صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: فقه - عمارة إسلامية
------------------------------------------
العنوان: القسمة وأصول الأرضين كتاب في فقه العمارة الإسلامية
المؤلف: أحمد بن محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي أبو العباس
تحقيق وتعليق وتقديم: بكير بن محمد الشيخ بالحاج - محمد بن صالح ناصر
تقديم: مهني بن عمر التيواجني
الناشر: جمعية التراث
مكان النشر: القرارة - غرداية - الجزائر
تاريخ النشر: 1418ه/ 1997م
الطبعة: 2 (مزيدة ومنقحة)
أصله: مخطوط
ردمك: 9961-908-27-9
الإيداع القانوني: 97/1048
الكلمات الدالة: العمارة الإسلامية، فقه العمارة الإسلامية، العمارة في الإسلام، قسمة الأراضين
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=147&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/456
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 10 شعبان 1446ه/ 09 - شهر 02 - 2025م. القسمة وَأصُولُ الأَرَضِين
كتَابٌ فِي فِقه العمارة الإسلامية
تأليف
الشيخ أبي العباس أحمد بن محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي
تحقيق وتعليق وتقديم
الشيخ بكير بن محمد الشيخ بلحاج
الدكتور محمد صالح ناصر
الطبعة الثانية مزيدة ومنقحة
نشر جمعية التراث -القرارة- (1/1)
صفحة 2
القسمة
وأصول الأرضين
كِتابٌ فِي فِقهِ العِمَارَةِ الإسلامِيَّةِ
تأليف
الشيخ أبي العباس أحمد بن محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي
المتوفى عام 504 هـ / 1110 م
تحقيق وتعليق وتقديم
الشيخ بكير بن محمد الشيخ بلعاج الدكتور محمد بن صالح ناصر
جمعية التراث - القرارة - غرداية ـ الجزائر (1/2)
صفحة 3
الطبعة الثانية مزيدة ومنقحة
1418 هـ / 1997 م
المطبعة العربية 11 نهج طالبي أحمد - غرداية
ردمك: 9 - 27 - 908 - 9961:. LS.B.N
الايداع القانوني رقم: 1048 - 97
جمعية التراث، ص. ب. 19
القرارة - غرداية (1/3)
صفحة 4
مقدمة العليمة الثانية
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وتتنزّل البركات، والصلاة والسلام على خيرة خلق الله: محمد بن عبد الله، وَعَلَى آلِهِ وصحبه الأئمة الهداة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد فأقدم للقراء الكرام هَذَا الكتاب القيم - كِتَاب» القِسْمَة وَأُصُول الأرضِين» في طبعته الثانية - باكورة أقتحم بها ميدان تحقيق المخطوطات، وجهدا متواضعا أساهم به في إخراج بعض المؤلفات إلى عالم المطبوعات، ولبنة في صرح التراث الإسلامي.
ومع
وقد اقتضت مني قراءة الكتاب وتحقيقه مُدَّة ليست بالقصيرة، ذقت خلالها معاناة إيضاح ما استعجم منه من العبارات، وما استغلق من الكلمات التي أصابها التصحيف والتحريف، وقد بذلت جهدي في سبيل إيضاح ما ظننت أنَّه بحاجة إلى ذلك بعد مراجعة النسخ الخطيئة، ة، ومقابلة بعضها ببعض، والرجوع إلى المعاجم اللغوية، فوضعت جملة من التعاليق لَعَلَّها تفيد القراء الكرام، وبعد كلّ هَذَا أعترف بالقصور في عملي هذا، الذي هو عمل مبتدئ في هذا الميدان الذي قلما يسلم فيه إنسان من زلة قدم، وخطا في الفهم. ذا أُقر بالتقصير لِكُلِّ ثبت فاضل تحرير وَهَذَا الكِتاب ليس مؤلفا في فقه العمارة الإسلامية فحسب، وَلَكِنه مرآة حضارة الخير أمة أخرجت للناس، ابتغت فيما آتاها الله الدار الآخرة، ولم تنس نصيبها من الدنيا، أيقنت أَنَّ الله أنشأ البشر من الأَرض واستعمرهم فيها ليبلوهم أيهم أحسن عملا، وَأَنَّ الأرض يرثها عباد الله الصالحون فأكلوا من الطيبات، وعملوا الصالحات، وأقاموا حياتهم كلها عَلَى نهج الله وحدود شريعته، فلم تكن خيرات الأرض نهبا واغتصابا، ولكنها تؤخذ من حيث أحل الله، وتسخر وتسخر فيما أحب الله، وأن ليس للإنسان في أخراه إلا ما سعى، وفي دنياه بعد سعيه إلا ما قسم الله.
وَعَلَى ضوء هَذَا التَّصَوُّر الدقيق المستنير بكتاب الله وهدي رَسُول الله أقاموا فقههم وسلوكهم وعلاقاتهم وأحكامهم مهما كانت أحوالهم. وستقرأ بعون الله في هَذَا الكِتاب كيف تكون الشركة بين الناس، وفيم يشتركون،
وكيف يقتسمون الحقوق والواجبات بمنتهى النزاهة فيما قل منها أو كثر.
- 5 - (1/5)
صفحة 5
وَإِنَّهُ لَمِمَّا يملوك إعجابا أن تقرأ خلال مبحث الطرق ـ مثلا. ما يعتبر مبادئ
+
لقانون المرور وأولوياته قبل اختراع السيارات؛ وكيف تقسم المياه ولو كانت من نهر دائم الجريان، كيف تؤخذ منه، وكم يجوز منها، وما ينبغي أن يصنع بذلك الماء عند السقي به أو عند صرفه عن الأرض المسقية. وستجد في الكتاب أبوابا وفصولا عن الحريم في مختلف المجالات: حريم الأغصان والعروق، حريم السواقي والمماصل والعيون والآبار والأنهار والبحار والدور والأسوار والمساجد والمقابر.
وَإنَّكَ لتعجب ولا ينقضي عجبك من ورعهم واجتنابهم مضار الآخرين ولو بأيسر مَضَرَّةً، فتراهم يمنعون الميزاب أن يُرفع فوق موضعه الأَوَّل لِئَلا تزداد مضرته، ويمنعون الباب أن يحول من موضعه حتى لا يكون في ذَلِكَ اطّلاع على عورات الجار، ويتورعون عن الأنقاض أن ينتفع بها وما دون ذلِكَ. وستقرأ بحول الله فصولا عن المضرات كيف تثبت أو تنزع؛ وعن نظام الغراسة،
وإحياء الموات، وعن أحكام المشاع وسيرة السلف فيه، إلى غير ذلكَ ... هَذَا وَفي ختام هذه العجالة لا يفوتني أن أقدم أخلص عبارات الشكر للأخ الكريم الأستاذ الضامري، صاحب مكتبة «الضامري للنشر والتوزيع في سلطنة عُمان، الذي تفضل بالطبعة الأولى لهذا الكتاب عام 1414 هـ / 1993 م، غير أني أجدني مضطراً لتسجيل كلمة اعتذار للقراء الكرام عَمَّا لحق الطبعة من أخطاء في الرسم، ووضع بعض التعاليق في غير مواضعها، وحذف لبعض الفقرات؛ والله الأمر من قبل ومن بعد، والعذر عند كرام الناس مقبول.
ويرحم
الله امراً قرأ الكتاب ونظر فيه بعدله، ودعا لي ولكافة العاملين في هذا بالتوفيق، وتفضل عليَّ بملاحظاته، وله مني سلفا جزيل الشكر. والحمد لله انا واحنا
هي هي
??? ?
الحقل
- 6 -
بكير بن محمد الشيخ بالكاج
القرارة بتاريخ: 23 جمادى الثانية 1418 هـ
25 أكتوبر 1997 م (1/6)
صفحة 6
تقديم
بقلم الأستاذ مهنى بن عمر التيواجني ()
لقد اقتصرت الدراسات المعاصرة المتعلقة بالفكر الإباضي ـ في جملتها وإلى حد اليوم - على المواضيع التحقيقية والتاريخية، أو تحقيق بعض المؤلفات الفقهية، إلا أنَّ جانبا مهما من هَذَا الإنتاج الفكري لم ينشر بعد، في وقت نحن في أشد الحاجة إليه للمساهمة في بعث المشروع الحضاري الإسلامي على كل الواجهات، منطلقين مما أنتجه السلف بتوفيقهم بين التجربة الإنسانية والشرع الإسلامي، نصوصا وقواعد عامة، ومقاصد شرعية، وبتعبير آخر ـــ إن صع ـــ الفكر الإسلامي العملي في حقل المدنية والعمران.
والكتاب الذي أقدمه " أصول الأرضين لأبي العباس أحمد بن محمد بن بكر الفرسطائي، واحد من مؤلفات قيمة، تأخر بعثها ونفض الغبار عنها، حتى تشرف الدكتور ناصر محمد مع صديقه وأستاذي ذات يوم: الشيخ بلحاج بكير (با شعادل) بخدمة هَذَا الكتاب، وأقدَمَا عَلَى تحمل عبء تحقيقه ونشره.
ومن باب الخلق الإسلامي أن أعترف بالجميل والفضل لصاحبي العمل على ما بذلاه من جهد في تحقيق الكتاب، وما لقياه من عناء في التعريف بكنز ثمين من تراثنا العريق، طالما جهله - ولأسباب عدة - البحاثون العرب المسلمون، بل لم يسمع به كثير من أبناء المذهب على جلالة قدره وعظيم فائدته.
والحق أقول: إن تحقيق مؤلّف يرجع إلى القرن الخامس الهجري ليس أقل صعوبة من إعادة ترميم أثر تاريخي أثر فيه يد الزمن وتوالي الأحداث الجسام ... من هنا
-
أستاذ الفقه بمعهد القضاء الشرعي بسلطنة عمان.
- 7 - (1/7)
صفحة 7
كان عمل الرجلين عظيما، يستحق كل تقدير وعرفان بالجميل؛ لقد أرهقتهما قراءة المخطوطات البالية، وحققوا النص المرَّة تلو الأخرى، وأعادا القراءة والمقارنة بين النصوص كلّما بلغتهما نسخة جديدة، ساعيين إلى إزالة إشكال أو رفع غموض عن لفظة أو تعبير، ليتيسر لهما إعادة بناء النص أقرب ما يكون للأصل الذي تركه صاحبه عليه، بعد أن تصرفت فيه أيدي النساخ بالتحريف والتبديل. لقد اجتهد الرجلان في عرض النص مبوَّباً، مرتباً بحسب فصوله ومسائله، مقسما إلى فقرات بحسب المعاني والأفكار، مع كلّ ما يُيسّر على القارئ الاستفادة من الكتاب بضبط الفواصل والنقاط وعلامات الاستفهام ونحوها، وشرح غموض التعبير والألفاظ ... وبالجملة فقد حاولا - ما استطاعا ـ أن يزيلا عن القارئ كل ما يمنعه من الإقبال على دراسة كتب التراث من صعاب وعقبات.
وإلى جانب عناية الرجلين بالكتاب، ظهر الجهد في التعريف بصاحب الكتاب، وهو عمل لا يقل قيمة عن تحقيق المؤلّف ونشره، فأبو العباس أحمد قد أغفلته كتب التراجم العامة في تراثنا الإسلامي، إلا أنَّ الدكتور محمد ناصر استطاع بما حصل عليه من مادة - على قلتها - أن يقدّم لنا ترجمة كافية لإعطاء أبي العباس المكانة التي يستحقها بين علماء الإسلام ورجاله، فأبرزت الترجمة ما يتعلق بحياته الشخصية، وما بذله من جهد في الميدان السياسي والاجتماعي للجماعة الإباضيَّة في القرن الخامس الهجري، إضافة إلى أعماله الفكرية، فهو فقيه موسوعي، كتب في أغراض الفقه كلها، في فترة النضج من حياته، بعد أن اكتسب المعرفة والتجربة الكافيتين. وسيجد القارئ الكريم ما يغنيه عما أقول. وكتاب أصول الأرضين لأبي العباس أحمد الفرسطائي جدير بأن يُحقق وأن ينشر، لأنَّه من المؤلفات القليلة التي عالجت بتوسع موضوع الأموال وقسمتها وَهُوَ أيضا من الأعمال النادرة في موضوع العمارة من وجهة النظر الإسلامية. ويبدو لي أنَّ فضل أبي العباس يتمثل في تحرير هذه المواضيع من التبعية لفقه المعاملات، وجعله يستقل بنفسه حين بسط فيه الحديث عن الأموال وأقسامها وكيفية قسمة كل نوع،
- 8 - (1/8)
صفحة 8
وتعرض لِكُلِّ جوانب العمارة وإصلاح الأرض، ودور الإنسان فيها، وما يتعلق بِكُلِّ ذلك من أحكام، أي ما يجوز فعله وما لا يجوز، مِمَّا يمنع التنازع بين الناس. و كتاب أصول الأرضين ثري بالمعلومات عن العمارة الإسلامية التي عرفتها البيئة الإباضية في القرن الخامس وما قبله، فتحدَّث فيه صاحبه عن القصر “ - نمط خاص للعمارة البربرية في الخط الجنوبي لشمال إفريقيا ـ ما يزال طابعها الخاص قائما إلى الآن، وما زالت هَذِهِ الكلمة تطلق عَلَى كثير من القرى المنتشرة في المنطقة، فللقصر معنى خاص عند أهلها. ثمَّ نجد أبا العباس أحمد يتحدث عن الشارع والزقاق والسكة ... مميزاً بينها، ويذكر الغرف والبيوت والفنادق، والمسجد والقنطرة والجسر والزروب ... فيحدد مراده من كل ذلك؛ ثمَّ يُبَيِّنُ ما يتعلق بها من حقوق وأحكام، معتمداً في ذلك القواعد الشرعية من قبيل: «لا ضرر ولاضرار في الإسلام»، و «الضرر يزال»، و «دفع المضرة مقدم على جلب المصلحة»، و «مصلحة الجماعة مقدَّمة على مصلحة الفرد عند التعارض»، و «مبدأ سد الذريعة»، و «الوسائل تأخد حكم المقاصد» ... وغيرها من القواعد التي اتخذها أبو العباس أصولاً لأحكام الأموال وعمارة الأرض. صحيح أنه لم يصرح بهذه الأصول إلا أنها ظاهرة لمن أراد أن يستنطق النص.
إنَّ كتاب أصول الأرضين نبع ثر يمكن أن يستفيد منه المهندس المسلم في معرفة الأصول الفنية للعمارة الإسلامية، وهو يهم القاضي في معرفة الأصول التي يحكم بها في المنازعات المتعلّقة بقضايا الأموال، واستعمال الطرق وإنشائها،
ومعرفة حريم البناء، وحقوق الأجوار وأهل البلدة، في استعمال المرافق ...
والكتاب وثيقة مهمة لدراسة المستوى الحضاري للجماعة التي ينتمي إليها صاحب الكتاب. وتحليل لغة الكتاب ودراستها يقودنا إلى الكشف عن مستوى اللغة العربية في القرن الخامس الهجري، في بيئة يتكلم أهلها اللغة البربرية الأمازيغية، في حين كانت العربية لغة الإدارة والعلم فقط. وَهَذَا الأمر يهم إلى حد بعيد المختصين بالألسنيّة، وبظاهرة تعريب بربر المنطقة، وهي ظاهرة غريبة لم تدرس بعد.
9 - (1/9)
صفحة 9
وسيلاحظ القارئ الكريم شيئًا من الركاكة في التعبير، والكثير من المصطلحات والكلمات ذات المعنى الخاص المفهوم من خلال السياق، وما ذلك إلا نتيجة لازدواجية اللسان والتأثر والتأثير بين اللغتين العربيَّة الوافدة والبربرية الأصيلة. كل هذا يساعد عَلَى دراسة مجتمع شمال إفريقيا في ذلك العصر، بقطع النظر عن كون هَذَا الضعف اللغوي من المؤلّف نفسه، وَهُوَ أمر مستبعد، أو ممن أملى عليهم المؤلّف كتابه، وهو الأمر الذي ربَّحه المحققان لمبررات معقولة ذكراها.
-
ومن ملاحظاتي على كتاب أصول الأرضين وهي ملاحظات سيدركها كل من تعامل مع الفكر الإباضي - الشبه الكبير بينه وبين كتاب ”ديوان الغار“ أو ديوان غار أبجماج - وَهُوَ لا يزال مخطوطا - من حيث اللغة والأسلوب إذا
استثنينا التراكيب الضعيفة في أصول الأرضين. ولعل أبا العباس أحمد كان أحد مؤلفي تلك الموسوعة الفقهيَّة التي اشترك في تأليفها سبعة من علماء الإباضية في جزيرة جربة، في القرن الخامس نفسه؛ ثم توسع في موضوعي الأموال وعمارة الأرض، وفصل الحديث فيهما لحاجة الناس إلى ذلك. أما مشاركته في "ديوان العَزَّابَة فأمر أكدته المصادر التاريخية باعتباره أحد أعلام الإباضية آنئذ.
ودون أن أطيل، فإني أعطي الفرصة للقراء أن يكتشفوا بأنفسهم نفاسة هذا الكتاب، وليدرك الباحثون أهمية دراسته على مستويات عدة، وخاصة في أصول العمارة الإسلاميَّة، وما يميز فيها بين حقوق الناس وواجباتهم بما يوفر الاستقرار لهم، وبما يثري الفكر الإسلامي ليساهم في الإنتاج الفكري الإنساني على كل مستوياته. وفي ختام كلمتي أجدد شكري لصاحبي العمل، وأرجو من الله أن يتقبل عملهما، وأن ينفع به الناس، إنه ولي التوفيق.
مسقط في 18 ذي القعدة 1413 هـ
9 مايو 1993 م
- 10 - (1/10)
صفحة 10
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
التعريف بكتاب القسمة وأصول الأرضين
طالما سمعنا
ومكانته
من مشايخنا يتحدثون عن هَذَا الكتاب القيم، ويستشهدون به عندما تطرح بين أيديهم قضية تتعلق بالنزاعات التي يكون سببها مال الدنيا، إما في القسمة بين الشركاء، وإما في الحقوق بين المتجاورين حتى غدت شهرة هَذَا الكتاب أكثر من شهرة المؤلّف نفسه، فقد تسأل أحدهم عن مؤلف كتاب "أصول الأرضين فيجيبك إني سمعت بالكتاب، ولكني أجهل كل شيء عن مؤلفه. وكان الاهتمام بالتراث الفكري الإباضي من أوَّل اهتمامات جمعية التراث التي وفقنا الله إلى تأسيسها والعمل في إطارها، وجاء الحديث مرة أخرى في إحدى هذا المخطوط النفيس، وهنا عزمت على البحث عنه وجعله ضمن اهتمامات الجمعية دراسة أو نشراً، وكانت النية بعد الاطلاع على نسختين منه الاكتفاء بكتابة بحث يعرف بهذا المخطوط ويُبينه للباحثين والمحققين. وتمَّت الدراسة فعلاً؛ ولكني رأيتها لا تجدي نفعاً إن لم ترفق بالمخطوط نفسه، حتى يطلع القرّاء على ما فيه من علم يفيدهم دنيا وآخرة إن شاء الله.
المناسبات عن
وعرضت أمر تحقيق المتن على صديقي الأستاذ: الشيخ بلحاج بكير (باشعادل) الأستاذ بمعهد الحياة الثانوي بالقرارة، وقد عهدت منه الدقة والحرص والجدية، فقبل العرض مشكورا، وبدأنا العمل المشترك في الميدان.
- 11 - (1/11)
صفحة 11
وحصلنا على أربع نسخ من المخطوط من مكتبات وادي ميزاب، تعود أقدمها
إلى سنة 1294 هـ. وهي ملك لمكتبة الشيخ بلحاج بن كاسي من مدينة القرارة، وهي التي رمزنا إليها بحرف (ش) وظل التحقيق متواصلا مدة سنتين أو تزيد قليلا.
وبدأ العمل بقراءة المخطوط ومحاولة إعادة ترقيمه بوضع الفواصل والنقط والفقرات والجمل، ونقط الاستفهام وغير ذلك مما يساعد القارئ الحديث على تفهم محتويات الكتاب، وسلّمناه للراقن ليعيد كتابته بالآلة الكاتبة حتى يسهل على المحقق عمله، فقد لاحظنا أنَّ النسخة المشار إليها رديئة الخط جدا، متداخلة الجمل،
كثيرة التشطيب.
ومن حسن الحظ أو. من توفيق الله أن حصلنا بعد مدة على نسخة ثانية من مكتبة السيد الحاج سعيد محمد بن أيوب الغرداوي. وهي ملك للسيد تزقاغين من بني يسجن، ويعود تاريخ نسخها إلى سنة 1295 هـ أي الفارق بينها وبين نسخة الشيخ بلحاج سنة واحدة فقط. وتمتاز بخط واضح، وهي لا تختلف في شيء
بلدة
من حيث المضمون عن سابقتها. وقد رمزنا إليها بحرف (ت).
وأثناء التحقيق عثرنا على نسختين أخريين: إحداهما في مكتبة آل أبي امحمد في بني يسجن، ويعود تاريخ نسخها إلى 1321 هـ. خطها جميل واضح. وثانيتهما في مكتبة الشيخ الحاج صالح بن عمر بن داود لعلي ببني يسجن أيضا، وليس بها اسم ناسخها ولا تاريخ نسخها (1). وتمتاز بما في حواشيها من تعليقات، وعندما أنجز العمل وكنا بصدد مراجعة التحقيق ومقابلته بالنسخ الأربع المذكورة، عثرنا على أهم النسخ على الإطلاق، لأنها نسخة يعود تاريخها إلى سنة 1192 هـ،
1 - لعل ناسخها هو قضي بكير بن إبراهيم الذي كان كاتبا للشيخ الحاج صالح بن عمر، وكان معروفا بخطه الجميل الواضح. أفادنا بهذه المعلومة السيد بكاي سليمان قيم مكتبة أبي محمد ببني يزمن والمقطوع به هو أن النسخ وقع قبل سنة 1927 م، لأن الشيخ مات في 1928 م.
- 12 - (1/12)
صفحة 12
نسخت بوكالة الجاموس بالقاهرة، ذات خط واضح مبين، مِمَّا اضطرنا إلى مراجعة العمل كله من أوله إلى آخره ومقارنته بهذه النسخة الجديدة التي تعتبر إلى حد الآن أقدم نسخة كاملة عثرنا عليها إذ تسبق النسخ المذكورة آنفا بمائة سنة، واعتبرناها للميزات المذكورة (النسخة الأمّ)، ورمزنا إليها بحرف (م). وقبل أن نتحدث عن منهجنا في التحقيق، وقبل ذكر المعلومات الدقيقة عن هَذِهِ النسخ كلّها، نود أن نعرف بقيمة هذا المخطوط:
لم نر في حدودا اطلاعنا المتواضع على التراث الفقهي الإسلامي كتابا خاصا بالعمارة الإسلامية يعالج الموضوع معالجة شرعية يعرضها على الحقوق والواجبات التي جاءت بها الشريعة الإسلامية، إذ الموضوع يتعلق بتخطيط المدن والمنازل وغرس الأشجار والنخيل، ومد السواقي، وحفر الآبار. وقبل هذا وذاك شق الطرق والأزقة وحقوق الناس وواجباتهم إزاء كل ذلك من وجهة الشريعة الإسلامية.
والعجيب في الأمر أن يبقى مثل هَذَا السفر القيم مخطوطا حتى يومنا هذا، لم يتقدم أحد إلى تحقيقه، بل إلى نشره وطبعه.
ولعل أول من استفاد من هذا السفر القيم العلامة الفقيه الشيخ عبد العزيز الثميني (ت 1223 هـ - 1808 م. الذي اختصر كتابي القسمة وأصول الأرضين“ في كتاب بعنوان التكميل لبعض ما أخل به كتاب النيل»)، وهو وإن لم يشر إلى ذلك إلا أنَّ المرء يستطيع أن يدرك هذا من خلال محتويات كتابه وتسلسل عناوين موضوعاته التي لم تخرج عن محتويات المخطوطين المذكورين لا في قليل ولا في كثير، اللهم إلا ما امتاز به أسلوب الشيخ الثميني من إيضاح وبيان واختصار، جعل المضمون في متناول كل قارئ.
- 1
الشيخ عبد العزيز الثميني: التكميل لبعض ما أخل به كتاب النيل، تصحيح ونشر محمد بن صالح الثميني طبع مطبعة العرب، تونس 1344 هـ.
- 13 - (1/13)
صفحة 13
وقد أشار محقق التكميل وناشره الشيخ محمد الثميني إلى علاقة التكميل بكتاب العباس أحمد حيث يقول: «إنَّ الشيخ عبد العزيز الثميني إنَّمَا اعتمد في مادة كتابه هذا على الكتابين المذكورين».
ونجد إلى جانب التكميل مخطوطا للشيخ امحمد بن يوسف اطفيش قطب الأئمة، استقى مادته العلمية من كتاب أصول الأرضين، ولكنه لم يقلّده تقليدا كليا، وإنَّما اقتصر على بعض المسائل المتداولة في المجتمع الميزابي، مثل ما يتعلق بحقوق الميزاب، وغرس الأشجار والنخيل، والحيطان والأجنة، والرحى والتنور والحداد، وحقوق الأجوار من فوق وتحت ومقاسمة النخل والأرض، وغير ذلك ... وهذا المخطوط في حاجة إلى النشر لأهميَّة وقرب عهده بعصرنا لما فيه من قضايا قد تكون مما نتخبط فيه حتى اليوم.
و لم نر من الدارسين أو الباحثين العرب من اعتنى بهذا المخطوط النفيس أو اهتم بالبحث عنه، ولكنَّ الذين أشاروا إليه هم الباحثون المستشرقون، وفي مقدمتهم البولونيان: تاديوش لفتكسي وموتيلانسكي، وأشادوا بموضوعه القيم. غير أنَّ موتيلانسكي في بحثه بالفرنسية المعنون بيلوغرافيا ميزاب» أو «كتب المذهب الإباضي»، يقول: «إنَّ كتاب أصول الأرضين يحتوي على خمسة وعشرين جزءا»، ويقول: «إنَّه رأى العديد من هذه الأجزاء ولكنه لم يحددها»، وفي قوله: "خمسة وعشرين جزءا سهو واضح لم يقل به أحد غيره)، وربما اختلط عليه الأمر بما قرأه في طبقات الدرجيني حيث يقول: إنَّ مصنفات أبي العباس تبلغ خمسة وعشرين مصنفا، كما سنشير إلى ذلك لاحقا.
-
1
ينظر: Motylinski A. de C. : Bibliographie de M'Zab, Bulletin de
correspondance Africaine, Vol. 3 (1885), p. 26.
ينظر: (1787) ,3 ° Revue Awal. Cahier d'études Berbères, N
- 14 - (1/14)
صفحة 14
وقد قام الباحث "بيار كوبرلي الذي أقام بميزاب طويلا في الستينيات وأوائل السبعينيات ببحث دقيق مفصل حول هذا المخطوط ونشر عنه دراستين كاملتين
قد تكونان جزءًا من تحقيق علمي سيصدر قريباً حسبما علمنا من أحد أصدقائه. وقد نشر البحث الأوَّل تحت عنوان «مؤلف قديم حول العمارة بوادي ميزاب» (1) ما لبث أن أتبعه ببحث أعمق وأشمل تحت عنوان: «العمارة والحياة الاجتماعية في القرن الحادي عشر الميلادي من خلال كتاب لم ينشر هو "تلخيص القسمة وأصول الأرضين».
ومن هنا يتبيَّن لنا أنَّ هذا المؤلف رغم نفاسة وطرافة موضوعه، وحاجة المسلمين إليه لم يلق الاهتمام من الباحثين والدارسين والمتأمل في الكتاب يلحظ أهميته لما يحتوي عليه من قوانين وأعراف تبين حقوق الناس وواجباتهم نحو بعضهم في المجالين الريفي والحضري من تخطيط شوارع المدن، إلى بناء المنازل، وحفر الآبار، إلى حقوق الأشجار والنخيل، والسواقي، والشوارع، والطرق المؤدية إليها؛ كل هذا من وجهة نظر الشريعة الإسلامية مِمَّا يدل دلالة قاطعة على الحس الحضاري المدني الممتاز الذي عرفت به تلك المجتمعات التي قد يخيل لبعض الناس أنَّهم ما كانوا يعرفون هذه القوانين والمعاملات، وإنما هم بدو رحل لا فكر ولا علم لديهم، وأنَّ هذه القوانين جاءت المجتمع الإسلامي الحديث من الغرب اللاتيني بحكم الاحتكاك والاستعمار.
ومهما قلنا من كلام في تبيان قيمة هَذَا السفر القيم فإنَّنا نهضمه حقه، وإنما ندع ذلك للقارئ الكريم ليكتشفه بنفسه من خلال قراءته له.
Cuperly P. Un document ancien sur l'urbanisme au M’Zab, in I.B.L.A. No
2
- 15 -
148, p. 305 - 320.
-
1 (1/15)
صفحة 15
المقارنة بين النسخ المخطوطة:
بعد البحث والتقصي في الخزائن الخاصة والعامة استطعنا أن نحصل على خمس
نسخ كاملة الأجزاء.
أولاها: نُسخة بمكتبة الشيخ ازبار محمد بن الحاج عيسى ببني يسجن، وهي معروفة الآن بمكتبة آل خالد وهي أقدم نسخة كاملة فيما توصلنا إليه، إذ يرجع تاريخ نسخها إلى سنة (1192 هـ - 1775 م) نسخها صاحبها بوكالة الجاموس بالقاهرة. وقد جاء في آخرها ما يلي:
وقد وقع الفراغ من نسخة هَذَا الكتاب في يوم الجمعة فيما بين الظهر والعصر في يوم التاسع عشر [كذا] خلت من شهر الله المبارك شعبان سنة
1192
فالناسخ كما نرى قد حدد وقت الفراغ من النسخ زمانًا ومكانا، وحبذا لو أنَّه حدَّد أيضًا النسخ التي اعتمدها وتاريخ نسخها إذا لأفادنا بمعلومات تضيء لنا طريق البحث أيما إضاءة وتقع هذه النسخة التي اعتبرناها النسخة الأم في 356 صفحة، مسطرة: 27 سطراً، مقاس 200×270 مم، مكتوبة بخط مغربي واضح،: وهي تمتاز بكمالها أجزاء، فليس ثمة صفحة واحدة ناقصة، كما لا حظنا ذلك في بعض النسخ الأخرى، وبهامشها تعليقات علمية وملاحظات هامة تبدو أنها للناسخ نفسه، كأن يقول مثلا: «قف هاهنا فوائد (ص 84)، أو يضع عناوين فرعية في الحاشية تسهيلاً للقارئ (ص 84، (88)، وقد يعلق على المعلومات الواردة في المتن برأي موافق أو مخالف، مِمَّا يدلُّ عَلَى أنَّ الناسخ على دراية بموضوع الكتاب، ولعله من الطلبة الذين كانوا يزاولون تعلمهم بالأزهر الشريف آنئذ، وقد
رمزنا إلى هذه النسخة بحرف (م).
انظر: الصفحة الأخيرة من المخطوط (م).
- 16 - (1/16)
صفحة 16
والواقع أننا اعتمدنا في التحقيق على نسخة السيد تزقاغين المؤرخة
النسخة
بـ: 1292 هـ. ولكننا بعد انتهاء التحقيق عثرنا على هذه النسخة وهي تسبق معتمدنا بمائة سنة، مما اضطررنا معه إلى إعادة العمل كله من أوله إلى آخره مقارنة ومراجعة، وقد تأكد لدينا أنَّ هذه النسخة هي الأقدم، ولعلها هي الأمّ لِكُلِّ النسخ الموجودة الأخرى، هذا التأكد يكون بالنسبة للنسخ الموجودة بوادي ميزاب على الأقل. وهذا التأكد بنيناه على ما يلي:
لا حظنا في نسخة الشيخ بلحاج بن كاسي ونسخة تزقاغين ونسخة أبي امحمد ونسخة الحاج صالح بن عمر بياضا في بعض الصفحات، يدل على أنَّ الكلام مبتور وناقص، إما بفعل الأرضة أو بفعل الفئران أو لأسباب أخرى، وعند مقارنتنا بين هذه النسخ وجدنا البياض يوجد في المكان نفسه الذي يوجد بها جميعها، وعندما عرضنا هذا البياض على النسخة الأصلية - أو بالأحرى النسخة الأقدم ـ وجدنا بها البياض نفسه وفي المكان عينه. وقد علق الناسخ على هذا البياض بقوله: وجدنا هذا البياض فيما رأيناه من النسخ، وهو خرم من الفئران أو غير ذلك، وقد أخل بالمعنى، ولم يلتتم الكلام، وهذا البياض مع الذي في الورقة
اليسرى بعد هذه». (و 72
النسخة (م)).
وقد دلنا هذا عَلَى أمرين:
1 - إنَّ ناسخ هذه النسخة المكتوبة بوكالة الجاموس بالقاهرة اعتمد فيها على نُسخ أخرى غيرها وإن لم يذكرها ولكنه أشار إليها حين كان يتثبت من مكان البياض وأسبابه، مما يعطي قيمة هامة لهذه النسخة.
2 - إنَّ هذا البياض الذي حددته هذه النسخة وأشارت إليه هو البياض نفسه الذي لاحظناه في كلِّ نُسخ وادي ميزاب مِمَّا جعلنا نتيقن أن المصدر واحد وهو
ما حولنا أن نطلق على هذه النسخة النسخة الأم. وهذه أوصاف النسخ:
- 17 - (1/17)
صفحة 17
الله
الله
أولاً: جاء في غلاف النسخة الأولى ما يلي: «كتاب أصول الأرضين تأليف العلامة الشيخ أبي العباس أحمد بن الشيخ الفقيه أبي عبد الله محمد بن بكر رضي عنه آمين. ملك محمد للحاج بن يوسف وبعد أن ثبث ملكه فقد حبسه تعالى على طلبة العلم من بني يسجن خاصة دون غيرهم، قراءة ونسخا، لا يباع ولا يشترى ولا يخرج لبلد سوى بلده، وهكذا جميع كتبه».
الجدير بالذكر هنا هو أنَّ صاحب النسخة هو ناسخها الذي نسخها بوكالة الجاموس بالقاهرة مع مخطوطات أخرى منها ما رأيناه وهو مخطوط: "كتاب المعلقات لمؤلّف مجهول.
ومن بني يسجن نقلت النسخ الأخرى لكتاب أصول الأرضين التي جاءت بعدها. أما بداية هذه النسخة فهكذا:
(بعد البسملة والتصلية) «كتاب تلخيص القسمة وبيانها في الأموال مِمَّا عُني بشرحه الفقيه الأكمل أبو العباس أحمد بن الشيخ الفقيه أبي عبد الله محمد بن بكر رَضِيَ اللهُ عَنهما ونفعنا ببركاتهما». لا يخفى أنَّ هذه ديباجة النساخ والبداية الحقيقية للمخطوط هي:
«الحمد لله لا شريك له في وحدانيته ولا نظير له في ربوبيته، نحمده على آلائه، ونستعينه على طاعته، وإيَّاه نسأل التوفيق، وإليه نرغب في العصمة من الخطا والزلل، ولا حول ولا قوة إلا به، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبعد، فنحن نريد شرح ما انتهى إلينا من مسائل الشركة وما يوجبها وما تجوز فيه وما يقع به الفصل والقسمة ممن وجبت بينهم الشركة ... » إلخ.
وينتهي المخطوط هكذا:
كمل الجزء الثامن بحمد الله وعونه وتوفيقه وتأييده على يد العبد الفقير الحقير الذليل الراجي عفو ربِّه، محمد بن يوسف بن داود بن سعيد بن موسى بن صالح
- 18 - (1/18)
صفحة 18
اليسجني نسباً ومسكناً، الإباضي الله لنا ولمن أصلح) مذهباً، الوهبي اعتقاداً، غـ
من آبائنا ولجميع المسلمين والمسلمات آمين والحمد لله رب العالمين، وصلى الله عَلَى سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما».
فالمخطوط إذن يحتوي كما هو واضح، وكما هو موجود في كل النسخ على مخطوطين هما: تلخيص القسمة، و أصول الأرضين، ولكن اشتهر بـ أصول الأرضين لشهرة هذه التسمية، وغلبة المعلومات المتعلقة بهذا الموضوع دون ذاك. ثانيا: نسخة الشيخ بالحاج بن كاسي، وهي موجودة بمكتبة العلامة الفقيه الشيخ بالحاج ابن كاسي بمدينة القرارة، تفضل بتصوير نسخة منها الأستاذ الشيخ بالحاج بكير بن يحي، ويرجع تاريخ نسخها إلى سنة 1294 هـ. ومجموع صفحاتها 258 مسطرة مضطربة تتراوح ما بين 25 و 30 فهي في بعض الصفحات 26، وفي أخرى 29 وهكذا ... وقد نسخت بخط مغربي رديء جدا، ويكثر في هَذِهِ النسخة التشطيب والخروج إلى الهامش من حين إلى آخر لإكمال جمل نسيها الناسخ فيما يبدو. ومقاسها: 190×260 مم.
ونجد في آخر النسخة اسم الناسخ وهُوَ عيسى بن داود بن صالح بن نوح الوارجلاني، فرغ من نسخها في 6 رمضان عام 1294 هـ (1878 م). ومهما يكن من أمر فهي نسخة كاملة إلا ما جاء فيها من بياض في بعض صفحاتها، وَهُوَ بياض لاحظناه في كل النسخ الأخرى. وقد رمزنا إلى هَذِهِ النسخة بحرف (ش).
ثالثاً: نسخة السيد: تِرقَاغِين من بلدة بني يسجن، جاء في آخرها:
كمل الجزء الثامن من كتاب الأصول بحمد الله وحسن عونه وتوفيقه وتأييده، والحمد لله رب العالمين، على يد ناسخه ومتممه الراجي غفران ذنبه،
1 - لَعَلَّهُ يقصد: «ومن صلح»، وَهُوَ أوفق وأصوب، والله أعلم.
- 19 - (1/19)
صفحة 19
وستر ما شاء من عيوبه: بابا بن سليمان بن بابا بن سليمان بن أيوب بن أحمد الغرداوي مسكناً، الإباضي مذهباً، في شهر الله رجب الأصم، بعدما خلت ثلاثة وعشرون يوماً، عام 1295 خمسة وتسعين ومائتين وألف من هجرة سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وكفى».
وتقع هذه النسخة في 370 صفحة مسطرة 26 مقاس: 160×225 مم. والملاحظ أنَّ الفارق الزمني بين هذه النسخة ونسخة الشيخ بلحاج بن كاسي سنة واحدة فقط، وقد أمدنا بنسخة منها مصوّرة الأخ الباحث: الحاج سعيد محمد بن أيوب الغرداوي. وتمتاز هذه النسخة بكمال أجزائها ووضوح خطها المغربي، وليس فيها تشطيب كثير أو تداخل بين السطور، ولأجل هذه الميزة فضلنا الاعتماد عليها إلى جانب الاعتماد على النسخة الأم. وقد رمزنا إليها بحرف (ت). والواقع أنَّ اعتمادنا في التحقيق كان على هذه النسخة أساساً، لأنَّها أوَّل ما عثرنا عليه من النسخ، كما أوضحنا ذلك سابقاً، ولكننا بعد انتهاء التحقيق عثرنا على النسخة الأقدم وهي نسخة الشيخ ازبار محمد بن عيسى، فأعدنا مراجعة العمل
كله على ضوء هذه النسخة.
رابعاً: نسخة مصورة عن نسخة وجدناها بمكتبة الشيخ صالح بن عمر بن داود لعلي من بني يسجن. وعدد صفحاتها: 438. مسطرة: 21. مقياس: 180×230 مم، نسخت بخط مغربي جميل واضح، ولكننا لم نعثر فيها على اسم
ناسخها، وقد كتب عليها ملك عمنا الحاج صالح بن عمر بن داود، وقد حبس هذا الكتاب شيخنا الحاج صالح بن عمر حبساً مؤبدا على سبيل الأجر، وتلامذته أولى من غيرهم». ويرجح السيد بكاي سليمان - قيم مكتبة آل أبي امحمد ــ أن الناسخ قد يكون السيّد، قضي، لأنَّه كان كاتباً للشيخ الحاج صالح بن عمر لعلي، وهو معروف بخطه الجميل. وليس بهذه النسخة تاريخ النسخ، ولكن البياض
- 20 - (1/20)
صفحة 20
الموجود بها في الموضوع الذي لاحظناه في النسخ السَّابقة يرجح عندنا اعتمادها على النسخ السابقة. ومهما يكن من أمر فَإنَّ تاريخ نسخها لا بد أن يكون قبل سنة 1926 م، وهي السنة التي توفّي فيها صاحب المكتبة الحاج صالح بن عمر لعلي. وهذه النسخة تمتاز عن النسخ السَّابقة بالتعليقات العلمية الموجودة بكثرة في حواشيها، ونرجح أنها للشيخ نفسه صاحب النسخة، لأنه معروف بتضلعه في الفقه، ولعلنا سنستدرك الاستفادة من هذه المعلومات في الطبعات المستقبلة إن شاء الله. وقد رمزنا إليها في التحقيق بحرف (ح).
في يوم
: خاما وأحدث النسخ هي نسخة مكتبة آل أبي امحمد ببني يسجن، وهي تقع في 503 صفحة. مسطرة: 21 سطرا. مقاس: x 330 175 مم. وهي ذات خط مغربي جميل واضح، بل هي أكثر النسخ وضوحا وأناقة خط، وجمال تنسيق وتبويب، مما جعل النسخة تتضخم صفحاتها فتصل إلى أكثر من 500 صفحة. وقد جاء في صفحتها الأخيرة ما يلي: «وقد وقع منه الفراغ والتمام بقدرة ذي الجلال والإكرام الثلاثاء من شهر الله المبارك 15 جمادى الأولى 1321 هـ. على يد كاتبه ومالكه عبد ربه علي بن رمضان بن سليمان بن إبراهيم المزابي نسباً، النفوسي وطناً، الفرسطائي بلداً، غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين والمسلمات. وصلاة دائمة على سيد الكونين محمد». فالناسخ كما هو واضح ميزابي، سكن فرسطاء من جبل نفوسة. ويدلّ خطه على أنه مغربي فعلاً، والراجح أنه نسخها وهو موجود يجبل نفوسة، كما أشار إلى ذلك. ولعلها وصلت إلى مكتبة آل أبي امحمد من كتب الشيخ الثميني الحاج محمد من تونس أو أنَّ صاحبها عاد إلى وطنه بني يسجن في أخريات حياته. وقد رمزنا إليها بحرف (ب).
مع ما جاء
وتوجد من هذا الكتاب القيم نسختان أخريان في جبل نفوسة ذكرهما الدكتور عمرو النامي في بحثه عن المخطوطات الإباضية، ولعل نسخة دار عشيرة الشيخ أبي امحمد التي رمزنا إليها بحرف (ب) اعتمدت على إحداهما. ونسوق هنا
- 21 - (1/21)
صفحة 21
المعلومات التي أفادنا بها الدكتور النامي عن المخطوطين إكمالا للفائدة، وإن لم نستطع العثور عليهما، حيث يقول: «مخطوط القسمة وأصول الأرضين يقع في 357 صفحة، تشتمل كل صفحة على 23 سطراً، ومقاس الصفحة (24×17) بخط
مغربي واضح وناسخها هو سالم بن الحاج أبي القاسم محمد الجربي الجريسي.
وهذه المخطوطة في حوزة على بن ميلود المرساوني من مُرْسَاوَن (الحمران) الرحيبات جبل نفوسة، وهي مما ورثه من مخطوطات عن جده محمد بن عيسى بن سعيد المرساوني
وكتاب القسمة ضمن هذه المخطوطة بدءاً من الصفحة الأولى حتى صفحة 37. والجدير بالملاحظة أنه توجد مخطوطة عن كتاب القسمة منفصلة في مكتبة البارونية بجربة، بينما نجدهما في النسختين المشار إليهما سابقا متصلتين.
وتبدأ هذه المخطوطة بقوله:
ونحن نريد شرح ما انتهى إلينا من مسائل الشركة، وما يوجبها، وما تجوز به، وما يقع به الفصل والقسمة ممن وجبت بينهم الشركة ... إلخ.
وتنتهي: « ... وقيل يقسمون الماء في الجب بالأذرع والأشبار والأيام، والله
أعلم. تم كتاب القسمة بحمد الله وحسن عونه، والحمد لله على ... ».
ثم يبدأ كتاب أصول الأرضين بعده مباشرة بالفصل الثالث، مما يعطي انطباعاً بأنَّ الفصلين الأولين من كتاب أصول الأرضين ضائعان، وهذا ما يلحظ في جميع النسخ المخطوطة، وإتماماً للفائدة نسوق وصف المخطوطين بتبيان الفرق
الشكلي بينهما:
-
ينظر: 24, Decription of new Ibadit manuscripts of north Africa
- 22 - (1/22)
صفحة 22
مخطوطة على ميلود الفصل الثالث: من ص 38 إلى 98 من ص 40 الفصل الرابع: من ص 98 إلى 145 من ص 93
مخطوطة عمر مليو قاضي جادو
إلى
او
إلى
الفصل الخامس: من ص 145 إلى 209
من ص 149
إلى
الفصل السادس: من ص 209 إلى 260
من ص 206 إلى
الفصل السابع: من ص 260 إلى 319 من ص 260 إلى الفصل الثامن: من ص 319 إلى 401 من ص 329 إلى
92
148
205
260
328
373
وبناء على وصف الدكتور عمرو النامي للمخطوطتين الموجودتين بجبل نفوسة تيقنا أن لا فرق بين هاتين المخطوطتين وما بين أيدينا من نسخ وادي ميزاب. إضافة إلى هَذِهِ النسخ الكاملة هناك نسخ كثيرة ولكنها ناقصة أو مخرومة أو ممزقة منها نسخة مكتبة الآباء البيض بغرداية وهي التي اعتمدها الباحث "بيار كوبيرلي في بحثه الأوَّل عن المخطوط (1). ونسخة المكتبة البارونية بمدينة جربة ونسخة الشيخ سالم بن يعقوب بـ”غيزن بجزيرة جربة، وقد تكون هناك نسخ موجودة بأماكن أخرى كاملة أو ناقصة لم نستطع الوصول إليها.
- 1
يقول كوبرلي: إنّه المخطوط الموجود بخزانة الآباء البيض بغرداية يحتوي على 135 صفحة مقاس 26 × 21) مسيطرة: 24. بخط مغربي واضح، وينقصه الجزء الرابع. 2 - أشرنا في الطبعة الأولى إلى وجود نسخة كاملة بمكتبة دار إيروان بالعطف، إلا أنه بعد شروع جمعية التراث في إنجاز دليل مخطوطات وادي ميزاب لم نجد فيها أي نسخة، وإنما اكتشفنا عدة نسخ مكتبات أخرى، إلا أنها كلّها لا تخلو من نقائص، مما جعلنا لا نأخذها بعين الاعتبار، وهذه النسخ هي:
1 - نسخة كاملة بمكتبة عشيرة آل يدّر ببني يسجن (نسخها علي بن محمد الأمين، د. ت. ن، إلا أنها نسخت حديثا خلال القرن الثالث عشر 257 ورقة 24 سطرا، 225×170 مم، مجلد وقم 32 في المكتبة).
- 23 - (1/23)
صفحة 23
المؤلف
وعصره
من هو أبو العباس أحمد بن محمد؟
هو أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي. نشأ في أحضان أسرة مشتهرة بالعلم والعلماء، كان من أبرزها أبوه العالم الفقيه أبو عبد الله محمد بكر بن أبي بكر الذي وضع نظام العَزَّابَة، ذلك النظام الديني الذي ما يزال حتى يومنا هذا محل إعجاب الدارسين والباحثين من علماء الإسلام ومن غيرهم. وَهُوَ مثل غيره من علماء السلف القدامى، نجهل سنة مولده بالتحديد، بل نجهل مكان ولادته، فإنَّ كتب السير التي اهتمت بترجمة حياته وهي قليلة جدا - للأسف الشديد - لا تقدم لنا التفاصيل التي تسمح لنا بمعرفة رحلاته وتنقلاته، بل لا نعرف الكثير الضروري من أخباره اللهم إلا ما نجده في طبقات المشايخ بالمغرب للدرجيني، أو ما نقله عنه كتاب السير للشماخي، أو بعض النتف الإخبارية التي نجدها في سير المشايخ المنسوب لأبي الربيع سليمان بن عبد السلام الوسياني الذي ما يزال مخطوطا.
2 - نسخة بمكتبة الشيخ عمي سعيد بغرداية، وهي مهمة لأنها أقدم ما رأيناه، ولأنها من نسخ الشيخ العلامة: سعيد بن علي الجربي الخيري نسحها في أوائل شعبان سنة 885 هـ، ولكنها مخرومة الأول والآخر، وقال ناسخها: «وأنا لم أبتدئ في أول نسختي هَذِهِ من أول الجزء لأن النسخة التي نسخت منها لم أحد أوّل الجزء فيها، وإنما وجدت ناسخها لم يبدأ أوله، ولم أدر لم ذلك». وهي تقع في 10 ورقات فقط، 26 - 2 سطرا، 201×150 مم.
من
مجلد
رقم 5 في المكتبة).
3 - نسخة بمكتبة عشيرة آل افضل ببني يسجن (د. نا، د. ت. ن، نسخت قديما، مخرومة الأول والوسط والآخر. فيها الأجزاء: 3 - 4 - 5 يقع في 128 ورقة 19 - 22 سطرا 215×150 مم مجلد رقم خ. د. ع. 17 في المكتبة).
- 24 - (1/24)
صفحة 24
ومهما يكن من أمر فإننا نحاول في مقدمة هذا التحقيق أن نستخرج من هذه
المصادر ما يمكننا استخراجه حتى نقدم صورة ولو تقريبية عن حياة هذا العالم الفقيه، الذي تدلُّ كتبه على علم غزير وتضلّع في الشريعة الإسلامية بوجه خاص. وحرصنا على هذه الترجمة يجيء مِمَّا لاحظناه من إهمال الدارسين المحدثين أيضا لهذا العالم، فكتب التراجم قلما تعرضت له، وهي ـ إن تعرضت له ــ لا
تقدم شيئًا ذا بال يمكن أن يضيفه لما جاء عند الدرجيني أو الشماخي.
نشأ هذا العالم الجليل في بيت يشتهر بالعلم والورع والتقوى والصلاح وتدل أحداث حياته أنه عاش في ما بين (504420 هـ) ويعده قطب الأئمة الشيخ علماء النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، ومن الصعب على الباحث أن يعرف التفاصيل الدقيقة عن حياة هَذَا العالم، فنحن نجهل مثلا المكان المحدد لميلاده وترعرعه، وهذا يعود فيما نحسب إلى سببين اثنين:
اطفيش
من
بعد
أولهما: أنَّ المصادر القديمة مثل طبقات الدرجيني، وقبله سير الوسياني لا تقدم مثل هذه الأخبار التي قلما اهتمت بها الكتب القديمة، فهي لا تعنى بالعالم إلا بـ شهرته وتعرف الناس عليه، ولم تكن كما هو معروف تعنى بتسجيل المواليد كما هو الشأن عندنا اليوم.
ثانيهما: أنَّ الاستنباط والاستنتاج من وقائع حياة أبي العباس ومراحل حياته وتطوراتها لا يعطينا السنة المحددة أو المكان المعيَّن لنشأته، وَهَذَا يعود أساساً إلى الظروف القاسية التي أحاطته، فقد كان والده الشيخ أبو عبد الله محمد بن بكر عالماً جوالاً، لا يستقر به المقام في مكان إلا لينتقل إلى مكان آخر، ومهمته التي ندب نفسه أجلها - وهى نشر تعاليم الإسلام والدعوة إلى مذهب الاستقامة - طبعت حياته العلمية والعملية بهذا الطابع؛ فنجد أخباره في فرسطاء والقيروان، والحامة، وجربة وقسطالية، ثم نحدها في أريغ، وتين يسلي“، وواحة وارجلان، وبادية بني هذا التنقل إذاً لا يسمح لنا بالاستنتاج الدقيق لمعرفة المكان الذي ولد فيه ابنه
مصعب.
- 25 - (1/25)
صفحة 25
1
العباس أحمد، غير أننا إذا أخدنا برأي لفتسكي الذي يقول: إنَّ أبا عبد الله استقر في تين يسلي“ (جنوب الجزائر) في بداية القرن الخامس الهجري، فإنه يصبح عندئد من المؤكد أنَّ أبا العباس ولد في أريغ أو نواحيه.
والذي تتفق حوله المصادر القديمة هو أنَّه قضى فترة شبابه في تمولست (1) الجنوب التونسي)، حيث كان يطلب العلم في حلقة عالم زمانه الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي (2) الذي تخرّج في حلقته العديد من علماء الإباضية
تقع تمولست بين الحامة ومطماطة في الجنوب التونسي. أبو الربيع سليمان بن يخلف الوسلاتي المزاتي النفطي القابسي (471 هـ / 1079 م) تعددت نسبه لكثرة أسفاره بين مواطن الإباضية. أخذ العلم عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر، وأبي محمد ويسلان بن أبي صالح اليراسي. ممن حازت عليهم سلسلة نسب الدين. أخذ عنه العلم خلق كثير أمثال أولاد الشيخ أبي زكرياء فصيل، والشيخ أبي العباس أحمد بن محمد ابن بكر النفوسي، والشيخ تبغورين بن عيسى الملشوطي، والشيخ أبي عمرو عثمان بن خليفة السوفي. وله تصانيف تذكر منها: كتاب التحف المخزونة في إجماع الأصول الشرعية (مخ). "كتاب في طلب العلم وآداب التعلم. كتاب في علم الكلام وفي أصول الفقه في مجلدين. كتاب في الفضائل والترغيب. ويبدو أن أصل كتاب السؤالات من تأليفه وهو الذي رتب الحلقة على يد شيخه أبي محمد ويسلان بن أبي صالح بجربة. انظر: الوسياني: سير (مخ) 77/ 1 - 78 ... أبو زكرياء: السيرة، 270/ 1 - 275 ... الدرجيني: طبقات 1/ي 191 - 195 ... 425/ 2 - 449. البرادي: الجواهر المنتقاة 219 - 220 الشماخي: سير، ط 1، 412؛ ط 2، 82/ 2 - 83 القطب: الرسالة الشافية 123 السالمي: اللمعة المرضية 29 أعزام غصن البان (مخ) 144 - 145، 212 - 213. أبو اليقظان: الإمام محمد بن بكر (مخ) 15 48 علي معمّر: الإباضية في موكب التاريخ، 135/ 3 142؛ 186/ 4 - 187 سالم بن يعقوب تاريخ حربة، 75، 109، 111، 112. الجعبيري: البعد الحضاري، 114. الجعبيري: نظام العزابة،242، 190، 255 هامش 187. الجيطالي: قواعد الإسلام، مقدمة المحقق، 14 بوعصبانة عمر: معالم الحضارة الإسلامية بوارجلان (مرقون) 108 - 109. جمعية التراث: دليل المخطوطات (انظر: فهارس المؤلفين). مجهول: كتاب المعلقات (مخ)، ق 2.
Motylinski: Les livres de la secte Abadhite, 19. Motylinski: Bibliographie, 24 Shachte: Bibliothèques, 397. Lewicki: Les Ibadhites en Tunisie, N 54, 29 N 82. 8. Lewicki: Les historiens, 72 - 75. Lewicki: Mélange Berbère-Ibadites, 271. Ennami: New Ibadi manuscripts, 72 - 73. Fekhar: Les communautés, 10, 14, 23,
155,406 ر: جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (مرقون).
- 26 - (1/26)
صفحة 26
ونحسب أنَّ هَذِهِ المرحلة التي قضاها بجانب هَذَا العالم وجهته إلى الشريعة الإسلامية فتضلع بها. إلى جانب ما عُرف به أبو العباس من ذكاء حاد، وحافظة قويَّة، مِمَّا جعل شيخه أبا الربيع يتفرس فيه مخايل النجابة، ويتنبأ له بمستقبل زاهر في ميدان العلم. فقد رُوي أنَّ أبا العباس بن أبي عبد الله رأى فُرجة في المجلس عند أبي الربيع فجاء فسدها وهو فتى حديث السِّن، ثم بعد ذلك جاء عزابي آخر فتزحزح له فقعد، ثم قعد هنيهة فقام، فقال أبو الربيع: «إن كنت أعقل وأتفرس فإِنَّ هَذَا
الله» (1).
الفتى يحيي دين وكان إلى جانب هَذِهِ المواهب محبًّا للعلم والتحصيل، باذلاً في سبيل ذلك كل مر تخص وغال. يتحمَّل المشاق والسفر والتغرب من أجل تحقيق مسألة علمية أشكل عليه أمرها، فقد روى أبو عمرو) عن أبي العباس أنه قال: «كنت أقرأ
1
2
-
84/ 2
أبو الربيع الوسياني، سير المشايخ، (مخ)، خليفة السوفي المارغني (ق 6 هـ / 12 م) أحد أعلام الإباضية البارزين، أحيا بن
عثمان أبو عمرو
عيسى
المذهب بتأليفه الهامة، وأصله من بلاد سوف، وكانت له حلقات علم تخرج منها علماء أفاضل، وامتاز بمقدرته الجدلية في الدفاع عن المذهب، نشأ في عصر ازدهرت فيه الحركة العلمية بوار جلان، والتقى بأبرز أعلامها، فكان من شيوخه بها: أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر وأبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي، وأبو سليمان أيوب بن إسماعيل. ومن رفاقه أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، وأبو عمار عبد الكافي. كان كثير الرحلة في طلب العلم ونشره، وانتقل بين وارجلان وبلاد الجريد وطرابلس. ومن تلاميذه المعز بن جناو بن الفتوح، وأبو موسى عيسى بن النفوسي، وميمون التنكيصي الورغمي. وهو ممن حازت عليه سلسلة نسب الدين. قال عنه الشماخي: كان إماما في العلوم لاسيما في الكلام». ترك تراثا فكريا هاما، من أبرزه: 1 - كتاب السؤالات (مخ)، توجد منه نسخ عديدة في ميزاب وحربة ونفوسة، وللقطب اطفيش حاشية عليه. 2 - رسالة في الفرق، (مخ) في عدة مكتبات، وقد طبع طبعة حجرية. انظر: الدرحيني: طبقات، 483/ 2 - 485. الشماخي: سير، ط 2، 103/ 2، 169 170 173. البرادي: الجواهر، 220. الباروني: سلم العامة، 40 - 41. علي يحيى معمر: الإباضية في موكب، ح 222/ 4 - 225. بجاز: الدولة الرستمية 105 الجعبيزي: البعد الحضاري، 118. باجو: أبو يعقوب، 76، 77. عمرو النامي: ملامح عن الحركة العلمية بوار جلان، مجلة الأصالة، ع 42 - 43 (صفر-ربيع الأول 1397 هـ/ فيفري-مارس (1977 م ص 6. جمعية التراث: دليل المخطوطات. ر: جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (مرقون).
- 27 - (1/27)
صفحة 27
على الشيخ سعدون (1) وأحضر مجالسه فَأَوَّلُ ما وقعت فيه المذاكرة عنده: مسألة ذبيحة الأقلف هل تؤكل أم لا؟ وقال في المسألة قولان، ولم يزد على هَذَا شيئاً». قال أبو العباس: «وكان الديوان في نفوسة مشتملا على تصانيف في المذهب فلازمت الدراسة أربعة أشهر لم أذق فيها نوماً ليلا ونهاراً إلا فيما بين أذان الصبح إلى طلوع الفجر، فنظرت في أثناء ذلك فيما هناك من كتب المذهب التي وصلت من المشرق فإذا هي نحو ثلاثة وثلاثين ألف جزء، فنحيرت أكثرها فائدة فقرأتها حينئذ» (2).
ويبدو من خلال ما رواه الدرجيني والشماخي أن المرحلة الخصبة في ميدان التأليف والتصنيف هي المرحلة التي قضاها في تمولست“ حيث ألف في هَذِهِ الفترة أكثر من عشرين مؤلفا في الفقه الإباضي، ولعلَّ هَذِهِ المرحلة ــ كما نستنتج ذلك
1
- 2
من
اسمه الصحيح سعد بن ييفاو النفوسي (ق) 5 هـ / 11 م. كانت له حلقة علم في أمسنان بنفوسة، تلامذته: «الشيخ حمو بن أبي عبد الله وأحمد بن الشيخ ويجمن، وأخوه الشيخ يحي بن ويجمن، والعز بن تاغيارت، وعبد الرحيم بن عمر، وحمو بن أفلح المطكودي، وهم العزاب الستة، الذين توجهوا من عند أبي محمد ويسلان إلى الشيخ سعد بن يفاو] رحمة الله عليهم، وهم أول الناس قعودا عنده». ثم التحق بهم أبو العباس أحمد المترجم له الذي قال عنه واصفاً غزارة علمه: أدركت شيخ الشيوخ سعد بن بيفاو وغيره في أمسنان». وذكر أن كتاباً منسوباً إليه يحتوي مسائل وقف فيها أبو محمد ويسلان فكتبها حمو بن أفلح المطكودي إلى شيخه في خزف، فأحاب عنها الشيخ سعد بن يفاو. له مناظرات مع شيوخ أمسنان في بعض المسائل الفقهية. انظر: الوسياني: سير (مخ) 45/ 1، 49، 50 268/ 2. الشماخي: سير، ط 2، 55/ 2. علي يحيى معمر: الإباضية في موكب التاريخ، 321/ 4. ر: جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (مرقون). هذه الرواية جاءت عند الوسياني على النحو التالي: وحدث أبو عمرو عن أبي العباس قال: أيام كنت عند الشيخ. سعد، فأول ما جرى مسألة ذبيحة الأقلف أتوكل أم لا؟ فقال: فيها قولان؛ فقال عبد الله بن عيسي لهذا: "أتقصد أن توكل ذبيحة الأقلف؟! فمضى. قال أبو العباس: "وكان الديوان في بني مارغني من نفوسة فكنت مجتهداً في العلم أربعة أشهر لم أذق النوم إلا ما بين أذان الفجر إلى أن يثوب المؤذن، فنظرت فيما بين ذلك فيما جاء من المشرق من ديوان المسلمين فإذا هو ثلاثون ألف كتاب وثلاثة ألاف». الوسياني: سير (مخ) 127/ 1. الدرجيني: طبقات، 444/ 2.
والله أعلم بحقيقة حجم هذه الكتب.
- 28 - (1/28)
صفحة 28
من خلال الأحداث ـ جاءت بعد وفاة والده الشيخ الذي توفي سنة 440 هـ. وإذا علمنا أنَّ أبا العباس توفي سنة 504 هـ - كما تتفق عَلَى ذلك المصادر ـ فإنَّ هذه الفترة وهي أربع وستون سنة تكون كافية لهذا الإنتاج الغزير، وفي هَذَا الصدد يقول الدرجيني:
وروى أبو محمد (1) وأبو نوح (عن أبي العباس قال: أتاني آت في المنام، رجل أبيض فتقدمني واتبعته، حتى دخل في قرية تنزاج“ من قرى نفزاوة، ثم أتى المسجد وقصد المحراب فقال لي: احفر، فحفرت حتى استخرجت قصعة كبيرة، فوجدت فيها دينارا، فقال لي: خذ إرث والدك، فسألت بـ”قابس عن تأويل رؤياي رجلا حاذقا بتفسير
1
- 2
يبدو أنه أبو محمد عبد الله بن محمد اللواتي العاصمي (و: 432 هـ - ت: 528 هـ) عالم جليل ببلاد أريخ، من عائلة عريقة، حافظ للأخبار، عليه العمدة في رواية تاريخ الإباضية. ولد في بلاد برقة، هاجر إلى أحلو في بلاد أريغ وتتلمذ على مشايخها، ومنهم: أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي، وأبو محمد ماكسن بن الخير الجرامي، وأبو سليمان داود بن يوسف. برع في الفقه، والتفسير والأدب ... ذكر له الدرجيني رسالة قيمة في المواعظ والنصائح. تخرج عليه علماء أفذاذ منهم: اب: أبو الربيع سليمان بن عبد السلام الوسياني صاحب السير، وهو معتمده الأساسي في الرواية الكثيرة. انظر: الوسياني: سير (مخ)،2/ 1، 61 - 99 ... ؛ 144/ 2، 145 ... الدرحيني: طبقات، 470/ 2 481. الشماخي: السير، ط 2: 100/ 2 - 102 علي يحيى معمر: الإباضية في موكب ح 199/ 4، 205:بجاز: الدولة الرستمية،27، 28 , Lewicki: Mélange Berbères Ibadites
272 - 273. Lewicki: Documents inedits, 5,6.
ر: جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (مرقون).
يبدو
بن
أنه أبو نوح بن يوسف بن محمد بن بكر من الطبقة 12 (550 - 600 هـ) هو حفيد الشيخ محمد بكر الفرسطائي. أحيا هو وابنه أبو زكرياء يحيى مآثر جدهما محمد بن بكر، وكانا مهتمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. امتاز بحفظ التواريخ، وكان عمدة كتاب السير في رواياتهم. وقد وصفه الدرجيني بقوله: كان أوسع بضائع حفظه سير أهل الدعوة وأخبار السلف، فمتى رأيت في هذا الكتاب طبقات الدرجيني] أو في غيره من كتب المشايخ رواية عن أبي نوح فهو هذا الشيخ فاعرفه». انظر: الوسياني: سير (مخ) 237/ 2 الدرجيني طبقات، 10/ 1، 48؛ 509/ 2 510. الشماخي: السير، 112/ 2. باجو مصطفى وشريفي مصطفى: مقدمة فهارس طبقات الدرجيني (مرقون).
- 29 - (1/29)
صفحة 29
الرؤيا، فقال لي: "القصعة: العلم والخير والدينار الصافي: دين والدك. فرجعت إلى تمولست ... قال: فبلغ فيها في العلم مبلغا عظيما، وصنف بها عشرين كتابا وكتابين معروضين عليه، وقد عرض جميع ما صنف غير كتاب تركه في جلو مبيضا في الألواح؛ ورغب إليه الأشياخ في وصولها إليهم بـ”إيفران من قرى وارجلان، فعرضها عليهم ولده، وهم: إسماعيل (1) وحمو بن المعزّ (2)، وأيوب بن إسماعيل (3)،
1
- 2
3
6 (3)
و داود بن
لعله أحد مؤلّفي ديوان العَزَّابَة، واسمه الكامل: أبو إبراهيم إسماعيل بن ييدير بن الشيخ عيسى بن أبي إبراهيم الهواري، ورد اسم والده بيدر، وببدر، وييدر، ويدير، ويدر. والغالب ما أثبتناه. من علماء الطبقة العاشرة (450 - 500 هـ / 1058 - 1106 م) بتيجديت - إحدى قرى وارجلان فيما يبدو ـ وهو إمام حافظ مجتهد. استقل الشيخ إسماعيل بجزء الصلاة، فألفه أحسن تأليف. وللشيخ إسماعيل مقام بوارجلان بالقرب من مسجد لالة عَزَّة، يُزار مرّة في العام، للتذكير بسيرته وعلمه. انظر: الوسياني: سير (مخ) 54/ 1 - 55 58/ 2. الدرجيني: طبقات، 455/ 2. الشماخي: سير، ط 2، 96/ 2 اعزام غصن البان (مخ 21 198 Motylinski: Bibliographie .84 ,Lewick: Notice, 140,172. Lewcki: Les historiens : جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (مرقون).
سير،
حمو بن المعز النفوسي (ت: بعد 504 هـ / 1110 م. من علماء وارجلان البارزين، له فتاوى فقهية، أورد بعضا منها السوفي في كتاب السؤالات". انظر: السوفي: السؤالات (مخ) 443. الوسياني: سير (مخ) 58/ 1؛ 271/ 2 274 الدرجيني: طبقات المشايخ 444/ 2. الشماخي: ط.2، 153/ 2. ر: جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (مرقون). أبو سليمان أيوب بن إسماعيل اليزماتي المزاتي من الطبقة 11 500 - 550 هـ/1106 - 1155 م) من أشهر علماء وارجلان. قال عنه الدرجيني: «بحر تتقاذف في غوار به السفن، وبدر يقتفي به من اقتدى من المقتفين، إن سئل في العلم أجاب فأقنع ... شيخ شيوخ أكثرهم ساد، وقل من روى من استفاد». وكان إلى جانب علمه الغزير كريما، سخر ماله الخدمة العلم. تخرج على
خليفة
تلامذته إلا من يديه علماء كثيرون، منهم: يخلف بن يخلف التيمجاري جد الدرجيني، وأبو عمرو عثمان بن السوفي، وأبو عمار عبد الكافي، وأبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني. وكان يروي في حلقته أشعارا بالبربرية، قال الشماخي: «وهو صاحب التقييد الذي ذكرت فيه أشعار الأشياخ بالبربرية». وفي كتاب المعلقات باب تحت عنوان: باب مسائل أيوب بن إسماعيل، وهو عبارة عن فتاوى وحكم. وقد أصيب الشيخ أيوب بمرض الجذام الذي أقعده الفراش سبع سنين، ومات عن عمر يناهز المائة، فرثاه تلميذه أبو يعقوب بقصيدة بائية. انظر الوسياني: سير (مخ) 212/ 2، 271.
=
- 30 - (1/30)
صفحة 30
واسلان (1)، وأبو سليمان الزواغي» (3).
والذي يبدو أنَّ شهرة أبي العباس كانت في أخريات حياته بعد انتقاله إلى أريخ، حيث أقام إلى أن توفي. وكان في هَذِهِ المرحلة شيخا للجماعة، ومرجعا للفتوى، كما نستنتج ذلك من أخباره التي ترويها المصادر، ولاسيما ما جاء عنه في سير المشايخ للوسياني. والذي يجعلني أميل إلى أنَّ شهرته كانت في أخريات حياته هو عدم تعرض يحيى بن أبي بكر الوارجلاني لأخباره في كتابه: «السيرة وأخبار الأئمة». بينما ذكر أخبارا عن أخيه الذي كان يكبره، وَهُوَ أبو يعقوب يوسف بن محمد، وجملة أوردها الدرجيني تدلُّ عَلَى أنَّ جلوسه للتأليف كان في أخريات حياته، إذ يقول: «ولما دنت وفاته أودع علومه الكتب، فصنف تصنيفات خمسة وعشرين كتابا، وكتابا آخر تركه في الألواح» (4). ويبدو أن سفره من تمولست كان حوالي 471 هـ، وهي السنة التي توفي فيها شيخه وأستاذه: أبو الربيع سليمان بن يخلف، قد يكون هَذا هو سبب مغادرته، تمولست، وقد يكون السبب أيضا وفاة أخيه الأكبر أبي يعقوب كما يذكر ذلك الدرجيني حيث يقول:
1
2
3
هو
الدرجيني: طبقات 459/ 2. الشماخي سير، 98/ 2 - 100 أعزام: غصن البان (مخ) 228. أبو اليقظان: حياة أبي يعقوب (مخ) 13، 14 علي يحيى معمر: الإباضية في موكب، 224/ 4. باجو: أبو يعقوب، 75 - 76 (مرقون). مجهول المعلقات (مخ) ق 9. ر: جمعية التراث: معجم أعلام
الإباضية (مرقون).
يصعب التمييز في مصادر التاريخ بينه وبين أبي سليمان الآتي ذكره لتشابه الاسم، ولتعاصر هما. أبو سليمان داود بن ويسلان الزواغي (ت: بعد 504 هـ / 1110 م) أحد الفقهاء العلماء بجربة، روى عنه الوسياني بعض السير. انظر: الوسياني: سير (مخ) 102/ 1، 122؛ 271/ 2. الشماخي: سير، ط 2، 177/ 2. الجعبيري: نظام العزابة، 198. الجعبيري: ملامح عن الحركة العلمية، 7. ر: جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (مرقون). الدرجيني، طبقات 444/ 2. ونفس الرواية وردت عند الشماخي في سيره، في الأسلوب. ينظر: الشماخي، سير، ط 1، ص 424. تركه في الألواح»، أي المسودة، وَهُوَ كذلك حتى يومنا هذا. الدرحيني طبقات، 443/ 2.
مع اختلاف بسيط
3
- 31 - (1/31)
صفحة 31
"
فتنة
وذكر أنه وقعت فتنة ببلاد أريغ سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، وهي خيران“ و ”تاغمارت“، وهي أول فتنة وقعت بين وهبية أريغ، فلم يكن لأبي يعقوب ابن الشيخ مقام، فهرب إلى وارجلان فكان بـ: "تماوط (1) وهرب أبو صالح من وغلانة فقضى الله بوفاة أبي يعقوب بتماوط فأوصى واستخلف على تنفيذ وصيَّة الشيخ (3) أخاه أبا العباس، فجاء أبو العباس إلى محمد ابن أخيه فلم يجد عنده ما ينفذ منه وصيّة والده غير دينار واحد، لأنَّهم كانوا في عسر شديد عظيم بعد رجوعهم إلى عين، تونس، فقبض منه دينارا فصرفه في أوكد وجوه الوصيَّة، ولم يزل يستخرجها برفق حتى أنفذها كلّها» (4).
ولا نعلم بالضبط هل أقام أبو العباس أحمد بوادي أريخ منذ هذا التاريخ ـــ أي 471 هـ ـ أو بعد ذلك بقليل، ولكن المؤكد أنَّه أقام مدَّة في تماوط حيث تسكن عائلة أخيه يوسف الذي توفي قبله كما أشرنا إلى ذلك سابقا، كما أن المؤكد أيضاً أنه أقام في أخريات حياته في أريغ متنقلا بينها وبين واحات وارجلان كما تدلُّ عَلَى ذلك الأخبار المترجمة له على قلتها.
وإلى جانب مكانته المعتبرة في العلم والفقه التي أهلته لأن يكون مرجع الأصحاب وحلال مشاكلهم، فإنَّه كان إمام دفاع كما يعبر عن ذلك الشيخ أبو اليقظان، إذ يذكر الشماخي حادثة وقعت سنة 502 هـ أي قبيل وفاة أبي العباس بسنتين اثنتين، قاد فيها حملة دفاعية ضد غاز يدعى "عنان بن ديلم
1
2
-
-
3
تماوط قرية من قرى وارجلان.
تقع بين تقرت وبسكرة وما تزال معروفة بهذا الاسم حتى يومنا هذا، وكان يسكن بها
إسحاق بن
أحمد بن محمد بن بكر الذي توفي في حياة والده.
المراد بالشيخ هنا والده أبو عبد الله محمد بن بكر. الدرجيني: طبقات 445/ 2.
- 32 - (1/32)
صفحة 32
الطرفي (1) فقد نزل هذا الأخير بأريخ فحشد عليه أبو العباس قبيلة مغرواة“ فرردُّوه، ثم نزل ثانية فحشدهم فردُّوه وهزموه، وقد قتل من بني يطوفت ستين رجلا وحمل رؤوسها، فلما هزمهم استنقذ الرؤوس ودفنها، وأكثر من معه بنو ورتيزلن، قيل: إنهم قرب ألف، وجمع أيضا جمعا عظيما، وأراد غدر الشيخ وتبييته وأخفى سيره، فلم يشعر بهم الشيخ حتى قربوا، فوقع إليه الخبر مع جساس وأسرى ليله وقصد أبا العباس فلم يجده، وهدم قصره، وجمع عليه أبو العباس بني ورتيزلن وأهل رأس الوادي، فقال له فلفل بن فلنار“: «هَذَا رجل غدار، فإيَّاك أن تخرج إليه إن طلب رؤيتك» ... فطلب عنان رؤية أبي العباس، ومنعه الناس أن يخرج إليه، قال الشيخ أبو عبد الله: «إن أبى الرجوع فاقتلوه، لأنَّ قتل واحد خير من قتل الجميع»، وأفسد عنان النخيل، وأفسد الغابة، وذلك عام اثنين وخمسمائة ثم لحقه بعد أن ارتحل ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا من "بني ورتيزلن ومعهم غيرهم، فهزموه ونهبوا ما قدرروا، وقتلوا ما قتلوا» (3).
أقام أبو العباس بعد رحيله عن تمولست بوادي أريغ، في قرية "أجلو الغربي
66
حيث مات سنة 504 هـ كما تذكر ذلك المصادر القديمة؛ ويذكر الشيخ أبو اليقظان أنه دفن في "تين يسلي إلى جانب والده، وما يزال قبراهما موجودين إلى يومنا هَذَا (4).
- 1
- 2
-
- 3
4
كان هذا من علماء الصنهاجيين.
المراد بالقصر هنا مجمع الديار، وليس البناء الفخم.
الشماخي: سير، ط 1، ص 425.
"
66
الشيخ أبو اليقظان: الإمام أبو عبد الله محمد بن بكر، (مخ)،. والجدير بالذكر أن "تين ص يسلي أصبحت تدعى اليوم بليدة اعمر، غير بعيدة عن مدينة تقرت، جنوب الجزائر. والذي نراه هو أن "تين يسلي“ هي غير ”أجلو الغربي، كما يدلُّ على ذلك خبر ورد بكتاب السيرة لأبي زكرياء، تحقيق عبد الرحمن أيوب، 261/ 1). ولعلهما قريتان متجاورتان قريبتان من بعضهما.
- 33 - (1/33)
صفحة 33
مكانته العلمية
لقد بلغ أبو العباس في العلم شأواً بعيداً، وأصبح لمؤهلاته هذه مرجع الناس في الفتوى بل مرجع الفقهاء المعاصرين له، كما تدل على ذلك الأخبار المروية عنه في
أخذ
عنهم
كتب السير ولاسيما سير الوسياني الذي يؤرّخ للمرحلة التي لحقت وفاة أبي العباس. فنجد أبا الربيع الوسياني كثيراً ما يروي أخباراً يتصل سندها بأبي العباس، فيقول: عن أبي عمرو عن أبي العباس ... » إلخ. وأبو عمرو هَذَا هو أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي. ولقد كان لمكانته العلمية تلك يعد من الشيوخ الذين الدين في عصره فقد كان الشيخ أبو عمرو رحمه الله في إسناده يقول في أخذ الدين: «أبو عمرو عن أبي العباس عن أبي الربيع سليمان بن يخلف عن أبي الله محمد بن بكر عن أبي نوح سعيد بن زنغيل عن أبي خزر عن سحنون بن أيوب عن سعيد بن أبي يونس عن وسيم بن نصر عن الإمام أفلح عن والده عبد الوهاب عن الإمام عبد الرحمن بن رستم عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة عن جابر بن زيد عن عائشة عن رسول الله
عبد
أبي
وهنا يحق لنا أن نتساءل لم لم يكن أخذُ أبي العباس العلم عن والده الشيخ أ عبد الله محمد بن بكر مباشرة؟ وإنَّما أخذه عن تلميذه الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي؟. الذي يبدو لنا أقرب إلى الاحتمال والصواب هو أنَّ أبا العباس ولد في أواخر سني حياة الشيخ أبي عبد الله الذي توفي سنة 440 هـ كما هو معروف، وإذا قدَّرنا أنَّ أبا عبد الله مات وفي عمر ابنه عشرون سنة، فإنه يكون قد عاش أربعا وثمانين سنة كاملة (504420 هـ)، وقد يكون الاحتمال هو عدم
- 1
الوسياني: سير (مخ 14/ 2. وانظر تراجم هؤلاء جميعا: جمعية التراث: معجم أعلام
الإباضية، (مرقون).
- 34 - (1/34)
صفحة 34
استقرار الشيخ في مكان واحد، مما جعل ابنه أبا العباس يفضل الاغتراب والانقطاع إلى العلم في تمولست عند الشيخ أبي الربيع، اللهم إلا أن يكون تتلمذ على والده قبل العشرين.
يُؤَكِّدُ
ومما يؤكد منزلته الرفيعة في العلم إلى جانب مؤلفاته التي سنتحدث عنها ما يرويه الدرجيني من أنَّ ديوان العَزَّابَة عندما ألف عرضت بعض أجزائه عليه، وكان مشاركا في تأليف أحد أجزائها، وَهُوَ الجزء المتعلق بالحيض.
وذكر غير واحد من المشايخ أنَّ جميع الطلبة العَزَّابَة لما اجتمعوا عَلَى تأليف كتاب في المذهب يسهل عَلَى المبتدئين حفظه، وجعلوه خمسة وعشرين جزءا انفرد الشيخ إسماعيل (1) بكتاب فجاء فيما نَحَوْه أحسنهم تأليفا، وجاء تأليفه أحسن من تلك التآليف، رتبة، وأكثرها فائدة، وقيل: بل جمع إسماعيل كتاب الصلاة كما ذكر، وجمع أبو العباس بن بكر كتاب الحيض، وجمع يخلفان بن أيوب (2) كتاب
تقدمت
ترجته.
أبو سعيد يخلفتان بن أيوب الزنز في المسناني، (ق 5 هـ/11 م) أصله من امسنان» بجبل نفوسة. تنقل كثيرا للتعلم، حتى إنَّ الوسياني ذكره مع الشيوخ السبعة المتعلمين عند شيوخ زمانهم كلهم من نفوسة إلى وارجلان». ومن شيوخه عَلَى الخصوص: أبو الربيع سليمان يخلف بن الذي تتلمذ عليه في «تونين». ثم تصدر للتعليم والتأليف فكانت له حلقة في «سطيانة» تخرج فيها أكثر من مائتي تلميذ منهم إسحاق بن أبي العباس أحمد بن محمد بن بكر. يقول عنه الوسياني: «ثم رجع إلى تماواط ففتح الله له أن صار من واضعي كتب العزابة، وهو الذي ألف كتاب النكاح ومسائل الخالات ... وهي خمسة وعشرون كتابا». شهد له معاصروه بالتبحر في العلم. انظر: الوسياني: سير (مخ) 48/ 1، 58؛ 165/ 2، 241، 257 258، 260، 261 الدرجيني طبقات 456/ 2. الشماخي. سير، ط 2، 133/ 2.
Motylinski: bibliographie, 25 - 26, 29. Shacht: Bibliothèques, 391. Lewicki: notices, 169 - 171. Lewicki: Les subdivisions de l'Ibadiyya, 79, lewicki: Les
169 - 171 ,historiens : جمعية التراث معجم أعلام الإباضية (مرقون).
- 35 -
-
-
1
2 (1/35)
صفحة 35
:
النكاح، وجمع محمد بن صالح (1) كتاب الوصايا، ولما مات أبو سليمان داود بن أبي يوسف (2) اجتمع تلامذته على تأليف الكتابين المنسوبين إليه، وليس هو مؤلفهما؛ وقال أبو عمرو بل تركهما في الألواح فعرضهما أبو العباس، وأما الذين ألفوا كتاب العَرَّابَة فهم ثمانية شيوخ عَزَّابة طلبة مخلصون منهم: من نفوسة أمسنان يخلفتن بن أيوب، ومحمد بن صالح ()، ومن قنطرار: يوسف بن، ومن تحديت: يوسف بن أبي عمران المزاتي (5)، ومن أريغ: عبد السلام
- 1
- 2
سي
6 (4)
محمد بن صالح النفوسي أوائل (ق 6 هـ/12 م) من علماء نفوسة امسنان“ بجبل نفوسة بليبيا. هو أحد مؤلفي كتب العزابة، وَهُوَ غير ديوان غار أمجماج. الوسياني: سير (مخ) 257/ 2
محمد بن
258. الدرجيني طبقات 456/ 2. ر: جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (مرقون). أبو سليمان داود بن أبي يوسف إلياس الوار جلاني (ت: 462 هـ / 1069 م) كان شيخ حلقة بقنطرارة. كانت حلقتا أبي عبد الله محمد بن بكر وماكسن بن الخير تنتقلان إليه. له فتاوى مذكورة، وكتاب في الفروع في سفر واحد، ولعله هو كتاب الجامع الذي هو من تأليفه، وتوجد منه نسخ ببعض مكتبات وادي ميزاب من تلاميذه: أبو محمد عبد الله العاصمي وأبو. عمرو عثمان خليفة السوفي صاحب السؤالات، وأبو نوح صالح بن إبراهيم بن الزمريني اللذان كثيرا ما يرويان عنه. انظر: أبو زكرياء السيرة 320/ 2، 342، 367. السوفي: السؤالات (مخ) 101. الوسياني: سير (مخ) 43/ 1، 81، 94، 110؛ 148/ 2، 169، 197، 248، 279، 289. الدرجيني: طبقات، 437/ 2 - 439 البرادي: الجواهر، 219. الشماخي: سير، ط 2، 86/ 2 أعزام غصن البان (مخ 213. جمعية التراث: دليل
Motylinski: Les livres de la secte Abadhite, 14. Lewicki: Les .lbgbeill
82 - 83 ,historiens جمعية التراث معجم أعلام الإباضية (مرقون). محمد بن صالح النفوسي أوائل) 6 هـ / 12 م إليه ينسب كتاب الوصايا من هذا الديوان. انظر: الوسياني: سير (مخ) 257/ 2 - 258. ر: جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (مرقون). يوسف بن موسى الدرجيني (ق 5 هـ / 11 م من علماء قنطرار، ومن مؤلفي الديوان. روى عنه أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر رواية في كتابه «السيرة». انظر: أبو زكرياء: السيرة، (ط. ت) 369/ 2. الوسياني: سير (مخ) 258/ 2، 268 الدرجيني: طبقات، 456/ 2، 470. 126 - 127 , Lewicki: Les historiens : جمعية التراث معجم أعلام الإباضية (مرقون).
- 36 -
- 3
-
4 (1/36)
صفحة 36
بن أبي سلام، وجابر بن حمو (1) وإبراهيم بن أبي إبراهيم (2)، وعرضت هَذِهِ، الأجزاء عَلَى أبي العباس وأبي الربيع، وماكسن (3)، وقال أبو الربيع: "لا يطعن في
- 5
1
- 2
3
يوسف بن عمران بن أبي عمران المزاتي (ق 5 هـ / 11 م من مشايخ تيجديت ببلاد أريغ، ومن العلماء الذين شاركوا في تأليف الديوان انظر الوسياني: سير (مخ) 258/ 2. الدرجيني طبقات 256/ 2. ر: جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (مرقون). جابر بن حمو الزنز في (ق 5 هـ / 11 م عالم من أريغ أحد مؤلفي كتب العرابة. انظر:
الوسياني: سير (مخ)، 147/ 2، 258. ر: جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (مرقون). إبراهيم بن أبي إبراهيم مطكوداسن بن يخلف بن مالك الدجمي المزاتي الغرماني ت: (بعد 471 هـ/1078 م ــ قبل 504 هـ /1110 م) من أريخ “ سكن "تين باماطوس" قرب وارجلان. تلقى العلم عن أبي الربيع سليمان ين يخلف. كان شيخاً فاضلاً من رواة السير، روى عنه أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر. بعد وفاته ترك مكتبة عظيمة في: أربعين مخلاة كتب من جلود، كل مخلاة سلخ تيس تام، وأوصى بها إلى الشيخ أبي العباس أحمد بن محمد بن بكر». انظر: أبو زكرياء: السيرة، 210/ 1 289/ 2. الوسياني: سير (مخ) 91/ 1، 110؛ 198/ 2، 258، 279. الدرجيني طبقات 194/ 1. الشماخي: سير، ط 2، 153/ 2، 154.: Masqueray
chronique d'Abou zakaria, p 309. Motylinski: bibliographie, p 42. Lewicki:
notice, p 169, 171. Lewicki: les historicns, p 107 - 108 : جمعية التراث: معجم ر:
أعلام الإباضية (مرقون).
ماكسن بن الخير بن
محمد الجرامي الوسياني اليفرني ولد بالقيروان في العقد الأول من ق 5 هـ / 11 م-ت: 491 هـ/1097 م). فقد بصره وهو ابن سبع سنين. أخذ العلم عن أبي محمد ويسلان بن أبي صالح، وأبي عبد الله محمد بن بكر، وأبي سليمان داود بن أبي يوسف الوارجلاني، وأبي عبد الله محمد بن مانوج وغيرهم. أسس حلقة للعلم، فتخرج منها كثير، منهم: أبو محمد عبد الله محمد بن العاصمي، الذي روى عنه السير، والتي رواها الوسياني بعد ذلك عن العاصمي. وله دور بارز في صد الهجومات على أهل أريغ؛ كان مضرب المثل في الأمر والنهي. كادت تين تلات في زمانه أن تزيغ عن الحقِّ، فأسس فيها حلقة دامت ثلاثة أعوام. تنقل بين وارجلان - بلده، وتين يسلي، وسوف وطرابلس، وتين وال، وتين تلات، وآجلو. لم يترك ماكسن مؤلفات، غير أن كتب الفقه الإباضي لا تكاد تخلو من أقواله وحكمه وفتاويه. انظر: أبو زكرياء السيرة، 286/ 2 ... الوسياني: سير (مخ) 2/ 1، 44،
"
=
- 37 - (1/37)
صفحة 37
هَذا التأليف إلا شيطان ولست أدري هل الأجزاء المتقدمة الذكر داخلة في تكميل الخمسة والعشرين أم زائدة عليها ... » (1).
من
خبر
وسعة علمه تلك وتبحره وغزارة معرفته جعلته محطّ الرحال، ومقصد الرجال كل مكان، مِمَّا جعل حلقته العلمية تبلغ مبلغا عظيما، كما نستنتج ذلك من ساقه الوسياني في سيره حيث يقول:
وحلقته ... » (2).
وذكر أبو عمرو أنَّ أوَّل من أطعم في إفريقية (تونس) سبعمائة في حلقة أبي العباس أحمد بن أبي عبد الله حلقة الزوار، حلقة أبي عبد الله، وكان أبو العباس إلى جانب علمه يتمتع بعقل، رصين، ورأي سديد أهلاه لأن يكون زعيم قومه بعد أبيه أبي عبد الله. ولعل مكانته هَذِهِ لم تتبلور إلا بعد استقراره في أريغ في السنين الأخيرة من حياته؛ ودليل ذلك أننا لا نجد في كتاب السيرة وأخبار الأئمة للوارجلاني ذكرا لأبي العباس، الذي كان معاصرا لمؤلّف كتاب السيرة. بل ربما كان زميلا له في الدراسة، فمن المعروف أن مؤلف كتاب السيرة وأخبار الأئمة" كان من تلامذة أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي، ولم يغادر "تمولست إلا في السنة التي توفي فيها. هَذَا الشيخ، وهي سنة 471 هـ. هَذَا في الوقت الذي نجده يذكر من بين أبناء الشيخ أبي عبد الله بن بكر أكبر أبنائه
- 1
- 2
46 ... الدرجيني: طبقات 402/ 2 ... الشماخي: سير، ط 2، 83/ 2، 84. أعزام: غصن البان (مخ 210. علي يحيى معمر الإباضية في موكب التاريخ، ح 185/ 4 - 193. سالم بن يعقوب: تاريخ جربة 111 بحاز الدولة الرستمية، 27 - 28.:.169 - 171 , Bibliographie, 42. Lewicki: Notice : جمعية التراث: معجم أعلام
الإباضية (مرقون).
Motylinsky
الدرجيني: طبقات، 456/ 2. وقد روي هَذَا النص مع بعض الاختلاف في الأسلوب الذي لا يغير من صحة النص، في سير الوسياني، 114/ 2.
الوسياني: سير (مخ)، 1392 هكذا أورد النص بهذا الأسلوب، وفيه ركة كما هو واضح.
- 38 - (1/38)
صفحة 38
إسحاق، ولعلَّ إهمال أبي زكرياء الوارجلاني لأبي العباس هو الذي جعل الوسياني الذي جاء من بعده ينقل أخباره ويهتم بآثاره.
ومهما يكن من أمر فإنَّ الأخبار المروية عنه - على قلتها وندرتها ـ تدلُّ عَلَى أن أبا العباس كان يتمتع بشخصية عظيمة ونفس مؤمنة تثق بقضاء الله وقدره .... ذكر أبو عمرو عن أبي العباس كان في حلقة أريغ فسمعوا بموت ولده إسحاق فلم يخبروه من وغلانة حتى وصلوا "تين تلات عَلَى رأس ثلاثة أشهر من علمهم بموته، فاجتمع إليه الشيوخ فعزوه وأخبروه أنهم سمعوا بموته في وغلانة (1). فنهرهم أبو العباس أشدَّ النهر، فقال لهم: لا تعتادوا هَذَا مِن فِعل! ولا ينبغي! وليس الناس سواء! وفي ذلك وجوه أرأيتم إن من قبل أن أَعْلَمَ كَم حرمتموني من الأجرا، وكم حرمتموني منذ ذلك الوقت إلى الآن، ولعل وصيته إلى لعلي أنفعه به من نزوع تباعة والدعاء والترحم له وعليه، وسنة الأولين لا
يكتمون شيئًا من ذلك، إذ لو كان يكتم لكتم موت رسول الله (2). ولأبي العباس نظرات في شؤون الناس وحياتهم تدلُّ على بعد نظر وسداد رأي وعمق تجربة، فمما لاشك فيه أنَّ الظروف العصيبة التي جعلته يتحمل شظف العيش بعيداً عن الأهل والأقارب، إضافة إلى ما عرفه عصره من فتن وقلاقل طبعت الحياة بالخوف والتوجس. هذه الظروف الخاصة والعامة أكسبته تجربة وعلمته دروساً، ومن حكمه التي ينبغي أن تروى وتحفظ ما ذكره عنه أبو داود بن يخلف قال:
1
الخبر،
الناس إذا أتاهم خبر خوف انتقلوا عن الحال التي كانوا عليها قبل ورود ولو كان في حر وبرد وأخذوا لأنفسهم بالحذر والتحرز، ولعل ذلك الخبر يكون أو لا يكون وليسوا منه على يقين، ولقد أنذرهم الله وخوفهم من الشيطان
- 2
كان إسحاق بن أبي العباس أحمد يقيم بوغلانة، وبها مات ودفن.
الوسياني: سير (مخ)، 118/ 1.
- 39 - (1/39)
صفحة 39
ذلك،
وكان ذلك على لسان رسول الله، وصدَّقوا المرسل والمرسل وأيقنوا بذلك، وتركوا التحرز وأغفلوا الاستعداد لذلك، والحذر من سوء ما يتوقع من ونسوا فقد إخوانهم، وتفقد أحوالهم، ويا عجبا الناس يكرمون أضيافهم خوفا من اللوم والذمّ، وأضياف الله الكرام الكاتبون معهم، وهم يعلمون ويتيقنون أنه ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)، وله معقبات من بين يديه
ومن خلفه يحفظونه من أمر الله)، ومع ذلك فلا يعبؤون ولا يكترثون» (3). وينسب بعض المؤرخين المحدثين بعض الكرامات إلى الشيخ أبي العباس ومنهم الباحث الفرنسي الباحث "بيار كوبيرلي (4)، فقد ذكر كوبر لي أن أبا العباس رحل إلى بادية بني مصعب (ميزاب (حاليا) ورأى رؤيا في إحدى الليالي تبشره بحسن الخاتمة ولقاء مع حوريات الجنة ويرجع هذا الخبر إلى الشماخي في سيره.
والواقع أنَّ هَذَا الخبر المنسوب إلى أبي العباس لا أساس له من الصحة إطلاقا، لأنَّ كوبرلي لم يدقق النظر في صحة هذا الخبر حين اختلط عليه الأمر بين أبي العباس أحمد بن أبي عبد وبين أبي العباس أحمد الويليلي، وَهُوَ شخص آخر وعالم من علماء الطبقة العاشرة)، ولا ندري كيف وقع الباحث في هَذَا الخطا، مع أنَّ النص في المصدرين القديمين واضح كل الوضوح؛ فلا صحة إذن لما ذهب إليه من أنَّ أبا العباس عاش فترة من حياته في بادية بني مصعب استنادا إلى هَذَا الخبر الموهوم.
والذي يُؤَكِّدُ أنَّ المعني بالأمر بتلك الكرامة هو أبو العباس الويليلي، وَأَنَّ الشخصين مختلفان: ما يرويه الشماخي من أنَّ الويليلي بعد رؤياه تلك سافر
- 1
- 2
- 3
- 4
سورة ق: 18.
سورة الرعد: 11.
الدرحيني: طبقات، 444/ 2.
ينظر: 92 Pierre Cuperly, La secte Ibadhite, in revue Awal, N° 3, 1987, p
ينظر: الدرحيني طبقات 446/ 2. والشماخي: سير، ط.1، ص 225. وتبدأ العبارة هكذا:
ومنهم أبو العباس أحمد الويليلي ... ».
- 40 - (1/40)
صفحة 40
من بادية بني مصعب والتقى في طريق سفره بأبي العباس أحمد بن محمد بن بكر
النفوسي، وهُوَ عندئذ في واحة أريغ.
آثاره
يعد أبو العباس أحمد من أهم المؤلّفين المتخصصين في الفقه الإباضي، فقد ترك في هَذَا المجال حوالي خمسة وعشرين كتابا بعضها وصل إلينا، وبعضها الآخر ضاع مع ما ضاع من التراث القيم.
والحق أنَّ الدارس عندما يعود إلى مؤلّفاته الفقهية يدرك بجلاء ما يتمتع به أبو العباس من مواهب في التخطيط والتشريع وما يتحلى به من عقل منظم، وفكر رصين، فهو إذا ناقش مسألة فقهية ما اهتم بكل التفاصيل والجزئيات، ووقف عند جوانب القضية المعالجة موقف الخبير المتبصر، ولا أدل على ذلك من كتابه القيم الذي يعد بدعا في الفقه الإسلامي قاطبة: أصول الأرضين ومن خلال كتابيه: "مسائل في التوحيد وتبيين أفعال العباد تتجلى موهبته القوية في الحجاج والمناظرة، واطلاعه على أصول الفقه وأصول الدين وسنحاول في هذه العجالة أن نقف عند ما وصلنا من مؤلفاته تعريفا بها، ووقوفا على مظانها.
1 كتاب فيه مسائل التوحيد مِمَّا لا يسع الإنسَان جهله وغير ذلك من مسائل الكلام
لم نر مِمَّن تكلّم عن مؤلفات أبي العباس من أشار إليه من المحدثين، سوى الدكتور عمرو النامي (1) الذي يقال إنه عثر بعد البحث على نسختين منه:
مخطوط 1 في البارونية بجربة ومخطوط 2 في البعطور - والغ) بجربة أيضا.
-
ينظر بحثه Description of new Ibadi manuscripts from north Africa, in
Journal of Islamic studies; (1970), No 91.
- 41 – (1/41)
صفحة 41
وبما أننا لم تر هذا الكتاب، ولم نقرأ عنه إلا من خلال ما قدمه لنا الدكتور
خط مغربي
عمرو النامي، فإنَّا نقدم هنا تعريفه لهذا المخطوط حيث يقول: تعريف - مخطوط 1: 16 صفحة 29 سطر، 20 × 15 سم. جيد، بدون تاريخ من الممكن أثناء القرن التاسع الهجري، وبه ملحق عن جواب لسؤال من مالكي من غريان وجهه إلى عَذَابَة جبل نفوسة يبتدئ النص هكذا: الحمد لله الحميد المجيد المبدئ المعيد، الواحد بغير تحديد، الذي لا يجري عليه ... وينتهي: ” ... وإذا خرجوا منازلهم صلوا الإقامة، فهذه سيرة الستراة [كذا] والحمد لله رب العالمين.
مخطوط II 03 . صفحة 21 سطر، 21 × 15.5 سم. جزء من المخطوط، مختلفة، خط مغربي قديم أثناء القرن التاسع الهجري، وَهُوَ يبتدئ
مواضيع
مثلما ابتدأ به المخطوط السابق.
2 " كتاب سيرة الدماء " أو " السيرة في الدماء ": وَهُوَ يبحث في مواقف الشريعة الإسلاميَّة في هَذَا الباب الخطير الدقيق من قصاص ومثل وضمان، وَهُوَ الكتاب الذي اختصره الشيخ عبد العزيز الثميني في كتاب النيل الذي يعتبر من المصادر المعتمدة أساسا في الفقه الإباضي، كما شرحه قطب الأئمة الشيخ اطفيش فيما شرح ضمن كتاب النيل.
وقد أشار إلى هذا المخطوط أغلب الذين كتبوا عن أبي العباس أحمد، وَهَذَا الكتاب ما يزال مخطوطا فيما نعلم، وتوجد منه نسخة في مكتبة الشيخ بابانو ببني يسجن (1). كما توجد نسخة كاملة في مكتبة الشيخ محمد بن عيسى ازبار، يرجع
-
1
أشرنا في الطبعة الأولى من هَذَا الكتاب إلى أنه توجد منه نسخة في مكتبة دار إيروان بالعطف، وبعد إنجاز جمعية التراث للفهرس الدقيق لمخطوطات المكتبة تبين أن الموجود بها مخطوط آخر للمؤلّف: كتاب الديات، وَهُوَ غير كتاب السيرة في الدماء فيما يبدو. انظر الكتاب في قائمة مؤلفاته.
- 42 - (1/42)
صفحة 42
تاريخ نسخها إلى 24 شعبان 1194 هـ، وناسخها هو محمد بن يوسف بن داود المصعبي). ومنه نسخة أخرى في مكتبة آل يدَّر ببني يسجن (نسخه أحمد بن الحاج سليمان بن ببكر بن عبد العزيز العلواني المليكي في صفر 1177 هـ، يقع في جزءين في 31 ورقة 27 سطرا 165 x 225 مم. مجلد رقم 109). ونسخة بمكتبة آل افضل ببني يسجن (نسخه يحيى بن عيسى بن يحيى المصعبي البنوري، خلال النصف الثاني من القرن 12 هـ، يقع في جزءين 25 ورقة 36 سطرا، 268×190 مم. مجلد خ. ك.2013.
3 - كتاب الديات ويبدو أنه غير كتاب "السيرة في الدماء، وتوجد منه نسخة كاملة في مكتبة إيروان بالعطف، تبتدئ هكذا: «باب في الجروح، وفي الجروح اثنا عشر منزلة، وتبلغ خمسة عشر ... وتنتهي: «وهكذا تضرب ما أشبه هَذَا. والله المستعان. تم». (نسخه محمد بن عمر بن يوسف العطفاوي في أوائل ذي الحجة 1252 هـ. يقع في 19 ورقة، 26 سطرا 255×170 مم مجلد رقم: 37). 4 - ”باب في الفتنة: لم يرد عنوان هَذَا المؤلف، وإنما وجدنا في مكتبة آل ببني يسجن مخطوطا كاملا بالعنوان المذكور، منسوبا إلى الشيخ أبي العباس، نسخه سعيد بن موسى بن صالح الفقيه في 4 محرم 1118 هـ، يقع في 7 أوراق، 24 سطرا، 175 x 255 مم. يبتدئ هكذا باب في الفتنة وأصل الفتنة الحامية [كذا] والعصبية عَلَى غير سبيل الحقِّ، فإن قام عند القتال ... ». وينتهي: « ... من يطالبهم من مطالبتها. ويجوز قتالهم من قاتلهم عَلَى ذلك الحال. هذا ما وجد». مجلد رقم 106. ولعله جزء من کتاب السيرة في الدماء.
يدر
-
- 1
2
والملاحظ أنَّ هَذَا الشخص هو أيضا صاحب النسخة الأم التي اعتمدناها من كتاب "أصول
الأرضين، بفارق سنتين فقط بين نسخ الكتابين. انظر حول هذا التعريف وما سيأتي من تعاريف المخطوطات: جمعية التراث: دليل مخطوطات وادي ميزاب (مرقون)، فهارس: ج 1: آل يدر، ج 2: عمي سعيد، ج 3: البكري، ج 4: إيروان، ج 5: آل افضل ...
- 43 - (1/43)
صفحة 43
تعامله
5 - كتاب تبيين أفعال العباد: مخطوط يبحث في الأخلاق والسلوك الإسلامي إلى الآخرة، وما ينبغي أن يتحلى به المرء من صفات وخلال، سواء في الناس أم في علاقته مع ربه، ويعده الدكتور عمرو النامي أوَّل مؤلف في مع موضوعه عند الإباضية. وعلى الرغم من أنَّ الكتاب بأجزائه الثلاثة لا يزال مخطوطاً إلا أن الشيخ عبد العزيز الثميني اختصره في كتاب النيل، كما قام القطب الشيخ اطفيش بشرحه ضمن كتاب شرح النيل. وتوجد منه نسخة كاملة بمكتبته. وعدة نسخ أخرى في مكتبة إيروان بالعطف وهي:
الأولى كاملة نسخها داود بن يوسف بن الحاج امحمد في الجمعة 16 رجب 1180 هـ، تقع في 80،ورقة 24 سطرا 275×165 مم. مجلد رقم 43
الثانية كاملة نسخها إبراهيم بن إسماعيل بن دحمان في 14 صفر 1289 هـ. تقع في 235 ورقة 17 سطرا 228×163 مم. مجلد رقم 2.
الثالثة: مخرومة الآخر، د. نا، د. ت. ن.، تقع في 61 ورقة، 24 سطرا، 232×158 مم. مجلد رقم 47.
الرابعة نسخة مصوّرة مخرومة الآخر، د. نا، د. ت. ن.، تقع في 44 ورقة، 21 سطرا، 235×170 مم.
الخامسة: ومنه نُسخة في مكتبة آل يدَّر مخرومة الوسط والآخر، لم يتمم نسخها د. نا، د. ت. ن. نسخت حديثا فيها جزء واحد، في 5
ورقات 25 سطرا 250×180 مم).
وقد بذل الأستاذ الفقيد جهلان عدون (رحمه الله) جهداً مشكوراً في جمع نسخه إذ جمع منها خمس نسخ وبدأ تحقيقه وتصحيحه ولكن القدر لم يمهله حتى
- 44 - (1/44)
صفحة 44
يتم هذا العمل العلمي الهام، آجره الله وأثابه (1). ولأهمية هذا الكتاب في نظرنا نقدم للقارئ الكريم الوصف الذي قدَّمه الدكتور عمرو النامي للنسخة التي وجدها في مكتبة الشيخ سالم بن يعقوب بجربة:
يقع. هَذَا المخطوط في ثلاثة أجزاء في حجم واحد وَهُوَ مقاس 24.5 × 17 سم) ويقع الجزء الأول في 51 صفحة والثاني في 48 صفحة والجزء الثالث في 58 صفحة وتحتوي كل صفحة عَلَى 21 سطرًا. تاريخ النسخ شعبان - شوال 1329 هـ موافق أول أكتوبر 1911 هـ، الناسخ عمر بن الحاج عيسى بن صالح التندميرتي، وتوجد من هَذَا الكتاب نسخ أخرى في المكتبات التالية: مكتبة القطب بني يسجن مكتبة دار إيروان بالعطف ثلاث نسخ كاملة) (2) المكتبة البارونية ومكتبة الشيخ سالم بن يعقوب بجربة».
ويقول الدكتور عمرو النامي معلقا على محتويات هذا المحطوط: «أهم موضوع في هَذا الكتاب كما يمكن أن نراه من قائمة المواضيع بالأسفل هو
علم الأخلاق، وَهَذِهِ الرسالة هي الأولى من نوعها في الكتابات المغربية الإباضية. الجزء الأول يبتدئ هكذا: «الحمد الله الموفق للصواب، والهادي للرشاد، والمعين على أداء فرائضه ... » إلخ وينتهي: « ... وحسن الظن بالله فرض ... كما أن إساءة الظن به كفر. انتهى».
-
--
- 2
الجزء الثاني يبتدئ هكذا: باب الحب والبغض والحب فعل القلب، ولا إلى الجوارح منه شيء ... » وينتهي: « ... ولا يجب عليه المصيبة والبلاء [كذا]
انتقل الفقيد جهلان عدون إلى رحمة الله إثر حادث أليم اختصر شبابه يوم 1988/ 9/29 م فهل يعمل آل الفقيد عَلَى إتمام هَذَا العمل أو إسناده إلى من يقوم به؟ نرجو ذلك. كان ذلك سنة 1970 تاريخ نشر دراسة النامي، وأما الموجود بها الآن. بعد إنجاز جمعية التراث الفهرس مخطوطاتها - 4 نسخ منها واحدة مصورة غير كاملة كما أشرنا سابقا.
-
- 45 - (1/45)
صفحة 45
إذا نزلا عليه ولا الحمد والثناء وإنَّما يجب عليه في ذلك الرضاء بقضاء والتسليم لأمر الله، والتوكل عليه».
الله
الجزء الثالث، ويبتدئ هكذا: «باب في الكف والتوبة: والتوبة لازمة، والكف عن الذنوب فرض واجب على العباد ... ». وينتهي هكذا: « ... ويجبر عَلَى هَذَا القول أن يعطيه ما باع له، وإن لم يقبض منه الثمن».
والفهرس التالي يعطينا فكرة واضحة عن بعض محتويات هذا المخطوط النفيس:
الصفحة
الموق
ض
وع
باب تبيين أفعال العباد
باب في تبيين الذنوب
باب في الرياء
مسألة: «وأما أعمال الصنائع ... »
باب في حب المحمدة
باب في الفخر والخيلاء
باب في حب الشهرة والمنزلة
باب في التزين وفي ترك التزين مسألة: «ونهي عن التزين .. »
باب في حب الشرف
في الزهادة في الخير
في أركان الكفر
مسألة في الرهبة
باب في الركون
مسألة ما يجوز أن يتركوه
باب في المعصية
– 46 – (1/46)
صفحة 46
باب في المكر والخديعة باب في السفه والبغي
مسألة في البغي
مسألة في الظلم والاعتداء
باب في الزهادة والرغبة مسألة في نسيان الآخرة ... إلخ
باب في تهوين الإسلام وأهله باب في الأشر والبطر
باب في الغيبة والنميمة
مسألة في النميمة
مسألة في العجز والكسل
مسألة في الملامة
الجزء الثاني:
باب في الحب والبغض
مسألة ولا يأخذ الرجل حقه بنفسه
باب في اللمز والرمز والهمز والغمز مسألة في المداهنة
باب في الرجاء لأهل الكبائر والمعصية
باب في الخوف والرجاء
باب في الشك والارتياب
مسألة في الظن
مسألة في التهمة وما يجرها
مسألة في أركان الدين
مسألة في التفويض (1/47)
صفحة 47
ا مسألة في اليقين
مسألة في الإخلاص
ا مسألة في التقرب
مسألة في النية
مسألة في التفكر مسألة في النوى (1)
مسألة
في الاستثناء
ا مسألة في النذر
مسألة في الشكر
أي النية.
مسألة في الصبر
باب في تصويب الحق وتخطئة الباطل باب في الحكم في الدار والسيرة فيها باب في الحكم والسيرة في دار الشرك عن الدار والحوزة ظهر فيها الإقرار بمحمد مسألة في الحكم والسيرة في دار الشرك مسألة في الحكم والسيرة في دار التوحيد
مسألة في الجزية
باب في تبليغ رسول الله
مسألة في المشرك إذا دعي إلى الجملة مسألة في الطعن في دين المسلمين مسألة في الطعن في المسلمين مسألة في قتل الطاعن
مسألة في مانع الحق (1/48)
صفحة 48
مسألة في الجاني
باب في الكف والتوبة
مسألة في الغفران والتجاوز
باب في تصويب الحق وتخطئة الباطل مسألة: «ولا بأس بالتقليد للعالم ... »
باب في الحكم في الدار والسيرة فيها مسألة: ولا تجوز البراءة من البلد والقبيلة ... »
باب في الحكم والسيرة في دار الشرك مسألة عن الدار والحوزة ظهر فيها الإقرار بمحمد سألة في الحكم والسيرة في دار الشرك
مسألة في الحكم والسيرة في دار التوحيد
مسألة في الجزية
باب في تبليغ رسول الله صلى الله عليه وسلم
مسألة في المشرك إذا دعا [كذا] إلى الجملة
مسألة في الطعن في دين المسلمين مسألة في الطعن في المسلمين مسألة في قتل الطاعن مسألة في مانع الحق
مسألة في الدال على عورات المسلمين
مسألة في الجاني
- 49 - (1/49)
صفحة 49
6 - "كتاب الجامع" أو "الجامع في الفروع. وَهُوَ يقع في جزءين، يتناول فقه العبادات، وقد طبع لأول مرة في زنجبار، بالمطبعة السلطانية، ولعله الكتاب الوحيد الذي عرف طريقه إلى الطبع من تراث أبي العباس، وطبعته الأولى تمتاز بحاشية للشيخ اطفيش، وقد أعيد طبع هَذَا الكتاب بمطبعة البعث بمدينة قسنطينة، سنة 1984 م، بطباعة رديئة دون إضافة تذكر أو تحقيق بل لا تحتوي هَذِهِ الطبعة حتى على تعريف بصاحب الكتاب. أو مقدِّمة بقيمة الكتاب، رغم ما ادعاه الناشران من التحقيق والتعليق، وقد طبع تحت عنوان كتاب أبي مسألة، لأنَّ الكتاب يعرف منذ القديم عند الإباضية بهذا الاسم.
ويذكر الدرجيني سبب تسمية الكتاب بذلك حيث يقول: «وعن أبي محمد أنَّ سبب تأليف أبي العباس كتابه الذي تسميه العَرَّابَة أبا مسألة أنَّ أبا عبد الله محمد النفوسي كتب إليه من بيدلان يرغب إليه في مختصر مشتمل على مسائل في الفروع، فتدبر كيف يضع هذا التأليف، فنام فرأى في منامه قائلا يقول له: اذكر أبا مسألة فجعله في جزءين، فسماه العَرَّابَة: أبا مسألة“. وأما أبو محمد فكان يسميه: "جامع الشيخ أبي العباس» (1).
وحسب رأينا المتواضع، فإنَّ هَذَا الكتاب في حاجة إلى تحقيق دقيق وتعليق على
بعض ما جاء فيه من آراء قد لا يتفق حولها علماء الإباضية جميعا.
ولا تكاد تخلو مكتبة من مكتبات وادي ميزاب التي فهرستها جمعية التراث من نسخة مخطوطة منه، ويوجد منها ما يزيد على عشر نسخ.
7 - كتاب الألواح: هَذَا الكتاب هو آخر ما ألف أبو العباس، كما تدل على ذلك المصادر، فقد ذكر الدرجيني: «أنه صنف خمسة وعشرين كتابا،
- 1
الدرجيني: طبقات، 444/ 2.
- 50 - (1/50)
صفحة 50
و كتابا آخر تركه في الألواح» (1). أي تركه في المسودة، ثم رتبه بعض تلامذته من بعده، وَهُوَ في موضوع الفقه، وما يزال هَذَا الكتاب مخطوطا، وتوجد منه نسخة كاملة بدار إيروان بالعطف (دنا) د. تن. به 27 ورقة 27 سطرا، (250×174 مم مجلد رقم (60). تبتدئ بعد الحمدلة: ونحن نريد شرح بعض ما انتهى إلينا عن النبيء، فمن ذلك قوله: "حظ الله عن هَذِهِ الأمة،: خطأها ... »، وتنتهي: «وأما الجوع والعطش وغير ذلك من وجوه المتالف فليس علينا منه شيء، وقيل: غير ذلك ... كمل كتاب الألواح».
وأخرى كاملة بمكتبة آل افضل ببني يسجن (دنا) نسخ سنة 1202 هـ، يقع في 23 ورقة، 30 سطرا، (243×174 مم) يبتدئ: الحمد لله الذي خلق كل شيء بقدرته، ودعا عباده إلى سبيل الرشاد ... » وبقية البداية والنهاية شبيهة بما ذكرناه
عن
نسخة دار إيروان.
ويقول د. النامي: إنه توجد منه نسخة عند الشيخ محمد الثميني بتونس (2). وتوجد منه نسختان بمكتبة الباروني بجربة، إحداها نسخت في 1161 هـ، والثانية في 1079 هـ. والملاحظ أنَّ هَذِهِ النسخة كتب في آخرها: «كمل الجزء الثالث». وَهَذَا سهو من النساخ فيما نحسب لأننا لم نر من أشار إلى ذلك، وسنعتمد التعريف الذي قدمه الدكتور عمرو النامي ضمن بحثه المشار إليه سابقا:
تعريف: 41. 166 صفحة من مخطوط في مواضيع مختلفة، 23 سطرا للصفحة، مقاس 23.5 16 سم). وتاريخ النسخ هو: ربيع الأول 1276 هـ الموافق لـ: 6 ديسمبر 1850 م. الناسخ: محمد بن يوسف الباروني، مؤسس المطبعة الحجرية
البارونية بالقاهرة.
- 1
- 2
الدرجيني: طبقات، 443/ 2.
د. عمرو النامي: المقال: ". Description of new Ibadit manuscripts .... p 27“.
- 51 - (1/51)
صفحة 51
1
عنوان الكتاب: "كتاب الألواح، تأليف العالم العلامة أبي العباس أحمد بن محمد بن بكر الفرسطائي رحمه الله.
يبتدئ: "الحمد لله الذي انفرد بالربوبية، وقهر عباده بالعبودية، وجعل من أعظم آياته الأرض والسماوات العلا، وبيَّن أنَّ الزود (التزود) للآخرة خير من الأولى ... “.
ينتهي: " ... والذي يقول: لا يستخدم العبيد بالليل، فإذا لم يستقصوا خدمتهم بالنهار فلا بأس، فَهَذَا ما بلغنا من أخبار المشايخ من أهل الدعوة، وبالله التوفيق. 8 - كتاب "تلخيص القسمة": وَهَذَا مخطوط آخر قيم الفائدة، عظيم المنفعة، لأنه يتناول موضوع نظرة الشريعة الإسلاميَّة إلى بعض المعاملات التجارية بين الشركاء، وكيفية القسمة بينهم قسمة عادلة، إذا احتاجوا إلى ذلك. وَهَذَا المخطوط يوجد في أغلب النسخ مرتبطا بمخطوط أصول الأرضين الذي سنحققه إن شاء الله، لذا فإنَّنا سنكتفى هنا بتقديم بعض المعلومات عن المكتبات التي يوجد بها هذا المخطوط النفيس.
يذكر الدكتور النامي أنه رأى منه نُسختين في جربة، النسخة الأولى تقع في 357 صفحة 23 سطرا للصفحة مقاس: (24×17 سم). خط مغربي واضح الناسخ: سليمان الحاج قاسم محمد الجربي. وَهُوَ يوجد في حوزة علي بن ميلود المرساوني، من مرساون (الحمران - جبل نفوسة). كما توجد نسخة منه عند الشيخ عمر ماليو قاضي جادو. كما توجد نُسخة أخرى بمكتبة الشيخ اطفيش، وفي مكتبة الآباء البيض بغرداية، ولكنها غير كاملة، وسنتحدث عن النسخ
الكاملة ومكان وجودها أثناء الحديث عن مخطوط (أصول الأرضين).
ويقال إنَّ له كتابين آخرين هما كتاب الجنائز، ومسائل الأموات، ولكننا لم نر لهما وجودا، بل لم نقرأ عن وجودهما في المكتبات التراثية، سواء في جربة ونفوسة، أم في ميزاب. وقد أخبرنا الباحث الأستاذ عمر لقمان أنه رأى مخطوطة بعنوان:
- 52 - (1/52)
صفحة 52
الأموات منسوبة لأبي العباس أحمد، وقد تأكلت أطرافها، وتحتوي على نحو من مائة ورقة، مقاس: (16×24 سم)، ولعلَّ الأيام ستكشف عن نسخ أخرى يسهل معها الوصول إلى معرفة محتويات هَذهِ المخطوطة، وإن كنا نرجح أنَّ الجنائز والأموات عنوان لمخطوطة واحدة، لأنَّ موضوع مخطوطة "الأموات" كما أفادنا الأستاذ لقمان هو ما يتعلق بموتى المسلمين من حقوق الدفن والغسل والتشييع وغيرها. وحسب الباحث والمؤرّخ الفرنسي ماسكراي فإنَّ أبا العباس ألف كتابا في سير مشايخ الإباضية، ويقول إنَّه يملك نسخة من هذا المخطوط، ولم نر أحدا غيره تحدث عن هذا المخطوط. وهكذا تبين لنا مِمَّا تقدَّم فضل أبي العباس على الفقه الإسلامي بما تركه لنا من نفائس ما تزال في حاجة إلى التحقيق والنشر لأنَّ أغلبها وللأسف الشديد بقي مخطوطاً، وهي والحالة هذه تكون فائدتها محدودة جدا لا يستفيد منها إلا استطاع الوصول إلى هذا التراث المتناثر هنا وهناك في ليبيا وتونس والجزائر.
من
يقول الشيخ أبو اليقظان متحدثا عن أبناء أبي عبد الله محمد بن بكر ليُبَيِّنَ فضل أبي العباس عليهم: «أما أبو العباس أحمد فهو أعظمهم في العلم والمعرفة وإنتاج القلم، وكان لعلمه ورشده وسداد رأيه يشارك والده في أهم رحلاته وأعظم مهماته، وقد اشترك مع والده في وضع نظام العَذَابَة، ونظام حلقة التعليم، وقوانين الطلبة المنخرطين في سلك التعليم بما يضمن لهم الحياة النزيهة والأخلاق الكريمة في دائرة الدين» (2).
ينظر 140. Masqueray, E. : Chronique d'Abou Zakaria , p الإمام أبو عبد الله محمد بن بكر (مخ)، ص 61 هَذَا رأي الشيخ، ويبدو فيه بعض التناقض مع ما ذهبنا إليه، وقد اعتمدنا في ذلك على الشواهد والأدلة التاريخية في مكانها.
- 53 -
1
2 (1/53)
صفحة 53
ولعل أبلغ ما يمكن أن نَتَبَيَّنَ من خلاله فضل أبي العباس ومواهبه تلك الصفة التي أطلقها عليه الدرجيني في طبقاته حيث يُسَمِّيه بيت العلم“: «رحم الله أحمد بن محمَّد، فقد كان رحمة لأهل مذهبنا حيا وميتا، وذلك أنه كان في حياته "بيت العلم“ يفيد به كل طالب، وكل ذي حاجة؛ ولما دنت وفاته أودع علومه الكتب ... ». فهل نفهم من قول الدرجيني: «ولما دنت وفاته أودع علومه الكتب» أنه لم ينقطع للتأليف إلا في أخريات حياته، قد يكون ذلك صحيحا، وقد يُؤَكِّدُ هَذَا ما نلحظه في كتابه أصول الأرضين من أنَّ الكتاب إنَّما أملاه على بعض تلامذته إملاء كما يدلُّ عليه أسلوب الحوار الذي اعتمد في هَذا المؤلّف. ومهما يكن من أمر فإنَّ أبا العباس ترك من المصنفات ما يدلُّ عَلَى علم غزير، وتضلع في الفقه
بصفة خاصة.
بن
وإنَّ الشيخ أبا اليقظان يقول عنه حيث يتحدَّث عن أبناء أبي عبد الله محمد بكر: أبو العباس أحمد هو أعظمهم في العلم والمعرفة وإنتاج القلم، وكان لعلمه ورشده وسداد رأيه يشارك والده في أهم رحلاته وأعظم مهماته، وقد اشترك مع والده في وضع نظام العَزَّابَة، ونظام حلقة التعليم وقوانين الطلبة ...
الواقع أنَّ الشيخ لم يذكر لنا المصدر الذي اعتمده في قوله: إنه اشترك مع والده في وضع نظام العَزَّابَة، لأنَّ المعلوم أنَّ أبا عبد الله محمد قد وضع نظام الحلقة في تقيوس سنة 409 هـ، كما بذهب إلى ذلك حل المؤرخين. فإذا علمنا أنَّ أبا العباس أحمد توفي سنة 504 هـ، فإنَّه يكون قد عاش على الأقل: 115 سنة، إذ لا يعقل أن يكون بمثل هَذَا النضج الفكري وَهُوَ دون العشرين عندئذ إذا كان عمره في سنة 409 هـ عشرين سنة، ووفاته سنة 504 هـ يكون قد عاش مائة وخمس عشرة سنة.
الدرجيني: طبقات، 443/ 2.
الإمام أبو عبد الله محمد بن بكر (مخ)، ص 61.
- 54 -
1
2 (1/54)
صفحة 54
منهج الكتاب
قمة إشكالية تتعلق بأجزاء الكتاب، لاحظها كلُّ الذين تكلموا عن المخطوط من العلماء أو الباحثين، وهي ابتداء الكتاب وأعني ما تعلّق منه بالعمارة أو أصول الأرضين بالجزء الثالث، إذ ليس فيه الجزء الأول ولا الثاني. وهي إشكالية جعلت بعض الباحثين يذهبون إلى أنَّ المخطوط ناقص لأنه يبتدئ بالثالث بدل الأول، وما دام الجزء الأخير فيه هو الثامن، ولا يوجد منه إلا ستة أجزاء، فأين الأول والثاني إذن؟ لذا يذهب البعض إلى أنَّ الجزءين الأولين ضائعان، كما أشار إلى ذلك الدكتور عمرو النامي.
والذي نذهب إليه، ونرجو أن يكون رأينا صائبا هو أنَّ الكتاب كامل، وأنه يحتوي على ثمانية أجزاء، لا عَلَى ستة، ولا ينقص منه الجزءان الأول والثاني، كما توهم بعض الباحثين ومستندنا في هَذَا الرأي عدة دلائل:
أولها: إنَّ بداية المخطوط تدل دلالة قاطعة عَلَى أنها بداية طبيعية لموضوعه الذي هو أصول الأرضين؛ حيث جاءت الافتتاحية هكذا: «الحمد الله المتوحد بالبقاء، الذي جعل الأرض مهادا، وذللها لمنافع خلقه، بسطها وسهل لهم الوصول إلى أسباب منافعهم فيها بمنه ولطفه سبحانه لا إله غيره. القول في الطرق ومسالكها واختلاف مجاريها ... ».
فإِنَّ هَذِهِ البداية التي تبدأ بـ "الحمد لله الذي جعل الأرض مهادا، وذللها لمنافع خلقه، بداية طبيعية لموضوع عمارة الأرض، وَأَوَّل تخطيط في عمارة الأرض يبدأ بالطريق قبل بداية البناء، وأسلوب الحمدلة في حد ذاته أسلوب تعرف به بدايات المؤلفات في ذلك العهد. ولو سلمنا بما ذهب إليه النساخ من أنَّ هَذَا الجزء الذي هو الأوَّل في تصورنا هو الثالث فعلا لتساءلنا: لماذا لا نجد مثل هَذِهِ البداية في الأجزاء اللاحقة؟
- 55 - (1/55)
صفحة 55
هَذا من جهة، ومن جهة ثانية فإنَّ هَذَا الجزء يبدؤه المؤلف بموضوع الطرق ومسالكها، وما يجوز وما يمنع، وَهُوَ دَليل موضوعي عَلَى أَنَّ المؤلّف بدأ موضوع كتابه بما ينبغي أن يبدأ به، والطريق هي الأصل، ثم أخذ بعد ذلك في التدرج شيئًا فشيئا، بدأ بالطريق وحقوقها فالبيوت فحقوقها، فالقصور (أي المدينة فحقوقها وهكذا من الجزء إلى الكلِّ، أو من الأصل إلى الفرع؛ فالبداية بالطريق عندئذ تكون بداية طبيعية، لأنَّها أوَّل ما يختط في تصميم المدن، حتى عصرنا الحديث.
ثانيا: الذي يبدو لنا في هَذِهِ القَضِيَّة بعد التأمل وتتبع جزئيات محتويات كتاب أصول الأرضين أنَّ النساخ هم الذين تسببوا في هذا الارتباك والتداخل والخلط. ونرجّح أنَّ الكتاب - كما أشرنا إلى ذلك - يحتوي على كل أجزائه التي وضعها له مؤلفه أبو العباس أحمد في القرن الرابع الهجري، يوم أملاه أو صنفه. وقد تتبعنا محاور الكتاب من الوجهة الموضوعية فوجدناها كالتالي:
1 - الشركة والقسمة.
-2 - حقوق الطرق ومسالكها.
-
-3 حقوق إنشاء القصر وبنيانه.
-4 - حقوق السقي بماء المطر.
5 - حقوق حرث الأرض.
6 - نزع المضرات وإثباتها.
7 - حقوق الحريم وغرس الأشجار.
8 - حقوق المشاع.
فالموضوع كما هو واضح بين المعالم كامل الأطراف، مستوعب لِكُلِّ كلياته. ونجد تحت كل محور مسائل متعدّدة تتفرع عن المحور أو الباب كما يسميه المؤلّف.
- 56 - (1/56)
صفحة 56
ولا ضرورة لأن نسوق الأمثلة هنا، فالكتاب نفسه بين أيدينا، والفهرس التفصيلي الموضوع آخر الكتاب سيعيننا عَلَى هَذَا التصور بحول الله. والمتأمل في عناصر عمارة الأرض - ريفا أو حضرا ـ يجدها لا تخرج عن هذا النطاق، وهي حقوق المدينة بطرقها ودورها، وحقوق الريف بأشجاره وزرعه وآباره وسواقيه، وبما أنَّ الناس في تعاملهم اليومي قد يقع منهم تعدي بعضهم عَلَى حقوق البعض الآخر، فإنَّه لا بُدَّ من تبيان الكيفية التي ترفع بها النزاعات من بينهم نزعا للمضرة أو إثباتا لها. وهناك أرض مملوكة وأرض غير مملوكة، وهي ما يطلق عليها: المشاع)، ولها حقوقها هي الأخرى والملاحظ أن الشيخ عبد العزيز العلامة الفقيه الذي جاء بعد المؤلّف أبي العباس أحمد بتسعة قرون كاملة لم يضف شيئًا أبدا عَلَى هَذِهِ المحاور، قناعة منه بأنَّ أبا العباس تناول الموضوع من
الثميني
كل أطرافه.
والمتأمل في التقسيم الذي اختاره الشيخ الثميني لكتابه ”التكميل“ يلحظ كيف
قسمه إلى ثمانية كتب تتسلسل كالتالي:
الكتاب الأول: في الشركة والقسمة.
الكتاب الثاني: في الطرق.
الكتاب الثالث: في إنشاء المنازل والقصور.
الكتاب الرابع: في العمران بماء المطر.
الكتاب الخامس: في الحرث.
1 - والمشاع: ملكية غير مقسومة، أي حقوق الشركاء مشاعة في كُلِّ جزء من من الملكية حتى
تقسم الأنصباء فتتحدد الملكية.
- 57 - (1/57)
صفحة 57
الكتاب السادس في ثبوت المضرة ونزعها. الكتاب السابع: في الحريم والغرس.
الكتاب الثامن: في المشاع.
ومن هنا نتأكد من أمرين اثنين:
أولاً: أنَّ التكميل هو اختصار لكتاب القسمة وأصول الأرضين، وإن لم يصرح مؤلّف التكميل بذلك.
ثانيا: أنَّ التقسيم الحقيقي لمؤلّف أبي العباس هو هَذَا الذي اختاره الشيخ الثميني لكتابه التكميل؛ ونحن نوافقه عليه لأنه يتماشى بِكُلِّ
دقة وموضوعية مع محتويات الكتاب.
ومن هنا يقوى الاحتمال في أنَّ النساخ هم الذين تسببوا في هَذا التداخل المشوش بين الأبواب حين قسموها ذلك التقسيم، ووضعوا عناوين الأبواب في غير محلها فقدموا وأخروا، وتصرفوا في كلّ شيء، كما تصرفوا في المتن على النحو الذي سنوضحه.
إنَّ المؤلّف أبا العباس أحمد له منهج فكري واضح، سلكه في كل أجزاء كتابه، فقد قسم الكتاب إلى أجزاء، والأجزاء إلى أبواب، وتحت كل باب مسائل كثيرة متفرعة عن الباب.
وعندما نتتبع هَذِهِ الأبواب بدقة نلحظ منهجها الفكري المنتظم، فلا نكاد نجد مسألة واحدة في غير محلها من الباب، وقلما نجد تكرارا للمسائل، بل لا نجد مسألة واحدة خارجة عن محورها داخل الباب.
وإِنَّ الذي يُؤَكِّدُ أنَّ التداخل إنَّما وقع من النساخ ما يلي:
- 58 - (1/58)
صفحة 58
أولاً: لنأخذ الباب الثالث من الكتاب، وهو الأوَّل في الترتيب، ويبدأ بداية موضوعية معقولة، حيث يقول: القول في الطرق ومسالكها ... »، وتتبع مسائله التي لها علاقة موضوعية بالباب، ولكننا نفاجاً في آخر الباب الثالث بعنوان يبدو غريبا عن موضوع الباب، وَهُوَ «باب» في إنشاء القصر وبنيانه» (1) ثم بعد ثلاث صفحات كاملة وَهُوَ يتحدَّث عن حقوق بناء المنازل في المدينة أو القرية نفاجأ بفقرة أخرى يقول:
كمل الجزء الثالث من كتاب الأصول بحمد الله وعونه وتأييده، تأليف الشيخ الأجل الهمام الأسعد أبي العباس أحمد ابن عمنا محمد رحمهما الله ورضي عنهما، وجعلنا من المقتفين بسنتهم وسيرتهم، آمين يا رب العالمين. بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحيم. وصلَّى الله عَلَى سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما. الجزء الرابع من كتاب الأصول، باب فيما يتمانعون منه أهل القصر من المضرة ... ». وهنا نلحظ جملة أمور يتبيَّن لنا من خلالها أنَّ التقسيم من وضع النساخ كما أشرنا وليس من وضع المؤلف:
1 - ما الذي يجعل المؤلّف يتحدث عن مسألة تتعلق بتخطيط المدينة بناء وحقوقاً في آخر الباب الثالث وَهُوَ يعلم جيدا بأنَّ الباب الرابع خاص بهذا الموضوع؟ ألا يدلُّ هَذَا عَلَى أَنَّ هَذَا التصرُّف هو من سهو النساخ؟ وقد تفطن له الشيخ الثميني في كتاب التكميل“، فأجل هذه المسألة إلى الباب الرابع حيث مكانها الطبيعي.
2 - إن الصيغة التي انتهى بها الجزء الثالث تدل دلالة صريحة عَلَى أنَّها ليست لأبي العباس مؤلف الكتاب، وإنَّما هي من إنشاء أحد النساخ، بدليل ما جاء
ينظر
النسخة الأم. والقصر معناه: القرية أو المدينة أو المجموعة من الدور لعله جاء من ص
61
من باب إطلاق الجزء عَلَى الكل.
- 59 - (1/59)
صفحة 59
فيها وَهُوَ يتحدَّث عن أبي العباس واصفا إياه بالشيخ الأجل الهمام الأسعد أبي العباس أحمد بن عمنا محمد رحمهما الله و الله ورضي عنهما». لأنَّ العالم لا يمكن أن يصف نفسه بهذه الصفات، وإلا كان ممن قيل فيه شاكر نفسه يقرئك السلام). ولا يمكن أن يقول عن نفسه بأنه ابن عمّنا أبي عبد الله محمد بن بكر وَهُوَ أبوه،
ثم لا يمكن أن يدعو لنفسه بالرحمة والرضوان وَهُوَ ما يزال على قيد الحياة. ثانيا: دليل آخر عَلَى أنَّ التداخل هو من فعل النساخ نجده في الجزء السابع الذي عنوانه في الأصل: باب في نزع المضرات وإثباتها» (ص 179 نسخة (م))، وتتوالى فيه المسائل، وكلها ذات علاقة بالمحور المخصص للجزء، وبعد ثلاث وثلاثين صفحة نفاجأ بعنوان جديد وَهُوَ «باب في الحريم»، وَهُوَ محور مستقل يشتمل على مسائل تتتابع: هكذا - مسألة في حريم الشجر – في حريم الطرق - في حريم الساقية - في حريم العيون - في حريم الآبار - في حريم الوادي - في حريم البحر - في حريم المدينة - في حريم الغار وينتهي الجزء السابع ليبدأ الجزء الثامن المخصص لحقوق المشاع. ونرجّح أنَّ أحد النساخ تصرف فألحق هذه المسائل التي هي باب خاص بالجزء السابع، وحقه أن يكون بابا مستقلاً، ولذا نلحظ أنه طال طولاً مفرطا عَلَى غير عادة المؤلف في الأجزاء الأخرى من الكتاب، فظلموا القارئ كما ظلموا المؤلّف.
ثالثا: الأسلوب الذي بدأ به الجزء السابع يدلُّ هو الآخر على أن التقسيم من وضع النساخ، حيث نقرأ ما يلي: «كمل الجزء السادس من كتاب الأصول ويتلوه السابع في نزوع [كذا] المضرات، وإثباتها، وَهُوَ من تأليف أبي العباس أحمد محمد بن بكر النفوسي، رحمهم الله تعالى ورضي عنهم بمنه وكرمه. بسم ا الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وصَلَّى اللهُ عَلَى سيدنا محمَّد وَعَلَى آله وصحبه وسلم تسليما، الجزء السابع من كتاب الأصول في نزوع المضرات وإثباتها».
بن
- 60 - (1/60)
صفحة 60
ثمَّ نلحظ بياضا بقدر ثلاثة أسطر في نسخة (م) وتبدأ الفقرة بداية مبتورة هكذا: «ولا مضرَّة إن اتفقوا أن يجعلوا الحريم فيما بينهم أو ادركوه عند أوائلهم ... ». مِمَّا يدلُّ عَلَى أَنَّ الكلام مبتور ناقص، ولكن النسخ الأخرى كلها لم تشر إليه، ولا يعقل أبدا أن تكون هَذِهِ في بداية الباب، والكلام في حد ذاته غير
مفهوم، ولا ينسجم مع ما سبقه، فهل هَذَا الخطأ من فعل النساخ أيضا؟.
رابعا: عندما نتأمل أسلوب الكتاب نفاجاً حقاً بمستواه اللغوي الضعيف، فتركيباته تكاد تكون كلاما عاميًّا، تكثر في تضاعيفه لغة أكلوني البراغيث، أو نسبة ضمير العاقل لغير العاقل)، واستخدام صيغ تكاد تكون ترجمة حرفية للبربرية، كأن يقول: «إذا وصلت الغلة»، وَهُوَ يقصد إذا نضجت. الذي يعنينا هنا ونحن أمام هذه الإشكالية المحيرة من ضعف الأسلوب وترديه أن نطرح السؤال: هل يعقل أن يكون هذا هو أسلوب عالم متضلع، ألف خمسة وعشرين مصنفا شهد له بأنه "بيت العلم؟. الذي نرجحه في هَذِهِ القَضِيَّة أَنَّ أَبا العباس كان يملي كتابه على تلامذته إملاء، وفي التلاميذ الذكي والبليد، والقوي والضعيف. لعل الشيخ كان يلقي الدرس فيشرحه بالبربرية كما هو المتوقع، لغلبة البربرية على أهل الجبل ووادي أريغ في تلك العهود ومن هنا كانت الأفكار والمعلومات للشيخ، ولكنَّ الصيغة التي حرر بها الكتاب للتلاميذ والنساخ. ولعل ما يُؤَكِّدُ هَذَا الزعم الصيغة التي استخدمت في تقديم المعلومات من أول الكتاب إلى آخره، وهي تجري على شكل حوار: «قال: .... » و «قلت .... »، كأن يقول مثلا في بداية الجزء السادس: قلت: فمن حرث أرض المشاع بالتعدية، هل يدرك على أصحابه بذره؟
- 1
وقد حاولنا أن نصحح كل ما كان من هذين النوعين من الأخطاء خاصة، دون الإشارة إلى ذَلِكَ في الهوامش نظرا لكثرتها.
- 61 - (1/61)
صفحة 61
قال: لا، ويكون ذلك الزرع لأهل المشاع عَلَى قدر اختلافهم في غِيَّة المشـ ولا يكون عليه من ضمان الأرض شيء ... » إلخ.
والحق أن أسباب ركاكة الأسلوب ـ التي هي غير الضعف اللغوي ـ تعود إلى المصطلحات العرفية المستخدمة في تلك العهود وتشيع في مطاوي الحديث شيوعا كبيرا. ولا يستطيع معرفتها إلا أصحاب الاختصاص، أو المطلعون على
شيوع
معاني
تلك المصطلحات.
فأصبح الأسلوب ــ من أجل هَذِهِ الأسباب - وكأنه في بعض الأحيان معميات وأحاج، لا يعرف كنهها أو سرها إلا الخبراء، ويقف الفقيه المتخصص أحيانا أمام جملة واحدة وقتا طويلا بحثا عن معناها.
والمؤلف معذور في سلوكه هَذِهِ الطريقة التي فرضتها عليه المادة العلمية وطبيعة الموضوع. ولا يعود هَذَا الضعف إلى أسلوبه إطلاقا، ولا إلى هبوط في مستواه اللغوي، ولو كان بربريا. ولكي نتأكد من هَذَا الزعم قارنا بين أسلوبه في هَذَا الكتاب، وبين أسلوبه في كتابين آخرين له وهما: "الألواح (1)، و"كتاب أبي مسألة، فألفينا البون شاسعا، والفرق واضحا وللتدليل نسوق هَذِهِ الفقرة من مقدمة كتاب أبي مسألة، حيث يقول مخاطبا أبا عبد الله محمد النفوسي، الذي كان الدافع وراء تأليف كتابه هَذَا، إذ كتب إليه من بديلان يرغب إليه في مختصر مشتمل على مسائل في الفروع (2):
«أما بعد - أرشدك الله للدين، وأمدَّك بعونه وتمكينه ـ فإنك كتبت إلينا كتابا، فذكرت فيه أن أشرح لك بعضا من أصول محمل الفتيا، مما يتأتى لنا
1
أسلوب هذا المخطوط واضح فصيح.
- 62 -
ينظر: الدرجيني: طبقات، 444/ 2.
2 (1/62)
صفحة 62
الواجب
علمه ويتيسر لنا جمعه؛ فألفيتنا - رحمك الله - والقلب متحير، والعقل متخمر، والأحداث حائلة والمحن متوالية؛ لكن التزمت ذلك لإفادتك، إذ حقك علينا، اللازم برك لدينا، وإن لم يكن طبق المراد بقلة علمنا، ويسير فهمنا، إذ لم نلحق بدرجة من قبلنا، ممن كان لذلك أهلا مسن الأئمة المتقدمين النافذة عقولهم في العلم والآداب والآثار من مشايخ المسلمين ... ». ولا أحسب أن قائلا ما يؤاخذ هَذَا الأسلوب توازن بين الجمل، ووضوح في المعنى، ودقة في اختيار الألفاظ والكلمات.
فالاحتمال الراجح إذن أن يكون الأسلوب هو أسلوب الذين كانوا يتلقون العلم عنه كما أشرنا إلى ذلك، وللقارئ أن يتأكد من ذلك بالرجوع إلى بداية
الجزء الخامس.
وقد اتبع المؤلف في موضوعه منهجا فكريا منظما، يتسم بالدقة والوضوح، فقسم موضوعه إلى أجزاء، والأجزاء إلى أبواب والأبواب إلى مسائل. هكذا تدرجا من الكلي إلى الجزئي، وتفاديا للإطالة نسوق هذا المثال من الباب الثالث الذي هو الجزء الأول في المخطوط. (نسخة ت). . القول في الطرق ومسالكها ....
مسألة فيمن أراد أن يمنع من سلك طريقه ... . مسألة في الطرق كم من وجه كانت عليه ....
باب إثبات الطرق وما أتى في شأنها .... . باب في عمارة الأجنة والبساتين .... . مسألة في إثبات الطرق
ص 31
ص 37
ص 39
ص 40
ص 57
ص 61
كتاب أبي مسألة، إعداد: محمد صدقي وإبراهيم اسبع، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر،
1404 هـ / 1984 م، ص 8.
5
- 63 - (1/63)
صفحة 63
مسألة في القناطر. باب في طرق الدور باب في زقاق الشارع
باب في التمانع في الطريق
مسألة في الميزاب
مسألة وإن التقى رجلان في سكة
ص 65
ص 68
ص 73
ص 76
ص 79
ص 80
وهكذا نلحظ كيف كان يقسم موضوعه إلى قضايا كبيرة وأخرى صغيرة، ويفرق بينها بالباب والمسألة وتدخل جميعها في محور واحد هو الجزء.
منهجنا في التحقيق
الألفاظ
أشرنا فيما سبق إلى الخطوات العلمية التي اتبعناها في التحقيق، من مقارنة بين النسخ، وترقيم للمتن؛ بقي أن نشير إلى طبيعة التعليقات التي ركزنا عليها، وهي لا تخرج عن إطار التحقيق اللغوي في الأغلب الأعم، وَهُوَ أصعب ما واجهنا في هَذَا العمل؛ إذ نلحظ أن المخطوط بقدر ما كان واضحا في منهجه الفكري كان معقدا في لغته، وَهَذَا التعقيد لا يعود إلى استخدام لغة فصيحة غريبة أو معقدة بقدر ما إلى طريقة التعبير عن المعنى. مِمَّا جعلنا نبذل جهدا كبيرا في تصحيح والكلمات من حين لآخر، وتوضيح المصطلحات العرفية الواردة التي قد تخفى عَلَى القارئ المعاصر، لبعده عنها زمانا وتخصصا، وكنا أحيانا بسب هَذِهِ الصعوبة نقف أمام الجملة نقلبها عَلَى وجوهها حتى يتيسر لنا فهمها. ونظرا إلى هَذَا الأسلوب ـ ذي الطبيعة المتداخلة، وما يشيع فيه من الأخطاء النحوية والصرفية، واستخدام أساليب شبه عامية ــ المعتمد في كل أجزاء الكتاب رأينا عدم تصويب الأخطاء كلَّ مرَّة في الهامش، وإنما كنا نصوبها في المتن لكثرة ورودها وتكرارها.
- 64 - (1/64)
صفحة 64
وقد شرحنا فيما سبق وجهة نظرنا من أسباب هَذِهِ الركاكة في الأسلوب وهذه الأخطاء اللغوية التي تكثر كثرة فاحشة؛ وقد لاحظنا أنَّ المادة العلمية أساسا لا تورد المصادر المعتمدة للتشريع قرآنا وأحاديث، ولعل المؤلف كان يكتفي بإيراد الحكم استنادا إلى ما تعارف عليه الناس والعلماء في عهده، دونما حاجة إلى إسناد الحكم بدليل شرعي عَلَى أنَّنا حينما نقارن بين الأحكام الواردة في الكتاب نجد لها مستندات من القرآن والأحاديث النبوية الشريفة معروفة في مصادرها، في الأبواب المتعلقة بهذا الموضوع.
ولا يسعنا أخيرا إلا أن نقدم الشكر الخالص للمحقق الشيخ بكير بن محمد الشيخ بلحاج، الأستاذ بمعهد الحياة الثانوي عَلَى ما بذله من عناية في تحقيق متن المخطوط. ولا ننسى الجهود التي بذلها الطالبان محمد بن موسى باباعمي ومصطفى بن محمد شريفي في المراجعة والتصحيح ومقابلة النسخ، ومتابعة الطبع.
هَذَا ونرجو من
الله أن يثيبنا عَلَى اجتهادنا وجهدنا طالبين منه حسن المثوبة
عند الإصابة، والعفو عند الغفلة والزلل.
وَهُوَ وحده ولي التوفيق.
الجزائر:: يوم الجمعة 18 ربيع الأول 1412 ه الموافق: 27 سبتمبر 1991 م
- 65 -
محمد صالح ناصر (1/65)
صفحة 65
بداية المخطوط
الحمد لله لا شريك له في وحدانيته، ولا نظير له في ربوبيته، نحمده على آلائه، ونستعينه على طاعته وإياه نسأل التوفيق، وإليه نرغب في العصمة من الخطا والزلل، ولا حول ولا قوة إلا به، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبعد فنحن نريد شرح ما انتهى إلينا من مسائل الشركة وما يوجبها وما تجوز فيه وما يقع به الفصل والقسمة ممن وجبت بينهم الشركة، وذلك أن الشركة من صفة الخلق ولا يوصف الله بها عزَّ وجلَّ.
وتلك الشركة (1) تقع على وجوه، ونحن نذكرها ونبينها وبالله التوفيق.
باب في الشركة وبيانها
والشركة تقع على وجوه متفاوتة، منها ما تكون فيه الشركة بالتمليك (2)، وتكون الشركة في المنافع دون التمليك، وتكون أيضًا في الأموال وغير الأموال.
فالتي تكون في غير الأموال، مثل الشركة في الدين وأمور الإسلام، وشركة النسب والولاء وغير هذا.
خطأ ظاهر.
في نسخة (ت): «وتلك القسمة»، وهو المراد بقوله: «الشركة بالتمليك»: الشركة في أعيان الأشياء أي ذواتها.
- 67 -
-
1
-
2 (1/67)
صفحة 66
وقصدنا في كتابنا هذا إلى شركة الأموال دون غيرها وتلك الشركة تقع بفعل
الشركاء جميعا، أو بفعل بعض الشركاء دون بعض، وتكون بغير فعلهم جميعا. فالوجه الذي تكون فيه الشركة بفعلهم جميعا، وذلك إن اتفقوا جميعا فيما يجوز فيه اتفاقهم من السعاية (1) في الأموال، مثل ما يدخل ملكهم من جميع المباحات والحقوق كلها من الصدقات وغيرها، ومن التجارات في الأرباح كلها. وكذلك الغنائم بأصنافها، إذا خرجوا باتفاق منهم إلى عدوهم على أن يكون جميع ما استفادوه من الغنائم ممَّا غنموه بينهم جميعًا. وما غنم بعضهم دون بعض إذا اتفقوا أوَّل مرَّة أن يكون عسكرهم واحدًا، ولو افترقوا بعد خروجهم.
والوجه الذي تكون فيه الشركة بفعل بعضهم دون بعض، مثل جميع المكاسب، والتجارة في الأرباح كلها إذا شارك غيره (2) في جميع ذلك، ولو كان له شريك في ذلك المشترك إذا شاركه (2) في نصيبه أو لم يكن له شريك فشار كه (2) في الجميع
فذلك جائز.
والوجه الذي تقع به الشركة بغير فعلهم، وذلك مثل الميراث وجميع الوصايا وكذلك جميع الممتزج إذا امتزج بفعلهم أو بفعل غيرهم، وأما المختلط من الأموال شبه الحبوب فيما بينهم وجميع ما يكال ويوزن، وذلك إذا كان لا يمكن فيه الامتزاج وجميع ما اختلط، حيوانا كان أو غيره، إذا اختلط هذا كله حتى لا يصلوا إلى فرزه ولا يعرف ما لِكُلِّ واحد منهم دون صاحبه، فهذا كله لا تقع به
2
لعل الأصوب أن يقال: «من السعي». قال في القاموس: «سعى يسعى سعيا كرعي: قصد وعمل ومشى وعدا وثم وكسب وسعاية باشر عمل الصدقات ... ». ليتأمل. الفعل شارك يدلُّ على فعل اثنين، أما أشرك فهو فعل واحد أي شركة من جانب واحد. قال في المنجد: «شاركه وتشاركا وقعت بينهما شركة، وأشركه في أمره: جعله شريكا له فيه»، وعلى هذا فالأوفق أن يقال: «إذا أشرك غيره في ذلك»، وكذا يقال: «إذا أشركه في نصيبه فأشركه في الجميع، وبهذا تكون شركة بفعل بعضهم دون بعض».
- 68 - (1/68)
صفحة 67
الشركة؛ واختلفوا في حكم هذا المختلط فبعض العلماء يحكم بعقلانه (1) أبدا حتى يتبين أمره، أو يتفق أربابه فيما بينهم إذا كانوا ممن يجوز اتفاقهم، أو من كان بمقامهم من الخليفة والوكيل والمأمور. وأما من لا يجوز اتفاقه مثل الطفل والمجنون ونحوهما فهو معقول على حاله أبدا. هذه المسألة التي حفظناها عن الشيخ أبي محمد و اسلان (3) له
1
2
- 3
لعل المراد: «يحكم بحبسه». قال في لسان العرب: «وَسمِّي العقل عقلا، لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك، أي يحبسه ... واعتقل: حُبس، وعَقَلَه عن حاجته يعقله، وعقله، وتعقله، واعتقله: حَبَسَه». اهـ. أما مجيء مصدره على وزن فَعْلان فلم نجده في لسان العرب، ولا في القاموس. ر: مَادَّة «عقل» في الكتابين. قوله: «فهو معقول على حاله أبدا»: المراد بالمعقول هنا المحبوس ثمَّ ينظر في القضية هل يحتبس أبدا أم حتى يرشد الطفل ويبرأ المجنون من حنونه، أم ينظر فيه حاكم للمسلمين، أو ينوب فيه الوكيل منابهما؟.
والأئمة، منهم!
ويحيى بن بيدر.
أبو محمد ويسلان بن أبي صالح بكر بن قاسم اليراسي، حي بعد (431 هـ) إمام وابن إمام. درس في حربة في حلقة والده أبي صالح بكر بن قاسم (ت: 431 هـ)، وعن أبي زكرياء فصيل بن أبي مسور. وكان في سني تعلمه يخلف أباه في حلقاته حال غيابه، ثمّ أسس حلقة متنقلة، فقد انتقل بها إلى بيته قبالة المسجد الكبير بجربة، ثمَّ طلع بها ذات سنة إلى جبل دمر، تخرج فيها جمع من العلماء أبو محمد ماكسن بن الخير، وأبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي، ويحيى بن ويجمن، له كتاب الوصايا والبيوع، جمعه تلاميذه في حلقاته، ثم عرضوه عليه فرضي، وقد رأى المستشرق موتيلنسكي نسخة منه في أريخ قبل 1885 م. وله فتاوى عديدة أوردت منها كتب السير الكثير. انظر: أبو زكرياء السير (ط. ت) 200 ... 293/ 2 - 295 ... الوسياني: سير (مخ) 1/ 40، 46 - 43 ... 354/ 2، 359 ... الدرجيني، طبقات 369/ 2 البرادي: رسالة في تقييد كتب أصحابنا، ملحق موجز أبي عمار، 294/ 2 الشماخي السير، ط.1، 476، 479؛ ط.2، 54/ 2 - 55 علي معمر: الإباضية في موكب التاريخ، ح 185/ 4 - 186 سالم بن يعقوب: تاريخ حربة، 77 ... الجعبيري: البعد الحضاري 114 الجعبيري: ملامح، 5.
Motylinski: Les livres, 18 Dozy et de Goeje, Description de l'Afrique et de l'Espagne par Idrissi (texte arabe), 172 St Gsel: Inscriptions latine de l'Algerie, n° 30, 849, 1069,3791 Lewicki: Notice, 161, 171 Lewicki: Les historiens, 56 - 57.
ر: جمعية التراث:
معجم أعلام الإباضية، (مرقون).
- 69 - (1/69)
صفحة 68
وقيل بالرخصة فيمن ولي أمر هؤلاء أن يجوز له مثل ما يجوز لمن ذكرنا أوَّلاً. ومنهم من يقول في المختلط تكون فيه الشركة لأصحابه مثل ما ذكرنا في الممتزج، والممتزج مثل الزيت والماء واللبن وما أشبهها مما لا يوصل فيه إلى معرفة جزء ما لِكُلِّ واحد إذا امتزج مع جنسه.
واختلفوا متى تجب الشركة في المختلط على قول من يوجبها. قال بعضهم: لا تجب فيه الشركة حتى يحكم لهم الحاكم. وقال بعضهم: لا تجب بالحكومة، ولكن
إذا اقتسموا كان لِكُلِّ واحد منهم ما أخذ في حصته. وقال بعضهم: توجب الشركة حين وقع الاختلاط. واختلفوا أيضا إذا تبيَّن ما لِكُلِّ، أو لواحدٍ منهم من هؤلاء الذين ذكرنا بعد القسمة. قال بعضهم: يرجع كل واحد منهم إلى ماله ويأخذه دون غيره. وقال بعضهم: لا يجد أحد منهم الرجوع بعد القسمة أو حكومة الحاكم.
كذلك الجواب في المختلطين من الأولاد والأزواج (2) على ما ذكرنا، والجواب في جميع ما تعلّق إلى هذا المختلط من الحقوق مثل الزكاة والنفقات والمضار والمنافع على ما ذكرنا. فمن أوجب فيه الشركة أوجب الحقوق على ما اشتركوه. ومن قال: بعقلانه أبطل الأخذ بهذه الحقوق كلّها حتى يتبيَّن، ولكن يرجع أمر هذا المعقول إلى إمام المسلمين أو قاضيهم أو جماعتهم في القيام وما يؤخذ عليه من الأجرة ودفع المضار.
واختلفوا فيما يوجب في هذا المعقول من الزكاة إذا تبين بعد العقلان. قال بعضهم يعطي على ما مضى، ويكون وقته من الأوَّل. وقال بعضهم: ليس عليه فيما مضى شيء، ووقته من حين تبيَّن. وكذلك الجواب في المتلوف من الأموال إن أيس منه صاحبه ثم وجده بعد ذلك على هذا الحال.
1
لعل الصواب: تجب.
كَذلِكَ الجواب في المختلطين من الأولاد والأزواج مَعْنَى العبارة عَلَى هَذَا التقدير: في
المختلطين من أموال الأولاد والأزواج ...
- 70 - (1/70)
صفحة 69
وأما الأرض وما اتصل بها إذا اختلطت حتى لا يفرز ولا يصل كل واحد منهم إلى معرفة نصيبه، فذلك كله معقول حتى يتفقوا فيما بينهم إن كانوا ممن يجوز اتفاقهم. فإن لم يتفقوا فلا يحكم بينهم بحكم المشترك. وقيل: غير ذلك في الأصل، أن يكون مثل غيره مما ذكرنا في المختلط.
وأما ما ذكرنا من الممتزج والمختلط إذا كان بين مالك معلوم وبين أموال الأجر كلها بأصنافها، فإنه يكون ذلك كله للأجر، لأنَّ لأن وجوه الأجر كلها لا تكون الشركة بينهم وبين جميع من يكون له الملك فيما ذكر عن الشيخ أبي محمد و اسلان). وإن كان اختلاط ذلك كله بغير فعل صاحب المال فيكون الذي خلطه ضامنا لصاحب المال نصيبه فيكون ذلك كله للأجر، وكذلك ماله إن جعل منه سهما معلوما لوجه من وجوه الأجر كلها فإنَّه يرجع ذلك كله إلى ذلك الوجه، وكذلك إن جعل سهمه من المشترك للأجر فإنَّه يكون ذلك كله للأجر ويضمن نصيبه لشريكه من ذلك المشترك. ومن العلماء من يقول: إنَّ الشركة تقع فيما بين وجوه الأجر وبين ما ذكرنا من مالك معلوم. وعلى هذا القول فلا يضمن الشريك لشريكه الذي جعل نصيبه للأجر فيكون شريكه شريك الأجر.
وأما إن كان إنَّما اختلط ماله بمال الحرام كله فإن كان بفعله فلا يصل إلى ذلك كله إلا باتفاق من صاحب ذلك الحرام إن وجده، فإن لم يجده فيكون ضامنا لذلك الحرام. ولا يصيب هو أيضا ماله ما دام كذلك. فإن كان إنما اختلط ماله بمال الحرام بفعل غيره من الناس فإنَّ من خلطه ضامن، فإن وجده فليغرمه نصيبه، وإن لم يجده فلا يتلف نصيبه من حيث لم يخلطه بفعله وجاء ذلك من قبل غيره، فيكون ذلك مثل ما قدمنا ذكره من المختلط والممتزج.
- 71 -
سبق التعريف به.
1 (1/71)
صفحة 70
ومن العلماء من يقول: في المختلط كلّه من الحرام غير الأصل (1) أن يصيب فيه
مثل ما يصيب في المشترك سواء في ذلك أخلطه بنفسه إذا تاب أو خلطه غيره.
وسئل عما ينسب إلى وجوه الأجر كلّها من الأموال مثل المسجد والمقبرة والمساكين، وما جعل للأجر هكذا إن اختلط هذا كله حتى لا يفرز ولا يصل إلى معرفة ما لِكُلِّ واحد منهم.
الجواب: إنَّ هذا يرجع كله إلى ما جعل للأجر هكذا دون غيره. ومنهم من يقول:
هذه الوجوه كلها سواء في هذا المختلط كما ينسب إليهم أولاً قبل الاختلاط.
وَأَما ما ذكرنا قبل هذا من شركة المنافع دون التمليك، فذلك مثل ما روى عن النبي، أنه قال: «الناس يشتركون في ثلاث (2): الماء والكلأ والحطب والنار». وهذا الاشتراك في المنافع دون التمليك ما لم يقبضوا ذلك كله على التمليك. فإذا دخلت يدهم على التمليك صار لهم، ويكون فيها اشتراك العين بعد قبضه فيزول منه اشتراك المنافع، وكذلك جميع ما استوى إليه الناس من المجازات (5) بأصنافها إذا كانت بقعة تلك المجازات ليست لهم فإنه يكون اشتراكهم
في المنافع دون التمليك.
-
1
2
3
- 5
المراد بقوله: «غير الأصل»: المنتقل. لأنه جرت العادة بتقسيم المال إلى أصل ومنتقل. فيه إشكال: ذكر لفظ الثلاث وَلَكِنَّهُ أورد في الحديث أربعة أشياء. رواه كل من أحمد في صفحة 364 من المجلد الخامس وابن ماجه في الباب السادس عشر من كتاب الرهون بلفظ: المسلمون شركاء في ثلاث في الماء والكلأ والنار». ورواه أبو داود في الباب الحادي والستين من كتاب البيوع ولكن بتقديم الكلاً على الماء. وقد تكلّم في إسناد هذا الحديث. انظر حاشية السندي على سنن ابن ماجه.
أما لفظة "الحطب الواردة في الكتاب فلا وجود لها في الحديث، وَلَعَلَّهُ من تصحيف النساخ. لعل الصواب: «استوى فيه». فتعدية الفعل استوى" بـ"إلى وردت في القاموس بمعنى صعد أو عمد أو أقبل عليها أو استولى.
مراده بالمجازات والله أعلم: أماكن الجواز أي المرور.
- 72 - (1/72)
صفحة 71
باب في شركة المنافع وتصحيح القسمة فيها
وشركة المنافع مثل ما ذكرناها مِمَّا استوى إليهِ (1) الناس من المجازات والمياه والمروج والمراعي وجميع المساكن في الفحوص التي استووا إليها ويحتاجون إليها لمواشيهم، وغير هذا مِمَّا يشبهه؛ فالسابق إلى هذه المعاني أولى من غيره. فإن لم يتسابقوا، أو جاؤوا إليها معا حيث يستوون إليسها، فإن أمكنهم جميعا المنافع بعامتهم فليتفقوا كما أمكنهم؛ ولا يجوز لبعضهم أن يمنع بعضاً على هذا الحال. وإن كان لا يمكنهم الانتفاع لعامتهم فليتفقوا فيما بينهم على من سبقهم في ذلك كله إن تشاححوا أو تشاجروا، فيقسمون المنافع
وتلك القسمة أن يقرَعُوا على من سبق منهم وعلى من يليه كذلك إلى آخرهم. فإن فعلوا هذا فمن وقعت قرعته منهم على معنى معلوم فيكون هو أولى به من غيره، ويكون من عائده على ذلك ومنعه يجوز له منعه ومقاتلته على بغيه في ذلك الوقت. وَأَمَّا تباعة المال فلا تكون على هذا الممنوع له المنافع.
وأَما قوم معروفون إن أذن لهم رجل في الانتفاع بماله، فإنهم ينتفعون بذلك المال على قدر إذنه لهم إن كان يمكن لهم الانتفاع به جميعاً معاً، فإن لم يمكنهم الانتفاع معاً فليقسموه كما أمكنهم الانتفاع به؛ ومنهم من يقول: ولو كان يمكنهم الانتفاع به جميعا إذا خافوا وقوع الشرِّ بينهم أن يقسموه لمنافعهم، وهذا إذا كان الشيء الذي أذن لهم في الانتفاع به لم يدخل ملكهم، وأما إن أدخله صاحبه ملكهم بمعنى من المعاني التي يدخل به الملك، فإنه يكون مثل جميع ما اشتركوا فيه يتداركون فيه القسمة كما يتداركون في المشترك.
-
1
- 2
لعل الصواب أن يُعدى الفعل «استوى» بالحرف «في» بدل «إلى». أي استوى فيه الناس، أي استوت حقوقهم فيه.
وأما تباعة المال فلا تكون على هذا الممنوع له المنافع المفهوم من العبارة كالتالي: وأما تباعة المال إن كانت عَلَيْهِ تباعة فلا تكون عَلَى من منع من الانتفاع به، لقاعدة: «الغنم بالغرم».
- 73 - (1/73)
صفحة 72
وَأَما ما أرسل إلى قوم معروفين بصفة معروفة، سواء تلك الصفة صفة كانت فيهم أو صفة منزل معلوم، أو حلقة معلومة كانت في موضع معلوم فإنه يكون من أرسل إليه هذا الذي ذكرناه ينتفعون به بغير دخول ملك أحد منهم دون صاحبه ما لم يقتسموه، فإن اقتسموه وأخذ كل واحد منهم نصيبه فقد دخل ملكه، ويجوز له فيه جميع ما يجوز له في ماله. وكلُّ من مضى منهم ولم يحضر للقسمة فليس له فيه شيء ولو حضر لقدوم ذلك الشيء؛ فيكون من حضر للقسمة يأخذ نصيبه، ولو أنَّه لم يحضر لقدومه أول مرة (1).
وأما إن أرسل هذا لقوم مخصوصين بأعيانهم فإنه يكون لهم هذا الذي أرسل إليهم بالتمليك، سواء من غاب منهم ومن حضر يفعلون فيه جميع ما يفعلون في أموالهم.
مسألة: في قسمة الأموال
والقسمة قد ذكرها الله في كتابه على لسان نبينه له حيث قال: عزَّ وجلَّ: {وَإِذَا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا).
والقسمة جائزة بين الشركاء في جميع الأموال التي تمكن فيها القسمة، ويدركها بعضهم على بعض بالجبر، وسواء في هؤلاء الشركاء من تجوز أفعاله ومن لا تجوز. ولكن من لا يتم فعله مثل الطفل والمجنون إن كانت لهم خليفة فهي في مقامهم، فإن لم تكن لهم خليفة فليأخذوا العشيرة أن يستخلفوا لهم خليفة تكون بمقامهم، ويدركون عليهم ذلك بالحكم.
? 1
2
- 3
المراد هنا - والله أعلم - أنَّ العبرة في استحقاق الانتفاع بما يرسل إلى قوم معروفين. حضور قسمة ما أرسل إليهم لا حضور قدوم أي وصول ما أرسل إليهم.
سورة النساء: 8.
ألحقت تاء التأنيث بالفعل اعتبارًا للتأنيث في لفظ الخليفة، ويقال مثل ذلك فيما يأتي.
- 74 - (1/74)
صفحة 73
وأما الغائب فلا يدركون على عشيرته أن يستخلفوا له خليفة على قسمة ما ترکه (1). من الأموال. وأما ما دخل ملكه بعد غيوبته (2) بغير فعله من جميع الأموال مثل الميراث والوصية، فإنَّ شريك الغائب في هذا الذي ذكرنا يدرك على العشيرة أن يستخلفوا له خليفة يقسم معه ما اشترك مع الغائب في هذا الذي ذكرنا من الوصيَّة والميراث وأَما إن ترك مالاً قد أشركه (3) فيه مع غيره فورث من ذلك المال شيئًا غير الذي ترك فإنَّه يدرك عليهم خليفة يقسم معه جميع ذلك، ما ترك وما استفاد بعد غيوبته حين اختلط مع ما ورث وما ترك؛ ومنهم من يقول: لا يدرك عليهم ذلك في الحكم لأنه ترك بعضه، ولكن لهم الخيار في ذلك إن شاؤوا استخلفوا، وإن شاؤوا تركوا على هذا القول.
وَأَما ما ترك قبل غيوبته من المال فلا يجوز لهم أن يستخلفوا عليه خليفة يقسمون مع الشركاء؛ وهذا على قول من يقول: لا يدرك على العشيرة أن يستخلفوا على قسمة مال تركه خليفة وورث الغائب بعد غيوبته إذا كان قد ترك بعضه قبل غيوبته. وأما من قال: يجبرون على الاستخلاف في هذا، فإنه يجوز لهم أيضا أن يستخلفوا على قسمة ما تركه قبل غيبوبته.
والشركاء إنما يتداركون القسمة في جنس واحد لا في أجناس مختلفة معا، وذلك الجنس مثل النخل بأصنافها، والزيتون بأجناسها، وكذلك العنب) على اختلافها، وكذلك الحيطان فيما بينهم؛ والأرضون إذا كانت بيضاء ليس فيها شيء، جنس واحد. وكذلك الغنم كلها جنس واحد، والإبل بعضها ببعض جنس
-
1
2
--
-
3
4
لَعَلَّ هَذَا يقيد بما إذا لم تنقض مُدَّة الغياب التي يحكم بعدها بموت الغائب حتى يتصل كل ذي حق بحقه. ليحرر.
الغيوبة بمعنى الغياب. قال صاحب القاموس: الغيبة كالغياب بالكسر والغيبوبة والغيوب
والغيوبة والمغاب والمغيب والتغيب ... قد أشركه» - قد اشترك فيه مع غيره. وكذلك العنب أراد بها والله أعلم الكروم.
- 75 - (1/75)
صفحة 74
واحد، وكذلك البقر على هذا الحال وكذلك المقبوض مثل الثياب على اختلافها، وكل ما يعمل منها من الصوف جنس واحد، وما يعمل من القطن جنس واحد،
منهم
(1)
والكتان جنس واحد. ومنهم من يجعل الكتان والقطن جنسًا واحدا. وكذلك الجواب في جميع الأواني، وفي كل الأشياء، كل صنف على حدة. وهؤلاء الأجناس كلُّ واحد منهم (2) لا تجوز قسمته مع غيره من الأجناس. ومن العلماء من يقول: الأصل كله جنس واحد، والأرض وما اتصل بها جنس واحد والغيران والآبار والجب صنف واحد. وقيل في الأرض وما اتصل بها أن تكون جنسًا واحدا؛ وقيل في الحيوان أيضا أن يكون جنسا واحدا، وكذلك كله الأواني فيما بينها على كثرة اختلافها، وكذلك في الثياب. وقيل في المقبوض أن يكون جنسا واحدا. ومنهم من يقول في المال المشترك كله أن تحوز قسمته بعضه مع بعض والله أعلم. وقيل في جميع ما اشترك أن يجبر الشركاء على ما يفصل بينهم لأنَّ القسمة على هذا القول تمكن في جميع الأشياء، إما بقسمة العين أو قسمة المنافع أو البيع وبالله التوفيق.
:باب فيما تجوز به القسمة وما لا تجوز به وإنما تجوز القسمة وتصح بالأقلام، ولها ذكر في كتاب الله عز وجل حيث يقول: {إِذْ يُلْقُون اقلامَهُمْ, أَيُّهُمْ يُكْفُلُ مَرْيَمَ.
وهذا يدل على تجويز الأقلام بين الشركاء ليفصلوا بها ما بينهم، وليعلموا ما لكل واحد منهم دون صاحبه.
ولا تصح القرعة بالأرض ولا بجميع ما اتصل بها، وكذلك لا تصح بجميع الحيوان من بني آدم وغيرهم. وإنما تصح بالمقبوض والمحدود الذي يقبضون
1
2
3
كل صنف منهم» - كل صنف منها.
كل واحد منهم» - كل واحد منها.
سورة آل عمران: 44.
- 76 - (1/76)
صفحة 75
بأيديهم، ولا يكون شيء واحد من المقبوض أقلاما مفترقة مثل السكين ومقبضه، والأصابع واليد وأشباه ذلك. وقيل بجواز هذا كله.
وإنَّما تصح القرعة بهذا المقبوض الذي ذكرنا إذا كان قد تبيَّن كل واحد منها
بصفة معلومة وانفرد بها.
ومنهم من يقول في جميع ما قد تبين من الأرض وما اتصل بها أن تحوز به القرعة، وكذلك الحيوان وغير الحيوان ممَّا يصل إلى معرفته وبيانه.
أقلهم
وإنَّما يجعلون الأقلام على عدد أسهم الشركاء، وذلك أن يقسموا على " سهما، ومن له سهم واحد أخذ قرعةً واحدةً، فمن له أكثر من واحد أخذ على قدر عدد سهامه أقلاما. وإذا أرادوا أن يلقوا أقلامهم على السهام فليلقوها على جهالة منهم على الأقلام)، إلا من كان له أكثر من واحد فإنَّهم يلقون أول أقلامه على جهالة، وما سواه من أقلامه يرمونها له على العلم منهم لها، ويأخذ سهامه متتابعة في مكان واحد. ومنهم من يقول: إنَّما يجعلون الأقلام على عدد الشركاء لا على الأسهم، فحيثما وقعت قرعة من له سهمان أو ثلاثة أخذ أسهمه متتابعة.
وذكر الشيخ أبو محمد واسلان الله الله في الأجنب (2) من الورثة، مثل الزوج والزوجة، أن يردهم الورثة في طرف أصلهم، ولكن لا يردُّونهم إلا بالقرعة منهم على أي طرف يريدونهم فيه. وقيل في الأم والكلالة أن يصيبوا فيها مثل ما يصيبون في الزوج والزوجة.
ومن العلماء من يقول في الشركاء: إنَّهم يجعلون أقلامهم على عدد الأسهم فليلقوهم على الجهل كلهم، فحيثما وقعت قرعة أحدٍ منهم أخذها، اجتمعت سهامه أو افترقت.
(3)
على جهالة منهم على الأقلام المراد: على جهالة منهم للأقلام، أي لا يدرون لمن هو كل
قلم منها.
قوله: «في الأجنب»، قال في القاموس: «الأجنبي والأجنب الذي لا ينقاد والغريب». والمعنى
الثاني هو المناسب للسياق. ليتأمل.
«فليلقوهم» - فليلقوها.
- 77 -
– 1
- 2
- 3 (1/77)
صفحة 76
والقرعة إنما يلقيها من له فعل صحيح)؛ وأما جميع من لا فعل له فلا تجوز قرعته.
وكذلك لا يلقيها أحد من الشركاء ولو كان له فعل صحيح، وكذلك من كان في موضع الشريك مثل الخليفة والوكيل ومنهم من يقول بجواز هذا كله في الطفل والشريك. ومن أراد أن يلقي القرعة فلا يلقيها إذا علم أقلام الشركاء أو بعضهم؛ فإن رمى القرعة على علم منهم بأقلام الشركاء فقسمتهم لا تجوز على تلك الحالة. فإن علم الشركاء بذلك فليعيدوا ضربة أخرى، فإن لم يعلموا صار من ألقاها ضامنًا.
وأما إن اقتسم الشركاء مالهم، ثُمَّ تبادلا أو تبايعا أو تخاير (2) فيما أو خير بعضهم بعضا، فإنَّ هذه الوجوه التي ذكروا لا تكون قسمة بين الشركاء (3)؛ ولا يجوز أيضا لخليفة اليتيم أو المجنون أو الغائب أن يفعل شيئًا من هذا، ولا يجوز له أن يختار لغائب أو طفل أو مجنون على أن يخير شريكه). وكذلك البيع والمبادلة والإجارة. وهذا جواب الشيخ أبي محمد واسلان نه.
وأما من تمت أفعاله جاز له جميع ما ذكرنا. وكذلك خليفة كلّ واحد منهم يفعلون ذلك بإذنهم. ومن العلماء من يقول في جميع ما ذكرنا من البيع والمبادلة والإجارة والتخيير أن يجوز بين الشركاء وتكون أيضًا
-
1
يقصد من يصح فعله من غير الصبيان والمحانين وأمثالهم؛ لأن الصبيان والمجانين لا اعتبار لأفعالهم في الشرع.
2 «ثُمَّ تبادلاً أو تبايعا أو تخايرا ... » المراد بذَلِكَ ثُمَّ تبادلوا أو تبايعوا أو تخايروا.
-
- 3
+
«فإن هذه الوجوه التي ذكروا لا تكون قسمة بين الشركاء» وَإِنَّمَا هي صور من التصرف في المال
بعد قسمته، ولذلك لا يجوز لخليفة اليتيم أو المجنون أو الغائب أن يفعل شَيْئًا من ذَلِكَ. «ولا يجوز له أن يختار لغائب» معناه: ولا يجوز للخليفة أن يختار لمن استخلف عَلَيْهِ أن يختار ولو على سبيل اشتراط تخيير الشريك عند قدوم الغائب أو بلوغ الطفل أو عقل المجنون. والله أعلم.
- 78 - (1/78)
صفحة 77
قسمة بينهم. ويجوز أيضًا لخليفة اليتيم أو المجنون أو الغائب هذا الذي
ذكرنا، فيما روى أبو محمد عبد الله بن الشيخ) عن أبيه عبد الله مانوج رحمه الله (2)
اختلف العلماء في الشركاء إذا بدأوا في إلقاء القرعة متى يدخل نصيب كل
واحد منهم
ملكه؟.
قال بعضهم: لا يدخل ملك أحد منهم نصيبه حتى يأتوا إلى آخر الأسهم فيلقون عليه قرعته، فحينئذ يدخل ملك كلّ واحد منهم ما وقعت عليه قرعته. وعلى هذا القول إذا ألقوا بعض الأقلام وبدا لهم قبل أن يلقوا (3) فهو مشترك بينهم كما كان أوّل مرة. وكذلك إذا تلف لهم
بيعهم
بعضها قبل أن يتموها على هذا الحال (4).
1
2
- 3
4
أبو محمد عبد الله بن الشيخ من رجال الطبقة العاشرة (450 - 500 هـ). أبو محمد عبد الله بن مانوج اللمائي الهواري، ط 9 (450 - 500 هـ) أحد الشيوخ السبعة المشهورين المؤلفين الديوان بغار أبجماج"، بدأ تعلمه وَهُوَ كبير السن عن أبي مسور يسجا بن يوجين، وأبي صالح بكر بن قاسم اليراسني وأبي موسى عيسى بن السمح. من تلاميذه ماكسن بنا الخير؛ له فتاوى متناثرة في كتب الفقه والسير الإباضية. عاش زاهدا في الدنيا على ضيق حاله، وقتل شهيدا في غارة غارت عليه، ويبدو أنه عمر طويلا. انظر: أبو زكرياء السيرة، 241/ 1؛ 283/ 2 أبو الربيع المزاتي: سير المزاتي 45 الوسياني: سير (مخ) 46/ 1، 58، 82؛ 187/ 2 - 188 - الدرجيني طبقات، 159/ 1 - 160؛ 403/ 2 الشماخي: السير، ط.2، 70/ 2 - 71 علي معمر: الإباضية في كب التاريخ، ح 262/ 2/2؛ 121/ 3، 126 سالم بن يعقوب: تاريخ حربة، 99 - 100 الجعبيري: نظام العزابة، 165 ... الجعبيري: ملامح، 5.
«جميعهم» - جميعها.
وغيرها
قوله: «وعلى هذا القول إذا ألقوا بعض الأقلام وبدا لهم مراد به إن بدا لهم شيء مثل غبن في سهم أو رأي في كيفية التقسيم قبل إتمام إلقاء الأقلام فليعيدوا القرعة بعد أن يتفقوا. وكذلك إن تلف شيء منها قبل إتمام القسمة عدلوا الأسهم وأعادوا القسمة.
- 79 - (1/79)
صفحة 78
ومنهم من يقول: إذا أخذوا في القرعة فمن وقعت قرعته على سهم معلوم فهو له، ثُمَّ كذلك إلى آخرهم. وعلى هذا إذا تلف بعض الأقلام قبل أن يتموها أو بدا لهم أو تشاجروا فإنه يكون ما بقي من الأسهم ولم يلقوا عليه القرعة مشتركة فيما بين من له الأقلام الباقية. وأَمَّا إذا بدا لهم ورجعوا قبل أن يلقوا شيئًا من الأقلام فلا يلقوا بعد ذلك شيئًا حتى يتفقوا مرة أخرى.
فإذا رموا أقلامهم على الأسهم جميعًا ثُمَّ بعد ذلك اختلط عليهم أو تشاكل ما لِكُلِّ واحد منهم فإنَّ هؤلاء قد اقتسموا بعد وزالت الشركة بينهم)، وليس لهم
سبيل إلى الشركة إلا إن اتفقوا أن يخرجوا جميع ذلك من ملكهم إلى غيرهم، فيرده لهم على الشركة بينهم، فإنَّه يكون مشتركا بينهم يجوز لهم جميع ما يجوز في المشترك. وهذا الذي ذكرنا إنَّما يكون فيما بين من يجوز اتفاقهم. وأَما إن كان فيهم من لا يجوز اتفاقه مثل الطفل أو المجنون أو الغائب فلا يصيبون هذا. وكذلك إن أعطى من يجوز اتفاقه كل واحد منهم لصاحبه قدر ما يبلغه من ذلك المشترك فهو جائز، ويكونون مشتركين أيضا كما كانوا أوَّل مرَّة.
مسألة: ولا يجوز لأحد من الشركاء أن يأخذ من المشترك شيئًا إلا بإذن شركاته
ومن العلماء من يقول: في جميع ما يكال أو يوزن أن يأخذ منه الشريك حصته ويترك حصة شريكه، وليس عليه فيها شيء. ومنهم من يقول: يأخذ نصيبه ويضمن نصيب شريكه. وقيل: في جميع المقبوض أن يأخذ منه الشريك حصته حيوانا كان ذلك
- 1
قوله: «فإذا رموا أقلامهم على الأسهم جميعًا ثُمَّ بعد ذلك اختلط عليهم ... » إلى آخره، وقوله بعد ذلِكَ: «فإنّ هؤلاء قد اقتسموا بعد وزالت الشركة بينهم ... » أقول: ما الداعي إلى إخراجه من ملكهم؟ ألا يعتبر ذلك ملكا مشاعا؟ أم يعتبر ممتزجا مختلطا تجري فيه الأحكام المذكورة سابقا؟. الله أعلم بحقيقة الأمر.
- 80 - (1/80)
صفحة 79
المقبوض أو غير حيوان من جميع الآنية والثياب أو غير ذلك، وأما الأرض وجميع ما
اتصل بها فلا يجوز للشريك أن يأخذ من سهمه على حال.
وذكر الشيخ أبو محمد واسلان الله الله في أرض مشتركة بين قوم إذا عمر واحد من الشركاء بعضا من تلك الأرض على أن يكون له ولم يجاوز سهمه فغرس فيها أو بنى أو حفر ولم يختر أطايب (1) الأرض فإنه يكون ذلك له، وتصير البقية لشركائه بينهم على قدر حصصهم. ومنهم من يقول: يعمل الشريك في تلك الأرض مثل ما عمل ويغرس ويبني مثل ما بنى ويأكل هو غلة عمارته حتى يأتي شريكه بمثل ما يأتي به فليقتسموا بعد ذلك إن أرادوا. وقيل: يرد عليه شريكه جميع ما تعنى فيه وقيمة العين إذا كانت ويقتسمون بعد ذلك إن أحبوا.
وَأَمَّا إذا كان هذا المشترك بيد أحد من الناس وديعة فلا يدرك الشريك من ذلك المشترك حتى يحضر جميع الشركاء. ومنهم من يقول: يدرك نصيبه في جميع ما يكال أو يوزن، وأَمَّا غير ما يكال أو يوزن فلا يدرك فيه شيئا ولا يأخذه أيضا. وقيل في جميع المقبوض من المنتقل وغيره أن يدرك فيه حصته على من كان عنده كما ذكرنا أولاً.
2
الشريك
من
وأما المضمون من المشترك في يد غيرهم وهو قائم بعينه فإنَّ جميع ما أخذ ذلك فبينه وبين شركائه، ويدرك أيضًا على من كان في يده أخذ الكلِّ نصيبه ونصيب شركائه، سواء أكان في يده بغصب أو وجه من وجوه التعدية. وأَمَّا إن أخذ قيمة من تلك العين سواء أكان قائما بعينه أو فات، فإنَّ جميع ما أخذ من ذلك له دون شريكه.
وكذلك جميع الديون يدرك فيها نصيبه على جميع من كانت عليه، ويكون الذي أخذه له دون صاحبه إن أخذه على ذلك، وأَما إن لم يقصد في أخذه أن
-
ورد في الأصل: «مطايب» وهو
خطأ.
قوله: «ويكون الذي أخذه له دون صاحبه يريد به أنه يكون ملكًا له دون صاحبه إن أخذه
على تلك النية.
- 81 - (1/81)
صفحة 80
يكون له دون صاحبه فهو بينهم. وقيل: إنَّه يكون بينهم ولو أنه أخذه على أن يكون له دون شريكه.
وَأَمَّا جميع ما تكون له الغلة من المشترك فلا يأخذ منه الشريك ولا من غلته شيئًا. وقيل في الغلة أن يأخذ منها الشريك نصيبه، وقيل غير ذلك في الأصل. ولا تجوز قسمة الشركاء في الأصل إلا بمحضرهم جميعا، أو بحضور من كان في مقامهم بوجه من الوجوه مثل الخلافة والوكالة والأمر وما أشبه ذلك، ولو جعلوا لذلك الغائب سهما معلوما؛ وكذلك لا تجوز قسمتهم إذا فرَّقوا نصيب أحد منهم على جميع سهامهم أو على بعض أنصبائهم.
وقيل في الأم إذا اقتسم أولادها ففرقوا نصيبها على أسهمهم بإذنها أن تجوز قسمتهم على ذلك. ومن العلماء من يقول في الإخوة إذا اقتسموا وفرقوا الإناث منهم عَلَى أنفسهم كلُّ واحد منهم تبعه نصيب أخته أن تجوز قسمتهم على ذلك الحال. ومنهم من يقول في الإخوة إذا افترقوا بالأمهات واقتسم بعض من كل ناحية مع بعض ولم يحضروا جميعا أن تجوز قسمتهم. ومن العلماء من يقول في الأعشاش (1) إذا اشتركوا أن تجوز قسمة بعضهم مع بعض ولو لم يحضروا جميعا. ومنهم من يقول في الأفخاذ والقبائل والعشائر أن يصيبوا جميع ما ذكرنا في المشترك والله أعلم.
مسألة في قسمة الأصل
ولا تصح قسمة الأصل وجميع ما اتصل به إلا بالحدود؛ وتلك الحدود مثل جميع ما يفصل بين الشركاء ويبين سهم كلّ واحد منهم على حدة. ولا يصح ذلك الحد إلا متصلاً من الطرف إلى الطرف مثل الخط والجسر المتصل (2)
- 1
2
الأعشاش: لعلّه يقصد الأعراش بمعنى القبائل أو الأفخاذ أو البطون. يبدو لي والله أعلم أن المراد بالجسر هنا ـ وفي غيره ـ هو ما يرفع من الأرض بالردم على
- 82 - (1/82)
صفحة 81
والحائط والزروب (1) إذا كانت من طرف إلى طرف. وبذلك يتبيَّن نصيب كل
واحد منهم.
وَأَمَّا الحدود المنقطعة فلا تصح بها القسمة لأنَّ بعض المشترك قد امتزج ولم ينفصل؛ ولا تجوز القسمة في المشترك إذا كان بعض لم يتبيَّن ولم ينفصل بحده. ومنهم من يقول: القسمة تجوز بجميع ما يكون حدا، مثل الكدية والحجارة والخشب إن انقطعت أو اتصلت؛ وأَمَّا المنتقل كله فلا يكون حدا حيواناً كان أو غير حيوان.
وقيل: في المتنقل كلّه أن يكون حدا إلا الحيوان؛ وقيل: في الحيوان غير ذلك. والحدود كلها لا تدخل في القسمة سواء أكانت الحدود للشركاء أو لغيرهم من الناس. ولكنه إذا كانت هذه الحدود لغيرهم من الناس وجعلوها حدا بإذنهم فلا يصيب نزعها بعد ذلك، لأنَّ ذلك يخلط على الشركاء أنصباءهم.
واختلفوا في هذه الحدود بعد ما اقتسم بها الشركاء؛ منهم من يقول: يمسكها صاحبها في تلك الأرض ولا يدرك نزعها ولا يدرك على الشركاء أيضا قيمتها. ومنهم من يقول: يدرك على الشركاء قيمتها حين لم يدرك نزعها، وهذا في غير الحيوان، وأَما الحيوان فإنَّه يأخذه.
وأَما إن جعل الشركاء ما ذكرنا من حدود غيرهم بغير إذنه فإنَّ صاحبها ينزع
ماله ولا يشتغل في ذلك باختلاط أسهم الشركاء إلا إن أراد غير ذلك.
وأما إن جعل الشركاء حدودَ مَا بينهم من الأرض المشتركة مثل الخطة يخطونها في تلك الأرض وجعلوها حدَّ ما بينهم، أو رفعوا فيها جسرًا فجعلوه حدا واقتسموا على
- 1
منحدر ليشكل سدا أو حاجزا يمسك الماء وراءه إلى أعلى المنحدر لتشرب منه الأشجار
المغروسة عَلَيْهِ، وقد يكفي عرض ذَلِكَ الجسر ليكون طريقا يَمُرُّ عَلَيْهِ الناس ودوابهم. الزروب قال: القاموس: «الزرب: المدخل وموضع الغنم ويكسر جمع زروب ... » إلى آخره. لكن المعنى المتبادر إلى الذهن حسب العرف هو ما يتخذ من الفروع والأغصان الشائكة سياحًا على الحقول وشبهها وغالبا ما تكون على الحدود الفاصلة.
- 83 - (1/83)
صفحة 82
تلك الحالة فإنَّ هذه الحدود لمن يليها من الشركاء دون غيرهم، إلا من كان من الشركاء وقع في طرف المشترك فليأخذ الحد الذي ردَّه إلى (1) الطرف وحده.
واختلفوا في الحد الذي جعل الشركاء بينهم؛ قال بعضهم: إنما يكون الحد بينهم أنصافاً سواء في ذلك من له سهم واحد أو من له أسهم كثيرة. ومنهم من يقول: يكون لهم ذلك الحد على قدر مالهم في المشترك.
واختلف العلماء في الأصل هل تجوز قسمته وعليه الغلة؟
الغلة عنه
قال بعضهم: لا تجوز قسمته إذا كانت عليه الغلّة. وقال آخرون لا تجوز قسمته إلا وعليه الغلة. واعتل كلُّ واحد منهم بما يقوي قوله. وعلة من يجوز القسمة في الأصل وعليه الغلة لأنه زعم ألا تبين معرفة الأصل إلا وعليه الغلة، فإذا عدمت لم يتبين لهم الجيد من الرديء، فإذا عدم البيان في هذا فإنه يكون الغبن، والغبن لا يكون مع القسمة، وهذا كله لمن لم يعرفه قبل ذلك؛ وأما من عرفه قبل ذلك فالقسمة جائزة ولو لم تكن الغلة على الأصل. وأما من لا يجوزها وعليها الغلة فإنَّه يقول قسمة الأصل وغير الأصل معا لا تجوز والغلة أيضًا مِمَّا يكال أو يوزن فلا تجوز قسمته إلا بالكيل أو بالوزن.
وأما إذا اقتسم الشركاء الأصل وليس عليه الغلة ولم يكن الغبن جازت قسمتهم علموا ذلك الأصل أو لم يعلموا منه الرديء من الجيد إذا لم يكن الغبن. والشركاء يتداركون القسمة بينهم سواء ما كان في مكان واحد أو في أماكن شتى. وإن اختلفوا في قسمة ما كان في أماكن مفترقة فالقول قول من دعا منهم إلى قسمة ما كان في مكان واحد على الانفراد، إلا إن اتفقوا أن يقتسموا ما في أماكن شتى مرة واحدة فذلك لهم. واختلفوا في المكان الواحد الذي ذكرنا أنهم يتداركون فيه القسمة؛ قال بعضهم: ما ردَّ الحائط أو الزروب مثل الجنان والفدان
1
أضاف الناسخ: «لعل "إلى" بمعنى "من" ليصح المعنى».
- 84 - (1/84)
صفحة 83
وما أشبهها في مكان واحد ولم يقطعه الحائط أو الزروب أو عمارة غيرهم. وقال بعضهم: ماكان في مكان واحد من الفدادين والأجنّة ولو انفصل ما بينهم من الحيطان والخدوب) ما لم تقطع ما بينهم عمارة غيرهم. وقال آخرون: ما جمعته العين الواحدة من الأصول في مكان واحد ولو قطع بينهم الناس بعمارتهم. وقيل: غير ذلك في أصل منزل واحد إذا جمعته الأميال وهذا الذي ذكرنا إذا كان من جنس واحد، مثل أصل الماء الجاري كله، وأصل البرية على حدة. وأما إن جمعوا أصل الماء الجاري في القسمة مع غيره من أصل البراري فلا يتداركون على هذا القول، إلا إن أرادوا غير ذلك بأنفسهم.
والذي ذكرنا في الشركاء أنهم يتداركون القسمة في مكان واحد وذلك إذا كان ما في ذلك المكان من جنس واحد مثل النخيل والزيتون والعنب؛ وأَما إن اجتمعت هذه الأصناف في مكان واحد فلا يتداركون في القسمة إلا إن أمكنهم أن يأخذ كل واحد منهم من تلك الأصناف كلّها في مكان واحد من الجنان. ولا ينظر إلى قلة ما أخذ كل واحد منهم من تلك الأجناس ولا إلى كثرته إلا إن تراضوا قسمة ما ذكرنا فلهم ذلك؛ فتجوز قسمة الأصل مع الأرض وتجوز قسمته دون الأرض، ولكن إن اقتسموا الأصل دون الأرض فإنه تكون الأرض كلها فيما بينهم؛ وتجوز أيضًا قسمة الأرض دون الأشجار (3)، ولا يثبت للأشجار ما نبتت عليه من الأرض حيث اقتسموا هذا بالحدود والأصل إنما تصح قسمته بالقيمة. ومنهم من يقول: تصح بغير القيمة إذا اعتدلت أسهم الشركاء.
1
2
- 3
لعله الزروب كسابقه.
قوله: «وأصل البرِّيَّة على حدة وقوله بعد ذلك: من أصل البراري»، قال في القاموس: «البَرِّيةُ: الصحراء كالبَرِّيتِ وضد الريفية». وقال: في المنجد: البرية جمع براري الصحراء».
هو
أنه
وتجوز أيضًا قسمة الأرض دون الأشجار» توجيه هذا - والله أعلم. يكون قصد الشركاء من الأرض عمارتها بشيء آخر غير الأشجار مثل بناء الدور
أو اتخاذها لأغراض أخرى.
