك فيه الحاضر والغائب والرجل والمرأة والصغير والكبير واليتيم والوقف، فلا يجوز التصرف في شيء من أمواله إلا حسبما تقتضيه مصلحته وليس من مصلحته الذهاب إلى العزاء والإنفاق في إشباع البطون بوجبات الطعام من غير أن يكون في مقابله عمل تعود مصلحته إلى الفلج وإنما هو لمجرد الانتهاز، ومن وقع في ذلك فقد وقع في الظلم، حيث أكل أموال الغياب واليتامى والأوقاف ومن لا يملك أمره من الناس، فعليه أن يتقي الله ويعيد إلى كل ذي حق حقه والله أعلم.
من
شيخنا الفقيه ما قولكم في عادة قد اعتادها أهالي بلد ما، حيث إن لديهم فلج يرفعونه في وقت المحل ويقعد بأكمله، فإذا أخذ أحدهم قعداً الفلج وجاء وقت الخصب فيسيح الفلج وتسقط حقوقه، وكذلك إذا صارت فيه خدمة وخدمه الأهالي فإن حقوقهم تسقط عن تسييح الفلج،
فهل هذه العادة ينبذها الدين الإسلامي ويرفض التعامل بها؟
لا يجوز إسقاط حق أحد، إذ لا تعدي على مال مسلم، لذلك أرى الحكم ببطلان هذه العادة والله أعلم.
ما حكم الشرع الشريف حول طلبنا قعد الفلج الخاص بنا والكائن بمنطقتنا ودفع ما يتوجب على المقتعد من مبالغ نقداً في حينه دون تأخير أو أجل وذلك نظراً لما ترتب على المقتعدين من مبالغ سابقة، وقد تراكمت هذه المبالغ ووصل بعضها إلى ألف ريال وزيادة مما قد يصعب أداؤها مع العلم بأن أهل المنطقة يقولون إن العادة منذ قديم الزمان هو أن يخدم المقتعد الفلج مقابل إسقاط ما عليه من مبالغ، وإن (4/315)
صفحة 1898
316 الفتاوى
الأفضل للفلج هو دفع المبلغ من المقتعد فوراً، فما حكم الشرع في ذلك؟ وما رأيكم في المبالغ السابقة الموجودة بيد المقتعدين
وجبت عليهم؟
التي
على كل من عليه حق أن يدفع ما عليه والفلج أولى بالتخلص من حقوقه لأن فيه حق اليتيم والغائب والمسجد والوقف، فهو بمثابة اليتيم الذي لا يرجى بلوغه، وإذا كان الأفضل والأصلح له دفع الحق نقداً فإن ذلك هو الذي يجب اتباعه، وعلى القائمين عليه مراعاة مصلحته والله أعلم.
يقوم الأهالي عندنا بتغسيل موتاهم في مجاري الأودية، وبالطبع تختلف مسببات الموت، فمنهم ميت بسبب الأمراض المعدية والفتاكة المنتشرة في هذا العصر، ومنهم ميت بسبب حادث سيارة أو غيرها وينزف منه الدم بشكل كبير ثم يؤتى بهذا الميت ويغسل في الوادي الذي يشرب منه آلاف من الناس القاطنين في البلدان المجاورة التي تصطف على مشارف الوادي، لذا نستلهم من سماحتكم التوجيه الصحيح وإفتاءنا في ذلك بتوجيه النصيحة إلى هؤلاء الناس؟
يجب أن يجنب الماء الذي يرده الناس للشرب من كل ما يلوثه ويتسبب في الإضرار بالناس وعليهم أن يمتنعوا من تغسيل الموتى فيه إن كان ذلك يؤدي إلى الضرر، إذ لا ضرر ولا ضرار في الإسلام والله أعلم.
ما قول الإسلام في العادة الموجودة في بعض الأفلاج بعمان؛ حيث يصرف منها للضيف والعزاء وللأسفار التي يقوم بها أعيان الفلج؟ وكما تعلمون سماحتكم أن الفلج فيه الفقير والمسكين والوقف؟
بما أن الفلج مشترك بين اليتامى والأوقاف والغياب وكثير ممن لا يملك (4/316)
صفحة 1899
الأفلاج
317
الإذن فلا يجوز فيه اتباع هذه العادة لأنها من التصرف في ملك الغير بغير إذن، وقد دلت النصوص القاطعة على تحريم مثل ذلك، يقول: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188]، ويقول سبحانه: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَرَةٌ عَن تَرَاضِ مِنكُمْ وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) (النساء: 29]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «القليل من أموال الناس يورث النار» (1)، ويقول: «لا يحل لأحد أن يأخذ عصى أخيه بغير طيب نفسه» (2)، وقد أجمعت الأمة على أن التصرف في مال الغير بدون إذن حرام والله أعلم.
نحن جماعة البلدة نريد أن نصلي صلاة الاستسقاء ومن بعد الصلاة نريد عمل صدقة نخرجها من المال الخاص بفلج البلدة، علماً بأن الفلج خاص بأهالي البلدة، وفيه مشترك للأوقاف وأموال المساجد والأيتام ولناس غير موجودين حالياً بالبلدة، فهل يجوز لنا ذلك، أم أنه يجب أن يتبرع الأهالي كل حسب استطاعته؟
الإنسان يتصدق من خالص ماله لا من مال وقف ولا مسجد ولا يتيم،
وعليه فإن على من أخرج شيئاً من ذلك الضمان والله أعلم.
فلج عام لقرية كاملة فيها الغائب واليتيم والأرملة والطفل وما إلى ذلك من ساكنين ومشاركين لهذا الفلج، وإن الوكيل أصبح مقاولاً فضم بعض أراضي الفلج لصالح مسجد يراد بناؤه وإدخال الفلج في باطن المسجد، وفئة من الساكنين تعارض هذا الرأي، علماً بأن للمسجد مكانه المعلوم
(1) رواه الربيع (690).
(2) رواه أحمد (425/ 5)، والبيهقي (100/ 6). (4/317)
صفحة 1900
318 الفتاوى
سابقاً، والذي يعرفه الأهالي، وإن للفلج أراض تعود لمنفعة الفلج وصيانته وممتلكاته فهل يجوز تصرف هذا الوكيل في ضم وإدخال الفلج في المسجد ولصالح المسجد وحرمان الفلج من فائدة أراضيه مستقبلاً؟
لا يجوز البناء في حريم الفلج إن لم يكن سبق البناء فيه من قبل
والله أعلم.
بيع أموال الأفلاج:
قامت الدولة بإصلاح جزء من أحد الأفلاج ولكن رأى الأهالي أن يكون أسفل سقف الساقية سحوف من الجبل لحماية الخراسانات من التآكل، وهذه السحوف كلفت مبالغ وليس للفلج دخل كاف لها، فهل يجوز بيع شيء من نخيله لهذه المصلحة بيع الخيار أو القطع؟
إن كان ذلك ضرورياً فلا مانع من بيعها بيع القطع والله أعلم.
قمنا قريباً بترميم أحد المساجد في هذه البلدة المذكورة، وفي هذا المسجد يوجد موقع فسيلة بالقرب من ساقية الفلج والباب الرئيسي للمسجد، وهذا الموقع تابع للفلج وفي هذا المكان القريب منه يتوضأ المصلون، وأردنا أن نعمل سقفاً من الأعلى علماً بأننا خصصنا مبلغاً المال للفلج بدلاً منه أو نقله إلى مكان آخر، فهل يصح ذلك أم يبقى الموقع على حاله؟
من
أرى أن تعوضوا الفلج بموقع آخر لا يقل عن هذا الموقع قيمة ولا نفعاً، وأن يكون ذلك بنظر العدول أهل الخبرة والدراية بشؤون الأموال
والله أعلم. (4/318)
صفحة 1901
الأفلاج
319
قام بعض أهالي إحدى القرى ببيع شيء من أموال الأوقاف دون الرجوع للوزارة المختصة لأخذ الموافقة على ذلك، وقد تمت مخاطبة نائب والي الولاية حول الموضوع، ومن جانبه قام باستدعاء أعيان ووجهاء القرية لبحث الموضوع معهم، وقد أفاد أعيان القرية بأنه لا توجد أموال موقوفة ولكن توجد أموال وهبت لصالح فلج العزيزي بالبلد وتم بيعها بالإقالة بين الأهالي لغرض إصلاح الفلج المذكور. وبناءً عليه نرجو التكرم من سماحتكم بالإفادة برأيكم الشرعي حوله؟ كما نرجو إفادتنا برأيكم حول تبعية الأوقاف الأهلية أو الأوقاف الخاصة التي لا تختص بالعبادات كأوقاف الأفلاج والآبار أو الأوقاف المختص لقبيلة بعينها أو لأي غرض آخر غير تعبدي هل هي من مسؤوليات الوزارة أم أن الوزارة تختص بالوقوفات التعبدية
فقط؟
تجب مراعاة مصلحة الفلج، فإن كان هذا البيع من أجل مصلحته وكانت متوقفة عليه فلا مانع منه، ولكن لا معنى لجعله بيعاً إقالياً، لأن قيمة ما يباع بالإقالة غالباً دون قيمة ما يباع بالقطع، اللهم إلا إن كان البائعون يضمنون فكاك البيع ورده إلى الفلج، ومع ذلك لا أرى جواز بيعه بالإقالة لما في هذا البيع من الريب، أما تحديد مسؤوليات الوزارة في الأوقاف هل هي خاصة بالأوقاف التعبدية أو أنها شاملة لها وللأوقاف الخاصة؟ فلا يرجع إلى الإفتاء وإنما يرجع إلى نظام الدولة المتبع. والله أعلم.
اتفق أرباب فلج على بيع بعض ممتلكات الفلج، وذلك بهدف إصلاحه، حيث قام أصحاب الفلج المذكور بمطالبة الجهات المسؤولة بإصلاح الانهيارات التي وقعت في الساقية الرئيسية وأدت إلى عدم جريانه منذ (4/319)
صفحة 1902
320
الفاوي
عدة سنوات والمياه محتجزة في داخله إلا أن الجهات اعتذرت لعدم وجود مخصصات مالية، فما ترون في اتفاقهم؟
إن كانت المصلحة متعينة في ذلك فلا مانع منه والله أعلم.
ما قولكم في أرض للفلج عمرت فيها بيوت سكنية على قعد معين خاص لكل بيت أربعة ريالات عُمانية في العام، ومرجعهن للفلج ويقبضهن وكيل الموقوف بالبلد مرت عليها سنوات كثيرة، فهل يصح عندكم بيعها للتملك حتى لا يبقى للفلج ملك ودخل لمصلحته والفلج غني عن بيع أراضيه، لأن الموقوف له سنين عديدة منذ عهد
الآباء والأجداد، وأهل البلد غير راضين ببيعه، فما قول سماحتكم؟ إذا اقتضى نظر كبراء أهل الفلج الذين لهم الرأي ـ أن يبيعوا هذه الأرض، على أن يستعيضوا عنها للفلج ما هو أكثر دخلاً وأحسن جدوى، فلا مانع من ذلك والله أعلم.
أرض بيضاء خصصت وقفاً للفلج، وتم استئجارها من قبل المواطنين بأجور رمزية سنوية، وقد رأى أهل الفلج أن العائد من إيجارها زهيد، لذلك اقترحوا تمليك كل مواطن بحوزته قطعة أرض منها نظير مبلغ من المال، على أن تجمع هذه الأموال وتستخدم في مشروع تجاري أو عقاري يخصص عائده للفلج، باعتبار أن هذه الطريقة أكبر نفعاً للفلج وعائدها أضمن، فهل يجوز ذلك شرع عاً؟
لا يجوز بيع الوقف إلا في حال تعذر الانتفاع به وإمكان أن يستعاض عنه ما هو أجدى منه نفعاً من الأصول التي تحل محله، شريطة أن يكون
ذلك تحت إشراف الأمناء ذوي الخبرة في مصالح الأموال والله أعلم. (4/320)
صفحة 1903
الأفلاج
321
بادة موقوفة لفلج، فهل يجوز أن تباع وتشترى وتورث ويكتب منها
أوقاف لمسجد وفطرة وهي تدفع إيجاراً للفلج؟
الموقوف لا يباع ولا يشترى والله أعلم.
قطعة أرض صغيرة تابعة للفلج وهذه القطعة ترابية وليست زراعية وليس لها ماء وتقع في وسط الحارة، وتقدر قيمتها بحوالي ثلاثمائة ريال عماني، ويريد أهالي الحارة بيعها لأن الفلج في حاجة ماسة لثمنها لخدمته وإصلاح سواعده، فهل يحق لهم ذلك؟
إن كان بيعها لمصلحة الفلج فلا مانع منه، شريطة أن أيدي الأمناء والله أعلم.
يتم
ذلك على
أموال موقوفة لمصلحة أفلاج البلدة وأراضيها وتوزع غلتها سنوياً على الأفلاج وأراضي البلدة، رأى بعض أهل البلدة بيع هذه الأموال، والبعض الآخر يعارض البيع، فما هو الأفضل من رأي سماحتكم البيع والاستفادة من ثمن البيع أم الإبقاء على الوقف؟
الوقف لا يباع ولا يتملك، لذلك لا أرى وجهاً لبيع هذا الوقف من أجل الغرض الذي أشرتم إليه والله أعلم.
قطعة أرض موقوفة للفلج ببلدتنا، وطلب أهالي البلدة بناء مسجد ومجلس عام على الأرض المذكورة، فما هو الحكم الشرعي في
ذلك؟
إن كانوا يعوضون الموقوف بما هو أجدى وأنفع فلا مانع من ذلك، على أن يكون ذلك على نظر العدول ذوي الخبرة في شؤون العقارات
والله الموفق. (4/321)
صفحة 1904
322
الفاوي
ننوي الآن في منطقتنا بناء مسجد، وقد احتاج المسجد إلى توسعة لكون هذا المسجد تقام فيه صلاة الجمعة وفي هذه الجهة توجد نخلتان ونضطر إلى إزالتهما لكونهما تقعان في المنطقة المضافة إلى المسجد وبسبب ذلك نرجو من سماحتكم توضيح الحكم الشرعي في الآتي: 1 - إذا كانت النخلتان تابعتان لوقف الفلج؟
2 ـ إذا كانت النخلتان تابعتان لوقف المسجد نفسه الذي يراد بناؤه؟ على كلا الحالتين أرى أن يعوض المسجد أو الفلج قيمة هاتين النخلتين
والله أعلم.
بيع ماء الفلج:
هل يجوز أخذ ماء الفلج وبيعه؟
لا يجوز أخذ ماء الفلج لبيعه، لأن الفلج مشترك بين الحاضر والغائب والبالغ واليتيم والوقف وغيره، ومن فعل ذلك فقد ظلم نفسه. والله أعلم.
فلج فيه شركاء، ومن الشركاء المسجد واليتيم والغائب، فهل يجوز أن يؤخذ منه ماء للبيع عن طريق المضخات والخزانات التي يقوم بها المواطنون في المنطقة الكائن فيها الفلج؟
ليس لأحد أن يعمل عملاً فيه مضرة بشركائه، خصوصاً عندما يكون الشريك يتيماً أو وقفاً أو غائباً أو من لا يملك أمره، ودفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، فإن كان في هذا الضخ إضرار بالفلج المشترك فلا يجوز شرعاً والله أعلم. (4/322)
صفحة 1905
الأفلاج
إنسان يملك فضلة من ماء، وهذا الإنسان ينوي بيع هذا الفضلة آخر يملكه هل يحل له ذلك أفتنا أفادك الله؟
323
مع
إن كان البيع لا غرر فيه ولا ضرر على أحد، فلا يمنع أحد من بيع
مال
ما
يملكه والله أعلم.
تغيير نظام السقي بالأفلاج
أحد الأفلاج في بلدنا كان يحسب ماؤه على الساعة الشمسية (الخشبة) في النهار والنجوم في الليل والليل والنهار في بلدنا غير متساويين، تارةً يطول الليل في الشتاء وتارةً أخرى يطول النهار في الصيف، وعندما يحدث هذا تحدث ما يسمى عندهم (بالفرطة) وهو إذا قصر الليل وأصبح عشر ساعات ونصف يكون هذا القصر في طرفي الليل أوله وآخره بحيث لا ينال صاحب هذا الوقت شيئاً من الماء، ولكنه عندما يطول الليل في الشتاء يكون هذا الوقت نصيبه فيه بدل نصف ساعة فقط تكون ساعة وزيادة وقد جرت البلاد على هذا الحال منذ مئات السنين لاضطرارهم إلى ذلك لعدم وجود طريقة أخرى تنظم الوقت عندهم، ولأن الماء كان مقسوماً بالجملة، مثلاً يأخذ الواحد ربع الماء - أي ستة آثار ـ وربعين وثلاثة أحياناً من طلوع الشمس إلى غروبها فتتفرق الفرطة وتعم الجميع، أما اليوم وقد صار البيع والشراء في هذه الآثار فتفرقت بين عدد من الناس، وصار الواحد يملك أثراً واحداً وأحياناً نصف أثر أثر فظهرت المشكلة، فأصبح يتضرر البعض ولا ينال شيئاً من في الأوقات السابقة الذكر من السنة، ويمكث إلى عشرين يوماً
وربع
لا يسقي نخله بسبب هذه الفرطة فتتضرر النخلة وقت الصيف، فاجتمع (4/323)
صفحة 1906
324 الفتاوى
أهل البلدة وملاك المياه ورأوا أن يحسبوا بالساعة، واتفق الأغلبية على ذلك، ولكن البعض عارض الفكرة وقالوا لا نبدل شيئاً مما وجدنا عليه آباؤنا وأن البلاد فيها أموال الأوقاف وغيرها، فقال لهم الأغلبية: إن الأثر معروف أنه ثلاثون دقيقة - أي نصف ساعة، وهذا متفق عليه، وكل من لديه أثر ماء سوف يأخذ عنها ثلاثين دقيقة بالساعة الحديثة لا زيادة ولا نقصان طال الليل أم قصر وكذا النهار لأن اليوم الواحد فيه أربع وعشرون ساعة فنحسبها باليوم الواحد ويدور الماء كالمعتاد على أحد عشر يوماً، فرأينا أن نبعث إليكم بهذا السؤال: هل يجوز لنا بأن نأخذ برأي الأغلبية وهو الحساب بالساعة الحديثة بدلاً من الخشبة؟ ولكي يأخذ الكل حقه ثلاثين دقيقة للأثر الواحد لا زيادة ولا نقصان شتاءً كان أو صيفاً؟ أو نترك الحال كما كان عليه في السابق؟
التغيير إلى ما فيه المصلحة المشتركة أولى من المحافظة على نظام يخل بالمصلحة، ولا ريب أن اعتماد نظام الساعات أولى لما فيه من ضبط
ما لكل أحد من حق في الماء، مع مراعاة الدقة في التوقيت والله أعلم.
لدينا في هذه البلدة عادة وهي أن الناس يردّون مياه الفلج حسب لأذان المؤذن، فإذا أذن المؤذن في أول الوقت حصل اعتراض
سماعهم من أصحاب المياه، وإذا أخر الأذان يخاف فوات الوقت، ويبقى المؤذن
متردداً بين الأمرين، فكيف يكون الحل في ذلك؟
يؤذن حين دخول الوقت والمياه تضبط بالساعات والله أعلم. (4/324)
صفحة 1907
وكيل الفلج:
الأفلاج
325
وكيل فلج من ثلاثين سنة أو أكثر يحاسبه الشركاء لمعرفة ما للفلج وما عليه علناً أمام الملأ، ويقوم الشركاء بمعرفة ما للفلج وما عليه إلا أن بعض الشركاء اليوم يطلب محاسبة الوكيل عن السنوات الماضية كلها لأنهم لم يحضروا محاسبة الوكيل في السابق بالرغم من علنية المحاسبة، وهؤلاء لهم نصيب أقل في الشركة، فهل يلزم الوكيل الرضوخ والإذعان لطلب هؤلاء؟ إن تمت محاسبته بحضور الأكثر من الشركاء فلا وجه لإعادتها مرة أخرى والله أعلم.
مجموعة
أتقدم إلى سماحتكم بالبحث في قضية شرعية وأطلب التفضل بالإفادة بالحكم الشرعي فيها وهي عن جماعة من الشركاء في فلج من أفلاج هذه الولاية اجتمعوا فيما بينهم - قبل أن يصلوا إلينا للأحكام ـ لحل هذا الخلاف في إقامة وكيل لهذا الفلج للقيام بشؤونه وما يحتاجه من خدمة وقعد ماء وغير ذلك ولكنهم لم يتفقوا ولطول الخلاف بينهم قام منهم بتنصيب وكيل لهذا الفلج لادعائهم أنهم هم أرباب الفلج ولهم النصيب الأوفر من مائه، ولم يكن شركاؤهم على علم بذلك فبناءً على طلبهم قامت المحكمة بكتابة هذه الوكالة، وبعد أن وصلهم خبر إصدارها أقاموا عليهم دعوى عندنا طالبين نقض هذه الوكالة لكونهم غير راضين بها، فهل هذه الوكالة المذكورة صحيحة أم باطلة؟، أرأيت لو أن هذه الوكالة كان رأي الشرع فيها أنها باطلة ولم يتفقوا على إقامة
وكيل لهذا الفلج، فما هو الحكم الشرعي لحسم هذا الخلاف؟ إن كانت مصلحة الفلج متعينة في تعيين هذا الوكيل أولاً فيجب إمضاؤها وإلا فلا والله أعلم. (4/325)
صفحة 1908
326
الفتاوى
اؤتمن وكيل على أموال الفلج، وقد أخذ من حساب الفلج مبالغ تقارب الأربعة آلاف ريال عن طريق القرض حسب قوله، والآن الفلج بحاجة إلى مبالغ لإجراء الصيانة، فأراد الوكيل بيع شيء من مال الفلج، فهل يجوز بيع مال الفلج وله مبالغ على الوكيل، علماً بأن الوكيل لديه أموال؟
على الوكيل أن يؤدي ما عليه للفلج من مال سواء كان ذلك ببيع شيء من ماله أو باقتراض من جهة أخرى لوفاء ما عليه، ولا يجوز والحال هذه أن يباع شيء من أموال الفلج والله أعلم.
هل يرشح وكيل الفلج جميع المشاركين في الفلج؟ الوكيل يتفق على تعيينه الأعيان وبهم الكفاية والله أعلم.
هل على الوكيل مشاورة الأهالي إذا أراد إصلاح الفلج؟
إن كان مفوضاً في الإصلاح فليس عليه أن يرجع إليهم فيما فوضوه فيه والله أعلم.
يوجد تعارف لدى أهالي الفلج في تصريجه إلى مكان معين، فهل يصح أن يصرّج ما بعده؟
يعول على ما تعورف عليه إلا إن اقتضت المصلحة غير ذلك، فإن اقتضت ذلك فليرجع إلى أصحاب الشأن والله أعلم.
إذا كان التصريج جائزاً، فهل يصرّج من مال الفلج أم من مال المشاركين بعد المكان المتعارف على تصريجه لأنهم المستفيدون خاصة إذا لم يرض كل المشاركين في الفلج؟
إن كان المستفيدون الشركاء فالتصريح من مالهم والله أعلم. (4/326)
صفحة 1909
الدعاوى في الأفلاج:
الأفلاج
327
أرباب فلج أخرجوا بادة باتفاق وتشاور بينهم لتباع في مصالح فلجهم وخدمته وفعلاً بيعت خياراً، ومضى على ذلك سنين يتصرف فيها المشترون، والآن اختصموا فيها، فالجمهور منهم يقولون بأنهم اشتروها أصلاً بعد أن كانت خياراً عن مبلغ الربع منها وعن ثلاثة آلاف ومائة ريال، إذ الخيار كان عن مبلغ ألف وستمائة ريال، ومن بينهم الوكيل والعريف يقولون: بعنا هذه البادة قطعاً لخدمته، وإن هذا البيع وقع باطلاع أهل البلد، ومن لم يكن حاضراً حضر من ينوب عنه، وهذا البيع وقع منذ أكثر من عام، بينما خصومهم يقولون إن البادة باقية على بيع الخيار فقط، ولم نحضر على بيع قطع فيها ولا نرضاه، وإنا لا ننكر السوم في هذه البادة ـ أي سوم بيع القطع - اطلعنا على السوم في ذلك فقط، ولا نرضى بيع البادة إلا بالنداء، وكلام غرمائهم أن البيع فيها انتهى من سنة ولا نرضى بإعاتها مرة أخرى، والأسعار تزيد وتنقص، وعليه فطلبنا من مدعي بيع القطع الحجة على أن البيع وقع عن رضى الكل واطلاع الشركاء، فوعدوا بإحضارها، فلو فرضنا أنهم أحضروها وما استقامت أو ما عدلت، فهل هنا أيمان على المعارضين لحسم مادة النزاع أم لا؟ لأن هذا من المشاعات وأريتم أن لو ردوا اليمين على المشتركين هل يحلف الكل إن رضوا أن يحلفوا أم يكتفى بعدد من الأعيان أم كيف؟ نرجو من سماحتكم بيان هذه القضية مشكوراً؟
في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: البينة على المدعي واليمين على من أنكر» (1)، وهو على عمومه سواء كان المدعي فرداً أو جماعة، وسواء كان
(1) رواه الربيع (592). (4/327)
صفحة 1910
328
الفاوي
المدعى عليه فرداً أو جماعة، وعليه فإن على المشترين إن ادعوا أنهم اشتروا بالقطع بعد شرائهم الأول بالخيار أن يقيموا البينة، فإن عجزوها أو كانت غير مقبولة كانت لهم اليمين على المدعى عليهم، ولهم أن يختاروا من أكابرهم من شاءوا، ولهؤلاء أن يردوا اليمين على المدعين، فإن ردوها لزمت المدعين لأن جميع عددهم محصور والله أعلم.
ما قولكم في حرم ساقية الفلج وفرضة الفلج)، بحيث إن هذه الساقية والفرضة تقع على حافة مزرعة أحد المواطنين، فإذا أراد هذا مسافة الحرم التي يتركها لهذه الساقية
المواطن تسوير مزرعته ما والفرضة؟
هي
عليه أن يترك عامد (2) الفلج من غير أن يضع عليه بناء، ويترك مجالاً لدخول العامل في الفلج والله أعلم.
ذلك
مع
ما قولكم في حرم سل فلج (3)، ولهذا السل ثقاب تبلغ من العمق من ثلاث إلى أربع قيم، وهذا السل وهذه الثقاب تقع على حافة مزرعة أحد المواطنين، فإذا أراد هذا المواطن تسوير مزرعته فما مسافة هي الحرم التي يتركها لهذا السل وهذه الثقاب؟
الأولى أن يقف القاضي الشرعي في الولاية على المكان، ويحدد الحريم بحسب ما يراه من مصلحة الفلج والله أعلم.
فتحة (1) فرضة الفلج: هي في سقف الفلج توصل إليه لإصلاحه أو للورود منه. (2) عامد الفلج هو المجرى الأساسي للفلج وتتفرع منه فروع (سواقي صغيرة). (3) سل الفلج هو مجراه المغطى الذي يجري فيه. (4) قيم: جمع
قامة وهي مقياس للطول أو العمق وتقدر بطول الإنسان. (4/328)
صفحة 1911
الأفلاج
329
توجد في بلدنا بئر قائمة، وهي وقف للفلج، وظلت منذ فترة طويلة غير مستخدمة لكون الفلج لا حاجة له للزيادة من تلك البئر، وبعد مرور السنوات لهجران تلك البئر قامت فئة من الناس باستخدامها وتوصيلها إلى منازلهم منذ حوالي عشرين سنة، وكان أهالي البلد يعلمون بذلك ولكن لعدم حاجتها في ذلك الوقت لم يعترضوا على هؤلاء الناس، ولكن في الآونة الأخيرة وبسبب الجفاف الشديد قل منسوب الفلج وأصبح الفلج بحاجة لتلك البئر، وعندما تمت مخاطبة هؤلاء الناس لإزالة مضخاتهم عارضوا بسبب أن منازلهم معتمدة على هذه البئر وليس لديهم مصدر آخر يتزودون به لمنازلهم فنتج عن هذا الموضوع خلاف ين أهل البلد، فالفريق الأول يرى بأن حق الفلج من البئر باق ولم يتغير وهم لا ينكرون ذلك، إلا أنه وبما أن استخدامهم للبئر كان منذ فترة طويلة وكان تحت مرأى ومسمع من أهل البلد ولم تكن هناك أي معارضة من قبل أهل البلد في ذلك فإن استخدامهم لهذا البئر أصبح متعارفاً عليه بالنسبة للجميع، وأما الفريق الثاني فإنه يرى أن استخدام هؤلاء الناس لهذه البئر كان لمجرد اكتفاء الفلج ذاتياً، وبما أن الفلج حالياً محتاج إلى هذه البئر فإن على هؤلاء إزالة مضخات المياه من البئر المذكورة، فما قول سماحتكم في هذه المسألة؟
إن كانت الوقفية ثابتة فهي على أصلها ولا يرفع حكمها استخدام الناس للبئر بخلاف مقتضى الوقفية والحق في هذا لا يضيع بتقادم الزمن
والله أعلم. (4/329)
صفحة 1912
[صفحة فارغة] (4/330)
صفحة 1913
بحث (4/331)
صفحة 1914
الفاوي (4/332)
صفحة 1915
بحث
333
تفسير آيات الوصية في سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا
محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد،،،
فيقول الله تعالى:
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ.
هذه الآية من سورة البقرة والآيتان اللتان بعدها تتحدث عن الوصية، كما وَرَدَ أيضاً ذكرها في غير هذه السورة، إلا أن ما في هذه الآيات الثلاث من السورة من أحكام الوصية أَبْيَنُ وأَشْمَلُ.
وهذه الآيات مرتبطة بالآيات السابقة من قبلها والتي تتحدث عن القصاص، لأن القصاص يُفضي إلى الموت إذا كان هذا القصاص قتلاً، وهو
أيضاً مُسَبَّب عن الموت، لأن القتل قصاصاً إنما يكون عقوبةً على القتل. والوصية أمرٌ يُنْفَذُ بعد موت الموصي، ولذلك مَنْ كان يترقب الموت بسبب أو بآخر، أو محكوماً عليه بالقصاص أحرى بأن يحرص على كتبها، لتكون حجة له عند ربه، وسبباً لفوزه ونجاته، وبهذا تسقط الوجوه التي ذكرها بعض المفسرين في اتصال هذه الآيات بما قبلها، كقول بعضهم: إنها معطوفة على ما قبلها، والتقدير: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي (4/333)
صفحة 1916
334 الفتاوى
الْقَتْلَى وكُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ، ولكنْ أُسْقِطَ العطف لأجل طول الكلام، فإن سقوطه لا دليل عليه، وإنْ حَمَلَ على ذلك بعضُهم أيضاً قوله تعالى: لَا يَصْلَنَهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى) أي: إلَّا الأشقى والذي كذب وتولى. وهذا مدفوع. والخطاب في هذه الآية للمؤمنين الذين خُوطِبوا من قبل بقوله تعالى: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى. ولم يتكرر الخطاب، حيثُ لم تبتدأ هذه الآية كما ابتدأَتْ تلك بقوله: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} لِقُرب هذا النداء الموجه إلى المؤمنين في ذلك الحكم. ولم
تعطف هذه الآية على ما قبلها، بل فُصِلَت عنها لأجل بيان استقلالية هذا الحكم عن الحكم السابق، فإنّ وجوب الوصية ليس مشروطاً بالقصاص، فإنّ كلَّ أحدٍ إذا حضره الموتُ فالوصية المطلوبة منه في هذه الآية واجبة عليه. والمراد بـ كُتِبَ: فُرِضَ، كما في قوله لا يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، وقوله تعالى: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى.
وإِذَا هُنا ظرفية تتعلق ـ على الصحيح - بقوله: {كيب». وهذا الكتب الذي كتبه الله الا الله على عباده وإن كان أزلياً فإنما يتوجه إلى العبد عندما يحضره الموت فلذلك جاءت إذَا هُنا بعد قوله: كُتِبَ لتُفيد أنّ {هذا الأمر يلزم ويتَحَتَّمُ على العبد عندما تحضره أسباب الموت.
حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ: حضور الموت عبارة عن حضور أسبابه، كالمرض الشديد ونحوه مما هو مظنّةٌ لترتب الموت عليه كالحكم عليه بالقصاص، ففي هذه الحالة يتحتم على العبد أنْ يوصي كما فرض الله الله
عليه. (4/334)
صفحة 1917
بحث
335
ولَمْ يقُلْ تعالى: إذا حضركم الموت، بل قال: {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) لأجل بيان أن هذا الأمر يتوجه إلى كلّ أحد بذاته، فهو واجبٌ عَيْني يتحتم على جميع أفراد هذه الأمة، وليس متوجهاً إلى مجموعها، بخلاف قوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ) فإنّ القصاص لا يجب على كل أحد فرداً فرداً، وإنّما يجب على مَنْ تَسَبَّب لَه، ويجب على الأمة بمجموعها
أن تُعِينَ عليه، بحيث يتمكن ذو الحق من الاقتصاص ممن عليه الحق. وأُخر الفاعلُ الْمَوْتُ) وقُدَّمَ المفعولُ أَحَدَ لأجل تأكيد هذا الوجوب، فإنّ تقديم المفعول هنا على فاعله يفيد الاهتمام، بأن كُلَّ أحدٍ
يحضره الموت يحتم عليه إنفاذ هذا الأمر إن توفر الشرط المذكور هنا.
وحضور الموت ـ كما قلتُ ـ حضورُ أسبابه، والعَرَبُ تُكنِّي بالموت عن
الشيء الكريه، كما قال جرير: أنا الموتُ الذي أُخْبِرْتَ
عنه
فليسَ لِهَاربٍ مِنّي نَجَاءُ
ولا ريب أن أسباب الموت تؤدّي إلى الموت، ولَمَّا كانت كذلك عُبّرَ عنها بالموت، وإلا فَبَعْدَ أنْ يَحْضر أحداً الموتُ لا يتمكن من هذه الوصية
المطلوبة منه.
إن تَرَكَ خَيْرًا، قال: إن تَرَكَ) ولم يقل: إن يترك؛ لأجل تقريب المستقبل ليكون كالشيء الواقع، فالمستقبل هُنَا متأكد، فالذي عنده مال وقد حضره الموت فمن المتأكد أنه سيترك المال، فلذلك عبر بصيغة المُضِي كما في قوله تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا
خَافُوا عَلَيْهِمْ.
والخير هو المال، وكثيراً ما يُعبَّر في القرآن بالخير عن المال، فقد قال الله: وَإِنَّهُ لِحُبّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ وحَكَى سبحانه عن عبده موسى (4/335)
صفحة 1918
336 الفتاوى
قوله: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَى مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ، وقال: فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ
خَيْرًا أي غِنى. الْوَصِيَّةُ) هي نائب الفاعل لـ كُتِبَ، فهي مرفوعةٌ مرفوعة بـ (كتب)، ولم تدخل علامة التأنيث على كُتِبَ لأجل الفصل ما بين الفعل ومعموله، ولأن التأنيث هنا غير حقيقي، فإن الوصية يُعبَّر عنها بالإنفاق.
والوصية مأخوذة من وَصَّى يُوَصِّي توصيةً، أو أوْصَى يُوصِي إيصاء، وقد جاءا جميعاً في القرآن الكريم، فقد قال الله الله: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ، وقال الله وعجل: {يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ
الْأُنثَيَيْنِ. والوصية: فَعِيلَةٌ، وكلمة الوصية هي في الأصل: موصى بها، ولكن وُصِلَتْ بالضمير، وأُسْقِطَ الحرف الجار لأجل أن تأتي فَعِيلة بمعنى مَفْعُولة، فإِن فَعِيلاً بمعنى مَفْعُول لا يكون من الفِعْلِ القاصر، أي الفعل اللازم غير
المتعدّي.
والوصية هي بمعنى الدعوة إلى فعل شيء أو تركه كما في قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الْأُنثَيَيْنِ) أي يدعوكم الله إلى ذلك وقوله: {ذَلِكُمْ وَصَنَكُم بِهِ) أي أمركم به، فالأمر والنهي داخلان فيما يُوصَى به، فمَنْ أَمَرَ بشيءٍ فقد أوصى بفعله، ومَنْ نَهَى عن شيءٍ فقد أوصى
بتركه.
وإنَّما شاعت الوصية في عُرْفِ الناس - مع ما اشتقت منه كالتوصية والإيصاء - في أن يأمر أحد بفعل شيء بعد موته أو في حياته، ولكن في حال غياب الأمر، ويكون ذلك الشيء فيه مصلحة للأمر أو للمأمور. (4/336)
صفحة 1919
بحث
337
وهي
في العُرْفِ الفقهي في هذا الباب جزء من المال يأمر صاحبه بأن
يُنْقَذَ عنه بعد موته في وجه من الوجوه المشروعة.
وقوله: إن تَرَكَ خَيْرًا} شَرْطٌ غَائِيٌّ، ولذلك فإنّ جوابه مفهوم مما قبله، ولا حاجة إلى تقدير جواب، وأبْعَدُ ما يكونُ قولُ مَنْ قال بأن الشرط الأول وهو قوله سبحانه: {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) لَهُ جوابٌ يُفهم مما سبق، والشرط الثاني وجوابه واردَان تأكيداً لذلك الجواب، ويُفهم جواب الشرط الثاني من نفس جواب الشرط الأول وهَذَا تَكَلُّفٌ.
وبعض العلماء قدر: إِنْ تَرك خيرا فالوصية للوالدين، أي: فالوصية واجبةٌ للوالدين. وعلى هذا فالوصية هنا مبتدأ، وهي وما بعدها من الخبر واقعةً في جواب الشرط، والفاء محذوفةٌ على حد قول الشاعر:
*
مَنْ يَفْعَل الحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا:
*
ولكن حذف فاء الجواب لا يجوز إلا في ضرورة الشعر، فلا يُحْمَل عليه كلام الله يا الله، فمن التكلف البعيد دَعْوَى مَنْ يزعم بأن الوصية هنا مبتدأ، وأنها واقعة في صدر جواب الشرط والفاء محذوفة.
6
وقوله سبحانه: {لِلْوَالِدَيْنِ: الجار والمجرور متعلقان بالوصية؛ لأجل تأويل الوصية بمعنى الإيصاء، أي الإيصاء أو التوصية للوالدين.
و وَالْأَقْرَبِينَ} هم سائرُ ذَوِي قرابة الإنسان من غير والديه. بِالْمَعْرُوفِ: المعروفُ هو ما تَأْنَسُ إليه النفس ولا ينكره العقل، وإنما
سُمّي معروفاً لأجل طمأنينة النفس إليه.
حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ}: تأكيد لهذا الكتب، أي الفَرْض، فإن ذلك أمر متعيّن على كل مَنْ أراد أن يكون من الأتقياء، الذين يتقربون إلى الله الله بالطاعات (4/337)
صفحة 1920
338
الفاوي
ويتجنبون سخطه الذي يؤدّي ـ والعياذ بالله - إلى عقوبته. وقوله تعالى: حَقًّا مصدر مؤكّد لقولِهِ: كُتِبَ .. والمعنى حق ذلك حقاً على المتقين
أو كتب حقاً على المتقين.
ذلك
من هذا الأمر وعدم تكليفهم به، بل
العصاة خروج ولا يعني العصاة وغيرهم مخاطبون به، وإنما قال: حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ» لأجل دفع النفوس إلى امتثال هذا الأمر، فإنّ كل عاقل يحرص على أن يكون من المتقين، كما يحرص أن يكون من المحسنين ولذلك قال الله الله أيضاً المتعة الواجبة للنساء المطلقات: حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} ففي هذا إثارة إلى
في
امتثال أوامر الله الله
مَعَدٌ
وقد كانت الوصية معهودةً عند العرب في جاهليتهم، كوصية نزار بن بن عدنان لبنيه الأربعة، ولكنهم كانوا يَحِيفُون فيها، فقد كان أحدهم للأباعد لأجل الشهرة والفخر ويترك الأقارب لأجل الاحتقار والازدراء، وقد يُوصِي للأغنياء ويترك الفقراء.
يوصي
والدين الإسلامي دين الفطرة، وعلاقة الإنسان بذوي قرابته علاقة فطرية، ولذلك جاء الإسلام ليؤصَّلَ هذه العلاقة في المعاملات، فكما أن الله الله فرض حسن المعاملة في الحياة ما بين الأقارب فرض أيضاً هذه الصلة ما بين الإنسان وقرابته بعد موته حتى يكون هذا الميت على ذكر من أولئك الأقرباء، ولا ينسوه بموته.
ومن أجل ذلك أيضاً جعل الله الا الله أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض، فجعل الميراث للأقربين؛ سواء كانت هذه القرابة قرابة نسب، أو قرابة سبب. وفي الآية الكريمة كلام طويل لعلماء التفسير والفقهاء وغيرهم، ذلك
لأن: (4/338)
صفحة 1921
*
طائفة من المفسّرين وغيرهم قالوا إنها منسوخة.
وطائفة
منهم
قالوا هي
محكمة وليست بمنسوخة.
بحث
339
وطائفة قالت نُسِخَ بعضها وأُقِرَّ بعضُها.
والذين قالوا بأنها منسوخة اختلفوا في الناسخ أيضاً، فمنهم من قال: الناسخ آية المواريث، فإن الله الا الله أعطى فيها كل ذي حق حقه، فلكل أحدٍ من الأقربين الأَدْنَيْنَ إلى الميت - كالوالدين والأولاد والأزواج ـ حق، وقد فَصَّل الله الله هذه الحقوق في آية النساء. وذكر بعضهم الاتفاق على أن آية النساء نَزَلت بعد هذه الآية الكريمة،
وأنكره آخرون، وقالوا لا دليل على أن آية النساء نزلت بعد هذه الآية.
ومن العلماء من قال بأنها لم تُنْسَخ ولا منافاة بينها وبين آية النساء، فآية النساء ذكرت الوصية، فقد جاء فيها قوله سلام الله: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بهَا أَوْ دَيْنٍ} و {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنِ وَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةِ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} و {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنِ، فَإِذَنْ آيَةُ النساء مؤكّدةً لِمَا في هذه الآية، وليس مدلولها منافياً لمدلول هذه الآية حتى يقال بأن تلك الآية نَسَخَت هذه الآية، وهذا هو الذي عَوّل عليه ابن جرير الطبري وقال به من قبله أيضاً كثير من السلف.
ومما قاله ابن جرير الطبري في تقريره لهذا المعنى: إن النسخ إنما يكون في حُكْمَين مُتَنَافِيَيْن، في حين أن ذلك الحكم الذي جاء في آية النساء ليس حكماً منافياً لهذا الحكم، وإنما هو موافق له، فكيف يُقال إن ذلك الحكم نَسَخ هذا الحكم؟.
ومن العلماء مَنْ قال: إن آية النساء نَسَخت هذه الآية نظراً إلى أنّ الوصية (4/339)
صفحة 1922
340
الفاوي
ذُكِرَت فيها مُنَكَّرَةً، فلو كانت هذه الوصية مُقَرَّةً لكانت مذكورة بالتعريف لأجل العهد فيقال - مثلاً -: مِنْ بعد الوصية التي يُوصي بها، ولكن الله تعالى قال: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ. وفي هذا ما يدل ـ حسبما يقول هذا القائل ـ على أن تلك الآية رافعة لهذا الحكم الذي جاءت به هذه الآية الكريمة.
وحَمَل ذلك القائلُ التنافي والتضادَّ ما بين ما هنا وما هناك على التنافي ما بين الإطلاق، والتقييد، فقال: إن هذه الآية جاءت الوصية فيها مُقَيَّدَةً، وآيات النساء جاءت الوصية فيها مُطْلَقَةً، وعليه فالوصية المقيدة تكون منسوخة بالوصية المطلقة المذكورة هناك؛ لأجل التنافي الذي بين التقييد
والإطلاق.
وهذا الكلام غير مُسَلَّم به، ذلك لأن مِنَ القواعد الشائعة عند الأصوليين: أن المقيّد يقضي على المطلق وليس العكس، وهذا إذا وَرَدَ المطلق والمقيد في حكم واحد وفي سَبَبٍ واحد. أما إذا لم يتفق التقييد والإطلاق في السبب وفي الحكم فَكُلُّ واحدٍ منهما يُجرَى مَجراه.
معاً
ومن ناحية أخرى؛ فإن الإطلاق الذي في سورة النساء ليس بمُنافٍ للتقييد الذي فى هذه السورة؛ ذلك لأن الوصية التي يوصي بها الميتُ لا تنحصر في هذا الذي ذكره الله الله هنا فقد يُوصي الميت بحق واجب عليه لأحد من الأبْعَدِينَ، أو يوصي بكفّارة واجبة عليه فيما قصر في عبادته الله الله، أو يوصي بغير ذلك من حقوق الله أو حقوق الناس كالزكوات والديون والضمانات وغيرها.
وعليه فالوصية في آيات النساء في قوله الله: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) وقوله: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنِ وقوله: {مِنْ بَعْدِ (4/340)
صفحة 1923
بحث
341
وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنِ) وقوله: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} تشمل أنواع الوصايا المشروعة، بينما الوصية المذكورة هنا في هذه الآية
لا تشملها.
ومن المفسرين والفقهاء من قال بأن هذه الآية الكريمة نُسِخت بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا وصية لوارث (1).
وقد رُدَّ على هؤلاء بأن هذا الحديث، آحادي، أو لا يتجاوز مرتبة المستفيض، وأصلُ المستفيض آحادي، فلا يَقْوَى الحديث الحادي على نسخ آية من كتاب الله سبحانه، وإذا كان الحديث الآحادي لا ينسخ المتواتر من الحديث فكيف يُنْسَخُ القرآنُ الذي هو أقوى حجةً من المتواتر من الحديث بحديث أحادي؟.
وأُجيب عن هذا: بأن الحديث وإن كان أحادياً فإنه مُعْتَضد بالإجماع، وتلقته الأمة بالقبول، وأجْمَعَ المسلمون سلفاً وخلفاً على الأخذ به، ولذلك
جاز النسخ به.
ورُدَّ ذلك: بأن انعقاد الإجماع لا يخرجه عن كونه أحادياً، فإما أن يكون النسخ بالإجماع نفسه وإما أن يكون النسخ بالحديث.
أما الإجماع فلا ينسخ القرآن ولا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان
الاعتماد على الحديث فالحديث لم يخرج عن كونه أحادياً.
على
أن دعوى الإجماع هنا مردودةٌ؛ نظراً إلى أن هذا الحديث لَمْ يَحُزُ
ثقة البخاري ومسلم، فلم يُخْرِجَاهُ في صَحِيحَيْهِمَا، فكيف يُقال بعد ذلك إن
الأمة تلقته بالقبول؟
(1) رواه الربيع (667)، وأحمد (186/ 4)، والترمذي (2121). (4/341)
صفحة 1924
342 الفتاوى
وذهب آخرون إلى أن النسخ كان بآيات المواريث في سورة النساء وبالحديث معاً، فالحديث اعتضد بآية المواريث، وعند هؤلاء يعد الحديث مُبَيِّناً لِمَا دلّت عليه آية المواريث.
وذَهَبَ آخرون إلى أن الآية الكريمة غير منسوخة بل هي محكمة، وقد قال بهذا القول طائفةٌ من علماء السلف، وذهب إليه من العلماء المتأخرين الإمام محمد عبده، وسمعتُ شيخنا أبا إسحاق أطفيش يعتمد عليه ويرجّحه في تفسيره لهذه الآية في دروسه التفسيرية التي سمعتها منه.
ومُؤَدَّى هذا القول: أنّ الوالدين قد لا يرثَان، ومع عدم استحقاقهما الإرث للمانع الذي يمنعهما منه لا يمنعهما ذلك حق الوالدية، فالله الله وَصَّى بالوالدين على أي حال؛ إذ يقول: {وَوَضَيْنَا الْإِنسَانَ بِوَلِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمُ فَلَا تُطِعْهُمَا) ويقول: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمَّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَلِدَيْكَ إِلَى الْمَصِيرُ) وإن جَهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبُهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ومن المصاحبة بالمعروف في هذه الدنيا أن
يصلهما الإنسان بعد موته وصلتُه لَهُمَا بعد موته بالوصية.
فالآية الكريمة - على هذا القول - هي في الوالدين المشركين، إذ مَنَعَهُما من إرثهما عدم دينونتهما بالإسلام الذي يدين به ولدهما، إذ لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر.
وعدم إرث الكافر من المسلم أمرٌ مُجْمَعٌ عليه ولا خلاف فيه، ولكن هل تجوز الوصية للكافر؟
الجمهور على جوازها ومما يدل عليه أن أم المؤمنين صفية التالية
أوصت بجزء من مالها لابن أخيها الذي كان لا يزال على اليهودية. (4/342)
صفحة 1925
بحث
343
أما الذين ذهبوا إلى أن الآية نُسِخَ بعضها وبقي بعضها: فقولهم أقرب إلى أن يكون من باب اعتبار أن هذه الآية الكريمة مُخَصَّصة بالحديث الشريف، وتخصيص العمومات القرآنية بالأحاديث أمر وارد حتى ولو كان الحديث آحاديا.
وهذا القول مروي عن طائفة من العلماء منهم ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن، فقد قال: نُسِخَ منها الوالدان وبقي الأقربون الذين لا يرثون. وقد كان النسخ يُستعمل في عُرف السلف بمعنى التخصيص، وروي ذلك عن الحسن والضحاك وأبي مِجْلَز وقتادة وعددٍ من علماء التابعين ومن
بعدهم.
وهنا تأتي مسألة وصية الأقربين
هل وصية الأقربين واجبة؟ أو غير واجبة؟ عدا الوالدين اللذين يرثان، لأنها لا تجوز لَهُما ولا لمن يرث، بالإجماع، وإن كان الإمام محمد عبده تسامح كثيراً في هذه القضية، وقال بأن الابن له أن يوصي لأحد والديه إن كانا يرثانه؛ لأجل اعتبار دفع الحاجة، وذلك كأنْ يُطلق أبوه أمه، وتكون أمه غير قادرة على الكسب، وأبوه قادر عليه، ولو أُعطيت حصتها من الإرث فقط لَمَا أَغنَتْها شيئاً، فيوصي لَها بما يزيد على هذه الحصة.
هذا القول وإنْ نَسَبه إلى بعض السلف هو قول بعيد، فإن كان يريد أن يبر أمه فليعطها شيئاً في حياته، ولا يخصها بالوصية بعد موته.
هذا والقول بوجوب الوصية للأقربين ذهب إليه عدد كبير من علماء السلف، فقد روي عن ابن عباس كما جاء في تفسير ابن جرير وغيره، وروي الضحاك أن ابن جرير وغيره أخرجوا عنه أنه قال: مَنْ مات
أيضاً
عن
حتى
ولم يوص لأقربيه فقد مات على معصية. (4/343)
صفحة 1926
344
الفاوي
وجاء أيضاً نحو هذا عن قتادة والحسن ومسروق، وقد شدد مسروق
النكير على من أراد أن
وصية رآها مسروق لا تليق، وذَكَرَ له أن يوصي
فعله هذا ينافي القرآن، وعليه أن يُسَلَّم لقَسْم الله، فيوصي لأقربيه الذين
لا يرثونه بالمعروف، ويترك الباقي على قسم الله تبارك وتعالى.
وروي أيضاً عن أبي مجلز ونصر بن يسار وعدد كبير من علماء التابعين وغيرهم، وهذا القول هو قول داود الظاهري، وإسحاق بن راهويه، وقد رواه البيهقي عن الشافعي في القديم.
وقد اتفق أصحابنا على وجوب الوصية للأقربين الذين لا يرثون، وعوّلوا عليها وحرصوا على تطبيقها، فما من وصية يكتبها الإنسان منهم إلا ويوصي فيها لأقربيه الذين لا يرثونه، سواء كانوا أغنياء أو فقراء، فإن هذه صلة فرضها الله الله القرابة بعد الموت، كما فرض الله الله صلتهم في الحياة.
وقد روي عن طائفة من التابعين منهم جابر بن زيد رحمه الله: أن من أوصى للأبعدين ولم يوص للأقربين رُدت الوصية للأقربين، فأعطوا منها الثلثين، والثلث منها يعطى للأبعدين
وهذا القول هو الذي عوّل عليه أصحابنا، وإن خالفهم في المتأخرين الإمام نور الدين السالمي الله؛ فقال بأن ذلك يؤدي إلى تبديل الوصية، ومهما تكن مخالفته للحق وتَرْكُه ما فرضه الله الا الله عليه فإن ذلك لا يجيز تحويل ما أوصى به إلى الغير. وهذا القول هو الذي قال به الأئمة الأربعة وأتباعهم والأوزاعي وغيره، فقد قالوا: إن أوصى للأبعدين وترك الأقربين فبئس ما صنع ولكن تُنفّذ وصيته.
وذهب طاووس إلى أنّ مَنْ أوصى للأبعدين ولم يوص للأقربين؛ أعطيت الوصية كلها للأقربين، وأُبعد منها الأبعدون. (4/344)
صفحة 1927
بحث
345
وقد استدل القائلون بوجوب الوصية للأقربين بقوله تعالى: عَلَيْكُمْ) وبقوله: {حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) فقوله سبحانه: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ كقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) وهو بمعنى فُرِضَ، وقوله: {حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) كقوله: حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ» وعليه فليس لأحد أن يتملص من هذا الحق بعدم أدائه كما وجب عليه. كما يستدلون لذلك أيضاً بحديث أخرجه الإمام الربيع حمدالله من طريق أبي سعيد الخدري الى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لامرئ مسلم له شيء يوصي به يبيتُ ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه» (1).
والحديث رواه الجماعة من طريق عبد الله بن عمر لا بألفاظ متعددة؛ منها: «ما حَقٌّ امرئ عنده شيء يريد أن يوصي به أن يبيت ليلتين إلا ووصيته
مكتوبة عنده» (2).
وقد تعلق الذين يقولون بعدم وجوب الوصية بقوله: «يريد أن يوصي به»، فقالوا: إن ذلك منوط بإرادة الإنسان نفسه، ولكن الروايات الأخرى - ومن بينها رواية: لا يحل لامرئ ... » تدل على خلاف ذلك، ولا منافاة هذه بين الرواية ورواية: «ما حق امرئ مسلم ... »، لأن رواية: «ما حق امرئ مسلم ... » تدل على أن هذا حق متعين على المسلم، فلا بد له من أدائه.
ووجوب الوصية للأقربين مقيد بتركه الخير والخير هو المال ـ كما سبق - والآية أطلقت الخير هنا، ولم تقيده بشيء، فهل هي على إطلاقها؟. مذهب الزهري ـ وعليه أصحابنا - أن الخير يُجرى على إطلاقه، فمن
(1) رواه الربيع (677).
(2) رواه البخاري (2738)، ومسلم (1627). (4/345)
صفحة 1928
346 الفتاوى
ترك شيئاً من المال ـ كما يدل عليه حديث: «له شيء يوصي به» ـ قليلاً كان
أو كثيراً فإن عليه أن يوصي به.
وذهب بعضهم إلى تقييد هذا الشيء بربع الدينار، إلا أن قطب الأئمة رحم الله تعقبه بقوله: ولو كان أقل من ربع دينار.
وقد روي عن بعض الصحابة رضوان الله تعالى عليهم تقييد هذا المال بالكثرة، وهذا هو مذهب الإمام علي وابن عباس وعائشة.
فقد روي عن الإمام علي أن أحد أبناء عمه كان في فراش الموت فسأله عن الوصية، فسأله عما عنده فأجابه: تسعمائة درهم. وفي رواية: سبعمائة فقال له: قال الله تعالى: إن تَرَكَ خَيْرًا) وهذا شيء يسير.
درهم.
وروي عنه أن مولى له استأذنه في الوصية، فسأله عما عنده، فقال: سبعمائة درهم فقال له: هذا شيء يسير. ولذلك رَوَى بعضهم عنه: أن ما زاد عن السبعمائة درهم يعتبر كثيراً.
وروي عن ابن عباس أن من لم يترك ستين دينار فليس عنده ما يُطلق عليه خير، بل هو مال قليل لا تجب فيه الوصية. ورُوي عنه أيضاً من وجه آخر أن من ترك أقل من ستمائة درهم - وكانت الستون ديناراً في ذلك الوقت
مقابلة لستمائة درهم - فلا يقال بأنه صاحب خير وتجب عليه الوصية. وروي عن عائشة قال: أن ابن أبي مليكة استفتاها في الوصية، فسألته عما عنده، فقال لها ثلاثة آلاف درهم. فسألته عن عياله، فقال: أربعة. فردّت عليه بقولها: قال الله تعالى: إن تَرَكَ خَيْرًا) وهذا شيء يسير فاتركه لعيالك.
وروي عن النخعي أن الكثير يتراوح ما بين الخمسمائة درهم إلى ألف
درهم. (4/346)
صفحة 1929
بحث
وروي عن بعضهم أن الكثير ما كان من
ألف
فصاعداً. درهم
347
وقد أخذ جماعة من العلماء من قول عائشة - عندما سألت ابن ابي مليكة عن عياله ـ أن مرد ذلك إلى اعتبارات اعتبار كثرة الورثة وقلتهم و اعتبار كثرة المال، وقلته فتراعى الحاجة في ذلك.
أما الذين قالوا بالإطلاق؛ فقد استدلوا - كما قلت ـ بالحديث الشريف، وبنفس إطلاق كلمة خَيْرًا، فإن كلمة خَيْرًا} تطلق على القليل والكثير والله يا الله عندما أوجب الميراث قال: {مِمَّا قَلَ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ... فكذلك الوصية مما قل من المال أو كثر؛ لأن الوصية أخت الميراث، وقد علق الله الله جميع أحكام المواريث على إنفاذ الوصية وقضاء الدين من بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ. ولا بد من بعض الاعتبارات؛ فقد يترك الإنسان مجرد ثياب وملابس أو متاع البيت ونحوه من الأمور الضرورية التي يتركها للعيال، وفي هذه الحالة
أن يفرض عليه أن يوصي، لا ينبغي المتداول فليوص بشيء منه.
أما عندما تكون عنده فضلة
النقد من
هذا ومسائل الوصايا كثيرة وأحكامها متعددة وتشعباتها مختلفة، فلا يمكن هنا أن نحشر جميع المسائل أو جلّها والتي لا علاقة لها بمدلول الآية الكريمة؛ لأن في ذلك خروجاً عن نهج التفسير.
فأحكام الوصايا منها ما يتعلق بالمال الموصى به، ومنها ما يتعلق
بمقدار الوصية، ومنها ما يتعلق بالموصي، ومنها ما يتعلق بالموصى وهذه الأحكام لها، مظآن ومَنْ طلبها فليرجع إلى مظانها.
له.
وإنما بقيت الإشارة إلى أن الله سلام الله أمر في تلك الآية أن تكون الوصية (4/347)
صفحة 1930
348
الفاوي
بالمعروف، والوصية بالمعروف تعني أن تكون الوصية في حدود ما يُقبل ولا يُرفض، فإن المعروف سُمّي معروفاً لأن النفوس تألفه وتتقبله، والنفوس المقصود هنا هي النفوس ذات الفطرة السليمة، والتي تأبى ما كان ضد المعروف وتنكره.
والوصية بالمعروف تعني أن تكون الوصية في إطار الحدود الشرعية، ولا تتجاوزها، ومن ذلك
أن لا تكون الوصية متعديةً للثلث، فإن تعدّي الثلث مخالف لأمر
الشارع، حيث قال: «الثالث والثلث كثير».
فمَنْ أكثر من الوصية يجب عليه أن لا يتعدى في ذلك الثلث. والوصية بالثلث إنما هي في أبواب البر التي ليست متحتمة على الإنسان، وكذلك وصية الأقربين مهما يكن الحكم فيها. أما الوصية التي تتعلق بالحق الواجب على الموصي للموصى له كالديون والضمانات فإنّها تتجاوز الثلث إذا كان الحق يتجاوز الثلث ولا خلاف في ذلك إذا كان حقاً للعباد، أما إذا كان الله الا الله كحج الفرض والزكاة والكفارات وغيرها من الفرائض المالية، أو تتعلق بذمة العبد، ففي ذلك خلاف؛ قيل: تخرج من الثلث، وقيل: تخرج من أصل المال.
وأكثر أصحابنا يقولون بأنها تخرج من الثلث، وهذا القول مروي عن موسى ابن علي ومحمد بن محبوب وأبي المؤثر وأبي سعيد وابن بركة
وغيرهم.
وذهب سليمان بن عثمان إلى أن حق الله الله كحق العباد يخرج من
أصل المال فالوصية به من أصل المال لا من الثلث. (4/348)
صفحة 1931
بحث
349
وهذا هو القول الصحيح؛ لأن حديث عائشة الى يعضده، وذلك أن الشيخين أخرجا عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فاقضوا، فَدَين الله أحق بالقضاء». فقوله صلى الله عليه وسلم: «أحق» يقتضي تقديم حق الله الله على حق العباد، وإذا كان حق الله الله مقدماً فلا أقل من أن يُسَوَّى بحق العباد في إخراجه من أصل المال من الثلث.
لا
وإذا كانت الوصية من باب التبرعات وزادت على الثلث فتُرَدُّ إليه، اللهم إلا أن يرضى بذلك الورثة، بشرط أن يكونوا مالكين لأمرهم، فلا يكون فيهم صبي ولا مجنون ولا معتوه، أما إذا كان فيهم أحد من هؤلاء فإن نصيب هؤلاء من الميراث يجب أن يكون تاماً.
وذهب الظاهرية إلى أن الوصاية بأكثر من الثلث تبطل على أي حال؛ لِمُنافاتها أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، ورُدَّ عليهم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لا وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة وهذا يعني أن هذا حق للورثة، فإن شاؤوا عفوا عنه، وإن شاؤوا طالبوا به، فإن لم يعفوا عنه بطلت الوصية للوارث وكذلك الوصية
التي تزيد على الثلث.
ومن
ذلك: أن لا يكون في هذه الوصية إيثار للغني على الفقير،
ولا إيثار للأبعد على الأقرب.
وبعدما ذكر الله له حكم الوصية أتبعه بقوله: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا
إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
وقد استدل الإمام محمد عبده بهذه الآية الكريمة على أن الحكم الذي في الآية السابقة هو مُحكَم غير منسوخ، وذلك لأن الله الله ذكر فيها مؤكدات متعددة فقال: كُتِبَ عَلَيْكُمْ وحَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) ثم أتبع ذلك بقوله: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ، فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ فتوالي هذه المؤكدات (4/349)
صفحة 1932
350
الفتاوى
بعضها إثر بعض يدل على أن هذا الحكم محكم وليس بمنسوخ، وهو ينطبق على مَنْ لا يرث من الأقربين، ومَنْ لا يرث أيضاً من الوالدين، وذلك إذا كانا مشركين، فإن شركهما لا يقطع حقهما كما تقدم.
وأمرُ الوصية أمر عظيم، فلذلك حذر الله الله من التبديل بهذا التحذير الذي يتضمن الوعيد: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّهَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ
فَمَنْ بَدَّلَهُ: الضمير في قوله سبحانه بَدَّلَهُ مذكر، وما سبق مؤنث؟
فإلى ماذا يعود؟.
* هل يعود إلى الوصية نفسها فذكّر وإن كانت الوصية مؤنثة لأن تأنيثها
غير حقيقي؟
*
*
*
؛
أو أن الوصية بمعنى الإيصاء وروعي هذا المعنى؟
أو أن الضمير راجع إلى القول الذي يقوله الموصي، لأن الموصي أن يقول قولاً، أي فمن بدل قول الموصي؟
لا بد من
*
*
أو إلى الحكم الذي أتى من عند الله الا الله في تلك الآية السابقة؟
أو إلى الحق الذي سبق ذكره في قوله تعالى: حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ؟
* أو إلى المعروف في قوله سبحانه: {بِالْمَعْرُوفِ؟
قيل بكل ذلك، وهناك قول ذكره بعض المفسرين في الآية السابقة - وهو قول ضعيف جداً لأن الآية لا تنافي بينها وبين آية النساء ـ وهو أن المقصود بهذه الوصية المذكورة التي كتبها الله هنا مُجْمَلٌ ومفصل في آية النساء، فهذه الوصية هي نفس الوصية التي جاءت في قوله تعالى في سورة النساء: {يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ). (4/350)
صفحة 1933
بحث
351
وبناءً على هذا القول فقوله سبحانه: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ يخاطِبُ بهذا الموصي نفسه إذا أراد أن يبدل بأن يعطي أحداً أكثر من نصيبه، أو أحداً من نصيبه. ولكن الصحيح ـ كما قلت ـ غير ذلك، فإن الوصية المعنية هنا ليست هي تلك الوصية، لأن هذه الوصية هي من الموروث،
يحرم
بينما الوصية هناك
هي
من الله الله في قسمة المواريث بين عباده.
والضمير في قوله: بَعدَ مَا سَمِعَهُ يعود إلى نفس معاني الضمير في قوله سبحانه: بَدَّلَهُ، أو إلى الحكم، أي بعدما سمع هذا الحكم الإلهي من
عند الله الله
فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ: أي إثم ذلك التبديل. والتبديل مفهوم من قوله تعالى: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ: أَي على الذين يبدلون ذلك الإيصاء، أو القول الذي صدر من الموصي.
وهذا يعني تبرئة ساحة الموصي من تبعات هذا التبديل، فهي تقع على كاهل المبدل، سواء كان هذا المبدل هو الوصي؛ وذلك بأن لا ينفذ الوصية، أو أن ينفذها بخلاف ما أوصى الموصي، بأن يزيد أحداً على حقه، أو يحرم من حقه، أو يجحف بمال الورثة، فيعطي الوصية أكثر من قدرها مما
أحداً
تستحق.
أو كان المبدل هم الشهود، وذلك إذا حرف الشاهد الشهادة، أو كتمها والتحريف يصدق على الزيادة والنقصان والتبديل.
ويدخل في ذلك أيضاً الحاكم بعدما يعلم بالوصية، بل ويدخل في ذلك المجتمع، فإنهم جميعاً يجب عليهم أن يتناصروا على إنفاذها، من غير
إجحاف بحق أحد، أو إعطاء أحد غير ما يستحق. (4/351)
صفحة 1934
352
الفتاوى
وقد استدلَّ بهذه الآية الكريمة مَنْ قال إنّ دَيْنَ المدين يسقط عن تبعته إذا أوصى به، وقد نصَّ على ذلك ألكيا الطبري وغيره، ولكن ابن العربي يقول: بأن الدين إذا ماطل المدين في دفعه وتساهل فيه إلى أن حضره الموت فأوصى به فصدر من قبل الوصي تقصير في أداء الدين فإنّ التبعة لا تنحط عن المدين؛ لأنه تمادى في أداء الحق الواجب عليه، وقد كان الواجب عليه أن يسارع إلى أدائه، ولأن مطل الغني ظلم، فلا يجوز لمن عليه الدين أن أدائه من حال إلى حال وهو يعلم أن الموت قد يفجؤه ولا يتمكن
يتمادى في
من
أدائه بنفسه، وقد يقع تقصير من بعد وفاته في من أدائه من قبل الورثة أو قبل الأوصياء، فإذا حصل هذا التقصير فإن التبعة تكون على المدين في حياته، كما تكون بعد موته على المقصر من وصي أو وارث.
والآية الكريمة تقتضي أيضاً الحث على الوصية، فلا يقول أحد بأنني لا أوصي لأنني لا أدري هل تنفذ وصيتي بعد مماتي أو لا تنفذ؟، فإن تبعة تنفيذها إذا كانت غير خارجة عن سنن الحق تقع على كاهل الأوصياء والورثة من بعد.
وقد ذيل الله الله هذه الآية الكريمة بقوله: {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ: فهو سميع يسمع كل قول، ومنها القول الذي صدر من الموصي حينما أوصى، فإن الله تعالى سميع به ويعلم كل ما يكون ومن بينه ما يصدر من قبل الورثة أو الأوصياء من التقصير، فإن الله يا الله يحيط بكل ذلك علماً فيجزي كل أحد بما يستحق، وفي هذا تأكيد للوعيد الذي سبق في قوله الله: {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ.
ومما يجب التنبه له أن الحصر في قوله تعالى: {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ) حصر إضافي، وليس حصراً حقيقاً، فهو لا يعني أن الإثم ينحصر (4/352)
صفحة 1935
بحث
353
في شخص المبدل فقط، وإنما المراد بذلك بيان درء الإثم عن الموصي بعد أن يقوم بالواجب الذي عليه، فالتبعة تقع على كاهل الوصي أو الوارث أو الشاهد أو كل من يسعى إلى تبديل الوصية.
وإنما قلت إن الحصر هنا ليس حقيقياً وإنما هو إضافي لأن الذي يعطى غير حقه وهو يعلم أنه غير حقه يأثم بأخذه له، فالذي يوصى له بأكثر من الثلث إذا أخذ ذلك من غير رضا الورثة يكون آثماً بصنيعه ذلك وإن كان هذا العطاء من قبل الوصي، والذي يأخذ أكثر مما أوصي له فإن هذا الإثم يشمله حتى ولو كان المعطي ناسياً أو غافلاً فأعطاه في حين غفلته أو نسيانه أكثر من حقه، بل عليه أن يذكره وأن لا يقبل أكثر من حقه فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما أنا بشر مثلكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئاً، فإنما أقطع له قطعة من نار).
وإذا كان الوصي ذاكراً منتبهاً وأعطى الموصى له فإنما التبعة تقع على الاثنين المعطي والآخذ.
وهكذا إذا أعطى الوصي غير الموصى له، فإذا أوصي لأحد بحق وأعطى الوصي غيره فإنه يعد مبدلاً، فالتبديل يكون بإعطاء أحد حق غيره، ويكون
بحرمان أحد من حقه، ويكون بزيادة العطاء لأحد فوق ما يستحق.
ثم تفرع عن ذلك الحكم حكم آخر وهو إذا ما خاف الوصي أو الشاهد أو أي أحد أن يحيف هذا الموصي على أحد كيف يتصرف؟.
إن الله الله حذر من التبديل، وجعله من الأمور التي تستلزم الوعيد:
(1) رواه الربيع (588)، والبخاري في الشهادات (27)، ومسلم في الأقضية (4). (4/353)
صفحة 1936
354
الفتاوى
فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} ثم جاء التفريع الآخر الخارج من هذا التفريع؛ فهو في حكم الاستثناء له وذلك قوله الله: فَمَنْ خَافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). فَمَنْ خَافَ، ما هو الخوف المراد هنا؟
من قبل
الخوف حقيقة هو: انفعال النفس لتوقع مكروه، ولكن يطلق مجازاً على نفس التوقع، فالسؤال الذي يتجه هنا كيف يخاف أحدٌ جَنَفاً أو إثماً أن الخوف يكون من شيء متوقع مستقبلاً وهنا قد الموصي مع الأمر فعلاً فكيف يُطلق الخوفُ على تأثر النفس بالشيء الواقع لا بالشيء
المتوقع؟.
وقد أجيب عن ذلك بأن الآية تحتمل أمرين:
وقع
هذا
يوصي،
إِمّا أن تعني الحالة التي تكون قبل وفاة الموصي عندما يريد أن فإذا حضره أحد وأحس من هذا الموصي شيئاً يفضي إلى الحيف على أحد سواء على الوارث أو على غير الوارث ـ فإنه يصلح ما بينه وما بين ورثته أو ما بينه وما بين الذين أوصى لهم بحيث لا تتجاوز هذه الوصية حدود الجائز شرعاً.
كذا،
وذلك بأن يحضر أحد في مجلس وصية وإذا بهذا الموصي يوصي للأبعدين ويحرم الأقربين أو يوصي وصية فيها ظلم لورثته، وذلك يتصور فيما إذا أوصى وقال إن هذه الوصية من ضمان، كذا وهذه الوصية من ضمان وهذه الوصية من ضمان كذا، فتجتاح هذه الوصايا ماله وقصده بذلك حرمان الورثة، وفي قرارة نفس السامع لهذه الوصية أن هذا الموصي لم تلزمه هذه الحقوق وإنما يريد إبعاد ماله عن الورثة لأجل حرمانهم منه أو يريد إيثار بعض الورثة على بعض. (4/354)
صفحة 1937
بحث
355
ومثل ذلك أيضاً: أن تكون لهذا الموصي ابنة أو بنات، وأخ إو إخوة أو أخت أو أخوات أو إخوة وأخوات، فللابنة أو للبنات نصيبهن من الإرث وللإخوة أو الأخوات أو للإخوة والأخوات الباقي، لأن الأخوات مع البنات عصبات، ولكنه يريد أن يحرم الإخوة والأخوات، فيوصي لأبناء البنات لأجل أن يعود ذلك الموصى به إلى البنات، ويقصد بذلك حرمان الإخوة والأخوات مما يستحقونه من الإرث.
ومثل ذلك: أن يوصي لبعض أبنائه الذكور بحقوق يدعيها من ضمان لهم عليه، مع أن في النفس من ذلك حرجاً؛ بحيث لا يتصور وجوب حق عليه لأبنائه، وإنما يقصد بذلك حرمان البنات، أو أن يوص رصي لأبناء الأبناء لأجل أن يعود ذلك إلى الأبناء، فيحرم بذلك البنات حقهن، أو أن يوصي لبعض أبناء الأبناء دون بعض، لأجل أن تعود مصلحة هذه الوصية على الأبناء الذين آثرهم أو اختصهم، أو لامرأته بدعوى أن عليه ضماناً يوصي
لها.
فإن جميع
هذه الوجوه يمكن أن تعتبر من الجنف والإثم، لأن فيها حيفاً
على بعض الورثة، أو على كلهم أحياناً.
قد
فمن حضر شيئاً من ذلك فإنه يخاف من ذلك أن يكون الموصى جنف جنفاً يفضي به إلى الإثم، فيحاول التقريب ما بينهم لينبهه بما هو أولى له ليباعده عن ذلك.
ومن هنا ندرك أن الخوف كما يطلق على التوقع، والتوقع ظن، فإنه يطلق على العلم أيضاً؛ لأن قوة الظن تفضي إلى العلم، وبهذا يندرئ هذا الإشكال أيضاً، حتى لو اعتبرت الحالة بعد وفاة الموصي، ذلك لأن هذا الذي يصلح ما بين أصحاب هذه الحقوق إنما ينطلق من معرفته بالجنف والإثم في هذه (4/355)
صفحة 1938
356 الفتاوى
القضية، ولذلك فسر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الخوف هنا بالعلم، وروي ذلك أيضاً عن قتادة والربيع بن خيثم أو الربيع بن أنس.
وقد استبعد الفخر الرازي دخول الورثة في هذا الباب نظراً إلى أنهم ا يسبق لهم ذكر وإنما سبق ذكر الوصية والموصي، فيفهم من خلال ذلك أن المقصود الموصى لهم، ويكون المعنى: فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً فأصلح بينهم أي: بين الموصى لهم.
وقال: بأن المعنى أيضاً لا يفيد دخول الورثة، فإنه لو أوصى بأكثر من الثلث لردت الوصية إلى الثلث، فلا يتوقع جنف أو إثم بجانب الورثة من خلال ذلك، ولو أوصى لبعض الورثة دون بعض ولم يرغب الآخرون لبطلت الوصية أيضاً، فلا معنى لإدخال الورثة.
ولكن من خلال ما فهمتموه من الصور التي ذكرتها من قبل يتبين أيضاً احتمال دخول الورثة في ضمن الذين يقع الصلح بينهم في هذه القضية، فقد يتصور ـ كما ذكرت سابقاً ـ أن يوصي الموصي لبعض ورثته بدعوى أن
عليه لهم
ضماناً.
ويحتمل أيضاً أن يحاول أن يوصي للأبعدين غير الوارثين وصية يعود نفعها إلى بعض الوارثين، كوصيته لأزواج بناته، أو لأبنائهن، أو أبناء بنيه، أو نحو ذلك من الأسباب التي تفضي إلى حرمان بعض الورثة بعض حقوقهم. فكل ذلك مما يدخل في هذا الباب.
وبناء على تفسير الخوف بالعلم فإيثار هذه العبارة لما فيها من لطف الإشارة إلى أن الذي يتوسط بالصلح ما بين الأطراف المتنازعة بعد وفاة الموصي، أو بين الموصي وبين هذه الأطراف سواء كانت هذه الأطراف الموصى لها أو الورثة، لا يلزمه أن يكون متيقناً أن الموصي وقع في الجنف (4/356)
صفحة 1939
بحث
357
من
أو الإثم، وإنما يكفي الظن الغالب، فلذلك كان التعبير بالخوف بدلاً التعبير بالعلم وإن فسر حبر الأمة وترجمان القرآن الخوف هنا بالعلم. فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفَا أَوْ إِثْماً: الجنف هو الميل ومنه قوله تعالى: غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمِ، ومن ذلك قول الشاعر:
تجانف عن حجر اليمامة ناقتي وما قصدت من أهلها لسوائكا وقد فسره غير واحد من أئمة التفسير - من الصحابة ومن بعدهم ـ هنا بالخطأ غير المقصود، وفسروا الإثم بالخطأ المقصود.
فالجنف أن يقع أحد في خطأ لم يتعمده فعلى الذي تنبه لهذا الخطأ أن ينبهه لذلك، وأن يرده إلى الصلاح بإبعاده عن الفساد.
والإثم هو الخطأ المتعمد، فمن تعمد مخالفة الشرع يكون آثماً؛ وإذا نبه أحد على الجنف - أي الخطأ غير المتعمد - فأصر عليه كان من ضمن
الآثمين بذلك.
22171
فَأَصْلَحَ بينهم: الإصلاح هو ضد الإفساد، وأصلح الشيء بمعنى: صيّره صالحاً بعد أن كان فاسداً، أو أوجده من أول الأمر صالحاً.
فالإصلاح نقيض الإفساد، كما أن الصلاح نقيض الفساد، وأطلق الإصلاح على التقريب ما بين الجهتين المختلفتين لأن في الاختلاف فساداً، فالجهتان المختلفتان واقعتان - بسبب اختلافهما - في الفساد، والذي يقرب
ما بين الجهتين يحوّل تينك الجهتين المختلفتين من الفساد إلى الصلاح.
وإنما كان تعدي لفظة الإصلاح بـ بَينَ) في مثل ذلك لأجل تضمين الإصلاح معنى الدخول؛ لأن الذي يصلح يدخل ما بين الجهتين، ويتوسط ما بينهما لأجل التقريب. (4/357)
صفحة 1940
358 الفتاوى
فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ: المصلح يستحق الثواب من الله سبحانه، ولكن الله وعل لم ينص هنا على الثواب: وإنما قال: {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ؛ لأن الأصل في الوصية عدم التبديل، فالله الله أكد بقاء الوصية على ما هي عليه، ولكن بما أن هذا التبديل تبديل من باطل إلى حق ومن فساد إلى صلاح كان الإثم مندرئاً، وذلك يستلزم - ولا ريب - مثوبة الذي يقوم بهذا الإصلاح، وإنما لم تذكر المثوبة لأجل تهويل أمر تبديل الوصية.
ومن ناحية أخرى: فإن الذي يصلح ما بين هذه الأطراف المتنازعة - حتى يدرأ الجنف والإثم عن الموصي - قد يضطر إلى الإتيان بكلمات مجانبة للحقيقة في إصلاحه، وقد أبيح الكذب في إصلاح ذات البين، فلأجل ذلك ذكر الله الله أنه لا إثم عليه.
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ: إن الله يغفر تبديل الوصية إذا كان التبديل لأجل الحق، أو يغفر ما يصدر من المصلح الذي يقوم بدور الإصلاح ما بين الجهتين ويستخدم فيه كلمات مجانبة للحقيقة.
أو المقصود: إن الله يغفر للموصي الذي كاد يقع في الخطيئة والإثم لولا تنبيه هذا المصلح، وانتشاله إياه من الوقوع في المخاطر.
رَّحِيمُ): يرحم المصلح الذي يحوّل فساد ما كاد أن يأتي به الموصي
إلى صلاح؛ بمثوبته ورفع درجته وإبلاغه أمنيته.
وقول الجمهور في تفسير الخائف هو الذي ذكرته؛ وهو إما أن يكون الوصي نفسه إذا حضر لهذه الوصية التي تصدر عن الموصي، أو الشاهد، أو من حضر المجلس أياً كان من الناس، أو الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر سواء كانوا من القضاة أو من سائر المصلحين، بينما ذهب أبو حيان مذهباً لم نجده لأحد من المفسرين غيره، فقد ذهب إلى (4/358)
صفحة 1941
بحث
359
أن المراد بقوله: (فَمَنْ خَافَ مِن مُوصٍ»:أي: الذي يخاف من الموصين. فقوله: (من هنا، للبيان وليس لابتداء الغاية أي الذي يخشى أن يكون قد وقع في الجنف والإثم من هؤلاء الموصين فلا حرج عليه أن يصلح ما بين أولئك الذين أوصى لهم، وذلك خشية أن يكون قد آثر بعضاً على بعض، وأعطى أحداً ما لا يستحق، وحرم أحداً مما يستحق، فلا حرج عليه في حياته بنفسه أن يجمع هؤلاء الذين أوصى لهم وأن يصلح بينهم، أو أن يجمع بينهم وبين ورثته فيصلح بينهم، لئلا يكون في صنيعه هذا قد اجتاح بعض الحقوق الواجبة للورثة فأعطاها هؤلاء الذين
أوصى لهم.
والظاهر الذي يدل عليه السياق هو ما ذهب إليه الجمهور؛ ذلك لأن هذا الحكم ـ كما قلت - متفرع على الحكم الذي سبق في الآية السابقة: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) وهي تقتضي أن يكون كل تبديل يترتب عليه إثم، ثم جاءت هذه الآية متفرعة عن تلك الآية لتدل على الاستثناء بأن بعض التبديل لا يكون إثماً، وذلك إذا كانت الوصية لباطل، فمن أوصى بخمر أو خنزير أو لمفسدة كأن يوصي لمخمرة أو لكنيسة أو لشيء من الضلالات والفساد، فإن هذه الوصية باطلة من
أساسها.
وأمر الوصية أمر فيه حرج كبير، وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم عليه، وعلى الخطورة التي تكون في الوصية، فإن على الموصي أن يتحرى مرضاة الله، وأن الله، لا يكون لهوى نفسه نصيب فى هذه الوصية بل عليه أن يتحرى وجه الحق، وأن لا يريد بما يوصي به شيئاً من إرضاء العواطف أو شيئاً من المكاسب التي يتصورها أنها مكاسب. (4/359)
صفحة 1942
360
الفاوي
فقد روى الدارقطني عن ابن عباس الا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الإضرار في الوصية من الكبائر» (1).
وقد رواه عنه أيضاً ابن مردويه بلفظ: «الجنف في الوصية من الكبائر». وروى أبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار» (2)، والحديث أيضاً أخرجه عبد الرزاق عن أبي هريرة إلى مرفوعاً
عنه
بلفظ: «إن الرجل ليعمل بالخير سبعين سنة فيحضره الموت فيحيف في وصيته فيختم عمله بالشر فتكتب له النار وإن الرجل ليعمل بالشر مثل ذلك فيحضره الموت فيعدل في وصيته فيختم عمله بالخير فتكتب له الجنة» (3)، فالأعمال بخواتيمها.
وقد روى النسائي عن عمران بن حصين الى أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن رجل لا يملك إلا ستة مماليك، ولما حضرته الوفاة أعتقهم جميعاً فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «لقد هممت أن لا أصلي عليه» (4). ثم قرع النبي صلى الله عليه وسلم ما بين الستة، فخرجت القرعة على اثنين فأعتقهما، وأرق الباقين؛ لأجل الورثة حتى لا يحرمهم من نصيبهم من تركة موروثهم.
وقراءة أكثر القراء: فَمَنْ خَافَ مِن مُوصٍ) بدون تشديد وقرأ حمزة والكسائي من السبعة وهي رواية أبي بكر عن عاصم، وعاصم هو أحد القراء السبعة أيضاً: فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ) بالتشديد. وهذه هي قراءة يعقوب من سائر
(1) رواه الدارقطني (151/ 4).
(2) رواه أبو داود (2867). (3) رواه عبد الرزاق (16455).
(4) رواه النسائي (64/ 4)، وأحمد (431/ 4). (4/360)
صفحة 1943
بحث
361
العشرة. وقراءة مِن مُّوصٍ) هي من وصى يوصي توصية وقراءة من موص)
هي من: أوصى يوصى إيصاء.
هذا؛ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،، (4/361)
صفحة 1944
الفاوي (4/362)
صفحة 1945
الفهرس
مقدمة
فتاوى الوصية
حكم الوصية والإشهاد عليها.
حد الوصية.
أحكام الموصي والموصى له. أحكام الوصي
ما يدخل تحت لفظ الوصية وصية الأقربين.
الوصية للأقارب غير الوارثين
الوصية للوارث
الوصية للفقراء ووصايا الضمان
الوصية بالكفارات
الوصية بقراءة القرآن
الوصية بالصيام
الوصية بالحج (4/363)
صفحة 1946
الفاوي
إنفاذ الوصية في الحياة الإيصاء بأكثر من وصية
إنفاذ الوصية في غير ما أوصي بها
تأخير إنفاذ الوصية
تعذر إنفاذ الوصية
ما لا يلزم إنفاذه من الوصايا والوصايا الباطلة
رجوع الموصي عن وصيته
موت الموصى له قبل الموصي
دخول من ولد بعد الوصية فيها
بيع
المال الموصى به الوصية بمثل نصيب أحد الورثة
الإضرار في الوصية
الدعاوى في الوصية التبرع عن الميت
فتاوى الوقف
تعريف الوقف
ما يجوز وقفه
الإنفاق على الوقف والإشراف عليه
الوقف الخيري
الوقف على الذرية
وقف الكفن والموتى
وقف طلبة العلم (4/364)
صفحة 1947
الفهرس
وقف عرفة
وقف الفطرة
وقف الأضياف
نقل الوقف من مكانه
صرف الوقف في غير ما وقف له جوازاً ومنعاً
إتلاف الأموال الموقوفة
البناء على الأرض الموقوفة
إخراج بدل غلة الوقف تأجير الوقف
بيع الوقف والقياض به
زكاة الوقف
رجوع الواقف عما وقف
انتقال الموقوف عليهم الدعاوى في الوقف
بيت المال
بيت المال وفيما ينفق
تأجير أرض بيت المال
بيع
أموال بيت المال أو التنازل عنها
إعفاء من عليه حق لبيت المال
الاعتداء على بيت المال (4/365)
صفحة 1948
الفتاوى
المساجد
بناء المسجد حقوقه والإشراف عليه
نقل المسجد
من
زخرفة المسجد
مکانه
تأجير أرض المسجد
بيع
أموال المسجد
إتلاف أموال المسجد
صرف أموال المسجد في غير مصالحه صرف الفاضل من غلة مال المسجد البناء على أرض المسجد
وقف عمار المسجد
مدارس القرآن
بناء مدارس القرآن
بيع وتأجير أموال مدارس القرآن
تملك أراضي مدارس القرآن صرف الفاضل من غلة مدارس القرآن
الأفلاج
المحافظة على أموال الأفلاج
صيانة الأفلاج والإنفاق عليها الاعتداء على الأفلاج وأموالها أموال الأفلاج
بيع (4/366)
صفحة 1949
الفهرس
بيع
ماء الفلج
تغيير نظام السقي بالأفلاج
وكيل الفلج الدعاوى في الأفلاج
بحث
تفسير آيات الوصية في سورة البقرة. (4/367)
صفحة 1950
سلطنة عمان
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
الفتاوى
الأيمان - الكفارات - النذور
الذبائح - الأطعمة - التدخين
لسماحة الشيخ العلامة
أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عمان
الكتاب الخامس (5/1)
صفحة 1951
حقوق الطبع محفوظة
1434 هـ ـ 2013 م (5/2)
صفحة 1952
الفتاوى الفتاوى الفتاوى الفتاوى الفتاوى الفتاوى الفتاويا
الفتاوى
الأيمان) الكفارات + النذور الذبائح (الأطعمة) التدخين
السَمَاحَة الشيخ العلامة
أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عُمَانَ
الإعداد والمراجعة
قسم الفتوى بمكتب الإفتاء وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
الكتاب الخامس (5/3)
صفحة 1953
[صفحة فارغة] (5/4)
صفحة 1954
مقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين، محمد النبي الأمي الأمين، وعلى آله وأزواجه وأصحابه وكافة المؤمنين إلى يوم الدين، أما بعد،،
فيسر قسم الفتوى بمكتب الإفتاء بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية بالتعاون مع الأجيال للتسويق أن يقدموا للمسلمين الكتاب الخامس سلسلة فتاوى سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي، حفظه الله تعالى، المفتي العام لسلطنة عُمان.
من
وهذا الجزء اشتمل على فتاوى الأيمان والكفارات والنذور والذبائح والأطعمة والتدخين).
وهذه الأبواب من أهم أبواب الفقه وتكثر حاجة الناس إليها إذ لا بد لهم من الطعام الذي تقوم به أجسامهم والذبائح التي يأخذون منها اللحوم كما أنهم قد يقعون فيما يوجب الكفارات.
وعملنا في هذا الكتاب كان:
البحث عن فتاوى سماحة الشيخ وكتابتها. (5/5)
صفحة 1955
الفتاوى
الأيمان - الكفارات - النذور
ثم تصنيفها وترتيبها.
ثم مراجعتها من قبل سماحة الشيخ، وتعديلها وفق رؤية
سماحته وتوجيهاته.
كما يحوي الكتاب بعض البحوث والفتاوى الموسعة المتعلقة
بهذه الأبواب.
والله نسأل أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وآخر دعوانا
أن الحمد الله رب العالمين.
قسم الفتوى
بمكتب الإفتاء (5/6)
صفحة 1956
الفتاوكا الفتاوى الفتات الفتات الفتاوي الفتاوي الفتاويا
القسم الأول
الأيمان - الكفارات - النذور (5/7)
صفحة 1957
[صفحة فارغة] (5/8)
صفحة 1958
الأيمان (5/9)
صفحة 1959
الفاوي (5/10)
صفحة 1960
اليمين لا تمنع أعمال البر (1)
الأيمان
يقول الله تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَنِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)
ارتباط الآية بما قبلها:
هذه الآية جاءت بعد ذكر طرف من أحكام الأنكحة، وبعد آية تليها يعود السياق مرة أخرى إلى ذكر طائفة من أحكام الأنكحة وما يترتب عليها، وقد يبدو بادئ الأمر أن هاتين الآيتين خرجتا عن السياق، ولكن مهما يكن هذا الخروج من حيث اعتبار الأحكام التي تتضمنها الآيتان فإن هناك انسجاماً في المعاني بين هذه الآية والآية التي تليها والآيات المتقدمة، وقد اختلف المفسرون في تحديد وجوه العلاقات التي تشد بعضها إلى بعض حتى يتجلى الانسجام بين معانيها، فمنهم من قال: إن وجه العلاقة تتجلى في أن الله يا الله في الآية السابقة أمر بالتقوى، وتقوى الله تعالى تندرج فيها الأقوال جميع والأعمال، فبما أن الله تبارك وتعالى أمر بالتقوى فليست التقوى منحصرة في تجنب الإنسان الأعمال السيئة، مع محافظته على الأعمال الصالحة، ولكنها شاملة لاتقاء عثرات الألسن وزيف الكلام مع الحرص على كل ما يقرب إلى الله من الطاعات القولية الدالة على تعظيمه تعالى وخشيته، ومن أجل ذلك نُهي الناس في هذه الآية الكريمة عما قد يفسر بأنه مناف لتوقير أسماء الله الحسنى، وذلك إنْ أَكْثَر الناس من الحلف به، وهذا مبني على رأي من آراء المفسرين في تفسير قوله: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَنِكُمْ) وهو قول من قال: معناه لا تكثروا الحلف به فيكون اسمه عرضة للإتيان به
(1) أصل هذه المادة تفسير الآية (224) من سورة البقرة من دروس التفسير التي يلقيها سماحة المفتي العام للسلطنة أحببنا إلحاقها بالكتاب إتماماً للفائدة. (5/11)
صفحة 1961
كان
12
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
في مجادلاتكم، وأما على الرأي الآخر ـ وهو رأي أكثرهم ـ بأن المراد أن لا يجعلوا ذكر الله مانعاً بينهم وبين البر والتقوى عندما يحلفون باسمه على ترك خير أو فعل شر فإن الرابط يتجلى من حيث إن الناس مأمورون على أي حال بأن يأتوا من الأعمال ما يقربهم إلى الله الله زلفى، وقد يحجزهم عن هذه الأعمال حلفٌ يصدر منهم فى فورة غضب، إلا أن الله تبارك وتعالى جعل لهم مخرجاً من ذلك وهو أن يأتوا الذي حلفوا عليه ثم يكفروا عن أيمانهم، فالحلف لا يكون مانعاً من فعل الإنسان ما حلف على تركه إن في ذاته فعلاً حسناً، وإنما الميزان في حكم ذلك الفعل عند الله، فإن كان محبوباً إلى الله وعلم فليبادر إليه، وليكفر عن يمينه، وإن كان بخلاف ذلك فليتجنبه، وعدول الإنسان عن مقتضى يمينه إلى فعل ما حلف عليه مع التكفير يختلف حكمه باختلاف ذلك الفعل، فقد يكون مندوباً إليه وقد يكون واجباً؛ وذلك عندما يحلف الإنسان على ترك شيء من الواجبات أو المندوبات، وعليه بجانب ذلك أن يكفر عن يمينه، وبهذا يتضح أن الحنث في اليمين تعتريه الأحكام الخمسة وذلك باختلاف نوعه. وقيل: بأن علاقة الآية بما قبلها من حيث إن الآيات التي سبقت هذه الآية تحدثت اليتامى ومعاملة الأزواج بالخير، فأمر الناس في هذه الآية أن لا يجعلوا بينهم وبين هذا الخير حجازاً يحول بينهم وبينه فعندما يصدر منهم ما يرونه مانعاً من فعل هذا الخير وهو أن يحلفوا باسم الله تعالى فعليهم أن يبادروا إلى فعل الخير وليكفروا عن يمينهم. وقيل بأن مناسبة الآية لما قبلها من حيث إن الآيات السابقة تناولت جانباً كبيراً من الأحكام ومنها:
أ - أحكام الخمر والميسر.
ب ـ الإنفاق من العفو وهو الفائض عن الحاجة.
عن
معاملة
ج - تجنب نكاح المشركات وإنكاح المشركين وتجنب إتيان النساء في
المحيض. (5/12)
صفحة 1962
الأيمان
13
د ـ الأمر بإتيان النساء في موضع الحرث الذي يشير إلى تجنب إتيانهن في غير ذلك الموضع. وهذه جوانب تتعلق بالأفعال، فذكر بجانب ذلك ما يوحي بوجوب تعظيم الله تبارك وتعالى بتعظيم اسمه بحيث لا يكون عرضة للحلف به من غير داع يقتضيه، وبهذا تنتظم هذه الآيات ضبط ما يصدر عن الناس في الأقوال والأعمال لتكون جميعاً وفق حكم الله وشرعه وما يقتضيه تعظيمه وخوفه، ولا ريب أن مراعاة حرمة اسم الله تبارك وتعالى؛ مما يوحي بمراعاة حق جلال الله وما يجب له من التعظيم. فهذه جملة من الوجوه التي يمكن أن تعتبر رابطة بين هذه الآية الكريمة والآيات التي تقدمتها.
سبب نزول هذه الآية:
ذكر المفسرون أقوالاً في سبب نزولها
فقد أخرج الواحدي عن الكلبي أن سببه ما كان من عبد الله بن: رواحة في حق ختنه زوج أخته بشير بن النعمان إذ طلق أخته فغضب منه عبد الله بن رواحة، وأقسم بالله أن لا يكلمه وأن لا يدخل بيته وأن لا يصلح
بينه وبين زوجه
الصديق
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج أن السبب في نزولها صنيع ه - عندما أقسم أن لا ينفق على مسطح بن أثاثة وهو ابن خالته بسبب خوضه مع الخائضين في حديث الإفك، فغضب عليه الصدّيق، وقد نزل فيه قول الله تبارك وتعالى في سورة النور بعد ذكر قصة الإفك: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَكِينَ وَالْمُهَجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النور: 22 فهذه الآية تكون - بناءً على ذلك - عاضدة للآية التي نزلت في سورة
النور. (5/13)
صفحة 1963
=
14
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
وقيل: بأنها نزلت في أبي بكر بكر الى بسبب أنه أقسم أن لا يأكل مع
عنه
الضيوف سخطاً على ابنه عبد الرحمن عندما أخر ضيافتهم.
وهذا الذي ذكره المفسرون من الأسباب يعضد التفسير المشهور الذي ذهب إليه أكثر المفسرين وهو أن الآية الكريمة جاءت للتنبيه على أن الإنسان عندما يقسم يميناً حاجزة بينه وبين البر يؤمر أن لا يراعي جانب اليمين بل عليه أن يراعي جانب البر، ويكفر عن يمينه بعدما يأتي الذي هو خير له.
معنى «العرضة» في الآية الكريمة:
ومنشأ اختلاف المفسرين - الذي أجملناه فيما سبق وسنتحدث عنه إن شاء الله بالتفصيل فيما يأتي - هو اختلافهم في العرضة في قوله وعل: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَنِكُمْ} [البقرة: 224].
6
شاع مجيء
فعلة
أ ـ أن تكون بمعنى المعروض فعُرضة فعلة بمعنى مفعول كالقبضة بمعنى المقبوض والغرفة بمعنى المغروف، والحجرة بمعنى المحجور، وهكذا. وقد بمعنى مفعول، ولذلك يفرق اللغويون بين الهزءة والهزءة، فالهزءة الذي يُهْزَاً منه، والهزءة الذي يهزأ كثيراً من غيره، ومثله الهُمَزَة واللُمَزَة - بفتح الميم - فإنهما بمعنى كثير الهمز واللمز، وأما بتسكين الميم فهما بمعنى المهموز والملموز، وقالوا بأن الأصل في هذا التفسير للعُرضة أنها في حقيقة معناها هي: ما يُلقى على عُرض الطريق ـ أي على جانبها ـ لأجل منع المارة من المرور، فعُرض الشيء جانبه، وما يُلقى في الطريق مما يراد به أن يكون حاجزاً يسمى عُرضة لإلقائه فى عرض الطريق أي جانب منه. وذهب القطب (1) في تفسيره «الهيميان» إلى أن الفُعْلَة هنا بمعنى المفعول
(1) هو قطب الأمة محمد بن يوسف بن عيسى أطفيش، ولد في بني يسجن بوادي ميزاب (5/14)
صفحة 1964
الأيمان
15
لكنها انتقلت في الاستعمال إلى أن تكون بمعنى الفاعل، ومعنى ذلك أن يكون الله عارضاً أي مانعاً وحاجزاً من استعمال هذا الأمر، وهذا هو عين ما ذهب إليه في تفسيره «التيسير». ب ـ والعرضة تستعمل أيضاً بمعنى القوة، ومن ذلك قول العرب: فلان عرضة للحرب أي هو قوي عليها، ويقال فلان عرضة للسفر إذا كان قادراً عليه، وحمل على ذلك قولهم: المرأة عُرضة للنكاح إذا كانت قد قويت عليه وكانت مهيأة له، ومن شواهد ذلك قول كعب بن زهير:
عُرْضَتُها طامس الأرجاء مجهول
أي عُرضة الناقة ـ التي يصف قوتها - طامس الأرجاء: أي مجهول النواحي، والمقصود به البيداء لأنها مئنة لقطعها.
ج ـ وتأتي العُرضة بمعنى الشيء المعروض للأمر أي المجعول نصب ذلك الأمر كعُرض له، وتدل عليه عدة شواهد من كلام العرب منها قول القائل: (فلا تجعلوني عرضة للوائم) أي لا تجعلوني نُصباً للوائم ـ جمع لائمة ـ بحيث تتجه إلي بلومها، أو لا تجعلوني عُرضة للمقولات اللوائم، ومن ذلك أيضاً قول القائل:
طلقتهن وما الطلاق بسُبَّةٍ
إن النساء لعرضة التطليق أي: هن عرض للطلاق؛ لأن الطلاق إنما يقع عليهن، وكذلك قول الآخر:
يتامي آيامي عُرضة للقبائل
بالجزائر سنة 1236 هـ، كان حافظاً ذكياً بزغ في كل العلوم الإسلامية، وألف في جلّها، بلغت مؤلفاته أكثر من ثلاثمائة مؤلف، وكان من رجال الإصلاح الإسلامي الحديث،
توفي رحمه الله سنة 1332 هـ، انظر شرح النيل، ط مكتبة الإرشاد ـ جدة، السعودية. (5/15)
صفحة 1965
16
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
أي: عرضة لأسر القبائل لها.
وبناءاً على هذه الوجوه في معنى العُرضة وقع اختلاف المفسرين في المراد بها في قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَنِكُمْ) فمنهم من قال: بأن المراد لا تجعلوا الله يا الله شيئاً معترضاً يحول بينكم وبين مباشرة ما تقسمون عليه بسبب مراعاتكم لقسمكم به تعالى فإن المخلص من ذلك موجود وهو ما شرع لكم من التكفير وهذا القول روي عن جم غفير من المفسرين، ونسب إلى الجمهور وعليه أكثر مفسري السلف.
واستشهد لهذا القول بما جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا أحلف على يمين فأجد غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها» (1)، والتحلل إنما هو بالتكفير، وقوله الله لعبد الرحمن بن سمرة: «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك (2)، فإن الحديثين يدلان على أن المشروع في مثل هذا أن يراعي
الإنسان جانب البر أي التقوى، والخير، فإن كان الخير فيما حلف أن فليأت بالذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه، وإن كان الخير في الاستمساك باليمين فليستمسك بها، وهذا لأن البر مأمور لذاته، وخيره خير عام يعود
مأمور
إلى فاعله وإلى المفعول من أجله، وأما المحافظة على اليمين فهي بها تعظيماً لاسم الله تعالى، لأن من يقسم على شيء باسم الله فهو إنما يشهد الله تبارك وتعالى على أن ما قاله هو الحق، والدليل على ذلك قوله عل: وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} [البقرة: 204]، وما كان للإنسان وقد أشهد الله على
(1) رواه البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب قول الله تعالى: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ، رقم (6247)، ومسلم، كتاب الأيمان، باب ندب من حلف يميناً فرأى غيرها خيراً منها،
رقم (1649).
(2) رواه الربيع في كتاب الأيمان والنذور، باب في الأيمان والنذور، رقم (656). (5/16)
صفحة 1966
الأيمان
17
شيء
أن يعدل عنه إلى غيره إلا إن كان العدول أرضى الله سبحانه، وما النطق باسم الله في الأيمان إلا لتأكيد القول، لذلك كانت الباء ـ وهي في الأصل تدل على الملابسة ـ هي الأصل في حروف القسم، وتستعمل مع ذكر فعل القسم وحذفه، بخلاف الواو والتاء، على أن الحلف بالباء يكون في مقام التأكيد وفي مقام الاستعطاف بخلاف الحلف بالواو والتاء فإنه لا يكون إلا في مقام التأكيد دون مقام الاستعطاف، فمن أجل ذلك اتضح بأن الذي يقسم إنما يؤكد ما يقوله باسم الله تبارك وتعالى، فهو يتحدث متلبساً باسم الله، ومراعاة جانب المحافظة على البر والصلاح أولى من مراعاة جانب المحافظة على صدق القسم لأنهما أرضى الله؛ وقد جعل الله تعالى للعبد مخرجاً مما التزمه بقسمه، وهو أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه، حرصاً على ما هو أرضى الله وأنفع للعباد والله يريد لعباده اعتياد المحافظة على الأعمال الصالحة ونفع العباد ولو خالف ذلك القسم باسمه، فإن في الاستمساك باليمين تعظيماً لاسمه تعالى دون أمره، ويقال: الامتثال مقدم على الأدب، والله الله الله هو الذي أذن بالحنث مع التكفير عندما يكون في ذلك خير، وفي
في
هذا ما يدعو إلى عدم المسارعة إلى القسم، وأن يكون الإنسان متأنياً قسمه بحيث لا يقسم إلا على أمرٍ تدعوه الضرورة إلى تأكيده بالقسم، وألا يكون ما يقسم عليه ليس مرضياً الله، بل عليه أن يتحرى مرضاة الله من أول الأمر، وذكر اسم الجلالة هنا من غير أن يضاف إلى لفظة اسم إذ لم يقل: ولا تجعلوا اسم الله ضة لأيمانكم وإنما قال: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَنِكُمْ} لأن الاسم يدل على المسمى، فالذي يقسم باسمه إنما أراد المسمى، وهو ذات الله سبحانه، وفي هذا ما يوحي أيضاً إلى أن الذي يقسم عليه أن يشعر بعظمة ما يقدم عليه، فإنما يجعل الله الله بينه وبين الذي يقسم
على تركه من الأفعال والأقوال، فعليه أن يستبصر في قسمه ببينة من ربه. (5/17)
صفحة 1967
18
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
وعدم ذكر الاسم في مثل هذه الأحوال شائع عند العرب حتى قبل نزول القرآن الكريم، فالنابغة يقول:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبةٍ وليس وراء الله للمرء مطلب ومعنى (ليس وراء الله ليس وراء اسمه الله للمرء مطلب فيقسم به وإنما غاية ما يقسم به اسم الله تبارك وتعالى فذكر اسم الجلالة وحده من غير أن يكون مضافاً إليه اسم.
التي
معنى اليمين لغة واصطلاحاً:
وبناءاً على هذا القول فإن المقصود بالأيمان: الأمور التي يُخلف عليها،
ضد
والأصل في الأيمان: أنها جمع يمين واليمين هي اليد اليمنى التي هي اليد اليسرى، وسميت يميناً أخذاً من اليُمْن، لأن مباشرة الأعمال بها أيسر فهي أيمن من اليسرى، ثم أطلق لفظ اليمين على الجهة التي تقع فيها هذه اليد، فيقال فلان جلس عن يمين فلان: أي عن الجهة التي تحاذي هذه اليد تسمى باليمين، وأطلق اسم اليمين على الحلف لأن من شأن العرب في تاريخهم منذ عهود الجاهلية أنهم إذا تعاقدوا على أمر أخذ أحدهم بيمين الآخر، وهكذا تعقد الأحلاف بينهم، وبما أن القسم يقصدون به تأكيد عهود الحلف كانوا كذلك عندما يقسمون يأخذ أحدهم بيمين الآخر فيقسم على ذلك الأمر الذي يريد أن يؤكده، ثم أطلق من باب التجوز على الشيء المحلوف عليه سواء كان فعلاً أو تركاً، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا حلفت على يمين» أي إذا حلفت على شيء فالمقصود باليمين في قوله عليه أفضل الصلاة والسلام هنا الشيء المحلوف عليه، واليمين تجمع على أيمن وعلى أيمان وكلاهما على غير قياس لأن اليمين فعيل والأيمن إنما هو مقيس في جمع فعل كعظم وأعظم جمع قلة والأيمان على وزن أفعال وهو مقيس في جمع (5/18)
صفحة 1968
الأيمان
19
الثلاثيات الأخرى التي هي على غير وزن فَعْل - بفتح الفاء وسكون العين - وذلك كفِعْلٍ وفِعَل وفَعِل وفُعُلَ وفُعْل وغيرها تجمع جمع القلة على أفعال.
المقصود بالنهي في الآية:
معنى الآية الكريمة: لا تجعلوا الله الا الله معترضاً لأيمانكم أي مانعاً أن تأتوا ما حلفتم عليه من أفعال البر.
وقيل: المراد لا تجعلوا الله تعالى قوة للأقسام التي تقسمونها لئلا تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس، وهذا القول مروي عن طائفة من علماء السلف بل روي عن ابن عباس لي وقيل: بأن المراد لا تجعلوا الله غرضاً لأيمانكم، بحيث تحلفون به في جميع أحوالكم في جدكم وهزلكم في أمور آخرتكم ودنياكم، فيما ينفعكم وفيما يضركم بحيث تجترئون على الله له بالحلف على أي حال، وهذا القول مروي عن أم المؤمنين عائشة، وروي مثله عن الإمام مالك، وجنح إليه عدد كبير من المفسرين منهم الراغب الأصفهاني والفخر الرازي وأبو حيان والقطب فى تفسيريه الهيميان، والتيسير)، وعضدوا ذلك بأن اسم الله لا يجب أن يقدس وينزه، فلا يكون عرضة لتلاعب الناس به، وكثرة الحلف باسمه الا الله إنما تدل على عدم رسوخ هيبته في القلوب، ولذلك ذكر الله مجموعة من صفات الذم في الإنسان الذي يجب أن وصدر هذه الصفات بكثرة الحلف، فقال: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَّهِينٍ * هَمَّارٍ مَشَاءٍ بِنَمِيمٍ مَّتَاعِ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيهِ} [القلم: 10 - 13]، فهذه الصفات كلها، قبائح، ولكنها ابتدئت بالحلاف من الحلف، على وزن فعال بمعنى كثير الحلف، ويؤكد ذلك أيضاً قوله الله: (وَاحْفَظُوا أَيْمَنَكُمْ} [المائدة: 89] ونجد مجموعة من المفسرين يقولون إن العرب كانت منذ عهود
يجن (5/19)
صفحة 1969
الفتاوى
الأيمان - الكفارات - النذور
الجاهلية ترى أن كثرة اليمين والحلف منقصة في الإنسان، واستدلوا لذلك
بقول الشاعر:
قليل الألايا حافظ ليمينه
وإن صدرت منه الألية
برت
ألية،
فالألايا: جمع وهي اليمين، مأخوذ من آلا يؤلي، ومنه قوله تعالى:
لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآبِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} [البقرة: (226)، فالشاعر يصف ممدوحه بأنه قليل الألايا - أي قليل القسم - حافظ، ليمينه وإن وقعت منه اليمين فإنه يحرص على برها، وبعض المفسرين قال: لئن كان هذا الأمر من شأن أهل الجاهلية مع كونهم منغمسين في الضلال فكيف بالمسلمين، بل كيف بأهل العلم من المسلمين يقعون في مثل هذه الحالة المستهجنة المذمومة، فلا يبالي أحدهم أن يحلف بالله تبارك وتعالى لأدنى شيء من غير أن يضطره إلى الحلف أمر له قيمة.
ولكن لا نسلم أن ذلك كان من عادات أهل الجاهلية بدليل أن هذا الشاعر لم يكن جاهلياً بل هو من الشعراء الإسلاميين فهو كثير، وعليه فلا يستظهر من هذا الشعر أن أهل الجاهلية كانوا يحافظون على بر أيمانهم مع كونهم لا يحلفون إلا قليلاً. وإنما بعدما جاء الإسلام بهذا الأدب القرآني والتوجيه الرباني حافظ الذين استمسكوا به على هذه الآداب فكان من بينهم هذا الذي يعنيه الشاعر بهذا الثناء.
وقيل: بأن الذي يكثر الحلف يكون حلفه سبباً لعدم ثقة الناس به، فالناس لا يعبأون بالحلاف ولا يهتمون بأقواله، ولا يكون له ولا لأقواله وزن بينهم، ولذلك سماه الله تبارك وتعالى مهيناً فقال: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَافٍ مَّهِينٍ} [القلم: 10] بل هو بنفسه يكون غير واثق من نفسه، لأن كثرة الحلف من الإنسان تنشأ عن عدم ثقته بنفسه، فهو يشعر أن الناس غير واثقين به (5/20)
صفحة 1970
الأيمان
21
وبكلامه، لأنه يعلم أنهم يعرفون من خلاله ما هو عارف به، فلذلك يحاول أن يجبر هذا النقص بكثرة الحلف ليكتسب ثقة الناس، وبناءً على هذا التفسير تكون الأيمان جمع يمين. وقوله سبحانه: أَن تَبَرُوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ} [البقرة: 224]: أن تبروا مع ما بعده قيل: هو في محل جر عطف بيان لأيمانكم، وهذا هو الذي ذهب إليه الزمخشري، وانتقده أبو حيان انتقاداً شديداً نظراً إلى أن الأيمان لا يمكن أن تبين بأنها بر وأنها تقوى وأنها إصلاح بين الناس، وهذا الذي ذهب إليه أبو حيان إنما بناه على ما ارتآه من تفسير الآية الكريمة، وما ذهب إليه الزمخشري بناه أيضاً على التوجيه الذي وجه به معنى الآية، وهو الذي يتفق مع رأي الجمهور من أن الآية الكريمة إنما جاءت لنهي الناس عن الاستمساك بالأيمان وترك البر والتقوى والإصلاح بين الناس لمنع الأيمان من آلى من ذلك، والزمخشري بنى على هذا الذي ذهب إليه ما ذكرته من قبل أن المقصود بالأيمان المحلوف عليه، وهذا التوجيه الذي وجه به معنى قوله الله أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ * يتفق مع ما ذهب إليه، وقد تعقبه أبو حيان بأنه لو زعم أن ذلك بدل لكان أولى له، نظراً إلى أن عطف البيان إنما يأتي غالباً من الأعلام، وتعقب بأن البدلية هنا متعذرة، لأن البدل إنما يكون في موضع يصلح لأن يقع فيه موقع المبدل منه، وما ذكر هنا لا يصلح أن يقع موقع الأيمان، وكون عطف البيان يأتي غالباً الأعلام لا يمنع من أن يكون من غير العلم، فإن عطف البيان هو أكثر في الأعلام، وهو كثير أيضاً في غير الأعلام. ومنهم من قال: بأن المراد بقوله سبحانه أن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بين النَّاسِ) لأن لا تبروا كما في قوله: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا) [النساء: 176] أي: لأن لا تضلوا
من (5/21)
صفحة 1971
22
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
ومنهم من قال: بأن التقدير كراهة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس، أي: لا تجعلوا الله معترضاً بينكم وبين ما حلفتم عليه لئلا تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس أو كراهة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس، وعلى هذا فقوله سبحانه: {أَن تَبَرُّوا وما بعده في موضع نصب في تأويل مصدر منصوب على أنه مفعول لأجله، وذهب بعضهم على أن النصب هنا على تقدير حرف الجر والتقدير: على أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس،
،
وهذا الذي ذهب إليه أبو حيان وبناه على التفسير الذي اختاره وهو القول الثالث من الأقوال التي ذكرناها من قبل في تفسير «عرضة»، وذهب الزجاج والتبريزي إلى أن هذا الكلام مقطوع عما قبله وهو في موضع رفع على الابتداء والخبر محذوف والتقدير: أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس خير لكم أو أولى لكم أو نحو ذلك، وقد رد على هذا بأن قطع هذا الكلام عما قبله غير لائق، ثم من ناحية أخرى فإن الأصل عدم التقدير، ولا داعي إلى مثل هذا التقدير الذي لا يدل عليه أي دليل ولا يقتضيه المقام.
وبناءً على أن العرضة بمعنى القوة، يمكن أن يقال لا تجعلوا الله قوة لأيمانكم لئلا تبروا أو كراهة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس، وكذلك على القول الأول وهو أن المقصود نهي الناس عن جعل أيمانهم بالله حاجزة بينهم وبين البر والتقوى والإصلاح بين الناس أما على القول الأخير فيتجلى المراد بالبر والتقوى والإصلاح بين الناس، من حيث إن الذي يتجنب كثرة الحلف يكون تجنبه ذلك داعياً له إلى البر، لأنه ناشيء عن تعظيمه الله ولذلك عظم أسماءه فلا يمتهنها بالحلف بها لأتفه الأسباب، وهذا من البر والتقوى، وهو داع للإصلاح بين الناس لأنه يكون بسبب ذلك موضع ثقة الناس، فالناس لا يثقون بالحلاف المهين وإنما يثقون بالصدوق الذي يتجنب الحلف، فإذا ما تجنب الحلف اتصافه بالصدق كان ذلك مع (5/22)
صفحة 1972
الأيمان
23
داعياً إلى ثقة الناس به والاعتماد عليه، فإذا سعى للإصلاح بينهم كان موضع القبول والرضى منهم، وبهذا التوجيه لمعنى الآية الكريمة يمكن أن يكون ما ذهب إليه أبو حيان من أن قوله: أن تَتَّقُوا في محل نصب بنزع الحرف الخافض مقبولاً.
خاتمة الآية:
{
وقوله سبحانه: وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} بعدما أمر سبحانه هنا بما أمر به من عدم جعله وعجل عرضة للأيمان - كيفما كان معنى ذلك على حسب اختلاف العلماء في توجيه معنى الآية الكريمة - يبين الله والله ما هو متصف به من الاطلاع على أقوال العباد وأعمالهم وما تنطوي عليه حنايا صدورهم، فهو تعالى سميع بكل ما يبدر منهم، فمن حلف كان لحلفه سميعاً، ومن قال كلمة طيبة من أمر بالإصلاح بين الناس أو أية كلمة بر وتقوى يقولها بينه وبين ربه أو بينه وبين عباد الله الله فإن الله لها وجازيه بها، وما أتى به أعمال البر والخير والمعروف فالله الله أيضاً به عليم، وكذلك ما يختلج
من
في
سميع
قلبه من خشية الله تعالى وتعظيمه وعك حتى لا يجرؤ على القسم بأسمائه ولو كان صادقاً إلا لداع لا بد له معه من القسم، فهو الله أيضاً به عليم فيجازي كل أحد بما هو مطلع عليه وعليم به من أقواله وأعماله وأحواله، فالله لا تخفى عليه خافية، وفي هذا ما يدعو إلى الاستمساك بأمر الله الله والارتداع عن نهيه والحذر من الإقدام على أي شيء كان قولاً أو فعلاً إلا بعد وزنه بموازين الله ليُعلم خيره من شره وصلاحه من فساده وبره ومن فجوره، فإن الله تعالى بكل شيء عليم ولكل شيء سميع، لأنه سبحانه لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. (5/23)
صفحة 1973
24
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
اليمين بين اللغو والانعقاد (1)
يقول الله تبارك وتعالى: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا
كسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ.
ارتباط الآية بما قبلها:
هذه الآية الكريمة ترتبط بما قبلها من حيث إن سابقتها فيها النهي عن كثرة الحلف على رأي طائفة من المفسرين، فقد فسروا قوله سبحانه: وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَنِكُمْ) بمعنى لا تكثروا الحلف بالله سبحانه فتجعلوا اسمه الكريم هدفاً لأيمانكم تحلفون به لأجل أي باعث يبعثكم على الحلف، فكأن تساؤلاً حضر كيف يكون شأن الذين تنفلت كلمات من ألسنتهم بدون قصد فأجيب: لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) فالآية الكريمة تفيد عدم العقوبة على ما يحصل من
الحلف من
اللغو في
الأيمان.
معنى اللغو لغة:
وكلمة اللغو تستعمل للشيء الساقط من الكلام وغيره، ولذلك كانوا يعدون ما لا يصلح لأن يحسب في الدية من الإبل لغواً. يقول الشاعر: كما ألغيت في الدية الحوارا
فالحوار ـ الذي هو ولد الناقة - لا يصلح لأن يعد في الدية، واللغو هو: مصدر لغا يلغو لغواً، ويقال: لغَى يلغَى لغواً كسعى يسعى وذلك لكون عينه
(1) أصل هذه المادة تفسير الآية (225) من سورة البقرة من دروس التفسير التي يلقيها سماحة المفتي العام للسلطنة أحببنا إلحاقها بالكتاب إتماماً للفائدة. (5/24)
صفحة 1974
الأيمان
25
حرف حلق، ويقال لغَى أيضاً لغي - بكسر الغين ـ يلغى بفتحها كرضي يرضى، ومن ذلك قول الشاعر:
ورب أسراب حجيج كظم عن اللغى ورفث التكلم فاللغى مصدر لغي يلغى يلغو، واللغو مصدر لغا، وفي القرآن الكريم وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: (3) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغُوا وَلَا تَأْثِيمًا} [الواقعة: 25] ويحتمل أن يكون مصدر لغا يلغو ولغي يلغى كسعى يسعى، وقول الله تبارك وتعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ} [فصلت: 26] فهو إما أن يكون من لغى يلغى كسعى يسعى وإما أن يكون من لغي يلغى كرضي يرضى، وقد نفى الله الا الله عن دار قدسه وجود أي لغو فقال الله: لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغُوا وَلَا تَأْثِيمًا) وقال: لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَغِيَةً} [الغاشية: (11) والمراد بذلك الساقط من الكلام، وهو الكلام الخبيث الذي يأباه الطبع السليم، ومثل ذلك أيضاً ما وصف الله تبارك وتعالى به عباده عندما قال: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا [الفرقان: 72] فإن من شأن عباد الله المؤمنين أن يتجنبوا اللغو وألا يُجاروا فيه
غيرهم.
اللغو اصطلاحاً:
واللغو في الأيمان ما كان ساقطاً غير معتد به، وذلك بأن لا تترتب عليه أحكام الأيمان كوجوب الكفارة مع الحنث، وقد اختلف الفقهاء والمفسرون والمحدثون في المراد بأيمان اللغو التي نفى الله تعالى مؤاخذة عباده بها؟ فقيل: إن اللغو في اليمين هو ما يصدر عن الإنسان بدون قصد، بحيث لا يعقد عليه عزمه وإنما يدرج في الكلام لاعتياده عند الناس، وذلك كقولهم كلا والله، وبلى والله، وهذا القول رواه البخاري ومالك في الموطأ وأبو داود وعبد بن حميد وعبد الرزاق وابن جرير عن عائشة سالى، ورواه (5/25)
صفحة 1975
26
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
ابن جرير وغيره عنها مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو القول الذي ذهب إليه الإمام الشافعي وذكره أبو حيان عن الإمام مالك، واختاره غير واحدٍ من علمائنا منهم صاحب النيل (1) العالى ودرج عليه القطب عالى في تفسيره «الهميان»، وسكت على اختيار صاحب النيل له في شرحه، وقد عزاه جماعة العلماء إلى الجمهور، ونقل بعضهم اتفاق عامة العلماء عليه، وهو مروي
من
عن ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
والحجة لهذا القول: أن الله يا الله بعدما نفى المؤاخذة في أيمان اللغو أتبع ذلك قوله: {وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: (225] ومعنى ذلك أن يمين اللغو غير مكتسبة أي غير مقصودة للحالف، وإنما خرجت بدون إرادة منه، وعضده القطب في «الهميان» بالحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة» (2) واستدلاله بالحديث إنما هو استدلال بمفهوم العدد، فإن غير النكاح والطلاق والرجعة لا يكون حكمه کحكمها في جعل هزلها كجدها إذا ما اعتبرنا مفهوم العدد، وتندرج في ذلك الأيمان فلا يتساوى لغوها ومعقودها.
هي
ما يكون
وقد روي في هذا الباب عن عائشة أن أيمان اللغو في حال الهزل والمزاح، وروي أيضاً عنها وعن غيرها أن أيمان اللغو هي
(1) هو
ضياء الدين الثميني العلامة المحقق الإمام عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد العزيز الثميني، ولد في بني يسجن بوادي ميزاب بالجزائر سنة 1130 هـ،. نبغ في العلم الشريف حتى آلت آليه الإمامة العلمية بوادي ميزاب سنة 1201 هـ، له تأليف عظيمة منها كتاب «النيل وشفاء العليل» و «التاج المنظوم» و «معالم الدين في أصول الدين»، توفي رحمه لله سنة 1223 هـ، انظر شرح النيل وشفاء العليل ط مكتبة الإرشاد، جدة،
السعودية.
(2) رواه أبو داود، كتاب الطلاق، باب في الطلاق على الهزل، رقم (2194)، والترمذي في کتاب الطلاق، باب ما جاء في الجد والهزل في الطلاق، رقم (1184). (5/26)
صفحة 1976
الأيمان
27
الأيمان التي تصدر فيما بين المتبايعين، بحيث يقول البائع: والله لا أبيعك إلا بكذا والمشتري يقول: والله لا أشتري بكذا واستدل لهذا الرأي بما أخرجه ابن جرير من طريق الحسن ابن أبي الحسن مرسلاً أن النبي صلى الله عليه وسلم مر ومعه أحد من أصحابه على طائفة من أصحابه وهم ينتصلون ـ أي يرمون بالنصال ـ فقال أحدهم: أصبتُ والله وأخطأت والله، وكان الأمر بخلاف ذلك، فقال صاحب النبي له: لقد حنث والله فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «كلا، أيمان الرماة لا كفارة فيها ولا عقوبة» (1)، والحديث غير متصل السند، وقال الحافظ ابن كثير: بأنه مرسل حسن عن الحسن.
وقيل: أيمان اللغو هي الأيمان التي تصدر عن الإنسان عندما يظن ظناً راجحاً بالأمر فيحلف على ما ظن، وعبر بعضهم عن هذا الظن بالاستيقان، أي يحلف على ما يستيقن حسبما استقر عنده فيظهر الأمر بخلافه، والتعبير بالاستيقان إنما هو من باب المجاز إلحاقاً للظن الراجح باليقين، وهذا القول مروي عن أبي هريرة وابن عباس، وقال به عدد كبير من التابعين، وهو الذي ذهب إليه الإمام مالك في الموطأ، والإمام أبو حنيفة في المشهور عنه، ودرج عليه أصحابه الحنفية، وعزاه الشوكاني إلى الزيدية، وحجته أن الإثم لا يترتب على نفس اليمين وإنما يترتب على الحنث فيها، فلو أن أحداً حلف لا على قصد الحنث لما ترتب على حلفه شيء من الإثم ولكنه يأثم بوقوع الحنث، وهذا لم يكسب الحنث بقلبه فلا يدخل حنثه فيما كسبت القلوب، وقد قال تعالى: {وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225] فهذا حلف على ما كان متيقناً عنده أو راجحاً ظنه فيه ولا يرى إلا أنه كذلك وإن كانت الحقيقة بخلاف ما ظن أو بخلاف ما استيقن كما عبر بعضهم، فقصاري
(1) رواه ابن جرير الطبري، جـ 2، ص 412. (5/27)
صفحة 1977
من
28
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
أمره أن يعد مخطئاً إذ لم يصب عين الحقيقة في قسمه وإن كان يرى أنه لم يعدها، وذكر الفخر الرازي أن الخلاف بين الإمامين أبي حنيفة والشافعي في المسألتين خلاف تترتب عليه أحكام فيتفرع على قول الإمام الشافعي أنه لو حلف أحد على أمر ما وهو لا يظنه إلا كذلك فانكشف بخلاف ذلك أنه بهذا يحنث وتلزمه كفارة، ويترتب على ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة أن حلف على ما ترجح ظنه عنده فتبين له خلاف ذلك أنه لا حنث عليه ولا كفارة، ولكن إذا انفلت لسانه بقول بلى، والله وكلا والله ولا والله، فذلك قسم صدر منه في حين غفلة فإن استمر في غفلته ولم ينتبه له فلا حرج عليه، وأما إذا انتبه له وجب عليه أن يكفر، وحكى بعض العلماء أن الإمام أبا حنيفة مذهبه أنه لا يترتب على الحلف حكم اليمين في كلتا الحالتين، فمن حلف بالله على أمر لا يرى إلا أنه كذلك فتبين له بخلافه فهو معذور ويمينه لاغية ولا كفارة عليه في ذلك، وكذلك من اندرجت في حديثه ألفاظ اليمين بدون أن يعقد عزمه عليها لا حرج عليه.
وقيل: بأن يمين اللغو هي اليمين التي تصدر في حال الغضب، وأخرج الطبراني مرفوعاً: «لا يمين في غضب» (1) وقد أشار الدارقطني إلى إعلال هذه الرواية، وتُعقب هذا الرأي بأن النبي أقسم في حالة غضبه بأن لا يحمل الأشعريين ثم حملهم وكفر عن يمينه (2). وقيل: بأن يمين اللغو هي يمين المعصية، وذلك بأن يحلف على فعل أو على ترك واجب، فكفارته حنثه في يمينه، وتعد هذه اليمين ملغاة لا أثر لها في الحنث وهو معنى كونها لغواً، فلا كفارة عليه فيها، لأنه يجب
محجور
(1) رواه ابن جرير الطبري، جـ 2، ص 409، والبيهقي في السنن الكبرى، رقم (19852). (2) رواه البخاري، كتاب كفارات الأيمان، باب الكفارة قبل الحنث، ومسلم، كتاب الأيمان، باب ندب من حلف يميناً ورأى غيرها خيراً منها، رقم (1649). (5/28)
صفحة 1978
الأيمان
29
عليه أن يطيع ربه ولا يعصيه سواء فيما أمره به أو نهاه عنه، فالحنث في يمينه واجب عليه وبره فيها حرام عليه، لأن كلاً من ترك الواجب وفعل المعصية، حرام، فمن أقسم بأنه لا يبر والديه أو لا يصل رحمه أو لا يؤدي زكاته أو لا يحسن جوار جاره إلى غير ذلك من أنواع المعاصي يجب عليه الحنث في قسمه، وهكذا الحكم في جميع المعاصي الفعلية أو التركية، واستدل لهذا الرأي بحديث عائشة عند ابن ماجه وابن جرير عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حلف من يمين قطيعة رحم أو معصية لله فبره أن يحنث بها ويرجع عن يمينه» (1) ومعنى «بره أن يحنث بها»: عليه أن يبر بالحنث في هذه اليمين وتلك تعد كفارة له، ونحوه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند ابن جرير وغيره وأخرجه أيضاً أحمد وأبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
ضعف
له
«من نذر فيما لا يملك فلا نذر له ومن حلف على معصية الله فلا يمين ومن حلف على قطيعة رحم فلا يمين (له (2) إلا أن هاتين الروايتين وغيرهما من الروايات التي عول عليها أصحاب هذا الرأي فيما ذهبوا إليه لا تخلو من في أسانيدها، والروايات الصحيحة تنص على التكفير، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه» (3) وهو عند الربيع وأحمد ومسلم والترمذي من حديث أبي هريرة وتعضده روايات من طرق شتى، ومثله قوله عليه أفضل الصلاة والسلام: «لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني (4) أو كما قال صلوات الله وسلامه عليه، فإن
(1) رواه الطبري في تفسيره 411/ 2. (2) رواه الطبري في تفسيره 411/ 2 وأبو داود، كتاب الطلاق باب الطلاق قبل النكاح رقم (2191).
(3) تقدم تخريجه.
(4) تقدم تخريجه. (5/29)
صفحة 1979
الفتاوى
الأيمان - الكفارات - النذور
هذه الروايات تنص على التكفير، نعم يكون الحنث تارةً واجباً عليه كما لو حلف أن يقطع رحماً أو أن يؤذي جاره أو يمنع حقاً من الحقوق أو أن يرتكب معصية أو أن يترك واجباً، وتارةً يكون مندوباً إليه كما إذا حلف ألا يفعل أمراً مندوباً إليه أو أن يفعل أمراً مكروهاً، فإن الحنث في هذه الحالة يكون مندوباً إليه، ولكن مع ذلك أيضاً يطالب بالكفارة.
وقيل: بأن يمين اللغو ما صدر عن الإنسان في حالة هيجان غضبه، وذلك بأن يسيطر عليه الانفعال حتى يؤدي به إلى عدم الاتزان في كلامه؛ فأيمانه في هذه الحالة ملغاة، لا تجب فيها الكفارة، وقيد بعض العلماء ذلك بما إذا كان في حالة لا فيها ما يقول، وذهب القطب في تيسيره إلى أن أيمان اللغو تندرج فيها هذه الأنواع من الأيمان ما عدا يمين المعصية، فلو
يعي
حلف أحد في قصد؛ وإنما كانت على عادة الناس في اقتران كلامهم بالأيمان أو ظن أن تلك العبارة غير، يمين، كأن يكون لا يعرف إلا أن اليمين والله ولا يعرف أن تالله يمين، أو أن يكون صدرت منه ألفاظ اليمين وهو في نومه، إلى أمثال ذلك، فإنه ذهب إلى أن هذه كلها تعد في أيمان اللغو، ويقرب من كلامه العلامة جمال الدين القاسمي في تفسيره محاسن التأويل» فإنه حمل الأقوال المختلفة التي وردت في أيمان اللغو على أنها من باب التمثيل
حالة غضب أو نسيان أو إكراه أو خرجت اليمين منه بدون
کلام
ليمين اللغو، وإلا فيمين اللغو تندرج فيها هذه الوجوه بأسرها. وقيل: بأن يمين اللغو ما كان في حالة النسيان، وذكره القطب أيضاً وهو
معزو إلى الإمام جابر بن زيد العالى وإلى طائفة من علماء السلف.
وذكر ابن العربي أنه مما لا ينبغي أن يختلف فيه أن اليمين التي يحنث صاحبها نسياناً لا يؤاخذ بحنثه فيها ولا تلزمه كفارة بسبب ذلك الحنث، وحكى ابن عبد البر أن يمين اللغو ما أكره عليه الإنسان، وجنح القرطبي (5/30)
صفحة 1980
الأيمان
31
إلى الأخذ بهذا الرأي، ولكن لا بد من تقييد ذلك بكونه مكرهاً من قبل ظالم على غير وجه شرعي، لأنه إن أكره على اليمين من قبل حاكم شرعي لوجوبها عليه بقضاء شرعي فإنه لا يرتاب أنه مؤاخذ بها إن كانت كاذبة وتجب عليه الكفارة لحنثه فيها.
وذهب بعضهم إلى أن يمين اللغو هي اليمين المكفرة، وهو مروي عن ابن عباس له وعليه فإن ما لم يكفر هو الذي يؤاخذ به الحالف إن حنث، وأما المكفر فإن الكفارة ترفع حنثها عنه، فلذلك لا يؤاخذ بها، ولا خلاف في أن الحانث عندما يكفر يمينه توبةً منه إلى الله ورجوعاً إليه لخشيته منه الله لا يؤاخذ بيمينه التي حلفها، فإن التوبة النصوح تمحو أثر المعصية، وسميت الكفارة كذلك لأنها تستر معصية صاحبها برجوعه إلى الله وابتغائه مغفرته وعفوه، ولكن لا يعني ذلك أن هذه هي يمين اللغو، كيف وفي سورة المائدة ما يدل بوضوح على أن يمين اللغو لا كفارة فيها؟ فالمؤاخذة ليست بالكفارة وحدها وإنما تشمل المؤاخذة في الدنيا والآخرة، فقول الله: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ} [البقرة: 225] معناه لا يؤاخذكم في الدنيا بإلزام الكفارة بسببها عليكم ولا في الآخرة بعقوبتكم عليها إن لم تكفروا وتتوبوا منها. أن ما تجب فيه الكفارة ليس داخلاً في حدود يمين اللغو.
يعمي
وبهذا يتبين وقيل: يمين اللغو هي اليمين التي لا تكون بصيغة القسم ولكن بصيغة الدعاء أو الخروج من الملة، وذلك بأن يقول بأنه إن فعل كذا فالله يخزيه أو بصره أو يذهب نور قلبه أو هو من الكفار أو من المشركين أو من اليهود أو من النصارى أو من المجوس أو من عبدة الأوثان أو ما يشبه ذلك من عظائم الأمور، فإن هذه اليمين تكون ملغاة عند أصحاب هذا الرأي وكذلك لو قال بأن الحلال عليه حرام أو يحرم الله عليه حلاله، وهو مروي عن زيد بن أسلم، كما في تفسير ابن جرير الطبري، وذهب إلى أن الحلال لا يحرم عليه (5/31)
صفحة 1981
32
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
بهذا القول ولا يكون مشركاً إلا أن يقصد الشرك بقوله، وكذلك لا يكون كما نسب نفسه إليه من كونه يهودياً أو نصرانياً أو غير ذلك إلا إن قصد ذلك بقلبه وعقد عزمه على أن يكون يهودياً أو نصرانياً أو مشركاً عابد وثن، وقد وافقه الإمام مالك في تحريم الحلال إلا الزوجة، فإن قال حلاله حرام إن فعل كذا فلا يحرم عليه شيء ـ عند الإمام مالك ـ إلا الزوجة فإنها تحرم عليه اللهم إلا إن كان لم يقصدها، وباب تحليل الحرام واسع لا يتسع له المقام فنتحدث فيه الآن، وإنما نرجو أن تأتي مناسبة للحديث فيه ـ إن شاء الله ـ فيما بعد. ويترجح من هذه الأقوال كلها القول الأول، وهو أن يمين اللغو ما كان صادراً عن فلتات اللسان من غير عقد القلب عليه، فإنها لعدم قصدها خارجة عن كسب القلب، وإنما غاية ما فيها أنها تدرج في الألسن لغلبة اعتيادها في النطق فلا أثر لكسب القلب فيها، وعليه فمعنى قوله تعالى: {لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ} لا يؤاخذكم الله في أيمانكم باللغو الخارج عن قصدكم فهو معفو عنه بفضله تعالى كما عفا عن الخطأ والنسيان.
اليمين الغموس وكفارتها:
وبناء على هذا فاليمين التي تسمى باليمين الغموس واليمين المصبورة هي مما يجب التكفير فيه، وهذا ما ذهب إليه أصحابنا والشافعية وطائفة من علماء السلف، وذهب الحنفية والمالكية إلى أن يمين الغموس والمصبورة لا كفارة فيهما، واليمين الغموس هي التي تغمس صاحبها في الإثم، وذلك أن يقدم على الحلف على شيء ما عن عمدٍ وإصرار وهو يعلم أنه ليس كما حلف، وأما اليمين المصبورة فهي لا تختلف عن اليمين الغموس إلا من حيث إنه يلزمها الحالف بقضاء شرعي، فهي مصبور أي محبوس صاحبها، وإنما أسند الصبر إليها على سبيل المجاز العقلي وإلا فالمصبور الحالف عندما (5/32)
صفحة 1982
الأيمان
33
يحبس ويفرض عليه أن يحلف تلك اليمين إن لم يؤد ما يطالب به من حق، فعندما يكون هذا المصبور حانثاً في يمينه تجب عليه الكفارة، أما الذين ذهبوا إلى عدم الكفارة فإنهم قالوا بأن الكفارة ستر وإسقاط للعقوبة، وهذه ـ أي يمين الغموس واليمين المصبورة - أعظم من أن تسقطها الكفارة، فاليمين الغموس كاسمها إنما تغمس صاحبها في الإثم فلا تسقطها الكفارة، وكذلك اليمين المصبورة لأنها لم يصبر صاحبها على الحلف إلا من أجل أنه ممتنع عن حق يطالب به وهو له جاحد؛ وقد اقتطع بها حق من يجب له الحق إن كان حانثاً فيها، وفي الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم: «من اقتطع حق مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار» (1)، لذلك كانت أعظم من أن تسقطها الكفارة، فلا مناص لصاحبها من الإثم ولا مخلص له بالتكفير، والصحيح أنها كغيرها من الأيمان في وجوب تكفيرها مع الحنث، ومهما كان وعيدها فهو مقيد كسائر الوعيد بعدم التوبة، وقد دلت النصوص الشرعية على أن لكل معصية توبة لمن تاب منها وإنما تتوقف التوبة من هذه اليمين على تكفيرها ورد الحق المقتطع بها إلى أهله، ثم اختلف أصحابنا في نوع هذه الكفارة، منهم من قال بتغليظها ككفارة الظهار، وإنما ذهبوا إلى التخيير فيها بين عتق رقبة وصيام شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكيناً بخلاف الظهار، ومنهم من قال: بأنها لا تعدو أن تكون مرسلة كسائر كفارات الأيمان المنصوص عليها في سورة المائدة وهو الراجح، إذ لا دليل على أن كفارة اليمين قد تكون مغلظة.
اليمين المؤاخذ بها:
وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}: لا يخلو الحالف من حالين إما أن يكون حلفه بقصد أو بغير قصد، فإن كان قاصداً أن يحلف فقد كسب ما
(1) رواه الربيع في كتاب الأيمان والنذور، باب في الديات والعقل، رقم (660). (5/33)
صفحة 1983
34
جماعة
قال
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
عزم عليه بقلبه، لأنه أراد الحلف وعقد عزمه عليه، وإن كان لم يقصد فذلك لغو، فاللغو وكسب القلب ضدان لا يمكن في حالة واحدة أن يجتمعا، ولذلك صلح مجيء لكن للاستدراك لأنها تأتي بين الضدين، ولا فرق في التعبير بين ما مافي هذه الآية وما في قوله تعالى في سورة المائدة: {وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَدتُمُ الْأَيْمَنَ} [المائدة: (89]، فإن كسب القلب هنا يبينه ما في سورة المائدة، فالإجمال هنا يحمل على التفصيل هناك، ومما يعجب منه أن من أهل التفسير جعلوا ما هنا مفصلاً، وما هناك مجملاً، والأعجب من ذلك أن بعضهم ذهب إلى التفريق بين المراد هنا والمراد هنالك، ولذلك من قال منهم بأن اليمين الغموس لا يؤاخذ بها الإنسان في الدنيا بإلزام الكفارة عليه، وإنما تكون المؤاخذة لأنها من باب ما كسبت قلوبكم وليست من باب ما عقدتم الأيمان، لأن العقد قد يكون بمعنى ربط الشيء بالشيء، فاليمين الغموس لا تترتب عليها كفارة اليمين المنصوص عليها في سورة المائدة - بناءً على هذا الرأي، لأنها ليست من باب تعقيد الأيمان وإنما هي من باب كسب القلوب على أنه يبدو واضحاً أنه لا فرق بين التعبير هذه الآية {بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225] والتعبير في آية المائدة بقوله: بِمَا عَقَدتُمُ الْأَيْمَنَ} [المائدة: 89) فإن المراد في الموضعين جميعاً عقد العزم على اليمين فاليمين التي يحنث فيها الإنسان يؤاخذ بها لأنها إنما يكسبها بقلبه لأنه يتوجه بقلبه إليها عندما ينوي، اليمين، وذلك عين تعقيد الأيمان المنصوص على المؤاخذة به وترتب الكفارة عليه.
في
خاتمة الآية الكريمة:
بدو
وَاللَّهُ غَفُورُ حَلِيمٌ: عدم المؤاخذة في الأيمان إنما هو بسبب أن الله تبارك شأنه كثرة المغفرة لعباده، فلو شاء لأخذ العباد بهفواتهم الصادرة
وتعالى من (5/34)
صفحة 1984
الأيمان
35
في حال نسيانهم وكل ما تفرزه مجادلاتهم ومحاوراتهم من أيمان لا يحسبون لها حساباً وأقوال لا يلقون لها بالاً، إلا أن كثرة مغفرته وحبه لغفران الخطايا والأخطاء كان مقتضاهما عدم مؤاخذتهم إلا بما تعمدوه، وكما أنه تعالى من صفاته كثرة المغفرة فإنَّ من صفاته الحلم أيضاً، وصفة الحلم تعني التجاوز عن قلة الأدب في حق الحليم، ولا ريب أن إقحام اسم الله تبارك وتعالى في مطلق الحديث بين الناس وما يدور بينهم من جدل حتى يكون عرضة للحلف به من غير قصد إنما منشؤوه عدم الاكتراث حتى يكثر الإنسان من الحلف بين حين وآخر في مجادلاته فلا يجد نفسه إلا قد أقسم به تعالى في معاملاته ومحاوراته من غير أن يكون قد قصد اليمين، والله تبارك وتعالى بسبب حلمه بعباده لا يؤاخذهم بهذه الهنات والهفوات، ومن هنا كان الحليم أنسب للغفور في هذا المقام بالذات من الرحيم، فتجدون أنه سبحانه قرن وصف نفسه بالمغفرة هنا بوصفه بالحلم لا بوصف الرحمة، لأن الحلم إنما هو في مقابل هذه الهنات والسقطات التي لا يكاد يسلم منها أحد. (5/35)
صفحة 1985
36
ما
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
اليمين وأنواعها:
هي
اليمين لغةً واصطلاحاً؟ وما الفرق بين يمين اللغو وغيرها؟
اليمين هي اليد اليمنى، قال تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَبَهُ بِيَمِينِهِ، فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الإنشقاق: 7، 8 وتُطلق على القوة مجازاً لأن اليمين أقوى من الشمال ومنه قول الله تعالى: {لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} [الحاقة: 45] وقول الشاعر: إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين
وأطلقت اليمين على الحلف لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل بيمين صاحبه وقيل: لأن اليد اليمنى من شأنها حفظ الشيء وشمّي الحلف بذلك لحفظ المحلوف عليه، وفي الاصطلاح الشرعي هي: توكيد القول بذكر اسم أسماء الله أو صفة من صفاته.
من
وهي تنقسم إلى قسمين لغو ومنعقدة، قال تعالى: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَدتُمُ الْأَيْمَنَ} [المائدة: 89]، واختلف في يمين اللغو على العديد من الأقوال، فقيل: هي ما كان تحريماً لما أحل الله، روى ابن جرير عن ابن عباس الله قال: لما نزلت {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ} [المائدة: 87] في القوم الذين كانوا حرموا النساء واللحم على أنفسهم قالوا: يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ فأنزل الله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ} [المائدة: 89) وأخرج أبو الشيخ عن يعلى بن مسلم قال: سألت سعيد بن جبير عن هذه الآية فقال: اقرأ ما قبلها فقرأت: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 87] .. إلى
قوله: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ} [المائدة: 89]. قال: اللغو أن تحرم الذي أحل الله لك، وأشباهه تكفر عن يمينك ولا تحرمه، فهذا اللغو الذي (5/36)
صفحة 1986
الأيمان
37
لا يؤاخذكم به، ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان، فإن مت عليه أخذت به، وأخرج نحوه عبد بن حميد عن سعيد بن جبير أيضاً، وبناءً عليه فإن يمين اللغو تكفر وإنما يسقط عن حالفها، وزرها وقيل هي ما يسبق إليه اللسان بلا قصد كقول: كلا والله وبلى والله.
وقد روى مالك في «الموطأ» والشافعي في «الأم» والشيخان في «صحيحهما) والبيهقي في سننه وابن جرير وغيره من رواة التفسير بالمأثور عن عائشة ريا الى قالت أنزلت هذه الآية: {وَلَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ} [المائدة: 89] في قول الرجل: لا والله وبلى والله وكلا والله)، زاد ابن جرير: يصل بها كلامه، وفي رواية أخرى أخرجها هو وغيره عنها: هم القوم يتدارؤون في الأمر، فيقول هذا لا والله. ويقول هذا كلا والله يتدارؤون في الأمر لا تعقد عليه قلوبهم وقد رويت بهذا المعنى روايات عن العديد من الصحابة منهم ابن عمر وابن عباس رضوان الله عليهم، وبناءً على هذا القول فلا كفارة في هذا النوع من اليمين وهو الأصح كما سيأتي إن شاء الله، وبه
صدر صاحب الإيضاح والنيل وقد روي عن الإمام أبي الشعثاء العالى، وذكر القطب في شرحه على النيل أنه معتمد أصحابنا الله.
وقيل: هي
رحمهم
أن يحلف على قطعي في ظنه ثم يتبين خلاف ما حلف عليه،
فإنه لا إثم عليه ولا كفارة في قول مالك والثوري وأصحاب الرأي وأبي عبيد وأحمد، وقال الشافعي لا إثم عليه وعليه الكفارة، قال المروزي من الشافعية وليس قول الشافعي: في هذا بالقوي. وقال ـ المروزي ـ: فأما يمين اللغو الذي اتفق عامة العلماء على أنها لغو فهو قول الرجل: لا والله، وبلى والله في حديثه وكلامه غير منعقد لليمين ولا مريدها، قال الشافعي: وذلك
(1) رواه البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب لا يؤاخذكم الله باللغو، رقم (6286). (5/37)
صفحة 1987
38
هي
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
عند اللجاج والغضب والعجالة، وقيل: هي مخالفة النطق للعقد كأن يريد أن يقول: والله لقد قام زيد فيسبق لسانه إلى: والله لقد قعد زيد، وقيل: أن يحلف غالطاً كأن يريد أن يقول جاء فيسبق لسانه إلى قول والله لقد جاء زيد. وقيل: اليمين على النسيان ونسب إلى جابر بن زيد والنخعي، وقيل: هي اليمين في حال الغضب والضجر بلا قصد، وقيل: هي الحلف على معصية كأن يحلف على ترك فرض أو فعل محرم فإن كفارة ذلك العدول عن المعصية إلى الطاعة، ولكن الصحيح وجوب الكفارة في ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه وقيل: هي اليمين المكفرة فبتكفيرها انحلت وصارت لغواً، ويرد ذلك بأن يمين اللغو غير منعقدة، وهذه انعقدت ثم انحلت بالتكفير وقيل الحلف على الغير أن يفعل أو لا يفعل، وقيل: هي دعاء الإنسان على نفسه بالشر إن فعل كذا، وتعقب بأن هذه غير يمين إلا إن يميناً بالتعليق، وهذه الأقوال كلها مذكورة في كتب المذهب (1)، وفي بعض آثار أصحابنا المشارقة أنها اليمين التي قطعها الحالف قبل تمامها لخوفه من الحنث، والأصح من هذه الأقوال أن يمين اللغو ما سبق إلى اللسان بغير قصد لأنها لم ينعقد عليها العزم، وقد سئل عنها الحسن بحضور الفرزدق فقال الفرزدق: دعني أبا سعيد أجب عنك وقال:
سميت
ولست بمأخوذ بقول تقوله إذا لم تعمد عاقدات العزائم ويدل على ما قلته قول الله تعالى: {وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225] وقوله: {وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَدتُمُ الْأَيْمَنَ} [المائدة: 89] ومعنى ذلك أن هذه يمين لم تنبعث من القلب وإنما سبق إليها اللسان بلا قصد فلا كفارة فيها وإنما تجب فيما كان بانعقاد القلب لقوله تعالى: {وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَدتُمُ الْأَيْمَنَ فَكَفَّرَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ} [المائدة: 89] والله أعلم.
(1) أي: المذهب الإباضي. (5/38)
صفحة 1988
الأيمان
39
يمين الصبي:
شخص انهم
طفلاً أو صبياً بالسرقة، فأنكر الصبي فأصر الآخر على أن
يقسم الصبي على كتاب الله أنه لم يسرق، فأقسم الصبي، فهل على
أحدهما من إثم؟
لا يحلف الصبي، وتحليفه خطأ تجب التوبة منه والله أعلم.
يمين اللغو:
ما قولكم في اللغو الخالي من السفه أو إذا كان بانفلات لسان وما معنى قوله تعالى: {لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ؟
إن كان المراد باللغو الكذب فهو حرام على أي حال، وأما قوله تعالى: لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ} [البقرة: 225) فليس المراد به تعمد الكذب وإنما المراد به ما ينفلت من الألسن من الأيمان بغير قصد نحو كلا والله وبلى والله فإنه لا كفارة فيه، بخلاف ما عقد عليه عزم اليمين والله أعلم.
ما حكم من اعتاد أن يحلف بالله من دون قصد حتى في أمور غير
صحيحة؟
من كان يتلفظ بألفاظ القسم من غير عزم على القسم، وإنما تسبق لسانه إليه فذلك مما يعد من لغو اليمين، والله تعالى يقول: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَدتُمُ الْأَيْمَنَ) [المائدة: 89]، والله أعلم. (5/39)
صفحة 1989
الفتاوى
الأيمان - الكفارات - النذور
من حلف على شيء ثم رأى غيره خيراً منه:
امرأة أقسمت بالله ألا تكلم ولدها والآن تريد مصالحته ماذا تفعل؟ لا يجوز هذا القسم لأنه قسم على معصية، فلتكلم ولدها ولتكفر يمينها بإطعام عشرة مساكين من أوساط الطعام أو تكسوهم أو تعتق رقبة، فإن لم تستطع فلتصم ثلاثة أيام والله أعلم.
هذا
رجل تشاجر مع زوجته وقال لها: والله ثلاث مرات لن تنامي في البيت الليلة، وهي ليست عندها مكان وكذلك الأولاد يريدون شخصاً يعمل لهم طعاماً ولا أحد غيرها يخدمهم، وبعد انتهاء الغضب استغفر الله وتاب فهل الآن لزوجته أن تعود إلى المنزل أم لا؟
نعم تعود إلى البيت وإن لم تنم تلك الليلة فليس عليه شيء إلا الاستغفار، وإن نامت فعليه كفارة يمين والله أعلم.
أخوان شقيقان واحد منهما حلف ألا يقفو جنازة أخيه إذا اختاره الله،
ولكن توفي أخوه وقفا جنازته، فما حكم الشرع في ذلك؟
عليه التوبة إلى الله عن حلفه وليكفر يمينه بإطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام
والله أعلم.
امرأتان تخاصمتا بسبب شيء ما، وأثناء نقاشهما قالت إحداهما: والله العظيم إنها إذا ذهبت إلى البلد لموسم القيظ لا تدخل البيت مرة ثانية، فماذا يجب عليها؟
إن ذهبت فعليها كفارة يمين وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام (5/40)
صفحة 1990
الأيمان
41
أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن لم تجد شيئاً من ذلك فلتصم ثلاثة أيام
والله أعلم. إني أرجو من سماحتكم التكرم بإفتائي عن قسم أقسمته بعدم دخول بيت أحد الأقارب لسبب ما، ثم تدخل الناس للصلح بيننا ولم أستطع ردهم وتم الصلح وأصبحت مضطراً لدخول ذلك البيت، فماذا عليّ في
هذه الحالة؟
عليك أن تكفر يمينك بإطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن عجزت عن جميع ذلك فعليك صيام ثلاثة أيام
والله أعلم.
رجل صار بينه وبين والدته خلاف بسيط غضبت والدته على إثره وأقسمت ألا تأخذ من ولدها أي شيء، وكان الولد يؤدي لها في كل شهر شيئاً معيناً من معاشه وأخيراً اعتذر لوالدته وطلب منها أن تسغفر فرضيت لحظتها عن ولدها، فهل يلزمها شيء إذا أخذت من
ماله؟
عليها أن تكفر يمينها بإطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم
أو تحرير رقبة، فإن عجزت عن كل ذلك فلتصم ثلاثة أيام والله أعلم. رجل أقسم يميناً على أن لا يدخل منزل أحد أقربائه لزعل بينهما، وبعد سداد الحال بينهما هل يجوز له أن يدخل منزل قريبه؟
أو
من حلف على شيء ثم رأى غيره خيراً منه فليأت الذي هو خير وليكفر يمينه، والكفارة هي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم تحرير رقبة، فإن لم تقدر على شيء من ذلك فلتصم ثلاثة أيام والله أعلم. (5/41)
صفحة 1991
42
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
ذات امرأة لها ولد يسكن كل منهما في منزل منفرد، وفي حلفت يوم الأم بأن لا تدخل منزل ابنها وذلك لسبب مخالفته إياها في أمور عائلية،
وبعد فترة اضطرت لدخول منزل ابنها لمرض زوجته، فماذا يلزم منهما فعله؟
كلاً
جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من حلف على شيء ورأى غيره خيراً منه فليأت الذي هو خير وليكفر يمينه» (1)، فإذا دخلت هذه المرأة بيت ولدها بعد قسمها بالله أن لا تدخله لزمتها كفارة يمين وهي المنصوص عليها في قول الله تعالى: {فَكَفَرَتْهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَرَةُ أَيْمَنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: (89) والآية تدل على التخيير بين إطعام عشرة مساكين أو
كسوتهم أو تحرير رقبة وإنما الصيام للعاجز عن ذلك كله والله أعلم.
امرأة أبلغها زوجها بأنه ينوي السفر إلى خارج الدولة فقالت له: والله العظيم إنك لن تسافر حتى ولو أموت، وعندما قال لها زوجها: قولي استغفر الله العظيم قالت والله لن أستغفر لكن بعد أن هدأت الأمور وتفاهم الزوجان وافقت الزوجة على سفر زوجها إلى الخارج، في هذه الحالة ماذا يلزمها؟ وهل يعتبر هذا التلفظ يميناً على الزوجة؟ وهل تلزمها كفارة في ذلك؟
إن سافر فعليها كفارة يمين وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام
أو كسوتهم أو تحرير رقبة فإن لم تستطع فصيام ثلاثة أيام والله أعلم.
(1) رواه الربيع في كتاب الأيمان والنذور، باب في الأيمان والنذور، رقم (656)، ورواه مسلم في كتاب الأيمان رقم (1650). (5/42)
صفحة 1992
الأيمان
43
رجل أقسم يميناً على ألا يكلم أخاه مدى الحياة، وذلك بسبب خلاف في الميراث، وكان في حالة غضب، وبعد فترة طويلة تدخل أناس للصلح بينهما، فما على هذا الرجل أن يفعل حتى يصالح أخاه؟
إن كلم أخاه فعليه كفارة يمين وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، وعليه مع ذلك أن يتوب إلى الله من حلفه بقطيعة أخيه والله أعلم.
ما قول سماحتكم في رجل ضرب ابنته فوقع خلاف بينه وبين زوجته، فطلبت منه الطلاق ولكنه تريث، ثم حلفت يميناً بأنها لن تقوم بخدمة البيت، وبعد مضي خمسة عشر يوماً قامت بخدمة البيت لأن أولادها فيه، ورضيت على زوجها فما رأي سماحتكم حول اليمين؟
عليها كفارة يمين، وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو
كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام والله أعلم.
لدي بنت تدرس في الجامعة فتعرفت على شاب زميل لها واتفقا على الزواج، فتقدم ذلك الشاب لخطبتها مني فأبديت المعارضة في بادئ الأمر لأنني أود تزويجها لابن عمها وهي تعلم ذلك من قبل، وحاولت مراراً إقناعها بذلك دون جدوى، فغضبت عليها وألقيت عليها يميناً بأنها إذا تزوجت من ذلك الشاب لن أدخلها منزلي بعد خروجها منه ولا أعرفها ولا تعرفني ومنعت عليها زيارة إخوانها في صحتهم ومرضهم في حياتهم ومماتهم وتحت أي ظرف ولكن مع ذلك تزوجت من ذلك الشاب الذي اختارته؟ دعها تدخل وتفعل كل ما حلفت عليه ثم كفر يمينك بإطعام عشرة (5/43)
صفحة 1993
44
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن لم تكن واجداً
لشيء من ذلك فصم ثلاثة أيام والله أعلم.
حلف رجل بسبب شقاق مع أخيه بأن لا يدخل أخوه بيته ولا يزوره إذا مرض ولا يتبع جنازته، وأراد الأخ زيارة أخيه لأنه يريد أن يصفح عنه، فماذا يفعل؟ عليه أن يصل أخاه ثم يكفر كفارة يمين وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة فإن لم يجد فليصم ثلاثة أيام والله أعلم.
لقد تشاجر ابني مع ابن الجيران وأسفر الشجار أن طعن ابن الجيران ابني بالسكين فرقد على إثرها في المستشفى، علماً بأن ابن الجيران أكبر من ابني بحوالي خمسة عشر عاماً ووقتها كان في حالة سكر، وفي ذلك اليوم أقسمت بالله أن لا أتنازل عن هذه القضية أبداً، وبما أن القضية الآن لدى إحدى مراكز الشرطة والجماعة والجيران أتوني بغرض السماح والتنازل فماذ يتوجب علي إذا تنازلت بدلاً عن القسم؟
أو
إن تنازلت فعليك إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم تحرير رقبة فإن لم تقدري على شيء من ذلك فعليك صيام ثلاثة أيام والله أعلم.
تزوجت من امرأة ووالدتي غير موافقة على زواجي، فحلفت بأن لا أدخل عليها منزلها، ولكن بعد فترة قمت بالدخول عليها والسلام، فماذا يلزمني الآن؟
بئس ما فعلت إذ عققت أمك وقطعتها فعليك التوبة من ذلك وعليك كفارة يمينك وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة فإن لم تجد شيئاً من ذلك فعليك صيام ثلاثة أيام هذا وأدم استغفار ربك وبر أمك والله أعلم. (5/44)
صفحة 1994
الأيمان
45
لأحد، وكان
أم تقطن مع أحد أبنائها، وهي عمياء البصر لكنها متفتحة البصيرة تقرأ القرآن آناء الليل وأطراف النهار، ولا يصدر منها أي إزعاج يمنع أولاده من زيارة بعض إخوته وأولادهم وهي
الكريم
ولدها دائماً
دائماً تنصحه
عن ذلك، وفي مساء أحد الأيام وبعد صلاة المغرب وعندما كانت تسدي إليه النصح قام بطردها من منزله قبل تناول وجبة العشاء قائلاً لها: «اخرجي من منزلي ثم طلب منها أن تأخذ أغراضها وترحل فحلفت أنها لا تكلمه مدى الحياة ولا تريد منه أي شيء، لكنه في الآونة الأخيرة أحس بالندم تجاه فعلته الشنعاء فقام يرسل لها بعض الناس لإقناعها بمكالمته لكنها أبت ذلك قبل أخذ حكم الشرع الشريف لتعرف ما لها وما عليها في ذلك؟
بئس ما فعل وساء ما عمل، وعليه التوبة إلى الله وإرضاء أمه، وعليها هي إن كلمته كفارة يمين وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة فإن لم تجد شيئاً من ذلك فلتصم ثلاثة أيام والله أعلم.
لدي أولاد بعضهم في المدارس والبعض الآخر في البيت، وفي يوم من الأيام قام الأولاد الكبار ببعض التصرفات التي لم تعجبني حيث دخلت معهم في نقاش حاد جداً يتعلق بأسلوب المذاكرة وبعض التصرفات الأخرى، وأثناء هذه المناقشة الحادة قلت لهم: أقسم بالله العظيم بأنني لن أقوم بتفصيل ملابس لكم لعيد الأضحى المبارك علماً بأن ذلك كان بحضور والدتهم، والآن العيد مقبل علينا وأرغب في تفصيل ملابس
لهم، في هذه الحالة ماذا عليّ أن أعمله قبل أن أفصل لهم الملابس؟
إن فصلت لهم ملابس لزمتك كفارة يمين وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن لم تجد شيئاً من ذلك فلتصم ثلاثة أيام والله أعلم. (5/45)
صفحة 1995
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
لدي في البيت امرأة مريضة جداً وأقوم برعايتها وإعطائها الدواء، لكن مرضها يجعلها أحياناً تسبني وتسب أهلي، وعندما أغضب عليها كثيراً أحلف بالله العظيم أن لا أعطيها الدواء، ولكنني بعد ذلك أتمالك نفسي وأعطيها الدواء، ماذا علي أن أفعل لمخالفتي للحلف بالله؟
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أقسم على شيء فرأى غيره خيراً منه فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه». فعلى هذه المرأة أن تفعل الخير بأن ترعى تلك المرأة وتحسن إليها وتكفر عن يمينها بإطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة فإن لم تجد فصيام ثلاثة أيام،
والله أعلم.
مني
حلفت
امرأة كرهت مجالستها لسبب أو لآخر، وفي حالة غضب بألا تكلمني أو تدخل منزلي وأثناء وفاة أمي دخلت من ضمن النساء لتعزيتي، فما حكم الشرع في مثل هذه الحالة؟
صالحيها وأطعمي عشرة مساكين من أوسط الطعام ففي ذلك خير
والله أعلم.
حصلت خلافات بيني وبين بعض أهلي فحلفت بالله بأني لا أتزوج منهم ولا أزوجهم أحداً من بناتي وبعد مضي عدة سنوات ذابت تلك الخلافات وجاء أحدهم يطلب ابنتي للزواج، فهل يجوز أن أزوجه ابنتي بعد أن حلفت يميناً بألا أزوجهم ولا أتزوج منهم، وللعلم كنت أثناء الحلف في حالة غضب شديد وقد ندمت على ما بدر مني وتبرعت
هذه
بمبلغ مائة ريال عُماني ككفارة يمين وذلك لأيتام وقلت في نفسي تلك، وأنا الآن في حيرة من أمري هل يجوز لي أن
كفارة عن يميني (5/46)
صفحة 1996
الأيمان
47
أتزوج منهم أو أزوجهم إحدى بناتي بعد هذه اليمين؟ وماذا عليّ أن أفعل في سبيل أن أكفر عن يميني تلك؟
يجوز ذلك، أن تزوجهم وأن تتزوج منهم ثم تكفر يمينك وذلك بإطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو أن تكسوهم أو أن تحرر رقبة، فإن عجزت
عن ذلك كله فصيام ثلاثة أيام، ذلك كله بعد الحنث لا قبله والله أعلم.
رجل حلف ألا يدخل بيته أو بيت ولده أو أخيه وألا يركب سيارة ولده وقال: إذا دخلت بيته وأراد أن يدخل فماذا عليه؟
قوله إذا دخلت بيته كلام غير تام لعدم وجود جواب الشرط ولا يترتب عليه شيء مع الدخول أو عدمه، أما إن قال بالله لا أدخل أو نحو ذلك لزمته الكفارة مع الدخول وهي إما إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو عتق رقبة، فإن عجز عن كل ذلك فعليه صيام ثلاثة أيام والله أعلم.
معهم.
