صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: فقه
------------------------------------------
العنوان: المرأة تسأل والمفتي يجيب
المؤلف: أحمد بن حمد الخليلي
إعداد وترتيب: بدرية بنت حمد الشقصية
المراجعة: قسم الفتاوى بمكتب الإفتاء، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: د.ت
الطبعة: د.ط
عدد الأجزاء: 2
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/691
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/213696784241
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 14 رمضان 1446ه/ 14 - شهر 03 - 2025م. سلطنة عمان
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
المرأة تسأل والمفتي يجيب
سَمَاحَة الشيخ العلامة
أحمد بن حمد الخليلي
المَفْتِي العَامُ لِسَلْطَنَةِ عُمَانَ
إعداد وترتيب
بدرية بنت حمد الشقصية
الجزء الأول (1/1)
صفحة 2
المرأة تسأل والمفتي يُجيب
الجزء الأول (1/2)
صفحة 3
الحرارة تسال والمُفْتَى يُحِيدُ
سَمَاحَة الشيخ العلامة
أحمد بن حمد الخليلي
المَفْتِي العَامُ لِسَلْطَنَةِ عُمَانَ
إعداد وترتيب بدرية بنت حمد الشقصية
الجُزْءُ الأَوَّلُ
المراجعة
قسم الفتاوى بمكتب الإفتاء وزارة الأوقاف والشؤون الدينية (1/3)
صفحة 4
بسم الله الرحمن الرحيم (1/4)
صفحة 5
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فيطيب لي أن أقدم للقرّاء الكرام هذه المجموعة القيمة من فتاوى سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة والتي تتعلق بفتاوى سألت عنها النساء، وقد جاءت بعدما ظهرت الحاجة الماسة لوجود كتاب يضم فتاوى الشيخ الخليلي فيما يتعلق بالمرأة المسلمة وما يهمها من فقه في أمر دينها ودنياها خصوصاً مع وجود الكم الهائل من فتاوى حول هذا الموضوع وعليه فقد قمت بتجميع هذه الفتاوى من مصادر مختلفة كالصحف والمجلات والأشرطة السمعية وغيرها، ثم قمت بفرزها وترتيبها كلا مع ما يناسبه، بعد ذلك تم عرضها على سماحة الشيخ الذي
تكرّم فقام بمراجعتها وتصحيحها.
وسوف يجد القارئ الكريم وهو يجول في ثنايا هذه المجموعة من فرائد وفوائد ومن التوجيهات والآداب والمواعظ ما يجعله يشعر أنه على
مائدة فقهية إيمانية غنية، وليس هذا بغريب على سماحة الشيخ الذي عرفه (1/5)
صفحة 6
?
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
القاصي والداني بسعة العلم وخبرته بأحوال عصره، فكانت هذه الفتاوى وغيرها منسجمة مع طبيعة العصر تقدم حلولاً نابعة من روح الشريعة واقفة عند حدود الإسلام وأحكامه.
ولا
يفوتني هنا أن أقدم وافر الشكر للشيخ إبراهيم الصوافي الذي بذل الجهد والوقت للمراجعة الدقيقة لهذه الفتاوى وإلى كل من ساهم في إخراج هذا السفر الهام.
أسأل المولى سبحانه أن يجعل هذا العمل وسائر أعمالنا خالصاً لوجهه الكريم، كما أبتهل إليه جلَّ وعلا أن يمن على شيخنا الخليلي بالعمر المديد وهو يرفل في ثوب الصحة والعافية، وأن يقرّ عينه بما يرجوه من نصرة الأمة ووحدتها ورفعتها وأن يختم لنا وله بالحسنى.
بدرية بنت حمد الشقصية الحمراء ـ الثاني عشر من محرم 1428 هـ (1/6)
صفحة 7
الفصل الأول
فتاوى الصلاة (1/7)
صفحة 8
[صفحة فارغة] (1/8)
صفحة 9
فتاوى الصلاة
الطهارات
ما حكم الاستجمار؟ وهل يكون من البول فقط أم من البول والغائط؟ ذهب أصحابنا من أهل المغرب إلى وجوبه للأمر به في الحديث، والأصل أن يحمل الأمر على الوجوب، وذهب غيرهم إلى أنه مندوب إليه، والقول الأول أحوط وأولى بالاتباع، ولا فرق في ذلك بين الأخبثين، والله أعلم.
ما حكم الاستجمار؟ وإذا كان الشخص يتضرر من ذلك فماذا عليه؟ الراجح وجوب الاستجمار، أي وجوب الجمع بين الأحجار والماء، وكل منشف منق كالأوراق ونحوها له حكم الحجارة، ومن كان متضرراً من ذلك يتسامح معه؛ لأن الضرر مرفوع، أما في الاختيار فلا يتسامح معه، والله تعالى أعلم.
عن ذكر الله تعالى في مكان الاستنجاء هل هناك دعاء للاستنجاء؟ ليس هناك دعاء، وإن كان يعني بذلك النية فالنية إنما هي القصد بالقلب وليست تلفظاً باللسان، ولا داعي للنطق بها باللسان، والله أعلم.
ما الفرق بين كل من المني والودي والمذي والقصة البيضاء؟ المني: هو ماء الرجل وماء المرأة الذي يتكون منه الولد، وهو إفراز يخرج (1/9)
صفحة 10
10
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
من الرجل بعد انتصاب، وبعد القذف يكون الانكسار وانقطاع الشهوة، أما بالنسبة للمرأة فيكون مع الهيجان، ولكن على أثر خروجه تنكسر الرغبة، والمذي لا تنكسر الرغبة من بعده، وإنما هو إفراز أقل غلظة من المني، ويكون بتذكر المباشرة أو في حالة المداعبة أو نحو ذلك، والودي هو الذي يكون بسبب برودة، ويخرج على أثر البول أو عندما تشتد البرودة بالإنسان، ويخرج على شكل قطرات من السائل والقصة البيضاء هي التي تكون بعد الحيض. والمني يتميز بأن له رائحة كرائحة الطلع، هذا هو بالنسبة لمني الرجل، وهو يميل إلى البياض، وأما مني المرأة فهو يميل إلى الاصفرار، وأما المذي فلا رائحة له وكذلك الودي، والقصة البيضاء تناظرها المرأة إن أشكلت عليه بأشياء منها: صوف كبش أبيض مغسول، ومنها: ما يلي جسدها من سوارها الفضي، ومنها ريق الصائم.
أولاً:
كيف تفرق المرأة بين القصة البيضاء والمني؟
مني
المرأة يميل إلى الاصفرار والقصة البيضاء هي بيضاء، ثانيا: المني
له طبيعة خاصة فهو إفراز في وقت الرغبة، وتنتهي بخروجه هذه الرغبة، أما القصة البيضاء فهي بخلاف ذلك.
تعاني المرأة من كثرة الرطوبة والبلل، فهل تعتبر هذه الرطوبة نجسة، وكيف تصنع في الصلاة، ولا تعرف التفرقة بين هذه الرطوبة هل هو مذي أو ودي أو احتلام؟
المذي إفراز يخرج بسبب الرغبة الزائدة، وليس هو من الفضلات التي يفرزها الرحم، أما الودي فهو يخرج من مخرج البول، ويكون بسبب البرودة أو على أثر البول، وأما الاحتلام فذلك أكثر غلظة وله رائحة. (1/10)
صفحة 11
فتاوى الصلاة
11
في بعض الأحيان عندما
تنتهي
المرأة من حيضها، يفيض من الموضع
سائل أبيض اللون فهل تجوز به الصلاة؟
ذلك هو الطهر المسمى بالقصة البيضاء، وحكمه حكم بقية الإفرازات التي تخرج من ذلك الموضع من حيث وجوب الاتقاء، وإذا كان مستمراً فإن عليها أن تجعل بينه وبين سائر جسمها عازلاً، لأجل أن تصلي وهي آمنة شيئاً. يصيب من بدنها، والله أعلم.
من أن
ما حكم قلادة على طفلة مكتوب عليها آية الكرسي يتم الدخول بهذه الطفلة إلى الحمام، وقد تلمس هذه القلادة من قبل أم الطفلة وهي حائض أو نفساء؟
في مثل هذه الحالة يجب الاحتياط، ويجب فسخها عنها، والله أعلم.
بما أنه وكما يتضح من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة أن المرأة ينزل منها المني كما ينزل من الرجل، فهل هذا الإمناء من المرأة مقتصر على لحظات الاتصال بين الرجل والمرأة أم أن المرأة يمكن أن يخرج منها المني حين تستثار غرائزها الجنسية كالرجل تماماً، أو دون القصة ذلك، فإن كان كذلك ما صفة هذا المني وكيف تفرق بينه وبين البيضاء التي غالباً ما تجدها في ملابسها؟ ولو تفضلتم بذكر الحديث المذكور يتضح السؤال للجميع؟
هذا الحديث كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم جواباً لأم سليما وهي امرأة أبي طلحة الأنصاري والتي راجعت النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة وليست عائشة، فإن أم سليم جاءت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقالت له: «يا رسول الله الخفاء، ترى المرأة ما يرى الرجل، فهل عليها غسل؟»، فقال لها
برح (1/11)
صفحة 12
12
النبي
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
«نعم إن رأت الماء»، هنا سألت أم سلمة النبي صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله أو تحتلم المرأة؟»، فقال لها: تربت يداك لما يشبهها ولدها؟»، فالحديث يدل على أن المرأة ينزل منها المني كما ينزل من الرجل، وقد يكون ذلك بسبب احتلام، أو وقاع، وقد يكون ذلك لأسباب أخرى كإمعان التفكر أو الملاعبة بين الزوجين، ولكن مهما كان فعليها أن تفرق ما بين المني وما بين القصة البيضاء من ناحية وعليها أن تفرق ما بين المني والمذي من ناحية أخرى، والفارق ما بين المني والمذي ـ بالنسبة إلى الرجل - هو أن المني غليظ ويخرج بتدفق وانتشار ويتبع خروجه انكسار وتنقضي بذلك الرغبة، أما المرأة فهو رقيق، ولكن فيه شيء من الروائح وبجانب ذلك تنتهي الشهوة بخروجه أما المذي فلا تنتهي الشهوة بخروجه،، ولا يترتب عليه غسل، وإنما ينقض الوضوء، والقصة البيضاء هي بالفضة الصافية أو بالقطن المغسول أو نحو ذلك.
مني
أشبه
من سنن الأنبياء علم الذي يثاب عليها المسلم نتف شعر الإبط وحلق شعر العانة، فهل يجوز استخدام المستحضرات المخصصة لإزالته، أم يجب نتف شعر الإبط وحلق شعر العانة؟
المراد الإزالة، والنتف للإبط أفضل من الحلق بسبب أن النتف يذهب الرائحة، وإن كانت هذه المستحضرات تزيل الرائحة فلا حرج من استعمالها؛ لأن المراد إزالة ذلك الشعر، والله تعالى أعلم.
تذكرت أن ابني قد أصابني بنجاسة في ملابسي بعد أن صليت ركعتين من صلاة الظهر فهل أعيد صلاتي؟ وكيف يكون خروجي من
الصلاة؟ (1/12)
صفحة 13
فتاوى الصلاة
13
أعيدي صلاتك واخرجي منها من غير تسليم لأن الصلاة لا تنعقد مع وجود
النجاسة.
ما حكم السائل الأبيض الذي ينزل من الفتاة، هل هو ناقض للوضوء والصلاة والصيام، علماً بأنه يخرج من غير إرادتها؟
لا أدري ما هو المقصود بالسائل، هل هو الطهر الذي عبر عنه في الحديث بالقصة البيضاء، كما جاء في حديث عائشة: «لا تطهر المرأة من حيضها حتى ترى القصة البيضاء، فإن كان هذا هو المقصود فإن خروج الطهر لا يبطل الصيام، ولكن إن كان سائلاً وخرج إلى خارج مخرجه فإنما خرج من السبيلين تعاد منه الصلاة والوضوء.
هل يصح حلق شعر الإبط بدل النتف؟
نعم يجوز ذلك، والنتف خير من الحلق، والله أعلم.
ما حكم القلس الخارج من
الأطفال؟
القلس هو من الأنجاس التي يجب اتقاؤها وغسلها.
نعم
الشعر الذي تقصه المرأة هل يعتبر عورة بعد قصه؟
عليها ستره، كما أن شعر أي عورة يجب ستره عن الإبداء سواء كان
شعر رجل أو امرأة، والله أعلم.
ما حكم الدم الذي ينزل أثناء التهابات البواسير؟
أما من ناحية النجاسة فهو نجس، وأما من ناحية إعطائه حكم الحيض
فليس له حكم الحيض. (1/13)
صفحة 14
14
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
هل تصيب ثيابي نجاسة إذا جلستُ في أرض جافة سبق أن بال فيها
طفلي؟
إن كانت هذه الأرض جافة والثياب جافة فإن هذه النجاسة لا تسري إليها، والله تعالى أعلم.
امرأة طهرت قبل صلاة المغرب بخمس دقائق، هل تجب عليها صلاة
العصر؟
إن كانت الشمس دخلت في الاصفرار فلا.
إذا طهرت المرأة بين وقت صلاة الظهر والعصر، ولكنها عندما شرعت في الغسل انتهت منه وقد دخل وقت العصر، فهل تصلّي الظهر والعصر معاً؟ نعم، تصلي الظهر والعصر معاً، والقائلون باشتراك الأوقات يقولون إذا رأت الطهر ولو في أواخر وقت العصر. إن كان بقي من الوقت مقدار ما تصلّي تلك الصلاة - فإنها تصليها مع صلاة الظهر، والله تعالى أعلم.
إذا كان على بدن المريضة أو في ملابسها نجاسة ولا تستطيع إزالتها
وهي في المشفى، فماذا تفعل؟
تصلي بتلك الحالة والله أولى بعذرها.
ما قولكم في قشرة الرأس هل هي حية أم ميتة؟
القشرة التي تنسلخ هي ميتة.
ما حكم فضلات الوزغ وهل تنجس المكان؟
الأوزاغ هي
ضارة وكل ضار يُتقى، فلا يجوز استعمال هذه الفضلات، أما (1/14)
صفحة 15
فتاوى الصلاة
15
بالنسبة إلى تنجيس المكان فلو قلنا بنجاسة فضلاتها لكان ذلك أمراً شاقاً،
فلا ينبغي كيف يمكن إزالة نجاسة ما كالبول مثلاً من السجاد الملصق على الأرض إذا تسربت النجاسة إلى أسفله؟
أن يُعسّر على الناس ولا سيما أنها ليست بها رطوبات.
في مثل هذه الحالة ينبغي أن يصب الماء على هذا السجاد حتى يصل الماء إلى حيث وصلت النجاسة، فإن كانت هذه النجاسة بولاً مثلاً ووصل الماء إلى حيث وصلت النجاسة وتبددت بصب الماء عليها فإنها يزول حكمها بزوالها، وهذا كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم عندما بال الأعرابي بمسجده الشريف أن يصب عليه ذنوب من ماء، والله تعالى أعلم.
كيف تطهر النجاسة من الأسرة الثقيلة التي تتسرب النجاسات إلى داخلها كالبول مثلاً؟
في هذه الحالة يجب صب الماء حتى يتغلغل ويصل إلى حيث وصلت النجاسة ويبددها، فإن حصل ذلك وقعت الطهارة.
ما الحكمة في وجود اختلاف في حكم تطهير نجاسة بول الطفل الصغير
والطفلة الصغيرة؟
اختلف في الحكمة من ذلك، فمنهم من قال بأن الطفل الرضيع قبل أن يأكل الطعام يكون بوله رقيقاً بخلاف الرضيعة فإن بولها غليظ، وهذا هو أكثر القول، ومنهم من قال بأن هذا لدفع المشقة، لأن من شأن الطفل الذكر أن يخرج للناس وتتناقله الأيدي، ولذلك تدفع المشقة بتيسير الحكم كما في القاعدة المعروفة: الشيء إذا ضاق اتسع وإذا اتسع ضاق، ولكن القول الأول هو الأرجح، ولذلك نيط هذا الحكم بعدم أكله الطعام، والله تعالى أعلم. (1/15)
صفحة 16
16
وينبغي
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الأول
ما هو العلاج لمن يشكك في نظافة الشيء حتى بعد تنظيفه؟ علاج ذلك أن يكابر هذه الوسوسة وأن يقاومها وألا يسلس قياد نفسه للشيطان، له أن يكثر من الآيات التي فيها تعويذ للنفس من الشيطان الرجيم كقول الله تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَبِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَرُوا فَإِذَا هُم مبْصِرُونَ} [الأعراف: 200، 201]، وليكثر من تلاوة سورتي المعوذتين وكذلك
الإخلاص، وآية الكرسي وأمثال هذه الآيات ونسأل الله العافية للجميع.
اسم
امرأة أرادت الدخول إلى الحمام وعليها عقد من ذهب أو فضة عليه الله أو آيات من القرآن الكريم. ماذا تفعل؟ إن كان في عقدها شيء من أسماء الله تعالى فعليها أن تواريه عندما تدخل بيت الخلاء، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان في خاتمه اسم الله تبارك وتعالى وعندما كان يدخل الخلاء يضع ذلك الخاتم على بطن كفه ثم بعد ذلك يطبق أصابع يده عليه حتى لا يظهر الاسم الكريم، فعليها أن تتصرف هذا التصرف، والله تعالى أعلم.
بما أن معظم البيوت بها خادمات أجنبيات؟ فهل يصح للكتابية لمس
القرآن الكريم عند تنظيف الغرف والمكتبات؟
الواجب تنزيه القرآن عن مس غير المسلم الطاهر له سواء كان كتابياً أو وثنيا، والله أعلم.
ما حكم الدخول إلى دورات المياه بالحلي التي تلبسها المرأة والأطفال كُتب عليها آية الكرسي وكذلك كلمة الله والرسول صلى الله عليه وسلم؟
والتي (1/16)
صفحة 17
فتاوى الصلاة
17
ينبغي أن يصان القرآن وأسماء الله عن ذلك، ولكن لو وقع هذا ففي حال دخول دورات المياه يجب أن يستر حتى لا يكون هناك شيء من الامتهان لاسم الله الكريم أو لكلماته التامات.
نحن ندرس للطالبات كتاباً بعنوان (نساء حول الرسول) في هذا الكتاب وردت فقرة نريد أن نتأكد منها هل هي صحيحة أم لا، تقول بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان نائماً ثم قام فبال في إناء وفي الصباح سأل عن الإناء فقالت له إحدى زوجاته بأنها شربته فقال إنه شفاء لك من ألم البطن،
فهل هذا صحيح؟ هذه الرواية وجدناها في كتب الحديث، ولكن مما يؤسف له أن علماء الحديث اهتموا بنقد الأسانيد ولم يهتموا بنقد المتون، إذ لم يدل دليل على أن فضلات النبي صلى الله عليه وسلم التي هي نجسة من غيره طاهرة منه، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم كغيره من الناس يستنجي بعد قضاء حاجته ويتطهر، فلو كان بوله طاهراً لما كانت هنالك حاجة إلى أن يتطهر من البول بل كان يكتفي أن يبول فحسب من غير أن يستنجي، وهذا مما يدل على أن في النفس من الرواية ريبة، ولا نستطيع أن نقول بصحتها.
هذه
يوجد عندنا في المدرسة بعض المعلمات البوذيات، وبعض الأحيان تكون أيدينا مبللة بالماء ونصافحهن فما الحكم في هذه الحالة؟ وهل يختلف الحكم إن كن من أهل الكتاب؟
هذه المسألة وقع فيها خلاف كثير بناءً على اختلافهم في المقصود بالنجاسة في قول الله تبارك وتعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة: 28]، فقد اختلف (1/17)
صفحة 18
18
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
نجاسة
قال:
في هذه النجاسة هل هي نجاسة حسية أم هي نجاسة معنوية؟ فقيل: بأنها نجاسة معنوية وذلك لأن الشرك رجس فلذلك حكم على أهله بأنهم أنجاس نجاسة معنوية، وقالوا بأنه لا فرق في الأحياء ما بين المشركين والمسلمين، لأن الأجساد واحدة فلا يختلف حكمها، وقيل بل هي حسية، ثم اختلف هؤلاء هل هي نجاسة ذاتية أم هي نجاسة كسبية؟ ومعنى كونها ذاتية أن أجسادهم نجسة ولو غسلوها بالماء، فالماء لا يطهر أجسادهم بل يزيدها نجاسة، لأن البلل له حكم غير حكم الجفاف، ومنهم من هي نجاسة كسبية ومعنى ذلك أنهم لا يتوقون النجاسات فتتراكم عليهم فلذلك يعطون حكم الأنجاس، ثم اختلف القائلون بأن نجاستهم ذاتية هل الحكم عام لجميع المشركين بحيث يعم أهل الكتاب أيضاً ـ هذا لأن أهل الكتاب مشركون وإن صار الناس في عصرنا هذا ينكرون تسميتهم مشركين فإن الله تبارك وتعالى وصفهم بالشرك عندما قال: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا ليَعْبُدُوا إِلَهَا وَاحِدًا لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ الله [التوبة: 31]- أم لا يشملهم؟ نظراً إلى أن أهل الكتاب لهم أحكام خاصة من بينها جواز نكاح الحرائر منهم، وجواز أكل طعامهم فلو كانوا أنجاساً لحرم طعامهم وهم يباشرونه بأيديهم، والقول بأن هذه النجاسة حسية ذاتية أقرب إلى الصواب، بدليل أن أم المؤمنين أم حبيبة رضي الله تعالى عنها لما وفد أبو سفيان إلى الرسول صلى الله عليه وسلم عام الفتح ودخل عليها طوت عنه فراش النبي صلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك، فقالت له: أنت رجل مشرك نجس، وهذا فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا دليل على أن النجاسة نجاسة حسية، لكن أهل الكتاب نظراً لما أبيح منهم يترجح أنهم لا يدخلون في هذا الحكم، ويتأيد ذلك بما جاء من استعمال الصحابة رضوان الله تعالى عنهم آنية أهل (1/18)
صفحة 19
فتاوى الصلاة
19
الكتاب، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه أنه توضأ من جرّة نصرانية، إلى غير ذلك من الروايات التي تؤيد بأن أهل الكتاب لا يدخلون في هذا الحكم، والله تعالى أعلم.
عندي خادمة غير مسلمة، فهل يجوز لي أن أتركها تغسل الملابس، وهل نأكل مما تطبخ؟
إن كانت كتابية فنعم، وإن كانت غير كتابية فلا إلا إذا كانت لا تباشر الأكل بيدها وإنما توقد النار فقط.
فتاة عندهم في المنزل عاملة نصرانية ولكن لا يظهر في عبادتها شيء يدلُّ على أنها نصرانية، كيف يمكن أن نميز النصرانية وغيرها، وما حکم رطوبات كل منهما؟
إذا كانت تقرأ الإنجيل وتدين بهذه الديانة فيحلُّ طعامها كما جاء القرآن بذلك، وإلا فهي في حكم المشركين الوثنيين والمشركون الوثنيون حكمهم
كما قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28]، والله أعلم. (1/19)
صفحة 20
20
أحكام دماء المرأة
الحيض
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الأول
يعتقد بعض الناس أن المرأة إذا حاضت تنجس الملابس التي تلامسها وينجس كل ما تلامسه بجسمها، فهل هذا صحيح؟
كل ذلك من البدع والضلالة فالحائض ليس بدنها نجساً إلا ولا ينجس ما مسته، والله أعلم.
موضع
الأذى
ما الحكم فيمن أتاها الحيض قبل الظهر بساعتين، هل تعتبر اليوم من ذلك الوقت حتى الغروب أم إلى نفس الوقت من اليوم التالي؟ وهل يكون حسابها من ذلك الوقت أم من غروب الشمس؟
ذهب كثير من علمائنا إلى أن بداية اعتبار أيام الطهر والحيض والانتظار غروب الشمس، وإنما اختلفوا في الحد الذي يفصل بين ما يعتبر من الغروب الماضي وما يعتبر من الغروب المستقبل، فقيل طلوع الفجر وقيل طلوع الشمس، وقيل الزوال، وذهب القطب رحمه الله في الشامل إلى اعتبار الأيام بالساعات، فمن الساعة لمثلها يوم، وما نقص عن ذلك ليس هو باليوم الكامل، وانتقد القائلون بالطلوع لما يترتب عليه من الزيادة على اليوم ما ليس منه ونقص ما هو منه، وهذا القول أقرب إلى النظر،
والله أعلم. (1/20)
صفحة 21
فتاوى الصلاة
21
هي
ما حكم الملابس التي تلبسها المرأة أثناء الحيض ثم تلبسها بعد الانتهاء من الحيض بدون أن تغسلها؟
طاهرة، إذ عرق الحائض ليس نجساً، وأُمهات المؤمنين هكذا كن يصنعن، كن يصلين في الثياب التي يحضن فيها من غير أن يغسلنها، والله أعلم. ذكرتم عن أُمهات المؤمنين رضي الله عنهن أنهن كن يصلين في الثوب الذي يحضن فيه، وكان ربما لحق ذلك الثوب شيء من الدم فهي لا تزيد أن تفيض عليه من ريقها ثم تطهره بظفرها حتى يزول أثر الدم وينتهي الأمر وتعتبره طاهراً، فهل يكفي الريق لنظافة الثوب إذا تسربت
نعم
بأن
إليه النجاسة؟
هذا مما جاء في صحيح البخاري، واستدل به أصحابنا ومن قال بقولهم جميع المائعات يمكن تطهير النجاسة بها، ولا ينحصر تطهيرها في الماء وحده من بين جميع المائعات، وهذا هو القول الصحيح فإن فعلهن ذلك ـ رضي الله تعالى عنهن ـ بمسمع ومرأى من النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعطي هذه الدلالة حكم الرفع، فإن ذلك يلزم أن يكون مما اطلع عليه النبي صلى الله عليه وسلم
إذا رأت المبتدئة دم الحيض واستمر بها لمدة يومين ثم رأت الطهر، وكذلك حدث لها في الشهر التالي، هل يعتبر هذا حيضاً؟
اختلف العلماء في أقل الحيض قيل أقل الحيض ثلاثة أيام، وهذا الذي دلّ عليه حديث أنس رضي الله تعالى عنه عند الإمام الربيع الله مرفوعاً: أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام، وعليه فإنها لا تعتبر ما كان أقل من ثلاثة أيام حيضاً، وقيل بل أقله يومان، وقيل يوم واحد، وقيل (1/21)
صفحة 22
22
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
دفعة واحدة، وعلى كل قول من هذه الأقوال الثلاثة تعد اليومين اللذين رأت فيهما الدم حيضاً، ولا ريب أن هؤلاء الذين ذهبوا هذه المذاهب منهم من رأى أن الحديث إنما يحمل على الأغلب المعتاد ولا يدلُّ على الحصر، ومنهم من لم يثبت عنده الحديث، وهؤلاء من غير مذهبنا، فإن الحديث عندهم جاء من رواية أبي أمامة عند الطبراني، ولكنه ضعيف السند، والله أعلم.
ما حكم الصلاة لمن اغتسلت من الحيض ما بين وقتي الظهر والعصر؟ عليها أن تصلي الظهر والعصر معاً.
امرأة كانت لا تعلم أنه إذا جاءتها الحيضة في وقت صلاة يجب عليها قضاؤها. فماذا عليها أن تفعل الآن بعد أن علمت ذلك بعد عدة سنوات؟
تتحرى ما أضاعته من الصلوات وتقضي ذلك.
إذا كانت المرأة عادتها في الحيض أكثر من عشرة أيام منذ أن كانت مبتدئة، ولم يحدث أن تغيّر في أي شهر وأصبح عشرة أو أقل، فما حكم الدم الذي يأتيها بعد العشرة أيام؟
بناءاً على قول من قال بأن أكثر الحيض عشرة أيام، وهذا ما يفيده الحديث، فما جاء بعد العشرة تعتبره غير حيض، وقيل بل أكثر الحيض خمسة عشر يوماً، وقيل سبعة عشر يوماً، وعلى هذين القولين فإنها تعتبر ما زاد على العشرة حيضاً كما ذكرنا، وهؤلاء يرون أن الحديث إنما يفيد ما هو الأغلب
في النساء ولا يدلُّ على الحصر، والله تعالى أعلم. (1/22)
صفحة 23
فتاوى الصلاة
23
إذا كانت المرأة ممن تتطهر بالقصة البيضاء، ورأت دفعة دم ثم رأت بعدها طهراً، ثم رأت بعد يومين دماً كثيراً له صفات الحيض، فمتى تبدأ العد لحيضتها؟ وما حكم الدفعة الأولى من الدم؟
المرأة في هذه الحالة تغتسل عندما ترى القصة البيضاء وتصلي، ولكن بجانب ذلك تبدأ العد منذ رؤيتها للدم من أول الأمر، لأن تلك الدفعة جاءتها في أيامها المعتادة. والله تعالى أعلم.
امرأة رأت دفعة دم في وقت حيضها ولم تر بعدها شيئاً:
(أ): هل تنتظر لعل الدم يراجعها وإلى كم يكون انتظارها؟
إن رأت دفعة في أيامها المعتادة، فإنها تترك الصلاة عندئذ، لكن إذا رأت بعد ذلك الطهر فإن عليها أن تغتسل وتصلّي على الفور، وأما إن كانت معتادة أن تطهر بالقصة البيضاء ولم ترَ القصة البيضاء وإنما أصابها شيء من الجفاف فعليها أن تنتظر لمدة يوم واحد وذلك من باب الاحتياط، فإن لم تجد الطهر ولم يأتها الدم فلتغتسل ولتصل، ولو كان ذلك في أيامها المعتادة، لأنها بعدما مضى عليها هذا الوقت تعتبر في حكم الطاهرة، والله تعالى أعلم.
(ب): إذا لم يراجعها الدم إلا بعد يومين من دفعة الدم الأولى، فمتى تبدأ العد لأيام حيضتها، من أول ما رأت الدفعة، أم لا تعتد
بالدفعة؟
بما أن ذلك كان في أيامها المعتادة فإنها تعتد من أول ما رأت الدم في تلك الدفعة، والله تعالى أعلم. (1/23)
صفحة 24
24
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
ما حكم من يأتيها الحيض في يومين، ثم جفاف لمدة يومين ثم حيض مرة أخرى لمدة يومين؟ هذا كله حيضة واحدة وأيامها ستة أيام فأيام الجفاف التي تتخلل الحيض هي من أيام الدم، ولئن كان الطهر الخالص عندما يتخلل الدمين، فمن العلماء من قالوا تلفقه مع أيام الحيض، فكيف بالجفاف.
امرأة وقتها المعتاد ثمانية أيام وفي مرة جاءها الحيض أربعة أيام فطهرت بالقصة البيضاء يومين ثم عاودها الدم في اليوم السابع
(أ) ما حكم هذا الدم؟
حكم هذا الدم أنه تابع لما قبله، فهي تعتبره حيضاً، لأن الأيام أيام حيض، وقد سبق ما تبني عليه حتى في حال ابتداء حيضها، وهو أيامها الأربعة التي حاضتها. والله تعالى أعلم.
(ب) فإن دام بها الدم بعد وقتها هل تنتظر؟
نعم، على رأي من يقول بالانتظار.
(جـ) وهل تعيد صوم اليومين الذين ظهرت فيهما؟
إن كانت صامت فذلك الذي يجب عليها ولا إعادة عليها، كما أن عليها أن
تصلي في هذين اليومين.
مبتدئة رأت دم الحيض لمدة ستة أيام ثم طهرت بالجفاف ولكنها في المرة الثانية استمر بها لمدة سبعة أيام، وفي المرة الثالثة لثمانية أيام، فبأي هذه الأيام تعتد هذه المرأة؟
العادة إنما تثبت بثلاث مرات فإن لم ترَ الدم على وتيرة واحدة لمدة ثلاث (1/24)
صفحة 25
فتاوى الصلاة
25
مرات فلا تأخذ ما تراه عادة، فإنها تكون دائماً حكمها حكم المبتدئة، والله
تعالى أعلم.
بعض النساء ترى القليل من الدم في فترات متقطعة، مثلاً رأت ذلك قبل صلاة العشاء ولم ينزل حيض إلا في اليوم التالي بعد صلاة الظهر، فهل تترك الصلوات السابقة بمجرد رؤية القليل من الدم؟ الحيض حكمه يدلُّ عليه اسمه فإنه حيض، والحيض من حاضت الشجرة إذا سال، سائلها، فما كان غير سائل لا يسمى حيضاً، وهذه القطرات لا تُعدّ حيضاً، لأن الحيض هو السائل الذي يتدفق وليس هو بالشيء القليل الذي لا يُعد شيئاً.
امرأة ليس لها عدة محددة في الحيض حيث تختلف من شهر لآخر ولا
يتفق شهران في عدد واحد فماذا تفعل في هذه الحالة؟ حكمها حكم المبتدئة، كأنما جاءها الحيض من جديد، وأقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام.
امرأة تعاني من عدم انتظام الدورة الشهرية، فأحياناً يستمر حيضها خمسة أيام وأحياناً ستة أو سبعة وهكذا، بحيث لا تستطيع أن تحدد
وقتاً معيناً للحيض، فكيف تحدد هذه المرأة أيام الحيض؟
هذه المرأة إن لم يكن لها وقت معين تكون كالمبتئة، وأقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة، فما بين الثلاثة والعشرة تعتبره حيضاً.
إذا كانت المرأة معتادة ومدة حيضها فوق ثلاثة أيام، ولكن في أحد الشهور عند وقت حيضها استمر بها الدم لمدة يومين، وكان يحمل (1/25)
صفحة 26
26
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
جميع صفات دم الحيض، فما حكم هذا الدم، مع العلم أنه أحياناً
يتكرر معها ذلك؟
بما أنه جاءها في وقت حيضها المعتاد، فإنها تجعله حيضاً ولو كان أقل من
ثلاثة أيام.
امرأة تأتيها الدورة الشهرية يوماً واحداً في الشهر ثم بعد خمسة أيام تأتيها مرة يوماً واحداً، فما الحكم؟
هذه المسألة مبنية على مسألة قد تكون غير مفهومة عند كثير من الناس، يسمى بالأصل والبناء في مسائل الحيض، فالمرأة قد تأتيها دفعة دم
ما وهي ثم تنقطع عنها ثم تظهر بعد ذلك بعد حين، فهل يضم ما بعد ذلك إلى ما تقدم أو لا؟ المسألة فيها خلاف كثير، وفيها أخذ ورد، كما اختلف العلماء هل تبني على يوم واحد أو تبني على يومين أو تبني على ثلاثة أيام؟ وهل تلفق أيام الطهر مع أيام الدم؟ وهل تجمع ما بعد الطهر القاطع؟ ونظراً إلى أن هذه المرأة صارت عادتها أن يأتيها الدم في يوم ثم ترى الطهر ويستمر بها إلى مضي خمسة أيام، ثم يعود إليها الدم، نرى أن تأخذ برأي من يقول بأنها تبني على اليوم الواحد، وأنها تلفق أيام الطهر مع أيام الدم بحيث تعتبرها في الحكم جميعاً أيام دم، ولكن عليها إذا رأت الطهر أن تغتسل وتصلي حتى تأتيها دفعة الدم بعد ذلك وتترك لها الصلاة، هذا إن كانت أوصاف الدم في اليوم الأول وفي اليوم الذي يلحق بعد ذلك هو نفس أوصاف دم الحيض، والله تعالى أعلم.
من المعلوم أن الفترة من الحيضة إلى الأخرى تتراوح بين ستة وعشرين إلى ثمانية وعشرين يوماً غالباً، فما حكم المرأة التي تكون عندها فترة (1/26)
صفحة 27
فتاوى الصلاة
27
دم الحيض متقطعة خلال شهر واحد وقد تبلغ عدد الأيام كاملة من عشرة إلى خمسة عشرة يوماً؟
تعتبر من أول يوم إلى آخر يوم على الخلاف في البناء وعدمه، وتلفيق الطهر مع الدم وعدم التلفيق، بشرط ألا يخرج ذلك عن أقصى أيام الحيض من أول يوم إلى آخر يوم أما إن جاوز أقصى أيام الحيض فلا.
فتاة جاءتها الدورة الشهرية ثم طهرت فأرادت أن تقضي ما عليها من صلوات وكانت هذه الصلوات صلاة الظهر والعصر والمغرب، وعندما صلت العشاء صلت معها صلاة العصر، ثم في اليوم التالي صلت الظهر والمغرب فهل تقبل صلواتها لأنها لم ترتبها؟
ما الداعي إلى قضاء الصلوات؟ فإن الحائض مطالبة بقضاء الصوم لا بقضاء الصلوات، إلا الصلاة التي جاءتها الدورة الشهرية في أثناء وقتها وهي لم تؤدها، فعليها أن تصليها، وكذلك الصلاة التي طهرت وقد بقي من وقتها شيء، أما الصلوات اللواتي في أثناء الحيض فما عليها قضاؤهن، والله تعالى أعلم.
إذا نزلت قطرات من الدم على فترات متقطعة قبل الدورة الشهرية بيومين أو ثلاثة، ثم بعد ذلك تنزل الدورة الطبيعية. فهل تعتبر هذه القطرات من الدورة؟
إن كانت هذه القطرات متراسلة بحيث لا يفصل بينها وبين الدورة طهر؛ وجاءت في ميقات الدورة فهي من الدورة، أما إذا كانت تنفصل عن الحيض ولم تكن في ميقاته، أو أن المرأة التي تخرج منها هذه القطرات ليس لها وقت للحيض فلا تعتبرها حيضاً، لأن البناء اختلف فيه كثيراً، فمن العلماء من قال: بأنها لا تبني إلا على يوم، ومنهم من قال: بأنها لا تبني إلا على (1/27)
صفحة 28
28
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
يومين، ومنهم من قال بأنها لا تبني إلا على ثلاثة أيام، ثم اختلفوا أيضاً هل تلفق أيام الطهر مع أيام الدم أو لا؟ وهل تجمع ما بعد الطهر القاطع أو لا؟ ومنهم من قال: لا بناء أصلاً، فبناءً على هذا الذي ذكرناه من الاختلاف بين أهل العلم نرى أن لا يؤخذ بهذه القطرات إلا إذا جاءت في ميقات الدم وكانت فيها صفة دم الحيض، والله تعالى أعلم.
امرأة رأت في موعد حيضها سائلاً مخاطياً أحمر اللون مائلاً إلى اللون الوردي ولا يترك أثراً على الثوب، وعندما تذهب إلى دورة المياه يخرج مع البول فهل تعتبر ذلك بداية الحيض؟
الحيض له أوصاف معلومة جاء بها حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي أنه دم أسود ثخين ذو رائحة فما كان بخلاف ذلك فلا يعطى حكم دم الحيض.
فتاة تعرضت لظروف نفسية قاسية فأتاها في موعد الدورة الشهرية سائل لزج أسود، واستمر بها أكثر من ثلاثة أيام ولم يأتها دم مميّز، فما حكم
ما رأت؟
الحيض هو ما فاض وكان فيه صفات الدم بحيث كان أسود ثخيناً ذا رائحة، وإن لم يكن كذلك فلا تعطيه حكم دم الحيض.
من
ذلك
ما قولكم في فتاة انتهت فترة حيضها وظهرت لها علامات الطهر في وقت المغرب، ولكنها لم تكن متأكدة من طهرها، فتأكدت الساعة العاشرة والنصف ليلاً تقريباً، وكان جميع أهل البيت نياماً، وهذه الفتاة عندها عقدة الخوف المفرط، فلم تستطع الغسل فما حكم ذلك؟ في هذه الحالة عليها أن تستعين بأهلها من أجل الاغتسال، وعليها إن فات الوقت أن تقضي الصلاتين أي المغرب والعشاء، والله تعالى أعلم. (1/28)
صفحة 29
فتاوى الصلاة
29
الطلوع والنزول في الحيض
إذا انتقلت المرأة من عادتها في الحيض وهي خمسة أيام إلى سبعة أيام، وكانت تغتسل في اليوم الخامس إلى أن أكملت ثلاث حيضات بالزيادة، ثم غيرت عادتها إلى سبعة أيام، وهي الآن مستمرة على ذلك، ولكن تلك الزيادة لم تدخلها في أيامها الأصلية فما حكمها؟ وإن كانت المرأة تميز بين الحيض والاستحاضة ألا يحق لها أن ترفع عدّتها
من أول مرة؟
هذه المسألة معروفة بمسألة الطلوع والنزول عند بعض العلماء، وبعض العلماء يعبر عن ذلك بالانتقال إلى زيادة الدم ونقصانه، والطلوع هو زيادة أيام الحيض عن المعتاد والنزول: نقصان أيام الحيض عن المعتاد، والمسألة تتوقف على الانتظار، لأن المرأة هل يشرع لها الانتظار أو لا؟ وهل يشرع للمبتدئة بمجاوزة أقصى أيام الحيض أم لا يشرع إلا للمعتادة لمجاوزتها أيام حيضها؟ هذه المسألة تحتاج إلى بحث، ولكن بناءا على القول بعدم الانتظار رأساً هي أصابت، أما على القول بالانتظار فقد كان عليها أن تنتظر يومين على قول أكثر العلماء، وبعد استمرار العادة لمدة ثلاث مرات تنتقل عن عادتها الأولى إلى العادة الثانية، وعلى كل فهي أخذت برأي، ولكن عليها الآن أن تأخذ بما انتقلت إليه واستقرت عليه.
متى تنتقل المرأة الحائض التي تغتسل بالقصة البيضاء من عدة إلى عدة
أخرى؟
المشهور في الطلوع بثلاث مرات وفي النزول بمرتين. (1/29)
صفحة 30
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
متى تنتقل المرأة التي تطهر بالجفاف من عدة إلى عدة أخرى (الطلوع
والنزول)؟
إن كانت معتادة بالجفاف فحكمها حكم المعتادة بالقصة البيضاء.
إذا كان وقت المرأة في الحيض سبعة أيام، ثم رأت الطهر بعد خمسة أيام لأول مرة فاغتسلت هل تغتسل بعد انقضاء أيامها وكذلك تفعل في الحيض القادم أم ماذا تصنع؟
عليها أن تغتسل عندما ترى الطهر، وليس عليها تكرار الغسل إلا إذا أرادت
الاحتياط، والله أعلم.
ما يجوز للحائض
هل يجوز للمرأة الحائض الاستجمار والوضوء؟
أما الاستجمار فنعم، وهي مأمورة به وأما الوضوء فإن كان المراد به الاستنجاء فنعم، وإن كان المراد به وضوء الصلاة فإن توضأت فلا تمنع منه، ولكن لا يكون وضوءاً؛ لأنه لا يرفع الحدث في هذه الحالة.
أثناء الحيض تصحيح
أخطاء
إني مدرسة تربية إسلامية، هل يجوز لي الطالبات في أثناء تلاوة القرآن، علماً بأني لا أتلو الآيات بنفسي، وإنما
عن طريق التسجيل فقط؟
لا مانع في هذه الحالة، لكن لا ينبغي أن تكملي آية كاملة.
معلمة تقول إنها أثناء شرحها الدرس تضطر إلى تلاوة بعض الآيات
وهي حائض لكي تفهم الطالبات؟ (1/30)
صفحة 31
فتاوى الصلاة
31
نسأل الله أن يعينها، والأصل أن الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تمنع الحائض من قراءة القرآن ومس المصحف، ولكن عندما تضطر اضطراراً ولا تجد مناصاً عن ذلك، فمن العلماء من رخص لها، فلها أن تأخذ برأي أولئك المرخصين، وعسى الله تعالى أن يعفو عنها ويتقبل منها.
هذه
هل تصح مصافحة الحائض للمتوضئة؟
حسي،
جسم
من الأخطاء الشائعة، حيث يعتقد الناس أن جسم الحائض نجس، وهذا أمر لا أساس له فهنالك فارق بين الحدث والخبث، فالخبث هو النجاسة، فكل نجاسة هي خبث والحدث هو معنى قائم بالنفس مانع من الصلاة ومن بعض العبادات كالطواف بالبيت، وهو معنوي لا والحدث الأكبر لا تصح الصلاة معه إلا بعد غسل الجسم كله، وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام حيض ونفاس وجنابة، وقد دلت السنة على أن الحائض طاهر، يقول النبي صلى الله عليه وسلم للسيدة عائشة: «ناوليني الخمرة» ـ أي السجادة التي صلى عليها، فقالت له: يا رسول الله إني حائض، فقال: «ليست حيضتك في يدك»، وكذلك كان النبي يشرب الماء من الكأس الذي شربت منه، فالمرأة الحائض لا تحتاج إلى أن تغسل ثيابها إن لم تكن بها شيء من الأدران والأوساخ، بخلاف ما يعتقده الكثير من الناس، فلماذا هذا التشدد في دين الله؟ كما يعتقد الكثير من الناس أن المرأة المعتدة لا بد لها أن تغتسل عندما تنتهي عدّتها، وهذا الأمر أيضاً ليس له أساس لا في كتاب ولا في امرأة جاءها الحيض وكانت تلبس ملابس جديدة فذهبت لكي تغتسل،
سنة.
فهل يجوز لها أن تلبس تلك الملابس بعد الاغتسال؟
المرأة جسدها لا ينجس بالحيض، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يناول عائشة (1/31)
صفحة 32
32
المرأة تسأل والمفتي يجيب -
الجزء الأول
الكأس فتشرب منه وهي حائض، ثم يضع النبي صلى الله عليه وسلمفاه حيثما وضعت هي فاها ويشرب وتقول يا رسول الله إني حائض فيقول لها: «ليست حيضتك في يدك»، يقول لها: «ناوليني الخُمرة»، فتقول له: يا رسول الله إني حائض»، فيقول لها: «ليست حيضتك في يدك»، فجسد الحائض والجنب ليس بنجس، إنما الحيض والجنابة حدث، والحدث معنى قائم بالنفس، ولا يعني ذلك نجاسة الجسد، ووجوب غسل الجسد لأمر تعبدي، لا لكونه نجساً من باشره تنجس، كلا، فثوب الحائض طاهر إلا الموضع الذي يلحقه الدم، كما جاء في حديث السيدة أم سلمة: ما كانت إحداهن تجد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ثوباً واحداً تحيض فيه فإذا أصابه شيء من الدم أفاضت عليه شيئاً من ريقها ثم قالت بظفرها كذا ـ تعني أنها تزيل ذلك الدم بظفرها، والسيدة عائشة كانت تخبر أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن يصلين في الأثواب التي يحضن فيها من غير أن يغسلنها، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم
نفسه كان يصلي في الثوب الذي يباشر فيه أهله من غير أن يغسله.
هل يمكن لمعلمة القرآن أن تُقرئ الأولاد القرآن وهي حائض؟ أما أن تقرأ القرآن فلا، ولكن لها أن تفتح لهم بحيث لا تتم لهم آية كاملة.
ما قولكم في الطالبة التي حضرتها الدورة الشهرية في ساعة الاختبار لمادة التربية الإسلامية، فماذا تعمل عند الإجابة على أسئلة القرآن علماً أن رسوبها في المادة واقع ما لم تجب، وكذا ورود هذا الأمر عليها أثناء إعادتها للمادة في اختبار الدور الثاني محتمل أيضاً؟
الكريم،
قد كان حرياً بالمسؤولين عن التربية والتعليم أن يراعوا هذا الجانب وأن يتقوا الله في ذلك، وأن يحرصوا على موافقة الكتاب والسنَّة من غير مخالفة (1/32)
صفحة 33
فتاوى الصلاة
33
لهما، وماذا عسى أن نقول وهذا الأمر أصبح بعيد المنال؟ ولا ريب أن الأمر مشكل جداً، فإن أمكن لهذه أن تجيب من غير أن تتم آية كاملة فلتفعل، وإن لم يمكنها ذلك فلتترخص ببعض الآراء، مع كونها آراء مرجوحة وليست براجحة لمخالفتها الدليل الشرعي، والله أعلم.
هل يجوز للمرأة الحائض أن تقرأ في سرّها أو علنها بدون لمس المصحف الشريف؟
تقرأ القرآن بقلبها من غير أن تتلفظ بلسانها إلا مع الخوف فلها أن تقرأ بقدر ما تطمئن.
بعض النسوة تستمر معها الدورة الشهرية فترة من الزمن ويقتضي ذلك من ناحية حفظها لكتاب الله أن تنسى شيئاً منه وربما الفرص أحياناً تسوقها إلى الاختبارات الدراسية، لذلك هل تقرأ القرآن وتراجعه في فترة حيضها إذا طالت مدة الدورة الشهرية؟
جاء في رواية الإمام الربيع من حديث جابر بن زيد الله مرسلاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحائض والجنب والذين لم يكونوا على طهارة: «لا يقرؤون القرآن ولا يطؤون مصحفاً بأيديهم حتى يكونوا متوضئين»، مع
الله
وجود الروايات الأخرى من طريق الإمام علي بن أبي طالب كرم وجهه، وغيره وهي دالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قراءة القرآن وعن مس المصحف للجنب والحائض والنساء، وهذا من أجل حرمة كتاب الله
تبارك وتعالى، ولئن كان الجنب ممنوعاً من تلاوة القرآن الكريم ومن م المصحف فالحائض من باب أولى لأنها أوغل في الحدث إذ لا يتسنى لها التطهر من الحدث ولو أرادت بعكس الجنب وذلك يقتضي الامتناع (1/33)
صفحة 34
34
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
من مس المصحف، أما إن كانت المرأة تريد أن تستذكر القرآن الكريم من خلال تلاوته في نفسها من غير أن تتلوه بلسانها فذلك أمر جائز إذ التلاوة داخل الذهن من غير تحريك اللسان بالحروف لا تُعطى حكم التلاوة باللسان، ولا مانع أن تنظر إلى المصحف إذا أمسكه غيرها وتتأمل ما فيه من الكلمات والجمل والآيات والسور حتى يرسخ حفظ ذلك في ذهنها، وإن كان هنالك من العلماء من يترخص في تلاوة الحائض للقرآن الكريم إذا طال بها الوقت وخشيت نسيان القرآن الكريم، ومنهم من يترخص أكثر من ذلك، ولكننا نرى التقيد بما دل عليه الحديث الشريف، والله تعالى أعلم.
هل يصح للمرأة الحائض أن تكتب سوراً من القرآن؟
كتابة القرآن لا تجوز للجنب ولا للحائض، اللهم إلا في حالة الضرورة، وفي هذه الحالة تضع المرأة الحائض الورقة على الطاولة وتكتب من غير ملامسة لتلك الورقة بحيث يأخذها شخص آخر فإن فعلت ذلك فنرجو لا يضيق عليها في حالة الضرورة.
أن
هل يجوز للمرأة أن تقرأ القرآن عن ظهر قلب وهي حائض، وإذا كان هذا غير جائز فهل عليها حرج إذا درست أبناءها القرآن، خاصة إن كانوا في المدارس؟ تؤمر الحائض كما يؤمر الجنب باجتناب القرآن الكريم، وإنما لها أن تقرأ إن كانت خائفة فقط حتى يسكن خوفها، أما الزيادة على ذلك فلا، أما التكييف بالقلب فلا يمنع ولها أن تنبه الأولاد الذين يدرسون على خطئهم بحيث لا تتم آية من القرآن. (1/34)
صفحة 35
فتاوى الصلاة
35
إذا كانت الطالبة حائضاً وفي وقت الاختبار طلب منها أن تكتب آيات
معينة، فهل لها أن تكتب؟
إن اضطرت إلى ذلك فلتدع الورقة على الطاولة ولتكتب من غير أن تأخذ الورقة بيدها مع الإمكان، ولتأخذها زميلاتها.
ذكرتم في أحد أجوبتكم بأن الحائض إذا اضطرت إلى كتابة آيات من القرآن فإنها تحاول عدم لمس الورقة بيديها، فهل يعني ذلك أنه لا يجوز للحائض لمس أوراق تحتوي على آيات قرآنية مثل بعض الكتب؟ وهل يجوز للحائض لمس كتب التفسير المحتوية على كثير من الآيات؟
إن كانت الورقة فيها آيات قرآنية وحدها فلا تمسها، وإن كانت مختلطة بكلام آخر وكانت كلمات القرآن أقل من الكلمات الأخرى فلا مانع، ولذلك يجوز لها أن تمسك كتب التفسير، أو كتب الحديث، وكذا سائر الكتب التي تكون فيها الكلمات غير القرآنية أكثر من الكلمات القرآنية.
نحن طالبات تخصص تربية إسلامية هل يرخص لنا قراءة بعض آيات من القرآن في حالة الحيض مع العلم أن دروس التربية الإسلامية تحتوي على أكثر من آية في الدرس الواحد، وهل يجوز إمساك المصحف بالقفازات في حالة الحيض؟ الحائض تمنع من قراءة القرآن، فلا تقرأ آية كاملة، وتمنع من إمساك المصحف،
أن
اللهم إلا إن كانت الآيات موجودة في تفسير أو في كتاب فقهي فلا مانع تمسك ذلك الكتاب، بحيث يكون التفسير أكثر من نصوص القرآن، وأما
الإمساك بالقفازات فهو كالإمساك المباشر لا يجوز هذا هو القول الراجح. (1/35)
صفحة 36
36
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
هل يجوز للمرأة الحائض أن تقرأ بعض الأحاديث، وبعض الأدعية التي تكون من القرآن الكريم؟
أما قراءة الأحاديث فلا تنهى عنه، وأما أن تقرأ آية كاملة من كتاب الله فلا، والله تعالى أعلم.
هل يجوز للمرأة الحائض أن تقرأ القرآن عن ظهر قلب دون أن تمسك
المصحف؟
لا يجوز لها قراءة القرآن وهي حائض سواء من خلال النظر في المصحف أو عن ظهر قلب، لأن ذلك كله ينافي قدسية القرآن، إذ الحائض والنفساء والجنب لا يجوز لهم قراءة القرآن.
هل يجوز أن تكتب الآيات القرآنية لقطع دم الحيض وتحملها الحائض أم لا؟ إن كان المراد بدم الحيض دم الاستحاضة فلا مانع من قطعه بكتابة آيات من القرآن تحملها المستحاضة، لأن المستحاضة في حكم الطاهر من النساء، ولذلك تُؤمر بالصلاة والصوم، أما دم الحيض فلا يجوز التسبب لقطعه بأي شيء كان، لأنه إفراز طبيعي تتوقف عليه صحة المرأة.
هل تجوز قراءة القرآن والرقى الشرعية على المرأة المريضة وهي حائض؟ لا مانع من ذلك ما دام الذي يقرأ عليها الرقية، أو يقرأ عليها القرآن غير متلبس بحدث أكبر.
ما حكم شرب أو استحمام المرأة الحائض أو النفساء بالماء المقري
عليه القرآن من أجل العلاج؟
لا حرج في ذلك. (1/36)
صفحة 37
فتاوى الصلاة
37
هل يجوز للحائض أو النفساء الإمساك بشريط القرآن بيدها؟ وهل يجوز لها سماع القرآن الكريم من شريط؟
نعم كل ذلك جائز، فإن الشريط ليس حكمه حكم المصحف لأنه لم يدون فيه القرآن، وإنما مثله كمثل الحافظ للقرآن وقد تكون هي نفسها حافظة للقرآن، ولا حرج إن مست امرأة حافظة للقرآن، أو مست رجلاً من محارمها أو زوجها وهم حافظون للقرآن.
هل يصح للمرأة غير المرأة الطاهر أن تلمس الشريط الذي يحوي القرآن الكريم؟
المرأة غير الطاهرة ممنوعة من مس المصحف والشريط لا نستطيع أن نقول إن حكمه حكم المصحف، لأن الشريط بمثابة الذاكرة التي تحفظ القرآن، والإنسان كان يمكن أن يحفظ القرآن كاملاً، ولكن لا يعني هذا أن من كان ذا حدث أكبر يمنع أن يمس ذلك الذي يحفظ القرآن، فيبدو لي أن الشريط حكمه حكم حافظ القرآن، وليس حكمه حكم المصحف، والله تعالى أعلم.
هل يجوز للمرأة قراءة القرآن قبل النوم وفي حالات الخوف، وهي
حائض؟
إذا كانت خائفة فنعم، وإن لم تكن خائفة فلا.
هل يجوز للحائض أن تقرئ أطفالها القرآن الكريم حرصاً منها على عدم نسيان طفلها للسور التي حفظها، حيث تبدأ بأول كلمة في السورة للكلمات الخاطئة؟ ليكمل الطفل باقي السورة مع التصحيح
تتم
إن كانت لا آية كاملة فلا
عليها.
حرج (1/37)
صفحة 38
38
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
ما حكم قراءة البسملة للحائض وخاصة أثناء تعليم أولادها وتذكيرهم بها قبل الأكل، حيث سمعت بأن البسملة تُعتبر آيةً من القرآن فلا يجوز
قراءتها؟
البسملة على القول الصحيح آية من كتاب الله ولا تتمها الحائض في إبّان حيضها، وإنما تقرأ جزءًا منها من غير إتمامها.
هل يجوز للمرأة استخراج رقم الآية واسم السورة لآية معينة، أو استخراج آية باستخدام الحاسب الآلي لحاجتها لذلك أثناء فترة
الحيض؟ لا مانع من ذلك، لأن هذه ليست قراءة للآية الكريمة ولا كتابة لها، فإن كانت تنظر في الآلة أو كانت تنظر في معجم مفهرس اختلطت فيه الآيات بغير الآيات فلا حرج.
خائفة
هل يجوز للمرأة قراءة القرآن قبل النوم في حالة الحيض وهي بدون صوت؟ وهل يجوز لها قراءة بعض الأدعية في حالة الحيض؟ نعم يجوز في حالة الخوف، أما الأدعية فيجوز قراءتها مطلقاً ما عدا الأدعية التي بها آيات قرآنية، ولا تمنع من ذكر الله تعالى.
ما حكم قراءة القرآن في حالة الحيض أو النفاس؟ وإذا كان الجواب بالحرمة فماذا عن امرأة ابتليت بم من السحر وهي لا تستطيع دفع ذلك عنها إلا بقراءة آيات من الذكر الحكيم، فهل يجوز لها قراءة القرآن لدفع هذا الضرر وهي حائض؟ الأصل في الحائض ألا تقرأ لأنها متلبسة بحدث أكبر، والمتلبس بحدث أكبر كالجنب والحائض والنفساء يمنع من قراءة القرآن الكريم، ولكن (1/38)
صفحة 39
فتاوى الصلاة
39
عندما تكون المرأة مضطرة فبسبب ضرورتها يباح لها أن تقرأ، وقد نص أهل العلم على أن من الضرورة أن تكون المرأة في حالة خوف واضطراب، فلها أن تقرأ ليسكن خوفها، ولئن كان ذلك في حالة خوف فكيف إذا كانت مصابة بمس من الجن، فلا ريب أنها في هذه الحالة يسمح لها بالقراءة، والله تعالى أعلم.
هل يجوز للحائض أن تقرأ بعض السور التي تعودت أن تقرأها قبل
النوم؟
قراءة القرآن تمنع منها الحائض إلا إذا كان ذلك لطمأنينة نفسها، من حيث إنها تخشى إن لم تقرأ.
إذا كانت المرأة عندها الدورة الشهرية وكانت تعلم طفلاً الصلاة ونسيت بأنها غير طاهرة، وبعد فترة تذكرت ذلك، فهل يلزمها شيء تقوم به لتكفر عن ذلك. رفع عن أُمتي الخطأ والنسيان»، هكذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم، فبما أنها ناسية
فإنها غير مؤاخذة.
سمعنا أن المرأة الحائض لا يجوز لها الدخول على امرأة نفساء، وسمعنا أنه لا يجوز للمرأة الحائض أن تدخل على طفل مختن، هل ذلك صحيح؟
كل ذلك غير صحيح، وإنما هذه من خرافات الناس.
هل يجوز لي أن أعلم أختي الصلاة وأنا في في حالة الدورة الشهرية؟ نعم إلا قراءة القرآن، فإن المرأة عندما تكون في حالة الدورة الشهرية لا (1/39)
صفحة 40
4
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الأول
تقرأ القرآن، ولكن ترشد أختها إلى ما تقرأ وتعلمها بقية ألفاظ الصلاة، ولا
حرج في ذلك.
هل يجوز للمرأة جمع شعرها المتساقط منها في فترة الحيض وغسله
وكذلك الأظافر؟
ذلك أطيب لها، ولا نستطيع أن نقول بأنه واجب عليها.
ما حكم وضع الحناء أثناء الدورة الشهرية؟ وهل يعتبر ذلك نجاسة مدة بقاء لون الحناء في اليد؟
لا، وإنما منعت المرأة من الحناء لئلا تتزين في هذه الفترة فيكون هنالك إغراء للزوج، وأما كون المرأة تبقى نجسة فليس ذلك صحيحاً، فجسم المرأة لا ينجس وإنما هي محدثة، والحدث يرتفع بالاغتسال بعد انقطاع
الحيض.
فتاة سمعت أن الحناء حرام على النساء في فترة المحيض لأن المكان الذي يُغطيه الحناء يكون نجساً فهل هذا صحيح؟
تعداد
الله المستعان الناس لا يعرفون ماذا يقولون ويهرفون بما لا يعرفون ويجترئون على قول غير الحق ويُفتون بما لا يعلمون، وفي ذلك خطر كبير، فإن الله قرن التقول عليه بغير علم بالإشراك به، عندما قال في المحارم وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلَ بِهِ سُلْطَنَا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا المرأة لا ينجس في أثناء
وجسم
فترة الحيض،
تعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] وإنما النجاسة في الدم الخارج، وإنما يتعلق بجسد المرأة حدث أكبر
يرتفع بالغسل بعد الحيض ولا يعني ذلك النجاسة، كما أن الجنابة حدث (1/40)
صفحة 41
فتاوى الصلاة
41
بسبب
جسم
أكبر في المرأة وفي الرجل جميعاً، ويرتفع هذا الحدث الأكبر بالغسل، ولكن لا يعني ذلك أن المرأة الجنب أو الرجل الجنب يكون نجساً هذه الجنابة، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في الثوب الذي يباشر فيه أهله، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينام مع المرأة الحائض من زوجاته في فراش واحد، وكان يُعطي عائشة التشرب ثم يضع فاهه حيثما وضعت فاهها وهي حائض، وكانت تتعرق اللحم ثم يأخذه النبي صلى الله عليه وسلم ويتعرقه ويضع فاهه حيثما وضعت فاهها وهي في فترة حيض، وهكذا، فالحيض والجنابة لا يعني تنجس الجسد إلا ما أصابته النجاسة من مني أو دم فإنه يُغسل ذلك الموضع الذي أصابته النجاسة فحسب، وغسل الجسد كله إنما هو أمر تعبدي وليس هو لأجل نجاسة هذا الجسد، فعرق الحائض والجنب طاهر، فالمحدث حدثاً أصغر وهو الذي انتقض وضوؤه يتوضأ ويغسل في وضوئه أعضاء معينة، ولا ذلك أن تلك الأعضاء كانت متنجسة وبسبب ذلك يُطهرها من تلك النجاسة، وإنما ذلك أمر تعبدي الخضاب بالحناء وغيره في فترة الحيض فإن ذلك أمر مكروه ولا يصل إلى حد الحرمة، وهذه الكراهة إنما هي من باب كراهة تزين المرأة وهي في فترة الحيض لئلا تكون بهذا مغرية للزوج، وليس ذلك بسبب نجاسة جسدها، فإن هذا لم يقله الشارع، ولم يأت في كلامه قط، والله تعالى
أعلم.
يعني
هل يجوز للمرأة أن تسبّح بالمسبحة وهي حائض؟
أما
لا مانع من ذلك، لأن المرأة لا تُمنع من ذكر الله وهي في حالة الحيض وإنما تُمنع من قراءة القرآن ومس المصحف، والمسبحة ليست لها حرمات
المصحف. (1/41)
صفحة 42
42
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
هل يصح للحائض أن تقرأ كتباً دينية؟
تُمنع من قراءة القرآن، أما الكتب الدينية فلا مانع من قراءتها، ولا مانع ـ أيضاً ــ من أن تذكر الله عزّ وجلَّ، وإذا مرَّت على آيات في هذه الكتب أثناء قراءتها فلتتأملها ولا تتلوها بلسانها.
هل يحق للمرأة أن تطلب من زوجها الاستمتاع بها أثناء الحيض والنفاس إذا رأت في نفسها حاجة كإشباع حاجتها النفسية لذلك؟ لا مانع من أن يستمتع بها بالضم والتقبيل ونحوهما مما هو دون الجماع، وإنما يمنعان من الجماع.
ما لا يجوز للحائض
ما حكم لبس ما نقش فيه اسم الله أو آيات قرآنية من الذهب في فترة
الحيض؟
أما الآيات القرآنية فلا تلبسها الحائض، وأما التي فيها اسم الله فلا حرج.
امرأة حائض رأت القرآن على الأرض، فهل لها أن ترفعه خوفاً عليه من
الضياع؟
أما إن خشيت عليه فإنها تأخذه من غير أن تباشره أي تأخذه من وراء حائل، وأما إن لم تخش عليه حتى تجد من يرفعه فإنها تبقيه مكانه.
إذا أرادت الحائض نقل المصحف من مكان إلى آخر خوفاً عليه من عبث الأطفال أو لتنظيف المكان. هل لها أن ترفعه بحائل كأن تحمله
بكتاب؟ (1/42)
صفحة 43
فتاوى الصلاة
43
ليس لها ذلك إلا مع الضرورة، فإن كانت تجد من يحمله ولو كان صبياً
فلتأمره بحمله.
هي
ما حكم المرأة التي تقرأ القرآن متعمدة وهي حائض؟ وهل هناك رخصة لطالبة العلم والمعلمة؟
آثمة بذلك، ولم نجد رخصة لأحد حسب ما دلت السنة، والله أعلم.
هل يجوز للحائض دخول فناء المسجد أو دخول دورات المياه الملحقة
به؟
إذا كان لدورات المياه مدخل لا يكون من قبل المسجد ولا من قبل صرحة المسجد فنعم، أما دخول صرحة المسجد فهو كدخول المسجد فيمنع منه الحائض والنفساء والجنب.
معلمة أرادت مساعدة زميلتها في شرح بعض دروس التربية الإسلامية لغياب تلك المعلمة، وفوجئت في الصف بأن الدرس تفسير وكانت المعلمة حائض ولأجل تعليم البنات قرأت عليهن بعض الآيات من الكتاب المدرسي وبعد انتهاء الحصة شعرت بالذنب الكبير، وهي تسأل هل عليها شيء غير التوبة والاستغفار؟
لتستغفر الله والله يغفر لها.
أولاً: هل يجوز للمرأة الحائض دخول مصلّى النساء المنفصل عن
المسجد المستقل بذاته؟
للمصلى حكم المسجد إن كان مخصصاً للصلاة من أول الأمر فلا يجوز
دخول الحائض والجنب فيه، والله أعلم. (1/43)
صفحة 44
44
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
ثانياً: وإذا كان هذا المصلّى تابعاً للمسجد أي جزءاً من المسجد ما حكم دخولها فيه؟
كما سبق.
ما حكم دخول المرأة الحائض إلى أرض المسجد إذا كانت تجد حرجاً من الرجل الذي معها في السيارة؟ وما حكم دخول الحائض
إلى مصلّى النساء سواء في المدرسة أو في الطريق أثناء السفر؟ أما دخول صحن المسجد الذي خصص للصلاة فهي ممنوعة منه، أما أفنية المسجد ـ أي ما حول المسجد ومرافق المسجد ـ فلا تمنع من الدخول فيها، وأما الأماكن غير المخصصة للصلاة في المسجد فلها حكم آخر غير حكم الأماكن المخصصة للصلاة، أما المصلّى فإن كان مجرد مكان يتخذ للصلاة في المدرسة أو في أي بقعة تتخذ للصلاة وليست مخصصة للصلاة تخصيصاً كتخصيص المسجد، فلا مانع من أن تدخله، وأما المصليات التي خصصت للصلاة فلها أحكام المساجد.
يوجد مسجد به طابق علوي للصلاة وطابق سفلي لتعليم البنات القرآن الكريم، هل يجوز للحائض أن تذهب إلى تعليم البنات القرآن الكريم والأحكام الفقهية، علماً بأنها لا تمس المصحف الشريف؟ المسجد له أعلاه، وأسفله أرضه وسماؤه فما كان أسفل من المسجد أو أعلى منه فإنه يكون لاحقاً به حكماً، فلا يدخله جنب ولا حائض.
علمنا أنه يجوز للمرأة للحائض أن تضع المناكير (صبغة الأظافر)، ولكن هل يجوز أن تخرج خارج البيت وفي أظافرها؟ (1/44)
صفحة 45
فتاوى الصلاة
45
أولاً الزينة تستر أياً كانت، والأمر الثاني هذه مناكير كاسمها والاسم على المسمى، ولأن كان الشاعر يقول في الناس:
وقلما شاهدت عيناك من أحد إلا ومعناه لو فكرت في لقبه
يدل
مدة
آمنة بأنها ستزول قبل فكذلك الأشياء، ثم هل هي أن تنتهي الحيض؟ على أن الحائض مطلوب منها أن لا تتزين لئلا تكون زينتها
إغراء.
ما يكره للحائض
الدنيا
يقول بعضهم إن الأظافر سوف ترجع يوم القيامة كما كانت في ولذلك لا يجوز للحائض قص أظافرها لكي لا ترجع إليها في حالة نجسة، فما قولكم في هذا، إذ أنه من المعلوم أن الحائض ليست نجسة وإنما الموضع فقط هو النجس؟
هذا مجرد كراهة وليس ذلك تحريماً، والأظافر من جملة البدن، والبدن متلبس به جميع الحدث، وليس النجاسة، وفرق بين النجاسة والحدث، إذ الحدث معنى قائم بالنفس مانع من الصلاة.
ما الحكم في إلقاء التفث كتقليم الأظافر، وإلقاء بعض الشعر من جسم
المرأة إبان حيضها ونفاسها؟
لا يمنع من ذلك، وإن قيل بكراهته في فترة الحيض.
هل يجوز قص الأظافر أو تسريح الشعر أثناء الحيض؟ ذلك مكروه كراهة تنزيه ولا يصل إلى الحرمة. (1/45)
صفحة 46
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا. الجزء الأول
هل يجوز للمرأة أن تمتشط أثناء فترة الحيض؟
يكره ذلك، ولا يحرم.
هل يجوز استعمال الكحل، وغسل الشعر في أثناء فترة الحيض؟ تنهى المرأة عن مثل ذلك، والنهي للكراهة فقط، وليس للتحريم، حتى لا يؤدي ذلك إلى الإغراء والوقوع في الحرام.
هل يجوز للمرأة أن تضع الحناء وهي في حالة الحيض أو النفاس؟
لا مانع من ذلك، والله أعلم.
ما حكم وضع
الحناء في حالة الحيض؟
حالة الحيض ينبغي فيها عدم التزين فتكره الزينة فيها للمرأة خشية الإغراء، لئلا تكون هذه الزينة داعية لتعدي الحدود التي حدت بالشرع، ولكن مع
الأمن من ذلك لا يؤدي هذا إلى أن يُقال بأنه حرام.
ما حكم وضع لا يؤثر ذلك شيئاً، وإنما تنهى المرأة عن الاختصاب ونحوه حتى لا تغري
الحناء في ء في الشعر أثناء الدورة الشهرية؟
الزوج فيباشرها. (1/46)
صفحة 47
فتاوى الصلاة
الاستحاضة
47
كيف تكون صلاة المستحاضة؟
لا بد من أن تتوضأ لكل صلاة، إلا عندما تجمع بين صلاتين فإنه يجزيها وضوء واحد لهما، وقيل عليها أن تغتسل قبل أن تتوضأ، قيل لكل صلاة غسل، وقيل لكل صلاتين غسل إلا صلاة الفجر فتفردها بالغسل، وقيل لخمس صلوات، غسل وقيل يجزيها الوضوء، وعلى كل فلها أن تجمع بين الصلاتين من أجل التخفيف عن نفسها مع الإتمام إن لم تكن مسافرة وتجعل هنالك عازلاً لكي لا يصيب الدم ثيابها أو سائر جسمها.
إذا كانت مبتدئة وجاءها الدم ولم ينقطع عنها الدم ولم تستطع التمييز بين دم الحيض والاستحاضة؛ فماذا عليها أن تفعل؟
في هذه الحالة عليها أن تجعل عشرة أيام حيضاً وعشرة أيام طهراً، وهذا هو قول الإمام الربيع عليه رحمة الله ويتبين رجحانه من حيث إن الأصل في الدم أن يكون دم حيض حتى يتعذر أن يكون دم حيض، ولا يتعذر في العشرة الأيام أن يكون دم حيض، لأنها هي أيام الحيض المعتادة، ويتعذر ذلك في العشرة التي تليها لأن أقل الطهر عشرة أيام، فلذلك تغتسل في هذه الأيام وتصلي، وقيل بخلاف ذلك، إذ الأقوال في هذه المسألة متعددة، ولكن (1/47)
صفحة 48
48
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
هذا الرأي أيسر للنساء من ناحية، وهو أيضاً يتبين رجحانه من يحث النظر إلى أن الأصل في الدم أن يكون دم حيض مع إمكان ذلك، والله تعالى أعلم.
إذا تقدم دم الحيض دم أحمر رقيق هل تترك بهذا الدم الصلاة؟ هذا الدم ليس دم حيض، لأن علامات دم الحيض المذكورة في الحديث غير موجودة فيه، فهو دم ينفجر من العروق التي هي على باب الرحم وليس من داخل الرحم، فلا تترك له الصلاة، بل عليها أن تغتسل وتصلي حتى ترى الدم المعروف بأنه دم حيض، وذلك بصفاته المعتادة المعروفة، والله تعالى أعلم.
المرأة المعتادة إذا جاءها دم ولم ينقطع عنها، ولم تستطيع أن تميز بين دم الحيض وغيره من الدماء فماذا تفعل؟ عليها في هذه الحالة أن تأخذ بما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم المستحاضة، فقد
روي
الصلاة
أنه قال في امرأة مستحاضة: دعي الصلاة أيام أقرائك»، أي دعي في الأيام المعتادة التي يكون فيها القرء أي الحيض، وجاء عنه أنه قال أيضاً لامرأة مستحاضة إذا أقبلت الحيضة - أي أقبلت أيامها المعتادة، فدعي لها الصلاة، فإذا أدبرت فاغتسلي وصلّي»، فتأخذ بهذا بحيث تترك الصلاة في أيامها التي اعتادت الحيض فيها، ثم بعد ذلك إن انتهت تلك الأيام عليها أن تغتسل وتصلي، والله أعلم.
امرأة طهرت من الحيض، وبعد طهرها جاءها الدم مرة أخرى، فهل تعتبر ذلك الدم حيضاً أو استحاضة؟
إن كان جاءها في أثناء وقتها المعتاد بحيث طهرت قبل انتهاء أيامها المعتادة فهو حيض، وإن كان بعد أيامها المعتادة فليس حيضاً، بل هو استحاضة إلا (1/48)
صفحة 49
فتاوى الصلاة
49
إن استمر معها ذلك ثلاث مرات على ما ذكرنا فتكون هذه إثابة ما كانت
داخل العشر.
امرأة اغتسلت من الحيض ثم أتتها مرة أخرى بعد الغسل لمدة أربعة أيام، فهل هذا يعتبر دم حيض أو استحاضة؟
لا تعتد بما أتاها بعد الغسل إلا اللهم إذا تكرر لها ذلك، وكا على وفق الشروط التي وضعها العلماء للإثابة.
إذا رأت المرأة دماً في وقت الدورة الشهرية المعتادة لها، وقد يصاحب ذلك بعض الآلام المعروفة، ولكن صفة الدم النازل لا تكون كصفة دم تماماً، حيث يكون خفيفاً أو أحمر غير داكن ثم يتبعه دم
الحيض
الحيض، فماذا تعتبر الدم السابق لدم الحيض؟ ما كان غير أسود ـ أي فاتحاً ـ فلا تعتبره حيضاً، وعليه فإن لم تره أسود فالدم السابق إنما هو دم استحاضة.
امرأة ترى الدم في موعد الدورة، ولكن ليس فيه صفات دم الحيض ويستمر يومين ثم يأتي دم الحيض المعروف، فهل عليها غسل الاستحاضة، وخاصة إذا كانت في مكان لا يمكن فيه الاغتسال كالمستشفى مثلاً؟ الحيض له أوصاف، فإن لم ترَ في الدم أوصاف الحيض فلا تجعله حيضاً، وفي الاغتسال خلاف، والأمر إذا ضاق اتسع وإذا اتسع ضاق، فالاغتسال أساسه إنما هو للاحتياط فحسب، وحتى عند من يقول بوجوب هذا الاغتسال فلا بد من أن يراعي الظروف فيقول بإجزاء التيمم عندما يتعذر
عليها الاغتسال. (1/49)
صفحة 50
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
من المعروف أن فترة الطهر أقلها عشرة أيام، ولكن المرأة قد تجد الدم بعد ثمانية أيام من الدورة السابقة، وهكذا تعاودها أحياناً بعد ثمانية أيام، ماذا يجب عليها؟
لا تعتد بما قبل عشرة أيام بل تجعل ذلك استحاضة.
لي زميلة تأتيها الدورة تسعة عشر يوماً، وعندما تغتسل بعد عشرة أيام تأتي بعد تسعة أيام. فماذا يجب عليها؟
بناءً على الرأي الراجح الذي دل عليه الحديث، تجعل عشرة أيام حيضها وما عدا ذلك استحاضة ثم طهراً، والله تعالى أعلم.
امرأة جاءتها الدورة في بداية رمضان واستمرت سبعة أيام ثم انقطعت فجاءتها بعد ثلاثة أيام واستمرت خمسة عشر يوماً، والأطباء يقولون ربما هذا نزيف، ما الحكم؟
هذا بالقطع نزيف، لأن أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام، ولا يأتي الحيض إلا بعد طهر عشرة، لأن أقل ما يفصل بين الدمين من الطهر هو عشرة أيام، فلا يمكن أن يكون الطهر الفاصل ما بين الدمين أقل من عشرة أيام، على أن تحديد الحيض بثلاثة أيام من حيث قلته، وبعشرة أيام من حيث كثرته، دل عليه الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع الله في مسنده من طريق أنس له أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام»، وقد رواه بعض أئمة الحديث من رواية أبي أمامة ولكن بسند ضعيف، إلا أن ثبوته من طريق الإمام الربيع بذلكم السند العالي قاض بصحته، وقد أيد ذلك الطب الحديث، فإن الأطباء حسبما فهمنا منهم يقررون بأن الحيض لا يكون أقل من ثلاثة أيام ولا يكون أكثر من عشرة أيام، وإن زاد (1/50)
صفحة 51
فتاوى الصلاة
51
على عشرة أيام فذلك يعد استحاضة، وهو ما يعبر عنه في عرف العصر بالنزيف، وإن جاء بعد الدم الأول بأقل من عشرة أيام فذلك لا يمكن أن يكون حيضاً وإنما يعد استحاضة، والله تعالى أعلم.
امرأة اعتادت أن يأتيها الحيض مدة عشرة أيام وفي مرة من المرات
استمر إلى خمسة عشر يوماً. فما حكم تلك الخمسة أيام؟
نحن نرجح ما جاء في الحديث، وهو أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام، ولقد أخبرني أحد الفقهاء أن هناك دراسة طبية دلت على ما دل عليه الحديث بأن الحيض لا ينقص عن ثلاثة ولا يزيد على عشرة أيام، وعليه فالمرأة إن رأت الحيض واستمر بها أكثر من عشرة أيام، عليها أن تغتسل
وتصلي.
امرأة تأخرت عنها الدورة الشهرية لمدة شهرين، وفي نهاية الشهر الأخير وجدت دم ولكنه لا يشبه دم الحيض وشكت أنه دم حيض ولكن لونه متغير لأنه متأخر عن وقته المعتاد ولكن بعد يومين انقطع الدم فانتظرت يوماً آخر لظنها أنه سيعاود ولكنها لم تر شيئاً، ثم بعد ذلك اغتسلت وصلت فما حكم ذلك الدم؟
هو دم استحاضة، وعليها أن تعيد الصلوات التي تركتها.
امرأة رأت دماً خفيفاً قبل حيضها بيومين وليس بدم حيض، فماذا عليها الغسل أم الوضوء؟
هو دم استحاضة وتتوضأ وتصلّي، وقيل بل تغتسل له، وهذا الغسل من باب الاحتياط فقط، والله أعلم. (1/51)
صفحة 52
52
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
لدي صديقة عزيزة أتتها الدورة الشهرية قبل شهر رمضان المبارك بحوالي أسبوعين وحتى الآن لم ينقطع عنها وهي في حيرة من أمرها هل تصوم وتصلّي وهي على هذه الحالة حيث إنه أول مرة يحدث لها هذا؟ وتستحي الذهاب إلى الطبيبة وتخاف أن تقضي الشهر كاملاً؟
ومعنى
نعم عليها الصيام، إلا في الأيام التي اعتادت فيها الحيض، ففي الحديث: إذا أقبلت الحيضة فدعي لها الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي»، ذلك أن ترجع المرأة إلى أيامها المعتادة التي كانت تحيض فيها فتترك فيها الصلاة ثم بعد ذلك تصلي حتى تنقضي الأيام التي اعتادت الطهر فيها، وتأتي الأيام التي اعتادت الحيض فيها فتترك الصلاة مرة أخرى، وحكم الصيام كحكم الصلاة فمتى وجب عليها أن تصلي وكانت في حالة يجب فيها الصيام أي فى شهر رمضان فعليها أن تصوم أيضاً، أما إذا كانت مبتدئة فأيسر الأقوال وأقربها إلى الدليل قول الإمام الربيع - رحمه الله تعالى ـ وهو: أن تجعل عشرة أيام حيضاً وعشرة أيام طهراً، وذلك لأن الأصل في الدم أن يكون حيضاً لا أن يكون استحاضة، إذ الاستحاضة طارئة والحيض هو الأصل ومع إمكان حمله على الحيض فلا يُحمل على الاستحاضة، وفي خلال عشرة أيام يمكن أن يُحمل على الحيض ثم تأتي عشرة أيام أخرى وهي أقل أيام الطهر، وفي هذه الأيام لا يمكن أن يحمل ذلك الدم على أنه حيض إذ الحيض لا يتجاوز عشرة أيام، ولما استحال أن يكون حيضاً يُحمل على أنه استحاضة ثم عندما يأتي الوقت الذي يمكن أن يكون حيضاً يُعاد إلى الأصل، وهو أن يعد دم حيض إن كانت فيه أوصاف دم الحيض، والله تعالى أعلم. (1/52)
صفحة 53
فتاوى الصلاة
53
بعد انقطاع الدم والاغتسال من العادة الشهرية والبدء في الصلاة تظهر أحياناً علامات جديدة، فهل هذه استحاضة أم ماذا حكمها؟ الاستحاضة دم يخرج من عروق على أبواب الرحم وليس من الرحم نفسه وبالنسبة إلى هذا السؤال فإن كان الخارج دماً فهذه استحاضة وإلا فذلك
مما يمكن أن يخرج بسبب أو بآخر وليس هو بحيض بعد الاغتسال.
امرأة مدة الحيض لديها سبعة أيام وتغتسل بالجفاف، فاغتسلت من الحيض في إحدى ليالي شهر رمضان وأصبحت صائمة، وفي اليوم الثامن وقبل صلاة الظهر عاودها الدم مرة أخرى فتكرر ذلك لشهرين متتاليين، فما حكم الدم الذي تراه في اليوم الثامن هل هو دم حيض أم استحاضة؟ وما حكم صيامها؟ هو دم استحاضة وليس بدم حيض، لأنه فصل طهر ما بينه وبين دم الحيض ولو كان هذا الطهر جفافاً، ولا تعتبر ما كان بعد الطهر، اللهم إلا عند من يقول بالإثابة مع استيفاء الإثابة شروطها.
والإثابة هي كالآتي: أن تكون للمرأة مثلاً عادة أن تحيض خمسة أيام، ولكن بعد فترة من الوقت صارت ترى الدم خمسة أيام كعادتها ثم يأتي بعدها طهر يومين ثم تردف بدم لمدة يومين، فإذا تكرر لها ذلك ثلاث مرات فعلماؤنا بالمشرق يقولون بأن هذه إثابة وتعطى حكم الحيض بالشروط المعهودة عندهم وهي:
أن تكون هذه الإثابة متفقة في الأيام بحيث لا تختلف.
- أن تكون أيام الطهر الفاصلة بينها وبين أيام الحيض السابقة أيضاً لا تختلف، واختلف فيما إذا كان الفارق ساعات، فلو كانت الإثابة تأتي تارة يومين وتارة يوماً وتارة ثلاثة أيام فإنها لا تعد شيئاً، واختلف ـ كما قلنا - (1/53)
صفحة 54
54
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
إذا كانت تأتي تارة لمدة أربع وعشرين ساعة وتارة لمدة ثلاثين ساعة وتارة لمدة ست وعشرين ساعة هل تعتبره حيضاً أو لا؟
والشرط الثالث أن لا تكون المدة من أول الدم الأول إلى آخر الدم الثاني تخرج عن حدود أيام الحيض، بحيث لا تكون زائدة عن الأيام التي يمكن أن تأخذها المرأة وقتاً لحيضها وهي عشرة أيام على الأصح لأجل الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، وأما أصحابنا من أهل المغرب فلا يرون الإثابة شيئاً، والله تعالى أعلم.
ما الحكم الشرعي في صلاة امرأة تستمر استحاضتها لمدة ستة أشهر؟ الحكم هو ما ذكره، و أن تترك الصلاة في أيام حيضها المعتادة وأن تصلي أيام طهرها المعتادة.
في
امرأة مستحاضة يأتيها الدم طوال السنة وعدتها سبعة أيام ولا يتوقف الدم عنها إلا عندما تتناول الحبوب، وأتاها دم أسود قاتم ثم أتتها القصة البيضاء في اليوم الثاني بعد الدم الأسود القاتم، ثم ظهر في اليوم دم استحاضة، فماذا تفعل؟ هل عليها أن تصلي ذلك اليوم الذي
الثالث
طهرت فيه؟
أما الصلاة فإنها تصلي لأنها رأت الطهر ولو كان ذلك في أيامها المعتادة التي ترى فيها الدم، إلا أنها لا ينتقل عنها حكم الحيض، لأن هذا الطهر يؤدي إلى النزول، والنزول لا يكون بمرة واحدة وإنما يكون بمرتين على الأقل وتنتقل في المرة الثالثة.
امرأة استمر نزول الدم معها لمدة شهرين لم ينقطع وهو كدم الحيض،
وتركت الصلاة حتى انقطع الدم فما الحكم في ذلك؟ (1/54)
صفحة 55
فتاوى الصلاة
55
عليها أن تعيد صلوات الأيام التي اعتادت الطهر فيها مع التوبة إلى الله من تركها الصلاة إبان استحاضتها.
امرأة بها نزيف مستمر، ولكنها لا تقطع الصلاة، علماً بأنها تتناول
حبوب منع الحمل، فماذا عليها أن تفعل في مثل هذا الموقف؟ هذا من نفس الحبوب، ونحن دائماً نعاني من هذه المشاكل، وتردنا أسئلة متتالية ممن يستعملن هذه الحبوب التي تؤدي إلى اضطراب العادة والحكم يختلف باختلاف الأحوال فإن كانت لها عادة من قبل فلترجع إلى عادتها في الحيض والطهر وإلا جعلت عشرة أيام حيضاً وعشرة أيام طهراً على
الراجح.
بعد انتهاء الحيض استمرت الاستحاضة لمدة عشرة أيام، وفي ليلة يوم الحادي عشر رأيت ما يشبه دم الحيض في اللون والتدفق في البداية لكنه لم يكن كذلك، لأنه توقف في اليوم التالي عن التدفق وتحول إلى نزول أوساخ لها رائحة ولونها داكن بدون توقف ولكنها ليست سائلة، ثم بدأ يخف شيئاً فشيئاً في اليوم الثاني، فعزمت على الاغتسال، والصلاة، مع أن دم الاستحاضة والكدرة لم يتوقف إلا بعد أيام، فما حكم الصلوات في اليومين؟ وماذا إذا رأيت مثل ذلك في المرات القادمة، علماً أن الحيض في الشهر التالي بدأ في نفس الحالة حيض وتحول إلى كدرة لمدة يوم ونصف تقريباً ثم أصبح طبيعياً، هل أعتبره حيضاً مع ذلك لأنه جاء في وقته؟ هذه التوابع حكمها حكم ما قبلها، فإن لم تكن هذه الاستحاضة بعد انتظام الوقت، وإنما كانت للمرأة التي في حكم المبتدئة فما بعد عشرة أيام من
بدم (1/55)
صفحة 56
56
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
بداية طهرها تعتبره حيضاً، وخصوصاً عندما ترى أوصاف دم الحيض، فإن أعقبه شيء من التوابع فحكم هذه التوابع حكم ما قبلها، إن كانت مسبوقة بدم الحيض فحكمها حكم الحيض، وإن كانت مسبوقة بالطهر فحكمها حكم الطهر.
أحمر
لذلك؟
ما قولكم في النساء اللاتي يستعملن موانع الحمل، مما يؤدي إلى استمرار خروج الدم أكثر من شهرين وبصورة غير منتظمة ويكون الدم فاتحاً وليس له رائحة، فهل تقطع الصلاة والصوم لا يعد هذا حيضاً، لا من حيث الوقت ولا من حيث الوصف، أما من حيث الوقت فإن دم الحيض أكثره عشرة أيام وما جاوز ذلك فهو استحاضة، وأما من حيث الوصف فإن دم الحيض دم أسود تخين له رائحة، وما كان رقيقاً أو أحمر أو لا رائحة له فهو استحاضة، وعليه فإنها تُؤمر بأن تصلي وتصوم في حال رؤيتها هذا الدم إلى أن ترى الدم الذي فيه صفات الحيض، والله أعلم.
بعض النساء اللواتي يستخدمن اللولب المانع للحمل تخرج بقايا دم أو يومين أو ثلاثة فهل يعد ذلك حيضاً أم لا؟ هذه من مشكلات العصر، ولا يعد الدم الخارج بسبب هذا حيضاً،
بعد يوم
والله أعلم.
امرأة حامل في الأشهر الأولى، وجاءها نزيف، وعند ذهابها إلى المستشفى أُجريت لها عملية ربط الرحم بسبب إسقاطها، وبعد العملية
رأت صفرة ولم تر الدم، وتركت الصلاة لذلك فما حكم تركها الصلاة؟ إن كانت الصفرة بعد الدم فإن حكمها حكم ما قبلها، بدليل حديث السيدة (1/56)
صفحة 57
فتاوى الصلاة
OV
عائشة: «لا تطهر المرأة حتى ترى القصة البيضاء»، ودليل حديث أم عطية: «ما كنَّا نعد الصفرة والكدرة شيئاً على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أي شيئاً
زائداً.
هل يجوز للزوج أن يجامع زوجته وهي في حالة الاستحاضة؟ نعم، يجوز جماع المستحاضة لا الحائض وإنما كره في حال فورة الدم، والله أعلم.
امرأة رأت الدم لدقائق معدودة ثم انقطع عنها، ربما كان ذلك بسب خوف، فهل عليها الغسل؟
هذا مجرد استحاضة، لأنه كان بسبب خوف أو نحوه، فليس عليها غسل الحيض، وإن اغتسلت فهو من باب الاحتياط فقط.
في يوم من الأيام لاحظت خروج دم، ولا أعلم هل هو من جرح أو من غيره؟ مع العلم أنه ليس في وقت الحيض ولا قريباً منه، فأرجو إيضاح ذلك، فأنا في قلق لذلك مع العلم بأنني غير متزوجة؟
المرأة قد يخرج منها الدم لبعض أسباب النزيف، وهذا لا يبعث على القلق لأنه أمر طبيعي فطري.
ما هو الفرق بين الحيض والاستحاضة؟
يجب
كثير من النساء تلتبس عليهن الاستحاضة بالحيض، مع أن النساء أن يفرقن بين الحيض والاستحاضة والنفاس، كما نص على
عليهن
ذلك أهل العلم، فدم الحيض هو الدم الطبيعي الذي تفرزه الطبيعة، وهو دم صحي يفرزه جسم المرأة من قبلها يخرج منها في مواقيت (1/57)
صفحة 58
58
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
معينة، بشرط أن تكون جاوزت سن الصبا بحيث تكون قد بلغت تسع سنوات أو زادت عليها وأن لا تكون بلغت سن اليأس، فالذي يخرج من الصبية قبل أن تبلغ تسع سنوات أو الذي يخرج من المرأة التي بلغت سن اليأس بحيث تكون جاوزت ستين عاماً ـ على المشهور - يُعد استحاضة ولا يُعد حيضاً، وكذلك الذي يأتي من الدماء غير متصف بصفة دم الحيض، ودم الحيض أسود غليظ له رائحة، فما كان رقيقاً أو أحمر أو لا رائحة له فذلك لا يعتبر دم حيض إلا إن كان مسبوقاً بدم الحيض من قبل، وكذلك إن جاء في وقت يتعذر مجيء الحيض فيه وذلك عندما لا تستوفي أيام طهرها المعتادة على قول جماعة من العلماء، أو لم تستوف الأيام التي يمكن أن تكون طهراً لها، وأقل الأيام التي يمكن أن تأخذها وقتاً لها في الطهر هي عشرة أيام، فما كان دون عشرة أيام لا تمتنع المرأة معه من الصلاة ولا الصيام فأحرى بها ألا تمتنع عن قراءة القرآن إذ هي متعبدة في أثناء استحاضتها بأن تُصلّي الصلوات المفروضة التي فرضها الله تعالى عليها، ومن المعلوم أن في الصلاة قراءة للقرآن الكريم، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أقبلت الحيضة فدعي لها الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلّي»، أي إذا أقبلت أيامها المعتادة فلتترك الصلاة فإن أدبرت فعليها أن تغتسل وتصلي، وجاء في رواية أعلها بعض العلماء أنه عليه الصلاة والسلام قال: «اتركي الصلاة أيام أقرائك، أي الأيام التي اعتدت الحيض فيها، أما دم النفاس فهو الدم الخارج على أثر الولادة وأكثره أربعون يوماً وفي أقله خلاف بين العلماء، وهو كدم الحيض من حيث وجوب ترك الصلاة والصيام وعدم مباشرة الزوج لها في تلكم الفترة، والله تعالى أعلم. (1/58)
صفحة 59
فتاوى الصلاة
التوابع وعلامات الطهر
59
هي
ما المقصود بالقصة البيضاء؟
الماء الأبيض الذي يخرج من مخرج الحيض نفسه بعد انتهاء الحيض، وهذا الماء يمكن للمرأة أن تعرفه ببعض الاعتبارات، فهو يشبه السوار الفضي الذي يلي جسم المرأة من حيث بياضه، ويشبه كذلك صوف ناصية كبش أبيض بعد غسله فإذا خرج هذا الماء من المرأة تعتبره طهراً لها، ونهاية حيضها، وعليها أن تغتسل وتصلي.
ما المقصود بالجفاف؟ وكيف تطهر به المرأة؟
الجفاف هو أن ينقطع الدم وترى النقاء بدلاً من سيلان الدم، ولكن لا ترى القصة البيضاء، والجفاف مختلف فيه، ولكن على المشهور أن الجفاف عندما يكون عادة للمرأة بحيث لا ترى القصة البيضاء وإنما ترى الجفاف فإنه يكون طهراً لها، ومن اعتادت الطهر بالجفاف فالقصة البيضاء طهر لها، و من اعتادت الطهر بالقصة البيضاء لا يكون الجفاف طهراً لها، بل يكون حكمه حكم التوابع، لأجل حديث السيدة عائشة ا: «لا تطهر المرأة من حيضها حتى ترى القصة البيضاء». (1/59)
صفحة 60
60
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
قد تتغير صفة القصة البيضاء فتميل إلى الاصفرار. فما حكم ذلك؟ إن لم تكن بيضاء ناصعة فلا تعتد بها.
إذا كانت تطهر بالقصة البيضاء ولكنها رأت جفافاً في أيام حيضها، ماذا
تصنع؟
لا تلتفت إلى ذلك الجفاف ما دامت اعتادت الطهر بالقصة البيضاء، والله
تعالى أعلم.
إذا كانت تطهر بالجفاف ورأته في أيام حيضها، ماذا تفعل؟ ما دامت تطهر بالجفاف واعتادت ذلك فإنها إذا رأته تغتسل وتصلي.
إذا كانت تطهر بالجفاف ورأت القصة البيضاء، ماذا تفعل؟ إذا رأت القصة البيضاء فهي طاهر ولو كانت عادتها أن تطهر بالجفاف.
امرأة ترى الجفاف بعد خمسة أيام ثم بعد يومين ترى القصة البيضاء، فمتى تغتسل وهذه عادتها دائماً؟
ذلك
إن كانت اعتادت ذلك بحث ترى الجفاف باستمرار ثم بعد تري القصة البيضاء فإنها تعول على الطهر بالجفاف، ولكن يحتاط زوجها فلا يأتيها حتى ترى القصة البيضاء، لئلا تضيّع الصلاة، لأن فريضة الصلاة متيقنة وسقوطها أمر مشكوك فيه، فلا تعمل بالمشكوك فيه وتترك ما تيقن أجله، والله تعالى أعلم.
من
تنزل عندي القصة البيضاء دون أن أشعر بها في بعض الأحيان في ملابسي، فهل تصبح الملابس نجسة لا تصح الصلاة بها، وإذا كانت (1/60)
صفحة 61
فتاوى الصلاة
61
المرأة تشكو من كثرة خروج القصة البيضاء، فماذا عليها أن تفعل؟
وهل يجب عليها الغسل بسبب خروج هذا السائل؟
هذه من جملة الإفرازات التي تخرج من المخرج الطبيعي، وكل ما يخرج من إفرازات من ذلك المخرج يعد نجساً، فلذلك يجب على المرأة أن تتقي ذلك، وذلك بوضع عازل حتى لا يصيب ثيابها، وعندما تصاب ثيابها بمثل هذه الأشياء عليها أن تغسل ذلك الموضع الذي أصابه شيء من تلك الإفرازات قبل أن تصلي وعليها أن تستنجي قبل الوضوء، ولا يلزمها أن تغتسل، لأن الغسل إنما يكون على أثر الحيض، وأما أثناء الطهر فلا يجب الغسل لخروج هذا السائل، والله تعالى أعلم.
6
امرأة تطهر بالقصة البيضاء ولها أيام معلومة، إذا لم تر القصة البيضاء بعد انتهاء أيامها بل رأت جفافاً.
(أ) فهل تنتظر من ساعة إلى أخرى إلى أن تكمل يوماً؟ وإذا اغتسلت قبل ذلك ثم رأت القصة البيضاء بعد اغتسالها، هل تعيد غسلها؟
إذا اغتسلت قبل ذلك فإنها تكون طاهرة وإعادة الغسل بعدما ترى القصة البيضاء إنما هو للاحتياط فقط وليس واجباً عليها، والله تعالى أعلم.
(ب) إذا لم تعد غسلها وصلت بالاغتسال الأول، ماذا عليها؟
لا يلزمها أن تعيد الغسل وإنما ذلك من باب الاحتياط فقط، وصلاتها مقبولة.
(ج) إذا لم تر القصة البيضاء أصلاً بعد اغتسالها، فهل تأثم لاستعجالها؟
إن كانت اغتسلت بعد الانتظار فلا تأثم. (1/61)
صفحة 62
62
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
(د) إذا رأت دماً أثناء انتظارها للقصة البيضاء، هل تكون في حكم
الانتظار؟
نعم، فإن مجيء الدم ينسخ انتظار التوابع، ويكون الحكم عندئذ للدم، والله تعالى أعلم.
امرأة تغتسل من الحيض بعد رؤيتها الجفاف تماماً، ولكن في اليوم التالي تنزل منها القصة البيضاء، فهل تغتسل بعد رؤيتها للقصة البيضاء أو بعد الجفاف؟ جاء في الحديث، حديث عائشة: (لا تطهر المرأة من حيضها حتى ترى القصة البيضاء»، واستثني من ذلك إذا كان عادتها الجفاف، وبما أن هذه ترى الجفاف ثم ترى القصة البيضاء فإنها تنتظر القصة البيضاء، وإنما تطهر بالجفاف المرأة التي لا ترى القصة البيضاء.
إذا انتهت امرأة من حيضتها وبعد أن اغتسلت اكتشفت بعد يوم من غسلها بأن توابع الحيض قد أتتها مع اصفرار أو قطرة دم، فكيف تتصرف بعد أن اغتسلت هل تعيد غسلها حكم هذه التوابع حكم ما قبلها وليس لها أي أثر، هذا إن كانت اغتسلت بعد أن رأت الطهر.
مع
فك الشعر؟
امرأة انقطع عنها الدم بعد أربعة أيام وجاءها الجفاف ثم عاودها الدم ثم
هذه
جاءها بعد ذلك الجفاف ففي أي الحالتين تغتسل، وهل الكدرة في الحالة حكمها حكم الدم، علماً بأنها تنقطع بالتدريج خلال عدة أيام؟ إن كانت من عادتها أن تطهر بالجفاف فإن ذلك الجفاف تعتبره طهراً، ولكن كل دم تراه في خلال عشرة أيام إن لم تكن لها عادة تعده دم حيض، (1/62)
صفحة 63
فتاوى الصلاة
63
لأنه يمكن أن تتخلل أيام طهر في وسط أيام الدم، والكدرة حكمها حكم
من قبلها، فإن كانت مسبوقة دم فحكمها حكم الدم، وإن كانت مسبوقة بطهر فحكمها حكم الطهر.
قة
امرأة عند انتهاء حيضها يأتيها الجفاف وبعد يومين ترى القصة البيضاء فبأي علامة تعمل؟
الأصل في الطهر من الحيض أن يكون بالقصة البيضاء لا بالجفاف، وإنما الجفاف للتي لا ترى القصة البيضاء، فإن كانت لا تأتيها القصة البيضاء ويأتيها الجفاف فعندئذ تأخذ بالجفاف، أما إن كانت تأتيها القصة البيضاء فالجفاف حكمه حكم التوابع والتوابع كالصفرة والكدرة والثرية حكمها ما قبلها، فما كان مسبوقاً بدم فهو حيض، وما كان مسبوقاً بطهر فهو
حكم
طهر.
إذا تشابه على المرأة المعتادة طهرها بحيث لم يخرج شديد البياض هل تغتسل أم تنتظر؟
إن كان يميل إلى الصفرة فحكمه حكم الصفرة والصفرة كما قال العلماء تنتظر - احتياطاً - على أثرها مدة يوم وليلة، أي أربعاً وعشرين ساعة ثم بعد ذلك تغتسل وتصلي، هذا إن لم تر الطهر الصافي، وهو الذي تشبهه بالدرهم الصافي أو بما يلي يدها من سوارها الفضي كما ذكر العلماء، والله تعالى أعلم.
إذا كانت المرأة تطهر بالقصة البيضاء، ولكنها لم تر القصة البيضاء في ثلاث حيضات متتالية هل يكون طهرها بالجفاف؟
الأصل أن المرأة إن كانت عادتها أن تطهر بالقصة البيضاء فإنها لا تطهر (1/63)
صفحة 64
?
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
هذا
بالجفاف، وإن كانت تطهر بالجفاف فتطهر بالقصة البيضاء، ولكن مع التكرر قد تنتقل عادتها عما كانت عليه إلى عادة أخرى، فيكون الجفاف طهراً لها، والله تعالى أعلم.
التي تطهر بالجفاف غالباً لا يكون لها أيام محدودة بالدقة. فمثلاً أيامها تكون سبعة أيام ولكنها ليست بالضبط فقد تنقص أو تزيد قليلاً. (أ): أحياناً ترى الجفاف فتغتسل ثم ترى بعد ذلك بساعتين كدرة أو
صفرة أو دماً وهذا يكون داخل السبعة الأيام فما يكون حكمها؟
حكم الصفرة والكدرة والترية حكم ما قبلها، فإن كانت المرأة اعتادت أن تطهر بالجفاف ورأته واغتسلت ثم رأت الصفرة بعد ذلك فإنها لا تلتفت إليها، وأما إن لم تكن لها عادة، وذلك بأن تكون مثلاً تزيد أيامها أحياناً وتنقص أحياناً ولم تستقر لها عادة معينة فإن حكمها حكم المبتدئة، والله تعالى أعلم. (ب): إذا كانت ترى الجفاف في شهر رمضان قبل الفجر فتغتسل، ثم ترى في النهار وهي صائمة كدرة أو صفرة ما حكمها وما حكم
صومها؟
لا تلتفت إلى ذلك بعدما تغتسل، والله تعالى أعلم.
إذا رأت المرأة الطهر البين في أيام حيضها: أولاً: هل تنتظر يوماً ثم تغتسل أم تغتسل مباشرة؟
عليها أن تغتسل مباشرة ولا تؤخر الصلاة.
ثانياً: إذا كانت تطهر بالقصة البيضاء ولكنها رأت جفافاً في أيام حيضها
ماذا تصنع؟ (1/64)
صفحة 65
فتاوى الصلاة
65
لا تلتفت إلى ذلك الجفاف ما دامت اعتادت الطهر بالقصة البيضاء، والله
تعالى أعلم. ثالثاً: إذا كانت تطهر بالجفاف ورأته في أيام حيضها ماذا تفعل؟ ما دامت تطهر بالجفاف واعتادت ذلك فإذا رأته فإنها تغتسل وتصلي. رابعاً: إذا كانت تطهر بالجفاف ورأت القصة البيضاء ماذا تفعل؟ إذا رأت القصة البيضاء فهي طهر ولو كانت عادتها أن تطهر بالجفاف. امرأة عادتها في الحيض خمسة أيام وتطهر بالجفاف وتعاودها القصة البيضاء بعد يومين من طهرها وقبل تمام العشر، فكيف تتعامل مع القصة، وهل هناك فرق بين ما إذا أتتها القصة قبل العشر أم بعد؟ وهل تجمع الصلوات؟
إن كانت ترى دم الحيض ثم ترى الجفاف ثم ترى القصة البيضاء قبل أن تُنهي عشرة أيام فإنها تعتبر طاهرة بالقصة البيضاء وحكم الجفاف في هذه الحالة كحكم التوابع - الصفرة والكدرة والترية، أما إذا كانت لا ترى القصة إلا بعد الخروج من العشر فتعتبر الجفاف طهراً لها وتغتسل بعده ولا يعنيها شيء إذا رأت القصة البيضاء بعد ذلك في أيام طهرها.
ترى المرأة مادة لزجة كلون الماء وتظنها القصة البيضاء، وتغتسل من الحيض لرؤيتها هذا السائل، وبعد فترة لا تتجاوز عدة ساعات ترى القصة البيضاء، فماذا عليها أن تفعل؟
إن كان هذا السائل مخالفاً للقصة البيضاء فعليها أن تعيد الاغتسال، وأما إن كانت مواصفاته مواصفات القصة البيضاء فخروج ما بعده إنما هو امتداد لهذه القصة البيضاء. (1/65)
صفحة 66
66
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
أيام طهري يخرج ماء لونه أصفر فاتح، وبعض الأحيان أبيض، وعندما أريد أن أتطهر من الحيض يخرج ماء لونه أصفر يستغرق عدة ساعات، وبعد ذلك تخرج القصة البيضاء بصعوبة جداً، علماً بأنني أمسح بالقطن للتأكد من القصة البيضاء بوضوح، وفي أغلب الأحيان تفوتني الصلوات لأنني أنتظر الماء الأبيض، وأنا أخاف أن تفوتني الصلاة، ماذا أفعل؟
الصفرة والكدرة وسائر التوابع حكمها حكم ما قبلها، فعندما يتقدّمها الدم تكون تابعة للحيض، وعندما تأتي إثر الطهر - القصة البيضاء ـ تكون تابعة له، فالمرأة تنتظر حتى تنتهي هذه التوابع وعندئذ تتطهر بعدما ترى القصة
البيضاء.
ماهي
الطريقة المثلى للتعرف على الطهر الصحيح إن اشتبه على المرأة التي تطهر بالقصة البيضاء التفرقة بينها وبين توابع الحيض، وإن فاتتها صلوات بسبب ذلك فما حكمها؟
الطهر الصحيح هو السائل الأبيض الذي يشبه ريق الصائم، أو ما يلي جسم المرأة من سوارها الفضي، أو الصوف الأبيض المغسول، فما كان بهذه الحالة فهو الذي يعتبر طهراً وما كان دون ذلك فحكمه حكم التوابع، والتوابع حكمها حكم ما قبلها، وإن التبس الأمر عليها فلتستصحب الأصل، فإن فعلت شيئاً غير ذلك وأدى ذلك إلى لبس عندها بحيث صلّت صلوات بغير طهر شرعي بعدما تأكد طهرها، أو أنها أضاعت صلوات فعليها أن تعيد تلك الصلوات التي لم تصلها بالوجه الشرعي أو التي أضاعتها بمضي وقتها ولم تصلها، والله تعالى أعلم. (1/66)
صفحة 67
فتاوى الصلاة
67
امرأة عادتها الجفاف ومدة حيضها 6 أيام ولكن تعاني من أن الدم ينقطع في اليوم الرابع ولا ترى شيئاً بعد هذا اليوم لا في الثوب ولا مع البول ولكن عندما تضع ثوب على الموضع ترى مخاطاً مدمياً، ويستمر لمدة يومين وتجد في نفسها حرج في تركها للصلاة والعبادة، فكيف تتصرف هل تنتظر الجفاف التام أم ماذا
تفعل؟ هذا من التوابع وحكم التوابع حكم ما قبلها فهي إن لم تكن مسبوقة بدم الحيض فليست حيضاً وإن كانت مسبوقة بدم الحيض فحكمها حكم
الحيض.
امرأة عدتها سبعة أيام، وتطهر بالجفاف ويكون عندها الدم متواصلاً الثلاثة الأيام الأولى ثم ينقطع يومين تماماً وبعد يومين ترى التوابع. فما حكم ذلك اليومين؟ إن كانت اعتادت ذلك فإن رؤيتها الجفاف في هذين اليومين هو بمثابة رؤية الطهر، بخلاف إن كانت اعتادت أن ترى القصة البيضاء.
امرأة عادتها في الحيض أربعة أيام وفي اليوم الخامس لا ترى شيئاً سوى صفرة قليلة، مع العلم بأنها لا تعتمد على القصة البيضاء، فهل تغتسل أم تنتظر مع هذا الإصفرار؟
الصفرة حكمها حكم ما، قبلها، فإن كانت مسبوقة بدم فحكمها حكم الحيض، وإن كانت مسبوقة بطهر فحكمها حكم الطهر، وعلى هذا فهذه الصفرة حكمها حكم الطهر. (1/67)
صفحة 68
68
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
امرأة عدّتها خمسة أيام، وبعد أن طهرت بالجفاف نزلت منها خيوط سوداء ما حكم هذا؟
إن كانت اعتادت الطهر بالجفاف فلا تلتفت إلى ذلك إن كان عاودها بعد اغتسالها، أما إن كانت لا تطهر بالجفاف وإنما تطهر بالقصة البيضاء فإنها تعتبر ذلك من الحيض.
امرأة تنزل لها التوابع مع الكدرة والصفرة قبل يومين من الحيض، فما حكم صلاتها في تلك الفترة؟ وهل تترك الصلاة؟
لا تترك الصلاة، لأن التوابع حكمها حكم ما قبلها، فإن كانت مسبوقة بطهر فحكمها حكم الطهر، وإن كانت مسبوقة بدم فحكمها حكم ذلك الدم.
امرأة عادتها سبعة أيام، وفي اليوم الثامن لا زالت الكدرة تأتيها، وربما تستمر مرات إلى اليوم التاسع وأحياناً إلى اليوم الحادي عشر، هل
تغتسل بعد اليوم السابع أو في اليوم السابع مباشرة أم تستمر؟ أولاً هل هذه العادة مستمرة بحيث ترى الكدرة في كل مرة؟ أو أنها كانت لها عادة أن تطهر على رأس ثمانية أيام بالقصة البيضاء أو بالجفاف ولم تکن ترى كدرة ثم صارت الكدرة تحدث لها؟ فإن كانت معتادة أن تطهر بالقصة البيضاء أو بالجفاف إن لم تكن ترى القصة البيضاء ثم صارت بعد ذلك تحدث لها الكدرة ففى هذه الحالة تنتظر من أجل هذه الكدرة يوماً وليلة ـ أي أربعاً وعشرين ساعة - على القول المشهور عند أهل العلم، وبعد ذلك تغتسل وتصلي.
وأما إن كانت من عادتها أن تستمر الكدرة معها متصلة بدم الحيض فإنها تعطي الكدرة حكم ما قبلها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول ـ كما في حديث عائشة ـ (1/68)
صفحة 69
فتاوى الصلاة
69
رضي الله تعالى عنها: لا تطهر المرأة من حيضها حتى ترى القصة البيضاء». بجانب حديث أم عطية: ما كنا نعد الكدرة والصفرة شيئاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد جمع بين الحديثين - كما قلنا ـ بأنهن لم يكن يحسبنها شيئاً زائداً على الأصل، فإن كانت مسبوقة بطهر فهي طهر، وإن كانت مسبوقة بحيض فهي حيض، والله تعالى أعلم.
امرأة تغتسل من الحيض بعد رؤيتها الجفاف تماماً، ولكن في اليوم التالي تنزل منها القصة البيضاء، فهل تغتسل بعد رؤيتها للقصة البيضاء أو بعد الجفاف؟
جاء في حديث عائشة: «لا تطهر المرأة من حيضها حتى ترى القصة البيضاء»، واستثني من ذلك إذا كان عادتها الجفاف، وبما أن هذه ترى الجفاف ثم ترى القصة البيضاء فإنها تنتظر القصة البيضاء، وإنما تطهر بالجفاف المرأة التي لا ترى القصة البيضاء.
الانتظار
إذا رأت المرأة الطهر وهي في مدة الانتظار فهل تطهر أم عليها إكمال
مدة الانتظار؟
بل تطهر، لأنها في الانتظار تنتظر الطهر لا غير.
إذا رأت المرأة الطهر البين في أيام حيضها، هل تنتظر يوماً ثم تغتسل
أم تغتسل مباشرة؟
عليها أن تغتسل مباشرة ولا تؤخر الصلاة. (1/69)
صفحة 70
V.
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
المرأة التي تنتظر مع الدم بعد أيام حيضها، ثم تبين لها أنها مستحاضة، هل تعيد صلاة وصوم يومي الانتظار؟ أما إعادة الصيام فلا خلاف فيها، فالإجماع منعقد على أنها تعيد صيام أيام الانتظار كما تعيد صيام أيام الحيض، وإنما الخلاف في إعادة الصلاة، فمن اعتبر حكم أيام الانتظار حكم أيام الدم قال لا إعادة عليها، ومن اعتبر حكم أيام الانتظار غير حكم أيام الدم قال بوجوب الإعادة؛ والله تعالى أعلم.
القاعدة التي اعتمد عليها صاحب النبراس هي أن أكثر الحيض عشرة أيام وأقله ثلاثة أيام. فلماذا قال في الانتظار إن المبتدئة إذا استمر بها الدم بعد العشرة تنتظر لمدة يومين. ألا يعدُّ هذا خروجاً عن القاعدة؟ نعم، هذا الذي ذهب إليه أصحابنا من أهل المغرب، فهو المنصوص عليه في الإيضاح وحواشيه وفي الوضع وحاشيته والنيل وشرحه، فقد نص العلماء فيها على ما قاله صاحب النبراس والمشارقة يذهبون إلى أنه لا انتظار بعد العشرة بناءً على أن أكثر الحيض عشرة أيام، والذي يبدو أن الرأي المغربي في هذه المسألة مبني على شيء من الاحتياط خشية أن يكون ما زاد على العشرة الأيام حيضاً، بناء على رأي من يرى يزيد على عشرة أيام فهم لمحوا هذا الرأي ولو من بعيد، كالقائلين بأن الحيض أكثره خمسة عشر يوماً، والقائلين بأن أكثره سبعة عشر يوماً، إلا أنه يترجح عدم الانتظار بعد عشرة أيام نظراً إلى أن العشرة هي أقصى مدة الحيض، فلماذا يقال بالانتظار بعدها؟ والله تعالى أعلم.
أن الحيض
في امرأة لها عدّة معينة ثم تغيرت في إحدى المرات عنها العدة بزيادة فدخلت في انتظار الدم الخالص، وبعد مرور يوم ونصف تقريبًا تغير (1/70)
صفحة 71
فتاوى الصلاة
71
الدم إلى توابع، ففي هذه الحالة هل تكمل بقية نصف اليوم في الانتظار فقط؟ أم تبدأ بحساب اليوم والليلة منذ رؤيتها للتوابع؟
تكمل ما تبقى فحسب وليس عليها أكثر من ذلك.
ما القول الراجح عندكم هل على الحائض إعادة الصلوات التي تركتها
في أيام الانتظار؟
لا، لأن أيام الانتظار أيام حيض.
تنتظم العدّة عندي في الحيض، ولكن للأسف عندما أنتقل إلى السكن في المعهد يتأخر عندي الطهر، علماً بأنه يأتي الطهر بالقصة البيضاء، حيث إذا كان موعد اغتسالي في الفترة ما بين صلاة الفجر إلى صلاة الظهر، فقد يتأخر اغتسالي إلى ما بعد صلاة العشاء، علماً بأن ذلك استمر مدة وجودي في السكن وعندما أنتقل إلى بلدي لمدة قد تصل إلى عشرين يوماً ينتظم عندي الاغتسال؟
هذا لا يعد مشكلة، لأن هذا التفاوت لم يصل إلى التفاوت بالأيام، ولا عليك أن تغتسلي عندما ترين القصة البيضاء، والله تعالى أعلم.
أيامي في الحيض خمسة أيام ولكن في اليوم الرابع يتوقف وفي اليوم الخامس تخرج نقطة دم، ثم بعد ذلك لا أرى شيئاً فأتطهر، وفي الشهر الماضي في اليوم الرابع لم أرَ شيئاً فانتظرت إلى اليوم الخامس كالعادة ولم أر نقطة دم، فانتظرت إلى اليوم السادس فخرجت النقطة فتطهرت، وفي اليوم السابع خرجت مرة ثانية، إذ جامعني زوجي في اليوم السادس وبعد أن تطهرت وبعد ذلك خرج مرة ثانية في اليوم السابع، ما الحكم؟ وماذا أفعل إذا انتظرت يومين أو ثلاثة أيام ولم تخرج النقطة من الدم، (1/71)
صفحة 72
72
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
وأنا لا أصلي ولا أصوم، ومن عادتي أن تخرج نقطة الدم وبعد ذلك أتطهر، هل أقضي الصلوات أم ماذا؟
عدم خروج نقطة الدم ليس هو بمانع من التطهر، فإن الدم ليس هو علامة طهر، وإنما هو علامة حيض يعطى حكم ما قبله ولذلك لا يعتبر مشروطاً في التطهر، فعندما تأتي هذه المرأة عادتها في الطهر ولم تر إلا ما كانت تراه في حال طهرها ولو لم يتقدّم ذلك الدم الذي عهدته، عليها أن تغتسل وتصلي، وتصوم إن كانت في وقت صوم، ولا يمنع في هذه الحالة زوجها أن يطأها، إذ لا يشرط جواز الوطء بخروج تلك النقطة من الدم، والله تعالى
أعلم.
امرأة تطهر بالقصة البيضاء ولها أيام معلومة، إذا لم تر القصة البيضاء بعد انتهاء أيامها بل رأت جفافاً فهل تنتظر من ساعة إلى أخرى إلى أن تكمل يوماً في الحالات التالية:
أولاً: إذا اغتسلت قبل ذلك وصلت ثم رأت القصة البيضاء بعد اغتسالها هل تعيد غسلها؟ إذا اغتسلت بعد الانتظار فإنها تكون طاهرة وإعادة الغسل بعدما ترى القصة البيضاء إنما هو للاحتياط فقط وليس ذلك واجباً عليها، والله
تعالى أعلم.
ثانياً: إذا لم تعد غسلها وصلت بالاغتسال الأول ماذا عليها؟
كما سبق بأنه لا يلزمها أن تعيد الغسل وإنما ذلك من باب الاحتياط فقط
فصلاتها مقبولة. (1/72)
صفحة 73
فتاوى الصلاة
73
ثالثاً: إذا لم تر القصة البيضاء أصلاً بعد اغتسالها فهل تأثم لاستعجالها. إن كانت اغتسلت بعد الانتظار فلا تأثم؟
رابعاً: إذا رأت دماً أثناء انتظارها القصة البيضاء هل تكون في حكم
الانتظار؟
نعم، فإن مجيء الدم ينسخ انتظار التوابع ويكون الحكم عندئذ للدم، والله
تعالى أعلم. (1/73)
صفحة 74
74
النفاس
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
هل تبدأ عدّة النفاس منذ خروج المولود أم منذ نزول الدم؟ المسألة فيها خلاف كثير، قيل عند انشقاق الهادي وذلك يعرف بخروج الماء، وقيل بخروج الدم، وقيل بخروج بعض الولد، وقيل بخروج أكثره، وقيل بخروجه جميعاً، وقيل بخروج الثاني أو الثالث إن كانت حاملاً بأكثر من واحد،
وهذا هو الأكثر، وعليه فلا تعتد بما تراه من دم قبل ذلك وعليها الصلاة.
ما قولك شيخنا فيما يفعله كثير من الناس عند تمام الأربعين يوماً من ولادة المولود وعند طهر النفساء من نفاسهن وهو قيامهم بغسل جميع ما في المنزل من الفرش والآنية والأرضية والأطفال، وتطهير كل شيء حتى الجو بخوصة يقلبونها فيه أو نحو هذا، وهم يفعلون كل هذا اعتقاداً بأن النفساء قد نجست كل شيء لامسته فيجب تطهيره من نجاسة نفاسها؟
هذه بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، فالنفساء لا ينجس منها نجاسة حسية لا مخرج الدم فقط، وسائر جسمها طاهر من النجاسة، وكذلك ثيابها، وما هذا التشديد إلا غلو في الدين لم يأذن به الله، فليتق الله من صدر منه ذلك، والله أعلم. (1/74)
صفحة 75
فتاوى الصلاة
Vo
عن الحامل هل تترك الصلاة إذا رأت علامات الولادة؟ على القول الصحيح أن الحامل لا تترك الصلاة حتى يبدأ المولود في الخروج، فحينئذ تترك الصلاة، فلا تترك الصلاة برؤية الفضلات التي تفرزها الطبيعة قبل وضع الحمل، وإنما تترك الصلاة بعدما يخرج جزء من المولود، فإذا لم تتمكن من الصلاة بكامل شروطها وأركانها فتؤمر أن تصلي كما أمكنها، ولكن لو قدرنا أنها لم تصل فعليها أن تقضي هذه الصلاة بعد طهارتها من النفاس إن شاء الله.
إذا أخذ المرأة الطلق ولم تصلّ ثلاثة أيام ولم يخرج دم، فماذا عليها؟ لتعدّ صلواتها، وقد كان عليها أن تصلي ولو بالتكبير إن عجزت عن الصلاة.
إذا رأت النفساء الدم قبل الولادة بيومين فهل تصلي؟
نعم، ولا تعتبر بذلك الدم إلى أن تضع حملها.
هل هناك آيات من الكتاب العزيز يمكن للمرأة أن تقرأها ليسهل الله لها
عملية الولادة؟
لتقرأ سورة الانشقاق إلى قوله تعالى: {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} [الانشقاق: 4] ولتسأل الله تسهيل الولادة.
ما هي نصيحتكم للمرأة أثناء الولادة وهي في حالة يمكن أن تفارق بها
الحياة؟
عليها أن تتقي الله وأن تتوجه إليه وأن تسأله حسن الخاتمة، وعليها أن تسأله
السلامة في الدنيا وألا تيئس من روح الله. (1/75)
صفحة 76
76
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
بعض النساء يصرخن وبصوت عال من آلام الولادة، فهل يرخص لهن في مثل هذه الحالة؟
هذه ضرورة، وماذا على المرأة أن تفعل إذا اضطرت؟ نسأل الله تعالى لهن اليسر والعافية.
امرأة انقطع عنها دم النفاس في اليوم الثامن والعشرين ثم أتاها مرة
أخرى قبل أسبوع من تمام الأربعين فماذا تفعل في هذه الحالة؟ إن لم يكن لها وقت بحيث كانت مبتدئة أو كان وقتها غير منتظم وكان حكمها حكم المبتدئة فإنها إن رأت الدم فيما دون الأربعين تعطيه للنفاس والنفاس أصل برأسه.
في المرأة التي يأتيها النفاس لأول مرة:
(أ) إذا رأت الطهر البين بعد عشرين يوماً فاغتسلت، ثم رأت دماً بعد عدة أيام لا تصل إلى عشر أيام، ما حكم هذا الدم؟
إن كان هذا الدم لم يخرج عن حدود أربعين يوماً منذ ولادتها فهو دم نفاس ولو رأته بعدما اغتسلت وصلت لأن ما دون الأربعين تعده نفاساً كما قال العلماء، ما لم تكن لها عادة من قبل.
(ب) إذا كانت هذه المرأة ممن تطهر بالجفاف في الحيض، ورأت جفافاً بعد عشرين يوماً فاغتسلت وبعد عدة أيام لا تصل إلى عشرة أيام رأت دماً، ما حكم هذا الدم؟
حكمه أنه دم نفاس ما دام لم يتجاوز الأربعين يوماً منذ ولدت من أول
مرة. (1/76)
صفحة 77
فتاوى الصلاة
VV
امرأة رأت دم النفاس لمدة أسبوعين ثم بعد ذلك رأت الصفرة حتى الأربعين، فماذا عليها؟
الصفرة حكمها حكم ما قبلها إن لم يكن لها وقت من قبل، أما إن كان لها وقت ومضى ذلك الوقت فإنها تنتظر للصفرة مدة أربع وعشرين ساعة، والله تعالى أعلم. ما حكم من رأت دماً بعد تمام الأربعين من النفاس يشبه دم الحيض حيث سمعت من النساء أنها تسمى بحيضة الأربعين فتركت الصلاة لأجل ذلك؟ بما أنها جاوزت الأربعين ولم تمر مدة الطهر المعهودة فإن عليها أن تغتسل وتصلي، وإن تركت الصلاة فلتعد صلاتها.
نعم.
امرأة عدتها في النفاس أربعون يوماً في الطفل الأول، وفي الثاني جاءها النفاس 20 يوماً فقط، ثم عاودها بعد عشرة أيام من غسلها وقبل أن تكمل الأربعين، فهل تعتبره نفاساً حتى تكمل الأربعين يوماً؟
هل يجوز للمرأة بعد عشرة أيام من ولادتها أن تصوم وتصلّي سواء في شهر رمضان أو بقية الأشهر؟
إن انقطع عنها الدم ورأت القصة البيضاء، فعليها أن وتصلي، ولا يجوز لها أن تؤخر ذلك.
في بعض حالات الحمل يأتي المرأة ما يشبه الدورة الشهرية وذلك في كل شهر وحتى انتهاء الحمل، هل تعتبره استحاضة أم ماذا؟
المشهور أن ذلك استحاضة وبه
نأخذ. (1/77)
صفحة 78
V?
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
امرأة نفساء دام بها الدم أكثر من أربعين يوماً، فهل عليها الانتظار أكثر
من
ذلك؟
بناءً على أن أقصى مدة النفاس أربعون يوماً فليس عليها الانتظار أكثر من
ذلك، والله أعلم.
امرأة وضعت وأنهت أربعين يوماً بعد وضعها واغتسلت، ثم بعد أسبوع من ذلك عاودها النزيف واستمر معها متقطعاً لمدة ثلاثة أشهر أو أكثر، فما حكم هذا الدم؟ أما في مدة الطهر فتحمله على أنه دم، استحاضة، وإذا جاء الوقت الذي يمكن أن تعتبره حيضاً مراعاة صفات دم الحيض فإنها تجعله حيضاً، مع والله تعالى أعلم.
إذا وجدت النفساء الطهر بعد شهر من الولادة، ثم جاءها الدم بعد خمسة أيام من الطهر، فما حكم هذا الدم؟
إن كانت هذه الأيام التي جاء فيها الدم داخلة في وقتها المعتاد فعليها أن تعتبرها من أيام نفاسها، والتي ليس لها وقت تعتبر ما دون الأربعين هو من دم النفاس.
إذا وجدت النفساء النظافة في أقل من أربعين يوماً، هل يباشرها
زوجها؟
يؤمر الرجل أن يتجنب المرأة إلى أن تكتمل الأربعين يوماً، وهذا من باب
الاحتياط. (1/78)
صفحة 79
فتاوى الصلاة
79
امرأة أنجبت وبعد شهر رأت الطهر واغتسلت وبعد خمسة أيام جاءها
الدم مرة أخرى واستمر بها حتى جاوز الأربعين، فماذا تصنع؟ لا تخلو هذه المرأة إما أن تكون لها عادة في نفاسها ـ والعادة إنما تثبت بثلاث مرات ـ أو لا تكون لها عادة، فإن لم تكن لها عادة فإن كل دم داخل الأربعين تجعله نفاساً ولو فصل بينه وبين ما قبله طهر، وهي إن رأت الطهر وجب عليها أن تغتسل وتصلي وتصوم وصيامها معتد به، ولكن عندما ترى بعد ذلك الدم في خلال الأربعين فإنها تعطي ذلك الدم للنفاس، أما الدم الذي يزد على أربعين يوماً فلا تعتبره نفاساً في القول الأرجح، عملاً بحديث إحدى الصحابيات وأظنها أم عطية قالت: «كنا نقعد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين»، وكون الصحابي يفعل كذا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم يعطى فعله حكم الرفع، ومعنى ذلك أنه كان بتوجيه من النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، وبناءًا على ذلك فما زاد على الأربعين لا يُعطى حكم النفاس، وإن كان هناك من يقول بأن النفاس يزيد عن الأربعين إلى ستين يوماً، ومنهم من قال إلى تسعين يوماً، ولكن هذا القول هو الذي دلت عليه هذه الرواية وهو الذي يؤخذ به عند تعارض الأقوال، وإن كانت معتادة فما جاءها بعد عادتها بخمسة أيام لا يعد شيئاً، والله تعالى أعلم.
امرأة نفساء بعد أن اغتسلت من النفاس أتاها الحيض بعد مدة تقل عن عشرة أيام، هل تعتبره حيضاً، لأنه حسب علمنا أن أقل مدة للطهر عشرة أيام؟ لا بد أن يكون الطهر الفاصل بين الدمين دم الحيض ودم الحيض أو دم النفاس ودم الحيض عشرة أيام. (1/79)
صفحة 80
•
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
امرأة نفساء ترى الدم لمدة عشر أيام ثم ترى طهراً لمدة خمسة أيام وهكذا استمرت الحالة معها حتى أكملت أربعين يوماً، فما حكم الخمسة الأيام التي ترى فيها الطهر؟ تلك الأيام من ناحية المباشرة حكمها حكم الحيض، ومن ناحية الصلاة والصيام فعليها أن تصلي وتصوم فيهن، والله تعالى يتقبل صلاتها وصيامها.
فيمن عدتها في النفاس ثلاثون يوماً، وفي نفاسها السابع استمر الدم بها أسبوعين، ثم انقطع أسبوعاً كاملاً، ثم راجعها ثانية واستمر بها خمسة أيام، فماذا يلزمها إن تركت الصلاة في الأيام التي رأت فيها
الطهر؟ عليها التوبة إلى الله وقضاء تلك الصلوات التي أضاعتها في الأيام التي رأت فيها الطهر، فإنها عندما ترى الطهر تجب عليها الصلاة بلا خلاف والله أعلم.
دماً،
هل يختلف حكم دم المرأة التي أجهضت إن كان علقة أو مضغة؟ هذه المسألة تحتاج إلى بحث من ناحية طبية، أما الفقهاء فقد اختلفوا كثيراً فيما تكون به المرأة نفساء، فمنهم من قال تكون نفساء حتى ولو أسقطت ومنهم من اشترط أن يكون هذا الدم غليظاً لا يختلط بالماء بحيث لو وضع في ماء ساخن لكان مستقلاً بنفسه وله حيز، ومنهم من قال حتى تكون ما تضعه علقة ومنهم من قال حتى تكون مضغة، ومنهم من قال حتى تكون مضغة مخلقة، ومنهم من قال لا تكون نفساء إلا إذا وضعت كامل الخلقة، هذه الأقوال قالها العلماء المتقدمون، وبالنسبة لبعض
سقطاً
المحققين المتأخرين فرق بين الأطوار وقال في الدم تبقى ثلاثة أيام، وفي (1/80)
صفحة 81
فتاوى الصلاة
81
العلقة تبقى سبعة أيام، وفي المضغة تبقى أربعة عشر يوماً، والمضغة المخلقة واحداً وعشرين يوماً، وكامل الخلقة تبقى أربعين يوماً تاركة الصلاة إذا استمر بها الدم، ونحن نميل إلى هذا الرأي لأنه لا يعقل أن يكون وضع العلقة كوضع كامل الخلقة فلا بد أن تكون بينها فروق.
ما الذي يجوز للزوج من النفساء وقت نفاسها؟
يجوز له كل شيء إلا الجماع.
امرأة أجهضت وهي في شهرها الثاني من الحمل، وانقطع عنها الدم بعد أسبوعين فما حكم ذلك؟
تغتسل وتصلي، بل إن كان ما أسقطته دون المضغة فلا تنتظر أسبوعين وعليها أن تصلي قبل ذلك بناءً على التفرقة، لأن العلماء مختلفون في السقط الذي تكون المرأة بعده، نفساء، قيل: تكون نفساء بالدم، وقيل: بالدم الذي لا يختلط بالماء، وقيل بالعلقة، وقيل بالمضغة، وقيل: بالمضغة المخلقة، وقيل: حتى يكون كامل الخلقة، وقيل: حتى يكون مميزاً هل هو ذكر أم أنثى، وأولى الأقوال من حيث النظر والقياس ما ذهب إليه القطب حمله في شامله، وهو أن الدم تعتد له ثلاثة أيام، والعلقة: سبعة أيام، والمضغة: أربعة عشر يوماً، والمضغة المخلقة واحداً وعشرين يوماً، وكامل الخلقة أربعين يوماً، هذا إن استمر بها الدم.
كنت حاملاً في الشهر الأول وأجضهت وأُجريت لي بعد ذلك عملية تنظيف في أول أيام شهر رمضان المبارك، وبعد ذلك أفطرت ثلاثة عشر يوماً وأتممت صيامي وصلاتي هل تصح الصلاة والصيام رغم نزول الدم بشكل متقطع، وبعد تسعة وعشرين يوماً أتتني أوجاع العادة (1/81)
صفحة 82
82
المرأة تسأل والمفتي يجيب -
الجزء الأول
الشهرية ونزل الدم ولكن لونه أحمر، هل هو دم الدورة الشهرية أم هو دم استحاضة؟ وهل أنا أعتبر نفساء وأقضي شهر رمضان كاملاً؟ أم أصوم الأيام التي أفطرتها مع الصلاة؟ أم فقط أقضي الأيام التي أفطرتها
دون قضاء الصلوات؟ حقيقة الأمر أنا لا أدري ما الذي أجهضته هذه المرأة؟، هل أسقطت جنيناً کامل الخلقة، أو أسقطته مضغة مخلّقة أو مضغة غير مخلقة أو علقة أو غير ذلك، فقد كان ينبغي أن يُبيّن كيف كان هذا السقط الذي أسقطته، ومهما يكن فإن للعلماء اختلافاً كثيراً، ولسنا بحاجة إلى استعراض هذا الخلاف ولكن نقول بأنها إن كانت رأت الطهر وكان ذلك بعد ميقات يمكن أن تعتبره ميقاتاً للنفاس حسب ذلك السقط الذي أسقطته، ثم رأت بعد ذلك الدم فإن ذلك الدم لا تعتبره شيئاً.
على أن الدم الفاتح أو الصفرة أو الكدرة أو الترية ـ أي التوابع التي تتبع الدم ـ حكمها حكم ما كان قبلها، فإن كانت مسبوقة بدم فحكمها أنها حيض أو نفاس، وإن كانت مسبوقة بطهر فحكمها حكم الطهر، وهذا لأجل الجمع بين حديث أم عطية «كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئاً في أيام رسول الله، وحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: «لا تطهر المرأة من حيضها حتى ترى القصة البيضاء، فمعنى لا نعدها شيئاً» أي شيئاً زائداً على الأصل، أما الدم الفاتح الذي جاء بعد هذا الطهر فإن له حكم الاستحاضة، لأنه غير دم الحيض، فدم الحيض دم أسود ثخين له
رائحة نتنة، كما جاء تعريفه بذلك في الحديث، والله تعالى أعلم.
أنا امرأة متزوجة وقد أجضهت طفلي الأول وأصبت بنزيف دام أكثر من شهر مصحوب بآلام حادة، وبعد النزيف نزلت مادة سوداء دامت (1/82)
صفحة 83
فتاوى الصلاة
83
أكثر من أسبوع، فهل المدة التي استمرت أكثر من العادة الشهرية تسمى استحاضة؟ وهل يجوز الصلاة فيها والصوم؟ علماً بأن نزول المادة السوداء كان في بداية شهر رمضان المبارك؟ متى كان هذا النزيف؟، هل هو على أثر الولادة أو كان بعد انقطاع دم النفاس؟ فإن كان على أثر الولادة فالدم الذي يخرج من المرأة بعد الولادة
هو دم نفاس ولكن هل كل وضع يترتب عليه حكم النفاس إن تبعه دم؟ هذه المسألة مما اختلف فيه أهل العلم، فمن العلماء من قال: بأن المرأة تنفس ولو وضعت دماً، أي ولو كان السقط الذي أسقطته دماً، ومنهم من قال: لا يكون نفاساً إلا بالعلقة ومنهم من قال حتى تكون علقة لا يذوبها الماء الساخن، ومنهم من قال حتى يكون السقط مضغة، ومنهم من قال: حتى تكون هذه المُضعة مُخلقة، ومنهم من قال حتى يكون كامل الخلقة، ومنهم من قال: حتى يكون متميزاً هل هو ذكر أم أنثى؟ ورأى قطب الأئمة رحمه الله تعالى أنه ينبغي أن تراعى الأيام التي يلحق فيها الدم من بعد الإسقاط بحكم النفاس حسب الأطوار التي يمر بها الجنين، فإن كان السقط دماً فثلاثة أيام، وإن كان علقة فسبعة أيام، وإن كان مضغة فأربعة عشر يوماً، وإن كان مضغة مخلقة فإحدى وعشرون يوماً، وإن كان كامل الخلقة فمدة النفاس كلها وهي أربعون يوماً، وهذا لا يعني أنها يلزم أن تبقى هذه المدة لا تصلي، بل إذا رأت الطهر ولو من أول يوم عليها أن تغتسل وتصلي وإنما هذا الكلام فيما إذا استمر بها الدم أو راجعها الدم بعد طهر فإنه يلحق بالدم الأول الذي هو دم النفاس في حكمه قبل انتهاء المدة، بحسب هذه المدد التي هي مبنية على الأطوار التي يمر بها الجنين، وعلى هذا فإنه ينظر هذا الدم فإن كان الجنين كامل الخلقة فما دون الأربعين يوماً فكله يعد أيام النفاس ما دام الدم الذي يخرج منها يمكن أن يُعطى حكم دم
في
من (1/83)
صفحة 84
??
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
النفاس، وذلك بأن يكون كدم الحيض في طبيعته بحيث لا يكون رقيقاً ولا فاتحاً، هذا إن لم يكن مسبوقاً بالدم الغليظ الأسود، فإن كان مسبوقاً بذلك فما يتبعه حكمه كحكمه، فعليها أن تُراعي هذه الجوانب، أما إن كان هذا النزيف جاء من بعد ما انتهت مدة النفاس فإنها في هذه الحالة تعتبر مدة حيضها إن كان يمكن أن يُحمل ذلك الدم على أنه دم الحيض، وما زاد على ذلك فتجعله استحاضة وتغتسل وتصلي، والله تعالى أعلم.
في بعض حالات الحمل يأتي المرأة ما يشبه الدورة الشهرية وذلك في كل شهر وحتى انتهاء الحمل هل تعتبره استحاضة أم ماذا؟ المشهور أن ذلك استحاضة نأخذ. وبه
امرأة أصابها نزيف أثناء الحمل، فهل يجزيها الوضوء للصلاة إذا نصحتها الطبيبة بالراحة التامة؟ وهل يجوز لها الجمع في هذه الحالة؟ نعم يجوز لها كلام الأمرين.
هل يجوز للمرأة النفساء أن تخرج بعد ولادتها إلى السوق بصحبة زوجها ولزيارة بعض صديقاتها مثلاً؟
لا مانع من ذلك، إذا لم يكن هناك ضرر على صحتها، والله أعلم.
يحدث عند كثير من النساء في رمضان أنها إذا أحست بآلام الولادة في الليل بيتت نية الإفطار وأصبحت مفطرة بحجة أنها قد تلد في النهار وتضيع عليها اليوم فهي تأخذ الأمر من أوله ما حكم هذا التصرف؟ هذا التصرف خاطئ ولكن لها أن تفطر بسبب المرض إن كانت تعاني تعباً من ذلك، لأن الله تعالى أباح الفطر للمريض القضاء.
مع (1/84)
صفحة 85
فتاوى الصلاة
85
طهرت امرأة بعد مضي شهر من ولادتها، فهل يجوز لزوجها أن يجامعها؟ وإذا جامعها فما الحكم في ذلك؟ وهل يختلف الحكم إن كان لها عادة؟
ينهى عن مجامعتها، كما جاء في الرواية: «كنا ننهى أن نأتي النساء قبل الأربعين»، وهذا من أجل الاحتياط، ولو جامعها فإن عليه أن يستغفر الله تعالى، أما إن كانت لها عادة استقرت لها بثلاث مرات ففي الرابعة يجوز لهما أن يتجامعا بعد مضي المدة المعتادة.