- 85 - (1/85)
صفحة 84
وكذلك قسمة جميع المشترك غير الأصل لا تصح إلا بالقيمة إلا ما يكال أو
يوزن إذا كان من جنس واحد، فلا يحتاجون فيه إلى القيمة. وأما ما كان منها من أجناس مفترقة فلا تصح فيه القسمة إلا بالقيمة. والشركاء إذا كان لهم أصل في منازل مفترقة في بلاد شتى فلا يتداركون فيه القسمة من مرة واحدة، ولكنهم يجوز لهم ذلك إذا اتفقوا عليه. وإذا أرادوا أن يقتسموا ما في منازل مفترقة من الأصل وأراد كل واحد منهم أن يأخذ الأصل الذي كان عنده في المنزل الذي كان فيه، فإنهم يقومون كل أصل بقيمة المنزل الذي كان فيه ذلك الأصل. وأما إذا كان الشركاء في منزل واحد فإنهم يجعلون لأصل منزلهم قيمة في منزلهم وأما الأصل الذي لم يكن في منزلهم فإنهم يجعلون له قيمة ما بعد عنهم.
مسألة: في قسمة الغلة
ولا تجوز قسمة الغلة على الأشجار إذا لم تدرك إلا إن اقتسموها على أن ينزعوها من حينهم ذلك (1). فإن اقتسموها قبل أن تدرك على أن ينزعوها فإنهم يجعلون لها القيمة وبذلك تصح قسمته، فإن تركوها على الأشجار بعد القسمة نتي زادت فقد انفسخت قسمتهم. وقيل: يصيبون في ذلك ثلاثة أيام؛ وَأَما إن أرادوا أن يقسموا غلة قد أدركت فلهم ذلك إن لم يكن الغبن بينهم. وكذلك جميع ما أنبتت الأرض على هذا الحال نسقا بنسق. ومن العلماء من يقول في غلة الأشجار: تجوز قسمتها مع الأشجار إذا لم يكن الغبن، وهذا إذا أدركت الغلّة، وأَمَّا إن لم تدرك فلا تجوز قسمتها على حال ولكن إذا اقتسموا الأصل قبل أن تدرك الغلة ولم يذكروها أيضًا في حال القسمة فهو جائز وجرت كل شجرة غلتها، إلا إن اشترطوا الغلة أن تكون بينهم فهم على شرطهم.
1
النبيء
عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وَهَذِهِ المسألة مقيسة عَلَى ذَلِكَ هَذَا بناء عَلَى نهي ا الحكم والله أعلم. والحكمة في كُلِّ ذَلِكَ دفع الغبن والخصام بني الشركاء.
- 86 - (1/86)
صفحة 85
مسألة: في الغين
وإذا صحت القسمة بين الشركاء ثُمَّ بعد ذلك ادعى بعضهم: خروج الغين في نصيبه فلا يلتفت إليه إلا بشهادة الأمناء على ذلك الغبن ومقداره، فإن لم
يبينوا مقداره فلا تجوز شهادتهم. وإذا صح الغبن بقول العلماء أو بإقرار الغابن سواء أبين مقدار الغين أو لم يبينه، فإنَّهم يتراددون الغبن، ولا تنفسخ قسمتهم؛ ومنهم من يقول: قد انفسخت قسمتهم.
والغبن الذي يترادده الشركاء فيما بينهم هو ما يكون غبنا بين الناس في البيع والشراء، وأَما ما يصيبه الناس في بيعهم وشرائهم (2) فلا يتداركه الشركاء فيما بينهم، ولكنهم إذا خرج الغين الذي يتداركه الشركاء فيما بينهم فإنهم يتراددون الكل ما يصيبونه على الانفراد وما لا يصيبونه)؛ وكذلك في البيع على هذا الحال. (3)؛
والوجه الذي أقرَّ به أحد الشركاء بالغبن، فإن تبيَّن الغبن أخذ بدفعه إلى المغبون،
فإن لم يبينه فإنَّه يعطي ما أقرَّ به ويدرك عليه اليمين أنه لم يبق عليه شيء.
والأصل لا يتبين فيه الغين بعد العمارة إلا في المغبون من السهام، ولا في الغابن إلا إن كانت الشهادة على الغبن أنَّه كان قبل العمارة أو تبينت العمارة التي كانت في المغبون من الأسهم أنها أنفع له، وهذا الذي ذكرنا أنه لا يتداركون فيه الغبن بعد العمارة جميع ما اقتسموه بالقيمة. وأما ما اقتسموه بعدد الأشجار أو بعدد الأذرع في الأرض فإنهم يتداركون فيه الغين إذا خرج ولو بعد العمارة. وكذلك جميع ما اقتسموه بالكيل أو بالوزن فخرج فيه الغين فإنهم يتداركونه؛ وكذلك جميع ما اقتسموه بالعدد فخرج فيه الغبن فإنهم يتراددونه.
- 1
- 2
-
قوله: «خروج الغين» مراده: ظهور الغبن.
وأما ما يصيبه الناس في بيعهم وشرائهم ... » معناه ما يتسامح فيه، ويكون للشريك جواز
أخذه ... يبقى السؤال: ما حده؟ وما مقداره؟
3 - أي يجب عَلَى كُلِّ شريك أن يَرُدُّ ما أصاب من غين منفردا أو مع غيره.
- 87 - (1/87)
صفحة 86
وإذا خرج الغبن في بعض أسهم الشركاء فأرادوا أن يتراددوه فإنه إن كان ذلك في الأرض وما اتصل بها فإنَّهم يردُّون ذلك الغبن إلى المغبون كما ينفعه، ويأخذه فيما يليه ويتصل بسهمه. فإن كان الغبن في السهم الذي يليه فإنَّ صاحب ذلك السهم يرده له مِمَّا يليه؛ وإن كان بين الغابن والمغبون أسهم كثيرة فإنَّ صاحب ذلك السهم الغابن يردُّ لمن يليه ذلك الغبن ويردُّ أيضا ذلك المردود إليه الغين لمن يليه؛ كذلك يفعلون حتى يصل إلى المغبون فيأخذه.
ولو خرج واحد من الشركاء من جميع سهمه، فيرجع في سهم الذي يليه بنصيبه؛ وذلك مثل رجل توفي وترك أمه وزوجته وثلاثة بنين، فاقتسموا أرضا كانت بينهم على اثنين وسبعين سهما، فأخذت أمه السدس: اثني عشر جزءا، وأخذت الزوجة الثمن تسعة أسهم، وأخذ كل واحد من البنين سبعة عشر جزءا، لأحد بنيه في طرف الأرض، ووقع الآخران في الطرف الآخر، فأخذ من البنين ثمانية أجزاء وغبنه الشركاء في (2) تسعة أجزاء، فإن كان إنما
ووقع
(1) d
الطرفاني غبنه من كان في الطرف الآخر من البنين فإنَّه يردُّ ذلك الغابن الطرفاني للذي يليه تلك التسعة من الأجزاء التي غبن بها أخاه مِمَّا يليه، ويرد ذلك المردود إليه للذي يليه، حتى ينتهي بالغبن الذي هو تسعة أجزاء إلى الزوجة، فتأخذ تلك التسعة من الأجزاء في سهمها وتردُّ ما أخذت أوَّل مرَّة لمن يليها وهو تسعة أجزاء، فخرجت من سهمه (3) الأوَّل كلّه؛ وكذلك يفعلون حتى ينتهوا بالغين إلى المغبون فيأخذه
كما ينفعه.
1
وكذلك إن افترق الغبن بين الشركاء فإنَّه يردُّ كل واحد للذي يليه ما جاز إليه حتى ينتهي جميع ذلك إلى المغبون فيأخذه مِمَّا يليه كما ذكرنا أول مرة. وأما إذا
2
3
قوله: «الطرفاني»، قال في اللسان: ابن سَيده و طرف كُلِّ شَيْءٍ منتهاه». ولم يذكر النسبة إلى الطرف. ويبدو أنَّ هَذِهِ الصيغة جائزة قياسا على: الفوقاني، والتحتاني ... إلخ.
في النسخة (م): «غبنه الشركاء بتسعة ... » والصواب ماورد هنا.
لعل المراد: «سهمها».
- 88 - (1/88)
صفحة 87
خرج الغبن في سهمين أو ثلاثة أو أكثر فإنَّ أصحاب الأسهم المغبونين يدركون الغين حيثما وقع، سواء أكان ذلك الغين في سهم واحد أو في أسهم كثيرة، وسواء أولئك المغبونون آحادا كانوا أو أكثر من واحد.
وإذا صحت القسمة بين الشركاء وأرادوا أن يفسخوا قسمتهم بعد ما صحت فلا يصيبون ذلك. وقيل: إذا اتفقوا على ذلك عن تراض منهم فإنهم يصيبونه، والله أعلم. وَأَما غير الأرض وما اتصل بها إذا اقتسمه الشركاء فخرج فيه الغبن فإن من وقع (1) عليه الغبن يردُّه وليس على غيره من الشركاء شيء. وكذلك في الأرض وما اتصل بها.
وإن افترق أسهم الشركاء في أماكن شتى فإنَّ الغابن يرد على المغبون ما خرج
إليه فقط.
وأما العيب إذا خرج في بعض أسهم الشركاء فلا تنفسخ به القسمة ولا يتداركون ردَّ ذلك العيب أيضا، إلا إن كان في ذلك العيب غبن فيكون الجواب فيها كالجواب في الغبن
مسألة: في قسمة المنافع في المشترك
والمشترك إذا كان بين قوم وهو مِمَّا لا تمكن فيه القسمة مثل الحيوان بأجمعه: بني آدم كانوا أو بهائم، وجميع الأواني والثياب وما أشبهها، فادعى (2) بعض الشركاء انتفاعا بذلك المشترك وأبى عليهم آخرون، فإنَّ القول في ذلك قول من
- 2
الظاهر أن الصواب أن يقال: «فَإِن من أوقعَ عَلَيْهِ الغبنَ يَرُدُّه»، وَهَذَا ما يقتضيه السياق والمقام والله أعلم.
قوله: «فادعى بعض الشركاء انتفاعا بذلك ... » الظاهر أن المراد: «فدعا» أي طالب بعض الشركاء بذلك المشترك، (أي قبل قسمته).
- 89 -
- (1/89)
صفحة 88
ادَّعى (1) منهم إلى منع ذلك كله، فيأخذون (2) بمنافع ذلك المشترك، مثل رعاية الحيوان أو نفقة جميع ما يحتاج إليها (3) من ذلك المشترك. وكذلك السكنى وجميع المنافع على هذا الحال. وكذلك ما تمكن فيه القسمة من المشترك فالقول فيه قول من منع منهم، والقول منهم قول من دعا إلى القسمة إذا كان تمكن فيه القسمة.
بع
العلماء من
والذي لا تمكن فيه القسمة من المشترك إذا قال واحد من الشركاء لشريكه أو اشتر، فأبى عليه أن يبيع شريكه، فإنه يصيب ذلك، ولا يجبر على أن يبيع ولا أن يشتري؛ فإن أراد شريكه أن يبيع سهمه لغير شريكه فليفعل. ومن يقول في الشريك أن يجبر على أن يبيع أو يشتري في الشيء الذي لا تمكن فيه القسمة إذا دعاه شريكه إلى ذلك.
وإن أرادا أن يبيعاه جميعًا أو يشترياه جميعا فليتزايدا عليه حتى ينتهيا في زيادتهما إلى من أراده فليأخذه قلَّ ذلك أو كثر، وكذلك إن أرادا بيعه فإنهما يتناقصان من ثمنه حتى ينتهي ثمنه حتى ينتهي إلى من أراده بقلة الثمن فليأخذه. وقيل: إذا كان فيهما من له الأكثر فإنَّ العدول يقومونه، فيعطي صاحب الأكثر لصاحب الأقل قيمة نصيبه. ومنهم من يقول: يقومه العدول فيقترعان عليه، ولو كان فيهما الأكثر، فمن وقعت قرعته عليه منهما فليأخذه، ويعطي لشريكه قيمة حصته؛ وَأَمَّا إن أرادا جميعًا بيعه لغيرهما فلهما ذلك ويقتسمان ثمنه.
من
له
ومن العلماء من يقول فيما تمكن فيه القسمة من جميع المشترك ألا يصيب فيه الشركاء منع المنافع بينهم، ويقتسمون منافع ذلك كله على قدر حصصهم. وكذلك ما لا تمكن فيه القسمة على هذا الحال فيتداركون فيه قسمة المنافع وذلك مثل الخدمة والحيوان والثياب والأواني والدور إذا لم يمكنهم الانتفاع جميعا
- 1
- 2
3
-
قوله: «من ادعى منهم إلى منع ذلك كلّه»: الظاهر أنَّ مُرَاده به: «من دعا منهم إلى منع ذلك». قوله: «فيأخذون ... » لَعَلَّ الصواب: «فيؤخذون» أي يجبرون برعاية ذلك المشترك. ما يحتاج إِلَيْهَا» - «ما يحتاج إِلَيْهِ».
- 90 - (1/90)
صفحة 89
فيما ذكرنا، فإنَّهم يقسمون منافع ذلك كله على ما اتفقوا عليه من الساعات والأيام والشهور والسنين. فإن اقتسموا ما ذكرنا من المنافع، فمن استوفى منهم حصته فليرجع المشترك إلى الآخر حتى يستوفي هو مثل ذلك.
فإن تلف المشترك قبل أن ينتفع بعضهم، فإنَّهم يرجعون على من انتفع منهم أن يعطيهم ما نابهم من ذلك الانتفاع ومنهم من يقول: إنما يدركون عليه قدر نصيبه من الانتفاع الأوَّل. وأَما إن لم يتلف المشترك إلا وقد انتفع به الآخر من الشركاء فإنَّه لا يدرك بعد ذلك شيئا، قل الانتفاع أو كثر. ومنهم من يقول: يرجع عليه بما بقي له من الانتفاع قلَّ ذلك أو كثر. وقيل غير ذلك إذا اقتسموا المنافع فتجوز قسمتهم، ولا يتداركون بعد ذلك في المنافع شيئا.
وأما قوم تسالفوا (1) العبد أو غيره من الأداة لاستعمالهم، ثُمَّ بعد ذلك أبي بعضهم أن يردَّ لمن أسلف له مثل ما أسلف فإنَّه يدرك عليه عناء ما أسلف له؛ ومنهم من يقول: يدرك عليه ذلك الذي أسلفه له لينتفع به. وكذلك الجواب في النساء إذا تسالفن الأيام للنسج أو للغزل على هذا الحال ولا ينظر في ذلك إلى قصر الأيام ولا لطولها والمرجوع إليه في جميع ما ذكرنا إلى أخذ العناء.
- 2
«تسالفوا»: قال في القاموس: «بينهما أسلوفة صهر. وقد تسالفا، وهما سلفان أي متزوجا الأختين ... » إلى آخره. وفي لسان العرب: «استسلفت منه دراهم وتسلّفت فأسلفني، السلف القرض، والفعل أسلفت، يقال أسلفته مالاً، أي اقترضته ... » إلى آخره. وعلى هذا فالأظهر أن يقال: «استسلفوا» أو «تسلّفوا». ولو قال: «تقارضوا» لكان أوضح وكذا عبارة: «إذا تسالفن الأيام للنسج» معناها: «إذا تقارضن ... » والمراد بالعبارة:
إذا قرض رجل عبده لآخر لاستخدامه على أن شرط أن يقرض الثاني عبده هو لِلأَوَّلِ، ثُمَّ
أبى بعضهم أن يقرض الآخر مثلما أقرضه فَإنَّهُ يدرك عَلَيْهِ عناء عبده أو أداته ... وإن اتفقت نساء عَلَى أن تعمل إحداهن يوما أو أَيَّامًا معلومة عند أخرى على شرط أن تعمل هي بدورها عند الأولى فيجوز ذَلِكَ ... لا أرى معنى لتكرار لفظة إلى هنا. فتكون العبارة هكذا والمرجوع إليه في جميع ما ذكرنا أخذ العناء»، أو هكذا: «والرجوع في جميع ما ذكرنا إلى أخذ العناء».
- 91 - (1/91)
صفحة 90
مسألة: في قسمة ما اختلط من الأمانات
فإذا عرف رجل أنه مقارض لرجل، أو أجير له، أو راع لحيوانه، فإن أصحاب الأموال قاعدون في جميع ما كان في أيدي هؤلاء الذين ذكرنا، ما لم يتبين أنه كان عنده غير مالهم. وكذلك جميع ما كان في يد عبده أو طفله على هذا الحال، وكذلك إذا كان مقارضا لرجال شتى، أو أجير كان في يده أموال لرجال شتى، أو راعيًا لرجال مفترقين، فإنهم قاعدون كلهم فيما كان في أيدي هؤلاء الذين ذكرنا.
وإن أضاف المقارض أو الأجير (1) أو الراعي ما كان في أيديهم أو بعض ما كان في أيديهم أنَّه لرجل غير الذي عرف أنه أجيره أو مقارضه فإنَّ القول في جميع ذلك قولهم، إلا ما عرف لهؤلاء الذين ذكرنا أنهم جعلوه في أيديهم مقصودا إليه بعينه إلا ما يجوز له في التصريف والتبديل من البيع والشراء وما أشبه ذلك؛ فإن ادعى أنه جعل فيه جميع ما أمره به فالقول في ذلك أيضا قوله، إلا إن أراد أن
محلفه فله ذلك.
وَأَمَّا إن توفّي واحد من هؤلاء الذين ذكرنا فإنَّه يكون صاحب المال قاعدًا لجميع ما كان في يديه (2).
وكذلك إذا كان أصحاب الأموال أكثر من واحد فإنهم يكونون كلهم قاعدين فيما ترك هؤلاء الذين ذكرنا من الأجير والمقارض والراعي، إلا من أتى بالبينة على شيء مقصود أنه له فإنه يأخذه.
وكذلك من أتى بالبينة على قول واحد من هؤلاء المذكورين من الأجير والمقارض وما أشبههم أنهم) نسبوه إلى رجل معلوم، في حين يجوز فيه قولهم،
- 1
- 2
3
(3)
قوله: «وإن أضاف المقارض أو الأجير ... مراده: وإن نسبه إلى رحل. الأفصح أن يقال: «قاعدًا» في جميع ما كان في يده» بمعنى أنه الأصل في القضية فلا يطالب بالبينة بل يطالب بها غيره.
قوله: «أنهم نسبوه إلى رجل معلوم يبدو لي - والله أعلم - أن العبارة تكون كالتالي: «إن هم نسبوه إلى رجل معلوم»، بفصل إن الشرطية عن "هم". فيتأمل.
- 92 - (1/92)
صفحة 91
سواء في هذا قول المقارض والأجير والراعي وقول جميع من جعلوا هذا الشيء في يده ما لم يخرج من أيديهم؛ فإذا خرج من أيديهم فلا ينصت إلى قولهم إلا بالبينة الواضحة. وكذلك المقارض والأجير على هذا الحال.
والخروج (1) الذي يخرج هذا الشيء من أيديهم إذا ردُّوه إلى أصحابه أو إلى من كان في مقامهم مثل الخليفة والوكيل والمأمور. وأما إن خرج ذلك من أيديهم بالاستيداع أو بالأمانة وما أشبه ذلك فإنَّهم يأخذونه، ويكون فيه القول قولهم كما ذكرنا قبل هذا.
ومن العلماء من يقول في جميع ما كان في يد مقارض رجل معلوم أو راعيه أن يكون لصاحب المال، ويكون المقارض في ذلك والأجير والراعي مدعين، فإن كانت لهم البينة أخذوا بها، وإن لم تكن لهم بينة مضوا لسبيلهم، ولا يكون القول قولهم على أصحاب الأموال والمأخوذ به عندنا هو القول الأوَّلُ.
وإذا توفي واحد من هؤلاء الذين ذكرنا من المقارض والأجير والراعي، فقام أصحاب الأموال إلى ما كان في تركته فإنَّهم يكونون قاعدين في تركة المتوفى فإن كان قد تبين ما لكل واحد منهم أخذه وكذلك الأرباح على هذا الحال. وكذلك إن تبين لبعض منهم دون بعض، فإنَّ من تبين له شيء أخذه. وهذا البيان الذي ذكرنا إذا كان عين كل واحد بينا وكذلك ما جر من النماء والفلات والأرباح. وأما إذا كان هذا مشتركا بينهم ولم يتبين ما لكل واحد منهم فإنه يكون بينهم على قدر شركتهم ويكون ما تلف أو ما طلع بينهم على قدر اشتراكهم.
وأما إذا كان ابتداء أمرهم قد انفصل ما لكل واحد منهم ولم يشتركوا، ثُمَّ بعد ذلك خلطها من كانت تلك الأمانات في يده، أو اختلطت بغير فعله، فإن
- 2
والخروج الذي يخرج هذا الشيء من أيديهم ... » المراد بالعبارة ويعتبر الشيء خارجا من
أيديهم برده إلى أصحابه أو إلى من كان مقامهم. قوله: «أو ما طلع» مراده منه: ما نتج منه.
ليتأمل.
- 93 - (1/93)
صفحة 92
كان خلطها من كانت تلك في يده فهو ضامن، إلا إن أبرأوه من الضمان
فيكون ذلك بينهم على قدر أموالهم.
وإذا صح الاختلاط في أموال هؤلاء الذين ذكرنا من المقارض والأجير والراعي حتى لا يفرز بينها فإنَّ ذلك كله ممنوع حتى يتبين). ومن العلماء من يقول: إذا اختلط ذلك حتى لا يفرز ما لكل واحد منهم فإنهم ينزلون فيه على قدر أموالهم فيه؛ مثل رجل سافر بأموال الناس من القراضات والبضائع وغير ذلك من الأمانات، ثُمَّ بعد ذلك اختلطت تلك الأموال في يده، فإنَّ كل واحد منهم ينزل في تلك الأموال (2) بما باع به التاجر ماله في البلد الذي انتهى إليه إن علموا ذلك؛ وإن لم يعلموا ما باع به ذلك المال فلينزل كل واحد منهم بقيمة ما باعه في البلد الذي انتهى إليه أيضًا؛ وإن لم يتبيَّن لهم شيءٌ من ذلك فلينزل كل واحد منهم برأس ماله الذي سافر به ذلك التاجر من المنزل الذي سافر منه؛ فإن لم يتبين لهم رؤوس أموالهم فلينزلوا بقيمة أموالهم التي سافر بها التاجر؛ فإن تشاكل عليهم هذا كله وعلموا ما لكلِّ واحد منهم من الأحمال والثياب والخدم وما أشبه ذلك فلينزلوا بقيمة الأوسط من هذا كله في تلك الأموال؛ فإن لم يتبين لهم شيء من
2
عبارة: «فإن ذلك كله ممنوع»: أي ممنوع من القسمة حتى يتبين ما لكل، ويفرز بينه وبين نصيب غيره. غير أنه لا يبقى على إطلاقه لأنه إذا اختلط بشكل لم يكن معه سبيل إلى وجود بينة فلا بد قسمته بطريقة أو بأخرى على حسب ما سيأتي في من الأسطر التالية. ليتأمل.
قوله: «فإن كل واحد منهم ينزل في تلك الأموال ... إلى آخره، مراده من العبارة وما بعدها باختصار كما لخصه الشيخ عبد العزيز رحمه الله في التكميل: «فإن كلا ينزل فيها بما باع به التاجر ماله في بلد سافر إليه إن علموا ذلك، وإلا نزل كل بقيمة متاعه فيه أيضًا، وإن لم يبن شيء من ذلك نزل كل برأس ماله الذي سافر به من منزل سافر منه إن بانت رؤوس أموالهم، وإلا نزل كل بقيمة ماله الذي سافر منه انتهى كلام صاحب التكميل. فأقول زيادة للتوضيح: إنهم يعتمدون في قسمتهم على آخر ما يبلغهم من معلومات وبيانات عن تصرف من أو دعوا لديه أماناتهم فأولاً في البلد الذي سافر إليه، وإلا ففي المنزل الذي نزل فيه ببعض الطريق، وإلا ففي المنزل الذي انطلق منه وهو منزل المودع.
- 94 - (1/94)
صفحة 93
ذلك، ولكن علموا أنَّ التفاضل كان بينهم في تِلْكَ الأموال، فإن تبين لهم شَيْء من ذَلِكَ التفاضل فلينزل به صاحب الأكثر؛ فإن لم يتبين لهم شيء من ذلك التفاضل ولا ما لكل واحد منهم بوجه من الوجوه فإنهم يقسمون تلك الأموال على رؤوسهم بالسويَّة، سواء في ذلك من له الأكثر ومن له الأقل، إذا كان لا يوصل إلى بيان ما لكل واحد منهم؛ وأَما إن تبيَّن لبعضهم ولم يتبين لبعض فقد اختلفوا في ذلك منهم من يقول: يعطون لمن تبيَّن له ماله ويكون ما بقي بين من لم يتبيَّن لهم أموالهم على ما فسرنا فيما مضى من كتابنا هذا؛ ومنهم من يقول: إذا تبين لبعض منهم أموالهم ولم يتبيَّن لبعض فإنهم ينزلون كلهم في
تلك الأموال على الرؤوس إذا استوت حصص الذين تبينت لهم أموالهم. وأَما إذا تفاضلت أموالهم فإنَّهم يأخذونها وينزل في البقية من اختلطت أموالهم على قدر ما لكل واحد منهم، ولا ينظر في هذا إلى رؤوس أصحاب الأموال (1) لأنه يمكن أن يعطي التاجر رجال شتى ويكون منهم من يعطيه أموالهم بمرة واحدة في صفقة واحدة، ويكون منهم من يعطيه على الانفراد، ثُمَّ بعد ذلك اختلطت أموالهم حتى لا يفرز ما لكل واحد منهم، فإنَّ الذين أعطوه بمرة واحدة ينزلون مع الذين ضاربوه على الانفراد بمقام رجل واحد، ولا ينظر في هذا إلى عدد من اجتمعت أموالهم قبل أن يعطوها للمقارض لأنهم مقام رجل واحد حيث اجتمعوا في الدفع.
مسألة: إذا اختلط مال التاجر مع تاجر آخر
وإذا اختلط مال التاجر مع تاجر آخر حتى لا يفرز بينهما فإنهما يقتسمانه نصفين، وينزل بعد ذلك أصحاب الأموال فيما أخذ تاجر كل واحد منهم على ما بينا نسقا بنسق فيما تبين لهم، وما لم يتبيَّن الجواب فيه واحد. وكذلك إذا كان أكثر من اثنين على ما بيناه وبالله التوفيق.
- 1
عبارة: «ولا ينظر إلى رؤوس أصحاب الأموال» مُرَاده والله أعلم: ولا ينظر إلى عدد أصحاب
الأموال، ولكن ينظر إلى طرق دفع رؤوس الأموال.
- 95 - (1/95)
صفحة 94
وإذا سافر رجل بقراضات الناس وبضائعهم فصار يتجر ويرسل الأموال، ثُمَّ
بعد ذلك توفي، فإن تبيَّن هذه الأموال لمن هي فهي له، ويجوز في ذلك قوله وقول جميع من أرسلها معه ما دامت الأموال لم تخرج من أيديهم، فإذا خرجت من أيديهم فلا يجوز قولهم فيها. وأما إن أرسل الأموال في حياته ولم يتبيَّن لمن هي حتى توفي كذلك، فإنَّهم ينزلون في تلك الأموال التي أرسل على قدر رؤوس أموالهم كما ذكرنا أولاً.
وإذا أعطى ناس شتى لرجل قراضًا على أن يتجر في بلدهم الذي كانوا فيه، أو على أن يسافر بذلك القراض، ثُمَّ توفي ذلك التاجر من قبل أن يخرج من منزله، أو توفي الذي أعطوه القراض على أن يتجر به في المنزل فقاموا إلى أموالهم ليأخذوها، فإن تبين ما لكل واحد منهم فليأخذه (1)، وإن اختلط ذلك المال كله ولم يتبيَّن ما لكل واحد منهم فإنهم ينزلون (2) في كل ما كسر (3) من أموالهم، فإن لم يعلموا ما جَعَل فيه أموالهم فإنهم ينزلون في جنس ما يجعله الناس للتجارة. ومنهم من يقول: ينزلون في جميع المقبوض من تركيه إلا ما عرف له قبل أن يعطوه القراض. وأَمَّا الأرض وجميع ما اتصل بها فلا يصيبونه؛ ومنهم من يقول في جميع ما استفاد بعد أن يعطوه القراض أصلاً كان أو غيره من جميع المقبوض وينزلون في ذلك كله برؤوس أموالهم إن، علموها، وإن لم يعلموا رؤوس أموالهم ولا قيمتها فإنهم يقسمون ذلك كله على رؤوس الأموال هكذا، ولا ينظر في هذا إلى عدد أصحاب الأموال، ولكن ينزل كل من اجتمعت صفقتهم برأس مال واحد، وينزل
-
- 3
قوله: «فإن تبين ما لكل واحد منهم فليأخذه ... »، الذي يتراءى لي منها هو كالتالي: إن تبين ما لكل واحد منهم أخذه، وإن اختلط فينزل كل منهم فيما جعله فيه التاجر من أموالهم، فإن جهلوا ذلك نزلوا فيها على حسب العادة من تجارات الناس، ومنهم من يقول: إنهم يتمسكون بالمقبوض أي المنتقل من تركته غير الأصول إلا ما عرف له قبل القراض. ليتأمل. قوله: «فإنهم ينزلون المراد بالعبارة أنهم يمتلكون ويستحقون. لعله: «كسب». وفي جميع النسخ: «كسر».
- 96 - (1/96)
صفحة 95
من أعطى له على الانفراد كل واحد منهم برأس ماله قل ذلك أو كثر، إلا إن علموا من له الأكثر من ذلك مِمَّن له الأقل. وكذلك المقارض إن كان له في تلك التركة مال فإنَّه ينزل برأس ماله كما بيّنا في غيره. وأما إن كان فيهم من تبيَّن ماله فليأخذه ويقسم الباقون ما ذكرنا ().
كما
وَأَمَّا إذا كان عند هذا التاجر بضائع الناس وودائعهم وأماناتهم ثم توفي، فإنَّهم إن كانوا يقصدون إلى أمانتهم بعينها أو البضاعة أو غيرها بأعيانها، أو كان لأصحاب الأمانات بيان على أماناتهم بأعيانها، فإنهم يأخذونها، وأما إذا كانوا لا يصلون إلى شيء من ذلك بعينه فليقسم أصحاب القراض بينهم شرحنا، وليس لأصحاب الأمانات شيء. ومنهم من يقول في البضائع: إنَّ أصحابها ينزلون مع القراض. وقيل في الودائع والأمانات كلها أن ينزلوا مع القراضات فيما ذكرنا في تركة هذا الميت، وهذا كله إذا لم يتبين لهم أعيان. تلك الأمانات من تلك الأموال فلينزل كل أمانة برأسها؛ وأَما إذا تبينت لهم تلك الأمانات فإنَّ أصحابها يأخذونها على ما شرحناه في صدر كتابنا هذا، وكذلك في الديون على هذا الحال.
وهل يجوز لأصحاب هذه الأموال المذكورة من الأمانات والقراض أن يأخذوها بالعلامات والرشم (2) والكتابة التي يجدونها على هذه الأموال أم لا؟
الجواب: أنَّ في هذا قولين منهم من يقول: يأخذون بذلك
هذا (3). ومنهم من يقول: لا يقتدون بشيء من
كله
ويجبرون عليه.
ويقسم الباقون ما ذكرنا» أي يقسمون الباقي.
قال في لسان العرب: «رشم كلِّ شيء علامته». ثُمَّ قال: «ورسم على كذا ورشم أي كتب». وعلى هذا فعطف هذه الكلمات بعضها على بعض من باب عطف التفسير. قوله: «لا يقتدون بشيء من هذا معناه والله أعلم: لا يعملون بشيء من تلك العلامات ولا يعتمدون عليها في أخذ الأموال وفرزها من بعضها. ومن الواضح أن القول الأول أرجح.
- 97 -
3 (1/97)
صفحة 96
مسألة: في قسمة ما اختلط من الحيوان
وإذا استرعى ناس كثيرون الحيوانهم راعيًا مثل الغنم والبقر والإبلن فإنَّ القول في هذا كله قول الراعي ما دام في الرعي. وذلك مثل إن أضاف (1) إلى كل واحد عددًا معلوما، أو شخصاً معلومًا، فالقول فيه قوله في كل ما لم يتبيَّن له أنَّه لكل واحد منهم دون الآخرين. وأما كلُّ ما تبيّن أنه لبعضهم دون بعض
منهم
فلا ينصت إليه فيه.
الغلة
وإذا توفي هذا الراعي فإنَّ كلَّ واحد منهم يأخذ ماله إذا تبين، وإن تبينت لهم أعيانهم الأولى وتشاكلت عليهم الغلات و النسل فإنهم يقومون النسل على جميع ما يكون له النسل، والغلة على جميع ما تكون له الغلة، وذلك مثل الصوف يقسمونه على جميع ما يكون له الصوف والنتاج يقسمونه على جميع ما يكون له النتاج، ولا يدخل في هذا نسل كل جنس في جنس آخر، ولا غلة كل جنس في غلة غيره من الأجناس، ولا يدخل أيضًا في الغلة والنتاج ما لا تمكن منه والنتاج، وسواء في ذلك الذكور والإناث. وأَما إن تشاكلت عليهم أعيانهم الأولى ولم يعرفوا عدد ما لكل واحد منهم فاختلط عليهم ذلك حتى لا يفرز ولا يصلون إلى فرز شيء منها، فإنهم يقسمون بينهم ذلك كله على السوية، إلا إن تبيَّن لهم من له الأكثر ممن له الأقل، فينزل صاحب الأكثر بما تبين له في جملة ذلك كله؛ ومن العلماء من يقول بعطلان (2) هذا كله حتى يتبيَّن، أو يمنع حتى يتفقوا بينهم أو يقسموه إذا كانوا ممن يجوز اتفاقهم؛ وأَما إذا كان فيهم من ليس له فعل (3) فإنَّه على حاله كما ذكرنا.
- 1
2
- 3
قوله: «إن أضاف»، مقصوده منه: إن نسب إلى واحد منه ملكية عدد معلوم. بعطلان»: لَعَلَّهُ يقصد: بعقلان هَذَا كُلَّه كما مَرَّ عَلَى أن يكون المعنى: ومن العلماء من
يقول بحبس هَذَا كُلِّه حَتَّى يَتَبَيَّنَ.
تقدم مثله والمراد منه: لا يجوز فعله شرعًا كالمجنون ... من
- 98 - (1/98)
صفحة 97
جميع
وأما إذا أتلفت (1) لرجل ناقة أو بقرة أو شاة أو خادم ثُمَّ وحده بعد ذلك ردَّ
ما تلف له من هذا كله، فإن وجد معه نتاجًا فإنَّه يأخذ شيئه ويترك جميع ما اتبعه. ومنهم من يقول: يأخذ شيئه وما يرضع وأما غير ما لا يرضع فلا يأخذه؛ وقيل: يأخذ جميع ما تبعه إذا كان غاب عنه مقدار ما يمكن أن يأتي بذلك كله؛ وَأَمَّا ما لا يمكن أن يأتي فلا يأخذه، وقيل غير ذلك في جميع ما جرَّ ذلك الشيء، وبالله التوفيق.
مسألة: في قسمة ما اختلط من الحيوان مع الحرام والريبات
وأموال الأجر
إذا كان عند رجل غنم أو بقر أو إبل فوقعت فيها شاة أو بقرة أو ناقة من مال الحرام أو الريبات، أو جعل هو بنفسه واحدا من هذه الوجوه للأجر، أو كان له فيه شريك فجعل شريكه سهمه من هذه الأصناف التي ذكرنا للأجر، ثُمَّ اختلط ذلك حتى لا يفرز شيء، ولا يصل إليها بوجه من الوجوه، فإن كان هذا كله من قبله وخلطه مع أموال الأجر كلها بأصنافها، فإنه يرجع ذلك كله إلى الأجر ولا يصل إلى شيء منه، وإن اختلط مع الحرام أو الربية فإنَّ ذلك كله معقول (2) حتى يفرز أو يعقل كذلك أبدا.
وإذا
وهذا إذا لم يعرف صاحب الحرام والريبة، وأما إذا عرف فليتفق (3) معه. كان هذا كله من قبل غيره وهو من يلزمه الضمان فليغرمه جميع ما تلف من ذلك
1
2
-
«وَأَما إذا أتلفت لرجل ناقة ... » معناه إذا ضاعت.
«معقول» المراد منه - والله أعلم -: أنَّه مُمْسَك ومحمد من عقل الإبل. قال في القاموس: عقل يعقل عقلاً ... البعير شد وظيفه إلى ذراعه والوظيف مستدق الذراع والساق من الخيل
ومن الإبل وغيرها. انظر لفظة الوظيف في القاموس.
فليتفق معه»: أي فليتصالحا.
- 99 -
- 3 (1/99)
صفحة 98
من
كله بسببه؛ وإن كان إنَّما خلط هذا كلّه من لا يلزمه الضمان أو اختلط ذلك قبل الله أو من قبل جميع من لا يصل إليه بوجه من الوجوه، ولو أنه ممن يلزمه الضمان، فإنَّه إذا كان عارفا بعدد حيوانه وعدد ما اختلط معه، فإنَّه يبيع جميع ذلك على الانفراد ويجمع كل رأس وحده، ولا يبيع أكثر من واحد في صفقة إلا ما كان من نسل كل رأس فليبعه في صفقة واحدة، ويصر (1) كل من رأس على الانفراد؛ فإذا فعل جميع ما ذكرنا من هذا فليقسم جميع ذلك على عدد الحيوان المختلطة، ولا يجعل من هذا كله للنتاج نصيبا، فيأخذ هو بعدد رؤوس حيوانه، وينفق ما ناب رؤوس ما اختلط
مع حيوانه هذا.
من
وكذلك الجواب في جميع المقبوض على هذا الحال؛ ومن العلماء من يقول: إذا اختلط هذا كله بما جاء من قبله أن يفعل فيه مثل ما يفعل فيما اختلط مع غيره (2) من هذا كله ونحوه، والله أعلم.
يقسمه
وأما الأرض وما اتصل بها إذا اختلط مع واحد من هذه الوجوه فلا يصيب فيها شيئًا من جميع ما ذكرناه، ولكن يعقل حتى يتبيَّن؛ ومن العلماء من يقول في جميع ما اختلط ماله مع أموال الأجر كلها بأصنافها إن كان ذلك مِمَّا يرجع إلى السكنى، مع ثلاثة من المساكين فصاعدًا، وَأَما ما يرجع أمره من مال الأجر إلى الإمام أو إلى جماعة المسلمين إذا لم يكن الإمام، أو إلى القاضي، فإنَّه يقسمه مع من يرجع إليه أمره من هؤلاء الذين ذكرنا، وليس عليه فيه شيء بعد ذلك؛ وإن كان هذا المختلط مِمَّا يكال أو يوزن فليقسموه بالكيل أو بالوزن على قدر أموالهم ولا يحتاجون فيه إلى البيع، وكذلك الممتزج إذا كان مما يكال أو يوزن فاختلط مع واحد من هذه الوجوه ويصر كل ممن ... » بمعنى: يشدُّ ويحفظ كل لمن على حدة. قال في لسان العرب: «صر الناقة يصرها ... شد ضرعها ... » إلى أن قال: والصرة شَرَجُ الدراهم والدنانير ... » إلى أن قال: «وأصل الصرِّ الجمع والشد».
به
3
قبل.
غيره». وَهُوَ الصواب فيما يبدو.
أضاف الناسخ: «صواب العبارة: اختلط مين مما يرجع إلى «السكنى قال الشيخ عبد العزيز الثميني في "التكميل“: «فإن كان يرجع المسكنة قسمه مع ثلاثة مساكين». ر: ص 15 نشر الشيخ محمد بن صالح الثميني.
-
- 100 - (1/100)
صفحة 99
التي ذكرنا فإنَّهم يقسمونه بالكيل أو بالوزن على ما بينا، إلا إن كان التفاضل في جنس ما امتزج أو ما اختلط، فإنَّهم يقسمونه بالقيمة على قدر ما لكل واحد منهم من ذلك الجنس من الرديء والجيد.
من
وأما من عجن دقيقه بماء غيره كما لا يجوز له، فإنه يعطي قيمة ما أتلف ماء غيره (1). وَأَمَّا من غصب دقيقا من رجل وغصب من رجل آخر ماء أو زيتا أو جميع الأدهان، فاختلط ذلك كله، وعجن الدقيق بالماء أو بواحد من الأدهان، فإن وجدوا من خلط هذا كله فليغرموه قيمة أموالهم، فإن لم يصيبوه فليبيعوه وينزلوا بقيمة ما لكل واحد منهم في ثمنه، والله أعلم، وبالله التوفيق.
:باب في قسمة ما يكال أو يوزن
وإذا كانت الشركة بين قوم فيما يكال أو يوزن فأرادوا قسمته فإنه يجوز لهم ذلك، فيؤخذون على قسمته بالجبر إذا كان فيهم من دعا إلى القسمة، فكل ما كان من ذلك جنساً واحدا فليقسموه بالكيل أو بالوزن ويقترعون عليه بعد ذلك إذا لم يكن التفاضل في ذلك الجنس، وأما إذا كان فيه التفاضل فإنما يقسمونه بالقيمة مع الكيل أو الوزن، وإذا اعتدلت أسهم الشركاء بالقيمة فليلقوا عليها أقلامهم، فمن وقعت قرعته منهم على شيء أخذه، وَأَمَّا ما كان منها من أجناس مفترقة فليقسموا كل صنف منها على الانفراد. وقيل في جميع ما يكال أو يوزن أن يقتسموه بالقيمة بمرة واحدة إذا تراضوا على ذلك، والله أعلم.
مسألة أخرى: في قسمة الحيوان
وإذا اشترك قوم في حيوان فأرادوا قسمته، فإنهم يقتسمون كل جنس منها على الانفراد، مثل الإبل والبقر والغنم، وإنما تصح قسمة الحيوان بالقيمة مع
- 1
ندرك من هذه العبارة وما تقدم من نظائرها مدى ورع السلف رحمهم الله لا سيما فيما له
علاقة بأموال الناس.
- 101 (1/101)
صفحة 100
اعتدال الأسهم، وذلك إذا أرادوا أن يقسموها، فالقول قول من دعا منهم إلى قسمة كل جنس على الانفراد كما ذكرنا بالقيمة، ويجبرونهم على ذلك.
ولا تصح قسمة ما غاب من الحيوان قدر ما يتغير عنه (1).
وكل ما يجوز بيعه من الغائب تجوز قسمته أيضًا، وأما ما لا يجوز بيعه فقسمته أيضا لا تجوز، وهذا في جميع ما يمكن فيه التغيير في غيوبته، وجميع ما تمكن فيه الزيادة والنقصان. وكذلك قسمة جميع المقبوض من الأواني والثياب والأداة بأجمعها كما ذكرناه في قسمة الحيوان أنها لا تجوز إلا بحضور ذلك مع القيمة واعتدال الأسهم والقرعة بعد ذلك؛ ومن العلماء من يقول فيما لا يتغيّر من هذا الذي ذكرنا من المقبوض أن تجوز قسمته ولو كان غائبا، إذا علمه الشركاء قبل هذا. وأما إن كان هذا الذي غاب عنهم مِمَّا تمكن فيه الزيادة والنقصان وجميع ما يتغير عن حاله الأول، فلا تجوز قسمته على حال إلا بحضوره.
والشركاء إذا جعلوا أقلامهم من المشترك (3) ثُمَّ ألقوها على ما اقتسموا فإنَّ تلك الأقلام تبقى بينهم على شركتهم الأولى، إلا إن اتفقوا أن يأخذ كل واحد بينهم منهم قلمه وما وقع عليه، فلهم ذلك، ويمضون على اتفاقهم.
قوله: «قدر ما يتغير عنه المقصود ما غاب من الحيوان زمنًا يتغير فيه. ولذلك فالأظهر أن
يقال: «قدر ما يتغير فيه».
كل ما يجوز بيعه من الغائب تجوز قسمته أيضا هذه قاعدة جليلة تنضبط بها كثير من مسائل القسمة.
قوله: «والشركاء إذا جعلوا أقلامهم من المشترك»: الأقلام هي كل ما تقع به القرعة. والمراد بالعبارة أنهم لو أخذوا من ملكهم المشترك أشياء للاقتراع بها مجموعة ثياب مختلفة الألوان مثلاً) ثُمَّ ألقوها على أسهمهم أخذ كل منهم سهمه والثوب الذي ألقى عليه إن اتفقوا أول مرة، وإلا فتبقى هذه الثياب المقترع بها على الشركة ما لم تقسم.
- 102 -
2
- 3 (1/102)
صفحة 101
مسألة: في قسمة المشاع)
والمشاع إنَّما يكون في الأرض وما اتصل بها من الدور والغيران والأشجار والعيون وأشباه ذلك، ولا يكون في غير ذلك من الحيوان ولا في جميع المقبوض.
والمشاع: هو ما اختلط بين قوم حَتى لا يصلوا إلى فرز ما لكل واحد منهم،
(2)
بينهم
وإنَّما يكون ذلك في شيء تلف لهم فيه الميراث ولا يصلون إلى معرفة جميع الورثة، ولا يوجد عند أحد من العلماء معرفة سهم كلّ واحد منهم، فإنَّما يكون مشاعاً على هذا المعنى، ولا يسمون غير الأرض وما اتصل بها مشاعا وإن كان يصح فيه الذي ذكرنا في الأرض وما اتصل بها ولكن يسمونه مختلط، ولا يكون حكمه
حكم المشاع، ولكن يمنع ويعطّل كذلك ولا يصلون إليه بوجه من الوجوه). ويجوز لأهل المشاع أن يقسموا منافع مشاعهم، مثل قسمة الأرض للحرث، والبيوت للسكنى وما أشبه ذلك من المنافع.
فإنَّما يقسم هذا المشاع البُلّغ من أصحابه دون الأطفال والنساء ويدخل معهم في القسمة المولى واللقيط. ويقسمونها كل سنة ولا يتركونها على ما مضت عليه قسمتهم في السنة الماضية.
-
1
2
3
-
قال في معجم لغة الفقهاء: «المشاع: الشائع المنتشر. سهم مشاع وشائع أي حصة من شيء غير مقسوم. حصة منتشرة في كل جزء من جزئيات الشيء. حصة مقدرة غير معينة ولا مفرزة». وفي القاموس: «سهم شائع وشاع ومشاع: غير مقسوم». قوله: «تلف لهم فيه الميراث» يعني به أشكل عليهم أمره بحيث لا يعرف الورثة ما يستحقه كل وارث بسبب قدم المشاع وجهل الأنساب كأرض ثبتت على الشياع لقبيلة أو عشيرة. هذا التمييز بين المشاع والمختلط لا يوافق المشهور من لفظة المشاع كما تقدم. قوله: ويعطل كذلك ولا يصلون إليه بوجه من الوجوه». ليت شعري، كيف يحكم بتعطيل هذا المختلط فلا يوصل إِلَيْهِ بوجه من الوجوه ولو على سبيل الانتفاع به مداولة بأي وجه من وجوه الانتفاع؟ أم هَذَا مبني عَلَى أَنَّ ملكيتهم له لم تثبت بعد؟! ليحرّر.
- 103 - (1/103)
صفحة 102
وَأَما إذا أرادوا قسمة الأرض للحرث فإن كانت القسمة في تلك الأرض قبل
ذلك، فإنهم يقسمونها على خلاف تلك القسمة، وينتظرون من يجيء من أصحاب المشاع سبعة أيام من حيث روت الأرض ومنهم من يقول: إنما ينتظرونه ثلاثة أيام، فإذا تمت هذه المدَّة فلا يشتغلون بمن بقي منهم بعد ذلك، ويقسمونها على رؤوس من حضر للقسمة. ومنهم من يقول: على السكك
وقيل: على المصابيح).
منهم
وإذا كانت القسمة على هذا المعنى فمن وقعت قرعته منهم على شيء أخذه، ولا يصيبون نقض تلك القسمة بعد ما صحت بينهم، وكلُّ من جاء من أصحاب. المشاع بعد ما اقتسم فإنه يدخل معهم في كلِّ ما لم يرموا فيه الزريعة (2)، ويقسم الأولون البقيَّة مع من جاء منهم إلا من استفرغ نصيبه منهم بالحرث فلا يدخل معهم في القسمة، وكذلك إن لم يبق لهم إلا مقدار ما يبلغه من تلك القسمة فإنه يمسك ذلك ولا يدخل معهم. وقيل فيمن جاء بعد القسمة الاً. يصيب شيئًا مِمَّا كانت فيه القسمة والله أعلم.
والمشاع لا يصح فيه غير ما ذكرنا من القسمة للحرث أو سكني الدور والبيوت على قدر ما تستقيم لهم فيه القسمة، إما بعدد البيوت أو بعدد الأشهر والسنين؛ فإن لم تمكن القسمة في بيوت المشاع فليكروها، ويقتسمون ما أخذوا من كرائها على قدر قسمة الأرض للحرث.
- 1
- 2
قوله: «على السكك، وقيل: على المصابيح» المراد والله أعلم أنها تقسم على عدد السكك بمعنى الطرق فيشترك أهل السكة الواحدة. وقوله: «على المصابيح»: الظاهر أنها تقسم على عدد الدور، لأن المصباح كناية على الدار الواحدة، فلا يلتفت إلى عدد سكان البيت الواحد قلوا أو كثروا وإنما تقسم على عدد البيوت. ليتأمل. الزريعة قال في لسان العرب: «والزريعة: ما بذر ... قال ابن بري: والزريعة، بتخفيف الراء: الحب الذي يُزرع، ولا تقل زريعة، بالتشديد، فإنه خطأ». وفي القاموس: «الزرعة بالضم: البذر».
- 104 - (1/104)
صفحة 103
وَأَمَّا إذا اقتسموا أرض المشاع فغرسوا فيها الأشجار وبنوا فيها الدور والبيوت فإنَّه يرجع ذلك كله للمشاع ويكون بينهم كالمشاع. ومن العلماء من يقول في الغرس والبناء أن يكون لهم ما غرسوا من الأشجار وما بنوا فيها من الحيطان ولكن بقعة الأرض تبقى مشاعًا بينهم. ومن العلماء من يقول في أصحاب المشاع إذا اقتسموا للحرث والسكنى بعد لا يعيدون القسمة كل سنة ما لم يتمُّوا مدة القعود)؛ وقيل: ما لم يتموا مدة الحيازة على قدر اختلاف العلماء في مدة القعود والحيازة.
وَأَمَّا غلّة جميع ما تكون له الغلة من المشاع والأشجار وغيرها من البيوت والغيران والعيون وما أشبه ذلك فإنَّ في ذلك اختلافا من العلماء منهم من يقول: يمنع ذلك كله مثل سائر المشاع؛ ومنهم من يقول: يقسمه الفقراء من أهل المشاع؛ ومنهم من يقول: هو لجميع الفقراء من أهل المشاع وغيرهم؛ ومن العلماء من يقول: إنَّ ذلك يقسم على ما تقسم الأرض للحرث، وأما غير الأرض وما اتصل بها إذا انتهى إلى قوم على مرتبة ما انتهى إليهم المشاع، فإنَّ من كان في ضمانه ذلك يبيعه وينفقه على فقراء ذلك الذي انتهى إليه؛ وقيل: يستوي فيه الفقراء جميعا؛ ومنهم من يقول: يقسمه أصحابه جميعًا الذين انتهى إليهم، للذكر مثل حظ الأنثيين، ويدخل فيه الصغير والكبير ولا يدخل فيه من لا يرث؛ ومنهم من يقول: إنَّما يقسمونه على الرؤوس سواء في ذلك الذكر والأنثى، لأنه يمكن أن يكون فيه للأنثى أكثر مما يكون فيه للرجل بتداول الميراث حتى يصل إليهم
-
- 2
ر: تعليق
لفظة القعود المراد بها: المكث في الشيء، ووضع اليد عَلَيْهِ عَلى وجه التملك. الشيخ محمد بن صالح الثميني في صفحة 171 من كتاب "الورد البسام في رياض الأحكام، تأليف الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم الثميني. ولقد حفظت عن شيخي إبراهيم بن عمر بيوض قوله في تعريف القعود: القاعد في الشيء المتنازع عَلَيْهِ - وقد يطلقون عَلَيْهِ الأصل في القضية - هو المتصرف في الشيء، الواضع يده عليه، فلا يطالب بالبَيِّنة، وإنما يطالب بها من ادعى خلاف ذلك.
له
الحيازة: هي أن يدخل المرء أرض غيره فيحرثها ويحصد منها، ويعطي ويمنع، وربها معه في المنزل حاضر، ولم يُرَ منه منع ولا حجر، حتى مكث فيها المدَّة (أي مدة الحيازة) فتصير بالحيازة ر: عبد العزيز الثميني: الورد البسام، ص.
184
- 105 -
- (1/105)
صفحة 104
ذلك؛ وقيل في هذا كله: إنَّما يقسمونه على جميع من تقسم عليه أرض المشاع، ولا ينظر في هذا إلى الطفل ولا إلى المرأة؛ ومن العلماء من يقول فيما ذكرنا من هذا كله: أن يمنع ويعطّل أبدًا. والله أعلم وأحكم بالصواب).
:باب فيما يدخل في قسمة المواريث من الخطأ والعمد وقسمة المواريث يسع الناس جهلها ما لم يتقاولوا (2) على الله فيها الكذب، فيحلوا حرامًا ويحرموا حلالاً أو يَلْقَوا الحجة فلا يسلّموا لها، وكذلك القصاص ودقائق الربا على هذا الحال.
ويكفر القسام فيما ذكرنا من المواريث إذا خالف في قسمته منصوص الكتاب، وما اجتمعت عليه العلماء من ذلك، وسواء في هذا القسام من عدل الأسهم أو من يلقي القرعة. وكذلك من شهد لتلك القسمة يكفر بجهالته، وسواء في تلك الشهادة من شهدها أو من حضرها رضًا منه لقسمته ولو أنَّه لا يشهد بها. وأما من حضرها و لم يرض بها و لم يرض قسمتها فليس عليه شيء إلا من قبل تضييع النهي إن عرف ذلك. وكذلك من شهد قسمتهم وهو جاهل بها ولم يعلم تلك القسمة فلا حرج عليه في ذلك كلّه؛ وأَما إن أعلموه بقسمتهم فلا يعذر فيها بفعله ولا ينفعه جهله في ذلك وكذلك الحاكم فيما ذكرنا الفاتي) له على ما ذكرنا مِمَّا يدخل عليهم من الكفر والضمان وكذلك من أخذ تلك القسمة من رضي بها ومن أعطاها لشريكه على ما بينا.
(3)
وكذلك الأمر يكفر بأمره فيما ذكرنا من القسمة، سواء في ذلك أفعل المأمور ما أمر به أو لم يفعله. ومن العلماء من يقول في المأمور: إذا كان ممن لا فعل له ألا يهلك من أمره، ولكن يأثم بأمره على هذا الحال.
-
1 لعلّ الأصوب: «والله أحكم وأعلم بالصواب».
- 2
3
الصواب: «يتقولوا».
«الفاتي له»: الصحيح المفتي له لأنه لم يسمع الثلاثي منه في هذا المعنى.
- 106 - (1/106)
صفحة 105
ويكفر أيضًا من قسم ما ذكرنا من الميراث بغير إذن أصحابه إذا فعل فيه ما يكفر لقسمته، ولو أنهم لم يجوزوا قسمته. ومن العلماء من يقول فيمن عقد عقدة في مال غيره بغير أمره أنه يكفر بها، وذلك مثل الشراء والبيع والهبة وما أشبه ذلك من العقدات كلّها. ولو عقد ذلك كله على حسب ما تجوز له عقدته ولو كان بأمر صاحبه (1)، وفي فعله اختلاف إذا كان الرضا من صاحبه، منهم من يجوزه ومنهم من أبطله إذا فعل (2) محرَّمًا له ومن العلماء من يقول: لا يكفر بركوبه ما ذكرنا ولكن يلزمه الإثم.
وخليفة اليتيم والمجنون والغائب وجميع من تكون له خليفة إذا اقتسموا لمن استخلفوا عليه قسمة محرمة أو رضوها ممن قسمها فإنهم يكفرون بذلك. وكذلك الوكلاء والمأمورون على هذا الحال.
وكذلك جميع ما يكون انفصالاً بين الشركاء، مثل المبادلة والمواهبة إن وهب بعضهم لبعض، أو خير بعضهم بعضا، فإنَّه يكفر من فعل شيئًا من ذلك على حسب ما ذكرنا من القسمة إذا أرادوا به القسمة.
وَأَمَّا إن قسم لهم على حسب ما تجوز به القسمة من الأسهم ولكن جعل في قسمته غبنا يكون به سهم الرجل مثل نصيب الأنثى ولم يتعمد، فإنه يلزمه الضمان ولا إثم عليه؛ وأَما إن تعمَّد ذلك فقد لزمه الإثم والضمان؛ وَأَمَّا إن قسم لهم على أن يكون للأنثى مثل حظ الرجل في الميراث فخرج في قسمته غين يكون فيه للرجل مثل حظ الأنثى (3)، فإنَّ الإثم لازم له والضمان ساقط عنه.
أضاف الناسخ: «قوله: "ولو كان بأمر صاحبه صوابه بإسقاط الواو ليصح المعنى فتأمله». أضاف الناسخ: «صوابه: إذ».
أضاف الناسخ: «لعله للرجل مثل خط الأنثيين». وَهُوَ الصواب إن شاء الله، يؤكده أن
- 107 -
الضمان يسقط عنه.
تأمل
1
- 2
3 (1/107)
صفحة 106
باب: في قسمة الماء
والقسمة جائزة في جميع المياه، وسواء في ذلك الماء الجاري أو ماء المطر، وكذلك الرواكد من المياه، مثل الآبار والعيون والمواجل والأحواض وكذلك الأوعية كلها تجوز فيها القسمة، وكذلك الماء الذي يكون في الجب على هذا الحال، والشركاء يتداركون القسمة فيما اشتركوا فيه من هذه الوجوه التي ذكرنا سواء فيه المتصل والمنفصل على قدر ما يكون لهم فيه المنافع، ويجبرون عليها على قدر نظر الحاكم أو الجماعة مِمَّا لا يضرُّ بنباتهم، سواء في ذلك الزوارع (1) والأشجار؛ وإنَّما يقسمون على أقلهم سهما كما بينا قبل هذا. ونحن نلخص قسمة كل صنف منهم في موضعه:
(فَأَوَّلُ ذلك أنَّه لا تكون القسمة فيما كان لرجل واحد من جميع الوجوه، وذلك مثل من علّق ماله في يد رجل إما بالرهن وإما بالوصية، فكان الفضل في ذلك المال على حقٍّ الذي كان في يده فلا يدرك عليه أن يقسم مع من له ذلك المال حتى يستوفي ما رهن فيه وينفّذ ما كان فيه من الوصية، وقيل: إذا كان الفضل في ذلك الممنوع (2) أن يدرك قسمته مع من كان ذلك الشيء في يده، ويأخذ الفضل من ماله ويكون الباقي على حاله الأول، وليس المعنى في هذه القسمة لدخول ملك لم يكن قبل ذلك مِمَّن كان في يده، ولكن لما شرحنا من أخذ الفضل وألا يعقل الجميع (3) وبالله التوفيق والله أعلم.
1
2
وكذلك الغلات والنمو وما جعل فيه من الفساد على قدر اختلافهم أن يكون ذلك رهنا أو لا يكون رهنا. وكذلك إذا كان هذا الرهن لرجال شتى فلا
-
الصواب: «الزروع».
قوله: «وقيل: إذا كان الفضل في ذلك الممنوع أن يدرك قسمته» يبدو أن في العبارة كلمة ساقطة وتقدر العبارة كالتالي: «إذا كان الفضل في ذلك الممنوع حق له أن يدرك قسمته». قوله: «وألا يعقل الجميع»، مراده به والله أعلم: ألا يعطل ويجمد الجميع.
- 108 - (1/108)
صفحة 107
يتداركون فيه القسمة ليأخذ كل واحد منهم ما نابه من ذلك الرهن أو تلك الوصية، ومثل ذلك إذا رهن رجل لرجل شيئًا من حقه، ورهن لآخر الفضل من ذلك الشيء على حق الأوَّل؛ أو أوصى لرجل بما يخرج من هذا الشيء، وأوصى لآخر بمعنى معلوم أن يخرج من فضل تلك الوصيَّة؛ أو أوصى لهما به جميعا، أو رهنه لهما، فلا يتداركون فيه القسمة على ما شرحناه. ومن العلماء من يقول: يتداركون ذلك على ما قلنا في صاحب المال وبالله التوفيق)).
وإذا أراد الشركاء أن يقسموا الماء الجاري، فإنما يقسمونه على الساعات والأوقات والليالي والأيام، ولا تجوز قسمته بالقواديس (2)، ولا بالأحواض، لأنَّ ذلك مجهول ولا يصل (3) إلى معرفته لأنَّهُ رُبَّمَا يجيء ذلك المقدار في القواديس والأحواض في يوم في بعض الأحايين (4)، وتارة يجيء على يوم أو اثنين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك. ذلك، فلما لم يكن لإتيانه مقدار من الساعات والأوقات صح أنَّ ذلك مجهول عندهم، وقيل: تجوز قسمتهم فيما ذكرنا من القواديس والأحواض وجميع ما يفصلون به ما بينهم مثل الأيام والقواديس (3) وجميع ذلك فيما روي عن أبي محمد عبد الله بن زرزتن (6) لا تجوز قسمة الماء الجاري على تداول النوب على
- 2
- 5
- 6
العبارة التي وضعناها بين قوسين غريبة في هذا السياق، وهي تبدأ من قوله: «فأول ذَلِكَ أَنَّهُ لا
تكون القسمة فيما كان لرجل ... » إلى قوله: «على ما قلنا في صاحب المال وبالله التوفيق». القواديس جمع قادوس، قال في القاموس: «إناء يخرج به الماء من السواقي». انتهى، والمعروف هو الفتحة في أسفل الحوض يخرج منه الماء أو على جوانب الساقية.
عندنا
3 ولا يصل الأفصح أن يقال ولا يوصل إلى معرفته. في الأصل الأحاقيق وذكر الناسخ أن الصواب «الأحايين» وقال: «وفي نسخة الأخابين». أضاف الناسخ: «لعله الساعات». ورد ابن زوزتن، زورزتن، زورستين، زوستن زوزتين وَهُوَ أبو محمد عبد الله بن زرزتن، الوسياني: من الطبقة (400 - 450 هـ)، من مشايخ كنومة بالجنوب التونسي. قال عنه علماء ثلاثة كنوميين كانوا "زعماء زمانهم، وفخراً لإخوانهم ... كان له الفضل في إقامة نظام العزابة جنبا إلى جنب مع أبي عبد الله محمد بن بكر والد المؤلف. انظر: أبو زكرياء السيرة، 351،3494288/ 2235/1. الوسياني: سير (مخ) 53/ 1
الدرحيني: هو
واحد من
- 109 - (1/109)
صفحة 108
التخلاف والتعاقب، وكذلك الساعات والأوقات والتسميات من الأيام والليالي)، لا تجوز القسمة على شيء مِمَّا ذكرنا، وإذا خافوا الغبن فيما بينهم في قسمة الأيام والليالي فليقسموا بالقيمة يجعلون لليوم قيمة والليل قيمة على قدر تفاضلهم عندهم. ومنهم من يجوز القسمة على حسب هذا من الاعتقاب ويتداركون الغبن في قسمة الماء كما يتداركون الأصل.
وأما إن أرادوا أن يقسموا ما كان لهم في أماكن شتى من الماء الجاري فإنهم يقسمون ماء كل عين على الانفراد ولا يجمعونها في القسمة مع غيرها، وعلى ذلك يجبرون. ومنهم من يقول: يقسمون ما كان في مكان واحد من العيون وقد مضى القول باختلافهم في المكان الواحد في قسمة الأصل فيما تقدم من كتابنا هذا.
وأما إن كان هذا الماء الذي أرادوا أن يقسموه مختلفًا، منه العذب والمالح والضعيف
الجري والقوي، فإنَّما يقسمونه بالقيمة على قدر قيمة ما لكل واحد منهم.
وإذا كان الماء المشترك (3) بين قوم وأرادوا قسمته، فإن كانت لهم قسمة وعادة قبل ذلك مضوا عليها قلت أو كثرت، وكذلك من دخل إليهم في ذلك الماء بالبيع أو غيره من العقود ولا يصيبون غير ما سبق من قسمتهم؛ وإن لم تكن لهم قسمة وأرادوا ابتداء القسمة فإن اتفقوا على معنى معلوم من الدور واقتسموا (4) عليه مضوا على قسمتهم، ولا يجدون نقضها بعد ذلك؛ وإن تشاححوا على القسمة ولم يتفقوا جعل لهم القاضي أو جماعة المسلمين أو من ينتهون إليه بأمورهم قدرًا
1
- 2
-
3
55. الدرجيني: طبقات، 395/ 2 - 399. الشماخي: السير، 69/ 2. انظر: معجم أعلام الإباضية، مج 3/ص 500 501 (مرقون).
انفردت بعبارة: فيما روي عن أبي محمد ... » النسختان المعتمدتان (م) و (ت) على
غيرهما من النسخ.
أضاف الناسخ: «ولليل قيمته وهو الصحيح». لعل الأصوب: «وإذا كان الماء مشتركا بين قوم».
لعل الصواب: «واستهموا عَلَيْهِ».
- 110 - (1/110)
صفحة 109
يقتسمون عليه على قدر ما رأوا أنَّه أصلح للخاص والعام، ويجبرون عليه، ولا يجدون نقض نظرهم في ذلك.
وكذلك قسمة الماء الراكد من العيون والآبار والغدران إن أرادوا أن يقسموه (1) على ما بينا من قسمة الجاري نسقا بنسق. ولا تجوز قسمته بالدلاء ولا بالقلل ولا بجميع ما يستقى به، وإنَّما تجوز قسمته بالنوب من الأيام والليالي والساعات على قدر ما يصلح لهم. وقيل غير ذلك فيما ذكرنا من الدلاء والقلل وما أشبههما والله أعلم. وإن اقتسموه على النوب والأحواض فإنهم يرصد كل واحد منهم نوبته وحوضه، ومن ضيع منهم سهمه حتى دخل عليه سهم صاحبه لا يدرك فيه شيئا والله أعلم. وكذلك الآبار والعيون والمياه الرواكد على هذا الحال، ومن ضيع منهم نوبته حتى مضى وقته ففيه اختلاف على (2) ما ذكرنا.
1
وكذلك إذا كان الغنم أو كل ما له نفع بين قوم فأرادوا قسمة حلب الغنم على الأيام فلا يجدون ذلك، وقيل فيه غير ذلك:
وَأَمَّا الأرض وما اتصل بها فلا يصيبون فيه قسمة المنافع على الأيام والشهور والسنين؛ وذلك مثل قسمة الأرض على أن يحرثها واحد منهم هذه السنة ويحرثها الآخر السنة المقبلة. وكذلك في غلّة الأشجار على أن تكون لأحدهم سنة ويكون للآخر سنة أخرى. وكذلك في غلّة واحدة لا تجوز قسمتها على النوب، مثل النخلة أن يجتني منها أحدهم تمراً في نوبة ويجتنيها آخر في نوبة أخرى، فإنَّ هذا تمكن فيه القسمة بمرة واحدة. وأما إن كان نصيب أحدهم في المشترك لا ينتفع به صاحبه بغلة إذا اقتسمه مع شريكه فإنه قد اختلف في هذا؛ منهم من يقول:
2
أضاف الناسخ: «لعله فليقسموه على ما بينا فيسقط من النسخ» وكذا في هامش
النسخة
(ح).
أضاف الناسخ: قوله فيه اختلاف لم يتقدّم له الاختلاف بل تقدّم له أنه لا يدرك فيه شيئا إلا أن يقال في النسخة سقط فليراجع»، كذا في هامش النسخة (ت) وفي (ح).
8
- 111
- (1/111)
صفحة 110
يقسمونه ولو لم يكن له فيه ما ينتفع به، قل ذلك أو كثر، ويفعل في نصيبه ما أراد. ومنهم من يقول: يمنع ويعطل كذلك مثل ما لا تمكن فيه القسمة إلا بفساده، وهما سواء في الحكم، ولكنهم يفعلون فيه ما تمكن فيه القسمة مثل الكراء والبيع وغير ذلك. وقيل: إذا صار إلى هذه المنزلة التي لم يمكن فيها انتفاع لصاحبه أن يعطيه صاحب الأكثر قيمة نصيبه ولا يجد غير ذلك وبالله التوفيق.
وأما إذا كانت الشركة بين قوم في ماء المطر فأرادوا قسمته فإنهم يقسمونه ويجبرون عليها أيضًا في الحكم، فإنَّما يقسمونه على قدر أرضهم، وذلك على وجهين: أحدهما قسمته بالمساقي في صب الماء، والآخر أن يجمعوه في مستقى واحد حتى ينتهوا به إلى عمارتهم فيقسمونه بالمقاسم على قدر ما ذكرنا مما لكل واحد منهم من الأرض والعمارات.
وكذلك الماء الجاري إذا كان كثيرًا ولا تجمعه الساقية فأراد قسمته بالمساقي على هذا الحال. وإنَّما يجعلون مقاسمهم على مستوى الأرض) ولا يجعلونها على منحدر أرض بعضهم دون بعض لئلا يكون الغبن بينهم في ذلك.
وأما الوادي إذا كان فحلاً بين قوم فإنَّ من أراد أن يرفع منه الماء إلى أرضه فإنه يرفع منه ثمن ذلك الوادي، ويرفع من كان تحته لمن البقية، وكذلك إلى آخرهم وَأَمَّا إن كان اثنان أو ثلاثة في موضع واحد أو متقابلين من الناحيتين فإنَّما يرفعون الثمن ولا يجاوزونه، ومنهم من يقول: يرفع كل واحد منهـ
منهم أمناء واختلفوا في الثمن الذي يرفعونه، فقال بعضهم في الأرض، وقال بعضهم: هو ثمن في الماء. واختلفوا في قدر هذا الفحل فقال بعضهم: الوادي الذي جاوزهم، وانصب إلى موضع لا ينتفع به. ومنهم من يقول يكون الفحل إذا كان مساقي المروج كانوا إليها سواء. وقيل فيه: إذا وقف رجل في مسقاه، ووقف آخر في
-
-
1 قوله: «على مستوى الأرض»، يريد به ما استوى من الأرض ولم يكن فيه انحدار.
- 112 - (1/112)
صفحة 111
محراه، ووقف الآخر فيما بينهما فصاح كلُّ واحد منهم إلى صاحبه فلم يسمعه (1).
فإذا كان على هذه الصفة كان فحلاً يجوز لهم فيه ما ذكرنا.
وَأَما إن اشترك قوم ما كان في الأوعية من الماء فإنما يقسمونه بالكيل أو بالوزن إذا كان متفقا (2) وَأَما إذا كان مختلفا فإنما يقسمونه بالقيمة، وكذلك الحب إذا كان فيه الماء على هذا الحال، وقيل: يقسمون الماء في الجب بالأذرع
والأشبار والأيام. والله أعلم وأحكم.
تم كتاب القسمة بحمد الله وعونه والحمد لله على جميع نعمائه
الصواب: «لم يسمعه».
قوله: «إذا كان متفقا:
المفهوم من العبارة أنهم يقسمون الماء بينهم بالكيل أو الوزن إذا كان
متفقا في العذوبة أو الملوحة مثلاً، أما إذا اختلف ما كان في الأوعية فكان في بعضها ماء عذب وفي آخر ماء ملح فليقسم بالقيمة، وهذا يتم على مقدار التحري فيما يبدو، ولا ينبغي أن نتطاول عليهم والحكم على الشيء فرع عن تصوره. ونحن مأمورون أن نحسن الظن بالناس.
- 113
-
-
1
2 (1/113)
صفحة 112
صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما
الجزء الثالث
من
كتاب الأصول
هكذا ورد في جميع النسخ، راجع
المقدمة.
- 115 - (1/115)
صفحة 113
1
2
الحمد لله المتوحد بالبقاء، الذي جعل الأرض مهادًا، وذللها لمنافع خلقه، وبسطها وسهَّل لهم الوصول إلى أسباب منافعهم فيها منه ولطفه، سبحانه لا إله غيره.
القول في الطرق ومسالكها واختلاف مجاريها قال الله تعالى: {هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ الاَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا} () يعني في طرقها وفجاجها، جائز للرجل أن يجوز في الأرض القفار التي لا تنسب إلى أحد بنفسه وجميع مواشيه سواء أكثر الطريق فيها أو لم يؤثره، ويكون له ذلك إن أراد دون غيره من الناس. وأَمَّا الأرض التي تنسب إلى أحد من الناس وهي قفار لا عمارة فيها فإنه يجوز فيها أيضًا بطريقه لنفسه ومواشيه أثر الطريق أو لم يؤثره، ولا يشتغل بمنع أربابها، ولكن لا يدعيه بمروره وجوازه. وأما الأرض التي كانت بقرب الناس وحواليهم، غير أنَّها لا عمارة فيها فجائز له أن يسلك فيها بنفسه ومواشيه، ولكن لا يؤثر الطريق فيها ولا يشتغل بحجر صاحبها ومنعه، وأَما الأرض التي عمرها (3) أربابها، فجائز له أن يسلك حيث لا يضر بأربابها ويشتغل بمنع أربابها وحجرهم. وأَما إن كان لا يمر فيها إلا بفسادها)، فلا يشقها إلا إلى إصلاح ما يخاف فساده، إذا لم يقصد في ذلك فسادها يمر عليه وليس عليه شيء فيما أفسد في مروره ورجوعه وليس عليه شيء فيما أفسدت الدابَّة التي أراد أن يخرجها في
3
- 5
سورة الملك: 15. قوله: «ولا يشتغل بحجر صاحبها ومنعه ... مراده: لا يهتم بمنع صاحبه ولا يمتنع من الجواز فيها ولو منعه.
أضاف الناسخ: «قوله: " التي عمرها إعلم أنَّ هذه المادة من نصر ينصر، من قوله: وعمروها أكثر مما عمروها، وكذا فيما بعده إلى آخر الكتاب».
وقوله: ويشتغل بمنع أربابها وحجرهم مراده ويمتنع من المرور فيها إن منعوه. عبارة: «إن كان لا يمر فيها إلا بفسادها» معناها: إن كان مروره فيها لا بد أن يحدث فيها فسادًا.
- 117 - (1/117)
صفحة 114
وقت إخراجه إيَّاها ويدخل إليها بنفسه؛ ويركب دابته في الوقت الذي أراد أن يخرج الدابة من الزرع أو غيره في جميع ما يخاف في فساده، وليس عليه شيء فيما أفسدت دابته. ويجوز له السلوك في الطرق كلّها على قدر كونها في الأرض التي جازت فيها سواء أكانت للعام أو للخاص. ولا يجوز له أن يسلك في طريق الخاص لعمارة أرضه. ويجوز له السلوك فيها (1) لغير ذلك من منافعه وقضاء حوائجه، فإذا منعه صاحب الطريق المخصوص أهله فلا يجوز فيه على المنع والحجر.
العامة
وَأَمَّا طريق العامة فلا يشتغل بمنع من منعه ولا حجره، ويقصد في سلوكه إلى عمارة أرضه وفدادينه إن أراد، ولا بأس عليه، إلا إن كان في سلوكه طريق ما يضرُّ بأهله فجائز لهم منعه عما يضرهم، ولا يفعل هو ذلك أيضا أن يضر
بالعامة وإن لم يمنعوه ويجوز في الطريق بجميع ما جعل له أو دونه ما لم يضر
بأهله، ويجوز الرجل في هذا كلّه بنفسه، إذ لا يمكن السلوك في الطريق إلا به.
ولا يمنع ـ على حال ـ إنشاء المنزل وطرقه، وإذا أراد قوم أن يحدثوا منزلاً عامة كانوا أو خواص فإنَّهم يحدثون في أرضهم أو في أرض من أذن لهم أو في أرض لم تكن لأحد، كما اتفقوا على حدثه وعمارته فيما يعمر كلُّ واحد منهم، ويجوز لهم الاتفاق على عمارته بالسويَّة وعلى ما لهم فيه قل أو كثر، ويجعلون له طرقه ومجازاته ومنافعه على ما اتفقوا عليه من سعة طرقه وذلك باتفاقهم كلّهم العام منهم والخاص، أو ما رأى لهم أهل النظر منهم أو من غيرهم مِمَّا اتَّفقوا عليه من البنيان والأحداث، فإن بنوا أو عمروا أو أحدثوا فلا يصيب من أراد منهم نقص ذلك ولا نزعه سواء في ذلك
- 1
- 2
عبارة: «ويجوز له السلوك فيها»: هذا الضمير عائد إلى الطريق والطريق يُذكر ويؤنث. كما تفيد المعاجم اللغوية. راجع القاموس. «وإذا أراد قوم أن يحدثوا منزلاً»: المشهور من لفظة المنزل أن تدلّ على الدار. قال في القاموس في شرح مادة (نزل): «و كَمَجْلِسٍ: بناتُ نَعش والمنهلُ والدار». اهـ. غير أن السياق وما يأتي من الكلام يفهم منه أنه يقصد جملة. الدور والمساكن، فيكون المنزل بمعنى الحي أو بمعنى من ما تسميه العامة: الدوار.
- 118 - (1/118)
صفحة 115
عامتهم وخاصتهم أو غيرهم من الناس، فلا يجدون زواله عما كان عليه؛ ومنهم من يقول: إن اتفقوا على نزعه، فإنَّهم ينزعونه إذا كانوا خواص؛ ومنهم من يرخص إن أحدثوا بعضا وعمروا بعضا وبنوا بعضا، فبدا لهم فلهم ذلك ولا يجدون نزع ما حدث من ذلك البعض؛ ومنهم من يقول: إن عمروا بعضا، فلا يجدون إلا أن يعمروه كله؛ ومنهم من يقول: إن اتفقوا على حدوثه وعمارته فإنَّهم يتواخذون (1) عليه؛ ومنهم من يقول: يتواخذون عليه ولو لم يتفقوا عليه إن كان ذلك أصلح لهم و لم يستغنوا عنه. وكذلك ما اتفقوا عليه في إبطال الحريمات (2) وإثبات المضرات في وقت حدوث المنزل فذلك ثابت عليهم، ولا يجدون إبطاله بعد الاتفاق، وكذلك كل من كان معهم من المشتري والموهوب له، ومن كان بعدهم من وارث أو غيره، وَهَذَا فيما حوته عمارة المنزل وكذلك ما لم يحوه مِمَّا لا غنى لهم عنه فيما تعلق إلى منافعه ومضاره. وإن أرادوا أن يحدثوا منزلاً في أرضهم وبحذاهم أراضي غيرهم، فالذي ينبغي لهم أن يفعلوه في هيئة المنزل أن يجعلوا له أربعة أبواب ويجعلوا فيه شارعين من الشرقي إلى الغربي (3) شارع، ومن القبلة إلى الشمال شارع، وينفذون طرق الدور إلى الشارع من غير مضرة لأحد على جاره، وهذا فيما حواه المنزل. والذي يجب للمنزل من الطرق أربعة: قبلي وشرقي وجبلي) وجبلي (4) وغربي؛ ومنهم من يقول: يجعلون
2
3
4
عبارة: «فإنهم يتواخذون عليه قال في اللسان: «وفي التنزيل: ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبواة والعامة تقول: واخذه». وقال صاحب القاموس: «آخذه بذنبه مؤاخذة ولا تقل واخذه، ويقال: أتتخذوا - بهمزتين - أخذ بعضهم بعضا». انتهى.
وبناء على هذا فإما إن يقال: فإنّهم يتأخذون عليه وإما أن يقال: فإنهم يأتخذون. قوله: «إبطال الحريمات»، القياس أن يقال: إبطال الحُرُم - بضم الحاء والراء ــ أو الأحرام، كما أفاذه صاحب القاموس.
قوله: «من الشرقي إلى الغربي»، الصواب: من الشرق إلى الغرب. قوله: «وحبلي» يفهم من السياق أنه الشمالي، علما بأن الجهات أربع: شرق وغرب وجنوب (وهو ما سماه القبلي)، وقد ذكرها فلم يبق إلا الشمالي، ويسميه بعض بالجوفي في مقابلة الجنوبي أو القبلي.
- 119 - (1/119)
صفحة 116
2
له الصبا والدبور ()، والجنوب والشمال؛ ومنهم من يقول: يجعلون له طريقا إلى الفحص لمراعيهم، وطريقا إلى الجبل، وطريقا إلى الماء، وآخر إلى السوق؛ وإن (2) أمكنهم أيضًا أن يجمعوا هذا كله إلى طريق واحد إن رجعت لهم هذه المعاني كلها إلى ناحية واحدة فلهم ذلك، وإن افترقت الطرق بعد اجتماعها فلهم أيضا أن يحدثوا طريقا إلى هذه المعاني كلها، وكذلك إن اجتمعوا (3) إلى طريقين أو ثلاثة، ثُمَّ احتاجوا إلى افتراقها - على ما ذكرنا أولاً - فلهم ذلك؛ وإن احتاجوا إلى خمسة من الطرق أو أكثر فيما لا غنى لهم عنه ولابد لهم منه فلهم ذلك كله في هذه المعاني أرجعت لهم إلى ناحية واحدة أو افترقت، فكل ما لا بُدَّ لهم منه يدركونه ويحدثونه.
سواء
وإن كان المسجد خارجًا من المنزل فليجعلوا إليه طريقا يوصل إليه منه، وهذا إذا لم يمنعه أصحاب الأرض المحيطة بأرضهم حتى بنوا وعمروا وثبتت لهم عمارة تلك الأرض قبل ذلك أو أذنوا لهم في تلك العمارة. وهذه الطرق كلها إذا بنوا وعمروا ثبتت لهم، ولا يحتاجون إلى مُدَّة الحيازة ولا غيرها من المعاني التي تثبت بها المضار، فإذا بنوا بيوتهم ورفعوا عتباتها ثبتت لهم هذه الطرق كلها؛ وأَما إن منعوهم وحجروا عليهم قبل أن يبنوا فلا يدركون من هذا كله شيئًا إلا ما يدركون عليه قبل حدوث هذه المعاني.
وإذا بنوا مدينتهم ومنزلهم في وسط أرض غيرهم، وقد سبقتهم العمارة فيها، فإن كانت هذه العمارة مِمَّا تصح مع هذه المعاني، فإنهم يعمرون كلهم، وإن كانت أيضا لا تصح مع هذه الطرق فإنه إن كان ذلك مثل الحيطان والعيون والآبار والبيوت كلها والأشجار وما يشبهها، ولا يمكن لهم أن يجوزوا طريقهم
- 3
الصبا: الريح الشرقية. الدبور: الريح الغربية. الفحص: قال في القاموس: «كل موضع يُسكّن ومواضع بالغرب فحص طليطلة وأكشونية». اهـ. وقال في لسان العرب والفحص ما استوى من الأرض». ولكن السياق
يدل على معنى آخر، وهذا يرجع إلى عرف بلد المؤلّف أو زمانه؛ ولعله يقصد المراعي.
إذا اجتمعوا» الصواب إذا احتمت، والضمير يعود إلى الطريق، وربما إلى المعاني. والله أعلم.
-
- 120 - (1/120)
صفحة 117
إلا بفسادها، فلا يدركون عليهم ذلك؛ وإن كان ذلك مثل السواقي أو المماصل (1) أو ما يمكن لهم أن يجوزوا عليه تلك الطرق فليجعلوا لهم طرقهم على الوجه الذي لا يضر بعضهم ببعض مثل القناطر؛ وعليهم تسهيل تلك المعاني حتى يصلوا إلى جوازهم، وإن كانت تلك الأرض المحيطة بأرضهم أرض زراعة وحسورًا فَإنها إن حدثت قبل عمارتهم ووجدوا لهم مخرجًا لطريقهم من غير فساد حرثهم ونباتها، فليجعلوا لهم ذلك؛ وإن لم يجدوا إلى ذلك سبيلاً فإنهم يخرجون لهم طريقهم ويضمنون لهم قيمة ما أفسدوا لهم من ذلك النبات الحاضر.
(3)
وإن ثبت الطريق لقوم في أرض قوم آخرين فاستمسكوا بهم على طريقهم فاختلفوا في دوران الطريق وقصده، فلا يصيبون أصحاب الأرض إلا أن يجعلوا لهم طريقا قاصدًا، فإن عمرت أرضهم قبل ذلك وأرادوا أن يجعلوا الدوران في ذلك الطريق كما لا يضر بعمارتهم، ولم يضر ذلك أيضًا بأصحاب الطريق، فلهم ذلك؛ وإن كان ذلك مِمَّا يضرُّ بأصحاب الطريق فلا يجدون ذلك. وإن أراد أصحاب الأرض أن يجعلوا لهم طريقًا قاصدًا، فأبى ذلك أصحاب الطريق، فالقول قول من دعا إلى قصده، إلا أن ظهرت في ذلك مضرة مثل الصعوبة والوعر، وما أشبه ذلك مِمَّا يمنع لهم المجاز.
وإن ثبت لهم الطريق على جيرانهم (6) فتركوه ولم يعمروه حتى عمر جيرانهم أرضهم بالغرس والبنيان ومكثوا كذلك حتى ثبت لهم مُدَّة الحيازة، فإن كان ذلك
1
2
-3
- 4
5
الممصل: هو ما قطر من الجرة أو الخابية وفي اللسان: «ما» سال من الجب»، ويبدو أن القصد منه: المكان الذي تتجمع فيه المياه السائلة من الحب أو المطمورة أو الساقية كما يدل على
ذلك السياق.
حتى يصلوا إلى جوازهم» معناها حتى يمكنهم الجواز أي المرور. عبارة: «فاستمسكوا بهم على طريقهم معناها: فاستمسكوا بحقهم في إحداث الطريق. قال في اللسان الطريق يذكر ويؤنث». وقوله: دوران الطريق وقصده»: دورانه أو استقامته. في ا في كثير من النسخ يوجد بياض بين هذه اللفظة والتي تليها وهي «فتركوه»، إلا في نسخة (ح) وقد ذكر المعلق في نسخة (ت) أن هذا البياض لا معنى لاستقامة معنى الجملة فليتأمل. أما في النسخة الأصلية (م) فلا وجود له.
- 121 - (1/121)
صفحة 118
الطريق للعامة فلا يجدون بطلانه لعمارتهم سواء أكانوا أصحاب (1) تلك العمارة عامة أو خواص؛ وإن كان الطريق الخاصة ولم يعمروه و لم يمنعوا أصحاب تلك العمارة حتى ثبتت عليهم عمارتهم فلا يدركون عليهم بعد ذلك شيئًا، سواء أكانت تلك العمارة للعامة أو للخاصة. وإن عمر قوم أرضهم وقد أحاطت بها أرض المسجد، أو المقبرة أو المساكين، أو اليتامى، أو الغياب، أو المجانين، أو ما أشبه ذلك، فإنهم يخرجون طرقهم ولا يبطلها ذلك، إلا إن كانت فيها عمارة لا يصح معها خروج الطريق إلا بفسادها مثل أن يُبنى في ذلك مسجد أو جعل مقبرة أو غروسًا، ولا يجدون إلى خروج الطريق سبيلاً إلا بفساد هذه المعاني، فلا يصيبون ذلك، وإن وجدوا كيف يجوزون بين القبور أو يجوزون على المسجد ولم يفسدوه، فلهم ذلك وكذلك الأشجار التي للأجر على هذا الحال.
وإن ثبت الطريق لقوم على جيرانهم ثُمَّ خربت أرضهم التي عمروها بتلك الطرق، فأراد جيرانهم أن يعمروا تلك الأرض، فهل يجوز لهم ذلك؟
قال: إن لم يكن في تلك العمارة ما يضر بأصحاب الطريق فلهم ذلك فيما بينهم وبين الله، وإن ضرَّ ذلك بأصحاب الطريق أو لم يكن لهم في تلك الأرض شيء، فلا يجدون ذلك في الحكم، ولا فيما بينهم وبين الله، وأما إن منعهم أصحاب الطريق، فلا يحدثوا عليهم شيئًا في هذه المعاني كلها، ولا يثبت عليهم ذلك، وإن لم يمنعوهم وأرادوا بعد ذلك أن يعمروا أرضهم فإنهم يدركون طرقهم كلها ولا يشتغلون بالعمارة، سواء أكانوا عامة أم خواص؛ وأَما أصحاب الطريق إن كانوا غياباً أو عامة فلا يثبت عليهم عمارة هؤلاء الذين عمروا قبل عمارتها، وَأَما إن كانوا خصائص وهم حُضَر (3) فإنَّها تثبت عليهم إلا إن منعوهم.
1
2
3
«كانوا أصحاب تلك العمارة» على لغة أكلوني البراغيث». مَعْنَى هَذِهِ الفقرة باختصار: أَنَّهُ تجوز عمارة أرض بعد خرابها بالجواز على الطريق المحدث، عَلَى شرط عدم الإضرار بهذه الطرق، وشرط أن يكون لمريد عمارتها بعد خرابها حق فيها. والله أعلم. «وهم حضر» معناها وهم حاضرون غير غائبين.
قال في لسان العرب: « ... ورجل حاضر وقومٌ حُضرٌ وحُضُورٌ».
- 122 - (1/122)
صفحة 119
وإن أحدث قوم منزلاً في أرضهم، وقد أحاطت به أرض غيرهم، وكانت عمارة منزلهم على طريق واحد، فأرادوا أن يخرجوا طرقها التي يحتاجون إليها كلها، وأبي لهم ذلك أصحاب تلك الأرض وقالوا لهم: ليس لكم علينا إلا طريق
ذ
عمارتكم، فإنَّهم لا يجدون ذلك (1) وليخرجوا لهم طرقهم كلها؛ وإن بطلت عمارة تلك المنزل ولم يجدوا إليها سبيلاً بعد، فأراد جيرانهم أن يعمروا طرقهم ومنعوهم من ذلك فإن كانت بقعة الطريق لأصحاب المنزل فإنهم يمنعونهم؛ وإن لم يكن لهم إلا المجاز، فلا يُشتغل بمنعهم لهم؛ ومنهم من يقول: إن ثبت لهم المجاز فإنَّهم يمنعون من أراد بطلان تلك الطريق، وثبت للمنزل طرقه كلها، سواء أكان للعامة أو للخاصة أو لرجل واحد. وإن تركوا لهم طريقهم وأبرؤوهم منها
واستمسكوا بهم بعد ذلك فلا يصيبون بعد ذلك ولا يدركون عليهم شيئًا.
ومن كانت له أرض في وسط أرض غيره إن كان يجوز له أن يبني فيها أو يعمرها وهو لا يجد إليها طريقا إلا في أرض غيره، ولم يثبت له قبل ذلك، قال: لا يجوز له ذلك فيما بينه وبين الله، وإن عمر كذلك فإنَّه يدرك طريقه على جاره في الحكم.
وإن ورث قوم منزلاً في وسط أرض غيرهم أو كان لهم بغير ذلك، ولم يعرفوا له طريقا، وقد كانت له الطريق قبل ذلك ولم يعرفوها، قال: إن كانت آثار الطريق بينة ولم يعرفوا موضعها فلا يدركون عليهم إلا ما أثبتوا بالبينة؛ وإن لم تكن لهم البينة فلا يدركون عليهم شيئًا؛ وكذلك العمارات كلها من البنيان والأصول والسواقي، والمماصل وما أشبه ذلك على هذا الحال.
- 1
- 2
في نسخة (ت) بياض يلي هَذِهِ اللفظة، وَهُوَ غير موجود في نسخة (ح)، والمعنى يستقيم بدونه كما هو واضح من تسلسل العبارة، وأما في النسخة الأم (م) فلا وجود للبياض. قوله: «و لم يعرفوا له طريقا، وقد كانت له الطريق قبل ذلك ولم يعرفوها»، المقصود منه والله أعلم ولم يعرفوا له طريقا، أو علموا له طريقا لكنهم لم يعرفوه بالتحديد لزوال آثاره، أو زوالها عن موضعها بسيل مثلاً، وهذا يتصور إذا كانت علامات الطريق شيئًا منتقلاً كالأوتاد والأخشاب وغير ذلك. ليتأمل.
- 123 - (1/123)
صفحة 120
ومن كانت له أرض في وسط أرض غيره وقد عمرت قبل ذلك، ولم يعرف طرقها وأراد أن يعمرها؟
قال: يجعل له طريقا يعمر منه تلك الأرض إلى منزله أو منزلاً يعمر منه تلك الأرض. ومنهم من يقول: كلُّ من لم يكن له الطريق على صاحبه قبل ذلك في هذه العمارات كلّها فلا يدرك عليه شيئًا فيما بينه وبين الله ولا في الحكم، وسواء في ذلك أعمرت أرض جاره أو لم تعمر.
ومن بنى بيتا في أرضه أو حفر فيها بئراً أو غاراً، إن كان يثبت له الطريق على جاره إلى هذه المعاني؟
قال: إن ثبت عليه ذلك، فإنه يدرك طرقه عليه.
قلت كيف تثبت هذه
المعاني عليه؟
قال: إذا بدأ فيها حتى جعل العتبة للبيت، أو ظهر الماء في البئر، أو رأى الغار من دخله (1) أو الجب أو المطمورة، أو حرَّ الماء في الساقية، أو خرج الماء في الممصل (2). ومنهم من يقول: حَتى يتمها. ومنهم من يقول: حتى ينتفع بماء ولو
-
2
قوله: «أو رأى الغار من دخله» يبدو لي أن في العبارة سقوط كلمة أو شبهها، ولعل المقصود أو رأى الغار من دخله توارى عن الأنظار .. ليتأمل. المِمْصَلُ: واحدُ المَمَاصِلِ، هو عبارة عن خنادق تحفر في أجنة النخل وغيرها من الأشجار لصرف المياه الراشحة من التربة المسقية، بحيث تقطر عَلَى جوانب تلك المماصل (الخنادق)، وتوصل شبكة المماصل في الواحة كلها بخندق رئيسي يذهب بالمياه المتجمعة فيه بعيدا عن الواحة. وَفِي هَذِهِ العَمَلِيَّة فائدة كبرى هي تخليص التربة من الأملاح التي تتشبع بها فتضر بها وبالغراسة والزراعة إن هي بقيت فيها.
هذا ما فهمته من مختلف العبارات التي ورد فيها ذكر الممصل من هذا الكتاب، وبالمقارنة بما ورد في المعاجم اللغوية في تفسير مادة "مصل. ر: لسان العرب، والقاموس، والمنجد. والممصل هو ما يُسمّى باسم «السقيط» عند أهل بلاد تقورت وجامعة والمغير وغيرها من بلاد أريغ، والتي عاش فيها المؤلف رَحِمَهُ الله.
- 124 - (1/124)
صفحة 121
مرة واحدة. ومنهم من يقول: حَتّى ينتفع بماء ثلاث سنين. ومنهم من يقول: حتى تتم مدَّة الحيازة ومنهم من يقول: لا يُدرك عليه شيء من هذا كله.
مسألة: فيمن أمراد أن يمنع من يسلك طريقه
،
ومن كان له طريق من منزله إلى منزل آخر فأراد أن يمنع من يسلكه من الناس؟ قال: إن كان ذلك الطريق له كله فإنَّه يمنع من أراد سلوكه من الناس؛ وإن كان ذلك الطريق للمنزل كلّه فلا يصيب منعه لمن يسلكه إلى ذلك المنزل سائرا أو راجعا، وسواء أكان ذلك المنزل للعامة أو للخاصة. وإن أخرجوا طريقا من
،
منزلهم إلى منزل آخر فلا يجوز لهم أن يمنعوا من أراد سلوكه من الناس، سواء في ذلك الوارد منهم والصادر؛ وإن التقى أصحاب الطريق مع غيرهم في ذلك الطريق، ولا يمكن لهم الجواز فيه معا جميعًا، فأصحاب الطريق أولى بالجواز من غيرهم، سواء في ذلك تتابعوا أو لقي بعضهم بعضا، ولا يمنعوهم من الجواز إذا لم يكن لهم به حاجة. وأما أصحاب المنزل فيما بينهم أو الطريق فلا يكون بعضهم أولى به من بعض، ومن سبق منهم فهو أولى بالجواز عليه؛ وإن تسابقوا (1) فليجوز بعضهم بعضا، ولا يجوز أن يتقاتلوا عليه. وإن اتخذ أهل المنزل طريقا لعمارة أصولهم فأتى من أراد أن يجوز فيه مواشيه أو غير (2) المعنى الذي جعلوه له فلهم أن يمنعوه، سواء أكان منهم أو من غيرهم. وكذلك الطرق كلّها إن جعلت لمعنى شيء معلوم فإنه يمنع من أراد أن يتخذها لغير ذلك المعنى. وإن لم يقصدوا بالطريق شيئًا دون شيء فلا يمنع بعضهم بعضًا من كل ما يجوز فيه إلا ما يضرهم به، ويمنعون غيرهم من الناس وهذا إذا جعلوا ذلك الطريق لأنفسهم دون غيرهم من الناس؛ وأَما إن أدركوا ذلك الطريق في المنزل ولم يعلموا أنه جعل لشيء دون
2
«وإن تسابقوا فليجوز بعضهم بعضا معناه فالجواز للسابق منهم، الأول فالأول. «غير المعنى» مراده: أراد أن يحول الطريق إلى غرض آخر.
- 125 - (1/125)
صفحة 122
شيء وقد تجوز فيه مواشيهم أو يعمرون منه أصولهم، فأراد بعضهم أن يجوز فيه غير ذلك المعنى فلا يمنعونه، وأما غيرهم من الناس فإنهم يمنعونهم إن علموا أن ذلك الطريق لهم دون غيرهم من الناس؛ وأَما إن لم يعلموا فلا يمنع بعضهم بعضا، ولا يمنعون غيرهم.
وإن كان الطريق بين قريتين يأخذه بعضهم إلى بعض ثُمَّ أراد بعضهم أن
يجوزوا على جيرانهم إلى بلد آخر إن كان يجوز لهم أن يمنعوهم من ذلك؟ قال: إن كان الطريق خارجًا من المنزل فلا يمنعونهم، وإن شق الطريق المنزل و لم يعلم لهم الجواز في ذلك الطريق قبل ذلك فلهم أن يمنعوهم إن أرادوا، إلا إن عرف لهم الجواز عليه قبل ذلك.
مسألة: في تحويل الطريق
وإن جعل قوم طريقًا لمنزلهم فاشترط أهل الأرض عليهم أن ينزعوه إلى مُدَّة معلومة، أو اشترطوا أن ينزعوه وقت أرادوا فلهم ذلك.
قلت: فقوم جعلوا طريقًا لمنزلهم في أرضهم ولم يكن لهم عليهم قبل ذلك ولم يبينوا موضعه فإلى من ينظر إليه منهم إن اختلفوا في الموضع الذي يخرجونه منه؟ قال: إنَّما ينظر في ذلك إلى قول أصحاب الأرض، إلا إن أضرَّ ذلك بأصحاب
الطريق، فإن لم يتفقوا فيما بينهم فليرجع أمرهم إلى أهل النظر والصلاح. وإن جعلوا لهم الطريق في موضع معلوم ثُمَّ أرادوا أن يحولوه إلى موضع آخر فهل يجوز لهم ذلك؟ قال: إن لم يجعلوا لهم في ذلك الموضع إلا الجواز فإنهم يجدون تحويله. ومنهم من يقول: لا يجوز، وأما إن أعطوا لهم البقعة التي جوزوا فيها طريقهم فلا يجدون تحويله، سواء في هذا من جعله عامة أو خصائص (1)، وكذلك أيضًا من جعل له
1
-
جعله عامة أو خصائص ... » إلى آخره: معناها والله أعلم أنه عبارة: «سواء في هذا
من
126 - (1/126)
صفحة 123
على هذا الحال. أما إن حكمه عليهم الحاكم فلا يجدون تحويله سواء في هذا أحكم عليهم الحاكم بالبقعة أو الجواز إن بينه في موضع معلوم؛ وإما إن تبين للجواز موضع معلوم فإنَّهم يحولونه تحويلاً لا يضر بأصحاب الطريق.
قلت: فمن أراد أن يجعل الطريق لقوم في أرضه كيف يجوز ذلك؟ قال: يعطي لهم بقعته أو الجواز فيها سواء في ذلك أبين الجواز أو لم يبينه. وَأَمَّا البقعة فإنَّه يبيِّنها لهم، ويعد تسمية معلومة، سواء في هذا للخاص جعل ذلك أو للعامة. وكذلك البيع والوصيَّة على هذا الحال وكذلك إن جعله لوجوه الأجر على هذا الحال أيضا.
وَأَمَّا أهل منزل إن كانت لهم طرق كثيرة، وهم عامة، فأرادوا أن ينقصوا منها نظراً منهم لمصالحهم أو يزيدوا، فإنَّهم لا يجدون ذلك، وإن كانوا خواص فإنهم يفعلون هذا باتفاقهم. ومنهم من يقول في الوجه الأوَّل: يفعلون ما شاءوا من
ذلك لمصالحهم في الزيادة والنقصان.
قلت: فمن يكون أهل المنزل؟
قال: أصحابه بالملك، ومن وطنه ومن عمره.
مسألة: في الطرق كم من وجه كانت عليه)
والطرق على ثلاثة أوجه. فأما أحدها فالطريق المعروف بأنه ثابت عُرف من ثبت له أو لم يعرف. والثاني: الطريق الذي لم يعرف أنه ثبت أم لم يثبت. والثالث: الطريق الذي عرف أنه لم يثبت أصلاً. والطريق الأول المعروف أنه
يجوز تحويل الطريق في هذه الصورة، وهو أن يكون إنشاء الطريق أول مرة لغرض الجواز فيه فقط لا لغرض آخر. ولا فرق في هذا أن يكون منشئ الطريق عامة الناس أو بعض خاصتهم، وكذلك أن يكون من انشئ له الطريق من العامة أو الخاصة.
1 - لعل الصواب: «مسألة: في أوجه الطرق».
127 (1/127)
صفحة 124
ثابت يَسْلُكُه من أراد سلوكه على ما فسرناه قبل هذا. والطريق الذي لم يعرف أنه ثبت أو لم يثبت فمن أراد أن يسلكه فله ذلك من غير أن يدعي فيه شيئًا، إلا إن منع من ذلك. وأما الذي لم يثبت فهو على وجهين: فالذي عرف أنه ممنوع محجور عليه، فلا يجوز لمن يسلكه، ولا يمر عليه على حال. والوجه الآخر إذا عرف أنه لم يثبت، وَلَكِنه لم يسمع عليه منعًا ولا حجراً، فجائز لمن يمر عليه إن لم يستربه. وسواء في هذه الطرق الثلاثة أكانت في الفحوص أو فيما بين العمارات أو في العمارات نفسها فجائز لمن يسلكها على ما فسرناه
وَأَمَّا الأرض إذا لم تكن فيها عمارة، فجائز لمن يسلكها بنفسه ومواشيه ما لم يمنعه أصحاب الأرض من سلوكها، فإن منعوه من ذلك فليترك، إلا ما كان من ذلك مثل القفار والفيافي التي كان الناس إليها سواء، ولا يشتغلوا من منعهم من سلوكها؛ ولكن لا يتخذوا فيها طريقا بينا. وهذا إذا كانت تلك الأرض لأحد من الناس، وأما إذا كانت تلك الأرض لا تنسب إلى أحد فلا بأس لمن يتخذ فيها طريقا، ويحفرون فيها بئراً مثل الفيافي، والقفار ويعمرون فيها ويتخذون فيها طريقا، وأن يدعوا ذلك كله لأنفسهم، ولا يشتغلون بمن منعهم، ولا من حجر عليهم، ويكون ما عمروا في ذلك لأنفسهم؛ وما عمروه ولم يدعوه لأنفسهم فالناس إليه سواء؛ وهذا في الطرق والآبار والعيون والمواجل وما أشبه ذلك. وكذلك ما بنوا في ذللك من الدور والبيوت يكونون أولى بذلك من غيرهم. وأما ما كانت فيه العمارة من الأرض، فإنَّه يجوز لمن يسلكه إلا أن منعه صاحبها، أو كانت المضرة في سلوكه فيها.
:باب: في إثبات الطرق
لأصحاب العمارات في أرض غيرهم
قلت: فرجل له أرض أراد أن يعمرها من منزله وبينه وبينها أراضي الناس فهل
يجوز له الجواز من تلك الأراضي إلى أرضه؟
- 128 - (1/128)
صفحة 125
قال: كل جواز لم يدَّعَ به إثبات الطريق، ولم يمنعه صاحب الأرض، ولم يكن
في سلوكه فيها مضرة فجائز له الجواز فيها عامرة كانت تلك الأرض أو غير عامرة. ويجوز فيها بنفسه ودوابه وأجيره ولا يؤثر فيها طريقا، ويستشهد على أنه ليس له في تلك الأراضي طريق؛ فإذا أراد أصحاب تلك الأراضي أن يعمروا أراضيهم فلا يمنعهم من ذلك.
وَأَما قوم أنشأوا منزلهم فبنوه على أن يعمروا منه أرضهم، كل واحد منهم ما يقابل ناحيته، فإنَّ لكلّ واحد منهم الطريق إلى أرضه ولا يمنع من ذلك سواء أعمر أرضه أو لم يعمرها، وسواء أعمر من دونه أو لم يعمروا فطريقه ثابت ولا يمنعه إلا الحيازة أو التبرئة أو البيع أو الهبة. ومن أراد أن يعمر أرضه من هؤلاء فإنَّه يجوز إلى عمارة أرضه مِمَّا يقابله وليس عليه أن يستشهد أنه ليس له في ذلك الطريق شيء (1)، ولكن لا يقصد أن يؤثر، الطريق، وإن أثره فليس في ذلك تباعه، وإن أخذ من دونه من الناس أن يخرجوا له طريقه، فإنه إن كانت الأرض التي دون أرضه لرجل واحد، فإنه يخرج له الطريق مِمَّا يقابل أرضه من غير أن يضر ذلك بصاحب الأرض ولا بصاحب الطريق. وكذلك إن كانت الأرض بينه وبين أرضه لرجال شتى فليخرجوا له الطريق من حيث لا يضرُّ بهم ولا بصاحب الأرض، وإنَّما يخرجون له الطريق على قدر ما لهم في الطريق (3).
قلت: فإن اقتسموا الأرض التي دون أرضه، فأخذ بعضهم الأرض التي تقابله، وأخذ الآخرون ما لم يقابله من الأرض، فإنَّهم يخرجون له الطريق من سهم الذين أخذوا ما قابله من الأرض ويرد عليهم أصحاب الأرض التي لم تقابله على قدر ما نابهم من
حيث لا يضرُّ بهم.
1
2
عبارة: وليس عليه أن يستشهد أنه ليس له في ذلك الطريق شيء» يبدو أن معناها: لا يجب عليه الاستشهاد، لأنَّه ليس له في ذلك الطريق قصد غير الجواز فيه.
لعل المُرَاد من حيث لا يَضُرُّ بهم ولا بصاحب الطريق.
3:قوله على قدر ما لهم في «الطريق، لعل المراد على قدر ما لهم في الأرض.
- 129 - (1/129)
صفحة 126
قلت: فإن عمروا أرضهم قبل أن يخرجوا له الطريق؟
قال: يأخذهم أن يخرجوا له طريقًا عمروا أو لم يعمروا ولا يشتغل في بفساد العمارة. ومنهم من يقول: إن لم يجئ بحجته حتى مكنت عمارتهم مقدار الحيازة فلا يدرك عليهم شيئًا؛ إلا إن غاب أو كان طفلاً أو مجنونا. ومنهم من يقول: من كانت له أرض ودونه أرض غيره، ولا يصل إلى عمارتها إلا منها فإنه يجعل له منها طريقا إلى أرضه ولو لم يشترطه قبل ذلك، إذا لم تكن العمارة في الأرض التي يسلكها. وأما إن كانت فيه العمارة فليجعلوا له طريقا من غير أن يضر بالعمارة. ومنهم من يقول يجعلون له طريقا في تلك الأرض، إذا كان ذلك لا يفسدها؛ وأَما ما يفسده من العمارة بسلوكه إلى أرضهم فلا يجعلون له طريقا. ومنهم من يقول: يجعلون له الطريق إلى عمارة أرضه، ولو كان ذلك يفسد العمارة، إلا إن كان فساد العمارة مثل هدم البنيان أو قلع الأشجار، فعلى هذا لا يصل إلى عمارة أرضه.
ومن عمر أرضه وكانت بينه وبينها أراضي الناس فجعل جوازه عليهم كلهم، فمرة جاز على أحدهم ومرَّة جاز عَلَى الثاني، وكذلك الثالث، ثُمَّ استمسك بهم أن يخرجوا له طريقه فهل يدرك عليهم ذلك؟
قال: نعم، فإن عرفت الأوقات التي يجوز على كلِّ واحد منهم فيها، فقد ثبتت على كل واحد منهم في الوقت الذي جاز عليه فيه. وإن كان يجوز عليهم كلهم في كل الأوقات، فإنَّه يكون له على كلّ واحد منهم الطريق. ومنهم من يقول: إن لم يدع عليهم إلا جوازه أن يجعلوا له طريقا واحدا ويتراددوا فيما بينهم، وسواء في ذلك أعمروا أرضهم كلهم أو لم يعمروا فيها شيئًا، أو عمر بعضهم ولم يعمر بعض، وسواء أيمكن جوازه فيما عمر من عمر منهم أو لا يمكن)، فإنهم يخرجون
-1
منهم أو لا يمكن». يبدو أن المراد بالعبارة هو وسواء أيمكن له الجواز في سهم من والله أعلم.
- 130 - (1/130)
صفحة 127
له طريقا بنظر أهل الصلاح؛ فإن لم يمكن له الطريق إلا من سهم الذي لم يعمر منهم فليخرجوا له من ذلك ويردَّ من عمر على من لم يعمر، وإن عمروا كلهم فليخرجوه له من الموضع الذي قلت مضرته بجوازه، فإن لم يمكن له الجواز على بعضهم أصلاً بما حدث فيها فإنَّه يجوز من حيث يمكن له ويرد من لم يجز عليه على من جاز عليه عوض ما قابله أو القيمة إن لم يكن له العوض. وكذلك قوم باعوا لرجل مجازا في أرضهم أو وهبوه، له ولم يبينوه له حتى عمروا أراضيهم، أو عمر بعضهم ولم يعمر بعض، أو لم يعمروا جميعا؛ فالجواب فيها كالجواب في التي قبلها. وأما إن كان يجوز عليهم مُدَّة معلومة، ثُمَّ ترك الجواز على بعضهم ورد جوازه على البعض مقدار ما يثبت عليهم جوازه، فإنه يثبت عليهم، ولا يزول أيضا عن الذين ترك الجواز عليهم إلا إن عمروا أرضهم وثبت على جوازه.
قلت فما الجواز الذي يكون على البعض الذين ثبت عليهم جوازه؟ قال: يكون له عليهم طريق تام. وأما الذين ترك الجواز عليهم ولم يعمروا
(1)
فإنَّما له عليهم ما نابهم من جوازه، وكذلك إن عمروا ولم تثبت عمارتهم).
قلت: فقوم اشتركوا أرضًا ولرجل فيها الجواز فيرا بعضهم ما نابهم من بجازه فاستمسك بالذين لم يبرئهم على بجازه؟
قال: إنَّما يدرك عليهم ما نابهم من طريقه سواء أانتفع به أو لم ينتفع به، وسواء أاشتركوا في تلك الأرض أو لم يشتركوا، إنَّما يدرك على من لم يبرئه منهم ما نابه من مجازه، قل ذلك أو كثر.
قلت: فقوم لهم مجاز على رجل واحد أو على رجال شتى فادعى عليه كل واحد منهم مجازه عليه، وقال لهم: ليس لكم عليَّ إلا مجاز واحد؟
-
1
قوله: «إن عمروا و لم تثبت عمارتهم معناه والله أعلم إن عمروا وقتا ولم يستمروا
في عمارتهم.
- 131 (1/131)
صفحة 128
قال: القول في ذلك قوله إذا كانت عمارتهم على ناحية واحدة، إن لم يكن في ذلك دوران سواء عامة كانوا أو كانوا خواص يخرج لهم طريقا واحدا. وكذلك العامة على العامة والخاصة على الخاصة والعامة على الخاصة، والخاصة على العامة.
وأما إن كانت عمارتهم على نواح شتى أو فيها دوران فإنه يخرج لكل واحد منهم طريقه، وإن أبرأه بعضهم ولم يبرئه البعض الآخر، تبرا منهم فلا يزول لمن بقي منهم شيء)، ولو لم يبق منهم إلا واحد، فإنه يكون له ذلك الطريق كله، سواء أكان لهم ذلك المجاز بالشراء، أو بالهبة، أو بالميراث.
وَأَما إن افترقت طرقهم فكل من أبرأه من طريقه فقد زال عنه، وَأَما إن كان الطريق لرجل واحد فتبرا من بعضه، فقد زال عنه ذلك البعض، ويبقى له البعض الذي لم يبرأ منه، سواء في ذلك أبرأ من البعض أو من التسمية (2).
ومن كان في منزل فكانت له عمارة، ولم يعرف له طريق يأخذه إليها، إلا أنه يجوز إليها من جميع النواحي، أو في مكان واحد، أو في أماكن شتى، فإن لم يكن له إلا أنَّ له الجواز من جميع النواحي فله الجواز من جميع النواحي. وإن لم يكن له مجاز، معلوم، إلا أنهم عرفوه يعمر أرضه هكذا من ذلك المنزل، فإن كانوا خواص فيؤخذون أن يجعلوا له مجازا ويجعلونه من حيث لا يضرون به، سواء أثبتت حدود كل واحد منهم أو اشتركوا في الأرض كلّها ومنهم من يقول: إن كانت أراضيهم، مفترقة، فلا يؤخذون أن يجعلوا له مجازا. وأما إن كان في أصحاب الأرض من لا يثبت عليه المجاز، مثل الغائب ومن لا تثبت عليه العمارة فلا يكون عليهم شيء؛ وكذلك العامة لا يثبت عليهم المجاز. ومنهم من يقول: إن عمر
- 2
قوله: «فلا يزول لمن بقي منهم شيء مراده والله أعلم أنه لا يزول حق من بقي منهم ممن لم يبرئه بسبب تنازل الآخرين عن حقهم عليه.
قوله: «أبرأ من البعض أي بعض معين، وقوله: «أو من التسمية» أي من جزء مشاع غير
محدد، كأن يبرأ من ثلث الطريق أو
ربعه
أو نصفه. من غير تعيينه.
-
- 132 - (1/132)
صفحة 129
أرضه وقد تبين أنَّه إنَّما عمرها من هذا المنزل، فإنَّ أهل المنزل يجعلون له طريقا من داره إلى عمارته فإن وافق ذلك طريقه فيكون له المجاز في ذلك الطريق، وإن لم يوافق الطريق جعلوه له مِمَّا يقابل داره ما لم يكن في ذلك فساد العمارة التي تكون فيما بينهم وبين أرضه ومنهم من يقول: حيثما كانت العمارة فيما بينه وبين أرضه، فلا يصيب الجواز عليها ويرجع إلى طريق المنزل، ولو كان فيه الدوران. ومنهم من يقول: ينظرون إلى الأقرب إلى عمارته من طرق المنزل كلها فيجعلون له فيه الجواز. ومنهم من يقول: ولو كان له الطريق إلى عمارته فيجعلون له الطريق من مقابل داره). ومنهم من يقول: إن جعل القوم لمنزلهم طرقا معلومات واشترطوا في بدء أمرهم ألا يحدث عليهم طريق غيرهم، إلا ما اتفقوا عليه إن.
كانوا خواص فلهم ذلك، وأما العامة فلا يحدثوا شيئًا ولو اتفقوا على ذلك، وسواء في ذلك الذين اتفقوا بأنفسهم أو من بعدهم من وارث، أو مشتر، أو من دخلت تلك الأرض ملكه بمعنى من المعاني، سواء في ذلك ما بينهم وبين العامة على العامة والخاصة منهم على العامة، أو العامة على الخاصة، أو الخاص على الخاص، إلا ما اتفق عليه الخواص فإنه يجوز عليهم.
قلت: فإن كانت لرجل عمارات مفترقات ولا يجمعها طريق واحد؟ قال: يجعلون له طريقًا من كل عمارة إلى داره، إلا إن جمعها طريق واحد، فيستغني بذلك الطريق عن غيره، سواء في ذلك طريقه وحده أو طريق اشترك فيه مع غيره على ما فسرناه في المسألة التي قبلها.
قلت: فمن كانت له بيوت شتى في منزل واحد، وله عمارة يعمرها في موضع واحد، أو في مواضع شتى، كيف يجعلون له طريقه إلى عمارته؟
- 1
عبارة: «ولو كان له الطريق إلى عمارته فيجعلون له الطريق ... » يبدو فيها تقديم وتأخير والصواب هكذا ويجعلون له الطريق من مقابل داره ولو كان له الطريق إلى عمارته». ليتأمل.
- 133 - (1/133)
صفحة 130
قال: إنما ينظر في ذلك إلى البيت الذي يسكنه فيجعلون له طريقا منه إلى عمارته. ومنهم من يقول: لا يصيب إلا طريق بيت واحد؛ وإن سكن تلك البيوت كلها فليجعلوا له طريقه من البيت الذي يلي تلك العمارة. وإن كانت البيوت كلها سواء إلى العمارة، فليجعلوا له طريقه من عمارته إلى بيوته كلها. ومنهم من يقول: إنَّما ينظر إلى الطريق من خارج المنزل، فينظر أي الطريق أقرب إلى عمارته فيسلكه ومنهم من يقول: لا ينظر إلى البيوت في الطرق)، وإنما ينظر إلى موضع
يقصدونه ولا يستغنون عنه مثل القصر، والحصن وموضع خزينتهم وودائعهم. قلت: فرجل سكن في منزل وله جنان أو عمارات في منزل آخر إن كان يصيب أن يجعلوا له طريقا من منزلهم إلى عمارته؟
(2)
قال: لا يجد ذلك، وإنَّما يجعلون له الطريق من عمارته إلى منزله الذي كان فيه وإن كانت المنازل سواء في القرب والبعد إلى تلك المواضع، فليجعلوا له طريقا إلى منزله الذي سكن فيه، وإن سكن فيها جميعا، فليجعلوا الطريق إليها جميعا؛ وإن سكن في منزل وكانت عمارته في منزل آخر، فصار يعمرها من منزله حتى ثبت له الطريق إلى عمارته فلا يمنع منه بعد ذلك. وكذلك إن أعطى له أصحاب الأرض التي جاز فيها طريقه ذلك الطريق أو باعوه له، أو أذنوا له في ذلك الطريق إليها حتى عمر عليه فلا يمنعون بعد ذلك.
وما كان في الأميال ....
كان ...
فلا يدرك أهل المنزل وبين تلك العمارة إن أن يعمروا منه
منزل القوم ولهم عمارة، وبينهم وبينها ...
(3)
عمارتهم الأولى أو لا يعمروها ...
1 - قوله: «لا ينظر إلى البيوت في «الطرق» مراده به والله أعلم لا ينظر إلى موضع البيوت ولا يعتد بموقعها في اختطاط الطرق، وإنما ينظرون إلى ما يوافق مقصدهم من المواضع خارج المنزل
- 2
3
- 3
كالقصر والحصن.
قوله: «إلى منزله الذي كان فيه»، الصحيح إلى منزله الذي كانت فيه» أي كانت فيه العمارة، يستفاذ هذا تعليق بهامش نسخة (ز): وعبارة الشيخ عبد العزيز في كتاب من التكميل“ الذي اختصره من. هذا الكتاب»، أي كتاب القسمة وأصول الأرضين.
ورد البياض في جميع النسخ وقال في هامش النسخة (ت): وهذا البياض فيما رأيناه من
- 134 - (1/134)
صفحة 131
وَأَما إن أرادوا أن يحدثوا في ذلك الموضع عمارة وهي لم تكن فيه قبل ذلك، فإنَّهم لا يعمرونها إلا بإذن أهل ذلك المنزل الذي كان بينهم وبين الموضع الذي أرادوا أن يعمروه.
وَأَمَّا إن أحدثوا منزلاً على منع غيرهم)، ولهم عمارات لم يحجروا عليها، أو
كانت لهم عمارة على منع، وحجر ولهم منزل وليس عليهم فيه حجر؟ قال: كل ما أحدثوا على حجر فلا يثبت له طريق ولا يلحقونه (2) على من كانت أرضه بينهم وبين الذي أحدثوه على منع وحجر؛ وأَما ما أحدثوه وليس عليهم فيه حجر، فإنهم يدركون طريقه ومنافعه من غير مضرة لهم.
وَأَمَّا من غصب أرضًا فبنى فيها منزلاً وعمارة، فلا يثبت له طريق ما بين ذللـ المنزل وتلك العمارة. وإن خرج منها ذلك الغاصب فلا يثبت على أصحاب الأرض كل ما أحدثه الغاصب من الطريق والعمارات ومنهم من يقول: تثبت تلك العمارات وطرقها وسواقيها ومجازاتها ومماصلها ومنافعها لأصحابها حيث خرج منها الغاصب، ولا يجد منهم أحد منع ذلك إذا استووا في المنزل والعمارة ومنافعها، وإن لم يستووا في تلك العمارة والمنزل فلا يثبت عليهم ذلك. وكذلك غيرهم إذا كان له في تلك الأرض سهم لا يثبت عليه شيء من وأما إن أحدث لهم ذلك كله غيرهم، فإنَّهم إن أذنوا له في ذلك فهو بمنزلتهم، وكذلك من استخلفوه على ذلك أو وكلاؤهم على ذلك الحال. وأما إن أحدثه أحد، وليس بوكيل ولا خليفة و لم يأذنوا له فإنَّه تكون له طرقه ومنافعه إن استووا في ذلك، وإن لم يستووا فيه أو كان في تلك الأرض سهم غيرهم فلا يثبت عليهم ذلك.
1
- 2
ذلك.
النسخ وهو خرم من الفئران أو غير ذلك وقد أخل بالمعنى ولم يتم الكلام، وكذا اليباض الذي في الورقة اليسرى بعد هذه».
قوله: «على منع غيرهم» معناه: على الرغم من منع غيرهم. مراده والله أعلم، ولا يدركونه ولا يستحقونه.
- 135 - (1/135)
صفحة 132
وأما قوم كانت لهم أرض فقامت فيها عين وقامت عليها الأشجار (1) حَتَّى أثمرت فاختلفوا في نزع تلك الأشجار، فذلك ثابت عليهم، ولا يجدون نزعه وأما إن قامت تلك العين، ولم ينبت عليها شيء، فجرت على الأرض حتى خرقتها، فاختلفوا في إثباتها على ذلك المجرى، أو يحدثوا لها محرى آخر، فلا يثبت لها مجراها الأول.
أما إن عمروا أرض المساكين للمساكين أو أرض الأجر للأجر، فلا (2) يثبت لتلك العمارة طرقها وبحاريها وسواقيها ومنافعها على تلك الأرض وعلى غيرها ممن جاز عليه طرق العمارة أو مجاريها.
وأَما عمارة أحد من الناس فلا يثبت لها طريق على أرض المساكين، أو أرض الأجر، أو أرض المقبرة، أو المسجد وغيره من وجوه الأجر كلها، إلا في قول من يقول: يكون لأصحاب العمارة طرقهم إلى ما عمروا ولو لم تكن لهم قبل ذلك ويثبتون للمقبرة طريقها إلى المنزل إن كان قبل ذلك؛ وإن لم يكن لها طريق فليجعلوه لها، سواء أدفن فيها أو لم يدفن، وإنَّما يجعلون لها في طريقها ما يمرون عليه وقد حملوا الميت (3) وهو خمسة أذرع، ويجعلون لها طريقا أو اثنين أو ثلاثة، وكل ما لا يستغنون عنه من كل ناحية بحيث يجوز إليها الناس.
وَأَمَّا إن أحدثوا منزلاً وعمروا منه أرضهم حيث ثبتت لهم تلك العمارة ومجازاتها، فخرجوا من منزلهم الأوَّل وتركوه وعمروا غيره، فإنهم تثبت لهم طرقهم إلى عمارتهم الأولى على حسب ما كانت الطرق والعمارة، ولو كانت العمارة بينهم وبين عمارتهم الأولى فإنَّهم يجوزون فيها إذا لم يكن فيها الفساد
1
- 2
- 3
~ 3
قوله: «فقامت فيها عين ... مراده فاضت فيها أو نبعت فيها عين ونبتت عليها الأشجار
حتى أثمرت.
أضاف الناسخ: «فإنه يثبت كما يدلُّ عليه كلامه الآتي في المضرات». قوله: «وإنما يجعلون لها في طريقها. ... مراده يجعلون لطريق المقبرة عرض خمسة أذرع لأنه الطريق الذي يمكنهم المرور فيه وهم حاملون النعش وواضح أنه لا يمنع من زيادة عرضه.
- 136 (1/136)
صفحة 133
له
بجوازهم، وثبتت طرق منزلهم الأوَّل ما دام قائما ولو خرب ما دام تمكن عمارته على حاله الأوَّل، فلا ينزعون له طرقه. وأما إن لم تكن لهما ... طرقه الأولى. وكذلك كل عمارة لها الطريق فزالت تلك العمارة ... جازت فيها طرق تلك العمارة وسواقيها ومماصلها و ... في أرضهم و مجاز العمارة الأولى ... (1)
ومن كان له طريق على جسر جنان غيره، ثُمَّ إنَّ ذلك الجنان فسد وانخرب، فإن كان صاحبه يصل إلى إصلاح ذلك الجسر فله عليه ذلك، سواء أكان له نفع في ذلك أو لم يكن؛ وإن لم يصل صاحب الجسر إلى إصلاح ذلك الجسر، أو كان غائبا، فإنَّ صاحب الطريق يسلك في الجنان ويأخذ في طريقه الأول (2). وإن خرق الماء الجسر والجنان حتى لا يستطيع صاحب الطريق أن يجوز فيه، فإنه يرجع طريقه في الجنان الذي كان أسفل من طريقه الأول. وإن فسد ذلك الجنان أيضا وانخرق ولا يستطيع سلوكه فليخرج في الجنان (3) الذي فوق الجنان الأول الذي
-
- 2
3
هكذا ورد هذا البياض في جميع النسخ.
الله
أضاف الناسخ: قوله: ويأخذ فوق ... إلخ. أقول: انظر هل يأخذ إلى الفوق أو التحت ما دام في أرض صاحب الجنان، أو مطلقا، أو على الخلاف الآتي في مسألة الجرف. والظاهر الثالث إذ لا فرق في القياس بين الجسر في الجنان وبين الجرف. حرّر جميع ذلك، فإن كلامه رحمه في هذا الموضع وغيره في غاية الصعوبة يحتاج في فهمه إلى الذهن الثاقب، اللهم أرزقنا فهمه». انتهى تعليق الناسخ.
أقول: إن ما ذكره الناسخ هنا نقله من كتاب التكميل للشيخ عبد العزيز الثميني، وقد نسبه إلى شيخه (وهو فيما أظن أبو زكرياء يحيى بن صالح الأفضلي). وَهَذِهِ عبارة التكميل: «قال شيخنا حفظه الله: وهل يأخذ فوقه وتحته فيما يأتي ما دام في أرض صاحب الجنان، أو مطلقا، أو على الخلف الآتي في الجرف، وَهُوَ الظاهر، إذ لا فرق في القياس بين جسر في جنان وبين حرف». اهـ. ر: الثميني عبد العزيز: التكميل لبعض ما أخل به كتاب النيل، صححه ونشره: حفيد المؤلف: محمد بن صالح الثميني مطبعة العرب، تونس، 1944 م، ص 30. قوله: «فليخرج في الجنان» هكذا في جميع النسخ ولكن يبدو أنه تصحيف ولعل المراد: فليجز، بمعنى فليسلك.
- 137 - (1/137)
صفحة 134
سلكه الطريق؛ وإن فسد ذلك أيضًا فليسلك أسفل من طريقه ما وجد الممر في الأرض التي فوق طريقه؛ ومنهم من يقول: إنَّما يرجع طريقه أسفل من الموضع الذي جاز فيه أولاً؛ ومنهم من يقول: إن انقطع الطريق الأول ولا يصيب الممر فيه فليسلك حيث شاء فوق أو أسفل.
ومن جاز طريقه أو ساقيته على جرف (1) فانهدم ذلك الجرف وبطل الطريق أو الساقية. فإنَّ صاحبه يأخذ صاحب الأرض بإصلاح ذلك، إن قدر عليه، فإن لم يقدر عَلَيْهِ فَإِنَّ الطريق أو الساقية يجوز فوق موضعه الأوّل في أرض من جاز عليه، وإن بطل ذلك انتقل فوق، ولا يجاوز أرض من ثبت عليه إلى أرض غيره. ومنهم من يقول: يجاوزها إلى الأرض التي كانت فوق ولو كانت لغير من ثبت عليه الطريق. ومنهم من يقول: إن انقطع طريقه الأوَّل وبطل فلا يدرك بعد ذلك شيئًا.
وإن كان ذلك الجسر الذي جاز عليه الطريق أو الساقية للعامة، فإنه يدرك عليهم إصلاح ذلك سواء أكان فيهم يتامى أو مجانين أو غياب، فيجعلون لهم خليفة لذلك. وإن كان الجسر أيضًا لليتامى أو المجانين، فإنه يدرك على خليفتهم إصلاحه، فإن لم يكن لهم خليفة فليستمسكوا بعشيرتهم فيستخلفون خليفة تصلح ذلك. وإن لم يجدوا من يستمسكون به في إصلاح ذلك، فليصلحوه بأنفسهم وينتفعون به إن أرادوا؛ وكذلك أرض المساكين أو المقبرة أو المسجد أو أرض المشاع لا يدركون عليهم إصلاحه ومنهم من يقول: يؤخذ من جعل ذلك لتلك الوجوه بإصلاح ذلك، ويؤخذ ورثته من بعده إن ترك مالاً؛ وإن لم يترك مالاً فليس عليهم شيء؛ وأما أرض المشاع فلا يصيبون فيها ذلك ويصلحه صاحب الطريق أو الساقية بنفسه إن شاء وينتفع به، وكذلك إن لم يعرف الموضع الذي جاز فيه الطريق أو الساقية لأحد ففسد، فإنَّ صاحب الطريق أو الساقية يصلحه إن
الجرف: شقُ الوادي إذ حفر الماء في أسفله. كذا في القاموس.
138 (1/138)
صفحة 135
شاء. وإن جاز الطريق أو الساقية في طرف (1) المقبرة فانقطع بعد ذلك، فإن كان صاحبه يجد الممرَّ من غير أن يشق المقبرة، فليفعل ولا يشق المقبرة. وإن جاز الطريق أيضا أو الساقية على غار أو جب لرجل فانهدم الجب أو الغار، فإن كان صاحبه يقدر على رده فليؤخذ بذلك، وإن لم يقدر على ردّه فليؤخذ بدفنه حتى يصيب صاحب الطريق الممر على طريقه، وإن لم يقدر على هذا كله، فالجواب فيها كالجواب في المسألة قبلها.
وكذلك الساقية والممصل إذا جاز عليهما طريق فانخرق حتى لا يقدر على سلوكه، فإنَّ صاحب الساقية أو الممصل يؤخذون به حتى يرجع إلى حاله. وإن لم يقدر أن يردهما على حالهما الأوَّل فليؤخذ بإصلاحه كيفما يمكن الجواز عليهما، ولو خالف ذلك حاله الأوَّل. وإن لم يقدر على ذلك كله أو ليس له مال يصلحه به، فليأخذ صاحب الطريق فوق طريقه الأوَّل، وإن لم يقدر على ذلك فليأخذ أسفل من ذلك الطريق إن تيسر له كما قلنا في الطريق الذي جاز على الجنان والجرف نسقا بنسق.
وَأَمَّا قوم دخلوا منزلاً بالشراء أو بالهبة أو بمعنى من معاني دخول الملك فوجدوا فيه آثار الطريق والسواقي والمماصل والمجازات كلها منها ما اندرس
ومنها ما لم يندرس و لم يجدوا على ذلك شهودًا يبينون لهم ذلك فأراد أحدهم منع عمارة تلك الآثار وقطع طرقها، فلا يجدون تغيير ما وجدوه من تلك العمارات، ويجوز لهم سلوك تلك الطريق والعمارة عليهم سواء طرق المنزل إلى العمارة أو طرقها إلى غير ذلك المنزل وتلك العمارة أو طرقها إلى النواحي كلها، فلا يمنع إلا إن أتت البيِّنة على بعض تلك الطرق أنه كان على المنع والحجر أو العارية وما أشبه ذلك مِمَّا لا يثبت به.
- 1
-
- 2
ورد في نسخة (ت) «طريق» عوض «طرف»، وصححه الناسخ فيها. والصواب كما في التكميل صفحة 31.
العبارة: «ومنها ما لم ... أحدهم غير مثبتة في النسخة الأم (ت) وهي في نسخة (ح) و (ز).
- 139 - (1/139)
صفحة 136
ومن كانت له دار أو جنان فليسلك الطريق المأثور إليها، فما كان من ذلك للعامة فليسلكه العامة، وما كان للخواص فليسلكه الخواص، سواء أكانت هذه المواضع التي ذكرنا للعامة أو لِلخَاصَّةِ، وسواء في هذا أصار إليهم من قبل العامة أم من قبل الخاصة.:
وإن اشترى رجل دارًا أو بيتًا أو جنانًا أو بئراً أو ما أشبه ذلك فليسلك الطريق المأثور إلى تلك المواضع، ولا يجد أحد أن يمنعه عنها إلا ببيان واضح. وكذلك الطرق التي كانت لهم عليها بينة ولم تتبيَّن ()، وكذلك السواقي والمماصل والحيطان وجميع ما وجدوه في تلك العمارات فهو لهم، ولا يمنع لهم إلا بالبينة)، وكذلك إن وجدوا تلك الطريق جازت على أثر الحيطان وعلى السواقي فليتركوها كما كانت.
وَأَمَّا إن وجدوا طريقا قد جاز على المقبرة فإنَّهم يسلكونه ما لم يطؤوا فيها القبور، فإن علموا أنَّ تلك الطرق قد سبقتها المقبرة فلا يسلكونها، وأما إن سبق الطريق المقبرة فليسلكوه أيضًا، وإن لم يتبيَّن لهم من سبق فليسلكوه حتى يتبين أنَّ المقبرة سبقت ذلك الطريق فلا يسلكوه بعد ذلك. وإن جاز الطريق على القبور وقد تبين أنَّ الطريق قد سبق المقبرة فليأخذ الطريق حيثما سلك، ولو جاز على القبور؛ وإن لم يتبيَّن أيهما سبق فليسلك الطريق حيث جاز. قلت: فالمقبرة إن استأصلها السيل وزال أثرها إن كان يسلك موضعها أو ينتفع به بالحرث والغرس وما أشبه ذلك؟
قال: لا، ومنهم من يرخص في مجاز الطريق وأشباهه، وأما الغرس
والعمارات فلا؛ وقيل غير ذلك إذا ما اندرست المقبرة في الجواز فيها. قلت: فمن وجد طريقا ولم يدر هل هو ثابت أو غير ثابت إن كان يجوز له سلوكه؟ قال: نعم.
-
1
قوله: «و لم تتبين» يعني ولم تتعين والله أعلم. قوله: «ولا يمنع لهم» مراده والله أعلم: ولا يمنعون منه إلا بالبينة. (1/140)
صفحة 137
قلت: فإن كانت العمارة على ذلك الطريق مثل البنيان (1) والجسور وما أشبه
ذلك إن كان يجوز عليها؟
قال: إن ظهر الفساد في ذلك فلا يجوز عليه.
وأما الأجنة والدور والبيوت إن جاز عليها الطريق، فإنه إن لم يكن فيها فساد فلا بأس بالسلوك فيه، وإن كان فساد فلا يفعل ذلك. ومنهم من يقول: يسلك على الطريق أينما وجده فإن ظهر الفساد في ذلك فليحذره، وإن أفسد شيئًا فليغرم قيمته، وليس عليه إثم ومنهم من يقول: لا يكون عليه غرم، ولكن لا يقصد في ذلك الفساد. وهذا إذا لم يثبت عنده أصل الطريق ولم يعلم أنه محدث أو غير محدث، وَأَمَّا إن علم أنَّ ذلك الطريق ثابت فليس عليه شيء، ولا يشتغل بما أفسد؛ وإن علم أنه قد كان على الحجر أو عَلَى التعدي، فلا يمر عليه؛ وإن علم بإثبات الطريق وهو للعامة فسلكه حَتَّى قطعته العمارة، ولم يتبين له حيث سلك في العمارة ولا من حيث خرج فليكف ومنهم من يقول: إن تبين له من حيث خرج الطريق، فليمض نحوه. وفيهم من يقول: يجوز ولو لم يتبين له من حيث خرج الطريق. وإن قطعه الجسر أو الحائط أو الشجرة، وقد علم أين سلك الطريق فليمر عليه؛ وإن لم يجد الجواز إلا بزوال ذلك ونزعه فلينزعه.
ومن سلك طريق الخواص حَتَّى قطعته العمارة من الحرث والغرس والحيطان وما أشبه ذلك، فلا يمر عليه بعد ذلك، وإن كان الذي سلكه (3) فوجد العمارة قد قطعته، فإنه يمر على طريقه، ولا يشتغل بما حدث كان له ذلك، وكذلك من من فيه الجواز على هذا الحال.
في النسخة (ت): «النبات» عوض «البنيان» وهو تحريف ظاهر كما يفيده المعنى. قوله: «ولكن لا يقصد في ذلك الفساد» معناه: ولا يقصد في ذلك السلوك الفساد. قوله: إن كان الذي سلكه معناه: وإن كان هو الذي اختطه وأنشأه لنفسه. هذا ما يؤخذ من عبارة الشيخ عبد العزيز رحمه الله في التكميل. وكذا عبارة كتبت على هامش النسخ المعتمدة.
- 141 -
-
1
2
3 (1/141)
صفحة 138
ومن سلك طريقا حتى قطعته العمارة، فوجد أثر من مضى فيه قبله، فإن جاز عليه الناس قبله حتى صار طريقاً فليسلكه، وإن لم يكن كذلك فلا يمر عليه. ومنهم من يقول: يمر عليه إذا وجد فيه الأثر سائراً أو راجعا. ومنهم من يقول: يمر عليه ويجوز إذا وجد فيه شيئا من الأثر قل أو كثر، ولو إلى ناحية واحدة. وإن وجد في تلك العمارة أثرين أو ثلاثة فأيهما يسلك؟
•
قال: القاصد منها (1). وإن كانوا سواء، فليقصد أيهما شاء إن لم يستربه. ومن وجد أثرًا ولم يتبين له أنه طريق أو ليس بطريق، فإنه يسلكه، وإن قطعته العمارة فلا يسلكه بعد ذلك إلا إن قطعها ذلك الأثر وجاز فيها. ومنهم من يقول: يجوز عليه ولو لم يسبقه أثر. ومن أخذ طريقًا بمواشيه ورجله حتى صادف عمارة، وقد قطعت ذلك الطريق، فإنَّه لا يمر عليه إذا كان في ذلك فساد. ومنهم من يرخص أن يجوز ولا يقصد في ذلك الفساد.
وإن رحل قوم مواشيهم ومضوا حتى صادفوا حرئًا وعمارة ولم يجدوا طريقا ولا مذهبًا دون المجاز فيها فإنَّهم لا يسلكونها؛ وقد ذكرت فيها رخصة أن يمضوا لسبيلهم ذلك. ومن مشى في فحص حتى صادف عمارة حرث أو غير ذلك ولم يجدوا لسلوكه (2) بدا وفيه ما فيه أثر وما ليس فيه أثر، فإنَّ اتباع الأثر أولى من اتباع غير الأثر. قيل: إن لم يجدوا الأثر ولم يجدوا مذهبا غير ذلك فليقصدوا مقابله؛ فإن لم يتيسر له فلينظر حيث تيسر له فيجوز منه؛ فإن كان ذلك الحرث لرجل واحد فلينظر موضعاً أقل للمضرة (3) فليجز منه.
1
2
- 3
قوله: «القاصد منها معناه: المستقيم، لأنَّ المرور خلال أرض الغير أو في طريق لا يدرى هل يجوز له المرور عليه أم لا ضرورة تقدر بقدرها. هذه هي نظرة السلف ذوي الورع رحمهم الله. وقد أثرت في هذا المعنى قصص عنهم.
قوله: «لسلوكه» مرجع الضمير هو الحرث على ما يبدو. وقوله: «وفيه ما فيه أثر»، معناه: ومنه أي من الحرث ما فيه أثر ومنه ما ليس فيه.
المشهور أن يكون التمييز خاليا من «الـ» التعريف، وشدّ ذلك للضرورة الشعرية.
- 142 - (1/142)
صفحة 139
ومن كان في ظعينة قوم فاتبعهم حتى صادفوا حرئًا فشقوه فإنَّه إن اتبعوا أوَّل مرة أثرًا أو طريقا فليتبعهم؛ ومنهم من يقول: ولو لم يتبعوا طريقا حتى صادفوا حرئًا فشقوه أن يتبع أثرهم. ومنهم من يقول: لا يتبعهم إن لم يعلم أنهم إنما سلكوا الطريق وسواء في ذلك اتباع أثر العام أو الخاص، سواء أحضر من اتبعه أو غاب، وسواء في ذلك القلة والكثرة، وإنما ينظر في ذلك أثر بني آدم وما استعملوه من دوابهم، وهذا كله لمن لا يعلم فيه منعًا وحجرًا، وَأَما إن لم يلجته إلى ذلك إلا الضرورة مثل تنجية النفس، فإنَّه يجوز على تلك العمارة على المنع والحجر إن لم يكن في ذلك الفساد ومنهم من يقول: يجوز فيه على الضرورة، ولو أنَّ الفساد يكون بجوازه إذا لم يتعمَّد الفساد، ويكون عليه غرم ما أفسد؛ وكذلك ما أفسد في جميع ما يجوز له أن يمر فيه من غير طريق.
علم
ومن حجر على الناس ألا يجوزوا في أرضه لئلا يثبتوا عليه الطريق، فجائز لمن يمر في تلك الأرض جوازا لا يثبت به الطريق. وأما إن حجر على من يمر في أرضه هكذا في موضع يجوز له أن يحجر عليه، فلا يجوز لمن يمر فيها على حجره إلا بإذنه. ومن حجر على من يتخذ في أرضه طريقا، فجائز لمن وجد فيها طريقا أن يسلكه إن لم يكن في جوازه ما يزيد على الطريق الأوَّل؛ وإن حجر عليه ألا يسلك طريقه حيث يجوز منعه، فلا يجوز فيه؛ فإن جاز على العرض فلا بأس. وأما من أن الحجر قد كان في أرض غيره ثُمَّ وجد فيها طريقا فلا يسلكه؛ ومنهم من يقول: يسلكه، إن علم أنه قد حدث ذلك الطريق على الحجر فحينئذ لا يسلكه. وإن علم الحجر من رجل على من يمر في أرضه، أو يتخذ فيها طريقا ثم مات صاحب الأرض فورثه غيره أو دخلت ملك غيره بوجه من الوجوه، فإنه يجوز له أن يمر فيها ما لم يحجر عليه من انتقلت إليه؛ وكذلك إن حجر على من يتخذ فيها طريقا، فخرجت من ملكه إلى غيره فحدث فيها طريق بعد ذلك حتى ثبت فإنه يسلكه ويكون طريقًا لمن ثبت له. وأما إن حجر على من يتخذ في أرضه طريقاً فاتخذ فيها رجل طريقا على الحجر فخرجت من ملكه بعد ذلك فلا
10
- 143 - (1/143)
صفحة 140
يكون ذلك طريقا ولو مكث بعد ذلك مقدار ما يثبت فيه إذا أحدث على الحجر؛ وكذلك إن حجر على من يحدث عليه الطريق فأحدثه رجل ثُمَّ نزع حجره بعد ذلك، فلا يكون ذلك طريقا ولو مكث مقدار ما يثبت فيه. ومنهم من يقول: إن نزع الحجر فجاز عليه رجل مقدار ما يثبت فيه فقد ثبت؛ وكذلك في المسألة التي قبلها من الوارث والموهوب له والمشتري وجميع من دخلت ملكه. وأما إن أحدث في تلك الأرض طريقا بعدما نزع الحجر أو بعدما خرجت تلك الأرض من ملكه في موضع، فقد ثبت. ومنهم من يقول: لا يثبت على الوارث حيث سبقت (1) دعوة وارثه بالحجر. وأما إن حجر على من يمرُّ في أرضه، ثُمَّ أذن لمن يمر فيها بعد الحجر، فلا يحتاج إلى نزع الحجر، وإذنه بمنزله نزع الحجر، وكذلك إن أمر من يمر فيها بعد الحجر على هذا الحال، وكذلك لمن يأتيه أو أرسل إليه رسولاً، فهذا كله بمنزلة نزع الحجر.
وَأَمَّا حجره على من يمر في أرضه أو من يحدث فيها شيئًا، فلا يدخل في هذا الحجر عبيده ولا أطفاله، وجميع عياله. وأما من كانت له أرض، فحجر على من يمر فيها لعمارة معلومة، فجاز فيها من يعمر غير العمارة التي حجر عليها حتى جعل فيها طريقا، ومكث مقدار ما يثبت فيه فإنَّ الطريق ثابت عليه، وكذلك إن جاز فيها لغير عمارة، حتى ثبت له فيه طريق على هذا الحال. وكذلك الساقية إن حجر على من يجوز ماء في أرضه لعمارة معروفة فجوزها لغير ذلك المعنى الذي حجر عليه حتى ثبتت عليه غروس، فلا يجد إبطالها. وكذلك إن حجر على من يمر فيها إلى مدة معلومة، ثُمَّ مرَّ فيها رجل بعد تلك المدة، حتى ثبت فيها طريق، الجواب فيها كالجواب في التي قبلها.
وكذلك إن حجر على قوم مخصوصين أن يمرُّوا فيها، فجاز فيها غيرهم، أو حجر على من يعمر منها أرضاً معروفة، فعمر غير تلك الأرض، حتى ثبت لهم
-
قوله: «سبقت دعوة مراده: سبقت دعوى وارثه بالحجر.
- 144 - (1/144)
صفحة 141
فيها الطريق، فإنه لا يجد نزع ذلك الطريق ولا منعه وكذلك الساقية والممصل على هذا الحال، وكذلك إنَّ حجر على من يجوز في أرضه في الصيف، فجاز فيها
رجل في غير الصيف أو حجر على من يمر عليه في أرضه إذا حرثها، فجاز فيها في غير الحرث حتى مكث مقدار ما يثبت الطريق لمن جاز في تلك الأرض، فلا
يجد منعه.
وكذلك إن حجر على رجل معلوم أن يجوز في أرضه لعمارة أرض له معروفة فعمرها للمحجور عليه من تلك الأرض رجل آخر بإذنه، أو احتسب له في تلك العمارة أو عمرها من بعده وارثه أو من دخلت ملكه بمعنى من معاني دخول الملك حتى ثبت لهم في تلك الأرض طريق فلا يجد منعِ ذلك الطريق بعدما ثبت لتلك الأرض. وكذلك إن حجر على من يجعل (1) طريقًا في أرضه فجعله فيها غيره حتى ثبت له فمات فورثه المحجور عليه أوَّلاً أو أعطاه له أو باعه له أو استأجره به، فلا يجد منع الذي دخل الطريق ملكه، ولو حجر عليه قبل ذلك. وأما إن حجر على من يجعل طريقًا في أرض غيره، ثُمَّ رجعت إليه بوجه من وخوه دخول الملك، ثُمَّ جاز فيها المحجور عليه بعد ما دخلت ملك الذي منعه أولاً مقدار ما يثبت فيه فإنَّه لا يجد منعه عن طريقه ولا ينفعه منعه الذي منعه قبل أن تدخل ملكه.
وكذلك إن منع من يجعل طريقا في أرض ابنه الطفل، أو في أرض اليتيم الذي كان له خليفة، أو أرض المجنون أو الغائب الذي كان لهما خليفة، ثُمَّ رجعت تلك الأرض في ملكه، فعمر منها المحجور عليه أرضًا له حتى ثبت له فيها طريق، فإنَّ ذلك الطريق ثابت عليه ولا ينفعه حجره الأوَّل. ومنهم من يقول في هذه المسائل الثلاث: ينفعه منعه الأول إن دخلت تلك الأرض ملكه بعد ذلك، ولا يثبت عليه فيها طريق، وكذلك الأرض التي كانت في يده بالرهن أو بالاستمساك، أو أرض عوّضت له، ثم رجعت إليه كما قلنا في المسائل الثلاث اللواتي قبلها. وأما إن حجر على أرض له فيها قرعة أو
- 1
«وهو رجل معلوم كما تقدّم في المشتبه» كذا في الهامش من النسخة الأم (م) و (ت).
- 145 - (1/145)
صفحة 142
نصيب على ألا يجعل فيها أحد من الناس طريقا، فخرجت تلك الأرض ليس له فيها شيء، ثُمَّ رجعت في ملكه بعد ذلك، فلا ينفعه حجره الأول إن مكث هذا الذي
حجر عليه بعد ذلك مقدار ما يثبت له فيها طريق.
وأما إن حجر على رجل أن لا يجوز في أرض غيره فيما يظن، فخرجت تلك الأرض له فجاز فيها الذي منعه، فلا يثبت له عليه طريق على هذا الحال. وأما إن حجر أحد الشركاء على رجل ألا يعمر من أرضهما أرضًا له فعمرها حتى مكث مقدار ما يثبت فيه، فلا يثبت له فيها طريق.
وأما إن حجر رجل على أحد الشركاء أن يجوز في أرضه فعمر منها غير المحجور عليه حتى مكث مقدار ما يثبت له الطريق، فإنه ثابت له، ولا يجد صاحبه السلوك في ذلك الطريق إلا أن أعطاه له فيه سهما أو جعله (1) له فيه.
وأَما إن حجر على رجل ألا يحدث عليه طريقا، وقد كان معه في منزل واحد، ثُمَّ رجع الذي منع إلى منزل آخر، ثُمَّ جوّز عليه طريقا في تلك الأرض إلى العمارة التي منع من الجواز إليها، فإنَّ ذلك لا يثبت عليه، وكذلك إن جاز في غير تلك الأرض التي منع من الجواز فيها إلى العمارة التي منع منها على هذا الحال وكذلك إن جاز عليه في أرض غير التي منع منها إلى غير العمارة التي حجر عليه من الجواز إليها حتى ثبت له الطريق فلا يجوز منعه. وأما إن جاز عليه طريق إلى أرضه فقطعه صاحب الأرض بالعمارة، فذلك بمنزلة المنع؛ ومنهم من يقول: ليس ذلك بمنع.
وأما إن كانت لرجل ساقية أو ممصل أو طريق في أرضه، ثُمَّ حاز على تلك الساقية أو الممصل أو ذلك الطريق طريق آخر، حتى مكث مقدار ما يثبت فيه
فذلك ثابت عليه.
- 1
عبارة: «أو جعله له» معناها - والله أعلم - جعل له السلوك فيه.
- 146 - (1/146)
صفحة 143
باب في عمارة الأجنة والبساتين
وإذا كان لقوم عين ماء فاتفقوا على أن يعمروا بها أرضا معلومة أو كانت لهم ساقية، أو نهر، واتفقوا على طرقها وسواقيها هكذا جملة، فكل ما اتفقوا أن يعمروا به فلا يجد أحدهم منع شيء من ذلك، ويعمرون بذلك كيفما تمكن لهم على نظر ذوي النظر منهم ولا يقعد بعضهم لبعض في تلك الطرق والسواقي بالعمارة ولا بغيرها فيما عمر في الأرض ولا فيما لم يعمر، ولا يمنع بعضهم بعضا من مصالح عمارتهم مثل الحيطان والزروب وأشباه ذلك، إلا من باع منهم، فحازه أو وهبه لغيره، فلا يدرك هو بعد ذلك شيئًا، وقد بطل ما كان له قبل ذلك. وأَما من أراد أن يعمر أرضا غير التي اتفقوا عليها من تلك الطرق والمجازات، فلا يجد ذلك إن منعوه، وإن أذنوا له أن يعمر فعمر فلا يمنعوه بعد ذلك. وكذلك قوم كان لهم بستان أو دار وله طرق معلومة فأراد واحد منهم أن يعمر أرضه من هذه الطرق، فلا يجد ذلك. وأما إن اقتسموا ذلك البستان فأراد واحد منهم أ أن يزيد إلى سهمه عمارة أخرى، وقد يمكن له غير ذلك الطريق أو ليس له طريق إلا طريقه الأوَّل سواء أكان ذلك الطريق مشتركا بينه وبين أصحابه، أو لم يشترك فيه معهم إذا جاز عليهم أو على بعضهم، فإنَّه لا يجد ذلك، ويمنع منه في الحكم، وأما فيما بينه وبين الله، فلا بأس عليه؛ ومنهم من يقول: لا يجوز له ذلك فيما بينه وبين إلا إن كانت بقعة الطريق له، وليس لأصحابه فيها إلا المجاز.
الله
وأما إن وصل إلى بستانه، فأراد أن يجوز منه بعد ذلك إلى الذي أراد أن يعمره، فلا يمنعوه من ذلك. وكذلك إن أراد أن يجوز من تلك العمارة المحدثة إلى الأولى فلا يمنع من ذلك أيضا، ويمنعونه من المجاز الأوّل أن يقصد به إلى العمارة المحدثة، ولا يجد أن يجوز على ذلك الطريق أو المجاز غلة تلك العمارة المحدثة سواء
- 147 - (1/147)
صفحة 144
أفردها أو خلطها مع غلة بستانه الذي ثبت له المجاز أو الطريق، وإن رأوه ينقل الحجارة أو السماد إلى بستانه لينقله إلى عمارة أخرى، فإنهم يمنعونه من ذلك. وَأَمَّا إن لم يقصد أوَّلاً إلا إلى عمارة بستانه، ثُمَّ أراد بعد ذلك أن ينقله إلى عمارة
أخرى، فله ذلك. وإن استمسكوا به إلى الحاكم أنه إنما ينقل ذلك إلى بستانه
(1)
ليعمر به أرضا أخرى، فإن الحاكم يستردده الجواب، فإن أقر حجر عليه الحاكم، وكذلك إن اتهمه أيضًا بذلك يحجر عليه. فإن كسر الحجر أدبه، وإن أنكر حلفه.
(2)
وهذا كله في طريق الخواص، وأما طريق العامة، فلا يمنع من ذلك، سواء في ذلك أأراد أن يعمر ما عمر قبل ذلك، أو ما لم يعمر، إلا إن كان ذلك الذي أراد أن يعمره من غير أرض ذلك المنزل وتلك الطرق، فإنَّه يمنعونه؛ ومنهم من يقول: لا يمنعونه. وكذلك من سكن في المنزل، ولم يكن في طرقه ومنافعه شيء، فأراد يعمر أرضا له، وليست من عمارة ذلك المنزل، ففيها قولان: منهم من يقول: يجد ذلك؛ ومنهم من يقول: لا يجده. وكذلك من لم يسكن في المنزل، ولم يكن له في طريقه شيء، فأراد أن يجوز من طريق ذلك المنزل ليعمر أرضا كانت له في منزل
أن
آخر، فإنه يمنع من ذلك؛ ومنهم من يقول: لا يمنع حيث كان ذلك للعامة. وَأَما إن اشترك قوم في أرض لها طريق أو بستان أو دار، فاقتسموا ولم يذكروا الطريق، فإنَّ طريقهم يكون على ما كان عليه أوَّلاً، وكذلك سواء فيهم على هذا الحال، ويكون ذلك غبن فيما بينهم في القسمة التي جازه عليه. وأما إن
2
3
(3)
(4)
قوله: «يستردده الجواب هكذا في كل النسخ الأصلية والمراد من العبارة هو أن على الحاكم
أن يستنطقه.
في الهامش أضاف الناسخ: أي حيث كان ذلك للعامة. لعل صواب العبارة: وكذالك سواهم فيه عَلَى هَذَا الحال». قوله: «ويكون ذلك غين ... إلى آخره في العبارة غموض والتواء والمراد منها: أن القسمة إذا جرت بينهم على هذا النسق صحت وكانت الطرق والسواقي على أصلها، وكانت غبنا
- 148 - (1/148)
صفحة 145
اقتسموا فبرأ بعضهم بعضا من الطريق على أن يكون طريق كل واحد منهم خارجًا، فتكون طرقهم على ما اشترطوها. وكذلك البيع، والهبة، والصدقة، والإجارة، والوصيَّة، على هذا الحال. وأَما إن كان بينهم بستان أو دار فاقتسموا على ألا يكون لبعض طريق من طريقهم الأوَّل، فإنه إن كان يجد الطريق إلى سهمه من غير الطريق الأوَّل، فقسمتهم جائزة، ويكون ذلك تبرئة منه لسهمه من الطريق الأوَّل، وإن لم يكن له طريق ولا موضع يصل منه إلى عمارة سهمه، فلا تجوز القسمة على هذا الحال؛ ومنهم من يجوز قسمتهم على ذلك. وأما الشراء والهبة والصداق والإجارة إن اشترطوا في هذه المعاني ألا يكون له طريق من طريقه
الأول فجائز.
ومن اشترى نخلة من بستان أو حوضا فاشترط على البائع طريقه إليها، فإنه يدركه عليه كما اشترط؛ وأَما إن لم يشترطه عليه فإنَّه يدرك عليه طريقه إليها قبل ذلك، ويكون له مجاز الماء أيضًا إلى نخلته كما كان لها قبل ذلك، ولا يحدث بعضهم على بعض ما لم يكن قبل ذلك مِمَّا يضرُّ صاحبه؛ وإن اختلفوا في الطريق الذي يجعلونه فإنَّه يدرك عليه طريقها قبل ذلك إن كانت نخلة تعمر بالسماد أو شبه ذلك مِمَّا ينقل على الدَّابَّة، فليدرك عليه ذلك، وإن كانت نخلة لا تحتاج إلى ذلك فليجعل له طريقا يصل منه بنفسه إليها؛ وكذلك جذاذها أيضا إن كانت نخلة تجد قبل ذلك على الدواب فليدرك ذلك، ويصيب جميع ما كان لها قبل ذلك، ولا يدخلها أيضًا بما استغنى عنه من الناس والدواب وما لا يحتاج إليه، ولا يحدث
2
(2)
على من حازت عليه أي في قسمته: ولعل عبارة المصنف رحمه الله تصح كالتالي: «وتكون القسمة على هذا الحال غبنا فيما بينهم لسهم الذي حازت عليه». تأمل. الغريب أن تجوز مثل هذه القسمة لأنها من أبشع صور الغبن المحرم شرعا، وهذا يتناقض مع قوله الآتي قريبا فإنه يدرك عليه طريقه إليها قبل ذلك. في الهامش أضاف الناسخ عبارة: «قوله لا تحتاج إلى ذلك أي بأن لم تعمر قبل ذلك بالسماد».
من
- 149 - (1/149)
صفحة 146
(1)
على صاحبه ما لم يكن قبل ذلك. وإن كان إنما يدخل قبل ذلك بالدابَّة، ثُمَّ أراد أن يدخل إليها بغير ذلك الصنف من الدواب، فإنه إن كان أقل مضرة من الأولى، فإنه يدخل به؛ ومنهم من يقول: لا يدخل إلا بما يدخل به قبل ذلك قلت مضرته أو كثرت. وإن كان إنَّما يدخل إليها أوَّلاً بداية واحدة، ثُمَّ احتاج إلى
(2)
دابتين أو أكثر، فلا يجد ذلك، وَلَكِنَّهُ يختلف بدابته حتى يقضي حاجته. وإن كان إنَّما يدخل إلى غلتها قبل ذلك بنفسه دون الدَّابة فلا يجد غير ذلك. وإن كان لا يقدر على حمل غلتها بنفسه وحده فإنه يستعين بغيره إذا لم تكن مضرة في ذلك على صاحبه. وكذلك الأشجار كلّها والمساكن على هذا الحال.
قلت: فإن كانت هذه الشجرة يدخل إليها الدَّابة قبل ذلك إلى غلتها فتشاححوا في الموضع الذي تقف فيه الدَّابَّة ماذا يصنع؟ قال: يمضي بدايته حتى
ينتهي
فأراد
إلى
من
(3)
حريم شجرته فيوقفها فيه وإن كانت هذه الشجرة لم تعمر قبل ذلك،
انتقلت إليه أن يعمرها فلا يصيب إحداث ما لم يكن قبل ذلك على
(4)
صاحبه. وكذلك إن كانت لرجل أشجار في جنان واحد، أو في أماكن شتى، فإنَّه إن كانت في مكان واحد فلا يكون لها إلا طريق واحد؛ وإن افترقت فلكلّ واحدة مجازها؛ وإن جمعها طريق واحد فليجعله له إن لم يضر ذلك بصاحب
-
1
2
3
4
عبارة: «ثُمَّ أراد أن يدخل إليها بغير ذلك الصنف من الدواب» معناها على سبيل المثال إذا كان يدخل إليها بحماره ثُمَّ أراد أن يدخل ببغل أو فرس والعكس صحيح. وهل تقاس عليها الجرارات وما استحدث من وسائل النقل؟.
عبارة: «ولكنه يختلف بدايته» يبدو أن المراد: ينقل ما أراد نقله بدابته الواحدة، ولو احتاج إلى المرور في الطريق مرارا.
عبارة: «لم تعمر قبل ذلك» معناها والله أعلم: لم يشتغل بسقيها وتسميدها وحني غلتها. «قوله: "أشجار في جنان واحد لعل المقصود: إن كانت لرجل أشجار في جنان غيره في مكان واحد أو في أماكن شتى». هكذا وجد في هامش النسخ الأصلية. وهو أمر معقول، لأنه لو كان الجنان له وحده لم يكن هناك مجال للمضرة ولا للخلاف.
- 150 – (1/150)
صفحة 147
الأشجار؛ وإن عرفت لها طرق قبل ذلك فليسلك صاحبها طرقها قصدًا أو فيها دوران، سواء اشتراها من صاحب الجنان أو ورثها منه أو من غيره. وإن قال له صاحب الأشجار: ردَّ لي طريقي في مكان واحد». وقال صاحب الجنان: «أسلك أين تسلك قبل هذا»، فالقول قول صاحب الجنان. وأما إن قال له صاحب الجنان: «أنا أرد لك طرقك كلّها في مكان واحد، فأبى له ذلك صاحب الأشجار، فالقول قول صاحب الجنان إن لم تكن في ذلك مضرة لصاحب الأشجار. وإن ماتت تلك الأشجار وزالت فقد زالت تلك الطرق والسواقي، إلا
(1).
إن كانت له بقعة تلك الأشجار فلا يزول له شيء من سواقيها أو طرقها. وإن ماتت تلك الأشجار، وله بقعتها فإنَّه يغرس في مكانها، ويكون له طريق تلك الغروس وسواقيها ما دامت في ملكه، وكذلك من أخرجهنَّ إليه بوجه من وجوه الملك على ما قلنا أولاً، ويكون له في الوقت الذي غرسهن الجواز السقيهن وحفظهنَّ ما لم يستغنين، فإذا استغنين فلا يدخل إليهنَّ إلا في الوقت الذي يدخل
(2)
إلى الأشجار اللاتي له قبل ذلك، وكذلك إن متن تلك الأشجار، فإنه يكون له الطرق إلى إخراج خشبهنَّ. وإن أراد صاحب الأرض أن يعمر أرضه كلها فإنه يعمرها إلا حريم حريم الأشجار اللاتي كن في جنانه؛ وإن استمسك به صاحب الأشجار ألا يحرث طريقه إلى الأشجار فإنَّه إن كان ذلك أرضا تحرث قبل ذلك فإنَّه يحرثها كما كان يحرثها أوَّلاً، ويجوز صاحب الأشجار إلى أشجاره كما يجوز قبل ذلك، ولا يعمر أرضه عمارة تمنع صاحب الأشجار من الجواز إلى أشجاره سواء أعلم موضع طريقه قبل ذلك أم لم يعلمه. وإن كان يجوز إليها من جميع
2
-
قوله: «إن كانت له بقعة تلك الأشجار ... » يوضح هذه العبارة ما هو جار من عرف في بعض الجهات أن الأشجار المغروسة خلال النخل لا بقعة لها إنما البقعة للنخل، إلا إن خصص الجنان لأشجار غير النخل كالكرم والتين والحمضيات.
قوله: «إن متن تلك الأشجار» يريد إن ماتت الأشجار.
- 151 - (1/151)
صفحة 148
النواحي
النواحي فليمض على عادته الأولى، ويجوز لصاحب الأرض أن يمنعه من جميع إلا ناحية واحدة، فإن تبيَّن لطريقه موضع معلوم فلا يجوز لصاحب الأرض أن يعمره بعد ذلك، إذا لم يعمر قبل ذلك. وإن أفسد في طريق تلك الأشجار شيئًا، فإنَّما يؤخذ بإصلاحه صاحب الأرض.
وإن قال صاحب الأشجار لصاحب السواقي لا تجوز طريقي على السواقي والجسور والمماصل، فإنه إن عرف طريقه أنه لم يجز على هذه المعاني، فلصاحب الأشجار ما ادعى من ذلك؛ وإن لم يعلم مكان طريقه فله الجواز إلى أشجاره على الحال التي يجوز إليها به قبل ذلك. وإن كان ممر هذه الأشجار لم يجز على السواقي والمماصل، ولكنه يدور على نواحي الجنان، فقال له صاحب الأرض: «قد ضرَّني هذا الممر، ولكن اقصد بممرك إلى أشجارك»، فعلى صاحب الأرض أن يسوي له ممره بالقناطر على السواقي والمماصل وما أشبه ذلك من إصلاح الممر؛ وإن لم يصلح له صاحب الأرض الممر فليمض على ممره الأول إلى أشجاره. وهذا كله إذا لم يثبت الطريق أولاً، وأما إذا ثبت بحكومة الحاكم أو لم أدركوه كذلك، فلا يجد أحد تحويله إلا إن اتفقا على ذلك. وإذا كان لصاحب الأشجار طريق بين في جنان غيره، ولم يكن صاحب الجنان يعمر على ذلك الطريق شيئًا من العمارة، ثُمَّ بعد ذلك أحدث عليه عمارة، فمكث مقدار ما تثبت فيه العمارة، فإنَّ العمارة ثابتة على صاحب الطريق ولو كانت تلك العمارة تبطل الطريق، وكذلك إن وهب صاحب الممر طريقه لصاحب الجنان أو
- 1
- 2
3
(3)
(2)
أضاف الناسخ: لعل العبارة هكذا: "وإن جعل له طريقه على السواقي والمماصل والجسور وقال صاحب الأشجار ... إلخ حرره». في نسخة (م) و (ت).
أضاف الناسخ: أي بالدوران». في (م) و (ت). أضاف الناسخ: قوله: "ولو كانت العمارة انظر هل يبقى لصاحب الشجرة طريق أو لا يبقى، والظاهر أنه لا يبقى؛ بدليل قوله: "وكذلك ... " إلى قوله: "وتبقى الأشجار وليس لها طريق حرره». في (م) و (ت).
- 152 - (1/152)
صفحة 149
تبراً له منه أو باعه له، فإنَّ ذلك جائز. وكذلك إن فعل هذه الوجوه لغير صاحب الجنان من الناس وتبقى الأشجار وليس لها طريق لصاحبها الأول، فإن رجعت الأشجار إلى من رجع الطريق في ملكه بمعنى من المعاني، فإنه يكون له طريقها على عادته الأولى؛ وإن وهب شجرة لرجل وأمسك الطريق لنفسه، فالشجرة للموهوب له، ويدرك الممرَّ على صاحب الطريق، إلا إن اشترط صاحب الطريق الا يكون عليه ممرّ إلى الشجرة التي وهبها فتكون له الشجرة من غير ممر
(1) "
•
وأما إن كانت الشجرة لرجل في جنان غيره وبقعة الطريق التي يمر عليها إلى شجرته، فوهب البقعة لصاحب الجنان، فتكون البقعة لصاحب الجنان، ويكون لصاحب الشجرة الممر على ذلك الطريق إلى شجره؛ وكذلك إن وهبها لغير صاحب الجنان على هذا الحال.
وَأَمَّا من له شجر في جنان غيره فأراد أن يعمرها، فإنَّه إن كانت الأشجار
(3)
تعمر قبل ذلك الوقت فإنه يعمرها سواء في ذلك البقعة التي فيها الأشجار له أو لصاحب الجنان. وأَما إن لم يعمرها قبل ذَلِكَ الوقت، فإن كانت البقعة له فإنه يعمر أشجاره عمارة لا يضرُّ بها صاحب الجنان فيما بينه وبين الله ه، ويمنعه صاحب الجنان في الحكم من حدوث العمارة عليه، لئلا يثبت عليه طريق تلك العمارة،
- 1
- 2
- 3
عبارة: فتكون له الشجرة من غير ممر معناها أنَّه لا يمتلك ممراً إلى شجرته ولكن بالضرورة يمكنه السلوك إليها بحيث لو انتقلت إلى غيره ببيع أو إرث لم يلحقها شيء من ممر أو طريق ... وربما يصح مثل هذا الشرط إذا علم أن له طريقا إليها من غير جهته. ليحرر. قوله: «فأراد أن يعمرها ... » إلى آخره، المفهوم من هذه العبارة وأنماطها فيما تقدم أنه إن كانت له أشجار بور يستغلها من غير سقي ولا حرث فأراد أن يحرث أرضها ويسقيها ويعطيها السماد إلى آخره ...
«سواء في ذلك البقعة التي فيها الأشجار له المَعْنَى: سواء في ذَلِكَ أكانت البقعة ـ التي فيها
الأشجار - له أو لصاحب الجنان.
- 153 - (1/153)
صفحة 150
سواء في ذلك العمارة إصلاح الأرض بعينها أو إجراء الماء إليها إذا لم يسقها قبل ذلك، أو إصلاحها بالغبار ويزرع فيها شيئا من النبات، وإن فعل ذلك ولم يكن يفعله قبل ذلك ومكث مقدار ما تثبت فيه ولم يمنعه صاحب الجنان، فقد ثبتت عليه تلك العمارة. وأَما إن عرفت العمارة لتلك الأشجار قبل ذلك عند صاحبها أو من كانت له قبل ذلك، ثُمَّ مكنت ولم تعمر زمانا طويلاً فلا تبطل تلك العمارة، ولصاحبها أن يعمرها وقتما شاء.
وَأَمَّا إن كانت بقعة لرجل في جنان غيره وهو يعمرها فأحدث فيها شجرة، وترك عمارة هذه الشجرة ثُمَّ بدا له أن يعمرها فله ذلك. وأَما إن كان صاحب الأرض يعمر جنانه كلّه ثُمَّ ترك عمارة بقعة فأحدث فيها رجل آخر شجرة حتى ثبتت له، فأراد أن يعمر صاحب الأرض تلك البقعة بما عمرها به أولاً، فلا يجد ذلك إن كان في تلك العمارة ضرر لصاحب الشجرة؛ وأَما إن لم تكن فيها مضرة الشجرة وصاحبها فلا يجد منعه ويكون على صاحب الجنان إصلاح طرقه وزربه ومساقيه ومماصله، ولا يدرك على صاحب الشجرة شيئًا إلا إن اشترطه عليه أو على من كانت له قبل ذلك.
وَأَمَّا من كانت له أرض بيضاء وفيها شجرة لغيره وهو يجوز إليها من حيث شاء من تلك الأرض، ثُمَّ أراد صاحب الأرض عمارة أرضه وحياطتها بالزرب فله ذلك، ولا يمنعه صاحب الشجرة من حياطة أرضه، ويكون الممر إلى شجرته من
(2)
حيث لا يضرُّ صاحب الشجرة وإن اشترط عليه صاحب الشجرة أن يبين له طريقه فإنه يدرك عليه ذلك، إذا أراد صاحب الأرض أن يعمر أرضه، وأَما إن لم رد أن يعمرها، فلا يدرك عليه أن يبين له الطريق؛ وإن عمر صاحب الأرض
يرد
- 1
- 2
أرض بيضاء» كناية عن خلوها من العمارة بالبناء أو الزراعة أو غيرهما. أضاف الناسخ: «لعله صاحب الأرض أو هو راجع إلى قوله: "فله ذلك» تأمل». في (م) و (ت).
- 154 - (1/154)
صفحة 151
أرضه وزربها، وجعل لها باباً وقفلاً، ولرجل فيها شجرة يعمرها قبل ذلك، أو
(1)
كانت له فيها أرض من غير أشجار أو مغاليق السواقي، فإنَّه لا يدرك عليه أن يجعل له باباً آخر، وليس لصاحب الأرض أن يجعل في بابه ما يضر صاحب الأشجار أو المغاليق، ويجعل له من حيث يدخل من غير مضرة، وكذلك ما يعمر به قبل ذلك من الخدم والدواب. وَأَما إن كان ذلك الجنان مزربا من قبل ذلك وله باب معلوم، فلا يجد صاحب الشجرة أن يحدث له فيها ما لم يكن قبل ذلك، ولو كان في الباب ما يضره؛ وكذلك الباب إن لم يكن له عتبة من قبل ذلك، فأراد صاحب الجنان أن يجعل له عتبة فلا يجد ذلك؛ وأما إن كانت له عتبة، وباب فلا يدرك عليه صاحب الشجرة شيئا من زوال ما كان قبله.
(2)
ماح،
وكذلك إذا أراد أن يحدث لذلك الباب قفلاً ومفتاحا أو كانا قبل ذلك، فاستمسك به صاحب الشجرة أو البقعة التي كانت في الجنان في إمساك المفتاح فلا يدركه عليه، ولكن يجعل له الحاكم أوقاتاً يدخل إلى شجرته أو إلى أرضه لكل ما يحتاج إليه من المصالح، ويحجر على صاحب الجنان ألا يمنعه منها في تلك الأوقات، فإن منعه فليخرج منه الحق أو يجعل الحاكم أمينًا يكون. عنده المفتاح، أو يأمرهما أن يجعلا مفتاحين إن لم يكن في ذلك ضرر لصاحب الجنان.
وأَما إن أراد صاحب الجنان أن يزيد جناناً آخر، أو أرضًا إلى جنانه، أو أراد أن يجعل له باباً غير بابه الأول، فإنَّه يجوز له أن يحدث ذلك كله فيما بينه وبين الله
1
2
عبارة: «مغاليق السواقي مراده بها والله أعلم بجمع المصارف التي يرسل منها الماء إلى مختلف السواقي المتفرعة عن الساقية الأصلية. وإنما دعيت مغاليق لأنه لا تتم عملية تصريف المياه وتنظيمها إلا بغلق بعض المصارف وفتح أخرى. «ولو كان في الباب ما يضره ... » هل يصح إبقاء الضرر، والقاعدة الشرعية تنص عَلَى أَنَّ الضرر يزال، وفي الأثر: (لا ضرر ولا ضرار». ليحرر.
- 155 - (1/155)
صفحة 152
إذا لم تكن فيه مضرة؛ وإذا كانت فيه مضرة فلا يجوز له فيما بينه وبين الله؛ ومنهم من يقول: ليس له أن يحدث شيئًا. وَأَمَّا إن أراد أن يزيد الماء في ساقية اشترك فيها مع غيره، أو يزيد في طريقه إصلاحاً أو في حائطه بناءً فكل ما لم تكن فيه مضرة،
فلا يجد منعه.
ومن
له
(1).
شجرة في جنان غيره، وللجنان طرق شتى فأراد صاحب الجنان أن
(2).
يمنع صاحب الشجرة من بعض الطرق، وأراد أن يرده إلى طريق واحد، فإن عرف صاحب الشجرة أنه يعمر شجرته من تلك الطرق كلّها، فلا يمنعه صاحب الجنان من ذلك. وإن لم يعرف أنه يعمرها من الطرق كلها فإنه يمنعه إلا من طريق واحد؛ وإن عرف أنه يعمر شجرته من الطرق كلها، فلا يمنعه صاحب الجنان أن يرده إلى طريق واحد في داخل الجنان إن لم يضر ذلك بصاحب الشجرة؛ ولا يمنعه من الجواز في الطرق خارجًا من الجنان ولو لم تكن فيها مضرة، وكذلك من ثبتت عليه هذه الطرق سوى صاحب الجنان فإن بطلت الطرق التي يعمر منها شجرته داخل الجنان أو خارجا فأراد صاحب الجنان أو من جازت الطرق في أرضه أن يعمر أرضه أو جنانه، فإن كانت البقعة لصاحب الشجرة فلا يجد صاحب الجنان ولا من جازت الطرق في أرضه أن يعمرها؛ وإن لم يكن له في ذلك إلا الجواز فبطلت طرقه فلصاحب الأرض أن يعمر أرضه بما شاء؛ وإن لم يتبيَّن كانت له بقعة الطريق منهما، فلا يجد صاحب الجنان أن يعمر في تلك الطرق، وإن أراد صاحب الطريق أن يعمر طريقه فإنه يمنعه صاحب الأرض إلا إن كان في الطريق ما يخرج منه حريم العمارة التي أحدثها. وإن كان لذلك الجنان طرق شتى
من
- 1
- 2
قوله: «وللجنان طرق شتى» يفهم من السياق أنه يقصد الطرق المؤدية إلى الجنان من خارج، بدليل قوله بعد فلصاحب الجنان أن يرده إلى طريق واحد في داخل الجنان. أضاف الناسخ: صواب العبارة: "ولو كانت فيه مضرة أي لأنه ثبت له الجواز في الطرق كلها». في (م) و (ت).
- 156 - (1/156)
صفحة 153
(1)
ولصاحب الشجرة الجواز عليها جميعا، فتبرا منها) لصاحب الجنان إلا واحدا منها ولم يبينه، فإنَّه إن لم يكن له في الطرق إلا المجاز، وليس له في بقعتها شيء فذلك جائز له، ويؤخذ صاحب الجنان أن يبين له الطريق الذي
استثناه صاحب الشجرة. وكذلك إن استثنى اثنين أو ثلاثة على هذا الحال. وَأَمَّا إن كانت بقاع تلك الطرق لصاحب الشجرة أو له فيها نصيب فلا تجوز تبرئة كل واحد منها ولا تبرئتهم كلهم إلا واحدًا حتى يتبيَّن ما تبرا له منه. ومنهم من يقول: ولو لم يكن له في الطرق إلا الجواز فيراه من أحدها أو منها كلها إلا واحدا، فلا يجوز ذلك. وأما إن براه منها كلها إلا هذا الطريق، فهو جائز في الوجهين جميعا. الملك. وكذلك البيع والهبة وأشباه ذلك من المعاني التي توجب خروج
قلت: فرجل وجد ثلمة في حائط أو جنان أو زرب هل يدخل منها بغير إذن
(3)
صاحبها؟ قال: لا يدخل إلا إن كانت ثلمة أخرى يخرج منها، ومنهم من يرخص؛ وإن دخل و لم يجد ثلمة يخرج منها من الناحية الأخرى فإنه يرجع إلى الثلمة التي دخل منها ويخرج منها. ومنهم من يقول: إن لم تكن فيها إلا ثلمة واحدة فلا يدخل منها سواء في هذا الدور والبيوت والأجنة إذا كانت غير معمورة؛ وأَما إذا كانت عامرة فلا يدخل فيها إلا بإذن من سكن فيها.
وكذلك إن أخذ الطريق حتى عارضه حائط فجاز الطريق عليه أو سقف فجاز عليه، فإنه يتبع الطريق حيثما سلك أخذه، ولو لم يطلعه إلا بالسلم أو لم ينزل)
- 1
- 2
- 3
فتبرأ منها لصاحب «الجنان المسُرَاد بِهَذِهِ العبارة وأمثالها: التنازل عن حقه فيها. عبارة: «وإن براه منها كلها إلا هذا الطريق» معناها: إلا طريقاً معيناً. المقصود من العبارة هو أنَّه إن وجدت ثلمتان مختلفتان اعتبر ما بينهما بمثابة الممر يجوز له المرور منه، وإلا فلا. معنى لدخوله حناناً. بغير إذن صاحبه. يتصور مرور الطريق على حائط أو سقف في المناطق الوعرة المنحدرة كما شاهدت ذلك
- 157 - (1/157)
صفحة 154
إلا
به. وكذلك الشجرة إذا جاز عليها، وكذلك جميع القناطر على هذا الحال
(1).
يجوز عليها، ويخوض النهر أو الساقية، ولا يمنعه الماء من الجواز عليها، إذا لم يفسد في الساقية، ولا يحذر من هذا إلا ما يمنع الماء عن جريه أو يفسد في تراب الساقية شيئا بمروره وجوازه عرضها أو طولها.
ويجوز له أن يشق الطريق الذي مرَّ على المقبرة: مرَّ عَلَى القبور أو لم يمر عليها، إلا إن تبين له أنَّ القبور سبقت الطريق فلا يشقه حينئذ، ويجوز له أن يشق الطريق الذي مرَّ بالعمارة، ولو أنَّه يفسد ما مرَّ عليه ما لم يتبيَّن له أيضًا أنه الحادث عليه، ولكن لا يقصد الفساد بمروره.
(2)
والطرق كلها إذا وضع فيها جميع ما أراد صاحبه إصلاحه بالسلوك عليه، مثل الجلود التي تبسط فيها لمن يمر عليها، أو الزرع أو مثله، فإنهم يأخذون صاحبه بنزعه، فإن لم ينزعه فإنَّهم يمرون عليه بجميع ما يمرون عليه في الطرق سواء أمر عليه بدابته أو بنفسه، وليس عليه شيء من تلفه أو فساده بمروره وجوازه، ويجوز لهم أيضا السلوك فيه، ولو لم يأخذوه بنزعه وما تولّد عن ذلك مِمَّا يضرُّ من يجوز عليه، فضمان ذلك على صاحبه.
2
وكذلك من حرث قوارع الطريق فلا بأس على من يمر عليها وفيما أكلت دابته من ذلك الزرع وغيره.
بالفعل في بعض قرى جبل نفوسة وفي بعض قرى منطقة الأوراس على سبيل المثال.
قوله: «من الجواز «عليها الضمير عائد على الساقية.
وكذا قوله: «الحادث عليه الضمير عائد على "ما" في قوله: «على ما مرَّ عليه» والمراد به أنه إذا تبين أن الطريق حدث متأخراً على ما يمر عليه من بناء مثلاً أو عمارة فليمسك عن المرور.
- 158 - (1/158)
صفحة 155
مسألة: في إثبات الطرق
وإذا كان لرجل جنان وله طرق ومساق) ومماصل، فباع ذلك الجنان أو وهبه أو أخرجه من ملكه بمعنى من المعاني ولم يذكر المجازات، فإنه تكون تلك الطرق والمساقى والمماصل والمجازات كلّها لمن انتقل إليه ملك الجنان كما كان أوَّلاً، وسواء تلك الطرق أو السواقي أجازت في أرض البائع أو في أرض غيره، وليس له في بقاع الطرق أو السواقي أو المماصل شيء، ولا يدع ذلك المجاز انه له ببيع وما أشبه ذلك، ولكن له فيه الجواز لا غير ذلك. وكذلك إن قصد إلى شراء بقعة ذلك الجنان والأشجار فله الانتفاع بحائط ذلك الجنان وزروبه ولا يمنع من الانتفاع به كما كان قبل ذلك، سواء أكانت تلك الزروب لصاحب الجنان أو لغيره من الناس.
،
ويجوز لصاحب الجنان الأوَّل بيع تلك الحيطان والزروب والسواقي، ويكون له المجاز فيها بعد ذلك، ولا يمنع منه، ويبيع بقاع تلك المجازات للمشتري ولغيره من الناس، وإن باع ذلك الجنان واستثنى طرقه وسواقيه ومماصله فذلك جائز. وإن أراد أن يبيع الجنان وطرقه وسواقيه فذلك جائز، وسواء أباع لرجل واحد أو لرجال شتى. ويجوز له بيع ماء ذلك الجنان لمن باع له ذلك الجنان أو لغيره من الناس، ويبقى له مجاز ذلك الماء.
2
-
1
المساقي: جمع مسقى وهو حسب استقرائي للسياق الذي وردت فيه اللفظة في عدة مواضع من الكتاب عبارة عن السطوح المنبسطة من الأرض التي تستقبل ماء المطر فينحدر عنها إلى المزارع والبساتين، والله أعلم، وقد مر التعريف بها. المماصل كذلك حسب استقرائي وفهمي للفظة في عدة مواضع جمع ممصل، وهو عبارة عن سواقي الماء الباطنية، والله أعلم. وقد تعقبت اللفظتين في المعاجم اللغوية فلم أجد لهما ذكراً.
وقد مر التعريف بهما.
11
159 - (1/159)
صفحة 156
ومن كان له طريق إلى جنانه فباع مجازه منه لرجل آخر، واستثنى بقعته فذلك
(1)
جائز. ولا يجوز في تلك الطريق بعد بيع المجاز. وكذلك ساقيته إن باع مجازه منها فهو جائز، ولا يدرك المجاز فيها بمَائِهِ بعد ذلك.
وأَما من كان له جنان وأرض ومجاز ذلك الجنان في تلك الأرض، فباع الأرض التي فيها ذلك المجاز ولم يذكر المجاز فله بجازه منها من الطرق والسواقي والمماصل ولو أنه باع الأرض بكلها وكل ما فيها ما لم يذكر بيع المجاز.
وَأَما إن باع تلك الأرض، وكل دعوى له فيها، فمنهم من يقول: جازت تلك المجازات مع البيع؛ ومنهم من يقول: لا تجوز إلا إن قصدها؛ وكذلك إن تبرا له من هذه الأرض بكلّها وكلّ ما فيها وله فيها المجاز فهو على هذا الحال. وإن تبرا له من كُلِّ دعوى له فيها فهو جائز، ولا يدرك الجواز فيها بعد ذلك.
(3)
وَأَما إن اشترك قوم أرضاً وجنانا وله مساق وطرق مختلفة من نواح شتى فاقتسما فيما بينهما فأخذ كل واحد منهما سهمه من تلك الأرض والجنان وله طرقه وسواقيه ولم يذكر المجازات والطرق فيها أن يدرك كل واحد منهم سهما في المجاز الذي وقع فيه سهم غيره: قال: لا، وإن لم يكن له محاز في سهمه فإنه يدركه على صاحبه وكذلك إن كان له بعض المجاز، ولم يكن بعض فليدرك ذلك البعض على صاحبه إلا إن براه منه؛ وكذلك إن انفرد أحدهما بالمجاز دون صاحبه فإنَّه يدركه عليه. وأَمَّا إن كان في تلك الأرض التي اقتسما مجاز غير مجازها فوقع
- 3
قوله: «ولا يجوز ... مراده ولا يمرُّ في ذلك الطريق بعد بيع المجاز.
«وَأَما إن اشترك قوم ... » لو قال: «إن اشترك اثنان في أرض وجنان وللجنان سواق وطرق ... لو قال ذلك لا تسق الكلام ولما بقى فيه اضطراب وتحول من التثنية إلى الجمع. تأمل.
أضاف الناسخ: «لعله على تقدير همزة الاستفهام أي: أيدرك كل واحد؟». في (م) و (ت).
- 160 - (1/160)
صفحة 157
في سهم
(1)
أحدهما، فإنه يدرك (عليه صاحب الجواز جوازه؛ وأَما إن لم يكن لتلك الأرض إلا مجاز واحد فاقتسما ولم يذكراه فيما بينهما، فإنه يكون بينهما ولو وقع في سهم أحدهما، إلا إن براه
منه.
(2)
وأما من كانت له أرض وعمرها من أرضه أيضاً، ثُمَّ قطع طرق عمارته الأولى بعمارة أخرى، ثُمَّ باع عمارته الأولى فإنه يدرك طرقها إلا ما أبطلته العمارة، وكذلك إن باع الأرض التي كانت فوق العمارة الأخرى وطرق عمارته الأولى من الأرض التي باعها، فإنَّه يدرك طرقها كلها ولو قطعته العمارة. ومنهم من يقول: إن قطعته العمارة فلا يدركه بعد ذلك، وكذلك طريق الخواص؛ وأَما إن كان للعامة فلا ينقطع ولو قطعته العمارة أو قطعته غير العمارة مِمَّا جاء من قبل الله. ومنهم من يقول: إن كان لا ينجبر بما قطعه من السيل أو غيره حتى لا يمكن الجواز عليه فإنَّ صاحب الأرض يعمر أرضه، ولو كان ذلك المجاز للعامة أو للخاصة سواء أ انقطع الجواز حتى لا يوصل إلى العمارة به أو تلف ما عمر به
حتى لا ينجبر.
مسألة: في إصلاح الطرق
قلت: فقوم كان لهم طريق وبجانبه أرض، فعمروا تلك الأرض حتى وصلوا إلى ذلك الطريق بالعمارة إن كانوا يعمرون ذلك الطريق عمارة تصلح له ولا تصلح
2
أضاف الناسخ: ويكون الغبن فيها بينهما، وكذا في التي بعدها» في (م) و (ت).
في (م) و (ت): «لعل الصواب: هذا في طريق الخواص».
أضاف الناسخ: ظاهر هذا الكلام أنه يجوز له ولو منعه البعض إلا إن منعوه جميعا ليقابل الأول، والظاهر إن منعه البعض فلينته كما سيأتي في طريق العام، اللهم إلا أن يقال فرق بين العامة والخاصة. فليحرر».
- 161 - (1/161)
صفحة 158
للعمارة، أو عمارة تصلح للعمارة ولا تصلح للطريق، أو عمارة تصلح لهما جميعا، أو لا تصلح لهما جميعا، ومثل ذلك إذا أرادوا دفنه بالتراب أو الحجارة أو غير ذلك، أو ينزعوا التراب من تلك العمارة حتى وصلوا إلى ذلك الطريق، فأرادوا أن ينزعوا منه التراب أيضًا؟ قال: إن كان يصلح هذا الذي ذكرنا للطريق فإنهم يفعلونه، ولو لم يصلح لهم؛ وإن كان لم يصلح للطريق فلا يفعلونه، ولو كان يصلح لهم؛ وكذلك الطرق والمجازات كلها ادعوا فيها شيئًا أو لم يدعوه؛ فإن كان الطريق لِلعَامَّةِ، فإنَّهم يعملون له كل ما يصلح له أو للعامة كان لهم فيه نفع أم لم يكن).
وَأَما طريق الخواص من الناس، فإنَّما يعملون له ما يصلح له ولأصحابه، ولا يعملون له ما يصلح للطريق ولا يصلح لأصحابه، ولا يصلح للطريق؛ ومثل ذلك أن ينزعوا منه التراب، وذلك يصلح للطريق، ولكن يحتاج إليه أصحابه، أو يجعلوا فيه التراب وهو يصلح للطريق، وأصحابه يحتاجون أن يضعوا فيه ترابهم يفعلون ذلك، ولو كان الذي أراد أن يجعل فيه ذلك من أصحاب الطريق؛ ومنهم من يرخص في مقدار سهمه، ولكن إنَّما يفعلون من ذلك أن يقتسموه المنافعهم، كما لا يضرون بالطريق.
وأما من كانت عمارته بقرب الطريق من جانبيه، والطريق للعامة أو لِلخَاصَّةِ فأراد أن يجعل مجاز الماء والطريق من العمارة إلى الأخرى، فإنه لا يفعل ذلك، سواء أكان الطريق للعام أو للخاص. ومنهم من يقول: إن كانت بقعة الأرض له و لم يضر ذلك للطريق وأصحابه، فإنه يفعل ذلك فيما بينه وبين الله، وَأَمَّا في الحكم فلا يدرك عليهم ذلك؛ فإن فعله فإنهم ينزعونه.
1
-
من الواضح أنَّ الذي ذكرناه هنا إنما ينبني على قاعدة: "مصلحة الجماعة مُقدمة على
مصلحة الفرد.
- 162 - (1/162)
صفحة 159
وَأَمَّا إن كان لا تُعرف بقعة الطريق لمن هي فلا يفعل فيها شيئًا ولا ينتفع
منه إلا بالمجاز إلى أرضه كما يجوز غيره. وأما إن أذن له الخواص أن يجوز الماء أو الطريق على طريقهم، فإنَّه إن كانت البقعة لهم فلا بأس عليه فيما فعل ما أذنوا له فيه، وإن كانت البقعة لغيرهم فلا يفعل شيئًا ولو أذن له أصحاب الطريق. وأما إن لم تعلم البقعة لمن هي من الناس، فلا يجوز عليه، ولو أذنوا له. ومنهم من يقول: إن لم تعلم البقعة لمن هي وأذنوا له أن يجوز فيها شيئاً فجائز له. وأما إن أذن له أحدهم، ومنعه الآخر، فلا يجوز في ذلك الطريق. ومنهم من يقول: يجوز بإذن أحدهم، وإن منعه أصحابه فلا يجوز فيه.
،
(1)
وأَما إن كان له فيه سهم فأراد قطعه أو أراد أن يجوز فيه، فلا يفعل ذلك إلا باتفاق شركائه. وأَما إن لم يشترك في ذلك الطريق إلا مع من ولي أمره، فإنَّه إن كان من ولي أمره ابنه أو ابن ابنه أو من يجوز عليه فعله فأذن لمن يفعل فيه شيئا فهو جائز. وإن كان ذلك لغير هؤلاء، فلا يجوز عليهم فعله، إلا إن أعطى لهم فيه عوضاً. وأما إن كان ذلك الطريق للعامة وله فيه مجاز وليس له فيه شيء، فأراد أن يجوز فيه الماء أو الطريق فلا يفعل ذلك، سواء أذنوا له جميعا أو أذن له بعضهم في ذلك. ومنهم من يقول: إن أذنوا له جميعاً فليجوز فيه الذي أذنوا له فيه؛ ومنهم من يقول: إن أذن له بعضهم فإنَّه يفعل ذلك الذي أذن فيه، ولكن إن نهاه غيره فلينته، وهذا إذا
كان لعامة مقصودة، وأما إن لم تكن مقصودة فلا يفعل ذلك ولو أذن له.
- 1
- 2
أضاف الناسخ: «ظاهر هذا الكلام أنه يجوز له ولو منعه البعض إلا إن منعوه وه جميعا ليقابل الأول، والظاهر أنه إن منعه البعض فلينته كما سيأتي في طريق العام، اللهم إلا أن يقال فرق بين العامة والخاصة فليحرّر».