رجل عنده ولدان أمرهم أن يقصوا شعرهم كاملاً فذهبوا إلى الحلاق وقصروا شعرهم ولما وصل الوالد البيت نظر إليهم فلما رآهم تنازع وقال لهم: إذا ما تقصوا شعركم كاملاً والله لا تدخلوا البيت، وبعد ذلك نفذ أحدهم أوامر والده ولم ينفذها الآخر وقال له: والله لا تدخل البيت وذهب الولد إلى مكان آخر، لكن الجيران ذهبوا إليه وأحضروه إلى البيت، فما حكم ذلك؟
لقد أساء الابن الذي لم يطاوع والده ولم يبر قسمه، والواجب على الوالد أن يكفر عن يمينه بإطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن لم يجد فليصم ثلاثة أيام والله أعلم. (5/47)
صفحة 1997
48
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
إليه
حصل سوء تفاهم بيني وبين زوجي وبموجبه قام بطلاقي بالثلاث في جملة واحدة، ولكنه بعد أيام وجيزة اشتكى عليّ وأراد. رجعي وأحضر معه شهود أمام المحكمة، وكذلك أقسم باليمين بأنه طلقني طلقة واحدة فقط، وأنا كذلك أقسمت ـ وكنت في حالة غضب ـ بأنني لن أرجع إليه مرة ثانية أبداً سواء إنه طلقني مرة واحدة أو أكثر. والآن - يا سماحة الشيخ - القاضي أمرني أن أرجع إليه بموجب أن طليقي أقسم يميناً بأنه طلقني مرة واحدة فقط، وللعلم أنه طلقني بالليل وفي صباح ذلك اليوم بدأت عندي العادة الشهرية، وكذلك لما حلفت كنت حالة الغضب الشديد لما طلقني فأرجو من سماحتكم الإفادة، هل توجب عليّ كفارة قبل رجوعي إليه أم لا؟ وإن وجبت علي كفارة ما
في
هي؟
والله
عليك أن تكفري يمينك بإطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام وا يتقبل منك إن شاء الله.
امرأة حلفت بالله أن لا تخرج معها ابنتها الصغيرة ذلك اليوم، ولكن البنت خرجت معها، فماذا عليها؟
عليها كفارة يمين وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو
كسوتهم أو تحرير رقبة فإن لم تجد فصيام ثلاثة أيام والله أعلم.
أنا امرأة كبيرة في السن أسأل عن حلفة حلفتها بأن لا أدخل بيت أخي
لكن ابن أخي أجبرني على الدخول فدخلت، فماذا عليّ؟
أساءت هذه المرأة عندما حلفت أن لا تدخل بيت أخيها لأنها أقسمت على معصية، والبر بهذا القسم معصية، وأحسنت عندما دخلت، ففي الحديث (5/48)
صفحة 1998
الأيمان
49
عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من حلف عن شيء فرأى غيره خيراً منه فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه» (1)، وعليها الكفارة وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط ما يطعم الأهل أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن كانت عاجزة عن ذلك كله فعليها أن، تصوم ثلاثة أيام، والله تعالى أعلم.
حلف شخص في حالة غضب بأن لا يدخل بيت ولده، وإذا دخله فتلزمه كفارة، لكنه لم يحدد هذه الكفارة، فماذا يلزمه إذا أراد أن يستغفر ويتوب ويدخل البيت؟
عليه بعد دخوله ـ إن كان غير واجدٍ لما يكفر به من إطعام أو كسوة أو
عتق - أن
يصوم
ثلاثة أيام والله أعلم.
ما يلحق باليمين
ما قولكم في زوجة قالت لزوجها: لن أرجع معك إلا إذا كنت ابنة كلب،
وهذه الزوجة رجعت برغبة منها؟
عليها كفارة يمين والله أعلم.
(1) تقدم تخريجه. (5/49)
صفحة 1999
0.
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
من حلف ليمنع نفسه عن أمر:
رجل أقسم بالله أن لا يأتي فاحشة الزنى غير أنه بعد مدة من قسمه ارتكب تلك الفاحشة وندم على فعلته واستغفر ربه وتاب فما عليه غير التوبة والاستغفار؟
عليه مع التوبة كفارة اليمين وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام
أو كسوتهم أو تحرير رقبة فأن لم يجد فصيام ثلاثة أيام والله أعلم.
سؤال عن شخص حلف على المصحف أن لا يشرب الخمر، فإذا شرب الخمر تطلق منه، زوجته ولكنه كسر هذا الحلف وشرب الخمر، وبعد سنة أو أكثر تذكر هذا الحلف، فهل تطلق منه زوجته؟ وهل عليه شيء من الكفارات؟
تطلق منه امرأته بشربه الخمر لتعليقه طلاقها على شربها ولو لم يقسم ولئن كان أقسم بالله وعجل فعليه كفارة يمين لحنثه فيما أقسم عليه وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ولئن كان وطاء زوجته بعد وقوع طلاقها من غير مراجعة فإن الذي عليه أصحابنا أنها تحرم عليه بذلك والله أعلم. (5/50)
صفحة 2000
الأيمان
51
من حلف على فعل معصية:
شخص أقسم بالله بأن يعمل حاجة تغضب الله له ولكنه لم يعملها، ماذا عليه؟ إذا كان عليه صيام شهرين متتابعين هل يجوز له بأن يطعم كل مسكيناً لمدة ستين يوماً بدلاً من الصيام؟ علماً بأن هذا الشخص هو في عز شبابه أم ماذا عليه؟
يوم
عليه إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن لم يجد شيئاً من ذلك فعليه صيام ثلاثة أيام والله أعلم.
من حلف بطاعة:
ما القول الراجح معكم فيمن قال: إذا خدمت عندك فعلي أن أسير إلى الحج حافياً فماذا يلزمه إذا خدم عنده؟
مساق
الراجح أنه تجب عليه كفارة يمين لأنها الأصل فيما يحظره الإنسان على نفسه كما دل عليه سياق إيجابها في سورة المائدة حيث سيقت في التحذير من تحريم ما أحل الله من الطيبات والله أعلم.
رجل كان على خلاف مع أناس آخرين في بعض الأمور، فقال: بصيام عشرة شهور هذا الشيء لا يمكن أعمله مهما كان، فما عليه من حكم
الشرع؟
6
عليه التوبة من حلفه بغير الله تعالى ولا كفارة عليه مع الحنث ولا يلزمه الصوم الذي ذكره والله أعلم. (5/51)
صفحة 2001
52
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
خائفة من
امرأة منذ قديم الزمان تقول إنها حلفت بحجة حافية، وقامت سابقاً بتوزيع جونية عيش (1)، إلا أنها ترادوها أحلام في منامها وهي ذلك، فهل عليها شيء وكيف؟
عليها أن تكثر من ذكر الله واستعاذته من الشر، وأن تتصدق، يذهب الله ما بها إن شاء الله.
كنت راجعاً من العمل إلى البيت متضايقاً، ولما دخلت سألت زوجتي عن نظافة البيت والأولاد فردت عليّ بقولها أنا تعبانة ما أقدر أعمل حاجة في البيت، وكانت تخرج إلى بيت الجيران باستمرار فقلت لها وكنت في حالة غضب بحجة لا تطلعي أي بيت سواء بيت أهلك أو أهلي أو بيت أحد الجيران فما حكم الشرع في ذلك؟
بيت
هذا قسم منك بغير الله تعالى، وهو من كبائر الإثم، فعليك التوبة من ذلك ولا تنعقد اليمين بمثل هذا القسم، فلا مانع من ذهابها إلى حيث شددت عليها
إن ذهبت مع إذنك لها ولا تلزمك الكفارة، وإنما تلزمك التوبة والله أعلم.
لي بنت تدرس في المدرسة ولكنها غير مطيعة لوالدها، وعمرها أربعة عشر سنة، وأمرتها بالصلاة ولكنها رفضت وبنفس الطريقة ترفض أي أمر مني، حتى عند رجوعها من المدرسة إلى البيت لا تلقي السلام على أهلها، فهي عنيدة وعاصية، فغضبت عليها غضباً شديداً وقلت لحظتها: أمنعك بصلاتي وحجتي من الذهاب إلى المدرسة، ثم استغفرت بعد أن هذا؟ هدأت، فما هو حكم الشرع في قسمي
هذا قسم بغير الله، ومن أقسم بغير الله وعمل فقد عصاه، فعليك التوبة إلى الله من صنيعك، ولا تنعقد بهذا يمين والله أعلم.
(1) كيس أرز. (5/52)
صفحة 2002
الأيمان
53
امرأة حلفت بحجة حافية وصوم شهرين بأنها لا تأكل من مال والد نسيبها وزوجته، علماً بأن نسيبها (أي زوج ابنتها) يسكن مع أبيه والمال مختلط، وندمت على الحلف وأرادت أن تأكل من بيت نسيبها، فماذا
عليها؟
مال
إن كانت حلفت بصيغة التعليق وذلك بأن تقول مثلاً: إن أكلت من فلان فعليّ أن أحج حافية وأصوم شهرين فعليها ما ألزمته نفسها لأن من
ألزم نفسه شيئاً ألزمناه إياه، فإن أكلت فعليها الحج والصيام، ولكن لا يلزمها الحفا في الحج إذ لا علاقة لذلك بأعمال الحج، وإن كان الحلف بصيغة القسم وذلك بأن تقول: بحجة حافية وصيام شهرين لا أفعل كذا ففعلت فليس عليها إلا التوبة من حلفها بغير الله، لأن الحلف بغير الله من كبائر الإثم ولا تنعقد بذلك يمين فلا تلزمها كفارة ولو حنثت والله أعلم.
رجل وقع بينه وبين زوجته بعض الكلام في شأن بيتهما وقال بما نصه: الكفارة وصوم شهرين أني لا أدخل هذا البيت فما الذي يلزمه على لفظه
هذا؟
من أقسم بغير الله تعالى من المخلوقات لم تنعقد يمينه سواء كان جسماً أو عرضاً وإنما يكون بذلك عاصياً الله تعالى، وعليه فإني أرى على من أقسم بالكفارة وصوم الشهرين أن يستغفر الله تعالى ويتوب إليه وليس عليه سوى ذلك سواء حنث أو لم يحنث والله تعالى أعلم.
رجل أقسم يميناً إذا دخل بيت أخيه فإنه سيزور البيت الحرام حافي القدمين، فما حكمه؟
لا يلزمه أن يزور البيت حافي القدمين وإنما تلزمه كفارة مرسلة لحنثه (5/53)
صفحة 2003
54
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
في اليمين وهي إما عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم فمن عجز عن ذلك كله فليصم ثلاثة أيام، هذا وإذا اسـ هذا تطاع البيت غير الحجة المفروضة فالأحوط له أن يحج يحج والله أعلم.
الرجل أن
ما قولكم في رجل قال: إذا دخلت بيت فلان تلزمني حجة وصيام شهرين، ودخل ذلك البيت؟
جاء في الأثر: «من ألزم نفسه شيئاً ألزمناه إياه» وهو واضح في إيجاب الحجة وصيام الشهرين من ألزمهما نفسه إذ دخل بيتاً ودخله والله أعلم.
ماذا يجب على من حلف بحجة وصيام شهرين وحنث؟
إن كان حلفه بصيغة القسم، وذلك بأن يقول بحجة لا أفعل كذا أو حلفت بحجة أو أقسمت بحجة، فليس عليه إلا التوبة إلى الله وعمل لأنه أقسم بغير الله، وإن كان حلف بصيغة التعليق وذلك بأن يقول عليه حجة أو نحوها إن فعل كذا فعليه ما ألزمه نفسه والله أعلم.
ماذا على من حلف بثلاثين حجة مثلاً؟
إن كان حلفه بصيغة القسم، وذلك بأن يقول بحجة لا أفعل كذا أو حلفت بحجة أو أقسمت بحجة فليس عليه إلا التوبة إلى الله ولا لأنه أقسم بغير الله وإن كان حلف بصيغة التعليق، وذلك بأن يقول عليه حجة أو نحوها إن فعل كذا فعليه ما ألزمه نفسه، والله أعلم. (5/54)
صفحة 2004
الأيمان
55
من عجز عن فعل ما حلف عليه:
أعمل منذ فترة طويلة، وقد قرب موعد انتهاء فترة عملي في هذا العمل ولكن أتتني فرصة أخرى لتجديده، وإلى أن يأتي هذا العمل بقيت ستة شهور، وأنا الآن أعيش في منزل والدي فأقسمت أني قبل أن يأتي هذا التجديد سوف أشتري سيارة وأبني بيتاً لي ولزوجتي وأبنائي، ولكن أتى التجديد ولم يكن معي المال الكافي لأبر بقسمي، فما هو رأيكم هذا الموضوع؟ وماذا يجب الآن أن أفعل لأبر بقسمي هذا؟
في
عليك أن تطعم عشرة مساكين من أوسط الطعام والله أعلم.
شخص حلف أن يصوم شهراً كاملاً ولكن نتيجة بلاء ابتلاه الله تعالى به لم يستطع أن يكمل الشهر، فماذا عليه؟
هذا الشهر إن كان واجباً عليه فلا بد أن يصومه مع القدرة، ومع العجز ينتقل عن الصيام إلى الإطعام، وأما إن كان غير واجب عليه وإنما أوجبه على نفسه بيمينه التي حلفها، فيمكنه أن ينتقل من الصيام إلى كفارة اليمين وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة،
والله أعلم. (5/55)
صفحة 2005
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
من حلف أو حنث ناسياً أو مضطراً:
هل يجوز الحلف على خلاف الواقع وذلك لضمان مصلحة خاصة لدفع الظلم؟ وهل يجب الحلف إن كان به التخلص عن حرام أو تخليص
نفس مؤمنة من الهلاك؟
أباح الله سبحانه ـ من فضله على عباده ـ أن يتحدث المضطر بالكفر الصراح لدفع الضرر عنه، قال تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَينُ بِالْإِيمَن} [النحل: 106] وإنما العبرة في هذا بقرار الإيمان في القلب ولو نطق اللسان بخلافه، ولذلك أتبعه بقوله: وَلَكِن مَن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 106) ولئن ساغ ذلك فيما يدل على الكفر الصراح فإن الحلف على خلاف الواقع لدفع مظلمة متيقنة أسوغ، ولا يترتب عليه وجوب الكفارة، بل يعد ذلك واجباً شرعاً إن كان من أجل التخلص من حرام أو إنقاذ نفس مؤمنة أو مصونة ولو كانت غير مؤمنة لقوله تعالى: وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32 والله أعلم.
امرأة حلفت أنها لا تعمل كذا ثم نسيت وعملت ما أقسمت عليه، ثم بعدها تذكرت أنها سبق وأن أقسمت فماذا عليها حيث إن الشك يراودها في ذلك وترغب في أن تصحح ذلك الخطأ؟
عليها أن تكفر يمينها وذلك بأن تعتق رقبة أو تطعم عشرة مساكين أو تكسوهم، فإن عجزت عن كل ذلك فلتصم ثلاثة أيام
والله أعلم.
رجل حلف يميناً بالله أنه لا يركب السيارة التي يركبها شخص أسماه، (5/56)
صفحة 2006
الأيمان
OV
وبعد فترة من الزمن رأى أن الظروف تضطره لركوب السيارة، فما الذي يلزمه عن قسمه إن ركبها؟
عليه كفارة يمين إن ركبها وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو تحرير رقبة، فإن لم يجد فليصم ثلاثة أيام والله أعلم.
أو كسوتهم
إذا حلف الإنسان في حالة غضب أنه لا يعمل شيئاً معيناً، ولكنه وجد نفسه مضطراً لفعل ذلك الشيء. مع العلم بأن الحلف كان في ساعة غضب، فهل تلزمه كفارة؟ وما نوعها؟
الأصح أن الكفارة تلزم الحالف إن قصد أن يحلف سواء كان في حالة الغضب أو في حالة الرضا، والكفارة نص عليها القرآن في قوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَدتُمُ الْأَيْمَنُ فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَرَةُ أَيْمَنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَنَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 89]، والله أعلم.
رجل كان يقوم بمهام الفلج ()، وبسبب بعض المشاكل التي صادفته حلف بألا يمسك الفلج مرة أخرى، ولكن لا يدري ما نوع الحلف الذي حلفه،
هل بالطلاق أم باليمين، والآن يريد أن يعود لمسك الفلج فماذا عليه؟ الأصل أن يكون الحلف باسم الله، لأن الحلف بالطلاق وغيره من الإثم والزور، وعلى هذا الرجل إن فعل ما حلف عليه أن يكفر إما بعتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم فإن عجز عن كل ذلك فصيام ثلاثة أيام والله أعلم.
(1) الفلج: هو المياه الجوفية المستخرجة والتي تجري في جداول مخصصة لها لري الأشجار والنخيل، وهي نظام الري في
عُمان. (5/57)
صفحة 2007
58
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
تحريم الحلال وتحليل الحرام
هذه
عن امرأة لديها ولد، سافر إلى مصر وقضى هناك مدة طويلة، وفي المدة تزوج ولم يذكر لأمه، ثم علمت أمه فقامت بتحريم الحليب الذي شربه ابنها منها في صباه، وكذلك ألا يتبع جنازتها ولا تريد أن تراه، ولكنها تراجعت وأقلعت عن قرارها السالف الذكر، فما رأي سماحتكم في ذلك؟
بئس ما قالت، فإن الذي يحلل ويحرم هو الله سبحانه: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، فليس لأحد أن يحرم على نفسه ما أحله الله فضلاً عن تحريم ذلك على الغير، فعليها التوبة إلى الله وكل مما مع كفارة اليمين، والله يعفو عن التائبين، ولا يحرم قولها شيئاً مما
قارفته
أحله الله، والله أعلم.
فيمن قال: حرام عليّ طعام الغداء هذا اليوم، ثم أكل منه، فهل يكون طعام الغداء الذي أكل منه حراماً؟ وماذا عليه؟
الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه، ومن أحل ما حرم الله أو حرم ما أحل الله فقد افترى على الله كذباً، وكفى به إثماً مبيناً، قال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، فعلى من صدر منه ذلك أن يتوب إلى الله ويعتقد العقيدة الحقة بتحليل ما أحل الله وتحريم
6
ما حرم، ويكفر كفارة يمين وما عليه حرج في تناول ما ادعى تحريمه، لأن الحلال لا يحرم بقول أحد والله أعلم. (5/58)
صفحة 2008
الأيمان
59
امرأة حلفت على أولادها بكلمة محرمة عليكم إذا مرضت وأخذتموني إلى المستشفى، والآن هي مريضة وأولادها يريدون أخذها إلى
المستشفى ولكنها رفضت إلى أن يخبروها ماذا عليها في هذه اليمين؟ قول الوالدة لأولادها محرمة عليكم إذا فعلتم كذا ليس فيه يمين وإنما هو تعبير عن عدم رضاها بذلك، فإذا رضيت في أي وقت من الأوقات فلا حرج في ذلك والله أعلم.
فيمن قال: (حرمت الأكل والشرب قبل (فلان)، فهل هذا حكمه حكم اليمين إذا أكل أو شرب وبذلك يكون حانثاً وعليه كفارة مرسلة؟ أم أن حلالاً؟ هذا حكمه حكم من حرم
عليه التوبة إلى الله أكل أو لم يأكل؛ لأنه افترى على الله الكذب وكفى به إثماً مبيناً، وعليه كفارة مرسلة وإن لم يأكله لمجرد التحريم على قول بعض أهل العلم وقيل: إن أكل والله أعلم.
ما قول سماحتكم في امرأة حدثت بينها وبين بعض أقرباء زوجها مشاكل بسبب اتهامهم لها بتهمة هي برئية منها، وقد سببت لها تلك المشاكل انفعالات وغضب نتج عنه أنها حرّمت درّها [لبنها] على بناتها إذا تزوجن من أولادهم. والآن انتهت تلك الانفعالات والأضغان من القلوب وساد التفاهم والود بين الفريقين وكأن هذه المرأة قد وافقت بزواج بناتها من أولاد أقرباء زوجها وتريد أن تعرف عن حكم ما قالت؟
وهل يلزمها منه شيء؟ وهل يؤثر على التزاوج بين الأولاد والبنات؟
بئس ما قالت، فقد تطاولت على أحكام الله وكفرت بما أنزل في كتابه، إذ ليس لأحد أن يحرم شيئاً أحله الله، كما أنه ليس لأحد أن يُحل ما حرمه (5/59)
صفحة 2009
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
يسع
هذه
الله، قال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، وقال: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَدَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاء عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [الأنعام: 140]، ولا المرأة إلا أن تتوب إلى الله وتعود إلى عقيدة الإسلام وتدين أنه لا حلال إلا ما أحل الله ولا حرام إلا ما حرم، وعليها أن تكفر كفارة يمين وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة فإن لم تجد فصيام ثلاثة أيام والله أعلم.
امرأة حرمت على نفسها أي نفع يقدمه لها ولدها نتيجة لسوء تفاهم حصل بينهما وكانت على غضب، فهي نادمة على ذلك، ما المخرج الشرعي للرجوع عن ذلك؟
المحرم والمحلل هو الله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ، فعليها التوبة من ذلك واعتقاد أن الله وحده هو الذي يحلل ويحرم
مع كفارة يمين، وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام والله أعلم.
أو
لقد حرمت في ساعة غضب أن لا آكل ولا أشرب ولا أقبل أي شيء من أخي، أنا وأولادي حتى أموت فما هو حكم الشرع في ذلك؟
شأن
بئس ما فعلت، فإن التحريم ليس من شأن البشر، وإنما هو من الله وحل، واقتحام الإنسان في هذا الأمر إنما هو تدخل فيما هو خاص بالله، ولئن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يأذن له الله أن يحرم من تلقاء نفسه شيئاً بل
6 (5/60)
صفحة 2010
الأيمان
1 ?
عاتبه الله على ذلك بقوله: {يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم: 1] فكيف بغيره؟ على أن الزجر عن ذلك في القرآن الكرم صريح وواضح، فقد قال رجل: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، وتحريم الحلال كتحليل الحرام كلاهما غير سائغ، فكما لا يسوغ للإنسان أن يحلل الخمر أو الزنى أو الميتة ونحوها؛ كذلك لا يسوغ له أن يحرم شيئاً لم يحرمه الله، ومن وقع في مثل ذلك فعليه التوبة إلى الله والدينونة بأنه لا حلال إلا ما أحل الله ولا حرام إلا ما حرّم، وعليه بجانب ذلك كفارة يمين، لأن الله سبحانه قال عقب عتاب النبي على تحريم ما أحل الله: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ} [التحريم: (2) والله أعلم.
رجل عنده أولاد، وقد وقع خلاف بينه وبين أحد أبنائه وكتب الأب في حياته وصية يقول فيها إنه محرّم على ابنه هذا أن يتبع جنازته عند وفاته، وكذلك حرّم عليه الميراث، وعن قريب توفي الأب وتبع الابن جنازة أبيه وهو يعلم بذلك، أفتونا بما أتاكم الله من العلم؟
ليس أمر التحليل أو التحريم ولا أمر الميراث موكولاً إلى أحدٍ من الناس، لأنه مما استأثر به الله، قال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
لَا يُفْلِحُونَ، وقال في المواريث بعد بيان أحكامها: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خلِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ الله وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [النساء: 13، 14]، وهو واضح بأن أي تدخل في أمور المواريث تعد لحدود الله، وبهذا (5/61)
صفحة 2011
62
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
تعلم أن وصية الأب
بمنع
أحد أبنائه من اتباع جنازته تدخل منه في حكم
الله، وكذلك تحريم نصيبه من الميراث عليه ومثل هذا لا يصدر إلا عن
جهل فاضح ولا يبطل ذلك حكماً من أحكام الله والله أعلم.
امرأة حلفت إذا أكلت من ذبيحة ذبحناها أيام العيد تحرم عليها كما يحرم عليها أكل لحم أحد أولادها، وبعد ذلك أكلت منها، فما حكم الشرع في ذلك؟
افترت على الله الكذب، فما أحله الله لا يحرم بقول أحد، فلتأكل ولتكفر كفارة يمين والله أعلم.
رجل طلق زوجته وهي حامل ولكنه حرمها على نفسه وحللها على غيره كما يفعل الجهلاء، والآن يريد مراجعتها، فهل تلزمه كفارة اليمين
المرسلة بسبب جرأته على التحليل والتحريم أم تكفيه التوبة؟
عليه أن يعود إلى الإسلام أولاً ويتوب من ردته فإن كل واحد من تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم كفر بواح ثم عليه كفارتان لكل واحد منهما كفارة وليرجعها بعدئذٍ إن لم يقصد إبانتها بالتحريم ولا ظهاراً والله أعلم.
صار
عمي
بيني وبين أولاد خلاف بسيط في شراء أضحية العيد، فأردت أن أشتري تلك الأضحية فأبوا أن يخفضوا الثمن، فحلفت إذا لم تخفضوا من الثمن أنني لن أدخل بيتكم، وإذا دخلته فإن بنت العرب ما
تجوز لي، والآن أريد أن أدخل بيتهم فماذا على إذا فعلت؟
هذه يمين حانثة، لأن التحليل والتحريم ليسا موكولين إلى الناس، وإنما هما إلى الله وقد حذر الله من الخوض فيهما بغير حق، فقد قال عز من قائل: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ (5/62)
صفحة 2012
الأيمان
63
ذلك
الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، وعليه فإني أرى أن تدخل بيت أبناء عمك وتكفر يمينك والكفارة هي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة فإن لم تجد شيئاً فلتصم ثلاثة أيام اللهم إلا أن تكون أردت بقولك: لا تجوز لي. طلاقها فإنها تطلق بذلك حسب قصدك. والله أعلم.
من
شخص كان يسب الدين كلما غضب، ومرة ة اختلف مع زميل له حول طعام فغضب وقال هذا الطعام حرام علي، وكان يقصد ذلك الطعام بعينه في ذلك الوقت فقط، ومرت الأيام فاطلع هذا الشخص على حكم من كان يسب الدين فبادر إلى التوبة والتلفظ بالشهادتين من جديد وأتى بالأمور التي تجب على المرتد التائب ولكنه لم يكن يعلم بالأمر الثاني وهو أن تحريم شيء أحله الله يخرجه من الملة، فهل تجزي هذا الشخص التوبة الأولى مع العلم أن هذا الشخص لما منّ الله تعالى عليه بالاستقامة كان يستغفر الله تعالى من حين لآخر توبة إجمالية من كل ذنوبه إلا أنه لم يتب من معصية تحريم الحلال بعينها لأنه لم يكن يظن
أنها تفضي إلى الخروج من الملة، وماذا يجب عليه الآن؟
تحريم
الحلال كتحليل الحرام كلاهما أمر عظيم، وقد بين الله تعالى أن المشركين هم الذين يحرمون ما أحل الله، فقد قال الله اله: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا
من
لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَا قُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا} [الأنعام: 148]، وقال
أيضاً: {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا عَبَدَنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ} [النحل: 35]، وقال: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاء عَلَى اللهِ} [الأنعام: 140]، ومن المعلوم (5/63)
صفحة 2013
64
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
أن تحريم الحلال هو افتراء على الله تبارك وتعالى فإن الله وعمل يقول: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِب إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، ويقول: {قُلْ أَرَهَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ اللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تفترون} [يونس: 59] فهذا يدل على أن من حرم ما أحل الله فقد افترى على الله تعالى لأنه رد حكماً من أحكامه، ومن رد حكماً من أحكام الله تعالى فهو لا ريب خارج من ملة الإسلام إن لم يكن متأولاً في كلامه، وماذا عسى يكون هذا التأول الذي يتأوله هذا الجاهل الأرعن الذي يقدم على شيء بعينه من طعام أو شراب أو نحوهما فيحرمه، لذلك نحن ندعوه إلى أن يتوب إلى الله تعالى فإن كان نادماً على فعله هذا مقلعاً عنه وقد استغفر لذنوبه إجمالاً فنرجو أن يتقبل الله توبته، إذ التوبة إنما تكون بالندم أولاً والإقلاع ثانياً وعقد العزم على عدم العودة إلى المعصية ثم الاستغفار، والله تعالى أعلم.
الناس في ثنايا كلامهم كثيراً ما يقولون هذا حرام؟
أن
هذا كلام في منتهى الخطر وإن استخف الناس به، وهو دليل الجهل، و دليل أن الأمة أصيبت بما أصيبت به الأمم من قبل، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)، وهذا هو الوقت الذي وقعت فيه هذه الأمة فيما وقعت فيه الأمم قبلها، حيث اتبعت سنن من كان قبلها فحرمت ما شاءت وأحلت ما شاءت بدون هدى من الله تعالى ناهيكم أن طاعة الغير في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم تعد عبادة لذلك الغير من دون الله، فقد أخرج أحمد والترمذي وابن جرير عن عدي بن حاتم أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو قوله
(1) رواه البخاري في كتاب الأنبياء باب ما ذكر عن بني إسرائيل رقم (3269). (5/64)
صفحة 2014
الأيمان
65
سبحانه: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31] وكان امرءاً قد تنصر فقال: إنهم لم يعبدوهم. قال: بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم لهم)، والله أعلم.
هل تحريم الحلال مخرج من الملة؟
من حرم شيئاً أحله الله من غير تأويل، فإنه يكون بذلك خارجاً من الملة، والله أعلم.
فتاة قالت لابن عمها: أنت حرام علّي ولن أتزوجك ولو كنت آخر زوج في العالم وكذلك هو، وشاءت الأقدار أن يتزوجا ببعضهما وأتيا بأطفال، فما حكم ذلك القول في هذه الحالة، وما واجبهم نحو ما فعلوه مع العلم أن هذا الكلام يؤنب ضميريهما؟
6
ما أخطر هذا القول وما أفحشه وأسوأه! ذلك أن التحليل والتحريم ليسا من اختصاص البشر وإنما هما من شأن الله الله، وإقدام الإنسان على تحريم ما أحل الله تعالى كإقدامه على تحليل ما حرم فكل واحد منهما كفر، لأنه رد لحكم الله تعالى ومن رد حكم الله فقد كفر كفر ملة إن لم يكن متأولاً، وهذا ما نجد دلائله في القرآن فالله تعالى شدّد في كتابه كثيراً على الذين يقدمون على التحليل والتحريم من تلقاء أنفسهم، فقد قال له: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِنَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، وقال سبحانه: {قُلْ أَرَءَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَلَا قُلْ اللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تفترون} [يونس: 59]، وقال تعالى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ
(1) رواه الترمذي في كتاب تفسير القرآن باب من سورة التوبة رقم (3095). (5/65)
صفحة 2015
??
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاء عَلَى اللَّهِ} [الأنعام: 140]، فهذه الآيات كلها تدل على أن تحريم ما لم يحرم الله تعالى إنما هو افتراء كذب على الله، وافتراء الكذب على الله أمر مخرج من ملة الإسلام ـ والعياذ بالله ـ، وبجانب هذا نرى النصوص الأخرى تدل على أن تحريم الحلال من شأن المشركين، فالله تعالى يقول: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا} [الأنعام: 148]، ويقول سبحانه: {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ} [النحل: 35]، وقد حَاجَّ الله المشركين في تحريمهم ما حرموا من الطيبات حيث قال: ثَمَنِيَةَ أَزْوَجٌ مِن الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ الذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ الذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَضَكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 143، 144]، فتحريم الحلال ليس من شأن المسلمين، فما للإنسان والإقدام عليه.
ولا ريب أنه إذا صدر ذلك من رجل في حق امرأة قبل الزواج أو صدر ذلك من امرأة في حق رجل لا يحرم أحدهما على الآخر، لأن قولهما قول كاذب، ولكن هل تلزم في ذلك كفارة يمين؟ الذي نأخذ به أنه تلزم، لأن الله تبارك وتعالى قرن في كتابه الكريم بين تحريم طيبات ما أحل وبين الكفارة، وهذا الاقتران يوحي بأن الكفارة تلزم في هذا، فإن الله تعالى يقول: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَلًا طَيِّبَا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} [المائدة: 87، 88]، (5/66)
صفحة 2016
الأيمان
67
ثم أتبع ذلك قوله: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَدتُم لأَيْمَنَ فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَرَةُ أَيْمَنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَنَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَنَتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 89]، فهذا الاقتران ما بين ذكر التحريم وذكر كفارة اليمين دليل على أن كفارة اليمين تجب في مقابل التحريم كما تجب في مقابل الحنث في اليمين.
وذلك أيضاً مما يتأكد بقول الله تعالى في سورة التحريم: {يَأَيُّهَا النَّبِيُّ لمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْغِى مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ} [التحريم: 1، 2]، والله تعالى أعلم.
ما القول الراجح معكم فيمن: قال رطب فلان محرم علي إلى يوم الدين
ثم
أكله فماذا عليه؟
الراجح أنه تجب عليه كفارة يمين بدليل قوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَدتُمُ الْأَيْمَنَ} [المائدة: 89] الآية. على أثر قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 87] والسياق يقتضي ارتباط اللاحق من الآيات بالسابق ومعنى ذلك أن هذا هو حكم من حرم شيئاً مما أحل الله، ويؤيده ما في سورة التحريم، وعليه مع ذلك الرجوع إلى عقيدة الإسلام التي لا تخول أحداً تحريم شيء مما أحل
الله والله أعلم. (5/67)
صفحة 2017
?
الفتاوى
الأيمان - الكفارات - النذور
اليمين المقيدة
امرأة قالت: والله العظيم إذا لم يتم بناء هذا المطبخ حتى آخر هذا الشهر سأذهب إلى بيت أهلي ولا أرجع حتى يكتمل بناؤه، وانقضى الشهر وما زال المطبخ على ما هو عليه، ولم تذهب إلى بيت أهلها، نادمة وهي على ما قالت فماذا يجب عليها فعله؟ عليها كفارة يمين وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن لم تجد فصيام ثلاثة أيام والله أعلم.
رجل حلف وهو في حالة غضب وضيق بأن بيت فلان ما أدخله إلا إذا صمت ثلاثة أيام، هل يثبت عليه الصوم؟ وهل هناك عوض أو بديل عن الصوم إذا لم يستطع هذا الرجل القيام به؟
إن كان حلف أنه لا يدخله إلا بعد أن يصوم ثلاثة أيام فدخله قبل الصيام فعليه كفارة يمين وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن لم يجد فعليه صيام ثلاثة أيام والله أعلم. (5/68)
صفحة 2018
اليمين الغموس:
الأيمان
69
ما حكم من حلف بالله عدة مرات وهو كاذب؟
عليه أن يتقي الله، وأن يتوب إليه توبة نصوحاً، وأن يرجع إليه سبحانه فإن اليمين الكاذبة هي اليمين الغموس ومعنى كونها غموساً أنها تغمس صاحبها في النار والعياذ بالله إن لم يتب منها، وبجانب هذه التوبة فإن عليه عندنا أن يكفّر كفارة يمين وهي ما نص عليه القرآن الكريم في قوله عز من قائل: {فَكَفَرَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامِ} [المائدة: 89]، فهو مخير بين ثلاثة أشياء بين أن يطعم عشرة مساكين من أوسط ما يطعم به أهله، أو أن يكسوهم كسوة متوسطة، أو أن يعتق رقبة، فإن عجز عن ذلك كله فهنالك ينتقل إلى صيام ثلاثة أيام، هذه كفارة الحنث في اليمين المنصوص عليها في كتاب الله وفي سنة رسوله، وإنما شدّد بعض العلماء عندما غالى الناس في الأيمان فجعلوا اليمين - عندما يشدّد الإنسان على نفسه في يمينه ـ حكمها كحكم
هي
كفارة الظهار من حيث نوعية التكفير، وذلك بأن تكون إما عتقاً لرقبة وإما صياماً لشهرين متتابعين وإما إطعاماً لستين مسكيناً، وذلك مما لم يقم عليه دليل، ولذلك جنح علمائنا المحققين إلى أن كفارة اليمين لا تختلف ولا تتنوع بين مغلظة ومرسلة كما ينوعها بعض أهل العلم، وإنما هي في جميع الأحوال كفارات مرسلة بحسب ما نُص عليه في القرآن، والله تعالى أعلم.
امرأة حلفت على مصحف ولكنها كانت كاذبة، فماذا عليها؟
كثير من الناس يتصورون أن الحلف الذي يترتب عليه ما يترتب عليه من الإثم أن يكون على المصحف. بينما الحلف هو أن يحلف بالله (5/69)
صفحة 2019
70
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
أو بشيء من فالحلف بصفات الذات كأن يحلف بالعليم القادر السميع البصير الحي الرحمن الرحيم، والحلف بصفات الأفعال كأن يحلف بالخالق الباعث الوارث المحي المميت فإن ذلك إنما هو يمين بالله تبارك وتعالى، إذ ليس الموصوف بهذه الصفات غيره تعالى، وهذه اليمين إن حلفها الإنسان كاذباً اليمين الغموس والعياذ بالله ومعنى الغموس أنها تغمس صاحبها في جهنم. - أعاذنا الله منها ـ إن تعمد الحلف كاذباً فإنها من أكبر الكبائر كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَيْكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 77]، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من اقتطع حق مسلم الله عليه الجنة وأوجب له النار» (1).
أسمائه أو صفاته، سواء صفات الذات أو صفات الأفعال،
فهي
بيمينه حرم
إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة الدالة على خطورة الإقدام على يمين
الزور. فهذا كله مما يدل على أن الحالف الذي حلف بالله تعالى إنما حلف
على أمر عظيم فعليه أن يتقي الله تعالى وأن لا يحلف.
على أن اليمين حتى ولو كان الإنسان فيها صادقاً إن لم يلجئه إليها ما لا مناص منه لا ينبغي له أن يتسرع بها، فكيف يحلف بالله تعالى وهو كاذب. هذا واليمين إن حنث فيها الحالف فقد بيّن الله تبارك وتعالى كفارتها فقال: {فَكَفَرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامِ} [المائدة: 89)، ومعنى تحرير رقبة:
(1) رواه الربيع في كتاب الأيمان والنذور، باب في الأيمان والنذور، رقم (660)، ومسلم، كتاب الأيمان، باب وعيد من اقتطع حق المسلم رقم (137). (5/70)
صفحة 2020
الأيمان
71
إخراج إنسان من العبودية إلى الحرية، بحيث يشتريه ويعتقه إن لم يكن مالكاً له من قبل، وكذلك يعتقه إن كان في ملكه من قبل، والله تعالى أعلم.
أحد
فلاناً
حدثت خصومة شديدة بين شخصين وبعد أن أقام الناس ليصلحوا بينهما امتنع الطرفان وأصر كل واحد منهما على موقفه، فتدخل الطيبين فذهب إلى الأول فقال له: - من قبيل الكذب المباح - إن يريد أن يعتذر لك مما بدر منه، ويريد منك أن تصفح عنه، ويرغب في المجيء إليك، ولكنه خائف أن ترده، فرد عليه وكان يثق في الرجل ثقة كبيرة أنه لا يكذب احلف بالله على ما تقول، فرأى الرجل أنه وقع في حرج عظيم لم يستطع أن يفلت منه لأنه لو لم يحلف لعلم المتخاصم أنه يكذب عليه ولم يعد يصدقه بعد ذلك، وقد يخيل إليه خياله أن الرجل سبق وأن ذهب إلى المتخاصم الثاني وطلب منه الصلح ولكنه رفض وامتنع، وبذلك يزداد الأمر سوء وشدة، فما كان من الرجل إلا أن حلف بالله ليتخلص من ذلك الحرج، هل يباح لهذا الرجل حلفه بالله كاذباً في مثل هذا الموقف؟ وماذا يجب عليه إن كان ذلك غير جائز؟ علماً بأننا سمعنا من بعض العلماء يقول إن هذه اليمين يمين بارة قصد بها الصلح بين مسلمين ولا تدخل في اليمين الفاجرة؟
ما كان له أن يحلف بالله إلا وهو صادق وأما وقد حلف فعليه كفارة يمين وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام والله أعلم.
زوجتي تتهمني بأني متزوج بامرأة أخرى في السر، وذلك حسب ما سمعته من اتصال امرأة مجهولة تخبرها بذلك، ورغم أني أكدت لها بعدم صحة ما ذكرته تلك المرأة المجهولة؛ لكنها لم تصدقني وطلبت (5/71)
صفحة 2021
72
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
مني قسم اليمين حتى تصدقني، فهل يجوز لي شرعاً أن أقسم اليمين في
هذه الحالة؟
إن أقسمت وأنت صادق فيما تقسم عليه فلا حرج عليك؛ وإلا فاحذر من الحنث والله أعلم.
فحلف
رجل ادعى على رجل آخر أنه استأجر منه بناء حجرة وسلمه مبلغاً، إلا أن المستأجر أنكر ذلك والذي قام بالعمل عامله الأجنبي، المدعى عليه أمام القاضي أنه ما استلم المبلغ ولا رأى المؤجر، بينما هو استلم المبلغ من المؤجر وقبضه بيده وفي نفس الحال سلمه العامل الأجنبي القائم بالعمل فهل يكون الحالف حانثاً؟ وإن كان حانثاً فماذا
عليه؟
هو
حانث وعليه كفارة يمين وقيل: بل كفارة مغلظة بجانب التوبة ورد المظالم والله أعلم.
شخص أقسم بالله أقسم بالله العظيم أنه عمل كذا وكذا، وهو لا أساس له من الصحة، فماذا عليه؟ مع العلم بأنه يقسم مرات عديدة؟
إن كان أقسم حانثاً فعليه كفارة يمين وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة فإن لم يجد شيئاً من ذلك فعليه صيام ثلاثة أيام هذا مع التوبة إلى الله من قول الزور والله أعلم.
نحن ورثة، ثلاث إناث وذكران وزوجة الرجل المتوفى، ولقد كلف كل منا وكيلاً بالنيابة عنه للقسمة، وبعد القسمة تدخل أحد الموكلين وقال للإناث قمن بفض القسمة لأنها غير عادلة، وبالفعل قمنا نحن الإناث بالمطالبة بفض القسمة، وبعد سؤال القاضي لنا إذا كنا ندري بالقسمة (5/72)
صفحة 2022
الأيمان
73
لا، أنكرنا معرفتنا بالقسمة وحلفنا اليمين وهذه القضية من حوالي عشرين سنة، فهل علينا شيء نحن الإناث؟
إن كان الواقع كما قلتن فلا حرج عليكن، وإلا فعلى كل واحدة منكن كفارة يمين والله أعلم.
كما هو معلوم في المجتمع العُماني منذ صدر الإسلام بأن القبيلة تحاول حل مشاكلها بنفسها دون اللجوء إلى المحاكم، فمثلاً إذا حصل أي اعتداء على حرمات أحد ما يجتمع الشيخ بأعيان البلد ويتشاوروا في الأمر إلى أن يتوصلوا إلى حل يرضي الطرفين وتنتهي المشكلة، ولكن يحدث أحياناً بأن الفاعل مجهول فيطالب المدعي بحقه من الجماعة فبالتالي لا يجد الجماعة أمامهم إلا حل واحد هو قسم اليمين على المصحف، أي كل رجل يحلف عن نفسه وعن كل أسرته صغاراً وكباراً بأنهم بريئون من تلك التهمة، والذي لا يرضى أن يحلف فالتهمة عليه، والسؤال هنا هل يجوز شرعاً أن يطلب المدعي اليمين من كافة أهل أن الفاعل مجهول؟ وهل يلزم الرجل أن يحلف يميناً عن أبنائه مع
البلد
الصغار وهو لا يعلم إن فعلوا ذلك أم لا بحكم أنهم لا يعقلون؟ إن كان أهل البلد راضين بذلك ومتفقين عليه فلا حرج في طلب المدعي اليمين من كل من تصح منه اليمين أما أن يحلف الرجل عن أنهم لم يفعلوا فذلك غير سائغ اللهم إلا أن يحلف أنه لا يعلم أنهم فعلوا
والله أعلم.
أطفاله
ما
ا هي اليمين الغموص؟
اليمين الغموص لم أسمع بها، وإن كنت تريد اليمين الغموس فهي (5/73)
صفحة 2023
74
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
اليمين التي يحلفها الإنسان ظلماً، وسميت غموساً لغمسها صاحبها في النار
والله أعلم.
شخص شهد بشهادة في قضية مشاجرة، وكانت شهادته في صالح المعتدي لكي لا يتأثر في عمله ويفصل لأن عمله حساس، فحكمت المحكمة لصالح المعتدي، وطلب الأشخاص المعتدى عليهم استئناف الحكم وقبل الاستئناف تنازل أولئك الأشخاص، ثم تاب الشاهد إلى الله وأراد أن يكفر عن ذنبه وأحس بتأنيب الضمير، فبماذا تنصح الشاهد، علماً بأن الأشخاص المعتدى عليهم بصحة جيدة ولم تصبهم أي عاهات؟
ذلك
عليه التوبة إلى الله وتكفير يمينه قيل كفارة مغلظة وهي عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً، وقيل: مرسلة وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، وعليه مع ذلك ضمان حق المشهود عليهم الذي ضاع بسبب هذه الشهادة، إلا إن رضوا بإسقاطه، فإن كان لا يعرف مقداره فليأت إليهم وليرضهم بما يتفقون عليه والله أعلم.
بمعنى
رجل حلف بالله العظيم بأنه لا يعلم بأن لزوجة والدهم صداقاً، آخر أن لها ورقة غائب عندما تزوجها والدهم، فطلب منه الحلف باليمين فحلف على أنه لا يعلم أن لها تلك الورقة من غير أن يكون متأكداً، فهل عليه شيء في تلك الحلفة؟
إن كان لا يعلم أن لها حقاً كما حلف فلا حرج عليه، وإن كان يعلم أن لها حقاً وحلف بخلاف ذلك فعليه التوبة والكفارة، وهي إما إطعام عشرة (5/74)
صفحة 2024
الأيمان
Vo
مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، وعليه مع ذلك أن يوفيها حقها الذي غمطه منها بيمينه والله أعلم.
بسبب
ما يتطلب
منهم
ما حكم قسم اليمين بالنفي الذي يؤديه رجال الشرطة في المحاكم الجزائية عندما يُطلب منهم ذلك من قبل القضاة للتأكد من أنهم قاموا بضرب المتهمين في قضايا المخدرات أم لا، مع أنهم يقومون بذلك ذلك أثناء الضبط والتحقيق معهم لإجبارهم على الاعتراف بالجرم المسند إليهم، مع وجود الأدلة المادية التي تدل على تورطهم في ذلك مثال: التصوير الحي - المضبوطات - الفحوصات الطبية - الاعترافات الأولية)، مع العلم أنه إذا لم يقم رجال الشرطة بنفي ذلك القسم يحكم القضاة ببراءة المتهمين وإخلاء سبيلهم وضياع الجهود المبذولة في كل القضايا المادية والمعنوية والجسمانية منها، مع علم سماحتكم بخطورة تلك المواد السامة وآثارها على الأمة الإسلامية
وشبابها؟
يجب على الإنسان أن يقول الحق ولا يسوغ له الكذب ولو لم يقسم فما بالكم بالقسم زوراً فهو أعظم وأطم، لذلك لا أرى مبرراً للقسم زوراً في مثل هذه الحالة، بل على الشرطة أن يوضحوا ما عندهم من الأدلة والقرائن وكفى، فإنهم بذلك يكونون أدوا ما عليهم ويحمل التبعة غيرهم والله أعلم. (5/75)
صفحة 2025
76
الفتاوى
الأيمان - الكفارات - النذور
الحلف بغير
الله
هل يجوز أن يقسم الإنسان بشرفه، كأن يقول: أقسم بالله العظيم
وبشر في؟
القسم لا يجوز ولا ينعقد إلا إن كان بالله و أو أسمائه أو صفاته، بل جاء التشديد في ذلك في الحديث النبوي الشريف، فقد جاء في بعض الروايات: «من حلف بغير الله فقد كفر»، وفي بعضها «فقد أشرك» (1)، وكفى به ردعاً عن ذلك، وهذا لأن القسم تعظيم لا يليق إلا بمقام الربوبية هذا إن كان من قبل المخلوق، وأما الله وعجل فإنه يقسم بما يشاء ويحكم ما يريد: لَا يُسْتَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ} [الأنبياء: 23]، فلذلك أقسم بالفجر والعصر والصبح والضحى والليل والنجم والعاديات والنازعات وغيرها من مخلوقاته؛ لأجل التنبيه عما فيها من عظيم آياته، وكل ما أقسم الله به فقد عظمه والله تعالى أعلم.
ما
ما قولكم في رجل أقسم بالكعبة ألا يفعل ما حرم الله من الكبائر ففعل، فهل يلزم بشيء تجاه قسمه؟
عليه أن يتوب إلى الله من قسمه بغير الله تعالى، فإن القسم بغير الله من الكبائر، فمن كان حالفاً فليحلف بالله تعالى ولا تنعقد يمين من حلف بغير الله، لذلك لا تجب عليه الكفارة، وعليه أيضاً أن يتوب إلى الله من الكبيرة التي أتاها والله أعلم.
عندي امرأتان حلفت كل واحدة منهن فقالت الأولى: على رؤوس
(1) رواه الترمذي في كتاب النذور والأيمان باب ما جاء في كراهية الحلف بغير الله رقم (1535)، وأبو داود، كتاب الأيمان والنذور باب في كراهية الحلف بالآباء رقم (3251). (5/76)
صفحة 2026
الأيمان
VV
أولادي بأن هذا الثوب لن تلبسيه، وحلفت الثانية وقالت: على رؤوس أولادي ألبسه، فما حكم الشرع في ذلك؟ وهل يلحق الأولى شيء إذا أعطتها الثوب تلبسه وهل يلحق الثانية شيء إذا لم تلبسه؟
الحلف بغير الله بدعة لا يقرها الإسلام لثبوت النهي عن ذلك والتشديد فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، واليمين لا تنعقد بهذا الحلف المنكر، لذلك لا تجب الكفارة بسبب الحنث فيه، وعليه فليس على المرأتين إلا التوبة والاستغفار من مخالفتهما أمر الله والله أعلم.
رجل حلف بطلاق زوجته إذا ارتكب فاحشة الزنى غير أنه ارتكبها، فهل تطلق منه زوجته أو تحرم عليه أبدياً؟
إن كان حلف بصيغة التعليق فإنها تطلق بوقوع المعلق عليه وهو الزنى وذلك بأن يقول: إن زنى فهي طالق، وإن حلف بصيغة القسم وذلك بأن يقول بالطلاق لا يزني، ففي وقوع الطلاق بذلك خلاف والراجح عدم وقوعه، لكنه ارتكب معصيتين كبيرتين وهما الحلف بغير الله والزنى فعليه التوبة منهما والله أعلم.
رجلان أبناء
عم،
أراد ولد أحدهما الزواج من بنت الآخر، إلا أن والد
البنت كان قد أقسم بالكعبة على ألا يزوج ابنته من أولاد أبناء عمه وحرّم ابنته عليهم؟
بئس ما قال هذا الأب الأرعن فقد أتى ثلاث معاصى كل واحدة منها كبيرة توجب لصاحبها الخلود في النار إن لم يتب إلى ربه، أولها: قطيعة الرحم ولا يدخل الجنة قاطع رحم بنص الحديث ثانيتها: القسم بغير الله حيث أقسم بالكعبة وهي مخلوقة، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من حلف (5/77)
صفحة 2027
78
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
بغير الله فقد كفر»، ثالثتها تحريم ما أحل الله وهو كفر بواح إذ هو افتراء على الله ورد لحكمه والله سبحانه يقول؛ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، وقال تعالى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَدَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاء عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) [الأنعام: 140]، فمن أين له أن يحرم ابنته على بني أخيه والله قد أحلها لهم؟ فليتق الله وليثب إلى رشده وليعد إلى عقيدة الإسلام التي تمنع من القول على الله بغير علم وليصل رحمه وإلا باء بالخسران والله المستعان
ما قولكم في رجل حلف يميناً أن لا يدخل بيت أخيه، وحلف بطلاق زوجته، وكذلك حلف أن لا يدخل بيت أولاد عمه، وحرم الأكل والشرب من بيوتهم، فإذا دخل بيوت هؤلاء المذكورين ماذا يكون
عليه؟
بئس ما فعل، فإن الحلف بغير الله من أكبر الكبائر، وإن كان حلفه بصيغة التعليق كأن يقول: إن دخل فهي طالق طلقت بمجرد دخوله، وإن كان بصيغة القسم فلا تطلق، وإنما عليه التوبة وذلك إن قال: بطلاقها لا يدخل، وليس عليه كفارة عن حلفه بغير الله لعدم انعقاد اليمين، وإنما تلزمه كفارة عن تحريم ما أحل الله مع التوبة النصوح من ذلك، فإن تحريم ما أحل الله كتحليل ما حرم كلاهما اجتراء على الله وافتراء للكذب عليه: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِنَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116] وبجانب ذلك يجب عليه التوبة
لعزمه على قطيعة الرحم وحلفه على ذلك والله أعلم. (5/78)
صفحة 2028
الاستثناء في اليمين:
الأيمان
79
ما رأيكم فيمن حلف واستثنى بالمشيئة كأن يقول: إن شاء الله بقصد الاستثناء أو التبرك هل يجديه الاستثناء؟
روى أحمد وأصحاب السنن عن ابن عمر لا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث عليه» (1)، وروي نحوه من طريق أبي هريرة عند أحمد والترمذي وابن ماجة والنسائي وابن حبان، وهو دليل على الاستثناء بالمشيئة الربانية له أثر على اليمين في إسقاط كفارتها، وحكى الإجماع على ذلك كل من العلامة ابن العربي في كتاب «أحكام القرآن والإمام الثميني في كتاب «النيل» وحكى القرطبي كلام ابن العربي وأقره، وذلك فيما إذا قصد بالتعليق على المشيئة الاستثناء، أما إذا قصد به التبرك فله حكم آخر لأنه قد يخرج مخرج التأكيد لليمين.
هذا وقد ألحق بعض أهل العلم بالمشيئة في الاستثناء كل ذكر الله تعالى إن جاء عقب اليمين متصلاً بها إن قصد به الاستثناء، وتوسع البعض فسوغ أن يستثني في الشهر لما يحلفه في ذلك الشهر، وحكى القطب رحم الله عن اللقط المروية (2) عن أبي عزيز وعن غيره أن هذا قول شاذ لا يؤخذ به، وما أحراه بهذا.
(1) رواه الترمذي في كتاب النذور والأيمان، باب ما جاء في الاستثناء في اليمين، رقم (1531)، وأبو داود، كتاب الأيمان والنذور، باب الاستثناء، وابن ماجة، كتاب الكفارات، باب الاستثناء في اليمين، رقم (3261)، والنسائي، كتاب الأيمان والنذور، باب الاستثناء، رقم (3828). (2) كتاب «لقط أبي عزيز مجموع من السير والأخبار والفقه وفتاوى النوازل التي وقعت في عصره، وهو للشيخ إبراهيم بن أبي يحيى (ت: 746 هـ). انظر: مركز دراسات الإباضية، موقع الكتروني. (5/79)
صفحة 2029
80
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
يصح
وبما أن اليمين لا تنعقد بالنية حتى ينطق بها الحالف فكذلك الاستثناء لا يكفي أن يكون بالنية دون النطق، وقيل: بل يكفيه إن نواه ولو لم ينطق به، والصحيح الأول، وذكر ابن خويز منداد من المالكية أن المالكية أن بعضهم قال: بأنه استثناؤه في نفسه، ولكنه يكون ظالماً للمحلوف له، وذهب آخرون إلى أنه لا يصح حتى يسمع المحلوف له، وقال غيرهم يصح إذا حرك به لسانه وشفتيه لأن من لم يحرك به لسانه وشفتيه لم يكن متكلماً، ومن اشترط النطق به من علمائنا قيده بإسماعه أذنيه، وإن حرك به لسانه ولم يسمعه أذنيه فقولان في المذهب. هذا ولا مناص على الصحيح من كونه موصولاً باليمين من غير فاصل إلا بنحو عطاس أو تثاؤب أو تنفس، وقيل: بل يسوغ ما لم يقم من مجلسه، وحكي عن جماعة من التابعين منهم طاوس والحسن وقال قتادة ما لم يقم أو يتكلم وقال عطاء بقدر حلب ناقة، وقال أحمد وإسحاق يستثني ما دام في ذلك الأمر، وقال سعيد بن جبير: إن استثنى بعد أربعة أشهر أجزاه.
وقال ابن عباس: يدرك الاستثناء بعد سنة. وتابعه على ذلك أبو العالية والحسن، وقال مجاهد: إن قال بعد سنتين: إن شاء الله أجزاه، وقال ابن المواز من المالكية: يكون الاستثناء مقترناً باليمين اعتقاداً ولو بآخر حرف، قال: فإن فرغ منها واستثنى لم ينفعه ذلك، لأن اليمين فرغت عارية من الاستثناء فوروده بعدها لا يؤثر كالتراخي، وتعقب بأن في حديث ابن عمر عند النسائي وأبي داود من حلف فاستثنى فإن شاء مضى وإن شاء ترك من غير حنث (1) والفاء للتعقيب لذلك لم يشترط هذا الشرط جمهور أهل العلم.
(1) رواه النسائي، كتاب الأيمان والنذور، باب من حلف فاستثنى رقم (3793)، وأبو داود كتاب الأيمان والنذور، باب الاستثناء في اليمين، رقم (3262). (5/80)
صفحة 2030
الأيمان
81
وتعلق ابن عباس والله لها بقوله تعالى: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا وَاخَرَ) [الفرقان: 68] الآية. فلما كان بعد عام نزل إِلَّا مَن تَابَ وتعقبه ابن العربي بأن الآيتين كانتا متصلتين في علم الله وفي لوحه، وإنما تأخر نزولها لحكمة، علم الله ذلك فيها، ثم نقل عن أبي الفضل المراغي أنه كان يقرأ في مدينة السلام، وكانت الكتب تأتي إليه من بلده فيضعها في صندوق ولا يقرأ منها واحداً مخافة أن يطلع فيها على ما يزعجه ويقطع به عن طلبه، فلما كان بعد خمسة أعوام وقضى غرضاً من الطلب وعزم على الرحيل شد رحله وأبرز كتبه وأخرج تلك الرسائل فقرأ فيها ما لو أن واحداً قرأه بعد وصوله ما تمكن بعده من تحصيل حرف من العلم، فحمد الله ورحل على دابة قماشه وخرج إلى باب الحلبة طريق خراسان، وتقدمه الكرى بالدابة، وأقام هو على فامى (1) يبتاع منه سفرته، فبينما هو يحاول ذلك معه إذ سمعه يقول لفامى آخر: أما سمعت العالم يقول - يعني الواعظ -: إن ابن عباس يجوز الاستثناء ولو بعد سنة، لقد اشتغل بذلك بالي منذ سمعته فظللت فيه متفكراً، ولو كان ذلك صحيحاً لما قال الله تعالى لأيوب: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِعْنَا فَأَضْرِب بِهِ، وَلَا تَحْنَتْ [ص: 44] وما الذي يمنعه من أن يقول: قل: إن شاء الله؟ فلما سمعه يقول ذلك قال: بلد يكون فيه الفاميون بهذا الحظ من العلم وهذه المرتبة أخرج عنه إلى المراغة؟ لا أفعله أبداً، واقتفى أثر الكرى وحلله من المراء وأقام بها
حتى مات.
وهي حجة قوية ألهمها الله ذلك الفامى والله يؤتي فضله من يشاء» أما ما يمكن أن يعترض به عليها من أن ذلك إنما هو شرع من قبلنا، وهو ليس
(1) الفوم: الثوم والحنطة والخبز وسائر الحبوب التي تخبز، وبائعه فامي. (انظر: القاموس
المحيط، فصل الفاء). (5/81)
صفحة 2031
82
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
بشرع لنا فيدفع بأن الأصل في الشرائع اتحادها، على أنه لم يأت في دلائل الكتاب والسنة التي هي ينابيع التشريع ما يدل على جواز الاستثناء إلى ما بعد العام، وقد حكى الله هذه القصة في كتابه فكانت حجة.
هذا وقد استدل القائلون بالاكتفاء بالنية في الاستثناء ولو لم يلفظ بقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امراء ما نوى» (1) وأشار البخاري إلى ذلك إذ بوب له في «صحيحه» بباب النية في الأيمان، وأورد الحديث ولكن شراحه حملوه على ما إذا أطلق لفظ اليمين، وكان معناها في نيته مقيداً، كأن يقسم أن لا يفعل كذا وكان في نيته تقييد ذلك بزمان مخصوص أو بحالة بعينها، وليس في الحديث ما يدل على أن الاستثناء تكفي النية به بدون لفظ، لأن الأيمان لا تعد شيئاً إن كانت نية في القلب بدون تلفظ، وإلا لوجب على من نوى اليمين فحنث أن يكفر ولو لم يلفظ بها ولزم مثل ذلك في الطلاق والعتاق وجميع العقود، وهو مردود إجماعاً، ومثل ذلك الاستثناء بالمشيئة فإنه لا بد من النطق به على أن تتمة الحديث تفسر أوله وهي: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (2). والاستثناء بالمشيئة مجمع على تأثيره في اليمين إن كانت بالله كما قال ابن عبد البر، وأما في الطلاق والعتاق ففي ذلك خلاف، فذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن الطلاق والعتاق يبطلهما الاستثناء بالمشيئة كاليمين، وذهب آخرون إلى عدم تأثيره فيهما وهو الذي عليه المذهب (3)، وفي النيل وشرحه
(1) رواه الربيع في باب النية، رقم (1)، والبخاري، باب بدء الوحي، رقم (1).
(2) رواه البخاري، باب (بدى الوحي رقم (1).
(3) يعني المذهب الإباضي. (5/82)
صفحة 2032
الأيمان
83
أن الطلاق والظهار والنكاح والعتق لا يجدي فيهن الاستثناء إلا ما كان بصيغة التعليق، لأن التعليق يجعلهن أيماناً فيهدمه الاستثناء، وحكى صاحب النيل رحمةالله قولاً بأنه يهدمهن ولو في غير الاستثناء، وأقره القطب رحم الله في شرحه، وهو مما يدل على أن الخلاف في ذلك في المذهب، ولعل ما ذكره صاحب النيل من الخلاف في الاستثناء هل هو حال لليمين أم مانع من انعقادها؟ بانياً عليه الخلاف في تأثير الاستثناء بالنية فقط هو أصل لهذا الخلاف في الطلاق ونحوه، لأن الطلاق يقع بإنشائه لفظاً فلا يحله ما يكون بعد وقوعه بخلاف ما إذا قيل بأنه مانع للوقوع رأساً، والذي أراه أن الاستثناء بالمشيئة هو خلاف الأصل فيجب أن يقتصر فيه على مورد النص فلا يقاس عليه الطلاق ونحوه، لأن كل ما كان على خلاف القياس لا يقاس عليه غيره
والله أعلم.
الحلف بالقرآن:
من حلف بالمصحف هل تلزمه كفارة؟
اختلف
في الحلف بالمصحف بين مبالغ في التشدد وآخر عكسه،
فقيل: على من حلف فحنث كفارات مغلظة بعدد حروفه، وهي على ما قال بعضهم ثلاثمائة ألف وثلاثة عشر ألفاً وأربعة وعشرون، وقيل: ألفا ألف وسبعة وعشرون ألفاً، قال القطب وهو أقرب إلى الصواب: وقيل: بعدد كلماته وهي ألفاً سبعون وستمائة وأربع وعشرون كلمة، وقيل: بعدد آياته، وهي ستة آلاف وستمائة وست وستون، آية، وقيل: بعدد كل عشر آيات، وعليه فهي عُشر ما تقدم ذكره، وقيل بعدد سوره، وهي مائة وأربع عشرة سورة، وقيل: تجزيه مغلظة واحدة، وقيل: بل مرسلة، وقيل: لا شيء (5/83)
صفحة 2033
??
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
عليه لأنه حلف بغير الله، وهو أصح إذ ليس هو عين ذاته تعالى ولا صفة من صفاته، وإنما هو أثر لإحدى صفاته، وهي صفة الكلام الذي يراد به نفى الخرس عنه سبحانه على أن الكائنات كلها آثار لصفاته تعالى، وعلى ذلك لا تجب الكفارة بالحلف بها، وقدسيته لا تقتضي هذا التغليظ بل ولا فرض ما لم يفرضه الله من الكفارة، فإن في الكائنات الأخرى ما هو مقدس شرعاً كالبيت الحرام وبيت المقدس والمساجد لأنها بيوت الله، والعرش والكرسي والقلم واللوح، ومع ذلك لا تجب كفارة على من حلف بها والله أعلم.
لي ثلاث بنات من أب غير عُماني، كان يعمل في السلطنة وأنهيت خدماته ثم سافر إلى بلده وتوفي هناك، والبنات الثلاث من مواليد السلطنة وأكبر واحدة فيهن قد بلغت الرشد وتقدم لها شاب من عائلة والدها لخطبتها لكنني سبق لي وأن حلفت بالقرآن الكريم على أنني لا أزوج بناتي أناساً يقربون لوالدهن، وذلك بسبب ما كان بيني وبين والدهن من سوء تفاهم، والآن البنات تحت مسؤوليتي شرعاً، هذا وبصفتي قد حلفت وكما أشرت وأنا الآن أريد تزويج ابنتي من هذا الشخص، فما حكم الشرع في ذلك؟
إن كنت قصدت من الحلف بما في القرآن من أسماء الله الحسنى
هذه
وصفاته العلى، وقصدت بالتزويج الموافقة على الزواج؛ فإن عليك في الحالة إن وافقت على التزويج كفارة مرسلة؛ وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة فإن لم تجدي فصيام ثلاثة أيام، وإن قصدت بالحلف بالقرآن الحلف بحروفه وكلماته ففي ذلك خلاف كثير، والراجح أن الواجب من ذلك التوبة وكفى والله أعلم. (5/84)
صفحة 2034
الأيمان
85
رجل أقسم يميناً وقال: أقسم بالله وكتاب الله المنزل بأنني لن أذهب لأعمال
الشيطان، وبعد فترة طويلة رجع مرة أخرى، ماذا يلزمه من هذه اليمين؟ على من حلف بالله وأسمائه وصفاته كفارة يمين إن حنث وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام وليتب إلى الله من حلفه بالقرآن أو غيره من كتب الله تعالى، لأنه غير داخل في الحلف بالله وأسمائه وصفاته والله أعلم.
تعدد اليمين أو المحلوف عليه:
هل على من حنث في عدة أيمان كفارات بعددها أو تكفيه واحدة؟ قيل: عليه من الكفارات بقدر الأيمان التي حنث فيها، وقيل: تجزيه واحدة عما مضى ما لم يكفّر، والقول الأول أصح، وإنما يسوغ التوسع للتائب في الأخذ بالقول الثاني إن شق عليه التكفير عن كل أيمانه التي حنث فيها والله أعلم.
كنت قد حلفت عدة مرات على أشياء ولم أفعلها أو لا تتحقق، وفي يوم من الأيام تبت إلى الله وأريد أن أصوم ثلاثة أيام، وكنت ناوياً أن أصومها ولكنني أخرت الصيام إلى ما بعد، وبعد فترة قلت: لا أنام بعد فجر اليوم وحلفت ولكنني نمت بسبب أنني كنت مرهقاً جداً، وقلت في نفسي أنام وأصوم بعد ذلك توبة إلى الله من الحلف في الأيام القادمة، فماذا علي أن أفعل؟ وقد ندمت ندماً شديداً على ما فعلت؟
عليك على الأقل كفارة واحدة وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة فإن لم تجد تجد شيئاً من ذلك فصيام ثلاثة أيام والله أعلم. (5/85)
صفحة 2035
86
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
رجل أقسم بالله أنه لا يشتري محلاً ولا يدخله، فإذا اشتراه غيره فهل يجوز له أن يدخله لكونه أقسم بالله أم أنه إذا دخله تلزمه كفارة يمين
مرسلة؟
القسم متعلق بالدخول كتعلقه بالاشتراء ويحنث بكل واحد منهما
والله أعلم. ما قولكم في رجل أراد أن يتوب إلى ربه ويكفّر عن أخطائه التي ارتكبها وفرط فيها بكثرة الحلف بالله تعالى هل يجب عليه كفارة معينة عن كل حلف حلفه أم تكون على كل ما حلفه سابقاً كفارة واحدة؟ وإن كان لا يحفظ عدد الأيمان التي أقسم بها، وما هو الأفضل في الكفارة هل الصيام أم الإنفاق أم العتق؟ وإن كان العتق أفضل ولم يوجد فماذا يفعل؟
قيل عليه كفارة لكل يمين حلفها فحنث، وقيل: تجزيه كفارة واحدة عما تقدم من الأيمان قبل التكفير والكفارة هي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام
والله أعلم.
ما قولكم فيمن حلف والله لا أدخل بيت فلان ولا أجالسه ولا أكل معه، فإذا أراد أن يكفر عن يمينه فهل تلزمه كفارة واحدة أم أنه بتعدد حلفه تتعدد الكفارات؟
من حلف يميناً بالله أنه لا يفعل أشياء متعددة ففعلها لزمته كفارة واحدة ولم تلزمه كفارات بعددها ما دامت اليمين واحدة لم تتعدد
والله أعلم. (5/86)
صفحة 2036
الأيمان
87
فيمن كان كثيراً ما يحلف ويحرم ويحنث جهلاً فيما مضى، فإذا أدرك خطأه الآن فماذا عليه فيما سلف؟
عليه التوبة إلى الله ويحتاط ولو بكفارة واحدة والله أعلم.
من حلف يميناً ثم حنث فيها فكفّر فهل تكون تلك اليمين ماضية أم عليه أن يقسم ثانية؟ وإن كانت لا تزال ماضية فهل عليه إن حنث بها ثانية أن يؤدي كفارة أخرى؟
ما معنى أن يقسم ثانية؟ فهو لا يطالب بأن يقسم إذ ليس القسم مطلوباً ولو كان المقسم صادقاً، وكثرة الأيمان عرضة للوقوع في الفساد، ولذلك قال تعالى: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَّهِينٍ} [القلم: (10)، ومن العلماء من فر قول الله تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَنِكُمْ} [البقرة: 224]، بمعنى لا تكثروا الحلف بالله ولو كان الحالف صادقاً في يمينه وإنما عليه أن يتجنب الحلف بقدر المستطاع، فإن حلف وحنث وكفّر سقط عنه حكم اليمين، ولا عليه بعد ذلك أن يستمر في فعل ما يقتضي الحنث بما أنه فعله من قبل ثم كفّر، والله تعالى أعلم.
ما القول الراجح معكم فيمن حلف بالله مرارا على شيء ثم حنث كم كفارة تكون عليه؟
الأصل أنه تجب عليه كفارة لكل يمين والقول بإجزاء كفارة واحدة
رخصة تمنح التائب المضطر لعدم السعة عنده والله أعلم. (5/87)
صفحة 2037
88
الفتاوى
الأيمان - الكفارات - النذور
مراعاة العرف والقصد في اليمين
من حلف أن يأكل اللحم فأكل السمك هل يحنث؟
ذهب بعض أهل العلم إلى أن الأيمان تراعى فيها دلالة ألفاظها فيكون البر والحنث بمقتضى تلك الدلالة، ومنهم من غلب العرف والعادة، وبناء على هذا الاختلاف كان خلافهم في الحالف أن لا يأكل السمك فأكل اللحم، فمن راعى دلالة اللفظ قال بحنثه لأن الله سمى السمك لحما في قوله: {وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيَّا} [النحل: 14) ومن أخذ بالعرف والعادة قال بعدم حنثه، لأن الناس إذا أطلقوا اللحم لم يقصدوا دخول السمك فيه، ولا ينصرف الذهن إلى دخوله، والقول الأول محكي عن أبي عبد الله ولعله، الفرسطائي، وصححه شيخنا أبو إسحاق إطفيش، حفظته منه سماعاً، واستدل له بالآية، والقول الآخر الذي عليه جمهور أهل العلم وذكر القطب رحمه لله أن أبا عبد الله قاله في محل آخر، إذ حكى عنه قوله: إن السمك ليس من اللحم إلا إن نواه ثم أتبع القطب ذلك بقوله: والحق أنه منه لنص القرآن، إلا إن نوى الحالف خروجه أو اعتاد أنه لا لحماً. يسمى والذي أختاره أن العبرة في ذلك بالنية إن كانت له نية، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات ولكل امراء ما نوى (1) وإن لم تكن له نية فالعرف هو المحكم، وعليه المعول، فإن أحداً لو أمر ولده أو غلامه أن يشتري لحماً فاشترى سمكاً لما عُدّ ممتثلاً لأمره، وعليه فلا أرى حنثاً على من أكل السمك إن حلف أن لا يأكل اللحم، اللهم إلا أن يكون في مجتمع يغلب عليه عرفاً إطلاق اللحم على السمك.
(1) رواه الربيع، باب في النية رقم (1)، والبخاري في باب بدء الوحي، رقم (1). (5/88)
صفحة 2038
الأيمان
89
فإن قيل: أو ليس القرآن حجة في التعبير كما أنه حجة في التشريع؟ قلت: بلى، وأي حجة تساوي حجة القرآن أو تدانيها؟ ولكن القرائن تصرف الألفاظ عن معانيها الحقيقية إلى معاني أخرى لم توضع لها ولو كانت مستعملة في القرآن في حقائق معانيها كالشمس والقمر والليل والنهار والبحر والغيث، فهب أحداً أقسم على شيء وأدرج شيئاً هذه الألفاظ من قسمه في على سبيل المجاز، وقد دلت قرينة عقلية أو لفظية أو حالية على قصده ألا يكون له ما قصد؟ فما الذي يدرأ قرينة العرف الشائع عن التأثير في حكم يمين الحالف بأن لا يأكل اللحم فأكل السمك؟ وكيف يفرق بين القرائن فيعول على
بعضها ويرفض بعضها؟ أو ليس حكمها شرعاً ولغة واحد؟ والله أعلم.
لدي ابن يدرس في الصف الأول الثانوي وعمره (19) عاماً، وقالت زوجتي: إذا رسب الابن في الدراسة أحلف سبعين يمين تخرج أنت وولدك من البيت؟ فماذا عليها؟
إن كانت لم تصرح بما تحلف به فلا أرى عليها إلا التوبة، اللهم إلا إن نوت أنها حلفت بالله فعليها كفارة يمين وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن لم تجد فصيام ثلاثة أيام، هذا إن لم يخرج الأب وابنه من البيت والله أعلم.
رجل حلف بالله العظيم على ضيوف ليجلسوا فجلسوا فترة ثم طلبوا الإذن بإصرار فذهبوا، هذا اللفظ الذي قاله أما نيته فهي المكوث لتناول
الغداء، فماذا عليه؟
اختلف
في
الأيمان هل تراعى فيها المقاصد أو الأعراف، فعلى الأول
تلزمه الكفارة وعلى الثاني لا تلزمه والله أعلم. (5/89)
صفحة 2039
الفتاوى
الأيمان - الكفارات - النذور
ما قولكم في رجل حلف بالله العظيم أن يعطي شخصاً مبلغاً لتسديد ما عليه حسب ظروفه، ورفض ذلك الشخص أن يأخذ المبلغ المعين منه وحرّم وحلف ماذا يلزم صاحب المبلغ في ذلك؟
إن أعطاه فرفض برَّ في يمينه بمجرد الإعطاء والله أعلم.
ثم
فيمن أعطي مبلغاً من المال فحلف ألا يأخذه، وكذلك حلف المعطي، أخذه أحدهما بنية التخلص منه، فهل عليه حنث ونيته كما ذكرت؟ إن كان قصد في حلفه أن لا يأخذه لنفسه فإن أخذه لغيره لم يحنث، وإن كان لم يقصد ذلك وإنما قصد مطلق الأخذ حنث والله أعلم.
أقسمت لصاحبي أني سوف آتي إليه الساعة الخامسة وفات الموعد بدقيقة فهل هذا حنث وهل علي الكفارة؟
إن كان العرف يقتضي عدم تجاوز الوقت بحيث تصدق الساعة الخامسة على ما بعدها بدقيقة فلا حنث عليك ولا تجب عليك الكفارة لعدم الحنث، وإلا فعليك الكفارة وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم
أو تحرير رقبة فإن لم تجد شيئاً من ذلك فصم ثلاثة أيام والله أعلم.
اليمين في الدعاوى هل هي بحسب نية الحالف أو بحسب نية
المستحلف؟
الأيمان كلها مبنية على نية الحالف إلا من حلفه القاضي العدل فعلى نية المحلف والله أعلم. (5/90)
صفحة 2040
ما لا يعد من اليمين:
الأيمان
91
ما رأي أهل العلم في استخدام كلمة (لعمري) في القسم، حيث أجد كثيراً من الشعراء والناظمين يستخدمونها؟
كلمة لعمري عندما تدرج في ألسن الناس أو في كلامهم المسطور لا يريدون بها القسم، وإنما هي كلمة جرت على الألسن، مثلها كقول: «أفلح وأبيه إن صدق» (1) في قصة الأعرابي، فهو لم يرد بذلك القسم، وإنما هي من الكلمات التي تجري على الألـ الكلمات التي تجري على الألسن، ومن تركها احتياطاً لئلا يظن به القسم بغير الله فذلك خير.
النبي
ولمثلها نظائر من الكلمات التي تقال من غير أن تقصد معانيها كقولهم: تربت يداه، فإن تربت بمعنى افتقرت، ولكن القائل لا يقصد بها الدعاء على من يهنيه بأن تفتقر يداه.
وكذلك يقال: (قاتله الله في موضع لا يراد به الدعاء على المعني بهذا القول، وإنما تقال عندما يستعظم من أحد شيئاً من الأعمال الغريبة، وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل: «ما له ضرب الله عنقه». إلا أن الرجل طلب أن يكون ذلك دعاء، فقال: في سبيل الله يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «في سبيل الله» (2).
ومن المعلوم أن النبي لم يقصد في أصل كلامه الدعاء عليه بأن يضرب الله عنقه وإنما هذه كلمات جرت عادة الناس أن يأتوا بها للتعجب أو للتعجيب أو نحوهما.
(1) رواه مسلم في كتاب الإيمان باب بيان الصلوات رقم (11). (2) رواه الربيع في كتاب الصلاة باب في صلاة الجمعة رقم (277). (5/91)
صفحة 2041
92
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
وكذلك قول القائل: لعمري، ولعمرك، لا يريد به القسم، وإنما هو مما جرى على الألسن في معرض تأكيد الكلام فلا مانع منه بهذا الاعتبار، وإن
كان
من
العلماء
من شدّد فيه إلا إن كانت الإضافة إلى الله وذلك بأن يقول:
لعمر الله أو نحو هذا.
ونحن لا نرى التشدد في هذا، لكن من غير نية القسم، وإنما بنية تأكيد الكلام فحسب، واعتبار ذلك من الألفاظ العارضة الجارية على الألسن،
والله أعلم.
امرأة غضبت من امرأة مثلها بسبب نزاع بينهما، والمرأة تقول إنها لا تعلم إن كانت قد حلفت أو قالت نعم أو والله أو عهد، إنها لن تقفي جنازتها ولا تأكل من فضلها، ولكنها صامت ثلاثة أيام بعدما رجعت عليها بالرضا
وأحضرت لها أكلاً ولكنها لم تأكل منه، فما حكم الشرع في ذلك؟ عليها أن تستغفر الله وإن كانت فعلت شيئاً مما أقسمت أن لا تفعله فعليها الكفارة - بعد الفعل - وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن لم تجد فصيام ثلاثة أيام، هذا إن تيقنت الحلف، وإلا فالأصل براءة الذمة ولا كفارة عليها إلا إن أرادت الاحتياط
والله أعلم.
امرأة صار بينها وبين أحدٍ من أهلها خصومة وحلفت أنها إذا تذهب إلى بيت الرجل تُغوَر - أي تكون عوراء - وهي الآن تريد أن ترجع إلى بيت هذا الشخص المذكور؟
إذا كان حلفها باسم الله تعالى لزمتها كفارة مع الحنث وإلا فما عليها إلا التوبة والاستغفار والله أعلم. (5/92)
صفحة 2042
الأيمان
93
قالت الأم لابنها: (كفارة عليك أي شيء من عندي إلى يوم القيامة)، ماذا
تفعل كي تكفر عن هذه الحلفة؟
هذه الحلفة ليست بشيء إذ ليست قسماً باسم
الله، فلا كفارة فيها
والله أعلم. (5/93)
صفحة 2043
[صفحة فارغة] (5/94)
صفحة 2044
الكفارات (5/95)
صفحة 2045
الفاوي (5/96)
صفحة 2046
الكفارات
97
أنواع الكفارات
ما
هي الكفارات المرتبة وما هي الكفارات المخيّرة؟
الكفارات المرتبة هي كفارة القتل، فإن الواجب فيها هو عتق رقبة مؤمنة، وإنما يعدل غير واجدها إلى صيام شهرين متتابعين وذلك لقوله وكل: وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَدَقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ، وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهُ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 92]، وذلك يقتضي العدول عن العتق إلى الصيام في غير حال وجدان الرقبة المؤمنة، وأما في حال وجدانها فلا يسوغ ذلك، وكفارة الظهار لقول الله تعالى: وَالَّذِينَ يُظْهِرُونَ مِن نِّسَآبِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسًا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِيِّينَ مِسْكِينًا) [المجادلة: 3، 4] فقد تضمنت الآيتان أن كفارة الظهار هي عتق رقبة، وينتقل غير واجدها إلى صيام شهرين متتابعين ومن لم يستطع صيامهما انتقل إلى إطعام ستين مسكيناً.
وأما كفارة الصيام ففيها خلاف بين أهل العلم، فقيل: بالتخيير فيها بين العتق والصيام والإطعام وهو قول جمهور أصحابنا، وعليه جماعة من المالكية منهم القاضي عياض وابن المنير وعزاه الإمام نور الدين السالمي في شرحه على مسند الإمام الربيع بن حبيب إلى الإمام مالك، ولكن المشهور عن الإمام مالك أن كفارة الصيام إنما هي الإطعام وحده إن كان سببها الجماع، لما رواه البخاري عن عائشة لا تقول: إن رجلاً أتى (5/97)
صفحة 2047
98
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
النبي
فقال: إنه احترق. قال: «مالك»؟ قال أصبت أهلي في رمضان. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بمكتل يدعى العرق قال أين «المحترق قال: أنا. قال: «تصدق بهذا» (1)، وأجيب بأن هذه الرواية جاءت مختصرة والروايات الأخرى تفسرها
ومن
حفظ حجة.
أنواعها
أبي
وأما إن كان الموجب لها غير الجماع فالمشهور عنه التخيير فيها بين العتق والصيام والإطعام، واستدل أصحابنا على أنها يخير فيها بين الثلاثة بما رواه الربيع في مسنده عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن هريرة قال: «أفطر رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً على قدر ما يستطيع من ذلك» (2)، وذهب الجمهور إلى أنها على الترتيب فلا يعدل إلى الصيام إلا من لم يجد الرقبة ولا إلى الإطعام إلا من لم يستطعهما وهو قول ابن العربي من المالكية واختاره من أصحابنا الإمامان ابن محبوب وأبو نبهان - رحمهما الله ـ وهو الذي اختاره، ذلك لأن رواية أبي هريرة عند الربيع مجملة إذ لم ينقل فيها قول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل، وقد فسرها ما أخرجه عنه الشيخان وأصحاب السنن، وغيرهم، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل: هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين قال: لا. قال: «فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ (3).
وذكر الإمام السالمي رحمةالله احتمال وجه آخر وهو أن يكون الترتيب
(1) رواه البخاري، كتاب المحاربين، باب من أصاب ذنباً دون الحد، رقم (6436)، ومسلم، كتاب الصيام، باب تغليظ تحريم الجماع، رقم (112).
(2) رواه الربيع، كتاب الصيام، باب ما يفطر الصائم، رقم (316).
(3) رواه البخاري، كتاب الكفارات باب يعطى في الكفارة عشرة مساكين، رقم (6333)، ومسلم كتاب الصيام، باب تغليظ تحريم الجماع، رقم (1111). (5/98)
صفحة 2048
الكفارات
99
خاصاً
بالجماع دون سائر المفطرات فإن كفارتها على التخيير، والمسألة
تحتاج إلى مزيد نظر وبسط في الجواب لا يحتمله المقام.
وأما كفارة اليمين ففيها التخيير والترتيب، فالتخيير بين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة للقادر عليها والترتيب بينها وبين صيام ثلاثة أيام لمن لم يقدر على شيء منها والله أعلم.
كفارة قتل الخطأ:
إذا اشترك جماعة في القتل كيف تجب عليهم الكفارة؟
اختلف العلماء في جماعة تشترك في قتل معصوم الدم خطأ أو عمداً - على القول بوجوب الكفارة في قتل العمد - فقيل: على كل واحد منهم كفارة، وهو قول الحسن وعكرمة والنخعي والحارث العكلي ومالك والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي، وعليه أكثر أصحابنا، فقد جاء في الأثر عنهم: أن المرأة إذا أمرت رجلاً أن يضرب لها خادمتها فضربها فماتت فعليهما الكفارة جميعاً يعتق كل واحد رقبة، فإن لم يقدرا على العتق صام كل واحد شهرين متتابعين .. إلخ، وجاء في بعض آثارهم أيضاً: أن السيد إذا أمر بضرب عبده فمات من ذلك فعلى السيد كفارة وعلى كل واحد ممن قتله كفارة، وكذلك من أمر به، وقيل: بل عليهم جميعاً كفارة واحدة، وهو محكي عن الأوزاعي ونسب إلى أبي ثور، وقيل: بالتفريق بين العتق والصيام فإن وجدوا ما
أن
يعتقون اشتركوا جميعاً في تحرير رقبة وإلا فعلى كل واحد منهم يصوم شهرين متتابعين، وهو المحكي عن الزهري حيث قال في جماعة
يرمون بالمنجنيق فيقتلون رجلاً عليهم عتق رقبة، وإن كانوا لا يجدون (5/99)
صفحة 2049
الفتاوى
الأيمان - الكفارات - النذور
فعلى كل واحد منهم صوم شهرين متتابعين، وهذا التفصيل محكي عن أبي المؤثر رحمة الله من أصحابنا.
وأرى أن هذا الاختلاف مبني على اختلافهم في أصل وجوب هذه الكفارة، فقيل: وجبت تمحيصاً وطهوراً لذنب القاتل، وذنبه ترك الاحتياط
من
والتحفظ حتى هلك على يديه أمرؤ محقون الدم، وقيل: وجبت بدلاً تعطيل حق الله تعالى في نفس القتيل، فإنه كان له في نفسه حق، وهو التنعم بالحياة والتصرف فيما أحل له تصرف الأحياء، وكان الله سبحانه فيه حق، وهو أنه كان عبداً من عباده، يجب له من اسم العبودية - صغيراً كان أو كبيراً، حرّاً كان أو عبداً، مسلماً كان أو ذميّاً ـ ما يتميز به عن البهائم والدواب، ذلك أن يكون من نسله من يعبد الله ويطيعه، فلم يخلُ قاتله من
ويرتجى مع
أن يكون فوّت الاسم الذي ذكر، والمعنى الذي وصف.
بوجوب
فبناء على مراعة أصل وجوبها في القول الأول يترجح القول كفارة مستقلة على كل مشارك في القتل؛ لأن كلاً منهم كان منه التفريط في الاحتياط والتحفظ الذي وجبت بسببه الكفارة، وبناءً على مراعاة أصل الوجوب في القول الثاني يترجح عدم وجوب غير كفارة واحدة على الجميع؛ لأن معنى ما ذكر إنما هو في نفس واحدة؛ فلا أثر لتعدد الذين كانوا سبباً لزهوقها ـ بما كان من إهمالهم وعدم احتياطهم من أجل سلامتها ـ في فوات المنافع المشار إليها منها حتى يتوجب على كل منهم الاستقلال بتبعة ذلك. أما الذين فرقوا بين العتق والصيام فلعلهم بنوا هذه التفرقة على مراعاة أن العتق عبادة مالية تحيى بها نفس إحياءً معنوياً بدلاً من النفس الفائتة بقتل الخطأ، وذلك بتحريرها من رقبة العبودية فكان الأنسب أن تجزي فيها رقبة واحدة لحصول الغرض بها، أما الصيام فهو بخلاف ذلك، لأن أثره إنما (5/100)
صفحة 2050
الكفارات
هو على الصائم بنفسه وكان كل من وقع في هذا الخطأ حقيقاً بأن يحرص على هذا الأثر لمحو أثر هذا الخطأ الذي ارتكبه في نفسه، فلذلك قالوا بوجوب استقلال كل واحد منهم بصوم شهرين متتابعين.
هذا ولا ريب أن رأي الجمهور أحوط وأسلم وأورع، ولكن الفتيا إنما تُبنى على الدليل الأرجح، والذي يرجح عندي في هذا بالدليل هو قول من أوجب على الجميع كفارة واحدة سواءً كانت عتقاً أو صياماً ودليله أمران: أولهما: النص وهو قوله تعالى: وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] حيث أوجب الله في قتل المؤمن خطأ تحرير رقبة مؤمنة لا أكثر، ولا فرق في ذلك بين أن يكون القتل صادراً من واحد أو من جماعة، فإن «من» تصدق على الجماعة كما تصدق على الواحد ـ كما هو معلوم ـ فإن قيل: بأن معنى الآية أن هذا الحكم ينطبق على كل من صدق عليه أنه قاتل خطأ ولو باشتراك مع غيره فيجب على كل واحد من الجماعة أن يعتق بنفسه رقبة استقلالاً، وكذلك في الصيام، قلت: هذا منقوض بالدية فإنها لا تجب عليهم إلا دية الكفارة فكيف يفرق بين حكميهما؟ أنها عطفت على الكفارة، وللمعطوف والمعطوف عليه حكم واحد فيما سيق من أجله إلا إن خص الدليل أحدهما بحكم. ثانيهما: القياس على وجوب الدية، ووجه القياس أن كلاً منهما إنما واجب من أجل تلك النفس المقتولة، وقد أجمع الكل على أنه لا تجب في النفس الواحدة إلا دية واحدة، ولو تعدد الذين كانوا السبب في زهوقها، وأن الدية حق المخلوق، والكفارة حق الله ولو كان فيها نفع للعباد إن كانت عتقاً، والله أولى بأن يعفو فلا يكون ما له مبنياً على التشديد وما لعباده مبنياً
على التيسير.
مع (5/101)
صفحة 2051
102
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
فإن قيل: يفرق بين الكفارة والدية من حيث إن الكفارة إنما تجب على نفس القاتل ودية الخطأ تجب على العاقلة، لذلك تباين حكمهما فلا تقاس إحداهما على الأخرى.
قتل
يجب
قلت: لا يُسوّغ هذا تبايناً في حكمهما، من حيث إيجاب التعدد في أحدهما دون الآخر، لأن أصل وجوبهما واحد بنص واحد، ولو كان وجوب الكفارة على نفس القاتل، ووجوب الدية على عاقلته، على أن ذمة القاتل لا تبرأ من دية القتل الخطأ حتى تسلمها العاقلة فهب أن أحداً ممن كان منه الخطأ لا عاقلة له، أو له عاقلة لا تملك ما تدي (1) به قتيله ألا عليه أن يديه؟ ثم إن ما على الأفراد أولى بالتخفيف مما عليه الجماعة. وإذا تبين لك هذا فاعلم أن الواجب على الجماعة إن اشتركوا في قتل معصوم الدم خطأ أن يعتقوا رقبة واحدة يشتركون في ثمنها بقدر منابهم في الدية، وإن لم يجدوها فعليهم صيام شهرين متتابعين، يتقاسمون أيامهما بعددهم، فيفطر هذا مع صيام هذا، بحيث لا يكون بين صيامهم فصل كما هو في صيام الفرد فإن اختلفوا فليقترعوا هذا ما تبين لي بعد استفراغي الوسع في هذه المسألة فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمن نفسي والشيطان واستغفر الله من كل ما خالفت فيه الحق جملة وتفصيلاً، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشأن
هل تجب كفارة القتل الخطأ على الذي يتسبب في وفاة أحد في حوادث
المرور؟ فإن وجبت فما
هي
هذه الكفارة؟
كفارة القتل الخطأ واجبة على من تسبب في بب في موت أحد
بسبب
خطئه
(1) تدي: تدفع الدية الواجبة عليه. (5/102)
صفحة 2052
الكفارات
103
في
في التزام نظام السير سواء كان ذلك صدماً للشخص نفسه أو أدى ذلك إلى انقلاب السيارة أو إلى موت أحد بأي وسيلة كانت فعلى هذا الذي تسبب الحادث الدية والكفارة، والكفارة هي عتق رقبة مع وجودها، وفي هذا حكمة بالغة، فإنه كما تسبب في وفاة نفس عليه أن يتسبب في إحياء نفس، لأن العتق هو بمثابة الإحياء، إذ بالعتق ينعم المملوك بالحياة، لأنه بحكم رقه تكون حياته مقيدة، وهذا مع وجود الرقيق والقدرة على تملكه، أما إن كان غير قادر على ذلك فإن الكفارة الواجبة هي صيام شهرين متتابعين،
والله أعلم. هل تجب الكفارة في قتل من هو مهدور الدم شرعاً كالمرتد والباغي
على المسلمين والزاني المحصن سواء أذن الإمام بقتله أو لم يأذن؟
المرتد لا يعد في المؤمنين ولا في الذين بيننا وبينهم ميثاق فلا عصمة لدمه بعد ثبوت ردته فلا كفارة على قاتله عمداً ولا خطأ، وكذلك الباغي بعد ثبوت بغيه شرعاً، وأما الزاني المحصن فإنه - وإن لم يكن معصوم الدم - لا يسفك دمه إلا بكيفية معينة، على أن الحدود كلها لا يقيمها كل أحد، وإنما يقيمها الإمام الشرعي، وإلا لعمت الفوضى واعتدى الناس بعضهم على بعض بدعوى إقامة الحدود، ومن ناحية أخرى فإن الحدود الشرعية تعتريها شبهات تؤدي إلى تعطيلها، فلا تسقط الكفارة - فيما أرى - عن قاتل الزاني المحصن والله أعلم.
كفارة القتل نتيجة حادث هل هي على الفور أم على التراخي؟ الكفارة حكمها كحكم سائر الأوامر المطلقة التي يؤمر بها الإنسان، وقد اختلف الأصوليون في الأوامر المطلقة فمنهم من قال: بأنها تحمل على الفور، ومنهم من قال بأنها للتراخي، ومن الأصوليين من قال: بأن الأمر (5/103)
صفحة 2053
1+8
الفتاوى
الأيمان - الكفارات - النذور
المطلق الذي لم يقيد بوقت يبقى على إطلاقه لا للفور ولا للتراخي، فمتى أداه سواء عجّل تأديته أو أخر فهو مؤد له، إن كان لم يؤخره تأخيراً يؤدي به إلى الإهمال، والله أعلم.
رجل وقع له حادث وقتل فيه إنسان، فما الذي يجب عليه؟
عليه مع الكفارة الواجبة عليه شرعاً الدية لأولياء القتيل، إن كان هذا القتل خطأ، اللهم إلا إن أسقطوا هذه الدية وعفوا فإن عفوهم إنما هو نزول عن حقهم، وبما أن الحق لهم فهو يسقط بإسقاطهم إياه، والله تعالى أعلم.
الصوم في السفر هل يشمل أيضاً الكفارة؟
للمكفر أن يصوم في السفر إذ لا دليل على منع الصيام في السفر، وإنما أبيح للمسافر أن يفطر في نهار رمضان لأجل التوسعة له، ولو صام فالصيام خير له كما نص عليه القرآن ودل عليه حديث أنس له وغيره، والله أعلم.
إذا نزلنا إلى واقع المسلمين اليوم وواقع الدول كل دولة ترتبط مع الدول الأخرى بعلاقات، والسفارات موجودة تشهد بذلك، ففي هذه الحالة لو كان المقتول رجلاً غير مسلم من دولة ليست مسلمة، فما الحكم في هذه
الحالة؟
إن كان بينه وبين المسلمين ميثاق فتجب الدية والكفارة، وإن كان محارباً للمسملين فلا، والله أعلم.
رجل صدم بسيارته سيارة أخرى بدون عمد علماً بأن الرجل كان في حالة جيدة أي لم يكن في حالة سكر أو نحوه، فنتج عن الحادث موت رجل من السيارة المصدومة، وبعد التحقيقات تبين أن السبب من ذلك الرجل الذي صدم بسيارته فسجن ودفع دية لوراث المتوفى، والآن (5/104)
صفحة 2054
الكفارات
1.0
يعيش ذلك الرجل في حالة من الضيق والتوتر حتى أن صحته تنهار شيئاً فشيئاً، وأصبح لا يستطيع النوم في الليل من كثرة التفكير في هذا الأمر، وهو يسأل هل بقي شيء من الحقوق عليه أن يؤديها سواء كانت هذه الحقوق حقوقاً الله تعالى أو حقوقاً للشخص المتوفى؟
نعم عليه حق الله تبارك وتعالى، وهو الكفارة، فإن الله تعالى فرض الكفارة في قتل الخطأ، حيث قال: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنَّا إِلَّا خَطَا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَدَقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ، وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ
[النساء: 92].
وقد قسمت هذه الآية الكريمة المقتولين خطأ إلى ثلاثة أصناف: لأنه إما أن يكون مؤمناً فتجب الدية له، كما تجب الكفارة على القاتل لتطهير نفسه مما علق بها من فعله.
وإما أن يكون مؤمناً ولكنه بين قوم كافرين محاربين للمسلمين، وذلك بأن يعيش الإنسان لظرف أو لآخر بين قوم كفرة محاربين للمؤمنين فلا دية على القاتل فى هذه الحالة وإنما تجب عليه الكفارة لما سبق بيانه، وسقوط الدية إنما بسبب عيشه بين أولئك القوم المحاربين للمؤمنين، فبعيشه بينهم سقط حقه وبقي حق الله تبارك وتعالى وهو الكفارة. وإن كان من قوم بينهم وبين المؤمنين ميثاق وذلك بأن يكون ذمياً، أو
معاهداً للمؤمنين فتجب الدية والكفارة.
ومن الناس من حمل قوله تعالى: {وَإِن كَانَ مِن قَوْمِ بَيْنَكُمْ (5/105)
صفحة 2055
1.7
الفتاوى
الأيمان - الكفارات - النذور
:
وَبَيْنَهُم مِيثَقُ} [النساء: 92] على ما إذا عاش المؤمن مع قوم بينهم وبين المؤمنين ميثاق فتجب الدية والكفارة على قاتله خطأ، وإن لم يكن مؤمناً فتجب له الدية دون الكفارة على هذا الرأي ولكن المتبادر من الآية الكريمة خلاف ذلك، والكفارة هي عتق رقبة مؤمنة وذلك لأن الله تبارك وتعالى جعل العتق إحياء للنفس، إذ الرق إنما هو بمثابة العدم للشخص المبتلى به، إذ لا يملك من أمره شيئاً كما قال الله تبارك وتعالى: ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} [النحل: 75، فهو لا يستطيع أن يتصرف في أمر بحريته، فإذا أعتق كان عتقه إحياءً له، فلذلك جعل الله تعالى هذا الإحياء جزاء التسبب في موت تلك النفس التي أزهقها. فإن تعذر عليه العتق بحيث لم يجد الرقبة فإنه ينتقل إلى الصيام فيصوم شهرين متتابعين توبة من الله، والله تعالى أعلم.
خرج ذات يوم ولد صغير خلف أبيه فرآه والده ورده إلى داخل المنزل في غرفة وأغلق عليه الباب فخرج عنه ينوي الذهاب إلى العمل بسيارته، عند لحظة ذهاب الأب عن ابنه أتى العامل وفتح للولد الباب، فذهب الولد يمسك بسيارة أبيه من الخلف، فرجع والده بالسيارة للخلف ظناً منه أن ابنه في البيت فدهسه ومات فيسأل هذا الأب الآن: ما الذي عليه تجاه الله، هل صوم أم كفارة أم صدقة أم ماذا؟
عليه دية ابنه يجمعها من عاقلته إلا أن يعفو عنها ورثته، وعليه عتق
رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين والله أعلم.
سائق سيارة انقلبت سيارته ومعه تسعة أفراد، وتوفي اثنان ودفع ديتهما في المحكمة، هل عليه كفارة صيام أم لا؟
يلزمه أن يكفر عن القتل الخطأ إما بعتق رقبة عن كل قتيل إن وجدها، وإما (5/106)
صفحة 2056
الكفارات
107
بصوم شهرين متتابعين إن لم يجد الرقبة، هذا إن كان متسبباً في الحادث بطريق الخطأ، وإن كان غير متلبس بسبب منه فما عليه من ذلك شيء والله أعلم. قتل رجل بطريق الخطأ وكان عنده أقارب من الأخ والولد وقد دفع القاتل دية إلى أخ المقتول دفعها عنه الحاكم وسلمت إلى أخ المقتول، ثم توفي أخ المقتول بعد استلامه الدية، والسؤال هل على القاتل صيام أو شيء من الحقوق؟
نعم عليه الكفارة وهي عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين
والله أعلم.
رجل صدم ولده بالسيارة، فماذا عليه من قبل الله تعالى أيلزمه صيام أو دية لأمه؟
تجب عليه الدية لورثة المقتول إلا أن يعفوا وتجب عليه الكفارة وهي
عتق رقبة فإن لم يستطع فصيام شهرين متتابعين والله أعلم.
ما قول سماحتكم في امرأة كانت تقود سيارتها بسرعة مائة وستين كيلو متراً في الساعة وبصحبتها والدتها، فحصل لها حادث توفيت على إثره والدتها، فماذا يلزمها؟
عليها الدية والكفارة والتوبة إلى الله من هذا التهور الأرعن والله أعلم.
دهست امرأة في امرأة في حادث سير إذ لم أشاهدها أمامي وتوفيت، دفعت الدية،
فهل بقي عليّ شيء؟ والرجاء توضيح حالة إطعام ستين مسكيناً؟ لا إطعام في ذلك، وإنما عليك عتق رقبة فإن لم تجد فصيام شهرين متتابعين والله أعلم. (5/107)
صفحة 2057
108
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
ما حكم من تسبب في قتل شخصين بريئين في حادث سير غير متعمد، ولكنه كان نتيجة سرعة أثناء قيادة السيارة دون التمكن من السيطرة عليها قبل وقوع الحادث، علماً بأن المتسبب في القتل يعاني من مرض القرحة في المعدة ويتعبه الصوم المتواصل ويتعاطى الأدوية خلال النهار، بالإضافة إلى حكم عمله كخفير حراسة، نرجو من سماحتكم إرشاده إلى أفضل سبيل يمكنه من أداء حق الله تعالى عليه؟
الكريم،
في
الأصل في ذلك عتق رقبة عن كل قتيل خطأ للنص عليه في القرآن فإن تمكن من الوصول إلى رقبتين فليعتقهما والله يتقبل منه، فإن لم يجد فعليه أن يصوم عن كل واحد شهرين متتابعين، فإن لم يستطع الصيام الحال بقي الصيام ديناً في ذمته إلى أن يمنّ الله عليه بالاستطاعة أو يهياء له رقبة يعتقها، ولم يذكر الله في كتابه غير العتق والصيام، لذلك لم العلماء العدول عنهما إلى غيرهما، اللهم إلا عند الإمام الشافعي الذي رأى الانتقال عن الصيام عند العجز عنه إلى الإطعام، وقد ذكر هذا القول الإمام المسالمي (1) رحمه الله في جوهره، وهو قول بعض علمائنا المتقدمين منهم أبو المؤثر الله، وهذه الرخصة لا ينبغي الأخذ بها إلا في حال الضرورة القصوى والله أعلم.
ير
رجل عقد على امرأة ولم يدخل عليها، ودفع لها مهراً وقدره ستة آلاف ريال عماني، وذهبت في صحبته مع بعض أهلها لشراء حاجيات
(1) الإمام السالمي: هو المحقق نور الدين عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي، ولد ببلدة الحوقين بولاية الرستاق عام 1288 هـ، كان ذكياً فهماً حافظاً، اتسمت تآليفه بالتحقيق والتأصيل العلمي، ترك أثراً عظيماً في التاريخ العُماني بما قام به من جهود إصلاحية باهرة، من أشهر مؤلفاته: مشارق أنوار العقول وشرح الجامع الصحيح، وتحفة الأعيان، وجوهر النظام، ومؤلفاته نافت على العشرين مؤلفاً، توفي العالى عام 1332 هـ. (5/108)
صفحة 2058
الكفارات
109
وأدى
الزفاف، وفي الطريق وهو يقود السيارة وقع عليهم حادث سير ذلك إلى وفاة الزوجة التي لم يسبق لها الزواج من قبل، مع العلم بأن هذا الزوج يشهد له من جميع أفراد البلدة بالتدين وحسن الخلق، كم يكون نصيب الزوج شرعاً من حيث المهر الذي دفعه ومن ميراث زوجته من حيث التركة والدية وراتبها التقاعدي حيث إنها تعمل معلمة بوزارة التربية والتعليم؟
وإن كان الزوج قائد السيارة هو المتسبب في الحادث، فهل ترون له الحق في الميراث؟
إن كانت ليس لها ولد فله النصف من ميراثها بعد إنفاذ الوصايا وقضاء الديون والصداق هو من تركتها فله نصفه كسائر التركة إن كان باقياً، وإن كان الخطأ من الزوج في قيادة السيارة وأدى ذلك إلى موتها فعليه ديتها مع صيام شهرين متتابعين لعدم وجود الرقبة وليس له من الميراث شيء والله أعلم.
إذا كان شخص يقود السيارة ومعه من ضمن الركاب مورثه، فتدهورت السيارة فأدى الحادث إلى وفاة مورثة، فهل يرث السائق أم لا، سواء كان سبب التدهور أمر خارج عن إرادة السائق كأن يكون بعطل في الإطار أو خروج دابة فجأة أو بسببه كالسرعة، وإذا وقع التصادم بين سيارتين وترتب على الحادث وفاة فهل يمكن أن تعتمد المحكمة الشرعية في توريث السائق أو حرمانه من الميراث على حكم المحكمة الجزائية في تحديد المخطاء، وربما يكون الخطأ على السيارة غير المؤمنة فيجعل على السيارة الأخرى المؤمنة؛ لأجل تحمل التأمين غرامة التصليح، وكذلك ـ في الحكم الجزائي - قد يدان الشخص بالخطأ وفي وفي الحكم (5/109)
صفحة 2059
110
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
الشرعي لا يدان، فهل يجب على القاضي الشرعي البحث عن أصل
القضية، أو يكتفي بحكم المحكمة الجزائية في تحديد المخطاء؟ إن كان السائق لم يرتكب خطأ قط وإنما كان الحادث لا يَمُتُ إليه، وذلك نحو اقتحام حيوان أو اعتراضه فجأة بين يدي السيارة، أو انفجار إطار مع كون السرعة عادية لم تخرج عن حدود الاعتدال، فلا يمنع من الإرث بسبب ذلك، كما لا تجب عليه الدية والكفارة، وإن كان سبب الحادث يعود إلى السائق فعليه الدية والكفارة ولا ميراث له، ولا يعتمد في ذلك على قرار المحكمة الجزائية حتى يطلع القاضي الشرعي على الدلائل والشواهد التي تدين المخطاء، ولعله مما يستأنس به تقارير الشرطة المثبتة بالصور مع القرائن الأخرى، والعبرة في الأحكام بثبوت الخطأ، أما تحمل شركة التأمين للغرامة فلا يعول عليه والله أعلم.
دهست بسيارتي أحد الأشخاص الأجانب بسرعة حوالي (60) كيلو متر، وقد حاولت بقدر المستطاع الحيلولة دون وقوع ذلك مما حدا بتوجيه السيارة نحو الأشجار التي بجانب الشارع، إلا أن المذكور رغم ذلك لم ينتبه وأصيب في رأسه مما أدى إلى وفاته في اليوم التالي، فماذا يلزمني من الحقوق الشرعية تجاه ذلك مع العلم بأن هذا الشخص غير مسلم وقد قامت شركة التأمين بدفع الدية له حسب القانون المتبع لدينا
بالسلطنة؟
الدية كفارة وهي عتق رقبة فإن لم تجد فصيام شهرين
عليك مع متتابعين والله أعلم.
عن رجل شاءت الأقدار له أن يعمل حادثاً مرورياً وتسبب ذلك في قتل شخصين خطأ، وبعد انتهاء كافة الإجراءات القانونية والأمنية والخاصة (5/110)
صفحة 2060
الكفارات
بالسجن وتسليم الدية لأهاليهما، فالسؤال الآن عن الكفارة التي تلزمه، فماذا يجب عليه شرعاً من جهة الكفارة وهو الصيام، فهل الكفارة عن شخص واحد أو عن كليهما؟ وإذا كان هذا الشخص لا يستطيع الصيام، فما يجب عليه وهل هناك بديل غير ذلك؟
تجب عليه كفارتان بعدد من تسبب في قتلهما وهي عتق رقبة عن كل واحد منهما فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ولا بديل عن ذلك والله أعلم. أريد أن أعرف رأي سماحتكم في هذا الموضوع: لديّ بنت عمرها ثلاث سنوات، وفي يوم من الأيام كنت ذاهبة إلى المستشفى وتركت البنات في منزل أهلي، وعندما رجعت أخذتهم في السيارة وذهبت إلى منزلي، وعندما وصلت إلى المنزل كانت الساعة الثالثة بعد الظهر، وأخذت إحدى البنات ودخلت المنزل وطلبت من الخادمة أن تقوم بإنزال باقي البنتين من السيارة، وذهبت لكي أقوم بإرضاع البنات وتنويمهم، وبعد أن انتهيت كانت الساعة قد شارفت الرابعة والربع عصراً تقريباً، ذهبت لكي البنت حيث تعودت أن تجلس في تلك الفترة مع جدتها من الظهر حتى العصر، فسألت جدتها عنها فأجابت بأنها لم ترها، وعندما سألت الخادمة عنها أجابتني أيضاً بأنها لم ترها وأنها وجدت البنت الأخرى التي كانت في السيارة وجدتها بجانب السيارة وأن باب السيارة كان مغلقاً، وعندما أجدها أسرعت إلى السيارة فوجدتها داخلها حيث تركتها وقد فارقت الحياة، هذه قصتي وأريد أن أعرف رأي سماحتكم من حيث إذا كان علي شيء أفعله حيث إنني لم أقصد أن أقتل ابنتي وأن الأمر حدث مثلما كتبت تماماً، فهل أتحمل ذنب موت ابنتي؟ وهل عليّ كفّارة أو أي شيء آخر؟
أتفقد
إن تنازل ورثتها عن الدية فحسن، ولكن تبقى الكفارة وهي عتق رقبة (5/111)
صفحة 2061
112
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
فإن لم تجديها فصيام شهرين متتابعين هذا إن كانت ماتت بسبب إهمالك إياها والله أعلم.
رجل وقع عليه حادث سير منذ سنوات وأدى إلى وفاة أمه وابن أخيه وقد ثبت من تخطيط الحادث أن الخطأ على السائق الآخر، فهل يلزم هذا الرجل شيء؟
إن لم يكن منه سبب فلا شيء عليه والله أعلم.
بينما كنت أقود سيارتي شاءت الأقدار أن أنام وأصطدم بجمل، وكان معي في السيارة أم أولادي وإحدى بناتي، فتوفيت زوجتي وكانت حاملاً في شهرها السادس، وأنا والبنت لم نصب بأذى كبير، ماذا يلزمني شرعاً عن وفاة زوجتى؟ وما حكم الجنين الذي في بطنها؟ وهل عليّ شيء تجاه ابني؟ تلزمك دية زوجتك إلا إن عفا ورثتها وعليك كفارة القتل الخطأ عتق رقبة فإن لم تجد فصيام شهرين متتابعين، وأما الجنين فما لم ينفصل أمه فحكمه حكمها أي لا يترتب عليه بنفسه شيء والله أعلم.
عن
هل على القاتل خطأ أن يكفر بالصيام قبل الدية؟
وهي
لا فرق بينهما سواء قدّم الصيام أو الدية، أو في أثناء الصيام أدى الدية كل ذلك جائز.
رجل كان يعباء ماءاً في خزان فسقط الخزان على طفلة هناك فماتت؟ إن كان سقوط الخزان بسبب تعبئته للماء فهو مخطئ وعليه الدية
والكفارة. (5/112)
صفحة 2062
الكفارات
113
رجل وقع له حادث وكان معه أربعة أشخاص توفوا جميعاً، فهل يكفر
عن كل واحد منهم؟
نعم،
لأن الله تعالى نَاطَ الكفارة بقتل النفس.
وهل تجب الكفارة إذا كانوا أطفالاً صغاراً؟
الأطفال أليسوا أنفساً؟! أليست حياتهم غالية؟! والنص لم يقيد الكفارة بقتل الكبار، وأما من حيث وصف الإيمان الذي نيط به حكم الكفارة فإن لآبائهم في حكمه والله أعلم.
الأطفال تبع رجل كان يقود سيارته ووقع له حادث وتوفي معه شخص، وتوفي في السيارة الثانية رجل وامرأة وكانا في حالة سكر، أما هو فكان سليماً، يسأل الآن وهو يستقبل في هذا اليوم رمضان كيف يكون صيامه هل له لأن عليه كفارة صيام شهرين فإذا لم يستطع أن يصوم هل
يصح
يتصدق؟
منه
الكفارة لا يسقطها أن يكون مستقبلاً لشهر رمضان، فإن كان الخطأ فإن الكفارة تكون واجبة عليه بسبب قتل نفس مؤمنة أو معاهدة، وهذه الكفارة بينها القرآن بأنها عتق رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ولم يذكر إطعاماً، فبعد صيامه رمضان عليه أن يصوم هذين الشهرين ـ عن كل نفس - في الوقت الذي يناسبه. وإذا لم يستطع الصيام فمن العلماء من يقول بأنه يطعم ستين مسكيناً، ولكن لم يأت نص بذلك، ونحن نقول مع تعذر العتق والصيام معاً فإن الإطعام خير له من ترك العتق والصيام والإطعام جميعاً، والله أعلم.
رجل كان يقود سيارة فتعطلت مما تسبب في وقوعها وفقد السائق زوجه (5/113)
صفحة 2063
114
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
وأطفاله وأخته وأم زوجته فهل تجب الكفارة عليه عن كل شخص مع العلم أم زوجته كانت حاملاً في شهرها التاسع؟
الذي نذهب إليه، وهو الذي عوّل عليه العلماء في مجمع الفقه الإسلامي أن الكفارة تجب بعدد الأشخاص الذين توفوا بطريق قتل الخطأ، كما في هذه الصورة، وعليه أن ينفذها بقدر وسعه، فإن استطاع أن ينفذ ذلك في عام فلينفذه في عام، وإن لم يستطع إلا أن ينفذ كفارة في كل عام فليفعل ذلك، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها، والله تعالى أعلم.
إذا هلك إنسان ومن معه في حادث تصادم بين سيارتين، وكان الهلاك بسبب تعديه وإهماله، فهل يكون موته هدراً بسبب تعديه؟ وما وقع من هلاك في الأنفس بكلا السيارتين على من يكون ضمانها؟
نعم يكون دمه هدراً، لأنه المتسبب في إهلاك نفسه وإهلاك غيره، بل ويجب في ماله غرم ما تلف ما تلف - بسبب تعديه أو إهماله - من أنفس أو أموال والله أعلم. إذا تعمد إنسان أن يصدم آخر بسيارته قاصداً إتلافه، فهل يعتبر قاتلاً متعمداً؟ وماذا يجب عليه؟
نعم له حكم قاتل العمد، ويحكم عليه بالقصاص إن ثبت ذلك عليه بإقراره أو ظهور قرائن العمد في فعله، ويبوء بينه وبين ربه بوزر القاتل عمداً والله أعلم.
إذا خالف السائق قواعد السير المنظمة لحركة المركبات متعمداً ذلك، فأصاب أنفساً بسبب ذلك فهل يعتبر فعله عمداً؟ وماذا يجب عليه؟
وكذلك إذا لم يتعمد مخالفة الأنظمة، فما الواجب في حقه؟
هو في كلا الحالين عليه غرم ما أتلف من أنفس وأموال بفعله، ويعاقب (5/114)
صفحة 2064
الكفارات
115
بقدر ما يراه الحاكم في حال عمده ولا تصل عقوبته إلى القتل، إلا إن تبين أنه قصد بمخالفته قتل من قتله والله أعلم.
إذا حدث لشخص حادث بسبب سماوي، كأن ينفجر إطار السيارة، أو يتعطل جهاز من أجهزتها بغير إهمال منه، فتصطدم بشخص مار أو بعمود ثابت أو بسيارة أخرى فيهلك المصدوم والركاب، فهل يتحمل سائق السيارة ما هلك من أنفس في سيارته والسيارة الأخرى؟ وهل تجب عليه الكفارة؟
إن كان ما وقع للسيارة أو وقع منها ليس بفعله، وإنما كان أمراً خارجاً عن تصرفه ولم يكن قادراً على التحكم فيه، ولم يكن مهملاً في شيء مما تجب المحافظة عليه فلا ضمان عليه مما وقع منها والله أعلم. (5/115)
صفحة 2065
116
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
كفارة إضاعة الصيام
من أين استقى القائلون بوجوب كفارة الصيام على من وجبت عليه على الترتيب، فإن كان من حديث عائشة فكيف يتفق ذلك مع قولهم إن حديث عائشة لا يخصص عموماً ولا يقيد إطلاقاً؟
الترتيب دل عليه الحديث، لأن النبي صلى الله عليه وسلم عندما جاءه المفطر ذكر له الكفارات بالتدرج، بدأ أولاً بعتق الرقبة، ولما اعتذر أنه لا يستطيع العتق أحاله على الصيام، ولما اعتذر عن الصوم أيضاً أحاله على الإطعام، فهذا دليل على أن الكفارة إنما تجب بالترتيب، وهذا القول هو قول جمهور الأمة، وقد ذهب إليه من علمائنا الإمام ابن محبوب والإمام أبو نبهان - رحمهما الله - وبه نأخذ والله تعالى أعلم.
لقد كنت في ضلال، فقد كنت أتهاون في الصلاة والصيام ... إلخ، مرة أصلي ومرات لا أصلي ومرة أصوم ومرات لا أصوم، ومرات عديدة كنت أصوم وأفطر قبل الموعد وممكن أن نقدر هذه المدة بما لا يقل عن أربعة عشر عاماً إذا حسبنا منذ بلوغي سن الرشد، ولقد عدت وتبت الآن إلى ربي وأريد توبة نصوحاً، والله أعلم بحالي أنني نادم على ما مضى، وإن شاء الله لا أعود إلى ما مضى إلى أن تفارق روحي جسدي، أسأل سماحتكم أن ترشدونني إلى الطريق الصواب، علماً بأنني قمت بإطعام مائة وعشرين مسكيناً عن
الصيام؟ أجدتَّ في تكفيرك عن الصيام ويعد ذلك كفارتين، ولبعض العلماء رأي أن كفارة واحدة تجزي عن الصيام، ومع ذلك عليك أن تصوم ما أفطرته من (5/116)
صفحة 2066
الكفارات
117
شهر رمضان أيام جهلك، وأن تعيد ما أضعته من صلواتك والله يتقبل منك، وهو حسبنا ونعم الوكيل والله أعلم.
رجل أصيب بمرض الشلل النصفي وفقد الشعور كاملاً وعاش مدة سنة ونصف، وعنده زوجة وأولاد، وكانت الزوجة غير مستقيمة له واضطر أقاربه أن يوفروا له خادمة لتخدمه، وبعد أن توفي اتضح لأسرته وأقاربه أنه لم يكتب وصية، وقد تبرع له أحد أقاربه بمبلغ (1350) ريالاً عُمانياً للتكفير عنه من سيئاته، فما هو أفضل شيء يمكن إنفاق هذا المبلغ فيه؟ علماً بأنه لم يكن منتبها لصلواته؟
الأولى أن تكفر عنه خمس كفارات صلوات، وكفارة صيام، وعشر
كفارات أيمان مرسلة وما بقي يتصدق به عنه والله أعلم.
رجل عليه كفارة صيام شهرين متتابعين بسبب تعديه على شهر رمضان السابق، هل يجوز له أن يعدل عن الصيام إلى الإطعام وذلك مشاغله الكثيرة التي لا تمكنه من الصيام؟ وكيف يكون
بسبب
الإطعام.
إن عجز عن الصيام فليعدل إلى الإطعام وإلا فلا والله أعلم.
شاب رجع إلى الله تعالى وتاب، وأناب وكان من أمره قبل توبته أنه كان مضيعاً لكثير من الصلوات لا يعلم عددها، وكذلك ـ أيضاً ـ ضيّع صيام ثلاثة أشهر من رمضان بالإفطار فيها من غير عذر، وهو الآن يريد التخلص من هذه التبعات، فما الحكم في ذلك؟
عليه ـ مع التوبة إلى الله ـ أن
يقضي
ما أضاع من الصلوات وأن يكفر
على أرخص الأقوال كفارة واحدة لصيامه وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام (5/117)
صفحة 2067
118
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
مع
شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً وعليه ذلك قضاء ما أضاعه من صيام والله أعلم.
فيمن تكررت لديه ثلاث كفارات في شهر رمضان ولم يكفر حتى خرج الشهر الكريم، فهل يلزمه أن يكفر الثلاث أم تجزيه واحدة؟
يكفر ثلاثاً كما وجبت والله أعلم.
شخص ضيّع صيام شهر رمضان ولكنه غير متأكد إن كان هذا التضييع
قبل البلوغ أم بعده؟
الأولى له الاحتياط بالقضاء والكفارة لاحتمال كونه بعد البلوغ
والله أعلم. (5/118)
صفحة 2068
الكفارات
119
ما
كفارة اليمين المرسلة:
هي
الكفارة المرسلة وما مواقع وجوبها؟
الكفارة المرسلة هي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة، ومن عجز عن جميع ذلك فعليه صيام ثلاثة أيام، وذلك لقوله تعالى: وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَدتُمُ الْأَيْمَنَ فَكَفَرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ
أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ [المائدة: 89]، وهي تجب كما ترى في الآية الكريمة بالحنث في اليمين، وذلك
بأن يحلف أحد أن لا يفعل شيئاً ففعله، أو أن يفعله فلم يفعله والله أعلم.
ماذا على الرجل الذي حنث في يمينه ولم يكفر إلا بعد فترة من الزمن، وكانت يمينه على عدم فعل معصية ما ولكنه بعد حنثه كرر تلك المعصية عدة مرات ثم كفر يمينه، وتاب وبعد ذلك عملها مرة أخرى ولكنه تاب عنها نهائياً؟
يجزيه ذلك التكفير والله يقبل توبته والله أعلم.
إذا وجبت كفارة مرسلة على شخص ولم يكن قادراً على الإطعام أو الكسوة، فهل يجوز له أن يصوم ثلاثة أيام متقطعة؟
لا بد من تتابعها والله أعلم.
رجل حلف يميناً وهو حانث والله أعلم، ثم توفي. والآن أولاده يريدون أن يكفروا عن هذه اليمين ويريدون من فضيلتكم الإفادة عن ذلك وكيف تكون الكفارة عن اليمين؟
لا مانع من ذلك، وتكون الكفارة مرسلة وهي إطعام عشرة مساكين من (5/119)
صفحة 2069
120
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن تعذر ذلك كله فصيام ثلاثة أيام
والله أعلم.
ما حكم المرأة إن حلفت يميناً على شيء ثم أرادت أن تكفر عنها بأن تخرج صدقة لذويها، أو زوجها المحتاج بحجة أنه أقرب الناس إليها، وهل يجزي ذلك بأن تعطي مبلغاً من المال شخصاً واحداً فقط بدلاً من
عشرة مساكين إن لم تجد هؤلاء المساكين في وقت واحد؟
لا بد من إطعام عشرة مساكين كما نص القرآن والله أعلم.
هل يجوز صيام كفارة الحنث أي الثلاثة أيام متقطعة؟ لا في المشهور والله أعلم.
ما قول سماحتكم في الكفارة المرسلة هل يجوز دفعها جملةً لمسكين واحد مع وجود المساكين؟ وإذا أراد دفعها نقداً هل له ذلك؟ وكم مقدار
ذلك للمسكين الواحد؟
لا يباح أن تعطى الكفارة إلا لعدد المساكين الذي عينوا لها بالكتاب أو السنة، وكفارة اليمين إطعام عشرة مساكين بنص الكتاب، وإطعام مسكين واحد طعام عشرة مخالفة لهذا النص، اللهم إلا إن تعذر وجود العشرة فلا بأس بإطعام من وجد طعام العشرة، وإن اقتضت مصلحتهم إعطاء قيمة الطعام أو الكسوة وكان ذلك أطيب لنفوسهم فلا مانع منه، منه، ويكفي في الوقت الحاضر ريال عُماني فصاعداً لكل مسكين والله أعلم.
رجل قال: أقسم بالله لأبلغن عن أشخاص معينين لأنه رآهم يفعلون شيئاً ما لكنه عدل بعد ذلك عن هذا الأمر، فهل كفارته مغلظة أو مرسلة؟ الكفارة هي ما نص عليه القرآن وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط (5/120)
صفحة 2070
الكفارات
121
الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة والرقبة غير موجودة في وقتنا هذا، فيستطيع الإنسان إن يطعم عشرة مساكين أو أن يكسوهم، فإن تعذر عليه ذلك بحيث كان غير واجد للطعام ولا للكسوة ولا واجداً للثمن الذي يشتري به الطعام أو الكسوة فليعدل إلى صيام ثلاثة أيام، لأن الله تعالى يقول: {فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَنَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ
أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامِ} [المائدة: 89]، والله أعلم.
امرأة حلفت أن لا تذهب إلى مكان ثم ذهبت إليه، فماذا عليها؟ عليها إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن عجزت عن ذلك بحيث كانت غير واجدة للطعام ولا للكسوة ولا للرقبة ولا تستطيع الوصول إلى ذلك قط فإنها تعدل إلى صيام ثلاثة أيام، وذلك لقوله تعالى: {فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامِ} [المائدة: 89]، فقوله تعالى:
فَمَن لَّمْ يَجِدٌ) قيد للعدول إلى الصيام بعدم الوجدان، والله تعالى أعلم.
الكثير من الناس عندما يريدون أن يكفروا اليمين يقومون بصيام ثلاثة أيام، فهل يصح ذلك؟ وهل يصح إخراج النقود بدل ذلك وكم مقدارها؟
كفارة اليمين ليست بالصيام، وإنما هي كما دلت الآية القرآنية، فالله الله يقول: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَدتُمُ الْأَيْمَنَّ فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَرَةُ أَيْمَنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَنَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ وَايَتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 89]، فجعل الله تعالى المكفر مخيراً بين ثلاثة أشياء، وهي أن يطعم عشرة مساكين من أوسط ما أهله أو أن يكسوهم أو أن يعتق رقبة فإن لم يجد واحداً من هذه
يطعم (5/121)
صفحة 2071
122
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
الأشياء الثلاثة فعليه صيام ثلاثة أيام، أما مع القدرة على واحد من الثلاثة فإنه لا يجوز أن يعدل عن ذلك إلى الصيام، إذ لا يعدل عن الأصل إلى البدل إلا مع عدم وجود الأصل.
هذا والأصل في ذلك الإطعام سواء في الكفارات أو في فدية الصيام أو في فدية الإتيان بما لا يتفق مع مقتضيات الإحرام كحلق الرأس للضرورة، ومع اختلاف العلماء كثيراً في مقدار الطعام فإننا لا نجد داعياً إلى الالتفات إلى هذه الأقوال المتعدة مع وجود السنة التي بينت مقدار الإطعام، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما خير كعب بن عجرة الى لما أتى ما ينافي الإحرام وهو الحلق للضرورة أمره أن ينسك بنسيكة أو يصوم ثلاثة أيام أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع (1)، وهذا دليل على أن مقدار الإطعام هو نصف صاع ولا يتبين لي فرق بين الفدية والكفارة، فإن الذي يحتاج إليه المسكين في الفدية هو نفسه الذي يحتاج إليه في الكفارة، والمراد الإطعام الذي يسد حاجة المسكين، والحديث يؤخذ به في بيان مجملات القرآن الكريم، فالأولى العمل بهذا الحديث، واختلف العلماء في الوجبة من الطعام فذهب كثير من العلماء إلى أن الوجبة الواحدة غير مجزية، وقيل: بل تجزي إن كانت مأدومة وهذا القول أصح، نظراً إلى إطلاق القرآن والسنة، والأصل في الأمر المطلق أن تجزي فيه المرة الواحدة فلا دليل على الوجبتين إلا من باب الاحتياط، ومن المعلوم أنه ينبغي للإنسان أن يأخذ بالأحوط، له أن يخرج من عهدة الخلاف مهما أمكنه.
وينبغي
(1) رواه الربيع في كتاب الحج باب في الهدي والجزاء والفدية رقم (432)، والبخاري في كتاب الحج قول الله تعالى: فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا) رقم (1719)، ومسلم في كتاب الحج
باب جواز حلق الرأس للمحرم رقم (1201). (5/122)
صفحة 2072
الكفارات
123
أما تحديد ذلك بالنقد فهو غير ممكن، أما أولاً: فإن الأمر جاء بالإطعام ولم يأت بدفع النقود وأما ثانيا: فإن النقود لا يمكن أن تحدد نظراً إلى أن الطعام يغلو ويرخص بحسب اختلاف الأزمنة والأمكنة، فقد يكون في زمان أغلى منه في زمان آخر، وفي مكان أغلى منه في مكان آخر، لا ينبغي للإنسان أن يعدل عما دل عليه النص وهو الإطعام إلى دفع النقد،
مع
أنه
اللهم إلا مع تعذر الإطعام بحيث لا يجد المساكين الذين يتقبلون الطعام، مع وجودهم فلا يسوغ العدول عما دل عليه النص واستقر عليه السلف
وأما
والله أعلم.
انتشرت
ت عادة بين الناس وهي أن من أراد أن يكفر عن يمين أو نحو ذلك بدلاً أن يصوم ثلاثة أيام ويفطر، يصوم يومين وليلة، فهل يجوز
ذلك؟
كفارة اليمين لا تكون من أول الأمر صياماً إنما الصيام للذي لا يجد شيئاً يدفعه، أما من كان واجداً فعليه أن يطعم عشرة مساكين أو أن يكسوهم أو أن يعتق رقبة، فالله تعالى يقول: {فَكَفَرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ [المائدة: 89]، والصيام ثلاثة أيام، أما صيام يومين ونصف يوم فهذا مما يخالف النص القرآني الصريح، وهو من فعل الجهلة - والعياذ بالله ـ والله تعالى أعلم. من لزمته كفارة مرسلة ولم تتوفر لديه النقود للإطعام هل يجب عليه
فوراً الصيام أم يجزيه أن يوصي بها إلى أن تتوفر لديه النقود فيطعم؟
إن كان يرجو أن يتوصل إلى المال الذي يمكنه من الإطعام أو الكسوة أو عتق الرقبة - والرقبة تكاد تكون مستحيلة اليوم - فلينتظر وصول المال إليه، وإن
كان غير واجد فلا عليه إن عجّل في أداء ما عليه بصيام ثلاثة أيام والله أعلم. (5/123)
صفحة 2073
124
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
كفارة ترك الصلاة:
عند إخراج كفارة عن الصلاة هل تكفي كفارة واحدة عن صلوات كثيرة لا يدرك عددها؟ وهل تكفي كفارة واحدة عن أيام صوم كثيرة من رمضان لا يدرك عددها؟ وهل إذا حلف الإنسان بينه وبين ربه وعاهد الله على التوبة ثم عاد للمعصية تجب عليه التوبة والكفارة عن الحلف؟
لم يأت نص يوجب الكفارة في إضاعة الصلاة وإنما ذهب من ذهب إلى وجوب التكفير في إضاعتها قياساً على كفارة الصيام، والقياس في مثل ذلك ضعيف لعدم اتضاح العلة في وجوب كفارة الصيام حتى تقاس عليها الصلاة، وإنما الكفارات كالحدود أمور توقيفية لا يتجاوز فيه النص، وبناءً على القول بوجوب كفارة الصلاة كالصيام فقيل لكل صلاة كفارة، وقيل: تجزي واحدة لكل ما إضاع المكفر من الصلوات، وقيل: فيما زاد على الخمس تجزي خمس كفارات، وفيما دونها لكل صلاة كفارة، وأما الصيام فقيل لكل يوم كفارة، وقيل: في إضاعة كل شهر كفارة واحدة ولو أنه أضاع أياماً متعددة، وقيل: تجزيه كفارة واحدة لإضاعة ما سلف من صيامه، وهذا أوفق بالتائب المنيب وأرفق.
والكفارة إن كانت إطعاماً فهي إطعام ستين مسكيناً لكل مسكين نصف صاع من طعام، والأرجح في كفارة الصيام الترتيب فالعتق أولاً للواجد والصيام لمن لم يجد والإطعام لمن لم يستطع، ولا يجب إخبار أن ذلك من كفارة إن كان متأكداً استحقاقه وإنما إخباره أولى
المطعم والله أعلم. (5/124)
صفحة 2074
الكفارات
125
ما هي كفارة من ضيع صلاة من الصلوات أو أكثر؟ وهل يجب عليه صوم الشهرين كمن ضيّع صيام رمضان؟
في وجوب الكفارة على من ترك الصلاة عامداً خلاف، فأكثر العلماء يقولون بالوجوب قياساً لترك الصلاة على ترك الصيام، ولكن الراجح عدم الوجوب لأن الكفارات كالحدود تثبت بالنص لا بالقياس والله أعلم.
كفارة العهد:
عاهدت الله الله على عدم فعل فاحشة من الفواحش، ولكنني في كل مرة أنسى وأقوم بفعل تلك المعصية، وسرعان ما أندم على فعلها فأتوب إلى الله، وأصلي ركعتين صلاة التوبة وأجدد عهدي مع الله تعالى على عدم فعل تلك المعصية بعد فراغي من صلاة التوبة، ولكن لضعف إيماني ومع مرور الأيام أقوم بفعل تلك المعصية وأجدد التوبة والعهد الله تعالى مرة ثانية وثالثة، ومرات عديدة لا يعلمها إلا هو، ماذا يلزمني فعله نتيجة عدم الوفاء بعهدي في كل مرة؟ وبعد أن منّ الله علي واستطعت البعد عن تلك الفواحش تبت إلى الله توبة نصوحاً، فإن كان علي كفارة فهل هي مرسلة أم مغلظة؟ وما مقدارها إذا أردت أن أطعم بإخراج أرز مثلاً؟
مع
نأسف أن يجرؤ أحد على أن يعاهد الله ثم يخيس في عهده الذي عاهده ربه، ولا يبالي بأن يكرر ذلك المرة بعد المرة. الالالا
وقد اختلف العلماء فيما إذا قال الإنسان عاهدت أن أفعل كذا فنكث ربي في عهده هل تكفيه كفارة مرسلة؟ وهو قول طائفة من أهل العلم وهو الذي ذهب إليه العلامة ابن بركة من علمائنا في القرن الرابع الهجري، وبه قال (5/125)
صفحة 2075
126
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
الإمام نور الدين السالمي الله من علمائنا أيضاً في القرن الرابع عشر الهجري، وهذا القول يتأيد بأن ذلك هو المنصوص عليه في كفارات الأيمان ـ وللعهد حكم اليمين ـ كما جاء ذلك في قول الله تبارك وتعالى: {فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامِ} [المائدة: 89]، فالمكفر مخيّر بين أن يطعم عشرة مساكين أو يكسوهم
أو يحرر رقبة، فإن عجز عن كل ذلك ينتقل إلى وجوب صيام ثلاثة أيام. العلماء ومن من قال بأن كفارة العهد كفارة مغلظة، ولربما قاس هؤلاء التغليظ على الظهار، لأن الظهار افتراء كذب على الله لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ أَزْوَجَكُمُ الَّتِي تُظهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَتِكُمْ} [الأحزاب: 4]، وحملوا عليه نكث
العهد ونحوه لما فيه من مخالفة صريحة لحكم الله الله وأعطوه حكمه. إلا أنهم لم يقولوا بأن هذه الكفارة حكمها كحكم كفارة الظهار بحيث لا يكون الانتقال إلى الأيسر إلا بعد العجز عن الأشد، وإنما قالوا: هو مخيّر بين عتق رقبة، وصوم شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكيناً.
واختلف العلماء في قدر ما يعطى للمسكين، ولكن حديث كعب بن جرة إلى عندما أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يفتدي بإطعام ستة مساكين لاضطراره إلى حلق رأسه في إحرامه أو أن ينسك بشاة أو أن يصوم أمره أن يطعم كل مسكين نصف صاع، فلذلك نأخذ بهذا لعدم الفرق في حاجة
المسكين باختلاف الكفارات التي يجب له فيها الإطعام، والله تعالى أعلم.
لقد أقسمت بالله وعاهدته على عدم الرجوع إلى معصية فعلتها وقلت: علي عهد الله وميثاقه ألا أرجع إلى هذه المعصية وإذا عدت إليها لأتصدقن بمبلغ وقدره ألف ريال عُماني، ولضعف إيماني واتباعي لوسوسة الشيطان لعنه الله رجعت إلى المعصية مرة أخرى، ثم عاهدت (5/126)
صفحة 2076
الكفارات
127
الله تعالى بمثل ذلك مرتين في كل مرة ارجع إلى المعصية تارة أخرى، ولم أقم بأداء الصدقة الواجبة عليّ على إثر الحنث، وبالتالي يكون مجموع ما ألزمت نفسي به أربعة آلاف ريال عماني، والسؤال: 1 - نوع الكفارة يمين مرسلة أم مغلظة؟ وهل تجزي كفارة واحدة؟ وما مقدار الكفارة؟ وهل تصح نقداً وما مقدارها؟
ما
2 ـ هل يجب عليّ التصدق بأربعة آلاف ريال عماني (أي مجموع ألزمت نفسي به علماً بأن مجموع ما معي في الوقت الحاضر أقل من ثلاثة
آلاف ريال عماني؟ وإذا وجب عليّ أن أتصدق بنسبة معينة فكم تكون؟ 1 ـ كفارة عهد الله هي مغلظة عند جمهور أهل العلم، وذهب ابن بركة إلى أنها كسائر كفارات الأيمان مرسلة وهو الذي اختاره الإمام نور الدين السالمي الال، وبه نأخذ، وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة فإن لم يجد شيئاً من ذلك فعليه صيام ثلاثة أيام، واختلف فقيل: لكل يمين كفارة، وقيل: تجزي واحدة ما لم يكفر، وهذه رخصة تبذل للتائب والله أعلم.
2 - قيل عليك ما ألزمته نفسك وهو معنى الأثر المروي عن أبي الشعثاء: من ألزم نفسه شيئاً ألزمناه إياه، وقيل: يجزيه أن يكفر كفارة يمين، وهذه رخصة أيضاً تمنح للتائبين دون المصرين والله أعلم.
ما قولكم في رجل يعمل فاحشة (الاستمناء)، وكان يتوب ويعاهد الله على عدم فعلها، ولكنه يفشل في تركها في كل مرة، ويجدد توبته وعهده على عدم الرجوع إليها حتى تمكن من تركها، ماذا ترون عليه في نقض عهده مرات عديدة لأنه كان يضطر إلى قضاء شهوته؟
عليه أن يتوب إلى الله ويكفر كفارة مغلظة على قول أكثر علمائنا وهي (5/127)
صفحة 2077
128
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً، وقيل: تجزيه كفارة يمين مرسلة والله أعلم.
رجل تعهد لفترة تقدر بأربعة أشهر، وقد خان العهد قبل أن تنتهي الفترة المذكورة، فهل عليه شيء من هذا العهد؟
عليه التوبة إلى الله مع كفارة يمين إن عاهد الله على شيء فحنث، وشدد كثير من العلماء في العهد فألزم فيه كفارة مغلظة وهي: عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً والله أعلم.
ما مقدار ما ينفق للمسكين الواحد إذا أردنا أن نوزع أرزاً؟
لكل مسكين نصف صاع ويقدر بكيلو غرام وأربعة وعشرين غراماً، ومن ضاعف ضاعف الله له والله أعلم.
رجل منع زوجته من الذهاب معه إلى بيته وذلك بسبب خلاف بينهما والقصد من منعها هو حل الخلاف على حضور أبيها، وبعد الأخذ والعطاء في الحديث قال الرجل: أعاهدكم عهد الله وميثاقه على أن آتي بها بعد كذا يوماً على حضور أبيها وسنحل الخلاف، ومضت المدة المحددة ولم
يأت بها إلا بعد مضي سنة وسبعة أشهر، فماذا يجب على هذا الرجل؟ عليه على نكث عهده كفارة مغلظة وهي عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً وقيل تجزى في ذلك كفارة مرسلة ورجحة بعض المحققين من المتقدمين والمتأخرين والله أعلم.
رجل قال لأولاده: أعاهدكم عهد الله ورسوله لا آكل معكم ولا أسكن في
سكنكم، ثم بعد ذلك أكل معهم وسكن في سكنهم، ماذا عليه؟
عليه كفارة مغلظة وهي عتق رقبة أو إطعام ستين مسكيناً أو صوم شهرين (5/128)
صفحة 2078
الكفارات
129
متتابعين وقيل تجزيه كفارة مرسلة وهو الذي اعتمده العلامة ابن بركة في المتقدمين ونور الدين السالمي في المتأخرين والله أعلم.
ما قولكم في رجل يرتكب بعض الرذائل، وحاول مراراً ترك هذه العادة ولم يستذع وفي إحداها عاهد الله على تركها ولكنه ما لبث أن عاد لضعفه، فما هو حكم الشرع في نقضه عهده الله؟
مع
من عاهد الله أن لا يفعل شيئاً ففعله فعليه كفارة يمين وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة فإن لم يجد شيئاً من ذلك فعليه صيام ثلاثة أيام، وهذا أرخص ما قيل في ذلك، ومن العلماء من يرى عليه كفارة مغلظة وهي عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً، وعليه مع ذلك التوبة إلى الله مما ارتكبه من محارمه
والله أعلم. شخص عاهد الله بأنه لم يدخل معهداً ما عن صاحبه لقوة الصحبة بينهما، لكن قبل هو ولم يقبل صاحبه بالمعهد المذكور، ولكنه لم يبر بعهده لأنه نسيه ودرس بالمعهد، وبمرور الوقت تذكر العهد وندم لأنه درس وما زال يدرس، فماذا عليه أن يفعل كي يبر بعهده؟
يكفر كفارة مغلظة في أكثر الأقوال وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، وقيل: تجزيه مرسلة كسائر الأيمان وهذا هو الأرجح والأول أحوط والله أعلم. (5/129)
صفحة 2079
130
الفتاوى
الأيمان - الكفارات - النذور
الكفارة الاحتياطية:
ما قولكم في رجل توفاه الله في حادث وأراد ورثته بعد اتفاقهم بأن يؤجروا عنه كفارة صيام شهرين من نفقة ماله الذي خلفه قبل أن يقتسم وهو لم يوص بهذه الكفارة في حياته؟ كذلك أراد الورثة إنفاق مال بأن يؤجروا عنه حجة وعمرة من ماله قبل أن يقتسم، مع العلم أن من بين الورثة أيتاماً لم يبلغوا الحلم؟
أما الكفارة فالأولى أن يطعموا عنه ستين مسكيناً بدلاً من أن يؤجروا عنه من يصوم عنه، شهرين، وأما الحجة والعمرة فلا مانع من إنفاذهما من ماله شريطة أن يوفى حق اليتامى من الإرث وأن يكون إنفاذ ذلك من نصيب البلغ الراضين بالإنفاذ والله أعلم.
ماه
ا هي
كفارة الكبر وكيف تؤدى؟ وهل يجوز أن تؤدى بالصدقة؟ وكم تساوي بالريال العُماني حالياً؟ وما هي كفارة الصغر وكيف تؤدى؟
وهل يجوز أن تؤدى بالصدقة وكم تساوي بالريال العماني حالياً؟
لا معرفة لي بكفارة الكبر أو الصغر، ولم أسمع بهما قبل اليوم والله أعلم.
قرأت ضمن فتاوي نور الدين السالمي بالعقد الثمين في باب التوبة عن كفارة الغشور فما هي هذه الكفارة؟ وهل تجزي عما أضاعه المسلم من صلوات وزكوات وصيام قبل أن يذهب إلى الحج ويستقيم في أمور دينه؟
كفارة الغشور هي كفارة احتياطية وليست في شيء متعين لئلا يكون أضاع شيئاً من الواجبات، وهي لا تجزي عما هو متعين عليه كالصلاة والصيام والزكاة، فإن هذه فروض لا تسقطها كفارة الغشور وإنما يلزم من أضاعها أن يقضيها مع الكفارة فيما فيه كفارة كالصيام والله أعلم. (5/130)
صفحة 2080
الكفارات
131
هل يجزي الحج عن الكتابة في الوصية لعدد من الكفارات؟ وإذا كان لا فما هو العدد المناسب لتلك الكفارات؟
الحج فرض برأسه والكفارات فروض مستقلة على من لزمته، ولا يجزي فرض عن فرض، فمن كانت عليه كفارة فعليه أداؤها ولا يجزي عنها الحج، والأصل أداؤها في حياته، وأما الإيصاء بها بعد موته فهو مجرد احتياط لئلا يفاجئه الموت قبل أدائها وهي تجب بحسب ارتكاب أسبابها من إضاعة الصيام أو الصلاة - عند من يرى فيها الكفارة قياساً على الصوم ـ أو الخطأ أو الظهار أو الحنث في اليمين ولكل كفارة من هذه حكمها
قتل
والله أعلم.
هل هناك قول بأن على المسلم صيام شهرين متتابعين كفارة لما بدر منه في حياته من أخطاء؟ لا، إلا إن ارتكب ما يوجب الكفارة كالقتل أو الظهار أو تعمد الإفطار في نهار رمضان بغير عذر شرعي والله أعلم.
رجل يريد أن يصفي نفسه من الذنوب التي قد يكون ارتكبها وهو شاب من ترك الواجبات واقتراف الآثام، وعزم الآن على أن يتوب توبة نصوحاً، وعقد نية أن يصوم شهرين متتابعين، وبدأ ذلك ولكن بعض الناس أخبروه بأن إطعام المساكين أفضل من الصيام بسبب انتفاعهم بهذا الطعام حيث إنهم في امس الحاجة إلى هذه المساعدات على ضوء هذا نتوجه إلى سماحتكم بهذه الأسئلة:
1 - هل هذا المسلك الذي سلكه هذا الرجل بأن يصوم هو المسلك الأمثل وإلا فبيّن لنا ما هو الصحيح؟ (5/131)
صفحة 2081
132
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
إن كان صيامه كفارة واجبة شرعاً فذلك راجع إلى نوع التكفير، ومعظم الكفارات يقدم فيها الصيام على الإطعام والله أعلم.
2 - هل ما يقوله الناس بأن إطعام المساكين أفضل من الصيام صحيح؟ وإذا كان الجواب بنعم هل يمكنه أن يتوقف عن الصيام ويطعم ستين مسكيناً كونه بدأ الصيام؟
يختلف ذلك باختلاف الباعث على العمل، هل هو كفارة واجبة كما سبق أو لا؟ وكذلك إن لم يكن ذلك كفارة واجبة ينبغي النظر في الملابسات التي تحيط بالعامل، فقد يكون الصيام خيراً لأحد ويكون الإطعام أفضل لغيره والله أعلم.
بعض النساء يعتقدن أنه بعد بلوغهن سن اليأس مطالبات أن يصمن شهرين متتابعين فنريد تصحيح هذه الفكرة؟ لا دليل على ذلك قط، فهي لا يجب عليها أن تصوم شهرين إلا إن وجبت عليها كفارة مغلظة يترتب عليها صيام شهرين متتابعين، أما إن لم تمارس شيئاً مما يوجب عليها الكفارة فلا يجب عليها أن تصوم كما لا يجب ذلك على الرجل والله أعلم. (5/132)
صفحة 2082
الكفارات
133
ما
الكفارة المغلظة - عددها ومقدارها:
هي
الكفارة المغلظة وما مواقع وجوبها؟
الكفارة المغلظة قد تكون عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين، وقد تكون أيضاً إطعام ستين مسكيناً، وقد يكون الانتقال فيها من العتق إلى الصيام ثم إلى الإطعام تخييراً، وقد يكون تدريجاً، وتكون الكفارة المغلظة بسبب قتل الخطأ وهي عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، وتجب بالظهار قبل المس بنص القرآن وهي عتق رقبة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين وإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، وتجب بالفطر المتعمد من غير عذر في نهار رمضان، وهي أيضاً بالترتيب المذكور بالترتيب المذكور آنفاً والله أعلم.
كفارة إطعام ستين مسكيناً إذا كان الطعام أرزاً فكم يكون للمسكين بالوزن الحالي وهو الكيلو؟ وهل يصح أن يعطى الشخص الواحد أزيد من وزنه؟
للمسكين الواحد كيلو أرز وأربعة وعشرون غراماً والله أعلم.
من عليه إطعام ستين مسكيناً كم يكون مقدار ما يدفعه لكل مسكين؟ وهل يجب أن يكون ذلك في ستين يوماً كل يوم يدفع لمسكين واحد فقط؟ وهل يصح أن يعطي هذا المبلغ خلال سنة أو أكثر؟ وماذا يقول
لمن يدفع له هذا المبلغ؟ وهل يصح أن يعطيه لأحد المخالفين؟ لا بد من إطعام ستين مسكيناً طعام يوم واحد، ولا يجزي إطعام مسكين واحد ستين يوماً، كما أن أكثر العلماء لا يرون إعطاء القيمة وإنما ترخص في ذلك بعض المعاصرين، وينبغي أن تقيد الرخصة بالاضطرار، ولا يجب على المطعم أن يقول للمسكين شيئاً وإنما يجب الإطعام، ويجزي إطعام أي أحدٍ من مساكين أهل القبلة والأبر الأتقى أولى والله أعلم. (5/133)
صفحة 2083
134
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
ما رأيكم في كفارات إطعام ستين مسكيناً إذا وجدنا ثلاثين مسكيناً أو أقل من ذلك، هل نعطيهم ما للستين؟ وإن أرادوا أن نعطيهم دراهم بدلاً من الأرز والحب وغير ذلك، فهل يصح ذلك؟ وكم للواحد منهم؟ وهل النساء والأطفال هم المساكين؟ وإن قلتم لا فنقول لا يوجد في هذا الوقت فقير ولا مسكين؟
إن لم يوجد العدد المطلوب من المساكين سواء داخل البلد أو خارجه فلا مانع بعد الاستقصاء والبحث قدر الإمكان من مضاعفة العطاء للعدد الموجود، ولا مانع من إعطاء النساء والأطفال غير الرضع، والمسكين كل من لا يكفي دخله لمصروفاته الضرورية والله أعلم.
أن الشيخ المحقق سعيد بن خلفان الخليلي رحمة الله حدد الصاع من الطعام بوزن 98 قرشاً بما يعادل 2744 غراماً فيكون إطعام المسكين في الكفارة ثلث الصاع من الأرز، هل يجزي إعطاء المسكين ثلث الصاع أم هناك تعديل حسب المعيشة في زماننا هذا؟ وهل يلزم إطعام المسكين إفطاراً وغداء وعشاء؟ وإذا كان كذلك فكم المقدار الذي يعطى من الأرز أو الثمن؟ وهل يصح أن تعطى الكفارة لمسكين واحد له كإطعام ستين مسكيناً؟ تأت سنة تنص على مقدار ما يطعمه المسكين في الكفارات كما لم يشر إلى ذلك الكتاب العزيز، ولكن دل حديث كعب بن عجرة الصحيح على إطعام المسكين في فدية الحلق في حالة الإحرام نصف صاع من الطعام، وذلك حيث أمره النبي أن يطعم ستة مساكين ثلاثة أصع (1)، فدل
تحسب
(1) تقدم تخريجه (5/134)
صفحة 2084
الكفارات
135
ذلك أن لكل مسكين نصف صاع، ولا فرق في ذلك بين فدية الحلق في الإحرام وفدية الصيام والكفارات والله أعلم.
امرأة خلّفت قليلاً من المال وأراد أولادها أن يؤدوا عنها منه كفارة مغلظة، فهل يحق لأولاد المتوفية وحالتهم ضعيفة أن يعطوا من هذه الكفارة حيث إن أحد أولادها عنده مجموعة من الأولاد وعمله سائق، وإحدى بناتها زوجها متوفى وعندها منه أولاد منهم الذي يعمل ومنهم الذي يتعلم ومنهم بدون عمل؟ من كان منهم مسكيناً يستحق الزكاة والكفارة فلا مانع أن يعطى منها ما يعطى لغيره من المساكين والله أعلم.
إذا أراد رجل أن يخرج كفارات فمن هو أحق بها؟
الكفارات للمساكين وهم الذين لا يكفيهم دخلهم لنفقاتهم الضرورية والله أعلم. بالنسبة للكفارة المغلظة صوم شهرين متتابعين هل يصومهما متواصلين أم يفصل بينهما بيوم؟
يجب التتابع في صيام الكفارة ولا يجوز الفصل ولو بيوم وا والله أعلم.
هل يشترط أن توزع الكفارة لستين مسكيناً أو من الممكن أن تعطى لعائلة واحدة أو عائلتين؟
لا بد من استيفاء العدد المحدد من المساكين والله أعلم.
ما القول الراجح معكم فيمن أقام عنده فقير يطعمه ويكسيه ونوى أن ذلك الطعام من كفارة لزمته هل يجزيه ذلك؟
الكفارة حددت بإطعام عدد من المساكين فلا بد من استيفاء ذلك العدد
والله أعلم. (5/135)
صفحة 2085
136
الفتاوى
الأيمان - الكفارات - النذور
دفع القيمة في الكفارة:
من عليه إطعام ستين مسكيناً أو كفارة هل يصح أن يدفع نقوداً بدل
الطعام؟ وكم مقداره؟
اختلف في إعطاء الثمن بدلاً من الطعام في الكفارة، وعلى جوازه فهو ثمن طعام الغداء والعشاء لكل مسكين، وذلك يختلف باختلاف الزمان والمكان والله أعلم.
أخطاء
هي
عتق
أنوي أن أؤدي ما عليَّ من كفارة مغلظة نتيجة ما فعلته في حياتي ونسيان وتقصير وما أشبه ذلك والكفارة المغلظة من رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً، فكم هو مبلغ إطعام ستين مسكيناً بالريالات هل هو (45) أم (60) ريالاً؟ وهل هذا المبلغ أشتري به أرزاً وأفرقه على ثلاثة أو أربعة بيوت؟ لأني أخاف إذا أعطيتهم المبلغ نقداً أن ينفقوه في غير الطعام، فما العمل؟
إطعام المسكين بما يكفيه لطعام يوم، ولا يكفي الفرد أقل من ريال إن وزع عليهم نقوداً وإن وزع عليهم طعاماً فيكفي لكل فرد نصف صاع
والله أعلم.
هل يجوز في الكفارة المغلظة إخراج النقود بدل الإطعام؟ وإذا كان جائزاً، فما مقدار النقود وكيف تخرج؟
الأصل إخراج الطعام، فإنه الذي دلت عليه السنة، ولا يصار إلى النقود إلا مع تعذر قبول من قبل الفقراء، وفي هذه الحالة تخرج قيمة الطعام المفروض ولا تحدد القيمة بمقدار من النقد لأنها تعلو وتنخفض بحسب
غلاء الأسعار ورخصها، وتختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والله أعلم. (5/136)
صفحة 2086
الكفارات
137
هل للمكفر بدلاً من أن يطعم أن يخرج قيمة الوجبتين؟ وكم تقدرونه؟ الأصل هو الإطعام، فإن تعذر فليعط قيمة الوجبتين بحسب سعر السوق
في الوقت ذاته، وذلك يختلف باختلاف الزمان والمكان والله أعلم. (5/137)
صفحة 2087
[صفحة فارغة] (5/138)
صفحة 2088
النذور (5/139)
صفحة 2089
الفاوي (5/140)
صفحة 2090
النذر لغير الله تعالى:
النذور
141
هل يندرج النذر للأشجار أو عيون المياه أو غير ذلك من النذور في دائرة الشرك الذي لا يغفر كما جاء في قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48]؟
بسم
الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فلا ريب أن الله تبارك وتعالى هو الإله الواحد الفرد الصمد الذي يُقصد في الملمات، ويطلب لقضاء الحاجات، فهو وحده القادر على كل شيء، المصرف للوجود والمدبر لهذا الكون، ولذلك علمنا أن نفرده بالاستعانة كما نفرده بالعبادة عندما قال عز من قائل: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، تعليماً لعباده كيف يوجهون إليه خطاب العبودية لمقام الربوبية وهم يفردونه في العبادة والاستعانة به في جميع أمورهم، ومعنى ذلك أن الإنسان كما لا يجوز له أن يعبد غير الله لا يجوز له أن يستعين بغيره
تبارك وتعالى.
وجاءت الآيات الكثيرة في كتاب الله سبحانه ناعية على المشركين الذين كانوا يتخذون مع الله آلهة أخرى، فيتقربون إليها بالقرابين والنذور وغيرها، ويشركونها في العبادة، ويعتقدونها وسائط بينهم وبينه تعالى، فالله الله يقول: {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظُّلُمَتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّرُ} [الرعد: 16]، ويقول الله: {وَلَين سَأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَ اللَّهُ قُلْ أَفَرَوَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍ هَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرِهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ (5/141)
صفحة 2091
142
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
هُنَ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر: (38)، وفي ذلك ما يدل على أن من انفرد بخلق كل شيء لا يسوغ أن يشرك معه غيره في العبادة أو الدعاء، ولهذا احتج القرآن على المشركين بما هو راسخ في نفوسهم، لا يمارون فيه في مجادلاتهم وهو أن الله وحده هو خالق السموات والأرض ومالكهما، فإبطل بذلك دعاءهم لغير الله، وذلك في قوله: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا هُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكِ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ اسبا: 22]، وقوله: {قُلْ أَرَعَيْتُمْ شُرَكَاءَ كُمُ
فهم
الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ هَمْ شِرْكُ فِي السَّمَوَتِ أَمْ عَاتَيْنَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّلِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا} [فاطر: 40)، ثم أتبع ذلك قوله: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَبِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [فاطر: (41)، وقوله تعالى: {قُلْ أَرَهَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكُ فِي السَّمَوَاتِ أَثْنُونِي بِكِتَبٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَرَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَدِقِين} [الأحقاف (4)، ولئن كان الله يحتج بهذا على المشركين الذين لا يؤمنون بالقرآن لأن حجة ذلك قائمة عليهم من عقولهم فما بالكم بالمسلمين الذين صدقوا أن هذا القرآن حق من عند الله، كيف يتصاممون عن هذه الحجج بجانب تعطيلهم لمداركهم عندما يدعون غير الله دعاء من خلق السماوات والأرض. وتتوالى الآيات الكثيرة دالة على أن الله الله وحده هو الذي يرفع الضراء
ويبتلي من يشاء بما يشاء، فقد قال سبحانه: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ} [الأنعام: 17]، وقال: وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرِ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَ لِفَضْلِهِ) [يونس: 107]، وقال: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَنَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51]، وقال: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةِ (5/142)
صفحة 2092
النذور
143
ج رور
فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [فاطر: 2)، وهكذا تتوالى الآيات لتبلور العقيدة الصحيحة والفكر السليم الذي يصل بين العبد وربه له من غير أن تكون بينهما واسطة وهي دالة على حرمة أن يتقرب الإنسان بنذر أو قربان إلى غيره تعالى كأن ينذر لعين أو لشجرة أو لحجرة أو لغير ذلك، وهذا ما أكده قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله» (1).
لذلك نجد من العلماء من حكم بشرك من يفعل ذلك، وبحرمة زوجته عليه وأنها تخرج من عصمته إلا إن تاب ورجع إلى عقيدة الإسلام وتبرأ من هذه العقيدة الزائفة التي يعتقدها في الأشجار والأحجار ونحوها.
وأنا أعجب كيف لا يفكر هذا الإنسان في أن هذه الكائنات بأسرها لا تملك منفعة ولا دفع مضرة عن نفسها، فكيف تستطيع أن تحققه لغيرها!!. ولا يختلف اثنان من العقلاء أن النبي الله هو أفضل مخلوقات الله الله ذلك فإن الله تبارك وتعالى يقول له قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًا ومع
إلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ [الأعراف: 188]، هذا مع أن النبي عندما أمر بأن يقول ذلك كان إبان حياته صلى الله عليه وسلم وملء ثيابه، فكيف بغيره، بل كيف بالأموات في القبور، والأشجار والأحجار وغيرها.
فهذه القضية في منتهى الجلاء والوضوح ولكن تعمى عنها أبصار الذين على أبصارهم غشاوة.
(1) رواه الضياء في المختارة رقم (12)، والحاكم في المستدرك رقم (6303)، والترمذي رقم
(2516) (5/143)
صفحة 2093
144
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
هذا ومن المعلوم أيضاً أننا علينا أن نعتقد بأن قول الله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48]، لا يعني تسويغ ما دون الإشراك من أنواع المعاصي، وأن المعصية التي هي دون الإشراك مغفورة، فإن الله تبارك وتعالى قد قطع دابر هذه الأماني عندما قال: {لَيْسَ بِأَمَانِيَكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَبٍ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 123]، وهو القائل ناعياً على أهل الكتاب هذا المعتقد الخاطيء: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضُ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِيثَقُ الْكِتَابِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} [الأعراف: 169].
وإنما هذه الآية الكريمة تكررت في سورة النساء مرتين، والسياق هو الذي يدل على معناها ويشخصه، فإنها مسبوقة في أحد الموضعين بقول الله: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ عَامِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَطْمِسَ وُجُوهَا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [النساء: 47] ثم تبع ذلك قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48]، وسبقها في الموضع الآخر قوله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا، ثم تبعه قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 116].
ومعنى ذلك أنه تعالى لا يغفر الشرك ولو تاب المشرك من أي معصية من المعاصي، وإنما يغفر المعاصي كلها إذا تاب من الشرك، فإن الإسلام جب لما قبله، فهذه دعوة للدخول في الإسلام، مع تبشير الذي يدخلون فيه بأن ما سلف منهم من المعاصي يغفر بدخولهم في الإسلام، كما قال تعالى: (5/144)
صفحة 2094
النذور
145
قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَتُ الْأَوَّلِينَ} [الأنفال: 38]، فالذين يتوبون من شركهم هم الذين شاء الله تعالى أن يغفر لهم ما سلف مما هو دون الشرك بدون توبة لأن الإسلام وحده كاف لئن يجب ما قبله.
وبهذا ينتظم هذا النص مع سائر النصوص الأخرى التي تؤكد الوعيد الشديد على الكبائر في سلك واحد من المعنى فلا يكون بينها تنافر وتعارض وإنما وعد الله سبحانه أن يغفر الصغائر مع اجتناب الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر وذلك في قوله: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء: 31]، والله
المستعان.
الزوجة عندما تعلم أن زوجها قدم قرابين للأشجار أو للمساجد واستمرت معه دون أن تنفصل عنه، هل معنى ذلك أنها مكثت مع رجل حرام عليها؟
نعم إذا كان يعتقد هذا المعتقد الخاطاء الباطل، يعتقد النفع والضر من قبل الشجرة أو الحجرة التي يتقرب إليها، أو من قبل العين التي يقرب إليها النذور، أو من قبل القبر أو صاحب القبر، أو الجني الذي يتعلق به لقضاء حاجته من تحقيق منفعة أو دفع مضرة، فالله تعالى يقول: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالِ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن: (6)، ومثل هذا ما يصنعه جهلة الناس وعوامهم عندما يصابون بشيء بحيث يأتون ببخور يتقربون به إلى الجن يقولون إن كان هذا لكم فخذوه وإن كان لغيركم فأوصلوه إليهم أو فأبلغوهم إياه، والله أعلم. (5/145)
صفحة 2095
146 الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
كيف تكون توبة هذا الإنسان؟
توبته بالرجوع إلى عقيدة الإسلام الصحيحة والتنصل من هذا الأمر، والتبرؤ من هذا المعتقد الباطل، واعتقاد أن غير الله تعالى لا يجدي نفعاً
ولا يدفع ضراً، والله أعلم.
وهل ينطق بالشهادتين مرة أخرى؟
نعم والله أعلم.
وهل ترجع الزوجة إليه بدون عقد؟
نعم ترجع إليه برجوعه إلى عقيدة التوحيد كحكم المرتد، ومن العلماء من قال بأن المرتد يجدد عقد النكاح برجوعه إلى الإسلام، فكذلك من كانت ردته بهذا على هذا القول والله أعلم.
جماعة قاموا بتأدية نذر وقاموا بدعوة الأطفال والكبار لحضوره، وأخذوا لوازمهم من مأكل ومشرب مصطحبين معهم الرضيعة التي أقيم من أجلها هذا النذر، وذهبوا إلى مكان قريب من مكان وجود قبر لشخص يقال إنه مبروك ويخرج نور من، قبره وهناك افترشوا الأرض وجلسوا صغاراً وكباراً، وقامت امرأة عجوز من العائلة بعمل النذر، وأخذت معها كمية من الحلوى والخبز إلى مكان وجود القبر (جد من جدودهم ثم أذن للجميع بالأكل كيف يكون النذر الله؟ وكيف يكون النذر لغير الله؟
ومن
وما هو البرهان والدليل الشرعي على عدم الجواز لمثل هذه الحالة؟ الذي يقع عليه الذنب في مثل هذه الحالة هل الشخص الذي دعا الناس وقام بالنذر؟ أم الذين لبوا الدعوة وحضروا وأكلوا وشربوا من حلوى وخبز النذر وهم على علم بذلك؟ وما حكم من أكل من حلوى النذر (5/146)
صفحة 2096
النذور
147
ولكن بنية صادقة لوجه الله وليس للمشاركة معهم؟ وهل رفض الزوجة طاعة زوجها في المشاركة لهذا الأمر واجب؛ ولو وصل هذا الأمر إلى الطلاق بين الزوجين؟
،
النذر للقبور من البدع الضالة، بل إن اعتقد الناذر أن للقبر أو للميت المدفون فيه تأثيراً في تحقيق نفع أو دفع ضر كان ذلك من ضروب الإشراك بالله، والنذر الله ما ابتغي به وجه الله وكان على الوجه الشرعي بحيث لم يخرج من حدود الطاعة له تعالى والنذر لغيره تعالى ما كان بخلاف ذلك، وإن طلب الرجل من امرأته المشاركة في ذلك فلا تجوز لها طاعته إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، بل ذهب بعض أهل العلم إلى أن مشاركة أحد الزوجين في هذه النذور تؤدي إلى حرمته على الآخر لأنه بمشاركته صار في عداد المشركين، ووقوع أحد الزوجين في الشرك الأكبر يحرمه على الآخر، ويشترك في الإثم الداعي وكل من أجاب الدعوة ومن أكل ولو كانت له نية صالحة، لأن في أكله تشجيعاً لهم على الإقدام على هذا المنكر والله أعلم.