متى يحل للرجل أن يجامع زوجته في كل مرحلة من مراحل السقط (مضغة، علقة وهلم جرا)، نرجو التفصيل؟ اختلف العلماء كثيراً متى تعتد بما خرج وتعتبر نفسها نفساء، فقيل: بأنها تعتد بالدم الذي لا يختلط بالماء، وقيل: تعتدّ بالعلقة، وقيل: حتى لا يذوبها الماء، وقيل: تعتد بالمضغة، وقيل: حتى تكون مضغة مخلقة، وقيل حتى يكون كامل الخلقة، وقيل حتى يكون متميزاً هل هو ذكر أو أنثى؟ وذهب القطب رحم الله إلى التفريق وهذا من باب الاستحسان، ونحن نستحسن ما يستحسنه، وذلك لأنه لا بد من فارق في الدم بقدر الاختلاف في المدة؛ لأن النفاس إنما هو احتباس لدم الحيض في إبان الحمل فيخرج ما احتبس، لذلك فرق القطب فقال في الدم مدته ثلاثة أيام، وقال في العلقة سبعة أيام وفي المضغة أربعة عشر يوماً، وفي المضغة المخلقة واحد وعشرون يوماً، وفي كامل الخلقة المدة كلها، هذا كله إذا استمر الدم، ونحن نستحسن هذا الرأي الذي ذهب إليه القطب، والله تعالى أعلم. (1/85)
صفحة 86
86
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
نرى بعض الأزواج يتجاهلون زوجاتهم أثناء فترة الحيض والنفاس فلا يقتربون منهن ولا يجلسون معهن، فما حكم ذلك؟
هذا عائد إلى الجهل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشرب من الإناء الذي تشرب منه امرأته وهي حائض، ويضع فاهه حيثما وضعت فاهها، وكان يدخل معها في لحاف واحد وهي حائض، وكان يقول لعائشة ناوليني الخمرة وهي حائض، وعندما تقول له إني حائض يقول لها: «ليست حيضتك في يدك»، أن يجلس الرجل بجنب امرأته أو أن يؤنسها أو أن يقبلها
وهكذا، فلا
يمنع
أو أن يضمها في فترة الحيض.
ا توجد عادة غريبة عند بعض الناس وهو أن النفساء لا تنام مع زوجها في فراش واحد، وإنما تعزل في غرفة إلى أن تنتهي فترة نفاسها، فما الحكم في ذلك؟
ذلك
هذا من جملة الغلو في دين الله تعالى فالله تعالى لم يشرع ذلك، ولا معنى لهذا الاعتزال، فالحائض والنفساء إنما يؤمر باعتزال جماعهما، وهو معنى قوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222]، ولا يعني الاعتزال في النوم أو في المأكل والمشرب فإن ذلك مما لا أصل له قط، والله تعالى أعلم. (1/86)
صفحة 87
فتاوى الصلاة
الغسل
87
الغسل من الحيض
هل من الواجب على المرأة أن تتلفظ بالنية في حال الغسل من الجنابة
أو الغسل من الحيض؟
القصد بالقلب وليس التلفظ من النية في شيء، فإن أحدنا يقول:
حنايا
النية هي نويت أن أزور فلاناً ولا ولا يعني هذا أنه تحدث بأنني سأزور فلاناً، وإذا قلت لأحد كنت بالأمس نويت زيارتك، فمعنى ذلك عقدت العزم على زيارتك ولا يعني ذلك أنني كنت أتحدث بأنني سأزور فلان، والنية هي إخلاص العمل الله والأخلاص إنما هو مما تنطوي عليه النفس ويكون بين الضمير وليس ذلك بالتحدث، ولو كان الإخلاص بالحديث فما أهون على الإنسان أن يقول أخلصت هذا العمل الله ولو أراد به في قرارة نفسه غير وجه الله، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امراء ما نوي فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه»، فهذا الذي هاجر إلى الله ورسوله إنما نوى في قرارة نفسه أن تكون هجرته خالصة لوجه ربه سبحانه وتعالى ولا يعني ذلك أنه يتحدث بنيته بحيث يقول: (نيتي بأن أهاجر إلى الله ورسوله)، وكذلك الذي نوى أن يُهاجر من (1/87)
صفحة 88
88
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
أجل دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها لا يعني ذلك أنه يتحدث بأنني قصدت أن أنال من الدنيا كذا أو أن أتزوج فلانة، وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن الناس يعرفون الألفاظ التي ينطق بها من أجل التعبير عن النيات، وإنما كانت النية عندهم أن يُخلص الإنسان قصده في عمله الذي يعمله بحيث لا يريد به إلا وجه الله سبحانه وتعالى، وهذا الذي درج عليه الصحابة الله تعالى عنهم والتابعون لهم بإحسان، وإنما حدثت هذه الألفاظ بعد ذلك بفترة عندما أخذ الناس يغرقون في الجهل ودخلت في الإسلام أمم ليست عندها دراية عن حقيقة تعاليم الإسلام فأريد أن تُقرب إليهم حقيقة النية بترجمتها إلى ألفاظ حتى يستحضروا في قرارة نفوسهم يتحدثون به بألسنتهم، وما قال أحد بأن هذه الألفاظ واجبة، يقول الإمام السالمي في جوهر النظام
رضي
وإنما الأعمال بالنيات لا بالمقال والتلفظات
ومما يؤسف له أن الفقهاء أرادوا بهذه الألفاظ أن تكون وسيلة لاستحضار النية، ولكن الناس شغلتهم الوسيلة عن المقصد فضاع المقصد في خضم العناية بالوسيلة، فلذلك نحن ندعو الناس إلى أن يكتفوا باستحضار إخلاص ذلك العمل الذي يعملونه لوجه الله تعالى وأن ينوي الإنسان في قرارة نفسه إن كان يغتسل أنه يرفع الحدث الأكبر وإن كان يتوضأ أنه يرفع الحدث الأصغر مع إرادة امتثال أوامر الله تعالى وطاعته، والله تعالى أعلم.
هل لا بد عند الاغتسال من الحيض أو غيره أن تغسل الأعضاء جزءاً جزءاً أم يكفي صب الماء على جميع أجزاء الجسم وقراءة المعوذة؟ أولاً نريد أن ننبه على القراءة، فالقراءة غير مشروعة في حال الاغتسال، إنما النية هي القصد بالقلب، فالإنسان مطالب أن ينوي بغسله رفع الحدث (1/88)
صفحة 89
فتاوى الصلاة
89
الأكبر، إذا كان غسلاً من حيض أو جنابة أو نفاس، ولا يعني ذلك أن عليه أن يتلفظ بلسانه، وإذا عمم جميع جسده بالماء مع الفرك أجزى ذلك سواءاً في غسل الجنابة أو في غسل الحيض، وإنما على المرأة في غسلها من الحيض أن تنقض ضفائرها ولا يلزمها في الغسل من الجنابة، بل يكفيها أن تعرك هذه الظفائر بالماء.
ما الحكم فيمن أخطأت أثناء غسلها في الترتيب؟
الترتيب لم تثبت به سُنَّة اللَّهم إلا بين الرأس وسائر الجسد، فلا حرج
عليها.
هل هناك كلمات تتم قراءتها عند الغسل أو الطهارة من الحيض، وهل هذا واجب أو تتم الطهارة بإسالة الماء فقط؟
النية هي
القصد بالقلب وهي عقد العزم على فعل الشيء تقرباً إلى الله وأداءاً للواجب الذي فرضه الله، وليست النية هي التلفظ باللسان، فالواجب استحضار النية، بحيث تستشعر المرأة أنها تُقدم على الغسل من الحيض أداءاً لما فرضه الله تعالى عليها من الطهارة.
هل يجب الترتيب في الاغتسال من الحيض؟
اختلف العلماء في وجوب الترتيب في الاغتسال من الحيض والنفاس والجنابة، قيل بأن الترتيب مسنون وليس بواجب، وقيل يجب ما بين الرأس وسائر الجسد، أما ما عدا ذلك فلا يجب ولا ريب أن الإنسان يستحسن له بأن يقدّم الأعلى على الأسفل، والميامن على المياسر، سواءاً في الغسل من الحيض أو النفاس أو الجنابة. (1/89)
صفحة 90
90
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
امرأة كانت تغتسل من الحيض من غير أن تتمضمض أو تستنشق جهلاً منها، ما حكم صلواتها الماضية؟
تعذر فيما مضى من أجل أنها كانت تتمضمض وتستنشق عندما تتوضأ.
إذا أخطأ المغتسل من حدث أكبر في الترتيب ناسياً، أو نسي أن يتمضمض أو يستنشق أثناء الغسل أو سها عن غسل الجسد من السرة إلى الركبة، فهل عليه أن يعيد الاغتسال أم يكفيه أن يقوم بغسل ما قد سها عنه ثم يكمل الاغتسال؟
يكفيه أن يأتي بما سها عنه ويتقبل الله تعالى منه.
هل يجوز الصلاة بوضوء الغسل من الجنابة أو الحيض؟
لا مانع من ذلك إن لم ينتقض والله أعلم.
6
ما حكم التي كانت تجهل أن المضمضة والاستنشاق من لوازم الغسل
ومضت عليها سنون على ذلك؟
إن كانت تتوضأ للصلاة وتتمضمض للوضوء بعد الاغتسال من الحيض أو الاغتسال من الجنابة فنرجو أن يكون ذلك مجزئاً لها إن شاء الله.
هل يجوز استخدام مادة أخرى للغسل في موضع النجاسة غير السدر؟ هذه المادة غير معروفة في غُسل أي نجاسة، إن كان المقصود به الاغتسال من الحيض فأنا أريد أن أنبه أن جسم الحائض غير نجس، وإنما الموضع الذي يصيبه الدم هو الذي يتنجس، أما سائر جسمها فهو طاهر، فعرقها طاهر وثيابها طاهرة إلا ما مسه الدم منها، وما يعتقده كثير من الناس من أن المرأة الحائض تكون نجسة، وأن الجنب سواءاً كان رجلاً أو امرأة نجس (1/90)
صفحة 91
فتاوى الصلاة
91
هو غير صحيح، وإنما هو مُحدث، والحدث حدثان الحدث الأصغر وهو ما أوجب الوضوء، والحدث الأكبر وهو ما أوجب الغسل وهو غسل تعبدي لا لنجاسة الجسد، كما أن البذي يغسل أعضاءه في الوضوء لا يغسلها لأجل تطهيرها من نجاسة، لابستها، ولكنه أمر تعبدي، فكذلك هذا الغسل أمر تعبدي ولا مانع بعد إتمام الغسل من الجنابة أو الحيض من استعمال منظفات للجسم كالصابون وغيره.
هل من الضروري غسل الشعر عند الاغتسال من الحيض بالسدر؟ يقوم مقام السدر الصابون ونحوه من المنظفات.
امرأة حاضت في وقت الظهر، هل يجب عليها الاغتسال وقت الظهر؟ تغتسل عندما ترى الطهر فوراً، ولا تتقيد بوقت، فعندما ترى الطهر ولو لم تمض مدة الحيض المعتادة يجب عليها أن تغتسل وتصلي، وإن كانت لا تنتقل إلى ذلك الوقت بالنزول ما لم يتكرر، ولا يباح لها أن تؤخر الاغتسال حتى يخرج وقت الصلاة، فإن رأت الطهر في وقت الظهر فلتغتسل ولتصل الظهر، وإن رأت الطهر قبل ذلك فلتغتسل ولتصل أيضاً.
امراً رأة أرادت التبين من الطهارة لدم الحيض بعد صلاة العشاء ولم تر الطهر وذهبت إلى النوم لأنها تقوم للعمل في الصباح، وقبيل الفجر قام أحد أقاربها بإيقاظها وقت السحر ولكنها لم تستيقظ لاستغراقها في النوم، وبعد أذان الفجر قامت لتغتسل وهي على يقين بأن الطهارة كانت قبل صلاة الفجر وصامت ذلك اليوم وقضته كذلك، فهل تلزمها الكفارة لأنها لم تغتسل قبل الأذان؟ لا كفارة عليها، أما أولاً لأنها استصحبت الأصل، واستصحاب الأصل من (1/91)
صفحة 92
92
المرأة تسأل والمفتي يجيب -
الجزء الأول
الأمور المعتمدة عند الفقهاء والأصوليين، والأمر الثاني أن الكفارة من أجل إضاعة الصيام بالحدث الأكبر لا تجب لأن هذه المسألة مختلف فيها والكفارة حكمها حكم الحد، فكما أن الحد يدرأ بالشبهات فكذلك الكفارات تدرأ بشبهات الخلاف، والله تعالى أعلم.
امرأة جاءها الحيض ليلاً، واغتسلت قبيل العصر مع أنها رأت الطهر صباحاً، بحجة أنها كانت في العمل، وبعد عودتها إلى البيت بنصف
ساعة اغتسلت فما هو الحكم فيما فعلت؟
أساءت، وعليها أن تصلي الظهر والعصر معاً.
نحن طالبات في المدرسة نعود للبيت الثانية والنصف ظهراً بعضنا كان عليها الاغتسال من الحيض قبل الظهر ولكن نظراً لوجودها في المدرسة تضطر لتأخير ذلك إلى ساعة رجوعها للمنزل ثم تغتسل وتصلّي الظهر. ما حكم ذلك وهل تعتبر آثمة والحال كما علمتم؟ إن كانت رأت وقت الظهر متطرفاً، فلتغتسل ولتجمع بين الظهر والعصر مع الإتمام من غير قصر إن لم تكن في حالة سفر.
جسم
ما حكم الشعر المتساقط من المرأة عند الغسل، وماذا تصنع به؟ حكمه حكم سائر الشعر، أما كونه نجساً فلا، لأن المسلمة والمسلم لا ينجس، والحيض لا يعني نجاسة في سائر الجسم إلا موضع النجاسة، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول للسيدة عائشة: ناوليني الخمرة وهي في حالة حيض، وتقول: يا رسول الله إني حائض، فيقول لها: «ليست حيضتك في يدك، وكانت تتعرق العظم الذي فيه اللحم فيتعرقه النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً حيث تعرقت بحيث يضع فاه حيث وضعت فاهها وهي في حالة الحيض، وهكذا، وهو دليل (1/92)
صفحة 93
فتاوى الصلاة
93
بأن جسمها ليس نجساً، ولكن على المرأة أن تخفي شعرها، فلذلك تؤمر بدفنه أو إخفائه، كما أن على الرجل أن يخفي الشعر الذي هو في محل العورة.
إذا طهرت المرأة من حيضها وكان بها جرح في رأسها يتضرر إذا أصابه بالماء، فغسلت موضع النجاسة والرجلين، وتيممت لبقية الأعضاء جهلاً منها بوجوب غسل الأعضاء الصحيحة، وبأن التيمم لا يشرع إلا للمريض الذي يتضرر بالغسل، فماذا يلزمها؟ علماً بأنها اغتسلت بعد أن برأ الجرح الذي برأسها؟
إذا لم تغتسل المرأة الغسل المفروض من حيضها وصلت مع تقصيرها في الغسل لزمها قضاء جميع الصلوات التي صلّتها ولو طالت المدة، والخلاف في الكفارة، والله أعلم.
عند بعض النساء عادة منتشرة وهي أن النفساء إذا طهرت في يوم الجمعة لا تغتسل باعتقادهم أنها إذا اغتسلت جف حليبها، وكذلك يوم السبت والأربعاء، نرجو أن تبين لنا الصواب؟ هذه عادات أهل الجهل الذين لا يفرقون بين الوهم والحقيقة ولا بين الحق والباطل ولا بين الضلال والهدى، فلا يجوز اتباع هذه العادات، وإنما يجب على المرأة أن تحرص على تطبيق حكم الله، فعندما تظهر عليها فوراً أن تتطهر، وليس لها أن تفعل خلاف ذلك.
بعد أيام من اغتسالي من الحيض تأتيني شكة وهي ألم في الجانب الأيسر وبعد الألم يأتيني دم خفيف، فهل علي الاغتسال مثل الاغتسال
من الحيض؟
هذا ليس حيضاً، وإنما هو دم غير صحي ناشئ عن علة، وينبغي
أن (1/93)
صفحة 94
94
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
تعرض المرأة هذه العلة على طبيبات متخصصات، وهنا أريد أن أنبه على شيء حتى لا يبقى شيء من الإشكال، وهو أن العلماء اختلفوا في المرأة التي لها عادة معينة تحيض فيها مثل ثلاثة أيام أو أربعة أيام أو خمسة أيام، ولكن بعد ما استقرت لها عادة صار الدم يرجع إليها بعدما تغتسل، فهل تعد ذلك حيضاً أم لا؟ علماؤنا من أهل المغرب قالوا إن اغتسلت المرأة من حيضها وعاودها الدم في غير أيامها فلا تعده حيضاً أبداً، أما علماؤنا من أهل المشرق فقد سمّوا هذه إثابة أي رجع لدم الحيض من جديد، ولكن اشترطوا لذلك شروطاً منها: أن يتكرر لها ذلك ثلاث مرات، فإنها لا تنتقل من أيام أقل إلى أيام أكثر إلا بعدما يتكرر لها ذلك ثلاث مرات ومنها: أن لا يكون منذ بداية دمها الأول إلى نهاية دمها الثاني أكثر من عشرة أيام وهي أكثر أيام الحيض، ومنها: أن لا يكون هناك تفاوت في المرات التي تنتقل بها إلى اعتبار هذه الزيادة ما بين أيام الدم وما بين أيام الطهر المتخللة بين الدمين، بحيث لا تكون في بعض المرات يأتيها الدم بعد ظهر يوم وفي بعض المرات بعد طهر يومين بل لا بد أن يستمر ذلك بعد ظهر يوم مثلاً أو يومين أو ثلاثة أيام، وكذلك الأيام التي تأتي بعد الطهر لا تتفاوت، بحيث تكون مرة يوماً ومرة يومين ومرة ثلاثة أيام بل تستقر على وتيرة واحدة، فإذا استمر ذلك ثلاث مرات قالوا فلتعطه حكم الحيض، وإذا جئنا للسنة وجدنا ـ حسب اطلاعنا - دليلاً على أحد القولين، وإنما هذه الأمور تعود إلى استقراء طبائع النساء، وكل ما يعرف به دم الحيض هو ما دل عليه الحديث من أنه دم أسود ثخين له رائحة، فتستطيع المرأة أن تميز بين هذا وذاك بمثل ذلك.
فما (1/94)
صفحة 95
فتاوى الصلاة
95
عندما تطهر الحائض قبل شروق الشمس هل تجب عليها صلاة المغرب
والعشاء وكذلك عندما تطهر قبل غروب الشمس؟
أما عندما تطهر قبل شروق الشمس فتجب عليها صلاة الفجر، وإن كان طهرها قبل الفجر فقيل تجب عليها العشاء وقيل بل تجب عليها المغرب والعشاء بناءً على اشتراك الأوقات واستمرار وقت العشاء إلى الفجر، وإن طهرت قبل غروب الشمس فقيل تجب عليها صلاة العصر وقيل الظهر والعصر بناءً على القول باشتراك الأوقات أيضاً.
إذا حاضت المرأة قبل غروب الشمس أو قبل خروج وقت صلاة العشاء، فماذا تقضي بعد ذلك مع بيان الراجح في آخر وقت صلاة
العشاء؟
إذا حاضت قبل غروب الشمس فقيل: إن كان الوقت يتسع لأكثر من صلاة واحدة فتقضي الصلاتين، وإن كان لا يتسع إلا لصلاة واحدة فتقضي واحدة، وهذا بناءً على القول باشتراك الأوقات، وهو القول الراجح لأن الحديث يدلُّ عليه، وآخر صلاة العشاء هو منتصف الليل، ووقت الفضيلة
إلى ثلث الليل.
الغسل من الاستحاضة
في
حالة الاستحاضة، هل يجب على المرأة أن تغسل جميع جسدها قبل الصلاة أم يكفي موضع النجاسة؟
في ذلك خلاف قيل يجزيها غسل واحد بعدما يحكم بطهرها، وقيل تغتسل للصلوات الخمس غسلاً واحداً، وقيل تغتسل للظهر والعصر غسلاً واحداً (1/95)
صفحة 96
96
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
وللمغرب والعشاء غسلاً واحداً وللفجر غسلاً واحداً، وقيل لكل صلاة غسل، ونحن نرى أن أوسط الأقوال أن تغتسل للصلوات الخمس غسلاً واحداً، والله تعالى أعلم.
ماذا عن غسل المستحاضة؟
يكفي أن تغتسل غسلاً واحداً، وإن احتاطت واغتسلت لكل صلاتين غسلاً ثم لصلاة الفجر غسلاً فذلك أحوط، ولا يلزم أن تغتسل لكل صلاة.
عندما سألنا أحد المشايخ عن طريقة الغسل من الاستحاضة، أجاب بأنها لا تشمل غسل شعر الرأس، وإنما يكفيها تعميم الجسد بالماء، ولكن بعد ذلك سمعنا بأن الغسل يشمل غسل الشعر، فما حكم الصلوات التي صلّتها المرأة المستحاضة عندما كانت لا تغسل شعرها؟ أما الغسل الأول الذي بعد المدة التي يحكم بها أنها حيض فلا بد من غسل شعر الرأس، أما بقية الأيام فالمسألة أيسر بسبب الاختلاف في حكم غسل
الاستحاضة.
هل جب غسل الشعر عند الاستحاضة؟
أما عند الاستحاضة فلا أما في حالة الاغتسال من الحيض فنعم.
لأنه
ما معنى جمع المستحاضة للصلاتين بغسل واحد؟
من المحتمل أن تكون المستحاضة في الحقيقة حائضاً، وإن كانت لم تعتد بذلك الدم، فمن المحتمل أن يكون دم الحيض تقدّم أو تأخر، إذ المستحاضة عندما تأخذ برأي من الآراء فإنها تأخذ بترجيح رأي على رأي ومن المحتمل أن يكون ذلك حيضاً فلذلك أمرت بأن تغتسل، وهل لكل (1/96)
صفحة 97
فتاوى الصلاة
97
صلاة غسل؟ أو تجمع الظهر والعصر وتغتسل لهما غسلاً واحداً، والمغرب والعشاء وتغتسل لهما غسلاً واحداً وتفرد الفجر بالاغتسال؟ ذلك مما وقع فيه الخلاف بين أهل العلم.
بعد انقطاع دم الاستحاضة، هل يلزم اغتسال كالغسل من الحيض؟ هذا الغسل إنما هو من باب الاحتياط فقط وليس من باب الوجوب، لأنها في الحكم طاهرة، والله أعلم.
إذا رأت المرأة دفعة من الدم في غير وقت حيضها أو في أيام صلاتها هل تغتسل لها أم تتوضأ فقط؟
الغسل للمستحاضة إنما يدخل في باب الاحتياط خشية أن تكون في الحقيقة متلبسة بالحيض وإن كانت في الحكم طاهرة، فلذلك أمروها بالغسل، وهنا يؤمن أن تكون متلبسة بالحيض لأن تلك الدفعة لا تكون حيضاً، فلا يجب عليها الغسل ولكن نرى أن ذلك من باب الاحتياط، والله تعالى أعلم.
التي تعمل بالقول الذي يقول إن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة فإذا رأت دماً في غير وقت حيضها أي في أيام صلاتها، هل تغتسل ثم تتوضأ لكل صلاة، أم لا تغتسل بل تتوضأ فقط؟ في هذا الغسل خلاف كما قلنا، منهم من قال لا بد منه، ومنهم من قال لكل صلاتين غسل وتجمع ما بين الصلاتين ما بين الظهر والعصر، وما بين المغرب والعشاء، ومنهم من قال يكفيها للصلوات الخمس غسل واحد وهذا أيسر من غيره، ومنهم من قال تكتفي بالوضوء، وبما أنها طاهرة في الحكم فالاكتفاء بالوضوء ظاهر في ذلك، إلا أن الأمر بالغسل إنما يدخل في باب الاحتياط لئلا تكون في الحقيقة متلبسة بالحيض، والله تعالى أعلم. (1/97)
صفحة 98
98
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
الغسل من الجنابة
ما الفرق بين الغسل من الجنابة والغسل من الحيض بالنسبة للمرأة؟ الغسل من الجنابة كالغسل من الحيض من حيث وجوب تتبع مغابن الجسد وإيصال الماء إلى جميع الجسد، ولكن عند الغسل من الجنابة لا يلزمها أن تنقض ضفائرها وإنما تُؤمر أن تأخذ الماء بيديها وتدلك به شعرها حتى يصل الماء إلى أصول شعرها بخلاف الغسل من الحيض فإنه لا بد فيه من نقض ضفائرها، كما ينبغي لها في غسلها من الحيض أن تغسل شعرها بشيء من الغسل من أجل تنظيفه.
امرأة تنزل منها الجنابة بعد غسلها بمدة معينة، فهل عليها إعادة الغسل؟ الظاهر أنها ترى رطوبة تنزل منها بعد المواقعة وهذه الرطوبة التي تراها في هذه الحالة إنما هي من ماء الرجل وليست جنابة خارجة منها في ذلك الوقت من جديد، فليس عليها إعادة الاغتسال وإنما تغسل الموضع فقط.
6
امرأة جنب ولمست ابنتها لترضعها. فما الحكم في ذلك؟
الجنب والحائض والنفساء أجسامهم ليست نجسة، وإنما الجنابة معنى يتعلق بالنفس يمنع من بعض العبادات المشروعة، ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم
الله
يصلّي في الثوب الذي يُباشر فيه أهله، وكانت أمهات المؤمنين ـ رضي تعالى عنهن ـ يصلين في الأثواب التي يحضن فيها من غير غسل، وهذا لأن الجنابة والحيض إنما هما في الجسم وليسا في الثوب، ولأجل هذا لا مانع من أن ترضع ولدها وهي في حالة جنابة، كما أنها ترضعه وهي في
حالة الحيض. (1/98)
صفحة 99
فتاوى الصلاة
99
امرأة نامت وهي على جنابة وعندما استيقظت وجدت دم الحيض،
فماذا تفعل؟
قيل عليها بعد طهرها من الحيض أن تغتسل غسلين وقيل يجزيها غسل واحد، والغسلان أحوط وإجزاء الغسل الواحد أرجح.
إذا احتملت المرأة في أيام حيضها، فهل يجب عليها أن تغتسل فوراً عند الاستيقاظ أو يجوز لها أن تؤجل الاغتسال؟
لها أن تؤجله واختلف هل يجزيها غسل واحد عندما تطهر من الحيض أو تغتسل غسلين، ويترجح أن الغسل الواحد مجزاء لأن الكل حدث أكبر، ولكن مع هذا تؤمر بالاحتياط فتكرر الغسل لتخرج من عهدة
الخلاف.
ما مدى إمكانية تأجيل غسل الجنابة إلى ما بعد الصلاة المفروضة على أن يصلي الجنب بوضوء مع غسل موضع الجنابة وذلك خشية فوت موعد الصلاة أو لصعوبة الغسل كوقت الفجر مثلاً؟
الطهارة من الحدث الأكبر سواء الجنابة أو الحيض أو النفاس من شروط صحة الصلاة، فلا تصح صلاة من تلبس بجنابة، وكذا إن طهرت المرأة من حيضها ولم تغتسل، أو طهرت من نفاسها ولم تغتسل، وإن تعذر الغسل بحيث لم يوجد الماء بأن كانوا في سفر ولم يجدوا الماء، أو تعذر بسبب مرض، أو كان البرد شديداً وخشوا على أنفسهم من الهلكة إن هم اغتسلوا ففي هذه الحالة يجوز التيمم لهم، ولا يحل لهم أن يصلوا بغير غسل ولا تيمم وعندما يجدون الماء فعليهم أن يغتسلوا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا وجدت الماء فامسسه بشرتك»، والله تعالى أعلم. (1/99)
صفحة 100
المرأة تسأل والمفتي يجيب -
الجزء الأول
ما قولكم في امرأة رأت ما يراه الرجل في المنام فلم تغتسل جهلاً منها بذلك ومضى عليها يوم كامل حتى تبين لها الحكم، فماذا عليها أن
تفعل؟
عليها الاغتسال والتوبة وإعادة الصلاة والصوم إن صامت ذلك اليوم، والله أعلم. امرأة احتلمت في نهار رمضان وأحست بالرطوبة بعد قيامها من النوم ولكنها لم تبادر إلى الاغتسال فماذا عليها؟ اختلف العلماء في وجوب الغسل على المرأة إن احتلمت، والقول الراجح
أنه
الصحيح ما دل عليه حديث أم سليم ـ رضي الله تعالى عنها ـ وهو يجب عليها ما يجب على الرجل من الغسل، فقد جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت له: يا رسول الله برح الخفاء ترى المرأة ما يرى الرجل فهل عليها من غسل؟ قال: نعم إن رأت الماء، فغطت أم سلمة ـ رضي الله تعالى عنها ـ وجهها وقالت يا رسول الله أو تحتلم المرأة؟ فقال: «نعم، تربت يداك بما يشبهها والدها؟ ومعنى ذلك أن المرأة عندما ترى ما يرى الرجل، بحيث ترى المباشرة في منامها، ويؤدي ذلك إلى خروج السائل المنوي منها فعليها أن تغتسل كما أن ذلك على الرجل عندما يرى هذا الأمر.
علماء
ثم هل الجنابة مؤثرة على الصوم أم لا؟ ذهب أصحابنا وعدد من التابعين وغيرهم إلى أن الجنابة مؤثرة على الصوم، وذهب جمهور أهل العلم إلى أنها لا تؤثر على الصوم، واستدل أصحابنا ومن قال قولهم بما رواه الإمام الربيع في مسنده ومسلم في صحيحه من طريق أبي هريرة، وأشار إليه البخاري، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أصبح جنباً أصبح مفطراً»، واستدل الآخرون بما روي من طريق أم سلمة وطريق عائشة ما أن (1/100)
صفحة 101
فتاوى الصلاة
101
النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنباً ويصوم، وجاء في رواية أخرى أخرجها مسلم وغيره من طريق عائشة لا أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: يا رسول الله إني أصبح جنباً وأصوم، فقال: «وإني أصبح جنباً وأصوم». واختلفوا في الجمع بين هاتين الروايتين، أما الذين قالوا بأن الجنابة لا تؤثر على الصوم فإن منهم من قال بأن رواية أبي هريرة منسوخة، ومنهم من قال غير ذلك. ورد بأنه لا يصار إلى النسخ إلا مع وجود الدليل الذي يقتضي النسخ، والذين قالوا بأن الجنابة تؤثر على الصوم ـ وهو الصحيح ـ قالوا بأن هناك أمرين يرجح بهما الاستدلال بحديث أبي هريرة على الاستدلال بحديث عائشة وأم سلمة ما:
الأول: أن الجنابة حدث أكبر والصوم عبادة بدنية خالصة، والعبادات البدنية يشترط لها الطهارة، منها ما يشترط له الطهارة من الحدثين جميعاً كالصلاة ومنها ما يشترط له الطهارة من الحدث الأكبر فقط لأجل أن الحدث الأكبر يمكن أن يتفادى أكثر مما يمكن أن يتفادى الحدث الأصغر، فلذلك رُخص في تلبس الإنسان بالحدث الأصغر مع كونه في هذه العبادة وهي عبادة الصيام، فإن الإنسان لا بد له من أن يتلبس بحدث أصغر، ولو منع منه لكان ذلك أمراً فيه عسر شديد، والله تبارك وتعالى يحب التيسير لعباده يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: 185]، فلذلك كان الواجب أن يتفادى الحدث الأكبر فقط، ولذلك لم يصح صيام الحائض لأن الحيض حدث أكبر، والجنابة حدث أكبر كالحيض فتقاس عليه، فالقياس يعزز رواية أبي هريرة.
الأمر الثاني أن حديث أبي هريرة موجب للحكم، والحديثان الآخران مسقطان للحكم، والإسقاط إنما هو يتفق مع البراءة الأصلية، ووجوب (1/101)
صفحة 102
102
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا
الجزء الأول
الحكم أمر طارئ على البراءة الأصلية، وعلى هذا فإذا وجد دليل يثبت حكماً ودليل آخر يقتضي عدم وجود ذلك الحكم فإنه يؤخذ بالدليل المثبت للحكم، لأنه ثبت بالدليل، ورفعه يحتاج إلى دليل آخر، أما ما دل على ما يتفق مع البراءة الأصلية فإنه مجرد استصحاب للأصل الأول قبل أن يطرأ ذلك الحكم، فبهذا يتبين أن الجنابة إن تمادى الإنسان وأخر التطهر منها تؤدي إلى بطلان صيامه، وعلى هذا فهذه المرأة إن تمادت ولم تسارع إلى الاغتسال فوراً فعليها أن تعيد صيام يومها، والله تعالى أعلم.
ما قولكم في امرأة اغتسلت من الجنابة أيام رمضان وأذن المؤذن لصلاة الفجر في ذلك الوقت، فما الحكم في ذلك؟ إن كانت قد اغتسلت قبل انشقاق الفجر فهي والحمد الله في عذر، أما إذا كانت اغتسلت بعد الفجر وتعرف ذلك من خلال معرفتها بالتوقيت أو من خلال سماع المؤذن ـ إن كان أذانه مضبوطاً ـ فعليها أن تعيد صيام يومها.
امرأة تزوجت واستمرت خمس سنوات تغسل جسمها دون أن تغسل شعرها في غسل الجنابة وكانت جاهلة بذلك، فما حكم صلاتها
وصيامها؟
الصلاة لا تصح مع التلبس بالجنابة، فإن من شروط صحة الصلاة الطهارة من الحدث الأكبر ومن الحدث الأصغر، والجنابة هي حدث أكبر، وأما الصيام فالقول الذي نعتمده أن الجنابة هي أيضاً مانع لصحة الصيام أخذاً بحديث: «من أصبح جنباً أصبح مفطراً»، ولكن مع هذا كله فهناك قول لبعض أهل العلم وهو قول مرجوح لأن الدليل يدل على خلافه وهو عذر الجاهل في مثل هذه الحالات، لأنه لم يتعمد مخالفة أمر الله، ونحن نختار (1/102)
صفحة 103
فتاوى الصلاة
103
لهؤلاء النساء اللواتي قصرن في الغسل من الجنابة أن يأخذن بالأحوط والأرجح وما دل عليه الدليل من أنه يجب عليهن أن يُعدن الصلاة والصيام ولكن عندما تكون المرأة قد بلغت من الكبر عتياً، وليست أمامها فرصة للقيام بمثل هذه الواجبات وتخشى على نفسها أن يفاجأها ريب المنون نرى الترخص في التوسع بالرأي المرجوح، وإن كان ذلك مما ينبغي يعدل عنه الإنسان، ولكن ذلك لأجل الضرورات ومراعاة اليسر، والله
تعالى أعلم.
أن
امرأة كانت تجهل إدخال اليد إلى فرجها لغسله من آثار الجنابة، فماذا عليها الآن وقد مضى على زواجها ثلاث سنوات؟
نظراً إلى أن في هذه المسألة شبهة خلاف فتعذر فيما مضى وعليها فيما أقبل أن تحرص على استتمام الغسل كله.
امرأة كانت لا تدلك سرتها بالماء أثناء الاغتسال من الجنابة جهلاً منها بذلك؟ وهل الحكم يشمل من لا تتمضمض ولا تستنشق جهلاً أيضاً؟ إن كان الماء يصل إلى أعماق سرتها، بحيث يسري هنالك فلا إعادة عليها، وكذلك إن كانت تتمضمض وتستنشق للوضوء. (1/103)
صفحة 104
1 - 8
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
فتاوى متنوعة في دماء المرأة وأحكامها
ما الكتب التي تنصحوننا بقراءتها بالنسبة لموضوع أحكام الحيض والنفاس، وهل نحن على اختلاف مع المذاهب الأخرى حول هذه الأحكام؟
الاختلاف
مع المذاهب كنفس الاختلاف في المذهب الواحد، والمسائل الاجتهادية كلها ليس الاختلاف فيها شديداً، أما عن الكتب فهناك كتب بعضها ميسرة وبعضها أصعب، وفي نفسي أن قراءة مسائل الحيض من معارج الآمال أكثر يسراً، وإن كانت بعض المسائل يفتقر الإنسان فيها إلى مطالعة الكتب الأخرى مثل الوضع، والقواعد وكتاب الإيضاح، أما النيل فهو صعب على المبتدئ.
ما قولكم في من تتسبب في نزول الحيض سواء ذلك بإدخال إصبعها أو بتناول العقاقير الطبية؟
فلا حرج،
6
أما إن كانت الحيضة لا تنزل بسبب عدم اعتدال طبيعتها إلا بتناول العقاقير أما إدخال الإصبع فهذا من التفتيش والتفتيش منهي عنه، ولذلك نهيت المرأة أن تعول عليه في حيضها وطهرها وشدد عليها إن فتشت، وكثير من العلماء قالوا بأنها لا تصلي بطهر التفتيش ولا تترك الصلاة بدم التفتيش. (1/104)
صفحة 105
فتاوى الصلاة
105
ما الذي يباح للرجل من امرأته حال صومه أو حال حيضها؟ يباح للرجل ما عدا ما يدعوه إلى الجماع أو الإنزال من امرأته في حال صومه، ومع ذلك فإن عليه أن يحتاط فإن الملاعبة المفضية إلى الإنزال غير ممنوعة حال الحيض، وهي ممنوعة في حال الصوم، والله أعلم.
ما هو عقاب الرجل الذي جامع زوجته وهي حائض؟
يعاقب بحسب ما يرى القاضي الشرعي من معاقبته، لأن ذلك لم يحدّ بحد في الكتاب ولا الشنة.
متى يحل إتيان الزوجة بعد انقطاع الحيض والنفاس أم بعد الاغتسال
منه؟
تحل له مباشرتها بعد التطهر أي الاغتسال لقوله تعالى: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: 222]، والله أعلم.
امرأة في اليوم الأخير من الدورة الشهرية طهرت ولم تغتسل من الحيض ا
وباشرها زوجها من غير حائل وأولج، فما حكم ذلك؟
بئس ما فعل، لأن الله تبارك وتعالى قال: {وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ [البقرة: 222]، فجمع بين الطهر والتطهر، والطهر هو الطبيعي والتطهر هو الاغتسال المشروع بالماء، فإتيان الرجل زوجته إنما هو بعد طهرها وتطهرها، فعليهما أن يستغفرا الله تعالى مما وقعا فيه. (1/105)
صفحة 106
1.7
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
امرأة جامعها زوجها وهي حائض وكانت مكرهة على ذلك، فما الحكم في ذلك؟ وهل عليها كفارة؟ أما إن كانت مكرهة وقد دافعته بكل ما تستطيع فلا كفارة عليها ولا إثم، وإنما ذلك عليه، وأما إن كانت وافقته على ذلك أو لانت له أو لم تدافعه هذه الحالة عليها التوبة والكفارة وهي دينار من الذهب ـ يعرف قدر قيمته الصاغة ـ، يدفع إلى فقراء المسلمين.
ففي
هي
عن فتاة صلت حياءً من إخوتها وهي حائض، فما حكم عملها هذا؟ آثمة بذلك وعليها أن تتوب إلى الله مما فعلت.
السؤال
امرأة جاءها الحيض لمدة تسعة أيام وهي عادتها تمكث خمسة أيام فزادت أربعة أيام زيادة على عدّتها فلم تصل لأنها أصيبت بكسر في يدها، فما حكم ترك تلك الصلوات في تلك الأيام؟ بجمع ما بين السؤال عن الأيام التي زادت على عادة المرأة وما بين العذر الذي تلبست به وهو انكسار، يدها فالجواب لا تنتقل المرأة عن عادتها إلى عادة أخرى إلا إذا استمر بها ذلك ثلاث مرات، فإن استمر بها الدم تسعة أيام ثلاث مرات من بداية ما استمر بها، ففي المرة الرابعة تنتقل من خمسة أيام إلى تسعة أيام، أما في النزول فإنها تنتقل من الكثرة إلى القلة بمرتين لأن في النزول إلزام فريضة، والمسألة فيها خلاف، ولكن هذا هو القول الصحيح الذي يعمل به، وقبل ذلك تُؤمر إن استمر بها الدم أن تنتظر لمدة يومين ثم بعد انتظارها تغتسل وتصلي، فهذه التي رأت الحيض واستمر بها بعد أيامها المعتادة لمدة أربعة أيام كان عليها أن تغتسل بعد يومين، أما انكسار يدها فليس بعذر فإن الإنسان (1/106)
صفحة 107
فتاوى الصلاة
107
مطالب بأن يصلّي على أي حال سواءاً كان صحيحاً أو مريضاً، فإن استطاع أن يصلّي قائماً صلّى قائماً، وإن لم يستطع أن يصلّي قائماً صلى قاعداً، وإن لم يستطع أن يصلي قاعداً صلى حسب استطاعته في جميع أوقات الصلاة المشروعة من غير تفريط بتأخيرها عن وقتها الذي شرعت فيه، يقول الله تعالى: {إِنَّ الصَّلَوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتًا [النساء: 103]، فعلى هذه المرأة أن تقضي الصلوات التي أضاعتها، وأن تستغفر الله من تفريطها.
إذا بلغت المرأة السبعين ودمها على حالته، فهل تعتبره حيضاً؟ القول المشهور عند أهل العلم بأنها إذا بلغت الستين صارت آيساً ولا تعتد بما تراه من الدم، ولا تعتبره حيضاً، والله تعالى أعلم.
لى أخت معوقة أصابتها الدورة، فهل يجوز منع الدورة عنها عن طريق عملية جراحية، لأنها ليس لها عقل لتفهم تلك الأمور، كما أن شفاءها
ميؤوس منه.
ربما كان منع الدورة يؤدي إلى خطورة أكبر، لأنه يؤدي إلى احتقان هذه الفضلة في جسمها، فلا ينبغي الإقدام على ذلك، اللهم إلا عندما يقرر الأطباء بأنه لا ضرر عليها قط من ذلك.
امرأة كانت حاملاً في شهرها الرابع، وحدث لها بعد ذلك نزيف وأسقطت حملها، لكنها بعد فترة علمت أن ذلك الحمل الذي أسقطته أُحرق مع النفايات التي تُحرق في المستشفى فهل عليها شيء؟
مسؤولية ذلك على من قام بالإحراق ما دامت هي غير عالمة بذلك. (1/107)
صفحة 108
1. A
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
ذلك،
بعض الفتيات عندما يكن في حالة حيض ويسألهن أحد أقاربهن هل أديتن الصلاة، فتجيب الواحدة منهن نعم، خجلاً من إبداء السبب إذا قالت لا، فما حكم ذلك؟ إن كانت تعني بأداء الصلاة أنها صلّت فيما مضى فلا حرج عليها في فإن في المعاريض لمندوحة عن الكذب وهذه من معاريض الكلام. إذا تسببت المرأة لنزول دم الحيض بالعلاج، فهل تترك الصلاة لذلك أم
لا؟
تأثم
هي منهية عن التفتيش عن الحيض أو عن الطهر، ولكن لو فتشت هل وتترك الصلاة بدم التفتيش؟ أو تأثم وعليها أن تصلي ولا تعتد بدم التفتيش، هذا مما وقع فيه الخلاف بين أهل العلم، وينبغي في هذا أن ينظر في طبيعة الدم، فإن كان فيه صفات دم الحيض فتيرجح أن تترك الصلاة لأن العلة التي من أجلها نهيت الحائض عن الصلاة موجودة فيها، وعليها أن تتوب إلى الله مما صنعت، وأما إن احتبس عنها الحيض وأدى ذلك إلى الإضرار بها فلها أن تتناول من الدواء ما يرسل الحيض، والله أعلم. (1/108)
صفحة 109
فتاوى الصلاة
الوضوء ونواقضه
109
هل يصح للمرأة أن تتوضأ وهي كاشفة رأسها في بيتها؟
يجوز ذلك، بل يجوز ـ مع الكراهة - للإنسان رجلاً أو امرأة أن يتوضأ وهو عار حيث لا يراه الناس ونحن لا ندعو لفعل ذلك، ولكن نقول بجواز
ذلك
مع الكراهة.
هل يمكن للمرأة أن تتوضأ في بيتها وأمام محارمها كاشفة الرأس؟ وهل يجوز ذلك وهي وحدها وليس معها أحد؟
المرأة مع ذوي المحارم لها أن تكشف رأسها، ويجوز لها أن تتوضأ وهي على هذه الحالة.
إذا توضأت المرأة أمام زميلتها وكشفت عن رقبتها ورأسها هل يضر
ذلك وضوءها؟
لا يضر وضوءها ما دامت زميلتها مؤمنة.
نعم،
هل يجوز للمسلم أن يتوضأ بدون كامل ملابسه؟
له أن يتوضأ كذلك ما دام في ستر، ولا يرى أحد عورته. (1/109)
صفحة 110
110
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
ما الحكم في وضوء من وجد في ثوبه دماً ولم يكتشفه إلا بعد أن أتم
وضوءه؟
ليس لذلك أثر على وضوئه إن لم يكن الدم في جسده، والله أعلم.
ما قولكم في البلغم هل يلزم بسببه تجديد الوضوء؟ لا يجب تجديد الوضوء بسبب البلغم، والله أعلم.
ما حكم قص الأظافر بعد الوضوء؟
ذلك مكروه ولا يفضي إلى نقض الوضوء، وإن قال بعض أهل العلم بأنه ناقض.
إذا كان للمرأة أسنان صناعية فهل يجب عليها نزعها عند المضمضة؟ الأسنان وإنما تتمضمض حتى يتخلل الماء ما بين
لا، لأن الماء يسري في
الأسنان واللحم.
هل يجب على المرأة أن تزيل بقايا الطعام التي علقت بين أسنانها قبل
الوضوء أم لا؟
ذلك مما ينبغي وليس هو واجباً عليها.
إذا قطعت المرأة شيئاً من جلدها أو أظافرها، فهل ينتقض وضوؤها؟ لا على القول الصحيح، وإنما يندب لها أن تعيد وضوءها من باب الاحتياط.
ما حكم وضوء من كان على أظافرها أصباغ؟
أما إن كانت أصباغاً تحول بين الماء وبين وصوله للأظفار فإن وضوءها لا يصح وعليها أن تزيل هذه الأصباغ وأن تعيد الصلوات التي صلتها على هذه الحالة. (1/110)
صفحة 111
فتاوى الصلاة
111
إذا لبدت المرأة رأسها بالحناء، فهل تمسح عليه أثناء الوضوء؟
ما دام المسح يصل إلى الشعر فنعم.
نعم.
هل يسن للمرأة عند مسح رأسها في الوضوء أن تبدأ من مقدمة الرأس إلى مؤخرته ثم ترجع إلى مقدمة الرأس كالرجل في ذلك؟
امرأة توضأت ثم غسلت نجاسة أطفالها هل هذا ينقض وضوءها أم لا؟ ملامسة النجاسة ناقضة للوضوء، بدليل حديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال في دم الاستحاضة: دم عرق نجس ينقض الوضوء»، فكل ملامسة للنجاسة ناقضة للوضوء، فعلى هذه المرأة أن تعيد وضوءها.
امرأة قُطعت رجلها بعد إصابتها بمرض السكري فهل يسقط غسل
الرجل بقطعها؟ وإذا رُكب لها عضو صناعي فهل تغسله؟
الغسل إنما هو للعضو الطبيعي، فمن قطعت رجله من الساق بحيث لم تكن هنالك قدم فإن غسلها يسقط، أما إن بقي الجزء الذي يصل الساق بالقدم فإنها تغسل ذلك الجزء.
هل تقبيل الزوجة ينقض الوضوء؟
ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل بعض نسائه ثم يقوم إلى الصلاة من غير أن يعيد الوضوء، وقد كانت إحدى أزواج عمر له تشيعه عندما يقوم إلى الصلاة إلى الباب وتقبله وفي ذلك ما يكفي دليلاً على أن تقبيل الزوج لامرأته لا ينقض الوضوء، والله أعلم. (1/111)
صفحة 112
112
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
إذا كانت المرأة متوضئة هل يجوز لها إرضاع طفلها؟ نعم لا مانع من ذلك، فهي طاهرة والولد طاهر، وليس فم الولد نجساً حتى قال بأنها عندما ترضعه تكون مباشرة لنجاسة، نعم لو تقيأ الولد ولم يغسل فوه حتى رضع فهنا تكون مباشرة لنجاسة وعليها أن تغسل ما لامسه الطفل من ثديها وأن تعيد الوضوء.
هل الأم إذا قامت بإزالة بول الطفل ينتقض وضوؤها إذا كانت طاهرة؟ نعم، لأن ملامستها للنجاسة تنقض الوضوء على القول المعتمد عليه عندنا.
ما حكم الوضوء بالجوربين دون خلعهما وكذلك القفازين؟ ذلك لا يجوز، فإن الماء يجب أن يباشر الجسم، اللهم إلا إذا كان الماء يتخلل الجوارب والقفازين حتى يصل ويسبغ جميع البشرة، ففي هذه الحالة لا مانع من ذلك.
هل يجوز أثناء الوضوء المسح على وجه القدم فقط مع العلم بأني لابسة جوارب؟
أمر الله تعالى بغسل الأقدام ولم يأمر بمسحهن، وفي نفس الوقت لم يأمر بأن يكون الوضوء للجوارب ولا لغيرها وإنما أمرنا بغسل الأقدام فلا بد من الامتثال لأمر الله.
هل يجوز عند وضوء المرأة أن تمسح على حجابها عندما تكون خارج المنزل بدلاً من فك الحجاب؛ لأنني سمعت رواية لا أعرف صحتها أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يمسح على العمامة؟
رواية المسح على العمامة فيها نظر، فإن تمكنت من فك الحجاب وإيصال (1/112)
صفحة 113
فتاوى الصلاة
113
الماء إلى الرأس، فذلك، وإن تعذر ذلك فلتدلك من وراء الثوب حتى يصل
الماء إلى رأسها.
ما حكم الريح الخارج من قبل المرأة سواءً كانت ثيباً أو بكراً هل هو
ناقض للوضوء؟
هذه ريح غير ناقضة للوضوء، وهي غير نجسة، لأنها ليست من فضلة طعام وإنما هي من تنفس الرحم.
هل مصافحة المتوضئة المرأة الحائض تنقض الوضوء؟
لا، لأنها طاهرة الجسم، وإنما هي متلبسة بحدث فحكمها حكم الجنب، وكما أن الجنب لا ينجس جسده كله كذلك الحائض، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم
يناول أم المؤمنين عائشة العرق فتتعرقه أي تأكل من اللحم، ثم يأخذ منه ويضع فاه حيثما وضعت فاهها وهي في حالة حيض، وكان عليه الصلاة والسلام يدخل مع زوجته الحائض في لحاف واحد، والله تعالى أعلم.
ما قولكم في امرأة توضأت للصلاة ثم صافحت زوجها أو امرأة حائضاً أو امرأة غير مسلمة سواء كانت يدها مبللة أو يابسة؟
لا مانع من مصافحتها لزوجها أو لامرأة حائض أو جنب، ولا مانع أيضاً أن تصافح غير المسلمة إن لم تصبها منها، رطوبة فإن أصابتها رطوبة فعندئذ تعيد الوضوء.
لا أستطيع أن أحافظ على وضوئي حتى أكمل صلاتي بسبب الغازات التي ابتليت بها فماذا أعمل؟ وكيف أفعل في حالة الطواف أيضاً؟ من كان مبتلى بمثل هذا البلاء فله حكم المستحاضة وحكم صاحب (1/113)
صفحة 114
114
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
السلس، ومعنى ذلك أنه يتوضأ عند قيامه إلى الصلاة ولا عليه حرج بعد ذلك فيما إذا خرج منه شيء ولا ينتقض بذلك وضوؤه، وكذلك يتوضأ عند قيامه للطواف، وعليه أن يجدد لكل صلاة وضوءاً إلا في حال الجمع بين
الصلاتين.
يخرج من المرأة في حالة طهر ماء، فهل يجوز أن تصلي إن كان هذا الماء لا ينقطع؟
نعم، وإن خشيت أن يلامس جسمها أو ثيابها فلتجعل بينه وبين ثيابها وجسمها عازلاً.
امرأة مبتلاة بكثرة خروج السوائل منها، فإذا توضأت للصلاة خرج منها وكذلك عندما تصلي، ما حكم صلاتها؟
إن كانت لا تستطيع الفكاك من ذلك بحيث يكون مستمراً فحكمها حكم صاحب السلس وحكم المستحاضة، عليها أن تضع عازلاً ليقي ثيابها وسائر جسمها من أن يصيبه شيء من هذه السوائل، ثم بعد ذلك تتوضأ وتصلي ولا تلتفت إلى الخارج.
فتاة تشتكي من نزول الودي المستمر لديها، وقيل إنه يبطل الصلاة والوضوء، لكنها عندما تتوضأ ينزل منها، فماذا تفعل؟
إن كان ذلك باستمرار فعليها أن تجعل عازلاً بينه وبين ثيابها وجسمها،
ولتتوضأ لكل صلاة ولتقم إلى الصلاة فوراً، والله يتقبل منها.
إذا أراد الإنسان أن يقرأ القرآن الكريم، فهل يجب عليه أن يتوضأ وضوء
الصلاة؟ (1/114)
صفحة 115
فتاوى الصلاة
115
قراءة القرآن الكريم بالوضوء أفضل وكون القاراء مستقبلاً القبلة أفضل، وجازت قراءته بغير وضوء وغير استقبال لحديث: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئنا القرآن على كل حال ما لم يكن جنبا»، والله أعلم.
هل يشترط الوضوء في سجود التلاوة، وإذا كان الشخص ماراً في الطريق أو راكباً فى السيارة فمر بآية السجدة، فمتى يسجد؟
اختلف العلماء في وجوب الوضوء لسجود التلاوة والأصح أنه لا بد من الوضوء، والمار في الطريق يؤمر أن يسجد إن أمكنه ذلك على الفور، وكذلك الراكب في السيارة يوماء لسجوده على الفور، وإن تعذر الإيماء فإنهما يؤخران السجود إلى الوقت الذي يمكنهما فيه، والله تعالى أعلم.
قضيت فترة من عمري منذ البلوغ وأنا دائماً أغسل يدي في الوضوء من الرسغين إلى المرفقين جهلاً مني ولأنه لم يرشدني من هو أكبر مني وكان ذلك مني ظناً أن هذا الغسل لليدين هو إكمال لغسل اليدين أول الوضوء؟
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم إن مما يؤسف له أن كثيراً من الناس لا يبالون بدينهم، ولا يبالون بثمرات أفئدتهم وأفلاذ أكبادهم إذ يتركونهم فرائس للجهل، وهذا أمر فيه خطر كبير، فماذا عسى أن نقول لهذا السائل؟ لكن إن كان يغسل يديه إلى الرسغين بنية الوضوء فيمكن أن نجد له مخرجاً مشكلته هذه، على أن لا يتكرر ذلك منه قط في المستقبل، ولكن بالنسبة إلى الماضي فصلاته صحيحة بناءً على أنه نوى غُسل الكفين أولاً إلى الرسغين ثم بعد ذلك غسل ما بعدهما بناءً على أن الترتيب في الوضوء غير واجب وإنما هو مندوب إليه فقط، وليعلم أولاده خلاف ما تعلمه، والله تعالى الموفق.
من (1/115)
صفحة 116
116
التيمم
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
ما
هي
الصفة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في التيمم؟
الصفة الثابتة هي ضربتان ضربة للوجه، وضربة للكفين إلى الرسغين.
ما هي الحالات التي يحلُّ للإنسان فيها أن يتيمم؟
يحل له أن يتيمم إن فقد الماء، أو تعذر عليه أن يصل إليه وخاف فوت وقت الصلاة، أو كان مريضاً لا يمكنه أن يستعمل الماء بسبب مرضه، أو حالة شدة البرد مع تعذر تسخينه وكان يخشى على نفسه إن استعمل
في
الماء.
هل يوجد شروط معينة للتيمم؟ وما هي نواقضه؟
مبيح
اختلف العلماء في التيمم هل هو رافع التيمم هل هو رافع للحدث أو للصلاة فحسب؟ وهذا الأخير هو الأرجح، لأن النبي الله لو أمر من تيمم للجنابة إذا وجد الماء أن يغتسل فإذا وجدت الماء فامسسه بشرتك»، وهذا دليل على أن التيمم إنما هو مبيح للصلاة، ونواقضه هي نواقض الوضوء فكل ما ينقض الوضوء ينقضه، وإن كان التيمم من أجل عدم وجود الماء فإذا وجد الماء قبل أن يكمل صلاته فإن تيممه ينتقض وعليه أن يتوضأ
ويصلي. (1/116)
صفحة 117
فتاوى الصلاة
117
التيمم هل لا بد أن يكون من تراب فيه غبار؟
اختلف العلماء في التيمم، هل هو بكل ما على الأرض من حصى وأنواع الأتربة وغيرهما لأن الصعيد كل ما صعد على وجه الأرض، أو أنه لا بد
أن يكون بتراب يتصل باليدين في حال الضرب، فيمسح الإنسان بهذا التراب وجهه وكفيه كما جاء في الحديث عن النبي، ومنشأ الخلاف النظر إلى (من) في قول الله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ} [المائدة: 6]، لأن (من) تستعمل لمعنيين تأتي تارة للتبعيض، وتارة لابتداء الغاية، فمن قال التيمم جائز بكل شيء جعلها لابتداء الغاية، ومن قال بأن التيمم لا بد من أن يكون بالتراب قال بأن (من) هنا للتبعيض، فلذلك لا بد من أن يكون المسح ببعض التراب، وهذا أظهر، ومما يؤيد هذا أن الله تبارك وتعالى قال: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فأمر بأن يتيمم بالصعيد الطيب، والطيب فسرته آية أخرى وهي قوله تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} [الأعراف: 58]، فهو التراب المنبت، ومعنى ذلك أن أنواع الحصى وسائر الأشياء لا يتيمم بها، وكذلك اختلفوا نظراً إلى الحديث الذي جاء عن النبي: جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً»،، وجاء في رواية وترابها طهورا، هل كل ما يصلى عليه يتيمم به أو لا؟ هذا وقع فيه الاختلاف بين أهل العلم، والله تعالى أعلم.
مما
من كان يرقد في المستشفى ولم يجد تراباً يتيمم به وجسده متصل بأجهزة العلاج ففي هذه الحالة كيف يتيمم؟
يصلي بدون وضوء ولا تيمم إن عجز عنهما جميعاً، لأن الله تعالى يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، ويقول: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] ويقول: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَنَهَا} [الطلاق: 7] (1/117)
صفحة 118
118
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
فعندما يعجز عن الوضوء وعن التيمم يسقط عنه اشتراطهما ولا يسقط المشترط له وهو الصلاة، فعليه أن يأتي بالصلاة، ومن العلماء قال بأنه من إن أمكنه أن يضرب ضربتين في الفضاء وينوي بهما التيمم فذلك مما يؤمر به وهذا من باب الاحتياط إذ لم يأت بذلك دليل قط. وهذا الحال يصدق على راكب الطائرة إن لم يجد ماءً، وإذا كان هناك غبار في المقاعد وتمكن من الضرب على ذلك الغبار فليفعل.
في المستشفى قد لا يوجد تراب فهل يضرب للمريض التراب في إناء
في
مثلاً ليتيمم؟
نعم. (1/118)
صفحة 119
فتاوى الصلاة
الصلاة
119
وقت الصلاة
هل وقت صلاة العشاء يبدأ بانتهاء وقت صلاة المغرب مباشرة، وما الفاصل بين الصلاتين؟
نعم، يبدأ وقت العشاء بانتهاء وقت صلاة المغرب، وليس هنالك فاصل بينهما، بل ينتهي وقت هذه الصلاة ليدخل وقت الصلاة الأخرى، ولذلك سُوّغ للإنسان أن يجمع بين صلاتي المغرب والعشاء إن وجد داع إلى الجمع كأن يكون في سفر أو مرض أو غيم أو مطر أو نحو ذلك من الأعذار التي تسوغ للناس أن يجمعوا بين الصلاتين، وقد وقع ذلك من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم حتى في حالة كونه مقيماً غير مسافر، فقد
روى الإمام الربيع بن حبيب رحم الله في مسنده من طريق ابن عباس قال: «صلي رسول الله! الظهر والعصر معاً والمغرب والعشاء الآخرة معاً من غير خوف ولا سفر ولا سحاب ولا مطر». وقد روى الحديث الإمامان البخاري ومسلم ونص روايتهما: «صلى رسول الله! بالمدينة من غير خوف ولا سفر»، وفي رواية: «من غير خوف ولا مطر» قيل لابن عباس ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا أمته. ومعنى ذلك أن فعل يحرج
الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام هذا إنما كان لأجل رفع الحرج (1/119)
صفحة 120
120
في
الصلاتين مع
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
عن الأمة، وجاء في رواية الشيخين تعليق على هذه الرواية، وهو أن عمرو بن دينار سأل أبا الشعثاء: الإمام جابر بن زيد راوي الحديث عن ابن عباس له قائلاً له: يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجّل العصر. قال: وأظنه. ومعنى ذلك أنه أخر الظهر إلى آخر وقتها وعجل العصر أول وقتها، بحيث يكون صلى الظهر في الجزء الأخير من وقتها، وصلى العصر في الجزء الأول من وقتها، فيكون بذلك جمع بين أنه أدى كل واحدة من الصلاتين في وقتها، وقد أخذ بعض العلماء بهذا الذي ظنه الإمام أبو الشعثاء، ومن بين هؤلاء ابن سيد الناس وهو من علماء الشافعية قال: جابر بن زيد أدرى بمعنى الحديث لأنه راويه، ولكننا نرى أن الإمام أبا الشعثاء لم يقطع بهذا، ولم يقل بأن النبي صلى الله عليه وسلم أخر الظهر إلى آخر وقتها وعجل العصر في أول وقتها، وإنما ذلك مجرد ظن منه، ولما كان مجرد ظن فإننا ينبغي أن لا نضيق ما وسعته هذه الرواية، وإنما يحمل ذلك على ساعات الحرج، ومن أجل هذا قال لفيف من العلماء باشتراك الوقتين: وقتي الظهر والعصر ووقتي المغرب والعشاء، وهذا أمر يسوغ الأخذ به، ولكن بشرط أن يتقيد من أخذ بذلك أن يكون في حال الاضطرار أو حالات الشدة والحاجة الملحة التي تدعو إلى ذلك، بحيث لا يعتاد الإنسان استمراره في جمع الظهر والعصر معاً، والله تعالى أعلم.
ما قولكم فيمن لا يصلي صلاة الفجر في وقتها؟
إن كان واعياً وأخر الصلاة عن وقتها فلا صلاة له، سواء أكانت صلاة الفجر أو غيرها، وأما إن كان غارقاً في نومه وهو يريد أن يقوم ويتمنى فهو معذور، لأن القلم مرفوع عنه حتى يستيقظ. (1/120)
صفحة 121
فتاوى الصلاة
121
إذا حضر وقت الصلاة وجاء الحيض فهل تصلي الصلاة الفائتة بعد انتهاء فترة الحيض أم ماذا تفعل؟
إذا أتى المرأة الحيض وقد دخل وقت الصلاة ولم تصل، فعليها أن تقضي تلك الصلاة بعد طهرها.
إذا نام شخص عن صلاة الفجر واستيقظ بعد طلوع الشمس، فهل له أن يصلي صلاة الفجر في تلك اللحظة؟
يصح
نعم، بل عليه أن يصلّي في ذلك الوقت، فإن في الحديث عن النبي من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا تذكرها». فمن نام عن صلاة فاستيقظ وقد فات وقتها فليصلها في ذلك الوقت، ولا معنى لما يفعله الكثير من الجهلة الذين لا يعرفون شيئاً من أمر الدين ويتصورون أنهم على معرفة به، لأن جهلهم جهل مركب كما يقول الشاعر:
ومن عجب الأيام أنك لا تدري وأنك لا تدري بأنك لا تدري
أولئك الذين يؤخرون الصلاة إلى مثل وقت وجوبها من الغد، وليس ذلك بصحيح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن تصلى الصلاة في وقت تذكرها إن كان قد نسيها، وفي وقت اليقظة إن كان قد نام عنها، وهو عليه أفضل الصلاة والسلام فعل ذلك، فإنه كان في سفر ونام ونام أصحابه واستمروا في النوم إلى ما بعد طلوع الشمس، واستيقظ عمر عنه وكبر فيهم، واستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وفي ذلك الوقت قاموا لتأدية الصلاة، لأن ذلك هو
وقت الوجوب.
هذا، ومن
الخطأ ما يظنه الكثير من الجهلة من أن الصلاة الفائتة لا تقضى
إلا في مثل وقتها فإن النبي قضى صلاة الظهر وصلاة العصر وصلاة (1/121)
صفحة 122
122
المغرب في وقت العشاء، وهذا أن يعني
جميع
المرأة تسأل والمفتي يجيب -
الجزء الأول
الأوقات هي
مئنة لقضاء
الصلوات الفائتة إلا الأوقات التي تحرم فيها الصلاة، وهي وقت طلوع الشمس إلى أن تستكمل، طلوعها، ووقت غروبها إلى أن تستكمل غروبها، ووقت استوائها في كبد السماء في الحر الشديد إلى أن تزول والله تعالى أعلم.
ما حكم من نام مستغرقاً في نومه ولم يستيقظ لصلاة الفجر إلا بعد طلوع الفجر؟ وكيف السبيل ليحافظ على صلاة الفجر في وقتها؟ عليه أن يصلي الفجر عندما يستيقظ فوراً، وينبغي للإنسان الذي لا يستيقظ إلا بمنبه أن يستعمل المنبه.
هل للمصلّي أن يشرع في الصلاة والمؤذن يؤذن، أم أنه يجب عليه الانتظار حتى يفرغ المؤذن من أذانه؟
إن كان الأذان عند دخول وقت الصلاة، بحيث يتيقن من دخول الوقت فلا حرج في الشروع في الصلاة في وقت الأذان، وأما إن كان بخلاف ذلك، فلا بد من الاحتياط حتى يتيقن دخول الوقت، والله تعالى أعلم.
حكم صلاة المرأة عندما تسمع الأذان فوراً ولا تدري هل دخل الوقت أم لا، لأن بعض المؤذنين قد يتعجلون في تقديم الأذان؟ لأجل الاحتياط ينبغي أن تتأخر قليلاً من الوقت حتى تتأكد من دخول الوقت.
سمعنا أن المرأة يستحب لها أن تؤخر صلاة العشاء بدلاً من أن تصلّي مباشرة بعد سماعها للأذان، فهل هذا صحيح؟ وإن كان الجواب نعم
فما الحكمة من
ذلك؟ (1/122)
صفحة 123
فتاوى الصلاة
123
الأولى المبادرة إلى الصلاة إذ لا تدري ماذا يعرض لها وإنما من السُّنَّة تأخير العشاء في ليالي الشتاء إن لم يكن داع للتقديم.
بالنسبة للمرأة هل يختلف فضل أدائها للصلاة بين أول الوقت ووسطه وآخره، فقد تنشغل المرأة في كثير من الأحيان بالبيت وأعبائه والأطفال
ومراعاتهم ولا تستطيع الصلاة إلا في آخر الوقت؟
بما أنها مشغولة بطاعة فإن الفضل يبقى لها إن شاء الله.
لا
هل يجوز أن نؤخر صلاة الظهر ونصلّيها فى الساعة الثانية والنصف ظهراً بسبب أن ذلك وقت المجيء من المدرسة؟ وهل يجوز أن نقدّم الطعام قبل الصلاة؟
ينبغي
تأخير الصلاة إلى هذا القدر من الوقت، ولربما يتسامح في ذلك في الصيف لا في الشتاء، لأن الساعة الثانية والنصف في الشتاء يكون وقت العصر قد قارب الدخول، وما ينبغي التأخير إلى هذا الوقت إلا في حالة الاضطرار، وكذلك تقديم الطعام عن الصلاة إنما هو في حالة الاضطرار فقط إلا إن كان في وقت الصلاة متسع.
امرأة تسأل: أنا امرأة عاملة ويضطرنا عملنا إلى أن نؤخر صلاة الظهر إلى الساعة الثانية حيث نصل إلى البيت في ذلك الوقت والمكان الذي نعمل فيه لا يوجد فيه مصلّى، أو لا يتسنى لنا الصلاة هناك، فهل الساعة الثانية صلاة الظهر لا تزال قائمة؟
في
لا تزال باقية، ولكن في
الشتاء هي في الطرف الأخير أما في الصيف فلا
بأس، والله تعالى أعلم. (1/123)
صفحة 124
124
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
في بعض الأحيان عندما تكون الطائرة متجهة إلى المشرق، لا يتمكن الركاب من إدراك وقت الفجر، فإذا أبصروا نور الفجر قد بدأ في الظهور، لم يلبثوا دقائق معدودة حتى يروا قرن الشمس قد طلع، بسبب اندفاع الطائرة السريع نحو الشرق. ما العمل في في مثل هذه المسألة؟
يدخلون في الصلاة في وقتها؛ ثم يواصلون أداءها، ولو طلعت عليهم
الشمس، والله أعلم.
القبلة واللباس والسترة
هل يجوز للمرأة أن تصلّي في حوش المنزل إذا كان هناك رجال؟ لا، بل عليها أن تبتعد عن أنظار الرجال وسعها، خصوصاً في حال الصلاة، لأنها في حال الصلاة تركع وتسجد ولا ينبغي أن تكون في هذه الحالة قريبة من الرجال بحيث ينظرون إليها.
هل يصح للمرأة أن تصلّي في الأماكن العامة كالحدائق مثلاً؟ المرأة مأمورة بالستر على أي حال، فينبغي أن تختار مكاناً ساتراً في حال صلاتها، وإن كانت في مكان ليس بساتر فعليها أن تبتعد حسب وسعها عن الرجال، وأن تصلي في المكان البعيد عن أنظارهم حيث لا تتبين لهم حركاتها، ولا يكتشفون تفاصيل جسمها عندما تركع وتسجد، والله أعلم.
قد يضطر الإنسان أحياناً أن يصلّي في مكان فيه تماثيل ومجسمات، فإذا تنحى عنها أو واراها بكرسي أو ما شابهه فهل عليه من بأس؟ لا بأس بالصلاة في مكان توجد فيه تماثيل إن واراها المصلي جانباً ولم (1/124)
صفحة 125
فتاوى الصلاة
125
عن الصلاة فيه فالأولى له أن
يدلّ الحال على تعظيمها، وإن وجد مناصاً يختار لصلاته ما هو أليق بها من البقاع، والله أعلم.
هل تجوز الصلاة في حجرة فيها صور؟
لا بأس بالصلاة في غرفة فيها صور مع عدم استقبال الصور في الصلاة، والله تعالى أعلم.
ما حكم الصلاة في السفينة؟
يصلي الإنسان كيفما أمكنه، ويؤمر عندما يتجه إلى الصلاة أن يكبر وهو إلى جهة القبلة، ثم لا حرج عليه إن دارت به سفينته فإنه يبقى على نفس اتجاهه.
هل صحيح أن الصلاة في السجادة المزخرفة بدعة؟
هذا ينافي الخشوع في الصلاة، لأن السجادة المزخرفة قد تشغل المصلّي، والنبي الله خلع الجبة التي أهديت إليه بسبب أنها شغلته أنها شغلته في الصلاة وردها إلى مهديها.
ما قولكم في النساء اللواتي يصلّين بملابس فيها صور؟ الصلاة بالثوب ذي الصور غير جائز للرجال والنساء، لأن الصلاة عبادة، ولبس الثوب ذي الصور معصية والعياذ بالله والعبادة لا تجامع المعصية، والله أعلم.
إذا صلت الفتاة وعليها ثوب فيه صورة امرأة نقشت بالخيوط، فما حكم
هذه الصلاة؟
إن كانت لا تدري بذلك، فما عليها فيما مضى شيء، ولكن إن كانت على دراية بهذا الأمر فعليها إعادة الصلاة، والله تعالى أعلم. (1/125)
صفحة 126
126
نعم،
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
لدينا مكان توضع فيه الحيوانات، وعندما نذهب لإطعامهن فإن رائحة هذه الحيوانات تبقى في الملابس، فهل يجوز أن نصلي بتلك الملابس؟ لأن رائحة الحيوانات لا تعد نجاسة.
هل للمرأة الصلاة بالنظارة، علماً بأنها لا تستطيع مفارقتها نظراً لضعف
نظرها، وتصاب بدوار عند نزعها؟
لا حرج عليها إن صلت بها.
هل يجب على المرأة أن تخلع الساعة في الصلاة؟
إن كانت هذه الساعة ليست من زينة، المرأة، وإنما تلبسها من أجل مجرد معرفة الوقت وضبط الأوقات وكانت هذه الساعة من مادة حديدية مثلاً فعليها أن تخلعها، أما إن كانت داخلة في الزينة فلها حكم سائر الزينة، والله تعالى أعلم.
ما حكم لبس الساعة في الصلاة؟
قد جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع الله أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بالآنك والشبه، وقاس العلماء بقية المعادن على الآنك والشبه بجامع الانطباع، ولذلك ذهب علماؤنا إلى أن الساعة إن كانت من حديد فلا يُصلّى بها وهي مباشرة للجسم، أما إن كانت فوق حائل ككم الثوب مثلاً فلا بأس أن يُصلى بها وكذلك إن كانت في مخبأ الإنسان المصلي
واختلف العلماء في هذا النهي هل هو محمول على كراهة التنزيه محمول على التحريم؟ والأصل في النهي أن يكون للتحريم ما لم تصرفه
قرينة، لذلك رجح الإمام السالمي رحمدلله أنه للتحريم، والله تعالى أعلم. (1/126)
صفحة 127
فتاوى الصلاة
127
ما حكم لبس المرأة الساعة أو القلائد ونحوها إذا كانت من الآنك والشبه؟
ينهى عن استعمال الآنك والشبه ولها أن تصلي بزينتها المعهودة.
علمنا أن لبس الحديد لا يجوز، فماذا عن ملابس النساء التي لا تخلو من الحديد والأشياء التي تلبس للشعر؟
أما إن كان لأجل داع كإمساك الشعر فلا حرج فيه، وكذلك ما كان فوق الملابس بحيث لا يباشر الجسد في الصلاة ولم يكن مقصوداً لذاته فلا حرج فيه إن شاء الله.
هل تشترك المرأة مع الرجل في النهي عن لبس الحديد ونحوه كالساعة
أثناء الصلاة؟
يباح للمرأة أن تلبس زينتها، أما الحديد ونحوه فلا.
هل يجوز للمرأة أن تصلي وهي متلثمة أو
وهي
لابسة النقاب؟
إن كانت تتمكن من السجود بحيث لا يؤذيها ذلك فلا حرج عليها إن شاء الله.
ما حكم ظهور قدم المرأة في أي وقت وخاصة في الصلاة؟
المرأة مأمورة بستر، قدميها والدليل على ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم أذن لها أن ترخي شبراً من ثوبها، فقالت له أم سلمة ولها إذاً ينكشف قدمها، فأذن لها: النبي صلى الله عليه وسلم بأن ترخي ذراعاً، وما ذلك إلا لأجل تجنب انكشاف قدميها.
ما حكم ظهور أقدام المرأة في أي وقت وخاصة في الصلاة؟
منهم من
ومنهم
اختلف العلماء في قدمي المرأة، قال بوجوب سترهما، من قال لا بأس بظهورهما، وعلى كل فالمرأة مأمورة بأن تستر قدميها، (1/127)
صفحة 128
128
المرأة تسأل والمفتي يجيب -
الجزء الأول
والدليل على ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم أذن لها أن ترخي شبراً من ثوبها، فقالت له أم سلمة: إذاً ينكشف قدماها»، فأذن النبي صلى الله عليه وسلم لها أن ترخي ذراعاً وما ذلك إلا لأجل تجنب انكشاف قدميها. فالأحوط لها أن تستر قدميها سواء في الصلاة أو غيرها ولو بإطالة الثوب كما كانت النساء المؤمنات في عهد الرسول، فقد كن يُطلن مقدار شبر حتى يسترن القدمين، فينبغي للمرأة المؤمنة أن تصنع ذلك في هذا العصر خروجاً عن
الخلاف.
هل يصح أن تصلي المرأة في بيتها أو غيره بدون لبس الجوارب على
قدميها؟ إن كانت أرخت الثوب حتى غطى قدميها فالمراد تغطية القدمين سواء كان بالجوارب أو كان بإرخاء الثوب، أما إن لم يكن إرخاء ولا جوارب وكانت القدمان مكشوفتين فالصحيح عدم جواز ذلك.
هل يجوز للمرأة أن تصلي كاشفة الكعبين؟ لا، فيجب عليها أن تغطي الكعبين، والقول الراجح أن عليها أن تغطي القدمين - أيضاً - لأننا لم نجد دليلاً على استثناء القدمين من عورة المرأة، نعم وجد الدليل في الوجه والكفين أما القدمان فلم نجد دليلاً على ذلك، بل وجدنا الدليل يدلُّ على خلافه، فعندما رخص النبي صلى الله عليه وسلم للنساء أن يسبلن من ثيابهن شبراً لأجل تغطية أقدامهن قالت أم سلمة لنا الرسول الله صلى الله عليه وسلم: إذاً ينكشف قدمها يا رسول الله، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «ترخي ذراعاً»، فأباح لها أن ترخي ذراعاً لأجل ستر القدمين، فلو لم يكن ستر القدمين واجباً لما سألت أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ولما قال لها ذلك. (1/128)
صفحة 129
فتاوى الصلاة
129
امرأة لم تكن تستر في الصلاة ناصيتها وذراعيها وقدميها عملاً بقول مشايخها، ولما تبين لها أن ستر ذلك واجب، التزمت بذلك، فما حكم ما مضى من صلاتها وهل يوجد فرق بين من كانت تفعل ذلك تقليداً لأمها وأخواتها وبين من أخذت ذلك عن أحد مشايخها؟ هذه المسألة مسألة حرجة، ولكنها نظراً إلى أنها لم تكن متعمدة للانتهاك وإنما كانت تفعل ذلك جاهلة فلا مانع من أن تعذر فيما سبق بسبب جهلها، ونظراً إلى أنها اعتمدت بعض الأقوال، وإن كانت أقوالاً ضعيفة لا يعول عليها، والله تعالى أعلم.
هل يجوز للمرأة أن تصلي وشعر رأسها منفوش؟
تُؤمر أن تشده حتى لا يظهر من وراء، ولا حرج لها إذا صلت كذلك إذا
سترته.
ما حكم الصلاة إذا مر طفل أو قط أمام المصلّي؟
ينبغي للمصلّي أن لا يصلّي إلا إلى سترة يضعها بينه وبين قبلته بعد موضع سجوده، وما مرّ وراء سترته فلا ينقض الصلاة، وأما ما دون السترة أي ما بين المصلّي وبين موضع سجوده فعليه أن يدفعه، وإن دفعه ولم يتمكن من دفعه فليس عليه ـ إن شاء الله ـ حرج.
في أحيان كثيرة عندما أصلّي يأتي طفلي فوق السجادة وبالطبع يكون مرتدياً الحفاض وفي بعض الأحيان يكون الحفاض نجساً فما حكم صلاتي في هذه الحالة؟ هذه من حالات الضرورة التي يتسامح فيها مع الأم أكثر مما يتسامح فيها (1/129)
صفحة 130
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
مع غيرها، فما عليها من حرج من ذلك، وإن أمكن أن يمسك هذا الطفل شخص آخر أو أمكن أن تتفادى مجيئه إليها ففي هذه الحالة لا بد من الاحتراز، والله تعالى أعلم.
ثم
أعمال الصلاة
إلى أي مدى يمكن للصلاة أن تؤثر في شخصية المسلم؟
هي
تأثير الصلاة في نفسية المسلم وفي تعامله مع مجتمعه يظهر جلياً لمن تدبر کلام الله الله عندما ذكر الصلاة وتأثيرها على الإنسان، إيجاباً عندما تؤدى على الوجه الشرعي وسلباً عندما تؤدى على غير الوجه الشرعي، فالله الله بين الغاية من إقام الصلاة عندما قال: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ} [العنكبوت: 45]، وقال سبحانه: {وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِي} [طه: 14]، أنه الله بين أن هذه الصلاة لسريانها في نفسية الإنسان هي بمثابة الروح للروح فهي تحيى بها الأرواح كما أن الجسد يحيى بالروح، وأن لها تأثيراً في اقتلاع صفات بمثابة الجبلات في نفوس البشر، فالإنسان طبع على كثير من الصفات المذمومة، ولكن عندما يُقاوم هذه الصفات بما أتاه الله الله من طاقات وبتفاعله مع أمر الله ونهيه يستطيع أن يتغلب عليها، وهناك أمور كثيرة تعينه على ذلك وفي مقدمتها إقام الصلاة، فالله الله يقول: {إِنَّ الْإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} [المعارج: 19 - 21]، فهذه الآيات تشير إلى صفة موجودة في الجنس البشري ألا الإنسان هلوعاً، فإذا مسه الشر جزع وإذا مسه الخير منع، فهو لا يجود بالخير بطبعه وهو جزع لما يُصيبه من شر بطبعه، ولكن من المستثنى من هذه الصفات المذمومة؟ استثنيت طائفة هذه الطائفة افتتحت صفاتها بأنهم على
وهي
خلق (1/130)
صفحة 131
فتاوى الصلاة
131
صلاتهم دائمون واختتمت بأنهم على صلاتهم يحافظون»، فقد قال تعالى في بيان هذه الطائفة: {إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَابِمُونَ المعارج: 22، 23]، ثم وصفهم بما وصفهم به من الصفات الأخرى واختتم هذه الصفات كلها بقوله: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المعارج: 34]، فالصلاة هي السياج الذي يقي الإنسان هذه الشرور النفسية والعادات السيئة، على أن الصلاة إن لم تؤد على الوجه المرضي كانت آثارها آثاراً عكسية، لأنها تؤدي إلى انحراف معتقد الإنسان وفكره وأعماله وأخلاقه وسلوكه، فالله الله يقول: أَرَعَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُ الْيَقِيمَ * وَلَا يَحُضُ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 1 - 5]، قد كان سياق الكلام يقتضي أن يقول فويل لهم لأنه وعيد على ما تقدّم من الصفات المذمومة من التكذيب بالدين ودع اليتيم وعدم الحض على إطعام المسكين، ولكن بدلاً من أن يرجع الضمير إلى هذه الطائفة جيء باسم مظهر وهو المصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون، وهذا لأجل التنويه بأن سهوهم عن الصلاة هو الذي كان السبب في هذه الأعمال كلها، وفي الأعمال التي ذكرت من بعد من الرياء ومنع الماعون، فكل من ذلك إنما هو ناشئ عن السهو عن الصلاة، سواء كان هذا سهواً بمعنى أن يكون الإنسان في صلاته لاهياً عما يأتي به، أو كان سهواً بمعنى إهمال الصلاة، بحيث لا يبالي بها لأنها مجرد أمر مألوف عنده لا يرتبط بفكره ومعتقده، لأنه لا يأتي بالأعمال التي يأتي بها عن عقيدة راسخة وفكر مكين.
ما الذي يسع المسلم في الصلاة وما الذي لا يسعه فيها؟ عبادة مقدسة يتقرب بها الإنسان إلى ربه، بل هي مثول بين يدي الله تعالى هذا المثول ليس مثول الجسم وحده والذي يتمثل في هذه
الصلاة
هي (1/131)
صفحة 132
132
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
الوقفة التي يقفها الإنسان وفي اعتداله في ركوعه وسجوده وقيامه وقعوده وفيما يأتيه من الأقوال بجانب ما يأتيه من الحركات والأعمال، وإنما بجانب هذا فهنالك مثول للروح ويتمثل في وقوف الروح بين يدي الله الله مستشعرة عظمة المقام وصدق المقال، ومعنى ذلك أن يحرص الإنسان على أن تكون كل كلمة ينطق بها في صلاته يُسرع معناها إلى ذهنه أكثر من إسراع لفظها إلى قوله، وذلك باستحضار المعاني، فإن معاني الكلمات التي يقولها الإنسان عندما يؤدي الصلاة على النحو المشروع تسكب في نفسه شعوراً بعظمة الله تعالى وعظمة الموقف الذي يقفه بين يديه سبحانه وبفضل الله تعالى عليه ونعمته التي أسبغها عليه والتي تحيط به من كل جوانبه وتتغلغل في أعماق نفسه، ولذلك عندما يصدر الإنسان عن صلاته وقد أداها على هذا النحو تكون عاملاً قوياً في تقويم سلوكه وفي تصفية نفسه وأعماق روحه ومشاعره وأحاسيسه ووجدانه حتى يخرج من صلاته نظيفاً ينطبق على صلاته قول الرسول: أرأيتم لو أن بباب أحدكم نهراً جارياً غمراً ينغمس فيه كل يوم وليلة خمس مرات أيبقى من درنه شيء؟»، قالوا: لايا رسول الله، قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس»، وهذا مثل أراد به النبي صلى الله عليه وسلم التقريب إلى الأذهان، وإلا فالصلاة أسمى من ذلك، وكثيراً ما يمثل الأعلى بالأدنى عندما يكون هذا الأعلى فوق التصور، فإنه واضح جداً بأن هناك فرقاً ما بين تأثير النهر وتأثير الصلاة، إذ تصفية النهر لظاهر الجسد وتصفية الصلاة لأعماق الروح وشتان ما بينهما.
ما الفرق بين صلاة الرجل وصلاة المرأة من حيث الأداء؟ الرجل يقيم لصلاته، والمرأة ليست عليها إقامة، والرجل يجافي يديه عن جنبيه في سجوده، والمرأة تضم نفسها والمرأة لا تنحني كثيراً من أجل (1/132)
صفحة 133
فتاوى الصلاة
133
الستر بخلاف الرجل وذلك في الركوع، وفي السجود لا ترفع عجزها عن رجلها كثيراً وتضم بعضها إلى بعض بخلاف الرجل، وأما بقية الأعمال فهي الأعمال نفسها، والله أعلم.
هل تختلف صلاة المرأة عن صلاة الرجل من حيث استواء الجسم في الركوع وضم أعضائها بعضها إلى بعض؟
المشهور أن المرأة تُؤمر أن لا تنحني كثيراً لئلا تبين أجزاء جسمها، وتؤمر في السجود أن تضم بعضها إلى بعض.
لماذا لا تلزم المرأة بإقامة الصلاة كالرجل؟
الإقامة هي أخت الأذان، والأذان يستوجب رفع الصوت، والمرأة مأمورة بخفض الصوت، فلذلك كانت صلاة الرجل بإقامة وصلاة المرأة بغير إقامة، على أن الرجال إن اجتمعوا لصلاة الجماعة فإنه يطالب أحدهم بالإقامة، ويكتفي الآخرون بإقامته ولا يقيم كل واحد بنفسه، والله
تعالى أعلم.
امرأة كانت تقيم في صلاتها المفروضة جهلاً منها، فهل تتأثر صلاتها؟ لا، لأن الإقامة خارج الصلاة وليست داخلها فهي لم تكبر بعد تكبيرة الإحرام، وقد قيل بأن المرأة تقيم وإن كان هذا القول قولاً غير مشهور.
علمت أن تكبيرة الإحرام واجبة عليها بعد التوجيه قبل خمس سنوات
فهل تقبل صلواتها - يعني إنها لم تكن تكبّر تكبيرة الإحرام - إن كانت لا تكبّر رأساً فعليها أن تقضي. وأما إن كانت من قبل تكبر قبل التوجيه فليس عليها قضاء. (1/133)
صفحة 134
134
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا. الجزء الأول
هل تجب الاستعاذة في كل ركعة من ركعات الصلاة؟ القول المتفق عليه في المذهب أن الاستعاذة إنما هي في الركعة الأولى من الصلاة ولا استعاذة في سائر الركعات.
ما الحكم فيمن ترك الاستعاذة جهلاً بحكمها بعد تكبيرة الإحرام في
جميع
صلواته؟
اختلف في الاستعاذة على أقوال، قيل هي فرض وعلى هذا فتبطل صلاة من تركها عمداً أو نسياناً، وقيل هي سُنَّة واجبة وعلى هذا تبطل صلاة من تركها عمداً لا نسياناً. وقيل هي سُنَّة غير واجبة فعلى هذا لا تبطل صلاة من تركها عمداً أو نسياناً، ونحن نرى أن يؤخذ له بأرخص الأقوال فيما مضى مع الحذر في المستقبل من تركها.
نعم،
إذا قرأ الإنسان الفاتحة ثم أعادها في الصلاة أو أعاد آية منها. هل تبطل الصلاة؟ وما الدليل؟
لأن الفاتحة ركن والركن لا يُكرر في المقام الواحد. فلا يجوز تكرار الفاتحة وإنما يقتصر على قراءتها مرة واحدة فحسب، والله تعالى أعلم.
من
ما حكم تكرار الفاتحة في الركعة الواحدة؟
الأمور التي لا يجوز تكرارها في الصلاة الفاتحة الشريفة والاستعاذة وقراءة التشهد فلا يجوز أن يكرر شيئاً من آيات أو كلمات الفاتحة فإن كرر بطلت صلاته، والله تعالى أعلم.
رجل نسي قراءة الفاتحة وتذكرها بعد أن سلّم فماذا عليه؟ يقوم ويأتي بالفاتحة ولا شيء عليه إلا ذلك، والله تعالى أعلم. (1/134)
صفحة 135
فتاوى الصلاة
135
ما هو الدليل عند أصحابنا على عدم قراءة غير الفاتحة في صلاتي
الظهر والعصر؟
الدليل على ذلك حديث ابن عباس الذي يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقرأ، وهو دليل جازم بخلاف دليل من قال بالقراءة فإنه دليل ليس بجازم لأنه عوّل فيه على رؤية شفتي النبي صلى الله عليه وسلم وهما تتحركان، وهذا لا يقتضي الجزم، إذ الحركة قد تكون بمجرد قراءة الفاتحة الشريفة، ثم بجانب ذلك فإن قوله بما كنتم تعرفون قراءته؟ قالوا بتحرك شفتيه» مما يستبعد، لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا وراءه فكيف يرون شفتيه تتحركان وهو أمامهم فهذا الذي دعا أصحابنا إلى عدم الأخذ بتلكم الرواية.
ما حكم التنكيس في قراءة القرآن الكريم أثناء الصلاة؟
اختلف العلماء في ذلك، فمنهم من شدد جداً في التنكيس إلى حد أن قال بأن من قرأ سورة الناس في الركعة الأولى فعليه أن يقرأها بنفسها في الركعة الثانية لئلا يكون قد نكس، ومنهم من رخص في ذلك، إن كان قرأ سورة الناس لأنه كأنما استوفى قراءة القرآن كله وبدأ يقرؤه من جديد، ومنهم من أجازه في غير الركعة الواحدة أما في الركعة الواحدة فلا، ومنهم من أجازه في غير السورة الواحدة، ونحن نستحب الخروج من عهدة الخلاف، وإن كان جاء في صحيح مسلم أن أحد الصحابة رضي الله تعالى عنهم كان عندما يقوم إلى الصلاة يقرأ بعد الفاتحة في كل ركعة سورة الإخلاص ثم يقرأ ما تيسر له من القرآن، ومن المعلوم أنه لا يتقيد بقراءة سورتي الفلق والناس اللتين هما بعد سورة الإخلاص، فلا بد من أن يكون يقرأ شيئاً من القرآن بعد الإخلاص، إلا أن ذلك قد يعترض عليه بأنه قبل الترتيب الأخير للقرآن الذي كان بالعرضة النهائية من النبي الله على جبريل، وكان ذلك في (1/135)
صفحة 136
136
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
آخر رمضان صامه الرسول صلى الله عليه وسلم، فلذلك نرى ترك مثل هذا الأسلوب في القراءة أولى وأسلم، والله تعالى أعلم.
في حالة تأدية الصلاة أين يكون نظر المصلّي؟
المصلّي عندما يكون قائماً يكون نظره محصوراً بين قدميه وموضع سجوده، وعندما يكون ساجداً ينظر إلى أنفه، لأن ذلك هو النظر الطبيعي، وعندما يكون رائعاً ينظر إلى ما بين إبهاميه، وعندما يكون قاعداً ينظر إلى ما بين ركبتيه، والله تعالى أعلم.
امرأة تسأل عن تصفيق النساء في الصلاة كيف هو؟
تصفيق النساء في الصلاة ليس هو كالتصفيق المعهود، وإنما هو ضرب ظاهر الكف بباطن الكف، فتضرب ظاهر كفها اليسرى بباطن كفها اليمنى، أو تضرب على فخذها، وأما التصفيق الذي هو ضرب باطن الكف بباطنه فذلك ممنوع، لأنه نوع من المرح الذي يكون من النساء، فلا ينبغي أن يكون في الصلاة قط.
هل صحيح إن كان المراد بالتشهد ما يفعله الناس من مسح الوجه والإتيان بالشهادتين فهذا لم يثبت عن النبي، وإن جاءت به رواية ولكنها ضعيفة، وأما إن كان المراد به التشهد للصلاة وهو ما يسمى في عُرف العامة بالتحيات فذلك قبل التسليم لا بعده. والله تعالى أعلم.
أنه لا أساس للتشهد بعد التسليم في الصلاة؟
إذا صلّى الشخص العشاء والوتر وقام قبل أذان الفجر وصلى ركعات، هل يوتر مرة أخرى؟
جاء في الحديث الشريف: «لا وتران في ليلة»، فإذا أوتر الإنسان مرة واحدة (1/136)
صفحة 137
فتاوى الصلاة
137
كفاه ذلك الوتر عن الوتر بعد صلاة التهجد، فإما أن يؤخر الوتر إلى ما بعد التهجد، وإما أن يصلّي الوتر مع العشاء ثم ينام، ثم يقوم بعد ذلك يتهجد ولا حرج عليه.
إذا أحدث المُصلّي أو تكلم أو ما شابه ذلك في صلاته وقبيل التسليم،
هل
تعد صلاته مقبولة؟
إذاً
جاء في الحديث عن النبي: مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير صلى الله عليه وسلم: وتحليلها التسليم، ولما كان التكبير لا بد منه وقد قوبل بالتسليم فالتسليم حكمه كحكم التكبير من حيث التشديد فيه، فلا بد منه، فمتى ما طرأ عليه ناقض يعتبر مؤثراً على الصلاة، سواء تعمده أو لو لم يتعمده، وإنما رخص بعض أهل العلم فيمن سبقه الحدث ولم يكن ذلك باختياره وقد أتى من التشهد ما يكفي واعتمدوا في ذلك على حديث، قال فيه علماء الحديث بأنه ضعيف، أما لو فعل ذلك باختياره فإن العلماء يشددون في ذلك، ولكن خرج الإمام أبو سعيد رحمه الله تعالى الاختلاف في حالة العمد، وهذا كله على اختلاف العلماء في التسليم هل هو فريضة أو سُنَّة أو نافلة؟ فمن قال بأنه فريضة قال بعدم جواز تركه لا في حال الاختيار ولا في حالة الاضطرار، ومن قال بأنه سُنَّة رأى أن حالة الاضطرار تختلف عن حالة العمد، والله تعالى أعلم.
ما هي
الحالات التي يجب فيها قطع الصلاة؟
تقطع الصلاة للضرورة.
ويقطع المسبح التسبيحا لمطر أو لصياح صيحا
مبني
كأن يصلي الإنسان في مكان مكشوف فينزل عليه مطر لا يحتمله، أو من
أجل إنقاذ نفس ونحو ذلك. (1/137)
صفحة 138
138
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
سجود التلاوة والدعاء
ما
مواضع
هي مواضع سجود التلاوة في القرآن الكريم؟
سجود التلاوة هي الأعراف ثم الرعد ثم النحل ثم الإسراء ثم مريم ثم الحج ثم الفرقان ثم آلم السجدة ثم ص ثم حم السجدة أي سورة فصلت وبعض العلماء أضافوا إليها سور المفصل وهي: سورة النجم وسورة الانشقاق وسورة العلق، وبهذا يأخذ العلماء المتأخرون، والمشهور في سورة الحج أن تسجد السجدة الأولى.
عندما تصلي المرأة نافلة أو فريضة هل في كلا الصلاتين تسجد سجود التلاوة إن قرأت آية السجدة؟
نعم، فالنبي صلى الله عليه وسلم سجد في الفريضة، ونحن علينا أن نتبعه ونتأسى به)، والله أعلم.
مبني
ما حكم سجود التلاوة في الصلاة؟
اختلف العلماء في سجود التلاوة في الصلاة، فمنهم من قال بأنه يسجد في صلاته، ومنهم من قال يؤخر السجدة حتى تنتهي صلاته، والقول الأول على وجوب سجود التلاوة، أما القول الثاني فهو مبني على أنه سُنّة، والسنن لا تزاحم الفروض، فلذلك قالوا بتأخير السجود إلى ما بعد الصلاة، والقول الأول هو الصحيح، بدليل أن الله تبارك وتعالى نعي على أولئك الذين إذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون، وهذا أن السجود واجب وكذلك مدح الله تبارك وتعالى المؤمنين فقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَتُهُ، زَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} وضح النبي صلى الله عليه وسلمذلك بعمله، ففي مسند أبي داود
هذا [الأنفال: 2]، ثم مع
يعني
الطيالسي عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم (1/138)
صفحة 139
فتاوى الصلاة
139
الجمعة سور (ألم السجدة في الركعة الأولى وسورة الدهر في الركعة الثانية، وكان يسجد سجود التلاوة في الصلاة»، ومن أجل هذا ذهب جم غفير من العلماء إلى وجوب السجود، وبهذا الرأي نأخذ عملاً بفعل النبي، فأصبح السجود بمثابة حد من حدود الصلاة لما تلا الإمام والمصلّي يصلي خلفه ـ آية السجود، ولا يجوز في هذه الحالة أن يتجاوز هذا الحد إلى ما بعده، بل شدد قطب الأئمة رحمه الله في شامل الأصل والفرع قال بأن من لم يسجد انتقضت صلاته.
حتى
قرأت امرأة سورة في آخرها سجدة وانتهت عندها ماذا تصنع؟ يجب عليها أن تسجد سجود التلاوة، ثم بعد ذلك إن شاءت زادت ولو آية واحدة ثم ركعت، وإن شاءت اقتصرت على هذه السجدة ثم قامت بعد ذلك وركعت وسجدت لصلاتها، والله تعالى أعلم.
هل يجوز الدعاء في السجود في الصلاة المكتوبة؟ أما في المكتوبة فلا، لأن ذلك نُسخ بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام
الآدميين.
ما قولكم فيمن لا يدعو بعد الصلاة؟ وما هو شرط قبول الدعاء؟ قيل من صلى ولم يدع كمن نفض شجرة ولم يلتقط ما تساقط منها، ومن شرائط قبول الدعاء الخشوع بين يدي الله تعالى، والله تعالى أعلم.
أيهما أفضل للمسلم إذا كان مفرداً لوحده أن يدعو بصيغة الجمع أم
بصيغة المفرد؟
لا يدعو بصيغة الجمع، لأن في ذلك ما يدل على تعاظمه، والله تعالى (1/139)
صفحة 140
140
مثلاً:
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
يُخاطب بالتواضع لا بالتعاظم إلا إذا أشرك غيره في الدعاء، كأن يقول اغفر لي وللمسلمين والمسلمات» أو «ربي اغفر لي وللمؤمنين والمؤمنات» أو «رب اغفر لي ولوالدي، أو ربي أصلحني وأصلح ذريتي
ربي
وتقبل منا وتجاوز عن سيئاتنا وامح خطيئاتنا».
الخشوع في الصلاة
نريد منكم أن تبينوا لنا أهمية الخشوع؟
الخشوع في الصلاة هو روحها، إذ الصلاة بدونه هي بمثابة الجسم الذي خلا من الروح والجسم الخالي من الروح لا حراك له ولا إحساس ولا أثر، ولذلك نيط الفلاح بالخشوع، كما في قوله تبارك وتعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ} [المؤمنون: 1، 2]، وفي الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع الله من رواية أم المؤمنين عائشة لنا أن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام قال: «لكل شيء عمود، وعمود الدين الصلاة، وعمود الصلاة الخشوع، وأكمركم عند الله أتقاكم».
ما هو هذا الخشوع؟
الخشوع حقيقته أن يستحضر الإنسان عظمة المقام، وحقيقة المقال، فعظمة المقام أن يحس بأنه بين يدي الله تبارك وتعالى يناجيه، فيجب عليه أن يكون متجرداً من أوزار هموم هذه الحياة الدنيا، حاطاً لها عنه جانباً، فالتاجر لا يشتغل بتجارته والحارث لا يشتغل بحرثه، وصاحب العمل الإداري لا يشتغل بعمله، وصاحب أي مهمة في هذه الحياة الدنيا لا يشتغل بمهمته، وإنما يقبل على ربه الا الله، بكليته، فكما يقبل في ظاهره بوجهه، (1/140)
صفحة 141
فتاوى الصلاة
141
من
بحيث يتوجه إلى البيت الحرام، يقبل في باطنه بقلبه، بحيث يكون هذا القلب فارغاً من كل شغل آخر ما عدا ما هو مقبل عليه. كما أن عليه أيضاً أن يستحضر حقيقة المقال، بحيث يكون ما يأتي به في صلاته من ذكر أو تلاوة يسبق معناه إلى ذهنه بحيث لا يلفظ بقول إلا وقد سبق معناه إلى ذهنه لفظه إلى لسانه واستوعبه، تماماً، فعندما يمثل بين يدي الله تعالى ويدخل في صلاته بتكبيرة الإحرام عليه أن يستحضر معنى هذه التكبيرة، لينسكب في نفسه شعور بأنه بين يدي الله تعالى الكبير المتعال، وأن الكبرياء الله وحده، فما له من الكبرياء شيء، ولا يحق له أن ينازع ربه تبارك وتعالى فيها، كما جاء في الحديث القدسي: «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني فيهما أدخلته النار ولا أبالي». فليس له أن ينازع ربه تبارك وتعالى شيئاً من صفاته، ومن بين هذه الصفات صفة الكبرياء والعظمة، ولئن كانت الكبرياء الله تعالى وحده فعليه أن يخضع وينقاد وأن لا يتكبر على أحد خلق الله، فإن كان ممن أوتي في هذه الدنيا شيئاً من الوجاهة أو أو من المال أو نحو ذلك مما يعده الناس مظهراً من مظاهر العظمة و الكبرياء في هذه الحياة الدنيا فإن عليه أن يشعر أن ذلك كله لا يرفع من قدره إن هو تكبّر على أحد من خلق الله، فعليه أن يتصاغر ويتطامن وعليه أن يُدرك عظم الموقف الذي يقفه، ولئن كان على عكس ذلك، كأن يكون فقيراً مزدرى به فإنه بمجرد ما ينطق بكلمة الله أكبر يشعر بأن الكبرياء الله، وهو بجانب تطامنه وتواضعه الله تبارك وتعالى ذي الكبرياء يحس بالاعتزاز بصلته بالله، فلا يخضع إلا الله، ولا يطأطيء رأسه إلا لجلاله الله، ولا يحني ظهره إلا لكبريائه، فيكون بين يديه تعالى عبداً خاضعاً ذليلاً، وبين أيدي الناس سيداً رفيع القدر كريماً، لأنه اتصل بربه، ولا. الله، يعني ذلك أن يتكبر على الناس ولكن أن يحس بأن الكبرياء الله تعالى وحده وأن
من
السلطة (1/141)
صفحة 142
142
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
الناس متساوية أقدامهم بين يديه. وكذلك إن استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، عليه أن يستحضر معنى هذه الاستعاذة، فمعنى أعوذ ألجأ، فعليه أن يلجأ بقلبه وبعقله وبعمله قبل أن يكون هذا اللجوء مجرد قول من الأقوال، فيحس من قلبه بأنه فار إلى ربه سبحانه من الشيطان الذي أقسم بعزة الله عزّ وجل إنه ليضلنه، وعليه أن يحرص على أن يكون عمله متفقاً ومنسجماً مع هذا الذي صدر منه كذلك عندما ينطق بعد ذلك بقول: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] عليه أن يشعر أن كل شيء لا يعتد به إلا إن كان الله، فباسم الله يقرأ، وباسم الله يصلي وباسم الله يأتي أي عمل من أعماله، لأن الأعمال يجب أن تكون الله، وعندما يأتي بقول الحق تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] يشعر بالنعم العظيمة التي غمرته، والتي لا يمكن أن يحصيها قط، ولا يمكن لأحد غيره أن يحصيها، هذه النعم هي من عند الله وحده، فلذلك كان الحمد له تعالى وحده، ومع ذلك فالله تعالى متصف أنه رب العالمين، إذ ربوبيته الا الله ليست محصورة في هذا العبد، وحده، بل هي شاملة لجميع الكائنات، فما من ذرة في الكون إلا وهي مشمولة بنعمته عزَّ وجلَّ عليها، فالكائنات كلها هي مظاهر لربوبيته تبارك وتعالى من الذرات الدقيقة إلى المجرات الواسعة، وهذا أمر يدعو الإنسان إلى أن يجف قلبه وترتعد فرائصه ويشعر بالقشعريرة تسري في كل عضو من أعضائه، لأنه واقف بين يديّ هذا الرب العظيم الذي هو موصوف بهذا الشأن العظيم، إلا أنه تفيض على نفسه الطمأنينة عندما يتلو قوله تعالى: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 3] فهذه الربوبية وهذه العظمة الله تبارك وتعالى هي في الحقيقة ربوبية إحسان وعندما يتلو قوله تعالى: {مَلِكِ يَوْمِ الدين} [الفاتحة: 4] يستشعر الوقوف بين يدي الله تعالى في ذلك اليوم العظيم، الذي يتخلى فيه كل شيء عنه، ولا تبقى له صلة بأي كائن آخر إلا
شأن (1/142)
صفحة 143
فتاوى الصلاة
143
صلة التقوى وخوف الله تبارك وتعالى والعمل ذلك اليوم، وهذا مما يحفزه إلى الاستعداد للقاء الله تعالى في ذلك اليوم. فإذا تلا بعد ذلك قوله الله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] شعر بأنه واحد من أولئك الذين يسبحون بحمد الله ويسجدون لجلاله، فالعبادة تقدّم إلى الله بصيغة جماعية فالكل يعبد الله وحده، فإن معنى إِيَّاكَ نَعْبُدُ: لا نعبد إلا إياك، فالعبادة الحقة لا تكون إلا الله، فعليه أن يكون صادقاً في قوله هذا، بحيث لا يتشبث بشيء مما يتنافى مع هذه العبادة الخالصة لوجه الله، فلا يتعلق بالأوهام، ولا بأي شيء مما يجعله بعيداً عن التوجه إلى الله، فهو وإن عمل أي طاعة لأحد من الناس إنما يعملها في الحقيقة الله، لأن الله تعالى أمره بتلك الطاعة، ولا يطيع أحداً إلا بموجب ما أمر الله تعالى ل من طاعته، وكذلك الاستعانة لا تكون إلا بالله تعالى وحده، فكما يُفرد تعالى بالعبادة يُفرده سبحانه أيضاً بالاستعانة، فالاستعانة في الحقيقة إنما هي بالله، وما جعله الله تبارك وتعالى من وسائل للتعاون فيما بين الناس فيما يمكن فيه العون فذلك إنما هو في الحقيقة من باب الأخذ بالأسباب، وعلى الإنسان أن لا يشتغل بالأسباب عن مسببها، وإنما يلحظ مسبب الأسباب وهو يأخذ بهذه الأسباب، ولا يحق لأي أحد أن يستعين بغير الله تعالى فيما لم يجعل الله التعاون فيه من سنن هذه الحياة، فليس له أن يأتي إلى أي أحد ليقول له ارزقني ولداً مثلاً، أو اجعلني من أهل السعادة أو من الأبرار أو اجعل لي حظاً من الخيرات أو نحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله، فإن ذلك الشركيات، ولئن كان ذلك يُمنع أن يكون من الحي المتصرف، الذي هو حسب مظهره قادر وعالم ومتصرف في شؤونه فإنه يُعتبر أشد جرماً وأعظم إثماً وأوغل في الكفر عندما يكون بشيء لا حراك له، ولا يملك نفعاً ولا ضراً، كأن يأتي مثلاً إلى قبر ليطلب صاحب القبر، وهو رهين تحت أطباق
من (1/143)
صفحة 144
144
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
الحق،
التراب، أن يقضي حاجته أو أن يرزقه شيئاً ما، وكذلك عندما يأتي مثلاً إلى شجرة أو حجرة أو عين أو نحو ذلك من هذا القبيل. فإذا قال بعد ذلك: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6، 7] شعر أنه بين طريقين طريق الذين أنعم الله عليهم 6، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، وطريق الذين ضلوا وغضب الله عليهم بسبب ضلالهم وانحرافهم عن منهج فعليه أن يسلك طريق أولئك وأن يجعلهم له قدوة وأسوة، وأن لا يزيغ عن الطريق الذي يبلغه رضوان الله تبارك وتعالى، ويبلغه نعمة الله تعالى في الدار الآخرة، وهكذا كل ما يتلوه المصلي في صلاته، وما يأتي به من تسبيح أو تكبير أو غيرهما من الأذكار يفيض مثل هذه المشاعر على نفسه، وبهذا يكون هذا الإنسان خاشعاً حقاً.
ما حكم الخشوع في الصلاة، وهل هناك قدر معين بحيث لو نقص عنه كانت الصلاة باطلة؟
الخشوع لا بد منه في الصلاة، لأنه، روحها كما دل الحديث على أنه عمودها، فالصلاة بدون خشوع لا يمكن أن يكون لها أي أثر، والصلاة شرعت لما شرعت له، فهي تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولكن صلاة غير الخاشع لا يمكن أن تنهى عن الفحشاء والمنكر، والصلاة تقتلع من الإنسان الصفات المذمومة التي كأنما جُبل عليها، فهي أهم عامل في اقتلاعها، يقول الله تعالى: {إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَابِمُونَ} [المعارج: 19 - 23]، ولكن الصلاة التي تفعل ذلك إنما هي صلاة الخاشع، لا صلاة الذي يشتغل عن صلاته، فيقبل على غير ربه فيها، ولئن كان انحراف القلب عن الله تبارك (1/144)
صفحة 145
فتاوى الصلاة
145
وتعالى في الصلاة يؤدي إلى أن تكون الصلاة غير صحيحة، فإنه من أن الاشتغال في الصلاة بالأعمال التي هي مجانبة لها كذلك، كأن يتلفت ذات اليمين وذات الشمال أو يرفع يديه إلى السماء يشير إلى شيء
الواضح
مثلاً، أو يحاول أن يصلح ثيابه تارة، أو ينظر إلى ساعته أو يعمل أي عمل
أن
غير مشروع في الصلاة لأنها منافية للخشوع، ومع هذا أيضاً لا بد من يكون مستحضراً لصلاته بقدر ما يمكنه، فليس له أن يرخي لفكره العنان من أجل أن يسرح ويفكر في غير الصلاة، وليس له أن يجتلب الأفكار فإن اجتلبها يكون قد أخل بصلاته، لأنه أخل بالخشوع، أما إن غلبته الوساوس والأفكار فإنه عليه أن يقاومها، وخير سبيل للمقاومة هو أن يحرص على أن يسبق المعنى إلى الذهن اللفظ إلى اللسان.
هل الخشوع في الصلاة واجب؟ وما معناه؟
الخشوع في الصلاة واجب، لأن الله تعالى ناط به الفلاح، فقد قال سبحانه: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ} [المؤمنون 1، 2]، والنبي صلى الله عليه وسلم أنه يبين عمود الصلاة، كما أن الصلاة عمود الدين، ففي حديث عائشة عند الإمام الربيع حمدالله: «الكل شيء عمود، وعمود الدين الصلاة، وعمود
الصلاة الخشوع
هل وضع اليد للتثاؤب في الصلاة ينافي الخشوع؟
يؤمر الإنسان أن يكافح التثاؤب بحسب ما يمكن، والحركة التي هي لمصلحة الصلاة لا تعتبر منافية للخشوع، وبما أن مكافحة التثاؤب من مصلحة الصلاة فإنه لا يمنع، لكن على أن يحرص على أن يغلق فاهه من غير أن يحرك يده إن أمكن ذلك، وإن اضطر إلى تحريك يده فلا حرج. (1/145)
صفحة 146
146
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
ذكرتم بأن الإنسان إذا أراد أن يتخلص من الأفكار وحديث النفس في الصلاة عليه أن يسبق إلى المعنى قبل قراءة اللفظ، لكن بعض الناس قد لا يحسنون تفسير الآيات أو فهمها وهذا الذي ذكرتموه إنما يتعلق بسورة الفاتحة فماذا عن السور الأخرى، كيف يمكن للإنسان بالفعل أن يتخلص من هذه الوساوس؟
ما في السور الأخرى إما أن يكون ذكراً لله، وإما أن يكون أمراً أو نهياً، وإما أن يكون مواعظ، وإما أن يكون قصصاً تدعو إلى الاعتبار والذكرى، وإما أن يكون امتناناً، وهذا كله مما يجعل الإنسان يعايش هذا الذي يتلوه، فعندما يتلو قصة فيها عبرة فإنه يستحضر في نفسه هذه العبرة، فعندما يتلو قصص الأمم السابقة وما مضى من خيرها وشرها وإيمانها وكفرها وصلاحها وفسادها فإنه يستشعر أنه لا بد من أن يقتدي بالصالحين، وأن يكون من البررة، كما أنه يستشعر أيضاً بأنه لا بد من أن تكون الغلبة والعاقبة بمشيئة الله للمتقين لأن الله تعالى يقول: {وَالْعَقِبَةُ
الله
لِلتَّقْوَى} [طه: 132]، وكذلك عندما يتلو الآيات التي تتحدث عن نعم تعالى وعن آياته في الأنفس وفي الآفاق يتفاعل مع الذي يتلوه فيكون بذلك من الخاشعين.
ذكرتم نقطة مهمة وهي أن بعض السور تحوي على قصص الأولين من أنبياء وغيرهم، فعندما يقرأ الإمام أو المصلي هذه القصص هل يمكن أن يرسم خيالات ومشاهد معينة في الصلاة؟
لا يتعمد ذلك، لكن ما يرتسم في ذهنه بمجرد قراءة القصة من السورة الكريمة يدعه وشأنه، فإن ذلك هو الذي ينبغي فالسورة نفسها ترسم
المشهد. (1/146)
صفحة 147
فتاوى الصلاة
147
امرأة تعيد الصلاة أكثر من مرة وحاولت التخلص من ذلك، وكذلك عندما تقرأ الفاتحة تقرأها أكثر من مرة، وعندما تسمع صوتاً وهي في
الصلاة توسوس وتعيد الصلاة مرة أخرى، فما هو علاجها؟ أولاً عليها أن تتفقه في الدين، بحيث تعرف أن العمل إذا دخله الإنسان ليس له أن يبطله لأن إبطال العمل منهي عنه بنص القرآن الكريم، فالله تبارك وتعالى يقول: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَلَكُمْ} [محمد: 33]، ولذلك كان الخروج من الصلاة بعد الدخول فيها من غير موجب للخروج أمراً محرماً، فلا يجوز للإنسان أن يقدم عليه لما في ذلك من التشديد، ثم من ناحية ثانية فإن تكرار الفاتحة الشريفة أمر غير جائز، بل تكرارها في الركعة الواحدة مبطل للصلاة، لأن الفاتحة ركن، والركن يقتصر الإنسان في تأديته على المشروع من غير أن يزيد شيئاً عليه، فكما لا يجوز له أن يكرر الركوع في الركعة الواحدة بحيث يركع مرتين أو ثلاث مرات فكذلك الفاتحة لا يجوز أن يكررها بحيث يقرأها المرة تلو المرة في الركعة الواحدة، فعليها أن تتغلب على هذه الوسوسة، وأن تستعين بالله وأن تكثر من ذكر الله سبحانه وتعالى، وقبل قيامها إلى الصلاة فلتقرأ آية الكرسي وسورة الإخلاص والمعوذتين ولتستعذ بالله سبحانه وتعالى من الشيطان الرجيم ولتقرأ الآيتين من آخر سورة الأعراف: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَبِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [الأعراف: 200، 201]، ولتقبل على الصلاة بإرادة وبصمود بحيث لا تزعزعها الأحداث، وعليها أن لا تبالي بالأصوات التي تسمعها فإنها لا يعنيها من تلك الأصوات شيء، فلو أنها سمعت صوت صغير أو صوت كبير فلا يشغلنها ذلك عن الصلاة، ولو حصل أن اشتغلت فعليها أن تتجاوز ذلك حتى تعتاد عدم الاشتغال بذلك، لأنها لو أبطلت الصلاة كلما (1/147)
صفحة 148
148
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
سمعت صوتاً فإن ذلك يتسارع في صلاتها حتى لا تستطيع أن تقرأ شيئاً من الصلاة، وإنما عليها أن تستمر مهما كانت هذه الأصوات وبهذا تتغلب إن شاء الله على هذه العادة الخطرة، والله تعالى الموفق.
يودع
بعض الناس يحاول أن يبعد التفكير في الدنيا وشؤونها بالتفكير في أهوال يوم القيامة وأهوال المحشر، فيفكر عمداً في الصلاة في
6
6
مشاهد
الصلاة
يوم القيامة حتى يصرف التفكير في الدنيا، هل يجوز ذلك؟ الإنسان ينبغي أن لا يكون بعيداً عن جو الآية التي يتلوها أو التي يتلوها الإمام ويسمعها هو هذا مع استحضاره ليوم القيامة، فإنه بدخوله في الدنيا، وكذلك يتنقل من عمل إلى آخر، وفي هذه الأعمال كلها يحس أنه بين يدي الله تعالى، فهو يقف وقفة خشوع وتواضع وتذلل بين يديّ الله الا الله، فعليه أن يشعر بقدر هذه الوقفة وشأنها، ثم كذلك عند الانتقال إلى الركوع ثم الانتقال إلى السجود، فهو في ركوعه يخضع الله وفي سجوده يتذلل بين يديه تعالى ويقترب منه، ثم عندما يقعد يكون كأنما بعد أداء هذه المراسيم، وأداء هذه الأفعال المطلوبة منه أذن له بأن يقعد وأن يتقدّم بحاجته، ولذلك يكون بعد التشهد الأخير الدعاء، فيدعو العبد ربه الله ويستجير به من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المسيح الدجال فتنة المحيا والممات، ويدعو بما شاء من الدعاء الحسن، وبعد ذلك ينتقل إلى السلام، والسلام خروج من الصلاة، فكأنما ودع الدنيا ثم عاد إلى أهلها، وعندما عاد إلى أهلها يسلم عليهم من جديد، لأنه رجع من رحلة طويلة عرّجت به إلى السموات العلى وعايش فيها الملأ الأعلى الملائكة الذين هم دائماً يسجدون ويركعون بحيث شاركهم في
ومن
وعاش مع
أعمالهم هذه. (1/148)
صفحة 149
فتاوى الصلاة
149
هل يدخل في العبث من يقوم بإصلاح غطاء رأسه مراراً لأنه لم يحكم
ربطه؟
نعم، ليس له أن يقوم بذلك، بل عليه أن يُعد نفسه للإقبال على ربه الله ولا يشتغل بمثل هذه الأعمال.
البعض يقول إن عدم الخشوع دلالة على ضعف الإيمان، فما هي الأسباب المعينة على الخشوع؟
الناس يتفاوت إيمانهم بتفاوت خوفهم من الله تبارك وتعالى وإجلالهم له، ولا ريب أن من كان لا يخشع في صلاته فليس هو من أهل الإيمان المطلوب، فالله تبارك وتعالى يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ
وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَتُهُ، زَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُنفِقُونَ} [الأنفال: 2، 3]، وهنا لا بد من أن نشير إلى نقطة وهي أنه عندما يأمر الله تعالى بالصلاة أو يثني على أهلها لا يذكر الصلاة هكذا مجردة، وإنما يذكر إقام الصلاة، فالله تبارك وتعالى أثنى على الذين يقيمون الصلاة فقال: {وَالْمُقِيمِي الصَّلَوةِ *
[الحج: 35]، وأمر بإقام الصلاة فقال: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَوةَ [البقرة: 43 - 83 - 110]، [النساء: 77]، [النور: 56]، [المزمل: 20]، فلم يأت لفظ صلوا إلا في الأمر بالصلاة على النبي، أما الصلاة التي هي عبادة الله والتي هي صلة بين العباد وبين ربهم الا الله فإن الأمر بها إنما يكون بإقامتها، أو بالمحافظة عليها، ومعنى أن تقام أن يؤتى بها كالجسم المستقيم المعتدل، ليس بها نقص من أي ناحية لا من ناحية هيكلها ولا من ناحية روحها، أما الجسم ـ فكما ذكرنا - على الإنسان أن يكون مقبلاً على الله تعالى بوجهه، بحيث لا يحرف وجهه ذات اليمين وذات الشمال، لأنه (1/149)
صفحة 150
150
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
باتجاهه إلى القبلة البيت الحرام هو متجه إلى ربه، إذ ذلكم الاتجاه إنما هو رمز الاتجاه إلى الله لأن الله تبارك وتعالى أمره بالاتجاه إلى ذلك المكان، فكان اتجاهه إلى هناك إنما هو في الحقيقة اتجاه إلى الله تبارك وتعالى الذي أمر به، فإن أخذ ينحرف ذات اليمين وذات الشمال بحيث يرمي بوجهه تارة إلى يمينه وتارة إلى شماله وتارة يرفعه إلى السماء وتارة يطأطئه إلى أسفل فهذا غير متجه إلى ربه، وكذلك عندما يعبث بيديه فيرفعها إلى السماء أو يشير بها إلى إلى اليمين أو إلى اليسار أو إلى أي جهة أخرى فإن ذلك مما ينافي الخشوع، وكذلك عندما يعبث بثيابه أو بلحيته أو بعمامته وبرأسه أو يعبث بأعضائه الأخرى فهذا كله من العبث الذي يتنافى مع الخشوع.
هناك صور نقل عن بعض الخاشعين في الصلاة من أن أحدهم كان يصلي فانهدم جانب من المسجد فلم يشعر به، وبعضهم مرت عليه
طبول وزمور فلم يسمعها هل هذه حقيقة، وهل هذا ممكن حقاً؟
الناس يختلفون في ذلك، منهم من إذا شغله شاغل لا يلتفت ولا يحس بأي شيء آخر، وهذا مما يقع كثيراً حتى عندما يكون الإنسان مشغولاً بأمر الدنيا، فأنت تحدثه وهو لا يلتفت إليك ولا يفهم ما يصدر منك، فهؤلاء الذين لا يشعرون بشيء وهم في صلاتهم هم أهل الله وخاصته، وقد أكرمهم الله الا الله بما أكرمهم به من التعلق به، فعندما يقبلون على صلاتهم يكونون كأنما خرجوا من هذه الدنيا، فلا يلتفتون إلى أي صوت، ولأجل هذا فكثير منهم لا يستنكر أن يشغله ما هو مقبل عليه من أمر الصلاة، وأن يشغلهم الخشوع عن سماع أي صوت كان، من صوت طبول أو مزامر، ... إلخ، بل روي عن بعضهم أنه أرادوا أن يجروا له عملية ـ قبل (1/150)
صفحة 151
فتاوى الصلاة
151
وجود التخدير ـ لقطع رجله فأمرهم أن يقطعوها عندما يكون في الصلاة، لأنه لا يحس بشيء عندما يقبل على ربه الله، فهذه مواهب يهبها الله تبارك وتعالى من يشاء من عباده.
هناك تساؤلات حول هذا الموضوع نفسه ذكرتم بأن هذا ممكن، وإنما يكون لبعض الناس الذين يخشعون خشوع وعاً تاماً، ونحن قرأنا في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع صياح طفل فعجّل في الصلاة، لأن أمه ربما كانت تصلّي خلفه.
مع
هذا
النبي صلى الله عليه وسلم أوسع الناس قلباً، فهو مع إقباله المطلق على الله تبارك وتعالى يظل أيضاً مراعياً لحاجات الناس ولضروراتهم ولأحوالهم فلذلك الإقبال المطلق ومع كونه أخشع الناس في الصلاة وأكثرهم استحضاراً للمقام يكون من قبله ما يشغله من أمر الناس حتى لا ينفر الناس عن الصلاة.
سمعت من يقول بأنه ورد في السُّنَّة أنه يجوز للإنسان ثلاث حركات في الصلاة؟ هذه الحركات الثلاث وجدناها عند الفقهاء، وثبوت ذلك في السنة الله أعلم به، وهذه الحركات إن كانت لمصلحتها، كأن يحس بالتهاب في مكان والالتهاب يشغله عن صلاته فله أن يحلُّ ذلك المكان الملتهب بقدر ما يسكن التهابه لثلاث حركات بلا زيادة.
بعض الناس يبدأ في الصلاة لكنه لا يتذكر إلا وهو في قراءة السورة لا يدري هل كبّر أم لم يكبر أي لم يخشع؟
عليه أن يحرص بأن يدخل في الصلاة مستشعراً لها، فلا بد من استحضار تكبيرة الإحرام إذ بها يدخل في الصلاة، وكيف يدخل في الصلاة وهو لم (1/151)
صفحة 152
152
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا
الجزء الأول
يكبر؟ ولم يستشعر تكبيرة الإحرام؟ أما إن كان استشعر تكبيرة الإحرام ثم انصرف ذهنه بعد ذلك من غير أن يصرفه وإنما كان ذلك أمراً غير اختياري فعليه أن يحرص على مكابرة هذه الوساوس ومقاومة هذه الأفكار وأن يستشعر عظمة المقام ويواصل صلاته.
بعض الناس يصلّي خلف الإمام فيستمع إلى قراءة السورة لكن يغيب ذهنه ويدخل في التفكير فلا يدري أي سورة قرأ الإمام فهل عندما يسلم الإمام يقوم بقضاء تلك السورة؟
هذا قول قاله بعض أهل العلم، لكن بما أننا لم نجد دليلاً عليه، وهذا لم يتعمد إفلات ذهنه حتى يسرح في هذه الأفكار، فإننا لا نرى ذلك، بل نرى أنه يعذر ما دام يقاوم الوسوسة والأفكار بقدر استطاعته.
بالنسبة للعطس، البعض يعطس ويحمد الله، فما حكم ذلك؟ لا مانع من أن يحمد العاطس الله من بعد العطاس في الصلاة، وهذا مما جاء في السنة، فقد أن قول من قال: ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً كان روي
على أثر عطاس
رنين جرس الساعات المعلقة على الحائط ورنين الساعات الموجود على أيدي المصلين، هل يؤثر على الخشوع؟
كل ما يشغل المصلين يجب أن يكافح، وأنا أعجب لماذا تكون في المساجد ساعات ترن، فينبغي أن تكون صامتة، إذ الناس ليسوا بحاجة إلى أن يعدوا رنين الساعات، وإنما هم بحاجة إلى أن يعرفوا الساعة من خلال نظرهم إلى عقاربها قبل دخولهم في الصلاة. (1/152)
صفحة 153
فتاوى الصلاة
153
الأطباء في بعض الأحيان يحملون نداء وعندما يصلون يصدر ذلك النداء صوتاً دلالة على وجود مريض مضطر لا بد أن يحضروا فوراً، فهل ذلك يؤثر على خشوعهم؟ إن كان ذلك أمراً ضرورياً وفيه إنقاذ لحياة أحد من الناس، أو فيه دفع ضراء عن أحد الناس بحيث إن الضرورة داعية لحضور الطبيب فهذه حالة مستثناة، وأما بدون ذلك فلا.
أنا فتاة أهتم بصلاتي ولكن مشكلتي أنني أسرح في صلاتي ولم أستطع التغلب على ذلك، وأحس أنني لم أؤد صلاتي بشكلها الصحيح، فما هو الحل حتى أستطيع التغلب على ذلك؟
الحل هو أن تستشعري دائماً أنك تخاطبين الله تبارك وتعالى الذي هو قيوم السماوات والأرض، وله الحق، والأمر تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَدِهِ، وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء: 44]، مع استحضار الخشية من الله والافتقار إليه، وما عليك أكثر من ذلك، فإن لم تستطيعي أن تسيطري على أفكارك هذا كله فذلك
مع
مما يدخل في قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، وإنما عليك الاجتهاد بقدر الاستطاعة، والله تعالى أعلم.
في
أثناء الصلاة أظل سرحاناً وفي تفكير وحاولت التخلص منه ولكن دون جدوى، فما هي الطريقة للتخلص من هذا التفكير؟ الطريقة أن يستحضر الإنسان وهو ماثل بين يدي الله تعالى عظم المقام، وأن يحرص على أن يكون ما يقوله يسبق معناه إلى ذهنه نطقه إلى لسانه، والله تبارك وتعالى يقول: {وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69]، (1/153)
صفحة 154
154
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
فهذه مجاهدة، وكلما كان الإنسان حريصاً عليها كانت نتيجتها أنجح
بمشيئة الله.
تجمع
امرأة مصابة بالوسواس القهري، وهذا الوسواس يجعلها تشك في الصلاة ولا تدري هل صلّت أم لم تصلّ وقال لها من قال بأن لها أن الصلاة لأنها لا تستطيع حتى الخروج من البيت لأنها تخشى أن تفوتها الصلاة، فهل لها أن تجمع الصلاتين؟ كل ما كان محرجاً للإنسان يسوغ له أن يجمع بسببه الصلاتين، والمرض من جملة الإحراج، فالنبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث الصحيح «صلى الظهر والعصر معاً، والمغرب والعشاء الآخرة معاً، من غير خوف ولا سفر ولا سحاب ولا مطر». وقد جاء في رواية الشيخين وغيرهما لهذا الحديث أن رواية ابن عباس ها سئل: ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج ذلك أن أوقات الحرج يسوغ فيها للإنسان أن الصلاتين دفعاً لهذا يجمع الحرج، ولا ريب أن مثل هذا المرض - مرض الوسوسة ـ حرج كبير فما على هذه المرأة أن تجمع الظهر والعصر معاً وأن تجمع المغرب والعشاء معاً من غير قصر، إلا إذا كانت في حال سفر فلتقصر، والله تعالى يتقبل منها.
أمته.
ومعنى
امرأة يأتيها الوسواس أثناء فترة العبادة، وفي أثناء الحيض تمتنع عنها تلك الوساوس، فما نصيحتكم لها؟ نصيحتي لها أن تكثر من ذكر الله والاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، فإن الله تعالى يقول: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَيْنِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَبِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مبْصِرُونَ} [الأعراف: 200، 201]. (1/154)
صفحة 155
فتاوى الصلاة
فتاة في التاسعة عشر من عمرها لها عادة وهي أنها تتشوق لحضور الصلوات المفروضة ولكن حين تؤديها تحس بأن شيطاناً يوسوس لها
غالباً مما يؤدي إلى أن يخرج ذهنها من الصلاة وتحاول الخشوع ولكن الشيطان يغلب عليها، فماذا عليها؟ عليها أن تتقي الله، وأن تستشعر عظمة المقام الذي وقفته، بحيث تحرص دائماً على أن يكون معنى ما تقوله في صلاتها أسبق إلى ذهنها من لفظه إلى لسانها، ولكن مع ذلك إن غلبها الذهول والنسيان فذلك من طبع الإنسان، ولا تكلف ما لا تطيقه، فإن الله تبارك وتعالى يقول: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، ويقول: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَنهَا} [الطلاق: 7]، ويقول يا الله فيما يحكيه عن عباده المؤمنين: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286]، والله تعالى أعلم.
يؤمر
في بعض الأحيان تحدث وسوسة للإنسان في الصلاة ولا تذهب إلا إذا رفع صوته حتى يستطيع أن يتغلب عليها هل يجوز ذلك للإنسان؟ وهل يُخالف بذلك قوله تعالى: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} [الإسراء: 110]؟
أن يخفت صوته ولا يرفعه عندما يصلّي مع الإمام، أما إذا كانت هذه الصلاة صلاة نافلة فإنها تكون بين الجهر والإخفات وهذا الذي حمل عليه بعض المفسرين قول الله تعالى: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا} [الإسراء: 110].
امرأة أثناء الدعاء تشعر بخشوع تام وبعد الدعاء تشعر ببرودة خفيفة في
يدها تصاحبها رعشة في الجسد؟
نرجو من الله تعالى أن يكون ذلك دليلاً على صدق إيمانها، فإن الله تبارك (1/155)
صفحة 156
156
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الأول
وتعالى يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَتْهُ زَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَهُم يُنفِقُونَ * أَوَلَيْكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا فَهُمْ دَرَجَتُ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ
كَرِيمٌ} [الأنفال: 2 - 4]، فخشوع القلب عد ذكر الله تعالى في الصلاة وفي الدعاء وفي مطلق الذكر مما يُبشر بالخير، فنسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا وإياها لما يحبه ويرضاه وأن يأخذ بأيدينا جميعاً إلى طريق الجادة المستقيمة، وهذا أيضاً قد يدلُّ على إجابة الدعاء فإن الله تعالى يقول: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186]، واتصال القلب بالله تبارك وتعالى عند الدعاء مؤذن بإجابة الدعوة، وهذه الانفعالات والآثار التي تبدو على الإنسان عندما يُذكر الله تعالى دليل على الصلة بالله، والحمد لله.
هل يجوز للمصلّي أن يقطع صلاته إذا أراد أن يزيل أسباب الإزعاج التي أذهبت خشوعه كإغلاق باب الغرفة مثلاً؟
إن كان ذلك يزعجه إزعاجاً شديداً ولا يستقر في صلاته فلا حرج، لأن
ذلك
من مصلحة الصلاة.
ما حكم الاستعجال والسرعة في الصلاة؟
الصلاة تؤدى بخشوع، لأن الله تبارك وتعالى يقول: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ} [المؤمنون: 1، 2]، وقد جاء في الحديث المروي في المسند الصحيح من طريق أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لكل شيء عمود وعمود الدين الصلاة وعمود الصلاة الخشوع، والاستعجال ينافي الخشوع لأن المستعجل يُسابق ويحاول أن يتفلت من صلاته بسرعة، في (1/156)
صفحة 157
فتاوى الصلاة
157
حين أننا نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عندما يقرأ الفاتحة يتلوها آية آية بترتيل امتثالاً لأمر الله تعالى الذي يقول: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمل: 4]، ومن أسرع في صلاته لم يرتل قراءة القرآن الكريم، فعلى المصلين أن يتقوا الله وأن يحرصوا على الخشوع وأن يؤدوا الصلاة بطريقة تطمئن إليها نفوس عباد الله المؤمنين.
امرأة تغمض عينها في الصلاة زيادة في التركيز، هل يجوز ذلك؟ أما إغماض كامل العين فلا، وأما إغماضها بعض الشيء بقدر التفرقة بين النور والظلمة فلا بأس به، وذلك أولى لأجل الخشوع.
صلاة الجماعة
هل تصح إمامة المرأة لبنات جنسها في الفرائض؟
اختلف العلماء في إمامة المرأة بالنساء فقيل تصح في الفرض وفي النفل، وقيل في النفل دون الفرض. وقد جاء في بعض الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على الإذن للنساء بالإمامة، والأصل الإطلاق حتى يثبت التقييد، وعليه فلا مانع من إمامتها ببنات جنسها على أن يكن بعيدات عن أنظار الرجال، وتكون في وسط الصف الأول من صفوفهن، والله أعلم.
هل للمرأة أن تصلي بنفسها في مصلّى النساء المنفصل أثناء تأدية الجماعة للصلاة، أم لا تصلّي معهم، علماً بأن مصلى النساء مربوط بالمسجد عن طريق مكبرات الصوت ويصلها صوت الإمام، فإن كان يصح، فما حكم الصلوات السابقة التي صلتها بهذه الحالة؟ إن كان ذلك في مكان منفصل بحيث لا ترتبط صلاتها بصلاة الإمام فلا
ذلك لا
حرج عليها. (1/157)
صفحة 158
158
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
إذا صلّى الرجل بامرأته أين تقف؟
هذه المسألة وجدنا للفقهاء فيها قولاً لم نجد له دليلاً من السنة، قالوا: بأنها تقف على يساره وعللوا ذلك بأنه لو دخل داخل عليهما فإن ذلك الداخل هو الذي يقف على يمين الإمام وهي تتأخر، حتى لا تمنع الداخل من الوقوف على يمين الإمام ولئن كانت العلة هذه فإن هذا ينبغي أن يحصر فيما إذا كان هنالك إمكان لأن يدخل عليهما داخل، أما إن كانا وحدهما في غرفتهما ولا يدخل عليهما داخل فإنه لا ينبغي أن يفرّق بينها وبين الرجل فتقف في هذه الحالة على جنبه الأيمن.
هل يجوز أن يصلّي الزوج بزوجته الفرض أيضاً؟
لا مانع من ذلك.
هل هناك شروط لصلاة النساء جماعة؟
لا شروط تميز بينهن وبين الرجال، وإنما تنهى المرأة أن تتبخر وتتطيب، فلو خرجت متبخرة أو متطيبة فإنها تكون آثمة بهذا، وكذلك عليها أن تجتنب التغنج وكل ما يثير الرجل، والتي تصلي بهن تكون في وسط الصف.
هل هناك شروط لإمامة المرأة غيرها من النساء؟
هي كشروط إمامة الرجل لا فرق بينهما، وإنما اختلف هل تؤمهن في الفريضة والنافلة، أو في النافلة وحدها، والراجح النافلة وحدها، والراجح أنه لا مانع أن تؤم في
الفريضة والنافلة.
فتاة تسأل عن صحة الحديث الذي يقول: «من رفع رأسه قبل الإمام
مسخ الله رأسه حماراً» أو كما جاء؟ (1/158)
صفحة 159
فتاوى الصلاة
159
حديث: «ألا يخشى من رفع رأسه قبل الإمام أن يمسخ الله رأسه رأس حمار» رواه البخاري، فليس للمصلّي أن يتقدم الإمام بشيء لا في رفعه ولا في ركوعه ولا في سجوده ولا في أي حركة من حركاته، لأن الإمام جعل ليؤتم به، وليس من الائتمام أن يتقدم المأموم عليه.
كيف تصلي المرأة جماعة في الحالات التالية:
أ) مع زوجها؟
قيل تقف عن يساره والراجح أنها تقف عن يمينه إن كان لا يدخل عليهما شخص آخر، أما إن كان من المتوقع أن يدخل عليهما شخص آخر فإنها تصف عن يساره فإن دخل الرجل صف عن يمينه وتأخرت هي.
ب مع زوجها وأحد إخوتها؟
يصف الرجل بجنب الإمام متأخراً عنه قليل وتصلي هي خلفهما.
في
جـ) مع رجال من محارمها كخمسة مثلاً؟
هذه الحالة تصف وراءهم ويصفون هم خلف الإمام.
إذا ركعت المرأة قبل الإمام فما حكم صلاتها؟
إن تعمدت ذلك بطلت صلاتها، وإن لم تتعمد فلتقم وتعد ركوعها بعد أن يركع الإمام.
قلتم سماحة الشيخ: وراء الإمام ماذا لو كان بيتها أمام الإمام؟
أما أن يتقدم المأموم الإمام فلا، سواء كان التقدم في المكان أو في الحركات والسكنات، فإن الإمام جعل إماماً ليؤتم به، أما إن كانت في جنب المصلين فلا بأس. (1/159)
صفحة 160
160
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
إذا كان مصلّى النساء منفصلاً عن الرجال في نفس المسجد فهل ينطبق هذا على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها»؟
إنما ذلك لأجل البعد عن الرجال، أما إذا كان المصلّى منفصلاً فلا فرق بين الصفوف الأمامية والخلفية.
امرأة تصلي في بيتها التراويح مع صلاة إمام المسجد المجاور، والذي يفصلها عنه شارع غير معبد، فما الحكم في ذلك؟
المرأة يتسامح في حقها ما لا يتسامح في حق الرجل، والدليل على ذلك حديث أنس رضي الله تعالى عنه الذي صلّى على الحصير الذي اسود من طول ما لبس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصف هو والشيخ أو هو واليتيم كما جاء في رواية وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفت العجوز وراءهم، ومعنى ذلك أنها وقفت صفاً، وحدها، مع أن الرجل لو وقف صفاً وحده لما صحت صلاته، كما جاء في روايات عدة عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لا صلاة لمن وقف وحده خلف الصف، فهذا يدل على التسامح في المرأة، ولذلك قال من قال من الفقهاء بأن الصفوف لا تلزم النساء، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن صلاة السنن والنوافل يتسامح فيها أيضاً ما لا يتسامح في صلاة الفرض، فلا ينبغي أن يشدد على المرأة ويقال بعدم جواز فعلها هذا ما دامت تقف وراء الإمام ولو كان مع وجود فاصل بينها وبين المصلين بمقدار الشارع، وينبغي يقصر هذا على السنن والنوافل، وإن كنت لم أجد دليلاً يقتضي التشدد عليها إلا أنه ينبغي الأخذ بالاحتياط فيقتصر في هذا على صلاة الشنن
ذلك
والنوافل.
أن (1/160)
صفحة 161
فتاوى الصلاة
161
إذا دخل شخص المسجد والإمام قد بدأ في القيام الأول وهو بعد لم يصل الفرض ولم يصلّ السُّنَّة، فهل له أن يصلّي معهم التراويح ويؤخر
الفرض والسنة؟
أما إن قصد بذلك أن يصلّي قيام رمضان فقيام رمضان لا يكون سابقاً على الفريضة، بل لا بد من أن يصلّي الفريضة أولاً ولو اعتزل جانباً وصلّى بنفسه أو مع جماعة أخرى، إذ لا يدخل معهم وهم يصلون سُنَّة، بخلاف ما لو وجد جماعة تصلي فريضة فإنه لا يسمح له أن يصلّي بنفسه، أو يصلي بجماعة أخرى، ثم بعد ذلك يصلّي معهم ما أدرك من قيام رمضان،
ثم بعد ذلك يصلّي سُنَّة العشاء إن أراد أن يقضيها، والله تعالى أعلم.
رجل يريد أن يصلّي بأهل بيته قيام رمضان، فكيف يكون ترتيب أولاده وبناته عند القيام للصلاة؟
يجعل الذكور خلفه ثم الإناث، فإن كان هؤلاء الذكور جميعاً محارم للإناث فلا يلزم أن يكون هنالك فاصل ما بينهم وبينهن بل يكن خلفهم مباشرة وإلا فالأولى أن يكون بينهم مقدار صف حتى يكنَّ أبعد عن الرجال إن كان بعض أولئك الرجال من غير محارمهن، والله تعالى أعلم.
النبي
النساء عن حضور المساجد، هل كان نهي تنزيه أم نهي
تحريم؟
النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عن دخول النساء إلى المساجد، بل كن يصلين وراءه، ذلك كان يأمرهن بأن لا تصيب إحداهن طيباً، أما إن أصابت طيباً
ولكنه مع فإنها منهية عن شهود الجماعة، فقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم النساء إن أصبن بخوراً أو أي طيب آخر أن يحضرن الجماعة، لما يُخشى من الفتنة بسبب ذلك، وإنما (1/161)
صفحة 162
162
المرأة تسأل والمفتي يجيب -
الجزء الأول
قالت السيدة أم المؤمنين عائشة بعد النبي: لو رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن من دخول المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل»، وهذا قالته أم المؤمنين عائشة بعدما استجدت أمور بعده صلى الله عليه وسلم من إحداث الزينة في حال خروجهن إلى المساجد، أو التطيب أو التغنج أو غير ذلك مما يثير الفتنة في نفوس الرجال، فبهذا يكن منهيات عن شهود الجماعة لأجل خوف الفتنة لا لأجل نهيهن عن شهود المساجد رأساً، والله تعالى أعلم.