في العبارة بعض الغموض فهل لفظة: «مقصودة» نعت لـ «عامة»؟ حينئذ لا تكون عامة، وإنما تصبح خاصة بقصدها، أعني بتعيينها؛ أم أن لفظة مقصودة» نعت لـ «الطريق»، والطريق يذكر ويؤنث، وحينئذ يكون المعنى: إذا كان الطريق لعامة وعينتها له فإنه يفعل ما أذنت له فيه، وإن لم تكن طريقًا معينة فلا يفعل. والله أعلم. (1/163)
صفحة 160
وأما طرق الأجر كلها إن كانت بقعتها) له فإنه يفعل فيها ما لا يضر
بالجواز في ذلك الطريق. وكذلك إن أراد بيعها وهبتها فجائز له ذلك، ولكن لا يحدث فيه الذي اشتراها أو دخلت ملكه بمعنى من المعاني ما يضر بالطريق. وأما إن كان الطريق للعامَّةِ، ثُمَّ رجع بعد ذلك إلى الخواص، فإنه يكون حكمه حكم طريق الخواص من جواز حدوث المضرّة عليه وثبوتها ونزعها، وكذلك إن كان الطريق للخواص، ثُمَّ رجع إلى العامة، فحكمه حكم طريق العامة، مما يحدث عليه من المضرات والجواز فيه بالسواقي والطرق وأشباه ذلك. فَأَما ما حدث على طريق الخواص من حدوث حتى ثبت ثُمَّ رجع إلى العامة، فلا يزول ذلك بعد ثبوته. وأما طريق العامة إن حدث عليه شيء حتى مكث مقدار ما يثبت فيه لو كان للخواص، ثُمَّ رجع إلى الخواص، فلا يثبت عليهم إلا إن كان مكث مقدار ما
يثبت فيه بعد ذلك.
وأَما طريق رجل واحد باعه لرجال كثيرة يجوزون عليه بمرة واحدة، أو يجوزون واحدا بعد واحد؟ قال: إن أمكنهم أن يجوزوا فيها جميعا، ولم يضر ذلك بأحد من الناس فجائز؛ وإن كان يضرُّ ذلك بأحد من الناس فلا يجوزوا فيه إلا واحدا بعد واحد.
وَأَمَّا من أعطى لرجل مجاز الماء أو العمارة أن يجوز في داره أو بستانه أو أرضه أو باعه إياه ولا يمكن جواز الساقية أو الطريق في الدار أو البستان إلا بفساده فإنَّه يجوز له ذلك كله، ولو كان الفساد فيما يجوز فيه.
عبارة «إن كانت بقعتها له معناها إن كانت بقعة الطريق لأحر؛ بناء على أن الطريق قد يملك المجاز فيها وحده، أو يملك الجواز والبقعة
عبارة: «لرجال كثيرة يبدو أن عود الوصف المفرد على الجمع جائز إن كان الجمع جمع تكسير، على حد قوله تعالى: مواطن كثيرة ومغانم كثيرة وفواكه كثيرة.
—
- 164 -
1
- 2 (1/164)
صفحة 161
وأَما من جعل لرجل طريقاً إلى شجرة معلومة أو دار معلومة أو بستان معلوم، فزالت تلك الشجرة أو انهدمت الدار أو خرب الجنان، فأراد صاحب الدار أو الجنان أو الشجرة أن يمسك ذلك الطريق ويمر عليه بعد بطلان ما جعل له الطريق
أو أراد أن يحدث مثل الذي بطل من الدار أو الشجرة أو الجنان فليس له ذلك وأَما من قصد بذلك الطريق إلى عمارة موضع معلوم فعمره ثُمَّ زالت عمارته، فأراد ردَّ أمثالها فإنَّه يكون له طريقه كما كان أوّل مرة سواء أرد العمارة التي زالت أو لم يردها.
وأَما من جعل على نفسه طريقاً لرجل في أرضه ففسد الطريق فعلى من يكون إصلاحه؟ قال: إن وهب له الممرَّ فإصلاحه على صاحب الأرض، وإن وهب له بقعة الطريق، فإصلاحه على الموهوب له.
وأما من وهب لرجل طريقاً أو ممرا في أرضه، ولا يمكنه الانتفاع بذلك الموضع إلا بإصلاح ما فيه من الوعر، فإصلاح ذلك على الموهوب له في الوجهين جميعاً، إلا إن كان له عليه طريق ثابت فأعطاه له في الموضع، فإنَّه يدرك عليه إصلاح ذلك الطريق أو الممر، سواء ما أفسد فيه قبل ذلك أو ما أفسد فيه بعد ما أعطاه له.
مسألة: في القناطر
قلت: فرجل كان عليه طريق لعامة من الناس أو خواص، فأراد أن يحدث على ذلك الطريق ساقية أو ممصلاً مِمَّا لا يمكنهم الجواز عليه إلا بالقنطرة؟ قال: لا يجد ذلك؛ ومنهم من يقول: يجوز له ذلك، ويجعل لهم القنطرة، وتكون عليه مؤنة إصلاح ذلك وقتما فسد وليأخذوه به، وإن فسد شيء بسبب ذلك فعليه ضمانه،
-
هذا المنع منه غريب، فما المستند في ذلك؟! قارن هَذَا الحكم بحكم الصورة الواردة بعدها.
- 165 - (1/165)
صفحة 162
وإن ضعفت تلك القنطرة فإنهم يأخذونه بإصلاحها، وكذلك ورثته من بعده، وكذلك من اشترى منه. وأَما إن باع ذلك الجنان الذي يجوز إليه بالقنطرة أو الماءَ الذي جاز على تلك القنطرة، ولم يبع الموضع الذي كانت فيه القنطرة، فإنه يؤخذ بإصلاح ما فسد فيها وإصلاح ما ضعف منها قلت وأما من كان له طريق في أرضه فأعطى لرجل جواز الماء أو الممصل، ولا يمكن الجواز لصاحب الطريق إلا بالقنطرة، فعلى من تكون القنطرة؟ قال: على صاحب المجاز. وأما القنطرة التي جعلها الرجل لنفسه في طريقه فجاز عليها الناس حتى ثبت عليها طريق ثُمَّ انهدمت فإنَّه يؤخذ بإصلاحها، وكذلك كلُّ من كان بعده من وارث أو غيره. وَأَمَّا من كانت له ساقية أو ممصل فطلبوه أن يجعلوا عليه قنطرة، فإنما يكون عمل تلك القنطرة على من يجوز الطريق على الساقية أو الممصل، وأما إن أدركوا في ذلك الموضع قنطرة و لم يعرفوا من عملها، فإنما يؤخذ بعملها أو إصلاحها صاحب الأرض، إلا إن تبيَّن صاحبها أو من عملها في ذلك الموضع. وأما إن لم يعرف صاحب الأرض فلا يأخذوا بإصلاحها أحدًا حَتى يعرفوا من كان عليه عملها. وأَمَّا إن عملها لنفسه ثُمَّ انهدمت بعد ذلك فأرادوا أن يأخذوه بها، فإنه إن لم يكن لأحد في ذلك الموضع محاز إلا هو فإنَّه يؤخذ به، وإن كان من له
(1)
الجواز فيها وهو خاص أو عام فليؤخذ بإصلاحها؛ وإن عملت العامة تلك القنطرة فانهدمت فإنهم يؤخذون بها؛ وإن كان يوصل إلى مال من غاب منهم، فإنه يؤخذ منه ما يعمل، سهمه، وإن لم يكن لهم ذلك فليؤخذ من حضر منهم، ويرجع على أصحابه إن جاؤوا.
وَأَمَّا من كان له طريق على ساقية العامة، ولا يجوز عليها إلا بقنطرة فانهدمت تلك القنطرة، فإنَّما يؤخذ بإصلاحها صاحب الطريق، إلا إن عرف أنه إنما
- 1
أضاف الناسخ: «جوابه لا يؤخذ به ... » مصححا للعبارة.
- 166 - (1/166)
صفحة 163
يصلحها قبل ذلك العامة. وأما القنطرة التي عملت بمعني معلوم فانهدمت، فليؤخذ بإصلاحها كما كانت قبل ذلك، وإن أصلحها بغير الذي بنيت به أوَّل
(2)
وَهُوَ دونه فإنَّهم يأخذونه أن يردها كما كانت قبل هدمها، وإن عملها أقل من الأولى فليأخذه أصحاب الطريق بزيادتها حتى تكون على حالها الأول، وإن عملها أوسع من عادتها الأولى فإنَّه إن كانت الأرض له فلا يؤخذ بها، وتبقى على حالها، وإن كانت لغير الذي أصلح القنطرة فليأخذه صاحب الأرض بنزع ما أحدث عليه، وكذلك صاحب الذي جازت عليه فإنه يأخذه بنزع الذي زاد في
(3)
القنطرة؛ وإن انتهت إلى موضع لا يحتاج إلى القنطرة من أجل أنها قد دفنت
(4)
أو رفعوا عنها الماء حتى صارت مثل الفحص فلا يؤخذ من كان عليه
عمل هذه القنطرة قبل هذا بإصلاحها.
2
3
وأما إن انخرقت تلك الساقية أو الممصل، حتى لا يمكن أن تكون عليها القنطرة، فإنَّه إن كان لا يوصل إلى عملها حتى تكون على حالها الأول فلا
- 1
عبارة: «وأما القنطرة التي عملت بمعنى معلوم معناها والله أعلم: عملت لغرض معين
وبشكل معين، فليؤخذ بإصلاحها كما كانت. قوله: «وإن أصلحها بغير الذي بنيت به أوّل مرة وهو دونه معناها: إن أصلحها مثلاً بالطين وقد بنيت بالجبس، أخذوه أن يبنيها بما بنيت به أوّل مرة، والطين دون الجبس في القيمة
والمتانة، ومفهوم هذا أنَّه إن بناها بأحسن وأمتن فلا بأس، بل هو مأجور على ذلك. قوله: «صاحب الذي حازت عليه لعل فيه سقط لفظة الممصل أو المجاز، فتكون العبارة كالتالي: «وكذلك صاحب الممصل الذي جازت عليه، وهو أوفق للمعنى، وقد ورد تعليق بهذا المعنى في الهامش.
قوله: «حتى صارت مثل الفحص». الفحص: هو كلُّ موضع يُسْكَن، كما أفاد صاحب القاموس غير أن العبارة هنا غير واضحة، ولعل الكلمة مأخوذة من المفحص كما ورد في الحديث: « ... مفحص قطاة»، وهي كناية عن انخفاضها عن مستوى الماء بأن صارت كالمفحص. والله أعلم. مراد صاحب الكتاب. (1/167)
صفحة 164
يؤخذ بها، ويجوزون عليها كيفما تيسر لهم؛ وإن كان يوصل إلى عملها فليؤخذ بها من كان عليه عملها؛ وإن كان لا يوصل إليها في هذا الوقت وَهُوَ يصل إليه بعد ذلك في الوقت الذي لا يوصل إلى عملها فلا يؤخذ بها حتى يجيء وقت الذي يمكنه فيه عملها فيؤخذ بها.
وَأَمَّا إن كان لا يمكن عملها على كل حال، فليجوزوا كما تيسر لهم؛ وإن لم يمكنهم الجواز فيها فليجوزوا فوق ذلك الموضع؛ وإن لم يمكنهم الجواز فوق ذلك، فليجوزوا تحت موضع القنطرة. وإن كان إنَّما يؤخذ بعمارة القنطرة صاحب
(1) ,
الأرض فليؤخذ بها الآن، وإن كان إنَّما يؤخذ بها غيره، فلا يؤخذ بها.
(3)
وَأَمَّا إن لم تكن القنطرة على الساقية أو الممصل فأراد أصحاب الطريق أن يجعلوا عليها قنطرة، فلا يجدون ذلك إلا بإذن صاحب الساقية أو الممصل. ومنهم من يقول: إن لم يضر ذلك بالساقية أو الممصل فليفعلوه بغير إذن صاحب الساقية الله فيما بينهم وبين ويمنعهم صاحب الساقية في الحكم. ومنهم من يقول: إن لم تكن مضرّة في عملها لا يمنعهم ولو في الحكم. ومنهم من يقول: إن لم يكن الجواز على حال إلا بالقنطرة فإنهم يجعلونها، ضرَّ ذلك بالساقية أو لم يضر بها إن كان ينتفع بالساقية أو الممصل، ولا يبطلونها أصلاً.
2
- 3
أضاف الناسخ: «هذا تفصيل لقوله: "إن كان يوصل إلى عملها فليؤخذ بعملها». قوله: «فليؤخذ بها الآن معناه أنّه يؤخذ بها صاحب الأرض من غير إمهال، غير أنه لا يفهم معنى التفرقة بين صاحب القنطرة وصاحب الأرض في حال تعذر إصلاحها. «وأما إن لم تكن القنطرة على الساقية»: القنطرة هي الجسر وما ارتفع من البنيان، كما في القاموس، غير أنها هنا حسب العبارة قد تكون ممرا مرتفعًا للطريق أو للساقية، بمعنى أن الطريق هو الذي يمر فوق القنطرة وتحت القنطرة ساقية، وقد ترفع القنطرة بمرور ساقية عليها والطريق تمر تحت القنطرة، وتوجد هذه الأنواع في بعض واحاتنا.
- 168 - (1/168)
صفحة 165
وأَمَّا إن كانت قنطرة ثُمَّ أرادوا أن ينزعوها فإنهم إن لم يضرُّوا بصاحب
الساقية أو الممصل فلينزعوها ويجوزوا كذلك؛ وإن منعهم صاحب الساقية أو الممصل وأخذهم بعمل القنطرة فإنَّه يدركه عليهم، إلا إن لم يمكن لهم عملها أو لم يكن له في زوالها مضرَّةٌ فلا يؤخذ بها. وأَما إن كانوا يجوزون على الساقية أو الممصل وعليها قنطرة فوجدوا تلك القنطرة قد زالت إن كان يجوز لهم أن يجوزوا في تلك الساقية أو الممصل؟ قال: فلا بأس عليهم في ذلك، إلا إن كانت فيه مضرة بهدم الساقية أو قطع الماء فلا يجوزوا فيها على الفساد ومنهم من يقول: حيث كان لهم الجواز فيها فإنهم يجوزون كما تيسر لهم، ولا يقصدون في جوازهم المضرة والفساد.
1
قلت: وأَما من عرف قنطرة لأناس يجوزون عليها حتى ثبت عليها طريق، ثُمَّ وجدها بعد ذلك مهدومة فهل يجوز له أن يصلحها ويعملها؟ قال: نعم. قلت: فما حكمه إن وجد في ذلك الموضع ما يصلحها به من الخشب أو غيره من الحجارة؟ قال: كلُّ ما عُرف أنه من تلك القنطرة فليصلحها به، وإن لم يعرف أكان ذلك
(1)
•
من القنطرة أم من غيرها فلا يصلحها به ومنهم من يقول: إن لم يسترب ذلك أنه لغيرها فليصلحها به، وكذلك القنطرة إن عرفوها لرجل معروف وسواء أكانت تلك القنطرة لصاحب الأرض أو لصاحب الساقية أو الممصل أو لصاحب الطريق فإنهم يصلحونها بما وجدوا من ذلك في موضعها؛ وإن وجدوها ضعيفة فإنهم ينزعونها ويصلحونها كما كانت أولاً، وليس عليهم فيما أفسدوا في وقت نزعهم شيء، وينزعونها إذا لم يقدروا على ردّها حين خافوا على من تقع به، فإن تيسر لهم عملها فليعملوها؛ وإن لم يتيسر لهم عملها تركوها على حالها، وليس عليهم فيما أفسدوا فيها شيء.
قوله: «إن لم يسترب ذلك أنَّه لغيرها» يريد: إن لم يسترب ذلك بأن ظنه لغيرها فليصلحها به. ولو قال: «إن لم يظُنُّ ذلك لغيرها» لكان أوفق.
- 169 – (1/169)
صفحة 166
باب في طرق الدور
والدار إنما يكون لها طريق واحد إذا لم يكن لها إلا باب واحد. وإن كان لها بابان أو أكثر من ذلك، فلها لِكُلِّ باب طريق. وهذا إذا كانت منفردة وحدها في المنزل فيكون لها طريق مِمَّا يقابل بابها حتى يلاقي طريق العامة. وإن لم يكن طريق العامة فلها ما لا تستغني عنه في واحد من الطرق إلى السوق والمسجد والماء وما أشبه ذلك. وكذلك الغار والبيت المنفرد أيضًا. وكذلك الداران والثلاثة إذا كانتا في موضع واحد وقد التزقتا فهما بمنزلة الدار الواحدة في هذا، ويكون لها طرقها كلّها مِمَّا يقابل أبوابها، ولا يحدثوا أبوابا غير أبوابها الأولى إذا كان ذلك في أرض غيرها؛ وكذلك الطرق لا يحدثونها أيضاً.
والأزقة على ثلاثة أوجه: منها الشارع الذي يسلكه العامة، ومنها السكة (1) النافذة
-
تكون لقوم مخصوصين، ومنها سكة غير نافذة تكون للعامة، وتكون للخواص. فهذا الشارع من كانت له فيه دار فيكون له الجواز على ذلك الشارع بنفسه وعياله ومواشيه وجميع منافعه، وكذلك من لم يكن له فيه دار - مسافراً كان أو من أهل المنزل ـ يجوز له السلوك فيه بجميع ما لا يضر به أهل الدور، ولا يمنع الجواز فيه، ولو كانت فيه مضرة مِمَّا لا بد به لهم إليه، مثل بعضا. من نقل الحجارة أو الماء وما أشبه ذلك للعمارة، ويجوز لهم أن يحدثوا إليه أبواباً لم
1
بعضهم
- 2
- 3
(2)
والسكة السطر المصطف من الشجر والنخيل، ومنه الحديث المأثور: "خير المال سكة مأبورة، ومُهرة مأمورة ... والسكة الزقاق، وَقِيلَ: إنَّمَا سُمِّيَت الأزقة سككا لاصطفاف الدور فيها كطرائق النحل». ثم يقول: «والسكة أوسع من الزقاق، سُمِّيَت بِذَلِكَ لاصطفاف الدور فيها على التشبيه بالسكة من النخل والسكة الطريق المستوي، وبه سميت سكك البريد». ابن منظور: لسان العرب، مادة «سكك».
قوله: «لابد به لهم إليه» معناه: لابد لهم منه.
قوله: «أن يحدثوا إليه أبواباً» معناه: أن يحدثوا أبوابا نافذة إليه. (1/170)
صفحة 167
(1)
تكن قبل ذلك ويقلعوا أبوابها الأولى إن أرادوا وهذا إذا لم يقابلوا بأبوابها المحدثة أبواب الدور القديمة من الناحية الأخرى من الشارع أو ما لا يستغنون عنه من المنافع يستقبلونهم به أيضا، سواء كانت تلك الأبواب قديمة أو محدثة إذا سبقوهم (2) فلا يجدون أن يحدثوا عليهم شيئًا من ذلك. ومنهم من يقول: لا يمنعوهم إلا إن كانت أبوابها غير محدثة. ومنهم من يقول: لا يمنعوهم من تحويل أبوابهم قديمة كانت أبوابهم أو محدثة
(3)
(4)
أما السكة النافذة التي للخواص، فليس يجد أحد منهم أن يحدث على أصحابه شيئًا مِمَّا لم يتفقوا عليه قبل ذلك، لأنَّ هذه السكة بينهم مشتركة، فمن أحدث فيها ما لم يكن قبل ذلك ولم يتفقوا عليه فلهم أن يمنعوه، أو من أحدث منهم المضرة فإنَّه يمنعه من اشترك معه في الحائط، ويمنعه أيضًا من قابله من السكة ومن لم يقابله، سواء من كان فوقه ومن كان تحته مِمَّن له الجواز. وأما من لم يكن له عليه الجواز فلا يمنعه. وهذا إذا كانت أرض السكة لهم وهي بينهم مشتركة؛ وكذلك أيضًا إذا كانت لغيرهم وقد ثبت لهم فيها المجاز، فإنه يمنع بعضهم بعضا مِمَّا ذكرنا. وَأَمَّا إن كانت السكة لغيرهم، وقد أذن لهم فيها صاحبها فلا يمنع بعضهم بعضا، مِمَّا أراد أن يحدثه فيه
- 1
- 2
- 3
- 5
(5)
قوله: «أو ما لا يستغنون عنه من المنافع يستقبلونهم به مراده والله أعلم لما كان لا يجوز أن يستقبلوا بأبوابهم المحدثة أبواب الدور المقابلة، كذلك لا يجوز لهم أن يستقبلوهم بكُلِّ ما
يحدثونه مِمَّا لا غنى لهم عنه مثل النوافذ والميازيب.
وقوله: «إذا سبقوهم» معناه: أنَّ للسابق حَقٌّ منع اللاحق من مقابلة بابه بشيء. وقوله: «إلا إن كانت أبوابها غير محدثة مراده والله أعلم: لا يجوز له منعه. إطلاقاً إلا إن كانت أبوابه قديمة ليتأمل.
وقوله: «لا يمنعوهم ... » إلخ، معناه: لا يمنع السابقون من لحقهم من تحويل أبوابهم، سواء أكانت أبواب السابقين قديمة أو محدثة. والله أعلم.
قوله: «فلا يمنع بعضهم بعضًا مِمَّا أراد أن يحدثه فيه». يبدو أنه ليس على إطلاقه ولكن يقيد بعدم الإضرار لقوله (ص): «لا ضرر ولا ضرار».
- 171 - (1/171)
صفحة 168
وأَما السكة غير النافذة فإن كانت للخواص، فإنَّ بعضهم يمنع بعضا من إحداث ما لم يكن قبل ذلك من باب دار لم يكن قبل ذلك، ويمنع منهم من كان على باب السكة من كان في آخرها، ويمنع من كان في آخرها من كان على بابها. وَأَمَّا إن كانت للعامة، فهي مثل الشارع؛ وما كان منها للخاصة فليمنع بعضهم بعضاً. وإن نفذت السكة بعد ما كانت غير نافذة فحكمها حكم الشارع إذا كانت للعامة؛ وَأَمَّا إن كانت للخواص، فهي أيضا على ما ذكرنا في السكة النافذة قبل هذا سواء في هذا الذي ذكرنا الدور والبيوت والحوانيت والفنادق والبساتين، وجميع ما يدور بهم حائط، الجواب في هذا كله كالجواب في الدور؛ وكذلك الزروب أيضًا على هذا الحال ويمنعون من أراد تسقيفها فيحدث فيها غرفة أو غير ذلك مِمَّا يضرهم سواء في ذلك الشارع أو غيره من السكك وسواء أكان للعامة أو الخاصةِ، إلا ما اتفق عليه الخواص أن يحدثوه في سكتهم، أو ما أدركوه مِمَّا قد كان قبل ذلك.
(2)
(1)
وكذلك إن أرادوا أن يحدثوا عليها الأجنة، فلا يجدون ذلك في هذا كله. وأما إن كانت الأجنة قبل ذلك فانهدمت) ثُمَّ أرادوا ردَّها فلهم ذلك، وكذلك الغرفة على هذا الحال ويمنع من أراد أن يحدث فيه مستراحاً لم يكن قبل ذلك.
(3)
(4)
وأما ما كان من قبل ذلك فلا يجدون منعه. وإن انهدم ثُمَّ أراد صاحبه رده فله ذلك، إلا إن أحدث في ذلك الموضع عمارة تبطله، وكذلك مواضع كُنَاستِهِم أيضا على هذا الحال. ومن أراد أن يفتح إلى هذه السكة بابا قد كان من قبل ذلك
1
2
3
-
الفنادق: قال في المنجد الخان محل نزول المسافرين ويسمى الفندق (فارسية). قوله: «فانهدمت .. » ذلك بأن كثيرًا منها يعمر على سفوح الجبال أو على شواطئ الأودية العميقة حيث تبنى لها مصاطب (مدارج) فتكون عرضة للانهدام من حين لآخر. مستراحا: هو بيت الخلاء في لغة العامة، ولعله المقصود من العبارة.
قوله: «وكذلك مواضع كُنَاستِهِم» - بضم الكاف ـ هو القمامة (القاموس).
-
- 172 - (1/172)
صفحة 169
فله ذلك، ويمنع من أراد أن يتخذ في هذه الأزقة مربطًا لدابته، إلا إن ثبت له قبل ذلك، وأَما ما لا بد له منه مثل من أراد أن يحمل على جمله، أو يحط عنه، أو يضع غرارته، أو يبرك جمله أو يوقف دابته إلى حملها قدام داره، فلا يُمنع من هَذَا، وكذلك خروج المضار من داره وإدخال منافعه فيها مِمَّا لا بدَّ منه؛ وسواء في هذا أكانت السكة واسعة أم ضيّقة، إلا ما كان مثل الرحبة، إذا كان مجازها متسعا فلا يمنع بعضهم من حدوث الأبواب فيها والعمارة، إلا ما ظهرت فيه مضرة جيرانه، وهذا إذا كانت الأرض له؛ وكذلك أهل القصر.
وأَمَّا تطويل الحيطان لأهل السكك فلا يمنع بعضهم بعضا منها، إلا إن كان فيها ميلان على جيرانه، أو يتخوف وقوعه، أو جعل عليهم الظل، فإنهم يمنعونه. وَأَمَّا توسيع البنيان، فإنَّهم يمنعونه كلهم إذا بنى في سكتهم، سواء أكانت واسعة أكثر من قياس السكة أو كان فيها موضع ركين، فأراد أحدهم أن يبني فيه، فإنَّهم
يمنعونه من
ذلك.
قلت: فهذه السكة إذا كانت كلها لرجل واحد إلا دارًا واحدة أو بيتا واحدًا لرجل آخر كان على باب الزنقة أو كان في آخرها إن كان يمنع بعضهم بعضا؟ قال: نعم، هي على جواب ما كان قبلها.
قلت: فإن كان في حائط أحدهم أثر، باب فأراد صاحبه أن يفتحه فمنعه أصحابه؟ قال: لا يجدون منعه؛ ومنهم من يقول: يمنعونه. وأما إن كان أثر الباب و لم يغلق إلا بما خالف الحائط، فلا يمنعونه ومنهم من يقول: إن لم يعرفوه يدخل ويخرج منه قبل ذلك فإنهم يمنعونه.
-
«الزنقة»، قال في اللسان: «الزنقة، وَهُوَ ميل في جدار في سكة، أو عرقوب وادٍ، وفي حديث عثمان: مَن يشتري هَذِهِ الزنقة ويزيدها في المسجد؟»، ثم قال: «والزنقة: السكة الضيقة ... ». أقول: والمعنى الأخير أشهر على لسان الناس.
- 173 - (1/173)
صفحة 170
قلت: فإن انهدمت ثلمة من دار أحدهم إلى هذه الزنقة، فأراد أن يتخذها باباً لداره فمنعه أصحابه؟ قال: إن عرفوا أنه يدخل ويخرج منها حتى ثبت له ذلك فلا يمنعوه؛ وإن لم يثبت فإنهم يمنعونه ومنهم من يقول: يمنعونه في الوجهين جميعا. قلت: وأما إن انهدم حائط من حيطان تلك الزنقة فتقدَّموا إلى صاحبه أن يبنيه فأبى؟ قال: يجبر على ذلك. وأما إن رجعت هذه الزنقة كلّها إلى رجل واحد فإنه يفعل ما شاء؛ وإن كانت أولاً لرجل واحد، ثُمَّ ورثها منه قوم آخرون أو دخلت ملكهم بمعنى من المعاني، فإنَّه يمنع بعضهم بعضا من إحداث ما لم يدركوه فيها. وإن أذنوا لواحد منهم أن يحدث فيها شيئًا لم يكن ثُمَّ أرادوا منعه قبل أن يحدثه، فلا يجدون ذلك؛ ومنهم من يقول: يمنعونه. وإن أحدث ذلك الذي أذنوا له فيه ولم يثبت عليهم فلا يمنعونه؛ ومنهم من يقول: يمنعونه ما لم يثبت عليهم ذلك، وأَما إن أعطوا له ذلك أو باعوه له، أو دخل ملكه بغير ذلك فلا يمنعوه.
(1)
وإن زالت ناحية واحدة من تلك الزنقة حَتّى حُريت وذهبت ولم تُعمر، فلا يمنع بعض أصحاب الناحية الأخرى بعضًا من حدوث ما أراد من ذلك، ويأخذ بعض أصحاب الزنقة بعضاً على بنيان ما انهدم من حيطانهم. وكذلك إن انهدمت حيطانهم كلها فإنه يأخذ بعضهم بعضا على بنيانها. وإن اشتركوا في الحيطان فإنهم يؤخذون أن يبنوها كما اشتركوا وأَما إن لم يشتركوا فإنَّ كلَّ واحد منهم يؤخذ على بنيان حائطه. وإن انهدمت حيطانهم كلها واندرست حتى لا يفرز دورهم ولا ما كان لكلِّ واحد منهم فلا يبنون إلا باتفاقهم، وكذلك كل من
اختلطت دورهم على هذا الحال.
- 1
توضيح الصورة المذكورة كالتالي: 1) إن أذنوا له في إحداث شيء ثُمَّ بدا لهم منعه من قبل الشروع فيه فليس لهم ذلك؛ وقيل: لهم ذلك. (2) وإن أذنوا له فيه وشرع بالفعل في إحداثه فليس لهم منعه؛ وقيل: لهم منعه ولو تم إذا لم تمض عَلَيْهِ المدة التي يثبت حقه فيها.
- 174 - (1/174)
صفحة 171
وأما إن كانت دورهم بينة، ولكن لا يعرفون أبوابها فإنهم يبنون دورهم، ولا يجعلون لها أبوبا حتى يتبيَّن لهم موضع أبوابها أو يتفقوا عليها؛ ومنهم من يقول: يجعلون لكلّ دار بابًا واحدًا، وإن كانت فيها دورٌ لها بابان فليجعلوهما
لها، وإن شهد بعضهم على موضع باب دار فشهادتهم جائزة. وأما شهادتهم على تبرئته من الباب فلا تجوز.
(1)
وإن كان في أصحاب هذه الزنقة التي ليست بنافذة من أراد أن يحدث باباً لداره ريغلق بابه الأوَّل فلا يجد ذلك. وإن أراد أن يحدث باباً آخر لداره فيدخل منه ويخرج من الزنقة، أو يدخل من الزنقة فيخرج من الباب؟ قال: فإن كان إنما يقصد في ذلك إلى دخول داره فلا يمنع من ذلك؛ وأَما إن كان إنَّما يريد أن يتخذ من ذلك طريقا إلى الزنقة فإنَّه يمنع من ذلك (2).
(3)
ومن أراد منهم أن يزيد بيتا آخر إلى داره فلا يمنعوه من ذلك، ولكن يمنعونه من الجواز في سكتهم إلى ذلك البيت، ويمنعونه أيضًا من الجواز من بيته إلى السكة. وَأَما إن أراد أن يزيد في داره بيوتاً لم تكن قبل هذا ويعمرها كلها، فأرادوا من ذلك فلا يدركونه عليه، ولو عَمَر تلك البيوت غيره من الناس. وأما أن يجعلها فندقا للمسافرين، أو يجعلها حوانيت أو رحى، أو حماما أو معصرة، فإنهم
منعه
- 1
2
3
1
تكررت لفظة التبرئة في مواضع، سابقة، وهي هنا وفيما سبقها بمعنى المنع، والله أعلم. هذا الكلام مبني كما تقدَّم في مواضع أخرى على التفرقة بين ملكية حق الجواز وبين ملكية الطريق. ثُمَّ إِنَّ الزنقة حسب ما يفهم غير نافذة، وفي اتخاذه طريقا ينفذ منها إلى السكة
تحويل لها من زنقة غير نافذة إلى زنقة نافذة، وفي ذلك من الإضرار بأهلها ما لا يخفى. عبارة: «إن أراد أن يزيد في داره بيوتاً مراده بها والله أعلم: أن يزيد في داره غرفا ومساكن، لأن الدار عند بعضهم بمثابة ما يدعى في بعض الجهات بالحوش الذي تترك في وسطه ساحة واسعة تفتح إليها من كل الجهات أبواب المساكن المختلفة التي سماها هنا بالبيوت. وقد رأيت في جزيرة جربة هذا النمط؛ فالبيت عندهم مسكن كامل بكل مرافقه للصيف والشتاء، وينفتح بابه على الساحة في وسط المنزل الكبير.
12
- 175 – (1/175)
صفحة 172
أن
يمنعونه من ذلك؛ وكذلك كلّ ما يكون فيه مجمع الناس في تلك الدار فإنه يمنعونه منه، وكذلك هو إن أراد أن يتخذ مكاناً يجلس فيه قدام داره، أو مكاناً يرقد فيه في السكة فإنَّهم يمنعونه. وأما وضع كلّ ما يحتاجون إليه في تلك السكة، مثل الحجارة والتراب والطين والغلال في وقت حاجتهم إلى ذلك، إذا أراد أحدهم يبني فيها شيئًا فلا يمنعونه من ذلك. وأما إن أراد أن يعمرها بالأشجار والحرث وغير ذلك في كل ما تكون فيه المضرّة فإنَّهم يمنعونه، سواء أرد طريقه إلى السكة أو رده إلى الفحص ومنهم من يقول: إن ردَّه إلى الفحص فلا يمنعوه من ذلك، إلا إن كانت فيه مضرة عليهم من تلك العمارة، مثل ظلل الأشجار أو نداوة الحيطان أو ما أشبه ذلك مِمَّا تكون فيه المضرة؛ وإن أذن له من كان بجواره من الناس ومنعه غيره من أصحاب السكة مِمَّا يحدث من المضرات كلها فكل مضرة لا تصل إلا إلى من جاوره مثل الأشجار وقد أذن له فيها فلا بأس عليه؛ وأَما مضرة تصل إلى أصحاب السكة كلّهم فإنَّهم يمنعونه؛ وكذلك من قابل سكتهم من العمارة فإنهم يمنعونه إذا كان لهم جواز في ذلك الموضع أو تصل إليهم مضرة ظلها أو نداوتها.
(1)
وأما إن أراد أن يهدم داره كلّها فإنهم يمنعونه من ذلك. وأما إن أراد أن يهدم ما كان خارجا من السكة من حيطانها ولا تصل المضرة بذلك إلى الحائط الذي يلي السكة فلا يمنعونه من ذلك؛ ومنهم من يقول: إن كانت المضرة تصل بذلك إلى الحائط الذي يلي السكة فإنَّهم يمنعونه، وأَما إن كانت المضرة تصل من ذلك إلى السكة فإنَّهم يمنعونه؛ ومنهم من يقول: يمنعونه ولو لم تصل المضرة
-
1
- 2
- 3
(3)
«نداوة الحيطان»: قال في المنجد: «نَدِيَ بَنْدَى نَدًى ونَدَاوَةٌ وندوة الشيءُ: ابتل». أضاف الناسخ: لعلّ ”من“ بمعنى الباء، أي بالعمارة أو النسخة [كذا] ”ما قابل“ دون ”من“ فيكون من العمارة" بيان له».
أضاف الناسخ: «في بعض النسخ سقط من قوله: "فلا يمنعونه ... » إلى قوله: "وإن كانت المضرة وهو الظاهر وعليه فلا إشكال».
- 176 - (1/176)
صفحة 173
إلى السكة. وإن ترك واحد من أهل السكة داره ولم يعمرها فاستمسك به أهل السكة أن يعمر داره لئلا تصل إليهم المضرة من تلك الدار مثل السراق، أو خافوا أن تنهدم حيطانها من أجل الخراب فلا يدركون عليه عمارتها. وإن نزع بابها وتركها مفتوحة فلا يدركون عليه أن يردَّ الباب إلا إن دخلت إليهم منها المضرة. وأما إن خرجت في دار أحدهم عين أو بئر، فأراد أن يعمر عليهما فلا يصيب العمارة لهما من السكة، وَأَمَّا أن يعمرهما من غير السكة فلا بأس، وهذا إذا كانت العين أو البئر محدثة، وأما إن كانت قديمة فليعمرها من الموضع الذي يعمر بها قبل ذلك.
وأما عمارة كانت فيها مضرة لأهل السكة فقد ذكرناها بدءًا؛ وأَما إن أراد أن يتخذ داره مقبرة، فإنَّه إن كان إنَّما أعطاها للعامة أن يتخذوها مقبرة، فلا يجدون أن يتخذوا إليها طريقاً من تلك السكة؛ وإن وجدوا موضعا يتخذون منه الطريق من غير تلك السكة فليفعلوا؛ وإن لم يجدوا صارت معطلة؛ وإن أتخذها لنفسه مقبرة خاصة فلا بأس. وكذلك إن أعطاها للخواص أن يتخذوها مقبرة، فإنهم يقبرون فيها، ولا يدخلون فيها بالجنازة من تلك السكة. وأما إن أعطاها للمساكين أو للمسجد أو لوجه من وجوه الأجر فليجز إليها المساكين، أو قائم المسجد، أو من يصلّي فيه، كما لا يضرُّ بأهل السكة. وأما إن خرج في الدار طريق العامة هو قديم فلا يمنعونه، وليجز إلى موضعه الذي عرف فيه. وكذلك طريق الخواص إن عرف فيها قبل ذلك إن لم يقعدوا له؛ وأَما طريق العامة فلا يقعدون له، وهذا في السكة التي ليست بنافذة.
-
1
- 2
- 3
-
4
(3)
(2) تلك
لا يدخلون بالجنازة من تلك السكة وإنما يدخلون من الباب الذي يفتح على الشارع من
الجهة الأخرى. هكذا يفهم من السياق.
في نسخة (ت): «من» عوض «في». وظاهر أنه يفيد معنى مغايراً. «إن عرف فيها»: الضمير يرجع على الطريق، وقد تقدم أنها تؤنث وتذكر.
«إن لم يقعدوا له» بمعنى: إن لم يمنعوه.
- 177 - (1/177)
صفحة 174
:باب في زقاق الشارع)
وزقاق الشارع على وجهين منه ما يكون الناس كلهم فيه سواء لا من أهل
(2)
المنزل ولا من غيرهم من سائر الناس، ولا يمنع منه أحد من جميع الناس. ومن أحدث فيه مضرة، فإنَّ جميع من استمسك به من الناس يدرك نزعه من قريب أو بعيد، سواء هذا الطريق الشارع أكان حكمه في المنزل أو خارجاً من المنزل (3) وأما الشارع الذي هو لعامَّة أهل المنزل دون غيرهم من الناس، فإنهم يمنعون من يجوز فيه من غيرهم ولا يتمانعون فيما بينهم من الجواز فيه ويدرك كل واحد منهم نزع المضرة على من أحدثها عليه، وأما غيرهم من الناس فلا يدركون نزع ما جُعِل في هذا الشارع من المضرة ووكلاء أهل هذا الشارع وأجزاؤهم وعبد هم وعبيدهم مثلهم في الجواز عليه، والأخذ على نزع المضرة منه، وكل من دخل في ذلك المنزل بالشراء أو بالهبة أو بدخول الملك فهو مثلهم سواء من دخل المنزل دون العمارة أو من دخل في العمارة دون المنزل أو من دخل فيهما جميعاً. وكذلك أرض يكون لها الجواز في ذلك الشارع عمرت أو لم تعمر فهي مثل ما ذكرنا، وإنما يمنع أهل الشارع من يدخل إليهم المنزل قبل أن يدخله فإن لم يمنعوه حتى دخله فلا يمنعوه من الجواز في الشارع إلى الخروج منه.
،
زقاق الشارع»: قد يكون معناه: - بالجمع بين معنى الكلمتين: الطريق الضيق الذي
يسلكه. جميع الناس.
صواب هذه العبارة: «أهل المنزل أو غيرهم من سائر الناس». قوله: «في المنزل أو خارجاً» مراده والله أعلم سواء أكان داخل المنزل أي الربع أو
الحي أو خارجه.
قوله: «من دخل المنزل دون العمارة ... إلى آخره مراده والله أعلم: أن يكون مالكاً في ذلك المنزل دون العمارة التابعة له، أو يكون مالكاً في العمارة التابعة للمنزل دون أن يملك في المنزل، أو يكون مالكًا فيهما معا. والمراد بالعمارة حسب سياقها في أكثر من موضع: أرض الغراسة والحرث. والله أعلم.
- 178 -
- 1
- 2
- 3 (1/178)
صفحة 175
وأما إن منع بعضهم من يجوز في ذلك الشارع من الناس دون بعضهم فمنعهم
جائز؛ وَأَمَّا إن أذن بعضهم لمن يجوز فيه دون بعض فلا يجوز إذنهم؛ ومنهم من يقول: إن كان الشارع مشاعاً فيما بينهم، فجائز إذن بعضهم دون بعض؛ وإن كانت بقعة الشارع لغيره من الناس أو لبعضهم دون بعض فأذن من ليس له في
(1)
تلك البقعة شيء لمن يجوز فيه فلا يجوز، بإذنه، وإن أذن من له البقعة لمن يجوز فيه الله. فإنَّ أصحاب الشارع يمنعونه في الحكم وليس عليهم شيء فيما بينهم وبين ا قلت: أخبرني عن صاحب البقعة ماذا يجوز له في هذا؟ قال: إن كان هو من أهل المنزل جاز له الجواز فيه كما يجوز لأهل المنزل، وإن كان من غير أهل المنزل فهو مثل غيره من الناس سواء في ذلك أدخل في البقعة من بعد ما ثبت الجواز أو قبل أن يثبت ويجوز له أن يكنس منها التراب لحاجته ما لم يضر بالطريق؛ وإن بدل أهل المنزل ما كان له في ذلك المنزل، أو بدل أهل ذلك المنزل كلهم منزلهم بمنزل آخر فإنَّ الشارع يكون للداخلين كما كان للأولين، وصار الأولون الذين خرجوا منه كغيرهم من الناس في الجواز عليه.
وأَما إن أراد بعضهم أو أرادوا كلهم أن يعطوا في ذلك الشارع مجازاً لغيرهم، فإنَّ عطية بعضهم دون بعض لا تجوز، وَأَمَّا عطية العامة فهي جائزة إن تبين ما لكل واحد منهم في هذا الشارع. وهذا إذا كانت البقعة لأصحاب الشارع؛ وأما إن كانت لغيرهم فلا تجوز له عطية إلا باتفاق مع صاحبها، وإن أتفق
- 3
(3)
هذا الكلام مبني على أنه قد يملك شخص الجواز في الشارع دون البقعة، وقد يملك البقعة، وقد تقدم مثل هذا.
فإن أصحاب الشارع يمنعونهم في الحكم - ولو لم تكن بقعة الشارع من ملكهم ـ بسبب ما ينجر عليهم من ضررٍ من بعض، ولهذا كان من حقهم أن يأذنوا أو لا يأذنوا بالجواز لمن شاؤوا. ليحرر.
في نسخة (ت): «المشاع» عوض «الشارع».
- 179 - (1/179)
صفحة 176
بعضهم معه دون بعض فلا يجوز؛ وإن لم يتبيَّن ما لكل واحد منهم في ذلك الشارع فأعطوا منه الجواز فيه لغيره ففيه قولان.
وأَما إن أراد صاحب بقعة الشارع أن يعمر جوانب طريق الشارع فلا يمنعوه من كل عمارة أراد أن يعمرها في ذلك إلا ما تصل منه المضرة إلى الشارع مثل إن
(1)
عمر بالماء جوانب الطريق فنشع الماء على الطريق فينزلق فيه من مرَّ عليه.
وَأَما إن منعوه من غرس الأشجار على جوانب الطريق من أجل ما يلحق الشارع من غصونها أو عروقها فلا يمنعوه من ذلك ما لم تصل مضرته إلى الطريق، فإذا وصلت فليأخذوه بنزعها؛ وكذلك وارثه بعده على هذا الحال؛ وكذلك ورثة أصحاب الشارع مثلهم في المنع والنزع.
وإن لم يحضر صاحب المضرة فكل من قام من تلك العمارة ينزعها باتفاق العامة أو بغير اتفاقهم.
وأَما ما جعل من المضرة على طريق الخواص فلا ينزعوه بأنفسهم إذا لم يحضر من جعلها؛ وأَما الحاكم أو جماعة المسلمين فإنَّهم ينزعون ما جعل من المضرة على طريق الشارع، سواء أكان الحاكم أو جماعة المسلمين من أهل الشارع أو غيرهم إذا كان الشارع لِلعَامَّةِ. وَأَمَّا طريق الخواص فلا ينزعه الحاكم أو الجماعة إذا كانوا منهم. وإن كانوا من غيرهم ففيها قولان وكل ما نزعه الحاكم أو الجماعة من تلك المضرات فلا يدرك الحاكم أو الجماعة عناء نزعهم على من أحدثها. وأما ما نزعته العامة بأنفسهم فإنَّهم يدركون عناء نزعهم على من
1
-
قوله: «فنشع الماء» لعل المراد: نتع - بالثاء المثلثة لا بالشين ـ أو نتع - بالتاء المثناة ـ قال في المنجد: «نتع، ينتع، ينتع، نتوعاً الدم من الجرح أو الماء من العين خرج قليلاً قليلاً» انتهى. وهذا أوفق بالسياق. وكذا لو قال: نشع لم يبعد. قال في المنجد: «نشع، أنشع: قاء كثيراً، والقيء أو الدم: خرج».
- 180 - (1/180)
صفحة 177
جعلها، سواء أنزعوه بأنفسهم أو استأجروا من ينزعه. ومنهم من يقول في الخاص: ينزع المضرة إذا حدثت عليه بنفسه، ويدرك عناء نزعه على من أحدثها. والمضرة إذا حدثت على طريق الخاص ولم تثبت عليه إلا بعد ما صارت طريقاً للعامة فإنَّ العامة تنزع تلك المضرّة بأنفسها أو بغيرها. وأما المضرة إذا كانت على طريق العامة ولم ينزعوها إلا بعدما صار ذلك الطريق إلى الخواص فإنهم لا ينزعونها بأنفسهم دون الحاكم.
وأهل الشارع إذا أرادوا أن يخرجوا منه طرقاً أخرى فإنَّه إن كان الشارع إنَّما جعلوه لمنافعهم هكذا، فإنَّهم يخرجون كل طريق ينتفعون به عامة كانوا أو خواص، وهذا إذا كانت الأرض لهم، أو بإذن صاحب الأرض إذا كانت لغيرهم. وإن كان الشارع إنَّما جعلوه لعمارة معلومة مثل عمارة البساتين وأشباهها فلا يخرجوا منه طريقا إلى غير تلك العمارة، وجائز لهم أن يخرجوا منه إلى تلك العمارة طريقاً على ما فسرناه في أول المسألة.
ومن وجد طريقاً في أرض غيره، فالقاعد) فيه صاحب الأرض إذا لم يعرف
(2)
أصله لمن هو؛ فإن ادعاه فيه أحد فهو المدَّعي، سواء أكان من ادعاه إليه عامة أو خواص، وسواء من جاز عليه الطريق عام أو خاص؛ وأَما إن لم تعرف الأرض التي فيها الطريق لأحد فلا يقعد فيها أحد إلا ببينة. وأما الطريق إن ادعاه الخاص وادعاه العام فكل من أثبته له صاحب الأرض ثبت له؛ وإن أثبته لهم جميعاً ثبت لهم؛ وإن لم يثبت لواحد منهم فمن أتى بالبينة ثبت له؛ وإن أتوا بالبينة جميعاً ثبت لهم جميعاً؛ وإن أتت العامة بالبينة دون الخواص الذين ادعوه معهم ثبت
- 181 -
قوله: «القاعد فيه» أي هو الأصل فيها.
وقوله: «فهو المدعى» أي تلزمه البينة.
-
2 (1/181)
صفحة 178
(1)
لتلك العامة؛ ويدخل معهم أولئك الخواص إذا كانوا منهم، وإن كانوا من غيرهم فلا يدخلون معهم؛ وإن أتى الخواص بالبينة دون العامة ثبت لهم، سواء أكان أولئك الخواص من تلك العامة أو من غيرهم، فهذا إذا لم تتبين العمارة التي عمرت بذلك الطريق، وإن تبينت العمارة التي عمرت على ذلك الطريق، أو اتصل ذلك الطريق إلى عمارة معروفة، فإنَّ أصحاب تلك العمارة هم القاعدون
(2)
في ذلك الطريق، وكذلك إن اتصل ذلك الطريق إلى عمارات مفترقات فإن أصحاب تلك العمارات هم القاعدون في ذلك الطريق أيضاً.
باب في التمانع في الطرق
قلت: فطريق العامة إذا أحاطت به الحيطان من كل ناحية فانهدمت تلك الحيطان كلها، أيؤ خذ أصحاب تلك الحيطان بنيانها؟ قال: نعم إن كان في ذلك نفع، وكذلك طريق الخواص على هذا الحال؛ وكذلك الزروب على هذا الحال. وإن كان الذي دار بالطريق حيطان فانهدمت فأخذ أصحابها ببنيانها فأرادوا أن يجعلوها زروباً فلا يجدون ذلك؛ وَأَما إن كان الذي دار به إن كان الذي دار به أولاً زروباً ثُمَّ أرادوا أن
يجعلوها حيطاناً فلهم ذلك. ومنهم من يقول: لا يردُّون فيه إلا ما كان أولاً. وأما من كان طريق في أرضه، فأراد أن يبني حائطاً في جانب الطريق، فله ذلك إن لم يضر بالطريق. وكذلك إن كان الطريق في أرض غيره لجواز إلى أرضه فله أن يبني في أرضه ما لم يضر بالطريق. وأما إن أراد أن يحفر بجانب الطريق ساقية أو
2
قوله: «ويدخل معهم أولئك الخواص إذا كانوا منهم» يريد: يدخل أولئك الخواص في استحقاق الطريق إذا كانوا منهم.
قوله: «هم القاعدون» معناه: - كما تقدم - أنّهم الأصل في القضية، فليس عليهم
الإدلاء بالبينة.
- 182 - (1/182)
صفحة 179
ممصلاً، فلا يجد ذلك، سواء أكان ذلك الطريق في أرضه أو في أرض غيره. وَأَما إن أراد أن يغرس في أرضه التي فيها الطريق فليس عليه إلا ما كان للطريق من الأذرع. وأَما إن كان الطريق في أرض غيره بجانب أرضه فأراد أن يعمرها فلا يجد ذلك حتى يترك حريم تلك العمارة إلى الطريق. وأما إن كان الحائط بين رجلين وهو لهما جميعاً أو لأحدهما دون الآخر، فأراد أحدهما أن يجعل طريقاً بجانب تلك الحيطان فلا يجد ذلك إلا إن كان ذلك الطريق قبل هذا. وكذلك إن أراد أن يجعل طريقاً بجانب الساقية أو الممصل أو العين أو البئر فإنه يمنع من ذلك؛ ومنهم من يقول: لا يمنع من ذلك إلا إن كان فيه مضرة للحائط أو الساقية أو الممصل وما أشبهها إن كان الطريق في أرضه، أو أذن له صاحب الأرض إلى ذلك؛ وإن أذن له صاحب الحائط أو الساقية أو الممصل إلى الجواز بجانب هؤلاء المعاني، وفي جوازه بطلانها أو فسادها، أو لم يكن فيه بطلانها فإنه يجوز كما أذن له، إلا إن اشترط عليه في ذلك ألا يكون الفساد فيه. وأما طريق العامة أو الخواص إذا كان فيه ما يضرُّ أصحابه بجوازهم فيه ولا يصلون إلى الجواز إلا بزيادة ما يزيدون فيه من التراب أو غيره، أو نقصان ما ينقصون منه من التراب أو غيره مِمَّا يصلحه فإنهم يفعلون ذلك إذا لم تكن فيه مضرة لجارهم أو لصاحب البقعة أو لمن يجوز فيه من الناس، أو وضع في الطريق ما يضرُّ بمن يجوز عليه فأراد أن يجوز بجانب الطريق تحت الحائط أو الزرب وقد كانت فيه مضرة، فلا يجد الجواز في ذلك الموضع حيث كانت فيه المضرة؛ فإن لم تكن فيه المضرّة فلا بأس عليه. وإن أراد أصحاب الحيطان أن يردُّوا إلى حيطانهم التي كانت بجانب الطريق تراباً أو بنياناً، وقد أضرَّ ذلك بالطريق فإنَّ أصحابه يمنعونهم من ذلك. وكذلك أصحاب الطريق
-
1
يبدو أن المراد بعيارة: «فليس عليه إلا ما كان للطريق» فليس له حق الغراسة إلا فيما كان
للطريق من الأذرع ...
- 183 - (1/183)
صفحة 180
إن أرادوا أن ينزعوا التراب من جوانب الطريق تحت الحيطان فإن أصحاب الحيطان يمنعونهم من ذلك. وإن أراد أصحاب الحيطان أن يزربوا) حيطانهم فلهم ذلك إلا إن كانت فيه المضرة لمن يجوز في ذلك الطريق، أو اشترط عليهم أصحاب ذلك الطريق ألا يزربوا حيطانهم أو يحدثوا عليهم شيئاً. وإن اتصل الطريق من منزل إلى منزل، فكان الطريق مقابل ذلك الطريق من المنزل الثاني إلى عمارة المنزل الأول، فأرادوا أن يعمروها من ذلك الطريق فمنعهم أصحاب المنزل من ذلك فلهم منعهم. وأما إن جاز ذلك الطريق الذي اتصل إلى ذلك المنزل خارجاً منه وقابله طريق آخر حتى انتهى إلى تلك العمارة فلا يمنعوه.
(3)
وَأَما قوم أحدثوا طريقاً في مشاعهم حتى عمروا عليه فمنعهم منه بعضهم فلا يجدون منعهم. وكذلك الأرض التي اشتركوا فيها إن أحدثوا فيها طريقاً إلى عمارتهم ثُمَّ منعهم بعد ذلك بعضهم فلا يدركون منعهم.
وأما إن أحدثوا طريقاً في مشاع غيرهم لعمارة أرضهم فمنعهم أصحاب ذلك المشاع فلهم ذلك، وجائز لمن يجوز في ذلك المشاع إلى عمارة أرضه في ما بينه وبين الله إذا كان من أهل المشاع. وإن أحدث ذلك الطريق بعضهم في مشاعهم فمنعهم غيرهم فلهم ذلك؛ ومنهم من يقول: إن كان نصيبهم في ذلك المشاع مقدار ذلك الطريق فلا يجدون منعهم؛ وكذلك الشركاء في الأرض إن أحدث بعضهم فيها طريقاً إلى عمارته دون شركائه فمنعه شركاؤه من ذلك فذلك جائز؛ ومنهم من يقول: إن كان نصيبه في ذلك مقدار الطريق الذي أحدث فلا يجدون منعه.
في نسخة (ت):
«يَزربُوا»: يضعون عليها زُرُوباً. «أن»
عوض «الاً»، والصواب ما ثبت هنا.
—
عبارة: «وأما قوم أحدثوا طريقاً في مشاعهم ... » إلى آخره. معناها ــ والله أعلم ـــ إذا أحدث قوم طريقاً في ملك مشاع بينهم حتى أتموا عمارة المشاع على ذلك الطريق لم يجز
لبعضهم أن يمنع منه البعض الآخر.
- 184 -
-
-
3 (1/184)
صفحة 181
وَأَمَّا إن تخاصم رجلان على أرض وأحدث فيها أحدهما طريقا إلى عمارته ولم يمنعه صاحبه الذي يخاصمه من ذلك حتى عمر عليه، ثُمَّ رجعت تلك الأرض إلى صاحبه الذي لم يمنعه من الجواز في تلك الأرض فلا يثبت عليه ذلك الطريق الذي عمر عليه؛ ومنهم من يقول: يثبت عليه طريق تلك العمارة وكذلك إن تخاصما على أرض بينهما فأحدث فيها رجل آخر طريق إلى العمارة حتى مكث في ذلك مقدار ما يثبت فيه ثُمَّ رجعت تلك الأرض إلى أحدهما فهل يدرك نزع ذلك الطريق بعدما مكث مقدار ما يثبت فيه؟ قال: نعم؛ ومنهم من يقول: لا يدركه. وإن أرادا أن يمنعاه قبل أن يتبيَّن لهما لمن هي منهما فلا يثبت بعد ذلك على من رجعت إليه تلك الأرض منهما؛ وكذلك إن اتفقا على أن يشتركا فيها على هذا الحال. وإن منعه أحدهما دون صاحبه فرجعت إلى الذي منعه فلا يثبت عليه؛ وإن رجعت إلى من لم يمنعه ثبت عليه ذلك؛ وإن منعه أحدهما دون الآخر فاقتسما الأرض بينهما فلا يثبت عليهما جميعاً؛ ومنهم من يقول: يثبت على من لم يمنعه.
وكذلك إن أحدث صاحبه الذي يخاصمه فيها شيئاً (1) فمنعه صاحبه فله ذلك.
وكذلك إن باع رجل أرضاً بيع الخيار أو وهبها هبة موقوفة، أو أصدقها لامرأته و لم يستشهد على نكاحها فعمر تلك الأرض أحدهما حتى ثبتت تلك العمارة، ثُمَّ رجعت تلك الأرض إلى صاحبها فهل يدرك عليه نزع ذلك؟ قال: نعم؛ ومنهم من يقول: لا يدركه؛ وكذلك إن عمر عليه رجل آخر على هذا الحال؛ وكذلك الأرض الموقوفة كلّها لا يثبت عليها طريق العمارة حتى تنتهي إلى أحدهما. وإن عمر عليها صاحب الطريق ولم يمنعه حتى مكث مقدار ما يثبت
فيه فلا يجد منعه.
- 1
قوله: «شيئاً» مراده - والله أعلم - شيئاً آخر غير الطريق مثل البناء والسواقي.
- 185 -
1 (1/185)
صفحة 182
وإن ادعى رجل طريقاً في أرض العامة فصدقوه في ذلك فطريقه ثابت عليهم؛ وإن كذبوه فعليه البينة؛ فإن أتى بها حكم له بطريقه وإن لم تكن له بينة فلا يدرك عليهم اليمين؛ ومنهم من يقول: يدركها عليهم. وإن أقر له بعضهم دون بعض، فإن كان الذي أقرَّ مِمَّن تجوز شهادته فطريقه ثابت، وإن كان ممن لا
سهم
(2)
(1)
تجوز شهادته وتلك الأرض مِمَّا تمكن فيه القسمة فإنَّ المقر يؤخذ أن يجعل له طريقاً في سهمه؛ وإن كانت الأرض مِمَّا لا تمكن فيه القسمة فقد ثبت الطريق في المقر؛ وإن مات المقرّ فورثته في مقامه؛ وإن مات الذين جحدوا فورثهم المقر فالطريق كلّه ثابت عليه. وإن مات المقرُّ فورثه الجاحد فإنَّ سهم المقر ثابت عليه في الطريق، ويكون هو على دعوته، ويؤخذ أن يبيّن الطريق لصاحبه؛ وإن مات الجاحد فورثه المدعي فإنَّه يؤخذ المقر أن يبين له طريقه. وإن مات المدعي فورثه الجاحد فإنَّه يدرك على المقرّ ما ينوبه من ذلك الطريق وإن ادعى كل
(3)
(4)
واحد منهما ذلك الطريق في سهم صاحبه فلا ينفعه ذلك، إلا إن أتى بشاهد آخر معه فيثبت الطريق على صاحبه؛ وإن مات المدعى فورثه المقر بالطريق، فيكون على حجته ودعوته، فإن كانت له بينة على ذلك ثبت له الطريق، وإن لم يأت بها فليدرك اليمين على صاحبه، سواء أدعى الخاص على العام، أو العام على الخاص، أو الخاص على الخاص، أو العام على العام.
1
- 2
3
أضاف الناسخ: «بأن كان معه شاهد آخر أو المراد أن الشاهدين عدلان». أضاف الناسخ: بأن كان وحده أو كان الشاهدان فاسقين». عبارة: «فإنه يؤخذ المقر أن يبين له طريقه معناها: فإنه يؤخذ المقر أن يبين للمدعي طريقه. يبقى هل يبين له ما ينوبه من الطريق أم يعطيه الطريق كله.
*
من سهمه هو كما
- 186 -
سيذكر في الصورة التالية؟.
أضاف الناسخ: «لعله
شاهدين».
-
4 (1/186)
صفحة 183
شارع
(1)
(2)
مسألة: في الميزاب
وإن أراد رجل أن يحدث ميزابا لبيته على الطريق، فلا يجد ذلك، سواء أجاز ذلك الطريق في الزقاق أو في الفحص، وسواء أكان ذلك الزقاق شارعاً أو غير سواء للعامة كان أو لِلخَوَاص، فلا يُحدِثُ عليه شيئاً إلا ما كان قبل، وكذلك لا يحدثه على بيت غيره، أو كل ما يضرُّ فيه غيره لا يحدثه؛ وإن أحدثه ومكث مقدار ما يثبت فيه فلا يجد من أحدث عليه نزعه. وإن كان له ميزاب واحد فلا يزيد إليه آخر. وإن نزعه ثُمَّ أراد أن يرده فله ذلك. ولا يجد أن يوسعه بعد ضيقه؛ ولا يرفعه إذا كان أسفل قبل ذلك. وأما أن يضيقه بعد سعته، أو ينزله بعد طلوعه فلا بأس عليه، وإن كان له ميزاب ولم يعرف موضعه فلا يجد إحداثه بعد ذلك إلا في موضعه الأوَّل، وكذلك إن عرف له موضع معلوم ثُمَّ أراد أن يرده في م مكان آخر فلا يجد، وإن كان الموضع الذي يهرق فيه ذلك الميزاب على بيت رجل أو في دار، رجل، فلايصيب منعه بعد ذلك؛ وإن بنى في ذلك الموضع من الدار بيتا حتى حاذى به ذلك الميزاب، فإنَّه يمنعه منه إذا ضرَّ بصاحبه؛ وإن أراد أن يهرق الماء بقدح أو بغيره من الآنية في الموضع الذي يهرق فيه ذلك الميزاب، فإنه إن كان ذلك مقدار ما يهرق الميزاب فلا بأس عليه؛ وإن أراد أن يزيد إلى ذلك ماء سقف آخر فلا يجد ذلك ويمنع منه، وإن عرف له أنَّه إنما يهرق ذلك
- 1
2
قد تقدم تعريف كل من الزقاق والشارع، غير أن عبارة المؤلف رحمه الله يفهم منها أنه يقصد بالزقاق مطلق الممرات، وبالشارع ما جعل لعامة الناس. وقوله: «سواء للعامة كان أو للحَوَاص» مرجع الضمير فيه للزقاق. ليتأمل والله أعلم. الحكمة في منع التوسعة بعد الضيق وفي رفعه من أسفل إلى أعلى هو أن في الصورتين زيادة مضرة بالغير، وأما العكس وهو التضييق بعد السعة والإنزال عما كان عليه فهو جائز لأن فيه الإنقاص من المضرة فيما يفهم من عبارة المؤلف رحمه الله.
- 187 - (1/187)
صفحة 184
(1)
الماء بالقدح أو بغيره حَتَّى ثبت ذلك فلا يجد منعه؛ وإن أراد أن يحدث الميزاب ويترك إهراق الماء بالقدح فلا يجوز له ذلك ويمنع منه وإن كان الذي ينصب إليه ذلك الماء ينتفع به مثل أن يجعل له ماجلاً أو يحرث عليه بقولاً أو يغرس عليه غروسا أو غير ذلك من الانتفاع حتى ثبت له ذلك، فلا يجد صاحب الميزاب أن يحدث ما يقطع به الماء عنه؛ ولا يجد أيضاً أن يحدث في تلك السقوف ما يضر بما، وإن لم يثبت له شيء من هذا كله فله أن يقطعه عنه إن أراد. يمر عليها الماء من وإن انهدمت تلك البيوت التي ينصب منها فليأخذه صاحب الأرض التي يهرق فيها الماء وينتفع به برد ذلك كما كان على حاله الأولى. وإن ذهبت تلك العمارة التي عمرت على ماء ذلك الميزاب حتى لا ينتفع به فإنَّه يدرك عليه رد تلك البيوت وميازيبها ولو ذهبت عمارته، إلا إن اشترط ماء ذلك الميزاب بتلك العمارة التي قامت عليه مثل الغروس والبقول بأعيانها، فإن زال ذلك وذهب، فلا يدرك عليه رد تلك البيوت وميزابها.
مسألة أخرى
(2)
قلت: فإن التقى رجلان في سكة، ولا يجدان فيها الجواز بمرة؟ قال: من وجد منهما أن يخرج من الطريق حتى يجوز) صاحبه مثل إن وجد ساحة في السكة أو داراً أو بيتاً يدخله فليفعل ذلك. وإن كان فيهما واحد قد حمل على ظهره، ولم يجد ميلاناً عن طريقه، والآخر لم يحمل شيئاً فالذي لم يحمل شيئاً يخرج من الطريق
- 1
- 2
معناه والله أعلم: «لا يجد صاحب البيت أن يضع فوق سقفه ما يَضُرُّ بِذَلِكَ الماء إذا كان يفسده، بحيث لا يصلح لسقي الزروع والغراس، مثل أن يضع على سقفه ملحا أو حلودًا تسبب نتنه، أو ما أشبه ذلِكَ من المضار.
في نسخة (ت): «يخرج» عوض «يجوز» والصواب ما ضبط هنا.
- 188 - (1/188)
صفحة 185
للذي حمل ولم يجد الميلان ومن كان منهما في الراحة دون صاحبه فهو أولى بالخروج دون الآخر، وإن كانا في هذه المعاني التي ذكرناها سواء فليقترعا فيما بينهما أو يتفقا؛ وأما إن كان أحد هؤلاء أباً والآخر ابناً أو عبداً مع مولاه، أو مع رعيته، فإنَّ الابن أولى بالخروج من أبيه، وكذلك العبد لمولاه، والرعية
سلطانا
لإمامهم وهذا فيما ينبغي.
قلت: أرأيت أصحاب الشارع هل يكونون أولى من غيرهم في منافع ما يوضع في الشارع؟ قال: نعم؛ ولأهل الشارع أيضاً أن يمنعوا غيرهم من الانتفاع بالشارع، مثل من يضع فيه الحجارة، أو يضع السماد أو غير ذلك من منافع العمارة. وأما أهل الشارع فلا يمنع بعضهم بعضاً) أن يضع فيه الحجارة أو الخشب أو السماد أو غير ذلك مِمَّا يصلح لأجنتهم ولنباتهم ما لم يضر ذلك بجواز الناس على الشارع، ولهم أن يقذفوا في أطراف ذلك الشارع رمادهم وكناستهم وما يرمى أيضاً من الحجارة التي لا ينتفع بها ما لم يضر ذلك، ويرفع ذلك من أراده من الناس، إلا إن وضعه صاحبه لمنافعه. ويصيب أيضاً أن يضع في ذلك الشارع ما لابد له منه، ولو كان فيه ضرر حتى يرفعه منه، وذلك مثل كناسة الدور وغيره. وجائز أيضاً لمن يقعد في طرف ذلك الشارع لحاجة الإنسان، ويحفر فيه حفراً صغيراً في طرفه، ويبني فيه كنيفاً حيث لم يضرَّ به
-
1
2
3
-
(2)
أضاف
«لعله الناسخ:
(3)
يضع فيه ذلك حتى يرفعه بالعجلة بدليل ما سيأتي قريباً». الكناسة: بضم الكاف قال في المنجد: «الكناسة: الزبالة التي تكنس». قوله: «ويبني فيه كنيفاً حيث لم يضر به» هذا يقيد بما إذا كان يملك بقعة ذلك الكنيف، وهذا ما أفادته عبارة الشيخ عبد العزيز في التكميل. بل وهذا ما تقيده العبارة فيما بعد في سياق الحديث على بناء حانوت أو بيت ... وقد أضاف الناسخ عبارة بهذا المعنى.
والهاء في عبارة: لم يضر به عائدة على الكنيف على هذا التقدير، حيث لا يَضُرُّ الناس بالكنيف.
- 189 - (1/189)
صفحة 186
(1)
قلت: فهل لهم أن يضيقوه) أو يجعلوا عليه سقفاً، قال: لا يضيقوه ولا يسقفوه، إلا من أجل الخوف أو ما أشبه ذلك مِمَّا يحتاجون إليه باتفاقهم. وَأَما أن يوسعوه أو ينزعوا سقفاً كان عليه فلهم ذلك. وأما إن كان فيه موضع واسع أكثر من مقدار الطريق، فأراد رجل أن يبني فيه حانوتاً أو بيتاً أو ما لا يضر به الطريق من البنيان فلا يمنعوه من ذلك إن كانت البقعة له وإن كانت لغيره فلا يفعل ذلك إلا بإذن صاحبها، وإن لم يعرف صاحبها وعلموا أنه جعلت للطريق فإنهم يمنعون من يبني فيها، وإن كانت تلك البقعة لأهل الشارع وكانوا خواص فإنهم يعطونها لمن يبني فيها، كما لا يضرُّ بالشارع؛ وأَما إن كانت البقعة للعامة فلا يعطوها لأحد، إلا إن كانت في ذلك منفعة للطريق.
ويجوز للرجل أن يضع بجانب الطريق ما لا يضر به من حجر، أو مدر أو خشب، أو متاع، أو طفل، أو تراب، أو غبار حتى يرفعه بالعجلة، ولا يسد الطريق بهذا كلّه؛ وسواء في هذا إن كان من أهل الشارع أو من غيرهم، والشارع يكون في الطريق كلّها في طريق الرجالة) وغيرها من جميع الطرق، ويجعلون على الشارع من المجازات ما اتفقوا عليه مِمَّا يصلح لِلعَامَّةِ شبه الساقية، أو يجوزوها عليه، أو يجوزوها تحته، أو فوقه كما لا تضرُّ بالشارع؛ وكذلك الساقية إن كانت للعَامَّةِ فاتفقوا أن يجوزوا عليها الطريق من حيث لا يضر بها، فلهم ذلك، ويجعلونه تحت الساقية، ويجوزونه فوقها كما لا يضر بالساقية.
-
2
3
4
الضمير في: «يضيقوه» عائد على الشارع.
«أو طفل»: لعله يقصد: الطفال، وهو بمعنى الطين اليابس.
راجع المنجد.
حتى يرفعه بالعجلة»: معناه حَتّى يرفعه على الفور من غير إهمال.
«الرحالة»: المشاة على الأرجل، قال في القاموس: «ورَجُل رَحِل ورَحِيل ورجل ورجلان إذا
لم يكن له ظهر يركبه، ج رِحَال ورَحّالة ورُحال ورَحَالى ورَحْلَى ... » إلى آخره.
-
- 190 - (1/190)
صفحة 187
و من له بيت في دار رجل وله الطريق إليها من داره، فإن كان الطريق معروفا
فليجز منه، وإن لم يعرف له طريق معروف فاستمسك به فإنه يدرك عليه طريق منافعه من حيث لا يضر كل واحد منهما، بصاحبه، وكذلك إن استمسك به صاحب الدار أن يجعل له طريقاً معلوماً ليعمر داره فإنَّه يدرك عليه ذلك، وَأَمَّا إن لم يشتغل صاحب الدار بعمارتها وقال لصاحب البيت أنا أبين لك طريقك»، وقال له صاحب البيت إن لم تعمر دارك فاتركني لأجوز مثل جواني قبل هذا»، فالقول قول صاحب الدار؛ وكذلك إن قال له صاحب الدار: «لا أبين لك الطريق، فجز كما تجوز قبل هذا، فالقول قوله إن لم يحدث في داره ما يضر بجواز صاحب البيت. وإن أخرج صاحب الدار لصاحب البيت طريقه وأراد أحدهما أن يبني على جانب الطريق فإنهما يتمانعان من البنيان في حد ما بينهما، ولا يمنع بعضهما بعضاً من البنيان في سهمه إلا ما يضر به صاحبه.
وإن اقتسم قوم دارهم فأخذ بعضهم ما يلي باب الدار، وأخذ البعض الآخر ما بقي، فاقتسموا بالسوية ولم يذكروا الباب والطريق فقسمتهما لا تجوز إن اقتسما على أن لا يكون لأحدهما على صاحبه الطريق ولم يذكروا موضعاً يجعلون فيه الطريق غير الطريق الأوَّل، ومنهم من يقول: قسمتهما جائزة. وأما إن اشترطوا نزع طريقه الأول، والطريق يمكنهما من غير تلك الناحية فجائز، ولو لم تكن لهم في تلك الناحية)، فإن صح لهم ذلك الطريق فقد تمت قسمتهم، وإن لم يصح لهم
فقد بطلت قسمتهم.
قوله: «ولو لم تكن لهم تلك الناحية» مراده - والله أعلم - ولو لم تكن ملكهم، لأنه كما تقدم يمكن امتلاك الجواز من غير امتلاك الطريق أو البقعة. ليتأمل.
13
- 191 - (1/191)
صفحة 188
وأما من باع غرفة) في داره، أو في دار غيره فله إليها طريقها الذي كان يجوز
منه إليها صاحبها من داره أو من غيرها، فيكون طريقها على حالها الأول؛ وإن كان إنما يطلعها بالسلّم أو بالخشبة، أو بالدرج، أو بالحبل أو بغير ذلك فلا يحدث عليه المشتري غير ما كان البائع يفعله، إلا إن اشترط عليه أوّل مرة، وإن عرفت لتلك الغرفة تلك المجازات كلّها فللمشتري أن يفعل منها ما شاء ويترك ما شاء، وإن لم يعرف لها طريق فليعطل أمرها حتى يتبيَّن، ولا ينفسخ البيع أيضاً؛ ومنهم من يقول: يجعَلُ لها طريقا مِمَّا يقابل الغرفة بحيث لا يضر بصاحب الدار، فإن كانت عليها علامات الدرج والسلّم ولكنَّها زالت، فليس في ذلك ما يثبت له الطريق؛ وكذلك علامات الطريق كلّها على هذا الحال؛ ومنهم من يقول: إن كان عليها شيء من هذه العلامات، فإنَّ الطريق يثبت لها
باب): في إنشاء القصر وبنيانه
(2)
قلت: فقوم أرادوا أن يبنوا قصراً فيما بينهم، خواص كانوا أو عامة، وقد اشتركوا في الأرض التي أرادوا أن يبنوا فيها؟ قال: يبنون حائط قصرهم على قدر ما لكل واحد منهم من الأرض، فيكون حائط السور بينهم على قدر سهامهم من الأرض، وكذلك إن بنوا فيه بيوتا عَلَى هَذَا الحال، وتكون على قدر سهامهم
- 1
2
(^)
- 3
الغرفة: العُلية، بضم العين. انظر القاموس.
عبارة: «فإنَّ الطريق يثبت لها»، هاء الضمير المؤنث عائد على الغرفة المذكورة أعلاه. ملاحظة الأولى بهذا الباب أن يكون بداية من الجزء الرابع من هذا الكتاب لأن علاقته ما بعده أوثق، ويؤيد هذا تقسيم الشيخ عبد العزيز في التكميل، وقد أوضحنا أن هذا من عمل النساخ وخلطهم.
القصر هنا كما هو في العرف عبارة عن قرية أو كما فسره الناسخ بالمنزل.
- 192 - (1/192)
صفحة 189
من الأرض، وكذلك الغرف على هذا الحال وأَما إن لم يكن لهم في الأرض شيء، فأذن لهم صاحبها أن يبنوا فيها قصرا فبنوه فيها فإنه يكون على اتفاقهم
(1)
فيما بينهم البين في السور والبيوت كما ذكرنا فيما أذن لهم فيه صاحبها. وكذلك إن كانت تلك الأرض لبعضهم دون بعض، أو لواحد منهم، أو هي بينهم مشاع، فأرادو أن يبنوا فيها قصراً، فإنَّما يكون لهم البنيان على ما اتفقوا عليه، ولا ينظر في ذللك إلى الأرض، وإنَّما ينظر إلى اتفاقهم. والسور والبيوت في هذا سواء. وأما إن كانت لهم تلك الأرض التي أرادوا أن يبنوا فيها وقد تبين ما لكل واحد منهم فيها، فاتفقوا على أن يبني كل واحد منهم ما له من الأرض، ملتزق بعضهم ببعض، فإنَّ لكلّ واحد منهم من البنيان في
كله
(2)
ولكن بنيانهم السور والبيوت على قدر ماله من الأرض وكذلك الغرفة على هذا الحال،
(3)
وكذلك تطويل البنيان لا يصيب أحدهم أن يطيل أو يقصر دون ما اتفقوا عليه. ولا يصيب أحدهم أن يزيد إلى القصر من أرضه شيئًا إلا باتفاقهم؛ وسواء في هذا أكانت الأرض لهم كلّهم، أو لبعضهم دون بعض، أو لواحد منهم، أو هي مشاع، فلا يفعل في هذا كله شيئاً من الزيادة والنقصان والتقصير [والتطويل] دون ما اتفقوا عليه في التطويل. وإن اشتركو في السور والبيوت فإنهم يتواخذون عليها كما اشتركوا كلّهم فيها وإن اشتركوا في السور، ولم يشتركو في بيوت فإنَّهم يتأخذون كلّهم على ما انهدم من السور، ولو أنَّه انهدم مِمَّا يقابل بيت أحدهم؛ وأَما إن انهدم منه بيت فإنَّما يؤخذ ببنيانه صاحبه؛ وأَما إن كان لكل واحد منه ما قابل بيته من السور، فإنَّما يؤخذ ببنيان ما انهدم من مقابل بيت أحدهم صاحبه؛ وإنَّما ينظر في هذا إلى من له البنيان لا إلى صاحب الأرض. وأما
- 1
2
3
لفظة «البين» فيما ظهر لي على غرار قول العامة: «مع بعضهم البعض» وَهُوَ خطأ. والله أعلم. بعضهم ببعض» لَعَلَّ الأصوب أن يقال: «ملتزق بعضه ببعض».
من إضافتنا ليستقيم المعنى.
- 193 - (1/193)
صفحة 190
إن اتفقوا على أن يكون بنيان السور والبيوت كلها بينهم، فإنهم يتأخذون على بنيان ما انهدم من ذلك كله، لا) من السور ولا من البيوت، سواء اقتسموا السور والبيوت أو لم يقتسموا شيئاً؛ وكذلك ورثتهم مقامهم، وكذلك من اشترى منهم أو من بقوا له. وأما إن لم يعرفوا ما لكل واحد منهم في السور، فإنهم إن اتصلت البيوت بالسور فليُؤخذ كل واحد منهم ببنيان ما انهدم مِمَّا قابله، وإن لم تتصل البيوت بالسور فإنَّ السور يكون بينهم كلهم، ويكون لكل واحد منهم بنيان بيته سواء أانهدم بيوتهم أو لم تنهدم في الوجهين جميعاً. وأَما إن كانت الغرف فوق البيوت، فانهدم السور مِمَّا قابل البيت أو الغرفة أو قابلهما جميعاً فإنَّما يؤخذ صاحب البيت على ما قابل بيته، ويؤخذ صاحب الغرفة
(3)
على ما قابل غرفته، وما قابل السقف الذي بينهما فليؤخذوا به جميعا، وهذا إن لم يعرف كل واحد منهم ما له من السور. وأما إذا كان البيت والغرفة التي عليه لرجل واحد فباع نصف الغرفة أو باع البيت فانهدم ما قابله من السور، فالجواب فيها كالجواب في التي قبلها؛ وإن اتصلت بالسور فليؤخذ كل واحد منهم بما قابل بيته أو غرفته، وأما إن لم تتصل بالسور فلا يؤخذ المشتري أو من أعطوه بقعة فبنى فيها بيتاً فلا يؤخذ هؤلاء ببنيان ما انهدم من السور مِمَّا قابل بيوتهم.
وَأَما إن كانت بيوتهم معروفة فانهدم الحائط الذي بينهم وبين البيوت، فإنه إن عرف من كان له ذلك الحائط فليؤخذ ببنيانه، وإن لم يعرف فليؤخذ به من يليه من الناس جميعاً، وكذلك إن اختصما على منافعهما ومضارهما، فإن تبين من كان له فهو
1 - لا معنى للحرف «لا» في هَذَا الموضع.
- 2 - 3
أضاف الناسخ: «لعله أعطوا».
معنى العبارة أنه إذا ارتفع السور إلى مستوى الغرفة فانهدم فيؤخذ صاحب البيت بنفقات بناء ما قابله من السور، وكذلك يؤخذ صاحب الغرفة بنفقات ما قابله من السور. غير أنه يشكل أن ينهدم السور مِمَّا قابل البيت وهو في الأرضية، ولا ينهدم ما قابل الغرفة وهو فوق البيت.
– 194 – (1/194)
صفحة 191
أولى به، وإن لم يتبين فليكن بينهما نصفين، ولا ينظر إلى عظم البيوت ولا صغرها. وأَما ما قابل بيته من الساحة في وسط القصر، فعلى كل واحد إصلاح ما قابل بيته وله منافعه ودفع المضار عليه، فما قد عرف قبل ذلك أنه ينتفع به فهو أولى به من غيره. وكذلك من له البيت في تلك الساحة، فلا يؤخذ به إلا صاحب البيت. وأما البئر إذا كانت في تلك الساحة، فإنّه إن عرف صاحبها فليؤخذ بإصلاحها ومنافعها؛ وإن لم يتبين صاحبها فليؤخذ بإصلاحها أهل القصر كلهم على قدر ما لكل واحد منهم. وكذلك باب القصر وأداته من القفول والمفاتيح وغير ذلك إنما يكون عليهم، على قدر قيمة ما لكل واحد منهم من البيوت والغرف ومن كانت له بقعة ولم يبن فيها شيئا فهو على هذا الحال. وأما إن أرادوا أن يحدثوا فيها ما لم يكن قبل ذلك مما فيه إصلاح العامة، فإنَّما يكون عمله على العامة على قدر اتفاقهم عليه، ويكون عليهم ذلك واجباً لما بعد اليوم وعلى عقبهم من بعدهم. وإن اختلف أهل القصر في عمل قصرهم إلى أين ينتهون به في الطول، فإن كان قبل ذلك فليتآخذوا عليه ويردوه كما كان، وإن لم يكن قبل ذلك فليتأخذوا على ما اتفقوا عليه من طول بنيانه؛ وإن لم يتفقوا على شيء معلوم فليتأخذوا على بنيانه حتى يمنعهم من عدوهم، ولا يصل إليهم بالطعن على القصر، أو ما رأوا أنَّ ذلك أصلح لهم.
2
(1)
وإن اختلفوا في سعة أساس قصورهم فليجعلوا له ما يحمل الذي يتأخذون عليه من البنيان. وإن اختلفوا في شرفاته، فقال بعضهم: نجعلها، وأبى بعضهم على
(2)
(3)
قوله: «حتى يمنعهم من عدوهم مراده والله أعلم بأنهم يتجابرون على بنائه على القدر الذي يمنعهم من عدوهم .. قوله: «فليجعلوا له ما يحمل مراده والله أعلم أنهم يتجابرون على جعل الأساس على قدر ما يتحملون من البنيان. شرفات القصر: قال في المنجد: الشرفة من القصر ما أشرف من بنائه». غير أن المفهوم منها أنها قسم في أعلى السور خارجا عنه يسمح بمراقبة جوانب السور الخارجية، وغالباً ما يكون في زوايا السور. ولا تزال بعض الأسوار القديمة شاهدا على ذلك.
– 195 –
- (1/195)
صفحة 192
ذلك، فإن كان القصر قبل ذلك له، شرفاته، فإنهم يتأخذون على بنيانها، وإن لم تكن قبل ذلك فلا يتأخذون عليها، إلا إن رأوا أنَّ ذلك أصلح. وكذلك الغرف إن اختلفوا في بنائها على ما قلناه في هذه المسألة؛ وهذا كله إنَّما يرجع إلى رأي أهل
النظر والصلاح منهم في إحداث ما يحدثونه، أو نزع ما كان قبل ذلك. فإن بنوه حتى انتهى إلى الموضع الذي اتفقوا عليه أو موضع جعله لهم أهل العلم، ثُمَّ نزل في الأرض حتى قصر عن حاله الأوَّل، فإنهم يتأخذون على رده كما كان قبل ذلك، سواء أنزل مرة أو اثنتين أو ثلاثاً فليتآخذوا على رده إلى حاله الأوَّل، وكذلك ساحته إن انخفضت عن حالها الأوَّل، فليتآخذوا على دفنها وإصلاحها حتى ترجع كما كانت.
وإن كان في ذلك القصر عين أوليَّة (1) وجعلت تتساقط (2) وخافوا مِمَّا تفسد من الدور والبنيان فإنهم يأخذون صاحب تلك العين أن يصلحها بما يؤمن من فساد ما كان يقربها من الدور وغيرها. وإن أراد أن يحوطها ويجعل لها بيتا يمنعها من إسقاء الناس لأنفسهم وحيطانهم فإنَّه إن كان يعرف أنهم يستقون منها قبل ذلك فلهم منعه مِمَّا يحدث عليها من البنيان، وإن كان لم يعرف أنهم يستقون منها فله منعهم؛ وهذا إن ثبتت عليهم، وأما إن لم تثبت عليهم فليأخذوه بدفنها.
(3)
وأَما إن كان في القصر انشقاق أو امتراش أو ميل، فإنهم إن استووا إلى ذلك كله فليتأخذوا عليه؛ وإن كان لبعضهم دون بعض، فليؤخذ من كان له ذلك
- 2
- 3
قوله: «عين أولية» لعلّه يقصد عيناً طبيعية ليست من صنع الإنسان. وقد أضاف الناسخ:
«أي قديمة».
وجعلت تتساقط»، يريد: وأخذت تنهار.
قال في القاموس: «الامتراش الانتزاع والاختلاس». وفي المنجد: «مرش يمرش مرشاً وجهه: خدشه أو عضه، تناوله بأطراف أصابعه، شبيهاً بالقرص ثُمَّ قال: «امرش الشيء انتزعه واختلسه». وعلى ضوء هذا نفهم من العبارة أنه يريد تساقط وجه الجدار لا سيما من أجزائه
السفلية بسبب
الندى.
- 196 - (1/196)
صفحة 193
بإصلاحه. وإن اختلفوا في نزع ذلك كلّه ثُمَّ يردُّوه أو إصلاحه فإنه إن كان يمكن
إصلاحه من غير نزعه فالقول قول من قال: إنه لا ينزع، وإن كان لا يمكن إصلاحه إلا بهدمه، فالقول قول من قال بهدمه، وإن لم يصلوا إلى هدمه إلا بفساد الأنفس من الحيوان أو بني آدم فلا يتأخذوا على هدمه على هذا الحال. وإن كان فساده في الدور والحيطان فليهدموه؛ فإن أفسدوا شيئا بسبب هدمهم فليضمنوه لأصحابه؛ وإن أفسد شيئاً من غير سبب هدمهم إياه فليس عليهم شيء. وإن كان في ذلك القصر بيت لم يعرفوا له صاحباً فانهدم أو امترش أو مال
هم
كله
(1)
منه
فإنهم ينزعون ذلك كله بالأجرة ثُمَّ يتركونه حتى يعرفوا صاحبه، ثُمَّ يأخذون ما أعطوا عليه من الأجرة. وأما إن انهدم ما قابله من القصر، فإنَّه إن كان القصر وليس منه شيء لبعضهم دون بعض فإنهم يتآخذون على إصلاح ما انهدم ويدركون على صاحب البيت إن عرفوه ما نابه مِمَّا أصلح به القصر؛ وإن كان ما قابل البيوت من القصر لأصحاب البيوت فليصلحوا ذلك بالأجرة ويرجعوا على صاحبه إن قدم بعد، ولا ينظر إلى ما يصلح به الفساد أهو أكثر قيمة مِمَّا يصلح منه أو أقل. وإن لم يعرفوا لها صاحباً فهل يجعلون لذلك خليفة يبيعها أم لا؟ قيل: لا؛ وقيل غير ذلك. وإن كان لليتيم سهم في ذلك القصر أو بيت فاحتاج ذلك إلى ما يصلحه بعد الفساد أو حدوثه، ولم يكن قبل ذلك فليأخذوا خليفته إن كانت وإن لم تكن له خليفة فليأخذوا عشيرته أن يستخلفوا له خليفة يؤخذ بذلك، وإن لم تكن له خليفة فلتجعل جماعة المسلمين خليفة يقوم بذلك
-
(2)
يؤخذ من السياق أن الأصح في العبارة أن تكون: إن كان القصر لهم كلهم»، وَهَذَا ما
تؤكده العبارة بعدها ... ليحرر. معنى العبارة والله أعلم أنه لا بد من إصلاح فساد طارئ على القصر بقطع النظر عن نفقات الإصلاح ولو كانت أكثر من قيمة ما يصلح من القصر أو البيوت التي فيه، لأن إصلاحه ضرورة أمان على النفوس وما إليها.
- 197 - (1/197)
صفحة 194
من ذلك مِمَّا كان كل ما اتفقوا عليه ويصلح كلَّ ما فسد منه بقدر سهمه من كل أصلح له، ويعطي ذلك من ماله؛ وكذلك الطفل والمجنون على هذا الحال الجواب فيها واحد. وأما إن كان للطفل أب فليؤخذ أبوه بذلك كله. وأما إن كان في ذلك القصر سهم أو بيت للمساكين أو للأجر أو للمسجد، فأرادوا بنيان ما ناب هؤلاء من القصر والبيوت، أو كان قبل هذا، ثُمَّ فسد فإن جماعة المسلمين يجعلون بذلك خليفة تقوم به من البنيان وإصلاح ما فسد مِمَّا كان قبل ذلك، ويأخذ كل ما أصلح به ذلك من بيت مال المسلمين إن كان وإن لم يكن فليبع من ذلك ما يصلح به ما بقي منه، وإن أصاب من يؤاجر منه ذلك فلا يبعه والله أعلم وأحكم وبه العون والتوفيق.
(1)
كمل الجزء الثالث من كتاب الأصول بحمد الله وحسن عونه وتأييده تأليف
الشيخ الأجل الحمام الأسعد أبي العباس أحمد بن عمنا محمد رحمهما الله
(2)
ورضي عنهما، وجعلنا من المقتفين بسنتهم وسيرتهم. آمين، يا رب العالمين.
«وإن أصاب من يواجر منه ذلك فلا يبعه» لَعَلَّ المراد به من يحتسب أجره على إصلاحه.
والله أعلم.
هذه الحالمة هنا من تأليف الناسخ وليست للمؤلّف الشيخ أبي العباس مما يؤكد أن التقسيم إلى أجزاء فيه خلط كبير، وقد أوضحنا هذا في المقدمة.
- 198
- 2 (1/198)
صفحة 195
صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما
الجزء الرابع
من
كتاب الأصول
- 199 - (1/199)
صفحة 196
باب فيما يتمانع منه أهل القصر من المضرة
قلت: فرجل أراد أن يحدث في السور مِمَّا يقابل بيته ما يضعف به حائط السور، مثل: أن يضرب الأوتاد أو يحدث فيه مخزناً أو كوة، سواء أنفذت منه أو لم تنفذ، أو يجعل خشباً فيما يليه؟
قال: لا يفعل شيئاً من ذلك، إلا إن اتَّفَقُوا عليه جميعًا؛ وكذلك الحيطان التي بين بيوتهم
إن أراد أحدهم أن يحدث فيما بينهم مثل ما ذكرنا، مِمَّا يضعفها على هذا الحال. وكذلك من أراد منهم أن يزيد إلى بيته من الساحة التي في وسط القصر، أو أراد أن يبني فيها شيئاً فهو كما ذكرنا، فلا يصيب ذلك سواء في الساحة)، أو الساحة كلها لصاحب البيت، فإنّهم يتمانعون في كلِّ ما يحدث في تلك الساحة مِمَّا يضر بالقصر، مثل من أراد أن يحفر فيها بئراً، أو يتخذ فيها معدناً للحجر أو الطين، أو مربطاً لدابته، أو موضعاً يجمع فيه الكناسة أو المزبلة، أو يجعل فيه مرحاضاً.
وأما ما لا يستغني عنه مثل: وضع الحجر إذا أراد أن يبني به، أو الخشب أو الطين أو الجبس، فإنهم لا يمنعونه من وضعه مقدار ما يبني فيه، وإن لم يشتغل بالبنيان
1 - قوله: «سواء في الساحة وجد على هامش الأصل التعليق التالي: «لعله: سواء في ذلك بعض الساحة أو الساحة» وهو وجيه.
2
المعدن، قال في القاموس والمعدن كمجلس: منبت الجواهر من ذهب ونحوه لإقامة أصله فيه دائما، أو لإنبات الله إيَّاه فيه، ومكان كل شيء فيه أصله». وفي المنجد: «المعدن جمع معادن مكان كُلِّ شيء فيه أصله ومركزه». إلى أن قال: «منبت الجواهر من ذهب وحديد وفضة ونحوها». انتهى. ومقصد المؤلف رحمه الله: أن يتخذ في الساحة مقلعا للحجر والطين إذا وجد فيها
معدنهما، لأن المقلع هو مكان قلع الحجارة ونحوها. 3 - المرحاض اشتهر على الألسن أنه الكنيف، أي المستراح، غير أنه يرد لغير هذا المعنى. قال في المنجد: «المرحاض جمع مراحيض - المغتسل - خشبة يضرب بها الثوب عند غسله وتسميه العامة المخباط، - المستراح المرحضة والمرحاضة: شيء يتوضأ فيه مثل الكنيف. (اطلب مادة رحض).
-
- 201 - (1/201)
صفحة 197
فليجعلوا له أجلاً يبني فيه؛ فإن لم يبن إلى ذلك الأجل، فليأخذوه بالبنيان أو بنزع مضرته؛ فإن حدث إليه عذر لا يصل به إلى البنيان فلينظروا في ذلك إن أرادوا أن ينتظروه إلى وقت يمكنه فيه بنيانه فعلوا وإن أرادوا أن يأخذوه بنزع ذلك إلى وقت
بنيانه (1) فعلوا. وإن باع ذلك لغيره أو وهبه له، فالمشتري أو الموهوب له في مقامه.
وأَمَّا من أراد منهم أو من غيرهم أن يكنس شيئاً من الغبار الذي في ساحة القصر، مِمَّا يضرُّ بالقصر، فلا يصيب ذلك، سواء أكان ذلك السماد للعامة أو للخاصة. وأما ما كان من ذلك للخواص ولم يضر بالقصر فإنَّ كل واحد منهم يرفع ماله من ذلك. وأَما إن كان ذلك للعامة فهم يحوطونه فلا يرفعوه إلا باتفاقهم، سواء أكان من أراد أن يرفعه منهم أو من غيرهم. وأما إن حدث ذلك الغبار فصار. مضرة للبيوت فإنَّ أصحاب تلك البيوت ينزعونه وينتفعون به إن كان لهم، ويؤخذون بنزعه. وإن كان لِلعَامَةِ وفيه مضرّة البيوت، فإنَّ أصحاب البيوت يأخذون تلك
العامة بنزعه؛ وأَما إن استمسك بهم من لم يضر ذلك الغبار ببيته فلا يشتغل به. وَأَمَّا إن تبين ما لِكُلِّ واحد منهم من الساحة بحدوده، فكل ما حدث في سهم أحدهم أخذ بنزعه إذا لم يعرف من أحدثه؛ وإن عرف من أحدثه أخذه به ويأخذه في ذلك صاحب البقعة إن ضرَّه. وإن ضرَّ ذلك بالعامة فليأخذوه بنزعه؛ وكلٌّ من أدركته مضرة ذلك فليأخذه بنزعها.
وكذلك المضرات التي تحدث في تلك الساحة مثل: انخراقها، أو خرج فيها بئر أو عين، أو جب أو جلبت إليها الريح رملاً، فإنَّهم يتأخذون فيما بينهم على
-
1
-
قوله: «إن أرادوا أن يأخذوه ينزع ذلك إلى وقت بنيانه مراده والله أعلم لهم أن يأخذوه بنزع ذلك حتى يمكنه بناؤه فله إرجاعه. الغبار. قال في المنجد: «الغبار: التراب أو مادق منه». غير أنَّ المتبادر أن مراده منه فضلات بني آدم، وقد اشتهرت هذه التسمية على ألسنة العامة. ويدلُّ لهذا المعنى قوله بعد: «سواء أكان ذلك السماد للعامة أو الخاصة».
3 - الخرق: الحفر والقطع والتمزيق. وعلى هذا فالمراد بالعبارة أنه إذا حدث بالساحة انجراف بالماء وشبيهه تجابر أصحابها على إصلاحها.
- 202 - (1/202)
صفحة 198
قدر اشتراكهم في تلك الساحة. وكذلك إن كانت تلك الساحة مشاعاً بينهم فإنهم يتأخذون على إصلاحها، سواء أكانت تلك البقعة لأهل القصر كلّهم أو لبعضهم أو لغيرهم من الناس أو مشاعاً بينهم فليتآ خذوا على نزع ما حدث فيها من المضرات وإصلاح ما فسد فيها. وكذلك من أراد أن يجعل فيها قبراً أو يحفر فيها غارا، سواء أكان فم الغار من خارج القصر أو من داخله.
ومن أراد أن يجعل قبراً في بيته منهم، فإنهم يمنعون من أراد هذا كله كذلك. وإن أحدث هذا القبر في أرضه فلا يؤخذ بنزعه (1)؛ وإن كان في أرض غيره، فإنه يدرك عليه عوض ذلك الذي منع له بالقبر أو قيمته وإن أحدث هذا الذي ذكرنا غير القبر (2) في ساحة القصر، فإنهم يؤخذون بنزع ما أحدث فيه سواء أكانت تلك الساحة له أو لغيره، وكذلك الذي حدث في ماله وهو مضرة للعامة فليأخذوه بنزعه، ويكون لِكُلِّ واحد منهم منافعه.
كله
وإذا أراد أن يرفع شيئا من بيته على دابته، رفعه، ولا يمنع من ذلك، ويكون له موضع تقف فيه تلك الدَّابَّة في وقت رفع ما يحتاج إليه، أو إنزال ما حمل عليها، ويكون له موضع يضع فيه ذلك إذا أراد إخراجه إلى وقت الرفع، أو إدخاله في البيت.
قلت: فمن أراد أن يبني على سقيفة القصر غرفة؟
قال: يمنعونه من ذلك، إلا إن كانت له السقيفة من أول حدوث القصر، فإنه يفعل فيها ما شاء مِمَّا لا يضرُّ بها القصر. ولا يحدثون في تلك السقيفة ولا غيرها مِمَّا يضر بمن يمر من الناس في القصر. ويمنعون من أراد أن يتخذ فيها موضعاً
-
1
قوله: «ومن أراد أن يجعل قبرا في بيته منهم فإنهم يمنعونه، وإن أحدث هذا القبر في أرضه فلا يؤخذ بنزعه»: ينظر هل المراد التفرقة بين إحداث القبر في البيت وبين إحداثه في أرضه غير بيته؟ أم المراد أنه إن أراد أن يحدثه فأدركوه قبل إحداثه منعوه، وإن سبق إلى إحداثه قبل أن يتفطنوا لصنيعه لم يجدوا منعه. ليحرر.
يدرك من هذه العبارة وما قبلها مذهبنا في حرمة نزع القبر ونبشه أبدًا.
- 203 - (1/203)
صفحة 199
للجماعة، أو يربط فيها بالليل أو النهار. وكذلك الصناع كلّهم من الخرَّازين (1) والجزارين وغيرهم يمنعون من القعود في تلك السقيفة ونصب صنائعهم فيها.
(2)
فإن أراد أهل القصر أن يجعلوا في قصرهم سوقاً، واتفقوا على ذلك كلّهم فلهـ ذلك؛ وإن اختلفوا في ذلك فالقول قول من أبى منهم ذلك؛ وإن اختلفوا في بنيان خصوصهم في القصر، فإنهم إن كانوا لا يينون فيه خصوصهم قبل ذلك، فالقول قول من أبى منهم ذلك، وإن كانوا يسكنون فيه بخصوصهم قبل ذلك، فلا يجدون منع من أراد أن يبني فيه خصه. وكذلك المواشي في إدخالها القصر على هذا الحال. وإن ألجأهم الخوف إلى ما ذكرنا أولاً) من السوق أو بنيان الخصوص أو
إدخال المواشي فليفعلوه إن لم يستغنوا عنه. ولا يجعلوا في القصر مضمراً (4). باتفاقهم أو كان قبل ذلك؛ ويمنعون من أراد أن يدخله بالجماعات، وكذلك من خافوا منه أن يغدر بهم أو يدل على عوراتهم، وهذا كله في غير أصحاب القصر. وأَما إن كان من أصحاب القصر من يخافون منه أن يغدر بهم، أو يدل على عوراتهم فإنهم يحجرون عليه، فإن كَسَر الحجر حبسوه. ومنهم من يقول: إن خافوا أن يغدر بهم ويهلكوا على يديه فليخرجوه من قصرهم.
2
-
-
- 3 - 4
الخف
وكذلك الصناع من الخرازين»: الخراز: صانع الأحذية. قال في القاموس: «خرز يخرز، ويخرزه كتبه، والخزارة حرفته. والخرزة محركة الجوهر وما ينظم». وقال في مادة (كتب): الكتبة بالضم: السير يخرزُ به». «وإن اختلفوا في بنيان خصوصهم»: الخص كما ورد في لسان العرب: «بيت من شجر أو قصب، وقيل: الخص البيت الذي يسقف عليه بخشبة على هيئة الأزج، والجمع أخصاص و خصاص، وقبل في جمعه خصوص، سمي بذلك لأنه يرى ما فيه من خصاصة أي فرجة. «أولاً»: انفردت بها النسخة (ت). قوله: «ولا يجعلون في القصر مضمراً» لعله يقصد المخبأ الذي يلجأ إليه حال الخوف. ولعل الكلمة من الإضمار معنى الإخفاء كما تفيده المعاجم اللغوية. وفي التكميل عبارة: «ولا يجعلون فيه مسربا». (انظر صفحة 62 من كتاب التكميل. طبع مطبعة العرب بتونس سنة 1944). والسرب الطريق، والسرب بالتحريك: الحفير تحت الأرض. كما أفادته المعاجم اللغوية.
مشتقة.
- 204 - (1/204)
صفحة 200
ويضعون غلتهم على بيوتهم وعلى ما ناب كل واحد منهم من سور قصرهم، ويحفرون فيه الآبار إن احتاجوا إليها ولم يكن لهم غنى عن ذلك.
وإن أراد واحد منهم أن يدفن بيته من السماد الذي كان قدام بيته، فلم يعرف أنَّه له أو لغيره من الناس، فلا يفعل شيئاً من ذلك وإن كان يردُّ فيه من التراب مقدار ما نزع منه ومنهم من يقول: إن لم يضر ذلك بأصحاب القصر ولم يمنعوه فلا بأس أن يرفعه فيما بينه وبين الله.
وأَما إن أراد أحد منهم أن يبني فيه بيتاً فمنعوه، فلهم ذلك. وأما أن يجعل في حائط جاره خشباً فلا يجوز له ذلك، إلا إن أذن له، ومنهم من يقول: لا يمنعه.
وإن اتخذ فيه تنوراً أو فرناً مِمَّا لم يكن قبل ذلك فإنهم يمنعونه؛ وإن سكن في ذلك الموضع، ولم يكن له غنى عن التنور أو الفرن، ولم يضر به أحداً فلا بأس بأن يحدثه.
وإن كان له مجاز في القصر، فأراد أن يجعل الخشب فوق ذلك المجاز فيجعله غرفة فلا يجد ذلك، سواء أكانت له تلك الحيطان كلها أو لغيره ولم يكن له فيها شيء. وإن أراد أحد من أهل القصر أن يتخذ فيه دكاناً قدام بيته ولم يكن قبل ذلك، فإنهم يمنعونه؛ وإن أحدثه فليأخذوه بنزع ذلك. ولا يحدثوا أبواب بيوتهم في غير مواضعها الأولى في الساحة. وكذلك الغرف على هذا الحال.
وإن أحدثوا قصوراً وبنوا فيه البيوت والغرف، ولم يجعلوا لتلك الغرف درجاً يرقى بها إليها فإنَّهم يجعلون الدرج بعد ذلك، كما أمكنهم كلهم، ولا يصيب أحد منعهم من ذلك، ويجعلون تلك الدرج كيف لا يضرُّ بصاحب البيت، ولا يمنع صاحب الغرفة من الطلوع إلى غرفته، وكذلك الغرفة الثانية والثالثة على هذا الحال.
- 205 - (1/205)
صفحة 201
مسألة
وأما إن أراد أهل القصر أن يجعلوا باب القصر في موضع آخر، وذلك باتفاقهم هل يجوز لهم ذلك أم لا؟
قال: إن كانوا خواص فلهم ذلك، وإن كانوا عامة فلا يجوز لهم ذلك). ومنهم من يقول: إن رأوا ذلك أصلح للعامة فإنهم يحولونه. وكذلك إن أرادوا أن يرفعوه فوق موضعه الأوّل أو ينزلوه عن موضعه الأول، الجواب فيها (2) كالجواب في التي قبلها. وكذلك إن أرادوا أن يوسعوا بابه أو يضيقوه على هذا الحال.
وإن لم يصيبوا تحويله من موضع إلى موضع أو طلوعه أو نزوله إلا بعوض، فهل يعطونه لصاحب الموضع الذي أرادوا أن يردُّوه فيه؟
قال: لا يعطونه إلا إن كانوا خواص، وَأَمَّا إن كانوا عامة فلا يجدون ذلك؛
ومنهم من يرخص.
وإن لم يجدوا تحويلها إلا بشرائها) إن كانوا يبيعونها ويعطون ثمنها فيما يشترون أو يعطونها لرجل (4) على أن يعطيهم بيته فيعطونه للذي أرادوا أن يحولوا إليه بابهم، فيعطيهم موضعا يجعلون فيه بابهم.
1
3
-
قوله: «إن كانوا خواص معناه والله أعلم إن كان القصر للخاصة حاز لهم ذلك؛ وإن كان لِلعامَّةِ لم يجز. غير أني لا أرى معنى لهذه التفرقة هنا لا سيما إذا كان الحكم مشترطاً فيه اتفاقهم، اللهم إلا أن يقال: إنَّ القصر إذا كان للعامة فيصعب حصول الاتفاق ممن هو غائب بعيد عن القصر. ليحرر.
قوله: «الجواب فيها التقدير: الجواب في المسألة كالجواب في التي قبلها، وقد تقدمت مثل هذه العبارة، وستأتي كثيراً فيما بعد.
في الهامش أضاف الناسخ: أنت الضمير باعتبار البقعة، وكذا فيما بعده». قوله: «وإن لم يجدوا تحويلها إلا بشرائها إن كانوا يبيعونها» معناه:: إلا بشراء موضع له جديد إن كانوا يبيعون الموضع القديم. وقوله: «ويعطون ثمنها فيما يشترون أو يعطونها لرجل إلى آخر معناه: أنه قد يقبل مالك الموضع المراد تحويل الباب إليه العوض إما لمنا، وإما أن يقبل الموضع الأول، وإما أن يتبرع شخص آخر بتعويض بيته له فيكون التعارض بين ثلاثة.
- 206 - (1/206)
صفحة 202
قال: ذلك جائز؛ ومنهم من يقول: لا يجوز لهم ذلك.
وإن أذن لهم صاحب ذلك المكان أن يجعلوا فيه الباب ولم يأخذ فيه عوضاً أو ثمناً فلمن يكون ذلك الباب؟
قال: حيطان الباب وبقعته لصاحب الموضع، وليس لأصحاب القصر إلا المجاز. وإن أراد أن يمنعهم بعد ذلك من الجواز فلا يجد ذلك. وإن أعطى ذلك الموضع
للعامة فذلك جائز، ويكون لهم على قدر سهامهم في القصر، وتكون لهم بقعته وحيطانه، وكذلك الخواص من الناس إن أعطاهم ذلك على هذا الحال، ويكون مجازها للعامة.
وَأَمَّا إن كانت بقعة باب القصر الذي أرادوا أن يبدلوه وحيطانه لرجل معلوم أو الخواص منهم فأراد أهل القصر أن يبدلوها أو يبيعوها فيعطوا منها، فلا يجدون ذلك إلا بإذن أصحاب البقعة إلا إن أرادوا أن يبيعوا مجازها فلهم ذلك؛ ومنهم من يقول: لا يجوز بيع المجاز؛ وإن باعوا ذلك الباب الذي للخواص فجوزوه لهم فذلك جائز، فيكون ثمنه لأصحابه، إلا إن أرادوا أن يبيعوا مجازهم بعد ذلك. وكذلك إن بادلوه مع غيرهم فجوزوا لهم فذلك جائز، ويكون ذلك الباب له؛ وإن أعطى لهم المجاز في غير ذلك الموضع فرضوه فذلك جائز، ويكون المجاز لأصحاب القصر كلّهم ويكون الباب ومجازه له يفعل فيه ما شاء من العمارة والهبة
وما أشبه ذلك (1).
وإن أعطى بجازه لأهل القصر، فذلك جائز، ويكون لِكُلِّ واحد من أهل القصر المجاز في ذلك الموضع، إلا إن اشترطوا على الواهب ألا يكون له محاز في ذلك الموضع، فيكون سهمه في القصر ليس له مجاز؛ وإن باع ذلك من كان له المجاز في
قوله: «يفعل فيه ما شاء من العمارة والهبة هذا الكلام مقيد بشرط: هو أن لا يكون ما أحدثه مانعاً من الجواز، وذلك مثل أن تكون العمارة فوق الباب، وقد أشار الشيخ الثميني في التكميل إلى هذا الشرط بقوله: والباب ومحله له يفعل فيه ما لا يمنع المجاز».
14
- 207 - (1/207)
صفحة 203
القصر، فإن كانوا خواص فليس له مجاز ذلك، وإن كانوا عامة فله المجاز في ذللـ الموضع. ومنهم من يقول: ليس له مجاز ... (1) لجاره وهم خواص. فهل يجوز المشتري
من مجازه؟
قال: لا يقصد إلى المجاز، ولكن إن أراد أن يخرج إلى سهمه الأول فله ذلك، ويجوز بعد ذلك حيث أراد.
قلت: فالقصر، إن لم يكن له إلا باب واحد، فأراد أصحابه أن يجعلوا له بابين فهل يجوز لهم ذلك؟
قال: لا، إلا إن كانوا خواص واتفقوا عَلَى ذلك؛ وكذلك إن كان له بابان ثُمَّ
أرادوا أن يردُّوه إلى باب واحد كما ذكرنا أولاً؛ وهذا إذا كانوا عامة.
وَأَمَّا الخواص فكل ما اتَّفَقُوا عليه فإنَّهم يجعلونه؛ ومنهم من يقول: للعامة أن يفعلوا كل ما اتفقوا عليه من ذلك مِمَّا هو أصلح؛ وإن اختلفوا فقال بعضهم: نغلقه، وقال بعضهم: نفتحه، فالقول في ذلك قول من قال: نفتحه، إلا في أوقات يتخوفون لما فيه من الأموال والأنفس، سواء في ذلك الليل والنهار؛ وكذلك إن فتحوا بابهم، فقال بعضهم: نغلقه أو كان مغلوقا، فأراد بعضهم فتحه، فالقول قول من قال: نفتحه إلا في أوقات الخوف لما فيه.
قلت: هل يجوز أن يمنعوا غيرهم أن يدخل قصرهم؟
قال: نعم، سواء في ذلك أكان القصر للعامة أو للخاصة، وسواء أمنعوه كلهم أو منعه بعضهم دون بعض، وأما أن يمنع بعضهم بعضا، فلا يجدون ذلك إلا إن رأوا أنَّ ذلك أصلح؛ وكذلك إن اتَّفَقُوا الا يدخل فيه إلا صنف منهم أو من غيرهم فلهم ذلك، ويمنع بعضهم بعضاً من المبيت فيه إن رأوا أنَّ ذلك أصلح، ويأخذ بعضهم بعضاً على المبيت فيه إن رأوا ذلك، ويمنعون غيرهم من المبيت فيه.
-
1
يوجد على هامش جميع النسخ الأصلية هذه العبارة: «لعل هنا سقطاً وأصل ذلك هكذا: وإن باع ذلك الجاره وهم خواص».
- 208 - (1/208)
صفحة 204
4
وإنما يشترون له بابه وقفله ومفاتحه وما يحتاج إليه من تلك الأداة كلّها أموال أصحابه على قدر قيمة أنصبائهم فيه، وإن رأوا بدل هذه المعاني إذا بليت، فإنهم يبدلونها بمثلها، وإن وجدوا خيراً منها فليبيعوها ويجعلوا ثمنها في مثل ذلك، ويرفعوه (1) أيضًا إلى وقت حاجتهم إليه.
مسألة
قلت: أرأيت قوماً أرادوا أن يجعلوا لقصرهم منقاص (2) واحتاجوا إلى ذلك؟ قال: يبنونه على قدر قيمة أنصبائهم في القصر؛ وكذلك الفصيل (3) والخندق مثل ذلك أيضًا. وإن أرادوا أن يبنوا له رفادة (4) تقويه فليبنوه على قدر سهامهم في
ذلك الحائط.
قلت: فهذه المعاني إن أرادوا أن يحدثوها و لم تكن قبل ذلك فهل يجوز أن يأخذ
بعضهم بعضا عليها؟
قال: لا؛ وأَما ما كان قبل ذلك فإنَّهم يتآخذون على رده؛ ومنهم من يقول: يتأخذون فيما بينهم على إحداث هذه المعاني، ولو لم تكن قبل ذلك إن رأوا أنَّ ذلك أصلح لهم و لم يستغنوا عنه.
1 - قوله: «ويرفعوه مراده والله أعلم ولهم أن يرفعوا هذه الأداة إلى وقت حاجتهم إليها فيحفظوها حيث لا تبلى، وذلك إن استغنوا عنها. غير أنه على هذا المعنى يجب إرجاع الضمير مؤناً
على ما تقدم.
وهناك معنى آخر هو: لهم أن يحفظوا ثمن ما باعوا منها إلى وقت احتياجهم إليه، وهو ما
ذكره الشيخ عبد العزيز الثميني رحمه الله في كتاب التكميل. ليحرر.
قوله: «منقاصاً» تعقبت المعاجم التي عندي فلم أجد من ذكره. والأمر الله.
3 - قوله: وكذلك الفصيل»، قال في لسان العرب: «الفصيل حائط دون الحصن». وفي التهذيب: حائط قصير دون سور المدينة والحصن».
الرفادة، قال في لسان العرب: «الرفادة: دعامة السرج والرّحل وغيرهما». انتهى، وعلى هذا فالرفادة عبارة عن جدار متعامد مع السور على شكل مثلث يحفظه من الميلان أو الانهيار.
- 209 - (1/209)
صفحة 205
ويمنع من أراد أن يحدث بجانب القصر بيتاً أو قصراً ملتزقًا، سواء في فتحه أكان خارجاً من القصر أو داخلاً فيه (1)، وكذلك من أراد أن يبني بقربه دارًا أو يحفر بئراً أو يغرس غرساً فإنَّهم يمنعونه فيما دون أربعين ذراعًا؛ وكذلك كل ما يحدث في ذلك الحريم، سواء من أراد ذلك هو صاحب تلك البقعة أو غيره، أو لم يعرفوها لأحد، إلا إن كانت الأرض التي بني فيها لغيرهم (2)، فمنعهم صاحبها قبل أن يثبت عليه، فلا يجدون منعه ويعمل في أرضه ما شاء. ولا يجوز لهم أيضًا أن يحدثوا له هذه المعاني التي ذكرناها من الفصيل والخندق والمنقاص وما أشبه ذلك إذا كانت الأرض لغيرهم و لم يأذن لهم صاحبها.
والحريم سواء فيه قصر العامة أو الخواص أو رجل واحد، وإن أراد أصحاب القصر أن يزيلوه من مكانه ويحدثوه في مكان آخر فلا يجدون ذلك إلا باتفاقهم إذا كانوا خواص، وَأَمَّا العامة فلا يجدون ذلك؛ وكذلك الفصيل أيضا إن أرادوا تحويله، أو أرادوا أن يدفنوا الخندق أو يجعلوه في غير موضعه الأول فلا يجدون ذلك. وكذلك الزيادة في هذه المعاني التي ذكرنا لا يأخذ بعضهم بعضا عليها إلا إن رأوا أنَّ ذلك أصلح لهم.
وإن أراد بعضهم حفر الخندق وأبى ذلك البعض الآخر فإنهم يحفرونه ونه، إلا إن كان في حفره مضرة، سواء في ذلك اأرادوا أن يحفروه للكل أو لسهامهم دون غيرهم؛ وإن لم يعرفوا صاحب الأرض التي دارت (3) بقصرهم، فلا يحدثوا فيه شيئًا
1 - قوله: «سواء في فتحه أكان خارجا ... » إلى آخره معناه سواء أكان المحدث من البناء الملتزق بالسور يفتح إلى داخل السور أو خارجه. والله أعلم. قوله: «إن كانت الأرض التي بني فيها ... » إلى آخره معناه إن كانت البقعة التي بنوا فيها القصر وسوره ملكاً لغيرهم ولم يأذن لهم صاحبها فلا يجدون منعه من إحداث شيء ملتزق بالسور ما دام صاحب الحق في تلك البقعة. ليحرر. هَذَا وَفي المسألة إشكال، هو: هل يجوز لهم أن يبنوا في أرض بغير إذن صاحبها؟ أم مُرَاد العبارة شَيْء آخر؟. الله أعلم.
-
3
يعني: التي أحاطت بقصرهم.
- 210 - (1/210)
صفحة 206
من هذه المعاني فيما بينهم وبين الله وفي الحكم. ومنهم من يقول: حيث لم يعرفوا
صاحبها فليس عليهم شيء فيما بينهم وبين
الله.
مسألة أخرى
قلت: أرأيت رجلاً أراد أن يحدث في حريم القصر شيئًا من البنيان والغرس وأشباه ذلك، ولم يمنعه أصحابه فهل يثبت عليهم ذلك؟
قال: إن كان القصر لِلعامَّةِ فلا يثبت عليهم، وإن كان للخواص فإنَّه يثبت عليهم. قلت: فإن كان القصر للعامة فأذنوا لمن يبني في حريمه أو يغرس، فهل يثبت عليهم ذلك؟
قال: لا؛ وأَما إن أعطوا له ذلك أو باعوه له فقد ثبت عليهم. قلت: وإن كان الدور والبيوت في حريم القصر فأراد أصحابه أن يحفروا في تلك الدور أو البيوت خندقا وقد تخوفوا من عدوهم؟
قال: لا يفعلوا ذلك إلا إن أذن لهم أصحاب تلك العمارة في ذلك، وإن أذنوا
لهم فليفعلوا.
قلت: فإن كان المسجد في ذلك الحريم، وقد تخوفوا لما يدخل عليهم من المضرة من قبل المسجد من عدوهم فهل يهدمونه؟
قال: لا.
وإن كانت هذه البيوت قريبة من القصر فطلع عليهم عدوهم فهل يهدمونها أم لا؟ قال: لا. وَأَما ما أفسدوه في وقت قتالهم برمي الحجارة وأشباه ذلك فليس عليهم منه شيء. فإن حضر أهل القصر فإنَّهم يطلعون على الغرف التي كانت فيه فيقاتلوا عدوهم، سواء في ذلك أصحاب الغرف أو غيرهم، وإن لم يكن فيه
- 211 - (1/211)
صفحة 207
غرف، فإنَّهم يجعلون فيه سُقُفًا يطلعون عليها، وما أفسدوا في ذلك الوقت في وقت قتالهم فليس عليهم منه شيء، ولا يأخذون من حجارة ذلك القصر ولا تلك الغرف شيئًا ليقاتلوا به، ومنهم من يرخص.
وأما ما كان موضوعاً في تلك الأماكن التي يقعدون فيها من الحجارة للمقاتلة فليس عليهم منه شيء. وإن كان القصر للعامة وقد دار به خندق فأرادوا أن يدفنوه ويبنوا فيه بنيانا؟
قال: إن كان الموضع الذي فيه الخندق لرجل واحد فأذن لهم في ذلك فلا بأس عليهم؛ وكذلك إن كان لقوم خواص فاتفقوا على ذلك فإنهم يفعلون ذلك؛ وإن كان ذلك المكان لِلعَامَّةِ فلا يحدثوا فيه شيئا ولا يبيعونه ولا يهبونه؛ ومنهم من يقول: يحدثون فيه ما أرادوا من ذلك ويعطونه ويبيعونه ويدفعون ثمنه المصالح قصورهم؛ وإن لم يعرفوا لذلك المكان صاحبا فهو بين أهل القصر كلهم على قدر
ما لهم فيه من العمارة يعطونه لمن أرادوا ويبيعونه ويأخذون ثمنه إن شاؤوا. وإن أرادوا أن يدفنوا خندقهم فيعمروه بأي عمارة شاؤوا من البنيان والغرس أو يجعلوا فيه سوقا فهو على ما قلناه أَوَّلاً، وإن أرادوا أن ينزعوا ما اندفن من خندقهم من التراب فليضعوا ذلك التراب في الموضع الذي يوضع فيه قبل ذلك؛ وإن لم يعرفوا له موضعا فليجعلوه فيما بين القصر والخندق (1)، وإن لم يجدوا أين يضعونه في ذلك فليضعوه حيث تيسر لهم.
(2)
وإن نبت في ذلك الخندق قصب أو سمار) أو غير ذلك مِمَّا يكون الناس فيه سواء فلا بأس على من يأخذه، إلا إن كانوا يحوطونه به فلا يأخذه حينئذ؛ ويجوز لأصحاب
1
-
الحكمة في هذا: أنه لو جعل التراب خارج الخندق لسهل على العدو ردم الخندق بذلك التراب.
والله أعلم.
2 - السمار، قال في المنجد: «السَّمَارُ: جنس نبات عشبي من فصيلة الأسليات، له عادة سيقان طويلة ومنتصبة، ينبت في المناقع والأراضي الرطبة، وتستعمل أوراقه لصنع السلال والحصر
والأطباق وغيرها».
- 212 - (1/212)
صفحة 208
الخندق فيما بينهم وبين الله أن يحوطوه ويمنعوه. وإن نبت فيه قصب عربي (1) أو أشجار أو خرجت فيه عين فالجواب في ذلك كالجواب فيما تقدم ذكره.
وإذا أرادوا عمارة الخندق وقد خافوا من العدو فهل يجوز لهم أن يكسروا العين (2) إلى الخندق؟
قال: فإنه إن أذن لهم صاحب تلك النوبة إلى كسر مائه فإنهم يفعلون ذلك، وإن لم يأذن لهم فلا يفعلوا إلا إن أدركوا أوائلهم يفعلون ذلك فليفعلوا ويعطوا ما أتلفوا له من الماء إن كانوا يفعلونه قبل ذلك؛ وإن لم يدركوا من كان قبلهم يفعل ذلك فليس عليهم شيء؛ وإن زال عنهم الخوف فليتآ خذوا على نزع ذلك الماء إن ضر بالحيطان، وإن لم يضر ذلك بالحيطان فلا يتأخذون على نزعه من الخندق. و من استقى منهم جنانه أو غيره من النبات فهو تباعة.
ملكا
لهم
وَأَمَّا إن أرادوا أن يزيدوا في عمق الخندق فلا بأس عليهم ويتآخذون عليه، وإن أرادوا أن يوسعوه فإن كانت الأرض التي أرادوا أن يزيدوا منها في سعتها فلا بأس؛ وإن لم يكن لهم في تلك الأرض شيء فلا يزيدوا فيه إلا إن أذن لهم صاحب الأرض. وإن أرادوا أن يضيقوه عن حاله الأول فلا يجدون ذلك إلا إن كان أصلح لهم ويجعلون عليه القناطر إن أرادوا وينزعون أيضا ما كان عليه من القناطر قبل ذلك. وإن كان فيه موضع لم يحفروه، فأرادوا أن يحفروه فلا بأس عليهم، ويمنعوا من يحدث عليه جميع المضرات كلّها من الطريق والهدم والدفن ومن أحدث عليه شيئا من ذلك فليأخذوه بنزعه.
ويمنعون أيضا من أراد أن يتخذ طريقا تحت القصر فيما بينه وبين الخندق، ويمنع أصحابه من أراد أن يفتح من القصر بابا لبيته خارجًا منه، وإن كان إنما بنوه على
1 - قوله: قصب «عربي» أم أما القصب فمعروف قال في المنجد القصب، الواحدة قصبة، نبات مائي من فصيلة النجيليات ... » إلى آخره. وأما القصب العربي فالله أعلم به.
2 - المراد بكسر العين: تحويل مائها إلى الخندق.
- 213 (1/213)
صفحة 209
أن يفتح لبيته بابا خارجًا من القصر، ثُمَّ أراد بعد ذلك أن يرد بابه داخل القصر فلهم منعه، سواء في هذا البيت والغرفة.
وإن خرج لهم بتر أو عين في الخندق، فإنَّ ذلك يكون لهم كما اشتركوا في بقعة الخندق؛ ويتمانعون أيضًا مِمَّا يحدثون على تلك البئر أو العين من العمارات كلها، ولو كان ما ينتفعون به لشربهم وغسل ثيابهم وما أشبه ذلك من المنافع إلا إن اتفقوا على ذلك؛ وكذلك استسقاء ماء الخندق يتمانعون عليه إذا ضرَّ ذلك بالخندق، وما لم يضرهم من ذلك فليس عليهم منه شيء.
وأما من أراد أن يقطع من ذلك الخندق حجراً، أو يضرب منه الطوب، أو ما أشبه ذلك من حفر التراب منه، فإنهم إن كانوا يفعلونه قبل ذلك فلا يمنعونه؛ وإن لم يفعلوا ذلك فليمنعوه، ويرفع من ذلك التراب إن كان يصلح رفعه للخندق، ولا يمنعه أصحاب الخندق؛ وإن لم يصلح ذلك للخندق فلا يرفعه ويمنعونه أيضًا. وإن كانت بقعة ذلك الخندق لرجل واحد، أو لخواص من الناس، فكل ما طلع منه من التراب، فهو لأصحاب تلك البقعة، ويمنعون من أراد أن يرفعه، ويكون حفر الخندق على ما كانوا يحفرونه قبل ذلك، وإن كان إنما يحفره أصحاب
الخندق قبل ذلك فليتآخذوا على حفره؛ وكذلك كنسه إن دُفن على هذا الحال. وإن كانت بقعة حريم القصر لرجل واحد فأرادوا أن يبنوا فيه خصوصهم، فمنعهم من ذلك، أو أراد هو أن يبني خصا، ويجعل فيه ما يلتجئ إليه بمواشيه فمنعوه، فجائز لهم. وكلُّ ما كان من السماد في تلك البقعة من عماراتهم بالخصوص، فهو لصاحب البقعة إن اختلط بتراب أرضه، وإن كان لم يختلط، فهو لأصحاب الدواب والخصوص.
وإن انخرق ذلك الخندق حتى فسد، فإنَّهم يتأخذون على إصلاحه بما قدروا عليه من البنيان بالحجر أو الخشب، أو ما أشبه ذلك.
وإن انهدم ذلك القصر حَتَّى امترش وقد عرفوا ما لِكُلِّ واحد منهم وموضعه، فإنهم يتأخذون على بنيانه؛ وكذلك إن اشتركوا فيه كله على هذا الحال؛ وهذا إذا عرفوا موضع حيطانهم، وإن لم يعلموا موضع حيطانهم، فلا يتآخذون عليها.
- 214 - (1/214)
صفحة 210
وأَما إن اشتركوا في القصر ولم يشتركوا في البيوت فإنهم يتأخذون على بنيان السور، وإنَّما يتآخذون عليه في كلّ ما تبين لهم، وإن لم يتبين لهم فلا يتآخذون؛ وإن انهدم حتى اختلط حجره وطوبه وطينه، وقد عرفوا موضع ما لِكُلِّ واحد منهم من الحجر والطوب من القصر، والبيوت فليتأخذوا على بنيانه، ويكون لِكُلِّ واحد منهم من الحجر والطوب ما في بيته وما قرب حائطه؛ وما تشاكل عليهم فلا يقربوه ويقتدون بأساس حيطانهم؛ وإن لم يكن لهم أساس، وقد عرفوا ما لِكُلِّ واحد منهم من عدد الأقدام) في تلك الأرض فليقتدوا به أيضا.
وكذلك يقتدون بأمينين إن قالا لهم هذا موضع كُلّ واحد منكم، أو أمين
واحد، أو من صدقوه من الناس.
وإن علموا بعضا من ذلك ولم يعلموا بعضًا فإنَّه إن كان ينتفعون بذلك البعض فليتأخذوا عليه، وإن لم ينتفعوا به فلا يتآخذون على إصلاحه؛ ومنهم من يقول: يتآخذون عليه ولو لم ينتفعوا به.
وإن أرادوا أن يبنوه بعدما انهدم واختلفوا في مقدار عرضه، فكل ما تبين لهم من ذلك فليتآخذوا به، وما لم يتبين لهم فلا يتآخذون به، ومن قال منهم: بقي منه كذا وكذا فهو المدعي. وكذلك إن اختلفوا في مقدار طوله فهو على هذا الحال، إلا إن كان الذي بنوه لا يمنعهم من العدو فليتآخذوا عليه حتى يمنعهم كما
كان قبل ذلك.
وكذلك إن انهدم فأخذوا في بنيانه واختلفوا في مقدار البيوت والغرف من الطول والعرض فإنَّهم يبنون السور ويتركون البيوت والغرف (2) حتى يتفقوا
1
حد
قوله: «من عدد الأقدام ... » مراده من المساحة، لأن قياس المساحة يكون أحياناً بالأقدام. قال في المنجد: «القدم ج: أقدام وقدام مصغرها قديمة الرحل، (مؤنثة وقد تذكر) وفي القياس ما بين طرف إبهام الرّجل وطرف العقب».
2 - تقدم أن البيوت ما بني أسفل والغرف ما بني فوقها أو أعلى منها. والله أعلم.
- 215 - (1/215)
صفحة 211
عليها؛ وهذا إن اشتركوا في السور، وأما إن لم يشتركوا فلا يآخذون عليه. ومنهم من يقول: يتآخذون عليه ولو افترق ما لِكُلِّ واحد منهم من السور والبيوت؛ وإنَّما يؤاخذون أوَّلاً أصحاب البيوت ببنيانهم وما قابلهم من السور إلى المقدار الذي تبين لهم، وما تشاكل عليهم فليحلفوهم إن بقي لهم شيء، ثُمَّ يأخذون أصحاب الغرف بعدهم واحدًا بعد واحد إلى آخرهم في كل ما تبين لهم من ذلك، وما تشاكل عليهم فليحلفوا هم ما بقي لهم شيء؛ ومنهم من يقول: إنَّما يأخذونهم على قدر نظر أهل الصلاح والرأي منهم.
وَأَمَّا إن لم ينهدم السور، وانهدمت البيوت والغرف فليأخذوا أصحاب البيوت أولاً ببنيانهم، ثُمَّ يأخذون من يليهم من أصحاب الغرف ببنيانهم ثُمَّ يأخذون من يليهم، ثُمَّ كذلك إلى آخرهم، ويأخذ أصحاب الغرف أصحاب البيوت ببنيان بيوتهم إن لم يأخذهم أصحاب القصر. وليتآخذ أصحاب الغرف فيما بينهم سواء من كان فوق ومن كان أسفل.
وأما إن كان بيت بينهما، فلا يؤاخذ السفلاني الفوقاني منهما برد ما انهدم من ذلك. ومنهم من يقول: يأخذه ببنيان غرفته إذا لم تنهدم الغرفة التي بينهما، وإن لم تكن الغرفة التي بينهما، فلا يأخذه على ذلك.
وأما إن تركوا قصرهم ولا عمران فيه، ثُمَّ أرادوا بعد ذلك أن يرجعوا إليه، فإنهم يتأخذون على عمرانه وإصلاح ما انهدم منه سواء أخرجوا منه باتفاقهم قبل ذلك أو لم يتفقوا عامة كانوا أو خواص.
وأما إن قال بعضهم لبعض نعمره بأنفسنا وأموالنا، وقال: لهم الآخرون: نحفظه ونحوطه من غير عمارتنا بأنفسنا فلهم ذلك، ولا يدركون عليهم أن يعمروه بأنفسهم وأموالهم إن عمروه قبل ذلك ثُمَّ خرجوا منه؛ وإن قال بعضهم: نعمره بأنفسنا وقال لهم الآخرون نعطي لكم من غيرنا من يعمره معكم من غيرنا، فذلك راجع إلى رأي أهل العدل، فإن كان غيرهم يعمره فذلك جائز؛ وإن لم تصح لهم العمارة إلا بأنفسهم فلا يجدون إلا عمارته بأنفسهم. وإن برا بعضهم
- 216 - (1/216)
صفحة 212
بعضا
من الاستمساك فيما بينهم على عمارة هذا، ثُمَّ استمسك بعضهم ببعض بعد ذلك فإنه إن كانوا خواص فقد حازت تبرئتهم، وأما إن كانوا عامة فلا تجوز؛ ومنهم من يقول: لا تجوز تبرئتهم فيما بينهم ولو كانوا خواص.
وإن كان لهم قصران فتركوا عمارتهما حتى خربا، ثُمَّ أرادوا أن يعمروهما؟ قال: إن اتَّفَقُوا على عمارتهما فلهم ذلك إن قدروا عليه، وإن اتفقوا أيضا على عمارة واحد منهما دون الآخر فلهم ذلك أيضًا. وأما إن اختلفوا فقال بعضهم: إنَّما نعمر هذا، وقال الآخرون: إنَّما نعمر غيره، قال: إنما ينظر في ذلك إلى أيهما أصلح لهم وأكثر نفعا فليعمروه؛ وإن كانا في هذا المعنى سواء فليعمروا ما رأى لهم أهل الصلاح.
وإن عمروا واحدا منهما ثُمَّ أراد بعضهم أن يعمروا الآخر، فهل يدركون على أصحابهم ذلك؟
قال: إن كانوا يقدرون على ذلك فليعمروهما كليهما معا، وإن لم يقدروا فليعمروا الذي عمروه أوَّلاً؛ وهذا إذا كان القصران قديمين أو محدثين أو كانا للخواص أو لِلعَامَّةِ. وإن اختلف القصران واحد منهما جديد والآخر قديم فالقول قول من دعى إلى عمارة القديم؛ ومنهم من يقول: إنَّما يعمرون ما كانوا فيه بالعمارة في وقت خصومتهم، وإن لم يقدروا على عمارتهما جميعا.
وإن كان لهم قصران لقبيلة منهم قصر، وللأخرى قصر آخر، وفي القبيلتين من له سهم في القصرين جميعا فليؤ خذوا على عمارة القصرين جميعا ببنيانهما وإصلاح ما فسد فيهما. وأما أخذ أحد على عمارته بنفسه فلا يؤخذ إلا على واحد منهما.
مسألة أخرى
قلت: أرأيت قوما اتفقوا على أن يبنوا قصرًا في وسط أصلهم على أن ينزعوا كل ما كان في ذلك الموضع من الأشجار وقد جعلوا لها قيمة أو اشترطوا عوضها؟
-217 - (1/217)
صفحة 213
قال: ذلك جائز، ويعطوا (1) قيمة تلك الأشجار وعوضها على ما ناب كل واحد منهم من الذي، بنوه ويستوون في غير ذلك من المنافع مثل: المجاز والساحة مِمَّا كانوا في منافعه سواء. وأَما إن لم يعطوا إلا عوض المنافع فإنهم يعطونهم على رؤوسهم حيث يستوون في المنافع؛ ومنهم من يقول: إنَّما يعطون قيمة ذلك على قدر ما لِكُلِّ واحد منهم من البيوت والبقاع، ولا ينظر إلى المنافع؛ وإن لم يعطوا إلا قيمة ما بنوا فيه من المنافع، والمنافع على هذا القول قبل ذلك بينهم، فإنَّما يعطون عوض ذلك على ما ناب كل واحد منهم من البنيان حيث يستوون؛ وإن أخذوه على أن يعطوا قيمته أو عوضه، ثُمَّ اختلفوا بعد ذلك في قيمته وعوضه، فإن اتَّفَقُوا قبل ذلك على شيء معلوم من القيمة والعوض فليعطوه، وإن لم يتفقوا على شيء فليعطوه قيمته في مكانه على حاله الأول، ولا ينظروا إلى قيمته مبنيا، ولا إلى حاجة أهل القصر إليه؛ وإن اختلفوا فيه أول اتفاقهم على قيمته فبنوا قبل أن يتفقوا على القيمة فالجواب فيها كالتي قبلها.
وإن قال لهم: إنَّما اتفقت معكم على العوض، وقالوا: إنَّما اتفقنا على القيمة أو ادَّعَى القيمة، وادعوا العوض فهو المدَّعي، فإن كانت له البَيِّنَة عَلَى مَا ادَّعَى فليأخذه؛ وإن لم تكن له بَيِّنَة فليدرك عَلَيْهِم اليمين عامة كانوا أو خواص مِمَّن
يحلف منهم.
وإن قالوا له قبل ذلك: نعطيك ما أردت بين العوض والقيمة فبنوا على ذلك الحال، ولم يبنوا ما يعطونه فاختلفوا فيما يأخذ، فالقول قوله. ومنهم من يقول: إنَّما يأخذ القيمة ولا يصيب غير ذلك؛ ومنهم من يقول: إنما يأخذ العوض؛ ومنهم من يقول (2): إن اتفقوا على العوض فليعطوا القيمة حيث تشاححوا عليه.
2
حد
في النسخة (ت): ويقطعون» عوض «ويعطوا». أضاف الناسخ: ... ولو اتفقوا على القيمة فلا يأخذون إلا العوض. ومنهم من يقول ... ».
- 218 - (1/218)
صفحة 214
وإن اتفقوا على هذا كله ولم يتقاطعوا شيئًا معلوما ثُمَّ بدا لهم أو لواحد منهم،
فإنهم [إن] لم يعمروا شيئا، فالقول قول من رجع منهم.
وإن عمروا شيئًا مثل: قلع الأشجار أو أخذوا في البنيان أو حفروا شيئًا في تلك الأرض فبدا لهم فإنهم يصلحون ما يمكن إصلاحه مِمَّا أفسدوه في الأرض، وما لا يمكن إصلاحه مثل: قلع الأشجار، أو قطعوه أو حفروا في الأرض، فلا يجد ذلك؛ ومنهم من يقول: يجوز له أن يرجع ويرجعوا عليه بعناء ما أصلحوا في أرضه أو بقيمته، ولا يدرك عليهم قيمة ما أفسدوا في الأشجار بإذنه واتفاقه.
وإن عمروه كله أو الأكثر منه فرجعوا فإنه إن لم يكن الفساد في الأرض فليأخذهم بنزع ما أحدثوا، ويعطوه قيمة ما نزعوا من الأشجار والحيطان، وإن كان الفساد في الأرض فلا يجدون الرجوع ويعطونه ما اتفقوا عليه من القيمة والعوض؛ وإن رجع هو فلا يجد ذلك حيث عمروا الكل أو الأكثر منه. وإن أذن لهم بعض من كانت الأرض له فعمروا البعض أو فمنعهم شركاؤهم؟ قال: إن كان ذلك مقدار سهم الذي أذن لهم، فلا يجدون نزعه، ويضمن لشركائه ذلك؛ وإن عمروا أكثر من سهم الذي أذن لهم فليأخذهم بنزع ما زادوا على
عوض
كله عمروه
سهمه. ومنهم من يقول: لا يجدون نزع تلك الزيادة، ويضمن لهم عوضها.
وأما إن خرجت تلك الأرض التي أذن لهم فيها أو باعها لهم أو بادلها منهم أو وهبها لهم وليس له فيها شيء، فإنَّه إن لم يعمروا فيها شيئا فليأخذها صاحبها (1). وإن عمروا عمارة لم يكن فيها فساد فليأخذهم بنزعها ويأخذ أرضه (2) فسد ذلك، أو لم يفسد، وإن كان الفساد بالعمارة في الأرض (3) فليدرك عليهم عوض
-
-
1
2
3
-
قوله: «فليأخذها صاحبها المراد صاحبها الحقيقي لا الذي باعها لهم أو وهبها وليس له فيها شيء. قوله: «وإن عمروا عمارة لم يكن فيها فساد .. » الظاهر أنَّ المراد هو: إن عمروا عمارة بغرس أو بناء أو غيرهما مِمَّا ليس في نزعه فساد فليأخذهم بنزعه ... غير أنه يكدر على العبارة قوله: بعد: فسد ذلك أو لم يفسد. وقوله: «وإن كان الفساد بالعمارة في الأرض .. لعله يقصد: وإن كان يحصل فساد تلك
- 219 - (1/219)
صفحة 215
أرضه أو قيمتها، وإن لم يكن في تلك الأرض فساد تلك العمارة ولكنها تفسد بنزع ذلك فليدرك عليهم قيمتها أو عوضها، وإن لم يكن الفساد إلا في ذلك البنيان والعمارة، فلا يشتغل بذلك ويؤخذون بنزعها، ولا يدركون على البائع والواهب شيئا من ذلك الفساد ولو غرَّهم. به. ومنهم من يقول: إن غرهم فليدكوا عليه قيمة ما فسد لهم.
وَأَمَّا إن أصلحت تلك العمارة الأرض فلا يأخذهم بنزعها. ويكون بالخيار إن شاء أن يعطي قيمة ذلك، وإن شاء أخذ قيمة أرضه أو عوضها. وإن خرجت تلك الأرض كلها لمن ولي البائع أمره فإنَّهم يكونون على اتفاقهم الأول، ويجوز لهم أن يفعلوا إن رأوا ذلك أصلح لمن ولي أمره، فلا يصح من ذلك شيء إلا إن كانت الأرض لابنه الطفل. قلت: فقوم اتَّفَقُوا على أن يبنوا قصرًا في أرضهم وفي قربها أصل لغيرهم، فاتفقوا معه أن ينزعوا جميع ما يَضُرُّهم من ذلك؟
قال: ينزعون كلَّ ما يَضُرُّهم من ذلك، سواء لواحد منهم أو لعامتهم، أو للخواص منهم، وإن اختلفوا في ذلك فقال بعضهم: هذا مضرة، وقال الآخرون: ليس فيه مضرة فليرفعوا ذلك إلى ذوي النظر منهم أو من غيرهم، فما قالوا إنه مضرة نزعوه؛ فإن طلب إليهم صاحب تلك المضرّة عوض ذلك، فإنه إن لم يَتَّفِقُوا أوَّلاً على العوض فلا يدركه وإن اتفقوا عليه فإنه يدركه؛ وكذلك القيمة على هذا الحال وهذا إذا كانوا بلغا كلُّهم وهم، خواص، وَأَمَّا العَامَّة فلا يجوز عليها ذلك إلا إن أعطوا عوض ذلك لصاحبه أو قيمته. وكذلك إن كان ذلك لليتامى أو المجانين، فلا يجدون ذلك في أرضهم إلا إن أعطوا قيمتها أو عوضها، وأما غلة هذا كلّه فهي لصاحبه ما لم ينزعوه إلا إن باعه لهم، فإن باعه فالغلة لمن اشتراه، ويجوز له أن يستغل تلك الأشجار ما لم ينزعوها.
العمارة في الأرض فليدرك عليهم عوض أرضه .. ليتأمل.
- 220 - (1/220)
صفحة 216
فإن ترك أصحاب ذلك البنيان بنيانهم وخرَّبوه فله أن يترك تلك الأشجار على حالها ويستغلها في ذلك المكان؛ وكذلك من كان بعده فهو بمنزلته، ولكن إن حضره الموت فليعلم ذلك لورثته.
وإن أبرأ أصحاب القصر صاحب تلك الأشجار من تلك المضرة أو أبرؤوا ورثته، ثُمَّ أرادوا بعد ذلك أخذه فليس لهم ذلك.
وإن حرب ذلك القصر، فأراد أصحابه أن يأخذوا أصحاب الأشجار بنزعها، فإنه إن كانوا يصلون إلى عمارته إذا أرادوها فإنَّهم يدركون نزعها، وإن كانوا لا يصلون إليها على حال فلا يدركون نزعها.
وإن اتفق قوم على أن يبنوا قصرًا في موضع معلوم على أن ينزعوا ما يَضُرُّ بقصرهم من الأشجار وغيرها، فقال لهم أصحاب القصر: انزعوا مضرتكم عن موضع قصرنا، وقال لهم أصحاب تلك المضرات ابنوا قصركم فننزع مضرتنا، فإنهم يدركون عليهم نزع تلك المضرة، ولو لم يبنوا.
والجواب في هذه العمارات كلها من الأشجار والحيطان والسواقي والمماصل
وغيرها واحد في التبرئة والإثبات والنزع وأكل الغلة والانتفاع.
قلت: فالأشجار إذا كانت حول القصر وخاف أصحاب القصر ممن يقطع تلك الأشجار، فتقع على قصرهم أو خافوا من يطلعها فيرميهم من فوقها، أو يدخل إليهم قصرهم منها سواء أكانت الأشجار قبل أن يكون القصر أو بعد كونه أو كانا معا، أو لم يعلموا أيهما سبق الآخر؟ قال: هذا كله
سواء لا يؤخذ بنزعه إذا ثبت، إلا إن كان فيه ميلان على القصر أو خافوا
من وقوعه عليهم. كذلك البنيان على هذا الحال سواء أكان لِلعامَّةِ أو الخاصة.
والقصران إذا كانا في موضع واحد ومال أحدهما على الآخر فإنه يأخذ بعضهم بعضا بنزع تلك المضرة سواء أكانا لِلعامَّةِ، أو كان واحد للعامة والآخر للخاصة.
- 221 - (1/221)
صفحة 217
وإن اتَّفَقَ قوم أن يبنوا قصرين في أرض استووا إليها فإنهم يجعلون فيما بينهم ثمانين ذراعًا لحريمهما، لِكُلِّ واحد أربعون ذراعا؛ ومنهم من يقول: يجعلونه خمسة أذرع لِكُلِّ واحد منهما.
وأما إن كانت الأرض لهم فاتفقوا على أن بينوا فيها القصور، فلا يتركوا لِكُلِّ قصر إلا خمسة أذرع الحريمه. ومنهم من يقول: يتركون لِكُلِّ واحد منها أربعين ذراعًا. وَأَمَّا إن سبق أحدهم لبنيان قصره فلا يترك إلا خمسة أذرع، وإن أراد غيره أن يبني قصراً آخر بالقرب منه فليترك أربعين ذراعًا إلى القصر الأول.
وَأَما إن أذن لهم أن يبنوا قصرًا في أرضه فأراد هو أن يبني قصراً آخر إلى جانبه، فليترك الحريمه أربعين ذراعًا.
وأما إن بنى هو أولاً فأذن لهم أن يبنوا قصراً في أرضه فليبنوا في أي موضع أرادوا قرب أو بعد ولا يحتاجون إلى الحريم.
وإن اتَّفَقَ قوم أن يبنوا قصرًا فاختلفوا فيما يبنونه به، فإنَّه إن كان ذلك القصر قبل ذلك فليبنوه بما بني به أوّل مرة، فإن كان بالجبس، فالجبس، وإن كان بالطين فبالطين، أو بغيره فبغيره على هذا الحال. وإن لم يعرفوا ما بني به أوّل مرة، فلينظر في ذلك أهل النظر منهم، ويؤخذون على ذلك ويتآخذون عليه. وأما إن كانوا إنَّما أرادوا أن يحدثوا بنيانه فعلى قدر ما اتفقوا عليه من ذلك، وإن لم يَتَفِقُوا على شيء فليبنوه بما بنى به أهل ذلك البلد أو ما رأى أهل الصلاح، ويرجع ذلك إلى رأي أهل النظر كلّه في طول البنيان وقصره، وسعة أساسه، أو جنس ما يبنون به. وكذلك سعة الباب وضيقه إنَّما يعملون له مقدار ما يدخل جميع ما يحتاجون دخوله فيه.
وإن اختلفوا في الباب الذي يجعلونه لقصرهم، فإنه إن كان له باب قبل ذلك فليجعلوا له مثل ذلك الباب، وإن لم يكن له باب فليرجع ذلك إلى اتفاقهم فيما رأوا أنه أصلح.
- 222 - (1/222)
صفحة 218
مسألة أخرى
قلت: أرأيت قوما اتَّفَقُوا على أن يبنوا قصرًا في أرض المشاع فهل يجوز لهم
ذلك أم لا؟
قال: لا، سواء أكان المشاع لهم أو لغيرهم بإذن من ادعاه أو بغير إذنه، ومنهم يرخص إن كان ذلك المشاع لهم وَاتَّفَقُوا على بنيانه فيه على قدر ما اتفقوا عليه من التساوي () أو التفاضل ومنهم من يقول: لا يجوز لهم فيه البنيان إلا على قدر ما اقتسموه للحرث، فيكون الحائط الذي بنوه فيه لهم على قدر ما بنى كل واحد منهم. ومنهم من يقول: يكون البنيان بينهم مشاعا وهو المأخوذ به عندنا. وعلى قول من قال إنَّه لهم على قدر ما بنى كل واحد منهم، يبيع كل واحد منهم ماله من البنيان والنقض (2) والخشب. وأما البقعة فلا يجوز له فيها بيع ولا إخراج ملك، ومن مات منهم فورثته بمقامه، والحكم في حيطانه كلّها مثل الحكم فيما بنوا في أرضهم من الأصل. وكذلك حيطان القصر الذي بنوه في أرض غيرهم بإذنه مثل ما بنوا في أرضهم.
1
2
فإنه
وَأَما إن بنوا قصرًا في الأرض على أنها لهم، فإذا هي لغيرهم، أو للمسجد، أو للمساكين، أو للمقبرة، أو هي مشاع لقوم، آخرين، أتموا بنيانهم أو لم يتموه فإنهم يؤخذون بنزع ذلك كله، إن لم يكن في ذلك الفساد في الأرض. وإن كان الفساد في ذلك، وكان للمسجد أو لوجه من وجوه الأجر، فإنهم يعطون عوض ذلك كله ويمسكون قصرهم.
وَأَمَّا إن كانت تلك الأرض للمشاع فإنَّهم يؤخذون بنزع ذلك، فإن أفسدوا فيها شيئًا فليعطوا قيمة فسادها. ومنهم من يقول فيما ذكرنا كله من أرض
-
في الأصل «التسوية» وهو خطأ. النقض: قال في المنجد: «نقض ينقض نقضاً البناء: هدمه، والحبل حله». ثُمَّ قال: «النقض، ج. أنقاض ونقوض اسم البناء المنقوض إذا هُدم». ثُمَّ قال: والنقض ج. أنقاض ونقوض ما انتقض من البنيان».
15
- 223 - (1/223)
صفحة 219
المسجد وغيره أنَّهم يؤخذون بنزع ذلك كله ويعطون قيمة الفساد إن أفسدوا فيه شيئًا، ومنهم من يقول: إنَّما عليهم في ذلك كلّه العوض، وإن تعمدوا بنيان القصر في أرض أحد من هؤلاء الوجوه التي ذكرنا فإنَّ ذلك يكون بمنزلة الغصب، ويكون ذلك كله لمن له الأرض وإن أفسدوا في ذلك شيئا فعليهم قيمة ما أفسدوا، وإن زادوا في ذلك عيناً (1) معلومة فلا يدركونه في هذه الوجوه كلها، إلا في الوجه الذي قد تبين فيه صاحب تلك الأرض فإنه حينئذ يكون بالخيار، إن شاء أن يمسك ذلك البنيان ويعطي قيمته للذين بنوه، وإن لم يرد أن يمسكه فليأخذهم بنزع ما أحدثوا عليه.
قلت: فقوم اشتركوا في أرض وفيها آثار الأوَّلين من البنيان أو غيره فاقتسموها ليبنوا فيها قصرًا إن كان يبني كل واحد منهم بِكُلِّ ما وجد في سهمه من الحجارة مبنيا أو غير مبني، منجورًا كان أو غير منجور؟ (2)
قال: كل ما كان من ذلك غير معمول فلا بأس أن يبنى به، وما كان معمولاً فلا يبني به إلا باتفاق أصحابه أو بإذنهم سواء من ذلك ما كان على وجه الأرض أو ما كان مدفونا، ومنهم من يرخص فيما كان تحت الأرض إذا لم يكن مجموعا، ومنهم من يرخص له ولو كان مجموعا. وأما ما وجد من الأعمدة رخاما كانت أو غير رخام فهو مشترك فيما بينهم جميعًا. وكذلك من وجد في سهمه بنيانا أو جبا أو عينا أو بترا، فإنَّه يكون بينهم جميعًا. ومنهم من يقول: كل ما وجد في سهمه من جميع ما ذكرنا فهو له يفعل فيه ما أراد؛ وكذلك ما وجد في ذلك من الخوابي فهو على ما فَسَّرنَا أَوَّلاً نسقا بنسق.
2
1 - قوله: «وإن زادوا في ذلك عيناً معلومة ... مراده: إن زادوا شيئاً فلا يدركونه .. وهذا الكلام تأكيد لما تقدم من أن صاحب الأرض المعتدى عليها هو صاحب الحق، وعلى ذلك فلا يثبت لمن غرس فيها أو بنى شيء من الحقِّ إلا على سبيل المصالحة فيكون الخيار له بين أن يمسك ما
أحدثوه في أرضه ويعطيهم، قيمته وبين أن يأخذهم بنزعه وإعطائه قيمة ما أفسدوا من أرضه. «منحوراً كان أو غير منجور، مراده منحوتاً كان أو غير منحوت. قال في القاموس: «النجر: تحت الخشب». فاستعماله هنا في الحجر على سبيل المجاز.
-
- 224 - (1/224)
صفحة 220
مسألة
قلت: أرأيت قوما بنوا قصراً فأرادوا أن يجعلوا له حارساً؟
قال: إن اتفقوا على ذلك فجائز، وإن أبى بعضهم من ذلك فإنَّه إن ألجأهم إلى ذلك الخوف من عدوهم في الأموال والأنفس، فالقول من دعا إلى الحارس على ما اتفقوا عليه من عدد الحرس إن كان واحدا أو ما اتفقوا عليه، وسواء أكان منهم أو من غيرهم. وكذلك إن اتفقوا أن يحرسوه بالدول) على الشهور أو على الأيام أو على الأقل من ذلك أو أكثر، فذلك جائز. ويجبرون من أبي من ذلك ويحجرون عليه، فمن كسر حجرهم أخرجوا منه الحق بالسجن أو بالضرب.
قلت: فقوم بنوا قصرًا قد تفاضلوا فيه فأرادوا أن يحرسوه بأنفسهم؟
قال: يحرسونه بأجمعهم بالسويَّة، ولا ينظر إلى تفاضلهم في القصر، سواء في ذلك أحرسوه بأجمعهم أو حرسوه بالدول على قدر قبائلهم، أو حرسوه بالتسمية أرباعًا أو أثلاث أو أقل من ذلك أو أكثر، سواء أكان التفاضل في التسمية، أو لم يكن، فَكُلُّ ما اتفقوا عليه فهو جائز، ويجعلون الحرس من غيرهم بأجرة أو بغير أجرة. وكذلك من له في القصر نصيب فإنَّه يحرسه بأجرة أو بغير أجرة.
ولكن إن أرادوا أن يجعلوا له الأجرة فليقصدوا إلى وقت يستأجرونه فيه فيحطوا عنه نصيبه (4) من القصر، ويحرسه بعضهم دون بعض ويعطوا عليه الأجرة من أموالهم
1 - بالدُّول: بضم الدال أو كسرها جمع دولة .. ما يتداول فيكون مرة لذا ومرة لذلك. 2 - قوله: «على قدر قبائلهم .. » لعلّ المراد أنهم إن اتفقوا على أن يحرسوه بالدول على أن تكون الحراسة في يوم على قبيلة وفي آخر على أخرى فذلك جائز. -3 وقوله: «حرسوه بالتسمية أرباعاً أو أثلاثاً» لعل المراد أنهم يقتسمون القصر أثلاثاً أو أرباعاً فيتولى حراسة كل منه فريق منهم. أم أنَّ المراد: عَلَيْهِم حراسته عَلَى كُلِّ فرد مَرَّة كُلِّ ثلاثة
4
-
أيام أو أربعة؟ ....
قوله: «فيحطوا عنه نصيبه مراده فيضعوا عنه أجرة منابه من القصر، لأنه يجب عليه هو
يستحق على حراسته أجراً.
فلا
- 225 - (1/225)
صفحة 221
على أنفسهم وعلى غيرهم إن لم يحضروا، وإن حضروا فلا يعطوا عنهم شيئا، إلا إن أبوا من العطية فليتفق أهل الصلاح منهم على أجرة معلومة ويجبرونهم عليها. والوجه الذي يعطون فيه الأجرة على غيرهم، فإنهم يدركون عليهم.
وهل يجوز لمن أراد أن يحرس قصر الغصب أو قصرا كان فيه غصب (1) أو قاتل النفس أو مانع الحق؟
قال: لا يجوز لمن يحرس قصر الغصب أو قصرًا كانت فيه بيوت الغصب، ولا يحرسه إذا كان فيه مانع الحقِّ لمن يأخذ منه الحق، أو قاتل النفس لأولياء المقتول، وَأَما إن لم يقصدوا في حراستهم إلى بيوت الغصب ولا مانع الحق ولا قاتل النفس، وإنَّما قصدوا أنفسهم، ولم يقدروا على الغاصب ولا مانع الحق ولا قاتل النفس أن يعطوا منهم الحق فلا بأس عليهم في ذلك.
وأَما إن قدروا عليه فلا يجوز لهم أن يكونوا معهم ولا يقاتلوا معهم ولا يحرسوهم ممن أراد إخراج الحقِّ منهم، ولا يدفع عنهم ضر أحد ولا يجر لهم منفعة، وإن اشتركوا في قصر فخاف بعضهم فخرجوا من أجل ذلك الخوف فإنهم يحرسون قصرهم من مضرتهم ولا يمنعون لهم بيوتهم إذا أرادوا أن يدخلوها، سواء أخرجهم خوف أصحابهم أو خوف غيرهم من الناس فإنهم يحرسون قصرهم وبيوت أصحابهم لما يدخل من المضرة. وأما إن أخرجوهم بأنفسهم فلا يحرسوا ذلك القصر منهم، وأَما من غيرهم من الناس فا الله أعلم (2).
ولا يؤخذ الرجل على إصلاح ما غُصب له من بيوته وحيطانه وأشجاره ولا كل شيء منع منه حيث لم يصل إلى الانتفاع به.
2
3
وأما إن أخرجوا أصحابهم من ذلك القصر من أجلهم أو من أجل غيرهم؟ (3) قوله: «أو قصراً كان فيه غصب .. » لعل المراد: كان في جزء منه غصب أي فيه جزء مغصوب. قوله: «فا لله أعلم» يبدو أنَّ في المسألة ترددا بين إجازتها أو منعها. قوله: «من أجلهم أو من أجل غيرهم لعل المراد من أجل شغب منهم أو سبب منهم يستدعي إخراجهم، أو من أجل شغب غيرهم كان المخرجون سبباً فيه.
- 226 - (1/226)
صفحة 222
قال: إن كانوا يصلون إلى الانتفاع بسهمهم وهو معروف دون سهم أصحابهم، فإنهم ينتفعون بسهمهم ويعملونه ويأخذون بإصلاحه أيضًا. وأَما إن لم يعرفوا سهم كُلِّ واحد منهم وَلَكِنَّهُ مشترك فيما بينهم فلا يدخلوه ولا يأووا إليه، ولا ينتفعوا به بوجه من الوجوه، ولا يؤخذ بإصلاحه وبنيان ما انهدم منه.
1
ولا يؤخذ من أخرج منه بالعنوة بإصلاح ما انهدم من ذلك القصر. وأَما إن خافوا من غير أصحابهم فخرجوا بذلك من أجل حق وجب فيهم، أو خرجوا بإرادتهم، فإنَّه إن كان السهم معروفا فلا ينتفع به، ويؤخذون بإصلاحه إن كان يوصل إليهم؛ وإن لم يوصل إليهم فإنَّ الباقين من أصحابهم يصلحون سهمهم بأنفسهم إن كانت المضرة تصل إليهم من أجل ما انهدم من ذلك ويدركون عليهم عناء ما عملوا حيث لم يخرجوهم.
وَأَما إن كانوا كلّهم شركاء في ذلك القصر من خرج منهم ومن بقي فإنهم يعمرونه ويجعلون له الحرس ويصلحون ما انهدم من ذلك وما فسد منه، ويرجعون به على من خرج من شركائهم.
وإن عمروا تلك البيوت لنفعها (1) فليس عليهم من الكراء شيء، وأما إن عمروها لنفعهم دون نفع البيوت فإنَّهم يعطون كراء ما عمروا. وكذلك إن كان في تلك العمارة نفعهم ونفع البيوت فليعطوا الكراء أيضًا، ومنهم من يرخص إن لم يقصدوا إلى نفعهم ألا يكون عليهم الكراء.
وَأَمَّا إن بنوا قصرًا لمنع الحقِّ فامتنعوا فيه، فإنَّهم يقاتلونهم ويهدمونه إن وصلوا إليه، وليس عليهم من ضمان ما أفسدوا شيء. وكذلك إن دخله غير من بناه لمنع الحقِّ فامتنع فيه، فإنَّهم يقاتلونهم ويهدمونه أيضًا وليس عليهم مِمَّا أفسدوا فيه شيء. ويهدمونه أيضا حيث بنوه لمنع الحقِّ ولو لم يدخل فيه أحد، سواء أتم بنيانه
أو لم يتم.
قوله: «لنفعها» أي لصالح تلك البيوت.
- 227 - (1/227)
صفحة 223
وَأَما ما بنوه لمنافعهم فامتنعوا فيه من الحقِّ، فإنهم يهدمونه ويغرمون قيمته. ومنهم من يقول: ليس عليهم شيء.
وأما إن دخلوا قصر غيرهم أو بيته، ولم يبن لمنع الحق، فإنهم يقاتلونهم ويهدمونه ويغرمون قيمة ما أفسدوا فيه من أموالهم ومنهم من يقول: إنما يعطون من بيت مال المسلمين.
ذلك
وَأَمَّا إن كان القصر لهم فدخله مانع الحقِّ فهدموه فلا يدركون عليه ما أفسدوا في قصرهم إلا إن أفسده هو بنفسه؛ وكذلك ما فسد بسببه في امتناعه ولم يفسده
بنفسه، فليس عليه منه شيء.
والجواب في الدور والغيران والحيطان والآبار والمواجن كالجواب في القصر
نسقا بنسق.
وأَما إن امتنع لهم في الأشجار فلا يقطعون ذلك. وكذلك المسجد وبيوت الأجر وأشجارها على هذا الحال، فلا يحرقون عليهم بالنار إن امتنع لهم في شيء من هذه المعاني، ولكن يعملون كيف ما يصلون به إليه.
و من ألجأته الضرورة إلى قصر غصب من أصحابه فلا يدخله ولا ينتفع به. ومنهم من يقول: إن خاف على نفسه وماله أن يلتجئ إلى ذلك القصر من غير أن يفسد فيه شيئا (1).
وعن قوم أرادوا أن يجعلوا حارسًا لقصرهم بالأجرة؟
قال: ذلك جائز سواء ما يجعلون له الحراسة (2) القصر، أو ما كان فيه أو على
رؤوسهم، ويجعلون في ذلك ما يشاؤون من الحرس قلوا أو كثروا (3).
1
- 2
3
هذه الجملة غير تامة لعدم اشتمالها على جملة جواب الشرط، وَلَكِنه يفهم من السياق أن الحكم في الخائف على نفسه جواز الالتجاء إلى القصر المغصوب. في الأصل «الحراس» وهو خطأ. أو لَعَلَّ الصواب: «ما يجعلونه الحُرَّاس القصر»، أي ما يجعلونه من الأحر.
قد تقدم الكلام على هذا، ولعله أعاده هنا توطئة لما بعده.
-
- 228 - (1/228)
صفحة 224
وإن ضيع الحرس حتى فسد الذي حرسوه فهم ضامنون على رؤوسهم. وإن ضيّع بعضهم ولم يضيّع بعض فالذين ضيعوا ضامنون، وليس على من لم يضيع منهم شيء. وإن قصدوا لِكُلِّ واحد منهم بالحراسة إلى شيء دون صاحبه فمن ضيع منهم ما حرس فهم ضامنون له دون صاحبه (1).
وإن استأجروهم للقصر هكذا، فإنَّما يعطي تلك الأجرة على قيمة ما لِكُلِّ واحد منهم من القصر وبيوته وحيطانه وأبواب البيوت إن لم يخافوا إلا على القصر
خاصة دون أموالهم. وَأَمَّا إن لم يخافوا إلا على ما كان في القصر من الأموال فإنهم يعطون الأجرة على قيمة ما لِكُلِّ واحد منهم من المال.
وأما إن لم يخافوا إلا على أنفسهم فليعطوا الأجرة على رؤوسهم سواء في هذا
الذكر والأنثى والحر والعبد والموحد والمشرك والبالغ والطفل.
وأما إن خافوا على القصر وما كان فيه من المال فإنَّهم يعطون أيضا الأجرة على قيمة ما لِكُلِّ واحد في القصر والمال.
وإن خافوا على القصر والمال والأنفس فليعطوا الأجرة على قيمة ما لهم من القصر والمال ودية الأحرار وقيمة العبيد. ومنهم من يقول: إنما يعطون الأجرة على ما اتفقوا عليه من المال والقصر والأنفس، ويكونون في ذلك سواء، الغائب منهم والحاضر واليتيم والمجنون ومن له البيت الكبير والصغير.
وإن خافوا على بعض القصر دون بعض فليعطوا الأجرة على تلك القيمة فيما تمكن فيه. ويعطون على بعض الرؤوس إن خافوا عليهم، وإن خافوا على بعض القصر، وبعض ما كان فيه وبعض رؤوسهم، فليعطوا الأجرة على ما ناب ذلك البعض، كما يعطونها على الكل.
-
1
كذا في الأصل وَلَعَلَّ الصواب: فمن ضيع منهم ما حرس فهو ضامن له دون صاحبه».
—
- 229 - (1/229)
صفحة 225
وإن كان في ذلك المنزل من لم يكن له في القصر شيء فحر سوا قصرهم من مخافة ما يخرجهم من منزلهم فليعط الأجرة أصحاب القصر على قصرهم، ويدخل معهم أهل المنزل برؤوسهم، وإن خافوا على رؤوسهم كلهم ويحاسبون أهل القصر
بقيمة قصرهم
مسألة في الدور والبيوت
وإذا أراد قوم أن يبنوا دورًا وبيوتا ويعمروها، فإنما يفعلون ذلك في أرضهم التي ملكوها أو عُرفوا فيها، أو أرض عرفوها لأحد فأذن لهم فيها صاحبها، أو لم يعرفوها لأحد ولم يدعها، فجائز لهم عمارتها؛ وأَما غير هذه المعاني فلا يبنون
فيها ولا يعمرونها.
وأما أرض الرجل التي لم يشترك فيها مع أحد، فإنَّه يبني فيها كيف يشاء، ولا يحذر في ذلك إلا ما يضر بجاره من الظل أو العلو على دار جاره، أو ما أشبه ذلك من المجازات وما لا يستغنون عنه من الطريق لمن يدخلها ومن يخرج منها ومن يأوي إليها، والمقاعد (2) التي يضر بها جاره.
وإذا اشترك قوم في أرض فاتفقوا أن يبنوا فيها فكل ما بنوا فهو بينهم، كما اشتركوا في أرضهم، ويأخذ بعضهم بعضا على بنيانها على قدر حصصهم فيها؛ وكذلك منافعها كلها على حسب أنصبائهم، سواء أكان ذلك النقض الذي بنوه من تلك الأرض أو من غيرها؛ ويكون البنيان بينهم ويتراددون القيمة فيما يكون
1 - عبارة: «وإن خافوا على رؤوسهم كلهم ويحاسبون ... » إلخ يبدو لي فيها سقط، وَلَعَلَّ كمالها
-
2
هكذا: «فَإِنَّهُمْ يحاسبون أهل القصر بقيمة قصرهم».
قوله: «والمقاعد التي يضر بها خاره»، مراده والله أعلم أنه يجب عليه أن يحذر كل ما يضر به جاره، بما في ذلك ما يحدثه من أماكن للقعود - وحده أو جماعة - مما من شأنه الإضرار بجاره. فالمقاعد هنا معطوفة على ما ذكر قبلُ مِمَّا يضر بالجار.
230 -
- (1/230)
صفحة 226
(1)
فيه، أو العناء فيما لم تكن فيه القيمة فيما بناه بعضهم دون بعض. وإن منع
بعضهم بعضاً
يأخذ
من البنيان والعمارة كلّها، فالقول قول من أبي العمارة منهم، ولكن
بعضهم بعضا على القسمة فيما تمكن فيه القسمة.
وإن بنى فيه واحد منهم بغير إذنهم سواء أمنعوه أو لم يمنعوه، بني مقدار سهمه أو أكثر منه، ولم يختر أطايب (2) الأرض، فذلك على وجوه منهم من يقول: ما بنى فهو له، ويأخذ شركاؤه مثل ما بنى وعَمَرَ. ومنهم من يقول: يشتركون، فيتراددون القيمة فيما تمكن فيه القيمة والعناء فيما لا تمكن فيه القيمة. ومنهم من يقول: يبني هذا الشريك ويعمر مقدار ما بنى شريكه وعَمَرَ، ويكونان شريكين في هذا كله. ومنهم من يقول: يأخذ الشريك شريكه بنزع ما أحدث في المشترك، كما يؤخذ بنزع ما أحدث في أرض غيره من الناس مِمَّا أحدثه بالعمد على أنه لغيره.
وأَما إن أذن الشريك لشريكه أن يبني لنفسه في الأرض التي اشتركوها، فبنى فيها مقدار سهمه أو أكثر منه أو أقل فجائز، ويكون الحائط له؛ وإن لم يبن إلا مقدار سهمه أو أقل منه ولم يتبرأ له الشريك من سهمه في ذلك، فإنه يعطى مقدار ما بنى، فتكون الدار بقعتها لمن بناها، وإن لم يعط له مقدار ما بنى فإنَّ الحائط يكون لمن بناه، وتكون بقعة الدار مع ما بقي من الأرض بينهم جميعا، ولا يمنع له شيئًا من منافع داره ويمنع صاحب الدار شريكه من منافع ما أحاط به الحيطان إلا ما كان من وجوه خروج الملك، فلا يمنعها منه، ويكون من دخل ذلك ملكه بمنزلة صاحبه الأول.
وإن أذن الشريك لشريكه أن يبني في الأرض التي اشترك فيها، على أن يكون له ما بنى له فيه من الأرض، ولا يعطي له في ذلك عوضًا فذلك جائز، فإن تم بناؤها
1
-
-
2
أضاف الناسخ: «انظر هل يكون ذلك المنع بعد الاتفاق أو قبله؟ ولا يصيب بعده، أو مطلقاً
حرره، والظاهر الثاني».
في الأصل: «مطايب» وهو خطأ.
- 231 - (1/231)
صفحة 227
صار ما بنى فيه من الأرض له، ولا يكون له فيه شيء، وكل ما بنى من ذلك وأحاطه، مِمَّا يمكنه الانتفاع به فهو له وما لا يمكن له الانتفاع به فلا يكون له فيه شيء، إلا إن قصد إليه فأعطاه له بغير الشرط.
وإن اتفق الشريك مع شريكه أن يبني في الأرض التي اشترك فيها معه، على أن يعطي له مثمنا معلوما، دنانير أو دراهم أو غيرها مِمَّا كان معلومًا، فبنى حتى
يبني
بنيانه، فإنه يأخذ ذلك الثمن كما اشترطه وأَما إن بدا (1) لأحدهما قبل أن صاحبه، فالقول قول من بدا له منهما. ومنهم من يقول: حيث اتفقا على ممن معلوم، فلا يصيب كلّ واحد منهما الرجوع. ومنهم من يقول: يرجع من شاء منهما، ولو تمَّ البنيان ولكن لا يأخذه بهدم ما بنى، ويمسك ما بني مع بقعته ويعطي له عوض ذلك مِمَّا اشتركا فيه أو من غيره. وإن أذن له أن يبني في أرضهما على أن يعطي له عوضًا معلومًا فسمَّاه بحدوده، أو سمى له موضعا يأخذه فيه، ولم يُحده، أو اشترطه و لم يسم له موضعا يأخذه فيه فذلك جائز؛ فإن تم بنيانه، صار العوض لشريكه الذي اشترطه له ما بنى، وبقعته، سواء أاشترط له ذلك العوض فيما اشتركا فيه أو في غيره. ومنهم من يقول: لا يجوز ذلك كله، إلا إن كانت التبرئة فيما بينهما، وإن لم تكن التبرئة صارت بقعة البنيان بينهما، كما فسرناه في أول المسألة.
وَأَمَّا إن أذن له أن يبنى دارًا في أرضهما، على أن يأخذ من بناها ناحية معلومة منها أو يأخذ سهمه من أي ناحية شاء من الدار فجائز على ما اشترطا من ذلك؛ وتكون الناحية الأخرى لشريكه مع حيطانها وبقعتها، ولا يعطي من العناء شيئا ولا من قيمة البنيان وإن بدا للذي بناها في شرطه الذي اشترط، وأبى أن يختار ناحية منها، فليطلب من شريكه عناء ما بنى مع قيمته فيأخذه منه. ومنهم من يقول: لا يدركه.
1 - قوله إن بدا لأحدهما مراده إن بدا له رأي آخر قبل أن يبني صاحبه.
-
- 232 - (1/232)
صفحة 228
وَأَمَّا إن بدا للذي لم يبن، وقال له: لا تختار ()، فلا يصيب الرجوع. وأما إن
أذن له أن يبني في أرضهما على أن يسكن فيما بنى بالعارية وقت له أو لم يوقت، فإنَّه إن وقت، فإلى الوقت الذي وقت له فيقسم معه، ولا يدرك عليه من العناء شيئا، وإن كانت القيمة فإنه يدركها، وإن أخرجه دون وقتها فليدرك عليه العناء ومنهم من يقول: يحط عنه مقدار ما سكن فيها من العناء؛ وأَما إن سكنها أكثر من الوقت الذي وقت له، فإنَّ شريكه يدرك عليه كراء ما سكن فيه بعد الوقت. ومنهم من يقول: يدرك عليه العناء، ولو أخرجه متى شاء قبل الوقت أو بعده (2).
القيمة.
وأما إن أذن له أن يبني ويسكن فيها بالعارية، ولو لم يوقت له، فإنه يخرجه متى شاء، فمتى ما أخرجه اقتسم معه ويدرك عليه العناء مع القيمة. ومنهم من يقول: يقوم كراء ما سكن فيها مع العناء والقيمة ويسقط عنه من العناء مقدار ما سكن، فإن بقي شيء فليعطه له ومنهم من يقول من سكن شيئًا فلا يدرك من العناء شيئًا. وَأَمَّا القيمة فإنَّه يدركها على كل حال.
وأما إن اشترط عليه أوَّلاً الا يدرك عليه شيئًا، فإنَّه إن سكن، فلا يدرك عليه من العناء شيئا ولا القيمة وإن لم يسكن فإنه يدرك عليه القيمة، ولا يدرك عليه العناء. وقيل: إن اشترط عليه فلا يدرك عليه شيئًا، والعمارة كلها على ما فسرناه في مسألة البنيان.
ومن اشترك مع الطفل فاتفق مع أبيه على ما ذكرناه فذلك جائز؛ وأَما من اشترك مع اليتيم أو المجنون أو الغائب أو المولى، فاتفق شريكهم مع خليفتهم على شرط من هذه الشروط التي ذكرناها، فَكُلُّ ما أخذ فيه العوض فجائز، وما لم يأخذ فيه العوض، فالجواب فيها كالجواب في مسألة الشريك الذي عمر بأمر
-
1
وقال له: لا تختار صوابه لا تختر» أو «أمنعك. من الاختيار». ليحرر. 2 - قوله: «قبل الوقت أو بعده» فيه إشكال فاستحقاق العناء بالإخراج قبل الوقت معقول، لقاعدة: "المسلمون على شروطهم"، أما بالإخراج بعده فغير معقول. والله أعلم بمراد المؤلف.
- 233 - (1/233)
صفحة 229
شريكه في أرض قد اشتركا فيها زاد فيها شيئًا من غيرها أو لم يزد فيها شيئًا، إلا ما كان، أو لم تكن الزيادة لإصلاح الأرض، الجواب فيها كما ذكرنا بدءًا، سواء في ذلك أعمر على علم أنَّ له فيها شريكا، أو لم يعلم لنفسه فيها شريكا ثُمَّ خر
L
(1)
بعد ذلك؛ وكذلك إن اشترى أرضًا فبنى فيها دورًا أو بيوتا، فخرج في شرائه انفساخ، فصاحب الأرض بالخيار إن شاء أعطاه قيمة نقضه (2)، وإن شاء أخذ قيمة أرضه، وإن كان النقض كله من تلك الأرض فليعطه عناءه، وإن شاء فليأخذ قيمة أرضه مع ذلك البنيان الذي فيها.
وإما إن أراد أن يبني في أرضه التي لم يشترك فيها مع أحد، فلا يبني في الحد الذي بينه وبين جاره، ولكن يترك بينه وبين جاره مقدار ما يجوز فيه المار إذا بنى شريكه. ومنهم من يقول: يترك مقدار ما يجوز فيه يد البناء. ومنهم من يقول: إن ترك شيئًا ولو أقل من ذلك كفاه ولكن يمنعه جاره ألا يجعل عليه الظل ببنيانه سواء في ذلك الظل الذي يمنع منه الشمس عند طلوعها أو عند غروبها؛ وأَما الظل الذي يمنع أن يحدث الجار على جاره في الأجنة والزروع والنبات، فهو ظل الحائط القبلي. ويمنعه أيضا ألا يعلوه ببنيانه حتى يشرف عليه, فهذه الوجوه تمنع فيها؛ لئلا يُدخل على صاحبه المضرّة، وهذا إذا لم تكن العمارة (3) فيما بينه وبين حاره؛ وأَمَّا إن كانت العمارة بينهما، فلا يمنعه مِمَّا ذكرنا في هذا كله.
(4)
وإن بني حتى أعلاه يبنيانه، فإنه يمنعه أن يطلع على بنيانه، حتى يعلوه أو يجعل على بنيانه ما يواريه إذا طلع عليه (4) أو يجعل له أوقاتا معلومات يطلع فيها لحاجته.
2
1 - قوله: «ثم خرج» أي: ثُمَّ ظهر بمعنى: ثُمَّ علم أن له شريكا. تقدم تعريف الكلمة: فهي بمعنى ما انتقض من البنيان، أي ما تهدم منه من حجارة وخشب وغيرهما. ولعلّه يقصد هنا المادة التي بنى بها من الحجارة والخشب ونحوهما. يبدو أن لفظ العمارة يقصد بها هاهنا الغروس أو الحروث مما يشغل مساحة تبعد حدوث المضرة من الجار على جاره. ليتأمل.
3
-
-
4
-
5
في الأصل «أن لا يطلع» وهو
خطأ.
معني العبارة: أنه إذا علا الجار ببنائه على جاره، فله أن يمنعه من الطلوع عليه، حتى لا يطلع عليه، أو يأخذه يجعل ما يواريه حتى لا يطلع عليه.
- 234 -
- (1/234)
صفحة 230
ويمنع جاره أيضا أن يجعل على حيطانه ما يضره مثل: الشوك أو ما أشبه ذلك
مِمَّا يؤذيه من وقوع ذلك في بيته، أو يمنعه من الممر لحاجته.
بينهم
وإن اتَّفَقَ أصحاب الأرض أن يبنوا في أرضهم وَاتَّفَقُوا على أن يبنوا فيما حائطا، فإنه يأخذ بعضهم بعضًا أن يبنوا ذلك الحائط بينهم أ أنصافا، فإن أذن
أحدهم لصاحبه أن يبني ذلك فبناه فهو له دون صاحبه.
قلت: فإن أخذ بعضهم بعضًا على بنيانه فإلى أين يبنونه؟ قال: إن كان إنَّما بنوه للدور فليبنوه حتى يواري ما فيه، إن لم يَنفِقُوا أَوَّلاً على قدر معلوم. وأما إن انفَقُوا أَوَّلاً على شيء فليينوه على ما اتفقوا عليه، وإن لم يتفقوا فليينوه، حتى يمنع من جميع المضار، ولا يشرف عليه شيء من الحيوان والناس.
وأما الحيطان التي بنوها للأجنة، وما أشبه ذلك، فإنهم يبنونها على قدر قامة. وإن بني واحد من الجيران ثُمَّ بنى إليه (1) جاره، فالحائط الذي يليه لمن بناه؛ وإن بنوا جميعا فهو بينهما؛ وإن لم يعرف من بناه منهما فهما فيه سواء، ويقعد من عرف منهما فيه أنه بنى قبل جاره (2)، وإن كانوا فيه سواء فإنه يمنع بعضهم بعضا من الزيادة فيه أو النقصان منه. ويمنع أيضًا من يجعل فيه الأوتاد أو يجعل فيه الخشب أو يَتَّخِذُ فيه مستراحا، ولا يصيب أحدهما أن ينتفع به دون صاحبه إلا ما ثبت له من الانتفاع به قبل ذلك.
وَأَمَّا إصلاح
منه وما أشبه ذلك.
ذلك الحائط فلا يمنع منه من أراده مثل: تطيينه وبنيان ما انهدم
وإن مال ذلك الحائط فلينزعه من مال عليه ولا يمنعه شريكه، ويأخذه أيضا بنزعه ويأخذهما غيرهما إن مال عليه أن ينزعاه. وإن لم يمل وَلَكِنه قد انشق
1
2
-
قوله: «ثم بنى إِلَيْةِ حاره»؛ لعل المقصود ثُمَّ بنى بإزائه جاره.
قوله: «ويقعد من عُرف منهما فيه أنه بنى قبل جاره»؛ لعلَّ العبارة الصحيحة هكذا: ويقعد فيه
من عرف منهما أنه بنى قبل جاره، ليتأمل.
- 235 - (1/235)
صفحة 231
وخافوا عليه أن ينهدم فإنهم يتأخذون على إصلاحه، وإن لم يمكن إصلاحه إلا بهدمه فإنَّهم يتأخذون على ذلك ثُمَّ يبنونه. وإن انهدم فيناه أحدهما، فإن بناه ولم يزد إليه إلا نقضه الأوَّل فليدرك على شريكه عناءه، وإن زاد إليه غير نقضه الأول فليدرك عليه قيمته من النقض وعنائه.
وإن لم ينهدم وأراد أحد الشركاء أن يهدمه ويبنيه بنيانا أحسن من بنيانه الأول فلا يجد ذلك ولو تكفل أن يبنيه دون شريكه. ومنهم من يقول: إن تكفل ببنيانه دون شريكه فيكون بينهما، كما اشتركا فيه أولاً فإنه يترك إلى ذلك، ولا يمنع منه، وإن هدمه فأبى أن يبنيه فإنه يؤخذ ببنيانه على ما اشترطه على نفسه. من يقول: إنَّما يجبر على ردّه كما كان حين هدمه ومنهم من يقول: إنَّما يدرك عليه قيمة ما أفسد فيه ويتأخذون على بنيانه.
ومنهم
ويمنع من أراد منهم أن يَتَّخِذ في ذلك الدرج، إلا إن لم تلتصق تلك الدرج بذلك الحائط، وقد ترك بينهما المقدار الذي يجب أن يترك بين حائطه وبين حائط جاره، ولكن يمنعه صاحبه أن يشرف (1) عليه بتلك الدرج إلى جاره، وإن لم يمنعه ثبت عليه أو كانت في تلك الموضع قبل ذلك فلا يأخذه بنزعها. وإن أراد صاحب ذلك البيت أن يزيد شيئًا إلى ذلك البيت وله تلك الدرج، فإنه يمنع من ولو ثبت له تلك الدرج.
ذلك
قلت: فكيف تثبت هذه الدرج لمن أحدثها؟
قال: ذلك مثل طرق العمارات كلها، ومنهم من يقول: ثبوتها على قدر ثبوت المضرات التي ذكرنا من الظل وما أشبهها (2).
وأما الحائط الذي كان بين الشريك وشريكه ولواحد منهما منافع ذلك الحائط من الدرج والأوتاد والخشب المنصوبة عليه أو الكوات أو المستراح، فانهدم وبنوه
1 - في الأصل: «ألا يشرف». وَهُوَ خطاً.
2 - وجد على هامش هذه العبارة في النسخ الأصلية التعليق التالي: «أي من مضي ثلاث سنين أو عشر على الخلاف».
- 236 - (1/236)
صفحة 232
و لم يجعل فيه من هذه المعاني، ثُمَّ أراد صاحب تلك المنافع أن يردها فيه فهل يدرك ذلك أم لا؟
قال: نعم يدرك ردَّ ذلك كله كما كان أوَّلاً، وإن مات واحد منهما فورثه ورثته، أو باع واحد منهما سهمه، أو وهبه، أو جعله لوجه من وجوه الأجر، فأراد صاحب هذه المعاني أن يردها أو وارثه فله ذلك، ولا يمنعه من ذلك من صار إليه ذلك الحائط، إلا إن اشترط عليه صاحبه حين انهدم وبنوه على ألا تكون له تلك المنافع فله ذلك.
وإن حولوا ذلك الحائط عن موضعه الأول، فلا يدرك فيه صاحب المنافع شيئًا، إلا إن اشترط منافعه في ذلك الحائط، كما كانت له أوّلاً. وكذلك جاره إن حول حائطه عن موضعه الأول، فلا يدرك ما كان له من المنافع في الحائط الأول على جاره، إلا إن اشترط عليه ذلك، ولكنه يأخذه بردّ ذلك الحائط في موضعه الأوَّل، فليستنفع به كما كان أول مرَّة، سواء أكان ذلك الحائط بينه وبين شريكه، فكان له فيه الانتفاع، أو كان كلّه لجاره، وله منافعه، فالجواب فيهما واحد.
وَأَما إن كان حائط بين رجلين وقد اشتركا فيه، ثُمَّ انهدم بعد ذلك حتى زال أثره، فهل يأخذ بعضهم بعضا على بنيانه؟
قال: إن علموا موضع الأساس الأوَّل فإنَّهم يتآخذون على بنيانه، وإن تلف لهم موضعه الأول فلا يدرك بعضهم على بعض أن يبنوه، حَتَّى يَتَبَيَّنَ لهم موضع أساسه الأوَّل، وإن اختلفوا في ذلك، وقال واحد منهما هذا موضعه، وقال الآخر: بل هذا، فمن أتى بالبينة فالقول قوله، وإن لم تكن لواحد منهما بينة، فلا يشتغل بهما. وإن اتفقا وبنياه في موضع، ثُمَّ تبيَّن لهما موضعه الأوَّل، فَإِنَّهُمَا يتآخذان على رده في موضعه. وإن بنيا الأوَّل على علم منهما أنه ليس بموضع حائطهما الأوَّل، فلا يتآخذان بنزعه. وأَما إن بنوه على أنَّ ذلك موضع حائطهما الأول فليتآ خذا بنزعه إذا تبين لهما بعد ذلك؛ وكذلك أيضًا حائط جاره الذي
- 237 - (1/237)
صفحة 233
ثبتت له فيه المنافع الجواب فيها كالجواب في مسألة الحائط الذي اشتركا فيه، حيث يؤخذون برده أو يؤخذون به (1).
وإن اشتركا حائطا فيما بينهما فانهدم حَتَّى زال أثره، وتشاكل عليهما موضعه الأوَّل، ثُمَّ أصابا أثر الحائط، ولا يعلمان أنه أثر حائطهما الأول أم لا، فلا يؤخذان برده حتى يتبين لهما موضع حائطهما الأوَّل؛ وكذلك الحيطان التي يأخذ بعضًا على بنيانها إن انهدمت و تشاكل عليهم موضعها الأول على هذا الحال. وإن وجدوا أثر حائط، وقد تبيَّن لهم أنه لم يكن في ذلك الموضع غير حائطهم، فإنهم يقتدون به؛ وكذلك السواقي والمماصل والمجازات كلها على ما فسرناه في هذه المسألة والتي كانت قبلها.
بعضهم
قلت: فرجل له حائط وليس فيه لجاره إلا المنافع مما يليه، وأراد صاحبه أن يتخذ إليه كنيفا أو غير ذلك من المنافع، فمنعه جاره من ذلك؟
قال: كلُّ ما لا يمنع له منافعه التي تثبت له ولا يضره به فلا يمنعه منه، مثل أن حائطا إلى ذلك الحائط، أو يجعل فيه الأوتاد التي لا تضره، أو يجعل عليه يبني خشبا، أو ما أشبه هذا فلا يمنعه منه؛ وأَما ما يضره به مثل: المستراح أو التنور أو الدرج التي يشرف بها عليه، هذا وأشباهه يمنعه منه.
وإن اتفق قوم على أن يبنوا دارًا، وَاتَّفَقُوا الا يمنع بعضهم بعضا من جميع ما أراد أن يبنيه ضرَّ به جاره، أو لم يضره مِمَّا يتمانعونه فيما بينهم فهم على شرطهم، ولا يمنع بعضهم بعضا بعد ذلك، سواء أبنوا ذلك أو لم يبنوه. ومنهم من يقول: يمنعه إلا إن أذن له إلى مضرة معلومة فلا يمنعه منها بعد ذلك، وإن أذن له أن يحدث عليه المضرة، فاشترط عليه أن ينزعها متى ما شاء فله ذلك.
وإذا أراد قوم أن يبنوا حائطا لأرضهم يعملونها أجنة، أو دورًا فإنه إن كان انفرد كل واحد منهم بالحائط والمنافع، فإنه يأخذ كل واحد منهم بإصلاح
توا. حيث يوخذون برده أو يؤخذون به .. » لعل المراد من العبارة حيث يؤخذون برده أي
الحائط، أو يؤخذون بها أي المنافع الثابتة فيه. تأمل.
- 238 - (1/238)
صفحة 234
حائطه، ويفعل فيه ما شاء من الزيادة والنقصان وعمارته وخرابه. وإن انفردوا بالحيطان واشتركوا في المنافع، فإنَّهم يتأخذون فيما بينهم على ما انهدم من تلك الحيطان سواء تلك الحيطان الواحد منهم، أو لعامتهم. وإن انفردوا بالحيطان والمنافع لغيرهم، فإنَّما يؤخذ أصحاب الحائط والزرب بإصلاح ما فسد من ذلك، سواء أعمرت تلك البقعة التي دار بها الحائط أو الزرب أو لم تعمر؛ وإن تفاضلوا في الحيطان واستووا في منافعها، فإنَّهم يتأخذون على إصلاح ما انهدم من تلك الحيطان على قدر تفاضلهم في الحيطان؛ وكذلك إن استووا في الحيطان وتفاضلوا في المنافع، فإنهم يتآخذون بإصلاح الحيطان بالسويَّة، وإنَّما ينظر في هذا إلى ما لهم من الحيطان؛ تفاضلوا أو استووا ولا ينظر إلى المنافع.
فهي
له،
مسألة أخرى
قلت: أرأيت قوما أرادوا أن يعمروا أرضًا لم تعرف لأحد، ولم يدعها، ولم يسبق إليها غيرهم؟ فإنَّ ذلك جائز لهم وهي لمن سبق إليها؛ وإن سبق إليها واحد وإن سبق إليها اثنان كانت بينهما نصفين وإن كانوا ثلاثة فهي بينهما أثلاثا. وإن اتَّفَقُوا حين سبقوا إليها أن يتفاضلوا، فهم على ما اتفقوا عليه أوَّلاً، وإن كانوا إنَّما سبقوا للعمارة دون الملك (1) فذلك جائز، فتكون لهم العمارة كلها على اختلافها، وإن زالت العمارة فليس لهم في البقعة بعد ذلك شيء؛ وإن سبقوا إلى البقعة فهي لهم دون غيرهم. وإن سبق إليها رجل فإنه يعمرها كيف شاء، فتكون له منافعها ومضارها وإن مات وتركها لورثته أو أخرجها من ملكه، فهي لمن انتقلت إليه مع ما فيها من المنافع والمضار إلا ما اشترط نزعه.
لعل من صور العمارة دون الملك ما نشاهده من حرث بعض الأراضي وبذرها إثر نزول المطر وحصاد الزرع في موسمه، ثُمَّ انتظار فرصة أخرى تبعا للخصب أو الجفاف، فهي لا تحرث بشكل مطرد.
16
- 239 - (1/239)
صفحة 235
وأما إن تسابقا إلى الأرض على أن يعمر كلُّ واحد منهم لنفسه واتفقا على ذلك فجائز، ويكون لِكُلِّ واحد منهما ما عمر، وإن اشترطا عمارة معلومة فيكونان فيها على ما اشترطا من ذلك، وإن لم يشترطا شيئًا فيكون لِكُلِّ واحد منهما ما عمر، ولا يكون لهم غير العمارة ولا يكونون أيضا شركاء فيما عمروا. وأَمَّا إن سبقوا إلى الأرض، فأذن كلُّ واحد منهم لصاحبه أن يعمر، ر، فلكل واحد
منهم ما عمر، ولا يكونون أيضا شركاء فيما عمروا وتكون البقعة بينهم مشتركة. قلت: أرأيت قوما اشتركوا في أرض فاتفقوا أن يبنوها دورًا، وقد اشتركوا بالتسابق أو بغير ذلك؟
قال: فإنهم يبنونها كما اشتركوا فيها، فإن بنوا حَتَّى أتموا بنيانهم وأرادوا أن يعمروا كذلك فلهم ذلك. وإن دعا بعضهم إلى قسمة وأبى ذلك آخرون، فالقول قول من دعا إلى القسمة وكذلك إن أراد بعضهم العمارة وأباها آخرون، فلا حَتى يَتَّفِقُوا إذا كانت تلك العمارة محدثة؛ وأَما عمارة كانت قبل ذلك، فلا يمنع بعضهم بعضاً.
وإن بنوا فأراد بعضهم أن يسكن ولم يرد ذلك آخرون، فلا يسكنوا حتى يتفقوا، سواء في ذلك سكناهم بأنفسهم أو سكنى غيرهم. وكذلك إن أراد بعضهم أن يدخل فيها مواشيه أو غير ذلك من متاعه وخزينه، فلا يجدون ذلك إلا أن يَتَّفِقُوا عليه)، سواء في ذلك ما بنوا له أَوَّلاً وما لم يبنوا له. ومنهم من يقول: إن بنوا على شيء معلوم فلا يمنع بعضهم بعضا، إذا لم تمكن فيه القسمة؛ وأَما إن اشترطوا أولاً ألا يمنع بعضهم بعضًا من السكنى، فإنه إن لم يعلقوا الشرط على شيء فلا يجوز شرطهم. وأَمَّا إن بنوا على الا يمنع بعضهم بعضاً، أو اشتروا على ذلك أو وُهِبَ لهم على ذلك، فلا يمنع أحدهم غيره من السكنى، وَلَكِنَّهُ يأخذ بعضهم بعضا على القسمة.