ما قولكم فيمن نذر لابنه إن شفاه الله من المرض الذي ألم به أن يذهب به وأمه وبعض العائلة إلى أماكن خارج البلدة التي يقطنونها كأماكن تجمع المياه أو المساجد أو غير ذلك من الأماكن التي تقدمها العامة، وأن يذبح هناك له ما يختاره من الأغنام والضان، وتؤكل هناك الأرز مع ومشتقاته، فهل هذا جائز شرعاً؟ وهل من الضروري أن تذهب المرأة أم الابن برفقة الأب؟
من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه، فإن كان مراد هذا الرجل بنذره تعظيم المكان الذي يذبح فيه ويذهب إليه، ونوى (5/147)
صفحة 2097
148
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
الذبح من أجل ذلك المكان نفسه؛ فتلك بدعة وضلالة ولا يجوز له الوفاء بهذا النذر، وإن كان مراده إطعام الجائعين فيجب أن يفي به مع تجنبه جميع الشوائب ومن بينها اختلاط الرجال والنساء، لذلك لا أجد داعياً إلى حضور أهله بل يجب تجنب ذلك إن كان يؤدي إلى الاختلاط بين الجنسين، على أنه لا ينبغي التقيد بالإطعام في مكان ما بل يجزي في أي مكان والله أعلم.
وجوب الوفاء بنذر الطاعة:
نذرت الله تعالى بعمل عشر ذبائح وبقرة وعشر جونيات عيش «أرز» إذا شفيت ابنتي؟ فالبنت شفيت والله الحمد، فهل يلزمني النذر؟ وإن كان
يلزمني هل يمكن تعويضه بآخر مثل الصيام أو غيره؟
نعم
عليك أن تفي بما نذرت الله والله أعلم.
امرأة كانت مريضة وترقد بالمستشفى، وقد نذرت أنها إذا رأت نفسها في صحة وعافية فإنها سوف تفرق صدقة، وقد رقدت بالمستشفى مدة طويلة ثم خرجت ولكنها لم تتمكن من عمل الصدقة؛ فقد ماتت بعد فترة قصيرة من خروجها، والآن يسأل أولادها هل يلزمهم الفاء بهذا النذر؟ الوفاء بالنذر واجب إن لم يكن معصية، ومن مات وعليه نذر بصدقة أو حج فقام به أولاده بعد موته أجزاه والله أعلم.
رجل أصيبت ابنته بحادث ونقلت على إثره إلى المستشفى للعلاج، وعندئذ قال أبوها: إذا ربي أعطى ابنتي الشفاء والعافية سوف أصوم عنها شهراً، فماذا عليه أن يفعل؟ وما هي الأجرة في ذلك؟
إن كان نذر ذلك الله فعليه أن يصوم إن تحقق شفاء ابنته كما نذر والله أعلم. (5/148)
صفحة 2098
النذور
149
رجل نذر بذبح بقرة إن شفاه الله من مرضه، وبإذن الله تم شفاؤه، ولكن معب عليه ثمن البقرة، فهل يجوز ذبح سبع من الغنم بدل البقرة؟ وهل يجوز لصاحب النذر أن يأكل منها هو وأولاه؟
بما أنه يملك ثمن سبع من الغنم فبإمكانه شراء بقرة، إذ قيمة سبع شياه تكفي لشراء بقرة ولو متوسطة الثمن، ولا يجوز لصاحب النذر أن يأكل من نذره لا هو ولا من يعوله والله أعلم.
ما رأيكم في رجل طعن في نذره) الذي نذر به مع أنه يستطيع أن يقوم بأداء ذلك النذر؟
من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه، فإن كان هذا النذر الذي نذر به طاعة فلا بد من الوفاء به، وإن كان معصية فلا يجوز الوفاء به والله أعلم.
نود إفادة سماحتكم بأن ولدي عندما كان يدرس بالمرحلة الإعدادية كان مستواه الأكاديمي متدنياً، وقد نذر في نفسه بأنه إذا الله وفقه ونجح في دراسته يصوم لله تعالى شهرين متتابعين والحمد لله قد وفق في دراسته وأكمل الثانوية العامة، هل يجوز لي أن أوزع عنه مبلغاً معيناً بدلاً من أن يصوم أم لا؟ وإذا كان الأمر كذلك كم مقدار المبلغ؟ علماً بأن صيام الولد مشقة عليه وصوم شهرين متتابعين ليس هيناً وخصوصاً في هذا الوقت الحار؟
لا وإنما عليه الوفاء بنذره والله أعلم.
(1) طعن في نذره أي نكث ولم يوفِ به (5/149)
صفحة 2099
10.
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
شخص نذر أن يعزم جميع أهله إذا أعفي من مبلغ واجب عليه من قيمة
منزل وتم الإعفاء وباع الشخص المنزل وانتقل إلى منزل آخر ولم يوف بنذره، فماذا عليه؟
عليه أن يفي بنذره ولو بعد الانتقال إلى بيت آخر والله أعلم.
امرأة قالت لابنتها إذا شفاك الله الا الله من المرض فسوف آخذك معي إلى
العمرة لكن عندما شفاها الله لم يسمح لها زوجها بالذهاب إلى العمرة؟ إن كانت نذرت ذلك وألزمته نفسها فإنها يجب عليها الوفاء به، وإن وجد ما يمنعها منه فإنه يبقى ديناً في ذمتها إلى أن يمن الله تعالى عليها بالفرصة للوفاء، والزوج لا يسوغ له أن يمنعها من الوفاء بالنذر لأنه واجب عليها، وأما إذا كان مجرد وعد منها لابنتها فلا يترتب عليها شيء إن أخلفت وعدها، اللهم إلا الإثم إن كانت قادرة على إنجازه والله أعلم.
أم نذرت بأن تصوم إذا عوفي ولدها من مرض فماتت، فهل يجوز لابنتها أن تصوم عنها؟
هذا من باب الوفاء بالنذر الواجب على الميت، وقد جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسألته عن مثل هذا وأمرها بالوفاء، وجاء رجل أيضاً وذكر له أن أمه نذرت أن تصوم فأمره أن يصوم عن أمه التي ماتت ولم تف بنذرها)،
والله أعلم.
(1) رواه الربيع في كتاب الأيمان والنذور باب الأيمان رقم (659) (5/150)
صفحة 2100
النذور
151
النذر بالمعصية أو بما لا يملك الإنسان:
عندما كنت حاملاً بطفلي الأخير نذرت بأني لن أنجب غيره حتى يتوقف زوجي عن شرب الخمر والتدخين وبعد شهور قليلة من النذر توقف زوجي والحمد لله عن هذا المنكر ولكني لم أوف له بوعدي بالإنجاب، ولم أقم بأي شيء لمنع الحمل، بل تركت الأمور تسير بأمر طبيعي، وعمر أصغر أبنائي (10) سنوات)، فبماذا تنصحني فضيلتكم؟ لأني سمعت فتوى في التلفاز مفادها أن من ينذر بشيء يجب عليه أن
يؤديه مهما حدث؟
ليس ذلك إليك، فإن الإنجاب وعدمه إنما هو بأمر الله، فما عليك بأس
والله أعلم.
لا
من نذر بمعصية هل تلزمه كفارة النذر أم لا؟ بين لنا ذلك.
في ذلك خلاف العلماء، بين منهم من ألزمه الكفارة ومنهم من لم يلزمه، فأما الذين ألزموه الكفارة فقد استدلوا بأحاديث ضعيفة الإسناد، ومن أجل ضعفها لم ير الآخرون وجوب الكفارة عليه، أما الوفاء بالنذر فإنه يصح إن كان معصية، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» (1)، وفي رواية: لا نذر على عبد في معصية»، فكيف يسوغ الوفاء به في حالة كونه معصية؟ بل نفس النذر معصية إن كان بما يعصى الله، به واستدل الموجبون للكفارة أيضاً بقياس النذر على اليمين كل واحد منهما إلزاماً للحالف أو الناذر بما لم يكن واجباً
بجامع
أن في
(1) رواه الربيع في كتاب الأيمان، باب الأيمان، رقم (658)، والبخاري في كتاب الأيمان
والنذور، باب النذور في الطاعة رقم (6318). (5/151)
صفحة 2101
152
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
عليه من فعل أو ترك، فاليمين توجب عليه فعل ما حلف أن يفعله أو ترك ما حلف أن يتركه وكان مخيراً من قبل في ذلك، والناذر يوجب على نفسه شيئاً
لم يكن واجباً عليها من قبل والله أعلم.
مراعاة العرف والقصد في النذر
لقد نذرت من مدة بأن أذبح جملين ولكن لم أقدر على شراء جملين مع بعض، ولقد اشتريت جملاً واحداً أولاً ثم اشتريت الجمل الثاني بعد فترة، وسؤالي أني في الجمل الأول لم أعزم عليه الناس في بيتي بل وزعته على الجيران والأقرباء المجاورين من حولنا، فهل النذر الذي نذرته يجب أن أعزم إليه الناس عندي أم أنه يكفي توزيعه كما
فعلت؟
إن كنت نذرت أن تنحر الجملين فنحرتهما فقد وفيت بنذرك وليس عليك لزاماً أن تدعو الناس إلى بيتك والله أعلم.
ما قولكم في امرأة تتوالى الولادة عليها وكانت تتمنى أن تنقطع عنها لمدة سنتين متواليتين، وكانت في جمع من النساء حين قالت: أنذرت أن أصوم من كل شهر ثمانية وعشرين يوماً إن توقف عني الحمل لمدة
سنتين متواليتين، فامتنع عنها الحمل لهذه المدة، فماذا عليها الآن؟ إن كانت نطقت بالنص الذي جاء في السؤال فلست أرى لزوم شيء فيما قالته وذلك لأمرين:
أولهما أنها قالت أنذرت» ولم تقل «نذرت والإنذار غير النذر فهو
وضعاً بمعنى التخويف من أمر فيه خطورة، فلا ينعقد النذر. (5/152)
صفحة 2102
النذور
153
ثانيهما: أنها لم تقل «الله»، والنذر الواجب ما خص بالله تعالى، فضلاً. كون هذا النذر مما لا يطاق عادة والله أعلم.
عن
ما قول سماحتكم فيمن نذر أن يعتكف يوماً في المسجد تقرباً إلى الله تعالى، ونوى في قلبه يوماً دون تحديد، أيكون هذا اليوم من طلوع الفجر إلى حضور الليل أم أنه يشمل اليوم والليلة معاً؟
اليوم يصدق على النهار وحده وذلك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ويصدق على مجموع الليل والنهار فيكون من غروب الشمس إلى غروبها في اليوم الثاني، وعليه فإن المعول في ذلك على قصد المعتكف نفسه، فإن قصد أن يعتكف ليلاً ونهاراً فليدخل معتكفه قبل غروب الشمس ليظل هنالك إلى أن تستكمل غروبها في اليوم التالي، وإن قصد النهار وحده
فليدخل قبل طلوع الفجر وليستمر به إلى أن تغرب الشمس والله أعلم.
رجل نذر أن يذبح شاة إذا شفاه الله سبحانه وتعالى، وقد شفاه الله فهل يذبحها ويوزعها على الفقراء أم يطبخها لأهله؟
يفهم من
هذا أنه نذر أن يتقرب إلى الله بما نذر به، والأصل أن يكون تقرباً إلى الله، فالله تعالى مدح الذين يوفون بالنذر، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» (1). وجاء في الحديث عنه أفضل الصلاة والسلام: لا نذر فيما لا يملك ابن آدم، ولا نذر في معصية» (2). ولما كان النذر قربة فليبتغ القربة إلى الله وليتصدق
(1) رواه الربيع في كتاب الأيمان والنذور باب الأيمان رقم (658)، والبخاري في كتاب الأيمان والنذور باب الوفاء بالنذور رقم (6318). (2) رواه مسلم في كتاب النذور باب لا وفاء لنذر في معصية الله رقم (1641)، وروى الشق الأول البخاري في كتاب الأدب باب ما ينهى من السباب رقم (5700). (5/153)
صفحة 2103
154
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
بها على الفقراء والمساكين، لأنه إن أطعمها لنفسه ولعياله لم يزد على ما كان معتاداً أن يفعله فإنه لا بد من أن يطعم نفسه وعياله، بخلاف ما إذا تصدق على الفقراء والمساكين، هذا من أجل مراعة أصل النذر وإلا فإن ذلك يعود إلى نيته في حال نذره والله أعلم.
امرأة نذرت في حملها الأول إن ولدت جنساً معيناً أن تفعل شيئاً ما ولكن ولدت بخلاف ما نذرت، به هل ينطبق هذا النذر كذلك في حملها الثاني؟
إن كانت ناذرة بالنظر إلى حملها الأول حسب نيتها في قرارة نفسها فلا ينطبق ذلك الحكم على الحمل الثاني، فإن حملت بعد ذلك وولدت كما كانت تتمنى وكما حددت في نذرها فلا يلزمها شيء لأنها حددت ما حددته بالنسبة إلى الحمل الأول، أما إذا كانت نذرت على الإطلاق فذلك يلزمها الوفاء به، أي إن نذرت بأنها إن رزقت ابناً أو رزقت بنتاً لتفعلن كذا فعليها الوفاء بما نذرت به إن كان ذلك في حدود طاعة الله، لأن النذر في المعصية لا يجوز الوفاء به «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» والله أعلم.
امرأة تعبت في الحمل، وعندما وضعت قالت: إن شاء الله تعالى أني لا أحمل ثانية لمدة سنتين، وعندما تتحقق أمنيتي ولا أحمل لمدة سنتين أنوي أن أصوم شهراً كاملاً وقالت هذا الكلام في ساعة غضب، وبعد ذلك تحققت أمنيتها ولم تحمل لمدة سنتين، وبعد السنتين حملت مرة ثانية، فما قولكم سماحة الشيخ في هذا الكلام علماً بأن هذه المرأة تعبت في هذا الحمل أكثر من السابق ولا تقدر على الصيام شهراً كاملاً هذه الفترة، هل يجوز أن تصوم بعد الولادة أم يكون هناك حل آخر؟
في
ينظر في قصدها، فإن كانت قصدت بهذا النذر فهو حسب قصدها، إذ النذر (5/154)
صفحة 2104
النذور
155
ليس مذكوراً في عبارتها ذكراً صريحاً وإنما يحتمله اللفظ فلا بد من مراعاة القصد، وإن كانت غير قاصدة النذر فلا يلزمها الوفاء به، وبناء على أن الوفاء
يلزمها فلا حرج عليها إن أخرت هذا الوفاء إلى أن تضع حملها، والله أعلم.
رجل يشرب الخمر، فنذرت زوجته أنه إذا ترك تعاطي الكحول أن تصوم شهراً واحداً فقط، ترك زوجها تعاطي الخمور لمدة عام كامل ولم تصم زوجته خلال تلك الفترة التي ترك فيها زوجها تعاطي الكحول، ثم عاد الزوج إلى الكحول مرة ثانية، فما الحكم فيما نذرت عليه هذه المرأة خلال الفترة التي ترك فيها زوجها الكحول؟
العبرة بقصدها في نذرها، فإن كان غير مقيد بحيث لو ترك السكر ولو مؤقتاً تلتزم نذرها فعليها الوفاء، وإن قصدت بأنها لو تركه دائماً فلا يلزمها والله أعلم.
ما قولكم فيمن حلف على سبب أنه لا يحلف مرة ثانية لهذا السبب، وقال: والله والله ثم والله بأنني إذا حلفت لهذا السبب سأصوم شهرين متتاليين، وفعلاً حدث وحلف فماذا يفعل الآن؟ وإذا كان لا يستطيع أن يصوم شهرين متتاليين أيضاً ماذا يفعل؟
عليه ما ألزمه نفسه من صوم الشهرين، وعليه إن عجز عن الصيام أن
يطعم عن كل يوم مسكيناً والله أعلم.
ما لا يعد من النذر
امرأة رأت في المنام أنها نذرت أن توزع خبزاً وحلوى إذا ما شفيت أمها
فهل هذا النذر يلزمها؟
ما كان في المنام لا يلزمها، والله أعلم. (5/155)
صفحة 2105
156
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
ما قولكم فيمن حلف على سبب أنه لا يحلف مرة ثانية لهذا السبب، وقال: والله والله ثم والله بأنني إذا حلفت لهذا السبب سأصوم شهرين
متتاليين، وفعلاً حدث وحلف فماذا يفعل الآن؟ وإذا كان لا يستطيع يصوم شهرين متتاليين أيضاً ماذا يفعل؟
أن
عليه ما ألزمه نفسه من صوم الشهرين، وعليه إن عجز عن الصيام أن
يطعم عن كل يوم مسكيناً والله أعلم.
من نذر لمنع نفسه أو غيره:
طالبة نذرت إذا شاهدت سهرة في التلفزيون فسوف تصوم ثلاثة أشهر متتابعة، فالتزمت بهذا النذر ولكن في يوم من الأيام كانت نائمة
فصحت فشاهدت السهرة ثم تذكرت وأغلقت التلفاز، ماذا تصنع؟
هذه المسألة وقع فيها خلاف بين أهل العلم، أي من ألزم نفسه شيئاً لم يكن لازماً عليه وإنما ألزمه نفسه لردعها عن أمر ما على أن يكون ذلك الذي ألزمه نفسه من جنس الطاعات كالصلاة والصيام والصدقة والحج، ويدخل في ذلك أن يكلف نفسه إن فعل شيئاً ما أن يحج حافياً كما هو شأن كثير من الناس في وقتنا هذا. فمن العلماء من قال: بأن إلزام الإنسان نفسه شيئاً يجعله في حكم اللازم عليه، وهذا هو مذهب الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد الله الذي يقول: من ألزم نفسه شيئاً ألزمناه إياه، وذهب فريق آخر إلى أنه لا يلزمه، لأنه أراد الامتناع فحكم ذلك حكم اليمين وكفارة اليمين بينها الله تعالى في قوله: فَكَفَرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ} [المائدة: (89) فعلى هذا الرأي من ألزم نفسه شيئاً عليه أن يكفر كفارة يمين وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام، (5/156)
صفحة 2106
النذور
157
من
أو كسوتهم من متوسط الكسوة المعروفة المألوفة، أو أن يعتق رقبة، فإن تعذر عليه كل ذلك بحيث لم يجد الرقبة ولم يستطع أن يطعم المساكين ولا أن يکسوهم هم لفقره فعليه أن يصوم ثلاثة أيام، وكلا الرأيين له وجه من الصواب، أما قول من قال: من ألزم نفسه شيئاً ألزمناه إياه فلعل صاحبه نظر إلى أن عدداً الأنبياء التزم بأشياء فكانت لازمة، كما قال الله تبارك وتعالى عن إسرائيل: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلَّا لِبَنِي إِسْرَاءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَاهِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَيةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَنَةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ} [آل عمران: 93]، وهكذا ما كان من أهل الكتاب، فإنهم التزموا بعض الأشياء فكانت لازمة عليهم كما ذكر الله تبارك وتعالى عن رهبانية، النصارى ولكن في شريعتنا ليس لنا أن نشرع شيئاً لم يشرعه الله تعالى لنا، فلذلك شدّد الله في التحليل والتحريم، فليس للإنسان أن يحلل ويحرم من تلقاء نفسه كما قال: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، وقال: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَدَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاء عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) [الأنعام: 140]، وأما الذين ألزموه كفارة اليمين فقد اعتبروا قصده عندما قال إن فعل كذا فعليه كذا؛ فإنما أراد بذلك الامتناع وحكم ذلك حكم اليمين، فيتوسع بقول من قال بأنه تلزمها كفارة يمين لا غير، وعسى أن تجزي كفارة يمين بسبب صنيعها الذي صنعته والله أعلم.
هذه
رجل قال: إذا ركبت في سيارة فلان تلزمني كفارة، ثم إنه ركب في السيارة المذكورة، فهل تلزمه كفارة كما قال أم لا؟ وإذا كانت تلزمه فعلى أي نوع تنفيذها سواء كان من الأرز أو من غيره؟
من ألزم نفسه شيئاً ألزم إياه، فإن ركب لزمته كفارة مرسلة وهي إما (5/157)
صفحة 2107
158
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام والله أعلم.
فيمن قالت: أصوم شهراً إن فعل فلان أمراً بدون إذني. ففعل ذلك الشخص الفعل دون إذنها، فهل عليها صيام شهر مع العلم بأنها لم تقل نذرت أو الله عليّ أو حلفت بالله وكان قولها الذي ذكرناه سابقاً في حالة غضب؟ وإذا ثبت صيام الشهر عليها، فهل يجوز لها أن تجزئه إلى فترات كسبع أو خمس أو غيرها؟ وهل هناك فرق في حالة السعة أو الاضطرار كمن كانت مرضعاً؟
إن نوت إلزام نفسها ذلك فقيل: عليها ما التزمته، وقيل: كفارة مرسلة، وقيل: بالتخيير بينهما ويجوز لها تجزئته في الاضطرار دون الاختيار
والله أعلم. ما قولكم فيمن حلف يميناً بالله إذا فعلت الشيء الفلاني علي حجة وصيام شهرين؟ ومن قال: نذرت الله بحجة وصيام شهرين؟ ومن قال بغير قسم الله أو نذر بل قال بلغوى فقط: إذا فعلت الشيء الفلاني عليّ حجة وصيام شهرين؟ فهل حكم هذه الثلاثة متساوٍ أم أن هناك فرقاً بين اليمين والنذر والقول بلغوى؟
من ألزم نفسه شيئاً ألزمناه إياه، والنذر إن كان طاعة يجب الوفاء به ولا يبين لي فرق في حكم الصور الثلاث والله أعلم.
امرأة قالت في حالة غضب نذراً علّي أن لا أركب في أي حملة للذهاب إلى العمرة والحج، وذلك بسبب المشقة الكبيرة التي لاقتها في حملة ذهبت معهم ولم تكن مجهزة بوسائل الراحة وأهمها التكييف كما كانت (5/158)
صفحة 2108
النذور
159
تحمل أبناءها معها؟ فماذا عليها نرجو التوضيح؟
الذي يبدو أنها أرادت أن تمنع نفسها من ذلك، والكلام الذي يدل على منع الإنسان نفسه من فعل أمر ما إن جعله واجباً عليه فذلك بمثابة اليمين، وعليه فإنها في هذه الحالة إن فعلت خلاف ما نذرته ـ أي ما فرضته على نفسها ـ فعليها كفارة يمين وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن لم تجد شيئاً من ذلك فلتصم ثلاثة أيام وكفى
النذر المطلق والمقيد
رجل نذر أن يصوم شهراً الله تعالى إن تم قبوله شهراً الله تعالى إن تم قبوله في عمل معين، والآن بعد أن تم اختياره لا يستطيع أن يصوم ما نذر به بسبب مشقة العمل أثناء فترة التدريب والتي تستمر قرابة السنتين فهل يؤجل الصيام إلى ما بعد السنتين أم ماذا يفعل؟ علماً بأنه لم يحدد شهراً بعينه وإنما قصد صيام شهر واحد؟
هذا النذر ليس واجباً على الفور وإنما متى ما أتى به يعتبر موفياً بنذره ولا حرج عليه في ذلك والله أعلم.
رجل نذر أن يعمل لزوجته ساعة من ذهب إن جاءه ولد، وبعد ذلك جاء الأولاد وبلغ عددهم ستة ولم يعمل شيئاً، فما الحكم؟
من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه»، وقد نذر هو بطاعة لأنه لا ريب يؤجر بإدخال السرور على أهله، فليدخل عليها السرور، وليوف بنذره والله أعلم. (5/159)
صفحة 2109
17.
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
إذا لم يستطع مطلقاً أن يوفي بهذا النذر، هل يبقى في ذمته؟
نعم الله أعلم.
امرأة نذرت فعل شيء ولم تستطع بسبب الفقر، فما الحكم في
ذلك؟
بما أنها نذرت، فإن النذر يبقى متعلقاً بذمتها فمتى من الله عليها بالقدرة عليه فإن عليها أن تفي به، وإن عجزت عنه فالله أولى بعذرها
والله أعلم. امرأة نذرت بأن تتصدق بمائة ريال للفقراء إذا شفيت من مرضها، ولكن قبل أن تشفى قامت بتغيير النذر أو الرجوع عنه، فما رأيكم في ذلك؟
وماذا عليها؟
لا يملك أحد بعد النذر أن يتراجع عنه، ما لم يقيد ذلك في نفس الوقت الذي نذر فيه، أما إن قيده في نفس الوقت الذي نذر فيه فلا
والله أعلم.
حرج
عليه،
امرأة نذرت أن تصوم شهراً إن هي خرجت من البيت، أو خرج أبو زوجها بسبب مشاجرة وقعت بينهما، فتوفي أبو زوجها ولم تخرج حتى الآن، فهل يلزمها ما نذرت؟
لم يقع ما علقت نذرها عليه فلا يلزمها شيء، وإنما يلزمها لو وقع علقت عليه النذر والله أعلم.
ما (5/160)
صفحة 2110
تتابع صوم النذر والكفارة:
النذور
? 1 ?
امرأة نذرت أن تصوم خمسة عشر يوماً، وبعد أن صامت عشرة أيام جاءتها الدورة الشهرية، وبعد انقضائها لم تكمل الخمسة الباقية مباشرة بعد الحيض، فما رأي سماحتكم في ذلك؟
هي
أساءت في
هذا، وقد كان عليها أن تتم ما بقي، ولكن إن فعلت ذلك جهلاً تعذر، لا إن فعلته قصداً والله تعالى أعلم.
امرأة نذرت أن تصوم كفارة شهرين متتاليين، ولكن الحيض يعترضها فكيف يكون صومها؟
هذا سؤال غريب، كيف يكون صيام نذر وصيام كفارة في وقت واحد، إذ النذر شيء والكفارة شيء آخر، فالنذر أن ينذر الإنسان الله تعالى تقرباً إليه أن يفعل شيئاً من الطاعة بسبب وقوع محبوب إليه، أو سلامته من سوء يخشاه ويتقيه، كأن يقول: إن جنبني الله هذا الشيء أفعل كذا من البر سواء كان صلاة أو صياماً أو صدقة أو حجاً أو عمرة أو غيرها، وأما الكفارة فتجب لذاتها فهي إما أن تكون بإضاعة الصيام أو بسبب يمين أو قتل أو ظهار، وهذه الكفارة أوجبها الله تعالى ولم يوجبها الإنسان على نفسه بنذر، وعلى أي حال فصيام الكفارة وصيام النذر إن اعترضه حيض فعلى المرأة أن تفطر ثم بعد ذلك تواصل الصيام مباشرة من غير فاصل، والله أعلم.
فيمن يصوم في هذه الأيام الكفارة ويفصل العيد في هذا الصيام، هل يتجاوز أيام التشريق أم يصوم بعد العيد مباشرة؟
ليس له أن يصوم مع القاطع، عليه أن يؤخر الصيام إلى ما بعد العيد وبعد أيام التشريق، ويبدأ الصيام في وقت لا يمنعه مانع من مواصلة صيامه (5/161)
صفحة 2111
162
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
فيه، لأن الصيام صيام كفارة إلا لضرورة لا محيص عنها، وذلك كأن يمرض ولا يستطيع أن يواصل الصيام والله أعلم.
خلال الشهرين لو أنه أفطر متعمداً في يوم من الأيام ماذا عليه؟
عليه أن يبدأ الصيام من جديد والله أعلم.
ترك الوفاء بالنذر
نذرت على نفسي فقلت: عهد عليّ أمام الله بأنني إذا استطعت أن أنال معدلاً مرتفعاً في الدراسة وأتحول من كلية العلوم إلى كلية الطب في هذا
اليوم
مثلاً
فإنني
سأبدأ بالصوم من الباكر ولمدة شهر متواصل لا أتوقف
عن صومه إلا في حالة العذر الشرعي، وذلك شكراً الله على ما تفضل به علي وفعلاً تحقق ما رجوت من الله الكريم، الكريم، وبدأت الصوم من الباكر مثلما نذرت وصمت لمدة سبعة عشر يوماً ولكني توقفت فجأة عن الصيام لا لعذر شرعي ولكن بدأت فترة الامتحانات النهائية، وفعلاً أحسست بأني غير قادرة، مع العلم بأني أعاني من حصى في الكلية وقلت في نفسي أفطر أسبوع الامتحانات وعندما تنتهي أبدأ إكمال الشهر الذي نذرته، مع العلم بأني قلت سوف أفطر (13) يوماً وهي فترة الامتحانات وبعدها أواصل، فهل ما فعلته قد أخل بنذري؟ وهل يجوز ذلك؟ وإذا كان ما فعلته خطأ فما هو الحل؟ وماذا علي أن أفعله لكي أكفر عن ذنبي؟
إن كنتِ وجدت نفسك مضطرة إلى الأفطار بسبب ما تعانينه من وطأة الامتحانات فلا حرج عليك والله يقبل منك والله
الأوجاع مع
أعلم. (5/162)
صفحة 2112
النذور
163
نذر رجل أن يختم القرآن مرتين خلال شهر رمضان المبارك إن تحقق لولده النجاح في دراسته، وفعلاً تحقق ذلك لولده وأراد أن يوفي بنذره واستطاع كذلك الرجل أن يختم القرآن مرة واحدة خلال عشرين يوماً، واستطاع كذلك أن يقرأ ثمانية أجزاء في أربعة أيام وبعد ذلك اعتراه مرض منعه من الصيام ولم يستطع فعل شيء من شدة المرض، وقد لازمه هذا المرض حتى نهاية الشهر الفضيل، فماذا يجب عليه أن يفعل في الاثنين والعشرين جزءاً المتبقية عليه
من نذره؟
بما أنه لم يخصص شهر رمضان في عام بعينه فليقرأ القرآن مرتين في العام المقبل والله أعلم.
ما حكم من أكل صوم النذر متعمداً؟
عليه أن يعيد الصيام من جديد والله أعلم.
فيمن نذر أن يصوم يوماً بعينه ولكنه تهاون في ذلك إلى أن فات ذلك اليوم، ماذا عليه؟
قيل: يجب عليه قضاؤه، وقيل: ذلك أمر فات وإنما تجب عليه التوبة من التهاون بالنذر، وذلك مبنيّ على أن القضاء إنما يجب بأمر ثانٍ غير الذي ذلك عليه كفارة يمين بناء على إلحاق النذر
الأداء، وجب به
باليمين والله أعلم.
وتجب مع
فيمن قال: إذا تحقق لي كذا وكذا أذبح رأس غنم وتحقق، أيضاً كرر نفس المقالة لشيء آخر وتحقق، ويريد ذبح رأس بقر، فهل يلزمه الوفاء (5/163)
صفحة 2113
164
الفتاوى
الأيمان - الكفارات - النذور
بما قال؟ وإذا لزمه هل يكفيه رأس بقر بدل الغنمتين عن مقالته الأولى
والثانية؟
إن كان نذر ذلك نذراً فعليه الوفاء كما حدد في نذره إذ لا يجوز أن يبدل ما نذره، وإن كان ليس نذراً وإنما هو قصد فهو مخيّر والله أعلم.
إذا نذر إنسان أن يعتكف في مسجد ما ولم يتمكن من الاعتكاف في
ذلك المسجد، هل يجوز له أن يعتكف في أي مسجد شاء؟
لا مانع من ذلك إلا إن خصص مسجداً المساجد الثلاثة المقدسة من فعليه الوفاء بما نذر به والله أعلم.
عاماً،
أنا امرأة نذرت لطفلي الصغير بأنه عندما يتزوج سأعطيه مجوهرات أملكها، علماً بأن المجوهرات كانت تبلغ قيمتها ثلاثة آلاف ريال عُماني، والآن أريد أن أبيع تلك المجوهرات لحاجتي إلى المال، علماً بأن الطفل كان صغيراً جداً والآن يبلغ من العمر أربعة عشر فهل يجوز أن أبيع المجوهرات وعندما يتزوج ابني إن شاء الله أعطيه المبلغ أو أشتري له مجوهرات غيرها؟ فإذا كان يجوز ذلك، فهل أعطيه مبلغ الثلاثة آلاف ريال أم على ما بعته أم ماذا أفعل؟
إن كنت نذرت بمجوهرات بعينها فلا يسوغ أن تدفعي إليه غيرها، اللهم إلا إن تعذرت المحافظة عليها واقتضت الضرورة بيعها فلا مانع عندئذ من بيعها وتكون له قيمتها والله أعلم.
من نذر بصيام ولم يوف بنذره ما حكمه، وما يجب عليه؟
هل هو نذر موقوت أو لا؟ فإن كان نذراً موقوتاً وفات وقته قيل: عليه (5/164)
صفحة 2114
النذور
أن يقضيه وقيل: لا، فالقول الأول مبني على أن الأمر بالقضاء هو نفس الأمر بالأداء، والقول الثاني: مبني على أن القضاء يفتقر إلى أمر ثان غير الأمر بالأداء، واختلف إن فاته هل عليه كفارة يمين أو لا تلزمه كفارة، والله تعالى أعلم.
امرأة كبيرة في السن نذرت أن تصوم شهراً، فلما صامت أصابها مرض وتكلفت كثيراً، وقد عجزت عن الصيام، هل يلزمها شيء أم لا؟
قيل: تفتدي بإطعام مسكين عن كل يوم، وقيل: يسقط عنها الوفاء
والله أعلم.
نذرت امرأة بتقسيم نوع من الملابس لنساء معينات ولكن إحدى هؤلاء النساء ماتت قبل أن يصل إليها النذر، فهل علي المرأة التي نذرت شيء؟ ليس عليها شيء، ولكن إن رأت أن توزع تلك الملابس إن قدرتها بمقدار على ورثة تلك المرأة فذلك خير، وإن رأت أن توزعها على بقية تلك النساء فذلك خير أيضاً، ولكن لا يلزمها شيء لأن المرأة توفيت قبل لزوم ذلك عليها، والله أعلم.
امرأة نذرت أن لا تسمع الأغاني أبداً، ولكنها لم توف بهذا النذر لأنها
أحياناً يغلب عليها الشيطان فتسمعها، هل لهذا كفارة؟ وماذا عليها؟
عليها أن تتوب إلى الله تعالى وتستغفره وأن تلتزم أوامر الله وعل، ويحسن أن تكفر كفارة مرسلة ككفارة اليمين وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن عجزت عن كل ذلك فلتصم ثلاثة أيام لتجتنب سماع الأغاني، والله أعلم. (5/165)
صفحة 2115
166
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
نذر الأب أن يصوم شهراً عن ابنه وكان مريضاً فلما شفي من المرض لم يستطع الأب الصيام لكبر سنه وعجزه فماذا عليه؟
إن كان مرادك أن الأب نذر الله تعالى أن يصوم شهراً إن شفي ولده فعجز عن الوفاء بنذره فعليه أن يطعم عن كل يوم مسكيناً عند كثير من العلماء وقال بعضهم: يسقط أصل نذره بعجزه عن الوفاء به والله أعلم.
عن امرأة نذرت تصوم عدة أيام إذا تحقق لها شيء معين، وعندما تحقق لم تستطع الصيام حيث إنها عندما تصوم غير شهر رمضان تصاب بحالات لا تحتملها، فكيف تكفّر عن نذرها إذا كانت عليها كفارة
النذر؟
قيل: عليها إطعام مسكين عن كل يوم، وقيل: يسقط عنها نذرها بالعجز عن الوفاء به والله أعلم.
رجل نذر الله إذا تحقق له أمر ما أن يذبح بعيراً في اليوم العاشر من ذي الحجة من تلك السنة فتحقق له ذلك الأمر إلا أنه لما جاء اليوم العاشر من ذي الحجة لم يكن معه بعير ليذبحه فما الذي يلزمه هل يذبح بعيراً متى تيسر له أم كفارة النذر أم لا يلزمه شيء؟
اختلف في الأمر بالقضاء هل هو نفس الأمر بالأداء أو لا؟ وبناءً على هذا الاختلاف وقع الخلاف فيمن نذر بشيء وقته بوقت محدد فلما جاء وقته تعذر عليه الوفاء به فقيل يلزمه قضاؤه بناءً على مشروعية القضاء من الأمر بالأداء وقيل فات بفوات وقته المحدد، فلا يعد الإتيان به بعد وقته وفاء، ذلك لأنه لم يرد دليل بقضاء النذر بعد فواته، والخروج من عهدة الخلاف أسلم وأحوط والله أعلم.
: (5/166)
صفحة 2116
النذور
167
أرأيت إن كان معه في يوم الوفاء بالنذر سبع شياه أو قيمة جمل ما الحكم في ذلك؟
إن كان عنده قيمة جمل فلماذا لا يشتري به الجمل؟ فإن ذلك واجب عليه والله أعلم.
اطلعت على اختلاف العلماء في لزوم القضاء على من ترك الوفاء بنذره، وقد بنوا هذا الاختلاف على القاعدة الأصولية المشهورة: هل الأمر بالقضاء يجب بنفس الأمر بالأداء أم لا بد له من أمر ثان، فإن قلنا بالأول لزم القضاء، وإن قلنا بالثاني لم يلزم، هكذا قالوا:
وأقول - مذاكرة وسؤالا -: إنه لا ينبغي أن يختلف في لزوم القضاء على كلا القولين، أما على القول بوجوب القضاء بنفس الأمر الذي لزم به الأداء فذلك ظاهر، لأن الأدلة من الكتاب والسنة ناصة على وجوب الوفاء بالنذر، كقوله تعالى: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، وكلمة العقود لفظ عام يشمل كل عقد، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه»، وأما على القول الثاني فلأن الأدلة
من السنة قد دلت دلالة صريحة واضحة على وجوب القضاء، ومنها: 1 - أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: استفتى سعد بن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر ولم تقضه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقضه عنها» رواه الربيع كم الله ونحوه عند النسائي
ومالك.
2 ـ ما رواه مالك من طريق ابن سيرين أن رجلاً كان جعل عليه أن لا يبلغ أحد من ولده الحلب فيحلب ويشرب ويسقيه إلا حج وحج به، قال: فبلغ رجل من ولده الذي قال: وقد كبر الشيخ، فجاء ابنه إلي (5/167)
صفحة 2117
168
الفتاوى
الأيمان - الكفارات - النذور
النبي صلى الله عليه وسلم ـ فأخبره الخبر، فقال: إن أبي كبر وهو لا يستطيع الحج أفأحج
عنه؟ قال: نعم. فهذا الحديث دال على قضاء النذر مع أن الرجل قد ترك الوفاء لعذر
وهو الكبر، وهو قضاء عنه في الحياة، إلا أن الحديث فيه انقطاع. 3 ـ ما رواه البخاري ومسلم ابن عباس أم امرأة قالت: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر؟ فقال: أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها، قالت: نعم، قال: «فصومي» والحديث معناه عند الربيع ر الله ولكنه في الحج. والعجب أن العلماء استدلوا بهذا الحديث على وجوب قضاء الصلاة والزكاة والحج وغيرها من الواجبات لمن جاء تائباً فما بال النذر يقال بعدم وجوب القضاء فيه؟!
4 ـ وقد روى الطبراني من طريق ابن عباس عن سنان بن عبد الله الجهني أن عمته حدثته أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله توفيت أمي وعليها مشي إلى الكعبة نذراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل تستطيعين أن تمشي عنها». قالت: نعم. قال: «فامشي عن أمك»، قالت: أويجزي ذلك عنها؟ قال: «نعم أرأيت لو كان عليها دين ثم قضيته عنها هل كان يقبل منك؟» قالت: نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فالله أحق بذلك».
ولا يعترض على هذه الأحاديث وغيرها أنها فيمن مات وعليه نذر، فهي في غير محل النزاع، لأنه يقال إذا لزم ذلك الغير فمن باب أولى يلزم صاحب الحق إن فوته ولا يقال أيضاً: إن هذه الأحاديث في قضاء النذر عن الميت، فقضاء الولي بمثابة الأداء، لأنه يقال: إنه باقتراب وقت موته تعين عليه الأداء، ففعل غيره لا يكون أداء، وقد يعترض أيضاً بأن المشهور أن حقوق الله تعالى لا يلزم أداؤها عن الميت ما لم يوص بها، وكذلك (5/168)
صفحة 2118
النذور
169
فقد أجازت طائفة من أهل العلم إخراج الإطعام بدلاً من الصيام، وكل هذا يقدح في الاستدلال بظاهر هذه الأحاديث، ويمكن الجواب عن ذلك: بأن الكلام ليس في تفاصيل المسألة وإنما في لزوم القضاء بغض النظر عن متى يجب وهل يجزي عنه غيره، وأيضاً فكما تقدم فقد استدل بتلك
الأحاديث على وجوب قضاء غير النذر، والنذر مثلها إن لم يكن أولى. نرجو من سماحتكم النظر في هذه المسألة وإفادتنا هل لهذه المذاكرة وجه أم لا؟ وإن لم يكن لها وجه فكيف يجاب عنها؟ وما ترون سماحتكم فيها؟
نعم لهذه المذاكرة وجه وجيه، وما قلته له في الحق أصل أصيل، وهو إن دل على شيء فإنما يدل على ثاقب نظرك وصفاء فكرك، ولكن لمن ذهب إلى غير ما ذهبت إليه أن يتخلص من هذا الإلزام بأن ما ذكر في هذه الأحاديث لا يعدو أن يكون من جنس الأداء، لأن النذر المذكور فيها مطلق غير مقيد بزمان، وكلامنا إنما هو فيما كان مقيداً بوقت ففات الوقت، كأن يكون وقت لنذره صوم يوم الخميس ففات ذلك اليوم ولم يصمه، وقد قصد يوم خميس بعينه، أما ما ورد من الروايات التي فيها ذكر القضاء فلا يعدو أن يكون المراد بالقضاء فيها هو نفس الأداء، لأن التفريق بين القضاء والأداء بأن الأداء فعل الشيء في وقته، والقضاء الإتيان به بعد وقته استدراكاً، إنما هو اصطلاح حادث بعد عهد النبوة، فلا يحمل عليه ما ورد في القرآن والحديث من ذكر القضاء أو الأداء، كما هو واضح في قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} [البقرة: 200] وقوله: {فَإِذَا قضَيْتُمُ الصَّلَوَةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَمَا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} [النساء: 103] وقوله: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ فَأَنتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10] فلا بد أخذ ذلك في الاعتبار، فانظر فيه وأجب عليه والله أعلم.
من (5/169)
صفحة 2119
170
الفتاوى
الأيمان - الكفارات - النذور
من نوى عمل أمر:
امرأة لديها ابن، وكانت صائمة بداية شهر شعبان، وفي الليلة الثامنة من هذا الشهر جاءها خبر أن هذا الولد قد تعرض لحادث سير، وفي الطريق إليه نوت إن وجدته في صحة وبخير أن تكمل شهر شعبان نيلاً للأجر وشكراً الله السلامة ولدها، ولكونها مقبلة على شهر رمضان المبارك وخوفاً منها ألا تعينها صحتها على وصال شهر شعبان بشهر رمضان، وكذلك للحالة النفسية التي كانت عليها حال وصول الخبر المفجع إليها، أفلا ترون لها رخصة بأن تصوم هذه الأيام من الشهر بعد شهر رمضان خوفاً منها على شهر الفريضة؟
إن كانت نوت ولم تنذر فلا يلزمها الصيام، وإن كانت نذرت الله وعل لزمها الوفاء بالنذر والله أعلم.
إثر حريق اندلع بمنى أثناء الحج نوت امرأة لحظتها أن تذبح بقرة صدقة لله تعالى إذا رجعت إلى ديارها سالمة هي وابنتها ورفاقها، فلم يصبهم أذى وعادوا سالمين إلى ديارهم بعدها ذكرت المرأة أنها بيتت تلك النية لشدة الموقف وانزياغ العقل، فهل الآن يلزمها شرعاً تأدية ما نوت به علماً بأنها امرأة فقيرة وتعتمد على مبلغ الضمان الاجتماعي في معيشتها، وتطلب الفتوى الشرعية في هذه المسألة؟ إن كانت نذرت ذلك الله عَل فعليها الوفاء بنذرها، وإن كانت نوته من غير نذر فذلك غير واجب عليها والله أعلم.
نويت أن أصوم شهرين عندما يرزقني الله حجرة نأوي فيها أنا وأولادي بعد طلاقي من أبيهم، والحمد لله رب العالمين رزقنا الله بيتاً ملكاً لنا، (5/170)
صفحة 2120
النذور
171
وقد آن الأوان أن أوفي بما نويت ولكني غير قادرة على الصيام لمدة شهرين وذلك لظروفي الصحية، فهل يجوز لي أن أصوم شهراً واحداً والشهر الثاني أطعم عنه ثلاثين مسكيناً أو كسوتهم؟
إن كان ذلك مجرد نية ولم يكن نذراً لم يجب عليك الوفاء به إلا إن شئت، وإن رأيت أن تفعلي أي معروف في مقابل ذلك فهو خير والله أعلم. رجل نوى أن يقيم مأدبة غداء لأهله إذا تم له، أمر، وقد تحقق له ذلك إلا أنه لم يتمكن من تحقيقه بسبب وفاة أحد أفراد الأسرة ويرغب في التبرع بمبلغ لأحد الفقراء بدلاً من المأدبة، فهل يجوز له ذلك؟
لا
مانع من ذلك والله أعلم.
ما قولكم في امرأة توفي والدها قبل حوالي شهر من حلول عيد الأضحى المبارك، وفي أيام العيد دخلت عليها بنات جارها وهنّ في أحسن لبس من حلي وغيره فنظرت إليهن بعدم احترام ولا تقدير لهن، ونوت في نفسها أن تتحنى في أيام العيد عند موت أبيهن، علماً بأن الأب توفي
من فترة وهي الآن لم تفعل شيئاً احتراماً وتقديراً للمتوفى وأقربائه؟
لا يلزمها شيء مما نوته؛ إذ النية لا يترتب عليها وجوب ما ليس بواجب
والله أعلم. (5/171)
صفحة 2121
[صفحة فارغة] (5/172)
صفحة 2122
الفتاوكا الفتاوى الفتات الفتات الفتاوي الفتاوي الفتاويا
القسم الثاني
الذبائح - الأطعمة - التدخين (5/173)
صفحة 2123
[صفحة فارغة] (5/174)
صفحة 2124
الذبائح (5/175)
صفحة 2125
الفاوي (5/176)
صفحة 2126
الذبائح
الذبائح والطرق الشرعية في إنفاذ الذكاة
177
الحمد لله الذي أحل لعباده الطيبات وحرّم عليهم الخبائث، ووضع عن هذه الأمة الأصار والأغلال التي كانت على من قبلهم؛ منة منه وتكريماً، فأحل بهيمة الأنعام وكل ما كان نافعاً غير ضار من جنس الحيوان، وكرّم الإنسان فلم يجعله كالسباع الكاسرة يعدو على البهيمة افتراساً ويقضم لحمها إلتهاماً، بل شرع له الذكاة تطييباً للحم وإتماماً للنعمة، والصلاة والسلام على رسوله الذي بعثه للعالمين رحمة وللثقلين هداية، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما
بعد؛ فإن الله سبحانه اختص الجنس البشري بالتكريم والتفضيل منة منه سبحانه وابتلاء لهذا المخلوق أيشكر أم يكفر؟ ومن مظاهر هذا التكريم البالغ ما نشهده من تسخير ما في الأرض من أجل منفعته، بل تسخير ما في الوجود بأسره ليتحقق به استخلافه في الأرض، وليصل به إلى القيام بما نيط به من تكاليف وواجبات وشرائع وأحكام تجعله فريداً بين أجناس الموجودات في الأرض في أهليته للاضطلاع بهذه الأمانة الملقاة على عاتقه والواجب الذي شد على حيزومه (1)، والقرآن الكريم يعلن ذلك كله في قول الحق سبحانه: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِنَ الطَّيِّبَتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} [الإسراء: 70]، وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) [البقرة: (29)، وقوله سبحانه: {وَسَخَّرَ لَكُمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ} [الجانية: 13]، وقوله: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَتَيفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَنكُمْ} [الأنعام: 165].
(1) الحيزوم: الصدر وقيل الوسط كتاب لسان العرب: مادة حزم). (5/177)
صفحة 2127
178
الفتاوى
الذبائح - الأطعمة - التدخين
أعماق
ومن تسخيره تعالى ما في الأرض لمصلحة الإنسان تمكينه له من الحيوانات المختلفة سواء ما كان على أديم اليابسة أو ما كان في البحار والمحيطات، أو ما كان يسبح في الفضاء طيراناً، وسواء ما كان منها صغير الحجم أو ضعيف القوة، وما كان عظيم الجسم قوي البنية مهيب السطوة، فإن سيطرة الإنسان عليها جميعاً سيطرة غالبة وذلك بما منحه الله عَل من ملكات العقل ووسائل التدبير
وقد جعل الله تعالى منافعها متفاوتة بحسب حاجة الإنسان إليها، وكيفية استغلاله لها، ومن بينها الغذاء الذي جعله الله قواماً للأبدان، وهنا تتجلى وسطية الإسلام بين الإفراط والتفريط اللذين لا ينفك عنهما غيره من الأديان والأفكار والنظم، فهو يباين الديانة البرهمية التي تحرم على أتباعها أكل ذوات الأرواح جميعاً، كما يباين المذهب الإباحي الذي لا يتقيد في ذلك بقيد ولا يقف عند حد، إذ الإسلام إنما يبيح الطيب دون الخبيث والنافع دون الضار، فلذلك أحل منها ما أحل وحرم منها ما حرم بحسب ما تقتضيه الحكمة الربانية من تحقيق منفعة العباد وتجنيبهم كل ما هو ضار. على أن ما أباحه الإسلام من أجناس الحيوانات لم يكل إلى الإنسان إزهاق روحه بأي كيفية كانت وإنما شرع لذلك أحكاماً وحد حدوداً تتلاءم الفطرة وتتواءم مع دواعي الرحمة التي تتدفق بها مشاعر الإنسان السليم، وبهذا ارتفع الإنسان عن دركات السبع الفتاك الذي يعدو على البهيمة فيفري أديمها ويمزع أشلاءها ويلتهم لحمها ولو لم تفارق الحياة جسمها، ويظهر ذلك جلياً فيما أتى به الإسلام من أحكام الذكاة الشرعية التي فيها الرفق بالحيوان والسمو بالإنسان كما يتحقق بها المصلحة وتندرى بها المفسدة. وبما أن كثيراً من الأحكام المتعلقة بالذكاة اختلفت فيها أفهام أهل العلم
مع (5/178)
صفحة 2128
الذبائح
179
فصارت موضع أخذ ورد بين فقهاء الأمة رأى مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي ممثلاً في شخص أمينه العام صاحب الفضيلة معالي الشيخ الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجه حفظه الله بحث بعض الموضوعات المتعلقة بذلك، وقد تكرم فضيلته فوجه إليّ دعوة للمشاركة ببحث في ذلك بعنوان: «الذبائح والطرق الشرعية في إنفاذ الذكاة».
وهو ينقسم حسب توجيه فضيلته إلى ثلاثة محاور:
المحور الأول: التذكية الشرعية شروطها وأحكام مخالفتها مما وقع
إزهاق الروح فيه بالطرق الحديثة.
المحور الثاني: حكم ما جهل إسلام ذابحه مما حل أكل لحمه. المحور الثالث: حكم اللحوم المستوردة. (5/179)
صفحة 2129
180
الفتاوى الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
المحور الأول
وهو ينقسم إلى مقدمة وأربعة مباحث:
المقدمة (تعريف الذكاة لغة واصطلاحاً):
أصل الذكاة لغة بمعنى التمام، كما نص عليه ابن منظور في
إذ قال: وأصل الذكاة في اللغة أنها إتمام الشيء، فمن ذلك الذكاء في السن والفهم، وهو تمام السن، قال: وقال الخليل: الذكاء في السن أن يأتي على قروحه سنة، وذلك تمام استتمام القوة، قال زهير
يفضله إذا اجتهدوا عليه
تمام السن منه والذكاء (1)
(4)
وبمثله قال من المفسرين الفخر الرازي (2) وابن العربي (3) والقرطبي والسيد محمد رشيد رضا (5)، وعليه حمل القرطبي قوله تعالى: {إِلَّا مَا ذَكَيْتُمْ} [المائدة: 3]، أي أدركتم ذكاته على التمام. وهو يتفق مع ما نقله تقي الدين الحصني في كفاية الأخيار عن الإمام النووي، وقال: معنى ذكاة الشاة ذبحها التام المبيح، ومنه فلان ذكي أي تام الفهم
(6)
غير أن القرطبي ذكر وجهاً آخر، وهو أن أصل التذكية التطييب، من قولهم رائحة ذكية، والحيوان إذا أسيل دمه فقد طيب، لأنه يتسارع إليه التجفيف، وهذا الذي صدر به تقي الدين الحصني في كفاية الأخيار وتابعه
(1) لسان العرب - مادة ذكا -: 288/ 14.
(2) التفسير الكبير: 135/ 11.
(3) أحكام القرآن: 541/ 2.
(4) الجامع لأحكام القرآن: 51/ 6.
(5) المنار: 143/ 6.
(6) تقي الدين الحصني، كفاية الأخيار: 422/ 2. (5/180)
صفحة 2130
الذبائح
181
عليه كل من الدكتور عبد الله عبد الرحيم العبادي في كتابه الذبائح في الشريعة الإسلامية)، والدكتور محمد عبد القادر أبو فارس في كتابه أحكام الذبائح في الإسلام (2)، وقد يتبادر أن ذلك صحيح، نظراً إلى شيوعه في استعمال الناس، ولكن عندما نعود إلى معاجم اللغة من أجل فهم المراد من ذكاء الرائحة نجد أنه بمعنى الشدة، سواء كانت من طيب أو نتن، كما نص عليه ابن منظور في اللسان والزبيدي في تاج العروس (3).
أما الذكاة الشرعية فقد عرفها ابن العربي (4) والقرطبي (5) بأنها عبارة عن إنهار الدم وفري الأوداج في المذبوح، والنحر في المنحور، والعقر في غير المقدور عليه؛ مقروناً ذلك بنية القصد إليه، وذكر الله تعالى عليه. وعرف ضياء الدين الثميني الى (6) الذكاة بأنها قطع الحلقوم والمريء والودجين)، ويتبادر إلي أنه خاص بنوع من التذكية، وهو الذبح دون النحر والصيد.
(1) الذبائح في الشريعة الإسلامية، ص 20. (2) أحكام الذبائح في الإسلام، ص 34.
(3) انظر المرجعين ـ مادة ذكا.
(4) أحكام القرآن: 541/ 2.
(5) الجامع لأحكام القرآن: 53/ 6.
(6) ضياء الدين الثميني - وهو العلامة المحقق الإمام عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد العزيز الثميني، ولد في بني يسجن بوادي ميزاب بالجزائر سنة 1130 هـ،. نبغ في العلم الشريف حتى آلت آليه الإمامة العلمية بوادي ميزاب سنة 1201 هـ، له تأليف عظيمة منها كتاب «النيل وشفاء العليل» و «التاج المنظوم» و «معالم الدين في أصول الدين»، توفي رحمه الله سنة 1223 هـ، انظر شرح النيل وشفاء العليل، ط مكتبة الإرشاد، جدة،
السعودية.
(7) انظر النيل وشرحه: 423/ 4، 433. (5/181)
صفحة 2131
=
الفتاوى
الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
182
المبحث الأول: في كيفية الذكاة الشرعية:
لا يخلو الحيوان المراد تذكيته إما أن يكون مقدوراً عليه أو غير مقدور عليه، فالمقدور عليه وهو الإنسي وما وقع في قبضة اليد من الوحشي
فتذكيته لا تكون إلا بنحر أو ذبح، وفيما يأتي بيان ذلك:
1 - النحر:
وهو طعن بآلة ذات نصل حاد في اللبة تحت العنق وفوق الترقوة، مع استحسان أن يكون الحيوان المنحور قائماً على ثلاث، وقد عقلت إحدى يديه لقوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَ) [الحج: 36]، قال أبو غانم (1) في مدونته: قلت لأبي المؤرج (2) أخبرني قول الله تبارك وتعالى: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَ، قال: حدثني أبو عبيدة (3) أبو عبيدة (3) عن جابر بن زيد (4) عن ابن عباس أنه سأل عن ذلك فقال:
(1) هو
(2)
العلامة بشر بن غانم الخراساني من أهل خراسان، انتقل إلى البصرة لطلب العلم على يد مشايخ أهل الحق والاستقامة له المدونة الكبرى والمدونة الصغرى، جمعها من تلامذة أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وهو من علماء القرن الثاني الهجري، انظر المدونة الصغرى، ط وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عُمان. (2) أبو المؤرج عمر بن محمد من تلامذة الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وقرناء الربيع بن حبيـ رحمة الله، وتوفي في طريقه إلى فدم، انظر شرح الجامع الصحيح،
والمدونة الصغرى.
(3) هو
95)
أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي بالولاء، توفي في ولاية أبي جعفر المنصور 851 هـ)، وهو تابعي أدرك بعضاً من الصحابة، أخذ العلم عمن لقيه من الصحابة، وعن جابر بن عبد الله الصحاري المعروف، وعن جابر بن زيد، وعن صحار العبدي وجعفر السماك، وحمل عنه العلم خلق كثير أشهرهم الإمام الربيع بن حبيب صاحب المسند، نفسه للتدريس والدعوة إلى الله وتوضيح معالم الإسلام.
حبس
(4) هو الإمام العظيم أصل المذهب الإباضي جابر بن زيد الأزدي، ولد في فرق بولاية نزوى، (5/182)
صفحة 2132
الذبائح
183
إن قول الله: صَوَافَ) يعني بذلك قيام المعقولات (1)، وقد أخرج ذلك عن ابن عباس يا ابن جرير الطبري من طريق أبي ظبيان ومجاهد وغيرهما (2). وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم به في قوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2]، ولا خلاف بين أهل العلم في مشروعيته في الإبل، وألحق بها كل ما كان مثلها في طول العنق كالزرافة، ووردت به السنة في الخيل كما في حديث أسماء بنت أبي بكر لا نحرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرساً فأكلناه» (3)، ووردت به السنة أيضاً في البقر كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
2 - الذبح:
وهو حز الرقبة من مقدمتها بسكين أو نحوها مما يفري وينهر الدم ـ كما سبق نقله عن صاحب النيل في تعريف الذكاة - وهي الكيفية المجمع على إجزائها في تذكية ما يذبح واختلف فيما دونها على أقوال:
الأول: أنه يكتفي بقطع الحلقوم والمريء، وعليه الشافعية والحنابلة، قال الإمام النووي نقلاً عن الرافعي: «الذبح الذي يباح به الحيوان المقدور عليه إنسياً كان أو وحشياً، أضحية كان أو غيرها هو التدقيق بقطع جميع
وانتقل بين البصرة وغيرها من حواضر الإسلام، تتلمذ على أكثر من سبعين صحابياً أخصهم ابن عباس ثم السيدة عائشة رض، نبغ في العلم الأمة كلها، وأخص تلامذته أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، توفي رحمه الله سنة 93 هـ. انظر شرح الجامع
الصحيح.
(1) أبو غانم، المدونة الكبرى: 350/ 1.
(2) ابن جرير الطبري، جامع البيان: 118/ 17.
(3) رواه البخاري في كتاب الذبائح والصيد في باب (24)، لحوم الخيل؛ ووراه النسائي في كتاب الضحايا في باب (33)، نحر ما يذبح، من طريقين في أحدهما ـ وهي من رواية
محمد بن آدم - زيادة (ونحن بالمدينة). (5/183)
صفحة 2133
184
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
الحلقوم والمريء من حيوان فيه حياة مستقرة بآلة ليست عظماً ولا ظفراً» (1)، وقال ابن قدامة في «المغني»: «وأما الفعل فيعتبر قطع الحلقوم والمريء» (2)، وهو قول لبعض علمائنا الإباضية (3) كالإمام أبي العباس أحمد بن محمد بن
بكر (4)
أنه
الثاني: أنه يجزي قطع ثلاثة منها بدون تعيين وهو قول الإمام أبي حنيفة، ففي الاختيار لتعليل المختار): «فإن قطعها حل الأكل لوجود الذكاة وكذلك إذا قطع ثلاثة منها أي ثلاثة كانت (5) وذكر العلامة ابن نجيم قول أبي يوسف أولاً (6). الثالث: أنه لا يجزي إلا أن يقطع من كل واحد منها أكثره، وهو قول محمد بن الحسن ().
الرابع: أنه لا يجزي إلا قطع الحلقوم والودجين وهو قول مالك بن أنس،
(1) النووي، المجموع: 86/ 9؛ وانظر كذلك كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار، لتقي الدين الحصني: 423/ 2.
(2) ابن قدامة، المغني: 44/ 11، وانظر أيضاً المقنع مع الشرح الكبير بذيل المغني: 51/ 11؛
وبداية المجتهد: 445/ 1.
(3) أطفيش، شرح النيل: 435/ 4.
(4)
هو العلّامة المحقق المجتهد أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر من الطبقة العاشرة لعلماء المذهب الإباضي بالمغرب، صنف خمسة وعشرين مؤلفاً منها: كتاب أصول الأراضين والسيرة في الدماء والجراحات، وجامع أبي مسألة، وغيرها، توفي رحمه الله سنة 504 هـ؛ انظر طبقات المشايخ بالمغرب. (5) ابن مودود الموصلي، الاختيار لتعليل المختار: 11/ 5؛ وانظر كذلك المبسوط للسرخسي: 2/ 12؛ وبدائع الصنائع للكاساني: 2767/ 6.
(6) البحر الرائق: 193/ 8؛ وانظر أيضاً بداية المجتهد: 445/ 1؛ والمغني: 44/ 11؛ والشرح الكبير بذيل المغني: 51/ 11.
(7) بدائع الصنائع: 2767/ 6؛ والبحر الرائق: 193/ 8. (5/184)
صفحة 2134
الذبائح
185
ففي المدونة: «قلت: أرأيت إن ذبح فقطع الحلقوم، ولم يقطع الأوداج أو فرى الأوداج ولم يقطع الحلقوم أيأكله؟ قال: قال مالك: لا يأكله إلا باجتماع منهما جميعاً، لا يأكل إن قطع الحلقوم ولم يفرِ الأوداج، وإن فرى الأوداج ولم يقطع الحلقوم فلا يأكله أيضاً، ولا يأكله حتى يقطع جميع ذلك؛ الحلقوم والأوداج، قلت: أرأيت المريء هل يعرفه مالك؟ قال: لم أسمع مالكاً يذكر المريء»). الخامس: أنه لا يجزي إلا قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين، وهو
قول أبي يوسف (2) وهو يتفق مع ما في المصنف من كتب أصحابنا (3). السادس: أنه يجزاء قطع الحلقوم أو المريء وحده، لأن الحياة لا تبقى بعده، ذكره النووي وجهاً لأبي سعيد الاصطخري من الشافعية، وتعقبه بقوله: «قال الأصحاب هذا خلاف نص الشافعي وخلاف مقصود الذكاة، وهو الإزهاق بما يوهي ولا يعذب» (4).
السابع: أنه لا بد من قطع الأربعة جميعاً، وهو قول أكثر أصحابنا الإباضية كما سبق نقله عن صاحب النيل، وذكره في «المغني» رواية عن أحمد وعزاه إلى مالك وأبي يوسف وعزاه إلى مالك أيضاً ابن رشد (6)، وذكر القرطبي أنه حكاه عنه أنه حكاه عنه البغداديون، ونسبه أيضاً إلى أبي ثور)، وفي
(1) الإمام مالك، المدونة الكبرى: 427/ 1؛ وانظر كذلك الذخيرة: 133/ 4؛ وبداية المجتهد:
80/ 2
(2) بدائع الصنائع: 2767/ 6؛ والبحر الرائق: 193/ 8.
(3) الكندي، المصنف: 186/ 9.
(4) المجموع: 86/ 9.
(5) المغني: 44/ 11، 45.
(6) بداية المجتهد: 445/ 1.
(7) الجامع لأحكام القرآن: 54/ 6. (5/185)
صفحة 2135
186
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
شرح النيل: «والمشهور أنه لا بد من قطع الأوداج والحلق والحقوم» (1) ومراده بالحلق المريء.
الثامن: أنه يجزاء قطع الودجين وحدهما ذكره ابن رشد قولاً لمالك (2). والأصل في هذا ما أخرجه أبو داود عن أبي هريرة وابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن شريطة الشيطان (3). وفسرت بأنها الذبيحة يقطع منها الجلد ولا تفرى الأوداج وتُترك حتى تموت، ويؤيده ما أخرجه الطبراني في الأوسط» من حديث حذيفة له أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اذبحوا بكل شيء فرى الأوداج ما خلا السن والظفر» (4).
ولفظة الأوداج تطلق تغليباً على الودجين والحلقوم والمريء، قال الإمام النووي: «أما الحلقوم فهو مجرى النفس خروجاً ودخولاً، والمريء مجرى الطعام والشراب وهو تحت الحلقوم، ووراءهما عرقان في صفحتي العنق يحيطان بالحلقوم، وقيل: يحيطان بالمريء يقال لهما الودجان، ويقال: للحلقوم والمريء معهما الأوداج» ()، وفي كنز الدقائق وشرحه البحر الرائق»: (والمذبح المريء والحلقوم، والودجان لما روي عنه عليه أفضل الصلاة والسلام أنه قال: «أفرِ الأوداج بما شئت»، وهي عروق الحلق في المذبح، والمريء مجرى الطعام والشراب والحلقوم مجرى النفس، والمراد
(1) أطفيش، شرح النيل: 436/ 4. (2) بداية المجتهد: 454/ 1.
(3) رواه أبو داود من طريق أبي هريرة وابن عباس في كتاب الأضاحي في باب المبالغة في الذبح، رقم الحديث (2827).
(4) رواه الطبراني في المعجم الأوسط رقم (7190) وفي الكبير (7851)، انظر حكم اللحوم المستوردة وذبائح أهل الكتاب وغيرهم عبد الله بن محمد حميد، ص 9.
(5) المجموع: 86/ 9. (5/186)
صفحة 2136
الذبائح
187
بالأوداج كلها، وأطلق عليه تغليباً، وإنما قلنا ذلك لأن المقصود يحصل بقطعهن، وهو إزهاق الروح وإخراج الدم، لأنه بقطع المريء والحلقوم يحصل الإزهاق، وبقطع الودجين يحصل إنهار الدم، ولو قطع الأوداج وهي العروق من غير قطع المريء والحلقوم لا يموت فضلاً عن التوجه، فلا بد من قطعهما ليحصل التوجه، ولا بد من قطع الودجين أو أحدهما ليحصل إنهار الدم) (1).
وبما أن مشروعية التذكية من أجل تطييب اللحم مع مراعاة راحة الحيوان المذكى؛ يتبين رجحان القول السابع الذي يشترط في الذبح قطع الحلقوم والمريء والودجين جميعاً، فإن ذلك ـ لا ريب ـ أبلغ في إراحة المذبوح من شدة معاناة آلام الموت وأكثر تطييباً للحم بإنهار دمه من كلا ودجيه وهي الكيفية التي انعقد الإجماع على إجزائها في الذبح، وذلك أحوط في العمل بما دلت عليه السنة من فري الأوداج؛ لصدق مفهوم الأوداج على هذه الأربعة كلها.
وهذا لا ينافي كون هذه الأقوال كلها لها وجه من النظر، ونجد في شرح «النيل» توجيهاً منصفاً لغالب هذه الأقوال عندما قال الشارح: «فإن قلت كيف القول بإجزاء قطع أحدهما ـ أي الودجين - مع الحلق والحلقوم؟ قلت: لعله ساغ لهم الخلاف مع أن ذلك مأمور به في الحديث من حيث حمل الحديث على الإرشاد إلى المصلحة والرفق بالدابة فإنه يسهل ذلك موتها بجميع ويسرع، ولم يحملوه كله على الوجوب، فمن أوجب قطع الحلق والحلقوم فقط اعتبر قطع النفس والأكل والشرب، وهُنَّ مادة الحياة فلا تصح الحياة مع عدمهن، ومن أوجب قطع الودجين فقط اعتبر
(1) ابن نجيم، البحر الرائق: 193/ 8؛ وانظر أيضاً السرخسي، المبسوط: 2/ 12، 3. (5/187)
صفحة 2137
188
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
أن تلك المجاري الثلاثة تنسد بقطعهما، ومن أوجب قطع الحلق والحلقوم وأحد الودجين جمع بين ذلك، ومن أوجب الكل راعى ظاهر الحديث، وهو الراجح. وقديوجه أيضاً القول باغتفار بقاء ودج واحد مع قطع الحلق والحلقوم والودج الآخر باعتبارها الأكثر وإلغاء الأقل واعتبار أنه لا حكم للأقل» (1).
هذا وقد شرع الذبح فيما لا ينحر كالغنم والطيور والأرانب، وما كان مقدوراً عليه من أشباهها في الحيوانات الوحشية، واختلف فيما هو الأفضل
في البقرة، فرجحت طائفة الذبح لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة: 67]، وهو وإن كان خطاباً موجهاً إلى من قبلنا إلا أنه محكي لنا، على أن مشروعية التذكية في كل أمة من الأمم المخاطبة بشرع تتفق مع طبيعة المذكى، فلا ينبغي أن يكون في ذلك فرق بين أمة وأخرى.
ورجحت طائفة أخرى النحر؛ لحديث جابر ه أنه قال: «نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة (2)، وهو يدل على أن كلا من الإبل والبقر ينحر، ورُدَّ: بأن ذلك جرى مجرى المألوف في كلام العرب عندما يعطفون خبراً على خبر مع تفاوت المعطوف والمعطوف عليه، بحيث يتعذر أو يبعد أن يكونا على وتيرة واحدة وذلك أنهم يقدرون قبل المعطوف ما يتلاءم معه كما في قول الشاعر: ولقيت زوجك في الوغى متقلّداً سيفاً ورمحاً
فإنهم قدروا ومعتقلاً، رمحاً، لأن الرمح لا يتقلد، وقول آخر:
علفتهاتيناً
بنا وماء بارداً
(1) شرح النيل: 435/ 4.
(2) رواه الربيع في كتاب الحج باب في الهدي والجزاء والفدية رقم (430). (5/188)
صفحة 2138
الذبائح
189
فإنهم قدروا وسقيتها ماء، لأن الماء لا يعلف وإنما يسقى، فكذلك
يقدر في حديث جابر: وذبحنا البقر. ونسب ذلك الكاساني إلى عامة العلماء (1)، إلا أن في رواية للدارمي عن أبي الزبير عن جابر جاءت بلفظ: «نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم البقرة عن سبعة (2). وهي لا يتأتى معها ذلك
التأويل.
والذبح أنسب بطبيعة البقر لقصر أعناقها بخلاف الإبل، وقد أوضح حكمة هذا التفاوت العلامة القرافي فقال: وأصل ذلك أن المقصود بالذكاة الفصل بين الحرام الذي هو الفضلات المستقذرة وبين اللحم الحلال بأسهل الطرق على الحيوان، فما طالت عنقه كالإبل فنحره أسهل لزهوق روحه لقربه من الجسد وبعد الذبح منه، والذبح في الغنم أسهل عليها لقربه من الجسد والرأس معاً، ولما توسطت البقر بين النوعين جاز الأمران، وأشكل على هذه القاعدة النعامة، ففي الجواهر أنها تذبح، ولم يحك خلافاً مع طول عنقها، ولعل الفرق بينها وبين الإبل أن نحرها ممكن من جوفها، فنحرها
شق لجوفها» (3).
والظاهر أن
عدم
الخلاف في ذلك إنما هو في المذهب المالكي، وإلا
فقد صرح الحنفية بنحر ما كان طويل الرقبة من الطيور كالوز والنعام (4).
(1) بدائع الصنائع: 2766/ 6؛ وانظر كذلك شرح النيل: 430/ 4، 431. (2) رواه الدارمي في سننه في كتاب الأضاحي في باب (5)، البدنة عن سبعة والبقرة عن
سبعة.
(3) القرافي: الذخيرة: 132/ 4.
(4) د. عبد الله عبد الرحيم العبادي الذبائح في الشريعة الإسلامية، ص 44، نقلا عن حاشية ابن
عابدين: 303/ 6. (5/189)
صفحة 2139
190
الفتاوى الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
3 - هل يجزئ الذبح فيما ينحر والنحر فيما يذبح؟
هذا مما اختلف فيه أهل العلم، فأكثرهم جوزوه وعزاه ابن قدامة في «المغني» إلى عطاء والزهري وقتادة ومالك والليث والثوري وأبي حنيفة والشافعي وإسحاق وأبي ثور، وإنما حكى عن داود الظاهري أن الإبل لا تباح إلا بالنحر، ولا يباح غيرها إلا بالذبح)، وهو كما ترى يعزو إلى مالك رأي الجمهور القائلين بالجواز، مع أن المشهور من مذهبه خلاف ذلك كما نص عليه في المدونة، إذ جاء فيها: «قلت: هل ينحر ما يذبح، أو يذبح ما ينحر في قول مالك؟ قال مالك: لا ينحر ما يذبح، ولا يذبح ما ينحر، قلت: قال ابن القاسم: فالبقر إن نحرت أترى أن تؤكل؟ قال: نعم هي خلاف الإبل إذا ذبحت، قال: قال مالك: قال: والذبح فيها أحب إليّ، لأن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67]، قال: فالذبح أحب إليّ، فإن نحرت أكلت، قال: والبعير إذا ذبح لا يؤكل إذا كان من غير ضرورة، لأن سنته النحر، قلت: وكذلك الغنم إن نُحرت لم تؤكل في قول مالك؟ قال: نعم إذا كان ذلك من غير ضرورة، قلت: وكذلك الطير ما نحر منه لم يؤكل في قوله؟ قال: لم أسأله عن الطير، وكذلك هو عندي لا يؤكل» (2).
وما في «المدونة» هو الذي نصت عليه كتب المالكية كالذخيرة وبداية المجتهد (3)،، وهو يتنافى مع هذا الذي نقله عنه ابن قدامة، إلا أنه قال من بعد: «وحكي عن مالك أنه لا يجزاء في الإبل إلا النحر، لأن أعناقها طويلة فإذا ذبح تعذب بخروج روحه قال ابن المنذر إنما كرهه ولم يحرمه» (4)،
(1) المغني: 47/ 11.
(2) المدونة الكبرى: 427/ 1، 428.
(3) انظر الذخيرة: 132/ 4؛ وبداية المجتهد: 444/ 1.
(4) المغني:
47/ 11 (5/190)
صفحة 2140
الذبائح
191
وحمل المنع على الكراهة دون التحريم بعيد؛ لما ذكرناه من كلامه في «المدونة»، وإنما هو قول حكاه ابن رشد عن أشهب من أصحابه)، وحكي عن ابن بكير أنه فرَّق بين الغنم والإبل، فقال: يؤكل البعير بالذبح، ولا تؤكل الشاة بالنحر (2).
هذا وأما ما حكاه ابن قدامة عن داود أنه لا يبيح نحر ما يذبح ولا العكس؛ فإن ابن حزم ذكر عن بعض أصحابه موافقة رأي الجمهور في الجواز، ولم يشر إلى داود إلا أنه أطال في رد قول مالك منتصراً لرأي المجيزين حتى ادّعى أنه لا سلف لمالك في المنع (3)، والخلاف في هذه
ما
المسألة جاء في كتب مذهبنا الإباضي، ففي النيل: «وهل يؤكل إن نحر يذبح كعكسه وهو المختار أو لا؟ قولان»، قال شارحه: «ثالثهما الإبل تنحر فإن ذبحت لم تؤكل، والبقر والغنم تذبح، فإن نحرت لم تؤكل، ورابعها جواز أكل الإبل إن ذبحت دون غيرها إن نحر، وكره بعضهم نحر الشاة قائمة بلا تحريمها» (4).
ومع النظر يتبين أن القول الثالث هو عين القول الثاني، ويشكل ذكره فيه البقر مع الغنم أنها لا تؤكل إن نحرت مع الاتفاق على جواز النحر في البقر، وإن رجح الأكثر فيها الذبح.
«وفي
ثم قال مصنف «النيل»: «وجاز الكل للضرورة إجماعاً» قال الشارح: هذا دليل على جواز ذلك أيضاً في غير الضرورة، وأنه لا تحرم به
(1) بداية المجتهد: 444/ 1.
(2) المرجع السابق نفسه. (3) المحلى: 445/ 7 - 446.
(4) شرح النيل: 432/ 4. (5/191)
صفحة 2141
192
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
الدابة، ولو كان لا يجوز في غير الضرورة وأنه في غير الضرورة لا تحل به الدابة لم يجز في الضرورة إلا إن اضطر إلى ميتة، ولما حلت بذلك بدون أن يضطر إلى ميتة علم أن ذكر النحر في الإبل إنما هو على سبيل الترجيح، لأنه أسرع في موتها لا على سبيل الوجوب، ولما كانت البقر بين الإبل والغنم ورد فيها الذبح والنحر على حد سواء، ولما سهل أمر الشاة ورد ذبحها ولم يمتنع نحرها» (1).
ورد ابن رشد (2) هذا الاختلاف إلى معارضة الفعل للعموم، فأما العموم فقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا» (3) وأما الفعل فإنه ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر الإبل والبقر وذبح الغنم، وإنما اتفقوا على جواز ذبح البقر لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67] وعلى
ذبح الغنم لقوله تعالى في الكبش: {وَفَدَيْنَهُ بِذِبْحٍ عَظِيمِ} [الصافات: 107]. ولا ريب أن العموم مجمل هنا فهو بحاجة إلى البيان، وخير ما بينه فعل الرسول صلى الله عليه وسلم فلا ينبغي العدول عنه.
4 - حصر التذكية في اللبة والحلق وحكمة ذلك:
استقر العمل في الإسلام على تذكية المقدور عليه من الحيوان في الحلق واللبة، وثبت ذلك بالسنة والإجماع، فقد أخرج الدارقطني عن أبي هريرة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بديل بن ورقاء الخزاعي على جمل أورق في فجاج منى: «ألا إن الذكاة في الحلق واللبة، ولا تعجلوا الأنفس
يصيح
(1) المرجع السابق نفسه.
(2) ابن رشد - بداية المجتهد: 444/ 1.
(3) رواه البخاري في كتاب الشركة باب قسمة الغنم رقم (2356)، ومسلم في كتاب الأضاحي باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم رقم (1968). (5/192)
صفحة 2142
الذبائح
193
قبل أن تزهق، وأيام منى أيام أكل وشرب وبعال» (1)، وروى سعيد والأثرم بإسنادهما عن الفرافصة قال كنا عند عمر فنادى: إن النحر في اللبة والحلق لمن قدر (2)، قال العلامة ابن قدامة في «المغني»: «وأما المحل فالحلق واللبة وهي الوهدة التي بين أصل العنق والصدر، ولا يجوز الذبح في غير هذا المحل بالإجماع»، إلى أن قال: «وإنما نرى أن الذكاة اختصت بهذا المحل مجمع العروق، فتنسفح بالذبح فيه الدماء السيالة ويسرع زهوق النفس، فيكون أطيب للحم وأخف على الحيوان (3).
لأنه
وهذا يعني أن العدول عن هذه التذكية الشرعية إلى أي طريقة أخرى في إزهاق روح الحيوان تجعله ميتة غير حلال، الأكل، وأما ما رواه أحمد وأصحاب السنن عن أبي العشراء عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل: أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة؟ فقال: «لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك» (4). فهي رواية متروكة لا عمل بها عند الأمة، وناهيكم أن الإجماع انعقد على خلافها، كما نص على ذلك ابن قدامة السالف وغيره من الفقهاء، وأبو العشراء هذا مجهول يروي عن مجهول، قال أحمد أبو العشراء هذا ليس بمعروف (5)، وقال الخطابي: وضعفوا هذا الحديث لأنه رواية (مجهول)، وقال الحافظ في
(1) رواه الدارقطني في سننه في كتاب الأشربة وغيرها، باب الصيد والذبائح والأطعمة وغير ذلك، رقم الحديث في هذا الباب (45)، البعال: ملاعبة الرجل أهله. (انظر: القاموس المحيط، فصل الباء). (2) المغني، ابن قدامة: 44/ 11.
(3) المغني: 44/ 11، وانظر كذلك البحر الرائق: 193/ 8.
(4) رواه أبو داود كتاب الضحايا باب في ذبيحة المتردية رقم (2825)، والترمذي في كتاب الأطعمة باب ما جاء في الذكاة في الحلق واللبة رقم (1481))، والنسائي في كتاب
الضحايا باب ذكر المتردية في البئر رقم (4408)، وأحمد رقم (18967).
(5) المغني: 44/ 11.
(6) الخطابي، معالم السنن: 117/ 4. (5/193)
صفحة 2143
194
الفتاوى
الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
«التخليص»: «قد تفرد حماد بن سلمة بالرواية عنه على الصحيح ولا يعرف
حاله» (1).
ولا يشك عاقل أن الخير في الاتباع لا في الابتداع، وأن خيرة العباد فيما أمرهم به الله ورسول: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36. ولا مساغ للاجتهاد مع النص أو الإجماع، وقد تبين لنا باستقراء الأدلة الشرعية أن التذكية من أمور العبادات التي لا يسوغ فيها العدول عما شرع فيها، ولا تجاوز حدودها التي رسمت.
غير أنا رأينا العلامة السيد محمد رشيد رضا يجنح في تفسيره المنار إلى أن الذكاة ليست من العبادات، ويوماء إلى أنه يسوغ للناس أن يعدلوا فيها إلى الوسائل المستجدة في إزهاق الروح، لأنها أسهل مما هو معهود من قبل، وهذا نص كلامه:
ولما كانت التذكية المعتادة في الغالب لصغار الحيوانات المقدور عليها هي الذبح، كثر التعبير به فجعله الفقهاء هو الأصل وظنوا أنه مقصود بالذات لمعنى فيه، فعلل بعضهم مشروعية الذبح بأنه يخرج الدم من البدن الذي يضر بقاؤه فيها لما فيه من الرطوبات، والفضلات، ولهذا اشترطوا فيه قطع الحلقوم والودجين والمريء على اختلاف بينهم في تلك الشروط، وإن هذا لتحكم في الطب والشرع بغير بينة، ولو كان الأمر كما قالوا لما أحل الصيد الذي يأتي به الجارح ميتاً وصيد السهم والمعراض (2) إذا خزق لأن هذا الخزق لا يخرج الدم الكثير كما يخرجه الذبح، والصواب أن الذبح
(1) التلخيص: 134/ 4.
(2) المعراض: السهم الذي لا ريش عليه. (5/194)
صفحة 2144
الذبائح
195
كان ولا يزال أسهل أنواع التذكية على أكثر الناس، فلذلك اختاروه وأقرهم الشرع عليه أنه ليس فيه من تعذيب الحيوان ما في غيره من أنواع القتل، كما أقرهم على صيد الجوارح والسهم والمعراض ونحو ذلك، وإني لأعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم لو اطلع على طريقة للتذكية أسهل على الحيوان ولا ضرر فيها كالتذكية الكهربائية - إن صح هذا الوصف فيها ـ لفضلها على الذبح، لأن قاعدة شريعته أنه لا يحرم على الناس إلا ما فيه ضرر لأنفسهم أو لغيرهم من الأحياء، ومنه تعذيب الحيوان بالوقذ ونحوه، وأمور العادات في الأكل واللباس ليست مما يتعبد الله الناس تعبداً بإقرارهم عليه، وإنما تكون أحكام العبادة بنصوص من الشارع تدل عليها، ولا يعرف مراد الشارع وحكمته في من المسائل إلا بفهم كل ما ورد، بجملته ولو كان إقرار الناس على شيء من العادات أو استئناف الشارع لها حجة على التعبد بها لوجب على المسلمين اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في كيفية أكله وشربه ونومه، بل هنالك ما أجدر بالوجوب كالتزام صفة مسجده وحينئذٍ يحرم فرشه ووضع السرج
هو
مسألة
والمصابيح فيه.
وقد تأملنا
ما مجموع ورد في التذكية ففقهنا أن غرض الشارع منها اتقاء تعذيب الحيوان بقدر الاستطاعة، فأجاز ما أنهر الدم وما مراه أو أمراه أو أمره، وهو دون معنى (أنهره) في معنى إخراجه أو أسالته، وأمر بأن تحد الشفار وأن لا يقطع شيء من بدن الحيوان قبل أن تزهق روحه، وأجاز النحر والذبح حتى بالضرار أي بالحجارة المحددة، وبالمرو أي الحجر الأبيض، وقيل: الذي تقدح منه النار، وبشق العصا وهذا دون السكين غير المحدد بالشحذ ولكل وقت وحال ما يناسبهما، فإذا تيسر الذبح بسكين حاد لا يعدل إلى ما دونه، وإذا تيسر في الذبح إنهار الدم يكون أسهل للحيوان وأقل إيلاماً له فلا يعدل عنه إلى مثل طعن المتردية في ظهرها أو فخذها (5/195)
صفحة 2145
196
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
أو خزق المعراض وخدشه لأي عضو من البدن، والرمي بالسهم للحيوان الكبير ذي الدم الغزير» (1).
وقد نحا هذا النحو من أهل زماننا العلامة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود، إذ قال في رسالته (فصل الخطاب في إباحة ذبائح أهل الكتاب): «ليس عندنا ما يدل على قصر التذكية وحصرها في قطع الحلقوم والمريء حسبما شرطه الفقهاء، إلا أنها جرت العادة بذلك في الإسلام وزمن الجاهلية، ولأن هذه الكيفية أسرع وأسهل لإزهاق روح الحيوان، لكون الحلقوم والمريء هما مجرى النفس والطعام والشراب ولأن هذه الكيفية أبقى وأسلم للجلد الذي له قيمة في زمانهم حتى كانوا يسلخون جلود
هي
الميتة وينتفعون بها (2).
هذه
وأرى أن العالمين الجليلين قد اشتطا كثيراً وأبعدا النجعة في المسألة، وكفى بانعقاد الإجماع قبلهما على خلاف ما ذهبا إليه حجة ودليلاً على شططهما، وقد علمنا من خلال استقرائنا لأدلة الشرع من نصوص الكتاب والسنة أن التذكية من الأمور التعبدية، وليست من الأمور العادية التي توكل إلى تجارب الناس وأذواقهم، فلا مقارنة بينها وبين اللباس وسائر الأمور الشكلية الموكولة إلى العادات وكفى دليلاً على ذلك أن الله تعالى قرن بين النحر والصلاة في قوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر [الكوثر 2]، وكذلك قوله: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ} [الأنعام: 162] فإن النسك الذبيحة في قول أكثر المفسرين وأمر بأكل ما ذكر اسم الله عليه في قوله: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: (118]، ونهى عن أكل ما لم يذكر
(1) المنار: 144/ 6 - 145.
(2) آل محمود، فصل الخطاب في إباحة ذبائح أهل الكتاب، ص 7. (5/196)
صفحة 2146
الذبائح
197
اسمه عليه إذ قال: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام: 121]، وأمر بذكره عند نحر البدن إذ قال: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُم مِّن شَعَرٍ اللهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَ) [الحج: 36]، وحذر من أكل ما أهل به لغيره، كما في قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [المائدة: 3]. فإن قيل: ليس مطلق التذكية عبادة وإنما ينحصر ذلك فيما كان قرباناً إلى الله كالهدي والأضاحي والنذور ونحوها.
قلنا: هذا الحصر لا دليل عليه بل الأدلة قائمة على خلافه، إذ لو أريد بالذبح مجرد زهوق الروح لما كان معنى لحصر الإباحة في ذبائح المسلمين وأهل الكتاب وحدهم دون المشركين على أن المشرك قد يحسن الذبح كما يحسنه المسلم، ولم يحجر الدين على المسلم الانتفاع بما يعمله المشركون من الصناعات فله أن يلبس مما ينسجون، وأن يستعمل كل آلة مما يصنعون، كركوب السيارات والقطارات والطائرات ولو كان ذلك في أسفار العبادات كالحج والعمرة والجهاد؛ ولا يمنع من الصلاة بالثوب الذي نسجه المشرك والإحرام فيه، ومع هذا كله يمنع منعاً باتاً من أكل ما يذبحونه، ولو استوفى الشروط الشرعية الواجب توافرها في ذبيحة المسلم، ولو كان تحت
جميع
إشراف المسلم نفسه.
وقد جاء النص القطعي بتحريم الموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما أدركت ذكاته مع أن كل ذلك حيوانات زهقت أرواحها لأسباب وقعت عليها، ولم تمت حتف أنفها، غير أنها شرعاً أُلحقت بما مات حتف في التحريم، فما الداعي لتحريمها لولا أنها لم يكن زهوق روحها بطريقة تعبدية خاطب الله بها العباد وألزمهم إياها في كتابه وعلى لسان
أنفه (5/197)
صفحة 2147
198
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
رسول
وله؟ وليت شعري أي فارق بين أكيلة السبع التي حرمت بالنص وبين ما صادته الجوارح فمات في أثناء الصيد لولا اعتبار الجانب التعبدي الصيد وهو النية والتسمية؟ ومثلها النطيحة في ذلك.
في
ولئن قيل: بأن الموقوذة إنما حرمت من أجل ما حل بها من التعذيب المنافي لما يأمر به الإسلام من الرفق بالحيوان. فالجواب: أن هذه الحرمة كانت جديرة بأن تكون خاصة بالواقذ دون غيره، على أن الوقد قد يكون من متعد غير مالك للحيوان فيحرم به على مالكه إن لم يدرك تذكيته، ولو كانت الحرمة من أجل التعذيب وحده لما كان معنى لإباحة الموقوذة إن أُدركت ذكاتها، كما دل عليه الاستثناء في قوله تعالى: {إِلَّا مَا ذَكَيْتُمْ} [المائدة: على أن هذه الحرمة لم تنحصر فيما وقع عليه الأثر بفعل فاعل مكلف،
إذ حرمت كذلك المنخنقة والمتردية، وقد يكون الانخناق بفعل الدابة نفسها، بحيث تلتوي بحبلها على عنقها إلى أن تختنق أنفاسها، وقد تتردى نفسها من شاهق من غير أن يدفعها أحد، على أنها لو تردت فوقعت على آلة حادة أصابت مذبحها أو منحرها، فقطعت منها ما يقطعه الذابح أو الناحر لما حلت بذلك، ولما خرجت عن حكم الميتة، فما هو الفارق بين هذه الصورة وبين التذكية إلا فقدان عنصر العبادة فيها؟
وقد تضافرت الروايات الدالة على هذا المعنى منها حديث: «ألا إن الذكاة في الحلق واللبة» وقد تقدم، ومنها أحاديث اشتراط ذكر اسم الله على الذبح والنحر وإرسال السهم والجارحة، وسوف نذكر ـ إن شاء الله ـ ما تيسر ذكره منها في موضعه، كما يدل على ذلك أيضاً ما أخرجه الترمذي وغيره عن أبي الدرداء وغيره: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل المجثمة»)، وأخرج
(1) رواه الترمذي في كتاب الأطعمة باب ما جاء في كراهية أكل المصبورة رقم (1473). (5/198)
صفحة 2148
الذبائح
199
النسائي والدارمي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تحل المجثمة»)، والمراد بها التي تصبر للنبل، ولم تحصر حرمتها على صابرها أو راميها فحسب. ويدل على ذلك أيضاً حديث عدي بن حاتم عند الشيخين أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد المعراض، فقال له: «إذا أصبت بحده فكُل، وإذا أصبت بعرضه فلا تأكل فإنه وقيذ» (2).
ومثله ما أخرجه الشيخان عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أرسلت كلبك المعلم فاذكر اسم الله عليه فإن أمسك عليك فأدركته حياً فاذبحه، وإن أدركته قتل ولم يأكل منه فكله، وإن وجدت مع كلبك كلباً غيره وقد قتل فلا تأكل، فإنك لا تدري أيهما قتله، وإن رميت سهمك فاذكر اسم الله عليه، فإن غاب يوماً ولم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت، وإن وجدته غريقاً في الماء
فلا تأكله» (3).
قال الإمام النووي في شرحه فيه بيان قاعدة مهمة وهي أنه إذا حصل الشك في الذكاة المبيحة للحيوان لم يحل؛ لأن الأصل تحريمه، وهذا
لا خلاف فيه» (4).
(1) رواه النسائي في كتاب الضحايا باب النهي عن المجثمة رقم (4438)، والدارمي في كتاب الأضاحي باب ما لا يؤكل من السباع رقم (1981)، ولفظ الدارمي كلفظ الترمذي. (2) رواه البخاري في كتاب الذبائح والصيد باب تفسير المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، وكذلك في باب صيد المعراض رقم (5159)؛ ورواه مسلم في كتاب الصيد والذبائح، باب الصيد بالكلاب المعلمة بعدة طرق 1929 (3) رواه البخاري في كتاب الذبائح والصيد، باب الصيد إذا غاب يومين أو ثلاثة رقم (5167)؛ ورواه مسلم في كتاب الصيد والذبائح، باب الصيد بالكلاب المعلمة رقم
(1929)
(4) صحيح مسلم بشرح النووي: 78/ 13. (5/199)
صفحة 2149
200
الفتاوى الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
وجهه
ومن أصرح الأدلة على كون التذكية عبادة ما ثبت عن علي كرّم سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لعن الله من ذبح لغير الله» (1).
أنه
الله
هذا وقد ثبت طبياً أن الذكاة الشرعية هي أسلم طريقة وأبعدها عن التأثر بالمضار، فما قاله الفقهاء في تعليل التذكية ومشروعيتها في موضعها لم يكن تحكماً في الطب، وسنبين ذلك ـ إن شاء الله ـ في موضعه. وأما ما ذكره العلامة ابن محمود أن قصر التذكية وحصرها في قطع الحلقوم والمريء أمر جرت به العادة في الإسلام وزمن الجاهلية، وأن من جملة أسبابه أن هذه الكيفية هي أبقى وأسلم للجلد الذي له قيمة في زمانهم، فقد تقدم فيما ذكرناه آنفاً ما يدل على خلافه، وردَّ هذا التعليل الذي ذكره الشيخ العلامة عبد الله بن محمد بن حميد: بأنه منتقض بذبحهم لما لا ينتفع بجلده كالدجاج
والطيور ونحوها، فإنهم يذبحونها في حلوقها وليس لها جلد ينتفع به (2). هذا وهناك مسائل تتعلق بكيفية الذبح وقع الخلاف فيها بين أهل العلم
نري ضرورة إيرادها هنا:
1 - عدم قطع الغلصمة:
6
إن لم تقطع الغلصمة في منتصفها وخرجت إلى جهة البدن، فقد حكى ابن رشد عن مالك وابن القاسم أنها لا تؤكل وعن أشهب وابن عبد الحكم وابن وهب جواز أكلها (3)، وقال الإمام الثميني عالى في «النيل»: وكرهت إن ذبحت ورجعت حنجرتها لما يلي المنحر لا بفساد، لجواز قطع الحلق
(1) رواه مسلم في كتاب الأضاحي، باب تحريم الذبح لغير الله تعالى ولعن فاعله رقم
(1978)
(2) ابن حميد، حكم اللحوم المستوردة وذبائح أهل الكتاب وغيرهم، ص 24. (3) بداية المجتهد: 445/ 1، 446 وانظر الذخيرة: 137/ 4؛ وتفسير القرطبي: 54/ 6. (5/200)
صفحة 2150
الذبائح
201
عنه
والحلقوم من أصلهما أو وسطهما»، وأقره شارحه قطب الأئمة رحمدلله ونقل ـ أي مصنف النيل - أنه قال في «التاج»: «كل الرقبة مذبح من الرأس إلى استفراغها من الأسفل»، ثم قال الشارح بعد كلام: «وظاهر كلام التاج أنه إن فصل الحلق كله إلى الرأس أو إلى الجسد ولم يقطع بعضه لم تحرم على قول، والصحيح الفساد» (1)، وفي بيان الشرع) نقلا عن كتاب الرقاع (1) أنه لا حرمة بشيء من ذلك (2)، ونقل الدكتور العبادي جواز الأكل في هذه عن الشافعي وأبي حنيفة وأحمد لحصول المقصود بذلك (3)، ورد ابن رشد هذا الخلاف إلى اختلافهم في اشتراط قطع الحلقوم، فمن اشترطه منع أكلها، ومن لم يشترطه أجازه)، وذكر القرافي أن المنع مبني على مراعاة دلالة الحديث على قطعها التزاماً والإباحة مبنية على أن انقطاع النفس حاصل بذلك، وهو كاف في زهوق الروح).
الحالة
2 ـ قطع جميع الرأس والنخاع:
وقد اختلف فيه، ففي مدونة الإمام مالك: «قلت: أرأيت إن سبقت يده في ذبيحته فقطع رأسها، أيأكلها أم لا في قول مالك؟ قال: قال مالك: يأكلها إذا لم يتعمد ذلك» (6)، ومفهومه أنه إن تعمده لم يأكلها، وإن قال ابن القاسم: بأنه لم يحفظ في ذلك شيئاً عنه، ونقل القرافي من المالكية عن ابن القاسم جواز أكلها وإن تعمده، المنصوص عنه في المدونة وعن اللخمي أنه لا تؤكل مع
(1) شرح النيل: 436/ 4 437.
(2) بيان الشرع: 16/ 27.
(3) الذبائح في الشريعة الإسلامية، ص 22.
(4) بداية المجتهد: 446/ 1.
(5) الذخيرة: 137/ 4.
(6) المدونة الكبرى: 428/ 1. (5/201)
صفحة 2151
في
202
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
العمد (1)، وهو الذي نسبه النووي إلى مالك، وقال: وهي رواية عن عطاء» (2). ولا خلاف في المذهب عندنا أنه يعذر المخطاء في ذلك، وإنما الاختلاف العامد، وقد جاء في (بيان الشرع) ما نصه: ومن تعمد لقطع رأس الذبيحة فقطعت فقيل: إنها لا تؤكل، وإن لم يتعمد ذلك فسبقته الشفرة فلا بأس بأكلها» (3)، ونصت كتب الحنفية على كراهة ذلك من غير تحريم)، وعللت الكراهة في البحر الرائق وفي بدائع الصنائع بأن في ذلك زيادة تعذيب للحيوان، ونص النووي على أن مذهب الشافعي جواز أكل ما فعل به ذلك عمداً، ونقل عن ابن المنذر أنه حكاه عن علي بن أبي طالب وابن عمر وعمران بن الحصين، وعطاء والحسن البصري والشعبي والنخعي والزهري، وأبي حنيفة وإسحاق وأبي ثور ومحمد، وحكى كراهتها عن ابن سيرين ونافع). وأرى أن المتشددين في هذه المسألة نظروا إلى أن قطع جميع الرأس قطعاً يفضي إلى قطع النخاع، وهو يؤدي إلى الإسراع في الموت فيكون موت الدابة بعامل آخر غير تذكيتها، والخلاف واقع بين أهل العلم في نفس قطع النخاع هل يؤدي إلى حرمة المذبوح أو لا إن تعمده؟ فمالك كره ذلك إذا تمادى في القطع ولم ينو قطع النخاع من أول الأمر، قال ابن رشد: «لأنه إن نوى ذلك فكأنه نوى التذكية على غير الصفة الجائزة» (6)، ومفهومه أنه إن
(1) القرافي، الذخيرة: 138/ 4.
(2) المجموع: 91/ 9.
(3) بيان الشرع: 17/ 27؛ وانظر كذلك النيل وشرحه: 439/ 4، 440.
(4) انظر المبسوط للسرخسي: 2/ 12؛ وبدائع الصنائع للكاساني: 2768/ 6؛ والبحر الرائق
لابن نجيم.
194/ 8
(5) المجموع: 91/ 9. (6) بداية المجتهد: 446/ 1. (5/202)
صفحة 2152
الذبائح
203
نواه تجاوز حكم الكراهة إلى ما هو أشد منها، وقال مطرف وابن ماجشون: لا تؤكل إن قطعها متعمداً دون جهل، وتؤكل إن قطعها ساهياً أو جاهلاً)، وفي الكنز وشرحه البحر من كتب الحنفية كراهة ذلك (2)، وهكذا في المجموع، ونقل عن ابن المنذر أنه حكى عن ابن عمر عدم جواز أكلها، وبه قال نافع وكرهه إسحاق، قال: وكرّهت طائفة الفعل وأباحت الأكل، وبه قال النخعي والزهري والشافعي وأبو حنيفة وأحمد وأبو ثور، قال ابن المنذر: بقول هؤلاء أقول قال: ولا حجة لمن منع أكله بعد الذكاة (3)، وأرى أن حجتهم ما ذكرته في قطع جميع الرأس، ثم وجدته منصوصاً عليه في شرح «النيل» (4)، على أنه جاء في المسند الصحيح للإمام الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: سمعت ناساً من الصحابة يروون عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى في الذبائح عن أربعة أوجه الخزل والوخز والنخع والترداد» (ه)،
(6)
وفسر الربيع النخع بكسر الرقبة، وذكر شارحه الإمام السالمي الى (1) أن غير الربيع فسره أنه المجاوزة بالسكين منتهى الذبح إلى النخاع، وهو خيط أبيض داخل عظم الرقبة يمتد إلى الصلب يكون في جوف الفقار)، ومن
(1) المرجع السابق نفسه. (2) البحر الرائق: 194/ 8. (3) المجموع: 91/ 9. (4) شرح النيل: 44/ 4.
(5) رواه الإمام الربيع في كتاب الأحكام باب الذبائح رقم (620).
(6) الإمام السالمي: هو المحقق نور الدين عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي، ولد ببلدة الحوقين بولاية الرستاق عام 1288 هـ، كان ذكياً فهماً حافظاً، اتسمت تآليفه بالتحقيق والتأصيل العلمي، ترك أثراً عظيماً في التاريخ العُماني بما قام به من جهود إصلاحية باهرة، من أشهر مؤلفاته: مشارق أنوار العقول، وشرح الجامع الصحيح، وتحفة الأعيان، وجوهر النظام، ومؤلفاته نافت على العشرين مؤلفاً، توفي العالى عام 1332 هـ.
(7) السالمي، شرح الجامع الصحيح لمسند الإمام الربيع بن حبيب: 341/ 3. (5/203)
صفحة 2153
204
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
المعلوم
أن الأصوليين مختلفون في النهي هل هو يدل على فساد المنهي عنه أو لا؟ فلا يستبعد أن يكون ذلك منشأ الخلاف المذكور.
- الذبح من القفا:
هذا
اختلف فيه إن وصل الذابح إلى ما يجب قطعه في الذبح، فعن أحمد أنها لا تؤكل، وهو مفهوم كلام الخرقي، وحكي هذا عن علي وسعيد ابن المسيب ومالك، وإسحاق قال أبراهيم النخعي تسمى هذه الذبيحة (القفينة)، وقال القاضي: إن بقيت فيها حياة مستقرة قبل قطع الحلقوم والمريء حلت وإلا فلا، ويعتبر ذلك بالحركة القوية، وهذا مذهب الشافعي، وصحح الرأي صاحب «المغني» معللاً إياه أن الذبح إذا أتى على ما فيه حياة مستقرة أحله كأكيلة السبع والمرتدية، والنطيحة وأنه لو ضرب عنقها بالسيف فأطار رأسها حلت بذلك حسبما نص عليه أحمد، إذ قال: لو أن رجلاً ضرب رأس بطة أو شاة بالسيف يريد بذلك الذبيحة كان له أن يأكله، وقد روي عن الإمام علي كرم الله وجهه أنه قال: تلك ذكاة وحية.
وأفتى بأكلها عمران بن الحصين، وبه قال الشعبي وأبو حنيفة والثوري ونقل أبو بكر عن الإمام أحمد قولين فيها، وصحح أنها مباحة لأنه اجتمع قطع ما تبقى الحياة معه مع الذبح فأبيح،، وعضد ذلك بما روي عمن ذكر من الصحابة من غير مخالف، وفرع عنه صاحب المغني» ما لو ذبحها من قفاها فلم يعلم هل كانت فيها حياة مستقرة قبل قطع الحلقوم والمريء أو لا؟ أنه ينظر فإن كان الغالب بقاء ذلك لحدة الآلة وسرعة القتل فالأولى إباحته، لأنه بمنزلة ما قطعت عنقه بضربة السيف، وإن كانت الآلة كالة وأبطأ
(1) المغني: 50/ 11. (5/204)
صفحة 2154
الذبائح
205
قطعه وطال تعذيبه لم يبح، لأنه مشكوك في وجود ما يحله، كما لو أرسل كلبه على الصيد فوجد معه كلباً آخر لا يعرفه (1).
وعند الحنفية أن ما ذبح من قفاه مكروه إن بقيت فيه الحياة حتى وصل الذبح إلى ما تتوقف التذكية على قطعه، وإلا حرم، وعللوا الكراهة بما في ذلك من زيادة الألم (2)، وذكر ابن رشد من المالكية أنه لا خلاف في المذهب المالكي أن ذلك لا يجوز، وعزاه إلى ابن شهاب وسعيد ابن المسيب (3)، وقالت الشافعية بحلها مع مراعاة الشرط المذكور)، ومذهبنا في ذلك كمذهب مالك في كونها لا تحل سواء وقع ذلك عن طريق العمد أو الخطأ إلا إن كان بسبب انقلاب الآلة للقفا لتحرُّك المذبوح مع نية الذبح المكان الشرعي) وهو مبني على ما ذكرته من قبل من أن التذكية أمر تعبدي، والأمور التعبدية توقيفية، فإن جاء على خلاف ما أمر به الشرع ردت لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (6)، وفي رواية «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، ورد ابن رشد الخلاف في
في
،،
(1) المغني: 50/ 11، 51.
(2) البحر الرائق: 194/ 8؛ المبسوط: 3/ 12؛ بدائع الصنائع: 2768/ 6.
(3) بداية المجتهد: 446/ 1. (4) المجموع: 91/ 9
ذلك
(5) شرح النيل: 434/ 4، 438؛ الإيضاح: 431/ 2؛ بيان الشرع: 76/ 27، 77؛ جامع أبي
الحسن: 221/ 3.
(6) رواه الإمام الربيع بن حبيب في مسنده الجامع الصحيح باب (7) في الولاية والإمارة، رقم الحديث (49)؛ ورواه مسلم في كتاب الأقضية باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات
الأمور رقم (1718).
(7) رواه البخـ في كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود رقم (2550)؛ ورواه مسلم في كتاب الأقضية باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور
رقم (1718). (5/205)
صفحة 2155
206 الفتاوى الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
إلى أنه: هل تعمل الذكاة في المنفوذة المقاتل أو لا؟ وذلك لأن القاطع لأعضاء الذكاة من القفا لا يصل إليها إلا بعد قطع النخاع وهو مقتل من
المقاتل فتأتي الذكاة على حيوان أصيب مقتله (1).
4 - الذبح من تحت الأوداج
هذا وقد كره أصحابنا إدخال آلة الذبح من تحت الأوداج بينها وبين النخاع وجرّها إلى الأمام حتى تقطع الأوداج لما فيه من مخالفة المعهود من الذكاة والوقوع فيما ورد من الوخز وزيادة إيلام الحيوان (2).
ه - التراخي في الذبح
لا أعلم خلافاً بين أهل العلم في عدم جواز التراخي في الذبح من أجل الاستراحة، وذلك بأن يشرع الذابح في ذبح الحيوان ثم يتركه فترة من الزمن ثم يعود إليه، لما في ذلك من إطالة تعذيبه، وإنما اختلفوا فيما إذا رفع يده عن الذبيحة ثم عاد إليها سريعاً، فالأكثرون على أنها تؤكل، وقال سحنون من أصحاب مالك: لا تؤكل، وقيل: إن رفعها اختباراً هل تمت ذكاتها أو لا؟ وأعادها على الفور بمجرد ما تبين أنه لم تتم أكلت، وهو أحد ما تُؤول على سحنون، وقد تُؤول قوله على الكراهة. وحكى ابن رشد عن أبي الحسن اللخمي أنه لو قيل عكس هذا لكان أجود، يعني أنه إذا رفع يده وهو يظن أنه قد أتم الذكاة فتبين له غير ذلك فأعادها أنها تؤكل؛ لأن وقع عن شك، وهذا عن اعتقاد ظنَّه يقيناً، وبنى ابن رشد ذلك على أن من شرط الذكاة قطع كل أعضاء الذكاة، فإذا رفع يده قبل أن تستتم كانت
الأول
(1) بداية المجتهد: 446/ 1.
(2) شرح النيل: 438/ 4. (5/206)
صفحة 2156
الذبائح
207
منفوذة المقاتل غير مذكاة، فلا تؤثر فيها العودة لأنها بمنزلة ذكاة طرأت على
المنفوذة المقاتل (1).
تذكية غير المقدور عليه:
وهو نوعان:
1 - ما كان أصله وحشيا:
كالظباء والوعول والبقر الوحشي والحمار الوحشي والطيور الوحشية، وحكم هذا النوع إن لم يقدر عليه بإمساكه وتذكيته كما تذكى الحيوانات الإنسية أن يصنع به ما دل عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: «إذا أرسلت كلبك المعلم فاذكر اسم الله عليه، فإن أمسك عليك فأدركته حياً فاذبحه، وإن أدركته وقد قتل ولم يأكل منه فكله، وإن وجدت مع كلبك كلباً غيره وقد قتل فلا تأكل فإنك لا تدري أيهما قتله؛ وإن رميت سهمك فاذكر اسم الله عليه، فإن غاب يوماً ولم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت، وإن وجدته غريقاً في الماء فلا تأكله» (2). وحاصل ذلك أن الله تعالى بفضله لم يكلف عباده في مثل هذا النوع من الحيوان أن يذكُوه ذكاة الأهلي المقدور عليه، لما في ذلك من أنه تعالى خلق للإنسان ما في الأرض جميعاً، وأباح له الانتفاع
المشقة
والعسر، مع به في حدود المصلحة التي حددتها الشريعة فلذلك جعل له سبيلاً إلى
الانتفاع بهذا النوع بالوسائل المشروعة التي جاء بها القرآن في قوله: قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَتُ وَمَا عَلَمْتُم مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ بِمَا عَلَمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا
(1) بداية المجتهد: 446/ 1، 447.
(2) رواه البخاري في كتاب الذبائح والصيد، باب الصيد إذا غاب عنه يومين أو ثلاثة رقم (5167)؛ رواه مسلم في كتاب الصيد والذبائح، باب الصيد بالكلاب المعلمة رقم (1929).
: (5/207)
صفحة 2157
208
الفتاوى
الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
مِمَّا أَمْسَكَنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} [المائدة: 4]، وقوله: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَأَصْطَادُوا [المائدة: 2]؛ وجاءت بها السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام في هذا الحديث وأمثاله، وقد جعل الله تعالى في ذلك تذكية شرعية مبيحة لأكل لحمه إن لم تدرك حياته فيذكي كما يذكى الأهلي.
وقد تعورف على تسمية هذه التذكية صيداً، وعني الفقهاء ببحث أحكامها في دواوين الفقه بما يشفي الغليل ويكشف الغمة ويحدد المنهج السليم، وليس ذلك مما يتعلق ببحثنا هذا لأنه خارج عن موضوعه، وإنما ذكرناه لبيان ما يقابل المقدور عليه، وللتمهيد لما يأتي عما قريب ـ إن شاء الله ـ من بيان بعض ما يتعلق بموضوع بحثنا.
2 ـ ما كان أصله أهلياً:
فند وتعذرت السيطرة عليه بأي حيلة فإنه يعامل معاملة الوحشي في قول جمهور أهل العلم، وعزي إلى علي بن أبي طالب وعائشة وابن مسعود وابن عمر وابن عباس من الصحابة رضوان الله عليهم، وبه قال طاوس وعطاء والشعبي والحسن البصري ومسروق والأسود بن يزيد والحكم وحماد والنخعي والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور والمزني وداود، وهو قول الشافعي وأصحابه (1)، وهو الذي قال به بعض أصحابنا، منهم صاحب النيل وشارحه (2). وذهب مالك إلى أنه لا ينتقل عنه حكم الأهلي ولا يكون الاصطياد تذكية له، بل يجب أن يذكى بالذبح أو النحر (3)، وبه قال ربيعة والليث بن سعد،
(1) انظر المجموع: 126/ 9؛ والمغني: 34/ 11؛ وكفاية الأخيار: 421/ 2، والبحر الرائق: 194/ 8؛ وبدائع الصنائع: 2772/ 6؛ والمحلى: 459/ 7.
(2) شرح النيل: 513/ 4، 515. (3) انظر الذخيرة للقرافي: 177/ 4؛ وبداية المجتهد: 454/ 1؛ وتفسير القرطبي: 55/ 6، 56. (5/208)
صفحة 2158
الذبائح
209
وعليه أصحاب مالك إلا ابن حبيب، فإنه فرق بين البقر وبين الإبل والغنم، فأخذ برأي الجمهور في البقر دونهما، وعلل ذلك بأنها شبيهة بالصيد (1)، ويفهم من كلام النيل وشرحه أن قول مالك هو مذهب لبعض أصحابنا. وحجة الجمهور حديث رافع بن خديج: قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة وقد أصاب القوم غنماً وإبلاً، فند منها بعير فرمي بسهم فحبسه الله به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذه البهائم لها أوابد كأوابد الوحش، فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا» (2)، وذلك أن تسليط النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الفعل دليل على أنه ذكاة، واستدلوا من جهة القياس أيضاً أن الوحشي إذا تأنس يعامل معاملة الأهلي، فهكذا الإنسي إذا توحش (3)، واحتج المالكية ومن وافقهم مقدور عليه في غالب الأحوال، فلا يراعى النادر منه وإنما يكون ذلك في الصيد، وأجابوا عن حديث رافع بن خديج بأن قالوا: تسليط النبي صلى الله عليه وسلم إنما على حبسه لا على ذكاته، وهو مقتضى الحديث وظاهره «فحبسه» ولم يقل: إن السهم قتله (4).
بأنه
ويستأنس لرأي الجمهور بتشبيه النبي لأوابد البهائم الأهلية بأوابد الوحش، إذ في ذلك إشارة لطيفة إلى أنها يصنع بها كما يصنع بالوحشي، وألحق عند الجمهور بالناد من بهيمة الأنعام ما وقع في بئر أو نحوها، فتعذر التوصل إلى تذكيته بالذبح أو النحر (ه).
(1) انظر المراجع السابقة.
(2) رواه البخاري في كتاب الذبائح والصيد باب ما ند من البهائم فهو بمنزلة الوحش رقم (5190)، ومسلم في كتاب الأضاحي باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم رقم (1968).
(3) انظر المجموع: 122/ 9، 123. (4) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 56/ 6.
(5) انظر المرجع السابق نفسه. (5/209)
صفحة 2159
210
الفتاوى
الذبائح - الأطعمة - التدخين
المبحث الثاني: في أهلية المذكي:
لا خلاف بين الأمة في كون المسلم الدائن بوحدانية الله وعل، المؤمن برسالة الحق التي بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو أولى من يقوم بالتذكية من أجل سلامة باطنه من الانحراف الفكري، وظاهره من الانحراف السلوكي، وهو أولى بأن يحافظ على الأمانة ويوفي التذكية حقها الشرعي، ولا خلاف بينها في أن المشركين من عبدة الأوثان والملاحدة الذين لا دين لهم لا تحل لأنها في حكم الميتة ولا خلاف في أن لأهل الكتاب حكماً خاصاً مخالفاً لأحكام المشركين في ذلك لقوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌّ لَكُم} [المائدة: 5، وإنما وقع الخلاف في أمور منها ما يعم المسلم والكتابي، ومنها ما هو خاص بالكتابي وحده.
ذبائحهم،
ومن حيث إن مساحة هذا البحث محدودة وموضوعه مقيد نقتصر على
ذكر بعض ما وقع فيه الخلاف:
1 - هل يشترط أن يكون المذكي عاقلا؟
اختلف في ذلك، وبناءً على هذا الاختلاف اختلفوا في ذكاة المجنون والسكران والصبي، فأجازها الشافعية (1) وأجاز الحنفية تذكية السكران والصبي إن ميزا ومثلهما المعتوه حال تمييزه دون ذكاة المجنون ومن لا يميز من السكارى والصبيان والمعتوهين (2)، ومنع الحنابلة والمالكية ذكاتهم لكنهم قيدوا ذلك بعدم العقل (3)، وهو قريب مما قاله الحنفية
2
(1) المجموع: 9/ 9.
(2) البحر الرائق: 194/ 8؛ بدائع الصنائع: 2775/ 6، 2776.
(3) المغني: 56/ 11؛ والذخيرة: 122/ 4. (5/210)
صفحة 2160
الذبائح
211
ومنعت الظاهرية ذكاتهم مطلقاً)، وهو الذي ذهب إليه بعض أصحابنا (2)، وأجاز بعضهم ذكاة الصبي بشرط التمييز والاختتان، وأكثرهم على منع أكل ذبيحة السكران والمجنون وإباحة أكل ذبيحة الصبيان بشرط التمييز وحده (3).
على
ومنشأ الخلاف هل النية شرط في صحة الذكاة؟ وذلك مبني اختلافهم فيها هل هي من العبادات أو لا؟ وقد سبق ما يدل على أنها من العبادات، فالنية لا بد منها فيها، ومن أجل ذلك اتفق علماؤنا على منع ذبيحة السكران والمجنون، واختلفوا في إباحة ذبيحة الصبيان، وأكثرهم على إباحتها، لأنهم وإن لم يكلفوا بالعبادات إلا أنها تصح منهم، ولذلك جاء في السنة ما يدل على صحة إمامتهم في الصلاة كما في قصة عمرو بن سلمة الذي أم قومه وهو صبي، لكونه أكثرهم قرآناً، وكان ذلك في عهد رسول الله، ولئن جازت إمامته في الصلاة وهي أهم ركن عملي من أركان الإسلام فكيف لا تجوز ذبيحته؟ واستدل ابن حزم في منع ذبيحته وذبيحة السكران والمجنون بأنهم لا يشملهم خطاب الله تعالى بقوله: {إِلَّا مَا ذَكَيْتُمْ} [المائدة: 3]، وبأن الصبي لا يجوز إنكاحه لوليته ولا نكاحه ولا بيعه ولا ابتياعه ولا توكيله، وأنه لا تلزمه صلاة ولا صوم ولا حج) وفي الاستدلال نظر لا يتسع له المقام.
هذا
(1) ابن حزم، المحلى: 457/ 7.
(2) بيان الشرع: 23/ 27، 24.
(3) شرح النيل: 488/ 4.
(4) رواه أبو داود في سننه في كتاب الصلاة، باب من أحق بالإمامة، بعدة طرق، الأحاديث
برقم (585) و (586) و (587)، والنسائي في كتاب القبلة باب الصلاة في قميص واحد
رقم (767). (5) المحلى: 457/ 7. (5/211)
صفحة 2161
212
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
2 - المرتد:
منع
أصحابنا والجمهور أكل ذبيحته لأنه لا يُقر على ردته ولو كانت إلى اليهودية أو النصرانية، وأجازها إسحاق وكرهها الثوري).
3 - الأعجم:
اختلفوا في ذبيحته، فأجازها الجمهور إن فهمت إشارته، وعليه علماء المذهب عندنا بشرط أن يكون عارفاً لربه وذهبت طائفة من علمائنا إلى عدم الجواز لعدم تمكنه من ذكر اسم الله على ذبيحته (2)، وفي شرح النيل قول ثالث وهو كراهة أكل ذبيحته والصحيح أنها مباحة لأنه مطالب بأن يذكر الله بقلبه كما يفعل في صلاته، وليست التذكية بأبلغ من الصلاة.
4 - المحارب من أهل الكتاب:
ذهب الجمهور إلى صحة تذكيته وهو قول بعض أصحابنا، وذهب أكثرهم إلى المنع من أكل ما ذكاه، كما لا تنكح نساؤهم المحاربات (3)، ويؤيد قول الجمهور ما رواه الشيخان عن عبد الله بن مغفل قال: «دلي جراب من شحم من قصر خيبر، فدنوت لأخذه فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم إلي» (4) فإن ابتسامته دليل إقراره على ذلك مع أن القوم كانوا محاربين.
(1) بداية المجتهد: 450/ 1.
(2) بيان الشرع: 27/ 27، 28. (3) شرح النيل: 495/ 4.
(4) رواه البخاري في أبواب الخمس باب ما يصيب من الطعام في أرض الحرب رقم (2984)، ومسلم في كتاب الجهاد والسير باب جواز الأكل من طعام الغنيمة في دار
الحرب رقم (72،1). (5/212)
صفحة 2162
ه ـ من تنصر أو تهود من العرب:
الذبائح
213
كبني تغلب وبهراء وتنوخ، اختلف في ذبائحهم فأباحها الجمهور، ومنعها عمر وعلي، وهو رأي للإمام الشافعي، واقتصر عليه وأيده النووي في المجموع، والقولان في المذهب عندنا (2)، وقيد قطب الأئمة شارح النيل جوازها بشرط أن يقرأوا الإنجيل، ليكونوا على علم بأحكام الحلال والحرام، ويتقيدوا في ذكاتهم بما هو مشروع عندهم، إلا أنه نص على أنه لا يشترط أن
يقرأه كله وإنما يكفي لذلك بعضه (3)، وجاء نحو هذا في بيان الشرع (4). ورد ابن رشد الخلاف في ذلك إلى الاختلاف في شمول اسم الذين أوتوا الكتاب للعرب المتنصرين والمتهودين كما يتناول ذلك الأمم المختصة بالكتاب وهم بنو إسرائيل والروم)، والتحقيق أنه: يصدق عليهم جميعاً لأن الروم أيضاً لم يكونوا من الذين أوتوا الكتاب عندما أُنزل الإنجيل على عيسى، بل كانوا من الذين يحاربون الكتاب وأهله إلى أن تنصر قسطنطين ملكهم وتابعه على ذلك الشعب الرومي، وقد خاطبهم النبي صلى الله عليه وسلم خطاب أهل الكتاب عندما بعث إلى ملكهم هرقل كتاباً منه ضمنه قوله تعالى: {قُلْ يَتَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] (6).
(1) المجموع: 94/ 9.
(2) شرح النيل: 496/ 4.
(3) المرجع السابق نفسه.
(4) بيان الشرع: 26/ 27.
(5) بداية المجتهد: 450/ 1.
(6) رواه البخاري كتاب الإيمان، في باب بدء الوحي، الحديث السادس. (5/213)
صفحة 2163
214
الفتاوى
الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
6 - أن يعتدي على ما لا يملك:
كالسارق والغاصب، اختلفوا في حلية ما ذكاه، فالجمهور على أنه حلال وعزاه النووي إلى الزهري ويحيى بن سعد الأنصاري وربيعة ومالك وأبي حنيفة، وهو مذهب الشافعي (1)، وذهبت الظاهرية إلى حرمته، ونسبه ابن حزم إلى طاوس وعكرمة وإسحاق وابن راهويه (2) ونسب إليهم النووي القول بالكراهة، ولعلها كراهة تحريم كما هو معهود في عبارات السلف، ونسب ابن رشد التحريم إلى داود، وإسحاق، وفي المذهب عندنا في ذلك ثلاثة أقوال: المنع وعليه الأكثر، والإباحة مطلقاً، والإباحة بشرط أن يكون الغاصب أو السارق شمع منه ذكر اسم الله تعالى على الذبيحة أو أخبر
ثقة (3).
واستدل ابن حزم لمنع ذلك بثلاثة أدلة:
به
أولها: أن الله تعالى حرم أكل لحم الحيوان إلا بعد تذكيته، إذ قال وكل بقوله: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ) [البقرة: 188]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام)، ولا يشك مسلم أن المسروق والمغصوب إن ذبح أو نحر لا يكون ذبحه ونحره حقاً، وإنما هو باطل، والباطل لا يتوصل به إلى حل ما حرم على أن الذكاة المشروعة حق مأمور به طاعة
(1) المجموع: 87/ 9. (2) المحلصى؛ 415/ 7.
(3) شرح النيل: 491/ 4؛ وبيان الشرع: 47/ 27 - 61؛ وجامع أبي الحسن: 210/ 3؛ والإيضاح: 454/ 2؛ وجامع ابن بركة: 118/ 1، 119.
(4) رواه الربيع في كتاب الجهاد باب جامع الغزو في سبيل الرقم (ط 46)، ورواه البخاري في كتاب العلم باب قول النبي صلى الله عليه وسلم رب مبلغ أوعى من سامع رقم (67)، ومسلم في كتاب الحج باب حجة النبي (5/214)
صفحة 2164
الذبائح
215
لله، والاعتداء على مال الغير معصية لأمره تعالى والمعصية لا تنوب عن الطاعة، ولئن كانت الفروج المحرمة لا تحل إلا بالعقد المأمور به لا بالعقد المحرم، فكيف يباح الحيوان المحرم بالفعل المحرم؟ وما الفرق بين تصيّد المحرم للصيد المحرم وبين ذبح المعتدي لما حرم عليه ذبحه؟. ثانيها: ما أخرجه مسلم في صحيحه من طريق رافع بن خديجه قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة من تهامة فأصبنا غنماً وإبلاً فعجل القوم فأغلوا بها القدور فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكفئن ثم عدل عشراً من الغنم بجزور)، ووجه الاستدلال أن النبي ل لم يكن ليأمر بإكفاء ما في القدور لو كان حلال الأكل لأنه نهى عن إضاعة المال، وإنما يدل ذلك يقيناً أنه حرام محض، وأن ذبحه ونحره تعد الضمان ولا يبيح الأكل لأنها
غنائم لم تقسم.
يوجب
ثالثها: ما أخرجه أبو داود من طريق عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فأصاب الناس حاجة شديدة وجهد، فأصابوا غنماً فانتهبوها فإن قدورنا لتغلي إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي على قوسه فأكفأ قدورنا بقوسه، ثم جعل يرمل اللحم بالتراب ثم قال: «إن النهبة ليست بأحل من الميتة، أو إن الميتة ليست بأحل من النهبة» (2)، شك أبو الأحوص ـ راويه عن عاصم ـ في أيتهما قال، ووجه الاستدلال أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتف بمنع أولئك من أكل اللحم وإنما أفسده إذ خلطه بالتراب حتى لا ينتفع به آكل، ولو من ملاك الغنم أنفسهم
(1) رواه البخاري كتاب الشركة باب قسمة الغنم رقم (د 235)، ومسلم في كتاب الأضاحي، باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم رقم (1968).
(2) رواه أبو داود في كتاب الجهاد باب النهي عن النهبة رقم (2705).
(3) المحلى: 415/ 4 و 416 - بتصرف؛ وانظر في هذا جامع ابن بركة: 118/ 1، 119. (5/215)
صفحة 2165
216
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
دفعاً
وهذه الأدلة في غاية القوة والوضوح ويتبين لنا منها رجحان القول بعدم حل ذبيحة المعتدي على غيره على أن القائلين بخلافه لم نجد منهم لهذه الأدلة ولا استدلالاً بحجة، ما عدا أن الأصل في ذبيحة المسلم الحل،
غير أن ابن حزم ذكر أن بعضهم مؤه بخبر روي أيضاً عن طريق عاصم ابن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فاستقبله داعي امرأة فجاء وجيء بالطعام فوضع يده ثم وضع القوم أيديهم فأكلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يلزك لقمة في فيه ثم قال: «أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها فأرسلت المرأة: يا رسول الله إني أرسلت إلى البقيع يشترى لي شاة فلم أجد، فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة أن أرسل إليّ بها بثمنها، فلم يوجد فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إليّ بها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أطعميه الأسارى» (1).
وأجاب ابن حزم عنه بالعديد من الأجوبة لا يخلو بعضها من نظر (2)، وإنما أقواها أن تلك الشاة لم تؤخذ تعدّياً وإنما أخذت بوجه تعارف الناس على مثله عادة لا سيما الجيران، وقد كانت مضمونة على المرأة بثمنها كما دلت على ذلك الرواية من قول المرأة: «ابعث إليّ بها بثمنها».
- الأقلف من الرجال:
ذهب جمهور علماء الأمة إلى حلّ ذبيحته وذهب ابن عباس ا إلى منع أكلها، وهو إحدى الروايتين عن الحسن البصري (3)، وهو قول أصحابنا
(1) رواه أبو داود السجستاني في سننه في كتاب البيوع، باب اجتناب الشبهات، رقم الحديث
(3332)
(2) المحلى: 415/ 4، 416.
(3) المجموع: 78/ 9؛ وانظر فتح الباري: 637/ 9. (5/216)
صفحة 2166
الذبائح
217
الإباضية باتفاق)، إلا أنهم استثنوا من امتنع من الختان لعذر شرعي، كما استثنوا من هذا الشرط أهل الكتاب فلم يروا بأساً بذبيحتهم وإن لم يختنوا، وقيد بعضهم الاستثناء بالنصارى، وحدهم لأن الختان مشروع عند اليهود كالمسلمين (2).
8 - ما حرمه الله تعالى على أهل الكتاب أو حرموه على أنفسهم
وقد ذكوه:
هل يحل للمسلم أكله أو لا؟ قيل: بالمنع منه مطلقاً، وهو معزو إلى ابن القاسم من المالكية، وقيل بالإباحة، وهو ظاهر كلام أحمد والخرقي و اختاره من أصحابه أبو حامد وأبو الخطاب وهو مذهب ابن وهب وابن عبد الحكم من أصحاب مالك، وقيل: بمنع ما حرمه الله عليهم لا ما حرموه على أنفسهم، رواه أحمد عن مالك، ووصفه بأنه مذهب دقيق، وبه قال أشهب، وقيل: بالكراهة دون التحريم، وهو معزو إلى بعض المالكية (3).
ولعلماء مذهبنا في ذلك ثلاثة أقوال المنع والإباحة، والتفريق بين ما حرم عليهم أو. حرموه بأنفسهم)، ورجح قطب الأئمة رحم الله (5) في «هيميان
(1) الإيضاح: 454/ 2؛ وشرح النيل: 489/ 4، 490؛ بيان الشرع: 27/ 27. (2) بيان الشرع: 40/ 27، 41.
(3) بداية المجتهد: 451/ 1، 452؛ المغني: 58/ 11؛ تفسير القرطبي: 126/ 7، 127. (4) بيان الشرع: 39/ 27 - 24؛ شرح النيل: 495/ 4. (5) هو قطب الأئمة محمد بن يوسف بن عيسى أطفيش، ولد في بني يسجن بوادي ميزاب بالجزائر سنة 1236 هـ، كان حافظاً ذكياً بزغ في كل العلوم الإسلامية، وألف في جلّها، بلغت مؤلفاته أكثر من ثلاثمائة مؤلف، وكان من رجال الإصلاح الإسلامي الحديث، توفي رحم الله سنة 1332 هـ؛ انظر شرح النيل، ط مكتبة الإرشاد ـ جدة، السعودية. (5/217)
صفحة 2167
218
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
الزاد الإباحة (1)، وهو القول الصحيح سواء فيما حرم عليهم أو فيما حرموه على أنفسهم، أما ما حرم عليهم فإن ذلك كان شرعاً موقوتاً عقوبة لهم على سوء صنيعهم، وقد نسخ ذلك بشريعتنا، والكل متعبد بها، وأما ما حرموه على أنفسهم فذلك أبعد من أن يؤخذ به، لأنه مجرد افتراء ما أنزل الله به من
سلطان.
وحجة المانعين أن الله أباح طعامهم وذلك ليس من طعامهم، وتدخل في الإباحة على القول الراجح الشحوم ولو كانت حراماً عليهم بدليل حديث عبد الله بن مغفل عندما دنا من أخذ جراب الشحم من قصر خيبر، فابتسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم إقراراً له، وهو قول جمهور العلماء، بل قيل: إنه لم يخالف في الشحوم إلا مالك وأصحابه وهم فيها مختلفون، منهم من قال بكراهتها ومنهم من قال بتحريمها ومنهم من قال بإباحتها، ورد ابن رشد الخلاف في ذلك إلى الخلاف في تبعض التذكية؛ بحيث يسري حكمها على بعض الحيوان دون بعض (3)، وهو مأخذ بعيد جداً، وهو خاص بالشحوم، أما ما عداها وهو كل ذي ظفر فالخلاف مبني على الاختلاف في اشتراط اعتقاد المذكي تحليل الحيوان بتذكيته فمن اشترطه لم يبحه لأنهم يعتقدون أن التذكية لا تحللها، ومن لم يشترطه تمسك الآية
بعموم
المحللة (3).
المبحث الثالث: فيما يذكى به:
ينبغي للإنسان أن
يحرص على الرفق بالحيوان وسعه في تذكيته فيختار
(1) هيميان الزاد: 325/ 5
(2) بداية المجتهد: 451/ 1، 452.
(3) المرجع السابق نفسه. (5/218)
صفحة 2168
الذبائح
219
الله
له الآلة الأنسب التي تؤدي إلى الغرض مع تخفيف الألم عن المذكى بقدر المستطاع، ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته»)، وعلى هذا الأساس يكون اختيار آلة التذكية، وقد وشع تعالى لعباده المجال في ذلك ليختاروا بأنفسهم ما يرونه أنسب، كما يدل عليه حديث رافع بن خديج عندما قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أنا لاقو العدو غداً ه وليس معنا مدى فنذبح بالقصب؟ فقال: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السن والظفر وسأحدثكم عنه، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة» (2).
فالحديث أطلق جواز التذكية بكل ما أنهر الدم، إلا أنه استثنى شيئين دل تعليله استثناء أحدهما على استثناء ثالث لهما عندما قال: أما السن فعظم، وهو دليل على عدم جواز الذكاة بالعظام كالأسنان والأظفار، ومع هذا النص الشريف لا أجد داعياً إلى مناقشة ما اختلف فيه الفقهاء من التذكية ببعض الآلات، وبحث اختلافهم في التذكية ببعض ما استثني، وفيما إذا انفصل الظفر، والسن، فإن ذلك كله لا يعدو أن يكون اشتغالاً بالإطالة فيما لا جدوى من وراءه، فإن الحديث واضح صريح، إذ أطلق الإباحة في استعمال كل ما يؤدي إلى هذه الغاية ما عدا تلك المستثنيات ولم يقيد استثناءها بكونها غير منفصلة، وإنما يرجع إلى أهل الخبرة في معرفة الآلات التي يمكن بها قضاء هذا الوطر مع مراعاة الرفق بالحيوان، وإذ جاء نهر الله بطل نهر معقل.
(1) رواه مسلم في كتاب الصيد والذبائح، باب الأمر بإحسان الذبح وتحديد الشفرة رقم
(1900)
(2) تقدم تخريجه. (5/219)
صفحة 2169
220
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
المبحث الرابع في النية والتسمية
:
اتضح
مما سبق أن التذكية من القربات إلى الله وعل، والقربات لا بد
لها من نية؛ للحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات» (1)،
فلذلك كانت النية شرطاً في صحة الذكاة، كما نص عليه العلّامة الشماخي
(2)
في
في «الإيضاح (3)، والإمام الثميني في «النيل» وشارحه قطب الأئمة شرحه)، والإمام ابن العربي في أحكام القرآن (5)، ويفهم من كلامه أنها مشروطة عند الشافعية؛ إذ ألزم إمام الحرمين باشتراطه لها كون الذكاة قربة، ونسب ذلك ابن رشد إلى المذهب - أي مذهب المالكية ـ وقال: «ولا أذكر فيها خارج المذهب في هذا الوقت خلافاً (6). وهو الذي يقتضيه كلام العلامة الكاساني الحنفي، حيث قال في شرائط التسمية المبيحة للذبيحة: «ومنها يريد بها التسمية على الذبيحة، فإن من أراد بها التسمية لافتتاح العمل لا يحل، لأن الله الله أمر بذكر اسم الله تعالى عليه في الآيات الكريمة، ولا يكون ذكر اسم الله عليه إلا ويكون يراد بها التسمية على الذبيحة - إلى أن قال: وكذا لو سبح: أو هلل أو كبر ولم يرد به التسمية على الذبيحة،
أن
(1) رواه الإمام الربيع بن حبيب في مسنده الجامع الصحيح في، (1)، في النية، تحت حديث رقم (1)؛ ورواه غيره.
(2) هو
العلامة الإمام أبو ساكن عامر بن علي بن عامر الشماخي، من علماء القرن السابع الهجري، ولد في جبل نفوسة بليبيا، بلغ من العلم شأواً كبيراً، حتى أصبحت كتبه كالإيضاح مقدمة على غيرها عند الإباضية، عُرف بإنشاء المدارس العلمية، تخرج على يديه فحول العلماء منهم: أبو القاسم - صاحب الجواهر المنتقاة) ـ انظر كتاب الإيضاح.
(3) الإيضاح: 442/ 2.
(4) انظر شرح النيل: 469/ 4، 477، 478.
(5) أحكام القررن: 750/ 2.
(6) بداية المجتهد: 449/ 1. (5/220)
صفحة 2170
الذبائح
221
وإنما أراد به وصفه بالوحدانية والتنزه عن الحدوث لا غير لا يحل لما قلنا» (1)، فإن اشتراط القصد في هذا الكلام صريح، وهو عين النية المطلوبة، ويقرب منه ما قاله العلامة السرخسي: «وإنما يتميز الذكر على الذبح وغيره بقصد التسمية منه فإذا لم يقصد التسمية لا يحل» (2).
وأما ذكر اسم الله عند التذكية فلا خلاف في مشروعيته بين الأمة، وحكى الإجماع على ذلك النووي في شرحه على صحيح مسلم» (3)، والحافظ ابن حجر في «فتح الباري)، إلا أنهم اختلفوا في كونه شرطاً لصحة التذكية وما يترتب عليها من حل لحم الحيوان على أقوال:
أولها: أن ذكر الله شرط لصحة التذكية، فمن تركه عمداً أو نسياناً في ذبح أو نحر أو صيد لم يكن فعله ذكاة شرعية، وحرم بذلك لحم المذبوح أو المنحور أو الصيد، وعزا القرطبي هذا القول إلى عبد الله بن عمر وعبد الله ابن عباس، وابن ربيعة ونافع وعبد الله بن زيد الخطمي وابن سيرين وأبي ثور وداود بن علي وأحمد في رواية (5)، وعزاه أبو الحسن البسيوي (6) إلى ابن
(1) بدائع الصنائع: 2783/ 6.
(2) المبسوط: 4/ 12.
(3) شرح النووي على صحيح مسلم: 73/ 13.
(4) فتح الباري: 601/ 9.
(5) تفسير القرطبي:
75/ 7
العلامة المحقق الشيخ
(6) جامع أبي الحسن البسيوي: 208/ 3، الإمام أبو الحسن البسيوي: هو أبو الحسن علي بن محمد بن علي البسياني، ولد في بسيا بولاية بهلا بالمنطقة الداخلية بسلطنة عُمان، وهو من علماء القرن الرابع الهجري، تلقى العلم في بداية حياته عن أبيه، ثم تتلمذ على العالم الفقيه المحقق ابن بركة، ومن أشهر مؤلفاته جامع أبي الحسن، وهو مؤلف عظيم وشامل لعلم الشريعة ومن أحسن المؤلفات جمعاً وتحقيقاً، واختصره في كتاب
«مختصر البسيوي»، انظر كتاب «جامع أبي الحسن البسيوي وكتاب «مختصر البسيوي». (5/221)
صفحة 2171
222
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
عباس لله، وذكر أبو حيان (1) أنه رواية عنه، واقتصر عليه ابن حزم وانتصر
صحيح
الصحبة،
له وعزاه إلى جماعة منهم عبد الله بن يزيد، ووصفه بأنه وإلى الشعبي (3)، وقال ابن قدامة في «المغني» (3): إنه تحقيق المذهب ـ أي مذهب الحنابلة، وعزاه في بيان الشرع (4) إلى الإمام الربيع بن حبيب (5)،
(8)
وعزاه الكاساني (6) والفخر الرازي) إلى الإمام مالك، وذكر الشوكاني أنه مروي عنه، وحكاه قولاً له ابن كثير (9) وذكر أنه اختاره من متأخري الشافعية أبو الفتوح محمد بن محمد بن علي الطائي، وعليه العمل عند أكثر
علمائنا (10).
ثانيها: أن ذكر الله شرط لصحة التذكية، ولكن يسقط اشتراطه في حال النسيان، فيحل أكل المذكى دونه، أما في حالة العمد فلا تصح دونه التذكية، ولا يحل مع تركه المذبوح، وبه قال إسحاق وروي عن أحمد بن حنبل، وقاله في الكتاب مالك وابن القاسم، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري
(1) البحر المحيط: 212/ 4. (2) المحلى: 412/ 7 - 414.
(3) المغني: 3/ 11. (4) بيان الشرع: 11/ 27.
(5) هو
الإمام المحدث الحافظ أبو عمرو الربيع بن حبيب الفراهيدي، من غطفان بأرض الباطنة من سلطنة عُمان أخص تلامذة الإمام أبي عبيدة، وتحمّل من بعده إمامة المذهب الإباضي، أدرك الإمام جابر بن زيد وهو شاب، صنف مسنداً في الحديث الشريف، انظر
شرح الجامع الصحيح.
(6) بدائع الصنائع: 2778/ 6. (7) التفسير الكبير: 164/ 13.
(8) نيل الأوطار: 10/ 9 - 11.
(9) تفسير القرآن العظيم: 169/ 2.
(10) انظر بيان الشرع: 6/ 27 - 9؛ وجامع أبي الحسن: 208/ 3. (5/222)
صفحة 2172
الذبائح
223
والحسن بن حي وعيسى وأصبغ، واختاره النحاس (1)، وبه قال الناصر والقاسمية (2)، وعزاه في بيان الشرع (3) إلى الإمام إفلح (4) بن عبد الوهاب، أنه نسبه إلى الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد، واعتمده قطب الأئمة
وحكى
الإمام
في الهميان ()، ويجنح إليه كلامه في التيسير (6)، ونسبه ابن كثير) إلى جماعة منهم الإمام علي وابن عباس رها من الصحابة، وسعيد بن المسيب وعطاء وطاوس والحسن البصري وأبو مالك وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجعفر بن محمد وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وذكر ابن قدامة أن حنبل نسبه إلى أبيه أحمد إلا أنه نسب إلى الخلال أنه قال سها حنبل في نقله، فإن في أول مسألته: إذا نسي فقتل لم يأكل). ثالثها: إن التسمية ليست بشرط رأساً، فيحل أكل ما لم يذكر اسم عليه عمداً كان التك أو نسياناً، وهو مذهب الشافعي وأصحابه)، ونسبه القرطبي إلى الحسن، وذكر أنه مروي عن ابن عباس وأبي هريرة وعطاء
الله
(1) تفسير القرطبي: 75/ 7؛ وانظر البحر المحيط لأبي حيان: 212/ 4؛ وأحكام القرآن لابن العربي: 749/ 2؛ وبداية المجتهد: 448/ 1؛ والمنتقى للباج: 104/ 3؛ والاختيار: 109/ 5؛ والبحر الرائق: 191/ 1؛ وبدائع الصنائع: 2778/ 6.
(2) نيل الأوطار: 10/ 9.
(3) بيان الشرع: 11/ 27.
(4) هو
الإمام أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن الرستمي ثالث أئمة الدولة الرستمية بتيهرت، كان شجاعاً مقداماً، وكانت أيام إمامته أيام عدل وإنصاف واستقرار، دامت إمامته
رحمه
عاماً، الله ستين انظر: طبقات المشايخ بالمغرب.
(5) هيميان الزاد: 240/ 6.
(6) تيسير التفسير: 437/ 3، 438.
(7) تفسير القرآن العظيم:
(8) المغني: 3/ 11.
170/ 2
(9) المجموع 102/ 9؛ وشرح صحيح مسلم النووي: 73/ 13. (5/223)
صفحة 2173
224
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
وسعيد بن المسيب وجابر بن أبي ليلى وقتادة، ثم قال: «وحكى الزهراوي عن مالك بن أنس أنه قال: تؤكل الذبيحة التي تركت التسمية عليها عمداً أو نسياناً (1)، وأضاف أبو حيان (2) إلى هؤلاء ربيعة والأصم، وما ذكره قطب الأئمة في تفسيره التيسير يوحي بأنه يجنح إليه، وذلك أنه قال: «أما موحد ذگي بلا ذكر لاسم الله ساهياً أو عامداً فلا بأس بذكاته» (3)، إلا أنه قال بعد ذكره لبعض الروايات التي عوّل عليها أصحاب هذا القول: «وذلك محمول عندنا على من لم يذكر اسم الله نسياناً)، ويفهم من كلام الإيضاح والنيل وشرحه أن الأقوال الثلاثة في المذهب (5)، وذكر الحافظ ابن حجر أن للشافعية في العمد ثلاثة أوجه؛ وهي أنه يكره، وخلاف الأولى، ويأثم بالترك ولا يحرم الأكل). رابعها: إن ترك التسمية عمداً كره أكلها قاله القاضي أبو الحسن والشيخ أبو بكر من علماء المالكية).
خامسها: تؤكل ذبيحة من تركها ولو عمداً إن لم يكن مستخفاً بها، قاله أشهب والطبري (8)، ولست أرى فارقاً بين هذا القول والقول الثالث إلا أن يكون لفظياً، فإنه ليس من شأن المسلم ولو فاسقاً أن يستخف باسم الله تعالى، ومن فعل ذلك فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه وصار في عداد المرتدين.
(1) الجامع لأحكام القررن: 75/ 7.
(2) البحر المحيط: 212/ 4.
(3) تيسير التفسير: 437/ 3.
(4) المرجع السابق نفسه.
(5) انظر الإيضاح للشماخي: 443/ 2؛ والنيل وشرحه: 170/ 4، 171.
(6) فتح الباري: 601/ 9.
(7) ابن العربي، أحكام القرآن: 749/ 2.
(8) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 75/ 7. (5/224)
صفحة 2174
الذبائح
225
سادسها: ما ذهب إليه ابن العربي وتابعه عليه القرطبي وهو أن ترك التسمية لا يخلو من ثلاثة أحوال: «أحدها أن يترك التسمية إذا أضجع الذبيحة لأنه يقول: قلبي مملوء من أسماء الله وتوحيده فلا أفتقر إلى ذكر ذلك بلساني، فذلك يجزيه لأنه قد ذكر الله وعظمه، وإن قال: ليس هذا التسمية صريحاً فإنها ليست بقربة فهذا يُجزيه لكونه على مذهب اعتقاده اجتهاداً للمجتهد فيه وتقليداً لمن قلده، وإن قال: لا أسمي وأي قدر للتسمية؟ فهذا متهاون كافر فاسق لا تؤكل ذبيحته» (1)، ثم قال ابن العربي: «إنما يتصور الخلاف في المسألة على الصورتين الأوليين، فأما على الصورة الثالثة فلا تشخيص لها» (2).
موضع
يصح
بحث أدلة هذه الأقوال وتمحيصها:
استدل أصحاب القول الأول بكثير من الأدلة من الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 118]، فإنه دال بمنطوقه على إباحة أكل ما ذكر عليه اسم الله، ودال بمفهومه على المنع مما لم يذكر عليه اسمه، وقوله سبحانه: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121]، وهو دال بمنطقوه على المنع من أكل ما لم يذكر اسم الله عليه، وبمفهومه على إباحة أكل ما ذكر اسمه عليه، فمنطوق كل واحدة من الآيتين يعضد مفهوم الأخرى، وقوله: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) [الأنعام: 119)، وهو زجر عن الامتناع عن أكل ما ذكر اسمه تعالى عليه. وتعتضد دلالة هذه الآيات بدلالة الآيات الأخرى التي تدل على الأمر بذكر اسم الله حال التذكية وعلى أن ذكر اسمه تعالى مطلب يرتبط بما أنعم
(1) ابن العربي، أحكام القرآن: 751/ 2؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 76/ 7.
(2) المصدر السابق نفسه. (5/225)
صفحة 2175
226
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
به على عباده من بهيمة الأنعام وهي قوله تعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُم مِّن شَعَيرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَ) [الحج: 36]، وقوله: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكَنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} [المائدة: 4]، وقوله رجل: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِ [الحج: 28]، وقوله: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِ} [الحج: 34].
قال الإمام المودودي: فهذا الاستعمال المتعاقب المتسلسل لاصطلاح التسمية في هذه الآيات دليل واضح على أن الذبح والتسمية كلمتان لا تدلان إلا على معنى بعينه في نظر القرآن فلا نكاد نتصور ذبيحة مشروعة بدون أن يذكر عليها اسم الله» (1).
وأما السنة فمنها حديث عدي بن حاتم له أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «أمرر الدم بما شئت، واذكر اسم الله عليه» (2)، ومن روايته أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل» (3)، وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ما علّمت من كلب أو باز ثم أرسلته وذكرت اسم الله عليه فكل» (4)، ومنها حديث أبي ثعلبة الخشني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «ما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل وما صدت بكلبك فذكرت اسم الله عليه فكل» (ه)،
،
(1) أبو الأعلى المودودي، ذبائح أهل الكتاب، ص 16. (2) رواه أبو داود في سننه في كتاب الأضاحي، باب في الذبيحة بالمروة، رقم الحديث (2824)، ورواه النسائي في كتاب الصيد والذبائح باب الصيد إذا أنتن رقم (4304). (3) تقدم تخريجه.
(4) رواه أبو داود في سننه في الصيد، باب في الصيد، رقم الحديث (2851). (5) رواه البخاري في كتاب الذبائح والصيد باب صيد القوس؛ ورواه مسلم في كتاب الصيد والذبائح، باب الصيد بالكلاب المعلمة. (5/226)
صفحة 2176
الذبائح
227
ومنها حديث رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا) (1)، إلى غير ذلك من الروايات.
ووجه الاستدلال بهذه الروايات أنها جميعاً تنوط إباحة الأكل بذكر اسم الله عند الذبح أو الصيد، وهذا يعني أن الإباحة معلقة على حصول هذا الشرط، وبانعدام الشرط ينعدم المشروط لا إباحة بدونه، قال الحافظ ابن حجر: «المعلق بالوصف ينتفي عند انتفائه عند من يقول بالمفهوم، والشرط أقوى من الوصف، ويتأكد القول بالوجوب بأن الأصل تحريم الميتة، وما أذن فيه منها تراعى صفته، فالمسمى عليها وافق الوصف وغير المسمى باق على أصل التحريم» (2).
وأجيب عن الاستدلال بالآيات بأن أقواها دلالة على الغرض هو قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، وهو محمول على المنع من أكل ما أهل به لغير الله أو الميتة، أما حمله على أن المراد به ما أهل به لغير الله فدليله قوله تعالى إثره: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ}، وجاء بيان الفسق في قوله: {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145]، واعترض بأن قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ، سيق مساق التأكيد لهذا الحكم والتغليظ على من خالفه، والضمير راجع فيه إلى الأكل المفهوم من قوله: {وَلَا تَأْكُلُوا»، مثله في ذلك مثل قوله: أعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8]، فإن ضمير الفصل فيه عائد إلى العدل المفهوم من قوله: {اعْدِلُوا) ولا اعتراض على هذا بما قاله بعضهم من أن الضمير عائد إلى عدم الذكر المفهوم من قوله لَمْ يُذكر لأن الكلام سيق من أجل النهي عن الأكل، ومخالفة النهي الإلهي فسق.
(1) سبق تخريجه.
(2) فتح الباري: 601/ 9. (5/227)
صفحة 2177
228
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
ورُدَّ عليه بأن ذلك لا يتم إلا مع جعل الواو عاطفة مع أن حملها على العطف هنا غير جائز لعدم اتحاد الجملتين المعطوفة والمعطوف عليها، فالمعطوفة خبرية والمعطوف عليها إنشائية، ولا يجوز عطف الخبر على الإنشاء ولا العكس، وإذا تعذر العطف فلا محمل للواو إلا على الحال، ومن شأن الحال أن تفيد تقييد الحكم الذي تليه وهذا يعني أن النهي مقيد بحال كون المنهي عن أكله فسقاً، وهو ما أهل به لغير الله كما تقدم، ورد: بأن حمل الواو هنا على أنها واو الحال يقتضي أن ما يعطف على الجملة التي دخلت عليها له أيضاً حكم الحال، فإن العطف يقتضي اشتراك الجمل المتعاطفة في أحكامها، وقد وليت هذه الجملة جملتان في قوله: {وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَا بِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمَشْرِكُونَ} [الأنعام: 121]، وأي مكان للحال في هاتين الجملتين؟ على أن الجملة الحالية لا تكون إلا عارية من التأكيد لاستغنلئها عنه، وماذا بعد التأكيد بـ «إِنَّ واللام» في قوله: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ؟ ولو أُريد بها الحال لكانت: وهو فسق (1).
وأما حمله على أنه في الميتة فمعوله على ما أخرجه أبو داود والطبري والبزار عن طريق ابن عباس ا، أن اليهود جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: نأكل مما قتلنا، ولا نأكل مما قتل الله؟ فنزلت ولا تأكلوا مما لم يُذكر اسم الله عليه» (2)، أن الآية إنما نزلت في تحريم الميتة، فلا يحمل على حكمها غيرها. وأما الأحاديث التي ناطت الأكل من الصيد وغيره بذكر اسم الله عليه فهي محمولة على الندب (3).
وهذا
يعني
(1) انظر في مجموع ما قيل هنا: الفخر الرازي، التفسير الكبير: 168/ 13، 169، وتفسير ابن كثير: 196/ 2؛ والألوسي، روح المعاني: 15/ 8، 16.
(2) رواه أبو داود كتاب الضحايا باب في ذبائح أهل الكتاب رقم (2819).
(3) النووي، شرح مسلم: 74/ 12. (5/228)
صفحة 2178
الذبائح
229
أمتي
الخطأ
يسمي
وأما القول الثاني ـ وهو قول من فرق بين حالتي العمد والنسيان ـ فإن أصحابه استندوا في تشددهم حالة العمد إلى ما استند إليه أصحاب القول الأول، واستدلوا على عذر الناسي بقوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ، ما مع علم من أنه لا يفسق غير العامد، كما استدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله وضع عن والنسيان وما استكرهوا عليه» (1)، وبما أخرجه البيهقي من طريق ابن عباس قال أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المسلم يكفيه اسمه إن نسي أن حين يذبح فليذكر اسم الله وليأكل» (2)، وبما رواه ابن عدي من طريق أبي هريرة ه قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي.؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اسم الله على كل مسلم» (3). وأما القول الثالث - وهو قول من أباح ما لم يذكر اسم الله عليه عمداً كان ذلك أو نسياناً ـ فقد استدل أصحابه بالقرآن والسنة؛ أما القرآن
فقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ
(1) رواه ابن ماجه في سننه في كتاب الطلاق باب طلاق المكره والناسي، رقم الحديث
(2045)
(2) رواه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الصيد والذبائح، باب من ترك التسمية وهو ممن تحل ذبيحته بطرق مختلفة، وفي ألفاظها بعض الاختلاف.
(3) رواه البيهقي في السنن الكبرى كتاب الصيد والذبائح باب من ترك التسمية رقم (18673) وابن عدي في الكامل رقم (1870) وانظر ابن كثير، تفسير القرآن العظيم: 170/ 2؛ وابن العربي، أحكام القرآن: 750/ 2؛ واولوسي، روح المعاني: 15/ 8؛ وأطفيش، تيسير التفسير: 438/ 3؛ وشرح النيل: 470/ 4؛ والباجي، المنتقى: 105/ 3؛ الكاساني، بدائع الصنائع: 2780/ 6؛ ابن مودود الموصلي، الاختيار لتعليل المختار: 10/ 5؛ ابن رشد، بداية المجتهد: 448/ 1 4449 أبو فارس أحكام الذبائح في الإسلام، ص 47؛ العبادي، الذبائح في الشريعة الإسلامية، ص 30. (5/229)
صفحة 2179
230
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
عَلَى النُّصُبِ} [المائدة: 3]، قال الدكتور أبو فارس: «وجه الاستدلال في هذه الآية أن الله ذكر المحرمات ولم يذكر فيها متروك التسمية)، وقوله سبحانه: {قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً} [الأنعام 145) ووجه استدلالهم به هو نفس ما ذكر من قبل (2)، وقوله عز من قائل: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌ لَّكُمْ} [المائدة: 5]، قال الدكتور أبو فارس: «وجه الاستدلال أن الله رجل أباح ذبائح أهل الكتاب، ولم يشترط التسمية منهم على ذبائحهم حتى تؤكل» (3).
وأما السنة فقد استدلوا منها بما أخرجه البخاري والدارقطني عن عائشة لها، قالت: إن قوماً قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن قوماً يأتوننا بلحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سموا أنتم عليه وكلوه»، قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر، ووجه استدلالهم ما قاله المهلب هذا الحديث أصل أن التسمية على الذبيحة لا تجب إذ لو كانت واجبة لاشترطت على كل حال، وقد أجمعوا على أن التسمية على الأكل ليست فرضاً، فلما نابت عن
في
التسمية على الذبح دل أنها سنة، لأن السنة لا تنوب عن الفرض (5).
وبما رواه أبو داود عن الصلت السدوسي مولى سويد بن ميمون ـ وهو أحد التابعين - قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله
(1) أبو فارس أحكام الذبائح في الإسلام، ص 49. (2) الكاساني: بدائع الصنائع: 2778/ 6؛ والعبادي، الذبائح في الشريعة الإسلامية، ص 31، 32. (3) أحكام الذبائح في الإسلام، ص 49. (4) رواه البخاري في كتاب الذبائح والصيد، باب ذبيحة الأعراب ونحوهم؛ ورواه الدارقطني في كتاب الأشربة وغيرها، باب الصيد والذبائح واوطعمة وغير ذلك، ورقم الحديث في
هذا الباب (99). (5) فتح الباري: 635/ 9. (5/230)
صفحة 2180
الذبائح
231
أو لم يذكر، إنه إن ذكر لم يذكر إلا اسم الله» (1). قال ابن كثير: هذا مرسل يعضد بما رواه الدارقطني عن ابن عباس أنه قال: «إذا ذبح المسلم فلم يذكر اسم الله فليأكل فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله (2).
وهذه الأدلة كلها لا تقاوم أدلة من خالفهم ولا تدانيها، فأما ما استدلوا به من آيتي المائدة والأنعام فهو استدلال أوهن من أن يرقى إلى مراتب الأدلة الشرعية وأضعف من أن يحتاج إلى رد فإن ذكر حكم من الأحكام أعيان يتعلق بها لا يكون بحال دليلاً على عدم تعلقه بغيرها حتى يرد به الدليل الدال على ذلك وإن كان نصاً فيه.
في
ولو كان الأمر كما قالوا لما كان وجه لتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها لعدم ذكره في الآيات التي تحدثت عن المحرمات من النساء في سورتهن، وخصوصاً مع ما وليها من قوله وقال: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24]، وهذا يعني إبطال مدلول حديث: «لا تنكح المرأة على عمتها (3)، مع أن الإجماع منعقد على الأخذ به، وكذلك يترتب عليه أن لا يحرم بالرضاع إلا الأمهات والأخوات فقط، لأنهن وحدهن المنصوص عليهن بالتحريم في سورة النساء، وهو أيضاً يقتضي إسقاط الاستدلال بالأحاديث الدالة على أن كل ما يحرم بالنسب يحرم بالرضاع؛ مع
6
انعقاد
(1) رواه أبو داود في المراسل كتاب الجهاد باب ما جاء في الضحايا والذبائح رقم (378). (2) تفسير ابن كثير: 169/ 2. (3) رواه مسلم في كتاب النكاح، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، من طريق أبي هريرة، بطرق عدة وألفاظ مختلفة؛ ورواه الإمام الربيع بن حبيب في مسنده الجامع الصحيح، في كتاب النكاح، باب (25) ما يجوز من النكاح وما لا يجوز، رقم الحديث (517)، بلفظ: «لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها»؛ ورواه كذلك البخاري بهذا اللفظ في كتاب النكاح، باب لا تنكح المرأة على عمتها. (5/231)
صفحة 2181
232
الفتاوى الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
الإجماع على الأخذ بها، ويستلزم أيضاً رد كل ما جاءت به الأحاديث من تحريم الحمر الأهلية، وتحريم ذوات الناب من السباع والمخالب من الطير لعدم ذكرها في آيتي المائدة والأنعام ونظائرهما.
بل يترتب عليه أيضاً عدم الأخذ بما في آية المائدة من الزيادة التي لم تذكر في آية الأنعام وهي تحريم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، ويؤدي إلى الاسترسال في نقض كثير من الأدلة، وإنكار الكثير من الأحكام، كالرجم لعدم ذكره في سورة النور، وحرمة قذف المحصنين كقذف المحصنات ووجوب الحد عليهم، لأن ما في تلك السورة اقتصر على ذلك المحصنات وحدهن.
هذا
مع
أن الأدلة التي عوّل عليها القائلون بحرمة ما لم يذكر اسم الله
عليه لا تحوم حولها ريبة ولا يدانيها لبس فهي آيات محكمات واضحات وأحاديث صحيحة صريحة، وقد أجاد الإمام المودودي عندما قال بعد ذكر طائفة منها: «إنه لا يبقى أي مجال للشك بعد هذه الأحكام الواضحة الصريحة الله ورسوله في أن التسمية شرط لا بد من تحققه لحل الذبيحة، وأن كل حيوان يموت أو يقتل بدون أن يذكر اسم الله عليه هو حرام لا يحل أكله، ويا ليت شعري أي نوع من النصوص يجب أن يتوفر لثبوت حكم من الشريعة إذا كان هو لا يثبت بمثل هذه الآيات الواضحة والأحاديث الصريحة» (1).
وأما قوله تعالى: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌّ لَكُم، فهو لم يتعرض للتسمية سلباً ولا إيجاب الصريحة الدالة على اشتراطها؟ ودعوى أن أهل الكتاب لا يذكرون اسم الله على الذبح فارغة من كل دليل، لأنهم وإن
(1) أبو الأعلى المودودي، ذبائح أهل الكتاب، ص 17. (5/232)
صفحة 2182
الذبائح
233
شابوا اعتقادهم بوجود الله بما تراكم عليه من الضلالات التي حجبت نوره عن بصائرهم إلا أنهم لا ينكرون أنه خالق الوجود وباعث الرسل ومنزل الكتاب، فذكره معهود في أديانهم وشرائعهم، وما أبيحت ذبائحهم دون ذبائح المشركين إلا من أجل ما بقي عندهم من تعاليم الكتب التي بين
أيديهم. قال الحافظ ابن كثير: «لا يلزم من إباحة طعام أهل الكتاب إباحة أكل ما لم يذكر اسم الله عليه، لأنهم يذكرون اسم الله على ذبائحهم وقرابينهم وهم متعبدون بذلك، ولهذا لم يبح ذبائح من عداهم من أهل الشرك ومن شابههم لأنهم لا يذكرون اسم الله على ذبائحهم» (1). وأما حديث عائشة، فقد أجيب عن استدلالهم به: بأن دلالته على منع ما لم يذكر اسم الله عليه أقوى وأوضح، فإن الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا اللحم لم يكن الباعث على سؤالهم إلا ما استقر في أذهانهم وتعورف عليه فيما بينهم من أن التذكية تتوقف على ذكر اسم الله، وبدونه لا يكون الحيوان مذكى حلالاً، وإنما كانت المبادرة إلى سؤالهم هذا بسبب ما اختلج في نفوسهم من الشك في حصول هذا الشرط من الأعراب الذين أسلموا من جديد، وقد أجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بما يقطع دابر الشك ويجتث جذور الوسوسة، ومفاد جوابه أن أعمال المسلمين ولو دخلوا في هذا الدين من عهد قريب محمولة على أنها وفق شريعته فلا داعي إلى الارتياب فيها والتوقف عن الاعتداد بها، وهو معنى أمره ل لهم أن يسموا ويأكلوا).
(1) تفسير القرآن العظيم: 19/ 2، 20.
(2) انظر عبد البر، الاستذكار 213/ 15؛ ابن حجر، الباري: 635/ 9؛ أبو الأعلى
المودودي، ذبائح أهل الكتاب، ص 19. (5/233)
صفحة 2183
234
الفتاوى
الذبائح - الأطعمة - التدخين
يمعن
قال الحافظ ابن حجر: «ويستفاد منه أنه ما يوجد في أسواق المسلمين محمول على الصحة وكذا ما ذبحه أعراب المسلمين لأن الغالب أنهم عرفوا التسمية)، وقال الإمام المودودي: «ومن الظاهر كذلك أن اللحم الذي يوجد في أسواق المسلمين في القرى والمدن أنى لكل واحد منا أن في التحقيق ويتبين عنه بكل دقة واستبصار أنه ذبح من الحيوان الحلال، وأنه قد روعي في ذبحه كل ما لتذكيته من الشروط، وأنه قد ذبحه رجل قديم العهد بالإسلام، وأن هذا الذابح كان عارفاً بقواعد الشريعة للذبح؟ ومتى كلفتنا الشريعة بمثل هذا التحقيق؟ (2).