صلاة المريض
ما
هي
الحالات التي تُبيح للمريض ترك الصلاة والقضاء بعد ذلك؟
إن كان يستطيع أن يصلّي فعليه أن يصلّي كيفما استطاع في ذلك الوقت، فإن استطاع أن يصلي الصلاة كما هي، بحيث يأتي بقيامها وركوعها وسجودها وقعودها فليفعل، وإن لم يستطع أن يصلي قائماً فليصل قاعداً، وإن لم يستطع أن يصلّي قاعداً فليصل مضطجعاً متوجهاً إلى جهة القبلة، وإذا لم يستطع ذلك فليصل وهو مضطجع كيفما أمكنه أو مستلق على ظهره، وإن تعذر عليه الركوع والسجود فليوم لهما وهكذا.
نرجو من سماحتكم التحدث عن صلاة المريض بشيء من التفصيل من حيث مراحلها والهيئة التي يكون عليها الإنسان، وأين يضع يديه أثناء الصلاة جالساً؟ صلاة المريض ينظر فيها إلى مراحل هذا المرض، فمن كان قادراً على أن يتكلف القيام ويصلّي قائماً فإنه يؤمر أن يصلي قائماً إلا إن شق عليه ذلك، فإن شق عليه القيام وقدر على القعود فيصلي قاعداً ويضع يديه على الأرض إلا في حال القعود للتشهد، وقيل تكون هيئته كهيئته في حال (1/162)
صفحة 163
فتاوى الصلاة
163
التشهد، وإن تعذر عليه ذلك فإنه يصلّي مضطجعاً على الجانب الأيمن ووجهه إلى القبلة فإن تعذر عليه ذلك صلّى كيفما أمكنه، فإن تعذر عليه أن يأتي بالصلاة فإنه يكبر لكل صلاة خمس تكبيرات، والله تعالى أعلم.
امرأة دخلت في التخدير وفاتتها الصلوات في تلك المدة كيف يكون
قضاؤها؟
تقضي الصلوات التي فاتتها متى ما تيسر لها ذلك، والقضاء لا يرتبط بوقت معين فلها أن تقضي الظهر في وقت الظهر وفي وقت العصر وفي وقت المغرب وفي وقت العشاء وفي وقت الفجر، ولها أن تقضي أي صلاة من هذه الصلوات في غير أوقات الصلوات الخمس المعروفة، كأن تقضي ما بين طلوع الشمس إلى قبيل استوائها في كبد السماء، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم في واقعة الخندق قضى صلاة الظهر وصلاة العصر وصلاة المغرب في وقت العشاء، وهكذا فعل أصحابه معه، وكفى بفعله حجة ودليلاً.
امرأة عندما تصلّي تمد رجلها أثناء السجود لأنها لا تستطيع كفها؟ يقول الله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما منه ما استطعتم فلا حرج عليها في هذا. امرأة أُجريت لها عملية في رأسها، فأصبحت لا تستطيع الوقوف ولا القعود، وتفقد عقلها في أحيان كثيرة، وقد يحضر وقت الصلاة وهي فاقدة لوعيها ولا تفيق إلا بعد فوات وقت الصلاة فكيف تكون صلاتها في هذه الحالة، وهل تنويها أداءاً أم قضاءاً؟
عليها أن تصلّي عندما تفيق، فإن كانت الإفاقة بعد خروج الوقت فصلاتها قضاء إن شاء الله وإلا فأداء. (1/163)
صفحة 164
164
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
يكون الإنسان بعض الأحيان في المستشفى وقد أُجريت له عملية لا يستطيع معها القيام إلى الوضوء أو لا يستطيع الاتجاه إلى القبلة كيف تكون صلاته؟
يصلي الإنسان كيفما أمكنه، فإن الله تعالى يقول: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا اتنها ويقول: لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم فعلى الإنسان أن يصلي كيفما أمكنه، فهو إن استطاع الوضوء توضأ، وإن لم يستطع الوضوء تيمم، وإن لم يستطع الوضوء ولا التيمم سقطا عنه وليصل كيفما أمكن.
رجل أجريت له عملية جراحية والطبيب لم يمنعه من الركوع والسجود ولكنه لم يركع ولم يسجد بحجة أنه يشعر ببعض الآلام واستمر على ذلك أربعين يوماً، فما الحكم؟
العاقل طبيب نفسه، فإن كان يحس بمشقة فإن الدين جاء بالتيسير ولم يأت بالمشقة يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، والله
تبارك وتعالى يقول: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَنَهَا} [الطلاق: 7]، {لَا اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، أما إن كان متهاوناً فصلاته التي أخل بركن من أركانها غير صحيحة، فكيف وقد أخل بركنين وهما الركوع والسجود؟.
امرأة لا تستطيع السجود إلا إذا وضعت يدها على جبهتها، بحيث تسجد فوق يدها. فهل يصح لها ذلك؟
لا تسجد فوق يدها ولا فوق مخدة، ولا غيرهما، فإن لم تستطع السجود على الأرض ـ وأعني بالأرض المكان المستوي الذي هي قاعدة عليه ولو (1/164)
صفحة 165
فتاوى الصلاة
165
كانت على الفراش ـ فلتوم للسجود، أما أن تسجد على شيء مرتفع فذلك غير جائز، لأن الإنسان مأمور أن يأتي من الأوامر المشروعة بما قدر عليه ويسقط عنه ما عجز عنه، فالله تبارك وتعالى يقول: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا اتنها} [الطلاق: 7]، ويقول: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم»، والله تعالى أعلم.
والدتي أُجريت لها عملية في العمود الفقري، ولكن لا تستطيع الجلوس جيداً إلا على دكية، وعندما تسجد يؤتى لها بمخدة أخرى تسجد عليها، فكيف تكون صلاتها؟ بما أنها عاجزة عن السجود فتكتفي بالإماء للركوع والسجود، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم»، وهذه لم تستطع السجود، وبما أنها غير مستطيعة فحسبها ذلك.
امرأة بسبب حادث سير أصابتها حالة لم تستطع فيها أن تصلي صلاة صحيحة، وعندما تبدأ القراءة لا تعرف وتختلط عليها قراءة الصلاة، واستمرت على هذه الحالة شهرين، ماذا يلزمها؟
لا يلزمها إلا ما تستطيعه والله أولى بعذرها فيما لا تستطيعه.
هي
امرأة أُجريت لها عملية في ظهرها خارج البلاد، وبسبب العملية تركت الصلوات ولم تصلّ هناك وعادت الآن إلى بلادها، هل تصلّي الصلوات التي فاتتها قصراً أم تصلّيها وطناً؟
أخطأت في تركها الصلاة، فقد كان عليها أن تصلي كيفما استطاعت ما دامت بها بقية من عقل وفهم وإدراك، بل ولو عجزت عن الصلاة بحيث لم تستطع حتى مجرد قراءة ألفاظ الصلاة كان عليها أن تكبّر لكل (1/165)
صفحة 166
166
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
نظافة البدن
صلاة خمس تكبيرات ما دامت قادرة على ذلك، والإنسان لا يُعذر عن الصلاة، لأن الصلاة كتاب موقوت كما قال لا إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتَا} [النساء: 103]، فهي كتاب موقوت بوقت معين محدد لا يجوز تأخيرها عنه، ويكفي أن الله تبارك وتعالى شرع الصلاة حتى في الحالات الحرجة كمواجهة العدو، فكيف بالمريض وهو قادر على الصلاة؟ فلا بد أن يصلّي كيفما كان، فإن استطاع الطهارة تطهر، وإن لم يستطع الطهارة عذر عنها، وإن لم يستطع الوضوء ولا التيمم سقطا عنه جميعاً، وإن استطاع أن يصلّي بنظافة الثوب صلّى كذلك وإن لم يستطع فليصل ولو بثوب نجس، وإن استطاع أن يصلّي مع فليصل وإلا فليصلّ ولو كان متلبساً بنجاسة، ويصلّي متوجهاً إلى القبلة وإن لم يستطع فليصل متوجهاً إلى أي جهة كانت، ويصلّي قائماً وإن لم يستطع فليصل قاعداً، فإن لم يستطع فليصل مضطجعاً متوجهاً إلى القبلة فإن لم يستطع ذلك فإلى أي جهة كان، وإن لم يستطع أن يأتي حتى بمجرد ألفاظ الصلاة فعليه أن يُكبّر لكل صلاة خمس تكبيرات وكفى، ولكن لا يُعذر عن الصلاة وبما أنها لم تصل في حالة وجوب الصلاة فإن عليها قضاءً وبما أنها كانت على سفر فلتقض الرباعيات ركعتين ركعتين مع التوبة إلى الله مما فرطت في صلاتها. والله تعالى أعلم.
هذا
امرأة أُجريت لها عملية جراحية، ولم تصل طوال تلك الفترة، فهل تلزمها كفارة؟ وكيف تقضي صلاتها؟
عليها التوبة إلى الله وقضاء ما أضاعت من صلوات، وفي الكفارة خلاف، ولا نقول بإلزامها الكفارة إلا إن أرادت أن تحتاط، والله أعلم. (1/166)
صفحة 167
فتاوى الصلاة
167
شخص أصيب بمرض من أثر حادث سير فلم يقدر أن يصلّي لمدة ثلاثة أشهر وهو في المستشفى؟
إن كان واعياً فعليه الصلاة ولا يُعذر كيفما قدر، إن قدر على الطهارة فعليه الطهارة، فإن لم يقدر عليها فالتيمم، فإن لم يقدر فالله تعالى أولى بعذره وعليه أن يُصلّي ولو بدون وضوء وبدون تيمم، ويُصلّي قائماً وإن لم يستطع فقاعداً، وإن لم يستطع فمضطجعاً متوجهاً إلى القبلة، وإن لم يستطع أن يتوجه إلى القبلة فحيثما كان متوجهاً، وإن لم يستطع الإيماء فليكتف بقراءة الصلاة، وإن لم يستطع أن يقرأ الصلاة فليكبر لكل صلاة خمس تكبيرات وكفى.
امرأة لا تمتلك ملكة الحفظ، بحيث إنها لا تحفظ الكلام الذي يجب أن يُقرأ أثناء الصلاة، وهي في المقابل تستطيع الركوع والسجود فكيف
تكون صلاتها؟ تحفظ فاتحة الكتاب على الأقل، وتأتي بالتسبيح، وليس عليها إلا ما استطاعته، وتقرأ ولو بعض التشهد حتى تكون آتية لما لا بد منه، والله تعالى يعذرها عما هي عاجزة عنه.
بالنسبة لمن يحسن الكلام لكنه أصم فعندما لا يسمع تكبيرة الإحرام في صلاة الجماعة، فماذا يصنع في هذه الحالة؟
في هذه الحالة يمكن أن يوكل إلى أحد بجانبه يحركه عندما يكبر الإمام تكبيرة الإحرام، وذلك قبل أن يكبر المُحرِم. (1/167)
صفحة 168
168
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
طفلة عمرها اثنا عشر عاماً وحتى الآن لم تحفظ الصلاة قمنا بتعليمها منذ ما يقارب السنتين ولكن بدون فائدة، وحتى يومنا هذا لم تتمكن من التمييز بين صلاة الظهر وجميع الصلوات؟
لعل هذه مختلة العقل، فإن كانت تتمكن من الفهم ولو بأن يقوم أحد في أثناء حضور الصلاة بتفهيمها فذلك، وإن كانت غير متمكنة من الفهم فالظاهر أنها مختلة العقل والله أولى بعذرها، والله أعلم.
كيف يؤدي الصم والبكم الصلاة؟
هؤلاء متعبدون كما يُتعبد غيرهم بالصلاة، ولكن بما أنهم لا يستطيعون النطق فإنهم يُكيفون الصلاة في نفوسهم ويؤدونها بجميع حركاتها، فيركعون مع الراكعين ويسجدون مع الساجدين ويقومون مع القائمين ويقعدون مع القاعدين، ومع ذلك يستحضرون ما يقوله المُصلي في نفوسهم، وهذا كاف لهم، فإن روح الصلاة أن يكون الإنسان مستشعراً ما يقال، فهم وإن كانوا غير قادرين على القول فروح الصلاة في نفوسهم وإن كانوا غير قادرين على الإتيان ببعض الأركان فهم معذورون والله تعالى يكلفهم ما يستطيعون لا ما لا يستطيعون، فما عليهم إلا أن يصلوا على هذا النحو، ومن المعلوم أن أمثال هؤلاء كثيراً ما يكونون على قدر من الوعي والفهم والإدراك، والله تعالى أعلم.
نواقض الصلاة
أحياناً في صلاتي لا أذكر شيئاً مما قرأته في الفاتحة فأقرأها مرة ثانية لأخشع فيها أكثر، فهل يصح ذلك في الصلاة؟
تكرار الفاتحة مبطل للصلاة. (1/168)
صفحة 169
فتاوى الصلاة
169
امرأة تعاني من سلسل البول، ماذا عليها أن تفعل لصلاتها؟ عليها أن تحتشي بالقطن أو نحوه مما يقيها أن يصيب هذا البول ثيابها، وأن تتوضأ لكل صلاة وتصلي، وليس عليها شيء إلا ذلك، وعليها أن تنوي
بوضوئها استباحة الصلاة.
ما حكم من صلت وبعد أن انتهت من صلاتها وجدت شيئاً من روث الحيوان في ملابسها؟
إن كان الحيوان مما يؤكل لحمه فروثه لا يعدُّ من النجاسات إلا إن كان يأكل النجاسة، وأما إن كان لا يؤكل لحمه فتعيد الصلاة، والله أعلم.
هل صحيح أنه لا يجوز للمرأة أن تصلي إلا بفرق شعر رأسها؟ قيل ذلك، ولكن لا دليل على هذا القول، إلا أن فرق شعر الرأس هو من
سنن الفطرة، ويجب على الإنسان ألا يُخل بسنن الفطرة.
ما حكم من يقرأ في صلاته (ثم لا تسألن يومئذ عن النعيم) بدلاً من: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَيذٍ عَنِ النَّعِيمِ؟
هذا أبدل الوعيد بالوعد، لأن الآية فيها تأكيد الوعيد وهو السؤال عن النعيم، فأبدله بالوعد بأنه لا يُسأل عن النعيم، فتبطل الصلاة بذلك.
ما هو اللحن المفضي إلى بطلان الصلاة؟
هو إبدال صفة من صفات الله بما يناقضها، أو إبدال فعل من أفعاله الله بما يناقضه، أو إبدال آية وعد بآية وعيد أو آية وعيد بآية وعد أو مثل ذلك، فهذا كله ونحوه مما يبدل المعنى يؤدي إلى بطلان الصلاة. (1/169)
صفحة 170
170
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
امرأة عرفت أن القصة البيضاء نجسة وناقضة للوضوء بعد أن ناهزت
الثلاثين أو الأربعين فما حكم صلواتها؟
إن كانت تتلبس بالقصة البيضاء ولا تغسلها ثم تتوضأ، فعليها أن تعيد صلواتها وتحتاط بالتحري.
ما حكم فرقعة الأصابع قبل الصلاة أو أثناءها؟
أما قبل الصلاة فمن اللهو، وأما أثناءها فتبطل الصلاة به.
ما قول الشرع فيمن يصلّي صلاة الظهر وهو صائم وفي الركعة الثانية تقيأ، هل يعيد القيء في فيه أم يخرج من الصلاة؟ وما حكم الصلاة والصوم في هذه الحالة؟
يخرج من الصلاة ويلقي القيء من فيه، ويعيد الوضوء ويبني على صلاته وصومه تام، والله أعلم.
إذا حدث أحد مصلياً وهو في صلاته هل تنتقض صلاة المصلّي أم لا؟
نعم إن أصغى إليه، لا إن لم يصغ، والله أعلم.
ما حكم من ابتسمت لطفلها وهي تصلّي؟
في الابتسام خلاف قيل بإبطاله الصلاة وهذا هو قول الجمهور، وقيل لا يبطلها وهو قول قطب الأئمة الله.
بعض الناس ربما يغفل عن إغلاق هاتفه فيصيح فيقوم بقفله، هل هذه
الحركة تؤثر على الصلاة؟ (1/170)
صفحة 171
فتاوى الصلاة
171
هذا دليل الإهمال وعدم المبالاة بحق الصلاة، وقد قلت يجب أن يقال في حق هؤلاء بأن عليهم أن يغلقوا هواتفهم وأن يعيدوا صلاتهم.
بعض الناس يجعله هزازاً وعندما يأتيه اتصال يهتز جزء من جسده، فهل هذا أيضاً يؤثر على الصلاة؟
إن كان يشغله ويذهب بفكره عن الصلاة، فلا ريب
الشك في الصلاة وسجود السهو
أنه
ممنوع شرعاً.
من حكم من يصلّي فشك هل هو في التشهد الأخير أو في التشهد
الأول ماذا يصنع؟
يبني على الأقل ويسجد لسهوه. فإن شك هل هو في الثانية أو في الثالثة اعتبر نفسه في الثانية، وإن شك هل هو في الثالثة أو في الرابعة اعتبر نفسه في الثالثة، وإن شك هل هو في التشهد الأول أو في التشهد الأخير اعتبر نفسه في التشهد الأول، والله تعالى أعلم.
كلما بدأت في الوضوء، أو قمت إلى الصلاة فقط أحس بتحرك في الأمعاء، وأحس أيضاً بخروج الريح، وهذا بدون صوت ولا رائحة، فما
العمل في هذه الحالة؟
هذه وسوسة ولا تلتفت إليها.
في سجدة السهو ماذا يقول المصلي؟
قيل يقول ما يقوله في سجوده العادي وهذا هو الأشهر، وقيل بأنه
يستغفر الله. (1/171)
صفحة 172
172
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
امرأة تشك في الصلاة بالكلية هل صلّت أم لم تصل، وفي بعض الأحيان تعالج أبناءها وتشك إذا كانوا يحملون النجاسة كالبول وغيره فتعيد الصلاة بمجرد التباسها بأبنائها وهكذا؟
على هذه المرأة أن تدفع هذه الوسوسة عنها بأن تستحضر أنها قامت للصلاة، فإذا استحضرت ذلك فإنها لا تعود إلى الصلاة مرة أخرى، وعليها ألا تلتفت إلى ما يعتريها من الشكَّ، وإن كانت لا تستطيع أن تستحضر بأنها قامت إلى الصلاة أو لم تقم فعليها أن تستعين بشيء يذكرها كأن تعقد عقدة مثلاً عندما تقوم إلى الصلاة، ثم بعد ذلك عندما تشكُ هل قامت إلى الصلاة أو لا، تنظر إلى هذه العقدة هل عقدتها أو لم تعقدها، فإن كانت عقدت هذه العقدة فلا تلتفت إلى هذا الشك رأساً، وهكذا كل ما كان من هذا النوع عليها أن تدفعه بأي وسيلة كانت، وبهذا تتغلب بمشيئة الله على هذه الوساوس.
ما حكم من صلى فريضة العشاء وبعدها الوتر، وأثناء تأديته الوتر داخله الشك هل سلم من فريضة العشاء أم أنه نسي نسي التسليم، ولكنه مضى في صلاته، فهل يلزمه إعادتها؟
من شك في التسليم بعد مجاوزته محله فليس عليه شيء، وكذلك من جاوز أي حد من الحدود ليس عليه أن يرجع إليه، والله أعلم.
متى تكون سجدة السهو هل قبل السلام أم بعده؟
في سجود السهو خلاف قيل هو قبل السلام وقيل بعده، وقيل إن كان لنقص فقبل السلام وإن كان لزيادة فبعده، وهو أحسن ما يجمع به بين الروايات المختلفة، والله أعلم. (1/172)
صفحة 173
فتاوى الصلاة
173
في سجود السهو ما هو الدعاء المستحب، هل يقول الساهي أو الساجد الأعلى ثلاث مرات أم يقول سبحان من لا يسهو ولا
سبحان
يغفل؟
قيل بأنه
ربي
يسبح تسبيح السجود المعتاد وهذا أظهر، إذ لا فرق بين سجود السهو وسائر سجود الصلاة، وقيل بأنه يستغفر الله تعالى من أجل سهوه. والله تعالى أعلم.
هل سجود السهو قبل التسليم أم بعد التسليم؟
روي السجود قبل التسليم وبعده، وللعلماء خلاف طويل متى يسجد المصلّي، هل قبل السلام أم بعده أو أنه يفرق بحيث إن كان السهو بنقصان شيء من الصلاة فقبل السلام وإن كان بالزيادة فبعد السلام؟ وهذا قول حسن، وعليه فإن كان وقع في السهو بسبب ترك شيء فالأولى له أن يسجد قبل السلام كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم عندما نسي التشهد الأول فاستمر على صلاته وسجد قبل السلام، وإن كان زاد في صلاته شيئاً فليسجد بعد السلام، والله تعالى أعلم.
ماذا تفعل المرأة إذا:
1) نسيت قراءة تكبيرة الإحرام؟
لا تدخل في الصلاة إلا بتكبيرة الإحرام، فإن الإحرام هو ميقات الدخول في الصلاة فمن لم يأت بتكبيرة الإحرام لم يدخل في الصلاة، فعليها
إعادتها.
2) نسيت قراءة سورة مع الفاتحة في فريضة الفجر؟
إن قرأت الفاتحة ولم تقرأ السورة فتسجد لسهوها. (1/173)
صفحة 174
174
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
(3) سهت عن قراءة سورة الفاتحة في ركعة من ركعات الفريضة؟ إن فاتتها الفاتحة فقد أخلت بركن من أركان الصلاة وعليها إعادة الصلاة.
4) نسيت قراءة آية من سورة الفاتحة؟
في ذلك خلاف، قيل: إن قرأت الأكثر فلتسجد لسهوها، وقيل: تعيد الصلاة إذا تركت شيئاً من الفاتحة وهذا هو الراجح.
5) سهت عن الجلوس للتشهد الأول؟
تواصل صلاتها وتسجد لسهوها.
6) سهت عن ركعة كاملة في الفريضة وتذكرت قبل التحيات، أي
انتقلت عنها لركعة أخرى؟
تعيد الصلاة لأنها أخلت بالركن.
نسيت ركعة كاملة في الفريضة وتذكرت بعد التسليم؟ أما إن كانت الركعة الأخيرة فلتقم للصلاة ولتسجد لسهوها بعد إتمامها الركعة وإتيانها بالتشهد وأما إن كانت ركعة سابقة فلتعد الصلاة.
نسيت التسليم بعد التشهد الثاني؟
في ذلك خلاف، قيل إنها تعذر بهذا، وقيل بأن التسليم ركن من أركان الصلاة كالإحرام، ولكن أمر التسليم أخف من أمر الإحرام، فلذلك تعذر في حال النسيان والاضطرار.
شخص سها في الركعة الثالثة وعلم بسهوه، هل يسجد عندما تذكر أم
يقوم للرابعة ثم يسجد بعد ذلك؟
يقوم ويتم صلاته ثم يسجد بعد ذلك سجود السهو. (1/174)
صفحة 175
فتاوى الصلاة
175
إذا كان الإنسان يصلّي صلاة الظهر فسها في الصلاة وصلّى الركعتين الأولى والثانية ثم قرأ التحيات كاملة وتذكر عندما كان يسلم فقام وصلّى الركعتين المتبقيتين ولكن عندما انتهى منهما لم يقرأ التحيات مرة ثانية، فهل يجوز هذا أم يجـ يجب عليه أن يعيد صلاته؟
كان يجب عليه أن يقرأ التشهد الأخير، لأنه لم يقرأه، وذلك الذي قرأه هو التشهد الأول، وبما أنه لم يقرأ الشهد الأخير، والتشهد الأخير ركن من أركان الصلاة فعليه إعادة الصلاة.
فيمن نقص سُنَّة من سُنن الصلاة سهواً فتذكر بعد ذلك هل يسجد سجدتي السهو قبل السلام أو بعده؟ النبي صلى الله عليه وسلم لما ترك التشهد الأول سجد قبل السلام وبهذا نأخذ في ترك سُنَّة من الشنن.
نعم،
إذا كان يصلّي جمعاً وفي الصلاة الأولى سها فهل يجوز له أن يفصل
بسجدتي سهو بين الصلاتين؟
لأن سجدتي السهو إما أن تكونا قبل السلام أو بعده، فإن كانتا قبل السلام فهما في صلب الصلاة وإن كانتا بعد السلام فهما من تتمة الصلاة،
والله تعالى أعلم.
إعادة الصلاة وقضاؤها
فتاة عليها قضاء عدد كثير من الصلوات وسمعت مقالاً بأن الله يعفو
عما سلف، فما قولكم في هذا الموضوع؟
لتعد الصلوات ولا تأخذ بمثل هذه الرخص، لأنها أقوال ليست مبنية على دليل. (1/175)
صفحة 176
176
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والله أعلم بذلك: «من فاتته صلاة في عمره ولم يحصها فليقم في آخر جمعة من رمضان فيصلي أربع ركعات بتشهد واحد يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة القدر خمس عشرة مرة وسورة الكوثر كذلك ويقول في النية نويت أن أصلي أربع ركعات الصلاة»، وقد قال أبو بكر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
كفارة لما فاتني من يقول: «هي كفارة أربعمائة سنة»، وقال علي كرم الله وجهه: «كفارة ألف سنة»، قالوا يا رسول الله ابن آدم يعيش ستين سنة أو مائة سنة فلمن تكون الصلاة الزائدة؟، قال: تكون لأبويه وزوجته ولأولاده وأقاربه وأهل البلد»، فإذا فرغ من الصلاة صلى على النبي صلى الله عليه وسلم بأي صيغة كانت ثم يدعو بدعاء معين ثلاث مرات إلى آخره، هل هذا
الحديث صحيح؟ أما من حيث المتن فالرواية باطلة، وأما من حيث الإسناد فلم أطلع على إسناد هذا الحديث والحديث يُنظر إليه من حيث إسناده ومن حيث متنه ولا ريب أنني أجزم بسبب عدم صحة المتن وبسبب الأسلوب الذي ورد به أنه من كلام القصاصين الذين لا ينظرون في الأدلة وصحتها، ففيه كثير مما ينافي ما هو ثابت في شرع الله سبحانه فأولاً النية ذكرت هنا أنه ينطق بها بلسانه، والنطق باللسان تعبيراً عن نية القلب أمر لم يكون معهوداً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عهد الصحابة وإنما حدث ذلك بعد مضي فترة من الزمن عندما جهل الناس فأحدث العلماء هذه الألفاظ لتكون عوناً للعوام والجهلة على استحضار النية، وليست النية في النطق باللسان، إنما النية هي إخلاص العمل الله، بحيث يجرده الإنسان من شوائب الأغيار فلا يقصد به غير الله عزَّ وجلَّ سواءً كان فريضة أو نافلة ولذلك كانت النية سراً غيبياً بين الإنسان وربه الا الله، فالله وحده هو المطلع على نوايا العباد ولا (1/176)
صفحة 177
فتاوى الصلاة
177
يطلع عليها غيره، وقد جاء في بعض الروايات القدسية: «أن الإخلاص سر بين العبد وربه لا يطلع عليه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده»، والنية هي عين الإخلاص، والله سبحانه وتعالى يقول: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امراء ما نوى»، ثم إننا لم نجد فيما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقراءة سورة معينة مراراً عديدة في الركعة الواحدة بحيث تكرر السورة، فهذا لم يثبت وإن كنا لا نقول بمنعه فيما عدا الفاتحة أما الفاتحة فلا تكرر، والأمر الآخر ما جاء في آخر الرواية من أن هذه الزيادة تكون لأبويه وزوجته وأولاده وأقاربه وأهل البلد وهذا يتصادم كل التصادم مع نص القرآن الكريم، إذ يقول الله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39] فالإنسان ليس له سعي غيره إنما له سعي نفسه، نعم إن مات الإنسان براً تقياً صالحاً كانت بعض الأعمال الخيّرة التي يعملها أهله وخاصته من أجله في موازينه بتخصيص من السُّنَّة فمن ذلك الصدقة، والحج عن الميت وعن العاجز كما في حديث الخثعمية وكذلك الصيام فيمن مات وعليه صيام لا صيام النفل، ففي حديث عائشة: من مات وعليه صيام صام عنه وليه»، وما عدا ذلك لم يأت به دليل شرعي أنه يثاب به الميت فضلاً عن أن يكون هذا العمل يسري مفعوله حتى يكون ثوابه للزوجة وللأبوين وللأولاد ولأهل البلد، وإلا فما أهون الأمر أن يكون في بلد ما رجل بر يصلّي في آخر جمعة من رمضان أربع ركعات بهذه الصورة فإذا بهذا الثواب يتحول إلى أهل بلده جميعاً فضلاً عن أسرته وقرابته ولكن أني ذلك؟ والله سبحانه وتعالى ناط النجاة بالإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1 - 3]. فالإنسان مجزي بعمله وليس (1/177)
صفحة 178
178
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
مجزياً بعمل غيره خيراً كان أو شراً، مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [القصص: 84] ونحن نعلم بالنص القطعي في القرآن الكريم أن الله سبحانه وتعالى لم يجعل في الدار الآخرة صلة بين الناس إلا بين المتقين فقط، فالله عزَّ وجلَّ
يقول: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَيذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُون [المؤمنون: 101]، فلا ينتقل ثواب أحد إلى غيره، وكذلك يقول سبحانه وتعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67] ويقول: يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِى مِنْ عَذَابِ يَوْمِيذٍ بِبَنِيهِ * وَصَحِبَتِهِ، وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُنْوِيهِ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ} [المعارج: 11 - 14]، أما من ضاعت عليه صلاة فعليه أن يقضيها وأن يتوب إلى الله تعالى من تضييعها، والله أعلم.
امرأة
امرأة في صلاة الظهر والعصر دائماً تقرأ الفاتحة وتقرأ معها سورة وعندما تتذكر تعيد الصلاتين مرة أخرى؟ لا داعي إلى إعادة الصلاة، ولا معنى لها، فلتدع عنها ذلك، وإن سهت فزادت أو نقصت فلتسجد سجدتي سهو والله تعالى يتقبل منها.
ما حكم المرأة التي كانت غير ملتزمة في إحدى مراحل حياتها ثم استغفرت، و تابت فهل عليها قضاء الصلوات التي تركتها؟ نعم، عليها أن تقضي وتتوب إلى الله وتستغفره، والله تعالى رؤوف رحيم.
إذا نسيت المرأة أن تصلي صلاة العصر فمتى تصليها؟
النبيصلى الله عليه وسلم يقول: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا تذكرها»، فيصلي الصلاة التي نسيها ساعة تذكرها، فذلك هو وقتها الذي شرعت فيه والذي تعبد أن يصليها فيه. (1/178)
صفحة 179
فتاوى الصلاة
179
متى تقضى صلاة العشاء التي نام عنها صاحبها ولم يتذكرها إلا بعد صلاة الفجر؟ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا تذكرها»، فعلى من نسي صلاة أن يصليها إذا تذكرها فوراً، وكذلك من نام عنها عليه أن يصليها إذا استيقظ فوراً.
هل صحيح أن من فاتته صلاة الصبح في وقتها وأدركها بعد طلوع الشمس يقوم بتقديم الفريضة قبل السُّنَّة؟
هذا من باب الاحتياط، أما إن كان أدركها قبل طلوع الشمس بحيث لا يتسع الوقت حتى تطلع الشمس إلا لصلاة الفرض أو لصلاة السُّنَّة فإن من الواجب في هذه الحالة أن يصلّي الفرض ويؤخر السنة إلى ما بعد طلوع
الشمس، أما إن كان بعد الطلوع فلا حرج إن قدم السُّنَّة، والله أعلم.
هل يجب قضاء الوتر، وهل يجوز أن تصلى الوتر ركعة واحدة في حال الحضر؟
بوجوب
قضائه،
أما القضاء، فالوتر حكمه في القضاء حكمه في الأداء، فمن رآه واجباً قال ومن رآه سُنة مؤكدة قال كذلك حكم قضائه، ومن رأى أن الوتر نافلة ـ وهو قول لبعض أهل العلم - فكذلك قضاؤه، ونحن نأخذ بقول من قال بأن الوتر سُنة مؤكدة، هذا ولا مانع من الإيتار بركعة واحدة وهذا وتر العاجز كما روي عن الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد رحمه الله تعالى، والله تعالى أعلم.
شخص صلى المغرب والعشاء جمعاً، ولكنه نسي أن يصلّي الوتر، وقد تكرر ذلك عدة مرات، علماً بأنه مسافر، ما حكم ذلك؟ وهل يعيد (1/179)
صفحة 180
180
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
ما فاته إذا كان قد مرّ عليه أكثر من شهرين عندما تذكر ما نسيه؟ وكيف ذلك إذا كان واجباً عليه إعادة ما فاته؟
يؤدي
نعم عليه أن يأتي بركعات الوتر التي فاتته في نفس الوقت الذي تذكر فيه ذلك، وما عليه إلا الإتيان بذلك، ولا يتقيد القضاء بوقت الصلاة المقضية فإن للإنسان أن يقضي في وقت العشاء صلاة الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء أو الفجر ولا حرج في ذلك، والله تعالى أعلم.
ما قولكم في امرأة كانت تصلّي الظهر والعصر والعشاء ثلاث ركعات فقط جهلاً منها فماذا يجب عليها؟
عليها قضاء تلك الصلوات التي صلّتها على غير ما شرعت إلى أن تستوفي قضاءها، ولا يلزم أن تقضي كل صلاة في وقتها، بل يمكنها أن تقضي الفجر مثلاً في وقت الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء والعكس، بل يمكنها أن تقضي في غير أوقات الصلوات المفروضة، وذلك بأن تقضيها بين طلوع الشمس وزوالها، ولها أن تقضي في اليوم الواحد ولو صلوات عام أو أعوام. والله أعلم.
امرأة تركت الصلاة ولبس الحجاب ثم تابت بعد ذلك، فماذا يجب
عليها؟
عليها التوبة والاستغفار، وقضاء ما أضاعت من الصلاة، وفي الكفارة خلاف، والراجح عدم وجوب الكفارة، فإن كفرت فقد أخذت بالأحزم.
رجل ترك الصلاة زمناً طويلاً تكاسلاً منه لا إنكاراً لها، والآن رجع إلى الله، فما هي
أفضل الطرق لاستدراك ما فرّط فيه، نرجو الإفادة؟ عليه أن يتوب إلى الله توبةً نصوحاً، وذهب كثير من العلماء إلى أن عليه مع (1/180)
صفحة 181
فتاوى الصلاة
181
ثم
ثم
ذلك أن يقضي الصلوات التي فاتته وعليه أن يُكفر، أما القضاء فقد أخذه العلماء من قضاء النبي الله للصلوات التي فاتته اضطراراً، فالنبي عليه أفضل الصلاة والسلام قضى يوم الخندق صلاة الظهر والعصر والمغرب في وقت العشاء بسبب أن المشركين شغلوه عن هذه الصلوات فقضاها في وقت العشاء، حيث أمر بلالاً أن يؤذن فأذن ثم أمره أن يقيم فأقام وصلوا الظهر، أمره أن يقيم فأقام وصلوا العصر، ثم أمره أن يقيم فأقام وصلوا المغرب، أمره أن يقيم فأفقام وصلوا العشاء، ولئن ساغ أن يقضي الإنسان ـ بل عليه أن يقضي ـ ما تركه اضطراراً فأحرى أن يكون واجباً عليه أن يقضي ما تركه اختياراً، فلذلك حمل العلماء حكم من ترك الصلاة تهاوناً بها على حكم من تركها وهو مضطر. وأما الكفارة فقد قيست على كفارة الصيام، إذ لم يرد نص قط بوجوب الكفار في الصلاة، ولكنهم قاسوا ذلك على كفارة الصيام، نظراً إلى أن كل واحدة من العبادتين عبادة موقوتة بوقت وتفوت بفوات ذلك الوقت، والصلاة ليست بأقل من الصيام من حيث التشديد فيها بل هي أولى أن يتشدد فيها، لأنها الركن الثاني من أركان الإسلام، والركن الأول من أركانه العملية، فلذلك كانت حرية بهذا التشدد، ومن العلماء من قال بأنه نظراً إلى أنه لم يأت نص عن النبي صلى الله عليه وسلم يفيد وجوب قضاء الصلاة على من تركها اختياراً فلا يحمل على ما إذا تركها اضطراراً، لأنه في حال تركها اضطراراً معذور وفي حال تركها اختياراً غير معذور، فكأنما يوصد الباب أمامه بحيث لا يكون له سبيل إلى أن يتدارك تلك الصلاة، وقالوا أيضاً بأن الكفارة في هذا لم تثبت، ولا يؤخذ بحكم الكفارة فيما لم تثبت فيه، لأن الكفارة من الأمور التوقيفية التي لا تقاس، نظراً إلى أنها شبيهة بالحدود، والذي نأخذ به أن القضاء لا بد منه، لأنه يجب أن يتشدد في حق من ترك الصلاة تهاوناً أكثر مما يتشدد في حق من تركها اضطراراً، لأن ذلك له عذر، (1/181)
صفحة 182
182
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
وهذا ليس له عذر فأولى بهذا أن يشدّد عليه ويلزم أن يتدارك ما فاته من هذه الصلاة، أما الكفارة فلا تلزمه إلا إن أرادها احتياطاً، والله تعالى أعلم. هل يلزم الترتيب في القضاء؟
الترتيب ثابت من فعل الرسول الله إذ أمر بلالاً أن يُؤذن فأذن وذلك في وقت العشاء، ثم أمره أن يُقيم فأقام وصلوا الظهر، ثم أمره أن يُقيم فأقام وصلوا العصر، ثم أمره أن يُقيم فأقام وصلوا المغرب، ثم أمره أن يُقيم فأقام وصلوا العشاء، وقد اختلف العلماء فيما يحمل عليه الحديث فمنهم من قال بأن هذا يُحمل على الوجوب إذ هو بيان للواجب، وفعله عندما يكون بياناً للواجب يحمل على الوجوب، ومنهم من قال بأن ذلك ليس بواجب، وإنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ما هو أفضل، ومنهم من فرق بين أن تكون الصلوات الواجب قضاؤها أكثر من خمس صلوات أو خمس صلوات فما دونها، والقول الأول أسلم وأحوط وفيه اتباع لهديه، وكفى.
وهل تقضى الشنن أيضاً؟
قضى النبي صلى الله عليه وسلم سُنَّة الظهر بعد صلاة العصر كما جاء ذلك في البخاري، وقد أرسلت أم سلمة رضي الله تعالى عنها جويرية تسأله لما رأته يصلّي بعد صلاة العصر ركعتين فقال لها: إن وفد عبد القيس شغلني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان، وهذا يدلُّ على استحسان قضاء السنن، وعندما تكون السنن مؤكدة فإنه يتأكد أيضاً قضاؤها.
ألا يحتمل أن يكون ذلك من خصوصيات النبي؟ قول من قال إنه من خصوصياته محتاج إلى دليل ونحن أُمرنا بالاقتداء به، وقد قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي». (1/182)
صفحة 183
فتاوى الصلاة
183
من
رجل أضاع عدداً من الصلوات فأراد الآن أن يقضيها مع كل فريضة يؤديها في هذه الأيام، فمثلاً عندما يصلّي الظهر يصلّي معها عدداً صلوات الظهر الفائتة، فهل هذا يصح؟ القضاء لا يتقيد بوقت، وإنما يمنع القضاء في الأوقات التي تحرم فيها، فليس له أن يقضي في وقت طلوع الشمس حتى تستكمل طلوعها،
الصلاة
ولا في وقت غروب الشمس حتى تستكمل غروبها، ولا عند استواء الشمس في كبد السماء في الحر الشديد، وأما فيما عدا ذلك من الأوقات فيحل له أن يقضي في أي وقت من الأوقات، ففي واقعة الخندق صلّى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر والمغرب والعشاء في وقت العشاء ـ أي صلّى ثلاث صلوات قضاءاً وصلاة أداءاً في وقت العشاء، إذ أمر بلالاً أن يؤذن فأذن ثم أمره أن يقيم فأقام وصلوا الظهر، ثم أمره أن يقيم فأقام وصلوا العصر ثم أمره أن يقيم فأقام وصلوا المغرب ثم أمره أن يقيم فأقام وصلوا العشاء، هكذا جاء في صحيح البخاري، فلا يلزمه أن يقضي صلاة الظهر في وقت الظهر، ولا أن يقضي صلاة العصر في وقت العصر، بل يمكنه أن يقضي الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء أو الفجر في وقت الظهر أو في وقت المغرب أو في وقت العشاء أو في وقت العصر أو في وقت الفجر، أو أن يقضي مثلاً ما بين طلوع الشمس إلى الزوال، ويمكنه في اليوم الواحد أن يقضي حتى ولو صلاة سُنّة إن استطاع ذلك، وإنما يكون القضاء بالترتيب على رأي بعض أهل العلم ومنهم من قال لا يلزم الترتيب، فالذين قالوا بالترتيب راعوا فعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث بدأ بالظهر أولاً ثم العصر ثم المغرب ثم صلّى العشاء الحاضرة، والذين قالوا بعدم وجوب الترتيب رأوا أن هذا فعل والفعل لا يلزم أن يكون دالاً على الوجوب، إذ يمكن أن يكون ذلك من باب مراعاة الأفضلية، ومنهم من فرّق بين أن تكون الصلوات
6 (1/183)
صفحة 184
184
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
خمساً فصاعداً أو ما دونها، فإن كانت دون الخمس فعليه أن يرتبها، وإن كانت فوق الخمس فلا يلزمه ترتيبها، وهذا من أجل مراعاة دفع المشقة، لأنه مع كثرة الصلوات الواجبة على الإنسان قد تكون مراعاة الترتيب في قضائها تؤدي إلى مشقة وعسر يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: 185]، والصلوات تقضى بحسب ما تركها الإنسان، فما أضاعه في السفر يقضى سفرياً حتى ولو في الحضر، وما أضاعه في الحضر يقضى تماماً ولو في السفر، والله تعالى أعلم.
امرأة أرادت أن تُعيد صلوات لأسباب فرضت عليها إعادتها، مثلاً: خمسون صلاة فجر وخمسون صلاة ظهر، وهكذا، فكيف تعيد هذه الصلوات، أتصلي صلوات الفجر كاملة ثم صلوات الظهر كاملة وهكذا، أم لها أن تجزئ عدد الصلوات؟
من كان عليه إعادة صلوات قيل يعيدها بالترتيب بحيث يبدأ بما تركه أولاً ثم الصلاة الثانية التي تركها ثم الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة وهكذا، لأن ذلك كان فعل الرسول صلى الله عليه وسلم عندما ترك الصلاة لسبب ظروف حربية في واقعة الخندق إذ شغله المشركون عن صلاة الظهر وصلاة العصر وصلاة المغرب، وفي وقت العشاء أمر بلالاً أن يؤذن فأذن ثم أمره أن يقيم فأقام فصلوا الظهر ثم أمره أن يقيم فأقام وصلوا العصر ثم أمره أن يقيم فأقام وصلوا المغرب ثم أمره أن يُقيم فأقام وصلوا العشاء الحاضرة، وقيل لا بأس إن قدّم، وأخر، فله أن يصلّي ما شاء أولاً ثم يصلي ما شاء ثانياً، وقيل إن كانت الصلوات من خمس فنازلاً فعليه أن يصليها بالترتيب وإن كانت تزيد على خمس صلوات فليصل كيفما شاء، على أنه مما ينبغي التنبيه عليه أن قضاء الصلوات لا يرتبط بأوقات معينة، فالإنسان له أن ما شاء يقضي (1/184)
صفحة 185
فتاوى الصلاة
185
من الصلوات في أي وقت من الأوقات إلا الأوقات الثلاثة التي تحرم فيها الصلاة وهي وقت طلوع الشمس إلى أن تستكمل طلوعها ووقت غروبها إلى أن تستكمل غروبها ووقت استوائها في كبد السماء في الحر الشديد إلى أن تزول، أما بقية الأوقات كبعد طلوع الشمس إلى استواء الشمس فللإنسان أن يقضي في ذلك الوقت الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، وكذلك في وقت الظهر يمكن أن يقضي الظهر والعصر والمغرب
والعشاء والفجر وهكذا في جميع أوقات الصلوات، والله تعالى أعلم.
لقد أفتيتم بوجوب شهرين متتالين على من ترك الصلاة، ونرى ونسمع عن كثير ممن كانوا تاركي الصلاة ثم تابوا إلى الله والتزموا الصلاة يقضون فقط الصلوات التي تركوها ويتهاونون في الكفارة فما هو
ردکم؟ هذه الفتوى التي نسبت إليَّ لم أقلها، نعم قال كثير من أهل العلم بأن على الإنسان أن يُكفر إن ترك الصلاة واختلفوا هل لكل صلاة كفارة أو تجزي كفارة واحدة لجميع الصلوات المتروكة وهذا الحكم إنما بنوه على قياس كفارة الصلاة على كفارة الصيام، لأن السُّنَّة النبوية دلت على وجوب الكفارة عندما يفطر الإنسان في رمضان لغير عذر شرعي، واعتبروا حكم الصلاة كحكم الصيام في ذلك، بجامع أن كل واحدة من العبادتين عبادة موقتة بوقت يكون الإتيان بها بعد وقتها قضاء، فلذلك حملوا الصلاة على الصيام، مع ما رأوا من التشديد في الصلاة وجعلها الركن الثاني من أركان الإسلام، ولكني لم أقل بهذا، لأن الكفارات كالحدود، فكما أن الحدود لا تثبت بالقياس فكذلك الكفارات، ولكن أقول بوجوب قضاء الصلوات
المتروكة. (1/185)
صفحة 186
186
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
الجمع في الحضر
ما
هي
الطريقة الصحيحة لجمع الصلاتين في الحضر؟
الجمع بين الصلاتين يعني أن تضم هذه إلى تلك، فإن وجد فاصل ما بين هذه وتلك لم يكن هنالك جمع، فلا تكون صلاة الظهر مجموعة صلاة مع العصر ولا صلاة المغرب مجموعة مع صلاة العشاء إلا عندما يصلّي فرض الظهر مع فرض العصر ويصلّي فرض المغرب مع فرض العصر من غير فاصل بينهما، أما إن وجد فاصل فإن ذلك الفاصل مخل بالجمع، ولذلك لم يصل النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً بين الظهر والعصر عندما الظهر والعصر عندما جمع بينهما، ولم يصل شيئاً بين المغرب والعشاء عندما جمع بينهما، فقد نقلت صلاته صلوات الله وسلامه عليه - التي صلاها أمام جمهور المسلمين في يوم عرفة عندما جمع بين الظهر والعصر ولم يرو قط أنه صلى بينهما شيئاً، ولذلك انعقد الإجماع على أنه لا يصلّى مع الظهر شيئاً عندما تجمع مع العصر، وكذلك صلى النبي الله المغرب والعشاء في جمع في ليلة النحر ولم يصل بينهما شيئاً، ولذلك ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لا يصلي بين المغرب والعشاء شيئاً، ومن الغريب أن ينسب إلى أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة رحمه الله تعالى أنه يصلّي سُنَّة المغرب ما بين الصلاتين وهذا قول بعيد، وقد قالوا بأن أبا عبيدة الله قد تفرد به، وهو غريب، ذلك لأن أبا عبيدة رحم الله هو الذي روى الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل بين المغرب والعشاء شيئاً عندما جمع بينهما في جمع، فلذلك لا نرى في حالة جمع الصلاتين في الحضر أن يصلّى بين الظهر والعصر ولا ما بين المغرب والعشاء شيئاً، لأن هذه الصلاة التي تصلّى بين الصلاتين تنقض الجمع بينهما، إذ الجمع - كما قلنا - إنما هو ضم صلاة إلى صلاة بحيث تجتمعان (1/186)
صفحة 187
فتاوى الصلاة
187
كالصلاة الواحدة إلا أن لكل إحراماً وسلاماً، وعندما يتوسط بينهما بصلاة لا تكونان مجتمعتين كذلك، والله تعالى أعلم.
نصل إلى المنزل في الساعة الثالثة ويكون الوقت قريباً من وقت صلاة العصر، هل أجمع صلاة الظهر مع العصر أم ماذا؟ مع العلم أني لا أستطيع أن أصلّي صلاة الظهر لكثرة المحاضرات؟
على المسؤولين عن التربية تخصيص وقت للصلاة، حتى يتمكن الطلبة
والطالبات من أداء الصلاة في وقتها، وعليهم وقتها، وعليهم أن يسعوا إلى هذا الأمر، ومع وجود الضرورة لا مانع من الجمع بين الظهر والعصر مع عدم السفر، ولكن على أن يكون الجمع مع الإتمام لا مع القصر، بحيث تصلّي الواحدة صلاة الظهر أربع ركعات ثم تقوم إلى صلاة العصر وتصليها أربع ركعات، ذلك ألح بأنه لا بد من وجود فرصة من أجل إقام الصلاة في أوقاتها
ومع
حفاظاً على أمر الله الله
صلاة السفر
متى يجوز للإنسان أن يصلي صلاة السفر، وهل هناك مدة محدودة لصلاة السفر؟
قصر الرباعيات في السفر ليس بجائز بل هو واجب، لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه لم يتم في سفره قط، ثم بجانب ذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم سُئل عن صلاة السفر، فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته»، فإن قوله: فاقبلوا أمر والأمر للوجوب ثم من ناحية أخرى ليس لأحد أن يرد صدقة الله، كما أنه ليس لأحد أن يرد ضيافة الله بصيام يوم العيد الذي هو يوم (1/187)
صفحة 188
188
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
ضيافة الله تعالى، فعلى ذلك لا بد من صلاة السفر ومسافة السفر فرسخان من آخر حدود، وطنه، ولا دليل على كون صلاة السفر محدودة بزمن، فالصحابة له كان يقيم الواحد منهم ستة أشهر وهو يقصر الصلاة، وبعضهم أقام سنتين وهو يقصر الصلاة، وهذا يعني أن الإنسان ما لم يوطن في بلد ما فعليه أن يقصر فيه الصلاة.
امرأة مسافرة أخرت صلاة الظهر لتصلّيها جمع تأخير مع العصر، وحان وقت صلاة العصر فأتاها الحيض قبل أن تصلي، فإذا طهرت من
الحيض وهي في الوطن كيف تقضي الصلاتين قصراً أم تماماً؟ بناءً على ما نأخذ به من أن الوقت مشترك، وهي كانت مسافرة، فإنها تقضي الصلاتين جميعاً صلاتي قصر، والله تعالى أعلم.
امرأة مسافرة نوت أن تجمع بين صلاتي الظهر والعصر جمع تقديم وعندما همت بالوضوء رأت دم الحيض هل عليها قضاء الصلاتين بعد الطهر أم أنها تصلي صلاة الظهر وحدها لأنها وجدت الدم في وقت صلاة الظهر؟ هذه المسألة مختلف فيها سواء كانت في السفر أو في الحضر بناءً على الاختلاف في اشتراك الأوقات، فمن قال باشتراك وقتي الظهر والعصر قال عليها قضاء الصلاتين، ومن قال بأن كل صلاة من الصلاتين مستقلة بوقتها فعليها قضاء الصلاة الأولى فقط.
إذا كنت في سفر وأردت أن أجمع جمع تأخير وقبل أن يحين موعد الصلاة الثانية أتتني الدورة، فهل يجب علي أن أقضي الصلاة الأولى؟ بما أنك لم تصليها فعليك أن تصليها. (1/188)
صفحة 189
فتاوى الصلاة
189
جمعت امرأة مسافرة بين صلاة المغرب والعشاء جمع تقديم، ثم حاضت وقت صلاة العشاء، فهل عليها قضاء صلاة العشاء بعد الغسل؟
بما أنها جمعت الصلاتين فلا قضاء عليها.
ما
هي
المسافة التي تجب بعدها صلاة السفر مع إعطاء أمثلة، وسمعنا عن ثلاثة أوطان في صلاة السفر؟
ما حكم صلاة المسافر إذا صلّى في سفره صلاة الوطن مع العلم أن مدة سفره طويلة قد تصل إلى خمس سنوات، فهل تكون صلاة الوطن
في
هذه الحالة باطلة؟
إن كان غير موطن لذلك المكان بحيث لم ينو الاستقرار الدائم فيه فعليه أن يعيد صلاته، هذا هو القول الذي نعتمد عليه لأنه الموافق للسنة لقول
النبي صلاة المسافر ركعتان حتى يؤوب إلى أهله أو يموت».
إذا كانت المرأة تسافر ولا تقصر في صلواتها، فماذا عليها بعد أن
علمت؟
عليها أن تعيد الصلوات الرباعيات التي أتمتها، والله أعلم.
كيف تُقضى الصلاة الحضرية في السفر؟ وكيف تقضى الصلاة السفرية في الحضر؟
تقضى الصلاة الحضرية في السفر أربعاً، وتقضى صلاة السفر في الحضر ركعتين، والله أعلم.
لعلماء الأمة على اختلاف مذاهبهم خلاف كبير في مسافة القصر، والذي نعتمد عليه ما ثبت عند علماء الأمة على اختلاف مذاهبهم من صنيع (1/189)
صفحة 190
190
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي الحليفة من حديث جابر بن عبد الله في صحيح مسلم، وحديث أنس بن مالك في صحيح البخاري ومسلم وغيرها من الروايات التي ثبت فيها أن النبي صلى الظهر بالمدينة أربعاً ثم صلى العصر بذي الحليفة ركعتين فاعتبرنا مسافة القصر بالمسافة بين المدينة المنوّرة وذي الحليفة ـ وذو الحليفة الآن تسمى أبيار علي - وجاء في بعض الروايات أيضاً في صحيح مسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ قصر الصلاة، فلأجل تردد الراوي في هذه الرواية بين ثلاثة أميال وثلاثة فراسخ أخذنا بالوسط وهي المسافة التي بين المدينة المنوّرة وذي الحليفة، وذو الحليفة تبعد عن المدينة المنوّرة ستة أميال أي فرسخين، والفرسخان تقديرهما اثنا عشر كيلومتراً وربما هناك زيادة قليلة، وهذه المسافة ليست بعد الخروج من بيته وإنما هي بعد خروجه من وطنه، بحيث يبدأ قياس المسافة عندما يتجاوز عمران، بلده، وأما الأوطان فالرجل له أن يوطن أربعة أوطان أما المرأة فإن كانت متزوجة فتتبع زوجها، وأما إن كانت غير متزوجة فإنها تصلي صلاة التمام في وطن واحد، إلا إذا نزعت التوطين من هذا الوطن إلى غيره وقيل هي كالرجل.
في ظل تواصل العمران إلى مسافات طويلة كما هو الحال الآن في بعض المناطق من أين يبدأ المسافر حساب الفرسخين؟
يبدأ الحساب من آخر نقطة وطنها، وينبغي أن تكون هذه النقطة مفصولة عن ما بعدها بفاصل كوادٍ، فإن الوادي يعتبر فاصلاً، واختلف هل يعتبر فاصلاً مطلقاً أو بشرط أن يكون معه خراب؟، أو يفرّق بين الوادي الصغير والوادي الكبير، فالوادي الكبير يمكن أن يعتبر فاصلاً والوادي الصغير لا يمكن أن يعتبر فاصلاً
حتى يكون معه خراب هذا هو ما قاله الفقهاء في ذلك، والله تعالى أعلم. (1/190)
صفحة 191
فتاوى الصلاة
191
شخص أذن عليه الأذان في بلاده ثم انطلق وقطع مسافة السفر فهل
يصلي العشاء أربعاً أم ركعتين؟
الصلاة
إذا دخل عليه الوقت في الحضر ثم خرج قبل أن يصلي وصلّى وقد جاوز مسافة القصر، فقد اختلف أهل العلم في ذلك، قيل عليه أن نظراً إلى أن الوقت دخل عليه وهو في حالة استقرار وحضر، وقيل بل عليه
يتم
أن يقصر، لأنه صلّى وهو في حالة السفر، وهذا القول أرجح، نظراً إلى أن الوقت كله وقت أداء لا فرق بين أوله ووسطه وآخره، ثم إن المسألة يُنظر فيها إلى جانب العكس كما يُنظر فيها إلى جانب الطرد فينظر فيما لو دخل عليه الوقت وهو في السفر ثم عاد إلى بلده والوقت لا يزال باقياً فهل يصلي قصراً؟ الجواب: لا، بل يصلّي تماماً بالإجماع، فلما كان يصلي تماماً بالإجماع لأنه في حالة حضر عندما قام الصلاة ولا يلتفت إلى الحالة التي كان عليها عندما دخل عليه الوقت فإن المُختلف فيه يُحمل على المُجمع عليه، فلا يُلتفت إلى الحالة التي كان عليها عند دخول الوقت عليه وهي حالة الحضر.
إذا صليت العشاء قصراً فهل تقصر الوتر كذلك؟
الوتر لا يقصر، لأن الوتر في الأصل ركعة واحدة، ويجوز ثلاثاً، ومن صلّى ثلاثاً فله أن يصليها متواصلة من غير أن يفصل بسلام، وله أن يفصل بسلام، وكلا الأمرين مروي عن النبي، ولكن الفصل بالسلام أحب إلينا، وللإنسان المسافر إن قصر الصلاة في سفره أن يقتصر على ركعة واحدة، وله أن يصلي قبل تلك الركعة الواحدة الشفع، وله إن شاء أن يصلّي الوتر ثلاثاً متواصلة. (1/191)
صفحة 192
192
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
متى يجب جمع الصلاتين؟
الصلاتان لا يجب جمعهما في سفر ولا حضر وإنما يتأكد الجمع في موضعين، في يوم عرفة وفي مزدلفة للمحرم بالحج، ويجب التفريق بين الوجوب والجواز، فأحكام الشرع هي خمسة: الواجب وهو كل ما يثاب على فعله امتثالاً ويعاقب على تركه والمحرم عكسه ويعبر عنه بالمحظور أو المحجور وهو كل ما يثاب على تركه ويعاقب على فعله، والمندوب هو كل ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه والمكروه وهو كل ما يثاب على تركه ولا يعاقب على فعله، والمباح وهو ما لا يترتب عليه الثواب ولا العقاب إلا على حسب النية، فإن قصد به مقصداً حسناً كتب له، وأما هو لذاته فليس مما يثاب عليه ولا مما يعاقب عليه.
إذا جمعت المرأة بين صلاة المغرب والعشاء هل يصح لها أن تصلّي بين الصلاتين نوافل؟
أما في حال الجمع فلا يمكن أن تكون هنالك نوافل تتخلل الصلاتين المجموعتين، فالنبي صلى الله عليه وسلم صلى بعرفة الظهر والعصر جمعاً ولم يصل بينهما شيئاً من الرواتب، وهكذا عندما صلّى بجمع المغرب والعشاء لم يصلّ بينهما شيئاً، وإذا أراد أن يتنفل بعد أن يصلي العشاء، فليؤخر الوتر وليصلّ ما يريده ولو أطال في التنفل
هل يلزم أن يكون الجمع بين الوقتين؟
من أول وقت الصلاة الأولى إلى آخر وقت الصلاة الثانية موضع للجمع.
طالبات بالجامعة من مناطق مختلفة كيف تكون صلاتهن؟ وهل يوجد
هناك فرق بين شهر رمضان وغيره؟ (1/192)
صفحة 193
فتاوى الصلاة
193
يؤمرن - إن كن في حالة سفر - أن يقصرن من غير أن يجمعن بين الصلاتين إلا لداع، كأن تكون هنالك محاضرة تستغرق الوقت، بحيث إن لم يصلّين جمعاً كان في ذلك ذلك حرج عليهن فلا مانع أن يجمعن، ونحو ذلك من الدواعي التي تقتضي الجمع، أما أن يجعلن ذلك عاد فهذا غير مستحب لهن، ولا فرق بين شهر رمضان وغيره، وإنما شهر رمضان المبارك يتوسع فيه في العبادات أكثر من غيره، فينبغي للإنسان أن يفرّغ نفسه للعبادة في هذا الشهر الكريم أكثر منه في غيره، وأما إن صلى مسافر خلف مقيم فعليه أن يصلي بصلاته، بحيث لا يقصر الصلاة، الصلاة، وقد روي الإجماع على ذلك، والله تعالى أعلم.
إذا كان وطن الفتاة مسقط، وجاءت إلى بلد آخر لطلب العلم، فهل
تصلّي سفراً باعتبار أنها ليست في وطنها؟
إن كانت موطنة لبلد وتجاوزتها بقدر مسافة القصر فعليها أن تقصر
الصلاة.
نلاحظ أن الكثير من الطالبات يجمعن الصلوات مع القدرة على أدائها
في وقتها، فما حكم الإسلام في ذلك؟
أما المستقر الذي جلس في كان فإنه ينبغي له أن يصلي كل صلاة في وقتها، وأما المسافر الجاد في السير فالجمع أفضل له.
ذهبت امرأة إلى زيارة أهلها في منطقة أخرى لمدة أسبوع فهل تصلّي
سفراً؟
نعم، إذ المرأة تتبع زوجها في إتمامه الصلاة وفي قصره لها. (1/193)
صفحة 194
194
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
طالبة تدرس في كلية تبعد عن بيتها أكثر من أربعين كيلومتر فهل لها أن تقصر الصلاة؟
بل عليها أن تقصر، لأن هذه هي السُّنَّة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالنبي عليه أفضل الصلاة والسلام - صلّى الظهر بالمدينة أربعاً وصلّى العصر في ذي الحليفة ركعتين لما بين ذي الحليفة والمدينة من مسافة القصر، والله تعالى أعلم.
أنا طالبة أدرس في معهد يبعد عن منطقتي التي أعيش فيها بحوالي سبعة عشر كيلومتراً ويرفع أذان الظهر أثناء وجودي بالمعهد فأصليها قصراً، لكن يرفع أذان العصر وأنا في طريق عودتي وعلى مسافة تبلغ خمسة عشر كيلومتراً قبل وصولي إلى منزلي؟ هل أصلي صلاة العصر قصراً وأجمعها مع صلاة الظهر، أم أصلي العصر كاملة أثناء عودتي
إلى المنزل؟ إن كانت تدرك الصلاة في منزلها فلا حرج أن تؤخرها، وإن كانت لا تدرك فالأولى لها أن تجمع بين الصلاتين حتى لا تفوتها الصلاة، والله تعالى
أعلم.
طالبة عُمانية تدرس في دولة مجاورة تقول إنها في بعض الأحيان تضطر إلى جمع الظهر والعصر لضرورة الدروس، أما إذا جاء وقت المغرب فتفردها في وقتها والعشاء في وقتها، فهل يصح لها تارة تجمع وتارة
تفرد؟
الجمع في السفر ليس عزيمة وإنما هو رخصة، وهو سُنَّة من السنن، والنبي صلى الله عليه وسلم فعله عندما كان يجد في السير، إلا أنه في غزوة تبوك كان (1/194)
صفحة 195
فتاوى الصلاة
195
يجمع
الصلوات في المدة التي بقي فيها في تلكم الغزوة، ولعله راعى في ذلك بعض الظروف والأحوال التي كانت تكتنف وضعه هنالك، والله تعالى أعلم بالأمر، إلا أنه - عليه أفضل الصلاة والسلام ـ بين لنا أن الجمع رخصة يصار إليها مع الحاجة حتى ولو في غير حالة السفر، فقد الإنسان بسبب مرض أو غيم لعدم معرفته الوقت أو بسبب أمطار يجمع تمنعه من التردد على المسجد، وقد تجمع المرأة المستحاضة الصلاة من أجل استحاضتها، وكذلك صاحب السلس يجمع من أجل سلسه، وهكذا وهذا كله يستفاد من الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع الله من رواية ابن
=
عباس قال: «صلى رسول الله الظهر والعصر معا، والمغرب والعشاء الآخرة معا من غير خوف ولا سفر ولا سحاب ولا مطر»، وروى الحديث الشيخان وغيرهما من رواية ابن عباس، وجاء فيها أن ابن عباس سُئل ما أراد بذلك؟ فقال: «أراد ألا يُحرج أمته، ففُهم من ذلك أن هذا الجمع إنما يُباح في أوقات الحرج، ولذلك نص العلماء على أن للمريض ولصاحب السلسل وللمستحاضة أن يجمعوا، وكذا في حالة الغيم والمطر، وهذا الذي يكون في حالة الدرس حاله شبيهة بحالة المريض وصاحب السلس، فلا مانع من الجمع، بل هو أحرى بالجواز في حالة السفر، ولا يُمنع الإنسان
أن يفرد تارة ويجمع أخرى بحسب ما يتسنى له، والله تعالى أعلم.
أنا طفلة يتيمة الأب توفي والدي وعمري ثلاث سنوات وقد تزوجت أمي من رجل من بلدة تبعد مسافة القصر عن بلدة أبي، وقد انتقلت للعيش مع أمي حيث أصبح زوج أمي هو وليّ أمري. فهل أقصر في صلاتي مع العلم أنني - أصلّي صلاة حضر طوال هذه المدة؟ بما أنك مستقرة في تلك البلدة ومطمئنة فيها فعليك أن
تتمي الصلاة فيها، (1/195)
صفحة 196
196
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا
الجزء الأول
وقولك: «هو ولي أمري فيه نظر، فهو من ناحية الزواج ليس ولي أمرك له أن يأذن، إنما يأذن الولي سواءً كان أخاً أو عماً، والأخ أقرب
ولا
يسمح
من العم.
امرأة توفي زوجها وبقيت في بلده، فهل يلزمها إتمام الصلاة أم
القصر؟
بما أنها مستقرة هنالك فتم صلاتها، إلا إن نقلت وطنها عنه إلى مكان آخر، والله أعلم.
هل تتبع المرأة زوجها في صلاة السفر؟
تتبع المرأة زوجها في صلاة السفر بعد أن يتزوجها وتخرج من بلدها الذي فيه، أما إن كانت مقيمة مع والدها فإلى أن تنتقل إلى الزوج.
هل يجوز جمع صلاة العصر مع صلاة الجمعة في حال السفر؟ المسافر له أن يجمع بين الظهر والعصر، والجمعة تقوم مقام صلاة الظهر، فلا مانع من أن يصلي الجمعة ويصلي بعدها العصر جمع تقديم، والله تعالى أعلم.
رجل كان مسافراً في رمضان فجمع المغرب مع العشاء، هل يؤخر الوتر ليصليها مع التراويح؟
نعم، يؤخر الوتر ليصليها مع التراويح إن قصد أن يصلّي التراويح. (1/196)
صفحة 197
فتاوى الصلاة
ة السنن والنوافل
197
ما حكم تارك صلاة سنة؟
الشنن بعضها مؤكد وبعضها غير مؤكد، فمن السنن المؤكدة سُنَّة الوتر وسُنَّة الفجر وسُنَّة المغرب، ومن الشنن غير المؤكدة سُنَّة العشاء، فما كان مؤكداً فتركه يعتبر من الخسة، أما ما كان من السنن غير مؤكد فلا مانع من
تركه.
ما حكم الركعتين اللتين قبل صلاة الظهر؟ هل هما واجبتان؟ أم في مرتبة المستحبات؟ وهل تاركهما آثم أم لا؟ هما سُنَّة مرغب فيها، ولا يصل الأمر بها إلى درجة الوجوب، فمن تركها لم يقترف إثماً ولا يترتب على تركه شيء من العقوبة عليه. ولكن مع هذا كله إن كان داخلاً المسجد في ذلك الوقت فإننا نرجح بأن تحية المسجد سُنَّة واجبة، ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها قبل الجلوس ونهى عن الجلوس قبلها، فاجتمع فيها أمر ونهي فالنبي - صلوات الله وسلامه عليه ـ يقول: «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس»، وفي رواية أخرى: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين»، والله تعالى أعلم.
هل يمكن تأخير صلاة الوتر إلى السحور وما هو أفضل وقتها؟ وقت الوتر من بعد صلاة العشاء إلى انشقاق الفجر فمن كان ناوياً أن يؤخر الوتر إلى أن يقوم للتهجد، فإن كان مطمئناً إلى أنه سيقوم للتهجد، بحيث كان من عادته أنه لا يغلبه النوم فتأخيره الوتر أفضل، أما إن كان غير مطمئن، بحيث إنه يخشى أن يغلبه النوم فتعجيله بالوتر أفضل له حتى لا ينام عنه. (1/197)
صفحة 198
198
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
هل يجوز للمرأة أن تجهر بصلاتها في السنن والنوافل من أجل الخشوع
في
الصلاة؟
تجهر بقدر ما تسمع نفسها أو يسمعها من حولها ولا تزيد عن ذلك.
هل يجوز الدعاء في السجود، حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد»؟
ذلك جائز في صلاة النفل، أما في صلاة الفرض فنرى أن يقتصر على الذكر الوارد ولا يعدل عنه إلى ما زاد عليه، لأن هذه الصلاة كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين، فيقتصر على المنصوص عليه، ويترك ما زاد عليه، أما في صلاة النفل فلا مانع من ذلك، والله تعالى أعلم.
متى يبدأ وقت صلاة قيام الليل ومتى يبدأ الثلث الأخير من الليل بالنسبة للصيف وللشتاء؟
صلاة الليل ليست مرهونة بوقت معين من الليل فإن الله تبارك وتعالى يقول: {وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا الله [الإسراء: 79]، فإذا صلّى الإنسان في أي وقت من الليل كان له فضل عظيم، وإنما يتفاوت الفضل بتفاوت الوقت، فكلما كان أقرب إلى السحر كان ذلك أبلغ في الفضل، والثلث الأخير من الليل هو أفضل جزء من الليل يقام فيه، ويقاس بتقسيم الليل إلى ثلاثة أثلاث متساوية، الثلث الأول منذ غروب الشمس إلى انقضاء الجزء الأول من الثلاثة الأجزاء، ثم الثلث الوسط بذلك المقدار، ثم الثلث الأخير الذي هو إلى مطلع الفجر، والله تعالى أعلم. (1/198)
صفحة 199
فتاوى الصلاة
199
متى تؤدى صلاة السحر وكيف؟
وقت السحر يبدأ من أول الثلث الأخير من الليل إلى طلوع الفجر، وهذا الوقت ينبغي للإنسان أن يحرص على الصلاة فيه، لأن الله تبارك وتعالى ذكر فيما ذكر من أوصاف المتقين الذين وعدهم الجنة أنهم يستغفرون بالأسحار، قُلْ أَونَبتُكُم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّتُ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَلِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجُ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَاتٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرُ بِالْعِبَادِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّبِرِينَ وَالصَّدِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 15 - 17]، فوقت السحر يستجاب فيه الدعاء، ويرفع الله تعالى فيه درجات عباده القائمين فلا ينبغي للإنسان أن يفوت هذا الوقت، بحيث لا يكون له نصيب من القيام سواء كان ذلك في شهر رمضان الكريم أو في غيره، إلا أنه في شهر رمضان ينبغي أن يحرص على الخير أكثر فأكثر، بحيث يشغل هذا الوقت بالصلاة والذكر والدعاء والابتهال إلى الله الله، ثم هي من حيث الأداء لا تختلف عن غيرها من الصلوات فصلاة الليل مثنى مثنى يسلم بعد كل ركعتين، فعندما يفرغ من صلاة ركعتين يسلم ثم يقوم للركعتن التاليتين ثم للركعتين التاليتين وهكذا، فيصلي ما شاء، إلا إنه من المعلوم أن صلاة الليل ينبغي فيها تطويل القراءة أكثر من الإكثار من الركعات فقد جاء في رواية بعض الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل قرأ في ركعة واحدة سورة البقرة وسورة آل عمران وسورة النساء وسورة المائدة، فينبغي للإنسان أن يحرص على الخير، ولينظر كيف وصف الله الا الله أهل الجنة في قوله الله فيما وصفهم به: {كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
}
[الذاريات: 17، 18]، ومعنى الآية أن هجوعهم بالليل قليل إذ كانوا يقومون (1/199)
صفحة 200
200
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
أكثر مما ينامون، وهذا لأنهم عرفوا قيمة ما يسعون إليه، فهم يسعون إلى الجنة، والجنة هي بضاعة الله وبضاعة الله غالية، ومن فاز بالجنة فاز بالخير كله ومن حرمها حرم الخير كله، فلذلك يحرصون على هذا الخير، والله تعالى أعلم.
هل يجوز الجهر بالصلاة في قيام الليل إذا كان المصلّي يصلي بنفسه
منفرداً ولا يؤذي أحداً
لا مانع من ذلك. والله أعلم.
بقراءته؟
ثبت عند الإمام مسلم عن حذيفة رضي الله تعالى عنه أنه صلّى مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح عند البقرة فقلت يركع عند المائة، إلى أن قال: كان إذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبح وإذا مرَّ بآية فيها سؤال سأل وإذا مر بآية تعوذ تعوّذ فهل هذا في صلاة الليل فقط أم يجوز في صلاة
الفريضة؟ هذا في النفل، لأن الإطالة في الفريضة إلى هذا الحد تؤدي إلى ملل الناس، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن منكم منفرين، فأيكم صلّى بالناس فليخفف»، ولذلك ما كان النبي صلى الله عليه وسلم ليطيل ووراؤه من المصلين ذو الحاجة والمرأة المشغولة بأولادها، وفيهم وفيهم، إنما كان هذا في صلاة التهجد، فقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة التهجد وقرأ في ركعة واحدة بالبقرة وآل عمران والنساء والمائدة فقد كان قواماً لليل حتى تشققت أقدامه من قيام الليل، وقد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وعندما تقول له ـ عائشة رضي الله تعالى عنها ذلك يقول: «أفلا أكون عبداً شكوراً»، ثم إن الإتيان بالتسبيح ونحوه إنما في صلاة النفل وليس في صلاة الفرض.
عن (1/200)
صفحة 201
فتاوى الصلاة
201
امرأة تسأل كيف تصلى صلاة الاستخارة؟
وفي أجله
تصلي ركعتين ثم تستخير الله بقولها: اللهم إني أستخيرك بخيرتك واستقدرك بقدرتك، فإنك تعلم ولا أعلم وتقدر ولا أقدر، اللهم إن كنت تعلم في أمري هذا خيراً ـ وتذكره باسمه ـ في عاجل أمر في أوله وآخره في ظاهره وباطنه في دنياي وفي آخرتي فاشرح صدري له ويسره لي وأعني عليه، وإن كنت تعلمه شراً لي في عاجل أمري أو في آجله أو في أوله أو في آخره أو في ظاهره أو في باطنه أو دنياي أو في آخرتي فباعده عني وباعدني عنه وأغنني بما هو خير لي، وبعد ذلك تعمل بما شرح الله تعالى له صدرها من فعل ذلك الأمر أو تركه.
ما الفرق بين صلاة الحاجة وصلاة الاستخارة؟
صلاة الحاجة لم ترد بها سُنَّة، وإنما الصلاة هي مظنة لاستجابة الدعاء، فالإنسان ينبغي له إذا عرضت له حاجة إما أن يدعو الله تعالى بعد فريضة، أو سنة من السنن أو نافل من النوافل التي يصليها، وأن يسأل الله تبارك وتعالى حاجته، أما الاستخارة فقد جاء في الحديث: «ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار»، فينبغي للإنسان أن يستخير الله تعالى حتى يتبين له صواب ما يريد أن يقدم عليه أو عكسه - أي هل ما يريد أن يقدم عليه في مصلحته أو في غير مصلحته؟، وذلك بأن يسأل الله تعالى أن يلهمه ما فيه مصلحته في عاجلته وفي أجلته، وفي دنياه وفي آخرته، وفي ظاهر أمره وفي باطنه، وفي سريرته وفي علانيته.
ما هي كيفية أداء صلاة الاستخارة وصلاة الخوف؟
صلاة الاستخارة ركعتان وتقول على إثرهما: اللهم إني أستخيرك بخيرتك (1/201)
صفحة 202
202
المرأة تسأل والمفتي يجيب -
الجزء الأول
وأستقدرك بقدرتك فإنك تعلم ولا أعلم وتقدر ولا أقدر، اللهم إن كنت تعلم في أمري هذا خيراً ـ وتسمي ذلك الأمر باسمه ـ فيسره لي وأعني عليه واشرح صدري له، ومن شاء زاد إن كنت تعلمه خيراً في عاجل أمري آجله، في أوله وفي آخره، في ظاهره وفي باطنه، في دنياي وفي آخرتي فيسره وأعني عليه، وإن كنت تعلمه شراً في عاجل أمري أو في آجله في أوله أو في آخره في ظاهره أو في باطنه في دنياي أو في آخرتي فاصرفني عنه واصرفه عني وأغنني عنه بما هو خير لي.
وفي
أما صلاة الخوف فهي أنواع فقد تكون صلاة مواقفة، وقد تكون صلاة مسايفة، وقد تكون صلاة مطلق الخوف. أما صلاة المواقفة فهي أن تنقسم جماعة المسلمين إلى قسمين قسم يواجه العدو وقسم يصلي مع الإمام ركعة ثم تنصرف تلك الفئة التي صلت ركعة من غير أن تسلم وتحل محل الفئة التي تواجه العدو، وتأتي تلك وتصلي مع الإمام الركعة الأخرى ثم يسلم الإمام فيسلم الجميع، وهل على كل واحدة من الفئتين قضاء الركعة التي لم تصلها أو تجتزاء بركعة؟ في ذلك روايتان عن الرسول صلى الله عليه وسلم، والأقوال في هذا بلغت نحو ستة عشر قولاً، ولكن المشهور ما ذكرناه من هاتين الروايتين، والمشهور عندنا أنه يجتزئ المأمومون بركعة، فتصلي كل فئة ركعة ثم يسلمون معاً، وهذه الصلاة تصلّى عندما لا يكون هنالك تداخل وإنما توجس أن يهجم العدو. أما إذا كان الأمر أكبر من ذلك بأن يكون هنالك تداخل بالسلاح فإن المسلم يصلي في هذه الحالة كيفما أمكنه ولو كان في حالة استعمال السلاح ضد عدوه وهي صلاة المسايفة. وأما صلاة مطلق الخوف فهي أن يكون الإنسان خائفاً من تبع يتبعه وفي هذه الحالة يصلّي وهو على راحلته أو يعدو على قدميه هارباً من العدو الذي يتبعه سواء على جهة القبلة أو على غيرها، وإنما يستقبل الجهة (1/202)
صفحة 203
فتاوى الصلاة
203
الذي هو متجه إليها ويكتفي بذلك حتى لا يدع الصلاة تفوت، وإذا تحصل له الأمن بعد ذلك فلا إعادة عليه، لأنه لا يكلف أن يأتي بنفس الفرض
مرتين.
ما مشروعية الفأل بالقرآن؟ وكيف تكون صورته؟ وهل يوجد بديل ثالث غير الاستخارة والفأل إذا استمر الإنسان على التردد في أمر ما؟ أما كون التفاؤل بالقرآن الكريم، - وهو طلب الإرشاد والتوجيه من خلال ما يطلع عليه الإنسان من القرآن الكريم في أمر ـ من الشنة المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا، نعم النبي الله كان يُعجبه الفأل الحسن فقد كان يتفاءل لأي شيء ولا يتشاءم، وعليه فعندما يتردد الإنسان بين أمرين اثنين من غير أن يتبين له صواب الإقدام أو الإحجام ينبغي له أن يعرض ذلك الأمر الذي يري أن يُقدم عليه على حكم الشرع، فما كان موافقاً لحكم الشرع أقدم عليه وما كان مخالفاً له أحجم عنه، وعندما يكون حكم الإقدام والإحجام واحداً من حيث التشريع ففي هذه الحالة يُؤمر أن يُراعي ما يترتب عليه من المصلحة الشخصية والمصلحة الاجتماعية، فإن تعمَّت عليه الحقيقة من هذه الناحية فليستخر الله تعالى، فإن رأى ما يشجعه على الإقدام فليقدم، وبإمكانه أيضاً أن يتفاءل بعد استخارته من خلال ما يراه في منامه كأن يرى ما يشجعه على المضي أو التأخر أو أن يرى ما يدلّ على الفأل، كأن يرى خضرة أو يرى ماء، وكذلك عندما يرى عكس ذلك كأن يرى ناراً أو سواداً أو شيئاً من هذا القبيل، وعندما يأنس إلى شيء يسمعه من قراءة القارئ مثلاً، كأن يمرّ في الطريق ويسمع قارئاً يقرأ آية تشجع على المضي قدماً قدماً بمشيئة الله وينبغي له أن يكرر الاستخارة عندما
فإنه يتشجع ويمضي لا يرى شيئاً نفسياً ولا يرى شيئاً في منامه. (1/203)
صفحة 204
204
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
صلاة التسابيح والتراويح
ما رأيكم عن صلاة التسابيح هل ثبتت عن رسول الله؟ أكثر العلماء يقولون إن الرواية غير ثابتة، وقال بعضهم بأنها بلغت درجة
الحسن.
كيف تصلى صلاة التسبيح؟
صلاة التسبيح هي أربع ركعات تجوز ليلاً ونهاراً، والأولى صلاتها ظهراً، يصليها الإنسان في كل جمعة أو في كل شهر أو في كل عام أو مرة في العمر، ومن صلاها نهاراً جاز له الوصل والفصل، يأتي فيها بالباقيات الصالحات في كل ركعة خمساً وسبعين مرة، وهي «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر يقول ذلك بعد الفراغ من القراءة خمس عشرة مرة وفي الركوع عشر مرات، وبعد الرفع من الركوع عشر مرات وبين السجدتين مثل ذلك، وفي السجود الثاني مثل ذلك، وعند الرفع منه قبل القراءة أو التشهد مثل ذلك. والله أعلم.
متى ينتهي وقت صلاة التراويح؟
صلاة الليل التي تكون بعد العشاء في شهر رمضان المبارك صلاة هي التراويح إلى منتصف الليل، أما التي تكون بعد منتصف الليل فهي صلاة التهجد، وصلاة السحر إنما هي في الثلث الأخير، وصلاة التهجد فيها خير كثير، بل هي أفضل من صلاة التراويح، لأن الإنسان الذي يقوم لها ويُعنى بها ويجتهد فيها يُقاوم الشيطان، ويُقاوم شهوة نفسه في النوم، فالمغنم بمقدر المغرم، والغنى بقدر العناء، فلذلك كان أجرها أكبر بمشيئة الله تعالى. (1/204)
صفحة 205
فتاوى الصلاة
205
ما أهمية صلاة التراويح للمرأة؟
المرأة كالرجل مطالبة بأداء الفريضة، ومأمورة أن تتقرب إلى الله تعالى بالنوافل حسب استطاعتها.
ما حكم قراءة القرآن من المصحف في صلاة التراويح؟
قراءة القرآن من المصحف فيها شغل شاغل عما ينبغى أن يكون عليه الإنسان في صلاته من الإقبال على صلاته والخشوع فيها، فإنه يضطر إلى رفع المصحف ووضعه، ويضطر إلى أن يأخذ في تقليب الأوراق ورقة ورقة وهو يقرأ من المصحف الشريف، فلذلك نرى أن من كان غير حافظ للقرآن بأكمله أن يقتصر في القراءة على ما يحفظه دون ما لا يحفظه، والله تعالى يتقبل منه، ولا معنى لقراءته من المصحف الشريف وهو في حالة الصلاة.
ما رأي سماحتكم في قراءة المرأة من مصحف أثناء الصلاة في قيام رمضان بهدف أن تكمل المصحف كاملاً فيه؟
الأولى لها اجتناب ذلك، لأن هذا مما يؤدي بها إلى الاشتغال كثيراً برفع المصحف وخفضه ووضعه، ولكن لا نقول ببطلان الصلاة بذلك لأنها
صلاة نافلة.
ما أهمية صلاة التراويح للمرأة؟ وهل هناك نوافل مستحبة؟ المرأة ينبغي أن تكون لها صلة بالله تعالى من خلال صلوات النوافل كالرجل، لأنها متعبدة كالرجل، وصلاة التراويح ليست محصورة في الرجال، وكذلك صلاة التهجد ـ وهي التي تكون بعد منتصف الليل وخصوصاً في الثلث الأخير من الليل - فينبغي للرجل وللمرأة أن يحرصا عليها، وكذا صلوات النوافل كلها. (1/205)
صفحة 206
206
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
بالنسبة لصلاة التراويح عندما ينتهي من الركعتين الأوليين هل يكبر
مباشرة تكبيرة الإحرام للركعتين الأخريين أم يبدأ بالتوجيه؟
من العلماء من يرى الاكتفاء بالتوجيه الأول، ومنهم من يرى أنه ينبغي أن يأتي بالتوجيه ولو بالاختصار، كأن يقتصر على توجيه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وفي كلا الأمرين خير إن شاء الله.
هل يصح للمرأة أن تصلي صلاة التراويح في بيتها؟
لا مانع في ذلك.
بالنسبة لصلاة التراويح في رمضان هل تنوي نية جديدة للركعتين الأخيرتين بعد التسليم الأول أم تكفي النية الأولى؟
نعم تجدد النية قبل تكبيرة الإحرام لكل ركعتين، والنية المطلوبة هي بالقلب دون النطق باللسان، والله أعلم.
القصد
المرأة هل عليها أن تصلّي التراويح إذا كان بيتها قريباً من المسجد؟ أما الوجوب فلا يجب عليها أن تذهب للمسجد، وإن شاءت أن تصلي في بيتها ففي ذلك خير لكن لا مانع من أن تذهب للمسجد، لا سيما إن كان هذا الذهاب يجعلها تنشط بحيث تكون مع النساء وراء الإمام فينشطن جميعاً لاجتماعهن، وخصوصاً إذا كانت تسمع الدروس والتوجيهات ففي هذا خير كبير، ولكن على أن تخرج غير متبرجة بزينة وغير متطيبة: لا ببخور ولا بعطر، مع الاحتشام التام والستر الشرعي
الواجب. (1/206)
صفحة 207
فتاوى الصلاة
207
هل تجوز صلاة التراويح بعد صلاة الوتر؟
أن الوتر هي
آخر الصلاة؟
هي
كيف تصلى صلاة التراويح بعد صلاة الوتر مع أما من صلّى الوتر ونام فله أن يقوم ويصلي بعد ذلك، وهذه الصلاة صلاة التهجد، ولربما سميت صلاة السحر إن صليت في وقت السحر، وهذه الصلاة فيها فضل عظيم أما إن كان الإنسان حاول النوم ثم بعد ذلك قام فليصل ما شاء.
بعض المسافرين يجمع الصلاتين ومعهما الوتر ثم يدرك صلاة التراويح، فماذا يفعل؟
بما أنه يتوقع أن يجد من يصلي. معه قيام رمضان فما الذي يدعوه إلى أن يجمع الوتر؟ وما باله لا يؤخره؟!.
هل للمسافر أن لا يصلي صلاة التراويح؟.
ترك صلاة التراويح إنما هو من شأن الكسالى، الذين لا يبالون بقيمة الشهر الكريم وقيمة قيام ليله وقيمة التوجه إلى الله تعالى في لياليه بالعبادة والطاعة والدعاء والضراعة والابتهال، سواء كان الإنسان في سفر أو في حضر، ولكن لا يعني هذا أنها واجبة وجوباً عينياً بل هي من الشنن المؤكدة، نعم عندما يكون المسافر في شاغل كأن يكون جاداً في سيره هو أولى بأن يترخص أكثر من غيره، بخلاف المسافر المقيم في بلد، والذي لا يشغله عن تلبية هذا الداعي شيء، فإن هذا يتأكد في حقه حضور هذه الصلاة، لأنها شعيرة من شعائر الله تقام في بيوته، فلا ينبغي الزهد فيها
والإعراض عنها. (1/207)
صفحة 208
208
صلاة العيد
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
ما هي
صلاة العيد باختصار؟ وما الذي تشتمل عليه خطبة عيد الفطر؟
6
اثني
صلاة العيد هي صلاة بركعتين، وتكبير واختلف في هذا التكبير على عشر قولاً. ولا نريد أن ندخل في التفاصيل - فكل أحد ندخل في التفاصيل ـ فكل أحد يتبع ما كان ينهجه وما استقر عليه العمل عنده ويخطب فيها بخطبة أو بخطبتين بعد الصلاة، والخطبة تبدأ إما بالحمد ثم التكبير أو بالتكبير ثم بالحمد، فكل من ذلك لا حرج فيه، وفي هذه الخطبة يكون التذكير ببهجة العيد وبمكاسب الصيام التي أحرزها العبد المؤمن، وبأحكام زكاة الفطر، كما تهيأ النفوس لاستقبال أشهر الحج والمشاعر المعظمة من أجل حفز الهمم للحج في الأيام المقبلة، كما ينبغي أن تشتمل الخطبة على الأمر بالطاعات والأمر بالصلة والتقارب والألفة والتواد والتراحم والتلاحم بين عباد الله المؤمنين، لتكون الأمة المسلمة أُمة واحدة قوية مترابطة متآلفة، يحرص كل فرد من أفرادها على خير جميع أفرادها، لتنعم هذه الأمة بالاستقلال، ولتنعم بالحرية والخير بمشيئة الله تعالى.
هل على المرأة صلاة العيد؟
الكل يؤمر بالخروج إلى صلاة العيد الرجال والنساء، على أن تخرج النساء غير متطيبات وغير متزينات، أو أن تكون زينتهن مستورة لا تظهر للرجال ولا يُسمع جرسها، حتى لا تؤثر على خيالهم، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تخرج العواتق وذوات الخدور وأن تخرج حتى الحيض ولكنهن يعتزلن المصلى، وأمر من لم تملك جلباباً أن تستعير جلباباً من من أختها وهذا كله من أجل أن تكون بهجة العيد بهجة مشتركة، فمع وجود مكان (1/208)
صفحة 209
فتاوى الصلاة
209
مخصص للنساء في المصليات بحيث يمكن للنساء أن يجدن مكاناً مصوناً فيها فإنه ينبغي للنساء أن تخرج إلى هذه المصليات، وكذلك إن كانت تؤدي في مساجد فيها أماكن لصلاة النساء، ليشاركن الرجال في فرحتهم، فكما شاركتهم في الصيام والقيام كذلك يشاركنهم في العيد الذي هو يوم الجائزة.
ما حكم شهود المرأة صلاة عيدي الفطر والأضحى المباركين؟ شهود المرأة صلاة العيد في يومي الفطر والأضحى مما ثبت بالسنة، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإخراج العواتق والحيض في ذلك اليوم، وأمر من لم تكن عندها جلباب أن تستعير جلباباً من جارتها، ولكن ذلك مشروط بعدم اختلاط الجنسين وعدم الإتيان بما يخل بالآداب الإسلامية، والله أعلم.
فيمن يستدرك الصلاة في يوم العيد فيدركهم في الركعة الثانية كيف يكون قضاء الركعة الأولى؟
يقضي كما يقضي سائر الصلوات ولكن هل يكبر أو لا؟ فيها خلاف، والأولى أن يكبر كما كبر الإمام.
امرأة صلّت العيد وعند رجوعها للمنزل تذكرت قيئاً لحقها من طفلها،
فماذا تعمل؟ يتقبل الله عملها ولا يلزمها أن تعيد الصلاة، لأنا لو اعتبرنا النجاسة مانعة من انعقاد الصلاة فهي لم تنعقد صلاتها، ويكفيها ما شهدته، وإن أرادت أن تحتاط وتصلي ركعتين فذلك من الخير لها، والله أعلم. (1/209)
صفحة 210
210
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
فتاوى متنوعة في الصلاة
أيهما أفضل الصلاة أم الصوم، وإذا كان الجواب الصلاة، فلماذا أوجب الله تعالى على المرأة الحائض قضاء الصوم ورفع عنها الصلاة؟
رفع عنها الصلاة لأن الصلاة تتكرر بخلاف الصوم، وإلا فالصلاة مقدمة على الصوم لأنها مفروضة قبل الصيام، ثم إن أثرها النفسي أبلغ من أثر الصوم، ولذلك جعلها الله تعالى متكررة، وذلك لا يعني التهوين من منزلة الصيام، فالصيام ثوابه عظيم وقدره، جسيم نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الصائمين والمقيمي الصلاة.
هناك شخص أحب الصلاة فطلب من ذويه أن يعلموه الصلاة فرفضوا فصلى كيف ما أملت عليه نفسه فهل صلاته مقبولة؟
الله تبارك وتعالى لا يُعبد بالجهل وإنما يُعبد بالعلم، والإنسان مطالب بأن يسعى إلى تعلم الخير، وقد نص العلماء أن على الإنسان - إن لم يجد من يُعبّر له في بلده الذي هو فيه ما وجب عليه من الفروض ـ أن يخرج إلى حيث يوجد المُعبر إن كان صحيح البدن واجداً للراحلة وللزاد الذي يحمله وللقوت الذي يتركه لأهله وكان الطريق آمناً مهما كلفه ذلك من وقت ومن عناء، لأن الله تبارك وتعالى تعبد العباد أن يعبدوه بعلم لا بجهل وإلا لتركهم لأهوائهم، وبناءً على هذا فعندما يتعذر تعلم الصلاة وأمور الدين من قبل الأهل فإنه يجب الخروج إلى خارج محيط الأهل والأسرة، ولو سافر الإنسان إلى بلاد نائية بعيدة من أجل تعلم ما لا بد من تعلمه من الأمور الضرورية في الدين، على أن الأهل قد يكونون هم أيضاً من الجهل بمكان، ومما يدلُّ على جهلهم رفضهم لتعليمه، فإنهم إما أن يكونوا عالمين بجهلهم ولذلك رفضوا التعليم (1/210)
صفحة 211
فتاوى الصلاة
211
حتى لا يعلموه خطأ، وإما أن يكونوا غير عالمين بجهلهم ويعتقدون إنهم على صواب، وهذا دليل جهلهم، لأن رفض التعليم ممن يعلم إنما هو انحراف عن لطالب الهداية، وذلك مما لا يجوز قط، والله تعالى أعلم.
الحق ومنع
هناك الكثير من الأمهات لا يعلمن عن الصلاة ولا عن الأمور الشرعية شيئاً، فعلى من تقع مسؤولية هؤلاء؟
مسؤوليتهن تقع على عاتق المجتمع كله ممن كان عارفاً بحالهن ولكن الأقرب يتحمل من الأوزار أكثر من الأبعد، فعلى الكل أن يسعى من أجل تعليمهن أمر دينهن وتفقيههن بقدر المستطاع ومن كان قادراً على ذلك من قرابتهن فهو أولى بذلك، والله تعالى أعلم.
إذا كان الطفل يبكي والأم تريد الصلاة، والوقت محدود كوقت صلاة المغرب مثلاً، فهل لها أن تحمله أثناء الصلاة؟
نعم لها أن تحمله وهي
تصلّي.
هل نوم الطفل ووقوفه ولعبه أمام أمه وركوبه على ظهرها أثناء السجود
يؤثر على صلاتها؟
إذا كانت مضطرة إلى ذلك فالضرورات تقتضي التوسيع، بخلاف ما إذا كانت غير مضطرة بحيث تجد من يحمله عنها ويمنعه من المرور أمامها وفعل ما يفعله.
هل يؤجر الصبي غير البالغ على صلاته؟ وهل لأبويه نصيب من هذا
الأجر؟
نعم، يؤجر على ذلك، فإنما يعمله الصبي مما يقربه إلى الله يؤجر عليه (1/211)
صفحة 212
212
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
بمشيئة الله ولأبويه نصيب من ذلك عندما يوجهانه إلى الخير، وقد جاء في الحديث عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام أنه لما كان في سفره إلى الحج لقي ركباً كان يسأل عن الركب الذي فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، فقامت من ذلك الركب امرأة ورفعت طفلاً وقالت: «ألهذا حج يا رسول الله؟»، فقال لها: «نعم، ولك أجر».
ابني
لا يصلي الفجر وعمره الآن ثماني عشرة سنة، وأنا آمره بالصلاة ولكنه لا يرضى أن يستيقظ مبكراً، ولم أدع طريقة لنصحه إلا عملتها فهل عليّ ذنب أم لا؟ إذا أدت الأم ما عليها من النصيحة وبذلت جهدها، فليس عليها من الوزر شيء، قال الله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مِّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105]، فإذا اتقى العبد ربه وأدّى ما عليه من واجب النصح فلا يضره ضلال غيره إن اهتدى هو إلى أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر.
نعم.
هل يُسن للمرأة كالرجل الغسل في العيدين والجمعة؟
ما قولك في رجل لا يصلّي والله أعلم إذا كان يصوم أو لا، ولكنه يعمل كل خير ولا يدخل نفسه في المحرمات ولديه أطفال قائمون على عبادة الله من صلاة وصوم وغير ذلك، فهل المال الذي ينفقه عليهم حلال أم حرام إذا كان هو لا يعمل في الحرام؟ أما المال فلا يحرم عليهم، وأما هو فبئس الرجل ولا خير فيه ما دام لا يصلي، ولو كان يجتنب المنهيات، إذ ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة. (1/212)
صفحة 213
فتاوى الصلاة
213
امرأة متزوجة من رجل منذ أكثر من سبعة وعشرين عاماً، ولديها أولاد كبار وصغار، حيث إن زوج هذه المرأة لا يحافظ على الصلاة، ولا يعرف الوضوء ولا الصلاة، ولا يذهب إلى المسجد لأداء الصلاة بحجة أنه غير قادر وأن به ألم في رجليه إلا أنه في حقيقة الأمر يعمل ويستطيع المشي والحركة ويذهب إلى أي مكان آخر يريده، ما قولكم في هذا الرجل، وما الحكم الذي ينطبق عليه، وهل يجوز لزوجته أن تعاشره مع العلم أنها نصحته مراراً عديدة وهي غير راضية عن تصرفاته، وأولاده غير راضين عنه ودائماً ينصحونه ويحثونه على أداء الصلاة ولكنه لا يقبل النصيحة؟
نحن أولاً نوجه نصيحتنا إلى الرجل نفسه، وإلى أمثاله من الذين يتهاونون بالصلاة ولا يبالون بها متى أدوها، أو لا يبالون بها أدوها أو لم يؤدوها، نوجه نصيحتنا إلى هؤلاء أن يتقوا الله، وأن يدركوا أنه لا نصيب لهم في الإسلام ما داموا مضيعين الصلاتهم، فإن الحق و يا مال الله لم يجعل الإسلام أمراً نظرياً يعيش في عالم المثال فحسب، وإنما هو حقيقة واقعية، فالإسلام دين الله الحق جاء من أجل تطويع النفوس لرب العباد سبحانه تعالى، ووصل هذه النفوس ببارئها عزَّ وجلَّ، وهذه الصلة إنما تكون من خلال الطاعة والعبادة والانقياد المطلق لرب السموات والأرض الذي تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء: 44]، فالإنسان إن لم يكن مؤدياً لواجبه وقائماً بحق العبادة الله لا يكون نشاز بين طبيعته وحركته، إذ للإنسان حركة فطرية اضطرارية وله أيضاً حركة اختيارية كسبية، فالحركة الفطرية إنما هي حسب سنن الله تبارك وتعالى، فهي حركات تتجاوب مع نظام الكون، فإن لم توازها حركات كسبية اختيارية تنسجم معها كان نشاز بين فطرة الإنسان (1/213)
صفحة 214
214
المرأة تسأل والمفتي يجيب -
الجزء الأول
وحركته الكسبية، ولذلك يحدث ما يحدث من انفصام الشخصية ومن تنكر الإنسان للكون وسخطه على الواقع بسبب ما يصيبه من الضيق لإحساسه بأن فعله لا يتفق مع طبيعته التي طبع عليها وفطرته التي فطره الله تبارك وتعالى عليها، وليس هذا فحسب، بل الإنسان يكون عدواً للكون ويحش أن الكون عدو له عندما يكون بعيداً عن عبادة الله سبحانه تعالى، فلذلك نرى اليوم في كلام الذين بعدوا عن عبادة الله ما يدلُّ على هذه العداوة الناشئة عن هذا الاضطراب النفسي والبعد عن منهج الله، فكثيراً ما يردد الذين بعدوا عن الله كلمات تنم عن عدائهم للكون، وإحساسهم بعداوة الكون لهم، كقولهم: فلان استطاع أن يقهر، الطبيعة، أو أن قوماً غزوا الفضاء أو نحو ذلك مما يدل على أنهم يحسون بأن الكون عدو لهم فلذلك يحرصون على غزو ما يغزون منه وعلى قهر ما يدعون أنهم يقهرونه منه، بينما المؤمن بخلاف ذلك، لأنه يشعر بأنه يتجاوب مع هذا الكون، إذ الكون بأسره تسبح كل ذرة من ذراته بحمد الله وتسجد لجلاله، وهذا ما
أنبأ به القرآن الكريم في كثير من الآيات، فالله تبارك وتعالى يقول: {لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَدِهِ، وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء: 44]، ويقول: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحشر: 1]، ويقول: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [الجمعة: 1]، ويقول تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَاتُ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرُ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج: 18]، فخلايا الإنسان التي يتكون منها جسمه لها حركات تنسجم مع هذه الحركة الكونية العامة ولكن عندما يكون الإنسان شاذاً فإن حركته الكسبية تكون ضد هذه الحركة (1/214)
صفحة 215
فتاوى الصلاة
215
6
الاضطرارية، ولا ريب أن الصلاة تأتي في مقدمة العبادات جميعاً إذ هي تجمع التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل وهي أيضاً تجسد الخضوع المطلق الله عزَّ وجلَّ فلذلك قرنت بالإيمان وجاءت رديفة له في كثير من آيات الكتاب، فالله تبارك وتعالى يقول: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمَمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 2، 3] ويقول سبحانه: {هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [النمل: 2، 3]، ويقول أيضاً: {هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [لقمان: 3، 4]، وقد بيّن القرآن الكريم أن إيمان الإنسان لا يتحقق إلا بهذه الصلاة فلذلك يكون حرباً على الإسلام إلا عندما يقيم الصلاة، فقد قال تعالى: {فَإِن تَابُوا} أي المشركون الذين يحاربون المسلمين: {وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ وَآتَوُا الزَّكَوةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 5]، ثم بين أن بهذه التوبة وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تتحقق الأخوة ما بينهم وبين المؤمنين عندما قال: {فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلوةَ وَعَاتَوُا الزَّكَوةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [التوبة: 11]، وكذلك نجد أن الله الا الله بين أن نصرة العباد الله إنما تتحقق بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فقد قال: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزُ الذِينَ إِن مَّكَتَهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلوةَ وَعَاتَوُا الزَّكَوةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 40، 41]، وعندما وعد عباده المؤمنين الاستخلاف والتمكين في الأرض ذكر ما يدلُّ على أن هذا الاستخلاف إنما يكون للذين يقيمون الصلاة، أي أن إقام الصلاة من أهم شروط الاستخلاف فقد قال الال وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ كم دينهم ـمُ الَّذِي ارْتَضَى هَمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي (1/215)
صفحة 216
216
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَيكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55]، ثم أتبع ذلك قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَعَاتُوا الزَّكَوةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور: 56]، لتتنبه النفوس وتستيقظ الأحاسيس إلى أن هذا الاستخلاف لا يكون إلا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة على أن الصلاة هي ذات أثر بعيد في تطهير النفس من أدرانها وتصفية مرآتها من أكدارها، وتمتين صلة الإنسان بربه سبحانه، وبمجتمعه وأسرته وأمته، حتى يكون فرداً فاعلاً في هذه الأسرة أو هذا المجتمع أو هذه الأمة. وكما أن الصلاة تأتي في مقدمة أفعال الخير فإن التقصير في الصلاة أو إضاعتها وعدم المبالاة بها من أسباب تردي الإنسان ـ والعياذ بالله ـ في دركات الشر، فالله الله قال: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَوةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيَّا [مريم: 59]، ومعنى الآية أن إضاعة الصلاة هي مقدمة أعمال الشر بأسرها، ولذلك يليها ما يليها من اتباع الشهوات وغيره، كذلك نجد أن الله الله عندما ذكر أصحاب الجحيم وأنهم يسألون يوم القيامة عما سلكهم في سقر حكى إجابتهم، إذ قال فيما يحكيه من شأنهم: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَفَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَوْ نَكَ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَابِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ الدِّينِ * حَتَّى أَتَنَا الْيَقِينُ} [المدثر: 42 - 47]، فهم مع ما ارتكبوه من الجرائر الكثيرة التي من بينها التكذيب بيوم الدين جيء بإضاعتهم الصلاة وتركهم إياها في مقدمة أعمال السوء التي ارتكبوها، وجاءت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم لتوضح وتؤكد ما دلّ عليه القرآن وإن كان القرآن لا يحتاج إلى أن يؤكد بشيء، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإن فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله»، ونجد أن النبي - عليه أفضل الصلاة والسلام - عندما ذكر الصلوات الخمس قال:
بيوم (1/216)
صفحة 217
فتاوى الصلاة
217
أمثال هؤلاء
من حافظ عليهن كن له يوم القيامة نوراً وبرهاناً ونجاة ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع فرعون وقارون وهامان وأبي بن خلف، وقد ذكر بعض العلماء العلة في ذكر هؤلاء الأربعة فقال: بأن تارك الصلاة إما أن يتركها لأنه مشغول عنها بملكه، فمن كان كذلك فهو يحشر يوم القيامة مع فرعون ويقرن به، أو لأنه مشغول عنها بماله فيحشر يوم القيامة مع قارون ويقرن به، أو لأنه مشغول عنها بمنصبه فيحشر يوم القيامة مع هامان ويقرن به، أو لأنه مشغول عنها بتجارته فيحشر يوم القيامة مع أبي بن خلف الذي هو أحد تجار كفار قريش بمكة ويقرن به هكذا يؤدي ترك الصلاة بصاحبه إلى أن يكون من العتاة المتكبرين وأن يحشر معهم وإن لم يفعل ما فعلوا من الكبائر الأخرى، ولكن حسبه تركه الصلاة فاحشة عظيمة وفعلاً منكراً، كما نجد الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على أن الصلاة هي عمود الدين، يقول عليه الصلاة والسلام: «لكل شيء عمود وعمود الدين الصلاة وعمود الصلاة الخشوع». رواه الإمام الربيع الله من حديث عائشة رضي الله تعالى عنه، ومثل هذا يتكرر في الأحاديث فلذلك كان من الضروري على المسلم الذي يريد أن يصدق انتماؤه إلى الإسلام أن يحافظ على الصلوات الخمس، كما أن عليه أن يحافظ على كل الواجبات، ومن المحافظة على الصلاة أن يؤديها بخشوع حتى تكون زاجرة له عن الشر وباعثة له على الخير، وأن يحافظ عليها في الجماعات، فما بال هذا الإنسان يدعي أنه لا يستطيع الذهاب إلى المسجد ليصلّي جماعة وهو ينطلق برجليه إلى أرض فسيحة، وينتقل من مكان إلى مكان فهذا دليل على أن الشيطان يثبطه عن المحافظة على الصلوات. ثم لو كان معذوراً عن شهودها في المسجد هل له أن لا يصليها قط، مع إمكانه أن يصليها في البيت؟ ومن هنا كان على المرأة (1/217)
صفحة 218
218
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
المسلمة أن لا ترضى لنفسها أن ترتبط بشخص من أمثال هؤلاء الذين لا يبالون بالصلاة، إذ هو مما يدلُّ على أنهم ليسوا من الإيمان ولا من الإسلام في شيء فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر». ويقول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام -: «ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة، فلذلك أدعو هذه المرأة إلى أن تخيّر هذا الرجل بين أن يستقيم ويحافظ على الصلاة وبين الانفصال عنه، والله تعالى الموفق (1/218)
صفحة 219
الفصل الثاني
فتاوى الزكاة (1/219)
صفحة 220
[صفحة فارغة] (1/220)
صفحة 221
فتاوى الزكاة
نصاب الزكاة
221
ما هو نصاب الزكاة المفروضة عموماً؟ وكيف تخرج؟
الزكاة المفروضة في الأموال تختلف باختلاف تلك الأموال التي فرضت فيها، على أن الله تبارك وتعالى ذكر في كتابه الكريم أن في الأموال حقاً معلوماً: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّابِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 19] وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدلُّ على أنه أمر أن يأخذ الزكاة من الأغنياء ويردها إلى الفقراء، ثم اختلف أهل العلم في الأموال التي تجب فيها الزكاة، هل هي مطلق المال
بين
أو هنالك أصناف مخصوصة تجب فيها دون غيرها؟ وهم في ذلك مضيق وموسع، وسبب الخلاف أن الزكاة شرعت غير مبينة في القرآن الكريم، وبيانها في السُّنَّة النبوية أغلبه بيان تطبيقي، إذ النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من أصناف مخصوصة من الأموال، فهل تحصر في تلك الأصناف أو أنها يتجاوز بها إلى كل مال نام، باعتبار أن النماء هو سبب وجوبها في تلك الأموال، أو أن ذلك ينبغي أن يكون في حدود القياس، بحيث يُقاس على تلك الأصناف التي أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم الزكاة منها ما كان شبيهاً بها، هذه المسألة من المسائل التي احتدم فيها الخلاف بين أهل العلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخذها في الماشية في أصناف مخصوصة وهي: الإبل والبقر والغنم، وأخذها ـ عليه أفضل الصلاة والسلام - في الذهب والفضة، وأخذها (1/221)
صفحة 222
222
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
- صلوات الله وسلامه عليه ـ في أنواع من المزروعات وهي: التمر والزبيب والشعير والبر، في حين أن هناك أنواعاً غير متوافرة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أو في ذلك المحيط الذي كان يعيش فيه، كالأرز واللوبيا والفاصوليا وأمثال هذه المزروعات، على أننا إذا رجعنا إلى تلك الأصناف التي أخذت منها الزكاة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم نجد أنها جميعاً مما تتطلع إليه النفوس وتشرئب إليه الأعناق وتشتد إليه حاجة الناس، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخذها من حبوب مدخرة هي قوام حياة الناس لأن الناس في معيشتهم أحوج ما يكونون إليها من أجل الاقتيات بها، فلذلك أخذها منها، وعلى هذا فينبغي أن يُلحق بها كل ما كان شبيهاً بها في الإقتيات والادخار، أما بالنسبة إلى الماشية فقد أخذها من بهيمة الأنعام، لأن الأنعام من الأشياء التي تشتد حاجة الناس غذاء إليها، فهي لهم،، فلذلك أخذها الرسول الله من الإبل والغنم والبقر ولم يأخذها من بقية البهائم الأخرى، وأما الذهب والفضة فهما وسيلة تبادل المنافع بين العباد، ولذلك كانت الحاجة مشتدة إليهما، لأن منافع
مقتاتة
هذه
الناس تقضى بها، فهما العملة المتداولة بين الناس، وكل صنف من الأصناف له نصاب مخصوص، فنصاب الذهب هو عشرون مثقالاً وقد قدر
هذا المقدار بخمسة وثمانين جراماً بحسب معايير وقتنا هذا، أما زكاة الفضة فتجب من مائتي درهم وقد قُدر هذا النصاب بخمسمائة وخمسة وتسعين جراماً من الفضة، أما الغنم فلا تجب فيها زكاة حتى تصل أربعين شاة، فإذا وصلت أربعين شاة وجبت فيها الزكاة والإبل تجب فيها إذا بلغت خمساً، والبقر على القول الراجح حكمها حكم الإبل، أما بالنسبة إلى الحبوب فتجب إذا بلغت خمسة أوسق، والوسق ستون صاعاً، وعلى هذا فتجب في الحبوب إذا بلغت ثلاثمائة صاع، والله تعالى أعلم. (1/222)
صفحة 223
فتاوى الزكاة
223
ما هو الصاع وكم مقداره؟
الصاع هو مكيال، والمكيال يختلف باختلاف الأشياء المكيلة، فقد يكون بعضها أثقل من بعض أما بالنسبة للأرز فيقدّر الصاع بنحو كيلوين وثمانين جراماً، والإطعام الواجب في الكفارات وبدل الصيام هو نصف صاع، فإن الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن المسكين يطعم نصف صاع في فدية حلق الرأس ويقاس بقية الإطعام على هذا الإطعام لأجل أن العلة واحدة إذ المقصود الإطعام، أما بالنسبة إلى إخراج القيمة فالقيمة لا يمكن أن تحدد لأنها تختلف بين بلد وآخر وزمن وآخر، فقد يكون الطعام في بعض الأزمان أقل قيمة وفي أخرى أكثر قيمة وكذلك تفاوت البلدان فيها، فلذلك لا يمكن أن نحدد القيمة بمقدار معين. (1/223)
صفحة 224
224
مصارف الزكاة
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
ا نريد من سماحتكم أن تعرفنا من يستحق الزكاة لأن الناس الآن اختلفوا في أحوالهم ويتقاضون مكافأة من الدول، نرجو توضيح هذه الأصناف في الأحوال الحالية؟ ومن منهم يستحق؟
الزكاة أصنافها ثمانية والفقراء والمساكين يشتركون في أنهم لا تفي دخولهم بنفقاتهم الضرورية التي ينفقونها، ولا يعني هذا أنهم لا يملكون شيئاً، فإن الله تبارك وتعالى قال في السفينة: أَمَا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} [الكهف: 79]، ولا يُنظر في ذلك إلى كثرة الدخل أو قلته وإنما يُنظر إلى كفايته أو عدم كفايته، فربما أحد من الناس يكون دخله الشهري مائتي ريال ولكنها تكفيه لنفقاته الضرورية، بينما هناك آخر يتقاضى راتباً قدره خمسمائة ريال في كل شهر، ولكنها لا تكفيه لنفقاته الضرورية، وذلك بسبب اختلافهما في كثرة العيال فربما يكون الذي دخله مائتا ريال لا ينفق إلا على نفسه وعلى زوجه، بينما الآخر ينفق على زوجة وأبوين وعشرة أولاد أو أكثر ويتكلف نفقات الكهرباء ونفقات ذهاب الأولاد إلى المدرسة وإيابهم منها، وكل ذلك يُرهق دخله ويجعله لا يسد حاجته الضرورية، أما الأصناف الأخرى فهم:
العاملون الذين يقومون بجمع الزكاة بأمر الحاكم الشرعي. (1/224)
صفحة 225
فتاوى الزكاة
225
والمؤلفة قلوبهم وهم قوم دخلوا الإسلام من جديد، ويحتاجون إلى أن يُراعوا لأجل أن يتمكن الإيمان من قلوبهم، أو هم قوم تشتد إليهم حاجة
الدولة.
وفي الرقاب وهم الذين استرقوا فيُساعدون على فكاك رقابهم من الزكاة حتى ينعموا بالحرية، ويدخل في هذا الباب فك أسارى المسلمين عندما يقعون في أيدي أعدائهم.
وفي سبيل الله يشمل الجهاد في سبيل الله وما يحتاج إليه الجهاد كما يشمل الرباط في سبيل الله.
وابن السبيل هو الذي يكون بعيداً عن أهله، وإن كان غنياً في أهله ولكنه في حاجة في سفره إلى المال.
وأما الغارمون فهم الذين يتحملون الديون في غير معصية، وليس عندهم من الدخل ما يمكنهم من قضاء تلك الديون.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم احشرني مع زمرة المساكين»، من هم هؤلاء المساكين؟
المساكين هم الذين يتقون الله تعالى ويطيعونه ويؤثرون الآخرة على الأولى، فهم مع فقرهم ومسكنتهم وحاجتهم يصبرون على بلواهم ولا يسألون الناس إلحافاً ولذلك دعا النبي أن يحشر في زمرتهم.
من هم
الغارمون؟
الغارمون هم الذين تحملوا الديون التي لا يقدرون على قضائها وذلك في
غير معصية الله وعل. (1/225)
صفحة 226
226
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
هل يشترط أن أخبر من أعطيه المال أن هذا المال مال زكاة أو صدقة أو كفارة، أم تكفي النية بقلبي؟
لا يشترط ذلك، وإنما إن خشي أن يظن ذلك الشخص أن هذا المال هدية ويعوضه فلا بد من إخباره، والله أعلم.
هل يجوز أن تعطى الزكاة لزوجة المبتلى بشرب الخمر لتنفق على نفسها وعلى أولادها، وهل يعدُّ ذلك إعانة للعاصي على معصيته بطريق غير مباشر؟
إن كان امتنع عن الإنفاق عليها ولم يكن هنالك سبيل إلى فرض هذا الإنفاق عليه فلا مانع من أن تعطى الزوجة المبتلاة بمثل هذه الحالة إلى أن يجعل الله تبارك وتعالى لها مخرجاً وهذا حتى لا تضاع، وتعطى ما يكفيها لتنفق على نفسها وعلى أولادها النفقة الضرورية.
يوجد لدينا جار يتعاطى السكر، ويبدد أمواله، وعائلته فقيرة، فهل تعطى هذه العائلة من الزكاة ولمن تسلم؟
يجب أن لا يفعل أي فعل يؤدي إلى تشجيع هذا السكير العربيد على تبذير أمواله في السكر والعربدة وإضاعة أولاده، فإن كان من الإمكان أن يرفع إلى ذوي الاختصاص حتى يؤدب ويمسك عليه ماله، ولا يترك في يده ليبذره تبديراً في الفساد فذلك هو الواجب، لأن مثل هذا حقه أن يمسك على يده ولا يباح له أن يتصرف في ماله لأن تصرفه يضرّ بنفسه ويضر بأهله، بل أهله يكونون أشبه بالفقراء، مع أنه في ثروة، وعليه فإن أمكن أن يعطوا حقهم الواجب من ماله فلا يعطون من الزكاة، وإن كانت هنالك ضرورة بحيث تعذر القبض على يد هذا الرجل وتصريف ماله في الوجه الذي يرضي
الله (1/226)
صفحة 227
فتاوى الزكاة
227
تعالى، وأصبحت العائلة ضائعة مضطرة لفقرها وجوعها وعريها فلا تعطى من الزكاة بقدر ما تسد ضرورتها. والله تعالى أعلم.
مانع
أن
إذا أنفق الإنسان زكاة ماله على أناس غير معسرين، فماذا عليه؟ جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع بن حبيب الله أن النبي قال: «لا تحلُّ الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي، ولا لمتأثل مالاً»، وجاء في حديث آخر أخرجه الإمام الربيع أيضاً أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة لمانع الزكاة والمتعدي فيها كمانعها»، والمتعدي فيها هو الذي يدفعها إلى غير مستحقيها، فمن دفعها إلى غير مستحقها كان كمانعها ويلزمه أن يُعيد هذه الزكاة مرة أخرى، لأن تعديه بمثابة المنع.
هل يجوز أن أشتري لأمي الدواء من زكاة مالي، دون أن أخبرها أنه من
الزكاة؟
إن كانت فقيرة وغير قادرة على تحمل مسؤولياتها وتبعاتها فلا عليك من ذلك إن لم يكن واجباً عليك عولها وإلا فإن عولها حق غير الزكاة،
والله أعلم.
هل يجوز إعطاء الزكاة للأقربين من المحتاجين من الأولاد والإخوة؟ لا مانع من إعطاء الزكاة للأقربين ولو كانوا أولاداً للمعطي إن لم يكن واجباً عليه عولهم، والله أعلم.
هل يمكن أن أعطي زكاة الحلي الذي أمتلكه لأخي الذي يريد الزواج
وهو معسر؟
إن كان الزواج ضرورياً له من أجل إعفاف نفسه فنعم، والله أعلم. (1/227)
صفحة 228
228
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
ما قولكم في توزيع الزكاة على أخواتي، حيث إنهن يتيمات وبحاجة إلى هذا المبلغ؟ لا مانع من ذلك إن كن مستقلات عنك، بحيث لم تكلف عولهن شرعاً، أما إن كنت مكلفاً بعولهن فإنك في هذه الحالة تجعل من الزكاة وسيلة لتخفيف تكاليفك المالية وذلك غير مرضي.
هل للرجل أن يعطي من زكاة أمواله لأولاده سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً وقد بلغوا سن الرشد مع أنهم تحت رعايته وعوله؟
هذه حيلة من الحيل فما داموا في كنفه وهو الذي يعولهم فإن إيتاءهم الزكاة إنما هو لأجل أن يُخفف عن نفسه من تكاليف عولهم فلا يسوغ
ذلك.
هل يجوز للأب أن يقدّم زكاة ماله لبناته المتزوجات؟
إن كن فقيرات عند أزواج فقراء وكن في حاجة إلى هذه الزكاة فلا مانع من ذلك، لأن ذلك ليس مما يخفف عنه المسؤولية الواجبة عليه، لأن مسؤولية عولهن على غيره من أول الأمر بعد زواجهن، والله تعالى أعلم.
هل يجوز للزوجة أن تعطي زكاتها لزوجها أو ولدها إذا كانوا من أهل
الزكاة؟
نعم لا مانع من ذلك، وقد كانت امرأة ابن مسعود رضي الله تعالى عنه تدفع إليه زكاتها بسبب فقره، وهو دليل على أن الزوج يستحق الزكاة، لأن عوله ليس على الزوجة وإنما هو المسؤول عن عولها، بل نص العلماء بأن له أن يأخذ منها الزكاة ثم يعوّلها من نفس تلك الزكاة. (1/228)
صفحة 229
فتاوى الزكاة
229
هل يجوز إعطاء الجمعيات العلمية أو طالب العلم غير الشرعي مثل (علم الفلك أو علم الأحياء من مال الزكاة؟
إن كانوا فقراء محتاجين فنعم، والله أعلم.
أريد أن أخرج زكاة مالي لأسرة يتيمة، فهل يجوز أن أخرج هذه الزكاة لهذه الأسرة فقط؟ فإذا كان يجوز هل أعطي كل واحد على حدة أم أعطي من يعولهم علماً بأن فيهم الصغير والكبير؟
الزكاة تدفع في الأصناف المعهودة المنصوص عليها في القرآن الكريم، وفي مقدمة هذه الأصناف الفقراء والمساكين، ومعنى ذلك أن اليتم وحده إن لم يكن المبتلى به فقيراً ليس أهلاً لأن يُعطى من الزكاة، أما إن كان فقيراً فلا ريب أنه حقيق بأن يعطى من الزكاة بسبب فقره، وهو أحق من غيره بسبب يتمه، فإن كانت هذه الأسرة لا يكفيها دخلها لنفقاتها الضرورية فهي جديرة بأن تعطى لفقرها، ويتأكد ذلك من قبل اليتم، لأن اليتيم لا يستطيع التصرف كما يستطيع الكبير أن يتصرف، وكلمة اليتم تصدق على من فقد أباه ولم يبلغ الحلم أما من بلغ سن الرشد فلا يطلق عليه أنه يتيم، وقوله: إن فيهم كباراً وصغاراً فيه نظر، فإن من كان بالغاً للحلم لا يطلق عليه أنه يتيم إلا باعتبار ما كان، كما في قول الله تبارك وتعالى: {وَآتُوا الْيَنَمَى أَمَوَلَهُمْ [النساء: 2]، أي آتوا الذين كانوا يتامى أموالهم، فهذه الأسرة إن كان فيها من بلغ الرشد فإنه أولى أن تدفع إليه الزكاة بنفسه، أما من كان دون سن الرشد وهؤلاء هم اليتامى، فإن الزكاة تدفع إلى من يتولى شؤونهم من وصي أو ولي، والله تعالى أعلم. (1/229)
صفحة 230
230
زكاة الحلي (1)
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
هل هناك فرق بين الملبوس وغير الملبوس من الحلي؟
الحلي كله يجب أن يزكي إن كان ذهباً أو فضة، ملبوساً أو غير ملبوس لأجل الروايات الكثيرة التي رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم، منها تشديده ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ فيما وجده على أم المؤمنين عائشة من السوارين إن لم تؤدِ زكاتها ومنها حديث أم سلمة في أوضاح الذهب التي عندها، ومنها حديث المرأة في الفتخات وغيرها من الروايات، وهي تعتضد بالآية الكريمة: وَالَّذِينَ يَكْذِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ اليم يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُم هَذَا مَا كَنَرْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْثِرُونَ} [التوبة: 34، 35]، وبالأحاديث العامة التي توجب الزكاة في الذهب والفضة، والله تعالى أعلم.
هل تجب الزكاة في حلي المرأة من الذهب والفضة؟ وما مقدارها؟ تجب زكاة الحلي من الذهب والفضة لعموم الأحاديث الموجبة للزكاة فيهما، وللأحاديث الخاصة، كقوله لعائشة: «حسبك من النار إن
(1) يراجع جواب مطول للشيخ حول حكم زكاة الحلي في فتاوى العبادات ص 266،
274 (1/230)
صفحة 231
فتاوى الزكاة
231
لم تؤدي زكاتهما يعني سواريها، وتجب الزكاة في الحلي إذا بلغ مقدار خمسة وثمانين غراماً وذلك في الذهب، أما في الفضة فإذا بلغت خمسمائة وخمسة وتسعين غراماً، ويدفع منهما ربع العشر، والله أعلم.
مثقالاً
هل تجب الزكاة في حلي المرأة؟ وما قيمته بالعملة العُمانية؟ وكم قيمة العشرين مثقالاً؟ وهل تخرج قيمة الزكاة من ثمن الذهب المشترى به أو من الثمن الحالي؟ تجب الزكاة في حلي المرأة إذا بلغ النصاب، فإن كان ذهباً فنصابه عشرون وهي تقدر بنحو خمسة وثمانين غراماً من معايير وقتنا هذا، وإن كان فضة فنصابه مائتا درهم وتقدر بنحو خمسمائة وخمسة وتسعين غراماً بحسب مقادير وقتنا هذا، وكل واحد من الذهب والفضة هو أصل برأسه، فلذلك لا يحتاج أن يقوم بالقيمة، وإنما العملات المختلفة تعاد قيمتها إلى الذهب والفضة وليس العكس، لأن الذهب والفضة هما الأصل لتلك العملات وليست هي الأصل لهما، وإخراج زكاة الحلي يمكن أن يكون من نفس الحلي، ويمكن أن يكون بالقيمة، وذلك بأن تحسب القيمة وتقدر في كل وقت بقدرها، لأن كلاً من الذهب والفضة ترتفع قيمته أحياناً وتنزل أحياناً، والله تعالى أعلم.
امرأة عندها حلي منذ عشرين سنة ولم تؤد زكاته، ثم باعته بخمسمائة ريال عماني، وأرادت أن تؤدي الزكاة عن السنين الماضية فهل يلزمها ذلك أم يجزيها أن تؤدي زكاة سنة واحدة وما هو الراجح عندكم في حكم الزكاة في الحلي؟ الراجح وجوب الزكاة في الحلي للأحاديث الناصة على ذلك، وهي وإن (1/231)
صفحة 232
232
المرأة تسأل والمفتي يجيب -
الجزء الأول
كانت لا تخلو من مقال فإن عمومات الأحاديث الصحيحة الموجبة للزكاة في الذهب والفضة تؤيدها، بخلاف الأحاديث والآثار المسقطة للزكاة في الحلي، فإنها مع ضعفها معارضة بالعمومات ومن ترك الزكاة أعواماً فعليه أن يزكي عن كل عام على الراجح، لأن الزكاة حق مالي ولا يسقطه مرور الزمن، وقيل بل يجب عليه أن يزكي زكاة عام واحد، وقيل تجزئه التوبة، والأول هو الأرجح، والله أعلم.
هل تحمل الفضة عموماً على النقد؟
تُحمل الفضة على الذهب ويُحمل الذهب على الفضة، وتُحمل الفضة والذهب على عروض التجارة وتحمل عليهما عروض التجارة، وهكذا، لأنها جنس واحد، والجنس الواحد يحمل بعضه على بعض.
ما الحكم في زكاة الذهب المخلوط بالفضة؟
يقدّر الذهب بنفسه والفضة بنفسها ويحمل بعضهما على الآخر، فإن كانت الفضة مثلاً بمقدار مائة وعشرين درهماً والذهب بمقدار ثمانية دنانير حمل بعضهما على الآخر وزكي الجميع كل بحسابه، وإن كانت الفضة أقل من الذهب كأن تكون بمقدار خمسين درهماً والذهب بمقدار خمسة عشر ديناراً فإنه يحمل بعضهما على بعض وتخرج زكاة الجميع من كل بقدره، والله تعالى أعلم.
هل الزكاة في الحلي تكون عن قيمة الشراء أو عن الوزن؟ يجوز إخراج جزء من الحلي المزكى في الزكاة بعد وزنه، أو إخراج ربع
عشر قيمته بعد اعتبار القيمة وذلك إذا بلغ النصاب، والله تعالى أعلم. (1/232)
صفحة 233
فتاوى الزكاة
233
كيف تخرج المرأة زكاة الذهب، وهل يجوز إعطاؤها للزوج؟
إن بلغ الذهب النصاب أو كان معه ما يضم إليه وجب على صاحبته أن تزكيه، والنصاب هو عشرون مثقالاً ويقدر بحوالي خمسة وثمانين غراماً من الذهب، ويجوز إخراج الثمن في زكاة الحلي، ولا مانع من إعطاء الزوج من الزكاة إن كان فقيراً، فقد كانت امرأة ابن مسعود به تعطي زوجها من زكاة حليها وكان هو يأخذها منها.
ما قولكم في الزكاة التي تخرج من الحلي. هل تنقص قيمته بقدر الزكاة المخرجة أم تظل القيمة نفسها وتخرج نفس القيمة كل سنة؟
إن كان الحلي موجوداً قائماً فلا تنقص قيمته بالزكاة، فيخرج منه كل عام نفس المقدار، ولكن لا بد من اعتبار قيمته في كل عام فقد ترتفع وقد تنخفض، والله أعلم.
هل تخرج المرأة الزكاة من ذهبها فقط أو ذهب بناتها أيضاً؟
إن كان ما عند الواحدة منهن بلغ النصاب فعليها أن تزكيه، ولكن لا تضم بعضه إلى بعض، لأن لكل واحدة منهن ملكاً مستقلاً فيما تملكه من الذهب وكذلك الفضة.
امرأة عندها ذهب وبلغ النصاب وحال عليه الحول لكنها لا تملك مبالغ تزكي بها عن ذلك الذهب فهل تبيع جزءاً منه؟
هي مخيرة بين أن تدفع جزءاً من الذهب وهذا هو الأصل، لأن زكاة الشيء من عينه، وبين أن تدفع القيمة، بحيث تدفع دراهم أو ريالات أو نحوهما من أي عملة أخرى ما يساوي قيمة ما يجب عليها من زكاة ذلك الذهب، (1/233)
صفحة 234
234
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الأول
وإن باعت جزءاً من ذهبها بمقدار الواجب عليها وأعطته الفقراء كان ذلك مجزياً عنها، والله تعالى أعلم.
امرأة أخرجت زكاة ذهبها من أموال طفلها التي حصلت عليها عند ولادته، هل عليها إعادة تلك المبالغ؟
اختلف العلماء في حق الوالد من مال ولده وسبب الخلاف هو فهمهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت ومالك لأبيك». فمنهم من حمله على إطلاقه فتوسع في انتفاع الأب بمال ابنه ومنهم من حمله على الحاجة، وهؤلاء قالوا بأن الأب لا يملك رقبة ابنه وإنما يملك الانتفاع بابنه، فليس له أن ابنه، فكذلك
يبيع
ليس له أن يبيع ماله واختلف في الأم هل لها ما للأب من الحق في ذلك، فقيل بأن لها ما للأب وهذا القول أرجح لأن حق الأم أعظم، بدلالة قول الله تبارك وتعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَلِدَيْهِ إِحْسَنا حَمَلَتْهُ أُمَّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15]، فبعد أن ذكر الوالدين جميعاً أشار إلى التضحيات التي قدمتها الأم، وجاء ذلك صريحاً في حديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال ـ عليه أفضل الصلاة والسلام - لسائله الذي سأله أي الناس أحق مني بحسن الصحبة؟ فقال له: «أُمك». قال له: ثم من؟ قال له: «أمك». قال له: ثم من؟ قال له: «أمك». قال له: ثم من؟ قال له: «أبوك ثم الأقرب فالأقرب». فذكر حق الأم ثلاث مرات وعطف عليه حق الأب بذكره مرة واحدة معطوفاً بثم التي تقتضي المهلة والترتيب، فهذا دليل على عظم حق الأم، ولئن كان حق الأم بهذا القدر من العظم فإن لها أن تنتفع بمال ولدها، كما أن الأب له ينتفع به، وعليه فإذا كانت قائمة بحاجات الولد وشؤونه بحيث تسد حاجته عندما يكون محتاجاً، أو يعينها أبو الولد على سد حاجته فلا مانع من
أن
هي
الانتفاع بما يملكه ذلك الولد من مال، والله تعالى أعلم. (1/234)
صفحة 235
فتاوى الزكاة
235
إذا كانت الأم تزكي عنها وعن بناتها زكاة الذهب منذ أن كن صغاراً والبنات الآن كبرن وصارت كل واحدة منهن تتقاضى راتباً معيناً، لكن الأم لا تزال تدفع زكاة الذهب عنهن، فما الحكم هل تلزم البنات بالزكاة عن ذهبهن؟
إن كانت الأم تدفع الزكاة بموافقة البنات ورضاهن واتفاقهن على ذلك فذلك يسقط الزكاة عنهن وإلا فلا.
كثير من النساء لا تؤدي زكاة حليها، فما حكم الإسلام في ذلك؟ إذا كان الحلي ذهباً أو فضة فلا بد من أداء زكاته إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول، وإن كان هذا الحلي من غير الذهب كأن يكون من اللآلئ أو الزمرد أو المرجان أو غير ذلك فلا زكاة فيه والمرأة التي لم تزاً من قبل، عليها أن تزكي فيما بعد ولا فرق بين الملبوس وغيره.
ما حكم النساء اللاتي لا يخرجن زكاة ذهبهن؟
إن الذي لا يخرج زكاة ماله ـ والعياذ بالله ـ مع وجوب ذلك عليه ببلوغه النصاب وحولان الحول عاقبته سيئة، وليس ذلك من شأن المسلم، فالله تبارك وتعالى عندما ذكر أهل النار قال: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ثم قال في بيان جوابهم قَالُوا لَمْنَكُ مِنَ الْمُصَلِينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَابِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} [سورة المدثر: 43 - 46] وكذلك نجد الله تعالى يقول: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ} [فصلت: 6، 7]، وفي هذا تنبيه على أن منع الزكاة ليس من صفة المسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا صلاة لمانع الزكاة والمتعدي فيها كمانعها. (1/235)
صفحة 236
236
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
عندي مجموع من الذهب لم أزكها منذ سنوات لا أعلمها، وهذا الذهب كنت أبيع منه لأشتري ذهباً آخر بنفس القيمة أو أكثر فكيف أزكي عن الذهب؟
في هذه الحالة تعود المرأة إلى التحري وتخرج الزكاة إلى أن تطمئن نفسها بأنها أدت ما عليها، وتكون بذلك أبرأت ذمتها إن شاء الله.
هي
فتاة تقول أن والدتها متزوجة منذ خمس وثلاثين سنة ومعها فضة فلما ذهبت لوزنها بلغت ثلاثة وسبعين ريالاً، هل فيها زكاة؟
لا عبرة بالقيمة لأن الذهب والفضة كل واحد منهما أصل بنفسه، والريالات التي ترجع إلى أحد النقدين، إما أن ترجع إلى الذهب وإما أن ترجع إلى الفضة، ولا يمكن أن يكون معيار الذهب والفضة في بلوغهما النصاب هذه الريالات إذ لا يُرد الأصل إلى الفرع وإنما يُرد الفرع إلى الأصل، فلذلك يُنظر في مقدار هذه الفضة نفسها، لأنها أصل برأسها، فإن كانت تصل إلى مقدار مائتي درهم أو خمسمائة وخمسة وتسعين غراماً كانت الزكاة فيها واجبة ويُخرج منها ربع العشر، واختلف أهل العلم في الزكاة، هل هي شريك في المال أو هي حق واجب في الذمة؟ فبناءً على أنها شريك في المال تزكي وتنقص ما تزكيه حتى ينقص المال عن مقدار النصاب بخلاف من يقول بأنها حق في الذمة فإنها ولو ظلت سنين كثيرة، فعليها أن تزكيه لتلك السنين بأسرها.
امرأة اشترت ذهباً من مهرها، فمن سيخرج زكاة هذا الذهب المرأة أم
الرجل؟
الزكاة على المرأة لأن الحلي لها فعليها زكاته وإن أخرجها الزوج بموافقتها سقطت عنها، والله أعلم. (1/236)
صفحة 237
فتاوى الزكاة
237
هل على الرجل أن يزكي حلي امرأته؟
ليس على الرجل أن يزكي حلي امرأته وإنما ذلك عليها بنفسها، والله أعلم.
امرأة لديها ذهب بلغ النصاب وعليها دين أكثر من حد الزكاة، فهل تزكي أم لا؟
إن كان الدين غير منسأ أسقطت من زكاة ذهبها بقدر الدين، والله تعالى
أعلم.
هل يمكن أن أعطي زكاة ذهبي في العيد كعيدية للأطفال؟
الأطفال فيهم الغني وفيهم الفقير، والزكاة تُعطى لمن ينفقها على نفسه وعلى عياله من الفقراء، والله تعالى أعلم.
حساب
امرأة امتلكت مهراً وقدره ثلاثة آلاف ريال عماني، وبعد ستة أشهر قامت بشراء كمية من الذهب وقدره ألفا ريال عماني، كيف يتم الزكاة، هل من وقت امتلاك المهر أم من وقت شرائها للذهب؟ هذه المسألة خلاف، لأن الذهب والنقود من جنس واحد، وقد اختلف في بدل الشيء هل يقوم مقامه لا، وبناءً على هذا الاختلاف اختلف في تقدير الحول هل هو من بدء ملكها لهذا المال أو من شرائها للذهب.
في (1/237)
صفحة 238
238
زكاة النقدين
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
هل تجب الزكاة في الراتب الشهري؟
تجب الزكاة في الراتب إن بلغ النصاب وحال عليه الحول، أو ضم إلى أصل يزكى، والله أعلم.
كم مقدار نصاب الزكاة من النقود في عملة عصرنا هذا؟
بما أن العملة الورقية تقدر قيمتها في وقتنا هذا بالذهب - لأنه الرصيد المعتبر في مقابلها حقيقة أو اعتباراً، فنصاب الأوراق النقدية ما يساوي خمسة وثمانين غراماً بمعايير العصر، وذلك يختلف باختلاف غلاء الذهب ورخصه وارتفاع العملة وانحطاطها، والله أعلم.
كم نصاب النقود؟ وهل يجوز أن يعطى الإخوة والأخوات من الزكاة؟ نصاب أوراق النقد هو نصاب الأصل، والأصل إما الذهب أو الفضة، فهذه الأوراق إما أن تكون مثمنة بالذهب وإما أن تكون مثمنة بالفضة، فإن كانت مثمنة بالذهب فنصابها نصاب الذهب وإن كانت مثمنة بالفضة فنصابها نصاب الفضة، ولعل الذهب هو المعتمد الآن في تثمين الأشياء عالماً، ولذلك تثمن به أوراق النقد، ونصاب الذهب هو خمسة وثمانون غراماً، فإذا كانت الأوراق تفي بمقدار خمسة وثمانين غراماً من الذهب (1/238)
صفحة 239
فتاوى الزكاة
239
فإنها تكون قد بلغت النصاب، ولا مانع من إعطاء الإخوة والأخوات من الزكاة، لأنهم ليسوا في حكم الأولاد الذين يكلف الإنسان بعولهم، والصدقة على الفقير صدقة وعلى الفقير القريب صدقة وصلة، والله تعالى أعلم.
امرأة تأخذ راتب قدره ثلاثون ريالاً، فهل تخرج منه الزكاة؟
إن اجتمع عندها مبلغ مقدار النصاب ومضى عليه حول كامل فعليها زكاته، والمعتمد في مقدار نصاب الأوراق النقدية الذهب، لأن الذهب هو الأصل، ولأن هذه الأوراق النقدية تقاس قيمتها ارتفاعاً وانخفاضاً ـ حسب العرف الدولي ـ بعملة الذهب، ونصاب الذهب هو عشرون مثقالاً أو خمسة وثمانون غراماً.
شخص يُخرج زكاته سنوياً في شهر رمضان ولكنه حصل على مبلغ قدره ألفا ريال في شهر رمضان عن طريق الجمعية، فهل يُخرج زكاته أم لا؟ وهل يعتبر هذا المبلغ قد مر عليه الحول؟
الزيادة تُزكى مع الأصل، ولا يُستأنف لها توقيت جديد، فعلى هذا الذي استفاد مالاً قبل أن يصل الحول أو يزكيه مع ماله الأصلي.
أدخر مالاً في البنك لأشتري به منزلاً، ولأني لا أستطيع أن أقترض من البنك بسبب الربا فهل يجب عليّ أن أخرج الزكاة من هذا المال المدخر لشراء المنزل؟ وما هو النصاب؟
نعم، والنصاب هو ما يساوي خمسة وثمانين غراماً من الذهب أو خمسمائة وخمسة وتسعين غراماً من الفضة، والله أعلم. (1/239)
صفحة 240
240
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
أنا من هواة جمع العملات المعدية والورقية ولدي مجموعة كبيرة منها، فهل تجب علي الزكاة فيها؟
من جمع مالاً يُزكي لادخاره ولو لم يقصد استهلاكه في شيء، فعليه أن يزكيه، فمن ترك فضة أو ذهباً أو أوراقاً نقدية أو عملات تجب فيها الزكاة
ولو من أجل الزينة ونحوها فعليه أن يزكيها، والله تعالى أعلم. (1/240)
صفحة 241
فتاوى الزكاة
زكاة الفطر
241
ينبغي
زكاة الفطر كم تقدر بالمبالغ؟
زكاة الفطر يخرجها الإنسان عن نفسه وعن من يعوله عولاً واجباً، ومقدار المخرج صاع من الطعام غالب ما يقتاتون به في البلد عن كل شخص، وأكثر ما يقتات به الناس عندنا هو الأرز، فلذلك ينبغي أن يكون المخرج صاع أرز، وأما العدول إلى القيمة فذلك أمر اختلف فيه العلماء، فجمهورهم على المنع من ذلك. وإنما رخص فيه بعض أهل العلم، وهذه الرخصة لا أن يصار إليها إلا مع تعذر وجود من يقبل الطعام، لئلا تعطل هذه الزكاة، أما مع وجود من يقبل الطعام فإنها تدفع طعاماً كما جاءت بذلك السُّنَّة، ولا ينبغي العدول عن ذلك، ومع العدول عن الطعام إلى القيمة فإن القيمة تختلف باختلاف الزمان والمكان، فلذلك ينبغي للسائل أن يبحث عن قيمة صاع الأرز وأن يحتاط بدفع أكثر من هذه القيمة، كأن يدفع في وقتنا هذا ريالاً أو أكثر، والله تعالى أعلم.