1 - ليت شعري، ما هو معتمد من يفتي بالمنع عن السكنى حَتَّى يَتَّفِقُوا جميعا؟! وإلا فلماذا تبنى البيوت وتعطل حتى يتم الاتفاق؟!.
- 240 - (1/240)
صفحة 236
بعضاً على
وَأَمَّا إن بنوا في أرض مشتركة دورًا أو بيوتا أو قصرًا، فأخذ بعضهم القسمة فاقتسموا، فإنَّ البقعة تكون بينهم، كما اقتسموا، لِكُلِّ واحد منهم ما أخذ
في سهمه، فإن ذكروا في قسمتهم الحيطان فتكون بينهم كما اقتسموا، وإن لم يذكروها فتكون بينهم مشتركة، وتكون البقعة، مقسومة، فتكون الحيطان بينهم مشتركة وينتفعون بها كالعارية لهم، ويتآخذون على إصلاحها، وبدفع المضار عنهم؛ وهذا في الدور والبيوت، وأما حيطان البساتين فليستنفعوا بها كلها، وإن انهدمت فليتأخذوا على ردّها؛ وكذلك إن باعوا البقعة ولم يذكروا الحيطان، فإنَّ البقعة للمشتري والحيطان لأصحابها الأولين.
ومن سبق إلى أرض ليعمرها بالبنيان دون غيره، أو بغرس الأشجار دون غيرها من العمارات أو بعمارة دون عمارة، فزالت تلك العمارة التي عمر بها تلك الأرض، فهل تجوز لمن يعمرها بعده؟
قال: نعم وهذا إن لم يقصد إلى الأرض أن تكون له حين سبق إليها، وهذا أيضًا إن لم يبق من تلك العمارة التي عمر بها الأرض شيء، وأَما إن بقي منها شيء من تلك العمارة - ولو أقل القليل - فلا يجوز له أن يعمرها، وهذا إذا كانت العمارة عامة في الأرض؛ وأَمَّا إذا كانت العمارة في ناحية وزالت من ناحية فله أن يقصد إلى الناحية التي زالت منها العمارة فيعمرها، إذا لم يَضُرَّ بعمارة صاحبه. وإن سبق رجل إلى أرض وعمرها، ثُمَّ جاء آخر، فأراد أن بجانب صاحبه يعمر فإنَّه يترك إلى عمارة صاحبه ما لا يَضُرُّه به وإن ترك إليها مقدار حريم العمارة، فجائز له أن يعمر، ويكون لِكُلِّ عمارة حريم.
ومن سبق إلى أرض ليجوز فيها الماء أو يجوز فيها الطريق، ولا يكون له فيها غير المجاز، فمات فأراد ورثته أن يسبقوا إلى تلك الأرض ليعمروها كلها فلهم ذلك؛ وكذلك من انتقل إليه هذا الجواز بوجه من وجوه الملك إن أراد أن يعمر
- 241 - (1/241)
صفحة 237
هذه الأرض وسبق إليها فلا بأس عليه. وكذلك الذي سبق إليها بالجواز (1) أَوَّلَ مرة إن بدا له في غير ذلك من العمارة فجائز له. وأما من ليس له في الجواز شيء، إذا أراد أن يسبق إلى تلك الأرض فجائز، وتكون البقعة له؛ ولكن لا يصيب أن تلك الأرض بعمارة تضر بأصحاب المجاز. يعمر
وإن حدث في الأرض شيء ضرَّ بأصحاب المجاز، مثل. ما ينبت فيها، فلأصحاب الجواز أن ينزعوا ذلك كله إن لم يسبق إلى تلك الأرض أحد، فإن سبق إليها أحدٌ فليأخذه أصحاب الجواز بنزع ما ضرَّ بجوازهم؛ والجواب في العمارات كلها مثل الجواب في الجواز.
وما حدث في الأرض فليس لأحد فيه شيء، ومن سبق إلى تلك الأرض وما
فيها فله ذلك، سواء أكان ذلك فيها قبل أن يسبق إليها أو بعد ما سبق إليها. وأما إن لم يسبق إلا إلى الأرض فليس له إلا الأرض، والأرض التي ليس لأحدٍ و لم يسبق إليها إذا كانت فيها أشجار، فمن سبق إلى الأرض وما فيها فهي له وما فيها، وإن سبق إلى الأرض دون الأشجار، أو سبق إلى الأشجار دون الأرض، فما سبق إليه فهو له.
وكذلك إن سبق رجل إلى الأرض، وسبق الآخر إلى أشجار، فلكل واحدٍ منهما ما سبق إليه؛ وكذلك العيون والآبار والحيطان والمواجن على هذا الحال؛ وهذا إذا عرف أنه لم يكن لأحد فيه شيء (3)، وهو من عمارة الأَوَّلِينَ. وَأَما إن كانت العمارة لم يعرفوا أنَّها عمارة الأَوَّلِينَ، فلا يُحدثوا فيها شيئًا، لأنَّ العمارات علامات بني آدم، وما كانت فيه علامة بني آدم، فلا تقربه على هذا الحال.
1
2
-
قوله: «بالجواز» يعني: بالمرور.
قوله: «من ليس له في الجواز شيء» مراده: من لم يثبت له حق الجواز ... والله أعلم.
3 - عبارة: «هذا إذا عرف أنه لم يكن لأحد فيه شيء ... » إلى آخرها، معناها: إذا عرف أي تيقن
أن ما ذكر من العيون والآبار هي آثار عمارة الأولين، و لم يكن هناك من يدعي ملكيتها فله أن يمتلكها بالسبق إليها. وأما إن لم يتحقق أنَّها عمارة الأولين فلا يقربها. والله أعلم.
- 242 - (1/242)
صفحة 238
ملك
وأما إن كانت أرضًا لم يدَّعِها أحد، وسبق إليها رجل وعمرها لحاجته بالبنيان أو بالغيران أو بالآبار أو بالأشجار، حَتى يقضي حاجته فيترك ما عمر، فإنَّه إن أحدث تلك العمارة كلّها على أن يتركها فجائز لمن علم ذلك أن ينتفع بتلك العمارة؛ وكذلك إن تركها الثاني على هذا الحال إلا إن سبق إليها الثاني أو الذي يليه ليعمرها لنفسه (1)، ويعمل فيها جميع ما يفعل في ماله من خروج. أو بيع أو غير ذلك، فلا يجوز لغيره أن ينتفع بتلك العمارة، ولو تركها صاحبها الذي سبق إليها. وأما إن سبق إليها لينتفع بها، فلا يجوز لمن يمنعه من تلك الأرض، ما دام الأوَّل ينتفع بتلك الأرض؛ وكذلك الثاني إن دخلها لينتفع بها حين تركها الأول، فلا يمنع من انتفاعها. وإن منعه الأول بعد ما تركها فلا يجد ذلك. وكذلك إن كانت العمارة في تلك الأرض فدخلها من ينتفع بها، فلا يمنع من ذلك الانتفاع وإن تركها فلينتفع بها من أرادها، وجائز إذا أراد أن ينتفع بتلك الأرض أو بالعمارة ما دام الأوَّل لم يزل ينتفع بها، إلا إن كان انتفاعه مضرا لمن يسبقه إلى الانتفاع بتلك الأرض والعمارة بعد ذلك، وهذا الذي ينتفع به الثاني لا يمنعه منه الأوَّل مثل: غلاتِ الأشجار التي يكون الناس فيها سواء، مثل: البطم والسدر والسبط (2)، وما أشبه ذلك من الأشجار، فلا يمنع بعضهم بعضًا مِمَّا يأخذه من تلك الأشجار، ويمنعه مِمَّا قبض أو دخل وعاءه.
- 2
?
1 - قوله: «ليعمرها لنفسه هذه العبارة بالمقارنة بما قبلها تفيد أنَّه كان للقوم نوعان من العمارة: عمارة مؤقتة موسمية يتركها صاحبها بعد حصاد الغلة أو جنيها، وأخرى مؤبدة يمتلكها صاحبها مع مصالحها ملكية لا تخرج عنه إلا بوجه من الوجوه الشرعية، مثل البيع أو الهبة أو الإرث. وبهذه التفرقة يمكننا أن نفهم مختلف الصور وأحكامها مما ذكره المؤلف رحمه الله. قوله: «البطم والسدر والسبط». قال في المنجد: «البطم: شجرة من فصيلة البطميات، تشبه شجر الفستق، أوراقها صغيرة تحتوي على مادة السربابتين صمغه قوي الرائحة». و «السدر جمع سدور: شجر النبق السدرة: جمع، سدرات، سدرات وسدرات وسدرات وسدر: شجرة النبق». وقال في لسان العرب: «السبط بالتحريك نبت الواحدةُ سَبَطَة، قال أبو عبيدة: السبط النصبي ما دام رطبا فإن يبس فهو الحلي» ... إلى أن قال: «السبط الرطب من الحلى وهو من نبات الرمل. وقال أبو حنيفة: قال أبو زياد السبط من الشجر وهو سلب طوال في السماء دقائق العيدان تأكله الإبل والغنم وليس له زهرة ولا شوك، وله ورق دقاق على قدر الكراث». لسان العرب، وفيه كلام آخر فمن أراد المزيد فليطلبه في مادة "سبط".
انتهى من!
- 243 - (1/243)
صفحة 239
وكذلك إن سبق الأول إلى الماء لينتفع به فلا يمنع الثاني)، فإن أراد الثاني أن ينتفع بذلك فمنعه الأول فذلك جائز له، إلا إن لم يضره الانتفاع فلا يمنعه. وأما إن سبق لغيره من الناس (2) مثل ابنه الطفل، أو اليتيم، أو المجنون، هو لهما (3)، خليفة أو لغيرهما من الناس مِمَّن تجوز أفعاله، أو من لا تجوز، فذلك جائز، سواء أسبق لهم إلى الأرض، أو الانتفاع بها. الجواب فيها كما قدَّمنا ذكره وشرحه. ومنهم من يقول: إن سبق لمن تجوز أفعاله فهو بالخيار إن شاء أن يأخذ ما سبق له إليه وإن شاء تركه. ومنهم من يقول: لا يجوز سبقه لمن لا تجوز أفعاله () من الناس رضي بذلك أو كرهه. ولا يجوز سبقه إلى تلك الأرض لواحد من وجوه الأجر كلها، سواء أسبق إلى
الأرض أو إلى العمارة أو إلى المنافع بهما جميعًا. ومنهم من يقول: ذلك جائز. وَأَمَّا إن سبق من لا تجوز أفعاله مثل: الطفل أو المجنون أو العبد، فلا يجوز. وأما المرأة والمشرك إن سبق أحدهما إلى الأرض وغيرها بالعمارة والمنافع له فذلك جائز. ومنهم من يقول: إن سبق المشرك إلى الأرض فلا يجوز. ومنهم من يقول: في الطفل المراهق إن سبق إلى الأرض، فذلك جائز.
وأَما إن عمر الأطفال والعبيد في تلك الأرض، فذلك جائز لهم، ولا يمنعون من ذلك، ولا يكون لهم في الأرض شيء؛ ولا يمنعون من الانتفاع بها، ويدركون نزع ما حدث عليهم من المضرات.
2
1 - قوله: «فلا يمنع الثاني ... » لَعَلَّ الصواب أن يقال: «فله أن يمنع الثاني ... » وإلا حصل تناقض
-
-
3
4
بين العبارة وما بعدها. ليحرر.
وقوله: «وَأَما إن سبق لغيره من الناس ... » معناه: إن سبق وكان ذلك السبق لمصلحة غيره من الناس مثل ابنه الطفل إلى آخره. والله أعلم.
قوله: «هو لهما الضمير عائد على المجنون واليتيم فقط.
قوله: «لا يجوز سبقه لمن لا تجوز أفعاله ... » مقتضى السياق أن يقال: لا يجوز سبقه لمن تجوز
أفعاله
الناس ... ». والله أعلم. من
-
- 244 - (1/244)
صفحة 240
مسألة أخرى
قلت: فرجلان اشتريا دارًا أو ورثاها أو وهبت لهما، أو دخلت أيديهما بوجه من وجوه دخول الملك، وقد انهدمت حيطانها؟
قال: يأخذ كل واحد منهما صاحبه على بنيانها حتى يرداها كما كانت أوَّل مرَّة، إن تبين لهم مقدارها، وإن لم يتبين مقدارها الأوَّل فليبنياها حَتَّى لا تصل إليها مضرة؛ وإن اختلفا في مقدارها الأوَّل فالبينة على من ادعى الأكثر منهما، سواء في ذلك طول البنيان وعرضه. وكذلك أيضًا إن اختلفا في طول البنيان على الأرض على هذا الحال.
وَأَمَّا إن اختلفوا فيما يبنيان به ذلك الحائط، فإنه يوقف أمره حتى يتبين ذلك. ومنهم من يقول: إن تبيَّن كيف يبني الناس عندهما فليبنيا كذلك. ومنهم من يقول: يبنيان بأقل مِمَّا يبنى به في بلدهم؛ وإن بني ذلك الحائط قبل ذلك بالجير، أو بنيان لا يقدرون عليه مثل بناء الأوَّلين (1)؛ وما أشبه ذلك مِمَّا لا يقدرون عليه، فإنهم يبنون بما قدروا عليه وما أمكنهم وَلَكِنَّهُم لا يجدون أن يبنوا بالدون إن قدروا على أجود منه. وكذلك إن كان عندهم بئر قد بنوها ثُمَّ انهدمت فإنَّهم يبنونها كما كانت أولاً إن قدروا، وإن لم يقدروا فليينوها كما استطاعوا. وكذلك الغار أيضًا على هذا الحال وإن لم يستطيعوا بعد ذلك أن يبنوه كما كان أولاً فليبنوه. ومنهم من يقول: إن كانوا ينتفعون به ولا يتخوفون
من
-
I
هدمه فليتركوه.
،
يشير بالعبارة إلى آثار توجد بالفعل في بعض جهات جبل نفوسة وغيرها من جهات ليبيا، وجهات الشرق الجزائري، مثل آثار تيمقاد وجميلة وغيرهما من المناطق القريبة من مسكن المؤلف؛ وقد شاهدت بعضها، وإنه لمدهش حقا ومعجز، وصدق الله العظيم إذ يقول: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قَوَّةً وَأَتَارُوا الْأَرْضِ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا) (سورة الروم: 9).
- 245 - (1/245)
صفحة 241
وكذلك البيت إن اشتركوا فيه فانهدم، وهو مسقف بالجير، ولم يقدروا على رده على حاله فإنهم يبنونه بما قدروا عليه وإن لم يقدروا أن يبنوه حتى يصير كما كان في الطول، فإنَّهم يبنونه حتى ينتفعوا به، وإن لم يستطيعوا أن يبنوه حتى ينتفعوا به، فلا يؤخذون عليه. ومنهم من يقول: يؤخذون ببنيانه، ولو لم يدركوا الانتفاع.
وكذلك الحيطان كلها على ما فسرناه في المسألة؛ وكذلك إن بنيت هذه الحيطان أوَّلاً بالحجارة، أو اللبن، أو بالقراميد، أو بالآجر، فانهدم، ولا يستطيع أصحابها على ردّها، إلا بخلاف ما بنوا به أوَّلاً، فإنَّهم يبنونها بما وجدوا، مِمَّا هو مثل ذلك أو أقل منه. ومنهم من يقول: إن لم يستطيعوا على رده كما كان أولاً، وقدروا على ما هو أكثر، فإنَّهم يؤخذون به، وإن لم يقدروا على ردّه كما كان أولاً، حتى يحفروا موضع أساسه، أو يدفنوه، أو يضيقوا من أساسه، أو يوسعوه، أو يجعلوا له خشبًا يضعون عليها أساسه؛ فإنَّهم يصنعون ما يصلون به إلى بنيانه. وإن اشترى قوم أرضا، أو ورثوها أو وهبت لهم، فوجدوا فيها غارًا مدفونا، أو عينا، أو ساقية، أو ممصلاً مدفونا، أو دارًا مهدومة؛ فأراد بعضهم أن يأخذ بعضا على إصلاح ما انهدم من هذه المعاني، فإنهم يدركون عليهم ذلك؛ وكذلك إن قصدوا إلى هذه المعاني التي ذكرنا من الدور والبيوت والعيون والسواقي والمماصل والغيران، فاشتروها وهي مهدمة فإنهم يتأخذون على إصلاح ذلك.
وأما إن اشتروا دارًا مهدومة ولم يعلموا موضع أساسها، ثُمَّ تبين لهم، فإنهم يأخذون على بنيانها؛ وإن لم يتبين لهم موضع أساسها، فلا يتآخذون على بنيانها. وأَما إن وجدوا أثر البنيان في تلك الأرض، وأثر الساقية، أو الممصل، ولم يتبيَّن عندهم ذلك البنيان ما هو، ولا تلك الساقية، فلا يتأخذون على ذلك حتى يتبيَّن ما هو.
وكذلك إن اشتروا دارًا فوجدوا فيها أثر الحائط ولا يدرون ما هو فلا يتأخذون عليه حتى يتبين أمره.
- 246 - (1/246)
صفحة 242
وإن اشتروا دارًا مهدمة فإنَّهم يبنونها، وإن اختلفوا على موضع بابها فلينظروا حتى يتبيَّن لهم، وإن وجدوا علامة بابها فإنهم يقتدون به، وذلك الأثر مثل العتبات؛ أو وجدوا علامة أعمدة الباب ومنهم من يقول: إن لم يتبين أثر علامة الباب فلينظروا أي موضع أصلح لهم فليجعلوه منه. وكذلك إن وجدوها مبنية ولم يجدوا لها بابا، فلا يأخذ بعضهم بعضًا على بابها حتى يتبين موضعها. ومنهم من يقول: يجعلون لها الباب من حيث يصلح لها.
وإن اشتروا دارًا، فوجدوا لها بابين أو أكثر من ذلك، فدعى أحدهم إلى نزع بعض تلك الأبواب وأبى ذلك الآخرون، فالقول قول من دعى إلى إثبات الأبواب التي كانت أول مرة على حالها.
،
وإن اشتروا دارًا فوجدوا لها علامة بابين فإنَّهم يجعلون لها تلك الأبواب كلها؛ وأَما إن كان لها باب معلوم، فوجدوا لها علامة باب آخر فلا يحكم بتلك العلامة ولا يؤخذ بذلك الأثر ولا يجعلون لها إلا بابها المعلوم. ومنهم من يقول: يؤخذ بذلك الأثر، ويخرجون منه بابا آخر، ويثبت له الطريق في الأرض التي خرج إليها ذلك الباب، سواء أكانت تلك الأرض لصاحب الدار أو لغيره من الناس، وسواء في هذا أيضا أكانت هذه الدار للعامة أو للخاصةِ، أو كانت الأرض لِلعامَّةِ أو الخاصة. وإن اشتروا دارًا وكان لها باب معلوم، أو لم يكن لها باب معلوم وجدوا لها أثرًا، وقد كان مقابل ذلك الباب أو ذلك الأثر عمارة؟ قال: إن كانت تلك العمارة مِمَّا يمكن عليها الجواز فليجوزوه عليه، قال: وإن كانت مِمَّا لا يمكن عليه الجواز إلا بفسادها فلا يدرك فيها الجواز.
والدار إذا كانت بين قوم وبعضها حيطان وبعضها زروب، فزال ذلك، فأرادوا أن يأخذ بعضهم بعضًا على إصلاحها؟
قال: يردُّونها على ما كانت عليه من البناء والزروب. وكذلك ما كان فيها من الكوات نافذة أو غير نافذة، فإنَّهم يتآخذون أن يردُّوها على الحال الذي كانت
عليه أولاً.
-
- 247 - (1/247)
صفحة 243
وإن اتَّفق رجلان على بناء دار فمات أحدهما قبل أن يأخذا في البنيان فإنَّ ورثته
في مقامه؛ وكذلك من اشتراها أو من وهبت له أو دخلت ملکه بوجه من وجوه الملك، فإنَّه يكون في مقام صاحبه الأوَّل. وأما إن ماتا جميعًا فلا يأخذ الورثة بعضهم بعضا على بنيانها؛ وكذلك إن باعها أو وهبها فلا يتآخذ المشتريان أو الموهوبان. وإن اتَّفَقًا على عملين، مثل: بيتين أو غرفتين أو قصرين أو ما أشبه ذلك فأخذا في عمل أحد هذين العملين، فمات أحدهما أو باع سهمه أو وهبه أو ملكه أحد بوجه من الوجوه، فإنَّ الذي انتقل إليه هذا وصاحبه الأوَّل يأخذ بعضهم بعضا على تمام هذا العمل. وأما العمل الذي لا يؤخذ فيه فإنهم لا يتآخذون عليه. وكذلك إن ماتا جميعا، أو أخرجا من ملكهما ذلك بوجه من الوجوه على هذا الحال.
وإن اشتروا دارًا فانهدمت منها ثلمة، فإن علموا أنها انهدمت أو كانت بينة على انهدامها فإنَّهم يأخذ بعضهم بعضاً على ردّها؛ وكذلك إن لم يعلموا أن تلك الثلمة كانت أو لم تكن ووجدوا لها أثر البنيان حيث بلغ البنيان أول مرة، فإنهم يرُدُّونها حتى يبلغوا ذلك الأثر الذي وجدوه، وسواء هذا الأثر أكان في تلك الدار أو في دار كانت بجانب تلك الدار؛ وإن لم يجدوا في هذا الحائط أثرا، فإن كان في هذا الحائط دار، فإنَّهم يتآخذون على أن يبنوها إلى موضع يمنع عنهم المضرة، وهذا إذا لم تكن الدعوى فيما بينهم في مقدار الحائط، وأَما إذا اختلفوا فيه فكانت بينهم الدعوى، فمن كانت له منهم بينة، فالقول قوله، وإن كانت لهم بينة جميعًا، فالبينة بينة صاحب الأكثر، وإن لم تكن لهم بينة جميعًا، فاليمين على مدعي الأقل، وإن ردَّ عليه اليمين ورضي بذلك صاحب الأكثر، فليؤخذ صاحب الأقل ببنيان ذلك مع صاحب الأكثر جميعا، سواء في ذلك الخواص والعالم.
وَأَمَّا إن كان أحدهم خليفة اليتيم أو المجنون أو الغائب، فلا يدرك عليه في هذا يمينا، ولا يؤخذ بإقراره إن أقر على من استخلف عليه إلا الأب، خاصة إن أقر على ابنه الطفل، فإقراره عليه جائز، ويؤخذ أن يبني مع شريك ابنه، ويدرك عليه اليمين أيضا حيث يدرك على الشريك. وأَمَّا ابنه البالغ فلا يجوز إقراره عليه، ولا
- 248 - (1/248)
صفحة 244
يدرك عليه اليمين وهو مثل غيره من الناس وأما الخليفة فإنه يكون شاهدا لمن استخلف عليه، ويكون شاهداً أيضًا على من استخلف عليه.
وأما إن كان الخليفة شريكاً لمن استخلف عليه فأراد الخليفة بنيان الحائط الذي بينه وبين من استخلف عليه فإنه يستمسك بالعشيرة أن يستخلفوا لمن استخلف عليه خليفة (1) يأخذه بالبنيان حَتَّى يبلغ المقدار الذي كان عليه الحائط قبل ذلك، فإن لم يتبين لهم ذلك المقدار، فلا تجوز شهادة الخليفة الأوَّل على من استخلف؛ وأَما الخليفة الآخر (2) فشهادته له وعليه جائزة؛ وهذا في الطفل والمجنون.
وَأَمَّا الغائب، فلا يأخذ خليفته على إصلاح ما اشترك فيه مع غيره، إلا إن استخلفه على ذلك بالقصد.
وَأَمَّا خليفة اليتيم أو المجنون، إن استمسك بهما شريك اليتيم أو المجنون على إصلاح ما فسد فيما اشتركوا فيه، فنزعوا أنفسهم من الخلافة، فجائز لهم ذلك إلا خليفة الأب (3) فَإِنَّهُ لا ذلك. يصيب
وكذلك خليفة الغائب إن لم يجد السفر إلا باستخلافه لذلك الرجل على إصلاح ذلك، فإنَّ تلك الخليفة لا يصيب (4) نزع نفسه من الخلافة.
1
وَأَمَّا الخليفة إذا كان شريكا لمن استخلف عليه، فأراد أن يعمر ذلك بنفسه دون الحاكم فجائز لهم ذلك، ويدرك عناءه من مال من استخلف عليه فيما بينه
-
-
توضيحاً للمقام أقول: حيث كان الخليفة على يتيم أو مجنون ـ مثلاً ـ شريكا له فيجب عليه دفعاً لتهمة الجور والحيف في بنائه أن يأخذ العشيرة أن تستخلف على اليتيم أو المجنون خليفة آخر بخصوص ذلك البناء. والله أعلم.
2 في الأصل «الأخرى» وهو خطأ.
-
3
4
قوله: «إلا خليفة «الأب» لَعَلَّ الأصوب أن يقال: إلا الخليفة الأب». ولو قال: «إلا خليفة الابن الطفل لاندفع الإشكال. ليحرر.
عبارة: «فإن تلك الخليفة لا يصيب»: أنت فيها اسم الإشارة باعتبار لفظ الخليفة، وأرجع الضمير المذكر في الفعل باعتبار معنى الخليفة، وهو الرجل المستخلف. ليحرر.
- 249 - (1/249)
صفحة 245
وبين
الله
ويدركه في الحكم عمل ذلك بنفسه أو استعمله؛ ويدركه على
الطفل إذا بلغ.
وَأَمَّا إذا أخذ الخليفة أو الأب على عمل ذلك فبلغ الطفل، أو أفاق المجنون، أو قدم الغائب قبل أن يعمل الخليفة شيئًا أو بعد ما عمل، فإنه يؤخذ الغائب إذا قدم، أو
الطفل إذا بلغ، أو المجنون إذا أفاق، ولا يدرك على خليفتهم شيئا، ولا على الأب.
وأما إن استعمل ذلك بأجرة، فبلغ الطفل، أو أفاق المجنون، أو قدم الغائب، فقال لهم الخليفة: اعطوني أجرة ما استعملت لكم والمال في يده حين استعمل ذلك، فقالوا: ما نعرف فيما تقول شيئا؛ فإنَّه يدرك ذلك عليهم إن كانت له بينة، وإن لم تكن له بينة فأرادوا أن يحلفوه أنه لم يعط ذلك من مالهم فلهم ذلك.
قلت: فحائط بين رجلين اختصما عليه لمن يكون منهما؟.
قال: من عرف له فهو أولى به، وإن لم يعرف لأحدهما فهو لمن بناه، وإن لم يعرف من بناه فهو لمن ينتفع به؛ وإن انتفعوا به جميعا أو لم ينتفعوا به فهو بينهما، ويكون لِكُلِّ واحد منهم الوجه الذي يليه من الحائط، إذا كان يستغني عن الوجه الذي يلي صاحبه من ذلك الحائط، وإن كان لا يستغني عن وجه الحائط الذي يلي صاحبه من ذلك الحائط فهو بينهما؛ وكذلك إن انهدم وجه من ذلك الحائط، فإن كان يستغني عن الوجه الذي يلي صاحبه فليؤخذ به، وإن كان لا يستغني ذلك الوجه عن الوجه الآخر فليتآخذا به جميعا، وإن أمكنهما إصلاح ذلك الوجه فليتآخذا عليه، وإن كان لا يمكنهم فليهدموه كله ثُمَّ ليبنوه. وإن غاب أحدهما (1) وقد انهدم الذي يليه من الحائط واستغنى عن الوجه الآخر فليؤخذ به صاحبه إذا انفصل؛ وإن لم ينفصل فليؤ خذا به جميعا. وإن غاب أحدهما وحضر الآخر، ولم ينفصل فلا يؤخذ الحاضر منهما حتى يحضرا جميعًا؛ وكذلك إن كان أحدهما لا يوصل إلى أخذه على ذلك العمل بمعنى من المعاني، فلا يؤخذ شريكه على إصلاح ذلك العمل.
،
1 - أضاف الناسخ: صوابه: وإن لم يغب أحدهما ... إلخ وإلا لتناقص مع الصورة الآتية».
- 250 - (1/250)
صفحة 246
وإن اتفقا
على أن يبنيا حائطًا فيما بينهما، ويكون لِكُلِّ واحد منهما الوجه الذي
يليه فبنياه على ذلك الحال فذلك جائز، ويكون الحائط بينهما على ما اتفقا عليه. اتَّفَقا أن أن يبنيا حائطًا فيما بينهما، ولم يسع الحد الذي بينهما) ذلك
وإن
الحائط، فزاد كلُّ واحد منهما من سهمه إلى الحد الذي بينهما، فبنيا حائطهما على ذلك الحال فذلك جائز، ويكون الحائط بينهما على ما اتفقا عليه، ويكون الحد بينهما كما اشتركا فيه قبل ذلك. وكذلك إن بنى في ذلك الحد أحدهما بإذن صاحبه فذلك جائز، ويكون الحائط لمن بناه، والحد بينهما على ما اشتركا فيه قبل وإن أذن له أن يبني فيما بينهما على أن يكون الحائط بينهما فذلك جائز، ويكون بينهما على ما اتفقا عليه.
ذلك؛
وإن اشترك قوم (2) في حائط فانهدم، فاقتسماه للبنيان على أن يبني كل واحد منهما من ذلك الحائط سهما، ويبني صاحبه سهما، فذلك جائز على ما اتفقا عليه. فإن كان ما اتفقا عليه أن يكون لِكُلِّ واحد منهما ما أخذ دون صاحبه فذلك جائز، ويؤخذ بعمله دون شريكه؛ وإن كان إنَّما اقتسما عمل ذلك خاصة فذلك جائز، ويكون بينهما على شركتهما الأولى.
مسألة أخرى
قلت: أرأيت قوماً لهم جنان فأرادوا أن يبنوا له حائطا هل يأخذ بعضهم بعضا على ذلك؟
1
2
3
قال: إن كان ذلك الحائط قد اتفقوا على بنيانه فليتآخذوا عليه ضر بنيانه أو نفع إذا كان في ذلك نفع الجنان (3) وكانوا خواص.
-
قوله: «و لم يسع! الحد الذي بينهما معناه: ولم يكن الحائط بطول الحد الذي بينهما. والله أعلم. الصواب: «اثنان في حائط».
قوله: «فليتأخذوا عليه ضرّ بنيانه أو نفع إذا كان ذلك نفع «الجنان هذا القول يتعارض مع قاعدة: «دفع المضرة قبل حلب المصلحة»، إلا أن يقال: إنَّ ذلك الضرر سيجلب نفعاً أكبر للجنان. ليحرر.
- 251 - (1/251)
صفحة 247
وإن أراد قوم أن يبنوا فيما بينهم حائطًا، وقد كان فيما بينهم قبل ذلك)، فإنَّهم يتأخذون عليه ضرَّ ذلك أو نفع. وأَما إن اتفقوا عليه أن يبنوه و لم يكن قبل ذلك، فإنهم يبنونه في موضع لا يضرُّ بأحدهم ولا غيرهم من الناس؛ وإن لم يتَّفِقُوا على بنيانه فليين كلُّ واحد منهم في حريمه بنيانا لا يضر صاحبه في مجازه وطريقه، وغير ذلك مِمَّا تكون فيه المضرة.
وإن اتفقوا على بنيان حائط لأجنّتهم واختلفوا في مقداره، فإنهم يبنونه على قدر قامة الرجل الأوسط، ويكون الزرب في تلك القامة (2)، وما يكون على ذلك مِمَّا يمنع من أراد الدخول في ذلك الجنان من الحجارة وغيرها. ومنهم من يقول: إنما يبنونه على قدر ما يمنع الأذى عنه. وكذلك الزرب على هذا الحال.
وإذا كان الحائط بينهم أو الزرب ولم يعرف لمن هو منهم، الجواب فيها كالجواب في الحائط الذي بينهم في الدور على قدر اشتراكهم في حائط الدور؛ وكذلك اشتراكهم في حائط الجنان.
قلت: فمن له بعض الأشجار في الجنان أو البيوت في الدور، هل يكون له سهم في حيطان الدور والجنان؟
قال: لا، ولكن إن انهدم فليأخذه صاحب الأشجار على بنيانه. وأما أصحاب البيوت فلا يأخذوه على ردّ ما انهدم من حيطان الدور، إلا إن وصلت إليهم المضرة من هدم ذلك الحائط فليأخذوه على رده.
وإن اقتسموا بقعة الجنان أو البيوت أو الدور، ولم يذكروا الحيطان فذلك جائز، وتكون الحيطان بينهم، كما اشتركوا فيها أولاً؛ وإن ذكروها في وقت القسمة
2
قوله: «أراد قوم أن يبنوا فيما بينهم حائطًا، وقد كان فيما بينهم قبل ذلك». يفهم منه أنه كان قبل ذلك وانهدم، أو زال بسبب من الأسباب فأرادوا إرجاعه. قوله: «ويكون الزرب في تلك القامة ... » مراده والله أعلم إذا كان الحائط من زرب ولم يبن بالحجارة أو اللبن أو غيرهما فمقداره كَذَلِكَ قدر قامة الرجل المتوسط.
- 252 - (1/252)
صفحة 248
فيكون لِكُلِّ واحد منهم ما وقع في سهمه. وأما إن لم يعرفوا كيف كان لهم ذلك الحائط، وقد تبين سهامهم من البقعة، فإنَّ كلَّ واحد منهم يكون له من ذلك الحائط ما يلي سهمه، ويأخذ كل واحد منهم صاحبه ببنيان ما انهدم مِمَّا يليه من ذلك الحائط في سهمه، وأما إن أراد أحدهم أن يبني حائطا في سهمه فمنعه صاحبه من أجل ما يدخل عليه من المضرَّة (1) من الفئران والعقارب وكل ما يؤذيه ويؤذي ما يحدث فيه فلا يدرك عليه منعه من البنيان.
وأَما من اشترى جنانًا أو دارًا ثُمَّ اشترى بعد ذلك جنانًا في قرب الأولى أو دارا في قرب داره الأولى، ولم يذكر الحائط الذي بينهما، فإنَّه إن لم يكن الحائط الذي الأذى عن الجنان والدور لغير البائع فهو للمشتري يفعل فيه ما شاء من الزيادة
يمنع
والنقصان وإزالته.
قلت: وإن نزعه ثُمَّ باع أحد الجنانين أو إحدى الدارين لرجل فهل يدرك
المشتري ردَّ ذلك الحائط أم لا؟
قال: لا، إلا باتفاق البائع، وكذلك الواهب وغيرهما في هذا الحال.
مسالة أخرى
قلت: فمن اشترى دارًا وفيها بيت مفتوح إلى خارج الدار، أو كان بيت خارجا من الدار وبابه مفتوح إلى داخل الدار فلمن يكون ذلك البيت؟ قال: إن كان بابه مفتوحا من خارج الدار، فهو للبائع. وإن فتح بابه إلى داخل الدار فهو للمشتري؛ إلا إن استثناها البائع فتكون له على ما استثنى.
1 - قوله: «من أجل ما يدخل عليه من المضرة ... ». تعليل للبناء لا للمنع، والمعنى: إن أراد أحدهما بناء حائط دفعاً لمضرّة الفئران والعقارب ... فلا يجد صاحبه منعه.
- 253 - (1/253)
صفحة 249
وَأَمَّا إن اشترى جنانا (1) في وسطه حديقة (2) مزربة وبابها مفتوح إلى الجنان أو
خارجًا، أو كانت الحديقة خارجا من الجنان وبابها مفتوح إلى داخل الجنان، فإنه ليس للمشتري في الحديقة شيءٌ في جميع الوجوه؛ وكذلك إن كان البيت في وسط الجنان (3) وبابه مفتوح في داخل الجنان على هذا الحال؛ وكذلك إن باع الجنان في داخله قصر ولم يذكر البائع على ما قلنا أوَّلاً في البيت. ومنهم من يقول: إن باع الدار وفيها بيت بابه مفتوح خارجًا من الدار أو البيت خارجا من الدار وبابه مفتوح إلى الدار أو كان البيت في وسط الدار فإنَّه للمشتري، إلا إن استثناه البائع؛ وقيل في حديقة الجنان مثل ذلك.
ومن باع دارًا وفيها غار، فإن كان الغار قد أحاطت به الدار فهو للمشتري، وإن لم تحط به الدار وبابه مفتوح في الدار فهو لمن انتهت إليه الدار بالشراء أو بغير ذلك من الملك. وإن أحاطت به الدار وبابه خارج من الدار فليس للمشتري ولا الموهوب له شيء. ومنهم من يقول: كل ما أحاطت به الدار من الغار فهو لمشتري الدار، وما كان خارجًا من الدار فليس له شيء، وتكون طرقه ومجازه من بابه وينتفع كل واحد منهم بما له فيه. وكذلك البئر أو العين التي تكون في الدار إن لم يذكراها في حال الصفقة فهي للبائع. ومنهم من يقول: ذلك كله للمشتري،
وكذلك الجب والمطامر على هذا الحال.
وإذا كان الحائط بين دور رجلين أو كانت لأحدهما منها دار، وللآخر الجنان وبينهما ذلك الحائط، ففسد ما لأحدهما من ذلك حتى لا ينتفع به، ولا يصل إلى شيء منه فَإِنَّهُمَا يؤخذان بإصلاح ذلك الحائط. ومنهم من يقول: يأخذ الذي
-
1
-
قال في المنجد: «الجنة جمع جنان وجنات الحديقة ذات الشجر، قيل لها ذلك لسترها
الأرض بظلالها».
وقال: «الحديقة جمع حدائق البستان عليه حائط».
وقال: البستان جمع بساتين: أرض أدير عليه جدار وفيها شجر وزرع.
3 - ورد في الأصل «الدار» عوض الجنان، وصححه الناسخ معلّلاً بتقدم حكم البيت مع الدار من قبل.
- 254 - (1/254)
صفحة 250
بطل سهمه (1) من الأرض صاحبه بإصلاح ذلك الحائط، ولا يدرك عليه صاحبه هو شيئًا من ذلك. وأَمَّا إن كان ذلك الحائط لأحدهما دون صاحبه، فبطلت عمارة الذي ليس له في الحائط شيء، وبقيت عمارة الآخر، فلا يدرك عليه من ليس له في الحائط شيء من ذلك، حيث لا ينتفع من الحائط بشيء، وكذلك إن لم يعرف من
له ذلك منهما.
وَأَمَّا من دَوَّرَ حائطًا في أرضه فَعَمَرَ بعضًا من ذلك حتى صار بستانا وبقي من الأرض شيء لم يعمر مِمَّا يلي الحائط، فباع ذلك البستان أو وهبه، ولم يذكر ما لم يعمره، فلمن يكون؟ فإنه إن كان إنَّما يُسَمُّون ذلك كله بستانا ـ ما عمر منه وما لم يعمر ـ فذلك كله للمشتري والموهوب.
هذه
المعاني.
وَأَمَّا إن دور حائطًا في أرضه فعَمَر فيه بستانا ودارا ومزرعة (2)، فباع أحد هؤلاء المعاني، فلا يكون للمشتري إلا ما قصده البائع بالبيع من وأما إن كانت مزرعة في وسط البستان فباع البستان أو وهبه، فبيع المزرعة جائز مع البستان.
وعن قوم لهم، بستان وقد دار به الحائط فاتفقوا على أن يقسموا البستان دون الحائط، فاشترطوا فيما بينهم: أنَّ كلَّ من أراد أن يهدم ما قابله من الحائط الذي هو له، ليزيد إلى سهمه، ويحوِّل الحائط الأوَّل فله ذلك. وإن انهدم الحائط الذي حوله من موضعه فإنه يأخذ أصحابه بإصلاحه، إلا إن اشترطوا عليه أوَّل مرة أن يكون عليه بنيان ذلك خاصة سواء في ذلك الحائط والزربُ والممصل الذي يكون حرزًا لبستانه وإن اقتسموا أوَّل مرَّة ولم يتفقوا على تحويل حائط فلا يصيب كل واحد منهم أن يحوّل من ناحيته شيئا من ذلك الحائط المحيط بهما.
:
1 - قوله: «يأخذ الذي بطل سهمه من الأرض مراده: بطلت عمارة سهمه حتى لا ينتفع به. كما تدل عليه العبارة السابقة. والله أعلم.
2
-
-
في الأصل: «مزرعا» وهو خطأ.
- 255 -
17 (1/255)
صفحة 251
وإن اقتسموا البستان أو الدار ولم يقتسموا الحائط المحيط بهما، واشترطوا أن
6
يصلح كل واحد منهم ما انهدم مِمَّا يقابله من ذلك الحائط فلهم ذلك، وكذلك من باع له ورثته - إن مات ـ على هذا الحال.
وإن اقتسموا البستان أو الدار مع حيطانهم واشترطوا أن يتأخذوا على بنيان ما انهدم من الحائط المحيط بهما فلهم ذلك، ولو انهدم من ناحية أحدهما، فإنهم يتأخذون عليه جميعا، ولو اقتسموا واشترط أحدهم على صاحبه بنيان ما انهدم من الحائط المحيط به كله فذلك جائز، ويكون عليه بنيانه دون صاحبه.
يعمر
ما
وأَما قوم تجاوروا فيما بينهم بأجنتهم، وبينهم أرض غير عامرة، ولم يكن لأحدهم فيها دعوى، فأراد كل واحد منهم أن يعمر ما يليه من تلك الأرض، فليس له ذلك، إلا إن تبين ما له منها، أو أذن كل واحد منهما لصاحبه أن يليه سواء أجعلا الحدود فيما بينهما، أم لم يجعلا أو برا منها أحدهما الآخر. قلت: وأما إن اقتسموا فجعلوا بينهم حدا معلومًا، فهل يتأخذون على قسمة الحد الذي بينهما أم لا؟
قال: إن كان في ذلك الحد مقدار ما ينتفع به كل واحد منهم إن اقتسموه، فإنَّهم يتآخذون به، وكذلك إن كان أحدهم ينتفع بسهمه، والآخر ينتفع بسهمه على هذا الحال وإن لم ينتفعوا به جميعا فلا يتآخذون على قسمته، ولكن يتأخذون على إصلاح ما فسد منه، أو تبين ما اندرس منه. وَأَمَّا إن جعلوا بينهم حدا لا يمكن لهم الانتفاع به مثل ارتفاع الأرض أو انخفاضها، ولا تمكن لهم عمارتها إلا بالعلاج فاشترطوا في حال القسمة أن يعمره من أراد أن يعمره دونهم؛ فكل ما أحدثوا فيه من العمارة فإنَّ تلك العمارة تكون لمن عمرها ولا يكون له في الأرض إلا سهمه. وإن تشاححوا بعد العمارة، فمنهم من يقول: لا يدركون على صاحب العمارة شيئًا، حَتى تزول، عمارته، وتكون الأرض بينهم على ما كانت أول مرة ومنهم من يقول: يقسمون تلك العمارة على قدر ما لِكُلِّ واحد منهم من الأرض يردُّون عليه القيمة والعناء حيث تكون.
- 256 - (1/256)
صفحة 252
وأَمَّا إن تركوا ذلك الحد بينهم، وكان يردُّ عليهم كلّهم المضرة أو عن بعضهم، فدعا
بعضهم إلى نزعه فلا يصيبون نزعه كله، ولكن ينزعون منه ما ينتفعون به لرد المضرة. وإن اقتسموا وكانوا ثلاثة أو أكثر، فكان في حدود ما بينهم ما تمكن فيه العمارة، فقاموا كلّهم فأرادوا، عمارته، فإن كان في ذلك ما تمكن فيه العمارة فلهم أن يعمروه، وإن لم تمكن فيه العمارة، وإنما جعلوه حدا فيما بينهم، فإنهم يتمانعون من عمارته؛ ولا تكون تلك الحدود إلا لمن تليه منهم من الناحيتين جميعا. وكذلك كل ما قام من تلك الحدود مِمَّا تكون فيه المنفعة مثل: العين أو البئر أو الغرس، ولكن يتآخذون على نزع ذلك ما لم يثبت، وكذلك الطرفاني منهم في الحد الذي بينه وبين الناس إن لم يكن في ذلك الحد مقدار ما تمكن فيه العمارة، فله ذلك الحد دون أصحابه. وأما إن كان فيه ما تمكن فيه العمارة فإنه تكون بينهم
جميعا هو وأصحابه.
وَأَمَّا الحد الذي يكون بين العامة والعامة الأخرى، فإنَّهم يتمانعون من عمارته، ولا يتآخذون على قسمته أيضًا، ولا ينتفعون بما حدث فيه من المنفعة، مثل: العين أو البئر أو الغرس ويمنعون من أحدث عليهم في ذلك جميعاً ما يضرهم، ولا يؤخذون بما حدث في ذلك الحدٌ مِمَّا يضرُّ به (1) مثل: الوادي على أن يدفنوه، أو ما يمنع ماءه من الجري، وأما إن كان هذا الحد الذي بين العامتين ينسب إلى أحد من العام أو الخاص، فلا يمنع من ينسب إليه من العمارة فيه، ويؤخذ أيضا بنزع ما حدث في ذلك من المضرة على غيره، ويأخذ أيضًا من أحدث عليه المضرة بنزعها.
وَأَما قوم نسبت إليهم عين أو مزرعة أو جزيرة نخل (2)، وقد أدركوها ولم يعلموا حدودها، فإنهم يعمرون ما تبين من ذلك، وما لم يتبين لهم فلا يعمروه؛
1 - في الأصل: «لَعَلَّهُ مِمَّا يضرُّونه به». وهو خطأ، وقد صوبه الناسخ في الهامش. 2 - قوله: «أو جزيرة نخل»: هكذا ثبتت هذه العبارة في النسخ الأصلية الأربع التي بين يدي ولم أفهم لها معنى، ولعل المراد أو حوزة نخل كما هو معروف عندنا، وهي عبارة عن مجموعة نخل.
- 257 - (1/257)
صفحة 253
(1)
ولا يَتَبَيَّنُ لهم إلا ما علموه بأنفسهم، أو ما شهد عليه الأمناء، أو ما قال لهم ورثتهم، أو من ورثوا معه ولم يستريبوه أو ما كانت فيه آثار العمارة.
(3)
وَأَمَّا المرج فَكُلُّ ما يسمى به تلك المرج، أو الكدية أو الوادي أو البئر، فإنهم يعمرونه، وتكون لهم منافعها كلها، ولو لم يدعوا بقاع الأرض إلا ما يسمى أنَّهم قصدوا إليه.
مسألة أخرى
قلت: فقوم اتفقوا على أن يبنوا بيتا في أرض قد اشتركوا فيها، أو أرض لأحدهم دون الآخر، أو لرجل آخر غيرهما بإذن صاحبها، أو موضع يجوز لهم أن يبنوا فيه؟ قال: إن اتفقوا على مقداره في العرض والطول، وارتفاع البنيان، وسعة الأساس وضيقه وما يبنونه به، والموضع الذي يبنونه فيه، فذلك جائز، ويتآخذون على بنيانه؛ وإن لم يبينوا هذه المعاني، أو بينوا بعضها ولم يبينوا بعضا، فلا يتأخذون على شيء منها. ومنهم من يرخص ولو لم يتفقوا على سعة الأساس، ومقدار علو البنيان وما يبنون به؛ ويرجعون في ذلك إلى عادة الناس فيما يبنون به وسعة الأساس وعلو البنيان ومنهم من يقول: إنما يجعلون في العلو قدر قامة وبسطة). وهذا الذي ذكرنا إذا أرادوا أن يحدثوه؛ وأَما إن كان قبل ذلك فانهدم فليردوه كما كان أولاً.
2
3
1 - قوله: «ولا يَتَبَيَّنُ لهم إلا ما علموه ... » مُرَاده به ولا يكون في حكم المتبين أنه يجوز لهم عمارته إلا ما علموه بأنفسهم. والله أعلم.
4
-
يبدو أن لفظة الورثة يعني بها الموروث. ليحرر. والله أعلم.
قال في اللسان: «المرج: الفضاء، وقيل: المرج: أرض ذات كلاً ترعى فيها الدواب. وفي التهذيب: أرض واسعة فيها نبت كثير تَمرُجُ فيها الدواب؛ والجمع: مروج». اهـ. والمعنى الثاني هو الأوفق بالسياق. و لم يشر فيه إلى تذكيره أو تأنيثه.
قوله: «قدر قامة وبسطة»، مراده والله أعلم يجعلون البنيان غالبا قدر قامة إنسان وبسطة يديه
إلى أعلى.
- 258 - (1/258)
صفحة 254
وإن اقتسموا، أو تبايعوا، أو تواهبوا على أن يبنوا بيتا، وقد بينوا هذه المعاني
التي ذكرنا، فذلك جائز؛ وإن لم يبينوا شيئًا فلا يصح شيء من قسمتهم وبيعهم. وكذلك الدار والقصر والساقية والممصل والعين والبئر على ما ذكرنا فلا يجوز اتفاقهم عليها، حتى يبينوا المقدار في العرض والطول والسعة، وجميع المعاني التي ذكرنا على ما فسرنا في المسألة التي قبلها.
وإن اتفقوا أن يبنوا بينا، وبينوا جميع معانيه، واختلفوا في تسقيفه، فإنهم يرجعون إلى عادة بلدهم إن كانوا إنما يسقفون بالخشب أو الحجارة والجير فليفعلوا ذلك. وإن كانت تلك المعاني كلها ()، فليتفقوا فيما بينهم؛ وإن لم يتفقوا على شيء فلينظر لهم أهل الصلاح.
وكذلك الكوَّات النافذة التي لا يستغني عنها البيت على هذا الحال. فَأَما ما يعملون به مِمَّا يستغنون عنه من الرفوف وأهراء الكوات التي هي غير نافذة والأوتاد والخزين فلا يتأخذون على ذلك. وأما الباب والقفل والمفتاح فإنهم يتأخذون عليه. وكذلك ما لا يستغني عنه مِمَّا يحرزه به كله فإنهم يتأخذون عليه؛ ويتآخذون على تسقيفه بالحصر والقصب والطين وجميع ما يحتاجون إليه على قدر عادتهم في بلدهم في تسقيفهم وميازيبهم.
وأما السترة التي (2) يبنى عليها، فلا يتأخذون عليها. ويتأخذون على دفن قاعه وتمليسه وتطيينه، ويجعلون له مخرجًا للدخان إذا كانوا يعمرونه بالنار (3).
-
1
2
3
قوله: «وإن كانت تلك المعاني كلها مراده والله أعلم إن كان أهل البلد يبنون بمواد مختلفة ... السترة: قال في المنجد: سترة السطح ما يبنى حوله». وَعَلَى هَذَا فلعل الصواب أن يقال: السترة التي تبنى عَلَيْهِ عبارة: «إذا كانوا يعمرونه بالنار». مراده بها إذا كانوا يوقدون فيه النار؛ لأنَّ. البيوت ما يبنى للتخزين فقط وما أشبهه، مِمَّا لا يناسبه إيقاد النار معه. ه ليحرر.
من
- 259 - (1/259)
صفحة 255
وإن أراد واحد منهم، عمارته وأبى صاحبه ذلك، فالقول قول من أبى من
عمارته وسكناه). وكذلك الدور أيضًا، والحيطان فالقول قول من أبى من عمارتها، إلا إن كان في ترك عمارتها فسادها، فالقول حينئذ قول من دعا إلى عمارتها. وكذلك إن أراد أحدهم أن يضع على سقفها شيئًا مثل التمر والحطب أو ما أشبه ذلك، ومنعه صاحبه، فالقول قول من أبى من ذلك.
وإن ورثوا بيتا أو كان لهم من غير ذلك من وجوه الملك فانهدم، فإنهم يردُّونه كما كان أولاً في جميع معانيه من الرفوف والأهراء والأوتاد والكوات وما أشبه هذا مما ينتفعون به. قلت: وأَما إن ورثوا دارًا أو ملكوها بغير ذلك، وفيها بيت لم يسقف أو لم يتم بنيانه فهل يتآخذون عليها؟
1
قال: إن كان لها آثار التمام والسقف، فإنهم يتآخذون عليها، وإن لم يكن ذلك، ولم يتبيَّن لهم ما كانت عليه أولاً، فلا يتأخذون عليها، إلا إن دخلت ملكهم من قبل غيرهم على الشرط أن يتمُّوها ويسقفوها، فإنهم يتأخذون على تمامها، وكذلك ورثتهم من بعدهم، أو من انتقلت إليه بمعنى من المعاني؛ ومنهم من يقول: لا يتآخذون على تمامها إلا الورثة خاصة.
ومن بنى بيتا على غار أو مطمورة لغيره (2) فانهدم الغار أو المطمورة، فإنَّ صاحب البيت يأخذ صاحب الغار أو المطمورة أن يسقف غاره أو مطمورته ويرد بيته، وإن كان لا يصل إلى تسقيفه، فإنَّه يأخذه بدفنه لكي يبي عليه؛ وإن دفن
قوله: «فالقول قول من أبى من عمارته وسكناه» معناه والله أعلم فالقول قول من أبي سكناه، ويكون العطف عطف تفسير عَلَى أني أعجب من هَذَا الحكم، وأتساءل: لم يبني البيت؟ ولأي غرض؟ الله أعلم بالحقيقة، والحكم على الشيء فرع عن تصوره. 2 - قوله: ومن بنى بيتا على غار أو مطمورة لغيره ... » يبحث هل يجوز للباني أن يفعل ذلك بغير إذن صاحب الغار أو المطمورة؟ أم أن الكلام مقيد بأن ذلك لا يكون إلا بإذنه؟ أم أنه لا حق للغار والمطمورة أصلا؟
- 260 - (1/260)
صفحة 256
ذلك الغار أو تلك المطمورة فبنى صاحب البيت بيته وأراد صاحب الغار أن يسكنه ويسقفه، فإنَّه يأخذ صاحب البيت بهدم بيته حتى يصل إلى غاره فيسقفه؛ وإن وجد كيف يسقف غاره من غير أن يأخذ صاحب البيت بهدم بيته، فلا يأخذه بهدمه. وأَما إن قال صاحب البيت لصاحب الغار: اسقف غارك، وقال له صاحب الغار ندفنه أو قال صاحب الغار نسقفه، فقال له صاحب البيت: ادفنه، فالقول في ذلك قول صاحب الغار فيما لا يضر به صاحب البيت. وإن كانت بقعة الغار لصاحب البيت، فانهدم سقف الغار فلا يأخذه صاحب البيت برده، ويأخذه صاحب الغار (1) برد سقفه إن كان يصل إلى ذلك؛ وكذلك البيت إن انهدم، فأراد صاحب الغار أن يأخذه برده، فإنَّه يدرك عليه ذلك إن كان له في ذلك دفع ضر أو جر منفعة.
وإن اشترك قوم دارًا أو بيتا، فدفنها التراب حَتّى لا يمكن لهم الانتفاع بها حتى يزيدوا الحيطانها في الطول، أو يكنس عليها ذلك التراب، فإنما يتأخذون على كنس التراب، فإن لم يصلوا إلى ذلك، فليرفعوا بنيانها حتى ينتفعوا بها، ويأخذ بعض الشركاء في البيت بعضًا على كنس ما فيه من التراب والحجارة وجميع ما فيه من المضار. وكذلك إن كان فيه بتر فانهدمت أو مطمورة مهدومة، فإنَّهم يتأخذون على دفنها حتى لا تضر بالبيت.
وإن كان لرجل غار وللآخر عليه بيت فخرب الغار حتى خاف عليه أن ينهدم (2) فهل يدرك عليه صاحب البيت أن يصلحه لكي لا تدخل عليه المضرة التي
يتخوف منها على بيته؟
-
- 1
—
من العجب أن تكون بقعة الغار لصاحب البيت البيت الذي بني على ذلك الغار ويحكم بعد ذلك بأن صاحب الغار يأخذ صاحب البيت برد سقفه وهذا فيما أفهم ينبني على جواز ملك المنفعة دون العين، بمعنى أنه يمتلك الانتفاع بالغار ولا يملكه بعينه. وقد مرت صور شبيهة بهذه، والله أعلم بحقيقة ذلك. هذه الصورة قد تبدوا لأول وهلة تكرارًا لِما مضى، ولكن هي في الواقع مغايرة لما تقدم؛ ففرق أن ينهدم سقف الغار بالفعل، وبين أن يخاف من انهدامه.
بين
- 261 - (1/261)
صفحة 257
قال: نعم. وكذلك صاحب البيت إن خاف صاحب الغار من انهدامه (1) فإنه يدرك عليه أن يصلحه لئلا يضر بغاره.
وإن كان بيت لرجل وعليه غرفة لرجل آخر، فلمن يكون منهما سقف ذلك البيت؟
قال: هو لمن بناه منهما؛ وإن بنياه جميعا فهو بينهما؛ وإن لم يعرف من بناه منهما فلصاحب البيت ما كان داخلاً في بيته مِمَّا يليه من الخشب والجريد وما أشبه ذلك، ويكون لصاحب الغرفة ما فوق ذلك من الطين والجص وغير ذلك. وإن كان ذلك السقف لصاحب البيت فانهدم فرده صاحب الغرفة، ورد عليه غرفته، فإنَّه يدرك على صاحب البيت قيمة (2) ذلك النقص الذي سقف به بيته؛ وإن كان أيضًا ذلك السقف لصاحب الغرفة فانهدم فردَّه صاحب البيت فإنه يدرك على صاحب الغرفة قيمته. وكذلك كلُّ ما ينسب إلى أحدهما دون صاحبه إن انهدم ورده الآخر على هذا الحال.
ومن كان له بيت وعليه غرفة، فباع تلك الغرفة وأمسك البيت، أو باع البيت وأمسك الغرفة ما الذي يكون للمشتري من ذلك؟
الحائط
من
قال: لا يجوز ذلك البيع حَتَّى يُبَيِّنَ له البائع ما باع له بعلم يجعله في ذلك كل ناحية؛ ومنهم من يقول: يجوز بيعه، فإن باع له الغرفة فهي له بقاعها، وإن باع له البيت فيكون له ما يلي البيت من سقفه من الخشب وما أشبه ذلك. فالجواب فيها كالجواب في مسألة القعود.
1 - قوله: «إن خاف صاحب الغار من انهدامه يعني من انهدام البيت على الغار. القيمة المذكورة في العبارتين مراده بها - والله أعلم - أجرة بناء ذلك النقض لا
قيمة النقض. ليحرر.
-
- 262 - (1/262)
صفحة 258
ومن أراد أن يبيع بعضا من بيته أو غرفته أو داره، فإنه لا يجوز بيعه حتى يخط له في الحائط من داخل ومن خارج؛ ومنهم من يقول: إن خط له من وجه واحد في حيطانه أجزاه ذلك، ويخط له أيضا في سقفه من الوجهين جميعا؛ ومنهم من يقول: من ناحية واحدة يجزيه.
كان له بيت وعليه غرفة فانهدم البيت، والغرفة فاستمسك صاحب الغرفة بصاحب البيت أن يبنيه ليرد عليه غرفته؛ فقال له صاحب البيت: ابنها في موضع بيتي، وأبى صاحب الغرفة، فهل يدرك عليه ذلك؟
قال: لا يشتغل بقول صاحب البيت والقول قول صاحب الغرفة.
وإن بني بيته وقصر عن بنيانه الأوَّل في العلو، واستمسك به صاحب الغرفة أن يرده كما كان عليه أوَّلاً، فَإنَّهُ يدرك عليه ذلك؛ وكذلك إن زاد على ما كان له أولاً، فاستمسك به صاحب الغرفة أن يرده إلى ما كان عليه أولاً، فإنه يدرك عليه ذلك. ويدرك عليه صاحب البيت أن يبني غرفته (1) إن استمسك به على ذلك؛ وورثتهما بمقامهما.
وإن كان الرجل بيت وعليه غرفة له ولرجل آخر على تلك الغرفة غرفة أخرى، فانهدمت، الغرفتان فاستمسك صاحب الغرفة الفوقانية بصاحبه أن يرد غرفته ليبني عليها غرفته، هو وقال له صاحبه: إبن على بيتي غرفتك في موضع غرفتي، فلا يجد ذلك، ويدرك عليه أن يبني غرفته، ويبني هو أيضا غرفته.
قوله: ويدرك عليه صاحب البيت أن يبني غرفته ... » إلخ معنى ذلك: أن لكل من الطرفين أن يستمسك بالطرف الآخر أن يبني ما يملكه فلصاحب الغرفة أن يستمسك بصاحب البيت أن يبني بيته، ولصاحب البيت أن يستمسك بصاحب الغرفة أن يبني غرفته، لكن نفقات بناء البيت على صاحب البيت، ونفقات بناء الغرفة على صاحبها.
- 263 - (1/263)
صفحة 259
وإن انهدم بيت لرجل وعليه غرفة لرجل، آخر فانهدم البيت وبناه صاحبه، فاستمسك بصاحب الغرفة أن يرد غرفته وقال له: ليس في حيطانه ما يُبنى عليها، فهي ضعيفة ولكن اهدمها ووثق حيطانك فهل يدرك عليه ذلك؟
قال: ينظر في ذلك أهل النظر، فما قالوا لهم من ذلك فعلوه.
وإن كان لرجل بيت وعليه غرفة لآخر، فنزل في الأرض ودفن)، فاستمسك به صاحب الغرفة في ذلك؟
قال: إن انهدم فإنه يدرك عليه ردَّه كما كان أوَّلاً، ولا يحاسبه بما دفن في الأرض، وإن لم ينهدم فلا يدرك عليه شيئًا. وإن استمسك به صاحب البيت أن يهدم غرفته، حتى يبني بيته إلى الموضع الذي انتهى إليه أَوَّلاً، فإنَّه لا يدرك عليه ذلك؛ ومنهم من يقول: يدرك كل واحد منهما على صاحبه ما ذكرنا في هذا كله، حتى يردَّ ذلك كما كان أوَّلاً.
وأما إن انهدم البيت و لم تنهدم الغرفة (3) فاستمسك أحدهما بصاحبه أن يرد ما كان له إلى موضعه أَوَّلاً، فَإنَّه يدرك عليه ذلك.
ومن
كانت له غرفة على بيت رجل فأراد أن يحدث فيها من البنيان والسكنى والمنافع ما لم يكن له قبل ذلك، فمنعه صاحب البيت فله ذلك. ويمنعه أيضًا مِمَّا يحدث على سقفها من البنيان وما يضع عليه؛ وسواء في هذا ما أراد أن يحدثه و لم يكن قبل ذلك، والزيادة أيضًا على ما كان له قبل ذلك؛ وكذلك أيضا صاحب
-
2
- 3
قوله: «فَنَزَلَ في الأرض ودفن مراده والله أعلم: أن البيت إذا دفن - وغالبا ما يكون بالرمال - ويدفن ما حوله من الطرقات أو الساحات فيبدو كالنازل في الأرض، وهذا ما شاهدناه بالفعل في بعض قرى الصحراء، كنواحي سوف وأدرار وأولف وأقبلي وغيرها. مراده بالعبارة والله أعلم: إن أراد أن يبنيه إلى الموضع الذي انتهى إليه في الارتفاع أولاً، بمعنى أنه يريد أن يجعل أرض بيته في مستوى الأرض خارج البيت. قوله: «إن انهدم البيت و لم تنهدم الغرفة»، يتصوّر هذا في المناطق الجبلية، حيث تكون الغرفة فوق البيت، مستندة إلى الجبل، والله أعلم. وَرُبَّما قصد بانهدام البيت انهدام جزء منه فقط. ليحرر.
- 264 - (1/264)
صفحة 260
البيت إن أراد أن يعلق على خشب سقف بيته أو يعلّق على حيطانه ما يضر بها،
ومنعه صاحب الغرفة فإنَّه يدرك عليه ذلك، إن خاف ما يضر بغرفته.
وإن استمسك صاحب البيت بصاحب الغرفة، فقال له: إنَّ حيطان غرفتك ضعيفة أو مشقوقة، وقد تخوفت من انهدامها على بيتي فهل يدرك عليه إصلاحها؟
قال: ينظر في ذلك أهل الصلاح، فإن كانت ضعيفة، فإنه يدرك عليه إصلاحها، وإن كان لا يصل إلى إصلاحها إلا بهدمها فإنه يؤخذ بهدمها، ثُمَّ يصلحها بعد ذلك.
وإن باع رجل لرجل بيتا في أرضه فاختصما على ما فوقه من الهواء (1) فلمن يكون؟ قال: هو لصاحب البيت، وإن استثناه صاحب الأرض فهو له، وإن اشترط أن يبني عليه فله ذلك، ويبني بما لا يضر به صاحب البيت، وله أن يبني فوقه ما شاء ما لم يتخوَّف مِمَّا يضر بصاحب البيت؛ وإن لم يشترط أولاً أن يبني فلا يجد ذلك؛ وإن استثنى أن يبني ثُمَّ بعد ذلك تركه له أو براه منه فلا يبني بعد ذلك، وإن اشترط يبني فباع ذلك الهواء لغيره أو وهبه له فجائز ويكون للمشتري والموهوب له ما يكون له هو أولاً، وكذلك ورثته بعده. وإن باع صاحب البيت بيته، فقد ثبت على المشتري ما يثبت عليه هو أوَّلاً.
أن
وإن باع صاحب الهواء من ذلك الهواء أذرعا معلومة فله ذلك، وما فوق ذلك فهو له. وإن بني ذلك الذي باع له ما اشترى فلا يجد هو (2) أن يبني عليه إلا إن اشترط ذلك أَوَّلاً. وإن اشترط على المشتري أن يبني على بنيانه، ولم يشتغل المشتري بالبنيان، فإنه يأخذه أن يبني هو أيضا إن أرادا؛ وإن تركا شيئا مِمَّا صاحبه ومنهم من يقول: لا يجوز بيع
(3)
اشترى، فإنه يؤخذ ببنيانه لئلا يمنع ولا هبته، ولكن استثناؤه جائز على كل حال.
2
قوله: «ما فوقه من الهواء واضح أن المقصود هو الجو أي الفراغ الذي فوقه.
الهواء
قوله: «فلا يجد هو»، معناه: فلا يجد البائع أن يبني ما بناه المشتري، إلا إن اشترط ذلك أولاً. 3 - قوله: «لئلا يمنع صاحبه» معناه: إن اشترط البائع على المشتري أن يبني فوق بنائه، فعلى المشتري أن يكمل بناء ما التزم به، حتى لا يمنع البائع من البناء فوق بنائه.
- 265 - (1/265)
صفحة 261
مسألة أخرى
قلت: فقوم بينهم بستان، فحدث فيه الفساد فأراد بعضهم أن يأخذوا الآخرين
على إصلاحه؟ (1)
قال: ففي ذلك ذلك وجوه منها ما يتآخذون عليه ومنها ما لا يتأخذون
فالحيطان كلها يتأخذون عليها ببنيان ما انهدم منها؛ سواء ما انهدم وزال أصله أو ما بقي منه شيء من ذلك، مثل الأساس وغيره.
من
وَأَمَّا الأشجار، فما ذهب منها وزال لا يتآخذون على رد غيره، سواء أكان جنسه أو من غير جنسه. وأما إن كانت الشجرة بعينها معلومة فإنهم يتآخذون على ردها إن قدروا على ذلك، وإن لم يقدروا فلا يتآخذون على ردها؛ وأَما إن وقعت الشجرة وفي أصلها فسيل فوقعت من أصلها، فأرادوا أن يردُّوا الفسيل في مكانها، فإنَّهم يتخذون على ربِّ كُلِّ ما بلغ الأرض منها، وما لم يبلغ الأرض فلا يتآخذون عليه.
وَأَمَّا شجرة التين والزيتون وغيرها من الأشجار التي يغرس غصنها إن وقعت واحدة من تلك الأشجار، فأراد بعضهم أن يأخذ بعضا على ردّ الغصون في الموضع الذي وقعت منه الشجرة، فلا يتأخذون إلا على رد جذرها بعينه؛ وأَمَّا الغصون، فلا.
1 - قوله: «فأراد بعضهم أن يأخذوا الآخرين على إصلاحه»، ينقص السؤال، وَلَكِنه مفهوم من العبارة. والتقدير: فهل يجوز أن يتآخذوا على إصلاح ما فسد؟ ومثل هذا كثير في الكتاب. قوله: «فإنهم يتأخذون على ردّ كلّ ما بلغ الأرض منها، وما لم يبلغ الأرض ... » مراده ما مال منها حتى بلغ الأرض بعروقه أو أغصانه، وما لم يبلغ بشيء من ذلك، والله أعلم.
- 2
- 266 (1/266)
صفحة 262
وإن زال من الجذر شيء، فإنَّهم يتآخذون على ردّ ما بقي منه، وإن افترقت الجذور وصارت اثنين أو ثلاثة، فإنَّهم يتآخذون على ردها كلها في المكان الذي وقعت منه تلك الشجرة.
، وإن وقعت أشجار مفترقة فاختلطت، ولم يعرف ما مكان كل واحدة منهن، وكذلك إن لم يمكن ردُّ كلّ واحدة منها في مكانها بمعنى من المعاني، مثل: إن ذهب السيل بمكانها حتى لا يمكن لهم إصلاحه، وأما إن كان يمكن لهم إصلاحه، فإنهم يتآخذون على ردّه وإصلاحه. وما ليس له نفع، فلا يتآخذون عليه؛ وما ليس له نفع ويمكن أن يكون له نفع بعد ذلك، فليتأخذوا عليه أيضًا. • وَأَما ما غرسوا من الغرس فأخذت) و لم يستغلوا منها شيئًا، فقلعت فإنهم يتأخذون على ردّها؛ وكذلك إن غرسوها باتفاقهم، ولو لم تأخذ فقلعت، فإنَّهم يتأخذون على ردّها؛ وإن لم يعرفوا أنها أحياء أم لا، فإنهم يتآخذون على ردّها، ما لم يتبيَّن لهم موتها؛ فإن تبين لهم، موتها، فلا يتأخذون على ردها، سواء في هذا الغروس والغصون والنوى والأشجار التي قلعت بما جاء من قبل الله فيما يرجى فيه حياتها.
وأما إن قلعها أصحابها على أن يغرسوها في موضع آخر، فإنهم يتآخذون على ردّها في الموضع الذي اتَّفَقُوا على غرسها فيه، أو ردّها في الموضع الذي
نزعوها منه. وأما إن قلعوها على أن لا يغرسوها، فلا يتأخذون على ردّها. • وكذلك العمارات كلّها من الحيطان وما يشبهها إن نزعوها على أن يبنوها، فليتآ خذوا على ردها؛ وأَما إن نزعوها على أن لا يردُّوها، فلا يتواخذوا عليها، سواء أكان الإصلاح في نزع ذلك أو لم يكن. وأما العامة إن نزعوا ذلك
-
1
قوله: «فأخذت»، و «لو لم تأخذ» معناه حسب السياق أخذت في النمو بضرب عروقها في التربة.
- 267 - (1/267)
صفحة 263
لصلاح، فلا يتآخذوا على ردّه، وأَما إن لم يكن في نزعه صلاح، فإنهم يتأخذون برده، سواء أنزعه بعضهم أو نزعوه كلهم، فإنهم يتأخذون على رده، ويعطي ما أفسد فيه من نزعه). وكذلك من نزعه من الخواص، فإنهم يتآخذون برده جميعا، ويعطي الذي نزعه ما أفسد فيه؛ وكذلك إن نزعه غيرهم من الناس بالغلط أو بالتعدي فلا يدركون عليه ردَّه، ويأخذون منه ما أفسد في ذلك، ويتآخذ أيضًا اصحاب ذلك برده؛ ومنهم من يقول: في الحيطان يأخذونه بردها ولا يضمن ما أفسد فيها إن ردها على حالها الأول.
وَأَمَّا الأشجار إن ردها على قول من يقول: يؤخذ بردها، فإنه يردُّها وعليه حفظها والقيام بها حتى يستغني ويضمن ما أفسد فيها من قطع الجرائد والغصون وغير ذلك مِمَّا يكون فيه فساد العين؛ ولا يضمن قيمتها إن أخذت ولم تمت، وإن ماتت فليغرم قيمتها. وكذلك القول في الشركاء فيما يتخذون وما لا يتآخذون على هذا الحال. وَأَمَّا ما كان في نزعه الإصلاح، سواء أنزعه الشركاء كلهم أو نزعه واحد منهم أو نزعه الخاص أو العام، أو نزعه أحد بالغلط أو بالتعدي، سواء أكان ذلك الذي نزعه للخاص أو للعام، فلا يتآخذون على رده في مكانه الأول، ولا غير ذلك المكان، ومثل ذلك: مثل نخلة تحتها عش غرس، فنزع منها شيئًا مِمَّا ذكرنا من هذه المعاني، وكذلك ما نبت تحتها من غير جذعها من النوى وغيره، إذ ضرَّ ذلك بها، سواء أسبق ذلك الغرس النخلة أو سبقت النخلة أو كان ذلك كله معا، إذا كان في نزعه الإصلاح، فنزع باتفاقهم أو بغير اتفاقهم، أو نزعه أحد بغير إذنهم، فلا يؤخذ برده.
وأَما إن قام من الشجرة غصن فوصل إلى الأرض، فقامت منه عروق في ذلك الموضع، حتى استغنت عنه أمه أو مالت النخلة حتى وصلت الأرض، فخرجت منها
-
1
قوله: «ويعطي ما أفسد فيه من نزعه مراده ويعطي من نزعه قيمة ما أفسد فيه، أي في ذلك النزع.
- 268 - (1/268)
صفحة 264
عروق في الأرض التي وقعت فيها حَتَّى استغنت عن جذرها الأول، ثُمَّ نزع ذلك، أو تلك النخلة؛ فهل يدرك على من نزع ذلك ردُّه في الموضع الذي نزعه منه؟ قال: إن ثبت ذلك فليتآ خذوا على ردّه، وإن لم يثبت فلا يتآخذوا عليه.
وَأَمَّا إن مالت النخلة)، أو مال الحائط فيتآخذون عليه (2) فينزعوه فإنهم يتآخذون على ردّه أيضاً (3) وإن لم يصلوا إلى نزعه) فليتآخذوا على ما يرفعه حتى يأمنوا وقوعه بالخشب أو بالحجارة أو بما يربطون به من الحبال والشرك وغير ذلك.
وأما ما قام من العش (3) تحت النخل وهو مضرَّة لها، فليتأخذوا على نزع كُلِّ ما ضرَّه من ذلك؛ وما لم يَضُرَّ من ذلك فلا يتأخذون عليه. وإن نزعوا هذا كله فلا يتآخذون على أن يغرسوه؛ وكذلك ما نزعوا من الغصون وكل ما نزعوا من الأشجار، فلا يتآخذون على أن يغرسوه.
وأما تنقية الأشجار من الحطب والجرائد والليف وما أشبه ذلك مِمَّا يضرُّ بالشجر، فإنهم يتآخذون عليه. وكذلك التخفيف عن الشجر مِمَّا يقطعون من عراجين النخل مِمَّا ضَرَّ بالنخلة أو ضرَّ بالغلة، فإنَّهم يتأخذون على ذلك كله. وكذلك تذكير ما يذكر (6) من الأشجار، فإنهم يتآخذون عليه. وكذلك صرام تلك الغلة كلها إذا
1
قوله: «وأما إن مالت النخلة»، لعله يقصد: إن مالت وأدركوها قبل أن تصل الأرض! وبدون هذا التقدير لا يكون معنى لتكرار ميلانها ليحرر.
قوله: «فيتآخذون عليه»،
الضمير هو
الحائط، وفي العبارة اكتفاء عن ارجاع الضمير على
مرجع
النخلة أيضاً، لأن الحكم فيهما واحد.
ويتأخذون على ردّه أيضا» معناه: يتأخذون على نزعه بإزالة الضرر أولاً، ثُمَّ يتأخذون على
بنائه من جديد، ولا يلتفت إلى من يأبى بناءه.
قوله: «وإن لم يصلوا إلى نزعه»، لعلَّ ذلك مانع يستدعي الانتظار إلى وقت إمكانه، فليتآخذوا
على ما يرفعه، أي يدعمه ويمنع من سقوطه.
قوله: «وأما ما قام من العش» يريد به مجموع الفسيل الذي ينبت دائرا بأصل النخلة.
269 -
التذكير معناه: التأبير.
-
-
2
3
5
6 (1/269)
صفحة 265
1
أدركت يتأخذون عليها؛ والعلاج كله مثل قطع الجرائد أو القطع في جذر الشجرة الميّتة، وحرقها بالنار لما يصلحها كلها، فليتأخذوا عليه.
والشركاء يتآخذون فيما بينهم على عمل أحواض الشجر وكنسها وحرث تلك الأشجار وتقليب الأرض لها، وإصلاح السواقي والمماصل على ما كانت عليه أوَّلاً. وكذلك ما ثبت لها من هذه العمارة التي ذكرنا بعد إذ لم يكن)، من عمل أحواض الشجر وتقليب الأرض وإصلاح السواقي والمساقي والمماصل وأشباه ذلك، فإنهم يتأخذون على ذلك.
وما حدث في الأرض من الأشجار التي لا تنسب إلى أحد ولا يجري عليها ملك أحد، مثل: النبق والبطم والسدر وما أشبه هذا من الأشجار التي لا تنسب إلى أحد، فإنَّهم يتأخذون على نزع ذلك كله. وأَمَّا الشجر التي يجري عليها الملك، أو كان من عادتها أن تنسب إلى الناس فإنهم لا يتأخذون على نزعها، والقول قول من قال بإثباتها إلا فيما ثبت في حريم تلك الأشجار فإنهم يتأخذون
على نزعه.
2
3
4
والقصب والسمار والحلفة) والنجم) والديس (4) يتأخذون على نرع ذلك كله، وما أشبه هذا فيما يصلون إلى نزعه؛ وأَما ما لا يصلون من هذا كله إلى نزعه، فلا
-
قوله: «بعد إذ لم يكن»: يقصد بذلِكَ ما أحدث من أنواع الخدمات الضرورية لها، ولم تكن
قبل ذلك.
الحلفة: قال في لسان العرب: «الحلف والحلفاء من نبات الأغلاث، واحدتها حَلِفَة وحَلَفَة وحلفاء وحلفاة». انتهى، وإن شئت المزيد فاطلبه في مَادَّة حلف» من لسان العرب. النجم: قال في لسان العرب: «كل ما طلع وظهر فقد نجم، وقد خُص بالنجم منه ما لا تقوم على ساق، كما خص القائم على الساق منه بالشجر». انتهى. والنجم نبات معروف ترعاه المواشي، وهو من النباتات الطفيلية التي تنمو بكثرة وتضايق المزروعات. الديس: نبات معروف ينبت في المستنقعات، يشبه القصب إلا أنه أقصر منه، وورقه أصغر من
أوراق القصب.
- 270 - (1/270)
صفحة 266
يتأخذون عليه، وسواء في ذلك الشركاء عامة كانوا أو خواص، وهذا الذي يتأخذون عليه كله فيما إذا حدث بعد العمارة، وأَما ما عمروا عليه من هذا كله فلا يتأخذون عليه؛ ومنهم من يقول: إن لم يكن لهم نفع فإنهم يتأخذون على نزعه. وكلُّ ما عمل الشريك في المشترك من العمارة والصلاح ودفع المضار مِمَّا يتأخذون
عليه، وما لا يتآخذون، فإنَّه يدرك عناءه مع شركائه عامة كانوا أو خواص. قلت: والشركاء هل يتآخذون على منع الوحوش وطرد الطيور والجراد وما يمنع الفئران وغير ذلك مما يفسد ما اشتركوا فيه؟
قال: كل ما يصلون إلى منعه من هذا كله، فإنَّهم يتأخذون على منعه؛ وما لا يصلون إلى منعه، فلا يتأخذون عليه. وأما ما كان في جنانهم مِمَّا يضرهم، مثل: الحيات والعقارب والسباع وما أشبه ذلك مِمَّا يضرُّ فا الله أعلم).
وأرض المزارع إذا كانت بين قوم، وإنما كانوا يعمرونها بصنف من هذه
الزرارع، هل يتآخذون على عمارتها بالزرارع إذا أبى بعضهم من العمارة؟ (2) قال: لا، وَأَما ما حرثوه من هذه المزارع فإنهم يتأخذون على حفظه وإصلاحه حتى يملك). وإنَّما يتأخذون من هذا على ما لا ينقص به الزرع وَأَما ما يصلحه أكثر (1) مِمَّا كان عليه مثل: أن يجعلوا له السماد، أو بنقش تربة
-
1
2
4
تَقَدَّمَ مثل هذا، والمراد به أنَّ فيه تَرَدُّدًا بين وجوب التآخذ عليه وعدمه. معنى العبارة، هو أنهم إذا اشتركوا في أرض وكانوا يزرعونها فيما مضى وأبى بعضهم من عمارتها ـ في سنة من السنوات مثلا - لظروفه المادية أو غير ذلك، فإنهم لا يتجابرون على
زراعتها. والله أعلم.
والزرارع: جمع زريعة.
3 - لَعَلَّ الصواب: «حَتَّى يدرك».
-
قوله: «وإنما يتأخذون من هذا على ما لا ينقص من الزرع ... » إلى آخره، معناه: أنهم
18
- 271 -
- (1/271)
صفحة 267
=
البقول، أوكل ما يزيد به النفع أكثر مِمَّا كان عليه، فإنهم لا يتخذون عليه، وتنقية البقول والزرارع من الحشيش لا يتآخذون عليها، وقيل فيها غير ذلك. وما قلع من هذا مِمَّا أدرك فلا يتأخذون على ردّه، وأما ما لم يدرك مِمَّا يصلحُ ردُّه فإنَّهم يردُّونه، إلا إن نزعوه أولاً على أن لا يردُّوه، فإنَّهم لا يتأخذون على رده، وسواء أنزعوه بأنفسهم أو نزعه غيرهم أو بما جاء من قبل الله؛ وكل ما أدرك من هذه الغلات، فإنهم يتآخذون على نزعها إلا إن كان في تركها زيادة وصلاح لها، فإنهم لا يتأخذون عليها.
وإن جاء وقت نزع تلك الغلات ولم تدرك فإنهم إن طمعوا فيها أن تدرك، فلا يتأخذون على نزعها، وإن لم يطمعوا فيها أن تدرك أصلاً، فإنهم يتأخذون على نزعها. وأما ما أدرك من ذلك قبل وقت نزعه، فإنه إن كان لا يصلح له النزع في ذلك الوقت، فلا يتآخذون على نزعه إلا إن رأوا في ترك نزعها الفساد فليتآخذوا على نزعه وأَما ما يؤكل من ذلك من أَوَّله إلى آخره، مثل: السلق والكرنب والكراث وغير ذلك من البقول، فاختلفوا في نزعه وتركه إلى وقت عادة الناس في نزعه، فالقول قول من دعا إلى تركه إلى وقت العادة.
وما نبت من غير أن يزرعوه، وقد تكون له الغلة أو لا تكون له، فإنَّه إن كان ذلك مِمَّا لا تكون له الغلة، وهو مضرة لغيره، فإنهم يتأخذون على نزعه. وإن كان مِمَّا لا يكون مضرة لغيره، فليتواخذوا على نزعه (1)، وإن كان مما تكون له
1
يتجابرون على الضروري من الأعمال والنفقات التي تحفظ الزرع من النقص، أما ما زاد على ذلك مما يرجى به نمو أكثر، ومحصول أحسن، فلا يتجابرون عليه. قوله: «وإن كان ممَّا لا يكون مضرة لغيره، فليتواخذوا على نزعه ذلك لأنه لا غلّة له، فلا نفع فيه، وأقل ما يقال فيه: إنه يضايق الأشجار ذوات الغلّة. ويحتمل أن تكون ”لا“ ساقطة من النسخ، فيكون المعنى فلا يتواخذون عَلَى نزعه حيث لا مَضَرَّة.
- 272 - (1/272)
صفحة 268
الغلة وهو مضرة لغيره، فإنَّهم يتأخذون على نزعه أيضا. وإن لم تكن فيه مضرة فَإِنَّهُم يتركونه حتى تدرك غلته فليتآ خذوا. وأما ما لا يكون لغلته نفع، فلا يتأخذوا على نزع غلته.
وأما ما لا ينزع غلته من الأشجار كلها أو النبات، إلا بقيمته أو أكثر منها، فإنهم يتأخذون على نزعه).
وكذلك جميع ما يتآخذون عليه من نزع المضار وإصلاح ما فسد مِمَّا يتأخذون على إصلاحه ما دام لهم من المال ما يصلحونه به ولو لم يكن لهم إلا ذلك الذي أرادوا أن يصلحوه؛ وإن لم يكن لهم إلا ما يصلحون به بعض ذلك، فإنهم يصلحون ذلك البعض، وإن لم يكن لأحدهم مال وهو يقدر على إصلاحه بنفسه، فإنَّه يؤخذ على إصلاحه؛ وإن لم يكن له مال و لم يقدر أن يصلحه بنفسه، ولكن يصيب بوجهه من يصلحه، فلا يؤخذ على إصلاحه، وإن لم يكن له مال، وَلَكِنه إن طلب الدين يصبه فليس عليه من طلب الدين شيء، إلا إن كان له مال يأخذ فيه الدين، فإنَّه يأخذ الدين ويصلحه. وأما إن لم يكن له إلا ما كان في يد الغاصب أو الآبق أو ما تلف في الأرض، ولا يدري له مكانا، وقد أيس منه في هذه الوجوه كلها، فلا يُؤخذ بإصلاحه على هذا الحال وكذلك إن كان له دين على رجل مفلس على هذا الحال؛ وأَما إن أحاط الدين بماله، فإنه يؤخذ ما لم يقم عليه الغرماء، وإن لم يكن له إلا ما كان في العوض أو في الرهن أو المدبر، فلا يؤخذ على إصلاح ذلك الفساد، إلا ما يستعمله بالعبد المدير. وإن لم يكن له مال، وقد كان لابنه الطفل مال، فلا يُؤخذ في هذا الوجه. وإن لم يكن له من المال إلا
1 - قوله: «فإنَّهم يتأخذون على نزعه»، معناه: يتجابرون على نزع الأشجار وقلعها إذا أصبحت تكاليفها أكثر من. غلتها.
2
-
أضاف الناسخ: ولو لم يبق لهم بعد الإصلاح إلا الذي أرادوا أن يصلحوه ... ».
- 273 (1/273)
صفحة 269
ما كان له من الدم على غيره مِمَّا يكون فيه القصاص أو الدية، فلا يؤخذ في هذا الوجه أيضا؛ وأَما ما لا يكون فيه إلا الديَّة، فإنه يؤخذ)؛ وكذلك جميع ما يطالب به غيره من فساد المال، ولو لم يقوم فإنه يؤخذ. وكذلك المتعة ولو لم تفرض وصداق المثل (2) فإنَّه يؤخذ. وما تبيَّن لهم من قيمة هذا، فإنهم يأخذونه بإصلاح ما ناب ذلك؛ وما لم يَتَبَيَّن لهم أنَّه كان في قيمة هذا أو لم يكن فلا يأخذوه. وأَمَّا المقارض إن لم يكن الربح في المال، فلا يؤخذ، وإن كان فيه الربح ففيه قولان.
عنه من
وَأَمَّا غلّة الذُّكار ()، فإنَّهم يتأخذون على نزعها إذا أدركت، كما يتأخذون على غيرها من الغلات، ويتأخذون على حرزها وقطعها إذا أدركت. وما يستغنون غلة هذا الذكار، فإنَّه إن كان لهم في ذلك نفع، فليتآخذوا عليه، وإن لم يكن لهم فيها نفع وفي نزعها نفع لشجر الذكار، فليتآخذوا على نزعها. وأما ما لم يكن لهم فيها نفع، ولم يكن في نزعه للشجر نفع، فلا يتآخذوا على نزعه؛ وكذلك غير الذكار من الأشجار كلّها على هذا الحال، ويتأخذون أيضا على تذكير (4) ذُكار التين إن احتاج ذلك.
وإن اختلف الشركاء في الذكار الذي يذكرون به نخلهم، فقال بعضهم: نذكرها بذكار يابس، وقال الآخرون نذكرها بذكار رطب؟
1 - قوله: «وإن لم يكن له من المال إلا ما كان له من الدم على غيره ... » إلى آخره، معناه: أنه إن كان ما يستحقه على غيره من تباعة مِمَّا يجب فيه، إما القصاص، وإما الدية، فإنه لا يؤخذ بإصلاح ما فسد: لأنَّه لم يثبت له مال، وأما إن كان ما يستحقه على غيره مما تتعين فيه الدية
2
3
-
ولا يجوز فيه القصاص، مثل: القتل الخطأ، فإنه حينئذ يؤخذ بإصلاح ما فسد. والله أعلم. من الواضح أن مثل هذه الصور يصدق على النساء، وغير خفي أنه يجوز في الشرع الإسلامي للمرأة أن تشارك الرجال في الممتلكات.
الذكار: عبارة عن طلع ذكر النخلة الذي تلقح به إناثها.
4 - قوله: «على تذكير» مراده على تأبير.
- 274 - (1/274)
صفحة 270
قال: إنَّما يرجع هذا إلى نظر ذوي عدل وهذا في ذكار النخل.
وإن اختلفوا فيمن يذكر الشجر، فقال بعضهم: نستأجر من يذكرها، وقال بعضهم: نذكرها بأنفسنا، فالقول قول من أراد أن يستأجر لها. وكذلك على عمل يكون في المشترك مِمَّا لا يصل كل واحد منهم إلى عمل سهمه دون الآخر، فالقول قول من دعا إلى الإجارة في ذلك؛ وأَمَّا كلُّ ما تبين فيه سهامهم وتبين كل ما يعمل كل واحد منهـ. منهم دون الآخر، فليعمل كل واحد منهم كيفما أراد بالإجارة أو بنفسه. وإن اشترك قوم في أشجار فتنازعوا فيما تذكر به من أصناف الذكار، فإن كانت أشجارهم لا تذكر إلا بصنف معلوم، فالقول قول من دعا إلى ذلك الصنف، وإن كانت تذكر بذلك الذكار الذي تنازعوا عليه كلّه، فليتفقوا على ما أرادوا. وكذلك كلُّ ما لا تستغني عنه الشجرة من غير الذكار، مِمَّا لا يصلح به، فإنهم يتأخذون عليه. وإن اختلفوا في تذكيرها في التعجيل والتأخير، فقال بعضهم: نذكرها كما ولدت)، وقال بعضهم: نؤخرها قليلاً، فليرجعوا في ذلك إلى رأي أهل النظر،
إلا
فالذي يصلح له التعجيل فلا يؤخروه، وما يصلح له التأخير فلا يعجلوه. وكذلك إن اختلفوا، فقال بعضهم: نشق عن العراجين غلافها، وقال الآخرون نتركها حتى تنشق، فإنَّهم يتركونها حتى تنشق، إلا ما يصلح له أن يشقوه لئلا يفسد فإنهم يشقونه.
وإن اتفق مع الأجير على تذكير نخله على أن يكون الذكار من قبل الأجير، فلا تجوز تلك الإجارة، وإن استأجره وأعطاه الذكار والإجارة والأداة فجائز، فإن اشترط أن تكون الأداة غير الذكار من قبل الأجير فجائز، وإن استأجره أن يُذكر
1 - قوله: «تذكرها كما ولدت»، معناه: فور ولادتها.
- 275 - (1/275)
صفحة 271
عددا معلومًا من النخل أو يُذكر هذه النخيل أو نخيله أو استأجره أن يذكر عنده مدة معلومة، فهذا كله جائز.
وإن استأجره أن يذكر هذا البستان، وفيه ما ولد من النخل وما لم يلد فلا يجوز ذلك)، وإن ولدت كلها فذلك جائز.
وإن اشترط عليه أن يجعل عددا معلوما من الشماريخ لِكُلِّ عرجون، أو لم يشترط ذلك فذلك جائز. وإن استأجره لتنقية نخله فجائز وكذلك نزع الجرائد والليف والشوك فجائز، سواء في ذلك أبين له ما ينزع أو لم يبينه.
وكذلك أيضًا قلع الأشجار وقطعها إن تبيَّن موضع قلعها وقطعها فذلك جائز. وأما إن لم يتبين موضع قلعها وقطعها فلا يجوز. وكذلك صرام الغلة أيضا إلى مدَّة، معلومة أو صرام أشجار معلومة فذلك جائز، ولا يحتاج في ذلك إلى تبيين موضع يقطع منه العراجين وكذلك جميع الغلات وتنقيتها من الحشف وغير ذلك ونقلها إلى موضع تجوز فيه الإجارة، وتجوز الأجرة لعزق (7) الأشجار وحراثتها، وكنس أحواضها وكنس المماصل والسواقي، وسقيها وزربها، وبين له في الزرب حدا معلومًا في طوله وعرضه.
وإن استأجره أن يغرس له غرسًا معلومًا في موضع معلوم، وأن يغرس عددا معلوما فذلك جائز؛ ومنهم من يقول: إذا لم يتبين مواضع الغرس وما يجعل بينها، فلا يجوز. وكذلك إن استأجره أن يغرس عددا معلوما من الغصون وما أشبهها من الأشجار والنوى، في موضع معلوم على هذا الحال؛ ومنهم من يقول: إن استأجره أن يغرس له
1 - قوله: «فلا يجوز ذلك»، إنَّما منعه لما فيه من الغرر. أما إذا اتفقا على أجرة ما ولد منها فجائز. والله أعلم.
2 - لعزق الأشجار»، مراده لعزق تربة الأشجار قال في المنجد: «عَزَق، يعزق، عزقا، الأرض:
4
شقها». والحراثة شقها بالمحراث، أي: السكة.
- 276 - (1/276)
صفحة 272
أرضًا معلومة بصنف معلوم من الأشجار، فإنَّ ذلك جائز، ولو لم يبين له الغرس؛ ومنهم من يقول: يجوز ذلك ولو لم يبين له الصنف من الأشجار، ويغرسها على عادة الناس في بلدهم، وهذا إذا سمى الأجل وبين له البقعة.
وإن استأجره أن يسوي له هذا الموضع، أو يرفع له الجسور ويسويها () أحواضا فجائز إذا سمى. وكذلك إن استأجره أن يحرث له هذه الأرض بالحبوب أو بالبقول أو الفواكه مرة واحدة، شهرًا أو سنة، فذلك كله جائز.
وإن استأجره أن يبذر له أرضًا، معلومة مدة معلومة وبذرا معلوما بعينه من الحبوب والبقول فجائز. وإجارة الأجير في هذا كله يجب أن تكون معلومة بوزن أو بكيل أو بصفة معلومة، مِمَّا يوصل إليه؛ وسواء في هذا النقد (2) والتأخير، ولا بأس بالمجهول) في هذا كله إذا كان حاضرا.
1 - قوله: أن يرفع له الجسور ويسويها أحواضا».
- 2
- 3
قال في لسان العرب: «الجسر، والجسر: لغتان: وهو القنطرة ونحوها مما يُعبر عليه، والجمع القليل أَحْسُر، والكثيرُ حُسُورٌ».
وقال في القاموس: «الجسر الذي يعبر عليه، ويكسر، جمع أجسر وجسور». وفي كتاب المنهل: (معجم فرنسي عربي في مادة Chaussée أنها ممر مرتفع في أرض خفيضة. وفي الفرائد الدرية (معجم عربي فرنسي) جسر Pont, Chaussée.
وعلى ضوء ما تقدم: فالجسر قد يطلق على القنطرة وعلى الممر المرتفع. وهذا المعنى الأخير هو الذي ينطبق مع العبارة؛ فالجسر في هذا السياق وفي مواضع أخرى آتية، عبارة عن سد يحجز الماء خلفه على أرض مغروسة أشجارًا؛ كما شاهدت ذلك في نواحي شتى من جبل نفوسة، وفي الجزائر، ولا يمنع أن ينتفع بالسد إن كان به سعة أن يزرع. والله أعلم. قوله: «وسواء في هذا النقد والتأخير مراده: لا فرق بين أن تكون الأجرة معجلة أو مؤجلة، فالنقد بمعنى التعجيل وليس معنى العملة كما قد يتوهم. قوله: «ولا بأس بالمجهول إذا كان حاضراً فيه إشكال، لأنه نهي شرعًا عن كُل إجارة بأجرة مجهولة؛ وماذا عسى أن يفيد حضورها إذا لم تزل عنها الجهالة؟. والله أعلم.
- 277 - (1/277)
صفحة 273
وأَما إن استأجره بالتسمية من غلة جميع ما ذكرنا مِمَّا يعمله، فلا يجوز في الأشجار والنبات؛ وسواءً في ذلك أولدت الأشجار أو لم تلد؛ وسواء أيضا أحرث الأرض أو لم يحرث؛ وسواء في هذا إن استأجره بالتسمية من غِلَّة ما يعمل، وما لم يعمل؛ وسواء أدركت الغلة أو لم تدرك؛ ومنهم من يقول: جائز إن استأجره بالتسمية من غلة ما يعمله وما لم يعمله؛ سواء في ذلك أكانت أو لم تكن أدركت أو لم تدرك، إذا تبين له غلة سنة، معلومة أو شهر معلوم، أو ما يوصل إليه من ذلك.
وإن استأجره بالعراجين فلا تجوز تلك الإجارة، إلا إن بينها له. وكذلك غلة النخلة إلا إن بينها له فجائز، أدركت أو لم تدرك؛ ومنهم من يقول: إن استأجره بالعراجين فجائز ولو لم يبينها، ويأخذ الأوسط من ذلك. وإن اشترط له الخيار فليأخذه؛ وكذلك الأوسط والدون إن اشترطه فليأخذ أيهما اشترط؛ وإن لم يشترط شيئًا من هذا، فليأخذ الأوسط. وإن تلفت الغلة التي استأجره بها في هذه الوجوه كلها، فلا يدرك عليه شيئًا، وإن كان للأجير سهم في تلك الغلة أو البذر
فهو له.
وإن اختلف الشركاء في الأشجار إذا أدركت بعض ولم تدرك بعض؛ فقال بعضهم: نجني ما أدرك منها، وقال بعضهم: نتركها حتى تدرك كلها، فنصر مها في مرة واحدة، فلينظر في ذلك إن كانت شجرة لا تحمل ما أدرك منها التأخير فالقول قول من دعا إلى الاجتناء، وإن كانت تحتمل التأخير، فالقول قول من دعا إلى تركها، حتى تدرك كلها؛ سواء أكان الذي أدرك منها عرجونا أو بعضا منه، أو عرجونا دون عرجون. ومن دعا منهم إلى قسمة الغلة أدركت أو لم تدرك، فإنه لا يدرك ذلك على شريكه.
وإن اشترك في نخلة وقد كانت عادتها قبل ذلك إذا كان البسر أن يجتنوه؛ فمن دعا منهم إلى ذلك فليدركه على صاحبه؛ وكذلك الرطب على هذا الحال.
- 278 - (1/278)
صفحة 274
وإن كانت غلة أشجارهم تتأخر حَتَّى يَيأسوا من إدراكها، وخافوا عليها
المتالف، فإنهم يتآخذون على قطعها ولو لم تدرك.
وإن قطعوا غلتهم، أو قطعها غيرهم قبل أن تدرك، ودعا بعضهم إلى القسمة
وقال بعضهم: لا نقسم حتى تدرك (1).
هكذا في النسخ الأصلية، وواضح أن الجملة ناقصة، ينقصها جواب الشرط، ولعل:
هكذا: «فالقول قول من دعا إلى القسمة».
وعلة هذا في نظري، هو عدم مضارّة الشريك لشريكه، ثُمَّ إنَّه لا معنى لقول من قال: لا نقسم حتى تدرك - وقد قطعت - إلا أن يكون في الكلام نقص غير الذي ذكرت.
- 279 -
- (1/279)
صفحة 275
صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما
الجيزة الحامين
من
كتاب الأصول
- 281 - (1/281)
صفحة 276
الحمد الله المستحمد) إلى خلقه الواجب عليهم شكره بما أراح عليهم من نعمه وأزاح عنهم من نقمه ودلهم على سبيل، رشده ودعاهم إلى صلاح دينهم ودنياهم وسبب لهم أسباب معايشهم وألهمهم سبيل الوصول إلى أرزاقهم، على اختلاف طبائعهم وقلة ائتلافهم، فجمعهم بلطفه، وعمهم برحمته، مع جهل بعضهم لربوبيته، وجحودهم لوحدانيته سبحانه ما ألطفه بخلقه، وأرافه بعباده، إنه هو التواب الرحيم ..
القول في ماء المطر
روي عن النبيء له أنه قال: الناس مشتركون في ثلاثة في الماء والنار والحطب وقيل في الماء والكلا والحطب»)، واشتراكهم فيها، في المنافع دون الملك. وماء المطر، لا يدخل ملك أحد إلا من قبضه في أوعيته، مثل الزقاق والقلل وأشباهها من الآنية، وكلُّ ما حواه من هذا في إنائه فقد دخل ملكة وجاز فيه فعله، من منع وبيع وهبة وغير ذلك مِمَّا يوجب إخراج الملك؛ ويجرى فيه الميراث؛ ولا يجوز لمن ينتفع بذلك إلا بإذن صاحبه أو سبب من قبله.
وأما المواجن وأشباهها، فَكُلُّ ما كان في ذلك من الماء فجائز الانتفاع به للناس لجميع ما أرادوه، إلا عمارة الأرض كلها شبه الغرس والنبات والحيطان؛ وأما صاحبه فجائز له الانتفاع بذلك الماء لِكُلِّ ما أراد من العمارة وغيرها، ولا يمنعه غَيرَه مِنَ الناسِ (3) مِمَّا يجوز لهم الانتفاع به، ويمنعهم لِمَا لا يجوز لهم من ذلك. ولا
1
-
-
2
3
استحمد الله إلى خلقه دعاهم إلى الحمد بإحسانه إليهم وإنعامه عليهم.
تقدم تخريجه.
قوله: «ولا يمنعه غيره من الناس معناه ولا يمنع صاحب الماء الناسَ مِمَّا يجوز لهم الانتفاع به.
- 283 - (1/283)
صفحة 277
يجوز له بيع ذلك الماء ولا هبته وما أشبه هذا من خروج الملك، إلا إن قبضه في وعائه؛ ومنهم من يقول: جائز له منعه وبيعه وهبته وجميع ما يفعله في ماله من خروج ملكه.
وأما ما اجتمع من ماء المطر في الفدادين والأجنّة، فلا بأس لمن ينتفع به، ما لم يفسد في أرض الفدان؛ ولا يستقى منه للحرث والغروس وما أشبه ذلك، بغير إذن صاحب الفدان الذي اجتمع فيه الماء. وَأَمَّا الأضيات (1) والغدران والأحواض وما أشبهها، فجائز لمن ينتفع بما فيها لجميع الوجوه.
:باب عمارة الأرض بماء المطر
وإذا أراد قوم أن يعمروا أرضهم على ماء المطر ومساقي (2) الأرض التي أرادوا عمارتها منها، فإنَّه يكون ذلك بينهم، كما اشتركوا في أرض المساقي. وإن كانت المساقي لغيرهم فليعمروا على مائها على قدر اتفاقهم، أو كيفما تسابقوا إليها بأنصبائهم. وإن كانوا في ذلك الماء سواء، فيكون بينهم، اشتركوا في تلك الأرض التي تجري إليها تلك المساقي.
- 2
كما
الأضيات: قال في المنجد: «أضي: الأضاة (ج) أضى وأضيات: الغدير». انتهى. ولعلها ما نسميه بالعامية: الضاية، وتجمع على ضايات.
الغدير (ج)
غُدْر و غُدْر وغُدْران وأَغْدِرة: النهر، قطعة من الماء يتركها السيل، قطعة من
النبات على التشبيه (المنجد).
الحوض (ج) أحواض وحياض وحيضان مجتمع الماء (المنجد). فلعلها تطلق جميعا على مجتمع ماء المطر والسيل، إلا أنها تتفاوت كيرا واتساعا، ويبدو
أنه ذكرها على الترتيب فأكبرها الأضاة ثُمَّ الغدير، ثُمَّ الحوض. والله أعلم. قوله: «ومساقي الأرض»: (ج) مسقاة (بكسر الميم وفتحها): موضع السقي. والذي فهمته من استقراء السياق الذي وردت فيه الكلمة: أنَّه يقصد بها المساحات من الأرض التي تستقبل ماء المطر فينحدر عنها إلى المزارع والبساتين، وكذلك سائر المجاري المائية، من أنهر وأودية. والله أعلم.
- 284 - (1/284)
صفحة 278
وإن لم يدع تلك المساقي أحد، فإن سبقوا إليها فتكون بينهم، كما تسابقوا إليها، وإن لم يتسابقوا إليها، فالماء لمن دخل أرضه أوَّلاً؛ فإن كانت الأرض التي دخلها الماء أوَّلاً للشركاء فهو بينهم، كما اشتركوا في تلك الأرض.
ويجوز لمن دخل ماء المطر أرضه أن ينتفع به كيفما شاء، سواء أجاز قبله في أرض غيره أو لم يجز؛ وإنما يحذر من ذلك إلا أن يصرفه عن أرض الناس إلى أرضه (1)، ولم يكن له صرفه قبل ذلك.
ومن كانت لهم أرض بجانب مساقي غيرهم، وأرض تلك المساقي لهم أو لغيرهم، فلا يعمر أرضهم من تلك المساقي إلا بإذن أصحاب ماء تلك المساقي، سواء أكانت المساقي فحولاً أو أودية)، وسواء أيضا الأودية الصغار والكبار، إلاّ
من
ما فضل عن أصحاب المساقي وخرج من أرضهم، فيكون كما ذكرنا أولاً. ومن العلماء من يرخص في الوادي الكبير، الفحل إذا كان لرجل بجانبه أرضه أن يعمرها منه ويصرف منه مقدار عشره أو ثمنه أو خمسه، ولا يصرف منه أكثر ذلك؛ وسواء في هذا. من كان عند رأس الوادي، ومن كان عند آخره، ومن كان في وسطه؛ وسواء أيضًا من كان في أوَّل العمارة القريبة إليه، ومن كان في، وسطها، ومن كان في آخرها ويصرف منه الواحد والاثنان أو أكثر من ذلك معا أو مفترقين ويصرف منه الرجل الواحد من أماكن شتي. ولا يصرفوا منه إن أرادوا ذلك أكثر من الخمس من مصرف، واحد سواء في ذلك الرجل الواحد والاثنان والثلاثة والعامة؛ وإن صرف منه الأوَّل الخمس أو أقل منه فليصرف
1
قوله: «وإنَّما يحذر من ذلك إلا أن يصرفه عن أرض الناس الصواب أن يقال: «وإنما يحذر
من
ذلك أن
يصرفه
عن
أرض الناس». ليحرر.
2 - قوله: «فحولاً أو أودية» سيأتي قريبا تعريفهما خلال كلام المصنف رحمه الله. وقد ورد في المتن: «فحوصا» وعلق الناسخ: «أظنه فحولاً».
- 285 - (1/285)
صفحة 279
الآخر خمس ما بقي أو أقل، ولا يصرف خمس الكل. وكذلك من أراد أن يصرف منه بعد الأوَّلِينَ لا يجاوز كلُّ واحد منهم خمس ما جاز عليه من الماء؛ وَأَما من سبق إليه أَوَّلاً فإنَّه يصرف خمس الكلِّ، وإنما ينظر في هذا كله إلى خمس الموضع الذي أراد أن يصرف منه.
وإن أراد رجلان أن يصرف منه بمرة أحدهما من جانب، والآخر من الجانب الآخر، فلا يصرفا منه أكثر من الخمس، وإن سبق أحدهما وصرف إلى نفسه الخمس فإنَّ الآخر لا يصرف مِمَّا يقابله إلا إن أَفْضَلَ الأَوَّل شيئًا من الخمس، ويصرف هو أيضًا أسفل من الأوّل أو فوقه ولا يفعل في ذلك ما يضر بمن تحته ويمنعه جاره أن يحدث عليه ما يَضُرُّه به في ذلك.
قلت: فما الذي ينظر إليه في هذا الخمس؟
قال معناه: خمس ما جاز من الماء في الوادي، ولا ينظر إلى بقعة الوادي. ومن صرف من الوادي شيئًا فلينتفع به كيفما شاء، ولكن لا يصرف ما فضل من ذلك الماء إلى واد آخر، أو أرض لم تكن عمارتها من ذلك الوادي، وإنما يفعل مجرى لِمَا فضل أن يرده (1) إلى الوادي الأوَّل، أو ما يعمر منه الأرض، سواء أكانت تلك الأرض له أو لغيره، أو لم يعمرها أحد؛ وله أن يترك ذلك الفضل أيضا إلى عمارة أرض تمكن عمارتها من ذلك الوادي، ومن واد آخر إن كان يرجع ما فضل منها إلى أرض ذلك الوادي؛ وسواء أكان هذا الوادي الذي ذكرنا لرجل واحد أو لِلعامَّةِ أو الخاصة، إذا كان فحلاً.
ومنهم من يقول: إنَّما يكون هذا في وادي العامة إذا كان فحلاً، والفحل هو الذي يجري ماؤه إلى البحر أو السباخ أو أرض لا تعمر؛ ومنهم من يقول: الفحل
-
1
قوله: «وإنَّما يفعل بحرى لِمَا فضل مراده: وإنَّما ينظر كيف يردُّ فضل الماء الذي صرفه من الوادي أن يرده إليه بأي وسيلة كانت، وهذا ينم عن مقدار الورع والحذر من الإضرار بالغير.
- 286 - (1/286)
صفحة 280
هو الوادي الكبير، ولو جرى ماؤه إلى المروج؛ ومنهم من يقول: إنما يكون الوادي فحلاً إذا وقف الرجل من حيث دخل الماء عمارة الوادي، ووقف الآخر
عند صيبه ()، ووقف آخر بينهما، فلا كل واحد منهم صيحة صاحبه. يسمع وإن سالت الأودية من الوادي الأوَّل حَتَّى صارت على ما وصفنا أولاً في الفحل فتكون كلها فحولاً، ويجوز فيها مثل ما ذكرنا أوَّلاً لمن يصرف منه أن يصرف الخمس أو أقل منه. وما صرف من الوادي، فلا يجوز لمن يصرف من ذلك المصرف (2) شيئًا مثل الوادي، للعامة كان ذلك الوادي أو للخاصةِ وَأَمَّا ما بين المصارف من الوادي الأول، فلا بأس لمن يصرف منه). وأَما إن صرفوا ماء الوادي كله فحكمه حكم الوادي الأوَّل، ويجوز لمن يصرف منه، كما ذكرنا بدءًا.
وإن كان للقوم مصرف من الوادي الفحل فارادوا أن يزيدوا فيه فلهم ذلك، ما لم يجاوزوا خمس ما جاز عليهم من الماء)، إذا لم يقابل مصرفهم مصرف غيرهم؛ وإن قابل مصرفهم مصرف غيرهم وأرادوا أن يردُّوا كلّهم ذلك إلى أنفسهم فلهم ذلك)، ولا يجاوزوا خمس ما جاز عليهم من الماء.
--
1
- 2
3
4
5
-
قال في المنجد: الصبب (ج): أصباب: تصبب نهر أو طريق حدود، ما انحدر من الأرض أو الطريق. وعلى هذا التفسير يكون معنى العبارة: أنَّ مجرى الماء يكون فحلاً، أي كبيراً، وتحرى عليه الأحكام المذكورة، إذا كانت المسافة بين صيبه. . أي منحدره في أعلاه ـــ وبين موضع دخوله العمارة وتفرقه فيها، بحيث لو وقف شخص في منتصف المسافة بينهما لم يسمع أحد
أحدا مهما رفع عقيرته بالصياح. والله أعلم. وقد ورد في الأصل «صبوبه» وهو خطأ.
قوله: «فلا يجوز لمن يصرف من ذلك المصرف» معناه من أجرى مصرفًا من الوادي فلا يحق لأحدٍ أن يأخذ من ذلك المصرف بعينه، ولكن له أن يتخذ لنفسه مصرفا آخر. العبارة: لا بأس على من يتخذ لنفسه مصرفًا من الوادي بين مصر في أحد، ما دام يأخذ
معني
مباشرة من الوادي.
معنى العبارة: إن كان لقوم، مصرف و لم يعد يكفيهم، فلهم توسعته ما لم يجاوزوا به خمس الوادي. قوله: «وإن قابل مصرفهم مصرف غير هم ... إلى آخره معناه: يجوز للكل ـــ أعني الطرفين
-
19
- 287 - (1/287)
صفحة 281
ويصرف مرَّتين من الوادي إلى عمارة واحدة ويصرف أيضا من واديين إلى
عمارة واحدة.
1
قلت: فهل يقطع الوادي كله لنفسه؟
قال: لا، سواء في ذلك أكان الوادي لِلعامَّةِ أو الخاصة، أو لم يعرف لأحد. وَأَمَّا عمارة لا يقطعه بها (1)، مثل ما يكون في طرفه، أو عمارة تكون في وسطه، ولا يقطع بها ماءه فلا بأس بها. وأما الأنهار والتلاع) فلا بأس لمن يعمرها ويقطعها لنفسه؛ وكذلك ما يجري من التلاع والأودية الصغار كلها إلى الوادي الكبير، فلا بأس على من يقطعها لنفسه بالعمارة. وأما ما لم يصل إلى الوادي، فلا يجوز له، قطعه إذا كانت أقل من الخمس، ومثل الخمس (3)، وهذا إذا) كان
الوادي لغيره، كما ذكرنا أوَّلاً وأما إذا كان الوادي له فإنه يفعل فيه ما شاء.
- 2
المتقابلين - أن يصرفوا الماء في وقت واحد، بشرط ألا يجاوزوا الخمس. والله أعلم. ويحتمل أنه يجوز لأحد الطرفين أن يصرف كل الماء بإذن الطرف الآخر المقابل؛ ولعل ذلك يكون باتفاقهما على التداول. ليحرر.
قوله: «وأما عمارة لا يقطعه بها ... إلى آخره معناه إن عمر في وسط مجرى الوادي عمارة لا يقطعه بها فجائز. نعم قد يتسع المجرى اتساعًا كبيرًا بحيث تكون فيه مساحات صالحة للزراعة، يفيض عليها الماء أحياناً، وينحسر عنها إلى سرير الوادي في أغلب الأوقات. التلاع، قال في المنجد: «التلعة (ج) تلعات وتلاع وتلع ما علا من الأرض، ما سفل منها (ضد)». وفي القاموس: «التلعة: ما ارتفع من الأرض وما انهبط منها (ضد). ومسيل الماء». ثُمَّ قال: «أو التلاع: مسايل الماء من الإسناد والنجاف والجبال، حتى ينضب في الوادي».
-
3 - قوله: «ومثل الخمس» معناه ـ والله أعلم - مقدار الخمس. 4 - أضاف الناسخ قوله: «إذا كان إلخ، أقول اعلم أنَّ «إذا» هذه مُتَعَلِّقة بقوله: "فلا بأس على من يقطعها. وأما قوله: "وأما ما لم يصل إلى الوادي لا يجوز له قطعه فهو جملة معترضة بين المتعلقين، هكذا ينبغي أن يفهم. حرره».
- 288 - (1/288)
صفحة 282
1
قلت: فقوم اشتركوا في واد أو مرج، وقد علموا كيف اشتركوا فيه، فأرادوا أن
يعمروا أرضهم؟
قال: يعمرون كيفما شاؤوا، وإن أرادوا أن تكون العمارة كلها مشتركة بينهم فلهم ذلك؛ وإن أرادوا أن يقتسموا أرضا دون الماء، أو الماء دون الأرض، أو يقتسموا الماء مع الأرض فلهم ذلك.
وإن اقتسموا الأرض على أن يكون الماء بينهم لتلك الأرض، ويستووا في منافعه فذلك جائز؛ وإن اقتسموا بعد ذلك فقسمتهم جائزة، ويستوون في منافعه حين اتَّفَقُوا على ذلك أول مرة، ولا يجد أحدهم منع صاحبه من تلك المنافع، وإن لم يكن له في ذلك الماء إلا القليل. وكذلك إن اقتسموا الماء دون الأرض، واستووا فيه على أن يتفاضلوا فيه في منافعه أو ليستووا فيها، فذلك جائز.
وَأَمَّا إن اشتركوا في الأرض بينهم بالسويَّة ولها ماء، فاقتسموا على أن يتفاضلوا في منافعها، أو تفاضلوا في الأرض فاقتسموها على أن يستووا في منافعها، فلا يجوز ذلك، إلا إن اشترطوا منافع معلومات أن تكون بينهم، أو تكون لأحدهم على صاحبه مثل: الطريق والسواقي والمجازات كلها فذلك جائز.
وأما إن اشتركوا في مساقي الماء، وهي قبل ذلك فحول () أو أودية، ثُمَّ أرادوا
أن يعمروا الأرض التي تجري إليها المساقي، فهل يتأخذون على عمارتها؟ قال: إن كانت فيها عمارة قبل ذلك فإنَّهم يتأخذون عليها، كما كانت أولاً؛ وإن لم تكن فيها عمارة فلا يتآخذون عليها، ولكن يتأخذون على قسمتها، فمن أراد أن يعمر سهمه منهم فليعمره بعد القسمة بأي عمارة شاء فذلك جائز؛ ويتآخذون أيضا على قسمة مائهم، ويصرف كل واحد منهم سهمه من ذلك الماء
في الأصل «فحوص» والله أعلم بالحقيقة والصواب.
- 289 - (1/289)
صفحة 283
حيث شاء، وإن لم يصلوا إلى قسمة ذلك الماء بالمصارف إلا بالمقاسم)، فليجعلوا لهم ذلك بكل ما يدركون قسمتهم من البناء بالحجارة والآجر والجص والجير وما يشبهها، ويتآخذون على هذا كله سواء أكان البناء قبل ذلك أو ابتدؤوا بأنفسهم؛ وإنَّما يفعلون هذا كله كما اشتركوا في الماء.
وإن ابتدؤوا بنيانه ففسد بعدما بنوه كله، أو كان قبل ذلك ففسد، فإنهم يتأخذون عليه كما كان بدءا إن كانوا ينتفعون، به وإن لم ينتفعوا به كما كان أولاً، فإنَّهم يعملون كيفما ينتفعون به، ولو لم يكن قبل ذلك.
وإن اتَّفَقُوا أن يوسعوا مقاسمهم أو يضيقوها فذلك جائز، وإن لم يَتَّفِقُوا على ذلك فلا يجوز. ومن أراد منهم أن يوسع سهمه بغير إذن أصحابه فلا يجد ذلك. وَأَمَّا من أراد أن يضيّقه فذلك جائز، إلا إن كان في تضييقه مضرة لأصحابه بكثرة
الماء على مقاسمهم.
2
(2)
ولا يحفر أحد منهم فوق المقاسم ولا تحتها، إلا إن اتَّفَقُوا على ذلك أو من أذن له أصحابه في ذلك. وأَمَّا الحفر الذي لا يضرُّ به ماء، المقاسم، فلا بأس عليه أن يحفره في أرضه؛ وكذلك إن أراد أن يحفر فوق المقاسم لسهمه من الماء، فإن كان لا يجبذ به أكثر من سهمه فلا بأس عليه.
وإن دفنت مقاسمهم وأراد بعضهم أن يكنس سهمه، ولم يستطع الآخر فلا بأس على من يكنس مقاسمه، ولو أنَّه يجبذ إلى نفسه أكثر من سهمه من الماء، إذا لم يحفر سهمه أكثر مِمَّا كان عليه أوَّلاً.
1
المقاسم: (ج) مقسم، قال في المنجد: «المقسم: موضع القسم».
ومن الواضح أن المقسم هنا موضع تقسم فيه الماء في مداخل الماء إلى العمارة مثل الواحة حسب انصباء الناس. ولهذا العمل أمناء متخصصون في كثير من البلدان التي تستقي على هذه الطريقة.
2 - لا توجد اللفظة في النسخة الأم (م) وإنَّما أثبتت في النسخة (ت).
- 290 - (1/290)
صفحة 284
ولا يحول أحد منهم مقاسمه عن موضعه الأول، فوقه أو أسفل منه.
وإن اقتسموا المقاسم فأخذ كل واحد منهم سهمه، فأفسده الماء، فإن كان يصل إليه من ذلك أكثر من سهمه من الماء فإنَّ أصحابه يأخذونه أن يصلح ذلك؛ وَأَمَّا إن كان لا يصل إليه إلا سهمه أو أقل سهمه أو أقل منه، ولا تصل المضرة إليهم من ذلك، فلا يأخذوه بإصلاح ذلك. ويمنع أن يوسع مصرفه من فوق المقاسم أو أسفل منها، إذا كان التوسيع يصل (1) بالمقاسم، وكذلك الحفر على هذا الحال.
وإن أراد أحدهم أن يجعل حاجزًا فيما بينه وبين شريكه فوق مقاسمهما، فإنه يمنع من ذلك إن لم يكن بينهما قبل ذلك.
وأما إن كان ذلك الحاجز فيما بينهم فانهدم فإنهم يتأخذون على رده، وإن لم يكن ذلك الحاجز بينهم أوَّلاً، واتفقوا عليه وبنوه، ثُمَّ أرادوا نزعه؛ فإن كانوا خواص وهو يصلح لهم فلا يجدون نزعه؛ وإن كان لا يصلح لهم فإنهم ينزعونه؛ وإن كانوا عامة فإنَّهم ينزعونه، سواء أكان في ذلك ما يصلح لهم أو لم يكن؛ ومنهم من يقول: إن كان يصلح لهم فلا يجدون نزعه.
وإن انخرقت المقاسم وفسدت، فأرادوا تحويلها، فاختلفوا في ذلك؛ فقال بعضهم نردها أسفل من موضعها الأَوَّل، وقال بعضهم نردها فوق، فإنما يردُّونها فوق موضعها الأوَّل؛ فإن لم يجدوا موضعا يحولونها إليه فوق، فليردُّوها أسفل إن كان لهم فيه موضع اشتركوا فيه كما اشتركوا في الموضع الأول الذي كانوا فيه أولاً؛ وإن كان ذلك الموضع لبعضهم دون بعض، فلا يحولوها إليه، إلا
بإذن صاحب الأرض.
1 - لعله «يضر».
- 291 - (1/291)
صفحة 285
وإن حدث في مقاسمهم ما يمنع الماء، أو ما يخرجه منه، أو ما يردُّه إلى ناحية دون أخرى، فإنهم يؤخذون بنزع ذلك كله وإصلاحه.
وإن اقتسموا الماء بالمقاسم فانخرق ما ناب أحدهم حتى لا يصل إلى الانتفاع بسهمه، فإنَّ أصحابه يكنسون مقاسمهم ويصلحونها، ولو أنَّ الماء يرجع إليهم كلّهم، لكنهم لا يقصدون ذلك. وسواء في ذلك أكان ينجبر هذا السهم المنخرق، أو لا ينجبر.
وإن انخرق سهم أحدهم ولا يستطيع إصلاحه، ولا يمكنه أن ينتفع به، واستمسك بأصحابه أن يحولوا مقاسمهم فوق أو أسفل من الموضع الأول، فإنه يدرك ذلك عليهم، إن كان ذلك الذي يحولونه مشتركا بينهم. وإن كان لبعضهم دون بعض أو لغيرهم، فلا يدرك ذلك عليهم.
وإن لم يمكنه الانتفاع بسهمه، وأراد شركاؤه أن يردُّوه إلى أنفسهم، ومنعهم
منه فله ذلك.
وإن كثر الماء حتى جاوز المقاسم، فإنهم يؤخذون أن يعملوها، حتى لا يجاوزها، سواء أكان ذلك من قبل فساد الماء لها)، أو كذلك كان أَوَّلاً، إن كان يقع الغبن بذلك فيما بينهم، أو يفسد الماء الأرض.
2
-
وإن كان لأحدهم سهمان من تلك المقاسم فأراد أن يخلطهما فلا يجد ذلك (2).
1 - من قبل فساد الماء لها أي من قبل إفساد الماء للمقاسم. والله أعلم. تلك المقاسم فأراد أن يخلفهما، فلا يجد ذلك»، لا يجد قوله: «وإن كان لأحدهم سهمان من ذلك لأنَّ في عمله أخذا من حق الغير.
وأما إن كان له مقسم واحد، فأراد أن يقسمه فله ذلك؛ لأنَّ فيه نقصانا من حقه. (وإن
شئت فقل فيه تنازل عن بعض حقه).
- 292 - (1/292)
صفحة 286
وإن كان له مقسم واحد فأراد أن يقسمه فله ذلك إن لم يكن فيه ضرر على أصحابه بكثرة الماء، فيتولد عنه الفساد، ويمنع أن يجبذ الماء من تحت المقاسم أو
يدفعها من فوق المقاسم إلى سهمه وإن كانوا ينتفعون قبل ذلك بغير المقاسم، ثم أراد بعضهم المقاسم، فلا يجدون ذلك؛ وكذلك إن كانوا ينتفعون بالمقاسم، ثم أراد بعضهم نزعها، فلا يجدون ذلك، إلا إن اتفقوا عليه، وهذا إذا كانت غير قديمة). وأما إن كانت قديمة فلا يجدون نزعها؛ وكذلك مقاسم العامة لا يجدون نزعها.
وإن اشترك قوم في مقاسم شتى، ثُمَّ رجعت إلى واحد منهم بالشراء أو بالهبة أو بالميراث، فأراد أن يردها إلى مقسم واحد فله ذلك، إلا إن كانت قديمة، فإنه يحذر من ذلك؛ وإن رجعت إلى واحد فخلطها، ثُمَّ باع ربعا من ذلك الماء أو وهبه أو ورثه الورثة من بعده فتنازعوا على ردّها، فلا يدركون ذلك.
وكذلك إن كانت الأرض والماء لرجل واحد وليس لها مقاسم، ثُمَّ جعل لها المقاسم فورثه الورثة أو باع ذلك أو وهبه فتنازع من انتقل إليه على ردّه كما كان أولاً بغير المقاسم، فلا يجدون ذلك.
وَأَما إن كانت لهم مقاسم، معلومة، فخرقها الماء وفسدت، فأخذ بعضهم بعضا على ردها فتشاكل عليهم مواضعها وعددها فلا يدركون عليهم ذلك؛ وكذلك إن تشاكل عليهم سعتها وعرضها وطولها، فلا يؤخذون على ذلك، إلا إن كانوا خواص، وَاتَّفَقُوا عليها أيضا، أو أنت عليهم البينة. ويجوز أيضا شهادة بعضهم
1 - «هذا إذا كانت غير قديمة». لَعَلَّهُ يقصد إذا كانوا أحدثوها بأنفسهم، ثُمَّ بدا لهم نزعها، فلهم ذلك. وأما إن كانت قديمة فلا يجوز لهم ذلك. لكن يبحث في الموضوع: ألا يمكن أن يقال: إن وجدوا الأصلح لهم في نزعها، ولو كانت
قديمة واتَّفَقُوا جميعا على ذلك، ألا يجوز لهم!؟
- 293 - (1/293)
صفحة 287
1
على بعض إذا كانوا عامة ومنهم من يقول لا تجوز وأما الخواص فلا تجوز شهادة بعضهم على بعض في ذلك.
وإن اختلفوا فيما عملت به (1) المقاسم أولا فلا يؤخذون على ردّها، حتى يتبين لهم ذلك بالشهود أو بإقرارهم؛ ومنهم من يقول: يؤخذون برد مقاسمهم بأقل ما يكون من ذلك العمل؛ ومنهم من يقول: يؤخذون بردها فيردُّوها كيفما أرادوا، ولا يؤخذون على شيء معلوم من ذلك.
وإن دفنت المقاسم حتى غرقت في التراب فإنهم يؤخذون بكنسها، حتى ترجع كما كانت أولاً، وإن لم يمكنهم فليؤ خذوا على بنيانها على قدر ما كانت عليه أولاً.
وإن انخرقت مقاسمهم حتى لا يصل الماء منها إليهم إلا من موضع آخر؟ قال: فإن أمكنهم أن يردُّوها إلى موضعها الأوَّل فليتآ خذوا على ذلك، وإن لم يمكنهم فلا يؤخذوا أن يجعلوا لها المقاسم في غير الموضع الأوَّل إلى الأرض الأولى أو إلى غيرها؛ ومنهم من يقول: يؤخذون على المقاسم أن يجعلوها.
وأما المقاسم المدفونة إن استمسك بعضهم ببعض على كنسها فإنهم يدركون عليهم ذلك ما داموا يطمعون في الانتفاع بها؛ وإن أيسوا منها ففيه قولان. وإن كانوا ينتفعون بها بغير ذلك الماء، فلا يؤخذون عليه إلا إن ثبتت عليه العمارة فيؤخذون على إصلاحها؛ وإن لم تثبت ففيه قولان
وإن أدركوا واديًا وفيه مقاسم، ولم يجر عليها الماء إليهم قط، فلا يؤخذون مصالحهم إذا فسدت، ولو علموا ما لِكُلِّ واحد منهم فيها. وإن رجع إليهم الماء
قوله: «وإن اختلفوا فيما عملت به يريد إن اختلفوا في مواد البناء التي بنيت بها، فلا يأخذ
بعضهم بعضا على رد المقاسم حتى يتبين لهم.
- 294 - (1/294)
صفحة 288
على ما كانوا عليه أوَّلاً قبلهم، وقد علموا ما لِكُلِّ واحد منهم من الماء والمقاسم فليؤ خذوا على إصلاحها. وإن لم يعلموا ما لِكُلِّ واحد منهم من الماء، وقد يجوز لهم الانتفاع بها، فإنهم يؤخذون بإصلاح تلك المقاسم.
وإن كانت لهم المقاسم ولم يعلموا ما لِكُلِّ واحد منهم، فدفنت وهم يسقون عليها كذلك، فأراد بعضهم أخذ بعض على كنسها، فإنهم يدركون عليهم ذلك، إلا إن قامت عليهم عمارة لا يمكن لهم سقيها إلا مع ذلك الدفن، وهذا إذا كانوا خواص، وَأَمَّا العَامَّة فإنَّهم يرجعون إلى ما كانوا عليه أوَّلاً. والرجل الواحد في هذا مثل الخواص.
وكذلك ماء العامة إن رجع إلى الخواص، فالجواب فيه مثل الجواب في الخاص. وَأَما ما للخواص إن ثبت لهم فرجع إلى العامة، فالجواب فيه مثل الجواب فيما
كان للعامة.
وإن دفنت المقاسم فبنوها، ثُمَّ تبين لهم أنهم زادوا فيها أو نقصوا منها، فإنهم يؤخذون على ردها كما كانت أولاً، وإن أمكنهم إصلاحها بغير نزعها فليصلحوها،
من
وإن لم يمكن لهم إلا بنزعها فليؤخذ بنزعها من عملها من ماله، ويعملونها بعد ذلك مال العامة، ويضمنون لِلعامَّةِ ما أنفقوا عليها أوَّلاً وأَما إن تبين لهم إنما يعملها واحد منهم فليؤخذ بها، ومن كان بعده من وارث أو غيره.
وإن كانوا يسقون بغير المقاسم، فعمل عبيدهم أو وكلاؤهم أو أطفالهم المقاسم بغير أمرهم، فتركوها مقدار ما يثبت عليهم ما عمر بها لو ابتدؤوا عليه العمارة ()، أو كانت قبل ذلك، فلا يؤخذون بنزعها إن كان في ذلك ما يصلح
1
-
قوله: «فتركوها مقدار ما يثبت عليهم معناه: أنهم لو تركوا المقاسم على حالها قدر ما يثبت عليهم ما. بها كثبتت المقاسم كذلك، فلا يجدون نزعها.
عمر
- 295 - (1/295)
صفحة 289
لهم. وإن لم يكن فيه ما يصلح لهم فليؤ خذوا بنزعه. وكذلك خليفة اليتيم أو المجنون
وأبو الأطفال: الجواب فيهم مثل الجواب فيمن عمر لنفسه.
قلت: فعلى من يكون عمل المقاسم، أعلى صاحب الأرض أم على صاحب الماء؟ قال: إنَّما يكون عملها على أصحاب الماء دون أصحاب البقعة، إلا إن كان إنما يعملها قبل ذلك أصحاب البقعة فليعملوها؛ وكذلك كل من يعملها قبل ذلك عليه عملها سواء أكان له سهم في المقاسم أو لم يكن.
والوادي إذا كان بين قوم وعلموا كيف كان لهم ماؤه فوجدوا المقاسم قد اختلفت قسمتها، وما كان لهم من الماء في الوادي، وذلك مثل رجلين اشتركا ماء الوادي أنصافا، فوجدا في المقاسم أثلاثا؟
قال: إن عملوا المقاسم لأنفسهم أو علموا أن من عَمِلها قبلهم إنما عملوها على أن يكون الماء بينهم أنصافا، فإنَّهم يردونها أنصافا؛ وإن أدركوها معمولة ولم يدروا على ما كان عملها أوَّلاً، فإنَّهم يتركونها على حالها، وإن اختلفوا فيما بينهم في عمل المقاسم على أن يعملوها على سعة الوادي أو يضيقوا الوادي فيعملوا المقاسم بعد ذلك، فإن كان يمكن لهم أن يعملوها على سعة الوادي فليعملوها أوَّلاً ولا يضيقوه، وإن كان لا يمكنهم على هذا الحال فليضيقوه، ثُمَّ يعملون مقاسمهم بعد ذلك.
وكذلك إن قال بعضهم لبعض: وسعوا لنا الوادي فنعمل فيه مقاسمنا، وقال لهم الآخرون: اعملوا لنا مقاسمنا على حال الوادي ولا تحدثوا فيه شيئا؛ فإن أمكنهم أن يعملوا المقاسم على ضيق الوادي، فالقول قول من قال ذلك منهم، وإن لم يمكنهم، فالقول قول من قال بتوسيع الوادي، وعمل المقاسم فيه.
وكذلك إن أرادوا أن يحدثوا عمل المقاسم، فاختلفوا في ارتفاع المقاسم وتركها على مسيل الوادي، فالقول قول من قال بتركها على مسيل الوادي؛
- 296 - (1/296)
صفحة 290
1
وكذلك إن قال بعضهم بنزولها أسفل من مسيل الوادي، وقال الآخرون بتركها على حالها الأوَّل، فالقول قول من قال بتركها على مسيل الوادي.
وأما إن قال بعضهم: اعملوا لنا المقاسم في طرف عمارتنا، وقال لهم أصحابهم نعملها فوق عمارتنا، فالقول قول من قال منهم نعملها في طرف عمارتنا. وأما إن اختلفوا في موضع يجعلون فيه مقاسم العين في طرفها أو بعيد منها، فالقول قول من قال منهم نعملها في طرف العين.
وإن انسل الماء تحت المقاسم أو فسدت حَتَّى جاز الماء من غير موضعه من المقاسم فإن كان ذلك في واحد من المقاسم وهو لواحد منهم فليؤخذ بإصلاحه وإن اشتركها كلّهم فليؤ خذوا بها جميعا، ولا يعطوا أجرة عمل المقاسم من ذلك الماء، ولكن يعملونها من أموالهم ويرجعون على من غاب بما أعطوه من أموالهم على عمل تلك المقاسم ويتآخذون على نزع جميع ما حدث فيها من المضار.
باب في المصارف)
وإن اشترك قوم في واد فأرادوا أن يرفعوا ماءه لينتفعوا به، يرفعوا ماءه لينتفعوا به، فإنهم يجعلون له المصارف، وسواء عامة كانوا أو خواص، وإن علموا ما لِكُلِّ واحد منهم من ذلك الماء، فليجعلوا لهم المصارف على قدر سهامهم في الماء ويقسمونها. وإن أرادوا أن ينفرد كل واحد منهم بسهمه فلهم ذلك؛ وإن أرادوا أن يجمعوا سهامهم على ناحية الوادي أو على ناحيتين جميعا، فلهم ذلك، ولا يصيبون أن يتغابنوا فيما بينهم في ذلك الماء، ولكن يأخذ كل واحد منهم سهمه.
المصارف: هي هنا بمعنى المنافذ أو القنوات التي يصرف رف منها الماء، سواء إلى جانبي الوادي بعد ارتفاع الماء في محراه خلف السدّ، أو في السد نفسه، ليرسل الماء منها. والله أعلم بحقيقة قصد المؤلف. وقد تعقبتُ الكلمة في المعاجم اللغوية، فلم أجد من تعرض لها.
- 297 - (1/297)
صفحة 291
وَأَما إن لم يدَّع ذلك الوادي أحد، فليرفع كلّ واحد منهم ما أراد من المصارف قلت أو كثرت، وإن صرفوا مصرفا عامة كانوا أو خواص فإنه يكون لهم على ما اتفقوا عليه؛ وإن لم يَتَّفِقُوا على شيء، فهم فيه بالسوية؛ ويجوز لمن أراد أن يرفع المصارف من تحتهم (1) إن لم يَضُرَّهم ما دام الماء في الوادي، ولا يمنعوه أن يرفع ما فضل من الماء في الوادي. وأَمَّا من أراد أن يرفع الماء فوقهم؛ فإن سبقوا إلى الوادي وأخذوه كله فليمنعوا من أراد أن يرفع من فوقهم شيئًا، إلا إن كان الوادي فحلاً، فليرفع عشراً أو ثمنا أو خمسا؛ وإن لم يسبقوا إليه، فإنه يجوز لمن أراد منهم أن يرفع حاجته من ذلك الوادي، ولا يعمل الرجل المصرف إلا في أرضه أو أرض أذن له صاحبها أن يعمله فيها، أو أرض لم تعرف لأحد واستوى الناس إليها؛ وأَمَّا غير ذلك من الأراضي، فلا يعمل فيها شيئًا.
منه
وإن اشترى قوم أرضاً أو ورثوها أو دخلت ملكهم بمعنى من المعاني، ولها مصارف عند من كانت له قبلهم في أرضهم، أو في أرض لم يعرف لها أرباب، فإنه يكون لهم مساقي تلك الأرض ومصارفها كما أدركوها في تلك الأرض، ويعمر بها أرضهم على حالها لا يزيدون فيها ولا ينقصون منها، ولا يحولونها عن موضعها، ولا يحفرونها ولا يوسعونها، وما انهدم منها أو انكسر فليصلحوه، وتكون لهم، منافعهم، كما كانت لهم الأرض التي يجوزون إليها، ويمنعون من أراد أن يفسدها أو يصرفها إلى أرضه إلا إن كانت له بينة أن تلك المصارف له، فليفعل لهم ما أراد، وإن أرادوا أن يقسموا له تلك المصارف فلهم ذلك على قدر
ما لِكُلِّ واحد منهم في الأرض التي تجري إليها.
قوله: «من تحتهم»، يعني أسفل من مصارفهم.
- 298 -
—
1 (1/298)
صفحة 292
وإن
طلعت (1) مصارف إلى أرض رجل فأراد أن يردها إلى مصرف واحد، فلا يجد ذلك، ولكن يجمع ماءها إلى مصرف واحدٍ (2) إن لم ينزع غيره من المصارف. وَأَمَّا إن أراد أن يجعل من ذلك المصرف اثنين أو ثلاثة فله ذلك.
ومن اشترى أرضًا أو ورثها، فوجد فيها مصرفًا لا يطلع فيه الماء إلى تلك الأرض إلا بالمعالجة (3)، فإنَّه يرفع إليها الماء؛ وإن منعه أصحاب الوادي من ذلك
فلا يرفعه بعد ذلك؛ ومنهم من يقول: يرفع إليه الماء حيث كان له أثر قبل ذلك. وأَمَّا إن رفع من الوادي مصرفًا فانخرق أو انهدم حتى لا يطلع منه شيء من ذلك المكان، ولا يمكن طلوعه منه، فأراد أن يرفع الماء من فوق ذلك الموضع أو أسفل منه، فمنعه أصحاب الوادي فلهم ذلك، ولا يجوز له أن يرفعه من غير موضعه الأوَّل فيما بينه وبين الله، ولو لم يمنعوه؛ ومنهم من يقول: إن كانت الأرض له فليرفعه من حيث أراد، إن لم يضر بجيرانه.
وأَما إن ذهب السيل بالمصرف حتى لا يُعرف له موضع ولا أثر، فلا يجوز له أن يحدث حيث لم يُعرف موضعه.
وإن عارض (1) مصرف مصرفًا، فالقاعد منهما ما عارض الآخر. وإن لم يعرف ما عارض الآخر منهما، فلا يقعد كل واحد منهما للآخر.
1
للمكان
قوله: «وإن طلعت»، لا يقصد بطبيعة الحال صعود الماء لأنَّه كما قيل: السيل حرب العالي، ولكن يقصد إذا نفذ الماء خلال المصارف إلى أرض رجل، فأراد أن يردها إلى مصرف واحد لم يجز له ذلك. وقد تَقَدَّمَ نظير هذا في المقاسم قريباً.
2 - قوله: «ولكن يجمع ماءها إلى مصرف واحد»، مراده أنه يجوز للرجل أن يجمع ماء المصارف في غير موضع المصارف الآخذة من الوادي. والله أعلم.
3
4
-
مراده بالمعالجة: رفع الماء إلى أرضه بأي وسيلة كانت كالمتح بالدلاء أو بالمحرك الآلي. قوله: وإن عارض مصرف مصرفًا فالقاعد منهما ما عارض الآخر». معناه والله أعلم: أنَّ القاعد منهما، أي الأصل المتقدم منهما.
- 299 - (1/299)
صفحة 293
وإن اشترك قوم في أرض تستقي بماء المطر من الأودية والمصارف أو غير ذلك من المساقي، وقد عرفوا ما لِكُلِّ واحد منهم من ذلك الماء، ثُمَّ أرادوا عمارة أرضهم بالأجنة والفدادين والجسور، فمنعهم بعضهم من ذلك، فإنَّهم لا يتمانعون من العمارة ويعمر كلّ إنسان منهم أرضه بأي عمارة شاء من صنوف العمارات إلا إن كان لأحدهم على صاحبه مجاز أو طريق أو ما أشبه ذلك من المنافع، فإنَّ صاحب المنافع يمنعهم من العمارة حتى يخرج له طريقه ومجازه ثُمَّ يعمر أرضه بما شاء، وإن أرادوا أن يقسموا الماء الذي تستقي به هذه الأرض، فإنَّهم يقسمونه إذا علموا ما لِكُلِّ واحد منهم، وَلِكُلِّ واحد منهم مجاز مائه على من فوقه)، ولا يجوز لأحد منهم أن ينتفع بماء غيره. وأَمَّا إذا لم يعلموا ما لِكُلِّ واحد منهم في الماء ولم يدعوه بأجمعهم، فإنهم يسقونها على التسابق الأوَّل فالأول، حتى ينتهي الماء إلى أسفلهم. ولا يجوز
لأحدهم أن يصرف ما فضل عن شربه (2) من الماء إلى غير الذي تحته.
وإن علموا ما لِكُلِّ واحد منهم من الماء، فاتفقوا أن يعمروا أرضهم بذلك، على أن لا يسقي أحد منهم حتى يسقي من فوقه، أو اقتسموا أرضهم على هذا الشرط أو أدركوا أرضهم على ذلك في يد من كان قبلهم من موروث أو بائع أو واهب أو غير ذلك، فلا يجدون بعد ذلك أن يصرفوا مايهم عن غيرهم ولا ماء غيرهم عن أرضهم إلا باتفاق منهم إن كانوا خواص، وإن كانوا عامة فلا يجدون ذلك.
وَأَمَّا إن كانت أرض بعضهم فوق، آخرين، وقد تبين ما لِكُلِّ واحد منهم بالحدود، واشتركوا في الماء فاقتسموه فإن كل واحد منهم يصرف ماءه عن غيره؛
1 - وَلِكُلِّ واحد منهم مجاز مائه على من فوقه ذلك لأن الماء ينحدر إلى أسفل، فلابد من سقي كُلِّ أرض من فوق.
2 - قوله: «ما فضل عن شربه»، يعني به ما فضل عن سقي أرضه. ليتأمل.
- 300 - (1/300)
صفحة 294
وكذلك صاحب الأرض يصرف ماء غيره عن أرضه (1)، إلا من كان له عليه المجاز
فلا
من
أن يصيب يصرفه عن أرضه ويُبَيِّن له مجازا يجوز عليه ماءه، إلا كان له على آخر سقي أرضه (2) فليدركه عليه كما كان له فإن كان له عليه سقي أرضه كلها، فليدركه عليه أو البعض أو ما كان له وكذلك من كان له المنافع في أرض غيره من الماء وما أشبه ذلك، فلينتفع بها كما كان أَوَّلاً.
وإن كان لبعضهم أشجار في أرض غيره ولهم ماء فاقتسموه، فإنه في الوجه الذي يجوز لهم أن يصرفوا ماءهم حيث شاؤوا لا يدرك عليهم صاحب الأشجار أن يَسْقُوها له، ولكن لا يمنع مجازا للماء إلى أشجاره.
وَأَما إن اقتسموا الماء، فرفع أحدهم سهمه،، ثُمَّ بعد ذلك حدثت أشجار في ..
أرض صاحبه بغرس أو شراء أو هبة أو صداق أو ما أشبه ذلك من دخول الملك فإنَّه يدرك على صاحب الأرض حياة أشجاره من الماء، إلا إن اشترط عليه أوَّلاً الاً يدرك عليه ذلك، فلا يدرك عليه شيئًا، ويصرف عنها صاحب الماء ماءه بما لا يَضُرَّها به من حفر العروق وما أشبه ذلك.
وإن اقتسموا الماء، فتركوه في أرضهم يجوز كلُّ واحد منهم ماءه على الآخر، حتى نبتت عليهم الأشجار، فلا يجدون بعد ذلك أن يرفعها؛ ومنهم من يقول: فعها إلا إن مكثت المقدار الذي يملكها فيه بالحيازة.
ير
وإن اقتسموا الماء فرفع أحد منهم سهمه عن صاحبه وجعل له مجازا في وسط أرضه، أو في طرفها، فيفيض الماء من الساقية، وغرس عليها صاحب الأرض، فنبتت
2
المراد بصرف الماء عن الغير صرف سواقي الماء أو قنواته عن أرض الغير حتى لا يضايق بالمرور، إلا من ثبت عَلَيْهِ المجاز، أي المرور. قوله: «إلا من كان له على آخر سقي أرضه» المفهوم من ذَلِكَ أن يكون لأحدهما على الآخر أن يكفيه مؤونة السقي فلا يحتاج عندئذ إلى مجاز. ليحرر.
- 301 - (1/301)
صفحة 295
الأشجار، فلا يصيب بعد ذلك صاحب الماء أن يصرف ماءه؛ ومنهم من يقول: يصرف ماءه ما لم تثبت عليه الأشجار بالحيازة وكذلك إن غرس صاحب الأرض
بقرب تلك الساقية، ولو لم يفض منه الماء، فإنه يمنعه من صرف الماء عن أشجاره. وإن اقتسموا الماء ولأحدهم على الآخر المجاز، فصرف صاحب المجاز ماءه عن تلك الأرض كلّها، فجوزها من أرض أخرى، فأراد أن يرجع بعد ذلك إلى مجازه، فإنه يدرك ذلك على صاحب الأرض، إلا إن عمر أرضه عمارة تبطل ذلك المجاز، فإنه قد بطل وإن كانت العمارة لا تبطل المجاز فليدركه عليه، وورثة صاحب الأرض بمنزلة موروثهم؛ وكذلك من اشتراها أو دخلت ملكة بوجه من الوجوه على ما ذكرناه وإن باع صاحب المجاز أرضه التي ثبت له المجاز على صاحبها، أو أخرجها من ملکه بوجه غير ذلك، فمن انتقلت إليه فهو بمنزلة صاحبها الأول، فحيث ثبت المجاز لصاحبه الأوَّل يدركه الداخل (1) أيضا، ويبطل عليه في الموضع الذي يبطل على صاحبه الأول.
وإن اشتركوا في أرض ومساقيها، فاقتسموا على ألا يجوز كل واحد منهم ماءه على صاحبه، فذلك جائز، سواء في ذلك أيمكنهم موضع يجوزون فيه ماءهم، أو لا يمكنهم اقتسموا الماء، أو لم يقتسموه؛ وإن اقتسموا الماء دون الصب (2) أو الصب دون الماء، فلينتفعوا بما اقتسموا دون ما لم يقتسموا.
وإن كان المسقى لرجل، والأرض التي يجري إليها ماؤه لآخر، فإن أراد صاحبه أن يعمره ومنعه صاحب الأرض فله ذلك إن لم تكن فيه العمارة قبل ذلك؛ وأما إن كانت فيه العمارة قبل ذلك، فليعمر كما كانت أوَّلاً، ولا يزيد على ذلك، ولا يرفع الجسر في موضع لم يكن فيه قبل ذلك، ولا يحفر حفراً يمنع الماء إذا لم يثبت له
-
1
قوله: «الداخل». يقصد به المالك الجديد فالدخول هنا مجاز في الملكية.
2 - في الأصل: الصبوب وهو خطأ.
- 302 - (1/302)
صفحة 296
قبل ذلك؛ ومنهم من يقول: يحدثها، ولو لم تكن فيها عمارة قبل ذلك. ومنهم من أن يعمرها بالأشجار، ولو لم تكن قبل ذلك إذا لم يرفع الجسر. ورخص في الجسر أيضا أن يرفعه ولو لم يكن قبل ذلك إذا لم يصرف ما فضل من الماء عن أرض صاحبه؛ وسواء أيضا الجسر الواحد أو الاثنان أو أكثر من ذلك؛ وهذا كله إذا لم يصرف الماء عن المساقي.
وإن عمر المساقي وعمر أرضا أخرى بجانبها، فلا يجد ذلك، ولو ردَّ الفضل إلى موضعه الأوَّل. وإن كان إنَّما ثبت عليه فضل الماء، فأراد أن يزيد عمارة أخرى غير الأولى)، ويردَّ الفضل إلى من ثبت له، ففيه قولان.
وإن كانت المساقي لرجل دون الماء، وعمر تلك المساقي أو لم يعمرها، فأراد أن يزيد في تلك العمارة برفع الجسور أو كنس الفدادين أو توسيعها فلا يجد ذلك؛ ومنهم من يجوز له ذلك، ولا يحاذر إلا صرف الماء إلى ناحية أخرى، إلا إن كان الشرط بينهم أوَّلاً ألا يحدث بعضهم على بعض عمارة، فيكون على ما اشترطوا، سواء في هذا أكانت المساقي لرجل واحد والفدادين لآخر، أو اشتركوا في الفدادين والمساقي، لواحد أو اشتركوا في المساقي والفدادين لواحد منهما على ما ذكرنا أوَّلاً.
1
وإن (2) اشتركوا في الفدادين واقتسموها أو كانت مقسومة قبلهم، وأرض بعضهم فوق أرض بعض، وإنَّما يسقي أصحاب الأرض السفلى بما فضل عن الأرض التي فوقهم سواء أكانت بالأودية تشرب أو بالمساقي، فأراد بعضهم أن يزيد إلى فدانه عمارة أخرى، أو أراد أن يكنس فدَّانه، أو يوسعه، أو يرفع له الجسر، أو يحفره ليحبس من الماء أكثر مِمَّا كان يحبس أولاً؛ فإنَّ من كان تحته
في الأصل: «الاولة» وهو خطأ.
2 - قوله: «وإن اشتركوا في «الفدادين جواب الشرط هو قوله فيما بعد: فإنَّ من كان تحته يمنعه». ليحرر.
20
- 303 - (1/303)
صفحة 297
يمنعه، ولا يمنعه من كان فوقه. وإن أذن له أصحاب السفلى التي تليه، فأراد صاحب الأرض التي كانت أسفل من أرض هذا الذي أذن له أن يمنعه فله ذلك، قرب أو بعد، إذا كان الذي أراد منعه أسفل منه؛ ومنهم من يقول: يعمرون أرضهم كيفما شاؤوا كَأَنَّ الماء لغيرهم) ويعمرونها بخلاف ما عمرت به أوَّلاً، مثل: إن حرثها أوَّلاً فأراد بعد ذلك أن يحرثها أو يغرسها أو يبنيها، وما أشبه ذلك من العمارات فله ذلك، إلا إن كانت في ذلك مضرة غير احتباس 2
(2)
وَأَمَّا إن اشتركوا في فدان فاقتسموه، فأراد بعضهم أن يكنس سهمه ليرفع إليه الماء أو لم يشتغل بذلك، ولكنه أراد أن يعمر أرضه، فلا يصيب ذلك أن يحدث فيه ما يردُّ به الماء إلى سهمه دون صاحبه، وإن أحدثه فليؤخذ برده كما كان أولاً. وكذلك إن خرق الماء سهمه حتى لا يصل إلى سهم صاحبه شيء من الماء، فإنه يؤخذ بدفن ذلك؛ ومنهم من يقول: لا يؤخذ بدفنه؛ وكذلك إن أشتركوا في الأرض واقتسموا الأشجار، فخرق الماء ناحية واحدة منها، فإنهم يتآخذون بإصلاحها جميعا.
وإن اقتسموا الأرض والأشجار فأراد أحد منهم أن يجعل الشجر فيما بينه وبين صاحبه ولم يتفقوا على ذلك، فإنَّ صاحبه، يمنعه إلا إن اتفقا على ذلك؛ سواء أكانت تلك الشجرة على الطول أو على العرض)
1
-
---
قوله: «كأن الماء لغيرهم»، قال صاحب التكميل: كأن لم يملكوا الماء»، وعليه فلعل المراد: أنهم يعمرونها كيفما شاؤوا من غير التفات إلى الحقوق المتعلقة بالماء. ليحرر. قوله: «إلا إن كانت في ذلك مضرة غير احتباس». مراده بالعبارة - والله أعلم ـ يجوز لمن أراد أن يعمر أرضه بأي عمارة كانت، إلا إن كان في عمله مضرة بغيره زيادة على احتباس الماء فليحذره. 3 - على الطول أو على العرض» يريد بالعبارة: سواء أكانت غراسة الأشجار على امتداد طول الأرض أو على امتداد عرضها.
- 304 - (1/304)
صفحة 298
وأَما إن دفن السيل ذلك الفدان حتى لا يمسك الماء، فإنهم يتأخذون بأن
يحفروه، سواء في ذلك أاشتركوا فيه كلّه، أو اشتركوا في الأرض دون الأشجار، أو اشتركوا في الأشجار دون الأرض، فإنهم يتآخذون جميعا بأن يحفروا. وَأَما إن اقتسموا البقعة فإنَّ كلَّ واحد منهم يأخذ بحفر سهمه؛ ومنهم من يقول: لا يؤخذ بحفر الدفن أصلاً، لأنَّه مجهول؛ وإن كان فيهم من يريد أن يزيد من ناحية واحدة عمارة واحدة لتلك الأرض سواء أكان ذلك له دون شريكه أو بينهما جميعا، وسواء أيضا أاقتسموا الفدان أو لم يقتسموه، فإنَّ صاحبه يمنعه من ذلك.
وإن اشتركوا في فدادين وبينهم حاجز، فأراد واحد منهم نزعه، فلا يجد ذلك إن منعه صاحبه ولا يصيب أحدهم منهم أن يزيد العمارة إلى سهمه إن منعه صاحبه، ولو خربت أرض هذا الذي أراد منعه. وإن خرب سهم واحد خرابا لا معه بعد ذلك عمارة، فإنَّ صاحبه يجعل للماء كيفما يصله إلى سهمه خاصة، ويمنعه صاحبه من البناء إن أراد.
يرجو
له
وإن اشتركوا في فدان فأراد واحد منهم أن يعمره عمارة لم تكن قبل ذلك، ومنعه صاحبه فله ذلك؛ وأما عمارة كانت قبل ذلك فإنه يؤخد عليها، وإن كان فيها فساد، فليؤ خذوا بإصلاحه مثل الجسر (1) إن انكسر فإنهم يؤخذون بعمله، سواء في هذا انكسر بما جاء من قبل الله، أو بفعلهم، أو بفعل غيرهم، أو بفعل واحد منهم فإنَّهم يتأخذون عليه في هذا كله، ويدركون على غيرهم إن كسره قيمة ذلك؛ وكذلك إن كسره واحد منهم، فإنهم يؤخذون بإصلاحه، ويدرك عليه صاحبه قيمة سهمه فيما أفسد، وهذا إذا اشتركوا في الجسر، ولا ينظر إلى الأرض اشتركوا فيها أو لم يشتركوا فيها، وإنَّما يؤخذون على إصلاح الجسر على قدر ما لِكُلِّ واحد منهم فيه. وإن كان الجسر لرجل آخر، فإنَّه يؤخذ برده إن كسر.
1
تقدم تعريفه: وهو الحاجز من التراب وشبهه، يجعل ليجتمع الماء خلفه في الفدان وما أشبهه. ليحرر.
- 305 - (1/305)
صفحة 299
قلت: فهل يوسعون ذلك الجسر إن أرادوا ذلك؟
قال: نعم، إن كانت الأرض التي فيها لهم؛ وأَما إن كانت لغيرهم فلا يجدون ذلك.
ويينونه بالحجارة إن كان بنيانه بها قبل ذلك ويجعلون عليه الزرب إن شاؤوا).
ومن دعا منهم إلى زيادة عمل لم يكن قبل ذلك، فلا يدرك على صاحبه إلا إن كان فيه صلاح عمارتهم.
وإن اشتركوا في الأرض دون الأشجار، فاقتسموا الأرض على أن يكون عملها على واحد منهم دون الآخر، فذلك جائز.
وَأَمَّا إن اشتركوا في الفدان، وانكسر، جسره، فتنازعوا عليه، وادعى كل واحد منهم أنه لصاحبه دونه، فليؤخذوا بإصلاحه؛ فإن تبين صاحبه منهم، فليؤخذ بإصلاحه؛ وإن لم يتبين فليؤ خذوا به جميعا. وإن كانت الثلمة مِمَّا قابل أحدهم، فلا يؤخذ بها دون أصحابه إلا إن تبيَّن أنَّها له فيؤخذ وإن كانت بين فدادين لرجلين،
أو لرجال كثيرين وهم ينتفعون بالجسر كلهم، فإنَّهم يؤخذون بإصلاحه أنصافا.
وإن اشترك أناس كثيرون في تلك الفدادين أو اشتركوا في واحد منها، والآخر لرجل واحد، فإنَّهم يؤخذون به جميعا، كما ينتفعون به سواء في ذلك من قرب ومن بعد، ويؤخذون أن يجرفوه من حيث يجرفونه قبل ذلك، فإن كان من المشترك فليردُّوه منهم، وإن كان لواحد منهم دون الآخرين، أو لغيرهم من الناس، فليجرفوه من الموضع الذي يجرفون منه التراب إلى ذلك الجسر؛ وإن لم يتبين من حيث يصلحونه قبل ذلك، فليجرفوه من أرضهم؛ ومنهم من يقول: يجرفونه مِمَّا يليه إن لم يمكن لهم غير ذلك، سواء أكان ذلك لهم أو لغيرهم، ومالهم أولى من مال غيرهم، إلا إن كان المنع والحجر قبل ذلك عليه.
1
-
قوله: «ويجعلون عليه الزرب إن شاؤوا لعل الحكمة في ذلك أن يمنع الزرب من المرور عليه، حتى لا ينحرق أو ينهدم. والله أعلم.
- 306 - (1/306)
صفحة 300
قلت: وإن عرف جسر بين قوم يردُّ الماء إلى آخرين، ويحرثه آخرون فمن
القاعد
منهم فيه؟
قال: يقعدون (1) فيه جميعًا على قدر منافعهم جميعًا؛ وإن كان يحرثه واحد منهم من جهة، ويحرثه الآخر من الجهة الأخرى، فإنَّه يقعد كل واحد منهم فيما عمر،
وإن لم يعلم ما حرث كل واحد منهم في الجسر فإنهما يكونان فيه سواء.
وإن كان جسر بين قوم يجرفونه بالتراب قبل ذلك فقال واحد منهم للآخر: نعمل الجسر بالحجارة فبنوه أو كانوا بنوه بالحجارة قبل ذلك، فقال بعضهم: نحرفه بغير حجر، فالقول قول من دعا منهم إلى ما كانت عليه العادة قبل ذلك؛ وإن لم يعلم ما كانت عليه العادة قبل ذلك فإنهم يجرفونه بالتراب حتى يعلم إن كان بني قبل ذلك بالحجارة أم لا.
وأما إن قال أحدهم لصاحبه ننزع ذلك الجسر، وأبي عليه الآخر ذلك، وقد استغنوا عنه أو لم يستغنوا، فالقول قول من أبى ذلك منهم؛ إلا إن اتفقوا عليه جميعًا، أو عمروا عمارة لا تصح لهما إلا بنزعه فإنَّهم حينئذ ينزعونه، وهذا إذا كانوا خاصة.
وفي قوم اشتركوا في جسر فانكسر، فعمروا تحته جسورا أخرى، فصار الأول مسقى للذي عمر تحته، فقام بعض أصحاب الجسر الذي انكسر، فأراد إصلاحه
1 - قوله: «يقعدون فيه جميعا». سبق تعليق على معنى مثل هَذَا القعود وإليك تفسير القعود مرة أخرى للمرحوم الشيخ إبراهيم اطفيش أبي إسحاق، في تعليق له (ص 171) من كتاب «الورد البسام في رياض الأحكام» للشيخ عبد العزيز الثميني رحمه الله، قال الشيخ أبو إسحاق: «كثيرا ما ترد لفظة القعود في كتب المصنف وكتب أصحابنا. - رحمهم الله ـ وقد استشكلها بعضهم، والمراد بها المكث في الشيء، ووضع اليد عليه على وجه التملك، وَهَذَا
المعنى واضح في مقامات استعمالاتها لا غبار عليه». انتهى.
- 307 - (1/307)
صفحة 301
أو كان لغير هؤلاء الذين عمروا تحت الجسر الأوَّل، فأراد صاحب الجسر أن يعمره ويصلحه، فإن كان للخاصة فلا يردُّوه بعد ما ثبتت العمارة تحته، وأما إن كان لِلعامَّةِ فإنَّهم يردُّونه على حالته الأولى، ولا تثبت عليهم العمارة؛ ومنهم من يقول: يردُّونه خاصة كانوا أو عَامَّة، ولكن لا يزيدون على ما كان عليه أوَّل مرة؛ ومنهم من يقول: يردُّونه كيفما شاؤوا من الزيادة.
وأما إن أراد أصحاب الجسر أن ينزعوه، فمنعهم أصحاب العمارة التي حدثت تحته؟ قال: إن كان لهم في ذلك منفعة فإنَّهم يمنعونهم من نزعه، وإن لم تكن فلينزعه أصحابه. قلت: فجسر ردَّ إليه الماء، رجل، ولم تعرف له فيه عمارة قبل ذلك، وعرف رجل آخر يعمر الجسر ويحرثه ويزيد فيه وينقص منه، ويمنع منه المضار، فمن القاعد فيه منهما؟
قال: القاعد في الجسر من يحرثه، ويعمره، وهو الذي يؤخذ بعمله، ولا ينظر في ذلك إلى الذي ردَّ إليه الماء، ويكون الذي ردَّ إليه الماء قاعدا في تلك المنافع، ويؤخذ الذي عمر الجسر إن انكسر بإصلاحه.
كان له فدان وله جسر، وليس له قناء) يخرج منه الماء، فأراد أن يعمل له ومن القناء؛ أو كان له قناء، فأراد أن يسده؟
قال: إن لم يكن في ذلك نفع ولا ضر من كان تحته فليفعل ما شاء من ذلك من إحداثه أو إغلاقه والزيادة فيه أو النقصان منه، وتوسيعه أو تضييقه، أو خفضه أو رفعه؛ وأَما إن كان فيه نفع لمن كان تحته، فلا يجد نزعه ولا تحويله عن موضعه، ولا يجد تضييقه ولا رفعه، وهذا في الحكم؛ وأما فيما بينه وبين الله فلا بأس؛ وَأَمَّا توسيعه
1 - قوله: «وليس له قناء يخرج منه الماء». قال في المنجد: القناة: ما يحفر في الأرض ليجري فيه الماء، ثم قال: القناة: جمع قنى، وقناء وقنوات.
- 308 - (1/308)
صفحة 302
بعدما كان ضيقا، وانخفاضه بعد ارتفاعه إن كان فيه نفع لمن كان تحته، فلا بأس أن يفعل ذلك؛ وإن كان فيه ضرر، فلا يجد شيئا من ذلك؛ ومنهم من يقول: يمنعه من كان تحته مِمَّا يحدث عليه ولا ينظر إلى ما ينفعه ولا ما يضره فيما أدركوه قد كان قبلهم، أو ما عمروا عليه حتى ثبتت عليه العمارة؛ ومنهم من يقول: يصيب توسيعه وتضييقه ورفعه وخفضه، وكلُّ ما ينفع إذا كان في أرضه، إلا تحويله عن موضعه الأول، سواء في ذلك أصرف عنه الماء بتحويله، أو لم يصرفه.
وَأَما إصلاحه في ذاته مثل عمله بالجير أو الحجارة أو الجبس أو الخشب، وما يصلح أن يعمله به فلا يمنعه منه، إن لم يكن فيه ضرر؛ فإن ضره ذلك فليمنعه. وَأَمَّا إن عقد قبل ذلك بالجير أو الحجارة أو الجبس أو الخشب، فذهب ذلك بمعنى من المعاني، فإنَّ من كان تحته يدرك عليه ردَّ ذلك كما كان أولاً إن كان له فيه
نفع أو دفع ضرر. وإن انكسر الجسر الذي بينهم، فأحدث قناة أخرى فوقه، واستغنى عن الأولى وتركها فاستمسك به من كان تحته أن يردها و لم يكن له فيها نفع ولا دفع ضر، فإنَّه يدرك عليه ردَّها؛ ومنهم من يقول: إن وصلت إليه المنافع الأولى التي تصل إليه من هذه القناء فلا يدرك عليه رده.
وإن علم أنه قد كان له عليه قناء الماء، فاندفنت أو ذهبت بمعنى من المعاني، وأشكل عليهم موضعها، فإن وجدوا بينة تُبَيِّنُ لهم موضعها، فليردُّوها فيه؛ وإن لم تكن بينة فليأخذه أن يجعل له قناة يخرج إليه منها الماء؛ فإن اختلفوا في مقدارها، فمن كان له البيان على قوله فالقول قوله؛ وإن لم يكن لهم، فليؤخذ أن يجعل له القناء للماء. وإن ادَّعى عليه معنى غير ما جُعِل له، فإن كانت له بينة
فليدرك عليه ذلك، وإن لم تكن فليحلفه أنه لم يبق عليه من دعوته شيء. وكذلك اختلا فهما في التوسيع والتضييق والارتفاع والانخفاض، الجواب فيها كالجواب في التي قبلها.
- 309 - (1/309)
صفحة 303
قلت وَأَمَّا إن كان أثر القناء فادَّعاها عليه من كان تحته، فجحده صاحب الجسر، فهل يدركه عليه؟ أو لا يقتدون بذلك الأثر؟
قال: إن عرف أنه يخرج إليه منها الماء قبل ذلك ينتفع به فالقول قوله، إلا إن أتى صاحبه بمعنى يبطل دعوته؛ وأَما إن لم يعلم انتفاع واحد منهما بها، فالقول قول صاحبه، ولا يدرك عليه المدعي شيئًا. وإن اختلفوا في توسيعها وتضييقها وارتفاعها
وانخفاضها، وقد ظهر ذلك، فالقول قول من وافق الأثر، ويكون غيره مدعياً.
ومن عمر أرضه ورفع لها جسرا وغرس أشجارًا أو حرث زرعا، وليس لأحد فيها طريق ولا مجاز الماء ولا مساق، ففعل لها قناء يخرج منها الماء، فمنع من أراد أن يعمر على ذلك الماء الذي خرج من أرضه، فعمر أحد على المنع والحجر، فإنَّه لا يثبت شيء ذلك؛ فإذا أراد صاحب القناء أن يصرف ماءه فله ذلك. وكذلك إن أراد أن يغلق من قناء مائه فله ذلك، قربت تلك العمارة أو بعدت؛ وسواء أحجر على العامة أو على الخاصة، أو حجر على من يعمر على فضل مائه، ولم يقصد أحدا فلا تثبت عليه عمارة من عمر على ذلك الماء، ويفعل بذلك الماء ما شاء. وكذلك إن حجر على بعض ولم يحجر على الآخرين، فإنَّ عمارة من لم يحجر عليه ثابتة، وأما عمارة من حجر عليه فلا يثبت منها شيء. فإن انفصل) ما أخذ كل واحد منهما، فإنه يصرف الماء ما ناب من حجر عليه منهما حيث شاء.
من
وَأَمَّا إن لم يقتسموا الماء، وَلَكِنهم لم يشتركوا في العمارة، فلا يمنع الماء عن هذا الذي لم يحجر عليه؛ وإن فضل عنه شيء، فإنه يفعل فيه ما أراد. وأما إن كانت عمارتهم مشتركة، فلا يُمنعون من شيء من ذلك، وسواء في هذا أاستووا إليه أو تسابقوا فحجر على من يليه أو حجر على من كان أسفل من الذي يليه،
قوله: «فإن انفصل»، بمعنى فإن تميز وانعزل.
- 310 -
-
1. (1/310)
صفحة 304
ولم يحجر على الذي يليه فالجواب فيها كالجواب في التي قبلها، فمن حجر عليه منهما فلا تثبت له العمارة، ومن لم يحجر عليه فعمارته ثابتة بعدوا أو قربوا، قلوا أو كثروا، وورثتهم بمنزلتهم؛ وكذلك من اشترى منهم بمقامه.
ومن عمر أرضه فجعل منها قناء الماء إلى أسفل منه، فمنعه صاحب تلك الأرض فله ذلك؛ فإن جعلها على منع صاحب الأرض، فحيث أراد أن يمنعه فله ذلك؛ وإن لم يمنعه الذي يليه، ومنعه من كان أسفل من الذي يليه، أو منعه الذي يليه، ولم يمنعه من كان أسفل منه، فمن منعه فلا يثبت عليه شيء من مجاز تلك، والوجه الذي حجر فيه على من هو فوقه أن يجوز عليه الماء، وقد كان بينه وبين الذي حجر عليه عمارة لرجل آخر فما وصل من ذلك الماء من هذه العمارة التي لم يحجر عليها، يكون عليه مجازها إذا ثبتت عليه، وأَمَّا العمارة التي حجر عليها فإنَّه يمنعه. وإن اختلط ذلك الماء مع غيره، فإنَّه يمنعه كله. وإن عمر أحد على ذلك الماء، ثُمَّ عمر آخر أسفل من ذلك، ثُمَّ عمر آخر أسفل من ثُمَّ عمر آخر أسفل من هذا، فإنَّ كل واحد منهم يمنع من فوقه من صرف هذا الماء، ويمنع السفلاني منهم الذي يليه، كان فوقهم كلهم. وكذلك يمنع كلّ واحد منهم من كان فوقه، قرب أو ومن بعد، وهذا كله إذا ثبتت العمارة. وأما ما لم تثبت فيه العمارة فلا يمنع بعضهم بعضا؛ وكذلك كلُّ من دخل شيء من هذا في ملكه بوجه من الوجوه، فإنه يكون بمقام الذين ذكرناهم.
ومن كانت له عمارة فوق أرض، رجل، فانكسر، جسرها، فإنه يأخذه برده؛ وكذلك إن كان فوقه اثنان أو ثلاثة، فإنه يأخذهم كلهم. وكذلك إن انكسر كان فوق الذي يليه، فإنَّه يأخذه ويأخذ من كان فوقه من الناس برد ما جسر من انكسر من جسورهم ممن قرب منهم أو بعد. وكذلك إن كان أصحاب العمارة السفلانية اثنين أو ثلاثة، فإنهم يأخذون من كان فوقهم برد ما انكسر من الجسور، ويأخذونهم مجتمعين أو مفترقين.
- 311 - (1/311)
صفحة 305
ومن
كانت له عمارة فوق أرض رجل فانكسر جسر تلك العمارة على من كان تحتها، فإنَّ صاحب الأرض يأخذ صاحب العمارة برد ما انكسر من هذا الجسر، ويأخذونه بنزع ما حمل الماء إلى أرضه من الأشجار والنبات والخشب والزرب والحجارة، وكل ما تبين أنه له؛ وأَمَّا التراب فلا يدرك عليه نزعه، إلا إن تبين ذلك التراب أنه له، فإنَّه يأخذه على نزعه. وإن تبيّن أنَّ هذا الذي حمل الماء من الشجر والنبات والخشب وما أشبه ذلك لرجل آخر غير هذا، فإنه يأخذ بنزعه صاحبه أينما كان. فإن كانت هذه الأشجار والنبات وما حمله السيل لرجال شتى وتبيَّن ما لِكُلِّ واحد منهم، فإنَّه يُؤخذ بنزعه. وأَما إن لم يتبيَّن ما لِكُلِّ واحد منهم فلا يؤخذون بنزع شيء من هذا، وينزعه صاحب الأرض إن شاء. وإن كانت هذه الأشجار مشتركة بين صاحب الأرض وغيره من الناس فإنه يأخذ شريكه أن ينزع ذلك معه على حسب ما اشتركا فيه. وإن كانت هذه الأشجار ليتيم قد استخلف عليه أو مجنون أو غائب، فإنَّه يأخذ عشيرة الغائب أو المجنون أن يجعلوا لهم خليفة فيأخذه بنزع ذلك. وأَمَّا الغائب فلا يدرك على عشيرته شيئا، وينتظر قدومه أو موته، فيأخذ ورثته. وإن لم تكن لليتيم أو المجنون عشيرة، فنزع ذلك على أن يدرك عناءه فله ذلك. وكذلك إن اشترك في تلك الأشجار مع ذلك اليتيم أو المجنون أو الغائب، فالجواب فيها كالجواب في التي قبلها.
وما حمله الماء من الشجر والنبات إلى أرض رجل، فإنه يأخذ صاحبه بنزع ذلك، ولو أنه أَخَذَت في تلك الأرض، وإن لم يأخذه بنزع الأشجار حتى أثمرت، فإنها قد ثبثت في ذلك المكان)، إلا إن أخذه صاحب الأرض بنزعها قبل أن تثمر، فإنَّها لا تثبت بعد ذلك على حال، ولو على من كان بعده. وما
1 - قوله: «فإنها قد ثبثت في ذلك المكان»، أي يصبح من حق صاحبها لا من حق صاحب الأرض كما دل الكلام اللاحق.
- 312 - (1/312)
صفحة 306
حمله الماء إلى أرض رجل من أرض رجلٍ آخر، مِمَّا لم يجر عليه ملكه، مثل: أشجار البرية والحجر وما أشبه ذلك، فإنَّه لا يأخذه بنزع هذا، وما كان مثله.
وأما ما حمله الماء من حيوان رجل، فإنه يؤخذ صاحب الحيوان بنزع ذلك؛ وكذلك المتاع وما أشبهه مِمَّا جرى عليه ملكه.
ومن
مسألة
كانت له عمارة فوق عمارة غيره، فزاد إليها الماء حتى انكسر جسرها بهذه الزيادة أو سد قناءها، فانكسر جسرها من أجل ذلك، أو كسر الجسر هو بنفسه، فإنه يضمن كل ما أفسده الماء من العمارة التي كانت أسفل منه.
وكذلك من ردَّ الماء إلى عمارة غيره أو سدَّ قناء مائها، أو كسر جسرها بنفسه، فما فسد بسببه في هذه العمارات أو العمارات التي كانت أسفل منه،
فإنه ضامن لذلك كله.
امتلاً وَأَمَّا من جسره الجسر، فكسره من غير ذلك الموضع لِمَا يصلح بذلك الجسر، فقام عليه فساد كثير، من كسر الجسور وقلع الأشجار، فهو ضامن لِكُلِّ ما تولد بسببه من الفساد؛ ومنهم من يقول: إن لم يقصد مضرة ذلك، وإنما قصد نفعه فلا يضمن الفساد. ما تولد بسببه من
بالماء، فخاف أن يكسر من موضع يفسد منه ذلك
وكذلك إن ردَّ الماء في فدانه، فزاد على الذي يردُّه إليه قبل ذلك فانكسر الفدان، ثُمَّ انكسر الذي تحته، فإنَّه لا يضمن ما أفسد الذي تحته، إذا لم يطلب فساده؛ ومنهم من يقول: يضمن ما أفسد تحته.
قلت: فرجل له فدان وتحته فدَّان قد انكسر ولا يردُّ الماء، فكسر فدانه، فوصل الماء إلى الذي تحت الفدان المكسور، فانكسر؟
- 313 - (1/313)
صفحة 307
قال: إنَّه يضمن الذي فعل ذلك ما انكسر بسببه.
قلت: فجسور متراكبة بعضها فوق بعض فكسر صاحب الجسر الفوقاني جسره إلى الذي يليه ولم ينكسر فانكسر الجسر الثالث هل يضمنه الذي كسر فدانه أم لا؟
قال: نعم؛ ومنهم من يقول: لا يضمن.
قلت: وكذلك من سدَّ الوادي لينتفع به، فرفع ماءه إلى غير أرض ذلك الوادي، فأدرك الماء جسور الناس فأفسدها، هل يضمن ما أفسد ذلك أم لا؟
قال: هو ضامن ومنهم من يقول: لا يضمن إذا كان رفعه في طلب منفعة في مكان يجوز له رفعه فيه.
قلت: فرجل له جسر فانكسر وتحته جسر لرجل آخر، فاستمسك به صاحب الجسر السفلاني على أن يصلح، جسره، فلم يصلحه حَتَّى خرج منه الماء فانكسر السفلاتي؟ فإنَّه لا يضمن الذي ضيع إصلاح الجسر الفوقاني؛ ومنهم من يقول:
هو ضامن، وأما إن لم يستمسك به صاحب الجسر السفلاني، فلا ضمان عليه. قلت: فرجل له جسر، وتحته جسر لرجل آخر، فدفن الجسر الفوقاني حتى
خرج منه الدفن) والحجارة إلى الذي تحته، هل يأخذه بنزع ذلك أم لا؟ قال: نعم؛ ومنهم من يقول: يأخذه على نزع الحجارة، ولا يأخذه على نزع الدفن. وكذلك إذا كان وصول الحجارة أو الدفن من الثلمة، فإنه يأخذه بإصلاح تلك الثلمة حتى لا تصل إليه المضرة.
قوله: «الدفن»، هو في اللغة: مواراة في التراب، وإنّما اللفظة في هَذَا السياق يقصد منه التراب الذي يجرفه السيل، مما يدفن الأحواض والفدادين.
– 314 -
-
1 (1/314)
صفحة 308
قلت: فجسر بين رجلين، فردَّ إليه أحدهما من الماء أكثر مما يحتمل فانكسر الفدان، وانكسر تحته جسور الناس هل يضمن الذي ردَّ الماء لشريكه ما أفسده
الماء لشريكه في جسرهما، ويضمن للذين انكسرت جسورهم تحتها أم لا؟
قال: هو ضامن لجميع ما أفسده الماء لشريكه في جسرهما، ويضمن للذين انكسرت جسورهم تحتهم؛ وكذلك الذين تحتهم، ولا يؤخذ بإصلاح ما فسد بسببه، وإنما عليه القيمة، ويؤخذ هو وشريكه على إصلاح جسرهما؛ وكذلك الذي تحتهما يأخذه من كان تحته (1) أيضا.
قلت: فرجل رفع الماء من الوادي إلى أرضه، وقد رفع أكثر مما يرفع قبل ذلك، فانتفع بذلك الماء فأفسد الماء شيئًا أو لم يفسده، ثُمَّ رجع ذلك الماء إلى الوادي فأفسد في جسور الناس بعد رجوعه إلى الوادي هل يضمن الذي رفعه ما أفسده
الماء أم لا؟ قال: يضمن جميع ما أفسده الماء قبل رجوعه إلى الوادي، وما أفسد بعد رجوعه إلى الوادي فلا يضمنه.
قلت: فرجل له بحرى ماء من الوادي إلى أرضه، وقام رجل آخر فكسر ذلك الماء إلى جسره، فانكسر جسره وخرج منه الماء إلى صاحب المجرى، ثُمَّ وصل ذلك الماء إلى جسر صاحب المجرى، فانكسر وانكسرت تحته جسور الناس، هل يضمن الذي ردَّ الماء أولاً إلى أرضه أم لا؟
قال: إن زاد في الماء شيئًا غير الذي ردَّ من الماء، فإنَّه ضامن، وإن لم يزد شيئًا، ودخل الماء إلى صاحبه من مجراه الأوَّل فلا ضمان عليه؛ وإن دخل الماء إلى صاحبه
1 - قوله: «وكذلك الذي تحتهما يأخذه من مكان تحته معناه يأخذ كل من كانت عمارته تحت جسر منهدم بإصلاح ذلك الجسر مهما كثرت وتتابعت.
- 315 - (1/315)
صفحة 309
من مجراه الأوَّل، فأفسد ذلك الماء شيئا بسبب دخوله من غير بحراه، فإنه يضمن الذي ردَّ الماء أولاً. جميع ما أفسده الماء لصاحبه ولمن تحته.
قلت: فرجل له جسران متقاربان فردَّ ماء أحدهما إلى آخر فانكسر الجسر وانكسرت تحته جسور الناس هل يضمن ما أفسد الماء أم لا؟
قال: إذا زاد الماء إلى جسره فأفسد شيئًا فإنَّه ضامن، سواء في ذلك أزاده من مائه أو من ماء غيره، بإذن أو بغير إذن. وأَما إن خلط ذَيْنِكَ الجسرين فجعلهما جسرًا، فانكسر فأفسد شيئا، فلا ضمان عليه إذا لم يحوّل شيئًا من مجاريه ومخارجه؛ وإن حوَّل شيئًا من ذلك فإنَّه ضامن لجميع ما أفسد؛ ومنهم من يقول: ضامن ولو لم يحوّل شيئًا.
قلت: فرجل له جسر كبير فقسمه فجعل منه جسورًا مفترقة حسورًا مفترقة، ثُمَّ ردَّ الماء إلى إحدى تلك الجسور الصغار، فانكسر فأفسد شيئًا، هل يضمن أم لا؟ قال: نعم. و من له جسور مفترقة فأراد أن يخلطها ويجعلها جسرًا واحدا، فمنعه الذي تحته من ذلك من خوف المضرة، فإنَّه يمنعه من ذلك. وكذلك إن كان تلك الجسور لقوم مفترقين فاتفقوا أن يجعلوها جسرًا واحدًا فإنَّه يمنعهم من ذلك من كان تحتهم؛ ومنهم من يقول يفعلون في أرضهم ما شاؤوا. وكذلك الزيادة في الجسور في موضع لم تكن فيه الجواب فيها كالجواب في التي قبلها.
ومن له جسر وله فيه قناء الماء فسدها فرجع الماء إلى الجسور التي حواليه، فانكسرت فإنه ضامن. وكذلك إذا ضيَّقه أو رفعه حتى تولّد عنه مضرة، فإنه ضامن الجميع ما أفسد الماء بسببه في جوانبه وفوقه. ويدر ركه (1) أيضا على من فوقه الماء إلى جسره. وكذلك أصحاب الجوانب يرجع
ألا يضيق أيضا قناء
جسره لئلا
إذا خافوا منها المَضَرَّة من تضييق القناء على هذا الحال.
-
1
كذا في الأصل، ولعل الصواب: «ويدرك هو أيضا».
- 316 - (1/316)
صفحة 310
من
ومن له جسر وله قناء ماء إلى جسر، غيره، فأراد أن يضيقها في جسره، فمنعه كان تحته لئلا يمتلئ الجسر فينكسر عليه، فإنَّه يمنعه من ذلك؛ وأَما إن أراد أن يجعل له وسادة وهي الصدر الذي يجعله الناس للجسور ()، فإنه لا يمنعه من ذلك ما دام لم يرتفع على القناء، وأما من كان في جسره جحر فأر أو جحر ضب، فاستمسك به من كان تحته أن يصلح جسره لئلا يدخل المضرة إليه، فإنه يدرك
عليه ذلك.
ومن ورث فدانًا فوجده قد كان له مسقى وفيه أثر العمارة وأثر الجسر وقناء الماء وجميع منافعه؛ فهل يجوز له أن يعمل تلك المساقي ويسويها، و يرفع الجسور ويبني تلك الحيطان ويعمل ما وجد على أثر الحيطان التي أحاطت به
ويقويها
ويتبع تلك الآثار ويقتدي بها؟ قال: ما علم أنه قد كان قبله عند موروثه (2) فإنه يعمله، وما لم يعلم أنه قد كان فليتركه؛ ومنهم من يقول يصلح ذلك كله، ويرفع ذلك الجسر ويقويه ويني تلك الحيطان ويعمل ما وجد من تلك الآثار كلها.
قلت: هل له أن يسوي ذلك المسقى وينقيه وينزع منه الحجارة والخشب وما يضر بالماء؟
قال: إن علم ذلك لموروثه أو أدركه وهو يعمل ذلك، فإنه يعمله هو أيضا ولا بأس؛ وأما إن لم يعلم ذلك لموروثه و لم يدركه يصلح ذلك، فإنه لا يعمل فيه
1 - قوله: «وأما إن أراد أن يجعل له وسادة وهي الصدر ... » إلى آخره لعل العبارة تحتاج إلى مزيد من التوضيح من العادة أن يبنى في موضع الجسر جدار من حجارة، وجير، أو حجارة وإسمنت، مما يلي بحرى الماء، ثمّ يكدس التراب خلف الجدار، فَهَذَا الجدار الذي سماه وسادة مرة وصدرا مرة ثانية، هو الذي يتلقى ضغط الماء، فيخفف العبء عما وراءه من تراب، ثم إن الجدار ضروري لمنع انجراف التربة بجريان الماء. والله أعلم. 2 في الأصل: «وارثه»، وَهُوَ خطأ. وقد صححنا ما وقع فيه مثل هذا الخطا فيما سيأتي ولم نشر إِلَيْهِ.
-
- 317 - (1/317)
صفحة 311
شيئا، ولا يحوّله عما كان عليه. وأما ما كان في ذلك الجسر أو المسقى أو قناء الماء من الشجر أو الخشب المعترضة أو الحجر، فإنَّه ينزع ذلك ويصلحه؛ وسواء أعلم أنَّ ذلك محدث أو كان قبل ذلك إذا علم أنَّ موروثه يعمل ذلك؛ ومنهم من
)
يقول: إذا ورث الفدان فإنَّه يقعد في مساقيه ويصلحها وينقيها، ولو لم يدرك موروثه يعمرها قبل ذلك. وهذا المسقى الذي ذكرناه أَوَّلاً إذا كان يجري الماء إليه ويقصده ولا يقصد أرض غيره، وأما ما يجري إلى أرض غيره، وما لم يقصد أرضه من الماء فَإنَّهُ لا يعارضه ولا يصرفه إلى أرضه؛ ومنهم من يقول فيما لا ينسب إلى أحد مثل ما يجري من رؤوس الجبال والاكام ولم ينسب إلى أحد، فإنَّه يصرفه إلى أرضه ولا بأس عليه.
قلت: فهل يحفر في هذا المسقى الذي ذكرناه الغيران والمطامر والمواجن، وهو لم يعرفه لموروثه قبل ذلك؟
قال: لا يحدث فيه شيئًا من العمارة كلها، إلا إصلاحه لكي يجري إليه منه الماء.
و كذلك من اشترى فدانًا أو وهب له (2) ما ذكرناه في المسألة التي قبلها نسقاً
وأما من كانت له أرض بيضاء (9) فرفع لها الجسر، وجعلها فدانا، وأحدث فيها وَأَمَّا أشجاراً، وعمرها ومساقيها من أرض غيره، فهل يجوز له أن يسوي تلك المساقي
وينقيها ويحدث فيها شيئًا؟
1
قوله: «فإنه يقعد في مساقيه ... » مراده فَإِنَّهُ القاعد فيها والأصل، أي له حق التصرف فيها بغير معارض. وقد تَقَدَّمَت مراراً.
2 - في العبارة نقص، وتمامها فيما أرى كالتالي: وكذلك من اشترى فدانًا أو وهب له فحكمه ما
3
ذكرناه ... » ليحرر.
الأرض البيضاء هي التي لم تعمر بعد.
- 318 - (1/318)
صفحة 312
قال: لا. وأما ما وصل من الماء إلى أرضه، فَإِنَّهُ يسويها ويصلحها؛ فإن علم صاحب تلك المساقي وأراد، عمارتها فَإنَّهُ لا يمنعه فيما بينه وبين الله، وإن لم يعلم صاحبها فأتى من أراد عمارتها فادَّعاها فلا يمنعه من ذلك. وكذلك من أراد عمارتها ولم يدعها، فلا يمنعه إلا إن تَبَيَّنَ أنَّه ليس له فيها شيء؛ وأما في الحكم،
عنه
إن عمر على تلك المساقي حيث ثبثت عليه العمارة فَإِنَّهُ يمنع من أراد أن يقطع تلك المساقي، ويكون عليه فيما بينه وبين الله أن يستشهد ويتبرأ من ذلك أنه ليس له فيه شيء لئلا يمنع عن صاحبه. وإن لم يستشهد على ذلك، ولم يُعلم ورثته مات فورثوه منه، فإن كان ورثته قد علموا كيف عمرها، وعلموا أنه ليس له في ذلك شيء، فإنَّهم يعمرون كما كان يعمر موروثهم قبلهم، ولا يُحدثوا أكثر من ذلك، ويكونون بمنزلة موروثهم فيما ذكرنا من الاستشهاد ودفع المضار وما يحدث عليهم فيما يكون في الحكم وما لا يجدونه فيما بينهم وبين الله من منع من أراد عمارة ذلك. وإن لم يعلموا تلك الأرض لغير موروثهم وأدركوه يَعْمُرُ أرضه بتلك المساقي، ولم يستريبوه ولم يعرفوها لأحد، فإنهم يستنفعون بتلك المساقي ويمنعون من يحدث فيها شيئًا، ويكونون أقعد في ذلك كله من غيرهم فيما بينهم وبين الله وفي الحكم. وإن تَبَيَّنَ لهم أمر ذلك بالبَيِّنَةِ بعد هذا كله، فإنهم يكفون عنه ويستشهدون عليه ويستبرئون منه)، وينزعون جميع ما أحدثوا فيه ويردُّونه، كما كان أوَّلاً. وأما ما وصل من الماء إلى أرضهم، فإنهم ينتفعون به؛ وإن أتى أحد فأراد أن يصرف ذلك الماء إلى أرضه، وقد علموا أنه ليس له في تلك المساقي شيء، فإنهم يمنعونه أن يصرف ذلك الماء عنهم؛ ومنهم من يقول: لا يمنعونه إلا من جهة تعديه على أرض غيره؛ وكذلك المشتري والموهوب له ومن أخذها في الإجارة والصداق على ما ذكرنا في الوارث فيما يمنعه وما يجوز له منعه.
1
قوله: «ويستبرئون منه». أي يحاللونه من تعديهم عليه. وقد ورد في الأصل: «يبرؤون» وهو خطأ.
21
- 319 - (1/319)
صفحة 313
ومن كانت له أرض بجانب أرض غيره وأراد سقيها من تلك الأرض التى لغيره فإن أذن له أن يعمر مقدار ما تثبت فيه تلك العمارة أو أقل. منه، فأراد بعد ذلك صاحب الأرض أن يقطع عنه الماء أو يصرفه إلى أرض أخرى فلا يجد ذلك؛ وكذلك ورثته بعده ومن اشتراها منه ولا يجوز لهم أن يمنعوه من ذلك الماء الذي عمر عليه. وأما إن أراد أن يعمر في أرضه عمارة لا يقطع بها عنهم الماء، مثل: الغيران والمطامير والحيطان وما أشبه ذلك مِمَّا لا يَضُرُّ به، فلا بأس عليه فيه؛ وأَما الأشجار والحرث فلا يفعل شيئًا من ذلك؛ ومنهم من يقول: لا بأس عليه فيه، إلاّ إن اشترط عليه أَوَّلاً ألا يحدث عليه شَيْئًا من ذلك فلا يحدثه عليه. وإن اشترط عليه صاحب المساقي حين أدركه أن يقطع. عنه الماء ويصرفه، ويحدث عليه ما شاء من العمارة، فله شرطه في ذلك وكذلك إن أذن له إلى مُدَّة معلومة، واشترط عليه أن يرفعه متى ما شاء فهو على ما اشترطا وكذلك ورثته من بعده، وإن أذن له مُدَّة. إلى مدة معلومة فمات فإنَّ ورثته يمنعونه مِمَّا أذن له فيه موروثهم؛ ومنهم من يقول: لا يمنعونه. وإن لم يجعل لهم مُدَّة، معلومة فلا ينتفع بعد موته إلا بإذن الورثة ويرفعونه إن شاؤوا. وكذلك إن مات المأذون له، وقد جعل له صاحبه المدة، فورثته بمقامه، ولا ينتفعون بعد موت موروثهم إلا بإذن صاحب المساقي؛ ومنهم من يقول: ينتفعون، ويكون على المأذون له أن يستشهد على ذلك، ويخبر ورثته أنه ليس له فيه شيء، وقد أذن له فيه.
وإن عمر أرضه من المساقي التي بينه وبين شريكه فالجواب في سهم شريكه كالجواب في التي قبلها، حيث تثبت له وحيث لا تثبت له، وما يجوز له فيما بينه وبين الله، وما لا يجوز له، وما يصيب في الحكم وما لا يصيب، وما يجد ورثته بعده وما لا يجدونه، وما يكون له من الاستشهاد وإعلامه لورثته بذلك وتبرئه منه، ويدرك على شريكه قسمة تلك المساقي؛ فإن قسمها معه فله مساقي سهمه، فإن باع ذلك الفدان لغيره أو وهبه له أو أخرجه من ملكه بوجه من الوجوه فأراد هو وشريكه أن يقطعا الماء
- 320 - (1/320)
صفحة 314
الذي عمر به هذا الفدان فإنَّ شريكه يجد ذلك ولا يصيبه هو؛ ومنهم من يقول: يمنع هو أيضا سهمه مثل شريكه، وهذا فيما بينه وبين الله، وأَما في الحكم إن لم يخبروا بذلك المشتري، ولم يستشهدوا عليه فلا يجدون منعه. وأَمَّا إن أذن له شريكه فلا يمنعه بعد ذلك؛ وكذلك من انتقلت إليه تلك الأرض مثله.
وَأَما إن كانت المساقي التي عمر عليها كلّها لمن ولي أمره، فلا يثبت عليه شيء من ذلك؛ وكذلك من لم يول (1) أمره من اليتامى والمجانين.