وأما حديث الصلت السدوسي فلا حجة فيه لأنه مرسل ـ ولا يمكن أن يعتضد بما رواه الدارقطني عن ابن عباس ـ وإن قال به ابن كثير ـ لأنه أيضاً ليس بحجة فإنه موقوف عليه، والحجة إنما هي في المرفوع.
وأما القول الرابع ـ وهو أن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه مكروه ـ فيبدو أن من قاله حمل النهي في القرآن والسنة على الكراهة دون التحريم وهو بعيد، فإن الأصل في النهي أن يكون للتحريم ولا يحمل على غيره إلا بدليل، ولا دليل على ذلك بل الدليل على خلافه، كيف وقد اقترن في النص القرآني بوصف المنهي عنه أنه فسق؟
وقد سبق أن القول الخامس لا يعدو أن يكون الخلاف بينه وبين القول الثالث لفظياً، ويتبعه في الاستدلال والإيراد.
وأما القول السادس الذي ذهب إليه ابن العربي وتابعه عليه القرطبي - وهو الذي يفصل أحكام المسألة بحسب اختلاف صورها، فيذهب إلى الإباحة
(1) فتح الباري: 635/ 9.
(2) ذبائح أهل الكتاب، ص 20. (5/234)
صفحة 2184
العربي
القلب من
الذبائح
235
فيما إذا كان الترك من أجل اكتفاء الذابح باسم الله الذي يملأ جوانب قلبه وإن لم يفض ذكره على لسانه، أو من أجل أنه يرى التسمية لا تتناسب مع فعله لأنه ليس بقربة وهي أولى بها القرب، ويذهب إلى المنع إن كان الترك بباعث الاستخفاف باسم الله - فإنَّا نرى أن نعرض هذا القول على كلام ابن نفسه، فالصورة الأولى وهي ما إذا كان ترك التسمية من أجل ما في أسماء الله ـ قد تعرض لها ابن العربي نفسه عندما قال: (فإن قيل: المراد بذكر اسم الله بالقلب لأن الذكر يضاد النسيان، ومحل النسيان القلب فمحل الذكر القلب وقد روى البراء بن عازب وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: «اسم الله على قلب كل مسلم سمى أو لم يسم»، ولهذا تجزئه الذبيحة إن نسي التسمية تعويلاً على ما في قلبه من اسم الله سبحانه، قلنا: الذكر يكون باللسان ويكون بالقلب والذي كانت العرب تفعله تسمية الأصنام والنصب باللسان، فنسخ الله ذلك بذكر الله في الألسنة واستمر ذلك في الشريعة، حتى قيل لمالك: هل يسمي الله إذا توضأ؟ فقال: أيريد أن يذبح؟ إشارة إلى أن موضع التسمية وموضوعها إنما هو في الذبائح لا في الطهارة، وأما الحديث الذي تعلقوا به
ورم
في قوله: «اسم الله على قلب كل مؤمن فحديث ضعيف لا تلتفوا إليه). هذا نص كلامه وهو صريح في أن الذكر المطلوب الذي يتوقف عليه حل الأكل لا بد من أن يكون باللسان، ولا يكتفي بما في القلب وحده، وهذا هو الذي يتفق مع نسق التشريع وتقتضيه سنن التعبد، فإن الله تعالى يصف القرآن بقوله: {بَلْ هُوَ عَايَتُ بَيْنَتُ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [العنكبوت: 49]، وقد فرض على عباده أن يقرؤوه بألسنتهم في صلاتهم ولا يكتفي من أحد إن قال إن القرآن الكريم كله فى قرارة نفسى وملء ذاكرتي، فلا داعي أن أقرأ شيئاً منه في صلاتي. ولا تكون صلاته بذلك صحيحة بالإجماع. (1) أحكام القرآن: 750/ 2. (5/235)
صفحة 2185
236
الفتاوى
الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
أن
وأما الصورة الثانية التي أسقط فيها اشتراط الذكر لحل المذبوح وهي يقول الذابح: إن الذبح ليس قربة فلا داعي إلى ذكر اسم الله عليه، فنعرضها أيضاً على كلامه بنفسه فقد قال بعد ذكره لأدلة وجوب التسمية: «وهذه أدلة ظاهرة غالبة عالية وذلك من أظهر الأدلة وأعجب لرأس المحققين إمام الحرمين يقول في معارضته هذا وذكر الله إنما شرع في القُرب، والذبح ليس بقربة، قلنا: هذا فاسد من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يعارض القرآن والسنة كما قلنا.
الثاني: أن ذكر الله مشروع في كل حركة وسكنة حتى في خطبة النكاح، وإنما تختلف درجاته بالوجوب والاستحباب.
الثالث: أن الذبيحة قربة بدليل افتقارها إلى النية عندنا وعندك، وقد قال الله تعالى: {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ} [الحج: 37] (1).
ولئن كان مأخذ الذابح التارك لاسم الله هنا نظرة يعارضها القرآن والسنة - وهما أصلا التشريع ـ كما يفيده كلام ابن العربي بل ويعارضها الأصل الثالث وهو الإجماع، كما سبق نقله عن الإمامين النووي والحافظ ابن حجر، فما هو الأولى؟ هل هو ترك ما دلت عليه أصول الشريعة والأخذ بما أفرزته أوهام البشر، وإقرار أخطائهم المعارضة لما دلت عليه الدلائل القطعية؟ أو أن الأولى أن يقتفى نهج الشريعة المتمثل في المتاب والسنة والإجماع، وترد إليها أخطاء الناس فتحكم فيها؟ مع أن الله تعالى يقول: {فَإِن تَنَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ
بود
وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59].
(1) أحكام القرآن: 749/ 2، 750. (5/236)
صفحة 2186
الرأي المختار:
الذبائح
237
إن الذي استقر في ذهني - بعد استعراض هذه الأقوال وأدلتها وما يتوجه إلى كل منها من إيراد ودفع ـ أن من تجرد في هذه المسألة من جميع العوامل النفسية، وأسلس القياد للدليل وحده لا يرتاب في أن القول الأول هو أصح هذه الأوقال وأعدلها وأبينها حجة وأوضحها محجة، ولو لم يكن عليه من دليل إلا قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقُ لكفى، كيف والأدلة تكتنفه من كل جانب.
أما ما تشبث به معارضوه من أن الآية مقيدة بجملة حالية وهي قوله: وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ، فيجري حكمها في قيدها، ويحمل على ما أُهل به لغير الله، لأنه المنصوص عليه أنه فسق في العديد من الآيات؛ فهو تشبث بما لا طائل تحته، لأنه مبني على أن جملة وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) حال؛ وهو متعذر لأمرين: تأكيدها بإنَّ واللام)، والعطف عليها بما يتعذر حمله على الحال في قوله تعالى: {وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَا بِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لمشركون} [الأنعام: 121]، فإن كل ذي ذوق ليدرك أنه لا معنى لتقييد النهي بحال وحي الشياطين إلى أوليائهم بمجادلة المؤمنين في هذا الحكم، والعطف بين الجمل يفيد اشتراكها في حكمها، فإن كانت الجملة المعطوف
(1) راجع بعض طلبة العلم الباحث من حيث إن الجملة الحالية قد تقترن بالتأكيد بإن واللام كما في قوله تعالى: كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ} فَإِنه لا يرتاب في أن قوله: {وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ} حال، فأجابهم: بأن ذلك إنما في الحال الذي يقيد جملة خبرية كما في آية، الأنفال، لأن التأكيد في مثل هذا يفيد تأكيد الخبر نفسه، وذلك بخلاف ما نحن بصدده كما في آية الأنعام، لأن قوله تعالى: وَلَا تَأْكُلُوا إنشاء فلا يحتاج الحال بعده إلى تأكيد إذ لا أثر لتأكيده على تأكيد الإنشاء
هو
(سماحة المفتي). (5/237)
صفحة 2187
238
الفتاوى
الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
عليها حالاً فلا بد أن تكون المعطوفة مثلها وتفيد ما تفيده من التقييد، على أن ما ذكروه أمر لا يلتفت إليه الذهن بنفسه عند تلاوة هذه الآية ـ كما يقول
:-
العطف
بين
الإمام المودودي -: «إلا إن وطد الإنسان نفسه مقدماً على استحلال ذبيحة لم يذكر عليها اسم الله، فإنه عندئذٍ يتكلف خلع هذا المعنى على الآية). ولم يكن منشأ هذا التأويل البعيد إلا ما فهموه من منع جملتين لم تتفقا في الخبرية والإنشائية، وهو أساس متداع فإنه ـ وإن قال جماعة من النحويين بالمنع من هذا العطف - منقوض بالشواهد الكثيرة التي تفيد الجواز، وإن تأول المانعون بعضها فإن غالبها يستعصي على التأويل، منها قوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ} [البقرة: 125]، فإن اتَّخَذُوا * إنشاء معطوف على جَعَلْنَا، وهو خبر وعطف عليه خبر آخر وهو عَهِدْنَا»، ومنه قوله تعالى: {وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدُ مُؤْمِنُ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ) [البقرة: 221]، وهو كما يظهر للجميع تضمن إنشاءين وخبرين، فقد عطفت جملة «ولأمة مؤمنة خير من مشركة وهي خبر على جملة «ولا تنكحوا المشركات وهي إنشاء، ثم عطف عليها جملة ولا تنكحوا المشركين» وهي إنشاء، ثم جملة ولعبد مؤمن خيرٌ من مشرك» وهي خبر؛ ومثله قوله تعالى: وَلَا نَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَدَةً أَبَدًا وَأَوْلَيْكَ هُمُ الْفَسِقُونَ) [النور: 4]، فإن اختلاف ذلك الجملتين في واضح، وكذلك قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ} [البقرة: 282]، وبهذا الذي قلناه قال جماعة من محققي النحويين، فقد ذكر الحافظ ابن حجر بأن سيبويه ومن تبعه من المحققين يجيزون ذلك
(1) ذبائح أهل الكتاب، ص 22. (5/238)
صفحة 2188
الذبائح
239
ولهم شواهد كثيرة)، ونسب الإمام محمد الطاهر ابن عاشور القول بالجواز إلى المحققين (2)، وممن قال به الإمام المفسر النحوي أبو حيان (3). وحمل عليه عطف قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَتِ) [البقرة: 25] على قوله: {أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ} [البقرة: 24]، واستشهد له بقول امراء
القيس:
وإن شفائي عبرة إن سفحتها وهل عند رسم دارس من معوّل
وقول الشاعر: تناغي غزالاً عند باب ابن عامر وكحل مآقيك الحسان بإثمد وعزا ابن هشام في «المغني» (4) والسيوطي في «الهمع» (5) إجازته إلى
الصفار تلميذ ابن عصفور وجماعة، وأن الصفار استدل له بقول الشاعر: وقائلة خولان فانكح فتاتهم وأكرومة الحيين خلو كما هيا وأما دعوى أن الآية في الميتة تعويلاً على حديث ابن عباس فهي مبنية على الأحذ بخصوص السبب وإلغاء ما يدل عليه عموم اللفظ من شمول الحكم لما هو خارج سببه، وذلك مخالف لما استقر عليه جمهور الأصوليين والفقهاء من أنه لا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ، وفي هذا ما يكفي لإسقاط هذه الدعوى فضلاً عن كون الرواية نفسها غير صحيحة،
وذلك من وجوه:
(1) فتح الباري: 624/ 9.
(2) التحرير والتنوير: 41/ 8.
(3) البحر المحيط: 111/ 1.
(4) ابن هشام، مغني اللبيب: 488/ 2.
(5) السيوطي، همع الهوامع شرح جمع الجوامع: 140/ 2. (5/239)
صفحة 2189
240
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
أحدها: أن اليهود لا تستحل الميتة حتى تجادل فيها.
الثاني: أن الآية في سورة الأنعام وهي مكية، والمجادلة بين المسلمين واليهود إنما كانت بالمدينة بعد الهجرة.
الثالث: أن روايات أخرى دلت على أن الذين جادلوا من غير اليهود، فقد أخرج الطبراني من طريق عكرمة عن ابن عباس، قال: لما نزلت وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121]، أرسلت فارس إلى قريش أن خاصموا محمداً وقولوا له فما تذبح أنت بيدك فهو حلال وما
(1)
ذبح الله حل بشمشير (1) من ذهب فهو حرام؟ فنزلت الآية: {وَإِنَّ الشَّيَطِين لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآبِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمَشْرِكُونَ) (2) وهذه الرواية تدل على أن ما نزل بسبب المجادلة هو آخر الآية، وأن أولها المفيد للمنع نزل قبلها على أن هذه القصة نفسها بعيدة أيضاً، فإن القرآن الكريم إبان نزوله بمكة المكرمة لم يكن صيته يصل إلى بلاد فارس حتى يزعجهم فيكتبوا إلى قريش بهذه المجادلة. وروى الترمذي بلفظ «أتى أناس» (3) ولم يذكر أنهم من اليهود، وكذلك رواه ابن جرير من طرق عن ابن عباس من غير ذكر لليهود،
وما من شك في أنه مع مثل هذا الاضطراب تكون الرواية واهية الحجة. وأما ما عول عليه أصحاب القول الثاني - وهم الذين فرقوا بين حالتي العمد والنسيان ـ في إسقاط حكم المنع عما إذا كان ترك الذكر نسياناً من الاستدلال بحديث رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» وبأن الناسي لا يفسق حتى يقال «وإنه لفسق» فمدفوع بأن الآية ما جاءت بصيغة النهي عن الذبح
(1) أسم سيف في بلاد فارس.
(2) رواه الطبراني في المعجم الكبير رقم (11614).
(3) رواه الترمذي في كتاب تفسير القرآن باب ومن سورة الأنعام رقم (3069). (5/240)
صفحة 2190
الذبائح
241
اسم
بدون ذكر اسم الله، بل جاءت بصيغة النهي عن الأكل مما لم يذكر عليه الله، فإن استيقن أحد أن لحماً ما ذبح ولم يذكر عليه اسم الله عمداً أو نسياناً فأقدم على أكله فإنما يقدم على مخالفة نهي عن عمد فيصدق عليه أنه مرتكب لمنهي عنه؛ نعم لو وجد هذا اللحم بيد من تجوز ذبيحته شرعاً ولم يكن يعلم أن ذابحه لم يذكر اسم الله عليه فلن يكون عليه أكله استصحاباً لأصل الحِلِّ فيه، ولا يصدق عليه في هذه الحالة أنه
حرج إن
مرتكب
عنه. لمنهي ومن أمعن نظره في هذه الآيات وغيرها وفي الأحاديث الصحيحة التي ذكرنا جانباً منها لم يخف عليه أن ذكر اسم الله شرط لصحة الذكاة التي يترتب عليها حل اللحم، والشرط لا يسقطه النسيان لأنه يلزم من عدمه العدم، فهو من خطاب الوضع الذي لا يلتفت فيه إلى عمد أو خطأ أو ذكر أو نسيان، أرأيتم الصلاة وشروطها كالطهارة؟ فإنه لو نسي أحد شيئاً منها وصلى لم تكن صلاته صحيحة، اللهم إلا أن استمر على نسيانه فإن الناسي معذور، لكنه لو قام إلى صلاته وهو متلبس بحدث أصغر أو أكبر فتذكر قبل دخوله فيها لم يكن له أن يدخل وهو بتلك الحالة، أو بعد الدخول لم يكن له أن يستمر على صلاته، فإن خالف كان مؤاخذاً بعمده
لأنه
مضيع
لفرضه.
وليس اشتراط التسمية عند التذكية إلا لحكمة بالغة يجب أن لا تعزب عن المسلم فإن الحيوان المذكى كائن ذو روح يحب الحياة والراحة ويكره الموت والألم بطبعه والإقدام على ذبحه إزهاق لروحه وتنغيص لراحته وتفويت لحياته وما له فيها من متع، فلو لم يأذن به الله خالقه ومالكه لكان عدواناً وأي عدوان إلا أن الله سبحانه الذي له الخلق والأمر، والذي جعل الإنسان خليفة في الأرض وسخر له ما سخر من منافعها ومنافع ما فيها أباح (5/241)
صفحة 2191
242
الفتاوى الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
له هذا التصرف فأصبح أمراً مشروعاً عندما يأتيه الإنسان من بابه ويقدم عليه بإذن من ربه، وليس هذا الذكر المشروع إلا إعلاناً منه بأنه ما كان صنيعه هذا اتباعاً لهواه وعدواناً على ما خلق الله سبحانه وإنما هو استجابة لداعي الله تعالى الذي يحثه على الانتفاع بالطيبات ويمنعه من تحريمها على نفسه، فالذكر إذاً هو الذي يضفي على عمله هذا صفة الشرعية ويصبغه بصيغة التعبد وينأى به عن تبعات الظلم والتعدي ويرفعه إلى درجات القربات، وحسبكم أن الذبح قرنه النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة والقبلة عندما قال: «من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو «مسلم» (1)، فلا غرو مع ذلك كله أن أغلظ القرآن حكم ترك التسمية على هذا الأمر التعبدي فزجر عن أكل ما لم يُذكر اسم الله عليه إلى حد إعلان أنه فسق، لأنه بلا ريب خروج عن طاعة من له الطاعة، والفسق أصلاً هو الخروج.
أما استدلال الذين فرقوا بين حكم العمد والنسيان بحديث ابن عباس: «المسلم يكفيه اسمه إن نسي أن يسمي الله حين يذبح، فليذكر اسم الله وليأكله فجوابه ما قاله الحافظ ابن كثير: من أن رفع هذا الحديث خطأ أخطأ فيه مغفل بن عبيد الله الجزري، فقد أخرجه سعيد بن منصور من رواية عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن عكرمة عن ابن عباس من قوله (2)، ولئن ثبت أنه من قول ابن عباس فهو موقوف، والحجة إنما هي في المرفوع دونه، وأما حمل النهي في الآية الكريمة على الكراهة فهو كحمل أحاديث اشتراط التسمية لجواز الأكل على الاستحباب والندب، كل منهما مخالف للأصل بلا دليل، فإن الأصل في النهي التحريم، وفي الأمر الوجوب، إلا مع
(1) رواه البخاري في كتاب الصلاة، باب فضل استقبال القبلة رقم (384).
(2) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم: 73/ 2. (5/242)
صفحة 2192
الذبائح
243
قيام دلالة مقبولة شرعاً على صرفهما عن أصلهما، والأدلة هنا كلها شاهدة على بقاء الأصل كما هو فلا مفر من الأخذ به.
هذا وقد ذكر الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي أنه ذهب بعض العلماء إلى أن ذكر اسم الله لا بد منه ولكنه ليس من اللازم أن يكون ذلك عند الذبح بل يجزى عنه أن يذكره عند الأكل، فإنه إذا سمى عند الأكل على ما يأكله
لم يكن آكلاً ما لم يذكر اسم الله عليه (1)، وذكر استدلال أصحاب هذا القول بحديث عائشة، أن الناس سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللحم الذي يأتيهم ولا يدرون أذكر اسم الله عليه أم لا؛ فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يُسمّوا الله هم ويأكلوا. وقد سبق بيان المحمل الصحيح لهذا الحديث فلا داعي إلى إعادة القول فيه، ولم يبين الشيخ القرضاوي أحداً من هؤلاء العلماء الذين ذهبوا هذا المذهب. وقد كان استقر في نفسي منذ عقود من السنين أن هذا هو رأي الإمام ابن عبد البر، وذلك بسبب قراءتي لما نقله عنه الإمام القرطبي في تفسيره، إلا أني بعد اطلاعي على نص ما قاله ابن عبد البر في الاستذكار والمقارنة بينه وبين ما نقله عنه القرطبي اتضح لي أن القرطبي لم ينقل عبارته كاملة وإنما اقتضبها، فلذلك يتوهم من اطلع على النقل أن ابن عبد البر يرى حمل مشروعية التسمية في الآية على حالة الأكل دون الذبح مع ابن عبد البر صريحة بخلاف ذلك، ومما جاء في كلامه: «إنما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ليعلمهم أن المسلم لا يُظن به ترك التسمية على ذبيحته، ولا يُظن به إلا الخير، وأمره محمول على ذلك ما خفي أمره حتى يستبين فيه غيره» (2)، وهذا هو الذي نقله أيضاً الحافظ ابن حجر عنه في الفتح 3
(1) الحلال والحرام في الإسلام،
(2) الاستذكار: 214/ 15.
(3) فتح الباري: 636/ 9.
ص
053
أن عبارة (5/243)
صفحة 2193
244
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
وقد اتضح من هذا التأويل الصحيح للحديث أن التسمية المطلوبة فيه الأمل غير التسمية المطلوبة عند التذكية بقوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} ونحوه، وهو مما يتبادر للذهن من أول لحظة، فإنه من المعلوم أن قوله: {لَا تَأْكُلُوا) نهي، والنهي حكمه مستقبلي إذ لا} الناهية تخلص المضارع للاستقبال، وقوله: {لَمْ يُذكر نفي للذكر فيما مضى فإن المضارع تنصرف دلالته إلى الماضي عندما تدخل عليه «لم» الجازمة، ومثله قوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» فإنه أمر بالأكل ودلالة الأمر مستقبلية، وقوله: {ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ} دالّ على أن الذكر واقع بالمأمور بأكله قبل حالة الأكل، ولا حالة أنسب بذلك من حالة التذكية، وقد نص عليها القرآن في قوله وقال: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَ، ونصت عليها الأحاديث التي
ناطت إباحة الأكل بوقوع التسمية عند الذبح والصيد. (5/244)
صفحة 2194
الذبائح
245
تكملة في الفرق بين التذكية الشرعية
والطرق الحديثة في إزهاق الروح
إن المقارنة بين هذه التذكية المشروعة وبين ما يجري في بلاد الغرب أو الشرق من إزهاق روح الحيوان بالطرق القديمة أو الحديثة متعذرة لبعد ما بينهما، فإن الحق والباطل لا يلزان في قرن، وشتان بين ما كان تعبداً ربانياً وما كان عادة بشرية مستمدة من إيحاءات نفوس شيطانية وأفكار مأفونة (1) وفطر منحرفة عن سواء السبيل، على أن تلك الطرق التي يتبعونها ذلك لا تزال امتداداً للتقاليد الوثنية التي كانت متبعة في عهود الرومان قبل اعتناق الإمبراطور قسطنطين للنصرانية (2).
في
ولئن كانت تطورت شكلياً بتطور وسائلها الحديثة فإن آثارها واحدة، فقد كانوا يستخدمون البلطة والمطرقة والمرزبة لتهشيم رأس الحيوان قبل ذبحه، وكثيراً ما يؤدي به ذلك إلى الموت من غير ذبح، كما كانوا يستخدمون المنفاخ الآلي بعد خرق حائط صدر الحيوان بين الضلعين الرابع والخامس إلى أن يختنق الحيوان بضغط الهواء على الرئتين؛ ولم يتركوا هذه الطرق إلا إلى مثيلاتها كاستعمال مسدس الطلقة المسترجعة وذلك بتوجيه طلقة إلى جمجمة الحيوان ونسيج مخه من أجل تدويخه، وهو مما قد يؤدي إلى موت الحيوان قبل الذبح، وقد لا يصلون بذلك إلى غرضهم من إفقاد الحيوان إحساسه فيستعينون بإدخال سلك فولاذي عدة مرات في الثقب الذي أحدثه المسدس في الجمجمة؛ أو استخدام التدويخ الكهربائي الذي شاع في دول
(1) أي ضعيفة، والمأفون هو ضعيف العقل والرأي كتاب لسان العرب: مادة أفن). (2) العبادي، الذبائح في الشريعة الإسلامية، ص 64؛ محمد بن عبد الغفار الشريف، الأطعمة المستوردة، ص 64. (5/245)
صفحة 2195
246
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
متعددة ونص عليه القانون البريطاني في عام 1958 م، أو التخدير بثاني أكسيد الكربون، وهي طريقة تعود أولى تجاربها إلى عام 1904 م، إلا أن إدخالها في م، في أحد مصانع اللحوم المحلية
عالم صناعة اللحوم تمت في عام
1950
بأمريكا، ثم انتقلت إلى الدانمارك، ثم شملت معظم الدول الأوروبية. وهذه الطرق كلها بعيدة عن الذكاة الشرعية وما فيها من خصائص الرحمة والرفق والشعور بالمسؤولية أمام الله، ولا حاجة بنا في هذه العجالة إلى بحث ما في استخدام الطرق القديمة من مضار وإنما يكفينا أن نلم إلمامة خاطفة بالطرق المستحدثة.
فأولاها: وهي طريقة استخدام مسدس الطلقة المسترجعة، فتنتج عنها حالة باللحم تسمى بالتبقع الدموي، وهي نقط نزيفية أوبقع أو خطوط في أجزاء مختلفة من أعضاء الذبيحة.
أما الطريقة الثانية: وهي التدويخ الكهربائي، فإن عدم الدقة والإتقان في استخدامها يؤدي إلى نتيجة سلبية حتماً، فعندما ينخفض التيار يَشُلُ الحيوان شلَلاً تاماً مع بقاء وعيه، وتسمى هذه بالصدمة الضائعة، وعندما يزداد ـ التيار - يصاب الحيوان بالسكتة القلبية القاتلة وقد عُدل عن استخدام هذه الطريقة في الطيور والدواجن منذ عام 1970 م بإمرارها في حمام مائي مكهرب ليجتمع لها الغرق والصعق؛ على أن التدويخ الكهربائي في جميع أحواله يؤدي إلى إسراع التعفن في اللحم. قال الدكتور عبد الله عبد الرحيم العبادي: إن دارسي علم وظائف الأعضاء «الفسيولوجي» يقدرون أن الذبح يحدث صدمة نزيفية بها يجتذب كل الدم السائل إلى دورة الدم ويهرب من خلال العروق المقطوعة، بينما يحدث العكس عندما تدوخ الحيوانات أولاً، فالتدويخ بالإضافة إلى كونه مؤلماً فهو (5/246)
صفحة 2196
الذبائح
247
طريقة أقل كفاية من النزيف (الإدماء)، ففي التدويخ لا يمكن إدماء الحيوان إذا لم يوضع تحت التحكم، وفي ذلك الحين يمكن أن يكون الحيوان ميتاً (توقف قلبه بسبب الصدمة ولا يكون جدوى من نزيف حينئذ؛ والتدويخ قد يكون أكثر رفقاً من طرق القتل الجماعي التي وجدت في الماضي في الغرب لكنه ليس أكثر رفقاً من الذبح، ففي الذبح ينتج نزيف شديد مع أول قطع، وفائدته أن الحيوان ينزف منذ أول قطع حتى يتوقف قلبه، وبالتدويخ يطول وقت النزيف وأحياناً عدم وجود وقت للنزيف، فإن التدويخ قبل النزيف له أن يُحدث صدمة عصبية، وهي حالة يغادر فيها الدم الدورة). وقال أيضاً: والحقيقة التي لا يمكن إنكارها والتي نخرج بها من تاريخ أنه بعد أكثر من نصف قرن من التجارب لا يوجد
هو
المدوّخات الآلية هي
مدوّخ واحد استخدامه مأمون (2).
وأما الطريقة الثالثة: وهي التخدير بثاني أكسيد الكربون، فمن أشهر عيوبها أنها تؤدي إلى سرعة فساد اللحم، كما قد تؤدي إلى اختناق الحيوان وموته لعدم التحكم في كمية الغاز.
هذا ومن المعلوم أن الذبح بالآلات الكهربائية يفتقد فيه عنصر التعبّد اللازم في الذكاة الشرعية؛ لأنه يؤدي إلى حصد ما لا يحصر من الحيوانات بطريقة آلية من غير أن يكون لأحد توجّه بالقصد إلى تذكية شيء منها بعينه،
وقد عرفنا مما تقدم أن الذكاة الشرعية تتوقف على النية.
هذا ويتميز الذبح في الإسلام بالعديد من المزايا:
1 - أنه طريقة لإدماء الحيوان، فهو أقل ألماً وأشبه بإدماء المتبرع بالدم:
(1) الذبائح في الشريعة الإسلامية، ص 66.
(2) المرجع السابق، ص 69. (5/247)
صفحة 2197
248
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
بعكس غيره فإن الحيوان يدمى حتى الموت.
2
- أنه يؤدي إلى سرعة موت الحيوان ويعجل بإخراج روحه نتيجة النزيف الشديد الناتج عن فري الأوداج.
3 ـ أنه أشبه بالتخدير أي حالة إفقاد الشعور بالألم، بخلاف التدويخ - إفقاد الوعي بضربة أو صدمة ـ وهو الشكل البدائي الذي تخلّى عنه الإنسان
منذ سنين.
4 ـ أنه طريقة صحية إنسانية تمدنا بلحم خالٍ من الدم؛ فهو صحي
ولذيذ (1).
64
(1) يُراجع في هذا بتوسّع ما كتبه د. العبادي في كتابه «الذبائح في الشريعة الإسلامية» ص 70؛ وما كتبه موثقاً بالصور الأستاذ محمد بن عبد الغفار الشريف في رسالته (الأطعمة المستوردة طبيعتها - حكمها - حل مشكلاتها)، ص 64 - 67. (5/248)
صفحة 2198
الذبائح
249
المحور الثاني
حكم ما جهل إسلام ذابحه مما حلّ أكل لحمه
لا يخلو المجتمع الذي تُجهل فيه هوية ذابح اللحم، إما أن يكون مجتمعاً إسلامياً أو كتابياً أو يكون مجتمعاً آخر كالمجتمعات الإلحادية والوثنية، فإن كان من النوع الأخير فالتحريم فيه ظاهر؛ لأنه مجتمع ليس له دين تُستباح به ذبيحته، وإن وجد في أوساطه مسلم أو كتابي فهو كالشاذ الذي لا يُعتد به ما لم يُتيقّن أنه هو الذي تولى التذكية.
وإن كان مجتمعاً إسلامياً فإن الأصل فيما يوجد بينه الحلّ ما لم يُشتبه
في حرمته، والأصل في ذلك ما أخرجه البخاري من حديث عائشة تعالى
أن قوماً قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن قوماً يأتوننا بلحم لا ندري أذكر اسم الله عليه
أنه
لا؟ فقال: «سمّوا وكلوا»، وقد سبق نقل ما قاله الحافظ ابن حجر يستفاد منه أن كل ما يوجد في أسواق المسلمين محمول على الصحة (1)، وإليه يومي كلام الحافظ ابن عبد البر، وقد تقدم ونص عليه كثيرون ومنهم الإمام المودودي الذي سبق نقل كلامه.
:
ومثله حكم المجتمع الكتابي المحافظ الذي لم ينغمس في الإباحية والإلحاد، كما يدل عليه حديث عبد الله بن مغفل له، عند الشيخين قال: دلي جراب من شحم من قصر خيبر فدنوت لأخذه، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم إليّ، فإنه بالقطع لم يكن معلوماً عين من ذبحه، ولكن بما أنه بين اليهود الكتابيين عُدَّ في حكم ما ذبحه أهل الكتاب، وفي هذا تيسير للناس إذ الحكم إنما هو للأكثر الغالب؛ ولكن الإمام النووي نص على خلافه،
(1) فتح الباري: 635/ 9. (5/249)
صفحة 2199
250
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
حيث قال: «لو وجدنا شاة مذبوحة ولم ندر من ذبحها، فإن كان في بلد فيه من لا تحل ذكاته كالمجوس، لم تحل سواء تمحضوا أو كانوا مختلطين بالمسلمين؛ للشك في الذماة المبيحة والأصل التحريم، وإن لم يكن فيه
أحد منهم
حلت (1).
ويستفاد منه أن وجود واحد من هذا الصنف في مجتمع أغلبه مسلمون
أو كتابيون كافٍ في تحريم ما لم يُعرف ذابحه، ولا يخفى ما فيه من التشديد، وهو يؤدي إلى حرج عظيم، وإن كان مبنياً على الأصل وهو حرمة اللحوم ما لم تثبت تذكيتها إلا أن هذا الأصل مدفوع بأصل آخر، وهو أن ما وجد في بلاد الإسلام محمول على موافقة الشريعة الإسلامية. على أن الأخذ بما ذهب إليه النووي يؤدي إلى تحريم أن يتزوج أحد في بلد له فيها محارم مجهولة بالنسب أو الصهر أو الرضاع، ما لم يتيقن أن التي تزوجها ليست من محارمه فإن الأبضاع الأصل فيها الحرمة ما لم يثبت حِلّها؛ إلا أننا نجد من العلماء من نص على أن جهل النسب لا يؤدي إلى حرمة الزواج ما لم يتبين موجبها (2)، وهو الأيسر والأرفق بالناس.
(1) المجموع: 80/ 9؛ ويقرب منه ما في حاشية الرهوني على شرح الزرقاني لمختصر خليل: 9/ 3، 10، ط دار الفكر، إلا أنه حمل ذلك على الورع.
(2) السالمي، مشارق الأنوار، ص 120 - 121. (5/250)
صفحة 2200
حكم اللحوم المستوردة
المحور الثالث
الذبائح
251
لا يخلو اللحم المستورد إما أن يستورد من بلاد الإسلام أو غيرها، فإن كان استيراده من بلاد الإسلام، فلا شبهة في حِلّه لأن الأصل فيما كان عند المسلم الحل، وأعمالهم محمولة على موافقة الشريعة إلا إن ثبت خلافها، وهذا هو عين ما دلّ عليه حديث عائشة و السالف الذكر في ذبائح الأعراب، وإن كان استيراده من غير بلاد الإسلام فإن كان من بلاد غير كتابية كبلدان الهندوس والملاحدة وسائر الوثنيين؛ فلا خلاف في أن حكمه الحرمة، لأنه معدود في ذبائحهم المحرمة فهو ميتة قطعاً، وإن كان من بلاد كتابية وعرف أن الذبح من قبل أهل الكتاب أنفسهم مع محافظتهم على طرق الذكاة الشرعية، وكان من لحوم البهائم المحلّلة فهو أيضاً حلال، لأنه داخل في طعام أهل الكتاب الذي أحلّه الله لنا.
أما إن كان القطر الذي استورد منه اللحم يرفع شعار الانتساب إلى أهل الكتاب من أجل مصلحة سياسية، أو أغراض دنيوية مع انغماسه في الإباحية والإلحاد بسبب تلاشي العقيدة الدينية في نفوس أبنائه، كما هو الشأن في بلاد الغرب اليوم؛ فالواجب تمحيص مسألة اللحوم المستوردة منه والوقوف عندها طويلاً من أجل استظهار الحق، ويزيد ذلك تأكيداً ما عرف عنهم من أنهم يتبعون في الذبائح طرقاً غير مشروعة في الدين، بل هي أقرب إلى أن تكون قتلاً للحيوان.
وإذا جئنا إلى ما قاله العلماء المعاصرون نجدهم في ذلك مختلفين إلى
ثلاثة اتجاهات (5/251)
صفحة 2201
252
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
الاتجاه الأول: اتجاه من أباح أكل أكل هذه اللحوم على علّاتها نظراً إلى ما يوجد في تلك الأقطار التي تستورد منها من الكنائس التي هي رمز التدين عندهم وما فيها من الرهبان والقسيسين طبقات رجال الدين الذين ترجع إليهم قضايا الدين في تلك الشعوب، مع الاستناد إلى عموم قول الله تعالى: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌ لَكُمْ)، وممن نحا هذا المنحى الإمام محمد عبده في الفتوى الترنسفالية التي أحدثت ضجة كبرى في مصر وغيرها، وتابعه على ذلك تلميذه العلامة السيد محمد رشيد رضا في تفسير المنار وفي فتاواه، ووافقهما جماعة من أهل العلم منهم: العلّامة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود، والشيخ الإمام إبراهيم بن عمر بيوض في بعض فتاواه، والشيخ العلامة عبد الرحمن بن عمر بكلي (1)، وبه كان يفتي شيخنا إبراهيم بن سعيد العبري، وبه أخذ الدكتور يوسف القرضاوي (2).
(2)
واستأنس جماعة من هؤلاء بقول ابن العربي: «ولقد سألت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها هل يؤكل معه أو تؤخذ طعاماً منه؟ فقلت: تؤكل؛ لأنها طعامه وطعام أحباره، وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا، ولكن الله تعالى أباح طعامهم مطلقاً، وكل ما يرونه في دينهم فإنه حلال لنا في ديننا إلا ما كذبهم الله سبحانه فيه، ولقد قال علماؤنا إنهم يعطوننا أولادهم ونساءهم
78/ 1
(1) انظر تفسير المنار: 199/ 6 - 912، وفتاوى الإمام الشيخ بيوض، ص 567 - 569؛ وفتاوى البكري: - 89، 108، 109؛ وفصل الخطاب في إباحة ذبائح أهل الكتاب للشيخ عبد الله بن زيد آل محمود، ص 8 9، وما بعد ذلك إلى صفحة 29؛ ورسالة الأطعمة المستوردة طبيعتها - حكمها - حل مشكلاتها للأستاذ محمد بن عبد الغفار الشريف،
ص
098
(2) الحلال والحرام في الإسلام، ص 54 ـ 58. (5/252)
صفحة 2202
الذبائح
253
ملكاً
في الصلح، فيحلّ لنا وطؤهن، فكيف لا تحل ذبائحهم، والأكل دون الوطى في الحل والحرمة).
الاتجاه الثاني: اتجاه من أباحها مع مراعاة الضوابط الشرعية التي تحل بها الذبيحة، منها أن يكون الذابح يهودياً أو نصرانياً وأن يكون ذبحه إيَّاها في رقبتها أو نحراً في لبتها حال كونها حية، وأن يذكر اسم الله عليها على رأي من يشترط ذلك في صحة الذكاة، وأن لا يذكر عليها غير اسمه تعالى، وأن لا تكون موقوذة بإطلاق مسدس عليها أو تسليط تيار كهربائي إلى أن تموت، وهو الذي نصت عليه الفتوى رقم (1216) الصادرة عن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في الرياض بالمملكة العربية السعودية بتاريخ 1396/ 03/20 هـ، ومثله جاء في الفتوى رقم 82/ 56 الصادرة عن لجنة الفتوى في وزارة الأوقاف الكويتية بتاريخ 17 جمادى الآخرة 1402 هـ، وهو قول جماعة من العلماء (2).
الاتجاه الثالث: اتجاه
من تشدد في
هذه
اللحوم وعدها في حكم الميتة المحرّمة بالنص، وأفتى بحرمة الاتجار فيها كحرمة، أكلها، وهو قول طائفة كبيرة من أهل العلم منهم الإمام المودودي (3)، والعلامة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد)، وعزي إلى كل من الشيخ محمد الخضر حسين الذي كان شيخاً للأزهر، والشيخ عبد العزيز الناصر الرشيد، والدكتور عبد الله عزام، والشيخ
(1) أحكام القرآن: 556/ 2؛ وانظر تفسير المنار: 203/ 6، 204؛ وفصل الخطاب في إباحة ذبائح أهل الكتاب ص 9؛ والحلال والحرام في الإسلام، ص 56. (2) انظر في ذلك الأطعمة المستوردة - طبيعتها - حكمها - حل مشكلاتها، للأستاذ محمد بن
عبد الغفار الشريف، ص 79، 80.
(3) تراجع في ذلك رسالته القيمة (ذبائح أهل الكتاب). (4) حكم اللحوم المستوردة وذبائح أهل الكتاب وغيرهم،
ص
53 (5/253)
صفحة 2203
254
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
صالح علي العود والشيخ عبد الله علي الغضية والشيخ عبد اللطيف مشتهري، والدكتور محمد حميد الله، والدكتور عمر الأشقر، والدكتور محمد بن عبد الكريم، وهو الذي اعتمده المجلس الأعلى العالمي للمساجد في مكة المكرمة في دورته الرابعة)، وهو الذي جزم به شيخنا العلامة أبو إسحاق أطفيش في تعليقه على جوهر النظام (2)؛ وقد استند هؤلاء إلى أمور:
1 ـ أن معظم شعوب هذه الدول قد تخلّت في العصر الحديث عن الدين ولم يبق له عندهم أي سلطان على حياة الناس العقدية والعملية، وإنما بقيت المحافظة على الكنائس في تلك الدول مظهراً لا أثر له في الفكر ولا في السلوك، ولم تعد الكنائس قادرة على مواجهة التيار الإلحادي الهادر، الذي يأتي على كل أثر من آثار التدين، وقد يكون استبقاء هذه الكنائس لأغراض سياسية، فإنها من وسائل نفوذهم في الشعوب التي يسعون إلى غزوها بأفكارهم وتخديرها بمكرهم.
وعلم
وهذا هو الذي سجله الكتاب الأوروبيون بأقلامهم؛ ودونكم شهادة شاهد من أنفسهم، يقول الأستاذ (جود) ـ الذي كان رئيس قسم الفلسفة النفس في جامعة لندن ـ: «سألت عشرين طالباً وتلميذة كلهم في أوائل العقد الثاني من أعمارهم كم منهم مسيحي بأي معنى من معاني الكلمة؟ فلم يجب بنعم إلا ثلاثة فقط، وقال سبعة منهم: إنهم لم يفكروا في هذه المسألة أبداً، أما العشرة الباقية فقد صرّحوا أنهم معادون للمسيحية. ويضيف إلى ذلك الأستاذ جود قوله أنا أرى أن هذه النسبة بين من يؤمن بالمسيحية
(1) تراجع في ذلك رسالة الأطعمة المستوردة ـ طبيعتها - حكمها حل مشكلاتها، للأستاذ محمد بن عبد الغفار الشريف، ص 83.
(2) جوهر النظام: 174/ 2، 175. (5/254)
صفحة 2204
الذبائح
255
ويدين بها، وبين من لا يؤمن في هذه البلاد ليست شاذة ولا غريبة، نعم إذا وجه هذا السؤال إلى مثل هذه الجماعة قبل خمسين سنة أو عشرين كانت الأجوبة مختلفة» (1).
هذه شهادة من أحد أبناء جلدتهم، وهو غير خارج عن ملتهم ولا مفارق لهم في بيئتهم، وقد قرّر في كلامه أن هذه الأجوبة من أولئك التلاميذ إنما كانت ناشئة من حال مجتمعهم ولم تكن مجرد تصرّف صبياني، كيف وهو يقول بأن هذه النسبة في تلك البلاد ليست شاذة ولا غريبة.
وهاكم شهادة عادلة من رجل نشأ في هذه البيئة المتعفنة ثم هداه الله للإسلام، وهو الأستاذ (محمد) (أسد الألماني الذي يقول: «لا شك أنه لا يزال في الغرب أفراد يعيشون ويفكرون على أسلوب ديني، ويبذلون جهدهم في تطبيق عقائدهم بروح حضارتهم، ولكنهم شواذ؛ إن الرجل العادي في أوروبا ديمقراطياً كان أو فاشياً رأسمالياً كان أو اشتراكياً، عاملاً باليد أو رجلاً فكرياً؛ إنما يعرف ديناً واحداً، وهو عبادة الرقي المادي والاعتقاد بأنه لا غاية في الحياة غير أن يجعلها الإنسان أسهل، وبالتعبير الدارج: حرّة مطلقة من قيود الطبيعة؛ أما كنائس هذا الدين فهي: المصانع الضخمة، ودور السينما، والمختبرات الكيماوية، ودور الرقص، ومراكز توليد الكهرباء؛ وأما كهنتها فهم: رؤساء الصيارف والمهندسون، والممثلات وكواكب السينما، وأقطاب
التجارة والصناعة والطيارون والمبرّزون الذين يضربون رقماً قياسياً (2). وفي هذا يقول المفكر الإسلامي الكبير الشيخ أبو الحسن الندوي:
(1) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين للأستاذ أبي الحسن الندوي،
200
- 201، نقلاً كتابه (115) - Guide to Modern Wickedness p 114
الأستاذ عن
جود في
(2) المرجع السابق نقلا عن Islam At Cross Roades, P 50 fifth Edition (5/255)
صفحة 2205
256
الفتاوى
الذبائح - الأطعمة - التدخين
وعلى كل حال فقد وقع المحذور وانصرف اتجاه الغرب إلى المادية بكل معانيها وبكل ما تتضمنه هذه الكلمة من عقيدة ووجهة نظر نفسية وعقلية وأخلاق واجتماع وعلم وأدب وسياسة وحكم، وكان ذلك تدريجياً وكان أولاً ببطء وعلى مهل، ولكن بقوة وعزيمة فقام علماء الفلسفة والعلوم الطبيعية ينظرون في الكون نظراً مؤسساً على أنه لا خالق ولا مدبّر ولا آمر، وليس هناك قوة وراء الطبيعة والمادة تتصرّف في هذا العالم وتحكم عليه وتدبّر شؤونه، وصاروا يفترون هذا العالم الطبيعي ويعلّلون ظواهره وآثاره بطريق ميكانيكي بحت، وسموا هذا نظراً علمياً مجرداً، وسموا كل بحث وفكر يعتقد بوجود إله ويؤمن به طريقاً تقليدياً لا يقوم عندهم على أساس العلم والحكمة، واستهزؤوا به واتخذوا سخرياً، ثم انتهى بهم طريقهم الذي اختاروه وبحثهم ونظرهم إلى أنهم جحدوا كل شيء وراء الحركة والمادة، وأبوا الإيمان بكل ما يأتي تحت الحس والاختبار ولا يدخل تحت الوزن والعد والمساحة، فأصبح بحكم الطبيعة وبطريق اللزوم (الإيمان بالله وبما وراء الطبيعة) من قبيل المفروضات التي لا يؤيدها العقل ولا يشهد بها العلم».
ثم يقول: «إنهم لم يجحدوا بالله إلى زمن طويل، ولم يجحدوا به كلهم، ولكن منهج التفكير الذي اختاروه والموقف الذي اتخذوه في البحث والنظر لم يكن ليتفق والدين الذي يقوم على الإيمان بالغيب وأساسه الوحي والنبوة ودعوته ولهجه بالحياة الأخروية، ولا شيء من ذلك يدخل تحت الحس والاختبار ويصدقه الوزن والعد والمساحة فلم يزالوا يزدادون كل يوم شكاً في العقيدة الدينية، ولكن رجال النهضة الأوروبية ظلوا قروناً يجمعون بين النظر المادي الجاحد والحياة المادية والطقوس الدينية المسيحية بالتقليد أو بتأثير المحيط الذي لا يزال في العالم النصراني أو بمصالح خلقية واجتماعية كانت تقتضي البقاء ولو بالاسم على نظام ديني
يؤلّف
بين (5/256)
صفحة 2206
الذبائح
257
أفراد الأمة ويحفظها من الفوضى، حتى افتضحوا في الأخير وصعب الجمع
بينهما بسرعة سير الحضارة المادية وتخلف الدين والتقاليد وعجزها عن
مسايرتها وما في الجمع بينهما من متاعب وضياع للوقت، وتكلُّف هم في غنى عنه، فطرحوا الحشمة ورموا برقع النفاق، ونهض الكتاب والمؤلفون والأدباء والمعلمون والاجتماعيون والسياسيون في كل ناحية من نواحي أوروبا ينفخون صور المادية وينفثون بأقلامهم سمومها في عقل الجمهور وقلبه، ويفسّرون الأخلاق تفسيراً مادياً تارة ينشرون الفلسفة النفعية، وطوراً فلسفة اللذة الأبيقورية (1).
ومع
هذا الطغيان المادي لا يمكن أن تبقى القيم الدينية عند جمهور
الشعوب، ولئن كان هناك من يتردد بينهم على الكنائس، فإن ذلك لم يکن بباعث عن عقيدة، وإنما هو لأغراض نفعية، على أن هؤلاء يتناقصون باستمرار، فقد كان عدد المحافظين على صلاتهم الأسبوعية في فرنسا عام 1967 م يبلغ %21? من مجموع الشعب الفرنسي، وبلغت هذه النسبة بعد عشر سنوات 19?، وقد حمل هذا الوضع بعضهم على وصف البلاد الغربية بأنها مرحلة ما بعد النصرانية (2).
2 ـ أن ذبائح الغربيين اليوم لا تخرج عن كونها موقوذة أو منخنقة، وقد نص على تحريمها في القرآن، وذلك أنه تواتر اليوم أن هذه الدول تقتل إما بواسطة الصعق الكهربائي أو بالمسدس أو بالبلطة أو بالغازات، وهذا ما نقله الثقات الذين زاروا مسالخ هذه الدول، ورأوا بأم أعينهم ما تقشعر
(1) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، ص 196، 197؛ ويراجع بتوسع المرجع ص 194 - 212.
نفسه،
(2) محمد بن عبد الغفار الشريف - الأطعمة المستوردة (طبيعتها - حكمها ـ حل مشكلاتها)، عن مجلة المعرفة التونسية، العدد 3، سنة 1979
نقلا
م. (5/257)
صفحة 2207
258
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
منه الجلود من ارتكاب المخالفات التي لا يقرها الدين في إزهاق روح الحيوان (1).
ـ أنه ثبت بالعيان تزوير الشهادات التي تلصق بغلف هذه اللحوم من أجل خداع الناس بأنها مذكاة على الطريقة الإسلامية، فقد جاء في رسالة موجهة من رئيس بلدية دولة الكويت الشقيقة إلى وزير الأوقاف الكويتي بتاريخ 24 محرم 1399 هـ ما نصه: «نود إفادتكم أن مسؤولين من المسلخ المركزي قاموا بزيارة إلى كل من بلغاريا ورومانيا، وزاروا المسالخ في هذين البلدين للتحري عن مدى التزامها بطريقة الذبح، خاصة وأن المستوردين يقدمون شهادات من مفتي المسلمين تفيد بأن الذبح تم بحسب الشريعة الإسلامية، وعاد الوفد باقتناع تام، وهو أن الذبح يتم بطريقة لا تتمشى مع الشريعة الإسلامية، وأن الشهادات ما هي إلا شكلية» (2).
وكثير من الناس اشتروا دجاجاً كتب على غلافه مذبوح على الطريقة الإسلامية، وإذا به لا أثر به للذبح قط، وإنما هو مخنوق ولم يقطع جلده، فضلاً عما يجب قطعه في الذبح من الأوداج، وقد جاء أحد هؤلاء إليّ، وأراني الدجاجة وغلافها والشهادة المطبوعة عليه.
4 ـ أن الأغنام والأبقار تذبح في بلاد الغرب الخنازير، فتختلط مع لحومها، والخلطة في مثل هذه الحالة تؤدي إلى الحرمة، لتعذر التمييز معها
بين
الحلال والحرام.
ه ـ أنه ثبت في تعاملهم الغش فقد نقل عدد من الناس أنهم رأوا
(1) انظر رقم 3 في التعليقات على رسالة الأطعمة المستوردة (طبيعتها ـ حكمها ـ حل
مشكلاتها)، ص
81
(2) المرجع السابق، ص 82. (5/258)
صفحة 2208
الذبائح
259
أسماكاً معلّبة مكتوباً عليها (ذبح على الطريقة الإسلامية))، على أن هذا الغش قد يكون حتى من المستوردين في بلاد الإسلام، فقد قال الدكتور عبد الله عزام: في عمان اكتشفت أمانة العاصمة قبل سنوات عند شركةٍ ملصقات كثيرة مكتوب عليها (مذبوح على الطريقة الإسلامية) حتى تلصقها على علب اللحوم فور وصولها، ولقد جاء إلى وزارة الأوقاف الأردنية ـ وأنا فيها ـ علبة لحم مكتوب عليها مذبوح على الطريقة الإسلامية لحم بقر صاف 100?) وفي الجهة المقابلة باللغة الألمانية أنها تحتوي على نسبة من شحم الخنزير» (2).
وبعد هذه الجولة بين منحنيات هذه الحقائق لا يبقى ريب لمرتاب أن القول الثالث هو أقوم قيلاً وأصح دليلاً على أن القول الثاني يعود إليه كما ذكر الأستاذ الشريف في رسالته - لانعدام تلك الضوابط التي وضعها أصحاب هذا القول في اللحوم المستوردة من بلاد الغرب، وعليه فالخلاف بين القولين لا يعدو أن يكون لفظياً، وإنما الخلاف بينهما وبين القول الأول الذي يبيح هذه اللحوم من غير مراعاة شيء من تلك الضوابط، ويستند إلى عموم قوله تعالى: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌّ لَكُمْ) وهو استدلال في منتهى البعد، وذلك يتضح بالنظر إلى هذه الأمور:
أولها: أنه لا يكفي في إعطاء أحد حكم أهل الكتاب إلا أن يكون على عقيدة تقوم على الإيمان بكتابه، وأنّى ذلك في أمة فقد سوادها الأعظم هذا الإيمان، واستولى عليها الإلحاد وتفشت فيها الإباحية ـ كما تقدم ـ ولا يغني عنهم انتسابهم إلى أصول تؤمن بالكتاب شيئاً، فإن الرجل الذي كان نفسه
(1) المرجع السابق، نقلا عن الاعتصام محرم 1401 هـ؛ والمجتمع، العدد 542.
(2) المرجع السابق، نقلاً عن مجلة المجتمع، العدد 542. (5/259)
صفحة 2209
260
الفتاوى الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
على الإسلام وولد من أبوين مسلمين مؤمنين قانتين إن ارتد عن إسلامه ـ والعياذ بالله ـ لم يغن عنه كل ذلك شيئاً، ولم يعط أحكام المسلمين في
إباحة أكل ذبيحته ولا غيرها، وما الفارق في ذلك بين المسلم والكتابي؟ ثانيها: أن قوله تعالى: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌّ لَكُمْ} جاء إثر تحريم طائفة من الحيوان منها المنخنقة والموقوذة، فكيف يمكن أن يكون دليلاً على إباحة المخنوق والموقوذ إن كانا على يد كتابي، مع أنهما حرام بالقطع إن كان الواقد أو الخانق مسلماً؟ وهو مما يترتب عليه كون الكتابي أكرم على الله من المسلم لأنه أباح على يديه ما لم يبحه على يدي المسلم، ويأبى الله ذلك، فإن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه. ثالثها: أنه يلزم هؤلاء أن يحلُّو بهذا لحم الخنزير إن كان على مائدة كتابي لأنه من طعامهم الذي استحلوه بهوى أنفسهم كما استحلوا المنخنقة والموقوذة جاء في نسق واحد مع تحريم الخنزير ومع تحريم الميتة والدم. رابعها: أن الآية الكريمة مصدرة بإباحة الطيبات، ولا يقول عاقل آتاه الله رشداً: إن المنخنقة والموقوذة وغيرها مما حرّمه الله عليه تُعد من جنس الطيبات، وهل يطيبها أن يكون الواقذ أو الخانق من جنس الكفار الذين رفضوا الاستجابة لدعوة كتابهم إلى الإيمان بخاتم الرسل عليه أفضل الصلاة والسلام، الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل؟ وهذه مغالطة للحقيقة ليس أبعد منها مغالطة، فكيف يكون الشيء الواحد خبيثاً إن كان على يد المسلم وطيّباً إن كان على يد غيره؟.
وقد استدل بعض أصحاب هذا القول لما ذهبوا إليه بحديث عائشة في ذبائح الأعراب، وهو استدلال منتقض من أساسه، فإن أولئك الأعراب ما كانوا على ملة غير الإسلام، ولا ثبت أنهم يرتكبون مخالفات للشريعة (5/260)
صفحة 2210
الذبائح
261
في ذبحهم، وإنما وقع في نفوس بعض الناس شك في تسميتهم على الذبح لحداثة عهدهم بالكفر، فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بما يفيدهم أن أعمال المسلم وإن كان جديد عهد بالإسلام - محمولة على موافقة الحق ما لم يثبت
خلافه له.
وأما ما استأنسوا به من كلام ابن العربي الذي يبيح أكل الدجاجة التي يفتل عنقها النصراني؛ فهو مدفوع بما نص عليه ابن العربي نفسه قبله بسطور معدودة، وهو قوله: «فإن قيل فما أكلوه على غير وجه الذكاة كالخنق وحطم الرأس؟ فالجواب: أن هذه ميتة وهي حرام بالنص وإن أكلوها فلا نأكلها نحن، كالخنزير فإنه حلال لهم ومن طعامهم، وهو حرام علينا» (1).
فيا ترى هل نترك من كلامه ما وافق الدليل القرآني إلى ما خالفه؟ على أن أي أحد ولو بلغ ذرى المراتب في العلم والفضل لا يُحتكم إلى كلامه مع قيام الدليل الشرعي، بل يُحكم الشرع في كلامه لقوله تعالى: {فَإِن تَنَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59].
أما محاولة الجمع بين الكلامين بحمل المنع على غير ما يعتقدونه ذكاة عندهم، والإباحة على ما اعتقدوه تذكية فهي محاولة فاشلة؛ لأن الصورة واحدة، وهم هم أنفسهم، مع أنه يفيد كلامه أن ذلك يحرم علينا وإن كانوا في اعتقادهم له مستحلّين، بدليل تمثيله بالخنزير، وقوله: أنه حلال لهم ومن طعامهم وهو حرام علينا. على أنَّا لا نسلّم أن الخنزير حلال لهم، فإنهم لم يأكلوه استناداً إلى كتاب على حلّه، ولكن بفتوى من أفتاهم بذلك من رهبانهم، ومثله الميتة ـ ومنها المنخنقة والموقوذة - إذ النصارى لم يبح لهم إلا ما أباحته
نص
(1) أحكام القرآن: 555/ 2. (5/261)
صفحة 2211
262
الفتاوى الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
التوراة إلا ما كان تحريمه في التوراة وقتياً عقوبة لليهود على سوء صنيعهم وشططهم في العناد ومكابرة الحق.
أبا
على أنه لو ادّعى أحبارهم ورهبانهم حِلّ ذلك لهم لم يصدقوا فيه، كما قال الإمام الرهوني: «كيف يقبل قولهم بعد إخبار الله تعالى عنهم بأنهم حرّفوا وبدلوا حسبما أفصحت بذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المتواترة ـ إلى أن قال ـ على تسليم تصديقهم تسليماً جدلياً فلا وجه في تصديقهم أن المنخنقة والمسلولة العنق والموقوذة المضروبة في الرأس بشاقور مثلاً حلال عندهم، وعدم تصديقهم في أن الميتة والخنزير حلال عندهم، وما فرق به ـ يعني عبد الله الحفار المنتصر لرأي ابن العربي ـ من أن الله قد كذبهم في الميتة والخنزير دون المضروبة بشاقور مثلاً، وما ذكر معه لا يصح؛ لأنه إن عنى أن الله كذبهم في إخبارهم بحلّيتها فليس في القرآن ولا الأحاديث شيء من ذلك، وإن أن الله كذبهم بقوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزير فهذه مصادرة لأن الله قد كذبهم فيما زعم أنهم يصدقون فيه؛ لأنها إما منخنقة أو موقوذة، وقد ذكر الله حرمة كل واحدة منهما فى الآية نفسها بقوله عز من قائل: {وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ) الآية، وقد قال ابن العربي نفسه في الأحكام ما نصه: «وأما قوله
عنى
والمنخنقة فهي التي تختنق بحبل بقصد أو بغير قصد أو بغير حبل»). هذا وأما استدلال ابن العربي لحلية طعام الكتابي مطلقاً بأنهم يعطوننا أولادهم ونساءهم ملكاً في الصلح فيحل لنا وطؤهن، فكيف لا تحل ذبائحهم، والأكل دون الوطء في الحِل والحرمة فهو غير مسلّم إن كان ذبحهم خنقاً أو وقذاً؛ لمجيء النص القطعي بحرمة الموقوذة والمنخنقة، فهو قياس في
مقابلة
(1) حاشية الرهوني على شرح الزرقاني لمختصر خليل: 12/ 3 - 31؛ وانظر كلام ابن العربي في المنخنقة في أحكام القررن: 538/ 2. (5/262)
صفحة 2212
الذبائح
263
النص على أنه يترتب على قوله أن تباح بسبب ذلك ذبائح المشركين، فإن ما ذكروه من حكم الأولاد والنساء لا ينحصر في أهل الكتاب دونهم. وللعلّامة الرهوني في رد احتجاج ابن العربي هذا بحث موسع اكتفينا
عنه بما ذكرناه، فليرجع إليه من شاء الاطلاع والاستفادة). هذا وللأمانة العلمية لا بد من ذكر أن من مشايخنا الذين يجنحون إلى القول بإباحة اللحوم المستوردة من بلاد الغرب من كان يتشدّد أحياناً في ذلك في بعض فتاواه، وهو الإمام إبراهيم بن عمر بيوض، فقد جاء في بعض ما أفتى به تقييد هذه الإباحة بكون الذابح من اليهود أصحاب التوراة أو النصارى أصحاب الإنجيل، وبكون الذبح على الطريقة المشروعة عندهم بحسب شريعتهم وقال في الذبح بواسطة الكهرباء: «إن كانت هي تسليط التيار الكهربائي على الحيوان المراد ذبحه حتى يموت بتأثير التيار. فإن هذا قتل لا ذبح ولا نحر ولا ذكاة، فلا يحل به الحيوان المقتول». وقال في التخدير: إن كان قاتلاً مميتاً فإنه حرام قطعاً تحرم به الذبيحة؛ إذ لا يجوز استعمال أي شيء لإزهاق روح الذبيحة أو للتعجيل به غير الذبح الأصلي المشروع أو النحر الأصلي المشروع كذلك فيما ينحر نحراً كالإبل، ثم تترك
الذبيحة على حالها حتى تبرد وتسكن حركتها فيُشرع في سلخها» (2). وما من ريب أننا نتفق مع القائلين بالإباحة عندما نوقن أن القائم بالذبح من الذين يستمسكون بما عندهم من علم الكتاب ولا يتجاوزون فيه الحدود التي رسمها لهم كتابهم في التذكية وكان الحيوان المذبوح من جنس ما يباح في الإسلام، مع علمنا اليقيني أن أحكام التذكية لا تختلف
(1) حاشية الرهوني المذورة آنفاً: 14/ 3 - 15.
(2) انظر فتاوى الإمام الشيخ بيوض، ص 569 - 575. (5/263)
صفحة 2213
264
الفتاوى الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
فيما بيننا وبينهم، بدليل أن اليهود لا تختلف طرق التذكية عندهم عما هو عندنا والنصارى متعبّدون باتباع شريعة التوراة كاليهود، إلا في جزئيات قليلة نسخت فيما أنزله الله على عيسى، وهي التي يشير إليها ما يحكيه الله الله عنه من قوله: {وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: 50، ويعني بذلك ما كان تحريمه موقوتاً عقوبة لليهود على ركوبهم متن العناد في مواجهة دعوات أنبيائهم وإصرارهم على الظلم الذي نهوا عنه، ولا تدخل في ذلك المنخنقة ولا الموقوذة.
ومن أجل التزام اليهود بالطريقة الصحيحة في التذكية إلى وقتنا هذا؛ رأينا بعض مشايخنا يوصون التلاميذ الوافدين إلى بلاد الغرب إن لم يجدوا جزارين مسلمين أن لا يشتروا اللحم إلا من الجزراين اليهود، ومن الذين كانوا يحرصون على ذلك شيخنا الإمام أبو إسحاق إبراهيم أطفيش الا الله تعالى. وقد عمل بذلك نفسه عندما دفعته الظروف إلى السفر إلى نيويورك في عانم 1380 هـ، وكتب بذلك رسالة إلى أحد أصدقائه جاء فيها: «منذ حللت بنيويورك كنت آكل السمك وخليطاً من الخضر وزيت الزيتون لغاية أربعين يوماً، حتى عُرفتُ في المآدب الرسمية بأنني لا آكل إلا السمك، فكانت تلك الأوانس يبادرون إليّ بالسمك والسلاطة الخضراء، أنا وسيف الإسلام اليمين دون غيرنا، حتى وجدت مطعماً باكستانياً لمسلم اسمه الحاج علي بهجت، وحيث إن القاديانيين يوجدون كثيراً في تلك النواحي خشيت أن يكون منهم، فاستوثقت أنه حنفي المذهب، وأنه يطبخ بلحم الكشير، وأنت تعلم أن ذبيحة الكتابي متى كانت ذكاة شرعية ذكر اسم الله عليها حل لنا أكلها، وهذه حال اليهود المتدينين ومع الأسف أقول إنهم لا يزالون على عهدهم هذا أكثر من المسلمين بهذه الربوع - إلى أن قال - ولقد امتاز الأسرائيليون بأمريكا دون سواهم بالانفراد بالذبيحة، وأما النصارى فبالآلة كما عندكم في
6 (5/264)
صفحة 2214
الذبائح
265
الراش، وذلك ميتة قطعاً - وهكذا إلى أن قال - على أنني لما استوثقت من الباكستاني أنه يطبخ اللحم الكشير، وهو عندهم الشرعي صرت أكل أحياناً عنده، ولم أضطر والحمد لله إلى زعم أن الضرورات تبيح المحظورات، ولا الأخذ بعموم الآية لأن دعوى العموم باطلة، والحمد الله»).
(1) الشيخ إبراهيم أطفيش في جهاده الإسلامي للدكتور محمد ناصر، ص
491 - 193 (5/265)
صفحة 2215
266
الفتاوى
الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
خاتمة في نتائج البحث
بعد هذه الجولة والتنزّه في واحات العلم وتفيُّاء ظلالها الوارفة واقتطاف ثمارها اليانعة والرشف من أنهارها المطردة نقدم بإيجاز أهم
نتائجها:
1 - إن كان الحيوان المذكى مقدوراً عليه فذكاته إما أن تكون نحراً في اللبة أو ذبحاً في الحلق، والأول في طويل الرقبة كالإبل، والثاني في قصيرها كالغنم، ويجوز في البقر الأمران باتفاق.
ـ الذبح المجمع على إجزائه هو قطع الحلقوم والمريء والودجين من قبل مقدمة العنق، وفيما عداه خلاف.
- يجزاء الذبح عن النحر والعكس في قول الجمهور، وقيل: بعدم الإجزاء، لتعين كل واحد منهما بموضعه.
4 ـ التذكية أمر تعبدي، فلا يجزاء عنها غير ما أذن به الشارع، وإن ذهب إلى خلاف ذلك بعض المعاصرين.
ه ـ اختلف في بعض التجاوزات في الذبح هل تؤثر شيئاً على حكم الذبيحة أو لا؟ منها خروج الغلصمة إلى جهة البدن، وذلك بعدم وقوع الذبح عليها في منتصفها، ومنها: قطع جميع الرأس والنخاع، والذبح من القفا، والتراخي اليسير في لاذبح كما هو مفصل في البحث.
6 ـ تذكية غير المقدور عليه سواء ما كان أصله وحشياً أو ما كان أهلياً
النية
فند أن يرمى بما ينهر الدم كالسهم، أو يصطاد بالجوارح كالكلاب، مع والتسمية على قول الأكثر، فإن أدرك حياً ذُكي ذكاة المقدور عليه، وإلا كان ذلك تذكية له، ولا خلاف في ذلك فيما كان أصله وحشياً، وإنما الخلاف (5/266)
صفحة 2216
الذبائح
267
فيما كان أهلياً فند، وألحق الجمهور بالناد ما وقع في بئر أو نحوها فتعذر التوصل إلى تذكيته بالذبح أو النحر.
7 ـ يشترط في المذكي أن يكون مسلماً أو كتابياً، ولا تجوز ذكاة سواهما من المشركين والملاحدة، واختلف في بعض الشروط كالعقل والبلوغ وعدم محاربة الإسلام.
اليهودية.
9
ـ المرتد لا تحل ذبيحته عند الجمهور وإن ارتد إلى النصرانية أو
- من تهوّد أو تنصر من العرب حكمه كسائر أهل الكتاب عند الجمهور، ورأى بعض أهل العلم خلاف ذلك.
10 ـ تباح ذبيحة الأعجم عند أكثر العلماء إن فهمت إشارته، وذهب آخرون إلى خلاف ذلك. 11 ـ ذهب جمهور أهل العلم إلى أن ذبيحة المعتدي كالسارق والغاصب لا تحرم، وذهب آخرون إلى حرمتها، وهو الراجح بالأدلة. 12 ـ اختلف فيما حرم على أهل الكتاب أو حرموه على أنفسهم، هل
يباح للمسلم إن هم قاموا بالتذكية؟ والصحيح الإباحة.
13 - تجوز التذكية بكل ما أنهر الدم ما عدا السن والظفر والعظم. 14 ـ اختلف فيما لم يذكر اسم الله عليه عمداً أو نسياناً هل يحل أكله أو لا؟ والصحيح المنع.
15 - الذبح بالطرق الحديثة أو القديمة المخالفة لطريقة الذكاة الشرعية تَعَد للحيوان، فلا يحل بها أكله مع الفارق البين بين الذكاة الشرعية وبينها من حيث إراحة الحيوان وطيب لحمه. (5/267)
صفحة 2217
268
الفتاوى
الذبائح - الأطعمة - التدخين
16 ـ ما جهل ذابحه في المجتمعات الإسلامية أو الكتابية المحافظة حلال أكله، وأما فى سائر المجتمعات فلا يحل.
17 ـ اللحوم المسترودة من بلاد الإسلام حلال أكلها ما لم يتبين ما يوجب حرمتها، وكذلك ما استورد من أهل الكتاب الملتزمين بالذكاة الشرعية، مع ضمان كونها من جنس ما يجوز أكل لحمه، وما استورد من بلاد المشركين والملاحدة فلا يحل واختلف العلماء المعاصرون في جواز أكل ما يستورد الآن من بلاد الغرب، والصحيح المنع إلا إن ثبت بما لا يدع مجالاً للريب أنه مذكى ذكاة شرعية ممن تجوز ذكاته شرعاً، وأنه من جنس الحلال الطيب، ولا عبرة بما يلصق به من شهادات أنه ذبح على الطريقة
الإسلامية.
هذا والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وصلى الله عليه وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (5/268)
صفحة 2218
الذبائح
269
شروط الذبح وآدابه
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على
أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد: فإن الله تعالى الذي استخلف الإنسان في الأرض بسط له من فضله، وأغدق عليه آلاءه ونعمه، ويتجلى هذا في التمكين الذي مكنه للإنسان، بحيث سخر له كل ما في الأرض تسخيراً لم يكن له مثيل في بقية العوالم الأخرى، بل جعل كل ما في الأرض مخلوقاً له كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) [البقرة: (29)، ومع هذا أيضاً فإن كل ما في الكون هو مسخر للإنسان كما ينبيء بذلك قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية: 13]، ومن بين ما شخر له الحيوانات التي ذللت له تذليلاً، فقد مكَّن الله تعالى الإنسان من الحيوانات ينتفع بها مطلق الانتفاع، فمنها ما يأكل لحمه، ومنها ما يأكل لحمه ويركب ظهره وحمل الأثقال عليه، ومنها ما ينتفع بركوبه وحمل الأثقال عليه، ومنها ما ينتفع به منافع أخرى كالعلاج وغيره، وقد أحل الله تعالى بهيمة الأنعام إلا ما استثني فقد قال الله: أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} [المائدة: 1]، والمراد بما يتلى علينا هو ما دل عليه قول الله تبارك وتعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَهُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصبِ} [المائدة: 3]، كما جاء الاستثناء في قوله الا الله في سورة الأنعام: قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِيْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ
أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145].
ولئن تضمنت هذه الآيات مخصصات متصلة إثر ما فيها من عموم (5/269)
صفحة 2219
270
الفتاوى الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
الإباحة فإن ثمت أيضاً مخصصات خصصت هذا العموم من السنة النبوية، ولا بد من العمل بمقتضى هذه المخصصات كلها، فإن الله تعالى جعل في السنة النبوية تبياناً لإجمال ما في كتابه الكريم، ومن بين هذا التبيان تخصيص عموماته وتقييد مطلقاته وتفصيل، مجملاته، وهذا التخصيص تضمنته روايات عن النبي صلى الله عليه وسلّم دلت على منع أكل الحمر الأهلية وأكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير، وإن كان للعلماء في حكم ذلك خلاف عريض الحاشية، إلا أننا نأخذ بما دلت عليه السنة من تخصيص عمومات الكتاب العزيز، لأن الخصوص وإن كان أحادياً مقدم على العموم وإن كان متواتراً.
والحيوان الذي أحله الله تبارك وتعالى للإنسان هو من جنس الأحياء، يتألم كما يتألم الإنسان، ويحب البقاء ويكره الفناء، لذلك طبع على الفرار مما يهدد حياته، ففي ذبحه أشد الأذى له، ولكن بما أن الله تبارك وتعالى الذي خلقه فسواه وهو مالكه ومالك أمره هو الذي أحله كان للإنسان أن به، وأن يُقدم على ذبحه لا لقصد إيذائه وإنما لقصد الانتفاع الذي
ينتفع
أحله الله تعالى له.
ولأجل هذا لا بد من أن يكون الذبح وفق ضوابط معروفة، فليس للإنسان أن يعدو على الحيوان كما يعدو السبع الفتاك فيفترسه وينهشه نهشاً، وإنما عليه أن يذبحه بطريقة فيها رفق ورحمة، ولذلك كان الذبح أمراً تعبدياً، إذ ليس المقصود إزهاق الروح فحسب، ولو كان المقصود مجرد إزهاق الروح لما حَرُمت الموقوذة والمتردية، ولو وافق ترديها قطع ما يؤمر بقطعه المذكي من الأوداج، فلو وقع الحيوان من أعلى فصادف سكيناً قطعت أوداجه لما حلَّ بذلك أكله، وإنما هو في حكم المتردية التي (5/270)
صفحة 2220
الذبائح
271
حرمها الله تعالى ويدل على هذا أن الله تعالى فى كتابه قرن بين النسك والصلاة، والنسك هو الذبح فقد قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162]، ولذلك جاء التحذير البالغ في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن الذبح لغير الله تعالى كما في حديث الإمام علي كرم الله وجهه وغيره (1)، وكل ذلك مما يؤذن أن الذبح أمر تعبدي، ولما كان كذلك فإنه لا بد من أن يكون وفق الطريقة الشرعية التي جاءت في كتاب الله وفي هدي رسوله عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة
والسلام.
هذا وفي كتاب الله تبارك وتعالى ما يدل على مشروعية النحر والذبح، فالله تعالى يقول: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً) [البقرة: 67]، وقال تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر) [الكوثر: 2].
أما الحيوانات غير الأليفة وهي الحيوانات الوحشية التي لا يمكن أن تذكى كما يذكى الإنسي من الحيوانات فحكمها الاصطياد، فيباح اصطيادها سواء كان بإرسال السهام أو كان ذلك بإغراء الجوارح كالكلاب والطيور الجارحة، فالله تعالى يقول: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكَنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} [المائدة: 4]، ويكون ذلك تذكية له إن لم تدرك ذكاته، والإنسي منه ما ينحر ومنه ما يذبح، فما ينحر كالإبل فإنه ينحر في اللبة وهي قائمة، كما قال تبارك وتعالى: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَ) [الحج: 36].
جاء في مدونة الإمام أبي غانم بشر بن غانم الخراساني رحم الله من رواية أبي المؤرّج عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس لا أنه قال:
(1) رواه مسلم في كتاب الأضاحي باب تحريم الذبح لغير اا رقم (1978). (5/271)
صفحة 2221
272
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
صواف أي معقولات (1)، ومعنى ذلك أن تقف على ثلاث وتعقل يدها اليمنى وتنحر طعناً في اللبة.
ودلت السنة أن الذبح فيما يذبح يكون بقطع الأوداج، والأوداج تصدق على الحلقوم والمريء والودجين، وإن كان في وجوب قطع الحلقوم والمريء خلاف مشهور، إلا أنه مما ينبغي للمسلم أن يحرص على الخروج من عهدة الخلاف مهما أمكن، ولما كانت السنة جاءت بقطع الأوداج بصيغة الجمع، ويغلب لفظ الأوداج فيطلق على الحلقوم والمريء والودجين فإنه مما ينبغي الأخذ بهذا فلا بد من قطعها جميعاً. هذا وقد اختلف أهل العلم في وجوب ذكر اسم الله تعالى إلى ستة أقوال، ونحن نعول على أنه لا تذكية إلا بذكر اسم الله، وأن ما تُرك ذكر اسم الله عليه سواء كان الترك عمداً أو نسياناً لا يؤكل لقوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121]، ولقوله: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 118]، فإن الآية الأولى من هاتين الآيتين دالة بمنطوقها على النهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه، وبمفهومها على إباحة أكل ما ذكر اسم الله عليه، والآية الأخرى دلت بمنطوقها على ما دلت عليه هذه بمفهومها، وبمفهومها على ما دلت عليه هذه بمنطوقها، فالآيتان كل واحدة منهما تؤكد ما دلت عليه الأخرى.
ومن أهل العلم من قال بأن قوله: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121] مقيد بقوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام: 121]، وعلى هذا فلا تؤكل في حالة كونها فسقاً، وهو مبني على أن الواو هنا هي واو الحال وليست عاطفة، والحال تفيد التقييد، أي لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه
(1) مدونة أبي غانم الخراساني (350/ 1). (5/272)
صفحة 2222
الذبائح
273
حالة كونه فسقاً، والفسق بينته آية: {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145]، ولكن هذا ضعيف، لأن الأصل إلا تحمل الواو على الحال إلا عندما يتعذر
العطف.
أما قول من قال بأنه يمنع عطف الخبر على الإنشاء فلذلك جعلت الواو للحال فليس بشيء، إذ من المعهود أن يعطف الخبر على الإنشاء ويعطف الإنشاء على الخبر كما حررته في موضع آخر (1)، ومما يدل على أن هذه الواو ليست للحال قوله تعالى فيما بعد: {وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَا بِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمَشْرِكُونَ} [الأنعام: 121]، فلو كانت الجملة التي دخلت عليها الواو جملة حالية، لكانت هذه الجمل التي عطفت عليها حالية أيضاً، مع أن جعل هذه الجمل الأخرى حالية أمر تعذر، ولما كان ذلك متعذراً هنا فكذلك تلك الجملة.
وهناك الكثير من الشواهد الدالة على جواز عطف الخبر على الإنشاء والعكس، من ذلك قول الله تعالى: {وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَهُ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنُ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} [البقرة: 221] فإن كلا من النهي الأول والأخير إنشاء عطف عليه خبر، وكذلك قوله سبحانه: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة: 282] فإن فيه عطف الخبر على الأمر.
وبهذا يتبين أن المنع من أكل مما لم يذكر اسم الله عليه كان الترك عمداً أو نسياناً هو القول الصحيح لا يقال بأن الناسي معذور، لأنه في حالة أكله ليس بناس بل هو ذاكر، وقد نهي أن يأكل ما لم يذكر اسم الله عليه، وهذا يعني ذكر اسم الله تبارك وتعالى شرط لحلية المذبوح والشروط من خطاب الوضع.
(1) راجع بحث الذبائح المتقدم.
أن (5/273)
صفحة 2223
الفتاوى
الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
274
وخطاب الوضع يختلف عن خطاب التكليف، إذ لا يراعى فيه الذكر أو النسيان، والشرط كما سبق هو من خطاب الوضع وقد عرفه أهل الأصول بأنه: الذي يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود ولا العدم لذاته، فإن لم تكن هنالك قرينة أو دليل يدل على تقييد الشرط بحالة الذكر فإن الأصل في الشرط أن يكون على إطلاقه، لا يتقيد بحالة الذكر دون
النسيان.
ولا بد مع هذا كله أن يكون المذكي إما مسلماً أو كتابياً، أما كونه مسلماً فإن الأصل في المسلم أن يأكل ذبيحة المسلم كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلّم: «من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم» (1) أي ذبيحة المسلمين، وأما الكتابي فلقول الله تبارك وتعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ} [المائدة: 5]، وقد قال المفسرون إن المراد بالطعام هنا
الذبائح. غير أن العلماء اختلفوا هل ذبيحة الكتابي مباحة على الإطلاق أو بشرط أن يكون ذمياً؟ فمنهم من اشترط أن يكون من أهل الذمة وعليه فلا تحل ذبيحة أهل الحرب وهذا القول له وجه وجيه لولا أنا نجد في صحيح البخاري ما يدل على خلافه، وهو أن الصحابة تغذوا بجراب شحم اليهود الذين كانوا محاصر بهم حصن خيبر مع أنهم كانوا في ذلك الوقت محاربين (2).
(1) رواه البخاري، كتاب الصلاة، باب القبلة رقم (384). (2) رواه البخاري في أبواب الخمس باب ما يصيب من الطعام في أرض الحرب رقم (2984) ومسلم في كتاب الجهاد والسير باب جواز الأكل من طعام الغنيمة في دار الحرب رقم
(1772) (5/274)
صفحة 2224
الذبائح
275
ولكن لا بد من مراعاة أن يكون الذبح من الكتابي بطريقة شرعية لا مخالفة فيها للشرع، فإن الله تبارك وتعالى حرّم الموقوذة سواء كانت موقوذة مسلم أو موقوذة كتابي، وما كان الله تعالى ليحرم موقوذة المسلم ويبيح موقوذة الكتابي لما في ذلك من تمييز الكتابي على المسلم، ويأبى الله ذلك فقد قال: {وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141)، وحرم الله الله المنخنقة سواءً كان الانخناق بسبب أو بغير سبب، ومن أو بغير سبب، ومن الأسباب أن يخنقها إنسان سواء كان مسلماً أو غير مسلم، ومن عجيب الكلام أن يقال: بأن المنخنقة التي خنقها الكتابي تباح بينما المنخنقة التي خنقها المسلم لا تباح! وهذا من الأقوال المستبعدة التي لا ينبغي التعريج عليها، كما قال ابن العربي إن النصراني مثلاً لو خنق الدجاجة فإن أكلها حلال، مع العربي ناقض نفسه بنفسه في نفس كتابه أحكام القرآن) إذ نص قريباً من هذا الكلام على أن الذبيحة من الكتابي يشترط أن تكون موافقة لأحكام الذبح في الإسلام، وألا تكون مخالفةً لها.
أن ابن
هذا ولا بد من التأكد أن الذابح كتابي إذ كثير من الناس الآن ربما ظُنوا كتابيين وليسوا بكتابيين بسبب تفشي الإلحاد ونبذ الدين في عالم اليوم لا سيما بلاد الغرب، ومن هنا يتعين على المسلمين إن كانوا في بلاد أجنبية أن يتقيدوا بأكل ذبيحة المسلمين أو ذبيحة الكتابيين الذين تيقنت كتابيتهم التزامهم الذبح بطريقة شرعية مباحة في الإسلام، على أن الذبح الحلال هو ما يتقرب به إلى الله دون سواه، فإنه لم يشرع للذابح أن يذكر اسم الله تعالى عند الذبح إلا لأجل الإيذان بأنه إنما يذبح بحكم الله الذي أحل له هذا الذبح وأحل له الانتفاع بالحيوان لتنتفي عنه صفة التعدي على حياة حيوان يحب البقاء ويكره الفناء كما سبق والله أعلم.
مع (5/275)
صفحة 2225
276
الفتاوى
الذبائح - الأطعمة - التدخين
كيفية الذبح
يقوم بعض الذابحين بقطع ما يسمونه بالقفل أو النخاع، فهل في الذبيحة؟
هذا صح
جاء في الحديث الذي رواه الإمام الربيع بن حبيب الله من رواية
أنس له أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى في الذبح عن الوخز والخزل
والنخع والترداد.
فالوخز أن يطعن الذبيحة بالسكين.
والخزل: هو قطع كل الرأس.
والترداد: هو أن يردد المدية في حلق الدابة كما يردد المنشار.
والنخع: هو قطع النخاع.
وهذا كله لأجل أن يكون ذبح الذبيحة بطريقة فيها رحمة وليس فيها تعذيب، ولئلا يكون قطع النخاع مساعداً على موتها، وإن كان للعلماء خلاف في حل أكل ما تعمد قطع نخاعه ولا خلاف في أنها تحل إن كان ذلك على سبيل الخطأ كما قال الإمام السالمي رحمةالله: ولا يجوز قطع كل الرأس
وإنما ينهى أن يتعمد الإنسان ذلك.
الخطا من باس
في المصانع الحديثة التي تقوم بتصدير الدواجن والطيور يصف عدد منها ثم ينادي أحدهم على سكين مدورة باسم الله ثم تقطع الجميع، هل يكفي ذلك؟ يشترط ذكر اسم الله عند ذبح كل واحدة منها، ولا يجزي أن يكون عند
ذبح أولاها، كما قال الإمام السالمي: (5/276)
صفحة 2226
الذبائح
277
وليس يجزي ذابحاً
شاتين إن سمى في الأولى من الثنتين
التسمية هل هي باللفظة المعروفة، باللفظة المعروفة، أم يكفي أن يذكر الله بأي لفظ آخر؟
لو قال: الله أكبر، أو سبحان الله، أو سبحان الله والحمد لله، أو
أجزاه ذلك والله أعلم.
غير العربي هل يجزي أن يذكر اسم الله بلغته؟
غير العربي له أن يذكر اسم ربه الله بلغته والله أعلم.
هل يشترط استقبال القبلة في
حالة الذبح؟
لا يشترط استقبال القبلة عند الذبح والله أعلم.
هلا ذكرتم لنا بعض آداب الذبح؟
الله
بسم
يؤمر الإنسان بأن يحرص على الرحمة في حال الذي الذبح، فالنبي فالنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وفي رواية فأحسنوا الذبحة - وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته»). ومعنى ذلك أنه لا يذبحها بسكين كليلة وإنما يذبحها بسكين حديدة (2) حتى لا تتعذب عند الذبح.
وكذلك من الآداب التي يؤمر بها أن يخفي السكين عن الحيوانات عندما يأتي لذبحها، ومما ينبغي أيضاً أن تُسقى قبل الذبح حتى تذبح وهي مرتاحة والله أعلم.
(1) رواه مسلم في كتاب الصيد والذبائحباب الأمر بإحسان الذبح والقتل رقم (1955). (2) حديدة: صيغة مبالغة تدل على شدة الحدّة كقوله تعالى: {فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ. (5/277)
صفحة 2227
278
الفتاوى
الذبائح - الأطعمة - التدخين
ذكرتم بأن من الآداب أن يخفي السكين عن الذبيحة وذكرتم أيضاً أنها تسقى، البعض يقوم بذر بعض الملح على ظهرها هل هذا من
السنة؟
لم أجد ذلك في السنة، ولم أجد ذلك في أجد ذلك في آثار أهل العلم والله أعلم.
هل من الآداب أن لا يذبح الواحدة بجنب الأخرى؟
نعم، ذلك مما ينبغي والله أعلم.
هل يصح الذبح بالشمال؟
لا مانع إن كان الذابح معتاداً أو يستعمل الشمال، وإن كان الأفضل له أن يذبح باليمين والله أعلم.
هل يشترط في الذبيحة أن تتحرك بعد الذبح، أم إذا ذبحها ولم تتحرم
تحل؟
أما النسبة إلى المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع فهذه إن أدركت ذكاتها ذكيت ويعرف إدراك ذكاتها بتحركها، فإن حصلت منها حركة فإن تلك الحركة تدل على أن بها حياة، أما ما كان حياً غير مصاب بشيء من أول الأمر وذبح فإنه لا يشترط تحركه، لأن في تيقن حياته عند الذبح وعدم حدوث ما يعجل موته ما يغني عن هذا الشرط، وإن كان ليس من المعهود أن تذبح بهيمة من غير أن تتحرك والله أعلم.
بالنسبة للأبكم هل يصح له أن يذبح؟
بناء على اشتراط ذكر اسم الله فأخرس اللسان والأبكم لا يباح لهما أن يذبحا والله أعلم. (5/278)
صفحة 2228
الذبائح
279
هل يشترط في السكين التي يذبح بها طول معين؟
طولها بمقدار ما تكون صالحة لتذكية ذلك الحيوان والله أعلم.
ذكرتم خلافاً في وجوب قطع الحلقوم فهل من اقتصر على قطع الودجين تصح ذبيحته؟
الذي نأخذ به أنه لا بد من قطع الحلقوم والمريء، وكثير من أهل العلم يرون الاقتصار على قطع الودجين والله أعلم.
قال: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَا بِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمَشْرِكُونَ} [الأنعام: 121]، أرجو من سماحة المفتي أن يوضح لنا معنى هذه الآية وما هو الهدف منها؟ وهل تنطبق هذه الآية على ما يستورد في هذه الأيام؟ وهل هنالك فرق بين ما يستورد من بلد إسلامي يستورد من بلد إسلامي أو غير إسلامي؟
إن الله الله قد امتن على عباده بما أحل لهم من الطيبات، ومن هذه الطيبات التي أحلها لهم لحوم الأنعام وغيرها من الحيوانات المحللة للإنسان كالطيور والأسماك، ولا شك أن توصل الإنسان إلى الاستمتاع بهذه اللحوم من هذه الحيوانات - مع أنها ذات حياة ومع أنها تتألم كما يتألم الإنسان - إنما هو بحكم الله الذي شرّف هذا الإنسان ومنحه الحق في تذكية الحيوانات المحللة للتغذي والاستمتاع بلحومها، وعليه فإن توصل الإنسان إلى استباحة لحوم الطيبات إنما هو بطريق حكمه، فلذلك شرع ذكر اسم الله تعالى عند ذبح الذبيحة إعلاماً بأن الذابح إنما استباح ذبح هذا الحيوان واستساغ أن يسطو عليه باسم الله وحده لا باسم غيره، ولقد جاء في القرآن الأمر بذكر اسم الله تعالى عند التذكية، والأمر بأكل ما ذكر اسم الله عليه والنهي عن أكل (5/279)
صفحة 2229
280
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
ما لم يذكر اسم الله عليه، فالأمر بذكر اسم الله تعالى هو في قول الحق الله: فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَ} [الحج: 36]، والأمر بأكل ما ذكر اسم الله عليه هو في قول الحق تعالى: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 118]، والنهي عن أكل ما لم يُذكر اسم الله عليه جاء في هذه الآية الكريمة: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَا بِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ مَشْرِكُونَ} [الأنعام: (121)، وهذه الآية الكريمة تدل بمنطوقها على تحريم أكل ما لم يُذكر اسم الله عليه كما تدل بمفهومها على إباحة أكل ما ذكر اسم الله عليه والآية الأخرى وهي قول الحق تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 118] دالة بمنطوقها على إباحة أكل ما ذكر اسم الله عليه وبمفهومها على النهي عن أكل ما لم يُذكر اسم الله عليه، فما دلت عليه هذه الآية بالمنطوق دلت عليه تلك بالمفهوم، ودلالة كل واحدة من الآيتين شادة
من
دلالة الآية الأخرى، والعلماء مع هذا كله اختلفوا من لدن الصحابة في أكل ما لم يُذكر اسم الله تعالى عليه منهم من أباح على الإطلاق أكل الحيوان المحلل إذا ذبح من غير ذكر اسم الله تعالى، وقد روي هذا القول من الصحابة، منهم: ابن عباس وأبو هريرة، وروي عن الإمام
عن
طائفة
جابر بن زيد وغيره من التابعين وهو قول الإمام الشافعي.
وذهب طائفة من الصحابة منهم: ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وطائفة من التابعين كمحمد ابن سيرين، وطائفة من أئمة العلم كالإمام مالك، وهو رواية عن الإمام أحمد إلى تحريم أكل ما لم يُذكر اسم الله تعالى عليه من غير أن يفرّقوا بين أن يكون ترك ذكر اسم الله تعالى عمداً أو نسياناً، وروي عن الإمام مالك والإمام أحمد التفرقة بين حالتي العمد والنسيان كما أيضاً روي عن الإمام أبي حنيفة وهو القول المشهور في المذهب الحنفي، وهذه الأقوال كلها موجودة عند أصحابنا الله كما جاء ذلك في النيل وشرحه.
رحمهم (5/280)
صفحة 2230
الذبائح
281
وهناك قول آخر روي عن أشهب من أصحاب مالك وهو الكراهة إذا كان الترك من غير استخفاف بالاسم الكريم.
وينبغي
أن نناقش وجوه هذه الأقوال مع هذا النص الصريح في القرآن الكريم ومع الأحاديث الكثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي هي صريحة في الأمر بذكر اسم الله تعالى عند الذبح أو عند إرسال السهم أو إغراء الكلب، كما جاء ذلك في أحاديث الشيخين من طريق عبادة بن الصامت وغيره، ومن هذه الأحاديث: «ما أنهر الدم وقطع الجلد وذكر اسم الله عليه فكلوا ليس السن والظفر» (1)، فالحديث صريح في اشتراط ذكر اسم الله تعالى، والعلماء الذين بحثوا في هذا الخلاف مع وجود النص الصريح في القرآن الكريم على النهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه انقسموا إلى قسمين، فمنهم من نظر إلى المسألة من ناحية قواعد اللغة العربية، ومن هؤلاء أبو البقاء في الكليات، فقد صور مناظرة بين الشافعي وأبي حنيفة في هذه المسألة، وذلك أن الإمام أبا حنيفة أخذ يناقش الإمام الشافعي في إباحة إكل ما لم يذكر اسم الله عليه قائلاً له: من أين لك ذلك مع أن الله تعالى يقول: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام (121)، فأجابه: بأن النهي في الآية الكريمة مقيد بكون المذبوح فسقاً، والفسق قد بينته آية أخرى وهي قول الله تعالى: {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145]، وذلك أن الواو واو الحال وليست عاطفة، ومن شأن الحال أن تفيد التقييد، فأجابه الإمام أبو حنيفة: من أين لك ذلك مع أن جعلها للحال أمر مجازي لا يصار إليه إلا مع القرينة الصارفة لها عن حقيقتها وهي العطف، فأجابه: إن القرينة هاهنا قائمة وهي
(1) رواه البخاري في كتاب الشركة باب من عدل عشراف من الغنم بجزور رقم (2372) ومسلم في كتاب الأضاحي باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم رقم (1968). (5/281)
صفحة 2231
282
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
امتناع عطف الخبر على الإنشاء، فأجابه: بأن ذلك ليس مجمعاً عليه وأن التأكيد في قوله إِنَّهُ وفي قوله لَفِسْقٌ» مما يدل على أن الجملة
وجود
غير حالية لأن الحال لا يحتاج إلى تأكيد.
وفي الواقع أننا إذا نظرنا إلى هذه المناقشة رأينا أنها تدور حول جعل الواو للحال أو جعلها للعطف، فمن جعلها للحال استند إلى أن الخبر لا يعطف على الإنشاء، فإن قول الله تعالى: لَا تَأْكُلُوا) إنشاء، وقوله: وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ خبر، والخبر لا يعطف على الإنشاء، ولكن إذا رجعنا إلى الآية نفسها وجدنا ما يدل على أن الواو ليست هاهنا للحال فإن الله تعالى يقول بعد ذلك: {وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَ بِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إنَّكُمْ لَمَشْرِكُونَ} [الأنعام: (121)، ومن المعلوم أن قوله تعالى: {وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآبِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ} [الأنعام: (121) لا يُراد منه الحال، إذ لو كان المراد منه الحال للزم تقييد النهي بهذه الحالة وهي حالة مجادلة الشياطين ومن المعلوم أن الحرف العاطف إذا تخلل الجمل المتعاطفة يجعل حكمها كحكم الجملة الواحدة، وقول الله تعالى: {وَإِنَّهُ لَفِسْقُ) عطف عليه قوله: وَإِنَّ الشَّيَطِين لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَا بِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ، فلو كانت الواو للحال فيه لزم أن ينسحب حكم الحال على الجمل المعطوفة على هذه الجملة، وأيضاً فإن الخبر ها هنا في حكم الإنشاء لأنه سيق مساق التأكيد للإنشاء كما في قول الله تعالى: {وَلَا نَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَدَةً أَبَداً وَأُوْلَيْكَ هُمُ الْفَسِقُونَ} [النور: 4] وإذا كان الخبر مسوقاً مساق التأكيد للإنشاء أعطي حكم الإنشاء وجاز عطفه عليه، على أن الصحيح جواز عطف الخبر على الإنشاء مطلقاً كالعكس كما بينته في غير هذا الموضع (1)، والفريق الثاني من العلماء رد الخلاف إلى
(1) راجع بحث الذبائح المتقدم. (5/282)
صفحة 2232
الذبائح
283
فقد
رد
مسألة أصولية لها ارتباط بهذه المسألة، ومن هؤلاء القرطبي في تفسيره، الخلاف إلى القاعدة المشهورة عند الأصوليين وهي أن الحكم العام هل يكون مقصوراً على سببه الخاص أو أنه لا تأثير لخصوص السبب في تخصيص عموم اللفظ؟ والمشهور عند الأصوليين والفقهاء أنه لا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ، إذ لو كانت العبرة بخصوص السبب للزم قصر عمومات كثيرة على أسبابها الخاصة، وبذلك يكون الحكم لا يتعدى الشخص الذي كان سبباً لوروده، والذين قالوا بأن حكم العموم يقصر على سببه الخاص نظروا إلى أن هذه الآية الكريمة قد نزلت بسبب خاص، فإنه ورد في جامع الترمذي وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن سبب نزول الآية الكريمة أن المشركين احتجوا على المسلمين وقالوا: أنأكل ما قتلنا ولا نأكل ما قتله الله؟ (1) ومعنى أَطَعْتُمُوهُمْ) في الآية الكريمة أي أن أطعتموهم في تحليل الميتة، فهل تكون هذه الآية قاصرة على هذا السبب الخاص ويكون النهي فيها مقصوراً على ما مات حتف أنفه ولم يذكر اسم الله عليه ولا يشمل ما ذبح ولم يذكر اسم الله عليه، أو ينسحب هذا الحكم على كل ما لم يذكر اسم الله عليه سواء مات حتف أنفه بدون ذبح أو مات بذبح؟، والذين يفرقون بين العمد والنسيان يحتجون بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان (2)، كما يحتجون بحديث ورد موقوفاً على ابن عباس وروي أيضاً مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ووقفه هو الصواب: «يجزي الذابح اسمه إذا لم يذكر اسم الله فليسم الله وليأكله» (3)، وجاء أيضاً:
(1) رواه الترمذي في كتاب تفسير القرآن باب ومن سورة الأنعام رقم (3069). (2) رواه ابن ماجة في كتاب الطلاق باب طلاق المكره والناسي رقم (2043). (3) رواه البيهقي في السنن الكبرى كتاب الصيد والذبائح باب من ترك التسمية.
«اسم
الله (5/283)
صفحة 2233
284
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
الله
على قلب كل مسلم، ولكن الحديث موقوف على ابن عباس رضي تعالى عنهما إذ لم يثبت مرفوعاً، ولا حجة في الموقوف إن عورض برأي
آخر من الصحابة، وقد عول على هذا المروي عن ابن عباس جماعة من العلماء فقالوا: إن اسم الله تعالى قارّ في قلوب المسلمين فهو يجزي عن ذكره بألسنتهم عند الذبح، وهؤلاء يُرد عليهم بأن الله تعالى يقول في القرآن: بَلْ هُوَ وَايَتٌ بَيْنَتُ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [العنكبوت: 49]، ومع ذلك فإنه
الله
لا يجزي كونه آيات بينات في صدورهم عن تلاوتهم له في الصلاة، وكما هو معلوم أن النهي لم يأت بصيغة ولا تذبح بدون ذكر اسم الله وإنما جاء بصيغة: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وهو يعم ما ترك ذكر اسم تعالى عليه عمداً أو نسياناً، وبعض العلماء قالوا: إن الذبح إيلام والإيلام يتنافى مع ذكر اسم الله تعالى، وهذا شيء يخالف النصوص القاطعة، ولقد استنكر ذلك ابن العربي المالكي الفقيه المشهور فقال: وأعجب من رأس المحققين إمام الحرمين حيث قال: إن الذبح إيلام وهو يتنافى مع ذكر اسم
الله تعالى، ومما احتج به من أباحوا أكل ما لم يذكر اسم الله عليه ما جاء في الحديث عن عائشة أم المؤمنين الى أنها قالت سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذبائح الأعراب وقيل له: لا ندري أذكروا اسم الله عليها أم لا؟ فقال: «سموا الله أنتم وكلوا» (2) وذكر بعضهم بأن الحديث يؤكد وجوب ذكر اسم الله ولكنه يعين ذكر اسم الله تعالى وأنه في حالة الأكل لا في حالة الذبح، ولكن هذا الرأي مردود لأن الله تعالى يقول: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121] و «لا تخلص المضارع للاستقبال و لم تصرفه إلى المضي وليست هنالك حالة في المضي قبل حالة الأكل إلا حالة الذبح، ومما يؤكد ذلك
(1) رواه البيهقي في السنن الكبرى كتاب الصيد والذبائح من ترك التسمية. (2) رواه البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب طبيحة الأعراب، رقم (5188). (5/284)
صفحة 2234
الذبائح
285
قول الله تعالى: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَ) [الحج: 36] ولا ريب أن ذلك في حالة النحر لا حالة الأكل، أما قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «سموا الله أنتم وكلوا» (1) فإنه إنما يدل على التسامح في ذبائح المسلمين وإن أسلموا من جديد أو كانوا من الأعراب حسن ظن بهم، فإن الأصل في ذبيحة المسلم أن تكون موافقة الطريقة المشروعة الجائزة.
ويستخلص من هذا كله أن الراجح أن الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها تحرم سواءً كان الترك عمداً أو نسياناً، من دون تخطئة لمن لم يقل بهذا القول، أما الذبائح المستوردة من بلاد أخرى فالنظر إلى الجهة المستورد منها، هل هي بلد إسلامي أو غير إسلامي، فإن كان البلد الذي استوردت منه بلداً إسلامياً فيحكم على ذبائحهم أنها محللة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذبائح القوم الذين كانوا جديدي عهد بدخول الإسلام: «سموا الله أنتم وكلوا»، وأما إذا كانت مستوردة من بلد غير إسلامي فلا بد من ضامن يضمن ذبحها على الطريقة المشروعة في الإسلام، لا سيما في هذا الوقت الذي كثر فيه الذبح بالطرق غير المشروعة في الإسلام كالخنق وكالصعق الكهربائي، ومع ذلك فلا بد من أن يضمن هذا الضامن أن الذابح ممن تجوز ذبيحته في الإسلام والله الله أعلم.
كثير من الناس عندما يذبح الذبيحة يقطع عظمة الرقبة والبعض الآخر يقطع الرقبة كاملاً، فهل يجوز ذلك أم لا؟ وإذا كان لا فكيف تكون الطريقة الصحيحة؟ ينهى عن ذلك ولكن، إن وقع ذلك خطأ فلا حرج، والطريقة الصحيحة
(1) رواه البخاري في كتاب الذبائح والصيد باب «ذبيحة الأعراب» ونحوهم رقم (5188). (5/285)
صفحة 2235
286
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
هي
أعلم.
قطع الودجين والحلقوم والمريء ويبقى ما بعد ذلك والله تعالى
ما رأيكم في قطع عظم الرقبة أثناء الذبح هل هو جائز أم أنه محرم أم
مکروه؟
لا يجوز قطعه جميعاً عمداً، ومن
الحلقوم والمريء والودجين والله أعلم.
أخطأ فلا حرج عليه، وإنما يجب قطع
في محلات الدواجن يتم الذبح بطريقة معكوسة، الرأس في الأسفل والأرجل في الأعلى، فما حكم هذا الذبح؟
هذه الطريقة لا تؤدي إلى حرمة الذبيحة والله أعلم.
ما رأيكم في عقر البقرة واقفة؟ وهل حكمها كحكم الإبل في العقر؟ اختلف في البقر هل تنحر كالإبل أو تذبح كالغنم، والثاني هو الراجح لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67) وعند من يختار النحر فإنها تنحر قائمة على ثلاث مع كف يدها والله أعلم.
ما الذي يجب قطعه من رقبة الذبيحة عند الذبح في الذكاة الشرعية؟ وهل تموت الذبيحة بذلك؟
يجب قطع الودجين والحلقوم والمريء وبذلك تموت الذبيحة إن شاء
الله والله أعلم.
هل يجوز قطع العظم الذي يوجد في الرقبة (والذي يسمى عندنا بالقفل)؟ وهل تكون الذبيحة حلال إذا تم قطع ذلك العظم؟
إنما يمنع قطع النخاع وما دون النخاع لا يمنع
قطعه والله أعلم. (5/286)
صفحة 2236
الذبائح
287
شخص مرت عليه فترة طويلة وهو يقطع عظم الرقبة أثناء الذبح جهلاً
منه، فماذا عليه في الذبائح التي أكلها؟
ليس عليه في ذلك شيء فيما مضى، وليحذر قطع النخاع في المستقبل
والله أعلم.
رحمهم
القفا
ورد الخلاف بين الفقهاء في مسألة الذبح من القفا) فعن الأصحاب - الله تعالى - بأنهم يفرقون في حكم الذبيحة التي ذبحت من بين الخطأ والعمد، ولكن ورد عن الشيخ السالمي رحم الله في جوهره: وكل من يفعله ألقاها وظاهره التشديد في ذلك. فما معتمد الأصحاب في ذلك؟ وما هو القول الراجح في هذه المسألة؟
ولا يجوز الذبح من قفاها
الذبح من قفاها يؤدي إلى قطع النخاع المنهي عنه قبل قطع الأوداج،
فلذلك شدد الإمام السالمي رحمه لله في ذلك والله أعلم.
عما
طلبة عُمانيون في أمريكا يقولون: نواجه بعض الصعوبات في الحصول على محلات لبيع اللحم الحلال وإن وجدت فهي بعيدة جداً. والسؤال
ما رأيكم في اللحوم المقدمة في المطاعم والمحلات غير المسلمة؟ أولاً: علينا أن ندرك بأن ذبح الحيوان لا بد أن يكون بطريقة لا تختلف شرع الله الله، والله سبحانه قد حرّم في أحوال عديدة ما هو حلال في الأصل وذلك لتلبسه بما أدى إلى حرمته، وهو ما نص عليه قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصْبِ} [المائدة: 3]، فلئن كانت هذه اللحوم مذبوحة بطريقة شرعية ممن تجوز ذكاته شر
عاً، (5/287)
صفحة 2237
من
288
الفتاوى الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
وذلك بأن يكون المذكي مسلماً، أو كتابياً مع تيقن كتابيته ـ فإن أغلب الغربيين أصبحوا اليوم ملاحدة ولم يعودوا كتابيين ـ ففي هذه الحالة لا مانع أكلها إن لم تكن إماتتها بطريقة غير جائزة شرعاً، إذ لم يكن الله تعالى ليحرم الوقذ من مسلم ويبيح الموقوذة إن كان واقذها كتابياً، فإن الموقوذة محرمة سواء كان الواقد مسلماً أو كان كتابياً أو غيرهما، وكذلك حرّم تبارك وتعالى المنخنقة، سوءاً كان الخانق كتابياً أو مسلماً أو من سائر الملل أو اختنقت بنفسها من غير أن يخنقها أحد، وهكذا يحرم كل ما كان مذبوحاً على غير الطريقة الشرعية، والله المستعان.
ما ذبح لغير الله:
الله
بعض من الناس يذبحون في اليوم العاشر من رجب باعتباره عيداً فما حكم من أكل منه أو من ذبح في منه أو من ذبح في ذلك اليوم باعتقاده أنه إطعام؟ ليس هو بعيد واعتباره عيداً بدعة، وما ذبح للبدعة يجب التنزه عن الأكل منه، لأنه لم يذبح الله والله أعلم.
أراد رجل أن يضحي بشاة في حرم مسجد من المساجد ثم يقوم بتوزيعها على من حضر من الفقراء والمساكين بالتساوي، فهل يجوز ذبح الأضحية في حرم المساجد؟
يجب تنزيه المساجد من كل ما يلوثها، فلا يجوز الذبح في حرمه
والله أعلم. (5/288)
صفحة 2238
الصيد:
الذبائح
289
ما رأيكم في بيع واستئجار كلاب الصيد؟
جاء في الحديث الصحيح النهي عن ثمن الكلب، ففي مسند الإمام الربيع ابن حبيب: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن (1). ورواه الشيخان عن أبي مسعود الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب .. إلخ، له ورواه أصحاب السنن وغيرهم (2)، وهو محمول على التحريم لأنه الأصل في النهي ولم يفرق أكثر العلماء بين كلاب الصيد وغيرها لعموم النهي، ولأن حكم النجاسة شامل لها وهي علة النهي عندهم، وذهب عطاء والنخعي إلى جواز بيع كلب الصيد دون غيره، واستدل له بما أخرجه النسائي من حديث جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب إلا كلب الصيد (3). ولئن ثبت هذا الحديث فلا مناص عن الاعتماد على تخصيصه لعموم النهي لأن الخاص مقدم على العام، ويسوغ أن يقاس عليه ما أبيح اقتناؤه لمنفعة كما جاء في مسند الإمام الربيع من طريق عائشة ا مرفوعاً: من اقتنى كلباً لا لزرع ولا لضرع نقص من أجره كل يوم قيراط» قال جابر: وفي رواية قيراطان (4) ورواه مالك في الموطأ والشيخان في صحيحيهما
(1) رواه الربيع، كتاب الأشربة من الخمر والنبيذ، باب في المحرمات، رقم (633). (2) رواه البخاري، كتاب البيوع، باب موكل الربا، رقم (980)، ومسلم، كتاب المساقاة، باب تحريم ثمن الكلب رقم (1567)، وأبو داود، كتاب البيوع، باب في حلوان الكاهن، رقم (3428)، كتاب النكاح، باب ما جاء في كراهية مهر البغي، رقم (1133)، والنسائي، كتاب الصيد والذبائح، باب النهي عن ثمن الكلب، رقم (4292). (3) رواه النسائي، كتاب الصيد والذبائح، باب الرخصة في ثمن كلب الصيد، رقم (4295). (4) رواه الربيع، كتاب الأيمان والنذور، باب في الترويع والكلاب، رقم (712). (5/289)
صفحة 2239
290
الفتاوى
الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
(1)،
من حديث سفيان ابن أبي زهير ه)، وهو ظاهر ما في النيل وشرحه فقد قال صاحب النيل الله في ذكر مناهي البيوع وثمن كلب غير معلم. قال القطب في شرحه وأجاز الشيخ أن تأخذ ثمن الكلب إذا بعته لمن يكسبه لضرع وزرع أو صيد، ومراده بالشيخ صاحب الإيضاح غير أني لم أجد في الإيضاح هذا التفصيل، وإنما حكى فيه الخلاف في جواز بيع الكلاب ونصه: وأما ما كان فيه اختلاف العلماء فإن بيعه على قدر اختلافهم، فمن حرم حرم ومن حلل حلل ومن كره كره ولا يقطعون عذر من يفعل شيئاً من ذلك، مثل ثمن الكلاب وغيرها من ذوات المخالب والأنياب ثم ذكر حديث ابن عباس ولعله فصل في مكان آخر.
هذا ولئن ساغ بيع كلاب الصيد فلا ريب أنه يجوز أخذها بالأجرة إن كان ذلك لمدة معلومة وبأجر معلوم حتى ينتفي الغرر والله أعلم.
(1) رواه البخاري، كتاب المزارعة باب اقتناء الكلب للحرث، رقم (2198)، ومسلم، كتاب المساقاة، باب الأمر بقتل الكلاب، رقم (1574). (5/290)
صفحة 2240
الأطعمة (5/291)
صفحة 2241
الفاوي (5/292)
صفحة 2242
أكل الطيبات (1)
الأطعمة
293
يقول الله تبارك وتعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَأَشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ).
ارتباط الآية بما قبلها:
هذه الآية فصلت عما سبقها ولم تعطف عليها لأجل ما بينهما من كمال الانفصال، ومهما يكن فإن التناسب بينها وبين ما سبقها واضح، ذلك لأن الله الله أباح لعباده - وهم مطلق البشر - فيما سبق أكل الطيبات من الرزق، وحذرهم من اتباع مسالك الغي والضلالة بتقليد الآباء والرؤساء في تحريم ما أباح الله من الطيبات وتحليل ما حظر من الخبائث، وضرب مثلاً لأولئك من ينعق بمن لا يسمع دعاء ولا نداء، ثم وجه هذا الخطاب من بعد لعباده المؤمنين، والخطاب السابق وإن كان شاملاً لجميع طوائف الناس، بحيث يدخل فيه المؤمنون وأهل الكتاب والمشركون على الصحيح، فإن تخصيص هذا الخطاب بالمؤمنين لأجل التنويه بمكانتهم، والتعريف بقدرهم، ومن ناحية أخرى فإنه يحتمل - كما قال بعض المفسرين - أن يكون وضع المؤمنين في الرغبة فيما عند الله واحتقار الدنيا بجانب الدار الآخرة التي هي منتهى الترحال، والتي أعد الله فيها لعباده المتقين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، من دواعي الصدود عن تناول كثير من الطيبات التي خلقها الله الا الله في هذه الأرض لعباده، فبينت لهم هذه الآية الكريمة أن الطيبات لا ينبغي
(1) أصل هذه المادة تفسير الآية (172) من سورة البقرة من دروس التفسير التي يلقيها سماحة المفتي العام للسلطنة أحببنا إلحاقها بالكتاب إتماماً للفائدة. (5/293)
صفحة 2243
294
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
لأحد أن يتجنب تناولها تديناً، وعفة لأن الله لا أباحها، وتناولها
أسباب شكره وعل.
•
من
وذكر الفخر الرازي أن الآيات السابقة من هذه السورة كانت تدور حول العقيدة، وأن هذه الآية وما بعدها دخول في جانب آخر من مقاصد القرآن وهو جانب التشريع، وسوّغ الإمام محمد عبده ما قاله الفخر، وذكر أن ما جاء في الآيات السابقة من ذكر الأحكام الشرعية إنما جاء عرضاً واعتراضاً، والمحور الذي تدور عليه الآيات السابقة هو العقيدة، لأنها في الداعي وهو الرسول صلى الله عليه وسلم وفيما أنزل عليه، وخطاب بني إسرائيل الذي أخذ جانباً كبيراً مما تقدم من الآيات لم يخرج عن ذلك، فإن كل ذلك لأجل تقرير أن هذه الدعوة التي بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي حق من عند الله وعل، وأنها لا يشوبها شيء من شبه قد تغطي شيئاً من جوهرها عن عقول الناس.
أما هذه الآية وما بعدها من الآيات فإن المقصود فيها بالأصالة جانب التشريع، وذلك أن الله يا الله بيين بعدما أحل لعباده هنا الطيبات ودعاهم إلى تناولها ما يحرم عليهم من أنواع المأكولات، ثم بعد ذلك تناولت الآيات جوانب متعددة من الأحكام التشريعية؛ كجانب الإنفاق والإيصاء والقصاص والصيام والحج والقتال والنكاح والعدة والإيلاء، وغير ذلك من الأحكام التي انتهت بقول الله: وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَاعُ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) [البقرة: 241]، ثم بعد ذلك كان سياق الآيات جانب آخر وهو جانب التاريخ وذلك في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفُ حَذَرَ الْمَوْتِ} [البقرة: 243] وهكذا استمرت الآيات تتناول تارةً جانب التاريخ وتارةً أخرى جانب التشريع وعلى أي حال فإن التناسب الذي بين موضوع وآخر من الموضوعات التي يتناولها الكتاب العزيز كالتناسب الذي يكون بين (5/294)
صفحة 2244
الأطعمة
295
آية وأخرى، فالقرآن الكريم لم ينزل مفككاً بل أنزل مترابطاً، وجمع القرآن الكريم بتوقيف من الله الله على لسان الشارع عليه أفضل الصلاة والسلام، الذي كان يأمر أن توضع كل آية من الآيات موضعها من السورة، وأن تكون السورة التي شاء الله أن تكون فيها متناسقة في ترتيبها منسجمة في
نظمها.
المنادى في الآية الكريمة:
والنداء في قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) لمطلق المؤمنين، ولا أرى وجهاً للذي سوغه الإمام أبو حيان وهو أن يكون خاصاً ـ وإن كان لفظه عاماً ـ بأهل المدينة، لأن خطاب القرآن الكريم خطاب يوجه إلى جميع البشر، ويتخطى حدود الزمان والمكان فلا يحصر في طائفة معينة من الناس، فهو تشريع مستمر وليس خاصاً بأهل المدينة وحدهم، كيف وما ينطوي عليه حكم عام يشمل جميع المؤمنين، فلذلك كان هذا الخطاب ـ على القول الصحيح ـ متجاوزاً لحدود الزمان والمكان، فهو يتجاوز حدود العصر الذي بعث فيه الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، ويتجاوز أيضاً حدود المكان الذي تنزلت فيه الآية الكريمة.
حكم الأمر في الآية الكريمة:
الأمر في قوله: (كُلُوا) هو أمر إباحة عند جمهور المفسرين، وسوغ بعضهم أن يكون للإباحة تارة وللندب تارةً، وللوجوب تارةً أخرى؛ باختلاف المقامات ذلك لأن مطلق الأكل - مع غض النظر عن العوارض الذي تعرض له ـ هو مباح، لأن منفعته دنيوية، ولكنه قد يكون مندوباً إليه إذا كان الأكل مع ضيف يشق عليه أن يأكل بنفسه، ويكون للوجوب إذا (5/295)
صفحة 2245
296
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
كان بدونه يضعف المسلم عن أداء الواجبات الشرعية التي كلفه الله بها وذلك لضعف بدنه إن لم يأكل، فيضعف مثلاً عن إقام الصلاة والصوم وأداء
مناسك الحج.
وذهب الإمام محمد عبده إلى أن هذا الأمر للوجوب ونفى أن يكون للإباحة، ولم يفصل وجه كونه للوجوب إلا أنه أتى ببعض الإشارات التي يفهم منها أن نزول هذا الأمر كان لأجل صرف المسلمين عن منهج القوم الكافرين، سواء أكانوا من أهل الكتاب أو المشركين، فإنهم قد حرموا على أنفسهم طيبات أحلت لهم، واعتبروا بأن عدم الأكل من هذه الطيبات من باب الدين فكان أمر المسلمين بأن يأكلوا منها للاستقلال بهم عن مهيع أهل الكفر والخروج بهم عن الفكر الجاهلي العقيم، ولأجل تقرير عقيدتهم في حكم هذه الطيبات التي خلقها الله الا الله لعباده، ولأن أولئك القوم الذين كانوا يحرمون هذه الطيبات إنما كانوا يستوحون هذا الحكم من وساوس الشياطين وتقليد الرؤساء الحاضرين والغابرين
6
فكان فعلهم ذلك مخالفة صريحة لما حكم الله له و به وشرعه لعباده، فلذلك كان الواجب على المسلمين أن يكون صنيعهم مخالفاً لصنيع أولئك، واختار القطب في الهميان مذهباً آخر - ولم يشر إليه في التيسير - وهو أن يكون في الآية تركيب مجازي - وليس باستعاري ـ بأن تكون هذه الآية سيقت مساق الأمر بالأكل من الطيبات مع أن المقصود بذلك النهي عن الأكل من الخبائث وحقيقة الأمر أن تحريم الأكل من الخبائث يستفاد من إباحة الطيبات، فإن المباح إذا كان محصوراً فيما كان طيباً أن الخبيث خارج عن إطار هذا المباح، لعدم إمكان أن يكون
فلا ريب الخبيث كالطيب. (5/296)
صفحة 2246
الطيبات والمراد بها:
الأطعمة
297
:
والمقصود بقوله الا الله: الطَّيِّبَتِ) في هذه الآية الكريمة ـ على القول الصحيح - كل ما أحل الله وعل، وبخلاف ذلك كل ما حرم الله فهو معدود من الخبائث، وقد أجاد ابن تيمية في بيان ماهية هذه الطيبات التي أباحها الله سبحانه، حيث قال: إن الطيبات التي أباحها الله تعالى لعباده ما كان غير ضار بالعقل والأخلاق أما ما كان ضاراً بهما فهو خارج من حيز الطيبات، وهو في تعداد الخبائث، ولذلك كانت تحريم الخمر أم الخبائث، لأجل إضرارها بالعقل ودفعها إلى أنواع من المنكرات، وعلى العبد أن يدرك أن كل ما أباحه الله الله هو نافع غير ضار إذا تناوله بالطريقة الطبيعية المباحة، ولم يتعد في هذا التناول الحدود الشرعية المعقولة، أما ما كان من المحرمات فعلينا أن نقطع جازمين بأنه خبيث مهما بدا للناس أنه طيب لا مضرة فيه. والدليل على أن المقصود بالطيبات هنا ما أحل الله وعل أمران: أولهما: أن الله تعالى وصف رسوله في سورة الأعراف بقوله: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبيثَ} [الأعراف: 157]. ثانيهما: ما رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي وابن أبي حاتم وابن المنذر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: يَأَيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَلِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون: 51] وقال: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ} [البقرة: 172]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يرفع يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك» (1)
(1) رواه مسلم، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة (1015). (5/297)
صفحة 2247
298
الفتاوى الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
فسرد النبي هذه الآية الكريمة في معرض التحذير من الحرام دليل على أن المقصود بالطيبات فيها ما كان حلالاً محضاً.
أقسام الرزق
وقد استدل بهذه الآية الكريمة جمهور الأمة الذين يقولون بأن الرزق ينقسم إلى حلال وحرام وذلك مخالف لقول المعتزلة الذين يقولون بأن الرزق لا يكون إلا حلالاً، وما كان حراماً لا يعد رزقاً، وقد سبق أن تحدثت عن هذه المسألة في الدروس السابقة، ودونت ما ذكرته في الجزء الثاني من التفسير، ورجحت ما ذهب إليه الإمام ابن أبي نبهان من أن هذه المسألة لا تعد من مسائل الأصول التي يضلل فيها المخالف، وإن كان الراجح ما ذهب إليه الجمهور، ووجه دلالتها على ذلك دلالة من على التبعيض في قوله يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ} [البقرة: 172]، ومعنى ذلك أن ما رزق الله منه ما يكون طيباً ومنه ما لا يكون طيباً، والطيب هو الحلال، وغير الطيب هو الحرام، وكان تخلص المعتزلة من ذلك أن قالوا: بأن المقصود بالطيبات المستلذات كما ذهب إلى ذلك الزمخشري، وقد مال إلى هذا الرأي جماعة من المفسرين من غير المعتزلة، ومنهم من جعل ذلك مما يسوغ تفسيرها به ولكن الآية الكريمة - التي في سورة الأعراف ـ وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم اللذان تقدم ذكرهما يدلان على أن المقصود بالطيبات
الحلال.
والأمر بالأكل من الطيبات، وإن كان من حيث لفظه محصوراً في الانتفاع بالأكل إلا أنه من حيث معناه يشمل جميع جوانب الانتفاع، فلا يحصر في الأكل دون غيره، وإنما ذكر الأكل وحده هنا لأن قوام البنية به، وإلا فالله الله أباح لعباده الانتفاع بأنواع الطيبات فالمشرب الطيب والملبس (5/298)
صفحة 2248
الأطعمة
299
الطيب والمركب الطيب والمنكح الطيب كل ذلك مباح، وكل ذلك إنما هو ما كان وفق حكم الله الا الله، أما ما كان مخالفاً لحكمه فهو خارج عن إطار الطيبات ومعدود في ضمن الخبائث.
شکر
الله على نعمه:
-
بعدما أباح الله الله لعباده الأكل من الطيبات في هذه الآية الكريمة أمرهم بشكره، والأمر بالشكر أمر وجوب وإن كان معطوفاً على أمر إباحة. عند من يقول إن الأمر السابق للإباحة - ذلك لأن الشكر مقابل بالكفر، فالله يقول: «إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَا كَفُورًا) [الإنسان: 3) فمن لم يکن شاكراً للنعمة كان كافراً بها، وحكى الله سلام الله عن عبده سليمان لأنه قال: لِيَبْلُوَنِي أَشْكُرُأَمْ أَكْفُرُ} [النمل: 40، وقال الله لك فيما سبق من هذه السورة: {وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152].
فيستفاد من ذلك كله أن الشكر والكفر، نقيضان، والنقيضان ـ كما قيل - لا يرتفعان معاً ولا يجتمعان معاً، أي لا يمكن أن لا يوجد شكر ولا كفر، ولا يمكن أن يجتمع في آن واحد وبأمر واحد شكر على النعمة وكفر بها، والله وحل حض عباده على الشكر ووعدهم بالزيادة من نعمائه عليهم: لين شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) [إبراهيم: 7]. فلما كان المقابل للشكر أمراً متوعداً عليه بالعذاب الشديد فالشكر من الواجبات، لأنه إذا ارتفع الشكر بعدم القيام بواجب النعمة الذي فرضه الله الله كان ذلك كفراً لها، ولا يعني ذلك أن يكون هذا الذي لم يشكر النعمة كافراً كفراً مليّاً بحيث يخرج من ملة الإسلام، وإنما هو كفر نعمة وهو عدم القيام بواجب الشكر لهذه النعمة. (5/299)
صفحة 2249
الفتاوى
الذبائح - الأطعمة - التدخين
ومما يدعو إلى الاستغراب ما ذكره الفخر الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة في معرض الحديث عن الشكر، حيث استبعد أن يكون الشكر اللساني والشكر البدني واجبين، وذلك أنه قال ـ ما معناه ـ: لئن قال قائل: كيف يكون الشكر واجباً مع أن الشكر إن كان اعتقاد النعمة من المنعم فهذا أمر حاصل والدعوة إليه تحصيل للحاصل، لأن العقلاء لا يفوتهم ذلك، وإن كان العزم على القيام بالشكر اللساني والبدني، فإن العزم على الشيء حكمه حكم ذلك الشيء، وبما أن الشكر البدني والشكر اللساني غير واجبين فكذلك العزم عليهما غير واجب وبيان أن الشكر اللساني غير واجب أن الشكر اللساني هو الثناء على الشاكر والاعتراف له بالنعمة، وهو من غير الواجبات بل هو معدود في المندوبات اتفاقاً، وأما الشكر البدني فهو أيضاً غير معدود في الواجبات وإنما هو في حكم المندوبات، وخلص من إلى القول بأن الشكر الواجب المأمور به هو تعظيم الشاكر لأجل نعمته، وأما عبادة الشاكر للمنعم من أجل استشعار نعمته عليه، والاعتراف باللسان
ذلك
وإظهار ذلك بالجوارح أمر واجب عند دفع التهمة، وهذا من الغرائب. فإن الله الله فرض علينا شكره وأمرنا به والأمر للوجوب ما لم يصرفه قرينة عنه هذا من ناحية ثم إنه و قابل الشكر بالكفر وجعلهما نقيضين حيث قال: لِيَبْلُوَنِي أَشْكُرُأَمْ أَكْفُرُ} [النمل: (40) {إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ولا منزلة بين منزلتي الشكر والكفر، وبما أن الكفر متوعد عليه فالشكر من الواجبات لأنه نقيض للكفر، فكيف يكون الشكر غير واجب؟ على أن شكر النعمة في الحقيقة هو الوفاء بحقها، وذلك باستخدامها فيما يعود بالمصلحة على الذي أنعم الله الله عليه بها وعلى أمته ومجتمعه، وذلك أمر لا ريب أنه واجب، فإذا لم تستخدم النعمة في الصالحات انقلب الأمر إلى ضد ذلك وكان استخدامها في السيئات وقد قال العلماء: إن الشكر (5/300)
صفحة 2250
الأطعمة
301
هو وضع النعمة في موضعها واستغلالها فيما خلقت لأجله، والله الله عندما
مع
خلق هذا الكون وسن نواميسه ثم شرع، شرائعه كانت الشرائع منسجمة نواميس الكون، فما فرضه الله الا الله يبعد محافظة تامة على سنن الله تعالى ونواميسه في هذا الوجود، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم الكثيرة فيها الدعوة إلى شكر النعمة.
وذهب قطب الأئمة في التيسير في تفسير هذه الآية الكريمة إلى أن الشكر المقصود هنا هو الشكر اللساني، لأن الله لا أتبع الأمر بالشكر بقوله: وإِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172]، والعبادة تشمل جميع أنواع الشكر.
فحمل الشكر على الشكر الشامل لاعتقاد الجنان وقول اللسان وفعل الأركان، يعني ذلك أن يكون المراد اشكروا الله إن كنتم إياه تشكرون) وفي هذا ركاكة في التعبير، وأسلوب القرآن الكريم أجل وأسمى من ذلك، هذا حاصل ما قاله في التيسير وما ذهب إليه في الهميان مخالف لذلك، فقد ذكر في الهميان أن المراد بالشكر في الآية الكريمة هو استخدام الجوارح بنعم الله وانتفعت بها في عبادته، وفي الإنفاق من هذه النعمة.
التي
تغذت
ومذهب الإمام محمد عبده أن الشكر المراد في هذه الآية الكريمة هو استخدام هذه النعم بحسب ما تقتضيه سنن الله الله والانتفاع بها طبق نواميسه ول، مع الاعتراف بنعمائه سبحانه باللسان، واعتقاد تعظيمه
بالجنان، واستخدام الأركان فيما يرضيه تعالى من أنواع الطاعات والبر. وأضاف إلى ذلك بعد أسطر بأن من الشكر أن ينفع الإنسان بنعمة الله سبحانه نفسه وأمته وجنسه. (5/301)
صفحة 2251
302
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
التفكر في النعم مدعاة لشكرها:
قد سبق أن ذكرت بأن الشكر على نعمة الله و سلام الله من الواجبات كما تقتضيه الدلائل العقلية والشرعية وهناك حوافز كثيرة تحفز الإنسان إلى الشكر، أهمها التفكر في آلاء الله ومراحل أطوارها وحلقات أسبابها، وعجل ليدرك عظم نعمة الله تعالى التي أسبغها عليه فإن النعمة التي تصل إلى العبد صفواً عفواً قد مرت بحلقات من الأسباب ومرت بأطوار متعددة حتى وصلت إليه، فلقمة العيش التي يتناولها قد مرت بالكثير من الأطوار وتنقلت بين العديد من الأسباب، فالله الا الله أنزل الماء من السماء وجعله مخزوناً في الأرض، ثم هيا الله بحكمته من يغرس في هذه الأرض، وهيأ وسائل الغرس والزرع من دواب وآلات وغيرها، وقد مر كل ذلك بالعديد من الأسباب أيضاً، ثم إن الله تعالى هيأ من يستصلح هذا الزرع، ثم هيأ له من يحصده، ثم من ينقله إلى البلد الذي فيه من كتب له أن يكون رزقه، فقد ينقل المزروع من أقاصي الأرض في المغرب ليأكله من هو من أقاصيها في المشرق، فكم من فواكه ومطعومات تصلنا من أستراليا وأمريكا وغيرهما في بلاد الشرق والغرب، وقد هيأ الله الله وسائل متنوعة للنقل من تلك البلاد البعيدة القاصية حتى تصلنا هذه المأكولات هنيئة مريئة.
ثم إن من هذه المطعومات ما يمر بمراحل أخرى تستفرغ فيها طاقات من العمل كالدوس والطحن وغيرهما من أنواع الاستصلاح، ثم يأتي دور الطبخ، وقد هيأ الله الله النار التي يطبخ بها كما هيأ الآلة التي يطحن بها، حتى يكون الطعام صالحاً للأكل فيأكله من رزقه هنيئاً مريئاً، فيتغذى الجسم بجوهره ويفرز فضلاته بكل سهولة ويسر، فهذه من أجل نعم الله كل التي يجب على العبد أن يتفكر فيها، وأن لا يمر بها - مرور الكرام ـ من غير أن (5/302)
صفحة 2252
الأطعمة
في
يمعن النظر في أسبابها ومراحلها، فلو شاء الله ولا إمساك قطر سمائه فبأي وسيلة يستطيع الإنسان أن يستنزل ما أمسك الله وبأي وسيلة يمكنه أن يغرس هذه الأرض؟! ولو شاء الله إمساك نبات أرضه كيف يكون هذا الإنبات؟! وإنما ذلك كله بمشيئة الله وحكمته وكل، والله وكان يفتح عقول البشر على هذه الحقائق في آيات القرآن الكريم في مواضع عديدة، منها قوله الله: فلينظر الْإِنسَنُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَا صَبَيْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبَا وَقَضَبَا وَزَيْتُونَا وَنَخَلاً * وَحَدَابِقَ غُلَبًا * وَفَكِهَةٌ وَأَنَا مَنَعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَمِكُمْ} [عبس: 24 - 32]، وقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَتَهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَدِرُونَ فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّتٍ مِّن نَخِيلٍ وَأَعْنَبٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ} [المؤمنون: 18 - 20]، ويقول: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنيتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَبَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 10، 11] ولم يكن تبيان ذلك هذه الآيات وأمثالها إلا دعوة إلى التفكر في آلاء الله.
6
في
ولو فكر الإنسان في الثوب الذي يلبسه لأدرك عظم نعمة الله تعالى عليه فإنه لم يتهيأ له لبسه إلا بعد أن مر بمراحل تسلسلت فيها حلقات من الأسباب التي أخذ بعضها بحجزة بعض فقد غرست شجرة قطنه وسقيت واستصلحت، ثم بعد ذلك نسج بالآلات، ثم كانت الخياطة، والله الله هو الذي هيأ الأيدي العاملة والآلات المتعددة في كل ذلك، وهيأ الأسباب من الماء وغيره، ومن صلاحية الأرض للنبات، فكل ذلك يستدعي شكر الله وعل على هذه النعمة، ولذلك عندما أراد الله تبارك وتعالى أن يذكر عباده بهذه (5/303)
صفحة 2253
304
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
النعم في سورة عبس ابتدأ ذلك بقوله: {قُتِلَ الْإِنسَنُ مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَرَهُ ثُمَّ أَمَانَهُ، فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ كَلَّا لَمَا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَنُ إِلَى طَعَامِهِ .. } [عبس: 17 - 24].
ففي التفكر في آلاء الله الا الله ما يحفز على شكرها، ومن فضل الله وعل على عباده أنه يرضى باليسير منهم، فقد جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم من طريق أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله ليرضى من العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها)، يرضى الله من عبده عندما يأكل الطعام أن يقول: الحمد لله، وعندما يتناول الشراب أن يقول: الحمد لله، هذا بجانب استخدام هذه النعم في القيام بالواجبات وعدم استخدامها في المعاصي ولم يكلف الله الله عبده بعد كل شربة يشربها أو أكلة يأكلها أن يقوم فيصلي مئة ركعة أو أقل من ذلك أو أكثر أو نحو ذلك مما يشق على النفس، وهذا من فضل الله على عباده، ولو شاء ذلك لكان منها عدلاً.
والشكر يتعدى بنفسه ويتعدى باللام.
خاتمة الآية الكريمة:
اختتمت هذه الآية بقوله الا الله إن كُنتُم إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} مع أن الشكر واجب على أي حال فلماذا اختتمت بذلك؟
قال بعض العلماء: «إن» بمعنى إذ أي إذا كنتم إياه تعبدون، واستبعد ذلك أبو حيان، وهو بعيد، ذلك لأن إن» بالكسر لا تأتي بمعنى «إذ» وإنما التي تأتي بمعنى «إذ» «أن» بالفتح كما سبق، فقوله: {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}
(1) رواه مسلم كتاب الذكر والدعاء، باب استحباب حمد الله، (2734). (5/304)
صفحة 2254
الأطعمة
305
ليس المراد به إذ كنتم إياه تعبدون، ومنهم من فسّر العبادة هنا بالمعرفة فقال إن المعنى: إن كنتم إياه تعرفون، ومنهم من فسرها بالقصد أي إن كنتم تقصدون إفراده الله بالعبادة، وقد وصف الألوسي كل واحد من هذين القولين بالانحطاط.
عن
وعليه فما فائدة تعليق الأمر بشكر نعمته على كونه يعبدونه: إن كُنتُم إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) أنه مع من المعلوم قطعاً أنهم مطالبون بالشكر سواء عبدوا الله أم لم يعبدوه، وهم لأنهم مؤمنون لا ريب أنهم إياه يعبدون، والجواب ذلك أن قوله سبحانه: {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} سيق لأجل هز مشاعرهم وإيقاظ أحاسيسهم بأن الله له الا الله كما أنهم يفردونه بالعبادة عليهم أن يفردوه بالشكر، لأن الشكر من ضمن هذه العبادة، فإن من لم يشكر الله لم يعبده. وأما ما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من لم يشكر الناس لم يشكر الله) (1)، فليس المراد بذلك أن يكون شكر الناس كشكر الله، لأن شكر الله وعل شكر عبادة وخضوع وانقياد وطاعة مطلقة، أما شكر العباد فهو الاعتراف بالجميل الذي يسدونه والدعاء لهم بالخير ومكافأتهم على هذا الجميل، وهذا الذي عناه الشاعر في قوله:
أفادتكم النعماء مني وشكر الله الله هو عقيدة في القلب، بأنه هو وحده المنعم المتفضل على العباد، فما من نعمة حسية أو معنوية إلا وهو المنعم بها، والقيام بحق هذه النعمة إنما هو باستخدامها في طاعة الله والاستعانة بها على عبادته، والاعتراف بأنه تعالى وحده المنعم على هذا الشاكر الذي أسبغ عليه هذه
ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا
(1) رواه أبو داود، كتاب الأدب، باب في شكر المعروف، (4811)، والترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الشكر، (1954). (5/305)
صفحة 2255
306
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
النعمة، فيتبين بهذا أن هذه الآية الكريمة سيقت خاتمتها مساق قول القائل «إن كنتُ أخاك فأحسن إلي» مع أنه يطالبه بالإحسان على أي حال، ولكنه يريد أن يهز من، عطفه، وأن يحرك مشاعره بقوله: «إن كنتُ أخاك فأحسن إليّ». وكما يقول السيد لمملوكه: «إن كنت سيدك فأطعني». فليس المقصود بذلك أنه لا يطالبه بهذه الطاعة إلا إذا كان سيداً له، ولكن المقصود بذلك أن ينبهه بأنه له سيد، وأن طاعته عليه واجبة.
وقد ذكر الإمام محمد عبده بأن هذه الآية لا يتصور معناها ومغزاها إلا من اطلع على تاريخ الملل في وقت ظهور الإسلام وقبل ظهوره، وأحوال أصحاب هذه الملل، فإن الناس في ذلك الوقت كانوا أصنافاً سواء المشركون أو أهل الكتاب وكانوا كثيراً ما يحرّمون على أنفسهم الطيبات، لا لاعتماد على حكم شرعي ولكن للانقياد للرؤساء والمتبوعين على طريق التقليد الأعمى، وقد كان النصارى من بين هؤلاء، يعتقدون أن التقرب إلى الله الله لا يكون إلا بإحياء الروح، وأن الروح لا تحيا إلا بإهانة الجسد، فلذلك كانوا يجتنبون كثيراً من الطيبات، ومن اجتنابهم لهذه الطيبات أن بعضهم كان يجتنب جميع المأكل والمشارب اللذيذة لأجل إهانة الجسد، وهذه هي درجة القديسين عندهم، وقد يجتنب أيضاً بعض هذه اللذائذ الطيبة كثير من القسيسين وغيرهم من علماء دينهم الذين لم يبلغوا إلى مرتبة القديسين، وهناك أيضاً أعمال يقوم بها عامتهم فيها تحريم طيبات أحلت لهم تحريماً موقوتاً، وذلك بالصيام، فقد كانوا يصومون صوم القديسين، ويصومون أنواعاً أخرى من الصيام، وهم في هذا الصيام كانوا تارة يحرمون على أنفسهم اللحم والسمن ويأكلون السمك، وتارة يحرمون أيضاً بجانب ذلك السمك والبيض. وقد استوحوا ذلك من آبائهم السابقين الوثنيين الذين كانوا أيضاً يمتنعون عن كثير من الطيبات لأجل إرهاق النفس بالتكاليف، وتقوية جانب (5/306)
صفحة 2256
الأطعمة
307
الروح على جان بالجسد، وقد رأوا فيما تدعو إليه ديانتهم وفيما كان عليه
السيد المسيح علي وحواريوه من الزهد والعزوف عن الدنيا ما يؤيدهم
هذا المسلك.
على
توقي الشبهات
والله الله ـ بما أنه جعل هذه الأمة أمة وسطاً ـ لم يجعل شأنها شأن البهائم في التهام الملذات وتناول أنواع المطعومات على اختلافها، واتباع الشهوات بأصنافها، ولم يجعل أيضاً شأنها شأن أولئك المحرومين من طيبات الجسد، وإنما جعلها أمةً وسطاً تراعي مطالب الروح ومطالب الجسد، فكلا المطلبين وُفِّي حقه في ملة الإسلام: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِنَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]، والمفروض على هذه الأمة أن تتحرى الحلال الطيب في طعامها وشرابها وملبسها، وفي كل شأن من شؤون حياتها وأن تتجنب الخبيث، واتقاء الشبهات من أكبر الوسائل للمحافظة على المباحات واجتناب المنهيات، ففي الحديث الذي أخرجه الشيخان عن النعمان ابن بشير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعرفهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه) (1) وقد كان السلف الصالح أحرص ما يكونون على اتقاء الشبهات، بل كانوا يتركون أبواباً من المباحات خشية الوقوع في المحرمات، كما روي عن عمر الفاروق إلى أنه قال: (كنا ندع سبعين باباً من الحلال مخافة الوقوع في الحرام)، فأين هذا المسلك من
(1) رواه البخاري في كتاب البيوع، باب الحلال بيّن (1946)، ومسلم، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال، (1599). (5/307)
صفحة 2257
308
الفتاوى
الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
مسلك عالم اليوم الذي ينساق وراء المحرمات على اختلاف أنواعها غير
مبال بحكم الله تعالى، فضلاً عن الشبهات التي يغرق فيها إلى الأذقان. نسأل الله تعالى، العافية، ونسأله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، فإن الله لا يقول كما جاء في الحديث الذي أخرجه الطبراني والديلمي والبيهقي من طريق أبي الدرداء عن الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنِّي والإنس والجن في نبأ عظيم أخلق فيعبد غيري، وأرزق فيشكر غيري)).
(1) رواه البيهقي في شعب الأيمان، (4563). (5/308)
صفحة 2258
الأطعمة
309
تحريم الخبائث (1)
قال تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ) [البقرة: 173].
الحلال أوسع من الحرام
هذه الآية جاءت بعد سابقتها التي أمر الله له الا الله فيها المؤمنين أن يأكلوا من طيبات ما رزقهم، وبما أن تلك الطيبات لم تفصل في الآية السابقة جاء تبيانها في هذه الآية ببيان أضدادها (وبضدها تتميز الأشياء).
ما
وهذا؛ لأن الله الله حصر المحرمات في نطاق ضيق وأباح لعباده الاله وراءها، ولذلك كان التبيان بتعيين المحظورات حتى يتبين ما وراءها من المباحات، ومثل ذلك مثل السؤال الذي وجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلبسه المحرم، فأجاب بما لا يلبسه لينبه بذلك على أن ما وراء ذلك من أنواع اللباس هو مباح للمحرم، وإنما ينحصر الممنوع في الإحرام في تلك الأعيان التي ذكرها عليه أفضل الصلاة والسلام.
ما تفيده أداة الحصر (إنما):
كلمة (إنما) تفيد الحصر، فهي تجمع معنى «ما» النافية و «إلا» الاستثنائية لإفادتها ما تفيد أنه عند اجتماعهما، فقوله سبحانه: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ) معناه: ما حرم عليكم إلا الميتة إلى آخره، ونحو ذلك قوله تعالى: إِنَّمَا هُوَ إِلَهُ وَاحِدٌ مفاده: ما هو إلا إله، واحد، وكذلك قوله سبحانه: {إِنَّمَا أَنَا
(1) أصل هذه المادة تفسير الآية (173) من سورة البقرة من دروس التفسير التي يلقيها سماحة المفتي العام للسلطنة أحببنا إلحاقها بالكتاب إتماماً للفائدة. (5/309)
صفحة 2259
310
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [فصلت: 16 أي لست إلا بشراً مثلكم وهكذا كل ما يأتي مصدراً بهذه الأداة المفيدة للحصر.
وذهب القطب العالى في الهميان» و «التيسير إلى أن هذا الحصر إضافي بالنظر إلى الأعيان المحرمة، إذ المراد بذلك ما حرمه الله الله من المأكولات والمطعومات، وإلا فقد حرم الله الله الأنجاس على اختلاف أنواعها، وحرم الربا والميسر والغش والزنا، وحرم أشياء كثيرة، وأضاف إلى ذلك في الهميان» أنه من المحتمل أن يكون هذا الحصر بالنظر إلى السعة؛ أي ما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير إلا في السعة، وأما في غير حالة وهي حالة الاضطرار فإنه لم يحرم ذلك عليكم، وهذا المحمل ضعيف. وأضاف في «الهميان» و «التيسير أن القصر بالنظر إلى المخاطبين، إما أن يكون قصر قلب وذلك إذا كان المخاطبون بهذا المشركين الذين كانوا يحرمون طيبات ما أحل الله لهم ويحلون خبائث حرمها الله عليهم.
السعة
وإما أن يكون قصر إفراد إذا كان المخاطبون بهذا المسلمين الذين منعوا أنفسهم بعض الطيبات التي أباحها الله تعالى لهم، وأضاف إلى ذلك في الهميان أيضاً احتمال أن يكون هذا القصر قصر تعيين إذا كان المخاطبون بذلك الذين يترددون بين النظر إلى ما منعه المسلمون أنفسهم والنظر إلى ما حرمه المشركون على أنفسهم.
وذهب الإمام ابن عاشور إلى أن هذا القصر قصر حقيقي وليس قصراً إضافياً ولا قصر، قلب نظراً إلى أن المخاطبين به هم المسلمون، والمسلمون لا يترددون في قبول حكم الله تعالى فيما شرع لهم، فهم لا يحرمون ما أحل الله، ولا يحللون ما حرم فليس هناك اعتقاد يخالف ما جاء من قبل الله الله في نفوس هؤلاء المسلمين. (5/310)
صفحة 2260
الأطعمة
311
القراءات في الآية:
هي
قراء: (إِنَّمَا حُرِّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ) وهذه القراءة منسوبة إلى أبي جعفر بن القعقاع، وهو أحد القراء الثلاثة الذين أضيفوا إلى القراء السبعة المشهورين، وعدهم بعض علماء القراءات من القراء الذين تواترت قراءتهم، وبناء على هذه القراءة فالميتة نائب فاعل، وإنما هـ أداة حصر، ويحتمل أن تكون «إن مستقلة بنفسها عن «ما» و «ما» هي اسمها وهي اسم موصول، أي إنَّ الذي حُرّم عليكم الميتة، والضمير الذي في «حُرِّم» نائب الفاعل وهو العائد، ولا يشكل مجاء «إنْ» متصلة بـ «ما» على هذا المحمل، نظراً إلى أن كتابة القرآن الكريم لا تخضع للضوابط التي تواضع عليها علماء الرسم، فإن خط المصحف الشريف توقيفي لا يقاس عليه، ونحو هذا قول الله: إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَحِرِ} [طه: 69] حيث جاءت «إِنَّ» موصولة بـ «ما» خطاً مع أن «ما» اسمها وكيد خبرها، إذ لم يقرأ قاراء: إنما صنعوا كيد ساحر وقرأ بعضهم {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ) وهذه القراءة تنسب إلى أبي عبد الرحمن السلمي، وعلى القراءة المشهورة التي عليها السبعة القراء وبقية العشرة فالأظهر أن (إنما) أداة حصر، وفاعل (حرم) ضمير عائد إلى الله، و (الميتة) مفعول به، ويجوز بناء على هذه القراءة أن تكون (إنّ) مستقلة و (ما) اسمها، وعلى هذا لا تكون (ما) كافة، وإنما المفعول محذوف، وهو العائد، وجاز حذفه لأجل نصبه، والمعنى إن الذي حرم عليكم شيئاً، والميتة بدل منه، وهو ضعيف جداً، فلا ينبغي أن تحمل على هذا هذه القراءة، والتبادر يُحكّم في مثل هذه الأشياء، ولا يتبادر هنا إلا أن «إنما» أداة حصر.
معنى التحريم:
والتحريم هو المنع الجازم، فإذا وردت لفظة الحرمة فمعناها المنع الذي (5/311)
صفحة 2261
312
الفتاوى الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
لا تردد فيه فلا يسوغ إتيان الممنوع بخلاف الكراهة، فقد تكون كراهة تحريم وقد تكون كراهة تنزيه، أما التحريم فليس هو إلا الحظر القاطع.
تعريف الميتة:
والمَيْتَةُ كل ما فارقته الحياة والميت والميت هذا قول ابن جرير، وبه قالت طائفة كبيرة من علماء اللغة.
وذهبت طائفة منهم وتابعهم بعض المفسرين ـ كابن عطية والقرطبي - إلى التفرقة بين الميت بالتشديد والميت بالتخفيف وهؤلاء اختلفوا أيضاً في وجه التفرقة فمنهم من قال: إن الميت بالتشديد ما شارف الموت والميت بالتسكين ما حل به الموت ومنهم من قال إن الميت يصدق على ما مات وما لم يمت ولكنه شارف الموت، والميت بالتخفيف لا يطلق إلا على ما مات، واستدل هؤلاء لذلك بقوله تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ) [الزمر: (30) لأنه ما خوطب بذلك إلا وهو حي، كما استدلوا له بقول الشاعر: 30]
ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء وذكر ابن عطية وتابعه القرطبي أنه لم يقرأ في القرآن ميت بالتشديد إلا في ما حل به الموت ما عدا ما ذكره البزي عن ابن كثير أنه قرأ (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيْتٍ والقراءة المشهورة عنه بميت، ويتبادر من كلامهما أنهما عدا هذه القراء المشهورة - وهي قراءة التشديد ـ حجة لما ذهبا إليه، مع أنها ليست بحجة في ذلك، فإن المنفي هنا ليس هو مشارفة الموت وإنما هو الوقوع في الموت.
والميتة في العرف الشرعي هي كل ما مات بغير طريقة الذكاة الشرعية فيما تشرع فيه التذكية، وهذا هو الذي ذهب إليه جمهور (5/312)
صفحة 2262
الأطعمة
313
المفسرين، وعليه فإن العرف خصص هذا النوع من أنواع الميتات باسم الميتة ـ بالتخفيف مع وجود التاء الدالة على التأنيث ـ، وبناءً على هذا فالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع كله داخل في حكم الميتة، وإنما عطفت هذه الأشياء على الميتة في قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ} [المائدة: 3] .. إلخ. لأجل بيان الحكم الشرعي لأنه - قبل شيوع هذا الحكم الشرعي ورسوخ هذا المعنى في أذهان الناس - لم تكن لفظة الميتة شاملة لهذه الأنواع من الحيوانات التي ماتت بهذه
الأسباب.
به
ولابن عاشور رأي آخر وهو: أن الميتة كانت مخصصة بهذا النوع مما مات بالعرف الشائع في الناس قبل أن ينزل الشرع بذلك، ولكن ليس على
صحة هذا الرأي دليل.
متعلق التحريم:
والميتة تعلق التحريم بها هنا وهو من باب تعلق التحريم بالأعيان كما تعلق في قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ) [النساء: 23] إلى آخر الآية. بالأمهات والبنات مع أن التحريم إنما يتعلق بأفعال العباد ولا يتعلق بالأعيان، وبناءً على ذلك ذهب بعض الأصوليين كالكرخي إلى أن هذا من باب الإجمال الذي يحتاج إلى التفصيل والبيان، وذهب الجمهور من الأصوليين والفقهاء والمفسرين وغيرهم من سائر العلماء إلى أن هذا لا يعد إجمالاً، لأن السياق والقرائن دليلان على ما يراد من التحريم، ففي نحو قول الله تعالى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ لا يراد إلا تحريم الوطاء لأن هذه الآية الكريمة مسبوقة (5/313)
صفحة 2263
314
الفتاوى
الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
في
بقول الله: وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَآؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا} [النساء: 22] فلا شبهة أن المحرم إنما هو الوطاء، فإنه من المعلوم بداهة أن التحريم هنا لا يراد به تحريم محادثتهن أو مصافحتهن أو رؤيتهن، كيف وقد أبيح لهن أن يبدين من زينتهن لهؤلاء الذين حرّمن عليهم ما لم يبح لهن إبداؤه عند غيرهم وكذلك الميتة لا يراد من تحريمها إلا ما يسبق إلى الأذهان، قصده، وهو ما اعتيد عند الناس الانتفاع به في مثل هذه الأعيان المذكورة، ومع هذا فإن العلماء اختلفوا في متعلق هذا التحريم فقيل: هو الأكل، وهو قول طائفة من أهل التفسير قالوا المراد بحرمة الميتة إلى آخر ما ذكر هنا حرمة، أكلها، ومن المفسرين من قال: إن الحرمة تشمل أنواع الانتفاع جميعاً، فقول الله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) أو {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ) المقصود به حرم عليكم الانتفاع بالميتة، فيدخل في بيع الميتة وأكل ثمنها وشرب ألبانها وشرب ما ذاب من شحومها وجميع أنواع الانتفاع، ومنهم من قال بأن المتعلق الذي تعلق به التحريم هو التناول، أي إنما حرم عليكم تناول الميتة، فيدخل في التناول الشرب كشرب الألبان وشرب ما ذاب من الشحوم وهكذا.
ذلك
والذي يتبادر أن متعلق التحريم هو الأكل، وإنما يدخل غير الأكل من أنواع الانتفاع بالميتة بطريق الفحوى كما في قوله قال: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَمَى ظُلْمًا} [النساء: 10] فالوعيد جاء على الأكل، ولكنه شامل لأنواع الإتلاف سواء الأكل وغير الأكل، وأكل الميتة هو القدر المشترك في تحريمه بين جميع فقهاء الأمة من غير خلاف بينهم. (5/314)
صفحة 2264
الأطعمة
315
(1)
تحريم إنفحة (1) الميتة:
وإنما وقع الخلاف في
أشياء أخرى من أنواع الانتفاع، من ذلك هل
المحرم من الميتة هو لحمها فقط أو تدخل إنفحتها في ما حرم؟ فجمهور العلماء على أن الأنفحة داخلة في ما حرم من الميتة، وذهبت طائفة إلى عدم دخولها، واستدلوا بما روي عن أصحاب النبي الله أنهم كانوا يأكلون الأجبان التي ترد من فارس (2)، وهذه الأجبان لا بد من أن يوضع فيها قدر من الإنفحة اللبن حتى يتحول إلى جبن واعترض عليهم بجوابين: أولهما قاله كثير من المالكية وهو أن هذه الأجبان معظمها لبن غير محرم، وإنما قدر يسير هو الذي يخلط بها من الأنفحة، وذلك القدر اليسير يتلاشى مع اللبن الكثير فلا يبقى له حكم.
في
ورد الحنابلة على استدلال هؤلاء بأنه مما روي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما غزوا العراق بقيادة خالد بن الوليد أنهم هاجموا الفرس، وكان الفرس قد دنوا على طعامهم، وعندما قضى المسلمون عليهم جاؤوا إلى الطعام فأكلوا منه، ولا ريب من أن الطعام مشتمل على اللحوم، فإذا أبيحت اللحوم فلأن تباح الإنفحة أحرى، وإنما أكل المسلمون من هذه اللحوم نظراً إلى أن القصابين الذين يذبحون في بلاد فارس كانوا من اليهود والنصارى ولم يكونوا من الفرس المجوس، قالوا: وإن لم يتيقنوا ذلك فإن اختلاط هؤلاء بهؤلاء يجعل النفس تطمئن إلى أن الذين يذبحون هم من
أهل الكتاب وليسوا من المجوس الذين تحرم ذبائحهم.
(1) الأنفحة الحيوانية: جزء من معدة صغار العجول والجراء ونحوها من الحيوانات وحتى الخنزير وهذه المادة بها خميرة خاصة تجبن اللبن.
(2) انظر المصنف لابن أبي شيبة رقم (24419) وما قبله. (5/315)
صفحة 2265
316
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
حكم جلود الميتة:
أحمد،
علماء
ومما وقع فيه الخلاف ما بين علماء الأمة جلود الميتة؛ هل يصدق عليها حكم التحريم أو هي مباحة؟ وهل إذا كانت مباحة تباح بدبغ أو بغير دبغ؟ وإذا أبيحت بسبب الدباغ هل ذلك شامل لجميع أنواع الميتة أو هو محصور في بعض أنواعها؟ وقد وصل فيها الخلاف إلى سبعة أقوال، فمن أهل العلم من حرم الانتفاع بجلود الميتة تحريماً نهائياً، وقال: لا ينتفع بشيء منها، لأن حكم النجاسة سار فيها، وهو المشهور من مذهب الإمام وروي عن الإمام مالك، وهو المعتمد عليه عند الحنابلة كما في المغني لابن قدامة، وقد روي هذا القول عن أربعة من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وهم عمر وابنه وعائشة وعمران بن الحصين، كما روي عن طائفة من التابعين، وقد روي عن عمر وعائشة خلافه، وفي مقابل هذا القول المتشدد قول آخر معاكس له تماماً وهو أن الجلود لا يصدق عليها حكم التحريم ولا حكم النجاسة فهي طاهرة، ويمكن أن يستفاد منها سواء دبغت أو لم تدبغ من غير استثناء لنوع من أنواع الحيوانات، وهذا هو المروي عن الزهري، وبين هذين القولين، أقوال منها: التحريم مع عدم الدبغ والتحليل بشرط الدبغ، وهؤلاء اختلفوا فيما بينهم، فقيل أي إيهاب دبغ فهو طاهر ولو كان إهاب خنزير أو كلب، وهو قول داود الظاهري، واستند في هذا إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) (1) وهو حديث مروي من طريق ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عند مسلم، وذهب أبو حنيفة إلى تحليل الانتفاع بأي إهاب كان إذا دبغ ما عدا إهاب الخنزير، واستثنى الإمام الشافعي
جميع
(1) رواه الربيع كتاب الزكاة رقم (389) ومسلم، کتاب الحيض، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ، رقم (366). (5/316)
صفحة 2266
الأطعمة
317
إهاب الكلب مع إهاب الخنزير، ومنهم من استثنى ما لا يؤكل لحمه، وهو القول المعتمد عليه في المذهب عندنا، وقال به الأوزاعي وأبو ثور وإسحاق وابن المبارك، وروي عن طائفة من علماء السلف الغابرين، ونجد في النيل وشرحه حه حكاية الاختلاف في جلود السباع، وأرى أن هذا الاختلاف مبني على الاختلاف في حكم السباع، لأن من العلماء من يرى إباحة أكل لحومها، ومنهم من يقول بتحريمها والذين قالوا بالإباحة ـ سواء كانت مطلقة أو مقيدة ببعض أنواع الحيوانات - استدلوا بحديثين رويا عن الرسول صلى الله عليه وسلم:
الحديث الأول: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بشاة لمولاة ميمونة أعطيتها من الصدقة، فقال الله: (هلا انتفعتم بإهابها) فقيل له: يا رسول الله إنها ميتة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما حرم أكلها) (1).
والحديث الثاني: حديث ابن عباس: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) والحديثان صحيحان، وقد اختلفت المحامل عند العلماء للحديثين بحسب اختلاف نظرهم، فما ذهب إليه الزهري من القول بإباحة أي إهاب كان، دبغ أو لم يدبغ، إنما هو مبني على ظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم (هلا انتفعتم بإهابها) قيل له: يا رسول الله؛ إنها ميتة فقال الله: (إنما حرم أكلها وقال: إذا كانت أكلها، فكذلك الخنزير والكلب حرم أكلهما فقط، وعلى هذا
الميتة حرم فجلود هذه الحيوانات على اختلافها مباحة على أي حال.
والذين قالوا بالتقييد نظروا إلى جنس الحيوان الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فإنه كان مباح الأكل قبل موته، ونظروا أيضاً إلى تحريم الخنزير على
(1) رواه الربيع، كتاب الزكاة رقم (389)، ورواه البخاري، كتاب الزكاة، باب الصدقة على موالي أزواج النبي، رقم (1421)، ومسلم في كتاب الحيض، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ، رقم (363). (5/317)
صفحة 2267
318
الفتاوى
الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
الإطلاق في هذه الآية الكريمة وفي غيرها من الآيات، والذين حرموا الانتفاع بالإهاب مطلقاً دبغ أو لم يدبغ استدلوا بحديث عبد الله ابن عكيم الذي رواه
أن
الإمام أحمد وأبو داود وقال فيه الإمام أحمد: إنه جيد الإسناد، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى جهينة: كنت رخصت لكم في الانتفاع بجلود
الميتة فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب (1) وكان ذلك قبل موته بشهرين، وقالوا: إن هذا الحديث ناسخ لتلك الأحاديث المبيحة، وعضدوه بحديث آخر رواه أبو بكر الشافعي بإسناده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا ينتفع من الميتة بشيء) (2).
والذين عارضوا هذا الحكم قالوا: إن حديث عبد الله بن عكيم لا يخلو من اضطراب في إسناده ومتنه، ومع هذا الاضطراب لا تترك الأحاديث الصحيحة ويعول على هذا الحديث الضعيف.
يجنح
العبد
ومهما يكن فإن الحيطة للمسلم إنما هي في الخروج من عهدة الخلاف، لذلك فإن الذي استحسنه البعد من الانتفاع بجلود الميتة، خروجاً من عهدة الخلاف ورغبة في السلامة، والورع هو أن إلى السلامة بترك ما فيه أي شبهة من شبهات، الحرام، وهذا إنما هو في السعة وبالنسبة إلى السلوك الفردي للإنسان المسلم، أما الفتوى فإنها تبنى على التيسير ويعول فيها على الدليل الأقوى، ولا ريب أن قوة أدلة جواز الانتفاع بجلود الميتة بعد دباغها أقوى وهي الأصل ولا يرفع اليقين إلا يقين مثله.
(1) رواه أبو داود، كتاب اللباس، باب من روى أن لا ينتفع بإهاب الميتة، والترمذي في كتاب اللباس، باب ما جاء في جلود الميتة رقم (1729)، وأحمد رقم (18807).
(2) رواه البيهقي في السنن الكبرى، رقم (4575). (5/318)
صفحة 2268
حكم بعض أجزاء الميتة الأخرى:
الأطعمة
319
دلت هذه الآية كما قلت على تحريم الميتة، والجلد في الأصل هو من جملة أجزائها المحرمة، واختلف في أجزاء أخرى من الميتة هل يباح الانتفاع بها أو لا؟ منها العظام والأضراس والأخفاف والأظلاف والأظافر، وللعلماء في ذلك أخذ ورد وقيل وقال، وقد استدل المبيحون بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى لابنته فاطمة اسوارين من عاج)، وبعض العلماء حمل العاج على غير هذا العاج المعروف المشهور، ومن أراد الاطلاع على أقوال العلماء في أحكام هذه الأشياء فليرجع إلى مظانها من كتب الفقه.
ولننتقل الآن إلى بيان ما خصص من هذا العموم.
مدلول كلمة الميتة في الآية الكريمة:
الآية الكريمة ذكرت فيها الميتة، والميتة اسم جنس وقد دخلته (ال) التي تدل على شموله لأفراد الجنس، وعلى هذا فأي جنس من أجناس الميتة يصدق عليه التحريم إلا ما خصص، ذلك لأن بعض العلماء يرى أن مدلول كلمة الميتة شامل في الأصل لما خصص أيضاً، والقائلون أن مفهوم الميتة غير شامل لما خصص قالوا: المخرج لتلك الأشياء المخصصة من هذا المدلول العام العرف وهذا الذي ذهب إليه الزمخشري، وتابعه عليه جماعة من أهل التفسير منهم أبو السعود، وجوز رأيه الألوسي، وعليه فإن السمك والجراد غير داخلين في مدلول الميتة في هذه الآية الكريمة، وقال الزمخشري: إن مثل ذلك مثل ما لو حلف أحد ألا يأكل لحماً فأكل سمكاً فإنه لا يحنث مع أنه يصدق عليه لغة اسم اللحم فالله تعالى يقول:
(1) رواه أبو داود في كتاب الترجل، باب ما جاء في الانتفاع بالعاج، رقم (4213). (5/319)
صفحة 2269
320
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيّا) (النحل: 14)، ولكم العرف حصر اسم اللحم فيما يؤكل من حيوانات البر لا في حيوانات البحر، وعلى هذا فالسمك غير داخل في مدلول اللحم عرفاً وإن دخل لغة، وكذلك لو حلف أحد أن لا يركب دابة فركب على ظهر كافر، فإنه لا يحنث مع أن الله تعالى قال: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابْ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكُمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} [الأنفال: 22].
ورد هذا القول كل من أبي حيان والقطب، وحاصل قولهما: أن التخصيص هو الذي أخرج السمك والجراد من الحكم المدلول عليه بالآية الكريمة، وإلا لكان الحكم منطبقاً عليهما، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أحل لكم ميتتان، ودمان فالميتتان: السمك والجراد (1) فسماهما ميتتين، فلولا دخولهما من حيث المدلول لما سماهما الله ميتتين، وخروج ميتة البحر من هذا الحكم مدلول عليه بأدلة، منها قول الله تبارك وتعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} [المائدة: 96]، فإن أبا بكره وغيره من الصحابة فسروا الصيد بما يصاد والطعام بما يلقيه البحر من ميت، والحديث الشريف السابق أيضاً يدل على ذلك، كما يدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم عندما سأل عن الوضوء من ماء البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (2) ويدل على ذلك حديث جابر عالى عندما كان مع أصحابه في غزوة
عنه
الأسماك وهو
سيف البحر وأكلوا حوتاً، ولما جاءوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأخبروه سألهم عما
إذا كانت عندهم بقية منه (3).
(1) رواه الربيع، كتاب الأحكام، باب الذبائح، رقم (618).