يقول بعضهم نحن عندما نذهب بالأرز إلى أحد لا يرده خجلاً وحياء، إنما يتقبله على مضض، ولكننا نرى ونشعر أنه بحاجة إلى المال أكثر
من حاجته إلى الأرز؟
أنا أعجب من هذه الحالة!! هل الفقراء الآن لا يأكلون؟ ولماذا يحتاجون (1/241)
صفحة 242
242
المرأة تسأل والمفتي يجيب -
الجزء الأول
إلى المال؟ أليس المال يحتاجون إليه من أجل الإنفاق على أنفسهم، وفي مقدمة الإنفاق الإقتيات الذي يعدُّ في مقدمة حوائج فقيرهم وغنيهم، والأرز عندما يدفع إليهم يقتاتون به، فكيف يرفضون الأرز ويريدون الثمن!!.
الفقراء يحتاجون المبالغ لشراء الملابس في العيد، فهل يراعى مثل هذا
الأمر؟
إن وجد من يقبل الطعام فيعطى الطعام اتباعاً لما دل عليه الحديث. متي توزع زكاة الفطر؟
زكاة الفطر قيل تجب بغروب شمس آخر يوم من رمضان، وقيل بطلوع فجر أول يوم من شوّال وقيل بطلوع شمس أول يوم من شوال، ويمتد وقتها إلى الخروج إلى المصلى، وبعد أداء صلاة العيد تكون صدقة كسائر الصدقات، ولا تكون لها خصوصية صدقة الفطر، وويظهر أثر الخلاف فيما لو ولد لأحد من الناس مولود قبل طلوع الفجر وبعد غروب الشمس، هل يلزمه أن يزكي عنه زكاة الفطر أو لا؟ وكذلك ما لو ملك رقيقاً ما بين هذين الوقتين هل يلزمه أن يزكي عنه أو لا؟ وكذلك من مات ما بين الوقتين هل يلزم أن يزكى عنه أو لا؟ ففي الصورتين الأوليين يلزم أن يزكي عن المولود وعن الرقيق على رأي من يقول بأن زكاة الفطر تجب بطلوع فجر أول يوم من شوّال أو بطلوع شمس أول يوم من شوّال، أما على القول بأنها تجب بغروب شمس آخر يوم رمضان فلا، لأنه عندما غربت الشمس لم يكن المولود ولداً ولم يكن الرقيق ملكاً لهذا الشخص، أما بالنسبة إلى من مات ما بين الوقتين فعلى قول من قال بأن الزكاة تجب بغروب آخر يوم من رمضان يكون من الواجب أن يزكى عنه، لأن الزكاة تعلقت بذمته إن كان هو العائل، وتعلقت بذمة من يعوله إن كان يعال من قبل غيره، وعلى (1/242)
صفحة 243
فتاوى الزكاة
243
الرأيين الآخرين لا يجب ذلك، لأنه عندما دخل وقت وجوب هذه الزكاة لم يكن حياً بل صار في عداد الموتى، ومن تعذر عليه أن يجد من يستحق الزكاة في ذلك الوقت فإنه بإمكانه أن يخرجها في وقت وجوبها، ثم يعزلها جانباً حتى يجد الفقير الذي يستحقها ولو بعد الصلاة ويدفعها إليه، لأنه عزلها قبل الصلاة من أجل صرفها إلى من يستحقها، والله تعالى أعلم.
أما
وهل على المرأة المريضة فاقدة الوعي زكاة الفطر؟؟
هي
فلا، ولكن من يقوم بعولها يزكي عنها كما يزكي عن الصبي الصغير
الذي لم يكلف شيئاً قط.
هل تُخرج زكاة الأبدان عن الجنين؟
لا ما لم يولد، والله أعلم.
هل يلزم الزوجة العاملة أن تدفع زكاة الفطر لزوجها العاطل عن
العمل؟
أما كونها تلزم فلا، ولكن يجوز لها أن تدفعها إليه إن كان مضطراً ولا يجد ما يحتاج إليه في ذلك اليوم.
امرأة عندها بنات يدرسن في عُمان ولا عائل لهن إلا والديهما، ووالداهما يقطنان في الإمارات فهل تخرج زكاة الفطر عنهن في عُمان أم في الإمارات؟ الأولى أن يمكنوا بناتهم من إخراج زكاتهن في عُمان بحيث يكون عندهن من القوت ما يتمكن به من إخراج الزكاة ليوم العيد، وإن تم الإخراج من
قبل العائل الذي يقوم بعولهن حيث هو مقيم. فلا حرج في ذلك. (1/243)
صفحة 244
244
هي
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا. الجزء الأول
الشغالة التي تعمل في البيت على من تكون زكاة فطرها؟ على نفسها، لأنها ليست داخلة فيمن يعولهم صاحب البيت عولاً واجباً
عليه شرعاً.
نعم.
وإذا أعطت الشغالة صاحب البيت المال ليخرج عنها أيصح ذلك؟
بالنسبة لزكاة الفطر عادة الناس في بعض المناطق يتبادلون الزكاة فيما بينهم، ونريد من سماحتكم التوضيح والبيان حول ذلك؟
6
زكاة الفطر يستحقها الفقير وهو الذي لا يكفيه دخله لنفقاته الضرورية. وتجب على من كان عنده فضلة عن قوته ثم اختلف العلماء في هذا الفاضل، فقيل عن قوت يومه وعليه فمن كان عنده فضلة عن قوت يومه بقدر الزكاة الواجبة عليه عن نفسه وعن كل من يعوله فإنه يدفعها، وهذا أشد الأقوال، وقيل عن قوت شهره وهذا أوسط الأقوال، وقيل عن قوت عامه وهذا أوسع الأقوال. فعلى قول من قال تجب على من كانت له فضلة عن قوت يومه فلا أن يدفعها إلى من كان مثله، وأن يأخذها حرج أيضاً ممن يدفعها إليه وإن كان هو يدفعها إلى من يستحقها أيضاً. أما على قول من قال بأنها لا تجب إلا على من كانت له فضلة عن قوت عامه فإنه لا ينبغي أن يأخذها، لأنه في غنى عنها، وكيف يأخذ الزكاة وهو عنده قوت عام، وبناءً على ما تقدّم فإن الفقراء هم الذين يأخذونها إلا قول من شدد فيها ـ كما ذكرنا - فلا حرج أن يأخذوها ويعطوها، ـ والله تعالى أعلم. (1/244)
صفحة 245
فتاوى الزكاة
245
هل زكاة الأبدان تشمل الفقراء؟
زكاة الفطر تختلف عن الزكوات الأخرى بأنه لا نصاب معيناً لها، لأنها طهرة للصائم من اللغو والرفث والناس فيمن تجب عليه بين مشدد ومرخص ومتوسط، بعد اتفاقهم أنها تجب على الواجد، ولكن من هو الواجد؟ قيل هو من عنده فضل عن طعام يوم العيد، ومنهم من قال هو من كانت عنده فضلة عن طعام شهر، ومنهم من رخص أكثر من ذلك، وأوسط الأقوال قول من قال من كانت عنده فضلة عن طعام شهر.
هذا والإنسان لا يأمن أن يقع في اللغو، فلينظر إلى حاجته لأنه قد يكون عنده فضل عن نفقة يومه، ولكن لا يتيسر له العمل في اليوم التالي من أيام العيد واليوم الذي يليه، فلذلك ينبغي أن يوسع له بأن يدخر مقدار ما يكفي لنفقته ونفقة عياله إلى أن يتيسر له العمل، وأما من كان له مثلاً مرتب يومي أو شهري، بحيث وإن كان عنده مقدار نفقة يومه فقط مع الزيادة التي يمكنه أن يخرجها فلا ريب أنه مع الضمان الحاصل له لا ينبغي أن يتردد من إخراجها، حرصاً على تطهير صيامه من اللغو، والله تعالى أعلم. (1/245)
صفحة 246
246
زكاة القرض والدين
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
كيف تكون زكاة الدين؟
أما بالنسبة إلى المدين، فهو يسقط من المال الذي عنده مقدار الدين الحاضر، سواء كان مؤجلاً من قبل وحضر أجله أو كان من أول الأمر ديناً حاضراً لا أجل له، وأما الدائن فعليه أن يُزكي الدين الذي حضر وقته إن كان هذا الدين على وفيّ ملي وهو من كان عنده وفاء الدين ولم يكن من شأنه أن يُماطل، أما إن كان من شأنه المماطلة فهنا لا يلزمه - أي الدائن - أن يُزكي الدين لأنه ليس ضامناً للوصول إلى حقه وكذلك إن كان المدين
معسراً.
ـ
من هو الدائن والمدين؟ وعلى من تكون زكاة الدين هل على الدائن أو على المدين؟
الدائن هو الذي له الدين والمدين هو الذي عليه الدين، وفي زكاة الدين أقوال كثيرة للعلماء، ولكن القول الصحيح الذي نعتمد عليه هو النظر في الدين، هل هو حاضر أم مؤجل؟ فالدين الذي حضر وقته زكاته على الدائن بشرط أن يكون المدين وفياً لا يماطل وملياً عنده ما يقضي به دينه، ومثله الذي لم يُوقت بوقت ومن هذا الباب أيضاً الإقراض عند أكثر العلماء لأن القرض عند أكثر العلماء لا يُوقت بوقت ومن العلماء من أجاز التوقيت في (1/246)
صفحة 247
فتاوى الزكاة
247
القرض وهو الصحيح، وإنما كانت الزكاة هنا على الدائن لأن ماله مضمون وله الحق في أن يُطالب به وبما أن المدين وفي ملي فيمكنه الحصول على حقه، أما إن كان الدين لم يحضر وكان المدين عنده مال فالزكاة على المدين قبل أن يحضر أجله، وبعد حضور أجله تسقط الزكاة عن المدين، فمثلاً لو أن المدين عنده ألف ريال وعليه دين حاضر بمقدار خمسمائة فإنه يسقط زكاة الخمسمائة بسبب حضور هذا الدين ويُزكي الخمسمائة الباقية، أما إن كان غير حاضر إلى سنة أو إلى سنتين أو نحو ذلك فعليه أن يُزكي ما عنده من المال لعدم حضور الدين، وإن كان الدين حالاً إلا أن المدين مفلس أو مماطل وليست للدائن حجة يتمكن بها أن ينتصف من المدين ويأخذ منه حقه فتسقط الزكاة عن الدائن.
أقرضت ولدي مبلغاً من المال لشراء قطعة أرض، فهل يجب عليّ إخراج الزكاة من هذا المال مع العلم بأنني لا أملك غير هذا
المال؟
إن كان هذا القرض في ذمة وفي ملي فعلى المقرض الزكاة، وإلا فلا. (1/247)
صفحة 248
248
زكاة التجارة
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
هل يوجد نصاب معين لتجارة الملابس التي تتاجر المرأة بها في
منزلها؟
إن كان رأس المال النقدي الذي عندها والبضاعة التي تتجر بها تصل مقدار زكاة النقد وهو مقدار مائتي درهم أو مقدار عشرين ديناراً من الذهب فعليها البضاعة لا يصل إلى هذا
أن تزكي ذلك، وإن كان ما عندها
من النقد ومن المقدار فلا زكاة عليها، والله أعلم. (1/248)
صفحة 249
فتاوى الزكاة
زكاة مال الصبي
249
هل تجب الزكاة على الصبي اليتيم وخاصة إذا كان يمتلك أموالاً نقدية، ومن يقوم بذلك إن لم يكن له ولي؟
6
عنه،
اختلف في الزكاة هل هي شريك في المال أو حق في الذمة؟ وبناء على هذا الاختلاف يختلف في تزكية مال الصبي قبل البلوغ، فمن قال بأن الزكاة شريك في المال يوجب الزكاة في مال الصبي، ومن قال بأنها حق في الذمة يرى سقوطها عن الصبي نظراً لأن ذمته لم تشغل بتكليف بعد إذ القلم مرفوع كما ثبت في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، والقول الشهير بأن الزكاة شريك في المال، ولذلك فإن الجمهور يقولون بوجوبها في مال الصبي يتيماً كان أو غير يتيم، ويدل على ذلك عموم قول النبي: أمرت أن آخذها من أغنيائكم وأردّها إلى فقرائكم، وعمل الصحابة رضوان الله عليهم، إذ كانوا يدفعون الزكاة من أموال اليتامى الذين يكونون في حجورهم، كما هو مشهور عنهم، ويدفعها الولي وإن لم يكن له ولي فالوصي وإن لم يكن له وصي فالوكيل يقوم بذلك.
هل تجب الزكاة على أموال الأطفال الصغار، أم ننتظر إخراجها حتى سن البلوغ؟ تخرج الزكاة من أموالهم، ولذلك يؤمر أن يتجر بأموالهم لئلا تأكلها الزكاة، والله أعلم. (1/249)
صفحة 250
250
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
رجل وكيل لأخته الصغيرة، هل له أن يُزكي من مالها أو أن يُقرض من مالها أحداً؟
أما الزكاة فهي حق في المال، سواء كان صاحب المال صغيراً أو كبيراً، ولذلك تُزكى أموال الأيتام، ومن هنا أمر أن يعمل بها ما يعود بالمنفعة عليهم لئلا تجتاحها الزكاة، والقرض من مال اليتيم بل من أي أمانة من الأمانات غير جائز، فإن أقرض أحداً فإنه يتحمل تبعة ذلك، ويكون في هذه الحالة ضامناً لا أميناً، وعليه أن يضمن ذلك من ماله لها، والله
تعالى أعلم. (1/250)
صفحة 251
فتاوى الزكاة
الإنفاق في وجوه الخير
251
هي
ما المقصود بالصدقة الجارية؟
أن يحفر أحد نهراً ينتفع به الناس، أو أن يقف وقفاً ينتفع به الناس، أو يحفر بئراً، أو ينشئ مؤسسة خيرية أو عملاً خيرياً ينتفع بهما الناس من بعده، ومن الصدقة الجارية أيضاً العلم الذي ينتفع به.
هل يجوز أن أتصدق عن إخوتي وهم أحياء على قيد الحياة؟
لا مانع من التصدق عنهم مع إشعارهم بذلك من قبل، والله أعلم.
ذكرتم أن الإنفاق من غير الزكاة واجب كلما دعت الحاجة، فهل تعنون بذلك حاجة الإنسان المزكي لتطهير ماله أم حاجة غيره، وإن كانت الثانية فإن حاجة الغير كثيرة؟ هذا أمر موكول إلى ضمائر الناس، إذ الزكاة إنما تجب في أصناف مخصوصة من المال كما دلت على ذلك السُّنَّة، وإلا فإن القرآن أطلقها ولم يقيدها يقول تعالى: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّابِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 19]، وقال: وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّابِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج: 24، 25]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أمرت أن آخذها من أغنيائكم وأردّها إلى فقرائكم»، أي من أموال أغنيائكم وأردها إلى فقرائكم، وقد قال جمهور الأمة بما أن النبي صلى الله عليه وسلم (1/251)
صفحة 252
252
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الأول
أخذها من أصناف مخصوصة وهذه الأصناف مما تدعو إليه الحاجة البشرية، فإنها تقاس عليها نظائرها، ومن المذاهب الإسلامية من جعل الزكاة واجبة في كل مال يتمول وهذا هو مذهب الحنفية، ولسنا هنا في معرض الحديث عن ترجيح هذا المذهب أو ذاك، وأما الإنفاق من غير الزكاة فهو موكول إلى ضمائر الناس فلا يُنظر فيه إلى صنف ولا إلى نصاب ولا إلى زمان وإنما غاية الأمر أن ينظر الإنسان لنفسه فيبذل من ماله عندما يرى الحاجة بقدر ما تزكو به نفسه وبقدر ما يوفقه الله تعالى للخير.
هل يجوز للإنسان أن يأخذ الفوائد التي يعطيها البنك وينفقها للمحتاجين؟
أولاً لي ملاحظة على كلمة فوائد فهي كلمة غير جائزة، لأن فيها مخالفة لقول الله تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبوا} [البقرة: 276]، فكيف يكون الشيء الممحوق فائدة؟ فيجب أن يُسمى ربا كما سماه الله تبارك وتعالى، لأن في عبارات القرآن تشريعاً تعبيرياً كما أن في أحكامه تشريعاً عملياً، فما دلّ عليه القرآن من التعبير يجب أن نتمسك به، ومما يؤسف له أنه شاعت في هذا العصر ألفاظ فيها الشر المستطير، فالربا يسمى فائدة والخمر سميت المشروبات الروحية تصديقاً لخبر النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: «ليستحلن آخر أمتي الخمر بأسماء يسمونها بها»، فسميت بهذا الاسم البراق لأنه يراد به تغرير الناس بها، وكذلك سمي الرقص والغناء وأنواع الفساد فناً وسمي الزنى حُباً، وهكذا كل منكر يُسمى باسم جميل براق لقصد استهواء
الناس به. هذا وأخذ الربا حرام، وإذا كان أخذه حراماً فإن الآخذ لا ينفعه الإنفاق، إذ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يقبل الله صدقة من غلول»، والربا حكمه حكم (1/252)
صفحة 253
فتاوى الزكاة
253
الغلول فليس لأحد أن يأخذه من أجل أن يدفعه صدقة للفقراء والمساكين، ولو جاز ذلك لجاز لأحد أن يسرق ويدفع هذه السرقة صدقة للفقراء والمساكين، ولجاز للمرأة أن تزني من أجل كسب المال لإنفاقه على الفقراء والمساكين.
بعض الناس يخرج الصدقات في يوم الإسراء والمعراج، فما حكم
ذلك؟
المؤمن مطالب في جميع الأوقات أن يحرص على التصدق، فإن الله تعالى دعا إلى التصدق استعداداً لليوم الآخر، عندما قال وعَجَل: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَةٌ وَلَا شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّلِمُونَ} [البقرة: 254]، وكذلك دعا الله الله إلى التصدق استعداداً للقائه سبحانه، فقال الله: {يَتأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا نُلْهِكُمْ أَمْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَبِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ * وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْتَكُم مِن قَبْلِ أَن يَأْتِى أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَدَّفَ
وَأَكُن مِّنَ الصَّلِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون: 9 - 11]، على أن إيتاء المال من دلائل صدق الإيمان والوصول إلى مرتبة البر، فإن الله تعالى يقول: {لَن نَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران: 92]، وعندما ذكر البر في الكتاب العزيز بَيَّن أن الإنفاق من المال عندما يجب هو من مراتب البر التي يجب على الإنسان أن يسعى لأن يرقى إلى درجاتها، فقد ذكر الإنفاق بعد ذكر العقيدة فوراً عندما قال: {لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآلَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَنَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ (1/253)
صفحة 254
254
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُوا وَالصَّبِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَيكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَيْكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177]، فقد ذكر أولاً العقيدة ثم أتبع ذلك الإنفاق، وهو ـ أي الإنفاق ـ حق في مال المسلم من غير الزكاة، بدليل أن الله تعالى قال بعد ذلك: {وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَعَاتَى الزَّكَوةَ فإن العطف يدلُّ على التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه، والله تعالى أعلم. (1/254)
صفحة 255
فتاوى الزكاة
فتاوى متنوعة في الزكاة
255
هل إذا فاتت الإنسان زكاة عدة أعوام يُخرجها عن بقية الأعوام أم عن
عامه ذاك؟
الزكاة تُخرج عما مضى من الأعوام التي أضاعها الإنسان فيها، ولا تنحصر في عامه الذي تاب فيه إلى ربه وعاد فيه إلى رشده بل يجب عليه أن يُحاسب نفسه على الأعوام الماضية، إذ هي حق فرضه الله تعالى، فما الذي يسقطه؟ وإنما الخلاف في الزكاة هل هي حق واجب في ذمم الناس أو أنها شريك في الأموال، فمن اعتبرها شريكاً في الأموال وكان وجوبها لعدة أعوام قال: يخرجها حتى يصل المال إلى ما دون النصاب، وأما من قال هي حق في الذمة فعليه أن يُزكي لجميع السنين الماضية ولو لم يبق معه شيء، والله تعالى أعلم.
امرأة عندها تجارة من ملابس النساء وغيرها، فهل تُخرج زكاة تجارتها مما تبيعه أم أنه يلزمها إخراجها نقوداً؟
تبيع
اختلف أهل العلم في جواز إخراج القيمة في الزكاة؟ هذا وبما أنها الملابس ونحوها فلا مانع أن تخرج الزكاة مما تبيعه ثياباً أو نحوها،
والله أعلم. (1/255)
صفحة 256
256
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
كيف يمكن وعظ امرأة امتنعت من دفع الزكاة بحجة أن رعايتها بأبنائها واهتمامها بمنزلها يكفيها عن الزكاة؟
الزكاة ركن من أركان الإسلام، وفريضة لا يسد مسدها القيام بأعمال أخرى، فكما أن الصلاة لا يسد مسدها ما تقوم به المرأة من تربية أولادها واهتمامها بمنزلها فكذلك الزكاة ووعظ هذه المرأة ينبغي أن يكون بذكر العقوبة التي أعدها الله سبحانه وتعالى لمن يمنع الزكاة، فإن الله جعل عقوبة منع الزكاة عقوبة شديدة قال الله تعالى: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوْةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ} [فصلت:6، 7]، فجعل ترك الزكاة من صفات المشركين ليربو المسلم بنفسه عنها، وتوعد بويل للذين لا يؤتون الزكاة.
هل يجوز أن يمنع الرجل زوجته عن أداء الزكاة؟ ليسي للزوج أن يمنع زوجته عن أداء الزكاة وليس للمرأة أن تطيع زوجها في ذلك، فإن الزكاة فريضة واجبة لا تصح إضاعتها و «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، والله أعلم.
عنه ماله
رجل لديه أموال كثيرة ولكنه لا يزكيها وتريد زوجته أن تزكي. له ذلك؟ بدون إذنه، هل يصح الزكاة لا تؤخذ من أحد كرهاً إلا أن يأخذها الحاكم المسلم الذي يجبر الناس على دفع زكواتهم، وذلك لأن الزكاة عبادة من العبادات فلا تؤخذ من الإنسان خلسة وراء ظهره، لأن العبادات لا بد لها من نية، فهى وإن دفعتها ولكن تبقى في ذمة الزوج واجبة عليه لأنه لم ينو دفعها، أما لو أخذها الإمام الحاكم - المسلم - بطريقة مشروعة فإن الزكاة تكون قد بلغت (1/256)
صفحة 257
فتاوى الزكاة
257
مبلغها، وإنما تبقى نية الذي أخذت منه هل نيته بعد ذلك أن يتوب إلى الله أو أن يستمر على منعه للزكاة.
سائلة تقول إن زوجي يحب الدنيا وقبل مرضه كان عنده بضاعة لها حوالي ثلاثة عشرة سنة لا يزكي عنها، وفي مرة من المرات أخذت منها ودون علمه وأعطيتها لأناس محتاجين فهل أخبره أو لا؟ ما دام هذا حقاً واجباً عليه، فقد أحسنت هذه المرأة في إخراج هذا الحق من مال زوجها غير أن الزكاة تتوقف على النية إذ هي من العبادات التي لا قيمة لها إن لم تكن مصحوبة بنية أدائها وعلى هذا فلا بد من إجباره،
والله أعلم.
أعطي شخص زكاة ليسلمها لقريب له وذهب ليسلمها له فلم يجده فرجع، وفي طريق رجوعه طلبها منه شخص آخر لتكون سلفاً وقرضاً وأكد أنه سيعيدها قريباً لكي توصل لصاحبها الأصلي فلم يرجعها حتى الآن، فهل على من تسلم الزكاة أن يدفعها من جيبه علماً بأن قيمة الزكاة مائة ريال؟ إن كانت هذه الزكاة أمانة بيده ليسلمها إلى شخص معين فإنه بتسليمها إلى شخص آخر كقرض مثلاً يعد مضيعاً لأمانته، وعليه أن يضمنها، والذي اقترض عليه أن يرد القرض، وكل منهما مسؤول (1/257)
صفحة 258
[صفحة فارغة] (1/258)
صفحة 259
الفصل الثالث
فتاوى الصوم (1/259)
صفحة 260
[صفحة فارغة] (1/260)
صفحة 261
فتاوى الصوم
أهمية الشهر والنية
261
ما هي
أهمية هذا الشهر الكريم بالنسبة للمسلم، وما هي الثمرات التي
يرتجيها المسلم منه؟
لا ريب أن الله سما الله يفضل ما يشاء على ما يشاء، فيفضل بعض عباده على بعض، ويفضل بعض الأمكنة على بعض، ويفضل بعض الأزمنة على بعض، ومن ذلك تفضيله لشهر رمضان المبارك على غيره من سائر شهور العام، وما ذلك إلا لمزيته الكبرى ومكانته السامقة وقدره العظيم، ذلك لأن الله تبارك وتعالى جعل هذا الشهر الكريم ميقاتاً لحدث عظيم، تحول فيه مجرى حياة الإنسان من الشر إلى الخير ومن الفساد إلى الصلاح ومن التشتت إلى الاجتماع ومن الضلال إلى الهدى، ومن الغي إلى الرشد ومن الظلمات إلى النور، فقد أنزل الله الله فيه القرآن الكريم على قلب عبده ورسوله محمد له نوراً وهدى للناس يقول الله سبحانه: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185]، وقد بين الله ل و شرف الليلة العظيمة التي بدأ فيها نزول القرآن على قلب عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فقال في بيان فضلها وشرفها وعظم منزلتها: {إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَرَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} [الدخان: 3 - 5]، وقال: {إِنَّا أَنزَلْتَهُ فِي (1/261)
صفحة 262
262
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَنكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ نَنَزَلُ الْمَلَيكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرِ * سَلَمُ هِىَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر: 1 - 5]، فما أعظم شأن هذه الليلة التي ينهوه الله الا الله بشرفها وقدرها في فاتحة سورة الدخان، وينزل فيها سورة بأسرها تدلُّ على ما لها من قدر عند الله وشأن عظيم عنده، وما لها من الفضل الذي من أحرزه أحرز خيراً عظيماً، بحيث صارت خيراً من ألف شهر، ومن أجل هذا نرى في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن قيام تلكم الليلة فضله عظيم، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه»، فلذلك كان حرياً بالمسلم أن ينافس في هذا الميدان، وأن يسارع إلى هذا الخير، وأن يسابق في هذه الحلبة التي يتسابق فيها المتسابقون. هذا ولا ريب أن نزول القرآن على قلب النبي صلى الله عليه وسلمحدث ترتب عليه ما ترتب من خير هذه الأمة وإنقاذ هذه الإنسانية من ورطتها، والوصل بين المخلوق وخالقه العظيم الله والربط بين الدنيا والآخرة، وبين الأرض والسماء وبين الإنسان والملأ الأعلى بل وبين الإنسان والكون كله، بحيث إن هذا الإنسان من خلال دراسته للقرآن الكريم يطلع على الحقائق الكونية كأنما يشاهدها عن كثب لأن القرآن هو الترجمة الصادقة لسنن الكون ونواميسه، وهو المرآة التي تعكس حقائق الوجود، وقد جاءت جميع الاكتشافات العلمية لتؤكد ذلك، ولذلك آذن الله الله عباده بهذه الاكتشافات وأنها ستأتي مصدقة لما في القرآن ومؤيدة له، وذلك عندما قال: {قُلْ أَرَعَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * سَنُرِيهِمْ آيَتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
شَهِيدُ * أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِن لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بِكُلِّ شَيْءٍ تُحيط [فصلت: 52 - 54]. والله الا الله لم ينزل القرآن ليكون وسيلة للتسلّي وإنما أنزله (1/262)
صفحة 263
فتاوى الصوم
263
ليكون منهج حياة، ليسير بهذا الإنسان في دروب الخير ويجنبه الوقوع في مزالق الردى، فلذلك كان من الضرورة أن يأخذ الإنسان بحجزة القرآن الكريم، ويلتزمه في كل جزئية من جزئيات حياته فضلاً عن كلياتها، وهذا أمر يتوقف على العزيمة والإرادة، وقد جعل الله الله في صيام هذا الشهر الكريم صقلاً لهذه العزيمة وتقوية لهذه الإرادة فلذلك نجد الربط بين امتنانه على عباده بإنزاله هذا الكتاب الكريم في هذا الشهر الكريم وبين فرضية صيامه، وذلك عندما قال: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْهَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، وكفى دليلاً على هذا الربط ما بين الأمرين وجود الفاء التي تقتضي ربط ما
بعدها بما قبلها.
هذا والصيام الذي يسمو بهذه النفس الإنسانية عن دركات الفساد والانحلال والهبوط حتى ترتفع إلى الأوج الشامخ والذرى السامقة - ذرى الفضائل والقيم ودرجات القرب من الله - هو الصيام الذي يؤدى على النحو الذي يرضي الله له، وهو الذي يدل عليه الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع من طريق ابن عباس الا مرفوعاً: «لا إيمان لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله»، وكذلك الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري من طريق أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من لم يدع قول الزور والعمل به فليس الله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، فإذاً هذا الشهر الكريم هو ميقات خير وليس ميقات جوع وظماً فحسب، نعم الجوع والظمأ هما وسيلة إلى هذه الغاية المبتغاة، لأن النفس الإنسانية نفس شرهة فينبغي أن تربى على مقاومة هذا الشره، فلذلك شرع فطمها عن الشهوات في هذه الأيام ليتربى ضميرها وليتقوى على جانب الشهوات والغرائز وهذا واضح، فإن الإنسان يتعلم (1/263)
صفحة 264
264
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
ذلك
من هذا الشهر ومن هذه العبادة المقدسة كيفية مراقبة النفس إذ قد يكون بمأمن عن الناس لا تمتد إليه أنظارهم ولا تصاخ نحوه أسماعهم، وهو في هذه الحالة يتمكن من قضاء وطره ويتمكن من الطعام والشراب، وكبده صادئة إلى هذا الشراب ونفسه مشتاقة إلى هذا الطعام ولكنه ينهنه نفسه عن ذلك ويباعد بينها وبين الوقوع فيما حرم الله تعالى عليه، وبهذا يتجرد من ضمير الإنسان رقيباً على أفعاله فيتعود صنع الخير والكفاف عن الشر، وكذلك قد تكون مع الرجل شريكة حياته وهما جميعاً في ميعة الشباب وزهرته والرغبة تتأجج في نفس كل منهما تجاه الآخر ولكن مع يفصل بينهما هذا الحاجز الروحاني - حاجز هذه العبادة المقدسة، فلا يصدر منه ما يؤدي به إلى نقض صيامه، وهذا كله من باب تربية الضمير وتقوية الإرادة في جانب النفس الإنسانية حتى تكون معتادة على الخير بعيدة عن الشر، كما أن الجوع والظمأ فيهما تذكير للإنسان بحال الجياع الذين قد يقضي أحدهم سحابة نهاره في وهج الشمس وفوق الرمضاء من أجل السعي لتحصيل لقمة العيش لنفسه وعياله ويصبر على الظمأ وعلى الجوع والتعب طوال نهاره، فالصائم يتذكر بالجوع هؤلاء وأمثالهم وهذا مما يؤدي به إلى الرفق بالناس والتلطف معهم ومواساتهم وبسط اليد لهم بما آتاه الله من خير وبجانب ذلك أيضاً يتربى الصائم على كف إرادة الانتقام التي تنبعث من نفسه تجاه من أساء إليه، كما يدلُّ على ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: «الصوم جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم، فالصيام يقتضي أن يمتنع الصائم لا عن إيذاء الغير فقط، بل عن مقابلة الأذى بالأذى، بل يؤمر بسبب صومه أن يقابل الأذى بالصبر، فلا يقابل أذى الغير إلا بقوله إني صائم، وفي الصيام ما يدفع الإنسان إلى التقوى والاستمساك بحبل الله، وذلك مما (1/264)
صفحة 265
فتاوى الصوم
265
يسهل عليه الالتزام التام بجميع ما في القرآن من أوامر الله سبحانه تعالى وتوجيهاته ليفيض القرآن نوراً على حياته جسماً وروحاً، على أن الصيام نفسه يهيئ روح الإنسان ومشاعره لأن تتلقى هذا النور، فإن الصيام يضفي على الروح البشرية الشفافية، وذلك لأن الإنسان يكابر شهواته من خلال صيامه فتكون نفسه متهيئة لتلقي نور الله، ولذلك يسهل عليه أن يمارس جميع ما في القرآن من أوامر وتوجيهات بالتزامه الصيام، ومن هنا نرى الربط بين فرضية الصيام وبين تقوى الله تبارك وتعالى، وذلك عندما قال الله فاتحة آيات الصيام: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]،، ثم قال بعد تبيان أحكام الصيام في خاتمة: آياته كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ وَايَتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [البقرة: 187]، فالغاية هي تقوى الله، وبتقوى الله يتحقق للإنسان الاضطلاع بأمانة القرآن والقيام بواجباته والسير في منهاجه، والله تعالى ولي
في
التوفيق.
إذا وقفنا عند التقوى، فإنها ربما تفهم في هذا السياق وكذلك أيضاً في سياق الآيات الأخرى التي تحث على العبادات كالصلاة والحج وغيره
أن
أنها خشعة في القلب ترافقها دمعة تنساب من العين، في حين اللسان يلغ في أعراض المسلمين، والواقع العملي طافح بالسيئات، فمن الذي يمكن أن يقال له بأنه متق؟ وما هي التقوى؟
التقوى عقيدة متحكمة في نفس التقي تقوده إلى الخير وتنعكس آثارها في كل جزئية من جزئيات حياته فالله تبارك وتعالى يبين صفات المتقين في قوله عندما وصف الكتاب الكريم: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمَا رَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُوَ (1/265)
صفحة 266
266
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
يُوقِنُونَ} [البقرة: 2 - 4]، فقد وصف المتقين بالإيمان بالغيب، ثم بيّن بعد ذلك بأنهم يؤمنون بما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وما أنزل من قبله، ومعنى ذلك أنهم لا يفرقون بين رسالة وأخرى وبين رسول وآخر، بل يؤمنون برسالات الله جميعاً ويتقونه عزَّ وجلَّ، ولذلك ذكر الله سبحانه تعالى من ضمن أوصافهم إقام الصلاة وأنهم مما رزقهم الله تعالى ينفقون، أي أنهم يجمعون
بين العبادات البدنية والعبادات المالية غير مترددين في شيء من ذلك. كما بين الله الا الله صفات المتقين عندما وصف الأبرار وبين حقيقة البر، وأن الذين يلتزمون البرّ هم المتقون الذين تنحصر صفات التقوى فيهم وحدهم، وذلك عندما قال عزَّ من قائل: {لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِتَبِ وَالنَّبِيِّنَ وَعَالَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَآلَى الزَّكَوَةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُوا وَالصَّبِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَيكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَيكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177]، فوصفهم الله الا الله أولاً بالإيمان بالله واليوم الآخر وملائكته وكتبه ورسله، وهذا يدلُّ على أن ركيزة التقوى الإيمان، ثم وصف الله الله المتقين بما وصفهم به من الصفات التي ترفع بهم إلى أوج الفضائل الشامخ، فوصفهم بأنهم متمكنون من أنفسهم بحيث يقودونها إلى الخير، ومن أعظم ما يؤثر على الإنسان ويقلب مجرى حياته إلى الشر حبه للمال، وقد وصف الله تعالى هؤلاء بأنهم يؤتون المال مع حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وذلك من غير الزكاة، بدليل قوله: {وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَعَالَى الزَّكَوةَ، ثم ذكر في تعاملهم أنهم يوفون بالعهد وهذا شامل لتعاملهم مع ربهم الله ومع الناس، ووصفهم الله بالصبر في البأساء والضراء وحين البأس، وحصر صفات التقوى في هذا الجنس من الناس، وهذا كله مما (1/266)
صفحة 267
فتاوى الصوم
267
يدلُّ على أن كلمة التقوى مدلولها واسع، ويؤكد ذلك ما نجده في سورة آل عمران: {قُلْ أَونَتُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّتُ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجُ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرُ بِالْعِبَادِ [آل عمران: 15]، ثم وصف هؤلاء الذين اتقوا بقوله:
الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران: 16]، كما وصفهم بقوله: الصَّبِرِينَ وَالصَّدِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 17]، وكذلك عندما بشر الله تعالى هؤلاء المتقين بجنة عرضها السماوات والأرض، بين عزَّ وجلَّ أن هذه الجنة لأولئك الذين يجمعون بين صفات الخير عندما قال: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 133 - 135]، فهذه الآيات القرآنية تدلُّ جميعاً على أن كلمة التقوى لها مدلول شامل يتناول جانب التخلي وجانب التحلي، مع أن مدلولها اللغوي إنما هو مدلول سلبي يتعلق بالترك لا بالفعل، لأن أصل اتقى بمعنى تجنب، يقال اتقى الشيء بمعنى تجنبه، واتقيت هذا الشيء بمعنى تجنبته، كما يقول الشاعر:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد أي اتقت رؤيتنا لها بوضع يدها على وجهها حتى لا تمتد إليها أبصارنا فنراها.
أما المدلول الشرعي فهو مدلول فعلي وتركي فهو يشمل جانب التخلي وجانب التحلي، وجانب التخلي يعني التخلي عن جميع معاصي الله، (1/267)
صفحة 268
268
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
حتى لو أنه قارف معصية من معاصي الله فإنه سرعان ما يذكر ويرجع ويتوب إلى الله كما يقول الله أياً في وصف المتقين: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَيفُ مِنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [الأعراف: 201]، فالمتقي لا يسترسل في غيه، وإذا أراد الشيطان أن يلم به وأن يبعده عن مسلك الحق اذكر فرجع إلى ذلكم المسلك، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم تدلُّ على ذلك، والآثار المحكية عن السلف الصالح تصب في هذا المصب نفسه، والله أعلم.
من المعتاد عند الناس في السابق أن تجتمع العائلة وأن يقوم رب الأسرة بتلقين العائلة نية الصيام أو عقد رمضان وإلى الآن بعض الأسر
تعمل بهذا، فهل يصح هذا وهل هناك طريقة أخرى؟
النية المطلوبة هي القصد بالقلب، وليست النية كلمات تقال باللسان، وإنما أحدثت هذه الكلمات بعد الرعيل الأول - عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد الصحابة رضوان الله عليهم بل بعد عهد التابعين، وأحدثها العلماء من أجل أن تكون وسيلة لعوام الناس وجهلتهم حتى يتقنوا ما يستحضرونه من النية عندما يتلفظون بها بألسنتهم، ولكن هذه الوسيلة أصبحت الآن هي الغاية ولم تعد وسيلة فحسب، وغاب المقصد في خضم العناية بالوسيلة فالناس لا يحسبون أن هنالك نية بالقلب وإنما يحسبون أن النية باللسان فلذلك يرددون هذه الألفاظ من غير استحضار لمعانيها، وهذا خطأ عظيم، فعلى الناس أن يستحضروا أنهم قادمون على العبادة التي هم قادمون عليها وأنهم يبتغون بذلك وجه الله تعالى، فإن ذلك هو الإخلاص، فإن الله تعالى يقول: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5]، ويقول سبحانه: فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ (1/268)
صفحة 269
فتاوى الصوم
269
عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110]، وهذه هي النية المطلوبة التي دل عليها قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه»، على أن هذا الذي هاجر إلى الله ورسوله لم يكن يقول ذلك بلسانه، وإنما ذلك قار في قرارة نفسه، وكذلك الذي هاجر إلى امرأة يتزوجها أو دنيا يصيبها لم يكن يقول بلسانه إنني مهاجر من أجل أن أتزوج فلانة أو أن أصيب كذا من الدنيا، ولكن كان ذلك في قرارة نفسه، والله تعالى أعلم.
النية في بداية الشهر أم في كل يوم؟
اختلف العلماء هل رمضان فريضة واحدة أو أن كل يوم منه فريضة؟ فبناءً على أنه فريضة واحدة تجزي النية في بداية الشهر، وبناءً على أن كل يوم فريضة مستقلة فلا بد من النية في كل ليلة من الليالي، إلا أن الذي يقوم من الليل ليتسحر أليس في قرارة نفسه أن يصبح صائماً؟ وهذه هي النية، لأن النية هي ما انطوى عليه القلب، أو هي القصد إلى الشيء تقرباً إلى الله، فمن كان في قرارة نفسه أن يصبح صائماً متقرباً إلى الله الله فلا ريب قام بالنية الواجبة، ولا يجب أن تترجم هذه النية إلى القول، بل لم يكن ذلك في عهد النبي ا ا ا ا ا و و و و عهد الصحابة والتابعين، وإنما حدثت هذه الألفاظ عند بعض الناس فيما بعد، والله أعلم.
أنه (1/269)
صفحة 270
270
رؤية الهلال
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
يتبادر في أذهان بعض الأوساط المثقفة لماذا لا يتوحد المسلمون في صيام شهر رمضان بحيث تصوم الأمة معاً وتفطر جميعاً في يوم واحد وبمعنى آخر لماذا لا يتوحدون في هذه الفريضة كتوحدهم في فريضة
الحج؟ هذه العبادات نيطت بأمور طبيعية، لأن الله تبارك وتعالى أراد من فرضها على عباده أن يُذكر عباده بمرور الزمن، وألا يكون اتصالهم بنظام الكون اتصالاً سطحياً أو مادياً وإنما يكون اتصالاً روحياً، فالكون بأسره
هذا
تسبح كل ذرة من ذراته بحمد الله وتسجد لجلاله، فالله تعالى يقول: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَدِهِ، وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ نَسبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء: 44]، ويقول: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحديد: 1]، ويقول: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [الجمعة: 1]، ويقول: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجَبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَاتُ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرُ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج: 18]، فمن أجل هذا جعل الله تبارك وتعالى بعض العبادات مرتبطة بظواهر طبيعية تكون في هذا الكون، كالصلاة التي نيطت (1/270)
صفحة 271
فتاوى الصوم
271
بأحوال يمر بها الإنسان في يومه وليلته، والتي دل على توقيت الصلاة بمواقيتها في قوله جلال و أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا * وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةٌ لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} [الإسراء: 78، 79]، وقال تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيَّا وَحِينَ تُظهِرُونَ} [الروم: 17، 18]، وكالصيام الذي نيط برؤية الهلال، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، وفي رواية: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه وظهور الهلال ظاهرة طبيعية وهو ميقات بذلك
6
زمني يتجدد به الزمن في كل وحدة زمنية معلومة، بحيث ينقضي شهر ويأتي شهر بمشيئة الله الا الله فلذلك لا يجوز تقديم الصوم على رؤية الهلال ولا تأخيره عن رؤية الهلال، فإن صام الناس جميعاً في وقت واحد، فلا ريب أنه يلزم أن يصوموا إما قبل أن يروا الهلال وإما أن يصوموا بعد رؤيته، بحيث يصوم هذا الفريق قبل أن يرى الهلال بمجرد أن يراه فريق آخر من البشر، لأنه من المعلوم أن رؤية الهلال تختلف بين مكان وآخر باختلاف المواقيت الزمنية: مواقيت الليل والنهار التي تلف على الكرة الأرضية، لأن الأرض هي كرة، ولما كانت كرة فإن الليل يتقدّم في مكان ويتأخر في مكان، فقد يكون في جزء من الأرض ليل وفي جزء آخر منه نهار، وقد تشترك كثير من البلدان في جزء من الليل وفي جزء من النهار، وقد لا يكون هنالك اشتراك، بحيث يكون هنالك ليل عند طائفة أول ما يكون النهار عند طائفة أخرى إلى أن ينتهي النهار عندهم لينتقل إلى الأولين، ذلك لأن الله يُولج الليل في النهار ويُولج النهار في الليل، كما أخبر بذلك عندما قال الله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ الَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ
من (1/271)
صفحة 272
272
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
خَبِيرُ} [لقمان: 29]، وقال تعالى: {يُغْشِي الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} [الأعراف: 54] فالنهار يغشيه الليل وهو وراءه يطلبه طلباً حثيثاً، ولما كان الأمر كذلك فإن رؤية الهلال تختلف بين مكان، وآخر، لأنه من المعلوم أن البلاد إذا كانت أقرب إلى جهة الغرب كانت رؤية الهلال فيها أمكن في الوقت المتقدم كلما تأخر الليل، لأن البلاد التي تكون في الشرق يتقدّم فيها الليل ويسقط الهلال بسرعة أو يتقدّم الشمس ولا يمكن أن يكون في هذه الحالة مرئياً، فكيف يلزم هؤلاء بأن يصوموا برؤية هؤلاء، مع أن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم واضح في ذلك، فقد أخرج مسلم وغيره من طريق كريب قال: أرسلتني أم الفضل بنت الحارث والدة عبد الله بن العباس إلى معاوية بالشام، فقضيت حاجتها واستهل علي هلال رمضان وأنا بالشام، فلما رجعت إلى المدينة سألني ابن عباس قال: متى رأيتم الهلال قلت رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته، قلت: نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، فقال: ولكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نرى الهلال، فقلت: أو ما تكتفي برؤية معاوية وصيامه، قال: لا، هكذا أمرنا رسول الله، ومن المعلوم أن معاوية كان يومئذ على رأس الحكم في البلاد الإسلامية، ثم بجانب ذلك لم تكن هذه الرؤية خاصة بمعاوية وحده وإنما كانت رؤية مطبقاً عليها، كما يدل على ذلك قول كُريب ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، وقوله بعد ذلك: «أو ما تكتفي برؤية معاوية وصيامه)»، فدل هذا على أن هناك أمراً من قبل النبي صلى الله عليه وسلم بأن يمسك الناس عن الصيام والإفطار حتى يروا الهلال عندما يكون هنالك سبب لإمكان حجب الرؤية عن أهل منطقة من المناطق مع إمكانها بالنسبة إلى منطقة أخرى، وقول الصحابي: «هكذا أمرنا الرسول ل لا شك بأنه له حكم الرفع، وهو يدلُّ على أنه ذلك حكماً صريحاً من النبي، ولئن كان العلماء يقولون بأن قول
سمع
6 (1/272)
صفحة 273
273
فتاوى الصوم
الصحابي: «كنا نؤمر» أو «كنا ننهى» يعطى حكم الرفع، فكيف بقوله: «أمرنا رسول الله، حيث نص على أن الأمر هو النبي، فلذلك حكم الرفع قطعاً وكفى، والله تعالى أعلم.
من شك بين آخر شعبان وأول رمضان أو في حالة عدم ثبوت الهلال، فبنى على أنه آخر شعبان ثم صامه، استحباباً، ثم تبين له بعد مدة أن ذلك اليوم الذي شك فيه كان أول رمضان، فما حكم صيامه لذلك
اليوم؟ صيام يوم
الشك غير جائز على القول الصحيح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصوم في اليوم الذي يُشك فيه، وجاء عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن من صام في اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم، فعليه أن يبدل يوماً مكان هذا اليوم.
يقول البعض أن الأمة الإسلامية توحدت في كثير من الأشياء، توحدت في عقيدتها، وفي منهاجها وفي حجها ولكن بعض المناطق اختلفت في صيام شهر رمضان المبارك، ويرى البعض أن الأمة الإسلامية ينقصها هذا التوحد في صيام شهر واحد في يوم واحد، ويشكك بعضهم في أنباء رؤية الهلال معنا هنا في السلطنة ويقولون كيف لم نصم مع الآخرين الذين يحيطون بنا؟
لم نصم لأن علماء الفلك قالوا بأنه تتعذر الرؤية، ولم يره أحد مع أن بعض المناطق كانت صحواً، وعلى أي حال نحن ندعو إلى وحدتها، ولكن علينا أن نعرف ما هي مقومات وحدة الأمة، الأمة لا يوحدها أن تجتمع في هلالها، ولا يوحدها أن تجتمع في صلاة تؤدى في وقت واحد، بحيث (1/273)
صفحة 274
274
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
تؤدى صلاة الظهر من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب في وقت واحد، وإنما تتوحد الأمة بوحدة المشاعر والأحاسيس، ووحدة الآلام والآمال، ونحن نأسف كثيراً أن نرى الأمة الإسلامية يصفق بعضها لمصاب بعض، ولا يبالون بالجرح الذي يصيب طائفة منهم، مع أن هذا مما يخالف ما أرشد إليه القرآن الكريم، إذ الله تبارك وتعالى يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10]، وما أرشدت إليه السنة النبوية ـ على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ـ حيث قال: «ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر أين هذه المشاعر وهل هي موجودة الآن في الأمة المسلمة؟ ليتها تكون موجودة فيها فتنهض بعد عثرتها وتعز بعد ذلها وتقوى بعد ضعفها، فلو كان الأمر كذلك لما طمع
فيها عدوها.
6 (( (1/274)
صفحة 275
فتاوى الصوم
الصوم في السفر
275
من المعلوم أنه إذا أراد الصائم أن يسافر لا بد أن يُبيت النية للإفطار من الليل، ولكن فاجأه سفر في النهار، ماذا يصنع؟
عليه في هذه الحالة أن ينظر هل هو مضطر إلى الإفطار أم غير مضطر، فمن اضطر فلا حرج عليه أن يفطر، ومن كان غير مضطر فليمسك. (1/275)
صفحة 276
276
الإجازة بالصوم
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
امرأة عجوز لا تستطيع الصوم فأرادت أن تؤجر صوم شهرين تطوع
عنها، فما قولكم؟
لا تؤجر، ولكن تتصدق بما أرادت التأجير به فذلك خير لها، والله أعلم.
هل يجوز أن تستأجر المرأة صياماً عن رجل أجنبي هالك؟ يجوز ذلك عند من أباح للأجنبي أن يصوم عن الميت بأجرة، والله أعلم.
سنة الوارد في
الصائمة بالأجرة إذا أتاها الحيض فهل ينهدم ما تقدّم من صيامها؟ أولاً علينا أن ندرك أن الصيام بالأجرة مما لم يرد في سُنَّة النبي، وإنما النبي الصيام عن الغير إن كان الصائم ولياً لذلك الذي ه، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في رواية عائشة عند الشيخين: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه»، فينبغي أن يحصر صيام الشخص عن غيره فيما وردت به السنة، ولا مانع من أن تصوم المرأة إذا
صيم
عنه،
كانت وليّة لميت كأن تكون ابنته أو أمه عنه، وينبغي أن تتحرى الأوقات التي لا تأتيها فيها الدورة، وإن صامت وأتتها الدورة الشهرية، فهي ليست أشد من الدورة التي تأتي في صيام شهر رمضان، فإن كانت تفطر في رمضان فأحرى أن يجوز لها الإفطار هنا. (1/276)
صفحة 277
فتاوى الصوم
المريض والعاجز عن الصوم
277
إذا قرر الطبيب وهو كافر أن المريض يجب عليه الإفطار فهل نأخذ بنصيحته أم ماذا؟ وماذا إذا كان كتابياً؟
لا عبرة بكونه كتابياً أو غير كتابي وإنما العبرة بصدقه وأمانته، وكما يقال: العاقل طبيب نفسه. فإذا أحس بالضرر على نفسه واستأنس بكلام الطبيب واطمأن إلى صدقه فلا حرج في فطره، ولكن الأولى أن يسأل الطبيب المسلم، والله أعلم.
امرأة حامل في الأشهر الأولى ودائماً تتقيأ وحملها صعب، وهي لا تأكل جيداً؛ لأن الوحم شديد عليها، وقد نقص وزنها من ذلك، فهل يحق لها الإفطار في رمضان؟
نعم تفطر وتطعم عن كل يوم مسكيناً، وإذا استطاعت القضاء فلتقض، والله أعلم.
امرأة لديها ولد، ترضعه هل يجوز لها الإفطار؟ وكذلك الحامل إذا كانت في شهرها الأخير؟
يباح للحامل والمرضع الإفطار إذا خافتا على الجنين والرضيع، وعليهما عن كل يوم إطعام مسكين وقضاء يوم مكانه، أما إذا لم يكن هنالك محذور فإن الصوم واجب عليهما، والله أعلم. (1/277)
صفحة 278
278
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
ما تقول في المرأة التي عندها ولد ترضعه هل يجوز لها الصوم أم لا؟ وكذلك الحامل هل يجوز لها الصوم، وهي في الشهر الأخير من
الحمل؟
أن
الصوم لا يتنافى مع الحمل والرضاع وإنما يباح للحامل والمرضع تفطرا وتفديا إذا خافتا على الجنين أو الرضيع، أما إذا لم يكن هنالك محذور فإن الصوم واجب عليهما، والله أعلم.
رجل منع زوجته من صيام شهر رمضان المبارك الواجب عليها صومه والسبب في ذلك خوفاً على رضيعها، وكذلك منعها عن تأدية الحج لنفس السبب هل له ذلك؟ إن كان الصوم يؤدي إلى ضرر بها أو برضيعها فلتفطر وتطعم عن كل يوم مسكيناً والخلاف في وجوب القضاء مع ذلك، وكذلك الحج لا مانع من تأخيره إلى وقت استغناء الطفل عنها، والله أعلم.
طفل عمره تسع سنوات ويصرُّ على الصوم علماً بأنه معوق ولم يستطع التحكم في التبول والإخراج؟
وعسى
إن كان قادراً على الصيام فليصم فإن في ذلك خيراً له إن شاء الله، الله أن يجعل صيامه هذا سبباً للعافية والخيرة فيما يختار الله، فالأولى أن ينشأ على طاعة الله قبل بلوغه.
إذا كانت الجدة وصلت مرحلة من العمر لا تستطيع معها الصيام وولدها يسكن عنها بعيداً مسافة تقطع في ست ساعات بالسيارة، هل يجوز أن يطعم عنها وهو بعيد عنها؟ (1/278)
صفحة 279
279
فتاوى الصوم
لا
مانع من ذلك سواء أطعم عنها في المكان الذي هي فيه أو في المكان الذي هو فيه، والله تعالى أعلم.
امرأة عجوز مضى عليها خمسة أعوام لم تصم شهر رمضان لعجزها عن صيامه، فماذا يجب عليها؟
تطعم عن كل يوم مسكيناً لعجزها عن الصيام وإن عجزت عن الإطعام سقط عنها أيضاً لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، والله أعلم.
ا عندي جدّة كبيرة في السن وسنّها يقارب المائة سنة ولا تتناول الأكل في الليل، وعندما نقول لها أفطري تقول: لا، وتكمل الصيام، فهل
يجوز لها الإفطار، وما حكمها؟
أولاً هل هي ذات وعي وعقل، أو أنها لكبرها وضعفها وشيخوختها فقدت العقل، فإن كانت فاقدة للعقل فالتكليف ساقط عنها، إذ كل من كان غير عاقل ولا واع لا يُكلف لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] وهذا الذي فقد العقل والوعي ليس بإمكانه أن يتحمل تبعات التكليف، فلذلك كان من حكمة الله تعالى ألا يُكلف أما إن كانت على وعي وإدراك: وعقل ففي هذه الحالة تطالب بالصيام إلا إذا عجزت عنه، فإن كانت عاجزة عن الصيام لشيخوختها وكبرها فينتقل الحكم من الصيام إلى الإطعام، تكلف أن تطعم عن كل يوم مسكيناً واحداً، لقول الله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184]، بناءً على التفسير الذي فسره ترجمان القرآن أن معنى يطيقونه يتكلفونه، فمن كان يتكلف الصيام ويشق عليه بسبب كبره فحكمه أن يطعم كل يوماً مسكيناً وإن لم تجد سقط عنها أيضاً.
بحيث (1/279)
صفحة 280
280
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
امرأة مسنة تعاني من أمراض - شفاها الله تعالى منها ـ مثل القرحة الحادة في المعدة وأمراض الكبد والطحال منذ زمن بعيد، وإذا صامت أكثر من ثلاثة أيام تتأثر كثيراً وتتدهور صحتها ولا تقوى على الصيام وتضطر إلى أن تذهب إلى المستشفى. فهل يجب عليها الصيام وهي على هذه الحالة؟ وإذا كان لا يجب عليها الصيام فماذا يجب عليها؟ وهل يجزيها أن تطعم مسكيناً واحداً لكل يوم من الأيام التي أفطرتها؟ وما هو المقدار الذي يجب عليها إذا كان الإطعام نقوداً أو طعاماً؟
إن كانت عاجزة عن الصيام بسبب أن الصيام يزيد في مرضها أو يؤخر برءها أو أنها تصاب بإعياء شديد من جرائه بحيث لا تطيقه، ففي هذه الأحوال جميعاً لها أن تأكل وتطعم عن كل يوم مسكيناً إن كانت العلة مزمنة فيها، والإطعام على القول الراجح هو نصف صاع، لأن حديث كعب بن عجرة دل على أن المسكين يُطعم نصف صاع، والله تعالى
أعلم.
من
امرأة فقدت الوعى ويقال لها هذا رمضان فتذهب للإفطار، فما حكمها؟ فقد الوعي سقط عنه التكليف، لأن التكليف له ثلاثة شروط هي:: أن يكون الإنسان عاقلاً بالغاً قادراً على إتيان المكلف به، أما من لم يكن بالغاً أو لم يكن عاقلاً فالتكليف ساقط عنه، والله تعالى أعلم.
امرأة عندها أم مريضة منذ زمن وفي شهر رمضان المبارك من كل عام تطعم مسكيناً في كل يوم أي الفطور والعشاء والسحور، فهل تدفع هذه المبالغ في يوم معين أو في كل يوم من أيام الشهر، حيث (1/280)
صفحة 281
فتاوى الصوم
281
إنها كانت تدفع هذه المبالغ في ليلة السابع والعشرين من الشهر
الفضيل؟ ذلك فضل وخير ولكن علينا أن ندرك بأن فريضة الصيام وغيرها من الفرائض إن عجز عنها الإنسان مع العجز عن البديل عنها لا ينتقل ذلك الفرض إلى شخص آخر، فالله تبارك وتعالى يقول: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ويقول: لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَنهَا فواجب الصيام لا ينتقل عن المكلف به إلى شخص آخر عندما يكون عاجزاً عنه، بل يجب على المكلف أن يُطعم، فإن عجز عن الإطعام بحيث لم يكن له مال فإطعام ولده عنه إنما هو فضل وخير، ولا أرى لزوم ذلك وإن قال به بعض أهل العلم، وهذه الفدية إما أن تكون في كل يوم بحيث يفتدي من كان غير قادر على الصيام بإطعام مسكين في نفس اليوم الذي وجب عليه صيامه وعجز عنه، أو تكون فدية عن جميع الشهر في آخره، ولا تقدم فدية يوم لم يحضر بعد قبل حضوره فإن الصيام يجب في وقت موقوت وكذلك الفدية التي هي بديل عن الصيام إنما تدفع في نفس ذلك الوقت أو بعده، لتكون قضاء بعد الوقت، والمقدار الذي نأخذ به ما دل عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في إطعام المسكين، وذلك في حديث كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه عندما أمره النبي له أن يفتدي، بإطعام كل مسكين نصف صاع من طعام، و وإن رأى أن يُطعم المسكين فطوراً وسحوراً فذلك خير.
امرأة مريضة منذ سنة ولا تعرف أولادها فهي شبه فاقدة للوعي فهل عليهم أن يطعموا عنها كل يوم مسكيناً في رمضان؟
لا، لأن الواجب سقط عنها بسبب فقدانها عقلها، والعقل هو مدار التكليف
فمع فقدانه يسقط التكليف، والله تعالى أعلم. (1/281)
صفحة 282
282
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
الذي يُطعم عنه كل يوماً مسكيناً، هل يجوز أن تجمع هذه المبالغ أو
الذي
يجمع
هذا الطعام إلى نهاية الشهر فيعطى لفقير واحد؟ نعم، يجوز ذلك، لأن كل يوم مستقل بنفسه، فيمكن أن يطعم نفس المسكين في كل يوم، ويمكن أن يجمع هذا الطعام كله ليعطى إياه آخر الشهر، والله تعالى أعلم.
وإذا لم يجب عليها الصيام فهل تصلّي التراويح وصلاة السحر؟
لا مانع من ذلك، لأن هذا لأجل الشهر وليس هو لأجل الصيام.
المريض الذي لا يستطيع الصيام، إذا أراد أولاده أن يتصدقوا عن صيامه، هل يجوز أم لا؟ وإذا كان يجوز فكم مقدار الصدقة؟ المرض إن كان يرجى له برء فإنه يفطر ثم بعد ذلك يقضي كما نصت الآية، في قوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: 184]، ثم جاء الحكم مرة ثانية في قوله تعالى: {وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185]، وأما إن كان المرض لا يرجى له برء فهذا حكمه في قول الله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينَ} [البقرة: 184]، بناءً على أن الآية محكمة غير منسوخة وتفسير يطيقونه بمعنى يتكلفونه، كما فسره بذلك ابن عباس، ويدخل في ذلك الشيخ الهرم والمرأة العجوز اللذان يعجزان عن الصوم بسبب كبرهما، والمريض الذي لا يرجى له برء، فيباح لهم أن يأكلوا ويشربوا ويفتدوا بإطعام مسكين عن كل يوم، ولا بأس إن أخرج الأولاد عن آبائهم وأمهاتهم الفدية، فإذا كان الشهر ثلاثين يوماً فالفدية إطعام ثلاثين مسكيناً وإن كان تسعة وعشرين يوماً فالفدية إطعام تسعة وعشرين مسكيناً، والمسكين يفطر بمقدار ما يكفيه من طعام حتى يشبعه مع إدام، وهذا يتراوح ما بين ريال عُماني وريال ونصف ومن ضاعف ضاعف الله له. (1/282)
صفحة 283
فتاوى الصوم
صيام النفل
283
هل يجوز الصيام في ثان يوم من شوّال أو من منتصفه؟
النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال كان كمن صام الدهر»، والأولى بأن يكون ـ مع اليسر ـ في اليوم الثاني، ولكن إذا أخر الإنسان الصوم وصام الست في أثناء شهر شوال فلا مانع من ذلك، بل أباحها بعض العلماء متفرقة وذلك بأن يصومها يوماً يوماً، أو يومين
يومين.
هل يجوز صيام الست قبل صيام الواجب على المرأة كأيام رمضان؟ هذه المسألة فيها خلاف، فبعض العلماء يقولون بأن من وجب عليه قضاء شهر رمضان لا يصوم غيره قبله وقيل بجواز ذلك، وهذا هو الأظهر، لأن المؤمنين عائشة لنا كانت تؤخر قضاء شهر رمضان إلى شهر شعبان وليس من المعقول أن تبقى طوال أيام السنة لا تصوم فيها نفلاً.
لا
بعض الناس اعتادوا أن يصوموا الأيام البيض فهل يجوز لهم صيامها
في أيام الحج؟
يصوم
الإنسان في اليوم الثالث عشر، لكراهة الصيام في أيام التشريق
وإنما يصوم من الرابع عشر فصاعداً. (1/283)
صفحة 284
284
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
ما حكم صيام العشر الأول من ذي الحجة؟ الأيام العشر هي أيام مباركات ولها شأن عظيم عند الله تبارك وتعالى، ولذلك أقسم الله تبارك وتعالى بلياليها تنويهاً بقدرها وتبياناً لعظم شأنها عنده حيث قال: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرِ} [الفجر: 1، 2]، والمراد بها الليالي العشر التي تسبق يوم النحر، وجاء في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ما من أيام فيها العمل أحب إلى الله تبارك وتعالى منه في هذه الأيام العشر، فالأعمال كلها تكون في هذه الأيام العشر أعمالاً مضاعفة الأجور، ولها شأن عند الله الله، ويندرج في ذلك الصيام، فإن الصيام من جملة الأعمال التي يتقرب بها العباد إلى الله، ولذلك يسن صيام هذه الأيام جميعاً، ومن لم يتمكن من صيامها جميعها فليصم اليوم التاسع، لأن صيام اليوم التاسع أجره أجر عظيم وقدره قدر جسيم، والله تبارك وتعالى أعلم.
ما هو فضل صيام يوم عرفة؟
يوم عرفة يوم عظيم وصيامه فيه الأجر الكبير إلا الواقف في عرفة إن كان يخشى أن يضعف، فينبغي له ألا يصوم حتى لا يضعف عن الوقوف، فإن ذلك اليوم يوم يضاعف فيه أجر الذكر للذاكرين في ذلك الموقف العظيم، فلا ينبغي للإنسان أن يضعف نفسه بصيامه، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يصم في ذلك اليوم، فلا ينبغي لأحد أن يصوم حتى لا يضعف عن الذكر.
هل يصام يوم عرفة منفرداً أو أنه يحتاج إلى صيام يوم قبله أو بعده
خاصة إذا صادف جمعة؟
يوم
إن صام يوماً قبله فلا حرج لكن أن يصوم يوماً بعده فلا فإن اليوم العاشر (1/284)
صفحة 285
فتاوى الصوم
285
هو يوم عيد، ويوم العيد لا يجوز صيامه بإجماع المسلمين، سواء كان عيد الأضحى أو كان عيد الفطر، لأن يوم العيد هو يوم ضيافة الله فمن صامه فقد رد ضيافة الله تبارك وتعالى. أما يوم الجمعة فإنه ينهى عن صيامه وحده إلا أن يصادف يوماً يصومه أحدكم - كما جاء في الحديث ـ فمن صادف يوماً اعتاد صيامه فلا حرج عليه أن يفرده بالصيام وعليه فلو صادف يوم يوم عرفة فلا حرج أن يصومه من اعتاد أن يصوم يوم عرفة، وكذلك لو صادف يوم الجمعة يوم عاشوراء فلا أن حرج اعتاد أن يصومه من
الجمعة
يصوم
معه يصوم التاسع، لأن النبي صلى الله عليه وسلم
يوم عاشوراء، ويوم عاشوراء ينبغي أن كان يفرده بالصيام وحده إلا أنه قال قبل وفاته: «لئن بقيت إلى العام القابل لأصومن التاسع والعاشر»، فينبغي لمن أراد الأجر أن والعاشر، والله تعالى أعلم.
يجمع بين التاسع
من نوى أن يصوم عرفة ولكن ظروفه حالت دون ذلك فهل عليه أن
يصوم؟
من نوى أن يصوم عرفة ولم يدخل في صيامه فليس عليه أن يقضي صيامه قولاً واحداً، ولكن لو نوى أن يصوم ذلك اليوم وأصبح صائماً ثم طرأ عليه ما سبب إبطاله لصيامه، فهل عليه أن يعيده؟ في ذلك خلاف، بناءً على الاختلاف في صيام النافلة هل من شرع فيه كان لزاماً عليه أن يتمه أو ليس عليه أن يتمه فالذين قالوا بالقول الأول نظروا إلى قول الله تبارك وتعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَلَكُمْ} [محمد: 33]، فإن الآية الكريمة تنهى عن إبطال العمل، فمن دخل في عمل فعليه أن يستمر عليه وأن لا يبطله، والذين قالوا بالرأي الآخر عولوا على الحديث الذي جاء فيه «صائم النفل أمير بنفسه»، والله تعالى أعلم. (1/285)
صفحة 286
286
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
ما حكم صيام شهر رجب؟ وهل صحيح أن بالجنة باباً يسمى باب
رجب؟
صيام شهر رجب كصيام غيره من الشهور فلا يختص بحكم عن غيره، وأما ما ورد من الأحاديث فيه فهي أحاديث لم تصل إلى درجة الصحة.
هل صيام يوم الإسراء والمعراج من السنة؟ وما حكمه؟
أما ثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم يثبت، وقد رويت أحاديث كثيرة في صيام شهر رجب، ولكنها لم تثبت، وإنما هو كسائر الشهور، ويوم الإسراء والمعراج هو كسائر الأيام على أنه مما يجب أن يُعلم بأنه ليس هنالك من دليل نستوحي منه أن يوم الإسراء والمعراج هو يوم كذا، فلذلك اختلف العلماء كثيراً متى كان الإسراء والمعراج، فمنهم من قال كان في اليوم السابع عشر من شهر ربيع الأول، ومنهم من قال كان في اليوم السابع والعشرين منه، ومنهم من قال كان في اليوم السابع والعشرين من شهر رجب، ومنهم من قال في شهر رمضان إلى غير ذلك من الأقوال الكثيرة، فلا يمكننا أن نجزم بشيء، وإنما شاع في أوساط الناس أن الإسراء والمعراج كانا في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب من غير أن يكون هنالك دليل يُستند إليه، ومثل هذه الأشياء لا يُبت فيها إلا بالدليل، وأنى لنا به، ولكننا مع هذا نقول بأن هذا يوم من أيام الله من فعل فيه خيراً فالله الا الله يجزيه الخير، بشرط أن لا يقطع بأنه هو نفس اليوم الذي يرتبط بليلة الإسراء، وأن لا يجزم بأن لهذا اليوم خصوصية، لأن الجزم بمثل ذلك أمر يتوقف على الدليل، والدليل لم يأت به، والله تعالى أعلم. (1/286)
صفحة 287
فتاوى الصوم
287
هل يجوز الصيام في يوم الإسراء والمعراج وفي يوم المولد
الشريف؟
لا يمنع الصيام في هذه الأيام، ولا دليل أيضاً على استحباب الصيام في هذين اليومين، إنما جاءت روايات - ولكنها ضعيفة ـ في يوم الإسراء
والمعراج. (1/287)
صفحة 288
288
ما يفسد الصوم
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
ما حكم صوم الصائم إذا دخل جوفه شيء غير الطعام كأن يبتلع دبوساً
أو قطعة صغيرة من الورق؟
قول جمهور الأمة أن غير المطعوم ناقض للصوم كالمطعوم وذلك كالحديد والشعر والجلد والورق، والله أعلم.
ما هو حكم الاستياك بالمعجون في نهار رمضان؟
اختلف العلماء في حكم الاستياك، فطائفة كبيرة منهم كرهوا السواك في نهار الصيام منهم من كرهه من أول النهار إلى آخره، ومنهم من كرهه بعد الزوال ومنهم من كرهه بالرطب دون اليابس وهؤلاء - الذين قالوا بالكراهة - استندوا إلى حديث الخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح
أن
له
المسك»، قالوا لأن المستاك بسواكه يقضي على الخلوف، مع أنه ينبغي يحرص على استبقائه حتى لا يزول، فلما كان بقاؤه مستحباً كان زواله مكروهاً، وذهبت طائفة أخرى من العلماء إلى أن السواك لا يمنع منه الصائم سواء كان في أول النهار أو في وسطه أو في آخره من غير كراهة، وهذا القول استدل له بروايات متعددة منها حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة وعند كل وضوء»، وهذا (1/288)
صفحة 289
فتاوى الصوم
289
عام سواء في حالة الصيام أو في غير حالة الصيام والعام يجري على عمومه ما لم يرد مخصص يخصصه ومنها رواية لبعض الصحابة: رأيت النبيصلى الله عليه وسلم يستاك بالرطب واليابس وهو صائم ما لا أحصي، إلى غير ذلك من الأدلة التي استدلوا بها، وهذا هو أقوى حجة، لأن حديث الخلوف لا يدلُّ على منع السواك لا من قريب ولا من بعيد، إذ لم يتعرض لذلك قط، وإنما غاية ما فيه أن الصيام محبوب وكل ما يترتب عليه محبوب، فالخلوف الذي يكرهه الصائم هو أطيب عند الله تعالى من ريح المسك، وهذا الطيب لا لذات الخلوف ولكن من أجل الصيام، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن السواك لا يقضي على الخلوف، فلذلك لا نرى التمسك بهذا الدليل وترك الأدلة الصريحة في استحباب السواك، أما بالنسبة للمعجون فإنه لا أن يتسرب منه شيء إلى الحلق، فلذلك كان من الأحوط للصائم أن يتجنب السواك به، وأن يقتصر على السواك بالمسواك المعتاد فحسب، والله تعالى أعلم.
يؤمن
الغيبة هل تؤثر على الصائم؟
جاء في الحديث عن رسول الله: الصيام جنة، وفي بعض الروايات الصيام جنة ما لم يخرقها بكذب أو غيبة»، وقد جاء في حديث ابن عباس ا ـ في مسند الإمام الربيع بن حبيب رحمه الله: «الغيبة تنقض الوضوء وتفطر الصائم»، وهذا الذي تعمل به، وهو يعتضد بالروايات الأخرى، من بينها رواية أبي هريرة الله عند الإمام البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس الله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، فعلى المغتاب أن يعيد يومه وتسقط عنه الكفارة لشبهة الخلاف، والله تعالى أعلم. (1/289)
صفحة 290
290
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
صلے
ما حكم من كذب في نهار رمضان؟ الكذب يتنافى مع الإيمان، فإن الله تعالى يقول: {إِنَّمَا يَفْتَرِى الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِنَايَتِ اللَّهِ وَأُوْلَبِكَ هُمُ الْكَذِبُونَ} [النحل: 105]، وقد توعد الله تعالى على الكذب، إذ قال في حديثه عن المنافقين: {وَلَهُمْ عَذَابُ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [البقرة: 10]، وكذلك نجد أن الله تعالى يقول: {قُلَ الْخَرَّصُونَ} [الذاريات: 10]، وقد فُسر الخراصون بالكذابين، وفي الحديث عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام أنه قال: يطبع المؤمن على الخلال كلها، ليست الخيانة والكذب» أي ليس من شأن المؤمن أن يكون كذاباً، وعندما ذكر النبي صلوات الله وسلامه عليه خصال النفاق بدأ ذلك بالكذب فقال: «إذا حدث كذب»، ومن المعلوم أن الكذب هو من قول الزور، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يدع قول الزول والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، أي لا قيمة لتركه الطعام والشراب مع عدم تركه قول الزور والعمل به، وعندما سئل النبي عليه أفضل السلام عن المؤمن أيكون كذاباً قال: «لا»، والصيام إنما هو التزام تام فمكن كذب متعمداً فقد هتك حرمة صومه، ومن هتك حرمة صومه فلا صوم له، والله تعالى أعلم.
ما حكم العادة السرية؟ وهل تفطر الصائم في رمضان؟ العادة السرية هي من استعمال الفرج في غير ما أذن الله تعالى به، والله تعالى عندما وصف المؤمنين قال: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَتُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون: 5، 6]، فمن استعمل العادة السرية فهو لم يستعمل فرجه في زوجته ولا فيما ملكت يمينه وإنما استعمل فرجه في نفسه، فلذلك عد هذا الفعل حراماً، ثم إنه من ناحية أخرى نجد الحديث الشريف الذي يحض على الزواج جاء فيه: «يا معشر الشباب من (1/290)
صفحة 291
فتاوى الصوم
291
استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء»، فترون أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا أولاً إلى الزواج لما فيه من إعفاف النفس بطريق الفطرة والاستجابة لداعيها وإشباع الرغبة وإرواء الغريزة وإسكان شهوة النفس، وما ينبع عن ذلك من الثمرة الطيبة التي هي استمرار النسل وبقاء الحياة إلى أن يأذن الله بانتهائها من على هذه الأرض، ومن تعذر عليه الزواج لعدم توفر المؤونة التي تمكنه منه فإنه يؤمر أن يعدل إلى الصيام، ولم يشر النبي صلى الله عليه وسلم إلى إرواء هذه الغريزة بهذه الطريقة الشاذة، لما فيها من الشذوذ ومنافاة الأخلاق الفاضلة، ولما فيها أيضاً من آثار نفسية سلبية، إذ استعمال هذه العادة كثيراً ما يفضي بالإنسان إلى أمراض نفسية واضطرابات وعدم استقرار، بل وإلى أمراض جسدية أيضاً، فلذلك لا يجوز للإنسان أن يمارس هذه العادة، أما حكمها في نهار رمضان فهي المواقعة، بل لو استمنى الإنسان بطريقة مباحة: وذلك بأن يستمني عن طريق
بمثابة
زوجته من غير أن يباشرها مباشرة تامة لكن بأن تمارس معه أسباب إخراج المني لكان ذلك حكم المواقعة وعلى هذا فإن من وقع منه ذلك في نهار رمضان فعليه أن يتوب إلى الله تعالى، وعليه أن يقضي ذلك اليوم، وعليه بجانب ذلك أن يكفر كفارة الصيام وهي عتق رقبة فإن لم يجد فليصم شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فليطعم ستين مسكيناً، والله تعالى أعلم.
فتاة روعت أختها وهي آمنة، هل يؤثر ذلك على صيامها؟ إن روعتها متعمدة من غير أن يكون هنالك سبب شرعي لهذا الترويع، فهذا مسلما مما يدخل تحت قوله: «من روع روعه الله»، وهذا يدلُّ على أنها
معصية متوعد عليها، وما توعد عليه فهو كبيرة وما كان كبيرة فهو ناقض
للصيام. (1/291)
صفحة 292
292
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
ما قولكم في مصافحة المرأة الأجنبية في نهار رمضان هل تبطل الصيام
أم لا؟
نحن لا نستطيع أن نقول بإبطال الصيام، ولكن نقول بأن مصافحة المرأة الأجنبية أمر جاء التشديد فيه في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لأن يطعن أحدكم بمخيط من حديد في رأسه خير له من أن يمس امرأة ليس له عليها سبيل، وشدد أصحابنا فيما إذا كان نظره إليها بشهوة وأولى إذا كان مته لها بشهوة أن يكون ذلك مفطراً بناءً على أن الصيام يقتضي أن يمتنع الإنسان من مواقعة أي شيء من محارم الله، عملاً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس الله حاجة في أن يدع
طعامه وشرابه».
عن المعاصي وتأثيرها في الصوم؟
بناء على قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا صوم إلا بالكف عن محارم الله»، وقوله: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، فالكبائر تنقض الصيام، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ،
أما الصغائر فلا نقوى على القول بأنها ناقضة، والله تعالى أعلم. (1/292)
صفحة 293
فتاوى الصوم
ما لا يفسد الصوم
293
هل يجوز الشرب أثناء أذان الفجر والمؤذن لم ينته بعد؟
لا عبرة بالأذان، بل العبرة بانشقاق الفجر فإن كان الأذان عند انشقاق الفجر فلا يجوز لأحد أن يشرب، أما إذا كان الأذان قبل الفجر، كأن يؤذن قبل الفجر بساعة فلا عبرة بالأذان، لأن الله الا الله قال: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187]، فقد ناط سبحانه إباحة الأكل والشرب بتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.
ما قولكم في امرأة أكلت حبوباً في أيام رمضان، وأذن المؤذن لصلاة الفجر في ذلك الوقت؟
إن أكلتهن قبل انشقاق الفجر فلا حرج عليها، أما إذا كان الفجر قد انشق فتبين لها ذلك فلتعد صيام يومها.
في بعض الأحيان يقوم الشخص بتغسيل العين بمادة تنظف العين
لاستخدام العدسة اللاصقة فهل يؤثر ذلك على الصيام؟
إن كانت تلك المادة تلج إلى الحلق ثم إلى جوف، فما وصل إلى الجوف فهو مفطر وإلا فلا. (1/293)
صفحة 294
294
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
هل يصح للصائم أن يفطر قبل الأذان إذا جاء وقت الإفطار؟ الإفطار منوط بالليل، فالله تعالى يقول: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ [البقرة: 187]، فإذا حضر الوقت جاز الإفطار أذن المؤذن أو لم يؤذن، أرأيتم لو أخر المؤذن الأذان إلى وقت العشاء أكان على الناس لازماً أن ينتظروا إلى حضور وقت العشاء.
إذا تقيأ الصائم فهل له أن يفطر يومه ذلك على أن يقضيه بعد ذلك؟ القيء غير المتعمد لا ينقض الصوم، فمن قاء لم يلزمه قضاء يومه، أما إن تعمد القيء أو تعمد أن شيئاً منه إلى فيه، فعليه أن يعيد صيام ذلك
يرجع
اليوم، ولكن لا يباح له الفطر.
إذا كانت المرأة الحامل تتقيأ كل يوم في أيام رمضان، هل يبطل الصوم؟ القيء غير مُبطل للصوم، إنما يُبطل الصوم أن يتعمد الإنسان التقيؤ، بإدخال إصبعه في حلقه أو نحو ذلك، أما من ذرعه القيء أي أتاه من غير أن يتسبب له أو يستجلبه فإن صيامه صحيح، فما على هذه المرأة الحامل إلا أن تتم صومها، والله تعالى يتقبل منها.
هل بلع الريق يبطل الصيام؟ بلع الريق إن لم يتحلل فيه شيء لا يبطل الصوم، أما إن مازجه شيء. كأن يمازجه دم أو طعام أو غير ذلك فإن ذلك يؤدي إلى بطلان الصوم إن تعمد الإنسان بلعه.
امرأة تشتكي من خروج الدم من بين أضراسها باستمرار، وعندما تنام يتسرب شيء منه إلى حلقها مما تضطر إلى عدم النوم في نهار رمضان، فما حكمها؟ (1/294)
صفحة 295
فتاوى الصوم
295
لا عليها أن تنام، ولا يلزم أن يتسرب الدم إلى الحلق عندما تنام فقد يعصمها الله تعالى من ذلك، ولئن وقع ذلك من غير اختيار بل اضطراراً فإن الله تعالى لا يؤاخذها بما وقع عليها اضطراراً، وإنما عليها أن تحترس إمكانها فحسب، والله تعالى أعلم.
مع
ما حكم نزول بقايا الطعام من بين الأسنان للجوف في نهار رمضان؟ يُؤمر الإنسان بأن يُخلل أسنانه حتى لا تبقى فيها بقايا لئلا يتسرب شيء منها، أما إن ترك ذلك من غير إهمال بل كان غافلاً فلم يُرَع إلا وحبة من طعام ولجت إلى الجوف بدون اختياره فذلك يُعد أمراً غالباً ولا يمكن دفعه، هذا إن كان غير مهمل كما قلنا، أما في حالة الإهمال فلا
يعذر.
رجل مبتلى في أغلب يومه بخروج دم من بين أسنانه ماذا عليه أن يفعل، حيث لا يقدر إلا أن يخرج ريقه طوال الوقت فهو يحاول قدر المستطاع وحتى في نومه أن يضع بعض المناديل الورقية بحيث لا يدخل شيء في جوفه ما حكم ذلك؟ الله تبارك وتعالى لم يكلف عباده بما فيه ضيق عليهم، ومن القواعد الفقهية أن الشيء إذا ضاق اتسع وإذا اتسع ضاق، فهو إذا ضاق اتسع حكمه وإذا اتسع ضاق حكمه، فيباح للإنسان في حالة الاضطرار ما لا يباح له في حالة الاختيار، فإن كان بإمكانه أن يحترس من ذلك فليحترس وإن تعذر عليه الاحتراز فالله تعالى لا يكلفه ما لا طاقة له به لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا اتنهَا} [الطلاق: 7]. (1/295)
صفحة 296
296
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
امرأة خلعت سناً واستمر النزيف إلى اليوم التالي، فما حكم صيامها؟ النزيف لا يؤثر شيئاً على الصوم، وإلا لأثرت الاستحاضة، مع أن الاستحاضة غير ناقضة للصيام، والله تعالى أعلم.
ينبغي
صائم يعاني من وجود البلغم في حلقه طوال النهار، ليس نخامة غليظة ولا ريقاً كالذي يخرج من حلق الإنسان وهو يحاول أن يتنحنح ولكن
إن حاول إخراجه كل مرة سيقع في حرج كبير، إذ يكون ذلك همه طول النهار، وماذا إذا ابتلعه مع إمكانية أن يطرحه؟
ما
أن نفرق بين حالة الشدة وحالة الرخاء وبين حالة الضيق وحالة السعة، وهذه المسألة مختلف فيها من أساسها، لأن العلماء اختلفوا في إذا عارض الإنسان وهو في صلاته أو في صيامه شيء من ذلك، فمنهم من قال بأن كل ما نزل من الرأس أو صعد من الصدر ينقض الصلاة والصيام جميعاً إذا ابتلعه وكان قادراً على إخراجه لأن المصلي ليس له أن يتناول شيئاً مما يدخل جوفه وهذا أدخل جوفه شيئاً غير الريق الطبيعي، وكذلك من كان في صيامه، ومنهم من قال ما صعد هو الناقض، بخلاف النازل من الرأس، ومنهم من قال بعكس ذلك أي ما نزل من الرأس هو الناقض، ومنهم من قال أن ما نزل من الرأس ينقض الصلاة دون الصيام وما ارتفع من الصدر ينقض الصيام دون الصلاة، ومنهم من قال عكس ذلك، أما الريق فلا يستطيع أن يتخلص منه إلا إذا كان مشوباً بدم، ففي هذه الحالة ليس له أن يولجه إلى جوفه وكذا إن كان مشوباً بمادة أخرى، والذي نراه في حالة السعة ينبغي التشديد في هذا الأمر، وفي حالة الضيق فإن المشقة تجلب التيسير، ومن القواعد الفقهية عند بعض الفقهاء أن الأمر إذا ضاق اتسع وإذا اتسع ضاق، والله تعالى أعلم.
أن (1/296)
صفحة 297
فتاوى الصوم
297
هل قلع الأسنان يفطر الصائم؟
لا يفطر قلع الأسنان إن لم يبتلع دماً، والله أعلم.
بعد صلاة الفجر في يوم من أيام رمضان الكريم انتابتني حمى وكحة فوضعت بعض المسكنات (مرهم) على صدري وبعد وضع ذلك المرهم أحسست بأن رائحته دخلت في حلقي، فماذا عليّ في صيام ذلك اليوم، هل الصيام صحيح أم لا؟
هذا لم يضعه في فيه ولا أنفه ولا عينه، وإنما وضعه على صدره، وإنما سرت الرائحة إلى الحلق فليس عليه حرج إن شاء الله.
هل العيدان التي تستخدم لتنظيف الأذن تفطر أم لا؟
إدخال الإنسان إصبعه في فيه أو أنفه أو أذنه أو عينه غير مفطر، فللإنسان أن يتمضمض ويدخل إصبعه لينظف أسنانه أثناء مضمضته من غير أن يؤثر ذلك على صيامه، وكذلك له أن يدخل إصبعه في خياشيم أنفه في حال استنشاقه ولا يؤثر ذلك شيئاً على صيامه، وكذلك لو أدخل إصبعه في عينيه لما كان ذلك مؤثراً على صيامه، بل للإنسان أن يستاك، فالنبي صلى الله عليه وسلم روي عنه بأنه كان يستاك بالأخضر واليابس وهو صائم، وجاءت الرواية مرغبة في السواك قبل الوضوء وقبل الصلاة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال كما في حديث أبي هريرة: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة وعند كل وضوء، ولم يكن ذلك مؤثراً على الصيام قط، وإنما كره بعض العلماء السواك من بعد الزوال ليفطر الإنسان على خلوف فيه لئلا تذهب الرائحة الحاصلة من أثر الصوم، ولكن الصحيح بأنه لا يكره السواك سواء قبل الزوال أو بعده، سواء كان بالرطب أو باليابس، وقد جاء في الرواية عن عمر بن الخطاب رضي الله (1/297)
صفحة 298
298
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا
الجزء الأول
تعالى عنه أنه قال للنبي: هششت فقبلت وأنا صائم. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت أن لو وضعت في فيك ماءً ثم مججته أكان ذلك ناقضاً لصومك؟» قال له: لا. قال: ففيم إذن». ومعنى هذا أن النبي علم عمر له قياس مقدمة للجماع على المضمضة التي هي مقدمة للشرب فكما
القبلة التي هي أن المضمضة التي هي مقدمة للشرب لا تفطر الصيام فكذلك القبلة، هذا مع أن الأذن غير موصلة إلى الجوف - إن كانت أذناً سليمة ـ لأن هنالك ما يسد وصول أي شيء إلى الجوف ما لم تكن الطبلة مخترقة، فالإنسان قد يضع ماءاً في أذنه ويبقى فترة طويلة حتى إذا قام وجد ذلك الماء على حاله لم ينزل منه شيء إلى داخل أذنه، وهذا مما يدلُّ على أن الأذن غير موصلة إلى الجوف، وعلى هذا فلا حرج من وضع قطور فيها فضلاً عن أن ينظفها بعيدان ونحوها، فإن ذلك لا يؤثر على صيامه قط، والله تعالى أعلم.
أذنه أثناء الاستحمام؟
هل يضر الصائم إذا دخل ماء في الأذن غير موصلة إلى الجوف حسب ما قرر الأطباء، إلا إن كانت الطبلة منخرقة، أما إن لم تكن الطبلة منخرقة فلا يصل إلى الجوف من خلال
الأذن شيء.
هل يجوز قص الأظافر في نهار رمضان؟
لا مانع من قص الأظافر وإزالة الشعر المعتاد في نهار رمضان، ولا يؤثر
ذلك في الصيام.
هل تنقض السباحة في نهار رمضان؟
السباحة لا تنقض الصوم سواء سبح الإنسان في حوض أو في نهر، وسواءً
ارتمى هو في الماء أو كان الماء يخر عليه. (1/298)
صفحة 299
فتاوى الصوم
299
ما حكم من ينفخ البخور وهو صائم؟ وما حكم من يضع اللبان في
دورات المياه، إذ يقول البعض بعدم الجواز لأنه بخور الأنبياء؟
إن لم يدخل في حلقه من البخور في حال صومه شيء فلا حرج عليه، ولا مانع من تبخير دورات المياه باللبان ودعوى أنه بخور الأنبياء لا دليل عليها، وهب ذلك صحيحاً فإن الماء أيضاً شراب الأنبياء، فهل يحرم إدخاله دورات المياه والتطهر به، والله أعلم.
ما حكم البخور في نهار رمضان؟ إن كان لا يلج إلى الخياشيم والفم شيء منه فهو غير ناقض، وذلك أن تصل رائحته من غير أن يلج شيء من بخاره أو دخانه إلى الخياشيم، أما إن وصل شيء إلى الخياشيم وولج إلى الجوف فحكمه حكم التدخين من حيث نقضه للصيام، لأن الصيام ينتقض بكل ما يصل إلى الجوف.
ما حكم التطيب والكحل وقص الأظافر في رمضان؟ كل ذلك جائز، فالتطيب لا بأس به ما لم يلج شيء منه إلى الجوف من طريق الفم أو الحلق، والكحل لا يمنع لأنه جامد وليس سائلاً فلا يتحلل ويصل إلى الجوف ولو بواسطة الدمع، وأما قص الأظافر وإلقاء التفث في نهار رمضان فهو مباح كسائر الأيام، والله تعالى أعلم.
هل يجوز الاكتحال في شهر رمضان؟ لا مانع من ذلك، لأن الكحل غير مائع بخلاف المائعات التي تجري بواسطة القناة الدمعية وتصل إلى الحلق. (1/299)
صفحة 300
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
هل يجوز الكحل في العين واستنشاق رائحة العطر في نهار رمضان؟ أما الكحل فلا يمنع، لأنه وإن كانت في العين قناة دمعية تفضي في النهاية إلى الحلق، إلا أن الكحل غير سائل فلا ينتقل إلى الحلق بسهولة، بخلاف السوائل والدواء المر الذي يوضع على العين فيحس مباشرة بالمرارة في حلقه، أما
الطيب فلا ينقض صيام الصائم ولا يمنع من أن يستخدمه أو أن يشمه.
امرأة استخدمت العطر وهي صائمة فأحست منه بشيء في حلقها،
فماذا عليها؟
إن كانت لم تقصد ذلك وإنما وصل إلى حلقها خطأ، وحاولت أن تتنحنح وتبصق بعد ذلك لإخراج آثار ذلك العطر الذي وصل إلى حلقها فأرجو أن لا يكون عليها حرج إن شاء الله.
هل يصح للصائم أن يفطر بالطعام المعالج بالنار؟
ليس في ذلك حُرمة، ولا يؤثر ذلك على الصيام في شيء، إنما يُؤمر الإنسان أن يأكل تمرات أو فاكهة إن لم تحضره تمرات، أو يشرب ماء إن لم تحضره تمرات ولا فاكهة في بداية فطوره، حتى لا يبدأ بطعام مسته النار كما جاء ذلك في سُنَّة النبي الله، وهذا من أجل المحافظة على الصحة، فإن المعدة عندما تكون غير مشتغلة بطعام وارد من قريب، ثم يرد إليها طعام مسته النار فقد يكون مؤثراً عليها.
أنا امرأة متزوجة وزوجي يعاني من بعض الأمراض، هل يجوز لي التكشف عليه في نهار رمضان، وما حكم صيامي، علماً بأنه كبير في السن ولا يستطيع قضاء أموره لوحده؟ (1/300)
صفحة 301
فتاوى الصوم
301
لا مانع من أن تقومي بخدمته بل أنت مأجورة على ذلك، ولا يؤثر ذلك على الصيام بل ولو لم يكن هنالك عذر ولا ما يدعو إلى هذا كأن يكون الزوج صحيحاً لا يشكو مرضاً ولا ضعفاً فإن رؤية المرأة لزوجها على أي حال لا ينقض صيامها، فلو أبصرته عارياً لما كان ذلك ناقضاً لصيامها، بل ولو وقعت يدها على شيء من سوأته لما كان ذلك ناقضاً لصيامها، وإنما ينقض الصيام مما يكون بين الزوجين الجماع وحده، والله تعالى أعلم.
امرأة تراعي والدتها المسنّة والضعيفة جداً، هل يجب عليها قضاء أيام رمضان التي اضطرت فيها إلى التكشف على والدتها؟ لا يلزمها ذلك، وليس ذلك من الدين في شيء، بل هو من المغالاة في الدين، إذ قيامها ببر والدتها أمر مفروض، ورؤيتها لما لا يحل لها أن تراه حالة الاختيار إنما هو لأجل الضرورة، ولا يؤاخذ الله تعالى الناس بما
في
يضطرهم إليه.
لدينا رجل معوق ومتخلف عقلياً، فهل يجوز لزوجة أبيه أن تتكشف عليه عند استحمامه، علماً أن والده غير موجود في المنزل بصفة دائمة، فهل يبطل صومها؟
لا بطلان للصوم بذلك، وليس عليها حرج إن لم تجد من يقوم بشأنه، وإنما تتفادى النظر إلى عورته بقدر استطاعتها.
إذا جلس الشخص بجانب شخص يدخن هل يفطر ذلك أم لا؟ مما يؤسف له أن الناس الذين اعتادوا التدخين اعتادوا سوء الأخلاق والعياذ بالله فهم لا يبالون في الإضرار بغيرهم، مع أن التدخين ليس مضراً بالمدخن وحده فحسب بل هو مضر بمن يجلس حوله، وينبغي (1/301)
صفحة 302
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
للإنسان أن يتفادى الجلوس مع المدخنين في كل وقت من الأوقات لما يسببه ذلك من الضرر، ويتأكد ذلك إن كان صائماً، لئلا يلج إلى حلقه شيء من الدخان الذي يخرج من أفواه المدخنين أو الذي ينبعث من السجائر، ولكن مع تفادي دخول ذلك في الأنف أو الفم فإنه لا يتأثر صيامه بذلك، والله تعالى أعلم.
ما حكم مصافحة غير المسلم في نهار رمضان؟
لا تؤثر مصافحة غير المسلم في نهار رمضان ولا في ليله شيئاً على الصيام، فإن المصافحة ليست طعاماً يتناوله الإنسان والمسلم مأمور بأن يظهر للناس جميعاً الوجه الحسن والمعاملة الطيبة، فلذلك لا يمنع من مصافحة
غير المسلم.
منذ ما يُقارب من أربعة وعشرين عاماً كنت مرضعةً لطفلة، وكنت في رمضان فشعرت بعطش شديد نتيجة الإجهاد والتعب ونتيجة لأعمال شاقة قمت بها فشربت كوب ماء، فما حكم ذلك؟
إن كان الشرب لضرورة بحيث أحسست بتعب شديد وإرهاق بالغ لا تتحملينه لو لم تشربي فلا مانع من شربك، الله تبارك وتعالى أحق أن يعفو ولا سيما أنك مرضعة.
طهرت امرأة بعد صلاة العصر في شهر رمضان، فهل تمتنع عن الأكل
والشرب أم لا؟
الراجح
أن لا تمنع من الطعام والشراب لأنها لم تبدأ ذلك اليوم بصيام ولم
يكن واجباً عليها صيامه، والله أعلم. (1/302)
صفحة 303
فتاوى الصوم
الجنابة والجماع في رمضان
303
امرأة أرادت الاغتسال من الجنابة في شهر رمضان لكنها سمعت أذان تبدأ بصب الماء على جسدها، ولم تكمل الاغتسال بعد،
الفجر وهي فماذا يلزمها؟
رخص بعض أهل العلم في ألا يلزمها القضاء إن كانت أدركت غسل رأسها وفرجها قبل طلوع الفجر، وإن كانت لم تدرك غسلهما فعليها قضاء يومها، والله أعلم.
امرأة وطئها زوجها في نهار رمضان. ما الحكم إذا وافقته أو لم توافقه؟ بئس ما فعل وعليه التوبة والقضاء والكفارة، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، أما هي فإن كان أجبرها بحيث لم تطاوعه قط ولكنه غشيها كرهاً فليست عليها كفارة وعليها قضاء يومها، وإن كان ذلك بموافقة منها له ومطاوعة فعليها ما عليه من التوبة والقضاء والكفارة، والله أعلم.
شخص صام شهرين متتالين كفارة عن تركه الصلاة وفي أحد أيام هذين الشهرين نام على جنابة على نية أن يقوم قبل أذان الفجر ولكن هذا الشخص لم يقم إلا عند شروق الشمس؟
الذي نعتمده القول بعدم وجوب الكفارة على من ترك الصلاة لعدم إتيان (1/303)
صفحة 304
304
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
ما يدلُّ على ذلك، ولكن بجانب ذلك نستحب لهذا الإنسان محافظة على صيامه أن يعيد صيام يومه.
هل هناك حدود للمداعبة بين الزوجين في نهار رمضان؟
هذه المسألة تختلف فيها أحوال الناس باختلاف طبعهم، فمن الناس من هو شهواني تستثار شهوته لأتفه سبب من الأسباب، ومنهم من يقدر على ضبط نفسه ويتحكم في عواطفه وغرائزه ولذلك ينبغي ن يختلف الحكم باختلاف الناس، وهذا معنى ما رُوي عن ابن عباس لا أنه أتاه سائل فسأله
أن
عن القبلة للصائم فرد عليه بالجواز وأتاه آخر فرد عليه بالمنع، مع السؤال عن نفس المسألة، ولوحظ أن الذي أفتاه بالجواز كان شيخاً والذي أفتاه بالمنع كان شاباً، وذلك لأن الشباب مظنة هيجان الغريزة فلذلك حرص على منعه، وأما الشيخ فإن غريزته وعاطفته أكثر برودة ولذلك يتسامح فيه ما لا يتسامح في غيره، مع أنه قد يوجد شواذ في الشباب وشواذ في الشيوخ والنبي صلى الله عليه وسلم كان يُقبل وهو صائم كما جاء ذلك في حديث عائشة، ومثل ذلك أيضاً في حديث أم سلمة، ولكن كما قالت أم المؤمنين عائشة: إنه كان أملك لإربه» بخلاف عامة الناس فإنهم لا يملكون آرابهم كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يملك إربه، ولذلك ينبغي للإنسان ولا سيما من كان يعرف من نفسه هيجان الشهوة أن يتجنب ذلك وإن كان بخلاف ذلك فلا مانع ولكن مع هذا كله فهنالك مساحة واسعة للاحتياط ينبغي للإنسان أن لا يحوم حولها، والله أعلم. (1/304)
صفحة 305
فتاوى الصوم
القضاء والإطعام والكفارة
305
امرأة أفطرت في نهار رمضان عمداً، ماذا يلزمها في ذلك؟ عليها التوبة والقضاء والكفارة وهي عتق رقبة فإن لم تجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم تستطع فإطعام ستين مسكيناً.
شخص لم يصم رمضان عدة سنوات وبدون عذر شرعي، فكيف تتسنى له التوبة والتكفير عن تلك المعصية؟
عليه أن يتوب إلى الله الا الله توبة نصوحاً، وأن يأخذ في قضاء ذلك الصيام الذي أفطره، وأن يكفر عن ذلك، وأقل ما في ذلك كفارة واحدة، ويقضي الصيام بحسب وسعه، ولو أن يقضي في كل عام شهراً واحداً.
تقولون بأن رمضان فرائض، فلماذا يكون القضاء بالتتابع؟ لأن قضاء رمضان مقيس على الأصل وهو رمضان، ولأن الروايات التي تفيد التتابع أقوى من الروايات التي تفيد عكس ذلك.
هل يشترط أن يكون قضاء أيام شهر رمضان متتالياً؟
يشترط التتابع في قضاء رمضان على القول الصحيح، وإن كانت المسألة فيها قولان بدلائل روايات متعددة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما يستثنى من ذلك إذا كان هنالك عذر كمرض أو سفر أو نحو ذلك. (1/305)
صفحة 306
306
ما هي
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
الأمور التي تقطع التتابع في قضاء الصيام أو صيام الكفارة؟ يباح للحائض والمريض ترك التتابع إن شق عليه، أما السفر فهو مبيح للفطر في غير صيام الكفارة أما في صيام الكفارة فلا على المشهور وكذلك صيام النذر، والله أعلم.
حالة إصابة المرأة بمرض ولا تستطيع قضاء الصيام متتابعاً، فهل
يصح لها الصيام مفرقاً؟
نعم لأجل هذه الضرورة، والله أعلم.
هل يجوز للمرأة صوم قضاء رمضان في شهر شعبان؟
نعم، وهكذا كان صنيع أم المؤمنين عائشة لنا فكانت تؤخر صيام القضاء إلى شهر شعبان لأجل أن يتفق صومها مع صوم النبي، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان أكثر ما يصوم في شعبان.
امرأة حاضت في شهر رمضان وعندما انتهت مدة الحيض وفي آخر يوم من أيامها صامت ذلك اليوم دون أن تغتسل واغتسلت ليلاً، فهل يعتبر ذلك اليوم ديناً عليها يجب قضاؤه؟ هل رأت الطهر في النهار، أو في الليل؟ فإن كانت رأت الطهر بعدما أصبحت فإنها لا تطالب بصوم ذلك اليوم وإنما تطالب بقضائه، وأما إن كانت رأت الطهر قبل الصبح فعليها أن تغتسل وعليها أن تصبح فإن فرطت في الاغتسال فقد فرطت في الصلوات وفي الصوم لأنها لا لها أن تصلي ولا أن تصوم إلا مغتسلة، فعليها أن تقضي صلواتها وصيامها مع التوبة إلى الله من تفريطها ولا تلزمها الكفارة لأجل الشبهة.
يصح
صائمة، (1/306)
صفحة 307
فتاوى الصوم
307
فتاة اغتسلت من خمسة أيام في رمضان وفي اليوم السادس صامت وقبل صلاة المغرب أتاها شيء من الصفرة وأيضاً في اليوم السابع تكرر عندها نفس الشيء ولكنها تابعت صومها ولم تغتسل، وقضت خمسة أيام ولم تقض اليومين الآخرين؟ إن كانت رأت الطهر بعد الخمسة الأيام واغتسلت وكانت هذه هي عادتها. لم تكن لها عادة من قبل فإنها لا تلتفت إلى هذه التوابع لأن التوابع حكمها حكم ما قبلها.
إن عدتي سبعة أيام ولكن في شهر رمضان جاء الحيض سبعة أيام ثم اغتسلت، وبعدما اغتسلت رأيت في اليوم الثامن والتاسع توابع فأفطرت
في هذين اليومين، فما الحكم في إفطاري فيهما؟ خطأ وعليك أن لا تعودي لمثل ذلك، وعليك قضاء الصلوات التي تركتها في هذين اليومين وكذلك الصوم.
هو
امرأة أفطرت ثلاثة أيام من أول رمضان وأفطرت سبعة أيام من نهايته، وأرادت أن تقضي هذه الأيام كيف تقضيها هل كلها مرة واحدة أم تفرقها؟ إن أمكنها أن تقضيها مرة واحدة قضتها مرة واحدة، وإلا فالأيام الأولى تقضيها مجتمعة، ثم تقضي الأيام الأخرى بعد ذلك مجتمعة، والله تعالى أعلم.
هل يجوز قضاء أيام الصيام على فترات متقطعة، فمثلاً حاضت امرأة عشرة أيام في رمضان، فهل يجوز صيامها في فترات متقطعة؟ القول الذي نعتمده ونأخذ به أن القضاء يجب فيه التتابع كما يجب في الأداء، ولكن إن كان هناك ضرورة داعية كمرض أو ضعف لا تستطيع (1/307)
صفحة 308
308
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
المرأة معه أن توالي القضاء متتابعاً فلا مانع من أن تقضيه متفرقاً، ولغير ضرورة عليها أن تقضيه متتابعاً.
عن امرأة كانت تقضي ما عليها من شهر رمضان وفوجئت بالدورة الشهرية فهل عليها أن تستمر بعد اكتمال الدورة الشهرية فوراً أو لها أن
تتأخر؟ قضاء شهر رمضان يجب أن يكون متتابعاً، وبسبب ذلك فإن على المرأة إذا جاءتها الدورة الشهرية وهي في قضاء رمضان أن تواصل بعد انتهاء الدورة فوراً وتبني على ما تقدم، وليس عليها أن
تصوم
ما صامته من قبل.
ذكرت فتاة في أواخر شهر شعبان بأن عليها قضاء يوم ولم تستطع ذلك، فما حكم الشرع في ذلك؟
تصوم
إذا كانت ناسية وذكرته في ذلك الوقت ولم تتأخر عمداً فعليها أن رمضان الحاضر ثم تقضي ذلك اليوم من بعد، أما إذا كانت مهملة فعليها تصوم رمضان وتطعم مسكيناً مكان ذلك اليوم وتقضي بعد ذلك، وإطعام المسكين هو كفارة للإهمال.
أن
امرأة أخرت قضاء رمضان إلى رمضان، آخر فمرت عليها عدد من السنوات
لم تصم
ذلك القضاء، فهل عليها كفارة في القضاء أم ماذا تفعل؟ وأن تطعم عن كل يوم مسكيناً كفارة لتهاونها، والله أعلم.
عليها أن تصوم
امرأة عليها أربعة أيام قضاء رمضان فصامت يومين ثم أفطرت بسبب الدورة الشهرية ثم بنت وصامت اليومين الأخيرين، فهل عليها شيء؟ (1/308)
صفحة 309
فتاوى الصوم
كان عليها أن تصوم القضاء في أيام لا يتخللها الحيض، أما وأنها صامتها حيث كانت تنتظر الحيض ثم بنت على ما صامته بعد طهرها فلا إعادة عليها، والله أعلم.
فتاة عدتها ستة أيام من رمضان وبعد قضاء أربعة أيام أفطرت لأنها تريد الخروج لرحلة مع أهلها ثم أكملت بعد هذا اليوم بقية الأيام فما حكم
صيامها؟
أخطأت في ذلك وعليها ألا تعود لمثله، والله يتقبل منها فيما مضى،
والله أعلم.
امرأة حدث لها نزيف دم في شهر رمضان وهي حامل، فهل يصح لها
أن
تصوم بتلك الحالة، وما القول في صلاتها؟ هذا النزيف ليس من الحيض في شيء، وإنما هو استحاضة تصوم معه المرأة وتصلي إلا أن تكون عاجزة وتتضرر من الصوم، فلها أن تفطر على ما أفطرت في أيام أُخر، والله أعلم.
أن
تقضي
يحدث عند كثير من النساء في رمضان أنها إذا أحست بآلام الولادة في الليل بيتت نية الإفطار وأصبحت فاطرة، بحجة أنها قد تلد في النهار وتضيع عليها اليوم، فهي تأخذ اليوم من أوله ما حكم هذا
التصرف؟
هذا التصرف خاطاء، ولكن لها أن تفطر بسبب المرض إن كانت تعاني تعباً من ذلك، لأن الله تعالى أباح الفطر للمريض مع
القضاء. (1/309)
صفحة 310
310
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
امرأة كانت على وشك الولادة فصامت اليوم الأول من رمضان فقط وأفطرت ستة أيام فما حكم هذه الأيام؟
عليها قضاؤها فقط، لأنها لها أن تفطر إن كان الصيام يشق عليها أو خشيت منه مضرة على نفسها أو مضرة على جنينها، والله أعلم.
والدتي صادفها كثيراً شهر رمضان وهي حامل، فلم تصمه ولم تستطع قضاءه وهي الآن مسنة. هل يمكن دفع فدية قضاء عن هذه الأيام؟ وما قيمتها؟ وهل ندفعها لدار أيتام أم للتبرع لإنشاء مسجد أم إلى ماذا؟ الفدية هي إطعام مسكين عن كل يوم وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مسكين} [البقرة: 184]، وهذا للعاجز عن الصيام، وتعطى للمساكين كما نص عليه القرآن، والله أعلم.
امرأة جاءها دم يشبه دم الحيض وفي موعد انتظارها لقدوم الدورة الشهرية وكانت صائمة في رمضان فأفطرت لذلك، وعندما ذهبت للمستشفى أخبرتها الدكتورة بأنه نزيف، فماذا يلزمها الآن؟
تعيد صيامها والله يتقبل منها، والله أعلم.
ما هو الحكم الشرعي في امرأة لم تصم شهر رمضان في سنتين متتاليتين، وذلك بسبب النفاس، مع العلم بأنه عليها صوم شهر نذر تصوم فيه؟
عليها أن تصومه الأول فالأول إن تركت ذلك لعذر، والله تعالى أعلم.
امرأة بلغت السبعين من عمرها ولم تصم رمضان لمدة عشرين سنة ظناً منها أن الحامل والمرضع لا تصوم، فماذا عليها في هذا السن؟ (1/310)
صفحة 311
فتاوى الصوم
311
عليها أن تتقي الله وأن تقضي ما أضاعته من صيام رمضان، وعليها على الأقل كفارة واحدة، وهي عتق رقبة فإن لم تستطع فصيام شهرين متتابعين فإن لم تستطع فإطعام ستين مسكيناً، وإن عجزت عن صيام الأشهر التي أضاعتها فلتطعم عن كل يوم مسكينا، والله أعلم.
امرأة كانت صائمة قضاء ولكن أصبحت جنباً من غير جماع، وتقاعست عن الغسل مع العلم أنها كانت تعلم بأنها جنب فهل تعيد القضاء من جديد على قولكم بالتتابع وماذا عليها في حالتها هذه؟ ليس عليها أن تعيد من جديد، لأن ذلك لا يزيد عن حكم ما لو أصبحت على جنابة في شهر رمضان فإن عليها أن تعيد يومها فحسب.
ما حكم الإسلام في امرأة عاشت في دولة أجنبية، وأفطرت في شهر رمضان بسبب المرض الذي دام ثلاث سنوات، وعندما عادت إلى الوطن ماتت فهل يجب عليها كفارة؟
جاء في حديث السيدة عائشة عند الشيخين عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه، فليصم عن هذه المرأة أحد أوليائها، وأولادها هم أولى أن يصوموا عنها.
ما قولكم في امرأة طريحة الفراش لمدة خمسة عشر يوماً حتى وافاها الأجل خلال شهر رمضان الفضيل، فهل عليها صيام فترة المرض أم الشهر كله؟ الصيام الذي يجب عليها إنما هو في المدة التي أفطرتها، وبعد انتقالها إلى الدار الآخرة لا يكون عليها شيء من الواجبات، لأنه يرفع التكليف عن الميت بمجرد موته، والله تعالى أعلم. (1/311)
صفحة 312
312
تصم
منه
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
امرأة كانت أُمها مريضة في المستشفى ومضى عليها شهر رمضان فلم شيئاً وبعد خروجها من المستشفى استمرت سبع سنوات تعاني من المرض ولم تقض ذلك الشهر إلى الآن فأرادت أن تقضيه الآن فهل عليها مع ذلك كفارة؟ لا كفارة عليها لأنها عاجزة، فهي معذورة، وعندما يكون الإنسان في مثل هذه الحالة ويجد أن المرض من الصعب الشفاء منه، أو أنه في العادة مرض مستمر فله أن يعدل مع العجز عن الصيام إلى الإطعام، وذلك من تيسير الله تعالى لمن لا يطيق الصيام، والله تعالى أعلم.
امرأة أفطرت في رمضان عشرة أيام بأمر من الطبيب فلم تستطع أن تقضيهن بعد انتهاء رمضان بسبب مرضها فهل تجب عليها الكفارة؟ وما نوعها إذا وجبت؟
هذه المرأة عليها أن تعمل بقول الله تعالى: {وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، فعليها أن تقضي، وأما إذا عجزت عن القضاء
فإنها تدخل في قول الله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينِ [البقرة: 184]، بمعنى وعلى الذين يتكلفونه - بحيث يشق عليهم ـ فدية طعام مسكين، ولكن متى تفتدي؟ تنتظر إلى أن يأتي رمضان آخر فإن استمر عجزها عن الصيام فتفتدي عن صيام رمضان الماضي، فإن مَنَّ الله عليها بالعافية من بعد فلتقض وإن استمر مرضها لا قدر الله فإن الفدية تجزيها، والله تعالى أعلم.
رجل هلك بعد صراع مع المرض وقد أفطر من رمضان خمسة عشر يوماً، هل يجب على الورثة قضاؤها؟ وإذا كان يجب عليهم هل يجوز (1/312)
صفحة 313
فتاوى الصوم
313
تقسيم
الخمسة عشر يوماً بينهم وهل يجوز لهم التأجير بصيام هذه المدة وهل يجوز لهم إطعام المساكين وكم مسكيناً عن هذه المدة والمبلغ المستحق؟
أما التأجير فهو وإن وجد في كتب الفقهاء لم ترد به سُنَّة، إذ لم يرد في السنة النبوية أنه يصوم أحد عن أحد إلا القريب عن قريبه كما في رواية عائشة: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه»، وعلى هذا فهؤلاء يؤمرون بأن يصوموا عن ميتهم، ولا نقول بالوجوب اللهم إلا إن وجب ذلك على الميت، بحيث تمضي عليه مدة يمكنه فيها الصيام، كأن يكون عوفي من مرضه ولكن تأخر عن المبادرة بالقضاء حتى عاد إليه المرض مرة أخرى ومات، أما في هذه الحالة المذكورة في السؤال فيرجى له العذر، ولكن كان يجب إن كان له مال في حياته أن يقدم فدية إلى المساكين بحيث يُطعم مسكيناً عن كل يوم، وقد اختلف العلماء فيما إذا مات الإنسان وعليه حق مالي يتعلق بماله، أو بذمته وليس حقاً للمخلوقين بل هو حق الله تعالى ولم يوص به، هل يجب على الورثة أن يخرجوه من ماله أو أن ذلك لا يجب؟، والراجح الوجوب، بدليل حديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: فاقضوا فدين الله أحق بالقضاء فكلمة أحق تدل على التفضيل، ولأن كان حق الله مفضلاً على حق المخلوقين فأولى أن يُراعى تقديمه لا أن يسقط إن كان لم يوص به الميت فإن كان حق المخلوقين فأولى أن يُراعى تقديمه لا أن يسقط إن كان لم يوص به الميت، فإن كان حق المخلوق يخرج من ماله أوصى به أو لم يوص، فكيف يتساهل في حق الله الذي نصَّ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه أحق بالقضاء؟ وعلى هذا فإن كان الورثة سيقومون بالصيام - وهذا أمر فيه خير - فالفقهاء قالوا بأنه يوزع بينهم بحسب ميراثهم إن لم يتحمله أحدهم، أما إن تحمله أحدهم (1/313)
صفحة 314
314
المرأة تسأل والمفتي يجيب -
الجزء الأول
فذلك خير، فمن كان له السدس مثلاً من الميراث يتحمل صيام سدس تلك الأيام، ومن كان له الثلث فكذلك، ومن كان له الربع فكذلك وهكذا ولكن تقدم النساء لما يعتريهن من الأحوال الطبيعية التي تمنعهن من القيام بالصيام في بعض الأيام.
امرأة أفطرت يوماً من رمضان لشدة العطش في الصحراء وهي في بداية سن البلوغ وقد أطعمت ستين مسكيناً عن طريق دفع مبلغ ستين ريالاً فهل هذا جائز إن كان عليها كفارة أصلاً؟
إن كانت لم تفطر إلا وهي مضطرة فلا كفارة عليها، وإنما عليها القضاء، فإن الله يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَنكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185]، فالله الا الله لم يكلف عسيراً وإنما كلف سيراً، لذلك لا تجب الكفارة على من أفطر مضطراً، ومن هنا كان ترخيص الله تبارك وتعالى للمسافرين والمرضى أن يفطروا في نهار رمضان وأن يقضوا فيما بعد وهكذا كل مضطر يعطى هذا الحكم، وإن كانت غير مضطرة فالكفارة عليها واجبة وهي الترتيب على الصحيح ولكن إن أخذت بالقول الآخر توسعاً فلا تكلف إعادتها، والله تعالى أعلم.
امرأة صامت نافلة وأثناء نهار صومها أصيبت بتعب فأفطرت، هل يلزها قضاء ذلك اليوم؟
في وجوب إعادة صيام النفل، خلاف، ومن رخص استدل برواية «صائم النفل أمير نفسه، فلا عليها إن أخذت بهذا الرأي، وإن أرادت الاحتياط فذلك خير، والله أعلم. (1/314)
صفحة 315
فتاوى الصوم
315
فيمن يصوم قرب عيد الأضحى الكفارة ويفصل العيد في هذا الصيام، هل يتجاوز أيام التشريق أم يصوم بعد العيد مباشرة؟
ليس له أن يصوم مع القاطع، بل عليه أن يؤخر الصيام إلى ما بعد العيد وبعد أيام التشريق، فيبدأ الصيام في وقت لا يمنعه مانع من مواصلة صيامه فيه، لأن صيام الكفارة يشترط فيه تواصل الصيام من غير أن يتخلله فاصل
إلا إن كانت ضرورة لا محيص عنها كمرض ونحوه، والله أعلم.
خلال الشهرين لو أنه أفطر متعمداً في يوم من الأيام ماذا عليه؟
عليه أن يبدأ الصيام من جديد.
وهل تلزمه النية في كل يوم؟
ذلك مختلف فيه بناءً على الاختلاف في النية هل تجب في أول الصيام أو تجب لكل ليلة، وسبب الاختلاف هو هل كل يوم هي فريضة مستقلة أو الشهر - مثلاً في شهر رمضان - كله فريضة، والنية هي القصد بالقلب وليست باللسان.
فتاة بدأ حيضها في سن مبكر فعندما أتى شهر رمضان منعها أبوها من الصوم، باعتبار أنها صغيرة علماً بأنها تعيش مع أبيها فقط، فاستحيت
أن تخبره فلم تصم ذلك الشهر، فما حكم ذلك وما يتوجب عليها؟ عليها القضاء والتوبة والكفارة والكفارة هي عتق رقبة، ـ والرقبة لا توجد الآن - فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً. وبئس الأب الذي يمنع ابنته من فريضة واجبة عليها، ولو قدرنا أنها غير بالغة مثلاً، فإن عليه أن يدربها على أداء الواجبات، فكيف يمنعها من وهي تريد بنفسها الصيام، فقد عرض ابنته للوقوع في المعصية.
ذلك (1/315)
صفحة 316
316
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
امرأة أفطرت في شهر رمضان وكان عمرها اثنا عشر سنة، فما الحكم؟ لا تخلو إما أن تكون بلغت الحلم أو لم تبلغه فإن كانت بلغت الحلم فهي متعبدة بما تعبد به كل بالغ عاقل، وإن كانت لم تبلغ الحلم فهي لم تتعبد بعد بالتكاليف الشرعية، والذي نأمرها به احتياطاً أن تصوم ذلك اليوم قضاء وأن تستغفر الله تعالى مما أقدمت على فعله وأن تكفر، والكفارة هي عتق رقبة إن وجدتها فإن لم تجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم تستطع فإطعام ستين مسكيناً، ونسأل الله تعالى القبول والعافية.
امرأة بدوية ألزمها خالها برعي الغنم وسحب الماء من البئر فلم تستطع الصوم وقتاً من الزمن ومنذ أن بلغت إلى أن صامت فوتت أربعة رمضانات، ثم توفيت المرأة بعد أن أخبرت ابنتها بذلك، فما الذي يجب على البنت للتكفير عن والدتها فيما ضيعت؟ يا ليت هذه المرأة تداركت أمرها وهي في حياتها، وقضت ما كان لازماً عليها من صيام الشهر بنفسها، ولكن بما أنها أفضت إلى ربها فالله الله هو يتولى أمرها، إلا أنه مما ينبغي للبنت أن تصوم عنها إن قدرت لحديث
عنه
عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعاً: من مات وعليه صيام صام وليه». وإن شاءت أن تطعم عن كل يوم مسكيناً عنها فذلك خير، وإن أرادت أن تحتاط أكثر فتكفر عنها على الأقل كفارة واحدة فذلك أسلم، وفي هذه الحالة تكون الكفارة عنها إطعام ستين مسكيناً لأنها لا تجد الرقبة وأما الصيام فلأن المرأة التي يكفر عنها غير موجودة فلا مانع من أن يطعم عنها مقدار ستين مسكيناً كما هو الواجب في الإطعام في الكفارة، والله تعالى أعلم. (1/316)
صفحة 317
فتاوى الصوم
317
ما حكم من وجبت عليها كفارة صيام شهرين ولكنها الآن ترضع وتخشى الضرر إن صامت ولا تنتهي مدة الرضاع إلا بعد سنة هل يجب عليها الآن، وإن أرادت أن تتعجل في أداء ما عليها هل يجوز لها أن تطعم ستين مسكيناً بدلاً من الصيام؟ إن كانت الكفارة منوطة بالصيام فعليها أن تصوم ولو بعد حين، وإنما تؤخر
هذا
ذلك إلى فراغها من هذا الشاغل إلا عندما تكون غير راجية للفراغ من الشاغل بحيث إنها لو خرجت من الرضاع تتوقع الحمل وتستمر هكذا أحوالها فلا تستطيع الصيام، ففي هذه الحالة لها العذر أن تطعم ستين مسكيناً فيما يجوز فيه الإطعام، والله تعالى أعلم.
من العادات التي انتشرت بين الناس عن كفارة صيام الشهرين المتتابعين يصوم الناس يومان وليلة بدون إفطار اختصاراً للشهرين، فما حكم
ذلك؟
هذا من فعل أهل البدعة وليس ذلك من الحق في شيء.
يقول البعض بأن المرأة إذا بلغت سن اليأس فإنها تصوم شهرين متتابعين ككفارة؟
الكفارة لا تجب إلا بسبب يترتب حكمها على وجوده، أما بدون مسبب فلا تجب فالكفارة المغلظة تجب إما بسبب الظهار كما نص عليه في كتاب الله، وكفارة الظهار هي عتق رقبة فمن لم يجد فعليه صيام شهرين متتابعين فمن لم يستطع فعليه إطعام ستين مسكيناً، أو بسبب قتل النفس خطأ سواء كان المقتول مؤمناً أم مشركاً غير حربي بحيث يكون بينه وبين المسلمين عهد وذلك على قول بعض أهل العلم وهو من معنى آية القتل الخطأ، (1/317)
صفحة 318
318
فعليه
من
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
وكفارة القتل هي عتق رقبة مؤمنة فمن لم يجد فعليه صيام شهرين متتابعين هذا وقد نصت السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام على أن من انتهك حرمة صيام رمضان بفطر متعمد فعليه أن يعتق رقبة فإن لم يجد أن يصوم شهرين متتابعين فإن لم يستطع فعليه إطعام ستين مسكيناً، أما أن يلزم أحد غير هؤلاء بشيء من هذا الصيام من غير بينة ولا دليل شرعي فذلك مما لا نستطيع أن نقوله فإن الإنسان ليس له أن يشرع حكماً تلقاء نفسه، إن الله تعالى يقول: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَوا شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ} [الشورى: 21]، فالكفارات إنما تُثبت بالنصوص، ولذلك نحن نقتصر على ما جاء به النص سواءً أكان هذا النص نصاً قرآنياً أو كان حديثاً نبوياً على صاحبه أفضل الصلاة والسلام، أما أن يفرض الإنسان من تلقاء نفسه ما لم يفرضه الله وما لم يفرضه رسول الله صلى الله عليه وسلم فذلك أمر فيه حرج كبير، على أنه لا يُمنع الإنسان ذكراً كان أو أنثى أن يحتاط لدينه خشية أن يكون قد وقع منه شيء من موجبات الكفارات ولكن من غير أن يكون دائناً بأن ذلك واجب عليه أو واجب على غيره من الناس وإنما يأتي به على سبيل الاحتياط، والله تعالى أعلم.
امرأة توفي أبوها وعليه قضاء رمضان فأرادت أن تصوم إلا أن زوجها رفض، فماذا تصنع؟ إن كان الزوج سيدفع الفدية بدلاً من الصيام فقد أحسن وأجاد، ولتطع زوجها، والله تعالى أعلم.
شخص أقرض شخصاً آخر مائة ريال وذلك الشخص فقير وله عائلة كبيرة فهل يجوز أن يعتبر هذه المائة عن كفارة يتنازل عنها لذلك
الشخص؟ (1/318)
صفحة 319
فتاوى الصوم
319
أما الكفارة فلها أوصاف، فهي لا تُعطى لشخص واحد، اللهم إلا أن تكون فدية يستحقها ولو مسكين واحد كأن تكون فدية صيام، لأن الصيام كل يوم منه مستقلة، فيمكن للإنسان أن يجمع الفدية الواجبة عليه في خلال ثلاثين يوماً ويدفعها لمسكين واحد، على أن كثيراً من هذه الكفارات لا يُخير الإنسان فيها ما بين العتق والصيام والإطعام بل كثير منها يجب فيه العتق ثم الصيام إن لم يجد ما يعتق بعد الصيام الإطعام ككفارة الظهار وكفارة الصيام، وأما كفارة القتل فليس فيها إطعام إنما هي ما بين العتق والصيام على الترتيب، بحيث لا ينتقل من وجبت عليه من العتق إلى الصيام إلا مع تعذر العتق عليه، وكفارة اليمين هي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة، ففيها التخيير ما بين هذه الأمور الثلاثة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، فلا بد في الكفارة من مراعاة العدد ففي كفارة الظهار والصوم لا بد من إطعام ستين مسكيناً لمن عجز عن الصيام، وعلى هذا فلا يمكن أن تكون هذه المائة كلها كفارة لشخص واحد، إذ العدد لا بد من
اعتباره، وإلا فما معنى تحديد الشارع لها العدد؟. (1/319)
صفحة 320
320
الاعتكاف
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
ما معنى الاعتكاف؟ وأين يتم وهل يجوز أثناءه الأكل؟
الاعتكاف هو ملازمة المسجد، وهو مأخوذ من عكف بالمكان بمعنى أقام فيه أو عكف على الشيء بمعنى لازمه، والفعل اعتكف يدل على المبالغة لأن أفتعل يأتي بمعنى فعل لأجل تأكيده، ولذلك يقول كثير من علماء العربية بأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، والاعتكاف الشرعي هو: ملازمة المسجد في وقت محدود، ويشترط له عندنا وعند جماعة من أصحاب المذاهب الأخرى الصيام، فلا يجوز لأحد أن يعتكف وهو غير صائم، وعلى هذا فإن أقل مدة يجوز فيها الاعتكاف هي من قبل طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وإن أراد أن يُكمل اليوم كله، فليدخل قبل غروب الشمس ليواصل اعتكافه إلى أن تغرب الشمس في اليوم التالي، فيكون قد اعتكف يوماً وليلة، وإن أراد اعتكاف عدة أيام فيدخل قبل غروب الشمس من الليلة التي أراد أن تكون أول اعتكافه، ويستمر بعد ذلك إلى غروب شمس آخر يوم قصد فيه الاعتكاف فمن قصد اعتكاف العشر الأواخر تأسياً برسول الله الله فليدخل في معتكفه قبل غروب الشمس من اليوم العشرين ليكون في ليلة الحادي والعشرين ـ التي هي أول ليلة من الليالي العشر الأخيرة من رمضان - داخل معتكفه، ويستمر على ذلك إلى (1/320)
صفحة 321
فتاوى الصوم
321
أن يرى هلال شوال. واستحب بعض العلماء له أن يبقى في معتكفه إلى أن يصلي الفجر صبيحة يوم العيد، والاعتكاف يُباح فيه الأكل لأنه من ضرورات الحياة فلو منع الإنسان أن يأكل في معتكفه، فكيف سيفعل في العشر الأواخر أيبقى طوالها غير آكل لشيء، وهل يستطيع الحياة بذلك؟ ولكن تمنع فيه مواقعة النساء وجميع مقدمات الوقاع كالقبلة ونحوها، فإن كان المعتكف رجلاً فعليه أن يعتزل أهله وكذلك إن كانت المعتكفة امرأة عليها أن تمتنع من الوقاع في خلال هذه الأيام، ومقدمات الوقاع ـ كما قلنا ممنوعة، لئلا تجر إلى الوقوع فيما هو أعظم منها وهو الوقاع، والدليل على حرمة الوقاع قوله تعالى: {وَلَا تُبَشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ا [البقرة: 187]، هذا وقوله الله في المَسجِدِ دليل على أن المساجد هي أماكن الاعتكاف، وإنما رخص للمرأة إن كانت لا تجد مكاناً خاصاً لائقاً بها في المسجد تعتكف فيه بعيداً عن الرجال، أن تخصص مكاناً في بيتها من أجل الذكر والصلاة لتعتكف فه، فيكون ذلك المكان مصلى تصلي وتذكر الله تبارك وتعالى وتتهجد وتتلو كتاب الله فيه، حتى تنتهي الأيام التي نوت اعتكافها، والله تعالى أعلم.
ما هو فضل الاعتكاف؟
إن النفس البشرية وهي تواجه هذه الحياة ومشكلاتها وتحدياتها وتخوض غمارها وتتلطخ بأدرانها جديرة بأن تحرص على الانغماس في أنهار الطهر حتى تخرج من هذا العالم وما فيه من التناقضات إلى عالم آخر مليء بالأنوار الربانية وبالإشراقات الروحانية، ولذلك شرع الله الله عبادات تجعل الإنسان موصولاً بربه، إذ يترك وراء ظهره هموم هذه الدنيا وأوزارها، ولا ريب أن الإنسان كلما كان أكثر حرصاً على الاتصال بالعالم الأخروي (1/321)
صفحة 322
322
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
وعلى الصلة بربه الله كان ذلك أدعى إلى رسوخ إيمانه وقوة يقينه وتوقد عزيمته، وقوة ملكاته التي يواجه بها تحديات هذه الحياة، فلذلك جعل الله الله أوقاتاً يقضيها الإنسان في عبادة الله تعالى وذكره، بحيث يتجرد فيها عن هموم الدنيا وتبعاتها ويشتغل بذكر ربه الله والدار الآخرة، ليكون ذلك تخليصاً له من هذه التبعات الدنيوية، وليكون له في ذلك تزيد من الزاد الأخروي الذي يتزوده للقاء ربه الله، وهو زاد التقوى الذي يقول فيه
ألف شهر، من
الحق الله وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَتأُوْلِي الْأَلْبَبِ [البقرة: 197]، ومن أجل ذلك شرع الاعتكاف، والاعتكاف لا ينحصر في وقت معين کشهر رمضان وحده، وكالعشر الأواخر من شهر رمضان، ولكن العشر الأواخر بما أنها مظنة لليلة القدر هي أولى بأن يحرص فيها الإنسان المسلم على الاعتكاف، لأن خيرها خير عظيم فهي خير من ا حرم خيرها فقد حُرم، فالإنسان الذي تمر عليه هذه الليلة المباركة وهو متجرد من هموم الدنيا مقبل على الله الا الله بقلبه وقالبه وبجسمه وروحه وبعقله وفكره وبضميره وغرائزه وبكل ما احتواه كيانه لا ريب أنه يكون رابحاً خير هذه الليلة أكثر من غيره، وهذا التجرد إنما يكون بالاعتكاف في مساجد الله تعالى التي هي بيوته في أرضه ومتنزل رحماته، والأفق الذي يشرق منه نوره هذا الاعتكاف يؤدي بالإنسان إلى أن يكون قوي الصلة بالله الله أكثر فأكثر، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على الاعتكاف في جميع سني عمره بعدما فرض عليه صيام شهر رمضان، ومن المعلوم أن ليلة القدر هي في تضاعيف ليالي الشهر الكريم، ولكن الله تعالى أخفاها لحكمة بالغة، وذلك ليشتغل الإنسان بالعبادة في جميع ليالي الشهر حتى يربح خيره، فإنه لو كان عارفاً بهذه الليلة أي ليلة من ليالي الشهر لأدى به
ذلك إلى التقاعس عن القيام بالعبادة في سائر الليالي، فلذلك جعل الله يا الله
وتعالى (1/322)
صفحة 323
فتاوى الصوم
323
الجمعة
إخفاءها أمراً فيه رحمة بالعباد، كما أُخفيت ساعة الإجابة من يوم والصلاة الوسطى من بين الصلوات الخمس، والنبي صلى الله عليه وسلم في بادئ الأمر كان يعتكف ـ كما جاء عنه ـ في العشر الأولى فأتاه جبريل فأخبره أن الذي تطلب أمامك، فاعتكف العشر الوسطى، ثم أتاه فقال له: إن الذي تطلب أمامك فاعتكف العشر الأخيرة، وظل يعتكف العشر الأواخر حرصاً على هذا الخير العظيم وتحسُّباً لهذه الليلة المباركة التي هي خير من يدور ببال كل أحد أن الاعتكاف لا يعني البقاء في المسجد
ومما ينبغي
أن
ألف شهر،
فحسب، إذ البقاء في المسجد وحده من غير أن يكون الإنسان موصولاً بربه الله لا قيمة له، وكثير من الناس قد يأتون إلى المساجد ويبقون فيها أوقاتاً ولكنهم يفوتون أجورهم، وذلك لأنهم يشغلون أوقاتهم بذكر الدنيا وأمورها ويحولون أسواق الدنيا إلى المساجد، مع أن المساجد إنما هي أسواق البضاعة الأخروية وليست أسواق البضاعة الدنيوية، فالإنسان إن كان معتكفاً في المسجد وهو يقضي سحابة نهاره في التحدث بأمور الدنيا والاشتغال ببعض القضايا التي ربما أدت به إلى الوقوع في المعاصي فذلك لا ريب أنه يُحبط أجر اعتكافه، بل يعود بالأوزار بدلاً من أن يعود بالأجور، وهذا أمر فيه خطر عظيم، فلذلك نحن نوصي إخواننا الذين يقضون أوقاتهم في الاعتكاف أن يحرصوا على أن يقضوها في ذكر الله الله، بحيث يكونون بين صلاة وتلاوة القرآن ودعاء وابتهال إلى الله وتعلم للعلم النافع وتعليمه، فإن ذلك من القربات التي ترفع منزلة الإنسان.
كم
أقل مدة للاعتكاف؟
القول الذي نأخذ به أن أقل موعد للاعتكاف هو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، نظراً إلى أن الاعتكاف لا بد فيه من الصيام على القول (1/323)
صفحة 324
324
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا
الجزء الأول
الصحيح عندنا، وهو قول جماعة من علماء المذاهب الإسلامية الأخرى، ولما كان لا بد فيه من الصيام فأقله وقت يكون فيه الإنسان صائماً من أوله إلى آخره وذلك لا يتأتى في أقل من حين طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فيدخل معتكفه قبل انشقاق الفجر ويخرج بعد غروب الشمس.
يود بعض المعتكفين أن يستحم وأن يغتسل في ملاحق المسجد فهل يخرج ليغتسل غير الاغتسال الواجب في الملاحق هذه؟ وكيف إذا ما أراد أن يتسوك؟ إذا كان هذا الاغتسال لأجل النظافة التي لا بد منها فلا حرج في ذلك، لأن الإنسان مطالب بأن يتنظف، فعندما يخرج لقضاء حاجته يغتسل في ذلك الوقت بحيث يستنجي ثم يغتسل ويعود، وهكذا السواك، لأن السواك سُنَّة.
إنسان نوى أن يعتكف خمسة أيام ثم بدا له بعد ثلاثة أيام أن يقطع
الاعتكاف لينصرف في عمل ضروري، فهل يجوز له ذلك؟ أما العمل الضروري فإنه يقطع اعتكافه من أجله، واختلف العلماء في وجوب قضاء الاعتكاف فقيل يجب عليه أن يقضي ما تبقى من أيامه وقيل: لا يلزمه القضاء، ونحن نختار له أن يأخذ بالأحوط، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في شهر شوّال اعتكافه الذي فاته في شهر رمضان.
هل هناك ضرورات تبيح للمعتكف أن يخرج من معتكفه؟ نعم، والضرورة التي لا خلاف فيها حاجة الإنسان، وأما ما عداها فالناس مختلفون فيه بين التوسيع والتضييق، وروي عن ابن عباس لا بأنه خرج من معتكفه لأجل قضاء حاجة أحد إخوانه من المسلمين. (1/324)
صفحة 325
فتاوى الصوم
325
ما
هي
مفسدات الاعتكاف؟
الاعتكاف يفسده الوطء، وقد قال العلماء بأنه تجب الكفارة إن وطئ في اعتکافه ولو ليلاً كما تجب الكفارة إن وطئ في نهار رمضان، لأن الله تعالى شدد في ذلك في القرآن حيث قال: {وَلَا تُبْشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَكِفُونَ في الْمَسَجِدِ} [البقرة: 187]، وكذلك عندما يخرج الإنسان من اعتكافه لغير داع ولا ضرورة تُلجئه إلى الخروج يكون بذلك قد أفسد اعتكافه.
هل هناك صفة معينة للمسجد الذي يعتكف فيه الإنسان؟
المسجد الذي يعتكف فيه المعتكف هو المسجد الذي تقام فيه الصلوات الخمس في جماعة، أما إذا كان المسجد لا تقام فيه صلاة الجماعة فهذا يؤدي إلى أن يلزم المعتكف فيه أن يخرج، ولا ينبغي له أن يخرج، لأن هذا الاعتكاف، فلذلك لا بد من أن يكون المسجد الذي يعتكف فيه
يتنافى مع تقام فيه صلاة الجماعة، وإن كانت تقام فيه صلاة الجمعة فذلك أفضل وأفضل، حتى لا يخرج لأداء صلاة الجمعة إلى خارج المسجد، ولكن لا يُمنع إن كان المسجد الذي اعتكف فيه لا تقام فيه صلاة الجمعة، بحيث لم يتيسر له الاعتكاف في الجامع أن يعتكف حيث تقام الصلوات الخمس وإذا جاء وقت صلاة الجمعة خرج إليها وبعد أداء فرضه عاد إلى معتكفه.
كيف يقسم المعتكف وقته في المسجد؟ يكون المعتكف بين صلاة وذكر الله تبارك وتعالى وتلاوة لكتابه ودراسة للعلم وتدريس له، وهذا لا يمنع أن يأخذ قسطاً من الراحة فإن الإنسان يطالب أن يريح جسمه، فللجسم حق عليه، ومن حقه أن يريحه بالنوم، إذ لو أرهق نفسه بحيث قضى وقته كله في العبادة من غير أن ينام ولو قليلاً لأدّى ذلك إلى أن (1/325)
صفحة 326
326
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
ينقطع به السير، والمنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى، لأنه لا يصل إلى مكان وإنما يزهق نفسه التي هي بمثابة مطيته، ولذلك ينبغي للمعتكف الذي يعتكف في شهر رمضان المبارك أن يأخذ قسطاً من الراحة بحيث ينام في أوائل الليل بعد صلاة التراويح ليستعد للتهجد، فإن صلاة التهجد صلاة حرية بأن يُحافظ عليها، وقد قال ابن عباس: إن صلاة التهجد أفضل من صلاة التراويح لأن فيها مشقة ولأنها تصادف الثلث الأخير من الليل، الذي هو مظنة استجابة الدعاء ورفع الدرجات وتحقيق الأمنيات وقد أثنى الله تعالى على المستغفرين بالأسحار، وبعد صلاة الفجر ينبغي له أن يتلو ما تيسر من كتاب الله فإذا جاء وقت الضحى صلى صلاة الضحى، ثم بعد ذلك لا حرج عليه في قراءة كتب العلم ككتب الفقه والتفسير والحديث حتى ولو اشتغل بتأليف شيء من الكتب وهو في معتكفه فإن ذلك لا يتنافى اعتكافه، لأن مع هذا الاشتغال نفسه عبادة وقربة إلى الله تعالى وكذا لو كان يجيب على الفتاوى وهو في معتكفه، أو كان قاضياً وارتفع إليه الخصوم وهو في معتكفه فإنه يفصل ما بينهم، لأن ذلك من القربات إلى الله تعالى، إذ إيصال ذي الحق إلى حقه من القربات التي تقرب الإنسان إلى الله الا الله، ويأخذ في النهار أيضاً من الراحة بقدر ما يريح جسده، كما يحافظ على الدعاء أدبار الصلوات وفي وقت السحر وفي الأوقات التي هي مظنة الإجابة كآخر ساعة من يوم الجمعة، فإن في يوم الجمعة ساعة يستجاب فيها الدعاء، والعلماء مختلفون فيها إلى نحو خمسين قولاً، ولعل أكثرهم يرجح أنها آخر ساعة، وهذا من باب الترجيح فحسب، إذ لا دليل يقطع بذلك لأنها أخفيت، وكذلك إن كان المعتكف عنده قدرة على تعليم العلم النافع وتوجيه الناس إلى الخير وقيامه بذلك فإن ذلك مما يُطلب منه ومما يعد من القربات التي تقربه إلى الله، ويجب عليه أن يتجنب إقحام أمور الدنيا في إهتماماته وهو في معتكفه، فإن
قسطاً (1/326)
صفحة 327
فتاوى الصوم
327
ذلك يؤدي به إلى أن يقع في المحظور وإلى أن يخسر أكثر مما يعود بشيء من الريح فلا يوازي ربحه خسارته. والله المستعان.
كيف يكون اعتكاف المرأة؟
أو ألا يربح
نساء النبي صلى الله عليه وسلم كن يعتكفن في مسجده، وكن ينصبن خياماً فيه من أجل الاعتكاف، وبإمكان المرأة الآن أن تعتكف في المساجد التي فيها أماكن
مخصصة للنساء.
كيف وأين يكون اعتكاف المرأة؟
الأصل في الاعتكاف أن يكون في المسجد، فإن كان في المسجد قسم مخصص للنساء فليكن اعتكافها في ذلك القسم، وإن لم يتيسر لها ذلك أن تعتكف في مكان تخصصه في بيتها كغرفة تكون خاصة من أجل قيامها بذكر الله تبارك وتعالى فيها وقيامها بتلاوة كتابه والتقرب إلى الله تعالى بالصلوات وغيرها، والله تعالى أعلم.
فلا حرج
إذا اعتكفت المرأة في بيتها ولكنها تضطر إلى إعداد الطعام لزوجها وأبنائها، فهل يؤثر ذلك على اعتكافها؟
إن تعذر أن يُوجد من يقوم بهذا العمل الذي لا مناص عنه فإنه يتسامح فيه، أما إن وجد غيرها ليقوم به فإنها يلزمها أن تلزم معتكفها وأن لا تخرج عنه.