وما كان للمسجد والمساكين أو لوجوه الأجر كلّها، فلا يثبت عليهم شيء من ذلك. وأما ابنه الطفل إن عمر على مساقيه فإنه تثبت عليه عمارته. وأما البالغ. فلا وإن أذن لمن يعمر مساقي أرض ابنه الطفل فَإِنَّهُ يثبت عليه، وأَما البالغ فلا يثبت عليه ذلك (2). وإن عمر أرض من ولي أمره من اليتامى والمجانين من
مساقيه هو، فقد ثبت عليه ذلك.
قلت: فرجل عمر أرضه من مساقيه ومساقي غيره، حتى ثبتت له تلك المساقي، فعمر بهنَّ بعد ما ثبتت له فدانا، آخر ثُمَّ باع عمارته الأولى أو وهبها، أو باع العمارة الأخيرة أو وهبها، فاختصم مع من باع له إحدى العمارتين على المساقي فلمن تكون منهم؟
قال: إن كانت العمارتان تُسقَيَان من تلك المساقي جميعا، فإنهما يكونان على ما كانتا عليه أوّل مرة؛ وإن كانتا تسقيان بالدول أو بالتسابق، فإنهما تكونان على ذلك أيضا. وأما إن كان في تَيْنِك العمارتين من انقطعت عنه تلك المساقي قبل ذلك، فتكون للذي لم تنقطع عنه، سواء أمكثت تلك العمارات مقدار ما تثبت لها المساقي أو لم يمكنا إذا كان إنَّما قطع المساقي عن بعضها صاحبها.
2
1 - قوله: «وكذلك من لم يولّ أمره» صوابه: «من لم يل أمره»، أو «من لم يَتَوَلَّ أمره». الفرق في هَذِهِ الأحكام بين الطفل غير البالغ، والطفل البالغ أنَّ الأول لا استقلال له بشؤونه، وإنما يليها والده، وأما البالغ فيملك أمره.
- 321 (1/321)
صفحة 315
1
وَأَمَّا من كان له فدان، وله مساق، معلومة، ثُمَّ قام رجل آخر، فعمر على المساقي حتى ثبتت له تلك العمارة، فاختصم مع صاحب الفدان على تلك المساقي، فلا يجد صاحب الفدان أن يمنع منه تلك المساقي، ويسقي منها كما كان قبل ذلك، إلا إن كانت البيِّنة لصاحب المساقي أنَّ الآخر إنما يسقي من تلك المساقي بالعارية أو على الحجر). وأما إن عمر على مساقيه بإذنه، فإنَّه متى ما عمر على ذلك قليلاً أو كثيرًا فقد ثبت له ذلك.
قلت: فرجل عمر أرضه ومساقيها من أرض غيره، سواء أعمر بإذن صاحب الأرض التي فيها تلك المساقي، أو بغير إذنه، حتى ثبتت عمارته، فهل لصاحب الأرض التي فيها المساقي أن يبيع أرضه؟
قال: يبيعها، ولا يمنعه من بيعها صاحب العمارة، ولكن لا يمنع صاحب الأرض التي فيها المساقي صاحب العمارة من تلك المساقي؛ وكذلك من اشتراها منه أو ورثها منه على هذا الحال؛ وكذلك صاحب العمارة إذا أراد أن يبيع أرضه مع منافعها من المساقي، فلا يمنعه صاحب المساقي من بيعها. وَأَمَّا من رأى رجلاً يعمر أرضه ومساقيها من أرض غيره، فأراد بيعها هل تحل
لمن يشتريها منه؟
قال: إن علم أنه عمرها على الحجر، أو استرابه أنه عمرها على الحجر أو بغير إذن صاحبها، فَإِنَّهُ يشتري منه الأرض، ولا ينتفع بالمساقي إلا بإذن صاحبها؛ وَأَمَّا إن لم يستربه في ذلك، فَإِنَّهُ يشتري منه تلك الأرض، وينتفع بتلك المساقي أيضا؛ وكذلك ورثته من بعده، وجميع من دخلت تلك الأرض ملكه بوجه من الوجوه. وأما من له فدان وله مساقي، فأراد أن يعمر بتلك المساقي أرضًا أخرى، فإنه إن كانت الأشجار في الفدان، فلا ينزع منها حياتها ويتركها تموت بالعطش،
-
أو على الحجر»، أي على المنع، فهو يسقيها تحديا للحجر وتعديا على صاحب الحق.
:
- 322 - (1/322)
صفحة 316
ولكن يعمر على بعض ويترك لها بعضاً) ولا بأس، ولو كانت تنقص (2) حتى لا تكون لهنَّ الغلة؛ وإن أراد أن يرفع عنهنَّ ماءه، فَإِنَّهُ يقطعها أو يقلعها، ويفعل بمائه
ما يشاء. وأَما إن لم تكن الأشجار في ذلك كلّه، فإنَّه يرفع ماءه حيث شاء، إلا ما ذكروا في الوادي الكبير الفحل، أنه لا يجوز أن يرفع ماءه كله، وكذلك النبات كله لا يُرفع. عنه الماء ويتركه يموت بالعطش؛ وأَما إن كانت الأشجار لا يسقيها بالعناء والتعب، وغناؤه أكثر من نفعه مثل السواقي، فإنه يتركه ولا يكون ذلك مثل الماء الجاري أو ماء المطر.
وَأَمَّا من عمر على ماء غيره بالعارية، أو بغير إذن أو بالتعدي)، فأراد صاحب الماء أن يرفع ماءه عن تلك الأشجار فله ذلك، ولو أنَّ تلك الأشجار تموت بالعطش؛ وكذلك النبات على هذا الحال إلا ما ذكر من النبات إن أذن له أن يزرع النبات هكذا، فلا يجوز له أن يرفع ماءه عن النبات حتى يدرك.
وإذا كانت المساقي لرجل في أرض غيره فانخرقت تلك المساقي حتى لا يصل الماء إلى صاحب العمارة، فاستمسك صاحب العمارة بصاحب المساقي أن يصلحها، فلا يدرك عليه ذلك؛ وكذلك إن استمسك صاحب المساقي بصاحب العمارة، فلا يدرك عليه أن يصلح شيئا من ذلك؛ وكذلك من انكسرت إلى أرضه تلك المساقي لا يؤخذ بشيء من ذلك)؛ وكذلك إن لم تكن العمارة في تلك
1
-
2
- 3
4
-
قوله: «ولكن يعمر على بعض ... »، مراده يعمر بعض تلك الأرض بالغراسة، ويترك لها بعض الأرض مسقى لها يجري عليها ماء المطر إلى القسم المغروس.
في الأصل: «ينتقض» وهو خطأ. قوله: «أو بغير إذن أو بالتعدي»، هل هذا من قبيل عطف التفسير، فتكون العبارة الثانية تفسيرا للسابقة؟ أم أنه عمر بالماء أرضه بغير إذن صاحب الماء، أو أرضا تعدى عليها؟. لا يؤخذ من انكسرت مساقيه بشيء لأنَّها ليست من صنع البشر، فما جاء من قبل الله لا يؤخذ به أحد، فليست بمقام الجسور والقنوات والسواقي ... والله أعلم.
?
- 323 - (1/323)
صفحة 317
المساقي كلّها؛ وأَما إن كانت العمارة في تلك المساقي مثل الجسور والمجبيات، ومثل ذلك جميع ما يردُّ الماء، فَإِنَّهُ يؤخذ بإصلاح ذلك من عرف أنه يعمله قبل ذلك، سواء من يجري إليه ذلك الماء، أو صاحب الأرض. وإن أراد صاحب أرض العمارة التي يجري إليها الماء أن يصلح ذلك الانخراق من تلك الأرض فَإِنَّهُ إن كان يصلحه من تلك الأرض قبل ذلك فليصلحه ولا يحتاج إلى إذن صاحب الأرض، ولا يمنعه منه صاحب الأرض؛ وإن كان لا يصلحه قبل فلا يصلحه منها إلا بإذن صاحبها، وإن منعه فلا يجد إصلاحه منها؛ وإن أراد أن يصلحه من أرض أخرى فلا يمنعه صاحب الأرض التي فيها المساقي أن يصلح ذلك صلاحًا ليس فيه مضرة.
وَأَمَّا الغيران إن كانت لرجل في مساقي غيره فانهدمت تلك الغيران، فهل يأخذه صاحب المساقي بإصلاح مساقيه؟
قال: لا يأخذه على ذلك؛ ومنهم من يقول: يأخذه.
وإن كانت الغيران لرجل والأرض التي فيها الغيران لآخر، والمساقي التي في تلك الأرض لآخر غيرهما، فانهدمت الغيران، فإنَّ صاحب المساقي إنَّما يدرك صلاح ذلك على صاحب الأرض، ويدرك عليه كل ما يصل إليه من ذلك وما لا يقدر على إصلاحه، فلا يدركه عليه، وإنَّما يدرك عليه من ذلك أن يصلحه حتى يرده على الحال الذي كان عليه أوّل مرَّة قبل أن ينهدم؛ ومنهم من يقول: يردُّه إلى حال ينتفع به صاحب المساقي ويجزيه ذلك.
:باب ما يجوز للرجل في مساقي غيره وما لا يجوز له ويجوز للرجل أن يسير في مساقي غيره بنفسه ومواشيه ويقيل فيها ويبيت بنفسه ومواشيه، ويضع فيها رحله ومتاعه، وينتفع فيها بجميع ما يجوز له الانتفاع به مِمَّا كان
- 324 - (1/324)
صفحة 318
الناس فيه سواء من كُلِّ ما لا يمنع الماء، ولا بأس على من يرعى مواشيه في مساقي غيره وصبه، وأرض الزراعة، إلا ما ظهرت فيه مضرة الأرض وفسادها فلا يقربه.
ولا يجوز لمن يحفر في مساقي غيره قليلاً ولا كثيرا، ولا يضع فيها شيئًا يردُّ الماء، من التراب والحجارة وغير ذلك مِمَّا يمنع الماء؛ ومنهم من يرخص أن يحفر مقدار ثلاثة أصابع لما يحتاج إليه؛ وكذلك الارتفاع على وجه الأرض يصيب فيه مقدار ثلاثة أصابع، وقيل أربعة أصابع؛ وكذلك الانخفاض على وجه الأرض؛ وقيل يصيب في هذا كله مقدار ما تبلغه السكة)، وهذا كله في مساقي غيره، ولو كانت الأرض له، إذا كانت مسقى فلا يصيب في هذا إلا ما ذكرنا.
ورخص للسائر على الدَّابة الا يكون عليه شيء في أثره في الصبب (2)، سواء في ذلك مشيها وجريها وكذلك الماشي على رجليه ولا يركز فيها رمحه. ومنهم من يرخص في مقدار ما ذكرناه أو أقل منه.
(4) *
ولا يقلع من المساقي شجرا ولا حجرا، ولا يحفر فيها معدنا) ولا مستحماً إلا ما لا يمنع الماء، فلا بأس به قل أو أكثر، إذا كان في موضع منصب. ولا يحفر فيها قبراً؛ ومنهم من يقول: إن لم يمنع الماء فلا بأس به. وإن حفر فيه حفرة ثُمَّ دفنها، فلا يكون عليه شيء مِمَّا يَشُفه التراب (4) الذي دفنها به من الماء، إذا كانت ممتلئة. وكذلك المطمورة إن حفرها في أرضه وهي مسقى لغيره، أو حفرها
2
-
1 - المراد بالسكة هنا: سكة المحراث التي تشق الأرض. قوله: «ورخص على السائر على الدابة، ألا يكون عليه شيء ... » مراده: لا يكون عليه وزر فيما يُؤثره بمشيه في الصبب. والله أعلم. والصبب: ما انحدر من الأرض. ولا يحفر فيها معدنا» تقدم أنَّه المقلع الذي يقتلع منه الحجر، أو الطين، أو ما شابههما.
- 3
- 4
منصب: بمعنى منحدر.
5 - قوله: «مما يشفه التراب» قال في المنجد: «شَفٌ يَشْفُ شَفَا وَسُفُوف الماءَ شربه كله، تشاف واشتف ما في الإناء: شرب كل ما فيه» ...
- 325 - (1/325)
صفحة 319
في موضع يجوز له أن يحفرها فيه، إن دفنها حَتَّى استوت مع (1) الأرض لا يكون
عليه شيء من ذلك؛ وإن فتحها أو أخرج ما فيها، فعليه أن يدفنها أو يغلقها. كانت له مطمورة في أرض غيره، فحرث عليها صاحب الأرض، واحتاج ومن صاحب المطمورة إلى ما فيها أن يخرجه، وقد نبت عليه الزرع أو لم ينبت، أدرك أو لم يدرك؟
قال: إن كان ذلك في أرض صاحب المطمورة، فإنه يعمل كيف يصل إلى مطمورته، وله أن ينزع ما عليها من الزرع، وكل ما لا يصل إلى طعامه إلا بنزعه فلينزعه، ويجوز إليها بدابته، ومن يحمل معه حمله؛ وكذلك إذا أراد أن يطمرها، وقد حرث عليها غيره، فَإنَّهُ ينزع ما نبت عليها حتى يصل إليها، والموضع الذي يضع فيه جمله حتى يُفرغه أو يُعبته، ولا يصيب أن يدخل بغير الدابة التي ينقل عليها، ولا بأكثر من دابة واحدة ولا يدخل ذلك الحرث أيضًا من الناس إلا من يستند له ممن يحمل معه (2) معه. وكذلك إن حفر مطمورة في أرض غيره بإذن صاحب الأرض، وحرث صاحب الأرض أرضه، فالجواب فيها كالجواب في المسألة التي قبلها، وهذا كله إذا كان يقصد إلى مطمورته، وإن تلفت فلا ذلك.
يصيب
وَأَما إن حفرها بغير إذن صاحب الأرض، فحرث صاحب الأرض أرضه فلا
يدرك نزع ما كان عليها، ولا يترك إلى شيء من ذلك حتى يحصد صاحب الزرع
زرعه؛ وكذلك إن كانت المطمورة في الجنان فتلفت فإنه يحفر حفراً لا يضرُّ بالأشجار حتى يصيب مطمورته؛ وكذلك إن كانت في جسر غيره، وقد علم موضعها فَإِنَّهُ يقصدها، وإن تلف موضعها، فَإِنَّهُ يمنع من فساد
جسر
غيره.
في الأصل: «استوى على الأرض»، وهو. هذه العبارات تنم. عن مقدار ورع
خطأ.
السلف رحمهم الله، فهم يقدرون الضرر بقدره، بل بأقل ما
يمكن منه، على حد القاعدة: «الضرورة تقدر بقدرها»، و «لا يجوز الإضرار بالغير إلا ضرورة».
يريد
أنه يجوز له ذلك إذا تيقن موضع مطمورته، فيمر إليها قاصدا.
- 326 -
-
1
2
- 3 (1/326)
صفحة 320
قلت: إن كانت المطمورة في مسقى غيره أو في جنان غيره فانهدمت فمن
يؤخذ بدفنها وإصلاحها؟ قال إنما يؤخذ بها من حفرها.
مسألة
قلت: فمن صرف ماء مسقى غيره إلى أرضه إن كان يدرك عليه صاحب الماء قيمة مائه، ويجب عليه حق التعدي في ذلك؟
قال: أما الماء فلا يدرك عليه شيئًا، وَأَمَّا التعدي فَإنَّهُ إن أفسد في أرض غيره شيئًا فيخرج منه حق التعدّي، وإن لم يفسد في الأرض شيئا فلا شيء عليه؛ وكذلك إن كانت الأرض، له والماء لغيره فلا يكون ذلك منه تعديا.
وإن صرف ماء غيره إلى أرضه فَإنَّهُ لا يأكل غلّة الأشجار التي صرف إليها الماء سبع سنين؛ ومنهم من يقول: خمس سنين؛ ومنهم من يقول ثلاث سنين؛ ومنهم من يقول: سنة ومنهم من يقول: إلا تلك الغلة التي كانت حينئذ، إن لم تدرك، وإن أدركت فلا بأس عليه فيها؛ ومنهم من يقول: ولو أدركت إذا زاد فيها الماء شيئا فلا يأكلها؛ ومنهم من يقول: لا يأكل غلة تلك الأشجار ما دام فيها حياة ذلك الماء. ومنهم من يرخص في هذا كله إذا تاب أن يأكله، ولا يكون عليه شيء؛ ومن قال: لا ياكلها في الوجوه التي ذكرنا أَوَّلاً فإنَّ الفقراء يأكلونها بإذن صاحبها، ولا يأكلونها
:
(1)
بغير إذنه، وتجب عليه زكاة تلك الغلة، وهذا كله في ماء المطر).
قلت: فالنبات إن صرف إليه ماء المطر وهو لغيره، فهل يجوز له أكله؟
قال: لا؛ ومنهم من يقول: لا بأس عليه فيه؛ ومنهم من يقول في ماء المطر: إن صرفه الرجل إلى فدانه وهو لغيره، أن يغرم قيمته لصاحبه ويجعله في حل (2).
2
وهذه الفقرة باب آخر من أبواب الورع الذي عرف عن السلف رحمهما م الله. قوله: «ويجعله في حل»، لعل الصواب أن يقول: «ويحالله»، إذ الصواب أن يطلب
من
- 327 - (1/327)
صفحة 321
قلت: فهل يقاتل الرجل من أراد أن يصرف ماءه من أرضه، وذلك في ماء المطر؟ قال: لا، ولكن يدفعه بدون ذلك من غير أن يقاتله؛ وإن كان في صرفه ذلك شيء من الفساد في أرضه مثل: الجسر والمسقى وما أشبه ذلك، فَإِنَّهُ يمنعه من ذلك، وإن لم يجد منعه إلا بقتاله فليقاتله).
الماء
وكذلك كل ما كان في يده لغيره مِمَّا ذكرنا على هذا الحال؛ ويصنع فيه ما يصنع في ماله من المنع والقتال.
وإن صرف الماء الذي اشترك فيه مع غيره إلى أرضه بغير إذن شريكه، فلا يكون مثل من صرف ماء غيره إلى أرضه، وَلَكِنَّهُ يطلب من شريكه أن يجعله في حل من ذلك. وكذلك من ولي أمره لا يجوز له أن يصرفه إلى أرضه، إلا إن كان ذلك الماء لابنه طفلاً كان أو بالغا؛ وأَمَّا غيرهما من اليتامى والمجانين فهم والناس في ذلك سواء. وكذلك الماء الذي يجري إلى أرض المسجد أو الأجر أو المساكين على
هذا الحال.
قلت: فهل يعمر على هذا الماء الذي يجري إلى أرضه من فوق المسجد أو ما يجري إليها من المقابر؟ قال: إن خرج من حريم المسجد أو المقبرة، فلا بأس عليه في ذلك أن يعمر به.
قلت: وإن صرفه عنه أحد من الناس إلى أرضه وأشجاره؟
قال: إن صرفه قبل أن يدخل في أرضه، فلا يكون مثل من صرف ماء غيره إلى أرضه، وإن دخل أرضه وعمارته فصرفه فالجواب فيها كالجواب في المسألة التي قبلها.
1
المتعدى عليه، أن يجعله في حل من تعديه عليه أو يقال: الضمير في «يجعله» يعود على المعتدي،
فيكون المعنى: ويجعل المعتدى عَلَيْهِ - أي صاحب الماء - المعتدي في حل. والله أعلم. الحكم بجواز قتاله في مثل هذه الصورة - فيما أحفظه - غير صحيح، وَإِنَّمَا يجب على المعتدى عَلَيْهِ أن يرفع أمره إلى السلطان. ليحرر.
- 328 - (1/328)
صفحة 322
قلت: من صرف ماء غيره إلى أرضه هل يجوز لصاحب الماء أن يرده إلى أرضه من أرض من صرفه عنها؟
قال: إن أمكنه أن يصرفه إلى أرضه، ولم يضر الأرض التي أراد أن يصرفه عنها، فلا بأس؛ ومنهم من يقول: لا يصرفه؛ وإن صرفه فلا يكون مثل من صرف ماء غيره إلى أرضه، إلا إن أفسد في أرض غيره شيئا فيكون متعديا.
قلت: وأَما من صرف ماء غيره إلى أرضه أو جنانه، فانكسر ذلك الفدان أو الجنان، فرجع الماء إلى أرض صاحبه، هل يكون على من صرف الماء شيء؟ قال: إن انتفعت أشجاره بذلك، وأرضه، فلا يأكل غلة ذلك؛ وإن لم ينتفع بشيء من ذلك فلا يكون عليه شيء.
قلت: فما فضل من ماء المطر على عمارة صاحب ذلك الماء، هل لغيره أن ينتفع به أم لا؟
قال: إن أمكن لصاحب الماء أن ينتفع به فلا ينتفع به غيره، ولا يعمر عليه إلا بإذنه؛ وإن لم يمكنه الانتفاع به فلا بأس على من يعمر عليه.
يعمر
وإن حجر صاحب الماء أوَّلاً) على من يعمر عليه، فلا يجوز لأحد أن عليه؛ ومن عمر عليه فلا تثبت عمارته على صاحب الماء، وإن لم يحجر عليه فعمر عليه أحد حتى ثبتت عمارته فلا يصرفه عنه أحد؛ وإن صرف صاحب الفضل فضله بعد ما ثبتت عليه عمارة من عمر فلا يكون مثل من صرف ماء غيره. وَأَمَّا إن حجر على من يعمر على ذلك الماء، فَإنَّهُ يصرفه حيث شاء؛ وَأَمَّا غير صاحب الماء إن صرف ذلك الماء إلى بستانه أو أشجاره فلا يأكل غلتها.
1 - وإن حجر صاحب الماء أولاً»: مُرَاده صاحبه الأول، أي من سبق إلى امتلاكه فله أن يحجر على غيره، ويمنعه من الانتفاع به.
- 329 - (1/329)
صفحة 323
قلت: فقوم اختلطت مساقيهم أو جسورهم التي تجلب إليهم الماء ماذا يصنعون؟ قال: إن كانوا يعرفون مقدار ما لِكُلِّ واحد منهم من ذلك الماء، فليقتسموه
على ما كان لهم؛ وإن لم يعرفوا مقدار سهامهم فليتفقوا على ما أرادوا؛ وإن لم يتفقوا فلينتفع به من اجتمع في أرضه؛ وإن كانت الأرض لهم جميعا، فلينتفعوا بذلك الماء على قدر ما لِكُلِّ واحد من الأرض؛ ومنهم من يقول: ينتفعون بالماء على قدر ما لِكُلِّ واحد منهم من المساقي إن اشتركوا فيها؛ وإن كان المسقى لواحد منهم، فهو أولى بالانتفاع بذلك الماء؛ وإن لم يمكن الانتفاع بذلك الماء إلا لواحد منهم، فهو أولى بهم من غيره.
قلت: فالوادي إذا انكسر إليه واد آخر هل لأصحاب هذا الوادي أن ينتفعوا بهذا الماء كله بغير إذن صاحب الوادي المنكسر؟
قال: نعم، ولو حجر عليهم أصحابه وكذلك المصارف إن انكسر واحد منها إلى آخر على هذا الحال. وكذلك المساقي، الجواب فيها واحد؛ سواء أكان هذا الوادي المنكسر أو المسقى أو المصرف لرجل واحد أو لرجال شتى عامة كانوا أو خواص، أو لوجه من وجوه الأجر، أو لم تعرف لأحد، الجواب في هذا كله أنه ينتفع بها من دخل الماء مساقيه؛ وسواء في هذا ااختلط مع مائه أو لم يختلط. وَأَما ماء الغصب () فلا يصيب الانتفاع به، ولو دخل أرضه إذا وجد كيف يصرفه عن أرضه، وإن لم يجد فلينتفع به.
قلت: فماء المطر إن صرفه عبد الرجل إلى أرضه أو أجيره، أو طفله إن كان تحرم عليه غلّة تلك الأرض مثل: إن صرفه بنفسه إلى أرضه؟
1 - قوله: «وأما ماء الغصب فلا يصيب الانتفاع به ... » يبدوا أنه يقصد: أن من دخل أرضه ماء غصبه غيره، فلا ينتفع به، إذا وجد كيف يصرفه عن أرضه، ليحرر، والله أعلم.
- 330 - (1/330)
صفحة 324
قال: لا؛ إلا إن فعلوا ذلك بأمره، وإن فعلوا ذلك بمحضره، ولم يأمرهم ولم ينههم، ففعل العبد والطفل بمنزلة فعله في هذا. وأما الأجير وما أشبهه، فلا ينبغي له أن يتركه إلى ذلك، ولا يكون بمنزلة ما فعل بنفسه ويأكل غلته.
وكذلك من صرف ماء غيره بالغلط، ولم يتعمَّد من أَمَرَهُ أن يصرف ماءه إلى
أرضه، فغلط المأمور، فصرف إليها ماء غيره، فلا يكون عليه شيء من ذلك.
وإن أفسد شيئا من مصارف تلك المياه في أرض غيره، فعليه ضمان ذلك. وكذلك أحد الشركاء إن أذن له إلى صرف ما اشتركا مع غيرهما، فلا يكون متعديا في ذلك إن صرفه، ويأكل غلّة أشجاره التي صرفه إليها؛ وكذلك إن أذن له ومنعه الآخر، أو من أذن له إلى ما كان في يده من الماء، ولم يكن له فيه شيء،
أحدهما
مثل: خليفة اليتيم أو المجنون أو الغائب، فلا يكون أيضا متعديا في هذا كله). قلت: فمن اشترى غلة، وهي على الأشجار، أو وهبت له، أو دخلت ملكه بوجه من الوجوه، فصرف إليها ماء غيره، أو صرفه إليها صاحب الأشجار بغير إذن صاحب الغلة؟
قال: أما صاحب الغلّة، إن صرف إليها الماء، فزاد في تلك الغلة شيئًا بسبب ذلك الماء ففيه قولان منهم من يقول: يأكل الفقراء تلك الغلة ومنهم من يقول: يأكلها صاحبها، وأما صاحب الأشجار فلا يضرُّ فعله صاحب الغلة، ويضر فعله ذلك بما تلد تلك الأشجار بعد ذلك
الغلة. من
وَأَمَّا الأشجار المرهونة إن صرف إليها الراهن أو المرتهن ماء غيرهم بغير إذن صاحبه، فليس يضرهما ذلك في غلّة تلك الأشجار. وكذلك من كانت تلك
الحكم في هَذِهِ الصور بأن صاحبها غير شَيْءٍ، فَإِنَّ إذن التصرُّف فيما لا في النفس منه يملكه امرؤ لا يبيحه للمأذون له، إلا أن يكون فضلا عن الماء. والله أعلم.
- 331 -
عد
1 (1/331)
صفحة 325
الأشجار في يده بالأمانة فصرف إليها الماء، فلا يضر ذلك صاحب الأشجار في غلتها، وكذلك الإمساك (1) إن صرف إليها الماء من كانت في يده، فلا يضر ذلك صاحبها، ولا من كانت في يده.
ومن غصب أشجارًا، فصرف إليها ماء غيره بغير إذن صاحبه، فرجعت ت الأشجار إلى صاحبها، فليأكل غلّة أشجاره. وأما إن صرف صاحب الأشجار الماء إلى
تلك الأشجار وهي في يد الغاصب، ثُمَّ رجعت إليه أشجاره، فلا يأكل غلتها. ومن اشترى أشجارًا شراء الانفساخ فصرف إليها ماء غيره، فتبين له أن بعد شرائه انفساخا، ورجعت الأشجار إلى صاحبها، فَإِنَّهُ يأكل غلتها. وإن صرف إليها
البائع ماء غيره بغير إذن، ثُمَّ رجعت إليه، فَإنَّه لا يأكل غلتها، ويأكلها المساكين. ومن اشترى أشجارًا فصرف إليها ماء المطر بغير إذن صاحبه، ثُمَّ ظهر بها عيب كان عند البائع، فإن رضي العيب فلا يأكل غلة تلك الأشجار. وأما البائع إن صرف إليها الماء، ثُمَّ رجعت إليه بعد ذلك بالعيب، فَإِنَّهُ يأكل غلتها ولا بأس). وإن صرف ماء غيره إلى من ولي أمره من اليتامى والمجانين والغياب، فليس في ذلك ما يضر أصحاب الأشجار؛ وكذلك كلُّ من ولي أمره يأكلون غلة أشجاره. ومن صرف ماء غيره بغير إذن إلى أشجار غيره، ثُمَّ دخلت تلك الأشجار ملك من صرف إليها الماء بوجه من الوجوه، هل يأكل غلتها أم لا؟
قال: نعم
1 - قوله: وكذلك الإمساك ... » لعله يقصد وكذا أرض الإمساك أو غلتها، إن استمسك به شخص في حق له على صاحبها. ليحرر.
2 - قوله: «وَأَما البائع إن صرف إليها الماء ... » تحتمل العبارة أن يكون صرف الماء إلى الأشجار قبل البيع وبعده، وفي كلتا الحالتين الحكم بجواز أكل غلتها في النفس منه شَيْء.
3 - كَذَلِكَ هَذِهِ الصورة.
- 332 - (1/332)
صفحة 326
ومن باع أشجارًا بيع الخيار أو فعل فيها فعلاً معلّقاً، فصرف إليها ماء غيره، أو صرفه إليها من اشتراها أو من أوقفت إليه بغير الشراء؟
قال: إن صرف إليها الماء صاحبها الأوَّل، فرجعت إليه، فلا يأكل غلتها؛ وإن انتهت إلى من وقفت عليه (1) فلا يضره ذلك فعل الأوَّل؛ وَأَمَّا المشتري أو الموقوف عليه ذلك إن صرف إليها الماء فانتهت إليه فَإنَّهُ يأكل غلتها ولا يضره ذلك)؛ وكذلك إن رجعت إلى من أوقفها عليه فلا يضره ذلك؛ وهذا الماء الذي ذكرناه، سواء أصرفه عن أرض عامرة إلى أرضه، أو أرض غير عامرة، وسواء أعمرت بالأشجار، أو بالنبات، أو بغير ذلك.
:باب من حرث أرض غيره بالتَّعَدِّي)
ومن حرث أرض غيره بغير إذن صاحبها، فلا يحل له ذلك، ويكون متعديا بذلك، ويمنعه صاحب الأرض. وكذلك الشريك يمنع من أراد أن يحرث أرضا قد اشترك فيها مع غيره.
ومن كانت في يده أرض غيره يمنع من أراد أن يحرثها بغير إذن أصحابها. وإن حرثها المتعَدِّي في هذه الوجوه التي ذكرناها، فأتى صاحبها، فأراد أن يرد عليه بذره فله ذلك، وسواء في ذلك أبذرها ولم يحرثها أو حرثها ولم ينبت بذره أو نبت بذره ولم يدرك، فإنَّه يعرض عليه بذره، فإن أراد المتعدِّي أخذه، وإن
شاء تركه، ويكون الزرع لصاحب الأرض، ويدرك بذره متى ما شاء؛ ولا يعرض عليه صاحب الأرض إلا جنس بذره، وسواء في هذا زرارع الصيف وزرارع)
1
-
2
-3
-4
في الأصل: «أوقفت إليه» وصوابه وقفت عليه وكذا الموقوف إليه» و «أوقفها إليه». وَهَذِهِ الصورة أيضا فيها حرج، والله أعلم.
من
هنا يبدأ كتاب الحرث وهو صنيع الشيخ عبد العزيز الثميني رحمه الله في التكميل، وهو في نظري الصواب، ولا معنى لتوزيع أبواب الحرث بين الكتاب الخامس والكتاب السادس، كما صنع ناسخ هذا الكتاب رحمه الله. ليتأمل.
زرارع»: قال في لسان العرب: «قال ابن بري: والزريعة بتخفيف الراء: الحب الذي يُزرع،
- 333 - (1/333)
صفحة 327
الشتاء، ولا يدرك المتعدي على صاحب الأرض عناءه ولا عناء دوابه، ولا يدرك شيئًا سوى بذره. وإن تاب المُتَعَدِّي، فإنه يطلب بذره عند صاحب الأرض، فإن أعطاه له، فالزرع لصاحب الأرض، وإن لم يعطه له ولم يتبرأ له من بذره، فلا يأكل ذلك الزرع، ويأكله الفقراء، وهذا إذا تركه حتى أدرك، ولم يتراددا البذر ولم يتحاللا.
وأما إن أتى صاحب الأرض، ولم يحضر من حرث أرضه، فإن أراد أن يقلب أرضه، فليقلبها ويبذرها بما يخالف بذر المتعدِّي، ولا يقلب الأرض حتى ينبت بذر المتعدِّي كله؛ فإن قلب أرضه ولم ينبت إلا بذره فليأكله؛ وإن اختلط بذره وبذر المتعَدِّي فليحصد بذره، ويترك بذر المُتَعَدِّي)؛ ومنهم من يقول: يحصد ذلك كله. وإن لم ينبت فيها إلا بذر المُتَعَدِّي فلا يأكله صاحب الأرض ويأكله الفقراء؛ ومنهم من يقول: يحصد صاحب الأرض ذلك كله. وإن لم يقدم صاحب الأرض إلا وقد أدرك زرع المُتَعَدِّي؛ فمنهم من يقول: يأكله الفقراء؛ ومنهم من يقول: يأكله صاحب الأرض، ويردُّ على المُتَعَدِّي بذره؛ ومنهم من يقول: يحصد الزروع، ويترك له مقدار بذره؛ ومنهم من يقول: يحصد المُتَعَدِّي ذلك الزرع ويعطي لصاحب الأرض نقصان (2) أرضه.
وقيل: إنَّ من حرث أرض غيره بالتَّعَدِّي كمن حل سرواله) إلى أمه؛ وَقِيلَ:
قد نجس عرقه (1)، وقيل: عليه مغلظة.
ولا تقل زَريعة بالتشديد فَإنَّهُ خطأ». ر: مَادَّة «زرع».
1 قوله هذا مبني على شدة الورع، وَلَكِنْ يُسْرَ الشريعة يأباه، لأنَّه من الصعب مكان إن لم يكن
مستحيلاً أن يحصد بذره دون بذر المتعدِّي. والقول الثاني أوفق وأرفق بالمتعدى عليه. -2 - تكرر ذكر نقصان الأرض، والمراد منه نقصان مردودها، وهذا فيما يبدو يجب أن يرجع إلى تقدير الخبراء وإلى التصالح والتسامح، والله أعلم.
-3 «سروال»: قال في لسان العرب نقلا عن الأزهري: «جاء السروال على لفظ الجماعة وهي واحدة. قال: وقد سمعت غير واحد من الأعراب يقول: سروال».
قوله: «قد نحس عرقه»: لست أدري ما القصد من هَذِهِ العبارة؟ أيعني حرمة كسبه؟ أم أنه
=
- 334 - (1/334)
صفحة 328
ومن حُرِثَت أرض من ولي أمره بالتَّعَدِّي، مثل: ابنه الطفل أو المجنون أو اليتيم أو الغائب الذي استخلف عليه، فالقول في هذا كله مثل القول في أرضه، في ردّ
البذر وقلب الأرض والمعاني التي ذكرناها أوَّلاً، ويفعل ذلك كله لمن ولي أمره.
وإن أراد صاحب الأرض أن يقلب أرضه بغير بذر (1) فله ذلك؛ وَكَذَلِكَ الأرض التي كانت في يده بالوجوه التي ذكرناها أولاً، ولا يأكل ما نبت من بذر المتعدِّي بعد ذلك في تلك الأرض. وإن أراد أيضًا أن يقلع ما نبت فيها من بذر المتعدِّي فله ذلك، أدرك أو لم يدرك، ولا يكون فيما أفسد فيه من حين قلعه إيَّاه شيء، ولا فيما أكلت دابته إذا أراد أن يقلبه، ولا يقصد في ذلك إلى الفساد، ولا يتعمده، ولا يكون عليه حرز ما قلع من ذلك.
وإن حرث رجل أرضًا لرجلين بالتَّعَدِّي، فإنَّما يفعلان فيها مثل ما قلنا أولاً في المسألة التي قبلها؛ وإن لم يحضر إلا واحد منهما، فليفعل فيها مثلما يفعل هو وشريكه،
إذا حضرا جميعًا؛ ومنهم من يقول: لا يفعل ذلك إلا في سهمه دون سهم شريكه.
وإن حرثها رجل بإذن أحد الشركاء دون الآخر، منعه شريكه أو لم يمنعه، فلا يجد ذلك الشريك الذي لم يأذن له أن يفعل فيه مثل ما يفعل المتعدي إذا حرثها؛ ومنهم
من يقول: يفعل في سهمه مثل ما يفعل إذا حرثها المتعدِّي في جميع ما ذكرنا.
أصبح نجس العرق مثل نجاسة المشركين عند من يراها نجاسة حسية؟ وكم هي مُدَّة نجاسته؟ وهل لها من أمد؟ ليحرر.
1 قوله: «وإن أراد صاحب الأرض أن يقلب أرضه بغير بذر .. ... معناه: إن اعتدى عليه معتد، فله أن يقلب أرضه ليبطل بذر المتعدِّي، ولا يجب عليه بعد ذلك أن يبذر أرضه، وربما احتاج إلى إراحتها ذلك الموسم. والله أعلم.
212
- 335 - (1/335)
صفحة 329
مسألة أخرى
ومن أذن لرجل أن يحرث أرضه فقلبها ونزع منها الحطب، وأصلحها بالسماد وغيره وهيا مساقيها ومصارفها، فمنعه بعد ذلك من حرثها فله ذلك؛ ويدرك عليه عناء ما عمل فيها وعناء دوابه، ويدرك قيمة ما زاد فيها من السماد والتراب وغيره؛ وإن عمل هذا كله بدواب صاحب الأرض والسماد من عنده أيضا، فلا يدرك إلا عناءه بنفسه.
وإن اتفق مع رجل أن يش) معه في حزب أرضه،، أما لصاحب الأرض دوابه، فنقل بها السماد وغيره مِمَّا نعاج الأرض وقلب بها الأرض وأصلحها، وبدا لصاحب الأرض في شركته، فإنّه يعطيه عناء دوابه وقيمة السماد وغيره؛ وَأَمَّا إن بدا لصاحب الدواب، فإنه يدرك عناءه على صاحب الأرض، وقيمة ما زاد إليه من العين في تلك الأرض؛ وإن عمل ذلك كله بنفسه، فبدا له، فإن أصلح في تلك الأرض شيئًا فليدرك عناء ما عمل فيها، وإن لم يصلحه فلا يدرك شيئًا من عنائه، ويدرك قيمة ما زاد فيها من العين.
وَأَمَّا إن مات صاحب الأرض قبل أن يحرثا شيئًا، فلا يحرث صاحبه شيئًا، ويدرك عناء ما عمل فيها وقيمة ما زاد من العين على ورثة صاحب الأرض وكذلك إن مات هو بعدما عمل وتعنى فليدرك ورثته عناء ما عمل، وقيمة ما زاد فيها من العين على صاحب الأرض؛ وكذلك إن ماتا جميعًا، فليترادد ورثتهما عناء ما عملا في تلك الأرض، وقيمة ما زاد فيها غير صاحبها من العين (1).
1 - المقصود من
لفظة «العين» هنا، ما سوى الجهد والعناء، من مواد للتسميد، أو بناء السواقي، أو
أشبه ذلك. والله أعلم.
- 336 - (1/336)
صفحة 330
وإن اتفق معه صاحب الأرض حين أذن له، أنه متى ترك الحرث ألا يدرك عليه عناء ما عمل فله شرطه ومنهم من يقول: لا يبطل شرطهما حقهما في ذلك؛ وأَما ما تدرك فيه القيمة، فإنَّه يدركها عليه على كل حال.
وإن أذن الأب لمن يحرث أرض ابنه الطفل أو خليفة اليتيم أو المجنون إن أذن لمن يحرث أرض هؤلاء، فبلغ الطفل أو اليتيم أو أفاق المجنون، فلا يحرث من أذنوا له شيئا في أرضهم إلا بإذنهم؛ فإن لم يأذنوا له، فليعطوا له عناء ما أصلح في أرضهم وقيمة ما زاد فيها من العين وكذلك إن انتقل ملك تلك الأرض إلى أحد من الناس، فلا يحرثها من أذنوا له إلا بإذن من انتقلت إليه، ولو ورثها أبو الطفل، أو خليفة اليتيم، أو المجنون؛ فإن لم يأذنوا له فليدرك عليهم عناء ما عمل، وسواء في هذا الذنوا له أن يحرث لنفسه، أو ليشتركوا في ذلك الحرث، فإنه متى ما بدا لصاحب الأرض، فإنَّ الداخل يدرك عناءه في هذا كلّه وقيمة ما زاد؛ وكذلك إن ترك هو بنفسه فإنه يدرك عناءه وقيمة ما زاد أيضًا.
وإن أذن له أن يحرث أرضا أقعده الحاكم فيها، فعملها وأصلحها، فخرجت لغير من أذن له، فلا يحرثها إلا بإذن صاحبها؛ فإن أذن له فلا يدرك شيئًا من عنائه (1) وإن لم يأذن له ومنعه فإنه يدرك عليه عناءه وقيمة ما زاد فيها من العين ومنهـ من يقول: إنَّما يدرك عناءه على الذي أذن له)، ويرجع به على من انتهت إليه له (2)، تلك الأرض (3)؛ ومنهم من يقول: لا يرجع على صاحب الأرض بشيء. وإن لم يقعده الحاكم في الأرض، فأذن له أن يحرثها، فلا يحرثها.
1 قوله: «فإن أذن له فلا يدرك شيئاً من عنائه»، لأنَّهُ إن أذن له فسيحرثها، وينال جهد عنائه مما سيحصده؛ وإن لم يأذن له ومنعه من الحرث فإنه يدرك عليه عناءه. والله أعلم.
-2
قد يكون الذي أذن له غير صاحب الأرض الذي ثبتت له بعد الخصام عليها. - ويرجع به على من انتهت إليه تلك الأرض»، مراده: أنَّ الآذن بالحرث يدفع عناء الحارث، ويرجع هو على صاحب الأرض.
- 337 - (1/337)
صفحة 331
وإن أصلحها وهيَّأها للحرث، فتبين له صاحبها؟
قال: إن كانت لمن ولي أمره من اليتامى والمجانين فليحرثها ولا بأس؛ وإن كانت لغير من ولي أمره، فلا يحرثها إلا بإذن صاحبها؛ وإن لم يأذن له فلا يدرك عناءه).
وإن اشترى تلك الأرض التي بيده شراء انفساخ فأذن لمن يحرثها، فعملها وأصلحها وسواها، فتبين لهما انفساخ بيعها، فلا يحرثها إلا بإذن صاحبها؛ وإن لم يأذن له فليدرك عليه عناءه؛ ومنهم من يقول: إنما يدرك عناءه على الأول، ويرجع به على صاحب الأرض.
ومن اشترى أرضا فأذن لمن يحرثها فعملها وأصلحها، وخرج فيها عيب كان عند البائع، ولم يرضه، فلا يحرثها المأذون له إلا بإذن البائع الأول؛ وإن لم يأذن له ومنعه، فإنَّه يدرك عناءه على المشتري الذي ردّها بالعيب ويدرك (2) قيمة ما زاد فيها من العين على صاحبها الذي رجعت إليه)، وسواء في هذا الذي ذكرنا أذن له أن يحرث لنفسه أو ليشترك معه؛ الجواب فيها واحد.
ومن باع أرضا بيعًا موقوفًا إلى مدة معلومة، فلا يأذن البائع لمن يحرثها؛ وكذلك المشتري أيضا، ولا يحرثها ولو أذنا له جميعا ومنهم من يقول: يحرث إن أذنا له جميعا. وإن إذنا له جميعا، ثمَّ انتهت إلى واحد منهما، فإنَّ المأذون له يحرثها على ما اتفقا لنفسه، أو يشتركون فيها، فإن منعه من انتهت إليه، فإن كان إنما رجعت إلى
1 - وإن لم يأذن له فلا يدرك عناءه»، لأن حرثه للأرض من غير قعود فيها ضرب من التعدي وليس للمتعدي من حق ليحرر، والله أعلم.
2 في الأصل: «يرد» وقد صححه الناسخ. 3 - إنما يدرك عناءه على المشتري لأنّه هو الذي أذن له في حرثها، ويدرك قيمة ما زاد فيها من العين على صاحبها، أي البائع الذي ترجع إليه بالعيب فالبائع هو الذي سينتفع بما زاد فيها من هياها للحرث وأصلحها ليحرر.
- 338 - (1/338)
صفحة 332
البائع فليعطه عناءه، وإن انتهت إلى المشتري فَمَنع المأذون له أن يحرثها فليدرك عناءه على البائع؛ ومنهم من يقول: إنَّما يدركه على المشتري، وما عمل في تلك الأرض مِمَّا له قيمة فليدركه على المشتري إن انتهت إليه.
وإن تزوج رجل امرأة بغير شهود (1)، وأصدق لها أرضًا، فأذنت لمن يحرثها، أو أذن له الزوج، أو أذنا له جميعا، ثُمَّ استشهدا (2) بعد ذلك، فلا يحرث المأذون له بإذنهما؛ ومنهم من يقول: يحرث إن أذنا له جميعا. وإن منعه من انتهت إليه منهما، فالجواب فيها مثل المسألة التي قبلها.
وكذلك الأجير إن استأجره رجل بأرض ولم يدخل العمل، فأذن له الأجير فليحرث (4) بإذنه؛ وإن حرثها كذلك، فعمل الأجير العمل، فهما على ما اتفقا عليه؛ وإن تعنى (5) فيها المأذون وأصلحها، وعمل الأجير العمل، واستحقت تلك الأرض)، فمنعه منها، فليعطه عناءه. وإن عمل بعض العمل الذي استؤجر به، وأخرجه صاحب العمل أو مات الأجير، فلا يحرث المأذون له تلك الأرض، ويدرك عناءه على الأجير فيما نابه، ويدرك على صاحب الأرض أيضًا ما نابه من عنائه إن منعاه جميعا. وأما إن مات الأجير أو المستأجر أو ماتا جميعا، فلا يحرث فيها إلا بإذن الحي منهما، أو ورثة الميت؛
1 - الزواج بغير شهود مسألة خلافية، إلا أن الراجج عند الجمهور أنه لا يصح الزواج إلا به، ومنهم من يجيزه بغير الشهود، ونسب هذا إلى الشيعة وبعض العلماء من غيرهم. والله أعلم.
2 «ثُمَّ استشهدا»: أي أخبرا الشهود بزواجهما. -3 - قوله: وكذلك الأجير إن استجره رجل بأرض». معناه: إن جعل أجرته تمليك الأرض. والله أعلم. -4 في الأصل: «فلا يحرث» وهو خطأ.
5 - وإن تعنى»: في لسان العرب: «العناء: التعب». استحقت تلك الأرض»، معناه: بيعت بيع استحقاق، وهو أن يبيع شخص شيئاً على أنه يملكه، ثُمَّ يَتَبَيِّنُ ببينة قطعية من غيره على أنه له، فيرجع إلى مالكه الحقيقي، وعلى ذلك: فإن رجعت الأرض المستحقة إلى صاحبها الحقيقي لا الذي باعها فمنعه مالكها من حرثها، فليعطه عناءه.
- 339 - (1/339)
صفحة 333
فإن منعوه، فليعطوه عناءه على قدر ما لهم في تلك الأرض؛ ومنهم من يقول: إن دخل الأخير العمل فلا يكون لمن استأجره في تلك الأرض التي استأجره بها حكم؛ وإن لم يدخل الأجير العمل، فأذن المستأجر لمن يعمل الأرض وأصلحها، واستحقها الأجير في أجرته، فلا يحرثها إلا بإذنه، فإن منعه، فليدرك عناءه على المستأجر. وإن مات الأجير قبل أن يعمل شيئًا أو أخرجه المستأجر من عمله قبل أن يعمل، فإنه يحرث بإذن صاحبها الأول، وإن منعه فليعطه عناءه.
قلت: وإن رهن (1) رجل لرجل أرضاً، فحرثها أحدهما بغير إذن صاحبه، فهل يجوز له ذلك؟
قال: إن حرثها المرتهن لينتفع بها لنفسه أو لغيره، فقد انفسخ الرهن، وإن حرثها الراهن فإنَّ المرتهن يمنعه؛ وإن لم يمنعه، فليأكل غلة ما حرث فيها من جميع النبات. وإن أذنا لمن يحرث تلك الأرض، فلا يحرثها بإذنهما سواء اأذنا له جميعا أو أذن له أحدهما دون الآخر. وإن حرثها بإذن، المرتهن، فقد انفسخ الرهن، سواء اأذنا له وحده، أو أذن له مع الراهن؛ ومنهم من يقول: انفسخ الرهن حين أذن لمن
يحرثها، سواء أحرث المأذون له أو لم يحرث. وأما إذن الراهن فلا ينفسخ به. وإن أذن المرتهن لمن يحرثها وتعنى فيها، وأصلحها للحرث، ومنعه الراهن قبل أن يحرث؛ فهل يدرك عناءه على الراهن؟ قال: لا، ولا يدركه على المرتهن أيضًا إن علم أنَّ ذلك رهن في يده؛ وإن لم يعلم أنَّه رهن في يده، وقد علمها في يده وأصلحها بإذنه، فمنعه الراهن، فإنه يدرك عناءه على المرتهن. وأَما إن كان في إصلاحه للأرض عين بينة (2)، فإنَّه يدرك قيمة
1 في الأصل: «وإن قلت: رهن ... ».
2 قوله: «وَأَما إن كان في إصلاحه للأرض عين بينة»: تطلق لفظة العين على معان كثيرة، فهي
- 340 - (1/340)
صفحة 334
ذلك على الراهن، سواء أعلم أنَّه رهن أو لم يعلم؛ وأَما إن أذن له فتعنَّى فيها، ثُمَّ منعه الراهن أو المرتهن فإنَّه يدرك عناءه على الراهن.
وإن أذن له الراهن أن يحرث في تلك الأرض، فعملها، فباعها المرتهن، فمنعه المشتري، فإنَّ الراهن يعطيه عناء ما عمل قبل البيع، وعلى المشتري عناء ما عمل بعد البيع، ويدرك قيمة ما زاد فيها من العين على المشتري، سواء أعلم المشتري بزيادة العين أو لم يعلم. وإن لم يعلم في تلك العين أنها تكون لها (1) عيبا، فليردها إن شاء، وإن لم يكن لها ذلك عيبا فلا يردّها؛ فإن ردَّها بالعيب فليدرك الذي أصلح الأرض على الراهن عناءه، مع ما زاد فيه، سواء انفسخ الرهن أو لم ينفسخ، وسواء في ذلك الذنوا له أن يحرث لنفسه، أو فيما بينهما وبينه وسواء اأذنا له مفترقين أو مجتمعين.
قلت: فرجل اشترى من رجل أرضا فعوّض له عوضًا، إن استحقت منه، فلمن تكون منافع ذلك العوض أو غلاته؟
قال: لصاحبه الأوَّل، ما لم يستحقه المشتري في جميع ما لم يضر به الأرض، ولا يمنعه المشتري من تلك المنافع مِمَّا لا يغيّر الأرض عن حالها الأول، مثل الحرث؛ وأَما الغرس والبناء وأشباه ذلك، فإنه يمنعه.
ويجوز لمن كان العوض في ملكه أن يأذن لمن يحرث فيه، أو ينتفع به بالمنافع التي يجوز له أن ينتفع بها لنفسه، ما دام المشتري لم يستحقها، ولا يجوز فيه إذن المشتري
كما هو معلوم من الألفاظ المشتركة. غير أن معناها في هذا السياق هو ذات الشيء. فالعين هنا مرادفة للشيء المعاين المشخص، وعلى هذا فمعنى العبارة إن تبين في إصلاحه للأرض شيء بين، مثل: الساقية يحدثها أو الحوض أو غير ذلك، فإنَّه يدرك قيمتها. والله أعلم. وفي الأصل: «عين بين» وهو خطأ.
1 قوله «أنها تكون لها الضمير في «لها» يعود على الأرض، بمعنى: وإن لم يعلم أن تلك العين (ذلك الشيء) تكون عيبا للأرض. والله أعلم.
- 341 - (1/341)
صفحة 335
ما لم يستحقه، فإن استحقه فإذنه جائز؛ وأَما إن أذن له صاحب الأرض، فأصلحها المأذون له، ثُمَّ بعد ذلك استحقها من عوض له، فمنع المأذون له، فإنه
يدرك عناء ما عمل على من أذن له؛ ومنهم من يقول: إنَّما يدرك عناءه على من استحقها. وأَمَّا العين إذا زادها، فإنه يدركها على من استحقها). وإن رجع العوض على صاحبه الأوّل، فإنَّ المأذون له يدرك عليه جميع ما أصلح فيها من العين وغيرها؛ وأَمَّا إن لم يستحق العوض من عرَّض له، إلا بعد ما حرثه المأذون له، سواء أنبت زرعه أو لم ينبت ما لم يدرك، فإنَّ الذي استحق العوض لا يصيب منعه، ولكن إن لم يأذن له في ترك، زرعه فليأخذ منه نقصان أرضه من حين استحقها؛ وأما إن لم يستحقها إلا بعد ما أدرك الزرع، ولم يكن في تركه نقصان الأرض، فإنَّه لا يدرك عليه شَيْئًا، وسواء في هذا الذي ذكرنا أأذن له أن يحرث لنفسه خاصةً، أو يحرث بينه وبين صاحب الأرض، أو يحرث لمن ولي أمره؛ الجواب فيها على ما ذكرنا بدءا.
وإن حرث في أرض العوض من عوضها فاستحق العوض قبل أن يحصد زرعه فإنه يعطي نقصان الأرض للذي استحقها بالعوض من حين استحقها؛ ومنهم من يقول: لا يعطيه شيئًا. وكذلك من حرثها بإذنه على هذا الحال.
وَأَما إن حرثها من عُوِّضت له قبل أن يستحقها بغير إذن من عوضها له، فإنَّ صاحب الأرض يمنعه، وسواء في هذا أنبت بذره، أو لم ينبت، أو نبت ولم يُدرك، ردُّ على صاحب الأرض بذره إن شاء إن لم ينبت بذره. وإن نبت، فإنه يفعل ما شاء إن أراد أن يعطيه بذره فليعطه.
وإن أراد أن يقلب أرضه بخلاف ما بذر فيها الأوَّل فله، وإن أراد قلعه أيضا فله ذلك؛ وإن أدرك فلا يقلعه ولا يقلبه أيضًا، ويدرك عليه نقصان أرضه. وكذلك من
-1
على من استحق الأرض، فالضمير راجع إليها لا إلى العين.
- 342 - (1/342)
صفحة 336
حرثها بإذن من عرّضت له على هَذَا الحال فإن خرجت تلك الأرض من العوض، فحرثها من عوضت له فهو مثل غيره من الناس إن خرجت من يده؛ وكذلك إذنه لغيره على ما ذكرنا.
ومن كانت بيده أرض غيره التي لا يجوز له أن يأذن لمن يحرثها فأذن لمن يحرثها (1)، أو حرثها بنفسه، فإنَّ صاحبها يمنعهم من ذلك، وإن أصلحوها للحرث، فليعطهم عناءهم؛ وأما إن حجر على من يحرثها، فلا يدركون عليه عناء ما أصلحوا فيها. فإن حرثوا ونبت زرعهم فالجواب فيها مثل الجواب في مسألة المتعَدِّي. وإن حرثوها قبل أن يحجر عليهم، وقد نبت بذرهم، فإنه يرد عليهم بذرهم، ويكون الزرع له؛ ومنهم من يقول: لا يدرك إلا نقصان أرضه، ويكون الزرع لمن حرثه؛ ومنهم من يقول: يقلبها بخلاف بذره في هذا كله، ما لم يدرك ذلك الزرع؛ ومنهم من يقول: إنَّما يدرك نقصان أرضه في هذا كله؛ وكذلك إن أدرك الزرع إنَّما يدرك على صاحبه نقصان أرضه.
وإن علم المأذون له أنَّ تلك الأرض لغير من أذن له، وهو لا يجوز إذنه فيها، فإنه لا يدرك عناء ما أصلح فيها، ولا عناء ما عمل فيها على صاحبها، ويكون بمنزلة المتعدِّي، إلا إن زاد فيها عينا، فليدركها على صاحب الأرض.
ومن كانت بيده أرض غيره، فأذن لمن يحرثها، فحرثها بإذنه، فلا يكون مستعديا،
إلا إن علم أنه لا يجوز له أن يأذن فيها فحرثها على هذا الحال فهو متعد.
وأما من أذن لمن يحرث أرض من ولي أمره من اليتامى والمجانين وأشباههم، فحرثها المأذون له، فلا يكون مُتَعَدِّيا. وكذلك إذن أحد الشركاء، لا يكون من
-1
لا نجد هذه العبارة في نسخة (ت).
- 343 · (1/343)
صفحة 337
حرث به مُتَعَدِّيا، ولونهاه شريكه، وسواء في هذا اأذن له في سهمه أو في الكل؛ وكذلك الشريك له إن حرث أرض الشركة (1) لا يكون مُتَعَدِّيا ولو نهاه شريكه. وكذلك من غلط في أرض غيره فحرثها، فلا يكون مُتَعَدِّيا بذلك، سواء في هذا أغلط بنفسه أو من أذن له.
قلت: فمن كانت بيده أرض بالإمساك (2) هل يجوز له أن يحرثها أو يغرسها؟ قال: كلُّ ما أذن له فيه من ذلك فليفعله، وإن أذن له أن يحرث بنفسه دون غيره، فلا يحرثها ورثته من بعده وإن أذن له أن يفعل فيها ما شاء بين الحرث والغرس، فإنَّه يحرث ويغرس ويأذن لمن يحرثها، ويمنع من أراد أن يحرثها أو يحدث فيها شيئا بغير إذنه، فإن حرثها واحد بغير أمر من كانت بيده فهو متعد ويكون من كانت بيده بمنزلة صاحبها فيما يفعل فيها إن حرثها المتعدِّي. وأما من حرثها بغير
التَّعَدِّي، فالجواب فيها على ما ذكرنا قبل هذا من الغلط والإذن الذي لا يجوز. قلت: فإن قدم صاحب أرض الإمساك (3)، وقد تعنى فيها من كانت بيده وأصلحها؟ قال: إن تركه حتى حرثها، فلا يدرك عليه شيئا من عنائه، سواء أاستغل ذلك أو لم يستغله؛ وأَما إن منعه قبل أن يحرثها، فإنَّه يدرك عليه عناءه، وإن لم يدركه
-1 في الأصل: «الشريكة». وهو خطأ.
-2
-
«من
كانت بيده أرض بالإمساك»: الإمساك فيما يبدو من العبارة اللاحقة: «إن قدم صاحب أرض الإمساك» هو القيام بمصالح أرض غاب عنها صاحبها. والله أعلم بحقيقة ذلك. 3 واضح أن الجملة الشرطية لم تكتمل بعدم ذكر حوابها والتقدير هكذا: إن قدم صاحب أرض الإمساك ... وأصلحها، فهل له حرثها أم له على صاحبها عناؤه؟
-
وقد تقدمت مثل هذه العبارة سابقاً، ولم نعلّق عليها لوضوحها، ثُمَّ ظهر لنا أن نعلق عليها هنا
فليكن في هذا التعليق غناء عما سواه.
- 344 - (1/344)
صفحة 338
إلا وقد حرثها، فلا يدرك عليه شيئا إلا إن حجر عليه (1)، ويدرك عليه نقصان تلك الأرض من حيث حجر عليه، سواء أنبت ذلك الحرث أو لم ينبت، وسواء اأدرك أو لم يدرك، وليس فيه إلا نقصان الأرض.
وإن كانت أرض الإمساك لرجال شتى، وقدم بعضهم وبقي آخرون، فأرادوا منع أرضهم، فلا يجدون إلا منع سهمهم فيما كان قبل ذلك؛ وأما في المستقبل، فإنهم يمنعون تلك الأرض كلها، كما يمنعون فيما بينهم البين، سواء أأذنوا له كلهم أو لم يأذن له بعضهم.
وكذلك إن جاء صاحب الأرض إلى ورثة الميت المستمسك به، فأراد أن يمنع بعضهم ويترك بعضا فله ذلك، وتحرث تلك الأرض بإذن صاحبها، أو بإذن من
كانت في يده.
وإن دل رجل على آخر في أرضه (3) فحرثها، فلا يكون متَعَدِّيا، فإن جوز له ذلك فجائز؛ وإن لم يجوز له، فهو بمنزلة من حرث بغير إذن، ولا يدرك عناء ما أصلح، ويردُّ عليه البذر صاحبها إن شاء، أو يقلبها، أو يأخذ منه نقصان أرضه، أو يحصد الزرع ويترك له مقدار بذره.
وإن أذن رجل لآخر أن يحرث أرضه، فعمرها وأصلحها للحرث، فأعطاها صاحبها للذي أصلحها، أو باعها له أو استأجره بها، أو ورثها منه، أو دخلت من قبله بوجه من الوجوه، فلا يدرك عليه عناء ما أصلح فيها بعد ما رجعت إليه؛ ومنهم من يقول: يدرك عليه عناء ما أصلح فيها. وإن ردها المشتري أو
ملکه
1 - قوله: «إلا إن عَلَيْهِ» مُرَاده: إن كان عَلَيْهِ قبل ذَلِكَ.
حجر
?
«فأراد»: الضمير عائد على صاحب الأرض. والمعنى فأراد صاحب الأرض أن يمنع بعض ورثة.
المستمسك به ويترك بعضا فله ذلك.
-3 في أرضه كذلك هذا الضمير عائد على صاحب الأرض. والله أعلم.
- 345 - (1/345)
صفحة 339
الموهوب له إلى صاحبه الأوّل أو لرجل آخر معه، فإنه يدرك على صاحب الأرض
التي رجعت إليه عناء ما أصلح ولا يدرك على صاحبه شيئا.
وإن مات الذي أصلحها، فلا يحرثها ورثته من بعده، ويدركون عناء ما أصلح موروثهم؛ وإن أذن لهم أن يحرثوها فلهم ذلك، وإن حرثوها فلا يدركون عناء موروثهم؛ وإن أرادوا أن لا يحرثوها فلهم ذلك، ويدركون عناء موروثهم. وإن زال عقله أو أصابه معنى يمنعه من الحرث، مثل: الخوف والمرض، أو خرج فيها شريك لصاحبها أو ما أشبه ذلك، فليدرك عناءه.
وَأَمَّا إن زال عقل صاحب الأرض، أو مات فلا يحرثها المأذون له، ويدرك عناء ما أصلح في تلك الأرض وقيمة العين إن جعلها فيها. وأما إن تركها (1) بنفسه بعدما أصلحها، فلا يدرك العناء بعد ذلك، ويدرك قيمة العين إن كانت؛ ومنهم من يقول: يدرك عناءه ولو تركها (2) بنفسه وإن حرثها ولم ينبت ما حرث فيها، فلا يدرك عناء ما أصلح فيها؛ ومنهم من يقول: يدركه؛ وإن نبت ما حرث ولم ينتفع به، فأصابته آفة أتلفته من قبل الله أو من تضييعه فلا يدرك العناء؛ ومنهم من يقول: يدركه. وإن أصابته آفة من قبل غيره من الناس بعدما نبت فلا يدرك شيئا؛ وأَما إن نبت فصار قصيلاً) وتلف، فلا يحرك العناء ومنهم من يقول: يدركه، فإن أصابت تلك الأرض آفة حتى لا يصل إلى حرثها، فإنه يدرك عناءه.
وإن أذن أبو الطفل لمن يحرث أرض ابنه الطفل، فمات المأذون له، أو مات أبو الطفل، أو منعه مانع من قبل نفسه، أو من قبل أبي الطفل، أو من قبل الله
1 - الضمير راجع على الأرض لا على العين كما قد يتوهم.
-2 الضمير راجع كذلك على الأرض. -3 الفصيل: هو الزرع إذا نبت وأورق، يُحَزُّ أخضر لعلف الحيوان، فهو قصيل، بمعنى: مقصول من
قولهم: قصل الشيء إذا قلعه.
- 346 - (1/346)
صفحة 340
فالجواب فيها كما فَسَّرنَا في التي قبلها فيما يدرك من العناء على أبي الطفل وما لا يدرك عليه؛ ويعطى أبو الطفل ما أدرك عليه من ذلك من ماله، أو من مال ابنه؛ وإن لم يكن لابنه، مال فليدركه في مال الأب، فإن مات الأب، فليدرك العناء في مال الابن، وإن لم يكن له، مال فليدركه في مال الأب.
وأَما إن أذن خليفة اليتيم أو المجنون لمن يحرث أرضهما، فأصلحها المأذون له، فتركها بنفسه أو مات أومات الخليفة، أوزال عقل أحدهما، أو حرث ولم ينبت أو نبت ولم يدرك، فالجواب فيها كالجواب في أبي الطفل، فيما يدرك عليه من العناء وما لا يدرك عليه إلا الخليفة لا يدرك عليه ما يدرك على أبي الطفل إذا لم يكن لليتيم مال.
وإن أذن الأب لمن يحرث أرض ابنه الطفل، فأصلحها وحرثها وحصد ما حرث فيها، فبلغ الطفل، فاستمسك بأبيه في نقصان أرضه، فإنه يدرك عليه؛ وأَما إن حرثها لنفسه فلا يدرك عليه شيئا؛ ومنهم من يقول: لا يدرك عليه شيئا، ولو حرثها غيره بإذنه.
وإن أذن الخليفة لمن يحرث أرض من استخلف عليه فأصلحها وحرثها وحصد ما نبت فيها، فبلغ الطفل أو أفاق المجنون، فاستمسك بخليفته في نقصان أرضه، فإنه يدرك عليه، سواء أحرثها بنفسه أو حرثها غيره ويدرك أيضًا على من حرثها بإذن الخليفة؛ فإن غرم المأذون له، فلا يدرك على الخليفة شيئا وإن غرم الخليفة، فلا يدرك على المأذون له شيئًا؛ وكذلك ورثتهما بمقامهما، وورثة اليتيم أو المجنون يدركون ما يدرك اليتيم أو المجنون على الخليفة أو المأذون له.
وإن حجر ذلك الطفل أو المجنون على من يحرث أرضهما، فليس حجرهما بشيء. ومنهم من يقول: لا يحرث من أذن له خليفة اليتيم أو المجنون أو الغائب في أرض هؤلاء شيئًا إلا إن كان في حرثها إصلاح؛ ومنهم من يقول: لا يحرثها ولو
- 347 - (1/347)
صفحة 341
كان فيها إصلاح، ولا يدرك عناء ما أصلح فيها على قول من يقول: لا يحرثها،
سواء أيصلح تلك الأرض أو لا يصلحها.
قلت: ومن باع لرجل أرضا بيع الخيار فهل يجوز للبائع أن يحرثها؟
قال: لا. وكذلك المشتري إذا كان له الخيار، فإن حرثها واحد ممن ذكرنا، فلا يكون مُتَعَدِّيا، واحد منهما صاحبه أن يحرثها وكذلك إن أذن واحد
ويمنع كاه
منهما لمن يحرثها، فإنَّ صاحبه يمنعه، وإن أصلحها أحدهما للحرث، فإن رجعت إليه تلك الأرض، فلا يدرك على صاحبه شيئا، وإن رجعت إلى الذي لم يصلحها، فإنه يدرك عليه الذي أصلحها عناءه فيما يكون فيه، أو القيمة فيما تكون فيه؛ وكذلك كل ما كان موقوفا من الأموال، مثل: الصداق إذا تزوّج المرأة بغير شهود، أو أجرة الأجير ما لم يدخل العمل، أو ما أشبه هذا، فإنَّ هؤلاء كلهم لا ينتفعون بإذن هؤلاء ويتمانعون فيما بينهم.
وإن أذنوا لرجل أن يحرث في تلك الأرض، أو واحد منهم، فإنَّ من أراد منهم منعه فله ذلك، وإن حرث بإذن أحدهم فرجعت الأرض إلى الذي أذن له، فلا يمنعه بعد ما رجعت إليه الأرض، ولا يدرك عليه نقصانها ومنهم من يقول: يدرك نقصان تلك الأرض بعد منعه إيَّاهُ وَأَمَّا إن رجعت الأرض إلى الذي لم يأذن له فمنعه من حرثها، فإنه يكون بمنزلة من حرث بغير إذن في رد البذر إليه وقلبها ونقصانها. وإن حرثها رجل بغير إذنهما جميعًا فَإنَّهُمَا يمنعانه، ولا يقلبها أحدهما حتى يعلم من انتهت إليه منهما، فمن انتهت إليه فليفعل ما شاء، فإن أراد أن يقلبها ما دامت تقلب (1) فله ذلك، وإن لم ترجع إليه إلا بعدما أدرك ما حُرثَ فيها فلا يقلبه ويعطيه صاحب الحرث نقصان تلك الأرض؛ ومنهم من يقول: يردُّ عليه البذر
-1
«ما دامت تقلب»: تَقَدَّمَ أَنَّهُ يجوز لصاحب الأرض قلبها إذا بذرت بغير إذنه، ما لم يدرك ذلِكَ الزرع، فحينئذ لا يجوز قلبها لأنه من باب إضاعة المال، وَهَذَا ما يُؤيده الكلام الآتي فيما بعد.
- 348 -
— (1/348)
صفحة 342
أو يحصده ويترك له مقدار بذره. وكذلك إن أذنا له جميعا أو أذن له أحدهما، فأصلحها وتعنى فيها، فمنعه أحدهما أو منعاه جميعا، فلا يدرك عليهما عناء ما أصلح فيها حتى يعرف من انتهت إليه تلك الأرض. وكذلك إن حرثها فمنعاه فاستمسك بهما في أخذ ما بذر فيها فلا يدرك عليهما حتى تنتهي إلى أحدهما، ولا يقلبها أحدهما ولو أذن له صاحبه في ذلك، ولا يعطه البذر حتى يعرف لمن هي منهما؛ وكذلك إن أمر غيرهما أن يقلبها أو يحصدها، فلا يفعل ذلك حتى تنتهي إلى أحدهما. ومنهم من يقول: إنَّما يُصحُ المنع والإذن - وقلب الحرث وحصاد ما حرث فيها، وردَّ البذر ومن يدرك عليه العناء وإصلاح الأرض، ومن يأخذ نقصانها من باعها (1) بيع الخيار، أو وهبها هبة موقوفة (2)، أو استأجر بها أجيراً ولم يدخل الأجير العمل، أو من تزوج بها بغير شهود حتى يستحقها من عُلقت إليه في هذه الوجوه كلها وإن استحقها فقد رجع إليه أمر هذه المعاني التي ذكرنا، مثل صاحبها الأوَّل؛ وإن انتهت إلى من عُلقت إليه، أو رجعت إلى صاحبها الأول، فليفعل ما شاء مِمَّا ذكرنا.
ومن
أذن لمن يحرث أرضه وفعل فيها فعلاً موقوفًا قبل أن يحرثها المأذون له، فلا يحرثها بعد ذلك، حتى تنتهي إلى الذي عُلِّقت إليه فيستأذنه ويحرثها، أو ترجع إلى
صاحبها الأول فيحرثها؛ ومنهم من يقول: حتى يستأذنه مرة أخرى. وإن أذن له أن يحرثها، فأصلحها وتعنى فيها فعلقها إلى غيره، فلا يحرثها بعد ذلك، ويدرك عناء ما أصلح فيها، وقيمة ما زاد فيها على صاحبها الأول، ولو انتهت إلى الذي عُلّقت إليه، ولا يدرك عليه شيئا، وذلك كله على صاحب الأرض
1 - قوله: «إِنَّمَا يُصحُ المنع»، «المنع» مفعول به مقدم، والفاعل ”من باعها مؤخر. 2 قوله: «أو وهبها هبة موقوفة»، هي فيما أفهم هبة موقوفة على أمر؛ مثل: الاستشارة أو غيرها، وهي بهذا المعنى، مثل: البيع الموقوف قطعه على الخيار. وللخيار صور كثيرة في البيع وغيره مبسوطة في كتب الفقه. والله أعلم.
- 349 - (1/349)
صفحة 343
الذي أخرجها من ملكه وكذلك إن رجعت إليه على ما قلناه أولاً، وسواء اأذن له أن يحرثها بنفسه أو يشترك فيها معه، فليدرك عليه عناء ما أصلح فيها وقيمة الزيادة. ومن أمر غيره أن يحرث أرضه له أو لغيره من الناس، ففعل فيها فعلا موقوفا فإنَّه يمنعه من أوقف عليه ذلك ولا يدرك عليه عناء ولا قيمة الزيادة، إلا إن اشترط ذلك أول مرة؛ وأَما إن أذن له أن يحرثها، فحدث إليه مانع يمنعه من موت أحدهما أو موتهما جميعا أو زال عقل أحدهما أو عقلهما جميعًا أو تركها بنفسه أو تلف أصابها من قبل الله أو استحقت فإنَّه يدرك عناءه على صاحبها الأول في هذه الوجوه كلها؛ وأَمَّا إن أذن له أن يحرث تلك الأرض بنفسه، فأصلحها، فوهبت له هبة موقوفة أو استأجره بها ولم يدخل العمل، أو باعها له بيعًا موقوفا، فإنه يحرثها إن شاء، سواء أانتهت إليه أو رجعت إلى صاحبها الأوَّل؛ وإن انتهت إليه وترك حرثها أو منع منها، فلا يدرك على من أذن له أوّل مرة شيئًا من عنائه، وإن رجعت إلى صاحبها الأوَّل، فليدرك عليه عناءه وقيمة الزيادة.
ومن حرث أرضا على أنها له فإذا هي لغيره، فإنَّه يعطي له صاحب الأرض ما بذر فيها؛ وإن استحقها الذي حرثها قبل أن يعطيه البذر فليمسك أرضه وليس عليه شيء. وَأَمَّا إن استحقها بعد ما أعطاه البذر فإن كانت الأرض له قبل أن يحرثها فليرجع عليه ببذره، ويمسك حرثه. وأما إن دخلت ملكه بعد ما ردَّ عليه ما بذر فيها، فليمسك زرعه ويأخذ الأرض من استحقها، ولا يدرك عليه عناءه ولا نقصان تلك الأرض؛ ومنهم من يقول: يدركه إلا إن باعها له واشترط عليه أن يترك زرعه فيها حتى يحصده، وأَما إن مات الذي أراد أن يرد عليه البذر فورثه غيره، فإنه يكون في مقام موروثه في ردّ البذر وغيره.
وإن ورثه الذي حرثها، فليس عليه شيء، ويمسك أرضه وزرعه؛ وأَما إن ورثها مع غيره، فليرد عليه الذي ورث معه مقدار سهمه من البذر؛ ومنهم من يقول:
- 350 - (1/350)
صفحة 344
يمسك زرعه كله، ولا يدرك عليه شيئا، ويعطيهم منابهم من نقصان تلك الأرض؛ وكذلك إن ورثها طفله فليمسك زرعه في أرض ابنه الطفل، وليس عليه شيء. وَأَمَّا إن ورثها من ولي أمره، فإن كانت له خليفة سواه، فليأخذ منه بذره، ويكون ذلك الزرع للذي ورث تلك الأرض، فإن لم تكن له خليفة، فليترك الزرع حتى يدرك ويحصده لصاحب الأرض، ويأخذ منه مقدار بذره؛ ومنهم من يقول: يحصده لنفسه ويعطيه نقصان أرضه.
وكذلك إن حرثها بغير إذن صاحبها أو غصبها فحرثها، فدخلت ملكه من حسين حرثها؛ ومنهم من يقول: إن حرثها بالغصب، فرجعت إليه بعد ذلك، لا يأكل هذا الزرع ويأكله الفقراء؛ سواء في هذا كلّه أدخلت ملكه قبل أن ينبت أو بعدما نبت و لم يدرك، أو بعدما أدرك، فإنَّه يعطي ما نقصت الأرض قبل أن تدخل ملكه، وليس عليه شيء بعد ذلك. وكذلك إن رجعت إلى ابنه الطفل على ما قلناه أولاً. وأَما إن دخلت ملك من ولي أمره، فإنَّه يكون عليه نقصان الأرض قبل أن تدخل ملك من ولي أمره ويكون ذلك الزرع لمن ولي أمره ويدرك عليه البذر؛ ومنهم من يقول: يعطي نقصان تلك الأرض لصاحبها الأوَّل قبل أن تدخل ملك من ولي أمره،
ويعطي لمن ولي أمره نقصان أرضه من حين دخلت ملكه، ويكون الزرع له. وإن كانت أرض بين رجلين، فحرثها رجل بالتعدية، أو حرثها بوجه يردان عليه البذر (1)، فجوز له أحدهما ذلك، ولم يجوز له الآخر، فيكون له سهم الذي جوز له من الزرع؛ وإن أعطاه الآخر ما نابه من البذر فيكون شريكه؛ وإن لم يعطه البذر، فليعطه ما نابه من نقصان الأرض، ويكون الزرع له كله؛ ومنهم من يقول: ينفق ذلك الزرع كلّه على الفقراء ويعطي للذي لم يجوز له نقصان سهمه. وَأَما إن
1 قوله «أو حرثها بوجه يردان عليه البذر»، معناه: إن حرثها بوجه يقتضي وجوب إبطال حرثه وردهما بذره له ... إلى آخره. والله أعلم.
23
- 351 - (1/351)
صفحة 345
مات أحدهما، فورثه المتعدي بعدما حرث أرضهما أو باعها له أحدهما، أو وهبها له، أو دخلت ملكه بوجه من الوجوه، فإنَّ الحي منهما أو الذي لم يخرج إليه سهمه من تلك الأرض بالخيار إن شاء أن يردَّ عليه سهمه من البذر، فيكون الزرع بينهما، وإن أراد أن يأخذ ما نابه من نقصان أرضه فله ذلك، ويدركه على الذي حرث الأرض، فيكون الزرع له كله، ولا يقلب ما نابه من الأرض وإن أراد ذلك؛ ومنهم من يقول: يقلب ما نابه من الأرض. وأما إن مات المتعدي فورثه واحد من أصحاب الأرض، فإنه يكون بمنزلة المُتَعَدِّي، فإن أراد شريكه أن يرد عليه البذر فله ذلك؛ وإن أراد أن يأخذ منه نقصان سهمه من الأرض، فيكون الزرع له؛ وإن أراد أن يقلب سهمه من الأرض ففيه قولان
وأما إن ورثاه جميعا، فقال أحدهما لصاحبه اقلب ما حرث فيها، وأبى عليه صاحبه، فالقول قول من أبى منهما أن يقلب؛ ومنهم من يقول: لا يقلبان ولا يأكلان منه شيئا، ويأكله الفقراء.
وأما إن مات أحد أصحاب الأرض، فورثه ورثته، ومات صاحبه (1) فورثه المتعدِّي، فإنَّ الورثة يكونون في مقام موروثهم فيما يدرك على المتعدِّي، وما لا يدرك عليه وما يدرك على شريكه، وما لا يدرك عليه.
وإن حرث المُتَعَدِّي أرض الشركاء، واختلفوا فيما بينهم في رد البذر وقلب الحرث، فالقول قول من دعى إلى ردّ البذر، إلا في قول من يقول: يقلب مقدار سهمه، فليفعل ما شاء؛ وَأَما إن اختلفوا في قلع ما نبت فيه وقلبه، فالقول قول من قال منهم: يقلبه ومنهم من يقول القول قول من قال بقلعه؛ ومنهم من يقول: إن اختصما في ذلك، فليفعل كل واحد منهما بمقدار سهمه من ذلك الحرث ما شاء
1 - قوله: «ومات صاحبه» يعني شريكه. «فورثه المتعدي» أي: ورث الشريك.
– 352 – (1/352)
صفحة 346
من القلع أو القلب. وكذلك إن اختلفا في أخذ النقصان ورد البذر على المتعَدِّي، يكون لِكُلِّ واحد منهما ما قال في مقدار سهمه.
وإن أمر أحدهما صاحبه أن يردَّ البذر على المُتَعَدِّي، فيكون الزرع له أو يقلبه كله، أو يأخذ نقصان أرضهما كله فذلك جائز، فيكون له ما جوزه له شريكه. وكذلك إن أمرا غيرهما من الناس ممن يجوز فعله في أخذ النقصان ورد البذر، وقلب ما حرث فيها، وقلعه الجواب فيها كالجواب في أحدهما إن أمر صاحبه. وكذلك إن اختلفا فيما يقلبانها به مِمَّا خالف بذره فلا يقلبانها حتى يتفقا، أو يفعل أحدهما في سهمه ما أراد.
مسألة فيمن تعدى على أرض غيره فحرثها ببذر صاحبها
ومن حرث أرض غيره بالتَّعَدِّي، فخرج (1) البذر الذي بذره فيها لصاحب الأرض بالغلط، أخذه، أو بالسرقة، أو سرقه على أنه لغير صاحب الأرض، فإذا هو له؛ أو اشترى منه البذر (2) فحرثه في أرض البائع بالتعدي فخرج بيعهم منفسخا (3) فإنَّ الزرع في هذا كله لصاحب الأرض، وليس للمتَعَدِّي عناؤه، ولا يكون على المتعدِّي من تباعة ذلك الطعام شيء إن حصد منه صاحبه مثل بذره أو أكثر. وكذلك إن براه منه، فليس عليه شيء. وأما إن لم يحصد منه شَيْئًا، أو حصد منه بعضا، فكل ما نقص من الزراعة الأولى بالتَّعَدِّي، فهو له ضامن. وإن فَضَل من
منه.
1 - «فخرج البذر». أي فتبين أن البذر الذي بذره فيها لصاحب الأرض. قوله: «فخرج بيعهم منفسخا»: لَعَلَّ الصواب أن يقال: فخرج بيعه منفسخا»، على أن يكون
-2
ضمير
المفرد عائدا على البذر. ليحرر.
3 فحرثه في أرض البائع بالتعدي فخرج بيعهم منفسخا»: مراده: إن حرث شخص بالتعدي أرض الذي باع له البذر لا يزيل عنه صفة التعدي، حتى ولو انفسخ بيع البذر. والله أعلم.
- 353 - (1/353)
صفحة 347
ذلك الزرع شيء، أو انتفع منه بقدر بذره الأوَّل، فقد برأ المتعدي. وكذلك إن انتفع بذلك الزرع دوابه أو عبيده، أو أفسدوا منه بقدر البذر الأول، فالمُتَعَدِّي في هذا بريء. وأما من انتفع به طفله، أو ما أفسده من ذلك الزرع، أو اليتيم الذي استخلف عليه، أو المجنون، فكل ما أفسد هؤلاء من ذلك الزرع فلا يبرأ منه المتَعَدِّي، ويلزمه ضمان البذر، ويدرك صاحب الأرض على من أفسد ذلك قيمته، ويمسكه لنفسه؛ ومنهم من يقول: يتصدق به.
وإن أفسد ذلك الزرع ما كان في يده من مواشي غيره (1)، فإن كان ذلك الفساد مِمَّا يدرك على من كان في يده فقد برأ المُتَعَدِّي، وإن كان إنما يرجع إلى صاحب المواشي، فلا يبرأ المتعَدِّي بذلك، والجواب فيها كالجواب في التي قبلها فيما يصنع بتلك القيمة إن غرمها صاحبها.
وإن أفسد ذلك الزرع المواشي التي بينه وبين، شريكه فما نابه بَرَاً. المُتَعَدِّي، وما ناب شريكه فلا يبرأ منه إلا إن كان ما ينوب شريكه مما يخرج من ماله، وسواء في هذا الذي ذكرنا إن أفسد ذلك البذر قبل أن ينبت، أو نبت ولم يدرك، أو أدرك ولم يُحصد الجواب فيها واحد.
وإن أمر أحدا (2) أن يفسد ذلك الزرع فأفسده، فهو بمنزلة ما أفسد صاحب البذر، ويبرأ المُتَعَدِّي إن كان ذلك مثل البذر أو أكثر.
وإن أمر عبدًا بينه وبين الشريك أن يفسد ذلك الزرع فأفسده فقد برأ المتعدي؛ ومنهم من يقول: فيما ينوب الشريك الذي لم يأمره مِمَّا دون رقبته (3) ألا يبرأ من
1 - قوله: من مواشي غيره» مرجع الضمير هو صاحب الأرض.
منه
2 «وإن أمر أحدا ... »، الآمر هو صاحب الأرض؛ وكذلك قوله فيما بعد: «وإن أمر عبدا». -3 مما دون رقبته ألا يبرأ منه المتعدّي»، هكذا في بعض النسخ الأصلية، وفي البعض الآخر، «مما دون قيمته»، والعبارة الأخيرة أوفق بالمقام، غير أن في العبارة فيما يبدو لي سقطاً، فتكون العبارة
- 354 - (1/354)
صفحة 348
المُتَعَدِّي؛ وسواء في هذا أكان ذلك الشريك هو أو غيره (1). وأما إن أفسده العبد المشترك من غير أن يأمره أحد، فلا يبرأ المتَعَدِّي إلا فيما ينوب الشريك.
وإن أفسد أحد ذلك الزرع فإنَّما يدرك عليه قيمة ذلك الذي أفسد صاحب الزرع دون المتعدِّي، ولا يجوز في ذلك الفساد محاللة المتعدِّي ولا تبرئته (3) ويجزيه حل صاحب الزرع وتبرئته.
وأما إن ورث صاحب البذر من أفسد ذلك الزرع، فالمتعدي بريء في هذا الوجه، إن كان قيمة الذي أفسد مثل البذر أو أكثر منه؛ وما نقص من البذر في هذا، فضمانه على المُتَعَدِّي. وإن كانت قيمة ذلك الفساد أكثر من البذر أو مثله، فأخذ أقل منه، فإن كان إنَّما قضى له في ذلك كله فالمُتَعَدِّي بريء؛ وإن كان إنَّما قضى ذلك في تسمية من ذلك، فالبقيَّة على المُتَعَدِّي)، ويغرمها لصاحب البذر؛ وأَما إن كان الفساد أقل من البذر فغرمه، صاحبه، فعلى المتعدِّي نقصان ما
بقي إلا إن أخذ مقدار بذره.
كالتالي: «مِما أفسده دون قيمته».
ومعنى العبارة: ومنهم من يقول فيما ينوب الشريك الشريك في ملكية (العبد) الذي لم يأمره فيما أفسده (العبد) دون قيمته (قيمة البذر ألا يبرأ منه المتعدي. والله أعلم. 1 - وسواء في هذا أكان ذلك الشريك هو أو غيره»، معناه: سواء أكان الشريك لصاحب الأرض في ذلك العبد هو المتعدي على أرضه بالبذر، أو كان الشريك في العبد شخصاً آخر غير المتعدي.
2 - صاحب الزرع: فاعل «يُدرك» لا «أفسد».
-3 ولا يجوز في ذلك محاللة المتعدي»: مراده: لا يُطلب من المتعدِّي أن يجعل المفسد في حل من أمره، لأنه ليس هو صاحب الحق، وإنما هو صاحب الزرع.
من
-4 قوله: «فإن كان إنّما قضى له في ذلك كله فالمتعدي بريء، وان كان إنما قضَى ذلك في تسمية ذلِكَ فالبقية على المتعدي»، معناه: إن كان مفسد الزرع قضى لصاحب الأرض ذلك أي ذلك المقدار من القيمة واعتبره عوضاً عن كُلِّ البذر فقد برئ المتعدّي، وإن كان قضاه في تسمية أي في جزء مسمى منه كنصف أو ثلث فالبقية على المتعدي. والله أعلم.
- 355 - (1/355)
صفحة 349
وإن أفسد المُتَعَدِّي ذلك كله، فعليه البذر وقيمة ذلك الفساد. وكذلك مواشيه إن أفسدت ذلك، أو طفله فيكون عليه غرم قيمة الفساد مع البذر الأول. وأما عبيده إن أفسدوا ذلك الزرع بغير، أمره، فعليه البذر الأول، وما يقابل رقاب العبيد من قيمة ذلك الفساد وما جاوزه ذلك، فليس منه عليه شيء، وأما ما أفسدوا بأمره فعليه ضمانه كله.
وما كان في يد المتعَدِّي من مواشي غيره إن أفسدت ذلك الزرع، فكل ما
يلزمه ضمانه، فهو عليه وما لا يلزمه فهو على صاحب المواشي.
وَأَمَّا ما أفسد الطفل الذي استخلف عليه، أو المجنون، أو مال الغائب الذي استخلف عليه، فالمُتَعَدِّي يؤخذ بهذا كله ويغرمه من مال من أفسده من هؤلاء. وأما ما أفسد مِمَّا كان في يده من مال غيره بالرهن أو الوديعة أو العارية أو ما أشبه ذلك، فأنه يغرمه من ماله ويرجع به على صاحب المال.
وَأَمَّا إن مات صاحب الأرض والبذر فورثه المُتعَدِّي وحده، فقد برأ من (1) البذر. وإن أفسد أحد ذلك الزرع فليغرمه لنفسه إن شاء.
وإن مات المُتعَدِّي فورثه من أفسد الزرع الذي ذكرناه، وقد ترك مالا (2)، فإنَّ صاحب الأرض يدرك عليه البذر وقيمة ما أفسد؛ وأَما إن مات المُتَعَدِّي فورثه صاحب الأرض والبذر، فقد برأ المتعدي.
-1
«فقد برأ من البذر»: الفصيح أن يقال: بَرى من البذر ... قال في لسان العرب: «وأبرأته مما لي عَلَيْهِ، وبرأته تبرئة، وبرئ من الأمر يبرأ ويَبْرُؤُ - والأخير نادر - براءة وبَرَاء، الأخيرة عن اللحياني، وكذلك في الدين والعيوب، برئ إليك من حقك بَراءَةً وبَرَاءُ وبُرُوا وَتَبرُّوا، وأبشراك وأَبْرَأَكَ
منه وَبَراكَ». انتهى (ر: مَادَّة «برأ»).
وَهَذَا التعليق هنا يغنينا عن إعادته مهما تكررت اللفظة.
2 - أضاف الناسخ: «أي إن خلف مالاً».
- 356 - (1/356)
صفحة 350
وإن كانت الدواب التي حرث بها المُتَعَدِّي كلها له، فلا يدرك عناءها على
صاحب الأرض والبذر؛ وإن كانت لصاحب الأرض فإنه يدرك عناءها على المتعدي؛ ومنهم من يقول: لا يدرك شيئا إن انتفع من الزرع بقدر عناء دوابه؛ وإن كانت لرجل آخر فليدرك عناءها على المُتَعَدِّي، وليس على صاحب الأرض شيء؛
ومنهم من يقول: يعطي صاحب الأرض عناء الدواب إن كانت لغير المتعدِّي.
وإن كانت الدواب لغير المتعدِّي وهي في يده بالغصب، فإنَّ صاحبها يدرك عناءها عليه؛ ومنهم من يقول إنَّما يدرك عناء دوابه على صاحب الأرض؛ وإن كانت هذه الدواب في يد المُتَعَدِّي بوجه من وجوه الأمانة مما يجوز له الانتفاع فإنَّه بمنزلة دوابه، ولا يدرك فيها العناء. وكذلك دواب ابنه مثل دوابه لا يدرك عناءها، ولا يدرك ابنه عليه شَيْئًا، طفلا كان أو بالغا.
وإن كانت تلك الدواب لليتيم الذي استخلف عليه، أو المجنون، أو الغائب، فإنَّه يعطي عناء الدواب من نفسه، ولا يدركه على صاحب الأرض. وإن كان إنَّما حرث بالدواب المشتركة بين ما ذكرنا، فالجواب في نصيب كُلِّ
واحد منهم من الدواب، كالجواب فيما ذكرناه أولاً في انفرادهم بالدواب.
مسألة فيمن تعدى على أرض غيره فحرثها ببذر رجل آخر
ومن حرث أرض رجل بالتعدية ببذر غيره وقد غصبه من صاحبه، فهو ضامن لما غصب من البذر ويعطيه صاحب الأرض ما بذر في أرضه، ويكون الزرع له. وإن لم يعط الغاصب لصاحب البذر شيئًا، فليعط له صاحب الأرض إن شاء، وإن شاء أعطاه للغاصب، ويكون الزرع له، وإن أعطى الغاصب لصاحب الأرض ما بذر في أرضه).
1 الحكم في هذه الصور كلها أنَّ الزرع لصاحب الأرض، والبذر مضمون لصاحبه، وليس للمتعدي شيء من عوض على عنائه والله أعلم.
- 357 - (1/357)
صفحة 351
وكذلك إن كان البذر لابن الغاصب وهو طفل، فليعط صاحب الأرض للغاصب ما بذر في أرضه. وإن كان ابنه بالغا، فليعط له ما بذر أبوه في أرضه. وكذلك إن بذر في تلك الأرض زريعة من ولي أمره، فليردها عليه صاحب الأرض.
وإن طلب صاحب البذر من صاحب الأرض ما غصب منه، فليدركه عليه أو يتبرأ له من الزرع ()، فإن أعطاه بذره، فالزرع له، وإن تبراً له من الزرع، فهو لصاحب البذر، ويعطي النقصان لصاحب الأرض إن طلبه منه؛ وإن لم ينبت ذلك البذر أو نبت فذهب، ولم ينتفع به شيئًا، فلا يدرك البذر على صاحب الأرض ويدركه على المتعَدِّي، وإن قلب صاحب الأرض ذلك أو أفسده، ولم ينتفع به فليس عليه شيء، ويكون ضمان البذر على الغاصب لصاحبه، وأما إن انتفع بذلك الزرع بمقدار البذر فليردَّه على صاحبه، وإن طلبه منه المتعدي فليدركه عليه (2). وإن أراد صاحب البذر أن يأخذ من ذلك الزرع مقدار بذره وهو قصيل (3) أو أدرك، فذلك جائز، ولا يكون على صاحب الأرض أو الغاصب شيء منه؛ وكذلك إن أخذ مقدار بذره من مال صاحب الأرض من غير ذلك الزرع، فقد برأ صاحب الأرض؛ ومنهم من يقول: لا يجوز ذلك ويدركه صاحبه على من أخذه من ماله ويدرك صاحب البذر على الغاصب ما غصب منه؛ وإن أدرك ذلك الزرع قبل أن يرد صاحب الأرض البذر على صاحبه أو على الغاصب، فإنه يفعل فيه ما يفعله في
1 قوله «فليدر که عليه أو يتبراً له من الزرع»، معناه: أن صاحب البذر يدركه على صاحب الأرض، فإن شاء صاحب الأرض أعطاه البذر، وإن شاء تبراً لصاحب البذر من الزرع، فليأخذ الزرع صاحب البذر، ويعوض نقصان الأرض لصاحبها. 2 قوله: «وإن طلبه منه المتعدي فليدركه عليه»، معناه أن للمتعدِّي حق المطالبة بالبذر، لكن ليس على أساس حق تملكه وإنما ليرده هو لصاحب البذر. والله أعلم.
-3 - «القصيل» ويجمع على قصلان هو زرع الشعير أو القمح يقطع أخضر لعلف الدواب. وقوله: «أو أدرك»، مراده أو يأخذ مقدار بذره وقد أدرك ذلك الزرع.
- 358 - (1/358)
صفحة 352
ذلك الزرع، كما إذا كان البذر للغاصب، فإن أراد صاحب البذر أن يحصد ذلك الزرع فذلك جائز، ويكون عليه نقصان الأرض؛ ومنهم من يقول: نقصان الأرض على الغاصب؛ ومنهم من يقول: لا يدرك صاحب البذر ذلك الزرع، وإنما يدرك بذره على الغاصب أو على صاحب الأرض ومنهم من يقول: إنما يدرك البذر على الغاصب، ولا يدرك على صاحب الأرض؛ ومنهم من يقول: إنَّما يحصد ذلك الزرع الغاصب، ويردُّ البذر على صاحبه، ويعطي النقصان لصاحب الأرض؛ ومنهم من يقول: إنَّما يأكل ذلك الزرع الفقراء، ويعطي الغاصب البذر لصاحبه، ويعطي نقصان الأرض لصاحبها.
وَأَمَّا إن غصب ذلك البذر من مال الأجر، أو من مال المسجد أو المقبرة، فإن أراد صاحب البذر أن يعطي كيل ذلك البذر للقائم على تلك المعاني والأشياء فله ذلك. وإن أراد أن يقلب ذلك الحرث بما يخالف البذر الأوَّل فله ذلك؛ وإن أراد قلعه أيضا فله ذلك؛ وإن أدرك الزرع فهو لصاحب البذر، ويعطي المتعدي نقصان الأرض لصاحبها؛ ومنهم من يقول: يحصد صاحب الأرض الزرع كله ويترك مقدار البذر الأوَّل فيها؛ ومنهم من يقول يضمن المتعدِّي ذلك (1) ويضمن نقصان الأرض لصاحبها، ويكون الزرع له.
وإن دخلت تلك الأرض ملك صاحب البذر بوجه من الوجوه استحقها فيكون الزرع له، فإن انتفع منها بمقدار بذره، فلا يكون على المتعدي شيء، وإن لم ينتفع بشيء من ذلك فليدرك على المُتَعَدِّي كيل ما أخذ منه، وإن انتفع بمقدار بعض البذر، فليدرك ما بقي على المُتَعَدِّي، سواء في هذا انتفع به قصيلاً أم بعدما أدرك. وكذلك إن رجع البذر على صاحب الأرض، فهو له، وإن انتفع منه
1 قوله: «يضمن المتعَدِّي ذلك»: لَعَلَّ في العبارة سقطا، فيكون تمامها كالتالي: «يضمن المتعدِّي ذلك البذر، ويضمن نقصان الأرض لصاحبها، ويكون الزرع له». والله أعلم.
- 359 - (1/359)
صفحة 353
بمقدار بذره برأ منه المُتَعَدِّي، وإن لم ينتفع بشيء أو انتفع بالبعض، فليدرك على المتعدي ما بقي له.
وأما إن رجع البذر إلى ذلك الغاصب بميراث أو هبة أو ما أشبه ذلك، فأراد صاحب الأرض أن يرد عليه بذره فله ذلك، وإن طلب المتعدي البذر من صاحب الأرض، فإنه يدركه عليه. وإن أراد صاحب الأرض أن يقلب ذلك الحواث فله ذلك؛ وإن أراد أن يقلع ذلك النبات أيضًا فله ذلك. وإن أدرك الزرع، فالجواب فيها
مثل الجواب فيما قبلها.
وإن بذر المتعدِّي بذر من ولي أمره من اليتيم أو المجنون أو أشباههم في أرض غيره، فإن أراد صاحب الأرض أن يردَّ ذلك البذر على المتعدِّي فله ذلك؛ وإن أراد أن يقلبه بما يخالف الأوَّل فله ذلك؛ وإن تركه حتى أدرك فيكون سبيله سبيل ما قبله. وإن بلغ اليتيم أو أفاق المجنون أو قدم الغائب، فليراً صاحب الأرض البذر على من شاء بين الخليفة أو من استخلف عليه، إلا إن نهاه صاحب البذر أن يرده على المتعدِّي؛ ومنهم من يقول: لا يعطيه إلا لصاحبه.
و من غصب أرضًا فحرثها ببذره لصاحب الأرض، فإن حرث له على أن يدرك عليه البذر فله ذلك، وإن حرثها على ألا يدرك عليه البذر، فلا يدرك شيئًا. وَأَمَّا إن غصب أرضًا، فحرثها ببذر رجل على أن يكون الزرع لصاحبه، فإن تركه له صاحب الأرض، فيكون الزرع لصاحب البذر، وإن لم يتركه فالحكم فيها كما قلنا فيما قبلها من مسائل التعدي.
وإن غصب رجل أرضا لرجل آخر فحرثها ببذر قد اشترك فيه مع رجل آخر غير المتعدِّي، أو اشتركا فيه جميعًا مع المتعَدِّي؛ فالجواب في سهم كُلِّ واحد منهم، مثل الجواب فيما انفرد به دون غيره.
وكذلك أرض اليتيم والمجنون وكلّ من ولي رجل أمره إن غصبت، فحرث فيها الغاصب بذر هؤلاء، فالزرع لصاحب الأرض على ما ذكرناه قبل هذا. وإن حرث
- 360 - (1/360)
صفحة 354
فيها الغاصب بذر خليفة ذلك اليتيم، فإنَّ الخليفة يفعل في ذلك ما شاء، إن شاء أن يقلبه ببذر هؤلاء فله ذلك، وإن تركه حتى أدرك، فليحصده لهم ويدرك عليهم مقدار بذره بخليفة آخر (1)؛ وإن رأى الخليفة أن يترك المتعدِّي أن يحصد ذلك
الزرع، ويدرك عليه نقصان الأرض والبذر (2) فله ذلك إن رأى أنَّ ذلك أصلح. وإن بلغ اليتيم أو أفاق المجنون، فَإِنَّهُمَا يكونان بمنزلة خليفتهما، إن أرادا أن يعطيا البذر لصاحبه فلهما ذلك، وإن أرادا أن يقلبا أرضهما فلهما ذلك، وإن أرادا أن يتركاها ويأخذا نقصان أرضهما فلهما ذلك أيضًا.
وإن حرث خليفة اليتيم أو المجنون بذرهم في أرض غيره بالتعدي لنفسه أو لأصحاب البذر فإنَّ صاحب الأرض يردُّ البذر على الخليفة إن شاء، أو يقلب أرضه أيضا، أو يقلع ما نبت فيها؛ فإن بلغ الطفل أو أفاق المجنون، فليرد عليهم صاحب الأرض بذرهم، ويفعل في أرضه ما شاء مِمَّا ذكرنا من القلب والقلع وما أشبه ذلك.
مسألة فيمن غصب أرضًا ثُم دخلت ملكه
ومن غصب أرضا فحرثها بالتعدية، فدخلت ملكه بعد ذلك، فإن كان ما بذر أولاً
فيها له، فإنَّه يمسكها وما زرع فيها، ويعطي نقصان الأرض لمن غصبها منه قبل أن تدخل ملكه إن لم يرثها وأما إن، ورثها فليس عليه شيء من نقصان
-
1 قوله: ويدرك عليهم مقدار بذره بخليفة آخر معناه: يدرك خليفة اليتيم أو المجنون مقدار بذره هو (أي الخليفة) بتقدير خليفة آخر يُستخلف على اليتيم أو المجنون في أمر تقدير البذر حتى لا يكون حيف من الخليفة الأوّل صاحب البذر المغصوب في أخذه قيمة بذره من مال اليتيم أو المجنون. والله أعلم. 2 - «والبذر» من إضافة الناسخ. أقول: لا مَعْنَى لذكر البذر بعد ما رضي الخليفة أن يترك المتعدي يحصد ذلك الزرع، فليس له في هَذِهِ الحال إلا أن يضمن نقصان الأرض. فليحرر.
- 361 - (1/361)
صفحة 355
الأرض. وأما إن ورث منها بعضا، فإنَّه يعطي نقصان ما ناب غيره من الأرض، ويرد عليه صاحبه ما نابه من البذر إذا كان له كما فسرناه أولاً؛ وإن لم يدخل ملكه إلا بعدما أدرك الزرع فإنه يمسكه صاحب الأرض، ويرد البذر على الغاصب؛ وكذلك إن دخلت تسمية منها ملكه على هذا الحال فليأخذ صاحب الأرض ذلك الزرع أو ورثته، وليردُّوا البذر على الغاصب. وَأَمَّا إن ورثه الغاصب بعدما أدرك، فليمسكه كله. وأما إن ورث منها بعضًا، فليمسك ذلك البعض، ويدرك البذر على من ورث معه؛ ومنهم من يقول: إن حرثها بالتعدية، ثُمَّ رجعت إليه بميراث أو بغير ميراث من أنواع دخول الملك، فإنَّما يأكل ذلك الزرع الفقراء؛ ومنهم من يقول: إن حرث أرض رجل بالتعدية ببذره، ثُمَّ رجعت إليه بمعنى يوجب دخول الملك كميراث، فكل ما نبت فيها من ذلك الزرع فهو لصاحب الأرض التي غصبت ويعطي (1) نقصان الأرض للغاصب من حين دخلت ملكه؛ ومنهم من يقول: ليس عليه من نقصانها شيء، إلا إن حجر عليه الغاصب من حين رجعت إليه. وَأَمَّا إن تبين أن تلك الأرض له قبل أن يحرثها، فليس عليه شيء.
منه،
وأما إن حرث تلك الأرض على أنها لغيره ببذره فيما يظن، فخرجت الأرض له، والبذر لغيره؛ فإنَّه يعطي البذر لصاحبه، ويكون الزرع له.
وإن تعمد حرث ذلك البذر، وهو لغيره في أرض على أنها لغيره، فخرجت الأرض له فإنه يمسك صاحب البذر ما نبت من بذره في تلك الأرض، وليس عليه من نقصان الأرض شيء؛ وكذلك إن تعمد حرث أرضه بزرارع غيره على هذا
1 - قوله: «ويعطي نقصان الأرض»، ضمير يعطي» عائد على صاحب الأرض التي غصبت منه، فيكون المعنى كالتالي: ما نبت في الأرض المغصوبة من زرع فهو لصاحب الأرض، لكن عليه أن يرد نقصان الأرض للغاصب من حين دخلت ملكه، أي يكون التقدير لنقصان الأرض لا يكون من حين البذر، ولكن من حين دخول الأرض ملك الغاصب. والله أعلم.
- 362 - (1/362)
صفحة 356
الحال، وكذلك أرض ابنه الطفل أو ابنه المجنون أو أرض كانت في يده؛ ويجوز له
حرثها إن تعمدها بحرث بذر غيره على هذا الحال.
وكذلك إن حرث أرضًا بينه وبين شريكه ببذر غيره على عمد منه، فالخيار إلى صاحب البذر، إن شاء أخذه وإن شاء أمسك ذلك الزرع؛ ومنهم من يقول: لا يكون الخيار لصاحب البذر، إلا فيما يقابل المُتَعَدِّي من سهمه؛ وأَما ما ناب
(1)
شريكه من تلك الأرض فهو فيه بالخيار إن شاء أعطى البذو لصاحبه، وإن شاء أخذ نقصان أرضه، وإن شاء قلب سهمه من ذلك الزرع، وإن شاء ترك سهمه لصاحب البذر. وأما إن جوز لشريكه (2) ما فعل فذلك جائز، ويكون الزرع له، ويعطي ما نابه من البذر لصاحبه ومنهم من يقول البذر لمن حرثه، ويضمنه لصاحبه، ويضمن لشريكه نقصان ما نابه من الأرض.
الملك،
وأَما إن حرث أرض رجل ببذره بالتعدية، ثُمَّ دخلت الأرض ملك ابنه الطفل أو ابنه البالغ أو المجنون، أو كل من ولي أمره ببيع أو هبة أو غير ذلك من وجوه فالزرع لمن دخلت تلك الأرض ملكه؛ ويدرك عليهم صاحب البذر بذره، ويأخذه من مال ابنه الطفل أو البالغ أو اليتيم الذي استخلف عليه، أو المجنون بغير خليفة؛ ومنهم من يقول: لا يأخذه من مال هؤلاء بنفسه إلا بخليفة، إلا ابنه الطفل، فإنه يأخذه من ماله بغير خليفة؛ ومنهم من يقول: الزرع له، ويعطي نقصان الأرض لصاحبها الأوَّل، كما كانت في ملكه ويعطي نقصانها لمن انتقلت إليهم من حين دخلت ملكهم، إلا ابنه طفلاً كان أو بالغا. وأما إن رجعت تلك الأرض إلى من
1 قوله: «فهو»، الضمير عائد على الشريك لا على صاحب البذر. ليحرّر. 2 قوله: «وأما إن جوز لشريكه»، معناه: إن حوز صاحب البذر المغصوب منه لذلك الشريك المتعدي ما من البذر في تلك الأرض فذلك جائز، ويكون الزرع له، أي: لذلك الشريك المعتدي. هذه الصورة: أنه يعوِّض نقصان الأرض مرتين: نقصانها لصاحبها الأول، كما كانت في
-3
فعله
معني ملکه،
ويعطي نقصانها لمن انتقلت إليهم ... والله أعلم.
- 363 - (1/363)
صفحة 357
ولي أمره بميراث فحصد ذلك الزرع، فإنه يعطي نقصان الأرض لمن ورثها من حين ورثها، إلا إن انتفع صاحبها بذلك الزرع بمقدار نقصان أرضه؛ وأَما إن ورثها هو، فليس عليه من نقصانها شيء من حين دخلت ملكه، ويكون عليه ما نقص من تلك الأرض لابنه قبل أن يرثها، لأنَّ ذلك دين عليه 1 (1).
وأما إن حرث أرضًا بالتعدية، ولم يعرف صاحبها، فإنه يسأل عنه، فإذا وجده، فليعطه البذر، فإن أعطاه له، فليحصد ذلك الزرع، فإن أراد أن يأخذ نقصان أرضه أخذه، وإن براه من نقصانها ومِن زَرْعِها (2)، فليحصده الغاصب بنفسه، وليس عليه شيء؛ وإن لم يعرف صاحبها، فليوص بنقصان تلك الأرض ويحصد زرعه؛ ومنهم من يقول: يوصي بنقصان تلك الأرض، ولا يأكل ما زرع فيها، ويأكله الفقراء؛ ومنهم من يقول: إن لم يعرف صاحبها وقد أيس منه (3)، فليأكل ما زرع فيها، وينفق نقصانها على الفقراء، فإن وجد بعد ذلك صاحبها، فليعط له ذلك النقصان؛ وسواء في هذا أعرف صاحبها ثُمَّ نسيه، أم لم يعرفه من أول مرة. وإنما يتبين له صاحبها بمشاهدته أو ما شهد عليه الأمناء؛ وأَما غير هذا فلا يتبين به؛ ومنهم من يرخص أن يكون له حجة من صدقه فيما بينه وبين الله.
وأما إن غصب بذرًا، فحرثه في أرضه، ولم يعرف صاحبه، فإنه ينفق مقدار ذلك البذر، ويمسك الزرع لنفسه؛ ومنهم من يقول: ينفق البذر، ويأكل الفقراء
ذلك الزرع؛ ومنهم من يقول: ينفق ذلك الزرع، وليس عليه من البذر شيء.
1 قوله: «لأن ذلك دين عليه، لأنَّ النقصان الذي حدث بتعديه على الأرض كان قبل أن تدخل هذه الأرض ملك ابنه، فهو على هذا الاعتبار دين في ذمة الوالد المتعدي على الأرض.
-2 وإن براه من نقصانها ومِن زَرْعِها»، أي لم يطالبه لا بتعويض نقصانها ولا بزرعها. - قوله: «إن لم يعرف صاحبها وقد أيس منه»: معناه: وقد أيس من معرفته. ثُمَّ إِنَّ قوله: ثُمَّ إِنَّ قوله بعد ذلِكَ: وسواء في هذا أعرف صاحبها ثُمَّ نسيه، أم لم يعرفه من أول مرة ... » كلُّ هَذَا يوضح أَنَّ هَذِهِ الأحكام وأمثالها إنَّما هي فتاوى لمن ابتلي وتورط بالتعدي فأراد أن يتنصل من معصيته، وَرُبَّمَا كانت منه قبل سنين طوال.
- 364 - (1/364)
صفحة 358
وأما من حرث ذلك البذر في أرض غيره، سواء أغصبها أم لم يغصبها، ولم
يعرف صاحب البذر، فإنه ينفق مقدم البذر، وينفق صاحب الأرض أيضا مقدار ذلك، ويمسك الزرع؛ وسواء في هذا أغصب تلك الأرض من صاحبها أم لم يغصبها، والجواب فيها. واحد وإن لم يعرف صاحب الأرض، فإنه ينفق مقدار ما بذر فيها، وينفق نقصان تلك الأرض، ويأكل الفقراء ذلك الزرع؛ ومنهم من يقول: يمسك ذلك الزرع لنفسه، وينفق البذر ونقصان الأرض.
وإن وجد رجل زرعا في أرضه، ولم يعرف من حرثه، فإنَّه إن لم يأذن لمن يحرث فيها ولم يجعلها في يد أحد، فليفعل في ذلك الزرع ما يفعل فيما حرث في أرضه، بالتعدية في ردّ البذر، وقلب ما حرث فيها، ونقصانه وحصاده. وأما إن أمر من يحرثها، أو جعلها في يد أحد، فوجد فيها الزرع، فلا يفعل فيه شيئًا حتى يتبيَّن له أمر ذلك الزرع، فإن قال له من أمره بحرثها أو من جعلها في يده إنما حرثت بالتعدية، فإنَّه يقلبها أو يردُّ البذر على صاحبه، ويحصد ذلك الزرع. وكذلك صاحب الأرض إن قال لرجل: إنَّما حرثت أرضي بالتعدية، وقد عرفت لك (1) تلك الأرض اقلبها، أو رُدَّ البذر من حرثها وتمسك الزرع، أو احصده واترك مقدار البذر، أو احصده كله، أو خذ منه نقصانها؛ فذلك جائز، ويفعل جميع ما أمره به إن أراد ذلك.
وكذلك الطفل إن بلغ، فقال له أبوه: إنَّما حُرثَتْ أرضك بالتعدية، أو خليفة اليتيم إذا بلغ، أو المجنون إذا أفاق، إذا قال لهما خليفتهما: إنما حُرِثَتْ أرضُكما بالتعدية، فإنَّهما يفعلان في ذلك مثل ما يفعلان في أرضهما التي حُرثَت بالتعدية؛ وكل من قال لهم: إنَّها حُرثَت بالتعدية، فإنَّهم يصدّقون ذلك، ويردون عليه البذر.
وقد عرفت لك تلك الأرض ... »: لعل الصواب: وقد عرفت لي تلك الأرض. ليحرر.
- 365 - (1/365)
صفحة 359
وإن قال لهم من حرثها ليس لي شيء في بذرها، وهو لرجل آخر، فإنهم يعطون ذلك البذر لمن حرثها أو للمتهم أنه له. وأما إن قال لهم: ليس لي فيه شيء، ولم يتبين لمن هو فليعطوه له وليس عليهم فيه شيء؛ ومنهم من يقول: لا يعطون له شيئًا، ويحصدون زرعهم ويتركون مقدار ما بذر فيها. وإن نسبه إلى المقابر، أو المساجد، أو ما أشبه ذلك، فإنَّهم يعطون البذر لقائم هؤلاء المعاني. وكذلك إن أقر بالتسمية من البذر لواحد من هؤلاء المعاني، على هذا الحال.
ومن غصب أرضًا، وأعطى البذر للأجير، فحرثه فيها أو كل من قام بأمره فإنَّما يعطي صاحب الأرض البذر لصاحبه، ولا يعطيه للأجير، ولا من حرثه؛ ومنهم من يقول: يعطى لِكُلِّ من حرثه في تلك الأرض إن زرعه بنفسه؛ وأَما إن زرعه الغاصب، فحرثه هو (1) فلا يعطه له.
ومن حرث أرضاً بغير إذن صاحبها، أو غصبها، فحرثها، فاستمسك به صاحب الأرض أن يقلب ما حرث فيها، فإنَّه يدرك عليه نزع كلّ ما كان له من الزرع في تلك الأرض، ولا يدرك عليه أن يقلبها ببذر آخر؛ سواء اأدرك ذلك الزرع أم لم يدرك، ويأخذ كل من زرعه في تلك الأرض أن ينزعه أجيرا كان أو غيره. وكذلك الغاصب إن حرث في تلك الأرض بذر المساجد والمقابر والأجر كلها، فإنه يؤخذ بنزعه، ويضمن ذلك البذر لمن كان له. وكذلك إن حرث بذره في أرض الغصب لهؤلاء المعاني، على هذا الحال. وكذلك الأب والخليفة إن حُرثَت أرض من ولي أمره بالتعدية أو قائم المسجد أو الأجر، فإنهم يأخذون من حرث ذلك في تلك الأرض بنزعه. ويجوز للمُتَعَدِّي أن ينزع كلَّ ما حرثه في تلك الأرض، إن لم
-
1 قوله: «وَأَما إن زرعه الغاصب فحرثه هو»، يبدو أن في العبارة نقصانا، ولعل العبارة كالتالي: وأما إن زرعه الغاصب أي بذر في الأرض فحرث الأرض صاحب ذلك البذر، فلا يعطه الغاصب عوض ذلك البذر. والله أعلم.
- 366 - (1/366)
صفحة 360
يضر به فيما بينه وبين الله، ولا يمنعه صاحب الأرض من نزعه، ولا يكون مُتَعَدِّيا بذلك، أدرك ذلك أو لم يدرك؛ ومنهم من يقول: لا ينزعه الغاصب، ويمنعه صاحب
الأرض أيضًا، ويغرمه صاحب الأرض كل ما استغل، إلا ما قابل قيمة بذره. وأَما إن زرعه ولم يحرثه أو حرثه ولم ينبت فأراد صاحبه أن يجمعه، ومنعه صاحب الأرض، فلا يجوز ذلك، وإنَّما يدرك منعه من مضرّة أرضه، ويجمع بذره كيفما أراد.
كمل الجزء الخامس من كتاب الأصول من تأليف الفقيه أبي العباس أحمد بن محمد بن بكر النفوسي آجره الله بعنايته فيه، وآجر الكاتب له وجازاه بحسن ثوابه، وجعل الجنة مابه، والعمل الصالح دأبه، وفقه وهداه، ويسر له ما يطلبه من أمر دينه ودنياه، وسهل عليه حفظ ما كتب وقرأه، وجعله لمسلك النجاة ساعيا، وعن منهج الضلال ماثلاً، ولسير المسلمين متبعا، وعن سواهن حاديا، والعمل الصالح ملانهما، وعن ضد الصلاح معتصم (1) بعون الله ولطفه، إذ بعون الله فاز كل من فان فعسى الله أن يهب لنا العون من لدنه، وأن يسدّدنا للجميل من القول والعمل
آمين يا رب العالمين.
قوله: «وعن ضدّ الصلاح معتصما»، مراده: وأن يجعله الله من الفساد ممتنعا. قال في لسان العرب: «العصمة في كلام العرب المنع، وعصمة الله عبده أن يعصمه مما يوبقه. عَصَمَه يعصِمُه عَصْماً: منعه ووقاه». ر: مَادَّة
«عصم».
24
- 367 -
-1 (1/367)
صفحة 361
صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
الجزء المسلمين
من
كتاب الأصول
- 369 - (1/369)
صفحة 362
باب فيمن حرث أرض المشاع بالتعدية
قلت: من حرث أرض المشاع بالتعدية هل يدرك على أصحابه بذره؟ غلة المشاع
قال: لا، ويكون ذلك الزرع لأهل المشاع على قدر اختلافهم في ولا يكون عليه من ضمان الأرض شيء، إذا انتفعوا بمقدار ذلك النقصان أو أكثر منه؛ ومنهم من يقول: إنَّما يأكل تلك الغلة الفقراء والمساكين، ويغرم نقصان الأرض لأهل المشاع، فإن أراد أهل المشاع أن يقلبوا ذلك الزرع بزريعة أخرى، فلا يفعلوا ذلك، إلا إن اتفق عليه أهل الصلاح منهم وأما إن أراد أحدهم أن يقلب منها شيئا، فلا يجد ذلك إلا إن اقتسموها قبل ذلك للحرث، فتعدى رجل على سهم أحدهم، فحرثه، فإنَّه يقلبه إن شاء، ويفعل فيه جميع ما يفعله في أرضه إن حُرثَت بالتعدية في تلك السنة الخاصة، وَأَمَّا غير تلك السنة إن حرث ذلك فلا يقلبه، ويكون فيه أهل المشاع سواء.
وأَما إن حرث بإذن أحدهم ومنعه الآخرون، فلا يكون مُتَعَدِّيا. وأَما إن أذن أحدهم فيما أخذ الآخر في سهمه للحرث، فلا يجوز (1)، وإن حرثه على ذلك الحال، فهو بمنزلة المُتَعَدِّي في ردّ البذر عليه وقلب حرثه؛ وكذلك إن اقتسموا، فأخذ كل واحد منهم سهمه فحرثه واحد من أصحابه، فلا يكون متَعَدِّيا في حرثه، ويرد عليه البذر، ويقلبه أيضًا؛ وكذلك إن أذن أحدهم لمن يحرث سهم صاحبه، فحرث، فلا يكون متَعَدِّيا، ولكن يفعل صاحب ذلك المشاع كما يفعله في أرضه إن حُرثَتْ بالتعدية.
-1
قوله: «إن أذن أحدهم فيما أخذ الآخر في سهمه ... » مراده: إن أذن لأحد بالحرث في سهم
غيره فلا يجوز.
-371 - (1/371)
صفحة 363
وكذلك من غلط في أرض المشاع، فحرثها بغير تعد، فالجواب فيها (1) مثل الجواب في المشاع إن حرثه بالتعدية وكذلك البذر إن زرعه بالتعدية، ولم يحرثه الجواب فيها مثل الجواب في أرض رجل إن زرع فيها ولم يحرثه.
وأرض اليتيم والمحنون والغائب إن حُرثَتْ بالتعدية، هل يجوز الخليفة واحد من هؤلاء أن يعطي البذر للمُتَعَدِّي؟
قال: نعم، ويقلبها، ويقلع ذلك الزرع، ويحصده إذا أدرك؛ وكذلك الطفل إذا بلغ والمجنون إذا أفاق وعقل؛ ويفعل كلُّ واحد منهم ما يفعله الخليفة. وإن أعطى الخليفة البذر (2) فأصابت البذر عاهة قبل أن يحصد منه شيئًا. قال: إن نبت، فلا يضمن شيئًا، وإن أعطى البذر قبل أن ينبت، ولو نبت بعد ذلك، فهو ضامن؛ وكذلك إن بذر المُتعَدِّي فيها، ولم يحرثه فأعطاه الخليفة البذر، ولم ينبت ذلك الزرع بعد ذلك، فإنَّه ضامن؛ ومنهم من يقول: لا يضمن الخليفة في هذا شيئًا، إلا إن علم أن البذر لا ينبت ويجوز للخليفة أن يرد البذر على المُتَعَدِّي من مال من استخلف عليه، ويرده عليه أيضًا من ماله ويرجع به على من استخلف عليه، ويعطيه أيضا تطوعا منه، ألا. عليه؛ وأَما أن يرد البذر على المتعدِّي، يرجع ويمسك الزرع لنفسه في أرض من استخلف عليه، فلا يصيب ذلك.
1 قوله: «فالجواب فيها بتقدير: فالجواب في حكم تلك الأرض، أو فالجواب في المسألة. والله أعلم. 2 وإن أعطى الخليفة البذر ... إلى آخره معنى العبارة: وإن أعطى الخليفة البذر للمتعدي على الأرض عوضاً عن بذره الذي بذره فيها، فأصاب البذر الذي أعطاه عوضا قبل أن يحصد من البذر الأول شيئا فإن نبت فلا يضمن ... وقوله: «فإن نبت» يؤول بما إذا أعطاه العوض بعد ما نبت فلا يضمن؛ وإن أعطى البذر قبل أن ينبت، ولو نبت بعد ذلك فهو ضامن. ليتأمل. والله أعلم.
- 372 - (1/372)
صفحة 364
أن
مسألة فيمن حرث أمرض غيره بالتعدي أو بالغلط
ومن حرث أرض غيره بالتَّعَدِّي، أو بالغلط أو بغير أمر صاحبها، فأراد صاحبها يرد عليه بذره، فكيف يردُّه عليه؟
قال: إنَّما يردُّ عليه كيل ما بذر فيها من جنس بذره، وإنما يعرض له (1) شيئاً (2) مثل كيله أو أكثر منه؛ وأَمَّا أقلَّ فلا وَأَما إن أعطاه خلاف بذره، فلا يكون له الزرع بذلك حتى يردَّ عليه مثل ما بذر في أرضه من وفاق بذره. وإن رد عليه بعض بذره فله من الزرع بقدر ما ردَّ، وما بقي فهو على حاله الأول حتى يرد له. وإن أمر صاحب الأرض من يعرض للمُتَعَدِّي، فعرض له فهو بمنزلته؛ وإن أمره أيضا أن يرد له بذره ويكون الزرع للمأمور فهو جائز؛ وكذلك إن أمره أيضا بذلك، ويرجع على صاحب الأرض. وإن عرض صاحب الأرض على المُتَعَدِّي بذره ثُمَّ بدا له بعد ذلك، فلا يصيب الرجوع، إلا إن اتَّفَقَ مع المتعَدِّي على ذلك فيكون الزرع للمتَعَدِّي؛ وأَما إن المتعَدِّي ذلك بعد ما عرض له صاحب الأرض بذره، فإنه يدرك عليه
كيل بذره، ويجبره له الحاكم على ذلك.
وإذا أراد أن يعرض له بذره فيحضره له كلّه أو بعضه إن لم يقدر على إحضار الكلِّ، وَأَمَّا إن لم يحضر شيئا فلا يجد ذلك؛ ومنهم من يقول: إن عرض عليه ردَّ
1 - قال في القاموس في مادة "عرض»: «والشيء له: أظهره، له وعليه: أراه إِيَّاهُ». ثُمَّ قال: «وله من حقه ثوبا أعطاه إياه مكان حقه». انتهى.
وعلى هذا فالعرض في هذه العبارة وأمثالها، يؤول إلى معنى التعويض. والله أعلم.
2 في الأصل: «أيضا»، وهو خطاً. وقد ورد في نسخة (ت) «شيئا»، وهو الصواب. -3 - قوله: «وأما إن لم يرد»، معناه: وأما إن أبى المتعدي ذلك الزرع ورفضه بعد ما عرض صاحب الأرض بذره ... إلخ.
- 373 - (1/373)
صفحة 365
بذره فذلك جائز، ولو لم يحضر؛ وإن ردَّ عليه البذر من مال غيره بالتعدي أو بالغلط فهو كمن لم يرد عليه شيئا؛ وأَما إن ردَّه له من مال من ولي أمره أو ما كان في يده بالأمانة كلها فذلك جائز.
وإن عرض للمُتَعَدِّي بذره من لا يجوز فعله مثل المجنون واليتيم والطفل فلا يجوز. وكذلك هؤلاء إن طلب منهم البذر من حرث أرضهم فلا يجوز، فإن عرض صاحب الأرض على المُتعَدِّي بذره فمات صاحب الأرض قبل أن يأخذ منه، أو مات المُتَعَدِّي فجائز، ويكون ورثة الميت بمقام موروثهم وإنما يثبت عرض البذر على المتَعَدِّي بإقراره أو بشهادة الشهود؛ وكذلك صاحب الأرض على هذا الحال، وإنَّما يحتاجون إلى ما ذكرنا من هذا كلّه إذا عرض صاحب الأرض البذر على المتعدِّي، فأصابت الزرع آفة قبل أن يقبض المتعَدِّي البذر، فلا يصيب صاحب الأرض إلا أن يعطيه بذره. وكذلك إن عرضه عليه ولم يقبضه، فأدرك الزرع فحصده المتعدِّي فلا يصيب ذلك). (1)
وإن تشاكل على صاحب الأرض ما بذر فيها المُتَعَدِّي، فإنه يعرض له من جنس بذره وما تبين له فيكون له زرعه؛ وإن لم يتبيَّن له جنس ما زرع المتعدِّي فيوقف ذلك حتى يتبين له ذلك؛ ومنهم من يقول: يحضر من تلك التي تشاكل عليه فيما بذر المتعدِّي فليعرضها عليه.
وإن اختلفا في جنس البذر أو كيله فمن أتى بالبينة على شيء معلوم من ذلك حكم له به، وإن أتوا بالبينة جميعا، فَلْيُحْكَم لِصاحب البذر في الجنس مقدار الكيل، وإن لم تكن له بينة، فالقول قول المتعَدِّي مع يمينه في بذره.
قوله: «فلا
حقه، بل الزرع لصاحب الأرض، وللمتعدِّي ذلك». معناه: فليس ذلك من يصيب
عوض بذره.
- 374 -
-1 (1/374)
صفحة 366
وأما إن بذرا أجناسا مختلفة، فليعرضها عليه مفترقة أو مجتمعة، وإن عرض لبعضها ولم يعرض لبعض (1)، فليكن ما عرض له وما لم يعرض على ما ذكرنا قبل هذا من أمرهما. وإن ادَّعى عليه صاحب الأرض أنه عرض له بذره فأنكر المتعَدِّي، ولم تكن له بينة، فليدرك عليه اليمين وكذلك إن ادَّعَى المُتَعَدِّي على صاحب الأرض أنه عرض له بذره، فأنكر صاحب الأرض ولم تكن له بينة، فليحلفه على دعوته؛ وكذلك دعواهما في خليفتهما أو وكلائهما بذلك. واختلفوا أيضا في مال من ولي أمره ولم تكن بينهما بينة، فليحلف المدعى الناكر في هذا كله على علمه؛ وكذلك من ادَّعَى منهما التبرئة على صاحبه بعد ما عرض له بذره فعليه بالبَيِّنَةِ وتكون على صاحبه اليمين.
وإن ادَّعَى صاحب الأرض أنه قلب أرضه بخلاف بذر المتعدِّي، وأنكره المُتَعَدِّي، فالبَيِّنَة على صاحب الأرض، وتكون اليمين على المتعدي .. وكذلك إن ادَّعَى صاحب الأرض أنه قد قلع نبات بذر المتعدي وأنكره المُتَعَدِّي، فهو على ما قلناه أَوَّلاً.
ومن حرث أرض غيره بالتَّعَدِّي، فعرض عليه صاحب الأرض كيل بذره أو دفعه، فأصابت ذلك الحرث آفة أو كانت كما هي، ولم يصبها شيء، أو حصده بعد إدراكه، فطلب منه نقصان أرضه، فلا يدرك عليه صاحب الأرض شيئا من نقصان أرضه إذا عرض عليه البذر أو أعطاه، له سواء ما كان قبل البذر أو ما كان بعده ولا يدرك عليه قلع ذلك النبات بعد ما عرض عليه البذر؛ وكذلك إن حصده بعد ما أدرك، فطلب نقصان أرضه، فلا يدرك ذلك على المُتَعَدِّي؛ وكذلك إن انتفع من ذلك الزرع بمقدار نقصان أرضه، فلا يدرك بعد ذلك على المتعدِّي شيئا.
1 قوله: «وإن عرض لبعضها و لم يعرض لبعض»: الأصح أن يقال: «عرض بعضا ولم يعرض بعضا». ليحرر
- 375 - (1/375)
صفحة 367
وإن حرث رجل أرض رجل بالتَّعَدِّي، فنبت ذلك البذر وأصابته آفة قبل أن
ينتفع به واحد منهما، فطلب صاحب الأرض نقصان أرضه عند المتعدِّي، فإنه يدركه عليه؛ وكذلك إن أدرك الزرع فأصابته آفة مثل ذلك أيضا؛ وكذلك إن أصابته آفة مع الأرض، فإن المتعدِّي (1) يدرك عليه نقصان أرضه، وإن اختلف في نقصان الأرض، فإن كان ذلك مِمَّا ينظر فيه أهل العدل، ويتبين لهم مقداره، فإنهم ينظرون فيه؛ وإن لم يتبين لهم شيء من ذلك، فليرجع الفعل للمتعدي فيعطي له، ثُمَّ يحلف أنه لم يبق عليه شيء.
قلت: وإن مات المُتَعَدِّي في هذا الوجه الذي يلزمه فيه اليمين، فحلف ورثته،
فماذا يجب عليهم؟ قال: إن كان للمُتَعَدِّي (2) بَيِّنَة، فليثبتها عليهم ويحكم به، وإن لم تكن له بينة، فليحلف الورثة على علمهم أنه لم يبق عليهم شيء.
ومن حرث أرض غيره بالتعدي، فطلب منه صاحب الأرض نقصان أرضه، فإنه يدركه عليه فيما مضى؛ وإن طلب منه نقصانها في المستقبل، فلا يدركه عليه. وإن أخذ منه نقصانها فيما مضى ثُمَّ استمسك به أن يقلع نبات بذره، وأراد صاحب الأرض أن يقلبه بخلاف بذر المتعدِّي؟
قال: إن كان إنَّما أخذ منه أوَّلاً نقصان أرضه على أن يكون الزرع للمتَعَدِّي، فلا يدرك عليه بعد ذلك قلع، نباتها، ولا يقلبها هو أيضا، وأما إن طلب منه نقصانها هكذا، ولم يشترط أن يكون الزرع للمُتَعَدِّي، فإنه يدرك عليه أن يقلع نباته، ويقلبها هو أيضًا بخلاف البذر الأوَّل؛ وإن استمسك به إلى نقصان أرضه،
1 - الظاهر أنَّهُ يقصد: المتعدّى عَلَيْهِ يدرك نقصان أرضه.
2 إن كان للمُتَعَدِّي بَيْنَة»: الظاهر أيضاً أَنَّهُ يقصد: المتعدّى عَلَيْهِ.
- 376 - (1/376)
صفحة 368
1
فقال له المُتَعَدِّي: ما نقصت شيئا، فلينظر في ذلك أهل الصلاح، فإن تبين لهم النقصان فليدركه، عليه وإن لم يتبيَّن لهم، فليدرك ما انتفع به الزرع من تلك الأرض. وإن اختلفوا في النقصان وما انتفع به الزرع من الأرض، فليأخذ صاحب الأرض الأكثر من ذلك؛ وإن أعطى له نصف البذر على أن يأخذ نقصان الأرض كله فيما ناب النصف الآخر، فذلك جائز على شرطهما؛ وأَما إن أعطى له نصف البذر على أن يأخذ منه نقصان الأرض كله فيما بقي، فلا يجوز ذلك؛ وإن أعطى له نصف البذر على أن يقلب ما ناب النصف الآخر، فذلك جائز. وكذلك القلع على هذا الحال؛ ومنهم من يقول: إن أعطى له نصف البذر، فلا يقلب بعد ذلك شيئا ولا يقلعه، ويدرك عليه نقصان ماناب ذلك، ويتم له بذره إن لم يبرئه أوَّلاً مِمَّا بقي. قلت: وإن حرث رجل أرض رجلين بالتعدية، فعرض أحدهما بذره كله، فهل يجب عليه الزرع كله؟ (1)
قال: لا. وَإِنَّمَا له من ذلك ما ناب سهمه من الأرض، إلا إن جوز شريكه ذلك؛ وإن لم يجوز ما فعل، فهو بالخيار في سهمه، إن شاء أن يعطي للمتعدِّي منابه من البذر مثل صاحبه فيكون الزرع بينهما؛ وإن أراد أن يأخذ نقصان ما نابه من الأرض، ويكون ما نابه من الزرع للمُتَعَدِّي فله ذلك. ومن أراد أن يتركه حتى يدرك، فيحصده ويترك له مقدار ما نابه من البذر فله ذلك. ولا يقلب ما ناب سهمه، ولا يقلعه بعد ما أعطى شريكه ما نابه من البذر. وإن برا واحد منهما المتعَدِّي من سهمه أو جوز له ما فعل فيه فلا يقلب بعد ذلك شريكه ما نابه من الأرض، ولا يقلع ما نبت فيها من بذر المُتَعَدِّي، ويردُّ له بذره فيما ناب سهمه إن شاء، ويردُّ له نقصان سهمه من الأرض؛ وكذلك إن كانت الأرض لرجل
1 - فهل يجب عليه الزرع كله؟» يفهم من جواب هَذَا السؤال أنَّ السؤال كالتالي: «فهل يكون الزرع له كله؟».
- 377 - (1/377)
صفحة 369
واحد، فحرثها المتعدِّي، فبرأه من تسمية منها أو تركها له، فلا يقلع بعد ذلك شيئا ولا يقلبه، ويكون بمنزلة الشريك، ويعطيه بذر ما نبت ما لم يبرئه منه، ويدرك عليه أيضا نقصان ما يقابل ما لم يتركه له.
وإن حرث رجلان أرض رجل بالتعدية، فإنَّ صاحب الأرض يقلب أرضه بما يخالف بذرهما إن شاء، ويردُّ لهما أيضًا بذرهما؛ أو يأخذ منهما نقصان أرضه، ويكون الزرع لهما، ويردُّ البذر لواحد منهما، ويأخذ من الآخر النقصان إن شاء؛ وإن أخذ من واحد منهما ما نابه من نقصان أرضه، فلا يقلب منهما بعد ذلك شيئا؛ فإن عرض البذر لهما أو لواحد منهما، فأراد أن يقلبها فله ذلك، وإن عرض البذر لأحدهما، فلا يدرك على من لم يعرض له البذر أن يقلب (1) ذلك النبات ويقلعه هو
بنفسه إن شاء.
مسألة أخرى
قلت: ومن غصب أرض، رجل، فحرثها له ببذر صاحب الأرض، فهل يدرك عناءه عليه؟
قال: لا، ولا يدرك عليه صاحب الأرض بذره، إن جوّز له ما فعل، وإن لم يجوز له ما فعل، فإنَّه يدرك عليه البذر، ولكن إن انتفع بهذا الزرع بقدر بذره، فإنه يرد على المُتَعَدِّي ما أخذ منه من البذر، وإن لم ينبت هذا الزرع أو نبت، فتلف قبل أن ينتفع به بشيء، فإنه يدرك البذر على المُتَعَدِّي. وأما إن لم يغرمه البذر حتى
-1
في الأصل: «يقلع»، وفي نسخة (ت): «يقلب»، ويبدو أن الصواب في لفظة: «يقلع»، لأنها أوفق بالسياق، أي ليس لصاحب الأرض أن يقلع نبات من لم يعرض له البذر، وَإِنَّما يقلعه هو (أي صاحب البذر) بنفسه إن شاء.
- 378 - (1/378)
صفحة 370
حصد زرعه فإنَّه لا يدرك عليه شيئا من البذر، ولا من نقصان الأرض، إن حصد مقدار البذر ونقصان الأرض؛ وإن لم يحصد مقدارهما، فإنه يدركهما عليه جميعا؛ وإن حصد أقل من البذر ونقصان الأرض، فإنه يدرك عليه إتمامهما. وإن لم يجوز له ما فعل، فيراً صاحب الأرض المُتَعَدِّي من الزرع، فإنَّه يدرك عليه نقصان الأرض والبذر، ويكون الزرع للمُتَعَدِّي حيث تبرا له صاحب الأرض منه، وإن لم يكن في
الأرض نقصان، فليدرك صاحبها على المتعَدِّي ما انتفع به الزرع من الأرض.
ومن غصب أرضا فحرثها لصاحبها ببذره، فذلك جائز، ويكون الزرع لصاحب الأرض، إن رضي بذلك، ولا يدرك على المُتَعَدِّي من نقصان الأرض شيئا؛ وأَما البذر إن بذره المُتَعَدِّي على أن يدركه على صاحب الأرض، فليدركه عليه، وإن لم يزرعه على ذلك، فلا يدرك عليه شيئا، ولا يدرك المتعدي عناءه فيما ذكرناه من هذه الوجوه. وإن لم يرض صاحب الأرض بشيء من هذا فلا يجوز، ويكون الزرع للمُتَعَدِّي، ويقلبه صاحب الأرض إن شاء؛ وإن لم يقلبه حتى أدرك، فليدرك نقصان أرضه على الغاصب إن كان؛ وإن لم يكن فيها، نقصان، فليدرك ما انتفع به الزرع من تلك الأرض سواء أأدرك الزرع أو لم يدرك.
وأما من غصب أرضا، فحرثها لصاحبها ببذر غيره من الناس، فإن جوز له صاحب الأرض ذلك، فالزرع له، ويضمن المُتَعَدِّي ذلك البذر لصاحبه إن لم يعطه له على ذلك، وإن زرعه له على أن يدرك عليه ما بذر له في أرضه، فذلك جائز ويدركه عليه، وإن لم يزرعه له على أن يدركه فلا يدرك منه شيئا، وإن لم يرض صاحب الأرض بذلك، فالزرع لصاحب البذر إن شاء أن يمسكه في ذلك الموضع، فذلك جائز، ويدرك عليه نقصان أرضه؛ وإن لم يرد أن يأخذ ذلك الزرع، فإنه يدرك بذره على من أخذه منه، ويكون الزرع لمن زرعه في تلك الأرض، ويدرك عليه صاحبها نقصانها من حيث حرثها، وإنَّما يدرك البذر على من حرثه
- 379 - (1/379)
صفحة 371
في أرض غيره، إن لم يزرعه بإذنه؛ وأَما إن زرعه بإذن صاحبه، فلا يدرك عليه شَيْئًا من البذر، ولا على صاحب الأرض، إن لم يرض ما حرث في أرضه، ويكون
الزرع لصاحب البذر، ويدرك عليه صاحب الأرض نقصانها على كُلِّ حال.
وأما إن حرث الغاصب في تلك الأرض بذر من ولي أمره، فإنه يكون ذلك بمنزلة بذره؛ وكذلك إن حرث لصاحب الأرض بذر من ولى أمره، فيكون بمنزلة بذر صاحب الأرض؛ وأَما إن حرثها له الغاصب ببذر واحد من وجوه الأجر، فلا يمسك صاحب الأرض الزرع على هذا الوجه، ولكن يقلبه إن شاء؛ وإن لم يقلبه وتركه حتى أدرك، فهو لمن كان له البذر من تلك الوجوه ويدرك نقصان أرضه على المتعدي؛ وكذلك إن حرثه غير الغاصب لصاحب الأرض، فالجواب فيها واحد.
قلت: وأما من غصب أرضا، فحرثها ببذر غصبه، ولا يدري صاحبه، فأراد
صاحب الأرض أن يأخذ ذلك الزرع، ويردَّ البذر على الغاصب، فهل يجد ذلك؟ قال: لا، ولكن يقلبه إن شاء، وإن تركه ولم يقلبه حتى أدرك، فلا يأخذه، ويدرك نقصان أرضه على الغاصب من حيث حرثها، ولا ينتفع أحد منهما بذلك الزرع ويأكله الفقراء وكذلك إن زرع فيها بذرًا استرابه الجواب فيها كالجواب في الحرام؛ ومنهم من يقول: يعطي البذر لمن زرعه ويمسك الزرع؛ وإن أراد أن يقلبه أيضا، فله ذلك، وإن لم يقلبه حتى أدرك، فليدرك عليه نقصان أرضه، ويكون الزرع لمن حرثه.
ومن غصب أرضا ولم يعرف صاحبها، فحرثها ببذر غصبه أيضا، ولا يدري صاحبه، فإنَّه لا يأخذ ذلك الزرع، ولكن ينفق ما بذر في تلك الأرض إن أيس من صاحبها، وينفق أيضا نقصان تلك الأرض، ويترك الزرع على حاله ولا يقربه؛ ومنهم من يقول: لا ينفق نقصان تلك الأرض، ولكن يستشهد على تلك الأرض انه برأ منها، ويكون ذلك النقصان دينا عليه ومنهم من يقول: إن أدرك الزرع
- 380 - (1/380)
صفحة 372
فليحفظه ويعمل له ما يصلح له حتى يعرف صاحبه؛ وإن لم يعرفه وأيس منه فلينفقه على الفقراء، ولا يكون عليه من نقصان الأرض شيء على هذا الوجه؛ ومنهم من يقول: ينفق نقصان الأرض مثل الزرع؛ ومنهم من يقول: لا ينفق ذلك الزرع، ولو أيس من صاحبه، ويوصي به وصيا بعد وصي إلى يوم القيامة، حتى يجد صاحبه ويعطيه له (1)؛ وكذلك نقصان تلك الأرض على هذا الحال؛ ومنهم من يقول: لصاحب البذر ويضمن الغاصب نقصان الأرض.
ومن غصب أرضا فزرع فيها بذرا لم يحرثه ثُمَّ زرع عليها أيضا صاحب الأرض بذراً قبل أن يحرث الغاصب ما زرع، وقد اتفق بذرهما، فإنه يرد له صاحب الأرض كيل ما بذر فيها ويحرث أرضه، وإن لم يعط للغاصب ما بذر فيها وتركه حتى أدرك، فإنَّ الزرع بينهما على قدر ما لِكُلِّ واحد منهما من البذر، ويعطي له الغاصب ما نابه من نقصان الأرض على قدر ما له من البذر؛ ومنهم من يقول: يحصد ذلك الزرع كله، ويترك له مقدار بذره إن لم يطلبه الغاصب أوّلاً. وأما إن اختلف بذرهما وأبى أن يعطيه البذر، وتركه على ذلك الحال حتى أدرك، فيحصد صاحب الأرض ما وافق بذره، ويحصد الغاصب ما وافق بذره (2)، ويعطيه نقصان الأرض؛ وأَما إن لم يعطه البذر، ولم يطلبه منه الغاصب حتى أدرك، فليدركه صاحب الأرض، ويترك له مقدار بذره من جنسه وإن لم ينبت من ذلك إلا ما وافق بذر صاحب الأرض، فليحصده ولا يدرك على الغاصب شيئا؛ وأما إن لم ينبت إلا ما وافق بذر الغاصب، فليحصده صاحب الأرض، ويترك له مقدار بذره؛ ومنهم من يقول: يحصده الغاصب ويعطي النقصان لصاحب الأرض.
-1
هذا الحكم في هذه الصورة يكشف عن شدة تحرِّي السلف رحمهم الله من أموال الناس، غير أن فيها تشديدا، وَلَعَلَّ فيها سدا لباب التوبة في وجه التائبين.
2 أقول: ما العمل إذا لم يمكن فرز أحد الزرعين من الآخر؟.
- 381 - (1/381)
صفحة 373
وكذلك إن زرع رجل بذره في أرض رجل آخر بغير رجل آخر بغير تعد، ولم يأذن له صاحبها، فزرع صاحبها بذره أيضًا على ذلك البذر قبل أن يحرث الجواب فيها مثل الجواب في المسألة قبلها.
مسألة: في اختلاط البذر
وإن زرع رجل بذره في أرض رجل بإذنه، ثمَّ زرع عليه (1) صاحب الأرض بذره أيضا، قبل أن يحرثها المأذون له، فهما فيه شركاء، ولا يدرك كل واحد منهما على صاحبه ردَّ البذر له ولا يدرك صاحب الأرض أيضًا نقصان الأرض؛ وكذلك إن كانت تلك الأرض يجوز لِكُلِّ واحد منهما حرثها، فزرع فيها أحدهما بذره، ثُمَّ زرع عليه صاحبه بذره أيضًا، ولم يعرف الأخيرُ بَذر الأوَّل، فهو بينهما على قدر ما لِكُلِّ واحد منهما من البذر؛ وإن عرف الأخيرُ بَذر الأول، فزرع عليه على ذلك الحال، فإنه يعطي الأول بذره، مثل من تعدى على أرض غيره، ولا يدرك عليه شيئا من نقصان الأرض.
وأما الشركاء إن بذر أحدهم في أرض اشتركوا فيها، ثُمَّ بذر عليه صاحبه أيضا، فإن بذروا فيها على قدر ما لهم في الأرض، فالزرع بينهم على قدر شركتهم فيه؛ وإن تفاضلوا في البذر واستووا في الأرض، فليردَّ من كان له الأقل من البذر لصاحبه حتى يستوي معه، ويكون الزرع بينهم. وإن حرث أحدهم ذلك البذر المختلط، فليدرك عناءه على صاحبه؛ وكذلك الجواب في كُلِّ ما اختلط من البذر إن حرثه أحدهم دون صاحبه، فإنه يدرك عليه عناءه. وإن أبى أحدهم أن يحرث ذلك الزرع، فإنَّه يجبر على حرثه؛ وإن لم يجد من يجبره، فليحرثه له، ويدرك عليه عناءه؛
-1
أي زرع على بذره. ثُمَّ ينظر هل تحتمل الأرض البذرين معا أم لا؟
- 382 - (1/382)
صفحة 374
وإن نهاه أن يحرثه، فلا يشتغل به ويحرث زرعه ويدرك عليه ما تعنى فيه؛ ومنهم من يقول: لا يدرك كل واحد منهما على صاحبه أن يحرث تلك الزريعة ولكن يحرثها من أراد ذلك، ويدرك على صاحبه عناءه. ومن بذر في أرض بذراً، ثُمَّ تعدَّى رجل على أرضه تلك، فبذر فيها أيضا، فإنَّ صاحب الأرض يعطي المتعَدِّي بذره إن أراد، ويكون الزرع كله له، وإن أصابته آفة قبل أن يحصده، فلا يدرك شيئا من بذره ولا نقصان أرضه، وهذا إذا كان إتلاف الزرع ليس من فعل المتعَدِّي؛ وأَمَّا إن كان إفساده من قبل فعل المتعَدِّي، فإنَّه يغرمه كل ما فسد من فعله؛ وأَما إن فسد الزرع قبل أن يردَّ صاحب الأرض للمُتَعَدِّي بذره، فإنَّه يدرك عليه صاحب الأرض نقصان أرضه وما بذر فيها، ولا يدرك عليه المتعدي شيئا من بذره، وهذا إذا كان فساد الزرع من قبل المتعدي.
وإن تعدَّى رجل على أرض رجل، فبذر فيها بذرًا أو بذر فيها صاحبها على بذر المتعدِّي، فليردَّ صاحب الأرض على المُتَعَدِّي بذره، ويكون الزرع له، وإن لم يرد له بذره فيكون الزرع بينهما على قدر بذرهما، ويردُّ المُتعَدِّي لصاحب الأرض نقصان أرضه. وإن أراد أن يحصد الزرع كله ويترك له مقدار بذره فله ذلك. وإن تلف بذرهما كله من قبل الله ولم يكن في الأرض نقصان، فلا يدرك صاحب الأرض على المُتعَدِّي شيئا، ولا يدرك عليه المُتَعَدِّي من بذره شيئا. وإن كان سبب تلف البذر من قبل صاحب الأرض، فلا يدرك كل واحد منهما عَلَى الآخر شيئا. وإن انتفعا بشيء من البذر فليتحاصصا فيه على قدر بذرهما، ويدرك صاحب الأرض على المُتَعَدِّي من نقصان أرضه على قدر ما بذر فيها من تسمية البذر). وكذلك إن حصد صاحب الأرض ذلك الزرع، فليترك للمُتَعَدِّي مقدار بذره، وإن
أراد صاحب الأرض أن يرد إليه بذره فإنه يردُّ له تسمية ما بلغ بذره.
1 - المراد بقوله: «تسمية البذر» نسبة بذر المتعدِّي إلى بذر صاحب الأرض. والله أعلم.
25
- 383 - (1/383)
صفحة 375
وإن أذن رجل لرجل أن يحرث أرضه، فبذر فيها المأذون له، ثمَّ بذر فيها صاح أيضا بذرا أفسد الأوَّل؟
قال: إن أفسده كله فليعطه بذره، وإن لم يفسد فيه شيئا فيكون بينهما على قدر بذرهما، وسواء في هذا أتعمد صاحب الأرض أن يبذر على بذر المأذون له أو لم يتعمد.
وإن بذر رجل في أرض، ثُمَّ أذن لآخر أن يحرثها، فبذر على بذره فبطل البذر الآخر بسبب البذر الأوَّل، فإنَّ صاحب الأرض يعطي للمأذون له بذره، ولا يدرك على المأذون له شيئا، ولو علم ببذر صاحب الأرض، إلا إن أذن له أن يحرث في أرضه ثُمَّ بذر فيها بعدما أذن له، فبذر فيها المأذون له بعد ذلك، فإنه يضمن لصاحب الأرض ما أفسد من بذره.
وإن تعدى رجل على أرض رجل فحرثها، فحرث آخر على الحرث الأول بالتعدي، أو بذر الأوَّل وبذر عليه الأخر، أو بذرا فيها جميعا بمرة واحدة فليرد لهما صاحب الأرض بذرهما جميعا ويكون الزرع له، وإن لم يرد لهما بذرهما حتى أدرك الزرع، فإنَّه يحصده ويترك لهما مقدار بذرهما، أو يعطيا له نقصان أرضه، فيكون الزرع لهما على قدر بذرهما، وإن رَدَّ البذر لأحدهما دون الآخر، فليأخذ ما يقابل بذر الذي رَدَّ له، و يردُّ للآخر بذره، ويكون ما نابه، له ويحصد الزرع كله، فيترك له مقدار بذره أو يغرمه نقصان أرضه، فيكون للمُتَعَدِّي ماناب بذره من الزرع.
قلت: وإن حرث رجل أرض غيره بالتعدية، فغاب وأراد صاحب الأرض أن يرد
عليه بذره، فاستشهد بذلك، فتلف الزرع أو أدرك، فلمن يكون إذا فسد أو إذا أدرك؟ قال: هو مثل من لم يعرض له شيئا حين لم يحضر؛ وكذلك إن فعل هذا بغير حضوره ولو كان معه في المنزل؛ وكذلك المُتَعَدِّي إن طلب بذره من صاحب الأرض بغير حضوره فهو مثل من لم يطلبه، وأما إن عرض صاحب الأرض لخليفة المتعدِّي، بذره، فهو بمنزلة المُتعَدِّي؛ وكذلك المتعدي إن طلب بذره من
خليفة صاحب الأرض، فرضي الخليفة ذلك، فهو جائز على صاحب الأرض.
- 384 - (1/384)
صفحة 376
وإن تعدى رجل على أرض رجل فحرثها، ثُمَّ أتى الآخر فرد له بذره على أنَّ تلك الأرض له، فإذا هي لمن ولي أمره أو عرض له على أنَّ تلك الأرض لمن ولي أمره فإذا هي له، فذلك جائز، ويكون الزرع لصاحب الأرض، ويدرك عليه المتعَدِّي بذره. وأَما إن عرض البذر للمُتَعَدِّي على أنَّ الأرض لغيره من الناس، فإذا هي له فذلك جائز، وإن عرض له البذر على أنَّ الأرض له، فإذا هي لغيره، فليس في ذلك ما يمنع صاحب الأرض.
وإن حرث رجل أرض غيره بالتَّعَدِّي أو بالغلط، أو بوجه من الوجوه الذي يردُّ له فيه بذره، فعرض له صاحب الأرض بذره بعدما أخرجها من ملكه، فليس في ذلك شيء، وإنَّما الأمر لمن انتقلت إليه تلك الأرض إن شاء أن يردُّ للمُتَعَدِّي بذره، فله ذلك؛ ومنهم من يقول: لا يدرك ردَّ البذر للمُتَعَدِّي، وله نقصان الأرض من حين دخلت ملكه.
وإن حرث رجل أرض غيره بالتَّعَدِّي أو بغيره، فباعها صاحبها بيعا موقوفاً (1)، فلا يعرض بذره للمُتَعَدِّي، حَتّى يتبيَّن من انتهت إليه، فيردُّ للمُتَعَدِّي بذره؛ ومنهم من يقول: يردُّ لصاحبها الأوَّل بذره، فيكون الزرع له، رجعت إليه تلك الأرض أو انتهت إلى من أوقفها إليه، فلا يدرك على الأوَّل نقصانها من حين انتهت إليه؛ ومنهم من يقول: إن انتهت إلى الآخر، فلا يجوز فعل الأوَّل في ذلك، ويعرض الآخر الذي انتهت إليه للمُتَعَدِّي بذره. وإن عرض للمُتَعَدِّي بذره من أوقفت إليه، فإن انتهت إليه جاز ذلك وإن انتهت إلى غيره فلا يجوز له؛ ومنهم من يقول: لا يجوز من ذلك شيء حتى تنتهي الأرض إلَيْهِ.
فإن تعدى رجل على أرض طفل غيره فحرثها، فعرض له أبو الطفل بذره، ثُمَّ بلغ الطفل، فأبى أن يجوز فعل أبيه، فلا يصيب ذلك؛ وفعل أبيه جائز عليه في كُلِّ ما
1 - قوله: «بيعا موقوفا» مراده - والله أعلم - موقوفا قطعه وهو ما يُسمى بيع الخيار.
- 385 - (1/385)
صفحة 377
فعل من ذلك ولا ينقض ابنه فعله وكذلك خليفة اليتيم أو المجنون، أو خليفة الغائب
الخلافة
فيما اسخلف فيه فلا ينقضوا عليهم ما فعلوا من هذا. وإن خرجوا من فادعوا أنهم فعلوا شيئا من ذلك فكذبوهم، فلا يجوز عليهم قولهم بعد خروجهم من الخلافة، ويجوز قولهم ما داموا في الخلافة، وكلُّ ما أثبتوا عليه البينة بعد خروجهم من الخلافة أنهم فعلوه في خلافتهم فهو جائز؛ وأما ما أقرَّ به هؤلاء أنه فعله عليهم من استخلف فيهم فهو جائز. وإن تعدى رجل على أرض يتيم أو مجنون أو غائب، فحرثها فطلب من استخلف على هؤلاء، فجعله في حل من نقصان الأرض، فتبرؤوا من الزرع، فلا يجوز لهم ذلك فيما بينهم وبين الله، ولا في الحكم، إلا فيما أخذوا عوضه، إلا خليفة الغائب إن استخلفه خلافة مفوَّضة فجائز فعله؛ وأَما أبو الطفل فجائز فعله على ابنه في ذلك، أخذ عوض ذلك أو لم يأخذه؛ ومنهم من يجوز فعل خليفة اليتيم أو المجنون في هذا في الحكم، ويضمنان لهما عوض ذلك.
وإن تعدَّى رجل على أرض القراض فحرثها، فعرض له المقارض بذره أو صاحب المال؟
قال: فعلهم في ذلك جائز، فمن ردَّ له بذره منهما أو طلبه بنقصان الأرض فذلك جائز، ومن سبق منهما إلى ذلك فلا ينقض الآخر فعله، سواء في ذلك أكان الربح في
المال، أو لم يكن ما لم يقتسما، فإن اقتسما فلا يجوز فعل كُلِّ واحد منهما على الآخر.
وكذلك العبد المأذون في التجارة مع مولاه إن حرثت أرضهما بالتعدية، فإن كل واحد منهما يردُّ للمُتَعَدِّي بذره ويقلبها إن شاء، وفعل كُلِّ واحد منهما جائز ما لم يحجر المولى على عبده.
وكذلك أرض المتعاقدين إن حرثها رجل بالتَّعَدِّي، فإن كل واحد منهما يردُّ للمتَعَدِّي عليه بذره، ويحوز في ذلك فعل أحدهما دون صاحبه ما لم يقتسما؛ فإن
- 386 - (1/386)
صفحة 378
اقتسما فلا يجوز فعل أحدهما دون صاحبه، إلا فيما أخذ من سهمه ففعله فيه جائز
من التجويز للمتعدي عليه، وردّ البذر له.
وإن رهن رجل لرجل أرضا فكانت في يد المرتهن أو في يد المسلط ()، فتعدى عليها رجل آخر فحرثها، فإن كل واحد من هؤلاء يمنعه الراهن والمرتهن والمسلط، ويقلبها كل واحد منهم، ويأخذ أيضًا النقصان وكذلك إن أدرك الزرع، فإنَّ كلَّ واحد منهم يحصده، ويترك للمُتعَدِّي بذره، ويكون ذلك من غلة الرهن، وأما البذر فلا يردُّه له إلا الرَّاهن؛ فإن ردَّه له فيكون الزرع له؛ وأَما إن أدرك قبل أن يرد له البذر ففيها قولان منهم من يقول هو للراهن ومنهم من يقول: يكون في الرهن؛ وأَما المرتهن والمسلّط فلا يردان له) البذر، إلا إن رداه للراهن فجائز، فإن رداه فلا يرجعان به على الراهن وأمَّا التبرئة فلا تجوز من واحد منهم فا للمتعدِّي. وإن حرث المسلط تلك الأرض لنفسه، فإنَّ الراهن يردُّ له البذر، ويكون الزرع له، ويقلبها أيضًا؛ وأَمَّا المرتهن فلا يجوز له ذلك؛ ومنهم من يقول: جائز، ويكون الزرع للراهن إن رده المرتهن (3)، وإن حرثها المرتهن لنفسه وهي في يد المسلّط، فلا ينفسخ الرهن بذلك، ويمنعه الراهن والمسلّط من ذلك؛ وإن ردَّ له الراهن البذر، فالزرع له؛ وكذلك المسلّط إن ردَّ البذر للمرتهن على أن يكون للراهن، وإن
1 قوله: «أو في يد المسلّط»، قال في المنجد: سلطه عليه غلبه وأطلق له عليه القدرة والقهر، تسلط عليه صار مسلطا عليه.
هذا في اللغة، أما في الاصطلاح الشرعي فلم أجد له أثرًا، ولعل المقصود: من يجعل في يده إلى أن يرجع المرتهن للراهن أرضه والله أعلم.
2 قوله: «فلا يردان له الضمير هنا عائد على المتعدي، وعلى هذا فمعنى العبارة: وأما المرتهن والمسلّط فلا يردان للمتعدِّي البذر، ولكن إذا رداه للراهن فجائز.
-3 - قوله: «ويكون الزرع للراهن إن رده المرتهن»، كذا في النسخ الأربع التي بين يدي، لكن يبدو لي في العبارة تحريفا. ولعل الصواب هكذا إن رد البذر على المرتهن. والله أعلم.
- 387 - (1/387)
صفحة 379
حرثها الراهن، فإنَّ المرتهن والمسلّط يمنعانه، وإن تركاه حتى أدرك الزرع فهو له، ولا يقلبانه؛ وأَما نقصان الأرض فَإنهما يدركانه عليه؛ ومنهم من يقول: لا يدركانه عليه، إلا إن لم يتم رأس مال المرتهن فإن أدرك الزرع فلا يحصده، ويأخذونه أن يقلعه؛ ومنهم من يقول: لا يأخذونه بذلك؛ ومنهم من يقول: كل ما حدث في أرض الرهن، ولو أحدثه الراهن أو المسلّط أو غيرهما من الناس، أو ما نبت فيها من قبل الله، فذلك كلّه من غلة الرهن فيكون في يد المرتهن أو المسلّط، حتى يستوفي المرتهن رأس ماله إلا ما حدث فيها من غير تلك الأرض من الأشجار والحيطان، فلا يدخل في الرهن.
وكذلك أرض الطفل إن رهنها أبوه أو أرض اليتيم أو المجنون إن رهنها خليفته، فحرثها الخليفة أو الأب أو حرثها من رهنت عنده أو حرثها المسلّط أو غيره من الناس، الجواب فيها مثل الجواب في التي قبلها.
و من تعدى على أرض رجل فحرثها، فجاء صاحبها ولم يدر مقدار ما بذر فيها، وقد علم جنس ذلك البذر فإنَّه يعرض له منه، ويقول له: هذا بذرك، فبين لي مقداره، فإن بيَّنه له، فليعط له صاحب الأرض، وإن أبى أن يعطيه له جبر على أدائه، وإن أبي صاحب البذر أن يأخذ بذره، فلا يجبر على أخذ بذره، ولا يبرأ صاحب الأرض من البذر، حتى يقبضه منه المُتعَدِّي؛ ومنهم من يقول: يضعه قدامه ويبرأ منه؛ وإن لم تكن للمُتَعَدِّي عليه بينة على مقدار ما بذر، فالقول قوله مع يمينه، إلا إن أتى بما لا يمكن من ذلك)، فلا يشتغل به إلا فيما يمكن أن يبذره فيعطيه صاحب الأرض؛ وأَما إن قال صاحب البذر: ما أدري مقدار ما بذرت، فلا
1 قوله: «إلا إن أتى بما لا يمكن من ذلك»، مراده والله أعلم إلا أن أتى في دعواه بما لا يمكن تصديقه فيه، مما لم تجر العادة به كما لو ادعى بذر قنطار فيما جرت العادة أن يبذر فيه نصفه أو ثلثه أو ما أشبه ذلك.
- 388 - (1/388)
صفحة 380
يؤخذ صاحب الأرض بشيء حتى يتبيَّن ذلك، إلا إن أقر لصاحب الأرض بشيء معلوم فليعطه له.
وكذلك كل من حرث أرض غيره بوجه من الوجوه غير التعدي حيث يردُّ صاحب الأرض البذر، الجواب فيها كالجواب في المُتعَدِّي. وإن لم يعرف صاحب الأرض جنس ما بذر المُتَعَدِّي في أرضه، فليعرض له من أي جنس شاء مِمَّا يبذر، فيقول له: إن كان هذا من جنس ما بذرت فخذه وإلا فبين لي ما بذرت؛ ومنهم من يقول: لا يحتاج في هذا إلى عرض البذر، ولكن يقول له: بين لي ما بذرت فأعطيه إيَّاك. والجواب في المُتَعَدِّي وغيره في هذا سواء.
أخذ
وإن حرث رجل أرض آخر بالتعدية، فأعطاه صاحب الأرض بذره ولم ينبت من بذر المُتَعَدِّي شيء، فإنَّ صاحب الأرض يدرك على المتعدِّي أن يرد عليه ما من البذر؛ وأَما إن نبت بذر المُتعَدِّي ففسد، فلا يدرك عليه صاحب الأرض، وإن لم ينبت ولم ييأسوا من نباته، فلينظرُوهُ حَتَّى يَتَبَين أمره، فإن فسد و لم ينبت، فليردَّ له المتَعَدِّي ما أعطاه أوَّلاً من البذر؛ وإن اختلف المتعدِّي مع صاحب الأرض في الجنس الذي بذر المُتعَدِّي، فإن تبين ذلك فليدفعه له صاحب الأرض؛ وإن كانت بَيْنَة للمُتَعَدِّي، فليأخذ ما ادَّعَى، فإن لم يتبيَّن ولم تكن له بَيِّنة، فلينظر البذر حتى ينبت فيردَّ له صاحب الأرض ذلك الجنس. وإن كانوا في غير تلك الأرض التي تعدى عليها، فليعطه ما ادَّعَى عليه، ويدرك عليه اليمين أنه بذر فيها ما ادَّعَى.
وإن أعطاه البذر في هذا الذي ذكرنا كله فتبين لهما بعد ذلك أنَّ بذر المتعدِّي خلاف ما ردَّ عليه صاحب الأرض، فإنَّ المتعدِّي يردُّ لصاحب الأرض ما أخذ منه، ويدرك عليه المتعدِّي ما بذر في أرضه.
وإن ادَّعَى المُتَعَدِّي أن الذي بذر في أرض غيره شعير، فرده له صاحب الأرض، ثُمَّ نبت قمحا، فأنكر المتعَدِّي ذلك وادَّعَى الشعير، فإنَّ صاحب الأرض
- 389 - (1/389)
صفحة 381
يدرك عليه ما ردَّ له أَوَّلاً. وإن لم يدفعه له حَتى تَبَيَّنَ هذا فلا يدرك عليه شيئًا، وإنَّما يفعل صاحب الأرض في ذلك أن يقلب ذلك النبات أو يقلعه، وإن تركه حتى أدرك فليتركه للمساكين أو يحصده، ويترك مقدار ما بذر فيها المتعدِّي حضر أو غاب؛ ومنهم من يقول: لا يتركه إلا إن حضر، وأَما إن غاب فلا يبرأ منه إلا إن وصل إليه.
ومن ادعى البذر فلا يشتغل بقوله إلا بالبَيِّنَة، إلا إن صدقه فيما بينه وبين الله فيعطيه ما ادعى.
وإن أتى رجل بالبينة أنه هو الذي بذر البذر في تلك الأرض على الوجه الذي أعطى للمُتَعَدِّي الأوَّل بتصديق قوله فإنه يعطي له إن كانت له البينة على ما ادَّعَى، ويردُّ من المُتَعَدِّي الأوَّل ما أعطاه؛ ومنهم من يقول: لا يردُّ منه شيئًا، وإن أراد صاحب الأرض أن يقلب أرضه في هذا كله، أو يقلع ما نبت فيها، أو يترك للمتعدِّي الزرع، فيدرك نقصان أرضه، فله ذلك في هذه الوجوه كلها.
وإن حرث رجل أرض غيره بالتعدية، وقد بذر فيها أجناسًا مختلفة، وقد خلطها خصيصا (1)، أو لم يخلطها، فصاحب الأرض بالخيار في هذا كله، وإذا أراد أن يرد على المتَعَدِّي بما بذر في أرضه فله ذلك؛ وإن أراد أن يقلب أرضه فله ذلك؛ وإن أراد أن يقلع ما نبت فيها فله أيضًا ذلك؛ وإن أراد أن يرد عليه بعض ما بذر ويقلب البعض، فيؤخذ منه نقصان الأرض في بعض الأرض فله ذلك فيما يمكن، وسواء أكان ذلك في جنس واحد أو في أجناس مختلفة، سواء أاختلط ذلك البذر أو افترق في أماكن شَتى. وكذلك إن براه من بعض ذلك البذر على أن يكون ذلك البعض للمُتَعَدِّي على هذا الحال، فالمتَعَدِّي وغيره في ذلك سواء.
1 - وقد خلطها خصيصا»: يفهم منه أنه خلطها قصدا.
- 390 - (1/390)
صفحة 382
وكذلك إن تعدى رجال شتى على أرض، رجل، فحرثوها يبذر مختلف، فإنه يعطي لكل واحد منهم بذره، أو يعطي لبعض دون بعض، ويأخذ منهم نقصان أرضه، أو يأخذه من بعضهم دون بعض، أو يقلب ذلك كله إن أراد، ويفعل مع
كُلِّ واحد منهم ما يريد من هذه الوجوه كلها على الانفراد أو على الاجتماع. وَأَما إن تعدَّى رجلان على أرض رجل وحرثاها ببذر واحد، فأراد أن يقلب ما ناب أحدهما دون الآخر، فإنه يفعل ذلك، فيكون ما قلب من ذلك منهما، ولكن يأخذ نقصان ما ناب الذي لم يبرئه منهما؛ وإن غاب أحد المتعديين وحضر الآخر، فإنه يفعل ما أراد إن شاء قلب ذلك أو يقلعه أو يتركه حتى يدرك، فيدرك عليهما نقصان الأرض جميعاً؛ وأَمَّا الزريعة فلا يدرك عطيتها إلا من حضر منهما، ويدرك النقصان على الغائب إذا تركه حتى أدرك.
قلت: فرجل قد وجد أرضه قد حرثت، ولم يدر من حرثها، فجاء رجل فادَّعَى أنه هو الذي حرثها، ثُمَّ جاء آخر، فادَّعَى أنه هو الذي حرثها، ثُمَّ جاء آخر فادَّعَى أنه هو الذي حرثها؟
قال: لا يشتغل بقولهم إلا بالبَيِّنَةِ، فإن أتوا بها جميعًا، فليعط لهم بذرهم إن تبين لِكُلِّ واحد منهم ما بذر فيها، وإن لم تكن لهم بَيِّنة على ما بذر كل واحد منهم، فالقول قولهم مع يمينهم. وكذلك إن اختلف بذرهم، فمن أتى بالبينة على بذره أخذه، وإن لم تكن لهم، بينة فلا يدرك عليهم اليمين أنهم هم الذين حرثوا تلك الأرض، أو على بيان ما بذر كل واحد منهم، وصار أمرهم موقوفًا حَتى يَتَبَيَّن.
وكذلك إن ادَّعَى رجل أنَّه حرث تلك الأرض ولم يدَّع ذلك غيره، ولم تكن له بينة، فلا يحلف أنه هو الذي حرثها، وإن حلف فإنَّه لا ينفعه يمينه؛ وكذلك إن لم ينبت بذره، فادَّعَى جنسا معلومًا من البذر ولم تكن له بينة، وقد تبين أنه هو الذي حرثها فلا يحلف أيضا، ولكن يُنظرونه حتى ينبت، فإذا نبت حلف على مقدار ما بذر فيها فيأخذه؛ وإن قال له: لا أحلف حتى يحضر البذر فله ذلك.
- 391 (1/391)
صفحة 383
وإن حرث رجلان أرضا بالتعدية، فادَّعَى أحدهما القمح، وادَّعَى الآخر أنه بذر فيها شعيرا، فَإِنَّهُمْ ينتظرون البذر حتى ينبت، فإذا نبت منه ما ادَّعى أحدهما دون الآخر، فليعط له بذره ويقلعه أو يقلبه، وليس عليه مِمَّا ناب الذي لم ينبت من الجنس الذي ادَّعَى شيء؛ وإن نبت بذرهما جميعا، فليعطه لهما أو يقلعه أو يقلبه؛ وإن أراد أن يبرئهما فيأخذ نقصان أرضه فله ذلك؛ وكذلك إن أراد أن يعطى لأحدهما البذر ويبرئ الآخر فله ذلك؛ وإن نبت أحد البذرين ومنع البذر الآخر من النبات، أو نَبَتَا جميعًا فغلب أحدهما على الآخر فأفسده، أو أفسد كل واحد منهما الآخر قبل أن يدرك، فمن لم ينبت بذره أوّل مرَّة، فلا يرد له البذر، وليس على صاحب البذر النقصان، وأما إن لم يُفسد كلُّ واحد منهما الآخر إلا بعد ما نبتا، فلا يعط لهما البذر على هذا الحال.
وإن حرث رجل أرض رجل بالتعدية أو بالغلط أو بغير ذلك من الوجوه التي يردُّ عليه فيها صاحب الأرض بذره، فطلب بذره من صاحب الأرض، فلا يجبره الحاكم على ذلك، ويكون صاحب الأرض بالخيار في الوجوه التي ذكرناها قبل هذا؛ وكذلك إن استمسك المُتعَدِّي بصاحب الأرض أن يقلب بذره ذلك أو يقلعه، فلا يدرك عليه ذلك. وإن استمسك صاحب الأرض بالمتعدِّي أن يلقط بذره قبل أن يحرثه، فلا يدرك عليه ذلك؛ وإن استمسك به أن يلقط ما يمكن لقطه بعدما، فَكُل. ما لا يصل إلى لقطه من ذلك فلا يؤخذ عليه؛ وأَما ما يصل إلى لقطه
فإنه يؤخذ به أن يلقطه.
ومن حرث أرض غيره بالتعدية، فنبت بذره فطلب من صاحب الأرض أن يرد عليه بذره، فقال له صاحب الأرض: ليس لك في البذر الذي نبت في أرضي شيء؛ وقد علم أنَّ المُتعَدِّي حرثها بذلك البذر، فلا يشتغل بصاحب الأرض، ويرد على المتعدي بذره. وإن لم يعلم بأنَّ المُتَعَدِّي حرثها، فلا يشتغل بقوله إلا بالبينة.
- 392 - (1/392)
صفحة 384
وإن حرث رجل أرض آخر بالتعدية، فاختلفا في الزرع بعد ما أدرك، فقال صاحب الأرض: قد قلبت بذرك، وهذا الزرع لي، فقال له المتعدي: لم تقلبه وهذا الزرع من بذري، فصاحب الأرض مدَّع في هذا؛ وكذلك إن ادَّعَى أنه ردَّ للمتعدِّي بذره وأنكره المُتعَدِّي، أو قال للمتعدّي: قلعت نبات بذرك، وهذا النبات لي، وكذبه المتعدِّي، فلا يشتغل بقول صاحب الأرض، إلا إن كانت له بينة على ما يقول؛ وإن لم تكن له بَيِّنة فاليمين على من أنكر.
هي
ومن حرث أرضًا، فأتاها آخر فقلبها بما يخالف البذر الأول، وهو يظن أنها له فإذا هي لمن حرثها، قال: هو ضامن لِمَا بُذر فيها أوَّلاً، ويردُّ له صاحب الأرض ما بذر فيها هو أيضا، ولا يدرك عليه عناءه. وإن حرثها رجل وقلبها على أنها له فإذا لغيره، فإنَّه إن جوز له صاحب الأرض ما فعل فليس عليه شيء، ويكون الزرع له، ولا يضمن الأوَّل ما بذر فيها أيضًا، ولا يدرك عليه عناءه؛ وإن لم يجوز له صاحب الأرض فهو ضامن لبذر المتعدِّي، ويكون صاحب الأرض بالخيار، إن شاء أن يرد عليه بذره، أو يقلبه بما يخالفه أو يقلعه، أو يغرمه نقصان أرضه، فله ما شاء من هذه المعاني.
وإن حرث رجل أرض رجل بالتعدية فقلبها آخر على أنها له فإذا هي له فيها شريك، فإنَّ شريكه بالخيار إن شاء ردَّ له ما نابه من البذر، ويكون الزرع بينهما كما اشتركا في أرضهما فله ذلك، وإن أراد أن يغرمه نقصان أرضه ويترك له الزرع فله ذلك، ولا يدرك المُتَعَدِّي على الشريك الذي قلب الأرض المشتركة شيئا بما بذرا؛ وإن قلبها هذا فإذا هو شريك الذي حرثها، فهو ضامن لما بذر فيها الأوَّل، ويردُّ له الأوَّل ما يقابل سهمه من البذر، فيكون الزرع بينهما. وإن حصد الزرع في هذه الوجوه كلها فهو ضامن لنصيب شريكه ويدرك عليه عناءه، ويضمن هو
جميع
ما أفسد من ذلك الزرع.
- 393 - (1/393)
صفحة 385
باب أخذ الشركاء بعضهم بعضا على حرث أرضهم قلت: فقوم مُطِرَت أرضهم وارتوت، فهل يأخذ بعضهم بعضا على حرثها وهي فحوص أو أرض جسور كانوا يحرثونها قبل ذلك، أو لم يحرثوها؟
-
قال: إن اتفقوا على حرثها، فإنَّهم يحرثونها - كما اتفقوا ـــ بأنفسهم إن أرادوا حرثها، أو بعبيدهم، أو بغيرهم من الناس؛ وأَما إن لم يتفقوا أو أراد بعضهم الحرث وامتنع من ذلك، آخرون فلا يدرك من أراد الحرث منهم على من لم يرد أن يحرث بالجبر، إلا إن أرادوا أن يحرثوا باتفاق لنفسهم. وَأَما إن اتَّفَقُوا على الحرث وبذروا، فامتنع بعضهم على ذلك من الحرث، فلا يجدون ذلك، ويُجبر من أبى أن يحرث منهم.
قلت: كيف يُجبر هذا الجبر؟ أيحرث كل بنفسه أو كيف ذلك؟
قال: يجبر أن يحرث هكذا، ويحرث هو بنفسه، أو بعبده، أو بأجيره، ويحرثونها على قدر سهامهم فيها. وإن قال أحد من الشركاء نحرث بأنفسنا، وقال آخرون: نستأجر من يحرثها، فالقول قول من دعا إلى الأجرة (3).
وإن اختلفوا في الحرث، فقال أحدهم: هذا وقت الحرث، وقال آخرون: لم يجئ وقت الحرث إلى الآن، فالقول قول من قال: عاد وقتها (4).
1 - قوله: «إلا إن أرادوا أن يحرثوا بِاتِّفَاق لنفسهم»: لَعَلَّ المَعْنَى أَنَّهُم يدرك بعضهم على البعض الآخر حق التجابر على الحرث إن عزموا على الحرث بأنفسهم؛ وأما إن أراد بعضهم أن يحرث بنفسه وأراد الآخر أن يحرث بعبيده أو بغيرهم فلا يتجابرون. والله أعلم.
2 قوله: «فامتنع بعضهم على ذلك»: مُرَاده فامتنع بعضهم عَلَى الرغم من ذلك، أي بعدما بذروا البذر ونشروه عَلَى الأرض، فلا يحق لأحدهم أن يمتنع من الحرث، بل يجبر عَلَيْهِ. والله أعلم.
-3 ليت شعري، ما معتمد الشيخ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي هَذَا؟.
-4:قوله: عاد وقتها» الصواب أن يقال: حضر وقته.
-
•
-
-394 - (1/394)
صفحة 386
وإن اختلفوا فيما يحرثونها به فقال أحدهم: نحرثها بشيء كذا وكذا، وقال بعضهم: لا نحرثها بذلك، فالقول قول من قال: لا نحرثها بذلك.
وكذلك إن استمسك بعضهم ببعض على تسويتها للحرث، وقطع الحطب منها وجميع ما يصلحها للحرث وأبى ذلك، آخرون فالقول قول من أبى العمل في هذا، لأنه لا يجبر بعضهم بعضًا على العمل والحرث ما لم يبذر البذر؛ فإذا بذروا فيها فليأخذ بعضهم بعضا على الحرث والتنقية، وجميع المصالح لذلك ودفع المضار؛ ومنهم من يقول: لا يأخذ بعضهم بعضا على تنقية الحرث وحصاده وحرزه ودراسته وقسمته، وهذا الذي يتآخذون على عمله كله إن عمله أحدهم دون الآخرين، فليدرك على شركائه عناءه على قدر سهامهم في ذلك. وكذلك إن عمل بعضهم في أرضهم العمل الذي لا يتآخذون عليه مثل الحرث وأشباه ذلك، فإنه يدرك على شركائه فيما ناب سهامهم من تلك الأرض، ويكون ما عمل بينهم، إلا إن لم يرض من لم يعمل منهم شيئا فيما حرث من حرث، فلا يدرك عليه شَيْئاً من الحرث، ويدرك عناءه فيما سوى ذلك من مصالح الأرض، فيكون الزرع لصاحبه، ويرد على شركائه ما نابهم من نقصان الأرض، ولا يُجبرون على ما اختلفوا عليه من أداة الحرث، مثل: الدابة وأداة الحرث كلها، سواء أكانت عندهم أو لم تكن، أو أرادوا سواها، فلا يجبرون على شيء من ذلك. وكذلك أرض الحفر (1)، والتي تحتاج إلى السماد والتراب أو يرفعون لها الجسور وما أشبه ذلك من مصالحها لا يتأخذون على شيء منها ما لم يبذروا فيها بذرهم، وإذا بذروا فيها بذرهم فليأخذ بعضهم بعضًا على إصلاحه في جميع ما ذكرنا من هذا، ويدرك بعضهم على بعض أن يقسم أن يقسم معه الأرض إذا أراد أن يحرث سهمه منها، أو ينتفع
1 قوله «وكذلك أرض الحفر»، لعل المراد: الأرض التي تحتاج إلى حفر، كما لو دفنت بسيل أو ريح أو ما أشبه ذلك. والله أعلم.
- 395 - (1/395)
صفحة 387
منها بشيء مِمَّا ذكرنا من هذا وإنَّما يتآخذون على قسمتها للأبد لا للحرث (1) وإن اقتسموا، فليفعل كل واحد منهم ما أراد في سهمه.
وإن اتفقوا على حرث أرضهم فبذروا فيها، ثُمَّ قال واحد منهم: نقسم، فيحرث كل واحد منا سهمه، ويفعل فيه ما شاء؛ واستمسك به الآخرون على حرث بذرهم، فإنهم يدركون عليه ذلك؛ وأما قسمة الأرض فلا يمنع منها من استمسك بذلك منهم. وإن امتنعوا من الحرث فبذر فيها واحد منهم، فلا يمنع من حرث بذره، ويكون شركاؤه بالخيار، فإن أرادوا أن يشتركوا معه ما حرث فليردوا عليه بذره وعناءه، وإن لم يردُّوا ذلك فليدركوا عليه ما نابهم من نقصان الأرض؛ ومنهم من يقول: إن لم يحرث إلا مقدار سهمه ولم يختر أطايب الأرض فلا يدرك عليه شركاؤه شيئا في الحرث ونقصان الأرض.
وإن اختلفوا فيما يحرثون من الزرارع فإنَّهم يمنعون حتى يتفقوا؛ وإن زرعوا فيها بغير اتفاق فإنَّه إن أراد الشركاء فليترادد الشركاء زريعتهم فيما بينهم، وتكون كلها فيما بينهم؛ ومنهم من يقول: يمسكون زرارعهم ويتراددون نقصان الأرض فيما بينهم؛ ومنهم من يقول: إن لم يحرثوا إلا مقدار سهمهم فلا يتراددون شيئًا مِمَّا ذكرنا، ويكون لِكُلِّ واحد منهم ما بذر ااتَّفَق بذرهم أو اختلف؛ ومنهم من يقول: لا يمنع الشريك شريكه من حرث سهمه من الأرض التي بينهما، ويحرث سهمه بما شاء من الزرارع إن لم يختر أطايب الأرض، ولم يكن في ذلك تغابن ويحرث بنفسه، ويحرث له غيره، ويعطي سهمه لمن أراد من الناس أن يحرثه؛ وإن اختلفوا في تخفيف الزريعة أو كثرتها، فالقول قول من امتنع من الحرث بسبب كثرة الزريعة وخفتها؛ ومنهم من يقول: إنَّما يرجعون في هذا إلى عادة أهل البلد، ونظر أهل المعرفة، وينظرون فيما يبذرون في مثل تلك الأرض بكيل معلوم، فليتآخذوا
1 - قوله: «وإنَّما يتأخذون على قسمتها للأبد لا للحرث» معناه يتجابرون على قسمة عينها فيتحدد نصيب كُل شريك، ولا يتجابرون على قسمة المنفعة.
- 396 - (1/396)
صفحة 388
عليه؛ وكذلك اختلافهم فيما يحرثون فيها من أصناف الزرارع على ما قلناه في المسألة التي قبلها؛ وكذلك اختلافهم في وقت الحرث يرجع ذلك إلى نظر أهل النظر، فما قالوا لهم عملوا به.
وإن حرث واحد من المشتركين الأرض التي بينهما، فحملها من الزريعة أكثر من عادتها، فضرَّها ذلك، فإنَّه يضمن لشريكه من الزريعة ما جاوز عادة البلد مِمَّا ليس له نفع، وهذا إذا كانت الزريعة بينهما. وكذلك الوكيل على الزريعة والأجير وما أشبهه، يضمنون لصاحب الأرض ما جاوز به العادة من ذلك، مِمَّا يضر بالأرض والنبات. وكذلك ما بذر هؤلاء كلهم ولم يحرثوه، وما أخذته الأشجار والنبات (1)،
وما لم يجز عليه بالمحراث، وبقي كذلك حتى فسد، فهو ضامن في هذا كله. وكذلك إن بذر الوكيل والأجير وكلُّ من ولي أمر غيره في هذا، فهم ضامنون لما بذروا في الأرض التي لم تنبت شيئا بصلابتها وما أشبه ذلك من المواضع التي لم ينبت فيها شيء، أو يغلبها الماء أو ما أشبه ذلك مِمَّا يضرُّ بالزريعة والنبات.
وخليفة اليتيم أو المجنون أو أبو الطفل هم على ما ذكرنا قبل هذا من الاشتراك وما يُدرَك عليهم وما يتآخذون عليه في إصلاح ما كان قبل ذلك، وما يحرثونه وما اتَّفَقُوا عليه، وما اختلفوا فيه فهو على ما قلنا في المسألة الأولى.
وإن اتفق رجل مع شريكه أن يحرث أرضهما ببذرهما، فأوكل إليه أمر الحرث؛ أو استأجر رجل رجلا للحرث أو للبذر، فخفف هؤلاء زريعتهم حتى جاوزوا عادة البلد، فأبطلوا الأرض بذلك، أو دخل إلى النبات من قبل ذلك فساد، فلا يدرك على الحراث شيئًا من بطلان الأرض سواء في ذلك الشريك والوكيل والأجير، ويدركون عليهم عناء دوابهم وكراء أداتهم في استعمالهم لها في الموضع
1 - قوله: «وما أخذته الأشجار والنبات»، معناه أن ما يُذر من البذر فتناثر خلال الأشجار والنبات
الذي من شأنه أن.
يمنع
البذر من
النمو حَتَّى فسد فهو ضامن له.
- 397 - (1/397)
صفحة 389
الذي لم يكن فيه البذر. وأما إن بذروا بذرا يؤول إلى فساد النبات فهم له ضامنون؛ وكذلك خليفة اليتيم أو المجنون على ما قلناه في هذه المسألة. وإن بذر صاحب الزريعة لنفسه في هذه الوجوه التي ذكرنا، فخفف الزريعة أو أكثرها فلا يضمن الحارث بعد ذلك شيئا. وأما إن أمر من يبذر له فعمل ما قلنا من خلاف العادة وحرث صاحب الأرض، فالذي بذر ضامن لما جاوز به عادة البلد من البذر، ولا يكون عليه من التخفيف عناء الدواب والأداة. وإن استأجر من يحرث له أو استأجر من يبذر له فبذر الأجير البذر أكثر من العادة، فحرث الأجير، فالضمان على الذي بذر، ولا يكون على الحارث شيء، إلا إن علم أنَّ صاحب البذر لا ينتفع بشيء من
ذلك البذر فهو ضامن لعناء الدواب والأداة؛ وكذلك الوكلاء على هذا الحال. وَأَمَّا إن استأجر أجيراً للبذر، وآخر للحرث فخفف الزريعة حتى جاوز عادة البلد، فحرث الآخر وقد علم تخفيف البذر، فهو ضامن لعناء الدواب وكراء الأداة في استعماله لها فيما لا ينتفع به صاحبها، والذي بذر لا يضمن شيئا، إلا إن كان في ذلك فساد الزريعة، ويضمنها لصاحبها.
وإن أمره أن يبذر كيلا معلوما في موضع معلوم، وقد تبين في ذلك كثرة الزريعة أو خفتها فلا يكون على الأجير والوكلاء شيء في هذا الوجه من الزريعة
وعناء الدواب. وأبو الطفل إن أمر أجراءه بما قلنا فهي على المسألة الأولى.
براهم.
وأما خليفة اليتيم أو المجنون أو الغائب إن أمر الوكلاء أو الأجراء بما فيه الفساد، فلا يكون على الوكلاء والأجراء شيء، والضمان على الخليفة؛ ومنهم من يقول: إن علم الأجراء بذلك، وظهر لهم فيه الفساد ففعلوا كذلك، فهم ضامنون، وأما إن منه خليفة واحد من هؤلاء فقد أجزأهم. وإن بذر الوكيل أو الأجير أو الشريك أو الخليفة، فكل ما تركوه ولم يحرثوه حَتّى فسد، أو ما لقطته الطير وجميع ما فسيد من ذلك البذر بتضييع منهم، فهم له ضامنون. وأما ما يطير من البذر حد الحرث، أو ما يلتزق بأرجل الدوابٌ مِمَّا لا يستمسك منه في ذلك ولم يتعمده، فليس عليه فيه ضمان، وما يمر به الماء من الزريعة في حال سقيهم لها أو
فيخرج من
- 398 - (1/398)
صفحة 390
ما يكون على جسور من عنائها شيء فيما لا يفسد منه في عادة الناس.
الأحواض فلا ضمان عليهم؛ وكذلك الدواب لا يكون عليه
(1)
وإن أمر رجل شريكه أو أجيره أن يحرث فزرع في موضع لا يصلح له أن يزرعه فيه، مثل: الطين أو الماء أو ما يضرُّ بالزريعة والأرض، فهو ضامن لجميع ما فسد من تلك الزريعة، وعناء الدواب والأداة والأرض، إلا إن أمرهم أن يحرثوا ذلك الموضع فهو على ذلك الوصف.
والشريك إن حرث زريعة لا تنبت، أو وكيل الرجل على حرثه، أو أجيره الذي فوض إليه ذلك إن حرث زريعة لا تنبت فهم ضامنون للزريعة وعناء الدواب وكراء الأداة، تعمدوا ذلك أو لم يتعمدوه، إلا إن كان هو أعطاهم تلك الزريعة، فليس عليهم حينئذٍ ضمان. وأما ما يكون في الزريعة من الشيء اليسير مِمَّا لا ينبت وليس له قيمة فليس عليهم منه شيء.
مسألة في اشتراك الحرث
وإن اتفق قوم أن يشتركوا في حرث، فإنَّهم يشتركون فيه كما اتفقوا عليه قلوا أو كثروا، تفاضلوا في شركتهم أو استووا فيها، سواء أاشترك معه موحد أو مشرك، طفلا كان أو بالغا فالشركة فيما بينهم جائزة على ما اتفقوا عليه. وإنَّما تصح شركتهم إن اشتركوا في الزريعة، وإذا لم يشتركوا فيها فلا تصح. وإنما يفعلون أن يأخذ كل واحد منهم ما نابه من الزريعة فيخلطها مع زريعة صاحبه، أو يعطي كل واحد منهم لصاحبه سهما من زريعته فتكون الزريعة سهما بينهم على
1:قوله فيما لا يفسد منه»، الضمير عائد على البذر، وعلى هذا فالمراد لا ضمان على مستخدم الدواب فيما لم يفسد من البذر، وإنما الضمان فيما استخدمت فيه من البذر الفاسد، لأن عناءها كان في غير مقابل. والله أعلم.
2 - الفعل "اشترك" لازم غير متعد إلا بـ” في الجارة. فلو قال: «في شركة الحرث» لكان أصع.
26
26
- 399 - (1/399)
صفحة 391
را عليه أو يبيع واحد منهم لصاحبه كيلا معلوما من تلك الزريعة ويخلطونها. وكذلك إن أراد أن يشترك مع الطفل بإذن أبيه أو المجنون (1) أو
بخليفتهما، الجواب فيهما كالجواب في التي قبلها.
وَأَمَّا إن اتَّفَقُوا أن يشتركوا على أن يحرث أحدهم ويرد له صاحبه ما نابه من البذر، فلا يجوز ذلك؛ ومنهم من يقول: جائز، ويردُّ عليه ما نابه من الزريعة، أو اتَّفَقُوا على أن يجعل على أحدهم البذر، ويجعل على الآخر الأرض أو الدواب أو
الماء فلا تجوز تلك الشركة، ويكون الزرع لصاحب البذر، ويأخذ صاحب الأرض نقصان أرضه، ويأخذ صاحب الماء قيمة مائه، ويأخذ صاحب الدواب عناء دوابه، إلا إن كانت الدواب أو الماء لصاحب الزريعة.
وإن حرث تلك الزريعة غير صاحبها فليأخذ عناءه؛ ومنهم من يقول: إن جعل صاحب الزريعة لصاحب الدواب سهما من ذلك الحرث فذلك جائز، وأَما إن جعل لصاحب الأرض أو الماء سهما فلا يجوز؛ ومنهم من يقول: جائز. وأما إن جعل لرجل الأرض والزريعة، وجعل لرجل آخر فيها سهما على أن يحرثها فلا يجوز؛ ومنهم من يقول: جائز. وكذلك إن جعل الزريعة والأرض والدواب، وجعل لرجل فيها سهما على أن يحرثها؛ أو كانت الزريعة والأرض والدواب والماء لرجل واحد، وجعل لآخر فيها سهما، أو جعل لأحدهما الأرض والزريعة، وجعل للآخر الدواب والحرث بنفسه، أو جعل لأحدهما الأرض والماء وجعل للآخر الزريعة والدواب، واستأجر من يحرثها فلا يجوز شيء من هذا؛ ومنهم من يقول: جائز على ما اتفقوا عليه.
وَأَما إن لم ينبت الزرع، أو نبت فأصابته، آفة فإنهم يتآخذون العناء والقيمة فيما تمكن فيه، على قول من لا يجيز تلك الشركة؛ وأَمَّا من جوزها فلا يدرك كل
-
قوله: «أو المجنون»، المجنون ليس له، فعل، فلا بد من تقدير مضاف بإذن أبيه أو أبي المجنون أو
خليفتهما».