(2) رواه الربيع، كتاب الطهارة، باب في أحكام المياه، رقم (161).
(3) رواه الربيع في كتاب الزكاة، باب آداب الطعام والشراب رقم (379)، والبخاري في كتاب
فضائل الصحابة باب غزوة سيف البحر رقم (4104)، ومسلم في كتاب الصيد والذبائح،
باب إباحة ميتات البحر رقم (1935). (5/320)
صفحة 2270
حكم السمك الطافئ:
الأطعمة
321
في
ولا خلاف في أن السمك لا يصدق عليه حكم الميتة ولو مات، اللهم
صل الله
إلا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق جابر بن عبد الله من النهي عن السمك الطافيء على البحر (1)، وقد تكلم العلماء في هذا الحديث، وجلّ العلماء ضعفوه، حتى أن النووي حكى اتفاق الحفاظ على ضعفه، فإنه يدور في روايته على الضعفاء كيحيى بن سليم الطائفي، وقد ذكر العلّامة الشنقيطي «أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن أن صناعة علم الحديث تدل على أن الحديث غير ضعيف، ذلك لأن من هؤلاء الذين ضعفوا والذين تدور عليهم روايات رفع الحديث من هم من رجال البخاري ومسلم ومنهم يحيى بن سليم الطائفي، وإن قال فيه من قال: بأنه كان الحفظ والذاكرة، والمشهور وقف هذه الرواية على جابر بن عبد الله، كما روي عن علي وابن عباس ا أيضاً ما روي عن جابر من النهي، ورأيت قطب الأئمة اللى يقول بعدم كراهة أكل السمك الطافيء وبإباحته إباحة مطلقة، وهذا هو قول جمهور الأمة، وإنما مذهب الإمام أبي حنيفة هو المنع، وقد حمل كثير من أصحابه هذا المنع على الكراهة لا على التحريم، والإمام نور الدين السالمي الا على حمل هذا النهي على الكراهة، أنه فسر الطافيء تفسيراً لم أجده لغيره وهو ما كان منتناً، ونص كلامه
سيء
غير
في جوهره:
والسمك الطافيء أرى النبيا عنه نهى فكن له أبيا وهو الذي قد صار فوق البحر ذا نتن والنهي لا لحجر والنهي عن الطافيء إن حمل على أنه مقيد بما إذا كان منتناً محمول
(1) رواه أبو داود، كتاب الأطعمة، باب في أكل الطافي من السمك (3815). (5/321)
صفحة 2271
322
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
على أنه نهي طبي وعليه فإن كان نتنه يسيراً بحيث لا يضر فهو مكروه وإن
كان ضاراً فهو حرام.
التي
حكم الجراد:
أما الجراد فإنه لم يجمع على إباحته مع الروايات الكثيرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم تدل على ذلك، من هذه الروايات حديث عبد الله بن أبي أوفى عند البخاري ومسلم قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات، كنا نأكل الجراد (1)، وكذا الرواية التي أشرت إليها من قبل وهي رواية ابن عمر بلفظ:
معه
6
(أحل لنا ميتتان ودمان) (2)، والرواية مرفوعة حسبما روى الدارقطني وأحمد وابن ماجة وجماعة آخرون ولكن كثير من المحدثين ضعفوا هذه الرواية المرفوعة من طريق ابن عمر، وقالوا: إن الصحيح وقفها عليه كما في رواية مالك فى الموطأ من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن زيد بن أسلم عن ابن عمر موقوفاً: (أحل لنا وتعقب ذلك الشنقيطي بأن قول الصحابي أحل لنا يعطى حكم الرفع، لأن المُحِل لا يكون إلا الرسول صلى الله عليه وسلم وهو مبلغ عن الله الله، ويؤيد ذلك أن الإمام الربيع روى هذا الحديث من طريق ابن عباس مرفوعاً بلفظ: أحل لكم ميتتان ودمان) (3) وعلى هذا فإن ميتة الجراد كميتة السمك، وهذا هو رأي الجمهور، سواء أخذ الجراد حياً أو ميتاً أو أخذ حياً وألقي به في الماء الساخن أو نحو ذلك، فله في جميع هذه الأحوال حكم المذكى، والجراد ليس هو من صيد البحر كما زعم بعضهم، وإنما هو من
(1) رواه البخاري في كتاب الذبائح والصيد، باب أكل الجراد رقم (5176)، ومسلم كتاب الصيد والذبائح باب إباحة الجراد رقم (1952).
(2) رواه ابن ماجة في كتاب الأطعمة باب الكبد والطحال رقم (3314)، وأحمد (5723). (3) رواه الإمام الربيع باب الذبائح رقم (618).
6 (5/322)
صفحة 2272
الأطعمة
323
صيد البر، إذ لا دليل على كونه من صيد البحر، وإنما هو رأي روي عن كعب الأحبار، وهو من الأوهام المروية عنه، وللمالكية في الجراد أقوال: فابن نافع وابن عبد الحكم رأيهما كرأي الجمهور، وروي عن الإمام مالك أن الجراد لا يؤكل حتى يؤخذ حياً ويقطف رأسه، وعنده أن قطف الرأس بمثابة التذكية له، وذهب بعض أصحابه إلى أنه يؤكل ولو قطعت رجله، وذهب أشهب من أصحابه إلى أنه يؤكل ولو رمى به في الغرائر، فإن إدخاله في الغرائر في حكم التذكية له، وقال بعضهم: لا يكفي في ذلك أن تقطع رجله أو نحو ذلك مما لا يؤدي إلى موته عادة، ولا إلى منع نفسه عادة حتى يفعل به ما لا تحتمل معه حياته، والأحاديث التي ذكرناها دالة على الإباحة.
حكم الجنين
والجنين الذي يخرج بعد موت الأم، إذا كان حياً فلا خلاف في أنه يُذكى، أما إذا كان ميتاً فمذهب الإمام الشافعي والإمام مالك أن ذكاة الجنين ذكاة أمه، وهو قول أصحابنا، وقد روي في ذلك حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو حديث صحيح)، وأبو حنيفة يرى خلاف ذلك، ويحمل هذا الحديث ـ مع قوله بصحته - على التشبيه البليغ أي على حذف أداة التشبيه فيكون المعنى تذكية الجنين كتذكية، أمه، أي أنه يذكى كما تذكى أمه، واستدل لذلك بورود التشبيه البليغ في القرآن وفي كلام العرب، فمما ورد في القرآن قول الله الله: وَجَنَّةٍ عرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ} [آل عمران 133] فأداة التشبيه هنا محذوفة وكذلك: ــناك عيناها يدها
ـدك
ذكاة
(1) رواه الحاكم في المستدرك (7108)، وأبو داود كتاب الضحايا، باب ما جاء في الجنين رقم (2828)، وابن ماجة كتاب الذبائح، باب ذكاة الجنين ذكاة أمه رقم (3199)، والترمذي كتاب الأطعمة باب ما جاء في ذكاة رقم (1476). (5/323)
صفحة 2273
324
الفتاوى
الذبائح - الأطعمة - التدخين
وهذا من التشبيه البليغ، وقد اعترض على قوله هذا باعتراضات كثيرة، منها: أن الحذف خلاف الأصل فلا يصار إليه إلا مع القرينة التي تدل عليه والتي
أشعار العرب وهو دال على حذف أداة التشبيه فهو من
تمنع من قصد غيره، ومنها: أن الجنين يكون جنيناً إذا بقي في رحم
أمه
فلا
أما إذا خرج فلا يكون جنيناً، ومنها: أن ما خرج من بطن أمه وهو حي خلاف في أنه يُذكى، وهذا الحكم معروف فلا ينبه عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، ومنها أيضاً: أن هذا يخالف القياس، فإن حكم الجنين كعضو من الأم في جميع الأحكام، ومن ذلك أن أحداً لو قتل امرأة وفي بطنها جنين فألقت الجنين ميتاً بعد أن ماتت هي فحكم ذلك الجنين كحكم الأم، فتكفي دية الأم للجنين، ولا يعطى الجنين دية مستقلة إلا إذا خرج ميتاً قبل أن تموت الأم ثم ماتت الأم بعد ذلك، أو خرج حياً بعدما ماتت الأم ثم مات، ومن ذلك أيضاً: أن أحداً لو أعتق امرأة وفي بطنها جنين، فحكم العتق يسري عليه، ولو باع أحد دابة وفيها جنين فحكم البيع يسري عليه وهكذا، فيتبين بذلك أن هذا الحكم وهو أن ذكاة الجنين ذكاة أمه شامل لما إذا كان الجنين بقي في بطن الأم ولم يخرج حتى أخرج، أو خرج بعدما ماتت الأم وكان ميتاً ولم يكن حياً.
وتحريم الميتة لما فيها من المضار، فإن الدورة الدموية إذا توقفت ترسبت في الجسم مفاسد من هذا الدم، وقد جعل الله سبحانه النحر والذبح إهراقاً لهذا الدم وإخراجاً له، فيبقى الجسم نظيفاً من هذه الترسبات التي تبقى في جسم الميتة، ولأجل ذلك كانت ذكاة الجنين ذكاة أمه، لأن دم الجنين يخرج عادة مع دم الأم. (5/324)
صفحة 2274
تصريف كلمة الدم:
الأطعمة
325
به
وأما الشيء المحرم بعد الميتة في الآية فهو الدم، والدم معروف، ويلفظ مخففاً ومشدداً، وأصله قيل: دمي ودمو فحذفت لامه وألقيت حركتها على العين، فالذين قالوا بأن لام الكلمة هي «واو» يقولون بأنها أبدلت «ياء» في تصريف الكلمة، كما قيل: قوي يقوى، مع أن قوي من القوة، وهكذا رضي لأن رضي من الرضوان فكذا قالوا في الدم، والذين قالوا بأنها «ياء» نظروا إلى التصريف إذ لم ينظروا إلى مصدر لهذه الكلمة فيه واو كما هو الحال في الرضوان وفي القوة.
يرضى،
ما يتسامح فيه من الدم:
الأمة مجمعة على تحريم الدم سواء كان دم بشر أو دم حيوان، وإنما ذكر ابن خويز منداد أنه استثني من هذا التحريم ما كان التشديد فيه يستلزم إصراً من الآصار التي رفعت عن هذه الأمة، وذلك التوسع الذي جاء في دم عروق الذبيحة، فإن هذا الدم لا يحكم عليه بالحرمة، وقد جاء في حديث عائشة الى بأنهم كانوا يطبخون اللحم وكانت صفرة الدم تعلو القدر)، وإذ قال الصحابي كنا نصنع كذا فمعنى ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرهم على هذا الصنيع، وجعل من هذا الباب ابن خويز منداد الدم القليل الذي يصيب الثوب أو يصيب البدن فإنه لا يشدّد في الصلاة به لأجل أن التشديد يوجب مشقة وكلفة، وذكر أن المحور في ذلك هو إسقاط التكليف بالتعبد بشيء إذا كان التعبد به يفضي إلى مشقة لا يمكن تحملها، ونقل القرطبي هذا الذي قاله ابن خويز منداد وأردفه بأن ما ذكره إنما هو يعود إلى الدم غير المسفوح.
(1) رواه عنها عبد الرزاق في المصنف رقم (8708). (5/325)
صفحة 2275
326
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
الدم المحرم:
أنه
وقد أطلق الدم في هذه الآية الكريمة وقيد بالسفح في آية الأنعام، فقد قال الله: قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا} [الأنعام: 145]، ومن المعلوم أن من القواعد المشتهرة عند الأصوليين أن الإطلاق يحمل على التقييد، وعليه فهذه الآية يحمل إطلاقها على التقييد الذي في آية، الأنعام، وهذا القول ـ وهو أن التحريم خاص بما كان مسفوحاً فقط - هو قول أصحابنا، وإنما نقل القطب رحمه الله في الهميان أن منهم من شد فقال: بأنه يحرم غير المسفوح، وبقول أصحابنا قال جمهور الأمة، فبذلك قال المالكية والحنفية، وغيرهم، وإنما ذهبت الشافعية إلى أن هذا التقييد الذي في سورة الأنعام غير معتبر فيحرم الدم مسفوحاً كان أو غير مسفوح، وعدوا ذلك التقييد لغرض أن العرب كانوا يسفحون الدم فيستعملونه بعد السفح وعليه فالإطلاق لا ينافي التقييد عندهم، على من المحتمل أن تكون آية البقرة نزلت بعد آية الأنعام، وآية الأنعام ليس فيها نفي لوجود محرّم ما عدا الأصناف الأربعة، وإنما فيها نفي لأن يجد رسولُ الله فيما أوحاه الله له الا الله إليه محرماً غير تلك الأصناف، وذلك لا ينافي يوحي الله الله إليه بعد ذلك تحريم ما لم يكن أوحى إليه بتحريمه من قبل، وهذا القول الذي ذهبت إليه الشافعية حكى القطب عن ابن الحاجب بأن قلة نادرة ذهبت إليه أيضاً من المالكية، ولكن الإطلاق والتقييد كالخصوص والعموم، فأينما وجد دليل مطلق ووجد معه دليل آخر مقيد فإن إلغاء القيد لا يصح، إذ لو لم يكن القيد مقصوداً لما كان معنى للتقييد، وعليه فإذا تأخر الدليل المطلق على الدليل المقيد لم يكن في هذا التأخير ما يقتضي نسخ ذلك التقييد كما أن تأخر العموم عن الخصوص لا يقتضي إلغاء التخصيص، بل يقدم الخصوص على العموم سواء تقدم الخاص أو العام.
أن (5/326)
صفحة 2276
أكل العرب في جاهليتهم للدم:
الأطعمة
327
المشهور أن العرب في جاهليتها كانت تفصد الإبل وتأخذ منها الدم وتضعه في الأمعاء ثم تشوي تلك الأمعاء بالنار فتأكلها مع الدم، وكانوا يسمون الأمعاء التي فيها الدم فصيداً لوجود الدم المفصود داخلها، ومن الناس من ذكر بأنهم كانوا يأكلون الدم بعدما يفصدون الإبل فيجمدونه بالطبخ ثم يأكلونه كما يأكلون الطعام، وقد منعوا من ذلك كله.
ومن النكت التي يذكرها بعض القصاص أن اثنين من العرب حلا ضيفين بأعرابي، ثم سأل أحدهما الآخر عن القرى فقال له: ما قُرت ولكن قصد لي، فرد عليه بقوله «لم يُحْرَم من فُصد له» أي من فصدت له راحلة
في
وأصاب من دمها فإنه لم يحرم من القرى، وقد كانوا يستعملون ذلك الأزمات في أيام الشدة، فقد كان الضيف ينزل بهم ولا يجد أحدهم إلا راحلة فقط، ولا يجد في نفسه دافعاً إلى أن يضحي براحلته لشدة حاجته إليها فيكتفي منها بفصد الدم لأجل الضيف النازل.
الحكمة من تحريم الدم:
وقد حرم الدم في الإسلام هذا التحريم الجازم، فلا يجوز استعماله شرباً كما لا يجوز تجميده وأكله بأي طريقة من الطرق، وإنما حُرّم الدم في الإسلام لحكمة بالغة، ذلك لأن في الدم ترسبات تحصل عندما تتوقف الدورة الدموية، فعندما يموت الحيوات يذهب صفاء الدم بتوقف الدورة الدموية وتترسب في لحم ذلك الحيوان جراثيم مضرة من نفس ذلك الدم، وإذا كان هذا يحصل في اللحم فهو أحرى أن يكون في الدم نفسه، فإن الدم بعدما يفصد ويؤخذ من الحيوان لا يكون له جريان كالجريان الذي يكون في العروق بسبب ضخ القلب له، وعندئذ تترتب على استعماله تلك المضار (5/327)
صفحة 2277
328
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
التي تحصل في الميتة نفسها، وذكر بعض العلماء أن الدم هو جوهر مرتكس عن الغذاء ولم يرق إلى الأعضاء فلذلك أشبه الميتة فكان محرماً كحرمتها، وذكر ابن تيمية وغيره أن تحريم الدم لكونه مجمع القوى الشهوية والغضبية فمن استعمل الدم قويت في نفسه هذه القوى وقسا قلبه ولم يخش الله يا الله وكان باطشاً بالمخلوقين، واستدل لذلك بأن الدم هو مجرى الشيطان كما ذكر عليه أفضل الصلاة والسلام في قوله: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) (1) وهذه لطيفة تتعلق بالصحة النفسية، كما أن الحكمة السابقة المذكورة تتعلق بالصحة الجسدية وما ذكر من ذلك مشاهد في أقوام الشعوب التي تعيش على شرب الدماء في أفريقيا، فإنها شعوب قاسية لا ترق أفئدتها ولا تعرف الرحمة إلى قلوبها سبيلاً.
وبهذا يتبين أن الدم حرام سواء أخذ من حي أو كان دم ذبيحة أو خرج
من ميتة بعد موتها، فبكل هذه الوجوه يكون الدم حراماً.
تحريم الخنزير
الشيء الثالث الذي حرمه الله هنا هو لحم الخنزير، ولماذا عبر باللحم؟ هل لأن الحرمة محصورة فيه وحده أو تتعدى اللحم إلى سائر أجزاء الخنزير كإنفحته وجلده وعظامه وسائر ما اشتمل عليه جسده.
أجمعت الأمة ما عدا الظاهرية على أن الخنزير محرم وإنفحته محرمة كحرمة لحمه، وقد حكى الإجماع على ذلك - من غير ذكر لرأي الظاهرية - كل من ابن عطية والقرطبي، وتعقب كلام ابن عطية أبو حيان وسخر منه،
(1) رواه البخاري كتاب بدء الخلق باب صفة إبليس وجنوده رقم (3107)، ومسلم في السلام رقم (2174). (5/328)
صفحة 2278
الأطعمة
329
ولا يبعد أن يكون أبو حيان عندما ألف تفسيره البحر المحيط لا يزال متمسكاً بالمذهب الظاهري، إذ غير بعيد أن يكون تأليفه له عندما كان بالأندلس، فإنه كان بالأندلس ظاهرياً ثم عندما انتقل إلى مصر تحول من مذهب الظاهرية إلى المذهب الشافعي ورد أبو حيان ـ في تفسير هذه الآية الكريمة ـ على ابن عطية رداً شديداً لعدم اعتداده بخلاف داود الظاهري وأصحابه في هذه المسألة، ويفهم من كلام أبي حيان المذكور أنه يميل ميلولة ظاهرة إلى قول الظاهرية بحصر الحرمة في اللحم فقط، وقد أخذ جمهور العلماء ـ الذين قالوا بأن الحرمة شاملة للحم والشحم وكل من انطوى عليه الخنزير حتى قال بعضهم: يحرم من الخنزير كل ما كان في عمق عظمه إلى ظاهر جلده - أخذ هؤلاء يبررون ذكر اللحم هنا بمبررات متعددة، وقد درج مفسرو المالكية على الاستدلال لذلك بقول الإمام مالك: إن من حلف ألا يأكل لحماً يحنث بأكله الشحم، ومن حلف أن لا يأكل شحماً لا يحنث بأكل اللحم، وهم في ذلك بانون على قاعدة غير متفق عليها فإن ذلك، مالكاً خولف في و ممن خالفه الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور وأحمد فعندهم من حلف بأن لا يأكل لحماً لا يحنث إن أكل شحماً إلا إذا كانت له نية، وقريب من قول مفسري المالكية - بأن مدلول اللحم يصدق على الشحم ـ تفسير الزمخشري حيث قال: بأن الشحم داخل في اللحم يوصف به، ألا ترى أنه يقال لحم سمين أي شحيم، وقد تعقب كلامه هذا أبو حيان بأن هنالك فارقاً بيناً بين الصفة والموصوف، فيقال: رجل لابن إذا كان عنده لبن ويقال رجل عالم إذا كان عنده علم، ولكن إذا جرد من
لأنه
الصفتين فقيل: رجل، لم يفهم من ذلك أنه رجل لابن أو رجل عالم. وبهذا فإن ما يوصف به اللحم من كونه سميناً لا يستدل عليه بنفس لفظ اللحم كما لا يستدل على أي صفة من صفات الرجل بإطلاق لفظ الرجل، (5/329)
صفحة 2279
330
الفتاوى الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
ولما قاله الزمخشري إذا تؤمل وجه من النظر، فإنَّ الشحم هنا من جنس اللحم، بخلاف العلم ووجود اللبن عند الرجل، فكل منهما ليس هو من جنس الرجل، بينما اللحم يمكن أن يوصف بأنه سمين وأن يوصف بأنه هزيل فإن كان سميناً فإنما سمنته بسبب الشحم الذي فيه، والأقرب من ذلك أن ذكر اللحم هنا لأنه غالب ما يمكن أن ينتفع به من الخنزير، فإذا حرم غالب ما يمكن أن ينتفع به فلأن يحرم غيره أحرى، فإن الذين يأكلون لحوم الخنزير إنما يحرصون على لحمه حرصاً يفوق حرصهم على شحمه وجلده وعظمه وأي مادة أخرى ينطوي عليها بدن الخنزير.
وذكر ابن عطية بأن ذكر اللحم هنا لأجل التنبيه على أن الخنزير حرام بعينه سواء ذكي أو لم يذك، وهذا يعني أن التذكية لا تنفع فيه شيئاً، فعلى هذا يدخل في اللحم كل جزء من أجزائه كالغضروف والشحم وغيرهما، وتابعه على ذلك القرطبي، ورد ذلك كل من أبي حيان والألوسي وابن عاشور، وذهب الألوسي إلى أن ذكر اللحم هنا لأنهم كانوا يستطيبون لحمه ويتعذبون من تحريمه فإذا ذكر لهم تحريم اللحم ونص على ذلك كان في ذلك ما يقطع عليهم عذرهم، وأنكر بن عاشور ما قاله الألوم وقال: إن الروم هم الذين كانوا يستطيبون لحم الخنزير ولم تكن العرب تستطيبه، لذلك لم ير وجهاً لقول الألوسي
ومهما يكن فإن كون ذكر اللحم هنا من أجل أنه غالب ما ينتفع يأكلون الخنزير هو أولى الوجوه بالاعتماد عليه.
الحجة على تحريم كل أجزاء الخنزير
الذين
واستدل
جمهور الأمة القائلون بحرمة جميع أجزاء الخنزير وعدم
انحصار حرمته في اللحم بقول الله الله في سورة الأنعام: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ) (5/330)
صفحة 2280
الأطعمة
331
[الأنعام: 145] والضمير عائد على الخنزير ومعنى ذلك أن جميع بدنه رجس، وإذا كان الخنزير كله رجساً فهو حرام كله بجميع أجزائه لا يستثنى من ذلك شحم ولا عصب ولا عظم ورد عليهم الذين قالوا خلاف هذا: بأن الأولى بالضمير أن يعود إلى المضاف لا إلى المضاف إليه، وعلى هذا فقوله: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ إنما يعود على اللحم لا على الخنزير، وتعقب هذا: بأنه لو أعيد إلى اللحم لكان في ذلك تكرار، فإن الله الله بين حرمة اللحم وبذلك استقر الحكم فيه، فبقي ما عداه بحاجة إلى أن يبين حكمه وهو سائر الخنزير، وعندما يعود الضمير إلى الخنزير نفسه تستبان حينئذ الفائدة من قوله تعالى عقب ذلك: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ على أن القاعدة المذكورة وهي عود الضمير على المضاف لا على المضاف إليه قاعدة أغلبية منقوضة بكثير من الشواهد منها قول الله تعالى: {وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172] فقد عاد الضمير هنا إلى المضاف إليه لا إلى المضاف، وكذلك قول الله: كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة: (5) فالضمير الذي في يحمل عائد إلى الحمار وهو المضاف إليه لا إلى المضاف وهو المثل.
وبهذا يتضح أن القول الصحيح - إن سلم بوجود خلاف في هذا ـ هو القول بتحريم جميع أجزاء الخنزير، وبما أن الخلاف في هذه المسألة لم يعرف عن أحد قبل داود الظاهري، ولا ريب أنه جاء بعد عصري الصحابة والتابعين فإن الإجماع الذي حكاه كل من ابن عطية والقرطبي ليس مستنكراً، إذ باتفاق الصحابة والتابعين على هذا الرأي يكون الإجماع منعقداً، ولا ينقضه مخالفة أحد له بعد انقراض هذين العصرين الكريمين، ولا يلزم أن يكون كلامهما مبنياً على قول الجويني: إن وفاق الظاهرية لا يعتد به في إجماع الأمة ولا خلافهم ناقض للإجماع، وإن حمل أكثر الذين جاءوا بعد ابن عطية كلامه على هذا الأصل الذي ذهب إليه إمام (5/331)
صفحة 2281
332
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
الحرمين الجويني، وبهذا يتبين أن كل ما يصنع من إنفحة الخنزير فحكمه الحرمة، لأنه يصدق عليه أنه رجس، وكثيراً ما تغش الآن المواد المستهلكة المسترودة من الغرب بإنفحة الخنزير سواء المطعومات منها وغيرها، بل كثير من أنواع الصابون ومعجون الأسنان اشتهر بأنه يحتوي على مادة من إنفحة الخنزير وهذا يعود إلى إهمال المسلمين للإنتاج واتكالهم على غيرهم والله المستعان.
قاعدة الاستحالة:
تساهل كثير من الناس فحللوا ما كان مخلوطاً بالمواد المحرمة في صنعه كالذي يستخلص من الخنزير استناداً على قاعدة الاستحالة في إباحة ما كان حراماً إن استحال عن طبعه وحجتهم واهية، فإن استحالة ما كان نجساً بذاته إلى حكم الطهارة بتصنيع البشر لا يؤثر تغييراً ـ على القول الصحيح - في حكمه وإن تغيرت طبيعته واستحالت ذاته إلى شيء آخر، ألا ترون أن البول بما أنه نجس لذاته لو حول إلى مادة أخرى تختلف عن مادة البول بالتنقية لما كان جائزاً استعماله بحال من الأحوال ولو لم تشم منه رائحة البول وكان كالماء القراح، وكذلك العذرة لو حولت إلى مادة تختلف طبيعتها ورائحتها وطعمها ولونها عما كانت عليه لا يتحول حكمها إلى الإباحة نعم ما كانت الحرمة فيه طارئة والقول بالنجاسة فيه غير مستند على دليل قاطع إذا استحالت مادته إلى مادة أخرى وتغير طبعه فإن حكمه يتغير بتغير الطبع، وذلك كالخمر فإن الخمر إذا استحالت خلا حلت على القول الصحيح، لأن العلة التي حرمت من أجلها الخمر غير موجودة في الخل، وقد حرمت الخمر لإسكارها، وإذا ارتفعت هذه العلة ارتفع المعلول بارتفاعها. (5/332)
صفحة 2282
الأطعمة
333
هل الخمر نجسة؟
به
وذات الخمر على القول الصحيح غير نجسة، فإن الاستدلال على نجاستها بقول الله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ} [المائدة: 90] ضعيف، بدليل عطف الميسر والأزلام والأنصاب عليها، ولا يمكن أن يقال بأن لذات الميسر والأنصاب والأزلام نجاسة حسية، وإذا كانت هذه النجاسة الحسية متعذرة فيها فهي أيضاً متعذرة في الخمر، فإن الميسر والأنصاب والأزلام عطفت في هذه الآية الكريمة على الخمر والمعطوف والمعطوف عليه حكمهما واحد فيما أخبر عنهما فلا يمكن أن يحمل حكم الرجس في أحدهما على معنى وفي غيره على معنى آخر على أن الخمر نفسها تصنع من مادة محللة غالباً، وإنما ينقلها إلى الحرمة ما يطرأ عليها من الإسكار، فإذا ارتفع الإسكار ارتفع هذا الحكم، وذلك بخلاف حكم الخنزير والميتة والدم وما كان نحو ذلك، وإنما قلت: أن ما استحال بصنع أحد من هذه الأشياء لا يختلف حكمه عما كان عليه للاحتراس مما استحال بصنع الله الله وحده، بحيث لا يكون في ذلك دخل لأي مخلوق كاستحالة الدم إلى لبن واستحالته إلى جسم الجنين يمر بأطوار في الرحم منها أنه يكون قطعة دم، فهذه الاستحالة التي تكون بنواميس طبيعية هيأها الله الله يختلف حكمها عن حكم ما كانت
استحالته
أحد بصنع من الناس.
حكم الخرز (1) بشعر الخنزير
فإن
هذا وقد أجاز كثرة كاثرة من العلماء الخرز بشعر الخنزير واستدل لذلك
(1) خَرَز الجلد ونحوه خززاً أي خاطه. (5/333)
صفحة 2283
334
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
ابن خويز منداد بأن الخرز كان معهوداً في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عهد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ولم يثبت نهي عن ذلك عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة، ولو كان ذلك محرماً لنهي عنه الرسول الالالالالام. ولكن في ذلك نظراً لأنه لم يأت في رواية قط بأن الخرز كان بشعر الخنزير، ولو وجدت بذلك رواية صحيحة لارتفع الخلاف، وأصحابنا والشافعية لا يرون جواز الخرز بشعر الخنزير فلا ينتفع من الخنزير بشعره كما لا ينتفع بجلده ولا بلحمه ولا بعظمه ولا بشحمه ولا بأي جزء من أجزاءه
الأخرى.
الحكمة من تحريم الخنزير
حرم الخنزير في الإسلام لحكمة بالغة فإن فائدة تحريمه تعود على المحافظة على الصحة البدنية وعلى سلامة النفس، أما سلامة النفس فمن حيث إن الخنزير حيوان خسيس جداً، ومن طبيعته عدم العفة وعدم الغيرة، ومن شأن الطعام أن يؤثر على نفسية الإنسان فإذا اعتاد أحد أكل لحم حيوان له طبيعة خاصة فإن تلك الطبيعة تنتقل إلى نفس الآكل، فمن أكل لحم خنزير تطبع على عدم الغيرة وعدم العفة، وهذا أمر مشاهد في البلاد التي يأكل أهلها لحم الخنزير كبلاد الغرب، فقد بلغ بهم فقدان الغيرة والعفة إلى أن صاروا يتعاورون النساء كما يتعاورون - يتبادلون - المتاع، وهذا دليل ما وصلت إليه نفوسهم من الدناءة وتطبعت عليه من الخسة بسبب تغذيتهم بلحم الخنزير وانتقال طباعه إليهم.
وأما المحافظة على الصحة البدنية فتتجلى فيما اكتشف مأخراً من المضار العظيمة التي تنشأ عن أكل لحم الخنزير فإن الخنزير من طبعه أن يأكل القاذورات، وتتكون من هذه القاذورات في جسمه حشرة من الحشرات (5/334)
صفحة 2284
الأطعمة
335
إذا أصابت أكل لحمه كانت سماً قتالاً، وهي تسمى الدودة الوحيدة، وينشأ عنها كثير من الأمراض، منها ما يكون في الرأس ومنها ما يكون في المعدة، فمن ذلك أن المعدة تصاب بسوء الهضم ولا يشتهي صاحبها الطعام، وأحياناً ينقلب الأمر بعكس ذلك فيكون لا يشبع من الطعام، وكذلك يصاب بالإسهال والقيء وعلل أخرى متنوعة ذات صلة بالبطن، وأما آلام الرأس الناشئة عن تأثير هذه الحشرة فهي متنوعة أيضاً، منها الدوار وسوء الفكر واضطراب الحال وتترتب على ذلك نوبات الصرع وتشنج الأعصاب، كما أن هناك أيضاً ما يسمى (بدودة الشعر (الحلزونية التي تؤدي إلى الهلاك والعياذ بالله - سببها أكل لحم الخنزير ومضار الخنزير من غير ما ذكرته كثيرة ومتنوعة نسأل الله الله العافية، وفي كل وقت يكتشف الأطباء أمراضاً جديدة تنشأ عن تناول لحم الخنزير، وفي هذا ما يدل على حكمة الإسلام وإعجاز، تشريعه، فإن الله الله الله الذي شرع هذه الأحكام قد أحاط بكل شيء علماً، فكانت أحكامه المشروعة كلها على سنن علمي أوحاه الله إلى خاتم رسله عليه أفضل الصلاة والسلام.
تحريم ما أهل لغير الله به:
ثم ذكر الله الله عقب ذلك تحريم ما أهل به لغير الله.
الله
والإهلال في الأصل - كما قال كثير من العلماء ـ هو رفع الصوت، وكثير منهم يقولون بأن العادة جرت عند العرب أن يرفعوا أصواتهم عندما يتراءون، الهلال، فكأنهم أخذوا كلمة الإهلال من رفع الصوت عند رؤية، الهلال، ثم أطلقت بعد ذلك على مطلق الصوت، كما يقول الشاعر في وصف المطر:
ظلم البطاح له الهلال خريصة (5/335)
صفحة 2285
336
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
أي صوت خريصة: ـ سحابة ـ تسكب في الأرض.
ويقول النابغة:
عن درلا صدفية غواصها بهج
متى يرها يهل ويسجد
يهل: أي يرفع صوته بذكر الله، ويسجد شكراً له تعالى على نيل هذه
الدرة.
ويقول غيره:
يهل بالفرقد ركبانها
كما يُهل الراكب المعتمر
كان
ومن هذا الباب صار الناس يطلقون على من رفع الصوت بالتلبية أنه مهل كما جاء في هذا البيت، ولذلك قالوا: أهل بحجة أو أهل بعمرة، وقد من عادة العرب عندما يتقربون إلى أصنامهم بنحر ما ينحر أو ذبح ما يذبح من الحيوان أن يرفعوا أصواتهم بأسماء تلك الأصنام، فيقولون: باسم العزى وباسم اللات وباسم مناة، وهذه العادة لم تكن عند العرب وحدهم، فاليونان أيضاً كانوا عندما يذبحون لآلهتهم يتقربون إليها بذكر أسمائها.
ما ذبح لغير الله تعالى:
ولا ريب أن ذبح الحيوان أو نحره فيه إيلام له بجانب ما يترتب عليه من تفويت متعة الحياة عنه، والأصل في العقل والشرع منع إيلام الغير أو الإضرار به، ولكن بما أن ذلك الحيوان هو ملك الله الله إذ هو الذي خلقه وسخره، فإقدام الإنسان على ذبحه أو نحره إنما أحل له بحكم الله الله الذي أباح للإنسان الانتفاع بذلك الحيوان فمن هنا كان إقدامه على ذبحه يلزم أن يكون مقروناً باسم الله تعالى، إشعاراً بأن هذا الذبح ليس هو اعتداء منه وإنما هو بحكم الله الذي إباحه للإنسان، لذلك شرع الله سبحانه ذكر اسمه (5/336)
صفحة 2286
الأطعمة
337
على الذبح والنحر فقال: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَ} [الحج: 36] وأمر بأكل ما ذكر اسم الله عليه في قوله: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 118] ونهى عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه في قوله: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121]، وعلى هذا فإن كل من قصد بالذبيحة التي يذبحها غير وجه الله تعالى يعد فعله حراماً، وتكون الذبيحة مما أهل به لغير الله حتى ولو كان ذلك بمجرد النية وحدها، وقد أدرك ذلك السلف، ومن ذلك ما روي عن فقيه الصحابة ومفتيهم الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه أفتى في عهد خلافته بتحريم النحائر التي نحرها غالب أبو الفرزدق مفاخرة لسهيم ابن وثيل الرياحي وقال إنها مما أهل به لغير الله، فألقيت في الفلوات وكانت مائة جزور فكانت تأتيها السباع والطير فتنهشها ولم يأكل منها أحد، لم ينحرها لوجه الله سبحانه وإنما نحرها رثاء وفخراً، وذكر ابن عطية من هذا الباب الباب أنه اطلع فيما اطلع عليه عن التابعي الحسن البصري أنه سئل عن امرأة من المترفين كانت لها لعب، فزاوجت بين لعبها ونحرت من أجل ذلك جزوراً، فأفتى بأن ذلك مما أهل به لغير الله وأن تناوله حرام، فإذا كان ما ينحر لأجل المفاخرة يعد حراماً وما ينحر في سائر أبواب الترف كما فعلت تلك المرأة - يعد حراماً فأحرى بالحرمة وأن يكون مما أهل به لغير الله ما يتقرب به إلى الجن أو الشياطين أو الأشجار أو القبور أو نحو ذلك مما يفعله الجهلة لقصد كسب خير أو دفع ضر.
لأنه
وقد أجاد الأستاذ الإمام محمد عبده حيث شدد في هذه المسألة وقال: بأن كل ذكرٍ لاسم غير اسم الله سبحانه أو قصد وجه غير وجهه تعالى في الذبح يعد من باب الإهلال لغير وجه الله فهو داخل في الحرمة، وذكر من أمثلة ذلك ما يجري في أرياف مصر من قول أحدهم إذا ذبح شاة نذر: الله الله أكبر يا سيد. تقرباً بذلك إلى السيد البدوي ليتقبل ذلك النذر
باسم (5/337)
صفحة 2287
338
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
وليقضي حاجة ذلك المتقرب إليه به، وعدّ هذا من باب الإشراك لأنه من باب قصد غير وجه الله الله وتقديم العبادة إلى غيره، وذكر القطب أن من هذا الباب أيضاً ومما يصدق عليه هذا الحكم ما يذبح من أجل حفر بئر أو لأجل بناء دار مما يعد تقرباً إلى الجانّ لدفع ضررهم، فكل ذلك مما أهل به لغير الله، وتصدق عليه هذا الحرمة التي نُص عليها في هذه الآية الكريمة، وقد جاء في صحيح مسلم من رواية أبي الطفيل عامر بن واثلة أنه قال: كنت عند علي بن أبي طالب فجاء إليه عجل وقال له: ما الذي أسره إليك رسول الله؟ فغضب، وقال: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسر إلي شيئاً صلى الله عليه وسلم يكتمه الناس، وإنما حدثني بأربع كلمات قال له: ما هن يا أمير المؤمنين؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعن الله من لعن والديه ولعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من أوى محدثاً، ولعن الله من غير منار الأرض» (1) وقد قال الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم عند شرحه لهذا الحديث: من فعل ذلك أي من ذبح لغير الله ـ من المسلمين كان في عداد المرتدين، وقوله هذا في غاية الوضوح والقوة، لأن الله الا الله قرن النسك بالصلاة في قوله: {قُلْ إِنَّنِي هدتني ربي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيمَا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [الأنعام: (161، 162) وجعل إخلاصهما له هو حقيقة الإسلام فعلى المسلم أن لا يقصد من نسكه غير وجه الله كما أنه لا يقصد بصلاته غير وجهه تعالى، ومن نسَك لغير الله كان كمن صلى لغير الله الله
واختلف العلماء فيما إذا ذكر النصارى اسم المسيح مع اسم الله سبحانه وتعالى في الذبح هل تؤكل ذبائحهم أو لا؟ فروي عن الإمام علي بن أبي
(1) رواه مسلم في كتاب الأضاحي، باب تحريم الذبح لغير الله رقم (1978). (5/338)
صفحة 2288
الأطعمة
339
طالب أنه قال: (إذا أهل أهل الكتاب لغير الله فلا تأكلوا من ذبائحهم، وإن لم تعرفوا عنهم فكلوا فإن الله أحل ذبائحهم وهو أعلم بما يقولون) أي إن قالوا ذلك خفية بحيث لا يطلع أحد على ما يسرونه من أمرهم، أما إذا رفعوا أصواتهم بذكر غيره تعالى حتى سمعهم المسلم كأن يذكر اسم المسيح عند النصارى أو يذكر اليهود اسم عزير ففي هذه الحالة لا تحل ذبائحهم، وهذا القول - وهو حرمة ذبائحهم إذا ذكروا عليها اسم غير الله سبحانه ولو مع ذكر اسمه تعالى ـ هو المنقول عن أبي حنيفة ومالك والشافعي وزفر وأبي يوسف والأزاعي وجماعة آخرين، ونقل عن الحسن وعطاء وابن المسيب وغيرهم الإباحة، وصدر القطب في الهميان بالإباحة وفي التيسير بالمنع، والمنع هو الصحيح لانطباق حكم ما أهل لغير الله على ذلك، وهذا هو الذي ذهب إليه الإمام محمد عبده حيث قال: كما أن المسلم إذا ذكر مع اسم الله اسم الرسول صلى الله عليه وسلم وقال الله وباسم محمد مثلاً فإن ذبيحته لا تؤكل لأنها يجب أن تكون خالصة لله، كذلك النصراني إذا ذكر اسم الله وذكر اسم المسيح فإن ذبيحته يلزم أن لا تؤكل أيضاً.
رفق
الله
يسم
بعباده في تحريم ما حرم عليهم:
بعد أن ذكر الله تعالى الأصناف الأربعة المحرمة في الآية الكريمة استثنى من ذلك حالة الاضطرار، وهذا أمر تقتضيه سنة الله الله فيما شرع من الأحكام في دينه الإسلام، فإن الإسلام دين يسر جاءت شريعته السمحة لرفع الأغلال والآصار عن الإنسانية ولتيسير صلتها بالله الله، وما تحريم هذه الأصناف الأربعة إلا دليل رفق الله الله بالعباد، وفي حالة الاضطرار فإن الإسلام يقدر هذا الاضطرار قدره فيبيح فيه ما لا يبيح في حالة الاختيار، يقول الله: فَمَنِ اضْطُرَ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ} (5/339)
صفحة 2289
340
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
[البقرة: 173]، أي من ألجأته الضرورة إلى تناول شيء من أصناف هذه المحرمات المذكورة في الآية الكريمة وهي الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، ولم يجد مناصاً عن ذلك، فإن الله لا يتجاوز عن فعله هذا لمغفرته ورحمته بالعباد، وقد جعل الله جميع الأحكام التي شرعها في الإسلام تتمشى ومصلحة العباد، سواءاً عرفوها أم جهلوها.
معنى الاضطرار:
واضطر على وزن افتعل، وصيغ منه هذا الوزن لأجل البناء للمجهول، والاضطرار افتعال والافتعال يدل على الشدة، والمعنى: من ألجأته شدة
الضرورة.
وقد قرأ حمزة وعاصم بكسر النون فمن اضطر، وقرأ أبو عمرو بفتحها فمن اضطر، وقرأ سائر السبعة فمن اضطر بضمها، لأجل أن همزة الوصل التي سقطت مضمومة وقد ألقيت ضمتها على النون من قبلها، ولأجل إتباع هذه النون للحركة التي في الطاء، والحاجز بين الحرفين حرف ساكن قهو حاجز غير حصين كما قالوا.
وقد أبهم الاضطرار في هذه السورة الكريمة كما أبهم في سورة الأنعام في قول الله ال: قُل لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمُ) [الأنعام: 145]، ولكنه بين في سورة المائدة في قول الله ال: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمِ} [المائدة: 3]، فالاضطرار إنما يكون في الغالب بالمخمصة (أي المجاعة) ولذلك حمل غالب المفسرين هذا الإجمال الذي في هذه الآية الكريمة والذي في آية الأنعام على البيان الذي في آية المائدة، وذهب مجاهد إلى أن (5/340)
صفحة 2290
الأطعمة
341
هذا الاضطرار يكون بالإرغام، فمن اضطره عدو فأرغمه على تناول الميتة أو الدم أو لحم الخنزير أو ما أهل لغير الله به، وخشي على نفسه الهلاك، فله أن يتناول من ذلك ما يدفع به شر عدوه، وذكر جماعة منهم ابن عطية والقرطبي مثل هذا القول عن سعيد بن جبير، وقول الجمهور أقوى، لأن خير ما بين به القرآن الكريم هو القرآن نفسه، وذلك لا ينافي أن يكون الاضطرار المبيح لتناول المحرم يشمل الاضطرار بسبب إرغام العدو وغيره من أنواع الاضطرار، وذكر المخمصة في آية المائدة لا ينافي شمول حكم الاضطرار لغير المخمصة، لأن الاستدلال بذكر المخمصة على عدم انطباق حكمها على غيرها هو من باب الاستدلال بمفهوم المخالفة، ومفهوم المخالفة تشترط حجيته بشروط منها أن لا يكون منطوقه جارياً مجرى الأغلب المعتاد، يقول الإمام نور الدين العالى: وإن يكن مخالفاً لحكمه فبالدليل للخطاب سمه أثبته قوم دليلاً ونفى قوم ثبوت الحكم منه فاعرفا وشرطه ألا يكون مقتضى يمنع من تخصص الحكم الرضى وذاك نحو عادة للعرب في نحو أن يجري مجرى الأغلب لذلك لم ير جمهور الأمة تقييد بعض أحكام الكتاب بما ظاهره التقييد، لأن ذلك التقييد جارٍ مجرى الأغلب المعتاد، ومن ذلك قول الله الله وَرَبِّبُكُمُ الَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَا بِكُمُ الَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ} [النساء: 23] فلم يأخذوا بالتقييد الوارد في قوله سبحانه: {الَّتِي فِي حُجُورِكُم) [النساء: 23] لأنه جار مجرى الأغلب المعتاد، وعليه فالربيبة ولو لم تكن في حجر زوج أمها تحرم عليه ما دام داخلاً بأمها في قول جمهور السلف والخلف، والقول بخلاف ذلك تنوسي ولم يعد يعمل به ولا يذكره إلا القليل، فكذلك قول الله سبحانه: {فَمَنِ اضْطُرَ فِي مَخْمَصَةٍ} [المائدة: 3]، فإن (5/341)
صفحة 2291
342
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
غالب الاضطرار إنما يكون بالمخمصة لذلك ينطبق حكمه ولو كان بغير المخمصة. سبب
والله له من رفقه بعباده ورحمته بهذه الأمة أباح لها التقية، وعليه فإن الذي اضطر بسبب إكراه العدو الباطش الشديد إلى أكل المحرم له أن يأكل مما أرغمه العدو على أكله من هذه الأصناف المحرمة، وهذا الذي عليه أكثر الأمة وبه قال أكثر أصحابنا.
بها
التداوي بالحرام
ومن هذا الباب ما جاء أيضاً من اختلاف أقوال العلماء فيما لو اضطر أحد إلى التداوي بهذه الأصناف المحرمة، فمن أهل العلم من أجاز التداوي مع الاضطرار إن لم يجد دواء آخر ومنهم من منع ذلك، والمانعون استدلوا لما ذهبوا إليه من التشديد في ذلك بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابت في الصحيح: «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم).
من
والمترخصون في ذلك قالوا: إن حالة الاضطرار تسقط حكم الحرمة، وفالله لا يقول: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا أَضْطَرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119، فما اضطر إليه العبد لأجل التداوي من مرض يزعجه ولم يجد مناصاً من ذلك، بحيث لا يوجد علاج آخر فإنه على قول طائفة العلماء يدخل فيما يباح لأجل هذه الضرورة التي نبهت عليها هذه الآية الكريمة، والذين شددوا قالوا بأن دفع الضرر بالتداوي غير متيقن بخلاف دفع الضرر بالأكل وكثيراً ما ينقلب الدواء إلى ضده، ونجد في آثار العلماء الأقدمين ما يدل على وجود الخلاف بينهم في هذه المسألة منذ أمد بعيد، وقد جاء في بعض أجوبة شيخنا العبري أن في كتاب التاج للإمام ضياء الدين الثميني
خلافاً
(1) رواه ابن حبان في صحيحه رقم (1391)، والبيهقي في السنن الكبرى رقم (19463). (5/342)
صفحة 2292
الأطعمة
343
في التداوي بالحرام إذا كان أكلاً أو تضميخاً للجسم، ومثل هذا نجده أيضاً في كلام المحقق الخليلي في جوابه لمن سأله، وقد عزا ذلك إلى الإمام أبي
نبهان حيث قال بعد ذكره الخلاف:
قولان بالمنع أو التحليل
كذا عن العلامة الخليلي
الشيخ جاعد بلا تبديل
والذي يجب أن يؤخذ به في هذا أن العلاج إذا كان مظنون المنفعة ولم يكن متيقناً نفعه فالاحتراز أولى وكذلك إذا كان لتلك العلة علاج آخر يغني هذه الأجناس المحرمة، أما إن كان بخلاف ذلك بحيث تعذر العلاج إلا بها وكان نفعها في علاج تلك العلة مجرباً مضموناً فلا حرج فيه.
عن
حكم نقل الدم من شخص لآخر:
هذا وقد ثبت ثبوتاً لا ريب فيه أن تغذية جسم المريض إن نقص دمه بدم الجسم الصحيح قد تكون فيه منفعة وإنقاذ للمريض، ولا ريب أن الضرورة تقدر بقدرها، وقد أصبح هذا من المسلمات في هذا العصر الحديث، فلا ينبغي أن يختلف في تحليله عند الحاجة، وقد ثارت ثائرة جدال في في العقد التاسع من القرن الرابع عشر الهجري، فكان فيها أخذ ورد
المسألة
هذه
بين مشايخ العلم في هذه البلاد، وقد شاركت في بحثها ببضاعتي المزجاة من العلم، وكان الذي يدور عليه منع المانعين محورين:
يسمح
أحد
المحور الأول قياس الدم على العضو، فكما أنه لا يجوز أن بأن يُبتر عضو من أعضائخ ليتبرع به لفاقده، كذلك لا يجوز أن يؤخذ دمه
إلى جسم شخص آخر من أجل حاجته إليه. (5/343)
صفحة 2293
344
الفتاوى
الذبائح - الأطعمة - التدخين
والمحور الثاني: هو نجاسة الدم وحرمته.
للمسألة وقد فرقتُ في بياني
بين العضو والدم من ثمانية، أوجه منها:
أن العضو لا يعوض عنه بخلاف الدم.
ومنها: أن العضو لا يزيد عن حاجة الإنسان الضرورية والدم يفضل عن حاجته الضرورية، ولذلك أجيزت الحجامة بالسنة والإجماع وأجيز الفصد بالإجماع، والأمر في العضو بخلاف ذلك، فلا يجوز لأحد أن عضوه لمثل هذا لأن العضو لا يزيد عن حاجته.
يسمح ببتر
ومنها: أن العضو المقطوع هو في حكم ميتة الإنسان ولميتته الحرمة، بخلاف الدم فإنه لا تكون له حرمة الميتة فهو يراق، والعضو إن قطع من
الإنسان
دفنه. يجب
ومنها: أن العضو يبقى متحيزاً له مكانه الخاص من الجسم بخلاف الدم فإنه يسري في الجسم ويختلط بالدم الطبيعي في جسم المريض، ولا يبقى له جوهر مستقل. وأما تعلل القائلين بالمنع بأن النجاسة معروفة الحكم في الدم ولا يجوز التغذي بالحرام فكذلك لا يجوز التداوي بالدم.
فالجواب عنه: أن الله الا الله أباح هذه المحرمات مع الاضطرار، وأي اضطرار أشد من اضطرار من يكاد يشرف على الموت لنزيف أصابه أو فقر دم وكان بحاجة ملحة إلى دم يحيا به، وأظن أن الناس أصبحوا يدركون هذه الحقيقة بمعايشتهم للطب الحديث، وما أصبحوا في حاجة إلى الإقناع بجواز التداوي بنقل الدم من الجسم الصحيح إلى الجسم العليل، وقد سألني أحد المشايخ عن وجه الإباحة مع أن دم الإنسان له حرمة جسمه وليس له أن يتصرف في (5/344)
صفحة 2294
الأطعمة
345
جسمه بشيء، ومن ناحية أخرى فإن الإنسان ليس له أن ينقذ نفسه بأكل جيفة إنسان، فكيف ينقذ نفسه بدمه؟ فأجبته بهذه الفوارق التي ذكرتها وبغيرها، وأجبته أيضاً بالتفرقة بين تغذية المعدة وتغذية الجسم، فما تغذي به المعدة يتحول إلى عذرة، وذلك ينافي حرمة الإنسان، وما يغذى به الجسم من الدم لا يتحول عن طبيعته وإنما يختلط بسائر الدم الذي في ذلك الجسم.
وبما أن الشيء بالشيء يذكر فما ذكرته من حرمة أكل ميتة الإنسان للمضطر إنما هو قول جمهور الأمة، الذين لا يبيحون أن ينقذ الإنسان نفسه بميتة الإنسان، وذهب إلى جواز ذلك الشافعية وبعض الحنفية، وقال بهذا أبو الخطاب من الحنابلة، والقول بالمنع هو الصحيح.
ضابط الاضطرار المبيح لأكل الحرام
والاضطرار الذي ذكره الله الله الله هنا وفي سائر الآيات الأخرى التي تناولت هذه القضية إنما هو بتيقن الهلاك أو ظنه إذا لم يتناول من هذه الأصناف المحرمة، وقد يكون اضطراراً أيضاً إذا كان يقطع مفازة وهو متيقن أنه إذا لم يتزود فيها من لحم الميتة فإنه لن يجد ما يتغذى به فيها، وهذه المسألة فيها خلاف سنتعرض له فيما يأتي - إن شاء الله -، وقال العلماء: ليس الاضطرار أن يشرف الإنسان على الموت فإن الإشراف لا ينفع التغذي، بل كما قال الإمام النووي: قد يكون حكم الميتة وغيرها من الأصناف المحرمة في هذه الحالة حراماً لعدم جدوى تناولها، وإنما جواز أكل الميتة عندما يتيقن الإنسان الهلاك إن لم يحيي نفسه بالأكل منها.
معنى البغي والعدوان في الآية:
معه
قيد الله الله في هذه الآية الكريمة الإباحة وعدم الحرمة بكون المضطر (5/345)
صفحة 2295
346
الفتاوى
الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
غير باغ ولا عاد وقد جاء تبيين البغي والعدوان في سورة المائدة في قول الله: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةِ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمِ} [المائدة: 3] والمتجانف هو المائل كما يقول الشاعر:
ومع
تجانف عن حجر اليمامة ناقتي وما قصدت من أهلها بسوائكا ذلك فإن للعلماء خلافاً كثيراً في الباغي والعادي وفي المراد بهذا التقييد في الآية الكريمة، فمنهم من قال بأن المراد بقوله الله: غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ} [البقرة: 173] أي غير باغ بقصده إلى تلك الميتة لذاتها، ولا عادٍ متجاوز في تناوله لها حد الضرورة وهو مروي عن ابن عباس ما وغيره
ومنهم من قال بأن المقصود بالباغي هنا هو الخارج عن طاعة إمام المسلمين، والعادي هو الذي يعدو على جماعة المسلمين ببطشه ويقطع السبيل عليهم، وهو مروي عن مجاهد، وقال جماعة من العلماء: بأنه يلحق بذلك كل عاص، فالخارج في سفر معصية كقطع رحم، وقصد الإضرار بالمسلمين، والتمتع بالمحرمات كالخمر والزنا، وقد أخذ أموال الناس بغير حق ـ إلى ما وراء ذلك من أنواع الأسفار التي تقصد فيها معصية الله سبحانه ـ لا يباح له إن اضطر أن يأكل من الميتة ولا أن يأكل من أي نوع أنواع المحرمات، وهذا القول هو الذي ذهب إليه أصحابنا وقالت به الحنفية، وهو إحدى الروايتين عن الإمام مالك، وأحد وجهي الشافعي، وهو أحد القولين المرويين عن الإمام أحمد، ومن أهل العلم من ذهب إلى خلاف ذلك وقال: بأن المسافر الذي خرج في معصية الله الله
من
مذهب
هذه
لا يحل له بحال من الأحوال أن يقتل نفسه، وامتناعه من الأكل من المحرمات لإنقاذ نفسه إنما هو قتل لنفسه، وكما يمنع الواقع في معصية أن يقع في معصية أخرى، كذلك يمنع هذا من تعريض نفسه للتلف، وقد خطأ (5/346)
صفحة 2296
الأطعمة
347
ابن العربي المالكي من قال بهذا القول، وقال لا ينبغي أن يقال بإباحة ذلك له، ومن أباح له فقد أخطأ، لأن في ذلك تشجعاً للمسافر في المعصية على
6
عصيانه الله الا الله، وانتقد كلام ابن العربي غير واحد من علماء المالكية من
بينهم القرطبي، وقال بخلافه أيضاً ابن خويز منداد وهو أحد علماء المالكية وقد شدد هؤلاء النكير على ابن العربي، لأن العاصي ـ كما قالوا ـ لا يجوز له أن يعرض نفسه لمعصية أخرى وقتل النفس، معصية، غير أن الذين ذهبوا مذهب المنع قالوا: بإمكان هذا العاصي أن ينقذ نفسه بعد أن يتوب إلى الله الله وأن يقلع عن بغيه وعدوانه، فإن التائب يباح له أن يتناول من الميتة ومن سائر المحرمات لأجل دفع ضرورته، فمن الذي يحول بينه وبين التوبة والله يسرها له ودعاه إليها.
ومن العلماء من فسر الباغي بأنه: الذي يأكل من غير اضطرار والعادي هو الذي يتجاوز حد الضرورة، وبناء على هذا اختلف العلماء في المقدار الذي يباح للمضطر أن يأكله من أصناف هذه المحرمات، فقيل: يباح له بقدر ما يسد الرمق فحسب، وهو ما ذهب إليه أصحابنا، وهو قول للإمام الشافعي وللإمام مالك وإحدى الروايتين عن أحمد، وهو الذي يفهم من كلام الإمام محمد عبده أنه يرجحه ويميل إليه، حتى أنه ذكر أن الفاصلة التي جاءت في خاتمة الآية الكريمة إنما تناسب هذا القول - كما سيأتي إن شار الله بيان ذلك ـ، وقيل: بإباحة ما زاد على سد الرمق، وعليه فيباح له أن يأكل إلى حد الشبع كما صرح بذلك الإمام مالك، وأباح أيضاً أن يتزود من هذه الأصناف المحرمة إذا كان في سفر وكان يقطع مفازة لا يرجو أن يجد فيها طعاماً محللاً، ولعله لا يجد من أصناف الأطعمة المحرمة ما يسد به حاجته ـ مع الاضطرار ـ إليها، ومن أهل العلم من أباح له الأكل إلى الشبع من غير أن يتزود، وذهب جماعة من الشافعية إلى حصر الإباحة في مقدار ما يسد الرمق، (5/347)
صفحة 2297
348
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
واختاره المزني ورجحه القفال وصححه النووي، قال به جمع غفير منهم كما ذكر ذلك الإمام النووي.
وبجانب ذلك نجد من الشافعية من يفصل تفصيلاً دقيقاً في هذه المسألة، فإمام الحرمين وتلميذه أبو حامد الغزالي يفرقان بين حالة وأخرى، بحيث يريان أن من كان في مفازة بحيث لو لم يأكل إلى أن يشبع من الميتة لم يستطع المشي ومواصلة السير ولا يرجو أن يجد طعاماً إذا لم يأكل بقدر ما يشبع ويتزود منها ففي هذه الحالة يباح له التزود، أما إذا كان في العمران بحيث يرجو أن يجد الطعام الحلال فلا يباح له إلا أن يأكل بقدر ما يسد رمقه ويدفع ضرورته، وإذا كان في العمران ولكنه لا يرجو أن يجد الطعام الحلال فهنا يتردد القول بين الإباحة والتحريم وهو تفصيل حسن، فإن الله الله إنما أراد بإباحته هذه المحرمات للمضطر أن يدفع الضرر عن عباده، ومن كان في مفازة لا يرجو أن يجد فيها ما يسد حاجته الضرورية فأنى له أن يقدر على قطعها إن كان لا يأكل إلا بمقدار ما يسد الرمق، على أن الذين قالوا بإباحة ما زاد على ذلك استدلوا بروايات رويت في هذا، وإنما ينبغي أن ينظر في أسانيدها والتأكد من ثبوتها، منها حديث الفجيع العامري الذي سأل النبي عن جواز أكله للميتة، فسأله النبي عن رزقه أي عن طعامه، فقال: إنه يصطبح ويغتبق بكأس من اللبن أي يشرب في صباحه وفي مسائه من اللبن، فالعلماء الذين أباحوا قالوا إن الكأس من اللبن يمسك الرمق
كأساً
من الصباح إلى المساء ومن المساء إلى الصباح، ومنها: حديث سمرة عند أبي داود أن رجلاً تُركت عنده ناقة وكان نازلاً بجانب من المدينة المنورة فنفقت تلك الناقة وماتت فقالت له امرأته ألا تسلخها فنقدد لحمها ونتغدى به فقال: لا؛ حتى أسأل الرسول صلى الله عليه وسلم فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «هل لك غنى يغنيك فقال له: لا. فأباح له الأكل من تلك الناقة. (5/348)
صفحة 2298
الأطعمة
349
به
وفسر الإمام ابن عاشور قوله تعالى: غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ} تفسيراً عجيباً لم أجده لغيره، وذلك أنه قال: بأن المقصود بغير باغ ولا عاد تعليل هذه الإباحة، أي أن الله الله إنما أباح أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله لمن كان إذا ترك الأكل سيدفعه اضطراره إلى البغي والعدوان فلأجل دفع البغي والعدوان أباح الله سبحانه له الأكل من هذه الأصناف المحرمة، ثم خلص من ذلك بأن هذا الميزان هو الذي يوزن به قدر الضرورة، فمن كان ليس من شأنه العدوان ولا البغي وكان مضطراً إلى تناول هذه المحرمات فقدرَ في حال نفسه أنه لو لم يأكل منها لاضطر إلى البغي والعدوان ليس من شيمته ذلك فهو الذي يباح له أن يأكل من هذه الأصناف بقدر ما يسد ضرورته، وأما إذا لم يكن بالغاً هذا المبلغ فلا يباح له ذلك.
أيهما يقدم للمضطر الميتة أم مال الغير
مع
أنه
إن كانت الميتة أبيحت مع كونها مئنة الضرر لأجل دفع الضرر الأكبر وهو الهلاك أو ما كان نحو ذلك كهلاك عضو أو هلاك منفعة، كفقد السمع والبصر وانهيار القوة والضعف عن المشي والانقطاع عن الرفقة مع عدم وجود الزاد فإن هذه الضرورة تندفع مع وجود مال الغير، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، أي إذا لم يجد المضطر إلا ميتة أو مال الغير فأيهما يقدم؟ هل يأكل الميتة أو يأكل مال الغير؟ روي عن مالك أنه قال: إن كان تناوله لمال الغير لا يؤدي به إلى سوء ظن الناس به حتى يقام عليه حد السارق فيأكل مال الغير وإذا كان يخشى أن يجده صاحب المال ويأخذه إلى الحاكم ويقضي عليه بحد السارق وهو: قطع يده فيقدم الميتة في هذه الحالة لأجل الحفاظ على سلامة نفسه، والحنابلة يرجحون أن الأكل من الميتة خير من الأكل من مال الغير، ويستدلون لذلك بأن الميتة أبيحت بالنص ومال الغير أبيح بالاجتهاد، وما (5/349)
صفحة 2299
350
الفتاوى الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
من
قال:
خصال
أبيح بالنص ليس كالذي أبيح بالاجتهاد، وقد أعجبني قول ابن حبيب من المالكية في هذه المسألة، فإن قوله فحل وهو لا يصدر إلا عن العالم الفحل فقد قال: إن من وجد مال الغير وهو مضطر إليه فليأكل منه، وإذا منعه صاحب المال فليقاتله لأن له حقاً في إنقاذ نفسه من مال الغير، وعلى صاحب المال أن ينقذ هذا المضطر بإعطائه من ماله بقدر ما يسد ضرورته، ومن العلماء بأنه إن اضطر إلى المقاتلة وكان يخشى منها أن يُقتل فليأكل من الميتة. والصحيح أنه يأكل من مال الغير إن اضطر إليه ولم يجد سواه إلا ميتة لأن مال الغير إنما حرم لعارض والميتة حرمت لذاتها، ولأننا نجد في كتاب الله سبحانه ما يدل على أن للمضطر حقاً في مال الغير، فإن المضطر محروم، وقد قال الله: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّابِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 19] وقال: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِلسَّابِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج: 24، 25] وقال في البر: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَنَكِينَ} [البقرة: 177] وأي مسكنة أشد من مسكنة المضطر إلى إنقاذ نفسه ولا يجد ما يسد به ضرورته وما يشبع به جوعته على أنه جاء في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ما يدل على إباحة تناول مال الغير في حال الاضطرار، ومن ذلك ما رواه ابن ماجة عن عباد بن شرحبيل أنه جاء إلى المدينة المنورة في عام مخمصة ودخل حائطاً لأحد من الناس فأخذ سنبلة وفركها ثم أكلها وأخذ بعضاً منها في ثوبه، فجاء صاحب الحائط فضربه وأخذ منه الثوب، فذهب عبّاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاحب الحائط وقال له هلا أطعمته إن كان ساغباً ـ أي جائعاً هلا علمته إن كان جاهلاً، فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بوسق أو نصف وسق (1)، وجاء أيضاً في حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عما يباح من إبل
(1) رواه ابن ماجه رقم (2289) باب من مرّ على ماشة قوم أو حائط هل يصيب منه. ورواه النسائي بلفظ قريب رقم (5314) في باب الاستعداء. (5/350)
صفحة 2300
الأطعمة
351
الغير
مع الحاجة فقال: «كل ولا تتزود واشرب ولا تتزود» (1)، وجاء مثل ذلك في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند الترمذي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق، فأباح رسول الله صلى الله عليه وسلم لذي الحاجة أن يأخذ منه بقدر
حاجته غير متخذ خبنة (2)، والروايات في ذلك متضافرة يشد بعضها بعضاً. ومن هنا ندرك أن مال الغير أبيح بالنصوص ولم يبح بمجرد الاجتهاد، وإذا كان لهذا الذي اضطر إلى مال الغير أن يتناول من مال الغير بقدر ما يسد ضرورته، فإن الضمان يسقط عنه في هذه الحالة على الراجح، وللعلماء في هذه المسألة قولان فمنهم من قال بأن الضمان يلزمه، لأن الأصل في مال الغير عدم الإباحة، ومنهم من قال بعدم لزومه لأجل الإباحة المشروعة له، ولأجل أن صاحب المال إن حضر وجب عليه أن ينقذ حياة المضطر بقدر ما يسد حاجته وضرورته من ماله لذلك كان القول بسقوط الضمان هو الراجح - كما تقدم، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم ما ألزم هؤلاء ضماناً، ولا يؤخر ـ صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم البيان عن وقت الحاجة إليه.
وجوب إنقاذ النفس عند خوف الهلكة بأكل الحرام
ظاهر هذه الآية الكريمة أن تناول هذه الأصناف المحرمة يباح في وقت الضرورة، ولكن بعض العلماء قالوا: إن هذه الإباحة تتجاوز إلى الوجوب، بحيث يجب على الإنسان إذا رأى نفسه معرضة للهلاك إن لم يأكل أن ينقذ حياته بتناوله لهذه المحرمات، ولا يكون الحكم ـ مع تيقن الهلاك - محصوراً في حدود الإباحة، وهذا القول مروي عن مسروق، فقد روي عنه
(1) رواه ابن ماجه بلفظ كل ولا تحمل واشرب ولا تحمل رقم (2391) باب النهي يصيب منها شيئاً إلا بإذن صاحبها.
(2) خبن الطعام: خبأه وادخره للشدة.
أن (5/351)
صفحة 2301
352
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
أنه قال: (من اضطر إلى الميتة أو الدم أو لحم الخنزير أو ما أهل به لغير الله فلم يأكل حتى مات دخل النار وهذا هو الذي قال به غير واحد من علماء المالكية ومن علماء الشافعية كالكيا الطبري وهو إحدى الروايتين في مذهب أحمد، وقال به أصحابنا من غير خلاف فيما وجدت في نصوصهم، واستدلوا لذلك بقول الله لا وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانَا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ
يَسِيرًا} [النساء: 29] وبقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَهْلُكَةِ} [البقرة: 195]. أما الذين قالوا بخلاف هذا القول فإنهم استدلوا بفعل أحد الصحابة رضوان الله عليهم وهو عبد الله بن حذافة السهمي الذي وقع في يد طاغية الروم فحبسه في بيت وترك معه خمراً مختلطة بالماء وترك له لحم خنزير مشوياً، فظل ثلاثة أيام ممتنعاً عن تناول اللحم والخمر، حتى انحنت رقبته من الشدة التي كان يلقاها ثم أخرج بعد ثلاثة أيام لئلا يموت، فقال لطاغية الروم: إن الله أحلهما لي لاضطراري إليهما، ولكنني لم أكن لأشمتك بالإسلام، فكان امتناعه من إحياء نفسه بهما لئلا يشمت الطاغية بالإسلام، وهذا اجتهاد من هذا الصحابي الجليل، وما تدل عليه النصوص من وجوب إنقاذ النفس أولى بالاتباع من اجتهاد صحابي مع تقدير الموقف الجليل الصلب الذي وقفه أمام ذلك الطاغية العنيد.
أيهما يقدم المضطر المحرم الصيد أم الميتة:
اختلف العلماء في المحرم إن اضطر إما إلى صيد البر وإما إلى الميتة، فمنهم من أباح له الميتة دون الصيد في حال الاضطرار، لأن الصيد يكون ميتة المصطاد الذي يأكلها بين، حرمتين بين حرمة الاصطياد وحرمة أكل الميتة وهو قول الأكثرين، ومنهم من قال بإباحة الصيد لأن الصيد لو لم يكن
فيجمع (5/352)
صفحة 2302
الأطعمة
353
صائده محرماً تعمل فيه الذكاة، وإذا وجد المضطر ميتة ودماً ولحم خنزير وما أهل لغير الله به، فقيل: يتناول من أيها شاء، وقيل: يقدّم الميتة ثم الدم ثم ما أهل به لغير الله ثم لحم الخنزير، لأن الميتة كانت حلالاً لو لم تمت حتف أنفها، ولو لم تمت بإمكانه تذكيتها لتحل بخلاف الدم ولحم الخنزير، وقدم الدم على لحم الخنزير لأن حكم الدم الطهارة ما لم يسفح، وإنما ينجس إذا سفح بخلاف لحم الخنزير فإنه نجس لذاته، ثم ما أهل به لغير الله لأنه قصد به تعظيم غير الله تعالى، ثم الخنزير، لأنه في الأصل لا يحل بحال من
الأحوال إلا من اضطرار، وهذا القول هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه. فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173 نفى أن يكون عليه إثم لأن الضرورة هي التي
رفعت الإثم.
الخاتمة:
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ) [البقرة: 173] تذييل أفاد تعليل رفع الإثم، أي رفع الإثم لأنه الا الله غفور ورحيم، فهو غفور يغفر ذنوب عباده التائبين ورحيم بهم، ومن رحمته بهم أنه أباح لهم هذه المحرمات في حالة الاضطرار إليها، وقد قال الإمام محمد عبده: إن هذه الفاصلة هنا جاءت في محلها لمناسبتها قوله الله: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ} [] وذلك أن الذي خارت قواه من الجوع لا يستطيع أن يضبط بدقة مقدار ما يأكل، فقد يأكل فوق ما يباح له، وهو إنما يباح له أن يأكل بمقدار ما يسد الرمق فحسب، وبما أن هذه الحالة لا يمكن أن يضبطها الإنسان ضبطاً دقيقاً كانت مئنة لتجاوز الله سبحانه عن تجاوزها، لذلك ختم الله الله الآية بقوله: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ) [البقرة: 173] لأجل تطمين العباد بأنهم لو تعدى أحدهم مقدار سد الرمق بلقمة أو لقمتين
فإن ذلك مما يعفو الله الا الله عنه بفضله على عباده. (5/353)
صفحة 2303
354
الفتاوى
الذبائح - الأطعمة - التدخين
الأضحية:
هل يصح نقل الأضحية من بلد إلى آخر؟ وهل بين هذه المسألة ومسألة التضحية في بلد آخر فرق من حيث الحكم؟
الأضحية شرعت من أجل تذكير المسلم بقصة نبي الله إسماعيل وما كان من تدارك الله إياه بلطفه، حيث إن الله تعالى أنقذه بتلكم التضحية، وقد جعل الله فيها منافع، فالمضحي ينتفع بها وكذلك غيره، ومن أجل أنها شرعت لأجل نفع الناس فإن النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر نهى أول الأمر نهى أن تدخر الأضاحي ثم بيّن بعد ذلك بأنه نهى عن ذلك من أجل الدافة أي من أجل الأعراب الذين يأتون إلى المدن والقرى (1)، وبناء على هذا فإنه لا مانع إن كان هناك من هو أحوج إليها ممن هو في مكان بعيد خارج البلد أن ينقل إليه بعض هذه الأضحية مع إبقاء بعضها من أجل انتفاع المضحي بها والله أعلم.
من
هل يصح توكيل المؤسسات والجمعيات الخيرية بالتضحية عن الغير والقيام بصرف اللحوم في وجوهها الشرعية؟ وإن جاز فهل هناك شروط معينة يلزم توافرها في مثل هذه الجمعيات؟ وهل هناك فرق بين الجمعيات الربحية والخيرية؟
هذه الجمعيات لا بد أن تكون في أيد أمينة بحيث يكون القائمون عليها الأمناء الفقهاء العارفين بكيفية التصرف في هذه الأضاحي، وما هي الأضحية التي تجزاء من حيث السن والجنس والوصف، ثم بجانب ذلك لا بد من مراعاة أن تكون الأضحية في ميقاتها الشرعي بحيث يضحون بعد أن يصلي من يضحى عنه لا قبل ذلك، وبعد ذلك لا مانع من أن تتولى هذه
(1) رواه الربيع في كتاب الأحكام، باب الذبائح رقم (621)، ومسلم في كتاب الأضاحي، باب ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي، رقم (1971). (5/354)
صفحة 2304
الأطعمة
355
الجمعيات صرف هذه الأضحيات إلى الفقراء والمساكين الذين هم بحاجة إليها والله أعلم.
ما حكم استبدال القيمة بالأضحية وخاصة في وقت الأزمات التي تواجهها بعض الدول كمنعهم من التضحية، أو لانتشار الأمراض في الحيوانات؟ أما عند الاختيار فلا يعدل إلى القيمة بحال، إذ لم يأت دليل قط على ذلك، ولكن مع تعذر الأضحية وذلك كأن تكون دولة ما تمنع المسلمين من التضحية كما حصل في الأندلس وذلك عندما سيطر النصارى عليها حتى صاروا يراقبون كل مضح في يوم الأضحى فيحكمون عليه بالقتل، وكذلك عندما تتعذر الحيوانات الخالية من الأمراض فإنه في هذه الحالة يعدل إلى القيمة من أجل إعطاء الفقراء ما فيه مصلحتهم، ففي ذلك خير إن شاء الله، لا لأجل أن القيمة تقوم مقام الأضحية، ذلك لأن من جملة مقصود الأضحية نفع هؤلاء الفقراء فإذا تعذر نفعهم بالأضحية فلا أقل من أن ينتفعوا بالقيمة والله أعلم.
أيهما أولى أن يضحي المرء في بلده الأصلي أو في الدولة التي يقيم مؤقتاً فيها؟
بما أنه يؤدي العبادات التي يؤديها وهو في تلك الدولة التي يقيم فيها
فإن الأضحية أيضاً تكون في ذلك المكان إن تيسر له ذلك والله أعلم.
ما رأيكم لو لم يستطع المرء أن يضحي في بلده لارتفاع قيمة الحيوانات فيها، هل يضحي في بلد آخر، أو يوكل من يضحي عنه إن كانت قيمة الأضحيات هناك أرخص؟
إن تعذر عليه أن يضحي في بلده فلا يضحي في بلده فلا حرج أن يوكل شخصاً آخر ليضحي عنه مع مراعاة شروط الأضحية والله أعلم. (5/355)
صفحة 2305
356
الفتاوى الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
هل للمرء أن يترك التضحية في بلده ويضحي في بلد آخر بسبب رخص المواشي هناك؟
لا، فما دام متعبداً بالأضحية فإما إن يضحي وإما أن لا يضحي، إلا إن تعذر عليه أن يضحي في بلده وأراد أن لا يفوته هذا الفضل فله أن ينيب غيره في بلد آخر والله أعلم.
ولو لم يستطع التضحية في بلده بسبب، قهري، واضطر أن يضحي في بلد آخر، فهل يعتبر قيمة الأضحية في بلده، أو البلد التي ينوي أن يضحي فيها، بحيث أن لو كانت الأضحيات في تلك الدولة التي سيضحي فيها أرخص؛ هل بفعله ذلك يعتبر أدى ما عليه من شعيرة، أو لا بد من أن يدفع نفس القيمة التي تدفع في بلده حتى ولو يشتري أضحيتين؟
إن تعذر أن يضحي وأناب من يضحي عنه في غير بلده فإن المراد حصول الأضحية فإن حصلت بشروطها المشروعة فلا عبرة بالقيمة قلة وكثرة، إنما العبرة بالأضحية نفسها والله أعلم.
هناك من أفتى بجواز الأضحية بالطيور، هل لكلامه وجه؟ وما الذي ترونه في هذه المسألة وخاصة بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية في بعض الدول مما يصعب عليهم شراء المواشي؟
هذا مما لم نجده إلا عن بلال بن رباح له فإنه ضحى بديك، أما بقية العلماء فيرون أن تكون من بهيمة الأنعام من الإبل أو البقر أو الماعز أو الضأن دون غيرها من أنواع الحيوانات الأخرى
والله أعلم. (5/356)
صفحة 2306
الأطعمة
357
هناك فائض كبير في الجلود وخاصة ما تخلفه الجمعيات التي تذبح الآلاف من الضحايا، وقد لا يعرف بعض الناس كيف يستفيد منها؛ هل يصح بيعها والاستفادة بأثمانها في مشاريع خيرية؟
أما
بيع المضحي لجلد أضحيته فذلك مما لم يأت دليل شرعي على إباحته، والأصل أن تكون الأضحية خارجة بكل ما فيها من ماله، له أن نعم يستفيد من ذلكم الجلد بنفسه، وأما أن تباع هذه الجلود لئلا تضيع الفقراء فذلك خير والله أعلم.
لمصلحة
ذكر الفقهاء بأنه لا يضحى بالعرجاء لأنها تتأخر عن القطيع فيفوتها الرعي الطيب؛ فإذا كانت بعض المواشي لا ترعى رعياً طبيعياً حتى أن لحمها يكون غير طيب في الغالب، وقد يعافه بعض الناس أفلا يعد ذلك عيباً يمنع الإجزاء كما يمنع ذلك الكثير من العيوب التي تعد نقصاً سواء كان في عضو أو صفة، وأضرب على ذلك مثالاً الخراف الأسترالية؛ فما رأيكم في التضحية بها؟
إن كانت هذه الخراف بهذه الحالة حيث إن لحمها غير جيد لسوء
تغذيتها فإن الأولى بها أن يمنع من التضحية بها والله أعلم.
هل تجزي العجول المسمنة والتي لم تبلغ السن المقرر شرعاً ولكنها أوفر لحماً من غيرها بسبب نموها السريع، وإذا تبين أن هذه العجول إذا بلغت السن المقرر شرعاً قد يكون لحمها لا يصلح للأكل لأنها نمت نمواً غير طبيعي فما الحكم فيها؟
حدد النبي صلى الله عليه وسلم السن المجزى في الأضحية وكان فيما حدده أن البقر لا يجزي منها إلا المسنة وبهذا نأخذ والله أعلم. (5/357)
صفحة 2307
358
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
ما حكم توزيع اللحوم إلى مستحقيها بعد طبخها وخاصة بعض الناس يفضلون أن تكون مطبوخة، بل هناك عادة عند بعض المسلمين في أوروبا يدعون الناس من المسلمين وغيرهم إلى مكان ما ويقدمون لهم الطعام مطبوخاً؛ فهل من مانع شرعي في ذلك؟
لا مانع من أن توزع هذه اللحوم مطبوخة أو غير مطبوخة ما دام يقصد بها الفقراء، فإن في ذلك تحقيقاً لما يراد من هذه الأضحية، ومما يؤكد ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن لا تدخر لحوم الأضاحي من أجل الدافة، ومن المعلوم أن هذه الدافة تأكل ما طبخ والله أعلم.
بالنسبة للوقت هل ينظر في ذلك إلى مكان الأضحية أم مكان المضحي؟ ينظر إلى مكان المضحي لأنه لا بد من أن يكون قد أدى الصلاة والله أعلم.
نري
ذلك؟
كثيراً من الناس يتقدمون إمامهم في ذبح الأضحية، فما قولكم في
ذلك خلاف السنة، إلا إن كانوا لا يعلمون وقت تضحية الإمام والله أعلم.
بالنسبة للذبائح التي تذبح أيام عيد الأضحى المبارك هل تسمى أضاحي؟ وإذا كان كذلك هل يجب عليه الالتزام بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه لا يقص شعراً ولا ظفراً في الأيام الأولى من ذي الحجة؟ وكيف يتم توزيعها بالنسبة في هذه الأيام؟ وإذا لم تكن أضاحي فماذا تسمى؟ وهل ملزم الإنسان بالذبح في تلك الأيام؟
إن نواها أضحية وتوفرت فيها شروطها وذبحها بعد الصلاة فهي كما نواها، وينبغي له أن لا يزيل التفث في الأيام العشر عملاً بالسنة، وإن لم ينوها أضحية أو لم تتوافر فيها شروطها فهي شياه لحم والله أعلم. (5/358)
صفحة 2308
ما
هي شروط الأضحية؟
الأطعمة
359
الأضحية هي من بهيمة الأنعام، ويشترط فيها إن كانت من الضأن أن يكون المضحي به جذعاً أي قد أتم العام، وإن كانت من المعز أن يكون ثنياً أي قد أتم العامين ولا تجزاء قبل الصلاة بل بعدها، وأن تكون سالمةً من العيوب الظاهرة كالعوراء البيّن عورها والعرجاء البين عرجها والعجفاء
والله أعلم. هل يشترط التعيين في الأضحية بأن يعين مثلاً أضحية معينة، فإذا ما عينها هل يصح له أن يتصرف فيها بعد ذلك؟
أما الأضحية فإن عيّنها فعليه أن يحرص على ذبح التي عينها، لكن إن لم يعينها فله أن يذبح أي حيوان صالح لأن يضحي به، ولا يشترط التعيين
والله أعلم.
ما قولكم في الأسنان المجزية في الأضحية في كل من الغنم والإبل والبقر؟ وهل يجزاء أقل من هذه الأسنان؟
يجزي الثني من الماعز وهو ابن عامين، والجذع من الضأن وهو ابن عام واحد، ومن الإبل والبقر بقدر أسنانها، فقد ذكر علماؤنا أن كلاً من ابن مخاض أو ابنة مخاض يجزي عن واحد وكذلك ابن لبون وابنة لبون والحق والحقة، والجذع والجذعة يجزيان عن خمسة والثني والثنية عن سبعة، وكذلك البقر فجذعة البقر عن ثلاثة والثنية عن خمسة والمسنة عن سبعة
والله أعلم.
امرأة تعيش بنفسها فهل تتأكد في حقها الأضحية؟
إن كانت واجدة فهي كالرجل والله أعلم. (5/359)
صفحة 2309
360
الفتاوى
الذبائح - الأطعمة - التدخين
في
أكل الحشرات:
هل يجوز أكل حشرة (الفنزوز) كما يطلق عليها في عُمان؟ نعم إن لم تكن ضارة، وأما الضار فمحظور والله أعلم.
آداب الأكل والشرب:
الأكل بالشمال أهو حرام أم مكروه؟
لا خلاف بين الأمة في مشروعية الأكل باليمين والنهي عن الأكل بالشمال، وأن ذلك مما مضى عليه الهدي النبوي الشريف، وإنما خلاف حكمه؛ أهو واجب فيحرم الأكل بالشمال أم هو مندوب إليه ويعد من آداب الأكل فيسوغ الأكل بالشمال مع الكراهة ولو لغير ضرورة؟ والصحيح وجوب الأكل باليمين وحرمة ضده، لما ثبت من تأكيد النبي تأكيد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بأمره حتى الصبية أن يأكلوا بالأيمان، وزجره كل من أبصره يخالف ذلك، ففي الصحيح عن عمر بن أبي سلمة ربيب النبي صلى الله عليه وسلم قال: كنت غلاماً في حجر النبي صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا غلام
سم
الله وكل بيمينك وكل مما يليك فما زالت تلك طعمتي بعد (1). ولئن كان النبي صلى الله عليه وسلم ينشاء على ذلك الصبية منذ بداية وعيهم فكيف يسوغ للكبار مخالفة ذلك؟ على أن الأمر للوجوب ما لم تصرفه قرينة، ولم تأت قرينة هنا صارفة له عن هذا الأصل، وإنما جاءت مؤكدة له، ففي صحيح مسلم من حديث سلمة بن الأكوع أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يأكل بشماله فقال:
(1) رواه البخاري، كتاب الأطعمة، باب التسمية على الطعام (5061)، ومسلم، كتاب الأشربة، باب الأكل باليمين (3276). (5/360)
صفحة 2310
الأطعمة
361
كل بيمينك» قال: لا أستطيع، قال: لا استطعت فما رفعها إلى فيه بعد)، وروى الطبراني عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلمرأى سبيعة الأسلمية تأكل بشمالها فقال: «أخذها داء غزة فقال: إن بها قرحة قال: «وإن» فمرت بغزة فأصابها طاعون فماتت (2)، وعن ابن عمر وجابر ا ـ عند مسلم ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليأكل أحدكم بيمينه وليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله» (3) وناهيك بهذا زاجراً عن الأكل بالشمال، فإن عمل الشيطان لا يكون إلا حراماً، على أنا نشاهد شياطين الإنس في زماننا يأكلون بشمائلهم، فإن هذا هو ديدن الكفار من الملاحدة وأشياعهم، والمسلم مأمور بأن يربأ بنفسه عن التشبه بهم والانخراط في سلكهم «ومن تشبه بقوم فهو منهم (4)، ومهما قيل في معنى الحديث فإنه يدل على أن الأكل بالشمال من عمل الشيطان، سواء قيل: بأن شياطين الجن يأكلون حقيقة بشمائلهم أو قيل: بأن من أكل بشماله هو شيطان، لهذا كله لا أرى وجهاً للعدول عما دلت عليه هذه الروايات من أن الأكل باليمين واجب وضده حرام، والله أعلم.
(4)
في
هل يصح الشرب على اليد مباشرة من هذه الأنابيب المستحدثة زماننا هذا أم يعمها النهي كما ورد في غيرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ النهي عن الشرب من في (5) القربة) للحوطة والحذر من كل ما يؤذي
(1) رواه مسلم، کتاب او شربة باب آداب الطعام والشراب (2021). (2) رواه الطبراني في المعجم الكبير (897).
(3) رواه مسلم، کتاب الأشربة باب آداب الطعام والشراب (2020). (4) رواه أبو داود، كتاب اللباس، باب في لباس الشهرة (4031).
(5) أي: فم.
(6) رواه الربيع في كتاب الزكاة، باب في آداب الطعام والشراب رقم (382)، والبخاري في كتاب الأشربة باب الشرب من فم السقاء رقم (5304). (5/361)
صفحة 2311
362
الفتاوى الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
الشارب، ويدل على ذلك ما في بعض الروايات أن سبب النهي أن رجلاً شرب من فم القربة فإذا بحية تلج جوفه مع الماء، وعليه فإنني لا أتوقع شيئاً هذا المحذور في الشرب من أفواه المواسير المستحدثة خصوصاً إذا كان الشرب من الكف فلا يشمل النهي ما كان هذا سبيله والله أعلم.
من
ما قولكم فيمن يأكل بالملعقة ويداه صاحيتان؟
ليس في
ذلك مانع إن كان إمساك الملعقة باليمين ولم يقصد التشبه
بالمشركين، والأكل باليد أولى وأهنأ وأسلم والله أعلم.
ما قولكم في الأكل والشرب قائماً؟
يكره ذلك كراهة تنزيه من غير حرمة والله أعلم.
أكل المحرم للضرورة
ما قولكم فيمن أكره على أكل الميتة أو الدم أو لحم الخنزير؟
نص القرآن الكريم على تحريم هذه الثلاثة الأنواع ومعها ما أهل به لغير الله إلا لمن اضطر غير باغ ولا عاد، وأطلق الاضطرار في البقرة والأنعام
والنحل وقيدها بالمخمصة في المائدة حيث قال: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ [المائدة: 3] والأصل في الإطلاق أن يحمل على التقييد كما هو معروف، ولكن القيد هنا يوهن أثره وروده مورد الأغلب، مع أن الذي درج عليه أهل العلم سلفاً وخلفاً أن المنطوق إذا ورد مورد الأغلب المعتاد لا يعتد بمفهومه المخالف، لذلك أطلقوا حرمة الربائب على أزواج أمهاتهن وإن لم يكن في حجورهن وألغوا القيد الذي في ظاهر قوله تعالى: {وَرَبِّبُكُمُ الَّتِي فِي حُجُورِكُمْ} [النساء: 23] مراعاة لهذا المعنى، فإن غالب الربائب يكن في (5/362)
صفحة 2312
الأطعمة
363
حجور أزواج أمهاتهن، ومن هذا الباب قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِنْ إِمْلَقٍ} [الأنعام: (151) وقوله: {وَلَا نَقْتُلُوا أَوَلَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقٍ} [الإسراء: 31] فإن
قتل الأولاد حرام بلا خلاف ولو لم يكن من إملاق ولا خشية إملاق. وممن عول على الإباحة في ذلك ابن بركة فقد أنزل ضرورة الإكراه منزلة ضرورة المخمصة حيث قال: فإن أخذه الجبار بشرب الخمر أو الميتة أن يأكلها هل له فعل ذلك؟ قيل له: نعم إذا خاف على نفسه، لأن الله جل ذكره قد أباح ذلك في الاضطرار بقوله وعل: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمِ} [المائدة: 3] وقال رجل: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ} [البقرة: 173] 1 هـ.
وحكى الإمام السالمي رحمه الله تعالى الخلاف وجنح إلى الجواز وذلك في قوله: وأما السبب المختلف فيه فهو الإكراه على أكل المحرم، بحيث لا تكون نجاته إلا في أكله، ذهب بعض إلى الإباحة قياساً على ضرورة الجوع وآخرون إلى منع ذلك لأن التقية عندهم لا تجوز بالفعل وهذا فعل فلا يحل بالتقية، ولأن إباحة ذلك خصت بضرورة الجوع صرح بذلك الكتاب العزيز بقوله: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةِ} [المائدة: 3] قلنا: ولا دليل في الآية على المطلوب إلا بمفهوم المخالفة، ومفهوم المخالفة لا يعول عليه إلا إذا كملت شروطه، ومن شورطه أن لا يخرج مخرج الأغلب المعتاد، وهو هنا خارج ذلك المخرج، لأن أغلب أحوال الناس لا تلجئهم ضرورة إلى أكل الميتة إلا ضرورة الجوع الشديد. اهـ. وأقول: إن الأفعال ليست سواء في حكم التقية، فإن منها ما يضر بالغير كالقتل والضرب وكذلك الزنا، فإن القتل والضرب مضران بالنفس والزنا مضر بالشرف والعرض فلذلك لا تجوز التقية فيها، وأما الإلجاء قسراً إلى تناول الحرام لإنقاذ النفس من الهلكة فلا يؤدي إلى هذه المضار لذلك كان (5/363)
صفحة 2313
364
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
الراجح جوازه، على أن الأقوال أيضاً ليست سواء في حكم التقية، أرأيتم أن لو أكره أحد بأن يشهد على أحد بباطل ليقتل المشهود عليه أو ينال بعذاب، هل تسوغ الشهادة عليه؟ كلا، فإنه لا يحل لأحد أن ينقذ حياته بإتلاف غيره والله أعلم.
أكل لحوم السباع:
هل يجوز أكل لحم الثعالب؟ لأني رأيت كثيراً من الناس يأكلون هذا
اللحم؟
قال الله تعالى: {قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ به} [الأنعام 145]، في هذه الآية الكريمة حصر للمحرمات من المطعومات في هذه الأصناف، ولكنها خصصت بمخصصات كثيرة منها تحريم الخمر بالنص القرآني القاطع، وتحريم الصيد على المحرم بالنص القرآني القاطع أيضاً، ومنها: تحريم صيد الحرم بالسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فهذه المخصصات كلها تخص حصر المحرمات في هذه الأصناف المخصوصة المذكورة في الآية الكريمة، كما جاء في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريم ذوات الناب من السباع، والمخالب من الطير، فقد روى الإمام الربيع حمدالله عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة له عن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام أنه قال: «أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير حرام» (1)، والحديث قد رواه أئمة
(1) رواه الربيع في كتاب الزكاة، باب آداب الطعام والشراب رقم (387)، وروى الشق الأول منه مسلم في كتاب الذبائح، باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع رقم (1934). (5/364)
صفحة 2314
الأطعمة
365
الحديث من طريق أبي ثعلبة أيضاً ولكن روايتهم محصورة في الشطر الأول
6
وهو تحريم ذوات الناب من السباع (1)، وإنما جاء في رواية غير الربيع عن ابن عباس الا أنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من
(2)
السباع ومخلب من الطير (2)، ولا ريب أن النهي يحمل على التحريم ما لم تصرفه قرينة عنه، ولكن العلماء اختلفوا في ذلك فذهب بعضهم إلى ترجيح مدلول الآية الكريمة فأباح ذوات الناب من السباع والمخالب من الطير، ومنهم من ذهب إلى أن الحديث ناسخ للقرآن الكريم، ولكن التحقيق في المسألة أن الحديث مخصص لعموم القرآن وليس بناسخ له لأنه لم يرفع جميع حكمها، ولا غرو في تخصيص عمومات القرآن بالأحاديث الأحادية كما ثبت ذلك في غير موضع، ومن المعلوم أن العام ظني الدلالة وإن كان قطعي المتن فلذلك صح تخصيصه بالظني كالخبر الآحادي والقياس وغيرهما، واختلف في الثعلب أهو من السباع أم ليس منها؟ وسبب الخلاف اختلافهم في السبع أهو ما يعدو ويفترس أم أنه ما يفترس ولو لم يكن يعدو؟ والمسألة تحتاج إلى بحث طويل، وقد جاء في حديث رواه الحاكم وأبو داود عن ابن عباس لما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الضبع: «الضبع صيد وفيه كبش مسن» (3) وقد قيس عليه الثعلب - على رأي بعض العلماء ـ بجامع أن طبيعتهما واحدة، والمسألة تحتاج إلى مزيد من البحث كما قلت، ولكن
(1) رواه البخاري في كتاب الذبائح والصيد باب أكل كل ذي ناب من السباع (544)، ومسلم في كتاب الذبائح، باب تحريم أكل ذي ناب من السباع (1932). (2) رواه مسلم في كتاب الصيد والذبائح باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع رقم
(1978)
(3) رواه الترمذي في كتاب الأطعمة باب ما جاء في أكل الضبع رقم (1691)، والنسائي في المجتبى كتاب الصيد والذبائح باب الضبع رقم (4323)، وابن ماجة في كتاب المناسك
باب جزاء الصيد رقم (3085)، والحاكم رقم (1663). (5/365)
صفحة 2315
366 الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
الأحوط هو الامتناع من أكل الثعلب وغيره من السباع سواء كانت تعدو أو لا تعدو والله أعلم.
هل أكل لحم الفيل حلال أم حرام؟ وكيف يتم ذلك؛ أي طريقة النحر أو
الذبح)؟
في أكل لحم الفيل خلاف، وبناءً على حله يجوز ذبحه ونحره والله أعلم.
ما حكم تناول ما له دم سائل وهو حيوان مستأنس غير طائر ولا داجن؟ الأصل في الأطعمة الحل لقوله تعالى: (قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً .. } [الأنعام: 145] وإنما يخرج من هذا الأصل ما ثبت استثناؤه سواءً كان بمخصص متصل وهو الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله التي ثبت خروجها من هذا العموم بنص الاستثناء في الآية الشريفة، أو خصص بمخصص منفصل من القرآن كتحريم الخمر وتحريم الصيد على المحرم والنهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه، أو من السنة الشريفة كالنهي عن ذوات الناب من السباع أو المخالب من الطير، وكذلك النهي عن الحمر الأهلية على خلاف بين أهل العلم في ذلك لا يتسع المقام لشرحه، وهكذا كل ما ثبت النهي عنه، وما عدا ذلك لا يحرم أكله إن ذكي ذكاة شرعية ولو كان له دم سائل، فإن الأنعام وغيرها لها دم سائل ولكن تحل بالذكاة الشرعية، فإن كان هذا الحيوان المستأنس ليس من جنس ما خصص من عموم الآية فلا مانع من تناول لحمه بعد تذكيته والله أعلم. (5/366)
صفحة 2316
الأطعمة
367
أكل ما صنعه المشرك أو الفاسق:
هل يجوز أكل الطعام الذي قام بطبخه أناس تاركون للصلاة أو الأكل معهم في نفس الطبق؟
لا مانع من ذلك إن كانوا غير منكرين وجوبها والله أعلم.
هل يجوز الأكل من عند الذي يخلط الحلال والحرام؟
كل ذي يد أولى بما تحت يده، فحكم ما بيده في الظاهر أنه ملكه والله أولى بسريرته، لذلك لا يمنع من الأكل مما بيده والله أعلم.
في
يوجد بسكويت مرسوم فيه رسومات آدمية وحيوانات مثل الكلاب والقرود وفيه رسومات أصنام في الغلاف الخارجي للبسكويت، فهل يجوز أكله أم نمتنع وننهى أولادنا عن أكله؟
لا مانع من أكل ما صور من الطعام في صورة إنسان أو غيره إن كان أصله حلالاً، لأنه ليس أكلاً لصاحب الصورة ولا يراد بالصورة التعظيم
والله أعلم.
في المطاعم التي يعمل بها عمال لا يدرى مسلمهم من مشركهم، هل علينا في ذلك من بأس؟
إذا اختلط المسلمون والمشركون غلب الإسلام، والحوطة أسلم، والله أعلم.
رجل وعائلته مسلمون ولهم جيران من البانيان ويقدم لهم هؤلاء الجيران بعض المأكولات النباتية مثل الخضروات والأرز من غير اللحوم (5/367)
صفحة 2317
368
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
كالأغنام، فهل يجوز لهم أن يأكلوا هذه الأطعمة
مسلمين؟
مع
أن طابخيها ليسوا
إن كانوا لا يباشرونها بأيديهم وسائر رطوباتهم فيجوز أكلها وإلا فلا
والله أعلم.
ما حكم العمل في المطابخ التي تقدم فيها لحوم الخنزير إن كان من يباشرها غير المسلمين؟
لا يجوز ذلك إن شارك في طبخها أو أعان عليه بأي شيء أو رضي
بذلك والله أعلم.
أكل مال الغير
عند الضرورة هل يجوز حلب ماشية الغير والأكل من الثمار بدون إذن؟
الأصل في مال الغير حرمة تناوله بدون إذن مالکه، لقوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ} [البقرة: 188]، وقوله: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنكُمْ وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانَا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا} [النساء: 29، 30)، وقوله في اليتامى:
وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} [النساء: 2] ولقول النبـ «القليل من أموال الناس يورث النار (1) وقوله: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» (2) وروى البيهقي وابن حبان والحاكم عن أبي
(1) رواه الربيع في كتاب الأيمان والنذور في الوعيد والأموال رقم (690).
(2) رواه مسلم، کتاب والصلة باب تحريم ظلم المسلم (2564). (5/368)
صفحة 2318
الأطعمة
369
حميد الساعدي مرفوعاً: «لا يحل لامراء أن يأخذ عصى أخيه بغير طيب نفسه» (1) وروى الدارقطني عن أنس مرفوعاً: «لا يحل امراء مسلم إلا بطيب
نفسه» (2).
غير أن الله تعالى جعل في الأموال حقوقاً للمحتاجين، فقد قال في وصف المحسنين: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّابِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 19]، وقال: وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّابِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج: 24، 25]، ومن أحق بهذا الحق من المضطر الذي يشارف الهلاك جوعاً ومخمصة؟! فإن كان بين جماعة لزمهم إنقاذ حياته ودفع ضرورته من أموالهم على الكفاية: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32] وإن كان مع أحد بعينه ولم يحضر غيره تعين ذلك على من كان معه، ولم يكن له محيص عن إنقاذه إن كان قادراً عليه، وإن لم يكن صاحب المال حاضراً أو امتنع أن يعطيه شيئاً جاز له أن يأخذ بنفسه بقدر ما يسد رمقه، ويدل عليه حديث أبي هريرة عند ابن ماجه قال بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر إذ رأينا إبلاً بغضاة الشجر فثبنا إليها فنادانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعنا إليه فقال: «إن هذه الإبل لأهل بيت من المسلمين هو قوتهم ويمنهم بعد الله، أيسركم لو رجعتم إلى مزاودكم فوجدتم ما فيها قد ذهب به أترون ذلك عدلاً؟ قالوا: لا، فقال: «إن هذه كذلك قلنا: أفرأيت إن احتجنا إلى الطعام والشراب؟ فقال: «كل ولا تحمل واشرب ولا تحمل» (3).
وفي سنن ابن ماجه أيضاً: أنبأنا أبو بكر بن أبي شيبة أنبأنا شبابة (ح)
(1) رواه ابن حبان، كتاب الرهن، باب الجنايات (5978)، وأحمد (23094)، والبيهقي كتاب الغصب، باب من غصب لوحاً (11737).
(2) رواه البيهقي في السنن الكبرى رقم (11325) والدارقطني في كتاب البيوع رقم (91). (3) رواه ابن ماجه كتاب التجارات، باب النهي أن يعيد منها شيئا (2303). (5/369)
صفحة 2319
370
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
وحدثنا محمد بن بشار ومحمد بن الوليد: قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي بشر جعفر بن إياس قال: سمعت عباد بن شرحبيل - رجلاً
-
من
من بني عُبَر ـ قال: أصابنا عام، مخمصة، فأتيت المدينة فأتيت حائطاً حيطانها فأخذت سنبلاً ففركته وأكلته وجعلته في كسائي، فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال للرجل: «ما أطعمته إذ كان جائعاً أو ساغباً ولا علمته إذ كان جاهلا» فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فرد عليه ثوبه وأمر له بوسق من طعام أو نصف وسق).
قال القرطبي: هذا حديث صحيح اتفق على رجاله البخاري ومسلم إلا ابن أبي شيبة فإنه لمسلم وحده، وعباد بن شرحبيل الغبري اليشكري لم يخرج له البخاري ومسلم شيئاً وليس له عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذه القصة فيما ذكره أبو عمر اهـ. وروى أبو داود عن الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه فإن أذن له فليحتلب وليشرب وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثاً فإن أجابه فليستأذنه فإن أذن له وإلا فليحتلب وليشرب ولا يحمل» (2).
وروى الترمذي عن يحيى بن سليم عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من دخل حائطاً فليأكل ولا يتخذ خبنة» (3) قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم.
(1) رواه أبو داود، كتاب الجهاد، باب في ابن السبيل (2620)، والنسائي، كتاب آداب القضاة، باب الاستعداء (5409)، وابن ماجة، كتاب التجارات باب من مر على ماشية، (2298). (2) رواه أبو داود، كتاب الجهاد، باب في ابن السبيل (2619)، والترمذي كتاب البيوع، باب ما جاء في احتلاب المواشي (1296).
(3) رواه الترمذي، كتاب البيوع، باب ما جاء في الرخصة في أكل الثمرة (1287). (5/370)
صفحة 2320
الأطعمة
371
قلت: ويحيى بن سليم هذا قال عنه البيهقي: كثير الوهم سيء وذلك مما يؤثر في روايته وإن أخرج له الشيخان.
الحفظ.
وروى الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه جده أن عن النبي صلى الله عليه وسلم سأل عن الثمر المعلق فقال: «من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه» (1) وقال فيه الترمذي: حديث حسن، وأحاديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فيها مقال لعلماء الحديث، إلا أن هذه الروايات يقوى ضعيفها بقويها وهي في عمومها دالة على جواز الأخذ لذي الحاجة من مال الغير لدفع الضرورة الحاصلة من غير حمل، وهو معنى: غير متخذ خبنة».
وبمعناه ما روي من طريق ابن عمر ال: (إذا أمر أحدكم بحائط فليأكل عالى: ولا يتخذ خبنة (2) وما جاء من إطلاق في بعضها فهو محمول على تقييد ذلك بالحاجة والضرورة كما قال أبو عبيد وإنما يوجه هذا الحديث أنه رخص فيه للجائع المضطر الذي لا شيء معه يشتري به ألا يحمل إلا ما كان في بطنه قدر قوته.
قال الإمام نور الدين السالمي رضوان الله عليه واختلف القائلون بهذا في وجوب الضمان عليه فبعض أوجبه وبعض لم يوجبه، دليل الأولين: أن هذا مال للغير، وكل مال للغير مضمون بالإتلاف فهذا مضمون بالإتلاف، وإنما أبيح له التناول للضرورة فقط، ودليل الآخرين أن لهذا المضطر حقاً هذا المال، لأنه لو حضر صاحبه لزمه أن يحييه فلما لم يحضر كان لهذا أن يأخذ حقه من ذلك المال غير باغ ولا عاد ا
في
هـ.
(1) رواه أبو داود، كتاب اللقطة، (1710)،، الترمذي، كتاب البيوع، باب ما جاء في الرخصة،
(1289)
(2) رواه ابن ماجه في كتاب التجارات، باب من مر على ماشية (2301). (5/371)
صفحة 2321
372
الفتاوى
الذبائح - الأطعمة - التدخين
والراجح فيما أرى عدم وجوب الضمان لنص القرآن على هذا الحق في قوله تعالى: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّابِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 19]، وقوله: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّابِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج: 24، 25] ولما سبق من الروايات التي يشد بعضها بعضاً، وهي دالة على جواز الأخذ في حال الاضطرار من غير تقييد ذلك بضمان والمطلق على إطلاقه ما لم يرد ما يفيد تقييده، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، فلو كان عليه ضمان لبينه الله، على أن
6
هذا من البر الواجب الذي نص عليه قوله تعالى: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ} [البقرة: 177] ولئن كان براً واجباً على صاحب المال فيما فضل من ماله عن حاجته فإن وجوب الضمان له بسببه لا وجه له والخلاف مذكور عند غيرنا في هذه المسألة كما هو مذكور عندنا، وقد عرفت الراجح بالدليل فاشدد به يداً.
هذا
واختلفوا كذلك في المضطر إن أمكنه أن يدفع ضرورته بتناول المحرمات كالميتة ولحم الخنزير ووجد مال الغير، فبعض ذهب إلى أنه يأكل من الأول لأنه لا تبعة عليه في أكله وآخرون إلى أنه يأكل من الثاني ويعتقد الضمان، وبأكله من المحرمات دون مال الغير قال سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم، وهو حاصل مذهب أحمد بن حنبل وأصحابه، وبعكس ذلك قال عبد الله بن دينار وجماعة ونسبه ابن بركة إلى أكثر العلماء، وفرق مالك ففي الموطأ وسأل مالك عن الرجل يضطر إلى الميتة أيأكل منها وهو يجد ثمراً أو زرعاً أو غنماً بمكانه ذلك؟ قال مالك: إن ظن أن أهل ذلك الثمر أو الزرع أو الغنم يصدقونه بضرورته حتى لا يعد سارقاً فتقطع يده رأيت أن يأكل من أي ذلك وجد ما جوعه ولا يحمل منه شيئاً، وذلك أحب إلي من أن يأكل الميتة، وإن هو خشي أن لا يصدقوه وأن يعد سارقاً بما أصاب من ذلك فإن أكل الميتة خيرٌ له عندي وله في أكل الميتة على هذا سعة، مع أني أخاف
يرد (5/372)
صفحة 2322
الأطعمة
373
أن يعدو عاد ممن لم يضطر إلى الميتة يريد استجازة أموال الناس وزروعهم وثمارهم بذلك بدون اضطرار، قال مالك وهذا أحسن ما سمعت. اهـ. وأشار إمام الحرمين إلى أن هذا الخلاف مأخوذ من الخلاف في اجتماع حق الله تعالى وحق الآدمي.
هذا وللشافعية في ذلك ثلاثة أوجه وقيل: ثلاثة أقوال أصحها: يجب أكل الميتة، والثاني: يجب أكل الطعام، والثالث: يتخير بينهما.
والصحيح فيما أرى أنه لا يعدل إلى أكل الميتة ونحوها من وجد مال الغير، لما ثبت له من حق شرعي فيه بنص الكتاب والسنة، فإن الضرورة إلى أكل الميتة مندرئة في هذا الحالة لإمكانه أن يحيي نفسه بما هو حلال له، بل قيل: بأن له أن يقاتل صاحب المال إن منعه منه وهو الحق. قال الإمام السالمي: وقد عرفت أن ما كان حراماً لغيره أخف حرمة مما حرم لعينه فهو الأولى بالقصد وإلا وجب عند الضرورة اهـ.
أما إن ترجح أنه إن أخذ من مال الغير ستقطع يده أو يصاب بأذى شديد لعدم وجود مظلة عادلة تحميه من وهج الجور وشيوع التعسف في الأحكام وعدم المبالاة بحقوق الضعفاء في أموال الأغنياء فله أن يأكل الميتة حفاظاً على سلامته والله أعلم. (5/373)
صفحة 2323
374 الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
الإنفحة والأجبان المستوردة
ما حكم الأجبان المحتوية على منفحة العجل؟
هي محرمة إن لم يذك العجل ذكاة شرعية والله أعلم.
تعلمون سماحتكم بأن الكثير من الدول العربية والإسلامية تستورد الكثير من المواد الغذائية لتغطية الطلب المستمر عليها في السوق وتلبية لحاجات المواطنين من مأكل ومشرب ومعظم مصانع الألبان والأجبان في البلدان الأجنبية تستخدم في صناعتها (منفحة العجل)، وتعتبر مادة أساسية في صناعة الألبان ومشتقاتها، علماً بأن بعض الدول العربية والإسلامية تستخدم هذه المادة في صناعة الأجبان، وتقوم بعض الدول الأوروبية بإنتاج أجبان جاهزة تحتوي على هذه المادة لصالح شركات عربية، فما رأي سماحتكم في هذه المسألة؟
إن كانت هذه الإنفحة من الحيوانات التي لا تحل كالخنزير أو من غير المذكاة كالتي تذبح في البلاد الغربية وغيرها من غير بلاد الإسلام بأيدي أناس لا تحل ذكاتهم شرعاً أو بطريقة لا يقرها الإسلام ففي جميع الأحوال تحرم المواد الممتزجة بهذه الإنفحة والله أعلم.
هذه
ما رأيك بالجبن الذي يأتينا من الدول الإسلامية والتي يذكر أن أحد المحتويات أنفحة العجل؟
إن كان مصنوعاً في بلاد إسلامية فهو حلال ما لم تتبين حرمته والله أعلم.
ما تقول في الجبن الذي يحوي أنفحة الخنزير؟
الخنزير حرام أكله بالنص القاطع، لذلك نرى حرمة هذا الجبن والله أعلم. (5/374)
صفحة 2324
الأطعمة
375
ما حكم منفحة العجل الموجودة في بعض الأجبان؟
إن كان العجل مذكى فهي محللة وإن كان غير مذكى فلا تحل، وإن كان مجهول الأمر فينظر هل الاستيراد من بلاد إسلامية أو لا؟ فما كان من بلد إسلامي، حل، وما كان من بلد غير إسلامي فلا يحل؛ إلا بضمان ممن يقبل ضمانه شرعاً أنه مذكى والله أعلم.
اللحوم المستوردة وذبائح أهل الكتاب:
أداوم
على
ذلك
كنا نأكل لحم الدجاج المستورد من خارج البلاد، وبما أنني سماع برنامجكم القيم سمعت تحذير سماحتكم من أكل هذه اللحوم، ومنذ ذلك الحين منعتها عن أسرتي ولكن زوجي لا يوافقني في ويقول: إن جميع المسلمين يأكلونها، كذلك يأكلها حجاج بيت الله الحرام، ثانياً: يستند على ما جاء في الآية الثالثة من سورة المائدة، وفي الآية مائة وثلاثة وسبعين من سورة البقرة وحجته نحن مضطرون، ثالثاً يقول: إن طعام أهل الكتاب حل لنا، رابعاً يقول: يوجد حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تجتمع أمتي على ضلالة) وترى المسلمين مجتمعين على أكله، خامساً: يقول هل من المعقول أنه يوضع عليه ذبح على الطريقة الإسلامية للتضليل؟ والغربيون عُرفوا بالصدق والأمانة، وأرجو كذلك أن توضح لي هل اللحم الهندي حلال علينا أكله
أنه
أم حرام؟
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الحلال بيّن والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعرفهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، (1) رواه الربيع باب في الأمة (39). (5/375)
صفحة 2325
376
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
ألا وإن حمى
ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى الله محارمه» (1)، فالحلال بين والحرام بين، ولكن بين الحلال والحرام أمور مشتبهة يجب على المسلم أن يتجنبها لئلا يقع في الحرام، ولا ريب أنني أغبط هذه السيدة السائلة على تجنبها ما تخشى أن يكون حراماً، وأريد أن أوضح لها ولغيرها أنني لست أحرم كل لحم مستورد، بل أقول: إن اللحم ينقسم إلى أقسام، وذلك أن الله ما بيّن لنا في محكم كتابه ما يحل وما يحرم، فقد حرّم سبحانه علينا في سورة المائدة أشياء من المأكولات إذ قال عز من قائل: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} [المائدة: 3] وجاءت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تضيف إلى قائمة المحرمات أشياء أخرى منها: ذوات الناب من السباع وذوات المخالب من الطير (2)، ومنها: الحمر الأهلية (3)، وجاء أيضاً في كتاب الله تعالى تحريم الصيد مطلقاً على المحرم، كما ثبت أيضاً تحريم صيد الحرم على المحرم والمحل على السواء، هذه هي المحرمات من جنس الحيوانات وما عداها فهي ولكن بشرط أن تذكى على الطريقة الشرعية إما بالصيد فيما لا يمكن أن يذبح أو ينحر، وإما بالذبح فيما يذبح أو بالنحر فيما ينحر، ولا بد مع ذلك كله أن يذكر اسم الله تعالى عند إرسال السهم أو إغراء الكلب أو عند الذبح أو النحر على السواء، لقول الله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرٍ اسْمُ اللَّهِ
محللة
(1) رواه البخاري في كتاب البيوع باب الحلال بين رقم (1946)، ورواه مسلم في كتاب المساقاة باب أخذ الحلال وترك الشبهات رقم (1599).
(2) رواه الربيع باب أدب الطعام والشراب رقم (387). (3) رواه الربيع باب أدب الطعام والشراب رقم (388). (5/376)
صفحة 2326
الأطعمة
377
عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَا بِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمَشْرِكُونَ} [الأنعام: 121]، ولقوله سبحانه: {وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} [المائدة: 4، ولقوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَ) [الحج: 36]، وهذه الآيات كلها تفيد اشتراط ذكر اسم الله، ولقد ورد ذلك في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهناك شرط آخر وهو أن يكون المذكي إما مسلماً وإما كتابياً، فإذا كان الذبح على غير الطريقة التي يباح بها أكل المذبوح فلا يصح أكل لحمه سواء كان الذابح مسلماً أو كتابياً، وذلك كما إذا كان بالصعق الكهربائي الذي هو معروف الآن في كثير من أقطار العالم، فلا يعطى الحيوان بذلك حكم المذكى سواء كان الصاعق مسلماً أو غير مسلم؛ لأن الصعق الكهربائي ليس هو الذبح الشرعي الذي يبيحه الله تعالى والذي دلت عليه السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام في شيء، وبهذا يتبين أن اللحوم التي تُستورد من هنا وهناك لا بد من مراعاة توافر شروط فيها؛ فإن كانت تستورد من بلد إسلامي فإنها يحل أكلها إلا إذا علم أنها ذُبحت بطريقة غير شرعية أو أنها أصلاً من جنس ما لا يحل من الحيوانات، وأما ما استورد من بلد غير إسلامي فلا بد من ضمانة مقبولة؛ تفيد أن الذابح لهذه الذبيحة ممن يحل أكل ذبيحته، ولا بد من ضمانة أيضاً تفيد أن هذه الذبيحة قد ذُبحت على الطريقة المشروعة في الإسلام، وبهذا يكون أكلها محللاً، أما إن خلت من هذا الشرط فلا سبيل إلى تحليلها.
ثالث
وأما دعوى أن الإجماع منعقد على إباحتها لأن المسلمين يأكلون هذه الذبائح وهم متفقون على ذلك فهي مردودة، وذلك أن الإجماع الذي هو حجة قاطعة هو:: اتفاق علماء الأمة على استحصال حادثة بشرع، وهو الحجج في الإسلام بعد كتاب الله وسنة نبيه، والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يفيد أن الأمة لا تجتمع على ضلال، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تجتمع أمتي (5/377)
صفحة 2327
378
الفتاوى الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
على ضلال)، ولكن هذا الاجتماع الذي يعنيه الحديث الشريف هو الإجماع الشرعي الذي لا يشذ عنه أحد ممن يعتد به في الأمة، ولا بد من أن يكون مبنياً في الأصل على حكم في كتاب الله أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الحكم من الآية أو الحديث واضحاً أو غامضاً، فإن الإجماع يجعل الحكم الغامض كالواضح، ولكن أنّى لأحد أن يدعي أن الإجماع حاصل على جواز أكل هذه اللحوم مع أن الأحاديث النبوية بل الآيات القرآنية تشترط شروطاً في حلية أكل الذبيحة، ومن المعلوم أن اللحوم التي تستورد من بلاد أهل الكفر والتي تُصعق فيها الحيوانات لا تعد مذبوحة على الطريقة الشرعية التي يرضاها الله تعالى ورسوله عليه أفضل الصلاة والسلام.
وأما الاستدلال بما ورد في كتاب الله من إباحة المحرمات للمضطر فهو مردود، وذلك أن إباحة المحرمات في حال الاضطرار إنما هي لدفع الهلاك عن الإنسان، وفي المحللات في وطننا هذا سعة والحمد الله، فبإمكان الإنسان أن يحترز عن المحرمات ولا يفضي به الحال إلى الهلاك.
وأما دعوى أن هذه من طعام أهل الكتاب، وأهل الكتاب حل لنا طعامهم فهي مردودة بأن أهل الكتاب الذين يتمسكون بكتابهم قد أصبحوا قلة اليوم في العالم، فمعظم الناس قد كذبوا بكتبهم وانحرفوا عن أديانهم وضلوا عن طريقتهم التي كانوا عليها من قبل، وأيضاً فهل كل طعام أهل الكتاب حل لنا؟ فإن من طعامهم الخنزير فهل يجوز لنا أكله؟ وهل الكلب إذا كان على موائدهم حل لنا؟ لا أظن عاقلاً يؤمن بالله واليوم الآخر يقول إن آية {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌّ لَكُمْ على عمومها في كل شيء بحيث تشمل الخنزير وغيره، وأما دعوى أن هؤلاء الناس قد عُرفوا بالصدق والأمانة فهي دعوى
(1) تقدم تخريجه. (5/378)
صفحة 2328
الأطعمة
379
لا تصدر إلا ممن في قلبه مرض فإن الله تعالى يقول وهو أصدق القائلين: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَرَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَفَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ تَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَابِرَةُ) [المائدة: 52]، فما من أحد يصف هؤلاء القوم بالصدق والأمانة إلا وفي قلبه مرض كيف والله تعالى قد حذرنا منهم ومن الركون إليهم، حيث قال عز من قائل: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَنكُمْ كَفِرِينَ} [آل عمران: 100]، وقال أيضاً: {وَدَّ كَثِيرُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة: 109]، وكما نهى الله تبارك وتعالى عن موالاة أهل الكتاب نهى عن موالاة جميع الكافرين فقال: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَدًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَانِي تُسرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} [الممتحنة 1 - 2]، فأنت ترى أنه تعالى يبيّن أن أولئك يودون لو كفرنا كما كفروا وتلك صفتهم وهذا ديدنهم، ومن الذي يقول إنهم متصفون بالصدق والأمانة وشواهد الحال تدل على عكس ذلك؟! فكم هي الشواهد الدالة على شيوع الكذب في أقوالهم وانتشار الخيانة في معاملاتهم، ولئن كان من المسلمين من لا يلتزم الصدق في كلامه وهو يظهر أنه يتخذ الإسلام ديناً فكيف بمن يتخذ غير الإسلام ديناً يقال عنه إنه يلتزم الصدق؟! وكيف يقال فيمن اتخذ الله إلهاً آخر أو عبد هواه أو كذب بيوم الدين أو كذب مع بالقرآن أو كذب بالنبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام أنه متصف بالصدق والأمانة؟! لعمري إن هذا من قلب الموازين وعكس (5/379)
صفحة 2329
380
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
الحقائق وتبديل المقاييس، وهذه كلها من ثمار الغزو الفكري الذي أثر على أفكار كثير من المسلمين؛ والعياذ بالله تعالى.
وأما اللحوم المستوردة من الهند فقد أخبرني واحد من الإخوان الذين زاروا الهند ووقفوا على الذبح هنالك أن الذابحين مسلمون وأن الذبح على الطريقة الإسلامية، ولقد سألت بعض علماء الهند فأجابوا بأنهم يضمنون أن اللحوم التي تصدر من الهند إلى أي بلد إسلامي هي مذبوحة على الطريقة الشرعية بخلاف اللحوم الموجودة في الفنادق أو التي تقدم على الموائد في الطائرات الهندية، وقد وثقت بقوله واعتمدت عليه، لذلك لا أرى حرجاً في أكل اللحوم المستوردة من الهند، كما إنني لا أرى حرجاً في أكل اللحوم المستوردة من أي بلد آخر إذا صح الذبح على الطريقة الإسلامية وأن الذابح ممن تؤكل ذبيحته في الإسلام والله تعالى أعلم.
أن
لقد كثر الأخذ والرد في مسألة اللحوم المستوردة، وانقسم الناس إلى طائفتين؛ إحداهما تتجنب أكل هذه اللحوم والطائفة الأخرى ترى حليتها، وهل استيرادها من البلاد الكتابية يعطيها الحلية استناداً إلى قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5] وهل تصدير اللحوم إلى البلاد الإسلامية يعطيها الحلية وحكم الإباحة؟
لقد سبق أن أجبت مراراً أن اللحوم المستوردة يختلف حكمها باختلاف حكم البلاد التي استوردت منها، فإن استوردت من بلدة مسلمة فالأصل فيها الحل حتى يثبت أنها محرمة بوجه من الوجوه، وإن استوردت من بلدة غير مسلمة فحكمها عكس ذلك، وهو أن الأصل فيها الحرمة حتى تثبت حليتها بحجة مقبولة شرعاً، وذلك أن يضمن مسلمان مقبولان (5/380)
صفحة 2330
الأطعمة
381
أو مسلم واحد على الأقل ضماناً شرعياً بأنها ذكيت ذكاة شرعية من قبل من تجوز ذكاته شرعاً، ولا يكفي أن يكتب على الغلاف أنها (مذبوحة على الطريقة الإسلامية)، فإن هذه خدعة خادعة اكتشفنا زيفها مراراً، فكم وجدنا دجاجاً مخنوقاً ليس على عنقه أثر للجرح وقد كتب على غلافه ذلك، ودعوى أن هذه اللحوم من طعام أهل الكتاب فهي محللة لنا مردودة
من وجهين:
بجميع
أولهما: أن العالم الغربي بعد أن تفشى فيه الإلحاد واستخف أهله قيم الدين لم يعد عالماً كتابياً بل هو عالم إلحادي ولا يعبأ بوجود الكنائس فيه، فالكنائس موجودة حتى في البلاد الشيوعية وإذا كانت الأكثرية ملحدة فلا عبرة بالأقلية.
ثانيهما: أن الحرام حرام سواء كان على يد كتابي أو مسلم أو غيرهما فالمنخنقة والموقوذة وأمثالهما محرمة بالنص سواء كان الخنق والوقذ بيد مسلم أو بيد كتابي، وهل يعقل أن يحل الله على يد كتابي ما حرمه على يد
المسلم؟ هذا وقد ثبت بالمشاهد أن الحيوان في البلاد غير المسلمة لا يذكى ذكاة شرعية بل ربما اعتبروا الذكاة إجراماً وإنما يتم قتل الحيوان في تلك البلاد إما بالصعق الكهربائي أو الخنق أو الطرق على الرأس بمطرقة أو رمياً بالرصاص، وكل هذه الوسائل غير محللة.
أما كون هذه اللحوم تصدر إلى البلاد الإسلامية فهو لا يعطي حكماً بالإباحة، فإن بلاد الإسلام يصدر إليها لحم الخنزير والخمور، فهل يقال: إن تصديرها إليها يقتضي تحليلها؟ سُبْحَنَكَ هَذَا بُهْتَنُ عَظِيمٌ} [النور: 16] وإنما هذه المجادلات من شأن أولئك الذين أعمى الله بصائرهم وطمس عقولهم (5/381)
صفحة 2331
382
الفتاوى الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
فلا هم لهم إلا في جر غيرهم إلى الضلال، قال الله تعالى: {هُوَ الْعَدُو فَاحْذَرْهُمْ قَتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المنافقون: 4] والله أعلم.
لقد سبق السؤال عن اللحوم المستوردة من الخارج، وذلك من الدول غير الإسلامية بشأن حرمتها، فمع عدم وجود الدليل القاطع لذبحها على الطريقة الإسلامية توقفنا عن أكلها لتجنب الشبهات منذ فترة طويلة. ولكننا الآن وجدنا أدلة تثبت على أن في الدول التي تصدر اللحوم تذبح على الطريقة الإسلامية، فمن هذه الأدلة قام بعض الإخوة الذين نثق بهم بزيارة مسالخ اللحوم في إحدى هذه الدول فوجدوا عاملين مسلمين يقومان بالذبح عن طريق اليد مع ذكر الله، كما قام بعض الإخوة بالاتصال هاتفياً بمكتب اتحاد المجالس الإسلامية الذي يشرف على ذبح وتصدير اللحوم إلى دول الشرق الأوسط، هذا وقد بعثوا لنا برسائل تثبت صحة الذبح على الشريعة الإسلامية، وعلى هذا نرجو من سماحتكم التكرم بالنظر فيما إذا كانت هذه اللحوم المستوردة حلال أم يلزم تجنب أكلها، حيث إننا نعمل في الصحراء وقد نلبث أياماً عديدة قد تتجاوز الخمسة عشر يوماً دون أكل اللحم، لأنه لا يتوفر اللحم
المحلي؟
إن اطمأننتم بقول الذين أخبروكم عن ذبح هذه اللحوم بالطريقة الإسلامية فليس عليكم حرج في أكلها، فإن البر ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في الصدر واستفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك هكذا قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم (1).
(1) رواه أحمد (18035). (5/382)
صفحة 2332
الأطعمة
383
هل المراد بأهل الكتاب الذين تحل ذبائحهم الذين في الذمة أم عامة أهل الكتاب؟
أكثر قول أصحابنا أن أهل الكتاب الذين تحل ذبائحهم هم الذين في ذمة المسلمين، وذهب صاحب الإيضاح ووافقه الإمام السالمي الله إلى أن ذبائح مطلق أهل الكتاب تحل، ولكن لا بد من مراعاة أن يكون الذبح وفق تعاليم الشريعة لا أن يكون خلاف ذلك والله أعلم.
ما حكم اللحم المستورد من الهند؟ وما حكم الدجاج المستورد من البرازيل مذبوحاً؟
ما استورد من البلاد الإسلامية فالأصل فيه الحل حتى يثبت خلافه، وما استورد من بلاد الكفر فالأصل فيه الحرمة حتى يثبت خلافها، وعليه فلا يجوز تناوله إلا إن ضمن مسلم موثوق به أنه حلال النوع والعين لكونه من الحيوانات المحللة، وقد ذكي ذكاة شرعية ممن تجوز ذكاته شرعاً، هذا وأما اللحم الهندي فقد ذكر لنا علماء المسلمين بالهند أنه حلال مذكى، وأما الدجاج البرازيلي فلا أعرف عنه شيئاً والله أعلم.
ما تقول شيخنا في أكل اللحوم الواردة من الخارج إلى دار الإسلام وهي لحوم البقر والغنم والدجاج، وفي هذا الوقت صار اعتماد الناس عليها وذلك لقلة لحوم الوطن وارتفاع سعرها، وتدعو الضرورة إلى أكل هذه اللحوم المستوردة خصوصاً في حالة السفر، وذلك لأن أصحاب المقاهي أكثر استعمالهم منها، بين لنا الجواب؟
إن كانت هذه اللحوم مستوردة من بلاد أهل التوحيد جاز أكلها ما لم يعرف أنها حرام، وإن كانت مستوردة من غير بلاد المسلمين (5/383)
صفحة 2333
384
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
منع
أكلها إلا بضمانة مقبولة شرعاً بأنها من صنوف المحللات من الحيوانات، وأن الذابح مقبول الذبيحة شرعاً وقد ذبحها بالطريقة الشرعية والله أعلم.
من
ما قولكم في الدجاج المستورد من بلاد غير إسلامية تحت إشراف مركز إسلامي؟
إن ضمن المركز الإسلامي بأنه مذبوح على الطريقة الإسلامية فلا مانع
أكله والله أعلم.
لو وجد مكتوباً على اللحم المستورد من الخارج أنه ذبح على الطريقة الإسلامية وختم عليه فما هو موقف الإسلام من ذلك؟
أما إذا كان الختم من جهة يطمئن إليها القلب بحيث تكون معروفة بالتثبت والتحقق لا بالتسرع في وضع مثل هذه الأختام وكانت تلك الجهة جهة إسلامية فلا بأس بأكل هذا اللحم والله أعلم.
الدهون الحيوانية وأحكامها:
ما حكم وضع الدهنيات بعد الوضوء أو قبله؟
إن كانت هذه الدهون لا تحتوي إلا على المواد الطاهرة فلا مانع من
استعمالها والله أعلم.
دهن نباتي مستورد من بلاد المشركين، وفيه كمية قليلة من دهن حيواني فما حكمه؟ وهل يجوز أكله؟
إن لم يتبين أن الحيوان مذكى فهو غير جائز الاستعمال والله أعلم. (5/384)
صفحة 2334
الأطعمة
385
غذاء مركب من مكونات كلها طاهرة ما عدا واحدة نجسة لكنها قليلة بل استحالت كلية في الغذاء، فما حكمه؟ وهل يجوز أكله؟ الاستحالة غير معتبرة عندنا وعند كثير من غير أصحابنا كالحنابلة، فالنجس يظل نجساً كما هو والله أعلم.
ما حكم الأغذية والأدوية التي يدخل في صناعتها الجيلاتين التي تصنع من عظام ركبة الخنازير؟
ذلك فهو
أن
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحلال بيّن والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعرفهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه .. » (1) وإذا كان هذا الحكم في الشبهات فما بالك فيما تيقنت حرمته كالجلاتين الذي ثبت بالتواتر أنه لا يخلو من عظام الخنزير وأدهانه، ومع مما يستورد مختلطاً بكثير من المواد الاستهلاكية من أغذية وغيرها، الحديث يقول: «كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به»، فما أحرانا بالحيطة والحذر من كل المستوردات من غير بلاد الإسلام، فإن ما استورد منها لا يخلو إما أن تكون حراماً محضاً أو مشتبهاً (وحسبك من أمرين أحلاهما مر)، وهذا الذي جعل دعاء الناس لا يرفع والعياذ بالله، فإن من شرط إجابة الدعاء أن يكون طعام الداعي حلالاً لا شبهة فيه، وهو الآن أعز من الكبريت الأحمر، فإنا لله وإنا إليه راجعون، نسأل الله العافية.
مع
(1) رواه البخاري في كتاب البيوع باب الحلال بين رقم (1946)، ورواه مسلم في المساقاة باب أخذ الحلال وترك الشبهات رقم (1599). (5/385)
صفحة 2335
386
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
ما قولكم في التلقيح الاصطناعي؟ حيث إن العملية تتم بإدخال الملقح يده في الفتحة العليا (المستقيم من دبر البقرة وذلك لإمساك عنق الرحم (الحيا) في نفس اللحظة، للتأكد من مجاوزة الإبرة عنق الرحم لصب محتوياتها في الرحم، وإدخال اليد هنا ضرورة، مع العلم بأن
اللحوم والألبان ومنجاتها الموجودة بالسوق نتاج هذه العملية؟
معظم
هذه العملية مخالفة للآداب الإسلامية ومجانفة للحياء والفطرة، ولكن لا يترتب عليها حكم من حيث حلية الألبان واللحوم فلا يحرم ما كان حلالاً من قبل والله أعلم.
الخنزير وما تولد منه:
لحم الخنزير حرام كما هو معلوم من الدين نرجو ذكر الأدلة الواردة في
ذلك؟
الأدلة على حرمة لحم الخنزير كثيرة وهي قطعية لا شبهة في دلالتها على ذلك، منها ما هو من الكتاب ومنها ما هو في السنة مع الإجماع القطعي من الأمة، فمن المتاب قوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الخنزير} [البقرة: 173]، وقوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزير ... [المائدة: 3)، وقوله تعالى: {قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزير} [الأنعام: 145]، واستفاضت بمثله الروايات الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يخالف في ذلك أحد من فمن خالف ذلك فحكمه حكم المصادم للنصوص القاطعة من غير تأويل في خروجه عن ملة الإسلام والله أعلم.
الأمة، (5/386)
صفحة 2336
الأطعمة
387
توجد آلات لغسل الأواني والصحون بعد استعمالها، وبعض هذه الأواني والصحون استخدمت لتقديم لحوم الخنزير عليها، فهل تنجس جميع الأواني والصحون بسبب ذلك؟
إذا طهرت طهارة كاملة فلا تنجس بمجرد تنظيفها بالآلة والله أعلم. هل يؤثر على اللحم الحلال وجود لحم الخنزير بجانبه داخل ثلاجة واحدة؟
إن كان اللحم الحلال لا يتصل بلحوم الخنزير المحرمة فلا ينسجها التقارب بينها والحوطة والورع في البعد عن ذلك والله أعلم.
ماذا تقول فيمن يجد في نفسه القدرة على أكل لحم ميتة الخنزير وعلى تركها أيضاً، وذلك مع الضرورة، هل من الواجب تنجية نفسة من الهلاك مع كراهيتها أكل ميتة الخنزير أم يترك نفسه تهلك ولا إثم
عليه؟
ذهب جمهور
العلماء
من أصحابنا وقومنا إلى وجوب تنجية المرء نفسه بأكل هذه المحرمات المنصوص عليها عند الاضطرار، وهي الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، ولم يجعلوا ذلك جائزاً فحسب استدلالاً بقوله تعالى: {وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [النساء: 29]، وقوله: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَهْلُكَةِ} [البقرة: 195]، والأمر للوجوب، وصرحوا أنه إن ترك التنجية لنفسه حتى مات كان هالكاً والله أعلم.
أيهما أخبث أكل لحم الخنزير أم شرب الخمر؟
كل محرم خبيث بدليل قوله الله: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبيثَ، وإنما نجاسة الخنزير أشد من نجاسة الخمر لأنها ثابتة بالنص (5/387)
صفحة 2337
388
الفتاوى الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
والإجماع، أما الخمر فمختلف في نجاستها مع الإجماع على حرمتها
والله أعلم.
لا
أكله
قال: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [المائدة: 3]، فإذا وضع لحم الخنزير واللحم الحلال المحلل في الإسلام في ثلاجة واحدة وقد اختلط ماؤها ببعضها البعض، فما الحكم في اللحم المحلل في الإسلام بعد اختلاطه بسائل لحم الخنزير؟ وما واجب البائع في ذلك؟ يصح أبداً أن نخلط اللحم المحلل باللحم المحرم، وإذا اختلط اللحم المحلل باللحم المحرم وتأثر بالسوائل التي تسيل منه فقد أصبح حراماً مثله، وعلى المسلم أن يتجنب بيع لحم الخنزير كما يتجنب أكله، فما حرم بيعه، ولذلك يحرم بيع الخمر كما يحرم شربها، فقد جاء في الحديث النبي: إن الذي حرّم شربها حرّم بيعها» (1)، وثبت عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام أنه قال: «لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومشتريها وآكل ثمنها (2) وكما يستحق هؤلاء اللعن بسبب الخمر فكذلك يستحق اللعن بسبب الخنزير كل من تسبب في وجود لحم خنزير باستيراده أو بيعه أو ابتياعه أو الترويج له أو أكل ثمنه وكذلك طاهيه ومقدمه وحامله إلى آكله وعلى المسلم أن يتجنب ذلك والله تعالى أعلم.
عن
حرم
تقدم لحوم الخنازير لغير المسلمين في نفس القاعة التي يأكل فيها المسلمون فما حكم جلوس المسلمين في هذه القاعة؟
لا يجوز لهم ذلك إلا في حال الاضطرار والله أعلم.
(1) رواه الربيع في كتاب الأشربة باب في الأشربة الخمر والنبيذ رقم (624). (2) رواه الربيع في كتاب الأشربة باب في الأشربة الخمر والنبيذ رقم (625). (5/388)
صفحة 2338
الأطعمة
389
حكم السمك الطافي:
ما حكم السمك الطافي؟
كل ما كان من الحيوانات البحرية فاصطيد من البحر أو قذف به البحر فحكمه الحل، لقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَنَعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ [المائدة: 96] قصيده ما اصطيد وطعامه ما رمى به كما ذكره البخاري في تفسير الآية عن عمر الالى، ويعتضد ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم في البحر: «هو الطهور ماؤه والحل ميتته» (1) رواه الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس، ورواه أيضاً مالك في موطئه وأحمد في مسنده وأصحاب السنن والدارقطني والبيهقي في سننها والحاكم في المستدرك وابن الجارود في المنتقى وصححه البخاري والترمذي وابن حبان وابن خزيمة، وهو يفيد بصريح عبارته ما أفادته الآية الكريمة بإجمالها من حل ميتة البحر، وهو حجة لتفسير الطعام في الآية بالميتة الموقوف على عمر ه وغيره من دلالة الآية والحديث أخذ أكثر أهل العلم فقالوا بإباحة وبعموم. أكل ميتة البحر مطلقاً سواء في ذلك الطافي وغيره، وعليه مالك والشافعي وأحمد، وذهب أبو حنيفة إلى إباحة ميتة البحر سواء ما قتله أحد أو عنه البحر فمات إلا ما مات حتف أنفه وطفا على الماء فإنه يقول بكراهته، لما في سنن أبي داود قال: حدثنا أحمد بن عبده، حدثنا يحي بن سليم الطائفي، حدثنا إسماعيل ابن أمية عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال:
الصحابة،
حسر
(1) رواه أبو داود، كتاب الطهارة، باب الوضوء، ماء البحر (83)، الترمذي كتاب أبواب الطهارة، باب ما جاء في ماء البحر، (69) والنسائي كتاب الطهارة، باب ماء البحر، (59)، وابن ماجة، كتاب الطهارة سننها، باب الوضوء بماء البحر (386)، ومالك في الموطأ، باب الطهور للوضوء (41). (5/389)
صفحة 2339
390
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه» (1).
وأجيب بأنه حديث ضعيف باتفاق الحفاظ كما قال النووي في شرح المهذب فلا يجوز الاحتجاج به ولو لم يعارضه شيء، فكيف وهو معارض بما دلّ عليه الكتاب والسنة وما روي من أقوال الصحابة رضوان الله عليهم، على أن راويه أبا داود نفسه قال: روى هذا الحديث سفيان الثوري وأيوب وحماد عن أبي الزبير أوقفوه على جابر. ا هـ.
وفي سنن البيهقي في باب من كره أكل الطافي» ما نصه: أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبأنا علي بن عمر الحافظ حدثنا محمد بن إبراهيم بن فيروز، حدثنا محمد بن إسماعيل الحسّاني، حدثنا ابن عمير، حدثنا عبيد الله بن عمر عن أبي الزبير عن جابر الله أنه كان يقول: «ما ضرب به البحر أو جزر عنه أوصيد فيه فكل وما مات فيه ثم طفا فلا تأكل» وبمعناه رواه أيوب السختياني وابن جريج وزهير بن معاوية وحماد بن سلمة وغيرهم عن أبي الزبير عن جابر، موقوفاً، وعبد الرزاق وعبد الله بن الوليد العدني وأبو عاصم ومؤمل بن إسماعيل وغيرهم عن سفيان الثوري موقوفاً، وخالفهم أبو أحمد الزبيري فرواه عن الثوري مرفوعاً وهو واهم فيه، ثم أورد البيهقي رواية أبي أحمد بإسنادها، وأتبعها بقوله: قال سليمان: لم يرفع هذا الحديث عن سفيان إلا أبو أحمد، ثم ذكر حديث أبي داود المذكور أولاً (2). وقال أبو داود أيضاً: وقد أسند هذا الحديث من وجه ضعيف عن ابن أبي ذئب عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم اهـ.
(1) رواه أبو داود، كتاب، اوطعمة باب في أكل الطافي من السمك (3815). (2) سنن البيهقي الكبرى، كتاب الصيد، باب من كره أكل الطافي (19515). (5/390)
صفحة 2340
الأطعمة
391
هذا وقد بيّن البيهقي علة هذا الحديث في إسناده حيث قال: يحيى بن سليم الطائفي كثير الوهم سيء الحفظ، قال: وقد رواه غيره عن إسماعيل بن أمية موقوفاً على جابر، قال: وقال الترمذي: سألت البخاري عن هذا الحديث فقال: ليس هو بمحفوظ ويروى عن جابر، خلافه، قال: ولا أعرف لأثر ابن أمية عن أبي الزبير شيئاً.
الله
قال البيهقي: وقد رواه أيضاً يحيى بن أبي أنيسة عن أبي الزبير مرفوعاً ويحيى بن أبي أنيسة متروك لا يحتج به قال: ورواه عبد العزيز بن عبيد عن وهب بن كيسان عن جابر مرفوعاً وعبد العزيز ضعيف لا يحتج به، قال: ورواه بقية بن الوليد عن الأوزاعي عن أبي الزبير عن جابر مرفوعاً، ولا يحتج بما ينفرد به بقية فكيف بما يخالف. اهـ.
والخلاصة أن حديث جابر هذا لا يعدو أن يكون موقوفاً عليه لعدم ثبوت رفعه، ورأي الصحابي لا يعترض به على رأي صحابي غيره إلا بمرجح، فكيف يعارض به ما دل عليه الكتاب وثبتت به السنة؟
هذا وقد حاول أحد المعاصرين تأييد رفع حديث جابر، وهو العلامة الشنقيطي صاحب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن» بما حاصله: أن يحيى بن سليم الذي وهموه هو من رجال البخاري ومسلم في صحيحهما، وكذلك الزبيري الذي رفع الحديث من طريق الثوري هو محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمر بن درهم الأسدي ثقة ثبت وإن قال ابن حجر في التقريب: إنه قد يخطاء في حديث الثوري، وأن بقية بن الوليد الذي رواه مرفوعاً من طريق الأوزاعي عند البيهقي هو من رجال مسلم في صحيحه وإن تكلم فيه كثير من العلماء. وهذه المحاولة ليست ناجحة فإن كون بعض رجال الإسناد ممن أخرج (5/391)
صفحة 2341
392
الفتاوى الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
ومن
لهم الشيخان في صحيحيهما لا يعني أنهم مبرأون مما يقال فيهم من العلل، حفظ حجة، والجرح مقدم على التعديل، وكم من راو أخرج له الشيخان وفيه من العلل عند رجال النقد ما يكفي لرد روايته على أن ما ألصق بهؤلاء من العلل لم يكن من الأمور المجملة التي تندرج في عمومات الأوصاف،
وهم
وإنما هو نص تفصيلي على أمور قادحة ككثرة الوهم وسوء الحفظ. ومما يعجب منه تعويل الحنفية على هذا الحديث مع معارضته للقياس أصحاب الرأي الذين يركنون إلى جانب الدراية أكثر مما يعولون على جانب الرواية، ومعارضته بالقياس من حيث تفريقه بين ما مات بسبب جزر البحر له أو قذف البحر له وبين ما مات في البحر فطفا عليه مع عدم ظهور علة تشي بالتفرقة ما بين النوعين.
بأكله.
فإن قيل: بأن طفوه على الماء يدل على طول عهده وهو مظنة ضرره
قلت: بأن الرواية لا تدل على ذلك، على أن ما يخشى ضرره يؤمر باتقائه أيّاً كان وعلى أي وصف وجد، ويدل على ذلك ما رواه الطبري في تفسيره من طريق أبي بكر بن حفص عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} [المائدة: 96] قال: طعامه ميتته إلا ما قذرت منها، وذكره البخاري عنه بدون إسناد، ويدخل في ذلك الطافي وغيره مما يستقذر لذاته أو لما يعرض له من النتن ولهذا قيد الإمام السالمي رحمة الله النهي عن الطافي بما إذا كان ذا نتن حيث قال: والسمك الطافى أرى النبيا عنه نهى فكن له أبيا وهو الذي قد صار فوق البحر ذا نتن والنهي لا لحجر
فهو يوافق الحنفية في كراهته إلا أنه يقيدها بكونه ذا نتن. (5/392)
صفحة 2342
الأطعمة
393
وأقول: بأن النتن إن كان خفيفاً بحيث تستقذره النفس فهو مكروه، وإن
زاد على ذلك حتى صار ذا ضرر فهو محرم، لوجوب اتقاء المضار والله أعلم.
حكم شرب القهوة:
ما هي القهوة البنية؟ وهل هي نجسة أم لا؟ فقد وجدت في بعض جوابات أشياخنا المتأخرين أن القهوة نجسة وكل نجس حرام والله أعلم. وماذا يعني بالقهوة أنها نجسة؟ إن كان كل نجس حرام، فهل كل حرام
نجس؟
القول بنجاسة القهوة مبني على القول بتحريمها وهو مردود، فإن حرمتها لا دليل عليها فلا تلتفت إليه والله أعلم.
ما حكم شرب القهوة؟ فإني قد وجدت في كتاب الشيخ درويش بن جمعة المحروقي الدلائل في اللوازم والوسائل» تحريم شرب القهوة، نرجو الإفادة؟
في
ذلك الوقت
هذا كان قول طائفة كبيرة من علماء الأمة، وقد اعتمد بلا خلاف بين علماء عُمان، وأول من قال بحليتها من علماء عُمان العلامة الصبحي والعالى ولكن الناس لم يلتفتوا إلى قوله بل اشتد عليه النكير من الناس بسبب فتواه هذه، حتى جاء الإمام الرباني أبو نبهان العالى فأظهر لهم أدلة إباحتها، وأخذوا يتحولون بعد ذلك عن رأيهم الأول واستقروا على إباحتها قولاً وتطبيقاً، وقد وجدت فيما اطلعت عليه أن الدولة العثمانية كانت تجلد على شرب القهوة كما تجلد على شرب الخمر، ولعل منشأ القول بتحريمها ما يوجد في الكتب القديمة من ذكر تحريم القهوة، ولكن ليس المراد بها هذه القهوة المعروفة الآن وإنما هي الخمر، لأن القهوة اسم (5/393)
صفحة 2343
394
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
من أسمائها، فالتبس ذلك على من لم يعرف المراد بها، ويحتمل أنهم بنوا قولهم هذا على مذهب من يقول بأن القياس بين أمر وآخر في الحكم قد يكون باتحاد اسميهما كما هو مذهب ابن بركة وبشر المريسي وهو قول ضعيف جداً، ويحتمل أن يكونوا نظروا إلى أنها اتخذت عوضاً عن الخمر عند هواتها فأداروها كهيئة إدارتها، وسموها باسمها، حتى إنهم أطلقوا على ما تبقى من عصارة البن اسم الخمرة كما هو معروف، وكان هذه علة موقوتة وباختفائها اختفى حكمها والله أعلم.
الخمر وأحكامها:
هل يجوز للمسلم تناول الطعام في الفنادق التي تقدم فيها الخمر؟ وما حكم ذلك؟
أما في نفس الصالة التي يحضر فيها الخمر فلا يجوز تناول الطعام فيها مع إحضار الخمور، اللهم إلا أن يكون ذلك في حالات الضرورة التي لا مناص عنها، وأما في غيرها من الغرف الخالية من الخمور فلا حرج من تناول الطعام فيها والله أعلم.
ما حكم الجاهل بتحريم الخمر؟
يعذر الجاهل بأي محرم ما لم يأت فيه خلاف الحق قولاً أو عملاً أو اعتقاداً، وهو ما دل عليه الأثر المحكي عن الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد رضوان الله عليه حيث قال يسع الناس جميعاً جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يرتكبوه أو يصوبوا راكبه أو يتبرأوا ممن تبرأ من راكبه أويقفوا عنه بدين، وقد اتفق علماؤنا رحمهم الله على الأخذ بهذا الأثر الشريف، فمن (5/394)
صفحة 2344
أحداً
الأطعمة
395
جهل حكم الخمر كان معذوراً إلا أن شربها أو سقاها لغيره أو حملها أو حملت إليه برضاه أو اشتراها أوباعها أو أكل ثمنها لثبوت لعن هؤلاء كلهم في الحديث الشريف، فعندئذٍ يضيق جهله ولا يعذر به، وكذلك إن صوب ممن فعل ذلك بحيث تولاه على فعله المخالف للحق، وكذلك إن تبرأ ممن أقدم على البراءة من هؤلاء أو وقف عنه وقوف دين بسبب براءته تلك، لأنه في جميع الأحوال يُعد مخالفاً للحق، ومثل ذلك إن اعتقد حلها أو قال ذلك؛ لما فيه من مخالفة صريحة للحق، وإذا قامت عليه الحجة بحرمتها بما في كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو بمن نقل إليه من الثقات العدول حكمها منهما أو من أحدهما فلا يسعه عندئذٍ الإخلاد إلى الجهل والله أعلم.
هل الخمر نجسة؟
اختلف العلماء في الخمر وجميع المسكرات هل هي نجسة؟ فذهب جمهور أهل العلم من أصحابنا وغيرهم إلى نجاستها مستدلين بقوله تعالى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ ... [المائدة: 90] وبما كان من كسر دنانها وإراقتها بعد تحريمها، ولست أرى في ذلك دليلاً لما ذهبوا إليه، أما الرجس فقد بيّنه قوله تعالى: مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ} [المائدة: 90] وهو لا يدل على النجاسة الحسية، كيف وقد اقترنت بالميسر والأنصاب والأزلام ولا تعقل نجاسة شيء من ذلك، وإلا كان ما اكتسب بطريق الميسر من المال ينجس من لامسه، وكذلك الأنصاب والأزلام، وأما إراقتها في حين تحريمها فهو لا يعبر إلا عن المسارعة إلى امتثال أمر الله والإذعان لحكمه، وليس في ذلك ما يدل على نجاستها، بل دلالته على خلاف هذا الحكم أظهر، فإنها عندما أريقت جرت أنهاراً في طرق المدينة، وما كان لأصحاب (5/395)
صفحة 2345
396
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
على
النبي أن بنجسوا طرق المسلمين مع ما عرفوه من وجوب صونها عن كل أذى، وأي أذى أشد من تنجيسها، وما كان للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقرهم ذلك، فبهذا اتضح أن الصحيح عدم نجاسة ذاتها وإن كانت محرمة، إذ ليس كل حرام نجساً وإلا لنجست الأموال المكتسبة من الربا والرشوة والبغاء ونجس ثمن الخمر نفسها وثمن الكلب وحلوان الكاهن والمال المسروق والمغصوب، والله أعلم.
تقوم بعض الشركات بتقديم هدايا لزبائنها وهي عبارة عن عبوة بلاستيكية على شكل منزل صغير بداخل العبوة بعض الخمر، ويقوم بعض الناس بتزيين المنزل الخاص به بهذه العبوات علماً بأنها تحتوي على الخمر.
هل يجوز له أن يُدخل إلى بيته شيئاً من الخمر مع كونه لا يشربه؟ كلا، فإن نفس حمل الخمر موجب للعنة الله كما في الحديث فكيف بإدخالها البيت؟ والله أعلم.
هل يجوز أن يدخلها إلى بيته بعد أن يفرغها من الخمر؟
کلا، فإنها مظنة السوء وقد كسر الصحابة عه دنان الخمر بعد إراقتها منها عندما حرمت فما بال هذا يدخل آنيتها بيته ويجر على نفسه تهمة السوء؟ والله المستعان.
ما حكم الشراب المسمى بالبيرة حيث إنه مكتوب عليه بدون كحول، هل هذا الشراب حلال أم حرام؟
الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الحلال بيّن والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات (5/396)
صفحة 2346
الأطعمة
397
لا يعرفهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن
وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ألا وإن لكل ملك حمى الله محارمه»، لذلك فإن البيرة وإن زعموا أنها خالية من الكحول فإن أقل ما يقال فيها إنها مسترابة لذلك
أرى تجنبها والله أعلم.
ألا وإن حمى
ما قولكم في «خل البكر» هل هو حلال أم لا؟
إن كان لا يسكر فهو حلال، أما إذا أسكر فهو حرام والله أعلم. (5/397)
صفحة 2347
[صفحة فارغة] (5/398)
صفحة 2348
التدخين (5/399)
صفحة 2349
الفاوي (5/400)
صفحة 2350
التدخين
401
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله البر الكريم، العزيز الحكيم الرؤوف الرحيم، الذي أحلّ لعباده الطيبات بمنته وحرّم عليهم الخبائث بحكمته، وجعل في حلاله سعة لهم عن الحرام، وفي طاعته غنية لهم عن الآثام، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمي العربي، الذي بعثه الله برسالة الرحمة الجامعة المانعة، المنطوية على إباحة كل صالح للأنام، ونافع للعقول والأجسام، وتحريم كل ما أدى إلى الضرر والأسقام وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه الغرّ الميامين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فقد وافاني من أحد الإخوة الأعز بجمهورية موريتانيا الشقيقة سؤال عن التدخين وحكمه. ذا كما تضمنته رسالته.
ها
هو
1 ـ هل التدخين حلال أم حرام؟ وما هي النصوص الدالة على ذلك؟
2 ـ هل الأصل في الشجرة هو الحرمة أو الحلية؟
3 ـ ولو أضيفت إليه مادة حرام بالنجس؟ هل هي مكروهة أو غير
مكروهة؟
4 ـ ما حكم من حرم حلالاً أو أحل حراماً بدون بينة؟
ثم أتبع ذلك بيان اختلاف فتوى العلماء الذين استفتوهم بين قائل
بالكراهة وآخر يذهب إلى التحريم.
هذا وإني للخاطر، ويتسع له المقام، ولو كان ذلك باختصار فإن التوسع في الإجابة عليها يفضي إلى إطالة لا يتسع لها الوقت، ولا تسمح بها الظروف، والله نعم المعين وبيده التوفيق.
أستعين الله على إجابته على كل هذه الفقرات بقدر ما يسنح (5/401)
صفحة 2351
402
الفتاوى
الذبائح - الأطعمة - التدخين
الفقرة الأولى: جوابها أن التدخين شر غير مقرون بخير، وضرر لم يمتزج بمنفعة، ومفسدة لا تخالطها مصلحة، فهو مضر بالجسم والعقل، والمال والنسل، ومفسد للدين والمروءة، بل هو ذاهب بخير الحياة جميعاً، ومكدر لصفوها، ومقلق لأمنها، فهو بلاء يسوقه المدخن إلى نفسه، وحتف ينساق إليه بقدميه، وسم زعاف يتناوله بيده ويتجرعه بفيه، فضره أظهر أن من يحتاج إلى بيان، وأثبت من أن يفتقر إلى برهان، فكفى بالصيحات المدوية التي تنطلق من حناجر الأطباء، تكاد تنشق منها حيازيمهم، منذرة للعالم بأسره بخطر هذه الآفة القاتلة، التي تحصد الأرواح حصداً، حصداً، وتهد الصحة هداً، وتقلب الحياة إلى جحيم لا يطاق، وتعطل المواهب، وتميت الملكات، وتقضي على الطاقات، ولا يختلف في ذلك اثنان من الذين خبروا الطب أو درسوا ما حرره الأطباء في ذلك، فكم من طبيب كادت أنامله تتآكل مما أمسك القلم، ليرسل صيحات الإنذار إلى العالم من عاقبة هذا الخطر الذي يهلك الحرث والنسل ويدمر الإنسان والبيئة.
وقد تضافرت جهود المنظمات الصحية الإقليمية والعالمية على بيان ما اكتشف وما يزال يكتشف يوماً بعد يوم، وساعة إثر ساعة من مضار هذا الداء العضال، ولا تكاد تكون قضية مسلّمة لدى الأطباء جميعاً من غير فرق بين
ما
مسلم وكافر وبين بر وفاجر وبين معافى ومبتلى كقضية التدخين، وضرره على المدخن وغيره وانعكاس أثره على البشر والبيئة، حتى أنه لو حرروه في ذلك لكان وحده كافياً لأن يملأ مكتبات ضخمة.
وحسبي
جمع
أن أشير إلى ما صدر من منظمة الصحة العالمية، ومن مؤتمرات وندوات طبية وبيئية، وكتابات أعدت من مهرة الأطباء درسوا هذا الخطر عن کثب كالدكتور محمد علي البار والدكتور نبيل صبحي الطويل والدكتور (5/402)
صفحة 2352
التدخين
403
سلامة السّقا والدكتور أسامة أمين الخولي والدكتور فاضل حسن وغيرهم، فضلاً عما حرر بأقلام غير عربية بشتى اللغات.
ولست الآن بصدد تعداد هذه المضار المهلكة والأمراض القاتلة الناشئة عن هذه الآفة، فإن ذلك يؤدي إلى أن يكون هذا الجواب كتاباً ضخماً، وإنما أن أقول بأن التدخين يسري داؤه في جميع خلايا جسم المدخن
حسبي
حتى لا تبقى حجيرة في جسمه إلا وقد غمرت بهذا الداء، لذلك يؤدي إلى الإضرار بكل الطاقات الجسمية، وإضعاف جميع الملكات النفسية والعقلية، وناهيك ما جاء في كتاب «التدخين، القلب الجنس» للدكتور دويرانكة اکناسوفة أن ما يدخنه المدخن المعتدل لمدة ثلاثين عاماً يحتوي على ثمانمائة غرام من مادة النيكوتين، وهو كافٍ لتسميم مدينة سكانها عشرة
آلاف نسمة.
على أن هذه المادة ليست هي السم الوحيد في الدخان بل فيه سموم أخرى لا تقل عنها ضرراً وفتكاً كما بينه الأطباء.
واستقصاء ما ذكره الأطباء من الأمراض المتولدة من التدخين ولو بمجرد التعداد من غير تفصيل يستدعي إفرادها بمؤلف، وكفى العاقل تنفيراً عنه أن أنواعاً من السرطان القاتل تتولد منه أشدها سرطان الرئة، وهذا مما لا يتنازع فيه اثنان وكذلك أنواع من الجلطات المهلكة منشؤها الدخان، من
بينها جلطة القلب.
وللتدخين تأثير على جميع أعضاء الجهاز الهضمي، بداية من الفم بكل ما احتواه إلى المعدة والأمعاء والكبد والبنكرياس، وله أثر على جميع أعضاء الجهاز التنفسي من الأنف إلى الرئتين ومن آثاره عليها سرطان الرئة كما تقدم - والسل الرئوي وله آثار خطيرة على الجهاز الدموي، فهو يؤثر (5/403)
صفحة 2353
404
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
على القلب والشرايين والأوردة الدموية، ومن آثاره أمراض ضغط الدم، وله آثار شديدة الخطر على الجهاز العصبي، حتى تفقد الأعصاب قدرتها على
ما
أداء وظيفتها، وله آثار على الجهاز البولي، من بينها أمراض الكلى مع فيها من خطورة، وكذلك يؤثر على العضلات وعلى الغدد الصماء كالغدة النخامية والغدة الدرقية والغدة التاجية وله تأثير على الحواس الخمس، فلكل منها نصيبه من هذا الخطر الوبيل.
ومن مضاره التي تتعدى إلى الغير أنه من مهلكات النسل لأنه يضعف أجهزة التناسل عند الرجال والنساء، كما ينعكس أثره على سلامة الأجنة، فكثيراً ما يكونون بسببه عرضة للإجهاض، كما تعتريهم أمراض تسري إليهم من تدخين آبائهم وأمهاتهم ويعتري المواليد الذين تكونوا من آباء مدخنين أو أمهات مدخنات الضمور والضعف بما جناه عليهم آباؤهم وأمهاتهم، وهم عرضة للأمراض أكثر من غيرهم.
ولا ينحصر شر التدخين في المدخنين وذويهم بل يتعداهم إلى المجتمع، فإن التدخين عدوان على البيئة وسلامتها؛ إذ دخان التبغ يحتوي على أكثر من ثلاثة آلاف مادة كيماوية، وهو مما يؤدي إلى تسمم الأجواء بأنواع من السموم، مثل أكسيد الكربون وغاز الهيدروسيانيد وغاز الإكرولين والاستدلادهيد والأمونيا وغيرها، وهي كافية ـ والعياذ بالله ـ لنشر الأوبئة من خلال تسميمها الأجواء، وهذا من الفساد في البر والبحر المعني بقوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41].
الفتاكة
وما هذه إلا نماذج من مضار الدخان، وما هي إلا قطرات من محيط ما ذكره الأطباء وغيرهم من ذوي الاختصاص فيما دونوه من مضاره، وقد آثرنا (5/404)
صفحة 2354
التدخين
405
عرضها إجمالاً اكتفاء بذلك عن الكم الهائل من التفصيل الذي تدفقت به أنهر من أقلام الكتاب المختصين على اختلاف معتقداتهم الدينية وتباين نظرتهم إلى فلسفة الحياة وكلها تصب في ذلك المحيط الواسع الذي أشرت إليه.
ولئن كات التدخين بهذا القدر من الخطورة فما هو مقدار ضحاياه الذين يموتون سنوياً بسبب تجرعهم سمومه فضلاً عن الذين يكابدون عنت الأمراض ومشقة الأتعاب بسببه؟
إن النسبة لم تقف عند حد وإنما هي في نمو مطرد، ففي الطبعة الأولى من «الهدي الصحي الذي نشره المكتب الإقليمي للشرق المتوسط لمنظمة الصحة العالمية مصحوباً بالحكم الشرعي في التدخين، كان إحصاء هؤلاء الضحايا أكثر من مليونين ونصف مليون يطويهم الفناء سنوياً في هذا العالم بسبب تعاطيهم هذا السم الزعاف، وفي الطبعة الثانية زادوا على أربعة ملايين، ولم يكن بين الطبعتين إلا ثلاثة عشر عاماً فحسب، ومعنى ذلك أن الزيادة في هذه المدة بلغ مقدارها ستين في المائة، وقد أفاد أخيراً ـ قبيل تحرير هذا الجواب - القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية أن العدد ارتفع إلى خمسة ملايين كما جاء ذلك منشوراً على موقع هذا القسم من شبكة المعلومات العالمية، وأفاد المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة لدول مجلس التعاون العربية بالخليج أن نصيب الدول الغربية التي تصدر هذه هذه الضحايا لا يتجاوز،30، بينما نصيب بقية الدول ـ وهي
السموم من ما يسمى بدول العالم النامي - بلغ %70% وهي نسبة تنذر بخطر كبير، فإنها لا تدل إلا على فقدان الوعي وانطماس البصيرة وعدم المبالاة بالعواقب الوخيمة، وقد دلت الدراسات على أنه بعد أمد غير بعيد سيبلغ عدد ضحايا (5/405)
صفحة 2355
406
الفتاوى
الذبائح - الأطعمة - التدخين
التدخين في كل عام عشرة ملايين نسمة، وجاء فيما نشره البنك الدولي عن منظمة الصحة العالمية تحت عنوان «التنمية في حيز التطبيق كبح جماح الوباء» ما نصه: «إذا استمرت أنماط التدخين على ما هي عليه الآن فإنه من المقدر أن يلقى حوالي خمسمائة مليون إنسان من الذين يعيشون اليوم على سطح الكرة الأرضية حتفهم بسبب استعمال التبغ، وسيكون أكثر من نصف هؤلاء من الأطفال والمراهقين»، وأخيراً جاء في موقع القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية في شبكة المعلومات العالمية تحت عنوان «التدخين يقتل خمسة ملايين شخص سنوياً» ما نصه: «ويقول باحثون من كلية هارفرد للصحة العامة في بوسطن أن الطريقة الوحيدة لوقف زيادة أعداد الوفيات تتمثل في تحسين مستويات التعليم وسبل مكافحة التدخين، ونظر الباحثون إلى معدل الوفيات الناجمة عن التدخين في جميع أنحاء العالم بما فيها الدول النامية التي تقدر فيها وفيات التدخين بحوالي تسعمائة وثلاثين مليون شخص من 1,1 مليار مدخن في العالم، وفيما أصدره البنك الدولي عن منظمة الصحة العالمية جاء ما نصه: يقتل التدخين سنوياً واحداً من كل عشرة بالغين في جميع أنحاء العالم في الوقت الحاضر، وبحلول عام 2030 وربما قبل ذلك بقليل - سوف تصبح النسبة واحدة من كل ستة بالغين، أو عشرة ملايين وفاة في كل عام، أي أكثر من أي سبب آخر بمفرده من أي أسباب الوفاة».
ولئن كان التدخين بهذا القدر من الإضرار بالنفس والعقل والنسل والمال فأي ريبة تبقى في تحريمه، فإن الإضرار بأي واحد منها من المحرمات المجمع عليها، والمحافظة على سلامتها هي محور الشريعة الغراء، لذلك كانت من
مقاصدها.