كيف تعتكف طالبة العلم، وهل لها أن تذهب للدراسة ثم تعود لتعتكف
في بيتها؟ ذهب أكثر العلماء إلى أن المعتكف لا يخرج من معتكفه إلا للضرورة، وقد كان الرسول الله عندما يعتكف لا يخرج إلا لحاجته الضرورية، ومن العلماء (1/327)
صفحة 328
328
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا
الجزء الأول
من ترخص، فبعضهم ترخص في تشييع الجنائز إذا كانت جنازة يتولى المعتكف تشييعها ومنهم من ترخص أيضاً في عيادة المرضى، ومنهم من ترخص في غير ذلك من الأمور، فعلى رأي المرخصين فإن للإنسان أن يخرج من معتكفه لما لا بد له منه، ومن بين ذلك ما إذا كان يخرج لطلب علم هو بحاجة إليه على أن يرجع فوراً إلى معتكفه بعد ذلك، أما المتشددون فيمنعون من ذلك، وهؤلاء آخذون بالأحوط، لأن هذا هو مسلك الرسول صلى الله عليه وسلم وإن لم يصرح بمنع الخروج لغير ذلك، وهديه فيه تعليم لأمته ما يفعلونه في عبادتهم التي وردت الأدلة فيها بطريقة إجمالية، ومن ناحية أخرى فإن الاعتكاف هو افتعال من عكف على وزن فعل وافتعل يأتي بمعنى فعل لأجل تأكيد مضمونه، والعكوف، ملازمته، فعكف على هذا الشيء بمعنى لازمه، واعتكف بمعنى بالغ في ملازمة الشيء بحيث صار أبلغ في الملازمة، فمعنى الاعتكاف بموجب دلالة هذه الكلمة نفسها أن يكون الإنسان ملازماً لمسجده، وإذا كانت المرأة تعتكف في بيتها فإنها تكون ملازمة لذلك البيت. والله تعالى أعلم.
هل هناك من بأس في استعمال الهاتف النقال في المسجد وخاصة
بين
بالنسبة للمعتكف، حيث سمعنا أن الاتصال عبارة عن معاملة المتصل والشركة وهل يؤثر على الاعتكاف خاصة أن من يستعمله يرغب بالاتصال بأهله لطلب الطعام وغيره من الطلبات التي قد يحتاجها الإنسان في حالة اعتكافه أو وجوده في المسجد؟ قبل الإجابة على هذا السؤال أريد أن أنبه على ما يجب من احترام المسجد. فمما يؤسف له أننا كثيراً ما نكون صافين في الصلاة متوجهين إلى الله تعالى وإذا بهذه الهواتف النقالة تزعجنا من هنا وهناك وكأننا في مكان فيه ضوضاء (1/328)
صفحة 329
فتاوى الصوم
329
ينبغي
وجلبة، وبعض هذه الهواتف فيها أصوات موسيقية كأننا في حلبة موسيقية نسمع فيها الكثير من الأصوات الصاخبة، وهذا أمر يزعج المصلين ولا أن يفعله الناس فما لهؤلاء الذين يأتون إلى بيوت الله سبحانه يأتون بهذه الهواتف النقالة وهي مفتوحة ويتركونها كذلك لتزعج الناس وتشغلهم عن الصلاة، مع أن في الصلاة شغلاً، فإن صلاة الإنسان تعني إقبال العبد على ربه وتركه هموم الدنيا وجميع مشاغل النفس، ولكن مع الأسف الشديد هؤلاء الذين لا يقدّرون للصلاة قيمتها، ولا يعرفون منزلتها عند الله الا الله لا يبالون بهذا، وهذا أمر يجب أن يتنبهوا له، وأما إن كان لمجرد طلب حاجة من غير أن يترك الهاتف شغالاً ليزعج الناس في المسجد فلا مانع منه، وأما أن يعقد الصفقات مع هذا أو هذا وهو في هذا أو هذا وهو في المسجد فذلك غير جائز، وإنما يتحدث في الهاتف في غير أوقات الصلاة بقدر ضرورته فحسب، والضرورة تقدر بقدرها. (1/329)
صفحة 330
330
ليلة القدر
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
سماحة الشيخ هل يمكن أن تبينوا لنا فضل ليلة القدر، ومتيى يمكن
للمسلم أن يتحراها؟
إن الله الله يرفع درجات من يشاء، ويفضل ما يشاء على ما يشاء، فهو يفضّل الناس بعضهم على بعض، ويفضّل الرسل الذين هم صفوة الناس أنهم
وخاصتهم بعضهم على بعض كما نصَّ على ذلك القرآن الكريم مع جميعاً مصطفون أخيار بلغوا من درجة الكمال البشري ما لم يبلغه غيرهم، وكذلك فضل الله الله بعض الأمكنة على بعض كما هو واضح في تفضيله حرمه الآمن، وتفضيله المكان الذي بارك حوله وهو المسجد الأقصى وما حوله، وهذا مما دل عليه القرآن الكريم، كذلك فضل الله بعض الأزمنة على بعض، وقد يكون المفضل على غيره منه ما هو أفضل من غيره، فشهر رمضان کله شهر فضيل لأجل ما جعله الله الله فيه من البركة والخير، كما ينبيء بذلك قوله سبحانه: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185]، ولكن ليلة القدر هي (1/330)
صفحة 331
فتاوى الصوم
331
مفضلة على سائر ليالي الشهر ولذلك بلغت من كمال الفضل ـ وهو كمال المخلوقات ـ ما لم تبلغه ليلة أخرى ولا زمان آخر، وناهيكم أن الله يا الله سماها ليلة القدر وسماها ليلة مباركة، فقد قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَرَكَةً إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مرسلينَ} [الدخان: 3 - 5]، وتسميتها بليلة القدر يوحي بمكانتها وعظمتها، فإن القدر هو الشأن، فهي ليلة شأنها عظيم وشأوها جليل لا يعلم مداه إلا الله الله وقد أنزل الله اسال الله سورة بأسرها تدل على فضلها وميزتها وشرف
تعالى
وعلو شأنها، يقول سبحانه: {إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَنَكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ نَنَزِّلُ الْمَلَيكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ سَلَمُ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر: 1 - 5]، فقد جعلها الله الا الله خيراً من ألف شهر من الشهور التي ليست فيها ليلة قدر، فمن يعمل الصالحات في هذه الليلة ويجتهد بالتقرب إلى الله الا الله يكون قد أحرز من الفضل مثل ما يحرزه لو عمل ذلك في كل ليلة من ليالي ألف شهر، وهذا فضل عظيم لا يزهد فيه من عنده مثقال ذرة من عقل، وهذه الليلة أخفاها الله تعالى في تضاعيف هذا الشهر الكريم كما أخفى الله سبحانه ساعة الإجابة من الجمعة، وذلك من أجل أن يجتهد الناس في الدعاء في جميع ساعات الجمعة، وكذلك أخفى الله الا الله كثيراً من الأشياء عن عباده لأجل أن
يوم
يوم
يجتهدوا، ومن ذلك أن الإنسان لا يدري متى يموت، لأجل أن يكون في كل لحظة من لحظات العمر متهيئاً للقاء الله موطناً نفسه للانتقال من هذه الدار الفانية إلى الدار الآخرة الباقية، وكذلك قيام الساعة أمر لا يعلمه إلا الله فكذلك ليلة القدر هي إحدى ليالي الشهر الكريم، أخفيت حتى لا يتكل الناس عندما يعرفونها فيعملوا الخير فيها وحدها ويدعوا عمل الخير في سائر الشهر، بل هم مطالبون بأن يتسابقوا إلى الخير في هذا الشهر (1/331)
صفحة 332
332
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الأول
الكريم، وأن يضاعفوا جهودهم فيه أكثر مما كانوا يفعلون في غيره. والنبي صلى الله عليه وسلم أريها، ولكن خرج ليخبر بها أصحابه فتلاحى رجلان فرفعت أي رفع علمها عنه صلى الله عليه وسلم ـ فلذلك قال على أثر ذلك: «فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر». فهي تلتمس في العشر الأواخر لا سيما الليالي الأوتار، وهي ليلة الحادي والعشرين والثالث والعشرين والخامس والعشرين والسابع والعشرين والتاسع والعشرين، ولقد شاع عند عوام الناس وجهلتهم أن في هذه الليلة أشياء تبدو للناس فيتراؤونها بحيث تنقلب الأحوال رأساً على عقب، وقد تصور بعض العوام والجهلة أن الأشجار تتحول في هذه الليلة المباركة عن طبيعتها ويرى الناس ذلك، وكذلك تصوروا أن كثيراً من الأشياء تنقلب عن سننها المعهودة، وتصوروا أن هذه الليلة عندما يكاشف الإنسان بها فإن كل ما يريده أو يخطر على باله يتحقق له وهذا ليس صحيحاً وإنما فضل هذه الليلة لما ذكره الله الله مما أودعه فيها من البركة حتى كان قيامها بمثابة قيام ألف شهر من سائر الليالي، فلو كانت هنالك علامات ظاهرة كما يقولون لما خفيت تلكم العلامات عمن يقومون ليالي الشهر الكريم جميعاً، فهذه إشاعات لا أساس لها من الصحة، ولربما ظهر لبعض الناس بعض الأشياء كظهور الأنوار بسبب كثرة الملائكة الذين يتنزلون فيها، وهذا أمر لا يكاشف به كل أحد، وإنما على الإنسان أن يحرص على اكتساب خيرها بغض النظر عن ظهور هذه الظواهر وعدمه، وذلك بأن يحييها بالتهجد وذكر الله واستغفاره والتبتل إليه سبحانه وتكرار الدعاء الذي علمه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها عندما سألته ماذا تصنع عندما ترى هذه الليلة فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تقول: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني». والنبي صلى الله عليه وسلم من أجل أن هذه الليلة.
هي (1/332)
صفحة 333
333
فتاوى الصوم
إحدى ليالي العشر الأواخر من الشهر المبارك، كان يحرص على مضاعفة جهده في التهجد في العشر الأواخر، فكان يعتكف فيها وكان إذا دخلت شد مئزره وأيقظ أهله وأحيى ليله ومعنى شده مئزره أنه كان يشمر عن ساعد الجد في العمل، لأن شد المئزر يكون عندما يُقبل الإنسان على عمل شاق، ومنهم من حمل شده مئزره على اجتنابه النساء فهو لا يواقع نساءه بسبب إخلاده إلى الاعتكاف، ومعنى إيقاظه أهله أنه كان يدعوهم إلى التهجد فيأمرهم ألا يناموا إلا بقدر ما يضطرون إلى النوم لأجل أن يشاركوا في الخير ولينالوا من ربحه العظيم ومعنى كونه يحيي ليله تهجداً بحيث يطوي فراشه في الليالي العشر حرصاً على اكتساب هذا الخير العظيم، فهكذا ينبغي للناس.
أنه
يقضي
ليله
هذا وقد اختلف العلماء في ليلة القدر على نحو أربعة وأربعين قولاً، وهذه الأقوال كثير منها لا دليل عليه، فمنهم من قال بأنها ليست من ليالي شهر رمضان رأساً وإنما هي ليلة في سائر ليالي العام، وهذا قول بعيد عن الصواب، لأن الله تعالى قال: إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} مع قوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْوَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ، إلا أن الذين ذهبوا إلى هذا الرأي قالوا إن معنى نزول القرآن الكريم في هذا الشهر الكريم نزول بيان فضله وميزته ومكانته إلا أن هذا القول بعيد عن التحقيق، ومنهم من قال بأنها في العشر الأولى، ومنهم من قال هي الليلة الأولى، ومنهم من قال الثانية ومنهم من قال الثالثة، وهكذا، ومنهم من قال في الوسط ومنهم من قال ليلة السابع عشر، ومنهم من قال ليلة السادس عشر، وهذه الأقوال لا تتفق مع ما دل على الحديث الصحيح إذ أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنها إحدى الليالي العشر الأواخر، والله تعالى أعلم. (1/333)
صفحة 334
334
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
إذا أخذنا بلفظة، الحديث فالتمسوها» هل يدل هذا أن لليلة القدر علامات معينة يستطيع أن يتعرف عليها الإنسان؟ هذه القضية فيها كلام لأهل العلم فأهل التحقيق من المفسرين يقولون إن هذه الليلة لو كانت لها مميزات مادية معروفة لكانت معروفة للناس الذين يسهرون ليالي رمضان ولا ينامون بحيث يمكنهم أن يشاهدوا ما قيل بأنه يتجلى فيها وما يحدث فيها من الأمور الخارقة للعادات، وهذا أمر غير معهود، ولو كان ذلك لاشتهر اشتهاراً عظيماً ولتبين للخاص والعام بحيث تتناقله الألسن جيلاً بعد جيل مع تضافر الدلائل التي تدل عليه، ولكن أنَّى ذلك وهذا لم يحصل، ومن هذا الباب قول عوام الناس بأنه تحدث أمور خارقة للعادات وتنقلب فيها الأمور رأساً على عقب ويشاهد الإنسان فيها الكثير من المشاهد العجيبة وكل ذكر غير صحيح، ومن العلماء من يستند إلى رواية رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ميزة هذه الليلة بأنها ليلة غير ذات قرّ ولا حرّ، أي أن إذا كانت في الليالي الشاتية فهي ليست شديدة البرودة وإنما بردها معتدل، وإن كانت في الليالي الصائفة فهي غير شديدة الحرارة وإنما يكون جوها معتدلاً كما جاء في الحديث أن شمس غدوتها تطلع وهي ذات شعاع والحديث السابق قال العلماء: إن إسناده لا يصح، ومن المعلوم أن هذه الأمور تعود إلى الاعتقاد فلذلك لا يجزم فيها إلا بالدليل القطعي، لأن الجزم لا يكون بالظني فضلاً عن كون الدليل الظني ضعيفاً، ولكن هذا لا يمنع أن يكرم الله الله بعض عباده بأن يرفع عنهم الحجاب فيروا بأبصارهم أنواراً أو يشاهدوا مشاهدات تدلُّ أو ترجح أن هذه الليلة هي أن هذه الليلة هي ليلة القدر ولكن هذا إن وقع يقع للآحاد من الناس ولا يقع لكل أحد، ولما كان هذا
ببصيرتهم (1/334)
صفحة 335
فتاوى الصوم
335
يحدث للآحاد من الناس فلذلك لا يمكن أن يستند إليه بحيث يكون قطعياً يؤخذ به عند الجميع، وإنما يحمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر على معنى التماس أجرها وبرها وخيرها وفضلها، والله تعالى أعلم.
ليلة القدر عندما يقيمها الإنسان هل يقيمها من بداية الليل إلى الفجر أم في أي ساعة من الساعات؟
تعالى
للإنسان أن يأتي بما استطاع فيها من الطاعات، وذلك مما ينبغي له، سواء كان ذلك تهجداً أو تلاوة لكتاب الله أو ذكراً وتسبيحاً لله الله، فإن ذلك كله مما يضاعف، وإنما الصلاة هي الأفضل، لاشتمال الصلاة على تلاوة القرآن وعلى التسبيح والذكر، ولكن لو اقتصر على الذكر أو على تلاوة القرآن لكان في ذلك كله خير له، سواءً كان ذلك في أول الليل أو في وسطه أو في آخره، فإنه يكتب له أجر مضاعف إن كان ذلك في ليلة القدر، إلا أن آخر الليل أفضل لأن وقت السحر وقت مبارك يرفع الله الله فيه الدعاء، ويحقق فيه لعباده الرجاء، ويغفر فيه للمستغفرين، فينبغي للإنسان أن لا يفوته، ولا يلزمه أن يقوم الليل كله من أوله إلى آخره فإن هذا شيء لا يقدر عليه إلا خاصة الخاصة من المسلمين: {وَلِكُلّ دَرَجَتُ مِمَّا عَمِلُوا} [الأنعام: 132]، فمن قام جزءاً من ليلة القدر ضوعف له الأجر كأنما قام ذلك الجزء في ألف شهر فيما عدا هذه الليلة، وإن قام جزءاً أكبر من ذلك ضوعف له بقدر هذه النسبة، وهكذا فيما يفعله من الطاعات والتهجد وذكر الله الله، ومن استطاع أن يقوم الليل كله فإن ذلك خير كبير له، والله تعالى أعلم. (1/335)
صفحة 336
336
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
هل هناك شروط يجب أن تكون في الشخص حتى يكون مؤهلاً لرؤية
ليلة القدر؟
ليلة القدر لا تحتاج إلى رؤية إنما هي ليلة يعيشها الإنسان، فإن كان الإنسان متقياً لربه لالالالالاله قائماً ليله داعياً الله حريصاً على طاعته أحرز فضل ليلة القدر وناله وكل عمل خير يعمله الإنسان في هذه الليلة المباركة يضاعف له، حتى أن من صلى العشاء والغداة في جماعة في هذه الليلة المباركة يكون ذلك من الفضل العظيم الذي يكتب له، لأن الأجر فيها ـ كما قلنا - يضاعف أكثر مما يضاعف في غيرها.
السائل يريدكم أن تحصروا هذه الليلة ليلة القدر) في أقرب ليلتين يمكن للإنسان أن يتحراهما وهل هناك دلالات معينة؟
ليلة القدر كما فهمنا من الحديث عن رسول الله هل هي إحدى الليالي الأوتار صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر من شهر رمضان، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «التمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر». واختلف العلماء كثيراً في تعيينها هل ليلة الحادي والعشرين أو الثالث والعشرين أو الخامس والعشرين أو السابع والعشرين ـ وهو الذي شاع عند كثير من الناس حتى صاروا كأنهم يقطعون به ـ أو ليلة التاسع والعشرين ولم نجد دليلاً يمكن أن يعول عليه في ترجيح كونها إحدى هذه الليالي إلا ما جاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أنه في غدوتها يسجد على ماء، وطين ولما كانت ليلة الحادي والعشرين
نزلت السماء فوكف مسجده له أي نزل ماء الغيث من سقف مسجده على الأرض، فسجد النبي صلى الله عليه وسلم على الماء والطين وأبصر بعض الصحابة رضوان الله عليهم أثر الماء والطين على جبهة النبي صلى الله عليه وسلم وأنفه، فهذا ربما أن هذه الليلة هي ليلة الحادي والعشرين وهذا من باب الظن فقط،
يترجح به (1/336)
صفحة 337
فتاوى الصوم
مع
337
احتمال أن تكون هذه الليلة تنتقل ما بين عام وعام آخر، بحيث تكون في هذا العام ليلة الحادي والعشرين وفي العام الآخر ليلة الثالث والعشرين كما قال بذلك كثير من أهل العلم، وهذا أمر محتمل وليس ببعيد، والله تعالى أعلم.
ليلة القدر تكون في ليلة واحدة يتحراها المسلم فيها، لكننا نحن مثلاً تأخرنا عن البلدان الأخرى يوماً وتأخرنا عن البلدان الأخرى يومين في هذه الحالة إذا كانت في ليلة الحادي والعشرين هل تتكرر معنا ومعهم أم كيف يكون حالها؟ الاختلاف قد يكون بسبب اختلاف المطالع، وقد يكون بسبب الغيم، وليلة القدر ليلة واحدة وهي تسير مع سير الليل، فالليل يبدأ من المشرق وينتهي إلى المغرب، والليلة تبدأ من المشرق وتنتهي إلى المغرب، ففي كل منطقة هذه المناطق تستمر هذه الليلة إلى مطلع الفجر، أما كونها من الليالي الأوتار فقد يكون ذلك حكماً أغلبياً، وقد يكون ذلك حكماً باعتبار أوسط المناطق، والله تعالى أعلم.
من
هل تختص ليلة القدر في أيام معينة فقط كيوم الجمعة أو الخميس؟ لا، لأن الحديث قال: «فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر»، ولم يشر الحديث الشريف إلى أنها تكون في ليلة الجمعة أو ليلة الخميس أو ليلة الاثنين، وإنما أشار إلى أنها في أوتار العشر الأواخر، ولذلك لا تنحصر في يوم معين من أيام الأسبوع.
هل هناك عبادات معينة أو أدعية يحاول أن يمارسها الإنسان تحرياً لهذه
الليلة؟
الإنسان يُؤمر أن يسارع إلى الطاعات والخير والبر، ومن الطاعات التي (1/337)
صفحة 338
338
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
يعني
يسارع إليها قيام هذه الليالي العشر، والنبي الله كان إذا دخلت العشر شد مئزره وأيقظ أهله وأحيا ليله وشد المئزر كناية عن مقابلته الأمر بعزم شديد وبعزيمة متوقدة، فإن من شأن الإنسان إذا أقبل على شيء بعزيمة وكان أمراً عظيماً أن يشد له مئزره، وقيل ذلك كناية عن اعتزاله النساء بحيث لا يميل إلى شهوة الدنيا، وإنما كان يقضي هذه الليالي في العبادة فحسب وكان يحيي جميع هذه الليالي بالقيام في رمضان أما في غيرها فقد كان يقوم وينام، وهكذا ينبغي للإنسان أن يجتهد بقدر مستطاعه ولا ذلك أن الناس جميعاً مطالبون بأن يفعلوا ذلك، إذ هذه الأمور بحسب طاقات الناس ومواهبهم، ولكن على المسلم أن لا يفوت الفرصة بقدر مستطاعه، أما ما يمكن أن يدعو به فإن كل دعاء خير مطلوب، ما لم يدع بقطيعة رحم أو إثم، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما سألته السيدة عائشة ا بماذا تدعو وماذا تقول؟ علمها النبي صلى الله عليه وسلم أن تقول: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني»، فينبغي للإنسان أن يكرر في هذه الليالي هذا الدعاء الشريف وغيره من الأدعية التي يعود خيرها عليه وعلى أسرته وذريته وعلى جميع الأمة، والله أعلم.
ما هو طبيعة الشعور الذي يشعر به المسلم في ليلة القدر؟ المسلم يشعر في جميع أوقاته بأنه مغمور بفضل الله ونعمته وأنه لو وقف كل خلية من خلاياه من أجل شكر الله تعالى على هذه النعم لما استطاع أن يفي بأقل نعمة من هذه النعم، وهذا الشعور يتضاعف في شهر رمضان الكريم بما يشعر به من الصلة بالله تعالى ومن انفتاح الآفاق الروحانية أمامه، وربما تضاعف هذا الإحساس في ليلة القدر المباركة، وجدير بالمسلم أن يتضاعف إحساسه هذا عندما يمثل بين يدي الله للقيام والتهجد
لا عندما يقضي وقته في النوم، والله تعالى أعلم. (1/338)
صفحة 339
فتاوى الصوم
339
هل من يرى ليلة القدر يخبر بها أحد من الناس؟
قالوا بأنه يكره أن يخبر بذلك إذ هي كرامة والكرامة ينبغي للإنسان أن يخفيها وأن لا يخبر بها، وعلى كل فالظروف والأحوال تختلف فربما استدل الإنسان ببعض الآيات والمشاهد التي يراها على أن تلك الليلة ليلة القدر، ويتحدث عن ذلك لا لأجل الإخبار ولكن لأجل الاستدلال فهذا لا مانع منه، ولكن مهما كان عليه أن يحافظ على هذه الكرامة التي وهبه الله إياها وذلك بإخفائها، والله ولي التوفيق.
سماحة الشيخ أنتم ذكرتم أن بعض الناس ربما يكاشفون برؤية أنوار معينة تدلُّ على أنهم صادفوا تلك الليلة فهل معنى هذا أنه من قام تلك الليلة ولم ير تلك الأنوار ولم يكاشف بها أنه لا يعد
مصادفاً؟ بل هو مصادف مهما كان الأمر، إذ لا يعني عدم رؤيته للأنوار أنه غير محرز لفضل ليلة القدر ولا عبرة بما يراه الإنسان وإنما العبرة بحال الإنسان، وبإخلاصه وعمله.
هل من صلّى ليلة القدر ولم يحس بها ولم يشعر بها كما يشعر بها الآخرون، يحصل على نفس الأجر؟
ليلة القدر إنما هي لمن قامها واجتهد في العبادة فيها، إذ تضاعف أجور العبادات للذين يقومون بعبادة الله تعالى فيها أكثر مما هو معهود في غيرها أضعافاً كثيرة، فإن من قامها واجتهد فيها كان كمن قام واجتهد في ليالي ألف شهر من سائر الأيام. ولا يشترط أن يرى علامة تدلُّ
عليها. (1/339)
صفحة 340
340
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
نريد تفسيراً مفصلاً لقوله تعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، هل هناك رابط بين قوله تعالى: {خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ وقوله تعالى: {وَإِن يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} [الحج: 47]، وإذا ما صادف هذه الليلة هل سيحصل على عبادة ألف شهر بما فيها من
المسلم تسبيح وصلاة وما شابه ذلك؟
أما الرابط فلا، لأن ذلك اليوم الذي هو بألف سنة مما يعد إنما هو يوم الموقف ـ أي يوم القيامة، وأما أيام الدنيا فهي غير ذلك، وأما ليلة القدر فقد جعلها الله تعالى خيراً من ألف شهر، وهنالك رواية ـ الله أعلم بصحتها أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أنه كان في الأمم السابقة رجل جاهد في سبيل الله لمدة لأمة ألف شهر لم يضع السلاح ولم يضع حربه، فقد كان مستمراً على الجهاد في سبيل الله فاستقل الصحابة أعمالهم لأنهم رأوا أن أعمارهم قصيرة لا تفي بهذا القدر، فمن ذا الذي ينفس له وينسأ له في أجله حتى يقضي ألف شهر وهي نحو ثلاثة وثمانين عاماً كلها يقضيها في الجهاد، فأنزل الله تعالى تسلية لهذه الأمة لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ، فالله تبارك وتعالى أعطى هذه الأمة هذه الليلة المباركة، وهي خير من ألف شهر للذي يقضيها فى العبادات ويعمل فيها الطاعات لا للذي يلهو فيها ويسرح ويمرح أو يقضيها في المجون واللهو وقول الهجر، فمن عبد الله تعالى فيها واجتهد في العبادة بقدر مستطاعه، فكأنما قام ليالي ألف شهر فضلاً من الله ومنة.
كما نعرف أن الأعمال تضاعف في ليلة القدر، فهل تنطبق هذه المضاعفة على من أحيى ليلة القدر على الباطل أو في معصية الله الله؟
وتعالى
لا ريب أن كل ذي حرمة تكون المعصية في كنفه أعظم إثماً وأشد جرماً، فالمعصية مثلاً في مكة المكرّمة يضاعف وزرها لمكانة حرم الله تبارك (1/340)
صفحة 341
فتاوى الصوم
341
أن
وتعالى، وكذلك المعصية في شهر رمضان يضاعف وزرها بسبب الإنسان يجترئ على الله في الشهر الكريم، وكذا ليلة القدر فإنها يضاعف أيضاً وزرها، فيجب على الإنسان أن يحرص على أن يتفادى المعصية بكل ما يملك من قوة حتى لا يقع فيها.
هذا
بعض الناس يعتبرون ليلة القدر ضرباً من الحظوظ تصيب بعض الناس من غير جهد ولا عمل فإذا وجدوا إنساناً مثلاً قد تحققت له خيرات كثيرة أو إنساناً قد طال عمره يقولون هذا إنسان قام في ليلة القدر أو صادف ليلة القدر.
من كلام العوام، ولا عبرة بكلام العوام إنما فضل ليلة القدر بما يحرزه الإنسان فيها من عمل الخير. (1/341)
صفحة 342
342
مسائل طبية في الصيام
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
من لديه موعد عند الطبيب لتنظيف الأسنان، هل يؤثر ذلك التنظيف
على الصيام؟
لا يؤثر تنظيف الأسنان ولا قلعها على الصوم، إن لم يلج شيء من الدم إلى داخل الجوف، ولكن من باب الاحتياط ينبغي للإنسان أن يقوم بذلك في الليل.
أردت أن أخلع سناً. في نهار رمضان ويسبق ذلك تخدير موضع الألم، فهل يؤثر ذلك على الصوم؟ إن كان تخديراً موضعياً فحسب ولا يلج من المادة التي يكون بها التخدير إلى الجوف شيء فلا يؤثر ذلك على الصوم، وقلع السن إن لم يلج شيء من الدم الذي يخرج بسبب قلعها إلى الجوف لا مانع منه، وليس المحذور وصول شيء إلى الدم وإلا فمن المحتمل أن يصل الماء إلى داخل الجلد من خلال المناسم وأن يستفيد الدم منه عند استحمام الإنسان، وإنما المحذور أن يلج شيء إلى الجوف، وقد قالوا إن الحقن لا يلج منها شيء إلى الجوف إلا الحقنة التي تكون من الدبر ولذلك أفتى جمهور العلماء بأنها مفطرة، وإنما ذهب الإمام أبو نبهان الله بأنها مع الاضطرار إليها لا مانع منها، ولعله بنى رأيه هذا على أن الحقنة في الدبر لا تعد كالأكل، فالمولج ليس هو نفس مولج الطعام ثم إن المادة ليست مغذية، ولكن القول بأن غير المغذي مما يلج إلى الجوف لا يفطر (1/342)
صفحة 343
فتاوى الصوم
343
قول مهجور بل هو محكوم عليه بالشذوذ وعلى كل فإن كانت حقنة توصل إلى الجوف بحسب الطرق المتبعة في وقتنا هذا، فإنها تعد مفطرة، ولذلك يحكم
بتفطير السقاية إن استعملت للمريض وهو في حالة صيام، والله تعالى أعلم.
ما حكم استخدام المعجون المحتوي على مادة الفلوريد قبل الإفطار؟ استعمال المعجون فيه مخاطرة، لأن الإنسان لا يأمن أن يلج إلى جوفه شيء مما يتحلل منه، فالأولى الاحتياط في حالة صيامه، وإن كنا لا نقول بأنه مفطر إن لم يصل إلى الجوف منه شيء.
ما حكم صيام من أجرى عملية غسيل الأذن في نهار رمضان حيث يتم رش قناة الأذن بسائل معين لتنظيفها؟
لا مانع من ذلك، لأن للأذن حواجز تمنع من وصول الماء إلى الجوف، اللهم إلا إن كانت الطبلة منشقة أو مثقوبة، والله أعلم.
هو
عندنا شخص مريض بفشل الكلى يقوم بتغيسلها في كل أسبوع، فما حكم صومه؟
معذور عن الصيام بسبب مرضه لقول الله تبارك وتعالى: {فَمَن كَان مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184]، فليفطر في يوم التغسيل، ثم إن قدر بعد ذلك على القضاء فليقض في يوم آخر، وهذا أمر فيه سعة والحمد لله.
والدتها لديها فشل كلوي وفي رمضان أفطرت ثلاثة أيام ووزعت عن
كل يوم
طعاماً فهل يكفيها ذلك أم تبدل؟
إن كانت قادرة على القضاء فعليها القضاء لقوله تعالى: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ (1/343)
صفحة 344
344
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 184]، وإن كانت غير قادرة فإن ذلك يجزيها لما دلت عليه الآية، والله تعالى أعلم.
هل فطرة العين ناقضة للصيام؟
قناة العين تؤدي إلى الحلق قطعاً، فإن كان أحس بطعم القطور في حلقه فعليه قضاء الأيام التي قطر فيها في عينيه، والله أعلم.
امرأة مصابة بمرض السكري وتتناول العلاج أثناء النهار في أوقات محددة، فماذا تفعل في صيام رمضان؟
إن عجزت عن الصيام وأحست بأن الصيام يضرها؛ فلتطعم عن كل يوم
مسكيناً، والله أعلم.
ما حكم استخدام علاج الربو عن طريق البخاخ في نهار رمضان؟
ريب
البخاخ إما أن يفرز مادة تصل إلى الجوف أو لا، فإن كان يفرز مادة فلا إنه مفطر، وإن كان لا يفرز مادة فهو غير مفطر، وحضرنا دورة من دورات الفقه الإسلامي وقد حضرها بعض الأطباء الخبراء من المسلمين مجمع وبعض الفقهاء، وحسب ما فهمت منهم أنهم يرون أنه لا نقض باستعمال البخاخ، ولكن مع ذلك أرى من الأحوط لهذا الذي استعمل البخاخ أن يُطعم مسكيناً خروجاً من الريبة وهذا إن كان مضطراً لاستعماله، والله تعالى أعلم.
رجل مريض بالقلب ويتعاطى علاجاً من قبل الطبيب منها حبة يضعها تحت اللسان عندما يشعر بالوجع في صدره، فما حكمه الشرعي إذا (1/344)
صفحة 345
فتاوى الصوم
345
أخذها
في نهار شهر رمضان عندما يحس بالوجع في الصدر مع أن
الطبيب رخص له أخذها في نهار رمضان وهو طبيب عربي مسلم؟ لا دخل للعروبة وغيرها هنا فالشعوب كلها في ميزان الإسلام واحد والإسلام لم يأت بعنصرية، فإن الله تبارك وتعالى يقول: {يَتأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَابِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنقَكُمْ} [الحجرات: 13]، ولم يخاطب الله تعالى عباده في القرآن بقوله يا أيها العرب وإنما قال: {يَتأَيُّهَا النَّاسُ، وفي هذا الخطاب يدخل العربي
والأعجمي.
هذا وإن اضطر الإنسان إلى استعمال هذه الحبة فلا حرج عليه ولكن ينظر هل يتحلل منها شيء يسيل مع اللعاب إلى الجوف أو لا؟ فإن كان يتحلل منها شيء يلج إلى الجوف مع اللعاب فعليه إما أن يقضي إن كان قادراً على القضاء، أو أن يطعم مسكيناً عن كل يوم إن كان غير قادر على القضاء، والله تعالى أعلم.
فتاة عندها نوع من أمراض فقر الدم يسمى (تلاسيميا) فهذا المرض لا بد أن تأخذ حقنة أو إبرة تحت الجلد تفرز مادة تعمل على تخفيض الحديد في جسد الإنسان وتستمر هذه الحقنة معها يومياً وطوال الشهور وطوال السنين، فما حكم صيامها؟
يتقبل الله تعالى صيامها، فإنها مضطرة ولا تستطيع الفكاك من هذا الأمر، ثم إن هذه المادة التي تفرزها الحقنة لا تصل فيما أحسب إلى الجوف وإنما تصل إلى الدم لتنقيته، والمُفطر هو ما وصل إلى الجوف لا ما وصل إلى الدم، لذلك لا أجد ما يقتضي أن يكون عليها شيء بناءً على ما ذكرته، والله تعالى أعلم. (1/345)
صفحة 346
346
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
امرأة يأتيها في حلقها حموضة وفي بعض هذه الحموضة تجد أثر دم في الحلق، في هذه الحالة كيف يكون صيامها؟
عليها أن تصوم وإن خرجت هذه الحموضة فليس لها أن تقطع صيامها، ولكن عليها أن لا تتعمد بلع شيء مما يمكنها إخراجه، أما ما لا يمكنها إخراجه فإنها غير متعبدة بإخراجه، فإن الإنسان لا يتعبد إلا بما كان في استطاعته، فالله الله يقول: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، ويقول: لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَنَهَا، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم». والله تعالى أعلم.
ما حكم استعمال التحاميل عن طريق الشرج أو المهبل في نهار
رمضان؟
أما ما كان عن طريق المهبل فلا إشكال فيه، وأما ما كان عن طريق الشرج فإن كان يفضي إلى الجوف فهو ناقض في قول الأكثر، وذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا ليس كتناول الطعام والشراب، إذ لا تكون تغذية من
الطريق ولم يجد فيه مانعاً من استعماله، والله أعلم.
هذا (1/346)
صفحة 347
فتاوى الصوم
عيد
347
ما هو مغزى العيد ومقاصده في الإسلام؟
العيد مأخوذ من العود، لأن العيد مناسبة تعود وتتكرر، وهي مناسبة حولية فللذلك سمي العيد عيداً، وقد هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة ووجد للأنصار في أيام جاهليتهم يومين يلعبون فيهما فأخبرهم النبي عليه أفضل الصلاة والسلام بأن الله أبدلهم بذينك اليومين يومي عيد الفطر وعيد الأضحى، فكان في هذين اليومين الشريفين بديل عما كان للناس في أيام الجاهلية، ويوم عيد الفطر هو يوم الجائزة لأن المؤمنين كدوا نفوسهم وأتعبوها في الصيام والقيام، فقضوا شهر رمضان بين صيام وقيام: صاموا نهاره وقاموا ليله، وتقربوا إلى الله في ليلهم ونهارهم بأصناف الطاعات وصنوف القربات، كتلاوة كتابه الكريم والصدقات وصلة الأرحام وزيارة إخوانهم وجيرانهم، وهذا كله يفهم من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي عليه أفضل الصلاة والسلام كان يجمع في شهر رمضان المبارك بين العناية بالقرآن
والعناية بفعل الخير، فمن عنايته بالقرآن أنه كان يدارسه جبريل فيعرض عليه القرآن في شهر رمضان، وكان في هذه الحالة أجود بالخير من الريح المرسلة - كما جاء ذلك من طريق ابن عباس ا، فعندما يفعل المؤمن ذلك اقتداءً بفعل النبي عليه الصلاة والسلام يكون قد شغل نفسه (1/347)
صفحة 348
348
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
السعادة
في شهره بهذه الطاعات العظيمة: الطاعات البدنية التي تتمثل في الصيام والتهجد والاعتكاف وتلاوة كتاب الله والطاعات المالية من خلال الصدقات التي يتصدقها على الفقراء والمساكين وذوي الحاجات ومن خلال الصلات التي يصل بها جيرانه ويصل بها أرحامه، فلذلك كان حرياً بهذه الجائزة، وقد جعل الله الا الله يوم عيد الفطر يوم الجائزة، لينعم عباده الصالحون بهذه الفرحة بعدما أدوا ما أدوه، ولا ريب أنهم تغمرهم عندما يلتقون في مصلى العيد متصافين متصافحين متوادين متعاطفين متراحمين، على أن يكون هذا اللقاء في ظل العبودية لله الله، فهي أمر ملازم لهم، فكما كانوا في شهر رمضان يجسدون عبوديتهم الله تعالى بطاعتهم الله في الصيام والقيام والاعتكاف وأنواع القربات وصنوف الطاعات كذلك تتجسد عبوديتهم الله الله في يوم العيد في افتتاح أعماله بزكاة الفطر ثم بالصلاة لتكون العبادات المالية والعبادات البدنية مصاحبة لهم، فزكاة الفطر من صنوف العبادات المالية والصلاة من صنوف العبادات البدنية، كما أن ذكر الله تعالى يلازمهم، فإن من رأى هلال العيد كان حقاً عليه كما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن يلزم التكبير والتحميد والتهليل حتى يخرج الإمام إلى المصلى، ومن هنا فإنه ينبغي للناس عندما يخرجون إلى المصلى أن يخرجوا مكبّرين الله تبارك وتعالى ومهللين ليكون ذلك شعاراً لهم في هذا اليوم العظيم، ثم مع هذا كله فإن قلوب العباد تتأثر بالمؤثرات الكثيرة من خلال احتكاك الناس بعضهم ببعض، ولربما تركت الآثار في النفس أوغاراً وأحقاداً، ولكن عندما يؤدي أبناء البلد الواحد صلاة العيد جميعاً فإن هذه القلوب تتصافي بهذا اللقاء الطيب الفرحة الغامرة التي تعمّ الصغير والكبير والغني والفقير والقريب والبعيد، فينعم الكل بما ينعمون به من البهجة الغامرة والمصافاة والتواصل، فيذهب
مع
هذه (1/348)
صفحة 349
349
فتاوى الصوم
هذا
هذا إلى ذاك وذاك إلى هذا ليتم التواصل بينهم باستمرار، وليكون في ربط بين المسلم وأخيه حتى لا تنفصل هذه العروة التي تشد كل واحد من المسلمين إلى الآخر، فهذه بعض حكم مشروعية العيد.
ما هي
الأعمال التي ينبغي الحرص عليها يوم العيد؟
يوم العيد هو يوم مبارك، يوم يجمع شتيت عباد الله تعالى المؤمنين، فينبغي للمسلم أن يستعد للصلاة في ذلك اليوم، بأن يهيئ نفسه فيغتسل ويتطيب بما حضر من الطيب، وإن كان العيد عيد الفطر فليأكل قبل ذهابه إلى المصلّى تمرات، أما إن كان العيد عيد الأضحى فليمسك عن الأكل حتى يصلي، ثم ليذهب إلى الصلاة وليكثر من ذكر الله: من تكبير وتهليل وتسبيح وتحميد إلى أن يخرج الإمام، فإذا خرج الإمام انقطع التكبير، وعندئذ تقام الصلاة ثم بعد ذلك تكون التحية فيما بينهم، فيحيي بعضهم بعضاً بتحية الإسلام ويهناء بعضهم بعضاً، ويسن في ذلك اليوم أن يزور الإنسان أرحامه ويصل جيرانه وأن يوسع على أهله، وأن يجود بالمعروف بقدر ما يمكنه، ثم من المعلوم أن ذلك اليوم هو يوم منحه الله تبارك وتعالى لعباده، لأجل أن يعوضهم عما كانوا ألفوه في الجاهلية، فقد أبدل الله تبارك وتعالى المسلمين بالأيام التي كانت مألوفة لهم يحتفلون فيها ويلعبون فيها في الجاهلية بهذين اليومين المباركين العظيمين ليكونا عيداً للمسلمين، فيهما الفرحة والبهجة والسرور والتلاقي والتواد والتراحم والتعاطف والسخاء، وبذل المعروف من القريب لقريبه، ومن الجار لجاره، ومن الغني للفقير، هذا أيضاً ينبغي للإنسان بل يتأكد عليه أن يشكر نعمة الله التي أنعمها ومع عليه فلا ينسى حق الله تعالى بخلاف ما يفعله الفسقة العصاة الذين
يجعلون من العيد فرصة لهم في ارتكاب الموبقات من معاقرة الخمور (1/349)
صفحة 350
350
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
وغير ذلك مما يأتونه من معاصي الله سبحانه، فهذه الأمور مع كونها محرمة يتأكد في يوم العيد تحريمها، لأن شكر نعمة الله تعالى لا يكون بمقارفة معصيته، وإنما يكون باستخدامها في طاعة من أنعم بها، وهذا بخلاف النظرية التي رددها بعض الشعراء عندما قال:
رمضان ولى هاتها يا ساقي مشتاقة تسعى إلى مشتاق بالأمس قد كنا أسيري طاعة واليوم من العيد بالإطلاق
فالعيد لا يعني أن يطلق للإنسان الحبل ليرتكب ما يشاء من الموبقات والمعاصي، بل عليه أن يزم نفسه بزمام التقوى وأن يصلح ظاهره وباطنه، وأن يستديم شكر نعمة الله التي أسبغها عليه، والله تعالى الموفق.
ما
هي
الأعمال التي يصنعها المسلم في يوم العيد بداية من الصباح إلى
أن يؤدي الصلاة؟
الطيب،
ينبغي للإنسان عندما يصبح يصبح ان يستحم ويتنظف، ويتناول شيئاً من ويتوضأ، وأن يؤدي زكاة الفطر إن كان لم يؤدها في ليلة العيد، وأن يخرج إلى المصلى وهو يردد تكبير الله تعالى وتهليله وتحميده، ثم بعد ذلك ينتظر في المصلى وهو يردد التكبير حتى يخرج الإمام، فإذا جاء الإمام إلى المصلى فلتصطف الصفوف وليؤدوا الصلاة، ثم يكون بعد ذلك التصافح بين الناس بحيث يظهر بعضهم لبعض البشاشة والفرحة والبهجة، ثم بعد ذلك تكون الزيارات فيما بينهم، فيتزاور الأقارب والجيران والأصدقاء من أجل أن يشعر الكل بأن الفرحة غمرت الجميع، وأن الكل ينظر إلى غيره نظرته إلى نفسه بحيث تكون المشاعر متحدة والعواطف جياشة، كل ذلك رغبة في التواد والتراحم والتلاحم. (1/350)
صفحة 351
فتاوى الصوم
351
ما مدى مشروعية التكبير عند الخروج لصلاة العيد؟
قال الله الله بعدما ذكر أحكام الصوم والفطر: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنكُمْ} [البقرة: 185]، قال ابن عباس: «حق على من رأى هلال عيد الفطر أن يكبر الله حتى يصل الإمام إلى المصلى»، ومن هذا الباب رأى أهل العلم التكبير في حال الخروج إلى صلاة العيد، إحياء لهذا الشعار الذي أشار إليه القرآن الكريم، وكان عليه السلف الصالح، ومثل عيد الفطر
ذلك في
عيد الأضحى.
ما حكم التكابير بعد صلاة الظهر من يوم العيد والتي تستمر حتى عصر
يوم
الثالث عشر؟
ذلك مما يدخل في الذكر الذي عناه قول الله تبارك وتعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 203]، فالتكبير في هذه الأيام المباركات مأثور عن السلف الصالح من الصحابة فمن بعدهم فكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يكبر حتى في السوق، وكان المكبر يكبر في مكان فيسمعه من حوله فيتجاوب معه ويكبر ويسمعه الآخرون ويكبرون وهكذا ترتفع الأصوات بالتكبير، فلا ينبغي للإنسان أن يقصر فيه، وخير مناسبة يكبر لها إتمام الصلوات، فينبغي التكبير أدبار الصلوات، قيل من صبيحة اليوم التاسع وقيل من صلاة الظهر يوم النحر إلى أواخر أيام التشريق، لأن هذه الأيام أيام مباركات، فهي الأيام المعدودات التي ذكرها الله تعالى، فينبغي للإنسان ألا يترك التكبير فيها، وإن كان روي عن بعض العلماء أنه صلى بغير تكبير ومن بينهم موسى بن علي رحمه الله تعالى إلا أنا نختار رفع هذا الشعار المبارك على الألسن وأن يجهر به حتى يبقى قائماً بين المسلمين، وفي هذا إحساس النفوس بعظمة هذه الأيام وقدسيتها وما لها من مكانة عند الله تبارك وتعالى. (1/351)
صفحة 352
352
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
التكابير التي تكون بعد الصلوات هل لها صيغة معينة؟ ليس للتكبير صيغة معينة، فلو قال المكبّر الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر كبيراً، الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر تكبيراً، الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد حمداً كثيراً، لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده فهو حسن، وإن زاد على ذلك لا إله إلا الله نعبده مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله نعبده مخلصين له الدين وله كره المشركون، لا إله إلا الله نعبده مخلصين له الدين ولو كره المبطلون، كان ذلك خيراً، وإن زاد على ذلك لا إله إلا الله إلها واحداً فرداً صمداً ما اتخذ ربنا صاحبة ولا ولداً، فذلك أيضاً خير، وكل من ذلك ذكر الله تبارك وتعالى.
أما
هل التكبير مختص بالرجال وحدهم أم أن المرأة أيضاً مطالبة به؟ رفع الصوت فهو خاص بالرجال، وأما ذكر الله تعالى فالمرأة مأمورة به في نفسها مع خفوت صوتها من غير أن ترفع عقيرتها به كما يصنع الرجل لأنها مأمورة بخفض صوتها.
هل التكبير أيام التشريق واجب على النساء؟
التكبير غير واجب، ولا مانع منه للنساء من غير رفع صوت، وتكابير أيام التشريق أدبار الصلوات تبدأ من ظهر يوم العيد وتنتهي عصر يوم الثالث
عشر من ذي الحجة، والله أعلم.
العادة
من
التي ألفناها أثناء الخروج لصلاة العيد خروج الناس بالتطبيل
عوضاً عن التكبير فما هي نصيحتكم؟ (1/352)
صفحة 353
فتاوى الصوم
353
العادات تغير لتتفق مع السُّنَّة، ولا تمات السُّنَّة من أجل المحافظة على العادات، فلذلك أنصح هؤلاء الذين ألفوا التطبيل بدلاً من التكبير أن يتركوا ما ألفوه، وأن يحيوا ما أميت عندهم من سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بحيث يخرجون وهم يكبرون كما دل على ذلك القرآن الكريم، فإن الله تبارك وتعالى يقول: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنكُمْ} [البقرة: 185]، فالتكبير مشروع بهذا النص القرآني فلا ينبغي العدول عنه إلى غيره، بل يجب ترك غيره لإحياء ما أميت مما دلّ عليه القرآن والسنة النبوية.
هل ورد في السنة ما يدلُّ على أن الأطفال يهدوا هدايا أو ما يسمى بالعيدية في يوم العيد؟ ورد في السنة ما يدلُّ على تفريح الأطفال، ومن جملة التفريح تقديم الهدايا إليهم، فهذا من إدخال البهجة على قلوبهم، فلذلك ينبغي للإنسان أن يفعل ذلك ليؤجر عليه.
قد يفهم البعض العيد على أنه فرصة للنفس لتمارس من الأعمال ما كانت ممنوعة عنه من قبل وتطلق لنفسها العنان في ممارسة اللهو الذي تشاء احتجاجاً بأن العيد فرحة وبهجة، وبأن الإنسان لا ينبغي أن يكبت نفسه أو أن يصدّها عما تشتهيه في مثل هذا اليوم، فهل فرحة العيد في الإسلام تعني هذا كله؟
فرحة العيد لا تعني الانفلات من حدود الدين وأحكامه، بل يجب ألا
هذه
تخرج الفرحة عما شرع الله تبارك وتعالى إلى ما لم يشرعه، نعم الفرحة يكون معها ما كان ممنوعاً من الطعام والشراب والصلة بين الأزواج، فكل من ذلك مباح بعد أن كان في نهار رمضان ممنوعاً، إذ لا يجوز الصيام (1/353)
صفحة 354
354
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الأول
الإنسان
في يوم العيد بالإجماع لأنه يوم ضيافة الله تبارك وتعالى، وفي صيامه رد لهذه الضيافة من الله العزيز العليم، ولكن لا يعني هذا أن يبيح لنفسه المحجورات، أما تلكم الفكرة التي تراود الناس الغافلين عن ذكر الله تبارك وتعالى من أن العيد فرصة لأن يرتمي الإنسان في أوحال الشهوات الدنيئة وأن يرتكب ما يرتكب من المحظورات فهي فكرة مردودة على أصحابها، ومن بين أولئك الشاعر الذي قال:
رمضان ولى هاتها يا ساقي مشتاقة تسعى إلى مشتاق بالأمس قد كنا أسيري طاعة واليوم من العيد بالإطلاق فالطاعة على الإنسان أن يصاحبها في كل الأوقات، وإلا فما فائدة صيامه، رمضان مع أن صيام شهر رمضان يكتسب به الصائم تقوى الله تبارك وتعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، فلما كانت الغاية من الصيام التقوى فما بال الإنسان يفرط في التقوى بعد أن ينتهي شهر رمضان بل في أول يوم يستقبل فيه أيام الفطر، فهذه خسارة ليست بعدها خسارة، ومن قال مثل ذلك القول يعد من الأغبياء غباوة لا تزيد عليها غباوة.
هي نصيحتكم للنساء اللواتي يتبرجن في يوم العيد بحجة أن اليوم
يوم عيد ويجوز فيه كل شيء حتى مصافحة الأجانب؟ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، يوم العيد لا يعني هدم ما بناه العبد في شهر رمضان المبارك، وإنما هو يوم الفرحة، لإحراز مكاسب شهر رمضان المبارك، فما للإنسان يعرض هذه المكاسب للتلف؟؟.
إن يوم العيد يوم تجب فيه طاعة الله والتقيد بأوامره وعدم الوقوع في مناهيه كسائر الأيام، ولا يعني العيد إطلاق النفس لترعى في المراعي الوبيئة، (1/354)
صفحة 355
355
فتاوى الصوم
فالمرأة مطالبة بألا تتبرج تبرج الجاهلية، إذ الحجاب الشرعي واجب عليها سواء كان ذلك في يوم العيد أو في غيره، يقول الله تبارك وتعالى: {وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَا بِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَابِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31]، ويقول سبحانه: {يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الأحزاب: 59]، فلا معنى لإباحة أن تتبرج المرأة، ولإباحة أن تصافح رجلاً أجنبياً، لأن المصافحة من أسباب الفتنة ما بين الرجل والمرأة خصوصاً عندما تكون بين رجل وامرأة شابة أو شابين من الجنسين، فالمصافحة ما بين الجنسين ممنوعة إلا أن تكون بين رجل وذات محرم منه، أما المرأة الأجنبية فلا يجوز له أن يصافحها، ولا يجوز لها أن تصافحه، ثم مع ذلك كله نجد في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر النساء عندما يخرجن إلى صلاة العيد أن تستعير المرأة من جارتها جلباباً إن لم يكن عندها جلباب، ذلك كله لأجل الصون والستر، فلو كان التبرج مباحاً لما كان معنى لأمرهن بأن يستعرن الجلابيب، كذلك نجد أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى النساء عندما يشهدن صلاة العيد أن يخرجن متزينات أو متطيبات، كل هذا مما يدلُّ على أن يوم العيد حكمه كحكم غيره من الأيام، فلا يباح فيه ما حرم في غيره من الأيام من إبداء المرأة زينتها لغير زوجها وذوي محارمها، والله تعالى أعلم.
بين (1/355)
صفحة 356
356
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
بالنسبة للزيارات في يوم العيد نجد ظاهرة ملموسة على أرض الواقع وهو أن الزيارات تقتصر على الكبار في حين أن فئة الشباب تنطلق هنا وهناك ولا يعرفون للزيارة طعماً ولا رائحة فكيف يربي الآباء أبناءهم على الزيارات وأهميتها خاصة للأرحام؟ هذه القضية من مشكلات العصر الحاضر، ولعل هذه ضريبة من الضرائب التي تؤديها الأمة للحضارة المعاصرة، فمع الأسف الشديد كادت الصلات بين الناس تنعدم، وأنا رأيت سابقاً في كتاب ألفه الأستاذ الأديب الشهير أحمد أمين عن ترجمة حياته بعنوان (حياتي) يقول: بأنه نشأ في حي من الأحياء وكان هذا الحي يتكون من ثلاثين بيتاً وبه ثلاث طبقات، الطبقة العليا بيت واحد والطبقة الوسطى تسعة بيوت والطبقة الدنيا عشرون بيتاً، ثم تكلم عن الأحوال الاجتماعية ولكن في النهاية قال بأن الكل كانوا يعيشون كالأُسرة الواحدة فلو مرض طفل في أقصى هذه الحارة لعرف عنه وعاده الجميع، هذا يحمل إليه دواء وهذا يحمل إليه هدية، ثم يقول شاء الله أن أعيش حتى أرى الناس يعيشون في عمارة واحدة في شقق متجاورة ولا يعرف بعضهم بعضاً، فهذه مصيبة، ومما يؤسف له أن كثيراً من الناشئة أصبحوا لا يعرفون أرحامهم ولربما تساءلوا في دهشة ما هي العلاقة بيننا وبين فلان وما الذي يربطنا بفلان، مع أن فلاناً من أرحامهم الأقربين ومن ذوي الحقوق عليهم، ولكنهم لا يعرفون هذه الحقوق ولا كيف تكون الصلة بينهم، لأنهم اشتغلوا بأمور جانبية وتركوا الأمور الضرورية التي أن يشتغل بها في الحياة، فتقطعت الأواصر الاجتماعية بينهم وبين ذويهم وقراباتهم، فمن هنا كانت الضرورة أن يحرص الأب من أول الأمر على أن يصطحب أولاده الكبار والصغار عندما يزور أرحامه ليغرس فيهم
يجب (1/356)
صفحة 357
فتاوى الصوم
357
حب أرحامهم وتعلقهم بهم فينشأوا على ما نشأ عليهم آباؤهم من تقدير الأرحام وزيارتهم والاعتناء بهم والقيام بشؤونهم والحرص على التلاحم معهم، فهذا من الضرورة بمكان وهو الذي أوصي به والله تعالى الموفق
الزوجة في يوم العيد قد يحصر البعض دورها في إعداد الطعام وتجهيزه وفي أمور كثيرة خدمةً للزوج، في حين أنها لا تجد طعم العيد لأن الزوج مهتم في ذلك اليوم بنفسه فلا يقدّم لها ما يبهجها وما يجعلها
تشاركه هذه الفرحة، فهل هنالك توجيهات معينة في هذا الجانب؟ لا ينبغي أن يكون الأمر محصوراً في إعداد الطعام والشراب وفي إجهاد النفس بمثل هذه الأمور وحدها، فهناك أيضاً لقاء بين الزوجين، وفرحة غامرة متمثلة في اللقاء بين اللقاء بين الأب والأولاد، فينبغي للإنسان أن يشعر الآخرين بالرحمة وبالشفقة وبالسرور السرورهم، ويحرص على إدخال البهجة عليهم بقدر المستطاع حتى تكون الأسرة أُسرة متفاعلة، يتعاون بعضها مع بعض وتظل مترابطة برباط الإيمان والتقوى.
من عادات الناس أنهم إذا خرج الرجال إلى صلاة العيد فإن المرأة لا تنظف البيت حتى يعود الرجل اعتقاداً أن ذلك سيضره؟
هذه المعتقدات فاسدة ولا أساس لها في العقل ولا في النقل، فلا يُعول على شيء منها، إنما يجب التعويل على ما في كتاب الله وعلى ما ثبت من سُنَّة رسول الله، ولا يلتفت إلى مثل هذه الشائعات التي تشيع عند الناس وليس لها مصدر إلا الأوهام. (1/357)
صفحة 358
358
فتاوى متنوعة في الصوم
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
رمض
ما معنى كلمة رمضان؟
رمضان اسم لهذا الشهر، سمي بذلك لأنه وافق ـ على القول الصحيح - الفصال وهي شدة الحر، لأن أسماء الشهور عندما سميت وافقت مناسبات معينة وسميت بذلك، فشوّال شالت به أذناب الإبل طلباً للقاح فسمي شوالاً، والقعدة لأجل قعود الناس عن القتال فيه، والحج لأن العرب كانت تحج فيه، وهلم جراً في بقية الشهور، فتسمية رمضان سابقة على مشروعية صيامه التي جاءت في كتاب الله، فقد كان الناس يسمون هذا الشهر بذلك قبل أن يفرض الله تبارك وتعالى صيامه.
ما هي الطريقة المثلى في تعامل المسلم مع القرآن الكريم في شهر
رمضان؟
المسلم يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا ريب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصاً على القرآن في جميع أوقاته لا في شهر رمضان فحسب، ولا يهجر القرآن ـ حاشاه عن ذلك ـ في أي وقت من زمانه بل هو الذي يشكو إلى الله هجران قومه له: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَرَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْهَانَ مَهْجُورًا} [الفرقان: 30] مع ذلك كان يضاعف اجتهاده في تدبر القرآن وتأمله ودراسته في شهر رمضان المبارك، ففي الحديث المروي من طريق ابن عباس قال:
ولكن (1/358)
صفحة 359
فتاوى الصوم
ومع
359
«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة وكان أجود ما يكون في رمضان عندما يلقى جبريل فيدارسه القرآن، وفي رمضان من العام الذي توفي فيه صلى الله عليه وسلم عرض القرآن الكريم مرتين على جبريل، فالمؤمن حريص على الاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام فيعكف في ليله ونهاره على تلاوة القرآن الكريم في كل أوقات فراغه قدر مستطاعه ذلك لا يقرأه قراءة استرسال من غير تدبر وتأمل، بل يقف عنده لتأمله وتدبره والاستنارة بهديه والمشي على دربه، ليتمكن من أن يكيف نفسه حسب تعاليم القرآن، فهو يتأمل أمره ونهيه ومواعظه وأمثاله وقصصه وأخباره ووعده ووعيده لينصب ذلك كله في وعاء قلبه فيتكيف قلبه وفق هداية القرآن ليصلح بصلاحه جسده، فإن القلب هو الذي يصلح به الجسد إن صلح ويفسد به الجسد إن فسد، كما جاء في الحديث عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام: ألا وإن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب»، والله تعالى الموفق.
هل يلزم الإنسان أن يقوم للسحور؟
السحور من السُّنَّة، وهو بركة، ومن تركه لا يؤثر ذلك على صيامه.
ما هي أنواع الفجر؟
هما فجران: الفجر الكاذب وهو الفجر المستطيل الذي يشبه ذنب السرحان - أي الذئب - يظهر ثم يختفي، والفجر الصادق وهو الفجر المستطير: أي المنتشر الذي يبدأ في الظهور ويأخذ في الانتشار ولا يختفي بعد بداية
ظهوره (1/359)
صفحة 360
360
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
هل يجوز الإفطار لأذان التلفاز؟
الإفطار إنما يكون بتحقق الغروب، فإذا غربت الشمس وتحقق غروبها أبيح للإنسان الإفطار سواء أذن المؤذن أم لم يؤذن، أما بالنسبة إلى التلفاز فهل هنالك ضبط للوقت في الأذان الذي يبث في التلفاز؟، ثم من ناحية أخرى لا بد من اعتبار الفارق بين الوقت، فهنالك فارق كبير مثلاً بين مسقط وصلالة بالسلطنة، فقد يتقدم الأذان في مسقط خصوصاً في أوقات الشتاء أكثر من نصف ساعة عنه في صلالة، فينبغي أن ينظر في ذلك وأن لا يفطر الإنسان بالأذان الذي يبث في التلفاز من غير أن يعتبر الفارق في التوقيت
بين
منطقة وأخرى.
أثناء أذان الفجر هل يمكن للصائم أن يشرب أم يمتنع عن الأكل والشرب قبل الأذان بدقائق؟
الأكل والشرب أبيحا إلى انشقاق أول شعاع للفجر، لما دل عليه قول الله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة: 187]، ومعنى الخيط الأبيض هو انشقاق أول شعاع للفجر فعندما ينشق أول شعاع للفجر يمتنع عندئذ الأكل والشرب، وأما قبل ذلك فهو
مباح، فهب أن المؤذن أذن قبل انشقاق الفجر بساعة أيحرم الأكل أذانه؟ وهب أن المؤذن أخر الأذان حتى مضى نحو ربع ساعة أو نصف ساعة بعد انشقاق الفجر هل يقال بأنه ما لم يؤذن يباح الأكل والشرب في ذلك الوقت؟ الجواب: لا وإنما ميقات بداية الصيام طلوع الفجر
رجل استيقط من نومه في ليل رمضان فظن الليل باقياً فأكل وشرب ثم ذهب إلى المسجد فوجدهم قد صلوا الفجر، فما حكم ذلك اليوم؟ (1/360)
صفحة 361
فتاوى الصوم
361
هذه المسألة من المسائل المختلف فيها بين العلماء، فمن العلماء من قال: بأن من أخطأ فأكل وشرب الفجر قد طلع فعليه أن يبدل يوماً مكان يوم، ومن العلماء من قال ليس عليه حرج، لأنه مستصحب للأصل، ويستدلون بقوله والله أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَة الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسُ لَكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْكَنَ بَشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا القِيَامَ إِلَى الَّيْلِ
ووَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَكِفُونَ فِي الْمَسَجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ وَايَتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [البقرة: 187] وذلك بأنهم قالوا إن الذي أكل وشرب وهو يحسب بقاء الليل لم يتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، والأصل إباحة الأكل والشرب كما ينص قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُم، وأما أصحاب القول الأول فقد قالوا إن التبين لا يجب أن يكون تبيناً لكل أحد في ذات نفسه، فالأعمى لا يمكن أن يتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر لأنه أعمى، وإنما هو تبين في الواقع، فإذا تبين في الواقع حصل الحد الذي تنتهي عنده إباحة الأكل والشرب، كما أن قول
أن
الرسول صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته»، لا يعني أن يراه كل أحد، وإنما يكفي يكون مرئياً في الواقع، فحملوا هذا الحكم في الآية على مثل الحكم في الحديث الشريف، إلا أننا نقول: إن استصحاب الأصل من قواعد الفقه الإسلامي، فما دام الإنسان مستصحباً الأصل، والله الا الله أعطاه قدرة على التبين وحاول التبيّن فلم يتبين له فليس عليه حرج في ذلك، وهذا هو القول المختار فلا يلزمه قضاء. (1/361)
صفحة 362
362
أن
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
شخص استيقط وشرب دون أن يعلم أن وقت الإمساك قد بدأ إلا بعد أذان الفجر وبعد أن انتهى من الشرب؟ فما حكم صيامه؟ سمع العبرة بحال الأذان إن كان الأذان عند انبلاج الفجر فليس له أن يشرب
أن
بعد انبلاج الفجر، لأن الله ناط الأكل والشرب إلى ميقات معين، وهو يستطيع الإنسان أن ينظر إلى الفجر الصادق متميزاً من بين الظلام، بحيث يبدو الخيط الأبيض من الخيط الأسود، فإن كان الأذان في هذه الحالة فهذا قد أكل بعدما تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود فعليه إن تعمد الشرب التوبة والقضاء والكفارة وإن كان غير متعمد وإنما كان ذلك على طريق السهو أو النسيان أو الجهل فعليه القضاء، وعليه أن يستغفر الله من
صنيعه.
ماذ لو قام فشرب وهو لا يدري هل أذن لصلاة الفجر أم لم يؤذن،
فماذا عليه؟ إن كان لا يدري بذهاب الليل ولم ير للفجر أثراً واستصحب الأصل، فاستصحاب الأصل يسقط عنه حكم القضاء وغيره حتى يتبين الفجر.
المسافر من عُمان إلى بريطانيا فيمسك هنا على توقيت عُمان ثم يسافر إلى بريطانيا وتكون الساعات أطول، فعلى توقيت من يفطر؟ الله تعالى قال: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا القِيَامَ إِلَى الَّيْلِ} [البقرة: 187]، فالإنسان مطالب أن يمسك إذا تبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود م الأسود من الفجر ثم يستمر على إمساكه عن الطعام والشراب حتى يأتي الليل سواء تقدّم الليل عن ميقات البلد الذي بدأ الإمساك فيه أو تأخر، فكل من ذلك سواء. (1/362)
صفحة 363
فتاوى الصوم
363
في
امرأة عندها أخ في هولندا، وعندهم مشكلة في تحديد الإفطار لا يدرون متى يأتي وقت الإفطار لعل الساعات هناك تكون طويل من طلوع الشمس إلى غروبها أو النهار قصير، لكن هناك أيضاً أشخاص آخرون
من دول الخليج كل واحد يفطر على دولته ما هو حل هذه القضية؟ أنا أعجب من هذه الحالة، فإن هولندا في أوروبا، والفصل الآن قريب من الشتاء، ومن عادة الأيام في فصل الشتاء، أن يكون نهارها قصيراً لا سيما تلك المناطق الشمالية، فأي مشكلة في هذا، كيف لا يصومون حتى تغرب الشمس عندهم فإن الله تعالى ناط الإفطار بالليل، والليل إنما يتحقق بغروب الشمس وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187]، أما أولئك الذين يفطرون بحسب التوقيت في بلادهم وهم في بلاد أخرى فهم قد انغمسوا في الجهل حتى غرقوا إلى الأذقان كيف يكون الصيام بحسب ساعات النهار في بلدهم وهم في بلد أخرى؟ فهم ليسوا متعبدين بحسب البلدان التي هم منتمون إليها وإنما هم متعبدون بحسب الأوقات في البلد الذي هم فيه، أرأيتم صلاة الظهر متى يصلّونها هل يصلّونها في وقت الصباح هنالك لأن ذلك هو وقت الظهر في بلدهم؟؟ وكذلك صلاة العصر هل يصلّونها فيما قبل وقت الظهر مثلاً، وكذلك صلاة المغرب هل يصلونها قبل وقت العصر أو في وقت الظهر، هذا أمر غريب، فما بال هؤلاء الناس يتصرفون هذا التصرف أن الله
مع
تبارك وتعالى ناط الصيام بطلوع الفجر وناط الإفطار بإقبال الليل، فعليهم أن يمسكوا عن الطعام عند طلوع الفجر وعليهم أن يفطروا عند غروب الشمس وأن لا يلتفتوا إلى الحالة التي في بلادهم، فإنهم في بلد آخر وعليهم أن يتكيفوا في واجباتهم بحسب الأوقات في ذلك البلد الذي هم فيه، وعليهم إن لم يكونوا قادرين على التحكم في معرفة الوقت أن يلجؤوا (1/363)
صفحة 364
364
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
إلى الخبراء الفلكيين، فإن الخبراء الفلكيين بإمكانهم أن يحددوا لهم وقت غروب الشمس بدقة من خلال ذلك يتمكنون من الإفطار في الوقت الذي أباح الله تعالى فيه الإفطار، أما الذي يفطر قبل غروب الشمس فهو مفطر في النهار، ومن أفطر في النهار فقد هدم صومه.
الناس في القطب الشمالي، النهار لديهم قد يطول إلى أربع وعشرين ساعة، فكيف يتمكنون من الصيام؟
من كانوا في أمثال تلك الأماكن التي يطول فيه النهار طولاً يتعذر فيه الصوم يرجعون إلى الحساب بالساعات.
هل يجوز للصائم أن يفطر أثناء سفره في الطائرة، مع أنه ليس هناك مشقة من ذلك لوجود وسائل الراحة التامة؟
نعم جائز له، ولكن غير واجب عليه، والأولى له أن يصوم مع وجود الراحة.
إذا جاء المرأة الحيض في نصف النهار هل تمسك إلى الليل أم تفطر
مباشرة؟
لا معنى للإمساك، لأنها أتاها ما قطع حبل صيامها، فهي في نفس الوقت تأكل وتشرب وتمتنع عن الصلاة.
مجموعة من الطالبات يدرسن بالإمارات صمن ثلاثين يوماً إذا جئن إلى عمان وما زال شهر رمضان في ليلة الثلاثين معنا هل يكملن الصيام إلى واحد وثلاثين أم لا؟ المسألة فيها خلاف مع ثبوت الرؤية في البلد الآخر، قيل إذا ثبتت الرؤية لا يلزم الإنسان أن يصوم أكثر من ثلاثين وهذا القول قاله كثير من مشايخنا (1/364)
صفحة 365
365
فتاوى الصوم
الذين تتلمذنا عليهم وانتفعنا بعلمهم، ومنهم من قال بأن عليه أن يكمل العدة حسب رؤية البلاد الذي وصل إليه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون وهذا القول ذهب إليه ابن تيمية وجماعة أيضاً قول وجيه، ولكن يبدو أن الزيادة على الثلاثين غير
من
العلماء وهو مشروعة، وذلك مشروط بثبوت رؤية الهلال حيث كان المرء.
أن
فيمن يصوم في دولة تقدّمت عنّا بيوم ثم جاء إلى هنا وفي حال أننا صمنا ثلاثين يوماً سيصوم هو واحداً وثلاثين يوماً؟ هذه المسألة اختلف فيها العلماء فمنهم من قال بأنه إن انتقل إلى بلد فعليه يصوم بصيام ذلك البلد ولو زاد الصيام على ثلاثين يوماً، وحجة هؤلاء قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون». ومنهم من قال بأن الصيام لا يزيد على ثلاثين يوماً، وعلى هذا فإن تيقن دخول الشهر بحيث قامت الحجة الشرعية بدخول الشهر في البلد الذي كان فيه وانتقل إلى بلد آخر وزاد صيام ذلك البلد عن ثلاثين يوماً باعتبار صيامه هو الذي بدأه في البلد الآخر فعليه أن يفطر بعد مجاوزة الثلاثين، وكلا القولين له وجه من النظر، والله تعالى أعلم.
إذا أفطر الصائم قبل أذان المغرب ظناً أن المؤذن قد أذن، مع وجود
فارق الزمن فهل يكمل إفطاره؟ إذا كان إفطاره بعد غروب الشمس وبعدما أدبر النهار من جهة المغرب وأقبل الليل من جهة المشرق فلا حرج عليه، لأن الإفطار لا يتقيد بالأذان، وإنما يتقيد بغروب الشمس، فلعل المؤذن يؤخر الأذان أو يقدمه، والله الله قال: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ} [البقرة: 187]، وقد فسر ذلك الليل النبي صلى الله عليه وسلم
بقوله: «إذا أدبر النهار من هاهنا وأقبل الليل من هاهنا أفطر الصائم». (1/365)
صفحة 366
366
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
عن امرأة تأتيها العادة أو الدورة وتزيد عن الأيام المعتادة لها وفي بعض الأحيان تصل إلى عشرة أيام وقد تتجاوز إلى أربعة عشر يوماً، ومع
ذلك تأخذ العلاج لمكافحة هذه الزيادة فما حكم صيامها؟
يجب على المرأة بقدر استطاعتها أن تعرف ميقات حيضها وطهرها، فإن ضبط ذلك واجب عليها، وبمقدار هذا الضبط تستطيع أن تؤدي العبادات، فلو عرض لها عارض من استحاضة فإنها بضبطها أوقات حيضها المعتادة وضبطها أوقات طهرها المعتاة تتمكن من رد كل شيء إلى أصله، ومن ناحية أخرى تؤمر المرأة أن تفرق بين الدماء الثلاثة دم الحيض ودم النفاس ودم الاستحاضة، وكذلك على المرأة أن تعرف أقل مدة الحيض وأكثرها، فأقل مدة الحيض على ما دلّ عليه حديث أنس عند الإمام الربيع هو ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام، وقيل: أقله يوم وليلة وأكثره خمسة عشر، ومنهم من قال أقله دفعة ومنهم من قال أقله يومان ومنهم من قال أكثره سبعة عشر، ولكن الذي دل عليه الحديث هو ما تقدّم أما أصحاب الأقوال الأخرى فإنهم جعلوا الحديث دال على الحالة الغالبة في طبائع النساء من غير حصر، ولكن مع هذا كله نحن نسمع من الأطباء وهم ذوو خبرة في هذا المجال أن الحيض لا يقل عن ثلاثة أيام ولا يزيد على عشرة أيام كما جاء الحديث، هذا ما سمعته من أكثر من طبيب ومن هؤلاء الأطباء الدكتور محمد علي البار الذي هو من كبار الأطباء في المملكة العربية السعودية وله بيان وتفصيل فيما يتعلق بهذا الجانب فيما سمعته منه، فلذلك ما دامت الأيام لم تتجاوز العشرة وهي لم تكن لها عادة مستقرة سابقاً فعليها في خلال العشر أن تجعل الدم جميعاً دم حيض، وهذا إن كان هذا الدم بدأ بالسواد، بحيث تكون فيه صفات دم الحيض وهذا مما يجب على المرأة أن تعرفه، لأن دم الحيض أسود غليظ له رائحة بخلاف دم الاستحاضة فإنه دم (1/366)
صفحة 367
فتاوى الصوم
367
أحمر رقيق وقد يميل أحياناً إلى الصفرة وليس له رائحة دم الحيض، فلما كان الحيض متميزاً بهذه الصفات فبإمكانها أن تميز بين دم الحيض وبين دم الاستحاضة إلا أن الدم إذا جاء إلى المرأة في وقت أمكن أن تجعله للحيض وكان دماً أسود ثم جاء من بعده الدم الحمر فإنها تجعله في حكم دم الحيض إلا إذا خرج عن الأوقات المعتادة فإنها لا تعطيه للحيض وتجعله استحاضة، أما إن كان في الوقت المعتاد بحيث لا يتجاوز أيام عادتها فإن حكمه حكم ما قبله لأن الصفرة والكدرة والترية وسائر التوابع تجعلها المرأة تابعة للدم، ففي الحديث عن أم المؤمنين عائشة: «لا تطهر المرأة من حيضها حتى ترى القصة البيضاء»، وفي حديث أم عطية: «كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئاً»، أي لا نعد الصفرة والكدرة شيئاً زائداً على ما سبقه، فإن كانت مسبوقة بدم فهي حيض وإن كانت مسبوقة بطهر فهي طهر، وكذلك جميع التوابع لها هذا الحكم، فعلى هذه المرأة أن تضبط أوقاتها أولاً، ثم إن الدم في خلال الأيام العشر إن لم تكن لها عادة مستقرة بأيام معلومة تجعله دم حيض ولا تجعله دم استحاضة، أما إن خرج عن العشر أو تجاوز أيامها المعتادة ـ إن كانت لها عادة ـ أو تجاوز أيام الانتظار التي تؤمر المرأة أن تنتظر فيها فإنما تجعله عندئذ وفي دم الاستحاضة تؤمر أن تغتسل وأن تصوم إن كانت في فترة الصيام،
والله تعالى أعلم.
دم
ما حكم صوم المرأة التي ترى الدم وهي في سن الستين؟
استحاضة،
القول المعتمد أن المرأة إذا بلغت الستين من عمرها فهي آيس، وليست في حكم من يأتيها الحيض، فإن رأت الدم حمل ذلك على أنه دم استحاضة وعليها أن تصوم في هذه الحالة، والله أعلم. (1/367)
صفحة 368
368
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
امرأة في أول نفاس لها كان اليوم الثامن والثلاثون من نفاسها هو يوم التاسع والعشرين من شعبان فرأت الجفاف في هذا اليوم فاغتسلت وأصبحت صائمة في اليوم التالي، إلا أنها عند المغرب من أول يوم رمضان رأت دماً ثم رأت الجفاف عند العشاء فجمعت المغرب والعشاء، وفي تلك الليلة استمر الجفاف ليومين آخرين عاشرها زوجها خلالها أي في اليوم الثالث والأربعين إلا أنها تعاقب عليها بعد ذلك الصفرة أحياناً والجفاف أحياناً أخرى، ولم تعرف أظهرت أم لا وفي اليوم الخامس من رمضان رأت القصة البيضاء فاغتسلت للاحتياط ولكنها لم تعرف متى ظهرت بالضيط، وما هو الحال فيما صامت في رمضان علماً بأنه أول نفاس لها؟
إن كانت رأت الجفاف فالجفاف الذي يلي الدم لا تعطيه حكم الطهر اللهم إلا أن اعتادت المرأة أن يكون طهرها بالجفاف لا بالقصة البيضاء، فإنها تعتبر الجفاف طهراً، وإن استمر بها الدم ثم لواحق الدم وهي التوابع من الصفرة أو الكدرة أو الترية أو الجفاف إلى ما بعد الأربعين فإنها تعتبر الأربعين هي النفاس، ولا حرج على زوجها أن يواقعها بعد الأربعين في غير فورة الدم ولو كان الدم مستمراً وعليها أن تغتسل وأن تصلي بعد الأربعين، لأن الصحابيات كن يقعدن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أربعين يوماً، وذلك لا يكون إلا بتوجيه من النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم، فلذلك أخذ العلماء بهذا الرأي واعتمدوه، وإن كانت هنالك حالات تخالف هذه حالات شاذة لا يحمل عليها الحكم العام، والله تعالى أعلم.
الحالة
فهي
هل يجوز للفتاة استعمال حبوب منع الحيض أثناء شهر رمضان؟
أما في شهر رمضان فلا، لأن الله تعالى جعل لها مخرجاً وذلك بأن تقضي (1/368)
صفحة 369
فتاوى الصوم
369
البدن،
ما أفطرته، واستعمال هذه الحبوب يؤدي إلى مضاعفات بدنية خطيرة، ذلك لأن فيها معاكسة للفطرة، وشهر رمضان يتكرر في كل عام، فإن استعملت هذه الحبوب في كل عام فقد يفضي بها ذلك إلى ضرر شديد، لأن في استعمالها حبساً لفضلات طبيعية، وهذه الفضلات تتعاكس مع ويؤدي ذلك بالتالي إلى نتائج سلبية، بخلاف الحج، لأن الحج لا يتكرر، كما يتكرر شهر رمضان الكريم، ولأن هناك ضرورة داعية وذلك عندما تخشى المرأة أن تفوتها الرفقة بانتظارها الطهر لتطوف طواف الإفاضة، لأن طواف الإفاضة ركن في الحج لا يصح الحج إلا به.
لا
ما قولكم فيمن تستخدم حبوب منع الحيض في شهر رمضان حتى تصوم شهر رمضان کاملاً؟
ينبغي
ذلك، بل هذا كثيراً ما يؤدي إلى عدم انتظام الدورة الشهرية وإلى اختلال الطبيعة، لأن الدورة إفراز طبيعي جعله الله تعالى من أجل راحة الجسم، ولا ينبغي أن يحقن هذا الدم في الجسم، فإنه يؤدي إلى الضرر والإضرار بالجسم غير جائز، وقد جعل الله لها مخرجاً وهو القضاء فلا معنى لاستعنمال ذلك، نعم هذا يباح لأجل الضرورة وذلك في الحج والعمرة إن خشيت أن تفوتها الرفقة إن بقيت تنتظر طهرها من أجل طواف الإفاضة في الحج وطواف الركن في العمرة.
إذا أخذت المرأة حبوب منع العادة الشهرية في شهر رمضان فهل عليها أن تبدل الأيام التي أكلت فيها الحبوب؟
عليها أن تبدل إن أكلت الحبوب أو غيرها في نهار الصوم، أما إذا كانت أكلت الحبوب بالليل فليس عليها البدل ولكن استعمال هذه الموانع (1/369)
صفحة 370
370
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
التي تحول بين الطبيعة وجريانها في مجراها، أمر فيه ضرر بالجسم فلذلك لا نرى جواز استعمال ذلك في شهر رمضان المبارك، لأن الله الله جعل للمرأة فيه مخرجاً وهو القضاء لما أفطرته من أيام بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس للإنسان أن يضر بجسمه، وبجانب ذلك أيضاً قد تتأثر عادة المرأة بحيث تكون أيامها غير منتظمة في الحيض والنفاس بسبب استعمالها لهذه الحبوب، فلا يجوز لها الاستعمال لأجل هذا الغرض، والله تعالى أعلم.
بعض الفتيات يلتزمن بالحجاب في رمضان ثم يهملن ذلك في غير رمضان، هل من نصيحة لهن؟
صيام رمضان إذا أدي على الوجه المشروع هو سبب لتقوى الله الله، وإن لم يثمر الصيام التقوى فهو غير مؤثر ولا قيمة له، بل هو صيام يصدق عليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس الله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، ولا ريب أن الصيام الصحيح يؤدي إلى أن يصطحب الإنسان تقوى الله في سائر العام، فما بال الصائم يحرص في شهر الصوم على تجنب الموبقات وعلى التقيد بقيود الفضائل والأخلاق وعلى التحلي بمحاسن الطباع ولكن إذا انفلت من صيامه كان كالطائر الذي أطلق من قفصه يترنح حيث يشاء ويقع فيما يريد، كأنما الشاعر وتأثر به: رمضان ولى هاتها يا ساقي مشتاقة تسعى إلى مشتاق بالأمس قد كنا أسيري طاعة واليوم من العيد بالإطلاق فما معنى هذا الصيام إذن؟!!
سمع صوت (1/370)
صفحة 371
فتاوى الصوم
371
فهذه الفتاة التي تلتزم الحجاب الشرعي في شهر الصيام عليها أن تلتزمه في سائر الأيام ولا تتقيد به في شهر الصيام فقط، إذ الله تبارك وتعالى عندما خاطب المؤمنات بالحجاب لم يقيد ذلك بحالة الصوم، فقال تعالى: {وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبَصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَا بِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَتِهِنَّ أَوْ نِسَابِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31]، وقال سبحانه: {يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الأحزاب: 59]، ومثل هذا حال كثير من الناس الذين تتقيد نساؤهم بلباس الاحتشام عندما يكن معتدات بعدة الوفاة، أما في غير عدة الوفاة فلا يبالين بما يفعلن، وهذه أمور عجيبة وجهالة بلغت الغاية فعلى الرجال والنساء معاً أن يتقوا الله تعالى وأن يقيسوا آثار الصيام بما ينعكس من هذه الآثار على سلوكهم وأخلاقهم وأفعالهم في سائر العام.
هل يبطل صيام الفتاة غير المتحجبة في شهر رمضان؟ نسأل الله تعالى العافية، ونسأل أن يهدينا إلى سواء السبيل، وإن من ضمن ما يتطلبه صيام رمضان غض النظر وهذه تفتح الأبصار على نفسها؟ فيجب عليها أن تتوب وترعوي، فإن تابت فإن الله تعالى يقبل من عباده المتقين وأما قبل ذلك فهي غير متقية. (1/371)
صفحة 372
372
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
امرأة تصوم عن زوجها المتوفى وهو ليس عليه صيام فهل أجر الصيام يصل إليه؟
ليس في ذلك دليل شرعي ولا ينبغي لها أن تفعل ذلك، وإنما الأولى أن تتصدق عنه، فإن الصيام عن الغير إنما هو فيمن مات وعليه صيام كما جاء في حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها: «من مات وعليه صيام صام عنه وليّه»، والله تعالى أعلم.
هل يجوز في شهر رمضان أن تقوم الخادمة غير المسلمة بطهي الطعام؟ الطعام لا يختلف بين رمضان وغيره، ولكن ينبغي للإنسان أن يأكل طعام المسلمين لا طعام غيرهم، وإنما أبيح طعام الذين أوتوا الكتاب لأن رطوباتهم غير مؤثرة.
من
أفطر في رمضان من غير تعمد، فما حكمه؟ من أفطر نسياناً فهو معذور، فالله الله ألاطعمه وسقاه، كما جاء يا وسقاه، كما جاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم، هذا هو القول المعول عليه، وهو يعتضد بعذر الناسي والمخطئ، فهذا ناس وهو لا يجري عليه القلم، وإن أكل ولو شيئاً يسيراً بعدما تنبه بأنه صائم يكون بذلك قد هدم صومه.
متي
لذلك؟
أبدأ بتربية وتدريب أبنائي على الصيام؟ وما هي الطريقة المثلى
البدء يكون عند قدرتهم على تحمل مشاق الصوم، ويؤمرون بالصيام تدريجياً حسب طاقتهم، فمن استطاع أن يصوم يوماً فيوماً فليصم ومن
استطاع أن يصوم يومين فيومين فليصم وهكذا، والله أعلم. (1/372)
صفحة 373
فتاوى الصوم
عندي
373
أطفال صغار ما بين 4 و 9 سنوات وأريد أن أعمل لهم برنامجاً
رمضانياً يستفيدون منه. فهلا أرشدتموني لذلك؟ تعليمهم ما ينفعهم وتحفيظهم كتاب الله، وتذكيرهم بالله واليوم الآخر، وإخبارهم بفضل صيام رمضان وفضل العمل الصالح، وإخبارهم بمضاعفة الأجور في رمضان ونحو ذلك، والله أعلم.
تلجأ الكثير من النساء إلى ملء المائدة أثناء الإفطار بالكثير من المأكولات بحيث ينشغل الرجالُ عن أداء فريضة المغرب في جماعة، فهل تعتبر المرأة محاسبة ومسؤولة عن هذا التضييع؟
لا ينبغي فعل ذلك، وإنما ينبغي الاقتصار على التمر وحده، والموائد تكون بعد صلاة المغرب، والله أعلم.
نلاحظ أن الكثير من النساء يشاهدن الشاشة الصغيرة في شهر الصيام سواءً
ذلك؟
في النهار أو الليل مع ما فيها من محظورات شرعية، فما الحكم في ما كان محرماً أن تنظر إليه فهو مؤثر على صيامها إن كان في نهار الصوم وعليها أن تعيده بناءً على انتقاض الصيام بالمعصية، والله أعلم.
هل يجوز للمرأة قبل صلاة التراويح أن تأم النساء في فريضة العشاء أم فقط سُنّة التراويح؟
اختلف في إمامة المرأة في الفريضة والراجح جوازها، والله أعلم.
تجتمع المرأة مع جاراتها في ليل شهر رمضان وذلك لتناول القهوة دون أهداف أخرى، فما نصيحتكم لمثل هذه المجالس؟
نصيحتي لهن أن يحرصن على إبلاغ كلمة الحق والدعوة الهادئة الهادفة، (1/373)
صفحة 374
374
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
والتذكير بالله واليوم الآخر، ولتكن تلك المجالس مشغولة بالتذكير بمرور الحياة ومضي الليالي والأيام، وانتظار كل أحد لريب المنون واستعداده للقاء الله تعالى، والله أعلم.
هنالك بعض الأزواج يُلزمون زوجاتهم بعمل أكلات رمضانية معينة بحيث تأخذ وقتاً وجهداً من المرأة فما نصيحتكم لهؤلاء الرجال؟
أدعوهم أن يتقوا الله وأن يراعوا نساءهم بأداء حقوقهن وتوفير الوقت لهن بما يتمنينه من التقرب إلى الله بصالحات الأعمال من النوافل والطاعات وعليهم أن يساعدوهن في ذلك ولا يضيقوا عليهن، والله أعلم.
تلجأ الكثير من النساء للمباهاة بالأكلات الرمضانية مع جاراتها من قبيل التنافس، فما رأي سماحتكم في هذه العادة؟
هذا من التنافس المذموم فعليهن أن يتقين الله في ذلك وأن يتجنبن هذا الأمر، والله أعلم.
سماحة الشيخ بعض الناس يستثمرون شهر رمضان الكريم في تحقيق مآربهم الخاصة، فالبعض يستثمره في النوم والبعض الآخر وخاصة الشباب يستثمره في السهر الطويل إلى الفجر وهناك أيضاً من يستثمر هذا الشهر في متابعة القنوات الفضائية التي تبث برامج ربما لا تليق بهذا الشهر الكريم وكثير من المسلمين يستغلون الفرصة، فما نصيحتكم لهؤلاء؟
هي
شهر رمضان شهر مغفرة ورحمة لمن تعرض لها، فهو شهر تنافس وتسابق في كل مجال من مجالات الخير، فالإنسان مطالب أن يسارع فيه إلى (1/374)
صفحة 375
فتاوى الصوم
375
الطاعات، وأن يحرص فيه على حسن عبادة ربه، وذلك بأن يؤدي الفروض وما أمكنه من النوافل، لا سيما قيام الليل، فإن قيام رمضان من أعظم القربات التي تقرب الإنسان إلى ربه الله، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخلت العشر الأواخر يشد مئزره ويوقظ أهله ليله، ومعنى ذلك أنه يستمر ويحيي يحيي الليل كله وشد مئزره كناية عن شدة حزمه في هذا الأمر، بحيث يقبل إليه بجهده كله، فمن هنا كان حرياً بالمسلم أن ينافس في هذا الميدان وأن لا تفوته فرصة من ليله ولا من نهاره يستطيع أن يفعل فيها طاعة إلا ويتقرب إلى الله تبارك وتعالى بتلك الطاعة فيها.
ما حكم مشاهدة المسلسلات في نهار رمضان، وما نصيحتكم لمن يصرف وقته في مشاهدتها؟
أفناه،
نحن ندعو إخواننا المسلمين جميعاً إلى أن يحرصوا على الوقت، فإن الوقت ثمين، فهو فرصة الإنسان الذهبية التي إن فوتها فاته الخير الكثير، وهو مما يسأل عنه عنه يوم القيامة، ففي الحديث عن النبي: «لا تزول قدما صلى الله عليه وسلم: ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس، عن عمره فيم وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وماذا عمل فيما علم؟ فيسأل عن عمره فيم أفناه لأن العمر هو الموهبة الكبرى التي تترتب عليها المواهب الأخرى، فكل نعمة من نعم الله سبحانه ينعمها على عبده تترتب على نعمة الحياة، لأن الحياة هي وعاء هذه النعم جميعاً، فلذلك كانت المحافظة على هذه الحياة وجميع أجزائها من واجب هذا الإنسان بحيث يصرف وقته فيما يرضي الله تبارك وتعالى من أنواع الطاعات والقربات ومنافع الإنسان في دينه ودنياه، كطلب العلم ولو كان دنيوياً ينتفع به أو مدارسة القرآن الكريم، أو في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، (1/375)
صفحة 376
376
أو
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
هذه
في الاستفادة مما ينفع من كسب حلال لا أن يميت الوقت فيما لا يعود عليه بالمنفعة فإن ذلك مما يضر به ولئن كان العمر كله نعمة كبرى من الله سبحانه وهو وعاء النعم الأخرى كما ذكرنا فإن الشباب في عمر الإنسان هو المرحلة الذهبية، لما يتميز به من الفتوة والقوة والطموح، فلذلك كان حرياً بالإنسان وهو في شبابه أن يستغل فرصة الشباب، لأنه يقوى فيه على ما لا يقوى عليه في غيره، فيقوى في شبابه على إتيان كثير من الطاعات وفعل كثير من الخير مما لا يقوى عليه بعد فوات مرحلة الشباب، فلذلك كان يسأل عن شبابه سؤالاً خاصاً بجانب كونه يسأل عن عمره كله سؤالاً عاماً، هذا من ناحية الوقت، أما من ناحية الحكم فإن العبرة بما في المسلسلات هل فيها ما لا يحمد كرؤية المناظر الشائنة القبيحة، وذلك نحو أن يرى النساء المتبرجات الكاسيات العاريات، أو يرى شيئاً مما لا يجوز النظر إليه، أو يسمع شيئاً مما لا يجوز له الإصغاء إليه، فإن كان كذلك فإن ذلك مما يتنافى كل التنافي مع ما يطلب منه في رمضان وفي غيره، على أن الصيام داعية التقوى، فإن الله تبارك وتعالى يقول: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، ويقول في آخر آيات الصيام: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ عَايَتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [البقرة: 187]، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». وفي حديث آخر ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله».
ومعنى ذلك أنه لا بد من أن ينضبط الصائم في جميع تصرفاته وأعماله حتى تكون وفق شريعة الله الا الله فلا يستعمل العين إلا فيما يجوز النظر إليه، ولا يستعمل الأذن إلا فيما يجوز الإصغاء إليه، ولا يستعمل اليد إلا فيما يجوز تناوله أو دفعه أو البطش به ولا يستعمل الرجل إلا في المشي (1/376)
صفحة 377
فتاوى الصوم
377
الحلال، ولا يستعمل أي جارحة إلا فيما أباحه الله. أما أن يقضي سحابة نهاره وهو في ممارسة المحرمات فذلك مما يتنافى كل التنافي مع الصيام ومع حكمته ومع الغاية من مشروعيته، والله تعالى أعلم.
أريد نصيحة للشباب الذين يحيون ليالي رمضان باللعب وما شابه؟ النصيحة الموجهة إلى أولئك أن يعرفوا قيمة العمر وقيمة الشباب وقيمة الأوقات التي خصها الله تعالى بمزيد من الفضل كليالي شهر رمضان المبارك، ففي الحديث عن النبي: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وماذا عمل فيما علم»، فيسأل عن عمره لأن العمر هو النعمة الكبرى التي تترتب عليها النعم الأخرى، فكل نعمة من نعم الحياة إنما هي مبنية على هذه النعمة العظيمة وهي نعمة العمر، ثم إن هذا العمر يتميز جزء منه على جزء فالشباب متميز على بقية المراحل، فهو متميّز على المرحلة التي سبقته وهي مرحلة الصبا ومتميز على المرحلة التي تلحقه وهي مرحلة الكهولة والشيخوخة، فلذلك كان للشباب وضع خاص فيسأل عنه الإنسان سؤالاً خاصاً، هذا وقد فضل الله بعض الأوقات على بعض ومن بين هذه الأوقات المفضلة أوقات رمضان فكلها ذات فضل عظيم ليله ونهاره، كيف وقد جاء في الحديث ما يدلُّ على أن من أدى في رمضان نافلة كان كمن أدى في غيره فريضة ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى في غيره سبعين فريضة، فكفى بها ميزة ثم مع هذا نجد أيضاً أن الأعمال تضاعف أجورها وترقى درجاتها في شهر رمضان المبارك، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لأم سنان الأنصارية: إذا جاء رمضان فاعتمري فإن عمرة في رمضان تعدل حجة معي»، فجدير (1/377)
صفحة 378
378
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
بالإنسان أن يحرص على استغلال كل وقت من أوقات هذا الشهر، وأن لا يفوته في ما لا يعود عليه بجدوى، لذلك كان على أولئك الذين يقضون لياليهم في السمر والحديث الضائع الذي لا يجدي شيئاً والقيل والقال والهراء من القول، ويقضون أوقاتهم في نهارهم في اللعب إلى غير ذلك من الأحوال التي لا تحمد عليهم أن يتقوا الله، وأن يقدروا هذه النعمة وأن يعرفوا المسؤولية أمام الله تعالى. (1/378)
صفحة 379
الفصل الرابع
فتاوى الحج (1/379)
صفحة 380
[صفحة فارغة] (1/380)
صفحة 381
فتاوى الحج
الحج مناسكه وأهميته
381
ماه
ما هي
الآثار الروحية والسلوكية التي تطبعها فريضة الحج على المؤمن؟
إن الله تبارك وتعالى خلق الإنسان خلقاً سوياً، وجعل خلقه جامعاً لجوانب نفسية شتى، فهو كائن عاقل، وبسبب هذا العقل كُلّف ما كلف من الواجبات، لأنه بدون العقل يكون أشبه ما يكون بالكائنات التي تشاركه البقاء والوجود هذه الأرض ولا تشاركه العقل والتكليف، ولكن بجانب هذا فإن الله الله للم يحرمه من العاطفة التي تجعله يتشوق ويتطلع إما إلى الخير وإما إلى الشر، إلا أن الله تبارك وتعالى جعل فيما شرع في الدين الإسلامي ما يتلاءم مع فطرة هذا الإنسان، فهو يملأ جميع جوانبه النفسية ويستجيب لجميع تطلعاته الروحية، سواء ما يرجع منها إلى العقل أو ما يرجع منها إلى العاطفة، ولا ريب أن الإنسان وهو يؤمن بالله تبارك وتعالى، ويؤمن برسله المصطفين الأخيار، وبدينه الحق الذي شرعه لجميع عباده وأرسل رسله وهو دين الإسلام، ويؤمن بوحي الله الله، تنطبع في انطباعات تدعوه إلى أن يرتبط بأماكن في هذه الأرض، والله سبحانه المعبود منزه عن المكان والزمان، لأنه كان قبل خلق الزمان والمكان وهو على ما عليه كان لا يُدرك بعين ولا يُطلب بأين، فلذلك كان الإنسان وهو يتوجه إلى ربه الله المنزه عن الأمكنة والأزمنة لا بد له من أن يجد ما يملأ فراغ
جميع
نفسه (1/381)
صفحة 382
382
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
نفسه من حيث إنه يرتبط بأماكن ذات قدسية ومكانة وتاريخ، وتتطلع النفوس إليها وتشتاق القلوب إلى أن تصل إلى جنباتها لتنعم بالخلود فيها، فجعل الله سبحانه له بيتاً من أمه أحس من أعماق نفسه أنه يؤم نحو أمر الله تبارك وتعالى ويتجه إلى ربه عزَّ وجلَّ فلذلك كان الاتجاه إلى هذا البيت اتجاهاً إلى الله، ولا أدل على ذلك مما جاء في الحديث الصحيح عن وصحبه، من الأمر بعدم البصاق في الصلاة تجاه القبلة،
يعني
آله
النبي صلى الله عليه وسلم وعلى لأن الله بينه وبين قبيلته أي لأنه اتجه إلى ربه باتجاهه إلى تلكم القبلة، ولا ذلك أن الله تبارك وتعالى حال فيما بينه وبين قبلته، ولكن يحس الإنسان وهو يناجي ربه بهذه الصلاة أنه متجه إليه بروحه ومن أعماق نفسه، فهو الله وإن لم تكن له جهة إلا أن توجه العبد إلى مكان مقدس ومعظم عنده الله والذي أمر العبد بتعظيمه وتقديسه يفيض شعوراً في نفس الإنسان بأنه متجه إلى ربه فضلاً عما يرتبط به هذا المكان من تاريخ عظيم، وهذا التاريخ لا نستطيع أن نعرف أوله لأن بدايته غير واضحة لنا، وإنما أخبرنا الله سبحانه بأن البيت الحرام هو أول بيت وضع للناس، يقول عز من قائل: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ وَايَتُ بَيِّنَتُ ـقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ عَامِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 96، 97]، فبين الله الله أنه أول بيت وضع للناس وذكر أن من الآيات العظيمة التي فيه مقام إبراهيم، ولكن مع هذا نجد في ثنايا ما أنزل الله تعالى في كتابه ما يدلُّ على أن هذا البيت الحرام سابق على عهد إبراهيم، فإن إبراهيم علا عندما جاء بابنه إسماعيل وأمه هاجر السلال إلى هذا المكان المقدس كان فيما حكاه الله تعالى عنه في ضراعته وتوجهه إلى ربه أنه قال: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْنِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَوَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً (1/382)
صفحة 383
فتاوى الحج
383
مِنَ النَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37]، ومعنى ذلك أن البيت الحرام كان موجوداً قبل أن يقوم بتشييده وبنائه إبراهيم، لأن إبراهيم علي إنما بناه بعدما كبر إسماعيل، وبعدما تردد مرتين من أرض الشام إلى أرض الحجاز ليزور إسماعيل ولم يره كما دل على ذلك الحديث الذي أخرجه البخاري من طريق ابن عباس، وهذا مما يدل دلالة واضحة على أن بناء إبراهيم وإسماعيل للبيت العتيق كان بعد هذا الدعاء الذي توجه به إبراهيم علي إلى ربه عندما أسكن إسماعيل عل في ذلك المكان المقدس، ومن هنا فإن بداية بناء هذا البيت الحرام أمر غير معروف عندنا ولكن بني بأمر الله، وبناه من بناه من صفوة خلق الله سبحانه الذين اختارهم الله تعالى على علم ليكونوا حملة لمشعل الهداية بين الناس، ويكفينا أن من أم هذا البيت الحرام يستذكر تلكم العهود، فهو يستذكر إبراهيم ل وهو يجار إلى ربه الله
الظمأ
بالدعاء: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْنِكَ الْمُحَرَّمِ [إبراهيم: 37]، ويستذكر أيضاً ما كان من أمر إسماعيل عام وأمه هاجر للار وقد تركهما إبراهيم منفردين في ذلك المكان وإسماعيل لا يزال صبياً، وكيف اشتد الأمر بهاجر وبابنها إسماعيل عندما كان يكابد ما يكابد من حتى تداركتهما عناية الله، ففجر الله تبارك وتعالى لهما العين التي لا تزال بركتها باقية إلى الآن، وكان ذلك سبباً لأن يأتي إليهما من يأتي من قبيلة جرهم ليسكنوا في ذلك المكان الذي كان مهجوراً غير أهل بالسكان، هذا كله مما يستذكره المسلم، وإيمانه بأن عناية الله تبارك وتعالى وهي التي تداركت الطفل الصغير وأمه وهما في ذلك الموقف الحرج والحالة التي تشاهد فيها الأم ولدها يقاسي ألم العطش، يجعله يرجو عناية ربه في كل مكان، فعندما يتوجه إلى ذلك المكان ويطوف بذلك البيت لا ريب أنه (1/383)
صفحة 384
384
:
المرأة تسأل والمفتي يجيب -
الجزء الأول
يشعر بهذه العناية الربانية التي يحوط الله تبارك وتعالى بها عباده المؤمنين، فيرجو أن يكون له نصيب وافر منها ليشق طريق حياته غير لاو على شيء من تحدياتها، ويمتثل أمر ربه الله كيفما كلفه ذلك من المشقة والتعب، وبجانب هذا أيضاً يتذكر الدعوة التي انبعثت من ذلك المكان على يدي عبد الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ليجلجل صداها في أنحاء العالم بأسره حتى يمتد هذا الصدى عبر الأجيال المتعاقبة والقرون المتتابعة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فعندما يأتي الإنسان بعد طوافه بالبيت الحرام إلى الصفا ليبدأ السعي بين الصفا والمروة تتفاعل في نفسه أحاسيس متنوعة، فهو يذكر كما قلنا مأساة إسماعيل وهاجر وكيف كانا يكابدان المشقة حتى تداركتهما عناية الله ولا سيما عندما يبدأ السعي فيستذكر كيف كانت هاجر تتردد في ذلك المكان ذاهبة وآئبة وهي ترجو رحمة الله تعالى بها وبابنها، وكذلك يتذكر ما كان من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم عندما جاء إلى الصفا بعدما أنزل الله تبارك وتعالى عليه: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214]، فصعد على الصفا ونادى في قريش واصباحاه»، فاجتمعت حوله وقال لهم: أرأيتم أن لو أخبرتكم أن خيلا وراء هذا الجبل مغيرة عليكم أكنتم مصدقي؟» فقالوا له: ما جربنا عليك كذباً، فقال لهم: «إني لكم نذير بين يدي عذاب شديد. فابتدره عمه أبو لهب قائلاً له: تباً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فكان ذلك سبباً لنزول الوعيد الشديد الذي تضمنته سورة بأسرها أنزلها الله تبارك وتعالى من أجل توعد أبي لهب في مقابل هذا العنت وهذا الشقاق، إذ كان إمام الكافرين فكان هو الرائد لهم في تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم ومن ناحية أخرى فإن هذا مما يبعث في نفس الإنسان الأمل فإن تلك الدعوة مع ما واجهته من التحديات من أقرب الأقرباء وأخص الخاصة الذين كانوا حول النبي صلى الله عليه وسلم آتت ثمارها ولو بعد حين وأخذت تنتشر وسط (1/384)
صفحة 385
فتاوى الحج
385
أنواع التحديات، فهكذا دعوة الحق إلا أنها تحتاج إلى تضحية وفداء، إذ طريقها غير مفروش بالياسمين والورود وإنما هو مفروش بأشواك القتاد، فلا بد للمسلم أن يصبر ويصابر حتى تؤتي هذه الدعوة ثمارها بمشيئة الله تعالى، والله المستعان.
نريد منكم سماحة الشيخ أن تبيّنوا لنا مناسك الحج باختصار؟ مناسك الحج تكون على ثلاث كيفيات، لأن من يذهب إلى حج بيت الله الحرام إما أن يكون مفرداً بالحج وحده، وإما أن يكون قارناً بين الحج والعمرة، وإما أن يكون متمتعاً بالعمرة إلى الحج، فأما المفرد بالحج فإنه يهل من أول الأمر بالحج، بحيث يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، ثم يقول لبيك بحجة تمامها وبلاغها عليك يا الله وعندما يصل إلى مكة فإن كان الوقت متسعاً فإن من أهل العلم من يرى أن يطوف بالبيت الحرام، ومنهم من يرى أن الطواف قد يحوّل هذه الحجة إلى عمرة، وإن لم يكن بإمكانه الطواف وذلك بأن يصل في وقت متأخر فإنه ليس عليه طواف وإنما يذهب رأساً إلى منى في اليوم الثامن ثم يظل هنالك ويبيت ليلة التاسع عليه يوم عرفة وهو بمنى، ثم ينتقل بعد ذلك من منى إلى عرفات وهو يلبي ويذكر الله تبارك وتعالى ويستغفره ويتوب إليه، وعندما يصل إلى عرفات وتزول الشمس يقوم لأداء صلاتي الظهر والعصر جمعاً وقصراً، ثم بعد ذلك يدعو الله تبارك وتعالى بما تيسر له ويستغفره وينيب إليه ويكثر من التلبية ومن قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ويكثر من الدعاء والإلحاح فيه، لأن هذه العشية عشية مباركة ويستمر على ذلك إلى غروب الشمس، ولا
ويصبح (1/385)
صفحة 386
386
المرأة تسأل والمفتي يجيب -
الجزء الأول
يغادر مكانه إلى أن تغرب الشمس، فإذا غربت الشمس بدأ في الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة، فإذا وصل إلى هنالك جمع بين صلاتي المغرب والعشاء مع قصر العشاء وذلك في وقت العشاء، ويذكر الله تبارك وتعالى عند المشعر الحرام ويستمر على الذكر مع التبتل إليه سبحانه، ومع هذا يأخذ قسطاً من الراحة فينام ثم يصلي الفجر هنالك، وبعد صلاة الفجر يقطع وادي محسر بعدما يذكر الله تبارك وتعالى، ويحرص على قطع الوادي قبل أن تطلع الشمس. ثم يغدو إلى منى، فإذا وصل إلى منى رمى جمرة العقبة، وبعد رميه يتحلل لأنه ليس عليه هدي إلا أن يكون قد ساق الهدي، فإن كان قد ساق الهدي فإنه لا يتحلل إلا بعد أن يبلغ الهدي
محله لقول الله تبارك وتعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهُدَى يَحِلَّهُ [البقرة: 196]، ثم بعد التحلل يذهب إلى مكة المكرمة ويطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة يظل في منى لمدة ثلاثة أيام وهي اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، هذا إن تأخر، ويجوز له أن يتقدم بحيث يتعجل في يومين، أي يبقى إلى اليوم الثاني عشر بعد الزوال، وفي كل يوم يرمي الجمار الثلاث الجمرة الأولى والوسطى وجمرة العقبة بعد الزوال، كل واحدة منهن بسبع حصيات، ثم بعد ذلك يذهب إلى مكة المكرّمة، وعدما يريد المغادرة يطوف بالبيت ليكون آخر عهده بالبيت، فإن شاء الاعتمار فإنه يعتمر بعد أيام التشريق، وأما القارن بين الحج والعمرة فإنه يلبي بهما ويظل على إحرامه. واختلف هل لا بد من أن يطوف طوافين ويسعى سعيين أو أنه يجزيه لنسكه طواف واحد وسعي واحد، أو أنه يطوف طوافين ويكتفي بسعي واحد؟ واختلف أيضاً في القارن هل يجب عليه دم أو يجب عليه دم؟ والاختلاف مبني على أن القران هل هو خروج عن الأصل وأن الأصل عدم القرآن فلذلك يجب (1/386)
صفحة 387
فتاوى الحج
387
عليه الدم لأنه قول الله تبارك وتعالى: فَمَن تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجَ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي [البقرة: 196]، أو أن ذلك يعد تمتعاً. وعلى كل فإن كان أكثر العلماء يرون أن القران كالتمتع من حيث وجوب الهدي والذي أراه أنه إن لم يسق الهدي فلا يجب عليه أن يهدي، وأما المتمتع فإنه يهل بعمرة ويقول لبيك بعمرة تمامها وبلاغها عليك يا الله، وبعدما يصل إلى مكة المكرمة يطوف بالبيت ويسعى ثم يتحلل بتقصير أو بحلق، ثم بعد ذلك يبقى محلاً ويطوف بالبيت الحرام متى ما أراد وهو في حال إحلاله إلى أن يأتي اليوم الثامن، فإذا جاء اليوم الثامن فإنه يهل بحجة ويذهب إلى منى ثم إلى عرفات، فإذا جاء إلى منى في اليوم العاشر بدأ برمي جمرة العقبة بسبع حصيات ثم بعد الرمي ينحر هديه وبعد نحره للهدي يتحلل بحلق أو تقصير، ثم يطوف بعد ذلك طواف الإفاضة ويرمي الجمار في الأيام الثلاث، وعندما يريد المغادرة يطوف بالبيت وعلى الإنسان أن يحرص دائماً على أن يستحضر عظمة الله تبارك وتعالى وجلاله وكبرياءه، وأن يكون في تأديته لهذه المناسك مستشعراً أنه يطيع ربه تبارك وتعالى، فإن الأعمال الظاهرة لا قيمة لها إن لم تكن مصحوبة بنية خالصة لوجه الله وعل، وقد شرع الله سبحانه ما شرع من المناسك من أجل ذكره، فذكر الله يجب أن يسيطر على فكر الإنسان ووجدانه وأن يهيمن على جوارحه وأركانه بحيث يوجهها الوجهة المرضية في طاعة الله تبارك وتعالى، وبهذا يكون حجة بمشيئة الله تعالى حجاً مبروراً. ومما يجب التنبيه عليه أن من العلماء من ترخص في نحر الهدي قبل يوم النحر، بحيث ينحر الممتع هديه وهو في مكة المكرّمة قبل يوم النحر، وهذا فيه مخالفة للسنة فالنبي لو كانت أعماله في حجة الوداع ترجمة
جمع بين نسكين جميعاً وفي ذلك تمتع له، فيصدق عليه (1/387)
صفحة 388
388
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
دقيقة لمناسك الحج، وكل ما كان حكمه أوسع من فعله صلى الله عليه وسلم نبه عليه لئلاي يتقيد الناس بما فعله فلذلك قال: «وقفت هاهنا وعرفات كلها موقف»، وقال: «وقفت هاهنا وجمع كلها موقف»، وقال: «نحرت هاهنا ومنى كلها منحر» وفي رواية زيادة: وفجاج مكة كلها منحر». وهذا من أجل ألا يتقيد الناس بما فعله الله وإلا فبقية الأعمال كانت ترجمة دقيقة لمناسك الحج فيجب التقيد بما فعله صلى الله عليه وسلم فلو كان الهدي يمكن أن ينحر قبل يوم النحر لما قيد النبي صلى الله عليه وسلم عندما ساق الهدي بإحرامه وظل عليه إلى يوم النحر وقد قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة»، فلماذا تقيد بإحرامه إلى يوم النحر؟ إنما ذلك لأن للهدي ميقاتين ميقاتاً زمانياً وهو يوم النحر وميقاتاً مكانياً وهو الحرم فلا بد من التقيد بذلك، والله تعالى أعلم.
جميع
ما هي النصائح التي تسدونها إلى الحجاج وهم يستعدون لأداء هذه
الفريضة؟
نصيحتي لهم أولاً أن يتقوا الله الا الله وأن يدركوا أنهم مقبلون على ربهم، وأن يحرصوا على التخلص من كل التبعات، وقضاء جميع الديون، وأداء الحقوق، ومن ذلك أن يصلوا أرحامهم، وجيرانهم، وأن يستأصلوا ما بينهم وبين إخوانهم ما عسى أن يكون من الشحناء والخلاف والسخائم، وذلك بالمحاللة بينهم وبالكلمة الطيبة وبالابتسامة والبشاشة في وجوههم حتى يزيلوا ما في نفوسهم من الغيظ أو الحقد أو الكراهية، وعليهم مع ذلك كله أن يحرصوا على أن تكون أعمالهم التي يأتونها خالصة لوجه الله، فإن الأعمال إنما هي بالنيات والحج من جملة الأعمال فالنية يجب أن تكون الله تبارك وتعالى إذ لا يتقبل الله الا الله ما أشرك فيه غيره، لأنه (1/388)
صفحة 389
فتاوى الحج
389
أغنى الأغنياء عن الشرك، ونصيحتي لهم كذلك أن يحرصوا على التفقه
سال الله
في دين ربهم حتى لا يقدموا على شيء إلا ببينة من أمرهم وبصيرة
والله
المشكلة
من دينهم، وكثير من الناس الذين يفدون إلى البيت الحرام ويقومون بأداء المناسك يؤدون هذه المناسك على غير بصيرة، وهذا مما يزيد تعقيداً، فالزحام الذي يكون هنالك كثير ما تكون نتيجته جهل الناس،
أن الحجر
فنجد من الجهلة من يأتي إلى الحجر الأسود من الازدحام الذي يقع عنده ويحرص كل الحرص على أن يؤذي غيره بالمزاحمة، مع الأسود في أيام الحج خصوصاً في هذه السنين من أصعب الصعب أن يصل إليه أحد، فما الداعي إلى الازدحام هنالك؟ إنما ينبغي لكل أحد أن يحرص على الإشارة للحجر فحسب من غير أن يزاحم الناس حتى يصل إليه فيلمسه أو يقبله فإن أراد تقبيله فليكن ذلك بعد موسم الحج، ومن ذلك ما نجد كثيراً من الناس يفعلونه من تكاتفهم مجموعات مجموعات وهم يزاحمون الآخرين ولا يبالون بوطء الضعفاء ودفعهم وإيذائهم، وهذا مما يتنافى مع أمر الله الله، فإن الحج ليس مضايقة للآخرين إنما هو عبادة الله تعالى، بل نجد أن كثيراً من الناس يعتقدون أن الصلاة في صحن المسجد الحرام في ذلك الوقت تجاه الكعبة أمر مطلوب فيحرصون على الصلاة هنالك مع جموع الطائفين بالبيت، وهذا يؤدي بهم إلى عرقلة الطواف، وهو أمر لا يجوز شرعاً، فإن ذلك إيذاء للغير، وبدلاً من أن يفوز الإنسان بالأجر ينقلب بالوزر والعياذ بالله، وكذلك المزاحمة في الجمرات، فكل ذلك مما يجب إدراكه وهذا إنما يتيسر للناس بالتفقه في دين الله، ولذلك فأنا أوصي جميع إخواني الحجاج أن لا يقدموا على شيء إلا بعد أن يدركوا حكم الله تعالى فيه، وأن يرجعوا إلى فقهائهم أشكل عليهم، والله تبارك وتعالى ولي التوفيق.
رمي
فيما (1/389)
صفحة 390
ناشئاً
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
تدور على ألسنة خصوم الإسلام شبه منها يقولون: بأن في الحج بقايا من الوثنية من حيث تقديس الأحجار والطواف حولها والازدحام من أجلها، فكيف يردّ على مثل هذه الشبهة؟ أعوذ بالله هذه شبه أهل الجاهلية، ونحن وجدنا هذه الدعايات الفاجرة عند بعض النصارى من أمثال زويمر، الذي حاول أن ينتقد شعائر الإسلام بسبب ما كان يعتمل بين جوانحه من حقد على الإسلام والمسلمين، وكان يطمح إلى تنصير الجزيرة العربية بأسرها والقضاء على الإسلام في مهده فكان من ضمن ما انتقد به الإسلام أن الإسلام لا تزال فيه بقايا وثنية، ومن بين هذه البقايا تعظيم البيت الحرام، ونحن نقول إن تعظيم البيت الحرام ليس تعظيماً من فكر الإنسان القاصر المحدود، فهنالك فارق بين أن يكون الإنسان معظماً لشيء أُمر بتعظيمه من قبل ربه الله وبين أن يكون معظماً لشيء تعظيماً اخترعه من تلقاء نفسه، فإن الله تبارك وتعالى تعبد عباده بما تعبدهم به، فتعبدهم بأمور يعرفون غاياتها، وحكمها وأبعادها، فهذه الأمور هي عبادات ـ كما يعبّر عنها العلماء - معقولة المعنى، لأن حكمها واضحة ونتائجها، وثمارها ظاهرة، وهنالك أمور أخرى، تعبدنا الله تبارك وتعالى بها من غير أن نعرف الحكمة فيها، مثال ذلك الصلوات الخمس، فهي من حيث العموم معقولة المعنى والغاية، لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولأجل هذا أمرنا بإقامتها: {وَإِن الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت: 45]، ولكن هل معنى هذا أن كل ما تنطوي عليه هذه الصلاة هو معقول المعنى وندرك أبعاده وغايته؟ لا، فهنالك فارق بين صلاة الظهر وصلاة العصر وصلاة المغرب وصلاة العشاء وصلاة الفجر، ففرض الظهر والعصر والعشاء أربع ركعات، وفرض المغرب ثلاث ركعات، وفرض الفجر ركعتان لماذا كان ذلك؟ ذلك أمر لا ندريه، وأيضاً (1/390)
صفحة 391
فتاوى الحج
391
فالصلاة الواحدة بعض أعمالها تتكرر في كل ركعة، وبعضها لا تتكرر، فالركوع يتكرر في كل ركعة مرة واحدة والسجود يتكرر في كل ركعة مرتين، بينما تكبيرة الإحرام هي تكبيرة واحدة وإن كان التكبير يتكرر في جميع الانتقالات والتشهد يتكرر مرتين في الرباعية والثلاثية ويكون مرة واحدة في الصلاة الثنائية لماذا ذلك؟ هذه أمور لا ندريها وإنما علينا أن نسلّم لأمر الله تبارك وتعالى، لأننا لو حاولنا أن نتكلم فيها فإننا ننطلق في حديثنا من التخمين والظن، وليس لنا أن نقطع في هذه الأمور بمجرد ما يعتمل في نفوسنا من ظنون، فإن هذه الظنون كثيراً ما تكون خاطئة، وإنما نقول: هذه أمور تعبدية علينا أن نتقبلها ولو كنا لا نعرف الحكمة منها، وليس لنا أن نتساءل لماذا يتكرر السجود ولا يتكرر الركوع، بل علينا أن نمتثل أمر الله، وبهذا يتبيّن الفارق بين المطيع والعاصي وبين المؤمن والكافر وبين البر والفاجر، وكذلك بالنسبة إلى أعمال الحج فكثير منها غير معقولة المعنى، وقد تكون هنالك أسباب نتصور ونعتقد أنها من وراء مشروعية بعض هذه الأحكام، ولكن ليس لنا أن نقطع بهذه الأسباب إذ هذه أمور ظنية لا يقطع بها ما لم يكن هنالك دليل قطعي نصي يدل عليها، مثال ذلك السعي بين الصفا والمروة، فنحن لا نستطيع أن نقطع بأن سببه ما كان من قصة هاجر عليها السلام لأننا نقول لماذا خلد الله تبارك وتعالى هذا الأمر وجعله عبادة تجب على العباد؟ ذلك أمر لا ندريه والهرولة التي تكون في السعي لا نستطيع أن نقطع بسببها وإن كان قد قيل بأننا نهرول حيث كانت هاجر تهرول، وكذلك بالنسبة إلى الوقوف بعرفات، ولماذا خص باليوم التاسع دون غيره من الأيام، وكذلك البقاء في منى لمدة ثلاثة أيام ورمي الجمار فيهن كل ذلك من الأمور التي علينا أن نسلم تسليماً لها من غير أن نخوض في أعماقها، أما بالنسبة إلى تعظيم الكعبة والحجر الأسود فإن هذا أمر فرضه (1/391)
صفحة 392
392
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
الله تبارك وتعالى علينا ونحن نرى فيما كان من أعراف بين العباد ما فيه مقنع لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فنحن نرى أن خرقة تعلق فيكون لها شأن عند الناس بسبب أنها علم لدولة من الدول، وأصحاب تلك الدولة يحرصون على ألا تمس بسوء قط، مع أنها مجرد خرقة ليست لها مع ميزة دون غيرها من الخرق، ولكنها صارت رمزاً لتلك الدولة، فالكعبة البيت الحرام إنما هي رمز لامتثال دين الله والانصياع لأمره، وهنالك تلتقي وفود الله تبارك وتعالى التي تأتي من بقاع الأرض، كما قال لا لِيَشْهَدُوا مَنَفِعَ لَهُمْ} [الحج: 28]، ومن بين هذه المنافع ما يحصل بينهم من التعارف والتآلف وما يحصل بينهم من الانسجام والتعاون على البر والتقوى، فإن وفود الحق سبحانه تأتي من بقاع الأرض إلى تلكم الأماكن المقدسة على اختلاف أحوالها وهم كلهم يؤمون الكعبة ويرددون شعاراً واحداً قائلين: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، والكل أيضاً يتجرد في ثوبين مع ما يكون بينهم من التمايز عندما يكونون في حالاتهم العادية، بحيث يكون هذا متميزاً بزيه وذاك متميزاً بزيه إلا أن كل واحد يترك زيّه ليتجرد في ثوبين، ثم مع هذا يحصل أيضاً أصحاب المهارات والخبرات على اختلاف أنواعها، وفي هذا ما يجعلهم يتعارفون ويبحثون قضاياهم ومشكلاتهم المتنوعة ويعطون الحلول فيكون في ذلك تعاون على البر والتقوى بمشيئة الله، فينطلقون وقد أخذ كل واحد منهم شحنة إيمانية في نفسه، من خلالها يتمكن شق طريق الخير داعياً إلى الله الا الله ممتثلاً لأمره متجرداً من جميع ما يعوقه عن السعي إلى الخير والدعوة إليه، فهذا كله من حكمة مشروعية الحج كما قال اليَشْهَدُوا مَنَفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَةٍ عَلَى مَا
تلاقي
من
رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَةِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَابِسَ الْفَقِيرَ} [الحج: 28].
هنالك (1/392)
صفحة 393
فتاوى الحج
393
سماحة الشيخ هل تشعرون أن فريضة الحج عبر السنين المختلفة قد أدت وظيفتها وأهدافها المقصودة؟
لا ريب أن الأمة الإسلامية يحمل كل فرد من أفرادها بين جوانحه عاطفة جياشة تشده إلى إخوانه المؤمنين، وتلهب في نفسه مشاعر الحماس من أجل هذا الدين، ولكن مما يؤسف له أن هذه العاطفة كثيراً ما تكون غير مصحوبة بعلم وبصيرة، حتى يكون الإنسان قادراً على استخدامها و تصريفها وفق متطلبات الدين الحنيف ووفق مصلحة هذه الأمة، فلذلك كثيراً ما تكون العبادات على اختلاف أنواعها غير مؤدية للدور المطلوب منها، بسبب أن ممارستها لا تكون على بصيرة ووعي ودين، ولو أن الناس فقهوا أمر دينهم واستبصروا بوحي ربهم الله لكان الواقع غير ما نرى وما نشاهد، ولأدى الأمر إلى ترابط هذه الأمة وتعاونها جميعاً على البر والتقوى وخروجها من المأزق الذي لا تزال تعاني فيه ما تعاني، فعدم الفقه في دين الله سبحانه هو الذي أدى إلى عدم أداء هذه الشعائر المقدسة على النحو المطلوب وعدم استصحاب الإنسان لبصيرة العقل في ممارسته إياها وتأديته لها، فلذلك يذهب الإنسان من هنا إلى هناك من أجل أداء هذه الفريضة المقدسة وكأنما هو ذاهب إلى زيارة من الزيارات، مع كونه يحمل فيما بين جنباته هموم الأمة، ولكن هذا الحمل إنما هو عاطفة، والعاطفة سرعان ما تتقد ثم تنطفئ وسرعان ما تبدو ثم تضمحل، فلذلك لا بد من استمرار هذا الشعور وهذا الإحساس في نفسية المسلم ليكون همه الوحيد في حياته، ونحن نحمد الله تبارك وتعالى على أنه وجدت مجموعات من البشر التقت من أنحاء مختلفة في العالم في تلكم العراص وكان بينها التعارف والتآلف والتواد والتراحم، (1/393)
صفحة 394
394
تحرص
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
ولكن لا يعني ذلك أن الأمة أصبحت في حل من أمرها، إنما عليها أن دائماً على استغلال هذه المواسم وهذه اللقاءات ما بينها لتشد من رابطتها ولتستمسك أكثر فأكثر بدينها، ولتحرص دائماً على على ما يجمع شملها ويوحد صفها ويرأب صدعها ويجمع كلمتها، ولتحرص على البذل فيما يعود بالخير على الدين الحنيف وعلى جميع أفراد الأمة والله تعالى ولي التوفيق. (1/394)
صفحة 395
فتاوى الحج
محرم المرأة في الحج
395
ما شروط الحج بالنسبة للمرأة؟
لا تختلف شروط حج المرأة عن شروط حج الرجل، وإنما تزيد المرأة شرطاً واحداً، وهو أن يصحبها زوج أو محرم مسلم مستور الحال غير كافر ولا فاسق لحرمة سفرها بنفسها، والطاعة والمعصية لا يجتمعان. والله أعلم.
هل للمرأة أن تذهب إلى الحج بدون محرم مع مجموعة من النساء؟ إن لم تجد لها محرماً ولم يكن لها زوج يصحبها إلى الحج فلها أن تذهب في رفقة النساء المؤمنات المصطحبات لأزواجهن أو ذوي محارمهن بدليل أن أُمهات المؤمنين حججن في رفقة المؤمنين مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.
هل يجوز للمرأة أن تذهب للعمرة بدون محرم، علماً أن معها خالتها وزوج خالتها؟
إن كانت خالتها أمينة وزوجها أميناً ولم تجد من يرافقها من المحارم أو الزوج فلا حرج عليها أن تذهب مع هؤلاء الأمناء، فإن ذلك مما وقع في عهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم. (1/395)
صفحة 396
396
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
هل يجوز للمرأة أن تذهب إلى الحج والعمرة مع نساء صالحات معهن محارمهن، علماً بأن هذه المرأة ليس لديها محرم، وكذلك فقد أدت الواجب عليها من العمرة والحج وهي ذاهبة في هذه المرة لأداء
النفل؟
الأولى لها أن لا تذهب في عمرة النفل إلا مع ذي محرم أو زوج، ولكن مع هذا كله لا نقول بحرمة ذلك عليها إن كانت الرفقة أمينة، والله تعالى أعلم. المرأة التي تريد أن تذهب إلى الحج فلم تجد سوى نساء يذهبن مع محارمهن لكن المحارم الذين يذهبون معهن لا بد أن تتوفر فيهم الأمانة، لكن الأمانة هنا لم تتوفر بالطريقة المطلوبة، فهل تذهب معهم
هذه المرأة؟ لا بد من أن يكون هؤلاء الرجال الذين أخذوا معهم محارمهم من النساء أمناء، فإن الخائن غير مؤتمن، ولذلك لا ينبغي للمرأة بل لا يجوز لها أن
ترافق الخونة من الرجال ولو كان عندهم نساؤهم، والله تعالى أعلم.
امرأة أرادت الحج فلم تجد محرماً نظراً لأن زوجها كان مريضاً، وهي ترغب رغبة شديدة في أن تحج فهل لها أن تصطحب نساء المسلمين أو أن تؤجر؟
أما النيابة عن القادرة فى حجة الفريضة فلا، وإنما يُناب عن العاجز والميت وقد رخص جماعة من أهل العلم في النيابة عن القادر في حجة النفل لا في حجة الفريضة، نعم من كان ممنوعاً عن الذهاب إلى الحج وذلك بأن يحصر بعدو أو نحوه من الأسباب التي تحول بينه وبين الذهاب فإن أهل (1/396)
صفحة 397
فتاوى الحج
397
العلم يحملونه على العاجز في الحكم ويرون جواز إنابته غيره ليقوم عنه بأداء مناسك الحج. هذا وعندما تكون المرأة راغبة في أداء فريضة الحج عليها ولا تجد محرماً يصحبها فإنها يُباح لها أن تذهب في رفقة جماعة المسلمين الأمناء المصطحبين لنسائهم، واستدل لذلك بما كان من سفر أُمهات المؤمنين رضي الله عنهن بصحبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب له ومن معه في الرفقة لأداء مناسك الحج، وهذا دليل على جواز خروج المرأة في مثل هذا السفر من أجل أداء هذه المناسك المشروعة، وهذا متوقف على أمانة هذه الرفقة، فلا بد أن تصحب الأمناء لا أن تصحب كل أحد، وأن يكون أولئك الأمناء مصطحبين لنسائهم معهم، كأن يكون أحدهم مصطحباً لزوجته والآخر لابنته والآخر لأمه والآخر لخالته وهكذا.
امرأة أسلمت في دولة مسلمة وليس لديها محرم وترغب في فهل يصح لها أن تحج بغير محرم أو هل هناك طريقة أخرى؟
الحج،
إن كانت تحج حجة الفريضة فلها أن تذهب في رفقة جماعة المسلمين الثقات الأمناء المصاحبين لنسائهم، فإن أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن حججن مع أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه، وقد استدل العلماء بهذا على جواز حج المرأة برفقة جماعة المسلمين الموثوق بهم، ولا بد من أن يكونوا مصاحبين لنسائهم كما تقدّم. (1/397)
صفحة 398
398
الإحرام
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
ما أحكام إحرام المرأة والشروط التي يجب مراعاتها في ملابس المرأة
المحرمة؟
أحكام إحرام المرأة كأحكام إحرام الرجل في المنهيات، غير أنها تلبس المخيط، وتغطي الرأس وتكشف عن وجهها وكفيها، والله أعلم.
ما حكم تخصيب المرأة لملابسها للإحرام؟
أما كون ذلك من السُّنَّة فهذا لا أساس له وأما هل يجوز أن تُحرم المرأة في الملابس المخضبة أو لا يجوز فهو جائز.
المرأة عندما تذهب إلى العمرة أو الحج هل تحرم في ملابسها العادية تتقيد بثوب أخضر تحرم به؟
المرأة تحرم في ملابسها التي تلبسها، ولا يتميز لباس إحرامها عن سائر
لباسها.
نجد أن بعض النساء يحرمن بالملابس البيضاء، فما رأيكم؟
ليس للمرأة لباس معين في إحرامها، فلها أن تلبس أي لباس بشرط أن (1/398)
صفحة 399
فتاوى الحج
399
يكون ساتراً وغير مثير، وانحصار الإحرام في اللباس الأبيض لا معنى له، ولا مانع من أن تلبس اللباس الفاخر أيضاً من خز ونحوه كما جاء في حديث عائشة، والله تعالى أعلم.
امرأة حجت من ثمان سنوات وكانت لا تعلم شيئاً عن تغطية القدم، فهل حجتها صحيحة؟
نسأل الله تعالى القبول والتوفيق، ولتمض على الاعتداد بتلك الحجة وعلى تدارك ما فاتها في ذلك الوقت من أعمال الخير، الله تعالى يتقبل منها، وليس عليها أن تُعيد الحج، وإنما تكون حجتها الأخرى ـ إن حجت ـ من باب النافلة وليس من باب الفريضة.
هل يجوز للمحرمة بالحج أن تتخضب بالحناء؟ فقد وجدنا رواية في منهج الطالبين أن زوجات النبي يختضبن بالحناء وهن محرمات، ما صحة هذه الرواية؟
لم أطلع على سند لهذه الرواية، وصحة الروايات موقوف على معرفة أسانيدها صحة وضعفاً، وأظن أن المراد بالرواية أنهن يحرمن وأثر الخضاب في أيديهن وأرجلهن وهذا غير ممنوع، والحناء من الزينة وليس من الطيب، حتى يحرم على المحرمة، والله أعلم.
هل يجوز للمرأة إذا أرادت الإحرام للحج أو العمرة أن تغسل جسمها بالصابون، علماً بأن رائحته لا تلبث أن تزول بعد ذلك؟
لا مانع من ذلك، والله أعلم. (1/399)
صفحة 400
400
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
اغتسل شخص بالصابون المعطر قبل أن يحرم؟
6
أما قبل الإحرام فلا يُمنع من أن يمس طيباً قط وأما بعد الإحرام فإن كان الصابون معطراً فعليه تجنبه، وإن لم يكن معطراً فلا مانع منه.
ا يذكر شيخنا نور الدين السالمي الله في جوهره أن المرأة عند الإحرام لا يجوز لها ستر الوجه فقط، فهل يجوز لها ستر اليدين؟ فإن كان لا يجوز ستر الكفين فهل يجوز إحرام المرأة وفي كفيها شيء من زينة كالحناء والنقش؟
أما ستر الوجه بغير النقاب فهو جائز عندما تحاذي الرجال، كما روت أم المؤمنين عائشة لا أنهن كن يرخين على وجوههن شيئاً من جلابيبهن عندما يحاذين الرجال، وكذلك ستر الكفين لا مانع من أن تسترهما المرأة بجلبابها، وأما أن تلبس القفازين فلا، لأنها نهيت في الحديث عن لبس النقاب والقفازين، والله تعالى أعلم.
امرأة تلبس أسورة ولا يمكنها أن تنزعهما عند الإحرام إلا عن طريق القص فهل يبقى مكانه عندما تريد أن تحرم أم تقصه؟
أنا أعجب مما رأيته عن فقهائنا رحمهم الله من أن المرأة تُؤمر بأن تنزع ما عليها من حلي عندما تحرم، وهذا من باب الاحتياط، ولأجل إبعاد المرأة عما يغري الرجل بها، فكما يبتعدان عن الطيب لأن الإحرام يتنافى مع التطيب، جعلوا الزينة - لأنها مغرية - كالطيب، إلا أننا وجدنا في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها والذي روي عنها موقوفاً عليها ومرفوعاً إلى النبي أنه لا بأس بحلي، المرأة، ومع سترها لهذا الحلي ومع وجود الرواية بهذا لا نستطيع أن نأخذ بالقياس، وإنما يصار إليه مع عدم النص، (1/400)
صفحة 401
فتاوى الحج
401
على أني لا أمنع من أن تتجرد المرأة من زينتها عندما تذهب إلى هنالك، بل أقول بأن الخروج من عهدة الخلاف أحوط، وينبغي للمسلم أن يخرج من عهدة الخلاف مهما أمكن، ولكن مع هذا كله لا أشدد عليها وأقول بأن ذلك لازم مع وجود هذا الدليل، والله تعالى أعلم.
الحاج الذي يريد الإفراد ويأتي من المدينة ويمر من ذي الحليفة مثلاً هل له أن يأتي مباشرة ويبيت في مكة ثم في صباح اليوم الثاني يحرم من مكة وينطلق إلى منى؟ بما أنه قصد الحج وأمّ وجهه نحو البيت الحرام لأجل أداء شعيرة الحج فإنه لا يجوز له أن يتعدى الميقات إلا وهو محرم، فإن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام عندما حدد المواقيت قال «هن لهن ولمن أتى عليهن ممن أراد الحج أو العمرة»، فقوله: «هن لهن»: أي هذه المواقيت لهذه الأماكن المخصصة المعلومة، ولمن أتى عليهن»: لمن أتى إلى هذه الأماكن من بلاد بعيدة كأن يدخل من طريق المدينة المنوّرة فإنه يحرم من ذي الحليفة أو يدخل من طريق نجد فيحرم من قرن المنازل، أو يكون آتياً من العراق فيحرم من ذات عرق، أو من اليمن فيحرم من يلملم، أو من الشام أو مصر فيحرم من الجحفة. فمن أراد الحج أو أراد العمرة لا يجوز له أن يتجاوز الميقات إلا وقد أحرم بالنسك الذي أراده من حج أو عمرة. ثم إن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام قال: «خذوا عني مناسككم». وقد حج معه عدد كبير من أصحابه ومنهم من كان محرماً بالحج، ومنهم من كان قارناً بين الحج والعمرة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم كل من كان محرماً أن يتحلل بعمرة إلا من كان سائقاً للهدي وقال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة». ومعنى هذا أن من (1/401)
صفحة 402
402
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
الناس من كان مهلاً بالحج ومنهم من كان مهلاً بعمرة وحجة معاً، ولربما كان بعضهم متمتعاً، ولكن لم يتجاوز أحد منهم الميقات إلا وهو محرم، فلا يجوز لأي أحد أن يتجاوز الميقات وهو يريد الحج أو العمرة إلا وقد أحرم، والله تعالى أعلم.
بالنسبة للإحرام هل تلزم له ركعتان تسميان بركعتي الإحرام؟ أما اللزوم فلا، ولكن ينبغي للإنسان إن أراد الإحرام إما أن يحرم على إثر صلاة صلاها كأن يحرم على إثر صلاة الظهر أو صلاة العصر أو صلاة المغرب أو صلاة العشاء أو صلاة الفجر، أو أن يحرم بعد أن يركع ركعتين ليكون قد أحرم بعد صلاة كما أحرم النبي عليه أفضل الصلاة والسلام بعد
صلاة.
من أين يحرم المسافر عن طريق الطائرة؟ أما إذا كان يسافر إلى المدينة مباشرة، أو يسافر بطائرة إلى جدة ثم يذهب إلى المدينة فإنه يحرم من ذي الحليفة أو من أي ميقات يمر به عندما يريد التوجه إلى مكة، أما إن سافر إلى جدة وهو على قصد التوجه إلى مكة المكرمة فإنه يلبس إحرامه في آخر مطار يطير منه أو في نفس الطائرة قبل أن يصل إلى الميقات، وعندما يتحرى قرب الوصول إلى الميقات فإنه يبدأ بالإهلال بالحج أو بالعمرة، والله تعالى أعلم. (1/402)
صفحة 403
فتاوى الحج
الطواف
403
هل على المفرد طواف القدوم؟
هذه المسألة مما وقع فيه الخلاف بين أهل العلم، وعلى أي حال إن ذهب المفرد بالحج إلى منى مباشرة بحيث لم يلبث بمكة فإنه لا يطوف ولا يسعى، فإن سعى كانت تلك عمرة وكان بذلك إما قارناً بين الحج والعمرة أو متمتعاً بالعمرة إلى الحج.
هل يشرع تأخير طواف الإفاضة إلى آخر أعمال الحج ليغني عن طواف الوداع وذلك بدون عذر؟ يُؤمر الإنسان أن يجعل آخر عهده بالبيت فإن كان طواف الإفاضة هو آخر عهده بالبيت فلا حرج، إلا أنه لا ينبغي ذلك إلا من عذر كالزحام الشديد مع كون الإنسان ضعيفاً لا يتحمل الزحام.
فيمن لم تتمكن من طواف الإفاضة ولا الوداع بسبب المحيض ولم ينتظرها أصحاب الحملة ماذا عليها؟
الحائض تعذر عن طواف الوداع كما دلّ عليه حديث عائشة وابن عباس ولا تعذر عن طواف الإفاضة لأنه ركن من أركان الحج فإن لم تطف حتى عادت إلى أهلها فلا حج لها وعليها أن تحج من قابل اللهم إلا عند من (1/403)
صفحة 404
404
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
يرى عدم فوات طواف الإفاضة ما لم ينسلخ ذلك العام ولها أن تعود من أجله ما لم تفسد حجها بالجماع، والله تعالى أعلم.
إذا ذهبت المرأة إلى الحج مع محرم لها وأدت جميع مناسك الحج، إلا أنها داهمها عذر شرعي قبل أداء الطواف واضطرت إلى السفر والرجوع مع زوجها ولم تستطع العودة مباشرة بعد اغتسالها بحيث اضطرت للجلوس فترة قد تمتد إلى أكثر من شهر، فماذا تفعل؟ وهل يستطيع زوجها مجامعتها في تلك الفترة قبل الذهاب؟ إن جامعها في تلك الفترة بطل حجها، وإن لم يجامعها فلها أن تعود ولو بعد مضي شهر إلى مكة المكرّمة وتطوف طواف الإفاضة وذلك على رأي من يرى أن طواف الإفاضة لا يفوت ولو بعد ذي الحجة وعندئذ يحل لزوجها أن يجامعها.
بعد طواف الوداع هل للشخص أن يشتري طعاماً أو ماء للطريق؟ ما كان محتاجاً إليه في طريقه من ماء أو طعام أو نحوهما فلا مانع من أن
يشتريه. (1/404)
صفحة 405
فتاوى الحج
السعـ
405
عن الوقوف على الصفا حيث يوجد بلاط في الأسفل وبقايا الجبل في الأعلى أين بالتحديد يجزي المسلم أن يقف؟
يؤمر الرجل أن يرتفع مقدار ما يشاهد البيت الحرام ويقابله وأما المرأة فلا عليها إن بقيت في الأسفل من غير أن تصعد.
عندما تقام الصلاة في أثناء السعي يقف الناس الذين يؤدون السعي،
فهل يواصلون بعد ذلك مباشرة؟
نعم، يبنون على ما تقدم من سعيهم.
لا
من أرهقته رجلاه وتعب في السعي هل له أن يستريح؟
حرج
ذلك
عليه، وبعد يبني على ما تقدّم من سعيه.
هل يجوز تقديم السعي على الطواف في الحج، وما مدى صحة الحديث الذي جاء من طريق أسامة بن شريك في ما معناه أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طف ولا حرج»؟ أما الحديث فلا أعرف إسناده، ولكن السعي إنما هو مرتبط بالطواف، (1/405)
صفحة 406
406
التي
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا
الجزء الأول
والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «خذوا عني مناسككم». فعلى الإنسان أن يتقيد بالكيفية أداها رسول الله، وكل ما كان حكمه أوسع من عمله صلى الله عليه وسلم نبه عليه لئلا يقع للناس في إحراج، فقد قال: «وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف»، وقال أيضاً في جمع: «وقفت هاهنا وجمع كلها موقف». وقال: «نحرت هاهنا ومنى كلها منحر، وفي رواية: «ومنى كلها منحر وفجاج مكة كلها منحر». لئلا يتقيد الناس بالوقوف حيث وقف صلوات الله وسلامه عليه، ويتقيدوا بالنحر في الموضع الذي نحر فيه.