- 400 - (1/400)
صفحة 392
واحد منهم على الآخر شيئا؛ ومن مات منهم فورثته بمقامه. وَأَمَّا إِن اتفقوا على هذا كله، فبدا لواحد منهم، فأراد أن يأخذ العناء أو القيمة فلا يجد ذلك، إلا إن برا كل واحد منهم صاحبه من العناء أو القيمة فبذر له فهو جائز.
وإن اكترى له أرضا على أن يحرثها، أو اكترى له ماء على أن يحرث به، فلا يجوز هذا، وهو من السحت؛ وإن حرثها على ذلك الحال، فإنه يعطي نقصان تلك الأرض أو قيمة ذلك الماء؛ ولا يجوز كراؤها ولو بما يكال أو يوزن، أو غير ذلك مِمَّا لا يكال ولا يوزن.
ومن اكترى دواب يحرث بها، أو اكترى رجلا يحرث له فذلك جائز. وإن اتَّفَقُوا على شركة الحرث، فحرث أحدهما، بذره، ثُمَّ حرث صاحبه مثل ذلك، ولم يخلطا زريعتهما، فإنه يكون لكل واحد منهما ما زرع من بذره، فلا يدرك فيه صاحبه شيئا، وليتداركا العناء والقيمة والنقصان فيما يكون منه؛ ومنهم من يقول: ذلك جائز. ومن لم تنبت زريعته منهما فلا يدرك على صاحبه شيئا؛ ومنهم من يقول: يدرك عليه سهمه من الزرع.
ويشارك الرجل طفله مع غيره من الناس ببذره أو أرضه أو دابته أو عبده، والجواب فيها على ما قلناه وكذلك إن كانت هذه المعاني التي ذكرناها لغيره من الناس فيشاركه فيها لابنه الطفل فذلك جائز. وكذلك إن حرث بنفسه أو عبده أو ته أو بذر أرض غيره، على أن يكون ذلك لصاحب الأرض أو طفله أو كانت الدواب أو العبيد والبذر لطفله، فحرث بها أرض غيره على سهم معلوم لنفسه فذلك جائز. وكذلك إن لم يكن له في البذر والدواب شيء وهو لصاحب الأرض،
دابته
فحرث بنفسه على أن يكون سهم من ذلك الزرع له أو لابنه الطفل فذلك جائز. وإن أعطى رجل أرضه لمن يحرثها فيما بينه وبين يتيم قد استخلف عليه، أو أعطاه البذر أو الدواب ليحرث بها، على أن يكون الزرع بينه وبين اليتيم الذي قد استخلف عليه، فجائز. وكذلك إن لم يكن له في الدواب والبذر شيء، وَلَكِنه
- 401 -
- (1/401)
صفحة 393
لصاحب الأرض، فحرثه بنفسه على أن يكون الزرع بين اليتيم وبين صاحب هذه المعاني فجائز. وكذلك إن كان البذر والدواب لليتيم فأعطاها خليفته لمن يحرث بها، على أن يكون الزرع بين من يحرث بها وبين اليتيم فجائز.
وَأَمَّا إن أعطى بذر اليتيم أو عبيده أو دوابه لمن يحرث بها، على أن يكون الزرع بين من يحرث بها وبين خليفة اليتيم أو غيره من الناس فلا يجوز. وكذلك
أرض اليتيم إن أعطاها على أن يكون له سهم مِمَّا زرع فيها أو لغيره، فلا يجوز. وكذلك إن كان البذر للمساكين أو للمسجد أو لوجه من وجوه الأجر، فأعطاه لمن يحرثه على سهم معلوم لواحد من هؤلاء المعاني، فجائز.
وإن أعطى بذر هذه المعاني على أن يكون له سهم منه، ويكون الذي اشترطه لمن كان له البذر (1). وأَما أرض المساكين أو المسجد أو الأجر إن أعطاها على سهم لهؤلاء معلوم المعاني فلا يجوز؛ ومنهم من يقول: جائز.
وَأَمَّا إن حرث لنفسه أرض المسجد أو أرض المساكين أو أرض الأجر ببذرها، على أن يكون له سهم معلوم منه فلا يجوز؛ ومنهم من يرخص.
وإن حرث رجل أرض المسجد أو المساكين أو الأجر، على أن يكون له سهم من هذا الزرع، أو حرث أرضه ببذر واحد من هذه المعاني، على أن يكون له سهم مِمَّا نبت فيه من الزرع، فالزرع لصاحب البذر من هذه الوجوه؛ ومنهم من يقول: جائز على ما حرث عليه.
وإن اتفق رجل مع آخر على أن يحرث أرضه، فحرثها، فخرجت ليس له فيها شيء، فإن جوز له صاحبها ذلك فيكون معه على ما اتفق عليه مع من استحرثه
1 - تراءى أوَّل مَرَّة أَنَّ في العبارة، نقصا، ثُمَّ تَبَيَّنَ لي أن الجملة تامة باعتبار أن قوله: «ويكون الذي اشترطه لمن كان له البذر هي جواب الشرط، وَعَلَيْهِ فَلا بُدَّ من ربطها بالفاء لا بالواو هكذا: فيكون الذي اشترطه لمن كان له البذر». ليحرر، والله أعلم.
- 402 - (1/402)
صفحة 394
أول مرَّة؛ فإن لم يجوز له ذلك فأراد أن يتفق معه اتفاقا ثانيًا فله ذلك؛ وإن لم يرد صاحب الأرض، فليعط البذر لمن كان له ويكون الزرع له؛ ويعطي للحراث ولصاحب الدواب عناءهم إن لم يكن فيها تعد. وكذلك كل ما استعمله الأول من الأداة في ذلك الحرث على هذا الحال، سواء أكانت الأداة والدواب لصاحب الزريعة أو لمن حرثها، فإنَّه يأخذ عناءها من صاحب الأرض.
وَأَمَّا إن أعطى رجل لآخر الزريعة بسهم معلوم، فخرجت الزريعة لغيره من الناس، فإنَّه يعطي الزريعة لصاحبها، ويكونان على ما اتفقا عليه من شركتهما. وكذلك إن خرجت الدواب التي اتفقوا أن يحرثوا بها لغير من أعطاهم على السهم، فإنه يأخذ صاحبها عناءها ممن استعملها.
وَأَما إن أعطى رجل لرجل أرضا على أن يحرثها بسهم معلوم، فحرثها، فخرجت الأرض لمن حرثها، فإن كان البذر له فَكُلُّ ما نبت منه في أرضه فهو له ويعطي عناء ما استعمله من الدواب التي أعطاها له على السهم الأول؛ وكذلك الأداة على هذا الحال. وَأَما إن أعطى له أرضا أن يحرثها بسهم، فخرجت الأرض لغائب قد استخلف عليه، أو ليتيم أو المجنون قد استخلف عليهما، فهما على اتفاقهما، ويأخذ الذي شاركه في سهمه، وليس عليه شيء، ويعطي هو الذي (1) أخذ من ذلك الزرع لمن كانت له الأرض. وإن كان البذر له أو للذي أعطاه الأرض على السهم، فلا يأخذ وإنما يدرك نقصانها على صاحب الزريعة، ويكون الزرع له (2). وفعل الخليفة على من استخلف عليه، أو الأب على ابنه الطفل في هذا
صاحب الأرض
كله جائز.
1
-
منه شيئًا،
هو
أخذ الذي من
ذلك الزرع: يبدو أن المراد ويعطي هو ما أخذ من ذلك
قوله: «ويعطي الزرع لمن كانت له الأرض.
2 - قوله: «ويكون الزرع له الضمير عائد على صاحب الزريعة.
-
- 403 - (1/403)
صفحة 395
وأما إن أراد الخليفة أن يعطي أرض هؤلاء على سهم مما حرث فهو جائز. وكذلك إن أراد أن يحرثها هو لنفسه مِمَّا نبت فيها على ذلك الحال. وإن
هو
بسهم
أراد أن يأخذ لهم أرض غيرهم ليحرثها لهم بسهم، فذلك جائز؛ وإن لم ينبت شيء
مِمَّا زرع في تلك الأرض، أو مِمَّا زرع في أرضهم فليس عليه شيء.
وجائز للخليفة أيضا أن يعطي دواب من استخلف عليه لمن يحرث بها "
زريعتهم لمن يحرثها بسهم من ذلك؛ وكذلك إن أراد هو أن يأخذ تلك الدم ليحرث بها بسهم مِمَّا حرث بها أو زريعتهم ليحرثها على سهم مِمَّا نبت منها فهو على ما ذكرنا أولاً.
وجائز له أيضًا أن يعطي أرض من استخلف عليه لمن يحرثها بغير سهم من ذلك
الزرع، إذا كانوا يصلحون ذلك بالسماد وغيره مِمَّا يصلح الأرض
وإن بلغ الطفل أو أفاق المجنون أو قدم الغائب ولم يجوزوا ما فعل خليفتهم فلا يشتغل بهم، وفعله جائز عليهم. ويُعطي الإمام أو عامله أو قاضي المسلمين، إذا لم يكن الإمام، أو جماعة المسلمين إذا لم يكن القاضي أرض الأجر والمساجد والمقابر بسهم مِمَّا زرع فيها لمن يحرثها بسهم)، أو لمن يحرثها بغير سهم مِمَّا ينبت فيها، إذا كان يصلحها من أعطيت له بالسماد وغيره. وكذلك القائم على هذه الأرض كلّها فليفعل فيها ما يفعل الإمام أو من ذكرنا. وكذلك إن أراد أن يعطي زريعة هذه المعاني لمن يحرثها على سهم منها، ودوابهم لمن يحرث بها على سهم مما حرث بها، فهو جائز. وإن أراد أن يحرث لهم أرضهم بزريعتهم ودوابهم فذلك جائز. وإن لم ينبت هذا الذي زرع كله، أو نبت فأصابته آفة
1 - قوله: «و يعطي الإمام أو عامله ... أرض الأجر والمساجد والمقابر بسهم مما زرع فيها لمن يحرثها بسهم»، لَعَلَّ أحدا يتوَهُمُ أنَّ الحرث يكون في أرض المقبرة بالذات. كلاً، إِنَّمَا المراد: ما وقف عَلَى المقبرة من أرض يكون ريعها لمصالح تِلْكَ المقبرة، ومثل ذلك يقال في الأرض الموقوفة على المسجد».
- 404 -
- (1/404)
صفحة 396
فليس عليه شيء. وكذلك إن أعطى زريعة هؤلاء ودوابهم وأرضهم لمن يحرثها على
سهم و لم يشتغلوا عنها بشيء، فليس عليه ضمانها.
وإن أراد خليفة اليتيم أو الغائب أن يحرث أرضهما بدوابهما لنفسه بغير سهم فلا يجوز له ذلك (1)؛ وإن حرثها فإنَّه يعطيهم عناء دوابهم ونقصان أرضهم؛ ومنهم من يقول: إن كانت تلك الأرض لمن تحرث قبل ذلك فجائز له أن يحرثها، ولا يكون من
نقصانها عليه شيء. وأما إن حرث بمائهم فلا يجوز له ذلك، ويعطي لهم قيمة مائهم. وأما إن اشترك معهم في الماء فلا يحرث لهم، ويعطي لهم قيمة مائهم. وأما إن اشترك مع اليتيم أو الغائب في تلك الأرض، فأراد أن يحرثها، فلا يجوز له ذلك؛ ومنهم من يقول: جائز. وأما إن اشترك معهم في الماء فلا يحرث به؛ وإن حرث به فليعط لهم قيمة مائهم. وأما إن اشترك مع هؤلاء الذين استخلف عليهم في ماء المطر، أو لم يشترك معهم وقد كان في يده فلا يحرث به؛ وإن حرث به فلا يكون عليه شيء من قيمته ومنهم من يقول: إن اشترك معهم في غير ماء المطر (2)، وحرث به فلا شيء عليه من قيمته، إلا إن لم ينتفع إلا بمقدار سهمه.
وإن كانت لليتامى، أرض وللآخرين، الزريعة، وللآخرين الماء، فإن خليفتهم يشارك فيما بينهم بنظرهم (3). وكذلك إن كانت الدواب لبعضهم على هذا الحال.
قوله: «بغير سهم فلا يجوز مراده بذلك: إن حرثها من غير أن يجعل لصاحب الأرض والدواب سهما فلا يجوز. والله أعلم. ومنهم من يقول: إن اشترك معهم في غير ماء المطر» ... إلخ معناه: إن اشترك معهم في غير ماء المطر مثل الأرض والدواب والزريعة فيجوز له أن يحرث به، ومفهوم العبارة أنه إن لم تكن له شركة في غير الماء فلا يجوز أن يأخذ من ماء المطر - وهو حق مشاع ـ ليحرث به سهمه من الأرض. ليحرر، والله أعلم.
--
قوله: «فإن خليفتهم» معناه خلفاؤهم - خلفاء الجميع - يشاركون فيما بين اليتامى بنظرهم لما يصلح لهم. والله أعلم.
- 405 -
-
1
- 2
- 3 (1/405)
صفحة 397
ومن أذن لرجل أن يحرث أرضه بزريعة، معلومة فحرثها بغير ذلك، فإنَّ صاحب
الأرض يقلبها بما شاء، ويقلع نباتها، أو يعطي ما زرع فيها، فيكون ما نبت فيها من
الزرع له. وأما إن إذن له أن يحرثها بمعنى معلوم من الدواب أو من المحاريث فحرثها بخلاف ذلك، فلا يقلبها، ولا يدرك فيما نبت فيها شيئا. وكذلك إن أذن له أن يحرثها بماء المطر فحرثها بغير ماء المطر على هذا الحال ومنهم من يقول: إن خالف من أذن له فيه من هذا فالحكم إلى صاحب الأرض إن شاء أن يقلب ذلك أو يقلعه، أو يردُّ له بذره، أو يدرك عليه نقصان أرضه، ويكون الزرع للمأذون له. وإن أذن رجل لرجل أن يحرث في أرضه كيلاً معلوما، في موضع معلوم، فحرث فيها أكثر مِمَّا وقت (1) له، فصاحب الأرض بالخيار إن شاء أن يرد بذره أو يقلب ذلك بخلافه، أو يضمنه نقصان أرضه، ويكون الزرع للمأمور؛ ومنهم من يقول: الزرع للمأمور، ويدرك عليه صاحب الأرض نقصان أرضه فيما ناب ما زاد من الزريعة على ما أمره به وأما إن حرث أقلَّ مِمَّا وقت له صاحب الأرض من الزريعة فليس عليه شيء. وكذلك إن أمره أن يحرث في أرضه مقدار ما يبذر فيها ثمنية أو ثمنيتين (2) فحرث أقلَّ مِمَّا أمره به فليس عليه شيء. وأما إن حرث أكثر مِمَّا وقت له فليحط له صاحب الأرض المقدار الذي أذن له فيه (3)، ويكون بالخيار فيما سوى ذلك، إن شاء قلبه بخلافه أو قلع، نباته، أو ضمنه نقصان أرضه فيترك له زرعه.
—
1
قوله: «وقت» هو بمعنى: حد. قال في لسان العرب: «الوقت مقدار من الزمان، وكلُّ شَيْء قدرت له حينا فهو مؤقت، وكذلك ما قدرت غايته». ثُمَّ قال: «واستعمل سيبويه لفظ الوقت في المكان تشبيها بالوقت في الزمان، لأنَّه مقدار مثله»، إلى أن قال: «وفي حديث ابن عباس: "لم يقت رسول الله له في الخمر حدا أي: لم يقدر ولم يحده بعدد مخصوص». انتهى من لسان العرب في مادة «وقت». وَعَلَى هَذَا فلفظة «وقت» في هَذَا السياق هي معنى التحديد.
2 - قوله: «ثمينة أو ممنيتين» لعلها مقدار معلوم أو كيل معلوم يساوي ثمن وسق أو صاع أو أردب أو
3
-
ما أشبه ذلك. والله أعلم بحقيقة ذلك. قوله: «فليحط له ... »: معناه: فليطرح من محاسبته إيَّاه المقدار الذي أذن له في بذره، وما زاد فهو فيه بالخيار في قلبه بخلافه أو قلعه هكذا أو تضمينه نقصان أرضه. والله أعلم.
- 406 - (1/406)
صفحة 398
ومن طلب رجلا أن يأذن له أن يحرث في أرضه فأذن له، ولم يبين له ما يحرث فيها، فإنه يحرث جميع ما طلبه منه مِمَّا عقد عليه نواه؛ وإن لم ينو شيئا فليحرث ما أذن له فيه بعد ذلك. وإن لم ينو شيئا، ولم يبين له صاحب الأرض ما أذن له فيه فليحرث فيها القمح أو الشعير، وجميع ما يحرث في ذلك الوقت الذي [أذن] له فيه،
كما يحرث الناس ولا يكون عليه فيما قام عن ذلك من الفساد في الأرض شيء.
وإن أذن له أن يحرثها في وقت الحرث فلا يحرثها بعد ذلك في الربيع أو الصيف. وكذلك إن أذن له أن يحرث فيها ما يحرث في الصيف فلا يحرثها في الخريف بعد ذلك (1). وإن أذن له أن يحرثها، وقد مطرت، وارتوت ولم يحرثها حتى تيبست أو تركها حتى مطرت بعد ذلك، فلا يحرثها حَتَّى يأذن له مرة أخرى. وكذلك إن أذن له أن يحرثها على الري فتركها حتى تيست، فمطرت، فلا يحرثها بعد ذلك؛ ومنهم من يقول: يحرثها. وأما إن لم تتيبس ولم يحرثها حتى مطرت مطرا آخر فإنه يحرثها. وإن أذن له أن يحرثها في هذه السنة فحرثها في تلك السنة أو لم يحرثها، حصد ما حرث فيها أو لم يحصده، فلا يحرثها بعد ذلك في السنة المقبلة؛ وإن حرثها في السنة المقبلة فصاحبها بالخيار، إن شاء ردَّ عَلَيْهِ بذره، أو ضمَّنه نقصان أرضه؛ وإن شاء قلبها بخلاف بذره. وإن أراد قلع ما نبت فيها فله ذلك.
قلت: وإن أذن رجل لآخر أن يحرث في أرضه فحرثها ولم ينبت بذره، فهل يحرثها صاحبها بعد ذلك؟
قال: لا يحرثها ما دام فيها ذلك البذر، حتى يحصده صاحبه، أو ييأس منه، أو يعلموا أنه قد فسد. وإن نبت ففسد فليحرثها صاحبها إن شاء. وإن نبت بذر
1 - قوله: «وإن أذن له أن يحرثها في وقت الحرث فلا يحرثها بعد ذلك»، مراده والله أعلم: إن أذن له أن يحرثها في وقت فلا يجوز أن يحرثها في وقت آخر إلا بإذنه، سواء أحرثها بالفعل فأراد حرثها مرة أخرى، أم أخر حرثها إلى وقت آخر كالربيع والصيف.
- 407 - (1/407)
صفحة 399
المأذون له حتى أدرك فكسره البرد أو حَصَّته الحواصة (1) وبقي فيه بعض ولا يصل إلى لقطه صاحبه، فلا يحرثها المأذون له، ولا يحرثها صاحبها حتى يحصد المأذون له ما نبت من زرعه وإن لم ينبت إلى ثلاث سنين فليحرثها صاحبها (2) ومنهم من يقول: لا يحرثها صاحبها ما لم ينبت بذر المأذون له ما دام يرتجيه. وكذلك إن نبت فأدرك فكسره البرد، ثُمَّ نبت أيضًا فكسره البرد مرة أخرى، فإنَّ صاحب الأرض لا يحرثها حَتى يحصد صاحب البذر ما نبت من بذره؛ ومنهم من يقول في هذا كله: إذا كسره البرد أو لم ينبت، أو حوص، فإنَّ صاحب الأرض يحرث أرضه، فإن كان فيها بذر المأذون له فليحرثها بخلافه.
وإن أذن له أن يحرث في أرضه متى ما شاء، فإنّه يحرثها وقت ما أراد ما لم يبعها ولو
إلى سنين. وكذلك إن أذن له و لم يوقت له كم يحرث منها، فإنه يحرث ما لم ينهه. وإن طلب رجل رجلاً أن يأذن له أن يحرث في أرضه، وله فدادين في منازل شتى، وحوزات مفترقة، فأذن له فإن بين له الموضع الذي يحرث فليحرثه، وإن لم يبين له شيئا، ولم يظهر في طلبه منه موضعا معلوما فليحرث ما كان في الأرض التي طلبه فيها). ولا يحرث في مواضع الصب أو الجسور، أو جميع المواضع التي لا
2
4
1 - قوله: «أو حَصَّته الحواصة»، الصواب أن يقال: «حَصَّتْهُ بتشديد الصاد المهملة) الْحَاصَّةُ» (بغير واو). قال في لسان العرب: «حَص الجليد النبتَ يَحُصُّهُ: أحرقه، لغة في حَسهُ. والحص: حلق الشعر ... » إلى أن قال: «والخاصة: الداء الذي يتناثر منه الشعر». ر: مَادَّة «حصص». وَعَلَى هَذَا تكون العبارة هكذا فكسره البرَدُ (بفتح الراء)، أو حَصَّته الخاصة»: أي أحرقته الليلة الباردة ذات الجليلد. والله أعلم.
-
هذا منهم عجيب، فكيف يمنع صاحب الأرض من الانتفاع بها طيلة هذه المدة؟ أفلا يكفي أن. تتعطل في موسم حرث واحد؟ والأعجب منه القول التالي له.
3 - قوله: «أو حُوص»، الصواب: «أو حُص».
قوله: «فليحرث ما كان في الأرض التي طلبه فيها معناه إن لم يعين له موضعا من المواضع التي يملكها فلا يحرث إلا في الأرض الواقعة في الموضع الذي وقع فيه الطلب. والله أعلم.
- 408 · (1/408)
صفحة 400
يحرثها صاحبها قبل ذلك، فإن فعل، فهو ضامن فيما فسد في ذلك كله، ويدرك
عليه صاحب الأرض نزع ذلك، ويغرمه قيمة ما فسد.
وإن أذن له أن يحرث أرضه، فإنَّه يجعل في تلك الأرض ما يصلحها للحرث مثل السماد وتسويتها للحرث، وتنقيتها من الحطب والحجارة، وكلّ ما يَضُرُّ بالحرث، ويقلبها أيضًا حتى تستوي للحرث، ويسوي مساقيها وصبها، ويحرثها بسكة واحدة أو سكتين أو ما أراد؛ ويجعل لتلك الأرض ما يمنع زرعه من الفساد، مثل الزرب وأشباه ذلك.
وَأَما إن أذن له أن يحرث أرضه فجنَّ صاحب الأرض، فلا يحرثها المأذون له، ولو أفاق بعد ذلك صاحبها. وأَمَّا المأذون له إن جنَّ فإنَّه يحرثها أو يحرثها خليفته. وأَما إن أذن له أن يحرث في أرضه، فأخرج من ملكه تسمية منها (1) فلا يحرثها المأذون له، وأَما إن أخرج من ملكه بعضا معلوما منها فليحرث المأذون له ما بقي منها. وإن أذن له أن يحرث في أرضه ولم يبين له موضعا معلوما، ثُمَّ اشترى أرضا أخرى أو دخلت ملكه بغير ذلك، فلا يحرث المأذون له إلا ما كان في ملكه حين أذن له. وأَمَّا إن أذن له أن يحرث في أرضه فأخرجها من ملكه ثُمَّ عادت إلى ملكه فلا يحرثها المأذون له؛ ومنهم من يقول يحرثها في المسألتين جميعا.
فإن أذن له أن يحرث في أرضه فلا يحرث المأذون له في الأرض التي اشترك فيها أذن له من مع غيره، ه، أو أرض ابنه الطفل أو اليتيم أو المجنون الذي استخلف عليه، أو ما كان في يده بالإمساك والرهن والعوض والأمانة كلها.
وإن أذن لرجل أن يحرث له أرضه فجائز له أن يحرثها بنفسه وعبيده وأجيره، وكل من استعان به من الناس.
1 - قوله: «تسمية منها» أي جزءاً مسمى منها مثل الثلث أو الربع من الأرض على الشياع، من غير تعيين.
- 409 - (1/409)
صفحة 401
قلت: هل يجوز لمن يحرث له تلك الأرض بقوله: إنَّه أذن له صاحبه أم لا؟ قال: لا، إلا إن علم أنَّ صاحبها أذن له، سواء في هذا أعلم تلك الأرض لأحد من الناس أو لم يعلمها فلا يحرثها إلا بإذن صاحبها، أو بإذن من كانت في يده. وإنَّما يعلم الأرض بمشاهدته أو بخبر الأمناء، وأما غير هَذَا فلا؛ ومنهم من يرخص في قول أمين واحد؛ وقيل بالرخصة في كُلِّ من صدقه.
من
وإن أذن رجل لآخر أن يحرث أرضا ادعاها الآمر، ولم يعلم المأمور ذلك إلا قوله، فلا يحرثها بقوله؛ وكذلك عبيده وأجراؤه لا يحرثونها ومنهم من يرخص إن أذن له في أرض قد ادعاها أن يحرثها المأذون له وفيها عبيده وأجراؤه، فإن تبين لتلك الأرض صاحب بعد ذلك فلا يكون المأذون له متعديا.
ومن
أذن لرجل أن يحرث أرضا هي له، فحرثها المأذون له، فإذا هي ليست
للأمر، ثُمَّ دخلت ملكه بعد ذلك؟
قال: يردُّ للمأذون له بذره، ويعطيه عناءه.
قلت: ومن أذن لرجل أن يحرث له أرضا، فهل يجوز للمأذون له أن يأذن لمن يحرثها من الناس؟
قال: لا، وإن حرثها المأذون له الآخر، فإنَّ صاحب الأرض يردُّ له بذره، سواء في هذا كله أطفاله أو غيرهم (2)، ومنهم من يقول: إن أذن لأطفاله أن يحرثوها فهم بمنزلته. وأَما إن أراد أن يشترك مع غيره من الناس في حرث تلك الأرض فلا يجوز له ذلك. ولا يجوز لمن يحرثها مع المأذون له بغير إذن صاحبها؛ فإن فعل فإنَّ صاحب الأرض يردُّ للذي لم يأذن له بذره.
-
-
2
معنى العبارة: هل يجوز لشخص أن يحرث لشخص أرضا ادَّعَى أن صاحبها أذن له في حرثها. ففي الصورة ثلاثة أشخاص: حارث ومدعي الإذن بحرث الأرض، وصاحب الأرض.
عبارة: «سواء في هذا كله أطفاله أو غيرهم من إضافة الناسخ: وقد ذكر أن في هذا المحال
سقط، واقترح هذه العبارة مكانه.
- 410 - (1/410)
صفحة 402
وأما إن حرثها بإذن صاحب الأرض، ثُمَّ باع ذلك الحرث أو وهبه أو شارك فيه أحدا فذلك جائز في الحكم، وأَما فيما بينه وبين الله فلا يفعل ذلك؛ وإن فعله ولم يعلم صاحب الأرض فذلك تباعة عليه. وإن لم يعلم من انتقلت إليه تلك الأرض فلا شيء عليه، ويكون على من أخرج ذلك نقصان الأرض، وإن علم بذلك بعدما دخل ملكه فهو تباعة عليه، وإن أخبر صاحب الأرض فليس عليه شيء، وإن أخرج المأذون له ذلك الزرع من ملكه بشيء مِمَّا ذكرنا إلى غيره من الناس، فإنَّ صاحب الأرض يدرك نقصان أرضه على من انتقل إليه ذلك الزرع؛ وإن لم يطلب منه فهو تباعة على من انتقل إليه الزرع حتى يبرئه من ذلك؛ ومنهم من يقول: ليس على من انتقل إليه ذلك الزرع شيء من هذا.
وإن مات المأذون له الذي حرث الأرض فورثته بمقامه، ولا يدرك عليهم صاحب الأرض نقصان أرضه ومنهم من يقول يدرك عليهم نقصانها.
وَأَمَّا إن أخرج صاحب الأرض أرضه من ملكه بعدما حرثها المأذون له، أو أخرج بعضا منها، فإنَّ من انتقلت إليه تلك الأرض يدرك على صاحب الأرض نقصان أرضه من حيث دخلت ملكه ومنهم من يقول: لا يدركها عليه. وكذلك ورثة صاحب الأرض بمنزلة من انتقل إليه ملكها.
وإن أخرجها من ملكه بعدما حرثها المأذون، له ورجعت أيضا إلى ملكه قبل أن يدرك الزرع، فإنه يدرك على المأذون له نقصانها من حيث رجعت إليه، ويأخذ أيضا من انتقلت إليه أوَّلاً نقصانها بقدر ما مكثت في يده.
وإن أذن رجل لمن يحرث أرضه، فحرثها المأذون له، ثُمَّ أخرجها صاحبها من ملكه إلى ابنه الطفل، فإنه لا يدرك عليه نقصانها ومنهم من يقول: يدركه. وإن جعلها للمقبرة أو للمسجد أو للأجر أو للمساكين، فإنَّ من حرثها يعطي نقصانها للقائم على تلك المعاني من حين انتقل ملكها عن صاحبها الأول. فإن جعل المأذون له ذلك الحرث لشيء من هذه الوجوه التي ذكرنا فلا يدرك صاحب الأرض شيئا من نقصان أرضه في هذا.
- 411 - (1/411)
صفحة 403
قلت: وإن أذن له أن يحرث أرضه، فحرثها، ثُمَّ بعد ذلك رهنها، فهل يدرك عليه الراهن و المرتهن ما نقصت تلك الأرض؟
قال: لا، ولا يأخذونه بمضراته كلّها وأَما إن أذن له أن يحرثها، فرهنها، فلا يحرثها بعد ذلك (1). وإن أذن له أن يحرثها، فإنَّ المرتهن يمنعه؛ وإن حرثها فليأخذه المرتهن بنزع ذلك، وإن لم يأخذه بنزع ذلك حتى أدرك الزرع فإنه يدرك عليه النقصان ونزع ذلك الزرع، وكذلك إن أذن له (2) أن يحرثها بعدما رهنها فلا يحرثها بإذنه، وإن حرثها فالجواب فيها كالجواب في التي قبلها. وأما إن أذن لمن يحرث أرضه فرهنها، ثُمَّ رجعت إليه بعد ذلك، فلا يحرثها المأذون له بعد ذلك.
وأَما إن أذن له أن يحرث أرضه فرهنها رهنا منفسخا، ثُمَّ تَبَينَ له بعد ذلك وللمأذون له، فقلع المرتهن ذلك الزرع أو أخذ منه نقصان الأرض، ثُمَّ تبيَّن له أنَّ ذلك الرهن لم يصح فإنَّ المأذون له يدرك عليه ما أخذ منه من نقصان الأرض وقيمة ما قلع، وأَما إن أخذه المرتهن بنزع ذلك فنزعه بنفسه، ثُمَّ تبين لهم بعد ذلك أنَّ الرهن لم يصح فإنَّ المرتهن لا يضمن للمأذون له شيئا فيما نزع بنفسه.
مسألة في أمرض الفيء
قلت: أخبرني عن أرض الفيء، هل يجوز لمن يحرثها (3)؟
قال: هي على وجوه فإن كانت أرض الفيء فيا في لا عمران فيها فجائز لمن
1 - قوله: «وإن أذن له أن يحرثها فرهنَها فلا يحرثها»، يفهم من العبارة أنه إن أذن له في الحرث فرهنها قبل أن يشرع في الحرث فلا يحرثها.
الضمير في العبارة عائد على المرتهن، فليس من حقه أن يتصرف في أرض ارتهنها، وليست من
ملكه. هذا ما تفيده العبارة، والله أعلم.
3 - في العبارة بعض الاختصار وتقديرها كالتالي: هل يجوز حرثها لمن يشاء أن يحرثها؟ هكذا
تؤول جميع العبارات الشبيهة بهذه مما سيأتي إن شاء الله. والله أعلم.
- 412 - (1/412)
صفحة 404
يحرثها من الناس غنياً كان أو فقيرًا؛ فإن كانت عامرة بالحرث فلينظر في أمرها، فإن كانت مسرحة فكذلك يحرثها، أو لمن أذن له أن يحرثها من المسلمين، فَكُلُّ من جاء
من الناس يحرثها؛ فإن كانت في يد أحد بإمساك أمسكها له الإمام، فلا يجوز لأحد أن يحرثها إلا بإذن من كانت في يده وسبيلها سبيل أرضه في المنع وعرض البذر وقلب الأرض؛ وأَما نقصانها فيرجع إلى بيت مال المسلمين.
وإن كانت هذه الأرض ممنوعة منعها إمام المسلمين أو عامله من بيت المال، فَكُلُّ من حرثها من الناس بغير إذن الإمام فجائز للإمام أن يقلب ذلك الزرع، أو يعطي البذر ويأخذ نقصانها أيضا، ويرجع إلى بيت مال المسلمين.
وإن أذن الإمام لمن يحرثها، فحرثها غيره بغير إذنه فلا يقلبها، ولا يعرض البذر لمن حرثها إلا بإذن الإمام أو عامله أو من أمره. وإن لم يحرثها غيره إلا بعدما نزع عشبها ونقاها للحرث، فإنَّه يقلبها ويعرض البذر لمن حرثها.
وكذلك قوم مخصوصون إن أذن لهم الإمام أن يحرثوها فاقتسموها للحرث، فحرثها
غيرهم بغير إذنهم فإنهم يقلبونها، أو يردُّون له بذره، ولا يحدثون فيها غير القسمة. قلت وإن أذن لهم الإمام أن يحرثوها ولم يحرثوها تلك السنة أو حرثوها، فهل لهم أن يحرثوها في السنة المقبلة بغير إذن الإمام؟
قال: لا يحرثوها بغير إذن الإمام، ولا يحرثها أيضا غيرهم بإذنهم، إلا إن فوَّضها إليهم الإمام دون غيرهم من الناس فلا بأس أن يحرثوها متى شاؤوا، أو يأذنوا لمن يحرثها أيضا.
وإن أذن الإمام لمن يحرث أرضي الفيء فمات الإمام قبل أن يحرثها ذلك، فلا بأس أن يحرثها في تلك السنة. وكذلك إن أذن له العامل فهو على هذا الحال.
- 1
قوله فلا يقلبها الضمير في العبارة عائد على من
أذن له الإمام.
- 413 - (1/413)
صفحة 405
وكذلك إن تغير السلطان، أو عُزل العامل، فإنه يمضي على حرثها؛ ومنهم من يقول: لا يحرثها. وإن حرث بإذن الإمام أو عامله، ولم ينبت، أو نبت فأدرك، فأفسده البرد أو أفسده السرّاق، أو حصدوه، فنبت في العام المقبل من غير حرث، فإنَّه يحصد ما نبت في تلك الأرض بغير إذن من أذن له أوّل مرة، فلا يقلب من له الإمام مرة أخرى تلك الأرض ما دام المأذون له الأول لم ينتفع بما حرث فيها. إلا
من
أذن
حصده فنبت في العام المقبل من غير حرث فإنَّه يحصد ذلك. ويجوز أيضا لمن أذن له الإمام أن يقلبه، وهذا كلّه إذا علم أنَّ هذه الأرض أرض الفيء بمشاهدته لها،
أو بخير الأمناء، أو أمين واحد، أو من صدقة، أو كان ذلك مشهوراً عند الناس. قلت وأرض المسجد أو المساكين إذا كانت خرابا لا عمارة فيها، هل يجوز لمن
يحرثها مثل أرض عرفت لقوم فحرثها؟
قال: لا يجوز لمن يحرثها، وليست هي كغيرها من الأراضي التي تنسب إلى الناس؛ ومنهم من يقول: هي كغيرها من الأرض جائز لمن يحرثها.
وكذلك الأرض التي لا تعرف لأحد وليس فيها عمران فجائز لمن يحرثها إذا لم تكن فيها حدود فإذا كان فيها حدود فلا يجوز لمن يحرثها؛ ومنهم من يقول بالرخصة لمن يحرثها ولو كانت فيها الحدود؛ ومنهم من يرخص ولو كانت تعرف لأحد أن يحرثها من أراد حرثها على ما ذكرناه في التي قبلها. وإن كان فيها عمران وَلَكِنها خراب تركها أهلها، فلا يجوز لمن يحرثها؛ ومنهم من يرخص.
وإن كانت العمارة التي في هذه الأرض قديمة غير جديدة، فلا يجوز لأحد أن يحرثها؛ ومنهم من يُرخص إذا لم تكن فيها الأشجار؛ ومنهم من يقول: ولو كانت فيها الأشجار؛ وهذا كلّه فيما يسقى بماء المطر ولم يشتغل به
وإن كانت هذه الأرض التي ذكرناها للشركاء، وهم بلغ كلهم، أو غياب كلهم أو حضر كلّهم، أو بعضهم غياب وبعضهم حاضر، فالجواب فيها كالجواب في التي قبلها، وسواء أكانت للمشركين أو للموحدين.
- 414 - (1/414)
صفحة 406
وإن كان أحد الشركاء تركها والآخر يشتغل بحرثها وعمارتها فهذه لا يجوز لمن يحرثها.
وإن حرث أحدهما مقدار سهمه وبقي سهم صاحبه فلا بأس لمن يحرثه على الرخصة. وإن اشترك فيها بالغ مع طفل، أو مجنون مع الصحيح العقل، فتركها البالغ ولم يشتغل بحرثها، فلا يجوز لمن يحرثها، وكذلك الصحيح العقل مع المجنون؛ ومنهم من يُرخص إذا بلغت هذه الأرض التي بينهما المنزلة التي يجوز فيها حرثها.
وإن كانت الأرض للأطفال أو المجانين فتركها من ولي أمرهم، فلا يجوز لمن يحرثها، ومنهم من يُرخص.
قلت: أرأيت من حرث هذه الأراضي التي ذكرناها، ثُمَّ جاء صاحبها، فجوز له
ما فعل؟ قال: ذلك جائز. وإن لم يجوز له وحجر عليه، فإنَّ صاحب الزرع يعطي لصاحب الأرض نقصان أرضه، ومنهم من يُرخص حين يجوز له حرثها الا يكون عليه شيء. وإن لم يحجر عليه إلا بعد ما أدرك الزرع أو بعد ما حصده صاحبه، فلا
يدرك عليه شيئا.
وكذلك إن بلغ الطفل أو أفاق المجنون فحجروا على من حرث أرضهم فإنه يعطي نقصان الأرض من حين كان الحجر، فإن لم يحجر عليه إلا بعدما أدرك الزرع فليس عليه شيء. وهذا إنَّما يصيبه فيما يسقى بماء المطر، وأما ما يسقى من الأراضي بالعيون فلا يحرثها أحد إلا بإذن صاحبها، سواء أكان له الماء الذي تسقى به هذه الأرض أو لصاحب الأرض. وكذلك إن كانت له الأرض والماء لغيره فلا يجوز له أن يحرث عليه أرضه؛ ومنهم من يُرخص إذا كان له الماء والأرض لغيره (1) إذا كان ذلك الماء هو الذي يسقي به تلك الأرض سواء أعرفت الأرض لأحد أو لم تعرف.
1 - وقع للناسخ في هذا الموضع انتقال النظر إلى الأعلى وهو ما يسمى بالتكرار.
27
22
- 415 - (1/415)
صفحة 407
2
وَأَمَّا إن عرف أهل تلك الأرض أنها غصبت فلا يجوز لمن يحرثها. وكذلك الماء إن غصب، إلا إن أذن له أصحاب الأرض والماء. وإن حرثها على علم أنها غصبت فلا يأكل غلة جميع ما نبت فيها، وتكون لصاحبها، وإن أخذ صاحبها ذلك الزرع فأكله فليس عليه (1) شيء من نقصانها إن وصل إلى صاحبها مثله أو أكثر منه؛ وإن لم يصل إلى صاحبها شيء من ذلك فإنَّه يعطيه نقصان تلك الأرض؛ ومنهم من يقول: الزرع للفقراء والنقصان لصاحبها. وإن براه الغاصب من نقصانها فلا يجوز إلا إن إن جوز له صاحبها، فقد برئ من جميع ما جوز له.
الله
وَأَما إن أعطى الغاصب نقصان تلك الأرض لصاحبها فلا يدرك على من حرثها شيئا، فقد برئ من نقصان ما حرث حيث أعطاه الغاصب؛ ومنهم من يقول: إن أعطى الغاصب نقصانها على أن يرجع به على الذي حرثها فإنه يدركه عليه فيما بينه وبين، ولا يدركه عليه في الحكم ومنهم من يقول: إن استشهد أول مرة حيث أعطى النقصان على أن يرجع له على الذي حرثها فليدركه عليه في الحكم. وإن استمسك صاحب الأرض بالغاصب في نقصان ما حرث غيره ولم يأذن له (2) فلا يدرك عليه شيئًا، وَأَمَّا إن أذن لمن يحرثها فإنَّه يدرك عليه نقصانها. وكذلك إن حرثها عبيده أو أطفاله أو المتعاقد معه فليدركه عليه، إلا إن براه منه.
وَأَمَّا إن أذن الغاصب لمن يحرثها ولم يعلم بأنها غصب، فليس على من حرثها شيء حيث لم يعلم، ويكون نقصانها على الغاصب ويدركه عليه صاحبها. وإن لم يعطه حتى عرف من حرثها (3)، فإنَّه يدرك على كُلِّ واحد منهما نقصانها. وإن
1 - قوله: «فليس عليه شيء»: الضمير عائد على حارث تلك الأرض المغصوبة. قوله: «و لم يأذن له»: الضمير في "يأذن عائد على الغاصب، وفي ”له عائد على الحارث. والمعنى: لا يدرك صاحب الأرض على الغاصب شيئًا من نقصان الأرض إن حرثها حارث بغير إذن الغاصب.
3 - قوله: حَتى عرف من حرثها»: أي: عرف من حرثها أنّ الذي أعطاه إياها قد غصبها.
-
- 416 - (1/416)
صفحة 408
أعطى واحد منهما ذلك النقصان فلا يرجع به على صاحبه ومنهم من يقول: إن أذن الغاصب لمن يحرثها و لم يعلم بأنها غصب فأخذ منه صاحب الأرض نقصانها فإنه يرجع به على الغاصب حين غره بذلك. وأما إن خرج قوم من أرضهم بالسيف فتركوها حتى خربت، أو خافوا من عدُوِّهِم فخرجوا من أرضهم قبل أن يروه، وتركوها حتى خربت واندرست آثارها، فلا يجوز لمن يحرثها إذا عرف ذلك، وإن حرثها على ذلك الحال فجاءه صاحبها فإنه يقلبها، أو يردُّ له البذر، أو يأخذ نقصانها. ومنهم من يُرخص حيث خرج منها أهلها بالخوف أن تحرث مثل غيرها مِمَّا لا يعرف لأحد. وقيل بالرخصة ولو خرجوا منها بالسيف إن لم يقصد العدو إلى أخذ أرضهم أن يحرثها من أراد حرثها.
وأَما إن خرجوا من أرضهم بالجوع أو العطش أو القحط، أو خرجوا منها برأيهم
من غير مضرة، فتركوها حتى اندرست و خربت فجائز لمن يحرثها حين تركوها. وَأَما إن كانت أرض في يد الجبابرة، ولم تعرف له ولا لغيره، ولم يستريبوا قعوده فيها، فجائز لمن يحرثها بإذنه ومن يشاركه فيها. وأما إن استرابوا القعود فيها فلا يحرثها أحد بإذنه، ولا يشاركه فيها؛ وإن شاركه فيها أحد وحرثها بإذنه فلينفق نقصان تلك الأرض، ويأكل ما زرع فيها؛ ومنهم من يقول: ينفق نقصان الأرض ويأكل الفقراء ما زرع فيها.
وإن جبر الجائر على حرث تلك الأرض أحدًا من الناس فلا يحرثها للجائر ولا وكذلك إن جبره على حصاد ما نبت فيها على ذلك الحال؛ وقيل بالرخصة في هذا إن أجبره عليه.
لنفسه.
وأما إن حرث أحد في الأرض التي يجوز له أن يحرثها، فتركها ثُمَّ حرثها غيره بعده وأمسكها على ذلك الحال، فجاء من أراد أن يحرثها بإذن هذا أو بغير إذنه فجائز له، إلا إن خاف من شرّ من كانت في يده؛ ومنهم من يقول: حيث كانت في يد أحد يحرثها لا يجوز لمن يحرثها على ذلك الحال.
– 417 – (1/417)
صفحة 409
وأما من غصب أرضا لقوم فأذن لمن كان له في تلك الأرض سهم أن يحرثها فلا
يحرثها؛ ومنهم من يقول: يحرث منها مقدار سهمه. وكذلك إن لم يكن له فيها شيء فأذن له أحد من أصحابها أن يحرث منها مقدار سهمه الجواب فيها على ما قلناه في المسألة التي قبلها. وكذلك إن كان للغاصب فيها سهم فلا يحرثها كلها، ولا مقدار سهمه سواء أكان له فيها سهم قبل أن يغصبها أو بعدما غصبها، فلا يحرثها أحد بإذنه؛ ومنهم من يقول: إن تاب واستشهد على تبرئه من غير سهمه فجائز له أن يحرث سهمه ويجوز لمن أذن له أن يحرث منها سهمه، ويحرثها أيضا بإذن أصحابها أو أحدهم حيث تبرا منها.
وإن كانت أرض لقوم وقد عرف كل واحد منهم حدود أرضه، ثُمَّ اختلطت حدودها بعد ذلك بالسيل، أو خلطها الغاصب أو غيره من الناس بغير إذنهم، أو خرجوا ورجعوا إليها وهم لا يعرفون حدودها، فإنه لا يحرثها أحد إلا إن اتَّفَقُوا على ذلك أو عرف أحد منهم سهمه منها، أو أذنوا لأحدهم أو لغيرهم من الناس أن يحرثها باتفاقهم وهم قوم خواص، وَأَمَّا ن كانوا عامة، أو كان فيهم أطفال أو غياب فلا يحرثوها باتفاقهم، ولا يحرثها من أذنوا له في حرثها. وأما إن كانت أرض لقوم مخصوصين فاتَّفَقُوا على حرثها فلهم ذلك، وإن لم يَتَّفِقُوا على حرثها فلا يحرثوها وأَمَّا إن أراد أحد منهم أن يحرثها ويستغلها ولم يدع فيها غير ذلك فذلك جائز. وأما إن أذن له أن يحرث أرضا كانت له في يد الغاصب، أو بالماء الذي في يد الغاصب فذلك جائز، فيحرثها إن شاء.
1
مسألة
قلت: فرجل أذن لرجل أن يحرث أرضه فأخرج منها بعضا من ملكه أو
تسمية (1) معلومة؟
بيع التسمية بيع جزء مشاع غير معلوم الحدود ولا مقسوم، وقد تقدم في مواضع من الكتاب.
-
418 - (1/418)
صفحة 410
قال: إن أخرج ذلك البعض بحدوده فإنه يحرث ما بقي منها أو بعضا منها (1)
وإن أخرج تسمية منها فلا يحرث ما بقي منها؛ وإن اقتسمها مع من خرجت إليه التسمية فلا يحرث ما أخذ من أذن له في سهمه؛ ومنهم من يقول: يحرثها؛ وإن رجعت إليه تلك التسمية بعد ما أخرجها، فلا يحرث المأذون له شيئًا من تلك الأرض. وكذلك إن أخرج تلك التسمية إلى كُلِّ من ولي أمره فلا يحرثها. وكذلك إن رجعت كلها إلى من ولي أمره، فلا يحرثها المأذون له، سواء في الذي أخرج بعضها أو كلها؛ وإن أخرج تلك التسمية ببيع إلى غيره، فخرج بيعها منفسخا فجائز للمأذون له أن يحرثها ومنهم من يقول: لا يحرث تلك التسمية التي أخرج، ولا ما بقي أولاً.
وَأَما إن أذن له أن يحرث أرضا كانت في يده بإمساك أو بغيره، ثُمَّ رجعت إليه
بملك فلا يحرثها المأذون له؛ ومنهم من يقول: يحرثها حيث رجعت إليه. وإن أذن رجل لرجل أن يحرث أرضه، فحرث صاحبها من تلك الأرض بعضا، فإنَّ المأذون له يحرث ما بقي منها.
وإن أذن رجل لرجل أن يحرث من أرضه تسمية معلومة بغير حدود، فإنه يحرث منها مقدار تلك التسمية ولا يجاوزها. وإن اقتسم صاحب الأرض أرضه فجعلها جسوراً فعمر منها ما عمر وبقي بعضها، فَإنَّ المأذون له يحرث ما بقي لم يعمر إن كان ذلك مقدار التسمية التي أذن له فيها أو أقل منها؛ فإن كان أكثر من التسمية التي أذن له فيها فلا يحرث إلا مقدار ما أذن له فيه. قلت: هذا المأذون له في تسمية الأرض إن كانت متفاضلة، فهل يقصد إلى خيارها فيحرثه أم لا؟
1 - يبدو لي أن الحكم في هذه الصورة أن يحرث ما بقي منها أو بعضا منه، أعني من الباقي، ليحرر.
والله أعلم.
- 419 - (1/419)
صفحة 411
قال: نعم، يحرث منها مقدار تلك التسمية التي أذن له فيها من أي موضع شاء منها. وكذلك إن كان لرجل فدادين شَتّى، فأذن لرجل أن يحرث واحدا منها هكذا ولم يعينه، فإنه يقصد إلى أي موضع شاء فيحرثه، ولا ينظر إلى الأقل منه أو الأكثر، ولا الجيد والرديء.
قلت: فإن أذن له أن يحرث واحدا من فدادينه ولم يعينه له فحرثها جميعا معًا، فإنَّه يخير المأذون له في واحد منهما، ويفعل هو في الآخر ما أراد، إن شاء ضمنه نقصان أرضه، أو يقلبها بما خالف بذر الذي حرثها، وهى بمنزلة ما حرث المتعدي. وإن حرث تلك الفدادين واحدا بعد، واحد فيصح للمأذون له الفدان الذي حرثه أوَّلاً، ويفعل صاحب الأرض في الآخر ما يفعل فيه إذا حرث بالتعدية، وإن أذن له في تسمية معلومة من أرضه أن يحرثها فحرثها كلها، فإن جوز له ما فعل فذلك جائز، وإن لم يجوز له فإنَّه يقلب أرضه بما يخالف بذر من حرثها، إلا ما يقابل التسمية التي أذن له فيها، أو يضمنه نقصان تلك الزيادة، ويكون معه في تلك الزيادة مثل ما حرث المتعدي فيما يفعل فيما بينه وبين صاحب الأرض، ويحط للمأذون له ما حرث أوَّلاً من تلك الأرض مقدار التسمية التي أذن له فيها، ويكون حكم ما جاوز من ذلك حكم ما حرث بالتعدي.
قلت: فإن أذن له أن يحرث واحدا من فدادينه هكذا و لم يعينه وله فدانان أو ثلاثة، فقصد المأذون له إلى واحد من الفدادين فحرث بعضه، ثُمَّ أراد أن يرجع إلى الفدان الآخر هل له ذلك؟
قال: لا، ولو أنَّه لا يحرث إلا مقدار واحد منهما. وكذلك إن أذن له أن يحرث هذا الفدان أو هذا الجواب فيها واحد.
ومن اشترك مع رجل في أرض أنصافا، فأذن واحد منهما لغير شريكه أن يحرث نصف تلك الأرض فإنَّ المأذون له يحرث نصف تلك الأرض كلها، وهو سهم من أذن له؛ ومنهم من يقول: إنَّما يحرث منها نصف سهم من أذن له، وهو ربع
- 420 -
— (1/420)
صفحة 412
الكل (1)، إلا إن أذن له أن يحرث النصف الذي له فيها، فإنه يحرثه كله حيث أذن له. وإن أذن شريكه أيضًا أن يحرث نصف تلك الأرض، فلا يحرث من سهم شريكه الذي أذن له إلا نصفه؛ ومنهم من يقول: يحرثها كلها إن أذن له في نصفها أن يحرثه؛ ومنهم من يقول: لا يحرث أرض المشترك بإذن أحد الشركاء دون غيرهم. قلت: وإن أذن رجل لرجل أن يحرث نصف أرضه ولم يحرثها حتى قال له: احرث نصف هذه الأرض التي أذن له فيها، هل يحرثها كلها أم لا؟
قال: لا يحرث إلا نصفها إلا إن قصد أوَّلاً إلى ناحية من تلك الأرض، فقال له: احرثها، ثُمَّ بعد ذلك أذن له في الناحية الأخرى فإنَّه يحرثها كلها. وأما إن أذن له أن يحرث نصف هذه الأرض، ثُمَّ قال له بعد ذلك: احرث ثلثها أو ربعها فإنه
(3)
يحرث نصفها إلا إن علم أنه أراد الرجوع من النصف الذي أذن له فيه أولاً؛ ومنهم من يقول: يحرث النصف والثلث والربع). وأما إن إذن له أن يحرث نصف هذه الأرض فحرثه، ثُمَّ بعد ذلك قال له: احرث نصف هذه الأرض، فلا يحرد يحرث إلا نصف ما بقي وكذلك التسميات كلها على هذا الحال.
وإن أذن رجل لرجل أن يحرث نصف أرضه، فباع له نصف تلك الأرض قبل أن يحرث منها شيئا فإنَّ المأذون له يحرثها كلها؛ ومنهم من يقول: يحرث منها ثلاثة ومنهم من يقول: لا يحرث منها شيئًا إلا سهمه الذي اشتراه.
أرباعها؛
سهم من
1 - :قوله ومنهم من يقول: إنما يحرث منها نصف الكل .. أذن له وهو ربع ... » هذا الكلام يتسم بالحرفية حيث أذن له في حرث نصف تلك الأرض، فالأرض ليست كلها له فلا ينبغي له التصرُّف فيها كلها وإنَّما في نصيبه، ولذلك فحيث صرح بالنصف فليس للمأذون له إلا نصف
ما يملك الشريك، وبهذا يؤول إلى ربع الكل. والله أعلم.
2 - لَعَلَّ الأصح أن يقال: بإذن أحد الشركاء دون غيره». هذا قول غريب لأنّ " أو " تفيد التخيير ولا تفيد مطلق العطف كالواو فكيف سوغ له أن يحرث النصف والربع والثلث جميعا؟
3
- 421 - (1/421)
صفحة 413
ومن أذن لرجل أن يحرث أرضه ولم يحرثها حَتَّى عملها صاحبها، وسواها للحرث، وجعل لها السماد ورفع إليها المساقي، فلا يحرثها بعد ذلك. وكذلك كل ما تبين إذا عمله صاحبها فيها أنَّه إنَّما يريد حرثها، فلا يحرثها الماذون له؛ وما لم يتبين فيه ذلك فإنَّه يحرثها. وإن عملها غير صاحبها، وسوَّاها للحرث بغير إذن صاحبها، فإنَّ المأذون له يحرثها ولا يشتغل بذلك. وإن فعل ذلك وسواها بإذن صاحبها فلا يحرثها الأول.
وأَما إن أذن له أن يحرثها فكنس أبيارها)، وأصلح مساقيها ومصارفها فلا بأس أن يحرثها. وإن أصلحها وسوَّاها للحرث، ثُمَّ أذن له بعد ذلك أن يحرثها، فإنه يحرثها. وكذلك إن أصلحها وزرعها، ثُمَّ أذن له بعد ذلك أن يحرثها، فذلك جائز، ويمسك المأذون له الزرع لنفسه. وكذلك إن زرعها صاحبها فحرثها، ثُمَّ أذن له أن يقلبها فجائز، ويكون ما وافق بذره له وما خالف فلا يأخذه، ويكون لصاحبه الأول؛ ومنهم من يقول: يحصد ذلك الزرع كله.
وأما إن أذن لرجل أن يحرثها، ثُمَّ أذن بعد ذلك لآخر أن يحرثها، فلا يحرثها الأول ويحرثها الآخر؛ ومنهم من يقول: يحرثانها جميعا، ولا ينظر إلى تساويهم في الحرث، ويجوز لكل واحد منهما أن يحرثها جميعًا، أو يحرث منها الأكثر؛ ولا يمنع كل واحد منهما صاحبه من حرثها. وإن أذن لهم إلى حرثها معا قلوا أو كثروا فإنَّهم يحرثونها على عددهم، ولا يتغابنون في حرثها؛ وإن منع بعضهم بعد الاذن فلا يحرث الباقون إلا سهمهم، ويحرثونها معًا أو مفترقين، ويشاركون في حرثها أيضا ببذر واحد؛ ومنهم من يقول: إن أذن لهم بمرَّة فلا بأس على من يحرثها كلها منهم؛ ويتغابنون (2) في حرثها أيضًا. وإن منع أحدهم فليحرثها من بقي منهم كلها على هذا القول. وإن مات واحد منهم فورثوه كلهم أو أحدهم فلا يحرث إلا سهامهم؛ ومنهم من يقول: يحرثونها كلها.
1
كنس الأبيار عبارة عن رفع ما يجتمع في قاعها تحت الماء من طين وتراب وحما وغيرها. 2 - قوله ويتغابنون» مراده – والله أعلم ـ ويتفاوتون.
- 422 - (1/422)
صفحة 414
1
وإن أذن لمن يجوز فعله ولمن لا يجوز فعله معا، فإن من يجوز فعله يحرثها كلها؛ ومنهم من يقول: لا يحرث منها إلا ما نابه.
وَأَمَّا إن أذن له أن يحرث هذا الفدان أو هذا أو شيئًا منها، ثُمَّ قال لرجل آخر مثل قوله الأوَّل فَإنَّهُمَا يحرثانها جميعًا، ولا يشتركان في حرث فدان واحد (). وإن حرث أحدهما فدانا معلوما فلا يشارك فيه صاحبه ولا غيره من الناس، إلا إن أعطاه ما زرع فيه أو تسمية منه. وأَما إن قال لرجل: احرث هذه الأرض أنت أو هذا الآخر فأيهما سبق إليها فليحرثها كلها، ولا يحرثانها جميعًا معًا، وإن حرث أحدهما بعضًا فلا يحرث الآخر
ما بقي. وَأَمَّا إِن قَالَ لرجل آخر: احرثها أنت أو صاحبك، ثُمَّ قال لرجل آخر: احرثها أنت أو صاحبك فلا يحرثوها كلهم ويحرثها واحد من الأولين أو من الآخرين، فأيهم سبق إليها فليحرثها، أو يحرث بعضها أيضًا؛ وإن حرث منها واحد من الأولين بعضا فإنَّ واحدا من الآخرين يحرث ما بقي، ولا يمنعه الأول.
وإن كانت أرضان لرجلين فأذنا لرجل أن يحرث هذه الأرض أو هذه، فلا
يحرث إلا واحدة منهما، وليختر أيهما شاء منهما؛ وكذلك إن قلوا أو كثروا. وكذلك إن قال له: احرث هذه الأرض أو هذه واحدة له والأخرى لغيره، فليحرث أرضه، ولا يحرث غيرها، إلا إن كانت تلك الأرض التي خيره فيها يجوز لهم فيها الإذن، فليحرث أيهما شاء. وكذلك إن قال له: احرث هذه أو هذه وواحدة منهما يمكن حرثها، والأخرى لا يمكن حرثها، فليحرث التي يمكنه حرثها. وكذلك إن كانتا لا يمكنه حرثهما بمعنى من المعاني، ثُمَّ أصلحها صاحبها، ثُمَّ
قوله: «ولا يشتركان في حرث فدان واحد» لم أفهم وجه منع التشارك بعد تجويز حرثها لهما جميعا. ليحقق!.
- 423 - (1/423)
صفحة 415
استوتا للحرث فليحرث أيهما شاء. وكذلك إن أصلحهما المأذون له الذي حرثهما على هذا الحال.
وَأَمَّا إن أذن له أن يحرث أرضه فحرثها صاحبها بزريعة لا تنبت، أو نبتت فقلع ما نبت فيها، فلا يحرث المأذون له فيها.
وأما إن قال له: احرثها وقت ما شئت فإنه يحرثها إن لم ينبت فيها شيء. وكذلك
إن قلبها صاحبها، أو قلع الذي نبت فيها، أو فسد معنى من المعاني، فإنَّه يحرثها. وكذلك إن قال له: احرثها إن أذن لك فلان فليحرثها إن أذن له الذي رَدَّ له الأمر. وَأَما إن قال له: إن لم أحرثها أنا فاحرثها أو إن لم يحرثها فلان فاحرثها، فإن جعل لذلك وقتا، فذهب ذلك الوقت ولم يحرثها هو، ولم يحرثها الذي قال له، فإنه يحرثها ولا يحرث دون ذلك الوقت؛ وإن لم يجعل له وقتا معلوما فلا يحرثها؛ ومنهم من يقول: إن عرف أنه تركها بقوله ()، أو بقول أمين، أو بكُلِّ من صدقه من الناس فليحرثها.
وَأَما إن قال له: إن ارتوت أرضي فاحرثها أو: احرث بعضها، فمطرت حَتَّى ارتوت، فليحرث الذي شرط له أن يحرثه. وكذلك إن قال له: إن لم أحضر فاحرثها، فإنه إن خرج من تلك المنازل أو البلد أو أميالها فليحرثها.
وكذلك إن قال له: إن لم يُرِدْ فلان أن يحرثها فاحرثها، فقال له ذلك: لا أريد أن أحرثها، فإنَّه يحرثها إن شاء، ولا يشتغل في هذا إلا بقوله. وإن مات فلان الذي قال له: إن لم يُرد أن يحرثها، فلا يحرثها المأذون له. وأما إن قال له: إن لم يحرثها
فلان، فاحرثها، فمات الذي رَدَّ إِلَيْهِ الأمر، فَإِنَّهُ يحرث تلك الأرض (3).
1 - عبارة: إن عرف أنه تركها بقوله» الجار والمجرور يتعلقان بالفعل "عرف" لا "بقوله". 2 - لعل المنع في هذه الصورة يرجع إلى احتمال رغبة ورثة الميت في حرثها. والله أعلم. المفهوم من العبارة أنه متى مات صاحب الأرض الذي أذن له في حرثها فلا يحرثها؛ وأما إن مات الرجل الآخر الذي علق الإذن له في حرثها بما إذا لم يحرثها فيجوز له حرثها. والله أعلم.
- 3
- 424 - (1/424)
صفحة 416
وإن أمره أن يحرث أرضه، فإنَّه يقلبها بما شاء من السكك، ثُمَّ يحرثها؛ وإن اشترط عليه ألا يحرثها إلا بدواب معلومة أو أدوات معلومة، أو رجل معلوم، فلا يحرثها بغير ما اشترط عليه. وإن حرثها بخلاف ما اشترط عليه مِمَّا ذكرنا، فلا يقلب ما حرث فيها، ويدرك عليه نقصانها؛ ومنهم من يقول: يقلبها إن شاء، أو يأخذ نقصانها.
وإن أذن له أن يحرث أرضًا فتهاجرا أو تقاطعا أو تحامدا فلا بأس عليه أن يحرثها، إلا إن أنذره حرثها أولاً فكان بينهما ما ذكرنا، فلا يحرثها إلا إن أذن له، أو زال الذي بينهما من الهجران والتقاطع
وَأَما إن أذن له أن يحرثها بماء العيون والأنهار فحدث ماء المطر من بعد ذلك فلا يحرثها به وكذلك إن أذن له أن يحرثها بماء المطر فلا يحرثها بماء العيون والأنهار وإن لم يشترط عليه أن يحرثها بواحد من هذه المياه فإنَّه يحرثها بماء المطر، ولا يحرثها بماء العيون والأنهار؛ ومنهم من يقول: يحرثها به.
وكذلك إن كانت تحرث قبل ذلك بماء ملح، ثُمَّ أراد أن يحرثها بماء عذب فلا بأس عليه، إلا إن اشترط عليه ألا يحرثها إلا بذلك الملح. وإن أذن له أن يحرثها بمائها وهو ملح فلا بأس عليه أن يزيد عليه ماء عذبا. وأما إن أذن له أن يحرثها بماء وهو عذب فلا يزيد إليها الملح.
وإن أذن له أن يحرثها بمائها وهو قليل، فلا بأس أن يزيد إليه ماء آخر لمصالح زرعه، ولا يكون عليه شيء من نقصان تلك الأرض، إلا إن قام به الفساد. وكذلك إن أذن لمن يحرثها بمائها فإنَّه ينقص منه إن أراد؛ ومنهم من يقول: لا يزيد لتلك الأرض شيئا من الماء مِمَّا لا تحرث عليه قبل ذلك. وإن كانت تحرث قبل ذلك بماء السواقي فلا يحرثها بماء المعالجات (1) كلّها إن لم يكن في تلك الأرض، إلا إن أذن له أن يحرث بها، أو يحدث فيها تلك المعالجات فلا بأس عليه ولا يحرثها بغير ما تسقى
به قبل ذلك.
—
1
ماء المعالجة الذي يرفع بالمتح بواسطة الدواب أو المحرك الآلي أو غير ذلك.
هو
- 425 - (1/425)
صفحة 417
وإن أراد أن يسقيها بماء العيون والأنهار، وإنَّما هي قبل تسقى بماء المعالجات فلا بأس عليه. وإن أراد أن يسقيها بماء المعالجات وهي إنَّما تسقى قبل ذلك بماء العيون
فلا يجد ذلك، إلا إن كانت تلك المعالجات في غير تلك الأرض فلا بأس عليه فيها. قلت: فرجل كانت له أرض، وفيها عين يحرثها منها، ثُمَّ أذن لمن يحرث أرضه هكذا، أو لم يذكر العين فبذر بذره ولم يحرث فنهاه صاحب الأرض أن يحرثها من تلك العين، أو حرثها ثُمَّ نهاه بعد ذلك، وليس لها موضع تحرث منه غير تلك العين؟ قال: لا يصيب منعه من ذلك. وذلك مثل من أذن لرجل أن يحرث بماء عين معلومة كانت له، فلا يصيب منعه. وأما إن كان يصيب ماء آخر يمكنه أن يسقي به تلك الأرض فلا يسق من العين الأولى إلا بإذن صاحبها.
وأما إن استعار له الماء أن يحرث به مدَّة معلومة، فبلغ تلك المدة فإنَّه يمنعه. وأما إن كان الماء في يد رجل مثل خليفة اليتيم أو المجنون أو الغائب فأذن لمن يحرث به فحرث به فأراد منعه فلا يصيب منعه، وأما إن بلغ اليتيم أو أفاق المجنون أو قدم الغائب، فلكل واحد منهم أن يمنعه؛ ومنهم من يقول: لا يصيبون منعه إن أخذ الخليفة في ذلك عوضا؛ ومنهم من يقول: يمنعونه ولو أخذ العوض، ويضمن الحراث قيمة الماء من حين منعوه أن ينتفع به، ويدرك هو على الخليفة مِمَّا جاز إليه من العوض.
وأما إن أذن لمن يحرث بماء ابنه الطفل أو المجنون، فبلغ الطفل أو أفاق المجنون فمنعا من أذن له أبوهما فلهما منعه؛ ومنهم من يقول: لا يمنعانه، ويدركان قيمة مائهما حين منعاه؛ ومنهم من يقول: لا يدركانها.
ومن
شيء،
كانت له أرض وماء، فأذن لمن يحرث، فإذا هو ليس له في ذلك الماء فإنَّ صاحب الماء يمنعه أن يحرث به وكذلك إن خرج له شريك في ذلك الماء فإنه يمنعه حتى يقسم مع شريكه. وكذلك إن استحق ذلك الماء، فإنَّ من استحقه يمنعه. وكذلك من طلب الماء من رجل ليحرث أرضه، أو أرض صاحب الماء، أو أرض غيرهما فأذن له فحرثها به ثُمَّ أراد أن يمنعه بعد ذلك، فالجواب فيها كالتي قبلها.
426 - (1/426)
صفحة 418
ومن أذن لرجل أن يحرث بمائه، وله ماء في أعين شتى، أو في عين واحدة في نوبات مفترقة أو في أشهر مفترقة، فإنَّه إن عرف الماء الذي تحرث به تلك الأرض التي أراد أن يحرثها فليحرثها به ولا يصيب غير ذلك؛ وإن عرفت تلك الأرض تحرث بتلك المياه كلها فإنَّه يحرث بها جميعاً؛ وإن لم يعرف ما تحرث به منها، وهو يمكنه أن يحرثها بها جميعًا فإنَّه ينظر ما لا يستغني عنه فليحرثها به، وإن لم يستغن عنها كلها فليحرثها منها جميعا. وإن اختلف الحراث مع صاحب الماء على ما يستغني عنه وما لا يستغني عنه فيردون ذلك إلى أهل النظر، فما لا يستغني عنه فلا يمنعه، وما يستغني عنه يمنعه منه، ا اشترك هذا الماء مع الحراث أو مع غيره فلا يصيب أن يمنع منه مقدار ما له من قلت: ومن أذن لرجل أن يحرث أرضه على ماء العين أو البئر، فدفنت تلك العين أو البئر، هل يدرك على صاحب العين أو البئر أن يكنس عينه أو بئره، أو يصلح تلك المساقي، أو يرفع تلك الجسور؟
وسواء
ذلك.
قال: لا يدرك عليه شيئًا من ذلك قبل أن تحرث تلك الأرض أو بعدما حرثها، إن كان إنَّما دَفن تلك العين أو البئر صاحبها بعدما، حرث، فإنَّه يأخذه الحراث حينئذ بكنسها. وكذلك إن أمر طفله أو عبده أو أجيره أو غيره من الناس، فإنه يأخذه بكنسها في هذه الوجوه كلها. وأَما إن دفنها غيره من الناس بغير إذنه، فإنَّ صاحب العين أو البئر يأخذه ويأخذه الحراث بكنسها.
قلت: فمن أذن لرجل أن يحرث أرضه ببذر معلوم)، فحرثها به، ولم ينبت شيء، فأراد أن يحرثها أيضا؟
قال: لا يجد ذلك؛ وأَمَّا إن أذن له أن يحرثها بمقدار معلوم من البذر، فحرثها ولم ينبت، فإنَّه يحرثها بمقدار ما بذر فيها أَوَّلاً ومنهم من يقول: لا يحرثها حيث لم ينبت
1 - قوله: «ببذر معلوم»: يفهم من السياق أنَّه يقصد به بذرا مُعَيَّنا. والله أعلم.
– 427 - (1/427)
صفحة 419
فيها شيء. وكذلك إن نبت فيها بعض ولم ينبت بعض، فإنَّه يحرثها بمقدار ما لم ينبت من بذره؛ ومنهم من يقول: لا يحرث شيئًا منها؛ وأَما إن حرثها أَوَّلاً فنبت بذرها فقلع أو قلب أو مات بما جاء من قبل الله، فلا يحرثها بعد ذلك، سواء أوقت له بعد ذلك بذرًا معلومًا أو لم يوقته). وأَما إن لم ينبت ما حرث في تلك السنة، أو نبت فأصابه برد (2) بعدما أدرك، أو فسد بعد إدراكه، فأراد في السنة الثانية أن يحرثها من ذلك البذر الذي أفسده البَرَد، فلا يجوز له ذلك؛ ولا يجوز لصاحب الأرض أن يحرثها أيضًا، ويكون ما نبت فيها لصاحب البذر الأوَّل على ما فَسَّرنَاه أَوَّلاً.
وإن اختلفا فقال صاحب الأرض: قد مات بذرك ولم ينبت، وقال له صاحب البذر: إنَّما منعه من النبات عدم الماء، فإن عرف أنه أصابه الماء الذي ينبت به مثله من البذر ولم ينبت، فلا يشتغل بصاحب البذر؛ وإن لم تمطر تلك الأرض مطرا ينبت بها ما زرع فيها، فالقول قول صاحب البذر، حتى يعرف أنه لا ينبت بذر مكث فيها تلك المدة، فيحرث صاحب الأرض أرضه؛ ومنهم من يقول: إن لم ينبت ولم يستغله بمعنى من المعاني حتى مكث سنة، فإنَّه يحرث صاحب الأرض أرضه، ولا يشتغل بصاحب البذر.
وإن أذن له أن يحرث في أرضه هذا البذر أو هذا، فإنَّه يحرث أيهما شاء. وإن حرث أحدهما ولم ينبت، وأراد أن يحرث الآخر، فلا يجد ذلك. وأما إن ذهب أحدهما قبل أن يحرث شيئا فإنه يحرث الباقي منهما. وكذلك إن أخرجه من ملكه بمعنى من المعاني. وكذلك إن خرج أحدهما ليس له فيه شيء (4) فإنَّه يحرث الباقي منهما. وإن خرج ليس
-
1
تقدم قريبا أنَّ التوقيت في مثل هذا السياق هو بمعنى التحديد. 2 - البرد: بفتح الباء والراء هو كما في المنجد ماء الغمام يتجمد في الهواء البارد ويسقط على
3
4
-
الأرض حبوبا.
«وَأَما إن ذهب أحدهما»: يعني إن ذهب، أي ضاع، أو هلك أحد البذرين قبل أن يحرث شيئًا،
فليحرث الباقي منهما.
قوله: «إن خرج أحدهما ليس له فيه شيء مُرَاده: إن تَبَيَّنَ أنَّ أحد البذرين ليس من ملكه فَإِنَّهُ يحرث
البذر الباقي منهما، أي الآخر. والله أعلم.
- 428 - (1/428)
صفحة 420
له فيهما شيء فلا يحرث غيرهما، ولا يحرث منهما شيئًا؛ ومنهم من يقول: يحرث
منهما ما أراد حيث أذن له صاحب الأرض في حرثها هكذا.
وَأَما إن خرجا لابنه الطفل أو لمن، ولي، أمره، فَإنَّهُما بمنزلة ماله، ويحرث أيهما شاء. وأما إن أراد أن يحرث تسمية منهما جميعا فلا يجد أن يحرث إلا أحدهما أو بعضه. وإن حرثهما جميعًا فليقلب صاحب الأرض الآخر منهما، أو يردُّ له بذره، أو يعطيه نقصان أرضه. وإن خلطهما جميعًا فلا يحرثها ولو بمقدار واحد منهما. وإن حرثهما جميعا فليعط لصاحب الأرض نقصان ما ناب واحدا منهما إذا كانا من أجناس مختلفة ولم يمكنه فرز ما بينهما؛ وإن كانا من جنس واحد فإنه يقلب من ذلك الحرث مقدار واحد منهما إن أراد ذلك، أو يردُّ البذر، أو يأخذ نقصان أرضه؛ ومنهم من يقول: لا يصيب إلا نقصان أرضه.
وَأَما إن أذن له أن يحرث في أرضه من هذه الزريعة (1)، من أجناس شتى، فإنه يحرث ما شاء منها دون غيرها، ويحرث تسمية منها كلها إن أرادها، ويحرث أيضا واحدة منها أو اثنتين أو واحدة وتسمية من الأخرى؛ ولا يحرثها كلها بحيث لا يبقى منها شيء، وكلُّ ما بقي منها مِمَّا يقع عليه اسم الزريعة فقد أجزأه.
وَأَمَّا إن أذن له أن يحرث في أرضه نصف هذا البذر، وهو من أجناس مختلفة، فإنه يحرث نصفها جميعًا، سواء أاستوت كلها أو تفاضلت؛ ومنهم من يقول: يحرث مقدار نصفها مِمَّا أراد منها دون غيره، سواء أكانت تلك الزريعة التي أذن له أن يحرثها على هذا الشرط للمأذون له أو لغيره من الناس، أو لصاحب الأرض. وكذلك إن أذن له أن يحرثها لغيره على هذا الحال.
بعضا من
1 - قوله: (وأما إن أذن له أن يحرث في أرضه من هذه الزريعة ... إلخ، مراده: إن أذن له أن يحرث هذه الزريعة لأن من معاني «مين» التبعيض وهي من أجناس مختلفة، أي إن أذن له أن يحرث من زريعة وهي متنوعة مثل القمح والشعير والسلت، فإنه يحرث ما شاء منها، وكيفما شاء، بشرط أن لا يستغرقها كلها في الحرث، بل يجب عليه أن يبقى ما يصح أن يقع عليه اسم الزريعة. والله أعلم.
- 429 - (1/429)
صفحة 421
وَأَمَّا إن أذن له أن يحرث في أرضه كيلاً معلوماً من البذر، ولم يكن عنده في ذلك الوقت، ثُمَّ استفاده بعد ذلك، فلا بأس عليه أن يحرثه، إلا إن اشترط عليه بذرا كان عنده
في وقت الإذن، أو إنَّما أراد ذلك ولم يشترطه، فلا يحرث كل ما استفاده بعد الإذن. وَأَما إن أذن له أن يحرثها ببذر معلوم ثُمَّ علم أنَّه ليس له فيه شيء، أو لا ينبت، أو أصابته آفة، فلا يحرث غيره ولو مقدارَه؛ وإن حرث غيره فهو بمنزلة من حرث بغير إذن. وَأَمَّا إن كان عنده بذر فطلب من صاحب الأض أن يأذن له أن يحرثها، و لم يقصد البذر الذي كان عنده في ذلك الوقت دون ما سواه، فتلف ذلك البذر أو لم ينبت، وعلم أنه ليس له فيه شيء، فإنه يحرث ما سواه مما يوافقه في الجنس أو الكيل، إلا إن طلب أن يحرث تلك الأرض بذلك البذر ولو لم يقصده، فلا يحرث
بعد ذلك غيره.
وإن طلب أرضًا أن يحرثها لنفسه أو لغيره، أو يشارك فيها غيره، ولم يعلم صاحب الأرض بذلك، فإنَّه يحرثها لِكُلِّ من طلبها له، إلا إن كان صاحب الأرض لا يريد ذلك، أو عرفه فلا يحرثها وكذلك الدواب إن طلبها أن يحرث بها، أو الماء على هذا الحال.
وأَما إن أذن له أن يحرث أرضًا ببذر معلوم، ففعل فيها صاحبها فعلا موقوفا (1)، أو ليس له فيها شيء، ثُمَّ رجع بعد ذلك في ملكه، فإنه يحرثها إن أراد؛ وكذلك إن أوقفه بعدما أذن له أو أخرجه من ملكه، ثُمَّ دخل ملكه بعد ذلك جائز له أن يحرثها. وكذلك إن لم يكن له فيه شيء، وهو لمن ولي أمره أو غيره، فإنَّه يحرث إلا إن أذن له في حرث بذره دون ما سواه ولو لم يقصد ذلك صاحب الأرض.
وأَما إن أذن له أن يحرث هذه الأرض بهذا البذر فإنَّه يحرثها كلها كما أذن له، وإن كان البذر لا تحمله تلك الأرض، أو لا يحرث به فإنَّه يحرثها، كما يصلح حرثها.
ففعل فيها صاحبها فعلا موقوفا»: مثاله أن يبيعها بيع الخيار. والله أعلم.
430 -
1 (1/430)
صفحة 422
ولو بقي من البذر أو من الأرض أو حرث من الأرض والبذر بعضا فبدا له (1) فليس عليه شيء، وإن أذن له أن يحرثها من بذره (2) ولم يبين له مقدارا معلوما فلا يحرث منها شيئا، وكذلك الأرض إن لم يتبين له ما يحرث منها؛ ومنهم من يقول: يحرثها ما لم يفرغ منها، أو يمنعه صاحب الأرض؛ ومنهم من يقول: إنما يحرث منها النصف؛ ومنهم من يقول: إنما يحرث الأكثر.
وكذلك إن أذن أن يحرث من بذره، ولم يكن عنده ما يبذر في ذلك الوقت، أو كان فأخرجه من ملكه، أو فعل فيه فعلا موقوفًا، ثُمَّ رجع إليه بعد ذلك، أو استفاده بعدما أذن له، فإنَّه يحرث منه في هذا كله وإن أخرج منه التسمية، فليحرث ما
بقي منه.
وَأَما إن قال: احرث هذا أو هذا أو ما شئت منهما، فليحرث ما شاء منهما. وَأَما إن أذن له أن يحرث بذره أو أرضه فلا يحرث ما اشتركه مع غيره؛ ومنهم من يقول: يحرث في تلك الأرض سهم من أذن له؛ ومنهم من يقول: إنما يصيب ذلك في البذر دون غيره لأنه ينقسم. وكذلك ما كان في يد المقارض من الأرض والبذر على هذا الحال من المنع.
وأَمَّا إن أذن له أن يحرث أرضًا كانت في يد المقارض أو البذر أو ما كان في يد عبده المأذون له في التجارة فجائز لمن يحرثها.
وإن أذن له أن يحرث أرضه أو بذره فلا يحرث أرضا اشترك فيها معه؛ وكذلك البذر؛ ومنهم من يقول: يحرثها؛ وكذلك الدواب والماء على هذا الحال.
- 1
«فبدا له» مراده: فبدا له الكف عن إتمام حرثه، وليس عليه شيء. والله أعلم. تقدمت قريبا مثل هذه الصورة، وأفتى بالجواز المطلق، فليت شعري ما الفرق بينهما فيحكم هنا بالمنع؟ و لم أجد وجها للتفرقة بينهما إلا أن يقال: إذا كان البذر لصاحب الأرض كما تفيده العبارة هناك فجائز، وإذا كان البذر للحارث طالب الأرض فلا يجوز. ولا أرى مع هذا وجها للمنع. والله أعلم.
28
- 431 - (1/431)
صفحة 423
وأما إن أذن المقارض في حرث ما كان في يده من البذر والأرض، فلا يجوز إلا إن
جوزه صاحب الأرض والبذر؛ ومنهم من يقول: إذنه جائز فيما نابه من الربح؛ ومنهم من يقول: إذنه جائز في كُلِّ ما كان في يده. وكذلك العبد المأذون له في التجارة على هذا الحال. وأَما إن أذن له أحد المتعاقدين أن يحرث في أرضهما أو من بذرهما فذلك جائز، إلا إن أذن له في سهمه دون شريكه فذلك جائز، لأنه بمنزلة الشريك. وأما إن أذن له أن يحرث أرضه بعد موته فلا يحرثها بعد ذلك. وإن وقت له عددا معلوما من الأيَّام أو الشهور في سنة واحدة فإنَّهُ يحرثها حتى يتم تلك الأيام، سواء ا اجتمعت تلك الأيام أو افترقت؛ وإن حرث بعضا من اليوم فليحسبه من تلك المدة؛ ومنهم من يقول: لا يحسب ما حرث من اليوم؛ وأَما الشهر فلا يحسب منه منه إلا ما حرثه. وإن أراد أن يحرث في ذلك الشهر بالليل والنهار فلا يجد ذلك، ويحرث كما
يحرث الناس؛ ومنهم من يقول: يحرث في ذلك الشهر كيفما أراد في اللَّيْلِ وَالنَّهَار. وإن أراد أن يجعل فيها في كُلّ يوم أزواجا (1) كثيرة فذلك جائز، إلا أن يطلبها على ذلك، أو لم يأذن له صاحب الأرض بذلك، ويحرثها بجميع ما يحرث به ويحرث فيها جميع ما يحرث، إلا إن لم يأذن له في ذلك. وإن أذن له أن يحرث بزوج واحد مُدَّة معلومة فلا يحرث عدد تلك المدة بعدد الأزواج في يوم واحد؛ وكذلك إن أذن له أن يحرث في يوم واحد بأزواج كثيرة، فأراد أن يحرث في عددها من الأيام بزوج واحد على هذا الحال. وإن أذن له أن يحرث في يوم واحد بعدد معلوم من الأزواج فإنَّه يحرث بها وببعضها؛ وكذلك إن إذن له أن يحرث إلى مُدَّة معلومة فإنه يحرثها كلها أو بعضها.
وَأَما إن أذن له أن يحرثها هذه السنة، فإنه يحرث فيها جميع ما يحرث في الصيف والشتاء. وأما إن أذن له إلى مُدَّة معلومة من السنين فإنه يحرثها كما تتابعت (2)
1 - لعل المراد بالأزواج هنا قرن دابتين معا لجر محراث. قوله: «يحرثها كما تتابعت أي يحرثها متتابعة. فلو أذن له في حرثها إلى ثلاث سنين فحرثها سنتين ثُمَّ ترك الحرث سنة ثُمَّ أراد حرثها سنة أخرى فلا يجوز.
- 432 - (1/432)
صفحة 424
وإن لم تتابع فلا يحرثها؛ ومنهم من يقول: يحرثها اجتمعت أو افترقت، إلا إن قال له احرثها في ثلاث سنين أو أقل أو أكثر، ولم يحرثها في بعض ذلك، فما بقي من تلك المدة فليحرثه، وما لم يحرثه من المدَّة فقد بطل. وإن مات ما حرث في تلك السنة أو لم ينبت فأراد أن يحرثها مرة ثانية فلا بأس عليه في ذلك؛ ومنهم من يقول: لا يحرثها في تلك السنة حيث لم ينبت ما حرث فيها أو مات. وأما ما لم يحرث من تلك الزريعة في تلك السنة فإنه يحرثه في وقته وإن أذن له أن يحرثها في هذه السنة فلا يحرث فيها ما لا ينزعه في تلك السنة (1)، وإن حرث فتمت السنة فيفعل فيه صاحب الأرض ما شاء مثل من لم يأذن له.
وأَما إن أذن له أن يحرث أرضه فحرثها له عبيده أو أولاده أو كل من يخدمه بغير إذنه فذلك جائز، وأما إن حرثها له غيره من الناس بغير أمره فلا يجوز له ذلك؛ ومنهم من يقول: جائز.
وأما إن أذن له أن يحرث أرضه ببذر غيره لنفسه (2)، فرجع إليه ذلك البذر، فحرثها به فهو بمنزلة من حرث بغير إذن؛ وكذلك إن حرثها غيره من الناس فرجع ذلك الحرث إلى المأذون له بمعنى من المعاني على هذا الحال. وأما إن حرث تلك الأرض ببذر على أنه لغيره، فإذا هو له فلا يقلبها صاحب الأرض. وإن زرعها المأذون له ببذره بنفسه فأذن لمن يحرث تلك الزريعة لنفسه، فلا يجد صاحب الأرض قلبها، ويدرك ضمان الأرض. وإن رجع ذلك الحرث من المأذون له الأول فلا يدرك عليه صاحب الأرض نقصان أرضه؛ ومنهم من يقول يدركه. وإن زرع فيه غير المأذون له بذره فأعطاه للمأذون له فحرثها، فلا يدرك عليه صاحب الأرض شيئًا.
-
1
فلا يحرث فيها ما لا ينزع في تلك السنة» لأن من النبات ما يعيش سنتين أو ثلاثا أو أكثر مثل الفصفصة والعامة تسميها: الفصة.
2 - قوله: «وَأَما إن أذن له أن يحرث أرضه ببذر غيره لنفسه أي ببذر غير صاحب الأرض لنفسه هو
فرجع إليه ذلك البذر. والله أعلم.
- 433 -
- (1/433)
صفحة 425
وإن أذن الزوج لمن يحرث أرض زوجته، أو أذنت الزوجة لمن يحرث أرض زوجها، فلا يحرثها المأذون له. وكذلك إن أذن له في أرض ابنه البالغ على هذا الحال. وأما أرض ابنه الطفل فإنه يحرثها. ومنهم من يُرخص في أرض ابنه البالغ إن أذن لمن يحرثها؛ ومنهم من يُرخص في الزوج والزوجة إذا كانت تلك الأرض في يد من أذن أن يحرثها.
وَأَمَّا إن أذن له أن يحرث تسمية من أرضه فحرث منها أكثر من ذلك أو كلها، فلا يقلبها ويأخذ نقصان ما زادت تلك الزيادة عن تسمية الأرض كلها؛ ومنهم من يقول: يردُّ عليهم ما ناب تلك التسمية من البذر، فيكون الزرع بينهم على قدر ما لكل واحد منهم من البذر، ويكون منافع الزرع ومضاره بينهم على قدر البذر؛ ومنهم من يقول: يقلب منها ما زاد على التسمية التي أذن له فيها، وإنما يقصد بقلبها إلى ما زاد على ما أذن له فيه من التسمية.
وإن حرثها بمرة فلا يقصد أطايب الأرض بقلبها. ولكن يقلب منها على قدر تلك الزيادة من الأرض على قدر جودتها ودناءتها وإن أراد أن يقلبها من موضع دناءتها فله ذلك. وإن أراد أن يقلب من أطايبها مقدار تلك الزيادة فلا يجوز له ذلك، وإنَّما يقلبها بما يخالف البذر الأوَّل مثل القمح أو الشعير أو الذرة أو السلت. وإن حرثها بالقمح فقلبها بما يخالف من القمح فذلك جائز، وكذلك ما تبين من الزريعة من جنسه على هذا الحال.
وأما إن قلبها فنبت فيها غير ما زرع فيها الأول وما قلبها به هو، فلا ياخذه صاحب الأرض ولا من حرث فيها، ويأخذه الفقراء ومنهم من يقول: يأخذه صاحب الأرض، وكذلك إن لم يقلبها صاحبها فنبت فيها غير ما زرع فيها المأذون
له على هذا الحال، إلا إن كان خلاف ذلك من سبب الأرض فليأخذه المأذون له.
وإن أمره أن يحرث هذه الأرض بهذا البذر وزرعه فيها فقام فساده من زرعه إيَّاه من أجل كثرته فلا يضمن له شيئًا؛ وإن اشترك فيه مع غيره فلا يضمن كل واحد منهم لصاحبه شيئا، سواء أتعمدوا ذلك الفساد أو لم يتعمدوه. وكذلك إن كان البذر لابنه الطفل، فأمر من يزرعه فتلف من أجل كثرته في الأرض فلا يضمن
- 434 - (1/434)
صفحة 426
شيئًا للطفل، ويضمن له أبوه فساد ذلك إن تعمده؛ وإن لم يتعمد فساد ذلك فليس عليه شيء، سواء أزرعه للطفل أو لنفسه من مال الطفل، الجواب فيها واحد. وكذلك إن أخذه من مال ابنه البالغ وزرعه لنفسه أو لمن يزرعه فشرط عليه كيلا معلوما أن يزرعه في موضع معلوم، فزرع ففسد من أجل كثرة الزريعة فلا يضمن من زرعه شيئا في تلك الأرض ولو عرف أنَّ ذلك لابنه البالغ، ويضمن له أبوه ما أفسده له؛ ومنهم من يقول: لا يضمن له شيئًا.
وأَما الخليفة إن زرع بذر من استخلف عليه في أرضه أو في أرض من استخلف عَلَيْهِ، ففسد من أجل كثرة الزريعة فهو ضامن وكذلك إن أمر غيره بذلك فهو ضامن؛ ولا يضمن المأمور إلا إن تعمد ذلك، وقد علم أنَّه لمن استخلف عليه، وإن لم يعلم فليس عليه شيء فيما بينه وبين الله، ويكون عيه ضمانه في الحكم، ويرجع به الأمر. وإن تعمد الآمر والمأمور فساد ذلك، فإنَّ صاحب البذر يغرم أيهما شاء؛ فإن غرَّم المأمور ذَلِكَ فلا يرجع به على الخليفة؛ وأَما إن غرم الخليفة فليرجع على المأمور الذي أهلك البذر.
وأما إن أمره أن يزرع البذر الذي كان فيه الفساد بكثرته في الأرض، فزرع أقل منه كما
يصلح زريعته فاستمسك به صاحب البذر بضمانه حين خالفه، فلا يدرك عليه شيئا. وإن أعطاه البذر فقال له احرث هذه الأرض ولم يقل له بهذا البذر، فزرع ذلك البذر في تلك الأرض، ففسد من أجل كثرته فهو ضامن وكذلك إن قال له: ازرع هذه الأرض بهذا البذر، فزرعه فكثره حتى فسد فهو ضامن، إلا إن قال له: ازرعه فيها كله كما قلنا أَوَّلاً. وأما إن قصد في هذا فساده ولم يفسد منه شيء، فلا يضمن ولا يحلُّ له نواه في ذلك. وأما إن أعطاه البذر ليزرعه له، فزرعها زراعة يفسده بكثرتها (1)، فتلف بعض منه بوجه من وجوه التلف، مثل أن أكلته الوحوش
1 - قوله: «فزرعها زراعة يفسده بكثرتها يبدو أن المراد يفسدها (أي الأرض) بكثرته (أي البذر). ليتأمل.
وَرُبَّما قصد: فزرعه (أي البذر) زراعة يفسده بكثرته. والله أعلم.
- 435 - (1/435)
صفحة 427
أو الطير، أو لا ينبت بعض تلك الزريعة، فصلحت بقيَّة تلك الزريعة فلا يضمن ن إلا ما ذهب من ذلك بكيله، ولا يضمن البقية حيث لم يكن فيها فساد؛ وإن نبت كل ما زرع فيها، فقلع منه بعضا أو أكلته الدواب، أو قلعه غيره من الناس فصلح بقيته فلا يضمن تلك البقية؛ وإن كان إنَّما زرع ذلك الذي أصلح البقيَّة الذي زرع فهو ضامن للأكثر مِمَّا بين كُلِّ ما زرع فيها وقيمة ما نبت منها.
وإن قلعه غيره من الناس فأراد صاحب البذر أن يغرم الذي قلعه فليغرمه قيمته، وإن أراد أن يغرم الذي زرعه فلا يغرمه إلا كيل ما زاد فيها على عادتها. وأما إن قلع ذلك النبات صاحب البذر، أو أفسدته بهائمه، أو أفسده قبل أن ينبت فلا يضمن المأمور شيئا، إلا إن لم يكن فيما أفسد مثل الذي أفسد الأمر بكثرة الزريعة وما فوق ذلك فليضمنه له؛ ولا يضمن المأمور في هذا إلا ما لم يستغله صاحب البذر، وَأَما إن نبت كله واستغل منه صاحب البذر مثل الذي زرع فيها فلا يضمن له شيئًا وما لم يستغله مِمَّا نبت فهو ضامن له.
وإن أمر رجل رجلا أن يحرث له أرضه ببذره، وتركها ولم يحرثها حتى فات حرثها فلا يضمن له شيئًا وإن تلف ذلك البذر بعدما تركه ولم يحرثه فهو ضامن إن ضيعه؛ وإن لم يضيعه فلا يضمن. وإن زرعه فيها فتركه ولم يحرثه حتى فسد فهو ضامن، وإن ضيعه (1) حين زرعه ولم يتلف ثُمَّ حرثه و لم ينبت فلا يضمنه؛ ومنهم من يقول: هو ضامن لذلك البذر حين تركه أولاً ولم يحرثه.
وَأَما إن ضيعه ثُمَّ حرثه فنبت، فلا يضمن شيئًا، وإن حرثه صاحب البذر بعدما تركه المأمور فلا يضمن شيئا، وإن زرع ذلك البذر فحرث منه بعضا أو لم يحرثه، فمنع منه بمعنى من المعاني، إما بمرض أو تلف دوابه أو أداته حتى لا يصل إلى حرثه فلا يضمن شيئا وكذلك إن خاف على نفسه فهرب فليس عليه شيء.
1 - قوله: «وإن ضيعه لعلّ مراده عرّضه للتلف، بتهاونه كما لو بذره ولم يحرك الأرض، وكان عرضة للطيور والجرذان فلم يتلف، ثُمَّ حرثه و لم ينبت فلا يضمنه. والله أعلم.
436 - (1/436)
صفحة 428
وإن زرع في تلك الأرض جميع بذره، فمنع من حرثها لانكسار الدابة أو غير ذلك من الموانع فهو ضامن (1)؛ وكذلك إن زرع فيها أكثر مما يحرثه في ذلك اليوم
و لم يحرثه حتى فسد فهو ضامن.
وإن أمره أن يبذر له هذه الأرض ويحرثها، فجاز بالمحراث على بعض البذر ولم يجز
على بعض فهو ضامن لما لم يجز عليه بالمحراث من البذر مِمَّا لم ينبت حتى فسد. وإن أمره أن يبذر له هذا البذر فبذره في الطين أو في الماء فهو ضامن. وكذلك إن أمره أن يبذر له هذا البذر فبذره في غير وقته فهو ضامن، مثل إن بذره في سمائم (2) الصيف، أو بذره في الأرض قبل أن تسقى؛ وإن مكث هذا البذر في الأرض ولم يفسد حتى بلغ وقت حرثه فحرثه فلا ضمان عليه. ولا يحرثه في وقت يمطر فيه المطر إذا كان غزيراً لأجل فساده؛ ولا يزرعه أيضًا في موضعه أو في وقت يكون
فساده أو بعضه.
منه
وإن أمر رجل رجلاً أن يحرث له في موضع معلوم، فحرث له في غير ذلك الموضع في موضع يصلح للحرث فلا يضمن له شيئًا، وإن كان ذلك الموضع لا يصلح للحرث فهو ضامن لذلك البذر وعناء الدواب؛ ومنهم من يقول: هو ضامن ولو حرثه في موضع يصلح للحرث ولا عناء له. وكذلك إن أعطى له ذلك البذر على السهم وقصد له موضعا يحرث فيه فحرثه في غيره، الجواب فيها كالتي قبلها؛ ولا تصح تلك الشركة.
وكذلك إن أعطاه البذر على أن يحرثه له المأمور في أرضه ليشتركوا فيه أو لا يشتركوا، فحرثه في غير الموضع الذي أخذه منه، فإنه إن أراد صاحب البذر أن
2
1 - لم أفهم الفرق بين الصورتين، إلا إذا قيل: إِنَّهُ في الصورة الأولى لا يضمن إذا استقصى جهده، بينما لم يفعل ذلِكَ في الثانية. والله أعلم.
السمائم واحدها: السموم، وهي الريح الحارة التي تهب صيفاً، وقد ورد في الأصل «صمائم»
وَهُوَ تحريف ظاهر.
437 - (1/437)
صفحة 429
يأخذ بذره، ويكون للمأذون له ما زرع في أرضه، وإن أراد أن يمسكه في تلك
الأرض فجائز له على ما اشتركوا فيه.
مسألة أخرى
قلت: فرجل أذن لرجل أن يحرث بدوابه، فهل يعطيها لمن يحرث بها من عبيده أو أولاده أو أجرائه، وكل من يستخدمه؟
قال: ذلك جائز له، ولمن يحرث لهم، قصده في وقت الإذن أو لم يقصده. وكذلك إن لم يكن عنده في الوقت الذي أذن له أن يحرث بتلك الدواب من يحرث بها، ثُمَّ كان له عنده بعد ذلك، فلا بأس عليه أن يعطيهم تلك الدواب، ويحرثوا له بها. وكذلك إن أعطاه صاحب الدواب دوابه من غير أن يطلبها منه، فإنَّه يعطيها لمن يحرث بها، كما قلنا أولاً، ويعمل لها جميع ما يحرث به من المحراث وأداة الحرث كلها.
وإن أعطاه تلك الدواب وأداتها ففسد فيها شيء فإنَّه يصلحه إن لم يفعل فيه إلا ما يفعل صاحبه قبل ذلك، ولا يكون عليه ضمان ما أفسد فيها إلا إن تعمده؛ ومنهم من يقول: هو ضامن الجميع ما أفسد في تلك الأداة ولو لم يتعمد.
وإن أعطاه تلك الدواب وأداتها فأراد المأذون له أن يبدل أخفَّ مِمَّا يصلح له فذلك جائز، ولا يردُّ ذلك الماعون (1) لغيره من الدواب ليحرث بها؛ وإن فعل ذلك فهو ضامن للأداة إن أفسدها. وإن طلب الدواب وأداتها فلا يرد أداة بعضها لبعض، فإن فعل ذلك فهو ضامن لتلك الأداة والدواب إن هلكت بسببه؛ وأَما إن ردَّ
لبعضها أخفَّ من أداته أو أجود منها فلا يضمن تلك الدواب، ويضمن الأداة.
-
1
قال الأستاذ محمد على الصابوني في صفوة التفاسير من سورة الماعون: «قال مجاهد: الماعون: العارية للأمتعة وما يتعاطاه الناس بينهم كالفأس والدلو، والآنية، وقال الطبري: أي يمنعون الناس منافع ما عندهم، وأصل الماعون من كُلِّ شيء منفعنه».
- 438 - (1/438)
صفحة 430
وإن طلب تلك الدواب من رجال شتى، وقد كانت تحرث كل دابة وحدها فلا يجمعها هو أزواجا ليحرث بها، فإن فعل فهو ضامن، وَأَما إن جمعت عت له ثُمَّ فرَّقها ليحرث بها، فتلفت أو أصابتها آفة فهو ضامن وكذلك إن خالف تلك الدواب فيما بينهما فردَّ ما يحرث منها على اليمين إلى الشمال أو ما يحرث على الشمال إلى اليمين، فهي على هذا الحال وكذلك إن قارنها فضيق عليها أو وسع لها أقرانها، أو تركها ولم يقرنها فما أصابها من أجل ذلك فهو ضامن وكذلك إن ربط بعضها ما يغلبها أو يردُّ له المضمد (1) حَتَّى ضَرَّ به فهو ضامن. مع.
وكذلك إن طلبه ليحرث به فجرف به (2) فهو ضامن وأما إن طلب الدواب ليحرث بها فأعطاه الدواب ومحاريثها، ومن يحرث بها فلا يبدل تلك الدواب لمن يحرث بها دون من يحرث بها عند أصحابها؛ ومنهم من يُرخص أن يبدل لهم من يحرث بها فيما بينهم.
وكذلك إن أبى من يحرث بواحد من الأزواج أو مرض أو مات فليعطها المأذون له لمن يحرث بها؛ وكذلك أداة الحرث إن تلف بعضها أو انكسر أو انقطع، فأراد أن يرد لها (3) ما يحرث به من الأداة فلا بأس عليه في ذلك.
وإن طلب رجل رجلاً أن يعطيه زوجا يحرث به، فهل يجوز له أن يجرف بها، ثُمَّ
يحرث بها؟
قال: نعم؛ وأَما إن أعطاه ليجرف بها فلا يحرث، ثُمَّ يجرف بعد ذلك، وإن. طلب الزوج ليحرث به لنفسه، فلا يحرث به لغيره ممن ولي أمره من
أطفاله
1 - قال الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش رحمه الله في تعليقه على اللفظة ضمن تعاليقه على (كتاب والصواب مضمدة بكسر الميم الأولى وهي خشبة تجعل على أعناق الثيرة التكميل) مضمد كذا انتهى. والثيرة أحد جموع الثور.
2 - قوله: «فجرف به الجرف هو حمل التراب وإبعاده من مكان الحرث أو الغرس. 3 - أن يردّ لها»: الضمير هنا عائد على الدواب. والله أعلم.
- 439 - (1/439)
صفحة 431
واليتامى والمجانين الذين استخلف عليهم؛ وكذلك إن طلب أن يحرث لهؤلاء فلا يحرث لنفسه. وأَما إن طلب أن يحرث هكذا من غير أن يقصد أي شيء، فإنه يحرث بها إن شاء لنفسه ولمن ولى أمره.
وإن طلب رجل من رجل أن يعطيه ما يحرث به فأعطاه مال من ولي أمره من اليتامى والمجانين أو ما كان في يده، فلا) يعره لأحد إلا إن كان هو أيضا يستعير لهم من الناس مثل ذلك. وأما الوديعة والعارية فلا يفعل فيها شيئًا بغير أمر صاحبها، فإن فعل فهو ضامن ومنهم من يقول: لا يجوز للخليفة أن يعير مال من ولي أمره، ولو أنه يستعير لهم مثل ذلك.
وإن طلب رجل زوجا ليحرث به الأشجار فلا يحرث به البذر، وإن أعطاه له ليحرث به البذر فلا يحرث الأشجار، وإن طلب أن يحرث الأشجار فبذر فيها فلا بأس أن يحرث ذلك. وإن طلب الزوج أن يحرث به فلا يسوي به المساقي ومحاري الماء. وإن طلبه أيضا أن يحرث بذرا معلوما مثل القمح فلا يحرث الشعير وغيره؛ وإن لم يسمّ صنفا دون صنف فإنه يحرث ما شاء؛ وإن قصد إلى صنف معلوم من الأشجار فلا يحرث غيره.
وإن طلب الزوج أن يحرث به فإنه يحرث به في أي موضع شاء، ولو كان فيه النجم () واليتمة (4) وأشجار البراري وما يشبه ذلك إلا ما خالف من ذلك عادة الناس مِمَّا يقوم به الفساد فلا يقصده؛ فإن فعل فهو ضامن لما أصاب تلك الدواب وتلك الأداة؛ وإن لم يصبها شيء فليس عليه كراء. وإن طلب الدواب أن يحرث بها والأداة والعبيد ليحرثوا له فلا يقصد بهذا كله مواضع الخوف، إلا إن طلب أن
الحاجة.
1 - في الأصل: إن كان والصواب ما ذكرنا إن شاء الله. 2 - تسوية المساقي وبحاري الماء إنما يكون برفع التراب منها أو وضعه فيها حسب ا قال في اللسان: «والنجم من النبات كلُّ ما نبت على وجه الأرض، ونجم على غير ساق، وتسطح فلم ينهض، والشحر كل ما له ساق». ر: ابن منظور: لسان العرب، مادة «نجم». قوله: «اليَتَمَة»، جمع يتيم، يحتمل أن يريد به الرمال المنفردة: ابن منظور: لسان العرب، مادة «يتم».
-
3
4
- 440 - (1/440)
صفحة 432
يحرث موضعا معلوما فإنَّه يحرثه ولا يكون عليه شيء؛ وإن لم يقصد موضعا معلوما حين طلب فأعطاه له كذلك، فقصد إلى موضع الخوف فهو ضامن لما أصاب شيء من ذلك؛ وإن سلم فليس عليه شيء.
فإن طلب الدواب ليحرث بها، ولم يسم الموضع الذي يحرثه، فإنه يحرث بها في ما دون الأميال ولا يجاوزها، فإن جاوزها فهو ضامن لما أصاب ذلك كله. وكذلك العبد إذا طلبه أو المحراث أو الأداة كلّها على هذا الحال، لا يخرج بها الأميال؛ فإن فعل فهو ضامن لما أصابها.
وإن طلب الدواب أن يحرث بها، بذره فإنَّه يحرث بها ما كان عنده من البذر قل أو كثر، إلا إن قصد إلى شيء معلوم فلا يحرث غيره. وكذلك إن طلبها ليحرث بها أرضه فَإِنَّهُ يحرث بها أرضه كلها.
وإن جعل له المدة فَإِنَّهُ يحرث إلَيْهَا، ولا يجاوزها. وإن طلب الدواب والأداة ليحرث بها يوما واحدا، فحرث شَيْئًا، ثُمَّ أراد أن يعيده) في ذلك اليوم، فلا بأس عَلَيْهِ مَرَّة أو مرَّتين أو ما شاء من ذَلِكَ. فإن طلبها أن يحرث بها يوما واحدا، فحرثه، فلا يعده له (2)؛ فإن أعاده فليعط له كراء الدواب في إعادته، وَعَلَيْهِ الضمان إن أصابها شَيْء من ذَلِكَ.
وإن طلب الدواب ليحرث بها، فَإِنَّهُ يحرث بها في اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، إِلا ما جاوز طاقتها؛ ومنهم من يقول: لا يجاوز بها عادة الناس.
وإن طلبها إلى شَيْء معلوم، فلا يجاوزه ولا يخالفه، فإن فعل فهو ضامن. وأما العبيد إن أعطوا له فَإِنَّهُ يستعملهم في النهار كله، ولا يستعملهم بالليل، إلا إن
1 - قوله: «ثم أراد أن يعيده»، يبدو أن المراد: إعادة الحرث لنفس المكان، بأن يمر بالسكة في الموضع الذي سبق أن حرثه بها، وقد جرت العادة في بعض الجهات أن يعيد الحرث بخطوط متعامدة مع الخطوط الأولى زيادة في هشاشة الأرض ورخاوتها وخصوبتها.
- 2
وقوله هنا: «فلا يُعِدُه لَعَلَّ الإعادة هنا أن تكون في يوم ثان فلا تجوز، والله أعلم».
- 441 - (1/441)
صفحة 433
رضوا بذلك. والأداة أيضا إن طلبها فأعطيت له فَإنَّهُ يستعملها في كل وقت، إلا إن قصد شَيْئًا معلوما فليس له غير ذلك. ويصلح تلك الأداة إن لم يستقم له الحرث بها؛ وَكَذَلِكَ إن انكسرت نَحَتَ العود، ويعمل السكة، ويقتل الحبل، ويفعل في ذلك جميع ما يصلحه.
وإن أذن له أن يحرث في يوم معلوم، فحرث في بعض ذلك اليوم، ولم يحرث بعضا، ثُمَّ أراد أن يحرث مقدار ما بقي له من ذَلِكَ اليوم في يوم آخر، فلا يصيب ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ إن طلب أن يحرث يوما هكذا ولم يسمه و لم يقصده، أو طلب أن يحرث يوم الخميس أو يوم الجمعة، فحرث بَعض ذَلِكَ اليوم وفاته بعض ولم يحرثه، فلا يصيب أن يحرث مثل ما بقي له من ذَلِكَ اليوم في يوم آخر؛ ومنهم من يجوز له ذَلِكَ. وإن طلب أن يحرث يوما هكذا، فليحرث ما رَدَّ طلوع الفجر إلى غيوب الشمس، والليل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر وإن أذن له أن يحرث يومه الذي كان فيه فليحرث من ذَلِكَ الوقت الذي أذن له فيه بَقِيَّة يومه. وإن استقبل ذَلِكَ اليوم فليحرثه من طلوع الفجر إلى غيوب الشمس.
من
•
المدة.
وإن طلبها أن يحرث أَيَّاما معلومات أو شهرا معلوما، أو سنين معلومة فليحرث عدد تلك الأيام، اجتمعت أو افترقت؛ وَكَذَلِكَ الشهور والسنون عَلَى هَذَا الشرح والبيان. وأَما إن قال له هَذَا الشهر، فليحرث ما بقي منه. وَأَمَّا إن أمره أن يحرث هَذَا اليوم إلى يوم كذا وكذا، فليحرث ما رَدَّت تلك الأيام فيما بينهما؛ ولا تدخل تلك الأَيَّام في المدة؛ ومنهم من يقول: تدخل في وَأَمَّا إن طلب الدواب أن يحرث بها لنفسه فحرث لغيره؛ فأراد أن يحرث بها لنفسه أيضاً فَإِنَّ ذَلِكَ جائز، ويعطي عناء ما حرث لغيره. وَكَذَلِكَ إن طلب أن يحرث لغيره، فحرث لنفسه فَإِنَّهُ يحرث لغيره، ويعطي عناء ما حرث لنفسه إن لم يطلبه عَلَى ذَلِكَ). وإن تلفت في ذَلِكَ الوقت الذي حرث فيه لنفسه فهو ضامن.
1 - هَذَا القول مغاير لما تقرر سابقا، إلا أن تكون فتوى من عالم آخر. ليحرر.
- 442 - (1/442)
صفحة 434
همز (1) الدواب في وقت الحرث على قدر العادة، ولا يضربها إلا كما يضربها ويهمز
صاحبها في الحرث. وإن أعطاه دواب ليحرث بها، فلا يرفع عَلَيْهَا بذورا ولا المحراث، ولا جميع ما يحرث به، ولا يركبها في مسيره إلى الحرث، أو رجوعه منها، ولا يركبها لينجي بها نفسه، ولا يحمل عَلَيْهَا. زاده وإن أراد أن يحمل عَلَيْهَا علف تلك الدَّابَّة فلا بأس في ذَلِكَ؛ ومنهم من يقول: لا يحمله عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ الماء الذي تشربه مثل علفها. ويعطي تلك الأداة لغيره ليحملها له؛ ويفرقها إن لم يجد رفعها إلا بذلِكَ، مثل أن يحمل الحبال، أو ينزع السكك أو ما أشبه ذلِكَ مِما لا يكون فيه الفساد. ويجوز أن يعطي تلك الدَّابَّة لمن يسوقها ويرعاها، ويعمل لها جميع ما لا تستغني عنه من السقي والعلف، ولو وصل إلى ذَلِكَ بنفسه، وَعَلَيْهِ حفظها بالعلف والسقي والرعي وما لا تستغني عنه، ويجبر عَلَيْهِ إن لم يكن صاحب الدواب. وإن براه صاحبها من ذَلِكَ كُلِّه فليس عَلَيْهِ شَيْء.
وإن استمسك بصاحب الدواب بما علفها وما أنفق عَلَيْها في مصالحها فَإِنَّهُ يدركه عَلَيْهِ. وَأَمَّا إن استمسك بها فيما تعنى (2) لتلك الدواب في وقت استعمالها في الحرث ومنافعه فلا يدرك عليه شيئا.
وكذلك إن استمسك به فيما أصلح من الأداة مِمَّا لم يكن من العين، وأما ما كان من العين فليدرك عليه قيمته (3). وأما إن استمسك به صاحب الدواب والأداة في عناء دوابه، وكذلك الأداة، فلا يدرك عليه؛ ومنهم من يقول: يدرك عليه. وكذلك دواب من ولي أمره مثل دوابه وأداته.
1
- 2
3
-
قال في القاموس: «الهمزة الغمز والضغط، والنخس، والدفع والضرب، والعض، والكسر»، ثُمَّ قال: «والمهمزة: المقرعة والعصا، أو عصا في رأسها حديدة ينخس بها الحمار». تعنى تعنيا: نصب وتعب وتعنى الأمر: قاساه وتحشمه. (المنجد) المقصود من العين هنا ما يزيد من قطع قائمة بذاتها، كما لو صنع سكة من محراث، أو خشبة له، أو حبلا ليجر به. والله أعلم.
443 (1/443)
صفحة 435
وَأَمَّا إن أعطاه دواب اشتركها مع غيره فطلبه شريكه إلى عنائها فإنه يدركه، ولا يرجع به على من أعطاه تلك الدواب؛ وكذلك إن استمسك بشريكه في عناء دوابه فليدركه عليه ولا يرجع به المعطي على من أعطى له الدواب بشيء؛ ومنهم من يقول: يرجع به عليه سواء أحرث المعطي لنفسه أو لغيره من الناس، فإنه يدرك عليه ذلك ولا يرجع به على من حرث له شيئا؛ ومنهم من يقول: يرجع به عليه؛ وسواء أمره أن يحرث له أو لم يأمره بذلك إن رضي ما حرث له؛ وإن لم يرض ما حرث له فلا يدرك عليه شيئا؛ ومنهم من يقول: إن لم يأمره لا يدرك عليه شَيْئًا. وإن أعطى له دواب ليحرث بها فمرضت فلا يحرث بها إن خاف تلفها، وإن استراحت فليحرث بها، وكذلك إن حدث فيها ما لا يحرث به، فزال بعد ذلِكَ فليحرث بها؛ وَكَذَلِكَ أداة الحرث كلها إن حدث فيها ما لا يحرث بها، إلا إن فسدت فلا يحرث بها، وإن أصلحها المعطى له بزيادة عين أو غيره فلا بأس أن يحرث بها، وكذلك إن أصلحها صاحبها بغير زيادة عين وأَمَّا إن زاد فيها عينًا فلا يحرث بها المعطى له، وإن طلب المعطى له عناء ما أصلح في تلك الأداة أو قيمة ما زاد فيها من العين فليدركه على صاحب الأداة، وإن لم يطلبه إلى ذلك فليس عليه شيء وينتفع بأداته، ولا يمنعه المعطي له من الانتفاع ولو كان في الأداة زيادة عين وإنما يدرك عناءه أو قيمتها. وإن رد الدواب بغير أداتها، إما ذهبت تلك الأداة أو كانت عند المعطي له فجائز له أن ينتفع بها ويستعملها، أو يفعل فيها مثل ما يفعل بماله). وإن طالب صاحب تلك الأداة بها فليعطها له.
1 - تقدم قريباً أنه يمنع على الحارث بدواب غيره أن يرفع عليها بذراً ولا محراثا، أو يركب عليها في مسيره إلى الحرث ... أما هنا فيجيز له أن يترك أداة الحرث عنده بعد رد الدابة ويفعل في الأداة ما يفعل في ماله، فليت شعري أي فرق بين هذه وتلك؟! إلا أن يقال: إن الرفق بالدابة واجب عليه، أما استعمال الأداة فمما يتسامح فيه. والله أعلم.
- 444 - (1/444)
صفحة 436
وإن اختلفا، فقال صاحب الدواب اعطني قيمة أداتي، فقال: إنما أعطيك أداتك، أو قال له صاحب الأداة: رُدَّ عليَّ متاعي، فقال له الآخر: إنما قيمتها، فالقول قول من قال برد الأداة إلى صاحبها الأول.
وإن استمسك بصاحب الدواب فيما انتفع بها قبل أن يأخذها، فليدرك عناء ما انتفع به. وان اختلفا في تلك الأداة فقال صاحب الدواب والأداة: إنَّها لي)، وقال المعطى له أنا عملتها وهي لي، فالقول قول من كانت في يده. وان أقر صاحب الدواب أنه إنَّما دخلت يده من قبل المعطى له وادَّعَى أنه أعطاها له مع الدواب فهو مدع. وكذلك إن قال له المعطى: إِنَّمَا كانت عندك من قبلي فأرسلتها لي،
فهو مدع.
وإن ادَّعَى المعطى له أنه زاد فيها وأصلحها فهو مدع، ولو كانت علامة ذلك عليها، وأما إن ادَّعَى ما انفصل من تلك الأداة مثل المضمد أو الحبال أو السكة أو غير ذلك من المنفصل، فالقول قوله، ولو كانت السكة على المحراث أو المضمد على الزوج أو قرنا بالحبال، فصاحب الدواب مدع. وكذلك الرَّسَن والقتب والشكال (2) وما اشبه ذلك إذا كانت على الدواب وادَّعاها صاحب الدواب فهو مدع. وأَما إن طلب منه زوجًا ليحرث له، فحرث به حتى هزل، أو حرث بالأداة حتى انتقصت في عينها، ولم يعمل بها إلا مثل ما يعمل صاحبها فلا بأس عليه. وإن مات ذلك الزوج من أجل ذلك الحرث، أو انكسرت تلك الأداة، أو انقطعت بسببه فهو ضامن ومنهم من يقول: لا يضمن إلا إن مات في حينه ذلك بسببه أو انكسرت الأداة أو انقطعت في يده بجهالته بالعمل فهو ضامن.
2
1 - «إِنَّهَا لي» من إضافة الناسخ. وإلا فبياض في جميع النسخ.
الرّسَنُ محركة: الحبل وما كان من زمام على أنف، أو هو عام لِكُلِّ حبل يقاد به البعير وغيره. القنب والقتبُ إكافُ البعير ما يوضع حول سنامه للحمل عليه. . والشكال العقال. وشكل الدابة يشكلها شكلاً وشكلها شد قوائمها بحبل، واسم ذلك الحبل: الشكال. (لسان العرب).
- 445 - (1/445)
صفحة 437
وإن أعطى له محراثا ليحرث به فوجد فيه زيادة أو نقصانا أو عوجا، فجائز له
أن يزيد ما يحتاج إلى زيادة أو ينقص ما يحتاج إلى النقصان، ولا تكون عليه فيه تباعة؛ ولو طلب منه صاحب الأداة قيمة ذلك فلا يدرك عليه، ويرد إليه ما نزع من ذلك إذا كان ينتفع به. وإن طلب المعطى له أن ينزع ما زاد إلى المحراث، فإن كان في نزعه فساد فلا يدركه، وإن لم يكن فيه فساد فيدركه، وإن نزعه ففسد ذلك المحراث فهو ضامن لذلك الفساد، ويكون له ما نزع. وكذلك إن أعطى له زوجا (1) صعبًا فإنَّه يعمل له ما يذلله به، وليس عليه شيء من عنائه في وقت استعماله بإذلاله، ولا ما قام عنه من الفساد؛ ولا يذلله في غير الحرث. وكذلك إن أعطى له الزوج ليذلله فلا يحرث به في وقت إذلاله؛ فإن فعل ذلك فهو ضامن؛ وإن هلك فهو ضامن وأما إن اشتغل بالحرث بذلك الزوج حتى نفر وانكسر المحراث، أو عَقَرَتِ السكة الزوج فهو ضامن؛ ومنهم من يقول: إن لم يكن سبب ذلك إلا. لم الزوج، فليس عليه من ضمان المحراثِ والزوج شيء؛ وأَما إن كان فساد ذلك من جهل الحراث بالمحراث فهو ضامن وَأَما إن جعل له المحراث في غير موضع يحرث به، فنفر الزوج، أو هرب، أو لم ينفر، وانكسر المحراث أو ضربته السكة فهو ضامن في هذه الوجوه؛ وإن لم يفسد شيء من هذا فعليه عناء الزوج.
من نفور
من
وكذلك إن نزع حرثه فاتبعه بالمحراث ولم ينزعه عنه إلى منزله أو غيره من
المواضع فهو ضامن لعنائه وقيمة ما نقص من الأداة، وما فسد فيها.
1
-
«زوجا» قال في لسان العرب: الزوج خلاف الفرد، يقال: زوج أو فرد». ثُمَّ قال: «وكل واحدٍ منهما أيضًا يسمى زوحًا، ويقال هنا: زوجان للاثنين وهما زوج». ثُمَّ قال: «الزوج: الفرد الذي له قرين». ثُمَّ قال: «ويدل على أنَّ الزوجين في كلام العرب اثنان قول الله عزّ وجل: وَأَنَّهُ, خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى فَكُل واحد منهما كما ترى زوج». انتهى. وعلى هذا
فالزوج في سياق العبارة أعلاه قد يُقصد به فرد لا اثنان. ليحرر.
-446 - (1/446)
صفحة 438
وإن اتكأ على المحراث برجليه أو بيديه جميعا من غير سبب حتى انكسر فهو ضامن. وأَما إن خاف على الزوج أن يهرب فتعقره السكة فاتكأ على المحراث بقوته كلها، فانكسر المحراث فهو ضامن؛ ومنهم من يقول: لا يضمن إن قصد من ذلك إصلاح المحراث أو الزوج، أو إصلاحهما جميعا (1).
وأَما إن أعطى له الزوج ليحرث به الأشجار ولا يصل إلى حرثها حتى يجثو الزوج
(3)
على ركبتيه (2) فلا بأس عليه أن يحرث به كذلك؛ وأما غير الأشجار إن حرث بها
على ذلك الحال وهو يمكنه حرثها من غير أن يجثو على ركبتيه فهو ضامن لما أصابها. وأما إن رقد له ثور واحد من ذلك الزوج أو رقدا جميعا فإنَّه يجعل له ما يقيمه به، من غير أن يقصد إلى مضرته أو ما يفسده من الجرح والكسر وغيره من المضار.
وإن طلب رجل من رجل دَابَّة ليحرث بها مع أداتها، ففاجأه خوف لا بد له منه، ولا يستطيع أن يخلص شيئًا مِمَّا معه إلا بقطع تلك الأداة، فليفعل ما ينجو به ما قدر عليه ويضمن لصاحب الأداة ما قطع منها وما فسد؛ ومنهم من يقول: لا يضمن شيئًا إن لم يجد إلا ذلك. وإن خاف من شيء فقطع هذا من أجله، فخرج ذلك الخوف ليس بشيء، فلا يضمن شيئًا مِمَّا قطع على الرخصة.
قلت: وإن طلب رجل من رجل دابة ليحرث بها مع أداتها، فأذن له فيها، فاستعملها صاحبها بعد ذلك قبل أن يقبضها المعار له فهل يجوز له أن يأخذها قبل أن يطلبه مرة أخرى؟
قال: نعم. فإن أبدل صاحب الدَّابَّة والأداة شيئًا من تلك الأداة فلا يحرث بها حتى يطلبه مرة أخرى، وما صلح من تلك الأداة في نفسها ولم يبدلها فلا بأس عليه
1 - التعبير بالإصلاح هنا يقصد به الصلاح. ليحرر.
2
-
-
3
قوله: «حتى يجثو الزوج على ركبتيه كناية عن بلوغه أقصى الإعياء. أو أن أغصان الأشجار
تمنعه
من
أن يقف على رجليه لقربها من الأرض. والله أعلم.
هذه العبارة سقطت نسحة (م) بسبب انتقال نظر الناسخ من كلمة الأشجار الأولى إلى الثانية. من
239
- 447 - (1/447)
صفحة 439
أن ينتفع بها، وكذلك الزيادة في بعض الأداة ينتفع بها وكذلك إن أعارها له ولم يقبضها حتى أعارها لغيره، فإنَّ الأوَّل ينتفع بإذن صاحبها الأول. وإن أحدث لها المعار الآخر الأداة فلا يحرث الأوَّل بتلك الأداة، ويأخذ الدواب ويجعل لها أداة ما يحرث بها. وإن أعطى له الدَّابة مع أداتها، ثُمَّ منع عنه الأداة بعد ذلك، فلا بأس أن يحرث بالدابة. وكذلك إن كانت الأداة لغير صاحب الدَّابة فأعطاها له صاحب الدابة مع دابته فانتزعها منه صاحبها فإنه يحرث بالدابة؛ ومنهم من يقول في هذا الا يحرث بالدابة إن أعطيت له مع الأداة إلا بتلك الأداة، سواء أكانت له أو لغيره. وَأَمَّا إن طلب الدَّابَّة فأعطيت له مع الأداة، ثُمَّ منعها منه صاحبها فلا ينتفع بالأداة. وإن طلب الأداة والدابة فأعطيت له الدَّابَّة والأداة، ثُمَّ منع صاحب الدابة دابته ينتفع بالأداة ما لم يمنعه منها صاحبها. وكذلك بعض الأداة وبعض الدواب، ومن يحرث على هذا الحال.
فإنَّه
وإن أذن رجل لرجل أن يحرث بدابته، ثُمَّ أذن لآخر أن يحرث بتلك الدابة، فَإنهما يحرثان بها، ولا ينظر إلى تتابعهما في الإذن، إلا إن أذن لهما أن يأخذها بعضهما قبل بعض فليفعلا ذلك. وإن حرث بها المأذون له الأوَّل، ثُمَّ تركها فأخذها المأذون له الآخر حتى تركها، فأراد المأذون له الأول أن يأخذها، فله ذلك لم يمنعه صاحبها. وكذلك إن أذن له فيها صاحبها فحرث بها لنفسه، فإنَّ المأذون له يأخذها وينتفع بها ما لم يمنعه صاحبها. وَأَما إن أذن رجل لرجلين أن يحرثا بدوابه أو بأداته، فإنه إن أذن لهما أن يحرثا معا، فلا يحرث بها كل واحد منهما لنفسه دون صاحبه، ويحرثان بها جميعا، سواء في ذلك أتفاضلا في الحرث أو استويا؛ ومنهم من يُرخص أن يحرثا بها على الانفراد كل واحد بنفسه ما لم يمنعه صاحب الدَّابَّة، أو اشترط عليهما ذلك. وأما إن أذن لهما أن يحرثا بها مفترقين فَإِنَّهُمَا يحرثان معا؛ ومنهم من يقول: لا يحرثان بها معا. وكذلك الأداة على ما ذكرناه في هذه المسألة.
وإن أذن لهما أن يحرثا بها بذرهما الذي اشتركا فيه، فإنهما يحرثانه معا؛ ولا
يقتسمانه ثُمَّ يحرثانه؛ ومنهم من يجوز لهما ذلك.
- 448 - (1/448)
صفحة 440
وإن أعطى له دابته ليحرث بها فولدت عنده فإنَّه يحرث بها كما لا يضرُّ بولدها). وإن أذن له أن يحرث بالدابة سنين، معلومة، فولدت تلك الدابة وكبر ولدها فلا يحرث به المأذون له.
وإن أذن له أن يحرث بالدابَّة فخرجت من ملكه كلها أو بعض منها فرجعت إليه بعد، فلا ينتفع بها المأذون له بالإذن الأول.
والموقوف كله من الأموال إليه أو المنفسخ، الجواب فيها كما ذكرنا قبل هذا في مسألة الأرض.
ولا يعير الرجل دابته أو أداته وأرضه لمن يحرث بها الحرام أو الريبة. ولا يعطي دابته لمن يحرث أرض الريبة، والحرام ولا يعطي الأداة لمن يحرث بدواب الحرام أو الريبة وكذلك الدواب والأداة لا يعطيها لمن يحرث الأرض المغصوبة أو المسترابة، سواء في ذلك أحرث بنفسه أو ولي حرثها غيره؛ ولا يترك من ينتفع بها ولو لم يأمره؛ فإن فعل هذا أو أعطى الدواب لمن يحرث بها البذر الحرام أو الأرض المغصوبة و لم يَل ذلك بنفسه فليس عليه تباعة.
وقد رخص لمن خاف من الجبابرة أن يعطيه الدواب والأداة والبذر إن طلب
ذلك، ولا يباشر ذلك بنفسه وعبيده وأطفاله ومنهم من يُرخص له في عبيده. ومن سلك طريقا حتى عارضه زرع وهو يرى الطريق مقابله فليتحر قصده ولا يَمِل عن طريقه (3)؛ ورخص له، ولو لم ير الطريق قدامه أن يقصد تلقاء وجهه إذا
1 - وفي الأصل: «يَضُرُّ بها ولدها» وهو خطأ.
---
2
-
3
قوله: «الريبة» مراده المستراب من باب إنزال المصدر منزلة اسم المفعول.
قوله: «فليتحر قصده ولا يمل عن طريقه مراده فليسر قاصدا مستقيما ولو مشى على ذلك الزرع. وَهَذَا مبني عَلَى قاعدة: "الضرورة تقدر بقدرها".
- 449 (1/449)
صفحة 441
كان الزرع كثيرًا، أو لم يمكنه أن ينحرف عنه بإزائه عن يمينه أو عن شماله. ويجوز بنفسه ودوابه ومواشيه كلها؛ أو يبيت فيه إذا لم يجد إلى الخروج منه سبيلا، ويغرم ما أفسد في خروجه من طريقه فيما بينه وبين الله، وليس عليه إثم في ذلك. ورخص له أن لا يغرم شيئًا أيضا.
وإن مشى كذلك من غير طريق حتى عارضه زرع ولم يجد الميلان عنه، فإنه يقصد ما قابله، ويغرم ما أفسد فيه؛ ومنهم من يُرخص له ألا يغرم شيئًا. والله أعلم.
كمل الجزء السادس من كتاب الأصول، ويتلوه السابع في نزيع المضرات، وإثباتها، وهو من تأليف أبي العباس أحمد النفوسي رحمهما الله تعالى ورضي عنهما بمنه
محمد بن بن بكر
كرمه.
- 450 - (1/450)
صفحة 442
صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما
الجزء السابع
من
كتاب الأصول
في نزع المضرات وإثباتها
- 451 - (1/451)
صفحة 443
) ولا مضرة.
وإن اتفقوا أن يجعلوا الحريم فيما بينهم، أو أدركوه عند أوائلهم، ثم أرادوا أن ينزعوه، فإنَّهم ينزعونه إن اتفقوا على ذلك وهم خواص؛ وأَما إن أدركوا العمارة عند أوائلهم ولم يكن لها حريم فلا يجوز لهم أن يجعلوا لها الحريم بعد ذلك باتفاقهم. وكذلك إن عمروا بغير الحريم، ثُمَّ أرادوا بعد ذلك أن يجعلوا الحريم فيما بينهم،
فلا يجوز ذلك إلا باتفاقهم، وهذا إذا كانوا خواص.
وأما إن أدركوا فيها عمارة أو عمروها بأنفسهم، ثُمَّ أرادوا أن يعمروا غير ذلك؟ قال: لا يعمرون فيها إلا ما يوافق عمارتهم الأولى أو دونها؛ وأما عمارة تكون مضرتها أكثر من مضرَّة العمارة الأولى فلا يصيبونها ولو في أرضهم.
وأما قوم عمروا أرضهم ولم يجعلوا الحريم فيما بينهم، ولم يكن ذلك باتفاقهم، وكانت الدعوى بينهم أن لا يعمروا في أرض، فلا تثبت عليهم هذه العمارة على كُلِّ حال. ووقت ما أرادوا أن ينزعوا منه تلك العمارة نزعوها عند الذين عمروا أو عند من كان خلفهم، وليس لذلك نهاية إذا كانت الدعوة قبل العمارة أو مع العمارة. ولا تثبت العمارة على الداعي (2) عمر من ادَّعَى عليه أو لم يعمر، ولا من خلفه
من عقبه.
وأما إن مات الداعي فعمر المدعى عليه على الحريم حَتَّى ثبتت عليه عمارته، فقد ثبتت عمارته إن لم يمنعه وارث الداعي أو من بعده ممن اشترى منه أو وهب له.
وكذلك إن عمر أحدهم على الآخر في الحريم ثبتت عليه عمارته على هذا الحال. وأَما إن كان يمنع أحدهم، فعمر الذي يمنع ولم يعمر صاحبه، هل يكون عليه منعه حجة أم لا؟
1 - بياض في جميع النسخ قدر ثلاثة أسطر في نسخة (م) وكل النسخ، يدلُّ عَلَيْهِ بداية
النص: «ولا مضرة».
-2 الداعي إلى نزع ما لحقه من مضرة.
- 453 - (1/453)
صفحة 444
قال: لا، إلا إن منعه الآخر. وكذلك إن عمر على غائب أو يتيم، فلا تثبت
عليه العمارة. والطفل الذي له والد أو مجنون أو المجنون الذي له والد أو ابن الابن الذي كان جده حيا، إذا عمر عليهم أحد حتى ثبتت عمارته فلا يدركه (1) الطفل إذا بلغ، أو المجنون إذا أفاق، وكذلك ابن الابن إذا بلغ؛ ومنهم من يقول في اليتيم الذي له خليفة تثبت عليه. وأما الغائب فلا يثبت عليه ذَلِكَ، ولو كانت له خليفة، وقيل في الغائب غير ذلك، إذا كانت له خليفة. أما الشركاء إذا كان فيهم اليتيم أو الغائب فلا تثبت عليهم العمارة جميعا.
قلت: فإن رجع سهم الغائب أو اليتيم أو المجنون إلى الذين عمروا هل تكون عمارتهم ثابتة على شركائهم الذي لم يعمروا؟
قال: لا؛ ومنهم من يقول: ثابتة.
والشريكان إن عمر أحدهما أرضه بعمارة تكون فيها مضرة لأرض قد اشترك فيها مع غيره، إما بطريق يجعله فيها أو بالممصل أو بغير ذلك، هل ثبتت تلك المضرة على الأرض المشتركة؟
قال: نعم؛ ومنهم من يقول: لا تثبت عليه.
وَأَمَّا إن عمر أحد الشريكين في الأرض التي اشتركا فيها عمارة تكون فيها مضرة لأرض شريكه التي لم يشترك فيها معه؟
قال هذه المضرة ثابتة. وأما إن عمروا أرضا مشتركة فيما بينهم عمارة تكون فيها مضرة لأرض أخرى قد اشترك فيها غير الأولى، فَإِنَّ تلك العمارة أيضا ثابتة؛ ومنهم من يقول: غير ثابتة. وأما من عمر أرضه عمارة تكون فيها مضرة على أرض جاره، وقد اشترك مع جاره في أرض أخرى غير التي جعل عليها المضرة، فَإِنَّ مضرته تلك ثابتة على جاره.
1:قوله فلا يدركه الطفل»، يبدو أن المراد منه: لا يدرك الطفل نزع العمارة إذا بلغ.
- 454 - (1/454)
صفحة 445
ومن عمر أرض جاره من تلك الأرض بعمارة تكون فيها مضرة لأرضه هو، فَإِنَّ تلك المضرة ثابتة، وسواء في ذلك أعمر بالأجرة أو بإذن صاحبها أو بالتعدي أو بالغصب أو ما أشبه ذلك.
وأما من عمر أرضا لرجل - وليس له فيها شيء - لمنافع صاحبها، عمارة تكون فيها مضرة لأرض رجل آخر وهو حاضر، فأراد صاحب تلك الأرض التي جعلت عليها المضرّة أن ينزع تلك المضرّة، فلا يصيب نزعها، وسواء في ذلك أعمرها بالأجرة أو بغير الأجرة، أو بإذن صاحبها، أو يغير إذنه إن كان إنَّما يعمر لصاحب الأرض. وأما إن عمر أرض غيره بالتعدي مقدار ما تثبت فيها العمارة إذا عمر بغير التعدي، سواء في تلك العمارة عمارة تكون لصاحب الأرض أو عمارة لا تكون له فلا تثبت مضرته.
وَأَمَّا إن عمر أرضا على أَنَّهَا له حَتَّى ثبتت عمارتها، فإذا هي ليست له، أو استحقت بعد ما عمرها، وتلك العمارة قد كانت فيها مضرة لأرض أخرى، فَإِنَّ تلك المضرة ثابتة.
يتيم
وأَما إن عمر أرضًا بالغصب على أَنَّهَا لغيره فإذا هي له أو لمن ولي أمره من طفله أو استخلف عليه، وقد كانت في عمارته تلك مضرة لأرض أخرى، فلا تثبت تلك المضرّة. وأَما إن عمر في أرضه عمارة تكون فيها مضرة لأرض طفله أو يتيم قد استخلف عليه أو غائب هو عليه خليفة، فإنَّ تلك المضرة كلَّها غير ثابتة، إلا مضرة ابنه
الطفل فَإِنَّهَا ثابتة؛ وأما ابنه البالغ فلا تثبت عليه تلك المضرة إلا إن نزعها منه). وَأَمَّا إن عمر أرض بعض من ولي أمره عمارة تكون فيها مضرة للبعض الآخر لمن ولي أمره فلا تثبت تلك المضرة إلا على طفله خاصة.
1 قوله: «إلا إن نزعها منه»، يريد إلا إن نزع تلك الأرض منه؛ عَلَى رأي من يرى جواز انتزاع
الأب من ابنه بعض ماله، والمسألة خلافية.
-
- 455 - (1/455)
صفحة 446
وأما من عمر أرض من ولي أمره عمارة تكون فيها مضرة لأرضه فقد تثبتت
عليه تلك المضرة.
وأما إن عمر أرض غيره عمارة تكون فيها مضرة لأرض قد اشتترك فيها مع غيره فقد ثبتت تلك المضرة إذا كان شريكه حاضرا؛ وأَما إن كان شريكه غائبا أو طفلا فلا تثبت عليه تلك المضرّة، إلا إن كان ذلك الشريك طفله.
وَأَمَّا إن عمر أرض غيره مِمَّن ولي أمره أو غيره عمارة تكون فيها مضرة لأرضه
هو فقد ثبتت عليه (1).
وأمَّا المتعاقدان إن عمر رجل أرضه عمارة تكون فيها مضرة على أرضهما بحضرة أحدهما فهي ثابتة ومنهم من يقول: لا تثبت عليها تلك المضرة إلا إن حضرا جميعا؛ وكذلك إن منعه أحد الشركاء من مضرّة أرضهم فلا تثبت عليهم تلك المضرة جميعا ولو اقتسم بعد ذلك؛ وأَما إن اقتسما، فأخذ أحدهم السهم الذي فيه تلك المضرة، فلا تثبت عليه المضرة الأولى إلا إن عمر عليه بعد القسمة مقدار
ما تثبت عليه المضرة فيه.
وأَمَّا مضرة تكون على أرض رجل بإذنه، فقد ثبتت عليه سواء في ذلك أعمر تلك الأرض صاحبها أو عمرها غيره بإذنه.
وكذلك إن أمر رجل رجلا أن يعمر أرض غيره عمارة تكون فيها مضرة لأرض الأمر، فقد ثبتت تلك المضرة على الآمر وأَمَّا إن أمره بذلك، فبدا له قبل أن يعمر، فنهاه، فإنَّهُ ينتهي؛ وإن لم ينته فلا تثبت تلك المضرة؛ ومنهم من يقول: حين أذن له فلا يصيب الرجوع، سواء أكانت العمارة أو لم تكن. وأما إذا كانت العمارة بإذن صاحب الأرض فقد ثبتت عليه مضرتها ولو نهاه عن العمارة، فلا يصيب الرجوع في ذلك.
-1 - هذه الصورة تكرار لِمَا تَقَدَّمَ قبل بضعة أسطر.
- 456 – (1/456)
صفحة 447
وكذلك طفله إن أذن لمن يعمر عمارة تكون فيها مضرة لأرض طفله، فلا يصيب الرجوع بعد العمارة؛ وأَمَّا قبل العمارة فَإنَّهُ يصيب الرجوع، وإن لم يرجع وَلَكِنَّهُ قد بلغ ابنه قبل العمارة فنهاه عنها فإنَّه يصيب ذلك.
وإن عمر رجل أرضه عمارة تكون فيها مضرة لغيره على أن يأخذ صاحب الأرض عوض ذلك، أو على أن يأخذ منه شيئًا معلوما، أو يبدلها له مع مضرة أخرى قد جعلها عليه غيره فذلك جائز؛ وسواء تلك المضرَّة مَضَرَّة قد كان له نزعها أو مستقبلة وله منعها والحجر عليها؛ وكذلك مضرة كانت على من ولي أمره، وكان له نزعها، أو مضرة استقبلت من ولي أمره وله منعها، فجائز له أن يأخذ له العوض، أو يأخذ ممن جعلها شيئًا معلوما، أو يبدلها مع مضرَّة قد ضرَّ بها من ولي أمره ذلك الآخر.
وكل من عمر أرضه عمارة تكون فيها مضرة على أرض الأجر أو أرض
المساكين أو أرض المسجد، فَإِنَّ تلك المضرة لا تثبت على كُلِّ حال.
وأَما إن عمر أرض الأجر أو أرض المساكين أو المسجد عمارة تكون فيها مضرة لأرضه هو، فقد ثبتت تلك العمارة.
وأَمَّا إن عمر أرض الأجر أو المساكين أو المسجد عمارة تكون فيها مَضَرَّة لأرض رجل فقد ثبتت تلك المضرة، إلا إن كان إنَّما عمرها بالتعدي.
وأَما إن عمر أرضا على أنها له فإذا هي للأجر أو للمسجد أو للمساكين عمارة تكون فيها مَضَرَّة لغيره من الناس، فقد ثبتت تلك المضرة.
وأما إن عمر أرض المسجد عمارة تكون فيها مَضَرَّة لأرض المساكين، أو عمر أرض الأجر عمارة تكون فيها مَضَرَّة للمسجد أو للأجر أو للمقبرة، أو لأرض أخرى للمساكين، فلا تثبت المضَرَّة لِكُلِّ واحد من هذه الوجوه على الآخر. وكذلك إن جعل لِكُلِّ واحد من هؤلاء الوجوه أرضا مفترقة جعلها له رجال شتى، فعمر رجل في واحدة من هذه الأراضي عمارة تكون فيها مَضَرَّة للأخرى، وهما لمسجد واحد أو لوجه غير المسجد، فلا تثبت عليها تلك المضَرَّة، ولو أنه إنما عمر بذلك الوجه.
- 457 - (1/457)
صفحة 448
وَأَمَّا إن عمر في أرضه عمارة تكون فيها مَضَرَّة لغيره، فجعل تلك العمارة للمسجد أو الأجر أو المساكين فلا تثبت تلك المضرة، ويؤخذ من جعلها بنزعها. وإن مات من جعلها فإنَّ ورثته يؤخذون بنزعها، ويؤخذون وارثا بعد وارث بنزع ذلك إذا ترك لهم الميت الأوَّل ما يرثون منه؛ ومنهم من يقول: ولو لم يرثوا منه شيئا، لأنَّ هذا بمنزلة الميراث.
وأما من عمر أرضه عمارة تكون فيها مَضَرَّة لِمَا جعل للمسجد أو للمصباح (1) أو للمقبرة، فيما يجوز بيعه فاتفقت الجماعة على بيع ذلك فباعوه، فلا تثبت تلك المضرة على المشتري فيما كان قبل البيع؛ وَأَمَّا بعد البيع إن مكث مقدار ما تثبت عليه فإنَّها ثابتة.
وكذلك المضَرَّة إن ثبتت على رجل في أرضه، ثُمَّ جعل تلك الأرض للأجر أو للمسجد، أو ثبتت قبل أن يجعلها لذلك الوجه فهي ثابتة؛ وإن لم تثبت قبل أن يجعلها للأجر أو للمسجد فإنهم ينزعونها.
وكلُّ مَضَرَّة جعلت على أرض المسجد أو الأجر أو لمساكين فإنما يستمسك بنزع تلك المضَرَّة مَن جَعل تلك الأرض لذلك الوجه الذي جعلت له، أو القائم عليها، أو الجماعة، أو إمام المسلمين فهو أولى بهذا كله.
وكذلك ما جعل للواحد من هذه الوجوه إن كان جعل فيه مَضَرَّة لرجل، فَإِنما يؤخذ بنزع تلك المَضَرَّة مَن جَعل ذلك، أو إمام المسلمين، أو الجماعة، أو القائم عليها. وإنما ينزعون ذلك من بيت المال.
وأما من جعل أرضا أو غيرها من الأشجار للمسجد أو لوجه من وجوه الأجر، ثُمَّ أحدث في ذلك مَضَرَّة هو أو ورثته، فَإِنَّهُ يؤخذ بنزع تلك المضرة؛ وكذلك ورثته إن أحدثوا على ذلك مَضَرَّة، فإنَّهم يؤخذون بنزعها.
-1 أو للمصباح»: مراده: ما يُجعَلُ من أملاك ينفق ريعها على نفقات المصباح الذي يوقد لإنارة الطريق، وهو من وجوه الأجر المعروفة. وعلى هذا فإن من عمر أرضاً تلحق بسببها مضرة للمسجد أو المصباح أو المقبرة فلا تثبت تلك المضرة عليها. والله أعلم.
-
- 458 - (1/458)
صفحة 449
وَأَما إن اشترط أن يحدث المضَرَّة في ما جعل لواحد من هذه الوجوه أو اشترط أن يحدث فيه ما شاء، مثل أن يجعل بيتا لواحد من هذه الوجوه، فاشترط سكناها، أو اشترط أن يبني عليها غرفة، أو جعل شجرة لواحد من هذه الوجوه، واشترط أن يغرس تحتها (1)، أو ينتفع بها بشيء فله شرطه. وأما الأرض إن أوصى بها رجل أن تجعل للمسجد أو لوجه من وجوه الأجر، و لم يجعلوها لذلك الوجه إلا بعدما جعلت عليه مَضَرَّة، فقد ثبتت عليه المضرة وإن جعلت عليها المضَرَّة فجعلوها لذلك الوجه قبل أن تثبت تلك المضرة، فلا
تثبت بعد ذلك.
قلت: فرجل حدثت عليه مَضَرَّة في الأرض أو في الأشجار أو في كُلِّ ما يدرك نزعه، وجعل ذلك لوجه من وجوه الأجر، هل يدرك نزع تلك المضرة على من جعلها؟
قال: نعم، ما لم تثبت تلك المضَرَّة؛ فإذا ثبتت فلا ينزعها.
وأَما إن أحدث رجل مَضَرَّة على غيره، فجعل ذلك لوجه من وجوه الأجر، فإنه يؤخذ بنزع تلك المضرة، إلا إن مكث مقدار ما تثبت فيه، فحينئذ لا يؤخذ بنزعها. وَأَمَّا إن أحيا الذي حدثت فيه (2) المضَرَّةُ دعوته، فلا تثبت عليه بعد ذلك.
بنزعها،
وكل ما جعله الرجل لوجه من وجوه الأجر، فحدثت فيه مضرة، فأخذ فنزعها فليس عليه من ضمان ما نزع من ذلك شيء. وكذلك إمام المسلمين أو جماعتهم أو قاضيهم أو القائم على ذلك.
وأما من أحدث في هذه المعاني ما يكون مضرة على غيره، فأخذ بنزعه، فنزعه، فَإِنَّهُ إن كان في نزعه تلك المضرَّةَ ما يفسد شيئا من تلك المعاني، فعليه غرمه، وإن
1 قوله: «واشترط أن يغرس تحتها». لعل مراده: أن يزرع أرضها. -2 قوله: «وَأَما إن أحيا الذي حدثت فيه المُضَرَّةُ ... » لا بُدَّ من تقدير مضاف ليتسق الكلام هكذا: «الذي حدثت في ملكه المضرة». والقول فيما يأتي من أشباه هذه العبارة مثل ذلك.
- 459 - (1/459)
صفحة 450
لم يكن فيه الفساد فليس عليه شيء، إلا إن جعله (1) للأجر فأحدث فيه مضرة فأخذ ينزعها فنزعها، فَكُل ما أفسد فيه فعليه غرمه.
ومثل ذلك لو أنَّ رجلا جعل الطوب أو الخشب للمسجد فبناها، فصار مضرة على غيره، فأخذ بهدمها، فهدمها، فعليه غرم ما أفسد من ذلك للمسجد وما أشبه هذا من الغرس وغيره.
وأَما ما أحدث من المضرة في فيء المسلمين، فإنَّ الإمام يأخذ من أحدث ذلك بنزعه، فإن لم يكن الإمام فجماعة المسلمين أو قاضيهم.
وكذلك الفيء إذا جعل المضرة على غيره، فَإِنَّمَا يؤخذ بنزعها الإمام أو جماعة المسلمين أو قاضيهم.
وأما الشركاء في الأرض أو غيرها من الأصول إن جعل أحدهم سهمه للمساكين، فحدثت في تلك الأرض مضرّة على غيره، فَإنَّ الشركاء يؤخذون على نزع ذلك جميعا؛ ومنهم من يقول: لا يؤخذ على ذلك إلا الذي جعله للمساكين لأنه قد ضمن سهم شركائه.
وأَمَّا حجر رجل على جاره الا يحدث فيه مضرَّة، فمكث بعد ذلك أكثر من المدة التي تثبت فيها المضرة أو أقل، فلا تثبت عليه بعد الحجر. وأما إن خرج ذلك من ملكه بميراث أو بهبة أو بشراء أو غير ذلك، فحدثت المضرة عند الوارث أو المشتري أو الموهوب له حَتَّى ثبتت، فلا يدرك نزعها.
وأمَّا خليفة الغائب أو اليتيم أو أبو الطفل إن حجر على جار واحد من هؤلاء الا يحدث عليه المضرة، فقدم الغائب أو بلغ الطفل أو أفاق المجنون، فحدثت عليه المضرة بعد ذلك فمكث مقدار ما تثبت فيه، فإنَّهم لا يدركون نزعها. وأما إن حجر عليه من لم يكن الأمر في يده فلا يكون عليه ذلك حجة.
1 - أضاف الناسخ: «انظر ما فائدة هذا الاستثناء فإنه تكرار مع ما قبل، تأمل».
460 - (1/460)
صفحة 451
وإن حجر رجل على آخر في شيء على أنَّهُ له فإذا هو ليس له، أو استحق منه
بَيِّنَة، فحدثت في ذلك مضرّة بعد ذلك، فلا يكون الحجر الأوَّل حجة.
وَأَمَّا
من أذن لجاره أن يحدث فيه المضرة على أن يحدث فيه هو مثل ذلك، بين له ذلك أو لم يُبَيِّنه، فَإِنَّهُ إن لم يُبَيِّن له ما يحدث فيه من ذلك فإنه يرفعه متى ما شاء؛ ومنهم من يقول: لا يرفعه فإن تبين له ما يحدث فيه فلا يمنعه الأول، سواء أحدث الأول أو لم يحدثه؛ ومنهم من يقول: إن لم يحدث الأوَّل شيئًا فَإِنَّ الآخر يمنعه؛ ومنهم من يقول: يمنعه ولو بعدما أحدث ذلك أو بعضه، ويدرك هو أن ينزع ما أحدث أول مرة؛ وإن لم يحدث شيئًا فلا يحدثه بعد ذلك؛ وورثة كُلّ واحد منهم مقامه؛ وكذلك من وهبوا له أو من وهب له أحدهما فهو بمقامهما. وكلُّ اشترى من أحدهما فهو بمقامه ويكون له ذلك عيبا إن لم يعلم به.
من
وإن باع رجل لرجل شيئًا أو وهبه له، فاشترط عليه البائع أن يحدث عليه ما تكون له فيه المضرّة مثل الطريق أو الحائط أو الساقية أو ما أشبه ذلك، فلا يصيب أن يمنعه من ذلك، ولا من كان خلفه من مشتر أو وارث أو غيره، إلا إن لم يشترط ذلك إلا على المشتري خاصَّةً. وكذلك إن اشترط المشتري الا يحدث من شيئًا من ذلك فلا يحدثه؛ ويحدثه المشتري ولو أخرج ذلك الشيء من ملكه، إلا إن برا دعوته للأول.
خلفه
وإن أذن رجل لرجل أن يحدث فيه المضرة إلى مدَّة معلومة، فلا يجوز له أن ينزع
،
تلك المضرَّة حَتَّى يبلغ تلك المدَّة فيكون حينئذ بالخيار إن شاء نزعها، وإن شاء تركها. وأما إن كانت المضرة قد حدثت فيه فتركها له إلى مُدَّة معلومة فلا يدرك نزعها حَتَّى يبلغ تلك المدَّة، فيكون حينئذ بالخيار إن شاء نزعها، وإن شاء تركها. وأَمَّا إن كانت المضرة قد حدثت فيه فتركها له إلى مدة معلومة فلا يدرك نزعها حتى يبلغ تلك المدَّة، فإن تمت المدَّة فليفعل ما شاء. وكذلك إن أذن له أن يترك تلك المضرة حياة من أحدثها، أو حياة من أحدثت عليه، أو أذن له أن يحدثها على
هذا الحال.
- 461 - (1/461)
صفحة 452
مسألة أخرى
قلت: فرجل أحدث في جاره مضرة في الأصول كلّها من الأرض والأشجار والحيطان والمماصل والسواقي والمجازات كلها، والبيوت فمات من أحدث تلك المضرة، أو من حدثت فيه قبل أن تمكث المضرة مقدار ما تثبت فيه؟
قال: إن مات من حدثت فيه، فَإِنَّ ورثته يدركون نزعها، وإن مات من أحدثها فلا يدرك على ورثته نزعها؛ ومنهم من يقول: إن مات أحدهما فلا يدرك نزعها؛ ومنهم من يقول: تنزع المضرّة ولو مات أحدهما أو ماتا جميعا. وكذلك في البيع والصداق ووجوه جميع خروج الملك كلّها على هذا الحال، سواء في هذا المشرك والموحد والغائب والطفل على ما فَسَّرنَاه قبل هذا فيمن ثبتت له، ومن لا تثبت له، ومن ثبتت فيه، ومن لا تثبت فيه.
قلت: فمن أحدث المضرة فيما لا يعلم له بوجه من وجوه الملك، ولم يقعدوه فيها أيضا، فاستمسك به من أحدثت فيه المضرة؟
قال: يؤخذ بنزعها، ولا تثبت له المضرة في ذلك ولو مكنت مقدار ما تثبت فيه، سواء أمنعه أو لم يمنعه، فإن تَبَيَّنَ بعد ذلك أنَّ ذلك الشَّيْء لمن أحدث المضرة فمكنت مقدار ما تثبت فيه فلا يؤخذ بنزعها، ويحكمها لها الحاكم.
وَأَمَّا من أحدث في أرضه أو ما اتَّصَلَ بها ما يكون مَضَرَّة لجاره، فاستمسك به من لا يعرف له شيء في ذلك بوجه من وجوه الملك، ولم يعرف أن ذلك كان في يده بمعنى من المعاني فلا يدرك عليه نزعها ولا يستردده الحاكم الجواب (1)، فإن تَبَيَّنَ بعد ذلك أَنَّ تلك الأرض له بوجه من الوجوه، أو هي لمن ولي أمره، فإنَّ الحاكم يأخذه بنزعها، وتنفعه دعوته الأولى؛ وإن لم يستمسك به حتى مكث مقدار ما تثبت فيه فلا يشتغل بدعوته، ولو صح أنها له. وكذلك إن ادَّعَى أَنهُ
1 قوله: «ولا يستردده الحاكم الجواب» معناه ولا يطلب منه الحاكم الجواب، أي: لا يحاكمه. والله أعلم.
- 462 · (1/462)
صفحة 453
لم يعلم أنها له فلا يشتغل بقوله. وكذلك إن ادَّعَى أَنَّهُ لم يعلم بحدوث المضرة فلا يشتغل به أيضًا؛ وهذا كله إذا تَبَيَّنَ عندنا في هذا الوقت أن ذلك له و لم يعلم أَنَّهَا لأحد في وقت حدوث المضرة.
وما عرف لغيره، ثُمَّ دخل ملكه ولم يعلم به، فحدثت فيه المضرة في ذلك فمنعها أو لم يمنعها، فمكثت مقدار ما تثبت فيه المَضَرَّة أو أكثر من ذلك، فادَّعى أنَّ ذلك له، فاستمسك بنزع تلك المضرّة، فأتى بالبينة على أنَّ ذلك له قبل حدوث المضرة، فَإِنَّهُ يحكم له بذلك، ويحكم له بنزع المضرة، بعدما أقام البينة حتى مكث مقدار ما تثبت فيه فلا يشتغل بدعوته.
وإن ادَّعَى من أحدث المضرَّة أَنَّ خصمه قد علم أنَّ ذلك له قبل أن يمكث مقدار ما تثبت فيه المضرة، فأنكره الآخر فهو مدع وعليه البينة؛ فإن لم يأت حلف صاحبه ونزع مضرته.
وكذلك من ادَّعَى أَنَّ جاره قد أذن له أن يحدث فيه المضرة، فأحدثها، وتبين أنه قد مات من أذن له قبل أن يحدث تلك المضرّة، فلا تثبت تلك المضرة على الوارث، ولو مكث مقدار ما تثبت فيه، إلا أن علم بموت وارثه. وأما إن أحدث تلك المضرة في حياة من أذن له وهو غائب، فمكث في ذلك مقدار ما تثبت فيه فمات، فاستمسك به الوارث على نزع المضرة، فَإِنَّهُ إن أقر الوارث بإذن الميت، أو كانت البيِّنة على ذلك، فلا يشتغل بدعوته ويدرك عليه اليمين إن جحد ولم تكن البينة لصاحبه.
وأما من أذن لرجل أن يحدث فيه المضرة فأحدثها، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ ذلك لغير الذي أذن له، فاستمسك به من له ذلك، فَإِنَّهُ يدرك عليه نزع تلك المضرة. وإن مكث مقدار ما تثبت فيه المضرة، ثُمَّ استمسك به في نزع المضرة، فإنه إن علم ذلك لمن استمسك به أو لم يعلم أنَّهُ لأحد، فلا يدرك نزعها؛ وذلك إذا مكث مقدار ما تثبت فيه وهو حاضر، وأما إن علم ذلك لمن أذن له أوَّل مَرَّة فادَّعاها غيره أَنهَا
30
- 463 - (1/463)
صفحة 454
له بمعنى من المعاني قبل أن يأذن له، فأقام البيِّنة على ذلك، فاستمسك به بنزع المضرة فَإِنَّهُ يدرك نزعها غائبا كان أو حاضرًا، وذلك إن ادَّعَى أَنَّهُ لم يعلم أَنَّ ذلك له في محضره، ويدرك عليه اليمين في ذلك؛ وأَما في حال مغيبه فلا يضره علم ذلك أو لم يعلم. وَأَمَّا إن علم أنَّ ذلك له وهو حاضر، ولم يغير، فعمره مقدار ما تثبت فيه فلا يدرك عليه، نزعها، ولو أنَّهُ استحقه بعد ذلك؛ ومنهم من يقول: كلُّ ما كان بسبب من ذلك استحق قبل الاستحقاق فلا يدرك من استحقه في نزعه شيئا، لأنَّ الملك إِنَّمَا وجب له في وقت استحقاقه لذلك الشيء.
وأما من أذن لرجل أن يحدث فيه ما تكون فيه المضرة، فأحدثه ثُمَّ أَتى من ادَّعَى أَنَّ ذلك الشَّيْء له، فأقر الذي أذن له أَنَّ ذلك الشَّيْء للذي ادعاه قبل أن يأذن فيه الآخر، فإنهُ إِنْ صدَّقهما في ذلك الذي أحدث المضرّة فليؤخذ بنزعها، وإن لم يصدقهما فلا يجوز له قولهما إلا بالبَيِّنَةِ وإن كانت تلك المضرة إنما أحدثها رجلان أو ثلاثة، فأقرَّ بعضهم وأنكر بعض، فَإِنَّهُ إنْ تَبَيَّنَ مَا لِكُلِّ واحد منهم فلينزع من أقر منهم ما ينوبه من تلك المضرة، وإنْ لم يَتَبَيَّن ما لِكُلِّ واحد منهم، فلا يدرك نزعها، ويدرك اليمين على من أنكر منهم على عدم علمه؛ فإن أقر الذي أحدث المضرة بدعوة من استمسك بنزع المضرّة فأخذ بنزعها، فمنعه جاره ذلك من أجل أنه كانت له المنفعة في ذلك، ولم يجوز إقراره للذي استمسك به، فَإِنَّ القول قول جاره في منعه، إِيَّاهُ، إلا إن أقاموا البينة على دعوتهم، ويدرك عليه اليمين أنه لم يعلم بدعوته.
من
وإن أذن رجل لآخر أن يبني في أرضه أو يحرث فيها ما تكون فيه المضرة، ثُمَّ أَقرَّ أنَّ تلك الأرض لغيره، فاستمسك المقر له بذلك، ولم يدركه بالحكم، فإنه يدرك على الذي أقر له عوض ما تلف له أو قيمته على قول. وإن أقر الذي أحدث ذلك للمقر له، وقد أتلفه قبل إقراره أو منعه جاره من أجل منفعة كانت له فيه ولم يصب الوصول إليه صار الذي أحدث تلك المضرة ضامنا لما أتلف للمقر له، ويزول الضمان على المقرّ الذي أذن له أوّل مرة. وسواء في ذلك الإذن والهبة والبيع وجميع وجوه دخول الملك.
-
- 464 - (1/464)
صفحة 455
قلت: فرجل أحدث المضرّة على جيرانه، أو أراد أن يحدثها عليهم، فمنعه جيرانه فادَّعى عليهم أَنَّمَا كان أوَّل بدء أمرهم على ذلك حين اشتروه، أو حين وهب لهم،
أو حين اقتسموه فأدركوا ذلك عند أوائلهم مثل قوم اشتركوا في عين ماء أو ساقية أو غير ذلك، أو المجازات كلها وقد تَبَيَّنَ مَا لِكُلِّ واحد منهم من الأجنة والبيوت والمزارع؟
قال: إن أقام البينة على ذلك فلا يصيب أحد منعه، وإن لم تكن له بينة حلفه. وإن أقر بعضهم وأنكر آخرون، فإن كان إنَّما أقروا فيما يجر إليهم المنفعة أو يدفع عنهم المضرة، فلا يجوز إقرارهم؛ وإن كان إقرارهم لغير جر منفعة ودفع مضرة فقد جازت شهادتهم على العام والخاص؛ وَإن كان إقرارهم على أنفسهم خاصة، فقد جاز إقرارهم على أنفسهم خاصَّةً؛ ولا تجوز شهادة بعض العامة للعامة؛ ومنهم من يقول: جائزة.
وَأَمَّا من تثبت له عَلَى جاره المضرَّة، ثُمَّ بعد ذلك زالت تلك المضرة، فمكث بعد ذلك عشر سنين أو عشرين سنة أو أكثر مِمَّا تثبت به الحيازة، أو أقل من ذلك، فأراد الذي تثبت له قبل زوالها (1) أن يردها، فمنعه من ذلك الذي تثبت عَلَيْهِ فلا يصيب منعه، ويردُّها على حالها الأول أو أقل منه؛ فإنْ ردَّها على أقل مِمَّا كانت عليه، ومكنت بذلك سنين، ثُمَّ أراد أن يبلغها إلى حالها الأَوَّل، فإنه يفعل ذلك، إلا إن براه من تلك البقيَّة فلا يصيب زيادتها؛ وإن ادعى عليه تبرئة تلك المضرة أو بعضها، فأنكر ذلك، ولم تكن للمدعي بينة فليحلفه؛ وإن ادَّعَى من قبل وارثه (2) أو من اشترى منه أو من وهبه له وكل من لم يباشره بنفسه ولم تكن له بينة، فَإِنَّهُ يحلفه على البنات، إلا إن ادَّعَى ذلك من قبل غيره ممن لم يباشره بنفسه فإنَّهُ يحلف على علمه في ذلك.
ذلك
1 أي قبل زوال المضرة. 2 - لعل الصواب: «موروثه».
- 465 - (1/465)
صفحة 456
وأما خليفة الغائب أو اليتيم أو المجنون أو كلُّ ما كان في يد رجل بالأمانة إن ادَّعَى عليه رجل أَنَّهُ قد كانت له عليه المضرة على واحد من هذه الوجوه، ولم تكن له بينة، فلا يدرك اليمين على الخليفة في ذلك، ولا يجوز إقرار الخليفة له أيضا، ويكون شاهدا على ذلك، إلا ما أتلف بنفسه مِمَّا يجوز له أن يتلفه من ذلك لمنافع استخلف عليه فَإِنَّ فعله جائز، وكذلك إقراره ما دام ذلك في يده وهو عليه
من
خليفة؛ فإن زال ذلك من يده أو خرج من الخلافة فلا يجوز له فيه فعل ولا قول. وأمَّا إقرار الأب على ابنه الطفل فيما ثبتت عليه المضرّة فجائز، وكذلك فعله في مال ابنه إذا كان طفلاً جائز؛ وأَما ابنه البالغ فلا يجوز إقراره له ولا فعله في ماله، إن نزعه له بالحاجة، فحينئذ يجوز له فعله وقوله. وأما ابنه المشترك فلا يجوز له فيما ذكرناه كله إلا مقدار سهمه منه في النزع والإقرار؛ ومنهم من يقول: هو مثل ابنه الذي هو غير المشترك. وأَما الخليطان أو أحدهما فلا يجوز له قوله ولا يجوز له فعله في أموالهم؛ ومنهم من يجوزه بالحصص.
وأَمَّا المولى إذا كان طفلاً أو مجنونا فهو مثل اليتيم فلا يجوز له إقراره ولا قوله، وَأَما فعله ففيه قولان منهم من يجوزه له؛ ومنهم من يقول: لا يجوز إلا بالخلافة. وَأَمَّا من كانت له المضرة على غيره حتى زالت وذهبت فحدثت عمارة أو مضرة أخرى على تلك التي كانت فيه المضرة الأولى حتى ثبتت، فقام الذي له المضرة الأولى فاستمسك بنزع المضرّة الآخرة فلا يصيب نزعها (1)؛ فإن كان يمكنه أن ينتفع بما كان له قبل ذلك من غير زوال تلك المضرّة التي أحدثت فليفعل؛ وإن لم يمكنه ذلك إلا بزوال هذا الذي حدث فيه فلا يصيب، وهذا إذا كان حاضرا أو كانوا خواص؛ وَأَمَّا العَامَّة أو الغياب فلا يثبت لهم شيء من ذلك.
أحدث مضرة على غيره فأحدث رجل آخر مضرة على الذي من
العبارة باختصار: أن 1 - معنى أحدث المضرة الأولى أنه لا يصيب نزعها.
- 466 - (1/466)
صفحة 457
وَأَمَّا خليفة الغائب فَإِنَّهُ يدرك نزع كُلّ ما حدث على الغائب من المضرات كلها، سواء ما حدث قبل خلافته أو بعدها فلا يثبت له شيء من ذلك بحضور خليفته. وكذلك خليفة اليتيم أو المجنون يدرك نزع ما حدث على اليتيم أو المجنون قبل خلافته وبعدها.
ولا تثبت المضرة على الشركاء بحضور بعضهم دون بعض، ولا بإذن بعضهم دون بعض، ولا يبيع بعضهم دون بعض، ولا يهب بعضهم دون بعض، وسواء في ذلك
أكانوا أطفالاً أو بلغا كلُّهم، أو موحدين أو مشركين، أو موحدين مع المشركين.
وإن اقتسم الشركاء بعد ذلك، فوقعت تلك المضرّة في سهم الذي أذن لمن يجعلها فَإنَّه يدرك نزعها؛ ومنهم من يقول: لا يدركه. وكذلك نزع المضرة لا تدرك على بعضهم دون بعض حَتَّى يجتمعوا كلهم، أو من كان في مقامهم على نزع ذلك.
وأما ما أحدث بعضهم من ذلك فَإِنَّهُ يؤخذ من أحدثه بنزعه ولو من غيرهم. وَأَمَّا إذا كانت المضرة على الشركاء فيما يدركون فيه نزعها، فاستمسك بذلك بعضهم فَإنَّه يدرك نزع ذلك كله إذا كان له فيه سهم، سواء أحضر شركاؤه أو غابوا، وسواء أأحبوه أو كرهوه، وكذلك من كان في مقامهم من وكيل أو خليفة فَإِنَّهُ يدرك نزع ذلك ولو لم يحضر أولئك الشركاء. وأما إن اقتسموا ذلك فوقعت تلك المضرة في سهم أحدهم، فَإِنَّهُ يدرك الذي وقعت عنده نزعها، وأما غيره من الشركاء فلا يدركون نزعها بعد ما صارت في سهم هذا، إلا إن اشترطوا ذلك في
وقت القسمة.
وكذلك من باع ما كانت فيه المضرة أو وهبه أو أخرجه من ملكه بمعنى من المعاني، فلا يدرك نزع تلك المضرة، إلا إن استثنى ذلك في حال البيع أو الهبة أو غيرهما، فإنه حينئذ يدرك نزعه. وكذلك إن اشترطه لمن باع له أو لمن وهب له فإنه يصيب شرطه؛ وأما إن لم يشترطه من هؤلاء فلا يصيبون نزعه؛ ومنهم من يقول: يدركون نزعه إلا إن اشترط عليه ألا يدركوه فحينئذ لا يدركونه على كل حال.
- 467 - (1/467)
صفحة 458
وَأَمَّا إن أذن رجل لرجل في حدوث المضرة على أنَّ ذلك الشيء قد اشترك فيه مع غيره فإذا هو له كله، فاستمسك به في نزع تلك المضرة كلها أو في البعض الذي يضرُّ به لغيره، فَإنَّهُ لا يدرك في ذلك شيئًا. وأما إن أذن له على أنَّ ذلك له كله، فإذا هو قد اشترك فيه مع غيره، فَإنَّ شركاءه يدركون نزع ذلك. وكذلك إن رجع إليه سهام شركائه بعد ذلك بوجه من الوجوه، فَإنَّه يدرك نزع المضرة كلها إذا كان ذلك الشيء مشتركا فيما بينهم؛ وأَما إن تَبَيَّنَ سهم كُلِّ واحد منهم فلا يدرك إلا نزع ما يقابل سهام شركائه.
وأَما إن أذن له على أنَّ ذلك الشَّيْء لغيره مثل مال الغائب قد كان في يده أو لم يكن، أو مال الحاضر طفلاً كان أو بالغا، فأحدث من أذن له المضرة، فإذا هو قد مات الغائب أو واحد من هؤلاء قبل أن يأذن له، فورثه فصار ذلك الشيء له فإنه لا يدرك عليه أن ينزع تلك المضرة، لأنَّه قد ورث ذلك قبل أن يأذن له؛ ومنهم من يقول: يدرك نزعها، لأَنَّهُ إِنَّمَا أذن له على ذلك لغيره و لم يثبته له الحاكم إلا في هذا الوقت. وأما من أذن لرجل أن يعمر في أرض غيره أو يحدث فيها المضرة على أن يعوض له عوضا معلومًا أو على أن يعطيه جعلا معلومًا أو غير معلوم، فإن قدم صاحبه ولم يرض بذلك فلا يجوز منه شيء، ويؤخذ من أحدث ذلك بنزعه؛ وأَما إن رضي ذلك فلا يصيب نزع المضرّة، ويدرك على الذي أذن لمن يعمر في أرضه ما اشترط على نفسه من ذلك عوضا كان أو غيره من الجعل إن كان معلوما؛ وإن كان غير معلوم فلا يدرك شيئًا. وإن جوز المأذون له ما عمل فجائز؛ وإن لم يجوز له أخذه بنزع ما أحدث؛ ومنهم من يقول: إن رضى ذلك فَإِنَّهُ يدرك عليه مقدار ما أفسد في أرضه وما أبطل منها. وأما إن أذن على من يجوز له فعله لمن يحدث فيه المضرة على أن يعوض له عوضا آخر، أو اشترط له أن يعطيه شيئًا معلوما فذلك جائز، وليس عليه العدالة في ذلك فيما بين أولاده، لأنَّ ذلك دين عليه لابنه. وكذلك اليتيم إذا كان له في ذلك الإصلاح فيجوز فعل خليفته في ذلك، وإلا فلا.
- 468 - (1/468)
صفحة 459
مسألة أخرى
قلت: فرجل دخل أرضا فعمرها، ولم تعرف له بالشراء ولا بالميراث ولا بوجه من وجوه الملك ولم يسترب دخوله فيها، فمكث فيها مقدار ما تثبت له فيها بالقعود، فحدثت له فيها مضرّة، فاستمسك بمن أحدثها له فهل يدرك عليه نزعها؟ قال: نعم، فحيث قعد فيها صارت مثل أرضه التي كانت له بالميراث أو بالشراء أو بغير ذلك، ويؤخذ بنزع ما أحدث في تلك الأرض، أو ما يكون مضرة على غيره إذا ثبت قعوده فيها؛ وإن استريب في دخوله فيها طالت مدته أو قصرت، فلا يحكم له بنزع المضرة إذا حدثت عليه في تلك الأرض ولا يحكم عليه أيضًا بنزع ما حدث في تلك الأرض مِمَّا يكون مضرة على غيره إلا ما أحدث بنفسه من جميع المضرات على غيره فَإِنَّهُ يدرك عليه أن ينزع ذلك كله، سواء أعرفت له الأرض قبل ذلك أو لم تعرف له، وسواء أكان ذلك بالتعدي أو بغير التعدي.
وكذلك الأصل كله إذا كان في يده بميراث أو بشراء أو بغير ذلك، وقد كان أصله ريبة أو استريب في يده فلا يحكم له بنزع ما حدث عليه في ذلك من المضرة، ولا يحكم عليه بنزع ما ضرَّ ذلك؛ فإذا زالت الريبة من ذلك بعد هذا فَإِنَّهُ يحكم له ويحكم عليه، وكذلك إذا كان أصل ذلك ريبة أو حققوا ريبته، فلا يحكم له، ولا يحكم عليه بنزع تلك المضرة. وأما إن عارض الحاكم أو جماعة المسلمين في ذلك ريبة يمكن زوالها فولي نزع تلك المضرة غيرهم، فإنهم يتركونهم.
وأما من كان الأصل في يده فاسترابوه فأحدثت عليه المضرة، فاستمسك بنزعها، فلم يحكموا له حَتَّى تَبَيَّنَ لهم أَنَّهُ له من الأصل، فاستمسك به بعد ذلك فإنهم يحكمون له بنزعها وكذلك إن أحدثت في ذلك الأصل مضرة على غيره، ومنعتهم الريبة من ذلك حتى زالت فإنهم يأخذونه بنزعها.
- 469 - (1/469)
صفحة 460
وأما من دخل أرضا وأصلاً ولم يسترب دخوله فيها، فحدثت في ذلك مضرة لم يحدثها بنفسه فلا يؤخذ بنزعها؛ فإن مكث مقدار ما يقعد فيها فإنه يؤخذ بنزعها.
وأما ما أُحدث عليه فيها فَإِنَّهُ يدرك (1) نزعه، إلا ما أحدث بعد قعوده فيها. وكذلك إن دخل أرضا ولم تعرف لأحد قبله فادَّعى أَنَّهُ إِنَّمَا دخل فيها بطفله أو يتيمه أو غير ذلك ممن ولي أمره فعمرها مقدار ما يقعد فيها، الجواب فيها كالجواب في المسألة التي قبلها فيما يدرك عليه، وما يدرك هو على غيره.
وكذلك إن دخل أرضا لم تعرف له فمات قبل أن يقعد فيها، فعمرها ورثته بعده مقدار ما يقعدون فيها بعمارة وارثهم (2) الأوَّل، فإنَّهم يدركون نزع ما حدث عليهم، ويدرك عليهم أيضا. وكذلك إن عمرها لمن ولي أمره، ولم يتم القعود فيها حتى يدخلها من عمرها له أو من ولي أمره فتمَّ قعوده فيها بعمارة من ولي أمره أَوَّلاً، الجواب فيها كالجواب في التي قبلها.
وكذلك من كان في يده أصل ليتيم أو غائب، فأحدث فيه ما تكون فيه المضرة لجاره، وذلك نفع للغائب أو لليتيم أو لغيرهما، فَإنَّهُ يؤخذ بنزع ذلك، لأنه قد أحدثه بنفسه؛ وأَما ما أحدث في ذلك قبل أن يكون في يده، أو ما حدث فيه ولم يحدثه بنفسه، فَإِنَّهُ إن كان ذلك للغائب فلا يؤخذ به، ولا يؤخذ بذلك إلا خليفة اليتيم، ولو أنه حدث قبل خلافته أو بعدها ولو لم يحدثه بنفسه.
وكذلك ما حدث عند خليفة اليتيم حَتَّى زال أو مات فحدثت خليفة أخرى فلتؤخذ الخليفة الأخرى (3) بنزع ذلك من مال اليتيم. وكذلك ما حدث عند الخليفة حتى بلغ اليتيم، أو أفاق المجنون أو قدم الغائب، فليؤ خذوا بذلك، وليس على الخليفة منه شيء، إلا ما أحدث بنفسه مِمَّا تكون فيه المضرة لليتيم أو للغائب أو
1 - أضاف الناسخ: «صوابه: فإنه لا يدرك».
2 قوله: «بعمارة وارثهم» لَعَلَّ المراد: «موروثهم».
-3 - قوله: «الخليفة الأخرى أنت اللفظ باعتبار لفظه لا باعتبار معناه.
- 470 - (1/470)
صفحة 461
للمحنون، فَإِنَّ الخليفة يؤخذ بذلك كله، سواء أكان في الخلافة أو خرج منها، وسواء أحضر هؤلاء أو غابوا أو ماتوا. وإن مات الخليفة خرج ذلك من ماله ويدركه عليه من أحدث عليه المضرة، أو من أحدث ذلك في أرضه من يتيم أو غائب أو مجنون.
وأما ما أحدث الرجل في أرضه بنفسه مِمَّا تكون فيه المضرة على غيره، أو أحدثه بعبيده أو أجرائه أو وكلائه أو من استعان على عمل ذلك من الناس أو عمل ذلك بسبب من قبله كائنا ما كان كان فَإِنَّهُ يؤخذ بنزع ذلك بنفسه، ولا يؤخذ به
أحد من هؤلاء كلهم.
وَأَما ما عمل الشريك في أرض قد اشترك فيها مع غيره مِمَّا تكون فيه المضرة على غيره مِمَّا هو نفع له ولشريكه، فَإِنَّمَا يؤخذون بنزعه جميعا، وإن لم يكن في ذلك نفع لشريكه فليؤخذ هو بنزعه دون شريكه.
وأما ما أحدث الرجل في أرض غيره بغير إذنه، كان في ذلك نفع لصاحب الأرض أو لم يكن، فلا يؤخذ صاحب الأرض بنزع ذلك، وإنما يؤخذ به من أحدثه. وأما ما أحدث عبده أو طفله، فَإنَّهُ يؤخذ به، سواء في ذلك أحدثه بإذنه أو بغير إذنه. وأما عبد غيره أو طفل غيره إن أحدثوا في أرضه ما يكون منه مضرة على جاره، فَإِنَّمَا يؤخذ بنزع ذلك سيد العبد أو أبو الطفل إذا تبين ذلك؛ وإن لم يتبين فليؤخذ به من كان ذلك الحدث في أرضه.
وكذلك ما أحدث الغاصب في أرض رجل مِمَّا تكون منه مضرة على جاره، فإن الغاصب يؤخذ بنزعه، يأخذه على ذلك صاحب الأرض، والذي حدثت له المضرّة؛ فإن لم يكن ذلك الغاصب فلينظر في تلك المضرة، فإن كانت لصاحب الأرض فليؤخذ بنزعها، ويرجع على الغاصب بعنائه؛ وإن لم تكن لصاحب الأرض: ولم يكن فيها نفع له، ولم يجدوا الغاصب فليس على صاحب الأرض منه شيء، ويؤخذ به صاحبه ويرجع بعنائه على الغاصب، وقيمة ما أفسد الغاصب في ذلك.
- 471 - (1/471)
صفحة 462
وأما من عمل لرجل في أرضه شيئًا بغير إذنه مِمَّا يكون فيه الإصلاح لصاحب الأرض أو مضرة على غيره، فإن كانت عين المضرة لصاحب الأرض فليؤخذ بنزعها، وكذلك إن لم تكن فيه تلك المضرة عين غير الأصل مثل الساقية والممصل إن حفرها في أرض غيره، فليؤخذ صاحب الأرض بنزع ذلك، ويؤخذ به من أحدثه، ويأخذ صاحب الأرض من أحدث ذلك في أرضه. وأما إن كانت عين المضرة لغير صاحب الأرض، وإنَّما جعله من أحدثه لصاحب الأرض فَإِنَّهُ إن رضي صاحب الأرض ذلك فليؤخذ بنزعه؛ وإن لم يرض فليؤخذ به من أحدثه أو صاحب ذلك الشيء إن كان لغير الذي أحدثه، وإن كان ذلك الشيء الذي أحدثه في أرض غيره مشترکا بينهم وبين صاحب الأرض فليؤخذ به من أحدثه خاصة، ويؤخذون به جميعًا على قدر سهامهم فيه، ويدرك من لم يحدث عناءه على من أحدثه. وإن كان ذلك الشيء مشتركا بين من أحدثه، وبين رجل آخر، فليؤخذ من بنزعه، ويؤخذ به هو وشريكه، ويرجع عليه شريكه بالعناء. وإن كان ذلك لم يكن فيه لمن أحدثه شيء، وهو بين صاحب الأرض وشريكه فليؤخذ به من أحدثه، ويأخذ به، أصحابه ويرجعون بعنائهم على من أحدثه وإن كان ذلك لطفله فليؤخذ من أحدثه بنزعه؛ وإن لم يؤخذ من أحدثه فليؤخذ أبو الطفل بنزعه، سواء أكان لطفله مال أو لم يكن؛ فإن كان للطفل مال فليأخذ منه أبوه مقدار ذلك، ويرجع به على من أحدثه.
أحدثه
مال
يتيم
وإن كان ذلك الشَّيء ليتيم قد استخلف عليه صاحب الأرض فليؤخذ به من أحدثه؛ فإن لم يوجد فليؤخذ به صاحب الأرض الذي هو خليفة اليتيم، ويدرك عناءه من مال اليتيم ويرجع به اليتيم على من أحدثه وكذلك إن كان الشيء من استخلف عليه رجل غير صاحب الأرض فليؤخذ به من أحدثه؛ فإن لم يوجد فليؤخذ به خليفة اليتيم، ويرجع به في مال اليتيم ويدركه اليتيم على من أحدثه. فإن أراد الخليفة في هذه الوجوه أن يأخذ عناء نزع تلك المضرة من عند الذي أحدثها فله ذلك، ولو لم يأخذه من مال اليتيم سواء أكان الخليفة صاحب ذلك أو غيره.
- 472 - (1/472)
صفحة 463
وأما إن كان الذي أحدث المضرة في أرض غيره هو خليفة اليتيم الذي له ذلك الشيء فليؤخذ بنزعه، ولا يرجع بعنائه على اليتيم، فإن لم يؤخذ حتى بلغ اليتيم، فليؤخذ به، ويرجع بعنائه على خليفة الذي أحدثه وكذلك إن جعلوا له خليفة
أخرى فليؤخذ بنزعه إن لم يؤخذ من أحدثه ويدرك عناءه على من أحدثه. قلت: فرجل أحدث المضرّة في أرضه على جاره بمال المسجد أو المساكين أو مال لوجوه الأجر كلها؟
قال: يؤخذ بنزعها، ويضمن قيمة ما أفسد في ذلك الشيء. وإن كان إنما أحدث ذلك غيره في أرضه بمال المسجد أو غيره من وجوه الأجر فَإِنَّمَا يؤخذ به من أحدثه،
ويضمن ما أفسد في ذلك؛ وإن لم يوجد من أحدثه فلا يؤخذ به صاحب الأرض. قلت: فهل يؤخذ به من جعل ذلك الشَّيء للمسجد أو لغيره من وجوه الأجر؟ قال: نعم، وإن لم يجد صاحب الأرض من أحدث ذلك في أرضه، ولم يجد أيضا من جعل ذلك الشَّيء للمسجد أو لغيره فلينزعه صاحب الأرض بنفسه، وليس عليه
شيء من ضمان ما أفسد في نزعه بذلك، بعنائه على من أحدث ذلك. ويرجع
قلت: فقوم وجدوا مضرة في أرض، رجل، فاستمسك به جاره بنزع تلك المضرة، اتصلت تلك المضرة بتلك الأرض أو لم تتصل إن كان للقاضي أو الجماعة المسلمين أن يجبروه على نزعها؟
قال: كل ما اتصل بالأرض فلا يجبروه على نزعه، وما لم يتصل بها فلا يدركون عليه، نزعه إلا ما قعد فيه صاحب الأرض فليأخذوه بنزعه، مثل ما كان في بيته مِمَّا وصلت مضرته إلى جاره من الخشب الواقعة، والحجارة المجموعة فضر به صاحبها أو غير ذلك.
وأما إن قال صاحب الأرض: إنَّما أحدث تلك المضرة رجل آخر، وليس لي فيها شيء، فلا يشتغل به، إلا إن كانت له البينة على ذلك؛ فإن كانت له البينة
- 473 - (1/473)
صفحة 464
فليؤخذ بذلك من أحدثها؛ وإن لم تكن له بينة فأراد أن يحلفه على علمه أنه لم يعلم إنَّما أحدث غيره، فله ذلك. وإن استمسك به من حدثت فيه تلك المضرة، هل يؤخذ بنزعها مثل ما لم يتصل بالأرض، ولم يعرف له، فادَّعى أَنَّ ذلك له؟ فَإِنَّهُ إن أقر أنَّ ذلك له أخذ بنزعه، وإن جحد فَإِنَّهُ يكلف بالبينة؛ فإن أتى فليؤخذ من أتت عليه البينة بنزع ذلك؛ وإن لم يكن له بينة فليحلفه ولا يدرك عليه غير ذلك. وإن قال المدعى عليه: قد علم المدَّعي أنَّ هذا ليس لي فيه شيء، فإنه يدرك عليه اليمين. وإن نكل (1) عن اليمين فلا يدرك عليه هو أيضا اليمين. وإن حلف أنَّه لم يعلم أنَّ ذلك الشَّيْء لغيره فليحلفه أَنَّهُ ليس له في ذلك شيء، ولا يدرك عليه غير ذلك. وأما ما اتَّصَلَ بالأرض من ذلك وما قعد فيه، ولم يتصل بالأرض مِمَّا يؤخذ بنزعه إن ادَّعَى أَنه ليس له فيه شيء، ولم يحدثه أيضًا فإنه يكلفه بالبَيِّنَةِ، فإن أتى بها فلا يدرك عليه شيئا، وإن لم يأت بها فليؤخذ بنزعه، ويدرك اليمين على صاحبه أنَّه لم يعلم أنه ليس له فيه شيء ولم يحدثه، أو لم يعلم أنه
أحدثه غيره.
مسألة أخرى
قلت: فرجل أحدث المضرة في أرض لم تعرف له، فعمرها مقدار ما يقعد فيها، فاستمسك به الذي حدثت عليه المضرة أن ينزع تلك المضرة؟
قال: إن كانت تلك المضرة مضرة لا تثبت فإنه يدرك عليه نزعها؛ وإن كانت مضرة تثبت ولم يعمر مقدار ما تثبت فيه فَإنَّه يدرك نزعها أيضا؛ وإن عمرت مقدار ما تثبت فيه فلا يدرك نزعها وكذلك إن كانت المضرة لا تحتاج إلى المقدار الذي تثبت فيه فلا يدرك نزعها؛ وهذا في أرض لم تعرف لأحد فدخلها رجل فمكث فيها مقدار ما يقعد فيها، فإنه تحسب له عمارته من حين
-1 نكل ينكل نكولاً عن الأمر: حين وأحجم.
- 474 - (1/474)
صفحة 465
دخلها، ويكون عليه دعوة جاره حجَّة في بدء عمارته، ولو قبل أن يقعد فيها، وتكون له أيضًا عمارته على جاره، حجة، ولو لم يقعد فيها إلا بعد ذلك، سواء في
-
ذلك ما أحدث بنفسه وما حدث من غير أن يحدثه أحد مثل ما ينبت من غير أن يغرسه أحد أو يزرعه. وكذلك من قعد في ذلك بعده من وارث أو مشتر أو ما أشبه ذلك على هذا الحال.
وكذلك من دخل أرضا أو ما اتَّصَلَ بها من الأشجار والخيطان والدور، وقد عرف ذلك كله لغيره بوجه من وجوه الملك كلها، فأقام في ذلك مقدار ما يستحقها بالحيازة، فَإنَّه يؤخذ بنزع ما حدث فيها من المضرة على جاره بعدما صارت له بالحيازة ويأخذ هو أيضًا من أحدث على (1) تلك المضرة بنزعها. وهذا كله بعد ما صارت له بالحيازة، وأما ما حدث فيه من ذلك أو ما حدث في غيره قبل أن يستحقها بالحيازة فلا يدرك نزع ذلك، ولا يدرك عليه إلا ما أحدث بنفسه، وإنَّما يدرك ذلك، ويدرك عليه صاحب الأرض الأوَّل، حين تيم الحيازة للآخر، فإذا تَمَّت له الحيازة فليؤخذ بما حدث في ذلك من المضرة بعدما صارت له بالحيازة، ويؤخذ بنزع ما أحدث من المضرة على جاره؛ ومنهم من يقول: يؤخذ ذلك من حين دخلها، ويأخذ من أحدث المضرة على ذلك بنزعه من حين دخلها، وبعد ما ثبتت له بالحيازة.
بنزع
وكذلك ما حكم لرجل بالسنين، فالجواب فيها كالجواب في الحيازة.
وأَما ما حدث في الأرض قبل أن يدخلها فحازها بعد ذلك، فكل ما يدخل من ذلك بالحيازة فَإِنَّهُ يؤخذ به، وما لم يدخل في الحيازة، فلا يؤخذ به إلا إن تَبَيَّنَ أَنَّهُ له أو أحدثه بنفسه.
وَأَمَّا
من دخل في أرض غيره، فعمرها وأحدث فيها ما يكون مضرة على غيره قبل أن تتم له مدَّة الحيازة، إما أن يكون ذلك مضرة ثبتت بكونها، أو مضرة ثبتت
1 قوله: «ويأخذ هو أيضًا من أحدث على تلك المضرة» يبدو أن المراد من أحدث عَلَيْهِ تلك المضرة.
- 475 - (1/475)
صفحة 466
بعدد السنين، أو مضرة ثبتت بالغلة إن استغلت فلا تثبت تلك المضرة كلها في ذلك إلا لصاحب الأرض، حَتَّى تَتِمَّ الحيازة للداخل في الأرض؛ فإذا حكم له بذلك كله بالحيازة ثبت له ذلك كله ولا يحتاج بعد ذلك إلى استئناف المدة. وكذلك ما حدث من المضرة على عمارته في ذلك فلا يدرك نزعه حتى يحكم له بذلك، وإذا حكم له به فَإنَّهُ يدرك نزع تلك المضرة، وسواء في ذلك الحيازة والسنون والقعود. وأما ما حدث في ذلك ولم يحدثه أحد فليؤخذ صاحب الأرض بنزعه ما لم يحكم بها للداخل فيها، فإذا حكم له بها فليؤخذ بذلك من حكم له بها. وأما ما حدث ولم يعلم من أحدثه فلا يؤخذ بنزعه الداخل فيها، ولو أنه أقرَّ أَنه أحدثه؛ إلا إن تبَيَّنَ أَنَّهُ أحدثه أو صدقه صاحب الأرض في ذلك، وإنَّمَا يؤخذ بذلك صاحب الأرض إلا إن تَبَيَّنَ أَنَّهُ إِنَّمَا أحدث ذلك غيره، فيؤخذ به الذي أحدثه، إلا إن كان عين المضرة لصاحب الأرض فليؤخذ به، ويؤخذ به أيضًا من أحدثه.
وأَمَّا مضرَّة محدثة في أرض رجل فاستمسك به فيها، فأنكر أن يكون أحدثها، إما أن يكون نسبها إلى غيره أو ادَّعَى أَنَّهُ لم يعلم من أحدثها، فَإِنَّهُ يؤخذ بنزعها، إلا إن أتى بالبيان أَنَّهُ أحدثها رجل معلوم فليؤخذ بها ذلك الرجل. وكذلك إن انتفى من تلك الأرض، وقال: ليس لي فيها شيء، فلا يشتغل به، إلا إن أتى بالبيان أنه قد خرجت من ملكه في وقت حدوث المضرة.
وأما إن انتفى من الأرض أو غيرها من الأصول، فحدثت المضرة على ذلك
الذي انتفى منها، فاستمسك بنزع تلك المضرة فلا يشتغل به.
وكل ما عرف لرجل فحدثت فيه المضرة على جاره، فَإِنَّ صاحب ذلك
يؤخذ بنزع تلك المضرّة؛ ولو أنه انتفى من ذلك إن لم ينتف منه ه إلا الدعوة، ولو أنه نسبه إلى رجل معلوم، إلا إن صدقه ذلك الرجل أنه انتقل إليه ملك ذلك الشيء، أو كانت على ذلك بينة، ويدرك عليه اليمين إن لم يقر، ولم تكن له بينة.
- 476 - (1/476)
صفحة 467
وَأَمَّا من انتفى مِمَّا عرف له فنسبه إلى غيره، ثُمَّ حدثت فيه المضرة على جاره،
فلا يؤخذ بذلك صاحبه الأوَّل، ويؤخذ به من نسبه إليه إن أقر به؛ وإن لم يقر بذلك وجحده ولم تكن له بينة، فَإِنَّهُ يدرك اليمين على الجاحد؛ فإن حلف فليؤخذ به صاحبه الأَوَّل ولو أنَّه انتفى منه.
وأَما إن نسبه إلى غيره فمات الذي نسبه إليه، فَإنَّ ورثته يؤخذون بنزع تلك المضرة على كُلِّ حال، ولا يلتفت إلى انتفائهم من ذلك، فإن كان هو في الورثة أو كان فيهم أحد من ولي أمره، فَإِنَّهُ يؤخذ بنزع ما نابه من تلك المضرة، أو ما ناب من ولي أمره.
وَأَما ما عرف له فنسبه إلى من ليس له فعل (1) مثل اليتيم أو الطفل أو المجنون قبل أن تحدث فيه المضَرَّةً، ثُمَّ حدثت فيه، فَإِنَّهُ يؤخذ بنزع تلك المضرة من ولي أمر ذلِكَ اليتيم أو الطفل أو المجنون، ولا يلتفت إلى انتفائهم، ولا انتفاء من ولي أمرهم. وكذلك إن لم يقر لهم إلا بعد ما حدثت المضرّة في ذلك فليؤخذ بنزع تلك المضرة من ولي أمرهم إن لم يستريبوه في إقراره أنَّهُ أراد به بطلان ما عليه من نزع تلك المضرة؛ وهذا فيما لم يكن فيه نفع لمن أقرَّ له به، وأما ما كان له فيه نفع، فَإِنَّمَا يؤخذ به من ولي أمره على كل حال.