أما النصوص الدالة على حكم الدخان وحرمة تعاطيه فهي كثيرة في (5/406)
صفحة 2356
التدخين
407
داخلة فيما يدل على حرمة التدخين
الكتاب العزيز، إذ جميع النصوص الدالة على حرمة قتل النفس والتأثير على العقل وتبذير المال وقتل الأولاد هي بعدما ثبت ضرره بجميع ذلك، وإليكم طائفة مما جاء منها في كتاب الله: 1 ـ قوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ مِنكُمْ وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانَا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذالك عَلَى اللهِ يَسِيرًا} [النساء: 29، 30 فإنه نص في حرمة أكل المال بالباطل وقتل الإنسان نفسه كيفما كان هذا القتل سواء بإلقاء نفسه في النار أو ترديه من مكان عال أو أن يفتك بها بسلاح - كأن يطلق على نفسه النار أو يطعن نفسه بنصل ـ أو أن يتناول سماً قاتلاً سواء كان سريع التأثير أو بطيئه، وهو ما يدل عليه حديث أبي هريرة عند الشيخين وغيرهما كما سأتي ـ إن شاء الله - ولذلك أجمع علماء الأمة على حرمة أكل الطين لأنه يؤدي إلى الموت
وإن كان بطيئاً.
الخطاب
بأنه
وقد يجادل مجادل في دلالة هذا النص على ما ذكرناه من حيث إن جمهور المفسرين حملوه على قتل الناس بعضهم بعضاً وإن كان ضمير يوحي يعني قتل الإنسان نفسه وما ذلك إلا لأجل التنبيه على أن الجنس البشري لما جبل عليه من العلاقات الاجتماعية كان واجباً عليه أن يحافظ على جميع أفراده، فإن الفرد كالجمع لما بينهم من العلائق التي تشد بعضهم إلى بعض. وجوابه: أنه وإن كان دالاً على تحريم قتل الناس بعضهم بعضاً إلا أن دلالته على حرمة قتل الإنسان نفسه أشد وأبلغ إذ مسؤولية الإنسان عن نفسه أشد من مسؤوليته عن غيره، وبقدر ما يكون الغير أقرب إليه وألصق به تتضاعف مسؤوليته عنه. ومن أدلة شمول هذا النهي لقتل الإنسان نفسه (5/407)
صفحة 2357
408
الفتاوى الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
وانطباق ما صحبه من الوعيد عليه استدلال عمرو بن العاص بالآية الكريمة على صحة ما فعله عندما سأله النبي صلى الله عليه وسلم عن سبب تركه الاغتسال من الجنابة واكتفائه عنه بالتيمم مع إمامته بالمصلين عندما كان أميراً عليهم في غزوة ذات السلاسل، فاعتذر بأنه خشي على نفسه من شدة البرد مع ما عرفه من عدم جواز إقدامه على ما يضر بنفسه من الآية الكريمة، وقد أقره النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الاستدلال ولم يعنفه (1)، فكان له حكم الرفع.
على أن المدخن لا يقتل نفسه فحسب بل هو متسبب في قتل غيره أيضاً، إذ ما من مدخن إلا ويحلو أن ينفث سمومه في أوساط الناس فلا يتورع أحدهم عندما تكون السيجارة بين أنامله، وقد أمتلكته نشوة التدخين أن ينفر الدخان في وجوههم ويخنق به أنفاسهم، ولو كان في مجلس أكل أو شرب، وما من شك أن ذلك من أسباب الإضرار بهم، وقد يؤدي مع استمراره إلى إتلاف حياتهم وهو ما أثبتته الفحوص الطبية، فقد جلس عشرون شخصاً من غير المدخنين مع مجموعة من المدخنين لمدة ساعة في غرفة لا تهوية فيها، وإذا بنتيجة ذلك أن أولئك العشرين جميعاً عندما فحص دمهم تبين أن أول أكسيد الكربون في مجرى دمائهم قد ارتفع كأنما كل واحد منهم دخن سيجارة واستنشق دخانها وهذا ما أثبتته وحدة الأبحاث للإدمان التابعة لمعهد لندن للطب النفسي، وأفادت دراسة أخرى أن غير المدخن إن كان بين عشرة مدخنين فإن ما يستنشقه من الدخان لا يقل عن نصيب واحد منهم، على أنه جاء فيما أصدره المكتب الإقليمي للشرق المتوسط لمنظمة الصحة العالمية ما يدل على أن هذا النوع من التدخين هو أشد ضرراً، وها هو ذا بنصه: ولعل من أسوأ أنواع التدخين ذلك الذي يقال له التدخين القسري ويعني به استنشاق الشخص غير
(1) رواه الربيع في كتاب الصلاة باب الزجر عن غسل المريض رقم (172). (5/408)
صفحة 2358
في
التدخين
409
المدخن لسجائر الغير قسراً رغم أنفه سواء في المكتب أو في وسائل المواصلات أو في المنزل، وفي نهاية الثمانينات من القرن الماضي كان التدخين القسري كل عام يسبب عدداً يتراوح بين أربعة آلاف وخمسة آلاف وفاة في الولايات المتحدة، وحوالي ألف في بريطانيا، وخمسمائة وفاة كندا كما أن النساء غير المدخنات والمتزوجات من رجال مدخنين يتعرضن إلى سرطان الرئة بنسبة أكبر كثيراً من النساء المتزوجات من أشخاص غير مدخنين»، وجاء فيما أصدره البنك الدولي عن منظمة الصحة العالمية: «ويؤثر التدخين أيضاً في صحة غير المدخنين، فالأطفال الذين يولودون لأمهات مدخنات يولدون ناقصي الوزن ويواجهون قدراً أكبر من الإصابة بالأمراض التنفسية، وهم أكثر عرضة للوفاة بمقارنة وفاة الرضع من الأطفال الذين يولدون لأمهات غير مدخنات، كما أن البالغين من غير المدخنين يواجهون خطراً قد يكون قليلاً ولكنه يتزايد باستمرار فينتهي بهم إلى مرض قاتل أو مرض يحدث عجزاً بدنياً بسبب تعرضهم لدخان الآخرين».
المفاجئة
هذا وقد دل هذا النص على أن تعاطيه من الكبائر لترتب الوعيد عليه في قوله تعالى: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانَا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: 30] وكل ما توعد عليه في القرآن أو في السنة فهو كبيرة. 2 - قوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَهْلُكَةِ} [البقرة: 195) فإنه دال بعموم حكمه على حرمة تعاطي الدخان لما فيه من إلقاء اليد إلى التهلكة، وهو
وإن نزل لسبب خاص فإنه لا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ.
3 - قوله تعالى: {وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [البقرة: 211) ووجه دلالته على ذلك أن الصحة والعقل والنسل والمال كلها (5/409)
صفحة 2359
410
نعم
الفتاوى الذبائح - الأطعمة ـ التدخين
أنعمها الله على من يشاء من عباده، ومن أنعم الله عليه بنعمة وجب عليه أن يحافظ عليها ولا يهدرها، فإن إهدارها تبديل لها، وهذا الذي توعد الله به من بدل نعمته، وهل يشك عاقل بعد كل الذي سبق أن التدخين هو تبديل لهذه النعم وتبديد لها.
من
ماله
4 - قوله تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَما} [النساء: 5] فإن معظم المفسرين جعلوا الآية دليلاً على عدم جواز تمكين السفيه من ماله لتبذيره وإضاعته لمنافاة التبذير للرشد الذي هو مناط تمكين اليتيم من بعد بلوغه، لقوله تعالى: {فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6] وعليه فإن إضافة ضمير الأموال إلى المخاطبين لأجل ما سبق ذكره من أنه يجب على الأمة أن تكون في تكافلها واجتماعها كالفرد، بحيث يرعى كل مصلحة غيره كما يرعى مصلحة نفسه، فإنه وإن كان كل فرد مختصاً بملك ماله، إلا أن المجتمع في تداخله يتأثر بما يكون من خسار على أي واحد أفراده، ومن الذي يزعم أن المدخن غير سفيه، أرأيتم لو أبصرتم أحداً لا يدخن قط ولكنه يأخذ على رأس كل سنة من ماله مقدار ما ينفقه المدخن في تدخينه فيضرم فيه النار أيقال إن ذلك سالم العقل حسن التصرف، أنه لم يتلف بتصرفه هذا غير هذا المال، إذ لم يضر بصحته ولا بصحة ولا بصحة غيره، بخلاف المدخن الذي يحرق ذلك المقدار من ماله لأجل أن يتجرع سموماً يتلف بها حياته، وينشرها في أجواء بيئته فيفسدها ويضر بها ما لا يحصى عدداً من الناس، على أنه إن كانت وراء ذلك مصلحة مادية فلمن هي يا ترى؟ فمن المستفيد من وراء تصدير هذه الأوبئة إلى الشعوب والأمم؟ لا ريب أن المستفيد الأول هو الصهيونية العالمية، التي تتضاعف أرباحها المادية بقدر ما يكون من استهلاك لهذه المواد السامة التي تصدرها وبقدر ما تتضاعف أرباحها تزداد ضراوة على أمة الإسلام وإمعاناً في الفتك
مع (5/410)
صفحة 2360
التدخين
411
بها إذ هي بمثابة الوقود لنار فتنتها، وهذا لأن معظم الشركات المصنعة للتبغ هي من المؤسسات الصهيونية، وقد قرأت منذ شهور أن إحدى هذه الشركات العملاقة المصنعة للتبغ تربح في كل عام أكثر من مليار دولار لتكون سلاحاً في يد الصهيونية العالمية ضد هذه الأمة، ومن أين تتدفق هذه الأموال يا ترى؟! إنها ثروات الأمة التي يهدرها المدخنون في سبيل إشباع شهوتهم في التدخين مع ما يترتب على ذلك من خسارة لصحتهم، وإهلاك لأنفسهم، على أن ما كان من هذه الشركات ليس ملكاً للصهيونية فهو ملك لأمها وحاضنتها الصليبية العالمية، التي تقف جنباً إلى جنب مع الصهيونية في محاربتها للإسلام.
ه - قوله تعالى: {وَلَا تُبَذِرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} [الإسراء: 26] ووجه دلالته على هذا الحكم ما فيه
من النهي عن تبذير المال والنهي دال على الحرمة، ولأنه نص على أن المبذرين إخوان للشياطين وعمل الشيطان هو حرام، كما بين أن الشيطان كان لربه كفوراً، ومعنى ذلك أن المبذر كافر بنعمة ربه، وهل بقي شك في أن المدخن مبذر لماله بعد كل الذي تقدم. 6 ـ قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31 ووجه دلالته على ذلك أن الله تعالى نهى عن الإسراف ـ وهو الخروج عن حدود الاعتدال ـ حتى في الأكل والشرب مع كونهما قواماً للبنية، وقد شدّد العلماء بناء على دلالة الآية في تناول أي شيء من الطعام بعد الشبع وعدوه حراماً لدخوله في الإسراف وكذلك الشرب بعد الري، ولئن كان ذلك في الطعام والشراب مع ما فيهما من المتعة واللذة ومع كونهما من أهم ضرورات الحياة، فكيف بإنفاق المال في الدخان الضار للجسم والعقل والمال والنسل والفرد والمجتمع والإنسان وغيره. (5/411)
صفحة 2361
412
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
7 ـ قوله تعالى في عباد الرحمن: وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا) [الفرقان: 67] ووجه دلالته أن الإسراف ليس من شيمة عباد الرحمن الذين يجزون الغرفة بما صبروا وإنما هو شأن أضدادهم وهم أتباع الشيطان، وقد اتضح بما لا مرية فيه أن الإنفاق في التدخين إسراف؟ لأنه إتلاف للمال فيما يضر ولا ينفع ويدمر ولا يعمر.
- قوله تعالى في نبيه: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبيثَ} [الأعراف: 157] فالدخان إما أن يكون من الطيبات التي يحلها النبي صلى الله عليه وسلم بأمر ربه وإما أن يكون من الخبائث التي يحرمها عليهم، وهل يقول ذو روية وعقل بأنه من الطيبات بعد ثبوت هذه المضار منه، مع كونه خبيث الرائحة والطعم لا يعقب إلا الأسقام والأوجاع والبلاوى.
9 - قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَنَا وَإِثْمًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 58) فإنه وإن نزل لسبب خاص إلا أن ذلك لا يقيد إطلاق لفظ الإيذاء، فهو شامل لكل من يؤذي مؤمناً أو مؤمنة، إذ لا يصلح لتقييد المطلق ما لا يصلح لتخصيص العام. ومن القواعد الأصولية المشهورة أنه لا عبرة بخصوص السبب مع عموم
أن
أذاه
اللفظ، ويؤيد ذلك ويؤكده حديث كل مؤذ في النار وهل بقي ريب المدخن مؤذ لغيره من المؤمنين والمؤمنات وغيرهم، ولو لم يكن من لهم إلا أنه يسمم بيئتهم ويلوث أجواءهم لكفى، فإن أثر ذلك ينعكس على
البشر والحيوان والنبات.
وكفى المدخن إثماً إيذاؤه لجليسه بحيث لا يبالي أن ينفث في وجهه الدخان بخبث رائحته وكثرة سمومه، ولا يبالي بما يسببه ذلك من إزعاج وما ينشأ عنه من صداع وما يولده من أمراض وقد سبق بيان أن أشد (5/412)
صفحة 2362
في
الصلاة
التدخين
413
التدخين ضرراً التدخين القسري، كما جاء ذلك في «الهدي الصحي» الذي نشرته منظمة الصحة العالمية، على أن غير المدخن قد يضطر اضطراراً إلى مجالسة المدخن لحاجة في نفسه لا مناص له عن قضائها، على أن أذى المدخن لجليسه لا ينحصر في إبان تدخينه بل كثيراً ما يكون اقترابه من غيره مزعجاً لذلك الغير بما ينبعث من فيه وخياشيمه من رائحة كريهة، ويشتد ذلك عندما يكون قريب عهد بالتدخين، ولربما صف مع المصلين فيؤذي من كان قريباً منه حتى يذهب بخشوعه، ويحرمه من لذة مناجاته لربه، وقد وقع ذلك لي كثيراً عندما أبتلى بمدخن يقف بجنبي في الصلاة فيشغلني ما يأتيني من روائحه عن الأقبال على صلاتي، حتى أتمنى اختصار الصلاة لأني أبقى متوتر الأعصاب إلى أن يسلم منها الإمام. ولئن كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى من أكل الثوم أو البصل من قربان المسجد (1) ما فيهما من المنافع فكيف بشارب الدخان الخبيث؟ على أن رائحة الثوم والبصل وإن كانت كريهة لا تداني رائحة الدخان في الأذى.
مع
10 - قوله تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: (205) ووجه دلالته أن المدخن يفسد في الأرض بتلويثه البيئة، ومن خلال ذلك يكون قد أسهم في إهلاك الحرث والنسل، وهو ما ثبت علمياً ولا يجادل فيه إلا جاهل أو متجاهل.
11 - قوله تعالى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَدَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام:
[140
(1) رواه البخاري في كتاب صفة الصلاة باب ما جاء في الثوم النياء رقم (815)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب نهي من أكل ثوماً رقم (561). (5/413)
صفحة 2363
414
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
12 - قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ [الأنعام:
[137
13 - قوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنَةٌ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [الأنعام: 151].
14 - قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقٌ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَبْلَهُمْ كَانَ خِطَا كَبِيرًا} [الإسراء: 31].
ووجه دلالة هذه الآيات على حرمة التدخين أن المدخن يقتل أولاده وإن لم يكن قتله مباشراً، وذلك لما سبق بيانه من أن تدخين الأب أو الأم له أثر سلبي خطير على الأجنة والمواليد قد يفضي إلى إجهاض الجنين وموت المولود، لأن أولاد المدخنين والمدخنات هم عرضة للأوبئة الفتاكة والأمراض المهلكة فضلاً عن كونهم أضعف قوة واحتمالاً من غيرهم، ولا يقال بأن النهي في بعض هذه الآيات اقترن بالإملاق أو خشيته، فهو مقيد بهما، لأن هذا الاقتران إنما هو وارد مورد الأغلب المعتاد، وما كان كذلك فلا يعتد بمفهومه المخالف، فلا يفيد ذلك تقييداً لإطلاقه. هذا ما حضرني من الأدلة القرآنية على تحريم التدخين من غير استقصاء لها. أما السنة النبوية فأدلتها على ذلك كثيرة، منها ما سبق الاستشهاد به في
معرض تبيان أدلة الكتاب وإليكم ما حضرني الآن مما عداها:
1 ـ أخرج البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تحسى سماً فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً (5/414)
صفحة 2364
التدخين
415
فيها أبداً،
جهنم
ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار خالداً مخلداً فيها أبداً» (1) وأخرجه النسائي بزيادة بعد قوله «بحديدة»: «ثم انقطع على شيء جاء مثل نصل السهم» (2) وأخرجه أبو داود ولفظه عنده: من حسا سماً فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً» (3). ووجه دلالة هذا الحديث على هذا الحكم ظاهرة، فإنه لم يبق ريب في نفس عاقل أن التدخين سم ناقع لا يهلك المدخن وحده، وإنما يهلك معه من ابتلي بأذاه.
2 - روى البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعن نفسه يطعنها في النار» (4) وبما أن التدخين يؤدي إلى تعطيل الجهاز التنفسي فهو بمثابة الخنق.
3 ـ روى الترمذي عن أبي برزة الأسلمي الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس، عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وماذا عمل فيما علم؟) () ووجه دلالته على هذا الحكم من وجوه:
*
أولها: أن العبد مسؤول عن عمره فيم أفناه؟ إذ لم يخلق هملاً ولم يترك سدى، وإنما خلق لغاية سامية بينها قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ
(1) رواه البخاري في كتاب الطب باب شرب السم رقم (5442)، ومسلم في كتاب الإيمان باب غلظ تحريم قتل النفس رقم (109)، ورواه الترمذي في كتاب الطب باب ما جاء
فيمن قتل نفسه رقم (2043).
(2) رواه النسائي في كتاب الجنائز باب ترك الصلاة على من قتل نفسه رقم (1965). (3) رواه أبو داود كتاب الطب في الأدوية المكروهة رقم (3872).
(4) رواه البخاري في كتاب الجنائز باب ما جاء في قاتل النفس رقم (1299). (5) رواه الترمذي في كتاب صفة القيامة باب ما جاء في شأن الحساب رقم (2417). (5/415)
صفحة 2365
416
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ويدخل في ضمن عبادة الله كل ما يعمله الإنسان بعد أداء فروضه مما فيه مصلحة لنفسه أو لجنسه مع خلوص نيته أما إذا صرف العمر فيما ينافي ذلك أو أضاع جزءاً منه في السوء والضر والفساد فإنه يتحمل تبعة ذلك أمام الله سبحانه، فالمدخن الذي يقضي جانباً من وقته في ارتشاف الدخان القاتل والإضرار بنفسه وغيره لم يعط هذا العمر حقه، بل أضاعه في الفساد وتسبب لإتلافه.
ثانيها: أنه يسأل عن شبابه سؤالاً خاصاً لما في مرحلة الشباب من القوة والفتوة، فهو ريعان العمر وزهرته يجب عليه أن يحافظ عليه وأن يستغله استغلالاً حسناً بتفجير طاقاته فيما يعود بالمصلحة على نفسه وعلى دينه وأمته، وقد أضاعه من أهدره
*
بتجرع
هذه السموم القاتلة.
ثالثها: أنه مسؤول عن ماله كسباً، وإنفاقاً، لأنه مال الله سبحانه، فلا
يجوز تضييعه فيما لا جدوى فيه، وما هو إلا مؤتمن عليه ومستخلف فيه، فلذلك كان من الواجب عليه أن ينفقه فيما ينفع لا فيما يضر وفيما يعمر لا فيما يدمر وفيما يصلح لا فيما يفسد، ولأجل ضرورة المحافظة عليه كان مأموراً بالتوسط والاعتدال في إنفاقه حتى في سبل الخيرات، فما بالك إذا أنفقه ثمناً لسموم يهلك بها نفسه وأمته، وقد جاء في الحديث: «إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال» (1). 4 - روى الطبراني في الأوسط من طريق أنس له بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من آذى مسلماً فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله» (2) وقد سبق
(1) رواه الربيع في كتاب البيوع باب ما ينهى عنه من البيوع رقم (567)، والبخاري في كتاب الزكاة باب قول الله تعالى: لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ الْحَافًا) رقم (1407)، ومسلم في
كتاب اوقضية باب النهي عن كثرة المسائل رقم (1715).
(2) رواه الطبراني في المعجم الأوسط رقم (3607)، والصغير رقم (468). (5/416)
صفحة 2366
التدخين
417
بيان إيذاء المدخن للمسلمين بنتن رائحته والإضرار بهم وببيئتهم، وذلك إيذاء الله ولرسوله كما دل عليه الحديث، وقد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا).
ه - نهيه صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر كما أخرجه أحمد وأبو داود من طريق المؤمنين أم سلمة (1)، والدخان إن لم يكن مسكراً فهو مفتر، وقد سبق بيان تأثيره على الجهاز العصبي.
مسنداً
6 ـ قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» (2) وقد روي ومرسلاً وطرقه يقوي بعضها بعضاً وهو من قواعد الفقه المجمع عليها،
ولا أظن أن ارتياباً بقي في نفس عاقل أن في التدخين ضرراً كبيراً. 7 - الأحاديث التي دلت على وعيد المنتحر كحديث جندب بن عبد الله له عند الشيخين فيمن جرح فجزع فأخذ سكيناً فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات، فقال الله: بادرني عبدي بنفسه فحرمت عليه الجنة» (3) وحديثي أبي هريرة وسهل بن سعد السعدي ما عند الشيخين في قصة الرجل الذي كان أكثر الناس بلاء في الجهاد فجرح فقتل نفسه، وقد أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه من أهل النار (4)، ودلالة هذه الأحاديث على هذا الحكم من حيث إن الانتحار لا فرق بين وجوهه وصوره بأي وسيلة كان فكله حرام وتلك هى عاقبة أمره والله المستعان.
(1) رواه أبو داود كتاب الأشربة باب النهي عن المسكر رقم (3687)، وأحمد رقم (26676). (2) رواه الحاكم في المستدرك رقم (2345)، وابن ماجة في كتاب الأحكام باب إذا تشاجروا في قدر الطريق (2340).
(3) رواه البخاري في كتاب الأنبياء باب ما ذكر عن بني إسرائيل رقم (3276)، ومسلم في كتاب الإيمان باب غلط تحريم قتل الإنسان نفسه رقم (113). (4) رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير باب لا يقال فلان هشيد رقم (2742)، ومسلم في كتاب الإيمان باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه رقم (112). (5/417)
صفحة 2367
418
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
هذا وبجانب ما ذكرناه فإن التدخين يؤدي إلى كثير من المضار التي لم نذكرها، منها أن المدخن يصبح أسير هذه العادة السيئة فهي تسخره وتقوده إلى كثير من المحارم والمكروهات لعجزه عن الفكاك عنها، وقد جسد ذلك أحد الشعراء المدخنين في شطر بيت إذ قال في السيجارة:
تخذتها أمة فصرت لها عبداً
لذلك يحرص المدخن أن يوفر من أجل التدخين ولو كان ذلك بتقتيره على عياله في الإنفاق وحرمانهم من بعض ضرورات الحياة وحاجاتها، وقد يدفعه الحال إلى أن يستجدي غير مبال بإذلال نفسه وإراقة ماء ولربما بلغ به الأمر إلى الاحتيال والسرقة وكل ذلك مما يأباه الإسلام
على أتباعه.
وجهه،
لهذا كله أفتى أولو البصائر من جميع المذاهب الإسلامية منذ بداية ظهور هذه العادة السيئة في بلاد الإسلام بأن التدخين حرام، وما كان من مخالفة لهم من بعض أهل الفتيا فإنه راجع إلى عدم تصور حقيقة التدخين ومضاره الكثيرة، ولئن كان الاختلاف فيه شاع عند معظم أصحاب المذاهب
هذه
الإسلامية في العصور السابقة فإن علماء مذهبنا (1) لم يختلفوا قط في المسألة بل اتفق مشارقتهم ومغاربتهم من أول ظهور هذه الآفة في بلاد الإسلام على حرمة التدخين، بل وحرمة استعمال التبغ بأي طريقة كان سواء كان سعوطاً في رطاً في الأنف أو مضغاً بالفم أو رشفاً لدخانه، وقد كان من توفيق الله لهم أن تنبهوا لأخطاره ومضاره قبل أن يكتشفها الأطباء وغيرهم، فهذا الإمام نور الدين السالمي رحمه الله تعالى يقول في جوهر النظام الذي ألفه
قبل قرن من الزمن
(1) يعني المذهب الإباضي. (5/418)
صفحة 2368
التدخين
419
والبنج والأفيون ثم التتن محرمات شربها مستهجن لأنها معروفة بالسكر فالسكر في الوصف زوال الفكر وهو تغير على العقل طرا فعد ما أحدث ذاك مسكرا فقول من خالفنا في المذهب في التتن المعروف لم يصوب قال بأنه مرقد ولا يسكر قلت أذهب التعقلا والغرض المشروع من ذا الباب حفظ عقولنا عن الذهاب لو لم يصح سكره لكانا محرماً لضره فمائة وبعدها عشرونا من علل في ذاك يذكرونا يصفر اللون وينتن الفما الأضراس أيضاً فاعلما يسود ويورث السل مع الوباء ويخرق الكبد من الأحشاء
إلى أن يقول:
عيانا
يفتر الشهوة في الجماع ونحو هذا سائر الأنواع أن تأثير التدخين على القوة الجنسية كان محل اختلاف ونظر عند
مع
الأطباء إلى وقت قريب.
وبعد أن تجلت الحقيقة وثبت بالدلائل القاطعة ما ثبت من مضار التدخين وجدنا العلماء يكادون يجمعون على حرمة تعاطيه ولا يكاد يجادل في ذلك إلا القليل، ومن بينهم هؤلاء المشايخ الأجلاء:
1 - الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، شيخ الأزهر الراحل.
2 - الشيخ محمد الغزالي.
3 ـ الدكتور يوسف القرضاوي.
4 ـ الدكتور نصر فريد واصل. (5/419)
صفحة 2369
420
O
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
الشيخ عبد الجليل شلبي.
6 - الشيخ حامد جامع. ـ
- الشيخ زكريا البري.
8 - الشيخ عطية صقر.
9 - الشيخ مصطفى محمد الحديدي الطير.
10 - الشيخ عبد الله المشد.
11 - الدكتور أحمد عمر هاشم.
12 ـ الدكتور حسيني عبد المجيد هاشم.
13 - الشيخ محمد الزحيلي.
14 - الشيخ مهدي عبد الحميد مصطفى.
وعلى ذلك اتفقت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة
العربية السعودية.
أما القلة التي تجادل في ذلك فإن مجادلتها لم تنبعث إلا عن هوى في نفسها، فهي بين مدمن على التدخين لا يجد سبيلاً إلى الفكاك عنه فيحاول تبرير فعله، وآخر في نفسه حاجة يريد قضاءها ولا يرى سبيلاً إلى ذلك غير هذه الفتوى، ومن عجيب ما اطلعت عليه لبعض هؤلاء أن أحد الذين أصبحوا أسارى لعادة الإدمان على التدخين زعم أن التدخين غير حرام مع اعترافه بمضاره، مدعياً أن تحريمه يسلتزم تحريم الشحوم والسكريات وغيرها من المواد الغذائية الضارة لثبوت ضررها أيضاً، وهذه مغالطة عجيبة ومكابرة للحق فشتان بين التدخين والمواد الغذائية. (5/420)
صفحة 2370
التدخين
421
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
إذ لا بد للإنسان من غذاء، وذلك يختلف باختلاف عمله وكدحه، ولا بد لأي أحد من أن يكون غذاؤه مركباً من السكريات والدهنيات وغيرها، وقد أفادني أحد الأطباء المتخصصين أن الغذاء المثالي للإنسان هو 59? مواد كربوهيدراتية «سكريات وألياف، و 30 دهنيات، و 11% بروتين، وأن معدل احتياج الإنسان اليومي من الطاقة 2300 كيلو سعر حراري للرجل المتقاعد و 1900 للمرأة المتقاعدة و 2200 لربة البيت و 2500 لموظف المكتب و 2100 لموظفة المكتب و 3200 لعامل المصنع و 2400 لعاملة المصنع 3600 للعامل اليدوي، ومعنى ذلك أن هذه المواد من ضرورات قوام الجسم وهي لا تضر إن كانت بقدر حاجته وإنما الضرر في الخروج عن حدود الاعتدال وذلك غير جائز شرعاً، ولذلك أمر الله سبحانه بالاعتدال في الأكل والشرب ونهى عن الإسراف فيهما حيث قال: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا سرِفُوا} [الأعراف: 31].
ولئن كانت هذه المواد من ضرورات حياة الإنسان فكيف يقاس عليها الدخان الخبيث الذي هو كله ضرر وسموم قاتلة ويكفي في هذا ما جاء في «الهدي الصحي الصادر عن منظمة الصحة العالمية المكتب الإقليمي لشرق المتوسط، ونصه: «ولعله من أوضح مظاهر العدوان على الصحة الفردية والجماعية التدخين، فليس سراً عندما يزيد على أربعة ملايين شخص في العالم يموتون كل عام بأمراض أساسها التدخين مثل سرطان الرئة والتهاب القصبات المزمن والانتفاخ الرئوي وأمراض شرايين القلب وسرطان المثانة وهذا يعني وقوع أكثر من 11 ألف حالة وفاة يومياً، وأنه لمما يلفت النظر أن أحداً في العالم كله لم يستطع أن يكتشف منفعة واحدة للتدخين، فالتبغ (5/421)
صفحة 2371
422
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
مادة ضارة كل الضرر بالفرد وبأسرته وبمجتمعه، وهذا يجعل التبغ مادة فريدة بين المواد التي يتعاطاها الناس بكثرة في العالم، فحتى الخمر قال عنها الله سبحانه: {يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمُ كَبِيرُ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَفْعِهِمَا} [البقرة: 219] فذكر للخمر بعض المنافع، ولكنه جعلها محرمة تحريماً كاملاً بسبب تفوق الأضرار التي تنجم عنها على فوائدها، فما قولنا بالتبغ الذي ليس له نفع يذكره له أي إنسان، بل إن المدخنين أنفسهم مجتمعون على ضرره وأذاه».
ومن خلال هذا يتبين أن ضحايا التدخين يفوقون ضحايا المخدرات
ذلك
بنسبة هائلة كما يفوقون ضحايا مرض فقدان المناعة المكتسب، ومع کله نرى العالم - مع إجماعه على محاربة المخدرات والتشديد فيها حتى بلغت عقوبة الاتجار فيها وترويجها الإعدام في بعض الدول ـ يتساهل هذا التساهل العجيب في أمر التدخين مع أنه لو ساغت إباحة التدخين لساغت إباحة المخدرات إذ لا فرق بينهما، على أن الإدمان على التدخين هو طريق للإدمان على المخدرات لأن أنواعاً منها تتعاطى عن طريق التدخين كالتبغ وبسجائر لا تختلف كثيراً عن سجائر التبغ، فما هذا التناقض الفاضح الذي وقع فيه عالم اليوم وهو يرخي العنان ويفتح الأبواب ويعبد الطرق لانتشار التدخين الذي يهلك الحرث والنسل ويأتي على الأخضر واليابس مع شن الحرب الشعواء التي لا هوادة فيها على المخدرات؟!
الفقرة الثانية: جوابها أن كل ضار محرم ولو كان شجراً مما ينبت، فهذه المواد المخدرة هي محرمة شرعاً، وقد أطبق على محاربتها جميع الأمم حتى غير المتدينين من الناس مع كونها مما ينبت من الأشجار، وعليه فنبات التبغ هو حرام لا يجوز استعماله بحال، وقد ثبت من قول (5/422)
صفحة 2372
التدخين
423
الأطباء المتخصصين أنه لا نفع فيه فلا وجه لإباحة استعماله بأي وجه، نعم لو ثبت أن فيه منفعة في مداواة الجروح مثلاً بوضعه عليها من غير أن تترتب على ذلك مضرة فإنه تباح عندئذ منفعته اتقاء ضرره، لأن الأصل مع في المنافع الإباحة لقوله تعالى: {هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا
[البقرة: 29].
الفقرة الثالثة: جوابها أن إضافة مادة محرمة إلى التبغ تضاعف من
حرمته، وقد تبين أنه نفسه حرام لما ثبت من ضرره وتأثيره السلبي. الفقرة الرابعة: جوابها أن تحليل الحرام وتحريم الحلال كل منهما كبيرة عظيمة، لأنه افتراء كذب على الله؛ فقد قال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، وقال: {قُلْ أَرَءَ يْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ اللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس} 59]، وقد قرن الله تحريم الحلال بالإشراك به وعده من صفات المشركين، حيث قال: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا وَابَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ وقال أيضاً: {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} [النحل: 35].
هذا والإقدام على تحريم ما ثبت حله بالنص القطعي هو من الإشراك المخرج للإنسان من الملة، وذلك كالنكاح والبيع والأكل والشرب واللباس في غير إسراف ولا مخيلة وكذلك تحليله ما دل النص القطعي على تحريمه كالزنا والخمر والميسر وقتل النفس المحرمة بغير حق وقتل الأولاد سفها بغير علم وعقوق الوالدين وقطعية الأرحام.
هذا، والتقول على الله بغير علم هو نفسه من كبائر الإثم ولو صادف (5/423)
صفحة 2373
424
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
القائل الحق فيما يقوله، فقد قرن الله ذلك بالإشراك عندما قال: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَنَا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]، وهو مما يأمر به الشيطان من أجل إضلال الناس فقد قال سبحانه: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 169].
هذا ما حضرني جواباً على هذه الأسئلة أيها الأخ الكريم وأسأل الله لي ولك ولكل مسلم التوفيق لما يحبه ويرضاه والوقاية من كل ما يسخطه ويأباه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما حكم الإسلام في التدخين؟
الإسلام يحرص على أن يكون الإنسان سليماً في كل شيء، في عقله، وجسمه، ودينه وعرضه والدخان مضر بكل هذه الأشياء، فهو مضر بصحة الإنسان، وكم من مرض سببه التدخين، ويكفي أن السرطان الفتاك القتال سببه التدخين، فكيف يحفر العاقل عن حتفه بظلفه فيدخن؟ بجانب هذا فإن التدخين فيه إيذاء؛ إذ يؤذي الإنسان به نفسه إيذاء محسوساً، كما يؤذي به غيره من خلال الروائح الكريهة، فأنا إذا شممت رائحة الدخان وكنت في طائرة لا أنزل إلا وأنا مصدوع من أثر الدخان الخبيث، والله له بعث الرسول صلى الله عليه وسلم ليحل الطيبات ويحرم الخبائث فهل الدخان من الطيبات أو هو من الخبائث؟ الشيء الذي فيه هذه المضار كلها أليس هو من الخبائث؟ وهو بجانب ضرره بجسم الإنسان يضر بماله إذ لو أخذ المدخن يحسب ما ينفقه في التدخين في العام، فوجد أنه في العام ينفق عشرة ريالات عمانية فحسب ليس غيرها، فلو أتلف هذه العشرة ريالات بغير تدخين ومن غير أن يؤذي بها جسمه ولا عقله ولا صديقه ولا أحداً من الناس وإنما هو في (5/424)
صفحة 2374
التدخين
425
يوم معين من كل سنة يأخذ عشرة ريالات ويشعل فيها النار هل يعد عاقلاً أو يعد سفيهاً؟ هذا بجانب عدم الإضرار بالجسم أو بالعقل أو بالعرض أو بأي شيء إلا الإضرار بالمال فقط، فكيف مع ذلك إذا جمع ما بين هذه المضار المختلفة من خلال التدخين أليس هو أولى بصفة السفه؟ من هذا يدرك الإنسان أن الدخان لا يجوز وهو حرام، فمن الذي يستطيع أن يقول بأن الدخان من الطيبات مع ما ثبت من ضرره النفسي والاجتماعي؟!! والله
المستعان.
مجتمعنا،
أصبحت ظاهرة تعاطي الشيشة أو الرشبة آخذة في الاستفحال في وهي لا شك عادة غريبة لم نعرفها إلا في وقت متأخر فما حكم الإسلام فيها؟ وما هو واجب كل مسلم تجاه هذه الظاهرة وهل هي أقل ضرراً من الدخان؟
هي
شر مستطير، لأنها مما يضر بالصحة وفيها إتلاف للمال وإضاعة للوقت وتعريض النفس للخطر، وهي بجانب ذلك تتنافى مع الأخلاق، لأن الخلق السليم يجعل الإنسان يبتعد عن كل ما يؤذي الآخرين، والذي يجلس بجانب متعاطي الشيشة (الرشبة) يتأذى من الرائحة الكريهة التي تنبعث منها، وقد تنتشر رائحتها فتصل إلى مكان بعيد وفيها هدر للأخلاق من ناحية أخرى، إذ لا يجتمع عليها إلا السفهاء، فيقضون الوقت في تناول عرض هذا وهتك عرض ذلك، وفيما يؤدي إلى الحماقات، ثم مع ذلك كله لا يؤمن أن تؤدي إلى خطر أكبر وهو انتشار المخدرات، فلا يؤمن أن يكون صاحب الشيشة الذي يجتذب الزبائن من شركاء تجار المخدرات، بحيث يضع فيها شيئاً من المخدرات حتى يؤدي الأمر إلى الإدمان، ومن هنا فإن تعاطي الشيشة أخطر من تعاطي الدخان، فإن ضرر التدخين ضرر كبير، وضحاياه في (5/425)
صفحة 2375
426
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
كل عام يزيدون على خمسة ملايين يموتون بسبب الإدمان عليه، ولكن أمر المخدرات أكبر وأخطر، إذ لا يؤمن أن يكون تعاطي الشيشة طريق موصل إلى إدمان الشباب على المخدرات، فلذلك يجب على جميع المسؤولين في الدولة أن يقوموا بمكافحة هذا الخطر الداهم كل حسب مسؤوليته، وعلى المجتمع أن يقف في وجهه سداً منيعاً لأجل المحافظة على الشباب، ونرجو من خلال ذلك التخلص من هذه العادة السيئة والسلامة من شرها إن شاء الله
تعالى.
ما الفرق بين شجرة الزقوم والغليون؟
شجرة الزقوم هي شجرة تنبت في أصل الجحيم، والغليون ينبت في
الدنيا والله أعلم.
رجل ذهب إلى الحج، وعندما رجع من الحج استعمل الغليون، فهل
حجه باطل أم لا؟
إن تاب يقبل حجه والله أعلم. (5/426)
صفحة 2376
الفهرس
مقدمة
القسم الأول: الأيمان - الكفارات - النذور
الأيمان
اليمين لا تمنع أعمال البر
اليمين بين اللغو والانعقاد
اليمين وأنواعها.
يمين الصبي.
يمين اللغو.
من حلف على شيء ثم رأى غيره خيراً منه.
ما يلحق باليمين.
من حلف ليمنع نفسه عن أمر
من حلف على فعل معصية ..
من حلف بطاعة.
من عجز عن فعل ما حلف عليه. (5/427)
صفحة 2377
الفتاوى الأيمان - الكفارات - النذور
من حلف أو حنث ناسياً أو مضطراً تحريم الحلال وتحليل الحرام
اليمين المقيدة
اليمين الغموس
الحلف بغير الله
الاستثناء في اليمين
الحلف بالقرآن
تعدد اليمين أو المحلوف عليه
مراعاة العرف والقصد في اليمين ما لا يعد من اليمين
الكفارات
أنواع الكفارات
كفارة قتل الخطأ
كفارة إضاعة الصيام كفارة اليمين المرسلة
كفارة ترك الصلاة
كفارة العهد
الكفارة الاحتياطية
الكفارة المغلظة - عددها ومقدارها
دفع القيمة في الكفارة (5/428)
صفحة 2378
الفهرس
النذور
النذر لغير الله تعالى
وجوب الوفاء بنذر الطاعة
النذر بالمعصية أو بما لا يملك الإنسان
مراعاة العرف والقصد في النذر
ما لا يعد من النذر
من نذر لمنع نفسه أو غيره
النذر المطلق والمقيد
تتابع صوم النذر والكفارة
ترك الوفاء بالنذر
من نوى عمل أمر
القسم الثاني: الذبائح - الأطعمة - التدخين
الذبائح
الذبائح والطرق الشرعية في إنفاذ الذكاة المحور الأول
تكملة في الفرق بين التذكية الشرعية والطرق الحديثة في إزهاق الروح
المحور الثاني
المحور الثالث
خاتمة في نتائج البحث
شروط الذبح وآدابه
كيفية الذبح (5/429)
صفحة 2379
الفتاوى
ما ذبح لغير الله
الصيد
الأيمان - الكفارات - النذور
الأطعمة
أكل الطيبات
تحريم الخبائث
الأضحية.
أكل الحشرات
آداب الأكل والشرب
أكل المحرم للضرورة
أكل لحوم السباع
أكل ما صنعه المشرك أو الفاسق
أكل مال الغير
الإنفحة والأجبان المستوردة
اللحوم المستوردة وذبائح أهل الكتاب
الدهون الحيوانية وأحكامها
الخنزير وما تولد منه
حكم السمك الطافي
حكم شرب القهوة
الخمر وأحكامها
التدخين (5/430)
صفحة 2380
سلطنة عمان
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
الفتاوى
الجنائز - حوادث المركبات
لسماحة الشيخ العلامة
أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عمان
الكتاب السادس (6/1)
صفحة 2381
حقوق الطبع محفوظة
1434 هـ - 2013 م (6/2)
صفحة 2382
الفتاوي الفتاوا الفتاوى الفتاوى الفتاوى الفتاوى الفتاويا
الفتاوى
الجنائز) حوادث المركبات
لسَمَاحَة الشيخ العلامة
أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسَلْطَنَةِ عُمَانَ
الإعداد والمراجعة
قسم الفتوى بمكتب الإفتاء وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
الكتاب السادس (6/3)
صفحة 2383
[صفحة فارغة] (6/4)
صفحة 2384
مقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأولين وخاتم الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:
فبعد توفيق الله عمل وتيسيره يَسرُّ قسم الفتوى بمكتب الإفتاء بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية بالتعاون مع الأجيال للتسويق) أن يقدموا للمسلمين سلسلة جديدة من فتاوى سماحة الشيخ العلامة الجليل/ أحمد بن حمد الخليلي - حفظه ورعاه المفتي العام لسلطنة عُمان
لتجتمع مع
السلسلات السابقة في عقد واحد.
وهذه السلسلة تحتوي على قسمين من الفتاوى:
القسم الأول: فتاوى الجنائز.
والقسم الثاني: حوادث المركبات.
وهذان القسمان هما من الأهمية بمكان إذ فيهما أغلب ما يحتاجه
الناس من مسائل في فقه الجنائز من تغسيل الموتى ودفنهم وتكفينهم (6/5)
صفحة 2385
6
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
وتشييعهم والصلاة عليهم وما تعلق من أحكام قبل ذلك وما يتبعه من أحكام بعدها، وفقه حوادث المركبات التي أصبحت من المسائل المهمة
في وقتنا المعاصر.
وعملنا في هذا الكتاب كان
إخراج الفتاوى الموجودة في المكتب وخارجه وكتابتها.
الطباعة والتصنيف والترتيب والفهرسة.
عرضها على سماحة الشيخ المفتي للمراجعة النهائية وإصلاح ما لزم إصلاحه وفق توجيهاته.
وفي الأخير نسأل الله أن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم،
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
قسم الفتوى
بمكتب الإفتاء (6/6)
صفحة 2386
القسم الأول
فتاوى الجنائز
GEER C (6/7)
صفحة 2387
[صفحة فارغة] (6/8)
صفحة 2388
آداب المحتضر
تلقين الميت:
ماذا يفعل الإنسان إذا رأى محتضراً أمامه في الحالتين التاليتين: - إذا رأى حادثاً مرورياً ووجد هنالك من يحتضر؟
إذا زار مريضاً ووجده يحتضر؟
جدير بمن حضر أي محتضر سواء كان هذا الاحتضار بسبب حادث أو مرض أو بسبب ظهور علامات الموت أن يلقنه كلمة: «لا إله إلا الله» كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو حديث صحيح رواه الجماعة إلا البخاري أنه قال: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله).
ولا يلزم من ذلك أن يقول له قل: «لا إله إلا الله»، بل مجرد قوله هو: «لا إله إلا الله» يستدعي ذلك أن يستيقظ ضمير هذا المحتضر فيتابعه على النطق ويحاول أن يصلح ما أن يكون قد سبق من فساد بقدر مستطاعه عسي في ذلك الوقت.
(1) رواه مسلم في كتاب الجنائز، باب تلقين الموتى لا إله إلا الله، وأبو داود في كتاب الجنائز، باب في التلقين والنسائي في كتاب الجنائز، باب تلقين الميت، والترمذي في كتاب الجنائز، باب تلقين المريض عند الموت والدعاء له عنده، وابن ماجه في كتاب الجنائز، باب ما جاء في تلقين الميت لا إله إلا الله. (6/9)
صفحة 2389
الفتاوى
الجنائز - حوادث المركبات
-
ولهذا التلقين أكثر من بعد، فإن فيه تنبيهاً للميت إلى الحقيقة الكبرى في هذه الحياة، بل فى هذا الوجود بأسره، وهى أن الكون كله إنما هو مخلوق الله ا سبحانه وتعالى وأنه سبحانه له الطاعة المطلقة، وهذا أمر يقتضي أن يستدرك هذا المحتضر الأمر بالتوبة النصوح إن كان هنالك تقصير فيما مضى. ولا حرج إن ذكره بالوصية أو ذكره بأي أمر آخر ما دام قادراً على النطق، فإن في ذلك خيراً بإذن الله سبحانه وتعالى والله أعلم.
كيفية التلقين
إذا كان هنالك أكثر من شخص، فكيف يكون التلقين؟
إذا كانوا جميعاً حضوراً فإن مجرد ترداد كلمة لا إله إلا الله»، يجعل أولئك المحتضرين يستيقظون ويرددون إلا من كتب الله سبحانه وتعالى عليه والعياذ بالله الشقاء، فذلك أمر آخر.
ولكن من شأن المؤمن أن يحرص فى هذه الحالة على ما كان حريصاً عليه في حياته من الخير فيما سبق.
فمن كان كثير الذكر الله سبحانه وتعالى ألهمه الله الذكر ومن كان على خلاف ذلك كأن يموت وهو يطلب الخمر أو يموت والمزمار في يديه
وفيه كتب الله عليه الشقاء في الدنيا والآخرة والله المستعان. (6/10)
صفحة 2390
آداب المحتضر
التلقين هل يشمل المسلم والكافر
هل حكم التلقين يشمل المسلم والكافر؟
التوبة مفتوحة ما لم تصل الروح إلى الحنجرة فالنبي صلى الله عليه وسلم لقن أحد شباب اليهود عندما دخل عليه وأمره أن يقول كلمة الشهادة)، وطالب عمه أبا طالب أن ينطق بالشهادتين (2) عندما احتضر وهو مما يدلُّ على أن المحتضر إن كان غير مسلم يطالب بأن يأتي بالشهادتين لعل الله سبحانه وتعالى يكتب له بهما السعادة، والله أعلم.
(1) ما رواه البيهقي في السنن الكبرى كتاب الطب باب عيادة المشركين وأصله عند البخاري عن أنس بن مالك قال: كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض فعاده النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قل: «أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فنظر الغلام إلى أبيه فقال: قل ما يقول لك محمد صلى الله عليه وسلم فقال فلما مات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلوا على أخيكم أو قال: صلوا عليه». (2) ما رواه البخاري في كتاب فضائل الصحابة باب قصة أبي طالب ومسلم وكتاب التوحيد باب أول الإيمان قول لا إله إلا الله، وأصحاب السنن عن ابن المسيب عن أبيه أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل فقال: «أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله ـ وفي روايته: (أشهد لك بها يوم القيامة) ـ فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية يا أبا طالب ترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به على ملة عبد المطلب فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأستغفرن لك ما لم أنه عنه فنزلت: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ}، وهو عند مسلم أيضاً من رواية أبي هريرة قال قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه عند الموت: «قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة فأبى فأنزل الله: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ.
(( (6/11)
صفحة 2391
12
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
حكم تلقين الصبي
إن كان صبياً سماحة الشيخ هل يلقن أيضاً بها، هل هذا الحكم يشمل
الصبي؟ لا مانع من ذلك فالحديث عام يشمل كل من كان من الموتى فإن قوله: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله يشمل الصبي والبالغ ولا يحصر في البالغ وحده، ولعل هذا الصبي يضاعف الله تبارك وتعالى له الخير ويرفع درجته عندما يكون آخر ما ينطق به الشهادة، والله أعلم.
تلقين المرأة للرجل وتلقين الرجل للمرأة
هل يلقن الرجل المرأة والمرأة الرجل خاصة إذا كان أجنبيين؟ لا مانع من ذلك، فذلك الموقف ليس موقف شهوة ورغبة في الاتصال أو النظر إلى المحاسن أو في شيء من ذلك.
في
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ (1). وهذا من جملة الأمر بالمعروف.
ولكن الأولى مع وجود الرجل بجانب الرجل أن يتولى هو تلقينه ومع وجود المرأة بجانب المرأة أن تتولى هي تلقينها، والله أعلم.
(1) سورة التوبة، الآية: 71. (6/12)
صفحة 2392
آداب المحتضر
13
أمر المحتضر بقول لا إله إلا الله
إذا كرر «لا إله إلا الله» ولم يتابعه. هل يمكن أن يقول له قل لا إله
إلا الله مثلاً؟
لا مانع من ذلك. فالنبي صلى الله عليه وسلم طلب ذلك من عمه وقال له: «قل لا إله إلَّا الله أشفع لك بها عند الله»)، والله أعلم.
عدم نطق الشهادين هل دليل على الهلاك؟
عدم نطق المحتضر الشهادتين هل دليل على هلاكه مثلاً؟ الحكم بالهلاك أمر عسير، فلا يحكم على أحد بأنه هالك ما لم يكن هناك نص قطعي متواتر يدلُّ على هلاكه، وأنَّى لنا بذلك في أحد من أهل زماننا، وإنما يوكل الأمر إلى الله سبحانه، والله يعلم السرائر من عباده.
بل قال العلماء بأن من مات وهو على معصية ظاهرة في حكم الظاهر كأن يموت وكأس الخمر في فيه أو يموت على أي حالة من هذه الأحوال البعيدة عن الحق، لا يحكم بهلاكه قطعاً، فلا يقطع أحد بأنه من أهل النار؛ إذ لعله تاب أولاً ثم جنَّ وأتى ما أتى وهو في حالة الجنون. فما دام هناك احتمال لا يقطع بهلاكه، نعم هو في حكم الظاهر مات على عمل غير صالح فيتبرأ منه في حكم الظاهر ولكن السرائر إنما يعلمها الله تبارك وتعالى وحده، والله أعلم.
(1) سبق تخريجه. (6/13)
صفحة 2393
14
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
حكم قراءة سورة يس عند المحتضر
نجد في بعض الكتب أنه من السُّنَّة قراءة سورة يس عند المحتضر فهل هذا ثابت في السنة؟
جاءت بذلك رواية (1) ولم أجد أن أحداً من علماء الحديث صححها إلا ابن حبان وابن حبان كثيراً ما يتسرع في تصحيح الروايات، وقد ضعف هذه الرواية كثير من علماء الحديث، قالوا بأنها لا تصح وإنما ابن حبان وحده هو الذي صحح الرواية من بين الذين أخرجوها.
ولكن مع
هذا لا
يعني كون الحديث ضعيفاً أنه لا يجوز الأخذ به ما لم يتعارض الدليل مع دليل شرعي أقوى منه.
فالأصل جواز فعل ذلك وجواز تركه، وما دام الأصل جواز فعله وتركه فما المانع من أن يعمل بالحديث لوجود شيء من الاحتمال ولو بمقدار 1? أن يكون ثابتاً ولو جاء من طرق غير صحيحة.
(1) ما روي عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرءوا على موتاكم يس». رواه النسائي في كتاب عمل اليوم والليلة باب ما يقرأ على الميت وذكر الاختلاف على سليمان التيمي في حديث معقل بن يسار فيه، وأبو داود في كتاب الجنائز باب القراءة عند الميت، وابن ماجه كتاب الجنائز باب في الأوقات التي لا يصلى فيها على الميت ولا يدفن، وأحمد في مسند معقل بن يسار، وابن حبان كتاب الجنائز باب المريض وما يتعلق به فصل في المحتضر، قال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير وأعله ابن القطان بالاضطراب وبالوقف، وبجهالة حال أبي عثمان وأبيه، ونقل أبو بكر بن العربي عن الدارقطني أنه قال: هذا حديث ضعيف الإسناد، مجهول المتن، ولا يصح في الباب حديث، وروي من طريق أبي الدرداء مرفوعاً: «ما من ميت يموت ويقرأ عنده: يس إلا هوّن الله تعالى عليه»، رواه أبو نعيم في أخبار أصفهان، وفي تاريخ أصبهان والديلمي في الفردوس وابن حجر في المطالب العالية وجاء من طرق أخرى وكلها عند أهل العلم لا تثبت. (6/14)
صفحة 2394
آداب المحتضر
15
فهذا الاحتمال ولو كان ضعيفاً يرجح جانب الفعل على جانب الترك كذلك كون قراءة القرآن الكريم عبادة وقربة إلى الله سبحانه وتعالى. أما كون تخصيص سورة يس بعينها فينبغي لمن قرأها ألا يقرأ على أن ذلك أمر ثابت وإنما يقرأ السورة كما يقرأ غيرها تبركاً بالقرآن الكريم،
والله أعلم.
تغطية الميت
بعد التغميض هل يغطى أو كيف يوضع؟
ينبغي أن يسجى الميت بشيء ببردة أو نحوها (1)، ولا يترك مكشوفاً للناظرين ولا سيما العورة، فالعورة يجب سترها، والباقي ينبغي ستره ندباً، والله أعلم.
تعجيل دفن الميت
أحياناً يكون بعض أهل الميت غير حاضر، أو قد يكون في مسافة بعيدة أو قريبة .. ومن ناحية أخرى قد يتوفى الإنسان في بلد غير بلده، ونظام تلك البلاد يقتضي أن ينتظر أهله، لأنه لو دفن ربما تقع بعض الإشكالات، فأهله مثلاً لا يصدقون أنه قد مات وقد دفن. فكيف ترون في هذه القضية سماحة الشيخ؟ لا ينبغي لجثة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهلها كما جاء ذلك في
(1) ما روته السيدة عائشة قالت: سُجي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات بثوب حبرة. رواه البخاري في كتاب الجنائز باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في كفنه،
ومسلم في كتاب الجنائز باب تسجية الميت واللفظ له، وغيرهما. (6/15)
صفحة 2395
16
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
الحديث (1) عن الرسول الله إنما ينبغي التعجيل بقدر المستطاع. إلا إن كان هنالك سبب يقتضي التأخير كأن مات فجأة أي مات بالسكتة القلبية فإن تأخير دفنه من أجل احتمال أن يكون هنالك ما أمسك أنفاسه ومنع حركته فمع وجود هذا الاحتمال ينبغي ألا يتسرع في دفنه، أما إذا كان الميت أدنف من المرض أو كان مات بحادث أو بأي سبب من هذه الأسباب وتيقنت وفاته فلا ينبغي التأخير، والله أعلم.
بعض الناس لا يدفن الميت مباشرة بل ينتظرون أقاربه حتى يحضروا ثم يكشفون عن وجهه لتكون تلك آخر نظرة منهم لميتهم، فهل يصح.
ذلك؟
لا داعي إلى انتظار الغائب فإن السُّنَّة في تعجيل الدفن، وأما نظر أقاربه إلى وجهه فلا مانع منه بل ويجوز تقبيلهم له كما فعل أبو بكر له عندما قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته (2)، والله أعلم.
ما حكم تأخير دفن الميت بحجة انتظار اكتمال وصول أولاده وأقاربه؟ إن خشي فساده لم يجز ذلك وإن لم يخش ذلك فهو مكروه، والله أعلم.
(1) لحديث ابن عباس قال: «لا ينبغي أن تحبس جيفة مسلم بين ظهراني أهله»، رواه الربيع برقم (476) وحديث أبي هريرة له عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها وإن يك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم) رواه البخاري في كتاب الجنائز باب السرعة بالجنازة، ومسلم في كتاب الجنائز باب الإسراع بالجنازة، وأصحاب السنن وغيرهم. (2) ما روته السيدة عائشة عن أبيها أبي بكر الصديق عند موت النبي صلى الله عليه وسلم قالت: «فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبله». روه البخاري في كتاب الجنائز، باب الدخول على الميت بعد الموت. (6/16)
صفحة 2396
علامات موت الميت
آداب المحتضر
17
سماحة الشيخ: هل هناك علامات خاصة لمعرفة الوفاة؟ ثم إذا تأكد الشخص من خروج الروح، ماذا يؤمر أن يفعل؟
من العلامات توقف نبض القلب والنبض الذي يكون في اليدين قريباً من الكفين، وتوقف النفس نهائياً وبرود الجسم لأن حرارة الحياة تفتقد
بالموت.
فذلك كله مما يعد من العلامات، وأول شيء يؤمر به بعد الوفاة أن تغمض عينا الميت لأن الرسول الأمر عندما يموت أحد أن تغمض عيناه وقال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر»). ومعنى ذلك أن الإنسان يفتح عينه عندما تخرج روحه فلذلك يُؤمر أن يعجل في تغميض عينه قبل أن يشتد جسمه
فيعسر ذلك.
لأنه عندما تمر فترة على خروج الروح منه يتصلب جسده ويكون من الصعب أن تغمض العينان أو أن تلين الحركة منه، والله أعلم.
(1) رواه مسلم في كتاب الجنائز، باب إغماض الميت والدعاء له إذا حضر، وابن ماجه في كتاب الجنائز باب ما جاء في تغميض الميت، وأحمد في مسنده، والبيهقي في الكبرى في كتاب الجنائز، باب إغماض عينيه وتسجيته بثوب، وابن حبان في صحيحه كتاب إخباره عن مناقب الصحابة رجالهم ونسائهم بذكر، ذكر أبي سلمة بن عبد
الأسد المخزومي. (6/17)
صفحة 2397
18
الفتاوى
الجنائز - حوادث المركبات
تشريح الميت لمعرفة وفاته
سماحة الشيخ: إذا مات الميت بدون سبب معروف هل يجوز تشريح جسده لمحاولة معرفة سبب الوفاة. مع العلم أن هذا التشريح قد يدل على معرفة الآلة ثم بالتالي القبض على المجرمين، كما هو واقع ذلك في بعض الحالات؟
التشريح ما جاء بفائدة، ومما يتعجب منه أن يكون في كثير من الأحوال هنالك ما يدلُّ على الإجرام ولا يكتفي بهذا ـ أي: لا يكتفى
بدلائل الإجرام والبينة التي يدان بها المجرم - بل تنص القوانين على أنه لا بد من تشريح الميت فما الداعي إلى التشريح مع
وظهورها؟
قيام
الأدلة
على أن لجسم المسلم بعد وفاته حرمة كما أن ذلك لجسمه في حياته، ثم لنقدر أن التشريح يدلُّ شيئاً من الدلالة على أن هذا الميت مات بسبب من الأسباب، فقد يدل أحياناً على أنه طعم سماً أو أنه قتل بطريقة الخنق أو بطريقة أخرى، ولكن هل هنالك دلالة من نفس التشريح على أن فاعل ذلك هو فلان بعينه؟
فإن كان هنالك اتهام فليؤخذ بأسباب اكتشاف الأمر ولا يلزم أن يشرح الميت، فأنا لا أعرف لهذا التشريح فائدة، وكثير من الناس يحرصون على تشريح جثث الموتى من غير أن يتبين على إثر التشريح ما هم راغبون في تبينه، فلذلك لا أحبذ التشريح لأن لجسم المسلم حياً وميتاً حرمة، والله أعلم. (6/18)
صفحة 2398
غسل الميت
إلقاء نظرة الوداع على الميت قبل غسله
جرت العادة عند بعض الناس ترك الميت أمام الناس قبل غسله وبعضهم بعده، حتى يلقوا ما يسمونه نظرة الوداع، وبعضهم يقبل الميت فهل هذا مشروع؟
نعم التقبيل مشروع، فالرسول صلى الله عليه وسلم قبله أبو بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ وقال: «بأبي وأمي أنتَ يا رسول الله طبت حياً وميتاً)، وهكذا ذكر عن كثير من السلف أنهم قبلوا الموتى وهذا دليل على الجواز. ولم ينكر أحد على أبي بكر من الصحابة فعله هذا، ولكن لا يعني بأي حال من الأحوال أن الميت يترك مشكوفاً وقتاً طويلاً.
ولا
حرج أن ينظر إليه نظر اعتبار وتفكر حتى يتزود الناظر العبرة النافعة من مصير البشر، والله أعلم.
(1) رواه البخاري في كتاب فضائل الصحابة باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لو كنت متخذاً
خليلاً). (6/19)
صفحة 2399
الفتاوى
الجنائز - حوادث المركبات
ينبغي
شروط المكان الذي يغسل فيه الميت
المكان الذي يغسل فيه الميت هل له شروط معينة، وهل يمكن غسله في دورات المياه أو في الأفلاج؟
أن تعد أماكن لتغسيل الموتى في المساجد أو في أماكن أخرى ولكن لا مانع من أن يغسل في دورة المياه، ما دام المكان نظيفاً، وكذلك الأفلاج ولكن يجب أن تراعى الأمراض المعدية التي يخشى منها انتقالها عبر المياه فيتفادى تغسيل الموتى في الأفالج بقدر المستطاع، فالأولى أن يؤخذ الماء من الفلج ويغسل به الميت جانباً عنه، فإن ذلك أنزه من أن يكون تغسيله في نفس الفلج تفادياً لهذه المشكلة، والله أعلم.
توجيه الميت أثناء الغسل
أين يوجه الميت أثناء التغسيل من ناحية القدمين ومن ناحية الرأس، أين يكون رأسه واين تكون قدماه؟
بما أن الميت في حال التغسيل يكون ملقى على ظهره فالأولى أن يكون وجهه إلى القبلة ومعنى ذلك أن تكون رجلاه إلى جانب القبلة،
والله أعلم.
إلى أي جهة يوجه رأس الميت أثناء الغسل، وكم شخص ينبغي يقوم بتغسيله؟
أن
إن أمكن توجيهه إلى القبلة فذلك أولى، فتجعل رجلاه ورأسه من الجهة (6/20)
صفحة 2400
غسل الميت
21
المقابلة وإلا فلينظر ما هو أسمح في تغسيله ويشارك في تغسيله العدد
الذي يحتاج إليه من غير حد. والله أعلم.
حكم التغسيل
ما هو حكم تغسيل الميت، هل هو سُنَّة أم فريضة؟
علينا أن نفرق أولاً بين مصطلحات أهل العلم فبعض العلماء يرون أنه لا فرق بين الفرض والواجب، وبعضهم يفرقون بينهما، فيرون أن الواجب ما ثبت بمطلق الدليل ظنياً كان أم قطعياً وأما الفرض فإنه ما ثبت بدليل قطعي، وذلك كآية من كتاب الله أو حديث متواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن المعلوم أن القرآن لم ينص على التغسيل وإنما السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام هي دليل هذا الحكم فقد ثبت بالتواتر بدون ريبة أن الموتى في عهد الرسول من كانوا يغسلون فلذلك كان هذا مما ثبت بالسُّنَّة)، إلا أنَّ هذه السُّنَّة ليست مرغباً فيها فحسب وإنما هي سُنَّة واجبة، ولكن هذا الواجب كفائي إن قام به البعض سقط عن الباقين.
(1) جاء الأمر بذلك في عدة أحاديث منها حديث ابن عباس في الرجل الذي وقصته الناقة قال: «اغسلوه بماء وسدر ... »، رواه البخاري في كتاب الجنائز باب الكفن في ثوبين ومسلم في كتاب الحج باب ما يفعل بالمحرم إذا مات، واللفظ للبخاري، وحديث أم عطية الأنصارية قالت: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفيت ابنته فقال: «اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك ... » رواه الربيع برقم (475) ورواه البخاري كتاب الجنائز باب غسل الميت ووضوئه بالماء والسدر، ومسلم في كتاب الجنائز باب في غسل الميت وحديث ابن عباس عن النبي قال: «اغسلوا موتاكم» رواه الربيع برقم 476. (6/21)
صفحة 2401
22
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
فهو من حقوق الموتى التي تلزم المجتمع بأسره، فعندما يترك المجتمع بأسره تغسيل ميت ويدفن من غير تغسيل يأثم المجتمع بأسره، بل يأثم كل من علم بموت ذلك ولم يقم بواجب تغسيله وهو قادر عليه هذا إن كان الميت من أهل القبلة المقرين بالله ورسوله.
وأما إن قام بذلك البعض فإن هذا الواجب يسقط عن الباقين،
والله أعلم.
من له الحق في اختيار المغسل
من الذي له الحق في اختيار المغسلين، فأحياناً يحصل خلاف كل أحد يريد أن يغسل، فمن يتولى هذا الحق بحيث يسمح لمن يريد أو
لا
يسمح لأحد - آخر؟
ولي أمر الميت ابنه أو أبوه أو إخوته وهكذا وإنما يراعى الأقرب فالأقرب وإن لم تكن له قرابة فولي أمر المسلمين أولى بذلك فهو يأمر من يتولى تغسيله فإن لم يوجد فجماعة المسلمين، والله أعلم.
الأولى بتغسيل الميت
من
الأولى أن يغسل الميت القرابة أم يراعى فيه المعرفة، وإن كانت
القرابة من هو أولى من الأقرباء؟
لا بد من مراعاة المعرفة، فمن كان أعرف الناس بالتغسيل هو أولى ولكن
إن وجد القريب العارف فذو القرابة أولى من غيره، والله أعلم. (6/22)
صفحة 2402
غسل الميت
23
من الظواهر الاجتماعية تزاحم الناس لدى تحضير الميت، بحجة أنهم
لا
يريدون الإحسان إلى الميت وخاصة أثناء الغُسل، بينما تراهم يلتزمون بالآداب الشرعية التي تجب مراعاتها، فمن أحق الناس بتجهيز الميت؟ وما هو العدد المثالي من الأشخاص لغسل الميت وتجهيزه؟ لا ريب أن مشاهدة الموتى أمر يدعو إلى الاعتبار والاتعاظ والاستعداد للقاء الله تعالى، فإن الإنسان الذي يرى الميت بين يديه يجب أن يكون في خلده آنذاك أنه عما قليل سوف يصير إلى ما صار إليه، فإن أبلغ موعظة ما يشاهده بأم عينيه:
ليس العظات بما يقول مذكر مثل العظات بمصرع الأعمار كم للمنون لو اعتبرنا من يد في سلبها الأرواح بالتذكار ما الحزم ألفتنا لمقصود الردى يغتال في الإيراد والإصدار أترى يجد البين فينا هازلاً ويريحنا بمصارع الأخيار، كلا ولكن الحياة بهيمة تجري عليها مدية الجزار مزمومة نير القضاء يقودها مربوبة لمشيئة المختار كتب البقاء لنفسه مستأثراً بإماتة الأحياء والانشار وإذا اعتبرت حياتك الدنيا تجد أن الحياة مظنة الإعذار ما بين معركة وأخرى يبتغي أملاً لباقية ذوو الأبصار لو كان يشترك البقاء لغادرت غيل المنية أنفس الأبرار فجدير به وهو يقف هذا الموقف أن يكون معتبراً، وأن يتصور الساعة التي يتحول فيها بنفسه من الحياة إلى الممات، لذلك ينبغي له أن يحرص على (6/23)
صفحة 2403
24
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
خفض صوته، وعدم التحدث إلا بما تدعو إليه الضرورة، ليكون في هذا الصمت ما يدعوه إلى الاعتبار، وتزاحم الناس من غير أن تكون هنالك ضرورة إلى تجهيز الميت قد يكون من أسباب عرقلة عمل التجهيز، لذلك ينبغي أن لا يكون العدد كبيراً، بل يكون بمقدار ما يحتاج إليه نفس التجهيز من تقليب الميت، وصب الماء، ومباشرته بالغسل، والله أعلم.
تقدم لغسل الميت من لم يؤذن له
هنالك بعض الناس يدخل نفسه في تغسيل الميت، دون أن يأذن له أهل الميت، وإذا نصح قال: إنني أبتغي الأجر، فما قولكم في هؤلاء؟ عندما توجد الكفاية من قبل القرابة - قرابة الميت - وهو ليس بذي قرابة ينبغي له أن يفعل ذلك، أما إن لم يكن هنالك كفاية، أو كان يرى أنهم لا يحسنون التغسيل فذلك من الخير الذي ينبغي الحرص عليه،
لا
والله أعلم.
هل يصح لرجل أن يتقدم لتغسيل الميت أو دفنه قبل أن يأخذ الإذن
من أهله؟
أولياء الميت هم
أولى بتجهيزه، فإن حضر أحدهم فهو أولى بالقيام بذلك،
أو إنابة غيره ممن يحسن القيام به، والله أعلم. (6/24)
صفحة 2404
كيفية غسل الميت
غسل الميت
25
هل لكم سماحة الشيخ أن تشرحوا لنا كيفية تغسيل الميت كما ورد
ذلك
السنة؟ في
غسل الميت كالغسل من الجنابة كما دلت على ذلك السنة ومعنى ذلك تقديم الأعلى على الأسفل والأيمن على الأيسر ولكن مع هذا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم النساء اللواتي غسلن ابنته أم كلثوم (1) بأن يغسلنها ثلاث غسلات وأن يجعلن في الأخيرة شيئاً من الكافور، وهذا كما جاء في صحيح البخاري وغيره (3).
(3)
والعلماء اختاروا هذه الطريقة وهو أن يغسل الغسلة الأولى بالماء القراح) ثم إبان تغسيله الغسلة الثانية يمسح بطنه مسحاً رفيقاً من أجل خروج فضلاته، ثم يطهر بعد ذلك التغسيل مما عسى أن يكون لابسه من الأنجاس بخروج فضلاته وعندما يطهر تطهيراً تاماً ويغسل ما بين سرته وركبتيه وسائر جسده يتوضأ له كوضوء الصلاة من بعد هذا يغسل الغسلة الثالثة التي فيها شيء من الكافور، والله أعلم.
(1) يدل عليه ما رواه الإمام الربيع من طريق ابن عباس قال: «دفع النبي صلى الله عليه وسلم في كفن ابنته أم كلثوم خمسة أثواب»، حديث رقم 473.
(2) ما رواه الإمام الربيع من طريق أم عطية الأنصارية قالت: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفيت ابنته فقال اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك، إن رأيتن ذلك بماء وسدر واجعلن في الآخرة شيئاً من كافور فإذا فرغتن فآذنني، فلما فرغنا آذناه فأعطانا حقوه وقال: أشعرنها إياه برقم 475، والبخاري في كتاب الجنائز باب ما يستحب أن يغسل وترا، ومسلم في كتاب الجنائز، باب في غسل الميت. (3) الماء الصافي الخالص. (6/25)
صفحة 2405
26
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
-
بعد
في الغسلة الثالثة هل يمر على موضع العورة أم لا؟ لأنهم قد وضئوه قبل ذلك؟
أن يوضأ وضوء الصلاة، لا يمر الغاسل على عورة الميت إلا من فوق
الثوب.
عند تغسيل الميت أيهما يقدّم الوضوء أم غسل الجنازة، وإذا يسمح سماحتكم اشرح لنا كيفية تغسيل الميت؟
غسل الميت كالغسل من الجنابة بحيث يعمم الجسد بالغسل وتتبع مغابنه بالتنظيف وتقدم ميامنه على مياسره، وإنما يمسح على بطن الميت في حال رفعه من جهة رأسه مسحاً خفيفاً لإخراج خبثه، والأولى أن يكون الوضوء بعد الغسلة الأولى وتنظيف سوأته مما عسى أن يكون خرج من فضلاته وإن أخر إلى تمام الغسل فلا حرج،
والله أعلم.
لفظ تغسيل الميت والدعاء عليه
ما اللفظ في تغسيل الميت وما الدعاء أم يكفي لفظ وضوء الصلاة،
أفدنا أفادك الله.
ليس هناك لفظ بعينه، وإنما يدعو بما تيسر، والله أعلم. (6/26)
صفحة 2406
غسل الميت
27
غسل المرأة للرجل وغسل الرجل للمرأة
هل للرجل أن يغسل المرأة وهل للمرأة أن تغسل الرجل؟
لا يجوز ذلك فالرجل يغسله الرجال والمرأة تغسلها النساء، أما إن مات الرجل بين نساء ولم يكن بينهن رجل فلا ريب أن النساء في هذه الحالة مطالبات بتغسيله ولكن مأمورات بأن يصبين الماء عليه صباً من غير أن يباشرنه إلا أن تكون فيهن محارم له، فإنهن أولى بتغسيله ويباشرنه مع اتقاء العورة إلا من وراء حائل، أما إن كانت بينهن زوجته فلا ريب أن الزوجة هي أحق بأن تغسل زوجها ولا مانع من ذلك، فأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غير نسائه (1). وهذه المسألة مما وقع فيه الخلاف بين أهل العلم، هل الرجل يغسل امرأته، والمرأة تغسل زوجها أو لا يجوز ذلك.
فقيل: بجواز التغسيل وهذا أرجح، فقد روي أن أبا بكر الله غسلته امرأته
أسماء
بنت عميس
وقيل: بعدم الجواز لأن عصمة الزواج انحلت والعلاقة الزوجية انتهت بينهما،
(1) رواه ابن ماجه في كتاب الجنائز باب ما جاء في غسل الرجل امرأته وغسل المرأة زوجها، وأبو داود في كتاب الجنائز باب في ستر الميت عند غسله. قال عنه النووي في خلاصة الأحكام:9352 رواه أبو داود بإسناد صحيح. (2) رواه مالك في الموطأ كتاب الجنائز، باب المرأة تغسل زوجها، وعبد الرزاق في مصنفه کتاب الجنائز، باب المرأة تغسل الرجل، والبيهقي في كتاب الجنائز، باب
غسل المرأة زوجها. (6/27)
صفحة 2407
28
يتزوج
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
وقيل: بالتفرقة بين حكميهما فهي تغسله وهو لا يغسلها، ذلك لأنها لا تزال أن في حال عدة منه، وهو يعني بقية من العلاقة الزوجية باقية بينهما، كذلك لا يباح لها أن تتزوج ما دامت في العدة، أما هو فلا يعتد منها ولذلك يجوز له أن بأختها أو بعمتها أو بخالتها أو ببنت أختها أو ببنت أخيها بمجرد وفاتها وإن كانت رابعة لنسائه جاز له أن يتزوج غيرها فوراً لذلك رأى أصحاب هذا القول أن الرجل لا يغسل امرأته بينما المرأة تغسل زوجها ولكن القول الذي عليه الأكثر والذي رجحه أهل العلم جواز التغسيل مطلقاً، وهو المحكي عن الصحابة ـ رضوان الله تعالى عليهم - ولم يؤثر عن أحد منهم ما يدلُّ على خلافه، وهذا وحده كاف في الترجيح فضلاً عن مراعاة كون الإباحة هي الأصل،
فلذلك كان أولى أن يعول على القول بجواز تغسيل الرجل امرأته كعكسه.
وكذلك المرأة إن ماتت بين الرجال لا يكون من قبلهم إلا صب الماء عليها من غير مباشرتها ومحارمها هم أولى بتغسيلها إن وجدوا، والله أعلم.
هل يجوز أن يقوم الولد بغسل والدته المتوفاة وتجهيزها، إن لم يكن للوالدة بنت؟
تغسلها النساء إلا إن لم توجد امرأة فيغسلها ولدها، والله أعلم. من هم الأشخاص الذين يحق لهم تغسيل الميت، وهل يشترط فيمن يغسل المرأة أن يكون ذا محرم؟
الرجال المسلمون يحق لهم أن يغسلوا الرجل المسلم، والنساء المسلمات لهن أن يغسلن المرأة المسلمة سواء الأقارب وغيرهم، وإنما الأقارب أولى وإن وجد
من بين الرجال محرم للميتة ولم توجد نساء كان أولى بتغسيلها، والله أعلم. (6/28)
صفحة 2408
غسل الميت
29
المتوفاة المطلقة طلاقاً رجعياً هل يغسلها زوجها؟
يمتنع بين المطلقة ومطلقها ما يكون بين الزوجين من حق استمتاع بعضهما ببعض ولو كان الطلاق رجعياً، وإنما يبقى له حق الرجعة إبان عدتها، لقوله تعالى: {وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَبِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} (1) وعليه فلا يغسلها إن ماتت ولا تغسله إن مات، وإن كان بينهما توارث نظراً إلى الرباط الذي يسوغ له أن يراجعها من غير تجديد نكاح إن كان ذلك في خلال عدتها، وأنتم تعلمون أن الفقهاء اختلفوا في تغسيل الرجل لامرأته إن ماتت وتغسيلها إياه إن مات ولو لم يقع بينهما طلاق؛ لأن الموت بينونة بينهما فكيف يسوغ ذلك بعد وقوع الطلاق بينهما، والله أعلم.
حكم تغسيل صاحب الحدث للميت
هل يمكن للجنب - سواء كان رجلاً أو امرأة ـ أن يغسل الميت؟ الجنب ليس بنجس، والحائض - أيضاً - جسمها غير نجس، بخلاف ما يتصور الكثير من الناس أن الحائض جسمها نجس وأنها تنجس ما باشرته، فقد جاء في الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في الثوب الذي يباشر به أهله (2)، وكذلك جاء في الروايات عن أمهات المؤمنين - رضي الله تعالى عنهن ـ أنه كانت إحداهن تصلي في الثوب الذي تحيض فيه، وكان ربما لحق ذلك الثوب شيء من الدم فهي لا تزيد على أن تفيض عليه من ريقها
(1) سورة البقرة، الآية: 228. (2) رواه النسائي من طريق معاوية بن أبي سفيان أنه سأل أخته أم حبيبته زوج النبي صلى الله عليه وسلم «هل كان رسول الله يصلي في الثوب الذي يجامعها فيه، فقالت: نعم، إذا لم ير فيه أذى». رواه أبو داود في كتاب الصلاة باب الصلاة في الثوب الذي يصيب أهله فيه، والنسائي أيضاً في كتاب الصلاة باب المني يصيب الثوب وغيرهما من أهل السنن. (6/29)
صفحة 2409
30
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
ثم تطهره بظفر ها (1) حتى يزول أثر ذلك الدم وينتهي الأمر وتعتبره طاهراً،
- هي
غير
وهذا دليل على أن الجنب غير نجس وعلى أن الحائض - أيضاً. نجسة وعلى أن عرق الجنب وعرق الحائض كل منهما طاهر، والنبي قال لأم المؤمنين عائشة: ناوليني الخمرة - أي الفراش الذي يصلي فيه فقالت له: إني حائض يا رسول الله فقال ليست حيضتك في يدك (2)، وجاء عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشرب من الكأس التي كانت تشرب منها ويضع فاه حيث ما كانت تضع فاها مع أنها حائض (3)، وكذلك جاء أنه يتعرق اللحم بعدما تتعرق هي، يتعرقه بفيه بعدما تتعرقه بفيها ويضع أسنانه حيث ما وضعت أسنانها وهي حائض (4)، وجاء ـ أيضاً ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدخل الحائض في فراش وفي لحاف واحد عندما تكون إحدى نسائه حائضاً (ه)، مع
(1) ما روراه الإمام البخاري من طريق السيدة عائشة أنها قالت: «ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم قالت بريقها فقصعته بظفرها» كتاب الحيض باب هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيه. (2) ما رواه الإمام مسلم في كتاب الحيض باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله وطهارة سؤرها.
(3) ما رواه الإمام الربيع من طريق السيدة عائشة قالت: «كنت أشرب أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالقدح فيجعل فاه على موضع في فيشرب وأنا حائض» برقم 370. (4) ما رواه الإمام مسلم من طريق السيدة عائشة قالت: «كنت أشرب وأنا حائض ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع في فيشرب وأتعرق العرق وأنا حائض ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع في كتاب الحيض باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله.
(
(5) ما رواه البخاري من طريق أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت بينا أنا مع النبي صلى الله عليه وسلم مضطجعة في خمبصة إذ حضت فانسللت فأخذت ثياب حيضتي قال (أنفست). قلت نعم فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة»، كتاب الحيض باب من سمى النفاس حيض، وهو عند مسلم في كتاب الحيض باب الاضطجاع مع الحائض في لحاف واحد. (6/30)
صفحة 2410
غسل الميت
31
كل ذلك مما يدل على أن جسد الحائض ليس بنجس وكذلك جسد الجنب. ولا يمنع الجنب ولا تمنع الحائض من ذكر الله - تبارك وتعالى، فلهما أن يذكرا الله ـ وإنما يمنعان من قراءة القرآن وعلى هذا فلا مانع من تغسيلهما للميت؛ والله أعلم.
غسل المسلم للكافر
هل يجوز للابن المسلم أن يشارك في تغسيل والده الكافر ودفنه؟ وهل يجوز دفنه في مقابر المسلمين؟
لا حرج في تجهيزه للدفن من غير مشاركة في طقوسهم وتقاليدهم في تجهيز الموتى، ولا يجوز دفنه في مقابر المسلمين، وإنما يدفن في مقابر أهل ملّته إلا إن لم تكن لهم مقبرة فيدفن وحده بعيداً عن موتى المسلمين،
والله أعلم.
حضور النساء غسل الميت
هل يجوز ذهاب النساء عند غسل الميت سواء كان الميت ذكراً أم أنثى، وهل في ذهابهن ثواب أو عقاب؟
يحضرن غسل الأنثى ولا يحضر غسلها الرجال وأما الرجال فيحضر غسله الرجال ولا تحضره النساء إلا في حال عدم وجود من يغسله من الرجال،
والله أعلم. (6/31)
صفحة 2411
32
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
هل يجوز للمرأة أن تحضر المغسلة التي يغسل فيها الميت، وهل لها
أن تغسل زوجها بعد موته أو يغسلها زوجها بعد موتها؟
حضور المرأة تغسيل الرجل الأجنبي منكر، ويجوز تغسيلها لزوجها بعد موته
والعكس، والله أعلم.
العدد الذي يغسل به الميت
ما العدد المناسب للأشخاص الذي ترونه كافياً لغسل الميت؟ لأنا نشاهد أحياناً يوضع الميت فأحدهم يغسل من اليدين وآخر من
الرجلين، وآخر من الصدر .. إلخ فهل هذا مشروع بهذه الطريقة؟ لا مانع من أن تشترك جماعة، ولكن من غير أن يتكاثر كثرة فاحشة تؤدي إلى شيء من الفوضى فينبغي أن يكون هنالك عدد محدود ثلاثة، أو خمسة، أو نحو هذا العدد منهم من يصب الماء ومنهم من يتولى التغسيل، والله أعلم.
كيفية غسل الجماعة للميت
توليهم الغسل هل في نفس الوقت مثلاً تغسل اليد مع الرجل، فهذا يغسل من اليدين وهذا يغسل من الرجلين؟
الأولى أن يكون كغسل الجنابة، هكذا استحب العلماء، بحيث يقدّم الرأس ثم الميامن قبل المياسر والأعالي قبل الأسافل، والله أعلم. (6/32)
صفحة 2412
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: فقه
------------------------------------------
العنوان: الفتاوى
المؤلف: أحمد بن حمد الخليلي
الإعداد والمراجعة: قسم الفتوى بمكتب الإفتاء، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1434ه/ 2013م
الطبعة: د.ط
عدد الأجزاء: 6
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/690
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 12 رمضان 1446ه/ 12 - شهر 03 - 2025م. غسل الميت
33
وضع القفازين أو الخرق للمغسل
هل يمكن للمغسل أن يضع قفازين أو خرقاً على يديه طوال الغسل
وليس فقط عند غسل العورة؟
نعم، وينبغي ذلك إن كان الميت مدنفاً في مرضه، والله أعلم.
كشف وجه الميت للنظر إليه وتقبيله
إذا توفي الشخص في خارج بلدته وأتي به مغسلاً ومكفناً في تابوت، فهل يجوز كشف وجهه لوالديه أو قرابته للنظر إليه أو للتقبيل؟
ذلك ولكن لا ينبغي كشفه بعد تكفينه، والله أعلم.
لا
يمنع
النظر إلى عورة الميت
هنالك بعض الناس يحاولون أثناء الغسل - تغسيل الميت ـ النظر إليه
وهذا مما قد يوقعهم على عورته ويحتج
الغسل، فهل يجوز ذلك؟
بأنه يريد أن يتعلم كيفية
أما النظر إلى العورة فلا، فللميت حرمة كحرمة الحي فلا يجوز أن تنتهك
حرمته وأما النظر إلى ما عداها فلا مانع منه، والله أعلم.
هل من
السنة ترك الميت عارياً بعد غسله دون تغطية جسده بساتر،
وذلك لأجل أن يجف منه الماء؟
لا يجوز ترك الميت عارياً ولا بد من ستر عورته، وأما تنشيفه فهو مأمور
به، والله أعلم. (6/33)
صفحة 2413
34
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
النظر إلى وجه الميت هل يذهب البصر؟
يقال بأن النظر إلى وجه الميت يذهب نور البصر. فما مدى صحة
هذا القول؟
هذا القول لا دليل عليه، ولو كان الأمر كذلك لاقتضى أن يكف الناس نظرهم عن وجوه الموتى، والله أعلم.
نزع المعادن التي تكون بالميت
إذا توفي الشخص وفيه شيء من المعادن داخل جسده فهل تخرج عنه
قبل التغسيل أم لا؟
نعم، ما أمكن إخراجه يخرج عنه ولا يوارى به، والله أعلم.
تنزع
إذا وجدت سن من الذهب في الميت فهل تنتزع منه؟ الأسنان ولو كانت من غير ذهب إن كانت صناعية ولم تكن مشقة في
نزعها، والله أعلم.
إزالة أصباغ المرأة الميتة
إذا توفيت المرأة وفي أظافرها شيء من الأصباغ. هل تزال هذه
الأصباغ أم توضئ وهي عليها؟
إزالة الأصباغ أمر فيه حرج ومشقة وقد يكون فيه أذى للميت فلا داعي إليه،
والله أعلم. (6/34)
صفحة 2414
إخراج الجنين من أُمه
الميتة
غسل الميت
35
إذا توفيت المرأة وهي حامل، وبدأ جنيها بالاضطراب مما يدلُّ على وجود الحياة فهل يخرج أم يدفن معها؟
هذه المسألة مما وقع فيها الخلاف بين أهل العلم، فنجد أن المشارقة من علمائنا كابن جعفر، والإمام أبي سعيد الكدمي يشددون في إجراء عملية قيصرية للمرأة إن ماتت وهي حامل لإنقاذ جنينها، وهو المنصوص عليه في «بيان الشرع» و «منهج الطالبين». وأطال الإمام نور الدين السالمي الله في «المعارج» في الانتصار له، وذلك قالوا بأن لهذه الأم حرمة فيجب أن تراعى ولا تنتهك، وقالوا عن الجنين بأنه لا يزال في عالم الغيب، ونحن لسنا مكلفين بما كان في عالم الغيب، وإنما علينا بما في عالم الشهادة وهذا القول هو قول المالكية على حسب ما علق بذاكرتي
وذهب الشافعية إلى أنه يجب أن يخرج الجنين من بطن الأم ولو بعملية قيصرية إن كانت به حياة، ولا يجوز دفنها بجنينها مراعاة لحرمته ووجوب المحافظة على حياته وهذا القول هو الذي درج عليه كثير من علمائنا من أهل المغرب ـ بل لعلهم أطبقوا عليه.
فنجد قطب الأئمة الله يؤكده، وأظنه نسبه إلى الثوري ـ هكذا فيما علق بذهني ـ وبه أفتى شيخنا أبو إسحاق ـ رحمه الله تعالى ـ واعتمده شيخنا ابن جميل الله في كتابه سلك الدرر من غير أن يذكر قولاً غيره وقال في
ذلك:
وهي وإن كان لها احترام فذاك أيضاً قتله حرام (6/35)
صفحة 2415
36
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
وأيد هذا القول ابن حزم في كتابه المحلى، وهو الراجح عندي لأن ارتكاب أخف الضررين لدرء أشدهما أولى من العكس ومن المعلوم أن إجراء عملية قيصرية للأم الميتة من أجل المحافظة على حياة الجنين ضرر أخف من ضرر قتل ذلك الجنين.
لذلك نرى أن الأخذ بهذا واجب بل الدليل عليه واضح في قوله تعالى: وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} (1) وما قيل من أننا غير مسؤولين عنه لأنه في عالم الغيب وما كان في عالم الغيب فلا يعتد به ولا تشمله الأحكام بشيء، لأن الأجنة لهم أحكام وإن كانوا في عالم الغيب ولذلك من تسبب في إسقاط جنين لزمته ديته، فقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم في
الجنين بغرة عبد أو أمة (2) مع أنه لا يزال كما قالوا في عالم عالم الغيب. لذلك أرى وجوب إجراء العملية القيصرية من أجل إنقاذ هذا الجنين حتى يخرج إلى الدنيا وينال حظه من الحياة فيها، بل وجدت فتوى لشيخنا أبي إسحاق في هذا تنص على أنهم (إن دفنوا المرأة مع وجود الجنين في أحشائها ولم يخرجوه فعليهم دية ذلك الجنين)، ومعنى ذلك أنهم تلزمهم دية الجنين مع التوبة من المحافظة على حياته، وهذا القول كما قلت من الصحة بمكان.
تفريطهم في
(1) سورة المائدة، الآية: 32.
(2) لحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في امرأتين من هذيل اقتتلتا فرمت إحداهما الأخرى بحجر فأصاب بطنها وهي حامل فقتلت ولدها الذي في بطنها فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية ما في بطنها غرة عبد أو أمة ... ) رواه الربيع في مسنده برقم 665، والبخاري في كتاب الطب باب الكهانة وكتاب الديات باب جنين المرأة، ومسلم في كتاب القسامة باب دية الجنين ووجوب الدية في قتل الخطأ وشبه العمد على عاقلة الجاني. (6/36)
صفحة 2416
غسل الميت
37
وثم قول آخر للحنابلة قالوا بأنه يخرج بطريقة ليس فيها تأثير على جسم الميت نص على هذا صاحب المغني وصاحب الشرح الكبير وذلك بأن يخرج من موضع خروجه المعتاد وذلك بأن تدخل امرأة يدها في فرج الميتة وتجذبه حتى يخرج. ولكن هذا القول هو من البعد عن التحقيق بمكان لأنه من المعلوم أن إدخال اليد في أن إدخال اليد في ذلك أمر ينافي ما يجب من مراعاة حرمات المرأة الميتة لذلك أرى عدم جواز ذلك، على أن إخراج الجنين بهذه الكيفية يؤدي إلى العديد من المحاذير، منها أنه قد يكون ذلك سبباً لحتفه وإزهاق روحه وهو عكس ما يبتغى من وراء هذا العمل.
ولا شك أن إجراء العملية القيصرية - وخصوصاً مع تقدم الطب ومع إمكان الاحتراز من الأسباب التي تؤدي إلى المخاطر - هو أسلم.
هذا وإن قلنا يرتكب أخف الضررين من أجل دفع أشدهما، فإنه لا بد من مراعاة أن يغلب على الظن النجاح في تحقيق ما جاز من أجله ارتكاب الضرر الأخف فقد يكون أيضاً الجنين في بعض الحالات لا يمكن أن يعيش لو أخرج، وهذا أمر يمكن أن يحدد بالمعايير التي عند الأطباء، فيجب أن يراعى ذلك، والله أعلم. (6/37)
صفحة 2417
38
الفتاوى
الجنائز - حوادث المركبات
فك ظفائر شعر المرأة قبل التغسيل
فك ظفائر شعر المرأة قبل التغسيل هل هو واجب أو مستحب؟
جاء في الحديث أن النبي سئل عن امرأة ماتت فأمر بتفريق شعر رأسها (1)
والله أعلم.
ماذا تقولون في تقليم أظافر الميت وقص شعره الزائد قبل تغسيله؟
هذه الأمور كان التعبد بها إبان الحياة وبعد الموت لا داعي إليها وإن قال
بها بعض العلماء، والله أعلم.
استخدام المنظفات الصناعية في التغسيل
ما تقولون سماحة الشيخ في استخدام المنظفات الصناعية الموجودة الآن كالصابون والشامبو بدلاً من السدر؟
الأولى ترك هذه المواد إذ لا يعلم على ما تحتويه، وفي استخدام الغسل والسدر الغنية لأن في ذلك اتباع السنة (2)، والله أعلم.
(1) رواه الربيع بن حبيب من طريق ابن عباس مرفرعاً برقم 476. (2) ما جاء في بعض الروايات عن أم عطية في تغسيل ابنة النبي صلى الله عليه وسلم، كما سبق في الربيع
والبخاري ومسلم. (6/38)
صفحة 2418
غسل الميت
39
كيفية تغسيل من يتعذر غسله
سماحة الشيخ كيف يغسل من هم في الحالات التالية: من وجدت أعضاؤه متناثرة؟
ومن تداخلت أعضائه بحطام المركبة واستحال فصله عنها؟ وكذك في حالة تقطع الأعضاء هل تجمع في كفن واحد أم يكفن
كل عضو بمفرده؟
في هذه الحالات لا يمكن تغسيل الأعضاء بطريقة الترتيب فلذلك نرى الأولى العدول إلى صب الماء عليها ثم يجمع ما بينها في كفن واحد وتدفن جميعاً وإن كان في صب الماء أيضاً محذور فإنه يكتفى بالتيمم له ولو من وراء ثوب، والله أعلم.
إذا كان متداخلاً مع حطام المركبة ولا يمكن إخراجه من هذه
المركبة هل يصب الماء على المركبة كلها؟
في هذه الحالة يصب الماء على المركبة، ويمكن أن تدفن المركبة جميعاً معه إن تعذر فصله عنها، والله أعلم.
مشروعية غسل عضو من أعضاء الميت دون جسده
إذا وجدت بعض الأعضاء وبعضها لم يوجد هل يشرع أيضاً له
التغسيل. كما لو وجد الجسد كاملاً؟
نعم، ولكن يصلى على الجهة التي فيها الرأس، اللهم إلا إن فقد الرأس ووجد سائر الجسم فإنه يصلى عليه، والله أعلم. (6/39)
صفحة 2419
40
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
كذلك إن تفحم جسده بفعل حريق هل يغسل؟
يصب الماء عليه بشرط ألا يتهرأ وإن خيف تهرؤه تيمم له، والله أعلم.
إذا تعذر تغسيل الميت في هذه الحالات أو غيرها من الحالات ما هو
البديل للغسل؟
يتيمم له في الوجه والكفين كما يتيمم الحي، والله أعلم.
هل الضرب على التراب بيدي الحي أو بيدي الميت؟ بيدي الحي يضرب على التراب أولاً ثم يمسح على وجه الميت ثم يضرب ثانية ويمسح بها كفيه، والله أعلم.
ما قول سماحتكم في رجل ابتلي بداء السرطان في إحدى رجليه ونصحه الأطباء ببترها. فماذا نفعل بتلك الرجل المبتورة؟
تؤخذ منهم وتغسل وتكفن وتدفن من غير صلاة، والله أعلم. (6/40)
صفحة 2420
غسل الميت
41
الإكثار من العطر عند التغسيل
بعض الذين يغسلون الموتى بعدما يغسلونهم يكثرون من صب العطر على الميت. فماذا ترون في ذلك سماحة الشيخ؟
كل شيء خرج عن حده انقلب إلى ضده، فالإكثار لا ينبغي وإنما يطيب بمقدار، والله أعلم.
كيف يكون تحنيط الميت وما رأيكم في العطور التي يرشون بها الميت أثناء تحنيطه لأنهم يجمعون هذه العطور في آنية كبيرة وبعدها يرشون العطر عليه هل في ذلك إسراف. أفدنا ولكم الثواب.
لا إسراف في ذلك إلا إن خرج عن حدود الاعتدال، والله أعلم.
الحكمة من الطيب
ما الحكمة من هذا التطيب سماحة الشيخ؟
لإذهاب الروائح الكريهة عن الميت وفي ذلك إكرام له، والله أعلم.
وهذا هل يشمل الرجل والمرأة؟
نعم كلاهما في هذا الحكم سواء والله أعلم.
الغُسْل من غُسل الميت
ما قولكم في الميت هل هو طاهر أم نجس، وهل يجب الغسل على (6/41)
صفحة 2421
42
الفتَاوَى الجنائز - حوادث المركبات
من حمل الميت، وهل يجب على أهله الغسل سواء كانت والدته أو أحد أقاربه، لأني شاهدت ذلك بعد غسل الميت يأمرونه بالغسل؟ تغسيل الميت تطهير له وهو أمر تعبدي، ولو لم تكن به نجاسة فإن بدن المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً ويسن لغاسله الاغتسال (1) وهو أيضاً من التعبدات، والله أعلم.
هل يجب الغسل على من غسل ميتاً أم أنه مندوب؟
يسن الغسل لغسل الميت، ولا يجب ذلك عليه، والله أعلم.
هل يجب الاغتسال على من غسل ميتاً؟
يجب عليه الوضوء، وأما الاغتسال فهو مسنون وليس بواجب، والله أعلم.
(1) لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من غسل ميتاً فليغتسل ومن حمله فليتوضأ). رواه أبو داود في كتاب الجنائز باب الغسل من غسل الميت، والترمذي في كتاب الجنائز باب ما جاء في الغسل من غسل الميت، وابن ماجه في كتاب الجنائز باب ما جاء في غسل الميت وابن حبان في صحيحه في كتاب الطهارة باب نواقض الوضوء ذكر الأمر بالوضوء من حمل الميت، وغيرهم كثير. (6/42)
صفحة 2422
غسل الميت
43
غسل الميت إذا لم ينقطع عنه الدم
ما قولكم إذا توفي رجل وأدخل للمغسلة لغسله ولم ينقطع عنه الدم فإذا لبس كفنه سيتسخ بالدم، فكيف يصنع به.
لا حرج وإن جرى منه الدم فإن ذلك أمر غير مقدور عليه ويدفن بحاله تلك بعد غسله وتكفينه والصلاة عليه، والله أعلم.
إذا لم ينقطع الدم من جرح الميت، فهل يكتفي بالتيمم له أم لا بد
من تغسيله؟
إن أمكن غسله فلا بد من تغسيله ولو سالت جروحه دماً، وإن تعذر غسله
عدلوا إلى التيمم له، والله أعلم.
غسل من أفاق ثم مات
ما الحكم الشرعي في الآتي:
شاء الله أن يصاب رجل بإغماء أو بسكتة قلبية فظن الناس أنه مات فغسل وكفن وفي الطريق وهو محمول، شاءت إرادة الله أن يعود الرجل إلى الحياة وبدأ في الحركة فانتبه الناس وخافوا وهرع كل في جانب وانحبس الهواء عن الرجل فمات فهل يعاد غسله ويكفن مرة
أخرى أم يواصل دفنه.
نعم، يغسل مرة أخرى بعد موته والله أعلم. (6/43)
صفحة 2423
44
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
حكم أخذ الأجرة على تغسيل الميت
ما قولكم سماحة الشيخ في رجل يأخذ أجرة على غسله الموتى؟ لا ينبغي له ذلك، إلا إن أعطيها من غير اشتراط وإن لم يتعين الغسل عليه
فلا يعد ذلك حراماً عليه، والله أعلم. (6/44)
صفحة 2424
الكفن
عدد الأثواب المستخدمة في التكفين
ما عدد الأثواب المستخدمة في تكفين الرجل وكذلك المستخدمة في تكفين المرأة؟
تراعى حالة العسر واليسر، ففي اليسر يتوسع في الكفن وفي العسر يضيق فيه. وأقل ما يجزي ثوب واحد يستر بدن الميت جميعاً، إلا إن لم يوجد ما يستره جميعاً فإنه يكتفي بما يستر، وعند التوسع لا يزيد على سبعة أثواب. والأفضل أن يكفن الميت الذكر في خمسة أثواب إزار وقميص وعمامة ولفافتين وإن كانت أنثى كفنت في إزار وقميص وخمار ولفافتين، وإن زيد اللفائف لأجل سترها فذلك خير، على ألا تزيد على كلها سبعة أثواب،
في
والله أعلم.
هل يمكن أن يستعمل السراويل بدل الإزار سماحة الشيخ؟
نعم، كلمة الإزار تشمل السراويل، والله أعلم.
جرت عادة عندنا
وهي أنه عندما يكفن الميت يؤتى بثلاثة أثواب
من ملابسه وهي دشداشة ومصر وإزار وتنشر عليه بعد لفه بأثواب (6/45)
صفحة 2425
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
الكفن وبعد ذلك يلف عليه الثوب الأخير من الكفن الذي يسمى الدرج، فهل ذلك العمل موافق للشنة أم مخالف لها؟
بما أن هذه الأثواب تلقى فوق الكفن بلا داع فهي مكروهة، والله أعلم.
الكفن بالثياب البيض
هل يلزم أن يكون الكفن أبيض أو أن يكون مخيطاً أم يمكن أن يكون غير أبيض وغير مخيط؟
الأفضل أن يكون أبيض (1) ولكن لا يمنع أن يكفن في غير الأبيض، أما كونه مخيطاً أو غير مخيط لا دخل لشيء من هذا في ذلك فكله سواء، والله أعلم.
مشروعية استخدام القطن والمحارم الورقية
هل يشرع استخدام القطن؟ وما هي المواضع التي يوضع فيها؟ وهل يجوز أن يحل غيره محله كأوراق المحارم في هذا الوقت؟
المحارم لا تغني عن القطن، ويستخدم القطن مع الذريرة في الأماكن التي يسرع إليها الفساد، فيستخدم في العينين، والمنخرين، والأذنين، والفم، والإبطين، وتحت الركبتين، وكذلك بالنسبة إلى ما بين أصابع اليدين وأصابع الرجلين وفي المخرجين، والله أعلم.
(1) وذلك للحديث الذي رواه الإمام الربيع بن حبيب الله في باب الكفن والغسل رقم 471، وغيره من طريق ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بهذه الثياب البيض ألبسوها أحياءكم، وكفنوا فيها موتاكم، فإنها خير ثيابكم ولا تكفنوهم في حرير ولا مع شيء من الذهب لأنهما محرمان على رجال أمتي، ومحللان لنسائها). (6/46)
صفحة 2426
الكفن
47
خروج النجاسة من الميت أثناء التكفين وبعده
كيف يتصرف المغسل إذا خرج شيء من النجاسات أثناء التكفين بعد
ما غُسل الميت؟
يغسل ذلك الخارج وحده ولا يعاد تغسيله، والله أعلم.
إذا كان خرج بعد ما أكملوا التكفين ورأوا ذلك من فوق الكفن، هل
يفك الكفن ليغسل ذلك الموضع؟
نعم، لأجل التنظيف، إلا إذا كان ذلك الخارج مستمراً لا ينقطع فإنه يسد بما يمكن ويعاد إليه الكفن كما كان، والله أعلم.
مشروعية تبخير الميت
هل من السُّنَّة أن يبخر الميت وأن يدار بالمجمر حول جسده عدة مرات؟
من السنة تبخير الميت ثلاثاً ويدل عليه حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثاً)، والله أعلم.
هل يجوز تبخير الميت بعد غسله، وما هو قدر الطيب الذي يطيب به، وهل يجوز وضع قطن مبلول بالطيب بين أصابع الميت.
نعم، كل ذلك جائز والطيب هو بقدر الحاجة، والله أعلم.
(1) رواه أحمد في مسند جابر بن عبد الله وابن حبان في موارد الظمآن كتاب الجنائز باب غسل الميت وإجمار، وأبو يعلى في مسنده مسند جابر بن عبد الله، والبيهقي في
الكبرى في كتاب الجنائز باب الحنوط للميت. (6/47)
صفحة 2427
48
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
تسجية الميت
يذكر في كتب الفقه التسجية - تسجية الميت ــ ما هي هذه التسجية
وما حكمها؟
يسجى بثوب؛ أي: يغطى بثوب، ومنه قوله تعالى: {وَالَّيْلِ إِذَا سَجَى (1) أي:
غطي هذا الفضاء بظلمته، والله أعلم.
صفة تكفين الميت
نسأل سماحة الشيخ كيفية تكفين المحرم؟
المحرم يكفن في ثوبي إحرامه ولا يقرب طيباً لأنه يبعث يوم القيامة ملبياً، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي وقصته ناقته وهو محرم أن يكفن في ثوبي إحرامه وأن لا يقرب طيباً وعلل ذلك بقوله: يبعث يوم القيامة ملبياً (2) والفقهاء بناءً على هذا اختلفوا في المرأة المعتدة عدة الوفاة هل تطيب أو لا؟ فكثير من الناس قاسوا المرأة المميتة عندما تموت وهي في عدة الوفاة على المحرم، فقالوا: تغسل وتكفن كالمعتاد ولكن من غير أن تقرب طيباً لأجل المحافظة على العدة. والآخرون قالوا بغير ذلك، والقول الراجح أنها لا تعامل معاملة المحرم، فلا مانع من تطييبها لأن العدة انتهت بوفاتها، ومسألة المحرم تختلف عن مسألتها؛ لأن المحرم إن مات وهو في حال إحرامه يبعث يوم القيامة ملبياً
(1) سورة الضحى، الآية: 2.
(2) رواه البخاري في كتاب الجنائز، باب الكفن في ثوبين وباب سنة المحرم إذا. ومسلم في كتاب الجنائز باب ما يفعل بالمحرم إذا مات. (6/48)
صفحة 2428
الكفن
49
كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم وهذه لا تبعث يوم القيامة معتدة، وإنما تبعث عروساً إن كانت تقية برة صالحة، فلا داعي إلى أن تجنيبها الطيب فليس بعثها كبعث المحرم فلذلك يختلف الحكم وأرى القياس هنا قياساً مع الفارق، والله أعلم.
صفة تكفين الشهيد
كيف يكفن الشهيد سماحة الشيخ؟
الشهيد لا يغسل وإنما يكفن في ثيابه لقول النبي: زملوهم في ثيابهم أي: الثياب التي استشهدوا فيها، وهذا في شهيد المعركة عندما يكون جهاد بين المسلمين وأعدائهم ويكون خارجاً للقتال مع المسلمين لا أي شهيد فالشهداء كثر - فإن المقتول دون ماله، شهيد والبطين شهيد والغريق شهيد والسليب، شهيد فهؤلاء شهداء جميعاً (2)، لكن حكمهم يختلف. فيشترط أن يموت في مكان المعركة أما إن حمل حياً ثم فارقت روحه جسمه بعد ذلك فإنه يعامل كما يعامل غيره، والله أعلم.
هل هذا الشهيد في الحرب مع المشركين أو حتى مع البغاة الموحدين أيضاً؟ بما أن السنة لم تفرق ما بين هؤلاء وهؤلاء فيعامل الكل هذه المعاملة،
والله أعلم.
(1) رواه الإمام الربيع في صحيحه من طريق ابن عباس برقم 459. (2) ويدلُّ على ذلك حديث الإمام الربيع بن حبيب الله وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله الشهداء خمسة: المطعون والمبطون والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله، مسند الإمام الربيع بن حبيب برق برقم وهو أيضاً عند الشيخين وأصحاب الصحاح والسنن والمسانيد.
449 (6/49)
صفحة 2429
[صفحة فارغة] (6/50)
صفحة 2430
تشييع الجنازة وحملها
تزيين وتغطية الجنازة بآيات قرآنية وغيرها
يقول طائفة من الناس سماحة الشيخ إن حمل الميت على الجنائز من البدع أي في النعش المغطى بهذه الصور التي نشاهدها هذه الأيام وإنما يحمل هكذا مكشوفاً. فما الوجه الصائب في هذه
المسألة؟
بالغ الناس في حمل الجنازة حتى خرجوا بها عن حدّها المألوف فصاروا يزينونها مع أنه ينبغي أن يشعر الكل بأن هذا ميت، وأنه يحمل إلى الدفن. لا أن يخرج وكأنه في موكب عرس حتى صار الأمر كما يقول الشيخ أبو مسلم رح لله في النثار صارت فرائس الآجال كعرائس الحجال» يعني: الناس صاروا يزينون هذه الجنائز وكأنما هي مواكب أعراس.
ومن
الأمور التي هي مخالفة للسنة ما يفعله الناس في وقتنا هذا من تغطية النعش بغطاء فيه آيات من القرآن الكريم فهذه الحالة يجب تركها فالقرآن لا يعظم ولا يصان بمثل هذه الطريقة، إنما تعظيمه بالعمل به والمحافظة على تلاوته، لا بكتابته في غطاء يغطى به النعش الذي يحمل فيه الميت، والله أعلم. (6/51)
صفحة 2431
52
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
السُّنَّة في حمل الجنازة
ما السُّنَّة الواردة في حمل الجنازة؟ وكيف تحمل؟
وجدت العلماء مختلفين في هذا، وما استطعت أن أتوصل إلى الشيء الثابت الرسول - عليه أفضل الصلاة والسلام - فقالوا بأنه ينبغي أن يحمل المشيع من الجهات الأربع ولكن اختلفوا من أي الجهات يبدأ، مع اتفاقهم في بدء حمله من الجهة الأمامية، واختلفوا من أي جهة يبدأ فقيل: يبدأ من يمين الجنازة على أن يحمل هو بمنكبه اليسار، ومنهم من قال يبدأ بيمين الحامل على أن يكون الحمل بالمنكب الأيمن ثم يتأخر إلى الخلف ثم إلى الجهة اليسرى كذلك. وما وجدت دليلاً من السُّنَّة يدلُّ على أن أي الفعلين أولى للأخذ به)، والله أعلم.
(1) وردت في ذلك روايات متعددة مختلفة في صفة الحمل ولاختلاف هذه الروايات وقع الخلاف في هذه المسألة وأغلب هذه الروايات موقوفة على بعض الصحابة
وبعضها مرفوع وقد قال بعض أهل العلم: إن الروايات المرفوعة لا تثبت عنه فقد روى عبد الرزاق في مصنفه والبيهقي في السنن الكبرى عن أبي مسعود د أنه قال: (إذا اتبع أحدكم الجنازة فليأخذ بجوانبها كلها، فإنه من السنة، ثم ليتطوع بعد أو يترك)، وفي المصنف أيضاً قال عن الأزدي قال: (رأيت ابن عمر جنازة حمل بجوانب السرير الأربع قال: بدأ بميامنها ثم تنحى عنها، فكان منها بمنزلة مزجر الكلب)، وعند ابن أبي شيبة في مصنفه والبيهقي في السنن الكبرى
في
بين
عن يوسف بن ماهك قال: رأيت ابن عمر في جنازة واضعاً السرير كاهله العمودين، ورووا أيضاً عن سعد بن إبراهيم عن أبيه قال: (رأيت سعداً عند قائمة سرير عبد الرحمن بن عوف يقول: واجبلاه وروى البيهقي في السنن الكبرى عن شرحبيل بن أبي عون عن أبيه قال: رأيت ابن الزبير يحمل بين عمودي سرير المسور بن مخرمة إلى غيرها من الروايات. (6/52)
صفحة 2432
الذكر أثناء حمل الجنازة
تشييع الجنازة وحملها
53
هل يشرع الذكر للإنسان أثناء حمله للجنازة أو الأولى أن يكون
ساكتاً؟
من العلماء من قال بأن الذكر أولى لكن من غير ضجيج بحيث يذكر كل واحد ربه سبحانه وتعالى في خاصة نفسه، بخلاف الطريقة المتبعة الآن فالناس يرفعون أصواتهم وربما كانت تلك الطريقة ألفوها واعتادوها من غير أن يلامس ذلك الذكر شغاف قلوبهم وهذه الطريقة طبعاً مخالفة للسنة). وهذا رأي جماعة من أهل العلم كما قال الإمام نور الدين السالمي الله: «وذاكر الله كثيراً فازا». ومنهم من يرى أن ذلك المقام أولى بأن يكون مقام صمت واعتبار بحيث يفكر ولا يشغل اللسان بالذكر وإنما يفكر في النهاية التي تنتظره وتنتظر كل حي، والله أعلم.
كثير من الناس يقولون عند حمل الميت اذكروا الله أو صلوا على النبي»، فما حكم ذلك؟
ينبغي لكل أحد أن يذكر الله في خاصة نفسه، وأما الضجيج بالذكر فغير محمود، والله أعلم.
وقال سماحته في جواب آخر: ينبغي لكل أحد في حال تشييع الجنائز أن يعتبر بذلك المشهد وأن يذكر الله في نفسه من غير ضجيج
كما يصنع
(1) ما رواه البيهقي في السنن الكبرى في كتاب الجنائز باب كراهية الصوت في الجنائز عن قيس بن عباد قال: (كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يكرهون رفع الصوت عند الجنائز وعند القتال وعند الذكر). (6/53)
صفحة 2433
54
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
هؤلاء الناس ويجوز أن يقتصر الإنسان على الاعتبار بالمقام من غير تلفظ بالذكر، والله أعلم.
هل من السُّنَّة قول الذين يحملون الميت أو أحد الذين يمشون وراء
الجنازة (اذكر الله يا غافل أو صل على محمد؟.
ليس ذلك من السنة وإنما ينبغي للإنسان أن يذكر الله على كل حال،
والله أعلم.
تعلو أصوات الناس بكلمات اذكروا الله، صلوا على النبي» وغيرها من الشائع من الكلمات أثناء تشييعهم للجنائز، فإن قيل لهم في ذلك قالوا كيف تمنعون الناس ذكر الله وهم في أمس الحاجة إليه، وقالوا هكذا وجدنا الآباء يفعلون. فنرجو تبيين السُّنَّة الثابتة عن رسول الله أثناء حمل الميت لعل الناس يقتدون بها؟
هذا الضجيج الذي شاع بين الناس وصار أمراً يصدر منهم تلقائياً من غير أن تخشع قلوبهم لذكر الله، ولا أن تستحضر هول الموقف الذي يقفونه ويشاهدونه ليس هو من السُّنَّة في شيء، بل هو بعيد كل البعد عنها، فالمقام مقام اعتبار، واتعاظ وادکار، فينبغي للإنسان في مثل هذه الحالة أن يكون أكثر اعتباراً منه في أي مقام، آخر، فإذا ذكر الله فليذكره في قرارة نفسه،
والله أعلم. (6/54)
صفحة 2434
حكم تقدم الجنازة
تشييع الجنازة وحملها
55
ما حكم تقدم الجنازة؟ وهل يختلف الماشي عن الراكب في هذه
المسألة؟
في هذه المسألة خلاف، فمنهم من رأى أن تقدم الجنازة أولى وهذا مروي عن طائفة من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ومنهم من قال بما أنه مشيع فحكم المشيع أن يكون خلف الجنازة، وهو رأي طائفة من أهل العلم، أما الراكب فالأولى أن يمشي خلف الجنازة ولا يتقدمها)، والله أعلم.
«أن
(1) اختلف أهل العلم في أفضلية المشي أمام الجنازة أو خلفها فالقائلون بالمشي أمامها احتجوا ببعض الروايات منها ما رواه الإمام مالك في موطئه عن ابن شهاب الزهري: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة والخلفاء هلم جرا وعبد الله ابن عمر، وهذا الحديث مختلف في رفعه ووقفه فبعض أهل العلم يرى أن لفظ: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مدرج في قول الزهري وهو اختيار جمع كبير من المحدثين وعليه فيكون الحديث مرسلاً، واختار البيهقي وبعض أهل الحديث ترجيح الوصل، ومن هنا ذهبت جماعة كبيرة منهم إلى أفضلية المشي خلفها واحتجوا لذلك بالروايات العامة الدالة على ذلك منها: قول: حق المسلم خمس رد السلام وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس، رواه البخاري ومسلم وغيرهما، ومنها: قوله: عودوا المريض، واتبعوا الجنائز، تذكركم الآخرة»، فقالوا اتباع الجنازة يقتضي المشي خلفها لا أمامها وهذه الروايات أصح دليلاً مما سبقها، وأيدوا هذا الرأي بقول الإمام علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ: «المشي خلفها أفضل من المشي أمامها، كفضل صلاة الرجل في جماعة على صلاته فذا»، رواه ابن أبي شيبة في المصنف والطحاوي والبيهقي وأحمد وغيرهم من أهل الحديث، وذهبت جماعة من أهل العلم إلى جواز المشي أمام الجنازة وخلفها، ويمينها وشمالها إلا الراكب فإنه يسير خلفها واحتجوا لذلك بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها والطفل يصلى عليه» رواه النسائي وأبو داود والترمذي وغيرهم، وجميع هذه الأحاديث مصححة عند أهل العلم، والله أعلم بالصواب. (6/55)
صفحة 2435
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
ما قول سماحتكم في حمل الميت فقد لاحظنا بعض الناس عندما يحملون الميت من الأمام جهة اليمين ينتقلون إلى جهة اليسار ثم إلى الخلف جهة اليمين وبعدها جهة اليسار، وهكذا فهل هذا التصرف هو
اللازم
أثناء حمل الجنازة.
ينبغي لمشيع الجنازة أن يحملها من الجهات الأربع مع الإمكان، والله أعلم.
الأفضل حمل الجنازة على الأكتاف أم على السيارة
حمل الجنازة هل الأفضل أن تكون على الأقدام أم محمولة على
سيارة؟
تحمل على سيارة إذا كانت المقبرة بعيدة، أما حملها على الأكتاف فهو السُّنَّة (1) وهو أدعى إلى العبرة والاتعاظ من حملها في
الذي يتفق مع السيارة، والله أعلم.
(1) يؤخذ ذلك من حديث أبي سعيد الخدري قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول (إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقها فإن كانت صالحة قالت قدموني وإن كانت غير صالحة قالت لأهلها يا ويلها أين يذهبون بها يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان سمع الإنسان لصعق رواه البخاري في كتاب الجنائز باب قول الميت وهو على الجنازة قدموني وغيره.
ولو (6/56)
صفحة 2436
تشييع الجنازة وحملها
الإسراع في حمل الجنازة
بعض الناس عند حمل الجنائز يسرعون وبعضهم يبطئون كثيراً فما هي الطريقة الصحيحة في حمل الجنازة؟
الإسراع أولى، لأن الميت إما أن يكون مستريحاً أو مستراحاً منه (1). فالمستريح يحمل لمقر الكرامة والمستراح منه ـ والعياذ بالله ـ يستراح منه
بالإسراع به إلى ما قدم، والله أعلم.
هل هناك حد للإسراع؟
حد الإسراع بها أن يترفقوا ولا يخبوا بها خبا (2) والله أعلم.
ما الجائز، التعجيل في حمل الجنازة أم الإبطاء، وما الأولى تقدّم
الجنازة أم التأخر عنها.
الإسراع بها أولى بقدر ما لا يشق على المشيعين، والتأخر عنها أولى من التقدم عليها، والله أعلم.
(1) ويدلُّ عليه حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها وإن سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم) متفق عليه، البخاري في كتاب الجنائز باب السرعة بالجنازة. ومسلم في كتاب الجنائز باب الإسراع بالجنازة. (2) ويدل عليه حديث عطاء قال: حضرنا مع ابن عباس جنازة ميمونة بسرف فقال ابن عباس: (هذه زوجة النبي صلى الله عليه وسلم فإذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوها ولا تزلزلوها وارفقوا فإنه كان عند النبي صلى الله عليه وسلم تسع كان يقسم لثمان ولا يقسم لواحدة متفق عليه، رواه البخاري في كتاب النكاح باب كثرة النساء ومسلم في كتاب الرضاع باب جواز هبتها نوبتها لضرتها، قال ابن حجر في فتح الباري: قوله (وارفقوا إشارة إلى أن مراده السير الوسط المعتدل، ويستفاد منه أن حرمة المؤمن بعد موته باقية كما كانت في حياته، وفيه حديث: (كسر عظم المؤمن ميتاً ككسره حياً) أخرجه أبو داود وابن ماجه وصححه ابن حبان، اهـ، والخب: نوع من العدو. (6/57)
صفحة 2437
??
الفتاوى
الجنائز - حوادث المركبات
إتباع المرأة للجنائز
هل يجوز للمرأة أن تتبع الجنازة وهي على مسافة من الرجال من غير
أن تختلط بهم؟
إن لم يوجد أحد من الرجال فلا مانع من خروج النساء لتشييعه لأجل هذه الضرورة، أما أن تخرج النساء وراء الجنائز مع ما عرفت به النساء من هيجان العاطفة فذلك أمر مخالف للسُّنَّة (1) ومخالف لهدي القرآن الكريم فيجب تركه، والله أعلم.
هل يجوز للمرأة أن تذهب إلى المدينة إن كان الميت رجلاً أو امرأة؟ إن كان المراد بالمدينة المقبرة، فالمرأة منهية عن الخروج في تشييع الجنازة إلا إن لم يوجد رجال يقومون بالدفن وخشي على الميت الفساد فإن النساء في هذه الحالة يقمن بدفنه، والله أعلم.
غسله
هل يجوز للنساء مسايرة الميت مع أقاربه من النساء حتى يتم سواء غسل في المنزل أو في مغسلة البلد، علماً أن هذا الأمر يؤدي إلى اختلاط الرجال بالنساء؟
لا تخرج النساء إلى حيث يغسل الرجال، فإن في ذلك منكراً واختلاطهن بالرجال من المنكرات التي يجب تغييرها، والله أعلم.
(1) ما روته أم عطية من نهي النبي عن اتباع الجنائز للنساء حيث قالت: (نهينا) وفي رواية: (كنا ننهى عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا) رواه البخاري في كتاب الحيض باب الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض، ومسلم في كتاب الجنائز باب نهي النساء عن اتباع الجنائز، وغيرهما. (6/58)
صفحة 2438
الصلاة على الميت
حكم الصلاة على الميت
ما حكم الصلاة على الميت؟
الصلاة على الميت أشار إليها القرآن الكريم عندما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على المنافقين (1) وثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم قولا وعملا، ففي الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع الله عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس ها «الصلاة جائزة خلف كل بار وفاجر وصلوا على كل بار وفاجر (2) والمراد هنا بالفاجر الذي لم يخلع ربقة الإسلام من عنقه أما إذا كان الفجوز وصل به إلى أن خلع ربقة الإسلام عن عنقه وذلك بأن ينكر ما علم من الدين بالضرورة فهذا ليس من الأمة المسلمة ويحول فجوره بينه وبين استحقاق الصلاة عليه فإنه لا يعطى شيئاً من أحكام المسلمين فلا يدفن في مقابرهم ولا تشيع جنازته اللهم إلا أن توارى جثته من أجل أن لا تؤذي المسلمين بنتنها وليس لقبره شيء من حرمات قبور المسلمين، ودل حديث آخر على وجوبها ففي الحديث الذي رواه الإمام الربيع بن حبيب الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصلاة على موتى أهل
(1) وذلك في قوله تعالى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَّاتَ أَبَدًا} [التوبة: 84]. (2) رواه الربيع في كتاب الصلاة باب في الإمامة والخلافة في الصلاة برقم 208. (6/59)
صفحة 2439
60
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
القبلة المقرين بالله ورسوله واجبة فمن تركها فقد كفر» (1) أي: كفر كفر نعمة والترك لا يكون كفراً إلا إن كان لأمر واجب مفروض وهو مما يؤكد وجوب الصلاة على الأموات ولكنه ليس وجوباً عينياً بحيث يلزم كل من حضرها وإنما إن قام بها البعض سقط عن الباقين وجوبها، أما إن تمالى الجميع على ترك هذا الواجب فعندئذ يأثمون جميعاً ـ أي: يشتركون في الإثم - والله أعلم.
كيفية وضع الميت عند الصلاة عليه
الميت أثناء الصلاة عليه هل يوضع على جنبه مستقبل القبلة أم على ظهره مضطجعاً؟
ينبغي أن يكون وضعه عندما يصلى عليه كوضعه عندما يدفن وذلك أن يوضع على جنبه الأيمن ويكون وجهه إلى القبلة ويصلى عليه عندئذ إن سع على خلاف هذه الهيئة أجزى وإنما الأفضل أن يوضع على الهيئة السابقة، والله أعلم.
صفة وقوف الإمام عند الصلاة
أين يقف الإمام من الميت؟
هذا مما وقع عليه الخلاف عند أهل العلم فقيل: يقف عند رأس الرجل أو جهة صدره والمرأة عند صدرها أو وسطها أو غير ذلك. وهذا روي
(1) سبق تخريجه. (6/60)
صفحة 2440
الصلاة على الميت
? ?
رضي عنه
الإنسان فالصلاة مجزية، والله أعلم.
عن أنس مرفوعاً إلى الرسول) فينبغي الإقتداء بذلك، وأينما وقف
العلاء
(1) وذلك من حديث أبي غالب الخياط قال: (شهدت أنس بن مالك صلى على جنازة رجل فقام عند رأسه فلما رفع أتي بجنازة امرأة من قريش أو من الأنصار فقيل له: يا أبا حمزة هذه جنازة فلانة ابنة فلان فصل عليها فصلى عليها فقام وسطها وفينا بن زياد العدوي فلما رأى اختلاف قيامه على الرجل والمرأة قال: يا أبا حمزة هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من الرجل حيث قمت ومن المرأة حيث قمت قال: نعم قال: فالتفت إلينا العلاء فقال: احفظوا). رواه أبو داود في كتاب الجنائز باب أين يقوم الإمام من الميت إذا صلى عليه والترمذي في كتاب الجنائز باب ما جاء أين يقوم الإمام من الرجل والمرأة غيرهم.
وعن سمرة بن جندب له قال: صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة ماتت في نفاسها فقام عليها وسطها). رواه البخاري في كتاب الحيض باب الصلاة على النفساء، ومسلم في الجنائز باب أين يقوم الإمام من الميت للصلاة عليه
وغيرهما.
عمر بن
وعند اجتماع الجنائز قدّم الرجال أولاً ثم الأطفال فالنساء على الترتيب وفيه حديث نافع: ابن عمر صلى على تسع جنائز جميعاً فجعل الرجال يلون الإمام والنساء يلين القبلة فصفهن صفاً واحداً ووضعت جنازة أُم كلثوم بنت علي امرأة الخطاب وابن لها يقال له زيد وضعا جميعاً والإمام يومئذ سعيد بن العاص وفي الناس ابن عمر وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة فوضع الغلام ما يلي الإمام فقال رجل: فأنكرت ذلك فنظرت إلى ابن عباس وأبي هريرة وأبى سعيد وأبي قتادة فقلت: ما هذا قالوا هي السُّنَّة. رواه النسائي في كتاب الجنائز باب اجتماع جنائز
الرجال والنساء. (6/61)
صفحة 2441
62
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
صفة الصلاة على الميت
للعلماء
كيفية الصلاة على الميت؟
في ذلك نظر ورواية أثر (1) وأرى الأخذ بالأثر مع ثبوته أولى، إذ لا حظ للنظر مع الأثر فنرى أن يكبر وبعد تكبيرة الإحرام يقرأ المصلي سورة الفاتحة الشريفة، وإن كان من العلماء من لا يرى قراءة الفاتحة على الميت لأنها ليست كسائر الصلوات وإنما هي مجرد دعاء وشفاعة للميت ولكن في نفس الفاتحة دعاء لا ينبغي تركه، ثم يكبر التكبيرة الثانية ويصلى على النبي، وقيل: بل يأتي بالفاتحة بعد التكبيرة الثانية أيضاً والأول أولى ثم يكبر التكبيرة الثالثة ويدعو ويخص الميت بالدعاء إن كان من المرتضين ويدعو لجميع المؤمنين والمؤمنات ولنفسه وإن كان الميت غير مرتضى اقتصر على دعائه للمؤمنين والمؤمنات فإن مات على توبة دخل ضمن المؤمنين والمؤمنات، ثم بعد ذلك يكبر التكبيرة الرابعة ويسلم تسليمة يصفح بها على جهة يمينه وعلى جهة يساره، والله أعلم.
(1) ما رواه النسائي وغيره عن أبي أمامة أنه قال: (السُّنَّة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة ثم يكبر ثلاثاً والتسليم عند الآخرة)، وعند
البخاري من طريق طلحة بن عبد الله بن عوف قال صليت خلف ابن عباس علي جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب فقال ليعلموا أنها سُنَّة. كتاب الجنائز باب يقرأ فاتحة الكتاب على الجنازة. (6/62)
صفحة 2442
الصلاة على الميت
63
عدد تكابير صلاة الجنازة
وجد خلاف بين أهل العلم في عدد التكابير في صلاة الميت أوصلها بعضهم إلى تسع تكبيرات استناداً إلى بعض الأحاديث فما التحقيق عندكم في هذه المسألة؟
المعتمد على أربع تكبيرات، لأن عمر الله جمع الناس على ذلك (1) وانعقد
عليه الإجماع، والله أعلم.
اللفظ الصحيح في التوجيه
يذكر بعض العلماء أن لفظ التوجيه أن يقال: سبحان الله الجليل الكبير سبحان الله العظيم سبحانك اللهم وبحمدك وذكر بعضهم أن التوجيه هو نفسه توجيه الصلاة فهل ورد أثر في ذلك؟
إن صحت هذه الرواية فلا تصل إلى مرتبة تقتضي أن يعول عليها وحدها فإن فعل أياً من ذلك نرجو أن يكون ذلك مجزياً له، والله أعلم.
(1) رواه البيهقي في السنن الصغرى في كتاب الجنائز باب الصلاة على الجنازة، وفي الكبرى في كتاب الجنائز باب ما يستدل به على أن أكثر الصحابة اجتمعوا على أربع، والطحاوي في شرح معاني الآثار في كتاب الجنائز باب التكبير على الجنائز كم هو، وابن أبي شيبة في كتاب الجنائز باب ما قالوا في التكبير على الجنازة من كبر أربعاً، وغيرهم. (6/63)
صفحة 2443
64
الفتاوى
الجنائز - حوادث المركبات
الدعاء للميت
ما الدعاء المناسب للميت؟
لا يتعين دعاء خاص للميت وإنما يكفي أي دعاء، والله أعلم.
الأولى بالصلاة على الميت
من الأولى بالصلاة على الميت هل يراعى في ذلك القرابة والنسب أم الصلاح، وإذا روعيت القرابة فمن الأولى بالصلاة عليه؟
مراعاة القرابة مما يدخل في رعاية ولاية شؤون الميت لأن القريب أولى ولكن إن كان هناك من هو أبر وأتقى إلى الله سبحانه وتعالى وأعلم فهو أولى بأن يقدّمه القريب للصلاة على ميته والقرابة على مراتب فالأب أقرب الناس إلى الميت فلا ينبغي أن يتقدّم غيره عليه ثم الأبناء ثم الأخوة والأخ الشقيق يقدّم على الأخ الأبوي ثم الأخ الأبوي ثم أبناء الأخوة بحسب الترتيب، وهكذا، والله أعلم.
من أولى بالصلاة على الميت أبوه أم أخوه أم ابنه؟
الأب هو الأولى بذلك لعظم حقه. والله أعلم. (6/64)
صفحة 2444
الصلاة على الميت
65
الأوقات التي تحرم فيها الصلاة على الجنازة
هل هناك أوقات تحرم فيها الصلاة؟
حديث عقبة بن عامر في صحيح مسلم) دلّ على ثلاثة أوقات ينهى عن الصلاة وعن قبر الموتى فيها، والحديث مطلق يشمل الدفن والصلاة وعليه فلا تجوز الصلاة ولا دفن الموتى وقت طلوع الشمس حتى تستكمل طلوعها ـ أي عندما يبدأ ظهور شاعها، وعند الغروب حتى تستكمل غروبها، وعندما تكون في كبد السماء - أي عندما تتوسط السماء في وقت الاعتدال بين طرفي الصباح والمساء ـ حتى تزيغ إلى جهة الغرب وذلك في الحر الشديد، والله أعلم.
إذا حضرت مكتوبة مع جنازة فأيهما يقدم
إذا حضرت جنازة وصلاة مكتوبة فأيهما يقدّم هل يبدأ بالصلاة المكتوبة أم بالجنازة؟
إذا كان في الوقت متسع ويخشى على الميت أن يتأثر ببقائه صُلِّيَ عليه أولاً من أجل الإسراع في دفنه، أما إن كان وقت المكتوبة ضيقاً فالأولى أن يبدأ بالمكتوبة، والله أعلم.
(1) والحديث هو عن عقبة بن عامر: (ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب). صحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين باب الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها. (6/65)
صفحة 2445
??
الفتاوى
الجنائز - حوادث المركبات
حكم صلاة المرأة على الميت
صلاة النساء على الميت هل يمكن أن تصلي النساء على الميت منفردات مع الجماعة؟
النساء يصلين مع الجماعة لا منفردات إلا عند انعدام الرجال، وخروج النساء خلف الجنازة واختلاطهن بالرجال من البدع ومن الأمور التي تخل بالآداب وبتعاليم الإسلام فيجب محاربتها، ويجب على الرجال أن يتقوا الله سبحانه وتعالى وأن يأمروا نساءهم بالكف عن الخروج إلى هذه الأماكن كما يجب على النساء أن يتقين الله وأن لا يخرجن، فإذا كان الميت أنثى فإن النساء يتولين تغسيلها من غير أن يخرجن وراء جنازتها، وإن كان الميت ذكراً فالواجب أن لا يشتركن في تغسيله، والله أعلم.
هل تصح صلاة المرأة على الميت مع
الجماعة؟
لا مانع من صلاتهن على الميت وراء الرجال، مع عدم اختلاطهن اختلاطهن بهم، فإن صلاتهن على الأموات شفاعة ودعاء، والله أعلم.
في.
مشروعية الاستدراك في الجنائز
هل يشرع الاستدراك في صلاة الجنازة؟
ذلك خلاف بين أهل العلم هل يدخل من فاته شيء منها أو لا يدخل وبناءً على الدخول هل يكتفي بما أدركه أو يأتي بما فاته كما يصنع في سائر الصلوات لأن المراد من الصلاة عليه الدعاء والقول بالاستدراك حسن قياساً على الصلوات المفروضة إذ لا فرق من هذه الناحية بين الصلاتين، والله أعلم. (6/66)
صفحة 2446
كيفية الاستدراك
الصلاة على الميت
67
ماذا على المستدرك الذي لا يعرف أين دخل وسمع الإمام يكبر هل الثالثة أم الثانية كيف يتصرف أثناء الدخول؟
هي
يبدأ بقراءة الفاتحة كأنما دخل أول مرة ولا حرج أن يأتي بما لم يدركه والمراد أن يشترك مع المصلين في الجماعة على الميت، والله أعلم.
جواز الصلاة بالنعال
هل تجوز الصلاة على الميت بالنعال أو الحذاء؟
لا مانع من ذلك مع طهارة النعال والأحذية، لأن الصلاة على الميت لا ركوع ولا سجود فيها، وإنما ينهى عن الصلاة المعتادة بالنعال نظراً إلى أن النعال في أوقاتنا هذه تختلف عما كانت عليه سابقاً، فهي ترفع الأصابع عن الأرض بحيث لا يتمكن المصلي من وضع أصابعه فيها على الأرض فلا يتمكن من السجود على السبعة الآراب التي جاء بها الحديث (1) عنه صلوات الله وسلامه عليه، وبما أن هذه الصلاة لا ركوع ولا سجود فيها فلا يمنع من ذلك، والله أعلم.
(1) رواه البخاري من طريق ابن عباس قال: «أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نسجد على سبعة أعضاء ولا نكف شعراً ولا ثوباً الجبهة واليدين والركبتين والرجلين» كتاب الصلاة باب السجود على سبعة أعظم، ومسلم كتاب الصلاة باب أعضاء السجود والنهي عن
كف الشعر. (6/67)
صفحة 2447
=
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
68
صحة ما ذكره بعض أهل العلم
من استحباب صف المأمومين ثلاثة صفوف
ذكر العلامة أبو مسلم الله عدداً من الأحاديث استحباباً بصف المأمومين ثلاثة صفوف (1) عند صلاتهم على الميت وكذلك جاء في فقه السنة لسيد سابق ولو كان قليلاً، فهل ترون ذلك أولى استكمال الصفوف كالفرائض بناءًا على عموم
الأحاديث؟
الله أعلم بصحتها، فإن كانت ثابتة فهي مخصصة للعمومات الواردة وإن لم تكن ثابتة فالأخذ بتلك العمومات أولى فيقدم الصف الأول حتى يستكمل ثم بعد ذلك الصف الذي يليه ثم الذي يليه وهكذا، والله أعلم.
صفة الصلاة على الأموات عند تعددهم
إذا تعدد الأموات، هل يصلى عليهم صلاة واحدة أم كل واحد بصلاته،
وكيف يصفون؟
السنة
لا مانع من أن يصلى عليهم جميعاً صلاة واحدة وهذا مما ثبت في فالرسول صلى على شهداء أحد وغيرهم)، واستحب بعض أهل
(1) يدلُّ عليه حديث مرثد بن عبد الله قال: كان مالك بن هبيرة، إذا صلى على جنازة، فتقال الناس عليها جزأهم ثلاثة أجزاء، ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب) رواه أبو داود والترمذي وغيرهم، غير أن هذا الرواية لا تصح فقد حكم عليها طائفة من أهل الجرح والتعديل بالضعف والمتهم بها محمد بن إسحاق لتدليسه وزاد أن روى هذه الرواية بالعنعنة.
(2) ويدلُّ عليه حديث نافع عن ابن عمر وقد سبق ذكره آنفاً، وحديث عبد الله بن الزبير (أن (6/68)
صفحة 2448
الصلاة على الميت
69
العلماء أن يقدّم الأفضل فالأفضل بحسب المراتب والأجناس، ومعنى ذلك أن الصالح يقدم على من جهل حاله، ومجهول الحال يقدم على من علم فجوره، وهذا في الجنس الواحد، وأما إذا اختلفت الأجناس فإنه يقدّم جنس الرجال على غيرهم فيقدّم الرجال أولاً ثم الأطفال الذكور ثم النساء والنساء البوالغ يقدمن على الفتيات الصغار اللاتي لم يجاوزن مرحلة الطفولة وهكذا، واختلف في الجهة التي يكون فيها الأفضل فقيل إلى جهة الإمام، وقيل إلى جهة القبلة وهذا رأي لا حرج على من أخذ به، والله تعالى أعلم.
حكم الصلاة على الغائب
الصلاة على الغائب هل هي مشروعة، وهل يشرع ذلك مطلقاً أم
يخصص في ما إذا كان لم يصل عليه في البلد الذي توفي فيه؟ الصلاة على الغائب ثبتت عن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، فقد صلى على النجاشي (1) وأمر أصحابه بأن يصلوا عليه وحاول
النبي صلى الله عليه وسلم أمر يوم أحد بحمزة فسجي ببردة، ثم صلي عليه فكبر تسع تكبيرات، ثم أتي بالقتلى يصفون، ويصلى عليهم، وعليه معهم، وحديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوضع بين يديه يوم أحد عشرة فيصلي عليهم، وعلى حمزة، ثم يرفع العشرة، وحمزة موضوع، ثم يوضع عشرة، فيصلي عليهم، وعلى حمزة معهم، وفي رواية أخرى عن ابن عباس أيضاً: قال: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد بالقتلى فجعل يصلي عليهم فيوضع تسعة وحمزة فيكبر عليهم سبع تكبيرات ثم يرفعون ويترك حمزة ثم يجاء بتسعة فيكبر عليهم سبعاً حتى فرغ عنهم». هذه الأحاديث الطحاوي في شرح معاني الآثار كتاب الصلاة باب الصلاة على الشهداء. (1) ويدلُّ عليه حديث أبو هريرة عند الشيخين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر عليه أربع تكبيرات، البخاري في كتاب الجنائز باب التكبير على الجنازة ومسلم في الجنائز باب في التكبير على الجنائز.
روي. (6/69)
صفحة 2449
V.
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
بعض العلماء أن يرد هذا ببعض الاستدلالات التي استدلوا بها:
منها أن النجاشي لم يكن صلي عليه.
ومنها أن الأرض سويت للنبي صلى الله عليه وسلم حتى أبصر النجاشي.
ولكن هذه كلها ليس عليها من دليل، فالأخذ بهذا الدليل أولى، وقد عمل به كثير من العلماء، فصاروا يأخذون به جيلاً بعد جيل، سواء كان قريباً أو بعيداً، وإن كان هنالك من علماء المسلمين من المذاهب الإسلامية الأخرى كالحنفية والمالكية لا يرون الصلاة على الغائب والعمل بالمأثور عنه عليه أفضل الصلاة والسلام أولى من تلك التأويلات المتكلفة، ذكر ابن العربي قال: كنت عند فخر الإسلام بخراسان وكان يأتيه آتِ من العراق أو من أي بلد سحيق فيقول له كيف فلان فيجيبه قد توفي، فيقول {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (1)، ثم يقول لنا: قوموا أصلي بكم، وبيننا وبينه ستة أشهر، والله أعلم.
هل من مانع من الصلاة على الغائب؟ وكيف تؤدى؟
لا مانع من الصلاة على الغائب، والصلاة عليه كالصلاة على الحاضر هي أربع تكبيرات، يقرأ الفاتحة بعد الأولى ويأتي بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد
الثانية، ويدعو بعد الثالثة، ويسلم بعد الرابعة والله أعلم.
(1) سورة البقرة، الآية: 156. (6/70)
صفحة 2450
الصلاة على الميت
71
حكم الصلاة على العصاة
ما توجيهاتكم حول الصلاة على غير المتولي، إذ يشاهد الآن امتناع كثير من الناس عن الصلاة على غير المتولين؟
كل ميت من أموات أهل القبلة المقرين بالله ورسوله له حق في أن يصلى عليه، ففي حديث ابن عباس له في المسند الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الله: «صلوا على كل بر وفاجر (1) وجاء في حديث آخر أيضاً في المسند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصلاة على موتى أهل القبلة المقرين بالله ورسوله واجبة، فمن تركها فقد كفر (2)؛ أي كفر نعمة، فإذا تمادى الناس جميعاً على ترك هذه الصلاة فإنهم يكونون بذلك قد كفروا كفر نعمة، ولكن إن قام البعض بهذا الواجب الكفائي سقط عن الباقين، والتسابق إلى هذا العمل إنما هو تسابق إلى خير، ولكن هنالك حالات لا ينبغي لمن كان منظوراً إليه - أي من كان ذا شأن عند المسلمين ـ أن يلي هو الصلاة على الميت فيها، وإنما يصلي عليه غير المنظور إليه، وذلك كأن يكون ذلك الميت تاركاً للصلاة من غير جحود لوجوبها، كمن يتركها تهاوناً، وكذا من يقتل نفسه، أو من يُقتل محارباً لله ولرسوله وللمسلمين، أو من مات وهو على سكر، أو من مات وهو على فراش حرام، ففي مثل هذه الحالات لا ينبغي أن يصلي عليه المنظور إليه من المسلمين. والمسألة مسألة اجتهاد من أهل العلم، وقد قالوا بهذا ليكون في ذلك ردع للناس عن اتباع طريقتهم والسير في مسلكهم، وهذا لا
يعني
أنه لا يجوز
(1) سبق تخريجه
(2) سبق تخريجه (6/71)
صفحة 2451
72
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
للمنظور إليه أن يصلي على هؤلاء، فهناك أحوال تقتضي أن يقوم المنظور إليه بالصلاة عليهم، وقد حصل مثل ذلك عند الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم الله عندما غدر ابن فندين ومن معه غدراً أدى بهم إلى الانقضاض على الإمام ودولة الإسلام ومحاولة استباحة بيضة الإسلام، فقاتلهم من قاتلهم من المسلمين، ثم جاء الإمام فوجد المعركة وضعت أوزارها أو كادت، فما كان منه إلا أن صلى على أولئك البغاة، تأليفاً لقلوب عامة الناس من المسلمين، حتى لا يقع تشتت في وحدة الصف، والله أعلم.
رجل يخطب بالناس ويصلي الجمعة وفي المقابل يقوم بأعمال المالد وهو المعلم الكبير لسهراته التي يقوم بها في أيام الخميس والجمعة وأنه هو الذي يعزي الشياطين ويكون هناك اختلاط بين الرجال والنساء في النعيش والمرأة تنعش أمامه وأن هذا المالد شبيه بالزار والدفوف التي يستخدمها في سهراته الشيطانية يؤجرها بمبلغ (20) ريالاً رمسة يرمسها، فهل يغسل ويصلى عليه إن مات وهو على هذه الحالة، وهل يدفن في مقابر المسلمين.
نعم، إن لم تظهر منه عبادة الشياطين وإن ظهرت كان في عداد المرتدين ولم يعط من أحكام موتى المسلمين شيئاً، والله أعلم.
ما قولكم في رجل مات ولم يره أحد من قبل يصلي فهل يصلى عليه؟
إن كان منكراً للصلاة فلا يصلى عليه وإن كان غير منكر وإنما تركها انتهاكاً
ففي
ذلك خلاف، والله أعلم. (6/72)
صفحة 2452
الصلاة على الميت
73
توفي رجل لا يصلي وهو في نفس بلدتي وأنا أعرف عنه بأنه لا يصلي أبداً فهل يجوز أن أصلي عليه وأن أتبع جنازته، وهل يصح أيضاً أن يصلى على شارب الخمر وتتبع جنازته، أفتنا ولك الأجر والحديث يدلُّ على كفر تارك الصلاة. أما اتباع الجنازة فنعم، وأما الصلاة عليه فإن كان مستحلاً لترك الصلاة فهو في عداد المشركين وكذلك إن كان مستحلاً لشرب الخمر فلا تجوز الصلاة عليه، أما إن كان غير مستحل فهو منتهك ولا تمنع الصلاة عليه ولكن يصلى عليه غير المنظور إليه من الناس، والله أعلم.
سمعت شريطاً مسجلاً لعالم يذكر فيه أن تارك الصلاة وشارب الخمر إن مات على ما هو عليه فلا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا يدعى له بالرحمة. فما صحة ذلك؟
جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الصلاة على موتى أهل القبلة المقرين بالله ورسوله واجبة فمن تركها فقد کفر (1) ويدخل في ذلك تارك الصلاة والمصر على الكبيرة إن لم يستحلوا ذلك أما إن استحلوا ما يفعلونه مصادمين للنصوص فكفرهم ملي وأما الدعاء بالرحمة فهو للتقي دون الفاجر، والله أعلم.
ما قولكم فيمن قتل نفسه. هل يغسل ويصلى عليه أم لا؟
يغسل، والخلاف في الصلاة عليه، وحديث الربيع: «صلوا على كل بر وفاجر» (2) يدل على الصلاة عليه، وإنما الأولى أن يصلى عليه غير المنظور إليه. والله أعلم.
(1) الربيع باب الحجة على من لا يرى الصلاة على موتى أهل القبلة برقم 777.
(2) سبق تخريجه. (6/73)
صفحة 2453
74
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
هل يصلى على تارك الصلاة؟
إن كان منكراً للصلاة فلا يصلى عليه، وإن كان غير منكر، وإنما تركها
انتهاكاً ففي ذلك خلاف، والله أعلم.
حكم الصلاة على الطفل والسقط
امرأة وضعت طفلها في الأشهر الأخيرة من الحمل، وسقط ميتاً. هل يبعث يوم القيامة؟ ولماذا لا يُصلَّى عليه.
لا يصلى عليه لأنه لم يدخل في هذه الحياة الدنيا وهو بحكم الأحياء فيدخل في حكم الأموات، إذ الموت مترتب على الحياة، ولئن كان فيه حياة فتلك حياة في عالم الغيب لا في عالم الشهود، وأما أمر البعث فهو ليس من شأننا وإنما الله تبارك وتعالى وحده هو الذي يعلم ذلك فإن شاء بعثه وإن شاء لم يبعثه، والله أعلم.
أنا امرأة أسقطت جنيناً في شهره الثالث في أحد المستشفيات، وقد تولى المستشفى ترتيبات الدفن ولا أعلم بالطريقة التى استخدمت لذلك، فهل
من المفروض أن يتم تغسيله والصلاة عليه أو يدفن بدون ذلك.
أما الصلاة فلا يصلى عليه إن لم يستهل باكياً، وأما التغسيل فنعم إن كان تام الخلقة والله أعلم.
ما قولكم في مولود نزل من بطن أمه ميتاً، وهو مكتمل الأشهر فهل
يجب غسله والصلاة عليه أم لا؟
أما التغسيل فنعم، ولكن لا يصلى عليه إلَّا إن ولد وبه حياة، والله أعلم. (6/74)
صفحة 2454
الصلاة على الميت
Vo
ما قولكم في الجنين الذي ينزل من بطن أمه ميتاً هل يصلى عليه أم
يدفن بغسل فقط.
إن نزل ميتاً فلا يجب أن يصلى عليه وإنما يغسل ويدفن، والله أعلم.
ما قولكم في جنين سقط من بطن أمه ميتاً، هل يغسل ويصلى عليه
أفتنا ولكم الأجر والثواب؟
يغسل ويكفن ويدفن ولا يصلى عليه، والله أعلم.
بالنسبة للجنين الذي يسقط خلال الشهر الخامس من الحمل هل له حق في التغسيل والتكفين والصلاة عليه.
إن كان سقط؛ أي: وقع ميتاً فلا يصلى عليه ولكن يوارى في ثوب ويدفن وإن وقع حياً ـ ويعرف ذلك باستهلاله أو بنبضه، ثم مات فيعطى جميع حقوق موتى المسلمين، والله أعلم.
متى يغسل السقط؟
إن كان كامل الخلفة ولا يؤثر عليه الغسل شيئاً غُسل غسل الموتى أما إن كان مضغة أو علقه فإنه يتفادى التغسيل خوف تفتتها، والله تعالى أعلم. (6/75)
صفحة 2455
76
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
الصلاة على من مات وعليه دين
هل يجوز الصلاة على المدين؟ وما معنى امتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على من مات وعليه دن؟
6
يصلى على المدين كما يصلى على غيره، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «الصلاة على موتى أهل القبلة المقرين بالله ورسوله واجبة فمن تركها فقد كفر» (1) وقوله: صلوا على كل بر وفاجر) ()، وامتناع النبي عن الصلاة على من مات (2)، وعليه ودين ولم يوجد له وفاء وإنما هو لعظم قدره صلى الله عليه وسلم مع أنه كان يأمر غيره بالصلاة عليه. والله أعلم.
دفن الميت من غير صلاة
إذا دفن الميت من غير أن يصلى عليه، ما الحكم وكيف يتصرفون؟
إذا دفن الميت ولم يصل عليه فلا مانع من أن يصلى على قبره لأن ذلك من باب الدعاء له، وحتى لا يكون غادر هذه الدنيا ولم يوف حقه من
الصلاة عليه، والله أعلم.
(1) سبق تخريجه
(2) سبق تخريجه. (6/76)
صفحة 2456
الصلاة على الميت
VV
حكم الصلاة على الميت في المسجد
هل تجب صلاة الميت في المساجد علماً بأن الحديث واللغط يكثر
فيها؟
أما الوجوب فلا تجب صلاة الميت في المساجد، وإنما اختلفوا في إباحتها فيها، فذهب أكثر علماء قومنا إلى إباحتها في المساجد على الإطلاق كسائر الأمكنة التي تباح فيها الصلاة وهو الذي اختاره قطب الأئمة الله في شرح النيل، واستدلوا بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم على ابني بيضاء في المسجد كما رواه مسلم)، وذهب أكثر أصحابنا والحنفية من قومنا إلى كراهة ذلك في غير حالات الضرورة، وحملوا الحديث عليها وأما الحديث في المساجد فهو محجور وقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم في إنشاد الضالة في المسجد (2)، فكيف بما زاد عليه من اللغط والضجيج فهو أحرى بالمنع، والله أعلم.
(1) والحديث هو: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة لما توفي سعد بن أبي وقاص قالت: (ادخلوا به المسجد حتى أصلي عليه فأنكر ذلك عليها فقالت: والله لقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابني بيضاء في المسجد سهيل وأخيه قال مسلم: سهيل بن دعد وهو ابن البيضاء أمه بيضاء). رواه مسلم في كتاب الجنائز باب الصلاة: على الجنازة
في المسجد. (2) رواه الإمام الربيع من طريق ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «طهرت المساجد من ثلاث: من أن ينشد فيها بالضوال أو يتخذ فيها طريق أو يكون فيها سوق» برقم 260 وهو عند الإمام مسلم من طريق أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا» كتاب الصلاة باب النهي عن نشد الضالة في المسجد. (6/77)
صفحة 2457
78
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
ما حكم صلاة الجنازة في المساجد؟
ذهب بعض العلماء إلى كراهة صلاة الجنازة في المساجد لغير عذر، والراجح جوازها، لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.
الحكمة من كون صلاة الميت أربع تكبيرات
ما هي الحكمة من كون صلاة الميت أربع تكبيرات، لا ركوع فيها
ولا سجود.
هذه أمور توقيفية ليست لها حكمة ظاهرة، والله أعلم.
الصلاة على الأجنبي
ما قولك في رجل أجنبي توفي في بلد إسلامي فهل يصلى عليه أو لا؟ إن كان مسلماً صلي عليه بغض النظر عن جنسيته، والله أعلم. (6/78)
صفحة 2458
الدفن
العمق المناسب للدفن وحكم اللحد والشق
ما هو العمق المناسب للحفر وأين يكون شق اللحد؟
العمق إنما هو بقدر ما يمنع الحيوانات المفترسة أن تصل إلى الميت ويمنع أيضاً ظهور الرائحة الكريهة منه، ولا يقدر ذلك بقدر معين، وما ذهب إليه طائفة من أهل العلم إلى أن مقداره قامة وبسطه فهو في الأماكن الدمثة، أما
في الأماكن الصلبة فيعسر الوصول إلى هذا المقدار لصعوبة الحفر. واللحد هو أولى من الشق لأنه الثابت بالسُّنَّة (1) وقد اختاره الله لنبيه صلوات الله عليه، فقد دفن الله في الحد ولم يدفن في شق، واللحد يكون في الجهة الأمامية من القبر مما يلي القبلة - أي: من جهة القبلة ـ ثم بعد ذلك يوضع ما يمنع من وصول التراب إليه كالصخور الواقية أو نحو ذلك الأحوال في البلدان، وأما الشق فهو في الوسط، وقال الإمام أبو
نبهان رحمه الله تعالى: إن أمكن اللحد فلا يستخدم الشق، والله أعلم.
(1) ما رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: (في مرضه الذي هلك فيه ألحدوا لي لحداً وانصبوا علي اللبن نصباً كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم. كتاب الجنائز باب اللحد ونصب اللبن على الميت، وابن ماجه من طريق أنس بن مالك قال: لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم كان بالمدينة رجل يلحد وآخر يضرح فقالوا: نستخير ربنا ونبعث إليهما فأيهما سبق تركناه. فأرسل إليهما فسبق صاحب اللحد فلحدوا للنبي صلى الله عليه وسلم كتاب الجنائز باب ما جاء في الشق. (6/79)
صفحة 2459
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
صفة دفن الميت وإدخاله في قبره
عند تنزيل الميت في القبر ماذا يقدّم، هل تقدم الرجلان أم يقدّم الرأس؟
تقدّم الرجلان ثم بعد ذلك ينزل أعلاه إلى القبر، والله أعلم.
ما صفة دفن الميت؟
ينزل في اللحد من جهة رجليه وتفك عنه أزراره ويضجع على يمينه بعدما تقدم يده اليمنى إلى الأمام ليتمكن مضجعه من الأرض ويوجه إلى القبله، ويجوز أن يلقى على ظهره ويوجه إلى القبلة من جهة رجليه بحيث يكون عند بعثه متوجهاً إلى القبلة عندما يقوم من مرقده، ثم يوضع على اللحد اللبن ويهال عليه التراب، والله أعلم.
حكم توجيه الميت إلى القبلة عند الدفن
ما حكم توجيه الميت إلى جهة القبلة عند دفنه؟
يجب أن يوجه القبلي) إلى القبلة ولا يجوز تركه مع الإمكان، أما غير أهل القبلة فلا يصنع بهم ذلك حتى لا يشبهوا بالمسلمين، والله أعلم.
الأولى بإنزال الميت في قبره
من الأولى بتنزيل الميت في قبره؟
الأولى في ذلك الأقرب إلى الميت وخصوصاً المرأة، فقيل: بأنه يلي مكان
(1) أي مسلم من أهل القبلة. (6/80)
صفحة 2460
الدفن
81
عجيزتها منها زوجها إن وجد، فإن لم يوجد فذو المحرم هو الذي يمسك بالوسط منها، ولكن جاء أن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام عندما ماتت ابنته التي كانت زوجاً للخليفة عثمان أنه لم يأمره بأن ينزل في قبرها ولم ينزل بنفسه، وإنما أمر بعض الصحابة الآخرين بتولي دفنها)، وفي ذلك بيان لجواز نزول غير الزوج وغير الأقارب في قبر المرأة لدفنها، والله أعلم.
يلاحظ أن كثيراً من الرجال يساعدون في مباشرة جثمان الأموات من النساء أثناء التجهيز كرفعهن على السرير أو إنزالهن منه بأوجه مختلفة وهم ليسوا من محارمهن، وذلك بحجة الرغبة في نيل الأجر، فهل يصح لغير محارم المرأة من الرجال أن يقوم بهذا العمل خاصة مع وجود المحارم؟ وهل يجب على المحارم منع من أراد القيام بذلك؟ المرأة لها حرماتها سواءً في محياها أو في مماتها، لذلك ينبغي أن يسارع في مواراتها محارمها، وقد أفتى الفقهاء بأن المحارم هم أولى الناس بتجهيز المرأة، ولا سيما عندما تنزل في القبر، وأن ذا المحرم أو الزوج يلي المنطقة الوسطى من جسم المرأة، بحيث يباشرها من هذه الجهة، ولكن جاء في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما توفيت إحدى بناته دعا إلى إنزالها في القبر من لم يقارف تلك الليلة - أي من لم يأتِ أهله تلك الليلة ـ وكان ذلك بحضور زوجها، وهذا مما يدلُّ على أن الأمر لا ينحصر في ذوي
(1) ما رواه البخاري عن أنس بن مالك و الله قال: شهدنا بنتاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على القبر فرأيت عيناه تدمعان فقال: (هل منكم رجل لم يقارف الليلة). فقال أبو طلحة أنا قال فانزل). قال: فنزل في قبرها كتاب الجنائز باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: يُعَذِّب الميت ببكاء أهله. (6/81)
صفحة 2461
82
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
المحارم، غير أنه ينبغي أن لا يباشر المناطق التي لها حرماتها من جسم المرأة، إلا ذوو المحرم أو الزوج، والله أعلم.
دعاء دفن الميت
هل هنالك ذكر أو دعاء ينبغي أن يقوله واضع الميت في لحده؟
ينبغي أن يقول:
بسم
الله وعلى ملة رسول الله، ويدعو الله بما تيسر
ويسأل الله لنفسه حسن الخاتمة والموت على التوبة النصوح ويدعو للميت إن كان من أهل الولاية بدعاء الخير وإلا فللمؤمنين والمؤمنات، والله أعلم.
مشروعية كشف وجه الميت بعد وضعه في القبر
يذكر العلماء في مصنفاتهم
أنه بعد وضع الميت في لحده يكشف
عن وجهه، فهل ذلك السنة؟
من
ومنهم
للعلماء خلاف كثير في هذا فمنهم من قال: يُكشف عن وجهه جميعاً، ومنهم من قال: يُكشف عن العين اليمنى ليرى الملك الذي يأتيه، من قال: تحل منه الأحزمة بقدر ما يتمكن جنبه ويده اليمنى من الوصول إلى الأرض، ولم أجد في الروايات ما يدلُّ على شيء من هذا والتعليل برؤية الميت للملك أو عدم رؤيته له أمر عجيب إذ عالم البرزخ يختلف عن عالم هذه الدنيا، والله أعلم.
(بسم
-
(1) وهذا ما دلت عليه السُّنَّة فقد جاء عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا وضع الميت في القبر قال: الله وعلى سنة ـ وفي رواية: وعلى ملة. رسول الله)، رواه أبو داود في كتاب الجنائز باب في الدعاء للميت إذا وضع في قبره، وابن ماجه في كتاب الجنائز باب ما جاء في إدخال الميت القبر. (6/82)
صفحة 2462
الدفن
83
الأولى لحاضري الدفن القيام أم القعود
هل الأولى لحاضري الدفن القيام أم الجلوس لأن البعض يقول: إن الله سبحانه وتعالى قال النبيه: {وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبره قال: إن أصل الدفن القيام وإنما جلوس النبي كان لعارض من أجل اليهودي الذي مرَّ حينئذ فهل يستقيم هذا الاستدلال وماذا ترون؟ قول الله تعالى: {وَلَا نَقُم عَلَى قَبْرِهِ} (1) - لا يدلّ على مشروعية القيام في حال الدفن من أول الدفن إلى آخره، والرواية التي جاءت دلت على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما مرَّ به اليهودي كان واقفاً وكان أصحابه وقوفاً فقال: هكذا تصنع أحبارنا، فقعد النبي صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه بالقعود (2)، وهي التي ينبغي الأخذ بها والتعويل عليها في ترك القيام، وقد يقال إن الآية الكريمة قبل هذا الفعل منه و وفعله بيان لما فى الآية الكريمة فيكون القيام المشار إليه القيام في وقت إنزاله فإنه لا يمكن إنزاله في قبره وهم في حال القعود، أو يقال أن متلقي الجثة وهو داخل القبر لا يمكن أن يكون قاعداً، أو يقال إن المقصود به القيام في زيارة القبر بعد موت الميت فيحمل هذا القيام على إطلاقه ولكن كما قدمنا لا دليل في الآية الكريمة على مشروعية القيام عند الدفن فالأخذ بما دلت عليه السُّنَّة هو أسلم وأحوط، والله تعالى أعلم.
(1) سورة التوبة: الآية 84.
(2) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والبيهقي من طريق عبادة بن الصامت قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم في الجنازة حتى توضع في اللحد فمرَّ به حبر من اليهود فقال: هكذا نفعل. فجلس النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «اجلسوا خالفوهم» أبو داود في كتاب الجنائز باب القيام للجنازة، والترمذي في كتاب الجنائز باب ما جاء في الجلوس قبل أن توضع، وابن ماجه في كتاب الجنائز ما في القيام للجنازة، والبيهقي في كتاب الجنائز باب حجة من زعم أن القيام للجنازة منسوخ. (6/83)
صفحة 2463
??
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
متى يبدأ هذا القعود هل منذ أن يوضع في القبر أم بعد؟
عند وضعه في القبر اللهم إلا الذين يتولون إهالة التراب عليه فإنه لا بد من تحركهم ولا يتيسر ذلك مع قعودهم، والله أعلم.
من المفترض أن يسود الصمت أثناء دفن الميت، وأن تلين القلوب من خشية الله، في حالة مواراة الميت التراب غير أن أصوات الناس تزداد حدة أثناء ذلك وتراهم محدقين بمن يقوم بوضع الميت والقبر وهم قيام. فنرجو
التكرم ببيان السُّنَّة الثابتة عن رسول الله أثناء مواراة الميت التراب؟ السنة في مثل هذه الحالة أن يقعد من لا يكون مباشراً لإنزال الميت في القبر، وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك مخالفة لليهود، فإنه عليه أفضل الصلاة والسلام كان قائماً في حال دفن الميت، وكان صحبه من حوله قياماً فمرَّ بهم يهودي وقال: هكذا تصنع أحبارنا، فقعد وأمر أصحابه بالقعود لئلا يتأثروا بمسلك اليهود، فتسري عاداتهم فى المسلمين، فإن هذه تربية نفسية لهذه الأمة، بحيث تتربى على الاستقلال في الفكر والسلوك، فلا تكون مناسقة وراء مناهج الآخرين، وهكذا ينبغي أن يكون الأمر، والله أعلم.
تغطية الميت بشيء من الثياب بعد وضعه في القبر
تغطية القبر بشيء من الثياب أثناء إنزال الميت هل هو مشروع؟ وهل
المرأة والرجل في ذلك سواء؟
لم أجد دليلاً يدلُّ على هذه التغطية وإنما هذا مما استحبه الناس ولا سيما
في المرأة من أجل صونها عن الأنظار، والله أعلم. (6/84)
صفحة 2464
الدفن
85
مشروعية وضع حائل على الميت قبل إهالة التراب عليه
ما قولكم حفظكم الله تعالى في عادة تسقيف الميت أثناء دفنه، وبأي شيء يسقف، جرت العادة بين الناس أن يجعلوا على اللحد صفائح من الأسمنت أو من الحجارة بقصد أن يحال بذلك بينه وبين ما يهال عليه من التراب، وقد كنت في حال دفن ميت فانهدم القبر بعد أن تكسرت تلك الألواح الإسمنتية تحت ضغط التراب فاجتمع رأي من حضر على استخراجها واستبدالها، فلما عاودوا الدفن تكسرت الألواح الأخيرة وانهدم القبر مرة أخرى، فتركوه على حاله، هل لهذه العادة المتفشية بين الناس من دليل في الشرع، وهل كان نبش هؤلاء للقبر بسبب هذه العلة جائزاً؟
لم أجد دليلاً على ذلك وإنما ذلك من العادات التي تواضع عليها الناس وليسوا في ذلك متفقين فإن أصحابنا من أهل المغرب يهيلون التراب على الميت بدون حائل ومن أخذ بأي طريقة من الطريقتين لم يُخَطَّأ، والله ولي الرحمة والإحسان وهو أعلم بالصواب. (6/85)
صفحة 2465
86
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
حكم التوحيش ورش الماء على القبر
هل التوحيش (1) أو الضرب بالمسحاة (2) حول القبر بعد الدفن مشروع؟
أما المشروعية فلا، فلم يرد في ذلك رواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة ولا عن السلف، وإنما هو متبع في بعض البلاد ولعل منشأه بعض الأوهام، ويقصدون به إبعاد السباع عن القبر بإيهامها بوجود شباك عليه، وهو وهم عجيب إذ كيف علم هؤلاء بما في نفوس هذه السباع وكيف أثبتوا للخيالات والأوهام المتوهمة تأثيراً عليها حتى تبعدها عن الاقتراب من القبر، وقد سئل عنه الإمام أبو نبهان الله فقال: لا أدري بأن فيه مصلحة فإن كانت به مصلحة فلا حرج وتعقبه الإمام السالمي الله بأنه لا مصلحة، فيه فينبغي تركه، والله أعلم.