الشك ما حكم في السعي؟
أنا أعجب من هذا الشك ما هو مصدره؟ فإن هذا من غرائب الأمور!!! لأن السعي أمره واضح ولعله أوضح من الطواف، فقد يكون الشك في الطواف ولكن كيف يكون الشك في السعي؟ لأنه يبدأ من الصفا ويختتم بالمروة والذهاب يعد شوطاً والمجيء شوطاً آخر، فيستبعد أن يكون هنالك شك، ولو قدرنا وقوع الشك فإنه يبني على الأقل، إذ أمر السعي ليس بأعظم من أمر الطواف، والطواف حكمه كحكم الصلاة، فكما أن شك في الصلاة
يبني على الأقل فكذلك الطواف، والله تعالى أعلم.
من (1/406)
صفحة 407
فتاوى الحج
يوم التروية والمبيت بمنى
407
في منى الناس بين لاءِ وبين عابد ومستغل لوقته، كيف يمكن للحجاج أن يستغلوا أوقاتهم في منى؟
الله تبارك وتعالى يقول: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى [البقرة: 203]، ومن المعلوم أن الذكر يكون في حال رمي الجمار وفي غير حال الرمي، وقد روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان يُكبّر بمنى في أيام التشريق فيسمعه من حوله فيتجاوبون معه بالتكبير، ثم يسمع ذلك غيرهم حتى تتحول منى كلها إلى تكبير هكذا كانوا يحرصون على تكبير الله تعالى، عملاً بهذا التوجيه الرباني، ومن المعلوم أن ذكر الله تعالى مما يثمر تقوى الله تعالى في نفوس العباد الذاكرين، والله تعالى أعلم.
بعض الناس عندما يلتقطون الحصى من منى والمزدلفة يقومون بغسلها،
فهل غسل الحصى من السنة؟
ليس لذلك دليل، وإنما هذا مجرد نظافة فحسب.
هل يحل استخدام الكحل في ليلة التاسع بالنسبة للحاجة؟
الكحل ليس بطيب، وما عرفت أن الكحل طيب حتى يمنع
استخدامه. (1/407)
صفحة 408
408
الوقوف بعرفة
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
ما هي شنن الوقوف بعرفة؟
الوقوف بعرفة يجب أن يكون بإحرام، ومن السُّنَّة أن يكثر الحاج من التلبية ومن ذكر الله تبارك وتعالى ومن الدعاء ويحرص على القيام بقدر المستطاع
له
في دعائه وتوجهه إلى ربه، وأن يكون مستقبلاً للبيت الحرام، وما ينبغي أن يكون على طهارة، لأنه يذكر الله، وذكر الله تعالى على طهارة أفضل، إلا أنه لو كان محدثاً ـ أي على غير وضوء - فلا مانع بل ولو نام واحتلم مثلاً بعدما صلّى الظهر والعصر وظل على جنابته فإن ذلك لا ينافي ذكر الله تعالى من غير تلاوة القرآن ولا يؤثر ذلك على إحرامه، ولكن هذا كله مع فالأفضل أن يحرص على الطهارة، والله تعالى أعلم.
كيف يمكن للحاج أن يستدل على أن الزوال قد بدأ وهل ينتظر الأذان؟ زوال الشمس أمر طبيعي يُدرك من خلال النظر إلى الظل، فإن ظل الشمس يتناقص باستمرار من طلوعها إلى وقت الاستواء، وعند الاستواء ينعدم الظل نهائياً اللهم إلا الظل الذي تزول عليه الشمس، وذلك أن تكون الشمس في الجنوب ويمتد الظل إلى جهة الشمال وذلك في أيام الشتاء، وبعد ذلك يبدأ الظل في الزيادة، فعندما يبدأ الظل في الزوال فثم زوال الشمس، وإن اعتمد على الأذان
فلا ريب أن المؤذنين أمناء، ومما يظن بهم أنهم لا يؤذنون قبل زوال الشمس. (1/408)
صفحة 409
فتاوى الحج
409
عرفات الناس حيارى هل سيظلون وقوفاً بعد الزوال أم كلما تعبوا
لهم أن يجلسوا أم كيف يفعلون؟
لا يلزم الوقوف، ولكنه هو مما ينبغي بقدر المستطاع، فللإنسان أن يقعد وأن يضطجع ويرتاح، وإنما ينبغي له أن يستمر على ذكر الله تعالى بقدر المستطاع، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.
بالنسبة للوقوف بعرفة، هكذا المسلم واقفاً أكثر وقته أم ماذا؟
هي
اللفظة المتعارفة، فهل تعني أن يظل
لا يلزمه أن يكون مستمراً في وقوفه بل يمكن أن يقف على رجليه أو على راحلته كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم فقد كان كثيراً ما يقف على راحلته، ويمكن أن يقعد ولا سيما عندما يحس بالتعب وبالشدة ولكن ينبغي له أن يكثر من الوقوف ومن الدعاء.
وقفت بعرفات وحاولت جاهدة بالدعاء والتضرع إلى الله وسكب العبرات فى ذلك الموقف ولكن دون جدوى، وهذا ما يحدث لي في كثير من المواقف التي تستدعي البكاء، غير أنني في بعض المواقف تنسكب العبرات مني ودون سابق دعاء، فهل أكون بذلك من القاسية
قلوبهم؟
أرجو أن لا تكوني من القساة ما دمت تستشعرين مخافة الله وترتجين فضله
وتخشين عقابه.
عند الدفع من عرفة بعض الحجاج يقدمون النساء فهل ذلك جائز؟
الرجال والنساء في الإفاضة سواء، والله أعلم. (1/409)
صفحة 410
410
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
عن الحائض في عرفة وغيره ماذا تفعل في الحج؟ تأتي الحائض جميع مناسك الحج إلا الطواف بالبيت فإنها تنتظر حتى تطهر ثم تطوف، لأن الطواف صلاة، وإنما أحل الله تعالى فيه الكلام، فيجب على الطائف أن يكون طاهراً طهارة كاملة متخلصاً من الحدث الأصغر والأكبر، وإن حاضت بعدما طافت طواف الإفاضة فهي معذورة عن طواف
الوداع، فإن النبي صلى الله عليه وسلمرخص للحائض في طواف الوداع أن تتركه.
امرأة علمت عن وفاة زوجها وهي في الحج قبل الوقوف بعرفة فهل تكمل مناسك الحج أم تعتمر وتترك المناسك؟
تكمل مناسك حجها، ولا يجوز لها أن تتخلف عنها بعد إحرامها، وهو لا ينافي عدتها بل تستمر على أداء مناسك الحج وهي معتدة، والله أعلم.
اليوم التاسع هو يوم عرفة، فكيف يعيش المسلم خطبة وداع النبي صلى الله عليه وسلم أُمته هذا اليوم؟ يوم عرفة يوم عظيم، وقد امتن الله تبارك وتعالى على هذه الأمة بأن أنزل على نبيها عليه أفضل الصلاة والسلام في يوم عرفة ما يؤذنها بأن الله تبارك وتعالى أتم عليها النعمة وأكمل لها الدين، فقد قال الله في كتابه العزيز: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دينا} [المائدة: 3]، فهذه الآية مؤذنة بهذا الخير العظيم وقد أنزلها الله تبارك وتعالى على نبيه في يوم عرفة، وقد قيل بأن ناقته بركت عندما نزل الملك بها على قلبه عليه أفضل الصلاة والسلام، وهي مؤذنة بأن الله الله وفق نبيه بأن يضطلع بالأمانة التي حملها، وأنه بلغ الناس، وفي هذا اليوم أعلن النبي يا الله حق الإنسان في هذه الأرض وما (1/410)
صفحة 411
فتاوى الحج
411
قال:
على الإنسان للإنسان وما يكون بين الناس فمما قاله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم: إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتفاخرها بالآباء كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى». فليس للناس أن يتعالوا بالأحساب والأنساب وأن يتفاخروا بها، وإنما عليهم أن يعتبروا الميزان الذي يتفاضل به الناس هو ميزان التقوى، فبقدر ما يكون الإنسان متقياً لربه متقرباً إليه يكون ثقيل الميزان، وبقدر ما يكون بخلاف ذلك يكون خفيف الميزان، ثم إن النبي إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. فبين النبي حرمة المسلم على المسلم، صلى الله عليه وسلم فدم المسلم على المسلم حرام، ومال المسلم على المسلم حرام، وعرض المسلم على المسلم حرام، فلا يجوز لأحد أن يتطاول على أخيه المسلم فينال من عرضه، ولا أن يسفك شيئاً من دمه، ولا أن يأخذ شيئاً من ماله، بل عليه أن يرعى حرماته، فهذا مما يجب على المسلم
أن
يكون على بينة منه وهو يمر بهذه المناسبة التي تتجدد فيها ذكرى إتمام الله تبارك وتعالى النعمة على عباده وإتمام دينهم الذي ارتضاه لهم ومعنى هذا أن الإنسان وهو يمر بهذه المناسبة أن يستشعر هذا الميثاق العظيم، والعهد الذي بينه وبين ربه والمنّ الذي من الله تبارك وتعالى به على عباده وأن يستشعروا ما بين المؤمنين من ولاء وترابط وتراحم وتعاطف وتلاحم كما أمر الله الا الله، ليشكل المؤمنون كتلة واحدة يتألم كل فرد من أفرادها بألم أي فرد من سائر أفراد المجموعة مهما كان بينهم من التباعد ولو كان أحدهما في المشرق والآخر في المغرب فمشاعرهم وأحاسيسهم، واحدة، كما أن عقيدتهم واحدة ووجهتهم واحدة، والله تعالى الموفق. (1/411)
صفحة 412
412
المبيت بمزدلفة
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
هل يشرع قيام الليل في ليلة المبيت بمزدلفة أم أن ذلك اليوم يوم راحة
فينام المسلم فيه؟
كثير من العلماء يرى أنه يوم راحة، ولكن أسماء رضي الله تعالى عنها حرصت على قيام تلك الليلة، فظلت تصلي وهي تسأل غلامها هل غاب القمر، أي بعد أن تسلم من صلاتها، وعندما يقول لها «لا»، تواصل صلاتها، وهذا دليل على أنه لا مانع من أن يتهجد الإنسان في جنح تلك
الليلة.
قد لا تجد المرأة في مزدلفة مكاناً ساتراً تصلّي فيه فهل تؤخر الصلاة حتى تجد المكان المناسب؟
تصلّي كيفما أمكنها والصلاة لا تؤخر عن ميقاتها.
الناس عندما يفيضون من عرفات ويتجهون إلى المزدلفة في بعض الأحيان لكثرة الزحام يتأخر عندهم الجمع بين صلاة المغرب والعشاء فما هو الوقت الذي تنتهي عنده صلاة العشاء؟
في ذلك خلاف قيل إلى ثلث الليل وقيل إلى نصف الليل وقيل بل إلى
طلوع الفجر، ولكن نظراً إلى وجود صلاة المغرب معها فلا ينبغي (1/412)
صفحة 413
فتاوى الحج
413
الثلث
للإنسان أن يؤخرها طويلاً، بل عليه أن يحرص على أن يصلي في الأول من الليل فإن تعذر ذلك فليصل في النصف الأول، وإن تعذر عليه أن يصل إلى مزدلفة قبل ذلك لأجل الزحام فليصل في طريقه لأجل مراعاة أنه لم يصل صلاة المغرب، وليجمع بينهما قبل أن ينتصف الليل، والله تعالى أعلم. (1/413)
صفحة 414
414
التقصير
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
هل يلزم المرأة الحاجة أو المعتمرة أخذ شيء من شعر رأسها، وإن لم تفعل
ذلك فماذا عليها؟
عليها أن تأخذ من أطراف شعرها عند التحلل قدر إصبعين، وقيل قدر أربعة أصابع عرضاً، فإن لم تفعل وتحللت بدون ذلك فعليها دم، والله أعلم.
امرأة اعتمرت وأدت جميع مناسك العمرة وبقي لها فقط التحلل، وعندما أرادت التحلل في المسجد الحرام قيل لها تحللي في فخرجت المرأة من الحرم بنية التحلل في الشقة ولكنها عند وصولها نسيت أن تتحلل فلم تذكر إلا في صبيحة اليوم التالي فتحللت في اليوم. فما حكم ذلك؟
ذلك
إن لم تفعل ما ينافي الإحرام من الطيب وإزالة التفث كالأظافر وغيرها فلا حرج عليها في ذلك، إن شاء الله. (1/414)
صفحة 415
فتاوى الحج
العمرة
415
إذا شك المعتمر في انتقاض وضوئه عند طواف الوداع ولم يعده، بل واصل الطواف، فما حكم ذلك؟
إن كان ذلك مجرد شك فالشك لا يلتفت إليه، إذ وضوؤه ثابت بيقين واليقين لا يرفعه إلا يقين مثله، فالأصل أن يتبع ذلك اليقين حتى يرتفع بيقين آخر لا بشك.
اعتمرت امرأة عن نفسها وفي نفس الرحلة اعتمرت أيضاً عن أحد أقاربها، هل يصح لها ذلك؟
نرجو أن يتقبل الله منها، وقد اختلف العلماء في جواز أن يعتمر الإنسان أكثر من عمرة في العام، والقول الراجح جواز ذلك إذ العمرة لا تتقيد بوقت وذلك في غير أشهر الحج، أما في شهر الحج فلا تكرر العمرة، والدليل على جواز ذلك هو حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»، أما الحج فقد قيد بزمان معين، والعمرة بما أنها غير مقيدة بزمان معين وقد جاء في الحديث ما يدل على الترغيب في الإكثار منها، فلا مانع منها في أي وقت، ويؤكد ذلك الحديث الآخر: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر (1/415)
صفحة 416
416
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة»، وهذه السائلة بما أنها اعتمرت عن غيرها بعدما اعتمرت عن نفسها فالله تعالى يتقبل منها،
فلا
حرج
عليها ـ إن شاء الله ذلك.
-
في
هل يجوز لشخص أن يعتمر عن شخص وهو على قيد الحياة، مع
المقدرة على الذهاب في المستقبل؟
لا تخلو هذه العمرة إما أن تكون عمرة نافلة وإما أن تكون عمرة فريضة، فإن كانت عمرة فريضة فلا يجوز النيابة فيها عن الغير، إلا إذا كان ذلك ميتاً أو عاجزاً، وأما إن كانت عمرة نافلة فلا مانع على رأي جماعة من
الغير
أهل العلم.
أن
امرأة اعتمرت ثلاث مرات فأرادت أن تعتمر الرابعة، فقيل لها لا بد لك تحجي، فمتابعة العمرات دون حجة لا يصح؟ هذا من كلام أهل الجهل، فالنبي و اعتمر ثلاث عمرات قبل الحج، والحج فريضة فمن كان مستطيعاً له عليه أن يستعجله وقد قال كثير من أهل العلم بوجوبه على الفور وهو ليس ببعيد فإن الأدلة تؤيده، ولكن لا ذلك أن العمرة تحد بحد قبل الحج، إذ لا دليل على ذلك قط، والله
يعني
تعالى أعلم.
إذا كان الإنسان يرغب أن يعتمر في شهر رمضان لأنها تعادل حجة،
فهل يدفعه ذلك إلى أن يُهمل بعض مسؤولياته التي أوكلت إليه؟ لا بد من الموازنة ما بين الأعمال، فالعمل الذي يترتب على تركه شيء من الضياع وفساد أحوال الناس لا ينبغي التفريط فيه من أجل عمل آخر، بل (1/416)
صفحة 417
فتاوى الحج
417
وجدنا
من
علمائنا السابقين من قال: «من حج نافلة كان كمن بنى قصراً
وهدم مصراً»، وسُئل عن هذا القول بعض العلماء المحققين فقال: هذا وإن كان عاماً من حيث اللفظ إلا أنه خاص من حيث المعنى فهو لم يقصد أي النافلة إذ حج النفل فيه خير كثير، والنبي صلى الله عليه وسلم حث على حج
شخص
بحج
النافلة في قوله: «تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما الكير خبث الحديد والذهب والفضة، ولكن هذا القول إنما يتوجه إلى الشخص الذي يخرج من بلده لأجل حج النافلة وقد حج الفريضة من قبل، ويهمل الواجبات المتنوعة التي هي ملقاة على عاتقه، ولا سيما ذلك العصر الذي كان فيه السفر سفراً شاقاً، بحيث يخرج الإنسان ويترك أهله ومسؤولياته ستة أشهر أو أكثر من ذلك، وعندما يرجع يجد الأمور منتقضة والكثير منها فاسداً، فمثل هذا يكون حج النافلة بالسبة إليه كمن بني القصر وهدم المصر، لأنه أهمل من الواجبات الاجتماعية والدينية ما هو متعين في حقه وواجب عليه أن لا يهمله بخلاف من لم تنط به هذه المسؤوليات أو كان من الممكن أن يدعها في يد شخص آخر هو أمين عليها بحيث لا يفرط فيها قط، وهذا الذي يهمل بعض الواجبات التي هو مسؤول عنها من أجل عمرة في شهر رمضان مع كونه لا يجد من يكفيه هذه الواجبات يعتبر مقصراً في ذلك، وعليه أن يحافظ على ما هو أهم، والعلماء قالوا لا تترك الفريضة الحاضرة من أجل الفريضة الفائتة، فكيف بترك ما هو واجب من أجل ما هو سُنَّة.
الكثير من الناس يرغب أن يتابع بين العمرة والحج، وفي كل عام تقريباً يعتمر مرة أو مرتين وهكذا في كل عام، وتجد الكثير من المصالح في البلاد أو الفقراء الذين يحتاجون إلى مساعدة، هل إذا تصدق هنا (1/417)
صفحة 418
418
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
وبنى مشروعاً خيرياً أو أسس مدرسة قرآن كريم أفضل، أو يعادل على الأقل ما يقوم به من عمرة؟ لا بد من المعادلة بين الأعمال، وخير الأعمال ما كان منقلباً بالمصلحة على الأمة، وكل عمل يؤدي إلى مصلحة الأمة هو خير من العمل الذي يعود بالمصلحة على صاحبه فحسب، فلذلك ينبغي للإنسان بجانب كونه يحرص على التردد إلى بيت الله تعالى والوفادة على الله الله أكرم الأكرمين وخير المسؤولين ينبغي له أن لا يهمل الجانب الحيوي الذي ينقلب بالمصلحة على العامة فإن هذا الجانب يبقى للإنسان بعد وفاته، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث علم ينتفع به، أو صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له»، فالعلم الذي ينتفع به هو ما يتركه الإنسان من مؤلفات أو فتاوى أو ما يتركه من علم يتجدد في التلاميذ من بعده بسبب أنه نشر العلم بين الناس، والصدقة الجارية هي: الصدقة الباقية، ومن بين الصدقات الجارية أن يؤسس مشروعاً يبقى من بعده، كأن يؤسس مدرسة أو مستشفى أو أن يقف وقفاً لمصلحة العباد، ثم من المعلوم أن الإنسان الذي يحرص على إنشاء المدارس الخيرية كمدرسة القرآن أو مدرسة الفقه أو نحو ذلك، هذه المدارس قد يتربى فيها ولده فيكون ولده ثمرة من ثمراته وعملاً باقياً فيما بعده وذلك عندما يدعو لأبيه، فينال الحسنات لأنه تسبب في علم ينتفع به وينال الحسنات لأنه تسبب في صدقة جارية وينال الحسنات لأنه ترك ولداً صالحاً يدعو له، فكل ذلك من الخير، وهذا الجانب ينبغي له أن يحرص عليه أكثر وأكثر، والله تعالى أعلم.
حج التطوع يقول فيه بعض المفكرين بأن الأولى أن يُصرف هذا المال في وجه خيري يتصدق به أو يُدعم به الدعوة الإسلامية، خاصة وأن (1/418)
صفحة 419
فتاوى الحج
419
المسلمين بحاجة إلى بعضهم البعض في هذه القرون الأخيرة أكثر من قبل، فماذا قولكم سماحة الشيخ؟
هم
الأعمال الخيرية التي هي خارجة عن حدود المفروضات التي فرضها الله تعالى تختلف باختلاف آثارها وبحسب الحاجة النفسية والاجتماعية إليها، فإن فرائض الله تعالى على عباده إنما هي من أجل تهذيب نفوسهم وضبط سلوكهم وتقويم اعوجاجهم وتأليف قلوبهم المتنافرة وتقريب وجهات أنظارهم المتباعدة ومن بينها مناسك الحج، فالله الله يقول: ليَشْهَدُوا [الحج: 28]، ولكن من المعلوم أن كثيراً من أعمال البر قد تكون الأمة بحاجة إليها وإلى الآثار المترتبة عليها، سواء كانت آثاراً معنوية أو آثاراً مادية ومن هنا كانت ضرورة المعادلة بين حاجات الأمة لنكون على بينة من أمرنا فيما نأتيه وما نذره، فعندما يكون هنالك كثير من الناس يتضورون جوعاً أو يعرون حين يكتسي الآخرون، فالضرورة في هذه الحالة داعية إلى مواساة أولئك أكثر مما هي داعية إلى تكرار الحج، مع أننا لا نستخف بما للحج من أثر إذا كرر، إذ النبي علي يقول: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، ولكن عندما تكون الحاجة أمس إلى غير الحج كبذل المال من أجل مساعدة الفقراء والمساكين فلا ريب أن بذل المال من أجل هذا الغرض يكون أعظم ثواباً، بل عندما تكون الحاجة متعينة والضرورة ملحة يكون بذل المال خارجاً عن حدود النفل وداخلاً في حدود الواجب، إذ المال تتعلق به واجبات شتى، فالنفقة في الإسلام ـ على غير الأقربين الذين يجب عولهم - لا تنحصر في الزكاة وحدها، بدليل أن الله الله عندما ذكر في كتابه الكريم صنوف البر ذكر إثر العقيدة إيتاء المال فقال: {وَآتى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَنَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي (1/419)
صفحة 420
420
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
الرقاب} [البقرة: 177]، ثم قال بعد ذلك: {وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَعَاتَى الزَّكَوةَ، ومن المعلوم أن العطف يقتضي التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه، وهذا يدل على أن هنالك حقوقاً متعلقة بالمال من غير الزكاة المفروضة، وكذلك قد يكون إنفاق المال في سُبل أخرى هو أعظم ثواباً من حج النافلة، وذلك كما لو كانت هنالك أمم جاهلة لا تعرف دينها ولا تتصرف فيه كما يرضى الله الله وكما يعود بالمصلحة عليها، فإن تعليم أولئك هو أولى من السفر إلى حج النافلة، لأن تعليم أولئك يرتقي إلى درجة الفريضة القدرة عليه، ولا ينحصر التعليم في تجرد الإنسان للتعليم بنفسه، وإنما يشمل إنفاق المال من أجل تعليمهم، وكذلك عندما تكون الحاجة داعية إلى إنشاء مصحات ومشاف للناس وهم بأمس الحاجة إلى ذلك، فإن إنفاق المال فى هذا السبيل هو أولى، وكذلك توعية الجمهور حتى يكونوا على بينة من أمرهم وبصيرة من دينهم فيعبدوا الله تعالى على بصيرة كما أمر هو أمر مفروض فلا يترك الإنفاق فيه من أجل الإنفاق في حج النافلة، والله
مع
تعالى أعلم. (1/420)
صفحة 421
فتاوى الحج
الإجارة في الحج والعمرة
421
أن
هل هنالك شروط معينة في
المستأجر؟
العاقل هو من يحرص على ألا يتحمل حجة عن غيره بأجرة، اللهم إلا إن تبرع حج عن غيره فذلك جائز، أما أن يتحمل حجة بأجرة فهو وإن كان جائزاً إلا أن فيه مخاطرة، فلذلك ينبغي أن لا يقدم على هذا الأمر إلا الرجل المتفقه في دين الله، لئلا يقع في شيء من التقصير، ثم مع ذلك عليه أن يحرص على تفادي التقصير بقدر المستطاع، وأن يطلب المحاللة أيضاً ممن أجره لئلا يكون قد وقع في التفريط من غير قصد منه ولا بد أيضاً من أن يكون قادراً على ممارسة الشعائر بنفسه، لأن بعض الناس لا يستطيعون أن يرموا الجمار، ومنهم من لا يستطيع أن يقوم ببعض الأعمال إلا بمساعدة، فهؤلاء ليسوا مؤهلين بأن يحجوا عن غيرهم بأجرة، كما ينبغي ألا يُختار للقيام بمثل هذه المهمة إلا الأمين القادر، كما قال الله تبارك وتعالى حكاية عن بنت الرجل الصالح الذي لقي موسى: وخَيْرَ مَنِ اسْتَتَجَرْتَ الْقَوِقُ الْأَمِينُ} [القصص: 26].
الكثير من المؤجرين يظنون بأنهم عندما يذهبون عن شخص معين لا بد أن يذهبوا إلى بيته أولاً ليصلوا هنالك ركعتين، ومن هناك ينطلقوا إلى الحج، فهل هذا صحيح؟ أما كون الحاج عن الغير يبدأ رحلته من المكان الذي كان فيه المنوب عنه (1/421)
صفحة 422
422
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
في الحج فإن ذلك صحيح، وإن جاز أن ينطلق من مكان آخر، إلا أن التأجير يقتضي أن ينفذ ما اتفق عليه الجانبان، وقد قال العلماء في النيابة في الحج ينبغي للنائب أن يذهب إما إلى البيت الذي كان يسكنه المنوب عنه إن كان ميتاً أو الذي يسكنه في الحال إن كان حياً، أو يذهب إلى المسجد الذي كان يصلّي فيه لينوي من هنالك الحج، حتى يكون أدى الواجب عن المحجوج عنه من المكان الذي كان سيؤديه فيه بنفسه لو كان حاجاً بنفسه، وصلاة الركعتين هي أيضاً من الأمور المرغب فيها، والله تعالى أعلم.
ولكن ذهابه إلى ذلك البيت هل هي قضية استحباب؟
هذا حسب اتفاق الجانبين.
عادة الناس في التأجير أنهم يؤجرون شخصاً على أن يؤدي عمرة وحجة هذا الذي تعارف عليه الناس سواء كان بالتمتع أو القرآن ولكن البعض يستأجر حجة فيقوم بالإفراد دون أن يعلم المؤجر بأنه لا يتمتع. ذلك؟ فهل يصح أما إن استأجر حجة وعمرة فعليه أن يفي بما اتفق عليه مع المؤجر، فإن كان اتفاق بينهما أن يؤدي الحجة والعمرة معاً قارناً بينهما فعليه أن يلتزم ذلك، وليس له أن يغير ما اتفقا عليه، وإن اتفقا على أن يكون متمتعاً فكذلك ليس له أن يقرن بل عليه أن يكون متمتعاً، وإن اتفقا على الحجة والعمرة على أن يفرد الحج ثم يعتمر بعد أيام التشريق فعليه أن يحرم بالحج ويؤدي مناسكه حتى إذا فرغ منها وانتهت أيام التشريق أدى العمرة على حسب ما هو متفق عليه، أما إن اتفقا على حجة وعمرة ووكل المؤجر إلى الأجير (1/422)
صفحة 423
فتاوى الحج
423
كيفية الأداء ففي.
هذه الحالة هو مخير إن شاء، قرن، وإن شاء أفرد ثم اعتمر
بعد ذلك، وإن شاء تمتع بالعمرة إلى الحج، والله تعالى أعلم.
هل يدعو المستأجر للمؤجر؟
إن كان متولى فإنه يدعو له.
بالنسبة للمبالغ التي يقبضها المستأجر قبل أداء ما كلف به هل يصح له أن يستخدمها قبل أن يذهب إلى الحج؟
ذلك يختلف باختلاف الكيفية، فإن كان ضامناً في استئجاره فله أن يتصرف فيها على أن تكون تلك المبالغ في ضمانه ما لم يؤد الحجة وإن كان أميناً فعليه أن يخرج منها بقدر نفقته، وإن كان ضامناً وقام ببعض العمل ولم يقم ببعضه لمانع منعه من ذلك ففي ذلك خلاف، قيل يستحق الأجرة بعد انتهائه من العمل الذي عمله، وقيل بل له بمقدار الحصة التي قام بها من العمل، وقيل إن شرع في العمل وجبت له الأجرة بمجرد الشروع، وهذا إن كان تأخيره عن الوفاء بالعمل لعذر طرأ عليه أما إن تهاون فإنه يكون مضيعاً ولا يستحق الأجرة.
المستأجر عندما يؤدي هذه الحجة هل يشهد على ذلك أم لا يلزمه الإشهاد؟
الأمر يختلف باختلاف الاتفاق ما بينه وبين المؤجر. فإن كان المؤجر وضع ثقته فيه فإنه لا يلزمه الإشهاد، وإنما ينبغي له ذلك ليدرأ التهمة عن نفسه، أما إن كان المؤجر يطالبه بالحجة وهذا هو الأصل فلا بد من أن يشهد عند إحرامه بأنه أحرم عن فلان، وأن يشهد عند وقوفه بعرفة بأن وقفته عن فلان. (1/423)
صفحة 424
424
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
الحديث عن النبي: من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع من حجه كيوم ولدته أمه»، إذا حج الإنسان عن شخص معين هل ذلك الشخص الذي حج عنه أيضاً يعود بمثل هذا الأجر؟
الحجة الواحدة يدخل بها ثلاثة الجنة: الحاج والمحجوج عنه والوصي إن كانوا بررة أتقياء ونيتهم خالصة لوجه الله تعالى.
هل يجوز للمرأة أن تستأجر حجة عن أحد من الناس غير أهلها؟ قيل إن المرأتين تنوبان عن رجل واحد في الحج، وقيل بل امرأة واحدة وهو الذي يقتضيه حديث الخثعمية، والله أعلم.
مجموعة من النساء يردن الذهاب لتأدية فريضة الحج وبعضهن تستأجر ولكن مع الأسف لا يوجد لديهن محرم، فما رأي سماحتكم في ذلك؟ رخص للمرأة في حجة الفريضة أن تذهب في رفقة المسلمين الأمناء المصطحبين لنسائهم، ونحن ننصح أن لا يتخذ الناس الحج تجارة خاصة النساء لأنهن يعانين الكثير من المشكلات في ذهابهن إلى الحج، وإذا كان الرجال معرضين لكثير من الأخطاء والأخطار عندما يحجون عن الغير فكيف بالنساء، فالحج ليس وسيلة لتجارة دنيوية وإنما هو تجارة أخروية، ومن هنا فنيابة المرأة عن الغير في الحج بأجرة أمر فيه مخاطرة، والله تعالى
المستعان.
هل يجوز أن يؤجر حجة عن طفل مات وعمره ثمان سنوات؟
هذا
لا داعي إلى ذلك، لأنه لم يتعبد بعد وقد مات على الفطرة، ولا يعني أن ذلك حرام، ولكن الأولى أن تنفق هذه النفقة على الفقراء والمساكين. (1/424)
صفحة 425
فتاوى الحج
الليالي العشر
425
ما تفسيركم لقوله تعالى: {وَلَيَالٍ عَشْرِ؟ وما هي الليالي العشر؟ وماذا ينبغي للمسلم أن يفعله فيها؟
الأمكنة
إن الله الا الله فضل ما يشاء من مخلوقاته على من يشاء، ففضل بعض على بعض وفضل بعض العباد على بعض، وفضل بعض الأزمنة على بعض، واختص ما شاء من هذه الأزمنة بما شاء من العبادات التي جعلها سبحانه صلة بين عباده العابدين وبينه ومن هذه الأيام المباركات الأيام التي تتخللها الليالي العشر من ذي الحجة، بل شهر ذو الحجة كله هو شهر حرام من بين الأشهر الحرم التي جعل الله تعالى الحفاظ على حرماته فيها ومراعاة عدم القتال وعدم التشويش على الناس في خلالها من دينه سبحانه، وذلك عندما قال عز من قائل: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَبِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} [التوبة: 36]، هذا وقد أقسم الله تعالى بالليالي العشر، وهذا القسم يدلُّ على عظم شأن المقسم به، فإن كل ما أقسم الله تعالى به فقد رفع من شأنه، ولم يجعل الحق سبحانه حقاً لأحد من المخلوقات في أن يقسم بشيء من مخلوقاته، بل الناس مطالبون بأن يقسموا بالله الله وحده أو يدعوا القسم، ولكن الله تعالى بما أنه له الخلق (1/425)
صفحة 426
426
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
الا بما
والأمر وله الحكم والقهر يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، يقسم الان يشاء من مخلوقاته تنبيهاً على عظم شأن ما أقسم به، كما أقسم الله بالشمس وضحاها وأقسم بالليل وأقسم بالفجر وأقسم بكثير مما أقسم به، ومن جملة
ما أقسم به هذه الليالي العشر عندما قال رجل: {وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرِ [الفجر: 1، 2]، وهو دليل عظم شأنها كما قلت، وقد جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على عظم هذه الأيام إذ أخبر النبي صلى الله عليه وسلم «أنه ما من أيام العمل فيها خير وأحب إلى الله من هذه الأيام العشر»، كما جاء ذلك في رواية أخرجها الجماعة إلا البخاري والنسائي من طريق ابن عباس ها فقيل له: ولا الجهاد يا رسول الله، فقال: ولا الجهاد، إلا رجلا خرج بنفسه وماله فلم يرجع بشيء من ذلك»، ومعنى ذلك أن أجور الأعمال تضاعف في هذه الأيام، فكل عمل يقرب إلى الله الله زلفى يضاعفه الله في هذه الأيام، ومن بين هذه الأعمال التي تقرب إلى الله زلفى ويضاعف الله الله أجرها الصوم في الأيام التسع السابقة ليوم النحر، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يدع صيامها، كما جاء ذلك في رواية حفصة ولا عند أحمد والنسائي، وأخرجها أبو داود من رواية بعض أزواج النبي، والمراد بالبعض حفصة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها كما دلت على ذلك الرواية التي نصت عليها.
هل من حكمة لتفضيل هذه الليالي العشر؟
الله الله الله الخلق والأمر، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ففضل بعض الأمكنة على بعض وفضل بعض الأزمنة على بعض، واختار الله تعالى من هذه الأزمنة المفضلة هذه العشر، وهي جديرة بالتفضيل، كيف وفيها أداء هذه المناسك المعظمة؟! مناسك حج بيت الله الحرام، الذي هو من أعظم القربات التي تقرب إلى الله وتطهر النفس من أدرانها وتصفيها من
بين (1/426)
صفحة 427
427
فتاوى الحج
أكدارها، وتربط بين أفئدة عباد الله تعالى المؤمنين، وتصل بين مشاعرهم وأحاسيسهم، وتغرس في نفوسهم روح التقوى، فعلى الإنسان أن يغتنم هذه الفرصة، وأن يحرص في خلال هذه الأيام على التقرب بأنواع الطاعات ومن ذلك أن يكثر من ذكر الله ومن قيام الليل وصيام النهار وتلاوة كتاب الله، وتدارس العلم وصلة الأرحام والعطف على الفقراء والمساكين والضعفاء، وأن يقدم إلى الناس ما يمكن أن يقدمه من خير يعود عليهم بالمنفعة وبالأجر العظيم. (1/427)
صفحة 428
428
فتاوى متنوعة في الحج
المرأة تسأل والمفتي يجيب -. الجزء الأول
لماذا
سمي المسجد الحرام بهذا الاسم؟
بذلك لحرمته، فهو أول بيت وضع للناس في بلد حرام يحرم قتل سمي صيده واختلاء خلاه، ويحرم أن يسفك فيه دم إنسان، اللهم إلا إن كان لإقامة الحد، فذلك فيه حكم آخر.
إذا كانت المرأة تريد أن تذهب إلى العمرة وزوجها لا يسمح لها، فهل يجوز لها أن تخالفه وتذهب مع العلم أنها لم تعتمر في حياتها وهي مستطيعة لأداء العمرة؟
أما فيما هو واجب عليها فليس لها أن تطيعه، ولكن ينبغي لها في مثل هذه الحالة أن تسافر إلى الحج والعمرة معاً حتى تكون أدت فريضة الحج مع العمرة في وقت واحد، لئلا تبقى مشغولة الذمة فيما بعد بفريضة الحج، ولعل الله تعالى أن ييسر لها فيما بعد أن تحج وتعتمر
تنفلاً.
هل حج المرأة من مسؤولية الزوج أم لا؟
هو غير مسؤول عن ذلك، فإن الحج إنما هو على من استطاع إليه سبيلاً، وهي عبادة يستقل بها كل إنسان في خاصة نفسه، فالمرأة تستقل بها والرجل (1/428)
صفحة 429
فتاوى الحج
429
يستقل بها، فإن تبرع زوجها بمؤونة حجها فإن عليها أن تحج في هذه
الحالة
من مال زوجها، والله أعلم.
هل يجوز للزوج أن يأخذ زوجه للحج والصرف عليها من باب التعاون على البر والتقوى أم يلزمها ذلك من مالها فقط؟
بين
الأصل في ذلك أن تؤدي الواجب الذي عليها من مالها، ولكن نظراً لما الزوجين من الاندماج والاختلاط، ولأن الزوج هو القيم على امرأته، فإن أخذها إلى الحج من ماله وأدت هذه الفريضة فإنها تكون مؤدية لما عليها، ولو كان عندها يسر فضلاً عن كونها غير موسرة، فإن كانت غير موسرة وأدت هذه الفريضة من مال زوجها ثم من الله عليها باليسر فليس عليها أن تعيدها مرة أخرى، بل ذلك مجز عنها إن شاء الله.
هل يجوز للمرأة أن تحج بمبلغ الجمعية بعد استلامها لها مباشرة، وهل لا بد من وجود ما يضمن لها سداد دينها، وإن لم تمتلك هل تعتذر عن الذهاب، وماذا عليها أن تفعل؟
إن كانت واجدة لما يسد مسد هذا الحق الذي تنفقه مما استلمته من الجمعية فلا مانع، أما إن كانت غير واجدة فهذا دين عليها، وعليها أن تلتزم أولاً قضاء حقوق الناس لأن الحج واجب على المستطيع، وغير الواجد غير مستطيع.
هل يفضل أن ترمي المرأة الجمار بنفسها بعد غروب الشمس أم يرمي
عنها محرمها؟
إن تمكنت من غير مشقة ولا عسر أن ترمي فذلك أفضل لها وأولى، والله أعلم. (1/429)
صفحة 430
430
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
امرأة أرادت أن تحج عن أُمها لكن أختها تولت المهمة على أن تحج
عنها من مالها؟
إن كانت تريد البر بأمها فما عليها أن تؤخر هذا العام عن الحج وتحج في عام قابل عنها، أما أن تحجا جميعاً في عام واحد عن نفس واحدة فذلك لا يسوغ، بل لا بد من أن تكون حجة واحدة في عام، وأن تكون الحجة الأخرى في عام آخر هذا هو القول الراجح.
في الحديث «من حج ولم يزرني فقد جفاني»، ما صحة هذا الحديث؟ الحديث غير صحيح، وإنما ينبغي للإنسان الذي يحج ويصل إلى تلك الأماكن المقدسة أن يزور مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن يصلّي فيه ويسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم واقفاً على قبره الشريف.
هل يجوز للمرأة زيارة قبور الصحابة وأهل بيت الرسول؟ اختلف في ذلك، والجواز عند من يراه مشروط بأن تكون الزيارة للاتعاظ بالموت، ولا يصحبها عويل ولا غيره من المنكرات، والله أعلم.
هل تُلزم المرأة بالصلاة في الحرم حيث تكثر فيه زحمة الرجال والنساء؟ لا يلزم المرأة الحاجة أن تصلي في المسجدين الشريفين، وإنما يستحب لها ذلك إذا كانت في مأمن من الزحام مع الرجال، ولم تكن على حالة تخشى معها
الفتنة، أما إذا لم يتوفر لها هذان الشرطان فصلاتها في بيتها ألزم، والله أعلم.
من المعروف أن الصلاة في المسجد الحرام تعادل مائة ألف صلاة مكة فهل إذا صلت المرأة المسلمة في غير المسجد الحرام وهي في مكان سكنها لها مثل هذا الأجر؟ (1/430)
صفحة 431
فتاوى الحج
431
إن كانت تصلي هناك من أجل أن تحترز من لقاء الرجال والاختلاط بهم فنعم لأن هذه النية وحدها يترتب عليها الأجر الكبير بمشيئة الله تعالى، ونية المؤمن خير من عمله، والله تعالى أعلم.
ما حكم استعمال المرأة الأدوية لمنع الحيض في أيام الحج، وماذا تفعل المرأة الحائض في أيام الحج؟
لا مانع من ذلك، لأجل التمكن من طواف الإفاضة قبل مغادرة رفقتها، وتأتي الحائض جميع مناسك الحج إلا الطواف بالبيت، والله أعلم.
امرأة حاضت في الحادي عشر من ذي الحجة وهي محرمة في الحج ولم تطف الإفاضة، وأخذت علاجاً لذلك وتوقف الحيض في اليوم التالي. فماذا تعتبر حجها هل تغتسل وتكمل إحرامها أو تذبح نرجو
الإفادة؟
أخطأت في هذا، لأن الحيض لما نزل ما كان ينبغي لها أن تحبسه، لأن حبس هذه الفضلات الجسمية يؤدي إلى احتقانها في الجسم، وينعكس أثر ذلك السلبي على الجسم، فهذه سُنَّة الله تعالى ولا ينبغي للإنسان أن يصطدم بما سنّه الله، ولكن إن رأت الطهر والقصة البيضاء، ولم تكن مشوبة بشيء من الدم ففي هذه الحالة تعد نفسها طاهرة وتطوف طواف الإفاضة، ونسأل الله تعالى القبول
امرأة ذهبت إلى العمرة والحج فأتاها الحيض، وهي في الحيض، وهي في ذلك المكان
فماذا تفعل؟ تأتي بكل مناسك الحج ما عدا الطواف بالبيت، فهي تحرم، وتذهب إلى منى وتقف في عرفات وترمي الجمار وتفعل كل ما يفعله الحاج ما عدا (1/431)
صفحة 432
432
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر من حيضها، وكذلك إن كانت معتمرة فإنها تحرم وتلبي وتفعل ما يفعله المعتمر إلا الطواف بالبيت، فإنها تنتظر بها الطهر من حيضها، والله تعالى أعلم.
أن
ما قول سماحتكم في رجل عقد قرانه على امرأة ولم يدخل بها بعد، وأراد الذهاب إلى العمرة، فهل يجوز له أن يأخذها معه، لأنه سمع من
بعض الأشخاص أنه ليس محرماً لها لكونه لم يدخل عليها بعد؟ هو ليس بمحرم لها، لأنها لو كانت محرماً له لما جاز له أن يتزوج بها ولا يستمتع بها، وإنما هي حليلته، وهو أقرب الناس إليها وهي أقرب الناس إليه، فلذلك كانا زوجين، ومعنى كونهما زوجين أنهما حقيقة واحدة كل واحد منهما يمثل شطراً من هذه الحقيقة، فهو زوج لها وهي زوج له، والذي أحلها له هو العقد الشرعي، فبما أنه عقد زواجه بها فهي حليلته ولذلك أبيح له الاستمتاع بها، وما دام مباحاً له الاستمتاع بها فكيف لا يباح لها أن تسافر معه، فلا مانع من ذلك، والله تعالى أعلم.
ما قولكم في امرأة كبيرة في السن ولكنها تستطيع المشي قرابة ثلاثة كيلومترات أو أكثر وهي تنوي تأجير حجة عن نفسها لعدم تمكنها من تأدية الفريضة عن نفسها وذلك لسبب لم تبح به؟
يسمح
له أن يؤجر
من كان قادراً على أداء هذه الشعيرة المقدسة بنفسه فلا غيره مع عدم الحيلولة بينه وبين أداء هذه الفريضة بأي مانع، أما العاجز فله أن ينيب غيره، لأجل حديث المرأة الخثعمية التي جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج، أدركت أبي
شيخاً كبيراً لا يستطيع الثبوت على الراحلة أفأحج عنه؟ فقال لها النبي (1/432)
صفحة 433
فتاوى الحج
433
أرأيت أن لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ذلك مجزياً عنه؟» فقالت: نعم. فقال: فذاك ذاك»، والله تعالى أعلم.
من
ما قولكم في امرأة عندها طفلة عمرها سنة وثلاثة أشهر فقامت بفطامها لتذهب إلى الحج لكن جدّتها غير راضية عنها أن تذهب؟ الأمر ليس للجدة وإنما هو للأبوين، فإن اتفقا على فطام الطفل لأي غرض الأغراض، وكان الطفل يحتمل الفطام فلا مانع من أن يفطم قبل السنتين، لأن الله تبارك وتعالى قال: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلِّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضِ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَدَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا وَانَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بصِيرٌ} [البقرة: 233]، فبين الله أن الفطام إنما يكون عن تراض بينهما، فإن كان عن تراض بينهما فلا حرج.
امرأة تريد أن تذهب إلى الحج هل يجوز لها أن تأخذ مساعدة مالية من أولادها علماً بأنها لا تمتلك مالاً؟
أما أن تكلفهم ذلك فلا، ولكن إن أعطوها من طيب خاطرهم فذلك من برهم بها ولتتوكل على الله عل.
بالنسبة للحاج عندما يعود من الحج كيف ينبغي أن يكون؟
الحج كغيره من العبادات شرع من أجل غرس روح التقوى في عباد الله، والعبادات بأسرها تؤدي إلى هذه الغاية المطلوبة كما يدل على ذلك القرآن (1/433)
صفحة 434
434
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا
الجزء الأول
الكريم وذلك في قوله تعالى: {يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21]، وقد أكد القرآن على اقتران الحج بالتقوى في كثير من آيات الكتاب أكثر من غيره فالله تبارك وتعالى يقول: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]، ثم يختتم ذلك بقوله سبحانه: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [البقرة: 196] ثم على أثر ذلك يقول: {الْحَجُّ أَشْهُرُ مَّعْلُومَتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَج وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمُهُ اللهُ وَتَزَوَدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَتأُولِي الْأَلْبَب} [البقرة: 197] ثم يقول: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [البقرة: 203]، كما نجد أن الله الله يقول: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِمْ شَعَرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32]، ويقول في البدن التي تساق إلى ذلك المكان المقدس: {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ} [الحج: 37]، فالحج هو من أهم العبادات التي تغرس روح التقوى في نفس الإنسان وتنميها في سلوكه وذلك بحيث يكون الإنسان حريصاً على اتباع أمر الله، وعندما ينقلب إلى أهله راجعاً عليه أن يقلب صفحته من الشر إلى الخير ومن الضلال إلى الهدى ومن الغي إلى الرشد ومن الفساد إلى الصلاح ومن الانحراف إلى الاستقامة ومن النفرة من إخوانه إلى التآخي معهم ومن سوء الخلق إلى حسن الخلق ومن كل شر إلى كل خير. كما يؤمر الإنسان وقد أكرمه الله الله بالوفادة إليه في تلكم الأماكن المقدسة أن يحرص على تذكر الانقلاب إلى الله تعالى في الدار الآخرة، وأن يزن جميع تصرفاته وأعماله بموازين الحق التي أنزلها الله الله، ليكون مستعداً للانقلاب إلى ربه تبارك وتعالى وهو
نظيف الجيب طاهر القلب والنفس نقي السلوك بعيد عن معاصي
الله (1/434)
صفحة 435
فتاوى الحج
435
مستمسكاً بحكم الله تعالى المتين ناهجاً صراطه المستقيم، وبهذا ينفي الحج الأوزار والمعاصي كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة»، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»، فعلى الإنسان أن يحرص على أن يكون حجه مبروراً، وعلامة بره أن يعود خيراً منه عندما ذهب، والله تعالى الموفق.
ما نصيحتكم لمن وفقه الله للذهاب إلى العمرة والحج وبعدها رجع إلى سالف عهده من ارتكاب المحرمات؟
نقول له ولغيره الواجب عليهم أن يتقوا الله وليس التقوى بسبب الحج والعمرة فحسب وإنما التقوى فريضة على الإنسان من أول مراحل حياته، فإن تقوى الله تعالى ضمان للإنسان في الدنيا والآخرة، وحسب امراء من دنياه أن يعمل بطاعة ربه وأن يقف عند حدوده، والله تعالى أعلم.
شخص توفي والده في السنة الماضية وكان ينوي أن يذهب للحج وترك مبالغ معينة لهذا الأمر إلا أنه لم يتوفق، فهل يحج عنه أحد أقربائه بذلك المبلغ؟
بما أنه لم يوص به فإن مرجعه إلى الورثة، فإن كان الحج واجباً عليه وكان قادراً على أدائه فيؤمر أقرباؤه أن يحجوا عنه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: فاقضوا فدين الله أحق بالقضاء». وهذا أمر وهو يدلُّ على الوجوب، سواء من ذلك المبلغ إن وافق الورثة على ذلك أو من غيره، وقيل: يجب عليهم في الحقوق المالية دون غيرها، ومن العلماء من لا يرى لا هذا ولا ذاك. (1/435)
صفحة 436
436
عندما
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الأول
هل يجوز للشخص أن يحج عن أبيه قبل أن يحج عن نفسه؟ سمع النبي عليه أفضل الصلاة والسلام أحداً يلبي عن شبرمة وسأله عنه، أمره بعد ذلك أن يلبي عن نفسه أولاً، فالإنسان مطالب بأن يُلبي عن نفسه إذ أداؤه لفرض نفسه هو الواجب عليه، وليس متعبداً بأن يؤدي فرض غيره، فكيف يقدم أداء فرض غيره قبل أن يؤدي فرضه؟!.
الطفل إذا حمله وليّه فمر به على الميقات هل يحرم له ومن الذي
يلبي؟ ولو فعل شيئاً من المحظورات فعلى من تكون الفدية؟ أما الطفل فهو غير مكلف لأنه لم يبلغ سن التكليف، وقد دل حديث الرسول صلى الله عليه وسلم على أن الصبي رفع عنه القلم حتى يحتلم، وهذا لا يمنع من الإحرام له فيراعي وليه له واجبات الإحرام، فقد ثبت في الحديث أن امرأة حملت طفلاً ورفعته إلى النبي الا الله وقالت له: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: «نعم، ولك أجر»، ومعنى ذلك أن هذه الحجة تكون محسوبة لهذا الطفل، وإن كان جمهور العلماء يرون أن الفرض لا يسقط بها، إذ الحجة في هذه المرحلة من العمر إنما هي نافلة ولا تسقط الفريضة بها، بل تبقى الفريضة في ذمته عندما يبلغ اللهم إلا إن صار عاجزاً، فإن العاجز لا يُكلف ما لا يستطيعه، فالله تبارك وتعالى ناط فريضة الحج بالاستطاعة عندما قال: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97]، والولي هو المأمور بأن يُراعي إحرام الطفل وليس معنى ذلك أن يدع الطفل جانباً ويذهب هو بنفسه ليؤدي عنه المناسك، وإنما عندما يلبي الولي يأمر الطفل بأن يتابعه في تلبيته بقدر مستطاعه إن كان يستطيع النطق أما إن كان لا ينطق فحسبه أن يلبس ملابس الإحرام وأن يُطاف به حول البيت الحرام وأن يُوقف به في المواقف، وكل ما يترتب على النسك الذي يكون من (1/436)
صفحة 437
فتاوى الحج
437
البالغ يترتب على النسك الذي يكون من الطفل من فدية وغيرها، وكذلك عندما يمتع بالعمرة إلى الحج فإنه يلزمه هدي ويخرج ذلك كله من مال الولي لا من مال الطفل، لأن هذا الأمر ليس من ضرورات الطفل حتى يقوم به من ماله، والله تعالى أعلم.
يرغب أعداء الإسلام في أن يقل عدد المسلمين في الحج وذلك أن العدد الكبير يثير فيهم الخوف والرعب فهم يحاولون ليل نهار أن
يقللوا هذه الأعداد، فهل يتعارض ما يدبّره أولئك مع ما تقولونه؟ قلت تُراعي آثار الأعمال الصالحة التي هي فوق حد المفروض، وتُراعي آثارها في النفوس وفي المجتمعات، فبقدر ما يكون أثرها أكبر فالمثوبة عليها أعظم، وعندما يكون أعداء الإسلام يحسون بالرعب والهيبة من كثرة المسلمين، فإن في تكثير سواد الذين يذهبون إلى حج بيت الله الحرام إرعاباً لأولئك خيراً كثيراً، وذلك يعادل الجهاد في سبيل الله، لأن كل ما
يثير الرعب في نفوسهم يعد من باب الجهاد، والله تعالى أعلم. (1/437)
صفحة 438
[صفحة فارغة] (1/438)
صفحة 439
الفهرس (1/439)
صفحة 440
[صفحة فارغة] (1/440)
صفحة 441
الفهرس
مقدمة
الفصل الأول فتاوى الصلاة
الطهارات
أحكام دماء المرأة
الحيض.
الطلوع والنزول في الحيض
ما يجوز للحائض
ما لا يجوز للحائض
ما يكره للحائض
الاستحاضة
التوابع وعلامات الطهر
النفاس
الانتظار (1/441)
صفحة 442
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الأول
الغسل من الحيض
الغسل من
الاستحاضة
442
الغسل
الغسل من الجنابة
فتاوى متنوعة في دماء المرأة وأحكامها
الوضوء ونواقضه
وقت الصلاة
القبلة واللباس والسترة أعمال الصلاة
سجود التلاوة والدعاء
الخشوع في الصلاة
صلاة الجماعة
صلاة المريض
نواقض الصلاة
الشك في الصلاة وسجود السهو
إعادة الصلاة وقضاؤها
الجمع في الحضر
صلاة السفر
التيمم
الصلاة (1/442)
صفحة 443
الفهرس
السنن والنوافل
صلاة التسابيح والتراويح
صلاة العيد
فتاوى متنوعة في الصلاة
الفصل الثاني
نصاب الزكاة
مصارف الزكاة
فتاوى الزكاة
زكاة الحلي
زكاة النقدين
زكاة الفطر
زكاة القرض والدين
زكاة التجارة
زكاة مال الصبي
الإنفاق في وجوه الخير
فتاوى متنوعة في الزكاة
الفصل الثالث
فتاوى الصوم
أهمية الشهر والنية
رؤية الهلال (1/443)
صفحة 444
المرأة تسأل والمفتي يجيب - ا الجزء الأول
الصوم في السفر
الإجازة بالصوم
المريض والعاجز عن الصوم صيام النفل
ما يفسد الصوم
ما لا يفسد الصوم
الجنابة والجماع في رمضان
القضاء والإطعام والكفارة
الاعتكاف
ليلة القدر
مسائل طبية في الصيام
العيد
فتاوى متنوعة في الصوم
الفصل الرابع
فتاوى الحج
الحج مناسكه وأهميته
محرم المرأة في الحج
الإحرام
الطواف
السعي (1/444)
صفحة 445
الفهرس
يوم التروية والمبيت بمنى
الوقوف بعرفة
المبيت بمزدلفة
التقصير
العمرة
الإجارة في الحج والعمرة الليالي العشر
فتاوى متنوعة في الحج (1/445)
صفحة 446
سلطنة عمان
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
المرأة تسأل والمفتي يجيب
سَمَاحَة الشيخ العلامة
أحمد بن حمد الخليلي
المَفْتِي العَامُ لِسَلْطَنَةِ عُمَانَ
إعداد وترتيب
بدرية بنت حمد الشقصية
الجزء الثاني (2/1)
صفحة 447
المرأة تسأل والمفتي يجيب
الجزء الثاني (2/2)
صفحة 448
بسم الله الرحمن الرحيم (2/3)
صفحة 449
الحرارة تسال والمُفْتَى يُحِيدُ
سَمَاحَة الشيخ العلامة
أحمد بن حمد الخليلي
المَفْتِي العَامُ لِسَلْطَنَةِ عُمَانَ
إعداد وترتيب بدرية بنت حمد الشقصية
الجزء الثاني
المراجعة
قسم الفتاوى بمكتب الإفتاء وزارة الأوقاف والشؤون الدينية (2/4)
صفحة 450
بسم الله الرحمن الرحيم (2/5)
صفحة 451
الفصل الخامس
فتاوى النكاح (2/6)
صفحة 452
فتاوى النكاح
الخطبة
V
ما رأيكم في زواج الأقارب، أم الأفضل الزواج خارج نطاق العائلة اتقاء للأمراض الوراثية؟
روي في بعض الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ـ وإن اختلف في ثبوت أسانيدها أو عدمه ـ أنه قال: «أغربوا تنجبوا»، وإذا كانت في الأسرة أمراض وراثية فقد تنتقل إلى الأولاد إذا كان كل من الأب والأم يحمل جرثومة هذا المرض، فلذلك ينبغي الإبعاد في الزواج، ولكن لا يعني ذلك عدم تزوج القريبات رأساً خصوصاً عندما تكون الأسرة خالية من الأمراض الوراثية.
ما حكم الإسلام في لبس الدبلة؟
الدبلة من العادات السيئة التي انتشرت في أوساط المسلمين والمسلمات، والتي جلبت من الغرب وهي أن يلبس الرجل المرأة وتلبس المرأة الرجل دبلة عند الخطبة، وهذه العادة فيها عدة محاذير شرعية
أولاً: إن هذا الإلباس يكون قبل العقد غالباً وهنا يحرم على الرجل أن يُلبس المرأة ويحرم عليها أن تُلبسه لأنها أجنبية منه وهو أجنبي فلا يحل التلامس بينهما إذ لا يحلل ذلك إلا العقد وهو لم يكن بعد.
ثانياً: أن هذه العادة عادة غربية، ونحن علينا أن نحترس من اتباع عاداتهم (2/7)
صفحة 453
8
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
وتقاليدهم، لأن التقليد هو رمز الموالاة، وموالاتهم محرمة بالنصوص القاطعة، بل هذه الموالاة تفضي إلى أمر خطير والعياذ بالله لأنها تفضي بصاحبها إلى الارتداد عن دين الإسلام، فالله تبارك وتعالى يقول في كتابه: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا نَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَرَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُم إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِمِينَ} [المائدة: 51]، ثم بعد ذلك يخاطب هذه الأمة محذراً إياها من الارتداد ومبيناً عاقبته عندما يقول: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ} [المائدة: 54]، ثم بعد ذلك بين لمن تكون موالاة المؤمن فيقول: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55]. والآيات الناصة على التحذير من موالاتهم كثيرة، وما هذه التبعية العمياء إلا رمز لهذه الموالاة، ثم إن في ذلك أيضاً تعويد للنفس على تقليد المشركين وهذا لا يكون مع الإيمان لأن من شأن المؤمن أن ينفر من عادات الكفرة.
ثالثاً: على ماذا يستند الغرب في هذا؟ يستند على وراثة ورثها من الرومان البسطاء المجانين، فقد كان الرومان يعتقدون أن قلب الإنسان رجلاً كان أو امرأة ينبض في خنصره اليسرى وأن الرجل إذا ألبس المرأة خاتماً من حديد في خنصرها اليسرى فقد أسر قلبها، وإذا ألبسته خاتماً من حديد أسرت قلبه، وكانوا يتبعون هذه العادة قبل الزواج حتى تستأسر قلبه ويستأسر قلبها، وتطورت هذه العادة في أوروبا فأصبح الذهب بدلاً من الحديد، وانتشرت هذه العادة في أوساط المسلمين، فوقع الرجل في حُرمة أخرى بجانب الحرمة السابقة المذكورة، ألا وهي لبس الذهب المحرم على الرجال، والنبي صلى الله عليه وسلم قال عندما أبصر رجلاً يلبس خاتماً من ذهب: «يعمد (2/8)
صفحة 454
فتاوى النكاح
أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في يده، وهذا الاعتقاد هو خرافة لأن كثيراً من الزيجات التي اعتمدت على الدبلة واتبعت هذه العادة أصبحت مأواها الفشل، وكم من رجل تزوج امرأة وكان بينهما هذا الإلباس فلم تأسر قلبه ولم يأسر قلبها بل كانت النتيجة الفشل الذريع في زواجهما، وكم من زواج كان بدون هذه العادة وكان زواجاً موفقاً والحمد لله، فلينتبه المسلم لهذه الدقائق وليحذر مزالق الأقدام ومزلات الأفهام.
ما حكم المقابلات التي تتم بين الخاطب وخطيبته قبل العقد، بحيث يكون بينهما لقاء ويستمر بدون محرم، وما الحكم وإذا وقع هل يجوز له بعد ذلك أن يتزوجها؟
الأمر الله،، وهذا من التهاون والتفريط وعدم المبالاة، والمسؤولية تقع على عاتق الآباء والأمهات الذين يرخون العنان لبناتهم ليمرحن ويفعلن مثل هذه الأفعال التي تنعكس آثارها السلبية على الأسرة جميعاً، فكثيراً ما يعود الأمر بالعار على الأسرة كلها، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بإمرأة إلا مع ذي محرم». ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام: «ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم»، ويقول: «ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما». كما حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الدخول على النساء أيما تحذير عندما قال عليه أفضل الصلاة والسلام: «إياكم والدخول على النساء، فقال له رجل من الأنصار أرأيت الحمو يا رسول الله. فقال: «الحمو الموت»، وهذا لأن في نفس الرجل باعثاً قوياً تجاه المرأة فهو يندفع إليها اندفاعاً غير شعوري، وكذلك المرأة خلقت ميالة إلى الرجل وراغبة فيه فلذلك تندفع هي أيضاً إليه اندفاعاً غير شعوري، فلذلك كانت الضرورة داعية إلى أن يكون هنالك حاجز عند لقائهما خوفاً من أن يندفعا (2/9)
صفحة 455
10
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
هذا الاندفاع الذي قد تنعكس آثاره السلبية على حياتهما وحياة أسرتيهما، وهذا الحاجز هو وجود المحرم، بحيث يراقب حركاتهما ويطلع على أمرهما، أما مع عدم وجود المحرم فإن ذلك غير جائز، بل هو حرام حرام حرام، وماذا عسى أن تكون حالة هذا الشاب الذي يكون بين يدي فتاة جميلة يبادلها الحديث الذي هو كثيراً ما يكون حديث غرام ولوعة ولا
في
رقيب عليهما؟ وهما لا يباليان بمراقبة الله تعالى لأنهما ينسيان عهد الله هذه الحالة، وما حال هذه الفتاة التي تكون في ميعة الشباب بين يدي شاب تطمح أن يكون فارس أحلامها، وأن يكون شريك حياتها؟ فهذا مما يؤدي بهما إلى الوقوع في الفحشاء، وقد وقع ذلك كثيراً ونحن اطلعنا على الكثير من ذلك، على أن هنالك كثيراً من الشباب لا يبالون بانتهاك أعراض الفتيات فيضحكون على عقولهن، حيث يحاول كل واحد منهم أن يرسخ في وجدان الفتاة التي يلعب على عقلها بأنه فارس أحلامها، وأنه سيكون شريك حياتها، حتى إذا ما رزأها في عفتها وفي طهارتها وفي أعز ما تملك رفسها برجله، وأخذ يبحث عن فريسة أخرى، فعلى الآباء والأمهات أن يكونوا على يقظة من هذا الأمر، وعلى دراية مما يقع خلفهم وأن لا يرخوا العنان لبناتهم ليمر حن مع هؤلاء الشباب كما يملي عليهن هوى النفس، وكما يسول لهن الشيطان، والله تعالى المستعان
يجب
ما
هي حدود التعارف المسموح بها شرعاً بين الخاطب ومخطوبته؟ أن يكون هذا اللقاء بينهما في حدود ما أذن به الله تعالى على لسان رسول صلى الله عليه وسلم عندما قال: «لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يخلو بامرأة إلا مع ذي محرم». وقال: «ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم». فيجب أن يكون اللقاء مع وجود ذي محرم لا أن يلتقيا بنفسيهما، (2/10)
صفحة 456
فتاوى النكاح
وأما الاتصال بالهاتف فيشترط فيه ألا يكون رقيق الحاشية وبطريقة مثيرة للعواطف و مهيجة للشهوات، إذ الوسيلة تحرم بسبب حرمة الغاية التي تؤدي إليها، وسد ذرائع الفساد من الواجب على المسلمين، والله تعالى أعلم.
هل يجوز للمرأة أن تكلم خطيبها عن طريق الهاتف من وراء أهلها؟
إن كانت هذه المكالمة بريئة لا تؤدي إلى شبهة ولا إلى خطر فنعم.
إذا ذهب رجل يخطب امرأة فوافق أهل تلك المرأة هل له بعد الموافقة أن ينظر إليها ويكلمها بحضور ذي محرم منها؟
نعم، بل من السُّنَّة أن ينظر منها وجهها وكفيها.
هذه
ما حكم حديث الخطيب مع خطيبته في الهاتف؟ الحديث البريء الذي لا يشاب بشائبة لا مانع منه، ولكننا نخشى من الأحاديث لأن الشاب كثيراً ما يحاول أن يستدرجها، فيبدأ أولاً معها بحديث بريء ثم يأخذ في استدراجها شيئاً فشيئاً حتى يوقعها في الفخ، والفتاة تكون دائماً غراً، وغير متمكنة من السيطرة على أعصابها، لأن المرأة كما قيل هي عاطفية وعاطفتها أقوى من عاطفة الرجل، فإذا ما أثار عاطفتها لم يبق في دماغها موضع للتفكير قط، فتسيطر العاطفة على جميع جوانبه، فينبغي الحذر أيما الحذر من ذلك.
رجل وامرأة مخطوبان فقط، ويتبادلان الصور ويخرجان معاً ما حكم ذلك؟ هذه من الرزايا الكبيرة والمصائب العظيمة، والناس كثيراً ما يقعون في ورطات بسبب مثل هذه التصرفات، ونأسف كثيراً أن الآباء والأمهات أصبحوا غير واعين بآداب الإسلام وأخلافه وفضائله وقيمه، وبجانب هذا أيضاً أصبحت (2/11)
صفحة 457
12
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
الغيرة غير موجودة في نفوسهم، فإن الذي يسمح لفلذة كبده وثمرة فؤاده: ابنته أن تخرج مع رجل أجنبي على أمل أن يربطه بها الزواج الشرعي يعتبر مخاطراً بعرضه وشرفه وكرامته، وكذلك المرأة التي تسمح لابنتها بذلك، فهل يؤمن عند خروج هذين أن يكون بينهما ما يُحذر الرسول صلى الله عليه وسلم منه عندما قال: ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم»، ويقول: «ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما، وكثيراً ما تأتينا المسائل والتي فيها أن مثل هذه اللقاءات ما بين الشاب والفتاة تؤدي إلى تجاوز الحدود بل إلى الوقوع في الفحشاء، ولربما كان ذلك الشاب ذئباً لا هم له إلا اقتناص الفتيات بمثل هذه الآمال الخادعة بحيث يصور الواحدة منهن أنه سيكون شريك حياتها وفارس أحلامها، ثم لا يلبث أن يرزأها في أعز ما تملك، وبعد ذلك يرفسها ليبحث عن ضحية أخرى يقتنصها ويخلفها في هموم وأحزان، وربما ترك في أحشائها جنيناً يؤرق ليلها ونهارها ويقض عليها المضجع لما تسمعه من أنينه المعنوي بالمستقبل المظلم الذي ينتظره، إما وأداً في مصحاب الإجهاض، وإما حياة كلها مهانة وازدراء وتعب وعناء، وهمكذا ترزأ الفتيات في كرامتهن وأعراضهن، بسبب استهانة آبائهن وأمهاتهن، فعلى الجميع أن يتقوا الله، وأن يلتزموا الآداب الإسلامية التي فرضها الله الله والله المستعان.
هل للفتاة أن تطرح على أبيها رغبتها في الزواج بشخص معين؟ نعم، لها أن تطرح ذلك على أبيها، وفي قصة موسى مع الرجل الصالح ما يدل على هذا، فإن الفتاتين اللتين لقيهما موسى عل عندما جاءت إحداهما تمشي على استحياء قالت له: {وَإِن أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ، وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَتْهُمَا يَتَأَبَتِ اسْتَعْجِرَهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَتَجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} (2/12)
صفحة 458
فتاوى النكاح
13
في
هذا،
[القصص: 25، 26]، وفي طي كلامها هذا تعريض بأنها ترغب في الاقتران به لأنه قوي من حيث أنه رفع الصخرة التي فوق البئر، وأمين من حيث أنه اتقى الله تبارك وتعالى في صحبته لتلك الفتاة إلى أبيها وغض طرفه عنها وسار سيرة محمودة، ثم إن الأب أدرك هذه الرغبة في ابنته ولم يمنعه ذلك أن يصارح موسى بما صارحه به إذ قال: {أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَى هَدَتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَنِى حِجَجٍ} [القصص: 27]، وهذا يدل على أنه لا عار على الأب أن يفاتح الرجل الصالح الذي يرى فيه الكفاءة بأن يكون زوجاً لابنته بمثل هذا الأمر، وكذلك المرأة لا مانع أن تفاتح أباها ولا مانع أيضاً أن تفاتح الرجل كما كان ذلك من السيدة خديجة رضي الله تعالى عنها عندما خطبت النبي صلى الله عليه وسلم لنفسها، لا أرى في ذلك حرجاً قط. فيمن تقدم لخطبة امرأة من أهلها فهل يجب عليه الإنفاق عليها؟ وهل يحق للمرأة فسخ الخطوبة؟ الخطبة وحدها لا يترتب عليها إنفاق، ولا تحتاج إلى فسخ، لأنها لا تكون زوجة بمجرد الخطبة، حتى يعقد عليها النكاح بجميع شروطه اللازمة، والله أعلم.
لا
إذا وقع الإيجاب والقبول في الخطبة، فهل يصح للخاطب أن يتحدث مع مخطوبته وأن يختلي بها، أم يستلزم استكمال بقية الشروط،
كالإشهاد ودفع المهر أو ما يسمى عندنا بالملكة (1)؟
يتم العقد إلا بإشهاد شاهدين، فإن حصل القبول والإيجاب بحضورهما
فهو تام وإلا فلا، وأما المهر فيجوز تأخيره، والله أعلم.
(1) الملكة المتعارف عليها هي: عقد القرآن. (2/13)
صفحة 459
14
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
هل يجوز المراسلة بين الخطيب وخطيبته؟
إن كانت المراسلة بريئة من كل شائبة فلا حرج، والله أعلم.
ما حكم الإسلام إذا أحبت المرأة رجلاً هل من الممكن أن تخطبه؟ ينبغي النظر في هذا الحب، هل هو حب عاطفي محض أم لا؟ لأن الحب العاطفي قد يفضي إلى عاقبة لا تحمد فإن المرأة قوية العاطفة، ولذلك جعل الله تعالى أمرها مقيداً في الزواج لئلا تنساق وراء عاطفتها، وأنا عرفتُ هذا ليس بالسماع أو بالتخمين أو الظن بل لأنني عايشتُ أحداثاً من هذا النوع، فكثير من الفتيات عشقن بعض الشباب وعصين آباءهن وأُمهاتهن واندفعن وراء هذه العاطفة بدون مبالاة فكان عاقبة أمرهن أنهن عدن بالملامة على أنفسهن وندمن ندماً شديداً وتجر عن المرارة من عاقبة هذا الحب الذي بدا لهن حلواً أول مرة، ولذلك ينبغي للمرأة مهما كانت محبة للرجل ألا تحكم عاطفتها وأن تنظر إلى الأسباب التي تدعوها إلى حبه، فإن أحبته لدينه وفضله وعلمه لا لعاطفة فقط فلا بأس أن تخطبه، فأم المؤمنين خديجة ا لما رأت في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم المميزات التي لا توجد في غيره من الرجال خطبته لنفسها، ولكن لم تكن محبتها له محبة غرام منها، وكيف يكون منها الغرام وهي في ذلك الوقت بلغت أربعين عاماً، وكانت من أوفر النساء عقلاً وأحسنهن سمتاً وأنورهن فكراً، وإنما كانت محبة للشمائل التي وجدتها في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا وجدت المرأة في رجل شمائل طيبة كريمة وصفات حسنة لا تمنع من أن تخطبه، ولست أقول بمنع الخطبة إذا أحبته حباً عاطفياً ولكن عليها أن تفكر في عاقبة أمرها. (2/14)
صفحة 460
فتاوى النكاح
15
ما رأي سماحتكم في الحب، وهل يجوز للفتاة أن تراسل شاباً صالحاً
لترغبه في الزواج بها بسبب الفتن التي تعيشها؟
أما الحب الطبيعي الذي هو مجرد ميل نفسي فذلك مما لا يقوى الإنسان على مقاومته، لأنه أمر تقتضيه الطبيعة البشرية، والله تبارك وتعالى جعل بين الرجال والنساء المودة والرحمة، كما هو معلوم من قوله تعالى: وَمِنْ عَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21]، ولا حرج أن تراسل فتاة رجلاً أو شاباً صالحاً لترغبه في الزواج بها من أجل إعفاف نفسها ومن أجل الاستعانة به على أمور دينها ودنياها، فليس في ذلك من عيب إن كانت رغبت فيه من أجل صلاحه وتقواه واستقامته بدليل فعل السيدة خديجة ا مع رسول الله، ولم يعد أحد ذلك أمراً معيباً بل عدوه من رجاحة عقلها لأنها اختارت الرجل الصالح لما توسمته فيه من فضل واستقامة وبرّ وتقوى، فلا حرج في مثل هذه الأمور، والله تعالى أعلم. أوساط الشباب اليوم قضية الحب فيعمد شاب إلى فتاة ويقيم
معها علاقة حب، فما رأيكم في ذلك؟
إقامة العلاقات لا على أساس الزواج الشرعي ولو كان ذلك مجرد لقاء هو من الإفساد في الأرض، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم»، ويقول: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة إلا مع ذي محرم»، ويقول: إياكم والدخول على النساء»، فقال له رجل من الأنصار أرأيت الحمو يا رسول الله، فقال رسول الله: «الحمو الموت»، ومن المعلوم أن هذه العلاقات كثيراً ما يتخذها الشباب (2/15)
صفحة 461
16
في
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
الفاسد شباكاً لاقتناص الفتيات لأجل قضاء أوطارهم منهن، وهذا مما اطلعنا عليه فكثير ما تأتينا الاتصالات من فتيات رزئن بسبب هذه العلاقات أعز ما يملكن، فيمنّي الشاب الفتاة أن يكون في يوم من الأيام فارس أحلامها وشريك حياتها، ثم لا يلبث بعد ذلك أن يأخذ يخادعها حتى يرزأها في أعز ما تملك، وحينئذ يرفسها برجله ليبحث عن ضحية أخرى، بعدما خلف في نفسها هماً تنوء بأثقاله كمثل الجبال، وبعدما خلف في أحشائها جنيناً يؤرقها في ليلها وفي نهارها لأناته المتصاعدة بسبب المصير المؤلم الذي ينتظره، فإما أن يكون مصيره حياة كلها احتقار وازدراء وتعب وعناء، لأنه يكون منبوذاً لا أصل له، وإما أن يكون مصيره وأداً في مصحات الإجهاض، فعلى الجميع أن يفكر في مثل هذا الأمر، وسوء هذه
العاقبة.
فيمن رغب في الزواج من امرأة صالحة لا يستطيع أن يكلمها، هل يجوز له أن يرسل لها رسالة يضمنها حكم الزواج في الإسلام وترغيبه فيه، ثم يبين لها رغبته في الزواج منها؟
لا مانع من ذلك، والله أعلم.
فيمن طلب من والده أن يزوجه ولكن الأب يعتذر في كل مرة بحجج واهية، والابن يخاف على نفسه مزالق، الشيطان فهل على الابن من حرج إن هو تزوج من غير موافقة أبيه؟
إن كان يخشى على نفسه العنت فليتزوج على بركة الله، وإن لم يرض بذلك والده، لأن الزواج في حقه واجب عليه لإحصان نفسه، وما عليه من عدم موافقة أبيه على ذلك، والله أعلم. (2/16)
صفحة 462
فتاوى النكاح
17
من المعلوم أن للمؤمنين في الجنة الحور العين، فما اسم أزواج
المؤمنات فيها؟
أزواج المؤمنات في الجنة المؤمنون، والله يجمع بين الزوجين المؤمنين في الجنة كما اجتمعا في الدنيا، والله أعلم.
فيمن تزوج بكراً فوجدها ثيباً، ما الحكم في ذلك؟
أما من حيث صحة العقد فالعقد صحيح ما لم يبطله شيء، والله أعلم.
هل يجوز لرجل أن يتزوج من امرأة تسبب في طلاقها من زوجها؟ لا وألف لا، فإن من تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه، والله أعلم.
جاءني شخص خاطباً ابنتي، وقد وافقت بشرط أن يكون الزفاف بعد إتمامها الدراسة، فهل يلزمه هذا الشرط بعد أن رضي به؟
إن اشترط على نفسه فالمسلمون على شروطهم إلا إن تنازلت هي عن شرطها، والله أعلم.
ما قولكم في إمكان حصول سحر تعطيل الزواج، وما علاجه إن حصل؟ يمكن ذلك، وعلاجه الرقية بتلاوة المعوذتين، والله أعلم.
تقدمت لخطبة امرأة وفوجئت بأنها في العدة، بعد أن طلقت، فتوقفت عن الخطبة، فهل يجوز لي الآن أن أتقدّم لخطبتها بعد أن انتهت العدة
من عشرين يوماً؟
لا
حرج
عليك إذ لم تكن تعلم هي بخطبتك، والله أعلم. (2/17)
صفحة 463
18
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
فيمن خطب امرأة فوافقت عليه، وكان قد زوجها أبوها بابن عمها بغير رضاها، فأخذ هذا الخاطب يحرضها على الطلاق، وما زال بها حتى طلقها زوجها، فهل يجوز للخاطب الأول أن يتزوجها بعد تلك الحالة؟ إن زوجت إياه ولم ترض به في يوم من الأيام فلا حرج في ذلك، والله أعلم.
امرأة خطبها جماعة لشخص، وأخبروا أباها بأن هذا الرجل مرضي في دينه وخلقه، وأنه لم يسبق له الزواج من قبل فوافق الأب على تزويج ابنته وانخدع بكلامهم، ولما تمّ العقد تبين له أن الرجل بخلاف ما وصف له، وأنه مدمن للمسكرات، فهل يحق للمرأة تغيير رأيها في هذا الزواج؟ إن قامت الحجة على أن الخاطبين خدعوا أباها فلها الحق في تغيير الزواج، والله أعلم.
هذا
بعض النساء يشترطن لبناتهن عند خطبة الزواج أن يقام العرس في النادي، فما فما حكم ذلك؟
هذا الشرط ليس له أساس من الشرع، ولا يجب التقيد به، وأما حضور النساء في النادي مع وجود الاختلاط أو المناكر فهو ممنوع، كما إن حضور الرجل أيضاً ممنوع مع وجود منكر من المناكر، وحفلات الزواج من الأولى أن تقام في البيوت التي فيها الستر والصيانة والبعد عن الاختلاط بالرجال.
تقدّم شاب على خلق ودين لخطبة فتاة وكانت هذه الفتاة ترغب في الزواج به، ولكنها ترغب في إكمال تعليمها، علماً بأنه لم يبق من دراستها سوى سنتين فقط، فهل تحافظ على الشاب وتترك تعليمها أو ترفضه وتكمل تعليمها؟ (2/18)
صفحة 464
فتاوى النكاح
19
ولماذا لا تجمع ما بين الحسنيين تتزوجه وتكمل تعليمها، أو تتفق معه على تأخير البناء إلى أن تكمل تعليمها.
فتاة تسأل عن الزواج من شاب من أهلها رضيت بدينه وخلقه ورضي بذلك أهلها فاستخارت الله ورأت ما يشرح صدرها على الزواج منه، إلا أن أُمها لا ترضى بذلك؟
توكلي على الله والله يحب المتوكلين، ولا تؤخري الزواج.
هل يجوز للمرأة أن تشترط على الخاطب بيتاً مستقلاً تسكن فيه معه بعد الزواج؟ لها حق الاشتراط، فإن ذلك من حقوقها، وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أولى ما وفيتم به من الشروط، ما استحللتم به الفروج»، والله تعالى أعلم.
تقدم شاب لخطبة فتاة ولكن لم يوفق في الزواج وكان هو متمسكاً بها تمسكاً شديداً لذلك انهار ولجأ إلى التدخين وشرب الخمر وترك الصلاة بعد أن كان مسلماً بحق بعد ذلك تزوجت الفتاة من شخص آخر وبعد فترة من زواجها اتصل بها الشاب الأول ليحملها ما حدث له، وكان موقفها معه حازماً، فهل حقيقة أن ما حدث للشاب هي السبب فيه؟ وماذا عليها أن تفعل حتى ترضي الله تعالى؟
ليس عليها من وزر ذلك الشاب شيء، إنما يبوء بنفسه بوزره ويتحمل مسؤولية عمله بنفسه، فالزواج قدر مقدور من عند الله، فلربما أحد يطمع في فتاة وتكون لغيره، وربما هي أيضاً ترغب في الزواج من الشاب (2/19)
صفحة 465
20
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
وتكون من نصيب غيره، فالأمر مقدور وليس بيد أحد، ولا تتحمل شيئاً من المسؤولية، وعليها أن تريح نفسها وتخلص لزوجها وتعيش معه عيشة صحيحة، وعليها إن استطاعت بواسطة رسالة أن ذلك تنصح الشاب بأن يثوب إلى رشده وأن يعود إلى ربه وتبين له بأنه بعودته إلى ربه تنحل مشكلته. (2/20)
صفحة 466
فتاوى النكاح
الولاية في الزواج
21
وو
حرم والدي زواجي من ابنة عمي، وذلك إثر خلاف بينه وبين عمي، وبعد مدة وافق الوالد على هذا الزواج، فماذا يلزمه؟ وهل يصح لي أن أتزوجها بعد ذلك؟
على والدك أن يتوب إلى الله من جرأته على الله تعالى بتحريمه ما أحل، فإن ذلك من أكبر الكبائر (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، فالحلال ما أحل الله والحرام ما حرم، وتحريم الإنسان وتحليله لا عبرة بهما، ولا يفضي ذلك إلى تبديل حكم الله، فتزوج على بركة الله ولا تثريب عليك، والسلام.
فيمن تزوج امرأة وعند دخوله بها تمنعت منه وأبدت عدم رغبتها به، وأن أباها قد أجبرها على الموافقة به، ثم إن هذا الزوج أجبرها على المواقعة، فهل يعدُّ ذلك اعتداءً منه، وماذا يلزمه لها؟
كان الواجب عليه أن يعتزلها بعد ما أخبرته أنها غير راغبة فيه، فإن رضا المرأة شرط من شروط صحة العقد، ودخوله بها بعدما أخبرته بعدم رضاها يعد اغتصاباً منه لها، وعليه لها الصداق في مقابل الاغتصاب، والله أعلم. (2/21)
صفحة 467
22
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
امرأة زوجت نفسها بدون رضى الولي، فما الحكم في ذلك؟
ثبت في الحديث عن النبي الا الله أنه قال: «لا نكاح إلا بولي وصداق وبينة»، وقال عليه أفضل الصلاة والسلام: أيما امرأة زوجت نفسها بدون إذن وليها فنكاحها باطل، باطل باطل، فالنكاح الذي تم بدون إذن الولي لا يُعدُّ شيئاً، فهو نكاح باطل، بل نجد الإشارة إلى هذا حتى في القرآن الكريم، فقوله: وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19]، دليل على أن للولي دخلاً في الأمر وإلا فما معنى عضله إن كان لها أن تزوج نفسها، فلا يجوز للمرأة أن تزوج نفسها إلا بإذن وليها، ولا يجوز للرجل أن يتزوج امرأة إلا بإذن وليها، فإن عضلها الولي فهنا لها الحق أن ترفع أمرها إلى القضاء الشرعي إن أصر وليها على هذا الرفض ولا يُعدُّ ذلك عيباً، وعندئذ يتدخل القضاء الشرعي ويجبر الرجل على أن يزوج موليته، حتى لا تكون فتنة أو فساد في الأرض، والله تعالى أعلم.
ا هل يجوز للمرأة أن تتزوج من غير إذن وليّها إذا امتنع وليها عن تزويجها؟ لا نكاح إلا بولي» (1) هكذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز بحال أن تتزوج برجل إلا بإذن وليها، فإن خطبها الكفء وتعنت وليها ولم يرض أن يزوجها به مع رغبتها فيه فلترفع أمرها إلى القضاء الشرعي وعلى القاضي الشرعي أن يقيم الحجة على وليها، فإن امتنع كان عليه أن يعاقبه، فإن استمر الرفض جاز له أن يزوجها بناءً على تفويض ولي الأمر له، والله أعلم.
(1) أخرجه الربيع باب في الأولياء برقم /510 الترمذي: باب: لا نكاح إلا بولي برقم 1101/ ابن ماجه باب لا نكاح إلا بولي برقم 1880. (2/22)
صفحة 468
فتاوى النكاح
23
وجدت في باب النكاح من كتاب تلقين الصبيان (1) على أنه يجوز للرجل أن يزوج نفسه من امرأة متى استكمل وفهم الشروط والأركان المطلوبة شرعاً (2)، فهل هذا الحكم ينطبق على الثيبات والأبكار من
النساء أم لا؟ إن كان ولياً للمرأة فلا مانع من أن يزوج بها نفسه برضاها، سواء كانت ثيباً أم بكراً، وإن كان وليها غيره وأذن له أن يزوج بها نفسه فلا حرج في ذلك،
والله أعلم.
ما قولكم فيمن زوجها أبوها قبل البلوغ فلما دخل عليها زوجها غيرت منه ورفضته. فهل يحق لها ذلك بعدما دخل بها؟
قيل: عليها أن تغير فوراً، وقيل لها الغير ما لم تطهر من حيضها، وقيل ما لم تمكنه من نفسها أو تعترف أنها رضيته زوجاً، والله أعلم.
بالنسبة للصغيرة إذا زوجها وليها قبل بلوغها هل لها أن تطلب الانفصال بعد البلوغ؟ الزواج رابطة مقدسة بين الزوجين، ولذلك كان رضى المرأة شرطاً شروط صحته، والآيات القرآنية تؤذن بذلك، مثل قوله: وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ
لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَاءَ اتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ
من
(1) کتاب تلقين الصبيان ما يلزم الإنسان للعلامة عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي. (2) لا يوجد باب في تلقين الصبيان اسمه باب النكاح، ولعل السائل نقل ما نقل مما ألحق بالكتاب وهو رسالة في النيات للشيخ هلال بن زاهر اليحمدي، ذلك أنه ذكر مسألة ص 155 في تلك الرسالة، ينظر: الإمام عبد الله السالمي، تلقين الصبيان ما يلزم الإنسان - الطبعة الثامنة - تصحيح عز الدين التنوخي ص 155. (2/23)
صفحة 469
24
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
النساء: 19]، فذلك يُوحي أن للمرأة الحق في اختيار شريك حياتها، وفي 19]، الارتباط بالشخص الذي تريده ما دام كفأ لها، وإنما الولاية هي لرعاية المصالح، لأن المرأة تندفع كثيراً وراء عاطفتها وقد تدفع بها عاطفتها إلى مضائق فتقع في أمور لا تحمد عاقبتها، ولذلك كان الولي هو المشرف على هذا الزواج وهو الذي يُتمه عندما يرى المصلحة فيه متعينة، وليس له أن يتعنت أو يمنعها من الارتباط ممن تريد الزواج به، هذا وبما أن الصغيرة لا رأي لها لأن الرأي المعتبر إنما هو لمن بلغ الحلم لا لمن لم يبلغ الحلم، فإن من لم يبلغ الحلم لا تناط به الأحكام التكليفية على اختلاف أنواعها، فقد جعل لوليّها الحق في أن يرعى مصلحتها، فإن كانت مصلحتها متعينة، في تزويجها كان ذلك خيراً كما كان ذلك من زواج بنت الصديق لها بالنبي صلى الله عليه وسلم فإن ذلك من أجل المصلحة واستدل به على جواز زواج الصبية بشرط أن تكون المصلحة في ذلك متعينة، ولكن بما أن الزواج هو ربط مصير بمصير وكل واحد من الزوجين لا بد من أن يكون مختاراً فيه كان هذا الزواج معرضاً للانتهاء عندما تريد فسخه بعد البلوغ، ولكن بشرط أن تبادر إلى هذا الفسخ قيل: فور البلوغ وقيل: ما لم تطهر من حيضتها الأولى، وقيل: ما لم تعترف بقبوله زوجاً أو تُمكّنه من نفسها، فإن وقع أحد هذين
الأمرين فإنه لا يكون لها الحق في فسخ هذا الزواج، والله تعالى أعلم.
تم تزويج بنت عمرها عشر سنوات إلى رجل عمره خمس وستون سنة وذلك طمعاً من الأب، فما قول سماحتكم؟ وما نصيحتكم لهم
ولوالديهم؟
بئس ما يفعل هؤلاء، فالزواج ليس هو بيعاً للفتاة المتزوجة، وإنما هو ربط مصير بمصير، ويجب أن يكون بعد موافقة الفتاة نفسها إن كانت بالغة، وإن (2/24)
صفحة 470
فتاوى النكاح
25
كانت دون البلوغ فلها الغير بعد البلوغ، وكل ما أنفقه الزوج إن دخل بها فإنه لا يمكنه أن يسترد منه شيئاً مع غيرها وذلك بما أصاب منها، وعلى الناس أن يتقوا الله تعالى في هذا الأمر، وأن يدركوا أن الصداق ليس للأب حق أو نصيب فيه إنما هو حق للفتاة وحدها، فإن الله تبارك وتعالى يقول: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: 4]، ولم يقل: وآتوا أولياء النساء، فطمع الأب الذي يؤدي به إلى أن يبيع ابنته هذا البيع إنما هو محض طمع فيما لم يأذن الله تبارك وتعالى بالطمع فيه بل هو ظلم، وعلى الآباء أن يتقوا الله، وعلى المجتمع ألا يُقر هذه العادات السيئة.:
شاب أقدم على الزواج من فتاة وأجرى العقد في دولة أوروبية وفي مركز إسلامي بعيداً عن الأهل ودون موافقتهم وحضور ولي الأمر ومع وجود شاهدين مسلمين بالغين وتمّ تسليم المهر بالاتفاق بين الشاب والفتاة وبعد مرور عام على هذا الزواج علم أهل الزوجين بهذا الزواج، ما صحة هذا العقد؟ وهل يعتبر زواجاً أم سفاحاً؟ إذا رفض ولي المرأة وليس هنالك محكمة شرعية يرجع إليها ولا وليّ أمر يمكن أن يرجع إليها، ففي هذه الحالة يمكن لهذه المرأة أن تلجأ إلى الجماعة المسلمة، فإن وجدت هذه الجماعة المسلمة من الولي العضل فلها أن تقوم بتزويجها.
هل يجوز للرجل أن يتزوج أي فتاة وبدون موافقة وليها في الدول الأوروبية؟ أولاً: أريد أن أنبه إلى أن الشباب الذين يذهبون إلى البلاد غير المسلمة كثيراً ما يقترنون بغير المسلمات وهذا أمر فيه خطر كبير، وخطورة ذلك (2/25)
صفحة 471
26
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
واضحة، ولا يعني هذا أننا ننكر أن الله تعالى أباح تزوج المحصنات من الذين أُتوا الكتاب فقد قال: {وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ وَلَا مُتَخِذِي أَخْدَانٍ} [المائدة: 5]، ولكن علينا أن نراعي هذه الإباحة متى كانت؟ إنما كانت عندما قوة الإسلام مهيمنة وكان أهل الكتاب في ذلك الوقت في ذمة المسلمين، بحيث لا يمكنهم أن يربوا أولادهم إلا التربية الإسلامية فمن مات مات وهو قرير العين مطمئن البال بأن أولاده سيربون التربية الإسلامية إذ الدولة الإسلامية التي تمد أروقتها في أماكن متعددة من هذا العالم هي التي ترعى هؤلاء الأولاد، ولا يمكن لأحد أن يخرجهم من حظيرة الإسلام وأن يربيهم غير تربية الإسلام، ومن المعلوم أن الأمر تبدل والأوضاع اختلفت، فقد أصبح أولئك يمكنهم أن يأخذوا الأولاد وأن يربوهم كما شاؤوا، وقد يكون ذلك حتى في حياة الرجل وقبل مماته، وعمر بن الخطاب له الله راعى مصلحة الإسلام والمسلمين في هذا، فعندما تزوج حذيفة منه كتابية كتب إليه عمر له طلق هذه المرأة، فأجاب: بأن الله أحلّها لي ولا أحب أن أفارقها، فكتب إليه عمر صلي الله وقال: «يا حذيفة أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خشيت أن يندفع الناس بسببك إلى جمال نساء أهل الكتاب ويتركوا نساء المسلمين أيامي، فأقسمت عليك بالله ألا تضع كتابي حتى تطلقها». فانظروا كيف راعى المصلحة في قوله: خشيت أن يندفع الناس إلى جمال أهل الكتاب ويتركوا نساء المسلمين أيامي»؟ وهذا ما يقع فيه الكثير من الناس يتركون بنات مجتمعاتهم الإسلامية يتطلعن إلى الأزواج وهم مع ذلك يذهبون وراء هذه الرغبات وهذه الشهوات وقبل فترة جاءني رجل بلغ من العمر عاماً وهو من قبيلة عُمانية وقد جاء به ابن أخته ليدخل الإسلام،
سبعين (2/26)
صفحة 472
فتاوى النكاح
27
لأن أباه تزوج أمه وهي على غير الإسلام فربّته تربية غير إسلامية في حياة أبيه، ونشأته على غير الإسلام، وقبل فترة أخرى جاءني رجل وقد جاء به ابن عمه ليدخل في الإسلام وابن عمه هذا ينحدر من قبيلة عُمانية أصيلة ولكن جده تزوج جدته وهي غير مسلمة، فلذلك نشأ أبوه على غير الإسلام ونشأ هو على غير الإسلام، وجاء بعد ذلك بابن عمه الآخر ليدخل في الإسلام فسألته عن سبب هذا فقال: إن جدنا كان شهوانياً ولم يتزوج مسلمة إلا جدّتنا فلذلك فنحن صرنا مسلمين أما الآخرون فقد كانوا على غير الإسلام، وقال: إن في أسرتهم أربعين شخصاً على غير الإسلام أي على المذهب الكاثوليكي، وهذه الأسرة تنحدر من أصل عُماني، وقال بأن عمته كاثوليكية وقد تزوجت يهودياً، هكذا تكون المآسي بسبب البعد عن الله وبسبب اتباع الشهوات، فهذه الأمور يجب على الناس أن يتفطنوا لها وأن لا يسارعوا إلى شهواتهم وأن يختاروا لنطفهم، والله تعالى أعلم.
إذا قال الأب لإخوتها أو لأحد أقاربها زوجوا البنت ممن تريدون أي ترك لهم فرصة التزويج؟
هذا نزول منه عن حقه في ولايتها، وتخويل لغيره أن يقوم بتزويجها، وعلى هذا فلا مانع من أن يقوم ذلك الغير بتزويجها.
فيمن تريد الزواج وليس لها سوى إخوة وعمومة من الأب ومن الأبوين، لمن يرجع أمرها في الإذن بزواجها؟
الأولى بزواجها الأخ الشقيق ثم الأخ الأبوي ثم أبناؤهما بحسب الترتيب، ثم العم الشقيق ثم العم الأبوي، والله أعلم. (2/27)
صفحة 473
28
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
فيمن بلغت المحيض، ولها أبناء عم وأُم، فمن أحق بتزويجها؟
لا تلي المرأة تزويج المرأة ولا تزويج نفسها، وإنما ذلك إلى الولي، فإن لم يكن ولي أقرب من ابن العم فإن ابن العم هو وليها، ولكن لا يزوجها إلا بمن رضيت به زوجاً، والله أعلم.
فيمن تزوجت بإذن أخيها وبرضاها مع وجود الأب والإخوة الكبار، فهل يتم الزواج بذلك؟ إن أتم الأب هذا العقد قبل الدخول فهو صحيح، ويعجبني بعد الدخول أن يسكت عن هذا الزواج نظراً إلى أنه كان بأمر ولي وإن يكن أبعد،
والله أعلم.
أريد الزواج وليس لي وليّ يلي أمر تزويجي، غير أنه يوجد خال أبي، فهل يعد خال الأب وليّاً في الزواج؟ لا يكون الخال ولا خال الأب ولا الأم ولياً يلي الزواج، وإنما يليه العاصب ولو بعد، فإن كان لك أخ ولو دون البلوغ فهو يلي ذلك إن كان مميزاً، وإن لم يكن فالعاصب ولو من بعيد، وإن لم يكن عاصب فارفعي أمرك إلى القضاء الشرعي ليتولى تزويجك، والله أعلم.
فيمن تزوجت دون إذن، وليها، ودون إذن شيخها، وإنما عقد نكاحها شيخ البلد، فهل يتم زواجها بذلك؟
إذن الزواج لا يتعلق بشيخها ولا بغيره وإنما هو إلى وليها، فإن رفض الولي فلترفع أمرها إلى القضاء الشرعي، وإن زوجت نفسها بدون إذن وليها فزواجها باطل، والله أعلم. (2/28)
صفحة 474
فتاوى النكاح
29
يقول الرسول: .... والأيم أحق بنفسها من وليها (2) فهل (1)
المقصود أن لها أن تزوج نفسها بدون إذن وليها؟
ليس كذلك، فإن أحق للتفضيل، وذلك يعني أن لها ولولتها حقاً، وحقها أوفر، ولكن لا بد من إذنه، والله أعلم.
إنني امرأة مطلقة، وليّ أولاد فتقدّم رجل لخطبتي ولكني لم أوافق عليه، ثم خطبني آخر فرأيت فيه الكفاءة فوافقت عليه، غير أن أخي الأكبر وهو وليّ أمري - امتنع من تزويجي لمن تقدم لخطبتي، علماً بأن لي ثلاثة إخوة أشقاء كلهم معارضون لهذا الزواج ما عدا أخي الأوسط، فما رأي الشرع في امتناع إخوتي عن زواجي؟ وهل لهم الحق في ليس لأخيك أن يعضلك عن الزواج بمن أردته ما لم تكن في ذلك مفسدة دينية أو دنيوية، وإن امتنع هو عن ذلك فليأذن غيره بالزواج من إخوتك، وإن امتنعوا جميعاً فارفعي أمرك إلى القضاء الشرعي، والله الموفق.
ذلك؟
فيمن خطب امرأة فوافق جميع أهلها، غير أن أباها اعترض على ذلك،
فهل يجوز لهذا الرجل الخاطب أن يكتب له كتابة محبة أو لا؟ ليس للأب أن يعترض على زواجها بالكفء الصالح، وأرى اللجوء إلى الدعاء خيراً من الكتابة وأنفع، والله أعلم.
(1) الأيم: بفتتح الهمزة وكسر الباء المشدودة هي: من لا زوج لها من الثيبات. ينظر: محمد بن يوسف أطفيش، شرح كتاب النيل، ج 6 ص 102.
(2) أخرجه الربيع باب في الأولياء برقم 511 / مسلم: باب استئذان الثيب في النكاح برقم 1421/ ابن حبان باب ذكر البيان بأن الثيب أحق بنفسها من وليها ثم استثمارها في
الإذن عليها برقم 4084 / أحمد ج 1 ص 219. (2/29)
صفحة 475
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
فيمن أراد الزواج من بلد غير بلده، ولكنه لا يقدر على السفر، فهل يصح أن يسافر أحد أقاربه ويختار له زوجة، وينوب عنه في قبول الزواج، بحيث يتم العقد في بلد الزوجة؟
يوكل من ينوب عنه في قبول الزواج، ثم يشهد هو على قبول ذلك، والله أعلم.
هل تبقى للأب سلطة على ابنته بعد زواجها؟
أولاً: علينا أن ندرك بأن الإسلام يختلف تمام الاختلاف عن النظم السائدة الجديدة، فالبنت عندما تتزوج لا تنفصل عن أسرتها بخلاف النظام المتبع عند غير المسلمين، ومما يؤسف له أن نجد المسلمين أيضاً ينساقون وراءه وهم مع ذلك يرددون شعار تحرير المرأة وإنصافها مع أن المرأة أصبحت تذوب شخصيتها، فتفقد انتماءها إلى أسرتها بعد الزواج وتنتمي إلى أُسرة الزوج، والإسلام لا يقر ذلك، فتبقى علاقتها بأبيها، وتبقى ابنة له، له عليها حقوق الأبوة، ولها عليه حقوق البنوة، فيجب عليه أن يرعاها، وأن يحافظ على شرفها، وعلى كرامتها، ولو كانت في كنف زوج، وأن يشعرها بحنان الأبوة دائماً، وكذلك عليها برّه والإحسان إليه، فالعلاقة لا تنقطع، وإنما عليها بجانب ذلك أن تراعي حقوق الزوج، وهي حقوق عظيمة فهو القوام عليها بعدما كان أبوها قواماً عليها قبل أن تتزوج لأنه الذي يجب عليه أن ينفق عليها، وأن يراعي مصالحها، ويوجهها الوجهة السليمة، وعليها أن تطيعه ما دام في طلبه لها لم يخرج عن طاعة الله تبارك وتعالى، أما إن دعاها إلى ما لم يأذن به الله فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ثم مع هذا كله علينا أن ندرك بأن حقوق الزوجية حقوق عظيمة، وهي ليست على جانب للجانب الآخر فحسب، بل هي متبادلة بين
هي
الجانبين جميعاً، فإن الله تبارك وتعالى يقول: {وَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: 228]، أي لهن على الأزواج من الحقوق مثل ما للأزواج عليهن من (2/30)
صفحة 476
فتاوى النكاح
31
الحقوق بالمعروف، وإنما الميزة التي توجد هي ميزة القوامة التي جعلها الله في يد الرجل، وهي التي أشار إليها القرآن عندما قال: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة: 228]، أي درجة القوامة، ذلك لأن المرأة من عادتها أن تتأثر عاطفتها، وأن تنساق كثيراً وراء عواطفها، فلذلك لا تستطيع أن تتحكم في العواطف بقدر ما يستطيع الرجل، ولذلك جعل الطلاق بيده ولم يجعل بيدها، وجعلت الرعاية إليه ولم تجعل إليها، إلا أنها واجب عليها أن ترعى البيت، وأن ترعى مصلحته ومصلحة أولادها، فهذه حقوق مشتركة ما بين الزوجين، وليس ذلك فحسب بل بين الله تعالى أن الزوجين جميعاً يكونان هيكلاً اجتماعياً واحداً، الرجل جزء منه والمرأة جزؤه الآخر، فكل واحد منهما بعض من هذه الحقيقة التي تضمهما جميعاً، فكأنهما غصنان من شجرة واحدة، وهذا الذي يوحي به القرآن عندما يقول: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ، وَقَدْ أَفضَى بَعضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِيتَقًا غَلِيظًا} [النساء: 21]، ولم يقل وقد أفضيتم إليهن، فهذا مما يدل على عظم الحقوق المتبادلة بين الزوجين، فعلى كل واحد من الزوجين أن يرعى ذلك، ولكن لا يعني هذا ـ وكما أسلفت ـ أنها لا يجب عليها شيء من الحقوق لأبويها بعدما تزوجت بل الحقوق تظل واجبة عليها لهما، وكذلك أيضاً بما أنها كائن اجتماعي تجب عليها حقوق لأرحامها، وعلى الرجل أن يرعى ذلك، وأن يقدره فلا يمنعها من أداء هذه الحقوق لأرحامها.
إذن هل تبقى الطاعة في الأمر والنهي للزوج؟
الأمر والنهي للزوج، إلا أن على الأب لو قصر الزوج في الأمر والنهي ودعاها إلى المنكر، كأن تتبرج تبرج الجاهلية حتى يقال بأنه متطور وأنه متحضر وأنه يساير ركب التقدم وأرادها أن تحضر المراقص مثلاً، فعلى الأب أن يغيّر ذلك، وله الحق أن يتدخل في هذا ولو بضربها. (2/31)
صفحة 477
32
الرضا في الزواج
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
هل الرضا شرط في صحة العقد؟ وهل يلزم أن يكون صريحاً؟ نعم هو شرط، سواء كان صريحاً أو ضمنياً، والله أعلم.
ما حكم تزويج المرأة بغير رضاها؟
إن لم ترض بالزواج فهو باطل، والله أعلم.
فيمن خطب امرأة فوافقت ووافق وليها، غير أن أُمها اعترضت على هذا الزواج، بدون أن تذكر أي سبب لرفضها، فهل يجوز تزويج هذه البنت بدون رضا أُمها؟
ليس لهذه الأم أن تعترض على زواج ابنتها بمن رضيته ووافق عليه وليها،
والله أعلم.
فيمن حلف على ابنته أن لا يزوجها بابن عمها، وقد توفي الأب ذلك، فهل يلزمها شيء على حلف أبيها؟
بعد
الحلف لا أثر له على غير الحالف نفسه، ولها أن تتزوج بمن ترتضيه من
الأكفاء، والله أعلم.
فيمن أوصى بزواج ابنته من ابن عمتها فهل تجبر البنت على هذا
الزواج إن لم ترض به؟ (2/32)
صفحة 478
فتاوى النكاح
33
لا يجوز تزويجها إلا بإذنها ورضاها، فإن رضى المرأة شرط من شروط صحة عقد زواجها، والله أعلم.
فيمن أكرهه أهله على الزواج من امرأة لا يرغب فيها، فهل يتم العقد
بذلك؟
الزواج لا يكون إلا برضى من الرجل والمرأة كليهما، وما كان بإكراه فهو زواج غير صحيح، والله أعلم.
إنني فتاة أريد أن أكمل دراستي وأبي يرفض ويسعى لفصلي من الدراسة؛ بل ربما يصل به الحال إلى ضربي وما ذلك إلا بسبب رغبته في تزويجي، وأنا أرفض الزواج في الوقت الحالي، فهل تصرف والدي هذا موافق لما جاء به الدين؟
ما يفعله أبوك ليس من الدين في شيء، إذ ليس له أن يضربك بدون موجب، وليس له تزويجك إلا برضاك، والله أعلم.
عمي أن يزوجني
إنني امرأة توفي والدي، وبقيت في كفالة عمي، فأراد. بمن لا أغرب في الزواج منه، فهل له الحق في ذلك أم أنه لي أن أتزوج بمن أختاره؟
ليس لعمك أن يزوجك إلا بمن تختارينه بنفسك، والله أعلم.
تقدمت للزواج من إحدى الفتيات، ولكني فوجئت بالرفض من أهلها، رغم موافقة البنت نفسها، فما نصيحتكم لي؟
أرى أن تحاول إقناع ولي البنت بشتى الطرق، وأحسنها توسيط العقلاء من المقربين إليه، والذين لهم تأثير عليه، فإن تعذر ذلك الأبواب
وسدت جميع (2/33)
صفحة 479
34
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
فلا مناص من أن ترفع البنت نفسها أمرها إلى القضاء الشرعي، وهو الذي بيده كلمة الفصل، وأسأل الله لكم التوفيق لما فيه الخير، والسلام عليكم.
(1) ,
هل يجوز لأهل المرأة الثيب (1) أن يجبروها على الزواج بمن لا ترغب
فيه؟
إن كانت غير راغبة في الزواج فليس لهم إجبارها، والله أعلم.
إذا زوج الأب ابنته وهي غير راضية ولكنها لم تستطع أن تقول رأيها فهل يأثم الأب لذلك؟
نعم، يؤمر بأن يستأمرها، والثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في
نفسها وإذنها صمتها.
هي
إذا تقدّم لفتاة شاب ورفض والد هذه الفتاة تزويجه لكونه غير صالح وكان ذلك بعكس رغبة الفتاة التي ترى نفسها راغبة فيه وأنها قادرة على إصلاحه في بعض أمور حياته؟
مأمورة بأن تختار الرجل الصالح، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، كما أن الرجل مأمور أن يختار المرأة الصالحة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: فاظفر بذات الدين تربت يداك»، فكل واحد من الزوجين مأمور بأن يختار الشريك الصالح به مهما كان، وهو الذي يتحمل مسؤولية
ذلك.
(1) الثيب «من تزوج ولو لم تزل بكارتها ينظر محمد يوسف أطفيش، شرح كتاب النيل وشفاء العليل مكتبة الإرشاد - جدة - الطبعة الثالثة 1405 هـ / 1985 م، ج 6
ص
123 (2/34)
صفحة 480
فتاوى النكاح
35
إذا تقدم رجل صالح لخطبة فتاة ورفض ولي أمرها تزويجها بحجة إكمال دراستها وليس طمعاً في المال الذي تأخذه من عملها، ولكن من أجل تأمين مستقبلها كما يدعي الولي، مع أن الفتاة موافقة على الزواج فماذا تفعل؟ تصارح وليها برغبتها، فإن رفض هذه الرغبة ترسل إليه من يقنعه، فإن أصر على موقفه فلترفع أمرها إلى القضاء الشرعي.
منع ولي وليته من الزواج وقد بلغت سبعاً وعشرين سنة متعللاً بأن الخاطب ليس من نفس القبيلة وتارة أن الخاطب موظف صغير إلى آخر تلك الأعذار، ولقد حاول أحد المشايخ التوسط في الأمر، ولكن أصر على منعها من التزوج، فما نصيحتكم له؟
هذا الرجل لم يدخل الإيمان قلبه، ولم يستجب لأمر الله، فهو ينوء بأوزار ثقال، من بينها وزر منع وليته من الزواج، ومنها: وزر تعريضها للفحشاء، فهو جدير بأن يؤدب، وإنه لمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يؤدب هؤلاء بما يراه الحاكم الشرعي زاجراً لهم ولأمثالهم عن التلاعب بالأعراض، والشكوى من هذه البنت من أبيها لا يعتبر عقوقاً الأحوال، بل ذلك يدخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلتقدّم شكواها إلى القاضي الشرعي، وعلى القاضي الشرعي أن يناصرها بل على المسلمين جميعاً أن يناصروها على ذلك.
بحال
من
إذا لم ترض الفتاة بالزواج وزفّت إلى الرجل وهي غير راضية، كيف
تكون الحالة؟
إن زفّت وهي غير راضية فقد الزواج شرطاً من شروط صحته وهو رضى
المرأة، فهو زواج غير شرعي بل يعد زنى. (2/35)
صفحة 481
36
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
إذا كانت المرأة عند العقد غير راضية ثم بعد ذلك رضيت قبل الدخول فهل يعتبر ذلك زواجاً شرعياً صحيحاً؟
قول أكثر العلماء أنه لا بد من تجديد الزواج وقيل يكتفى برضاها، ونحن نجنح إلى تجديد الزواج خروجاً من عهدة الخلاف، وأيضاً فإن قولها: غير راضية يهدم ذلك الزواج، فكيف يصح بعدما انهدم، ولا نقطع عذر من أخذ بالرأي الآخر.
لعلكم تعلمون أن من العادات والتقاليد السائدة عندنا هو أن يزوج الأهل ابنتهم بدون معرفتها بذلك، وتفاجأ البنت من إحدى صديقاتها ألسنة الناس بزواجها وتخضع للأمر ولو لم ترض به؟
ومن
رضى المرأة شرط من شروط صحة الزواج فلا بد من رضاها، وإذا لم ترض وأنكرت الزواج فالزواج باطل.
يقول النبي: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير». ما هو حكم أولياء الأمور الذين يزوجون بناتهم لأشخاص ذوي مناصب عالية أو مكانة اجتماعية ولا يبالون بهذا الحديث؟ يقدّم ما دلّ عليه الحديث على كل اعتبار آخر، ثم بجانب ذلك لا بد من أن يكون الأمر راجعاً إلى مولّية الرجل، فليس للرجل أن يزوج مولّيته لأي شخص بحسب هواه بنفسه، وإنما عليه أن يستشيرها، وأن يقبل رأيها، فإنها في التي تتزوج الرجل وتقترن به، وهي في نفس الوقت ذات مشاعر وأحاسيس، وقد تحب وقد تكره وقد تودُّ وقد تبغض كما هو شأن الرجل، فلذلك لا يمكن أن تكره بالزواج من شخص لا توده، أو يضيق صدرها (2/36)
صفحة 482
فتاوى النكاح
37
منه، أو تحس بأن العيش معه عيش نكد فعلى وليها أن يلحقها بهواها لأن ذلك مما يجعل الألفة بينهما ألفة مظنونة الوقوع بخلاف ما إذا أرغمها أن تقترن بشخص هي لا توده ولا تريد الاقتران به وكيف يرغمها وهذه ليست دابة تباع لأي شخص يريد أن يبيعها له، صاحبها، إنما هذه نفس تحمل مشاعر وأحاسيس فعليه أن يتقي الله تبارك وتعالى في ذلك.
إذا كان للفتاة ابن عم وتقدّم لخطبتها رجل هي راغبة فيه، ولكن من المعروف في مجتمعنا العُماني أنه لا بد من استشارة ابن العم إن كان راغباً في الزواج من ابنة عمه أو لا يرغب وعند رغبته في الزواج منها فإنه لا بد من إرغامها على الزواج منه، فإن كان أهل العروس يفضلون الآخر على ابن العم، فإن أهل العروس يقومون بدفع مبلغ معين من المال ينفق عليه مقابل أن يترك ابنة عمه، لحد النزاع بين الأسرتين، وبذلك تكون الفتاة سلعة تباع وتشترى رغم حقوقها في الإسلام بخصوص الزواج، فما رأيكم في ذلك؟
هذا لا يُقر في حكم الإسلام، فهي لا تكره من الزواج من ابن عمها ولا من غيره، بل إذا أتاها من يُرتضى دينه وخلقه فهو يزوج ولو كان غير قريب
لها، وهي التي تحدد مصيرها وليس لوليها أن يُكرهها بأن تتزوج ممن
تريده.
لا
هل يجوز للفتاة أن تزوّج دون إرادتها حيث إنها لا تريد أن تتزوج بهذا الشاب لتدني مستواه التعليمي مع العلم بأنه قريبها؟
لا تكلف أن تتزوج إلا برضاها، لأن رضى المرأة شرط من شروط صحة الزواج مع إذن وليها والصداق والبينة، ولكن إن كانت غير راضية فعليها (2/37)
صفحة 483
38
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
أن تبدي عدم رضاها، أما إن سكتت فإن السكوت يفوّت حقها في الظاهر، وإن كانت في الباطن غير راضية، لأن السكوت يعتبر منها رضا بذلك
الزواج.
تقدّم رجل لخطبة امرأة من ولي أمرها فطلب الولي مهلة للتشاور وكالعادة عرض الولي الأمر على أقاربها، فرد أحد الأقارب بأنه يريدها زوجة لولده وتم الرد على الخاطب الأول بعدم الموافقة، فهل يعد هذا من خطبة الرجل على خطبة أخيه المنهي عنه؟
صلة ذوي القربى لها وزنها في الإسلام، ولذلك يؤمر الإنسان دائماً أن يحافظ على علاقاته بذوي، قرباه ومما يدلّ على ذلك أن القرآن الكريم يقدم ذوي القربى حتى في البر والإحسان قال تعالى: {وَعَالَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ [البقرة: 177]، ولكن مع ذلك كله لا بد من مراعاة مشاعر المرأة المخطوبة ومراعاة ميلها ورغبتها، فإن إجبارها على أن تتزوج بقريبها أمر لا يحمد، إذ الزواج إنما هو ربط مصير بمصير، ولما كان كذلك فإن هذا الربط لا بد أن يكون فيه لقاء الروح قبل لقاء الجسد، ولا بد من أن يكون فيه لقاء المشاعر والأحاسيس ما بين الجانبين، فلئن كانت مشاعر الفتاة نابية عن القريب بحيث لا تتقبله، فلا يجوز إرغامها على قبوله لأنها أولى بأن تنظر لنفسها وأن تختار شريك حياتها، إذ هي التي تعاشره وعشرة الشخص الذي تنبو عنه المشاعر وتتجافاه العواطف هي من الصعوبة بمكان، ومن هنا نجد النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «البكر تستأذن في نفسها وإذنها صمتها، والأيم أحق بنفسها من وليها، فالبكر مع كونها لم تجرب الحياة، ولم تعرف ما تؤدي إليه العشرة الزوجية، لم تتجاهل مشاعرها بل تستأذن في نفسها، ولأجل ما (2/38)
صفحة 484
فتاوى النكاح
39
تكون عليه البكر عادة من الحياء، جعل إذنها صمتها، أما الأيم فهي أحق بنفسها من وليها لأنها جربت الحياة، ولكن الولي يستأذن وعليه أن يأذن ولهذا نجد التشديد في كتاب الله له على أولئك الذين يمنعون الأيامى من أن يتزوجن أزواجهن الذين طلقوهن بعد انتهاء عدتهن، فالله الله يقول: وَإِذَا طَلَقْمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَضَوا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 232] فهذا الولي الذي يرجع إلى قرابته إن كان بعد استشارته للفتاة ومعرفته أنها ترغب أن لا تخرج من الأسرة وأن تكون في محيطها فذلك أمر محمود، أما إن كان يعلم منها الرغبة في أن تكون مع ذلك الخاطب - ولعل الخاطب اتصل بها عن طريق إحدى قريباته، فعرف رأيها - فلا يسوغ أن تُتجاهل مشاعرها وأن يوطأ على رغبتها من أجل إرضاء قريب، لأن في هذا ما يؤدي إلى زعزعة الاستقرار في العلاقات الزوجية فيما بعد.
فتاة خطبها شاب فرفضته، ولكن أجبرها أبوها على الموافقة وأبلغ الشاب بموافقتها رغم رفضها الشديد، فهل يعتبر الزواج صحيحاً إذا عقد القرآن رغماً عن أنف الفتاة؟ وإذا لجأت إلى المحكمة لتطالب بحقها في اختيار الزوج فهل هذا يعتبر عقوقاً في حق الوالد؟ وهل أن صحيح عدم رضا الوالد على الفتاة في هذه الحالة يلحق الفتاة
بغضب الباري وسخطه؟
الزواج هو ربط مصير بمصير، ولذلك جعل الله له لكلا الزوجين الخيار فيه، فليس للأب ولا لغيره من الأولياء أن يفرض على ابنته أو موليته بأن شخصاً معيناً، كما أنه ليس لأب أن يفرض على ولده أن
تتزوج
يتزوج
فتاة (2/39)
صفحة 485
4
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
معينة، فكل واحد منهما له الخيار من هذه الناحية وإنما جعلت الولاية للرجل على المرأة لأن المرأة كثيراً ما تندفع وراء عاطفتها، وقد وقع اندفاع كثير من الفتيات اللاتي عايشن قضاياهن وراء عواطفهن وأدى الأمر من بعد إلى الفشل الذريع، وإلى حب التخلص من المشكلة بعدما غرقت الفتاة فيها إلى أذهانها، فمن هنا جعل الله لالالالالاله للرجل ولاية على المرأة، فله أن ينظر الشخص الذي اختارته هل هو رجل صالح أم لا، ولكن ليس له أن يفرض عليها رجل بعينه، وقد زوج رجل في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ابنته، وذهبت الابنة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منكرة، فقالت: «إن أبي زوجني بابن أخيه ليرفع بي خسيسته»، فأثبت لها النبي صلى الله عليه وسلم غيرها، ثم قالت بعد ذلك: «أمضيت ما أمضاه أبي، وإنما أردت أن تعلم الفتيات أنه ليس لآبائهن عليهن سبيل»، أي ليس لهم أن يجبروهن على ما أرادوا فالأب يؤمر أن لا يفرض رأيه على ابنته من حيث اختيار الزوج، فلها أن تختار الزوج ولكن بشرط أن يراه الأب صالحاً أما إذا كان غير صالح فقد تؤدي الحالة من بعد إلى ندم الفتاة نفسها كما وقع ذلك كثيراً، فعليها أن تنظر في ذلك وأن تعتبر نظرة الأب، فإذا كان هذا الشاب الذي خطبها غير صالح في نظرها أو هنالك أسباب تمنعها من قبوله، وتخشى سوء العاقبة إن قبلته فلا مانع من أن ترفضه ولا مانع أن تبلغ المحكمة الشرعية ولا تكون بذلك عاقة لأبيها.
أما
أنا فتاة مؤمنة أعرف واجباتي تجاه ربي والدي يريد أن يزوجني من رجل لا أريده، ووالدي وإخوتي يقذفونني بتهم باطلة، ما حكم الشرع في هذا الوالد وكيف لي أن أعامله؟
من ناحية التزويج فليس للوالد أن يزوج ابنته من لا ترضى به، فإن
رضاها شرط من شروط الزواج، والتهم التي يقذف بها الوالد والإخوة (2/40)
صفحة 486
فتاوى النكاح
41
أختهم بغير حق يبوؤن بوزرها، أما هي فلا يصيبها شيء إن كانت بريئة وإنما تنال الأجر في مقابل صبرها لما أصابها من قبلهم، وعليها أن تعامل أباها بالحسنى ولو أساء إليها.
أب يعضل بناته عن الزواج ويتحكم في راتبهن فما هي نصيحتكم لهذا الأب ولبناته؟ أما بالنسبة إلى الأب فعليه أن يتقي الله وأن لا يعضل بناته، وأن لا يطمع في حقوقهن وأموالهن، وعليه أن لا يأخذ منهن إلا ما آتينه بطيب أنفسهن، وأما بالنسبة إليهن فلهن الحق بأن يتقدّمن إلى المحاكم الشرعية من أجل طلب الإنصاف حتى يتزوجن، ولإخوتهن أن يتقدّموا إلى المحاكم الشرعية لأجل أن يقوم الأب بتزويج بناته أو يكل ذلك إلى أبنائه ليقوموا بهذا الأمر والله تعالى الموفق.
أنا فتاة أبلغ من العمر ست وعشرين سنة وقد تقدم لي شاب رضيت دينه وخلقه ولكن أبي رفضه بحجة أنه ليس من القبيلة ومرت على ذلك سبع سنوات وكأنها السبع العجاف، وقد وسط الشاب مجموعة من الناس ولكن دون جدوى، وأشار إلي بعض الوسطاء بأن ألجأ إلى الشرع لأخذ حقي، ولكنني رفضت ذلك خوفاً أن أكون عاقة لوالدي، وأخشى الآن على نفسي الفتنة وأخشى أن يفوتني قطار الزواج وأفتقد الأمومة، فماذا عسى أن تقولوا لأبي سماحة الشيخ؟
نحن نقدّم النصيحة من أعماق النفس إلى أبيها، ونطالبه بأن يرعى هذا الجانب الفطري في ابنته، وأن يحرص على أن يجبر هذا الجانب المهيض منها، استجابة لرغبتها وتزويجها بالعفيف التقي الذي يرتضي دينه وخلقه (2/41)
صفحة 487
42
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
فإن حديث النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير، وفعلاً الآن يُخشى من هذه الفتنة والفساد الكبير، فكم من فتاة أُلجأت بسبب هذه العصبية الحمقاء من قبل أبيها إلى ارتكاب ما لا تحمد عاقبته، ولا ريب أن توجه هذه الفتاة إلى القضاء الشرعي لأجل طلب حل لمشكلتها وعلاج لمعضلتها لا يعد عقوقاً لأبيها، لأنه من حقها الواجب على والدها وعلى سائر أُسرتها، فتزويجها بالعفيف الشريف الذي يُرتضى دينه وخُلُقه من الأمور الواجبة لها على أوليائها ما دامت هي راغبة في ذلك، فعليهم أن يتقوا الله في ذلك وأن يكونوا من المؤمنين، فإن الله تعالى يقول: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 232]، فالله الله بين أن هذه الموعظة لمن يؤمن بالله واليوم الآخر، ومفهوم ذلك أن من لم يتعظ بها فليس هو ممن يؤمن بالله واليوم الآخر، ثم يبين الله تعالى بأن ذلك أزكى لنا وأطهر، وهو يريد الله أن تزكو هذه النفوس وأن تتطهر من أرجاسها، ولذلك يأمرنا بهذا الأمر ويبين بعد ذلك أنه العليم دون غيره، فهو عندما شرع هذه الأحكام إنما قدر ما أوجده في عباده من الفطرة، فلذلك جعل هذه الأحكام متلائمة مع هذه الفطرة رحمة منه الا الله وفضلاً، والله تعالى ولي التوفيق.
تشتكي كثير من الفتيات من عضل آبائهن لهن ويُردن أن يذهبن إلى المحكمة، إلا أن الذهاب إلى المحكمة كما يقلن عار لا يغفره المجتمع، فما هو الحل؟ هذه معضلة من المعضلات الاجتماعية والأمر ليس بالهين بل هو خطير (2/42)
صفحة 488
فتاوى النكاح
43
جداً، ذلك لأن هذا العضل يؤدي إلى الكثير من الفساد، ونحن نعجب من هؤلاء الذين يحرصون على عضل بناتهم أو مولياتهم عن الزواج بأي سبيل يفعلون ذلك وعلى أي شيء يستندون؟ أما يخشون الله تعالى ويتقونه؟ فإن الزواج مطلب فطري يدعو كل واحد من الرجل والمرأة للاستجابة له، ومعاكسة هذا الطلب تؤدي إما إلى انفجار مدمر تتحطم معه الأخلاق وتتلاشى وتحلّ الرذيلة بدل الفضيلة، وإما أن يؤدي إلى أمراض نفسية وعصبية بمكابرة هذه الفطرة وثورانها في النفس، ولذلك نجد في كتاب الله الا الله الأمر بإنكاح الأيامى، يقول الله وعل: {وَأَنكِحُوا الْأَيْمَى مِنكُمْ وَالصَّلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَا بِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [النور: 32]، ويُحذر الله تعالى أولياء أمور النساء من الاعتراض عليهن في أمر الزواج فيقول تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهَا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجِ وَآتَيْتُمْ إِحْدَيْهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنَا وَإِثْمًا مُّبِينًا وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ، وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيتَقًا غَلِيظًا} [النساء: 19 - 21]، بل إن الله الا الله يقرن هذا التحذير منه سبحانه لأولياء أمور النساء عن عضلهن بذكر الإيمان بالله واليوم الآخر، ومعنى ذلك أن هذه الموعظة يوجهها الله خاصة لمن يؤمن بالله واليوم الآخر، وإن لم يتعظ بهذه الموعظة ولم يستجب لهذا الداعي ولم يتمثل أمر الله سبحانه فهو ليس من الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر، لأن الإيمان بالله واليوم الآخر يقتضي أن يتفاعل معه الإنسان تفاعلاً تاماً فيتمثل أمر الله ويتزود لليوم الآخر، كذلك نجد أنَّ الله الله يقول: {ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ} [البقرة: 232]، (2/43)
صفحة 489
44
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
أي في هذا زكاءً للنفس وطهارة للمجتمع، والله تبارك وتعالى هو العليم بالعواقب الوخيمة التي تترتب على عضل النساء عن الزواج، وقد لاحظنا أن كثيراً من الآباء بسبب هذا العضل دفعوا بناتهم إلى ارتكاب الفحشاء، فكم من امرأة ارتكبت الفحشاء وبين لحظة وأخرى تبين أنها حامل، أو أنها فر بها من كان يريد أن يتزوجها وأدى ذلك إلى عيشهما على بساط الدعارة والفجور، فالقضية في منتهى الخطورة، فعلى هؤلاء أن يتقوا الله، وعلى المجتمع أن يكون صلباً تجاه هذا الأمر، بحيث يُقاطع المجتمع كل من عُرف عنه مثل هذا حتى يتأدب ويتراجع عن مثل هذه التصرفات الشائنة، وعلى القائمين على شؤون الأحكام والقضاء أن يواجهوا هؤلاء بما يستحقونه من العقوبات تفادياً للمشكلات، والله تعالى أعلم.
فتاة تنكر الزواج عن طريق المحاكم وبدون إذن الأولياء، ما رأيك في مثل هذه الظاهرة؟ أن يجب يستقيم الولي ليستقام له، ونحن نطالب باستقامة الجميع، فنطالب باستقامة الفتيات والأولياء، فالولي ليس له أن يعضل موليته حتى يلجئها إلى مثل هذه التصرفات التي فيها نشاز وخروج عن المألوف وتنكر للأعراف الجارية، وهذا لا يكون إلا إذا كان هذا الولي ملبياً لرغبة مولّيته في ربط مصيرها بالشخص الذي يُرتضى، وليس هنالك أي محظور عليها من قبل ارتباطها به لأن الوليّ إن كان عاضلاً لها تضطر إلى مثل هذا التصرف، كما أننا ندرك أن تصرف الكثير من الفتيات هو خطأ، فكثير ما ينجررن وراء الحب العاطفي، الذي سرعان ما يتلاشى ويؤدي إلى فشل الزواج المبني عليه، لأنه ليس مبنياً على تعقل ولا على نظرة صائبة، فننصح الفتيات ألا يلجأن إلى مثل هذا التصرف إلا بعد دراسة الموضوع دراسة (2/44)
صفحة 490
فتاوى النكاح
45
متأنية، بحيث لا يكون هوى المرأة هو الذي يقودها من غير أن تنظر في عواقب أمرها، فإن هذا الهوى كثيراً ما يهوي بها في دركات الهوان والفشل، وهذا أمر درسناه وعرفناه وعهدناه والقضايا واضحة في ذلك، وكثير من هؤلاء يندمن أخيراً، وتجنباً لهذا كله - وكما ذكرت سابقاً ـ على الأولياء أن يحققوا رغبات مولياتهم من حيث تزويجهن بالأكفاء الذين يرتضين دينهم وأخلاقهم حتى يستجبن لداعي الفطرة في إطار الحشمة والفضيلة، ثم إنه من المعلم أن الزواج داعية للترابط بين الأسر والتقارب بين الأباعد، فعندما يتزوج شاب فتاة من أسرة أخرى، يؤدي هذا الزواج إلى تقارب وترابط الأسرتين، وهو وسيلة من وسائل الاتحاد والتآلف والتعاون على البر والتقوى، وهذا يفقد عندما يكون الزواج بإكراه نتيجة اتصال بالمحاكم، فلذلك ندعو الجانبين إلى الرفق وإلى النظر إلى المصالح، فإن كان هذا الولي يرعى مصلحة مولّيته عليها أن لا تتجاهل هذه الرعاية التي يرعاها، أما عندما يكون متكبراً يعضلها عن حقها الشرعي ففي هذه الحالة لا بد من ارتكاب ما لا بد منه والله تعالى المستعان. (2/45)
صفحة 491
الصداق
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ما قيمة المهر الذي يُكتفى به في عصرنا هذا؟
يكتفى ولو بريال واحد إن رضيت المرأة، ولا بد من التنبيه أن الشرط هو من ضمن الصداق، ومما يؤسف له كثيراً أن كثيراً من الناس يدخلون أنفسهم في حرج كبير ولا يبالون بالعواقب التي تترتب على أخطائهم التي يرتكبونها عندما يتزوجون أو يزوّجون، فمن ذلك أن الرجل تكون عنده الابنة وهو يرغب أن يزوج ابنه أيضاً فيشترط على من جاء يخطب ابنته بأن لا يزوجه بها إلا بأن يزوج هو ابنته لولده، مع أنه لا يجوز أن يكون بضع صداقاً لبضع، وكما لا يجوز أن يكون نفسُ البضع صداقاً للبضع، كذلك لا يجوز أن يكون اشتراطه من جملة الصداق على أن القضية فيها دور، فكل واحد منهما يشترط أن يزوّج الآخر ابنه بوليته، ونحن من خلال تجربتنا واطلاعنا على أحوال الناس ما كدنا نطلع على شيء من أنواع هذا النكاح إلا وقد انتهى بالفشل، وكثيراً ما يكون سخط إحدى البنتين على زوجها ورغبتها في الانفصال عنه سبباً أيضاً لانفصال الأخرى عن زوجها، فلا يرضى هؤلاء أن يطلقوا هذه إلا بعد أن يطلق أولئك ابنتهم من زوجها، وهذا يؤدي إلى هضم النساء حقوقهن، بل يؤدي إلى عدم الإصداق من قبل الأزواج، فكثيراً ما يشترط هذا الوليّ على الآخر بأن يتولى هو تجهيز (2/46)
صفحة 492
فتاوى النكاح
47
ابنته، فهذا يجهز ابنته وهذا يجهز ابنته بحيث لا يكون هنالك صداق من الزوج لواحدة من الزوجتين، وإن كان هنالك صداق فإن ذلك الصداق يكون نسبياً محدوداً جداً لا بقدر ما ترضى به المرأة، ولولا ذلك الشرط لما أحد الوالدين إلى أن ينزل بمستوى صداق وليّته إلى هذا القدر، وما كان لواحدة منهما أيضاً أن ترضى بذلك.
رضي
ما هو الحد الأمثل للمهر كما ترونه، وما حكم انتفاع ولي الأمر من
هذا المهر؟
أما المهر فلا يحدّ بحدّ إلا عندما تقتضي المصلحة تحديده من قبل وليّ الأمر، وقد حد الآن بألفي ريال ولا ينبغي تجاوز ذلك بحال من الأحوال، لأنه وسط بين التقتير والتبذير، وأصحاب الثروات عليهم أن يراعوا غيرهم من الفقراء حتى لا يضطروهم إلى المغالاة وإلى الاستادنة والتكاليف البالغة، وولي الأمر ليس له من الصداق شيء فالصداق كله للمرأة.
ماذا يقصد بالعاجل والآجل عند ذكر صداق المرأة؟
العاجل من الصداق هو ما يدفعه الرجل إلى امرأته عند زواجهما، والآجل هو الذي يبقى عليه ديناً منسياً إلى أن تبين منه بوجه من وجوه الفراق، ولا مانع إن اتفقا على تعجيل جميع الصداق أو تأجيله، والله تعالى أعلم.
هل يجوز لرجل أن يتزوج امرأة بصداقين عاجل وآجل، العاجل أدّاه إليها، وأما الآجل فيكتبه لها في ورقة قبل أو بعد أن ينقلها بأسبوع أو
شهر؟
كلا الأمرين جائز، والله أعلم. (2/47)
صفحة 493
??
ينبغي
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
نجد كثيراً من الشباب اليوم يعزفون عن الزواج بسبب غلاء المهور، والذي يزيد عن الألفين فأكثر، فما هو الحدّ الأعلى للمهر شرعاً الذي ترونه مناسباً حتى يستطيع الشباب الزواج؟
أن يحد الصداق بقدر ما يتمكن الجميع من الزواج بغير عسر، ونظر ذلك يعود إلى القائم بالأمر، والله أعلم.
المهر حق من؟
هو حق للمرأة لا دخل للولي فيه، إنما هو مؤتمن عليه عندما يدفع إليه حتى يسلمه إلى وليته كاملاً غير منقوص.
إذا فرض الأب صداقاً قدره أربعة آلاف ريال عماني فعارضت البنت ذلك وردته إلى ألف ريال، فهل في هذه الحالة يتبع كلام الأب أم
البنت؟
الأب ليس له أن يتعنت فى أمر الصداق وليس له أن يُغالي فيه، بل يؤمر
بأن يحرص على تقليله وتيسيره بقدر المستطاع، والمرأة هي التي هي التي تُصدق، لأن الصداق حق لها وليس ذلك حقاً لوليها ولو كان أباها، ولا لغيره، ومن أجل ذلك أمر الله تعالى أن تؤتى النساء صدقاتهن نحلة بحيث يكون إيتاء الصداق إلى المرأة لا إلى أي شخص آخر إلا عندما يكون ذلك بإذنها ورضاها، ثم أتبع ذلك بقوله: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هنئًا مَّرِيئًا} [النساء: 4]، وذلك لأجل، التيسير فإن طابت نفسها بأن قللت منه وسمحت لزوجها منه فإن ذلك مما يجوز له أن ينتفع به، والله
تعالى أعلم. (2/48)
صفحة 494
فتاوى النكاح
49
فيمن ردَّ زوجته إلى عصمته بعد تطليقها ولم يكتب لها ورقة إثبات
بصداقها الآجل، فهل عليه حرج في ذلك؟
إن رضيت فلا حرج عليهما، وإلا فعليه أن يوثق ما لها من حق عليه،
والله أعلم.
هل يصح لأهل المرأة أن يأخذوا صداقها بدون رضا منها؟ وإذا استلموا صداق المرأة فهل تحل للزوج بدون صداق؟
لا نكاح إلا بصداق والصداق للمرأة وليس لأحد نصيب فيه، حتى أبوها لا يجوز له أخذ شيء منه إلا بإذنها، والله أعلم.
هل يجوز للمرأة أن تعطي بعض مالها لرجل على أن يقدّمه لها مهراً دون أن يدفع هو شيئاً من عنده؟
لا مانع من أن تهب المرأة لرجل مالاً على أن يصدقها إياه، والله أعلم.
ما قولكم في امرأة أرادت الزواج، فشرط الأب على الموافقة أن يكون مهرها له، ليزوج به ابنه الأصغر على أن يكون تزويجها وتزويج الابن الأصغر في وقت واحد، فلما استبد الأب برأيه أرادت أن تفوض شقيقها الأكبر في أمر نكاحها، فما الحكم في ذلك؟ إن أصر الأب على استبداده برأيه وإصراره على موقفه فلترفع أمرها إلى القضاء الشرعي، وعندئذ يفوض القاضي أخاها في تزويجها بمن ترغب فيه، والله أعلم.
فيمن طلق زوجته قبل الدخول بها فماذا لها من جهة الصداق؟
عليه لها نصف الصداق المتفق عليه، والله أعلم. (2/49)
صفحة 495
0.
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
يدعي البعض أن رفع مهر البنت يكون حفظاً لها من الطلاق من قبل الزوج، ولو كان المهر قليلاً لتلاعب الرجال في طلاق زوجاتهم، فما رد سماحتكم على هؤلاء؟
واقع الحال دلّ على أن الحقيقة خلاف ذلك)، والله أعلم.
إذا كان الزواج بالقروش الفرنسية والمؤخر كذلك، فهل يعطى بدل القرش ريالاً واحداً، أم على حسب قيمة القرش في السوق إذا كانت القروش موجودة في الأسواق؟
الأولى اعتبار قيمة القرش بسعر السوق.
فيمن تزوج بسلفة من بنك يتعامل بالربا، وقد ندم المتزوج من ذلك، فما المخرج من ذلك؟ وهل توبته بفسخ الزواج، لأن أصله مبني على باطل، أم ماذا يفعل؟ وهل هناك فرق بين أن تكون السلفة للمهر أو
للتجهيزات؟
لا يحرم الزواج وإنما تحرم المعاملة، فما عليه من حرج إن تمسك بامرأته، وإنما عليه التخلص من هذه المعاملة الربوية، والله أعلم.
(1) ذلك أن الإسلام حرص على إباحة فرص الزواج لأكثر عدد ممكن من الرجال والنساء ليستمتع كل بالحلال الطيب، ولا يتم ذلك إلا إذا كانت وسيلته مذللة وطريقته ميسرة، بحيث يقدر عليه الفقراء الذي يجهدهم بذل المال الكثير ولا سيما أنهم هم الأكثرية، فكره الإسلام التغالي في المهور، وأخبر أن المهر كلما كان قليلاً كان الزواج مباركاً، وأن قلة المهر من يمن المرأة وفي الحديث عنه: «إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤنة ينظر السيد، سابق فقه السُّنَّة دار الريان للتراث، الطبعة الثانية - 1411 - 1990 م، ص 290 ج 2. (2/50)
صفحة 496
فتاوى النكاح
51
قام رجل بتزويج ابنته مقابل مهر يصل إلى أكثر من ستة آلاف مما أدى بالزوج إلى أن يستدين من أقاربه حتى يوفر هذا المهر رغم أن الفتاة لم تكن موافقة على ما فعله والدها ما مصير المهر الذي جمع عن طريق الدين؟ وماذا تفعل الفتاة في هذه الحالة؟
أما المهر فإنه لا يحرم عليها بذلك، وإن أرادت أن ترده إلى الزوج أو ترد بعضه فذلك إليها، فإن الله تعالى يقول: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هنيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4]، وأما فعل الأب فإنه لا ريب ممنوع، والحل هو
أن
الذي ذكرناه، وعندما يتفق الاثنان على الزواج بدون ذلك المهر فينبغي يتدخل القضاء الشرعي لأجل إبرام الزواج ما بينهما من غير أن ينفس للأب بأن ينال ما يشبع جشعه من الصداق.
ما قولكم فيما هو منتشر عند الناس في الزواج من إعطاء والدة الزوجة قدراً معلوماً من المال يسمونه حق الكلام ويكون هذا بنسبة 10? من المهر، علماً بأن هذا المال زيادة على المهر، ويعطى ليلة الزفاف لأم
الزوجة؟
لا أساس لهذا، ولا حق يجب بالزواج إلا الصداق، والله أعلم. (2/51)
صفحة 497
52
الكفاءة في الزواج
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ما نصيحتكم للمرأة عند اختيارها للزوج؟
عليها أن تختاره أميناً تقياً وفياً صدوقاً نصوحاً، ليعينها على تقوى الله، والله أعلم.