وَأَما من عرف له شيء فأقرَّ به للأجر أو للمسجد أو لوجه من وجوه الأجر أو جعله لهم قبل أن تحدث المضرة في ذلك، أو بعد ما حدثت فيه فَإِنَّهُ يؤخذ بنزع تلك المضرة على كُلِّ حال، ويدرك هو أيضًا نزع ما جعل من المضرة على ذلك قبل أن
يجعله للأجر، أو بعدما جعله له، أو قبل أن يقرَّ به للأجر، أو بعد ما أقر به.
1 - تَقَدَّمَت مثل هذه العبارة، ومعناها: أن اليتيم والمجنون والطفل لا يصح فعلهم، فتصرفهم في أموالهم، أو التصرف
معهم
لا يعتد به.
- 477 - (1/477)
صفحة 468
مسألة في البيع الموقوف) الم
وإذا باع الرجل بيع الخيار أو غيره من بيع الموقوف كله، فكانت في ذلك مضرة على غيره من جيرانه، فَإِنَّهُ إن كانت المضرة مِمَّا يحتمل التأخير، فإنهم ينظرون حتى يتبين من انتهى إليه ذلك منهما؛ وإن لم تحتمل المضرة التأخير فليؤخذ به من أوقفه أن ينزع تلك المضَرَّة؛ وإن مضى البيع فليدرك عناءه؛ وإن رجع إليه البيع فسبيل ذلك، ولا يدرك شيئًا. وأما ما حدث من المضرة على ذلك الموقوف فلا يأخذ أحد منهما من جعل تلك المضرة بنزعها؛ ومنهم من يقول: يأخذه بنزعها من أوقف ذلك منهما؛ ومنهم من يقول: كلُّ واحد منهما يأخذه بنزعها.
ومن استأجر أجيرا بالأرض وما اتَّصَلَ بها، فحدثت في ذلك مضرة على غيره قبل أن يدخل الأجير العمل، فَإِنَّهُ يؤخذ بنزع ذلك المستأجر. وأما إن دخل الأجير العمل فليؤخذ كل واحد منهما بما ينوبه. وأَما ما جعل من المضرة على ذلك، فإنَّ كل واحد منهما يأخذ من جعلها بنزعها إن دخل الأجير العمل؛ وإن لم يدخل الأجير العمل فَإِنَّمَا يدرك نزعها المستأجر دون الأجير؛ ومنهم من يقول: إنما يدرك نزع تلك المضرة، وتدرك عَلَيْهِ الأجير (2) دون المستأجر، دخل الأجير العمل أو لم يدخله.
وما أصدق الرجل للمرأة إذا تزوجها بغير شهود، فَإنَّما يدرك نزع تلك المضرة وتدرك عَلَيْهِ الزوج دون المرأة. وأما إن استشهد فَإنَّما يدركه ويدرك عليها المرأة دون الزوج، وقيل يدرك على كل واحد منهما مقدار نصف المضرَّة ما لم يمسها
لفظة
1 - البيع عقد من العقود الشرعية. والعقد الموقوف هو الذي يفيد الملك دون تمامه لتعلق حق الغير به. انظر: تفسير الموقوف من كتاب معجم لغة الفقهاء ص 469. من تأليف: أ. د. د ا. د. محمد رواس قلعه جي، ود.
حامد صادق قنيبي.
2 قوله: «ومنهم من يقول: إنما يدرك نزع تلك المضرة وتدرك عَلَيْهِ الأحير ... » معناه: إن حق إدراك نزع المضرة بعد تمام العقد إنَّما هو للأجير إن أحدثها غيره، أو هي عليه إن أحدثها هو
على غيره، من غير التفات إلى دخوله العمل أو عدمه، والله أعلم.
- قوله: «ما لم يمسها»: أي: ما لم يمس الزوج الزوجة، كناية على البناء بها.
-
- 478 - (1/478)
صفحة 469
وإن باع رجل للغائب شيئًا أو وهبه له، ثُمَّ حدثت المضرة في ذلك الشيء على
جاره، أو حدثت عليه من قبل جاره، فَإِنَّمَا يؤخذ بذلك من باعه أو وهبه، ولو انتهى ذلك إلى الغائب فلا يدرك عليه العناء؛ ومنهم من يقول: إن قبل الغائب يدرك عليه عناء ذلك؛ ومنهم من يقول: تكون تلك المضرة موقوفة حتى يقدم الغائب فيقبل ذلك أو يدفعه؛ فإن قبله فليؤخذ بنزع ذلك؛ وإن دفعه فليؤخذ به صاحبه الأول.
وأما إن أعطى رجل أرضه لغائب، فمات قبل أن يقدم فإنها لورثته، ويدرك عليهم نزع ما حدث قبل موته ولا يشتغل بإنكارهم العطية؛ ومنهم من يقول: يشتغل بهم في الإنكار والقبول ومنهم من يقول بطلت العطية حين مات ولم يعرف منه القبول والرضا.
وَأَما إذا حدثت المضرة في أرض، رجل، فباعها للطفل أو لليتيم أو للمجنون، فاستمسك به بنزع تلك المضرّة، فَإِنَّهُ إن قبل خليفة كلّ واحد منهم فليؤخذ تلك
الخليفة بنزع صاحبه الأول.
ذلك من
مال
استخلف عليه. وإن دفعها الخليفة فليؤخذ من
بنزع
ذلك
وَأَمَّا كلٌّ من لا يجوز فعله إذا باع له رجل شيئًا، أو وهبه على الثواب من غير
خليفة فلا يشتغل بذلك.
وَأَمَّا الغائب إذا حدثت المضرة على ذلك، فأرادت عشيرته أن يستخلفوا خليفة على نزعها، فهم في ذلك بالخيار في جميع ما ترك قبل غيوبته. وأما ما ورث بعد غيوبته فعليهم أن يستخلفوا له من يستمسك بنزع ذلك. وكذلك اليتيم والمجنون إذا أحدثت فيهم المضرّة، فعليهم أن يستخلفوا له خليفة يستمسك بنزع ذلك، وكذلك إن أحدثت المضرة على غيره، فَإنَّ من أحدثت عليه المضرة يستمسك بالعشيرة أن يجعلوا لليتيم أو المجنون خليفة يستمسك به بنزع المضرّة. وَكَذَلِكَ الطفل والمولى عَلَى هَذَا الحال إنَّمَا يستمسك بنزع المضرة إذا حدثت فيه مولاه. وكذلك إن أحدثها ذلك المولى يؤخذ مولاه بنزعها؛ ومنهم من يقول: لا يؤخذ به مولاه، إلا إن
استخلف عليه أو عشيرته.
31
- 479 - (1/479)
صفحة 470
باب الدعوى في المضرة
قلت: فرجل ادَّعَى على رجل أَنَّهُ أحدث عليه المضرّة، فأنكر المدعى عليه أن يكون
أحدث عليه شيئا، والمضرة قائمة، سواء أكانت عليها علامة الحدوث أو لم تكن؟ قال: على المدَّعِي البينة أنَّهُ أحدث عليه المضرّة، فإن لم تكن له بينة حلف المدعى عَلَيْهِ أَنَّهُ لم يحدث عليه شيئا، وسواء في ذَلِكَ ما كانت فيه علامة الحدوث أو ما لم تكن فيه، وسواء أيضا ما يمكن حدوثه في ذلك الوقت، أو ما لم يكن، لأنَّ الحاكم لا يحكم بالإمكان ومنهم من يقول: إن كان عليه علامة الحدوث، ولا يمكن تقادمه مثل الحائط المبلول أو الحائط المائل، وفيه انشقاق جديد، أو خشبة مائلة، وفيها كسر جديد فَإِنَّهُ يؤخذ بنزع ذلك، ولو لم تكن له بَيِّنَة.
وإن خاصم رجل مع جاره، فقال: لا تحدث عليَّ المضرة، فقال له الآخر: قد كان هنا أساس البنيان وأنا أبني عليه أو قال له قد كان ها هنا جذع نخلة وأنا أغرس في مكانه أو قال له قد كان ههنا أثر الساقية وأنا أحفرها فأجري عليها الماء أو الممصل أو الطريق أو ما أشبه ذلك، فَكُلُّ ما وجدوا له من ذلك أثرا فلا يمنعه منه؛ ومنهم من يقول: لا يشتغل بالآثار إلا إن كسانت له البينة، ولكن لا يدرك عليه نزع ذلك الأثر. وأما في قول من يقول: لا يمنع، فإنه إن ختلفوا في المقدار الذي كان عليه ذلك الأثر في غلظة البنيان وطوله فالقول قول من كانت عليه المضرة، إلا إن كانت للمدعي بينة؛ فإن لم تكن له بينة حلف من كانت عليه المضرة. وكذلك اختلافهم في الأشجار على هذا الحال وكذلك إن اختلفوا في سعة الساقية وطولها والممصل والطريق على هذا الحال فيكون القول في ذلك قول الناكر، وعلى صاحبه البينَة؛ فإن لم تكن له البَيِّنَة فليحلف الناكر إن كان ممن يحلف، وإن كان ممن لا يحلف مثل خليفة الغائب أو اليتيم أو المجنون أو الطفل فلينتظروا باليمين حتى يقدم الغائب أو يبلغ الطفل أو يفيق المجنون فيحلفهم إن
شاء، وإن نكلوا عن اليمين لزمتهم دعوة المدعي.
- 480 - (1/480)
صفحة 471
قلت: فمن أحدث المضرة على جاره فرضيها جاره، ثُمَّ بعد ذلك بدا له؟ قال: لا يجوز له نزعها بعد الرضا، وإن ادَّعَى عليه الذي أحدثها أنه رضيها فأنكر ذلك، فعلى المدعي البينة؛ وإن لم تكن له بينة فليحلف الناكر. وكذلك ورثة كل واحد منهما بمقامه في ذلك؛ فإن رضي بالمضرة من جعلت له فقد لزمه ذلك، وورثته من بعده. وكذلك من باع له ومن وهب له ذلك الشيء على هذا الحال، ولكن يكون ذلك عيبا عند المشتري.
مسألة أخرى
والأعمى إذا حدثت له المضرّة، فمكث بعد حدوث المضرة من المدة ما تثبت فيه، ثُمَّ استمسك بمن أحدث له المضرة أن ينزعها، وادَّعَى أَنه لم يعلم بحدوثها، فَإِنَّهُ لا يشتغل به، وكذلك إن ذهب بصره بعد حدوث المضرة، فمكث مقدار ما تثبت له المضرة، فاستمسك بنزعها فَإِنَّهُ لا يشتغل به.
وإن أحدث هو المضرة على غيره فَإنَّهُ يؤخذ بنزعها، سواء أأحدثها بعد ذهاب بصره أو قبل ذهابه، ولكن إنَّما يأخذونه بنزعها على قدر ما يمكنه، وَكَذَلِكَ كل من اعتل
فَإِنَّمَا يأخذونه بنزع المضَرَّة عَلَى قدر ما يمكنه، ويعذر في ذلك لَمَّا منعته الخلقة. والمحبوس إذا حدثت له المضرة، فمكثت مقدار ما تثبت له فاستمسك بنزعها، وادَّعَى أَنَّهُ لم يعلم بحدوثها، وقد علموا أنه مكث في حبسه تلك المدة، فإنه لا يدرك نزعها). وكذلك إن حبس في وقت حدوث المضرة له أو بعد ذلك فإنه يدرك نزع ما حدث له وهو في الحبس، ولكن بالخليفة ويثبت له ما أحدث من المضرة على غيره وهو في الحبس، ولا يؤخذ بنزع ذلك حتى يخرج من الحبس.
-1
يبدو أنَّ الحكم بأن المحبوس لا يدرك نزع المضرة من تحريف النساخ، وَإِنَّمَا الصواب: «فإنه يدرك نزعها». ويؤكد هَذا ما ذكره بعد ذَلِكَ. ليحرّر.
- 481 (1/481)
صفحة 472
ومن
ادَّعَى عليه في ذلك وهو في الحبس فلا تثبت له المضرّة. وكذلك هو أيضا إن أقام الحجة على غيره في المضرّة فلا تثبت له، ويدرك إذا خرج من الحبس، ويدرك عليه بعد خروجه ما أحدث لغيره.
وكذلك من عقله الجائر حَتَّى تَمَّت المدَّة التي تثبت له فيه المضرة، أو أحدث هو المضرة في ذلك الوقت حَتَّى تَمَّت المدة التي ثبتت فيها، فإنه لا يدرك نزع تلك المضرة، إلا إن كانت الدعوى من أحدهما على تلك المضرة، فحينئذ يدرك نزعها. وكذلك الممنوع كله، ولو منعه من شاء، فَإِنَّهُ تثبت له المضرة.
وأَمَّا الغائب فلا يثبت له ما أحدث له من المضرة ما دام في غيوبته. وهذا الغائب الذي لا يثبت له هو الذي خرج من الحوزة، ولم يكن في أميال وطنه. وأما من كانت حوزته فيما دون الأميال، فَإِنَّهُ تثبت له المضرة. ولو أَنَّهُ خرج من الحوزة إذا لم يخرج من الأميال. وَإِنَّمَا تتَبَيَّنُ غيوبته بقول الأمناء أو بإقرار من المدعي، فإذا لم تكن له بينة و لم يقر صاحبها فليدرك عليه اليمين على علمه، فحينذ تثبت المضرة إذا حلف وإن نكل عن اليمين فليؤخذ بنزعها.
وَأَمَّا من كان في الحوزة ولو أَنَّهُ في مكان بعيد فالمضرّة ثابتة له، ويثبت له على غيره؛ ومنهم من يقول: إن كان في مكان بعيد، ولا يمكن له الوصول، وهو أيضا في الحوزة فلا يثبت له ما أحدث له من المضرة، إلا إن كانت بينة أنه قد علم بحدوث المضرة له، فمكث مقدار ما تثبت له بعد علمه، فلا يدرك نزعها؛ فإن ادعى على صاحبه أنَّه قد علم وأنكر هو، فعلى صاحب المضرة البينة؛ وإن لم تكن له بينة فليدرك عليه اليمين فإن نكل عن اليمين ثبتت له تلك المضرة؛ ومنهم من يقول: إذا كان خارجا من الأميال ولم يعلم أنَّهُ دخل في الأميال فلا تثبت تلك المضرة وتكون له من الدعوات ما لغيره من الغياب أو من كان في الحوزة في مكان بعيد.
وأَما ما أحدث هؤلاء كلّهم من المضرات على من كان حاضرا حتى ثبتت له، فلا يصيب نزعها مِمَّا حدث في أرضه ولم يحدثه أحد، أو ما أحدثه خادمه أو عبده
- 482 (1/482)
صفحة 473
أو أجيره، أو ما أحدث الغاصب في ذلك مِمَّا يكون أصلهم من تلك الأرض ومن غيرها مما يكون لصاحب الأرض.
وَأَمَّا من ادَّعَى على رجل أَنَّهُ أحدث له المضرة، أو ادَّعَى صاحبه أنَّ تلك المضرة قد ثبتت له قبل ذلك، وادَّعَى المُدَّعِي أَنَّهُ غائب في تلك المدة فعليه البينة أنه غائب كما قال حَتَّى تَمَّت المدَّة؛ فإن لم تكن له بينة، فقد ثبتت له المضرة، وتكون البينة على الذي أحدث المضرة أيضًا أَنَّهَا قد ثبتت؛ فإن لم تكن له فليؤخذ بنزعها، ويكون اليمين على كُلِّ واحد منهما إذا لم تكن البينة لصاحبه على دعواه.
وإن ادَّعَى من أحدثت له المضرَّة أَنَّهُ غائب، فادَّعَى من أحدثها أَنَّهُ حاضر، فَكُلُّ من أتى منهم بِالبَيِّنَةِ فالدعوة دعوته؛ فإن أتيا بالبَيِّنَةِ جميعا فليؤخذ بالبَيِّنَةِ من ادَّعَى أنَّ صاحبه حاضر حَتَّى تَتِمَّ المدة. وإن حضر من حدثت له المضرة لوقت حدوثها، فغاب ولم يقدم إلا وقد تَمَّت المدَّة، فَإِنَّهُ يدرك نزع تلك المضرة. وكذلك إن حدثت في غيوبته فقدم فأقام ولم يغير على صاحبه مقدار ما تتم فيه من حين حدثت فليدرك نزعها، ولا يضر ذلك إلا إن مكث مقدار ما تثبت فيه بعد قدومه. وأما إن حضر لحدوثها، ثُمَّ غاب ورجع وغاب أيضا ورجع وذلك كله مقدار ما تثبت فيه تلك المضرة فلا يحسب عليه ما مكث في غيوبته، وإنما يحسب عليه ما كان حاضرًا، سواء أاجتمع حضوره أو افترق.
وَأَمَّا إن اتفقا على غيوبة من حدثت له المضرة، أو أتى بالبَيِّنَةِ على ذلك، وقال من أحدثها: نعم قد غبت، وَلَكِنَّكَ قد رجعت، فعليه البينة أنه قد رجع وأقام مقدار ما تثبت فيه؛ فإن لم تكن له بينة فليحلف صاحبه أَنَّهُ لم يمكث مقدار ما تثبت فيه؛ فإن حلف فليدرك نزع تلك المضرة؛ وإن نكل عن اليمين ثبتت له المضرة.
وَأَما إن غاب من أحدث المضرة، فلا يَضُرُّه إذا كان من أحدثها له حاضرًا. وأَما إن أحدث رجل على الرجل مضرَّة، وقد غابا جميعا في حوزة واحدة غير الحوزة التي كانت فيه المسَضَرَّة، فمكث في ذلك مقدار ما تثبت فيه المضرة،
- 483 - (1/483)
صفحة 474
فاستمسك من أحدثت له المَضَرَّة من أحدثها، فَإنَّهُ يدرك عليه نزعها، وإنَّما ينظر في ذلك إلى كون من حدثت له المَضَرَّة في الحوزة التي كانت فيها المضرة في وقت حدوثها، وكونه فيها مقدار ما تثبت فيه وكذلك إن كان من أحدث المضرة ومن حدثت له في حوزات مفترقة، وكانت المَضَرَّة في حوزة أخرى فلا يَضُرُّ ذلك من حدثت له المَضَرَّة، ويدرك نزعها إذا قدم، أو من استخلف على نزعها.
وَأَمَّا من حدثت له المَضَرَّة وهو غائب، فحجر على من أحدثها، وأقام عليه دعوته بمحضره ممن أحدثها وهو غائب، ثُمَّ قدم بعد ذلك فمكث مقدار ما تثبت فيه بعد قدومه، فاستمسك به، فَإِنَّهُ يدرك عليه نزعها.
وكذلك إن قدم فاستمسك به بدعوته، ثُمَّ تركه بعد ذلك مقدار ما تثبت فيه المضرة، فَإِنَّهُ يدرك نزعها.
وكذلك إن أحدث له المَضَرَّة بمحضره فمنعها فغاب فقدم، فمكث مقدار ما تثبت فيه، فإنَّه يدرك نزعها.
وكذلك إن منعه من أن يحدث له المُضَرَّة فغاب فأحدثها في غيوبته، أو حضر فأحدثها له، ولم يمنعه بعد ذلك، فَإِنَّهُ يدرك نزعها في الوجهين جميعا، وينفعه منعه إيَّاه. وَأَمَّا من قصد إلى مضرّة معلومة، فحجر على من يحدثها له من جميع الناس ولم يقصد بها أحدًا دون أحد، فإنَّ حجره يكون له حجّة على من حضر ومن غاب، كان ومن يكون ما دام ذلك في ملكه. ولا يكون منعه حجة لمن بعده من وارث أو مشتر أو غيرها من جميع من انتقل إليه ملك ذلك.
ومن
وَأَمَّا إن قصد بحجره إلى رجل واحد ألا يحدث له المَضَرَّة في هذا الشَّيْء، أو ألا يحدث له مضرة معلومة، فلا يكون حجره حجة إلا على هذا الرجل، ولا يكون
حجة على غيره، ولو أنَّهُ وارثه أو غيره ممن انتقل إليه ملك ذلك الشَّيء. وَأَمَّا إن قصد إلى رجل واحد فحجر عليه ألا يحدث عليه المضرة، هكذا ولم يقصد إلى شيء معلوم، أو إلى مضرة معلومة، فلا يكون حجره عليه حجة، ولا على
- 484 - (1/484)
صفحة 475
غيره. وكذلك إن لم يقصد ذلك بذلك أحدًا، إلا أنه حجر على من يحدث عليه المضرة هكذا جملة (1)، و لم يقصد إلى مضرة بعينها فلا يكون ذلك حجة على أحد، وسواء أكان له ذلك كله أو له فيه شريك قل ماله فيه أو أكثر، اشترك فيه مع رجل واحد أو أكثر من ذلك، سواء شركاؤه حضروا أو غابوا، فالجواب في هذا
كله واحد.
وأَمَّا ابنه الطفل أو الغائب أو المجنون فلا يدخل مالهم في حجره على ماله. وكذلك من ولي أمره من يتيم أو غائب أو مجنون، أو جميع ما كان في يده بالأمانات إلا إن قصد أموالهم بالحجر، سواء في ذلك أقصد إلى مال رجل من هؤلاء وسماه باسمه، أو قصد إلى مال كان في يده بالأمانة وهو عليه خليفة، ولو لم يذكر صاحبه، فيكون حجره له حجة ولصاحبه.
ومن
وإن حجر على إحداث المضَرَّة على أموال جميع من ولي أمره شبه اليتيم والغائب والمجنون، فرجع إليه ذلك المال فلا ينفعه حجره الأوَّل على من أحدث المضرة له في ذلك. أحدث المَضَرَّة على مال غائب فمنعته العشيرة بلا خليفة، فلا يدركون نزعها إلا إن جعلوا له خليفة لا مَن قَرُبَ مِن العشيرة ولا مَن بَعُدَ (2)؛، ومنهم من يقول: من قرب من الأولياء يدرك نزعها وكذلك اليتيم والمجنون على هذا الحال إن أرادت عشيرتهم أن يمنعوا عنهم المَضَرَّة بلا خليفة فلا يدركون نزعها؛ ومنهم من يقول في العشيرة: يدركون نزع ذلك عن مال اليتيم ولو لم يستخلفوا له؛ ومنهم من يقول: إلا الولي خاصة فَإِنَّهُ يفعل ما يفعل الخليفة.
1 - قوله: «هكذا جملة ولم يقصد إلى مضرّة بعينها فلا يكون ذلك حجّة على أحد»: لم أفهم معنى لا يشترط تعيين المضرة ما دام الشرع يمنع الإضرار بالغير كما قال: «لا ضرر ولا ضرار». ليحرر المقام، والله أعلم.
2 «لا من قرب من العشيرة ولا من بعد مراده - والله أعلم - لا فرق بين من قرب منها ولا بين من بعد؛ أو يكون تأويل العبارة هكذا: لا يدركها من قرب من العشيرة ولا من بعد منها.
- 485 - (1/485)
صفحة 476
ذلك؛ ومنهم
والأم إن قعدت على أولادها من غير خلافة لا تدرك نزع يقول: تفعل مثل ما يفعل الأب، والولي يفعل مثل ما يفعل الخليفة. وأما الإمام والقاضي وجماعة المسلمين ومن كان بمنزلتهم فيمنعون المضرة ويدركون نزعها من مال اليتيم والمجنون، والغائب والحاضر الذي لم يقم بنفسه. والطفل يدرك مولاه نزع ما حدث له، ويدرك عليه؛ ومنهم من يقول: لا إلا بالخلافة.
واليتيم الذي له خليفة، والطفل الذي له أب لا تدرك عشيرتهم ولا أولياؤهم نزع ما حدث عليهم من المضرة.
ومن أحدث المَضَرَّة على، رجل، فادَّعَى من أحدثت له أنه غائب في ذلك الحال فأتى بِالبَيِّنَةِ على أَنَّهُ غائب في وقت معلوم ولم يشهدوا أنه غائب كذا وكذا سنة مقدار ما تثبت فيه فهو غائب حيث شهدوا عليه، ولا تثبت له المضرة، ولا يزول عنه اسم غائب حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهُ قدم بعد غيوبته، ودخل أميال وطنه. ويجوز لمن رآه خرج من الحوزة أن يشهد عليه أنه غائب؛ وَكَذَلِكَ إن لم يره إلا في حوزة أخرى يشهد عليه بالغيوب (1) ما لم يتبيَّن أنه رجع إما بمشاهدته أو بخير الأمناء. وأما إقراره فلا ينفعه فيما يجرُّ به إلى نفسه منفعة؛ وأَما ما يَضُرُّ فيه نفسه فقوله عليه حجة. قلت: وأَما من أحدث على رجل مضرة في حوزة، وقد كان من حدثت له المضرة في حوزة أخرى، وقد وطن الحوزتين جميعا، فمكث في ذلك مقدار ما تثبت فيه المضرة هل تنفع غيوبته أم لا؟
قال: نعم، إنَّما ينظر في ذلك إلى غيوبته عن المكان الذي حدثت فيه المضرة، سواء أوطن أو لم يوطن.
1 - «الغيوب»: قال في المنجد: غاب يغيب غيباً وغيبة وغيابًا وغيوبا ومغيبا. عنه: بعد عنه وباينه. وغيابًا وغيبوبة: ضدّ حضر. إلى أن قال: غاب عن بلاده: سافر. وغيابًا وغيابًا وغيبة وغيابة وغيوبة: الشيء في الشيء: بطن
فيه واستتر.
-486 - (1/486)
صفحة 477
ومن أحدث لرجل مضرة، فاستمسك به على نزعها وادَّعَى من أحدثت له أنه غائب في تلك الحال أو مجنون أو طفل، وقد عرف لهم ذلك، فعليهم البينة على ما ادعوا من ذلك؛ فإن لم تكن لهم بينة، حلفوا الناكر على دعواتهم؛ وإن نكل عن اليمين أخذ بنزع ما أحدث.
وَأَمَّا إن أحدث مضرة لطفل أو مجنون أو غائب، فادَّعَى أَنَّ الطفل بالغ قبل أن يحدث له، أو أفاق المجنون أو قدم الغائب قبل أن تحدث لهم المضرة فعليه البينة؛ فإن لم تكن له بيّنة حلفوا على دعوته إن كانوا في حال يحلفون فيه، فإن لم يكونوا فيه، فلا يدرك عليهم، اليمين، ويؤخذ بنزع ذلك.
وَأَما إن منع رجل رجلاً أن يحدث له المضَرَّة، فأحدثها مع غيره، فمكنت مقدار ما تثبت فيه فلا يدرك نزعها.
وَأَما إن منع جماعة من الناس، فأحدثها واحد منهم فلا تثبت له. وأَما إن منع رجلا أن يحدث له المَضَرَّة وأحدثها لغيره، فإن كان إنما أحدثها له في أرضه (1)، فمكث مقدار ما تثبت له فلا يدرك نزعها، وإن كان إنما أحدثها في أرضه هو (2) على أن تكون لغيره فإنه يؤخذ بنزعها ولا تثبت له. وكذلك إن أحدثها لنفسه في أرضه أو في أرض غيره فلا تثبت له، سواء في هذا ا أحدثها له بنفسه أو بأجرائه.
فإن منع الأجير أن يحدث له المَضَرَّة، هكذا، فأحدثها في أرض المستأجر، أو العبد أو الخادم (3) فلا تثبت له تلك المَضَرَّة. وكذلك إن أحدثها صاحب الأرض لنفسه إذا كانت مضرة معلومة.
1 قوله: «في أرضه» يبدو أن مرجع الضمير من لفظة «أرضه» هو الغير، فيكون المعنى كالتالي: وإن منع رجلا أن يحدث عليه المضرة فأحدثها الممنوع لغيره في أرض الغير ... فلا يدرك نزعها. والله أعلم. 2 وقوله: «في أرضه هو مرجع الضمير: هو الرجل الممنوع فيكون المعنى كالتالي: وإن أحدثها الممنوع في أرضه هو على أن تكون لغيره فإنه يؤخذ بنزعها.
-
-3 - قوله: «أو العبد أو الخادم» يبدو أن المقصود أو منع العبد أو الخادم فأحدثها أحدهم (الأحمر أو العبد أو الخادم فلا تثبت عليه. والله أعلم.
- 487 - (1/487)
صفحة 478
وإن منعه أن يحدثها بنفسه فأحدثها لمن ولي أمره حتى ثبتت، فإنه لا يدرك نزعها، سواء من ولي أمره ابنه الطفل أو ابنه المجنون أو يتيما أو مجنوناً أو غائباً هو لهم خليفة فلا يدرك نزعها. وإن منع الأب أن يحدث لابنه أو منع الخليفة لمن ولي أمره، فبلغ الطفل أو أفاق المجنون أو قدم الغائب، فأحدث هؤلاء لأنفسهم، فإن كانت المضَرَّة معلومة فإنهم يؤخذون بنزعها؛ وإن لم يُبَيِّنها لهم في وقت منعه فأحدثوها، فلا يدرك عليهم نزعها إذا مكنت مقدار ما تثبت.
وَأَمَّا إن حجر على رجل أن يحدث في أرضه مضرة هكذا، ولم يقصد مضرّة معلومة، ولا إلى أرض معلومة، وقد كانت له أرض في حوزات مفترقة، أو في بلاد شتى في حوزة واحدة، ثُمَّ أحدثت له المَضَرَّة في واحدة من تلك الأراضي، أو فيها جميعا، فمكث مقدار ما تثبت فيه فاستمسك به في نزعها، فلا يدرك نزعها حيث لم يقصد إلى أرض معلومة ولا إلى مضرة معلومة.
وأما من أحدث المَضَرَّة على رجل فاستمسك به في نزعها، فلما استمسك به في نزعها باع ذلك الذي حدثت له فيه المَضَرَّة، فإن حكم بها الحاكم لمن أحدثها، فلا يدرك نزعها، وإن لم يحكمها فيه فلا يجوز بيعها ما دامت في الخصومة وإن حكم الحاكم بنزعها فباعها على ذلك الحال، وقد علم المشتري، فإنَّه يدرك على المشتري نزعها.
وإن حكم الحاكم على من أحدثها بنزعها، ولم يعلم المشتري، فإنَّه يدرك عليه نزعها، ولكن يردُّها بالعيب إن أراد؛ وإن لم يردها ورضي العيب فليؤخذ بنزعها. وإن رَدَّها و لم يرضَ بها، فليدرك نزعها على صاحبها الذي رجعت إليه؛ ومنهم من يقول: يجوز بيعه علم أو لم يعلم حكم بها أو لم يحكم، وترجع الخصومة فيما بين المشتري وبين من أحدثت له المَضَرَّة؛ فإن أدرك عليه نزعها نَزَعها؛ وإن لم يدرك عليه شَيْئًا فليمض إلى سبيله. ولا يجوز في ذلك إقرار البائع على المشتري في كُلِّ ما يضر به به المشتري، ولا تجوز عليه شهادته ولكن إن أراد المشتري أن يأخذه بإقراره
-488 - (1/488)
صفحة 479
وشهادته فليفعل؛ ومنهم من يقول: يجوز إقرار البائع على المشتري فيما كانت فيه الخصومة قبل البيع، علم المشتري بذلك أو جهل.
وأما من باع لرجل شيئًا مِمَّا تكون فيه المَضَرَّة على جاره، فاستمسك جاره ذلك بالمشتري أنَّهُ أحدث له المَضَرَّة، فأنكر المشتري، وأقر البائع أنَّ تلك المضرة قد حدثت في ذلك الشيء قبل أن يبيعه فلا يجوز قوله على المشتري، ويكون المشتري على خصومته.
وأَما إن قال البائع: إِنَّمَا حدث ذلك عند المشتري، ويشهد بذلك، فشهادته جائزة عليه مع شاهد آخر؛ ومنهم من يقول: لا تجوز شهادته ولو كان معه غيره. وَأَمَّا إن لم يكن معه شاهد غيره، ثُمَّ بعد ذلك رجع ذلك الشيء إليه بالانفساخ فَإِنَّهُ يؤخذ بنزعها. وأَما إذا رجع ذلك الشَّيْء في ملكه بالعيب أو بالهبة أو بالبيع، أو بالميراث، أو بغير ذلك، فاستمسك به من حدثت له المضرة، فإنه يدرك عليه نزعها، ويكون عليه إقراره الأوَّل حجَّة. وكذلك إن رجع إليه ذلك الشيء بالاستحقاق على هذا الحال وكذلك إن رجع في ملك ابنه الطفل، فإنَّه يدرك عليه نزع ذلك ما دام ابنه طفلا، فإذا بلغ رجعت الخصومة إليه، إلا ما حكم به الحاكم بنزعه على ابنه الطفل و لم ينزعه الأب حتى بلغ الطفل فليؤخذ الابن بنزعه، إلا ما أحدثه الأب في مال ابنه الطفل مِمَّا تكون فيه المنفعة للابن، فَإِنَّمَا يؤخذ به الأب، وإن لم يكن الأب فليؤخذ به الابن.
وَأَمَّا إن رجع ذلك الشيء في ملك من ولي أمره من يتيم أو غيره، فلا يؤخذ بنزعه، لأنَّه لا يجوز عليه قوله ولو كان ذلك في يده في ذلك الوقت. وأما إن ذلك الشيء في ملكه هو وشريكه فلا يدرك عليه ذلك ما داموا شركاء، إلا إن كان شريكه هو ابنه الطفل أو عقيده (1)، لأنَّه يجوز عليهما قوله، وسواء في ذلك إن تمادى على إقراره أو رجع عنه بعد ما رجع الشيء في ملكه. وكذلك ما لم
رجع
1 - العقيد على وزن جليس هو من ارتبط بغيره بعقد يلتزم مقتضاه كل من الطرفين تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، ولابد فيه من إيجاب وقبول. انظر لفظة العقد من كتاب معجم لغة الفقهاء (بتصرف).
- 489 - (1/489)
صفحة 480
يدخل ملكه قط وقد كان في ملك غيره، ثُمَّ دخل ملكه فَإِنَّهُ يؤخذ بنزع ما أقرَّ به أنه حدث في ذلك قبل أن يدخل ملكه فالجواب في ذلك كالجواب في التي قبلها في الشيء إذا خرج من ملكه ثُمَّ رجع إليه بعد ذلك.
وَأَمَّا إِن أَقرَّ بالمَضَرَّة أَنَّهَا كانت في الشَّيْء في الوقت الذي كان ذلك الشيء في ملك غيره حيث يدرك ما حدثت عليه المَضَرَّة نزعها، ثُمَّ رجع إليه ذلك الشيء بعد ذلك، ثُمَّ مات قبل أن يؤخذ بنزع ذلك، فورثه غيره، فإنه يؤخذ الوارث بنزع ذلك، إذا تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَقرَّ بذلك الميت في حياته. وأما إن لم تكن الشهادة على إقراره، وقد جحد الوارث، فإنَّ عليه اليمين على علمه أَنَّهُ لم يقرَّ به وارثه، كما يكون اليمين على وارثه إذا جحد ما أقر به.
وكذلك الحاكم إذا أقرَّ أَنَّهُ حكم بحدوث المَضَرَّة أو نزعها حيث لا يقبل قوله إلا بالشهادة، ثُمَّ رجع ذلك في ملكه بعد ذلك، فإنه يؤخذ بنزعه أقر بذلك أو جحده، وكذلك وارثه بعد ذلك، إن لم يؤخذ الأوَّل بنزع ذلك حتى يموت، فإنَّ وارثه يؤخذ بذلك؛ فإن جحد فعليه اليمين على عمله على إقرار وارثه؛ فإن نكل عن اليمين فليؤخذ بنزعه؛ ومنهم من يقول: يجبر على اليمين أن يحلف أو يقره. وكذلك الجواب في المسألة التي قبلها كالجواب في هذه نسقا بنسق. وأما إن لم يترك المقر الأوَّل أو الذي أقر بالحكومة إلا اليتامى فَإنَّهُ إن كانت الشهادة على ذلك فليؤخذ الخليفة بنزع ذلك؛ وإن لم تكن الخليفة فلتؤخذ العشيرة أن يجعلوا لهم خليفة، فيؤخذ بنزع ذلك.
ولا يجوز على اليتامى إقرار الخليفة وحده، ولكن تجوز عليهم شهادته، ويجوز لهم أيضًا شهادته، وإن لم تكن للمدَّعي بيّنة فلا يحلف الخليفة، ولكن يوقف ذلك إلى بلوغ اليتامى (1)، فإن أراد أن يحلفهم فله ذلك، وإن أراد أن يحلف بعضهم دون
بعض فله ذلك أيضًا، ولو أَنَّهُ لا يدرك عليه نزع ما نابه دون غيره من اليتامى.
1 قوله: «يوقف ذلك إلى بلوغ اليتامى» يبحث هل هذا على الإطلاق أم يقيد بما إذا كان هذا الإيقاف لا يفوت مصلحة أو يحدث مضرة. ثُمَّ ما معنى تحليف اليتامى؟ هل يحلفون على ما لم
يعلموا وهم صغار أم يخلف من كان مميزا منهم حال حدوث المضرة؟ ليحرر. والله أعلم.
- 490 - (1/490)
صفحة 481
وكذلك الشركاء كلّهم إذا كانت لرجل عندهم خصومة، فأراد أن يحلف بعضهم دون بعض فله ذلك.
وَأَمَّا من أحدث على رجل مضرة، فتبراً له من تسمية معلومة من ذلك، مثل الربع أو النصف، أو أقل أو أكثر، فَإنَّ تبرئة التسمية مثل تبرئة الكل ولا يدرك نزعها
بعد ذلك.
وأما إن قصد إلى بعض من ذلك دون بعض فتبرا منه، فإنه يدرك ما لم يتبرأ منه.
وكذلك الشركاء إذا تبرا من أحدهم مِمَّا ينوبه، فلا يدرك على الشركاء ما داموا لم يقتسموا؛ فإن اقتسموا فا الله أعلم.
وإن عمر رجل أرضه، فجعل فيها مضرة بعضها على بعض، فباع ذلك الذي جعل عليه المضَرَّة، فأمسك المَضَرَّة لنفسه فلا يدرك عليه المشتري نزع تلك المضرة. وكذلك إن باع ذلك الذي فيه المَضَرَّة لرجل وباع ذلك الذي كانت عليه المضرة لآخر، فلا يدرك من اشترى ما جعلت له المَضَرَّة نزعها على من اشتراها. وَأَما إن باع ذلك الذي فيه المَضَرَّة لغيره وأمسك غيره فلا يدرك على المشتري نزعها. وإن باع ذلك الذي فيه المَضَرَّة لرجل وباع الذي جعلت المضرة لآخر، واستثنى المَضَرَّة لنفسه، فمنهم من يقول: لا يجوز الاستثناء؛ ومنهم من يقول: جائز، وتكون المَضَرَّة له إن شاء نزعها، وإن شاء تركها. ولا يدرك عليه المشتري نزعها.
وكذلك من اشترى تلك المضَرَّة خاصة دون غيرها، ففيه قولان منهم من يقول: جائز؛ ومنهم من يقول: لا يجوز، ومن جوز له ذلك فيكون بمنزلة صاحبها الأول إن شاء نزعها، وإن شاء تركها، ولا يدرك عليه المشتري نزعها وما ذكرنا من استثناء المَضَرَّة وبيعها، فهو إذا لم يستثن العين أو لم يبعها؛ وأما إن استثنى العين التي كانت فيها المضرة أو باعها فذلك جائز.
- 491 - (1/491)
صفحة 482
مسألة أخرى
قلت: فرجل أحدث المضَرَّة في أرضه على رجل، فطلع من حدثت له المضرة إلى القاضي بدعوته ولم يحضر من أحدثها، وقد علم القاضي أنَّ تلك المضرة قد حدثت له بمشاهدته أو بالبَيِّنَةِ؟
قال: لا ينزع الحاكم تلك المَضَرَّة بنفسه، ولا يأمر من ينزعها حتى يحضر من أحدثها ويخاصم بحجته (1)، فإن أدرك عليه نزعها أخذه به؛ فإن لم يقدر من أحدثها على نزعها بنفسه أو بماله فإنَّ الحاكم ينزعها ويأمر من ينزعها إن شاء بالأجرة أو بغير الأجرة؛ فإن كان إنما نزعها بالأجرة كانت دينا على من أحدث المضرة فإن أراد الحاكم أن يعطيها من بيت المال فليفعل فإن أراد من أحدث له المضرة أن ينزعها بنفسه فلا ينزعها إلا بإذن الحاكم؛ فإن نزعها بإذن الحاكم فإنه يدرك عناء نزعها على من أحدثها.
وكذلك إن حكم الحاكم على رجل بنزع المضَرَّة، فغاب من حكم عليه، أو حكم بذلك على اليتيم بالخليفة، فزالت الخليفة و لم يجد الحاكم من يجبر على نزع ذلك، الجواب فيها مثل الجواب في التي قبلها.
الله
وَأَمَّا من أحدث المَضَرَّة في أرض رجل أو ما اتصل بها، فإنَّ صاحب الأرض في ذلك بالخيار، إن شاء أن ينزع تلك المَضَرَّة بنفسه فليفعل ولا يدرك عناءه في الحكم ولا فيما بينه وبين إذا نزعها على ذلك، وإن شاء أن يطلع في نزعها إلى الحاكم فعل، ويأخذ من أحدثها بنزعها. وإن لم يجد من أحدثها فليأمره الحاكم بنزعها ويدرك عناء نزعها على من أحدثها ويأمر الحاكم من ينزعها أيضًا، سواء في ذلك أحدثها بماله أو بمال صاحب الأرض أو بمال غيرهما، وليس على من نزعها مِمَّا أفسد في مال من
1 قوله: «ولا يأمر من ينزعها حتى يحضر من أحدثها ... » يبحث هذا القول كذلك فلا يمكن أن يبقى على إطلاقه، لأنه لو علم الخصم ذلك تمادى في غيابه.
492 - (1/492)
صفحة 483
أحدثها في وقت نزعها شيء. وأَما ما أفسد في حال نزعها من مال صاحب الأرض أو في مال غيره، فَإِنَّما يكون على من أحدث تلك المضرة.
وإن أحدث المَضَرَّة في أرضه على جاره بمال جاره ذلك أو بمال غيره من الناس، فَإِنَّهُ يؤخذ بنزع ذلك على كُلِّ حال، ولا يضمن ما أفسد من ذلك. وإن لم يجد من أحدث المَضَرَّة، وكان ذلك النقض لمن أحدثت له فأراد أن ينزعها بنفسه فله ذلك، وإن كان النقض لغيره فليؤخذ صاحب النقض بالنزع، ويدرك كل واحد منهما عناءه على من أحدث ذلك؛ ولا ينزع من حدثت له المضرة ذلك النقض إذا كان لغيره، إلا إن حكمه له الحاكم؛ ويدرك صاحب النقض على من أحدثه أن يرده إلى مكانه الأَوَّل.
وَأَمَّا من أحدثت المَضَرَّة فيما اشتركت فيه العامة أو في المسجد أو مال الأجر، فَكُلُّ من استمسك بذلك من الناس فليستردده الحاكم الجواب، ويأخذ من أحدثها بنزعها من ينسب إليه ذلك أو من لا ينسب إليه، وينزعه القاضي من غير دعوة، سواء أعلم من أحدث ذلك أو لم يعلمه وسواء في ذلك أحدثها من يؤخذ بفعله أو من لا يؤخذ به؛ وكذلك جماعة المسلمين.
ويجوز لجميع الناس نزعه إذا تَبَيَّنَ أَنَّهُ حدث وهو مضرة)، وليس عليهم شيء مِمَّا أفسدوا فيه في حال نزعه فيما لم يصلوا إلى نزعه إلا بفساده. وأَما ما ينزعونه بغير فساد، فأفسدوا فيه شيئًا فهم ظالمون ومنهم من يقول: إن لم يشتغلوا إلا بنزعه فليس عليهم مِمَّا أفسدوه فيه شيء، ولو أنهم يصلون إلى نزعه من غير فساد، وَلَكِنَّهُم لا يقصدون فساده.
وأَما إن نزعوا بعضا وبقي بعض، فقدم من أحدثه، فإنهم يأخذونه بنزع ما بقي منه، ويدركون عليه عناء ما نزعوا ويدركون عليه أيضًا نزع ذلك النقض الذي نزعه أوّل مرة إن كان في مكان يضر فيه.
1 قوله: ويجوز الجميع الناس نزعه ... » أقول: في هذا الكلام نظر، فلا يصلح أن تنزع بغير أمر الحاكم أو القاضي، وإلا أصبحت الأمور فوضى. ليحرر.
- 493 - (1/493)
صفحة 484
وأما ما حدث في مال اليتيم إذا لم تكن له خليفة، ولم تكن له عشيرة، أو كانت له عشيرة، ولم يشتغلوا به، فَإِنَّ القاضي يستمسك من أحدثه بنزعه. وكذلك الغائب إذا لم تكن له خليفة و لم تشتغل به عشيرته.
وكذلك المال الذي لا يعرف له صاحب مثل الصَّوَافي (1) وغيرها من المغصوبات أو مال غائب لم يعرف اسمه ولا قبيلته، فإنَّ الحاكم أو جماعة المسلمين يكون في هذه الوجوه كلها بمنزلة الخليفة.
وأما مضرة حدثت لهؤلاء فيما ينسب إلى العَامَّة فَإِنَّ القاضي أو الجماعة ينزعونها. وأما ما حدث من تلك المرة على رجل معلوم أو على قوم خواص فلا ينزعونها بأنفسهم، وَلَكِنَّهُم يطلعون في ذلك إلى القاضي؛ فَإنَّ لم يجدوه فجماعة المسلمين؛ فإن أتوا بالبيان أنَّ ذلك حدث عليهم، فليأمر القاضي أو الجماعة بنزع ذلك؛ فإن شاؤوا أمروا من حدث له ذلك بنزعه؛ وإن شاؤوا أمروا غيره أو ينزعونه بأنفسهم؛ وهذا فيما حدث في هذه المعاني ولم يحدثه أحد (2)؛ وأَما ما أحدث فيه أحد بوجه من الوجوه، فَإنَّهُ يؤخذ من أحدثه بنزعه، ويستمسك به أيضًا؛ ولا يشتغل به إذا تبرا من ذلك أو نسبه إلى ذلك الشَّيْء (3) أَنَّهُ إِنَّمَا أحدثه له، ولو تبين لهم إنَّمَا أحدث ذلك لهم، أو من ذلك الشيء، مثل من نزع منه غروسا فغرسها فيه، أو نزع منه النقض أو الخشب فبناها فيه، فإنَّهُ يؤخذ بنزع ذلك كله،
ويضمن
ما أفسد فيه.
1 قوله «الصوافي»، قال في اللسان: «الصوافي: الأملاك والأرض التي جلا عنها أهلها، أو ماتوا ولا وارث لهم، واحدتها صافية»، وقال قبل ذَلِكَ: «وَفي حديث عَلي والعباس رَضِيَ اللَّهُ عَنهُما: أَنَّهُمَا دخلا عَلَى عمر رَضِيَ الله عَنهُ وهما يختصمان في الصوافي التي أفاء الله عَلَى رسوله الله أموال بني النضير». ر: ابن منظور لسان العرب، مَادَّة «صفا».
-2
من
و لم يحدثه أحد» معناه: حدث من قبل الله، ولم يتسبب فيه أحد من الناس. -3 - قوله: «أو نسبه إلى ذلك الشيء» هذه العبارة يوضحها ما بعدها، والمعنى الإجمالي: هو أن من أحدث مضرة في أرض أو شبهها بما أخذه منها من غروس أو نقض أو خشب فإنه يؤخذ بنزعه،
لأنه تصرف في ملك غيره، ولو زعم أنه فعل ذلك لصالحه.
- 494 - (1/494)
صفحة 485
وَأَمَّا قوم أحدثوا المَضَرَّة في أرضهم على جارهم، فاستمسك بهم جارهم في نزع تلك المضَرَّة، فإنَّهم يؤخذون بنزع ذلك على قدر ما لكل واحد منهم من تلك الأرض.
وَأَما ما أحدثه قوم في أرض غيرهم، فإنَّهم يؤخذون بنزعه على قدر ما أحدث كل واحد منهم إن تبين ذلك، وإن لم يتبين فلينزعوه عَلَى الرؤوس أو مِمَّا اتَّفَقُوا عليه أن يكون من ذلك لِكُلِّ واحد منهم. وأما إن أحدث كل واحد منهم مَضَرَّة في أرض غيرهم، ولم يَتَبَيَّن ما أحدث كل واحد منهم من ذلك، فإن أقروا بما أحدثوا كلّهم أخذوا بنزعه؛ وإن أنكروا فعلى من أحدثت له المضرة البينة، وإن لم تكن له، فلا يؤخذ كل واحد منهم إلا بنزع ما أحدثه؛ وما تشاكل من ذلك فلا
يجبرون عليه.
وأما ما أحدثوه بالغصب، فغاب بعضهم، وحضر بعض، فإنَّ كل واحد منهم يؤخذ بنزعه. ولو غاب بعضهم فليؤخذ الحاضر.
مسألة
ومن اشترى أرضا وما اتَّصَلَ بها من الأشجار والحيطان وغيرها فأحدث له جاره مضرة فأخذه بنزعها، أو أحدثها هو على جاره، فأخذه بنزعها فنزعها، ثُمَّ خرج) في ذلك الذي اشترى عيب، فَإِنَّهُ يدرك ردَّه بالعيب، إلا إن كانت المضرة التي نزعها من ذلك الشيء الذي اشتراه عيبا (2).
1 خرج في هذا السياق معنى ظهر والعيب الرداءة أو النقيصة التي يخلو منها الخلق السليم أو الصنع
السليم. معجم لغة الفقهاء.
2 قوله: «إلا إن كانت المضرة التي نزعها ... عيبا ... » يؤول معنى العبارة إلى أن في نزع المضرة نزعا للعيب ففي ذلك صلاح للأرض المشتراة، فلا داعي لردّها بالعيب حيث لا عيب. والله أعلم.
32
32
- 495 - (1/495)
صفحة 486
وَأَما ما أحدثه فكان مضرة على جاره فأخذ بنزعه فلا يضره ردُّ ذلك الشيء بالعيب، إلا إن كانت فيه (1) مضرّة لذلك الشَّيْء فلا يصيب ردَّه. وأَما ما أحدث له
جاره، فلا يمنع له رده إذا لم يثبت له، فإن ثبت فلا يدرك ردَّه (2).
وأما إن حدثت له مضرة فاستمسك بمن أحدثها أو لم يستمسك به، فرأى عيبا في الذي اشترى، فَإِنَّهُ يردُّه. وإن استمسك بنزع المضرة بعدما رأى عيبا، إِنَّهُ يدرك نزع المَضَرَّة، ولا يدرك ردَّه بالعيب، ولا يستمسك بنزع المضرة، لأن استمساكه بنزع المَضَرَّة بعدما علم بالعيب رضا بالعيب.
وأما إذا رأى العيب فانتفى منه، فاستمسك بنزع مَضَرَّة كانت قبل أن ينتفي أو بعدما انتفى منه، فلا يدرك على من أحدث ذلك نزعه، ولا يكون ذلك رضا منه بالعيب، ويدرك ردَّه. وإن خاصم على ردّ ذلك الشيء بالعيب، ولم يدركه في الحكم، فاستمسك بنزع تلك المضَرَّة، فإنه يدرك نزعها في الحكم، ولا يستمسك به فيما بينه وبين
الله
وكذلك من اشترى لابنه الطفل أرضا وما اتصل بها فحدثت له المضرة أو أحدث هو لجاره مضرّة فرأى فيها عيبا، فالجواب فيها كالجواب فيما اشتراه لنفسه. وكذلك إذا بلغ ذلك الطفل فهو بمنزلة من اشترى لنفسه.
وكذلك خليفة اليتيم إن اشترى ليتيم أرضا وما اتصل بها فرأى فيها عيبا،
فالجواب فيها كالجواب في التي قبلها وكذلك إذا بلغ اليتيم لزمه ما لزم غيره. وأَما فعل الطفل في طفولته يتيما كان أو غيره فلا يلزمه ولا تثبت له المضرة أيضا.
1 قوله: «إلا إن كانت فيه مضرة» الضمير يعود على النزع، أي: إذا كان في نزع المضرة مضرة على جاره فلا يجد رده. 2 قوله: «وأما ما أحدث عليه حاره ... » معناه: إنَّ ما أحدثه الجار من المضرة لا يسقط حق حاره في رد
المبيع بالعيب ما لم يثبت ذلك الضرر المحدث فإذا ثبت سقط حقه و لم يدرك رده. والله أعلم.
- 496 - (1/496)
صفحة 487
وأما خليفة الغائب إن اشترى للغائب، فحدث له مضرة، فخرج العيب فيما اشتراه، فاستمسك بمن أحدث له المَضَرَّة، فلا يدرك نزع المضرة، إلا إن استخلف على ذلك.
وكذلك المضَرَّة إن حدثت في ذلك الذي اشترى على جاره، فلا يدرك نزعها على الذي اشترى للغائب، إلا إن استخلف على ذلك، ولا يضر الغائب إن استمسك الخليفة بنزع ما حدث على الذي اشتراه له من بعد ما علم الخليفة بالعيب. فإن قدم الغائب فهو على دعوته؛ فإن استمسك بنزع المضرة فهو رضا منه بالعيب؛ وإن انتفى من العيب فلا يدرك نزع المَضَرَّة. ويدرك نزع تلك المضرة من رجع إليه الشَّيء بالعيب.
وأَما من اشترى أرضا من رجل فحدثت له المضَرَّة، فمكث حتى ثبتت له، فخرج فيها عيب فإن أراد أن يردّها بذلك العيب، فَإنَّهُ إن كانت تلك المَضَرَّة عيبا لتلك الأرض، فلا يصيب ردّها؛ وإن لم يكن لها ذلك عيبًا، فإنه يدرك ردَّها، ولا يدرك البائع نزع المَضَرَّة التي ثبتت للمشتري. وأما ما لم يثبت للمشتري، فَإِنَّ البائع يدرك نزعه، وسواء أحدثت تلك المضرة عند البائع، فثبتت عنده، أو حدثت
عنده، فثبتت عند المشتري، أو حدثت عند المشتري فثبتت عنده، فلا البائع نزعها في هذه الوجوه كلها.
وَأَمَّا المشتري إن أحدث في تلك الأرض مضرة لها، فخرج فيها عيب فلا يصيب رده، وإن لم تثبت المضرة أو زالت أو لم ينزعها بعد ما علم بالعيب، فَإنَّه يدرك رده بالعيب؛ ومنهم من يقول: لا يدرك ردَّه؛ وأَما إن لم يعلم بالعيب إلا بعدما زالت تلك المَضَرَّة، فَإنَّهُ يدرك ردَّه على كُلِّ حال.
وأما من اشترى أرضا فحدث فيها مضرة فخرج فيها عيب، فاستمسك بردها للبائع فردَّها له فأخذه البائع بنزع تلك المضَرَّة، وقد علم بها قبل أن يرد تلك الأرض بالعيب فلا يدرك عليها نزعها إلا إن كانت عين المضرة لمن أحدثها، فليؤخذ بنزعها إذا لم يكن فيه فساد؛ وإن كان فيه الفساد فلا يؤخذ بنزعها، ولكن
يدرك قيمة ذلك النقص على صاحب الأرض.
- 497 - (1/497)
صفحة 488
مسألة
وَأَمَّا من اشترى أرضا وما اتصل بها، فحدثت له مضرة، فخرج في شرائه انفساخ، فلا يدرك نزعها، ويدركه صاحب الأرض؛ وأَما إن لم يعلم بالانفساخ فإنَّه يدرك نزعها. وإن نزعها وتبيَّن الانفساخ بعد ذلك فلا يدرك عليه شيئا. فإن كان ذلك مِمَّا يخرج من مال صاحب الأرض فليدرك عناء ذلك على صاحب الأرض؛ وإن كان مِمَّا يخرج من مال من أحدثه فلا يدرك من نزعها على صاحب
الأرض شيئا.
وَأَمَّا من اشترى أرضا فأحدث فيها المضرة على جاره، فأخذه جاره بنزعها فنزعها فتبيّن بعد ذلك أن شراءه انفسخ فلا يدرك عناءه على صاحب الأرض، إلا إن كان ذلك الذي نزعه قد كان في تلك الأرض قبل أن يشتريها وهو لصاحب الأرض فإنه يدرك عناءه على صاحب الأرض، ولا يدرك عليه صاحب الأرض فيما أفسد في أرضه شيئًا في وقت نزع المضرة.
وأما إن اشترى أرضا فحدثت له المضرة، فمكث مقدار ما تثبت له فيه فاستمسك المشتري بنزعها و لم يدركه فخرج شراؤه منفسخا فرجعت الأرض للبائع، فاستمسك البائع بنزع المضرة، فإنَّه إن كان ذلك إِنَّمَا عملا ذلك الانفساخ بالعمد منهما (1) فلا يدرك نزع المضرة؛ وكذلك إن كان ذلك الانفساخ من قبل فعلهما فلا يدرك نزعها إن مكنت مقدار ما تثبت فيه، لأنهما لا يعذران في كُلِّ ما عملا من الانفساخ مِمَّا يوصل إلى معرفته؛ وأَما ما لا يوصل إلى معرفته مِمَّا لم يكن من قبل فعلهما ولم يباشراه بأنفسهما، أو باشراه فخرج فيه انفساخ من حيث لم يعلما به فاشتراه فحدثت له المضرّة، فمكث مقدار ما تثبت فيه، فخرج في
شرائه انفساخ فرجعت الأرض إلى صاحبها، فإنَّه يدرك نزعها ولا تثبت له.
1 - قوله: «إن عملا ذلك «الانفساخ الضمير فيه يعود على البائع وعلى مالك الأرض المفهومين من السياق.
- 498 - (1/498)
صفحة 489
وكذلك إن غاب صاحب الأرض مقدار ما تثبت له المضرة فقدم، فرجعت له
بالانفساخ بعد ما رجع أو قبل قدومه فإنه يدرك نزعها، وكذلك من بعده من وارث فهو مثل ذلك أيضًا، ولو أَنَّ الذي حدثت له المضرّة باع تلك الأرض أو باع من أحدثها فلا يمنع نزعها لمن أعطى له. وأما إن أعطيت تلك المضرة لمن أحدثها أو اشتراها أو براه منها من حدثت عليه فلا يدرك عليه نزعها.
وَأَمَّا
من اشترى أرضا فحدثت له المضرّة، فأعطى تلك المضرة لمن أحدثها، أو باعها له، أو براه منها فخرج في شرائه، انفساخ فرجعت الأرض إلى صاحبها، فإنَّ البائع يدرك نزع تلك المضرّة، ولا يَضُرُّه ما فعل فيه المشتري من الهبة والبيع والتبرئة، وسواء في ذلك أتعمدوا الانفساخ أو لم يتعمدوه. وأما إن كان البائع هو الذي أعطى تلك المُضَرَّة لغيره أو باعها له أو براه منها فرجعت إليه أرضه بالانفساخ، فلا يدرك نزع تلك المضرة علم بالانفساخ أو لم يعلم به.
وأَما إن أحدث المشتري المضرّة على تلك الأرض، فخرج فيها الانفساخ، فرجعت الأرض إلى صاحبها الأَوَّل، فاستمسك بالمشتري بنزع المضَرَّة فإنه يدركه؛ وإن كان البائع هو الذي أحدث المضَرَّة في الأرض التي باعها على أرض أخرى كانت للمشتري، فاستمسك به المشتري فخرج في بيعها انفساخ، فإنه يدرك نزعها. وَأَمَّا إن كان إنَّما أحدثها البائع في أرضه التي باعها بيع الانفساخ فرجعت إليه فلا يدرك عليه المشتري نزعها.
وَأَمَّا من اشترى لليتيم أو لطفله أو لمجنون أو لغائب ـــ وهو عليهم خليفة ـــ أرضا، فحدثت المضَرَّة في تلك الأرض، فخرج شراؤها منفسخا، فالجواب فيها كالجواب في التي قبلها.
وكذلك إن اشترى واحد من هؤلاء أرضا فأحدث فيها المضرة لجاره؛ فإنَّ من أحدثها يؤخذ بنزعها؛ فإن مكنت مقدار ما تثبت فيه فلا يدرك نزعها. وكذلك إن خرج فيها الانفساخ بعد ما ثبتت تلك المضَرَّة فلا يدرك نزعها. وكذلك إن
- 499 - (1/499)
صفحة 490
أحدث المشتري في تلك الأرض مضرّة على جاره فمكنت مقدار ما تثبت فيه فخرج في شرائه الانفساخ فرجعت إلى صاحبها فلا يدرك على المشتري نزعها، إلا إن كان في ذلك مضرة لصاحب الأرض، فإنَّه يأخذ المشتري بنزعها إن شاء، ولو كان في ذلك فساد لمال المشتري، إلا إن كان إِنَّمَا فعل ذلك باتفاقه، أو كانوا لم يباشروا بيع تلك الأرض، أو كان ذلك الانفساخ بغير سبب فعلهم؛ وإن أفسد على ذلك الوجه في مال المشتري، فعلى البائع ما أفسد من ذلك ويعطي قيمة ذلك ويمسكه في مكانه.
قلت: فرجل اشترى أرضا فحدثت لها المضرة، فخرج في بعضها انفساخ، فاستمسك بمن أحدثها فإنَّه يدرك نزعها. وكذلك من رجع إليه ذلك البعض الذي انفسخ يدرك نزعها إن استمسك بها. وأما المشتري إن أحدث في تلك الأرض ما يكون مضرة على جاره فخرج في بعضها انفساخ فلا يدرك نزعها على أحد منهما دون الآخر إلا إن كان المشتري هو الذي أحدث ذلك في ماله، فإنه حينئذ يؤخذ بنزعها. وكذلك إن أحدثها من مال غيره وليس في شريكه فيه شيء فإنه يؤخذ بنزعه.
وَأَما إن أحدث المضرة لجاره فخرجت تلك الأرض أنها اشتراها شراء انفساخ مثل من اشترى غروسًا فغرسها في الموضع الذي تكون فيه مضرة لجاره، فاستمسك به جاره في نزعها فإنه يدرك عليه نزعها. وإن لم يحضر من أحدثها فإنه يدرك نزعها على صاحب الغروس الذي باعها؛ وإن حضروا جميعا فإنه لا يؤخذ بنزعها إلا من أحدثها دون صاحب الغروس؛ ومنهم من يقول: يدرك نزعها على من شاء منهما؛ ومن أخذ منهما فلا يرجع على صاحبه بالعناء؛ ومنهم من يقول: إن أخذ صاحب الغروس بنزعها فليرجع على من غرسها بعنائه.
وكذلك من اشترى أرضًا فحدثت فيها مضرة فخرج في بعضها انفساخ فإنَّ المشتري والذي رجع إليه البعض بالانفساخ يدركان نزعها؛ فإن خرجت تلك الأرض إنَّما هي انفساخ عند من أحدثها، فإنَّ كلَّ واحد منهما يدرك على من أحدثها، فإن لم يحضر فليدرك نزعها على صاحبها الذي باعها؛ ومنهم من يقول: يدركان أيهما شاءا، من أحدثها أو من باعها.
- 500 - (1/500)
صفحة 491
وكذلك من اشترى لمن ولي أمره من يتيم أو مجنون أو غائب أو طفل، أو من اشترى لوجه من وجوه الأجر، فأحدث المسَضَرَّة على جاره، فخرجت تلك المضَرَّة إنَّمَا اشتراها شراء انفساخ فإنه يدرك نزعها على من أحدثها؛ وإن لم يحضر فليدرك نزعها على الذي باعها أيضا، مثل اللاتي قبلها.
وَأَمَّا العبد المأذون له في التجارة إن أحدث مضرة لجاره بإذن سيده أو بغير إذن سيده، فإنَّ العبد يؤخذ بنزعها، ويدرك على سيده أيضا.
وَأَمَّا العبد إن اشترى أرضا شراء انفساخ فأحدث فيها المضرة على جاره، فإنَّ العبد يؤخذ بنزعها ويؤخذ بها سَيّده أيضًا. وإن خرج العبد إنما اشتراه سيده شراء انفساخ بعدما اشترى تلك الأرض التى أحدث فيها المضرة، فإنه إن أمره الذي اشتراه بذلك فليؤ خذا به جميعا؛ وإن لم يأمره فليؤخذ به العبد وسيده الأول إذا كان العبد مأذونا له في التجارة عند سَيِّده الأَوَّل؛ وإن كان غير ماذون له فليؤخذ العبد ولا يؤخذ سَيّده في كُلِّ ما أحدث من المضرة بغير التعدي؛ وَأَمَّا ما أحدث بالتعدي فإنَّه يؤخذ به العبد وسيده جميعا فيما دون رقبته.
ومن اشترى أرضا فحدث فيها المُضَرَّة، فاستمسك من أحدثها فاستحق نزعها، فخرج في بيعها انفساخ فلا يدرك نزعها بعد ذلك، وَإِنَّمَا يدرك نزعها من رجعت إليه تلك الأرض بالانفساخ، وأَما إن لم يتبيَّن لهم الانفساخ إلا بعدما نزعوا تلك المضَرَّة، فاستمسك بمن أخذه بالنزع بعناء نزعها فلا يدرك عليه شيئا.
ولو أنَّ الذي رجعت إليه بالانفساخ قد برا من أحدثها بعدما رجعت إليه أو أعطاها له وكذلك المَضَرَّة إن نزعها القاضي أو جماعة المسلمين أو من احتسب فيها بنزعها مثل المضرة إن حدثت لليتيم أو المجنون، حتى يبلغ الطفل أو يفيق المجنون أو يقدم الغائب، فيعطوا تلك المَضَرَّة لمن احدثها أو يبرئوه منها، فلا يدرك الذي أحدث المضَرَّة - فأُخِذ بنزعها - شيئا (1).
-
1
-
قوله فلا يدرك الذي أحدث المضرة - فأخذ بنزعها شيئا». معناه: فالذي أحدث المضرة وأُخِذ بنزعها لا يدرك شيئًا من عنائه في نزع المضرة.
- 501 -
1 (1/501)
صفحة 492
مسألة في الاستحقاق)
قلت: فرجل أحدث المضرة لجاره فمكث في ذلك مقدار ما تثبت له فيه فاستحقَّ ذَلِكَ الشَّيْء الذي ثبتت له المُضَرَّة، فاستمسك بنزع المضرة من استحق
ذلك الشيء أرضا كان أو غيرها، ولم يمكث بعدما استحقها مقدار ما تثبت فيه حضر لذلك أو غاب، طفلا كان أو بالغا استحقها بالتاريخ أو بغير التاريخ، سواء ذَلِكَ التاريخ قبل حدوث المضرة أو بعدها، فلا يدرك نزعها؛ ومنهم من يقول: إن استحق ذلك بالتاريخ قبل حدوث المضرة أو بعدما حدثت ولم تثبت أو مكنت تلك المضرة مقدار ما تثبت فيه وهو غائب أو مجنون أو يتيم، فإنَّ هؤلاء يدركون نزعها. وَأَمَّا من كانت الأرض أو ما اتَّصَلَ بها في يده ولم تعرف لغيره، فحدثت له المضَرَّة، فمكنت مقدار ما تثبت فيه، ثمَّ جاء صاحبها فتبين أنه إنما كانت في يد من كانت في يده بالأمانة أو الرهن أو الاستمساك أو الكراء، أو كانت في يده بالانفساخ، فاستمسك صاحبها بنزع المضَرَّة فإنَّه يدرك نزعها إذا كان غائبا أو يتيما أو مجنونا؛ وأما إن حضر فلا يدرك نزعها.
وَأَمَّا من أحدث المضَرَّة لرجل فاستمسك به عند القاضي، فأدرك عليه نزعها، فاستحقت تلك الأرض المضَرَّة فلا يدرك نزعها إلا على من استحقها، سواء ا استحقها بالتاريخ قبل أن يكون ذلك الشَّيْء مضَرَّة أو بعدما كان مضرة فإنه يدرك عليه نزعها وكذلك إن اشتراها بعدما أدرك نزعها على الأول، أو دخلت ملكه بمعنى من المعاني، فإنَّه يدرك نزعها على من دخلت ملكه.
وكل مضرة ثبتت لرجل أو تبرا منها لمن أحدثها، فجاء من استحق الأرض التي كانت فيها، فلا يدرك من ثبتت له أوّل مرة نزعها، إلا إن اشترطها لمن أحدثها خاصة دون غيره أو براها له.
1 - الاستحقاق في اصطلاح الفقهاء ظهور كون الشيء حقا واحبا أداؤه للغير. انظر: معجم
لغة الفقهاء صفحة 59.
- 502 - (1/502)
صفحة 493
وَأَمَّا من أحدث المسَضَرَّة لرجل حتى ثبتت له، فجاء من استحق بعض تلك الأرض التي ثبتت لها المسَضَرَّة بالتاريخ قبل أن تثبت فيها المضَرَّة فَإِنَّهُمَا لا تثبت لهما تلك المَضَرَّة، إلا إن استحق منها سهما معلوما بالحدود، فإنه يدرك ما نابه ولا يدرك صاحبه شيئا، وإن لم يؤرّخ فلا يدرك شَيْئًا قد ثبت له ذلك؛ وأما إن ثبتت له المُضَرَّة فبلغ ابنه الطفل فاستحق ذلك الذي ثبتت له المضرة فلا يدرك ابنه نزع تلك المضَرَّة؛ أما إن كان إنَّمَا استحق ذلك يتيم قد استخلف عليه الذي ثبتت له فبلغ اليتيم، فاستمسك بنزع تلك المضرة فإنَّه يدركها. وكذلك المجنون له، والغائب على هذا الحال.
وأما من حدثت له المضَرَّة، فاستمسك بنزع تلك المضرة، فتبين أن تلك المضرة لابنه الطفل، فهل ينزع ذلك بنفسه أم لا؟
قال: إن شاء نزعها بنفسه أو بمال ابنه ذلك. وأَمَّا إن تَبَيَّنَ أنَّ تلك المضرة ليتيم قد استخلف عليه أو لمجنون، فلا ينزع ذلك بنفسه، ولكن يأخذ العشيرة فيجعلون له خليفة، فيستمسك به بنزع تلك المَضَرَّة من مال اليتيم أو المجنون الذي استخلف عليه؛ فإن أمره القاضي أو جماعة المسلمين أن ينزع ذلك بنفسه، فإنَّه ينزعه؛ وإن نزعه على أن يدرك عناءه، فإنه يدرك عناءه من مال اليتيم أو المجنون. وأما إن تَبَيَّنَ أَنَّ تلك المَضَرَّة إِنَّمَا هي لغائب قد استخلف عليه، فلا يدرك على العشيرة أن يستخلفوا له، ولكن يجيء بحجته حتى يقدم الغائب فيكون على حجته.
مسألة
قلت: فمن رهن أرضا لرجل، فحدثت فيها مضرة، فمكثت مقدار ما تثبت فيه؟ قال: إن حضر الراهن (1) ذلك فلا يدرك نزعها، ولا يدركه المرتهن أيضا، ولو أنه غاب في تلك المدَّة. وأما إن حضر المرتهن وغاب الراهن فإنهما يدركان نزعها
1 - الرهن: توثيق دين بعين: أي حبس شيء مالي ضمانا لحقِّ الغير. والراهن: المدين الذي دفع الرهن. والمرتهن هو الدائن الذي يقبض الرهن من المدين.
- 503 - (1/503)
صفحة 494
كل واحد منهما. وكذلك إن غابا جميعا ومنهم من يقول: إن غاب المرتهن وحضر الراهن، فإنَّ المرتهن يدرك نزعها، ولا يدركه الراهن؛ وهذا إذا مكث مقدار
ما تثبت فيه.
وأَمَّا إن حدثت تلك المضَرَّة قبل الرهن، ثمَّ رهنه فلا يدرك المرتهن نزعها ويدركها الراهن ما لم تثبت له. وأَما إن حدثت لهما في حال الرهن، و لم تثبت إلا بعدما رجع ذلك إلى الراهن فإنه يدرك نزعها ما لم تثبت؛ فإذا تمت المدَّة فلا يدرك نزعها. وكذلك من اشترى تلك الأرض أو دخلت ملكه بمعنى من المعاني على هذا الحال.
وأما الراهن إن أحدث المضَرَّة في الرهن فإنَّ المرتهن يأخذه بنزع تلك المضرة. وكذلك المرتهن إن أحدث المضَرَّة في الرهن أو أحدثها فيه، فإنَّ الراهن يأخذه بنزعها. وكذلك من أحدث المضَرَّة في الرهن بإذن أحدهما، أو أحدثها فبراه منها أحدهما، فإن لم يأذن له لا يدرك نزعها، وأما إن أذنا له جميعا أو أبراه منها فلا يدركان نزعها، وينفسخ الرهن بإذن المرتهن ولا ينفسخ بإذن الراهن؛ ومنهم من يقول: إن كان نفعا للمرتهن أو للمأذون فقد انفسخ الرهن، وإن لم يكن لهما فيه نفع فلا ينفسخ.
وأما تبرئة المرتهن لمن أحدث تلك المُضَرَّة فلا ينفسخ به. ويدرك الراهن على المرتهن نزع ما أحدث في الرهن ولو لم يكن في ذلك الذي أحدث فيه مضرة. وكذلك المرتهن يدرك على الراهن نزع ما أحدث على الرهن ولو أنه لم تكن فيه مضرة، إلا إن كان إنَّما أحدث ذلك لصلاح الرهن فلا يدرك على كل واحد منهما نزعه على الآخر.
وَأَمَّا إن كان الرهن في يد المسلّط، فحدثت فيه المضرة أو حدثت فيه؛ فإنَّ المسلط يدرك نزعها. وأَمَّا المرتهن ففيه قولان وأَمَّا الراهن فإنه يدركها. وكذلك إن كانا مرتهنين أو مسلطين أو رهينين أو خليفتين فإنهما يدركانه جميعا. ويدركه كل واحد منهما، ولو أذن صاحبه لمن يحدث ذلك أو براه.
- 504 - (1/504)
صفحة 495
وَأَمَّا إن أحدث في ذلك الرهن ما تكون فيه مضرة على جاره فَإِنَّمَا يؤخذ بنزع
ذلك الراهن، ولا يؤخذ به، المرتهن ولا يذهب ذلك الفساد من مال المرتهن إن نزعه الراهن. وأما ما أحدث الراهن أو المرتهن من المضَرَّة في الرهن فَإِنَّمَا يؤخذ بنزع ذلك من أحدثه منهما، إلا إن كان الراهن إنَّما أحدث تلك المضرة بمال المرتهن، أو أحدثها المرتهن بمال الراهن، فإنَّ كلَّ واحد منهما يدرك عليه نزع ذلك.
مسألة أخرى في الوصية
وَأَما ما جعلت فيه الوصيَّة إن أحدثت فيه المضَرَّة على جاره فَإِنَّمَا يؤخذ بنزع ذلك الورثة دون خليفة الوصية، حضر الورثة أو غابوا، وسواء أكان ذلك الشيء في يد الخليفة أو لم يكن، وسواء أجعله الميت في يده أو الورثة، فإنما يخرج نزع تلك المضَرَّة من مال الميت كُله. وتخرج الوصية من ثلث ما بقي منه فيما يحدثونه بأنفسهم أو لم يكن لهم فيه سبب.
وَأَما ما أحدثوه بأنفسهم أو كان لهم فيه سبب فَإِنَّمَا يخرج ذلك من أموالهم، وتخرج الوصية من ثلث مال الميت كله. وأما ما أحدث عليه من المضرة فيما جعل الميت في يده، فإنَّ الخليفة والورثة يدرك كلُّ واحد منهم نزع ذلك. وكذلك ما أحدث عليه الورثة من المضرات يدرك عليهم الخليفة نزعها. وكذلك ما أحدث الخليفة يدركون عليه نزعه، سواء في ذلك ما حدث في حياة الميت ولم يثبت، أو ما حدث بعد موته، ولم يمكث مقدار ما تثبت فيه. وأَما ما حدث في حياة الميت فمكث مقدار ما تثبت فيه فلا يدركون نزعه. وكذلك ما حدث بعده إذا مكث مقدار ما تثبت فيه على هذا الحال. وأَما ما حدث بعد موت الميت أو قبله به بإذنه فلا يدركون نزعه، وذلك الإذن إذا أعطى لهم ذلك)، أو أوصى لهم بعد
1
قوله: وذلك الإذن إذا أعطى لهم ذلك مراده والله أعلم وذلك الإذن نافذ إذا أعطى لهم أي أقبضهم ما أذن إحداث المضرة فيه.
- 505 - (1/505)
صفحة 496
موته. وأما من أذن له و لم يعط له شيئًا، فمات ولم يعمل فيه شيئًا، فإنَّ الورثة
يمنعونه إن أرادوا؛ وكذلك هو لا يعمل فيه شيئًا إلا بإذن الورثة.
وَأَمَّا من أوصى بالأرض وما اتَّصَلَ بها لرجل غائباً أو حاضرًا فحدثت عليه المَضَرَّة فإنَّه يدرك نزعها إن كان حاضراً، ويدركه خليفته إن غاب؛ وأَما إن جعل ذلك الشيء الذي أوصى به المضَرَّة على غيره، فإنه إن حضر الموصى له يؤخذ بنزعه؛ وإن غاب فلينظروه؛ وإن قدم فدفع الوصية فلا يجد ذلك، ويؤخذ بنزعه؛ ومنهم من يقول: يجده ولا يدرك عليه شيئا.
مسألة أخرى
قلت: فرجل أصدق لامرأته أرضًا وما اتَّصَلَ بها فحدثت فيها المضَرَّة؟ قال: المرأة تدرك نزعها، مس الزوج أو لم يمس. وأما إن حدثت تلك المضرة قبل أن يصدق لها ذلك، ولم يمكث مقدار ما تثبت فيه ففي ذلك قولان: منهم من يقول: تدرك نزعها؛ ومنهم من يقول: لا تدركه. وأما ما أحدث بعدما أصدق لها ذلك، فإنها تدرك نزعه ما لم يثبت. وأما ما حدث من المضرة في الذي أصدق لها على جاره، فَإِنَّمَا يدرك ذلك على المرأة خاصة مَسَّ الزوج أو لم يَمُس؛ ومنهم من يقول: إن لم يَمُسَّ الزوج يدرك عليه النصف من ذلك، ويدرك النصف الآخر على المرأة. وكذلك إن طلقها قبل أن يمسها على قول من يقول: إنما يؤخذ بذلك كله المرأة إن طلقها قبل أن يمسها، فإنَّ الزوج يؤخذ بنزع نصف ذلك على كل حال.
وَأَمَّا إن فاداها، فإنَّ الزوج يؤخذ بنزع ذلك كله. وكذلك إن راجعها بذلك، فإن المرأة تؤخذ بنزع ذلك كله. ومن يؤخذ منهم بنزع تلك المضرة هو الذي يدرك نزع ما أحدث على ذلك من المضرة.
وَلَكِنَّ الشريك يدرك نزع ما أحدث على ما اشترك فيه مع غيره، ولا يدرك عليه
نزع ما حدث في الذي اشترك فيه مع غيره على جاره من المضرة.
- 506 - (1/506)
صفحة 497
وَأَمَّا إِن تَزَوَّجَها بصداق معلوم بغير شهود، فحدثت المضرة على ما أصدق لها، أو حدث فيه المضار على غيره، فَإِنَّمَا يؤخذ بذلك كله الزوج، ويدرك نزع ما
حدث له.
وكذلك إن تَزَوَّجَها بشاهد واحد على هذا الحال؛ ومنهم من يقول: تؤخذ المرأة بنزعه. وأَمَّا نزع ما حدث على ذلك، فإنها تدركه على كل حال بمنزلة من كان الشَّيْء في يده بالخلافة أو بالأمانة.
وَأَمَّا البالغ إِن تَزَوَّجَ طفلة، فأصدق لها أرضا وما اتصل بها، فحدثت عَلَيْهَا المضَرَّة، فإنما يدرك نزع ذلك والدها؛ وإن لم يكن فوليها؛ وإن لم يكن فخليفتها، وإن لم يكن فعشيرتها. وأما ما حدث في ذلك الشيء من المضرة على غيره، فإنما يؤخذ بنزعه والدها أيضًا، وإن لم يكن فخليفتها، وإن لم يكن فعشيرتها؛ وإن كان أبوها غائبا، فإنَّ العشيرة تؤخذ أن تستخلف لها خليفة لنزع ذلك، وتؤخذ أيضا أن تستخلف من ينزع ما حدث على ذلك الشيء من المضرة، سواء في ذلك الطفل، أو الطفلة جميعًا الجواب فيهما واحد؛ وسواء في ذلك إن تزوج الطفل الطفلة، أو البالغ الطفلة، أو الطفل البالغة؛ وإن لم تحضر العشيرة لهذا،
فإنَّ الإمام في مكانها، والحاكم في مكان الإمام والجماعة في مكان الحاكم. وَأَمَّا من أصدق أرضا أو ما اتَّصَلَ بها لامرأته، فحدثت فيها المضرة على غيرها، فأخذت بنزع ذلك، فانتفت منه وادَّعت أنها ردَّت ذلك إلى زوجها، فلا يشتغل بها إلا إن أتت بالبينة، أو أقر الزوج بذلك فليؤخذ بنزعها.
وإن ادَّعَى الزوج أنها فاداها فرجع إليه ذلك، وأنكرت المرأة قوله، فلا يشتغل به إلا بالبينة، أو بإقرار المرأة، وكذلك ماحدث على ذلك الشيء، فإنما يدرك نزعه المرأة أيضًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ أنَّه للزوج فيدركه. وكذلك أبو الطفل أو الطفلة يجوز إقراره عليهما فيما بينه وبين الزوج ما داما في الطفولية؛ فإن بلغا فلا يجوز عليهما إقراره.
- 507 - (1/507)
صفحة 498
وَأَمَّا المرأة إن أحدثت المضَرَّة على أرض، رجل، فأصدق لها ذلك الرجل تلك المضرة، فلا يدرك عليها نزعها سواء في ذلك أكانت المضرة فأصدقها لها، أو أصدقها لها قبل أن تكون على أن تحدثها، فلا يدرك نزعها إذا كانت. وإن لم تكن فلا يمنعها من إحداثها وكذلك البيع والهبة على هذا الحال.
مسألة في بيع المضرة
قلت: فرجل أحدث المضرة على أرض، رجل، فباع له صاحب الأرض تلك المضرة؟
قال: بيعه جائز، ويجوز لصاحب الأرض أخذ الثمن، ولا يدرك نزعها بعد ذلك؛ ومنهم من يقول: لا يجوز بيع المضَرَّة، وَإِنَّمَا يجوز في ذلك التبرئة. وأما إن كان في تلك المضرة عين معلومة مثل البناء والنقض والغروس، فالبيع في ذلك جائز، ويجوز فيه للبائع أخذ الثمن.
وأَما من أراد أن يحدث المضَرَّة على أرض، رجل، فباع له صاحب الأرض تلك المضرة على أن يحدثها ففيها قولان: منهم من يقول: ذلك جائز؛ ومنهم من يقول: لا يجوز، وإنَّمَا تجوز في ذلك الهبة والتبرئة. وأَما إن باع له تسمية معلومة من تلك المضَرَّة، كانت المُسَرَّة قبل ذلك أو لم تكن فإنَّه إن كانت المضرة قبل ذلك، فبيع التسمية منها جائز وتثبت المضَرَّة ومنهم من يقول: لا يجوز في ذلك البيع شيء، وَلَكِنَّ المَضَرَّة ثابتة، ويكون ذلك بمنزلة التبرئة؛ ومنهم من يقول: لا يجوز التسمية ولا تثبت المضرة أيضا. وأَمَّا إن باع له تسمية من المضرّة على أن يحدثها، فلا يجوز ذلك البيع، ولا يحدث شيئا؛ ومنهم من يقول: لا يجوز ذلك البيع ويجوز له أن يحدثها؛ ومنهم من يقول: يجوز بيع التسمية. من المضرة، ولا يجوز له أن يحدثها كلها إذا كانت لا تنفصل؛ وأما ما ينفصل فلا يحدث إلا تسمية من المضَرَّة
بيع
وَأَمَّا من أحدث المسَضَرَّة على، رجل، فباعها له من حدثت له بمضرة أراد أن
يحدثها له فجائز؛ ومنهم من يقول: لا يجوز.
- 508 - (1/508)
صفحة 499
وأَما إن تبايعا أرضا فيما بينهما أو تواهباها، أو اقتسماها، على ألا يأخذ كل واحد منهما صاحبه بنزعه مضرة كانت قبل ذلك، أو مضرّة تحدث، فلا يتأخذان بعد ذلك بنزعها؛ ولا يمنع كل واحد منهما صاحبه من حدوثها. وكذلك إن كل
تبايعاها لمن وليا أمره من أطفالهما أو يتامى قد استخلفا عليهما، أو المجانين من ما يكون فيه العوض؛ فإنَّ ذلك جائز، ولا يدرك نزع ذلك إن رجع الأمر إليهم، مثل إن بلغ الطفل أو أفاق المجنون فاستمسكوا بنزع ذلك فلا يشتغل بهم؛ وأَما ما لم يكن فيه العوض فهو جائز على طفله ولا يدرك نزعه إذا بلغ، ولا يجوز ذلك على اليتيم ولا على المجنون، ويدركون نزعه إذا بلغ اليتيم أو أفاق المجنون أو حدثت لأحدهما خليفة غير الأولى، فإنَّه يدرك ذلك.
وكذلك ما أحدث هو عَلَى يتيم قد استخلف عليه فيما فيه نفع فلا يثبت له، ويدركه إذا بلغ ويدركه خليفته أيضاً؛ وكذلك المجنون على هذا الحال. وأما ما أحدث لابنه الطفل مِمَّا تكون فيه المضَرَّة لابنه مِمَّا يكون للأب فيه نفع، فلا يدركه ابنه إذا بلغ، مكث مقدار ما يثبت فيه أو لم يمكث. وأما ما لم يكن فيه نفع للأب، وقد كان فيه نفع لغيره ولم يمكث مقدار ما تثبت فيه، فإن الابن يدرك نزع ذلك إذا بلغ، إلا إن أخرجه الأب من ملك الابن قبل بلوغه؛ ومنهم من يقول: كلُّ ما حدث بسبب ابنه، فلا يدرك نزعه على كُلِّ حال، مكث مقدار ما يثبت فيه أو لم يمكث، كان فيه نفع للأب أو لم يكن أخذ فيه عوضا أو لم يأخذ.
وَأَما ابنه البالغ إن أحدث له أبوه المضرة، فإنه يدرك عليه نزعها، ويدرك نزعها على من أذن له أبوه إلا إن مكث مقدار ما تثبت فيه، وسواء في ذلك الأب أو غيره، إلا إن نزعه منه بالحاجة. وأما الجد فلا يشتغل بنزعه من ابن ابنه إلا فيما أخذ له فيه العوض.
-
- 509 - (1/509)
صفحة 500
مسألة في إثبات المضرة
قلت: ومن غرس في أرضه ما يكون مضرة على جاره، كم يكون مقدار ما تثبت له فيه؟
(2)
قال: في ذلك أقاويل منهم من يقول: حَتَّى يستغل (1)؛ ومنهم من يقول: حتى يستغني؛ ومنهم من يقول حيثما نبت فهي ثابتة نبت ذلك من غرس أو نبت من غير غرس مثل النوى أو غيره من الحب؛ والمأخوذ به في هذا: حتى يستغل، وتلك الغلة حتى تلد، فحيثما ولدت فهي ثابتة، أدركت أو لم تدرك، قل ذلك أو كثر، فلا يشتغل بغلة غرس معها، سواء في هذا ااستغلها صاحبها أو غيره؛ ومنهم من يقول في هذا فيما ردَّ ثلاث سنين إلى فوق؛ ومنهم من يقول: سبع سنين؛ ومنهم من يقول: لا تثبت حَتَّى تمكث مقدار ما يحوزها فيه، ويستغل ولا يشتغل بغلة في أقل من هذه المدَّة؛ ومنهم من يقول: لا تثبت له المضرة أصلاً فحيثما استمسك به فإنَّه يدرك نزعها، إلا إن مات من حدثت له؛ ومنهم من يقول: من مات منهما فقد ثبتت.
وهذا إذا غرس ذلك أو نبت في أقل من خمسة أذرع، وأَما إن غرس أو نبت في أكثر من خمسة أذرع، فلا يشتغل به، ولو كانت فيه مضرة لجاره؛ وإن ترك خمسة أذرع الجاره، فغرس أو نبتت في خمسة أذرع فزادت في عينها وغلظت حتى لم يق إلا أقل من خمسة أذرع فلا يؤخذ بنزع ذلك. وكذلك إن غرس في أقل من خمسة أذرع، وثبتت على جاره حتى زادت على ما كانت عليه في عينها فلا يجد جاره نزعها. وأَما إن قامت تحتها غرسة بعدما زادت على ما كانت عليه في عينها فإنه يدرك عليه نزع ذلك. وكذلك التي غرس في أكثر من خمسة أذرع، فزادت في عينها
-
1 - قوله: «حتى يستغل» أي: لا تثبت مضرة الغروس حتى تعطي غلّة. 2 - وقوله: «حتى يستغني» أي: حَتى يستغني عن الرعاية مثل السقي.
- 510 - (1/510)
صفحة 501
333
من
حتى لم يبق إلا أقل من خمسة أذرع، فقامت تحتها ودية) فإنه يؤخذ بنزعها، وهذا الذي يدرك نزعه فيما قام من تحتها من الأرض؛ وأما ما قام من جذرها مثل الصنوان وغيره، فلا يؤخذ بنزعه؛ وأَما ما زاد من جرائدها حتى وصلت إلى أكثر خمسة أذرع فلا يؤخذ بنزع ذلك، إلا إن كان الذي زادت عليه مثل الطريق أو الساقية أو الممصل أو المجازات كلها فمنعت الجواز، فإنه يؤخذ بنزعه، إلا إن مكث مقدار ثلاث سنين؛ ومنهم من يقول: سبع سنين؛ ومنهم من يقول: عشرين سنة، فقد ثبتت له. وهذا إذا كانوا خواص، وَأَمَّا العَامَّة فلا يثبت لها ذلك. وهذا في النخل خاصة، وأما غيرها من الأشجار مثل التين والزيتون وغيره إن زادت غصونها على الذي ترك من خمسة أذرع، فإنَّه يؤخذ بنزع كُلّ ما جاز إليه من ذلك عَامَّةٌ كانوا أو خواص، إلا إن مكث ذلك مقدار ما تثبت فيه على الخواص من الناس. وأما العامة فلا تثبت لها.
وأَما ما غرس في أكثر من خمسة أذرع فوصلت عروقها إلى جاره، فإنَّ جاره يمنعه مما يجوز إليه من ذلك، ويترك هو أيضا من ناحيته خمسة أذرع، ويغرس في أكثر من ذلك إن أراد، وهذا إذا كان فيما بينهم التمانع أوّل مرة أو عمروا أرضهم بمرة واحدة، أو منهم من سبق صاحبه بالعمارة، وهؤلاء كلهم يمنعون ما جاز إليهم فيما دون خمسة أذرع، ولا تكون التباعة في ذلك لمن قطعه بنفسه إذا ترك إلى صاحبه من ناحيته خمسة أذرع؛ ومنهم من يقول: إن غرس أحدهما وجازت عروق غروسه إلى جاره حَتَّى عاشت تلك الغروس من تلك الأرض فلا يصيب نزعها، وهذا إذا مكث مقدار ما تثبت له فيه.
وهذه الخمسة الأذرع إنَّما يحسبها كلُّ واحد منهما من ناحيته خاصة. فإن كان بينهما حائط، وهو مشترك فيما بينهما فلا يحسبونه، ويترك كل واحد منهما
1 - ودية: بفتح الواو وكسر الدال وتشديد الياء، قال في القاموس: الوَدِيُّ «كفني: صغار الفسيل، الواحدة، كغنية». مَادَّة: «ودي».
- 511 - (1/511)
صفحة 502
خمسة أذرع من غير أن يحسب فيها سهمه من الحائط. وإن كان الحائط لأحدهما دون الآخر فليحسبه صاحبه إلى ناحيته وإن كان لغيرهما جميعا فليترك كل واحد منهما من أرضه خمسة أذرع من غير أن يحسبا حائط غيرهم. وكذلك في الجسر والساقية والممصل والطريق وما أشبه ذلك، فالجواب في ذلك كالجواب في الحائط. وأَما قوم اشتركوا في أرض فاقتسموها فوقع لبعضهم في سهمه مقدار ما لم تتم فيه خمسة أذرع أو ما تمَّت فيه خمسة أذرع، فأرادوا أن يعمروا أرضهم، فتمانعوا الحريم كلهم، فإنَّهم يتمانعون الحريم كلهم ولو لم يتم في سهم أحدهم خمسة أذرع إلا وقد زاد من سهم غيره ما يتمون به فلا بُدَّ من تمام الحريم وأَمَّا إن كانت عمارة ثابتة فيما بينهما، ولم يتم في تلك العمارة مقدار الحريم، فلا يجاوز تلك العمارات إلا ما وراءها ليتم منها حريم هذه العمارة إن كانت لصاحب الأرض أو لغيره من الناس من غير الذي ادَّعَى الحريم. وأما إن كانت تلك العمارة إنَّمَا كانت بنفع الذي ادعى الحريم، فإنه يدرك حريمه، ولكن يحسب تلك العمارة في ذلك الحريم؛ فإن بقي له شيء فليتمه من حد الذي يليه؛ ولكن إن جازت إليه المَضَرَّة من الجار الثاني، أو جازت مضرته هو إلى الجار الثاني، فإنهم يتداركون نزعه، وتثبت لهم، ولا تثبت على من يليه قبل أن تثبت على الثاني، وتثبت للثاني ولو لم تثبت للأوَّل، وتثبت لهما جميعا، وذلك إذا أحيا الأوَّل حجته قبل أن تصل تلك المضَرَّة إلى الثاني، أو كان الأول غائبا، أو حتى تثبت؛ فإن أقام الأول حجته، فأدرك نزعها فنزعها
حجته
كان الثاني لم يحي فقد زالت على الثاني.
فإن ورث من تثبت له المضَرَّة مَن لم تثبت له، أو باع له تلك الأرض، فإنَّه ينزعها مِمَّا ورث، ولا ينزعها من الموضع الذي تثبت له فيه؛ وكذلك إن ورث من لم تثبت له فإنه يدرك نزع التي لم تثبت ولا يدرك نزع ما ثبت
على الأرض التي ورث من موروثه، وكذلك في البيع والهبة على هذا الحال. وأما إن كان الجسر في ناحية أحدهما وهو له وقد تم في عرض الجسر مقدار الحريم أو أكثر منه فأراد أن يدني غروسه من الجسر، فقال له الآخر: اترك الحريم
- 512 - (1/512)
صفحة 503
فلا يدرك عليه ذلك إن تمَّ الحريم في الجسر. وكذلك في الممصل والساقية والطريق، وجميع الموانع التي تكون فيما بينهما مثل الجسر نسقا بنسق. وكذلك الجسر إذا كان فيما بينهما، ولم يدعه كل واحد منهما ولم يعرفاه لأحد، فلا يمنع كل واحد منهما من الغرس. وكذلك إن تبرا منه أحدهما، فلا يمنع صاحبه من الغرس، ادعاه صاحبه أو لم يدَّعه؛ وَأَمَّا إن ادَّعياه جميعا ونصيب كل واحد منهما في الجسر مقدار الحريم أو أكثر منه فإنهما يتمانعان من الغروس حتى ينزع الحريم) إلى الجسر فيقتسمانه، فإن اقتسماه فتمَّ في سهم كل واحد منهما مقدار الحريم، فلا يمنع كل
واحد منهما الآخر.
باب في الحريم أيضا
قلت: فما العمارة التي تحتاج إلى حريم خمسة أذرع أو ستة؟
قال: هي عمارة الأشجار كلها من النخل والتين والزيتون والرمان وجميع الأشجار، وأما غير ذلك من العمارات كلها فهو على وجوه: فمنها مالها حريم، وما ليس له حريم، وما لم نذكر قبل هذا فسنذكره إن شاء الله.
قلت: فرجل له شجرة في أرض غيره، فاستمسك بصاحب الأرض بحريمها؟ قال: يدرك عليه الحريم لشجرته، ولا يصيب صاحب الأرض أن يعمر في حريمها شيئًا، إلا إن كان يعمره قبل ذلك، فليعمره بتلك العمارة، ولا يحدث فيه غيرها؛ ومنهم من يقول: يعمرها بمثل ذلك أو أقل منه.
وكذلك صاحب الأرض إن استمسك بصاحب الأشجار أن يترك له حريمه ويغرس في أرضه فيما دون الحريم فله ذلك؛ وسواء في ذلك أكانت الشجرة كبيرة أو صغيرة، طالت غصونها، أو قصرت، جازت الحريم أو لم تجزه، فجائز له أن يغرس
1 - قوله: «حَتَّى ينزع الحريم معناه: حتى يترك مقدار الحريم.
- 513 - (1/513)
صفحة 504
ويعمر جميع العمارات إذا ترك الحريم، إلا ما يكون فيه تلف شجرة صاحبه، فلا يكون عليه بهذه العمارة إلا الحريم الذي جعل للشجرة. ولو أنَّ غصون الشجرة قد جازت الحريم فلا يشتغل بها، ولا يدرك صاحب الأرض نزع تلك الغصون، ويعمر تحت الغصون بالغرس والبناء وغيره مِمَّا لا يَضُرُّ بالغصون. ولا يكون غصون ما غرس مَضَرَّة إذا بلغت غصون الشجرة الأولى؛ ولا يمنع صاحب الأرض غصون الشجرة الأولى ما لم تجاوز حريمها، فإذا جاوزته فإنه يمنعها من الزيادة فيما زادت بعد منعه فإنه يدرك نزع ما زادت.
وأما الشجرة إذا كانت لرجل في أرض رجل آخر، فطالت غصونها حتى جاوزت تلك الأرض التي كانت فيها كلها، وبلغت أرض رجل آخر، وقد تم الحريم في أرض الأوَّل أو أكثر من الحريم فلصاحب الأرض التي بلغتها الغصون أن يمنعها من الزيادة إليه، ويدرك نزعها ما لم يمكث مقدار ما يثبت له فيه، وذلك المقدار ما دام من بلغته حَيَّا؛ ومنهم من يقول: ما دام صاحب الشجرة حيا؛ ومنهم من يقول: ما دام كلُّ واحد منهما حَيَّا؛ ومنهم من يقول: لا تثبت له ما لم يتبرأ منها من حدثت له.
وهذا كله
وكذلك من غرس شجرة في أرضه، فطالت غصونها حتى جاوزت أرضه، وبلغت أرض غيره، فإنه يمنعه من الزيادة، ويدرك عليه نزعها، نزع الحريم من أرضه أو لم ينزعه وثبت على صاحبه، فإنه يمنع ما يزيد إليه من الغصون، ويدرك نزعها. قي غير النخلة، وأما النخلة فلا يدرك نزع جرائدها إلا ما ذكرنا من المجازات كلها، مثل الطريق أو غيره إذا أضرَّ به ذلك، فحينئذ ينزعون تلك الجرائد؛ ومن العلماء من يقول: إنَّ حريم النخلة مقدار جرائدها، إن طالت جرائدها طال حريمها، وإن قصرت قصر.
قلت: أرأيت إن قصرت جرائدها بعد طولها أو طالت بعد قصرها؟
قال: إنَّما يرجع ذلك إلى جرائدها، إن طالت طال حريمها، وإن انتقصت انتقص؛ ومنهم من يقول: إذا حكم الحاكم بحريمها أو اتفقوا عليه، فلا يزداد ولا ينتقص.
- 514 - (1/514)
صفحة 505
قلت: إن كانت شجرتان أو ثلاث أو أكثر من ذلك في مكان واحد، فكم يكون لها من الحريم؟
قال: لا يكون لها إلا التي قابلت جارها، فإن قابلته كلها فلكل واحدة منها
حريمها على حدة، وهو خمسة أذرع أو ستة على قدر المأخوذ به عندهم. وَأَمَّا من غرس في أرض رجل حيث يجوز له أن يغرس، فاستمسك به صاحب الأرض في الحريم فأخرجه (1)، فكبرت بعد ذلك حتى لم يبق إلا أقل من خمسة أذرع، فاستمسك بصاحب الأرض أن يخرج له خمسة أذرع من بعد ما كبرت شجرته وازدادت فقال صاحب الأرض قد أخرجتها لك قبل هذا؟
قال: إنما ينظر في ذلك إلى الوقت الذي استمسك فيه كل واحد منهما بالحريم، فإن حكمه له الحاكم قبل ذلك أو اتَّفَقًا عليه، فلا يشتغل بدعوى صاحب الأرض أو بدعوى صاحب الشجرة، إن استمسك كل واحد منهما بالزيادة في الحريم أو النقصان منه.
وَأَما إن كانت الشجرة لرجل في أرض غيره فماتت، فاستمسك صاحبها بصاحب الأرض أن يخرج له حريمها، اشتغل كل واحد منهما بالعمارة أو لم يشتغل، فإنه يدرك عليه أن يخرج له حريمها، ويمنع صاحب الشجرة صاحب الأرض من أن يعمر حريمها، عاشت شجرته أو ماتت ويجوز لصاحب الأرض فيما بينه وبين الله أن يعمر حريم تلك الشجرة إن لم يمنعه صاحبها. وأما مكان الشجرة بعينه فلا يعمره، ويجوز لصاحب الشجرة أن يعمر مكانها بأي عمارة شاء بمثل عمارة الأولى أو أقل منها، إذا لم تكن فيها مَضَرَّة. فإن ادَّعَى صاحب الأرض أنَّ المضرة كانت في العمارة التي هي أقل من العمارة الأولى (2)، فليرجع ذلك إلى أهل
1
- 2
قوله: «فأخرجه» بمعنى: فأعطاه إياه.
قوله: «فإن ادعى صاحب الأرض أنَّ المَضَرَّة كانت في العمارة التي هي أقل من العمارة الأولى» يبدو لي أن فيها تقديما وتأخيرا، والأصل أن تكون هكذا فإن ادَّعَى صاحب الأرض أنَّ المضرة التي كانت في العمارة هي أقل من العمارة الأولى». والله أعلم.
- 515 - (1/515)
صفحة 506
النظر. وأما حريم الشجرة فإنهما يتمانعان عمارته جميعا: صاحبها وصاحب الأرض، إلا إن كانا يعمرانه قبل ذلك.
قلت: فمن له شجرة في أرض غيره، وتلك الشجرة جاءته من قبل صاحب الأرض، إما بالهبة أو بالشراء أو بغير ذلك، أو كانت له من قبل غيره بواحد من هذه الوجوه، أو كانت من قبل موروثه (1)؛ أو دخلت ملكه بمعنى من المعاني، فإنه يدرك حريمها، إلا إن تَبَيَّنَ أنَّها ليس لها. حريم. وكذلك إذا كانت له تلك الأرض مع الأشجار، فباع الأرض وأمسك الأشجار، أو باع الأشجار وأمسك الأرض، فالأشجار لها الحريم على كُلِّ حال إلا إن اشترطوا في حال خروج ملك الأرض أو الأشجار ألا يكون لها حريم فحينئذ لا يكون لها شيء؛ أو كانت العمارة في حريم الشجرة، إما بالغروس أو بالبنيان أو بالإثارة أو بالساقية أو بالممصل أو بالطريق، فلا يصيب صاحب الشجرة أن يمنع هذه العمارات كلها إذا ثبتت له، واختلفت تلك العمارات فيما بينها، فما كان منها مثل الطريق أو الساقية وعمارة الزرارع كلها فلا يصيب صاحب الشجرة أن يمنعها، ولكن يمنع من ذلك حريم شجرته، سواء أعمر حريمها كله أو بعضه، سواء أعمر ما يلي الشجرة أو ما قرب من أرض صاحبه؛ ويمنع صاحب الشجرة صاحب الأرض من غير تلك العمارة التي ثبتت لها. وأَما إن كانت تلك العمارة ممصلاً، وقد قطع الممصل الأرض حتى لا تصل عروق الشجرة إلى الناحية الأخرى من الممصل، فلا يمنع صاحب الشجرة صاحب الأرض من الغرس في أرضه في الجانب الآخر من الممصل، إلا إن اعتل له بالظل أو بالغصون أن تضره، فحينئذ يمنعه من الغرس، وهذا إذا كان الممصل أو الموضع الذي أراد أن يغرس فيه في حريم الشجرة.
وأما إن كانت تلك العمارة إنما هي حائط، وهو في حريم الشجرة، فإنَّ صاحب الشجرة يمنع صاحب الأرض من الغروس كلها، حتى يترك إليه مقدار
1 - في الأصل: «وارثه».
- 516 - (1/516)
صفحة 507
حريمه مِمَّا ردَّت الشجرة إلى تمام خمسة أذرع؛ ويدخل في ذلك الحائط والجسر.
والزرب مثل الطريق والساقية.
وَأَمَّا غير الغرس من جميع الزرارع والبقول، فلا يمنعه من ذلك كله. وكذلك المجازات كلها من وراء الحائط، فلا يمنعها له، إلا إن كانت فيها مضرة الشجرة.
وَأَمَّا البئر والجبُّ فهما مثل الممصل، والجواب فيهما واحد.
وَأَمَّا إن كانت العمارة شجرة كانت لصاحب الأرض في جنب الشجرة الأولى، فإنَّ صاحب الأرض يعمر ما دون شجرته بأي عمارة شاء، من الغرس أو غيره، إلا ما ظهرت فيه مضرة صاحب الشجرة؛ ويمنع صاحب الشجرة صاحب الأرض من نزع تلك العمارة كلها إذا كان لشجرته فيها منفعة، وكان في نزعها مضرتها أيضا فلا يصيب نزعها؛ ومنهم من يقول: ينزع ذلك كله إن أراد، إلا إن ظهرت في ذلك مضرتها، مثل قطع عروقها، أو كسر غصونها.
قلت: فرجل كانت له شجرة في أرض رجل مثل الزيتونة أو غيرها، فطالت غصونها حتى غطت أرض صاحبه كلها فاستمسك صاحب الأرض بنزع غصونها و لم يدركه، ثمَّ بعد ذلك انكسرت غصونها أو ماتت حتى رجعت إلى جذرها الأوَّل، فأراد أن يمنع ما يزداد إليه من الغصون؟
قال: لا يمنعه منه إلا ما جاوز الحريم، وأما ما لم يجاوز الحريم فلا يمنعه. وكذلك إن أخذت الشجرة تلك الأرض كلها، فأصابها ضر فماتت، فلا يدرك صاحب الأرض نزع ما تَيَبَّس من غصونها، وكذلك ما ينبت من الغصون في تلك الشجرة غير الغصون الأولى، فإنه يمنعه من زيادتها فيما جاوز الحريم، وما زاد بعد ذلك فإنه يدرك نزعه وكذلك إن اعوج غصن منها حتى بلغ الأرض، فنبت في الأرض، فإنَّه إن استغنى عن جذع الشجرة، فيكون له حريم غير حريم الشجرة؛ وإن لم يستغن عن الجذع، فلا يكون له حريم إلا حريم الجذع. وكذلك النخلة إن
- 517 - (1/517)
صفحة 508
اعوجت حتى وصلت إلى الأرض فإنها إن ثبتت في ذلك المكان يكون لها حريم
غير حريمها الأول، فإن لم تثبت في ذلك المكان، فليس لها إلا الحريم الأول). قلت: فما الذي ينظر إليه في حريم الشجرة، أإلى جذرها أم ما ظهر من عروقها؟ قال: لا ينظر في ذلك إلا إلى جذعها، ولا ينظر إلى غير ذلك، سواء في ذلك الأشجار كلها.
وأما الشجرة إذا كانت غصونها كلُّها، مفترقة، فدفنت حتى جاوز الدفن جذرها ووصل إلى غصونها، فإن كان ذلك الدفن مِمَّا يوصل إلى نزعه، فإنه ينزع ويجعل لها الحريم؛ وإن كان لا يوصل إليه فليجعل الحريم من الغصون؛ فإن زالت الغصون بعد ذلك فليرجعوا إلى حريم الجذع.
مسألة في حريم عروق الشجر
قلت: عروق الأشجار هل يكون لها غير حريم الأشجار؟
قال: لا، سواء في ذلك أظهرت على وجه الأرض أو لم تظهر، إلا ما يفسدها في ذاتها، فإنَّ لأصحاب العروق أن يمنعوا مِمَّا يفسدها من ذلك، وذلك إذا مكنت
مقدار ما يثبت فيه.
وَأَما إن قامت شجرة أخرى من تلك العروق، فإنَّ صاحب الأرض يدرك نزعها، ولو كانت العروق قد ثبتت له وأَما إن مكنت الشجرة حتى ثبتت له، فإنه يكون لها الحريم، غير حريم الشجرة التي لها تلك العروق، إذا استغنت أو أغلت (2)، سواء أأدركت غلتها أو لم تدرك؛ ومنهم من يقول: حتى تدرك.
1 - هذا الحكم - فيما يبدو ـ لا يؤخذ على إطلاقه، فليس معقول إذا مالت النخلة حتى وصلت الأرض ونبتت فيها أن يكون لها حريم وقد سقطت على أرض الجار. والله أعلم. 2 - أغلت الشجرة أو الأرض: أعطت غلتها.
- 518 - (1/518)
صفحة 509
وإن اختلف صاحب الأرض مع صاحب العروق التي قامت منها الشجرة، فقال صاحب الأرض: إن الشجرة قد حدثت ههنا ولم تمكث مقدار ما تثبت فيه علي، فأنكر الآخر دعوته، فعلى صاحب الأرض البيِّنة أنَّ تلك الشجرة حدثت له، فإن أتى بها فليؤخذ صاحب العروق بنزع الشجرة، إلا إن ادَّعَى إثباتها على صاحب الأرض؛ فإن ادَّعَى ذلك فعليه بالبينة، فإن أتى بها ثبتت شجرته على صاحب الأرض، سواء أأتت، البينة فشهدت بالإثبات هكذا، أو أتت بمعنى يوجب الإثبات مثل تبرئة صاحب الأرض من ذلك، أو شهدوا أنَّ صاحب الشجرة قد استغلها وما أشبه ذلك مِمَّا يثبتها؛ فإن لم تكن له بينة حلف صاحب الأرض وأخذ صاحب الشجرة بنزعها؛ وإن نكل عن اليمين ثبتت عليه) (1). وأَما إن ادَّعَى صاحب الأرض حدوث الشجرة، ولم تكن له بينة، فإنَّه يدرك اليمين على صاحب العروق؛ فإن حلف ثبتت له الشجرة؛ فإن نكل عن اليمين أخذ بنزعها؛ وإن أقر بمعنى من المعاني التي توجب إثباتها ثبتت عليه مثل إن أقرَّ أنَّه استغلها صاحبها أو أبرأها له قبل ذلك، أو أقرَّ صاحب الأرض أَنَّمَا كانت شجرةً أوَّل مرَّة لصاحبها على الشرط أَنَّ كُل ما نبت من عروقها لا يؤخذ بنزعه. الجواب في الحيطان والمجازات وجميع الدعاوى وحدوث المضرات وإثباتها على هذا الحال.
وأما من له شجرة في أرض غيره، وأراد صاحب الأرض أن يعمر أرضه، فمنعه صاحب الشجرة من قطع عروق، شجرته، فَكُلُّ ما رَدَّ له الحريم شجرته فإنه يمنعه من، عمارته، سواء أقطع العروق أو لم يقطعها، وما جاوز حريمها فإنه يعمره عمارة لا يَضُرُّ بها الشجرة بغير قطع العروق؛ ولصاحب الأرض أن يمنع العروق إن تجاوز الموضع الذي بلغته فيما جاوز الحريم. وإن جاوزت ذلك فليقطعها. وكذلك ورثته من بعده؛ ولا تكون عليه تباعة.
وبالجملة الجواب في العروق مثل الجواب في الفروع.
1 - إضافة غير موجودة في النسخة (م) ص
214
- 519 - (1/519)
صفحة 510
وَأَما إن غرس في أرضه شجرة، فجازت عروق تلك الشجرة إلى أرض جاره، وأراد جاره أن يعمر أرضه، فمنعه صاحب الشجرة من قطع العروق التي جازت إليه، فإنَّه يدرك عليه ألا يقطع ما رَدَّ له الحريم الذي تركه صاحب الأرض من أرضه، وما سوى ذلك فلا يمنعه من عمارته، سواء في ذلك أقطع العروق أو لم يقطعها. وكذلك الفروع إذا جاوز إليها الحريم فإنه يقطعها؛ ومنهم من يقول: إن تسابقت العمارة فلا يقطع الآخر منهم شيئًا من ذلك، ولا ينظر في هذا إلى صاحب الشجرة، ترك الحريم أو لم يتركه.
وإن ثبتت شجرته على جاره، فإنَّه يترك إليه الحريم على كل حال، إلا الوجه الذي ذكرناه أَوَّلاً، إذا كانت العمارة بينهما فيما رَدَّ الحريم، فلا يكون عليه الحريم فيما جاوز العمارة وهي على وجوه منها ما يقطع الحريم، ومنها ما لا يقطعه، فالذي يقطع الحريم مثل الأشجار (1) كلها والحيطان والمماصل والسواقي وما أشبه هذا؛ وأَما ما لا يقطع الحريم فهو مثل المجازات كلها من الطرق والعمارة بالنبات كله (2) وما أشبه ذلك. فإن أراد أن يعمر بغير تلك العمارة التي تكون أكثر مضرة من الأولى، فلا يجد ذلك حَتَّى يترك الحريم، وَلَكِنَّهُ يحسب ذلك الذي عمر في الحريم فيحسب من أصل الشجرة؛ ومنهم من يقول: إن ترك الحريم فَكُلُّ ما جاوز إليه فإنه يقطعه، سواء أسبقت تلك الشجرةُ العمارة أو سبقت العمارة، سواء في ذلك أيضا أثبتت تلك الشجرة أو لم تثبت.
1
أضاف الناسخ: قوله: "مثل الأشجار ... إلخ انظر هذا منه فإنَّه جعل الحيطان والسواقي تقطع الحريم، وقد تقدَّمَ له قبل هذا الباب ما هو صريح في أنهما لا يقطعان الحريم، فتنافى كلامه أولاً وآخرا، اللهم إلا أن يقال: ما تَقَدَّمَ فيما إذا كانت لربط شجرة في أرض غيره بوجه من وجوه الأملاك وما هَذَا بالنسبة إلى جاره. فتأمله فإنه فرض المسألة
فيما قلنا».
2 - أضاف الناسخ: «أي بالزرارع والبقول».
- 520 - (1/520)
صفحة 511
قلت: فالشجرة إذا كانت على شفا جرف (1)، هل يكون لها الحريم في أسفل الوادي، ويمنع من أراد أن يحفر في ذلك الجرف الغيران أو الغرس في أسفل الوادي في حريم الشجرة؟
قال: كلُّ ما تكون له المضرّة في ذلك فإنه يمنعه؛ وكذلك إن كانت الشجرة أسفل الوادي تحت الجرف، فإنَّه لا يمنع من أراد أن يحدث شيئًا على ذلك الجرف، ولو لم يكن فيها الحريم، إلا إن كانت المضَرَّة لتلك الشجرة فيما يحدث على ذلك الجرف في الحريم فليمنعه من ذلك.
وَأَمَّا من أراد أن يحفر البئر بقرب الشجرة، وترك لها حريمها فوق الأرض، وحفر من أسفلها حَتَّى جاوز الحريم، أو كان ذلك على وجه الأرض، فإنه يمنعه من ذلك ما دامت المضَرَّة تصل إلى الشجرة ما حفر أسفلها ولو بعد ذلك. وكذلك الجب والغار وغير ذلك.
وأما من ترك مجاز الطريق أو الساقية أو الممصل، فغرس شجرة، فقامت وغلضت حتى بلغت الطريق أو الساقية أو الممصل، فَكُلُّ ما وصل الطريق منها أو حريم الساقية أو الممصل فإنَّه يُنزع، وسواء في ذلك الشجرة كلها أو بعضها، وسواء في ذلك الأشجار التي لها الفروع أو غيرها مِمَّا ليس لها فرع مثل النخلة أو
الحائط أو غير ذلك مِمَّا يَضُرُّ مجاز العام والخاص، إلا إن ثبت ذلك على الخاص. وكذلك إن ترك حريم الشجرة، فغرس، دونه، فقامت ودخلت في الحريم كلها أو بعضها، فكل ما يمكن نزع البعض الذي دخل الحريم فإنه ينزعه؛ وإن لم يمكنه
الجرف بضم الجيم وسكون الراء أو ضمها، قال في لسان العرب: «الجرف والحرف مثل عُسر وعُسُر: ما تَجَرَّفَته السيول وأكلته من الأرض». وقال: «الجرف: ما أكل السيل في أسفل شق الوادي والنهر، والجمع أحراف وحُروف وحرفة». إلى أن قال: «وحرف الوادي ونحوه من أسناد المسايل [أي ما ارتفع من الأرض إذا نخج الماء في أصله فصار كالدخل [وهو النقب الضَّيِّق فمه ثُمَّ يتسع أسفله حتى يمشى فيه وأشرف أعلاه، فإذا انصدع أعلاه فهو هار». ر: ابن منظور لسان العرب مَادَّة «حرف»، «سند»، «دحل».
- 521 (1/521)
صفحة 512
نزع البعض إلا بنزع الكل فلينزعوه؛ وإن كان يمكنهم نزع البعض فنزعوه وزادوا
من
تلك الشجرة فهم ضامنون.
وَأَمَّا من له شجرة، فهل يجوز له أن يحدث في حريمها جميع ما يصلحها به من الحرث وغيرها مِمَّا يرفعها به من الأعواد والحيطان إن خاف وقوعها؟ فإن كانت بقعة الحريم له من أصلها فإنَّه يحدث فيها جميع ما يصلحها به، إلا أن يعمر في ذلك الموضع عمارة يكون لها الحريم، فإنَّ جاره يمنعه من ذلك حتى يترك حريم تلك العمارة. وأما إن كان حريم شجرته لغيره فلا يحدث فيه شيئًا ولو كان يصلحها به، إلا ما كان يفعله قبل ذلك فله أن يفعله. وأما إن كانت الشجرة في حد ما بينهما فإنهما يتآخذان على نزعها. وكذلك كلّ عمارة كانت في حد ما بينهما فليتآ خذا على نزعها ما لم تثبت؛ فإذا ثبتت كانت بينهما كما اشتركا في الأرض؛ ومنهم من يقول: تكون بينهما على رؤوسهما، فإذا ثبتت فيكون لها الحريم عليهما جميعا من كُلِّ ناحية، ويتمانعان فيما يحدث كل واحد منهما في حريمها مِمَّا يليه من أرضه. ومن أراد أن يعمر في أرضه مِمَّا يليه من حريم تلك الشجرة، فليترك إليها حريم تلك العمارة.
وكذلك إن اشتركا في أرض فيما بينهما، وبجانبهما أرض لأحدهما، فأراد أن يعمرها، فمنعه شريكه حتى يترك الحريم إلى أرضهما. وكذلك إن أرادا أن يعمرا الأرض التي اشتركا فيها، فمنع أحدهما صاحبه حَتَّى يترك الحريم إلى أرضه التي له دون شريکه، فلكل واحد منهما ذلك.
وأرض الأجر إذا أرادوا عمارتها، فإنهم يتركون الحريم إلى الأرض التي بجانبها. وكذلك صاحب الأرض التي بجانب أرض الأجر إذا أراد عمارتها، فإنه يترك الحريم إلى أرض الأجر؛ وإن لم يترك كلُّ واحد منهما الحريم إلى صاحبه، فإنهم يتداركون فيما بينهم نزع ما أحدث كل واحد منهما في حريم أرض صاحبه.
ومن أراد أن يعمر أرضه، وبجانبه أرض المقبرة، فإنَّه يترك حريم المقبرة من أرضه، وهو سبعة أذرع ويعمرها؛ ومنهم من يقول: إنَّما يترك حريم الأرض وهو خمسة أذرع؛ ومنهم من يقول: ثلاثة أذرع، ولا يدرك جار المقبرة من أرض المقبرة حريما.
- 522 - (1/522)
صفحة 513
وأما أرض المسجد أو أرض الأجر فإنَّه يترك إليه الحريم، ويكون له عليهما الحريم.
ومن له شجرة في أرض رجل فماتت فأراد أن يردَّ شجرة أخرى في مكانها، فله ذلك، ولورثته من بعده، ولمن اشتراها منه، ومن انتقلت إليه بمعنى من المعاني، أو جعلت لوجه وجوه الأجر، فالجواب في هذا كله سواء؛ ويرد كل واحد من هؤلاء في مكانها شجرة أخرى، سواء أوافقت تلك الشجرة التي ماتت أو خالفتها إذا كان الخلاف أقل مضرة من الأولى. وكذلك النبات جائز له أن يجعله في مكانها. وكذلك النبات إذا ثبت لرجل على رجل، آخر مثل الصنف المعلوم منه، ثم أراد أن يحدث فيه غيره، فإنَّه يحدث فيه ما كان مثله أو أقل منه مضرة.
ومن له شجرة في أرض رجل فماتت ثم أراد أن يرد في مكانها شجرتين،
والمكان يسع الشجرتين جميعًا، فإنَّ صاحب الأرض يمنعه من ذلك.
وأما من له شجرتان في أرض غيره في مكان واحد، فماتت الشجرتان، فإنَّه يردُّ وَأَمَّا في مكانهما شجرة، واحدة ويردُّ اثنتين، فإن ردَّ فيه واحدة فأخذت مكانهما جميعا، فأراد أن يرد الثانية فلا يجد ذلك؛ وإن لم تأخذ مكانهما جميعا فإنه يزيد الثانية ولا يجاوز مكانهما الأول.
ومن له شجرة في أرض رجل - وهي غليظة الجذر - فماتت، فرد صاحبها في مكانها شجرة أرق منها، فإنَّه يردُّها في أي ناحية شاء من مكانها، ما لم تخرج من مكانها الأول. وأما من أراد أن يرد في مكانها شجرة أغلظ منها فلا يجد ذلك، فإن استمسك صاحب الشجرة بصاحب الأرض بحريمها فإنه يدركه عليه.
قلت: فمن أين يحسب لها حريمها؟
قال: من الجذر، وأما إن ردَّ الرقيقة في مكان الغليظة، فَإِنَّمَا يحسب حريمها من جذر الشجرة التي ماتت؛ وأَما إن غلظت الأخيرة حتى جاوزت جذرها الأول، فَإِنَّمَا يحسب من جذر هذه الأخيرة إذا ثبتت وإن لم تثبت فإنه يأخذه صاحب الأرض بنزعها كلها إن شاء؛ وإن لم يعلموا أيهما أغلظ من الأخرى، فَإِنَّمَا
- 523 -
-- (1/523)
صفحة 514
يحسبون من جذر هذه الحاضرة، لأنَّ الحريم يزداد وينقص إذا لم يحكمه الحاكم، وَأَمَّا إذا حكمه الحاكم فلا يزداد ولا ينقص وكذلك إن تبراً بعضهم لبعض من حريم ما بينهما على مقدار الحريم أو أقل منه أو أكثر فلا يزداد ولا ينقص على ما
اتفقوا عليه.
أما تبرئة التسمية من الحريم مثل النصف والربع والسدس فلا يكون ذلك تبرئة من الكل. وكذلك تبرئة أحد الشركاء من نصيبه من الحريم، فلا يكون تبرئة للجميع. وكذلك أحد الشركاء إن براه جارهما من حريم ما بينهما دون شريكه على هذا الحال. وإن اقتسم الذي تبرا له مع شريكه ففي ذلك قولان: منهم من يقول: تنفعه تلك التبرئة ومنهم من يقول: لا تنفعه.
والمتعاقدان إن تبراً أحدهما لجارهما من حريم ما بينهما، أو براه جارهما، فجائز، وهما بمنزلة رجل واحد في هذا.
وَأَما إن برا أحد الشركاء ولم يسمه بعينه فليس في ذلك تبرئة، سواء أاقتسموا أو لم يقتسموا ومنهم من يقول: إنَّ تبرئة أحد الشركاء جائزة، أقصده من برأه أو لم يقصده، أاقتسموا أو لم يقتسموا وكذلك تبرئة التسمية من الحريم تبرئة الجميع على
هذا القول.
وإذا كان لرجل على رجل حريمات (1) مفترقة، فيراه من إحداها ولم يقصدها بعينها فلا تجوز تلك التبرئة.
قلت: فرجل له شجرة في أرض غيره، فأراد أن ينزعها ويرد في مكانها أخرى، فمنعه صاحب الأرض من ذلك؟ فلا يجد منعه، وينزعها ويردُّ في مكانها أخرى، إلا إن كان في ذلك مضرة لصاحب الأرض بوجه من الوجوه، مثل أن اتصلت بنخلة أخرى، أو كانت نخلة أخرى بالقرب منها فلا ينزعها إلا وقد ضرها أو كان في
- 524 -
جمع حريم.
1 (1/524)
صفحة 515
نزعها مضرة للحائط أو الساقية أو غير ذلك من النبات فحينئذ لا يجد نزعها ما دامت فيه مَضَرَّة، فإذا زالت فلينزعها إن شاء.
قلت: أرأيت رجلاً له شجرة في أرض غيره، فطلبه صاحب الأرض أن يبيع منه حريم تلك الشجرة، أو يعطي له فيها عوضا؟
قال: ذلك جائز؛ ومنهم من يقول: لا يجوز ذلك. وأما أن يعطي له فيه عوضا غير صاحب الأرض فلا يجوز ذلك.
وأما إن كانت شجرة في أرضه فأراد أن يبيع حريمها لغيره، أو يعطي له فيه عوضا فهو جائز وإن استأجر به أجيراً، أو أصدقه لامرأته، أو جعله لوجه من وجوه الأجر، والشجرةُ والأرضُ له فذلك جائز؛ وأَما إن كانت الشجرة له والأرض لغيره، فلا يجوز ذلك، إلا إن استأجره به، أو كانت الأرض لامرأته فأصدقها لها فذلك جائز؛ ومنهم من يقول: لا يجوز. ومن اشترى هذا الحريم أو أصدق له أو من أخذه في الإجارة حيث يحوز ذلك فلا تجوز له عمارته إلا إن اشترط ذلك على صاحب الأرض والشجرة.
وما من له شجرة في أرض غيره، وبجانبه، غراس، فاختلف صاحب الشجرة وصاحب الأرض في الحريم، فقال صاحب الأرض: إنما حكم لك بالحريم من أصل الشجرة الكبيرة، وقال صاحب الشجرة: إنما حكم لي بالحريم من أصل الغراس مع الشجرة الكبيرة، فعلى صاحب الأرض البيِّنة على ما ادَّعَى، فإن أتى بها حكم له بالحريم من حيث ما ذكر، وإن لم يأت بها حلف صاحب الشجرة، ويثبت له الحريم من حيث ادَّعَى.
ومن له أشجار في أرضه، فباع الأشجار أو وهبها أو تصدق بها أو أخرجها من ملکه بوجه من الوجوه فللذي انتقلت إليه الأشجار حريمها على حسب ما كانت عليه، إلا إن اشترط صاحب الأرض ألا يكون لها حريم. وكذلك إن أمسك الأشجار وأخرج الأرض من ملكه بوجه من الوجوه التي ذكرنا، فحريم الأشجار
- 525 - (1/525)
صفحة 516
على حاله ولصاحب الأرض أن يفعل في حريم الأشجار كل ما يفعله قبل ذلك أو دونه ولو أخرجها من ملكه وكذلك من انتقلت إليه الأرض جاز له أن يفعل في حريم تلك الأشجار كلَّ ما يفعله من كانت له الأرض أَوَّلاً.
منعه حتى
يعمر
و من باع لرجل أرضا فاشترط على المشتري أن يبني في تلك الأرض بيتا، أو يحدث فيها ساقية أو ممصلا، أو يغرس فيها أشجارًا، فأراد صاحب الأرض أن أرضه، فمنعه البائع من عمارة أرضه، حَتَّى يبين له ما اشترط عليه وحريمه فله حتى يبين له ذلك برأي أهل النظر؛ وإن مات المشتري قبل أن يبين له ذَلِكَ فورثته بمقامه. وإن باع البائع ذلك الذي اشترط فهو جائز؛ ومنهم من يقول: لا يجوز، وكذلك إن وهبه أو أخرجه من ملكه بوجه من الوجوه على هذا الحال؛ فإن جعل ذلك الشرط لوجه من وجوه الأجر فهو جائز؛ وإن أراد أن يحدث الذي اشترط للأجر فله ذلك.
وأما من جعل أرضه للمساكين أو للمسجد أو لوجه من وجوه الأجر، فاشترط فيها شيئا من الوجوه التي ذكرنا شبه الحائط والساقية والغرس، فليس له ذلك؛ ومنهم من يجوز له ذلك على ما اشترط. وكذلك إن جعل أرضا للمساكين، فاشترط أن يغرس فيها أشجارا للمسجد أو لغيره من وجوه الأجر فذلك جائز، ويكون لها الحريم.
وَأَما إن كانت له أشجار وأرض، فجعل الأرض لوجه من وجوه الأجر، فاشترط فيها الحريم فهو جائز. وكذلك إن جعل الأشجار للأجر، فاشترط ألا يكون لها حريم على هذا الحال.
ومن أذن لرجل أن يغرس في أرضه، أو يبني فيها، أو ليجري فيها ساقية، أو يحفر ممصلا إلى مُدَّة معلومة، فللمأذون له ذلك، وحريمه إلى تلك المدة.
وأما من له أرض وأشجار، فباع الأرض، فاشترط على المشتري ألا يكون لأشجاره حريم إلا في صنف معلوم من العمارة فهو جائز، وكذلك إن باع الأشجار واشترط البائع ألا يكون لها حريم إلا لصنف معلوم من العمارة على هذا الحال.
- 526 - (1/526)
صفحة 517
وكذلك إن باع الأرض لرجل وباع الأشجار لآخر، فاشترط ألا يكون لها حريم
إلا في صنف معلوم، أو ألا يكون لها حريم أصلاً فهو جائز.
وأما إن باع لرجل أشجارًا وأمسك الأرض، فاشترط ألا يكون لها حريم فهو جائز. وإن أعطى حريمها بعد ذلك فهو جائز. وكذلك إن باع الأرض ومسك الأشجار وحريمها، فبرأه بعد ذلك من حريمها فهو جائز.
وإن باع الأرض لرجل، واستثنى الأشجار وحريمها، ثم بعد ذلك باع الأشجار لآخر وأمسك حريمها، فهل له ذلك، أم لا؟
قال: إن جعل للحريم حدودا أوَّل مرَّة فهو جائز، وإن لم يُبَيِّن لها الحدود فلا يجوز. وإن باع لَهُ الأشجار واشترط ألا يكون لها الحريم، فلصاحب الأرض أن يعمر ما تحت الأشجار، إلا إن كانت فيه مضرة للأشجار فلا يجوز له ذلك، إلا إن اشترط أول مرة أن يفعله.
وإن أراد الأب أن ينزع حريم ما لابنه الطفل فيه حريم، أو الخليفة إن أراد أن ينزع ما لليتيم فيه حريم إن رأى ذلك أصلح لهم فذلك جائز؛ وكذلك رده بعد أن لم يكن أو بعدما نزعوه على هذا الحال.
ومن له أشجار في أرض غيره فأرهنهما (1) لرجل، فأراد الراهن أو المرتهن أن ينزع حريم تلك الأشجار فلا يجد ذلك؛ وإن اتفقا على نزعه فقد انفسخ الرهن،
وإن استمسك كل واحد منهما بصاحب الأرض أن يبين له الحريم فله ذلك. وَأَمَّا المقارض وصاحب المال فجائز لِكُلِّ واحد منهما نزعه وإثباته. وكذلك
السيد وعبده المأذون له في التجارة في إثبات الحريم ونزعه على هذا الحال. وأما إن كانت شجرة في أرض رجل ولها، حريم، فأراد صاحب الأرض أن يغرس في طرف الحريم، أو يحفر فيه ممصلا، أو يجري فيه ساقية، ولم يترك إلى ذلك
1 - فأرهنهما»: مرجع الضمير المثنى هو الأرض والأشجار وأرهن لغة في رَهَن". ر: ابن منظور لسان العرب، مَادَّة «رهن».
34
- 527 - (1/527)
صفحة 518
الحريم شيئًا، فمنعه صاحب الشجرة من ذلك، فله منعه حتى يدرك ما بين تلك العمارة والحريم ما لا تصل به مضرّة العمارة إلى ذلك الحريم، قل ذلك أو أكثر. وَأَما إن أراد أن يحدث في ذلك حائطا أو طريقاً، أو يزرع فيه الزرارع فلا يجد صاحب الشجرة منعه ذلك. من
ومن له شجرة في أرض غيره، فتمسك بصاحب الأرض أن يبين له حريم الشجرة، فبينه له، ثم من بعد ذلك ادَّعَى صاحب الأرض أنه غلط بالزيادة أو بالنقصان فإنَّهم يرجعون إلى عرف الحريم الأوَّل، وإن اختلفوا في الزيادة والنقصان، فوجدوا الزيادة من رقة جذع الشجرة بعد غلظتها، أو النقصان من غلظتها بعد رقتها، فلا يجاوز لو أمر ذلك ما حكمه الحاكم؛ وأَما إن لم يحكمه الحاكم فإنه يدرك عليه تمام الحريم إذا كان ناقصا بغلظة الشجرة، ولصاحب الأرض أن يرد ما زاد إليه من الحريم.
وكذلك الساقية والممصل إذا أخرجا لهما حريمهما، فانخرقا حتى انتقص
حريمهما، أو دفنا حَتَّى ازداد حريمهما، فالجواب فيها كالجواب في التي قبلها. ومن له شجرة في أرض غيره، فأخذه أن يبين له حريمها، فبينه له، ثم بعد ذلك ادَّعَى صاحب الأرض أنَّه غلط صاحب الشجرة بذراعين، أو ادَّعَى صاحب الشجرة أنَّ صاحب الأرض أنقصه من حريمه فإنهما يرجعان إلى العادة؛ فإن وجدا ما تتفاضل به الأذرع فلا يشتغل بذلك؛ وإن وجدوا ما لا تتفاضل به الأذرع تراددا في الزيادة والنقصان جميعا. وَإِنَّمَا يختبرون ذلك بأذرع أوسط الناس، وكذلك أذرع الحريمات كلها على
هذا الحال.
وإن أعطى حريم شجرته بذراع طويل، ثمَّ أراد أن ينقص له من ذلك إلى الأوسط، أو أخذ صاحب الشجرة بذراع قصير، ثمَّ طلب الزيادة، فكل ما فعلوه من ذلك باتفاقهما فلا يجدان غيره؛ وكذلك كلّ ما حكمه الحاكم لهما على هذا
- 528 - (1/528)
صفحة 519
الحال. وإن لم يتفقا أو لم يحكمه الحاكم، فكل من أراد منهما بطلان التفاضل،
فالقول قوله.
وإن كان بينهما حاجز يمنع الحريم، ثمّ زال الحاجز، فهل يتداركان الحريم فيما بينهما؟ فكلُّ ما كان من الأشجار قبل زوال، الحاجز، فلا يكون له حريم، وكل ما حدث بعد زوال الحاجز فله الحريم، وذلك مثل ممصل أو ساقية إذا كانا يمنعان العروق من جواز بعضهما إلى بعض فدفنا، فَكُلُّ ما كان من العمارة قبل دفنهما فلا حريم لها، وما كان بعد دفنهما فلها الحريم وكذلك الصفا) والحائط
على هذا الحال.
ومن
له أرض بجانب أرض رجل فأراد أن يعمر أرضه، فمنعه جاره حتى يترك إليه حريم العمارة التي أرادها، والذي منعه لا ينتفع بأرضه أصلاً فلا يدرك عليه الحريم.
وَأَما إن اشترك رجلان أرضا، وفيها عين أو بئر أو ماجل أو غار فاقتسماها، وجعلا الماجل أو الغار أو العين أو البئر حدَّ ما بينهما، فإنه يدرك كل واحد منهما على صاحبه حريم تلك البئر أو العين أو الماجل أو الغار؛ فإن دفنت البئر أو غارت العين أو انهار الغار أو انهدم الماجل، فأراد أحدهما أن يعمر في حريم ذلك مِمَّا يليه في أرضه، فمنعه، صاحبه، فإن كان ذلك مِمَّا يرجى جبره وكونه على حاله الأول فله ذلك، وإن كان لا يرجى رجوعه فلا يمنعه إلا من حريم العمارة. وإن كانت تلك المعاني لغيرهما والأرض لهما فلا يحدثان في حريمهما الأول شيئا، ولو أنه لا يرجى جبره؛ ومنهم من يقول: يجوز لهما أن يعمرا أرضهما كلها، ويتركا حريم تلك العمارة إلى بقعة البئر أو العين أو الغار أو الجب.
1 - الصفاة (ج): صفا وصفوات، وجمع الجمع: أصفاء وصفي وصفي والصفوانة جمعها: صفوان وصفوان والصفواء: الحجر الصلد الضخم. وعلى ضوء هذا فللصفا حريمها إذا كانت حدًّا لعمارة، أو حاجزًا بين عمارتين وما أشبه ذلك. والله أعلم بمراد المؤلف.
- 529 - (1/529)
صفحة 520
وأما إن كانت أرض بين قوم فاقتسموها، وجعلوا الحدود بينهم، فعمروا أرضهم، ثمَّ خرج فيها عين أو بئر أو غار فيما بينهما وهي أولية (1)؛ فإن كانوا خواص فقد ثبتت عليهم تلك العمارة إذا مكنت مقدار ما تثبت فيه؛ وأَما إن لم تمكث فيه مقدار ما تثبت فيه فإنَّهم يتداركون حريم ما خرج بينهم من المعاني؛ وَأَما إن كانوا عامة فلا تثبت عليهم تلك العمارة أصلا. وأما إن كانت العمارة للعامة، والبئر والعين للخاص، فإنها تثبت عليهم.
هذه
وإن كانت أرض بين قوم فاقتسموا ونصبوا الحدود، وعمروا ومكثوا مقدار ما تثبت فيه العمارة، فخرجت فيما بينهم عين أولية، ولا يمكن مكثها إلا بزوال العمارة فأيهما أولى بالنزع؟
قال: إنَّما تنزع العمارة، سواء في ذلك أكانت العمارة والعين للخاص، أو العمارة للخاصَّةِ، والعين لِلعَامَّةِ، أو كانتا جميعا للعامة أو للخاص، فالعمارة أولى بالزوال في هذا كله إذا لم يعلموا بالعين في حين العمارة؛ وأما إذا علموا بالعين فعمروا، فقد ثبتت العمارة عليها إذا كانت للخاصة؛ وَأَمَّا إذا كانت للعامة فلا تثبت عليها علموا أو لم يعلموا وسواء في هذه الوجوه التي ذكرنا أكانت العمارة لأصحاب العين أو لغيرهم، وسواء في هذه العمارة الأشجار والحيطان والمساقي والمجازات.
وَأَمَّا إن كانت أرض لقوم فجعلوها للمسجد أو للمقبرة، فبنوا المسجد ودفنوا في المقبرة، فخرجت في تلك الأرض عين أولية، ولا تصلح العين إلا بزوال المسجد أو المقبرة، فإنَّه لا ينعدم المسجد ولا تزول المقبرة. وإن انهدم المسجد أو زالت المقبرة بما جاء من قبل الله حتى استأصلها، فللقوم أن يجبروا عينهم إن شاؤوا ولا تبطلان
1 - تَقَدَّمَت هذه اللفظة، والمفهوم منها أنها طبيعية من صنع الله لا من صنع البشر. والله أعلم. وَلَعَلَّ الذي يُوَكَّدُ هَذَا المَعْنَى العبارة التالية: «وَأَما إن كانت تلك العين محدثة، وليست بقديمة، فإنهم يمنعونها ... ».
- 530 - (1/530)
صفحة 521
ويكون لهما الحريم. وَكَذَلِكَ إن خرجت في تلك الأرض عين أَولية قبل أن يبنوا فيها مسجدا، أو يدفنوا فيها أمواتا، فإنَّهم ينتفعون بعينهم كيفما أرادوا. وأما إن كانت تلك العين محدثة وليست بقديمة، فإنَّهم يمنعونها، فَكُلُّ عين لم تثبت عليها المضرة فيكون لها الحريم. وكذلك البئر والماجل والغار على هذا الحال.
ذلك،
ومن كانت له شجرة في أرض رجل وبيَّن له حريمها، فأراد صاحب الأرض أن ينتفع بذلك الحريم بغير العمارة، مثل أن يبني فيه خصا، أو يضع فيه خشبًا أو سمادًا أو ترابًا أو غير ذلك، فمنعه صاحب الشجرة من ذلك فله منعه من جميع ما يثبت عليه، ولو لم تكن له فيه مضرة الشجرة، ويمنعه وينهاه أيضًا مِما يَضُرُّ بموضع الشجرة. وأما ما لا يثبت عليه ولا يَضُرُّ به الشجرة، فلا يمنعه من وإن فعل شيئا من هذا فأخذه صاحب الشجرة بنزعه في ذلك الوقت فإنه يدركه عليه. وكذلك ما فعل عبيده أو أطفاله أو من أمره على هذا الحال. وكذلك صاحب الشجرة إن أَرادَ أن ينتفع بهذا الحريم، فمنعه صاحب الأرض من ذلك فله منعه، إلا ما استوى فيه الناس. وإن أراد صاحب الأرض أن يضع في حريم تلك الشجرة ما يصلح للشجرة،
فمنعه صاحبه؟
قال: ما يصلح للشجرة، ولا يجري عليه سلطان صاحب الأرض، ولا ينتفع به، فلا يمنعه صاحب الشجرة منه، ويمنع صاحب الأرض وصاحب الشجرة من سواهما من الناس أن يحدث في ذلك شيئًا. وإن إذن أحدهما لمن يحدث في ذلك شيئًا، فإنَّ الآخر يمنعه. وإن أحدث المأذون له شيئًا، فَإنَّمَا يؤخذ بنزع ذلك من أحدثه.
ومن له شجرة في أرض، رجل، فأحدث في حريمها كلَّ ما يبطله مثل العين أو ما أشبهها، أو باعه لمن لا يقدر أن يأخذ منه حقه فاستمسك به في عوض ما أبطل له، فلا يدرك عليه عوض ذلك، ولا يجبره الحاكم أن يخرجه له في شيء لا يصل إليه بمعنى من المعاني، ولكن ليس لصاحب الأرض فيما بينه وبين الله أن يفعل ما يبطل
- 531 - (1/531)
صفحة 522
حريم شجرة صاحبه. وإن حدث على ذلك الحريم ما يبطله بما جاء من قبل الله، مثل شجرة نبتت فيه أو جدار وقع فيه أو اجتمع إليه الرمل، فاستمسك به صاحب الشجرة بنزع ذلك فإنَّه لا يدركه؛ ومنهم من يقول: يدركه عليه إلا ما لا يقدر عليه بمعنى من المعاني. و من له شجرة في أرض غيره، فاستمسك بحريمها، فأخرجه له صاحب الأرض، فأتى رجل آخر فعمر ذلك الحريم حَتَّى ثبت له بالقعود أو بالحيازة فقد ثبت للقاعد فيه، وهذا إن لم يغير عليه صاحب الشجرة، أو صاحب الأرض، وكل من منعه منهما، فلا تثبت له. وإن كان أحدهما طفلا أو مجنوناً أو غائبا، فلا يثبت عليه شيء. وإن منعه صاحب الشجرة، ولم يمنعه صاحب الأرض، فإنه يثبت على صاحب الأرض، ولا يمنع صاحب الشجرة منافع شجرته؛ وإن منعه صاحب الأرض ولم يمنعه صاحب الشجرة فلا يثبت له شيء على كُلِّ حال.
ومن له شجرة في أرض غيره، فأخرج له صاحب الأرض حريمها، ثم باعه أو وهبه أو أعطاه للمساكين، فلا يجوز له ما فعل من ذلك كله؛ ومنهم من يقول: إنَّ ذلك كله جائز، ولكن لا يُنتَقَص لصاحب الشجرة من منافعه شيء.
ومن له شجرة في أرض غيره، لها حريم أو ليس لها حريم، فأراد صاحبها: عها، وفيها نفع لصاحب الأرض، فمنعه من نزعها فله ذلك. وإن زالت تلك الشجرة بما جاء من قبل الله، فقال له صاحب الأرض: اغرس في مكانها شجرة أخرى، فلا يدرك عليه ذلك؛ ومنهم من يقول: يدركه عليه إذا كان زوال الشجرة مضرة لصاحب الأرض.
ومن له شجرة في أرض غيره، فبرأه صاحب الشجرة من حريمها، فتبرئته جائزة؛ وإن براه منه على أنَّ له تلك الشجرة، فإذا هي لغيره، فلا تجوز تبرئته؛ وإن كانت لطفله فتبرئته جائزة؛ وإن كانت لمن ولي أمره، من غائب أو يتيم أو مجنون، فلا تجوز تبرئته. وإن براه من حريم تلك الشجرة على أنها له بالميراث، فإذا
- 532 - (1/532)
صفحة 523
هي
لم يرثها إلا بعدما براه منه فلا يجوز؛ وإن براه منه على أنَّ تلك الشجرة ليست له، فإذا هي له فتبرئته جائزة. وإن براً صاحب الشجرة صاحب الأرض من حريم شجرته على أنَّ الأرض له فإذا هي لغيره، أو له فيها شريك، فلا تجوز تبرئته؛ ومنهم من يقول: إن خرج له فيها شريك تجوز تبرئة سهمه.
وإن براه من حريم شجرته، فاستحقت تلك الشجرة بعد ما براه، فعلى قول من يقول: الاستحقاق من أوَّل، فتبرئته لا تجوز. وأما من يجعله من حين استحقت فتبرئته تامة.
ومن اشترى شجرة في أرض غيره فبرا صاحب الأرض من حريمها، فخرج في شرائه انفساخ فلا تجوز تبرئته. وكذلك إن باع صاحب الأرض أرضه، فيرا صاحب الشجرة المشتري من حريمها، فخرج في شرائه انفساخ، فلا تجوز تبرئته أيضا.
مسألة في حريم الطرق
وحريم الطرق هو الطريق نفسه لا غير، على اختلاف صفاته. فأولها: طريق الرجالة)، وحريمه ثلاثة أذرع، ثم يليه طريق السقاية)، وهو خمسة أذرع. ثمَّ الحطابة (3)، خمسة مثلها؛ ومنهم من يقول للسقاية والحطابة ستة أذرع؛ ومنهم من يقول: الحطابة ستة أذرع والسقاية خمسة أذرع. وطريق محامل الحمير والزنابل والغرائر والراويات سواء، وهو سبعة أذرع، وكذلك تلاليس الحمير
-
6
الرحالة: المشاة على الأرجل. قال في لسان العرب نقلاً عن التهذيب: «رحال أي: رحالة وقوم رحلة أي رحالة، وفي حديث صلاة الخوف: «فإن كان خوف هو أشد من ذلك صلوا رجالاً وركبانا» الرجال جمع راحل، أي ماشي، والراحل: خلاف الفارس».
انتهى.
2 - السقاية: عامية، وهو جمع للساقي.
- 3
الحطابة: عامية: وَهُوَ جمع
حطاب
- 533 - (1/533)
صفحة 524
والبغال وأحمال الحطب وشباك الحمير أيضًا على هذا الحال وكذلك طريق الحمير كلها على اختلاف ما يحمل عليهم: سبعة أذرع. وكذلك البغال والخيل والبقر مثل الحمير. وطريق الجمال كلها على اختلاف ما يحمل عليها: اثنا عشر ذراعا، ما خلا طريق الجوائز (1) والمحامل (2)، فلها أربعة وعشرون ذراعاً، وأَما طريق المواشي كلها فهو أربعون ذراعا إلى الماء وإلى المرعى. وكذلك طريق قوافل الحجاج أربعون
ذراعا والطريق الذي تختلط فيه هذه الأصناف فإنهم يأخذون بالأكثر منها. والطريق كلها إنَّما ينظر فيها إلى جواز ما جعلت له. وهذا كله إذا أرادوا أن يحدثوها أو أرادوا أن يحكموها على من أو جبوها عليه لغيره. وأما ما أدركوه من الطرق فإنهم يتركونها على ما كانت عليه ولا يزيدون فيها، ولا ينقصون. وكذلك ما حدث من الطرق حتى ثبت فهو على ما ثبت عليه.
وأما من أراد أن يحدث لنفسه طريقا أو لغيره، ولم يكن له عليه قبل ذلك، فإنه يحدثه كما شاء على قدر ما جعل له من ذلك، يثبت عليه، لا يزيد ولا ينقص إلا باتفاقه.
مسألة في حريم الساقية
وحريم الساقية غير الساقية، وهو ثلاثة أذرع من كُلِّ جانب؛ ومنهم من يقول: مقدار ما يوضع فيها من تراب، لكنسها ومحاز من يمر عليها وهذا في ما دون ثلاثة أذرع، وأما أكثر من ثلاثة أذرع فلا يصيبه؛ ومنهم من يقول: يجد مقدار موضع كنسها، ولو أكثر من ثلاثة أذرع؛ ومنهم من يقول: إنَّ حريمها جميعا ما يحتاج إليه لجميع منافعها من كنسها ومجازها وما أشبه ذلك.
2
1 - الجوائز على وزن فواعل وغلب هذا الجمع على ما كان على وزن فاعله، غير أن المراد بالجواز هنا المرور، فلعله يقصد القافلة الكبيرة.
المحامل مفرده محمل وَهُوَ ما يحمل فيه وَلَعَلَّ القصد بها هنا القوافل التي تحمل أمتعة
القوم. والله أعلم.
-
- 534 - (1/534)
صفحة 525
وحريم الممصل مثل حريم الساقية، والجواب فيها واحد.
وأما الساقية التي لا تحتاج إلى الكنس، فلا تحتاج إلى الحريم، إلا جواز من يمر عليها وقت حاجته إليها، وهذا كله في الساقية إذا أرادوا أن يحدثوها، ولم يدركوا حريمها، ولم يجعلوا لها حريما، فحيث ما ثبتت فلها ما ذكرنا. وكذلك الساقية
القديمة إذا لم تكن عليها العمارة، ولم يكن لها حريم معلوم، فلها أيضا ما ذكرنا. وإن كانت عليها العمارة فلا يحدثوا عليها شيئا. وإن لم يكن للرجل في الساقية إلا مجاز الماء، فلا يحسب لحريمها إلا من محاز الماء، ويحسب جسورها في الحريم. من له الساقية، ومجازها فلا يحسب جسورها في حريمها. وكذلك الممصل على
وَأَمَّا
هذا الحال.
والساقية إذا جازت في أرض قوم، وكانت على وجه الأرض، فرفعوا لها الجسور
من تلك الأرض، فهل الجسور تثبت للساقية أو لأصحاب الأرض؟
قال: الجسور للساقية وإن كانت الساقية محفورة أسفل وعليها الجسور، فإنَّه إن اتصلت إليها العمارة، فالقاعد في الجسور صاحب الأرض، وإن لم تتصل بها
عمارة، فالقاعد في الجسور صاحب الساقية. وكذلك الممصل على هذا الحال. وإن كانت جسور الساقية ينتفع بها صاحب العمارة وصاحب الساقية، فالجسور فيما بينهم.
وَأَمَّا من عرف أنه يجوز على جسور الساقية، حَتَّى ثبت له الجواز عليها، فقد ثبت له ذلك؛ فإن زال من الجسور شيء فليأخذ صاحب الساقية برده.
وأما من أدرك الساقية يجوز عليها، ويجوز عليها ماؤه، ولم يعلم إن كان له في الساقية شيء أم لا؟ أو علم أنه ليس له في الساقية إلا جواز الماء وجواز نفسه، فهل ينسبها إلى نفسه ويقول ساقيتي ومجازي وطريقي؟
قال: نعم.
-535 - (1/535)
صفحة 526
:باب: في حريم العيون
والعيون على ثلاثة أوجه: منها عين، أوَّلِيَّة، والمحدثة، والتي لا تعرف أنها قديمة أو محدثة. والمحدثة منها ليس لها حريم والقديمة لها، حريم وحريمها مائة ذراع؛ ومنهم من يقول: أربعون ذراعا؛ ومنهم من يقول: خمسون ذراعا ومنهم من يقول: خمسة وعشرون؛ وقيل عشرون ومنهم من يقول في المحدثة لها حريم، وحريمها أربعون ذراعا؛ ومنهم من يقول: خمسة و عشرون ومنهم من يقول: عشرون ذراعا؛ وقيل: حريمها حريم العمارات كلها، وهي خمسة أذرع وأما التي لا يعرف حالها أنها قديمة أم محدثة فسبيلها سبيل المحدثة؛ ومنهم من يقول: حكمها حكم القديمة.
وحريم العين غير العين وإنَّمَا يحسب من الموضع الذي لا يزول منه ماؤها في وقت جريها إلى العمارة؛ وَإِنَّمَا ينظر في ذلك إلى ما أدركوها عليه، سواء في ذلك ا ازدادت على مقدارها أو انتقصت منه؛ وكذلك إن غار ماؤها فلا يزول حريمها؛ ومنهم من يقول إن أيسوا منها ولم يطمعوا في انجبارها فإنها يزول حريمها، ويعمرون أرضهم. وإن كانت فيها في أقل من حريم العين فلا يجاوز الحريم العمارة. وكذلك كل عمارة ثبتت في أقل من حريم كلّ ما يكون له الحريم فلا يجاوز الحريم
تلك العمارة.
مسألة في حريم الآبار
والآبار أيضًا على ثلاثة أوجه القديمة والمحدثة، وما لا يعرف أنها قديمة ولا محدثة. فالمحدثة وما لا يعرف أنها قديمة أو محدثة فلا حريم. لها. فأما القديمة فحريمها أربعون ذراعا، وحريمها غيرها من كُلِّ جانب؛ وَإِنَّمَا يحسب لها من كُلِّ جانب؛ ومنهم من يقول: عشرون ذراعا من كُل جانب، ولا يحسبون البئر نفسها؛ ومنهم من يقول في البئر المحدثة: إذا كانت المواشي تسقى منه أن يكون حريمها أربعين
- 536 - (1/536)
صفحة 527
ذراعا من الناحية التي يسقون منها المواشي. وإن كان المواشي يسقون من نواحيها كلها، فحريمها أربعون ذراعا من كُلِّ ناحية؛ ومنهم من يقول: عشرون ذراعا؛
ومنهم من يقول: يكون له الحريم مقدار ما تقف فيه المواشي في الوقت التي تسقى فيه، قل ذلك أو كثر.
وكذلك العين التي يسقون منها المواشي حتى ثبت ذلك عليها، يكون حريمها مقدار ما تقف فيه المواشي في الوقت التي يسقونها، ولو كان أكثر من حريمها، وَإِنَّما ينظر في ذلك إلى المواشي العامة، وكذلك المواشي الخاصة تثبت لتلك الخاصة، ولا تثبت لغيرهم.
:باب: في حريم الوادي
وحريم الوادي إذا كان فحلا أربعون ذراعا؛ ومنهم من يقول: في حريم الوادي إذا كان فحلا جراي (1) أن تضم إليه شعوبه وتلاعه وما اندفع إليه من حزون الأرض وارتفاعه، ويعد له من مبتدإ مساكبه، وجميع صبه أربعون ذراعا فوقه، فذلك حريمه. وَإِنَّمَا يكون هذا الحريم لغير من كان له في الوادي شيء.
ولا يحدث في حريم الوادي ما يَضُرُّ به من له في الوادي. وأما أصحاب الوادي فلا يمنع كل واحد منهم من عمران ما كان له في ذلك المصب إذا كان ذلك العمران خفيفا، ولا يقطع به الوادي، وذلك مثل أن يحفر فيه الغار، أو يغرس فيه، أو
يحرث، أو ما كان مثل هذا ويرفع من هذا الوادي عشرا أو ثمنا أو خمسا.
1 - قوله: «حرايا»: بتشديد الراء: كثير الجريان، وَلَعَلَّ القياس أن يقال: جراء كما في السقاء
2
مبالغة في الساقي. والله أعلم.
مساكب الوادي مصابه ومنحدراته.
- 537 - (1/537)
صفحة 528
وَإِنَّمَا يحسب حريم الوادي من حيث ما يبلغ ماؤه في وقت السيل، وله الحريم
ما لم يدخل في المرج.
وإن أحدث السيل بحرى غير بحراه الأوَّل، فليس لذلك المجرى بم، إلا إن كان ذلك المجرى قديما يجري عليه قبل ذلك فله الحريم. وإن كان هذا السيل على محاري مفترقة، فلكل واحد منها الحريم إذا كانت كلها قديمة؛ وأَما ما كان محدثا من هذا فليس له حريم. وسواء في هذا ماء المطر وماء العيون.
وحريم الغدران والمواجل مقدار ما يقف فيه الناس ومواشيهم إذا أرادوا الإسقاء أو الانتفاع منها. ولا يحدثوا في مساقيهم من الغرس والعمارة ما يَضُر بالمواجل والغدران.
باب في حريم البحر
وحريم البحر: خمسمائة ذراع؛ ومنهم من يقول: مائتا ذراع؛ ومنهم من يقول:
أربعون ذراعا، وَإِنَّمَا يحسب له هذا الحريم من حيث يبلغ ماؤه إذا امتلا (1). وَإِنَّمَا يمنع من عمران حريم البحر أصحاب البحر، سواء أكانت الأرض لهم أو لم تكن. وإن لم يمنعوا من عمارة الحريم حتى عمر، فمكنت العمارة مقدار ما تثبت فيه ثبتت، ولا يدركون نزعها، إلا إن كان ذلك للعامة، فلا يثبت عليهم ذلك؛ وسواء أكانت هذه العمارة بالغرس أو بالحرث أو بالبناء أو بغير ذلك من وجوه العمارة.
ولأصحاب المراسي إذا ثبت لهم من الحريم مثل ما يكون لأصحاب البحر، ويمنعون من أراد عمارة مرساهم ولا تقطع طريقهم، وتمنعهم منافعهم، سواء أكانت لهم الأرض أو لم تكن لهم.
1 - قوله: «إذا امتلا»: يقصد به إذا كان البحر في حال المد. بعد الجزر.
- 538 - (1/538)
صفحة 529
ومن له آجام (1) في البحر فإنَّه يكون له الحريم مِمَّا يقابل آجامه، ويمنع من الناس من أراد عمارة ذلك الحريم. ويمنع صاحب الآجام أيضًا من أراد أن ينصب بجانب آجامه، أو يقطع عنه طريق السمك.
:باب: في حريم المدينة
وحريم المدينة: خمسمائة ذراع؛ ومنهم من يقول مائتان؛ ومنهم من يقول: أربعون؛ ومنهم من يقول: ليس لها. حريم. وحريم قصر العامة: أربعون ذراعا؛ ومنهم من يقول: عشرون ومنهم من يقول: ليس له حريم. وأما قصر الخاص
فليس له حريم.
وهذا الحريم إنَّما يمنع منه أصحاب المدينة من أراد أن يحدث مدينة أخرى بجانب مدينتهم وكذلك أصحاب القصر إنما يمنعون من أراد أن يحدث قصرا آخر بجانب قصرهم. وأما غير هذا من العمارة مِمَّا لم يَضُرَّ بأصحاب المدينة وأصحاب القصر فلا يمنعون منه. ويمنعون من أراد إحداث المضرة بجانب المدينة والقصر، سواء الخاص والعالم.
1 - الأحم: - بضم الهمزة والجيم - قال في لسان العرب: «الأحم: الحصن، والجمع أحام والأخم - بسكون الجيم - كلُّ بيت مربع مسطح وَعَلَى ضوء هذا فلعل المقصود من اللفظة ما يبنى وسط البحر عَلَى أرض بارزة، أو صخرة وسط البحر بالقرب من الشواطئ.
-
والله أعلم. ونقل الشيخ محمد بن صالح الثميني - في تعاليقه على كتاب التكميل، وهو مختصر كتاب أصول الأرضين - عن دائرة المعارف للبستاني (ج 1 / ص 29): «الأجسام: وفي اصطلاح الجيولوجيين والزراعيين: أرض فيها ماء واقف مجتمع في وحل، مركب من طين وفضلات متغيرة كثيرا أو قليلا، وفيها نباتات أو حيونات حية».
قال الشيخ محمد الثميني بعد نقله عن البستاني: «ولا يبعد أن يريد بها المصنف هنا بركة تُتَّخذ على شواطئ البحار لاصطياد السمك».
- 539 - (1/539)
صفحة 530
وَأَمَّا القرى والمنازل فليس لها حريم ولا يمنعون من أراد، إلا ما يَضُرُّ بمجازاتهم إلى المرعى والماء وغير ذلك، أو ما يَضُرُّهم في عمارتهم كلها.
والحيطان كلها ليس لها حريم إلا من يحدث ما يَضُرُّها، فإنه يمنع من أراد ذلك. وأما من أراد أن يبني حائطا بجانب آخر، فلا يمنع من ذلك، ولكن يترك إلى حائط جاره مقدار قصبة (1)؛ وقول آخر: مقدار ما يَمُرُّ فيه اليد إذا أراد أن يصلحه؛ وقول آخر: مقدار ما يَمُرُّ فيه من أراد أن يصلحه؛ ومنهم من يقول: ليس في ذلك حدٌ معلوم، إلا أنه لا يوصل حائطه إلى حائط جاره؛ ومنهم من يقول في حريم الحيطان ثلاثة أذرع؛ ومنهم من يقول: خمسة أذرع.
ومن بنى دارا أو بيتا في أرض رجل بإذنه، فإنَّه يدرك على صاحب الأرض ما لا تستغني عنه تلك الدار أو البيت من الطرق والمنافع كلها، وذلك مثل أن كان صاحب البيت من أهل المواشي يجعلون له موضعا تأوي إليه مواشيه؛ وإن كان من أصحاب الجمال، فليجعلوا له ما تحتاج إليه جماله؛ وكذلك البقر والغنم. وكذلك إن كان مسافرا فليجعوا له موضعا يضع فيه أحماله في وقت خروجه ودخوله، وما تحتاج إليه حمولته. وكذلك الحطاب يجعلون له موضعا يضع فيه حطبه. وكذلك أصحاب الصنائع كلهم يجعلون لهم موضعا يحتاجون إليه في صنائعهم. وكذلك البياع يجعلون له ما يحتاج إليه، مثل الدكان الذي يبيع فيه ويشتري، ويجعلون لهؤلاء كلهم موضعا يطبخون فيه ويقذفون فيه رمادهم وكناستهم (2).
1
2
وكذلك إن بنى في أرض غيره، ولم يعرف أبإذنه بنى أم بغير إذنه، فمكث فيها
حتى ثبت له بالحيازة، فالجواب فيها كالجواب في المسألة التي قبلها.
قوله: «مقدار قصبة» أي مقدار طول القصبة المتوسطة، أي ما يعادل ثلاثة أمتار. قال: لغة الفقهاء: «القصبة: مقياس للمساحة قدره ستة أذرع – 3.696 م ?
کتاب معجم 13.6604 م».
الكناسة - بضم الكاف - ما يجمع من القمامة من أثر الكناسة.
-
- 540 - (1/540)
صفحة 531
كانت له أرض في وسط أرض غيره، فإنَّ صاحب تلك الأرض يمنعه من ومن عمارتها بما يحدث به من المضرات، فإن منعه وحجر عليه، فبنى بعد ذلك أو غرس، فلا يدرك عليه شيئًا من الطرق والمجازات وكلّ ما يَضُرُّه به؛ وإن لم يمنعه حَتَّى عمر أرضه، فإنه يدرك عليه ذلك كله. وتلك العمارة التي تثبت له مثل أن بني بيتا حتى جعل لها العتبة، أو حفر فيها بئرا حتى أدرك الماء، أو حفر غارا أو مطمورة حَتَّى توارى من دخل فيهما، أو غرس فيها غرسا حَتَّى أخذ ()، ومنهم من يقول: حتى تستغني، وإن حرثها أيضًا إلى ثلاث سنين فإنَّه يثبت له المجاز إليها وما يحتاج إليه من ذلك.
ومن له بيت بقرب رجل آخر، فأراد أن يَتَّخِذَه حانوتا، فإنَّ جاره يمنعه من ذلك ما لم يبن دكانه وينصب أداته فباع واشترى؛ ومنهم من يقول: يمنعه ما لم يبن دكانه وينصب أداته؛ فإن فعل هذا و لم يمنعه، فقد ثبت له ولو لم يبع ولم يشتر. والحداد والنوَّاء والنداف) والقصار (4) وما أشبههم إذا أرادوا أن يحدثوا هذا على جيرانهم، فإنَّهم يمنعونهم ما لم يثبتوا لهم ذلك؛ وَإِنَّمَا يثبت ذلك على جيرانهم إذا أخذوا في صنائعهم وعملوا منها قليلا أو كثيرا؛ ومنهم من يقول: يثبت لهم ذلك إذا نصبوا أداتهم لعملهم ولو لم يعملوا شيئا؛ ومنهم من يقول: لا يثبت لهم من هذه المضرات
2
1 - قوله: «حتى أخذ»، من استقراء سياقات الكلمة يفهم أنَّ المراد بأخذ الشجرة: ثبوتها في الأرض، وأخذها في النمو، وظهور علامات الحياة عَلَيْهَا، واستقرارها في الأرض التي غرست
-
3
فيها. والله أعلم.
النواء: من يبيع نوى التمر. (منجد)
النداف: الذي يندف القطن. والندافة: صنعة النداف. (المنجد)
وفي القاموس نَدَف القطن يندِفه: ضربه بالمندف والمندفة خشبته التي يطرق بها الوتر
ليرق القطن».
4 - «القصار»: قال في المنجد: «قصر الثوب: دقه وبيضه. القصار: محور الثياب
ومبيضها (فارسية).
-541 - (1/541)
صفحة 532
كلها شيء، إلا إن مكنت ثلاث سنين؛ وهذا كله إنَّمَا يثبت إذا عرف بهم جيرانهم و لم يمنعوهم، ولم تكن فيه أيضًا مضرة لحيطانهم؛ وأما إن لم يعرف جيرانهم بذلك، أو كانت فيه مضرة حيطانهم فلا يثبت من هذا كله شيء.
وإذا أراد قوم أن يحدثوا سوقا بأفنية (1) بيوت قوم آخرين، فإن أصحاب تلك البيوت يمنعونهم من ذلك، سواء أكانت الأرض لهؤلاء الذين أرادوا أن يحدثوها سوقا، أو كانت لأصحاب البيوت ولم يمنعوهم وتركوهم إلى ذلك حتى مكثوا ثلاث سنين، فقد ثبت لهم ذلك، إذا كانت تلك الأرض للذين اتخذوها سوقا. وإن كانت لأصحاب البيوت فلا يثبت لهم ذلك حَتَّى ينصبوا فيه مدة الحيازة. ويمنعونهم أيضًا أن يَتَّخِذُوها موضعا يجلسون فيه؛ وإن لم يمنعوهم حتى مكثوا في مُدَّة الحيازة، فقد ثبت لهم ذلك.
1
ويمنع الجارُ جاره أن يحدث له جميع ما يَضُرُّه، مثل الرحى والمعصرة، أو يَتَّخِذَ فرنا بقربه، أو كان نجارًا أو بطاطا (2) أو خرَّاز (3)، وكل ما تجتمع إليه الناس ويضره ذلك، فإنَّه يمنعه من هذا كله؛ وإن لم يمنعه وتركه حتى مكث ثلاث سنين، فقد ثبت له ذلك؛ ومنهم من يقول: إن لم يمنعهم حَتَّى نصب صاحب الرحى أداته، أو صاحب المعصرة فقد ثبت له ذَلِكَ؛ ومنهم من يقول: حَتَّى تدور الرحى أو المعصرة
www
2
الفناء جمعه أفنية وفني: الساحة أمام البيت.
بط الجرح والصُّرَّة: شقه. والمبطة: المبضع». (القاموس. وعلى هذا فلعل البطاط.
المسعف مداوي الجراح. وقال في لسان العرب: «والبَطةُ: الدَّيَّة مَكَّيَّة، وَقِيلَ: هي إناء كالقارورة. وفي حديث عمر بن عبد العزيز أنه أتى بطة فيها زيت فصبه في السراج. البطة: الدَّبَّة بلغة مكة لأنَّهَا تعمل على شكل البطة من الحيوان». مَادَّة: "بطط". وَعَلَى هَذَا فلعل البطاط: صانع الأدوات الفخارية.
3 - الخراز: من حرفته الخرازة، أي الذي يتعاطى الخرز، وهو ثقب الجلد وخياطته، ولهذا يطلق عرفا على صانع الأحذية وما في معناها.
- 542 - (1/542)
صفحة 533
ثلاث مَرَّات؛ وكذلك الخرَّاز أيضًا إن لم يمنعه حتى يبرز حوائجه ويخرز؛ ومنهم من يقول: إذا نصب أداته، ولو لم يخرز ثبت ذلك.
والحمام أيضًا لا تثبت مضرته ما لم يغسل فيه؛ ومنهم من يقول: إذا سخن ماؤه وجعله في حوضه فقد ثبت.
ويمنع الجار جاره أيضًا أن يحدث عليه أندر) () أو مربد (2) يَضُرُّه فيه، فإن لم يمنعه حتى درس في الأندر أو جمع الثمار إلى المرابد فقد ثبت له ذلك إذا كانت الأرض لصاحب الأندر أو المربد؛ وإن لم تكن له الأرض فلا يثبت له ذلك إلا بالحيازة. ومن أحدث هذا كله بالذي ذكرناه من المضار في أرض بينه (3) وبين شريكه فلا يثبت له ذلك ولو عمره ما شاء، سواء أمنعه شريكه أو لم يمنعه.
مسألة: في حفر الغيران والآبار والمواجل
ولا يحفر الرجل غارا أو بئرا أو يعمل ماجلا إلا في أرضه أو أرض لا تنسب إلى أحد من الناس ولا يحفره في أرضه حيث يَضُرُّ به غيره من الناس بالتراب وغيره ولا حيث يصل إليه بالحفر أو لم يترك إليه الحريم من فوق أو من أسفل، أو يَمُرُّ عليه بالطريق، أو تلحقه من قبله النداوة)، ولا يعمله حيث لا يستغني عن جميع
-
1
قوله: «أندرا»: قال في المنجد: «الأندر جمعه: أنادر: الكدس من القمح، خاصة البيدر. 2 - المربد محبس الإبل وما شاكلها، فضاء وراء البيوت يرتفق به والمريد للتمر، وهو كالبيدر
3
-
للحنطة. (منجد).
قوله: «في أرض بينه وبين «شريكه يبدو أن البينية هنا كناية عن الشركة بينهما لا
التوسط بينهما. والله أعلم.
4 - النداوة: البلل. قال في اللسان: «وقد نَدِيَت ليلتنا ندى فهي ندية، وكذلك الأرض، وأنداها المطر ... والمصدر: النُّدُو، قال سيبويه: هو من باب الفتوة ... وقولهم: النداوة، الواو فيه بدل من ياء، وأصله: نَدَايَةٌ لِمَا ذكرناه من الإمالة في النَّدَى، وَلَكِنَّ الواو قلبت ياء لضرب من التوسع. وفي حديث عذاب القبر: وجريدتي النخل لن يزال يخفف عنهما ما كان فيهما من ندو، يريد:
www.
35
- 543 - (1/543)
صفحة 534
1
منافعه من أرض غيره، أو يَضُرُّها به فيما بينه وبين الله ويجوز له في الحكم ما لا يجوز له فيما بينه وبين الله؛ ويجوز له في ما بينه وبين الله ما يمنع منه في الحكم. وَإِنَّمَا يجوز له في الحكم، ولا يجوز له في ما بينه وبين الله مثل: من حفر غارا و لم يمنعه صاحبه حتى توارى الرجل فيه فإنه يدرك طريقه على جاره في أرضه إن لم يكن له في أرضه طريق يَمُرُّ فيه. وكذلك البئر إن حفرها في أرضه، وليس له مجاز إلا في أرض غيره، أو الماجل، وإن عمل في أرضه، وليس له محاز إلا في أرض غيره، ولم يكن له ما تقف فيه المواشي حيث تسقى من تلك البئر إلا في أرض غيره، فمكثت مقدار ما يثبت ذلك، فقد ثبت له في الحكم؛ ولا يجوز له فيما بينه وبين الله)، ولا يدركه في الحكم، فهو مثل الحريمات كلها.
وإن أراد أن يحفر في أرضه أو يغرس فيها أو يعمر، ولم يترك لذلك حريما أو يبني حائطا حيث يصل ظل الحائط إلى جاره، أو ما جاز في أرضه من سواقي غيره ومماصله، إن أراد أن يغرس عليها، أو يجوز ماءه في أرض غيره، حتى قامت عليه أشجار صاحب الأرض التي جاز عليها الماء، فأراد أن يرفعه، فهذا وأشباهه يجوز له فيما بينه وبين الله، ولا يدركه في الحكم إلا إن أذن له من له ذلك، أو براه منه، اشتراه منه أو رجع إليه معنى من المعاني.
أو
وَأَمَّا من عمل ماجلا في أرضه، أو حفر غارا أو بترا حتى ثبتت له طريقه لجاره، فأراد أن يزيد ماجلا آخر أو بئرا، فلا يجوز له ذلك، ويمنعه حاره في الحكم، ولا يزيد في الماجل أو الغار أو البئر ليوسعها، فيرفع أكثر مما يحمله قبل ذلك من المياه والمنافع، لأنَّ ذلك زاد على جاره المضَرَّة في كثرة المجاز عليه. وكذلك كل ما
:
نداوة؛ قال ابن الأثير: كذا جاء في مسند أحمد بن حنبل، وَهُوَ غريب، إنما يقال: ندي الشيء فهو نَد، وأرض ندية، وفيها نداوة». ر: ابن منظور لسان العرب، مَادَّة «ندو». فيه إسقاط عبارة: ولا يجوز لمن يرثه منه أو يشتريه إن عرف أصل ذلك وَإِنَّمَا الذي يجوز
له فيما بينه وبين
الله».
-544 - (1/544)
صفحة 535
يزيد الجواز في أرض جاره إلى منافع تلك العمارة فإنه يمنعه جاره من ذلك. وأما النقصان إن أراد أن ينقص من المعاني التي ذكرنا فذلك جائز له، لأنه نقصان من المضرة لا يمنعه جاره من ذلك إن أراد صاحبه أو جيرانه، إلا إن كان له فيه نفع غير ذلك المجاز.
وأما إن أراد أن يجعل تلك المعاني بيوتا أو غيرانا أو آبارًا أو مواجل، فإنه يمنعه جاره من ذلك. وكذلك كل عمارة ثبتت لرجل، فأراد صاحبها أن يحولها إلى عمارة أخرى، فإنَّه يمنعه، وذلك مثل: أن أراد أن يجعل غارا أو بيتا أو بئرا أو مواجل، أو يزيد إلى بيته غرفا، فإنَّه يمنعه جاره من ذلك. وأما إصلاح تلك المعاني في ذاتها من غير زيادة عمارة فيها، إن أراد أن يحفر الغار أسفل من موضعه، أو البئر، وكلُّ ما لا يزيد المجاز على جاره فله ذلك. وأما إن أراد أن يحول ذلك المجاز تحويل العمارة، مثل أن يعمل لذلك البيت بابا من غير موضعه، أو مساقي لذلك الماجل من غير موضعها فلا يجد ذلك، إلا إن حوَّلها في أرضه تحويلا لم يزد به مجازها في أرض لم يكن فيه قبل ذلك. وكذلك العمارة والبساتين والدور، ولا يجوز لمن يزيد فيها العمارة التي لم تكن قبل ذلك إن لم يكن له مجاز إلا على جاره. وَأَمَّا إن كان الماجل لا يمسك ما دخله من الماء بانشقاق أو فساد، ثم أراد صاحبه إصلاحه ليرده إلى حاله الأوَّل فلا بأس عليه في ذلك. وَأَمَّا إن كان في أوَّل ابتدائه لا يمسك ما كان فيه من الماء إلا أفسده، فأراد صاحبه أن يعمله عملاً لا يفسد به ما دخله من الماء، فلا يمنعه جاره من ذلك.
وأَما إن قلت مساقيه، فأراد أن يزيد له مساقي أخرى، فلا يجد ذلك إن لم يكن في الأرض التي جازت فيها تلك المساقي شيء، أو التي يجوز فيها ما فضل عن ذلك الماجل من الماء، ويزيد ذلك في الماجل مِمَّا لم يكن فيه قبل ذلك، فيزيد الجواز على أرض جاره، ويكثره من بعد قلته؛ فإن زاد هذا كله فتركه ولم يمنعه حتى مكث مقدار ما يثبت فيه فأراد أن يمنعه، فلا يجوز له ذلك.
- 545 - (1/545)
صفحة 536
وكذلك إن أراد غير صاحب الماجل أن يزيد إليه مساقي لم تكن قبل هذا، أو
يرد إليه قناة جسره، فإنه يمنعه صاحب الماجل من ذلك. وكذلك إن أراد أن يعمر ما فضل عن ذلك الماجل من الماء، فهو على هذا الحال. ويمنع صاحب الأرض صاحب الماجل من العمارة على ما فضل ماجله من الماء، ويمنعه صاحب الأرض أيضًا إن أراد أن يصرف ذلك الماء عن ماجله إن كان يصرفه إلى أرض جاره، ويأخذه أيضًا بإصلاح ذلك الماجل إن خرب ودخلت إليه مضرة مِمَّا يجوز إليه من الماء قبل. ويمنع صاحب الماجل من يحدث شيئًا في مساقيه مِمَّا يردُّ عنه الماء وينقصه، أو كل ما يغيره به من السماد وغيره مِمَّا يكون من البهائم وبني آدم، وكل ما يحرك ترابها ليدفعه الماء إلى ذلك الماجل فيدفنه؛ ويؤخذ بنزع كل ما فعل في مساقيه من السماد وغيره مِمَّا يَضُرُّ الماء في منعه وتغييره.
ويكون لصاحب الماجل موضع يضع فيه ما يكنس من ذلك الماجل من التراب، أو موضع يضع فيه ما يصلحه به من الجير والحجارة وغيرهما من جميع ما يصلحه به؛ ويكون مجاز ذلك كله موضعا يصل به إلى الماجل، ولا يمنعه من ذلك.
وإن أراد صاحبه أن يهدمه ليصلحه فلا يمنعه جاره إلا من الزيادة إن أراد أن يزيد فيه عن حاله الأوَّل. وكذلك إن أراد أن ينقص منه يمنعه إن ضرَّ ذلك مِمَّا يجوز عليه من ماء ذلك الماجل.
وكذلك إن أراد صاحب الماجل أن يحوّل قناة ماجله عن موضعها الأول ليصرف بها ما يخرج منها من الماء عن جاره، فيمنعه منه جاره، أو يضيقه بعد سعته، أو يوسعه بعد ضيقه، فإنه يمنعه هذا كله. من
ويمنعه أيضًا إن أراد أن يحدث فيه سقي المواشي كلها إن لم يكن يسقي منها قبل ذلك، أو يستقي منه على الدواب كلها، فإنَّه يمنعه من.
ذلك.
وأما إن صرف أحد مساقي ذلك الماجل عنه و لم يدخله شيء، فلا يضمن له شيئا. وَأَمَّا إن أغلق قناته ولم يخرج منه الماء حَتَّى أفسده ذلك الماء فهو ضامن؛
- 546 - (1/546)
صفحة 537
وكذلك إن أفسد فيه شيئًا حَتَّى لا يجوز فيه من الماء بعد حرزه لهم فهو ضامن لما أفسد في الماجل وما كان فيه من الماء قبل فساده؛ وأَما ما كان بعد فساده ولم يمسك الماجل منه شيئًا بفساده فلا يضمن منهم شيئا. وأما إن جعل فيه ما يغيره حتى تغير فهو ضامن، ولا يدرك عليه في الحكم شيئًا، ويكون عليه ذلك فيما بينه وبين ا الله ومنهم من يقول: لا يضمن له شيئًا، ويكون عليه الإثم.
ولا يعمر صاحب الأرض أرضه عمارة تضرُّ بذلك الماجل مِمَّا تلحقه النداوة، أو ما تلحقه عروقه من الأشجار، ويخاف من نفاذها إليه، أو يجعل عليه طريقا ولم يكن قبل ذلك، وهذا كله في حريمه؛ ومنهم من يقول: كلُّ ما يَضُرُّه لا يعمره بذلك، ولو أكثر
من حريمه، وهو خمسة أذرع من سعة أسفله، وليس في فمه) يحسبون خمسة أذرع.
وإذا كان ماجل في منزل قوم يسقون منه ويسقون دوابهم، وينتفعون به لغسل ثيابهم، ولم يعرف لأحد دون غيره، وقد أدركوه كذلك في أرض رجل كان أو لم تعرف الأرض التي كان فيها لمن هي من الناس، فلا يقعد فيه صاحب الأرض، إلا إن عرف أنه يمنع عنه من أراد ضرَّه وفساده، ويأذن له، فيكون أولى به من يفعل ما ذكرناه في أرضه كان أو في أرض غيره من أهل المنزل كان أو من
جميع
غيره. وإن لم يكن من يمنعه عنه ما ذكرنا فأهل المنزل كلُّهم إليه سواء.
وإن أدركوا مساقي ذلك الماجل لا يحذر عنه أحد ما ذكرنا من السماد والتغيير، فأرادوا أن يمنعوه من ذلك، فإن اتفقت عليه عامتهم على منع ذلك، فإنهم يمنعونه ويحجرون عليه؛ فمن كسر منهم الحجر أخرجوا منه الحق، وهذا إذا استغنوا عن ذلك، وأما إن لم يستغن عنه الناس فلا يفعلوا ذلك، ويتركونه على حاله الأول، ويحوطون ماجلهم من ذلك إن أرادوا.
1 - قوله: وليس في فمه مراده أعلاه، حيث توجد فتحته التي منها يستقي، وإنما تحسب خمسة الأذرع من أسفله لا من أعلاه، لأنه غالبا ما تكون قاعدته أوسع من أعلاه
فلتحسب مسافة الحريم بعد جدرانه السفلية. والله أعلم.
- 547 (1/547)
صفحة 538
وَأَمَّا إن كان الماجل لرجل، معروف، أو لقوم مخصوصين، أو للأجر، فَإِنَّمَا يصل
إليه الماء من مساقي غيره من الناس، وعلى ذلك أدركوه، ثم أرادوا بعد ذلك أن يمنعوا عنه الماء، فلا يجدون ذلك، إلا إن كانوا قبل ذلك يمنعون عنه فضلته من الماء فليمنعوها إن أرادوا؛ وأَما إن لم يكونوا يمنعون تلك الفضلة قبل ذلك فلا يجوز لهم أن يمنعوها، سواء أكانت تلك المساقي للعامة أو للخواص، أو المواجل للعامة أو للخواص، الجواب فيه واحد.
وَأَمَّا إن أذن له أن يعمر الماجل في موضع يَضُرُّ فيه أرضه، فإنه يعمله كيف شاء من الكبر والصغر والسعة والضيق، ويعمله في ذلك كيفما شاء ولا يمنع له جميع مجازاته ومساقيه في أرض صاحب الماجل إن كان يصل إلى ذلك ويستغني به عن أرض جاره؛ وأَما إن لم يستغنوا عنه فتكون مجازاته ومساقيه في الأرض التي فيها وكل ما لا يستغني عنه؛ وأَما ما يستغني عنه فلا يدركه، إلا إن اشترط له عليه قبل ذلك، ويكون له عليه حينئذ، وإن اشترطها عليه ثمَّ خرب ذلك الماجل حتى لا ينتفع منه صاحبه وأراد صاحبه أن يصرف تلك المساقي التي ثبتت له في أرضه واشترطها صاحب الماجل، فمنعه صاحب الماجل من ذلك فلهم منعه ولو كان لا ينتفع به شيء؛ ومنهم من يقول: ينتفع بها صاحب الأرض ما لم يعمل صاحب الماجل، ماجله ويستشهد أنه ليس له في منافع تلك المساقي شيء، فحيث ما عمل الماجل فترجع إليه مساقيه.
وَأَمَّا إن كان الماجل في منزل، قوم، فيأتيه الناس من أرض أخرى يسقون منه أو يستقون، فلا يمنعهم من السقي والاستقاء والانتفاع به لغسل الثياب وغيره من المنافع ما خلا العمارة، فإنهم يمنعونهم أن يعمروا به القليل والكثير؛ ومنهم من يقول: يمنعونهم من جميع ذلك ما خلا السقي والاستقاء؛ ومنهم من يقول: يمنعونهم من سقي مواشيهم، إلا إن اضطروا إليه، فلا يمنعونهم منه؛ ومنهم من يقول:
يمنعونهم من جميع ما ينتفعون به من ذلك الماجل ما وجدوا عنه سعة.
- 548 - (1/548)
صفحة 539
وأما المواجل التي يستقى منها الناس بالأزقاق (1) وغيرها من الأوعية، فإنهم يمنعون منها جميع الناس، ولا يجوز لأحد أن ينتفع منها إلا بإذن أصحابها، ويبيعونهم ويعطونهم، وتجوز فيه أفعالهم كلها؛ وإن ماتوا فيكون لورثتهم من بعدهم على قدر أنصبائهم منها على قول من يقول: يجوز بيع الماء في الماجل إن كان للخاصَّةِ، وَأَمَّا العَامَّة فلا يجوز بيعهم لماء ماجلهم؛ فإن فعلوا فلا يجوز.
مسألة في حريم الغار
قلت: فحريم الغار كم مقداره؟
قال: ليس له حريم معلوم، إلا أنهم يجعلون له طريقه، ويجعلون ما لا يستغني عنه مِمَّا عمل له من سكناهم فيه بأنفسهم، أو يدخلون فيها مواشيهم، أو يجعلونه مخزنا لمتاعهم وطعامهم. ويدرك صاحبه منع كلِّ ما يَضُرُّه من البناء عليه والحرث والغرس عليه أو بجوانبه مِمَّا تلحقه منه المضَرَّة، أو من يجوز عليه أو يجعل عليه أندرا، أو سوقا، أو موضعا يجلسون فيه أو كلَّ ما يُؤَدِّي إلى المضرة، من قليل أو كثير.
ويمنع ما يحدث أسفله أو بجوانبه من الغار والبئر والمطمورة مِمَّا يضعفه ويخاف منه هدمه من أجل ذلك؛ وسواء أكانت الأرض التي فيها غاره له أو لغيره من الناس، اشترك مع غيره أو هو له وحده، فإنه يمنع جميع مضاره من ذلك. وأَما ما كان قبل حفره للغار من المضارّ مثل الغرس والبناء وما أشبه ذلك فلا يصيب صاحب الغار. نزعه وما زال من ذلك كله فإنَّ صاحب الغار يمنع ما يحدث من ذلك بعد زواله من تلك الأماكن.
1 - قوله: «الأزقاق» جمع زق، قال في اللسان: «والزق: السقاء، وجمع القلة: أزقاق، والكثير زقاق وزمان، مثل: ذئب وذوبان»، وهو الجلد الذي يجز ولا ينتف، ويستعمل بعد دبغه
لحمل الماء.
- 549 - (1/549)
صفحة 540
1
فإن انهدم سقف الغار فإنَّه يردُّه كما كان أَوَّلاً، بِكُلِّ ما يقدر على إصلاحه.
وَأَمَّا إن اشترك قوم في غار يتلجئون إليه من العدو، ثم انهدم ذلك الغار أو فسد فيه شيء، فإنهم يتآخذون على إصلاحه كما يتأخذون على إصلاح الحصن، وكل ما يتخذون عليه ويفعلون في إصلاح حصنهم، فإنهم يفعلونه في ذلك الغار.
كمل الجزء السابع من كتاب الأصول، بحمد الله وعونه وفضله ومنه ورحمته وإحسانه، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والصلاة على النبي وآله وصحبه وسلم).
عطف الجملة الفعلية على الجملة الاسمية.
- 550 - (1/550)
صفحة 541
i
صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما
الجزء الثامن
من
كتاب الأصول
ربه تم (1/551)
صفحة 542
الحمد لله الذي أنعم علينا بنعمه، ونسأله أن يمن علينا بشكره، ويجزل لنا من عطيته، ويوفقنا لسبيله، ويهدينا لاتباع مرضاته في أخذ وإمساك، إنه ولي من أحسن عملاً.
فأول ما نحن ذاكرون في هذا الكتاب من غرس الأشجار وعمارة الأرض بها، وكيف يغرسها وما يفعل في ذلك، وما لا يفعل.
فالواجب عليه ألا يغرس من الغروس إلا ما يعلم أنه حلال، ويعلم أصل الأرض التي أراد أن يغرس فيها أنه حلال، لا يستعمل فيها شيئًا إلا بالنوى) والنية، ويقصد في ذلك ما عند الله، وما يكون له ذخرا في الآخرة، وينتفع به في دنياه ويستر به على نفسه، ويجتهد ويرغب في طلب الحلال، لئلا يكون عالة على غيره، وقد قالت العلماء وروت (2) الفقهاء أنه من غرس غراسا يكون له أجرها ولو بعد موته ما دامت تلك الغراس قائمة. وذكروا أنه من غرس أربعين غرسة حَتى أخذت في الأرض واسغنت فهي فكاكه من النار. وذكر أنه من غرس غرسا ح إليها الماء، إنَّما يكون له من الأجر عدد ورقها؛ وقالوا: عدد عروقها. وذكر أنه إذا فتح إليها الماء تدعو له بالمغفرة والجنة. وذكر أنه إذا سقاها غفرت ذنوبه، وسواء في هذا أعملها بنفسه أو استعمل لها ماله وعبيده وغير ذلك، سواء في هذا الغراس والغصون وغيرها مِمَّا ينبت من النوى والعجم (4).
ففتح
-1
«النوى: الوجه الذي يذهب فيه وينويه المسافر من قرب أو بعد» (المنجد). وعلى هذا فأرى أن عطف النية على النوى من باب عطف التفسير.
-2 في الأصل «رويت» وهو خطأ.
3 - قوله: «ففتح إليها الماء كناية عن إجراء الماء إليها من حوض أو سد أو غيرها. والعجم، بالتحريك النوى نوى التمر والنبق الواحدة عَجَمَةٌ، مثل قصبة وقصب. يقال: ليس لهذا الرمان عَجَمٌ؛ قال يعقوب والعامة تقوله عَحْمٌ بالتسكين، وَهُوَ العُمام أيضا ... وقال أبو حنيفة العَجَمة: حبة العنب حتى تنبت. قال ابن سيده والصحيح الأول، وكل ما كان في حوف مأكول كالزبيب وما أشبهه عَجَم ... والعَجَمَة، بالتحريك: النخلة تنبت من النواة». ر: ابن منظور: لسان العرب مادة «عجم».
- 553 - (1/553)
صفحة 543
مسألة
ويجوز للرجل أن يحدث في الأرض غراسا لم تكن قبل ذلك؛ ويجوز له أن يقطع الغراس من موضعها ويردّها في مكان آخر ما لم يكن الفساد في ذلك، سواء في هذا أعمله من ماله أو من مال غيره إن أذن له؛ ويجوز أيضًا لمن يأذن له في ماله، إذا لم يكن الفساد في ذلك؛ ويجوز له أيضًا أن ينزع من الغراس ما فيه مضرة لغيرها ولو كان لا ينتفع بها إذا نزعها وجائز للرجل أن يعمل في أرضه بما شاء، وكيف شاء، ما لم تكن في عمارته مضرة لغيره. ويمنع أن يعمر أرضه التي كانت في الرهن، وكذلك لا يغرس الأرض التي عوضها لغيره.
مسألة
ولا يجوز أن يعمر أرضا لم يعرف أصلها، وأساسها، وكذلك الغراس التي أراد أن يغرسها إذا كانت له فجائز أن يغرسها، إلا إن كانت في الرهن والعوض، ويمنعه من ذلك المرتهن وصاحب العوض؛ وسواء في ذلك أرَهَنها كلها، أو رهن له تسمية منها، وسواء في ذلك أرَهَن ذلك البعض بنفسه أو رهنه غيره. وأما العوض إذا عوضها كلها فجائز لصاحب العوض أن يمنعه من غرسها ونزعها؛ وكذلك إن عوض تسمية منها يمنعه من غرسها ونزعها وأَما إن جعل له العوض في جنانه هكذا من غير قصد، فإنه يفعل في ذلك الجنان ما شاء، ما دام في ذلك الجنان مقدار عوض ما باع له.
باب آخر
والمشترك من الغراس فلا يغرس ولا ينزعه وكذلك الأرض المشتركة لا يعمرها ولا يفعل فيها شيئا إلا بإذن شريكه؛ وقول: آخر جائز له أن يغرس منها مقدار سهمه إذا لم يختر أطايب الأرض.
- 554 - (1/554)
صفحة 544
له،
وإن غرس أرضًا على أنها لغيره فإذا هي له، فلا يحل له نواه) في ذلك، والغراس له؛ وكذلك إن غرس غراسًا في أرضه على أنَّ الغراس لغيره فإذا هي فلا يجوز له نواه والغراس له.
وإن غرس غراسا على أنها له فإذا هي لغيره؟
قال: إن نزعها من موضعها فغرسها فصاحبها بالخيار إن شاء أن يأخذ غراسه ويأخذ ما فسد فيها (2) أخذه؛ وإن شاء أن يأخذ قيمتها في مكانها الأول فله ذلك. ويفعل الذي نزع الغرس بالغراس ما شاء وورثتهم بمقامهم.