كما تعلمون سماحتكم أن من عادة أهل عُمان على مختلف أنحائها عندما يتوفى لديهم شخص ما وبعد دفنه مباشرة يقوم شخصان أحدهما ممسكاً بآلة حديدية ويقوم بعملية تسمى بالعامية التوحيش (الوحشة) وقد يطلق عليها مسميات مختلفة من منطقة لأخرى وهو يمشي على ورائه والآخر يمشي أمامه ممسكاً بإناء من الماء يرش منه على قبر ذلك الميت وبعد أن ينتهيان من هذه العملية تتم قراءة الفاتحة على روح المتوفى من جميع الذين حضروا تشييع الجنازة قبل انصرافهم ولا يزال يعمل بهذه الأمور حتى يومنا هذا. وقد ذكر لنا أن عمل مثل هذه الأمور
(1) يفعله عامة الناس عند الانتهاء من الدفن وذلك باستعمال آلة الحفر والتخطيط بها
حول القبر. (2) آلة للحفر. (6/86)
صفحة 2466
الدفن
87
يعد بدعة وليس من الجائز عمل مثل هذه الأشياء على قبور الأموات بل يعد ذلك حراماً، وكذلك عدم جواز قراءة الفاتحة على روح الميت بحجة أنه لا يجوز قراءة القرآن على القبور. لذا نرجو من سماحتكم أن تبينوا لنا حكم الشرع في هذه المسألة وذلك لدحض الشك باليقين،
حيث أن هذه الأمور يعمل بها في عُمان من زمن الآباء والأجداد؟ التوحيش لا أساس له من السُّنَّة وإنما أجازه من أجازه من أهل العلم كالإمام أبي نبهان ـ رحمه الله تعالى ـ إن كانت فيه مصلحة للميت وتعقبه الإمام نور الدين السالمي بأنه لا مصلحة وبذلك انتفى الشرط الذي علق عليه الجواز، فانتفى المشروط بانتفائه، وقراءة الفاتحة بعد الدفن لم ترد بها سنة، فتركها أولى لا سيما أن السُّنَّة دلّت على أن المقابر ليست محلاً لقراءة القرآن (1) وإنما يدعى للميت إن كان من أهل الولاية أو لعامة المؤمنين والمؤمنات، والله أعلم.
هل يجوز توحيش القبر بعد دفن الميت بآلة من حديد، وبعد الإنتهاء من التوحيش تقرأ عليه الفاتحة؟
بما أن التوحيش ليس فيه مصلحة ظاهرة كما صرح بذلك الإمام نور الدين السالمي، فالأولى تركه، أما الفاتحة فلم تثبت سُنَّة بقراءتها بعد الدفن فمن تركها كان ذلك خيراً له، والله أعلم.
ما قولكم سماحة الشيخ في حافر القبر، يقوم بعد الفراغ من دفن الميت بالحفر البسيط حول القبر (التوحيش)؟
لا أصل لذلك في السنة، وتركه أولى، والله أعلم.
(1) سيأتي تخريجه 118. (6/87)
صفحة 2467
88
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
يقوم الناس برش الماء على القبور بعد الدفن وإحداث ضربات خفيفة حول القبر بالمسحاة فهل ترون في هذا العمل من بأس؟
إن كان المراد بذلك رش نفس القبر الذي دفن فيه الميت بالماء من أجل المحافظة عليه فلا مانع، أما القبور الأخرى فلا داعي إلى رشها.
وما يفعله الناس من استعمال ما يسمى بالمسحاة والتخطيط بها حول قبر الميت لم تأت به سنة قوليه ولا فعلية بل لم تأت رواية حتى موقوفة على الصحابة، ولا منسوبة إلى العلماء المتقدمين، وإنما هذا أمر مستحدث، فقد سُئِل عنه الإمام أبو نبهان - رحمه الله تعالى - فقال: «إن كان به مصلحة فلا يُمنع، وتعقب ذلك الإمام نور الدين السالمي بقوله: «ولا أعرف لهذا مصلحة»، وإذا كانت إباحته موقوفة على المصلحة، فالمصلحة غير موجودة فيه، والله أعلم.
بعد دفن الميت هل يشرع رش القبر بالماء؟
نعم يؤمر برش قبره بالماء ليتساوى القبر من جوانبه وليتصلب الطين بعد يبسه، والله أعلم.
مع
بن عبيد
قال:
(1) ورد الأمر بتسوية القبور من حديث ثمامة بن شفي قال: (كنا فضالة بأرض الروم برودس فتوفي صاحب لنا فأمر فضالة بن عبيد بقبره فسوي ثم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بتسويتها) رواه مسلم كتاب الجنائز باب الأمر بتسوية القبر، وأبو داود كتاب الجنائز باب في تسوية القبر، والنسائي كتاب الجنائز، باب تسوية القبور إذا رفعت. أما رشه بالماء فورد من حديث جعفر بن محمد، عن أبيه مرسلاً أن الرش على القبر كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه البيهقي في الصغير كتاب الجنائز باب السنة في سل الميت من قبل رجل القبر، وفي الكبرى كتاب الجنائز باب رش الماء على القبر ووضع الحصباء عليه. (6/88)
صفحة 2468
=
89
الدفن
بعض العوام يقول أنه إذا تبقى شيء من الماء يرش على القبور التي
بجانب هذا القبر؟
لا لأن تلك القبور انتهى أمرها، فلا داعي إلى صب الماء عليها، والله أعلم.
هل يجوز رش القبر بالماء ورش القبور التي بجانبه؟
يرش القبر بعد دفن الميت بالماء، ولا داعي إلى رش ما حوله، فإنه لم به سُنّة، والله أعلم.
حكم قراءة القرآن قبل الدفن وبعده
تأت
بعدما يدفن هل يشرع قراءة الفاتحة وإن كان لا يشرع فما الثابت فيه؟ قراءة الفاتحة على الميت لم تأت بها السُّنَّة عن الرسول صلى الله عليه وسلم فلا ينبغي إحداث ما لم يكن من سُنَّته صلوات الله وسلامة عليه، على أن المقابر جاءت الروايات مشيرة بأنها ليست مكاناً لقراءة القرآن الكريم، من أجل هذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرأ القرآن في البيوت وأن لا تجعل قبوراً، وإنما ينبغي الدعاء، كما يدلُّ عليه حديث البراء)، إذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يدعى للميت
(1) حديث البراء بن عازب حديث طويل وفيه يقول: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير وفي يده عود ينكت به في الأرض فرفع رأسه فقال: «استعيذوا بالله من عذاب القبر». مرتين أو ثلاثاً ثم قال: «إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر ثم يجئ ملك الموت حتى يجلس عند رأسه ... » الحديث، رواه أحمد بن
وجوههم
حنبل في مسنده في مسند البراء بن عازب واللفظ له، وأبو داود في كتاب السنة باب (6/89)
صفحة 2469
90
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
بالتثبيت «ادعو لأخيكم فإنه يمتحن الآن أو كما قال صلوات الله وسلامه عليه؛ يعني: يختبر من قبل الملكين فلذلك ينبغي أن يعدل إلى الدعاء بدلاً من قراءة الفاتحة الشريفة، والله أعلم.
سمعت من بعض العلماء أن قراءة القرآن عند الدفن بدعة، وقد وقفت على كتاب «سلك الدرر الحاوي غرر الأثر» للشيخ العلامة خلفان بن جميل السيابي يقول:
وينبغي في حاله ذلك أن حاله ذلك أن يقرأ يس فذاك قد يسن
فما هو الأصح في هذه الأقوال؟
ما ذكره الشيخ الله من سُنّية قراءة يس، إنما هو في حال الاحتضار لا في
حال الدفن، والله أعلم.
ما رأيكم في قراءة فاتحة الكتاب وإهداؤها وقراءة الدعاء على قبر الميت بعد دفنه مباشرة وهل يأثم من يفعل ذلك.
أما الدعاء فلا حرج فيه، أما قراءة الفاتحة فلم ترد في ذلك سُنَّة وتركها أولى.
وخير أمور الدين ما كان سُنَّة وشر الأمور المحدثات البدائع
والله أعلم.
في
المسألة في القبر وعذاب القبر، وابن حبان في كتاب البر والإحسان باب الصدق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ذكر الاستحباب للمرء أن يأمر بالمعروف من هو فوقه ومثله ودونه في الدين والدنيا إذا كان قصده فيه النصيحة دون التعيير. وأصرح منه حديث عثمان بن عفان قال كان النبي الله إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: «استغفروا لأخيكم وسلوا له بالتثبيت فإنه الآن يسأل»، رواه أبو داود في كتاب الجنائز باب الاستغفار عند القبر للميت في وقت الانصراف. (6/90)
صفحة 2470
الدفن
91
شيخنا جرت العادة عند بعض الناس عندما يتوفى عندهم شخص بعد تغسيله وتكفينه والصلاة عليه وموارته في القبر يقوم
من
الحاضرون بقراءة الفاتحة، هذا ما كان متعارف عليه عندنا قديم الزمان وفي هذه الأيام توفي هذه الأيام توفي عندنا شخص وبعد تكملة دفنه وقراءة الفاتحة فوجئنا بشخص يقوم بقراءة أدعية بصوت عالي، فنرجو من شيخنا الجليل تنويرنا عن هذه الظاهرة إذا كانت بدعة
أم سُنَّة واجبة.
لم ترد سُنَّة بقراءة الفاتحة بعد الدفن بل وردت بالدعاء للميت واتباع ما دلت عليه السُّنة أولى، والله أعلم.
هل يجوز أن يقرأ الإنسان القرآن الكريم أو الدعاء حال الميت عند دفنه في قبره أو يقرأ في بيته أم كيف؟
أما الدعاء فنعم، هو جائز إن كان الميت متولى خصه بالدعاء وإلا دعا للمؤمنين والمؤمنات، وأما قراءة القرآن في المقابر فبدعة يجب
تركها.
أتعمرن قبورنا الدوارس ويترددن إليها الدارس نتركها وهي لذاك عدة
وهذه المساجد المعدة
والمصطفى قد زارها وما قرا إلا سلاما ودعا وأدبرا
حسبك أن تتبع المختارا وإن يقولوا خالف الآثارا
والله أعلم. (6/91)
صفحة 2471
92
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
ما رأيكم في قراءة الفاتحة على القبر بعد دفن الميت مباشرة؟
لا أصل لذلك في السنة، وإنما المشروع الدعاء، والله أعلم.
هل يشرع قراءة شيء من القرآن عند إهالة التراب على الميت فقد ذكر بعض أهل العلم أنه يستحب قراءة بعض الآيات كقوله تعالى: مِنْهَا خَلَقْنَكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا غُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} (1).
لا حرج في الإتيان بالآية الكريمة من أجل التذكير والعبرة لا لقصد التلاوة،
والله أعلم.
مشروعية تلقين الميت الشهادتين بعد دفنه
ورد في بعض الروايات تلقين الميت الشهادتين، لتثبيته عند سؤال منكر ونكير فهل هذه ثابتة وعلى ماذا عملكم سماحة الشيخ؟ أخذ بهذه الرواية (2) بعض علماء المذاهب الإسلامية وتركها آخرون لأنهم
(1) سورة طه، الآية: 55.
(2) هذه الرواية جاءت من طريق أبي أمامة وفيها يقول: (إذا مت فاصنعوا كما أمرنا بي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصنع بموتانا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة فإنه يسمعه ولا يجيب ثم يقول: يا فلان ابن فلانة فإنه يستوي قاعداً ثم يقول: يا فلان ابن فلانة فإنه يقول: أرشدنا رحمك الله ولكن لا تشعرون فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة لا إله إلَّا الله وأن محمداً عبده ورسوله وأنك رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً وبالقرآن إماماً فإن منكراً ونكيراً يأخذ واحد
منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا ما نقعد عند من قد لقن حجته فيكون الله
جه دونهما .. الحديث، وقد حكم عليه جماعة كبيرة من أهل العلم بالضعف،
= (6/92)
صفحة 2472
الدفن
93
قدحوا في صحة إسنادها فرأوا تركها أولى ولم يأخذوا بها، والنبي صلى الله عليه وسلم دفن وحضر عند كثير من الموتى ولم يرو عنه أنه كان يأمر بالتلقين، ولو أمر لكان شائعاً، لأن حالات الدفن تتكرر كثيراً فكم شهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم من دفن للموتى وما نقل عنهم ذلك نقلاً ثابتاً، والله أعلم.
حكم وعظ الناس بعد الدفن
هل يستحب وعظ الناس بعد الدفن مباشرة، حيث أننا نجد بعض الناس يقومون بعدما يدفن الميت فيخطبون خطباً في الناس يعظونهم ويذكرونهم بالله واليوم الآخر، فهل ذلك مشروع؟
الأعمار
المقام مقام اتعاظ وازدجار والواقع كما يقول الشاعر: ليس العظات بما يقول مذكر مثل العظات بمصرع كم للمنون لو اعتبرنا من يد في سلبها الأرواح بالتذكار فينبغي لكل إنسان أن يذكر لأن العظات مهما كانت بلاغتها والكلمات مهما كانت اتساع معانيها في الدلالة على الوعظ، إلا إن شاهد الحال أقوى من شاهد المقال، فالأولى أن يترك الناس وشأنهم وأن لا تقطع حبال ادكارهم، أما إن كانوا يشيعون المقابر ميتاً بعد ميت وجنازة إثر جنازة ويشهدون هذه المشاهد وهم يمرحون ويشتغلون بحديث الدنيا فالأولى تذكيرهم حتى لا
قال عنه الهيثمي في مجمع الزوائد: وفي إسناده جماعة لم أعرفهم، والعجيب من ابن حجر كيف استمات في تصحيحه وذكر له شواهد متعددة كما في التلخيص وكل منها لا يصلح أن يكون شاهداً إذ ليست في معنى الحديث المذكور وهو التلقين، والله أعلم. (6/93)
صفحة 2473
94
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
يظلوا سادرين في غيهم منهمكين في شؤون دنياهم ناسين لهذا المنقلب الذي ينقلب إليه كل حي، والله أعلم.
لدى المسلمين هنا في جمهورية بروندي عادة، حيث أنهم بعد دفن الميت يلقي خطيبهم محاضرة يذكر فيها بعض الآيات ويرفع صوته وهو بجانب قبور المسلمين في المقبرة، وبعد ذلك يدعو له، واستدلوا لذلك بقول المصطفى: أسألوا لأخيكم الثبيت فإنه الآن يسأل فما هو الراجح في مثل هذه الحالات.
إن كانت المحاضرة تذكيراً بالموت وغصته وبالقبر ووحشته وبالقيامة وأهوالها وبالمنقلب وأخطاره، فلا حرج. فإن النبي صلى الله عليه وسلم حدث أصحابه عن عذاب القبر ونعيمه عند دفن الميت كما جاء في الحديث المروي من طريق البراء) له ولا حرج في الاستشهاد ببعض ما جاء في القرآن على غير التلاوة. وكذلك الدعاء للميت إن كان متولي كما جاء ذلك في الحديث (2)، والله أعلم.
حكم النزول إلى القبر بالنعال
بالنسبة للنزول إلى القبر، هل يمكن النزول إلى القبر منتعلاً؟
المقام ليس مقام انتعال إلا إذا كان لأمر يقتضي ذلك فلا مانع منه،
والله أعلم.
(1) سبق تخريجه.
(2) سبق تخريجه. (6/94)
صفحة 2474
الدفن
95
حكم دفن الأموات في قبور منحرفة
يقول السائل: وجدنا ذات مرة عدداً من القبور الجاهزة وقد انحرفت بمقدار ملحوظ عن القبلة، فهل يمكن أن يدفن فيها وإن كان لا فكيف يتصرف بها؟
إذا كان مقدار الانحراف يخرجه عن سُنَّة اتجاهه للقبلة التي صلى إليها فلا يجوز دفنه بهذه الصورة، أما إذا كان لا يخرجه فلا مانع منه كما هو الشأن في الصلاة، والله أعلم.
فإذا كانت منحرفة كثيراً هل يحول؟
نعم، يحول إلى الجهة الصحيحة، والله أعلم.
نقل الميت من بلد إلى آخر
إذا مات ميت في بلد معين هل يجوز نقله إلى مكان آخر وإذا مات في بلد غير مسلم فما الأولى هل يدفن في مكانه أم ينقل إلى بلاد المسلمين؟ الأرض كلها لله، والميت إذا مات انتقل إلى عالم آخر، فلا ينفعه دفنه في بلده شيئاً، وقد روي عن أبي أيوب الأنصاري أنه حضرته الوفاة في حصارهم للقسطنطينية فأمر أن يدفن في أقرب مكان إلى أسوارها)، وأما ما روي عن بعض أهل العلم من أصحابنا وهو المنير بن النير لله أنه أوصى بأن يدفن
(1) الحديث رواه أحمد في مسند أبي أيوب الأنصاري عن أبي ظبيان قال: (غزا أبو أيوب الروم فمرض فلما حضر قال: أنا إذا مت فاحملوني فإذا صافعتم العدو فادفنوني تحت أقدامكم ... ). (6/95)
صفحة 2475
96
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
في بلده جعلان فحمل من مكان المعركة في سمد إلى بلده فإني لا أدري مستنده الشرعي في هذه الوصية، ولكن إن مات في بلد إسلامي أو غير إسلامي وتعسر دفنه هناك على الطريقة الإسلامية، وكان حمله إلى بلده أيسر لهم من إبقائه في مكانه فلا مانع من حمله إلى بلده، والله أعلم.
حكم دفن الميت ليلا
هل يجوز دفن الميت ليلاً وما معنى الرواية الواردة في النهي عن دفن الأموات ليلاً فقد جاء في صحيح مسلم عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلاً من أصحابه قبض فكفن فى كفن غير طائل وقُبر ليلاً، فزجر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه، إلا إن اضطر إنسان إلى ذلك (1)؟
اختلفت الروايات في الدفن ليلاً، وترجيح بعضها على بعض يتوقف على النظر فيها وفي الملابسات التي وردت من أجلها وليس ذلك بوسعي الآن، والله أعلم.
حكم دفن المشرك في بلاد المسلمين
كذلك على العكس لو أن المشرك توفي في بلاد المسلمين هل يوارى
هنالك أم يرحل؟
لا مانع من مواراة جثمانه في بلاد الإسلام إذ لا يضر ذلك المسلمين شيئاً،
والله أعلم.
(1) رواه مسلم في كتاب الجنائز باب في تحسين كفن الميت. (6/96)
صفحة 2476
الدفن
97
لا
حكم الوصية بالدفن في مكان معين
إذا أوصى رجل أن يدفن في مكان معين فهل يجب العمل بهذه الوصية؟ ينبغي أن يوصى أحد أن يدفن في أحد أن يدفن في مكان معين إلا إذا كان مراعياً لأمر ما، كمن يخشى أن يدفن في مكان لا تراعى فيه حرمات المقابر أو غير ذلك، أما إذا كان في بلد إسلامي تراعى فيه حرمات المقابر فلا معنى لوصيته هذه، ولكن إن أوصى وأمكن تنفيذ وصيته فالأولى أن تنفذ وإن شق على الناس تنفيذها فلهم أن يدفنوه في أي مكان فبلاد الإسلام كلها سواء بل الأرض كلها الله وقد امتن الله علينا بأن جعلها مستقراً لنا في محيانا ومماتنا قَالَ فِيهَا تَحْيونَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (1) والله أعلم.
مقدار المسافة التي تكون بين القبور
ما هي قدر المسافة التي توضع بين قبر وآخر؟ هل هنالك مسافة
مأمور بها؟
الأصل في القبور أن تكون متجاورة ولكن إن خشي دخول قبر في آخر فلا مانع أن يوسع قليلاً بينها، وسُنَّة الله تعالى في الخلق أن يتكرر الدفن في مكان واحد، ولربما دفن في قبر واحد ميت بعد ميت عبر القرون المتتابعة كما يقول المعري خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد رب لحد قد صار لحداً مراراً ضاحكاً من تزاحم الأضداد
(1) سورة الأعراف، الآية: 25. (6/97)
صفحة 2477
98
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
ويقول العلامة أبو مسلم الله في هذا المعنى نفسه:
لا شبر في الأرض إلا من رفاتهم فخل رجلك رفقاً في مواطيها
حكم تجصيص القبور وتعليمها
لقد قامت بعض الجاليات الإسلامية بسمائل بالتعاون مع بلدية سمائل بشهر البلديات والبيئة لهذا العام بالتبرع لمشروع تجصيص وزخرفة قبر سيدنا مازن بن غضوبة، بسمائل، وقد عمل له طريق مرصوفة بالطوب الأحمر، وإنارة هذه الطريق حتى القبر كما عملت غرفة حول القبر مسقفة، وقد علقت فيها مزهرية كبيرة، ونقشت هذه الغرفة وعمل لها رفوف وبالرفوف عدة مصاحف، وقد زخرفت الغرفة بالنقوش والزخارف المختلفة، وعمل على جانبي هذه الغرفة مصليين للرجال والنساء، أما القبر فقد رفع ارتفاعاً فاحشاً، وزيد في طوله وزخرفت جدرانه وغطي بالقماش الأخضر والخشب المنحوت، وقد أصبح مزاراً بالليل والنهار، واستغل استغلالاً سيئاً من قبل بعض الفئات سياحياً، إلى أن وصل الأمر بهم إلى وضع النقود على القبر. فما حكم الإسلام في هذا الأمر، وبماذا توصون؟
ثبت في الحديث الصحيح النهي عن تجصيص القبور؛ أي: البناء عليها بالجص، ففي مسند الإمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب الله بسنده عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه نهى عن تقصيص القبور؛ أي: عن تجصيصها» (1)، وروى الحديث أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود
(1) رواه الإمام الربيع بن حبيب في مسنده باب الكفن والغسل رقم 482. (6/98)
صفحة 2478
الدفن
99
والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححه من رواية جابر ابن عبد الله له بالعديد من الألفاظ كلها تفيد هذا المعنى منها: «نهى النبي أن يجصص القبر وأن يقعد عليه)، ومنها «نهى أن تجصص القبور وأن يبنى عليها وأن توطأ» (2)، ومنها «نهى أن يبنى على القبر أو يزاد عليه أو يجصص أو يكتب عليه (3)، وفي ذلك دليل على أن أي بناء على المقابر منهي عنه سواء كان ذلك بجص أو غيره، ويؤكد ذلك ما أخرجه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه عن أبي الهياج الأسدي عن علي بن أبي طالب - كرّم الله وجهه - أنه قال له: «أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله! لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا
سويته» (4).
وهذا الأمر للوجوب كما أن النهى فيما سبق للتحريم، إذ هما الأصل في حكم الأمر والنهي إلا لقرينة، صارفة، ولا قرينة هنا، بل القرائن تؤكد ذلك الأصل، فإن البناء على القبور داعية إلى تعظيمها واتخاذها مساجد يتعبد فيها، بل ذلك داعية إلى الوقوع فيما هو أعظم من ذلك، من التقرب إلى
(1) رواه مسلم في كتاب الجنائز باب النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه، وأبو داود في كتاب الجنائز باب في البناء على القبر. (2) رواه الترمذي في كتاب الجنائز باب ما جاء في كراهية تجصيص القبور والكتابة عليها، وأبو داود في كتاب الجنائز باب في البناء على القبر، وأحمد في مسند جابر بن عبد الله .. (3) رواه النسائي في الصغرى في كتاب الجنائز باب الزيادة على القبر، وأبو داود في كتاب الجنائز باب في البناء على القبر. (4) رواه مسلم في كتاب الجنائز باب الأمر بتسوية القبر، والنسائي في كتاب الجنائز باب تسوية القبور إذا رفعت، وأبو داود في كتاب الجنائز باب في تسوية القبر، والترمذي في كتاب الجنائز باب ما جاء في تسوية القبر. (6/99)
صفحة 2479
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
صاحب القبر بأنواع القرابين والنذور والتوجه إليه بالدعاء دون الله، وهو مناف لما تقتضيه عقيدة التوحيد من إفراد الله تعالى بالدعاء كإفراده بالعبادة، فإن الله سبحانه علمنا أن نفرده بكل منهما في قوله فيما أمرنا أن نخاطبه به إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (1)، ونعى هذه الحالة على أهل الجاهلية الذين اتخذوا مع الله آلهة أخرى يدعونها من دونه في ملماتها، فقد قال: قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظُّلُمَتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاة خَلَقُوا كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّرُ} (2)، وقال: {وَلَين سَأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُتَ اللَّهُ قُلْ أَفَرَعَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرِهَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرِهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ، قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (3).} ولا يرتاب ذو لب أن الإسلام جاء بما يستأصل جميع هذه الترهات ويقضي على كل الضلالات والبدع، ويقطع عليها السبيل ويوصد في وجهها أبواب، فلذلك لم يدع فيما شرع لها منفذاً، ومن ذلك التشديد في اتخاذ القبور مساجد، فقد أخرج أحمد والشيخان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: العن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (4)، وروى أحمد وأصحاب
6
(1) سورة الفاتحة، الآية: 5.
(2) سورة الرعد، الآية: 16.
(3) سورة الزمر، الآية: 38.
(4) البخاري في كتاب أبواب المساجد باب الصلاة في البيعة، ومسلم في كتاب المسجد ومواضع الصلاة باب النهي عن بناء المساجد على القبور، وأحمد في
مسنده
، أبي هريرة. (6/100)
صفحة 2480
الدفن
السنن إلا ابن ماجه عن ابن عباس الله قال: «لعن رسول الله! زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج)، ولا يكون اللعن إلا على كبيرة فإنه الطرد من رحمة الله - والعياذ بالله وهو يعني أن جعل المقابر دوراً للعبادة واتخاذ السرج عليها من أقبح المنكرات وأفحش الضلالات.
وقد أدرك علماء الأمة ما رمى إليه الشارع من المقصد الشرعي في هذا التشديد، ففي شرح مسند الإمام الربيع بن حبيب الله للإمام نور الدين
ما
السالمي - رحمة الله عليه ـ في شرح حديث النهي عن تقصيص (2) القبور نصه: «وذلك كله فرار عن الشهرة فإن خير القبور ما درس» ومثله في كتاب الجنائز من المعارج، وحكى الإمام الشافعي أنه رأى الأئمة بمكة يهدمون ما يبنى؛ أي: على القبور، وذكر الشوكاني كيف سرت إلى هذه الأمة عقائد أهل الجاهلية بسبب بنائها على القبور حيث قال ما نصه: وقد سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام، وعظم ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر، فجعلوها مقصداً لطلب قضاء الحوائج وملجأ لنجاح المطالب وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم، وشدوا إليها الرحال، وتمسحوا بها واستغاثوا، وبالجملة إنهم لم يدعوا شيئاً مما كانت الجاهلية تفعله بالاصنام إلا فعلوه فإنا لله وإنا إليه راجعون، ومع هذا المنكر الشينع والفكر الفظيع لا نجد من يغضب الله ويغار حمية للدين الحنيف، لا عالماً ولا متعلماً ولا أميراً ولا وزيراً ولا ملكاً،
(1) أبو داود في كتاب الجنائز باب في زيارة النساء القبور، والنسائي في السنن الكبرى كتاب الجنائز باب التغليظ في اتخاذ السرج على القبور، والترمذي في كتاب أبواب
الصلاة باب كراهية أن يتخذ على القبر مسجداً، وأحمد في مسند ابن عباس. (2) أي تجصيصها. (6/101)
صفحة 2481
102
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيراً من هؤلاء القبوريين إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجراً، فإذا قيل له بعد ذلك احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني تلعثم وتلكأ وأبى واعترف بالحق، وهذا من أبين الأدلة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال إنه تعالى ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة، فيا علماء الدين ويا ملوك المسلمين أي رزء للإسلام أشد من الكفر، وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله، وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة، وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن هذا الشرك البين واجباً إنكاره»، وقال المحقق الخليلي - رحمه الله تعالى - في جوابه المتضمن حكم القرءاة على المقابر وبالجملة فالمقابر لم تجعل للعبادة بدليل ما في الأمر بدرسها والنهي عن الصلاة فيها من إفادة». وهذا وقد أدرك علماؤنا ما يترتب على البناء على المقابر من مضار دينية و مفاسد عقدية، فلم يجيزوا البناء على قبر عالم ولا غيره كما صرح به القطب - رحمه الله تعالى - في شرح النيل، ويؤيده ما في «الشامل» بل كانوا يهدمون ما ينشأ من الأبنية على القبور اتباعاً لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد حكم إمام المسلمين العلامة محمد بن عبد الله الخليلي - رحمه الله تعالى - بهدم ما أنشئ من بناء على قبور الأئمة بنزوى، ومرّ الشيخ العلامة عيسى بن صالح الحارثي على قبر إمام المسلمين الشهيد سالم بن راشد الخروصي، وقبر أبيه العلّامة المحتسب الصالح وقبر العلّامة الرضي الشيخ أحمد بن سعيد الخليلي - رحمة الله عليهم أجمعين ـ فوجد أبنية عليها فأمر حالاً بهدمها وإزالتها، ولئن كان الجهلة يعتقدون أن في إنشاء هذه المباني على قبور الصحابة والصالحين توقيراً لهم وإحياءً لذكراهم، فإن ذلك ليس بشيء، وإنما توقيرهم وأحياء ذكراهم في اتباع هديهم والتأسي بطريقتهم (6/102)
صفحة 2482
الدفن
103
وإحياء دعوتهم، وأين ذلك من هذه البدع المخالفة للسُّنَّة؟!، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
نرى بعض الناس بعد أن يدفنوا موتاهم يضعون قطعاً من الأسمنت يكتب عليه اسمه مثلاً أو بعض الأمور ومنهم من يقصص القبور فهل مثل هذا مشروع أم لا؟
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تقصيص القبور - أي: تجصيصها ـ ويحمل على الجص كل ما كان بناء أو نحوه، ولكن لا مانع من أن توضع حصاة تكون دليلاً على ميت من غير أن يكتب عليها شيء، كما وضع النبي صلى الله عليه وسلم حصاة على قبر عثمان بن مظعون (1) رضي الله تعالى عنه، أما أن يبنى بنيان فذلك مخالف للسُّنَّة ولو بني بغير الجص، والله أعلم.
هل يجوز تمييز القبور وضع لائحة إسمنتية أو غيرها باسم المتوفى)؟ هذه من البدع المنهي عنها فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تجصيص القبور ولهذا حكم التجصيص، وخير القبور دوارسها وهذا ينافي الاندراس، والله أعلم.
(1) الحديث رواه أبو داود عن المطلب بن عبد الله بن حنطب التابعي قال: لما مات عثمان بن مظعون أخرج بجنازته فدفن، فأمر النبي صلى الله عليه وسلمرجلاً أن يأتي بحجر فلم يستطع حمله، فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم و حسر عن ذراعيه (قال كثير): قال المطلب: قال الذي (يخبرني): كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حسر عنهما ثم حملها فوضعها عند رأسه وقال: أتعلم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي). كتاب الجنائز باب في جمع الموتى في قبر والقبر يعلم. ورواه البيهقي أيضاً في السنة الصغرى في كتاب الجنائز باب السنّة في سل الميت من قبل رجل القبر. (6/103)
صفحة 2483
1 - 8
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
ما قولكم في من يبني سوراً على قبر أبيه (أي: عمارة القبر) هل هذا حلال أم حرام، وهل الزرع على حدود القبر مثل الورد وغيره حلال.
لا يجوز البناء على المقابر ولا زرع شيء عليها فإن ذلك ينافي ما هو المطلوب من اندراسها كما أنه داعية لتعظيمها المنافي لعقيدة التوحيد وقد
ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن تجصيص القبور، والله أعلم.
هل يصح عمل طابوق وإسمنت للقبر وأن يحاط به، وذلك خوفاً من الأمطار والشراج إذ قد يندثر القبر بطول المدة فيدفن مكان الأول شخص آخر فما الحكم في ذلك؟
نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تقصيص القبور أي تجصيصها، وذلك لأن المطلوب من القبور اندراسها، لا أن تكون معالم للناس وعليه فلا أرى أن يحاط القبر بالأسمنت أو غيره، والله أعلم.
ما حكم الشرع في تصريج القبور بالأسمنت والكتابة والنذر عليها، وما دور القاضي الشرعي حيال هذا الموضوع، وإذا كان هذا الفعل غير جائز فهل تهدم القبور بعد التصريح؟
كل ذلك من البدع المنكرة ولا يجوز السكوت عن ذلك سواء من القاضي أو غيره من القادرين ففي الحديث: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وهو أضعف الإيمان» (1) البنيان ليس هو جائزاً فقط بل هو واجب على القادر، والله أعلم.
وهدم
هذا
(1) رواه مسلم من طريق أبي سعيد الخدري كتاب الإيمان باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان. (6/104)
صفحة 2484
الدفن
1.0
هل يجوز تعليم القبر بعلامة تميزه عن غيره من حجر أو شجر أو عود
أو نحو ذلك؟ وإن كان جائزاً فما الأفضل في ذلك؟
لا مانع من ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم وضع علامة على قبر عثمان بن مظعون ويجوز أن تكون العلامة حجارة أو عوداً وينهى عن كتابة شيء على القبر،
والله أعلم.
دفن الميت في البحر
إذا مات ميت وهو في البحر وتعذر إيصاله إلى الساحل خوف تعفنه فماذا يفعل به؟ هل يرمي به في البحر، وربما بعد رميه يطفو أم يجوز وضع ثقل فيه نرجو إفادتنا في هذه المسألة؟
يجهز ويرمى في البحر ويشد إليه ثقل حتى لا يطفو، والله أعلم.
ما يفعل بالميت عند تعذر دفنه
ذهب جماعة من أهل العلم إلى جواز وضع الميت في تابوت عند تعذر دفنه كأن تكون الأرض رخوة أو رطبة فما رأي سماحتكم في
هذه المسألة؟
هذا مشروط بتعذر الدفن لمثل الأسباب المذكورة، ففى هذه الحالة يجوز
جعله في التابوت ودفنه مع التابوت، والله أعلم.
(1) سبق تخريجه. (6/105)
صفحة 2485
1.7
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
دفن الميت في غير المقابر
هل يجوز قبر الميت في غير المقابر كالدور والمزارع والمساجد والمدارس ونحوها؟
يجب الدفن في المقابر ويجوز في سائر الأرض، ولا يجوز في المساجد وأماكن العبادات لئلا يؤدي ذلك إلى تعظيم القبور أو الموتى، والله أعلم.
حكم شراء الموضع الذي يقبر فيه الإنسان
هل يجوز شراء الموضع الذي يقبر فيه الإنسان؟
لا حرج في ذلك، وقد يكون ذلك ضرورة لا مناص عنها في البلاد التي لا توجد فيها مقابر لعامة المسلمين، والله أعلم.
حكم دفن أموات الحيوانات
ما الحكم الشرعي في دفن أموات الحيوانات من غنم وغيرها حيث يكون دفنها تحت الحجارة وليس في حفرة تحت الأرض.
لا مانع من ذلك لأنما المراد مواراة جثتها عن إيذاء الناس، والله أعلم.
فتاوى عامة
إذا وضع الميت في قبره قام بعض الناس بتشقيص الحصى بين كتفيه ومع الحزاق ومغابن الركع فلما سألتهم قالوا: إن تشقيص (6/106)
صفحة 2486
الدفن
107
الميت كيلا ينقلب الميت فينقلب أهل بيته، فما قول سماحتكم في
ذلك؟
الميت لا يعود إلى أهله ولا يبعث إلى قيام الساعة، والله أعلم.
من العادات التي يفعلها بعض العُمانيين بعد دفن الميت القعود في المقبرة وعلى القبور يأكلون الحلوى ويشربون القهوة لأجل المراجعة هل يجوز ذلك؟
هذه العادة في الدفن من البدع الضالة التي تجب محاربتها واستئصالها فليست المقابر محلاً للتلذذ بالمطاعم والمشارب ولكنها موضع عبرة بمصير الإنسان إنما الجهل قائد إلى كل مهلكة ودافع إلى كل مزلقة وصاد عن كل خير، والله أعلم. (6/107)
صفحة 2487
[صفحة فارغة] (6/108)
صفحة 2488
زيارة القبور وأحكام المقابر
حكم زيارة القبور
هل زيارة القبور مأمور بها؟ وهل في زيارتها فضل؟
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور في أول الأمر لما كان الناس حديثي عهد بالجاهلية لم يتخلصوا من علائقها وكان يخشى عليهم أن يتبعوا نهجاً من مناهجها أو تورثهم ارتباطاً بها في معتقداتها وأفكارها، ولكن بعدما استقرت العقيدة ووضحت الصورة أمرهم بزيارتها مع نهيهم أن يقولوا هجراً؛ أي: قولاً باطلاً ـ قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ولا تقولوا صراً» (1)، ولكن إذا كانت الزيارة من أجل الاستعانة بالميت وطلب دفع شيء أو ظن تحقيق منفعة من المنافع فزيارتها ممنوعة لأنها مخالفة لأصل الشريعة الإسلامية فإن الله تعالى وحده هو النافع والضار وهو وحده الذي المطالب ويستجيب الدعاء. يقول سبحانه وتعالى {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظُّلُمَتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّرُ} (2).
پيسر
(1) رواه الإمام الربيع في مسنده برقم 481 باب في القبور، ومالك في الموطأ في كتاب الضحايا باب ادخار لحوم الأضاحي، والنسائي في الصغرى في كتاب الجنائز باب زيارة القبور. (2) سورة الرعد، الآية: 16. (6/109)
صفحة 2489
110
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
ومن الاعتقادات الضالة أن يتقرب الناس إلى القبور بالقرابين والنذور وأمثال هذه الأمور المخالفة لشرع الله وعقيدة الإسلام فالميت ولو كان صالحاً لا
يستطيع أن ينفع نفسه في حياته فكيف يقدّم النفع لغيره بعد وفاته. فمقصد الأمر من زيارة القبور الاتعاظ والاعتبار، واتباع السنة في زيارتها دون الإتيان بهذه البدع، والله أعلم.
ما قولكم في زيارة القبور وقراءة القرآن والأدعية على المتوفين، علماً بأننا نفعل ذلك وقد أنكر علينا أحد الناس وقال: إن الإنسان لا ينتفع
بما تفعلونه له بعد موته فلا زيارة ولا قراءة ولا دعاء.
زيارة القبور مشروعة للذكرى والموعظة الحسنة لا للعبادة)، فإنها ليست موضعاً للعبادة ولذلك جاء في الحديث الصحيح من رواية ابن عمر ا أن النبي نهى عن الصلاة في المقبرة وقال: «لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (2) وقال: لا تجعلوا قبري عيداً (3) وقد كان صلى الله عليه وسلم نهى أولاً عن زيارة القبور عندما كان الناس حديثي عهد بالجاهلية لدرء المفاسد المترتبة على سوء الاعتقاد، وعندما صفيت العقيدة من أدران الجاهلية ورسخت في النفوس أباح عليه أفضل الصلاة والسلام لهم زيارتها للحكمة التي ذكرتها وقد زار النبي صلى الله عليه وسلم نفسه أهل البقيع وسلم عليهم ودعا لهم من غير أن يصلي أو يتلو شيئاً من القرآن فيجب الاقتداء به عليه أفضل
(1) وهذا ما يدل عليه قول الرسول نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن في زيارتها تذكرة)، رواه أبو داود في كتاب الجنائز باب في زيارة القبور.
(2) سبق تخريجه.
(3) رواه أبو داود في كتاب الجنائز باب في زيارة القبور. (6/110)
صفحة 2490
زيارة القبور
وأحكام المقابر
الصلاة والسلام والحرص على هديه وما أجدر القرآن أن تعمر به بيوت الله
ومساكن الأحياء لا مساكن الموتى.
قبر
أتعمرن قبورنا الدوارس ويترددن إليها الدارس
وهذه المساجد المعدة
نتركها وهي لذاك عدة
والمصطفى قد زارها وما قرا إلا سلاماً ودعا وأدبرا حسبك أن تتبع المختارا وإن يقولوا خالف الآثارا
أما إطلاق القول بأن زيارة القبور لا تجوز فهو خطأ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزورها ولا تقولوا هجراً» (1) فهذه إباحة بعد المنع وأمر بعد نهي وهذا الإطلاق مصادم لهذا النص وقد زار النبي صلى الله عليه وسلم أُمه كما زار أهل البقيع ()، فما وجه هذا القول؟!، نعم يحرم الباطل الذي يأتي به الجهلة السخفاء في زيارتهم للقبور فافهم وأما السعادة فلا ينالها المخلوق بعمل غيره وإنما بعمله ولكن أهل الخير يضاعف الله أجورهم بما يدعو لهم به الأحياء كذريتهم وما يعملونه من الصالحات المشروعة كالصدقة والحج والعمرة، والله أعلم.
بسببهم
(1) سبق تخريجه.
(2) زيارته لأمة جاء من طريق أبي هريرة قال: زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أُمه فبكى وأبكى من حوله فقال: استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن
لي) رواه مسلم في كتاب الجنائز باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه عل في زيارة قبر أمه. أما زيارته لأهل البقيع فهو من طريق السيدة عائشة قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما كان ليلتها منه، يخرج من آخر الليل إلى البقيع، فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غداً مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد) رواه مسلم في كتاب الجنائز باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها؟ وهو عند الإمام الربيع برقم 43. (6/111)
صفحة 2491
112
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
هل يجوز لأحد أن يزور قبر أحد أقاربه، وما هو الدعاء المستحب؟
تجوز زيارة القبور من غير هجر، والدعاء للميت إن كان من أهل الصلاح،
والله أعلم.
حكم زيارة النساء للقبور
هل تصح زيارة القبور للمرأة والرجل وهل يستفيد الميت من تلك
الزيارة؟
أما الميت لا يستفيد من نفس الزيارة، ولكن إن كان صالحاً ودعا له الزائر يرجى له أن يتقبل الله سبحانه وتعالى فيه الدعاء وأن يضاعف له الأجر وأن يدفع عنه العذاب، أما الزيارة فهي مشروعة للرجل بالإجماع من أجل أن يتعظ بمصير الموتى ومن أجل أن يقتدي بالصالحين وأن يزهد في هذه الحياة الدنيا، وفي زيارة المرأة للمقابر خلاف فأكثر الروايات جاءت بالمنع) وقد روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها زارت قبر أخيها (2) ويجمع هذه الروايات بأن المنع من أجل كون المرأة شديدة التأثر سريعة الانفعال، فإن كانت مأمونة التأثر فلا حرج عليها في الزيارة، والله أعلم.
ما بين
(1) من هذه الروايات ما جاء في حديث أبي هريرة عند الترمذي وغيره: أن رسول الله لعن (زوارات القبور) كتاب الجنائز باب ما جاء في كراهية زيارة القبور للنساء. (2) حديث السيدة عائشة جاء من طريق عبد الله بن أبي مليكة قال: إن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر. فقلت لها: يا أُم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر. فقلت لها: أليس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم كان نهى ثم أمر بزيارتها. رواه النسائي في كتاب الجنائز باب
زيارة القبور. (6/112)
صفحة 2492
زيارة القبور وأحكام المقابر
113
هل يصح الأموات؟
للنساء زيارة المقبرة وقراءة القرآن (الفاتحة) على
زيارة المقابر تنهى عنها النساء لما قد يحدث منهن من العويل. ورخص بعضهم لهن فيها مع الأمن من هذا المحذور، وقراءة القرآن على القبور بدعة، سواء كانت من الرجال أو النساء، والله أعلم.
هل يجوز للمرأة زيارة القبور؟
في زيارة المرأة للقبور خلاف والصحيح الجواز إن كانت تقدر أن تملك مشاعرها حتى لا يصدر منها ما يخالف ولم تقصد بها إلا الذكرى والعبرة و ترقيق القلب، والله أعلم.
هل تجوز زيارة القبور للنساء، وماذا يُقرأ عند قبر الميت، وكيف تسير المرأة بين القبور إلى أن تصل إلى قبر أحد ذويها؟
لا تسن لها الزيارة وإنما يكره لها ذلك والزيارة إنما هي للاتعاظ ولا يزيد الزائر فوق التسليم والدعاء بالخير، والله أعلم.
هل يجوز للمرأة أن تزور المقابر وإذا كان جائزاً فهل لها أن تقرأ القرآن على قبر أحد أقاربها وإن كان غير جائز فما الحكمة من المنع؟
في زيارة المرأة المقابر خلاف بين العلماء والروايات في ذلك لا تخلو من تعارض والحكمة في نهيهن اتقاء أن يحدث منها شيء من العويل والبكاء النساء وسرعة تأثرهن ولا تجوز قراءة القرآن على القبور لما في
لقلة
صبر
ذلك من البدعة، والله أعلم. (6/113)
صفحة 2493
114
الفتاوى
الجنائز - حوادث المركبات
ما قولكم في المرأة التي تزور بعض المساجد التي في المدينة المنورة وبالأخص مسجد قباء، وكذلك أيضاً زيارة البقيع وشهداء أحد؟
لا تُمنع المرأة من دخول المساجد والصلاة فيها ومسجد قباء من المساجد التي تقصد للصلاة لمضاعفة الأجر فيه وذلك كله ما لم تزدحم بالرجال
وإلا فعليها الاجتناب وأما زيارة القبور للمرأة ففيها خلاف، والله أعلم.
هل يصح للنساء زيارة القبور وبالأخص قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر ومقبرة البقيع ومقبرة أحد للسلام على أصحاب هذه القبور؟
6
لا تشرع للنساء زيارة القبور عند الأكثر وقيل تشرع والصحيح أنها مباحة لهن إن أمِنَّ الانفعال والإتيان بالمكروه وقصدن بها العبرة والذكرى وليست مندوبة كما هي للرجال، والله أعلم.
زيارة القبور هل هو عام للرجال والنساء أم خاص للرجال فقط؟ الأصل في الزيارة أن تكون للرجال لأنهم قادرون في التحكم في عواطفهم أكثر من النساء، وجاءت روايات متعددة كثيرة فيها النهي عن زيارة النساء للقبور، وروي عن السيدة عائشة لها أنها زارت قبر أخيها)، وهذه الزيارة محمولة على الاعتبار والاتعاظ والدعاء، وكانت السيدة عائشة متحكمة في عواطفها، لم تتأثر في زيارتها بها كما تتأثر النساء الأخريات فلذلك استباحت لنفسها هذه الزيارة، وإنما منعت النساء الأخريات من زيارة القبور تفادياً بهذا التأثر لأنهن سرعان ما يخرجن عن حدود الاعتدال، واستدل طائفة منهم بفعل السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها على أنها كانت لأجل
(1) سبق تخريجه. (6/114)
صفحة 2494
زيارة القبور وأحكام المقابر
115
الاتعاظ والاعتبار فلم يُمنع النساء من ذلك بشرط أن لا يخالطها شيء من
المنهيات، والله أعلم.
ذكرتم سماحة الشيخ أن السيدة عائشة زارت قبر أخيها عبد الرحمن، فهل زيارة قبر بعينه من بين المقبرة مشروع أم يشرع زيارة المقبرة بشكل عام وإطلاق السلام عليها؟
الأولى إتباع السُّنَّة فيفعل الإنسان كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم حيث زار بقيع الغرقد (1) وشهداء أحد (2) وسلّم على المؤمنين جميعاً فلا مانع من أن يزور الإنسان المقابر مع التسليم على كل من في القبور من المؤمنين والمؤمنات، وإن كان من بين هذه القبور قبر رجل مشهور أو إمرأة مشهورة بصلاحها وتقواها وفضلها فلا مانع أن تُخصص لهما الزيارة مراعاة لصلاحهما وتقواهما، من غير أن يدخل فيها شيء من البدع أو المنكرات، وما يفعله بعض الناس من تخصيص الزيارات الموسمية كأيام الأعياد وغيرها كأنما يذهبون لتهنئة الموتى بالعيد فلا دليل عليه من السُّنَّة، والله أعلم.
(1) سبق تخريجه.
(2) عن عقبة بن عامر: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوماً فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر فقال: «إني فرط لكم وأنا شهيد عليكم وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض أو مفاتيح الأرض وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيه» متفق عليه، البخاري في كتاب الجنائز الصلاة على الشهيد، ومسلم في كتاب الفضائل باب إثبات حوض نبينا صلى الله عليه وسلم وصفاته والمقصود بالصلاة هنا الدعاء كما ذكر ذلك طائفة كبيرة من أهل العلم إذ إن العرب كانوا يسمون الدعاء صلاة. (6/115)
صفحة 2495
))
116 الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
آداب زيارة القبور
ما الآداب التي ينبغي أن تُراعى في زيارة القبور وما لفظ السلام الوارد السُّنَّة الذي ينبغي أن يلتزمه زائر القبور؟
في
يُؤمر بالتقيد بالسنة، واستحب بعض العلماء أن يأتي الميت من قبل وجهه ويسلّم عليه إذا كان يزور شخصاً بعينه كما يفعل من يزور قبر الرسول صلى الله عليه وسلم حيث يقف أمام وجهه الشريف صلوات الله وسلامه عليه، ويسلّم عليه، واللفظ المشروع في السلام هو المروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم: السلام عليكم ديار قوم مؤمنون، أنتم المتقدمون ونحن على آثاركم إن شاء الله لاحقون» (). ولا مانع أن يأتي بأدعية أخرى مأثورة أو يدعو لأهل الصلاح والتقوى ويدعو لعامة المسلمين والمسلمات ويدعو لنفسه بحسن الخاتمة وأن يجعل الله منقلبه منقلب خير ورحمة، وأما قراءة القرآن فذلك مما يُنهى عنه في المقابر وقد أجاد الإمام نور الدين السالمي ـ رحمه الله تعالى ـ عندما قال:
أتعمرن قبورنا الدوارس ويترددن إليها الدارس وهذه المساجد المعدة نتركها وهي لذاك عدة والمصطفى قد زارها وما قرا إلا سلاماً ودعا وأدبرا حسبك أن تتبع المختار وإن يقولوا خالف الآثارا
فما أروع هذا القول فينبغي الاستمساك بهذه الأدب، والله تعالى أعلم.
(1) سبق تخريجه. (6/116)
صفحة 2496
زيارة القبور وأحكام المقابر
117
ما الأشياء التي يجب فعلها والتي تفيد الميت عند زيارة القبر؟ السُّنَّة أن يسلّم على أهل القبور ويدعو بالخير لنفسه ولهم ولا يزيد على
ذلك،
والمصطفى قد زارها وما قرا إلا سلاماً ودعا وأدبرا حسبك أن تتبع المختارا وإن يقولوا خالف الآثارا
والله أعلم.
كيف تكون تحية المقابر
كيف تكون تحية المقابر كما لا يخفى بأن فيها المتولي وغير المتولي؟ تحيى المقابر بما حياها به النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين إلخ) وينوي بها المؤمنون دون غيرهم إن كانوا أخلاطاً والله أعلم.
يكثر بعض الناس من ذكر قوله تعالى: {يَتَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَينَةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةٌ) (2) إذا مات شخص معين فهل هذا مشروع؟
لا يسوغ ذلك إن كان المراد به القطع بأن المتوفى من أهل السعادة، وإنما يسوغ فيمن ظهر صلاحه وتقواه إن كانت على سبيل التفاؤل لهم بالرحمة،
والله أعلم.
(1) سبق تخريجه
(2) سورة الفجر، الآيتان: 27، 28. (6/117)
صفحة 2497
118 الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
أوقات زيارة القبور
هل لزيارة القبور أوقات معينة؟
زيارة القبور ليس لها وقت معين فتصح في أي وقت، والله أعلم.
قراءة القرآن على القبر
هل تُعد قراءة الفاتحة أو شيء من القرآن على قبر الميت بعد دفنه مباشرة أو حال الزيارة موافقة لهدي السنة المطهرة، فإن لم تكن موافقة فما هو المأثور في
ذلك؟
زيارة القبور ليست عبادة من العبادات وإنما شرعت لأجل الاعتبار والاتعاظ. فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «العن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (1) ومعنى ذلك أن المسلم يُؤمر ألا يتخذ قبراً بمثابة مسجد يقوم بالعبادة حوله، وقراءة القرآن الكريم في مقدمة العبادات، والنبي صلى الله عليه وسلم في زيارته للقبور وفي دفنه للموتى ما قام بقراءة شيء من القرآن، بل جاء عنه ما يدلُّ على أن المقابر ليست موضعاً لتلاوة القرآن الكريم، فقال: «صلوا صلاتكم في بيوتكم ولا تجعلوها قبوراً (2)، والسُّنَّة دالة على الدعاء للميت لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بعد مواراة الميت أن يدعى له بالتثبيت وهذا هو الأولى، والله أعلم.
(1) سبق تخريجه.
(2) رواه البخاري في كتاب أبواب المساجد كراهية الصلاة في المقابر، ومسلم كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد، ويشهد له على منع القراءة ما رواه مسلم في نفس الباب من طريق أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة). (6/118)
صفحة 2498
زيارة القبور وأحكام المقابر
119
ما قول سماحتكم في قراءة القرآن والفاتحة على الميت وهل يصل
ثوابها إليه؟
ليس في الكتاب ولا في السنة ما يدلُّ على مشروعية ذلك ولا على أن
الميت ينتقع به، والله أعلم.
زيارة المسلم لقبور الكفار
ما حكم زيارة المسلم لقبور الكفار؟
لا حرج في زيارة قبورهم لا سيما الوالدان، لأن النبي صلى الله عليه وسلم زار قبري أبويه)، اللهم إلا إن أوهمت زيارته لهم الرضى عنهم أو عما كانوا عليه من الكفر،
والله أعلم.
بناء المغسلة والمصلى في المقبرة
هل يجوز أن يكون موقع المغسلة والمصلى داخل المقبرة جهة الغرب علماً بأنه لا توجد قبور بجانبها؟
إن كانت لا توجد في ذلك المكان قبور فلا حرج، والله أعلم.
(1) سبق تخريجه. (6/119)
صفحة 2499
120
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
حكم المشي على المقابر
هل يجوز المشي على المقابر؟
المشي على القبور مما نهى عنه وشدد النبي صلى الله عليه وسلم في أي حدث في المقابر كما في قوله: «لأن يقعد أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه حتى تفضي إلى جسمه خير له من أن يجلس على قبر» (1). لذلك أرى لزاماً إنكار هذا المنكر،
والله أعلم.
قرية تحيط بها من كل الجوانب مقبرة ما عدا الجانب الجنوبي يوجد وادٍ عميق. وقد كانت هناك طريق من الجانب الشمالي تؤدي إلى هذه القرية وهي طريق للمشاة فقط، وكنا نمشي على قبور قديمة وسط هذه الطريق، فأردنا أن نوسع هذه الطريق إلى طريق للسيارة، علماً بأنه لا مجال بأن نعمل طريق أخرى من أي جهة أخرى. فهل يجوز أن نزيد كبس فوق القبور المذكورة ونستعملها لمرور السيارات والمدينة قديمة جداً أكثر من تسعين
عاماً.
لا يجوز المشي على القبور (2) فإن كنتم تجدون أي مناص من ذلك فعليكم التماس المناص وفي حالات الضرورة فهي تقدر بقدرها، والله أعلم.
(1) رواه مسلم في كتاب الجنائز باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه. (2) لقول الرسول الله صلى الله عليه وسلم: (لأن أمشي على جمرة أو سيف أو أخصف نعلي برجلي أحب إليَّ من أن أمشي على قبر مسلم، وما أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السوق) رواه ابن ماجه في كتاب الجنائز باب ما جاء في النهي عن المشي على القبور والجلوس عليها. (6/120)
صفحة 2500
زيارة القبور
وأحكام المقابر
121
حكم اتخاذ المقبرة طريقاً
ما حكم من يتخذ المقابر طريقاً بحجة إنها قديمة، وأن المقابر إذا مضى عليها أربعون سنة يجوز المرور عليها؟
لا يجوز اتخاذ المقابر طريقاً وإن تقادمت لثبوت حرمتها بنصوص السنة ولم يقم دليل على سقوط حرمتها بانتهاء فترة زمنية عليها، والله أعلم.
هل يجوز إنشاء طريق فوق المقبرة؟
لا يجوز اتخاذ المقابر طرقاً وذلك من أجل حرمة المقابر الناشئة عن حرمة موتى المسلمين، وناهيك أن النبي يقول: لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق
ثيابه حتى تفضي إلى جسمه خير له من أن يجلس على قبر)، والله أعلم.
توجد طريق يقال أنها كانت مقبرة ولا نحفظها جيداً، إلا أنه توجد بعض آثار القبور، فهل من حرج إذا قمنا بكبس المقبرة؟
لا يجوز المرور في المقبرة إلا في الطريق المعهودة من قبل، مراعاة لحرمات المقابر ولو تقادم عهدها فإن النهي وارد عن المشي على القبور بل شدد النبي صلى الله عليه وسلم في مجرد القعود على القبر، حيث قال: «لأن يقعد أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه حتى تفضي إلى جسمه خير له من أن يقعد على قبر وقد ذكر العلماء أن القبر له أرضه وسماؤه فلا يجوز إحداث جسر فوق القبور ليكون ممراً فكيف بالكبس، وعليه فالأولى والأسلم أن تتركوا الأمر كما هو، والله أعلم.
(1) سبق تخريجه. (6/121)
صفحة 2501
122 الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
ما قولكم في إمرار شارع القار على مقابر المسلمين مع وجود الطريق البديل لذلك وغرس عمد الكهرباء فيها فهل يجوز ذلك؟
للمقابر حقوق وحرمات لا يجوز انتهاكها ناهيك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لأن يقعد أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه حتى تفضي إلى جسمه خير له من
((
أن يقعد على قبر وإذا كان هذا فى القعود فما بالك بما فوقه من الوطء
بالأقدام والنعال أو المرور بالسيارات والآلات فهو لا ريب أعظم إثماً لأنه أشد انتهاكاً وأبلغ ضرراً وعليه فإن شق الطرق في المقابر انتهاك صريح لحرمتها إذ يترتب عليه: أولاً: تغيير معالم القبور التي تمر بها الطريق ثم دوسها بالأقدام ومرور الأثقال بها فضلاً عما ذكرته من نصب عمد الكهرباء عليها وما الذي يضير أهل البلاد إن اختطوا لأنفسهم طريقاً ينأون بها عن المقبرة ولو طالت أميالاً أو فراسخ؟ ما دامت السلامة من الإثم مرهونة بذلك أم أنهم هانت عليهم حرمات الآباء والأجداد الذين طواهم الدهر فأسكنهم الأجداث؟
وقبيح بنا وإن قدم العهد هوان الآباء والأجداد
فليراعوا حرمات من قبلهم ليرعى من يأتي من بعدهم حرماتهم،
والله أعلم.
حد حريم المقبرة
لقد كنت أملك قطعة أرض مقام عليها دكان للتجارة وبجوار المسجد، وعند توسع المسجد تنازلت عن قطعة الأرض ودخلت (6/122)
صفحة 2502
زيارة القبور وأحكام المقابر
123
ضمن حرم المسجد وحصلت على قطعة أرض أخرى تعويضاً عن السابقة، لإقامة الدكان عليها على امتداد بعض المباني المقامة هناك مع العلم بأن هذه الأرض على جانب الطريق وتحد من الجانب الآخر بأسوار المقبرة وعندما بدأنا في حفر قواعد البناء وجدنا بقايا لجماجم وعظام الموتى في بعض من الحفر، فما رأي سماحتكم في ذلك، هل نقيم المبنى أم نتوقف عن مواصلة العمل؟
ابتعدوا عن حريم المقبرة التي ظهرت لكم وابنوا فيما وراء الحريم وحريمها أربعون ذراعاً على الأظهر، والله أعلم.
ما هو حد حرم المقبرة وهل يجوز قضاء حاجة الإنسان خارج هذا
الحرم مباشرة؟
قيل ثمانون ذراعاً وقيل أربعون وهو وسط وقيل ثلاثة وقيل ذراعان ومهما ابتعد عن المقبرة في قضاء حاجته كان أفضل له، والله أعلم.
حكم البناء على القبور
هل يجوز البناء على القبور أو كسوتها وتظليلها، وكذا عمل القبة أو
الخباء أو الفسطاط عليها؟
كل هذه الأعمال بدع منكرة لا تجوز في الإسلام وإنما يظلله عمله إن عمل صالحاً، والله أعلم.
لقد قدر لي الله وشيدت منزلاً في منطقة الأنصب بولاية بوشر وبعد مرور فترة من الزمن أصبح الساكنين في ذلك المنزل يعانون من (6/123)
صفحة 2503
124
الفتاوى
الجنائز - حوادث المركبات
مشکلات کسماع أصوات غريبة أو فتح وغلق الأبواب بدون وجود أشخاص أو أصوات وقع أقدام وغير ذلك من الأصوات وعند اللجوء إلى أحد العارفين بهذه الأمور نصحنا بكثرة قراءة القرآن في البيت، وعند النظر حول البيت أفاد بأنه على يقين بأن المنزل شيد فوق القبور وبما أن ذلك المنزل يشكّل عائقاً على الساكنين فماذا ترون سماحتكم خاصة إن صح ما يفيد الرجل بأن المنزل شيد فوق القبور وبالنظر فهناك فعلاً مقبرة وما زال يُدفن فيها الأموات حتى يومنا هذا تبعد عن المنزل إلا بعض الأمتار، هل على صاحب المبنى إثم بأنه لم يكن ير ذلك وهل على الساكنين إثم بعدما علموا بذلك.
وهي
لا
علماً
من بعد
إن كان البيت مبنياً على قبور فيجب هدمه وإن كانت القبور حادثة بناء البيت فيجب استئصال المقابر إن كان الدفن فيها تعدياً على أهل البيت ولا تجوز السكنى حيث القبور، والله أعلم.
إنني
أسكن بالقرب من المقبرة والآن أقوم بتشييد منزل والذي يبعد
عن المقبرة بحوالي 500 متر مربع، فهل يجوز حمل التراب من جراء الحفر للمنزل لردم المقبرة علماً بأنه لا يوجد مكان متسع لرمي
هذه الأتربة إلا مكان باعد مما يكلف ذلك مبالغ باهضة.
إن كان ذلك يمنع من الحفر أو يسبب صعوبة على من يحفر القبور فلا يجوز بحال وإلا فهو سائغ بين القبور لا فوقها، والله أعلم.
سماحة الشيخ لدينا في البلد مقبرة يقبر فيها كافة أهل البلاد إلا أن الأهالي أصحاب الأموال والمقاولين لم يتحرك ضميرهم ولم ترق قلوبهم حيث (6/124)
صفحة 2504
(1) (
زيارة القبور وأحكام المقابر
125
شغلتهم الدنيا عن الآخرة بجمعهم المال وعدم إنفاقهم في أعمال الخير والصلاح وهم يشاهدون حال هذه المقبرة من رعي الأغنام فيها والمشي بالأرجل فيمر فيها الصغير والكبير والحيوانات السائبة المختلفة. نرجو من سماحتكم أن تسطروا كلمة توجهونها لهؤلاء الأهالي والمقاولين ليهتموا ويتبرعوا لبناء سور هذه المقبرة صيانة لحرمات أموات المسلمين؟
للمقابر في الإسلام حرمات واجبة مراعاتها ولا يجوز بحال التهاون بها وناهيكم ما في حديث أبي هريرة عن النبي أنه قال: «لأن يقعد أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه حتى تفضي إلى جسمه أهون له من أن يجلس على قبر) من التشديد البالغ في مجرد القعود على القبر زاجراً عن مثل هذه الأحوال التي لا تصدر إلا ممن مات ضميره وعميت بصيرته وأظلمت سريرته وإلا فكيف يرضى عاقل أن يمكن الأغنام وسائر الماشية أن تطأ بأظلافها رفات آبائه الأقدمين.
وقبيح بنا وإن قدم العهد هوان الآباء والأجداد؟
والله المستعان.
سماحة الشيخ .. ما جواب سماحتكم في الأشخاص الذين يقومون أغنامهم بشكل يومي في المقابر حيث أن هذه المقابر غير محاطة بسور لحمايتها من الحيوانات السائبة ومرور الأشخاص فيها.
برعي
عليهم كف ماشيتهم من الرعي في المقابر وإلا فإنهم يؤون بالوزر،
والله أعلم.
(1) سبق تخريجه. (6/125)
صفحة 2505
126
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
نحن من دولة تنزانيا من أهالي منطقة تميكي في دار السلام، ويوجد في هذه المنطقة مسجد متوسط الحجم والحمد الله، فقرر أهله ولكنهم اختلفوا بسبب وجود ثلاث مقابر داخله ضمن المساحة
المطلوب استغلالها للتوسعة، فما رأيكم في ذلك.
بتوسعته،
لا يجوز إدخال المقابر في المساجد، ولا دفن موتي داخل مسجد،
والله أعلم.
توجد في بلدة فنس بولاية قريات مقبرة قديمة وهي محاذية للساحل، وجميع قوارب الصيد تتجمع أمام المقبرة بالإضافة إلى أدوات الصيد الأخرى، وعندما تزداد أمواج البحر يقوم الصيادون برفع القوارب من على الساحل ووضعها فوق المقبرة، وذلك لعدم وجود مكان لتجميع هذه القوارب، فهل يجوز كبس هذه المقبرة واستعمال المكان من قبل الصيادين لوضع أدوات الصيد وكذلك تجميع القوارب في حالات الضرورة كما أسلفنا.
لا يجوز استعمال المقبرة لما ذكرتم، سواء كبست أم لم تكبس، فإن الكبس لا يغير حكمها، والله أعلم.
أسند إليَّ المسؤولون عملية الإشراف على إنارة طريق مار في مقبرة، فهل يلحقني ذنب نظير إشرافي حيث أن عملية الإنارة لا تخلو من وجود الأضرحة الملاصقة للرصيف، وكما تعلمون أن العملية تحتاج إلى إجراء حفريات ولو رفضت العمل قد ينتج عنه إخلال بالأعمال المناط لي القيام بها من قبل المسؤولين؟ (6/126)
صفحة 2506
زيارة القبور وأحكام المقابر
127
عليك أن تتقي الله ما استطعت وأن تحرص على أن لا تحفر قبوراً ولا
توضع الأعمدة عليها، والله أعلم.
هل يجوز توسيع شارع على حساب مقبرة إن لم يوجد مسار غيرها؟ فإن كان جائزاً فماذا يفعل بها؟
توسيع الشارع على حساب المقابر عدوان على القبور ومن فيها من الموتى، فلا يجوز ذلك، فإن لم يكن محيص عنه فيجب التوقي من المرور فوق القبور مباشرة وذلك بمد جسور يكون المرور عليها، والله أعلم.
حكم نبش القبور
ما حكم نبش القبور؟
لا يجوز نبش القبور إلا إن دفن الميت بتعدٍ أو دفن في مسجد ونحوه أو
خيف عليه التلف من وادٍ أو نحوه، والله أعلم.
حكم مرور أسلاك الكهرباء فوق المقبرة
هل يجوز مرور أسلاك الكهرباء فوق أرض المقبرة؟
إن كان مرور
الأسلاك في أجواء المقبرة لا يتوقف على وجود ركائز في
أرض المقبرة فلا مانع منه خصوصاً مع توقف هذه المصلحة على ذلك،
والله أعلم. (6/127)
صفحة 2507
128
الفتاوى
-
الجنائز - حوادث المركبات
حكم تحويل أرض إلى مقبرة
أشخاص يمتلكون قطعة أرض ويرغبون تحويلها إلى مقبرة وعندما خاطبوا الجهات الرسمية بذلك رفض طلبهم بحجة تحويل أي قطعة أرض تكون قريبة من المساكن فما قولكم في هذه المسألة؟
أما من الناحية الإدارية فمرد ذلك إلى جهة الاختصاص ولها تنظيم ما إليها حسب المصلحة التي تراها وأما من الناحية الشرعية فلا. تمنع المقبرة أن تكون بجوار البيوت إن لم تترتب على ذلك مضرة على الناس
يرجع
الأحياء أو على المقبرة، والله أعلم.
حكم إزالة أشجار من مقبرة
توجد في منطقتنا مقبرة ممتلئة بالقبور ويرغب أهل المنطقة في إزالة أشجار الراك الكبيرة الموجودة بها والتي تغطي القبور القديمة وتتراوح أعمارها ما بين 10 إلى 100 سنة والقبور آثارها واضحة والأشجار عروقها موجودة داخل بعض القبور، ولكن لا يستطيع أحد القيام بهذا العمل نظراً لوجود الأفاعي بها. ففكروا في تأجير آلة للحفر جرافة (شيول) ولكن إذا دخلت هذه الجرافة المقبرة ستهدم القبور، وإذا حفرت عروق الأشجار فإنها ستؤثر على القبور، وقد تنبش جثث
الموتى. فما رأي سماحتكم في هذا الشأن؟
لا يجوز انتهاك حرمة المقابر باستئصال شيء منها والغاية لا تبرر الوسيلة،
والله أعلم. (6/128)
صفحة 2508
حكم الانتفاع من أشجار المقبرة
زيارة القبور
وأحكام المقابر
ما حكم ما ينبت في المقبرة من أشجار مثمرة ونخيل؟
أولى به الفقراء، والله أعلم.
حكم الانتفاع من بقعة يشك وجود قبر بها
إنني
129
أمتلك قطعة أرض زراعية وتوجد تلة بوسط هذه الأرض ويقول الأجداد بأنه يوجد قبر بهذه التلة ولكنهم لم يشهدوا ولم يروا فقط سمعوا من آبائهم، وعندما سألتُ أحد هؤلاء الأجداد وهو يبلغ من العمر (74) عاماً أجابني: أنني لم أشهد على ذلك القبر ولكنني سمعت من الآباء بأنه يوجد قبر في تلك التلة، وبما أنني أريد مسح وزراعة هذه الأرض فما قولكم في هذه المسألة؟
عليك أن تحتاط بترك الغرس في تلك التلة إن كنت مطمئناً إلى صحة هذا القول، والله أعلم.
هل يجوز دفن الموتى في مكان به قبور قديمة؟ علماً بأن المقبرة قد امتلأت وليس هناك مكان آخر للدفن إلا في وادي داخل المقبرة ولا
يمكن الدفن فيه؟
يباح ذلك في حال الاضطرار لا في حال الاختيار، والله أعلم. (6/129)
صفحة 2509
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
حكم قطع شجرة بجوار ضريح يقصده الناس
يوجد في منطقتنا ضريح لأحد الموتى، يزعم أنه لولي من أولياء الله تعالى ويقصده الكثير من الناس بدافع التقديس ولأداء النذور عليه، حيث يضعون عليه البخور والعطور، وهذا الضريح محاط ومشيد ببناء ويوجد تحت شجرة علق فيها الكثير من الأقمشة والإعلام، هل يجوز لي قطع تلك الشجرة وهدم البناء مع الإمكان لأن في ذلك تغيير المنكر باليد. وقد أشبه هذا الأمر واختلط على بعض الناس فقالوا: إن الإسلام نهى عن قطع الشجر لأن الناس ينتفعون بظله، كما أنه يكره التبول والتغوط تحته فكيف بقطعه؟ أما عن البناء فإنه يحمي القبر من عبث العابثين؟ كذلك فإن الشجر على القبر يؤانس الميت بتسبيحه الله
تعالى؟
البناء على القبور بدعة وتغيير البدعة واجب على القادر والشجرة إن كانت منشأ لضلالة الناس فقطعها دفع للباطل وإحقاق للحق وعمر له قطع شجرة الرضوان التي بايع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نبيهم عليه الصلاة والسلام تحتها بيعة الرضوان عندما رأى الناس يتبركون بها (1) فهل هذه الشجرة أقدس وأعظم حرمة من شجرة الرضوان؟ والله أعلم.
(1) هذا الحديث من رواية ابن أبي شيبة في مصنفه وابن سعد في الطبقات الكبرى من طريق نافع أنه قال: (بلغ عمر بن الخطاب أن ناساً يأتون الشجرة التي بويع تحتها قال: فأمر بها فقُطعت). المصنف كتاب الصلاة باب (664) في الصلاة عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم وإتيانه، الطبقات باب غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديبية. (6/130)
صفحة 2510
فتاوى عامة
زيارة القبور
وأحكام المقابر
131
سمعت بعض الناس يقولون أن من يتوفاه الله يوم الجمعة يرفع عنه
عذاب القبر، فما قولكم في ذلك؟
الجواب: نعم، إن مات على توبة، والله أعلم.
هل صحيح أن الروح تنزل من عصر كل يوم خميس إلى فجر السبت عند القبور ولذا تجب الزيارة في تلك الأوقات.
لم يثبت ذلك ولا قائل بوجوب زيارة القبور في هذه الأوقات ولا في
غيرها، والله أعلم.
هل صحيح أن روح الميت تسمع ما يقال لها عند القبر؟
لم يثبت ذلك، والله أعلم. (6/131)
صفحة 2511
[صفحة فارغة] (6/132)
صفحة 2512
العزاء
ما جاء من تأثر الميت ببكاء أهله
وردت روايات تبين تأثر الميت ببكاء أهله فما مدى صحة هذه
الروايات؟
القول الفصل هو ما دل عليه القرآن الكريم فى قوله تعالى: {وَلَا تَزْرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (1)، وبه احتجت عائشة أم المؤمنين لها في رد الروايات التي تدلُّ على خلافه (2)، اللهم إلا أن يحمل ما روي من تعذيبه ببكاء أهله على ما لو أوصى بذلك كما كانت أهل الجاهلية تفعله كما في قول طرفة بن العبد:
(1) سورة الأنعام، الآية: 164، وسورة الإسراء، الآية: 15، وسورة فاطر، الآية: 18، وسورة الزمر، الآية.
(2) قولها رضوان الله عليها حينما سمعت أن عبد الله بن عمر يقول: إن الميت ليعذب ببكاء أهله يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما أنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ ولعله إنما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال حين مرَّ بيهودية ماتت وأهلها يبكون عليها فقال: إنهم ليبكون عليها وإنما لتعذب في قبرها قال جابر قالت عائشة: ولا يعذب أحد ببكاء أهله وإنما يعذب بعمله السوء، رواه الإمام الربيع في مسنده باب صلاة الجنائز 483، وهو عند البخاري في كتاب الجنائز باب زيارة القبور، ومسلم في كتاب الجنائز باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه. (6/133)
صفحة 2513
134
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
إذا مت فانعيني بما أنا أهله وشقي عليَّ الجيب يا ابنة معبد
وقول غيره:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يَبْكِ حولاً كاملاً فقد اعتذر
ذلك
أو فهم
أهله أنه
يحب منهم ولا يكرهه ولو لم يوص به، والله أعلم.
ألفاظ التعزية
بعض الناس يعزي غيره بقوله: البقية في حياتك» فهل في ذلك حرج
شرعي؟
هذا من باب تمني طول العمر للمعزى، فلا حرج فيه، وإن كان الأولى التعزية بما هو مأثور كقول: أحسن الله عزاءك، والله أعلم.
كيف يرد صاحب العزاء على الذي يعزيه؟
يرد بقوله: الله البقاء أو نحوه مما يدلُّ على التسليم لأمر الله، والله أعلم. (6/134)
صفحة 2514
العزاء
135
حكم إقامة العزاء في المساجد
هل يجوز إقامة العزاء في المسجد ويذهب الناس للتعزية؟ وكيف كان الصحابة يقيمون العزاء؟
يكره ذلك في المساجد لما يجره العزاء من حديث الدنيا، والصحابة يعزون المصاب حيث وجدوه من غير تقيد بالجلوس في مكان (1)، والله أعلم.
مدة العزاء
كم يوم تكون مدة العزاء بحيث لو انتهت هذه المدة يكون العزاء بمثابة إعادة تذكر آلام الحزن والفراق عند أهل الميت؟
يؤخذ من نهي النبي أن تحدّ المرأة أكثر من ثلاثة أيام إلا على زوج (2) أن حد العزاء ثلاثة أيام، والله أعلم.
(1) ما رواه الإمام أحمد في مسنده من طريق جرير بن عبد الله البجلي قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة، مسند عبد الله بن عمرو، ورواه ابن ماجه في كتاب الجنائز، باب ما جاء في النهي عن الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام. (2) رواه الإمام الربيع في مسنده باب الحداد والعدة رقم 536، ومالك في الموطأ كتاب الطلاق باب ما جاء في الإحداد، والبخاري في كتاب الجنائز باب حدّ المرأة على غير زوجها، ومسلم في كتاب الطلاق باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة وتحريمه غير ذلك إلا ثلاثة أيام. (6/135)
صفحة 2515
136
الفتاوى
الجنائز - حوادث المركبات
حكم التعزية بعد ثلاثة أيام
هل تجوز تعزية المصاب بعد ثلاثة أيام؟ وإن قلت بالمنع فهل يستثنى من كان مسافراً وعاد بعد ثلاثة أيام؟
يفهم من قوله: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على رجل أكثر من ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً» (1) أن المصاب حده ثلاثة أيام فلا تنبغي التعزية بعدها ومن كان على سفر فعاد بعد ثلاثة أيام فليذهب إلى المصاب مسلماً لا معزياً والله أعلم.
هل تعتبر الزيادة في أيام العزاء عن ثلاثة أيام من البدع؟ يُفهم من السُّنَّة النبوية أن العزاء فوق ثلاث أيام إن لم تكن المصيبة في زوج ممتنع شرعاً وذلك من قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على رجل أكثر من ثلاثة أيام إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً، ووجه الاستدلال بالحديث أن أيام المصاب هي هذه الثلاثة الأيام فلذلك أصبح الحداد فيها للمرأة جائزاً وفي الجلوس للعزاء بعدها تمديد غير مشروع للمصاب، والله أعلم.
كما تعلمون أيها الشيخ أن مدة العزاء ثلاثة أيام، ولكن معنا أصبح يمتد إلى مدة أسبوع أو أكثر فهل هناك رخصة ترون سماحتكم في ذلك؟
لا معنى للعزاء بعد ثلاث أيام، فقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم في حداد المرأة على غير زوجها بعد ثلاث ولو كان أباً فكيف بعزاء الرجال، والله أعلم.
(1) سبق تخريجه. (6/136)
صفحة 2516
العزاء
137
من الملاحظ أن بعض الناس قد أوصلوا أيام العزاء أحياناً إلى ما يزيد على الأسبوع، فما هي المدة المثلى التي ينبغي التقيد بها؟ وما الحكم في ضياع الكثير من ثروة الوقت والجهد الذي تحتاج الأمة فيه الآن ما يشد عضدها وينهض بها؟ العزاء لا ينبغي أن يتجاوز الأيام التي أذن الرسول صلى الله عليه وسلم بالحداد على الميت فيها من قبل قريباته من النساء، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميت أكثر من ثلاثة أيام إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً».
وفي إباحته حداد النساء لمدة ثلاثة أيام فقط، وجعل ما زاد على ذلك غير مأذون فيه دليل على أن مدة العزاء لا تتجاوز ثلاثة أيام، فلا ينبغي أن يعزى للميت بعدها، فالعزاء شرع من أجل التخفيف عن المصابين، ومشاركتهم مشاعرهم في الحزن والأسى والزيادة على هذه المدة تخالف ما شرع لأجله، والله أعلم. (6/137)
صفحة 2517
138
الفتاوى
الجنائز - حوادث المركبات
حكم التعزية أكثر من مرة،
وحكم الحضور في العزاء والبقاء فيه
هل يحظر أن يذهب الرجل لتعزية المصاب أكثر من مرة؟ وما مدى
صحة حديث: (التعزية مرة) (1)؟
لم أطلع على الحديث ولكن لا معنى لتكرار العزاء وأما الحضور فلا حرج
منه، والله أعلم.
هل تصح مشاركة صاحب العزاء في مصيبته للتخفيف عنه وذلك بحضور مجلس عزائه يومياً وربما في اليوم أكثر من مرة؟
لا مانع من ذلك مع مراعاة التخفيف عما يثقل عليه، والله أعلم.
حكم السفر للتعزية
ذهبت إلى بعض الناس معزياً له في عزيز فقال: لو لم تصل فإن الإمام محمد بن عبد الله الخليلي الله كتب إلى أحدهم معتذراً عن
(1) الحديث رواه البيهقي في شُعب الإيمان الكتاب الثالث والستون باب عيادة المريض فصل في آداب العيادة، والبزار في مسنده مسند الإمام علي بن أبي طالب من طريق هارون بن حاتم، نا ابن أبي فديك، عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أعظم العيادة أجراً أخفها والتعزية مرة والحديث ضعيف جداً، وفيه علتان، علة الإرسال، قال عنه البزار وأحسب أن ابن أبي فديك لم يسمع من علي بن عمر بن علي بن أبي طالب، والكلام فلا نحفظه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه والثانية ضعف هارون بن حاتم، فقد تكلم فيه جماعة من أهل الجرح والتعديل. (6/138)
صفحة 2518
العزاء
139
الوصول لتعزيته، (ونعتذر عن الوصول لأنه ليس من سنة الرسول) فهل تصح الرواية؟
السلف كانوا يعزون المصاب أينما وجدوه ولا يعنون بالذهاب إليه وإنما كانوا يسعون إلى دفن الميت ويجتمعون عليه وقد كان الإمام الله أميل إلى مسلكهم لدفع الكلفة عن الناس، والله أعلم.
يتكلف الناس السفر للتعزية إلى مسافات قد تصل أحياناً إلى مئات الكيلومترات، وقد رُصدت حالات عديدة لتعرض فيها الناس لحوادث المرور أثناء رحلاتهم البعيدة لتقديم ما يسمى بواجب العزاء، فما المسافة التي ترون أن الإنسان يستطيع أن يعذر نفسه بسببها عن
هي
الذهاب إلى التعزية، وبالأخص إذا لم يكن الفقيد من أرحامه؟
6
ما يفعله كثير من الناس يكون مخالفاً للشرع فيجعلون من المندوب واجباً، في حين أنهم يهملون الكثير من الواجبات والإنسان في حياته يكون محتاجاً إلى العون والمساعدة فلا يسعى الناس إلى مساعدته وعونه فإذا ما مات صاروا يتسابقون إلى عزائه والميت من حقوقه مواراة جثمانه وهو حق كفائي إن قام به البعض سقط عن الباقين أما ما زاد على ذلك من العزاء وغيره فليس ذلك من حقوق الميت، بل ليس ذلك مما ينفع الأحياء اللهم إلا أن يجتمع الجيران مواسين لجارهم، والأرحام مواسين لقريبهم، فلا ينبغي إن وجد الإنسان عُذراً لنفسه أن يتجاوز مسافة القصر في مثل هذه الحالة، إلا إن كان يعزي قريباً له تشده إليه أواصر القربى، أو كانت هناك روابط اجتماعية أخرى بينهم وبينه، والله أعلم. (6/139)
صفحة 2519
140 الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
سفر المرأة للتعزية
تخرج النساء للتعزية في حافلات من مجموعات قد تزيد على ثلاثين امرأة، تاركات ورائهن البيوت والأولاد دون رعاية في رحلة مليئة بالأحاديث التي يتخللها الكثير من الغيبة والنميمة، ولا تمت إلى الحديث عن الموت أو الميت بصلة، بالإضافة إلى المبالغ المادية التي تتكلف على النقل وما يتبعه، والذي كان يمكن أن توجه إلى وجوه عديدة من وجوه الصلاح فما حكم المرأة التي تسافر للتعزية إلى أكثر من حد السفر، مع العلم أن المتوفى ليس من أرحامها، وقد لا يكون من معارفها أصلاً، ولكن خرجت لأن جارتها تعرف أحداً من أهل المتوفى، وقد رصدت حالات أن جميع الواصلات للتعزية لا يعرفهن أحد من أهل المتوفى ولا يعرفنهن أحد، ولكن الوصول كان بسبب أن العزاء كان قريباً من بيت آخر قصدنه في الأصل للتعزية؟ لزوم المرأة لبيتها، ورعايتها لشؤونه، والقيام بإصلاحه من أولوياتها المأمور بها، فتربية الأولاد ورعايتهم والقيام بتوجيههم بالوجهة السليمة جهاد في سبيل الله، والقيام بخدمة زوجها وراحته جهاد في سبيل الله، أما هذه الرحلات التي تقوم بها فليست مما تؤجر عليه ويخاف عليها من الوزر وخاصة إن كانت في رحلتها تتفكه بالغيبة والنميمة أو بالحديث الهراء الذي لا يمت إلى الدين بصلة، فلا داعي إلى ذهابها إلى أماكن العزاء اللهم إلا أن يكون المعزى فيه رحماً لها، فذهابها إلى أولئك يُعد صلة للأرحام بشرط أن يكون ذلك بإذن زوجها، والله أعلم. (6/140)
صفحة 2520
العزاء
141
حكم القيام عند استقبال المعزين
سماحة الشيخ ... عندنا عادة وهي إذا توفي أحد سواء كان من أهل المصيبة أو المعزيات إذا قدمت عليهن أحد وأبدت السلام يجلسن ولا ينهضن وإنما يصافحن بعضهن بعضاً جلوساً يقلن أنها سنة
والبعض الآخر يقلن أنها عادة ما رأيكم في ذلك؟ هذه من العادات وليس من العبادات فلا ملام على من استقبل القادم قائماً أو قاعداً حسب عادته ولا يعد بذلك مخالفاً للسُّنَّة، والله أعلم.
حكم إقامة الولائم في أيام العزاء وتقديم الطعام للمعزين
ما حكم إقامة الولائم في أيام العزاء؟
إقامة الولائم في العزاء بإطعام المعزين والحاضرين من البدع المخالفة لهدى النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وقد كان من سُنته إطعام المصاب لا الأكل من عنده وقد يكون للميت أيتام لا يملكون من الأمر شيئاً فيكون هذا الأكل مما يدخل في وعيد الله تعالى للذين يأكلون أموال اليتامى في قوله: لا إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} (2) لذلك أحذركم من هذه البدعة الضالة والعادة السيئة وأدعوكم إلى اتباع هدي النبي الله في الحديث الصحيح «إن
(1) رواه الإمام الربيع في مسنده باب في الولاية والإمارة رقم 49، والبخاري كتاب الاعتصام بالكتاب باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ خلاف الرسول من غير علم، ومسلم في كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور. (2) سورة النساء، الآية: 10. (6/141)
صفحة 2521
142
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) أما الاجتماع لقراءة القرآن على الميت فليس له أساس من السُّنَّة وأستحسن تركه لما يجرُّ إليه من اعتقاد أن ذلك من الدين ومن إطعام الطعام بعد القراءة، والله أعلم.
ما قولكم شيخنا في إقامة المآتم والاشتغال بإعداد الطعام لمن يحضر، فما حكم مثل هذه الأمور؟ وهل فعل ذلك من قبلنا من السلف الصالح؟
يسن عندما يصاب مسلم في قريبه نسباً أو سبباً، أن يعزيه إخوانه المسلمون مواساة له، وأما إقامة المآتم عند المصاب وإعداد الأطعمة وحضور العامة لأكلها، فليس هو من السُّنَّة في شيء، بل هو مخالف لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كان من هديه عليه أفضل الصلاة والسلام أن يصنع للمصاب طعام) من قبل جيرانه وأهله مواساة له في مصيبته لأنه شغل بها عن شؤونه الاعتيادية، فكيف ينقلب الأمر بخلاف ذلك فيكون هو الذي يجهز الطعام وينفق النفقات ويأتي المعزون من قريب وبعيد ليأكلوا ما يقدم إليهم هنيئاً مريئاً! لا ريب أن هذه مخالفة صريحة لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الحديث: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد (3)، والله أعلم.
(1) بهذا اللفظ رواه النسائي في الكبرى في كتاب صلاة العيدين باب كيف الخطبة، وابن ماجه في مقدمة سُننه باب اجتناب البدع والجدل. (2) ما رواه أبو داود في كتاب الجنائز باب صنعة الطعام لأهل الميت، والبيهقي في الصغرى في كتاب الجنائز باب التعزية وغيرهما من طريق عبد الله بن جعفر قال: قال
رسول الله: «اصنعوا لآل جعفر طعاماً فإنه قد أتاهم أمر شغلهم».
(3) سبق تخريجه. (6/142)
صفحة 2522
العزاء
143
ما الحد الأدنى الذي يمكن تقديمه كإكرام للمعزين تمشياً
دون أي مخالفة شرعية؟
عاداتنا مع
ينبغي أن يقتصر فيما يقدّم إليهم على التمر والقهوة والماء بغير زيادة،
والله أعلم.
ما حكم الإسلام أثناء أيام العزاء وخاصة في اليوم الثالث إذ تذبح
الذبائح وتقام الولائم، هل في ذلك أجر؟
لا أجر في ذلك بل فيه وزر، لأنه خلاف السنة، والله أعلم.
هي
ما حكم ولائم العزيات؟
مخالفة للسنة فإن هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يصنع الطعام من قبل الأهل والجيران ويقدّم إلى أصحاب المصيبة لأنهم مشغولون بمصابهم فلا ينبغي يردفوا بمصيبة أخرى لذلك كان ترك هذه الولائم والقيام بتوعية الناس لتركها عين الصواب، والله أعلم.
أن
ما هو رأيكم فيما يُشاهد من إرهاق كاهل ورثة الفقيد بتكاليف الإنفاق على المعزين، علماً بأنه قد رصدت حالات كثيرة لأسر من ذوي الدخل المحدود زادت تكاليف العزاء فيها على 2000 ريال، وفرها الورثة عن طريق الاقتراض أو الاستدانة أو بيع الأصول التي يتركها الفقيد لأيتامه، وأرملته، وهل ترون من الممكن التأثير على
المجتمع بحيث يكتفي بتقديم التمر، ويمتنع عن تحويل العزاء ولائم مفتوحة، فإن اعترض معترض بقول إن أهل الفقيد لا يتحملون التكاليف بأنفسهم، وإنما يتعاون معهم أهلوهم وأقاربهم، فهل ترون (6/143)
صفحة 2523
144
الفتاوى
الجنائز - حوادث المركبات
هذه المساعدة من باب التعاون على البر والتقوى، أم أنها بخلاف ذلك؟ نرجو التوضيح.
الإنسان مسؤول عن ماله من أي اكتسبه وفيما أنفقه؟ فلا يجوز له أن يضعه في غير موضعه وهؤلاء الذين لا يبالون بإنفاق النفقات الطائلة في العزاء من أجل المفاخرة أو أن يقال بأنهم غير بخلاء يشحون بالنزر اليسير من المال عندما يُدعون إلى إنفاقه في سبيل الخير، فلا ريب أن الإنفاق في هذا الجانب إنفاق في بدعة ومساعدة على انتشارها.
وبجانب هذا قد يكون هناك من الورثة أيتام يرزأون في تركة آبائهم، وأكل شيء من مال اليتيم وإتلافه يؤدي إلى النار - والعياذ بالله ـ فالله تبارك وتعالى يقول: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} (1)، والإتلاف أياً كان هو بمثابة الأكل، وذكر الأكل للتنبيه على غيره إذ كثيراً ما يكون إتلاف هذه الأموال بأكلها، ولئن كان هنالك إتلاف آخر فله حكمه، هذا إن كان يؤخذ من تركة الميت، وإن كان ذلك مما يتحمله قرابته فإنه يُعد من الإنفاق الذي يشجع على البدعة، والقرابة إن أرادت أن تبرّ ميتها فلتتصدق ولتعمل عمل خير يعود نفعه إلى
الميت كصدقة جارية. وتعزية المصاب لأجل التخفيف عنه والتنفيس عن كربته فإن قصدوا الأكل كانوا بذلك قد ضاعفوا المصيبة فكانت مصيبة المال مع مصيبة النفس، وهذا أمر محجور بطبيعة الحال.
(1) سورة النساء، الآية: 10. (6/144)
صفحة 2524
العزاء
145
والسُّنَّة أن يُساعد المصابون من قبل جيرانهم بصنع الطعام لهم الطعام لهم لأنهم مشغولون بما هم فيه وعليه، وهو ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم وأرشد إليه من أجل التعاون على البر والتقوى، لا من أجل التعاون على الإثم والعدوان، فلا يجوز فتح هذا المجال فإن ذلك مما يساعد على انتشار هذه العادة الفاسدة، وهو مما يجعل الناس أيضاً لا يميزون بين ما يُقدّم إليهم من قبل أصحاب المصاب وغيرهم، أو ما يقدم إليهم من قبل مال الأيتام وفي هذا من الضرر
ما لا يخفى، والله أعلم.
الوصية بإطعام المعزين
ما حكم تقديم الطعام والفواكه للمعزين بحجة أنه أوصى بها الميت أو أنه تبرع بها الآخرون؟
الوصية المخالفة للسُّنَّة لا تثبت لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وفي رواية: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (2) وتقديم الأطعمة والفواكه والحلوى في أوقات العزاء أمر مناف لهدى النبي، إذ أمر بصنع طعام لأهل المصاب لما عناهم من المصيبة الشاغلة لهم عن اشتغالهم بالطعام فكيف يرزؤون في أموالهم ويزادون هماً فوق بأكل المعزين طعامهم وإقلاق راحتهم؟ وما قيمة هذه التعزية التي تؤدي إلى مضاعفة الهموم والخسارة في المال؟ مع أن التعزية هي تسلية
همهم
(1) سبق تخريجه
(2) متفق عليه، رواه البخاري في كتاب الصلح باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، ومسلم في الأقضية باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور. (6/145)
صفحة 2525
146
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
المصاب من المعزين وهل تكون تسلية بمثل ذلك؟ لذلك أفتى العلماء المحققون ببطلان الوصية بذلك وممن أفتى به الإمام الرباني أبو نبهان رضوان الله تعالى عليه وأشار إليه الإمام السالميه إذ قال:
ولأبي نبهان في أجوبته ميل إلى إبطاله بجهته
ولئن كان هذا أمراً مخالفاً للسُّنَّة، فلا جرم أنه ممنوع شرعاً، والله أعلم. رجل توفي وقد أوصى أن يعزى عنه مدة ثلاثة أيام من ثلث ماله فما حكم هذه الوصية؟
العزاء الذي تنفق فيه النفقات وتقرب فيه صنوف الأطعمة من البدع التي لا يقرها الإسلام وهو خلاف ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من إرسال الطعام لأهل الميت لأنهم مشغولون بمصابهم وعليه فمن أوصى به فقد أوصى ببدعة محرمة ووصيته باطلة، هذا الذي أراه وأعتمد عليه وأعمل به وأدعو إليه وقد سبق أن أفتى بمثله الإمام أبو نبهان رحمة الله تعالى عليه، والله أعلم.
ما حكم الإسلام في شخص يوصي من ماله في وصيته بلوازم العزاء التمر والقهوة» فقط؟ وهل هذا بدعة في الوصية؟ وهل على الموصي ذنب في ذلك؟
إن كان يقتصر على التمر والقهوة فأرجو أن لا يكون مانع من ذلك إن أراد به الحد من النفقة في العزاء، والله أعلم. (6/146)
صفحة 2526
العزاء
147
حكم الأكل من الطعام المقدّم في العزاء
هل يجوز الأكل من طعام العزاء؟
ما الأكل من تلك الأطعمة إلا تشجيع على انتهاج هذا السبيل المنحرف فهو من ضمن الممنوعات، والله أعلم.
إذا وفد إلى أصحاب العزاء ضيوف كثر، وتطلب الأمر ذبح بعض الشياه حيث أن الموجود في البيت ربما لا يكفي لإكرامهم لكثرة عددهم والمعروف أن الولائم في العزاء غير جائز، فهل يجوز في هذه الحالة إقامة هذه الوليمة لهؤلاء المعزين؟ أما بالنسبة إلى أصحاب المصيبة فإن لم يجدوا فكاكاً من المعزين بحيث ظلوا جاثمين مكانهم، فلا حرج عليهم إن أطعموهم ما يحضر عندهم من الطعام ولو اقتضت الظروف أن يذبحوا شيئاً من الماشية إن لم يجدوا من ذلك بدا على أن لا يرزأ اليتامى بسبب ذلك كما أنه لا يسوغ لهم أن يطالبوا المعزين بالجلوس للطعام وأما المعزون فلا يحل لهم البقاء عندهم لما في ذلك من مخالفة السُّنَّة، والله أعلم.
من أين يأكل الضيوف الذين يأتون للعزاء إن كان الأكل من طعام
العزاء لا يصح؟
يأكلون من بيوتهم ولا داعي إلى حضورهم للعزاء إن كان لا بد فيه من
ضيافتهم، والله أعلم. (6/147)
صفحة 2527
148
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
كثير من الناس ومن أقارب الميت يعملون ولائم في أيام العزاء، رغم وضوح الفتوى فيه والمتقي الله يحاول تجنب الأكل من العزاء ولكن في بعض الأحيان يجبر على الأكل وفي بعض الأحيان الأخرى يلحق بالطعام في منزله فهل له عذر إذا أكل منه تحت شرط الجبر أو إحضار الطعام له في المنزل؟
إن لم يجد مناصاً في ذلك فلا حرج عليه وليحاول إقناعهم بترك ذلك، والله أعلم.
لو أتى للإنسان المصاب ناس معزون من مكان بعيد بحيث يصعب عليهم الرجوع لمجيئهم فى وقت قريب من وقت الغداء أو العشاء، فهل يمكن أن يقيم لهم وليمة؟
إن كان صاحب المصيبة هو الذي يطعمهم فذلك من البدع ومن التشجيع على مخالفة السنة، والله أعلم.
لا
يبر
من أقسم عليه بالأكل من ولائم العزاء
لو أن أحداً جاء لتعزية أهل الميت وكان يعلم حكم عمل الولائم في أيام العزاء، وكان لا يريد الأكل من تلك الولائم، لكن أهل الميت أقسموا عليه بالقعود للأكل من هذه الولائم فماذا عليه: هل يبر قسمهم؟ أم يتركهم ويذهب وعليهم الكفارة؟
قسمهم لما فيه من مخالفة السُّنَّة، والله أعلم. (6/148)
صفحة 2528
العزاء
149
ما قولكم في طعام العزاء، إذا حضرت والمعزون على الطعام فحلف أحدهم أن أكل معهم فهل من حرج إذا أكلت معهم؟
الأولى ترك الأكل وإن حلف، والله أعلم.
السُنَّة المتبعة في العزاء
ما هي
السنة المتبعة في العزاء عن الرسول حتى نتبعها نحن نريد
البيان عنها؟
السُّنَّة أن يصنع طعام من قبل جيران المصاب ليأكل منه أصحاب المصيبة لأنهم مشغولون بمصيبتهم عن الاشتغال بطعامهم، والله أعلم.
ما يجب على أهل العزاء فعله
بماذا تنصح أهل المتوفى فعله أثناء أيام العزاء حتى يكونوا موافقين
لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم؟
أنصحهم بعدم تقديم الأطعمة من حلوى وفواكه ولحم وأرز وأن يقضوا وقتهم في اجتماعهم في الموعظة والذكرى، والله أعلم.
صفة العزاء المباح
صف لنا كيفية العزاء المباح؟
هو مواد اساة المصاب من غير أن يرزأ شيئاً من المال ومن غير اقتران بمعصية،
والله أعلم. (6/149)
صفحة 2529
10.
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
حكم إطعام الملازمين للعزاء
سماحة الشيخ سمعتُ وقرأتُ عنك إن إقامة الولائم في العزاء بدعة محرمة وقرأتُ في جوهر النظام أن سُنَّة الإطعام أيام العزاء خلاف ما عليه سنة المصطفى ولا شك أن المسلم عليه أن يمتثل أوامر الله تعالى ويزدجر عن نواهيه وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل ولكن أرغب من سماحتكم أن توضحوا لي بعض الأحكام المتفرعة عن هذه الفتوى وجزاكم الله خيراً.
هل يشمل هذا الحكم الذين يقيمون مع أصحاب العزاء ويسايرون
ثلاثة أيام في العزاء وقد يعطلون أعمالهم من أجل التعزية؟
لا ينبغي أن يقيم مع صاحب المصيبة إلا من كان شريكاً في المصيبة بحيث يتحتم أن يكون فيها أن يكون فيها مع المقيمين وينبغي أن يشتركوا جميعاً في نفقة لا أن يكونوا كلّاً على أحدهم فإن ذلك خلاف ما تقتضيه السنة
طعامهم ويستوجبه التعاون، والله أعلم.
إذا استمر أقارب الميت في العزاء لمدة ثلاثة أيام، فهل يجوز تقديم الطعام لهم لكونهم أقارب كالعمة والخالة وأبناء العم وأبناء الخال ...
إلخ؟
إن كانوا مشتركين في المصيبة وفي العبء فلا حرج في ذلك، والله أعلم. هل يصح لأهل المصيبة أن يأكلوا من طعام العزاء؟ أم ماذا يفعلون؟ إن كان أهل المصاب وحدهم هم الذين يأكلون من الطعام الذي يعد لهم فلا حرج عليهم في ذلك، والله أعلم. (6/150)
صفحة 2530
العزاء
151
إذا استمر إنسان في عزاء قريبه لمدة ثلاثة أيام، فهل يجوز له الأكل
من بيت العزاء؟
ذلك كما تقدم، والله أعلم.
عندما يختار الله تعالى أحد الأشخاص فإن أقارب هذا المصاب تتجمع عنده رجال ونساء وأطفال ويقيمون عنده لعدة أيام مما يضطر صاحب الفقيد مرغماً لتقديم الطعام والمشرب وجميع متطلبات عشرات الضيوف مما يثقل كاهل هذا المصاب وقد يضطر ذلك للاقتراض أو الدين فما حكم الدين؟
ذلك خلاف السُّنَّة وتركه واجب وتوعية الناس من أجل تركه ضرورة
والله أعلم.
حكم الذبح عن الميت بعد وفاته أو بعد العزاء
نرى عندما يتوفى أحد في قرية ما يقوم أهل المتوفى بعد رجوعهم من المقبرة بالنداء على مشيعي الجنازة بأنه عندنا مراجعة وفي هذه المراجعة تذبح وتقام وليمة أكل ما حكم هذا في الدين الإسلامي؟
6
هذه من البدع المنهي عنها في الإسلام فإن إطعام الطعام في أيام العزاء وبعد الدفن مناف لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وكل ما كان مخالفاً لهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مردود لقوله: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (1)، والله أعلم.
(1) سبق تخريجه. (6/151)
صفحة 2531
152
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
هل يجوز الذبح عن الميت بعد وفاته بقليل أي ما يسمى عندنا
بالمراجعة؟
لا، وذلك من البدع، والله أعلم.
وهل يجوز بعد الخروج من العزاء عمل مأدبة بذبح الذبائح؟
ذلك من البدع أيضاً، والله أعلم.
ما رأي سماحتكم في ذبح الذبيحة للشخص المتوفى ويقال عنها «وحشة» أو صدقة عنه بعد وفاته مباشرة؟
ليس لذلك أصل من السنة،
وخير أمور الدين ما كان سُنَّة وشر الأمور المحدثات البدائع
والله أعلم.
حكم الأكل من الولائم المتبرع بها في العزاء
وهل يؤجر المتبرع
لو كانت نفقة العزاء من غير أموال الهالك، فهل يصح الأكل منها؟
وهل يؤجر المنفقون على العزاء؟
إن كان الأكل ممن يأتي للعزاء من غير أصحاب المصيبة فذلك بدعة فلا يسلم الآكل من الوزر ولا ثواب للمنفق، والله أعلم. (6/152)
صفحة 2532
العزاء
153
ما حكم الأكل في العزاء إذا كان الطعام ليس من مال المتوفى ولا من مال الورثة متبرع به من قبل غير المصاب؟ في اجتماع الناس لتناول الطعام وأنواع الفاكهة والحلوى في العزاء مخالفة لهدى النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته والتابعين لهم بإحسان رضي الله عنهم وأرضاهم ولو كان الطعام وما بعده من غير تركة الميت وأموال الورثة فهو من البدع المحدثات وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار على أن في ذلك وسيلة لاستمرار أكل التركة بهذه الطريقة فلربما يقول بعض الناس إنهم لا ينفقون من مال الميت والوارث شيئاً والواقع خلاف ما يقول فيجب أن تستأصل شافة هذه العادة، والله أعلم.
ما قولكم سماحتكم إذا قام الأهالي بالتبرع لصاحب المصيبة ليغطي مصاريف العزاء والأكل والشرب في بيته على أن لا يتحمل المصاب
أي شيء؟ إن كان هؤلاء الذين يأكلون من هذا الطعام هم من أصحاب المصيبة ولم يرزأوا المصاب المباشر في ماله شيئاً فلا حرج وأما أكل غيرهم منه فلا يجوز، والله أعلم.
أصبح الإطعام مع الناس عادة مستحكمة يصعب تغييرها فإذا جاء أشخاص يواصلون من أماكن بعيدة قد تصل إلى مائتي كيلومتر أو أكثر وقد يصلون وقت غداء أو عشاء وهم قاصدين صاحب العزاء هل يشملهم هذا الحكم مع العلم أن الناس لا تكف ألسنتهم في حالة ما إذا لم يكرم صاحب العزاء مزوريه من هذه الأماكن البعيدة؟
لا ينبغي أن يفتح هذا الباب للناس وما على الإنسان من ألسنة الناس إن (6/153)
صفحة 2533
154
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
كان هو على سبيل الحق ومسلك الرشد فإن الحق أحق أن
المستعان.
يتبع، والله
جرت العادة بأن يقدّم بعض الأقارب لولي الفقيد بعض المساعدات المادية لتساعده على عمل هذه الولائم فهل الذي يقدم هذه المبالغ المادية يعتبر مشاركاً في الإثم إن كان هذا الأمر مخالفاً للشريعة؟ إن كان ذلك لإطعام أصحاب المصيبة فهو خير وإن كان لإقامة الولائم للمعزين الذين يفدون من الأماكن الأخرى فهي بدعة ومن شارك في البدعة أو أعان عليها فهو آثم، والله أعلم.
يقول بعض الأشخاص الذبح وعمل وجبات الغداء دفع بلاء وأجر للهالك مثل ما يسمى بالوحشة والختمة ما صحة هذا القول؟
هذا قول باطل تناقضه الأدلة الشرعية، والله أعلم.
يعتقد كثير من الناس أن الأكل من ولائم العزاء يعود بالأجر والثواب
للهالك. فهل هذا صحيح؟
كلا، فإن ذلك من البدع ولا ثواب في بدعة، والله أعلم.
حكم ترك النساء الطيب بعد ثلاثة أيام
يوجد معنا عادة عند النساء
وهي
إذا مات أحد فإن النساء المعنيات
بالعزاء من أرحام الميت يجلسن سبعة أيام لا يغتسلن ولا يقربن طيباً (6/154)
صفحة 2534
العزاء
155
هي
فإذا كان يوم السابع اغتسلن وتبخرن وتطيبن ويقلن بأن العزاء انتشل فهل هذه العادة موافقة للشرع الشريف أم إنها بدعة من البدع؟ عادة محرمة كما يدلُّ عليه الحديث، والله أعلم.
حكم قراءة القرآن أثناء العزاء
هل تجوز قراءة القرآن أثناء أيام العزاء الثلاث الأولى؟
قراءة القرآن من الأمور التي ينبغي للمسلم المداومة عليها في فرحه وترحه وحزنه وسروره فلا يقتصر عليها في مصابه ومما يؤسف له أن كثيراً من الناس اعتادوا في أيام العزاء قراءة القرآن بطريقة تنافي واجبات التلاوة وآدابها فترى بعض الناس يقرأون وآخرين مشغولين بحديث الدنيا مع ما يتخلله من الضحك والهزل والقارئ يقطع قراءته ويقف قائماً عندما يدخل الداخل وكل ذلك ينافي ما أمر الله به في قوله: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْوَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (1) فأين الاستماع والإنصات عند هؤلاء الذين لا يجلون كلام الله؟ إنا لله وإنا إليه راجعون. والقرآن هو كتاب الله الخالد تعبدنا بتلاوته للتدبر والذكرى والعمل فلا يجوز جعله وسيلة للأعمال المنافية للسُّنَّة من إحضار وجبات الطعام في العزاء وحضور الجهلة العوام الذين لا يقدرون القرآن ولا يعملون به، والله أعلم.
هل يجوز قراءة القرآن والدعاء للمتوفى؟
لا مانع من الدعاء لصالحي الأموات، وأما قراءة القرآن لهم فليست فيها وهي غير ممنوعة شرعاً إن لم تصحبها بدع، والله أعلم.
سنة
(1) سورة الأعراف، الآية: 204. (6/155)
صفحة 2535
156
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
-
هل يجوز قراءة القرآن في أيام العزاء، وفي اليوم الثالث تكون الختمة والدعاء والناس تؤمن وراء القارئ بقولهم آمين، ولكن بدون جهر، ثم تقرأ الفاتحة على روح الميت؟
ينبغي ترك ذلك لما قد يترتب عليه من المحاذير، والله أعلم.
ما قول سماحتكم في قراءة القرآن أيام العزاء وقصد ثواب ذلك روح شخص معين، فهل يناله أجر تلك القراءة؟
يقول الله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَيْنِ إِلَّا مَا سَعَى (1) وهو يدلُّ على أن الإنسان يجزى بسعيه لا بسعي غيره، وفي الحديث: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له» (2) وإنما جاء في بعض الروايات تخصيص هذا العموم بمشروعية القيام ببعض الأعمال عن الميت كالحج، كما في حديث الخثعمية (3) والصيام كما في حديث عائشة (4)
(1) سورة النجم، الآية: 39.
(2) رواه مسلم في كتاب الوصية باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته. (3) الحديث رواه الإمام الربيع بن حبيب في مسنده في كتاب الحج باب فرض الحج رقم 392، وغيره من أئمة الحديث ونصه أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: كان الفضل بن العباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءت امرأة من خثعم تستفتيه فجعل الفضل بن عباس ينظر إليها وتنظر إليه فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر قالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن فريضة الله على العباد في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: «أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه أكنت قاضية عنه قالت: نعم. قال: فذاك ذاك. (4) عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه البخاري في كتاب الصوم باب من مات وعليه صوم، ومسلم في الصيام باب قضاء الصيام عن الميت. (6/156)
صفحة 2536
العزاء
157
وغيره، وذلك في الذي مات وعليه صيام والصدقة كما في حديث الرجل الذي ماتت أمه فأراد الصدقة عنها، ولم يأت في قراءة القرآن عن الميت ما يدل على انتفاعه به، ولم يرو شيء من ذلك عن الرعيل الأول؛ أي: الصحابة والتابعين وانتفاع الميت بها أو عدمه أمر غيبي لا يجوز الخوض فيه إلا بنص صريح وأنى لنا به؟ والله أعلم.
يوجد في المناطق عادة سار عليها الأهل منذ زمن بعيد تتمثل في تلاوة القرآن الكريم في آخر أيام العزاء وكذلك تلاوة بعض التراتيل تسمى عندهم الوهبة وكذا اعتقاد البعض أن تلك التلاوة والتراتيل تذهب للميت بفائدة فما مدى صحة هذا الاعتقاد؟
هذه أمور تتوقف على بيان من الشارع، ولم يأت من قبله ما يدلُّ على انتفاع الميت بتلاوة القرآن وإهداء ثوابه إليه بل الأصل أن عمل العامل لا يتجاوزه إلى غيره كما يدل عليه قول الله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سعى (1) اللهم إلا ما استثنى بالدليل كالحج والصدقة وصوم القريب عن قريبه إن مات وعليه صيام، والله أعلم.
هل يجوز أثناء العزاء قراءة القرآن وخاصة في اليوم الثالث علماً بأن بعض الناس الذين أتوا للعزاء يتكلمون ولا يستمعون القراءة القرآن؟
يجب صون القرآن عن تلاوته في حالات لا ينصت له فيها، والله أعلم.
ما رأي سماحتكم في قراءة الختمة آخر أيام العزاء؟
لم ترد سُنَّة بقراءة ما يسمى بالختمة في أيام العزاء فلذلك لا يعد ذلك (1) سورة النجم، الآية: 39. (6/157)
صفحة 2537
158
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
من السنن على أن كثيراً من الناس يأتون في أثناء قراءة القرآن الكريم في
العزاء كثيراً مما ينافي حرمة القرآن وآداب تلاوته كالقيام للداخل في أثناء القراءة والحديث بين بعض الحاضرين مع أن الله تعالى فرض الإنصات له والاستماع في قوله: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْهَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ نَ (1) فتعريض القرآن لذلك غير جائز، والله أعلم.
نجد أناس يقرؤون القرآن الكريم ويهبوه للأموات وبالذات في شهر رمضان المبارك وفي أيام العشر الأواخر من شهر ذي الحجة ثم يختموه بقراءات كتاب يسمى الوهبة وبعد ذلك يقدموا الأطعمة، فهل
هذا جائز؟
ليس لذلك أصل من السُّنَّة والتقيد بما دلت عليه السُّنَّة واجب، والله أعلم.
هل يتوافق مع السُّنَّة قراءة المصحف الذي تصحبه وليمة كبيرة في آخر يوم من أيام العزاء، وما البدائل المقترحة لاستغلال التجمع خاصة لدى النساء؟
القرآن إنما يُتلى لأجل إفادة الأحياء قال تعالى: {لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَفِرِينَ (2)، أما الميت فإنه لا ينتفع بتلك القراءة شيئاً {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَيْنِ إِلَّا مَا سَعَى (3)، وماذا عسى أن تكون فائدة هذا للميت الذي
بما لم يتل القرآن في حياته، ولم يعمل به على أن هذه التلاوة لا يُقصد
(1) سورة الأعراف، الآية: 204.
(2) سورة يس، الآية: 70. (3) سورة النجم، الآية: 39. (6/158)
صفحة 2538
العزاء
159
بها العبادة، وإنما هي عادة جرت وخالطها كثير من البدع، كالوليمة وهي شر هذه البدع، فالواجب تركها حتى لا يُتَّخذ القرآن وسيلة إلى البدعة، وتجمعات الناس في مثل هذه الحالات ينبغي أن تستغل في تذكير الناس بالله واليوم الآخر سواء كان ذلك عند الرجال أو عند النساء، والله أعلم.
ما يصل الميت من ثواب بعد وفاته
بعد وفاة الإنسان يلتزم بعض الأهالي بالصيام والحج عنه دون وصية منه بذلك ودون أن يكون عليه فرض صوم معلوم تركه في حياته
اعتقاداً
منهم
هذا الاعتقاد.
بذهاب مزيد من الثواب للمتوفى، فما مدى صحة مثل
أما الحج فنعم وكذلك الصيام إن مات الميت وعليه صيام بدليل حديث الخثعمية في الحج وحديث عائشة مرفوعاً في الصيام ونصه: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» (1) وأما فيما عدا ذلك فلا، والله أعلم.
توفى شخص يبلغ من العمر 20 سنة وكان مريضاً في حياته بمرض الصرع أعاذكم الله منه ولم يستطع في حياته الصلاة والصوم. هل يجوز لأحد من أهله أن يصوم له أو يتصدق عليه؟
لا مانع من الصدقة عنه وكذلك الصيام إن مات وعليه صيام وأما الصلاة فلا يصلي أحد عن أحد، والله أعلم.
(1) سبق تخريجه. (6/159)
صفحة 2539
17.
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
رجل أراد أداء صلوات وصيام وحج ... إلخ عن والده الهالك، فهل
يصح
له ذلك وكيف تكون النية؟
أما الحج والصدقة فنعم وكذلك الصيام إن مات وعليه صيام وأما الصلاة فلا والنية بالقلب مجزية، والله أعلم.
يلحق الميت الدعاء وقراءة القرآن بعد وفاته بأشهر أو سنة، وكذلك الحج، أو الصوم الذي يوصى به المتوفى بعد موته بإيجار من ماله ذلك؟ فما حكم الشرعي في
أما الدعاء فنعم، إن كان من أهل الصلاح والله أعلم بقراءة القرآن وأمّا الصوم الذي عليه فلم يصمه فإن وليّه مطالب بأن يصومه الحديث: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه (1) وكذلك الحج لا مانع من أن يحج عنه وليه وأما ما عدا ذلك من الصوم فليست فيه سُنَّة الله، والله أعلم.
توفي أحد أقاربي وأريد أن أقرأ له القرآن الكريم فماذا أنوي في ذلك؟ الأولى بك أن تتصدق عن قريبك الميت فإن ذلك خير من أن تقرأ له قرآناً لثبوت السنة بالصدقة دون القراءة، والله أعلم.
نجد أناس يأتون بطعام إلى المساجد وبالذات في شهر رمضان المبارك وفي إحدى أيام العشر الأواخر من شهر ذي الحجة وربما يكون هذا الطعام قد وهبوه للأموات فهل ينبغي الأكل منه أم تركه؟
إن كانوا تصدقوا به على الفقراء وقصدوا بذلك الصدقة عن موتاهم وكان
(1) سبق تخريجه. (6/160)
صفحة 2540
العزاء
161
الآكل فقيراً فلا حرج في ذلك لأن الصدقة عن الميت مشروعة وهي
تحلّ لغير الفقير، والله أعلم.
حكم التأجير بقراءة القرآن عن الميت
لا
ما رأي سماحتكم في الشخص الذي يقوم بتأجير قراءة القرآن لشخص ميت؟ الأجرة على القرآن غير جائزة وقراءته عن الغير أمر غير معهود عن النبي صلى الله عليه وسلم والصدر الأول من هذه الأمة والأولى اتباعهم، والله أعلم.
يقوم بعض الناس بإحضار بعض المأكولات ويعطونها لأحد المسلمين ويطلبون منه قراءة الفاتحة لأمواتهم على هذه المأكولات خاصة ليلة الجمعة من كل أسبوع فهل هذا العمل جائز، وإن كان جائزاً فهل قراءة الفاتحة تنفع أصحاب المأكولات أم تشمل جميع أموات المسلمين؟ لا يجوز أخذ الأجرة على القراءة أو الدعاء، والطعام الذي يقدّم بمثابة الأجرة فلا يجوز أخذه والداعي إنما يدعو لأهل الصلاح من الأحياء والأموات لا المصرين على الكبائر وله أن يدعو لعامة المسلمين أحياء وأمواتاً، والله أعلم.
ما قول سماحتكم في رجل توفاه الله تعالى إلى رحمته، وتكفل أخ
المتوفى بتكاليف العزاء، فهل على ورثة المتوفى من شيء؟
ليس العزاء الذي تنفق فيه الأموال وتؤكل فيه الولائم من السنن وإنما هو من البدع ولا يلزم الورثة منه شيء، والله أعلم. (6/161)
صفحة 2541
162 الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
ما حكم الإسلام في التعزية مع النواح؟
النواح حرام بالنصوص الصريحة)، فلا يحل بحال، والله أعلم.
وعظ الناس وقت العزاء
كفى بالموت واعظاً، ولكن المشاهد إن قسوة القلوب تطغى على معظم القاعدين للعزاء، إذ أصبحوا يتداولون فيما بينهم الأحاديث الدنيوية، ولا يكاد يوجه في مجالسهم ما يذكرهم بالله وباليوم الآخر.
فما الذي تنصحونه بالعمل به أثناء الإقامة في أيام العزاء؟
وعظ الناس وتذكيرهم بربهم وبالموت واليوم الآخر خير من جلوسهم على مائدة الأحاديث الدنيوية وتذكيرهم عن طريق المحاضرات أو بقراءة كتب الرقائق المتعلقة بالموت واليوم الآخر حتى يكون هؤلاء المجتمعون موصولين بما هم مجتمعون لأجله، ومستفيدين من هذا الموقف الذي يلتفون حوله، والله أعلم.
حكم التعزية في الصحف والمجلات
نرى في الآونة الأخيرة انتشار التعزية في الصحف والمجلات فهل في
ذلك من حرج؟
إن أريد بها المواساة لا المباهاة فليس فيها حرج، والله أعلم.
(1) ويدل عليه ما رواه الإمام الربيع من طريق ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صوتان ملعونان صوت مزمار عند نعمة وصوت مرنة عند مصيبة الربيع باب المحرمات برقم 636. (6/162)
صفحة 2542
فضل التعزية
العزاء
163
هل يؤجر المعزي على تعزيته لأهل الميت وما فضل التعزية؟ إن نوى بالتعزية مواساة إخوانه المسلمين وتأليف قلوبهم وجبرها فهو
مأجور إن شاء الله، والله أعلم.
تعزية أهل العاصي
إذا كان الميت من أهل الفسوق والفجور كأن يموت وهو على سكر
أو يموت منتحراً فهل يجوز تعزية أهله؟
لا مانع من تعزيتهم للتخفيف من مصيبتهم وتأليف قلوبهم من غير إظهار رضاً عنه أو عن فعله، والله أعلم.
حكم النياحة
أصبح من المشاهد توالي الوفود النسوية من القاصي والداني في يوم نهاية العدة، ويتخلل ذلك إثارة كوامن الحزن فيه وعلو أصوات النياحة والعويل، وكأن المتوفى لم يوارى في التراب بعد، ويتبع بعد ذلك إعداد وجبة العشاء لكل الحاضرات والغريب أن ذلك يُعد معهن أعظم القربات التي يرجى ثوابها للهالك فهل ترون في هذا الفعل مخالفة
لشرع
الله، وما ترون الواجب على ولى المعتدة عمله حيال ذلك؟
6
هذه عادة جاهلية يجب أن تختفي ولا يجوز إقرارها، فعلى النساء والرجال جميعاً أن يعملوا من أجل القضاء عليها، والله أعلم. (6/163)
صفحة 2543
164
الفتاوى
الجنائز - حوادث المركبات
توفيت امرأة وبينما تحاول إحدى الأخوات التسرية عمن أصيبت بمصابها لهذه المرأة عن ابنتها أو عن قريبتها بعدم رفع الصوت بالنياحة إذا بأخت أخرى تعترض عليها بقولها: إن هذه هي الفرصة الذهبية الوحيدة للتعبير عن الحزن وعن الفقد، وإنك لن تبكيها غداً مرة أخرى فبادري برفع الصوت وأري الناس شدة الحزن على الفقيدة، فما توجيهاتكم لصاحبات مثل هذا التصرف؟
صوت النياحة عند المصيبة من الأصوات الملعونة (1)، فلا خير فيها، أما البكاء من غير نياحة اعتباراً وعظة فهو من فطرة الإنسان فلا مانع منه،
والله أعلم.
كثير من الناس ذكورهم وإناثهم يعتقدون إباحة النياحة والعويل في الأيام الثلاثة الأولى للعزاء، وإذا ما ذكرهم أحد بعدم جواز ذلك قال: أنا سمعت من نساء العلماء المشهورين بجواز ذلك.
استفاضت الأحاديث المروية عن النبي الله بالنهي عن النياحة والتشديد في ذلك بما يدلُّ على أنه كبيرة من كبائر الإثم لاقترانه باللعن في قوله:
صوتان ملعونان صوت مزمار عند نعمة وصوت مرنة عند مصيبة» (2)، وإنما يباح البكاء الخالي من العويل لأنه أمر فطري لا يعبر عن السخط على القضاء وإنما يعبر عن مشاعر الرحمة في النفس وأحاسيس الحزن
للمصاب، والله أعلم.
(1) سيأتي تخريجه.
(2) سبق تخريجه (6/164)
صفحة 2544
بدع العزاء
العزاء
165
عادة للنساء في اليوم الأخير من العزاء يفرشن خضرة مثل «الفجل» في صحون على الأرض، فما رأيكم في ذلك؟
ذلك من البدع فيجب اجتنابه، والله أعلم. (6/165)
صفحة 2545
[صفحة فارغة] (6/166)
صفحة 2546
العدة
هي
مشروعية عقد عدة الوفاة
من السائد في المجتمع أن يقوم أحد من الناس بما يسمى بالعد على المعتدة، وذلك بأن يقرأ ألفاظاً معينة وهي تردد خلفه، ويزعمون أن أن تبدأ إلا بهذه الطريقة فنرجو تبيين الوجهة الشرعية
العدة لا يصح في ابتداء العدة والنية التي ينبغي للمعتدّة أن تنويها قبل العدّة؟ النية لا بد من أن تتصور حقيقتها، إذ الحكم على الشيء فرع تصوره، والنية كلمة عربية يتداولها الناس ويتصرفون في اشتقاقاتها، وكلها تدلّ ـ أي: كل التصريفات التي يصرفها الناس - في اشتقاقات هذه الكلمة عندما يعبرون بها تدلّ على القصد، يقال: نويت هذا الشيء أنويه بمعنى قصدته، ومن ذلك قول القائل لغيره كنت بالأمس ناوياً أن أزورك أي كنت بالأمس عاقداً في طويتي أن أزورك، ولا يفهم الذي يقال له هذا القول إلا هذا المعنى، إذ لا يفهم بحال من الأحوال عندما يقال له هذا القول بأن القائل يريد أنه كان بالأمس يردد بلسانه وإنما يريد بهذا أنه قصد أن يقوم بهذه الزيارة، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على ذلك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها فهجرته
عزمي (6/167)
صفحة 2547
168
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
إلى ما هاجر إليه» (1) وقد قال العلماء بأن هذا الحديث إنما ورد من أجل حدث معين، وذلك أن رجلاً هاجر قاصداً أن يتزوج امرأة تسمى أم قيس، ولذلك اشتهر بمهاجر أم قيس، ولا ريب أن النبي صلى الله عليه وسلم ما أراد بأن من هاجر إلى الله ورسوله لا بد أن يردد بلسانه هجرتي إلى الله ورسوله هجرتي إلى الله ورسوله، وإنما يريد أن الله مطلع على ما في قرارة نفس هذا المهاجر، عندما تكون هجرته إلى الله ورسوله وما هو الباعث لهذه الهجرة؟ فإن المخلص الله ورسوله لا يريد بهجرته إلا أن يقوم بإرضاء الله سبحانه وتعالى، ومناصرة رسوله، فعندما يكون هذا هو الباعث فلا ريب أن هذه الهجرة هي هجرة إلى الله ورسوله، وفي المقابل الذي تكون هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها لا يعني ذلك أن هذه الهجرة يعبّر عنها بلسانه قائلاً هاجرت من أجل أن أتزوج فلانة أو هاجرت من أجل أن أصيب من هذه الدنيا، فلو هاجر من أجل مصلحة دنيوية هل يحبط عمله مع أنه في قرارة نفسه أن الهجرة إلى الله، أو هذا الذي هاجر إلى الدنيا لو كان في قرارة نفسه أنه مهاجر إلى الدنيا ولكن لسانه كان معبراً بخلاف ذلك، كأن يقول هجرتي إلى الله ورسوله، فهل معنى ذلك أن الله تبارك وتعالى يحوّل عمله إلى أن يكون عملاً خالصاً له، مع أن النية هي الإخلاص المقصود في قول الله سبحانه وتعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (2)، والإخلاص سر بين العبد وربه كما يقول بعض أهل العلم: الإخلاص سر بين العبد وربه لا يطلع عليه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، إنما الإخلاص سر بين العبد وربه.
(1) رواه البخاري في كتاب بدء الوحي باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب الإمارة باب قوله: إنما الأعمال بالنية وغيره.
(2) سورة البينة، الآية 5. (6/168)
صفحة 2548
العدة
169
فالنية هي إخلاص العمل الله وليست ألفاظاً يرددها الإنسان وهذا هو المعني في قوله سبحانه: {فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحَا وَلَا يُشْرِكْ
في
بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (1) أي: لا يجعل لأحد غير الله سبحانه وتعالى نصيباً قرارة نفسه من تلك العبادة، بحيث يريد أن يصرف وجهه إليه، وإنما يكون عمله خالصاً لوجه الله، ولذلك ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين يأتون بشيء من هذه الألفاظ، فعندما كانوا يقومون إلى الصلاة ما كان أحدهم يقول: أصلي الله صلاة الظهر أو صلاة العصر أو صلاة المغرب أو صلاة العشاء أو صلاة الفجر، أربعاً أو ثلاثاً أو ركعتين أو نحو ذلك، وإنما كانوا يستحضرون ما يقومون لأجله
في قرارة نفوسهم.
وعندما كثر عوام الناس وجهلوا ما ينوونه أراد بعض العلماء أن يجعل هذه الألفاظ التي تعبر عما ينوونه في قرارة نفوسهم وسيلة لأجل استحضار معانيها، ولكن مع استحكام الجهل وتغلغل العامية وبعد الناس عن منابع العلم والدين أصبحت الوسائل هي المقاصد، وغابت المقاصد في خضم العناية بالوسائل، فإذا بالناس لا ينوون إنما يستحضرون هذه الألفاظ فقد يكون أحدهم عقله بعيداً كل البعد عن الاستحضار، وإنما لسانه يتحدث تلقائياً بهذه الألفاظ ويكتفي بها ويجعلها هي النية.
ثم بجانب ذلك تضاعف الأمر وأصبح الناس لا يفرقون ما بين العبادة التي هي معقولة المعنى والعبادة التي هي غير معقولة المعنى، فالعبادات غير معقولة المعنى تشترط لها النية التي هي القصد بالقلب وهي
التي هي
(1) سورة الكهف، الآية: 110. (6/169)
صفحة 2549
170
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
كالوضوء، فالوضوء يكون الغسل فيه لأعضاء معينة وكذلك المسح وهي ليست موضعاً للحدث الحسي وهو أمر لا يعلم حكمته إلا الله، فلا بد أن نستحضر النية عندما نقوم إليه.
وكذا الغسل من الجنابة، فإنها ليست هي أشد النجاسات، فيجب الغسل فيها بخروج المني أو بمجرد التقاء الختانين ولو لم تخرج النجاسة، فعندما نقوم إلى الغسل لا بدَّ لنا أن نستحضر النية.
وكذا الحال في الصلاة في أعداد ركعاتها وهيئاتها وصفاتها لا بد أن نستحضر النية عند القيام إليها فلو صلى أحد غير مستحضر النية فإن صلاته باطلة، إنما الأعمال بالنيات»، فلا بد فى مثل هذه الأعمال من نية، ولكن الأعمال التي هي معقولة المعنى تستحب فيها، إذ النية فيها طاعة وقربة إلى الله فإن أي عمل يعمله الإنسان ولو كان عملاً دنيوياً عندما يقصد به وجه الله تبارك وتعالى يتحول إلى عبادة، حتى الأكل عندما يأكل لأجل أن يستحضر عظم نعمة الله تعالى عليه، أو يتقوى به على العبادة، أو أن يكف نفسه عن الحرام، يغدو الأكل الذي هو أمر عادي بهذه النية طاعة وقربة إلى الله، فينبغي للإنسان أن ينوي عندما يقوم إلى كل ما يعمله ليكون في ميزان حسناته، ولكن بجانب ذلك لا يُقال بأن النية مشترطة لأي شيء حتى الأمور التي هي قربات إلى الله وتتوقف عليها العبادات، مثال ذلك تطهير الثوب من النجاسة فإن طهارته لا تتوقف على النية، فلو قدرنا أن أحداً من الناس تنجس ثوبه وما كان يدري بذلك فغسله من أجل تنظيفه فقط حتى زالت عين النجاسة منه، ولم يبق لها أثر فإن ذلك يكفيه، ولا يقال بأنه لا بد له من أن يعيد غسله بنية. (6/170)
صفحة 2550
العدة
171
والعدة اختلف العلماء فيها هل هي من العبادات غير المعقولة المعنى فتشترط لها النية أو من العبادات التي هي معقولة المعنى فلا تتوقف على النية، فجمهور العلماء من أصحابنا ومن علماء المذاهب الأربعة يقولون بأن العدة معقولة المعنى، ولذلك قالوا بأن المرأة عندما يموت زوجها ولا تكون عالمة بموته حتى تنتهي أيام عدتها ـ أي: الأيام التي تتربص فيها - تكون بذلك قد انتهت، عدتها وليس عليها أن تعتدّ
جديد.
من
وذهب ابن بركة والظاهرية إلى توقف ذلك على النية، بناءً على ما أصلوه من أن العدة عبادة غير معقولة المعنى فتتوقف على النية كسائر العبادات غير معقولة المعنى، ومع الأخذ بهذا هل تكون هذه العدة أشد وأعظم من الصلاة؟ فالصلاة لا تحتاج إلى أن يعبر عن النية عند قيامه إليها، وحتى أولئك الذين يلتزمون النطق بالنية عند القيام لها لا يقولون بأن صلاة المرأة تتوقف على أن يدخل عليها الرجل فيلقنها النية قبل الشروع في صلاتها، بل صارت بعض النساء يعتقدن بأن المرأة لو قرأت بنفسها هذه الألفاظ من دون أن يُقرئها رجل أو أقراتها إياها امرأة ـ أي: لقنتها إياها امرأة أخرى ـ لما أجزاها ذلك، فبلغ الجهل بالناس إلى هذا الحد، ومن حيث أن الأكثرين على أن العدّة عبادة معقولة المعنى ذهب جمهور العلماء إلى أنها لا تتوقف على النية فلو جهلت المرأة مثلاً وفاة زوجها ثم بلغها الخبر بعدما انقضت مدة التربص فعلى رأي هؤلاء ليس علها أن تستأنف عدة جديدة، وإنما تكون عدتها قد انتهت،
والله أعلم. (6/171)
صفحة 2551
172
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
ما قولك في امرأة توفي زوجها، فهل يذكر اسم المتوفى في عقد
التتريك أم لا؟
لا داعي إلى العقد، إذ ليس هذا بعقد نكاح وإنما تكفيها النية بالقلب،
والله أعلم.
تختلف العادات بين الناس في البلدان فمنهم إذا توفي الزوج بعد غسله تأتي المرأة زوجة الميت وتضع يدها فوق صدره ثم يقوم أحد الرجال ويعقد عليها نية التتريك عدة الوفاة ومنهم من يعقد عليها نية العدّة بعد الرجوع من الدفن فأيهما أصح فعله؟
كل ذلك لا أساس له في الشرع، وإنما هو من محدثات الأمور، فالعدّة تبدأ من ساعة وفاة الزوج كما سبق وتنويها المرأة في قرارة نفسها، ولا داعي إلى أن يدخل عليها رجل من أجل العقد، والله أعلم.
امرأة مصابة بالصمم، وقد توفي زوجها، فلما أراد أهلها أن يلقنوها نية الاعتداد لم تسمع منهم شيئاً، فما الحل في ذلك؟
التلفظ باللسان ليس من النية في شيء، وإنما النية هي القصد بالقلب، فإن قصدت العدة أجزأها ذلك، وإن لم تتلفظ بلسانها، والله أعلم.
ما قولكم فيمن يقول إن المرأة المعتدّة عدّة الوفاة، لا تبدأ عدتها حتى يحضر رجل دين يقرؤها نية الاعتداد؟
ذلك قول باطل، فإن العدّة كغيرها من العبادات يؤديها الإنسان بينه وبين
ربه، وحسبه أن ينويها بقلبه، والله يعلم السرائر من عباده، والله أعلم. (6/172)
صفحة 2552
العدة
173
ما قول سماحتكم في عقد عدّة المعتدّة على زوجها، هل يلزم أن تضع يدها على رأسه وأحد العارفين يقرئها النية بعد تكفين الميت. وهل يصح أن تنوي بنفسها بالقلب دون التلفظ باللسان وهي بعيدة عن زوجها الهالك؟
ما يفعله هؤلاء الناس من البدعة المخالفة لهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم والنية بالقلب مجزئة، على أن قول أكثر العلماء أن عدة المرأة تبدأ من لحظة وفاة زوجها ولو لم تعلم به، والله أعلم.
هل يجوز للمرأة أن تتبع جنازة زوجها حتى مكان غسله؟ وكيف تكون نية العدّة؟
إن كانت ترافقه بغير نواح، ومن غير أن تزاحم الرجال الأجانب فلا مانع، وإلا فهو ممنوع ونية العدة كسائر النيات للأعمال، هي القصد بالقلب إلى أداءء العمل قربة إلى الله، والله أعلم.
امرأة توفي عنها زوجها ليلة العشرين من شوال بعد صلاة المغرب، ولم تلفظ بنية عدتها - على ما جرت عليه العادة ـ إلا في الصباح، حيث أجل دفنه إلى ذلك الحين، هل يكون يوم التاسع والعشرين من صفر هو آخر يوم من عدتها، على اعتبار التاسع والعشرين من صفر هو تمام أربعة أشهر وعشرة
أن يوم أيام، أم غير ذلك؟
أولاً: على كل أحد أن يعلم أن النية هي غير التلفظ باللسان، وإنما النية هي قصد التقرب إلى الله بالعمل، وذلك هو عين الإخلاص، وهو سر بين العبد (6/173)
صفحة 2553
174 الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
-
وربه، لا يطلع عليه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده ـ كذا جاء في بعض ما قيل ـ والنبي صلى الله عليه وسلم ما كان هو ولا أصحابه يأتون بألفاظ النيات في الصلاة، ولا في الصيام ولا في غيرهما، وإنما كانوا يكتفون بما وقر في نفوسهم، من قصد التقرب إلى الله سبحانه بأعمالهم، وضبط تلك الأعمال بضوابط الحق، وقد حدثت هذه الألفاظ من بعد، عندما تفشى في الناس الجهل، وكثر بينهم العوام الذين لا يدرون ما ينوون وكيف ينوون، فأحدث بعض أهل العلم لهم هذه الألفاظ؛ لتكون لهم عوناً على استحضار ما تترجمه من المعان التي هي عين النية، وهذا يعني أنها أريد بها أن تكون وسيلة للعوام؛ للتوصل إلى النية، ولكن مع الأسف وقف الناس عند الوسيلة، ولم يصلوا إلى المقصد، إذ كل منهم يهمهم أن يرددوا هذه الألفاظ، ولو لم يستحضروا معانيها، فضاعت بذلك النية التي هي روح العمل.
ثانياً: تجب النية فيما كان أمراً تعبدياً محضاً؛ أي: غير معقول المعنى، و تندب فيما كان معقول المعنى، واختلف في العدة من أي القسمين فالجمهور من العلماء أنها معقولة المعنى، وأن مشروعيتها لاستبراء
هي،
الرحم، والوفاء بحق الزوج بعد موته؛ ولذلك لم يشترطوا لها النية، واعتبروا أن الدخول فيها بمجرد موت الزوج في نفس اللحظة، حتى ولو لم تكن المرأة بذلك عالمة، بل إن علمت بموته بعد انتهاء المدة المقررة أربعة أشهر وعشر ـ تكون قد أدّت ما عليها من عدة، ولا
للعدة
ـ وهي
ب عليها أن تعتد من جديد، وعلى هذا ففي مثل الساعة التي مات فيها الزوج في اليوم العاشر بعد أربعة أشهر تنتهي عدتها، وعليه فإن عدة هذه المرأة تنتهي بعد صلاة المغرب من ليلة الثلاثين من صفر، أو أول الأول، والله أعلم.
ليلة من ربيع (6/174)
صفحة 2554
العدة
175
ما رأي سماحتكم في الرجل الذي يقوم بالعقد على المرأة المتوفى عنها زوجها أي بمعنى قراءة نية عدة الوفاة عليها؟ أولاً: علينا أن ندرك أن النية هي عقد العزم بالقلب، وليست نطقاً باللسان، وذلك مفهوم من نفس دلالتها اللغوية، فإنه لو قال قائل: نويت بالأمس
أن أزورك، لم يفهم السامع منه إلا قصد الزيارة، ولا يمكن أن يفهم منه أنه كان أنه فلاناً، يردد سيزور والنية المطلوبة شرعاً إنما هي أن يقصد الإنسان بعمله وجه ربه، وذلك هو الإخلاص المراد في قوله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (1)، والإخلاص سر بين العبد وربه، والنية ضرورة في الأمور التعبدية، التي هي غير معقولة المعنى، كالوضوء فإنه غسل لجوارح معينة من الجسد، من دون أن تكون متلبسة بنجس أو دنس، ولا تلزم في الأمور المعقولة المعنى كغسل النجاسات، وإن كانت تنبغي، والعدّة هي في أكثر أقوال أهل العلم من النوع الثاني، فلذلك لو مات رجل ولم تعلم امرأته بوفاته حتى مضت أربعة أشهر وعشرة أيام لأجزاها ذلك عن الاعتداد فيما بعد على قول أكثر أهل العلم، ومن يرى خلاف ذلك، لا يشترط التلفظ، بل يجزيها القصد بالقلب إجماعاً، على أنا لو سلمنا لما يقوله العوام من ضرورة التلفظ؛ فكيف لا تتلفظ بنفسها؟ ولماذا يتوقف ذلك على أن يدخل عليها رجل يقرئها النية؟ وهل العدة أشد من الصلاة والصيام، والزكاة، والاغتسال الجنابة والحيض والوضوء؟ ولماذا لا يدخل عليها رجل ليقرئها النية هذه الأحوال؟ حتى أن العوام يظنون أن العدة لا تصح لو قرأت النية
من
في
(1) سورة البينة، الآية: 5. (6/175)
صفحة 2555
176 الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
بنفسها، أو أقرأتها امرأة مثلها، فالله المستعان إن منشأ ذلك كله الجهل
وعدم فهم الدين والله أعلم.
كيفية عدة المرأة إذا علمت بوفاة زوجها وهي في الحج
امرأة علمت بوفاة زوجها وهي تؤدي مناسك الحج قبل الوقوف بعرفة، فهل تكمل مناسك الحج أم تعتد وتترك المناسك؟
تكمل مناسك حجها، ولا يجوز لها أن تتخلف عنه بعد إحرامها وهو لا ينافي عدتها بل تستمر على أداء مناسك الحج وهي معتدة، والله أعلم.
ما يجوز وما لا يجوز للمعتدة فعله في أثناء العدة
إذا كانت امرأة في العدّة فما يلزمها أن تعمل وما يلزمها أن تترك وهل يجوز لها أن ترى رجلاً غير ذي محرم؟
إن كانت هذه العدّة عدّة وفاة فتنهى المرأة فيها عن الطيب والزينة والمبيت في غير بيتها الذي تعتد فيه وفيما عدا ذلك هي كسائر النساء فيما يجوز ويمنع ومنه النظر إلى الأجنبي فالمرأة مأمورة بغض البصر عنه لغير ضرورة سواء كانت معتدة أو غير معتدة، والله أعلم.
ما رأيكم في نقش يد المرأة بالحناء، ولباس الثوب الأبيض، إذا لم يقصد به التشبه وهل يلزم للمعتدّة أن تلبس الأسود من الثياب، وإذا توفي زوجها وليس لها بيت غير بيت بالإيجار الذي كانت تعيش فيه مع زوجها (6/176)
صفحة 2556
العدة
177
المتوفى، فهل يجوز لها أن تنتقل إلى بيت آخر أم كيف تصنع. وإذا كان لديها مال فهل يلزمها الإيجار من رأس مالها، وما يلزم المؤجر؟ تباح الزينة للمرأة ما لم يكن فيها تشبه بالفاسقات أو المشركات أو الرجال ولا مانع من لبس الثوب الأبيض على الراجح إن لم يكن في العرف أنه من لباس الرجال ولا يلزم المعتدة أن تلبس السواد وإنما تتجنب لباس الزينة وعليها أن تبقى في بيت الزوج إن لم يكن عليها ضرر وذلك إن كان ملكاً للزوج أو دفع إيجاره ولا يجب عليها استئجاره ولا يلزم مالكه أن يؤجرها، والله أعلم.
وهل يجوز أن يدخل على المعتدّة أولاد أختها، وأولاد خالتها، وأولاد
عمتها؟
لا فرق بين المعتدة وغيرها من النساء فيما يحل ويحرم، إلا في ثلاث حالات وهي: أن المعتدة تمنع من الطيب والزينة، والمبيت في غير بيتها الذي اعتدت فيه، أما بقية الأمور فهي كغيرها، يحرم عليها ما على غيرها، ويحل لها ما يحلّ لغيرها، ودخول الرجال ذوي المحارم كأبناء الأخ، وأبناء الأخت، والربيب، ونحوهم عليها جائز، سواء كانت معتدة أم
يحرم
مع
غير معتدة، وأما الرجال غير ذوي المحارم فلا يجوز خلوتهم بها، إلا حضور ذي محرم منها، سواء كانت معتدّة، أو غير معتدة، لحديث: «لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم»)، والله أعلم.
(1) هذه الرواية بهذه الصيغة من طريق ابن عباس رواها البخاري في صحيحه كتاب النكاح باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم، وجاءت بعدة صيغ عنده وعند غيره كما في مسند الإمام الربيع بن حبيب، ومسلم في صحيحه وأهل الصحاح والسنن. (6/177)
صفحة 2557
178
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
المرأة المعتدة كغيرها من النساء حلاً وحرمة، إلا في ثلاث: تمنع من الزينة، ومن التطيب ومن الميت في غير بيت زوجها، فما ترى سماحتكم لو زادت في ذلك، كعدم لمس، التراب وعدم النظر في المرآة، وما شابه ذلك مما هو معمول به عند العامة، هل عليها حرج في ذلك؟
إن اعتقدت وجوب ذلك عليها فهي عاصية لربها وهالكة إن لم تتب من هذا الاعتقاد الفاسد، والله أعلم.
هل يجوز للمعتدة أن تكشف عن وجهها؛ إن أرادت أن تكتب وكالة لأحد؟
ذلك جائز، ولا فرق بين المعتدة وغيرها في ذلك، والله أعلم.
لقد توفي زوجي واستقبلت العدّة فأخبروني بأنه لا يجوز أن أمس التراب، أو الذهب أو الفضة، أو استعمال الصابون، أو رؤية الرجال الأجانب، فما حكم ذلك شرعاً؟
أحسن الله عزاءك في مصابك، وعظم لك الأجر، وعوضك ما هو خير وأبقى هذا والمعتدّة عدّة الوفاة كغيرها من النساء في باب الحلال والحرام ولا تمنع مما يباح لغيرها من النساء إلا ثلاث حالات، وهي: أنها تمنع من الزينة، والطيب، والمبيت في غير بيتها، أما سائر الأحكام فهي كغيرها، فمس التراب لا وجه لمنعها منه، وكذلك من الذهب والفضة من غير أن تتزين بهما، والصابون غير المعطر لا تمنع منه؛ بخلاف المعطر، وتمنع من الخلوة بالأجانب، لا من رؤيتهم، والله أعلم.
هل يجوز للمعتدة عدة الوفاة أن تغتسل بالصابون، وتستاك بالمعجون،
أو تكلم محارمها، أو صديقاتها بالهاتف؟ (6/178)
صفحة 2558
العدة
179
المعتدة ليست لها أحكام تختلف عن أحكام سائر النساء إلا في ثلاث حالات، وهي أنها تمنع من الطيب والزينة والمبيت في غير بيتها، أما في سائر الأحكام فهي كغيرها، وإنما يحرم عليها ما يحرم على سائر مع ما ذكرته، وبهذا يتبين لك أن كل ما ذكر لك في هذه المسائل مباح لها، اللهم إلا الاستحمام بالصابون؛ فيشترط فيه أن لا يكون معطراً، والله أعلم.
النساء
تنتهي
توفي زوجي وحصلت على إجازة من جهة عملي مدتها أربعة أشهر وعشرة أيام، وذلك بموجب قانون الخدمة المدنية، حيث أنني أعمل مدرسة، علماً أنني حامل والآن الإجازة التي حصلت عليها قد
انتهت، فكيف الحكم في مباشرة عملي، ومتى تنتهي عدّتي؟ عدتك بوضعك الحمل، لقول الله تعالى: {وَأُولَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (1)، وإنما يجوز الخروج لما لا بد منه، فلا حرج عليك في الخروج في النهار للتدريس وغيره، على أن يأويك الليل في بيتك، والله يوفقك للخير والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
ما قولكم من توفي عنها زوجها، هل يصح لها أن تلبس في عدتها لباسها المعتاد، حيث إنه من المعلوم أن لباس النساء العُمانيات يكون عليه الزري والسجاف، ويكون الثوب مختلط به أكثر من لون واحد فهل يجب عليها أن تلبس اللون الأسود؟
تلبس أي لباس كان، إلّا لباس الزينة، فليس لها التزين في لباسها كما ليس
(1) سورة الطلاق، الآية: 4. (6/179)
صفحة 2559
180
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
لها التزين بالحلي، وعليه فما ذكرته من السجاف والزري (1) ممنوع عليها، أما السواد فلا يجب عليها التقيد به، بل لها أن تلبس ما شاءت من الألوان من غير لباس الزينة، والله أعلم.
هل يجوز للمعتدة عدة الوفاة أن تغتسل بالصابون؟
إن كان الصابون غير معطر فلا مانع منه، والاستحمام بالماء وكل منظف غير معطر مباح، والله أعلم.
ما قولكم في المعتدة المميتة هل يجوز أن يدخل عليها زوج ابنة
أخيها؟
المعتدة كغيرها من النساء من هذه الناحية، وزوج بنت الأخ أجنبي من عمة زوجته، فلا تجوز لها الخلوة به، سواء كانت في العدة أو في غيرها من الأحوال، وأما مع وجود ذي محرم منها مع استتارها؛ فلا حرج إن دخل عليها في العدة، أو في غير العدة، والله أعلم.
هل يلزم المرأة المعتدة عدّة الوفاة أن تلبس النقاب؟
المعتدة كغيرها من النساء في جميع الأحكام إلا ثلاثة، وهي: أنها تمنع من الطيب، والزينة، والمبيت في غير بيتها، وفيما عدا ذلك لا تختلف عن غيرها، فلا يلزمها التنقب إلا حيث يلزم غيرها، وذلك في مظان الفتنة والريبة، والله أعلم.
(1) جاء في المعجم الوسيط (السجاف) الستر وما يركب على حواشي الثوب، أما الزري فهو مصطلح يطلق على نوع من الزينة تستعمله المرأة في ثوبها. (6/180)
صفحة 2560
العدة
181
هل يجب على المعتدّة عدّة الوفاة لبس السواد؟
لا يجب عليها ذلك، وإنما عليها أن تتجنب ثياب الزينة؛ كالحرير، إلا إن لم تجد غيرها، والله أعلم.
ما قولكم فيمن توفي زوجها، وترك محلات تجارية وعقارات، فهل يجوز لها وهي في العدّة أن تتصل بالهاتف بالعاملين في هذه المحلات، أو تجتمع بهم في بيتها بحضور ابنها، وذلك لتتابع معهم مواضيع العمل؟
نعم لها أن تخاطبهم بالهاتف، أو تكملهم بحضور ذي محرم منها، مع تسترها كما يجب، والله أعلم.
هل يجوز للمعتدة عدة الوفاة أن تبخر نفسها، أو بيتها باللبان؟
بما أن اللبان له رائحة طيبة فلتجتنبه، والله أعلم.
نسمع
بأن المرأة المعتدّة عدّة وفاة لا يجوز أن يراها الرجال بعد
خروجها من العدة، حتى تمضي عليها سنة كاملة، فهل هذا صحيح؟
هذا كلام باطل لا أساس له من الصحة، والله أعلم.
هل يجوز للمعتدة عدة الوفاة أن تذهب إلى المستشفى لتلقي العلاج؟
لا مانع من ذلك، والله أعلم.
وهل يصح أن تذهب بولدها إلى الطبيب؟
لا مانع من ذلك أيضاً، والله أعلم. (6/181)
صفحة 2561
182
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
هل يجوز أن أدخل على أرملة أخي؛ بحضور الوالدين وزوجتي، إذا كنت أنا العائل لهذه الأرملة، ولأولادها؟
لا حرج في ذلك، إن لم تخل بها، والله أعلم.
امرأة توفي زوجها ولها ربيبة - أي بنت زوجها من غيرها ـ هل يجوز لزوج البنت الدخول عليها أثناء العدّة؟
لا يجوز لزوج الربيبة أن يخلو بها، سواء كانت معتدة أو غير معتدة؛ لأنه أجنبي منها، وقد قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم)، وهذا الحكم غير محصور في العدة، وإنما جهل الناس أدى بهم إلى التهاون في غير حال العدة، والتشدد على المعتدة، فأفرطوا في ناحية، وفرطوا في أخرى، ولا فارق بين المعتدة وغيرها إلا في ثلاث حالات: أولها: عدم التطيب والثاني: عدم الزينة، والثالث: عدم المبيت في غير بيتها، وفي سائر الأحوال هي كغيرها، ولقاؤها الرجل الأجنبي مع ذي المحرم منها لا يمنع في عدة، ولا غيرها مع تمام الاحتشام، والله أعلم. هل يجوز للمعتدة عدة الوفاة أن تخرج من بيتها؛ لتقضي بعض شؤونها إذا لم يوجد معها من يخدمها؟
نعم، ذلك جائز لها، والله أعلم.
ما هي
الأعمال المحرمة والأعمال المباحة للمعتدة؟
المعتدة كغيرها من النساء، لا فرق بينها وبينهن في شيء إلا في بعض الحالات، أما بالنسبة إلى ما يحرم على غير المعتدة فهو يحرم على
(1) رواه الإمام أحمد في مسنده في مسند جابر بن عبدالله. (6/182)
صفحة 2562
العدة
183
المعتدة، لا فرق بينهما في حكم ذلك، وكذلك ما يباح لغير المعتدة فهو أيضاً يباح للمعتدة إلا ثلاث حالات فقط وهي أنها لا تبيت إلا في بيت زوجها، ولا تتطيب، ولا تتزين وكل ما عدا ذلك فهو يباح لها، ولا معنى للتشدد بتحريم ما لم يحرمه الله عليها فإن ذلك من مواريث الجاهلية الذين كانوا يشددون تشديداً بالغاً على المعتدة، ولا معنى للتساهل في غير المعتدّة أيضاً، فالمرأة عندما تكون غير معتدّة كثيراً ما يتساهل في أمرها، ولذلك تجد أن المراة التي تلتزم الحجاب الشرعي وتلبس لباس الوقار الشرعي الذي فرضه الله تبارك وتعالى على النساء المؤمنات بنص كتابه في قوله: {وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبَصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَابِهِنَّ أَوْ ءَابَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ (1) إلى آخر الآية، وقوله: {يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِأَزْوَجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ (2).
تكون عرضة، للنقد عند الجهلة حتى أن كثيراً من عوام الناس يقول: «كأنها تريكة» (3) وهل هذا الأمر الرباني خصت به المرأة المعتدة فقط حتى يقال للمرأة عندما تلتزم هذا اللباس الشرعي هذا القول، بل صار كثير من السفهاء والأوغاد عندما يرون امرأة ملتزمة بالواجبات الشرعية ومتقيدة بلبس هذا اللباس يسخرون منها ويقولون لها تريكة تريكة .. تريكة .. وهذه حماقة وجهل وسفاهة.
(1) سورة النور، الآية: 31. (2) سورة الأحزاب الآية: 59 (3) أي المتوفى عنها زوجها. (6/183)
صفحة 2563
184 الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
ثم بجانب هذا أيضاً نجد أن الله تبارك وتعالى جعل هنالك حرمات يجب أن تراعى وآداباً يجب أن يتخلق بها، ومن هذه الآداب أن الرجل لا يخلو بامرأة أجنبية إلا مع ذي محرم فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم» (1)، ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام: «إياكم والدخول على النساء - أي: النساء الأجنبيات ـ فقال له رجل من الأنصار أرأيت الحمو يا رسول الله؟ فقال: الحمو الموت» (2) وقد دلَّ الحديث أن حما المرأة الذي هو أخو زوجها يعد دخوله عليها كالموت في خطورته، من حيث إن الخلوة بينهما قد تؤدي إلى الكثير الكثير مما يحذر فعلى المرأة والرجل أن يلتزما الآداب الشرعية، فلا يدخل الرجل مع أي امرأة يُباح له أن يتزوجها ولو في غير إبان عدتها، ولو كانت بينهما حرمة موقوتة كزوج الأخت أو زوج العمة أو زوج الخالة إذ هذه الحرمة لا تكون مسوغة للخلوة أو لإبداء الزينة، فلا يجوز لها أن معهم شيء من زينتها، بل عليها أن تلتزم الآداب الشرعية إن كانت معهم مع الأجانب الأبعدين، والله أعلم.
كما
الشأن هو
تبدي
من المفاهيم الخاطئة فيما تقوم به المعتدة لبس ثياب خاصة للعدّة وغالباً ما يكون لونها شبيهاً بملابس الرجال، كما أنها تقوم بتغطية كامل جسمها لدى حضور أقاربها إليها، فهل في هذا منافاة لتعاليم الشرع الحنيف، وهل يجب فعلاً تغطية الوجه والكفين على المعتدة
لدى مقابلة أرحامها (غير المحارم مع حضور المحارم؟
(1) سبق تخريجه
(2) رواه البخاري في كتاب النكاح باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم، ومسلم في كتاب السلام باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليه. (6/184)
صفحة 2564
العدة
185
تندب المرأة إلى تغطية وجهها وكفيها سواءً كانت معتدة أو غير معتدة عند غير محارمها وذلك مع عدم خوف الفتنة، أما مع خوف الفتنة فذلك مما يجب؛ لأن درء الفتنة أمر لا بد منه، ولا يكون ذلك محصوراً في حالة العدة فقط، بل لا فرق بين معتدة، وغيرها أما بالنسبة إلى لبسها ملابس خاصة فهذا مما لم يشرع فليس لها أن تلبس الملابس التي هي شبيهة بملابس الرجال والله أعلم.
ما رأي سماحتكم فيما تقوم به المعتدة عدة الوفاة من تغطية كل جسمها، ويديها، وأرجلها، وصب الزيت، وعدم مقابلة الأطفال، والنياحة،
والتعري، وحمل السيوف، وزيادة أيام العدة، وغيرها من الأمور؟
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار (1) ويقول - أيضاً -: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (2).
ويقول عليه الصلاة والسلام: لعن الله من أحدث في الإسلام حدثاً أو آوى
محدثاً (3).
هذه الأحاديث كلها تفيد أن كل ما خالف كلام الله تعالى، وهدي محمد صلى الله عليه وسلم فهو معدود في البدع الضالة التي تؤدي بصاحبها ـ والعياذ بالله - يوم القيامة
إلى النار.
(1) سبق تخريجه.
(2) سبق تخريجه.
(3) رواه الإمام الربيع بن في باب الأمة أُمة محمد صلى الله عليه وسلم رقم 42. (6/185)
صفحة 2565
186
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
-
وقد بيّن الله تعالى الدين فيما أنزل من كتاب، وفيما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيان، وامتن على الناس بإتمام النعمة، وإكمال الدين بعد أن بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، فقد قال الله تعالى فيما أنزله على عبده ورسوله في يوم عرفة في حجة الوداع الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا} (1)، ولم يبق - بعد يومئذ ـ شيء يستحق البيان، بل كل شيء بينه لنا رسول الله، وقد اكتمل الدين.
وإجمالاً أقول: بأن كل ما ذكر في هذا السؤال فهو من البدع والضلالات، التي لا تجوز في الإسلام.
أما من ناحية الستر؛ فإن المرأة مطلوب منها أن تستر بدنها عن أنظار الرجال، سواء أكانت في العدة، أم في غير العدة، ومطلوب منها أيضاً أن لا تجلس مع الرجال، إلا إذا كان هناك داع للجلوس، بشرط أن لا تكون
في خلوة معهم.
فقد جاء في كتاب الله تعالى ما يدل على وجوب الستر، فالله تبارك وتعالى يقول مخاطباً للنبي: يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} (2)، ويقول الله سبحانه وتعالى: وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبَصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ابَ بِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَتِهِنَّ أَوْ نِسَابِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ
(1) سورة المائدة، الآية: 3. (2) سورة الأحزاب، الآية: 59. (6/186)
صفحة 2566
العدة
187
أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (1).
وهذا الحكم ليس خاصاً بالمعتدة، فإن المعتدة ليس لها أن تتزين، حتى تمنع عن إظهار الزينة لطائفة من الناس بل هي ممنوعة من الزينة رأساً، فمن هنا يتبين لنا أن حكم حكم الستر ليس مختصاً بالمعتدة، وتشديد الناس على المعتدة مع التساهل في غير حالة الاعتداد إنما يعدُّ إفراطاً وتفريطاً، وكل من ذلك ممنوع في الإسلام، فالإسلام دين اتزان واعتدال في جميع الأحوال. والنبي صلى الله عليه وسلم منع المرأة أن تختلي بالرجل الأجنبي، ومنع الرجل أن يختلي بالمرأة الاجنبية، فقد قال: لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم» (2)، ويقول: «إياكم والدخول على النساء، فقال له رجل من الأنصار: أرأيت الحمو يا رسول الله؟ - والمقصود به قريب الزوج - فقال - صلوات الله عليه وتسليمه الحمو الموت» (3)، فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يشبه حما المرأة بالموت؛ لما في دخوله عليها، واختلاطه بها، وخلوته معها من المحذور، فكيف بغيره؟ رغم أنه من عادة الناس أن يغاروا على نساء أقاربهم.
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما» (4)،
(1) سورة النور، الآية: 31.
(2) سبق تخريجه.
(3) سبق تخريجه.
(4) الترمذي في كتاب الفتن باب ما جاء في لزوم الجماعة، وابن حبان في صحيحه كتاب الحظر والإباحة ذكر الزجر أن يخلو المرء بامرأة أجنبية وإن لم تكن مغيبة والنسائي في الكبرى في كتاب عشرة النساء ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر عمر فيه. (6/187)
صفحة 2567
188
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
-
فمن العجيب أن يتسامح الناس إذا لم تكن المرأة معتدة، ويتساهلوا حتى يدعوا الرجل الأجنبي يدخل عليها ـ وهو لا يجوز أن تختلي به أو يختلي بها ـ فيجلسا منفردين، وما هذا إلا ترك لما فرضه الله تعالى في كتابه، وعلى لسان رسوله.
وبجانب ذلك يتشدد على المرأة في حالة الاعتداد ـ إذا كانت عدتها عدة وفاة ـ بحيث تمنع حتى من مقابلة الأطفال، وهذا التشدد ليس له أصل من كتاب الله تعالى، ولا سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إن المرأة مع النساء المسلمات المؤمنات الصالحات يجوز لها أن تبدي ما فوق السرة، وما تحت الركبة، سواء في الاعتداد أو في غير الاعتداد؛ لأن عورة المرأة مع المرأة المسلمة البرة كعورة الرجل المرأة المسلمة البرة كعورة الرجل مع الرجل، وهي ما بين السرة والركبة! فكيف يتشدد على المرأة في حالة الاعتداد، ويقال: إنه لا يجوز لها أن تصافح المرأة إلا من وراء حجاب؟، وعليها أن تستر مع النساء يديها، وتستر وجهها، ليت شعري ما هو دليل ذلك من كتاب ربنا، وسُنَّة نبينا؟ وقد قال رسول الله من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (1) كذلك الادهان بالزيت، وعدم ملامسة المذكر من الأشياء، والتقوقع في مكان واحد داخل حجرة مظلمة كل ذلك ليس له أساس من كتاب أو سُنَّة، ولا قال به أحد من علماء المسلمين وإنما هو مما تبقى من عادات الجاهلية ومواريثها.
وإجمالاً يجوز للمعتدة كل ما يجوز لغيرها من النساء، ما عدا ثلاثة أشياء وهي: الزينة والطيب، والتردد خارج البيت بغير ضرورة، فالمعتدة لا يجوز لها أن تتزين، او تتطيب، أو تبيت خارج بيتها، إلا في حالات الضرورة القصوى.
(1) سبق تخريجه. (6/188)
صفحة 2568
العدة
189
ويجوز للمعتدّات إذا كن ذوات عدد، وكل واحدة منهن لم تكن تجد من يؤنسها في بيتها، أن يجتمعن في بيت واحد في النهار، ولكن يفترقن في الليل، وتعود كل واحدة منهن إلى بيتها تنام فيه كما جاء ذلك نص عن
ابن مسعود
أما النياحة فممنوعة شرعاً لقول النبي: صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة صوت مزمار عند نعمة وصوت مرنة عند مصيبة (2)، فهي من البدع المنكرة، بل من الكبائر؛ لأن اللعن لا يكون إلا على كبيرة، فالنائحة مرتكبة لكبيرة، وقد جاء في رواية ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليعذب ببكاء أهله عليه) (3)، وتحمل هذه الرواية على ما إذا لم ينه هذا الرجل عما سوى البكاء المعتاد، الذي أباحه الشرع، فعلى الإنسان أن يحذر أهله من النياحة، أو أن يقروا نواح نائحة بعد موته؛ لأن ذلك مما يخالف هدي الإسلام الذي أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم
ومن الضلالات الكبرى، والأمور المضحكة المبكية، ما ذكر هنا في هذا السؤال، أن المرأة إذا كانت يوم انتهائها من عدتها يخرج الرجال جميعاً من
بيتها ... ؟ ما هو الداعي إليه؟ وما الدليل؟ وكذلك خروج الحوامل؟ إن الموت والحياة بيد الله سبحانه وتعالى، فلا يكون وجود الرجال مع خروج
(1) سيأتي تخريجه ص
(2) سبق تخريجه.