الذي يطلع على السُّنَّة النبوية الشريفة يجد تركيزاً كثيراً على على أهمية اختيار الزوجة الصالحة والتي تتمتع بصفات عديدة من بينها الصفات الأربع التي ذكرها النبي في الحديث، ولكننا لا نجد مثل ذلك فيها يخص المرأة، أي أن المرأة لم يُذكر لها حديث لكي تختار زوجاً مناسباً لها، فهل يعني أن المرأة لا يعنيها هذا الشأن وإنما يعني الرجل؟ إن من نعم الله تبارك وتعالى على الإنسان أن خلقه خلقاً يتميز بتشريف الله تبارك وتعالى إياه، فهو مع مشاركته للعالم الأرضي من حيث الغريزة ومن حيث ما فيه من تجاذب وتدافع هو مشارك للملأ الأعلى لما جعل الله تبارك وتعالى فيه من طبيعة متميزة رفعت قدره وأعلت من شأنه، فهو بما أتاه الله تبارك وتعالى من ملكات روحية وطاقات نفسية يستطيع أن يتحكم في غرائزه وأن يُوجهها الوجهة المرضية، على أن فضل الله تبارك وتعالى على الإنسان جعل هذا الإنسان لا يضيق عليه من ناحية إلا ويوسع عليه من نواحي، فهو وإن منع من أشياء وحيل بينه وبين أن يُطلق لنفسه ما ترغب فيه منها أبيحت له هذه الأشياء نفسها من جوانب أخرى، فقد حرم الله تعالى (2/52)
صفحة 498
فتاوى النكاح
53
رعي
لما فيه من
الزني لما فيه من المضار الكثيرة وأباح الله تعالى الزواج الشرع متعة للجسد وراحة للنفس واستقرار للروح وهدوء للبال، وجعل كل واحد من الزوجين سكناً للآخر، وقد امتن الله تبارك وتعالى بهذه النعمة العظيمة عندما قال: {وَمِنْ آيَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21]، وهذا يعني أن الله تبارك وتعالى لم يجعل الإنسان كالبهيمة العجماء بحيث ينجذب وراء الغريزة من غير تقيد بقيود ولا انضباط بضوابط، وإنما جعل الاستجابة لداعي الفطرة تتم في حدود الفضيلة والشرف والكرامة والطهر لهذا الإنسان، ولا ريب أن كلاً من الرجل والمرأة ذو عواطف وغريزة فالرجل ينجذب وراء عواطفه والمرأة تنجذب وراء عواطفها، وقد جعل الله تعالى في المرأة مُغريات شتى تُغري الرجل لأن يحرص على الارتباط بها، ولكن هذه المغريات مهما كانت إنما رُوعي منها جانب واحد وهو الذي ينبغي للرجل أن يحرص عليه في المرأة وأن يجعله المعيار لتفضيلها على غيرها ألا وهو جانب الدين، فالنبي عليه أفضل الصلاة والسلام قال: «تنكح المرأة لأربع»، وذكر المال والجمال والحسب والدين وقال بعد ذلك: «فاظفر بذات الدين تربت يداك»، ومعنى ذلك أن الإنسان ينبغي له أن يحرص على أن يرتبط بذات الدين دون غيرها، فالجمال وحده إن لم يكن معه دين بمثابة الجسم الذي لا روح فيه أي جمالاً ميتاً، فإن الدين هو الذي ينفخ في الجمال الروح، وكذلك سائر الأمور المغرية التي تدفع بالرجل إلى أن يرتبط بالمرأة،
معه
إن لم تكن مصحوبة بدين فهي لا تُغني شيئاً، أما الدين فلو لم يكن ولا شيء من المُغريات الأخرى فحسب الإنسان أن يظفر به،
جمال
حسي
لما في هذا الدين من جمال حقيقي باطني روحي يُكسب النفس الإنسانية قيمة ويرفع بها عن الحضيض الأدنى الذي تتدنى إليه عندما تكون خالية من (2/53)
صفحة 499
54
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
الدين، إذ الإنسان خلقه الله تبارك وتعالى من جسم وروح، ولذلك كان فيه عقل وشهوات، فمن غلبت شهوته عقله كان شراً من البهيمة العجماء، ومن غلب عقله شهوته كان خيراً من الملائكة فمن هذه الناحية يتبين أن الخير كل الخير إنما هو بالتمسك بالدين، وأن الحياة إنما هي في اتباع الدين، ومن آثر دينه على شهوته فقد آثر عقله عن شهوته، لأن العقل هو الذي يدفع بالإنسان إلى الاستمساك بالدين، ولذلك يقول الكافرون يوم القيامة: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَبِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك: 10، 11]، فالعقل هو دافع إلى الاستمساك بالدين لأجل أن يتوقى الإنسان عذاب السعير، ولئن كان الرجل مأموراً بأن يختار شريكة حياته متدينة مستمسكة بحبل الله فإن المرأة كذلك نُصحت هذا النصح من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم و و و إن كان لم يُخاطب المرأة خاطب أولياء أمرها بذلك، لأن المرأة كثيراً ما تسلس القياد لولي أمرها، فقد جاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم: «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير»، والله تعالى أعلم.
ما حكم زواج المرأة الصالحة من غير الملتزم إذا وجدت نفسها بين خيارين الزواج به أو العنوسة؟
إن كانت تعف به نفسها فلا حرج في ذلك، ولتسأل الله تعالى بأن يجعل هدايته على يديها.
فيمن خطبها رجل غير ذي استقامة وهي راغبة في الزواج منه، فماذا
تفعل؟
أرى أن تشترط عليه الاستقامة، والتقوى وأن تختبره في ذلك، فإن رأت
صدقه واطمأنت إلى استقامته فلتتزوجه، والله أعلم. (2/54)
صفحة 500
فتاوى النكاح
55
من خلال الاطلاع على الثقافات الأخرى، الفتاة العصرية تتطلع إلى أن يكون لها بيت مرفّه وعيشة مرفهة وهي من أُسرة فقيرة وتلك ظروفها،
فهل في هذه الحالة تُراعى حالتها وتبقى على ما هي عليه؟
من الأمور التي يجب شد الانتباه إليها والاهتمام بها وعلاج مشكلاتها قضية الحياة الاجتماعية في هذا الوقت ونظر الكثير من الناس إلى ما يعيش عليه من كان فوقهم في المستوى المعيشي في هذه الحياة، فإن الإنسان مطالب بأن ينظر في أمر الدين إلى من هو أعلاه وفي أمر الدنيا إلى من هو أدنى منه، كما يُطالب الإنسان بأن يرغب في القناعة، فإن القناعة كنز لا يفنى، ومن المعلوم أن هذا التطلع الذي وقع فيه الكثير من الناس من البذخ في العيش والإسراف في الحياة أوقع الناس في الكثير الكثير من المشكلات ودفعهم دفعاً إلى ما لا تحمد عقباه، بل هذا مما يدفع إلى الترف والعياذ بالله، والترف هو مصدر الشقاء كله؛ فهو مصدر شقاء الدنيا وشقاء الآخرة، فإن الله تعالى لم يذكر المترفين في كتابه الكريم إلا بالشر، فقد ذكر المترفين في معرض الحديث عن عذاب الآخرة، فإنه عندما ذكر أصحاب الشمال في سورة الواقعة أول ما وصفهم به الترف قال: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} [الواقعة: 45]، وذكر عذاب الدنيا وقرنه أيضاً بالترف، حيث قال: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَشُوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ * لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَنَكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْتَلُونَ} [الأنبياء: 11 - 13]، وقال: {حَتَّى إذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْرُونَ} [المؤمنون: 64]، وذكر عموم العذاب الذي يأخذ الجميع ويبيد القرى ويقطع دابر الأمم فبين أن منشأه إنما هو فساد المترفين حيث قال: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن تُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَ (2/55)
صفحة 501
56
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
علَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَرْنَهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16]، وذكر تكذيب المرسلين فبين أن منشأه الترف، فقد قال: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تشْرَبُونَ} [المؤمنون: 33]، وقال: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَفِرُونَ} [سبأ: 34]، وقال: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتَرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَرِهِم مُّقْتَدُونَ} [الزخرف: 23]، وذكر أيضاً معارضة المصلحين والوقوف في وجوههم والتنكر لدعوتهم فبين أن منشأ ذلك الترف، حيث قال: فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُم وَاتَّبَعَ اللَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} [هود: 116] هذا وإن التقارب اللفظي بين كلمتي الترف والتلف يُوحي بما بينهما من الترابط السببي والتآخي المعنوي، وعلى أي حال فإن المرأة كالرجل تُطالب بأن تكون راغبة في القناعة وهذا الذي يشترط على الكثير من الرجال الآن من أنواع البذخ كوجود المسكن الواسع والسيارة الضخمة والأثاث الذي يشد الانتباه إلى غير ذلك هو الذي سبب عنوس الفتيات وعرقلة الزواج، وسبب وقوع الرجال والنساء جميعاً في الفساد، وهذا أمر أن يُنتبه له وأن نقف كلنا في وجهه وأن لا نتساهل فيه، ثم إنه من المعلوم أن الإسلام الحنيف إنما جاء لتحرير الإنسانية من ربقة الاستعباد، سواء كان هذا الاستعباد استعباد رجال أو استعباد عادات فكل ذلك من إنما جاء الإسلام لتخليص الإنسانية منه، وعندما سُئل من قبل رستم الفارسي الرجل الجندي المسلم ربعي بن عامر به ما الذي جاء بكم، قال: «إن الله قد بعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة»،
جب (2/56)
صفحة 502
OV
فتاوى النكاح
بالاستعلاء
وترون أنه قدّم الدنيا على الآخرة، يعني الإسلام جاء لتخريج الناس من الضيق الذي هم فيه إلى سعة الدنيا أولاً ثم إلى سعة الآخرة ثانياً، ومن المعلوم أن سعة الدنيا التي يُخرج الناس الإسلام إليها إنما هي عن هذه العادات التي تجعل الإنسان أسيراً مقيداً، والمقام يحتاج إلى بسط المقال بل هنالك محاضرة لأحد المفكرين الإسلاميين ألقيت قبل نحو
في
ربع قرن من الزمن في تحليل هذه الجملة من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة»، وعلى أي حال إن إغراق الناس في اتباع مظاهر زينة الحياة الدنيا هو الذي يؤدي بهم إلى الغرق في الفساد وإلى الوقوع في الموبقات، ويؤدي إلى مشكلات لا يكاد الإنسان يخرج منها، كأنما دخل في نفق له أول وليس له آخر، والله المستعان.
هناك صيحات من قبل الكثير من المفكرين تنادي الرجل بأنه لا يقدم على الزواج من المرأة كما تنادي المرأة كذلك إلا بعد مراعاة المستوى الطبقي والاجتماعي والتعليمي مراعاة المستويات هذه ما رأيكم فيها؟ لا عبرة بالشهادات التي يحملها الإنسان، وقد يكون الكثير منها شهادات زور والعياذ بالله، وإنما العبرة بالدين والأخلاق، فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما رد الناس إليهما «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه»، وعندما ذكر ما تُنكح لأجله المرأة من المال والجمال والحسب والدين قال: «فاظفر بذات الدين تربت يداك»، ولا عبرة أيضاً بالمستوى الثقافي مع الخلو من الأخلاق والدين، فهذه الأمور يجب أن نكون على بينة منها.
أنا فتاة عقد قراني من سنة تقريباً على شاب متدين والحمد لله وهو أصغر مني بعشر سنوات ونحن الآن نستعد للعرس إن شاء الله، هل (2/57)
صفحة 503
58
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
يؤثر فارق السن على الحياة الزوجية بعد ذلك مع العلم بأننا متفقون في أشياء كثيرة؟ ليست في ذلك مشكلة، فالنبي صلى الله عليه وسلم تزوج السيدة خديجة رضي الله تعالى عنها وكان عمره خمسة وعشرين عاماً وعمرها أربعين عاماً، أي كان الفرق بين عمره وعمرها خمسة عشر عاماً، ومع ذلك تزوجها وظلت في قلبه إلى أن فارق الحياة صلوات الله وسلامه عليه، إذ ظلَّ وفياً لها يذكرها ولا يقدّم عليها أي واحدة من نسائه وهذا دليل على أن الفارق في السن لا يكون سبباً لمشكلة بين الزوجين، فنسأل الله تعالى لها ولزوجها الألفة وحسن العشرة، ودوام الصحبة على الخير والذرية الصالحة الطيبة.
الناس في هذه الأيام ينظرون إلى الشخص المتقدم لخطبة ابنتهم أساس مذهبه لا على أساس أخلاقه، فماذا تقولون؟
على
النبي أرشد إلى أمرين اثنين هما المعيار إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه، فمن كان مرتضياً في دينه وفي أخلاقه فلا ريب أنه هو الذي يؤمر بتزويجه كما دلّ على ذلك الحديث الشريف.
فتاة على مذهب تزوجت من شاب على مذهب آخر، فهل اختلاف المذاهب يؤثر على الزواج؟
الأصل في أهل التوحيد الذين يدينون الله تبارك وتعالى بالوحدانية ولمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة ويؤمنون بالقرآن وبأصول الإيمان والإسلام، ولا يُنكرون ما علم من الدين بالضرورة أن الزواج بينهم زواج صحيح، وإنما لابد من رعاية جانب واحد وهو ضرورة ألا يكون هنالك ما يُخشى من حيث الفقه الأسري فيما يتعلق بالمرأة نفسها، فقد يكون فقه الأسرة في (2/58)
صفحة 504
فتاوى النكاح
59
جمهور
مذهب الزوج أنه لو طلقها ولو ألف مرة لا تخرج من عصمته وله أن يُعاشرها حتى يطلقها عالم يرجع إليه في أمر دينه بينما المعروف عند الأمة أن المرأة إن طلقها زوجها فطلاقها واقع، وفي هذه الحالة لا يحل له أن يباشرها حتى يتزوجها من جديد إن خرجت عدتها أو يُراجعها مراجعة شرعية ما دامت في العدة وهذا هو الذي تدل عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الثابتة عن النبي، فإذا ينبغي الاحتياط في ذلك لئلا يؤدي الأمر إلى اختلاط الأوراق فإن هذه قضية حساسة جداً.
فيمن زوجها أبوها برجل مولى لإحدى القبائل، ولم تتبين ذلك إلا بعد مدة، فهل يحق لها أن تطالب بالطلاق؟
إن كانت رافضة له بسبب التدليس فلترفع أمرها إلى القضاء الشرعي، والله الموفق.
تقدمت لخطبة فتاة من المملكة العربية السعودية، وتمت الموافقة على الخطبة، ولكن أهل البنت عندما سألوا المشايخ هناك فيما إذا كان يجوز لهم أن يزوجوا إباضي المذهب بابنتهم الشنيَّة، أفتوا بعدم جواز زواج إباضي المذهب؛ لكونهم من الخوارج، وأن مذهبهم غير مذهبنا، والآن ما هو جواب سماحتكم في ذلك؟
هذا هو موقف الحشوية من جميع فئات المسلمين لا من أهل الحق والاستقامة وحدهم وتواريخهم وأعمالهم ومؤامراتهم على الأمة غير خفية على ذي عينين وهم في الحقيقة خوارج هذه الأمة، فإنهم يحكمون على المسلمين بالشرك، ويستبيحون أموالهم ودماءهم، ومن أراد التأكد فليقرأ كتاب عنوان المجد في تاريخ نجد لعثمان بن بشر النجدي ـ وهو أحد علمائهم ـ فإنه يجد فيه العجب العجاب، والله أعلم.
ذلك من (2/59)
صفحة 505
60
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
هل يصح زواج المولى بالحرة؟
لا يمنع
ذلك إن رضي به الولي والمرأة كلاهما، والله أعلم.
بعض الناس ابتلي بمرض جلدي أو بالبرص، وتقدم لخطبة الفتاة ورفض أهلها ورفضت الفتاة أيضاً، ما الحكم في رفض الوليّ أو المرأة لهذا الشخص بحجة أنه معوق؟
لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، والإسلام يأمر برفع الضرر، وبما أنه مصاب فعليه أن يحتسب أجره عند الله تبارك وتعالى وليتزوج التي ترغب فيه لا التي لا ترغب فيه، حتى لا يكون سبباً لأذاها، ولا يكلف الوليّ أن يزوج موليته بمن يكون وجودها عنده سبباً لضررها.
هل يجوز لولي المرأة أن يجبرها على الزواج من الكفؤ إذا عزفت عن
الزواج؟
رضاها شرط من شروط صحة الزواج، فلا يجبرها على ذلك، ولكن يرغبها بحسب الاستطاعة.
إذا تقدم لخطبة امرأة شخص يدخن أو يشرب الشيشة، فهل تقبل به زوجاً، علماً بأنه يصلّي وعلى قدر من الخُلق؟
هذا ليس بمرضي في دينه ولا في خُلقه، مهما قالت بأنه على قدر من الخلق، فما قولها هذا إلا كما يقال:
فعين الرضى عن كل عين كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا فلو كان على قدر من الخُلق لما دخن، لأن الدخان ينافي الأخلاق، فهو يؤذي الناس وليس من الخلق أن يؤذي الإنسان غيره فضلاً عن إيذائه (2/60)
صفحة 506
فتاوى النكاح
61
لنفسه، والشيشة كذلك هي مؤذية للناس وكفى بتلك الرائحة الكريهة
التي تنبعث منها.
شخص لا يصلي الصلوات الخمس، فما حكم تزويجه؟
بئس الرجل وبئس من يزوجه وبئس المرأة التي ترضى به زوجاً، لا ولا خير فيمن يزوجه ولا خير فيمن تتزوجه.
فيه
امرأة تزوجت رجلاً كانت لا تعلم أنه لا يصلّي إلا بعد الزواج والمعاشرة فما حكم الزواج، علماً بأن لديها أولاد منه؟
إن كان تاركاً للصلاة تهاوناً من غير أن يجحدها فهي لا تحرم عليه، ولكن لا خير في مقامها معه ما دام لا يصلي، لأنه أشبه بثعابين جهنم، وكيف ترضى المرأة المسلمة أن تضاجع ثعباناً من ثعابين جهنم والعياذ بالله، وإن كان يجحد الصلاة ففي هذه الحالة يكون مرتداً عن الإسلام ولا علاقة له
به، وتكون زوجته حراماً عليه ويكون حراماً عليها، والله تعالى أعلم. (2/61)
صفحة 507
62
عقد الزواج
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
هل يكفي أخذ العاقد الزواج من ولى المرأة المزوجة إذا كان ثقة بين الناس أم يشترط سماع الرضى من المرأة نفسها ولا يكتفى بسماع الولي؟ إذا اطمأن إلى أن الولي لم يجبرها على الزواج بمن لا ترضى به وكان واثقاً به فلا حرج إن اعتمد عليه، وصدقه في كونه استأمرها في نفسها، وللمرأة الحق إن شاءت بعد العقد أن تغيّر من هذا الزواج إن كان الولي زوجها بدون إذنها ورضاها وذلك بذهابها فوراً إلى القضاء الشرعي.
هل يصح العقد إذا كان العاقد ضرير البصر؟
نعم، والله أعلم.
في
حالة عدم الكتابة، هل تضمن للمرأة حقوقها لو حدث خلاف ما؟
وما هي أداة الضمان؟
نعم تضمن حقوقها الشرعية كاملة، وكفى بالعقد حجة.
ماذا تقولون في عقد القران أو الطلاق عن طريق الهاتف؟
أما عقد القران فيجب أن يكون بوجود شاهدين على الأقل، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بولي وصداق وبيّنة، ولكن أنى أن تكون هذه (2/62)
صفحة 508
فتاوى النكاح
63
البينة مع أن هؤلاء الشهود لا يشهدون الرجل الذي يعقد هذا القرآن، فلذلك نرى أن من التلاعب أن يكون عقد القران خلال الهاتف، على أنه من الممكن أن يحاول أحد تقليد صوت أحد آخر، وهذا وارد، ولما كان ذلك وارداً فيجب تفادي ذلك، والطلاق أيضاً ينبغي أن يكون بإشهاد، ولكن لو حدث بأن طلق أحد امرأته عبر الهاتف فإن الطلاق ماض ما دام هو يعترف بأنه وقع وقع منه ذلك.
إذا عقد القرآن بين الرجل والمرأة فما حكم رؤية شيء من جسمها كالشعر مثلاً أو وقوع تقبيل أو ملامسة بينهما، علماً أنه لم يسق إليها
الصداق بعد؟
عقد القران بين الرجل والمرأة يجعلها زوجة له، يحل له منها كل ما يحلُّ للرجل من امرأته فما دام العقد وقع مع استكمال جميع شروطه التي هي رضى المرأة وإذن الولي والصداق ولو لم يسقه فهي زوجته، والصداق لا بد منه ولو بعد حين، ولا يلزم أن يكون قبل العقد، وإن لم يسم.
ما حكم خلوة الرجل بالمرأة التي عقد عليها قبل الدخول عليها؟ المرأة يبيحها العقد، فبعد أن يحصل العقد بينها وبين زوجها هي حلال له، يباح له منها كل ما يباح للرجل من امرأته ويباح لها منه كل ما يباح للمرأة من زوجها، فلا معنى للتحرج من ذلك، والخلوة ليست ممنوعة.
هل يجوز للمرأة أن تخرج مع زوجها قبل الزفاف؟
إذا وقع العقد بينهما فقد حلّ له كل شيء منها، ولا تمنع من الخلوة به ولا من أي شيء يكون بينهما. (2/63)
صفحة 509
?
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
ماذا يحلّ للرجل من زوجته بعد عقد قرانه بها؟ عقد القران هو الذي يحلها له، فبمجرد عقد قرانه عليها حل له منها كل ما يحل للرجل من امرأته، وإنما ينبغي مراعاة الظروف الاجتماعية والعادات التي لا تخالف الشرع، لئلا تحمل منه وهي في بيت أهلها فتساء بها الظنون، والله أعلم.
هناك أمور تتبع فيها المرأة زوجها في الاستئذان والقصر وصوم النافلة وغيرها، فهل تتبعه بمجرد العقد الذي يعبر عنه العُمانيون بالملكة أم بمجرد انتقالها إليه؟
بالنسبة إلى الإتمام والقصر، فإنها ما دامت في بلد أبويها لم تنتقل عنه لا تقصر الصلاة حتى تخرج عن ذلك البلد، وبعد خروجها مع زوجها ثم تعود إلى بلد أهلها فعندئذ تقصر الصلاة إن كان زوجها لا يتم الصلاة هنالك، وأما بالنسبة للاستئذان فينظر فيه بالمعروف، أما إن كانت تسافر إلى بلد ناء فلا ريب أنها لا بد أن تستأذن ولكن بما أنها لم تنتقل إلى الزوج وهي لا تزال مع أبيها ولم يبني بها الزوج فيكون استئذانها لأبيها ما لم يكن المكان الذي تذهب إليه لا يرغب الزوج في ذهابها إليه، وتنظر الحكمة لماذا كانت المرأة مأمورة بأن لا تصوم نافلة إلا بإذن زوجها؟ ذلك لئلا تفوت عليه فرصة الاستمتاع بها، وفي هذه الحالة لا يكون منه استمتاع بها ما دامت هي لم تنتقل إليه فلا مانع من أن نافلة. تصوم
أنا امرأة تم عقد زواجي ولكن أبي عافاه الله يكره أن أخرج مع زوجي أنا أو أن أسلم عليه، ويقول لي: لو كان بيدي لا أريدك أن تكلميه أو حتى تريه، فماذا أفعل؟ إن أرادك زوجك أن تخرجي معه أو تذهبي إليه بعدما ساق إليك الصداق فإنه أولى بأمرك، ولو لم يرض والدك إلا إن كان ثم ما يحذر، والله أعلم. (2/64)
صفحة 510
فتاوى النكاح
الزفاف
65
أحسن وأبرك طريقة للاحتفال بالزواج وإعلانه؟ وهل تعلم كيف احتفل النبي صلى الله عليه وسلم بزواج بناته وكذلك الصحابة؟
ما هي
أن
الزواج علاقة قوية تحصل بين زوجين وتنتقل بعد ذلك إلى أن تسري بين الأُسرتين - أُسرة الزوج والزوجة - فكل واحدة من الأسرتين معنية بهذا الزواج، والزواج هو ربط مصير بمصير فكل واحد من الزوجين يربط الزواج مصيره بالزوج الآخر، فجدير أن نحتفل بهذا الزواج، ولكن على ألا يخرج هذا الاحتفال عن حدود الآداب الإسلامية والقيود الدينية، فمن ذلك: يجب ألا يكون هنالك اختلاط بين الرجال والنساء، ولا مانع تغني النساء فيما بينهن بأغاني بريئة ليس فيها ما يثير، وذلك كما روي عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم أن نساءهم كن يقلن في بعض زواجهم: أتيناكم أتيناكم فحيونا نحيكم ولولا الحبة السمراء لما جئنا بناديكم فقال النبي لما بلغه ذلك لو قلتن ولولا الملة البيضاء لما جئنا بناديكم»، أما أن يغنين بالأغاني المائعة الماجنة، وأن تكون الحفلات مشتركة بين الرجال والنساء فذلك أمر لا يُقره دين الله تعالى. وينبغي للمتزوج أو لأسرته أن يولم لأجل هذا الزواج، فقد أمر النبي الليلة عبد الرحمن بن عوف بأن يولم، وقال له: «أولم ولو بشاة»، ولا يمنع الزواج (2/65)
صفحة 511
66
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
في أي وقت من الأوقات، فبعض الناس يعتقدون أن الزواج بين عيد الأضحى وعيد الفطر غير جائز، وأن فيه شيئاً من الشؤم، وقد جاء في الحديث عن أم المؤمنين عائشة: «ما تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في شوّال، وما بنى بي إلا في شوّال وأي نسائه كانت أحظى عنده مني»، فمن أن الزواج في شوّال غير جائز فقد صادم هذه السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
زعم
ما حكم الزواج بين العيدين وفي صفر؟ من الأمور التي شاعت عند الناس بسبب جهلهم التشاؤم بشهر صفر، والتشاؤم به من عادات الجاهلية، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا هامة ولا عدوى ولا صفر»، أي لا يجوز للإنسان أن يتشاءم بذلك، وقد كسر النبي صلى الله عليه وسلم عادات أهل الجاهلية عندما تزوج بالسيدة عائشة ا في شهر شوّال وبنى بها في شهر شوال، فلا يجوز بأي حال من الأحوال أن يعتقد الإنسان أن في الزواج في شهر صفر أو بين العيدين شؤماً، ومن اعتقد بأن الزواج في شهر صفر أو بين العيدين حرام فقد وقع في أمر عظيم، وأتى ببدعة في الدين لم يأذن بها الله، وهي مخالفة لهدي النبي.
ما حكم الغناء والضرب بالدف في العرس وما هي شروطه؟ ذلك جائز بالسُّنَّة، على أن لا يكون مثيراً، وألا يكون معه اختلاط بين الجنسين. فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه الدفوف (1) وقال: «فصل ما بين الحلال والحرام ضرب. الدف والصوت في النكاح». والصوت في النكاح يقصد به الغناء المهذب الأصيل الخالي من الإثارة، فيحرم بذلك الغناء الماجن أو ما صاحبته
(1) رواه أحمد والترمذي. (2/66)
صفحة 512
فتاوى النكاح
67
أدوات الموسيقى والمزامير، لقوله: «صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة،
صوت مزمار عند نغمة وصوت مرنة عند مصيبة» (1).
متى يباح ضرب الدف في الأعراس للرجال والنساء؟ أما للرجال ففي العقد للإشهار، وللنساء بينهن عند الزفاف، والله أعلم.
امرأة تسأل عن حكم ضرب الدف في الأعراس. ما حكمه؟ إن كان ذلك بين النساء من غير أن يخرج شيء من أصواتهن إلى الرجال فلا حرج، على ألا يكون ما يرددنه في إنشادهن كلاماً مثيراً وإنما كلاماً يبعث إلى المعروف والخير ويحبب الناس في البر والإحسان من غير إثارة أو تغنج، وألا يصحبه اختلاط بينهن وبين الرجال، أما إن كان معه شيء من مزامير الشيطان كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فذلك ولا ريب هو من
الحرام.
هناك أعراس إسلامية بعيدة عن الاختلاط والمعازف لكن تقوم فيها
بعض النسوة بالرقص فما حكم ذلك؟ يختلف الحكم بين رقص خليع ورقص لا خلاعة فيه، أما الرقص الخليع فلا يُسمح به، والله تعالى أعلم.
ما حكم نتف العروس حاجبيها ووضع المساحيق على وجهها للتجمل في ليلة عرسها؟ أما نتف المرأة حاجبيها فحرام، لأنه النمص المنهي عنه والملعونة فاعلته، بنص الحديث: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم (1) رواه الإمام الربيع بن (2/67)
صفحة 513
68
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
قال: «لعن الله النامصة والمتنمصة والواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة والمتفلجات للحسن» (1)، وأما تجميل الوجه بالزينة التي لم تشبها نجاسة من غير أن تكشفه للأجانب من الرجال فلا حرج فيه، والله أعلم.
هل يجوز كشف الزوج يوم الفرح وجهها ووضع مكياج على الوجه وحضور نساء فقط في قاعة استؤجرت خصيصاً لهذه الحفلة وسماع الأناشيد الإسلامية المصاحبة بالدف؟
أولاً هل المكياج من مادة طاهرة أو من مادة محرمة؟، لأنه يقال إن بعض المكياج تدخل شحوم الخنزير في تكوينه، وفي الحديث: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، ثانياً: زينة المرأة في وجهها إن كانت أمام النساء فقط فلا تمنع، ولا تمنع أن تكشف وجهها أمام النساء، إنما تمنع أمام الرجال مع خوف الفتنة، وإنشاد الأناشيد بين النساء مع استعمال الدف لأجل الزواج لا مانع منه.
عروس في يوم زفافها وضعت المكياح ووجبت عليها بعض الصلوات مثل المغرب والعشاء فتيممت لصلاتها ورفضت الوضوء، وذلك خوفاً من ضياع مكياجها، فما حكم الإسلام في ذلك؟ هذه لا صلاة لها، لأنها أضاعت شرطاً من أهم شروط الصلاة وهو الطهارة وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا إيمان لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له، ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله، فعليها أن الصلوات وعليها أن تتقي الله تبارك وتعالى في سائر صلواتها.
(1) رواه الإمام الربيع.
تقضي
تلك (2/68)
صفحة 514
فتاوى النكاح
79
هل يجوز لبس فستان الفرح يوم الزفاف؟
إن كان ليس فيه تشبه لا بالفاسقات ولا بالكافرات وليس فيه إسراف فلا
يمنع.
ما رأيكم في لبس الفتاة في يوم زفافها الفستان الأبيض مع عدم ارتداء الحجاب علماً بأن المقصد ليس التشبه بالنصارى أبداً علماً بأن العرس قاعة خاصة بالنساء؟
في إن لم تكن في ذلك مظنة التشبه وكان اللباس ساتراً فلا بأس، أما أن تظهر مفاتنها وزينتها للنساء غير المؤمنات فإن ذلك غير جائز، لأن الله سبحانه وتعالى عندما قال: {وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَا بِهِنَّ} [النور: 31]، إلى آخر ما قاله، ذكر أَوْ نِسَآبِهِنَّ والمقصود بالنساء النساء المؤمنات لأنه قال أولاً: {وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ أما الكافرات فلا يدخلن فى ذلك وكذلك الفاسقات، إذ الفاسقة لا تؤمن أن تأخذ في الحديث عن مفاتن النساء اللواتي تنظر إليهن مع الرجال الأجانب لتثير بذلك غرائزهم.
من آخر اختراعات الموضة ما يسمى بالفلي المحجب وهو الثوب الأبيض الذي ترتديه العروس، وهو غالي الثمن ويكون ضيقاً بحيث يصف أجزاء الجسم ويبرز مفاتنه، غير أنه في الآونة الأخيرة أضيف إليه حجاب للرأس من نفس نوع القماش وأطلق عليه اسم محجب، فما قول سماحتكم في لبسه؟ سواء كان محجباً أو غير محجب بما أنه يصف مفاتن الجسم فهو غير (2/69)
صفحة 515
V.
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
جائز، والإسراف والخروج عن حدود الاعتدال في الإنفاق غير جائز،
والله أعلم.
شاع عند كثير من النساء استئجار فساتين الأعراس، مع العلم أن هذه الفساتين غير ساترة وإذا كانت ساترة فهي ضيقة تجسد الأعضاء كما إن أجرة الفستان الواحد من هذه الفساتين خمسون ريالاً على الأقل، وهناك من الفساتين ما هو أكثر قيمة ويستأجر فقط لليلة واحدة، ما ذلك؟ رأي سماحتكم في
يجب على المؤمنين والمؤمنات أن يعرفوا قيمة المال. فالمال نعمة يجب أن تشكر بصرفها فيما يرضي الله تبارك وتعالى لا فيما يسخطه، وقد حذر الله الله من الإسراف فقال: {وَلَا تُبَذِرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} [الإسراء: 26، 27]، وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس»، ومن ضمن هذه الخمس السؤال عن المال من أين اكتسبه وفيما أنفقه»، فالإنسان يُسأل عن إنفاقه ماله كما يسأل عن كسبه، على أن هناك وجوهاً كثيرة ينبغي للإنسان أن يسارع إلى الإنفاق فيها، فإن النفقة في سبيل الله له من أعظم القربات التي يباركها الله تعالى ويزكيها، وقد جاء في كتاب الله وحل الحض على ذلك عندما قال له: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمُ لا بَيْعُ فِيهِ وَلَا خُلَةٌ وَلَا شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّلِمُونَ} [البقرة: 254]، وبين سبحانه كيف يضاعف الخير لأولئك الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله عندما قال: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُل سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعُ عَليم} [البقرة: 261]، والعاقل ليس الذي يسارع إلى تبذير المال، لأن المبذرين من إخوان الشياطين والإنسان (2/70)
صفحة 516
فتاوى النكاح
71
مع من آخى وإنما العاقل من كان كثير المسارعة إلى الإنفاق في سبيل الله تعالى من غير إسراف ولا تبذير رغبة فيما عند الله، وهناك الكثير من مشاريع الخير التي تستوجب الإنفاق فيها، ونحن نهيب بالمؤمنين والمؤمنات جميعاً أن ينفقوا من خالص أموالهم ما يكون لهم وقاية يوم القيامة من شر ذلك اليوم الذي أمر الله له أن يتقى عندما قال: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة 281].
هل يجوز للمرأة أن تبدي زينتها في الأعراس أمام النساء مع
لشعرها؟
إن كن نساء مؤمنات فلا مانع من أن تبدي زينتها عندهن، المؤمنات كالمشركات أو الفاسقات فلا، والله أعلم.
تغطيتها
أما غير النساء
ما حكم الدين في رقص المرأة المتزوجة في الحفلات والأعراس بحضور نساء من جنسها فقط وبكامل لبسها وحشمتها، وما الواجب عليها إن هي رقصت، ولمن ترقص ومتى؟
رقص المرأة من الأمور المثيرة للفتنة الداعية إلى الفساد، فهو غير جائز، اللهم إلا أن يكون مع زوجها خاصة، لجواز الملاعبة بين الزوجين بحسب رغبتهما، والله أعلم.
هل يجوز الرقص في العرس، مع العلم أن البنات اللاتي يرقصن غير متزوجات؟
إن كان رقصاً خليعاً فيه خلاعة وإثارة فهو غير جائز، وأما إن كان مجرد حركة من غير خلاعة ولا إثارة وبين النساء فقط فلا يؤدي ذلك إلى القول بحرمته، والله تعالى أعلم. (2/71)
صفحة 517
72
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ما حكم الدين في اشتراك المرأة المسلمة في الرقصات الشعبية بالغناء والرقص في الأماكن العامة مع الاختلاط بالرجال، وذلك بدعوى المشاركة في المساواة بين الرجل والمرأة؟
ذلك من المنكرات الباطلة والضلالات الفاسدة، فإن المرأة مأمورة بأن تصون نفسها وتحفظ كرامتها، ولا تتردى في هذه المهاوي المردية ولا تنغمس في هذه الأوحال القذرة، ولئن كانت المرأة منهية حتى عن الأذان لأنها مأمورة بخفض الصوت، فكيف بالغناء والرقص وهذه المثيرات التي لا تشعل إلا نار الفتنة ولا تثير إلا أعاصير الفساد، لا سيما وأن ذلك في ساحات الاختلاط بين الذكور والإناث، فيجد الشيطان بينهم لبانته، ويضرب فيهم بجرانه ويستهويهم بضلالته، وهنا تتلاشى الفضيلة ويتوارى الحياء وتطوى الكرامة وتنتشر الفحشاء ويعمّ الخنا ولله الأمر، وأين ذلك كله من الآداب الاجتماعية التي يؤدب الله بها عباده المؤمنين وإماءه المؤمنات في قوله تعالى: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَ بِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَتِهِنَّ أَوْ نِسَآبِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31]، فأين يكون غض البصر من كلا الصنفين في مثل هذه المواقف، وأين ضرب الأرجل من فتنة الغناء والرقص، فعلى النساء المسلمات أن يربأن بأنفسهن عن هذه الأحوال، وعلى الرجال المسلمين أن يربأوا بأنفسهم وأهليهم عن الهبوط إلى هذا الدرك، والله ولي التوفيق. (2/72)
صفحة 518
فتاوى النكاح
73
تقوم بعض النساء بالغناء في الأعراس فما حكم ذلك؟
إن كان يخشى ظهور هذه الأصوات بحيث يسمعها الرجال فلا يجوز ذلك،
وإلا فلا حرج، والله أعلم.
ما حكم حضور النساء للحفلات التي فيها فرق غنائية؟
الغناء هو رقية الزنا، وهو وسيلة إغراء المرأة بالفساد ولذلك شدّد العلماء فيه، وسماع المرأة صوت الرجل يغني لها بما يطربها وبما يحرك عاطفتها مشاعرها أمر فيه خطر كبير فيجب اتقاء ذلك.
ويهيج
ما رأيكم في حضور أعراس الأقارب والأهل التي لا تخلو من الأغاني؟ دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، وإذا تعارضت في أمر جانبان جانب فيه مصلحة وجانب فيه مفسدة قدم دفع المفسدة على جلب
المصلحة.
هل يجوز للفتاة البكر أن تذهب إلى عرس صديقة لها؟ إن كان الحفل بريئاً ليس فيه ما يحرم فليس هنالك فارق في حضوره بين الثيب والبكر، وإذا كان فيه ما يحرم فيه حرام لا فرق فيه بين البكر والثيب.
هل يجوز للمرأة أن تحضر أفراح أحد أقاربها أو صديقاتها إذا كان هذا الفرح فيه منكرات، مثل بعض الفرق المخصصة لهذه الأفراح والتي يختلط فيها الرجال والنساء؟
إن كان في هذا الحضور شيء من المنكرات كالاختلاط بين الجنسين فلا يجوز لها، والله أعلم. (2/73)
صفحة 519
74
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
هل يجوز حضور الأعراس التي يوجد بها الصخب والأغاني وذلك من أجل مشاركة الناس في أفراحهم؟
يجب اتقاء الأغاني المحرمة، أما إذا كانت أناشيد تنشدها النساء فيما بينهن، أو نشيد من شريط ليس فيه شيء مما يستراب فلا مانع من ذلك، والله أعلم.
شاب يواجه ضغطاً عنيفاً من والديه من أجل أن يُحضر فرقة غنائية راقصة مختلطة حتى يتم عرسه، فهل له أن يعصي والديه في ذلك، وما هي نصيحتكم لهم؟
على الوالدين أن يتقوا الله وألا يلجئوا ولدهم إلى مخالفة أمر الله، وعلى الولد أن يتقي الله تبارك وتعالى وألا يطيع من دعاه إلى معصية الله ولو كان أعز عزيز عليه وأقرب قريب إليه، وأن لا يُصغي إلى أمره إذ أمر الله مقدم على أمر الناس جميعاً، والله تعالى أعلم.
مما ظهر حديثاً في العرس أن يجلس الزوج وزوجته على كرسي أمام الناس ثم يأتي كل واحد من الحضور فيصافحهما. فما حكم ذلك؟ هذا من المنكرات، فإن بروز النساء أمام الرجال، ونظر الرجال إلى النساء مما
يجب تجنبه، والله تعالى دعا إلى العفة، يقول الله في خطابه لرسوله أجل تأديب الرجال والنساء: قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى هَمَّ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور: 30]، ثم أتبع ذلك قوله: وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبَصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ابا بِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَابِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ (2/74)
صفحة 520
فتاوى النكاح
Vo
أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31]، فكيف تخرج المرأة وهي في زينتها وفي إبان عرسها وتبرز للرجال، ويأتي إلى العروسين فوج من الرجال وفوج من النساء يصافحهما معاً، مع أن مصافحة المرأة للرجل الأجنبي ومصافحة الرجل للمرأة الأجنبية لا تجوز، كما يدل على ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: لئن يطعن الرجل بمخيط من حديد في رأسه خير له من أن يمس امرأة ليس له عليها سبيل»، والرسول و امتنع عن مصافحة المؤمنات عندما جئن إليه ليبايعنه وقال: إني لا أصافح النساء»، وقد جاء في حديث عائشة لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما صافح امرأة أجنبية قط»، والله تعالى يقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَر اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] فهذه الظاهرة من المنكرات التي يجب أن تحارب.
كثيراً ما نرى في الأعراس التصوير بأجهزة الفيديو، وبعد ذلك يعرض على الناس من غير المحارم. فما حكم ذلك؟
صورة المرأة أمام الرجال فتنة كبروز شخصها، والفتنة يقطع دابرها وتستأصل، فذلك مما لا يجوز قطعاً، والله تبارك وتعالى عندما أراد أن يؤدب النساء المؤمنات بدأ أول شيء بأعف النساء وبأطهر بيت، وهو بيت النبوة، فقد قال الله تعالى للنبي: {يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) [الأحزاب: 59]، ولا ريب أن وجود صورة المرأة عند الرجال مما يجعل الرجال السفهاء الأوغاد يتلذذون بالنظر إليها، ويقيسون ما فيها من مقاسات الحسن والجمال، وذلك كله مما يأباه الرجل الغيور سواء في امرأته أو ابنته أو قريبته. (2/75)
صفحة 521
76
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
ما حكم إقامة الأفراح والأعراس الإسلامية التي تخلو من الموسيقى في قاعات الفنادق علماً بأنها منفصلة عن الفندق نفسه؟
الفندق مظنة الريبة فينبغي أن يُتقى بقدر الاستطاعة، ولربما كانت القاعات الأخرى المتوافرة أولى أن يُقام فيها الحفل من الفنادق، لا سيما إن كان يدخل هنالك رجال لتقديم الخدمات للحاضرات فذلك أمر فيه ريب كبير، وإن كان الأمر خالياً من ذلك ولم يكن في ذلك إسراف، فنرجو مع القول بالكراهة أن لا يؤاخذ فاعل ذلك، والله تعالى أعلم.
هل يصح للمرأة أن تدخل إلى حفلات الزواج التي تقام في الفنادق أو في جمعيات المرأة؟
العبرة بالبعد عن المنكرات، فإن كانت هذه الحفلات سليمة من الملاهي المحرمة ومما يكدر صفو الحفلات من شرب الخمور ونحوها ومن الاختلاط بين الجنسين فهي مباحة في أي مكان كان، أما عندما تكون متلبسة بشيء من هذه المحارم فهي محرمة في أي مكان كان ولو كان في عقر بيت المرأة.
ما رأيكم في قراءة القرآن أثناء زفاف المرأة بما يسمى بقراءة العاشر؟ لا أساس لذلك من السُّنَّة، وإن كانت قراءة القرآن لأجل البركة فلا يمنع ذلك، والله تعالى أعلم.
مما لا يخفى على سماحتكم كثرة القيل والقال حول موضوع «إقامة حفلات الأعراس في الفنادق فقد انقسم الناس في ذلك إلى طوائف ثلاث، وكلهم يدعي بأنكم أفتيتم بذلك، فطائفة زعمت أنكم أجزتم (2/76)
صفحة 522
فتاوى النكاح
VV
لا
ذلك جوازاً مطلقاً، وطائفة أخرى زعمت أنكم حرمتم ذلك تحريماً مطلقاً، وطائفة ثالثة قالت بأنكم أجزتم ذلك ولكن بشروط، وهذه
الشروط هي:
1 - عدم اختلاط النساء بالرجال.
- إلتزام النساء بالحجاب الشرعي، وعدم التبرج، وعدم مس شيء من الطيب؛ لا سيما إن كن من الممكن أن يصادفن الرجال في طريقهن إلى مكان الحفلة وعدم وجود الموسيقى والأغاني في هذه الحفلات باستثناء الأناشيد التي لا تخرج عن الأدب الإسلامي
الحنيف.
- أن يكون المدخل إلى تلك القاعة مدخلاً مباشراً بحيث لا تمر
المدعوات بالمدخل الرئيسي للفندق أو أي باب آخر. هذا، وقد علل بعض من أخذ بالرأي الأخير أنه لو كانت العلة في عدم قاعات الفنادق نفسها فقد أقيمت هنالك بعض الندوات
الجواز هي
الإسلامية كندوة الفقه الإسلامي وغيرها، والآن نرجو من سماحتكم تبيين الحق من الباطل؟
ينبغي أن تقام الحفلات في الفنادق لأنها مواضع الريب إلا عند تعذر إقامتها في أماكن أخرى، فعندئذ يباح ذلك مع التقيد بالشروط التي ذكرناها، وهي الواردة في السؤال، أما إباحة ذلك على الإطلاق فمعاذ الله منه،
والله أعلم.
اعتاد الناس في ليلة الزفاف أن يقرأوا آيات مخصوصة من سورة النور
أمام العروسين، فهل ذلك من السنة أم لا؟
ليست هذه التلاوة من السُّنَّة في شيء، وينبغي تركها، والله أعلم. (2/77)
صفحة 523
V?
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ما قول سماحتكم في الأعراس المعاصرة، فهناك اختلاف كثير، فبداية يكون العرس في الفندق ويكون بملابس ضيقة ومفتوحة بحجة إنه مغلق وأمام النساء، حيث يتم عمل التسريحة والمكياج للعروس، الصلاتين جمعاً صورياً فيما يسمى؟
وتجمع
لا يؤمن أن تكون هناك امرأة على غير دين أو على غير استقامة، وأن تنشر ما تراه أمام الرجال الأجانب، فتتحدث عن هذه المرأة وما رأته من جمالها أمامهم، فلذلك يجب أن يتقى هذا الأمر، وجمع أن الصلاتين لا ينبغي يكون إلا لعذر، والله أعلم.
كثير من النساء يذهبن إلى حفلات الأعراس في مكان لا يدخله الرجال وعندما يدخلن في ذلك المكان يخلعن الحجاب ويظهرن زينتهن مع بعضهن البعض فهل في ذلك حرج؟
يجب على المرأة المسلمة أن تعرف المرأة التي تظهر لها زينتها، فإن الله تبارك وتعالى عندما ذكر من تظهر المرأة المؤمنة عندهم زينتها قال سبحانه وتعالى: {أَوْ نِسَآبِهِنَّ} [النور: 31]، وقد صدرت الآية بقوله تعالى: {وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ وهذا دليل أن قوله: {أَوْ نِسَآبِهِنَّ يعود إلى المؤمنات، وإلا لقال أو النساء، ومعنى هذا أن المرأة الكافرة لا يحق للمرأة المؤمنة أن تظهر لها ما تخبئه عن الرجال الأجانب من زينتها خشية أن تتحدث عن مفاتنها وتغري الرجال، بها ومثلها المرأة، الفاسقة، إذ الفواسق حتى ولو كن من المسلمات من شأنهن ألا يبالين بهذا الأمر، فقد يتحدثن مع الفساق عن مفاتن المرأة التي يطلعن على زينتها، فمن هنا كان لزاماً على المرأة المؤمنة أن تحافظ على نفسها لئلا تبدي هذه الزينة إلا للنساء المؤمنات وحدهن دون غيرهن من النساء، فإذا كانت هذه الحفلة تضم غير المؤمنات (2/78)
صفحة 524
فتاوى النكاح
79
- الكافرات المشركات أو المنافقات الفاسقات - فعليها أن تتقي الله تبارك وتعالى وأن لا ترفع الحجاب عن نفسها.
ما حكم
الأفعال التالية التي يفعلها الناس في هذه البلدان ليلة الزواج؟ أ) قراءة الآيات العشر الأولى من سورة النور؟
أما إن كان الزوج يقوم بقراءتها، فهذا وإن لم يكن فيه سُنَّة لا مانع أن يأتي الرجل الأجنبي ويدخل ما بين الزوجين فذلك لا يجوز.
منه، أما
ب) وضع الزوج رجله على رجل المرأة ويده على رأسها ويقرأ الفاتحة قبل دخوله إلى حجرته؟ قراءة الفاتحة وإن لم ترد بها سُنَّة، إلا أن من قرأها من أجل البركة فلا حرج عليه والقرآن كله بركة، وإنما يؤمر الإنسان أن يضع يده على ناصية امرأته ثم يدعو الله تبارك وتعالى أن ييسر له خيرها وأن يكفيه شرها.
يجب
المصحف
توجد ظاهرة منتشرة بين الناس في الأعراس وهي وضع على رأس العروس، مع العلم أن المرأة قد تكون طاهرة وقد تكون على نجاسة ما قولكم في هذه الظاهرة؟
أن ينزه القرآن عن ذلك.
ما قول سماحتكم فيما يلي:
عادة الذبح للرجل الذي تزوج بعد وفاة زوجته، فعند قدوم الزوجة ليلة الزفاف تذبح شاة فوق رجل الزوج والزوجة بقصد إصابتهم بشيء من الدم المتطاير من الذبيحة؟
هذه بدعة لا أساس لها من الدين ولا يقرها الإسلام، ففي الحديث: (2/79)
صفحة 525
•
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) (1) ولا ريب أن فاعلها لم يفعلها إلا بدافع من عقيدة فاسدة، تقوم على التشاؤم المنافي لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.
- إذا اشتد الريح يقوم الناس بإطلاق النار من البنادق بقصد التخفيف
من الريح؟
هذه كسابقتها، فإن الريح مسيرة بأمر الله، لا يوقفها إطلاق البنادق ولا المدافع، والله أعلم.
ما رأي سماحتكم فيما نراه عند القيام بزفاف إحدى النساء، من قيام بعض أقارب العروس بإحضار مرافقات للعروس، يبتن معها في نفس البيت الذي زفت إليه، هل يجوز ذلك؟ مع العلم بأن أم العروس قد تطلب مبالغ لتلك المرافقات، فما حكم أخذ تلك المبالغ من الزوج؟ إن كان أخذ هذه المبالغ باضطرار الزوج فذلك غير جائز، إذ لا يجوز أخذ مال أحد بغير طيب نفسه، وإن كان بطيب نفسه فلا حرج، والله أعلم.
في ليلة الزفاف تكون العروس في كامل زينتها، قد وضعت العطر والبخور عند حملها للسيارة، ويكون القائد للسيارة من غير محارمها؟ في مثل هذه الحالة يجب أن يكون القائد محرماً لها، أو أن يتولى القيادة زوجها بنفسه، والله تعالى أعلم.
(1) أخرجه ابن ماجه باب إتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين برقم 42/ أحمد ج 4
ص 126. (2/80)
صفحة 526
فتاوى النكاح
81
في بعض الأعراس توجد فرق موسيقية صاخبة يختلط فيها الرجال بالنساء ويعد ذلك إثقالاً على كاهل الزوج، ولكن الناس لا يشعرون
فماذا تقولون؟
الزواج نعمة وفضل من لدنه الا الله إذ أباح الله تعالى قضاء الوطر بهذا الطريق الشرعي، ولما كان نعمة فالنعمة تقابل بالشكران لا بالكفران، وشكر النعمة إنما هو وضعها موضعها وعدم استخدامها في معصية الله، وما ذكر في السؤال إنما هو من معاصي الله التي يجب أن تجتنب وأن تتقى، فلذلك نناشد المتزوجين والمتزوجات وأولياء أمور الجانبين بأن يتقوا الله وأن يتركوا هذه الأمور التي لا تعود عليهم بالنفع وكثيراً ما يكون عقوبتها أن يفشل الزواج، وعليهم أن يحرصوا على المباح في الزواج، فلا مانع من أن تكون هناك أناشيد تريح النفس وتبهج الخاطر، ولكن على ألا يكون هنالك فرق موسيقية أو اختلاط بين الرجال والنساء.
هي
إذا كان البعض يتوفر لهم العدد الكافي لإقامة الزواج الجماعي فإن البعض الآخر لا يتوفر لهم هذا العدد ويظلون يعانون من نفس المشكلة، فما نصيحتكم لهم كي لا يسرفوا في حفلات الزواج؟ وما الطريقة الصحيحة للحفلات الجيدة التى لا تكلف الشباب شيئاً؟ هناك العديد من الحلول التي ينبغي أن يعتنى بتطبيقها بقدر المستطاع من أجل القضاء على هذه المعضلة التي تؤرق الجميع وهي معضلة عنوس الفتيات وعزوب الشباب، ومن بين هذه الحلول إنشاء صندوق أو صناديق للزواج إن لم يمكن أن يكون هنالك صندوق عام يشمل جميع أنحاء السلطنة، وهذا أمر ولا شك سيساعد الكثير من الذين لا يجدون المؤن من أجل القيام بهذا الأمر وقد بدأ تطبيقه والحمد الله تعالى، ونحن ندعو الجميع (2/81)
صفحة 527
82
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
من أجل التعاون على هذا الأمر، وندعو أن يأخذ القوي بيد الضعيف وأن يحمل الغني عن الفقير، ثم مع هذا كله نريد أن يكون هناك وعي عند الناس وذلك بأن يدركوا أن هذه المشكلة مشكلة تؤرق المجتمع وتقض عليه مضجعه وتهدد مستقبله، فيجب أن يكون الجميع على بينة من هذه الحقيقة وعلى بصيرة مما يجب أن يعمل اتجاهها ومما يؤسف له أن هنالك كثير من الناس لا يبالون بعضل بناتهم أو أخواتهم لسبب أو لآخر، وفي مقدمة هذه الأسباب الطمع، فقد تكون هذه الفتاة متعلمة وموظفة ووظيفتها تدرّ عليها دخلاً ووالدها يطمع في الاستحواذ على هذا الدخل والاستئثار به، وهذه مظلمة ليست فوقها مظلمة، فهي تكون مع الأسف الشديد ضحية دخلها ووظيفتها، فتحرم من الزواج وما يترتب عليه من الأنس والطمأنينة والاستقرار وقضاء الوطر والذرية، وتظل تكدح وتحرم من هذا الذي تناله من كدحها وعملها وإنما يستأثر بذلك كله الأب الجشع النهم الذي لا يقف
جشعه عند حد.
ما علاقة المسجد بحفلات الزواج، فهل ترون أنه يجوز به تعليق إعلان عن الزواج ويعقد فيه حفلات القرآن وأن يأكل فيه الناس وجبات الأعراس؟ للمسجد قدسية، لأن المسجد هو بيت الله تعالى، والله وعل يقول في المساجد: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ, يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُقِ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَرَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوَةِ وَإِبْنَاءِ الزَّكَوة يَخَافُونَ يَوْمًا نَتَقَلَبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ} [النور: 36، 37]، ففي قوله سبحانه في بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ} [النور: 36]، إلى آخره دليل أن ما كان منافياً لذلك من الأمور فهو غير مأذون به عند الله تعالى في هذه المساجد، (2/82)
صفحة 528
فتاوى النكاح
83
وقد جاء في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ما يدل على التشديد في هذه المسائل، فقد نهى أن تتخذ طرقاً وأن تتخذ فيه أسواق وأن ينشد فيها بالضوال، ولئن كان الإنسان ليس له أن ينشد ضالته فما كان أكثر المعلوم أنه ينبغي أن ينزه المسجد من كل ما لا يليق به، ومن هنا نرغب إن
من
ذلك فهو
أشد، ومن
أن
كان هنالك مجالس بجانب المساجد يمكن الاجتماع فيها لعقد الزواج تصان المساجد عن عقد الزواج فيها، لا لأن العقد فيها يمنع ولكن لما يحدث في هذا العقد من الضجيج والصخب وارتفاع الأصوات بغير إذن الله تعالى فهذا الأمر يجب أن ينزه عنه المسجد، مع أنه لا يمكن أن يضبط الناس ألسنتهم لأنهم تعودوا إطلاق ألسنتهم بالحديث في أمور الدنيا من غير مبالاة لحرمات المساجد والجهل غالب على عامة الناس، وبما أن الجهل غالب عليهم فمن الصعب أن يصونوا ألسنتهم عن ذلك، ونحن نصادف كثيراً ارتفاع الأصوات بالحديث الدنيوي في بيوت الله ونمتعظ ذلك كثيراً، ثم تعليق إعلانات الزواج في نفس المساجد أمر ينبغي أن تنزه المساجد عنه، نعم يمكن أن تعلق الإعلانات في الأبواب الخارجية من المساجد، وما يؤتى به من الأطعمة إلى المساجد كثيراً ما يكون سبباً لتلويث المساجد وترك مخلفات ونفايات هذه الأطعمة أو آثارها فيها. ولذلك نرى تنزيه المساجد من ذلك كله، والله تعالى أعلم.
من
لقد انتشرت ظاهرة تأخير إدخال العروس على زوجها ليلة الزفاف إلى وقت متأخر من الليل، وربما وصل ذلك في بعض الأحيان إلى قرب الفجر، فما الحكم الشرعي في ذلك؟ هذه من العادات وليست من العبادات، فلا تحديد لزمن، وإنما ينبغي اتباع الأيسر، والله أعلم. (2/83)
صفحة 529
??
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ما رأيكم في حضور الزفافة في وقت العرس ووقوفها بالباب قبل دخول الزوج على زوجته لتطلب منه المال، مع علمنا أن هذه العادة لم تكن موجودة في عصر الرسول؟
من
المال
أما وقوفها بالباب ومنعها الزوج من الدخول إلى أن تعطى شيئاً فهذا لا يجوز، وأما أن تكون في البيت في معزل عن مكان الزوجين من أجل إرشاد الفتاة - خصوصاً إن كانت لأول مرة تتزوج ـ إلى ما يترتب عليها بعد العشرة الزوجية وما يجب عليها شرعاً فذلك أمر لا بأس به، فإن الفتاة بحاجة إلى من يرشدها ويدلها على الطريق الأقوم، والله تعالى أعلم.
ماذا ينبغي أن يفعله الزوجان في ليلة العرس وقبل البناء؟ وما دليل ذلك
من السُّنَّة؟
ينبغي لهما أن يصليا ركعتين، ثم يأخذ بناصيتها ويدعو الله لنفسه ولها بأن ينيله خيرها ويكفيه شرها. فقد أخرج البخاري وأبو داود وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا تزوج أحدكم المرأة فليأخذ بناصيتها، وليسم الله وعل، وليدع بالبركة، وليقل اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه، وأن يقدم لها شيئاً تأكله أو تشربه كقطعة من الحلوى أو ما تيسر من الأطعمة والأشربة الطيبة الخفيفة. فعن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: «قينت - زينت - عائشة الرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جئته فدعوته لجلوتها، فجاء إلى جنبها فأتى بعسس (قدح لبن) فشرب ثم ناولها النبي له فخفضت رأسها واستحيت ... » الحديث.
السنة؟
ما حكم ملاطفة الزوجة عند البناء بها وهل في ذلك أثر من نعم جاء في السنة ما يدعو إلى الملاطفة والملاعبة قبل الوقاع، من ذلك حديث (2/84)
صفحة 530
فتاوى النكاح
85
أسماء بنت يزيد السابق، وروى البخاري ومسلم والنسائي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجابر بن عبد الله حينما أخبره أنه تزوج ثيباً: «فهلا بكراً تلاعبها وتلاعبك وتضاحكك وتضاحكها». وفي رواية مسلم أنه قال له: فأين أنت من العذراء ولعابها».
ما هو وقت صلاة العريسين ليلة زفافهما؟
هما عروسان وليسا عريسين، فكل منهما عروس، لأن فعولاً يستوي فيه الذكر والمؤنث، كعجوز وصبور وشكور، وينبغي لهما أن يصليا قبل أن يباشرها،
والله أعلم.
ما رأي سماحتكم في إعطاء الزوج زوجته مبلغاً من المال ليلة الدخلة فهل يعد هذا حراماً؟ ليس ذلك حراماً وإنما مكروه لما فيه من التشبه بالمومسات اللواتي يأخذن ما يأخذنه من أولئك الذين يرتكبون معهن الفاحشة، وأما أن يعطيها هدية أو نحو ذلك لأجل تأليف قلبها فلا يعد ذلك حراماً، والله تعالى أعلم.
ما حكم الذهاب إلى وليمة العرس التي سبقها المنكر في ليلة الزفاف؟ إن كانت الوليمة خالية من المنكر فلا مانع من حضورها، والله أعلم.
ما حكم إظهار المرأة كامل زينتها أمام النساء في أول يوم في حياتها الزوجية، علماً أنه قد يشاهدها بعض الرجال الأجانب؟
أما زينتها مع المرأة فتظهرها إن كانت هذه النساء مأمونات لا إن كن فاسقات، لأن الله تعالى عندما ذكر ما ذكر من الاستثناء قال: {أَوْ نِسَآبِهِنَّ} [النور: 31]، أي النساء المؤمنات لا النساء الفاجرات ولا النساء الكافرات، وأما رؤية الرجال لزينتها فلا يجوز أبداً، بل عليها أن تتجنب إبداء زينتها للرجال، والله تعالى أعلم. (2/85)
صفحة 531
86
حقوق الزوجين
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
كيف كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع أزواجه؟ يعاملهن بالحسنى ويلين لهن الجانب، والله أعلم.
ما هو حق المرأة على زوجها؟
إن الإسلام الحنيف دين جاء بالحق فأعطى كل ذي حق حقه لأنه دين حق، وهو من عند الحق تعالى الذي لا يظلم أحداً من خلقه، فقد وفي الإسلام حق الرجل وحق المرأة وجعل من مجموعهما شخصية زوجية متكاملة وهي التي أشار القرآن إليها عندما قال: {وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ} [النساء: 21]، والمرأة أُعطيت من الحقوق ما أُعطي الرجل وإنما ميز الرجل بالقوامة وهذه الميزة إنما هي لأجل أن الفطرة تقتضيها لا لأجل هضم حقوق المرأة، بل لأجل المحافظة على الحياة الزوجية حتى تسير سيراً طبيعياً، لأن طبيعة المرأة طبيعة انفعال وتشنج ولا سيما عندما تتعرض للكثير من العوامل الطبيعية التي تؤدي بها إلى أن تكون سريعة الانفعال ومنها حالة الحمل والطمث، وقد بيّن الله تعالى مجمل هذه الحقوق عندما
قال عز من قائل: {وَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة: 228]، هذا وقد جاء في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على وجوب استيصاء الرجال بالنساء خيراً، فقد كان في وصيته عليه الصلاة والسلام (2/86)
صفحة 532
فتاوى النكاح
87
وهو في حجة الوداع: «استوصوا بالنساء خيراً، فإنهن عوان في أيديكم»، يعني ذلك أنهن أسيرات في أيديهم فعليهم أن يستوصوا بهن خيراً، وقد بين ما لكل واحد من الاثنين من الحقوق، فبيّن أن حق المرأة أن يُطعمها الرجل إذا طعم، وأن يكسوها إذا اكتسى، وألا يخدش كرامتها فلا يقبح ولا يضرب وجهها، ولهم على النساء الطاعة بالمعروف وأن لا يُطئن فرشهم من يكرهون، وعليهن أن يكن مريحات لألباب أزواجهن بسبب تفاعلهن مع الحياة الزوجية في حدود ما أذن به الله تبارك وتعالى وما شرع، لا في حدود ما لم يُجز القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، والنبي عليه أفضل الصلاة والسلام نفسه أيضاً كان آية في رقة المعاملة عند نسائه، كما تصف ذلك أُم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، هذه الرقة في المعاملة فيها الأسوة لسائر رجال - المؤمنين فالله تعالى يقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]، وهو عليه أفضل الصلاة والسلام قال: خياركم خياركم لنسائكم وبين النبي صلى الله عليه وسلم طبيعة المرأة التي يجب أن تراعى وهي أن المرأة خلقت من ضلع أعوج وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقومه كسرته، والشاعر أخذ هذا المعنى عندما قال في وصف المرأة:
هي الضلع العوجاء لست تقيمها على أن تقويم الضلوع انكسارها أتجمع ضعفا واقتدار على الفتى أليس غريبا ضعفها واقتدارها
نعم،
يقول البعض المرأة مأمورة أن تظل في بيت زوجها ويوفر لها الخادمة ومأمورة أن لا تعمل في البيت، فما رأيكم في هذا؟
قال كثير من الفقهاء بأن المرأة لا يلزمها غزل ولا طبخ ولا غسل (2/87)
صفحة 533
88
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
الملابس ولا تنظيف الأواني ولا أي شيء من هذا القبيل وإنما على الزوج أن يوفر لها الخادمة التي تقوم بهذه المسؤوليات إن لم يخدمها بنفسه من غير أن تُعنى هي بشيء من هذه الأمور، ولكن للعلماء المحققين نظر في ذلك، ومن الذين أجادوا القول في هذا العلامة ابن القيم في كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد، والإمام نور الدين السالمي الله تعالى، فكلا الشيخين كان رأيهما واحد، وهو أن المرأة والرجل كل منهما يعمل بحسب طبعه، فالمرأة لها طبيعة والرجل له طبيعة، فالمرأة لا يمكن أن تعمل الأعمال الشاقة كأن تقوم بالأعمال الخارجية التي فيها مشقة والتي هيئ الرجل لأن يقوم بها، كما أن الرجل أيضاً ليس من مسؤوليته تربية الأولاد وطبخ الطعام وتغسيل الملابس وتنظيف البيت وترتيب البيت وأثاثه لأن ذلك لا يرجع إلى طبعه، فإذاً لتكن المرأة مسؤولة عن الأعمال الداخلية وليكن الرجل مسؤولاً عن الأعمال الخارجية، واستدل لذلك بما كان عليه السلف الصالح، فإن السلف الصالح كان بينهم التعاون بين رجالهم ونسائهم ولم تكن النساء عندهم يبقين طول الوقت يقضين سحابة نهارهن وهن في فراغ أو في عزوف عن العمل المنزلي، بل كن يبادرن إلى الأعمال ولم يكن من أحد نكير على ذلك ولم يتهم أحد رجالهن بأنهم كانوا ظالمين لهن، وفي مقدمة ذلك بنات الرسول صلى الله عليه وسلم ومن بينهن السيدة فاطمة التي أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم: «بأنها بضعة منه يؤذيه ما يؤذيها»، ومع ذلك تأثرت يداها من أثر الحبل بسبب حمل قربة الماء وطلبت من أبيها خادماً تخدمها والنبي صلى الله عليه وسلم أحالها إلى ذكر ليكون ذلك خيراً لها وأبقى، وفي هذا ما يدلّ على أن المرأة في جهاد ما دامت تخدم زوجها وتقوم بشؤون بيتها وتراعي أولادها وتربيهم. (2/88)
صفحة 534
فتاوى النكاح
89
ما حكم خدمة المرأة لزوجها؟ وما هو حدّ هذه الخدمة؟
ينبغي للمرأة أن تقوم بخدمة زوجها البيتية كالطبخ والتنظيف، أما ما كان
خارج البيت فهو الذي يقوم به، والله تعالى أعلم.
أيهما تقدم طاعة الزوج أم طاعة الوالدين؟
مع إمكان التوفيق بين طاعة الزوج وطاعة الوالدين فذلك أولى، ثم مع هذا كله ينظر أيهما أمر بطاعة الله وأيهما أمر بمعصية الله فالأمر بمعصية الله ترفض طاعته، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، والأمر بما لا معصية فيه يُطاع، أما إن كان أمر كل واحد من الطرفين لا يتنافى مع أمر الله تعالى فالمرأة تُقدّم طاعة الزوج لأن زوجها أعظم حقاً من غيره، والرجل عليه أن يُقدّم طاعة أمه على طاعة أي أحد، لأن أُمه أعظم حقاً من غيرها.
فتاة عقد قرانها وبني بها، وبعد فترة طلب أهل الزوجة إقامة حفل، لكن أهل الزوج رفضوا ذلك، وفي المقابل أمرها والدها بعدم الذهاب إلى بيت زوجها وإن فعلت تبرأ منها، فكيف تتصرف؟ عليها أن تطيع الله وأن تذهب إلى زوجها، وألا تبالي بأمر والدها ما دامت رضيت بهذا الزوج.
ما قولكم في امرأة تعاني من سوء عشرة زوجها لها، وقد هجرها أكثر من خمس سنوات وبقيت في بيت ابنها، فهل يحق لها أن تطلب الطلاق؟ أم تبقى في بيت ابنها ما دام الزوج ساكتاً عنها؟
إن طالبت بالطلاق لتقصيره في حقها من العشرة فلها ذلك، وإن بقيت مع ابنها مع سكوت زوجها عنها وسكتت عن طلب الطلاق فلا حرج عليها، والله أعلم. (2/89)
صفحة 535
90
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
ما تقول إذا كان الإنسان مدمن خمر لا يفيق من سكره أو يفيق أحياناً ويسكر أحياناً ويؤذي امرأته ويضربها، وبالجملة فإنه غير مستقيم فهل يعامل معاملة المجنون في أنها لا تجبر على المعاشرة وعليه النفقة العدم الأمان وحسن العشرة، وتبقى في بيت أبيها أو يجبر على طلاقها، ومن المعلوم أنه لا يقلع عن شرب الخمر والأذى والضرب لزوجته بل كلما أدب عاد مرة ثانية؟
إن إمساك الزوج لزوجته يجب أن يكون بالمعروف، فإن لم يمسكها بالمعروف فليسرحها بالإحسان، كما قال الله تعالى: {فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تسَرِيحُ بِإِحْسَنِ} [البقرة: 229]، وليس من الإمساك بالمعروف أن تكون المرأة عند سكير أشبه بالسبع الضاري لا تأمن معه على راحتها ولا على حياتها، لذلك لا أرى أن تكلف المرأة معاشرة سكير لا يقلع عن غيه ولا يتوب من حوبه، وإذا لم تكلف بمعاشرته فلا أرى وجهاً لبقاء العصمة الزوجية بينهما، فإن للمرأة حقاً في المعاشرة كما أن للرجل حقاً فيها، ويجب على كل منهما أن يوفر للآخر حقه من غير أن يكون مشوباً بأخطار تهدد أمنه، لذلك أرى أن تخيروا هذا الرجل بين التوبة والإقلاع عن الخمر وبين تطليق المرأة وأمهلوه لاختياره حتى تتضح توبته فإن لم يتب وأبى التطليق فأجبروه على الطلاق ولو بالسجن.
ما حكم الشرع في رجل لم يجلس مع زوجته لتبادل أطراف الحديث منذ أن تزوجا وهي فترة ست سنوات ولم ينادها باسمها، ماذا ينبغي لهذه المرأة تجاه هذا الزوج حتى أنها تحس بالتعب من هذه الحياة وصارت تفكر في الموت أنه قريب منها؟ هذا الرجل يعد مسيئاً إلى العلاقة الزوجية، فإن على الرجل دائماً أن يعمل (2/90)
صفحة 536
فتاوى النكاح
91
على ما يجعل امرأته تشعر بالحب والوئام، وخيركم خيركم لأهله»، هكذا يقول الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، ثم يقول: «وأنا خيركم لأهلي»، فعليه أن يفعل ما يُدخل في نفسها الأنس، وأن يكون رفيقاً لطيفاً في تعامله معها بقدر المستطاع، ثم عليه أن يجعلها تشعر بأنه وإياها يمثلان كياناً وحقيقة واحدة هو بعض هذه الحقيقة وهي بعضها الآخر، ذلك لأن القرآن الكريم قال: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ. وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 21]، فجعل الزوج بعضاً من هذه الحقيقة والمرأة هي البعض الآخر، وهذا يدل على أنه يُطلب أن يكون بينهما الانسجام التام والمودة والرحمة، ثم مع هذا أيضاً مطالبة أن تتلطف هي
معه
به في الحديث وأن تجتهد في جذبه بكل ما يمكن من حديثها وحركاتها وأعمالها حتى تتمكن من تحويل طبعه من هذا الذي هو عليه إلى ما تطلبه منه، وعليها أن تستعين بالله ولا تيأس وألا يؤدي بها ذلك إلى حب الخروج هذه الحياة أو السآمة منها، فلتصبر ولتوقن أن الله مع الصابرين.
من
فيمن لديه زوجة يحبها حباً شديداً، وقد كان يحرص على الزواج من هذه المرأة من قبل، وقد حاول في ذلك سنوات كثيرة وقد توسم فيها خيراً كثيراً وكانت ثقته فيها مطلقة، آملاً أن تكون عوناً له على طاعة الله، ولكن ما لبث هذا الأمل أن تلاشى عندما أصبحت المرأة بعد الزواج خاضعة لرأي أُمها، تقدس أوامرها تقديساً كبيراً، أن ما تأمرها به مخالف لأمر الله ورسوله ومما يؤسف له أن هذه المرأة، متعلمة، وهي على مستوى عال من المعرفة بيد أن التطبيق يكون إلا نادراً مصادفاً للهوى، وقد نصحها زوجها مراراً ولكن بدون جدوى، وفي كثير من الأحيان عندما يواجهها بالدليل تقول: لا أريد أن أسمع
مع (2/91)
صفحة 537
92
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
أحكاماً وتشريعات، وعندما يطلب منها حاجاته الخاصة تسوّف وتتعلل بأعذار لا أساس لها.
فما نصيحتكم لهذه المرأة وما توجيهاتكم لها وهي على علم بشرع الله
تعالى؟ عليها أن تتقي الله وأن تطيع زوجها ولا تعصيه في شيء ما لم يأمرها بمعصية الله، فإنها إن لم تطعه كانت ناشزاً والناشز لا تقبل منها فريضة ولا نافلة، والله أعلم.
ما قولكم في امرأة استدعاها زوجها إلى فراشه، وهي تمتنع مدة ثلاث ليال، ثم تركها لمدة عشرة أيام ثم دعاها إلى فراشه وامتنعت كذلك وتعللت بأنها مريضة، فلما أراد أن يحملها إلى المستشفى رفضت، فما حكم فعل هذه المرأة شرعاً؟
لا يحل لامرأة يدعوها زوجها إلى فراشه أن تمتنع؛ بل قيل: ولو دعاها على ظهر قتب (1)، وفي ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن امتنعت لغير عذر شرعي كحيض ومرض لا تطيق معه المعاشرة لعنتها الملائكة حتى ترضى زوجها وتلبي رغبته وتقضي حاجته، والله أعلم.
رجل يجد عناداً عنيفاً من زوجته إذا ما دعاها إلى حقه الشرعي وعلى الرغم من أنه يلح عليها كثيراً ويذكرها بالآيات والأحاديث إلا أنها لا تكثرت بذلك أبداً حتى اضطره ذلك الوضع إلى أن يمارس العادة
هو
على قدر سنام البعير، وفي
(1) القتب: إكاف البعير، وقيل هو الإكاف الصغير الذي ذلك حث لهن على مطالعة أزواجهن، وأنه لا يسعهن الامتناع في هذه الحالة فكيف بغيرها، ينظر ابن منظور لسان العرب، ج 1 ص 661 مادة قتب. (2/92)
صفحة 538
فتاوى النكاح
93
السرية من أجل عناد الزوجة ويريد منكم سماحة الشيخ نصيحة لها حتى تستجيب لطلبه؟
على هذه المرأة أن تتقي الله وأن تطيع زوجها وتستجيب لمطلبه الفطري، وأن لا تتردد في ذلك، فإنها بقدر تبعلها له - أي بقدر ما تحسن عرض نفسها على الزوج وتقدّم نفسها له من أجل قضاء حاجته منها وقضاء حاجتها منه ـ تكون مأجورة عند الله، بل لها في هذا ثواب المجاهدين في سبيل الله، وإن أبت ذلك فإنها تلعنها الملائكة - والعياذ بالله ـ حتى تصبح، وتكون بعيدة عن رضوان الله تعالى، فعليها أن تتقي الله في هذا الأمر وألا تعرض زوجها لسخط الله سبحانه، والله تعالى أعلم.
هي
هل يجوز أن تخرج المرأة إلى بيت أهلها دون أن تخبر زوجها، مع العلم بأن زوجها لا يمانع ذلك؟
إن كان زوجها راضياً بذلك وهي مطمئنة إلى رضاه فلا حرج والله أعلم.
عليها،
امرأة متزوجة ولديها ستة أطفال وأصبحت الآن لا تطيق أن تدخل بيتها ومعاشرة زوجها وعندما يقترب منها تشعر بغضب ولا تطيقه ولا يستطيع الزوج أن يُواقعها، وتحب دائماً الخروج من البيت لأنها ترتاح وتكون طبيعية، وعند عودتها إلى البيت وجلوسها مع الزوج تعود إليها الحالة مرة أخرى، فما هو الحل في هذه الحالة؟
هذه الحالة ينبغي أن تُعرض على الأطباء النفسانيين فهم أولى بأن يدرسوا هذه الظاهرة وأن يعرفوا أسبابها، ولعل هناك أسباباً خفية كانت سبباً لكرهها لبيتها ولزوجها، والله تعالى أعلم. (2/93)
صفحة 539
94
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
هل يجوز للمرأة أن تتبرع بالدم دون موافقة زوجها لحاجة ماسة لهذا
الدم؟
إن كانت هناك ضرورة ملجئة إلى ذلك فنعم، لأن المرأة أبيح لها لتنقذ نفساً إرضاع الرجل الأجنبي عندما لا يمكن إنقاذه إلا بإرضاعها إياه.
ما قولكم فيمن قال إن المرأة غير تابعة لزوجها دائماً ويجوز لها العمل بالتجارة من غير إذن زوجها لأن الإسلام أعطاها الحرية المطلقة لممارسة النشاط التجاري وتنمية أموالها؟
هذه التجارة إن كانت تجعلها تخرج وتذهب وتجيء فلا، وأما إن كانت توكل أحداً بأن يقوم بالنشاط التجاري وهي تموّل ذلك فذلك مما لا حق للزوج أن يعترض فيه، لأنها تتصرف في مالها.
ما حكم من باعت ذهبها بغير إذن زوجها؟
قد تصرفت في مالها، اللهم إلا من باب حسن العشرة فينبغي أن تستشيره لأجل أن تكون عشرتهما حسنة.
ذهبت زوجتي إلى بيت أهلها برضاً مني، وعندما أردت ردها إلى بيتي أبت هي وأبوها ذلك بحجة أنها تريد أن تجلس معهم أسبوعاً آخر، ولكنني أصررت على أن ترجع معي في ذلك الوقت، ولكن بدون فائدة فغضبت عليها غضباً شديداً لما قال لي أبوها ما دامت في بيتي فأنا وليها، ولن ترجع معك هذا اليوم، ولما سألته عن سبب جلوسها قال: لا يوجد لديّ سبب، فقلت: بما أنه لا فقلت: بما أنه لا يوجد لديكم سبب فالأحسن أن ترجع معي فأبى ذلك، ومن شدة غضبي عزمت على طلاقها وقلت (2/94)
صفحة 540
فتاوى النكاح
95
لهم: سأحضر الشهود ولكن سرعان ما انطفأ غضبي وتداركت الموقف، ولكنهم أصروا على موقفهم، فما رأي سماحتكم في هذه المرأة وأبيها؟ وهل ولي الزوجة الزوج أم الأب؟ ليس لأبيها أن يمنعها من زوجها وليس لها أن تعصي زوجها وإن كانت في منزل أبيها، وإن عصت كانت ناشزاً وزوجها أولى بها من أبيها، والله أعلم.
ما هي واجبات الزوج تجاه زوجته؟ وما هو الحل الأنسب إذا لم
يستطع الزوج أن يوفر لها هذه الحقوق وخاصة حق المبيت؟
تجب لها عليه النفقة والكسوة والمسكن والمعاشرة الحسنة، وإن قصر وتصالحا من بعد فعلى حسب ما يتصالحان، والأولى لهما أن تبرئه من العشرة ويبرئها من المبيت عنده إن لم يمكن القيام بجميع الحقوق تجاهها،
والله أعلم.
ما قولكم في امرأة ناشز هلب يتقبل الله منها أعمالها كالصلاة والصوم، وماذا يجب على وليّ المرأة إن علم بنشوزها؟
القبول وعدمه أمرهما إلى الله، والنشوز - إن ثبت ـ معصية كبيرة تجب التوبة منها، وعلى الولي إن ثبت عنده نشوز وليّته عن زوجها ردعها عن ذلك بحسب إمكانه، والله أعلم.
إن الإسلام نظم الحياة في كل مجالاتها وألبسها بلباس الأخلاق ومن ضمنها تنظيم الحياة الأسرية، فمن الأخلاق ألا يفشي الرجل ما يدور بينه وبين زوجته وكذلك المرأة، لكن البعض يقوم بذلك فماذا تقولون؟ نقول بأن هؤلاء تجردوا من الأخلاق وبعدوا عن الفطرة السليمة، فإن (2/95)
صفحة 541
96
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
الفطرة تجعل الإنسان حريصاً على كتمان ما يدور بينه وبين أهله، إذ سر الزوجية من أعمق الأسرار، وما يدور بين الزوجين خصوصاً في الفراش أمر لا ينبغي إبداؤه بأي حال من الأحوال اللهم إلا في حالات الاضطرار إذا اقتضى الأمر ذلك لضرورة علاج أو نحو ذلك، ولكن أن يتحدث الرجل بما يكون بينه وبين أهله وتتحدث المرأة بما يكون بينها وبين زوجها فذلك مما يعد منافياً للأخلاق، وقد شبهه الرسول الأعظم ـ صلوات الله وسلامه عليه - بحالة أن يلتقي شيطان وشيطانة، فينزو عليها بحضور من الناس، فالذي ينزل نفسه هذه المنزلة يرضى لنفسه أن يكون شيطاناً، والتي تنزل نفسها هذه المنزلة ترضى أن تكون شيطانة.
ما حكم المرأة الناشرة لأسرار زوجها؟ من ينشر الأسرار رجلاً كان أو امرأة فهو غير صالح.
ما حكم العزل في الإسلام؟
يباح في الاضطرار دون الاختيار، والله أعلم.
هل يجوز العزل عند الجماع بموافقة الزوجة، وذلك للمباعدة بين
الولادات؟
نعم، مع الضرورة، والله أعلم.
إذا كان العزل جائزاً فأيهما أحسن وأسلم للدين أن نستخدم العزل وهو طبيعي أم الطرق الأخرى كالإبر أو الحبوب أو اللولب في حالة توفر الأسباب المبيحة لهذه الأشياء؟
العزل أسلم مما عداه إذ لا تؤمن المضرة من تلك الوسائل، والله أعلم. (2/96)
صفحة 542
فتاوى النكاح
97
ما حكم العزل إن كان برضى الزوجة، وما حكمه إن كان استجابة
للدعوات التي تنذر بانفجار سكاني وشحة مصادر الرزق؟
العزل هو الوأد الخفي، كما في الحديث عند مسلم، والله تعالى يقول: وَإِذَا الْمَوْءُ دَةُ سُلَتْ} [التكوير: 8]، لذلك لا ينبغي القول بجوازه إلا في حالات الضرورة، والله أعلم.
أثناء الجماع هل يجوز للرجل أن يقذف المني خارج المهبل، وذلك كمانع للحمل بدلاً من استخدام الأدوية، وهل يجوز الواقي البلاستيكي سواء للرجل أو المرأة؟
يجوز ذلك كله في حالات الضرورة دون غيرها، وباتفاق الزوجين عليه،
والله أعلم.
هل يعتبر تحديد النسل حرام خاصة إذا لم يشك الزوجان من أي
مرض؟
تحديد النسل والترويج له في أوساط المسلمين من مخططات أعداء هذه الأمة الذين يكيدون لها كيداً ليوهنوا قواها ويقللوا عددها، ولذلك ينفقون النفقات الباهظة في الترويج لذلك بوسائل الإعلام المختلفة، وقد انخدع المسلمون مع الأسف، فاندفعوا إلى هذا الفخ غير مبالين بما يترتب على ذلك من مخاطر اجتماعية تهدد أمتهم في قوتها وأمنها، على أن في الإقدام
على هذا العمل مصادمة لحكمة الله القاضية بسُنَّة التوالد لاستمرارها عبر الأجيال المتلاحقة وإعراضاً عن السُّنَّة النبوية الحاضة على النكاح من أجل التناسل وتحدياً لحكمة الله وعمل القاضي بتحريم قتل الأولاد لأجل فقر واقع أو متوقع، قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَقٍ نَحْنُ
• (2/97)
صفحة 543
98
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [الأنعام: 151]، وقال أيضاً: {وَلَا نَقْتُلُوا أَوْلَدَكُمْ خَشْيَةَ إمْلَقٌ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَبْلَهُمْ كَانَ خِفْنَا كَبِيرًا} [الإسراء: 31]، أما إذا كان الحمل يهدد حياة الحامل فلا مانع في هذه الحالة منه حتى يرتفع المحذور، والله أعلم.
زوجتي لا ترغب في المزيد من الأولاد، وذلك تلجأ إلى استعمال أقراص منع الحمل دون رضاي كما أنها تُصر أن يكون هناك عزل، والحمد لله عندنا أولاد وهم في صحة ونعمة وهي في صحة جيدة ولا تعاني في أثناء الحمل سوى ما تعاني منه مثيلاتها من النساء. فأطلب أن تذكروني وإياها بفضل الإنجاب والحث عليه؟
إن من نعمة الله تبارك وتعالى أن جعل في الذرية امتداداً لحياة صاحبها عبر الأجيال المتعاقبة من بعده، ولذلك كانت الذرية مهوى أفئدة الناس فالناس تميل نفوسهم إلى الأولاد، كما جعل الله الذرية قرة عين، وقد حكى الله تعالى مقولة عباد الرحمن عندما قال: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ سُجَّدًا وَقِيَمَا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [الفرقان: 63 - 66]، إلى أن قال: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74]، فالمؤمن الصالح يدعو الله تبارك وتعالى بأن تصلح ذريته وأن يجعل من ذريته قرة عين له وللمسلمين، فإذاً هذه نعمة والنعمة يُرحب بها ولا تُقاوم، ففي الحفاظ عن الذرية واستمرارها وتعاقبها خير كبير، وهذا مما يجب على الكل أن يحرص عليه وأن لا
يُفرط فيه. (2/98)
صفحة 544
فتاوى النكاح
99
ما قولكم فيمن يعامل زوجته معاملة سيئة ويتهمها بالزني كلما خرجت
من البيت؟
عليه أن يمسكها بالمعروف أو يسرحها بإحسان، فإن رفض ذلك فلترفع أمرها إلى القضاء الشرعي، والله أعلم.
ما قولكم فيمن تزوج امرأة وأسكنها في بيت أهله، فطلبت منه أن يسكنها في منزل مستقل فاعترض أبو الزوج على ذلك ولم يرض لابنه بالانتقال، فماذا يفعل هذا الرجل؟ هل يوافق زوجته ويستقل بها في بيت خاص؟ أم عليه أن يطيع والده؟
السكن المستقل حق عليه لزوجته، فإن لم تتنازل عن هذا الحق فعليه توفيره لها، وليس للأب اعتراض على ذلك، وإن اعترض فليس لاعتراضه مكان،
والله أعلم.
المرأة مأمورة أن تستجيب لزوجها إذا دعاها للفراش وهي مأمورة وجوباً، ولكن في الجانب الآخر قد يكون لدى المرأة ثورة جنسية (شبق جنسي) فتحاول أن ترغب زوجها في المجيء إليها، لكنها لا تجد مستنداً فقهياً وشرعياً يُوجب الزوج أن يأتي إليها، فما الحل
لذلك؟
الحل في هذا موجود، فقد ذكر الفقهاء أن الرجل مطالب عندما يشعر بالضعف الجنسي أن يتناول العقاقير التي تقويه من أجل إشباع رغبة زوجته، حتى لا يعرضها للفساد، بل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «في بضع أحدكم صدقة»، وسئل عليه أفضل الصلاة والسلام أيصيب أحدنا شهوته ويؤجر؟ قال: أرأيتم إن لو وضعها في حرام ألم يكن يوزر، ففي هذا الحديث يبين صلى الله عليه وسلم (2/99)
صفحة 545
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
أن من لبى هذا الداعي وأشبع رغبة زوجته كان بمثابة المتصدق، من أجل ترغيب الرجال في قضاء وطر نسائهم حتى لا يُعرضوهن للفساد أو للمشكلات النفسية والعصبية، ثم إنه جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم نهي الرجل أن يُعجل امرأته عندما يواقعها، وذلك يعني أنه إذا قضى وطره منها بصب المني فيُؤمر أن لا ينزع عنها حتى تستكمل هي رغبتها لأن ذلك مما يؤذيها، وكذلك دلّت الروايات على النهي عن العزل عن المرأة إلا عن تراض بين الزوجين، فهذا كله يدلّ على أن للمرأة الحق في المواقعة، وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228].
قد يظن البعض بأن الإسلام يزهد في الشهوات بأكملها فالعزوف أو الذهاب خارج البيت من أجل طلب العلم أو ما شابه ذلك لسنوات عديدة مقدّم على حق الزوجة؟
ليس الأمر كذلك، فقد دلّ القرآن الكريم أن المرأة لها الحق في الوقاع، وذلك أن الله تبارك وتعالى شرع مدة معينة للإيلاء تخرج من بعدها الزوجة من عصمة الزوج عندما يستمر على الامتناع عن مواقعتها، فالله تبارك وتعالى يقول: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَابِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَآءُ و فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة 226، 227]، فتجد أن الله تبارك وتعالى حدد مدة للإيلاء وهي بمقدار ما تصبر المرأة عن زوجها، وقد جاء في فقه هذه المسائل ما يدلّ أن ما أشار إليه القرآن هو الذي يتفق مع الفطرة، فإن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه كان في جولة كعادته عندما كان يدور بالمدينة المنوّرة ليتحسس أحوال الناس وليعرف مواطن الخير والشر، وفي إحدى جولاته الليلية سمع امرأة تنشد أبياتاً: (2/100)
صفحة 546
فتاوى النكاح
101
ألا طال هذا الليل وأسود جانبه وليس إلى جنبي خليل أداعبه فوالله لولا الله لا شيء غيره لزعزع من هذا السرير جوانبه ربي والحياء يعفني وإكرام بعلي أن تنال مراكبه
مخافة
إلى آخر ما قالته، فلما عرف ذلك بحث عن هذه المرأة واستطلع ما عندها فوجد أنها طال عليها غياب زوجها في الجهاد، فطلب على الفور أن يُرد إليها زوجها، ولم يكتف بذلك بل اجتمع بالسيدة أُم المؤمنين ابنته حفصة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن مقدار ما تصبر المرأة عن زوجها، فأخبرته أن المرأة تصبر عن زوجها شهرين ويشتد عليها ذلك بعد الشهر الثالث وتفقد صبرها بعد أربعة أشهر، فأمر أن لا يبقى أحد في الجهاد أكثر من أربعة أشهر، ونحن استنتجنا من هذا بأن المرأة عندما يُسافر عنها زوجها هذه المدة ويكون مستمراً في سفره لا يعود إليها أن لها الحق في أن تُطالب بالطلاق، وهي التي تعرف بالمرأة المُغيبة والتي قيل بأن لها الحق أن تُطالب بالطلاق دفعاً للضرر وعملاً بما دلّ عليه قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228]، وما دلّ عليه قوله سبحانه: {فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَنِ}
[البقرة: 229].
فيمن تشتكي من زوجها ضعفه الجنسي، حيث إنه لا يشبع نهمتها ولا يطفئ غلتها، وهي تعاني من شدة رغبتها وزهده في مواقعتها ما لا يعلم حقيقته إلا الله، فما الحل في قضيتها؟ وما هو الخلاص من
ذلك؟
على زوجها أن يحرص على إعفافها بإشباع رغبتها قدر استطاعته، فإن ذلك من حقها عليه، لقول الله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وفي (2/101)
صفحة 547
102
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
الحديث عن النبي: إذا أتى أحدكم أهله فليصدقها» (1) أي: فليستوف طاقته في إرواء غلتها، ولئن كان يشعر بضعف فعليه أن يستعين بما يقويه من العلاج، وهذا أمر ميسور ـ والحمد الله ـ فإن في الأدوية المستعملة في علاج هذا الضعف ما يحول الضعف إلى قوة، ويجعل من الرعديد مقداماً، فما عليه إلا أن يستعين على ضعفه بما يتيسر له من العلاج، وهو مأجور
على ذلك، لأنه من حسن المعاشرة والتعاون على التقوى، والله أعلم.
امرأة تزوجت من ثلاث سنوات ولم يحدث بينها وبين زوجها معاشرة
بسبب مرض ألم به، وقد حددت هي وزوجها وقت للطلاق، وهي مترددة هل ستظل
معه
أم تنفصل عنه؟
للمرأة حق في المعاشرة كما أن للرجل في ذلك حقاً،، والأدلة على ذلك كثيرة، منها: أن الله الا الله ما جعل مدة محددة للإيلاء وهي أربعة أشهر، وذلك عندما قال سبحانه في قوله تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَابِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَاهُ و فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 226]، ومعنى ذلك أن الرجل عندما يقسم يميناً بالله أنه لا يجامع أهله فإنه يمهل أربعة أشهر فإن فاء بحيث واقعها وكفّر عن يمينه فهي امرأته وليستمسك بها، وإن لم يفعل ذلك بحيث استمر على عدم مواقعتها أربعة أشهر فإنها تنفصل عنه بطلقة بائنة، وذلك لأجل رفع الإساءة والمضرة عنها، فلو لم يكن لها حق شرعي في المواقعة لما جعل الله تبارك وتعالى للإيلاء هذه المدة المحددة، وقد كان شرع هذا الحكم من قبل الله تعالى متلائماً مع طبيعة المرأة فإن المرأة تصبر عن المعاشرة هذه المدة وبعدها لا تطيق
(1) ينظر الرواية في مجمع الزائد باب وضوء الجماع ج 4 ص 295/ مصنف عبد الرزاق ج 6 ص 194 برقم 10468. (2/102)
صفحة 548
فتاوى النكاح
103
صبراً، كما حدث ذلك عندما كان عمر بن الخطاب الله يتجول في المدينة المنوّرة أثناء الليل يتحسس أحوال الناس من أجل حرصه رضي الله تعالى عنه على العدل والإنصاف وأمن الناس وطمأنينتهم واستقرارهم، فبينما هو يتجول في إحدى الليالي إذ سمع امرأة تردد أبياتاً ومما جاء
في
أبياتها: ألا طال هذا الليل وأسود جانبه وليس إلى جنبي خليل أداعبه فوالله لولا الله لا شيء غيره لزعزع من هذا السرير جوانبه مخافة ربي والحياء يعفني وإكرام بعلي أن تنال مراكبه
إلى غير ذلك من الأبيات التي قالتها، فبحث عنها سيدنا عمر وطلبها وسألها عن مشكلتها فإذا هي امرأة مغيب غاب عنها زوجها في غزوة وقد طال أمد بقائه في الغزو، فاجتمع الخليفة الرشيد عمر بن الخطاب له بابنته السيدة أم المؤمنين حفصة لها زوج النبي صلى الله عليه وسلم فسألها عما يمكن أن تطيق المرأة فيه من المدة صبراً عن الزوج فأجابه بأنها تصبر عنه شهرين ويشتد عليها في الثالث، ثم تفقد الصبر بعد مضي أربعة أشهر، فأمر عمر بن الخطاب له الله بأن يرد إلى تلك المرأة زوجها من الغزو وألا يبقى في الغزو أحد أكثر من أربعة أشهر إن كانت عنده زوجة، وهذا كله من أجل المحافظة على حقوق المرأة.
ومما يحكى عنه أيضاً أن امرأة كانت تتردد عليه وتقول له: «يا أمير المؤمنين إن زوجي قوّام الليل صوّام «النهار»، فقال لها: «نعم الرجل»، وأخذت تردد مقولتها، وكان كعب بن سور حاضراً، فقال له: يا أمير المؤمنين إنها تطالبه في حقها في المعاشرة»، قال: «بما أنك فطنت لمطلبها، فاقض ما بينهما»، فطلب الرجل واشتكت المرأة، فتعلل الرجل بما تعلل به، إذ ذكر أن زهده (2/103)
صفحة 549
1 - 8
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
فيها وفي فراشها خوفه من الله تبارك وتعالى، ووجده من الدار الآخرة، فقال
له كعب بن سور:
إن لها عليك حقاً يا رجل في ليلة من أربع لمن عقل
فأعطها ذاك ودع عنك العلل
ومعنى ذلك أنه فرض عليه أن يواقعها في كل أربع ليال ليلة واحدة وله أن يتفرغ للعبادة في الثلاث الليالي التالية، واستأنس لذلك بأن الله تعالى أباح للرجل أن يتزوج أربع زوجات، ومقتضى ذلك أنه يوزع الليالي الأربع ما بين النساء الأربع فكل واحدة منهن لها الحق في ليلة، وعلى هذا فلهذه المرأة السائلة الحق في المطالبة بحقها الشرعي أو الطلاق وليس للرجل أن يمسكها ضرراً، وإمساكها من غير أن يواقعها ضرر فيجب رفعه عنها، والله تعالى أعلم.
متى يجوز للرجل أن يضرب زوجته وما هو الحد المباح في ذلك؟ الضرب المأذون به هو الضرب غير المبرح وغير المؤثر، وذلك عندما يتعذر قبولها للنصح وتصر على النشوز ولا يجدي فيها الهجر في المضاجع، فإن تعذر تراجعها عن نشوزها بعد هذا كله فللرجل أن يضربها ضرباً غير مبرح وغير مؤثر كما تقدم، والله أعلم.
هل يجوز للزوج أن يلعن زوجته لعنات متكررة، ويسبها، ويحلف
بطلاقها لأتفه الأسباب؟
كل ذلك غير جائز وهو من كبائر الإثم، والله أعلم.
ما قولكم فيمن يسمي زوجته بأسماء الحيوانات؟
تلك إساءة إلى امرأته، وهي عشرة ليست مرضية، والله أعلم. (2/104)
صفحة 550
فتاوى النكاح
1.0
فيمن يمنع زوجته من المشاركة بالكتابة في المجلات الإسلامية، على الرغم من أنها تكتب باسم مستعار؟
إن كانت هذه الكتابة ضرورية لإصلاح المجتمع ولا تخشى من الإقدام عليها مضرة فلتكتب وتتوكل على الله ولو كان من وراء علم الزوج، والله أعلم.
رجل تزوج امرأة وبذل جهداً في تعليمها أمور دينها ولكنها لا تحسن شيئاً من ذلك وترفض التعلم ومعه منها، أولاد، فهل يستمر معها وفي تعليمها أو يطلقها؟ إذا كان يرتجي في يوم من الأيام أن تثوب إلى رشدها وتقلع عن غيها وتصلح ما فسد من شؤونها فاستمساكه بها أولى من أجل هدايتها، ولا أن هداية أي شخص هي خير للإنسان من أي مطلب آخر، ومن أجل المحافظة على الأولاد، لأن الأولاد عندما يحافظ عليهم في كنف الأبوين ينشأون نشأة مستقرة بخلاف إن كان هنالك تفرق بين الأبوين، أما إن كانت مصرة على فسادها وغير مرجو استقامتها فلا ريب أن المخدع للمرأة الصالحة أولى، وهذا الخطأ يقع فيه الإنسان عندما ينساق وراء رغبته من غير أن يبحث عن المرأة الصالحة التقية التي تكون وعاء لذريته ومحضناً لهم.
ريب
زوج هداه الله ولكن زوجته حاول إقناعها بالصلاة وبالاستقامة ولكنها ترفض ذلك، وهي الآن في عصمته، ما دوره معها في المرحلة القادمة؟ عليه أن يتقي الله وأن يحرص على إنقاذها مما هي فيه وأن يدعوها بالتي أحسن لعل الله تبارك وتعالى يهديها، ولأن يهديها الله تبارك وتعالى
هي (2/105)
صفحة 551
1.7
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
على يديه خير له من الدنيا وما فيها والله تبارك وتعالى يقول: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32]، فهداية شخص واحد إلى الحق وانتشاله من الضياع ورده إلى حضيرة الصواب أمر يترتب عليه خير كثير، وذلك لما لهذا الإنسان من قيمة، وقدر ولئن كان إنقاذ حياته الجسمية خير عظيم حتى أن من أحيا نفسه كمن أحيا الناس جميعاً، فإن إنقاذ حياته الروحية خير وأولى، كما أن المرأة شريكة حياته ولأن تهتدي على يديه خير له من أن يُهملها، فأنا أدعوه إلى أن لا ييأس وأن يحرص على دعوتها لعل ضميرها يستيقظ في يوم من الأيام ولعلها تثوب إلى رشدها وتفكر في مصيرها، وعليه أن يُذكّرها بالموت وغصته وبالقبر وهوله وبالحشر وما فيه وأن يُذكّرها بالحساب وعُسره والجنة ونعيمها والنار وجحيمها، وأن هذه الدنيا لا تساوي شيئاً بجانب الحياة الآخرة لعل في ذلك ما يُوقظ ضميرها بمشيئة الله والله تعالى ولي التوفيق.
رجل متزوج من امرأة عاملة تقضي في عملها ثلاث عشرة ساعة، رزق منها بأطفال وبذل جهده في أن تبقى مع أطفالها لتربيتهم ولتحسن معاملتهم، فرفضت الخروج من العمل ورفض أبوها، وتركت المنزل وذهبت إلى أبيها، فماذا يصنع في شأنها؟
إن كان زوجها يائساً من إصلاحها وردها إلى حدود الحق فالأولى له تركها، فلا خير في مثل هذه المرأة التي لا تحرص على سعادة نفسها وزوجها وأولادها والأولى له أن يبحث عن المرأة الصالحة، وهذا هو الخطأ الذي يقع فيه الكثير من الناس عندما يحرصون على المرأة العاملة الموظفة التي تقبض الراتب الكبير، فكثيراً ما يؤدي هؤلاء الضريبة غالية بعد ذلك عندما يرزؤون في مستقبلهم ومستقبل أولادهم، والله تعالى المستعان. (2/106)
صفحة 552
فتاوى النكاح
107
هل من حقوق الزوجة على زوجها أن يخبرها بكل مصادره المالية
وهل يخبرها بكل صدقاته التي يتصدق بها؟
ليس ذلك من حقوقها، والصدقة يؤمر بأن يخفيها الرجل حتى لو تصدق بصدقة ـ كما جاء في الحديث ـ ينبغي أن يخفيها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه.
فيمن ذهبت لزيارة زوجها المريض في المستشفى، وكانت راكبة في سيارة رجل أجنبي فاتهمها الزوج بالفساد مع الرجل التي ركبت سيارته، فحلفت المرأة أنها بريئة مما ادعاه عليها زوجها، فماذا يلزمهما؟ ركوبها في السيارة مع أجنبي منها من غير أن يكون معها ذو محرم لا يجوز لها، واتهام الزوج إياها بالفساد لا يجوز له، فعليهما جميعاً التوبة إلى الله،
والله أعلم. إن لزوجي ابناً قد توفيت أمه فربيته منذ كان طفلاً، وعوضته حنان الأم الذي افتقده، وعندما كبر كان مني بمنزلة الابن من الأم، فلما رأى زوجي اهتمامي بابنه أنكر مني هذه المعاملة، واتهمني بأني أتعامل مع ابنه بما لا يرضي الله، وأنا من ذلك بريئة والله شهيد على ما أقول. هل يجوز بقائي في عصمته بعدما رماني بما رماني به زوراً وبهتاناً؟ بئس هذا الصنيع الذي يصدر من هذا الزوج المأفون، الذي لا يرعى حق حرمة ولا حكم الله في العلاقة بين النساء وأبناء بعولتهن، مع أن هذا حكم صريح في قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَابِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَ} [النور: 31]، حيث سوى بين أبنائهن وأبناء بعولتهن من هذه الناحية في الحكم، وعليه فإن لم يتراجع هذا الرجل عن غيه
فارفعي أمرك إلى القضاء الشرعي، وكفى به فاصلاً، والله ولي التوفيق. (2/107)
صفحة 553
108
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ما تحرم به المرأة على زوجها
فيمن تعسرت ولادتها فأصبحت في حالة خطيرة، مما اضطر الأمر إلى دخول طبيب ليقوم بمساعدتها على الولادة، ثم بعد ذلك قام بخياطة مكان الجرح، فهل تخرج من عصمة زوجها بهذا الفعل؟
لا تخرج المرأة بذلك من عصمة زوجها، والله أعلم.
ما قولكم فيمن زنا بشقيقة زوجته، فهل يقع على زوجته من ذلك شيء؟ إن لم يعترف بذلك أمام زوجته فلا تحرم عليه ـ إن كان سراً ـ على القول الصحيح، وقيل: تحرم، والله أعلم.
فيمن رأت قضيب زوجها داخل فرج امرأة أجنبية وهما عاريان، فما حكم امرأته؟
إن رأت الذكر في الفرج يذهب ويجيء حرمت عليه، والله أعلم.
رجل طلب من امرأة فاسقة أن تأتي له بامرأة يزني بها، فجاءته بحليلته، فجامعها بقصد الزنا دون أن يتعرف عليها، ثم عرفها بعد ذلك، فهل تحرم عليه بذلك؟
اختلف في حرمة الحليلة بسبب ذلك، ولا يحضرني دليل أعتمد عليه في الترجيح، والله أعلم. (2/108)
صفحة 554
فتاوى النكاح
109
رجل وجد زوجته عارية مع رجل، ولكنه لم ير الفاحشة (الآلة في الآلة كالميل في المكحلة، هل تحرم عليه زوجته؟
لا تحرم، والله أعلم.
رجل أعطى زوجته صوراً لنساء عاريات لكي تشاهدها، هل تحرم عليه
زوجته؟
بئس ما فعله، وعليه التوبة من ذلك، ولا يؤثر ذلك على زوجته، والله أعلم.
يشيع بعض الناس أن الأب لا يجوز له أن يغسل طفلته الصغيرة من البول أو من الغائط، فإن لمسها بيده فإن زوجته تحرم عليه، فهل هذا صواب أم خطأ؟ غسل الأب لطفلته مكروه، ولا يؤدي إلى حرمة أُمها عليه على الراجح، والله أعلم.
سمعت مقالاً نصه: «إن الرجل إذا نظر إلى عورة ابنته البالغة من العمر أربع سنوات تطلق منه زوجته فهل هذا صحيح؟ وما أصل هذا القول؟ أريد التوضيح من سماحتكم؟
هذا القول مبني على أن مس الفرج والنظر إليه كالوطء، وليس هو القول الراجح؛ بل الراجح خلافه، ومن المعلوم أن من زنى بامرأة حرمت عليه أصولها وفروعها، فلو زني بابنته - والعياذ بالله – حرمت عليه أُمها، وبما أنهم ألحقوا بالوطء المس والنظر قالوا بذلك، أما القائلون بعدم إلحاق مس الفرج والنظر إليه بالوطء فإنهم لا يقولون بحرمة الأم عليه، وهذا هو الذي عليه جماعة من المحققين، منهم: (2/109)
صفحة 555
110
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
(3)
العلّامة الأزهر ابن علي (1) والإمام أبو نبهان (2) ونور الدين السالمي (3)
وفي
ذلك يقول الإمام السالمي حمدالله:
وذهب الأزهر أن لا يحرم بذين ما الزنى به يحرم وهو الصحيح فاتركن الأولا وإن عليه من مضى قد عولا (4)
والله أعلم.
امرأة تركها زوجها ثلاث أو أربع سنوات تقريباً، ولا يقوم بواجباته المادية والمعنوية اتجاهها ولا يكلمها، فهل تستأذنه في الخروج من منزله؟ الأولى بهذه المرأة أن تطلب الطلاق منه لأنه لا يقوم بواجباتها، فلماذا تكلف نفسها الارتباط به، ولم يعط ما له عليها من حق؟!
(1) هو
الأزهر بن علي بن عزرة العزري، عالم وفقيه عاش في القرن الثالث الهجري، وهو ابن العالم الجليل علي بن عزرة العزري ينظر أعلام عُمان، مكتبة لبنان، الطبعة الأولى - 1412 هـ ـ 1991 م ـ ص 30/ سيف بن حمود بن حامد البطاشي، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض أعلام عُمان، مكتبة المستشار الخاص للشؤون الدينية والتاريخية، الطبعة الثانية - 1419 هـ - 1998 م، ج 1 ص 523. العلامة الرباني أبو نبهان جاعد بن خميس بن مبارك بن يحيى الخروصي اليحمدي يلقب بالرئيس المدقق، ولد سنة 1147 هـ في قرية العليا من وادي بني خروص، تنظر ترجمته جاعد بن خميس الخروصي، إيضاح البيان فيما يحل ويحرم من الحيوان ص 28.
(2) هو
(3) هو
العلّامة
عبد الله
بن حميد سلوم السالمي، أبو محمد من أعيان الإباضية، انتهت إليه رياسة العلم في عصره. وكان ضريراً الله ومن تصانيفه: «جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام أرجوزة، وتحفة الأعيان في تاريخ عمان»، ينظر: الأعلام، الزركلي، دار العلم للملايين ج 4 ص 84.
(4) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي، مدارج الكمال في نظم مختصر الخصال، وزارة التراث والثقافة - سلطنة عُمان 1403 هـ / 1983 م، ص "
12 (2/110)
صفحة 556
فتاوى النكاح
فتاة تزوجت من شاب لا يدرك شيئاً من أمور الدين والعبادة مما أدى إلى نفورها منه، ولكنها تشعر بالذنب والتقصير في نفس الوقت، هل عليها شيء من التكفير أم تعتبر معذورة بسبب قلة دينه؟
مطالبة أن هي توفيه حقه وأن تنصحه حسبما يمكنها وإن استطاعت أن تقومه فلتقومه، فإن ذلك أمر واجب عليها من أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المفروضين على الرجال والنساء، وإن لم تستطع ذلك وكان لا يفتنها في دينها فما عليها إلا أن تبقى عنده، ولكن تبقى محافظة على دينها، أما إن كان يفتنها في دينها فبقاؤها عنده أمر فيه حرج كبير، وقد وقع الخطأ من أول الأمر عندما رضيت به زوجاً وهي تعرف حالته أو رضيت به قبل أن تعرف حقيقة أمره.
ما حكم بقاء الزوجة في عصمة زوجها إن أقدم زوجها على ترك الصلاة؟ وهل لها أن تطالب بالطلاق؟ التارك للصلاة إن كان جاحداً لها فهو مرتد عن الإسلام، بل ولو كان يصلّي ولكنه يجحد وجوبها فهو مرتد عن الإسلام، وحكمه أن يُقتل ولا يُدفن في مقابر المسلمين ولا توارث بينه وبين المسلمين، وأما إن كان يفعل ذلك انتهاكاً من غير أن يُقدم على جحد الصلاة فهو كافر كفر نعمة، وكفره يبعده عن رحمة الله سبحانه وتعالى، ولكن مع هذا لا يُقال بانفساخ عقدة الزواج، إلا أن المرأة لا ينبغي لها أن تُقيم معه، إذ كيف ترضى بأن يكون ضجيعها ثعباناً. من ثعابين جهنم ـ والعياذ بالله ـ؟ والعياذ بالله؟ وهي امرأة مسلمة تخشى الله وعل وتتقيه، فعليها أن تتقي الله وأن تحرص على التخلص من مثل هذا الذي لا يتق الله ولا يخشاه ولا يبتعد عن حرماته. ولها أن تطالب بالطلاق بعد أن تقيم الحجة بأنه لا يصلّي. (2/111)
صفحة 557
112
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ما الحكم في المرأة التي ارتضت زوجاً تاركاً للصلاة مع علمها بذلك؟ بئس ما فعلت، وهذه ليس في قلبها إيمان، ولو كانت مؤمنة لما رضيت بأن يكون تارك الصلاة شريك حياتها.
ماذا على المرأة التي لا يصلّي زوجها؟
على المرأة التي لا يصلّي زوجها أن تنصحه بأي طريقة حتى يثوب إلى رشده، والله أعلم.
هل يجوز للمرأة المسلمة أن تأكل مع زوجها إن كان لا يصلّي ولا يصوم؟ هذا الزوج أقرب إلى الكفر منه إلى الإسلام، والعجب من المرأة المسلمة أن تقبل زوجاً مثل هذا، إذ المرأة المسلمة عليها أن تختار شريك حياتها من يعينها على أمر دينها لا من يريد فتنتها في دينها، وماذا عسى أن تكون
حالة مثل هذا الإنسان؟ والله تعالى يقول: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ النساء 5]، فإذا كان هذا في المال فكيف يُعطي الإنسان نفسه للسفيه؟ وكيف يُعطي ولده للسفيه؟ فالسفيه لا يؤمن على مال فكيف يؤمن على نفس مؤمنة؟ وليس الإشكال في قضية الأكل ولكن المشكلة عشرة هذا الزوج الذي هو في شر منزلة.
هل للمرأة أن تأخذ من زوجها الذي لا ينفق عليها قدر نفقتها وهو في
حالة سكره؟ لها أن تأخذ بقدر نفقتها بالمعروف سواء أكان في سكر أو في غير سكر.
إنني امرأة ملتزمة بالتعاليم الإسلامية، ولي زوج ينتهك محارم الله وعل ويتعاطى المسكرات، ويمارس الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وما (2/112)
صفحة 558
فتاوى النكاح
113
شعبة من شعب الضلال إلا وهو هائم فيها، فما رأي سماحتكم في هذا
الزوج؟ بئست الحالة حالة زوجك التي ذكرتها في السؤال، وكان ينبغي لك أن تختاري الزوج الصالح من أول الأمر، ففي الحديث: «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه وعلى أي حال فإن الخروج عنه خير من البقاء معه إلا إن تاب واسألي الله له الهداية ففي ذلك حل لمشكتك إن
شاء الله.
أنا زوجة رجل لا يعرف للصلاة، طريقة، وأما امرأة متدينة والحمد لله وعندما أذهب للصلاة يجلس يضحك عليّ وإذا كلمته للصلاة يقوم يصرخ في وجهي ويقول إنك أنت تصلين وحاولت معه بدون فائدة، والآن جاء الشهر الفضيل وطوال اليوم نائم فقط ويقوم للتلفاز والأكل حتى إنني أصبحت أكره العيش معه وأفكر أن أتركه وأذهب إلى بيت أهلي ومعي أطفال أربعة وأفكر كيف أذهب، فما هو الحل؟ بئس الرجل هذا الرجل، ونحن نأسف كثيراً أن كثيراً من الناس لا يبالون بمصير بناتهم إذ يربطون مصيرهن بمصير وحوش من الرجال لا أخلاق لهم ولا دين ولا يعدّون في شيء من صفات الإنسانية قط، وإنما بالسباع المفترسة، وكيف تطمئن امرأة أن تضاجع رجلاً هو أشبه بثعبان من ثعابين جهنم والعياذ بالله فمن لا يصلّي لا قيمة له ولا قدر له ولا حظ له في الإسلام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر».
هذا
هم
أشبه
ومن ترك الصلاة تهاوناً بها من غير أن يجحدها فهو كافر كفر نعمة، ومن تركها إنكاراً لها أو استخفافاً بقدرها كما تذكر هذه المرأة فهو كافر (2/113)
صفحة 559
114
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
كفر شرك، خارج من ملة الإسلام، لأن من استهزأ بالصلاة فقد استهزاً بأعظم ركن من أركان الدين العملية والمستهزئ بالدين خارج عن الإسلام ومرتد عنه والعياذ بالله، وهنا لا يجوز للمرأة المسلمة أن تبقى معه، فعليها أن تخرج من عنده ما دام بهذه الحالة وألا تعود إليه اللهم إلا إن غيّر حالته مما هو عليه إلى حالة مناقضة لها، وأما قضية الأولاد فإنها أولى بأولادها ما دام على هذه الحالة، لأنه لا يؤتمن على الأولاد ولا يكون حرياً بأن يربيهم، لأنهم على الفطرة وأُمهم المسلمة أولى أن تقوم بتربيتهم، بل حتى لو تزوجت هي لأنه ليس على فطرة الإسلام لتركه الصلاة استهزاءً واستخفافاً، أما لو كان رجلاً مسلماً متمسكاً بإسلامه وتزوجت المرأة فتسقط حضانتها بسبب الزواج ويكون هو أولى بالأولاد، وإنما لها حق الزيارة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة التي خاصمت مطلقها في ولدهما: «أنت أحق به ما لم تنكحي»، والله
تعالى أعلم.
أولى
بهم،
أنا امرأة ولدي طفلان ولكن زوجي لا يصلي، وحاولت معه كثيراً وبطرق عديدة ولكن دون جدوى، أرجو إفادتي وكيف أستطيع أن
أنصحه؟
بئس الرجل من لا يصلي ولا نصيب له في الإسلام، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر». ويقول: «ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة»، فترك الصلاة يؤدي به إلى الكفر، وقد اختلف العلماء في هذا الكفر هل هو كفر ملة أو كفر نعمة، وهو الصحيح ولا نقول بأن كفره كفر، ملة، وإن كان قد خلع ربقة الإسلام من عنقه بإضاعة أهم ركن عملي من أركانه، وبناءً على هذا لا تحرم عليه امرأته، (2/114)
صفحة 560
فتاوى النكاح
115
وإن مات يعطى حقوق موتى المسلمين من تغسيله ودفنه في مقابر المسلمين، إلا أنه مع ذلك كله يعتبر من أعداء المسلمين بسبب تركه هذا الواجب المفروض عليه، وما كان لامرأة مؤمنة بالله ورسوله مقيمة للصلاة مؤدية للزكاة أن تتزوج مثل هذا الزوج الذي هو أشبه بالثعبان، فأنى للمرأة المسلمة أن تضاجع ثعبان من ثعابين جهنم والعياذ بالله، إنما ينبغي لهذه المرأة أن تحرص على توجيه النصح إليه بشتى الوسائل والطرق، وعليها أن تستنفر طاقات أهله من إخوانه وأبيه إن كان حياً وغيرهم من أهله الذين قد يصغي إلى مقالاتهم ويستجيب إلى دعوتهم ويتبع نصحهم، ثم بعد ذلك تستعين حتى بالقضاء الشرعي من أجل التخلص من هذا الشر إن لم يقبل أن يرضخ لداعي الحق، لأن من لا يصلّي فهو غير مأمون عليها ولا على دينها، والله تعالى أعلم.
ما حكم الإسلام في جماع الرجل لزوجته وهو سكران مع عدم قدرتها على تجنبه؟
6
كان جدير بهذه المرأة المسلمة أن لا تتزوج هذا السكير، فإن الله الله يقول: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَلَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِينَما وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [النساء: 5]، فكيف تؤتي المرأة المسلمة نفسها سفيهاً، وأي سفه أعظم من سفه شرب الخمر على أنه غير مأمون حتى على حياتها، إذ قام رجل سكير فاعتدى على أمه وقتلها وسحبها في الوادي عارية، ولا ينبغي لامرأة مسلمة أن تبقى مع سكير، وقد قلت في غير مرة بأنه إن أصر على السكر فإن لها الحق في أن ترفع قضيتها إلى الشرع فيفرق بينهما، وإن واقعها على تلك الحالة فلا إثم عليها، ولكن لا ينبغي أن تعين السكير على أي شيء كان. (2/115)
صفحة 561
116
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
هل يجوز للزوج أن يمنع زوجته من زيارة أهلها؟
ليس له منعها من زيارة أهلها إن كانت هذه الزيارة حسب المعتاد ولا يترتب عليها مفسدة، والله أعلم.
يبيح
هل خروج المرأة إلى بيت الجيران محرم عليها بدون إذن زوجها، علماً بأنها عندما تريد أن تخرج لا يكون موجوداً في البيت؟
إذا كان الزوج أباح لها الخروج في حال غيبته فلا حرج، أما إن كان لا لها ذلك فلا تخرج حتى تستأذنه، فقد استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة في الخروج إلى أبيها وهو في سكرات الموت وكان زوجها منعها من الخروج، فلم يأذن لها الرسول. (2/116)
صفحة 562
فتاوى النكاح
تعدد الزوجات
117
ما
هي
الأسباب الشرعية لتعدد الزوجات؟ وهل تعتقد أن المسلمين
اليوم قد التزموا التزاماً كلياً بهذه الأسباب؟
دين الإسلام هو دين الفطرة وتعاليمه تلبي داعي الفطرة، فهنالك دواعي فطرية من قبل الرجل تدعوه إلى التعدد، فقد تكون فترة الإخصاب عنده أطول منها عند المرأة كما هو معروف، بحيث تكون قد انتهت فترة الإخصاب لدى المرأة بينما لا تزال فترة الإخصاب عنده في حالة يتمنى فيها أنه لو يتمكن من الإنجاب ومن حصول الذرية، ويبقى يكابد الآلام إن لم يتهيأ له أن يتزوج من امرأة ثانية، وأيضاً قد تكون المرأة في بعض الحالات مشغولة والرجل بحاجة إلى المعاشرة وهي لا يتهيأ لها أن تلبي رغبته وأن تستجب لدعوته، وأيضاً فقد شاء الله أن يكون عدد الرجال الغالب أقل من عدد النساء، لأن الرجال يتعرضون للإتلاف، فهم يتعرضون للحروب ولركوب أخطار الحياة، وبسبب ذلك يكثر عدد النساء، وبسبب كثرتهن فإما أن يكون عدد محدود منهن في كفالة أو ذمة رجل واحد، وإما أن يتركن يكابدن دواعي فطرتهن ويلقين العنت من قبل هذا الداعي المُلح في نفوسهن، وقد تؤدي مكابرة هذا الداعي إلى الانفجار بارتكاب الفحشاء والعياذ بالله، فلذلك جعل الله لا علاج ذاك كله في تعدد
في (2/117)
صفحة 563
118
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
الزوجات، ومع هذا كله فإن الرجال مشروط عليهم أن يعدلوا، إذ الله تبارك وتعالى يقول: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء:3]، فعليهم أن يعدلوا في الأمر المقدور عليه وهي الأمور الظاهرة، أما الأمر الباطن وهو محبة القلب وميل النفس فإن ذلك ما لم يؤثر على الرجل بحيث يجحف بحق واحدة من نسائه أو بحق أكثر من واحدة من نسائه لصالح أخرى مما لا يملكه الرجل، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك»، وأما تطبيق المسلمين لذلك فإن القصور إن وجد لا يعود إلى المبدأ وإنما يعود إلى الذين يأخذون بالمبدأ، فعليهم أن يحرصوا على العدل، وأن يحرصوا على اتباع إرشاد القرآن الكريم.
نعلم يقيناً أن مسألة التعدد أمر أباحه الله تعالى للرجل، ولكن وللأسف الشديد، أن بعض الرجال أساء استخدام هذا الحق، فأصبح التعدد سلاحاً يشهره الرجل في وجه امرأته فطالما سمعنا من الكثير من النساء أن زوجها دائماً يهددها بالزواج عليها في كل وقت حتى أصبح التعدد بالنسبة لهن كابوساً يعكر صفو العلاقة الزوجية، وكذلك نرى كثيراً من الشباب يكثر الحديث في هذه المسألة وكأنه لا توجد قضية تشغل المسلمين غير هذه القضية، وبعض الشباب يقومون بتشجيع الآخرين على التعدد وإن كانوا لا يرغبون فيه، نريد منكم إيضاح الحق في هذه الأمور كلها؟
إباحة التعدد إنما هي لحكمة علمها الله سبحانه وتعالى، إذ هناك من الوقائع والأحداث التي تقتضي هذه الإباحة لأجل الإعفاف من ناحية، ولأجل القيام بقول النساء اللاتي لا عائل لهن من ناحية أخرى، ولأجل القضاء على الفساد من ناحية ثالثة، ونحن نرى في وقتنا هذا مشكلات (2/118)
صفحة 564
فتاوى النكاح
119
عظيمة ولا أدل على ذلك مما يوجد في بلد من البلدان منع فيه تعدد الزوجات وأبيح فيه تعدد الخليلات حتى أن رجلاً اضطر إلى أن يتزوج خفية امرأة فوق زوجته لأنها مرضت مع علم زوجته الأولى ورضاها بذلك، لأنها تعرف من حالتها ما يمنعها من معاشرة الزوج ولا تريد أن تنفصل عنه، ولكن عندما علمت الجهات المسؤولة أخذ بعنف وشدد عليه فما كان منه إلا أن اعتذر بأن هذه خليلة وليست بحليلة، وسألوا المرأة فأجابت بنفس الإجابة، فقالوا: إذا نعتذر إليكم!!، فالزواج ممنوع وأما اتخاذ الخليلة فهو مباح، وهذا من نقض أحكام الله سبحانه وتعالى، وفي هذا البلد المشار إليه حدثني أحد العلماء بأن فتاة ـ مع صونها لنفسها ـ شكت إلى زوجته طول العنوس حتى أنها تقول إنها من رغبتها في الرجال أنها عندما ترى خشبة تتصورها رجلاً وتثور عاطفتها بسبب ذلك، فهذه الأمور لا بد من مراعاتها، وقد بدأت في مجتمعنا عنوس الفتيات لعدة أسباب، من بينها أن كثيراً من الآباء لا يتقون الله سبحانه وتعالى فيدفعون ببناتهم على أن يشتغلن في أي مكان كان من غير مراعاة للحرمات ومن غير مبالاة بالأعراض والقيم في مقابل ما يستأثرون به من معاشهن من غير مبالاة بما يترتب على ذلك وهذه خطورة كبيرة، وقد كتبت إلي إحدى الفتيات بأنها بلغت من العمر واحداً وعشرين عاماً ووالدها منعها من الزواج ودفع بها إلى أن تشتغل في مصنع مع ثمانية من الشباب وهي الوحيدة بينهم، وكل واحد من أولئك يراودها عن نفسها مع الدافع الذي تحسه من أعماق النفس، لأن الشيطان يزين لها هذا الأمر وهي ممسكة بنفسها، ورغبتها بأن يمنّ الله عليها بزوج يصونها ويعفها، ولكن فعل الأب كان بخلاف ذلك، وأُخبرت عن أحد الآباء بأنه عنده سبع بنات عضلهن جميعاً عن الزواج، وكثير من الفتيات يشتغلن في المتاجر وقد اتخذن (2/119)
صفحة 565
120
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
وسيلة لجلب الزبائن وهذه قضية خطيرة ليس بعدها خطر، وقبل فترة جاءني أربعة أشخاص من وزارة الإعلام ليسجلوا ندوة تتعلق بمرض فقدان المناعة المكتسب (الإيدز) وقالوا لي بأن هذا المرض ينتشر انتشاراً رهيباً وإن كان مكتماً عليه، ففي البادية نفسها حالتان في كل يوم على الأقل، فهو يجتاح الناس اجتياحاً رهيباً خطيراً لا يقف عند حد نسأل الله العفو والعافية، وأخبروني بأن واحدة من الفاجرات الشابات ـ قاتلها الله ـ اكتشف فيها هذا المرض فماذا عملت؟ ذهبت إلى منطقة فيها كثير من الأوغاد وأباحت لهم نفسها وفي خلال أسبوع واحد عاشرها مائة من الأوغاد الرذل وكلهم نقلت إليهم المرض، وكثير من النساء أصبن بهذه الأمراض نتيجة انحراف أزواجهن، فهذه الرحلات المستمرة على رأس كل أسبوع إلى دبي من أجل العهر والفساد والانحراف موجة من غضب الله تعالى وموجة من النقمة التي تهدد بالكارثة التي لا تبقي ولا تذر إن لم يرجع الناس إلى دينهم ويتقوا الله سبحانه، ومكافحة هذه الرذيلة تكون بأسباب عدة من بينها إباحة التعدد، ولكن مع هذا كله لا بد من أن يكون هذا التعدد مضبوطاً بضوابط، أولاً أن لا يكون فيه إقلاقاً للمرأة ولا شيء من الإرهاب لها، فمن جملة حقوق المرأة على زوجها أن لا يهددها بالضرة، ثم بجانب ذلك لا بد من العدل والإنصاف كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في تفسير الألوسي عن الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد الله تعالى قال: «إن لي زوجتين وإني لأعدل بينهما حتى أنني أعد القبل» يعني من كثرة محاسبته للنفس لا يُقبل هذه أكثر مما يُقبل الأخرى حرصاً منه على العدالة بين الزوجتين، فينبغي أن يكون الإنسان شديد المحاسبة بقدر مستطاعه، ومع هذا فإنا نعلم بأن الناس ربما اتخذوا هذا الأمر وسيلة لمجرد المتعة من غير أن يراقبوا الله فالمشروعية لا تقابل بالرفض من (2/120)
صفحة 566
فتاوى النكاح
121
أجل تصرف هؤلاء الناس، فمثل هذه التصرفات توجد حتى مع الزوجة الواحدة، ولكن مع ذلك كله لا يُرفض ما أباحه الله لحكمة علمها الله.
هل يجوز أن يتزوج الرجل زوجة ثانية بدون علم الزوجة الأولى؟ لا يحرم ذلك، وإنما يؤمر أن يطيب خاطرها، والله أعلم.
ما قولكم في رجل كان يجامع زوجته فدخلت عليه زوجته الأخرى فرأتهما على تلك الهيئة، فهل عليها شيء في ذلك؟
ليس في
الخطأ إثم، فإذا صرفت نظرها بعدما رأت الذي رأته خطأ فلا إثم
عليها، والله أعلم.
إنني رجل متدين وقد أقدمتُ على الزواج من امرأة ثانية على زوجتي الأولى، فما إن تزوجت حتى انصبت المشكلات علي انصباباً، وتغيرت الأولى، وانقلبت معاملتها الحسنة إلى نشوز، وكلما
أحوال زوجتي ذكرتها بالله وعقابه للمرأة العاصية لزوجها لا يزيدها ذلك إلا تمادياً،
فما نصيحتكم لي؟ أنصحك أن تتقي الله في أهلك، فالمرأة خلقت من ضلع أعوج)، وعليك تصبر، وليتك سألت المجربين قبل إقدامك على ما أقدمت عليه
أن
والله أعلم.
أنا امرأة متزوجة من رجل له امرأة سابقة، وأعيش معه في مسقط ويبقى خمسة أيام، ويذهب إلى بلد زوجته الأخرى يوم الأربعاء، وليس
معي
(1) الرواية عنه فإن المرأة خلقت من ضلع أعوج، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج» متفق عليه. (2/121)
صفحة 567
122
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
في هذا أدنى مشكلة، ولكن المشكلة تكمن في أيام الأعياد وأيام الإجازات والتي قد تمتد إلى عشرة أيام أو إلى خمسة عشر يوماً، حيث يحملني معه لنمكث هذه المدة هناك، أنا وزوجي وامرأته الأخرى في منزل واحد، ويبقى طول هذه المدة مع زوجته الأخرى وأنا أراه داخلاً وخارجاً من عندها، وهذا ما يثير كوامن نفسي، ذلك بسبب ما جبلت عليه المرأة من الغيرة، وكلمته في هذا فأجابني بأن هذا من حقها، فما هو رأي سماحتكم في هذه القضية؟ وهل أنا محقة في ذلك؟ نرجو البيان الشافي؟ يجب عليه العدل بينكما في المبيت والنفقة ولا ريب أن مدة بقائه عندك أكثر، ما دام في أيام الأسبوع يبقى عندك إلا يومين فقط، ولعله يريد في أيام
الإجازات تعويضها عن بقية الأيام، فانظري في ذلك، والله أعلم.
هناك
من يقول: إن التعدد ضرر وسبب من أسباب التفكك ويؤدي إلى ظهور العداوة والبغضاء ويجعل الأخ في عداء أخيه وقد تطلب مع إحدى الزوجات هضم حقوق أولاده الآخرين وإذا أطاعها الزوج فسيدب الفساد في الأسرة ما رأيكم في هذا القول؟
هذا أمر يعود إلى طبيعة الزوج نفسه، فعندما يكون الزوج منحرفاً مائلاً عن طريق الحق يمكن أن يؤدي تعدد الزوجات إلى مثل ذلك، أما عندما يكون مستمسكاً بحبل الله، عادلاً بين زوجاته وبين أولاده لا يحيف على بعضهم لمصلحة البعض، ولا يوفر لأحد على حساب غيره، فإن العداوة تكون غير موجودة والتفكك غير حاصل، فأنا بنفسي عندي أولاد من زوجتين وبينهم التواد والتراحم والتعاطف والتعاون على الخير
والحمد لله. (2/122)
صفحة 568
فتاوى النكاح
123
الزوجة الثانية التي لم يُنجب منها الزوج كيف يكون ميراثها؟ إن كان له ولد ذكر كان أو أنثى واحداً كان أو أكثر فلها الثمن، وإن لم يكن له ولد ولا ولد ابن فلها الربع لأن الله تبارك وتعالى ناط حكم الحجب من الربع إلى الثمن بوجود ولد للزوج الموروث لا بوجود ولد للزوجة نفسها، والله تعالى أعلم.
ما نصيحتكم لمن تزوج ولم يستطيع العدالة؟ قد كان جديراً بهذا الإنسان الذي لا يستطيع العدالة أن لا يُقدم على الزواج إلا من بعد أن يستوثق من نفسه أنه سيعدل، فإن الله تعالى يقول: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نَعدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3]، ولكن بما أنه وقع فيما وقع فهنا يؤمر تجاه المرأة التي لم يستطع أن يقوم بالعدل اتجاهها ولم يوفها حقها بعد حرصه بحسب مستطاعه على توفير الحق أن يتبع معها إرشاد القرآن الكريم: وَإِنِ امْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُورًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بيْنَهُمَا صُلحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأَحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّح} [النساء: 128]، فلا بد من أن يكون هناك شيء من التسامح مع عرض القضية على المرأة نفسها فإن وافقت على البقاء على هذه الحالة التي لا يمكنه أن يُقاومها ولا أن يُغالبها فلا حرج عليه، وإن لم ترض واختارت الفراق فليسرحها تسريحاً حسناً لئلا يكون حجر عثرة في سبيل تحقيق رغبتها النفسية، والله تعالى أعلم. (2/123)
صفحة 569
124
العشرة الزوجية
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
هل يجوز وضع مساحيق التجميل بقصد التزين للزوج؟ وهل صحيح أنها تحتوي على محتويات الخنزير؟
زينة المرأة يجب أن تكون للزوج، فإن كانت تتزين للزوج بما لا حرمة فيه فلا مانع منه، أما أن تتزين بشيء يحتوي على مواد محرمة فهو غير جائز، وأنا لا أدري هل تحتوي هذه المساحيق على مادة الخنزير أو أي مواد محرمة أم لا؟ وفي الحديث: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك».
وهي
ما حكم قص المرأة لشعر رأسها تزيناً لزوجها؟
هذا معاكس لجمال المرأة، لأن شعر المرأة تاجها فكيف تعاكس فطرتها؟! أيضاً تقليد للغربيات، وعليه فقص شعر المرأة غير جائز إلا أن تأخذ منه بقدر ما تأخذه عندما تتحلل من إحرامها فقط من غير زيادة، وكذلك إن كانت هنالك ضرورة كعلاج ونحوه فلا بأس في العلاج، وشعر الحاجبين لا يجوز الأخذ منها فإنه من النمص.
ما حكم قص المرأة أطراف شعر رأسها من باب تزينها لزوجها؟ ليس لها أن تأخذ منه أكثر مما تأخذ في تحللها من الإحرام، وهو مقدار عرض إصبعين، والله أعلم. (2/124)
صفحة 570
فتاوى النكاح
125
هي قضية تجمل الزوج لزوجته وتفسير حديث ابن عباس تزينه لزوجته؟ المرأة لها الحق أن ترى زوجها ملئ سمعها، وبصرها، كما أن الرجل يحب أن يرى امرأته أيضاً ملء سمعه وبصره، بحيث تكون امرأته في منتهى الزينة التي تتطلع إليها نفسه وترضي رغبته والمرأة كذلك، ومن هنا كان الرجل مأموراً أن يتجمل لامرأته، وحبر الأمة الذي هو ترجمان القرآن وابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عباس - رضي الله تعالى عنهما - استنتج ذلك من قول الله تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) وعلى هذا فإن الرجل مطالب بأن يتجمل لزوجته في حدود الزينة المشروعة، ومن ذلك أن الرجل مطالب بأن يحلق عانته وينتف إبطيه ويحف شاربه، ويستحم ويستاك وينفي عنه الأذى، وأن تكون ثيابه نقية ورائحته طيبة فهذا كله من التجمل للزوجة، وهو مما يُقرب المرأة إلى الرجل ويجعل العشرة بينهما سعيدة هانئة، وكذلك المرأة مطالبة بأن تتجمل للزوج بقدر المستطاع، وإنما تختلف زينة الرجل عن زينة المرأة بحسب فطرة كل واحد من الاثنين، وكذلك بالنسبة إلى الطيب فقد يكون نوع من الطيب أولى به الإناث ونوع آخر أولى به الذكور، فكل من ذلك يجب أن يراعى.
هل يجب أن يتغطى الزوجان أثناء الجماع؟
يندب لهما ذلك، حياءً من الله وملائكته، والله أعلم.
ما حكم نظر كل من الزوجين إلى عورة الآخر أو لمسها؟ لا مانع من ذلك، وإنما كرهوا كراهة تنزيه أن ينظر إلى فرجها بغير داع. فقد جاء عن معاوية بن صيدة أنه قال: قلت يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ فقال: احفظ عورتك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك». (2/125)
صفحة 571
126
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
ما حكم ذكر الألفاظ الصحيحة للوطء بين الزوجين أم أن ذلك يعد
مخلاً بالمروءة؟
بين الزوجين تسقط الكلفة فلا حرج في ذكر المباشرة الزوجية بينهما بصريح العبارات أو كناياتها وإنما ذلك يعود إلى مزاجهما، والله أعلم.
من
السنة أن يقول الزوجان قبل الجماع (بسم الله اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا ولكن إذا نسيا ذلك أو نسي أحدهما وتذكر خلال الجماع، فهل الأفضل ذكر ذلك في تلك الحالة أم أنه من سوء
الأدب وما الحل؟
في هذه الحالة يذكران بالقلب دون اللسان، والله أعلم.
هل يجوز النوم بعد الجماع مباشرة دون غسل ولا وضوء؟
يكره ذلك، وإنما يؤمر بالاستنجاء والوضوء، واكتفى بعضهم بالمضمضة والاستنشاق بعد الاستنجاء، والله أعلم.
هل يجب غسل الذكر والفرج لإعادة الجماع؟
يندب ذلك، وهو أطيب لهما، والله أعلم.
ما
هي
هيئات الجماع المشروعة في الإسلام؟
يباح الجماع بأي كيفية كانت بشرط أن لا يكون الإيلاج في الدبر، فقد قال
صلے
تعالى: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِمُوا لِأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ
وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 223]، والله أعلم. (2/126)
صفحة 572
فتاوى النكاح
127
هل يجوز إتيان المرأة من ظهرها في قبلها؟
لا مانع من ذلك، وهو المراد بقوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِمُوا لِأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 223]، والله أعلم.
هل يجوز للرجل أن يأتي زوجه من الخلف، ولكن في نفس الموضع (القبل)؟ إن كان إتيانه إياها من الخلف ولكن الإيلاج في الموضع الطبيعي أي القبل فلا مانع من ذلك، لأن ذلك مما دل الكتاب العزيز على جوازه، والله
تعالى أعلم.
هل يجوز تقبيل الرجل لزوجته في كامل جسدها؟ نعم، إلا الموضع الذي هو مظنة النجاسة، والله أعلم.
ما قولكم في مداعبة الزوج دبر زوجته بذكره من دون إيلاج؟ إن لم يولجه فلا حرج، والله أعلم.
هل يجوز أن يحك الزوج ذكره في جسد زوجته حتى يقذف؟
يباح ذلك حال حيضها من أجل الترويح عنه، والله أعلم.
هل يجوز للرجل إدخال ذكره في فم زوجته أو العكس؟ في ذلك خلاف والصحيح المنع، خشية تلبس الفم النجاسة، وتلك الحالة مظنة خروجها منهما معاً، والله أعلم.
هي (2/127)
صفحة 573
128
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ما حكم إيلاج الذكر في فم الزوجة؟ وماذا يجب على من فعل ذلك؟ وما حكم زوجته بالنسبة له؟
لا يجوز ذلك لما يؤدي إليه من سيلان النجاسة في الفم، وهو مكان طاهر أن يصان عن النجاسة، لأنه مكان الذكر وطريق الطعام والشراب
يجب
والله أعلم.
ما قول الشرع في مص الزوجة ذكر زوجها أثناء الجماع؟ مص الذكر مظنة امتصاص النجاسة، وذلك لأن التفكير في الجماع مدعاة إلى الإمذاء، فضلاً عن الملاعبة والتهيؤ للمواقعة والمذي نجس، والفم موضع لذكر الله، ولتناول فضله من الطعام والشراب، فلا يجوز للمرأة امتصاصه، كما لا يجوز للرجل أن يلحس فرجها، كل ذلك من أجل الحرص على الطهارة، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222] والله أعلم.
ما حكم مص الزوج فرج زوجته؟
الفرج مظنة خروج النجاسة ولا سيما في النجاسة ولا سيما في حال الملاعبة، ومص النجاسة حرام، والله أعلم.
ما دليل جواز أن تداعب المرأة ذكر زوجها وأن تمصه، وذلك لما أراه من مهانة لهذه المرأة، ونزولها منزلة البهائم؟
أما المداعبة بغير المص فهي جائزة لها، لأنه حليلها ولها أن تستمتع منه بكل ما لم يرد الدليل بمنعه، وأما المص، فلا لأنه مظنة امتصاصها النجاسة، وهو محرم، والله أعلم. (2/128)
صفحة 574
فتاوى النكاح
129
نسبت لكم فتوى في إحدى المجلات بأنه يجوز للمرأة أن تمص ذكر زوجها فهل هذه الفتوى صادرة عنكم؟
لم أقل ذلك، بل قلت إن مص النجاسة بالفم حرام، وتلك الحالة مظنة هي خروج النجاسة من الذكر، ولكن لا أقول بأن المرأة تحرم على زوجها بذلك كما ذهب إليه البعض، والله أعلم.
المرأة المتزوجة، هل يجوز لها أن تداعب بظرها بأصبعها قبل جماع زوجها لها؟ وهل هذا يعتبر حراماً؟ وهل يجب عليها التوبة والاستغفار من ذلك؟ الأولى أن يتولى زوجها مداعبتها بذلك، وينبغي أن يلامسها بذكره في ذلك الموضع قبل الإيلاج من أجل الإثارة ولا تعصي إن فعلت ذلك بنفسها، والله أعلم.
هل يجوز للرجل أن يمص ثدي زوجته؟
يباح للرجل أن يمص ثديي زوجته ولا كراهة في ذلك؛ إذ لا محذور فيه، فإن من جاوز عامين من عمره لم يؤثر الرضاع عليه، والله أعلم.
هل يجوز للرجل أن يجامع زوجته وهو متجه إلى القبلة؟ يكره ذلك، لأن للقبلة حُرمات، فكما لا يتجه إليها في قضاء حاجته، كذلك في حالة قضاء حاجته الجنسية.
ما قولكم في مجامعة الزوج زوجته في المسبح)؟
لا مانع منها، والله أعلم.
(1) المقصود بالمسبح في عرف أهل عمان هو حمام السباحة. (2/129)
صفحة 575
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
امرأة تجد الشهوة بمراودة زوجها دون الجماع، ولكنها لا تقذف الماء،
فهل يلزمها الغسل؟
إن لم ينزل منها المني فلا غسل عليها، والله أعلم.
هل يجوز الجماع في ليلة تاسع وعاشر من ذي الحجة؟
لا مانع
منه فيهما، والله أعلم.
فيمن أتى زوجته وهو يتكلم عن مفاتن امرأة أخرى فماذا عليه؟
عليه التوبة إلى الله، والله أعلم.
هل يجوز للرجل إزالة غشاء البكارة بيده؟
لا يجوز له ذلك؛ لأنه عكس الفطرة، والله أعلم.
فيمن تزوج امرأة فحبسها في المنزل من أجل أن لا يراها أحد من الرجال حتى والده فهل يجوز له ذلك؟
ذلك من الغلو الذي لم يأذن به الله، والله أعلم.