وَأَمَّا إن وجد غراساً مقلوعة فأخذها على أنها له فغرسها في أرضه؟ قال: فإن لم تأخذ الغراس في الأرض أخذها صاحبها أو يأخذ ما فسد فيها إن كانت تنجبر؛ فإن لم تنجبر فصاحبها يأخذ قيمتها كلها؛ وإن وجد غراسا مقلوعة فغلط فيها فغرسها في أرضه فثبتت فصاحب الغراس بالخيار إن شاء أن يمسكها في ذلك المكان فله ذلك، ويكون له منافعها كلها من الطريق إليها وحياتها من الماء، ولا يدرك صاحب الغراس على صاحب الأرض خدمة تلك الغراس بعد إذا أخذها. وأما إصلاح ساقية تلك الغراس وممصلها والطريق إليها، فعلى صاحب الأرض، وكذلك زربها ومسكبها وهذا إذا جعل ذلك لها قبل أن يأخذ صاحب الغراس غراسه حتى قامت عليها، وإن شاء أن يأخذ قيمة الغراس أخذها، ويختار ما بين قيمتها في مكانها، أوَّلاً وقيمتها في هذه الأرض؛ وإن أخذ القيمة صارت الغراس لصاحب الأرض.
1 قوله: «فلا يحل له نواه»، وقوله: «فلا يجوز نواه»، مراده بهما أن نيته باطلة. 2 قوله: «ما فسد فيها يبدو من السياق أنّ القصد ما ظهر فيه فساد جزئي من هذه الغراس، لا التي فسدت بالكلية، بدليل قوله: «أو يأخذ ما فسد فيها إن كانت تنجير». والله أعلم. 3:قوله إن شاء أن يمسكها في ذلك المكان فله ذلك» يبحث هل يأخذ الأرض؟ وهل يأخذها بعوض أم بغيره؟ والصواب أنه ليس لصاحب الغراس إلا أن يأخذها أو يأخذ قيمتها، لأن غرسها لم يكن بتعدية وإنما بغلط. والله أعلم.
- 555 - (1/555)
صفحة 545
قلت: أرأيت ما استغل صاحب الأرض من تلك الغراس؟
قال: يعطيه لصاحب الغراس إلا إن اختار قيمته في مكانه الأول، فيكون ذلك تبرئة من الغلة لصاحب الأرض؛ وإن أراد قلعها فجائز ولا يدرك على صاحب الأرض غير ذلك إذا لم يفسد فيها شيء ولو ماتت الغراس بعد ذلك عند صاحبها؛ وإن حدثت الغلة في هذا الوجه عند صاحب الأرض، فليعطها لصاحب الغراس إذا انتفع بها صاحب الأرض؛ وكذلك الجواب في التي قبلها. وما فسد من الغلات في هذا من قبل الله، فليس على صاحب الأرض شيء؛ ومنهم من يقول: يعطي صاحب الأرض قيمة الغراس التي غلط فيها في وقت أخذه لها.
مسألة
وأما إن غرس أرضا على أنها له فخرجت لغيره والغراس له فصاحب الأرض أيضًا بالخيار إن شاء أن يأخذ صاحب الغراس بقلعها فله ذلك، سواء أكان الفساد في الغراس أو لم يكن. وما فسد في الأرض بنزع ذلك، فليدركه على صاحب الغراس. فإن أراد صاحب الأرض أن يمسك تلك الغراس في أرضه فذلك جائز، ويعطي قيمة الغراس في الوقت الذي يأخذها فيه؛ ومنهم من يقول: إنما يعطي قيمتها من حين غرسها في أرضه وما تعنى فيها صاحبها؛ ومنهم من يقول: إن تبين أنه غلط فيها، فالخيار لصاحب الغراس، إن شاء أن يأخذ قيمة غراسه فله ذلك، وإن شاء أن ينزع غراسه نزعها، إلا إن كان الفساد في الأرض فليرجع إليه الخيار، إن شاء أن يعطي قيمة الغراس فليعطها، وإن شاء أن يأخذ عوض ما كان فيه الغراس من أرضه، وما منعت بحريمها فله ذلك؛ إلا إن لم تصح له عمارة أرضه بتلك الغراس، ويأخذ عوض أرضه كلها وما استغل صاحب الغراس من غراسه قبل أن يعطيه صاحب الأرض قيمتها، فليس عليه شيء؛ ومنهم من يقول: إن كان الفساد في الغراس، فالقول قول صاحبها وإن كان الفساد في الأرض، فالقول قول صاحبها.
– 556 - (1/556)
صفحة 546
مسألة
وأما إن غرس أرضا على أنها له وما غرس فيها، فخرج ذلك كله لغيره، وهو لرجل واحد، فليس على من غرسها شيء، ويدرك عناءه إن تعنى فيها؛ ومنهم من يقول: لا يدرك على صاحب الأرض والغرس شيئًا من عنائه؛ وأَما إن خرجت الأرض لغير صاحب الغراس، فصاحب الأرض بالخيار إن شاء أن يمسك تلك الغراس فله ذلك، ويعطي قيمتها في ذلك الوقت لصاحبها، وليس عليه شيء من عناء الذي غرسها في تلك الأرض؛ ومنهم من يقول: يعطى له عناءه؛ وإن شاء أن يقلع ما غرس فيها، فليأخذه به من شاء وهو بالخيار بين من غرسها وصاحبها؟ وإن أخذ بها من غرسها فلا يدرك عناءه على صاحبها؛ وإن شاء أن يأخذ بها صاحبها أخذه ويرجع بما تعنى في نزعها على من غرسها في تلك الأرض، وقيمة ما أفسد فيها في ذلك الوقت وما أفسد فيها حين غرسها؛ ومنهم من يقول: إن أراد أن يأخذ غراسه كلها فليأخذها من الذي غرسها حين نزعها، أو قيمتها في هذا الوقت إن كانت أكثر من الأولى؛ ومنهم من يقول: إن كان الفساد في تلك الغراس، فلا يجد صاحب الأرض نزعه إن قام ويعطي القيمة لصاحبه، وأما إن لم تأخذ تلك الغراس، فالقول قول من أراد نزعها بين صاحبها أو صاحب الأرض، ولا يشتغل بقول من غرسها في ذلك الموضع فَكُلُّ ما اتفق عليه صاحب الأرض وصاحب الغراس مذ تركت في ذَلِكَ المكان (1)، فجائز لهم؛ ولا يدرك صاحب الغراس عَلَى من غرسها في تلك الأرض شيئًا إلا ما أفسد فيها؛ وورثتهم بمقامهم في هذا كله؛ ومنهم من يقول: إن أراد صاحب الأرض أن يأخذ عوض أرضه فليأخذه من صاحب الغراس. وأما إن أراد أن يقلع تلك الغراس، ولم يجد صاحبها ولا
1 قوله: «مذ تركت في ذَلِكَ المكان، فجائز لهم» معناه والله أعلم كل اتفاق بين صاحب الأرض وصاحب الغراس حائز بعد اتفاقهما عَلَى تركها في مكانها، ولم يختر أحدهما قلعها، وَهَذَا من قوله: «المسلمون على شروطهم».
- 557 - (1/557)
صفحة 547
صاحب الغرس ولا من غرسها فليزرعها بنفسه إن شاء، وليس عليه شيء فيما أفسد في وقت نزعها مِمَّا لا بدَّ منه ولا يدرك عليه شيئًا من عنائه؛ ومنهم من يقول: يدركه على من غرسها في أرضه ولا يدرك شيئا على صاحب الغراس، ويغرم من غرسها كل ما أفسد في تلك الغراس لصاحبها. وكذلك عبيده أو أجراؤه إن أمرهم بذلك، فالجواب فيها كالجواب في التي قبلها.
وأما إن أراد صاحب الغراس أن ينزع غراسه فجائز له ذلك إن لم يكن الفساد في الأرض؛ ومنهم من يقول: ينزع غراسه ولو كان الفساد في الأرض إن لم يصل إلى نزعها إلا بذلك، ويغرمه (1) الذي غرسها لصاحب الأرض، وإن أرَادَ الذي غرسها أن ينزعها فلا يجوز له ذلك، كان الفساد في الأرض أو لم يكن؛ ومنهم من يقول: إن لم يكن الفساد في الأرض فجائز له نزعها كان الفساد في الغراس أو لم يكن؛ ومنهم من يقول: إن كان فيها الفساد فلا ينزعها.
وأما إن غرس أرضه بغراسه، فخرج ذلك الغراس له فيها شريك، فإنه يمسك شريكه ما نابه من الغراس في ذلك الموضع، ويدرك عليه عوض ما نابه بسهمه من الغراس في ذلك لمكان ومنهم من يقول: يعطيه صاحب الأرض ما نابه من قيمة الغراس.
وإن غرس أرضه بغراسه فخرجت الأرض له فيها شريك، فشريكه بالخيار، إن شاء أن يعطيه قيمة ما نابه من الغراس، ويكونان فيها شركاء فله ذلك، ويدرك عليه عنايه إن أعطاه قيمة الغراس وقت غرسها؛ وإن أعطاه قيمة غراسه في الوقت الذي عرف فيه، فليس عليه شيء من العناء؛ ومنهم من يقول: إِنَّمَا يدرك عليه عوض ما نابه من ذلك من تلك الأرض؛ ومنهم من يقول: يأخذه بنزع تلك الغراس. وأما إن غرس أرضه بغراسه، فخرج له في الأرض والغراس شريك، فإن استويا في الأرض والغراس فلا يدرك عليه إلا عناءه؛ وإن تفاضلا في الأرض واستويا في
قوله: «ويغرمه» معناه والله أعلم ويغرم ما أفسد في الأرض نزعها الذي غرسها.
- 558 - (1/558)
صفحة 548
الغراس أو استويا في الأرض وتفاضلا في الغراس فإنَّهما يتراددان القيمة والعناء على قدر شركتهما في الأرض.
وإن غرس أرضا على أنها له، فخرجت الأرض لغيره، والغراس له فيها شريك، فصاحب الأرض بالخيار، إن شاء أن يمسك تلك الغراس ويعطي قيمتها لأصحابها فجائز له، وإن شاء أن يأخذ الذي غرسها بقلعها كلها، أخذه، ولا يأخذ شريكه بنزع تلك الغراس إلا إن حضر شريكه فليأخذهما بقدر ما لهما في الغراس، ويرجع على شريكه بعنائه وقيمة ما أفسد في غراسه
وإن خرجت تلك الأرض بينه وبين شريكه وما غرس فيها لرجل آخر، فإن أراد صاحب الغراس أن يأخذ قيمة غراسه أخذها من الذي غرسها في الأرض، وتكون الغراس بين أصحاب الأرض على قدر شركتهم في الأرض؛ وإن أراد صاحب الغراس أن ينزع غراسه قلعها ويضمن الذي غرسها ما أفسد فيها، كان الفساد في الأرض أو لم يكن؛ ومنهم من يقول: إن كان الفساد في الأرض فلا ينزعها، ويدرك قيمتها على الذي غرسها في تلك الأرض.
وإن غرس أرضًا على أنها له فخرجت الأرض ليس له فيها شيء، وهي بين الشركاء، وما غرس فيها أيضًا ليس له فيه شيء وَهُوَ لشركاء آخرين، فإنَّ أصحاب الأرض في ذلك بالخيار إن شاؤوا أن يأخذوا أصحاب الغراس بنزعها؛ وإن شاؤوا أخذوا مَنْ غَرَسَهَا في أرضهما بنزعها، وإن لم يحضر أحد الشريكين في الغرس فلا يأخذوا، صاحبها، ولكن يأخذون من غرسها، وأَما أصحاب الأرض فإنَّ كلَّ واحد. منهم يأخذ أصحاب الغراس، ويأخذ من غرسها. وإن لم يحضر أصحاب الغراس فإنَّ كل واحد من أصحاب الأرض ينزع تلك الغراس بنفسه ويرجع بعنائه على من غرسها، ولا يرجع من غرسها بذلك العناء على أصحاب الغراس؛ وإن أراد أصحاب الأرض أن يرجعوا بعنائهم بنزع الغراس على أصحاب الأرض فلهم ذلك ويرجع به أصحاب الغراس على من غرسها.
- 559 –
36 (1/559)
صفحة 549
مسألة
ومن غرس أرضه فمكث حتى قامت، غراسه فاستحقت تلك الأرض، فاستمسك به من استحق تلك الأرض فلا يدرك عليه شيئًا، ويمسك الغراس من غرسها ويأخذ صاحب الأرض أرضه وكذلك إن استحقت الغراس فلا يدرك صاحب الأرض على من استحق من قلعها ولا يدرك كلُّ واحد على صاحبه شيئًا في القيمة ولا في العناء؛ وسواء أورخ (1) من استحق منها أو لم يورخ؛ ومنهم من يقول: إن ورّخ من استحقَّ الأرض قبل أن يغرس صاحب الغرس غراسه فإنه يدرك عليه ما يدرك من غلط في أرض غيره فغرسها. وكذلك من استحق الغراس بالتاريخ الجواب فيه كالجواب فيمن غلط في غراس غيره فغرسها في أرضه، وسواء في ذلك استحقها منه بالتاريخ أو من وارثه، أو من غيرهما.
مسألة
وأما من غرس أرضه فباع الأرض وأمسك الغراس، أو باع الغراس وأمسك الأرض، فلا يدرك عليه المشتري شيئا، ولا يدرك هو أيضا عليه شيئا، ويكونان على حالهما الأوَّل، سواء الخذت الغراس أو لم تأخذ (2)، ويكون لصاحب الغراس أماكن تلك الغراس إن ماتت أو قلعت فيردُّ في أماكنها ما كان مثلها أو دونها، إلا إن اشترط صاحب الأرض على من له الغراس الاً يرد في أماكنها إن ماتت أو قلعت. فهكذا الجواب في جميع أنواع الملك من الوصيَّة أو الإجارة أو الصداق أو ما أشبه ذلك على هذا الحال.
«وَرخ»: قال في القاموس (في مادة ورخ): وَرَّخ الكتاب: أرخه». وقال (في مادة أرخ): ارخ الكتاب وأرخه وآرخه: وقته».
وعلى هذا فمعنى العبارة: إن استظهر صاحب الأرض ببينة تثبت استحقاقه لأرضه قبل أن تغرس فإنه يدرك على من غرسها ما يدرك على من غلط في أرض غيره فغرسها. والله أعلم. 2 قوله: «سواء أخذت الغراس أو لم تأخذ مراده ثبتت عروقها في الأرض ولم تمت أو لم تأخذ.
- 560 - (1/560)
صفحة 550
ومن غرس أرضه، فأخرج بعضها من ملكه أو أخرج بعض الغراس من ملكه،
فالجواب فيها كالتي قبلها.
باب في الانفساخ (1)
ومن اشترى أرضا فغرسها، فخرج في شرائه انفساخ، فإنه إن كانت الغراس لم تأخذ، فالقول قول من ادَّعَى نزعها (2)؛ وإن أخذت فليعط صاحب الأرض قيمة الغراس، ويمسكها، ولا يدرك من غرسها من العناء شيئًا؛ ومنهم من يقول: إن أخذ قيمتها حين غرسها فله العناء مع القيمة، وإن أخذ قيمتها في هذا الوقت ـ وقيمتها في هذا الوقت مقدار قيمتها وقت غرسها والعناء جميعا - فلا يدرك عليه غير ذلك؛ وإن لم يكن في قيمتها مقدار ذلك كله فليأخذ قيمتها حين غرسها مع العناء. وَأَمَّا من اشترى غراسًا فغرسها في أرضه، فخرج في شرائها انفساخ، فإنه إن أراد صاحب الغراس نزعها، فعل، ولو كان في ذلك الفساد في الأرض فليعط قيمة ذلك الفساد من غرسها؛ ومنهم من يقول: إذا كان الفساد في الأرض فلا: صاحبها نزعها إلا بإذن صاحب الأرض؛ وإن لم يأذن له فليعط له قيمتها ويمسكها في أرضه؛ فإن قال صاحب الأرض لصاحب الغراس أنزع غراسك، فأبى من ذلك، فالقول قول صاحب الغراس إذا كان في نزعها فسادها؛ وإن كان في نزعها فساد الأرض والغراس جميعًا، فالقول قول من أبى منهما النزع. وإن نزعها صاحبها فماتت، فليس على صاحب الأرض شيء. وكذلك إن نزعها غيره بأمره أو باتفاقه مثل ابنه أو عبده أو خديمه أو غيرهم من الناس أو نزعها صاحب الأرض باتفاقه على هذا الحال ويكون ذلك كله من مال صاحب الغراس.
1 - الانفساخ مشتق من الفسخ.
قال في معجم
يصيب
ضد العقد،
ج:
لغة الفقهاء: «الفسخ بفتح فسكون مصدر فسخ الأمر: نقضه، فسوخ: دفع العقد بإرادة من له حق الدفع، وإزالة جميع آثاره والفسوخ: حل ارتباط العقود
كالطلاق والعتاق.
-2 قوله: «فالقول قول من ادَّعَى نزعها»، مراده: فالقول قول من ادَّعَى وجوب نزعها، أو دعا إلى نزعها.
- 561 - (1/561)
صفحة 551
وأما إن نزعها صاحب الأرض أو قلعها السيل أو الريح أو كل ما جاء من قبل الله
فذلك كله من مال صاحب الأرض. وأما إن نزعها غيرهما من الناس بغير إذنهما، فإنَّ صاحب الغراس يغرم أيهما شاء بين من نزعها أو صاحب الأرض، وإن غرم صاحب الأرض فليرجع صاحب الأرض على من نزعها بما غرم، وإن غرم من نزعها فقد برا صاحب الأرض. وأما إن نزع تلك الغراس عبد صاحب الغراس أو ابنه الطفل أو مواشيه أو كل ما يخرج من ماله فقد برأ صاحب الأرض من ذلك كله.
باب في العيوب
ومن اشترى غراسا فغرسها في أرضه، فخرج فيها عيب فرضيه، فذلك جائز، وسواء في ذلك أخذت أو لم تأخذ، أو استغلها أو لم يستغلها، وإذا رضي العيب له. وكذلك إن مات فورثها الورثة فرضوا العيب فهي لهم.
فهي
وكذلك من غرسها فباعها لغيره فخرج فيها عيب كان عند البائع الأوَّل، فرضيها من اشتراها فذلك جائز.
وَأَمَّا من اشترى غراسا فغرسها في أرضه، فظهر فيها عيب ولم يرضه، فذلك جائز، ويردُّها على صاحبها الأوَّل، فإن غرسها ولم تأخذ في الأرض فلينزعها ويردَّها على صاحبها إن لم يكن في ذلك ما يَضُرُّها. وإن تنازعا في نزعها وإثباتها، فالقول قول من دعا إلى نزعها ما لم تأخذ؛ وأَما إن أخذت في الأرض، فظهر فيها عيب كان عند البائع، فإنَّه يردُّها بذلك العيب، فإن اتفقا على نزعها فلينزعها صاحبها؛ وإن لم يتفقا على قلعها ودعا صاحبها إلى قلعها فله ذلك، وسواء أكان في ذلك فساد الأرض أو لم يكن؛ ومنهم من يقول: إذا كان في قلعها فساد الأرض فليمسكها صاحب الأرض وليعط قيمتها. وأما إن دعا صاحب الأرض إلى قلعها وأبى صاحبها، فإن لم يكن في ذلك فسادها، فإنه يدرك على صاحبها قلعها؛ وإن كان في ذلك فسادها، فلا يدرك عليه أن يقلعها ويدرك على صاحب الأرض قيمتها
- 562 - (1/562)
صفحة 552
كما كانت حينئذ؛ فإن اختلفا فقال صاحب الأرض لصاحب الغراس ندفع لك قيمة غراسك، وقال له صاحب الغراس: نعطيك قيمة أرضك أو عوضها، فالقول قول صاحب الأرض ويعطي قيمة الغراس لصاحبها؛ ومنهم من يقول: ينظر إلى أقلهما قيمة من ذلك، فليراً صاحب الأكثر على صاحب الأقل قيمة ما له فيما بين الغراس والأرض.
وَأَما إن اشترى رجل أرضا فغرس فيها غراسًا له، فظهر في الأرض عيب (1)، فلا يدرك ردَّها بعد ما غرسها؛ ومنهم من يقول: إن لم يكن لها ذلك عيبا عند أهل النظر فإنه يدرك ردَّها؛ فإن لم تأخذ الغراس فلينزعها، صاحبها، والقول قول من قال بنزعها فيما بين صاحب الأرض أو صاحب الأغراس. وأما إن أخذت في الأرض، فالقول قول من دعا إلى ثباتها، ويعطي صاحب الأرض قيمتها في ذلك الوقت كما كانت حينئذ إن كانت قيمتها على هذا الحال أكثر من قيمتها أَوَّلاً مع عناء من غرسها؛ وإن كانت قيمتها أقل من ذلك فليعط قيمتها أولاً مع عناء من غرسها؛ فإن أعطى قيمتها لصاحبها ففسدت من قبل تضييعه لها، أو من قبل الله، أو من قبل ضعفها، أو لم تأخذ في الأرض، فلا يدرك على صاحبها بعد ذلك شيئًا، وكذلك في الوجوه كلها التي يعطى فيها قيمتها فأعطاها على هذا الحال.
وأَما إن ماتت الغراس قبل أن يردَّ صاحب الأرض على صاحبها قيمتها، فلا يدرك على صاحب الأرض شيئًا بعد ذلك، وإن طلب كل واحد منهم قيمة ماله أو طلب أن يرد على صاحبه قيمة ماله فالقول قول من قال أن يردُّ صاحب الأرض على صاحب الغراس قيمة غراسه وتكون الغراس والأرض لصاحب الأرض؛ ومنهم من يقول: يردُّ صاحب الأكثر قيمة عَلَى صاحب الأقل قيمة؛ ومنهم من يقول: إنَّما ينظر في ذلك إلى ما يكون في ذلك من فساد، فيرد صاحب الأكثر فسادا على
1 - كما لو كانت سبخة، أو في بحرى السيول الجارفة، أو الرياح العاصفة.
- 563 - (1/563)
صفحة 553
من هو أقل فسادًا (1). وإن اتفقوا أن يقلعها صاحبها حيث يدرك عليه أو حيث لا يدرك عليه، فاتفقوا على ذلك فقلعها صاحبها ففسدت أو ماتت أو بطلت بمعنى من المعاني، فلا يدرك على صاحب الأرض بعد ذلك شيئًا.
ومنهم من يقول: فيمن اشترى غراسا في الأرض على أن ينزعها فنزعها، فظهر فيها عيب، فلا يدرك رَدَّها بعد ذلك. وكذلك إن اشترها فغرسها حتى أخذت في الأرض، فظهر فيها عيب، فلا يدرك رَدَّها. وكذلك إن اشتراها فيبست بعدما كانت مبلولات فلا يدرك رَدَّها. وكذلك إن دوّدت (2) أو تغيرت على هذا الحال الذي اشترى عليه فلا يدرك رَدَّها.
مسألة
ومن اشترى غراسا أو أرضًا من رجل واحد فغرس تلك الغراس في تلك الأرض، فخرج في الأرض والغراس جميعا عيب، فإنه إن رضيها فسبيلهما ذلك، وإن دفع ذلك العيب، فليرجع ذلك كله إلى صاحبه أخذت الغراس أو لم تأخذ، ولا يدرك عناءه؛ ومنهم من يقول: إن رضي العيب الذي خرج في الغراس، ودفع
1 - خلاصة القول في هذه الوجوه كلها:
- القول الأول هو أن صاحب الأرض هو الأصل، فمهما كان الفساد فهو قاعد في أرضه، ويعوض لصاحب الغراس غراسه أو قيمتها. - القول الثاني: ينظر إلى قيمة الأرض وقيمة الغراس، فمن كان صاحب الأكثر قيمة استحق الأرض والغراس ودفع قيمة ما أخذ من صاحبه. - القول الثالث: ينظر إلى قيمة ما يحدث من فساد في الأرض أو الغراس بسبب قلع الغراس، فيكون صاحب الأكثر فساداً أي) الذي يلحقه الضرر أكثر لو قلعت) وهو الذي يستحق الغراس والأرض ويرد على الآخر الأقل فسادًا لو قلعت قيمة ما يحدث من فساد في أرضه أو غراسه. وهذا على قاعدة ارتكاب أخف الضررين. والله أعلم.
2 «دودت»، قال في القاموس: «دَادَ الطعامُ يَدَادُ دَوْدًا وأدَادَ ودَوَّدَ ودَيَّدَ: صار فيه الدُّودُ». اهـ. وَعَلَى هَذَا المعنى فعبارة دوّدت الأرض: ظهر فيه الدود.
- 564 - (1/564)
صفحة 554
العيب الذي خرج في الأرض فإنه تكون الأرض لصاحبها، فإن كانت الغراس لم تأخذ فلينزعها؛ وإن أخذت ولم يكن الفساد في نزعها فلينزعها أيضًا، والقول في ذلك قول من قال بنزعها. وإن أراد صاحبها نزعها فلينزعها ولو كان فيها الفساد إذا لم يكن الفساد في الأرض؛ وإن كان الفساد في الأرض فلا يصيب صاحبها نزعها، ولو لم يكن فيها الفساد، ويعطي صاحب الأرض قيمتها حيث يعطيها، ويأخذها صاحب الغراس أو العوض (1) حيث يأخذه؛ وإن رضي العيب الذي خرج في الأرض، ولم يرض الذي خرج في الغراس، فإنه إن لم يكن في نزعها فساد، فالقول قول من قال بنزعها، وإن كان في نزعها فساد أو في الأرض، فالقول قول من أبى نزعها، إلا إن رضي الذي كان الفساد في شيئه، ولم يكن الفساد في شيء صاحبه؛ وأَما إن كان الفساد في شيء صاحبه فلا يصيب النزع إلا باتفاق منه؛ وإن نزع أحدهما شيئًا من ذلك بغير اتفاق شريكه فهو ضامن لما قام من الفساد على نزعه، سواء في ذلك صاحب الغراس أو صاحب الأرض.
مسألة
وإن اشترى رجل غراسا من، رجل، واشترى أرضا من رجل آخر، فخرج العيب في الغراس وفي الأرض جميعا، فدفع العيب بعدما غرسها، صارت الغراس لمن باعها، والأرض لمن باعها له أيضا، فالجواب فيها كالجواب في التي قبلها. فإذا لم يكن الفساد في نزعها فلينزعها صاحبها، ولا يدرك على من غرسها، ولا يدرك عليه العناء أيضا (؟)؛ ولا يدرك هو أيضا فيما تعنى في غراسها وما أصلح في الأرض وإن كان الفساد من قلع الغراس فالجواب فيها كالتي قبلها في رد القيمة أو العوض حيث يكون.
1 - أضاف الناسخ: ويأخذها صاحب الغراس أو العوض وهو ما أثبتناه. وَهُوَ في المتن، «ويأخذها من صاحب الغراس والعوض».
2 قوله: «ولا يدرك عليه العناء ... » يريد عناء النزع، بدليل ذكر عناء الغرس بعد ذلك.
- 565 - (1/565)
صفحة 555
وإن (1) اشترى سهم شريكه من الغراس، فغرسها في أرضه، فخرج فيها العيب فإنَّه إن رضي العيب أمسكها، وإن دفع العيب، فليراً عليه شريكه في الغراس ما ناب سهمه في الغرس من الأرض؛ ومنهم من يقول: يعطي صاحب الأرض شريكه في الغراس قيمة ما نابه في الغرس في ذلك الوقت.
وَأَمَّا إن اشترك رجل مع رجل في أرض فاشترى نصيب شريكه منها، فغرس فيه غراسه فخرج العيب في الأرض فرضيه فسبيله ذلك؛ وإن دفعه فليرد عليه شريكه في الأرض قيمة ما ينوبه من الغراس على قدر ما له في الأرض ومنهم من يقول: يضمن صاحب الغراس لشريكه عوض ما كانت فيه غراسه وما أبطلت من الأرض.
فرضي
سهم
مسألة
وإن اشترى غراسا من رجلين فغرسها في أرضه، فخرج في الغراس عيب أحدهما ودفع سهم الآخر؛ فإن اشتراها في صفقة واحدة فلا يصيب رَدَّ بعضها، إلا إن رضي صاحب السهم الذي دفعه بذلك؛ ومنهم من يقول: إن بينوا ثمن ما لِكُلِّ واحد منهما من الغراس فجائز له رَدُّ بعضها دون بعض، سواء في ذلك
اشترى في صفقة أو في صفقات.
وَأَمَّا إن اشترى من رجال شَتّى غرسة واحدة أو غراسًا مفترقة، تمكن فيها القسمة أو لا تمكن في صفقة واحدة، فغرسها في أرضه، فخرج في واحدة ـــ أو فيها كلها ـ عيب، فدفع سهم أحدهم ورضي سهم الآخر، فذلك رضا منه بالكل، فإن ردها كلها بالعيب، فالجواب فيها كالتي قبلها أن يرد عليهم صاحب الأرض قيمة غراسهم فيمسكها؛ ومنهم من يقول: إن أبطلت الغراس الأرض حتى لا ينتفع بها يمسك أصحاب الغراس غراسهم مع الأرض، ويضمنون لصاحب
1 - أضاف الناسخ: «لَعَلَّ هنا "مسألة ترجمة فسقطت من الناسخ».
- 566 - (1/566)
صفحة 556
الأرض عوض أرضه. وإن ردَّ بعض الغراس بالعيب ورضي بالبعض، فهو بمنزلة الشريك الذي يغرس في أرضه غراسا اشترك فيها مع غيره) إلا ما تعنى في ذلك
قبل أن يدفع العيب، فلا يدركه؛ وما تعنى بعدما دفع العيب فإنه يدركه (2).
وإن اشترى رجلان أرضا، فغرسا فيها غراسًا، فخرج في الأرض عيب، فردَّ أحدهما ورضي الآخر، هو مثل من أخذ غراسه فغرسها في أرض اشترك فيها مع غيره، فإنَّه يرد له الذي رجع إليه سهمه بالعيب مقدار ما نابه في الأرض من قيمة الغرس.
وإن اشترى من رجلين غراسا فغرسها في أرضه فمات أحدهما فورثه فخرج العيب في الغراس فدفعه المشتري، فلا يجد ذلك وكذلك إن اشترى أرضا من رجلين فغرس فيها غراسا فمات أحدهما فورثه فخرج العيب في الأرض، فلا يجد ذلك أيضًا؛ ومنهم من يقول: يردُّ سهم من لم يرثه في الأرض والغراس جميعا؛ وإن خرج العيب في الأرض بعدما ورث نصفها فدفعه فليعط عوض ما نابه الذي ردّ بالعيب، أو يأخذ قيمة ما ناب ما ردَّ من الأرض بالعيب من الغراس وكذلك الجواب في الغراس على هذا الحال.
وإن اشترى غراسا من رجل، فغرسها في أرضه فمات البائع فورث منه سهما، فخرج العيب في الغراس، فلا يجد ردّها؛ ومنهم من يقول: يردُّ ما ناب غيره من الورثة، فيكون الجواب فيها كالتي قبلها.
وكذلك الأرض إن اشتراها من رجل فغرس فيها فمات البائع فورثه منه بعضا، فخرج فيها العيب، فالجواب فيها كالتي قبلها.
-1 - أضاف الناسخ: «لَعَلَّ هنا سقط فلا يدرك إلا “. 2 - أضاف الناسخ: «صوابه لا يدركه».
..
- 567 - (1/567)
صفحة 557
مسألة
وإن اشترى أرضا من رجل فغرسها فمات البائع فورثه ابن المشتري، فخرج العيب في الأرض فدفعه (1)، فإنَّه إن كان الابن بالغا فهو كغيره من الناس؛ وإن كان طفلا فإنَّه يجعل له خليفة فيستمسك به فليرد له الأرض، فيكون حكمه مع خليفة ابنه كحكمه مع سائر الناس في ردّ القيمة حيث تكون، أو العوض أو القلع. وجميع ما يؤخذ من مال ابنه الطفل من جميع المقبوض فلا يحتاج له خليفة؛ وأَما غير المقبوض شبه العوض، وكلّ ما لا يمكن له قبضه مما يحكم له على ابنه، فذلك يحتاج إلى الخليفة.
وكذلك من اشترى من رجل أرضا فغرس فيها، أو اشترى غراسا فغرسها في أرضه، فمات البائع، فخرج العيب في الأرض أو في الغراس فدفعه، فاستخلف المشتري على ابن البائع الطفل، فإنه يأخذ العشيرة أن يجعلوا للابن خليفة، فيستمسك به المشتري ويردُّ الأرض أو الغرس إلى خليفة العشيرة (2)، ويدرك عليه القيمة في موضعها أو العوض حيث يدرك، والعناء في موضع يجب فيه، والقلع في موضعه أيضًا. وكذلك خليفة العشيرة يدرك على خليفة اليتيم جميع ما يجب عليه لليتيم؛ فإن انفصل ما بينهما رجع جميع ذلك في يد خليفة اليتيم الأول.
مسألة
ومن اشترى من رجل أرضا فغرسها، أو غراسا في أرضه، فاستخلف البائع المشتري ثمَّ غاب فخرج العيب في الأرض أو في الغراس، فإنه يدفع العيب إن أراد
ذلك، فإن رضيه فسبيله ذلك.
1 قوله: فخرج العيب في الأرض فدفعه ... » معناه فظهر عيب في الأرض فرده و لم يرض به. 2 قوله: «إلى خليفة العشيرة يريد به الخليفة الذي عينته العشيرة.
- 568 - (1/568)
صفحة 558
قلت: إن دفع العيب فهل يدرك على عشيرة الغائب أن يستخلفوا له خليفة
يستمسك به؟
قال: لا، وينظر الغائب حتى يقدم ويستمسك به على ما أراد، أو يستخلف الغائب خليفة تقوم مقامه، أو كانت له خليفة قبل غيابه على هذا وأشباهه من الخصومات. أو مات الغائب فورثته بمقامه، أو وصل إليه المشتري فيخاصمه. وعلى المشتري إن دفع العيب حفظ ما في يده من كُلِّ مضرّة تصل إليه فيما لم يستغن عنه حتى يقدم الغائب أو خليفته أو ورثته فيخاصم؛ فإن ردَّ الغراس فيدرك العناء على من وجبت له الغراس، وكذلك جميع ما أنفق بعد دفع العيب. وإن تلفت الغراس قبل قدوم الغائب فلا خصومة بينهما، ولا يدرك عليه شيئًا في الحكم، وأما فيما بينه وبين الله إذا علم في شيئه عيباً قبل البيع، وعلم الدفع من المشتري بمشاهدته لذلك أو بمشاهدة الأمناء، فيرد الثمن على المشتري؛ ومنهم من يقول: لا يكون عليه في قيمة شيئه شيء؛ فإن فضل من الثمن على القيمة شيء رَدَّه على المشتري. وإنما ينظر في قيمة الشَّيْء في حين تلفه؛ ومنهم من يقول عليه رد أرش العيب، ولو كان في قيمة الشيء مثل الثمن أو أكثر منه.
مسألة
قلت: فرجل باع من ابنه الطفل أرض (1)، فغرسها له، فخرج في الأرض عيب، فإنه يدفع العيب، وترجع إليه الأرض من غير خليفة؛ ودفعه هو رجوع الأرض إليه؛ ومنهم من يقول: لا يصيب ذلك إلا بخليفة، وإن رأى أنَّ تلك الأرض تصلح لابنه الطفل مع وجود العيب فليرضها، له ويعطيه أرش العيب؛ ومنهم من يقول: لا يجوز له الرضا إلا بخليفة مثل الدفع؛ ومنهم من يُرخص الا يكون عليه من الأرش شيء فيما بينه وبين
:
إن رأى أن تلك الأرض تصلح لابنه الطفل. الخلافة والوكالة في هذا سواء.
قلت: فإذا رجعت الأرض إلى البائع بعدما غرسها لابنه؟
1 - قوله: «باع من ابنه الطفل أرضا» هو بمعنى: باع الأبُ أرضا هي ملك له لابنه الطفل.
الله
- 569 - (1/569)
صفحة 559
قال: الغرس لولده، والأرض له، فإن أراد أن يتراددا هو وولده القيمة، فلا يصح ذلك إلا بخليفة، فيأخذ لابنه الطفل خليفة يدفع له القيمة، وتكون الغراس له؛ أو يأخذ منه القيمة، فيكون الغراس للابن وإن أراد أن يقيما على حالهما فتكون الأرض له والغراس لولده فذلك جائز؛ وإن أخر الحكومة حتى يبلغ ابنه الطفل، فيكون الخيار للابن، فإن رضي بالعيب فسبيله ذلك؛ وإن دفع فيكون كغيره من الناس على ما تقدَّم ذكره من الجواب في ردّ العيب وأخذ القيمة ودفعها والقلع والعوض. وكذلك ولده البالغ إذا باع منه كغيره من الناس.
قلت: فرجل اشترى لابنه أرضا فغرسها فخرج فيها عيب فردها؟
قال: إنَّه يدرك عليه في هذا ما يدرك عليه إذا اشترى لنفسه، ويدرك هو على البائع ما يدرك عليه إذا اشترى لنفسه وما يدركه على البائع فَإِنَّمَا يعطيه من مال ابنه الطفل إن كان له مال، فإن لم يكن له مال فليعطه من ماله ثم يرجع به على ابنه إذا استفاد المال. وكذلك إذا أعطى على أن يرجع إليه، فإن أعطى على الا يرجع إليه، فلا يرجع إليه شيء؛ وإن مات الأب فورثته بمقامه فيما يرجع به وما لا يرجع به؛ وإن مات الأب فخليفة الابن في مقام والده فيما يأخذه له من العوض أو القيمة؛ وكذلك الابن إذا بلغ ولم يأخذ له والده شيئا مما يدركه الابن من العوض والقيمة فهو في مقامه.
وَأَمَّا كل ما فعله الوالد في مال ولده من الردّ بالعيب أو رضاه، وأخذ القيمة فيما يأخذها فيه، أو العوض، أو عطيتهما، فبلغ الطفل فذلك جائز عليه، ولا يَرُدُّ مِمَّا فعله أبوه شيئًا. وكذلك الخليفة إن فعل هذا كلّه من الرد بالعيب والرضا به، وأخذ القيمة أو عطيتها وأخذ العوض أو عطيته فذلك جائز.
وإن بلغ اليتيم، أو أفاق المجنون، أو قدم الغائب، فلا يصيبون ردَّ ذلك كله، سواء ايصلح ذلك لهم أو لا يصلح، فهو جائز في الحكم، وأَما فيما بينه وبين الله إن أتلف شيئًا كما لا يجوز له (1) فهو ضامن له.
1 قوله إن أتلف شيئًا كما لا يجوز له معناه: إن أتلف شيئًا على وجه لا يجوز له.
-
- 570 - (1/570)
صفحة 560
وأما إن باع أرض ابنه الطفل لابنه الطفل أيضًا بالخليفة فغرسها، فخرج فيها
عيب، فإنه يجوز له رضاه ودفعه. وكذلك إن اشترى غراسا من ابنه الطفل لابنه الآخر بالخليفة فغرسها، فخرج فيها عيب، فإنَّه يجوز له رضاه ورده بالعيب، ويأخذ القيمة من مال أحدهما للآخر من غير خليفة، ولا يأخذ عوضًا من مال الآخر إلا بالخليفة؛ ويقلع أيضا ما غرس في تلك الأرض في موضع يقلع فيه، وإن لم يقلع) الأب شيئًا مِمَّا ذكرنا من هذا كله حَتَّى بلغ الأطفال، فإنَّه يجوز لهما فيما بينهما مِمَّا يجوز فيما بين البائع والمشتري.
مسألة
وَأَما إن اشترى الخليفة غراسا مِمَّن استخلف عليه بخليفة آخر، فغرسها في أرضه أو لم يغرسها، أخذت تلك الغراس أو لم تأخذ فخرج فيها عيب، فإنه إن لم تأخذ تلك الغراس فيأخذها صاحبها؛ وإن أخذت تلك الغراس فلا يصيب رَدَّها، إلا إن استخلفت له العشيرة خليفة يأخذ منه القيمة، أو يعطيها له، أو يأخذ منه العوض.
وكذلك إن اشترى منه الأرض فغرسها فخرج فيها عيب، الجواب فيها واحد، ولا تصح له الخصومة في الذي خرج فيه العيب إلا بخليفة أخرى. وكذلك المجنون إن اشترى منه خليفته غراسا أو أرضا، فخرج في ذلك عيب، فلا تصح له الخصومة فيه إلا بخليفة أخرى، أو بلغ اليتيم أو أفاق المجنون، فيخاصمهم فيدرك عليهم كل ما يدرك على غيرهم أخذ القيمة أو العوض في موضعه أو القلع في مكان يقلع فيه.
من
وأما إن باع الخليفة غراسا لمن استخلف عليه من اليتيم أو المجنون، فغرسها في أرضهما فخرج فيها عيب، فلا يدفع ذلك العيب ولا يرضاه إلا بخليفة ثانية يَرُدُّ عليه ذلك الذي خرج فيه العيب أو يرضاه وجائز له أن يرضى ذلك العيب إن رأى أن
1 - أضاف الناسخ: «صوابه: يفعل».
- 571 - (1/571)
صفحة 561
ذلك أصلح؛ فإن لم ير ذلك له صلاحا فلا يجوز له أن يرضاه له. وأما دفع العيب فإنه يجوز له أن يدفعه رأى ذلك صلاحا أو لم يره، سواء في هذا الغراس والأرض وغيرهما ممَّا اشتراه له الخليفة إذا خرج فيه العيب، فلا يضمن له شيئًا إذا دفعه.
مسألة
وأما ما اشتراه الأب لابنه الطفل، فمات فاستخلفوا له خليفة، أو ما اشتراه الخليفة ليتيم قد استخلف عليه أو مجنون فزال من الخلافة، فحدثت خليفة أخرى، ولم يدر هذا الخليفة ما صنع من كان قبله من الرضا بالعيب؛ أو اشترى على علم منه برؤية العيب، أو بلغ الطفل، أو أفاق المجنون، ولم يدروا ما فعل من كان قبلهم ممن ذكرنا، فلا يصيبون دفع العيب فيما بينهم وبين الله، إلا إن قال الأب: ما اشتريت هذه المعاني على علم مني بالعيب، أو ما رضيت به أيضا بعد الشراء؛ أو قاله خليفة اليتيم أو المجنون من ذلك أيضًا لمن استخلفوا عليه، فإنهم يخاصمون ويكونون في هذا بمنزلة ما ولوه بأنفسهم من الشراء. وكذلك البينة بمنزلة الإقرار ممن ذكرنا.
وإن اشترى الخليفة لمن ولي أمره غراسا فغرسها لهم، فبلغ الطفل أو أفاق المجنون فخرج العيب فيما اشتراه لهم خليفتهم فدفعوه ولم يصلوا إلى قلع الغراس إلا بفسادها، فإنَّهم يعطون لأصحاب الغراس قيمتها في الوقت الذي يَرُدُّون فيه القيمة، ويرد منهم الثمن الذي أعطى لهم، وإن شاء حاسبهم به، ولا يدرك عليهم من العناء شيئًا ولا يدرك على الخليفة الذي اشترى له هذه الغراس ممَّا أعطى شيئًا، ولا يدرك الابن أيضًا في مال ابنه شيئا؛ وكذلك ما اشتراه خليفة الغائب من الغراس فغرسها في أرضه فقدم الغائب فخرج فيها عيب فدفعه، ولا يصل إلى قلعها إلا بفسادها، فدفع الغائب قيمة هذه الغراس للبائع، فلا يرجع على خليفته بشيء مِمَّا أعطى من قيمة الغراس وسواء في هذا أتعمد خليفته شراء ما كان فيه العيب أو لم يتعمده، إلا إن كان خليفة مفوضة فلا يجد دفع العيب الذي اشتراه له على علم منه.
- 572 - (1/572)
صفحة 562
مسألة
وَأَمَّا خليفة اليتيم والمجنون وأبو الطفل إن اشتروا لهم أرضا فغرسوها لهم بغراس من مالهم، فمات الأب أو ماتت خليفتهم، فخرج العيب في الأرض فدفعوه، فإن لم يكن الفساد في الغراس (1) فلينزعها أصحابها، وإن كان في نزعها الفساد فلا يصيب صاحب الأرض نزعها، وَلَكِنَّ صاحب الأرض بالخيار، إن شاء أن يعطي قيمة الغراس، فتكون الأرض والغراس له جميعًا؛ وإن أرَادَ أن يأخذ العوض (2) فله ذلك، ولا يدركون على خليفتهم شيئا.
قلت: وإن اشترى خليفة اليتيم غراسا أو أرضا لليتيم، فخرج في الأرض أو في الغراس عيب بعدما أعطى الثمن للبائع فردَّ الخليفة على البائع غراسا أو أرضا، وجحد البائع الثمن هل يضمن الخليفة ذلك الثمن؟
قال: لا إذا لم يصل إليه بالبينة أو اليمين وكذلك الوكلاء على هذا الحال؛ ومنهم من يقول: ضامن. وأما الخليفتان لليتيم إن اشتريا غراسًا لليتيم فغرساها في أرضه، فخرج العيب في الغراس فجائز لِكُلِّ واحد منهما أن يرضى بالعيب أو يدفع، وهذا إذا كان لِكُلِّ واحد منهما الشراء دون صاحبه، فإذا دفع أحدهما ورضي الآخر، فإنما ينظر في ذلك إلى الأوّل منهما. وكذلك هذا في البيوع كلّها وأَما إن استخلفهما معا، فلا يجوز لهما إلا أن يرضيا بمرة أو يدفعا بمرة؛ وإن دفع أحدهما دون الآخر، فلا يجوز حتى يجوز له صاحبه أو يدفع معه.
وإن اشتريا غراسا لليتيم الذي استخلفا عليه فغرساها في أرض اليتيم، فخرج
العيب فدفعاه؟
1 قوله: «فإن لم يكن الفساد في الغراس» يبدو لي أنَّ في العبارة سقط كلمة نزع فتكون العبارة هكذا: «فإن لم يكن فساد في نزع الغراس فلينزعها أصحابها».
2 قوله: «وإن أراد أن يأخذ العوض .. ... معناه: أن يأخذ عوض أرضه.
-573 - (1/573)
صفحة 563
قال: إن كان حيث يجوز فعل كُلِّ واحد منهما فجائز له أن يخاصم كل واحد
منهما، ويرد الثمن من البائع، ويأخذ بالقلع حيث يدركان القلع، والعوض حيث يدركانه، سواء من ولي الشراء بنفسه منهما أو من لم يله). وإن كانت خلافتهما معا، فلا يأخذ كل واحد منهما البائع بالقلع والثمن والعوض إلا معا، أو أمر أحدهما صاحبه بذلك. وكذلك إن اشتريا أرضا لليتيم فغرسا فيها غراسا لذلك اليتيم، فخرج العيب في الأرض فدفعاه الجواب فيها كالجواب في الغراس فيمن يدرك عليه وحده، ومن لا يدرك عليه إلا مع صاحبه. وإذا استخلفا معا فلا يدرك كل واحد منهما نزع الغراس والثمن إلا مع صاحبه أو إذنه. وإن استخلفا مفترقين فليدرك كل واحد على صاحب الأرض نزع الغرس أو القيمة، وكذلك العوض حيث يدركه عليهم صاحب الأرض على ما فَسَّرنَاه.
مسألة
قلت: فيتيم له خليفتان استخلفا عليه مفترقين أو معا، فاشتريا له أرضا فغرساها، أو غراسا فغرساها في أرضه، فخرج العيب في الأرض أو في الغراس فدفعا العيب، فأخذا بالقيمة حيث تحب أو القلع في موضعه أو العوض، فقلع أحد الخليفتين أو دفع القيمة هل يدرك ذلك كله في مال اليتيم الذي استخلف عليه؟ قال: نعم، وإن لم يكن له مال فليدرك ذلك على خليفته.
قلت: فهل يدرك أحد الخليفتين على صاحبه ما ينوبه من ذلك إن لم يكن لليتيم مال؟ قال: نعم، وذلك إذا كان فعل كُلّ واحد من الخليفتين لا يتم إلا بصاحبه. وكذلك إذا كانوا ثلاثة أو أكثر من ذلك إذا كانوا لا يتم فعلهم إلا معا، وإنما يعطون ذلك على الرؤوس حتى يجدوا مال اليتيم الذي استخلفوا عليه فليأخذوا
-1 في الأصل: «لم يوله»، وَهُوَ خطاً.
- 574 - (1/574)
صفحة 564
377
منه.
وأما إذا استخلف كل واحد منهم على حدة، فأخذ واحد منهم على الدفع للقيمة أو القلع أو العوض، فلا يدرك ذلك إلا على من استخلف عليه، وإن لم يجد استخلف عليه غرم ذلك من نفسه، ولا يدرك على غيره من الخلائف شيئًا
مال من
إلا من جعله في ذلك منهم.
استخلف من
قلت: فهل يدرك بعض هؤلاء الخلائف على بعض أن يدفع له من مال عليه ما وجب عليه مِمَّا غرم من ذلك من نفسه ولم يغرم مِمَّا وجب عليه (1)؟
قال: إن كانوا مفترقين في خلافتهم فيدرك بعضهم على بعض، وإن كانوا مجتمعين فلا يجوز إلا بخلافة غيرهم، أو يتركوه حتى يبلغ الطفل وتتم أفعاله.
مسألة
قلت: فرجلان استخلفا على يتيم فاشترى له أحد الخليفتين. أرضا أو غراسًا؟
قالوا: إن كانا مجتمعين في الخلافة فلا يجوز، وإن كانا مفترقين فجائز.
الآخر
قلت: فإن اشترى له أحد الخليفتين من صاحبه أرضا أو غرسا، فخرج العيب في الأرض أو الغرس فأراد أن يمسك بصاحبه بالرد بالعيب أو أخذ القيمة أو دفعها أو أخذ العوض أو دفعه؟
قال: إن كانا، مفترقين فإنه يستمسك بصاحبه في جميع ذلك، ويدرك عليه في جميع ما يدرك على غيره، وذلك مثل أن يشتري أحد الخليفتين من الآخر غراسا فغرسها في أرض اليتيم، فخرج في الغراس عيب، فدفع العيب، قال: إن كانت الغراس لم تأخذ، فيأخذ البائع الخليفة بالقلع، وسواء في ذلك أغرسها البائع أو
1 - معنى العبارة: إذا تبرع أحد الخلائف فدفع من ماله منابه ومناب غيره من! الخلائف مما وحب عليه (أي الخليفة (الآخر) فإنه يدرك عليه ذلك. والله أعلم.
- 575 - (1/575)
صفحة 565
المشتري، فيدرك عناءه في ذلك على البائع، ويعطيه له من مال اليتيم فيأخذه منه، ولا يدرك البائع على المشتري رَدَّ الغراس إلى موضعها؛ وإن لم يكن عناء في نزع الغراس فلا يدرك البائع على المشتري قلع الغراس.
وإن قلع ذلك البائع بنفسه ولم يأخذ به المشتري؟
قال: إن كان في ذلك عناء فإنه يدركه على المشتري فيعطيه له من مال اليتيم؛ وإن لم يجد مال اليتيم فليغرمه من نفسه.
قلت: فإن اشترى أحد الخليفتين من الآخر أرضا لليتيم فغرس فيها غراسا لليتيم فخرج في الأرض عيب؟
قال: الدفع والرضا في ذلك للمشتري، وليس للبائع في ذلك صنع، وإن أخذت الغراس ولا يوصل إلى قلعها إلا بفسادها أو بفساد الأرض، فلا يؤخذ بالقلع، إلا إن اتفقا أو رضي صاحب الغراس بقلع غراسه ولو بفسادها، إذا لم يكن في ذلك فساد الأرض، وإن لم يرض صاحب الغراس بالقلع فليدفع له الخليفة الباقية (1) قيمة الغراس؛ ومنهم من يقول: إنَّما يدفع القيمة صاحب الأكثر منهما لصاحب الأقل من الغراس والأرض.
وأَما إن استخلفا على يتيمين، فأراد أن يشتريا لأحد اليتيمين غراسا من الآخر، فإنَّه إن لم يستخلفا عليهما معا، فجائز لهما أن يشتري أحد الخليفتين لمن أراد من اليتامى من مال اليتيم الآخر من صاحبه أما إن استخلفا عليهما معا فلا يشتر أحدهما من الآخر؛ وإن أراد ذلك فلتجعل العشيرة خليفة لأحدهما، فيبيعا منه ويشتريا منه.
وأَما إن استخلفا منفردين فاشترى أحدهما لأحد اليتيمين من الخليفة الأخرى غراسا من مال اليتيم الآخر، فغرسها في أرض الذي اشترى له، فخرج فيها عيب
1 قوله: «فليدفع له الخليفة الباقية» معناه الخليفة الآخر. وقد تَقَدَّمَ أنه أحيانا يعتبر لفظ الخليفة المؤنث، وأحيانا معنى الخليفة وهو مذكر.
- 576 - (1/576)
صفحة 566
فدفعه، فليأخذه الخليفة الذي باع له بقلع تلك الغراس إن لم تأخذ، ويدرك عليه عناءه، ويعطيه من مال صاحب الأرض من اليتامى (1) إذا كان في يده؛ وَأَمَّا إن كان المال في يد المشتري الذي أخذه بقلع الغراس فليستمسك بالخليفة الباقية بعنائه، ويستمسك به هو أيضا على أن يعطيه منه عناءه.
مسألة
وإن اشترى أرضا من ذلك اليتيم، فغرسها بغراس اليتيم، فخرج في الأرض عيب، مدفعه الخليفة المشترية، فإنه إن لم يكن الفساد في الغراس فليأخذ الخليفة الباقية الخليفة المشترية بنزع تلك الغراس، كما قلنا أَوَّلاً، وكذلك إن أخذت الغراس ولم يكن الفساد في نزعها أو في الأرض على هذا الحال.
وَأَما إن كان الفساد في أحدهما، فلا يتداركان نزعها، ويعطي الخليفة الباقية حيث رجعت إليه الأرض بالعيب قيمة تلك الغراس من مال صاحب الأرض من اليتامى للخليفة المشترية ويأخذها منه.
مسألة
والمقارض إذا اشترى أرضا فغرسها فخرج فيها عيب فدفعه المقارض، فذلك جائز؛ وإن دفعه صاحب المال فجائز أيضًا؛ وإن رضيه أيضًا أحدهما فجائز وإن أحدهما ودفع الآخر، فَإِنَّمَا ينظر في ذلك إلى الأوَّل منهما في الرضا والرد، ولا يشتغل بالآخر منهما؛ وإن لم يعلم الأوَّل منهما من الآخر فليعطّل ذَلِكَ الشَّيْء حتى يعلم الأول منهما؛ ومنهم من يقول القول قول من رضي منهما إلا في قول
رضي
1 قوله «ويعطيه من مال صاحب الأرض من اليتامى لو قال: ويعطيه من مال اليتيم صاحب كان في يده» لكانت العبارة أوضح. وقوله: «في يده»، الضمير فيه عائد على المال
الأرض إذا
مال اليتيم).
- 577 - (1/577)
صفحة 567
من يقول إنَّ العيب انفساخ، فيكون القول قول من دفع العيب منهما، سواء في هذا كله أكان الربح في المال أو لم يكن، وإن دفع أحدهما العيب أو دفعاه جميعا، وقد دفعا الثمن للبائع فإنه يدركه كل واحد منهما، ويقبض منه الثمن، سواء أقبضاه منه مفترقين أو مجتمعين أو أخذه أحدهما دون الآخر، إلا إن اقتسما، فحينئذ لا يقبض صاحب المال إلا سهمه. وأما المقارض فجائز له قبضُ جميع ما عامله فيه إلا إن نهاه صاحب المال ألا يدفع للمقارض، فحينئذ لا يدفع للمقارض سهمه. وأَما الغراس التي غرسها فيها المقارض أو صاحب المال، فإنهما يؤخذ بنزعها كل واحد منهما إذا لم يكن فيها فساد جميعا أو مفترقين ولا يدركان على صاحب الأرض عنايهما في النزع لأنهما غرسا لأنفسهما ورجعت إليهما.
وأما إذا كانا لا يصلان إلى نزع الغراس إلا بفسادها أو بفساد الأرض، فلا يؤخذ بالقلع ولا يقلعه صاحب الأرض أيضا، ولكن يعطي صاحب الأرض قيمة الغراس، وتكون له الغراس والأرض، ويعطي أيضًا عناء من غرسها؛ ومنهم من يقول: ليس عليه عناء، لأنَّ من غرسها إِنَّمَا تعنى في ماله.
وأما إن اشترى المقارض من صاحب المال أرضا للقراض، فغرسها، فخرج في الأرض عيب، فدفعه المقارض فذلك جائز. وكذلك رضاه للعيب. وأما إن دفع صاحب المال العيب فيما اشتراه منه المقارض فلا يشتغل به ورضاه كذلك. وإن دفع المقارض العيب الذي خرج فيما اشتراه من صاحب المال، وقد غرس فيها غراسًا، أخذت أو لم تأخذ فلا يدرك في الغراس شَيْئًا، وصارت الأرض والغراس التي فيها لصاحب المال؛ فإن كان في الغراس شَيْء من الربح قبضه المقارض؛ وإن لم يكن ربح فليس له شيء، إلا إن قال صاحب المال: اقلع الغراس التي غرست، فإن أراد المقارض قلعها فله ذلك؛ وإن لم يرد فلا يدرك ذلك عليه، إلا إن كان في الغراس ربح. ويدرك على صاحب المال.
وَأَما إن اشترى المقارض من صاحب المال غراسا، فغرسها في أرض القراض، فخرج العيب في الغراس، فدفعه المقارض فذلك جائز؛ وكذلك رضاه بالعيب. وأما
- 578 - (1/578)
صفحة 568
رد صاحب المال للعيب ورضاؤه فلا يشتغل به. وإن دفع المقارض العيب فتكون الغراس لصاحب المال، ولا يدرك عليه المقارض القلع، وتكون الأرض والغراس لصاحب المال؛ وإن كان في الأرض ربح أخذ المقارض سهمه، وإن لم يكن ربح مضى لسبيله.
وإن اشترى الأرض والغراس فخرج العيب في الغراس بعد قبض صاحب المال رأس ماله فدفع فيكون فيما نابه من الأرض كغيره من الناس في القلع وقبض القيمة في موضعها، والعوض حيث يجب، وكذلك الذي تَقَدَّمَ ذكره في شراء المقارض الأرض من صاحب المال على ما قلناه في مسألة الغراس إذا اقتسما.
وأما إن اشترى المقارض من صاحب المال أرضا وغراسا، فغرس الغراس في الأرض، فخرج العيب في الغراس فدفعه، فإنَّ الأرض والغراس لصاحب المال، فإن كان ربح قبض سهمه، وإن لم يكن الربح مضى لسبيله.
وإن اشتري أرضا وغراسًا، فخرج العيب بعدما اقتسما، فدفعه المقارض، فلا يجوز دفعه، ولا دفع صاحب المال؛ ومنهم من يقول: دفع المقارض جائز، ويأخذ رأس ماله وتكون الغراس والأرض لصاحب المال؛ وأَمَّا إن لم تأخذ الغراس في هذا كله فيأخذها صاحبها وتكون الأرض لصاحبها.
وإن اشترى صاحب المال من المقارض أرضا للقراض، فغرسها من غراس القراض، فخرج العيب في الأرض، فدفعه صاحب المال فدفعه جائز؛ وكذلك رضاه. وأما دفع المقارض ورضاه فلا يشتغل به في الذي اشترى من عنده، وتكون الأرض للمقارض بعد دفع صاحب المال للعيب، وتكون الغراس للقراض.
وإن أراد المقارض أن يدفع قيمة الغراس فتكون الأرض والغراس له، فإن كان في الغراس ربح حط عنه من القيمة بقدر ما نابه من الربح، ولا يدرك القلع على صاحب المال ولا يدركه عليه صاحب المال إذا كان الفساد في الأرض أو كان للمقارض في الغراس سهم؛ وأَما إن لم يكن في الأرض فساد، أو ليس له في الغراس
- 579 - (1/579)
صفحة 569
سهم، فله أن يقلع إن أراد ذلك. وأما إن كان في الأرض فساد من قبل الغراس فله أن يأخذ العوض من صاحب الغراس؛ ومنهم من يقول: إِنَّمَا يأخذ القيمة صاحب الأقل من المقارض وصاحب المال.
وَأَما إن اشترى صاحب المال من المقارض غراسًا في أرض القراض، فخرج فِيهِنَّ عيب، فدفع صاحب المال ورضاؤه في ذلك جائز، ولا يلتفت إلى المقارض في شيء من ذلك، فإذا دفع صاحب المال العيب الذي في الغراس فإنه يدرك على البائع المقارضُ قلع غراسه إذا لم يكن في ذلك فسادها؛ فإن كان الفساد في القلع فلا يدركه عليه، ويدرك المقارض على صاحب المال قيمة غراسه فإذا دفعها له من مال القراض، فتكون الغراس قراضًا بينهما؛ وإن دفعه من ماله كانت الغراس والأرض للقراض؛ ومنهم من يقول: الجواب فيها كالجواب في التي قبلها، ويردُّ صاحب الأكثر القيمة على صاحب الأقل منهما.
وإن اشترى المقارض أرضا من مال القراض، فغرس فيها غراسه، فلصاحب المال أن يأخذه بنزع تلك الغراس أخذت أو لم تأخذ سواء في ذلك أتفسد الغراس بالقلع أو لا تفسد، أكان في الأرض ربح أو لم يكن؛ ومنهم من يقول: إذا كان في الأرض فلا يدرك عليه القلع، ولكن يتراددان القيمة في الغراس على قدر ما لهما في ربح الأرض؛ ومنهم من يقول: إذا كان الفساد في قلع الغراس فلا يدركه عليه، ويكون صاحب المال بالخيار إن أراد أن يعطيه قيمة الغراس فيكون له نفع الأرض؛ وإن أراد أخذ منه العوض في الأرض. وَأَمَّا إن اشترى غراسا من مال القراض فغرسها في أرضه، صارت الغراس للقراض، ولا يدرك على صاحب المال، نزعها وهي قراض على حالتها وبيعها؛ فإن
أخذ
كان فيها ربح سهمه.
وَأَمَّا إن غرس صاحب المال في أرضه غراسًا للقراض، فالغراس على حالها للقراض، والمقارض يبيعها أخذت أو لم تأخذ؛ وكذلك صاحب المال. وإن كان أخذ المقارض سهمه؛ وإن لم يكن مضى لسبيله.
فيها ربح
- 580 - (1/580)
صفحة 570
وَأَما إن غرس صاحب المال في أرض القراض غراسه فلا يدرك عليه المقارض قلعها أخذت أو لم تأخذ؛ فإن كان في الأرض ربح أخذ المقارض سهمه؛ وإن أفسدت الغراس في الأرض شيئًا حاسب به صاحب المال.
وَأَما إن غرس صاحب المال غراس القراض في أرض المقارض، فإنه يأخذه صاحب الأرض بنزعها، فسدت أو لم تفسد، كان الربح في المال أو لم يكن، ويضمن له ما نابه من الربح مِمَّا أفسد فيها. فإن أَرَادَ صاحب المال أن يقلعها، فإن كان في الأرض فساد من أجل قلعها فلا يجد نزعها، ويعطي له صاحب الأرض قيمتها، ويحط عنه ما نابه من الربح إذا كان فيها؛ وأما إن لم يكن الفساد في الأرض فليقلعها ولو أنها تفسد بذلك، إلا إن كان الربح في المال، فلا يجد نزعها؛ ومنهم من يقول ينزعها، ولو كان الفساد فيها، ويضمنه صاحب المال.
وإن جعل المقارض غراسا من مال القراض في أرض صاحب المال، فصاحب الأرض بالخيار إن شاء أن يأخذه بقلعها فله ذلك، ويضمن المقارض ما فسد في الغراس؛ وإن أراد صاحب المال أن يمسك الغراس في أرضه فله ذلك، ويعطي للمقارض نصيبه من الربح.
مسألة
وأما إن اشترى المقارض غراسا من مال، القراض، فغرسها في أرض صاحب المال ()، فخرج فيها عيب فدفعه المقارض، فيكون الغراس لصاحبها، ويؤخذ بنزعها إن لم يكن فيها فساد، ويقبض المقارض منها الثمن؛ وإن كان في نزعها عناء فَإِنمَا يؤخذ بنزعها المقارض ولا يؤخذ به صاحب المال الذي هو صاحب الأرض؛ وإن نزعها صاحبها فيدرك عناءه على المقارض إذا كان العناء في نزعها. وَأَمَّا إن نزعها
1 قوله «فغرسها في أرض صاحب المال ... » يقيد هذا الكلام بما إذا كان غرسها بغير إذن صاحب المال، لأن مال القراض لم يجعل للمغارسة كما يفهم مِمَّا سيأتي، ولولا هذا لما صح أن يُحمل المقارض نزع الغراس، أو دفع عناء نزعها إن نزعها صاحبها، وهو الذي باعها وظهر فيها عيب. والحق أن الذي يجب أن يؤخذ بنزعها إن لم يكن في نزعها فساد هو بائعها وليس المقارض ولا صاحب المال. والله أعلم.
- 581 - (1/581)
صفحة 571
صاحبها وأفسد في الأرض بنزعها، أو نزعها المقارض فأفسد في الأرض أيضا
فإنهما ضامنان لِمَا أفسدا في الأرض يغرمانه لصاحب المال وصاحب الغراس والمقارض جميعا (1)، وإن نزعها صاحب المال من أرضه فإنه يدرك عناءه على المقارض؛ وأما ما أفسد في الأرض فَكُلُّ ما لا يصل إلى قلعها إلا بفساده فيدرك على المقارض الذي غرسها في أرضه بغير إذنه؛ وأَما ما يصل إلى قلعها بغير فساد فلا يدرك فيه شيئا.
وأما إن اشترى المقارض أرضًا من مال القراض، فغرس فيها غراسا لصاحب المال، فخرج العيب في الأرض، فدفعه المقارض أو دفعه صاحب المال، فإنَّ صاحب الأرض يأخذهما بقلع غراسها إذا لم يكن فيها فساد؛ وله أن يأخذ المقارض الذي غرسها، وله أن يأخذ صاحبها الذي هو صاحب المال؛ فإن أخذ صاحب المال بالقلع، فإنه يرجع على المقارض بعنائه؛ ويضمن المقارض أيضًا ما أفسد في الغراس، وإن غرسها بغير إذن صاحبها، وأَما إن كان بإذنه فلا يدرك عليه شيئًا في العناء والفساد؛ وأما حملها بعد قلعها ووصولها إلى حيث شاء صاحبها فليس على المقارض منه شيء.
وإن اتفق صاحب الغراس وصاحب الأرض على أن يتراددا القيمة بينهما فذلك جائز، وليس على المقارض من ذلك شيء، وأَما إن كان الفساد في الأرض فلا يدرك المقارض نزعها، وكذلك صاحب المال، ويعطي لهم صاحب الأرض قيمة الغراس في ذلك الوقت، ويكون الغراس له والأرض ولا يدركان عليه من العناء شيئا.
قلت: فإن اشترى المقارض أرضًا من مال القراض فغرس فيها هو فخرج في الأرض عيب فدفعه، فإنه يدرك الثمن على صاحب الأرض، ويأخذه صاحب الأرض بقلع غراسه سواء أكان في قلعها فساد أو لم يكن، لأنه لا يجوز له غرسها بدءًا في أرض القراض، سواء أكان الربح في القراض أو لم يكن؛ ومنهم من يقول: إن كان الربح في المال، فلا يكون المقارض بالمتعدي إن كان الفساد في الغراس، ولا
1 - قوله: «يغرمانه لصاحب المال صاحب الغراس والمقارض جميعا على لغة أكلوني البراغيث فالمراد بالعبارة: يغرمه لصاحب المال صاحب الغراس والمقارض جميعاً.
- 582 - (1/582)
صفحة 572
يؤخذ بنزعها؛ فإن لم يكن فساد فليؤخذ بذلك، فإن لم يؤخذ بنزعها فيكون صاحب الأرض بالخيار: إن أرَادَ أن يعطيه القيمة فتكون له الغراس والأرض، وإن أراد أَخَذَ من المقارض عوض أرضه أو قيمتها.
مسألة
وأَما إن اشترى المقارض غراسا من مال القراض فغرسها في أرضه، فخرج فيها عيب، فإن رضي به فذلك جائز، وتكون الغراس للمقارض) في أرضه؛ فإن دفع العيب فتكون الغراس لصاحبها، ولا يدرك على صاحبها قلعها إلا إن لم يكن في قلعها فساد، فحينئذ يؤخذ صاحب الغراس بالقلع، وإن كان في قلعها عناء فإنما فَإِنَّمَا يؤخذ بذلك من غرسها؛ وإن نزعها صاحبها فيرجع بالعناء على من غرسها، وإن كان فيها فساد فلا يؤخذ بنزعها إلا إن أراد ذلك، وإن أبى نزعها وطلب قيمتها من المقارض فله ذلك؛ وإن كان في نزعها فساد الأرض فلا يدرك صاحب الغراس نزعهن؛ فإن أراد قيمتها أخذها من صاحب الأرض الذي هو المقارض؛ وإن أراد أن يعطي للمقارض عوض الأرض فله ذلك؛ ومنهم من يقول: إنما يعطيه القيمة، وتكون الأرض لصاحب الغراس. وإنما تكون الخصومة في ردّ (2) القيمة والنزع والعوض بين صاحب الغرس والمقارض، وأما صاحب المال فليس عليه من ذلك شيء، وكل ما استغله المقارض وصاحب المال من الغراس التي اشتراها المقارض ومن الأرض التي اشتراها للقراض أيضًا قبل أن يردا ذلك بالعيب فهو لمال القراض، ولا يردانه لمن رجع عليه ذلك بالعيب، ولو ذهبت تلك الغلة، أو كانت قائمة بعينها إذا فاتت وَأَما ما يبقى من الغلة على الأشجار فإنَّه مردود معها؛ ومنهم من يقول: إذا كانت الغلة قائمة ولو بانت أيضا (3) ترجع، وَأَمَّا غِلَّة الأرض فإنَّه يَرُدُّها
ولو لم تبن على كُلِّ حال.
-1 في الأصل: «للقراض» وهو خطأ. 2 في الأصل: «إرداد» والصواب «رد». 3 - قوله: «بانت» هو بمعنى: القطع. والله أعلم.
-
- 583 - (1/583)
صفحة 573
مسألة
قلت: فرجل اشترى أرضا أو أشجارًا أو غيرها من الأشياء شراء انفساخ فهل يجوز فيما بينه وبين الله أن ينتفع بشيء منها أم لا؟
الله
قال: كل انفساخ باشر شراءه بنفسه فلا يجوز له أن ينتفع به فيما بينه وبين علم ذلك أو جهله، وأما كلُّ ما لم يباشره بنفسه مِمَّا ولي شراءه غيره فيجوز له الانتفاع به ما لم يعلم؛ فإن علمه فعليه غرم جميع ما انتفع به مِمَّا يكون فيه تلف الشيء أو لم يكن، وليس عليه الإثم في ذلك؛ وأَما ما ولي شراءه بنفسه فعليه الإثم، وغرم جميع ما انتفع به؛ وقيل في الإثم غير ذلك، سواء في هذا الانفساخ أاشتراه لنفسه أو اشتراه لغيره، أو اشتراه له وكيله أو اشتراه غيره من الناس لنفسه، فلا يجوز به الانتفاع لأحد من الناس إلا بإذن صاحب ذلك الشيء، وإن انتفع به على علم منه بالانفساخ فعليه الإثم والغرم؛ وهذا فيما ولي شراءه بنفسه أو أخبره الأمناء بذلك، أو أقر له من ولي شراء ذلك بنفسه من وكيل أو غيره، وإن أخبره بذلك في أول مرة؛ وأَما إن أخبره بالشراء أوَّل مرَّة، ثمَّ قال له بعد ذلك: إنه انفساخ، فلا يشتغل به، إلا إن صدقه، فقوله عليه حجة فيما بينه وبين الله، وهذا إذا لم يكن فيه اختلاف العلماء؛ وأَما ما اختلف فيه العلماء من صور الانفساخ فليس على من انتفع به الإثم وعليه الغرم. وَأَمَّا ما انتفع به مِمَّا يجوز له الانتفاع به قبل ذلك بغير إذن صاحبه من المتروك والدخول في البيوت التي هي غير مسكونة، وحرث الأرض بغير إذن صاحبها، والانتفاع بالمياه والأشجار والحيطان والبقاع كلها، فليس عليه غرمه؛ ومنهم من يقول: لا يجوز له الانتفاع بشيء من ذلك؛ وإن انتفع به فعليه غرمه.
وَأَمَّا إن أذن له في الانتفاع بذلك حيث لا ينتفع به إلا بإذن صاحبه، ثمّ اشتراه بعد ذلك شراء انفساخ فلا يجوز له أن ينتفع به بعد ذلك الشراء؛ فإن فعل فعليه الغرم، وليس عليه إثم.
- 584 - (1/584)
صفحة 574
وكذلك المبادلة والعطية والصداق، والإجارة إذا كان فيها انفساخ، الجواب فيها واحد في الغرم والإثم.
وكل ما تلف من قبل الله من الأرض وما اتَّصَلَ بها من الحيطان والأشجار، وما كان عليها من الغلات فليس عليه غرم شيء منه؛ وأما ما كان على الأشجار من الفلات في وقت الشراء فعليه غرمه؛ ومنهم من يقول: ليس عليه شيء. وأما إن اشترى المقبوض كله من الأشياء شراء انفساخ، فتلف بما جاء من قبل الله، فهو ضامن له وعليه حفظ جميع ما اشترى من ذلك ونفقته ومؤونته ويرجع بجميعه وما تعنى به قبل معرفته بالانفساخ، وبعده، وعليه أن يوصله إلى صاحبه، سواء ما يكون له العناء وغيره ويرجع به على صاحبه؛ وأَما الأرض وما اتَّصَلَ بها فَإِنَّمَا يلزمه أن يستشهد على ذلك ويتبرأ منه، ويعرف لورثتهم وغيرهم ممن يقعد في ذلك بسببه، ولا يدرك عليه صرف ما فعل ذلك من تلك المضرات إن علم بالانفساخ؛ وأَما إن لم يعلم فليدرك عليه نزع ما أحدث منه؛ فإن نزعه فليرجع بعنائه على البائع وليس عليه مِمَّا فسد في نزعه شيء إن كان لا يوصل إلى نزعه إلا بذلك. وإن ترك هذا الذي اشتراه و لم يستشهد عليه ولم يوصله حتى مات، فعلى ورثته حفظه حتى يصل إلى صاحبه وما تلف بما جاء من قبل الله فليس عليهم منه شيء، إلا إن ترك موروثهم مالا فعليه غرمه؛ وإنما يلزم من أموالهم إن لم يترك موروثهم شيئا جميع ما يصل به إلى صاحبه ونفقته ومؤونته، ويرجع به على صاحبه؛ وأَما إن أوصى به واحدا من الورثة أو غيرهم فليس على باقي الورثة شيء. وإن قال لورثته ليس عليكم منه شيء، أو من يلزمه حفظ تركته، فنهاهم عن حفظه، فتركوه حتى تلف فليس عليهم منه شيء، إلا إن خلف مالا، فعليهم ما يقابله على كُلِّ حال؛ ومنهم من يقول: عليهم حفظه، ولو نهاهم عنه، ترك مالاً أو لم يتركه؛ فإن ضيعوه حَتَّى تلف فهم ضامنون له على قدر ميراثهم إن كانوا بلغا كلُّهم وهم حضور. ولا يضمن الأطفال منهم والغياب، ولا من استخلف عليهم شيئا، إلا إن استخلفوا على حفظ ذلك، أو استخلفوا على تركه جملة،
- 585 - (1/585)
صفحة 575
فحينئذ يلزم حفظ ما تلف من الأمانات والمضمون كله من الانفساخ وغيره؛
ومنهم من يقول في الورثة يضمنون ذلك على رؤوسهم.
وإن علم بعض الورثة بالانفساخ دون بعض فضيعوه حتى تلف، فهم ضامنون له كلهم؛ ومنهم من يقول: لا يضمن من لا يعلم منهم بالانفساخ شيئًا إذا ضيعه أَوَّلاً إن ترك موروثهم مالا، فعليه ما يقابل ما ورث منه (1).
وأما إن اشترى شيئًا شراء انفساخ فاستعمله حتى أتلفه ثم مات، فإنه يدرك صاحبه علي وارث المشتري ما أتلف موروثه من جميع ما انتفع إن ترك مالا، وإن لم يتركه فلا يدرك عليه شيئًا، ويدرك عليه أيضًا إن لم يتلفه جميع ما انتفع به وما استعمله إن أقر الوارث بذلك، أو كانت للبائع بينة؛ وإن لم تكن له بينة، ولم يقر الوارث فليدرك عليه اليمين على علمه ويرجع الوارث على البائع بالعناء في ذلك ونفقته ومؤونته وما أخذ من موروثه من ممن ذلك الشيء، ويدرك على وارث البائع ما يدرك عليه إن ورث منه شيئًا على قدر ما يلزم وارث المشتري، ولا يضمن المشتري غلات جميع ما اشتراه ولا ما نَمَا، إلا إن أتلفه بنفسه أو بتضييع منه، وورثته بمنزلته؛ ومنهم من يقول: هو ضامن الجميعه وغلاته ونمائه، وكذلك وارثه على هذا الحال.
وَأَمَّا ما اشتراه الخليفة لمن استخلف عليه من يتيم أو غائب، فهو ضامن لجميع ذلك، إلا إن استهلكه في منافع من اشتراه له، أو من دخل يده فتلف فيه فيغرمه له الخليفة؛ ومنهم من يقول: إن تلف بغير تضييعه فليس عليه ضمان ويضمنه خليفته. وإن أبدل المشتري ذلك الشيء أو باعه وأخذ ثمنه ففيه أقاويل منهم من يقول: صاحبه بالخيار إن شاء أن يأخذ ما أخذ في شيئه، وإن شاء أن يأخذ شيئه إن كان يصل إليه أو قيمته، فالبائع بالخيار؛ ومنهم من يقول: إنما يدرك شيئه على كُلِّ حال، إلا إن لم يجده فليدرك قيمته أو مثله فيما يكون فيه المثل؛ ومنهم من يقول: لا
1 - قوله: «فعليه ما يقابل ما ورث منه معناه عَلَى من علم منهم بالانفساخ ضمان ما ضاع على قدر ما نابهم من الميراث. والله أعلم.
- 586 - (1/586)
صفحة 576
يدرك قيمته على المشتري فيأخذها منه ويكون ذلك للمشتري، ولا يرجع على من
اشترى منه بشيء.
وأما إن اتجر البائع بما أخذه من الثمن، فربح فيه ربحا كثيرا، فالربح للبائع، ويردُّ الثمن على المشتري؛ ومنهم من يقول: ينفق ذلك الربح على الفقراء؛ ومنهم من يقول: هو للمشتري؛ ومنهم من يقول: تردُّ الأرباح على أصحابها. وإن تلف الثمن والشَّيء جميعا، فلا يكون ذلك تقاضيا (1) بين البائع والمشتري، تساويا في القيمة أو تفاضلا فيها ولا يجزيهما ذلك إلا إن تحاللا فيما بينهما، أو أبراً بعضهما بعضا؛ ومنهم من يقول: يقضي ذلك في قيمة شيته إن لم يجد صاحبه؛ ومنهم من يُرخص إن كان الشيء قائما، ولم يجد صاحبه ما يقضيه فيما أخذ منه، إن كان ذلك قيمته أو أقل منه، وكذلك إن لم يدرك ماله على صاحبه بالحكم؛ وأما إن حضرا جميعا فردَّ أحدهما ماله على صاحبه فأبى أن يأخذه، فليضعه قدامه، فإن تلف على ذلك الحال فليس عَلَيْهِ شيء، ويدرك عليه هو ماله.
ويضمن الوكيل ما اشتراه شراء انفساخ وما أعطى فيه من الثمن، سواء أتلف في يده أو عند البائع أو المشتري، ويغرم كل واحد منهما ماله، ويغرم لهما ما أخذ منه، ولا يضمن كلُّ واحد منهم (2) ما لم يدخل في يده من الشيء والثمن.
مسألة
وإن اشترى رجل من رجل شراء فاسدا ولم يقبض منه ما اشترى حتى تلف فليس عليه شيء، وكذلك إن أخذه منه ثمَّ رَدَّ إليه الأمانة، أو بالرهن أو غير ذلك من الوجوه التي ترجع بها عنده وتلف في يده، فلا يضمن.
-
1
قوله: «فلا يكون ذلك تقاضيا بين البائع والمشتري معناه: إن تلف الثمن والشيء جميعا يكون ذلك التلف بمثابة قضاء كُلِّ منهما لصاحبه ما له عليه، وإنما يجب عليهما أن يحالل كل منهما الآخر. والله أعلم. قوله: «ولا يضمن كل واحد منهم لَعَلَّ الصواب: كلُّ واحد منهما» (البائع والمشتري).
- 587 -
- (1/587)
صفحة 577
وأما إن أمر الموكل الوكيل أن يبيع ماله وعرفه كيف يبيع، فباعه على ذلك الحال، ثمَّ خرج بيعه فاسدًا، فلا يضمن له شيئا، عين له المشتري أو لم يعين، علما أنَّ ذلك البيع فاسد أو جهله الوكيل و الموكل فالمشتري ضامن لما أخذ، علم ذلك أو جهله إن باشره بنفسه؛ ويضمن الوكيل الثمن إن قبضه.
وإن أمر البائع من يأخذ الثمن من المشتري، أو أمر المشتري من يأخذ الشيء من البائع، فأخذه المأمور من أحدهما، فلا يضمن شيئًا، إلا إن باشر فعلهما)، فحينئذ يضمن من قبض ولا يضمن من أمره بذلك. وكل ما عمله الطفل والمجنون في حال يجوز فعلهما مِمَّا اشتراه من ولي أمرهما شراء فاسدا فانتفعا به على علم منهما بذلك، فهما ضامنان لجميع ما دخل يديهما، وعليهما أن يَرُدَّاه لصاحبه؛ وإن لم يعلما بذلك إلا من قول من ولي أمرهما، وهو في يده فقوله حجّة عليهما، وإن لم يخبرهما بذلك إلا بعدما دخل الشيء في يديهما فلا يشتغلا به إلا إن صدقاه؛ وإن قال لهما: إني اشتريت لكما شيئا شراء فاسدا و لم أعرفه بعينه فلا يشتغلا. به وكذلك المقارض والوكيل على هذا الحال؛ وإن قال الوكيل لمن وكله على الشراء: اشريت لك شيئًا شراء فاسدا، ثم رجع عن ذلك، فلا يشتغل به؛ ومنهم من يقول: إن صدقه فإنه يشتغل به. وَأَمَّا إن أمره أن يبيع له شيئًا، فباعه المأمور لوكيل الآمر بيعا فاسدا فهو ضامن للشيء.
1
=
مسالة
وإن اشترى رجل أشياء مختلفة في صفقات مفترقات بعضها شراء فاسدا، وبعضها شراء تاما، فخلطها حَتَّى لا يفرزها، فهو ضامن لما اشترى شراء فاسدا؛ فإن كان ذلك مما يكال أو يوزن فليعطه كيله أو وزنه من أي نوع شاء. وإن
قوله: «إلا إن باشر فعلهما» مراده به: إن باشر البيع والشراء يضمن، وَأَمَّا إن لم يباشر وَإِنَّمَا
كلف فقط بقبض الثمن فلا يضمن. والله أعلم.
- 588 - (1/588)
صفحة 578
اختلفا في الذي يعطيه منه مِمَّا اشترى، وغيره فالقول قول المشتري؛ ومن قال: إنهما شركاء في ذلك، فالقول قول البائع؛ ومنهم من يقول: لا يكونان شركاء إلا فيما يمتزج بعضه ببعض. وإن كان ذلك الذي اختلط لهما عروضا أو حيوانا فلا يكونان فيه شركاء، ويؤخذ أن يعطيه ماله إن كان يصل إليه؛ وإن لم يقدر على فرزه فليعطه قيمته إن أرادها صاحب الشَّيء؛ ومنهم من يقول: لا يدرك عليه قيمة ذلك، ويكون بينهما حَتَّى يَتَّفِقَا عليه.
وأَما إن أمر الوكيل أن يشتري له شيئًا (1) فاشترى بعضه شراء فاسدا، وبعضه شراء صحيحا فاختلطا له فهو ضامن لمن اشترى له شراء صحيحا ما اشترى له، ويضمن لمن اشترى شراء فاسدا ماله أيضًا، ولا يدركان عليه أن يعطيهما من ذلك المختلط.
مسألة
قلت: فهل يجوز للرجل أن يستعمل الأرض بالغرس أو بغيره من أصناف
العمارة كلها؟
قال: نعم.
قلت: كيف يجوز له؟
قال: اختلف العلماء في ذلك، فقال بعضهم: لا يجوز له أن يستعملها إلا بغيرها (2) من الأراضي والأصول والحيوان والعروض، مما يكال أو يوزن؛ وقال آخرون: يجوز أن يستعملها بتسمية معلومة منها لعمل البقيَّة؛ وقال آخرون: يجوز
2
-
-
أضاف الناسخ: «لَعَلَّهُ: وأمره آخر أن يشتري له مثله فاشترى ... بدليل ما بعده. تأمل». قوله: «فقال بعضهم: لا يجوز له أن يستعملها إلا بغيرها ... مراده بالعبارة: لا يجوز أن يعمل فيها، أي: أن يستثمرها إلا بأجرة من غيرها كقطعة أرض هي غيرها، أو حيوان أو بعض العروض. هذا قول وقول آخر: يجوز أن يعمرها بتسمية جزء منها كثلث أو ربع أو نصف أجرة لمن يعمره رها. والله أعلم.
- 589 - (1/589)
صفحة 579
أن يستعملها كلها على أن يكون له تسمية منها ويجوز استعمالها أيضًا على أن يعمل له صاحبها جميع ما يتعنى فيه من المعلوم)؛ وكذلك الجواب في الغراس على قدر اختلافهم في عمل الأرض لمن أراد أن يستعملها، ولا يجوز استعمال غير المعين في الأرض والغراس؛ وإن أراد أن يستعملها فليجعل لها الحدود التي يجوز بها بيعها. وكذلك الغراس لا يجوز أن يستعملها إلا إن قصد له أعيانها مثل البيع؛ ولا يجوز أن يستعمله بتسمية من الأرض والغراس، إلا إن قصد تلك التسمية من الأرض والغراس، سواء أكانت الأصول والغراس له أو لغيره كلها، أو اشترك فيها مع غيره؛ ومنهم من يجوز ذلك إن استعمله لِمَا اشترك فيه مع غيره، فيكون الأجير بمنزلة صاحبه في عمله مع شركائه، أو يقتسمان فيعمل ما ينوب صاحبه.
ولا يجوز استعمال الشريك لعمل ما اشترك فيه معه من الأرض والغرس، تساويا في ذلك أو تفاضلا فيه، ويجوز أن يستعمله بذلك المشترك لعمل الذي لم يشترك معه فيه؛ ومنهم من يقول: يجوز استعماله لما اشترك فيه معه بغير ما اشتركا؛ ومنهم من يقول: يجوز استعمال سهمه من ذلك المشترك بتسمية منه، ثلثا أو ربعا أو غيره إن لم يذكر سهم شريكه. الجواب في جميع ما يعمل من الأرض والغراس والبناء والعيون وغيره مِمَّا يعمل بتسمية منه سواء.
ويستعمل الرجل أرضه للواحد وللجماعة. وكذلك الجماعة يستعملون أرضهم للواحد وللجماعة. ويستعمل أرض ابنه الطفل لغيره؛ ويستعمل أرض غيره لابنه بتسمية منها. ولا يستعمل الخليفة أرض اليتيم أو المجنون لغيرهما؛ ويستعمل لهما أرض غيرهما من الناس؛ ومنهم من يقول: يستعمل أرضهما بتسمية منها مثل أرضه إن رأى أنَّ ذلك أصلح لهما.
1 - قوله: «جميع ما يتعنى فيه من المعلوم ... » مراده به ـ والله أعلم ـ يجوز لصاحب الأرض أن
يعطيها لمن يستغلها مقابل عناء معين.
2 - قوله: «مثل البيع ... » مراده: كما هو الحال في البيع.
- 590 - (1/590)
صفحة 580
مسألة
ويجوز أن يستعمل الرجل أرضه وغراسه وماءه لرجل بتسمية منها، اتفقت تلك التسمية أو اختلفت (1)، أو بتسمية من واحد منها أو من غيرها، أو بواحد منها كله (2). ويجوز للرجل أن يعمل الأرض والغرس والماء بتسمية منها، أو من واحد منها، أو واحد كله كانت لرجل واحد أو لرجال شتى، استووا فيما يأخذون مِمَّا يعمل لهم أو اختلفوا.
ويجوز لرجال شَتَّى أن يستعملوا أرض بعضهم بغرس بعض أو ماء بعض، على أن يكون ذلك بينهم بالسوية، أو يتفاضلوا فيه ومنهم من يقول: لا يجوز ذلك. ولا يجوز عمل الأرض والأشجار بما يستعمل منها (3) جعلوا المدة أو لم يجعلوها في ذلك، وكذلك العيون والبيوت إن استعملها على أن يسكن في البيوت مدة معلومة، أو ينتفع بماء تلك العين مدَّة معلومة؛ ومنهم من يُرخص في البيوت والعين: إن جعلوا المدة لذلك.
ولا يجوز أن يستعمل الرجل الأرض والغراس والعين على أن يكون الخيار له: إن شاء أن يُعطى العناء أو تسميات مختلفة. وكذلك الأشجار على ما فَسَّرنَاه في حكم صاحب الأرض. وأما إن استعمله الصفة معلومة من العمل بتسمية معلومة أو لصفة أخرى بتسمية أخرى، فلا يجوز ذلك؛ ومنهم من يقول: جائز، ويأخذ على قدر ما عمل مِمَّا استأجره به من تلك التسميات.
1 - اختلاف التسمية معناه أن يكون مقدار التسمية من الأرض غير مقدار التسمية من الماء مثلا. والله أعلم. 2 - قوله: «أو بواحد منها كله» مراده يجوز أن يستأجر الرجل في استثمار أرضه رجلا آخر بجزء منها أو من غراسه أو بواحد منها كله. مائه، أو من 3 - قوله: «ولا يجوز عمل الأرض والأشجار بما يستعمل منها ... » لَعَلَّ المراد بما يستغل منها. أي لا يجوز أن يعمل في الأرض مقابل استثمارها، بزرعها، ولا العمل في الأشجار مقابل استثمارها لمدة معينة أو غير مُعَيَّنَة. والله أعلم. وَلَعَلَّ المنع من أجل الغرر وعدم التحديد.
38
- 591 -
-
1 (1/591)
صفحة 581
مسألة
ويجوز استعمال الأرض والغرس إلى مُدَّة معلومة (1) أو إلى صفة معلومة من العمل إن أتمها فذلك، مثل تسوية الأرض، ورفع الجسور فيها، أو إجراء العيون والأنهار، أو استغلال الأشجار، أو استغنائها عن المداواة، أو قيامها بعد الغرس. وإن أتم الصفة التي استعمله إليها، وجبت له التسمية التي استعمله بها، ولو ماتت الأشجار أو غارت العيون أو غيرها من المياه، أو تغيَّر جميع ما أصلح في الأرض بعد أخذ
سهمه منها.
الأكثر من
وإن استأجره لعمل ماذكرنا من الأرض والأشجار بربع من ذلك إلى مُدَّة معلومة؛ فإن لم يعمله إلى أكثر من ذلك فبثمن منه فلا يجوز؛ وكذلك إن جعل له المدة الأخرى على هذه الحال؛ وإن تَمَّت المدَّة ولم يتم العمل فلياخذ بقدر ما عمل؛ وإن لم يتم العمل إلا بعد المدَّة فليأخذ بقدر ما عمل في المدة، ويأخذ العناء فيما بعد المدة؛ ومنهم من يقول: يأخذ الذي استأجره به كله إن أتم العمل عند المدة أو بعدها؛ فإن أتم العمل قبل المدة فليأخذ أجرته كلها؛ ومنهم من يقول: المدة. يحط له بقدر ما بقي من
وَأَمَّا إن اشترط عليه أن يعمل أرضًا حَتى تستغل في مُدَّة معلومة فلا يجوز ذلك؛ وإن عمل على ذلك الحال، فليأخذ عناءه؛ ومنهم من يقول: ذلك جائز؛ فإن استغلت قبل المدَّة أو عند المدَّة فليأخذ ما اتفقا عليه؛ ومنهم من يقول: إنَّما ينظر إلى تمام المدة استغلت أو لم تستغل؛ ومنهم من يقول: إن لم يستغل ما غرس إلا بعد المدة فليأخذ أجرته كلها ولا يحط له شيئا.
قلت: فرجل أعطى لرجل أرضه أن يعملها فيجعل الغرس و البناء وغيره فيما
أراد أن يعمرها الأجير به من عنده (3)؟
-
- 1
2
3
أضاف الناسخ: «يعني بتسمية معلومة لما سيأتي». المداواة هنا كناية عن معالجة الأشجار بكل ما تحتاج إليه.
قوله: «مِما أراد أن يعمرها الأخير به من عنده ... » الضمير في لفظة من عنده» يعود على الأجير.
- 592 - (1/592)
صفحة 582
قال: لا يجوز، وإن عمل على حاله فالأرض وما عمل فيها من بناء وغرس أو غيرهما لصاحب الأرض، وليس للأجير فيه شيء ولا في الأرض، ويأخذ عناءه وقيمة ما عمل فيها من الغرس والبنيان. وإن أراد صاحبه أن ينزعه ولم يكن ذلك مضرة للأرض فلينزعه وإن لم يرده صاحب الأرض، ولو كانت تموت الغراس بنزعها حيث أراد صاحبها. وإن كان فيه تلف الغراس وأراد صاحب الأرض أن ينزعها المستأجر فلا يدرك عليه، نزعه سواء أكانت تلك الغراس أو غيرها من النقض (1) من قبل الأجير، أو من قبل صاحب الأرض، أو من قبل غيره من الناس، إلا إن عين له صاحبها ما يجعل فيها الأجير من الغرس أو غيره، أو نقض أو غيرهما، أو من غرس صاحب الأرض؛ ومنهم من يقول: إن استعملها له بتسمية منها على أن يجعل فيها جميع ما ينبت من عجمه مثل النوى أو جميع الحبوب فهو جائز؛ وأَمَّا أن يجعل فيها ما يكون الغبن فيه (2) من الغرس وغيره مثل النقض، على أن يكون له فيها تسمية بذلك فلا يجوز؛ ومنهم من يجوز ذَلِكَ على ما اشترطاه من الغرس والنقض، ويكون بينهما على ما اتفقا عليه.
باب في مسائل المشاع
والمشاع أصله الاختلاط والمشاكلة في أسهم من ادعاه، ولا يصلون إلى علم ما لِكُلِّ واحد منهم، ولا يجدون علم ذلك عند أحد من الناس، وجميع ما يوجد علمه عند أحد من الناس فليس ذلك بمشاع، ولا يستحق ذلك حكم المشاع. وهذه الخلطة والمشاكلة تكون في جميع الأموال.
1
النقض (بكسر النون جمعها أنقاض ونقوض اسم البناء المنقوض إذا هدم. النقض (بضم النون جمعها: أنقاض ونقوض ما انتقض من البنيان. (منجد) وقد سبقت. ويبدو من عبارة الكتاب أنَّ المقصود من النقض ما يبنى به من موا مواد البناء. والله أعلم. قوله: «ما يكون الغبن فيه ... » لم أفهم وجه الغين هنا، وإلا فلا تخلو معاملة. من احتمال للغين وَإِنَّمَا يدفعه أو يقلله ما يَتَّفِقُ عليه الطرفان والمؤمنون على شروطهم. ليحرر، والله أعلم. -3 تَقَدَّمَ تعريفه في أَوَّل الكتاب: «مسألة في قسمة المشاع».
- 2
- 593 - (1/593)
صفحة 583
وذلك على وجهين: أصل ومنتقل.
- فالأصل: الأرض وما اتَّصَلَ بها من الأشجار والحيطان والمياه وجميع الأصول والآبار والمواجل (1) والغيران، حكمه (2) واحد.
- وَأَما المنتقل: الحيوان والسلع وجميع ما يكال ويوزن، وغير ذلك من جميع الأموال التي هي غير الأصول حكمه واحد. فالحكم في الأموال التي هي غير الأصول التعطيل والعقل (3) حَتَّى يتبيَّن ما لِكُلِّ واحد ممن ادعاه من سهامهم،
سواء في ذلك البلغ والأطفال والرجال والنساء، والموحدون والمشركون.
والمشاع إنما يكون في الأصول كلها، والحكم فيه واحد. والمشاع إنما يتبين لهم بأنَّه مشاع بالبيِّنة العادلة بأنَّه مشاع لقبيلة معروفة، أو قبائل شتى، أو شهد عليه أنه مشاع هكذا، أو بمشاهدتهم لذلك، وكذلك إذا علموا أصلا بين قوم، معروفا سهم كُلِّ واحد ممن اشترك فيه، ثم تلف لهم (4) كيف اشتركوا فيه، وما لِكُلِّ واحد منهم من الأسهم والأنصباء بكثرة الورثة وما ورثوا، ولا يجدون علم ذلك عند أحد من الناس؛ أو ما وجدوه معروفا أنه مشاع عند أوائلهم، ويكون مشاعا بعد إذ كان معروفا أصله، ويكون معروفا أصله بعدما كان مشاعا؛ وذلك إذا لم يبق من أصحاب المشاع إلا رجلان؛ ومنهم من يقول: ثلاثة؛ وأما أكثر من ذلك فهو مشاع على حاله، سواء في هذا قبيلة واحدة أو قبائل شتى، أو رجل وأولاده، وسواء في ذلك من كان معه في درجة واحدة، أو درجات مفترقة.
-
في الأصل «المواجن» وهو خطأ.
2 - قوله حكمه واحد» الضمير فيه عائد على الأصل.
3 - التعطيل والعقل كناية عن إمساك الشيء ومنعه وشيوعه. قال في المنجد: وكلُّ ما ترك شائعاً فقد عطل. 4 - قوله: «ثُمَّ تلف لهم» معناه: ثُمَّ نسوا أسهم الشركاء. ففي هذه الحال يتحول إلى مشاع.
- 594 - (1/594)
صفحة 584
خروج
مسألة في حكم المشاع
والمشاع لا يجوز فيه البيع والهبة والمبادلة والرهن والعوض وكل ما يوجب الملك؛ ويجوز لهم الانتفاع به والإذن لمن ينتفع به في جميع ما لم يكن فيه ذهاب العين. ويجوز لمن ينتفع بإذنهم، حُرًّا كان أو عبدا ذكرا كان أو أنثى، موحدا كان أو مشركا بالغا كان أو طفلا، إذا أذن لهم من رجع إليه أمر المشاع. وَإِنَّمَا يرجع أمر المشاع إلى أهل النظر من أهل المشاع: الرجال البلغ العقول) ثلاثة وما فوق الثلاثة؛ ومنهم من يُرخص إن أذن رجلان أو رجل واحد، إذا كان ممن ينظر إليه، وهذا كله ممن يكون له في ذلك نصيب وحكم، وأما ما لم يكن له في ذلك نصيب وحكم، مثل النساء والأطفال والمجانين والعبيد، فلا يجوز إذنهم في ذلك.
مسألة
والسيرة في أرض المشاع إذا أرادوا أن يحرثوها والمعمول به أن ينتظروا بحرث ثلاثة أيام (2)؛ ومنهم من يقول: سبعة أيام حَتَّى يجيء من لم يكن حاضرا، فإذا تم ثلاثة أيام أو سبعة فلا يشتغلون بمن لم يحضر؛ وإن حضروا كلهم فلا يحتاجون إلى أجل. وإن أرادوا أن يزيدوا في الأجل أكثر مِمَّا ذكرنا فليفعلوا ذلك. وإن أرادوا أن يحرثوا أرضهم فليقتسمها على رؤوسهم الرجالُ البلغ الأحرار دون غيرهم من أهل المشاع من النساء والأطفال والمجانين وليس لهم فيه منهم إلا إن أرادوا أن يرضخوا (3) لهم شيئا.
1 - قوله: «الرجال البلغ العقول»، مراده: إِنَّ أمر المشاع يرجع إلى أهل النظر الرجال البلغ العقلاء،
2
إذا كانوا ثلاثة فما فوق.
هذا الانتظار يتصوَّرُ فيه أن يكون بعد إعلان أصحاب هذا المشاع عزمهم على حرثه. ويحتمل
الانتظار أن يكون بعد نزول الغيث.
3 - رَضَحَ يَرضَحُ له من ماله رَضحَة: أعطاه قليلا من كثير.
- 595 - (1/595)
صفحة 585
وذكروا في ابن وليَّة أهل المشاع (1) يجعلون له سهما في مشاعهم على قدر نظرهم، قل أو كثر.
ويدخل مع أهل المشاع في قسمة المشاع مواليهم ومن لقطوه، ومن أسلم على
(2)
يديهم؛ ومنهم من يقول في قسمة أرض المشاع على المصابيح؛ ومنهم من يقول: على دوابٌ حرثهم التي أحضروها للحرث، سواء أكانت لهم أو لغيرهم إذا طلبوا بها الانتفاع لأنفسهم.
وإن اقتسموا أرض المشاع للحرث فجاءهم من لم يحضر لقسمتهم من أهل المشاع، أو بلغ الطفل، أو أفاق المجنون أو عتق العبد، أو وحد المشرك، فإنهم يعيدون القسمة. وإن حرثوا بعض سهامهم فجاءهم من لم يحضر، فإنهم يعيدون القسمة ما لم يحرثوا على رؤوسهم؛ والأول والأخير فيه سواء، أتفق ما حرثوا أو اختلف، أو حرث بعض منهم سهامهم كلها ولم يحرث الآخرون شيئًا، فإنهم يعيدون القسمة لجميع ما لم يحرث عَلَى رؤوسهم، ولا ينظرون إلى ما حرثوا قبل مجيء من لم يحضر.
ومن حرث منهم سهمه كله فلا يدخل إلى من لم يحرث سهمه من أهل المشاع؛ ومنهم من يقول: يتحاصص من حرث ومن لم يحرث على رؤوسهم على قدر ما حرث من الأرض، وما لم يُحرث منها وما بذروا من البذر في الأرض مثل ما حرثوا فيها لا يدخل في القسمة؛ وأما ما تهياً للحرث من الأرض وما نقوه وسووه منها، فإنه يدخل في القسمة ويدرك عناءه من نقاها ونزع منها العشب.
1 - ابن الولية هو ابن قريبة القوم أي ليس من العصبة، وهو كما قيل:
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد
وعلى هذا فلعل المراد أنه يجعل لمثل هؤلاء سهم حسب نظر أهل المشاع. والله أعلم. 2 - تَقَدَّمَ مثل هذا التعبير، ويبدو أن المراد به البيوت، فتقسم أرض المشاع على عدد البيوت، لا
على عدد الرؤوس. والله أعلم.
- 596 - (1/596)
صفحة 586
وأما من بذر في أرض المشاع قبل القسمة، وهو من أهل المشاع، فإنَّه إن كان بذر فيها أكثر من سهمه فإنَّهم يَرُدُّون عليه أكثر ما بذر على سهمه (1)، ويقتسمون أرضهم. ومن مات من أهل المشاع قبل القسمة فليس له سهم. وكذلك إن اقتسموا أرض المشاع فمات واحد منهم قبل أن يحرث، فإنَّهم يقتسمون سهمه. وإن حرث سهمه أو بذر سهمه فورثته بمقامه. وكذلك إن حرث بعض سهمه أو بذر بعضه فورثته في مقامه. وأَما إن أخذ سهمه ونقاه فمات قبل أن يحرثه ولم يبذره فأهل المشاع في ذلك بالخيار: إن أرادوا أن يأخذوا سهم الميت فإنَّهم يَرُدُّون عناءه على، ورثته، وإن أرادوا أن يتركوه لورثته فلهم ذلك، فليس عليهم العناء إن تركوه. وإن اقتسموا أرض المشاع، فتلف سهم واحد منهم أو استحق، حرث أو لم يحرث؟ قال: إن لم يحرث سهمه الذي تلف أو استحق فإنه يرجع إليهم فيقسم معهم؛ وَأَما إن حرث سهمه فتلف، فإنَّه لا يرجع إليهم؛ وأَما إن استحق بعدما حرثه فإنَّه يرجع إليهم. وأما إن اقتسموا أرض المشاع، فخرج الغين في سهم أحدهم؟
قال: إن حرثوا أرضهم، أو حرث الذي أخذ السهم المغبون، فإنه لا يرجع عليهم، وإن لم يحرثوا كلهم، فإنَّه يرجع عليهم بما غبن به. وإن حَرَتْ بعض ولم يحرث بعض، فخرج الغبن في سهم أحدهم، فإنهم يتحاصصون فيما لم يحرث في رد الغين. وإن بذروا البذر الذي لا ينبت، فإنَّهم بمنزلة من لم يحرث. وإن كان بَذَرَ البذرَ وحَرَتَه ولم ينبت فإنَّه يرجع عليهم بما غبنوه به؛ وإن كان في حرثه صلاح الأرض فإنه يرجع عليهم بعنائه؛ فإن لم يَرُدُّوا سهمه في القسمة فليس عليهم شيء
من عنائه.
1 - يريد بالعبارة أَنَّهُم يَرُدُّون عَلَى من بذر أكثر من سهمه في الأرض ما كان زائدا من البذر على حصته من الأرض.
- 597 - (1/597)
صفحة 587
وإن أرادوا أن يحرثوا أرض المشاع، فإنَّهم يقتسمونها السنة الأولى فيحرثونها، وإن
أرادوا أن يحرثوها بعد ذلك، فَإنَّهُم يقسمونها مرة أخرى، ويعيدون لها القسمة على غير الوجه الذي اقتسموها عليه أوَّلاً. وكذلك كل سنة أرادوا أن يحرثوها فإنهم يعيدون القسمة. وأما إن حرثوها السنة الأولى فبذروها و لم ينبت بذرهم؛ وإن أتى عليهم عام مقبل، ولم يتغير بذرهم، فنبت بذرهم كله، فإنَّه يمسك كلُّ واحد منهم ما حرث وما بذر؛ وأَما إن نبت بعض ولم ينبت بعض في العام المقبل، فإنَّ من نبت بذره يمسكه على حاله، ويقتسم من لم ينبت بذره ما بقي و لم ينبت من الأرض؛ وإن لم ينبت كله، أو لم ينبت فيه إلا شيء يسير فإنهم يقتسمون أرضهم.
مسألة
وإن اقتسموا أرض المشاع، فأخذ كل واحد منهم سهمه، فبذر كل واحد سهمه ببذره، ثم جاء من بذر عليه بذرا آخر فليرد عليه صاحب الأرض بذره). وكذلك إن بذر غير صاحب الأرض أَوَّلاً، فإنَّه يَرُدُّ عليه بذره؛ وأَما إن بذر على صاحب
الأرض بعدما بذر أرضه، فأفسد بذره بذلك، فإنَّه يضمن ما أفسد البذر الأخير.
وأَما إن بذر أو حرث واحد من أهل المشاع أرض المشاع قبل أن يقتسموا، فإنهم يَرُدُّون عليه بذره، إلا ما نابه، ثمَّ يقتسمون أرضهم بعد ذلك. وأما إن بذر واحد منهم تلك الأرض قبل القسمة، ثمَّ بذر على ذلك البذر رجل آخر، فإنهم يَرُدُّون عليهما بذرهما أيضًا، إلا إن كان الفساد في بذرهما، فإنهم يقلبون حرثهما وبذرهما ولا يَرُدُّون شيئا.
رول
وأما إن اقتسموا أرض المشاع، فوهب واحد منهم سهمه لرجل واحد من غير أهل المشاع، فإنَّ أهل المشاع بالخيار: إن أرادوا جوزوا له ذلك، وإن أرادوا أخذوها
1 قوله «فليرد عليه صاحب الأرض بذره»، هَذا كلام مقيد في نظري ما إذا كان في البذر الأخير منفعة لصاحب الأرض كزيادة محصول. والله أعلم.
- 598 - (1/598)
صفحة 588
لأنفسهم، إلا إن لم يهبها له إلا وله نفع للذي وهبها له بمكافأة إحسان، أو ردّ
ثواب، أو مثل ذلك من المنافع
وأما إن اقتسموا أرض المشاع فأخذ واحد منهم سهمه، فتركه ولم يحرثه حتى فات له الحرث بتضييعه، فلا يدرك عليهم شيئا. وأَما إن أخذ واحد منهم سهمه، فغاب عنه وتركه ولم يشتغل بحرثه، فإن تَبَيَّنَ لهم أنَّه لم يشتغل بحرثه وغاب عنه وفاته حرثه، فإنَّهم يحرثونه لأنفسهم ويقتسمونه إن أرادوا ذلك.
ويقتسمون أرض المشاع للحرث كله، سواء في ذلك حرث الصيف والشتاء.
ويحرث فيها ما أراد من الزرارع من الحبوب والقطاني) والفواكه.
ولا يحرثوها مرتين في السنة بقسمة واحدة حتى يعيدوا لها القسمة؛ ومنهم من يُرخص في حرث سنة واحدة أن لا يعيدوا لها القسمة؛ ومنهم من يُرخص إذا أحيوا
دعوة المشاع أن يحرثوها سنة أو سنتين أو ثلاثة بغير قسمة على القسمة الأولى. ولا يقسمونها على أن يغرسوا فيها الأشجار، ولا على أن يبنوا فيها الحيطان ولا على أن يحفروا فيها المطامر والآبار والمواجل (2) لأنفسهم، فإن فعلوا ذلك فيكون مشاعاً جميع ما جعلوه في المشاع من ذلك، سواء فيه من جعل ذلك في المشاع من أهل المشاع أو من غيرهم، يرجع جميع ما جعل في المشاع إلى المشاع، ويصير مشاعا، إلا ما جعل في المشاع من ذلك ويمكن نزعه بغير مضرة ولا فساد فإنَّ من جعل ذلك في المشاع ينزعه ويردُّه أينما أراد؛ وكذلك جميع ما كان للمشاع إن نزعه أحد من الناس، وجعله في أرضه، فيصير ذلك مشاعا على حاله، وذلك في الأشجار والغراس؛ وأما الغصون (3)
1
2
-
-
3
القطنية والقطنية جمعها قطاني الحبوب التي تطبخ كالعدس والحمص والفول، سُميت بذلك لأنها تدخر في البيت وتقيم زمانًا، أو لأنَّهُ لا بد منها لكلِّ من قطن بالمكان. (منجد). في الأصل «المواحن» وهو خطاً.
الغصون هنا -
حسب السياق ـ عبارة عما يقتطع من بعض غصون الأشجار ويغرس في التربة
-
مما سوى الفسيل والشجيرات ذوات العروق.
- 599 - (1/599)
صفحة 589
ففيها اختلاف منهم من يقول يكون مشاعا مثل الغراس ومنهم من يقول: يعطي القيمة لأصحاب المشاع، مثل من حرث النوى أو العجم في المشاع، أو أخذ منه حجرًا أو خشبة إِنَّمَا يضمن في ذلك كله القيمة.
ولا يجوز إذن أهل المشاع لمن يأخذ الغصون والحجارة والخشب الميتة قبل ذلك لأحد من الناس سواء في ذلك أذن بعضهم لبعض أو لغيرهم من الناس ممن لم يكن له في المشاع نصيب؛ ومنهم من يُرخص في إذن بعضهم لبعض أو لغيرهم من الناس؛ وذلك في جميع ما انفصل عن الأرض، وَأَمَّا جميع ما اتصل بالأرض مِمَّا ينتفع به
على حاله فلا يجوز إذنهم؛ ومنهم من يجوز ذلك على أن ينزعه من الأرض.
ويجوز بيع ما انفصل منها لأهل النظر؛ وما ينزع منها أيضا يجوز بيعها لأهل النظر فيما هو صلاح للأرض والمشاع. وما هو صلاح لأهل المشاع، والثمن الذي أخذوا في بيع الذي باعوا سبيله سبيل غلة الأشجار. وكذلك ما أخذوا في فساد المشاع كله (1)، فسبيله سبيل غلة المشاع، سواء في ذلك إفساد أهل المشاع أو إفساد غير أهل المشاع، إنَّما يدفع ذلك إلى أهل النظر، فإذا وصل إلى أهل النظر فتبرأ ذمة
من دفعه لهم.
وَأَمَّا تبرئة بعض أهل المشاع لمن أفسد فيه فلا يجزيه، إلا إن براه أهل المشاع كلهم، وحللوه، فيجزيه ذلك؛ ومنهم من يقول: إن براه بعض أهل المشاع يجوز لهم ذلك، ويضمنون لأهل المشاع. وإن أفسد واحد من أهل المشاع في المشاع فإنَّه يلزمه جميع ما أفسد من ذلك لأهل المشاع؛ ومنهم من يقول: يحط عنه ما نابه وكذلك أهل المشاع إن أفسدوا في المشاع كلهم الجواب في جميعهم كالجواب في واحد منهم.
1 - قوله: «ما أخذوا في فساد المشاع» معناه: ما أخذوا عوضا عن فساد أصاب المشاع. والله أعلم.
- 600 - (1/600)
صفحة 590
مسألة: في ماء المشاع
وماء المشاع مثل أرض المشاع، إما يقسمون ماء المشاع على قسمتهم للأرض إذا تشاححوا عليه؛ وإن لم يتشاححوا عليه واتفقوا فلينتفعوا على اتفاقهم. وكذلك الإذن لغير أهل المشاع كالإذن في الأرض نسقا بنسق، سواء الانتفاع بماء المشاع في أرض المشاع أو غير أرض المشاع، ويكون الماء مشاعاً دون الأرض، وتكون الأرض مشاعاً دون الماء، ويكونان مشاعاً جميعا.
وجميع
ما حدث في الأرض بعدما كانت مشاعاً من العيون والآبار والأشجار لا
يكون إلا مشاعا.
وماء المشاع إن أدركوه تسقى به أرض المشاع للأشجار والحرث، فإنهم لا يمنعونه من تلك الأشجار، وسواء في هذا ما أدركوه كائنا وما أحدث فيها، إلا إن اتفق أهل المشاع كلهم أن يرفعوا ذلك الماء حيث أرادوا.
وأَما إن غرسوا أشجارهم في أرضهم على ماء المشاع، فإنهم يتمانعون ذلك الماء ويرفعونه عن تلك الأشجار إن أرادوا وأما غير الأشجار إن حرثوها على ذلك الماء من جميع الزرارع ولم يحرثوها على المنع، فإنَّهم لا يتمانعون السقي بذلك الماء لتلك الزرارع حتى تدرك عليه.
وإن أدركوا عند أوائلهم ماء المشاع ينتفعون به لأرضهم وأجنتهم، فإنهم يتركونه كما أدركوه، ولا يتمانعون عَمَّا أدركوه من ذلك، سواء أكان ذلك المشاع لهم أو لغيرهم.
وما فضل من ماء المشاع واستغنى عنه أهل المشاع، فخرج ذلك الماء من حريم أرض المشاع، وقضوا منه حاجتهم، ودخل أراضي غيرهم إن كان ينتفعون به من دخول أرضهم، فإنهم ينتفعون به، ولا يقعدون في ذلك، ولو مكثوا ينتفعون به ما شاؤوا قصرت مدتهم أو طالت؛ وقيل: غير ذلك؛ ومنهم من يقول: لا ينتفعون به إلا بإذن أصحاب المشاع مثل غيرهم من المشاع كله.
- 601 - (1/601)
صفحة 591
مسألة
وأرض المشاع إذا كانت مساقي لقوم، فأراد أهل المشاع أن يعمروا أرضهم إلى ذلك الماء، فمنهم من يقول لا يجدون ذلك؛ ومنهم من يقول: يجدون ذلك، وَلَكِنَّهُم لا يصرفون ما فضل من مائهم. وكذلك إذا كانت أرض قوم مساقي لأرض لأهل المشاع إذا أراد أصحاب الأرض أن يعمروا أرضهم، فإنهم يعمرون أرضهم؛ ومنهم من يقول: لا يجدون ذلك، ولا يصرفون ما فضل من مائهم عن
أرض المشاع.
وعن قوم اشتركوا مع أهل المشاع في الأرض والماء، هل يدركون القسمة على أهل المشاع؟ منهم من يقول يدركون عليهم القسمة، فيأخذون نصيبهم، ويأخذ أهل المشاع نصيبهم؛ ومنهم من يقول: لا يدركون القسمة على أهل المشاع، ويكون ذلك مشاعاً بينهم.
وإذا كانت الأرض والماء مشاعاً لقبائل شتى، فاشتركوه وتغابن فيه القبائل، فقبيلة لها، ثلث، وقبيلة أخرى لها ثلثان، فأرادوا قسمتها للحرث، فإنهم يقتسمونها أثلاثا ومنهم من يقول: على رؤوسهم في كُلِّ وقت يحرثونها فيه. وإن لم يبق من قبيلة واحدة إلا رجل واحد فهل يأخذ ما لقبيلته كله أم لا يأخذ إلا سهمه على رؤوس أهل ذلك المشاع؟ منهم من يقول: يأخذ نصيب قبيلته كله، ذلك ملكا، له ويصير ويخرج من المشاع. وكذلك الرجلان مثلما قلنا في الواحد؛ ومنهم من يقول: ذلك كله مشاع على حاله، ولا يصيب إلا سهمه بينهم على الرؤوس.
مسألة في غلة المشاع
وغلة أرض المشاع وأشجاره إِنَّمَا يستغلها فقراء أهل المشاع، وليس لهم في ذَلِكَ حد معلوم، ويأخذونها بأنفسهم. ومن أخذ منهم شَيْئًا فهو له قل أو كثر؛ ومنهم
- 602 - (1/602)
صفحة 592
من يقول: يجعلون لها قيما يقسمها بينهم بنظر منه؛ ومنهم من يقول: فقراء أهل المشاع وغيرهم من الفقراء سواء في ذَلِكَ، يأخذونها كيف شاءوا، قلَّ ذَلِكَ أو كثر، فمن أخذ شَيْئًا فهو له؛ ومنهم من يقول: يجعلون عَلَيْهَا قيما يقسمها لهم بنظره واجتهاده (1)، ومنهم من يقول: يستغل أصحاب المشاع غلّة مشاعهم، سواء في ذَلِكَ فقيرهم وغنيهم، وطفلهم، ومجنونهم، ذكرهم وأنثاهم، وجميع من ينسب إليهم؛ ومنهم من يقول: لا يستغلها إلا أصحاب المشاع الرجال البلغ صحيحو العقول
دون غيرهم من النَّاس، كانتفاعهم بحرث أرض المشاع على رؤوسهم.
وَكَذَلِكَ من أفسد في أرض المشاع وأشجارها وجميع المشاع فالجواب فيها كالجواب في التي قبلها، نسقا بنسق.
مسألة
وإن اشترك في المشاع قبائل شتى، فحضر وقت حرثه، ولم يحضر لحرثها إلا قبيلة واحدة من تلك القبائل؟
الجواب في ذلك أن يقصدوا إلى ما ينوبهم دون ما ينوب القبائل الذين اشتركوا معهم فيحرثوه على رؤوسهم؛ ومنهم من يقول: إن لم يحضر غيرهم لوقت الحرث فليقتسموها كلها على رؤوسهم. وعن قوم اشتركوا في أرض المشاع قبيلة واحدة أو قبائل شتى، فأرادوا أن يتفقوا أن يحرث بعضهم سنة، ويحرث الآخرون سنة أخرى، أو اتفقوا على ذلك في سنة واحدة على أن يحرث بعضهم الصيف ويحرث آخرون الشتاء؟
(2)
1 - المراد عَلَى القول الأول: يستغلها فقراء أهل المشاع؛ وقيل: يجعل لها قيم يقسم الغلة على فقراء أهل المشاع. وَعَلَى القول الثاني: تكون غلة المشاع لفقراء أهل المشاع، وفقراء غيرهم يأخذون منها ما
-
2
شاءوا؛ وقيل: يجعل لها: قيم يقسم غلة المشاع عَلَى كافة الفقراء بنظره واجتهاده. والله أعلم.
قوله: وعن قوم التقدير: وإذا سألت عن قوم ...
- 603 - (1/603)
صفحة 593
الجواب في ذلك أنه يجوز لهم اتفاقهم على ذلك.
وإن اقتسم أصحاب المشاع أرض المشاع على أن يحرثوا فيها جنساً معلوماً من الزرارع، فشرطهم في ذلك جائز؛ وكذلك إذنهم لغيرهم من الناس على هذا الحال. وإن أذن بعض أصحاب المشاع في جنس معلوم، وأذن آخرون في غير ذلك الجنس، فإنَّ المأذون لهم يحرثون الأجناس التي أذنوا لهم فيها جميعاً، إذا لم يكن لهم تمانع، فإذا
كان التمانع وكان الإذن فَإِنَّمَا ينظر في هذا إلى الأخير منهم بين الإذن والمنع. والمأذون له إلى حرث أرض المشاع إن مات فلا يحرث ورثته شيئا. وكذلك إن مات من أذن له فلا يحرث شيئا. وإن أذن المأذون له لمن يحرث فلا يجوز إذنه في ذلك، إلا إن كان إنَّما أذن له أن يحرثها له فذلك جائز.
وإن أذن أصحاب المشاع - أو واحد منهم - لرجل مقصود أن يحرث أرض المشاع فذلك جائز؛ وكذلك إن أذنوا لقبيلة معلومة. ويدخل في القبيلة كل من يسمى بها من الرجال والنساء والبلغ والأطفال. وكذلك إن أذنوا لأهل المنزل، فإنَّ أهل المنزل يدخلون في الإذن كلهم، وسواء فيهم من كان في وقت الإذن أو حدث منهم بعد ذلك. وكذلك القبيلة سواء من كان في وقت الإذن ومن حدث منهم بعد ذلك، إلا إن قصدوا بالإذن قوماً معروفين، فلا يحرث غيرهم ممن لم يؤذن له. ويجوز الإذن إلى مُدَّة معلومة وإلى غير مُدَّة؛ فإن كانت مدة فليحرثوا إلى تلك المدة؛ وإن لم تكن مُدَّة فليحرثوا ما لم يمنعوهم من ذلك.
وإن أذنوا لمن يحرث فبذر، زريعته فمات قبل أن يحرث، فإنَّ ورثته يحرثون ذلك البذر. وكذلك إن مات من أذن له بعدما بذر البذر على هذا الحال؛ وإن مات بعض أصحاب المشاع بعدما أذنوا لمن يحرث أرض مشاعهم، فإنَّ المأذون لهم يحرثون على حالهم الأَوَّل. وَأَما إن مات بعض المأذونين لهم فلا يحرث ورثتهم شيئا، ويحرث من بقي منهم على الإذن الأول. وإن أذنوا لهم في جنس معلوم من البذر فحرثوا غيره فلهم أن يقلبوه.
- 604 - (1/604)
صفحة 594
وجائز لأصحاب المشاع أن يعطوا أرض المشاع على سهم معلوم إذا جعلوا
نصيبهم من البذر، يجوز لهم فيها ما يجوز لهم في أرضهم.
ولا يجوز لأصحاب المشاع أن يبنوا في أرض المشاع، ولا أن يغرسـ سوا فيهـ لأنفسهم، فإن فعلوا شيئا من هذا للمشاع فجائز ولا يجوز لهم أيضًا أن يأذنوا لمن يبني فيها ولمن يغرس، فإن فعلوا صار ذلك كله مشاعا؛ ومنهم من يقول: يجوز الأصحاب المشاع أن يبنوا فيها لأنفسهم مثل قصر يأوون إليه للخوف؛ وأما الغرس فلا؛ وقيل فيها غير ذلك.
ولا يبنون فيها مسجدا، ولا يأذنون لمن بينيه وكذلك غير هذا من وجوه الأجر مثل المقبرة وغيرها من وجوه الأجر؛ وقيل غير ذلك في المسجد والمقبرة.
مسألة
والمشاع يرجع بعدما كان مشاعاً فيصير ملكا ويخرج من المشاع، وذلك مثل قبيلة كانت لهم أرض مشاع، فزالت القبيلة كلّها حَتى لم يبق منها إلا رجلان، وقيل: ثلاثة، فيصير المشاع ملكا لهم، ولا يُسَمَّى بعد ذلك مشاعا، سواء في هذا أكان من قبيلة واحدة هذان الرجلان أو من قبيلتين.
فإن زال أهل المشاع كلُّهم ولم يبق منهم إلا النساء والأطفال والمجانين، فإنهم بمنزلة أصحاب المشاع في قسمة الحرث والمنافع بها كلها، والإذن لمن ينتفع به، هم في ذلك بمنزلة أصحاب المشاع. وكذلك إن ماتت النساء كلهنَّ والأطفال والمحانين، فلم يبق منهم إلا اثنان فإنَّه يخرج من المشاع ويصير ملكا لمن بقي ممن ذكرنا. وكذلك إن كانت الأرض للنساء أو المجانين حتى تلف عنهم كيف كان لهم)، فإنهم قد رجعت هذه الأرض مشاعا لمن ذكرنا، فيعملون فيه مثل ما قلنا في
1 - تقدم التعليق على مثل هذه العبارة قريبا والمراد بها نسيان نسب الملكية بتقادم العهد أو بوفاة
من كان يحفظ ذلك.
- 605 - (1/605)
صفحة 595
المسألة الأولى من القسمة للحرث، وغير ذلك من المنافع، والإذن لمن ينتفع والرجوع إلى الملك.
وإن مات أهل المشاع فلم يبق منهم أحد قبل أن يصير ملكا لأحد، فسبيل هذا سبيل المسكنة (1) ومنهم من يقول: لا ينتفع به أحد إلا بما يجوز لهم الانتفاع به في حياة أصحابه؛ ومنهم من يقول: يرجع إلى القبيلة التي تليها هذه القبيلة بالنسب؛ ومنهم من يقول سبيل هذا المشاع سبيل مال لا يعرف صاحبه، يعقل وترجع غلاته إلى بيت مال المسلمين.
والمشاع إذا خرج من المشاع وصار ملكا، ثمَّ مات من رجع إليه، ولم يكن له وارث، فإنه يصير مثل من مات ولم يترك، وارثا فالجواب فيها أنه يوقف ولا ينتفع به أحد، ويكون هذا المال في يد من كان فيه وصيا بعد وصي، فإن لم يكن في يد أحد، فليس عليهم منه شيء، إلا ما لا يجوز لهم تضييعه مثل العبيد والحيوان كله، فلا يصيب من حضر له تضييعه وعليهم حفظه، والقيام به وصيا بعد وصي؛ ومنهم من يقول في هذا المال يرجع إلى بيت مال المسلمين؛ ومنهم من يقول: من سبق إليه فهو له مثل مال المولى ومشاع المشركين فهم أولى به من غيرهم؛ فإن وحد بعض منهم فهو بينهم على حالهم الأَوَّل؛ ومنهم من يقول: الموحدون أولى به من المشركين.
ومشاع الأطفال أو المجانين أو النساء إذا أحدث فيهم غيرهم من الرجال البلغ الصحيحي العقول فالرجال أولى به من الأطفال والمجانين والنساء؛ ومنهم من يقول: هم فيه سواء حيث وجب لهم فيه الحكم أوّل مرَّة. ولا يدخل غيرهم من الأطفال والمجانين والنساء ممن حدث بعد ذلك. ومن
مات
منهم
سقط سهمه.
لعله يقصد باللفظة المساكين جرياً على قاعدة: «كل مال جهل صاحبه فسبيله الفقراء
والمساكين». والله أعلم.
- 606 - (1/606)
صفحة 596
فإذا مات أهل المشاع ولم يبق إلا النساء والأطفال والمجانين فإنهم أولى بالمشاع؛ ومنهم من يقول: هم فيه سواء؛ ومنهم من يقول: الذكور أولى من النساء؛ ومنهم من يقول: البلغ من المجانين أولى من الأطفال؛ ومنهم من يقول: النساء أولى لأنَّ من له فعل أولى ممن ليس له فعل، والله أعلم.
مسألة
ويقعد أهل المشاع في كُلِّ ما حوته أرضهم من الدور والحيطان والزروب والغيران والأنهار والمواجل والآبار والجسور والمصارف والأشجار ومساقي أرضهم قربت أو بعدت، وكلّ أودية تجري إليها؛ ويقعدون في منافع أرضهم كلها، حدثت فيها بعدما كانت في أيديهم أو أدركوها على هذا الحال الحال، إلا ما عرفوه أنه لغيرهم ولم يقعدوا فيه.
وإن جوزوا مماصل المشاع ومساقيها وطرقها وعيونها وأنهارها وأوديتها في أرض غيرهم من الناس فمكنت مقدار ما يثبت عليه في ذلك، فلا يجد نزعها بعدما ثبتت عليه. ويجوزون أيضًا لذلك المشاع كل ما ينفعه مما ذكرنا من السواقي والمماصل والآبار والأودية إن كانوا ينتفعون بها حتى تتم عشرون سنة، ولم يمنعهم أصحابها، ثم أرادوا منعهم فلا يجدونه ويقعد أهل المشاع في منافع ذلك كلها إن كانوا ينتفعون بها للمشاع؛ ومنهم من يقول: إِنَّمَا يجوزونه لأنفسهم، ولا يقعد فيها أهل المشاع؛ ومنهم من يقول: لا يقعدون فيها، ولا أهل المشاع، إلا إن كانوا ينتفعون بها لأنفسهم خَاصَّةً دون المشاع.
وَأَما ما كان لهم من هَذِهِ المعاني إن كانوا ينتفعون بها للمشاع حتى مكث مقدار ما تثبت فيه عليهم مُدَّة الحيازة، فلا يقعد لهم أهل المشاع في ذلك؛ ومنهم من
يقول: إن كانوا ينتفعون بها حتى ثبتت عليهم، فلا يجدون منع ذلك بعد ثبوته. وأما ما كان للمشاع من الأنهار والغيران والعيون والسواقي والمماصل والطرق والمساقي إن كانوا ينتفعون به لأنفسهم أو لغيرهم دون المشاع حتى يمكث مقدار ما
39
- 607 - (1/607)
صفحة 597
يثبت فيه أو مُدَّة حيازته، فلا يقعدون فيه للمشاع ولا لغيرهم من الناس، وكذلك ما ينسب إلى مشاع أو ما ينسب إلى واحد من وجوه الأجر فلا يقعدون فيه.
وأما ما أدركوه ينتفع به الخواص من الناس من العيون والطرق والمجازات كلها من المشاع، فإنَّهم يتركونه على حاله إن لم يعرفوا حدوثه. وأما كلُّ ما عرفوا حدوثه فلا يثبت عليهم ولو حدث عند من كان قبلهم.
وَأَمَّا إن عرفوا أرضًا أنها مشاع فغابوا عنها و لم يرجعوا إلا وقد عمرها غيرهم بالأشجار والحيطان بأصنافها، والذي عمرها ينسب إليه ذلك المشاع أو لا ينسبه
كان
إليه، فإن أراد واحد منهم أن يبيع ما كان له من تلك العمارة فلا يعامل فيها. وَأَمَّا أكل الغلات كلها من الزرارع والبقول وغلات الأشجار فلا بأس على من يعامله فيها؛ ويجوز له أكل تلك الغلات؛ ومنهم من يقول: لا يعاملون في كُلِّ ما من تلك الأرض مِمَّا استغلوه من عمارتهم فيها، إلا إن عرفوا أنهم لم يستغلوا إلا كما يجوز لهم فيما بينهم وبين الله. وَأَمَّا غير أهل المشاع فلا يعاملوهم في قليل ولا كثير مِمَّا يستغلونه من تلك العمارة، أو العمارة بنفسها، إلا ما كان من غلات الزرارع والبقول وغيرها من النبات إن استغلوه من تلك الأرض، فإنهم يجوز لمن يعاملهم فيه، وهذا إن استغلوه بإذن أهل المشاع ..
مسألة
وَأَمَّا إن كان المشاع لقوم، فدخله غيرهم من الناس، فعمروه على المنع والحجر من أصحابه، حتى قامت فيه أشجار ثمَّ أذن بعض أهل المشاع أو كلهم لبعض ما عمر في مشاعهم في أكل غلات تلك الأشجار، أو أذنوا له في الأشجار بأعيانها، فلا يجوز إذنهم في ذلك، ولا ينتفعون منه بقليل ولا كثير حيث كانت عمارتهم على المنع والحجر. وإن لم يمنعوهم حَتَّى عمروها بما ذكرت، ثم أذنوا لهم في أكل غلات الأشجار، أو في الأشجار بأعيانها، فلا بأس عليهم في ذلك على الرخصة إن استشهدوا على ذلك كله لأهل المشاع.
- 608 - (1/608)
صفحة 598
وأما إن عمروه على دعوة منهم فيه فلا يستغلوا منه شيئا إلا إن أتوا على
دعوتهم ببينة ومنهم من يقول: إن عمروها على المنع والحجر فعليهم أن يستشهدوا أنَّ ذلك كله للمشاع؛ فإن أذن لهم أصحاب المشاع في أكل غلاته وأشجاره فلا بأس أن يفعلوا فيه ما أذن لهم فيه أصحاب المشاع؛ وقيل بالرخصة إن أذن لهم في الأشجار والحيطان أصحاب المشاع أن يمسكوا أشجارهم وحيطانهم كما عمروها فتكون لمن بعدهم من وارث وغيره مِمَّن انتهى إليه ملك ذلك، وتكون بقعة الأرض مشاعاً كما كانت قبل ذلك؛ وكلُّ ما مات من تلك الأشجار، أو انهدم من الحيطان، فلا يَرُدُّوا في موضعه شيئًا إلا بإذن أهل المشاع مرة أخرى، وهذه الرخصة التي ذكرنا إن أذن لهم أهل المشاع كلهم؛ ومنهم من يقول: وإن أذن لهم بعض أهل المشاع إن كانوا ممن ينظر إليهم؛ ومنهم من يقول: وإن أذن لهم من لا ينظر إليه إن كان ذلك مقدار سهمهم، ويدخل بعد ذلك إلى أهل المشاع فيما بقي منه؛ ومنهم من يقول: لا يدخل إن كان الذي أذنوا فيه أقل من سهمهم فليدخلوا إليهم بمقدار ما بقي لهم؛ ومنهم من يقول: يجوز إذن بعضهم في ذلك ما لم يمنعه أصحاب المشاع؛ وإن منعوهم فلا يجوز شيء من ذلك، سواء سهمهم أو أقل منه أو أكثر.
ومنهم من يُرخص لأهل المشاع أن يعمروا مشاعهم بالأشجار إن اقتسموه على رؤوسهم، ولم يغب منهم أحد في حين القسمة إن اتفقوا على ذلك بأي عمارة أرادوا، ويكون لهم بعد ذلك؛ ويجوز لهم فيه ما يجوز في أموالهم من البيع والهبة والرهن والصداق والإجارة وغير ذلك من معاني خروج الملك. وكل ما زال من تلك العمارة فليردُّوا غيره في موضعه إن اتفقوا على ذلك حين اقتسموا؛ ومنهم من يقول: يَرُدُّون فيه عمارة أخرى ولو لم يتفقوا عليها، ويستشهدون على تلك الأرض أنها ليس لهم فيها شيء، وأنها للمشاع، وَكُلُّ من حدث إليهم ممن بلغ من أطفالهم، أو عتق من عبيدهم، فلا يدركون في تلك الحيضان والأشعار شيئا، ولا يصيب منعهم أيضًا، ويكونون في بقعتها شركاء سواء؛ وقيل في البقعة غير ذلك ولو لغير أهل المشاع، إن كان سبب ذلك من أهل المشاع في كُلِّ ما يجوزهم إليه.
- 609 - (1/609)
صفحة 599
وَأَمَّا إن كان ذلك المشاع شعارًا (1) أو أعياص (2) أو أسباخ (3) أو كل أرض
ميتة فعمرها من نسبت إليهم، فإنَّها تكون لهم وارثا بعد وارث على قدر قسمتهم الأولى؛ ومنهم من يقول: ولو اقتسموها كيفما شاؤوا من قلتها وكثرتها فعمروها على ذَلِكَ الحال، فهي لهم بعمارتها وبقعتها؛ ومنهم من يقول: حيث كانت مشاعاً هم فلا يجوز لهم فيها إلا ما يجوز لهم في مشاعهم الذي ليس بشعار وأعياص؛ ومنهم من يقول: إن كانت تلك الأرض شعاراً وسباخا، فدخلها غيرهم بالعمارة، فذلك جائز لهم ما لم يمنعوهم؛ وإن منعوهم فلا يحدثوا بعد ذلك شيئا ومنهم من يقول: لا يشتغلون بمنعهم حيث أحياها بالعمارة و لم يكن فيها قبل ذلك آثار العمارة وسواء في هذا الأرضُ والغيرانُ والأنهار، وغيرها الجواب فيها واحد. وبالله التوفيق.
مسألة
وَأَما إن كانت أرض المشاع حيث لا يصل إليها أصحابها، فإنَّ من كان بقربها من الناس يحرث ولا يحتاج فيها إلى الإذن؛ ويحرثونها كيفما شاؤوا، ولا يحذروا إلا شرَّ ما بينهم، أو شرَّ أهل المشاع، ولا يكون لهم في ذلك شيء بالتسابق؛ وإن عرفوا المنع والخجر من أصحابها فلا يحرثوا فيها شيئًا، سواء منع العامة منهم أو الخاص، ولا يحرثها غيرهم بعد ذلك، سواء أكانوا يصلون إلى حرثها أو لا يصلون إليه بالبعد والخوف وما أشبه ذلك من الموانع.
وأَما إن تمانعوا فيما بينهم من حرثها دون المدة التي ذكرناها قبل هذا فلا يشتغلوا بمن يمنعهم، ويحرثون إن أرادوا وأما إن كانت حيث يصل إليها
1 - الشعار: مكان ذو شجر، الشجر الملتف في وطا من الأرض يحله الناس، يستدفئون به في الشتاء ويستظلُّون به في القيظ. الشجر مطلقا. (منجد). وقد ورد في الأصل «بشعاري» وهو خطأ.
- 2
3
العيص: جمعه أعياص وعيصان الشجر الكثير الملتف. منبت خيار الشجر. (منجد). السبعة والسبحة، «محركة ومسكنة: أرض ذات نر وملح، ج: سباخ». الفيروزآبادي: القاموس، مَادَّة: «سبخ».
يشير إلى قوله: سابقا إنَّ المعمول به أن ينتظروا بحرثها ثلاثة أيام ... إلخ.
- 610 - (1/610)
صفحة 600
أصحابها، فلا يحرثها أحد إلا بإذنهم؛ ويجوز فيها إذن عامتهم وخاصتهم؛ ويجوز فيها إذن كُلِّ من يأخذ فيها سهما. ويجعلونها في يد من يأذن فيها ويمنعها أيضا
ممن يحرثها، ويعطيها على السهم؛ وإذن من حضر إليها أو غاب سواء.
وأما إن أذن له أحد من أهل المشاع، فحجر عليه غيره ولم يعرف به، ثم زرع فيها بعد الحجر من غير معرفة بالحجر، ثمَّ عرف بعد ذلك، فلا يكون كمن حرث على المنع والحجر. وأما إن أذنوا له بالقصد فمنعوا من يحرث فيها بغير قصد فذلك منع له، وكذلك إن منعوا من يحرث فيها، ثمَّ قصدوا واحدا بالإذن فإنه يحرثها،: سواء في هذا إذن الخاص والعام.
وَأَما إن أذن له في أرضه (1) أن يحرثها، فهل يحرث ذلك المشاع بذلك الإذن؟ فلا، سواء في هذا الواحد أو أكثر، إلا إن قصد حرث المشاع بإذن. وَأَما إن أذن لمن يحرثها هكذا من غير قصد، فلا يحتاجون إلى استوائهم في حرثها، ولا إلى قسمتها. وكذلك إن أذن لهم مفترقين فيحرثونها معاً، أو هم مفترقون ويحرثها كلها بعضهم دون بعض، ويشتركون في حرثها إن شاؤوا، إلا إن اشترطوا عليها معلوما من حرثها معا، أو حرث بعضهم دون بعض، ويكونون على ما اشترطوا عليهم، سواء أذن لهم أهل المشاع كلهم في مكان واحد أو أذن لهم بعضهم دون بعض عرفوا بإذن أصحابهم أو لم يعرفوا به.
معني
وأما إن أذنوا لمن يحرث على ماء المشاع زرعاً معلوماً، فحرثه عليه، فذهب لمعنى من المعاني، فأراد أن يحرث عليه مرة ثانية فلا يصيب ذلك، إلا إن أذنوا له أن يحرث به
هذه السنة فحرث فذهب ما حرث، فإنّه يحرث به ما دامت تلك السنة لم تتم. وأما إن حرث عليه واحد من أهل المشاع ثم أراد أهل المشاع أن يمنعوه، فذلك لهم، إلا إن أراد أن يقاسمهم ذلك الماء فليأخذ سهمه، ولا يصيب غيره؛ سواء
1 - قوله: «في أرضه». أي في أرضه من ذلك المشاع، والمقصود بها هنا: الجزء الذي يحل له في سنة من السنوات للحرث لا للامتلاك، وإلا لم تعد مشاعاً.
- 611 - (1/611)
صفحة 601
أأغناه سهمه من غيره أو لم يغنه وسواء في هذا ماء العيون والمطر والآبار، ويكون
بعض ذلك مشاعا، كما يكون بعض الأرض مشاعا دون بعض.
ولا يأذنوا لمن يحفر فيها العيون والأنهار وغيرها من الماء ليأخذ فيها سهما؛ وأَما أن
ينتفع بذلك مُدَّة معلومة، فجائز له ذلك، وهذا كله باتفاق أهل الصلاح منهم. وإن حفر فيها الماء على سهم مِمَّا يخرج منه، فلا يجوز ذلك، وكلُّ ما خرج من الماء فهو لأهل المشاع، ويدرك عليه عناءه؛ ومنهم من يقول: إن عرف تلك الأرض أنها مشاع وأحدث فيها شيئًا على ذلك الحال فلا يدرك عليهم شيا من عنائه؛ وقيل غير ذلك، أن يحفر فيها البئر والعين على سهم معلوم.
مسألة
وإن أراد أهل المشاع أن يقتسموا أرضهم على الحرث، فليقتسموها على ما جاؤوا به إلى تلك الأرض من الدواب التي يحرث بها؛ وأَما ما فات به قبل أن يقتسموها، فلا يأخذ به، ويكون القول قوله فيما جاء به تلك الأرض للحرث ما لم يتهم؛ فإن اتهم فلا يشتغل به ولا يأخذ أيضًا إلا بالدواب التي يحرث بها، ولا يأخذ بما ركب من الدواب أو ما رفع عليه متاعه؛ ويأخذ بجميع ما يحرث به من الدواب لها محاريث أو ليس لها محاريث كان من يحرث بها أو لم يكن. فإن أخذ بدواب سهمه، ثم أحدث إليها دواب أخرى للحرث، فلا يدرك بها شيئًا. وكذلك إن نقصت بعدما أخذ بها، فلا يَرُدُّ شيئًا مِمَّا أخذ بها، سواء أحرث بها معا أو بتسابق بينهما)، سواء أكانت الدواب التي يحرث بها له أو لغيره، يحرث بها لنفسه أو لغيره من جميع من ولي أمره أو غيرهم من الناس.
وَأَمَّا إن جاء إلى تلك الأرض بدواب لا يجوز له أن يحرث بها بمعنى من المعاني، فلا يأخذ شيئًا. وإن أخذ بدوابه فاستحقت في يده، فَكُلُّ ما أخذ به فهو له دون غيره.
1 - المقصود بالتسابق بينهما: التلاحق والتتابع أعني أنها لم تحضر للحرث دفعة واحدة.
- 612 - (1/612)
صفحة 602
مسألة
ويصلح أهل المشاع مشاعهم بتنقية أشجارهم مِمَّا ينزعون منها من الأغصان، أو ما ينزعون من ثقل الغلة مِمَّا ينفع الغلة والأشجار، ويفعلون ذلك بعامتهم وخاصتهم، وينزعون أيضًا الغراس إذا كانت مضرة لغيرها من الأشجار، وإن نزعوا ذلك كله فليبيعوه ويفعلوا فيما باعوه به نظرهم؛ وينزعون جميع ما يضر بعضه بعضا من أشجارهم وما مال من أشجار المشاع وحيطانه على بعض، فإنهم ينزعون ذلك هم وينزعه غيرهم من الناس ولا يتآخذون على نزع هذا الذي ذكرنا كله، ولا يدركه عليه غيرهم؛ وينزعه إمام المسلمين أو قاضيهم أو جماعتهم، ويعطون من غلة المشاع عناء من نزع ذلك كله.
مسألة
والمشترك من الرجال (1) بين قوم فإنَّه يأخذ من مشاع كُل قبيلة اشترك فيه معهم على قدر اختلافهم في ميراثه منهم. وكذلك الخليطان بين قوم، فإنهما يأخذان سهم رجل واحد من كُل قبيلة إذا كان واحد منهم من هذه القبيلة والآخر من القبيلة الأخرى. وإن كان ثلاثة من ثلاث قبائل أو من أربع قبائل، فعلى هذا الحساب يأخذون من كُلِّ قبيلة برجل واحد، ثم يقسمونه فيما بينهم.
وأما إن كان من قبيلة واحدة، رجلان وآخر من قبيلة أخرى، فإنهم يأخذون بحساب رجلين من القبيلة التي منها ذلك الرجلان وبحساب رجل واحد من القبيلة الأخرى، وكذلك إذا كانوا أكثر من ذلك من قبيلة واحدة الحساب فيهم على ما ذكرنا قبل هذا. وَأَمَّا الخنثى فإنَّه يأخذ نصف ما يأخذ الرجل، ولا يأخذ من نصيب المرأة شيئا.
1 - المشترك من الرجال حسبما تَقَدَّمَ: هو الذي ينتسب إلى قبيلتين أو أكثر، هذه بالنسب وهذه بالولاء أو الحلف ... إلى غير ذلك. والله أعلم.
- 613 - (1/613)
صفحة 603
مسألة في المشاع
باب الدعوى في المشاع
كان
ويجوز الدعوى لأهل المشاع لمشاعهم كله فيما يجرون فيه النفع لمشاعهم، وما يدفعون عنه المضار، سواء في ذلك عامة أهل المشاع أو خاصتهم، ومن بمقامهم بالخلافة أو بالوكالة أو بالاستمساك (1). ويجوز أيضا لإمام المسلمين أو
قاضيهم أو جماعتهم وجميع من يقوم بأمور العامة، وتجوز خصومتهم ودعواهم، ورد الجواب في ذلك كله، وتجوز عليه الشهادة ويردُّ اليمين فيه. وإنما تجوز فيه شهادة غير أهل المشاع. أَمَّا شهادة أهل المشاع فلا تجوز فيه ومنهم من يقول: جائزة، سواء في ذلك على أهل المشاع أو على غيرهم.
و من ادَّعَى من مشاع قوم أنه له، أو ادعاه أنَّه مشاع لقبيلة، أو ادَّعَى لمن ولي أمره، فإنَّه يُرَدُّ له الجواب في ذلك كله؛ فإن كانت له بينة أخذ ببينته؛ وإن لم تكن له بينة فلا يدرك اليمين على عامة أهل المشاع.
وَأَما الخواص من الناس فإنه يردُّ (2) عليهم اليمين، سواء في ذلك اادعى عليهم أنه مشاع جميعا، أو ادَّعَى عليهم أنه ماله أو مال من ولي أمره. وكذلك العامة لِلعَامَّةِ إن كانت لهم البينة فتجوز بينتهم؛ وإن لم تكن لهم بينة فلا يدرك عليهم اليمين في المشاع خاصة. وَأَمَّا غير المشاع فإنهم يدركون فيه اليمين. وتجوز شهادة أهل المشاع فيمن أفسد في مشاعهم، وفيمن أحدث عليهم المضَرَّة؛ فإن لم تكن لهم بيِّنة فإنَّهم يدركون عليهم اليمين، وتكون التعدية فيما أفسد في المشاع من غير أهل المشاع (3).
1 - في الأصل: «باستمسك» وهو خطأ. 2 - أضاف الناسخ:
«لَعَلَّهُ يدرك» وهو الصواب إن شاء الله.
3 - قوله: «وتكون التعدية فيما أفسد في المشاع من غير أهل المشاع مراده: يعتبر ما أحدث من فساد في أرض المشاع من قبل غير أهل المشاع تعدية يتقاضى بها أمام القاضي وا والله أعلم.
- 614 - (1/614)
صفحة 604
وَأَمَّا أهل المشاع فلا تكون في التعدية على من أفسد فيه منهم، ولا يقعد في المشاع بالعمارات كُلّها، وكذلك غير المشاع لا يقعد فيه المشاع إلا بالمنافع).
وأما غير المنافع فلا يقعد به مثل الأشجار والأراضي والحيطان وغير ذلك.
وكذلك دعوى القبائل في المشاع إن ادَّعَى بعضهم الأكثر، وادعى بعضهم الأقل، فالدعوى في ذلك كُلّه كالدعوى في غيره من الأموال، تجوز فيه البينة، ولا يدرك فيه اليمين سواء في ذلك الدعوى بتسميات معلومة أو لم يذكروا التسميات؛ ومنهم من يقول: لا تجوز دعوتهم إلا إن ادعوا تسميات معلومة.
وكذلك إن اتفقوا على هذا المشاع، ثمَّ اختلفوا بعد ذلك، فقال بعضهم: زال من المشاع وقال بعضهم: ثابت في المشاع، فالقول قول من قال: إنه مشاع وتكون البينة على من ادَّعَى أنه زال من المشاع. وكذلك إن لم يثبت أنَّ هذا مشاع، وقال بعضهم: مشاع وقال بعضهم: ليس بمشاع، فالقول قول من قال: إنَّه ليس بمشاع، وتكون البينة على من ادَّعَى أنَّه مشاع.
وكذلك إن ادَّعَى قوم أنَّ هذا مشاع، وقال آخرون: إنَّه لهم دون المشاع، فأتوا على ذلك بالبينة، فالقول قول من ادعوه لأنفسهم، وتجوز بينتهم. وإن لم تكن
لهم بينة جميعا، فيكون القول قول من ادَّعوه لأنفسهم، ويكون عليهم اليمين. وكذلك إن تخاصمت قبيلتان في أرض فادَّعاها كل واحد من القبيلتين أنها مشاع لهم دون أصحابهم، فإن كانت لهم البينة جميعاً فتكون مشاعاً بينهم أجمعين؛ وإن كانت البينة لبعضهم دون، بعض فتكون مشاعا لمن كانت لهم البينة؛ وإن لم تكن لهم بيِّنة جميعاً، فلا يكون مشاعاً، ولا يقعد فيه بعضهم دون بعض، ولا غيرهم من الناس.
قوله: «لا يقعد فيه المشاع إلا بالمنافع ... » معناه: أرض المشاع لها حق التمسك بما لها.
من
منافع في
أرض غيرها، وأما غير المنافع فلا.
- 615 -
1
1 (1/615)
صفحة 605
وَأَمَّا أرض الريبة والغصب أو بعضها غصب أو ريبة فلا تكون مشاعا لأصحابها إن عرفوا وكذلك أرض المسجد أو أرض المقبرة، أو أرض الأجر، أو أرض المساكين، فلا تكون مشاعا في هذه الوجوه كلها.
وتكون الأرض مشاعا دون الأشجار، أو تكون الأشجار مشاعا دون الأرض، أو يكونان مشاعًا جميعًا، أو تكون الأرض مشاعًا لقوم، وتكون الأشجار مشاعا لقوم آخرين. وكذلك يكون الماء مشاعا دون الأرض والأشجار، أو تكون الأرض والأشجار مشاعا دون الماء، أو يكون كل واحد منهما مشاعا لقبائل شتى. وكذلك المشاع وجميع وجوه الأجر كلها على هذا الحال فيما بين الأرض والأشجار والحيطان تكون الأرض مشاعا، والأشجار والحيطان لوجه من وجوه الأجر، أو تكون الأرض لوجه من وجوه الأجر والأشجار والحيطان والماء مشاعا. ومن غرس أرض المشاع بغراس المسجد والمقبرة أو غراس واحد من وجوه الأجر، كان ذلك كله بإذن أهل المشاع، فتكون تلك الغراس لمن غرست له. وإن كان بغير إذن أهل المشاع، فيكون أهل المشاع بالخيار إن شاؤوا أن يأخذوا من غَرَسَ تلك الغراس بنزعها فعلوا؛ وإن شاؤوا أن يتركوها في أرض المشاع فعلوا، ويعطوا قيمة الغراس لقيم المسجد أو واحد من هذه الوجوه كلها.
ومن غرس في أرض وجه من وجوه الأجر بغراس المشاع، فإن من غرس تلك الغراس ضامن لأصحاب المشاع قيمتها. وكذلك من غرس غراس واحد من هذه الوجوه التي ذكرنا في أرض بعضهم، فإنه ضامن لقيمة الغرس.
مسألة
قلت: وأهل المشاع، هل يتأخذون على دفع المضار وإثبات منافع مشاعهم؟ قال: لا يتأخذون على ذلك كله، وذلك مثل حيطان انهدمت، أو العين إن دفنت، فلا يتأخذون على البنيان ولا على الكنس، سواء في ذلك كنس العيون
- 616 - (1/616)
صفحة 606
والمماصل والسواقي، وعمل الزروب ومثل ذلك، فلا يتآخذون على شيء من ذلك، سواء في ذلك قبيلة واحدة أو قبائل شتى. ولا يتآخذون أيضًا أن يحدثوا ما لم يكن قبل ذلك من هذه الوجوه التي ذكرنا.
قلت: وإن اشترك أهل المشاع مع قوم مخصوصين، فهل يتآخذون على البناء والكنس؟ قال: إن استمسك أهل المشاع بقوم مخصوصين فإنهم يدركون جميع المنافع، ودفع جميع المضارٌ مِمَّا يثبت عليهم. وأما إن استمسك قوم مخصوصون بأهل المشاع، فلا يدركون عليهم شيئًا من ذلك؛ ومنهم من يقول: لا يدرك عليهم أهل المشاع شيئا من ذلك.
ويعطي أهل المشاع الأجرة من غِلة مشاعهم على إصلاح مشاعهم، سواء في ذلك عامتهم أو من ينظر إليه منهم، أو القيم على ذلك المشاع.
وإن رأوا بيع الغلة أو بيع خشب أشجار ميتة، أو نقض حيطان انهدمت، فإنَّهم يبيعون ذَلِكَ كله، ويجعلون ثمن ذلك كله فيما يصلح للمشاع، أو فيما ينفع من يخدمه، أو يعطونه لفقرائهم، أو يقتسمونه كما يقتسمون المشاع. وإن أرادوا أن يأخذوا لمن ينتفع بهذه الوجوه التي ذكرنا فعلوا ذلك، وينتفعون هم بإذن بعضهم لبعض، وينتفعون به كلهم فذلك جائز لهم كلّهم.
ويشترون لمشاعهم مجاز طرقه ومجاز مائه وما يصلحون به مشاعهم، ويعطون الثمن غلة مشاعهم، ويشترون بأموالهم للمشاع، فيكون مشاعا جميع ما اشتروه للمشاع.
مسألة
وإذا كانت الأرض بين قوم، فادَّعى بعضهم أنها قد بلغت الحد الذي تكون فيه مشاعا، وجحد ذلك آخرون، فإنهم يرفعون ذلك إلى أهل المعرفة، فإن قالوا لهم بلغت الحد الذي تكون فيه مشاعا، فتكون مشاعا؛ وإن قالوا لهم لم تبلغ الحد الذي تكون فيه مشاعا، فلا تكون مشاعا؛ وإن كانت البَيِّنَة من غيرهم عَلَى أَنهَا بلغت الحد الذي
تكون فيه مشاعا، فتكون مشاعا؛ ومنهم من يقول: تجوز شهادة بعضهم في ذلك.
- 617 - (1/617)
صفحة 607
وكذلك إن اختلفوا في مشاعهم فقال بعضهم زال من المشاع، وقال آخرون ثابت في المشاع، فالقول قول من قال: إنَّه لم يخرج من المشاع، ويكون مدعيا من قال: إنَّهُ زال من المشاع، فتكون البينة بينته، وذلك إن بينوا بشهادتهم أنه دخل ملك أحد من الناس؛ وإن لم يُبَيِّنُوا فلا يجوز ذلك.
وكذلك إن ادعاه كل واحد منهم أنه دخل ملكه، أو دخل ملك موروثه، فيكون من ادَّعَى ذلك هو المدَّعي إن كانت له بيِّنة، فيصير له ملكا؛ وإن لم تكن له بينة فلا يدرك شيئًا وإن كانت لهم بينة أجمعين، فليقتسموها على ما كانت بينهم؛ وإن تَبَيَّنَ لهم أنَّها خرجت من المشاع، ولم تتبين لمن هي، فمن كانت له بينة فليأخذوها، وإن لم تكن لهم بينة جميعا فليحلفوا ويقسموها، فمن نكل منهم عن اليمين فليس له شيء.
وسألت عن قوم اختصموا على أرض، وقال بعضهم: هي مشاع لنا، وقال بعضهم: هي لنا وليست بمشاع، فحكم الحاكم للذين ادَّعوها أنها لهم، وليست بمشاع، ثم بعد ذلك رجعت في ملك من ادَّعَى أنها مشاع بميراث، أو غير ذلك من وجوه دخول الملك، ورجعت في ملكهم كلهم، أو في ملك بعضهم دون بعض فإنها قد صارت مشاعا لمن قالوا: إنَّها مشاع له.
وكذلك من شهد عليها أنَّها مشاع، ولم يجوز الحاكم شهادتهم، ثم رجعت إليهم بوجه من الوجوه، فإنها قد صارت مشاعا.
وكذلك كلّ من قال: إنَّهَا مشاع من غير شهادة ولا دعوى، ثم دخلت ملكه أنَّها تصير مشاعا في كلِّ من يجوز قوله من الناس رجلا كان أو امرأة، موحدا كان أو مشركا، حراً كان أو عبداً، إذا أعتق فتمادى على إقراره أو أنكره، فإنه يجوز عليه قوله الأوَّل، ولا يجد الخروج مِمَّا قال أوَّل مرَّة.
- 618 - (1/618)
صفحة 608
وَأَما إقرار الطفل والمجنون في هذا فلا يجوز، ولو دخل ذلك ملكهم بعد ذلك، إلا إن تمادوا على إقرارهم بعدما جاز قولهم.
وأَما إن انتقلت تلك الأرض إلى غير من أقرَّ بها، فإنَّها لا تصير مشاعا، إلا إن رجعت إلى ورثة من أقرَّ بها من بعدما جازت على ملك من أقر بها، فإنها تصير مشاعا مثل الوجه الأوَّل. وإن اختلفوا فيها أنها قد جازت على من أقر بها أنها مشاع، أو لم تجز عليه فلا يجوز في ذلك إلا البينة العادلة.
وكلُّ من أقرَّ بهذه الأرض أنَّها مشاع، ثمَّ اشتراها لغيره ممن ولي أمره، أو من أَمَرَه، أو وكله فلا يَضُرُّ إقراره هؤلاء كلهم، ولكن لا يجوز له ذلك فيما بينه
وبين
الله إذا علم.
وكذلك المقارض لا يَضُرُّ إقراره صاحب المال كان الربح في المال أو لم يكن، إن أخذ ذلك في سهمه؛ ومنهم من يقول: إن كان الربح في المال يصير ما نابه من الربح مشاعا، وما بقي فهو لصاحب المال؛ ومنهم من يقول: حيث صار بعضها مشاعا، فإنَّها تصير مشاعا كلها، ويضمن لصاحب المال سهمه. وأما إن اشتراها صاحب المال بعدما أقرَّ أنها مشاع فإنَّها تصير مشاعاً، ويضمن للمقارض ما نابه من الربح إن كان في المال.
وما علمه الرجل من الأرض أنها مشاع، فلا يجوز له أن يلي بيعها ولا شراءها، لنفسه ولا لغيره ممن ولي أمره أو وكله، فيما بينه وبين الله ه؛ وكذلك الحاكم لا يحكم بها لغير من تنسب إليه؛ وكذلك الأموال كلها؛ فإن فعل ذلك وتلف شيء من هذا بسببه فهو ضامن فيما بينه وبين الله، وعليه الإثم.
والأرض إذا شاعت بسبب قوم، إما ببينة أو بحكم حاكم، ثُمَّ بعد ذلِكَ جاءت عَلَيْهَا بَيِّنَة أَنَّهَا لقوم آخرين، وليس للذين ادَّعوا فيها شيء، فإنها قد خرجت من المشاع ورجعت إلى من أتى عليها ببينة أخرى.
- 619 - (1/619)
صفحة 609
كمل الجزء الثامن بحمد الله وعونه وتوفيقه وتأييده على يد العبد الفقير الحقير الذليل الراجي عفو ربه: محمد بن يوسف بن داود بن سعيد بن موسى بن صالح، اليزجني نسبا ومسكنا، الإباضي مذهبا، الوهبي اعتقادا. غفر الله لنا ولمن صلح من آباتا ولجميع المسلمين والمسلمات. آمين، والحمد لله ربِّ العالمين. وصلى الله عَلَى سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما. وقد وقع الفراغ من نسخة هذا الكتاب في يوم الجمعة فيما بين الظهر والعصر، في يوم التاسع عشر خلت من شهر الله المبارك: شعبان سنة 11192).
بحمد الله
1 - كذا في النسخة (م). وجاء في النسخة (ت) ما يلي: كمل الجزء الثامن من كتاب الأصول، وحسن عونه وتوفيقه وتأييده، والحمد الله رَبِّ العالمين، على يد ناسخه ومتممه الراجي غفران ذنبه وستر ما شان من عيوبه بابا بن اسليمان بن بابا بن اسليمان بن أيوب بن أحمد، رجب الأصم، بعدما خلت ثلاثة وعشرون يوما
الله
الغرداوي مسكنا، الإباضي مذهبا، في شهر عام 1295 خمسة وتسعين ومائتين وألف من هجرة سيد الأولين والآخرين، صلى الله عليه
وعلى آله وصحبه وسلم وكفى. وبه تم الكتاب».
- 620 - (1/620)
صفحة 610
-
المراجع المعتمدة في التحقيق
1 أبو اليقظان إبراهيم بن عيسى: الإمام أبو عبد الله مُحَمَّد بن بكر الفرسطائي النفوسي، سلسلة تراجم أبي اليقظان، صورة طبق الأصل، القرارة، 1406 هـ/1986 م؛ 69 ق.
2 - أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر الوارجلاني: كتاب السيرة وأخبار الأئمة، تحقيق عبد الرحمن أيوب، الدار التونسية للنشر، تونس، 1986 م.
-3 - أحمد بن حنبل: المسند المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الرابعة، 1403 هـ / 1983 م 4 - أحمد بن محمد بن بكر أبو العباس: كتاب أبي مسألة، إعداد: محمد صدقي وإبراهيم اسبع، مطبعة البعث قسنطينة الجزائر، 1404 هـ / 1984 م.
5 ابن ماجه أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني: السنن، الطبعة الثانية، دار الفكر، بيروت. وبهامشه حاشية السندي أبي الحسن محمد بن عبد الله ابن عبد الهادي الحنفي.
6 - ابن منظور: لسان العرب المحيط، قدم له العلامة الشيخ عبدا الله العلايلي أعاد بناء على الحرف الأوَّل من الكلمة: يوسف خياط، نشر دار الجيل،
ودار لسان العرب، بيروت، 1408 هـ/1988 م.
7 - البستاني دائرة المعارف، دار المعرفة، بيروت.
8 - الثميني عبد العزيز التكميل لبعض ما أخل به كتاب النيل، صححه ونشره: حفيد المؤلف: محمد بن صالح الثميني، مطبعة العرب، تونس، 1944 م.
- 621 - (1/621)
صفحة 611
9 - الثميني، عبد العزيز بن إبراهيم: الورد البسام في رياض الأحكام، تعليق الشيخ محمد بن صالح الثميني.
10 جمعية التراث: دليل مخطوطات وادي ميزاب (مرقون)، فهارس ج 1: آل
-
يدر، ج 2: عمي سعيد، ج 3: البكري، ج 4: إيروان، ج 5: آل افضل ...
11 - جمعية التراث معجم أعلام الإباضية، جزء المغرب، النسخة التجريبية (مرقون).
12 - الدرجيني، أبو العباس أحمد بن سعيد: طبقات المشايخ بالمغرب، تحقيق: إبراهيم بن محمد طلاي، مطبعة البعث، قسنطينة.
13 الربيع بن حبيب، أبو عمرو: الجامع الصحيح، المطبعة العربية، غرداية، 1404 هـ / 1984 م.
14 - السندي، أبو الحسن محمد بن عبد الله ابن عبد الهادي الحنفي: حاشية على سنن ابن ماجه طبع بهامش سنن ابن ماجه الطبعة الثانية، دار الفكر، بيروت.
-15
الشماخي، أبو العباس أحمد بن سعد سير المشايخ، ط. حجرية، 1301 هـ.
6
16 - الصابوني، محمد علي صفوة التفاسير دار القرآن الكريم، بيروت، الطبعة: الأولى شركة الطباعة، الرياض، 1401 هـ / 1981 م.
-17 الفيروزآبادي، مجد الدين محمد بن يعقوب: القاموس المحيط، ضبط وتوثيق يوسف الشيخ محمد البقاعي، إشراف مكتب البحوث والدراسات دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1415 هـ / 1995 م.
لغة الفقهاء، عربي
18 - محمد رواس قلعه جي، وحامد صادق قنيبي: معجم إنجليزي، دار النفائس بيروت الطبعة الأولى، 1405 هـ / 1985 م.
- 622 - (1/622)
صفحة 612
19 - الوسياني، أبو الربيع سليمان بن عبد السلام، سير المشايخ (مخ). 20 بيلو اليسوعي: الفرائد الدرية (معجم عربي فرنسي)، الطبعة السابعة عشرة، المطبعة الكاثوليكية، بيروت.
-
21 سهيل إدريس، وجبور عبد النور: المنهل (معجم فرنسي عربي)، الطبعة الخامسة دار الآداب بيروت ودار العلم للملايين كانون الثاني (يناير)
1979 م.
-22 المنجد في اللغة والأعلام، دار المشرق، بيروت، الطبعة الثامنة والعشرون، 1986 م.
23 - Cuperly Pierre: La secte Ibadhite, in revue Awal, N° 3, 1987.
24 - Cuperly Pierre: Un document ancien sur l'urbanisme au M'Zab, in I.B.L.A. N° 148.
25 - Ennami, A. K. : Description of new Ibadi manuscripts from north Africa, in Journal of Islamic studies; (1970), N° 91.
26 - Masqueray, E. : Chronique d'Abou Zakaria.
27 - Motylinski A. de C. Bibliographie de M’'Zab, Bulletin de correspondance Africaine, Vol. 3 (1885).
28 - Revue Awal. Cahier d'études Berbères, N° 3, (1787).
40
- 623 -
1 (1/623)
صفحة 613
صفحة مصوّرة من النسخة (م) التي تعتبر أقدم النسخ حتى الآن
بسم الله الرحمان الرحيم لامر الله على به نام و علاية قالم
، درب تلخيص الد ... و بانده ام تا مورال بما على ذله
باته حد القذب الاكمال ابو السمانية انتشر بن الشيح المودات.
•
محمد ديكر ري الن تفهما وتهت ابر دانت ماه
الى د لته للشريك له وحد انت مو لا نظير له وربوبيته نحمده على الراحة ونسته على طلعته وأباه مسئله التوقيف واليه ترغب و العصمة من الخطا والزنك والادوار والقوة البه وهو حسين ا ونعم الوكيل ذكر نريد شرح ما استقر الينا من منساب الشركة وما يوجه أو مالي فيه وما يفع به المطر و التعليمة من وجت بينهم الشركة وعلا كان الشركة من بعد الخلف ولليوجه الله بها عزوجل وتلك الشركة تقع على وجوه ونحن نفكر ها وفينها و بالله التوقيف باجس الشركة ومع انها و الشركة تقع على وجوه متطوعة منها لما تكون فيه الشركة بالتمليك وتكون الشركة و المناجع كون التمليك
وتكون ايضاع الامعا وغير الأموال والتي تكون غير الاموالا مثل الشركة مالك مين وأمور السلام وشركة النسب والولا وغير هذا و فه نام كتابنا هذا الشركة الاموال عون فير بها وتلك الشركتيقع بعمر الشركة جمبها ويجعل بعض الشركاءة وبعض وتكون بغي مطعم جميعا بالوجه الكي تكون في الشركة بمطعم جميع أو ذلك از اتصفوا جميعا ما يجوز عيه أنطالع من السعاية والاموال مثل مايدخل ملكهم من جميع الصباحات والحقوق كلها من الصدفات وغيرها و التجارات والارواح كلاما و عقده العظيم با خدا لك اخرجوا با تعلق منهم الوعد و هم از يكون
غنم بعضهم كون بعني أنا أنفضول اور نماز دكور جهم وأتوب الذي تكون جيه الشركة بعدد
مالك مثل جمع الله كان له شريكه ذلك الشركة
بعد الفرديف
ارة بعد الارباح كلم الكاناري في جميع
ولم يكن النشر بكار مشاري والجيم
ملهم وذلك مثل البراني وجميع الوصايا
أو يعمل غيرهم وأما اللمحة لا من الأموال
و جو عرف و فلك لها على اليمكن عيد الامتزاج
ميرانا کلي او غير اذا اختلط مداخله في الحصول الأمير ولا بقرب
من ماجد بعة اعلى النتحبه الشرعية والتلجرام حكمه (1/624)
صفحة 614
الصفحة الأخيرة من المخطوط المشار إليه سابقا
ويلحظ فيها تاريخ الانتهاء من النسخ وهو 1192 هـ.
غير من أفريه اجانها
الا انتها على الفهارم بعد ماجاني خواهم وأسال لاتصير مثل الان الى ورقة من اختر بها من بعد ماجد ل ملك من أقر بها والتعاضي مشاع المثل الوجه الواو از اختلموا بيه الدهان جازت على مخافر آنها مقام اول مليون عن الالبية السلامة وكل من أخر بعة الا الشاعت
الشاي اعلم و
اي صاحب الملاك ه السلام
فيفور هيشمان بعضها مشاع مانهاتمي مثلكم على هاوية من الماحب واحدا ان اشتم اما صاحب المرابعة سلام انها مختراع جرانده انخيلي شله ويضمن البقاء في ما تا به من الرب ان كان الملاو ماعليه الرجل من اللي في انها مشاع مان وزنه از تاق يسعدها و الاخر الها النعسهم واللغبي ممن ولا ام عاد و عله؟ وعة له الحرام لا يحكمها الغير من تناسب الله وقد له اله مدار كلاما باز معلقك من همة ايسي مضامي ينه وبين الله وعليه الأم و الارض الى اشاعت بلد اما کو بيايند او يک قدام فذ هجات عليها بينة أنها القوم الغربي اعرابي هاله بلده الاخرجت من المسلم ورجعت القواتى عليها بينها والجزء الثامن بحمد الله ودونه واحد منه و تايه
على به العبد الفقير الحغير الكليات التى
لجوريه
زيون مجبر ابنة ألم
تسعيد بن موسسي الي عالم السنفي نسبة ومسكنا الاولي ذهب الراية المطاعم الله النا ونمي على من أب ابناء ولميم المسلمين والمسلمات) ه امير والحمد العرب العلاميين
على نسبة ناهيكه واله وصحبه وسلم (1/625)
صفحة 615
قواعد فقهية مستخرجة من الكتاب
تتميما للفائدة رأينا أن نلحق بالكتاب عبارات مستخلصة (1) منه تجري مجرى القواعد والكليات.
-1
وجوه الأجر كلُّها أي) ما جعل لوجه الله من (الأموال لا تكون الشركة بينها وبين غيرها. وَقِيلَ: إنَّ الشركة تقع فيما بين وجوه الأجر وبين مالك معلوم (أي مُعين). (ص 71) السابق إلى المشاع أولى من غيره. (ص 73) القسمة جائزة بين الشركاء في جميع الأموال التي تمكن فيها القسمة، ويدركها بعضهم عَلَى بعض بالجبر. (ص 74)
خليفة الطفل والمجنون بمقامهما في قسمة مالهما مع الشركاء. (ص 74) لا يدرك الشركاء - إن غاب أحدهم - عَلَى عشيرته أن يستخلفوا له من يتولى قسمة ما تركه الأموال. وأما ما يدخل ملكه بغير فعله مثل الميراث والوصية فَإنَّ شريكه يدرك عَلَى عشيرته (عشيرة (الغائب أن يستخلفوا له من يتولى القسمة مع شركائه. وقيل بجواز الاستخلاف عَلَى قسمة ما تركه قبل غيابه. (ص 75)
من
الشركاء يتداركون القسمة في جنس واحد لا في أجناس مختلفة معًا. والنخل بأصنافها جنس، والزيتون بأجناسها جنس، والكروم كذلك، والأرضون جنس، والغنم جنس ... وقيل: الأصول (أي غير المنتقلات) كلها جنس واحد، والحيوان كله جنس واحد، والأواني كذلك، والثياب كذلك.
(ص 7675)
يجوز
من
يجبر الشركاء على ما يفصل بينهم إما بقسمة العين أو قسمة المنافع أو البيع. (ص 76) لا يدخل نصيب أحد الشركاء ملكه حتى تنتهي عَمَلِية إلقاء الأسهم، أي الاقتراع. وقيل: من وقعت قرعته على سهم معلوم فهو له ولو لم تتم القسمة. (ص 79 - 80) لأحد الشركاء أن يأخذ من المشترك شَيْئًا إلا بإذن شركائه. وإذا كان المشترك بيد أحد الناس وديعة فلا يدرك الشريك من ذَلِكَ المشترك شَيْئًا حتى يحضر جميع الشركاء. (ص 80 - 81) قسمة الأصول إلا بالحدود التي يمكن بها الفصل بين الشركاء. (ص 82) إن اختلف الشركاء في كيفية قسمة ما يوجد في أماكن متفرقة فالقول قول من دعا منهم إلى قسمة ما كان في مكان واحد على الانفراد. (ص 84)
تصح
من العبارات ما أوردناها بنصها، ومنها ما أوردناها بمعناها مراعاة للاختصار. ورتبناها
حسب ورودها في
الكتاب.
- 626 - (1/626)
صفحة 616
الأصل (أي غير المنتقل) لا تصح قسمته إلا بالقيمة (أي بالتقويم)؛ وقيل: تصح بغير القيمة
إذا اعتدلت أسهم الشركاء. (ص 85)
لا تجوز قسمة الغِلَّة عَلَى الأشجار إذا لم تدرك. (ص 86)
الغبن المعتبر في القسمة بين الشركاء هو الغبن المعتبر حال البيع. (ص 87) كلُّ ما يجوز بيعه من الغائب تجوز قسمته أيضاً مما لا يتغير في حال غيابه بالزيادة أو النقصان. (ص 102
وقيل: لا تجوز القسمة فيما يقسم إلا بحضور ذلك المقسوم مع القيمة واعتدال الأسهم والقرعة. (ص 102) كلُّ جواز (أي مرور في أرض) لا يدَّعِي به إثبات الطريق، ولم يمنعه صاحب الأرض، ولم يكن في سلوكه فيها مَضَرَّة فجائز له الجواز فيها. (ص 129)
من أحدث في ماله أي) في ملكه ما هو مَضَرَّة لِلعامة فليؤخذ بنزعه. (ص 202) الحكم في العمارات كلها من الأشجار والحيطان والسواقي والمفاصل وغيرها واحد في التبرئة والإثبات أو النزع، وأكل الغلة والانتفاع. (ص 221) الظل الذي يُمنع الجارُ أن يُحدثه عَلَى جاره في الأجنة والمزارع هو ظلُّ الحائط القبلي. (ص 234) العمارات علامات بني آدم، وما كانت فيه علامة بني آدم فلا تقربه، إلا إن كان من عمارة الأولِينَ (أي آثار الأقدمين كالرومان). (ص 242)
إقرار الأب عَلَى ابنه الطفل (غير البالغ جائز، أما إقراره عَلَى ابنه البالغ فلا يجوز. (ص 248) خليفة الرجل يكون شاهدا له وشاهدا عَلَيْهِ. (ص 249) خليفة اليتيم أو المجنون - إن استمسك به شريك واحدٍ منهما - يجوز لهما انتزاع أنفسهما من الخلافة عَلَيْهما، إلا الأب الخليفة عَلَى ابنه الطفل. وَكَذَلِكَ خليفة الغائب الذي لم يجد السفر (أي لم يستطعه) إلا باستخلافه لذلك الرجل بعينه فَإنَّهُ لا يجوز له نزع نفسه من الخلافة. (ص 249) الأصل في الأشياء إبقاء ما كان ولا تغيير إلا لسبب مشروع. (ص 255 وغيرها) يتآخذ الشركاء عَلَى نزع كُلِّ مَضَرَّة في المشترك، ولا يتأخذون عَلَى نزع ما حدث به ولا يَضُرُّه. (ص 257) كل ما عمل الشريك في المشترك من العمارة والصلاح ودفع المضار مِمَّا يتآخذون عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يدرك عناءه عَلَى شركائه عَلَى قدر اشتراكهم. (ص 271) كلُّ ما يصل الشركاء إلى منعه من المضار يتجابرون عَلَيْهِ، وما لا يصلون إلى دفعه فلا يتجابرون عَلَيْهِ. (ص 271)
يتآخذ الشركاء في الزروع على ما لا ينقص به الزرع أي) عَلَى ما ينقص الزرع بانعدامه)، وَأَما ما يصلحه أَكثر فَإِنَّهُمْ لا يتآخذون عَلَيْهِ. (ص 271) كل ما أدرك من الغلات يتأخذ الشركاء على جنيه إلا إن كان في تركه زيادة وصلاح. (ص 272)
- 627 - (1/627)
صفحة 617
-
القول قول من دعا إلى ما كانت عَلَيْهِ العادة (أي العادة محكمة). (ص 272، 307 ... ) الخطأ في الأموال لا يزيل الضمان. (311، 312 ... )
كل ما كان في يد رجل من مال غيره يصنع فيه ما يصنع في ماله من دفع المضار عنه. (ص 328) فعل عبدِ الرجل وطفله بمنزلة فعله هو إن فعلوا ذلك بمحضره. (ص 331) ما فعله الأب في مال ابنه الطفل، وَكَذَلِكَ ما فعله الخليفة في مال من ولي أمره، لا يجوز
للطفل ولا للسفيه نقض ذلك الفعل بعد البلوغ والرشد. (ص 385 - 386)
البَيِّنَة عَلَى المدعي، وليس له عند فقدها يمين، ولا تنفعه إن حلف. من الناس من لا يحلف أي لا ينفعه حلفه عند الخصام وهم خليفة الغائب واليتيم، والطفل والمجنون. (ص 480) الحريم يزداد ولا ينقص إذا لم يحكم به الحاكم، وأما إذا حكم به فلا يزداد ولا ينقص. (ص 524) المعتبر في تحديد الأبعاد (الطول والعرض والعمق ... ) أذرع أوسط الناس (لا ينظر إلى المفرط في الطول أو القصر). (ص 528) الطرق كلُّها من حيث سعتها) إنَّما ينظر فيها إلى ما جعلت له من أغراض الجوان). (ص 534) ما اختلف فيه العلماء من صور بيع الانفساخ ليس على من انتفع به (أي المشتري) إثم، وَعَلَيْهِ الغرم. (ص 584) الحاكم لا يحكم بالإمكان أي عَلَيْهِ أن يعتمد عَلَى أَدلة الإثبات). (ص 619)
قواعد تدور عَلَيْها مسائل الكِتَاب
الضرر يزال - الانقاص من المَضَرَّة جائز والزيادة لا تجوز. دفع المضَرَّة مُقَدَّم عَلَى جلب المنفعة. ـ الضرورة تقدر بقدرها. - المسلمون عَلَى شروطهم. - تعليق الأحكام بالمنضبط - اعتبار الأوسط عند التقدير. - الأصل إبقاء ما كان
عَلَى ما كان.
- 628 - (1/628)
صفحة 618
مقدمة الطبعة الثانية.
المحتويات
تقديم بقلم الأستاذ مهني بن عمر التيواجني.
مقدمة:
التعريف بكتاب القسمة وأصول الأرضين ومكانته. المقارنة بين النسخ المخطوطة.
المؤلف وعصره.
من هو أبو العباس أحمد بن محمد؟.
مكانته العلمية.
آثاره
منهج
الكتاب.
منهجنا في التحقيق.
بداية المخطوط.
باب في الشركة وبيانها.
باب في شركة المنافع وتصحيح القسمة فيها.
مسألة:
في قسمة الأموال
باب فيما تجوز به القسمة وما لا تجوز به
مسألة: ولا يجوز لأحد
مسألة
من الشركاء أن يأخذ من المشترك شيئًا إلا بإذن شركائه ..... 80
في قسمة الأصل. مسألة: في قسمة الغلة.
مسألة في الغبن. (1/629)
صفحة 619
مسألة: في قسمة المنافع في المشترك
مسألة: في قسمة ما اختلط
الأمانات.
من
مسألة: إذا اختلط مال التاجر مع تاجر آخر.
مسألة: في قسمة ما اختلط من الحيوان ....
مسألة: في قسمة ما اختلط الحيوان مع الحرام والريبات وأموال الأجر.
من
باب في قسمة ما يكال أو يوزن.
مسألة أخرى في قسمة الحيوان.
مسألة: في قسمة المشاع ..
باب فيما يدخل في قسمة المواريث من الخطأ والعمد. باب في قسمة الماء.
الجزء الثالث من كتاب الأصول
القول في الطرق ومسالكها واختلاف مجاريها. مسألة: فيمن أراد أن يمنع من يسلك طريقه.
مسألة في تحويل الطريق.
مسألة في الطرق كم من وجه كانت عليه.
باب في إثبات الطرق لأصحاب العمارات في أرض غيرهم.
باب في عمارة الأجنة والبساتين.
مسألة: في إثبات الطرق.
مسألة: في إصلاح الطرق
مسألة: في القناطر.
باب في طرق الدور ..
باب في زقاق الشارع. باب في التمانع في الطرق.
مسألة في الميزاب.
مسألة أخرى: إن التقى رجلان في سكة.
باب في إنشاء القصر وبنيانه.
- 630 - (1/630)
صفحة 620
الجزء الرابع من كتاب الأصول
باب: فيما يتمانع منه أهل القصر من المضرة
مسألة: في باب القصر.
مسألة: قوم أرادوا أن يجعلوا لقصرهم منقاصا.
مسألة أخرى رجل أراد أن يحدث في حريم القصر شَيْئًا مسألة أخرى: قوم اتَّفَقُوا عَلَى أن يبنوا قصرا في وسط أصلهم. مسألة أخرى: قوم اتَّفَقُوا عَلَى أن يبنوا قصرا في أرض المشاع. مسألة: قوم بنوا قصرا فأرادوا أن يجعلوا له حارسا. مسألة: في الدور والبيوت. مسألة أخرى قوم أرادوا أن يعمروا أرضا لم تعرف لأحد.
مسألة أخرى رجلان اشتريا دارا أو ورثاها .... مسألة أخرى قوم لهم جنان، فأرادوا أن يبنوا له حائطا مسالة أخرى من اشترى دارًا وفيها بيت مفتوح إلى خارج الدار .. مسألة أخرى: قوم اتَّفَقُوا على أن يبنوا بيتا في أرض قد اشتركوا فيها. مسألة أخرى: قوم بينهم بستان فحدث فيه الفساد.
الجزء الخامس من كتاب الأصول.
القول في ماء المطر.
:باب عمارة الأرض بماء المطر.
باب في المصارف.
مسألة:
من
كانت له عمارة فوق عمارة غيره فزاد إليها الماء حتى انكسر جسرها .. 313
باب ما يجوز للرجل في مساقي غيره وما لا يجوز له
مسألة:
من صرف ماء مسقى غيره إلى أرضه.
باب من حرث أرض غيره بالتَّعَدِّي.
مسألة أخرى من أذن لرجل أن يحرث أرضه فقلبها. مسألة فيمن تعدى على أرض غيره فحرثها ببذر صاحبها مسألة فيمن تعدى على أرض غيره فحرثها ببذر رجل آخر. مسألة فيمن غصب أرضًا ثُمَّ دخلت ملكه.
- 631 - (1/631)
صفحة 621
الجزء السادس كتاب الأصول.
باب فيمن حرث أرض المشاع بالتعدية.
مسألة فيمن حرث أرض غيره بالتَّعَدِّي أو بالغلط.
مسألة أخرى من غصب أرض رجل فحرثها له يبذر صاحب الأرض.
مسألة فى اختلاط البذر.
باب أخذ الشركاء بعضهم بعضا على حرث أرضهم.
مسألة في اشتراك الحرث.
مسألة في أرض الفيء ..
مسألة: رجل أذن لرجل أن يحرث أرضه فأخرج منها بعضا من ملكه. مسألة أخرى رجل أذن لرجل أن يحرث بدوابه.
الجزء السابع من كتاب الأصول في نزع المضرات وإثباتها. ... إن اتَّفَقُوا أن يجعلوا الحريم فيما بينهم. رجل حدثت عليه مَضَرَّة في الأرض أو في الأشجار أو في كل ما يدرك نزعه .. 459 مسألة أخرى رجل أحدث في حاره مضرة في الأصول. مسألة أخرى رجل دخل أرضا فعمرها، ولم تعرف له بالشراء ولا بالميراث ......... 469 رجل أحدث المضرة في أرضه على جاره بمال المسجد أو المساكين ......... قوم وحدوا مضرة في أرض رجل، فاستمسك به جاره بنزع تلك المضرّة. مسألة أخرى: رجل أحدث المضرّة في أرض لم تعرف له.
مسألة في البيع الموقوف
باب الدعوى في المضرة.
مسألة أخرى: الأعمى إذا حدثت له المضرَّة.
مسألة أخرى رجل أحدث الممَضَرَّة في أرضه على رجل.
مسألة: من اشترى أرضا وما اتَّصَلَ بها ... فأحدث له حاره مضرة
مسألة:
من
اشترى أرضا وما اتَّصَلَ بها، شراء منفسخا فحدثت له مضرة ..
مسألة في الاستحقاق.
مسألة:
من رهن أرضا لرجل، فحدثت فيها مضرّة، فمكثت مقدار ما تثبت فيه.
مسألة أخرى في الوصية. (1/632)
صفحة 622
مسألة أخرى رجل أصدق لامرأته أرضا وما اتصل بها فحدثت فيها
مسألة في بيع المضرة ..
مسألة في إثبات المضرة.
باب في الحريم أيضا .....
مسألة في حريم عروق الشجر.
مسألة في حريم
الطرق
مسألة في
الساقية.
حريم
باب في حريم العيون.
مسألة في حريم الآبار.
باب في حريم الوادي.
باب في حريم البحر.
باب: في حريم المدينة.
مسألة في حفر الغيران والآبار والمواجل.
مسألة في حريم
الغار.
الجزء الثامن من كتاب الأصول
مسألة: ويجوز للرجل أن يحدث في الأرض غراسا لم تكن قبل ذلك مسألة: ولا يجوز أن يعمر أرضا لم يعرف أصلها وأساسها.
باب آخر المشترك من الغراس فلا يغرس ولا ينزعه، وكذلك الأرض المشتركة ...... 554 مسألة: إن غرس أرضا على أنها له فخرجت لغيره والغراس له. كله مسألة: إن غرس أرضا على أنها له وما غرس فيها، فخرج ذلك لغيره. مسألة: من غرس أرضه فمكث حتى قامت، غراسه فاستحقت تلك الأرض ......... 560 مسألة: من غرس أرضه فباع الأرض وأمسك الغراس، أو باع الغراس. الغراس .............. 560 باب في الانفساخ من اشترى أرضا فغرسها فخرج في شرائه انفساخ. باب في العيوب من اشترى غراسا فغرسها في أرضه، فخرج فيها عيب مسألة: من اشترى غراسا أو أرضًا من رجل واحد فغرس تلك الغراس ............. 564 مسألة: إن اشترى رجل غراسا من رجل، واشترى أرضا من رجل آخر .... مسألة: إن اشترى غراسا من رجلين فغرسها في أرضه، فخرج في الغراس عيب ...... 566 (1/633)
صفحة 623
مسألة: إن اشترى أرضا من رجل، فغرسها فمات البائع. مسألة: من اشترى من رجل أرضا فغرسها، أو غراسا في أرضه
مسألة: رجل باع من ابنه الطفل أرضا فغرسها له، فخرج في الأرض عيب. مسألة: إن اشترى الخليفة غراسا مِمَّن استخلف عليه بخليفة، آخر فغرسها في أرضه ..... 571
مسألة: ما اشتراه الأب لابنه الطفل فمات فاستخلفوا له خليفة.
مسألة:
مسألة: خليفة اليتيم والمجنون وأبو الطفل إن اشتروا لهم أرضا فغرسوها لهم ........... 573 له خليفتان استخلفا عليه مفترقين أو معًا، فاشتريا له أرضا. رجلان استخلفا على يتيم، فاشترى له أحد الخليفتين من الآخر أرضا.
مسألة:
يتيم
مسألة: إن اشترى أرضا من ذلك اليتيم فغرسها بغراس اليتيم. مسألة: المقارض إذا اشترى أرضا فغرسها، فخرج فيها عيب.
مسألة: إن اشترى المقارض غراسا من مال القراض فغرسها في أرض صاحب المال ............. 581
مسألة: إن اشترى المقارض غراسا من مال القراض فغرسها في أرضه. مسألة: رجل اشترى أرضا أو أشجارًا أو غيرها من الأشياء شراء انفساخ .. مسألة: إن اشترى رجل من رجل شراء فاسدا، ولم يقبض منه ما اشترى حَتَّى تلف. مسالة: إن اشترى رجل أشياء مختلفة في صفقات مفترقات بعضها شراء فاسدا ...... 588 مسألة: هل يجوز للرجل أن يستعمل الأرض بالغرس أو بغيره من أصناف العمارة. مسألة: يجوز أن يستعمل الرجل أرضه وغراسه وماءه لرجل بتسمية منها. مسألة: يجوز استعمال الأرض والغرس إلى مُدَّة معلومة.
باب في مسائل المشاع
مسألة: في حكم المشاع ..
مسألة: السيرة في أرض المشاع.
مسألة: إن اقتسموا أرض المشاع.
مسألة في ماء المشاع ..
مسألة: أرض المشاع إذا كانت مساقي لقوم فأراد أهل المشاع أن يعمروا أرضهم ........ 602
مسألة: في غلّة المشاع
مسألة: إن اشترك في المشاع قبائل شَتى، فحضر وقت حرثه.
مسألة: المشاع يرجع بعدما كان مشاعاً فيصير ملكا. مسألة: يقعد أهل المشاع في كُلِّ ما حوته أرضهم. مسألة: إن كان المشاع لقوم، فدخله غيرهم.
- 634 - (1/634)
صفحة 624
مسألة: إن كانت أرض المشاع حيث لا يصل إليها أصحابها. مسألة: إن أراد أهل المشاع أن يقتسموا أرضهم على الحرث.
مسألة: يصلح أهل المشاع مشاعهم بتنقية أشجارهم.
مسألة: المشترك من الرجال بين قوم فإنَّه يأخذ من مشاع كُلِّ قبيلة. باب الدعوى في المشاع. مسألة وأهل المشاع، هل يتأخذون على دفع المضار وإثبات منافع مشاعهم؟ ........ 616 مسألة: إذا كانت الأرض بين قوم، فادَّعى بعضهم أنها قد بلغت الحد الذي تكون فيه مشاعا 617
المراجع المعتمدة في التحقيق صورة للصفحتين الأولى والأخيرة من النسخة الأم
قواعد فقهية مستخرجة من الكتاب
المحتويات (1/635)
صفحة 625
وهذا الكتاب ليس مؤلفا في فقه العمارة الإسلامية فحسب، وَلَكِنَّهُ مرآة حضارة لخير
أمة أخرجت للناس، ابتغت فيما آتاها الله الدار الآخرة ولم تنس نصيبها من الدنيا. أيقنت أن الله أنشأ البشر من الأرض واستعمرهم فيها ليبلوهم أيهم أحسن عملا، وأن الحي الأرض يرثها عباد الله الصالحون فأكلوا من الطَّيِّبات، وعملوا الصالحات، وأقاموا حياتهم كلها على نهج الله وحدود شريعته، فلم تكن خيرات الأرض نهبا واغتصابا وَلَكِنَّها تؤخذ من حيث أحلَّ الله وتسخر فيما أحب الله، وأن ليس للإنسان في أخراه إلا ما سعى. وفي دنياه بعد سعيه إلا ما قسم الله.
وعلى ضوء هذا التَّصَوُّر الدقيق المستنير بكتاب الله وهدي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أقاموا
فقههم وسلوكهم وعلاقاتهم وأحكامهم مهما كانت أحوالهم.
وستقرأ بعون الله في هذا الكتاب كيف تكون الشركة بين الناس، وفيم يشتركون
وكيف يقتسمون الحقوق والواجبات بمنتهى النزاهة فيما قل منها أو كثر.
وَانَّهُ لَمِمَّا يملؤك إعجابا أن تقرأ خلال مبحث الطرق - مثلا ـ ما يعتبر مبادئ القانون المرور وأولوياته قبل اختراع السيارات وكيف تقسم المياه ولو كانت من نهر دائم الجريان كيف تؤخذ منه، وكم يجوز منها وما ينبغي أن يصنع بذلك الماء عند السقي به أو عند صرفه عن الأرض المسقية.
الأغصان
وستجد في الكتاب أبوابا وفصولا عن الحريم في مختلف المجالات حريم والعروق حريم السواقي والمفاصل والعيون والآبار والأنهار والبحار والدور والأسوار
والمساجد والمقابر.
وَإنَّكَ لتعجب ولا ينقضي عجبك من ورعهم واجتنابهم مضار الآخرين ولو بأيسر مضرة، فتراهم يمنعون الميزاب أن يرفع فوق موضعه الأول لثلا تزداد مضرته. ويمنعون الباب أن يحول من موضعه حتى لا يكون في ذلك اطلاع على عورات الجار. ويتورعون عن الأنقاض أن ينتفع بها وما دون ذلك.
وستقرأ بحول الله فصولا عن المضرات كيف تثبت أو تنزع، وعن نظام الغراسة.
وإحياء الموات، وعن أحكام المشاع وسيرة السلف فيه، إلى غير ذلك.
ردمك: 9 - 27 - 908 - 9961:. L.S.B.N (1/639)