187
(3) رواه الإمام الربيع بن حبيب 483، باب صلاة الجنائز، ومالك في الموطأ كتاب الجنائز باب النهي عن البكاء على الميت، والبخاري في كتاب الجنائز باب قول النبي يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه مسلم في الجنائز باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه. (6/189)
صفحة 2569
190 الفتاوى
الجنائز - حوادث المركبات
المعتدة من عدتها سبباً لموتهم، ولا تكون غيبتهم أيضاً سبباً لسلامتهم كُلُّ نَفْسٍس ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ (())، وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ
6
شرة
مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ (2)، وكذلك الحوامل لا يدني موتهن، ولا موت أجنتهن حضورهن عند المعتدة، ولا يسلم أجنتهن ولا يسلمهن من الموت خروجهن من عندها، وغيابهن عن المكان الذي تكون فيه المعتدة عند خروجها من العدة، وأدهى من ذلك وأمر أن تجتمع النساء عندها في يوم خروجها من العدة، وأن تذهب بها امرأة إلى مكان الاغتسال وخلفها امرأة أخرى تحمل سيفاً وترفعه فوق رأسها، فذلك من البدع والضلالات التي تجب محاربتها، وأعظم من ذلك كله أن تتعرى أمام النساء؛ فإن أية امرأة لا يجوز لها أن تنظر إلى عورة امرأة أخرى، كما لا يجوز لرجل أن ينظر إلى امرأة أو رجل، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الناظر والمنظور إليه» (3)، نعم يجوز ذلك في حالات الضرورة القصوى كالعلاج ونحوه ..... وأنصح المسلمين والمسلمات بأن يتبعوا كتاب الله وسُنَّة رسول الله، وأن لا يجعلوا للمعتدة حكماً يختلف عن غيرها، اللهم إلا في الأشياء الثلاثة التي ذكرتها الزينة والتطيب والتردد خارج بيتها بغير ضرورة. وعلى المسلمين أن يحاربوا البدع والخرافات التي تخالف كتاب الله وسُنَّة رسوله.
وإذا دعا لدخول رجل أجنبي عليها مع استتارها وكان معها ذو محرم؛ فلا مانع من ذلك.
(1) سورة آل عمران الآية: 185.
(2) سورة فاطر، الآية: 11.
(3) رواه البيهقي في السنن الكبرى كتاب النكاح باب ما جاء في الرجل ينظر إلى عورة الرجل والمرأة تنظر إلى عورة المرأة. (6/190)
صفحة 2570
العدة
191
وكذلك يجب أيضاً على النساء أن يلتزمن الستر، الذي فرضه الله تعالى عليهن في غير حالة العدة كما يلتزمه فى العدّة وأن يلتزمن ما فرضه الله عليهن من الآداب الشرعية في قوله: {وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبَصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا (1)، إلى آخر الآية، وقوله تعالى: {يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَبِيبِهِنَّ (2)، إلى آخر الآية، وذلك في غير حالة الاعتداد، فإن الحرمة في ذلك لا تختلف بين حالة الاعتداد، وغيرها والله تعالى نسأله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى
آله
وصحبه وسلم.
عدة الحامل
تنتهي
إذا كانت امرأة حامل وتوفي زوجها فكم تكون عدتها ولو كان حملها
شهراً واحداً؟
عدتها بوضعها الحمل طالت المدة أو قصرت، والله أعلم.
ما قولكم فيمن وضعت حملها بعد شهرين من وفاة زوجها، هل عليها أن تكمل العدة، أم تنتهي بوضع حملها؟
انتهت عدتها بوضع حملها؛ لقوله تعالى: {وَأُوَلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (3) ولحديث سبيعة الأسلمية التي وضعت حملها
(1) سورة النور، الآية: 31. (2) سورة الأحزاب، الآية: 59. (3) سورة الطلاق، الآية: 4. (6/191)
صفحة 2571
192
192 الفتاوى
الجنائز - حوادث المركبات
بعد وفاة زوجها بأيام، فقال لها رسول الله: حللت فانكحي والله أعلم.
فيمن توفي زوجها وهي حامل، ووضعت حملها في اليوم الرابع من عدتها، فهل تنتهي عدّتها بذلك، أم تكمل العدّة كاملة؟
القول الراجح أن عدتها تنتهي بوضع حملها، فمتى وضعته حلت، بدليل قوله تعالى: {وَأُولَتُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمَلَهُنَّ. وقوله السبيعة الأسلمية وقد وضعت حملها بعد وفاة زوجها بأيام حللت فانكحي (2) ولا وجه لحصر هذا الحكم في سبيعة، فإن الأصل عدم الخصوصية، ولأن الراوية للحديث - هي أم سلمة - زوج النبي صلى الله عليه وسلم وقد روته في مقام فض النزاع الذي كان في المسألة بين ابن عباس - القائل بأبعد الأجلين ـ وأبي هريرة وعبد الرحمن بن أبي سلمة القائلين بوضع الحمل، ولو كانت ثمة خصوصية لما جهلتها هي وعلمها من بعدها، ولأن في بعض الروايات التصريح بعموم هذا الحكم والله أعلم.
ما قولكم في رجل توفي عن زوجته وهي حبلى، فوضعت بعد وفاته
(1) بهذا اللفظ رواه ابن حبان في كتاب الطلاق باب العدة ذكر وصف عدة المتوفى عنها زوجها وهي حامل وأحمد في مسنده مسند المسورة بن مخرمة، والحديث ورد بالفاظ أخر عند الإمام الربيع بن حبيب باب الحداد والعدة رقم 539، ومالك في الموطأ كتاب الطلاق باب عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملاً، البخاري كتاب المغازي باب فضل من شهد بدراً، ومسلم في كتاب الطلاق باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها وغيرها وغيرهم من (2) سبق تخريجه.
أئمة الحديث. (6/192)
صفحة 2572
العدة
193
بأيام وساعات هل تنتهي عدتها أم لا؟ علماً أن أكثر قول اصحابنا. يقولون بأبعد الأجلين عملاً بالدليلين وهما الآية التي في سورة البقرة أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} والثانية التي في سورة الطلاق: {وَأُوَلَتُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ لكن وجدتُ عن شيخنا القطب في وفاء الضمانة عدة أحاديث عن النسائي وهي مرفوعة، وقصة سبيعة الأسلمية، وكما تعلم لا حظ للنظر مع وجود الأثر؟
جمهور
ذهب جمهور أصحابنا رحمهم الله في هذه المسألة مذهب علي وابن عباس له وهو الاعتداد بأبعد الأجلين جمعاً بين دلالة الآيتين، وذهب الأمة، وقليل من أصحابنا إلى أنها تنتهي عدتها بوضع حملها، سواء طالت مدة الحمل أم قصرت، وهذا هو الأصح؛ بدليل حديث سبيعة الأسلمية المخصص لعموم آية، البقرة، وقد أخرجه الربيع، والشيخان، وأصحاب السنن، وتخصيص عمومات القرآن بأحاديث الآحاد أمر مشهور عند الأمة، ويعتضد ذلك هنا بآية الطلاق {وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ، وقول أكثر أصحابنا أن حديث سبيعة خاص بها ينظر فيه من أربعة أوجه:
أولها: أن الأصل في الأحكام الشرعية عدم الخصوصية؛ فعلى مدعيها
الدليل.
ثانيها: إن راوية الحديث أم سلمة روته حجة على من قال بأبعد الأجلين أنها حدثت به عندما اختلف في المسألة أبو هريرة، وابن عباس، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، فقال: ابن عباس بأبعد الأجلين، وقال أبو هريرة، وأبو سلمة بمجرد وضع الحمل، فأرسلوا إليها من يسألها فروت (6/193)
صفحة 2573
194
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
لهم الحديث، فلو كان الحديث خاصاً لكانت
ثالثها: أن
هي
أولى بمعرفة ذلك.
في بعض الروايات أنه صرح بعموم الحكم والله أعلم.
ما الراجح عندكم في عدّة الحامل إذا توفي عنها زوجها؟
الصحيح عندي في هذه المسألة
هو
ما دلت عليه السنة النبوية على صاحبها
أفضل الصلاة والسلام وإليك ما جاءت به السنة: (1)
روى الإمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب ركة الله عن أبي عبيدة عن جابر بن يزيد عن ابن عباس قال: اختلفت أنا وأبو سلمة بن عبد الرحمن في المرأة الحامل إذا وضعت بعد وفاة زوجها بليال، قال: فقلت: عدتها آخر الأجلين فقال أبو سلمة: إذا وضعت حلت فجاء أبو هريرة فسئل فقال: أنا مع أبي سلمة، فبعثنا كريباً مولى ابن عباس إلى أم سلمة فسألها عن ذلك، فقالت: ولدت سبيعة الأسلمية بعد وفاة زوجها بليال، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حلت» (2)، وروى القصة مالك في الموطأ، والشيخان، والترمذي، والنسائي) من رواية أم سلمة كما في المسند. وروى البخاري ومسلم حديث سبيعة من طريق سبيعة نفسها، وأخرجه الترمذي، والنسائي
(1) سبق تخريجه.
(2) سبق تخريجه
(3) مالك في الموطأ كتاب الطلاق باب عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملًا، البخاري كتاب المعازي باب: {وَأُولَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا، ومسلم في كتاب الطلاق باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها، والترمذي في كتاب الطلاق باب ما جاء في الحامل المتوفى عنها زوجها تضع، والنسائي في كتاب الطلاق باب عدة الحامل المتوفى عنها زوجها. (6/194)
صفحة 2574
العدة
195
من طريق أبي السنابل)، ومالك، والبخاري، والنسائي من طريق المسور بن مخرمة (2)، والنسائي من طريق زفر بن أوس بن الحدثان النصري (3)، والبخاري، وأبو داود، والنسائي من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عتبة بن مسعود)، وكثرة طرق هذا الحديث ترتفع به إلى درجة الشهرة، أما ما قيل من أن هذا الحكم خاص بسبيعة، وأن كل مميتة حامل واها تعتد بأبعد الأجلين؛ فهو مدفوع بأوجه:
سو
أولها: أن الأصل في الأحكام الشرعية عدم الخصوصية، ومن ادعاها فعليه الدليل، على أن يكون نصاً ثابتاً عن الشارع كما في سائر أدلة الخصوصيات. ثانيها: أنه لم يرو عن أحد ممن روى قصة سبيعة من الصحابة ـ رضوان الله عليهم - أن هذا الحكم خاص بها، بل كان استدلالهم بما رووه على شمول هذا الحكم لكل مميتة حامل، كما هو واضح في سياق رواية أم سلمة للحديث، عندما اختلف في المسألة أبو هريرة وأبو سلمة بن عبد الرحمن القائلان بانتهاء العدة بوضع الحمل، وابن عباس القائل بأبعد الأجلين، فلو كان الحكم خاصاً؛ لما جهله أولئك الصحابة وعرفه من
بعدهم.
ثالثها: ما أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وأبو يعلى، والضياء في المختارة، وابن مردويه وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي بن كعب له قال: قلت للنبي: {وَأَوَلَتُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ. أهي المطلقة
))
(1) نفس التخريج السابق.
(2) سبق تخريجه قبل قليل ينظر تخريج رقم 2. (3) سبق تخريجه قبل قليل ينظر تخريج رقم 2. (4) سبق تخريجه قبل قليل ينظر تخريج رقم 2. (6/195)
صفحة 2575
196 الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
ثلاثاً، أو المتوفى عنها؟ قال: هي للمطلقة ثلاثاً والمتوفى عنها)، قال الحافظ ابن حجر: وهذا الموضوع وإن كان لا يخلو شيء من أسانيده من مقال، لكن طرقه تشعر بأن له أصلاً، وتعضده قصة سبيعة.
رابعها أن هذا هو الذي انتهى إليه عمل الصحابة الله واتفق عليه رأيهم، ما عدا الله أبا السبطين - كرم وجهه ـ أما ابن عباس فقد روي عنه رجوعه عن القول بأبعد الأجلين، وروايته قصة سبيعة في معرض ذكر خلافه مع الذين اختلف معهما في المسألة مؤذنة بذلك، ورأي الصحابة أولى بالاتباع، بهذا كله تعلم أن آية الطلاق مخصصة لآية، البقرة، وأن أجل الحوامل وضع حملهن، سواء كن مطلقات أو مميتات، وسواء طالت مدة الحمل أم قصرت والله أعلم.
متى تدخل المرأة في العدة
امرأة وصلها نعي وفاة زوجها ولكن لم يوار جثمانه إما بسبب بعد المسافة وإما لأمر السلطات التي في منطقة وفاته، فالسؤال متى تنوي عدة الوفاة من حين وصول خبر الوفاة إليها أم بعد مواراة جثمانه التراب؟ تبدأ عدتها من ساعة وفاة زوجها، ولو لم تعلم إلا بعد أيام أو أشهر ولو لم يدفن إلا بعد وقت، والله أعلم.
(1) ينظر غاية المقصد في زوائد المسند كتاب الطلاق باب العدة، وزوائد المسند مسند الإمام أحمد حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبي بن كعب، وأبو يعلى في المعجم باب المحمدين، والضياء في الأحاديث المختارة رقم 1213، وابن جرير الطبري في التفسير تفسير سورة الطلاق آية {وَالَّتِي يَسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ، وابن أبي حاتم في التفسير تفسير سورة الطلاق آية {وَأُوَلَتُ الْأَعْمَالِ)، ورواه الدارقطني أيضاً في السنن في كتاب النكاح باب المهر. (6/196)
صفحة 2576
العدة
197
توفي رجل في أول الشهر، فوصل الخبر إلى زوجته في منتصف الشهر، فهل تحسب عدتها من يوم الوفاة أم من يوم وصول الخبر إليها؟
تبدأ في الحساب من ساعة وفاة زوجها كما تقدم، والله أعلم.
فيمن توفي زوجها، وعلمت بذلك في وقت الظهر، فمتى تبدأ حساب
عدتها؟
تبدأ عدتها من ساعة وفاة زوجها، وقيل: بل من ساعة علمها، والأول أرجح، والله أعلم.
امرأة توفي عنها زوجها وهي مريضة في المستشفى، وقد أُجريت لها عملية خطيرة في الرأس، ولم يخبروها عن وفاة زوجها خوفاً على
صحتها، فهل يصح أن تبقى في المستشفى من غير عدّة؟
هي في العدة سواء كانت في البيت، أو في المستشفى، وسواء كانت واعية، أو فاقدة للوعي، فإن العدة هي التربص عن الزواج، وتؤمر المميتة مع التربص بترك الطيب والزينة، ولا ريب أنها ستجتنب ذلك كله، أو ستجنبه، والله أعلم.
فيمن توفي زوجها وهي مرقدة في المستشفى، وليس لديها الوعي الكامل، فهل تلزمها العدة، أم لا؟
عدة
العدة هي امتناع عن الزواج إلى انقضائها، وتؤمر المرأة بالحداد في الوفاة، وذلك بترك الزينة والطيب، ولا فرق في ذلك بين كونها في المنزل أو خارجه، وإن قصرت في شيء؛ لعدم تكامل وعيها فهي معذورة، وإنما يؤمر أولياؤها بمراقبتها، والله أعلم. (6/197)
صفحة 2577
198
الفتاوى
الجنائز - حوادث المركبات
مكوث المرأة في بيتها للعدّة وموجب انتقالها منه
المعتدة عدتها وما هي موجبات انتقالها عن بيت الهالك
أين تقضي الذي اعتدت بسببه للإقامة؟
المرأة تقضي عدتها حيث بلغها نعي زوجها - أي: في البيت الذي كانت تعيش فيه إبان حياة زوجها، أو في البيت الذي يصلها فيه نعيه، هذا إن كان ذلك البيت ملكاً للزوج ولو لم تكن مقيمة فيه من قبل، بدليل حديث الفريعة بنت مالك بن سنان التي أمرها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعتد في البيت الذي وصلها فيه نعي زوجها (1)، والعلماء منهم من شدد في ذلك كثيراً، ومنهم من تسامح كثيراً، ومنهم من توسط بين المذهبين فالمتشددون قالوا: لا تبرح ذلك البيت، والمتوسطون قالوا لها أن تخرج في النهار لأجل
(1) رواه الإمام الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال: كانت أختى الفريعة بنت مالك جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة من أجل أن زوجها خرج في طلب عبيد له أبقوا حتى إذا كانوا بطرف القدوم لحقهم فقتلوه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ترجع إلى أهلها فقالت: إن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه ولا ترك لي نفقة فإذن لها بالخروج حتى إذا كانت بالحجرة دعاها فدعيت له فقال لها: كيف قلت؟ فردت عليه القصة فقال لها: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله. قال: فاعتدت فيه أربعة أشهر وعشراً. كتاب الطلاق باب الحداد والعدة، والحديث رواه الإمام في الموطأ من طريق زينب بن كعب بن عجرة في كتاب الطلاق باب مقام المتوفى عنها زوجها في بيتها حتى تحل، وأبو داود في السنن في كتاب الطلاق باب في المتوفى عنها تنتقل، والنسائي في الصغرى في كتاب الطلاق باب مقام المتوفى عنها زوجها في بيتها حتى تحلّ، والترمذي في كتاب الطلاق واللعان باب ما جاء أين تعتد المتوفى عنها زوجها، والبيهقي في الصغرى كتاب العدد باب سكنى المتوفى عنها زوجها، وغيرهم. (6/198)
صفحة 2578
العدة
199
طائفة
أن تقضي حاجاتها وأن تأنس بزميلاتها، كما روي ذلك عن ابن مسعود) ويأويها الليل فى البيت الذي تعتدّ فيه، أما المتسامحون وهم كبيرة من أهل العلم ومن بينهم جماعة من الصحابة والتابعين قالوا: لها أن تعتد في أي مكان، وأن تنتقل إلى أي مكان، وهذا مما روي عن عائشة أم المؤمنين، حتى أنها روي عنها أنها خرجت بأختها في وقت عدتها إلى العمرة (3)، وهذا القول أيضاً مروي عن جماعة من التابعين من بينهم الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد، وهو قول الظاهرية، وانتصر له أتم الانتصار ابن حزم في كتابه «المحلى ونحن نأخذ بما دلت عليه السنة، فنعتمد على أنها تعتد في بيت زوجها - أي البيت الذي كانت مقيمة فيه عندما وصلها نعي زوجها، ولها أن تنتقل عنه في حالات الضرورة فقط دون حالات الاختيار، والله أعلم.
من المعلوم أن على المرأة المبيت في البيت الذي تعتد فيه، ولكن السائد في المجتمع اليوم أن المعتدّة يجب أن تظل حبيسة جدران بيتها لا تفارقه أبداً، فهل يباح لها الخروج أثناء النهار للمشاركة في الحياة الاجتماعية بأمور كالتعليم والتعلم والتداوي وزيارة المريض وقضاء
(1) رواه عبد الرزاق في مصنفه عن الثوري عن منصور عن إبراهيم عن علقمة قال سأل ابن مسعود نساء من همدان نعي إليهن أزواجهن فقلن: إنا نستوحش، فقال عبد الله: تجتمعن بالنهار ثم ترجع كل امرأة منكن إلى بيتها بالليل، كتاب الطلاق باب أين تعتد المتوفى عنها. (2) رواه عبد الرزاق في المصنف في نفس الباب السابق، والطحاوي في شرح معاني الآثار كتابا الطلاق باب المتوفى عنها زوجها هل لها أن تسافر في عدتها؟ وما دخل من حكم المطلقة في وجوب الإحداد عليها في عدتها.
ذلك (6/199)
صفحة 2579
200
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
الأمور الأخرى من تدابير المعايش، وهل يختلف الأمر في ذلك بين من يوجد من ينوب عنها في ذلك ولكن تتحرج من تكليف الآخرين؟ لا داعي إلى هذا التشدد، فلها أن تخرج في نهار أيام عدتها من أجل مصالحها، ومن أجل زيارة المرضى، ومن أجل الأنس بالنساء الأخريات، ومثل ذلك التعلم والتعليم، ولا يتنافى ذلك مع العدة التي تقوم بها، والله أعلم.
حالة
هلك رجل عن زوجتين، فاعتدت إحداهما في بيت أولادها، ومكثت الأخرى في بيت زوجها، علماً بأن هذا البيت كبير جداً، ويمكن تأجيره بمبلغ ستمائة ريال شهرياً، والورثة بحاجة إلى هذا المال، فهل من حق هذه المرأة أن تعتدّ في هذا البيت مع ثبوت الضرر ببقية الورثة، خصوصاً وأن هناك بيوت أخرى يمكن أن تكمل فيها عدتها، وفي إصرارها على البقاء، هل تلزم بدفع إيجار للبيت، أفتونا مأجورين. نعم من حقها أن تقيم في ذلك البيت فإن من السُّنَّة أن تعتدّ المرأة حيث بلغها نعي زوجها، فالتي خرجت من البيت أخطأت، والتي بقيت أصابت، ولكن من جهل الناس وطمعهم في الدنيا صوبوا المخطئ، وخطأوا المصيب، ألا ما أعجب أمركم، وحرصكم على الدنيا كأنكم ترون أنكم مخلدون فيها، أما تعلمون أنكم عمّا قريب صائرون إلى ما صار إليه، ولعل ذلك قبل أن تنتفعوا من التركة بشيء.
تفاني الناس في الفاني ضلالاً وما خلقوا له ولوه ظهراً والله أعلم. (6/200)
صفحة 2580
العدة
201
فيمن جاءها خبر نعي زوجها وهي في غير بيته، فهل يلزمها أن تسافر
إلى البلد الذي فيه بيته فتعتد فيه، أم لا؟
تعتدّ حيث بلغها نعيه - أي: حيث كانت مقيمة عندما بلغها نعيه ـ ولا يجب أن يكون البيت مملوكاً له، كما يدلُّ عليه حديث الفريعة بنت مالك بن سنان (1)، والله أعلم.
عدة المرأة في غير بيتها
ما قولكم فيمن اعتدت لوفاة زوجها في بيت أهلها، وليس في بيت الزوج، فهل يلزمها إعادة العدة؟
أساءت بذلك، وليس عليها أن تعيد الاعتداد، والله أعلم.
امرأة معتدة عدّة الوفاة، أجريت لها عملية جراحية في عينها، ولم تستطع الاعتداد في بيت زوجها لسوء حالتها الصحية، ولعدم وجود مستشفى هناك، فهل يجوز لها أن تعتدّ في بيت أهلها؛ لأجل هذه
الأسباب؟
لا مانع من ذلك مع الضرورة، والله أعلم.
نشأ
اقتضت الأعراف أن يقعد أهل المتوفى للعزاء في موطنه الذي فيه وفي كثير من الأحيان يكون بيت المتوفى الذي يقيم فيه من بلدة أخرى كمسقط مثلاً، ولكن أرملته تذهب إلى حيث يكون العزاء، ثم
(1) سبق تخريجه. (6/201)
صفحة 2581
202
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
تعود لتكمل عدتها في بيت زوجها المتوفى. فهل تجدون لمثل هذه الحالات من رخصة لعدم المبيت في بيت المتوفى؟
لا، ليس لها ذلك إلا في حالات الضرورة بناءً على ما دلّت عليه السنة،
والله أعلم.
أما
في
توفي شخص وله أكثر من زوجة تقيم كل واحدة في بيت مستقل، فهل يصح لهن الاجتماع في بيت واحد أثناء العدّة؟
النهار فنعم، وأما في الليل فتأوي كل واحدة إلى بيتها، والله أعلم.
حكم العدة
فيمن توفي زوجها فهل يجب عليها الترك، أم هو سُنَّة فقط؟
إن كان مرادك بالترك العدّة الشرعية التي فرضها الله سبحانه على النساء بنص قوله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا (1) فهي فريضة بهذا النص القطعي، وإن كان مرادك ما حمله الجهلة المعاندون المرأة المعتدة من الآصار، التي ما أنزل الله بها من سلطان، فهي ليست من الدين في شيء، وإنما هي بدع وضلالات، ففي الأثر المجمع عليه: «كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» (2)، والله أعلم.
ما قولكم فيمن توفي زوجها ولم تستقبل عدتها، زاعمة أن المتوفى لم يكن زوجها إلا في الظاهر، ذلك لأنه زنى بها وحملت منه، ولما خاف أن
(1) سورة البقرة، الآية 234.
(2) سبق تخريجه. (6/202)
صفحة 2582
العدة
203
يظهر الأمر تزوجها فبقيا على تلك الحال فهل تسقط عنها العدة بذلك، لا، وإن كانت تلزمها، فهل يسع القاضي السكوت إذا رفع الأمر إليه؟ تجب عليها العدة إن كانت في الظاهر زوجة له، ولو كانت السريرة بخلاف ذلك، والله هو يتولى السرائر، ولا يحل للقاضي السكوت عنها إن رفضت بما يجب عليها إن كان قادراً على تغيير ذلك، والله أعلم.
أن
تقوم
مدة العدة الشرعية
ما مدة العدّة الشرعية للمتوفى عنها زوجها؟
إن عدة المرأة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام، لقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} إِلا إن كانت حاملاً؛ فعدتها تنتهي بوضع حملها؛ لقوله تعالى: {وَأُولَتُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} (1) ولحديث سبيعة الأسلمية التي وضعت حملها بعد وفاة زوجها بأيام فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: «حللت فانكحي (2)، والله أعلم.
1211
امرأة توفي زوجها، وطلب منها أهلها أن تبقى في العدة أحد عشر شهراً، وطلبوا من أهل الزوج أن تعتدّ في بيتهم أي في بيت الزوج،
يصح ذلك أم لا؟ فهل يصح.
تعتد أربعة أشهر وعشراً، إلا إن كانت حاملاً فتعتد إلى أن تضع حملها،
(1) سورة الطلاق، الآية: 4.
(2) سبق تخريجه. (6/203)
صفحة 2583
204
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
وتؤمر بالاعتداد في حال الاختيار في البيت الذي أتاها فيه نعي زوجها،
والله أعلم.
من المشاهد أن النساء ينهين عدّتهن بمغيب شمس اليوم الأخير من العدة، بينما يكون الهالك أسلم الروح في الصباح، فكيف تحسب المعتدة أيام العدّة؟
تحسب الأيام من ساعة إلى ساعة مثلها إلى اليوم العاشر بعد الأربعة
الأشهر، والله أعلم.
المطلقة إذا توفي زوجها هل تعتد عدة الوفاة، أم تكمل عدة الطلاق؟
إن كان الطلاق رجعياً، اعتدت عدة الوفاة من يوم وفاته، وإن كان بائناً أتمت عدة الطلاق، وليس عليها غير ذلك، والله أعلم.
حكم اغتسال المرأة بعد خروجها من العدة
ما قولكم في العادة الموجودة عند نساء أهل عُمان، وهي أن المرأة إذا خرجت من عدة الوفاة حضرت النساء وقمن بتغسيلها وقت المغرب وتقام الذبائح للعشاء، وتسمى هذه العادة بالغسالة؟
كل ذلك من البدع المحرمة، والله أعلم.
هل يلزم المعتدّة الغسل بعد خروجها من عدة الوفاة؟
لا غسل من العدّة؛ فإن العدّة ليست حدثاً فيغتسل منها، والله أعلم. (6/204)
صفحة 2584
العدة
205
هل يشرع الاغتسال في نهاية العدّة فإن لم تكن وردت به سنة
صحيحة فهل على من تفعله من بأس؟
لا سُنة في ذلك، لأن العدة ليست حدثاً حتى تغتسل المرأة منها، نعم إن كانت تغتسل للنظافة فلا مانع من ذلك من غير أن تعتقد بأن غسلها ذلك من أجل الخروج من العدة، والله أعلم.
ما قولكم فيما تعمله بعض النساء عند انتهاء أختهن من العدة بما يسمينه بالغسالة وهو أن يغسلنها وقت صلاة المغرب وتقام الذبائح للعشاء ويحضر النساء التي يعرفنها من الشرق والغرب؟
كل ذلك من البدع المحرمة، والله أعلم.
انتشر بين النساء أن المرأة إذا توفي زوجها، تؤمر بالاغتسال في كل أسبوع ما دامت في عدتها، وعندما نقوم بنصحهن لا يقبلن ذلك، ويقلن أن هذه العادة موجودة منذ خلق الدنيا، فما قولكم في ذلك؟ أما كون تلك العادة منذ خلق الدنيا فهو مجرد اجتراء في القول جزافاً، فإن الدنيا خلقت قبل آدم بما لا يحصيه من القرون إلا الله عمل، وإن كان مرادهن منذ وجود الإنسان على الأرض؛ فهو أيضاً قول باطل؛ لأنه يتوقف على الدليل ولا دليل، وإنما هذه بدعة من المحدثات، وفي الحديث: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (1) والله أعلم.
(1) سبق تخريجه. (6/205)
صفحة 2585
206
الفتاوى
الجنائز - حوادث المركبات
تطييب المعتدة الميتة
المعتدة إن ماتت في عدتها، هل تعطر، أم لا؟
اختلف في ذلك على قولين قيل تُطيب، وقيل، لا، والأصح جواز التطييب؛ لأن تعبدها بالعدة انتهى، ولا تقاس على المحرم؛ لأنه يحشر ملبياً بخلافها،
والله أعلم.
عدة المرأة التي لم يدخل عليها زوجها
فيمت توفي عنها زوجها قبل الدخول بها، فهل تجب عليها العدّة؟
نعم عليها العدة، ولو لم يدخل بها، والله أعلم.
حكم إقامة الولائم بعد خروج المعتدة من عدتها
ما حكم الشرع فيما يتمسك به الناس في مجتمعنا من عادة ذبح الذبائح، وصنع الطعام، ودعوة النساء عند خروج المرأة المتوفى عنها زوجها من عدتها؟
ذلك من البدع المنافية للسُّنَّة، فإن إقامة الولائم في المصائب أمر ينافي الفطرة، ويصطدم مع الشريعة، وإذا كان السلف الصالح شدّدوا في إقامة الولائم إبان المصاب، فما بالكم بتجديد ذلك بعد مضي أربعة أشهر وعشر، على أن أعمال المؤمن يجب أن تكون محكومة بهدى القرآن والسنة، وقد قال: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، وقال: «إن أصدق الحديث (6/206)
صفحة 2586
العدة
207
کتاب الله، وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار»، والله أعلم.
فتاوى عامة
هناك بعض الناس من يتقولون عليك أنك قلت أن صلاة الجنازة غير جائزة وأنك تحضر مجالس لقراءة القرآن في يوم الثالث من العزاء، ونحن مع قلة علمنا قاومنا هذه الفئة من الناس التي تفتري على العلماء حفظكم الله تعالى من أقوال الناس، ونحن هنا نريد من سماحتكم نصركم الله أن توضحوا لهذا المفتري رأيكم الواضح؟
بئس القول قول الزور، وشر البلية ما يضحك، أني لي أن أقول صلاة بمنع أنها ثابتة بالسُّنَّة والإجماع بل أشار إليها القرآن، ولكن طوايا
الجنازة مع الصدور الخبيثة تمجها الألسن الكاذبة سموماً من البهتان، ولا مجال لقول أحد بعدم مشروعية صلاة الجنازة فإنها واجبة لكل ميت مسلم وجوباً كفائياً، وأما تلاوة القرآن في أيام العزاء فمما لم تأت به سُنَّة، لذلك استحسنت تركها لئلا يتوهم الناس أنها مما شرع بالكتاب أو السُّنَّة، والله أعلم.
هل صحيح
أن من مات مسحوراً يعود إلى الدنيا، علماً بأني شاهدت
بنفسي امرأة حيّة وقد مضى على وفاتها وقت طويل؟
من مات لا يعود إلى الدنيا وإنما تلك هي أوهام أو تخييلات من الجان، قال تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ
ركزا (1)، والله أعلم.
(1) سورة مريم، الآية: 98. (6/207)
صفحة 2587
208
الفتاوى
-
الجنائز - حوادث المركبات
توفي رجل خارج البلد في أيام العيد، وأراد رفقته عدم إيصال خبر وفاته إلى أهله وذويه حتى لا يتكدروا ويحرموا فرحة العيد، فهل يصح ذلك؟
يكره تأخير نعي الميت إلى أهله إلا لداع، والله أعلم.
ما قولكم في رجل وجد قتيلاً في بلد ما، هل يغسل ويكفن ويصلى
عليه أم لا؟
نعم، تجب له جميع حقوق الموتى من غسل وتحنيط وتكفين وصلاة ودفن، إلا إن كان معروفاً بأنه غير مسلم، والله أعلم.
شاع بين عامة الناس أنه إذا ماتت زوجة أحدهم فقام زوجها بإنزالها في قبرها لم يجز لذلك الزوج الزواج بإمرأة أخرى إلا بعد انقضاء عام كامل على وفاة زوجته، أما إذا لم يقم بإنزالها في قبرها فيجوز له الزواج في أي وقت. أفتونا في هذه المسألة؟
هذه من بدع أهل الجهل، ولا وجود لهذه المسألة في الشريعة الإسلامية، فله أن يتزوج متى شاء ولا تجب عليه العدّة والله أعلم. (6/208)
صفحة 2588
القسم الثاني
حوادث المركبات
GEER C (6/209)
صفحة 2589
[صفحة فارغة] (6/210)
صفحة 2590
ضوابط قيادة المركبات
هلا تكرمتم بتوضيح الضوابط التي يعتبر الخروج عنها في السرعة إهلاكاً للنفس وإهلاكاً للآخرين؟ فهناك من يرى أن سيارته فيها
من الميزات ما تؤهله للسرعة أو مهارته أو الطريق أحياناً، فما الضوابط في هذا كله؟
هي
لا بد من مراعاة جميع هذه الأحوال، فلا بد من مراعاة المهارة في القيادة، وصلاح الطريق من عدمه، فبعض الطرق فيها منعطفات أو منحنيات أو ما يدعو إلى الحذر، وقد تكون السيارة ـ أيضاً ـ غير سليمة، ففي هذه الأحوال كلها على الإنسان أن يكون بصيراً بأمره، فعندما تكون الطريق فيها منحنيات عليه أن يتجنب التقدم على السيارات الأخرى، لأنه لا يبصر ما وراء هذه المنحنيات. وكذلك عندما تكون السيارة غير سليمة فإنها تكون أكثر عرضة للحوادث فعليه أن ينظر في العجلات، ويفحص المحرك، ويدقق النظر في كل ناحية من النواحي التي تؤثر على قيادتها. وكذا بالنسبة إليه فلا يقدم على القيادة ما لم يحسنها ويصبح ماهراً في قيادتها. ولكن مع هذا كله لو استوفى جميع ما ذكرنا وتهيأت عنده الأسباب فلا يجعلها سبباً لهذه السرعات العالية فلا يدري الإنسان ما يعرض له في طريقه فقد يعترضه إنسان أو دابة أو أي شيء آخر مما لا يمكنه تفاديه فيعرض نفسه وغيره للهلاك فليجعل في حسبانه هذه الأمور الطارئة كلها، والله أعلم. (6/211)
صفحة 2591
212
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
ما يعتذر به الأبناء تجاه أُمهم ـ التي تنصحهم باستمرار ـ على أن
الحياة تجري بمقادير وأن الموت لن يكون إلا إذا كتبه الله ثم هم
لا
يستجيبون ويعتذرون أن الشوارع مفتوحة مؤهلة للإسراع؟ هؤلاء جهلة لا يحسنون تصريف الأمور فمن رمى نفسه في بئر لن يصيبه إلا ما كتب الله له، ومن رمى نفسه من شاهق أو جبل لن يصيبه إلا ما كتب الله له ومن شرب سماً - أيضاً - لن يصيبه إلا ما كتب الله له، فإن كل شيء بقضاء وقدر، وكل ما يجري في هذا الكون إنما يجري بتدبير من الله ولكن الله ـ سبحانه وتعالى - أوجد الأسباب واقتضت حكمته أن تكون مفضية إلى مسبباتها، وما على الإنسان إلا أن يأخذ بأسباب الخير وأن يدع أسباب الشر، فلو كان هذا الذي يقولونه عذراً لهم في الإسراع لكان أيضاً في ذلك عذر لمن رمى نفسه من شاهق أو رمى نفسه في بئر أو من شرب سماً أو من أطلق على نفسه النار أو من فعل أي شيء من هذا القبيل، لأن كل ذلك إنما تكون الإصابة فيه بقدر من الله تعالى، إذ لن يصيب أحداً شيء إلا ما كتبه الله ـ تعالى ـ عليه، ولكن الله - تعالى - أوجد العقول في البشر ليحسنوا التصرف في أمرهم وجعل الإنسان أميناً على نفسه: {بَلِ الْإِنسَنُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَة (1)، فهو مأمور أن يتقي كل ما يؤدي به إلى الهلاك والضرر، بل مسؤولية الإنسان أكبر من ذلك فهو ليس أميناً على نفسه فحسب بل أمين على ما حوله فإن كان لا يبالي بأن يورد نفسه موارد الهلاك والعطب فهو هالك وبما أنه أمين على كل شيء حوله يسأل عن كل ما كان سبباً في
عطبه، والله أعلم.
(1) سورة القيامة، الآية: 14. (6/212)
صفحة 2592
القسم الثاني
213
من يقود الدراجة النارية، هل يجوز له أن يترك لبس واقية الرأس «الخوذة» عندما يكون ذلك السائق يلتزم الحذر وعدم السرعة في السير؟ هذه قضية يعرفها أولوا الخبرة، فإن كان في تركها خطر عليه فلا يجوز له أن يعرض نفسه للخطر وإن كان تركها لا يعرضه للخطر فلا حرج عليه في ذلك، والله أعلم.
في كل عام تطالعنا الشرطة ورجال الأمن بأعداد مفزعة للحوادث والوفيات والجروح والكسور وغيرها من هذه الأشياء لكن هذه
الأرقام لم تضع حداً لهذه السرعة المستهترة التي تدمر الآخرين، ففي رأيكم كيف تعالج مثل هذه التصرفات؟
إن الله - تبارك وتعالى - خلق الإنسان وجعله أميناً على حياته وعلى حياة غيره، فالإنسان لم يخلق هملاً ولم يترك سدى وإنما هو مسؤول عما قدم وأخر، وقد اضطلع بتبعات كثيرة وأمانات ثقيلة لأنه اضطلع بالخلافة في هذه الأرض، فلذلك كان واجباً عليه أن يعمرها بتقوى الله وبحسب ما يقتضيه أمر من استخلفه وهو الله ـ سبحانه وتعالى، الذي له الخلق والأمر وله الحكم والقهر إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يعْلَمُونَ (1)، وإن من هذه الأمانة العظيمة التي حملها الإنسان أن يحافظ على أمنه وعلى أمن بني جنسه وعلى أمن الحيوانات العجماء غير الضارة وعلى أمن البيئة من حوله، فلذلك كانت مسؤوليته ثقيلة أمام ربه تبارك وتعالى.
وقد بين ـ سبحانه وتعالى ـ في كتابه العزيز عظم إقدام الإنسان على قتل نفسه وقتل غيره، فقد قال سبحانه وتعالى - في قتل الإنسان نفسه: {وَلَا (1) سورة يوسف، الآية: 40. (6/213)
صفحة 2593
214 الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
-
نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانَا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا (1)، وقال في قتل الغير: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا (2)، ومعنى هذا أن المسلم ليس مسؤولاً عن سلامة بني ملته فحسب بل هو مسؤول عن البشرية جميعاً، فقتل نفس بغير نفس بمثابة قتل أهل الأرض جميعاً، وكذلك السعي في إحياءها إنما هو بمثابة السعي لإحياء الناس جميعاً.
وجاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم مشدداً أيما تشديد في قتل الإنسان نفسه، وذلك قوله في الحديث الذي أخرجه الشيخان وغيرهما من طريق أبي هريرة: من رمى نفسه من شاهق فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تناول سماً فقتل نفسه فسمه في يده خالداً مخلداً فيها أبداً» (3)، وهذا وعيد شديد جداً لهذا
نفسه
يتحساه في نار جهنم الذي يقدم على قتل نفسه، وإذا كان هذا الوعيد الشديد في قتل الإنسان وظلمه إياها فإنه ـ أيضاً ـ وهو وعيد شديد فيما إذا اجترأ على قتل غيره، ونحن نرى أن الله - تبارك وتعالى - يقول: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ
(1) سورة النساء، الآيتان: 29، 30. (2) سورة المائدة، الآية: 32.
(3) رواه الإمام البخاري في كتاب الطب باب شرب السم والدواء به وبما يخاف منه والخبيث، ومسلم في كتاب الإيمان باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه. (6/214)
صفحة 2594
القسم الثاني
215
عَذَابًا عَظِيمًا)، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا كثيرة جداً، ومنها قوله: اجتنبوا السبع الموبقات ... ) وذكر من بينهن قتل النفس بغير حق. ولا ريب أن الذي يسرع في قيادته للمركبة إسراعاً يخرج عن حدود الاعتدال بحيث لا يستطيع أن يسيطر عليها عندما يطرأ لها أي طارئ إنما يعتبر قاتلاً لنفسه وقاتلاً لغيره، فهو جامع بين إثمين، بين إثم الانتحار وإثم النحر لغيره لأنه متسبب لإتلاف حياة نفسه وإتلاف حياة غيره، فهو بذلك يسعى إلى النار ـ والعياذ بالله - سعياً حثيثاً بقدر سرعته المجاوزة لحدود
الاعتدال.
ومن المعلوم أن هنالك نظماً على الإنسان أن يحافظ عليها لما فيها من
السلامة:
ومنها ألا يتقدم غيره من أصحاب المركبات في السير في مكان لا يمكنه فيه أن يرى الآتي من الاتجاه المعاكس لأنه في تقدمه للغير يخرج من خطه الذي يجري فيه وفق النظام إلى الخط المعاكس الذي يأتي فيه من جاء من الاتجاه المعاكس فلا تتأتى له رؤيته ليتفادى خطر الصدام به كأن يكون على منعطف أو نحوه مما يحول بينه وبين أن يراه ففي هذه الحالة إن سابق وجرى في خط الاتجاه المعاكس يكون قد عرض نفسه وعرض الركاب معه وعرض الذي يأتي من الاتجاه المعاكس أيضاً للموت، فهو
يتحمل وزر ذلك جميعاً.
(1) سورة النساء، الآية: 93.
(2) رواه الإمام البخاري في كتاب الوصايا باب قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَمَى ظلما، ومسلم في الإيمان باب بيان الكبائر وأكبرها. (6/215)
صفحة 2595
216
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
كذلك قد يسرع قائد المركبة عندما يحاول أن يسابق غيره في مكان لا يتمكن فيه من السبق وتجاوز الخطر قبل أن يصل إلى مركبته من جاء بمركبته من الاتجاه المعاكس ويؤدي ذلك إلى وقوع الحادث، وهذا ـ بطبيعة الحال ـ
يعد من النحر والانتحار فهو نحر للغير وانتحار لمن وقع ذلك منه. وعلاج هذا الأمر إنما هو بالتوعية الشاملة الجامعة المانعة بحيث يعرف الإنسان بحياته ووجوب محافظته عليها وحياة الآخرين ووجوب محافظته ـ أيضاً ـ عليها ومسؤوليته وهو يمسك بمقود مركبة قد يكون ارتكاب أي خطأ فيها يؤدي إلى إتلاف أنفس كثيرة.
ولا يستشعر هذا الأمر إلا من تغلغل في أعماق نفسه الشعور بالمسؤولية في هذه الحياة والأمانة الملقاة على عاتقه أمام الله - تبارك وتعالى ـ فالشعور بذلك يولد فيه الخوف من ربه تبارك وتعالى، لأنه يعلم أنه ليس بعد القبر دار إلا الجنة أو النار وليس بعد هذه الحياة الدنيا مستعتب، فما على الإنسان إلا أن يعد نفسه للقاء الله، فكيف وهو يسارع إلى لقاء سخط الله ـ تعالى ـ من خلال إسراعه إلى
الموت بهذه الطريقة الخطيرة التي تعرض حياته وحياة الآخرين للخطر. بجانب هذا فإنني أقترح بأن تفرض عقوبة صارمة على من يقع في أي مخالفة من هذه المخالفات، وألا تقبل شفاعة شافع يشفع له، وإذا كان تبين من الإنسان أنه مستهتر غير مبال بحياته وحياة الآخرين فإنه يجب أن يحمل إن وقع منه حادث على حكم قتل العمد، فلا مانع من القصاص بل لا مانع من أن يطبق عليه الحد الشرعي الذي نص عليه قول الله تبارك وتعالى: {إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا} (1) إلى
(1) سورة المائدة، الآية: 33. (6/216)
صفحة 2596
القسم الثاني
217
آخر الآية الكريمة لأن في قتل من كان كذلك حفاظاً على حياة الآخرين، وقد قلت بهذا أكثر من مرة، وأبديت هذا الرأي للمسؤولين؛ والله تعالى المستعان.
ما النصيحة التي يمكن أن تقدّم لسائقي السيارات لتجنبهم الوقوع في
الحوادث؟ على الجميع أن يتقوا الله - تبارك وتعالى، وألا يتهوروا في قيادتهم للسيارات وأي مركبة من المركبات وعليهم أن يحرصوا أن تكون هذه القيادة مقننة مضبوطة بضوابطها غير خارجة عن تعليمات السلامة، وأن يتقوا الله في أنفسهم، ومن معهم من الركاب، وأن يتقوا الله في المشاة في الطرق، وفي أصحاب المركبات الأخرى ومن فيها، وفي البهائم ويتقوا الله في أموالهم لأن السيارات - من الأموال التي يلزم المرء المحافظة عليها فإتلافها إتلاف للمال، وبالجملة فإن عليهم أن يحافظوا على سلامتهم وسلامة غيرهم، كل ذلك مما يجب علهيم أن يتقوا الله - تبارك وتعالى ـ فيه والله أعلم.
في أوج زحمة السيارات هناك من يذهب يمنة ويسرة يتخطى كل هذا الركب المتقدم ويزاحمهم للحصول على الأسبقية قبلهم، فما هو قولكم في مثل هذا الصنيع؟
هذا من الفوضى التي هي أحد أسباب الحوادث، فلا يجوز الإقدام عليها، ومن فعل ذلك عامداً كان له حكم العمد فيما يسببه من أحداث، والله أعلم.
أحياناً عند بعض الانفعالات فرحاً أو سروراً بحدث معين كزواج أو ربما أحياناً فوز فريق رياضي أو نحو ذلك من الأحداث التي قد تؤثر في سلوك الناس أو نفسياتهم بشعور فيه نوع من النشوة تكون منهم (6/217)
صفحة 2597
218
الفتاوى
الجنائز - حوادث المركبات
بعض التصرفات كضرب منبهات السيارة بصورة مزعجة، ولافتة للنظر وأحياناً إلى أوقات متأخرة ويصحبها زحلقة السيارة «التفحيط»، فما هو قولكم في مثل هذا السلوك؟
هذا من الفرح المنهي عنه في قول الله - تبارك وتعالى ـ فيما يحكيه عن قوم قارون أنهم قالوا له: لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (1)، فهذا فرح غير محمود لا يحبه الله تبارك وتعالى بغيض إليه وإلى عباده الصالحين يؤدي إلى المفاسد والمضار. إذ لا ريب أن مثل هذا الفرح الذي يؤدي إلى هذه التصرفات الهوجاء والأعمال الرعناء يعد خارجاً عن الفرح المشروع الجائز، ليس هو من جنس الفرح الذي قال تعالى فيه: {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (2) فعليهم أن يتقوا الله،
(2)
وألا يتصرفوا أي تصرف فيه أذى لأحد أو إضرار بأي شيء، والله أعلم.
من يضطلع بالتوعية في قيادة السيارات وتربية أصحابها تربية سليمة؟
لا يعود هذا إلى مسؤولية الفرد فحسب وإنما هو مسؤولية الجميع، فأجهزة الدولة بكل أنواعها تتحمل جزءاً من هذه المسؤولية والشرطة كذلك ووزارة الأوقاف والشؤون الدينية من حيث الوعظ والإرشاد تتحمل جانباً منها والإعلام فيما يبثه في الفضائيات وغيرها من إرشادات ووزارة التربية من خلال المناهج التي تدرس بحيث يغرس ذلك في نفوس الناشئة، وغيرها من الوزارات والهيئات الحكومية أو المؤسسات الخاصة أو الشركات وكذلك المجتمع يتحمل هذه المسؤولية فالبيت
(1) سورة القصص الآية: 76
6
(2) سورة يونس، الآية: 58. (6/218)
صفحة 2598
القسم الثاني
219
عليه أن يوعي
أفراد أسرته والأئمة في المساجد والخطيب أن ينبه الناس
ويحذرهم من هذا الأمر فكل أحد يتحمل مسؤولية في هذا الأمر،
والله أعلم.
حكم الالتزام بقواعد السير
التزام الإنسان بقواعد المرور، هل يعتبر من المصالح المرسلة؟
نعم، هي من المصالح المرسلة، ولا بد من المحافظة عليها لما يترتب على مخالفتها الخروج من الأمان إلى الخطر، والله أعلم.
هل مخالفة ذلك
يعني
أن الإنسان قد ارتكب حراماً؟
ما دام أمن الناس متوقفاً على ذلك فنعم، وأي حرام أعظم من ذلك،
والله أعلم.
هناك من ينظر إلى قانون المرور على أنه ليس قرآناً أو سُنَّة بحيث لا يمكن تجاوز هذه القوانين المرورية سيما أن بعض هذه القوانين قد يرى أن مخالفتها لا تؤدي إلى كبير ضرر مع أنها في مجمل هذه القوانين هي تضبط وتنظم حركة السير وتسييب حركة السير بدون
هذه القوانين قد يفضي إلى حوادث، فما رأيكم في هذه النظرة؟ لا يلزم أن يكون كل شيء منصوصاً عليه في القرآن الكريم أو في السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام حتى يلتزمه الإنسان فهناك قواعد عامة جاءت في القرآن الكريم وفي السُّنَّة النبوية لا بد من الرجوع (6/219)
صفحة 2599
220
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
إليها، من هذه القواعد دفع الضرر فلا ضرر ولا ضرار في الإسلام ومنها عدم تعريض النفس للتهلكة ومنها وجوب المحافظة على سلامة الأنفس، إلى غير ذلك، فإذن كل ما يؤدي إلى هذه الغاية المطلوبة شرعاً فهو في حكم المشروع، ولو لم يكن منصوصاً عليه.
يعتبر
على أن العلماء نصوا بأن هنالك مصالح مرسلة، والمصالح المرسلة إنما تضبط بحسب أثرها في النفس والمجتمع، فكل ما كان له أثر إيجابي داخلاً في حكم هذه المصالح التي يؤخذ بها في الأحكام الشرعية، وقد أخذ بذلك السلف الصالح وتبعهم الخلف، فيعول عليها، ونحن نرى أن الانضباط بقوانين السير من الأمور الواجبة، لأنه وفق هذه المصالح المرسلة، فيجب تفادي كل ما يخالفها، والله أعلم.
هناك توجيهات للناس بأن يفحصوا سيارتهم قبل الانطلاق بها، هل يعتبر هذا ـ أيضاً ـ من المصالح المرسلة؟
نعم، وعليهم ذلك ما دام أمنهم وأمن غيرهم متوقفاً على ذلك فإنه يجب أن يحافظ عليه، والله أعلم.
يرى بعضهم من وجهة نظره أن السرعة التي تحدد من قبل خبراء
المرور هي
ليست سرعة مناسبة فالانضباط عليها يزعج النفس وعلى
حسب إجابتكم أن قواعد المرور موافقة للمصالح المرسلة، فماذا
هذا؟ يقال في
بما أن هناك نظاماً نرى أنه يجب التزام ذلك النظام وعدم الخروج عنه، لأنه لو كان كل واحد يقيس الأمور بعقله وبموازينه لأدى ذلك إلى عدم (6/220)
صفحة 2600
القسم الثاني
221
الانضباط، فالموازين تختلف بين هذا وذاك .. قد يرى هذا ما لا يراه ذاك، وبما أن هذا النظام وضعه خبراء فإنه يجب أن يلتزم النظام الذي وضعه أولو الخبرة، والله أعلم.
البعض يتعلل بأن هذه الحوادث التي تحدث وهذه الوفيات التي تحصل إنما هي عائدة إلى المقاييس الفنية للسيارات من غير أن يضع اعتباراً لعدم التزام الناس بقواعد المرور والسلامة، هل لمثل هذه الأمور دخل؟
مهما كانت المقاييس الفنية فإن على الإنسان أن يكون محافظاً على سلامته وسلامة الركاب معه والمشاة في طريقه وأصحاب المركبات الأخرى والراكبين فيها، ومحافظته على سلامة الجميع أمر واجب، لأنه يدخل في مسؤوليته أمام الله تبارك وتعالى، والله أعلم.
القضاء والقدر لغة يتحدث بها من يقع في مثل هذه الحوادث، فبماذا يجاب على هؤلاء؟
كل شيء بقضاء وقدر، حتى لو قتل إنسان غيره فإنه لم يقتله إلا بقضاء وقدر، ولو زنى الزاني - والعياذ بالله - لم يزن إلا بقضاء وقدر، ولو شرب أحد الخمر فإنه يشربها بقضاء وقدر وآكل الربا إنما يأكله بقضاء وقدر فإن كل معصية يرتكبها الإنسان يرتكبها بقضاء وقدر لكن لا يعني ذلك إعفاء الإنسان عن مسؤوليته، فإن الله - تبارك وتعالى - الذي خلق هذا الوجود هو خبير بكل ما يجري، وخبير بكل ما سيقع في هذا الكون لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، فهو ـ سبحانه وتعالى ـ يعلم طوايا (6/221)
صفحة 2601
222
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
-
النفوس قبل أن تخلق، والدوافع التي تدفعها إلى الخير وإلى الشر، ويعلم
مدى استجابة هذه النفوس للخير واستجابتها للشر، ولكن هذا كله مع
فإن الله - تبارك وتعالى ـ آتى الإنسان اختياراً، وكل أحد يرى الفرق بين حركته الاختيارية وحركته الاضطرارية، فعندما يحرك يده باختياره يجد أنَّ تلك الحركة مخالفة للحركة التي تقع لليد اضطراراً كحركة الرعشة مثلاً فإن تلك حركة اضطرارية لا كسب للإنسان فيها، والإنسان إنما هو مؤاخذ
بكسبه.
فالزاني ليس هو معاقباً بقضاء الله وقدره، وإنما هو معاقب بكسبه الزنا وقد كان كسبه باختياره بنفسه، وإنما الله - تبارك وتعالى ـ علم هذا الاختيار وهو في الأزل فلذلك قضى أنه سيقع ذلك، لأنه علم أن عبده سيختار الشر
على الخير وسيؤثر هوى نفسه على طاعة ربه - سبحانه وتعالى - فحكم الله - تبارك وتعالى ـ بما حكم عليه في الأزل لا لأجل أن الإنسان مصرف تصريفاً إجبارياً كما هو الشأن في الميت الذي لا حراك له وإنما هو متصرف باختياره، وقضاء الله تعالى وقدره جرى حسب علم الله - تبارك وتعالى - من اختيار هذا العبد، فليس للإنسان أن يتخلص من أية مسؤولية بدعوى قضاء الله - تعالى - وقدره، ولو كان الأمر كذلك لما بقيت مسؤولية على أي أحد، ولما لزم قاتل النفس أن يقتل قصاصاً جزاء قتله ولما لزم من سرق أن تقطع يده حداً بحسب الحكم الشرعي عقوبة له وأن ترد السرقة إلى أهلها، ولما لزم أن يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولو كانت المسؤولية على القضاء والقدر لترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وترك كل أحد يرتكب ما شاء لأن كل ما يجري إنما هو بقضاء وقدر، ولكن أني ذلك، وهو يفضي إلى فساد كبير، لا ريب أننا نعلم أن الله ـ تعالى ـ لا يعصى (6/222)
صفحة 2602
القسم الثاني
223
بإكراه؛ أي: إن عصاه العبد لا تكون تلك المعصية خارجة عن إرادة الحق تبارك وتعالى ـ ولكن إرادة الحق إنما اقتضت أن يعطي الناس القدرة على الاكتساب وأن يؤاخذهم بما كسبوا فمن كسب شراً عوقب على ذلك، وكذلك أن يثيبهم على اكتسابهم للخير والله - تعالى - المستعان
مخالفة قواعد السير
ـ
إذا خالف السائق قواعد السير المنظمة لحركة المركبات متعمداً ذلك فأصاب أنفساً بسبب ذلك، فهل يعتبر فعله عمداً؟ وماذا يجب عليه؟
وكذا إذا لم يتعمد مخالفة الأنظمة، فما الواجب في حقه؟
هو في كلا الحالين عليه غرم ما أتلف من أنفس وأموال بفعله ويعاقب بقدر ما يراه الحاكم في حال تعمده ولا تصل عقوبته إلى القتل إلا أنه تبين أنه قصد بمخالفته قتل من قتله، والله أعلم.
حكم تعدي السرعات المحددة
في السنوات القليلة الماضية وفي هذه الأيام نرى ونشاهد ونسمع عن حوادث السيارات الخطيرة ويرجع ذلك لأسباب عديدة وبما أن من أهم تلك الأسباب هي السرعة الجنونية وخاصة لدى الشباب المتهور الذي يقود سيارته بسرعة تزيد على 120 كم/ ساعة وكأنه يقود سيارات الألعاب الصغيرة الموجودة في الحدائق بدون مبالاة في نفسه وأنفس الآخرين الأبرياء الذين ليس لهم ذنب في تلك الحوادث. لذا (6/223)
صفحة 2603
224 الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
-
نريد أن توجه نصيحة لهؤلاء السائقين (الشباب) وكذلك هل يعتبر السائق المتهور منتحراً حين وفاته وهل تصح الصلاة عليه؟ وهل الأشخاص الأبرياء الذين يموتون في تلك الحوادث البشعة في منزلة
الشهداء؟
بل هي
قلنا أكثر من مرة بأن هذه السرعة الخارجة عن الاعتدال تعد من الانتحار أشد جرماً وأعظم إثماً من الانتحار لأن المنتحر يقضي على حياة نفسه وهذا الأرعن الذي لا يبالي بنفسه ولا بغيره يقضي على حياة نفسه وحياة الآخرين فهو يحتمل إثم كلتا الجريمتين وما هذا السباق الجنوني إلا سباق إلى النار والعياذ بالله أما الضحايا الأبرياء الذين لا ضلع لهم في الإسراع فهم لا ريب شهداء إن كانوا من المتقين، والله أعلم.
حسب إحصائية شرطة عمان بلغت حوادث المرور في العام المنصرم 9460 حادثاً كما بلغت مخالفات تجاوز السرعة المحددة 177110 مخالفة، ما هو تعليقكم على هذه الأرقام التي بلغتها المخالفات المرورية وتجاوز السرعة المحددة والتي غالباً ما تنتج عنها حوادث
شنيعة؟
إن النفس البشرية غالية في موازين الحق ولذلك تجب المحافظة على سلامتها، ويجب اتقاء كل ما يؤدي إلى الإضرار بها، فالله ـ سبحانه وتعالى ـ كرم الإنسان، إذ جعله خليفة في الأرض وسيداً في الكون، وسخر له منافع الوجود، من أجل أن يضطلع بأمانة الله، ويقوم بواجب القيام بالحق في أرض الله، يقول الله - سبحانه وتعالى -: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِ (6/224)
صفحة 2604
القسم الثاني
225
وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا (1) فالإنسان إذن هو أمين على نفسه وأمين على غيره، وهو أمين على النفس البشرية أياً كانت ذلك لأن العدوان على النفس البشرية عدوان على سُنَّة الله -تبارك وتعالى في خلقه وعلى شريعته في أرضه، فالله ـ سبحانه وتعالى -:يقول: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا (2)، ويقول - سبحانه وتعالى -: {وَلَا نَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيهِ سُلْطَنَا فَلَا يُسْرِف فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا (3)، ويقول سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَنهَا وَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ
وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَبكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (4)، ويقول عل: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (5).
وكما أن الإنسان يحاسب حساباً عسيراً على قتله لغيره من بني جنسه، كذلك عدوانه على حياته بنفسه يعتبر من أكبر الكبائر التي تبعد عن رحمة
(1) سورة الإسراء، الآية: 70.
(2) سورة المائدة، الآية: 32.
(3) سورة الإسراء، الآية: 33
(4) سورة الفرقان، الآيات: 68 - 70. (5) سورة النساء، الآية: 93. (6/225)
صفحة 2605
226
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
الله سبحانه، وتدفع بصاحبها إلى سخط الله، فالله ـ سبحانه وتعالى ـ يقول: وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا (1)، وقد جاء في الحديث - عن النبي صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبدا، ومن رمى نفسه من شاهق فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن شرب سماً فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، (2) أخرجه الشيخان وغيرهما من رواية أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، هذا كله يدلُّ على أن الإنسان يجب عليه أن يحافظ على سلامة نفسه وسلامة مجتمعة وسلامة بني جنسه، وألا يتسبب في إزهاق روح نفسه ولا روح أحد من بني جنسه. ومن المعلوم أن قائد السيارة هو أمين على نفسه عليه ألا يدفع بها في مظان الخطر بل عليه أن يجنبها ذلك، كما أنه أمين على الركاب الذين يركبون معه، وعلى المشاة في الطريق، وعلى أصحاب المركبات الأخرى، فعليه أن يحذر كل الحذر من كل ما يؤدي إلى عطبه بنفسه أو إلى عطب أحد من الركاب في مركبته، أو عطب أي أحد ممن يمشون في الطريق أو من ركاب المركبات الأخرى.
وهذا التهور العجيب والاندفاع الغريب والإسراع الجنوني الذي لا ينتج عنه إلا الخسارة في الأنفس والأموال وإزهاق الأرواح وترميل النساء وتيتيم الأولاد وإشكال الأمهات، ولا ينتج عنه إلا هذا الشر الوبيل إنما يعد نحراً
(1) سورة النساء، الآيتان: 29
(2) سبق تخريجه.
30 (6/226)
صفحة 2606
القسم الثاني
227
وانتحاراً، فالإنسان الذي يسرع بهذه الطريقة يعد ناحراً لغيره ومنتحراً بنفسه، فهو يبوء بالوزرين ويتحمل عاقبة ما يصيبه بنفسه وما يصيب غيره فهو يبوء بوزر قتله لنفسه ويبوء بوزر قتله لغيره، لأنه في حكم المتعمد ما دام يعلم أن هذا الذي يفعله يؤدي إلى الموت الزؤام، وإزهاق روحه وإتلاف أرواح الآخرين من الركاب الذين معه، أو من الركاب فى المركبات الأخرى، أو من المشاة الذين يمشون في الطريق، فإنه لو فوجئ بأحد يمشي في الطريق سواء كان صغيراً أو كبيراً عاقلاً أو مجنوناً ـ لا يملك أن يسيطر على سيارته مع هذه السرعة الجنونية التي تفضي به إلى هذه المخاطر، فمن هنا كان هو في حكم المتعمد لقتل غيره كما أنه في حكم المتعمد لقتله لنفسه. وهذه المركبات نعم من الله - تبارك وتعالى -، يجب أن يحافظ عليها، وألا تستغل فيما يسخطه - سبحانه وتعالى، وأي سخط الله أعظم من سخطه على أن يكون الإنسان سبباً لإزهاق روحه أو سبباً لإزهاق أرواح الآخرين من بني جنسه؟ فإن هذا مما ينافي حكمة الله - تبارك وتعالى ـ من تكريمه للإنسان وجعل حرماته عظيمة وحياته ذات قيمة لا تدانيها قيمة لأي مخلوق في الأرض.
وأي نعمة من نعم الله - تبارك وتعالى ـ عندما لا تشكر تعود وبالاً على صاحبها، وإن من كفران نعم المركبات هذه السرعة الجنونية وهذا التهور في قيادتها والسباق المحموم الذي لا ينتج عنه إلا مثل هذه الخسارة التي تمنى بها الأمة بأسرها.
فمن هنا كان لزاماً على كل من يقود سيارة أن يكون مدركاً لمسؤوليته
العظيمة التي يتحملها، فإنه مسؤول عن نفسه ومسؤول عن غيره. (6/227)
صفحة 2607
228
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
وقد سمعت عن أحد السواق في إحدى البلاد الإسلامية أنه كان يقود سيارته لمدة خمسين عاماً ولم يقع منه ولا عليه حادث قط، فسئل بعد مرور
يسوس
نصف قرن من الزمان وهو يشتغل هذا الشغل ما الذي جعله يستطيع أن نفسه هذه السياسة الحكيمة بحيث إنه جنب نفسه الحوادث، فرد على ذلك قائلاً: «إنني عندما أمسك المقود أحس أنني مسؤول عن كل أحد، وأن الآخرين جميعاً هم مجانين غير عقال فالسواق الآخرون هم مجانين، والمشاة في الطريق هم مجانين، وكل أحد لا يستطيع أن يدفع عن نفسه الأذى وإنما أنا مسؤول بأن أدفع الأخطار عن أنفسهم جميعاً وعن نفسي». فإذن يجب على كل من يقود سيارة أن يكون هكذا، بحيث يحرص كل الحرص على أن يكون أميناً في قيادته حريصاً على تجنب نفسه وغيره أي ء يسبب تكدير الحياة فضلاً عما يهدد الحياة نفسها، والله - تعالى -
شيء
المستعان.
من يستفزون صاحبهم أو يشجعونه ليزيد من سرعة السيارة، هل هم
بذلك يأثمون؟
هؤلاء الذين يدفعون بمن يقود مركبتهم إلى التهور هم من شياطين الإنس، وقد يكون شيطان الإنس أضر على من يلابسه من شياطين الجن، فهؤلاء الذين يغرون بما فيه ضرر على صاحبهم وعلى أنفسهم وعلى من حولهم من الركاب ومن المشاة إنما هم شياطين لأنهم يأمرون بالسوء والفحشاء، يتحملون من الوزر ما هم جديرون به ويتحملون مثل وزر الذي يطاوعهم
على ما يدعونه إليه من الإثم بل حتى لو لم يطاوعهم فإنهم بقصدهم يطاوعهم يتحملون هذا الوزر، والله أعلم.
أن (6/228)
صفحة 2608
القسم الثاني
229
ذكرتم فيما سبق بعض الصور في هذه الحوادث إذا كان الإنسان متجاوزاً وفي الاتجاه المعاكس سيارة أخرى، لكن ماذا عن السرعة
نفسها؟
قلت أكثر من مرة بأن أي إنسان يقود سيارته بطريقة لا يتمكن معها من السيطرة عليها فيما لو طرأ عليه أي طارئ فإنه في هذه الحالة ناحر منتحر، فهذا الذي لا يتمكن من السيطرة على سيارته لو انفجر شيء من أطرها أو مرت أمامه دابة أو نحو ذلك ومع. ذلك لا يبالي أن يسرع هذه السرعة الجنونية يعتبر ناحراً منتحراً والله أعلم.
هل تقدير السرعة يعتمد على تقدير الإنسان بنفسه؟
يعود ذلك إلى تقدير ذوي الخبرة من ذوي المهنة، والله أعلم.
يقول البعض: أستطيع أن أقود السيارة في سرعة المائتين» فما
تعليقك على هذا؟
هذا غرور .. لا يصدر ذلك إلا من جاهل مجنون ليس فيه من العقل شيء،
والله أعلم.
بعض الناس عندما يقوم بتجاوز السيارة يعتمد فقط على تقديره بنفسه فيقول: «أدرك أن أصل في الوقت المناسب فلا يدرك فيقع الحادث، فهل هذا أيضاً»؟
نعم، ما دام يمني نفسه بالشيء البعيد ويعرض نفسه للخطر فهو يتحمل مسؤولية ذلك، وعليه وزره يقول الشاعر:
لا تترك الحزم في شيء تحاذره فإن سلمت فما في الحزم من بأس (6/229)
صفحة 2609
230
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
ما الذي يدعو الإنسان إلى أن يسارع حتى يعرض نفسه للخطر مهما كانت ظروفه واستعجاله؟! الناس قبل فترة من الوقت عندما كانوا يعيشون في ظروف بدائية كان الانتقال عندهم إما ركوباً على ظهور الدواب وإما سعياً على الأقدام، وكانوا يصلون بعد أيام إلى المكان الذي يؤمونه والآن والله الحمد أصبح قطع هذه المسافات في مدة قصيرة، يقطعون في ساعة أو ساعات مسافات كان قطعها يستغرق ليالي وأياماً، فما الذي يدعوهم إلى هذا الإسراع؟! ثم بعد ذلك ـ أيضاً ـ عندما جاءت هذه المركبات قبل أن تكون الطرق معبدة وقبل أن تكون الوسائل متيسرة كان الانتقال من خلال هذه المركبات - أيضاً - فى بطء شديد فكيف والآن تيسرت الوسائل التي تطوي المسافات طياً فما الداعي إلى هذا الإسراع الجنوني؟! والله أعلم.
بعض الشباب يعتمد على إجراءات السلامة في سيارته فبعض السيارات مزودة بواقيات ربما تقي الإنسان أثناء الحادث فلا يتسبب له أي ضرر فيعتمد على هذه الفنيات الموجودة في سيارته والتي كما يحسب هو تقيه من أي مشكلة قادمة فيستهتر ويقود سيارته بسرعة، ما هي نصيحتكم له؟ ألا يعلم هذا الذي يفعل هذا الشيء أنه كما هو مسؤول عن نفسه هو مسؤول عن غيره؟! أليس استهتاره هذا يعرض حياة الآخرين للخطر ألا وزن عنده لحياة أولئك الذين يصابون من جراء هذا الاستهتار الذي يستهتره؟! هل الإنسان مسؤول عن نفسه فحسب، إن هذا الكلام لا يصدر إلا من أحمق أو جاهل لا يفرق بين التمرة والجمرة ولا يقيم لحياة البشر وزناً كأنما هو مسؤول عن حياته فقط ولا يسأل عن حياة الآخرين، ألا يدرك هذا الأرعن المغرور أنه بإسراعه - ولو كان آمناً على نفسه من أن تصاب بشيء ـ يكون (6/230)
صفحة 2610
القسم الثاني
231
معرضاً لحياة المشاة بل وحياة ركاب المركبات الأخرى للتلف؟! ألا يمكن أن يصطدم بمركبة أخرى ويكون سبباً لإتلاف أرواح من فيها؟! فليتق الله من تسول له نفسه ركوب هذه المخاطر وعدم المبالاة بأرواح البشر اغتراراً بالواقيات التي تقي مركبته الأخطار، والله أعلم.
ذكرتم في مرات عديدة أن السرعة الساحقة التي يتهور فيها الإنسان وأصابه حادث وتوفي يعتبر منتحراً إذا كان هو قد تسبب في ذلك؛ إذا كان مسرعاً بالفعل فماذا لو اعترضه حمار أو حيوان وتوفي والسرعة كانت كبيرة هل يعتبر معذوراً أم يدخل في الحكم السابق؟
ما دامت السرعة كانت السبب في وفاته فإنه يؤاخذ بذلك، إذ يعد بذلك منتحراً، والله أعلم.
ذكرتم بأن الذي يقود سيارته بسرعة متهورة ثم يتوفى نتيجة حادث معين بسبب تلك السرعة يعد منتحراً، هل هنالك سرعة محددة بحيث من يتجاوزها ينطبق عليه هذا الحكم؟
هذه قضية يمكن لذوي الخبرة في قيادة السيارات أن يحددوها، فإن كل شيء يعود إلى ذوي الخبرة في مجاله من المختصين به، أما أنا فلا خبرة لي ذلك، وإنما الخبرة لمن كانت هذه مهنته وكان خبيراً بذلك، والله أعلم.
هل يعتمد هذا على المهارة فقد يكون شخص لديه المهارة في قيادة
السيارة؟
عليه أن لا يغتر بهذه المهارة، فإن كثيراً ما يكون هؤلاء الذين يدعون المهارة هم الذين يكونون الضحية لغرورهم، والله أعلم. (6/231)
صفحة 2611
232
الفتاوى
الجنائز - حوادث المركبات
ما حكم سائق إن مات بحادث كان سببه الإفراط في السرعة؟ حكمه أنه قاتل نفسه وهو هالك إن لم يتب قبل أن يلفظ أنفاسه، والله أعلم.
حوادث السيارات بسبب الإهمال
إذا أهمل الشخص صيانة سيارته لأجهزة مهمة فيها فأدى ذلك إلى حدوث وفاة بسبب حادث ناتج عن الإهمال ففي أي أنواع القتل يصنف؟ وماذا يجب على صاحب السيارة فيما هلك عنده من أنفس؟ يعد ذلك من قتل الخطأ وعليه أن يدي كل قتيل وأن يكفر كفارة قتل الخطأ المنصوص عليها في القرآن، والله أعلم.
تهاون الإنسان في قيادة سيارته بحالة سيئة كأن تكون الإطارات والعجلات ليست جيدة هل يعتبر مهملاً في هذه الحالة؟
نعم، ما دام ذلك مظنة للخطر أو يؤدي إليه فإنه يكون مهملاً، وهو مسؤول أمام الله - تعالى - وأمام الخلق عما نتج عن ذلك، والله أعلم.
حوادث السيارات بسبب الآخرين
شخص يقود سيارته ملتزماً بقواعد السير فيقفز رجل أمامه فجأة فيصدمه رغم قيامه بالفرملة ونحوها، فماذا يجب على السائق في حالة موت المصدوم؟
بما أن الرجل قفز بنفسه أمام السيارة ولم تكن السيارة مسرعة بحيث لو كانت السرعة أقل من ذلك لأمكن تفادي الحادث فلا ضمان عليه، والله أعلم. (6/232)
صفحة 2612
القسم الثاني
233
رجل يقود سيارته على الشارع العام بغير سرعة أو طيش ولكن المقادير قد شاءت أن أقحمت امرأة عجوز قليلة السمع والنظر في وجهه وقد لحقتها السيارة بعد محاولته العصيبة في الهروب عنها إلا أن محاولته لم تجد شيئاً وقد توفيت المرأة وقد دفع لورثتها الدية كاملة فهل عليه الآن كفارة؟
لقد جاء في كتاب الله وجوب الكفارة على القاتل خطأ إن كان المقتول مؤمناً أو ذا عهد وهي عتق رقبة مؤمنة فإن عجز عن ذلك فصيام شهرين متتابعين وهذا القتل سواء كان بسلاح أو بغيره وعليه فمن صدم رجلاً أو امرأة من المسلمين أو من ذوي العهد بسيارة فمات المصدوم وجبت على الصادم مع الدية كفارة، القتل والله أعلم.
6
سائق سيارة يسرع مئة كيلومتر في الساعة تفاجأ بشخص أمامه
فدهسه .. توفي ذلك الشخص، ماذا يلزم قائد السيارة؟
إن كان غير متهور في قيادته وإنما كانت قيادته معقولة وكان محافظاً على السلامة بقدر المستطاع فهذا من قتل الخطأ، وقتل الخطأ لا إثم على
من صدر منه ولكن ـ كما قلنا من قبل النفس البشرية لها حرمة كبيرة ـ البراءة من الإثم كان هذا الخطأ مضموناً بعوض من ناحية ومن
فلذك
مع
ناحية أخرى عليه يعمل عملاً يقربه إلى الله - تبارك وتعالى ـ، أما الضمان فتلزمه الدية إلى أصحابه، وأما العمل الذي يقربه إلى الله فهو الكفارة فالله تبارك وتعالى ـ يقول: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنَّا إِلَّا خَطَا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَدَّقُوا (1)،
(1) سورة النساء، الآية: 92. (6/233)
صفحة 2613
234
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
فالمؤمن ليس من شأنه أن يقتل مؤمناً قتلاً عمداً، وإنما القتل الذي يصدر من المؤمن للمؤمن إنما هو قتل الخطأ، فلما كان هذا القتل خطأ فعليه الدية أن يسلمها إلى أهله إلا أن يصدقوا - أي يسمحوه منها، والكفارة هي عتق رقبة ما دام واجداً لها والعتق إنما هو بمثابة إحياء، لأن الرقيق لا يملك من أمره شيئاً بخلاف ما إذا حرر فإنه يصبح مالكاً لأمره، قال الله: تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ (1)، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين والله - تعالى - أعلم.
فاجأتني امرأة عجوز في وسط الطريق وكنت على سرعة لا تتجاوز التسعين كيلومتر وحاولت جاهداً أن أتفاداها فانحرفت عنها يساراً ولكن شاءت الأقدار أن تصطدم بجسم السيارة من جهة اليمين وسقطت على الأرض، قمت بإسعافها وسألت الطبيب عن حالتها وقال لي أن بها ثلاثة كسور في الحوض وجرح بسيط في مقدمة
الرأس.
وظلت هناك قرابة شهر ولم يزورها أحد أثناء تلك الفترة سوى ابنتها المختلة عقلياً ورجل كبير في السن يقول أنه جارها وأن هذه المرأة مختلة عقلياً ودائمة التنقل من مكان إلى آخر.
وبعد ذلك حولت إلى مستشفى آخر لمعالجتها وظلت هناك قرابة شهرين وعادت إلى البيت وجاءت شركة التأمين وأنهت الإجراءات معها بحيث أعطتها تسعمائة ريال وتنازلت المرأة عن القضية بمحض إرادتها. وبعد ذلك انتقلت إلى رحمة الله تعالى بعد مضي خمسة أيام.
(1) سورة النحل، الآية: 75. (6/234)
صفحة 2614
القسم الثاني
235
هذه كانت التفاصيل التي أعرفها عن الحادثة حيث كنت غير مدرك لهذه الأمور وما يترتب عليها من أحكام شرعية.
سؤالي هل يجب عليّ شيء أنا كسائق هذه السيارة؟ وإذا كان الجواب نعم فما هو؟
إن كنت مطمئناً أنها لم تمت بسبب الحادث وإنما ماتت حتف أنفها فلا عليك حرج، وإن كانت ماتت بسبب الحادث فعليك الدية والكفارة إلا إن تنازل أولياؤها عن الدية فتسقط الدية لا الكفارة، والله أعلم.
تجمع
لقد كنت بصحبة والدي بالسيارة وفي الطريق تفاجأ أبي بوجود للماء في الشارع فصرخت بشدة الأمر الذي ربما أربك والدي فضغط على الفرامل وكانت النتيجة وفاة والدي مما جعلني أشعر بأنني المتسببة في الحادث بسبب الصرخة التي صرختها عندما تفاجأنا بالماء، فهل أكون في هذه الحالة سبب في الحادث؟
لا يبيّن لي أن عملك هذا يترتب عليه وجوب شيء عليك إذ لا يبين لي انك المتسببة، والله أعلم.
حوادث السيارات بسبب الظروف الخارجية
رجل أخذ معه والدته وزوجة أخيه لزيارة بعض الأهل بالسيارة وأثناء قيادة السيارة انفجرت إطارات السيارة الخلفية فانحرفت السيارة إلى خارج الطريق وتدهورت مما أدى إلى إصابة السائق والركاب وكانت والدة الرجل مصابة إصابة بالغة في الرأس وبعد مضي خمسة أيام (6/235)
صفحة 2615
236
الفتاوى
الجنائز - حوادث المركبات
من الحادث توفيت فهل على الرجل السائق (ابنها) من ذمة في الدين كالدية وإذا كان الجواب نعم فهل تحتسب الدية مثل القتل الغير العمد أو العمد ولمن تعطى وما هو مقدارها علماً بأن زوج الهالكة
حي يرزق ويكون أب للرجل سائق السيارة ولدى الهالكة أبناء وبنات أخوة الرجل السائق وهل هناك ضمانات أخرى؟
هم
إن كان يقود السيارة - في أثناء الحادث - قيادة معتدلة ليس فيها إسراع ولا تهور من أي ناحية وإنما انفجر الإطار من غير تسبب منه فأدى إلى حدوث ما وقع فلا دية عليه ولا كفارة وإن كان خلاف ذلك فعليه الدية والكفارة وهي عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين والدية تدفع إلى ورثة أمه دونه فإن كان ورثتها زوجاً وأولاداً فللزوج الربع والباقي للأولاد للذكر مثل حظ الانثيين، والله أعلم.
6
شخص يقود السيارة في حدود السرعة القانونية وكان في قيادته منتبهاً غير متشاغل والسيارة بحالة جيدة والإطارات كذلك، وقدر الله في هذه الاثناء بأن انفجر إطار من الإطارات وحاول السائق بكل ما أوتي من قوة تفادي تدهور السيارة ولكن دون جدوى مما أدى إلى وفاة الركاب
الذين كانوا معه فهل على السائق دية وكفارة، أفتونا ولكم الأجر؟ إن كان السائق لم يرتكب خطأ وإنما كان ذلك قدراً مقدوراً بحيث انفجر الإطار فلم يملك السائق السيطرة على السيارة فلا دية عليه ولا كفارة،
والله أعلم.
ما جاء عن بايع الأجر أو مكتري السيارة يضمنون ما كان السبب منهم والبحث في هذا في رب السيارة إذا استأجر ركاباً ليركبوا في (6/236)
صفحة 2616
تختلف
القسم الثاني
237
سيارته فكان يمشي فانفجرت عليه أحد العجلات فمثلاً مات أحد فيها هل يضمن دية الميت ولا سيما أن الوارثين فيهم اليتامى أما الشيخ موسى بن علي فيرى الضمان وأبو الحواري لا يرى الضمان فهل الأولى الضمان من قبل السيارة لعل كان ذلك من جد السير أو أنه العمل للنظر والروية في العجلات أرجو الجواب؟
إن أحداث السيارات تحتاج إلى عمق نظر واستقصاء دقيق لأن الأحداث بين حالة وأخرى فقد يكون الحدث بدون سبب من السائق وإنما الأمر سماوي محض وذلك كأن تصطدم السيارة بدابة عابرة في الطريق من غير أن يكون السائق في هذه الحالة متعدياً الحدود المألوفة في السوق العادي لمثل تلك السيارة أو تنفجر عجلة بدون وقوع اي سبب من قبل السائق أو تتعطل آلة ففي هذه الحالة الأخرى عدم تضمين السائق وذلك کله مشروط بعدم تقصيره وقد يكون الحدث بسبب خطأ السائق في السير وذلك كأن يحاول الخروج بها عن الطريق تفادياً لخطر ولا يملك بعد ذلك قيادها فتهوي أو يكون في سيره مسرعاً فوق ما هو مألوف في السير العادي أو يحاول أن يطأ على آلة ضبط السير برجله فيخطئ إلى آلة دفع السير ففي هذه الحالات كلها لا يبرأ من الضمان هذا ما ظهر لي، والله أعلم.
إذا كان الإنسان يسير في سرعات قليلة فيفاجئه ما يدعوه إلى عدم
السيطرة عليها، فهل في هذا الحال ـ أيضاً ـ يعتبر مهلكاً نفسه؟ أما إذا كان يقود سيارته قيادة متأنية ليس فيها شيء من التهور أو الإسراع وإنما يفاجأ بما لا يستطيع دفعه فهو غير مسؤول عن ذلك،
والله أعلم. (6/237)
صفحة 2617
238
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
إذا حدث لشخص حادث بسبب سماوي، كأن ينفجر إطار السيارة، أو يتعطل جهاز من أجهزتها بغير إهمال منه، فتصطدم بشخص مار، أو بعمود ثابت، أو بسيارة أخرى فيهلك المصدوم والركاب فهل يتحمل سائق السيارة ما هلك من أنفس في سيارته والسيارة الأخرى؟ وهل تجب عليه الكفارة؟
إن كان ما وقع للسيارة أو وقع منها ليس بفعله وإنما كان أمراً خارجاً عن تصرفه ولم يكن قادراً على التحكم فيه ولم يكن مهملاً في شيء مما تجب المحافظة عليه فلا ضمان عليه بسبب ما وقع منها، والله أعلم.
الحوادث بسبب الاشتراك
قد يقع حادث تشترك فيه عدد من السيارات كما تشترك في نسبة تسببها في الحادث، فكيف يكون ضمان ما هلك من أنفس؟ في حال الاشتراك في الحادث يشترك المتسببون في ضمان الأنفس والأموال
كل بقدر نسبته في الاشتراك، والله أعلم.
حوادث السيارات بسبب الانقلاب
إذا انقلبت حافلة براكبيها فمات من جراء ذلك منهم من مات ونجا السائق، فهل يعتبر قاتلاً خطأ وتجب على عاقلته دية كل واحد من
المقتولين في الحادث؟
إن كان الانقلاب بسبب خطأ ارتكبه السائق فعلى عاقلته ديات القتلى وإلا فلا شيء عليه ولا عليهم، والله أعلم. (6/238)
صفحة 2618
القسم الثاني
239
حوادث السيارات بسبب الاصطدام
إذا دفع شخص آخر أمام سيارة فصدمته ومات، فمن يتحمل مسؤولية الضرر؟ وماذا يجب على الجاني؟
الدافع هو الضامن لأنه المتسبب في موته فإن فعل ذلك عمداً فهو قاتل عمداً يجب عليه القصاص إلا إن عفا أولياء الدم عفواً مطلقاً أو رضوا بالدية بديلاً عن القصاص، وإن كان خطأ فعليه الدية والكفارة، والله أعلم.
حوادث السيارات بسبب النوم والاشتغال عن الطريق
هناك
من يقود السيارة وهو يشعر بالنعاس أو الخمول وقد يعرض نفسه من جراء هذا الشعور أو هذا الخمول إلى حادث بسبب عدم
سيطرته على السيارة بسبب سلطان النوم، ما هو قولكم؟
ليس للإنسان أن يعرض نفسه للخطر، فإذا أحس بنعاس أو خمول يعجز معه عن ضبط السير أو يؤدي إلى شغل البال فليس له أن يقود السيارة، بل عليه أن يتجنب ذلك، وأن يحذر كل ما يؤدي به أو بغيره إلى الخطر، والله أعلم.
عندما كنت أقود سيارتي، علماً بأن السرعة لا تتجاوز المقرر بل أقل من ذلك وحصل عندي نوع من فقدان الوعي أي غشاوة سوداء على عيني يمكن ذلك من أثر الصوم في تلك اللحظة ولم أدرك أي شيء إلا وأنا في المستشفى بين الأطباء وبعد ذلك أخبروني بأني اصطدمت بسيارة أخرى، ونتج عن الحادث وفاة ثلاثة أشخاص. (6/239)
صفحة 2619
240
الفتاوى
الجنائز - حوادث المركبات
علماً إنني
لست متهور في قيادي أثناء الحادث ولكن هذا ما قدر
الله تعالى وما شاء فعل، وبعد تخطيط الحادث، أخبروني أنني أنا المخطئ، وبعدها قامت شركة التأمين بدفع الدية لأهالي المتوفين وباقي التكاليف من علاج وغيره.
سؤالي هل عليّ شيء في حقهم من كفارات كصوم أو غيره لأريح ضميري من تأنيب نفسي؟
إن كان الخطأ منك فعليك لكل منهم كفارة وهي عتق رقبة فإن لم تجد فصيام شهرين متتابعين وأما الدية فإن كانوا رضوا بها فحسبك ذلك وإلا فالأصل أن تدفعها إليهم، والله أعلم.
سهو
قائد
لقد وقع لشخص حادث تدهور، ونتج عن وقوع الحادث وفاة شخصين وإصابة آخر بغيبوبة وكان سبب وقوع وقوع الحادث المركبة، فهل عليه إثم، وماذا عليه؟ إن كان تهور في قيادته أو أتى بشيء من مخالفات نظام السير فهو آثم وإلا فلا ولكن عليه عن قتل كل واحد منهما كفارة قتل الخطأ مع الدية، والله أعلم. رجل كان يسوق بسرعة تقل كثيراً عن السرعة المحددة في ذلك الشارع وفجأة أحس بقليل من النعاس فلزم فرامل السيارة قليلاً وتدهورت السيارة مما أدى إلى وفاة أحد الركاب، دفع الدية وتم سجنه ثلاثة أشهر، فهل لا زال عليه كفارة؟ فإذا كانت هذه الكفارة
صيام شهرين فهل يجوز له أن يؤجر من يصوم عنه أم لا؟
نعم، لأن الخطأ ناتج عن نعاسه ولا سبيل إلى إنابة غيره في الصيام سواء بأجرة أو بغيرها، والله أعلم. (6/240)
صفحة 2620
القسم الثاني
241
حوادث السيارات بسبب شرب الخمر
بلغت حوادث السكر في بعض الإحصائيات 118 حادثاً، فما حكم من يضر بنفسه وغيره في مثل هذه الظروف؟
شرب الخمر من أساسه كبيرة من الكبائر وهي أم الخبائث ومجمع الآثام .. ناهيك أن الله - تبارك وتعالى - يقول: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوةِ فَهَلْ أَنتُم مُنتَهُونَ (1)، فمن شرب الخمر واقع في كبيرة من الكبائر، فضلاً عن كونه يعرض نفسه للهلاك من خلال قيادته للسيارة في حال شربه لها.
فنحن ندعو شراب الخمور جميعاً إلى أن يتوبوا إلى الله - تبارك وتعالى - توبة نصوحاً، وأن يقلعوا عن هذه العادة السيئة، وأن يدركوا سوء مغبتها، فإن مغبتها خطر في الدنيا وشقاوة في الدار الآخرة، فالجنة إنما أعدها الله - تعالى - للمتقين، وقد جاء في الحديث بأنه لا يدخلها مدمن خمر، فعلى هؤلاء أن يتقوا الله وإن حقاً على الله أن يسقي شارب الخمر من عصارة أهل النار فعن جابر أن رجلاً قدم من جيشان ـ وجيشان من اليمن - فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له المزر فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أو مسكر هو. قال: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل مسكر حرام إن على الله على عهداً لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال». قالوا:
(1) سورة المائدة، الآيتان: 90، 91. (6/241)
صفحة 2621
242 الفتاوى
الجنائز - حوادث المركبات
يا رسول الله وما طينة الخبال قال: «عرق أهل النار أو عصارة أهل النار» (1) إلى غير ذلك من الوعيد الشديد الذي جاء في شرب الخمور، وإن أعظم وزراً أن يكون هذا الشارب الخمر بجانب ما ارتكبه من الإثم يقود سيارة ليعرض نفسه وغيره للهلاك؛ والعياذ بالله، والله أعلم.
هل يؤخذ من هؤلاء القصاص إن فعلوا ذلك أي قادوا سيارتهم وهم حالة سكر دون مبالاة فعرضوا حياة الآخرين للخطر؟ وهل من فعل ذلك له من توبة؟
في
هؤلاء يطبق عليهم حكم الحد قتلا إذا عرف منهم الاستهتار لأنهم مفسدون في الأرض وجزاء الذين يفسدون في أرض الله قد حكم به الكتاب العزيز في قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفوا مِن الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ عَظِيم إلا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورُ رَّحِيمُ (2) ومن تاب إلى الله ع وأقلع عن غيه تاب الله عليه مع وجوب تأدية الحقوق إلى أصحابها والكفارة، والله أعلم.
(1) رواه مسلم في كتاب الأشربة باب بيان أن كل مسكر خمر وأن كل خمر حرام.
(2) سورة المائدة، الآيتان: 33، 34. (6/242)
صفحة 2622
القسم الثاني
243
حكم ما تسببه الحيوانات من حوادث
ما حكم ما تسببه البهائم من حوادث تودي بحياة السائقين هل تقع المسؤولية على أصحابها؟
ما سببته البهائم من الحوادث يدخل في حديث: «جرح العجماء جبار» (1) ولا ضمان على أصحابها إلا إن كان ذلك بسبب إهمالهم، والله أعلم.
في بعض الأحيان تعترض الطريق العام جملة من الحيوانات السائبة كالحمير مثلاً ـ فتتسبب في حوادث كثيرة وتكبد الناس خسائر مادية ومعنوية فهل يجوز قتلها والتخلص منها لهذا السبب؟ لا يخلو إما أن تكون هذه الحمير ملكاً لأحد ففي هذه الحالة تقام الحجة على أربابها بأن يحفظوها ويصونها ويمنعوها من الإضرار بالغير، وإما أن تكون غير مملوكة لأحد ففي هذه الحالة إن كانت سبباً في وقوع الحوادث وتلف الأنفس فإن المحافظة على الأنفس البشرية أولى من المحافظة على الحيوانات، إذ كل مافي هذه الأرض إنما خلق للإنسان، فإن كان سبباً لإزعاجه والإضرار به وجب صرف الضرر عنه؟ فالإنسان كرم تكريماً من عند الله كما قال تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي عَادَمَ وَحَمَلْتَهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا (2)، فلذلك تصان حياة الإنسان من أجل قيامه بهذه الوظيفة التي نيطت به ويصرف عنه الأذى؛ والله - تعالى - المستعان.
(1) رواه الإمام الربيع في كتاب الزكاة باب في النصاب رقم 334، والإمام البخاري في كتاب الزكاة باب الركاز في الخمس، ومسلم في كتاب الحدود باب جرح العجماء
جبار وغيرهم. (2) سورة الإسراء، الآية:
V. (6/243)
صفحة 2623
244
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
-
قلتم في جواب عن الحمير التي تعترض طريق المارة الذين يقودون سياراتهم بأن هذه الحيوانات سخرت لخدمة الإنسان فإذا أحدثت ضرراً
يجوز قتلها، والسؤال هنا أنه فى بعض طرق السلطنة توجد جمال والجمال يستفيد منها الإنسان في الأكل وفي الركوب وفي غيرها ولكن دائماً ما تعترض طريق الناس، فكيف يتصرفون معها؟ عليهم أن يبلغوا ولي الأمر بذلك، وولي الأمر يصدر أمره بتحذير أصحاب هذه الجمال، وإلزامهم أن يصونوا جمالهم ويحفظوها حتى لا تكون عرضة لات للأحداث ولا تكون سبباً لقتل الناس فإن أهملوها مع إقامة الحجة عليهم وسببت خطورة على الناس بحيث كانت سبباً لموت الناس، فلا بد في هذه الحالة من المحافظة على سلامة الناس فإن المحافظة على سلامتهم أولى، وهؤلاء أهدروا حقوقهم بعدم صون أموالهم، فيأمر ولي الأمر بقتلها،
والله أعلم.
هل يحق للأفراد أن يقوموا بقتلها أو يعود هذا إلى ولي الأمر؟ نعم، يعود ذلك إلى ولي الأمر إذ لو سوغ ذلك للعامة لتعسفوا ونجمت عن ذلك الفتن، والله أعلم.
نجد أن الكثير من الحوادث سببها الجمال السائبة خاصة وقت الليل وعندما يحدث اصطدام بجمل من الجمال ليلاً نجد تهاوناً من الجهة الأمنية في البحث عن صاحب الجمل ويوردون الأعذار الواهية أثناء المحاكمة ويحملون المسؤولية كاملة لصاحب السيارة وإلى الآن لم تقم الشرطة بإيجاد حل لتلك الظاهرة رغم تفشيها وذهاب الكثير من (6/244)
صفحة 2624
القسم الثاني
245
الأرواح، ما الحكم الشرعي في حالة حدوث وفيات؟ وهل يتحمل السائق المسؤولية؟ وما الذنب الذي تتحمله الجهة التي لا تعنى بهذا الأمر ولا توليه الاهتمام الكافي؟
السائق يتحمل وزر خطئه ومسؤوليته، أما إن كان الخطأ من غيره فإن الذي أخطأ هو الذي يتحمل المسؤولية، ولا بد من وضع حلول لجميع مشكلات الناس، ومن بين هذه الحلول أن توضع ضوابط لوجود الجمال في الطرق وكل من خالف تلك الضوابط يكون مسؤولاً عما يترتب على مخالفته لها، والله أعلم.
من دهس حيواناً ضاراً متعمداً، هل يلحقه شيء؟
يحسن
أما الحيوان الضار المؤذي فليست له حرمة، فكما يباح أن يقتل قتلاً عادياً أي ببندقية أو بسكين أو بسهم أو برمح أو بسيف أو بأي شيء قاتل - يباح أن يقتل بالسيارة ولكن مع هذا كله فإن الأصل في القتل أن فيه كما جاء في حديث إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة» (1) لذلك يؤمر الإنسان أن يحسن القتل إلا أن تعذر أن يقتل إلا بهذه الطريقة فلا مانع منه، هب أن وجد حية في الطريق فما المانع من أن يدوسها بسيارته؟! إذ لا مانع
إنساناً
من ذلك، والله أعلم.
(1) رواه الإمام مسلم في كتاب الصيد والذبح باب الأمر بإحسان الذبح والقتل وتحديد الشفرة، وأبو داود في سننه في كتاب الضحايا باب في النهى أن تصبر البهائم والرفق
بالذبيحة وغيرهما. (6/245)
صفحة 2625
246 الفتاوى
الجنائز - حوادث المركبات
تعلمون سماحتكم عن كثيرة الحيوانات السائبة على الشوارع العامة والتي تتسبب في وقوع حوادث سير لأصحاب السيارات مما ينتج عن ذلك وفيات، فما هو حكم الشرع على صاحب هذا الحيوان الذي يتسبب في وقوع مثل هذه الحوادث وخصوصاً عندما نعلم عن تقصير صاحبه في حفظه عن الإضرار بالناس؟
أما إلزامهم الدية فلا لحديث جرح العجماء جبار» ولكن إن رأى الحاكم الشرعي مضرة في إطلاق هذه الحيوانات لما تسببه من الحوادث فله أن أصحابها أن يحفظوها وأن يفرض عليهم عقوبة بالمعروف إن خالفوا
يلزم ذلك، والله أعلم.
الضمان في حوادث السيارات
إذا أهلك إنسان ومن معه في حادث تصادم بين سيارتين وكان الهلاك بسبب تعديه وإهماله، فهل يكون موته هدراً بسبب تعديه؟ وما وقع هلاك من في الأنفس بكلى السيارتين على من يكون ضمانها؟ نعم، يكون دمه هدراً لأنه المتسبب في إهلاك نفسه وإهلاك غيره بل ويجب في ماله غرم ما تلف بسبب تعديه أو إهماله من أنفس وأموال، والله أعلم. إذا تعمد إنسان أن يصدم آخر بسيارته قاصداً إتلافه فهل يعتبر قاتلاً متعمداً؟ وماذا يجب عليه؟
نعم، له حكم قاتل العمد ويحكم عليه بالقصاص إذ ثبت ذلك عليه بإقراره أو ظهور قرائن العمد في فعله ويبوء بينه وبين ربه بوزر القاتل عمداً، والله أعلم. (6/246)
صفحة 2626
القسم الثاني
247
امرأة أصيبت في حادث سيارة ونقلت إلى المستشفى وهي في حالة خطرة وفي بطنها جنين ابن تسعة أشهر فتألم بالحادث الذي وقع عليه وعلى أمه فسقط من بطنها ميتاً بعد التقرير الطبي أنه قبل وقوع الحادث كان حياً في بطنها وإنما موته كان بسبب الحادث الذي أودى بحياة أمه بعد سقوط الجنين بأيام فما رأي فضيلتكم في هذا الجنين هل له الدية كاملة أم ماذا يحكم له؟
إن كان الجنين سقط بسبب الحادث فديته غرة عبد أو أمة كما جاء في
الحديث، والله أعلم.
كان شخص يعبئ ماء في خزان (ناقلة ماء فسقط خزان الماء على طفلة هناك فماتت فهل عليه الضمان؟
هذا السقوط إن كان بسبب تعبئته للماء فهو مخطئ وعليه الدية والكفارة،
والله أعلم.
كنت وزوجتي وأُمها في السيارة وزوجتي على وشك الولادة فشاءت الأقدار عكس ما نتمنى حيث قدر الله الأمر في طريقنا أن دخلت فجأة حافلة وقطعت الطريق بعرضه ولم أر الحافلة إلا وهي على بعد أمتار قليلة جداً كما أن على جانبي الطريق أعمدة حديدية فلم أستطع تفادي الأمر فاصطدمت بالحافلة، أغمي علي في الحال وتوفيت أم زوجتي قبل وصولها إلى المستشفى وتوفيت زوجتي بعد إجراء عملية لإخراج الجنين وأُخرج وقد فارق الحياة. شيخنا هل عليّ إثم أو ذنب في وفاتهن بسبب السرعة مع العلم بأن
الخطأ
راجع إلى صاحب الحافلة لدخوله عليّ في طريقي؟ (6/247)
صفحة 2627
248
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
1 - هل تجب عليّ كفارة أو ماذا عليّ أن أفعل؟ 2 - بالنسبة للميراث هل يكون لي نصيب منه، أم لا؟ ـ إن شركة التأمين للحافلة هي التي ستدفع الديات وتدفع قيمة
سيارتي التي عطلت. فهل يجوز أخذ تلك الأموال من الشركة؟
4 ـ إذا تصدق الإنسان عن الميت هل ينفعه ذلك وهل له أجر عليه؟. إن كنت لم ترتكب خطأ وكان الخطأ من صاحب الحافلة فلا تتحمل شيئاً من الضمان والكفارات ولا يترتب على ذلك عدم الإرث، غير أن السرعة على أي حال هي مظنة الخطر فلذلك يجب تفاديها ولولا أن السرعة هنا كانت بدافع رغبتك في الإسراع في إسعاف الحامل لما كنت بريئاً من المسؤولية، والله أعلم.
تحمل الأضرار الواقعة على السيارات
من
أثناء استئجار الناس لحافلات النقل إلى العمرة قد يطرأ على الحافلة شيء الأعطاب أو حوادث السير، فمن يتحمل تبعة هذه الاضرار هل من يكون في واجهة الاستئجار؟ علماً بأن كثيراً من هذه الرحلات هي رحلات يشترك الكل فيها بنفس المبالغ وليست رحلات ربحية، فهل يتحمل
المستأجر الذي هو في الواجهة أو أن الكل يتحمل مثل هذه التبعات؟ الأصل أن إصلاح الحافلة على صاحبها، لأن إصلاح كل شيء الأصل فيه أن يكون على صاحبه إلا إذا أبرم العقد على أن المستأجر هو الذي يتولى إصلاح ذلك، فإن كان العقد أبرم على هذا فجميع المستأجرين يشتركون
في
ذلك، والله أعلم. (6/248)
صفحة 2628
القسم الثاني
إن كان الخطأ ناجماً
عن
حادث
قائد الحافلة؟
سير بسبب
249
أما إذا كان خطأ قائد الحافلة خطأ يؤدي إلى أن يضمن شرعاً ما أصابها من خلل أو ما أصابها من فساد بعض آلاتها فهو يتحمل تبعة ذلك، أما إذا كان في الأصل لا يتحمل هو تبعة ذلك أو كان صاحب الحافلة متسامحاً معه بحيث لا يحمله ذلك أو كان هنالك اتفاق مع من أبرم معهم العقد بأن يتحملوا هم تبعة ذلك فالمسؤولية عليهم.
ومن كان في الواجهة فإنه يمثل الجميع وإلا فلا يعني هو وحده بتحمل هذه التبعة، لأنه محسن، وقد قال تعالى: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (1)، والله أعلم.
ما يترتب على تقدير الأخطاء الواقعة في حوادث السيارات
بعض الناس يعتمد على تقديره هو فيما إذا كان مخطئاً أم لا ـ كأن مخطئاً ـ ولكن التقارير
تصدمه سيارة من الخلف
وهو يرى
ليس مخطئاً. أنه
العلمية تأتي بنتيجة أنه هو الذي أخطأ، يصادف ذلك أن يكون معه أحد يتوفى أو أحد يصاب بشيء من الجروح، فهل في هذه الحالة تقع المسؤولية عليه، وهل عليه الكفارة؟
هذا يعود إلى جهة الاختصاص فهي التي تتولى التمييز بين المخطئ والمخطأ عليه، لأنها هي المسؤولة عن ذلك وهذه أمانتها، ومع هذا فإن الإنسان أياً كان عرضة للخطأ، والشرطة الذين يتولون هذه المسؤولية
(1) سورة التوبة، الآية: 91. (6/249)
صفحة 2629
250
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
هم أيضاً عرضة للخطأ، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، والإنسان إن اعترف بخطئه ورجع إلى صوابه فإن ذلك بلا ريب خير له، فقد يخطئ هؤلاء كما يخطئ القاضي إذا حكم، ولذلك عندما ولى أمير المؤمنين عمر له مسؤولية القضاء أبا موسى الأشعري كان من جملة ما أمره به «لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس راجعت فيه نفسك)، ثم بين له بأن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، فالإنسان مطالب أن يراجع نفسه أياً كان، فبإمكان هذا الذي صدر في حقه قرار ـ مثلاً ـ نتيجة وقوف جماعة من المسؤولين عن التمييز بين المخطئ والمخطأ عليه بإمكانه أن يستأنف وبإمكانه أن يطالب المراجعة في ذلك وحكم الكفارة عائد إلى ما أسلفنا، والله أعلم.
وقع لي قبل فترة حادث نتج عنه وفاة شخص في السيارة الأخرى، وتخطيط رجال الأمن أعزى الخطأ لي رغم تأكدي لم أكن السبب فقد كانت السيارة الأخرى منحرفة في اتجاهي وبسرعة شديدة ولتفاديها قمت بتوجيه سيارتي إلى خطه في الوقت الذي هو يعود فيه لخطه ليقع الحادث في هذه الحالة حيث إنني متأكد 100? (مئة في المئة) من أن صاحب السيارة الأخرى هو السبب، فما هو الواجب علي شرعاً فعله؟
(1) رواه البيهقي في السنن الصغرى في كتاب آداب القاضي باب ما على القاضي في الخصوم والشهود، وفي الكبرى في كتاب آداب القاضي باب من اجتهد ثم رأى أن اجتهاده خالف نصاً أو إجماعاً، والدارقطني في السُنَّن في كتاب في الأقضية والأحكام وغير ذلك باب كتاب عمر ه إلى أبي موسى
الأشعري. (6/250)
صفحة 2630
القسم الثاني
251
أما إن كان قائد هذه المركبة غير متسبب وإنما المتسبب الطرف الآخر فما على من لم يتسبب شيء، إنما الواجب شرعاً أن يكون الضمان على من كان متسبباً، إذ الخطأ يتحمل نتيجته المخطئ ولا يتحمل نتيجته غير المخطئ وخبرة القيادة ونظامها إنما تعود إلى أصحاب المهنة وتعود إلى من وضعوا هذا النظام، والله أعلم.
حكم التعويضات التي تدفعها شركات التأمين
ما حكم التعويضات التى تدفعها شركات التأمين للمصابين والمتوفين في حوادث السيارات؟
التأمين يجتمع فيه أمران محظوران فهو يدخل فيه الربا وتدخل فيه المقامرة أما الربا فإنه بيع جنس بجنسه مع عدم التقابض ومع التفاوت في المقدار فإن المشتري يقدم الثمن وهو نقد ليستوفي نقداً مثله على أنه قد يستوفي أكثر مما دفع وقد يستوفي أقل منه والنقد بالنقد لا يجوز بيعهما إلا يداً بيد مثلاً بمثل فمن زاد أو استزاد فقد أربى.
وأما الغرر فظاهر، ذلك لأن بعض الذين يؤمنون على أنفسهم أو أموالهم يؤدون لشركات التأمين طوال أعمارهم ولا يتقاضون شيئاً مما دفعوا ولا ريب أن ذلك يتحول إلى جيوب الآخرين من الشركاء ولا يعود إليه شيء منه وهناك من يدفع اليسير ليستوفي الكثير عندما يقع السبب الذي من أجله كان التأمين وهذا هو الغرر بعينه ولا ريب أن هذه هي المقامرة المحرمة شرعاً. نعم، لو كان بدلاً من ذلك صندوق تعاوني بحيث يدفع الإنسان عن طريق (6/251)
صفحة 2631
252
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
التبرع لا لأجل أن يستوفي أكثر مما دفع أو من أجل أن يؤمن مستقبله فإن ذلك سائغ شرعاً وذلك أن يكون القصد هو التعاون في الكوارث والمصائب وقد اصطلحوا على تسميته التأمين الاجتماعي وإنما يشترط فيه أن يكون خالياً من جميع الشوائب بحيث يكون مجرد تعاون بين الناس من أجل دفع آثار الكوارث فمن الواضح أن ذلك أمر لا حرج فيه،
والله أعلم.
ما قول سماحتكم في سائق السيارة الذي يدهس شخصاً آخر فتقوم شركة التأمين بدفع الدية الواجبة عليه تجاه أهل البيت فهل تبرأ ذمته بذلك؟ وما الواجب عليه تجاه الله سبحانه وتعالى؟ إن أخذها أولياء الميت برضاهم واتفاق بينهم وبين شركة التأمين منها وأبرأوا ذمته فإن ذمته تبرأ بذلك إذ لم يكن له أي دخل في هذا الأمر أما إن كان تدخل هو عند الشركة من أجل أن تدفع العوض والدية إليه ودفعت الدية في أيدي أولياء الدم أو في يديه فدفعها إلى أولياء الدم ورضوا بذلك فإن عليه في هذه الحالة أن يتخلص إلى فقراء المسلمين بقدر ما دفعت الشركة لأنه مال مجهول الأرباب فالفقراء أولى به، والله أعلم.
شخص أصيب في حادث نتج عنه أضراراً جسمانية، وقد أقرت له المحكمة بتعويض مالي فما حكم الشرع في التعويض علماً بأن
التعويض عن طريق شركة التأمين؟
يأخذ العوض من يد المتسبب لا من الشركة، والله أعلم. (6/252)
صفحة 2632
القسم الثاني
253
يقول السائل: توفي أخي قبل أشهر في حادث سيارة ووجبت الدية من قبل شركة التأمين التي أمنت السيارة وأجمع الورثة على أن أتصرف في هذه الدية في وجوه الخير، فهل يصح أن أدفع مبلغ الدية في
عمارة مسجد يحتاج إلى المساعدة أفتنا ولك الأجر من الله؟
إن كنتم استلمتموها من شركة التأمين فلا ينبغي أن يبنى بها مسجد لما يشوبها من الشوائب فإن المساجد لا تبنى إلا بالأموال الخاصة وإن أتتكم من جهة المتسبب في الحادث فلا مانع من ذلك ولا تسألوا عنه من أين أخذها، والله أعلم.
يقول السائل: لقد وقع على ابننا حادث دهس أدى إلى وفاته في الحال، وقد حكمت المحكمة الجزائية بتغريم السائق المتسبب في الحادث بغرامة قدرها خمسة آلاف ريال عماني، فهل يحل ويجوز لنا شرعاً أن نأكل ونشرب منها ونتصرف في الدية كيف ما نشاء أم نفرق جزء منها أم ماذا نعمل؟ الدية حق فرضه الله في القرآن فلا وجه لتحريمها وهي تقسم على الورثة قسمة المواريث، والله أعلم.
يقول السائل: توفيت والدتي في حادث سير وقد عوضتنا شركة التأمين بالدية، فهل يجوز صرف الدية المذكورة لأداء فريضة الحج لوالدتي المتوفية؟
الدية حق للورثة يتصرف كل منهم في نصيبه منها كما شاء ولكن إن جاءت من مصدر غير جائز شرعاً كالتأمين فلا يجوز صرفها في سبل البر كالحج، والله أعلم. (6/253)
صفحة 2633
254 الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
ما حكم أخذ التعويضات من قبل بعض الشركات أو المؤسسات؟
إن كانت هنالك ريبة فليأخذوها وليدفعوها في مصالح فقراء المسلمين، فذلك خير إن شاء الله، والله أعلم.
عندنا أحد من الأهل يعمل في شركة رافعات سيارات الحوادث فإذا وقع حادث يقوم العاملون في هذه الشركة بأخذ هذه السيارة التي وقع بها الحادث إلى المكان الذي طلب منهم صاحب السيارة أن يأخذوها إليه وبعد ذلك يستلمون أموالاً من التأمين ما حكم هذه الأموال؟ هل هي حلال أو حرام؟
الإنسان يؤمر أن يحتاط لنفسه وأن يجنبها المزالق ومع ذلك هناك سعة في أن يأخذ ذلك ويدفعه إلى فقراء المسلمين، والله أعلم.
كما هو معروف بأن التأمين إجباري، فإذا ارتكب شخص حادثاً ومات معه أحد، فعلى من تلزم من الدية؟ هل تلزم الشخص نفسه أم تلزم التأمين كما هو معروف؟ أريد التوضيح في هذا؟ الأصل أنه هو المخاطب بالدية، وهي في ذمته، وإنما دية الخطأ إلى العاقلة لكن هو المخاطب بجمعها وإحضارها، والله أعلم.
يرجع
بها
إذا كانت شركة التأمين تتحمل جميع الأضرار، فهل يجوز أخذ الدية من الشركة مع موافقة المؤمنين فيها؟
إن كان يأخذها من الشركة فلا إلّا إن كان ذلك بقدر ما أُخذ على المؤمن إكراها، والله أعلم. (6/254)
صفحة 2634
القسم الثاني
255
رجل أراد أن يحفر ثقبة في فلج بلده يدفع قيمته من دية ميت أصيب بحادث سيارة قاصداً بذلك وجه الله تعالى ومنفعة الفلج ولكن بعض أهل الفلج عارضوا في ذلك قائلين أن هذه الدية فيها شبهة وكراهية ولا يجب إدخالها في الفلج، فهل في فعل الرجل من حرج أو کراهة؟ وهل ترى لقول المعارضين من وجه وما تقوله عامة الناس إذ أخذ شيئاً من غرم قتيل وأدخله في ماله أنه يمحق بركته؟
إذا كانت الدية فرضت بوجه شرعي فلا معنى لادعاء الشبهة فيها ولا مانع من التبرع بها في وجه من وجوه البر شريطة أن يكون هذا التبرع من أربابها الذين يحق لهم التصرف فيها وقول عامة الناس الذي ذكرته عنهم من أن إدخال الدية في المال ماحق لبركته لا أصل له، والله أعلم.
موت أحد الورثة في الحوادث
إذا كان شخص يقود السيارة ومعه ضمن الركاب مورثه فتدهورت السيارة فأدى الحادث إلى وفاة مورثه فهل يرث السائق أم لا، وكان سبب التدهور بأمر خارج عن إرادة السائق كأن يكون بعطل في الإطار أو خروج دابة فجأة أو بسببه كالسرعة، وإذا وقع التصادم بين سيارتين وترتب على الحادث وفاة فهل يمكن أن تعتمد المحكمة الشرعية في توريث السائق أو حرمانه من الميراث على حكم المحكمة الجزائية في تحديد المخطئ، وربما يكون الخطأ على صاحب السيارة فيجعل على السيارة الأخرى لأجل تحمل غرامة التصليح. وكذلك قد يكون في
الحكم الجزائي يدان الشخص بالخطأ وفي الحكم الشرعي لا يدان؟ (6/255)
صفحة 2635
256
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
وعليه هل يجب على القاضي الشرعي البحث في أصل القضية أو
يكتفي بحكم المحكمة الجزائية في تحديد المخطئ؟
إن كان السائق لم يرتكب خطأ وإنما كان الحادث بسبب لا يمت إليه وذلك نحو اقتحام حيوان أو اعتراضه فجأة بين يدي السيارة أو انفجار إطار مع كون السرعة عادية لم تخرج عن حدود الاعتدال فلا يمنع من الإرث بسبب ذلك كما لا تجب عليه الدية والكفارة وإن كان سبب الحادث يعود إلى السائق فعليه الدية والكفارة ولا ميراث له ولا يعتمد في ذلك على قرار المحكمة الجزائية حتى يطلع القاضي الشرعي على الدلائل والشواهد التي تدين المخطئ ولعله مما يستأنس به تقارير الشرطة المثبتة بالصور مع القرائن الأخرى والعبرة في الأحكام بثبوت الخطا أما تحمل شركة التأمين للغرامة فلا يعول عليه، والله أعلم.
إذا حمل شخص أحد أقاربه ممن يرثهم في سيارته فأصابهم حادث خارج عن إرادة السائق، أو أن يصدم سائق أحد ممن يرثهم، فهل يمنع السائق من ميراث قريبه؟ وهل يختلف الحال إذا كان الحادث بسبب
خارج عن إرادة السائق وبين تعديه وإهماله وما الدليل على ذلك؟
يختلف حكم ذلك باختلاف الأحوال فإن كان الحادث ناتجاً عن إهمال السائق أو سرعته أو تعديه للنظام فهو في حكم القاتل ولا ميراث له لحديث: «لا يرث القاتل المقتول عمداً كان القتل أو خطأ (1) وإن كان الحادث يكن بسببه قط وإنما كان بسبب المصدوم أو غيره فلا ضمان في هذه الحالة على السائق وله الميراث إن كان الميت موروثاً له، والله أعلم.
لم
(1) رواه الإمام الربيع بن حبيب في الجامع برقم 668 باب في المواريث، وأبو داود في السنن في كتاب الديات باب ديات الأعضاء وغيرهما. (6/256)
صفحة 2636
القسم الثاني
257
من كان في صحبته في السيارة - مثلاً - وراثه ووقع حادث، ففي حالة
حصول وفاة هل يتوارث هؤلاء؟
إن كان السبب من قائد المركبة بحيث أخطأ أو كان بالسيارة شيء من العطل أو أي شيء مما يجعله مخطئاً عمله فلا يرثهم في هذه الحالة بل يحرم هو من الميراث، لأن الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يرث القاتل المقتول
في
عمداً كان القتل أو خطأ» وهذا يدخل في باب سد الذرائع.
أما إن لم يكن السبب منه بحيث كان السبب خارجاً عن تصرفه وعن عمله الذي عمله فلا يكلف ما كان من قبل غيره، وفي هذه الحالة يرث هو كما يرث غيره من الناس، والله أعلم.
شاب كان يقود سيارته ومعه أبوه ووقع لهم حادث فتوفي الأب في ذلك الحادث، فهل يَرِثُه هذا الولد؟
هذا يختلف باختلاف نوع الحادث، لأن الحادث قد يكون عن سب ناشئ عن الولد، وذلك بأن يكون قد أسرع إسراعاً لا يملك معه السيارة أو أن يكون ساق السيارة مع الإخلال بطريقة القيادة بأي وجه من الوجوه أو قادها وهي فيها شيء من الخلل فإن ذلك كله مِمَّا يُعتبر سبباً، وقتل الخطأ تترتب عليه الدّية والكفارة ويترتب عليه - أيضاً - الحرمان من الإرث لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يرث القاتل المقتول عمداً كان القتل أو خطأ»، وأما إن كان بخلاف ذلك بأن كان هنالك أمر طارئ كأن يقفز حيوان أمامه أو أي شيء من نحو هذا فإن ذلك لا يُعد إخلالاً منه بقيادة السيارة فلا يترتب عليه وجوب شيء من والله أعلم.
ذلك، (6/257)
صفحة 2637
258
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
كنت أقود سيارة وفيها والدتي وإخوتي وفي أثناء سيرنا تعرضت لنا شاحنة بدخول سائقها الشارع العام بإهمال وقلة انتباه فصدمتنا فكان من ذلك وفاة والدتي وأخي فهل ترون فضيلتكم يحل لي ميراثهما؟ إن كان الخطأ من سائق الشاحنة وهو الذي أدى إلى وفاة الفقيدين فليس عليك شيء ولك إرثهما، أما إن كان سبب وفاتهما خطأ منك هذه ففي الحالة عليك ديتهما وعليك الكفارة لقتل كل واحد منهما ولا يحق لك إرثهما لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يرث القاتل المقتول عمداً كان القتل أو خطأ» وعليه فأنت عليك أن تحاسب نفسك بنفسك فانظر هل كان السبب منك أو من غيرك، والله أعلم.
رجل قدر الله عليه حادث سير بمركبته وكان معه أثناء الحادث والدته وأحد أفراد أسرته؛ وتوفيت والدته أثناء الحادث، فما قول سماحتكم
الشرعي في الميراث من تركة والدته المتوفية هل يحق له أن يورث ضمن إخوته الباقين أم لا. علماً بأن الحادث قضاء وقدر خارج الإرادة. إن كان ارتكب خطأ فتسبب في موتها فلا يرثها وعليه الكفارة الواجبة شرعاً على من قتل خطأ وكذلك الدية إلا إن تنازل عنها الورثة، والله أعلم.
حكم التهاون في إسعاف الآخرين
شخص كان يقود سيارته بسرعة فصدم صبياً صغيراً فتركه على الشارع دون أن يسعفه حتى توفي، فما عقاب ذلك الذي فعل تلك الجريمة ولم يسعف الولد؟
هذا من المفسدين في الأرض ولا يصلحون إن تعمد ذلك فإنه حري بأن (6/258)
صفحة 2638
القسم الثاني
259
يطبق عليه من العقوبات ما نص عليه قول الله تبارك وتعالى: {إِنَّمَا جَزَاؤُاً الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خرى في الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ()، والله أعلم.
البعض يجد أن إسعاف الآخرين مؤخر لوقته أو ربما سيارته تتسخ بشيء من الدماء وفي كثير من الأحيان - كما نلاحظ أن ـ الإسعافات
لا تكون سريعة فيظل ذلك الرجل ينزف والناس يتفرجون عليه، ما واجب الناس في مثل هذه الحالات؟
هو
كل واحد مسؤول عن سلامته وسلامة غيره، وحياة البشر حياة اجتماع، ومصالح، والإنسان مدني بطبعه اجتماعي بفطرته، فلذلك عليه أن يسعى إلى مصالح بني جنسه ومسؤولية الفرد تقع على المجتمع، كما أن أي فرد من الأفراد - أيضاً - يتحمل قسطاً من مسؤوليته عن إصلاح مجتمعه وحفظه، فهذا الذي يترك إنقاذ الآخرين إنما يتحمل مسؤولية إتلاف روح - إن تسبب ذلك للتلف - فكل من كان قادراً على إسعافه ولم يسعفه، يتحمل وزر ذلك ويبوء بإثمه ويكون مشاركاً في قتله؛ والله تعالى
المستعان.
لو مات شخص ولم يقم بإسعافه أحد من الناس مع قدرته على فعل
ذلك فهل يلزمه شيء؟
نعم، تلزمه الكفارة إن تعمد فعل ذلك، والله أعلم.
(1) سورة المائدة، الآية: 33. (6/259)
صفحة 2639
260
الفتاوى
الجنائز - حوادث المركبات
حكم سباق السيارات
السباق بين السيارات ربما يعتبره البعض رياضة ويختلف - أيضاً - موقعه أحياناً يكون في الشوارع العامة وأحياناً يكون في مواقع خاصة، ما هو توجيهكم لكلا الأمرين؟
أما السباق في الشوارع العامة فهو يعد إهلاكاً للأنفس، وكل من وقع في ذلك فهو ناحر منتحر؛ أي: قاتل لنفسه وقاتل لغيره، معرض نفسه وغيره للقتل، فهذا من أكبر الكبائر وأعظم العظائم.
وأما في الأماكن الأخرى فأيضاً ما الفائدة منه؟! فهو يختلف عن سباق الخيل، أما إن كانت هنالك مصلحة معروفة ولم تكن معه مفسدة فلا مانع منه لأجل تلك المصلحة مع اجتناب المفسدة، فإن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، على أني لا أعرف مصلحة تترتب عليه فإن كان هذا السباق سبباً لتعريض الأنفس للإزهاق فلا يجوز بحال من الأحوال، والله أعلم. مسابقة السيارات رياضة مشهورة وعالمية والكثير من الناس يشتركون
فيها
1 - ما حكم مثل هذه المسابقات التي تعرض الإنسان إلى الأخطار؟ 2 ـ لو أن إنساناً اشترك فيها ووقع له حادث فمات أو مات الذي فهل يعتبر هذا ممن تكلمتم عنه في البداية؟ إن كل سباق يسمح به في الإسلام لا بد أن يكون سباقاً يترتب عليه نفع
معه،
كبير ومصلحة ظاهرة
كالرماية مثلاً، لأن الرماية يتدرب الإنسان من خلالها على إصابة الأهداف (6/260)
صفحة 2640
القسم الثاني
261
وذلك مما يعين على الجهاد في سبيل الله على دفاع الإنسان عن نفسه وأمته ووطنه ومجتمعه فلذلك أبيح.
وكذلك السباق في ركوب الخيل، لأن الخيل كانت هي وسيلة من وسائل الدفاع والقتال ولأجل هذا أبيح للناس أن يتسابقوا في جري الخيل وهم على صهواتها. أما ما لا يكون من ورائه جدوى ويؤدي إلى إضاعة الوقت، أو إلى تعريض الإنسان نفسه وغيره للخطر، فلا يجوز فعله والسيارات ليست وسيلة من وسائل الدفاع. نعم، لو كان ذلك في قيادة دبابات مثلاً أو تدرباً على قيادة الطائرات القتالية أو شيئاً من هذا القبيل لكان ذلك أمراً محموداً، لأنه مثل التدرب على ركوب الخيل.
على أن الإنسان مأمور بأن يكون في قيادته للسيارة ألا يخرج عن حدود الاعتدال حتى في حاجته الضرورية فإنه لو خرج عن حدود الاعتدال من أجل سباق مع الغير لا يبرأ من الإثم بل هو يتحمل مسؤولية نتيجة عمله و آثاره التي يخلفها فيه وفي غيره ويترتب عليه ما يترتب على غيره ممن أسرع إسراعاً خرج به عن حدود الاعتدال في تحمل نتيجة ما يفعله في نفسه وما يفعله في غيره، والله أعلم.
كفارة قتل الخطأ في حوادث السيارات
إذا اشترك جماعة في القتل كيف تجب عليهم الكفارة؟ اختلف العلماء في جماعة تشترك في قتل معصوم الدم خطأ أو عمداً ـ على
القول بوجوب الكفارة في قتل العمد ـ فقيل على كل واحد منهم كفارة، (6/261)
صفحة 2641
262
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
-
وهو قول الحسن وعكرمة والنخعي والحارث العكلى ومالك والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي، وعليه أكثر أصحابنا، فقد جاء في الأثر عنهم أن المرأة إذا أمرت رجلاً أن يضرب لها خادمتها فضربها فماتت فعليهما الكفارة جميعاً يعتق كل واحد رقبة، فإن لم يقدرا على العتق صام كل واحد شهرين متتابعين .. إلخ، وجاء في بعض آثارهم أيضاً أن السيد إذا أمر بضرب عبده فمات من ذلك فعلى السيد كفارة، وعلى كل واحد ممن قتله كفارة، وكذلك من أمر به، وقيل بل عليهم جميعاً كفارة واحدة، وهو محكي عن الأوزاعي ونسب إلى أبي ثور، وقيل بالتفريق بين العتق والصيام فإن وجدوا ما يعتقون اشتركوا جميعاً في تحرير رقبة، وإلا فعلى كل واحد منهم أن يصوم شهرين متتابعين، وهو المحكي عن الزهري حيث قال في جماعة يرمون بالمنجنيق فيقتلون رجلاً عليهم كلهم عتق رقبة، وإن كانوا لا يجدون فعلى كل واحد منهم صوم شهرين متتابعين، وهذا التفصيل محكي عن أبي المؤثر ـ رحمه الله تعالى ـ من أصحابنا، وأرى أن هذا الاختلاف مبني على اختلافهم في أصل وجوب هذه الكفارة، فقيل: وجبت تمحيصاً وطهوراً لذنب القاتل وذنبه ترك الاحتياط والتحفظ حتى هلك على يديه امرؤ محقون الدم، وقيل: وجبت بدلاً من تعطيل حق الله تعالى في نفس القتيل فإنه كان له في نفسه حق، وهو التنعم بالحياة والتصرف فيما أحل له تصرف الأحياء، وكان الله سبحانه فيه حق، وهو أنه كان عبداً من عباده، يجب له من اسم العبودية - صغيراً كان أو كبيراً حرًا كان أو عبداً مسلماً كان أو ذميّاً ـ ما يتميز به عن البهائم والدواب، ويرتجى ذلك أن يكون من نسله من يعبد الله ويطيعه، فلم يخل قاتله
مع
يكون فوت الإسم الذي ذكر، والمعنى الذي وصف.
من
أن (6/262)
صفحة 2642
القسم الثاني
263
فبناءً على مراعاة أصل وجوبها في القول الأول يترجح القول بوجوب كفارة مستقلة على كل مشارك في القتل لأن كلاً منهم كان منه التفريط في الاحتياط والتحفظ الذي وجبت بسببه الكفارة، وبناءً على مراعاة أصل الوجوب في القول الثاني يترجح عدم وجوب غير كفارة واحدة على الجميع لأن معنى ما ذكر إنما هو في نفس واحدة؛ فلا أثر لتعدد الذين كانوا سبباً لزهوقها بما كان من إهمالهم وعدم احتياطهم من أجل سلامتها في فوات المنافع
المشار إليها منها حتى يتوجب على كل منهم الاستقلال بتبعة ذلك. أما الذين فرقوا بين العتق والصيام فلعلهم بنوا هذه التفرقة على مراعاة أن العتق عبادة مالية، تحيي بها نفس إحياء معنوياً بدلاً من النفس الفائتة بقتل الخطأ، وذلك بتحريرها من ربقة العبودية، فكان الأنسب أن تجزي فيها رقبة واحدة لحصول الغرض بها، أما الصيام فهو بخلاف ذلك، لأن أثره إنما هو على الصائم بنفسه وكان كل من وقع في هذا الخطأ حقيقاً بأن يحرص على هذا الأثر لمحو أثر هذا الخطأ الذي ارتكبه في نفسه، فلذلك قالوا بوجوب استقلال كل واحد منهم بصوم شهرين متتابعين.
هذا ولا ريب أن رأي الجمهور أحوط وأسلم وأورع، ولكن الفتيا إنما تُبنى على الدليل الأرجح والذي يترجح عندي في هذا بالدليل هو قول من أوجب على الجميع كفارة واحدة سواءً كانت عتقاً أو صياماً ودليله أمران: أولهما: النص وهو قوله تعالى: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَنَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (1) حيث أوجب الله في قتل المؤمن خطأ تحرير رقبة مؤمنة لا أكثر، ولا فرق في ذلك بين أن يكون القتل صادراً من واحد أو من جماعة، فإن
(1) من سورة النساء، الآية: 92. (6/263)
صفحة 2643
264
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
-
«من» تصدق على الجماعة كما تصدق على الواحد ـ كما هو معلوم ـ فإن قيل: بأن معنى الآية أن هذا الحكم ينطبق على كل من صدق عليه أنه قاتل
يعتق
خطأ ولو باشتراك مع غيره فيجب على كل واحد من الجماعة أن بنفسه رقبة استقلالاً وكذلك في الصيام قلت هذا منقوض بالدية فإنها لا تجب عليهم إلا دية نفس كيفما كان عددهم، واللفظ الذي أفاد وجوب الدية هو الذي أفاد وجوب الكفارة فكيف يفرق بين حكميهما؟ مع أنها عطفت على الكفارة وللمعطوف والمعطوف عليه حكم واحد فيما سيق من أجله إلا إن خص الدليل أحدهما بحكم.
ثانيهما: القياس على وجوب الدية، ووجه القياس أن كلاً منهما إنما واجب من أجل تلك النفس المقتولة، وقد أجمع الكل على أنه لا تجب في النفس الواحدة إلا دية واحدة، ولو تعدد الذين كانوا السبب في زهوقها، وأن الدية حق المخلوق والكفارة حق الله ولو كان فيها نفع للعباد إن كانت عتقاً، والله أولى بأن يعفو فلا يكون ما له مبنياً على التشديد وما لعباده مبنياً على
التيسير.
فإن قيل: يفرق بين الكفارة والدية من حيث إن الكفارة إنما تجب على نفس القاتل ودية الخطأ تجب على العاقلة، لذلك تباين حكمهما فلا تقاس إحداهما على الأخرى.
قلت: لا يُسوّغ هذا تبايناً في حكمهما، من حيث إيجاب التعدد في أحدهما دون الآخر، لأن أصل وجوبهما واحد بنص واحد، ولو كان وجوب الكفارة على نفس القاتل، ووجوب الدية على عاقلته، على أن ذمة القاتل لا تبرأ من دية القتل الخطأ حتى تسلمها العاقلة فهب أن أحداً (6/264)
صفحة 2644
القسم الثاني
265
ممن
كان منه قتل الخطأ لا عاقلة له أو له عاقلة لا تملك ما تدي (1) به قتيله ألا يجب عليه أن يديه؟ ثم إن ما على الأفراد أولى بالتخفيف مما على الجماعة.
وإذا تبين لك هذا فاعلم أن الواجب على الجماعة إن اشتركوا في قتل معصوم الدم خطأ أن يعتقوا رقبة واحدة يشتركون في ثمنها بقدر منابهم في الدية، وإن لم يجدوها فعليهم صيام شهرين متتابعين، يتقاسمون أيامهما بعددهم فيفطر هذا مع صيام هذا، بحيث لا يكون بين صيامهم فصل كما هو الشأن في صيام الفرد، فإن اختلفوا فليقترعوا، هذا ما تبين لي بعد استفراغي الوسع في هذه المسألة فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان فمن نفسي والشيطان، واستغفر الله من كل ما خالفت فيه الحق جملة وتفصيلاً، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
خطأ
هل تجب كفارة القتل الخطأ على الذي يتسبب في وفاة أحد في حوادث المرور؟ فإن وجبت فما هي هذه الكفارة؟
كفارة القتل الخطأ واجبة على من تسبب في موت أحد بسبب خطئه في التزام نظام السير سواء كان ذلك صدماً للشخص نفسه أو أدى ذلك إلى انقلاب السيارة أو إلى موت أحد بأي وسيلة كانت فعلى هذا الذي تسبب
هذا
في الحادث الدية والكفارة، والكفارة هي عتق رقبة مع وجودها، وفي حكمة بالغة فإنه كما تسبب في وفاة نفس عليه أن يتسبب في إحياء نفس، لأن العتق هو بمثابة الإحياء، إذ بالعتق ينْعم المملوك بالحياة، لأنه بحكم
(1) تدي: تدفع الدية الواجبة عليه. (6/265)
صفحة 2645
266
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
رقه تكون حياته مقيدة، وهذا مع وجود الرقيق والقدرة على تملكه، أما إن كان غير قادر على ذلك فإن الكفارة الواجبة هي صيام شهرين متتابعين والله أعلم.
هل تجب الكفارة في قتل من هو مهدور الدم شرعاً كالمرتد والباغي على المسلمين والزاني المحصن سواء أذن الإمام بقتله أو لم يأذن؟ المرتد لا يعد في المؤمنين ولا في الذين بيننا وبينهم ميثاق فلا عصمة لدمه بعد ثبوت ردته فلا كفارة على قاتله عمداً ولا خطأ، وكذلك الباغي بعد ثبوت بغيه شرعاً، وأما الزاني المحصن فإنه - وإن لم يكن معصوم الدم - لا يسفك دمه إلا بكيفية معينة، على أن الحدود لا يقيمها كل أحد، وإنما يقيمها الإمام الشرعي، وإلا لعمت الفوضى واعتدى الناس بعضهم على بعض بدعوى إقامة الحدود، ومن ناحية أخرى فإن الحدود الشرعية تعتريها شبهات تؤدي إلى تعطيلها، فلا تسقط الكفارة - فيما أرى ـ عن قاتل الزاني المحصن، والله أعلم.
كفارة القتل نتيجة حادث هل هي على الفور أم على التراخي؟
الكفارة حكمها كحكم سائر الأوامر المطلقة التي يؤمر بها الإنسان، وقد اختلف الأصوليون في الأوامر المطلقة فمنهم من قال: بأنها تحمل على الفور، ومنهم من قال بأنها للتراخي، ومن الأصوليين من قال بأن الأمر المطلق الذي لم يقيد يبقى على إطلاقه لا للفور ولا للتراخي، فمتى أداه سواء عجل تأديته أو أخر فهو مؤد له، إن كان لم يؤخره تأخيراً يؤدي به إلى الإهمال، والله أعلم. (6/266)
صفحة 2646
القسم الثاني
267
عليه
رجل وقع له حادث وقتل فيه إنسان، فما الذي يجب عليه؟ الكفارة الواجبة عليه شرعاً الدية لأولياء القتيل، إن كان هذا مع القتل خطأ، اللهم إلا إن أسقطوا هذه الدية وعفوا فإن عفوهم إنما هو نزول عن حقهم، وبما أن الحق لهم فهو يسقط بإسقاطهم إياه، والله تعالى أعلم.
الصوم في السفر هل يشمل أيضاً الكفارة؟
للمكفر أن يصوم في السفر إذ لا دليل على منع الصيام في السفر، وإنما أبيح للمسافر أن يفطر في نهار رمضان لأجل التوسعة له، ولو صام فالصيام خير له كما نص عليه القرآن ودلَّ عليه حديث أنس (1) له وغيره، والله أعلم.
إذا نزلنا إلى واقع المسلمين اليوم وواقع الدول، كل دولة ترتبط مع الدول الأخرى بعلاقات والسفارات موجودة تشهد بذلك، ففي الحالة لو كان المقتول رجلاً غير مسلم من دولة ليست مسلمة، فما الحكم في هذه الحالة؟
إن كان بينه وبين المسلمين ميثاق فتجب الدية والكفارة، وإن كان محارباً للمسلمين فلا، والله أعلم.
(1) رواه الإمام الربيع بن حبيب في الجامع برقم 307، باب في صيام رمضان في السفر، والإمام مالك في الموطأ في كتاب الصيام باب ما جاء في الصيام في السفر، والبخاري في كتاب الصوم باب لم يعب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعضهم بعضاً في الصوم والإفطار، ومسلم في كتاب الصيام في الصيام باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر، وغيرهم، ونص الحديث سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا من صام ومنا من أفطر فلم يعب الصائم من المفطر ولا المفطر من الصائم». (6/267)
صفحة 2647
268 الفتاوى
الجنائز - حوادث المركبات
رجل صدم بسيارته سيارة أخرى بدون عمد علماً بأن الرجل كان في حالة جيدة أي لم يكن في حالة سكر أو نحوه، فنتج عن الحادث موت رجل من السيارة المصدومة، وبعد التحقيقات تبين أن السبب من ذلك الرجل الذي صدم بسيارته فسجن ودفع دية لوراث المتوفى، والآن يعيش ذلك الرجل في حالة من الضيق والتوتر حتى أن صحته تنهار شيئاً فشيئاً، وأصبح لا يستطيع النوم في الليل من كثرة التفكير في هذا الأمر، وهو يسأل هل بقي شيء من الحقوق عليه أن يؤديها سواء كانت هذه الحقوق حقوقاً الله تعالى أو حقوقاً للشخص المتوفى؟ نعم عليه حق الله تبارك وتعالى، وهو الكفارة، فإن الله تعالى فرض الكفارة في قتل الخطأ، حيث قال: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ ? إِلَّا أَن يَصَدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُةٍ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا
وقد قسمت هذه الآية الكريمة المقتولين خطأ إلى ثلاث أصناف: لأنه إما أن يكون مؤمناً فتجب الدية له، كما تجب الكفارة على القاتل لتطهير نفسه مما علق بها من فعله.
وإما أن يكون مؤمناً ولكنه بين قوم كافرين محاربين للمسلمين، وذلك بأن يعيش الإنسان لظرف أو لآخر بين قوم كفرة محاربين للمؤمنين فلا دية على
(1) سورة النساء، الآية: 92. (6/268)
صفحة 2648
القسم الثاني
269
القاتل في هذه الحالة، وإنما تجب عليه الكفارة لما سبق بيانه، وسقوط الدية إنما بسبب عيشه بين أولئك القوم المحاربين للمؤمنين، فبعيشه بينهم سقط حقه وبقي حق الله - تبارك وتعالى ـ وهو الكفارة.
وإما أن يكون من قوم بينهم وبين المؤمنين ميثاق وذلك بأن يكون ذمياً، أو معاهداً للمؤمنين فتجب الدية والكفارة.
ومن الناس من حمل قوله تعالى: {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَقٌ (1) على ما إذا عاش المؤمن مع قوم بينهم وبين المؤمنين ميثاق فتجب الدية والكفارة على قاتله خطأ، وإن لم يكن مؤمناً فتجب له الدية دون الكفارة على هذا الرأي، ولكن المتبادر من الآية الكريمة خلاف ذلك، والكفارة هي: عتق رقبة مؤمنة وذلك لأن الله - تبارك وتعالى ـ جعل العتق إحياء للنفس، إذ الرق إنما هو بمثابة العدم للشخص المبتلى به، إذ لا يملك من أمره شيئاً كما قال الله تبارك وتعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ (2)، فهو لا يستطيع أن يتصرف في أمر بحريته، فإذا أعتق كان عتقه إحياءً له، فلذلك جعل الله تعالى هذا الإحياء جزاء التسبب في موت تلك النفس التي أزهقها.
فإن تعذر عليه العتق بحيث لم يجد الرقبة فإنه ينتقل إلى الصيام، فيصوم شهرين متتابعين توبة من الله، والله تعالى أعلم.
خرج ذات يوم ولد صغير خلف أبيه فرآه والده ورده إلى داخل المنزل في غرفة وأغلق عليه الباب فخرج عنه ينوي الذهاب إلى العمل
(1) سورة النساء، الآية: 92. (2) سورة النحل، الآية: 75. (6/269)
صفحة 2649
270
الفتاوى
الجنائز - حوادث المركبات
بسيارته، عند لحظة ذهاب الأب عن ابنه أتى العامل وفتح للولد الباب، فذهب الولد يمسك بسيارة أبيه من الخلف، فرجع والده بالسيارة للخلف ظناً منه أن ابنه في البيت فدهس ابنه ومات، فيسأل هذا الأب الآن: ما الذي عليه تجاه الله، هل صوم أم كفارة أم صدقة أم ماذا؟ عليه دية ابنه يجمعها من عاقلته إلا أن يعفو عنها ورثته، وعليه عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، والله أعلم.
سائق سيارة انقلبت سيارته ومعه تسعة أفراد، وتوفي اثنان ودفع ديتهما في المحكمة هل عليه كفارة صيام أم لا؟
يلزمه أن يكفر عن القتل الخطأ إما بعتق رقبة عن كل قتيل إن وجدها، وإما بصوم شهرين متتابعين إن لم يجد الرقبة هذا إن كان متسبباً في الحادث بطريق الخطأ، وإن كان غير متلبس بسبب منه فما عليه من ذلك شيء، والله أعلم.
قتل رجل بطريق الخطأ وكان عنده أقارب من الأخ والولد وقد دفع القاتل دية إلى أخ المقتول دفعها عنه الحاكم وسلمت إلى أخ المقتول، ثم توفي أخ المقتول بعد استلامه الدية، والسؤال هل على القاتل صيام أو شيء من الحقوق؟
نعم، عليه الكفارة وهي عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، والله أعلم.
رجل صدم ولده بالسيارة، فماذا عليه من قبل الله تعالى، أيلزمه صيام أو دية لأمه؟
تجب عليه الدية لورثة المقتول إلا أن يعفوا وتجب عليه الكفارة وهي عتق
رقبة فإن لم يستطع فصيام شهرين متتابعين، والله أعلم. (6/270)
صفحة 2650
القسم الثاني
271
ما قول سماحتكم في امرأة كانت تقود سيارتها بسرعة مائة وستين كيلومتراً في الساعة وبصحبتها والدتها، فحصل لها حادث توفيت على إثره والدتها، فماذا يلزمها؟
عليها الدية والكفارة والتوبة إلى الله من هذا التهور الأرعن، والله أعلم.
دهست امرأة في حادث سير إذ لم أشاهدها أمامي وتوفيت، وقد دفعت الدية، فهل بقي عليّ شيء؟ والرجاء توضيح حالة إطعام ستين
مسكيناً.
لا إطعام في ذلك، وإنما عليك عتق رقبة فإن لم تجد فصيام شهرين متتابعين، والله أعلم.
ما حكم من تسبب في قتل شخصين بريئين في حادث سير غير متعمد، ولكنه كان نتيجة سرعة أثناء قيادة السيارة دون التمكن من السيطرة عليها قبل وقوع الحادث، علماً بأن المتسبب في القتل يعاني من مرض القرحة في المعدة ويتعبه الصوم المتواصل ويتعاطى الأدوية خلال النهار، بالإضافة إلى حكم عمله كخفير حراسة، نرجو من سماحتكم إرشاده إلى أفضل سبيل يمكنه من أداء حق الله تعالى عليه؟ الأصل في ذلك عتق رقبة عن كل قتيل خطأ للنص عليه في القرآن الكريم، فإن تمكن من الوصول إلى رقبتين فليعتقهما والله يتقبل منه، فإن لم يجد فعليه أن يصوم عن كل واحد شهرين متتابعين فإن لم يستطع الصيام في الحال بقي الصيام ديناً في ذمته إلى أن يمن الله عليه بالاستطاعة أو يهيئ له رقبة يعتقها، ولم يذكر الله في كتابه غير العتق والصيام، لذلك لم ير العلماء العدول عنهما إلى غيرهما، اللهم إلا عند الإمام الشافعي الذي (6/271)
صفحة 2651
272
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
رأى الانتقال عن الصيام عند العجز عنه إلى الإطعام، وقد ذكر هذا القول الإمام السالمي الله في جوهره، وهو قول بعض علمائنا المتقدمين منهم أبو المؤثر الله، وهذه الرخصة لا ينبغي الأخذ بها إلا في حال الضرورة القصوى، والله أعلم.
سير
رجل عقد على امرأة ولم يدخل عليها، ودفع لها مهراً وقدره ستة آلاف ريال عماني، وذهبت في صحبته مع بعض أهلها لشراء حاجيات الزفاف، وفي الطريق وهو يقود السيارة وقع عليهم حادث وأدى ذلك إلى وفاة الزوجة والتي لم يسبق لها الزواج من قبل، مع العلم بأن هذا الزوج يُشهد له من جميع أفراد البلدة بالتدين وحسن الخلق، كم يكون نصيب الزوج شرعاً من حيث المهر الذي دفعه ومن ميراث زوجته من حيث التركة والدية وراتبها التقاعدي حيث أنها تعمل معلمة بوزارة التربية والتعليم؟ وإن كان الزوج السيارة هو المتسبب فيه فهل ترون له الحق في الميراث؟
قائد
إن كانت ليس لها ولد فله النصف من ميراثها بعد إنفاذ الوصايا وقضاء الديون والصداق هو من تركتها فله نصفه كسائر التركة إن كان باقياً، وإن كان من الزوج في قيادة السيارة وأدى ذلك إلى موتها فعليه ديتها مع صيام شهرين متتابعين لعدم وجود الرقبة، وليس له من الميراث شيء، والله أعلم.
الخطأ
دهست بسيارتي أحد الأشخاص الأجانب بسرعة حوالي (60)
ذلك
كيلومتر، وقد حاولت بقدر المستطاع الحيلولة دون وقوع مما جعل السيارة تتوجه نحو الأشجار التي بجانب الشارع إلا أن المذكور رغم ذلك لم ينتبه وأصيب في رأسه مما أدى إلى وفاته في (6/272)
صفحة 2652
القسم الثاني
273
اليوم التالي، فماذا يلزمني من الحقوق الشرعية تجاه ذلك مع العلم بأن هذا الشخص غير مسلم وقد قامت شركة التأمين بدفع الدية له حسب القانون المتبع لدينا بالسلطنة؟
مع
عليك والله أعلم.
الدية كفارة وهي عتق رقبة، فإن لم تجد فصيام شهرين متتابعين،
عن رجل شاءت الأقدار له أن يعمل حادثاً مرورياً وتسبب ذلك في قتل شخصين خطأ، وبعد انتهاء كافة الإجراءات القانونية والأمنية والخاصة بالسجن وتسليم الدية لأهاليهما، فالسؤال الآن عن الكفارة التي تلزمه، فماذا يجب عليه شرعاً من جهة الكفارة وهو الصيام، فهل الكفارة عن شخص واحد أو عن كليهما؟ وإذا كان هذا الشخص لا يستطيع الصيام، فما يجب عليه وهل هناك بديل غير ذلك؟
تجب عليه كفارتان بعدد من تسبب في قتلهما وهي عتق رقبة عن كل واحد منهما فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ولا بديل عن ذلك، والله أعلم. أريد أن أعرف رأي سماحتكم في هذا الموضوع: لدي بنت عمرها ثلاث سنوات، وفي يوم من الأيام كنت ذاهبة إلى المستشفى وتركت البنات في منزل أهلي، وعندما رجعت أخذتهم في السيارة وذهبت إلى منزلي، وعندما وصلت إلى المنزل كانت الساعة الثالثة بعد الظهر، وأخذت إحدى البنات ودخلت المنزل وطلبت من الخادمة أن تقوم بإنزال باقي البنتين من السيارة، وذهبت لكي أقوم بإرضاع البنات وتنويمهم، وبعد أن انتهيت كانت الساعة قد شارفت الرابعة والربع عصراً تقريباً، ذهبتُ لكي أتفقد عن البنت حيث تعودت أن تجلس في تلك الفترة (6/273)
صفحة 2653
274
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
مع جدتها من الظهر حتى العصر، فسألت جدتها عنها فأجابت بأنها لم ترها، وعندما سألت الخادمة عنها أجابتني أيضاً بأنها لم ترها، وأنها وجدت البنت الأخرى التي كانت في السيارة وجدتها بجانب السيارة وأن باب السيارة كان مغلقاً، وعندما لم أجدها أسرعت إلى السيارة فوجدتها داخلها حيث تركتها وقد فارقت الحياة. هذه قصتي وأريد أن أعرف رأي سماحتكم من حيث إذا كان عليّ شيء أفعله حيث أنني لم أقصد أن أقتل ابنتي وأن الأمر حدث مثلما كتبت تماماً، فهل أتحمل ذنب موت ابنتي؟ وهل علي كفارة أو أي شيء آخر؟
إن تنازل ورثتها عن الدية فحسن، ولكن تبقى الكفارة وهى عتق رقبة فإن لم تجديها فصيام شهرين متتابعين هذا إن كانت ماتت بسبب إهمالك إياها، والله أعلم.
رجل وقع عليه حادث سير منذ سنوات وأدى إلى وفاة أمه وابن أخيه وقد ثبت من تخطيط الحادث أن الخطأ على السائق الآخر، فهل يلزم هذا الرجل شيء؟
إن لم يكن منه سبب فلا شيء عليه، والله أعلم.
بينما كنت أقود سيارتي شاءت الأقدار أن أنام وأصطدم بجمل، وكان معي في السيارة أُم أولادي وإحدى بناتي، فتوفيت زوجتي وكانت حامل في شهرها السادس، وأنا والبنت لم نصب بأذى كبير، ماذا يلزمني شرعاً عن وفاة زوجتي. وما حكم الجنين الذي في بطنها؟ وهل عليّ شيء تجاه ابني؟ تلزمك دية زوجتك إلا إن عفا ورثتها، وعليك كفارة القتل الخطأ وهي عتق رقبة فإن لم تجد فصيام شهرين متتابعين، وأما الجنين فما لم ينفصل عن أمه فحكمه حكمها؛ أي: لا يترتب عليه بنفسه شيء، والله أعلم. (6/274)
صفحة 2654
القسم الثاني
275
هل على القاتل خطأ أن يكفر بالصيام قبل الدية؟
لا فرق بينهما سواء قدّم الصيام أو الدية أو في أثناء الصيام أدى الدية كل ذلك جائز، والله أعلم.
نعم،
رجل وقع له حادث وكان معه أربعة أشخاص توفوا جميعاً، فهل
يكفر عن كل واحد منهم؟
لأن الله تعالى ناط الكفارة بقتل النفس والله أعلم.
وهل تجب الكفارة إذا كانوا أطفالاً صغاراً؟
الأطفال أليسوا أنفساً؟ أليست حياتهم غالية؟ والنص لم يقيد الكفارة بقتل الكبار، وأما من حيث وصف الإيمان الذي نيط به حكم الكفارة فإن الأطفال تبع لآبائهم في حكمه، والله أعلم.
رجل كان يقود سيارته ووقع له حادث وتوفي معه شخص، وتوفي في السيارة الثانية رجل وامرأة وكانا في حالة سكر، أما هو فكان سليماً، يسأل الآن وهو يستقبل في هذا اليوم رمضان كيف يكون صيامه هل له لأن عليه كفارة صيام شهرين فإذا لم يستطع أن يصوم هل
يصح
يتصدق؟
الكفارة لا يسقطها أن يكون مستقبلاً لشهر رمضان فإن كان الخطأ منه فإن الكفارة تكون واجبة عليه بسبب قتل نفس مؤمنة أو معاهدة، وهذه الكفارة بينها القرآن بأنها عتق رقبة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ولم يذكر إطعاماً، فبعد صيامه رمضان عليه أن يصوم هذين الشهرين في الوقت الذي يناسبه. وإذا لم يستطع الصيام فمن العلماء من يقول بأنه يطعم ستين (6/275)
صفحة 2655
276 الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
مسكيناً، ولكن لم يأت نص بذلك، ونحن نقول مع تعذر العتق والصيام معاً فإن الإطعام خير له من ترك العتق والصيام والإطعام جميعاً، والله أعلم.
رجل كان يقود سيارة فتعطلت مما تسبب في وقوعها وفقد السائق زوجه وأطفاله وأخته وأُم زوجته، فهل تجب الكفارة عليه عن كل
شخص مع العلم أن زوجته كانت حاملاً في شهرها التاسع؟
الذي نذهب إليه وهو الذي عوّل عليه العلماء في مجمع الفقه الإسلامي أن الكفارة تجب بعدد الأشخاص الذين توفوا بطريق قتل الخطأ كما في هذه الصورة، وعليه أن ينفذها بقدر وسعه فإن استطاع أن ينفذ ذلك في عام فلينفذه في عام وإن لم يستطع إلا أن ينفذ كفارة في كل عام فليفعل ذلك، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها، والله تعالى أعلم.
العاقلة
ما قولكم في نظام العاقلة وهل يمكن إجراؤه في هذا الوقت؟ وهل هناك بدائل مماثلة له؟
نظام العاقلة غير مقيد بزمن دون آخر فهو صالح لكل زمان ويمكن أن تحل محله صناديق التعاون، والله أعلم.
من تسبب في حادث فأدى إلى وفاة بعض الأشخاص، ما حكم التبرع
له بالدية؟
الأصل في الدية التي تجب بقتل الخطأ أنها تجب على عاقلة القاتل، وهذا مع وجود العاقلة، أما إن لم توجد العاقلة فلا حرج في هذه الحالة أن يقوم (6/276)
صفحة 2656
القسم الثاني
277
الآخرون بالتبرع له، وكذلك حتى مع وجود العاقلة، إن تمادت العاقلة ولم تقم بهذا الأمر الواجب عليها فلا حرج على الآخرين إن تحملوا تبعة هذا
الأمر، والله أعلم.
فتاوى عامة
من توفي على إثر دهس، هل يعتبر شهيداً؟
نعم، إن كان لم يرتكب شيئاً من المخالفات، وإنما كان حريصاً على الخير مسارعاً إليه وأصيب بمثل هذا فيعد من الشهداء أما الذين يسوقون سيارتهم بطريقة جنونية وهم يتسارعون إلى الموت بإصرار منهم فهم قاتلون لأنفسهم ولغيرهم ولا يعدون من الشهداء وإنما سباقهم هذا إلى جهنم، والعياذ بالله.
امرأة حامل في الشهر السابع ووقعت عليها حادثة سيارة وتوفت إلى رحمة الله تعالى ودفعت لها ديّة من قبل الذي تسبب في الحادث، ما هو القول على الذي في بطنها هل يحق له دية أم لا؟ دية الجنين دية أُمه ما لم ينفصل عنها قبل موتها والله أعلم. (6/277)
صفحة 2657
[صفحة فارغة] (6/278)
صفحة 2658
الفهرس
المقدمة.
آداب المحتضر.
تلقين الميت.
كيفية التلقين.
التلقين هل يشمل المسلم والكافر.
حكم تلقين الصبي.
القسم الأول فتاوى الجنائز
تلقين المرأة للرجل وتلقين الرجل للمرأة.
أمر المحتضر بقول لا إله إلَّا الله ..
عدم نطق الشهادين هل دليل على الهلاك.
حكم قراءة سورة يس عند المحتضر.
تغطية الميت.
تعجيل دفن الميت .. (6/279)
صفحة 2659
الفتاوى
الجنائز - حوادث المركبات
280
علامات موت الميت.
تشريح الميت لمعرفة وفاته.
غسل الميت.
إلقاء نظرة الوداع على الميت قبل غسله ..
شروط المكان الذي يغسل فيه الميت .. توجيه الميت أثناء الغسل
حكم التغسيل.
من له الحق في اختيار المغسل
الأولى بتغسيل الميت ..
تقدم لغسل الميت من لم يؤذن له.
كيفية غسل الميت.
لفظ تغسيل الميت والدعاء عليه ..
غسل المرأة للرجل وغسل الرجل للمرأة.
حكم تغسيل صاحب الحدث للميت
غسل المسلم للكافر.
حضور
النساء غسل الميت.
العدد الذي يغسل به الميت.
كيفية غسل الجماعة للميت.
وضع القفازين أو الخرق للمغسل ..
كشف وجه الميت للنظر إليه وتقبيله.
النظر إلى عورة الميت.
النظر إلى وجه الميت هل يذهب البصر؟ (6/280)
صفحة 2660
القسم الثاني
نزع المعادن التي تكون بالميت. إزالة أصباغ المرأة الميتة. إخراج الجنين من أُمه الميتة ..
فك ظفائر شعر المرأة قبل التغسيل
استخدام المنظفات الصناعية في التغسيل
كيفية تغسيل من يتعذر غسله.
مشروعية غسل عضو من أعضاء الميت دون جسده.
الإكثار من العطر عند التغسيل
الحكمة من الطيب ..
الغُسْل من غُسل الميت.
غسل الميت إذا لم ينقطع عنه الدم. غسل من أفاق ثم مات.
حكم أخذ الأجرة على تغسيل الميت.
الكفن
عدد
الأثواب المستخدمة في التكفين
الكفن بالثياب البيض.
مشروعية استخدام القطن والمحارم الورقية ..
خروج النجاسة من الميت أثناء التكفين وبعده.
مشروعية تبخير الميت.
تسجية الميت ..
صفة تكفين الميت.
صفة تكفين الشهيد (6/281)
صفحة 2661
الفتاوى
الجنائز - حوادث المركبات
تشييع الجنازة وحملها.
تزيين وتغطية الجنازة بآيات قرآنية وغيرها.
السُّنَّة
في حمل الجنازة ..
الذكر أثناء حمل الجنازة.
حكم تقدم الجنازة ..
الأفضل حمل الجنازة على الأكتاف أم على السيارة ..
الإسراع في حمل الجنازة.
إتباع المرأة للجنائز.
الصلاة على الميت
حكم الصلاة على الميت.
كيفية وضع الميت عند الصلاة عليه ..
صفة وقوف الإمام عند الصلاة.
صفة الصلاة على الميت.
عدد تكابير صلاة الجنازة
اللفظ الصحيح في التوجيه.
الدعاء للميت.
الأولى بالصلاة على الميت.
الأوقات التي تحرم فيها الصلاة على الجنازة.
إذا حضرت مكتوبة مع جنازة فأيهما يقدّم.
حكم صلاة المراة على الميت.
مشروعية الاستدراك في الجنائز (6/282)
صفحة 2662
القسم الثاني
كيفية الاستدراك.
جواز الصلاة بالنعال
صحة ما ذكره بعض أهل العلم من استحباب صف المأمومين ثلاثة صفوف ..
صفة الصلاة على الأموات عند تعددهم.
حكم الصلاة على الغائب.
حكم الصلاة على العصاة.
حكم الصلاة على الطفل والسقط.
الصلاة على من مات وعليه دين.
دفن الميت من غير صلاة.
حكم الصلاة على الميت في المسجد الحكمة من كون صلاة الميت أربع تكبيرات ...
الصلاة على الأجنبي.
الدفن.
العمق المناسب للدفن وحكم
اللحد
والشق.
صفة دفن الميت وإدخاله في قبره.
الأولى بإنزال الميت في قبره.
دعاء دفن الميت.
مشروعية كشف وجه الميت بعد وضعه في القبر
الأولى لحاضري الدفن القيام أم القعود.
تغطية الميت بشيء من الثياب بعد وضعه في القبر.
مشروعية وضع حائل على الميت قبل إهالة التراب عليه ..
حكم التوحيش ورش الماء على القبر. (6/283)
صفحة 2663
الفتاوى
الجنائز - حوادث المركبات
حكم قراءة القرآن قبل الدفن وبعده.
مشروعية تلقين الميت الشهادتين بعد دفنه ..
حكم وعظ الناس بعد الدفن.
حكم النزول إلى القبر بالنعال
حكم دفن الأموات في قبور منحرفة.
نقل الميت من بلد إلى آخر. حكم دفن الميت ليلاً.
حكم دفن المشرك في بلاد المسلمين
حكم الوصية بالدفن في مكان معين. مقدار المسافة التي تكون بين القبور حكم تجصيص القبور وتعليمها. دفن الميت في البحر
ما يفعل بالميت عند تعذر دفنه ..
دفن الميت في غير المقابر
حكم شراء الموضع الذي يقبر فيه الإنسان ..
حكم دفن أموات .. الحيوانات ...
فتاوى عامة.
زيارة القبور وأحكام المقابر
حكم زيارة القبور.
حكم زيارة النساء للقبور.
آداب زيارة القبور ..
كيف تكون تحية المقابر. (6/284)
صفحة 2664
القسم الثاني
أوقات زيارة القبور.
قراءة القرآن على القبر.
زيارة المسلم لقبور الكفار.
بناء المغسلة والمصلى في المقبرة. حكم المشي على المقابر.
حكم اتخاذ المقبرة طريقاً.
حد حريم المقبرة.
حكم البناء على القبور.
حكم نبش القبور.
حكم مرور أسلاك الكهرباء فوق المقبرة ..
حكم تحويل أرض إلى مقبرة ..
حكم إزالة أشجار من مقبرة ..
حكم الانتفاع من أشجار المقبرة.
حكم الانتفاع من بقعة يشك وجود قبر بها.
حكم قطع شجرة بجوار ضريح يقصده الناس.
فتاوى عامة.
العزاء.
ما جاء من تأثر الميت ببكاء أهله.
ألفاظ التعزية ..
حكم إقامة العزاء في المساجد
مدة العزاء.
حكم التعزية بعد ثلاثة أيام .. (6/285)
صفحة 2665
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
حكم التعزية أكثر من مرة، وحكم الحضور في العزاء والبقاء فيه.
حكم السفر للتعزية ..
سفر المرأة للتعزية ..
حكم القيام عند استقبال المعزين
حكم إقامة الولائم في أيام العزاء وتقديم الطعام للمعزين.
الوصية بإطعام المعزين.
حكم الأكل من الطعام المقدّم في العزاء.
من أقسم عليه بالأكل من ولائم العزاء.
السُّنَّة المتبعة في العزاء.
ما يجب على أهل العزاء فعله.
صفة العزاء المباح ..
حكم إطعام الملازمين للعزاء.
حكم الذبح عن الميت بعد وفاته أو بعد العزاء.
حكم الأكل من الولائم المتبرع بها في العزاء وهل يؤجر المتبرع ..
حكم ترك النساء الطيب بعد ثلاثة أيام ..
حكم قراءة القرآن أثناء العزاء.
ما يصل الميت من ثواب بعد وفاته.
حكم
التأجير بقراءة القرآن عن الميت.
وعظ الناس وقت العزاء.
حكم التعزية في الصحف والمجلات
فضل التعزية.
تعزية أهل العاصي.
حكم النياحة .. (6/286)
صفحة 2666
القسم الثاني
بدع العزاء ..
العدة.
مشروعية عقد عدة الوفاة.
كيفية عدة المرأة إذا علمت بوفاة زوجها وهي في الحج.
ما يجوز وما لا يجوز للمعتدّة فعله في أثناء العدة.
عدة الحامل
متى تدخل المرأة في العدة.
مكوث المرأة في بيتها للعدّة وموجب انتقالها منه.
عدة المرأة في غير بيتها.
حكم العدّة ..
مدة العدّة الشرعية.
حكم اغتسال المرأة بعد خروجها من العدّة.
تطييب المعتدّة الميتة.
عدة المرأة التي لم يدخل عليها زوجها ..
حكم إقامة الولائم بعد خروج المعتدة من عدّتها.
فتاوى عامة.
القسم الثاني
حوادث المركبات
ضوابط قيادة المركبات
حكم الالتزام بقواعد السير.
مخالفة قواعد السير. (6/287)
صفحة 2667
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
حكم تعدي السرعات المحددة.
حوادث السيارات بسبب الإهمال.
حوادث السيارات بسبب الآخرين ...
حوادث السيارات بسبب الظروف الخارجية.
الحوادث بسبب الاشتراك.
حوادث السيارات
بسبب
الانقلاب.
الاصطدام ..
حوادث السيارات بسبب
حوادث السيارات بسبب النوم والاشتغال عن الطريق.
حوادث السيارات بسبب شرب الخمر.
حكم ما تسببه الحيوانات من حوادث.
الضمان في حوادث السيارات.
تحمل الأضرار الواقعة على السيارات ..
ما يترتب على تقدير الأخطاء الواقعة في حوادث السيارات ...
حكم التعويضات التي تدفعها شركات التأمين.
موت أحد الورثة في الحوادث
حكم التهاون في إسعاف الآخرين ..
حكم سباق السيارات.
كفارة قتل الخطأ في حوادث السيارات.
العاقلة.
فتاوى عامة. (6/288)