ما رأيكم في المرأة التي تكتب التمائم لزوجها ليحبها ولتعيش معه حياة
سعيدة وذلك بالآيات القرآنية؟
الأولى والأحوط أن تكتفي بالدعاء، وإذا كان ما تكتبه آيات من القرآن فأرجو أن لا يضيق ذلك، والله أعلم.
ما رأيك في كتاب وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي ـ كرم الله وجهه ـ مع مسألة التوكل عن طريقة الجماع ليلة السابع والعشرين وأول الشهر (2/130)
صفحة 576
فتاوى النكاح
131
وآخره ويوم النصف فيه وليلة الأربعاء، وليلة الأحد، ولا يجوز ليلة
الخميس والجمعة والسبت والاثنين؟
ما نسب إلى النبي ا ل م ن و و وصاياه لعلي كرم الله وجهه في الجماع وغيره من ء عند أئمة الحديث، ولا مانع من الجماع في أي وقت إلا
لم يثبت منه شيء في الحيض والنفاس ونهار رمضان وحالة الإحرام بالحج أو العمرة وحال الاعتكاف وقبل التكفير للمظاهر، والله أعلم.
يجامعها زوجها وبعد الانتهاء تختلي هي
ما حكم الدين في ا بنفسها حتى تخرج شهوتها بدون علم الزوج لأنها تستحي منه أن
يعرف ذلك، هل هذه تعتبر عادة سرية أم هو أمر مباح؟
لا ينبغي لها فعل ذلك، بل عليها أن تستعين بزوجها وهو الذي يعينها على إخراج هذه الشهوة، والله تعالى أعلم.
جاء في كتاب «فقه السُّنَّة» لسيد سابق ما يلي: وفي الحديث جواز كشف العورة عند الجماع - الحديث أورده في صفحة 165. ج 2 - ولكن مع ذلك لا ينبغي أن يتجرد الزوجان تجرداً كاملاً».
فعن عتبة بن عبد السليمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا أتى أحدكم أهله فليستتر، ولا يتجردا تجرد العيرين» (1) أي الحمارين. رواه ابن ماجه.
لا
وعن ابن عمر أن النبي الله، قال: «إياكم والتعري، فإن معكم من يفارقكم، إلا عند الغائط، وحين يفضي الرجل إلى أهله، فاستحيوهم
(1) أخرجه البيهقي (السنن الكبرى باب الاستتار في حال الوطء برقم 13873/ ابن ماجه (السنن) باب التستر ثم الجماع برقم 1921. (2/131)
صفحة 577
132
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
وأكرموهم (1) رواه الترمذي وقال حديث غريب. وقالت عائشة: «لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم مني، ولم أرَ منه» (2) انتهى
(3)
وفي كتاب آخر (4) ما نصه: «إذا أتى أحدكم أهله ... » إلخ.
بَيْدَ أنه في
الصفحة التي قبلها يذكر أنه يجوز للزوج رؤية فرج زوجه ولا حرج. وأرى في ذلك تناقضاً كبيراً، فإن مشاهدة الفرج أكبر ـ في نظري ـ من مشاهدة باقي أجزاء الجسم ما لو كانا متجردين أو غير
متجردين.
وجاء في «تربية الأولاد في الإسلام ما ينبه إلى أنه لا حرج من التجرد من الملابس عند المعاشرة، وأن ذلك ييسر الأمر خاصة بالنسبة لما يسمى بالمداعبة. وذكر أيضاً أنه لا بأس من عدم التجرد كلية). والذي أعلمه مما أسمع عنه في المجتمع الأمر الأول عند فئة من «المتمدنون» والثاني عند فئة «التقليديين». والتعليل عند الفئة الأولى في التجرد هو يسر الأمر وزيادة في المتعة، والله أعلم ما تعليل الفئة الثانية.
الناس وهم
(1) أخرجه الترمذي باب ما جاء في الاستتار ثم الجماع برقم 280. (2) أخرجه الطبراني (المعجم الصغير) عن عائشة لا بلفظ: «ما رأيت عورة رسول الله صلى الله عليه وسلم قط» ج 1 ص 100 برقم 183.
(3) السيد سابق، فقه السُّنَّة، دار الريان للتراث، الطبعة الثانية 1411 هـ ـ 1990 م، القاهرة ج 2 ص 326.
(4) تحفة العروس للاستنبولي.
(5) ينظر: عبد الله علوان، تربية الأولاد في الإسلام، دار السلام ـ الطبعة الثانية ـ ج 1
ص
01. (2/132)
صفحة 578
فتاوى النكاح
133
والذي أود معرفته الآن هو ما يلي:
ما وجه السُّنَّة في ذلك؟ وكيف كان يتصرف
مع
أهله؟
* هل الاستتار المذكور في الحديث - إن صح - المقصود به الاستتار عن أعين الناس بحائط أو غيره؟ أم الاستتار بين الزوجين بغطاء يجمعهما متجردين؟ أم غير ذلك؟
أرجو من شيخنا ذكر الإجابة على هذا السؤال مع ذكر المراجع والكتب التي يمكن الرجوع إليها في هذه المسألة بالتفصيل اللازم. ثم إني سمعت أن الإمام جابر الله قد سأل السيدة عائشة أم المؤمنين عن مقدمة المعاشرة وغيرها ففي أي الكتب دوّن ذلك؟
يباح للرجل أن يطلع على أي عضو من أعضاء امرأته، سواء عند الجماع أو في الحالات الأخرى، كما يباح للمرأة أن تطلع على أي عضو من أعضاء زوجها، وما ذكرته أم المؤمنين لنا من شأنها مع النبي صلى الله عليه وسلم فأصله شدة حيائه عليه أفضل الصلاة والسلام، ولا غرو فإنه صلى الله عليه وسلم أشد الناس حياء وأعلاهم قدراً وأنزههم سريرة وعلانية، ولا يمنع الزوجان في حال الجماع أن يتجردا تحت لحاف واحد يواريهما معاً، وربما استحسن تجردهما لأنه يتيسر فيه ما لا يتيسر في غيره، وإنما يكره أن يكونا متجردين من غير لحاف يواريهما وهو المقصود بتجرد العيرين في الحديث، ولعلك تجدين بغيتك في معرفة آداب الجماع في الذهب الخالص (1) والقواعد (2)
(1) محمد يوسف أطفيش، الذهب الخالص المنوه بالعلم القالص، بتعليق أبي إسحاق إبراهيم أطفيش، ص 295. (2) ينظر: إسماعيل بن موسى الجيطالي، قواعد الإسلام مكتبة الاستقامة، الطبعة الثالثة 1416 هـ - 1995 م ج 2 ص 279 (2/133)
صفحة 579
134
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ومدونة أبي غانم (1) هذا، وأسأل الله الله لك التوفيق.
ما حكم اغتسال الزوجين معاً؟ وهل في ذلك أثر من السُّنَّة؟ لا مانع من ذلك، وقد روي عن النبي وأم المؤمنين عائشة لنا أنهما اغتسلا من إناء واحد، فقد روى أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة لنا
أنها قالت كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم في إناء واحد».
ماذا يحلّ للزوج من زوجته الحائض والنفساء؟
يباح له منها ما كان يباح له في غير الحيض إلا الجماع فإنه حرام عليه، لقوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222].
ثم
(1) ينظر: أبا غانم الخرساني، المدونة الكبرى، ج 2 ص 3 وذكرت فيه الرواية التي سألت عنها السائلة فقال: «إذا صح أن جابر بن زيد سأل عائشة عن جماع النبي قال بعد ذلك: «أنها قالت: إذا دخل علي وضع ركبته على فخذي ويديه على عاتقي ثم أكب فأحنى علي وبعدما ذكر الرواية قال: «وهي لنا معصومة، وهي من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة و لكن الأولى لها أن تقول: السُّنَّة كذا أو من السُّنَّة كذا. اهـ كلامه (2/134)
صفحة 580
فتاوى النكاح
النفقة
135
بالنسبة للتفريق في النفقة بين الغنية والفقيرة ما هو مبرر هذا التفريق؟ وإذا كانت المرأة غنية وتزوجها رجل قد لا يكون في مستواها، هل تراعى هنا حالة الزوج أم حالة الزوجة؟
أما التفريق بين الغنية والفقيرة والمتوسطة فإنما هو راجع إلى النظر إلى ما كانت عليه المرأة من قبل أن ترتبط برباط الزوجية مع الرجل، فالمرأة التي درجت في بيت غنى وعاشت في كنف والدين غنيين كريمين ينفقان عليها بسخاء ليست كالمرأة التي درجت في شظف العيش والفقر والشدة والتعب، وكذلك متوسطة الحال تكون بين هذه وتلك وحتى لا تكون المرأة الغنية التي عاشت في كنف أبوين غنيين في رغد من العيش وبحبوحة من الحياة معرضة لضيق فيما بعد عندما تنتقل إلى الزوج، أمر الزوج بأن يُراعي حالتها حتى لا تجد فجوة ما بين الحياة التي كانت عليها من قبل والحياة التي انتقلت إليها من بعد، وهذا لا يعني أن يكون الزوج غامطاً للمرأة الأخرى حقها إن كانت من أسرة فقيرة، بل يؤمر بأن يعدل، أما الذين راعوا جانب الزوج فإنهم راعوا قول الله تبارك وتعالى ليُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، فَلْيُنفِقْ مِمَّا آنَهُ اللهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَنهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرِ يُسْرًا} [الطلاق: 7]، وهذه الآية الكريمة نزلت في النفقة على المطلقات سواء كانت النفقة في الطلاق الرجعي إلى أن تنتهي العدّة الشرعية أو بسبب (2/135)
صفحة 581
136
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
قيام المرأة بإرضاع الأولاد وتربيتهم فإنها لها النفقة، والنفقة تعود إلى حالة الرجل، وينظر فيها إلى إيساره وإعساره، فإن كان موسراً أُمر أن يتوسع في الإنفاق، وإن كان معسراً أُمر أن ينفق بقدر مستطاعه، ولا يُكلفه الله إلا ما
كان قادراً عليه ومن المعلوم أن النفقة على المطلقات امتداد للنفقة
هي
التي تكون في أيام الحياة الزوجية، ولما كانت كذلك فلا ريب أن مراعاة هذا الجانب أولى، ولذلك أميل إلى اعتبار حالتي العسر واليسر في الرجل، فماذا عسى أن تكون حالة الرجل الذي يكون دخله قليلاً وقد تزوج امرأة موسرة عاشت من قبل في رغد العيش أيُكلف أن يوفر لها ما لا تطيقه مع أنها بنفسها رضيت به زوجاً مع معرفتها بحالته؟ بحيث لم يُغرر بها، فلا ريب أنه يجب أن يُراعى جانب الإيسار والإعسار في الرجل، لأجل أنه لا يُكلف إلا ما يطيق والنص دال على ذلك، بينما الذين قالوا بالرأي السابق عولوا على النظر ولم يعولوا على النص.
حالته
شيئاً
ما هو موقف الشرع من ظاهرة اعتماد الزوج على راتب زوجته كلياً، سواء برضا الزوجة أو بالاستحياء أو بالإجبار؟
الرجل هو القوام على المرأة، وبناءً على ذلك فإن عليه نفقتها وسكناها وكسوتها بالمعروف لا العكس، وليس له الاعتماد على راتبها أو أن يرزأها من مالها إلا إن جادت عليه بطيب نفسها من غير إلجاء ولا إكراه، فله أن يأخذه لقوله تعالى في صدقات النساء فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِتَا مَّرِينًا} [النساء: 4]. ومثل صداقها بقية مالها والله أعلم.
هل تجب على الزوج نفقة زوجته العاملة خارج البيت (موظفة في
مصنع، أو في تجارة ... ). (2/136)
صفحة 582
فتاوى النكاح
137
وذلك:
1 - إذا اشترطت عليه حقها في العمل وقبل شرطها.
2 ـ إذا رضي بعملها ولو لم تشترط عليه ذلك، لكونه أسقط حقه في
حبسها كالمرأة تحج النافلة على قول القطب؟
النفقة واجبة على الرجل لامرأته غنية كانت أو فقيرة، لأنها من مظاهر القوامة، لذلك لا أرى مساغاً لإسقاط هذا الحق عندما تكون عاملة، سواء اشترطت العمل أو لم تشترطه إذا رضي به إلا إن اشترط عليها ألا تكون لها عليه نفقة في مقابل رضاه بأن تعمل، والله أعلم.
فيمن ظلت في بيت أهلها ما يقارب ستة أشهر مع ابنتها، وأهلها يطلبون من الزوج دفع النفقة لزوجته عن المدة التي تقضيها في بيت أهلها، مع العلم بأن الزوجة هي التي فضلت البقاء عند أهلها، رغم مطالبة الزوج بعودتها، علماً بأنها خرجت من بيت زوجها دون علمه وموافقته؟ إن كانت ناشزاً فلا نفقة لها وإلا فلها النفقة، والله أعلم.
سافر زوجي منذ خمس سنوات ولم يترك لي ولا لأولاده في كل هذه المدة شيئاً من النفقة، ثم جاءه مال أثناء غيابه من جهة معينة، فهل يجوز أن آخذ منه لي ولأولاده بقدر حاجتنا منه أم لا
لك أن تأخذي قدر نفقتك، ونفقة أولادك)، والله أعلم.
لا؟
(1) بدليل قوله علي لهند بنت عتبة: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» وذلك عندما قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح ولا يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه» وهذا الحديث أخرجه البخاري: باب: إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ بغير علمه ما يكفيها وولدها بالمعروف برقم 5049. (2/137)
صفحة 583
138
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
تزوج رجل بامرأة تعمل مدرّسة، وقد اتفقا على المساعدة في بناء منزل، وعلى تسديد الديون التي على الزوج، وذلك لصعوبة الحياة وعدم اللجوء إلى البنوك، وذلك بتوفير كل شهر من الراتب مبلغ 350 ريالاً عُمانياً ولمدة أربع سنوات أو أكثر وذلك حسب الظروف.
* هل هذا الاتفاق صحيح شرعا، حيث إن بناء المنزل وتسديد الديون والنفقة إنما هي على الرجل؟ إن كان ذلك بطيب خاطرها ولم تكن ملجأة إلى ذلك إلجاء فلا حرج في ذلك، والله أعلم.
* وإذا كان صحيحاً هل تكون ملكية المنزل باسم الزوجين لضمان
حق الزوجة؟ أم باسم الزوج لأنه المسؤول عن الأسرة؟
ذلك على ما يتفقان عليه فإن كان اشتراكاً بينهما فالبيت لهما، وإن كان هو الذي منحها ما دفعه فيه فهو لها، وإن كان عكس ذلك فهو له، والله أعلم.
هل للمرأة أن تأخذ من زوجها الذي لا ينفق عليها قدر نفقتها وهو في حالة سكره؟ لها أن تأخذ بقدر نفقتها بالمعروف سواء أكان في سكر أم في حالة
صحو. (2/138)
صفحة 584
فتاوى النكاح
أثر الوطء في الحيض والدبر
139
رجل جامع زوجته وهي حائض، ولكنه لم يكن يعلم بحيضها؟ إن كان لا يعلم بحيضها فهو غير مسؤول عما وقع، لأنه يكلف بأن يتقي ما علم أنه حرام، لا ما لم يعلم بحرمته، وهو قد استصحب الأصل، إذ الأصل حل غشيان أهله، فإن كانت هي كتمت عنه فهي المسؤولة عن ذلك، وإن كانت جاهلة بوجود الحيض ولم ينتبها جميعاً إلا بعد الفراغ من المواقعة فهما مبرء ان جميعاً من المسؤولية. مبرءان
فيمن جامع زوجته من دبرها جهلاً منه بعقوبة ذلك وعندما سأل قيل: إن زوجته تحرم عليه بفعله ذلك والبعض قال إنها تطلق ويعيدها مرة أخرى، فأرجو من سماحتكم أن تبينوا لنا حكم ذلك؟
أما قول من قال: «إنها تطلق منه ويعيدها مرة أخرى» فهو قول لم أجده عن
أحد من
علمائنا ولا أحد
عن
هو
إلا من
من علماء الأمة ولا له، فما وجه تخبط قائله، والأقوال الموجودة عن السلف في هذه المسألة لا تتعدى
قولين:
أولهما: أن المرأة تحرم على من أتى ذلك منها حرمة أبدية، لمخالفته حكم الله وعل، وشذوذه عن الفطرة بإلقائه بذور الحياة في أرض عقيم غير صالحة
للحرث، وهذا القول مستمد من قاعدة سد الذرائع على أهل الفساد. (2/139)
صفحة 585
140
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
وثانيهما: عدم حرمتها عليه لعدم الدليل عليها، وقد ثبت زواجه بها بحكم شرعي، فلا، فلا يرفع ثبوته إلا حكم شرعي آخر، وهذا القول أرجح عندي وأسلم من الخطر، فإن تحريمها عليه لا يؤدي إلى التفرقة بينهما فحسب؛ بل يبيحها لغيره من الأزواج، وأنّى تباح للغير؟ وقد ثبتت زوجيتهما السابقة بحكم الكتاب والسنة والإجماع ولم يأتِ في أصل من هذه الأصول الثلاثة ما يدل على انحلال هذه الرابطة الزوجية بينهما، وما ثبت بالنص لا يرفع بآراء الرجال، فليتب إلى الله توبة نصوحاً وليدفع دينار الفراش كفارة لخطيئته لورود ذلك في بعض الروايات، وليمسك عليه زوجه، وليتق الله ربه، والله تعالى أعلم.
ليلة الزفاف دخلتُ على زوجتي، وكانت في فترة الحيض ولكنها لم تخبرني بذلك، وواقعتها فرأيت الدم فظننت أنه دم البكارة، ثم إنه تبين لي أنها حائض، وأيضاً بسبب عدم استقرارها أثناء الجماع دخل الذكر في غير الموضع الصحيح دون قصد مني، فهل عليّ شيء في
ذلك؟
ليس عليك في كلا الأمرين حرج لأنك لم تتعمد مواقعتها بغير ما شرع الله أن تتوب إلى الله لتمكينها إياك من جماعها في غير طهرها،
ولكن عليها هي
وإن كنت تعلم أنها ليست طاهرة وواقعتها فعليك التوبة مع دينار الفراش،
والله أعلم.
ما سبب النهي عن إتيان الزوجة في حال الحيض؟
يكفي أن ذلك هو حكم الله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ هَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} (2/140)
صفحة 586
فتاوى النكاح
141
[الأحزاب: 36]، وبجانب ذلك فإن مضار جسمية تترتب على الوطء في
الحيض)، والله أعلم.
ما قول المشارقة في دينار الفراش؟
أكثر المشارقة لا يقولون بدينار الفراش، وإنما يقولون بحرمة المرأة على زوجها بوطئه إياها في الحيض، وإنما لم نأخذ بهذا الرأي لعدم الدليل على الحرمة وبما أن العقد ثابت في الأصل فإن إخراجه عن هذا الأصل يتوقف على الدليل الثابت لا على مجرد الاجتهاد على أنه وردت بدينار الفراش روايات لا نرى إهمالها، وإن قيل ما قيل في أسانيدها فإنها يشد بعضها بعضاً (2) والأصل فيه إجزاء الدينار الواحد، والله أعلم.
(1) وفي تفسير قوله تعالى: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَى * ذكر المراغي أن إتيان المرأة في الحيض يحدث أضراراً بالغة أثبتها الطب الحديث، ومن هذه الأضرار: أ - يحدث آلاماً في أعضاء الأنثى، وربما أحدث إلتهابات للرحم في المبيضين أو في الحوض تضر بصحتها ضرراً بالغاً، وربما أدى ذلك إلى تلف المبيضين
ذلك
وإحداث العقم. ب ـ إن دخول مواد الحيض في عضو التناسل عند الرجل قد تحدث إلتهابات صديدية تشبه السيلان وربما امتد ذلك إلى الخصيتين، فآذاهما، ونشأ من عقم الرجل، وقد يصاب الرجل بالزهري إذا كانت جراثيمه في دم المرأة. وبالجملة فقربانها في هذه المدة قد يحدث العقم في الذكر أوفي الأنثى، ويؤدي إلى التهاب أعضاء التناسل فتضعف، صحتها، وكفى بهذا ضرراً، ينظر: أحمد مصطفى، تفسير المراغي - مطبعة مصطفى البابي - الطبعة الثالثة ـ 1382 هـ
المراغي، 1962 م، ج 2 ص 7
(2) ومن هذه الروايات ما رواه أبو داود وأحمد عن ابن عباس ا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: «يتصدق بدينار أو نصف دينار» أبو داود باب: في إتيان
الحائض برقم 246/ أحمد، ج 1 ص 229. (2/141)
صفحة 587
142
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
ما مقدار دينار الفراش بالعملة النقدية في عمان [الريال]؟
قيمته تنزل تارة وترتفع أخرى، فليرجع إلى الصاغة لتحديد القيمة في وقت الدفع، والله أعلم.
امرأة متزوجة عندما يريد أن يعاشرها زوجها تعتذر بأنها حائض، وفي يوم عاشرها فوجدها حائضاً ولكن لم يعرف إلا بعد المعاشرة، فما حكم ذلك؟
هي مسيئة إليه وإلى نفسها، فكيف تمتنع من معاشرته وتكذب عليه بدعواها أنها حائض، فليس لها ذلك، بل عليها أن تلبيه عندما يدعوها إلى الفراش وألا تعتذر إليه.
ما هو عقاب الرجل الذي جامع زوجته وهي حائض؟
العقاب حسب ما يرى القاضي الشرعي من معاقبته لأنه لم يُحد بذلك حد في الكتاب ولا في السنة وأما هل تحرم المرأة عليه أو لا، فذلك مختلف فيه بين العلماء، منهم من قال: تحرم عليه لأجل سد الذريعة، ومنهم من قال: لا تحرم عليه نظراً إلى أنه تزوجها بحكم بين، وحل هذا الزواج يحتاج إلى بينة أيضاً، إلا أننا نقول إن إمساكه غير إمساك بمعروف، وعلى القاضي - إن كان مصراً ـ أن يفرق بينهما من أجل فكاكها من سوء العشرة، والله أعلم.
ماذا تقول في رجل جامع زوجته وهي حائض هل تطلق منه زوجته؟ وماذا عليه بالشرع؟
من جامع زوجته وهي حائض فبئس ما صنع لمخالفته أمر الله الله فإنه يقول: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا (2/142)
صفحة 588
فتاوى النكاح
143
نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222]، وقد اختلف علماؤنا رحمهم الله في في حكم الزوجة إن جامعها في الحيض عمداً، فذهب الجمهور إلى حرمتها عليه، وهذا منهم من باب النظر في المصالح المرسلة، لأن عوام الناس قد يردعهم تحريم المرأة أكثر مما يردعهم الخوف من عقاب الله، ومنهم من ذهب إلى عدم تحريمها، وهو رأي أبي نوح صالح الدهان وموسى بن أبي الله تعالى، وعليه أكثر أصحابنا من أهل المغرب، وتوقف الإمام أبو الشعثاء - رضوان الله تعالى عليه - وروي نحوه عن أبي عبيدة والربيع لها، وقد وردت أحاديث ضعيفة الإسناد في إيجاب كفارة على من ارتكب هذا الإثم الشنيع وهي تفريق دينار، وللعلماء في المسألة بحث نفيس، ومن أكثرهم بحثاً فيها العلامة السدويكشي الله في حواشيه على الإيضاح، والله أعلم.
جابر - رحمهم
ما حكم من يأتي زوجته من الخلف في غير الموضع)، هل تحرم عليه
زوجته أم يكفي أن يتوبا؟
إن تابا إلى الله توبة نصوحاً وأديا ما يسمى بدينار الفراش، وهو دينار من الذهب - أي مثقال من الذهب يقدر بأربعة غرامات وربع ـ إلى فقراء المسلمين تكفيراً لهذه الخطيئة، مع الإقلاع عنها وعقد العزم على عدم العودة إليها، فنرجو أن لا يؤدي ذلك إلى حرمتها عليه، والله تعالى أعلم.
ما حكم الإسلام في وطء الزوجة في الدبر وكذلك الوطء في الحيض؟ كل من ذلك معصية كبيرة مخالفة لأمر الله الا الله، لأن الوطء في الأدبار أمر معاكس للفطرة وشذوذ عنها، وهذا الشذوذ تأباه حتى الحيوانات العجماء (2/143)
صفحة 589
144
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
فكيف يقع الإنسان فيه؟! على أن الدبر موضع قذارة، والله تبارك وتعالى يحب الطهارة، ولذلك عندما ذكر أحكام الحيض قال: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222]، وقال: {هُوَ أَذَى، والأذى الذي في الأدبار أشد من الأذى الذي في الحيض، على أنه يؤدي إلى كثير من الأمراض ومن ذلك مرض فقدان المناعة المتفشي في هذا العصر عند
الفساق الذين لا يبالون بمخالفة أوامر الله وفي بعض الروايات: «من أتى أعجازهن فقد كفر: أي كفر نعمة فيجب توقي ذلك، وهل
النساء في تحرم الزوجة على الرجل بهذا؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم، وهذا الخلاف أن حكم الفعل مختلف به بل هو حرام بالإجماع، والله تعالى أعلم.
ما قولكم فيمن جامع زوجته من دبرها وهي غير راضية بذلك ثم بعد أيام رأت في منامها رجلاً ينهاها عن فعل ذلك، ويأمرها بالتوبة، فهل هذه الفعلة تحرمها على زوجها؟
بئس ما فعل التوبة إلى الله من سوء صنعه وعليه والتكفير بدفع دينار الفراش إلى فقراء المسلمين، وفي حرمتها عليه قولان والذي نأخذ به عدم الحرمة التوبة الصادقة النصوح، وإن طاوعته فعليها التوبة كما وجبت عليه
مع
والله أعلم. (2/144)
صفحة 590
فتاوى النكاح
المحللات والمحرمات من النساء
145
خلال
لي أربع زوجات وطلقت واحدة منهن، وفي اليوم التالي عقدت على امرأة أخرى بدلاً منها، ولم أدخل بها حتى الآن، فهل يثبت هذا العقد أم أنه عقد باطل؟ العقد باطل، لأن الطلاق الذي طلقته المرأة الرابعة رجعي، وهي ما تزال العدة فهي في حكم الزوجة ترثها وترثك لو مات أحدكما في عدتها، وتجب عليك نفقتها وسكناها في العدة ويلحقها طلاقك إن طلقتها ثانية أو ثالثة قبل انسلاخ العدة، فتزوجك أخرى قبل انتهاء عدتها في حكم الجمع بين خمس زوجات، وهو عين السفاح، فدع هذه المرأة فإنها ليست لك بزوجة، والله أعلم.
في
إنني
إنني أرغب في الزواج من امرأة نصرانية، ذلك إنني رجل ملتزم ومحافظ على التعاليم الإسلامية ولا خوف على ديني منها؛ بل إنني ربما أستطيع أن أقنعها بالدخول في الإسلام بعد أن أبين لها معنى الإسلام وما يدعو
إليه، فهل يجوز لي الزواج بها؟
إن كنت مطمئناً أنك قادر على التأثير عليها حتى تكون مسلمة فذلك خير
وإلا فنكاح المسلمة خير وأحب إلى الله، والله أعلم. (2/145)
صفحة 591
146
الجمع بين القريبات
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
هل يجوز الجمع بين الأختين وهل هناك فارق بين أخوة النسب أو الرضاع، وما قولكم فيمن يريد الزواج من أخت زوجته السابقة من الرضاع، هل يجوز له ذلك؟
الجمع بين الأختين حرام بالنص والإجماع، ولا فارق بين أن تكون الأخوة من النسب أو من الرضاع، وبما أن هذه التي يريد أن يتزوجها هذا الرجل أخت زوجته السابقة لأن أُمها أرضعتها فإن الجمع بينهما حرام، فلا تحلّ
له ما دامت أختها من الرضاع في عصمته، والله أعلم.
ما حكم الجمع بين المرأة وابنة خالتها؟
الجمع ما بين المرأة وابنة خالتها، أو المرأة وابنة عمتها، أو المرأة وابنة عمها، أو المرأة وابنة خالها مكروه كراهة تنزيه فحسب يقول الإمام السالمي: بل جابر يكرهه تخوفا من القطيعة التي قد وصفا
أي لئلا يؤدي ذلك إلى قطيعة بين الأقارب، فإن من شأن النساء أن يكون في نفوسهن شيء من الغيرة من ضراتهن، وهذه الغيرة قد تدفع المرأة إلى أن تكيد كيداً لضرتها فلئلا تكون هنالك قطيعة أو بغضاً بين القريبة وقريبتها، ذهب من ذهب من العلماء إلى الكراهة وهي كراهة تنزيه فحسب (2/146)
صفحة 592
فتاوى النكاح
147
وإلا فإن الأصل الإباحة، كما دلت عليه الآية الكريمة وهي قول الله تبارك وتعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24].
هل يجوز الجمع بين المرأة وحفيدة أخيها؟
لا يجوز ذلك لحديث لا يجمع بين المرأة، وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها» وعمة الأب أو الأم كالعمة في ذلك الحكم إجماعاً، وكذلك خالتهما، والله أعلم.
فيمن تزوج امرأتين ورزق من إحداهما بنتاً، وأما الأخرى فقد طلقها فتزوجت رجلاً آخر ثم توفي فتزوجت رجلاً آخر، فهل يجوز لزوجها
الأخير أن يتزوج ابنة زوجها الأول الذي طلقها سابقاً؟
الجمع بين المرأة وربيبتها، خلاف والأصح أنه مكروه كراهة تنزيه والله أعلم.
هل يجوز أن أتزوج على زوجتي ابنة ابنة أخيها؟
لا يحل لك أن تجمع بين امرأتك وبين ابنة ابنة أخيها للحديث الصحيح: لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، لا الصغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى (1) وقد انعقد الإجماع أن عمة الأب وعمة الأم وكذلك خالتاهما لهن هذا الحكم، كما أن تحريم العمات والخالات في القرآن يصدق على عمات الأبوين وخالاتهما بلا خلاف، وقد ضبط أصحابنا ـ رحمهم الله - حكم الجمع بين المرأتين بأن كل امرأتين لو كانت إحداهما ذكراً لما حلت له الأنثى، يحرم الجمع بينهما إن كان ذلك بسبب
(1) سبق تخريجه بلفظ: «لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها». (2/147)
صفحة 593
148
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
النسب، فدع عنك هذه المرأة فإنها حرام عليك، وفيما أحل الله لك غنى عما حرم عليك، والله أعلم.
هل يجوز الجمع بين المرأة وتريكة جدها؟
فيه خلاف قيل بالإباحة، وقيل بالكراهة، وقيل بالحرمة، وقد مضى عمل الناس على الإباحة، والله أعلم.
هل يعتبر زوج الأخت محرماً لأخت زوجته؟
المحرم هو الذي يحرم زواجه من المرأة حرمة أبدية، لنسب أو صهر أو رضاع، وأما الحرمة المؤقتة كزوج الأخت فلا يكون بها الرجل محرماً للمرأة، ولا يحل لها أن تخلو، به لحديث: «ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم»، والله أعلم.
الإسلام كما تعلمون حرّم جمع المرأة بعمتها وخالتها وحرم جمع المرأة بأختها ولكن لم يحرم الجمع بين بنات العم، ما الحكمة في ذلك الجمع رغم وجود الغيرة في كل الأحوال؟ علاقة الأخت بأختها والعمة بابنة أخيها والخالة بابنة أختها أقوى من علاقة بنات العم بعضهن ببعض، فلذلك لم يحرم الجمع بين بنات العم، وإنما هو مكروه كراهة تنزيه خوف القطيعة، والله أعلم.
(1) أخرجه البخاري باب من اكتتب في جيش فخرجت امرأته في حاجة وكان له عذر هل يؤذن له برقم 2844،ومسلم، ج 1341 ص 978 برقم 1341 وأحمد ج 1 ص 26. (2/148)
صفحة 594
فتاوى النكاح
الرضاع
149
هل يجوز للأم أن ترضع طفلها وهي نائمة؟
لا مانع من ذلك، والله أعلم.
امرأة عندها طفل - وهو لم يبلغ السنتين ـ ثم وضعت الطفل الآخر، فهل تقوم بإرضاع الطفل الأول؟
الأولى فطامه وإرضاع الأخير فقط، ويجوز إرضاعهما معاً، والله أعلم.
هل يجوز فطام الطفل الرضيع الذي لم يكمل الحولين لسبب صحي؟
نعم يجوز ذلك باتفاق الأبوين، والله أعلم.
كم
مدة الرضاعة التي تعتبر رضاعة صحيحة؟
مدتها عامان، والله أعلم.
هل يجوز أن ترضع الأم طفلها بعد انتهاء الحولين الكاملين؟
لا مانع من ذلك، ولكن يكره كراهة تنزيه، فينبغي أن ترضعه إلى الحولين
فقط، والله أعلم. (2/149)
صفحة 595
10 -
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
المرأة مطالبة أن ترضع ابنها عامين كاملين، ولكن بعض النساء قد لا يساوين في الرضاعة بين أطفالهن لظروف معينة، فما الحكم في ذلك؟ الله تبارك وتعالى بين مدة الرضاع التي ينتهي بانتهائها أمد الرضاع حيث قال سبحانه: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) [البقرة: 233]، ولكن مع ذلك أباح الله الله أن يكون الفصال قبل انتهاء الحولين إن كان هذا الفصال عن تشاور بين أبوي الطفل: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَدَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا عَانَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [البقرة: 233]، فإذا كان هذا الفصال عن تراض ما بين الجانبين ونظر في مصلحة الطفل فلا مانع أن يكون قبل انتهاء الحولين، وقد تقتضي ظروف إرضاع طفل ما أن يرضع حولين كاملين وتقتضي ظروف إرضاع طفل آخر أن يكون الفصال قبل انتهاء الحولين، فلا جناح في ذلك، والله تعالى أعلم.
نعم،
هل حكم الرضاع حكم النسب من حيث الخلوة والنظر؟ الرضاع كالنسب، فقد استأذن أفلح أخو أبي القعيس عم عائشة لنا كما جاء في حديثها قالت: إن أفلح أخا أبي القعيس هو عمي من الرضاعة، استأذن علي، فأبيت أن أذن له، فلما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرته»، فقال: «ائذني له فإنما الرضاع مثل النسب، فهذا الحديث يدل على أن حكم الرضاع كحكم النسب من حيث الخلوة والنظر.
إذا أرضعت البكر التي لم تتزوج بعد طفلاً أو الآيس أيضاً فما حكمهما؟ هنالك فارق بين البكر والثيب، فقد قال العلماء بأن البكر لو قدر الله الله بطريقة خارقة للعادة در ثدييها لبناً فإن اللبن يحرم، وأما إن أرضعته ماء، (2/150)
صفحة 596
فتاوى النكاح
151
فإنه لا يحرم إن امتصه الطفل، أما الثيب سواء كانت آيساً أو في سن الولادة والحيض فإن ماء ثدييها حكمه حكم اللبن، أما لو امتص ثدييها من غير أن يدر شيئاً من الماء أو من اللبن فلا يترتب على ذلك حكم الرضاع، وهذا ذلك والتأكد منه، والله تعالى أعلم.
مع
التثبت من
امرأة مطلقة وهي مرضع وبعد انتهاء عدتها تزوجت برجل آخر، وبعد أيام طلب منها أن ترضع طفلاً مع ولدها، فهل تستأذن مطلقها وزوجها؟ تكتفي بموافقة زوجها؟ وفي حالة تمام الرضاعة فهل زوجها الحالي يكون أباً للولد المرضع أم لا؟ أولى بها أن تستأذن زوجها وليس عليها استئذان مطلقها، واختلف متى ينقطع اللبن عن الأول ويكون حكمه للثاني، فقيل: إن دخل بها الثاني، وقيل: إن حملت منه وقيل: إن وضعت والله أعلم.
فيمن أرضعت أطفالاً غير أولادها بدون إذن زوجها، فإلى ماذا يؤدي
ذلك؟
لا يؤدي ذلك إلى شيء، وإنما عليهم الاحتراز في أمر الزواج، لما يترتب على هذا الزواج من الحرمات إن كانت علاقة الرضاع بينهما يؤدي نظيرها في النسب إلى حرمة الزواج، والله أعلم.
امرأة أرضعت عدة أطفال بدون علم زوجها وهي لا تعلم الحكم في ذلك إلا بعد وفاة زوجها، ماذا عليها الآن؟
ليس عليها إلا أن تنبه أولئك الذين أرضعتهم بالعلاقة بينهم حتى لا يقعوا الزواج الخطأ فإنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، والله أعلم.
في (2/151)
صفحة 597
152
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
إذا أرضعت المرأة طفلاً، هل يسجل ذلك في دفتر معين؟ وهل تستأذن زوجها إذا ما أرادت أن تسترضع أحداً؟
إن علاقة الرضاع علاقة خطيرة تترتب عليها أحكام تقلب مجرى الحياة، و تبدل كثيراً من العلاقات الأسرية، بحيث يتحول البعيد إلى قريب والأجنبي إلى محرم، فمن هنا كان من الضرورة بمكان أن تكون المرأة على بينة من أمرها وبصيرة من تصرفها فلا تُقدم على إرضاع أحد من الأطفال إلا وهي واثقة على أن معرفة الأسرة بهذا الرضاع معرفة أكيدة، وسينتقل ذلك عبر تناقل الناس المحيطين بهذه الأسرة واحداً بعد الآخر، حتى يكون الجميع على بينة مما وقع لئلا يقع المحذور بحيث يتزوج الطفل الرضيع ذات محرم منه، ثم بعد ذلك ينقلب الأمر إلى ما لا تحمد عقباه، كما حصل كثيراً من تفريق ما بين متزاوجين بسبب ما تبين من
أن
علاقة الرضاع وحرمتها بينهما، فالقضية شائكة جداً، ولذلك ينبغي يكون كل واحد من الزوجين على معرفة بهذا الأمر، ومن هنا تؤمر المرأة أن تستشير زوجها في هذا الأمر اللهم إلا في حالة الضرورة القصوى، وذلك بأن يكون في ذلك إنقاذ للطفل الرضيع من الهلكة ولكن على أن تشعره وتشعر الأسرة حتى يكون الجميع على بينة من الأمر، لأنه قد تترتب على الرضاع أمور كثيرة فقد يقول قائل ويتحدث متحدث ويبقى الناس بين مصدق ومكذب، كما جاء في الرواية عن بعض أصحاب النبي أنه ذكر للنبي أنه تزوج من امرأة ثم جاءت بعد ذلك أمة سوداء وقالت إنها أرضعتهما، ولكنه أراد أن يبعد أثر هذا القول عنه وعن المرأة التي تزوجها، فقال للنبي: إنها كاذبة يا رسول الله، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: كيف وقد قالت؟»، ومعنى الحديث أن قول المرضعة حجة (2/152)
صفحة 598
فتاوى النكاح
153
في مثل هذا إذ هي متعبدة بهذا الأمر، وأذكر أنه قبل فترة من الوقت حصلت قصة أن امرأة تحدثت عن إرضاعها رجلاً والمرأة التي تزوج بها، وبعد ذلك حصل الأخذ والرد والقيل والقال وصار تنافر بين الأسرة في تصديق هذه القائلة وتكذيبها فهم بين مصدق لها ومكذب، وعندما وصلت القضية إلي قلت لأولئك الذين يقفون حجر عثرة أمام ما قالته وتصديقها فيما صدر منها ما: قولكم ألستم أنتم من أولئك الذين قر في حرمة الرضاع هي حسب ما يقول عوام الناس لا تتعدى
نفوسهم
قلت
الرضيع مع الرضيع - أي المتعاصرين في الرضاعة، قالوا: نعم، لهم وكيف تلومون هذه المرأة هل هي ملزمة أن تتحدث بما لم تكن تعلم حكمه؟ إنما تحدثت بهذا بعد أن علمت الحكم، فلئن كنتم قر في نفوسكم هذا الأمر وانتشرت في أوساطكم هذه الفكرة فكيف تلام هذه المرأة؟! وأنتم لا تتحرجون في أن تقعوا في هذا الأمر بسبب هذه الفكرة الشائعة الكاذبة التي رسخها الشيطان في نفوسكم، فيجب على الناس أن يكونوا على بينة من الأمر، ومسألة الحلال والحرام هي كما يقول الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد رحم الله: «يسع الناس جميعاً جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه أو يُصوبوا راكبه أو يتبرأوا من عالم تبرأ من راكبه أو يقفو عنه بدين»، فإن هذه الحرمة وإن كانت واسعاً جهلها بالنسبة للذين لم يقعوا فيها، إلا أنه يضيق هذا الجهل عندما أحد يقع في هذا الأمر، والله
المستعان.
هل يجوز لأبناء المرضعة أن يتزوجوا من بنات التي أرضعتها أُمهم؟ لا، لأنهم يكونون تزوجوا من بنات أختهم من الرضاعة، فلا يحل لهم
ذلك. (2/153)
صفحة 599
154
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
جدة أرضعت حفيدتها أي ابنة ابنتها على حفيدها ـ أي ابن ابنها، هل يجوز التزاوج بين إخوة هذين الرضيعين؟
ما زلنا نعاني الكثير من المشكلات الناجمة عن الجهل في أمر الرضاع، ففي كل وقت تنجم لنا مشكلة - نعوذ بالله من هذه المشكلات وعواقبها، وهذه المشكلات ما كانت إلا بسبب الجهل وعدم وعي الناس وإدراكهم لأحكام دينهم ومعرفتهم بما شرع الله الله لهم وعليهم، فلذلك أرى لزاماً قبل الإجابة على هذه القضية بعينها أن أتحدث باختصار عن مسألة الرضاع، حتى يكون الكل على بينة من الأمر وبصيرة من الحق، مع أنني أدعو إلى الحذر من أن ترضع المرأة غير ولدها إلا مع الإشهاد على
ذلك، حتى لا يؤدي الأمر إلى اللبس والحرمة والعواقب التي لا تحمد.
والله الله عندما تكلم في القرآن الكريم عن المحرمات من النساء قال: {وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} [النساء: 23]، فذكر الأمهات والأخوات، ولكن لما كانت سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم امتداداً للكتاب العزيز، وقد اختص الله تعالى نبيه بمزيد المعرفة بأحكام كتابه وبحلاله وحرامه، إذ هو عليه أفضل الصلاة والسلام أعلم الناس بمقاصد التنزيل ومسالك التأويل، لذلك قال الله تعالى
له: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: 44]، ونجد في الكتاب العزيز كثيراً من الأحكام العامة خصصتها السُّنَّة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وكثيراً من الأحكام المطلقة قيدتها السنة النبوية، وكثيراً من الأحكام المجملة فصلتها السنة النبوية، وكثيراً من الأحكام التي فيها شيء من الاشتباه رفعت اشتباهها السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ولما كان الأمر كذلك كان علينا أن نرجع إلى سُنَّته، وألا نقتصر على عمومات القرآن الكريم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أوتي (2/154)
صفحة 600
فتاوى النكاح
155
الكتاب ومثله معه، وليس المراد بالمثل إلا السُّنَّة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وقد بينت السُّنَّة النبوية أن حكم الرضاع لا ينحصر في الأمهات والأخوات فحسب بل يتجاوز ذلك إلى كل ما يحرم من الأنساب من قبل النسب، سواء أنساب الأم الوالدة وأنساب الأب الوالد، فقد جاء في مسند الإمام الربيع بن حبيب - رحمه الله تعالى - عن أم المؤمنين عائشة قالت: «إن أفلح أخا أبي القعيس هو عمي من الرضاعة استأذن علي فأبيت أن آذن له، فلما جاء رسول الله له أخبرته فقال: «ائذني له فإنما الرضاع مثل النسب»، والحديث أخرجه الشيخان وغيرهما بزيادة وهي أن عائشة راجعت النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك وقالت: يا رسول الله أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل»، فقال لها: «إنه عمك فليلج عليك»، وجاء أيضاً في رواية لمسلم: «وكان أبو القعيس زوجاً للمرأة التي أرضعت عائشة، وفي رواية لمسلم أيضاً: أن أفلح أخا أبي القعيس عندما استأذن على عائشة، قال لها: «ائذني لي فإنما أنا عمك»، فقالت له: «من أي صرت عمي؟، قال لها: «أرضعتك امرأة أخي، فقالت له: «أرضعتني امرأة أبي القعيس، ولم يرضعني أبو القعيس»، ولكن هذه التعلة أسقطها الرسول صل الله له عندما قال لها: «إنه عمك فليلج عليك»، وتأيدت هذه الرواية بكثير من الروايات من بينها رواية المسند الصحيح، والصحيحين، وغيرها، أن عائشة لها قالت: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في بيتي، إذ سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة، فقلت له: يا رسول الله هذا صوت رجل يستأذن في بيتك»، فقال: «أراه فلاناً لعم حفصة من الرضاعة»، فقلت له: يا رسول الله لو كان عمي فلان حياً لدخل علي»، فقال: «نعم يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، وروى الشيخان عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم عرضت عليه بنت عمه حمزة فأجاب بأنها لا تحل له، وقال: «إنها ابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأباها ثويبة الأسلمية». (2/155)
صفحة 601
156
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
وروى ذلك مسلم من رواية الإمام علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - وجاء نحو ذلك في رواية أخرجها البخاري وأبو داود وغيرهما من طريق أُم حبيبة لا أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله هل لك في أختي»، قال لها: «ماذا؟» قالت: «تنكحها»، قال: «أو تحبين ذلك؟»، قالت: «لست بمخلية، وأحب من شركني في الخير إلي أختي»، فقال لها: «إنها لا تحل لي»، فقالت: أنك أولسنا نسمع أن تنكح بنت أبي سلمة»، قال: «بنت أبي سلمة؟»، قالت له: «نعم»، قال: «لو لم تكن ربيبتي في حجري لما حلت لي، إنها ابنة أخي مـ من الرضاعة، أرضعتني وأباها ثويبة الأسلمية، فلا تعرضن عليّ أخواتكن ولا بناتكن»، فمن هذه الأحاديث وأمثالها يتبين لنا أن حرمة الرضاع كحرمة النسب، فعندما ترضع المرأة طفلاً ذكراً يكون ذلك الطفل ولداً لها فهي حرام عليه لأنها أمه من الرضاعة، وأمها حرام عليه لأنها جدته من الرضاعة، وأخواتها كلهن حرام عليه لأنهن خالاته من الرضاعة، وعماتها كلهن حرام عليه لأنهن عمات أمه من الرضاعة، وخالات المرضعة حرام عليه لأنهن خالات أُمه من الرضاعة وبناتها كلهن - سواء التي رضع معها أو التي ولدت قبل رضاعه ولو بعشرات السنين أو التي تولد من بعد رضاعه ولو بعشرات السنين ـ حرام عليه لأنهن جميعاً أخواته من الرضاعة، وبنات أبناء المرضعة هن بنات إخوته من الرضاع فهن حرام عليه وبنات بناتها من بنات أخواته من الرضاع فهن حرام عليه، وزوج المرأة صاحب اللبن الذي رضع منه ـ أي الذي كانت المرأة في عصمته عندما رضع منها أو كانت مطلقة له أو كان ميتاً عنها ولم تتزوج من بعده ـ يكون أباً لهذا الطفل الراضع، وأُم ذلك الزوج هي جدته من الرضاعة وهي حرام عليه وأخوات ذلك الزوج هن عماته من الرضاع فهن حرام عليه وبناته ولو من غير تلك المرأة من حرام عليه لأنهن أخواته من الرضاع، وبنات أبنائه من بنات إخوته من الرضاع، (2/156)
صفحة 602
فتاوى النكاح
157
ولو كان أولئك الأبناء من غير تلك المرأة المرضعة، وبنات بناته هن بنات أخواته من الرضاعة فهن حرام عليه، وبالجملة فكل ما يحرم عليه من قبل أبيه الذي ولده ومن قبل أمه التي ولدته يحرم عليه من قبل المرأة المرضعة ومن قبل زوجها صاحب اللبن، ولو كانت الراضعة طفلة، فهي ابنة للمرأة المرضعة، وأبوها جدها فهي حرام عليه، وإخوتها هم أخوالها فهي حرام عليهم، وأبناء تلك المرأة كلهم إخوة لها فهم حرام عليها، وهي حرام عليهم، وأبناء أبنائها هم أبناء إخوتها فهم حرام عليها وهي حرام عليهم، وأبناء بناتها أبناء أخواتها فهي حرام عليهم، وزوج المرأة يكون أباها من الرضاع فهي حرام عليه وأبوه هو جدها من الرضاع فهو حرام عليها، وإخوته هم أعمامها من الرضاع، وأبناؤه هم إخوتها من الرضاع وأبناء أبنائه هم أبناء إخوتها من الرضاع، وأبناء بناته هم أبناء أخواتها من الرضاع.
هم
ه ـ أُم أبيه – فيحرم
أما بالنسبة للسؤال فإن كان هذا الطفل أرضعته جدته عليه أن يتزوج ببنات عماته وبنات أعمامه لأنهن بنات إخوته وبنات أخواته من الرضاع، وإن كانت الجدة هي أُم الأم فيحرم عليه أن يتزوج بنات
أما
أخواله وبنات خالاته لأنهن بنات إخوته وبنات أخواته من الرضاع. إخوته وسائر أولاد أخواله وأولاد أعمامه وعماته فلا ينطبق عليهم هذا الحكم، ويجوز التزاوج بينهم، والله أعلم.
كم عدد الرضعات التي تحرم الزواج؟ كم.
القول الذي عليه علماء المذهب الإباضي والحنفية والمالكية وجمهور العلماء أن الرضاع يُحرّم ولو كان مصة واحدة، فلا يعتبر العدد. أما الذين عولوا على العدد قالوا بأنه يحرم إن كان رضع خمس رضعات، واستدلوا برواية السيدة عائشة أم المؤمنين لها أنه كان مما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم: (2/157)
صفحة 603
158
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
عشر رضعات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات وقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن مما يتلى في القرآن»، وهذه الرواية متنها لا يمكن أن يقبل قط، لأن القرآن لم يلحقه شيء من التبديل أو النقص أبداً، فالله تعالى يقول: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ} [الحجر: 9]، فلا يعقل بحال من الأحوال، أن يكون شيء من القرآن يتلى إلى وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ثم بعد ذلك يحذف من كتاب الله المتلو المنقول بالتواتر جيلاً بعد جيل، ذلك لأن القرآن الكريم بقي محفوظاً كما وعد الله تعالى ولا يمكن أن يثبت ذلك عن عائشة، فلذلك ذهب أصحابنا وجمهور العلماء إلى أن الرضعة الواحدة محرمة، والله أعلم.
ما هو مقدار الرضعات التي تعطي حكم الرضاع؟ القول الصحيح أن من رضع من امرأة ولو رضعة واحدة فهي أُمه تحرم عليه كما تحرم عليه نسيباتها التي تحرم عليه من قبل القول معزو إلى جمهور الأمة، وقيل: تحرم ثلاث رضعات فصاعداً وقيل:
خمس، والله أعلم.
أمه التي
ولدته، وهذا
فيمن عنده زوجتان، فهل يصح أن ترضع كل واحدة منهما أولاد
الأخرى؟
نعم ولكن مع الاحتراز في أمر الزواج؛ لأن من رضع من امرأة فإن تلك المرأة تكون أمه، وجميع أبنائها إخوته، وجميع بناتها أخواته، بناتها أخواته، وجميع إخوتها أخواله، وأبوها جده، وهكذا، إذ يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وكذلك بالنسبة إلى زوج المرأة المرضعة إن لم يكن والداً للطفل من حيث النسب، فإنه يكون والده من حيث الرضاع وجميع نسيباته يحرمن على الراضع، إذا ما كن يحرمن عليه لو كن من قبل أبيه الذي ولده، والله أعلم. (2/158)
صفحة 604
فتاوى النكاح
159
امرأة أرضعت ابن ابنها مع إحدى بناتها، فهل له الزواج من بنات أعمامه وعماته الآخرين؟ لا، لأنه يكون ابناً لتلك المرضعة، فلا يصح له أن يتزوج بأي واحدة من بنات بناتها لأنهن بنات أخواته ولا بنات أبنائها لأنهن بنات إخوته، والله أعلم.
لا
إذا أرضعت الجدة بنت ابنتها فهل يجوز لابن خالها أن يتزوجها؟
يجوز
له ذلك لأنها تعد خالته من الرضاع.
جدة أرضعت أبناء أبنائها وأبناء بناتها، فما حكم التزاوج فيما بينهم
وكذلك الإرث؟
الرضاع لا يترتب عليه إرث من لم يكن وارثاً بسبب أو نسب، فلا يرث علاقة الرضاع بين الوارث والموروث، أما الحرمة فنعم، إذ
أحد
بسبب
يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، فإن كانت الجدة أرضعت أولاد بنيها وأولاد بناتها فأولئك الذي رضعوا يحرم عليهم أن يتزاوجوا، فإن كان الراضع من أباء أبنائها فيحرم عليه أن يتزوج أي واحدة من بنات أعمامه أو من بنات عماته، وإن كان من أبناء بناتها فيحرم عليه أن يتزوج أي واحدة من بنات أخواله أو بنات خالاته، والله أعلم.
الأم؟
أرضعتني جدتي من أُمي، فهل تعتبر أُمي أختي، وإخوتي أبناء أختي وأنا خالتهم؟ أم يختلف الأمر عندما تكون هي! في هذه الحالة تكون أُمك أُختك من الرضاع، فهي أمك من حيث النسب وأختك من حيث الرضاع، وإخوتك هم أبناء أختك، وأبناء خالاتك وأخوالك
هم
أبناء أخواتك وإخوتك يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب». (2/159)
صفحة 605
160
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
هناك مقولة بين الناس تقول: رضاع الجدة يقطع مائة مودّة»؟
هذا كلام أهل الجهل، فما معنى يقطع مائة مودة؟! فإرضاع الجدة لابن ابنتها أو لابن ابنها يقتضي حرمة التزاوج بين هذا الذي رضع من جدته ـ أُم أُمه ـ وجميع بنات خالاته وبنات أخواله وإن كان الراضع هو ابن ابنها فإنه يحرم عليه أن يتزوج من بنات عماته وبنات أعمامه جميعاً، ولكن إخوته الذين لم يشاركوه في الرضاع لا ينطبق عليهم هذا الحكم، وكذلك بالنسبة إلى سائر أولاد العمومة الذين لم يشاركوهم في الرضاع لا يسري عليهم هذا الحكم، والله تعالى أعلم.
امرأة أرضعت ولدها الأصغر على ابنة جارتها، هل يجوز لولدها الأكـ أن يتزوجها؟ بما أن هذه المرأة أرضعت تلك الطفلة فهي ابنتها تحرم على جميع أبنائها ولو ولدوا قبلها بعشرات السنين أو بعدها بعشرات السنين، والله تعالى أعلم.
ما الحكم الشرعي في حلب الأخت الحليب من صدرها مباشرة في عين أختها والتي تبلغ من العمر أحد عشر
عاماً؟
رضاع الكبير لا يؤثر، فمن رضع وقد جاوز الحولين فلا يؤثر عليه الرضاع حكماً، إنما الرضاع يؤثر على من لم يجاوز الحولين، والله أعلم.
ذلك؟
فتاة تذوقت حليباً وكان عمرها عشر سنوات فما الحكم في لا عبرة بهذا التذوق بل ولا عبرة بالرضاع في مثل هذا العمر، لأن من جاوز الحولين فلا تجري عليه أحكام الرضاع وإنما تجري على من كان في سن الحولين فما دونهما. (2/160)
صفحة 606
فتاوى النكاح
161
امرأة أرضعت أخاً لها بدون قصد، هل النية وعدم القصد لها حكم خاص؟ لا دخل للنية هنا، لأن أحكام الرضاع من باب خطاب الوضع التي لا يُراعى فيها قصد ولا عمد، وإنما يُراعى وقوع الشيء وتترتب عليه أحكامه، سواء كان ذلك عن عمد أو لم يكن عن عمد.
أختها أرضعت ابنها وهي نائمة بغير شعور فماذا يترتب على ذلك؟ الرضاع لا يختلف حكمه بين العمد والخطأ ولا بين الذكر والنسيان ولا بين النوم واليقظة، لأن حكم الرضاع هو من خطاب الوضع وليس من خطاب التكليف، ومن هنا يحرم الزواج بسبب الرضاع المحرم الذي يكون في حالة النوم كما تقع الحرمة بسبب هذا الرضاع نفسه عندما يكون في اليقظة.
أخت أرضعت أختها على ابنتها فهل جميع أولادها إخوة لها؟ إن رضعت طفلة سواء كانت أجنبية أو قريبة لها، فتلك الطفلة تكون ابنة لها أبنائها ـ سواء الذين وجدوا أثناء الرضاع أو الذين ولدوا من بعد
وجميع
-
ولو بعشرة أعوام أو عشرين عاماً أو ثلاثين عاماً. هم إخوة لتلك الطفلة التي رضعت من أمهم، كما أن أبناء زوج تلك المرأة المرضعة هم إخوة لها ولو كانوا من غير تلك المرأة التي أرضعتها، والله أعلم.
شقيقان رجل وامرأة تزوج كل منهما وأنجبا أولاداً، أنجب الرجل ابنين وبنت أما الأخت أنجبت بنات وأرضعت بنت الأخ هل يجوز لأحدهما أن يتزوج إحدى بنات عمته؟ وهل للولد أن يتزوج بنت عمه التي أرضعت على أخته؟ إذا أرضعت المرأة ابناً أو بنتاً فالرضيع ولدها فيحرم التزاوج بينه وبين جميع (2/161)
صفحة 607
162
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
أولادها، أما إخوته الذين لم يشاركوه في الرضاع فلا مانع من أن يتزوجوا بأخوات أخيهم أو أخوات أختهم من الرضاع، وبهذا يتضح أنه لا يمنع أن يتزوج أي واحد من هذين الابنين بمن شاؤوا من بنات عمتهما التي أرضعت أختهما، والله أعلم.
امرأة قطرت حليباً من ثديها في عين ابن أختها، والآن المذكور يريد
الزواج من بنات خالته، هل يجوز له الزواج أم لا؟
إن كانت القطرة وصلت جوفه فهو ابنها ولا تحلّ له بناتها، لذلك أرى أن يحتاط بعدم الزواج من بناتها، والله أعلم.
امرأة أرضعت ابنة أختها دون استشارة زوجها لأنها لا تعلم أنه لا بد
من استئذان الزوج. فما حكمها؟
استئذان الزوج غير واجب، وإنما هو استحسان فقط ولكن عليها أن تخبر بهذا الرضاع خشية الوقوع في الزواج المحرم.
هي
لي
لي
عمة أرضعت إخوتي الثلاثة مع أبنائها، فهل يكون أبناؤها إخواناً لنا
جميعاً أما فقط لإخوتي الثلاثة؟
هم
أم لمن أرضعتهم فقط، وأولادها جميعاً إخوة للذين أرضعتهم، أما الذين لم يرضعوا منها من إخوة، الراضعين فلا ينطبق ذلك الحكم عليهم.
امرأة تدعى مريم أرضعت امرأة تدعى سالمة ثم أرضعت سالمة أحد أولاد مريم الذكور الذي هو أخوها من الرضاعة، وقد أصبح الجميع إخواناً، وأراد أحد أولاد سالمة الزواج من عند خالاته - أخوات أمه من الرضاعة، فهل يجوز زواج أبناء الأخوات في هذه الحالة. علماً بأن سالمة أرضعت أحد أولاد مريم؟ (2/162)
صفحة 608
فتاوى النكاح
163
أما سالمة فهي حرام على جميع أبناء مريم التي أرضعتها لأنها أختهم من الرضاع، وكذلك يحرم على أولاد ابن مريم الذي أرضعته سالمة أن يكون تزاوج بينهم وبين أولادها، لأن ذكورهم أعمامهم وإناثهم عماتهم من الرضاع، وأما تزوج أولاد سالمة ببنات بنات مريم فلا يحرم ذلك، والله أعلم.
هن
ما قولكم فيمن أرضعت ابن عمها فهل يجوز أن يتزوج إحدى أخوات المرضعة من جهة الأب؟
خالاته من الرضاع فلا يحل له أن يتزوج بأي واحدة منهن، ففي الحديث الصحيح: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، والله أعلم.
طفل أرضعته امرأة فهل أولادها إخوة لهذا الطفل؟
أنه
أبناؤها كلهم إخوته، ولكن ربما وقع الناس في ريب عندما ترضع امرأة طفلاً وله إخوة لم يشاركوه في الرضاع، فكثير من الناس يسألون هل هؤلاء الإخوة يصبحون هم أيضاً إخوة لإخوته وأخواته من الرضاع؟ والجواب. لا يكون إخوة الطفل الراضع إخوة لأولاد المرضعة، نعم ذلك الطفل الراضع هو أخ لجميع أولاد، مرضعته، لأن حرمة الرضاع فرع حرمة النسب، قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، ومن المعلوم من النسب يجوز للإنسان أن يتزوج أخت أخيه إن لم تكن أختاً له، فإن كان الرجل عنده أخت من أب ولتلك الأخت من الأب أخت من الأم فله أن يتزوج أختها من الأم، أي يتزوج أخت أخته، لأنها ليست أختاً له، ولئن كان ذلك في النسب فأحرى أن يكون مثله في الرضاع، لأن حرمة الرضاع إنما هي فرع حرمة النسب، والله أعلم.
فالنبي (2/163)
صفحة 609
164
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ما قولكم في امرأة أرضعت ولداً من أبوين آخرين على ولدها ثم ولدت المرأة المرضعة ابنة، فهل يصح للولد المرضع على أخيها الأكبر أن
يتزوجها؟
لا يجوز له الزواج بها لأن جميع أولاد مرضعته إخوته كما أن مرضعته أمه، والله أعلم.
امرأة أرضعت ولداً يبلغ من العمر سنتين كاملتين وبعد سنين تقدّم إلى إحدى بناتها لخطبتها، فهل يصح لها أن يتزوجها؟
المشهور أنه لا رضاع بعد مضي الحولين، لأن ذلك هو أمد الرضاع، ولكن من العلماء من قال بالاحتياط: قال ما كان من الرضاع في خلال مدة السنتين يترتب عليه منع المناكحة وجواز المصافحة، أي يجوز أن يصافح تلك التي صارت محرمة له من الرضاع ويمتنع عليه أن يتزوجها لأنها محرمته، وما كان في السنة الثالثة قبل الدخول في السنة الرابعة فإنه يمنع المناكحة والمصافحة من أجل الاحتياط، وما كان بعد مضي ثلاثة أعوام والدخول في العام الرابع فتجوز المناكحة وتحرم المصافحة، وهذا من باب الاحتياط، والله تعالى أعلم.
امرأة لها أخ من الرضاعة وهي التي رضعت من أُمه، فهل أعمامه محارم
لها؟
إن حرمة الرضاع كحرمة النسب، وإن المرضعة ب، وإن المرضعة هي أم للطفل أو الطفلة الراضعين وزوج المرضعة صاحب اللبن هو أب للطفل أو الطفلة الراضعين فبما أنها رضعت من هذه المرأة ولهذه المرأة زوج فذلك الزوج هو أبوها من الرضاعة يجوز بينها وبينه من الخلوة ما يجوز ما بين البنت وأبيها، (2/164)
صفحة 610
فتاوى النكاح
165
وإخوة ذلك الزوج هم أعمامها من الرضاعة، وأبو ذلك الزوج هو جدها من الرضاعة، والله أعلم.
ويتبين
زيارة الأم من الرضاعة هل واجبة كزيارة الأم الحقيقية؟
زيارة الأرحام مشروعة وواجبة والتقصير فيها أمر فيه خطر كبير، ولكن اختلف العلماء في الأرحام من الرضاع هل لهم حكم الأرحام من النسب؟ أن حقها واجب بدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم هش وبش لمرضعته السيدة حليمة السعدية في غزوة حنين وتحدث إليها حديث الابن إلى أمه وأكرمها إكراماً بالغاً، وكذلك عندما جاءته أخت له من الرضاع وأثبتت ما يدلّ على أنها أخته تولى إكرامها، وإن كان كرم النبي صلى الله عليه وسلم يسع الكل، ولكن سؤاله عن كونها أخته من الرضاعة حتى تأكد ذلك يدلّ على أن من كان ذا صلة من الرضاع فهو جدير بأن يوصل كما يوصل الرحم من النسب، والله تعالى أعلم.
هل للفتاة المتحجبة خلع الحجاب أمام أخيها من الرضاع أم لا؟ حكم الرضاع كحكم النسب من غير فارق فقد جاء في حديث عائشة لنا قالت: «إن أفلح أخا أبي القعيس هو عمي من الرضاعة، استأذن عليّ فأبيت أن آذن له، فلما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرته فقال: «ائذني له فإنما الرضاع مثل النسب»، وجاء في رواية الشيخين لهذا الحديث أنها قالت للرسول صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، فقال لها: «إنه عمك، فليلج عليك»، فالذي يباح للأخ من النسب يباح للأخ من الرضاع، والله أعلم.
المرأة التي تريد أن تذهب إلى الحج بصحبة أخيها من الرضاعة، هل يعتبر محرماً لها؟ الآية الكريمة صريحة في أن الأخ من الرضاعة كالأخ من النسب، فإن الله الله (2/165)
صفحة 611
166
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
يقول في تعداد المحرمات {وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مين الرَّضَعَةِ} [النساء: 23]، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، وعليه فإنه لا حرج في أن تذهب بصحبة أخيها من الرضاع إلى الحج وكذا بصحبة أبيها أو عمها أو خالها أو ابن أختها من الرضاع، لأن كل أولئك من محارمها، اللهم إلا إن كانوا فسقة يُخشى عليها منهم، فهنا ينبغي الاحتياط، لأن الفاسق لا تؤمن غائلته، والله أعلم.
عن
هذا
امرأة كبيرة في السن قالت إنها أرضعت شخصاً ثم أنكرت ذلك فهل يصح التزاوج بين هذا الشخص وبين أولاد المرأة التي اعترفت بإرضاعه ثم أنكرت علماً بأنها كبيرة في السن؟ أما إن كانت تذهل وتنسى وهناك احتمال كبير أن يكون الاعتراف ناتجاً ذهولها ثم تذكرت بعد ذلك وأنكرت إنكاراً جازماً فلا حرج في الزواج، وأما إن كانت لم يصل بها الحال إلى أن تقول غير الواقع وإنما ذكرت أنها أرضعت ثم تراجعت ففي ذلك خلاف بين أهل العلم، منهم قال: بأن قولها السابق حجة والحجة لا يسقطها الإنكار، فإنكارها فيما بعد هو محاولة منها لدرء الحجة وهي لا تندرئ عندما تقوم، ومنهم من يقول: بأن هذا الإنكار يسقط الحجة من كلامها السابق لأنها كما يحتمل أن تكون كاذبة في إنكارها يحتمل أن تكون كاذبة في قولها الأول، والحوطة إنما هي في عدم الزواج المشوب بهذه الريبة وفي غيرها من النساء سعة، والله تعالى أعلم.
أب وابن تزوجا، أخوات، ثم إن أحد الجيران أعطى زوجة الأب ابنته لترضعها، ثم بعد زمان تزوج ابن الابن البنت التي أرضعتها زوجة (2/166)
صفحة 612
فتاوى النكاح
167
الأب، «أي خالته». اكتشف هذا الأمر في الفترة الأخيرة، وتم الانفصال وذلك عندما سئلتم سماحتكم عن ذلك. ولكن بعد فترة لم يستطع الزوج الصبر عن زوجته والتي هي أخته، متعللاً بأولاده وردها وأنجب منها طفلاً، ما قولكم سماحة الشيخ، وما نصيحتكم لهم ولوالديهم، وإلى مشايخ البلدة الذين لم يتكلموا بشيء؟
إن الله تبارك وتعالى عندما أباح الزواج قيده بقيود وضبطه بضوابط، ومن بين هذه القيود ألا يكون الزواج بذات محرم، وذوات المحارم جاء بيانها في كتاب الله عندما قال الله تعالى: {وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّتُكُمْ وَخَلَتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَهَتُكُمُ الَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّن الرَّضَعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآبِكُمْ وَرَبِّبُكُمُ الَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَا بِكُمُ الَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَبِلُ أَبنَا بِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء: 22، 23]، فالمحارم لا بد من أن تتقى، لأن الله الله إنما حرمها لحكمة علمها وعل، ومن بين هذه المحارم المحارم الرضاعية، إذ الحرمة تقع من أجل علاقة نسبية أو سببية والعلاقة السببية تنقسم إلى قسمين: إما أن تكون صهراً وإما أن تكون رضاعة ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب فإن الله تبارك وتعالى يقول: {وَأُمَهَتُكُمُ الَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَعَةِ. وقد جاءت الأحاديث الصحيحة عن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام تؤكد هذه الحرمة وتدل على أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، فالمرضعة تحرم (2/167)
صفحة 613
168
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
عليه
لأنها أُم، وبنت المرضعة وبنت المرضعة تحرم لأنها أخت وأخت المرضعة تحرم لأنها خالة، وأم المرضعة تحرم لأنها جدة، وعمة المرضعة تحرم لأنها عمة أم، وخالة المرضعة تحرم لأنها خالة، أم وبنت ابن المرضعة تحرم لأنها بنت أخ، وبنت ابنة المرضعة تحرم لأنها بنت أخت .. وهكذا .. فكل ما يحرم من الرضاع يحرم من النسب، وكذلك زوج المرضعة يكون أباً للطفل الراضع فيحرم الزواج بين الطفل الراضع وبين من يحرم عليه لو كان من قبل أبيه الذي ولده من الأنساب وذلك لعلاقة الرضاع، وبناءً على هذا فإن زوجة الجد - أب الأب - إن أرضعت طفلاً، فذلك الطفل ولد لذلك الجد، وإن أرضعت طفلة فتلك الطفلة بنت لذلك الجد، وبناءً على ما ورد في السؤال تكون الراضعة من زوجة الجد عمة لهذا الذي تزوجها، لأنها أخت أبيه من الرضاع فهي عمته يحرم أن يتزوج بها، ولما تبينت هذه العلاقة وانكشفت بعدما كانت بينهما علاقة زوجية ظاهرة فإن العلاقة الزوجية باطلة والاستمرار عليها أمر لأنه استمرار على نكاح محرم، فلا بد من التفريق بينهما بعدما تأكد هذا الرضاع، ورجوع هذا الشخص إلى تزوج تلك المرأة التي تبين له أنها عمته من الرضاع مرة أخرى ما هو إلا رجوع إلى الباطل وإصرار عليه وتزوج بذات محرم منه، وفي هذه الحالة يكون زانياً بذات محرم، والزني بذات المحرم أشد من الزنى بغيرها من النساء - وإن كان الزني كله شديداً ـ فإن الله تبارك وتعالى قال: {وَلَا نَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32]، ومن أجل ذلك جاء في روايات عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام أن الزاني بذات محرم يقتل حداً أي ولو كان بكراً وهذا الذي فعله عبد الملك بن مروان وأثنى عليه بسببه الإمام أبو الشعثاء، فقد جيء عبد الملك بن مروان برجل تزوج زوجة أبيه عنه،
محرم (2/168)
صفحة 614
فتاوى النكاح
169
أدر
فقال له: كيف تزوجت أمك؟ قال: ليست أمي وإنما هي امرأة أبي، ولم أنها حرام علي، فأمر عبد الملك بضرب عنقه وقال: لا جهل ولا تجاهل في الإسلام، فأثنى على ذلك الإمام أبو الشعثاء وقال: أجاد عبد الملك أو أحسن عندما بلغه صنيعه هذا، فيجب أن يتعاون الكل على تغيير هذا المنكر، وسكوتهم عنه سكوت عن الباطل وإقرار له، ومن سکت عن الباطل وأقره استحق لعنة الله تعالى، فإن الله وعل يقول: الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنت إسراء يلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 78، 79]. فحال هؤلاء الساكتين مع علمهم بهذا حال أولئك الذين استحقوا هذه اللعنة من بني إسرائيل، والله المستعان.
إذا وقع الأمر المحذور وتزوج أخ أختاً له من الرضاعة، فإلى من ينسب
الأولاد؟
إذا تبينت علاقة الرضاع فعليه أن يُخلي سبيلها، والأولاد هم تبع للأب من أجل نكاح الشبهة، ونكاح الشبهة يلحق به الولد، وأما استمرارهم على هذه العلاقة الزوجية فهو غير جائز، والله تعالى أعلم.
امرأة تزوجت من رجل أرضعتهما امرأة واحدة ولم يعرفوا ذلك إلا بعد أن أنجبوا أولاداً، فما الحكم في ذلك؟
عليهما أن يعتزل بعضهما بعضاً بمجرد معرفة ذلك وقيام الحجة به، فإنها أخته من الرضاعة ولو طال الأمد بين رضاعته ورضاعتها،
والله أعلم. (2/169)
صفحة 615
170
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
حدث أن خطب شاب فتاة قد توفيت أُمها وكان قد تقدم إليها ابن خالتها، فرفضت وتزوجت هذا الشاب ثم إن الخالة شهدت أنها رأت أُم الفتاة ترضع ذلك الشاب الخاطب، فهل تقبل شهادتها أم تعتبر
مغرضة تريد صد الشاب؟
قول المرضعة يعتبر حجة، وأما قول الخالة التي لم يكن الإرضاع من قبلها فليس بحجة ولا يترتب عليه شيء، لا سيما وهي متهمة في شهادتها هذه، لأنها ربما كانت تريد أن تتشفى من ابنة أختها بسبب رفضها لابنها، فقولها هنا ليس بحجة حتى تأتي ببينة مقبولة في ذلك، والله أعلم. (2/170)
صفحة 616
فتاوى النكاح
الزنا وأثره على الزواج
171
ما تفسيركم لقول الله تعالى: {الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكُ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 3]؟
معني
الآية أن الزاني
للمفسرين فيها أقوال تصل إلى ستة، والذي نراه أن بسبب رداءة حاله وسقوط اعتباره و شرفه كاد يساوي المشرك فكان حكمه أن لا يتزوج إلا زانية مثله أو مشركة فليس هو كفؤاً بأن يتزوج عفيفة، وذلك قبل تحريم نكاح المشركات، وكذلك الزانية لتردي حالها وسقوط اعتبارها وإهدار كرامتها لا يتزوجها إلا زانٍ مثلها أو مشرك، وهذا إذا ثبت زناهما وأقيم عليهما الحد الشرعي، ثم نسخ النكاح بين الموحدين والمشركين بقول الله تعالى: {وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنُ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِك وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَيْكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ، وَيُبَيِّنُ عَايَتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [البقرة: 221]، ومعنى هذا أنه يحرم على المؤمن أن يتزوج زانية وعلى المؤمنة أن تتزوج زانياً لأن الزنى ينافي الإيمان، وهذا الحكم عندنا باق فيمن أقيم عليه حد الزنا، ولكن نسخ حكم التزاوج مع الشرك بالآية الكريمة كما تقدّم وبقي يحكم أن لا ينكح الزانية إلا الزاني وأن لا ينكح الزاني إلا الزانية.
صلے (2/171)
صفحة 617
172
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
ما تفسيركم لقوله تعالى: {الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةٌ؟
تفسير ذلك أن المحدود على الزنى أو المشهور به ليس أهلاً لأن يتزوج إلا
من
كان مثله.
ما معنى قول ابن عباس: «أوله سفاح وآخره نكاح»؟
ذلك فيما لو وقع زنى بين رجل وامرأة في الجاهلية ثم أسلما فله أن يتزوجها لأن الإسلام جب لما قبله.
هل يعتبر رجم الزاني من الزواجر أم من الجوابر؟
الحدود هي زواجر وجوابر، فهي زواجر من حيث إن الشاذين الذين في نفوسهم روح الإجرام أو الذين امتلكتهم الشهوات ينزجرون بذلك، ولذلك أمر الله سبحانه وتعالى أن يشهد عقاب الزاني والزانية طائفة من المؤمنين وَلِيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2]، ففي شهود هذا العقاب زجر وعظ وعبرة وتذكير بالله سبحانه وتعالى، فهي تباعد ما بين الإنسان وبين الوقوع في الجريمة، فالذي يرى غيره يُرمى بالحجارة ويموت تحتها هل تسول له نفسه أن يزني؟ إن كان في نفسه شيء من العقل فهي لا ريب زاجرة، وأما كونها جوابر فلأنها تؤدي بالإنسان إلى الإدكار والتراجع عن غيه فيتحول الفساد إلى الصلاح ومن الغي إلى الرشد ولذلك كانت طهارة، والله أعلم.
من
إذا رأى الشخص عملية الزنى ولم يكن معه أحد وذهب إلى الحاكم فأخبره بما رأى، فهل يعطى حكم القاذف؟
نعم، حتى ولو كانوا ثلاثة ورأوا عملية الزنى واضحة جلية ولم يكن عندهم رابع وذهبوا إلى الحاكم يخبروه بذلك كانوا قذفة ويقام عليهم حد (2/172)
صفحة 618
فتاوى النكاح
173
القذف، إلا إن وجد رابع يشهد معهم، وكان في مكان غير بعيد بحيث لا تكون شهادته مجرد تعزيز الشهادة من قبله لدرء الحد عنهم، والله أعلم.
نرجو توضيح حادثة ابن عمر بن الخطاب له الذي أقيم عليه الحد
مرتين؟
نعم، إن أحد أبناء عمر الله، أقيم عليه حد الزنى مرتين، اعترف بالزني رضي وكان لا يزال بكراً غير متزوج، فأقيم عليه الحد بمصر عند عمرو بن عمرو بن العاص ولكنه لم يكن بمحضر جماعة من المؤمنين كما أمر الله تعالى، فلما بلغ ذلك عمر ألغى ذلك الحد وأعاده عليه مرة ثانية بمشهد جماعة من المؤمنين، لئلا يجامل ابن الخليفة ولا يُعامل إلا كما يُعامل الآخرون.
هل تعتبر شهادة شخص واحد صحيحة إذا كان هذا الشخص يحمل أدلة على جريمة الزنى كصور أو أشرطة فيديو تثبت عملية الزني؟ الله سبحانه وتعالى شدد في أمر الزنى تشديداً بالغاً لأنه لا يحب الستر لعباده، فالأشرطة لا تعتبر حجة، إذ من الممكن أن يقلد إنسان غيره ويتحدث بمثل صوته، وكذلك الصورة لا تعتبر في مثل هذا حجة، والحدود تدراً بالشبهات، ولذلك كان مثل هذه القرائن لا يعتمد عليها في إقامة الحدود الشرعية.
ما حكم الإسلام إذا أثبت الطب أن الإنسان قد شرب الخمر أو قد زنى فهل يُقام عليه الحد؟
لا، لا تستعمل هذه الوسيلة من أجل إثبات حد على أحد، ولا يُقام عليه الحد إلا باعترافه أو ببينة عادلة. (2/173)
صفحة 619
174
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
رجل عقد على امرأة وكانت في بلدة غير بلدته ولا يمكن اللقاء بينهما، فهل يعتبر ذلك الرجل محصناً فيما إذا زنى أم غير محصن؟
شروط الحصانة ستة، ثلاثة مجمع عليها وثلاثة مختلف فيها، فالشروط المجمع عليها العقل والعقد والبلوغ، أي أن يكون عاقلاً عاقداً على امرأة بالغاً الحلم، فالمجنون غير محصن، والطفل غير محصن، والذي لم يعقد على امرأة قط غير محصن، وثلاثة شروط اختلف فيها، وهي: الدخول والإسلام والحرية فمنهم من قال لا بد من أن يدخل بالمرأة، ومنهم من اشترط أن يكون المحصن مسلماً، ومنهم من اشترط مع ذلك أن يكون حراً، والله أعلم.
في بعض الحالات يتعذر وجود الشهود الأربعة، فهل يجوز في هذه الحالة التقاط الصورة الفوتوغرافية حيث تكون ظاهرة عياناً؟
التقاط الصور، حرام، إن فيها كشف للعورات وانتهاك للحرمات، وعرض للفحشاء، فلماذا تلقط الصورة؟
ما هو حكم الإسلام في زواج رجل بامرأة التقى بها واختلى بها عدة مرات قبل خطبتها؟
جاء في الحديث عن النبي: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة إلا مع ذي محرم»، وذلك لأن الخلوة بين الرجل والمرأة الأجنبيين تفضي إلى أن يتغلغل وسواس الشيطان في نفس كل منهما، ومن هنا كانت الخلوة محرمة شرعاً، والناس كثيراً ما يتساهلون فيها بسبب أن الرجل هو أخو زوج المرأة أو ابن خالها أو ابن خالتها أو ابن عمها أو زوج أختها، ولكن مع ذلك التشديد فمجرد وقوع الخلوة إن لم تكن بينهما مباشرة (2/174)
صفحة 620
فتاوى النكاح
175
بحيث تغيب الحشفة في الفرج لا يحرّم المرأة على الرجل، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «العينان تزنيان واليدان تزنيان والرجلان تزنيان ويصدق ذلك ويكذبه
الفرج».
ما حكم من تزوج بامرأة كانت بينه وبينها علاقة محرمة دون الزنا؟ جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «العينان تزنيان واليدان تزنيان والرجلان تزنيان ويصدق ذلك ويكذبه الفرج، ومعنى ذلك أنه إن لم تكن مواقعة بالفرج فلا تترتب الأحكام التي تترتب على الزنا، ومن هذه الأحكام حرمة هذه المرأة عليه، ولكن مع ذلك فالتنزه أولى وأفضل، والله تعالى أعلم.
ماذا يترتب على زواج الرجل بمزنيته؟
إن الزواج هو ربط مصير بمصير، وهو رباط مقدس لا يراد به مجرد قضاء الوطر، وإنما يراد به شركة في الحياة تؤدي إلى اندماج نفسين حتى تكونا كنفس واحدة وأن يكون بينهما تعاون على البر والتقوى، فلذلك لا يمكن أن يتم الزواج وهو مبني على أساس منهار بحيث يكون منشأه معصية الله تعالى وفجور عظيم ينافي طهارة المسلم في نفسه وعرضه وعقيدته، وقد بين الله له في محكم كتابه العزيز أن الزواج طمأنينة فقال عز من قائل: وَمِنْ آيَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21]، فأنتم تون أنه جعل الزواج سكوناً للنفس وطمأنينة للقلب، وسكون النفس لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون مع الشخص الذي بلاه الإنسان بنفسه واختبره، فالرجل الذي زنى بالمرأة والمرأة التي زنت بالرجل كل منهما قد بلى الآخر واختبره اختباراً دقيقاً فانكشفت له حقيقته، وهي حقيقة مرة وفاضحة، (2/175)
صفحة 621
176
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
فلا يمكن أن تطمئن نفس الرجل إلى هذه المرأة التي قاسمها الفجور على بساط الدعارة، ولا يمكن أن تطمئن هذه المرأة إلى هذا الرجل الذي قاسمته هذا الأمر نفسه، فلا يكون هذا الزواج مبنياً على تلك الأسس التي أرادها الله له بين الزوجين وهي الرحمة والمودة وطمأنينة النفس
واستقرارها.
والناظر في الشرع الحنيف يجد أنه عندما يفضي الأمر إلى عدم الطمأنينة والاستقرار فإنه يفرق بين الزوجين، ومثال ذلك اللعان، فالرجل الذي يقذف امرأته بالزنا ويرتفع أمرهما إلى القاضي الشرعي، فإن على القاضي
أن يلاعن بينهما، ويشهد الرجل أَرْبَعُ شَهَدَتِ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِقِينَ وَالْخَمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَذِبِينَ} [النور: 6، 7]، فترد هي عليه
بأربع شهادات مثلها أنه من الكاذبين وَالْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّدِقِينَ} [النور: 9]، وهنا يفرق بينهما فرقة لا لقاء بعدها، بحيث يحرم عليها وتحرم عليه، لأنه إما أن يكون صادقاً في كونها زانية، وإما أن يكون كاذباً فيما رماها به وعلى كلا الحالين فلا يكون استقرار بينهما فلذلك فرّق بينهما فرقة أبدية، بحيث لا تحل له إلى يوم القيامة، وإذا كان هذا فيما إذا ما رمى الرجل امرأته بشخص آخر، فما بالكم إذا كان قد خبرها بنفسه ووقع في شرك هواها حتى أدى به إلى ارتكاب الفحشاء، أليس ذلك أولى بأن يفضي إلى تحريمها عليه، على أن من القواعد المعروفة «أن من تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه، ولذلك فإن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الله فرّق بين رجل وامرأة تزوجها أثناء عدّتها فرقة أبدية كما جاء ذلك في موطأ الإمام مالك، وقد روى الصحابة ـ رضوان الله عليهم: «أن الرجل إن زنى بامرأة ثم تزوجها فهما زانيان أبداً»، ومن هؤلاء الإمام علي وعائشة أم المؤمنين وابن مسعود والبراء بن عازب، وإذا كان هذا الرأي (2/176)
صفحة 622
فتاوى النكاح
177
صدر من أولئك الصحابة - رضوان الله عليهم في ذلك الوقت الذي يتسم بالصفاء والنقاء والطهارة وتشذ فيه الرذيلة فكيف بالناس في زمان قد استطار فيه الفساد كالنار في الهشيم بسبب تفشي الإباحية وشيوع الفحشاء والمنكر؟! أفلا يكون الدواء الناجح لاستئصال جرثومة الرذيلة في هذه الحالة هو هذا الرأي الذي ذهب إليه أصحابنا - رحمهم الله ـ وهو تحريم زواج الرجل بمزنيته حرمة أبدية، فإن من مقاصد الشريعة سد الذرائع لقطع دابر الفساد، فجدير بأن نأخذ بهذا في هذه المسألة لأجل أن نوصد أبواب الفساد، حرصاً على طهارة الناس في أعراضهم وأنفسهم، والله أعلم.
فيمن زنى بنصرانية ثم أسلمت هل يجوز له أن يتزوجها؟
بما أنه مسلم عندما زنى بها لا تحل له أبداً، والله أعلم.
فيمن اختلى بامرأة فوصل بهم الحال إلى التقبيل واللمس والاحتضان، وقد تكرر منهما، ذلك فهل يجوز له الزواج منها بعد هذا؟
بئس ما فعلا، وهكذا يفعل الشيطان بالرجل والمرأة عندما يخلوان، وعليه فإنه تجب عليهما التوبة النصوح مما فعلاه، ولا يحرم تزاوجهما إن لم يقع بينهما زنى، والله أعلم.
فيمن اختلى بامرأة واستمتع بجميع جسدها، وكان يحك فرجها بذكره دون إيلاج، ثم إن المرأة تزوجت برجل غيره وتطلقت منه، فهل يجوز أن يتزوجها الرجل الأول إن تابا مما حصل بينهما سابقاً؟
بئس ما فعلا، وفي جواز زواجه بها بعد ذلك خلاف بين أهل العلم،
والراجح عدم الحرمة إن لم يولج فيها ذكره والتنزه أحوط، والله أعلم. (2/177)
صفحة 623
178
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
تزوجت بامرأة وتبين لي قبل أن أدخل بها أنها حامل فتركتها، ثم تزوجها آخر فطلقها بعد فترة طويلة من زواجه بها، فهل يصح لي أن أتزوجها الآن؟
إن كان حملها ذلك من زوج سابق ولم تكن عالمة به ولم تكن أنت عالماً به ولم تباشرها بعد علمك أو علمها بالحمل فلا مانع من أن تتزوجها، وأما إن اختل شرط من هذه الشروط فلا تحل لك، والله أعلم.
فيمن تزوج امرأة فتبين له أنها حامل وبعد الترافع لدى القاضي حكم ببطلان العقد، فتزوجها أخوه بعد ذلك ثم طلقها، فهل تصح للزوج الأول إن أرادها؟
اختلف في جواز تزوج الرجل بامرأة تزوجها وهي حامل، فقيل: بأنها تحرم عليه بذلك حرمة أبدية، وقيل: يحلّ له بعد وضع حملها أن يتزوجها زواجاً جديداً بأربعة شروط، وهي: أن لا تكون عالمة بالحمل، وأن لا يكون هو عالماً به، وأن لا يطأها بعد علمهما أو علم أحدهما به، وأن يكون ذلك الحمل تابعاً لزوج سابق شرعاً، ومع اختلال أحد هذه الشروط لا يجوز له الزواج بها، والله أعلم.
فيمن تبيّن بها حمل - وهي غير متزوجة - فادعت أن ذلك بسبب تعرض رجل لها، فهل يصح له أن يتزوجها إن هي تابت من هذه المعصية، وهل يصح لمن علم منها ذلك السكوت عنها دون أن يرفع
أمرها إلى الجهات المعنية؟
أنه إن كانت تزعم عن الصحابة كعلي وعائشة وابن مسعود والبراء بأن «من زنى بامرأة ثم
هو الذي زني بها فإن ذلك يحرمه عليها، للآثار المروية (2/178)
صفحة 624
فتاوى النكاح
179
تزوجها فهما زانيان أبداً (1) كما روي عن عمر ه: «تحريم المرأة التي تزوجت في عدتها ـ إن دخل بها ـ على ذلك الزوج» (2) وهذه الآثار تقوى بإشارات من القرآن كقوله تعالى: {وَمِنْ آيَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} [الروم: 21]، فإن السكون المذكور هو سكون القلب وطمأنينته، ولا يمكن أن يطمئن قلب رجل إلى امرأة بلاها بنفسه، فاكتشف خبيئتها الخبيثة وتقاسما الأوزار على فراش الفحشاء وكذا العكس، كما أن تحريم كل واحد من المتلاعنين على الآخر الثابت بالسنة يؤيد ذلك، فإن الزواج طهر وعفاف والبناء الصالح لا يشاد على قواعد الفساد، وإن هي تابت قبل أن يرفع أمرها إلى المعنيين بمثل هذه القضايا جاز تركها وشأنها، ففي الحديث عن النبي: من أصاب شيئاً من هذه القاذورات فليستتر بستر الله، فإنّ من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله (3)، والله أعلم.
هل يصح للعفيف أن يتزوج امرأة ثبت عليها الزني؟
وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكُ} [النور: 3]، فما دامت فاجرة فلا يجوز لغير من كان مثلها الزواج بها، وإنما رخص في ذلك إن تابت وصحت توبتها، والله أعلم.
رجل تزوج من امرأة زنى بها وعنده أولاد، فماذا عليه أن يفعل؟ عليهما أن يتقيا الله، وكل واحد يسلك سبيله، فليسرحها تسريحاً جميلاً،
والأولاد أولاده.
(1) سبق تخريجه.
(2) أخرجه مالك (الموطأ)، ج 2 ص 536 برقم 1115 / البيهقي (السنن الكبرى) ج 7 ص 219. (3) أخرجه مالك (الموطأ) باب ما جاء فيمن اعترف على نفسه بالزنا برقم 1508. (2/179)
صفحة 625
180
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
امرأة اعترف لها زوجها بالزنى فهل تكون زوجته في الشرع بعد معرفتها بذلك؟ وهل توفر له جميع حقوقه الزوجية بعد معرفتها بأنه
زان؟
بئس الرجل هذا، فهو أولاً وقع في أمر محرم بالنصوص القاطعة، أمر يؤدي إلى عذاب الله تعالى ويتنافى مع الصفات التي وصف الله الله بها عباده حين قال: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا وَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَن تَابَ وَآمَن وعمل عملا صلحا فَأُولَتيك يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الفرقان: 68 - 70]. ثم بعد وقوعه في الحرام لم يستتر بستر الله، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من أصاب شيئاً من هذه القاذورات فليستتر بستر الله، فإن من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله»، واعترافه أمام زوجته هدم للحياة الزوجية، فإن كان هذا الاعتراف تباهياً أو تفاخراً أو من أجل إهانة تلك المرأة، كسب في ذلك أوزاراً فوق أوزاره، فإن من باهى بمعصية الله اسال الله تضاعف عليه وزرها، وإذا اعترف للمرأة زوجها اعترافاً صحيحاً بأنه زنى وكانت مصدقة له في هذا الاعتراف ولم يكذب نفسه بل استمر على اعترافه فإنها تحرم عليه بسبب ذلك، والله تعالى أعلم. (2/180)
صفحة 626
فتاوى النكاح
حقوق الآباء والأولاد
181
هل يجوز تسمية البنات بكلمات وردت في القرآن كمثل آلاء وتسنيم
وآية الله؟
أما آية الله ففي كل شيء له، آية، فكل ما في الكون هو من آيات الله، والتسمية بهذه الكلمات إن لم تؤد إلى إيهام الشيء بخلاف ما هو عليه فلا حرج فيه.
هل يصح المرأة أن تسمي ابنتها ملاك؟
لا دليل على المنع والحرمة، ولكن في الأسماء سعة، وإن أوهم ما يقول المشركون بأن الملائكة إناث فذلك حرام لا يجوز، والله أعلم.
هل يحسب يوم ولادة الطفل ضمن اليوم السابع الذي يُحلق فيه رأس الطفل ويُذبح له؟
نعم، يبدأ الحساب من ذلك اليوم الذي ولد فيه والله أعلم.
هل يصح
أن يسمى الطفل الذي ولد ميتاً، لأن البعض يريد أن يجعل
ذكرى لذلك الطفل الذي ولد ميتاً فيضع له اسماً؟
لا مانع من ذلك، وليس في التسمية أي إشكال، والله أعلم. (2/181)
صفحة 627
182
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
ما رأيكم في صنيع كثير من الناس عند العق عن أولادهم، حيث يقومون بدعوة عامة للإخوان أو الأقارب دون أن يعطوا شيئاً للفقراء؟ هذا خلاف السنة، ولا ينبغي أن يُعبر بالعق، فإن النبي صلى الله عليه وسلم سماها نسيكة لأنها تُنسك عن الطفل وقال: «لا أحب العقوق، لما في كلمة العقوق من معنى مكروه، والله أعلم.
الأبناء أنه
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: من لا يرحم لا يُرحم، فهل معنى ذلك في تربية يجب عدم ضربهم ضرباً مبرحاً، وهل تأثم الأم إن تعاطت أبنائها العصي، وهل هناك سلبيات في هذا الضرب خاصة إذا كان الطفل عندما يرى العصى ينتابه خوف شديد؟
مع
لا يصار إلى الضرب إلا مع الحاجة إليه، أما إن كان من الممكن أن يرتدع الطفل بغير الضرب كالزجر فلا يضرب والضرب الذي يُضربه الطفل هو ضرب غير مبرح وغير مؤثر، وتختلف أحوال الأطفال باختلاف طبائعهم، فمنهم من يكون فيه القسوة ومنهم من يكون بخلاف ذلك، فينبغي أن تراعى هذه الأحوال، والله أعلم.
ما قولكم في ضرب الأطفال عندما يكون الإنسان في حالة غضب أو عصبية، وهل يلحقه إثم؟ إن كان الضرب بغير حق فهو آثم، لأن ضرب الأطفال يجب أن يكون
ضرب تأديب لا ضرب تشف وانتقام وألا يكون مبرحاً ولا مؤثراً.
هل يجوز الكذب على الأطفال، فإن الأطفال لهم متطلبات كثيرة وخصوصاً إذا ذهب الأب إلى الأسواق أو غيرها فإنهم يطلبون هذا وذاك ولو أجابهم الأب إلى ذلك لكثرت عليه الديون؟
الكذب على الأطفال مما يجراء الأطفال على الكذب وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم (2/182)
صفحة 628
فتاوى النكاح
183
أن الكذب على الأطفال حرام، فقد روى أبو داود عن عبد الله بن عامر قال: دعتني أُمي يوماً ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعداً في بيتنا فقالت: تعال أعطيك، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أردت أن تعطيه؟ قالت أردت أن أعطيه تمراً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما إنك لو لم تعطيه شيئاً لكتبت عليك كذبة»، فالكذب من أخبث السجايا التي تكون في الإنسان، ولا يُطمأن إلى الكذاب في أي حال من الأحوال، والولد في طفولته إنما هو كاللوحة الصافية التي لم ينقش فيها شيء، وتنتقش بحسب ما يكون عليه الوالدان، فالولد يحاول أن يقلد والديه في كل ما يسمعه وفي كل ما يبصره منهما، فإن جرب على والديه كذباً كان ذلك مدعاة لأن يعتاد الكذب، فلذلك كان الكذب من أقبح ما يربى عليه الأولاد، فعلى الوالدين كليهما أن يحرصا على ألا يعثر الطفل في سلوكهما على أي انحراف، وفي حديثهما على أي كذب، وعندما يطالبون بمثل هذه المطالب يمكن أن يقنعوا بطريقة أو بأخرى حتى يقنعوا
بالشيء اليسير ولا يكلفوا والدهم الشيء الكثير، والله تعالى أعلم.
عند التفريق في المضاجع، هناك أُسر فقيرة لا يكون في البيت إلا غرفتين، أو لا تسمح مادية الأب في تشغيل ثلاثة مكيفات، فما هو الحل؟ في مثل هذه الحالة لا بد من الاحتيال، ولو بوضع حاجز من خشب ونحوه في الغرفة الواحدة ما بين الجانبين حتى لا يقع المحذور.
هل يجوز للرجل أن يسمح لأولاده الصغار فيما دون العاشرة أن يناموا معهم في الغرفة التي ينام فيها وزوجته وخاصة إذا لم يكن هناك مكان
ينامون فيه؟
لا بأس في مثل هذه الحالة. (2/183)
صفحة 629
184
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
طفل حفظه أبوه بعض الآيات وهو صغير إلا أن آية واحدة حفظه إياها خطأ أو أنه تلقاها منه خطأ، وظل يردد هذه الآية قبل نومه واستمر عليها إلى أن كبر سنه، وقد أدرك أن هذه الآية خطأ ولكن ما زال يقرؤها على خطئها لأنه نشأ عليها، فماذا عليه؟
عليه أن يرجع إلى الصواب، لأن التبديل في النص القرآني قد يؤدي إلى الخطأ في المعنى وقد تعبدنا بأن نتلو القرآن بألفاظه إذ لا مجال لتبديل
شيء منها بغيره وإن رأيناه غير مبدل للمعنى، والله أعلم.
ما حكم ألعاب الأطفال التي تكون على شكل حيوانات؟ أما إن كان المراد دمى الإناث ففيها خلاف بين أهل العلم منهم من حرمها ومنهم من أباحها ومنهم من كرهها، والتوقي أولى وأفضل.
ألعاب انتشرت في أوساط الأطفال تسمى بألعاب البيكمون أو البيكاتشو والبعض يقول إنها خطة صهيونية يراد منها صرف أفكار الشباب والأبناء عن الاهتمام بقضايا المسلمين إلى الاهتمام بهذه الألعاب، فماذا تقولون؟ أنا بنفسي لا أعرف محتواها، ولكن قرأت فتوى من علماء السعودية صدرت بتحريمها، ووجدت تحذيراً بالغاً منها، وأقول كل ما يؤدي إلى مفسدة في جيل الشباب أو أي مسلم أو مسلمة، فإنه يحرم ويجب على المسلمين أن يتفطنوا لمكائد أعدائهم وأن يصرفوا عن أنفسهم وعن أولادهم وعن كل من لهم علاقة به كل ما عساه أن يكون مدبراً من خطط أعداء الإسلام من أجل نسف شيء من قيم الإسلام أو من أجل تحطيم شيء من عزيمة المسلمين فهذا أمر يجب أن يكونوا على بينة منه، ولا يحل لهم التساهل فيه، والله تعالى المستعان.
استعماله (2/184)
صفحة 630
فتاوى النكاح
185
الأبناء؟
إن الأمهات تواجه الكثير من الصعوبات في التعامل مع أبنائها وتربيتهم التربية الصحيحة ما هي الطريقة الصحيحة في تعاملهن مع وما هي نصيحتكم لهذه الأمهات؟
التربية تكون من الأمهات ومن الآباء جميعاً، والتربية السليمة هي التربية التي تغرس الفضائل في نفوس الأطفال منذ صغرهم، بحيث يتأففون من معاصي الله، ويسعون إلى أن تكون صفحتهم بيضاء غير مكدرة بشيء من قاذورات الأعمال، وذلك لا يكون إلا بغرس روح التقوى في نفوس هؤلاء الأولاد وأن يعودوا على الاشمئزاز من معاصي الله تعالى الظاهرة والباطنة، وعلى الأم أن تكون قدوة لهم في ذلك، وذلك بأن تحرص دائماً على أن تظهر نفسها بالمظهر الذي يليق بالمسلمة، فتحرص على أداء الصلوات وعلى تجنب الكذب حتى لا يعثروا على كذب قط في كلامها، وعلى الابتعاد من جميع الأخلاق المذمومة كالكبر والحسد وغيرهما، وعلى الابتعاد عن كل ما يريب المرأة المسلمة كاجتماعها بالرجل الأجنبي وجلوسها معه وحديثها إليه إلى غير ذلك، وهذا لأجل أن تكون قدوة ومربية فاضلة لجميع أولادها من الذكور والإناث، ومن المعلوم أن الفتاة المسلمة في هذه الأيام تعايش محنة كبيرة بسبب عدم تربيتها التربية الصحيحة السليمة وبسبب إغراء الكثير مما يدور حولها على التمرد على فطرتها والتنكر لدينها، ومن ذلك أجهزة الإعلام من صحافة وتلفزة وغيرهما وكل ذلك مما يجعلها حائرة مضطربة، والعرض هو أسمى شيء تحافظ عليه الأنثى، وأنا كثيراً ما أتساءل عندما تصلني الأسئلة الكثيرة من الفتيات عبر الاتصال بالهاتف أو الرسائل التي يرسلنها إليَّ أتساءل أين الآباء وأين ت أين رقابة البيت؟ كيف هانت عند هؤلاء فلذة كبدهم حتى أرخوا
الأمهات، (2/185)
صفحة 631
186
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
لها العنان وتركوها وشأنها وكأنما حلّوا القيود الأخلاقية التي يجب أن يحوطوا بها حياتهم كأنهم عدوها أنكالاً تكبح حريتها وأوزاراً ينوء بها كاهلها ومقامع تحطم رأسها فلذلك اعتبروا من الرحمة لها أن يُرخو لها العنان فتسرح وتمرح كما يملي عليها هواها وهم لا يدرون أنهم يدفعون بها إلى الهاوية والعياذ بالله من خلال ذلك، فهي لا تلبث أن تكون أسيرة هواها لأنها لا تجد الراعي الذي يرعاها والمُشفق الذي يأخذ بيدها إلى طريق الخير والرشد والاستقامة ولا تجد من يبيّن لها المخاطر وينذرها بسوء العواقب التي تنتهي إليها بسلوكها، وكثيراً ما أصبحت الفتاة الآن تظن أن قيمتها بقدر ما يرتفع إليها من نظرات الإعجاب من قبل الشباب الطائش الغوي، ولذلك كلما ازدادت هذه النظرات تحس أكثر فأكثر بالغرور وبالزهو ولربما تظن أن قيمتها بقدر ما يصلها من خطاب هؤلاء لها عبر الهواتف أو عبر الرسائل التي يُرسلونها إليها، فلذلك تتفاعل معهم تفاعلاً عجيباً، فيقعن فريسة للأماني الكاذبة بحيث يحسبن أنهن عندما ينسقن مع أهوائهم ورغباتهم ولو كان ذلك على حساب الكرامة والطهر والنزاهة والعفاف فإنهن بذلك يمهدن لمستقبل سعيد بحيث يكون الشخص الذي تبيح له هذه الفتاة عرضها في يوم من الأيام شريك حياتها بل هي من أول وهلة تعتبره فارس أحلامها فلا تحول بينه وبين مبتغاه منها، وهذه أمور جد خطرة فكثيراً ما تُستباح الأعراض وتُنتهك الحرمات بما يوضع لها من شراك في سبيلها، والمرأة بطبيعتها عاطفتها جياشة لذلك تندفع وراء الأماني الكاذبة والوعود الحلوة حتى تكون أسيرة هذا الخداع.
وقد أجاد الشاعر الذي قال:
خدعوها بقولهم حسناء والغواني يغرهن الثناء (2/186)
صفحة 632
فتاوى النكاح
وو
جيوبهن
187
على أن الله تبارك وتعالى عندما قال: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى ن وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَابِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَآبِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النسور: (31)، وعندما قال: {يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِأَزْوَجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} [الأحزاب: 59]، ما أراد بذلك إلا الرحمة بعباده جميعاً ذكوراً وإناثاً فكانت تعاليمه هذه وفق مقتضيات الفطرة متناسقة مع مصلحة النوعين في الحياة، وقد فرض على الرجال قبل هذا الخطاب الموجه إلى النساء أن يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم وبيّن أن ذلك أزكى لهم، كما أن هناك أيضاً آداباً تحوط حياة الجنسين بسياج من الفضائل علمنا إياها الرسول الأعظم عليه أفضل الصلاة والسلام منها قوله: «إياكم والدخول على النساء، فقال له رجل الأنصار أرأيت الحمو يا رسول الله؟ فقال عليه أفضل الصلاة والسلام: الحمو الموت، فشبه حما المرأة وهو أخو زوجها بالموت بسبب ما يترتب على لقائه بزوجة أخيه في الخلوات من الأمور التي هي أشبه بالموت في خطورتها بل أشد خطورة لأنها تودي بحياة الدين والشرف، وكم وصلتني قضايا عدة حملت فيها زوجات الأخوة من إخوة أزواجهن، وذلك ناتج عن انجذابهن للهوى وإقبالهن على تلبية العواطف من غير مبالاة، وهو ناتج أيضاً عن إهمال الآباء والأمهات في تربيتهم لبناتهم.
من (2/187)
صفحة 633
188
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
هذا وكثير من هؤلاء الذئاب المفترسة يغرون الفتيات الأغمار بما يمليه كل منهم لمن وقعت في شراكه أنه سيكون في يوم من الأيام شريك حياتها يلبي لها مطالبها وتجد في كنفه كل سعادة وخير، ولهذا أمثلة كثيرة، فقبل أيام قليلة من إملاء هذا الجواب اتصلت إحدى الفتيات وذكرت أن لها بي حاجة ملحة وجاءت من بعد إليَّ لتخبرني بحاجتها فإذا هي تخبر عن وضعها بأنها واحدة من سبع فتيات من أب وأُم، ولتمويه الحقيقة ذكرت بأن والدهن رباهن فأحسن تربيتهن، إذ بلغت محافظتهن على عفتهن وشرفهن بتأثير تربيته لهن أنهن كن لا يدخلن بيوت الجيران تفادياً للاختلاط بمن عسى أن يزعزعهن عن هذه المحافظة ولو قيد أنملة، وذكرت أنها خطبت هي من قبل بعض الشباب، وألبست ذلك الشاب الخطب من حلل المديح الزاهية ما يجعل كل فتاة ترنو إلى أن يكون شريك حياتها وكل وليّ يتمناه لمن تحت ولايته من الفتيات وصفته بكل صفات النبل والشهامة والكرامة والمروءة وحسن الخلق، وقالت بأن هنالك أسباباً أدت إلى ألا يتم هذا الزواج في حياة والدها وتوفي الوالد ولكن مع هذا كان هذا الشاب لنبله وكرمه ولما فيه من الطباع الحسنة مثالاً في خدمتهن وتقديم العون لهن والمحافظة عليهن من غير أن يحاول أن يرزأهن في شيء من كرامتهن أو عفتهن وذلك بعدما تزوج بفتاة أخرى، وقالت: بسبب الرعاية تحس بأنها بحاجة إليه وأنها لا تستغني عنه فلذلك تطمح بأن يتحقق حلمها في الارتباط به بعلاقة زوجية وطلبت مني أن أقنعه بأن يوافق على ذلك، وعندما اعتذرت إليها بأنه ربما يشق عليه أن يجمع بين امرأتين، قالت: أنا لا أريد أن أرزأه شيئاً من المال وأكتفي بالشيء اليسير، وظلت تواصل اتصالها. بي سائلة عما فعلته في مطلبها، فطلبت ذلك الشاب وكلمته فيما أفضت به إليّ فأبدى الكثير من أسباب الاعتذار مع ثنائه عليها من غير
هذه (2/188)
صفحة 634
فتاوى النكاح
189
أن يبين شيئاً مما يخدش كرامته أو كرامتها، فأردت أن أجمع بينهما من أجل إقناعها بهذا، فإذا بها تنفعل انفعالاً عظيماً وتتأثر تأثراً بالغاً عندما أظهر الصدود عنها وتبوح بما كانت طوته عنى من قبل، فكان مما قالته: أبعد ما لعب بي مدة تسع سنوات يفعل ذلك، أيرضى ذلك لأخته؟، وقالت لي: أنت تتحيز إليه ولا تحكم بالعدل بيني وبينه، سبحان الله! وهل كنت أنا السبب في مصيبتها أم أنها ضحية أعمالها؟! وهذه هي ضريبة التهاون بما فرضه الله سبحانه وتعالى من حسن التربية والتحلي بالفضائل، ولا ريب أن العلاقة الزوجية علاقة طهر وعفاف ولا تُبنى على مثل هذه الترهات، فإن الله الله يقول: {وَمِنْ آيَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21]، وأي سكون يكون في نفس رجل تجاه امرأة بلاها بنفسه واختبرها بفجوره، وأي سكون لامرأة إلى رجل بلته بنفسها واختبرته بفجورها؟! أبعدما تقاسما الأوزار وانغمسا في الفحشاء والرذيلة يمكن أن يطمئن أحدهما إلى الآخر؟! وكما يقال: من خان لك خان بك، فكل واحد منهما يظل غير مطمئن إلى الآخر، وقد حاولت بكل وسيلة أن أقنع بهذا تلك الفتاة التي كانت ضحية هواها فافترسها ذلك الذئب الضاري بعدما أسلمت إليه نفسها وأباحت له شرفها ليدوسه بقدميه ولكن كانت منفعلة انفعالاً عجيباً، وأنا لا أزال أتساءل أين الأب وأين الأم من مثل هذه التصرفات التي تدور بين الفتيات والشباب؟ وكيف يقعن فريسة هذه الأماني الخادعة؟ وما هذه إلا ضريبة الانحراف عن منهج الحق، ومن هنا أناشد كل أم تحرص على سلامة شمعتها وشمعة بنتها وبيتها، أن تحرص على تربية بنتها التربية الصحيحة السليمة، وأناشد الفتيات جميعاً أن يتقين الله تبارك وتعالى وأن يكن مثالاً للطهر والعفاف والنزاهة وألا يقعن فريسة مثل هذه الأوهام التي تدغدغ (2/189)
صفحة 635
190
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
أحلامهن فيتخلين عن كل شيء، وأناشد الآباء وهم مسؤولون عن أولادهم ذكوراً وإناثاً أن يحرصوا على المحافظة على بيوتهم وأعراضهم وفلذات أكبادهم وألا يدعو الحبل على غاربه، فإن هذه نتيجة حتمية لترك الحبل على الغارب، هذا وقد استحضرت هنا أبيات قالها أحد الدعاة قبل سنين كثيرة عندما بدأت موجة الانحراف تصل إلى المجتمعات الإسلامية بسبب تقليد المرأة الغربية مما أدى ذلك إلى تفسخ المرأة وهتكها الحرمات وإلقائها جلباب الحياء جانباً، وقد قال هذه الأبيات محذراً لها من ذئاب البشر ومبيناً عاقبة هذا الانزلاق في الفساد:
قصرت أكماماً وشلت ذيولا هلا رحمت إهابك المصقولا أسئمت من برد الشتاء سجونه فطلبت تحرير المصيف عجولا وخطرت تحت غلالة شفافة في فتنة تدع الحليم جهولا محبوكة لصقت بجسم مشرق دفعته فورته فبان فصولا هل قصر الخدان في صرعاهما أو كان طرفك في الطعان كسولا حتى استعنت على القلوب بمعمدِ وجعلت جسمك كله مسلولا ألححت في عرض الجمال وغرك الأغراء لما أسمعوك فضولا من نال منك رضاً فأنت ملاكه ومن انتهرت قسا فكوني عدولا صوني قداسة ما وهبت وحاذري أن تبتغي بعد الهوي حلولا واسمي بعرضك فالمضلل فورة وإن اهتدى عبثاً يضل وصولا شاهدت ضليلاً يطارد غادة فنهرته حنقاً فقال خجولا أبغي البناء بها فقلت مداعباً هل كان باب وليها مقفولا؟ فرنا ولم يرها فجن وقال لى أبعثت فينا يا غيور رسولا لم يبق لي أرب فما يضطرني حتى أكون مكلفاً مسؤولا قل للفتاة الغر هذا حبه إن بان ملتاعاً وذاب ميولا يلقاك كالحمل الويع مضللاً فإذا تمكن منك أمسى غولا (2/190)
صفحة 636
فتاوى النكاح
191
نعم يمسي غولاً يغتالها بعد تمكنه مما يشاء منها، فلا يبالي بما يؤول إليه أمرها، ولا يرثي لتعاستها وشقائها، والله المستعان.
لقد ملئت شاشات التفاز بما يسمى بأفلام الكرتون، وأصبح الأطفال يقضون معظم أوقاتهم أمام هذه الأفلام وبات من الصعب ردع الأطفال عنها والتي قد تشوش عقولهم بأفكار دخيلة، فما حكم هذه الأفلام الكرتونية؟ وما هي الطريقة المثلى لردع هؤلاء الأطفال عن مشاهدة هذه الأفلام؟ وما هو السبيل المناسب لهؤلاء الأطفال عوضاً عن الأفلام الكرتونية؟
هذه الأفلام هي من الخطورة بمكان والطفل كاللوحة الصافية تنتقش بحسب ما ينقش الناقش وكالمرأة الصقيلة ينعكس فيها ما يقابلها، فلذلك يجب على الأبوين أن يبعدوا أولادهم عنها، ويمكن أن يُشغلوا عنها بأشياء فيها مصلحة لهم، ولعل هنالك أفلاماً إسلامية يمكن أن تشاهد عوضاً عن هذه الأفلام الشاغلة لهم عن الخير.
الكثير من الآباء عندما يدفعون بأبنائهم إلى المدرسة يهملون متابعتهم، فما نصيحتكم لهؤلاء الآباء؟
على الأب أن لا يرفع نظره عن ولده ذكراً كان أو أنثى وكذلك الأم بقدر المستطاع، فهذه مهمة كلّ منهما وسيسألان عنها يوم القيامة فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، فعلى الكل أن يتقي الله في هذه المسؤولية، ثم إن متابعة الأولاد في المدارس وفي غيرها أمر ضروري، فعلى الآباء أن لا يصرفوا نظرهم عن الأولاد بعد تسليمهم للمدارس، فإن متابعة الآباء
لأولادهم في المدرسة مما يشجع الأولاد على المضي قدماً في طريق (2/191)
صفحة 637
192
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
الخير خلقاً وتحصيلاً للعلم، ومن المعلوم أن الله تبارك وتعالى جعل الشفقة في نفوس الآباء والأمهات أمراً فطرياً، وهذا ما يُعبر عنه أحد الشعراء عندما يقول: وإنما أولادنا بيننا أكبادنا تمشي على الأرض لو هبت الريح على بعضهم لامتنعت عيني عن الغمض فلئن كان من شأن الأبوين أن يبلغ حنوهما على أولادهما أن تمتنع أعينهما عن الغمض بمجرد هبوب الريح على بعضهم، فكيف إذا كانت الأعمال التي يرتكبونها تعرضهم لدخول نار جهنم والعياذ بالله؟ أما كان الواجب على هؤلاء الآباء والأمهات أن يشفقوا جميعاً على أبنائهم وبناتهم من الوقوع فيما يدفع بهم إلى عذاب الله؟ أليس ما يكون من انجراف الأولاد أولى بإثارة الشفقة التي في نفوسهم؟ فعلى الكل أن يُفكر في ذلك وأن يحرص على أفلاذ كبده بأن تكون ثمرات طيبة له في الحياة وأن تكون معه في دار الخلد ليكونوا جميعاً من الذين قال الله وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَنْهُمْ ذُرِّيَّهُم بِإِيمَن أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَمَا أَلَنْتَهُم مِّنْ
فيهم
عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ} [الطور: 21].
ما رأيكم في السفر مع العائلة إلى دولة أخرى من أجل الفسحة والاستمتاع، هل يعد ذلك من تضيع المال؟
هذا الأمر يختلف باختلاف الأحوال التي تكتنفه، فإن السفر قد يكون لاكتساب منفعة، وذلك عندما يسافر الإنسان ليتدبر ما في هذه الأرض من آيات الله، ولدرس أوضاع الناس وليستفيد من النظر في البيئات وهذا
أمر قد يحقق منفعة دينية ودنيوية، قال الله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ [العنكبوت: 20]، وهذا لا ينافي أمر الله تعالى بالمحافظة على المال عندما (2/192)
صفحة 638
فتاوى النكاح
193
يكون الإنفاق قصداً لا إسرافاً، أما إن كان السفر من أجل اللهو ومشاهدة الملاهي، ومن أجل ما يتصور من ترويح النفس بحضور منتديات الفساد ومجامع السوء فلا ريب أن الإنفاق ولو كان شيئاً يسيراً في مثل ذلك يعد سَرفاً وتضييعاً لنعمة المال، وكذا إن كان يتعرض في سفره لأمور تتنافى مع التربية الإسلامية التي يربي الإسلام بها أبناءه، كأن الإسلام بها أبناءه، كأن يخرج بأولاده إلى الأماكن التي تشاهد فيها العورات وتظهر فيها الصور الماجنة وضروب الخلاعة، ودفع أي نفقة من النفقات في ذلك ولو كان شيئاً يسيراً هو إضاعة للمال وكفر بما أنعم الله به.
كما نعلم أن الأم أعطيت تفضيلاً أكثر من الأب، فهل يعني هذا أن ينحاز الأولاد مع أمهم إذا ما احتدم خصام ونزاع بين الأب والأم؟ عليهم أن ينحازوا مع الحق، فحيثما كان الحق فعليهم أن يكونوا معه، وقد أوصى القرآن الكريم عندما يقع خلاف الأبوين وبين الأجانب الأبعدين بين أن يكون الإنسان مع الحق فلا يُراعي أبوة أب ولا أمومة أم ولا قرابة قريب ولا صداقة صديق ولا صلة واصل وإنما يرعى الحق وحده، فالله تعالى يقول: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُن غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا} [النساء: 135]، ويقول: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة: 8] فالناس مأمورون بأن يكونوا مع الحق، وهذا معنى القيام بالقسط والشهادة بالقسط والقيام الله، فانحياز الأولاد مع أمهم - إن كان الحق مع أبيهم - يُعد جوراً، وكذلك انحيازهم مع أبيهم - إن كان الحق مع أُمهم ـ يُعد (2/193)
صفحة 639
194
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
جوراً، وإنما عليهم أن يمسكوا العصى من الوسط، بحيث يكونون منصفين بين أبيهم وأمهم، بل يكونون منصفين بين الأب والأم من ناحية وبين سائر الناس من ناحية أخرى، والله تعالى أعلم.
في
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الجنة تحت أقدام الأمهات»، هل هذا تلك الأم التي تربي وتنشاء أطفالها على الدين الإسلامي والقيم الأخلاقية الصحيحة، أم يشمل الأم غير المحجبة التي تظهر بصورة غير حسنة أمام أطفالها فتعلم أطفالها وأولادها عادات غير حسنة مثل تعويد بناتها عدم الحجاب ولبس الثياب القصيرة وتبعدهم عن الدين الإسلامي وتعلمهم سماع الأغاني والموسيقى، وهل تقتصر كلمة الأم على التربية
والسهر فقط؟ إن الله تبارك وتعالى فرض حقوقاً واجبة على الأولاد لآبائهم وأمهاتهم، إلا أن حق الأم أعظم من حق الأب بدلالة القرآن الكريم، وبدلالة الحديث الشريف عن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، فالله تعالى يقول: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنَّا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23، 24]، فقد قرن الله سبحانه هنا بر الوالدين بعبادته، وفي هذا ما يدل على أن برّ الوالدين يأتي في الدرجة الأولى في الأعمال الصالحة، وحذر سبحانه من أي تقصير في حقهما، حتى أن الولد ليس له أن يتأفف من والديه أو من أحدهما إذا بدرت منهما بادرة سيئة في حالة كبرهما، إذ الكبر مظنة ذلك، إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُبِ أي لا تتأفف ولا تتضجر مما يصدر منهما، فليس للولد أن يُقابل هذه البوادر إلا (2/194)
صفحة 640
فتاوى النكاح
195
برحابة صدر، وأن يتذكر الحالة التي كان عليها وهو طفل صغير وهما يحنوان عليه ويربيانه بالعطف والحنان والرأفة والشفقة يتمنيان له السعادة ويحرصان على أن يكبر ويبلغ أشده في سلامة وعافية ونعمة سابغة وراحة شاملة، ويبين تعالى أن حق الأم أعظم من حق الأب من خلال ما ذكره في كتابه العزيز من تضحيات الأم التي لم يكن للأب مثلها وذلك بعد أن وصى بهما جميعاً حيث يقول تبارك وتعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَنا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهَا وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ، ثَلَثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15]، بهذا يبيّن أن حقها أعظم من حق الأب فأنى له أن يكون حمله كرهاً ووضعه كرهاً وإنما حمله حفا ووضعه شهوة، وقد جاء الحديث الصحيح صريحاً بما أشارت إليه الآية الكريمة، ذلك أن رجلاً جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله أي الناس أحق مني بحسن الصحبة؟، قال له: «أُمك»، قال: ثم من؟ قال له: «أُمك»، قال: ثم من؟ قال له: «أُمك»، قال: ثم من؟، قال له: أبوك ثم الأقرب فالأقرب»، فذكر حق الأم ثلاث مرات وذكر حق الأب مرة واحدة، وعطفه على حق الأم بثم التي تقتضي المهلة والترتيب، وهو يكاد يكون نصاً على أن حق الأم أعظم من حق الأب، هذا وقد جاء في كتاب الله ما يدلّ على أن حق الوالدين لا يسقط بعصيانهما بل حتى ولو كانا مشركين يعبدان الصنم ويسجدان له ويخضعان لمعبود غير الله فإن هذا الحق يبقى لهما، وهذا من تعظيم الإسلام لحقهما وتنويهه بقدرهما فإن الله تبارك وتعالى أيضاً: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ، وَهَنَّا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَلِدَيْكَ إِلَى الْمَصِيرُ} [لقمان: 14]، فقد أمر سبحانه في هذه الآية بمراعاة حق الأبوين جميعاً ثم بين تضحيات الأم التي تستوجب التميز في مراعاة حقها بقوله: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَلُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَلِدَيْكَ إِلَى الْمَصِيرُ، ثم بين حكم ما إذا (2/195)
صفحة 641
196
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
كان الوالدان على الشرك وكانا يدعوان ولدهما إليه فإن عليه ذلك أن مع رهما من ناحية أداء حقهما وعليه أن يجتنب ما يدعوانه إليه من الشرك، يبرد وإن شئت قلت اعصهما فيما يدعوانك إليه من الشرك أو من معصية الله ولكن صاحبهما في الدنيا معروفاً، وَإِن جَهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبَهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إلى} [لقمان: 15]، فخروج الأم عن منهج الله لا يسقط حقها من ناحية برّها والإحسان إليها ومواساتها والتلطف بها وعدم إيذائها، ولكن مع هذا كله على الولد ـ ذكراً كان أو أنثى - أن
لك
به
الله
يتبع منهج طاعته وأن في
يعصي
أمه
التي تدعوه إلى مخالفة الحق هذا ولم يثبت عند أهل الحديث حديث:
الجنة تحت أقدام الأمهات»، وإنما في غيره مما ثبت كفاية.
ما هو
اللفظ المناسب لمناداة الوالدين وهل تسميتهما باسمهما لضرورة
يُعد عقوقاً؟
هذه المسألة كثُر فيها الأخذ والرد، فقد قال كثير من العلماء بأن مناداة أو ذكر الوالد باسمه أو بكنيته يُعد عقوقاً، وقيل غير ذلك، إلا أننا نجد في الروايات أن أُم المؤمنين عائشة لا تقول: «مروا أبا بكر فليصل بالناس»، مع أم أبا بكر، وفعل الصحابة ـ رضي الله تعالى عنهم - خصوصاً في مثل هذه الأمور التي تعم بها البلوى يُعد بمثابة الأمر المرفوع، أي حكمه حكم الحديث المرفوع إلى النبي الله، ولكن الأعراف تراعى في ذلك، فقد
يستساغ في عصر أو في مجتمع ما لا يستساغ في غيره، ومن المعلوم أن الناس يستنكرون الآن ذكر أحد والده أو مناداته باسمه أو كنيته، فلذلك نرى وجوب اجتناب ذلك، لأنه حسب أعراف الناس ينم عن الإهانة وعدم الاكتراث به، والله تعالى أعلم. (2/196)
صفحة 642
فتاوى النكاح
197
أمي سليطة اللسان وامتنعت أنا وإخوتي عن الكلام معها ويمر علينا الشهر والشهران بدون أن نفتح فمنا معها ليس هجراً منا لها ولا نضمر لها العداوة ولكن رأينا عدم الحديث معها يكف عنا الضرب والشجار والكلام الذي ليس منه فائدة، فهل علينا شيء في عدم الحديث معها طيلة هذه الفترة؟ وهل علينا وزر عندما ندعو عقب الصلاة: «اللهم لا
تجعلنا مثل
أمنا»؟
لا حرج عليكم في ذلك لأنكم تدعون لأنفسكم بالخير، فكونكم مثل أُمكم وهذه صفاتها إنما هو شر لكم، فإن لسان الإنسان هو الذي يؤدي به إلى نار جهنم والعياذ بالله، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال له معاذ له: أننا مؤاخذون بما نتكلم به يا رسول الله؟ فقال له: «ثكلتك أُمك وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟!»، فليس للإنسان أن يطلق لسانه بل عليه أن يضبطه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبينها تهوي به في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب، وأما ترك الكلام مع الأم فإن كان يمكن دفع شرها بدونه فلا يجوز ذلك، أما إن كان شرها مستطيراً بحيث لو تحدث أولادها معها بأي حديث لأدى بهم ذلك إلى أن ينفلت عليهم شرها فلا حرج عليهم في اتقاء الشر بترك الحديث إليها مع عدم قصد الهجران، والله تعالى أعلم.
عنهم
ما قولكم فيمن قالت لابنها بسبب غضبها عليه: حرمت عليك الحليب الذي شربته مني في صغرك وحرمت عليك أن تتبع جنازتي بعد موتي فماذا يلزمها؟
بئس ما قالت فإن الذي يحلل ويحرم هو الله سبحانه: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا (2/197)
صفحة 643
198
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِنَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، فليس لأحد أن يحرم على نفسه ما أحله الله فضلاً عن تحريم ذلك على الغير، فعليها التوبة إلى الله وكل مما قالته، والله يعفو على التائبين، ولا يحرم قولها شيئاً مما أحله الله، والله أعلم.
أمي عصبية جداً وهى تغضب لأتفه الأمور، وعندما تؤنبنا لا تمسك لسانها عن الشتم والدعاء بالشر، وهذا يبعث فينا أنا وإخوتي الغضب، لذلك نرفع أحياناً صوتنا عليها، فما حكم ذلك؟
عليكم خفض الصوت بقدر المستطاع، وما كان خارجاً عن الإرادة فنرجو فيه المعذرة من الله مع الاستغفار والإنابة إليه.
لالالاله
هل يجب علينا أنا وإخوتي طاعة أُمنا عندما تأمرنا بقطع صلة الأرحام مع خالاتنا وعماتنا وجدتنا من أُمنا؟
ما أغرب هذه الأم، إنها تأمر بقطيعة أمها التي ولدتها!!، ولا طاعة لمخلوق
في معصية الخالق.
امرأة صار بينها وبين ولدها خلاف وإثر غضبة غضبتها قالت: «إذا اشتغلت وأكلتُ من مالك بحجة إلى بيت الله الحرام حافية فماذا
عليها؟
هذا كلام في منتهى السخف، وعبارته في منتهى الركة ومعناه في منتهى الغموض، ومثل هذا الكلام يقوله الجهلة كثيراً، فهم يقولون ما لا يعلمون ويهرفون بما لا يعرفون، فلذلك لا نستطيع أن نتصور معنى كلامهم، فيأتون في عبارتهم بكلمات لا ندري هل هي تعليق أو قسم، لأنها تجمع بين (2/198)
صفحة 644
199
فتاوى النكاح
القسم،
ألفاظ التعليق وبين ألفاظ القسم، فمثلاً يقول القائل إن فعلت كذا بحجة أو إن فعلت كذا بطلاق فلم يكن كلامه صريحاً في التعليق، إذ التعليق يقتضي الإتيان بأداة التعليق مع جملة الشرط وجملة الجواب، وهنا لا نجد جملة الجواب وإنما نجد بعد ذلك ما يشبه القسم، وليس ذلك أيضاً صريحاً في لأن القسم هو أن يأتي الإنسان بحرف القسم وفعل القسم سواء كان مضمراً أو ظاهراً ويتبع ذلك جواب القسم، وهنا لا نجد جملة الجواب، فلا ندري ما معنى هذا الكلام، وهي مخطئة على كل حال من الأحوال، ولكن قد نتصور المعنى لو قالت مثلاً: «بحجة حافية لا أفعل كذا» فإنها أقسمت بحجة وقسمها بغير الله تعالى من المعاصي التي يجب عليها أن تتوب منها، ولكن لا يترتب على ذلك وجوب الحج عليها، لأن هذا إنما هو قسم، ولو قالت: «أقسمت بحجة حافية إنني لا آكل من مالك»، فهذا قسم بغير الله يجب على صاحبه أن يتوب منه، ولا يترتب عليه وجوب ما أقسم به، لأنه كما لو أقسم بالصلاة لم تجب عليه الصلاة إلا الصلاة المفروضة، ولو أقسم بالزكاة لم تجب عليه زكاة إلا الزكاة المشروعة، أما لو جاءت بجملة الشرط وجملة الجواب كما لو قالت مثلاً: «إن فعلت كذا فعلي حجة حافية»، أو كان هذا القصد من كلامها وهذا هو الظاهر ففي هذه المسألة وقع الخلاف بين العلماء هل يلزمها أن تفعل ما ألزمته نفسها فتجب عليها حجة أخرى غير حجة الفريضة بسبب هذا الإلزام الذي ألزمته نفسها، ولكنها ألزمت نفسها أن تحج حافية وهي ليست بإمكانها ذلك فماذا تفعل؟ قيل عليها أن تحج في هذه الحالة حجتين أولاهما عن التعليق والثانية عن تقييد حجتها أن تكون حافية فيها، وقيل تكفي واحدة، ومنهم من قال بأن هذا بمثابة اليمين وتلزمها كفارة يمين لما فعلته وما عليها إلا
حجة الفريضة الواجبة، وهذا قول فيه رفق ورحمة، والله تعالى أعلم. (2/199)
صفحة 645
200
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
ما حكم الشرع الشريف في امرأة هجرت والدتها لأن الأم تتكلم في عرض البنت ويشهد الله أن البنت بريئة، فماذا تصنع؟
الإنسان مأمور أن يبر والديه مهما كانت إساءتهما ومهما كان صنيعهما وشرهما، فإن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه الكريم: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمَّهُ، وَهَنَّا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَى الْمَصِيرُ وَإِن جَهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبَهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَى} [لقمان: 14، 15]، فالله تعالى يوجه عباده في هاتين الآيتين إلى بر الوالدين، مع التذكير بالتضحيات التي قدمتها الأم حيث حملته وهناً على وهن ثم كان بعد ذلك فصاله في عامين، وألزم الولد أن يشكر ربه الله وأن يشكر والديه، ثم مع هذا نبه على أن الوالدين إن جاهدا الولد من أجل أن يشرك مثلهما، إن كانا مشركين فليس له أن يُطيعهما في ذلك، بل عليه أن. يتبع سبيل من أناب إلى الله، ولكن مع ذلك عليه أن يُعاملهما بالمعروف في هذه الحياة الدنيا، وفي قصة إبراهيم الأسوة للأولاد الذين يبتلون بالآباء والأمهات الذين هم على هذا النحو، فالله تبارك وتعالى يقول: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَبِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِيقًا نَبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَنَابَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا * يَتَأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَطًا سَوِيًّا * يَابَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَنَّ إِنَّ الشَّيْطَنَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيَّا يَتَأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَنِ وَلِيًّا * قَالَ أَرَاغِبُ أَنتَ عَنْ وَالِهَتِي يَنَإِبْرَاهِيمُ لَإِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّا * قَالَ سَلَمُ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَان بِي حَفِيَّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ
بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا} [مريم: 41 - 48]، هكذا كان التلطف من قبل إبراهيم (2/200)
صفحة 646
فتاوى النكاح
201
في معاملته لأبيه القاسي الشديد مع ما كان عليه الأب من الجفاء في المعاملة فضلاً عن الإشراك بالله، فعلى هذه أن تتلطف في معاملتها لأمها، أما إن كان الأمر وصل إلى حد أن تكون كلما اجتمعت بأمها وجدت أذى شديداً فلا مانع أن تتفادى هذا الأذى بالانقطاع عن الأم من غير قصد القطيعة مع الحرص على الإحسان إليها ببرها بالمعروف من خلال ما تُرسله إليها من المال، وما تُعينها عليه من الخير، ولتحرص على نصحها وتوجيهها بقدر المستطاع، والله تعالى أعلم.
امرأة عاداها والدها معاداة شديدة وحرّم ما يصل إليه منها وقطع صلته بها، وذلك دون أي سبب، والمرأة والمرأة متحيرة في أمر والدها رغم أنها تطيعه ولا تعصيه في شيء وحاول أهل الصلح الإصلاح بينهما بدون فائدة، فماذا تنصحوها أن تفعل؟ هذا الأب غليظ الكبد قاسي الفؤاد ليس فيه رحمة إن كان بهذا الوصف، وإلا فالإنسان المؤمن هين لين وخيركم خيركم لأهله»، إذ على الإنسان أن يُعامل أسرته معاملة طيبة تفيض بالرحمة وتتدفق بالحنان لا أن تكون معاملته جافة شديدة عنيفة، ثم تحريمه ما يصل إليه منها دليل جهله، إذ المحرم هو الله وعمل وإقدام الإنسان على تحريم ما أحل الله هو كفر لأنه افتراء على الله كما قال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِنَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، ولكن مع ذلك على الولد مهما أساء والده بل ولو كان من الكفرة أن يحسن معاملته، فهي بطاعتها له وبرها إياه أحسنت فيما بينها وبين الله وليس عليها من تصرفه هذا شيء، وإنما شر ذلك ينقلب عليه
ويبوء بوزره. (2/201)
صفحة 647
202
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
أب يمنع ابنته من الالتقاء بأمها المطلقة وكذلك يمنعها من صلة أبيه
الذي هو جدها؟
عليها أن تبر أُمها وتصلها رضي أم كره فليس لها أن تطيعه في معصية الله تعالى وعليها أن تصل جدها وسائر أرحامها.
أنا سيدة متزوجة وموظفة، ومن نغص علي عيشي وقلب حياتي جحيماً وأحال شمسي ظلاماً وأبدل سروري تعاسة هو - للأسف الشديد - والدي سامحه الله، فقد اشترط علي تسليمه راتبي كاملاً، وكذلك التحكم في كل، مصروفاتي، فهذا أقتنيه وذلك لا أشتريه ولا يسمح لي إلا بما يريد، ولله الحمد لا أخالف الدين في ما أصرفه من مال وأستشير زوجي وهو راض تماماً ولكن أبي يضيّق علي الخناق ويزيد في شروطه ومتطلباته رغم أني لم أقصر في حقه وأدفع له كل شهر مبلغاً من المال، ما هي نصيحتكم؟ نصيحتنا للأب أن يتقي الله، وأن لا يكون جشعاً، وأن لا يفرض على ابنته ما لا تطيق وما لا تقوى عليه، وأن يحرص على تجنب هذا الطمع، المرذول، الذي يجعل الإنسان جشعاً على المال جشعاً يتعدى الحدود ويخرج عن المألوف، ومما يؤسف له أن كثيراً من الآباء يساعدون أولادهم على عقوقهم، ومثل هذا التصرف من هذا الأب مدعاة للعقوق، والمرأة أحق بما تملك نعم إن كان أبوها في حالة عجز ولا يجد ما ينفقه على نفسه فعليها أن تنفق عليه بقدر طاقتها مع بقية إخوتها لا أن تتحمل هي وحدها العبء والتبعة، وإن كان قادراً على الاكتساب أو كان عنده مال يأتيه من قبله فعليه أن يقنع بما رزقه الله، وأن لا يكلف ابنته هذه الكلفة ريع
الشاقة الصعبة، والله المستعان. (2/202)
صفحة 648
فتاوى النكاح
203
في
يبيع
هل يجوز للأب أن يأخذ من راتب ابنته التي تعمل ولها راتب شهري ولكن دون علمها وما الحكم إذا كانت راضية بذلك أو غير راضية؟ الحديث أن رجلاً شكا أباه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يأخذ من ماله فسأل النبي صلى الله عليه وسلم الأب فاستعبر من ذلك وبكي بسبب انه ربى هذا الولد حتى كبر وما كان يأخذ من ماله إلا ما يحتاج إليه لضرورته، فرق النبي صلى الله عليه وسلم للأب وقال للولد: أنت ومالك لأبيك»، وهذه الحجة استند إليها من قال بأن الأب يأخذ ما شاء من مال ولده، ولكن من العلماء من نظر إلى أن قوله: «أنت ومالك لأبيك»، يعني الانتفاع لا المُلك، لأن رقبة الولد رقبة حر والحر لا يُملك، ولما كانت رقبة الحر لا تُملك ولا يجوز للأب أن ابنه فكذلك ماله حكمه كحكمه، بناءً على أن المعطوف يعطى حكم المعطوف عليه، وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم إلى ثمانية أقوال أو أكثر، ولكن ينبغي أن يُنظر فإن كان الأب محتاجاً ويأخذ من المال لحاجته لا لأجل التمول والاستكثار من المال ولا لأجل أن يقلل المؤونة على نفسه ويحملها على ابنه أو ابنته فلا مانع أن يأخذ بقدر حاجته الضرورية التي لا مناص له منها، فإن أولى من يقوم بحق الأب وبحق الأم ويكفيهما حاجتهما الولد ذكراً كان أو أنثى، أما إن يُرهق الولد بما يأخذه من ماله مع أنه غير محتاج وعنده الكفاية فذلك هو ما سماه الإمام موسى بن أبي جابر الله باللصوصية، وقال: «إن الأب الذي يعتدي على مال ابنه من غير أن يكون محتاجاً إليه يعد لصاً».
إذا أخذ الأب مهور بناته، فماذا عليه بعد مرور أعوام كثيرة؟ عليه أن يرد إليهن ما أخذه منهن فإن الذنب كما جاء في حديث النبي ذنبان، ذنب بين العبد وربه وذنب بين العبد وصاحبه، فأما الذنب الذي بينه (2/203)
صفحة 649
204
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
وبين ربه فمن تاب منه كان كمن لا ذنب له، وأما الذنب الذي بينه وبين العباد فلا توبة له حتى يرد المظالم، سواء أكان هذا المظلوم قريباً أو بعيداً والداً أو ولداً فإنه كيفما كان عليه أن يتخلص إليه من حقه إلا إن سامحته من رغبتها من غير إكراه ولا حياء.
كيف يستطيع الإنسان أن يوازن بين البراءة من أحد والديه لإصراره
على الكبائر دونما توبة وبين طاعة الوالدين واحترامهما؟
الطاعة للوالدين تكون في غير معصية الله الله، والبراءة في القلب ولا يلزم أن تكون إعلاناً، ولكن لا بد أن يظهر الكراهة له ولفعله وعدم الانسجام معه ما دام مصراً على معصية الله تعالى، قال الله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُا أَوْ
تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 135]، فإن الحب في والبغض في الله أوثق عرى الإيمان، فتبرؤ الإنسان من والديه أو من أحدهما لا ينافي طاعتهما ومصاحبتهما في الدنيا معروفاً، فالله تعالى قال في الوالدين المشركين: وَصَاحِبَهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفَا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَى [لقمان: 15]، ومن اتباعه سبيل من أناب إليه البراءة منهما لأن الله تعالى قال: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ} [الممتحنة: 4]، وقد تبرأ إبراهيم علية من أبيه كما هو معلوم.
ذلك؟
فتاة تقول لأبيها دائماً (أف) وتتكرر هذه الكلمة منها، فما حكم على كل من الابن والابنة أن يتقيا الله تبارك وتعالى، وأن يراعيا حق أبويهما، فالله تعالى يقول: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ (2/204)
صفحة 650
فتاوى النكاح
205
عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صغيرًا} [الإسراء: 23، 24]، فالوالدان حقهما كبير ولذلك قرنه الله تبارك وتعالى بحقه، وعطفه عليه، وقرن الوفاء بحقهما بعبادته وترك الإشراك به سبحانه وتعالى، وهذا كله مما يؤكد عظم حقهما، فلذلك كانت كل كلمة يقولها الولد ذكراً كان أو أنثى في حق أبيه أو في حق أُمه مما يدل على تضجره وتأففه تُعد عقوقاً، كما قال تعالى: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُيّ، لأن الكبر هو مظنة أن يصدر منهما ما يبعث التضجر في نفس الولد وهذا لا يعني أنه يجوز أن تقال لها هذه الكلمة قبل أن يبلغا الكبر وإنما ذكر الكبر هنا لأن الكبير دائماً تصدر منه تصرفات محسوبة على أخلاقه وعلى شمائله وقد يشمئز منها الولد، لأن الكبر له أثر على العقل والسلوك، إذ لا يكون حال الإنسان في الشيخوخة كحاله في الشباب، وكذلك في حالة السقم لا يكون كما هو في حال صحته، و ه، ومع ذلك كله ليس للولد أن يقابل هذه التصرفات بشيء من التضجر ولو كان ذلك بمجرد قوله لهما أف، وقد قالوا بأن كلمة أف تشمل كل ما يصدر من الإنسان من إظهار عدم الارتياح إلى ما صدر من الوالد ولو كان مجرد تصعيد نفس، ومن هنا فإن قول هذه الفتاة لوالدها كلمة أف وتكرارها له يعدُّ عقوقاً، وندعوها إلى التوبة إلى الله سبحانه وإلى إرضاء والدها وبرها به والقيام بحقه، مع أننا أيضاً ندعو والدها إلى أن لا يعرضها للعقوق، فإن بعض تصرفات الآباء والأمهات قد تكون معرضة لأولادهم لعقوقهم، فننصح هؤلاء وهؤلاء بأن يكونوا عوناً لبعضهم البعض على طاعة الله سبحانه وتعالى، وأن يحرصوا على تقوى الله، وحسن المعاملة، والله
تعالى أعلم. (2/205)
صفحة 651
206
ما
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
نصيحتكم للشباب الذين يضربون أُمهاتهم؟ هي
بئس ما يفعلون وساء ما يرتكبون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فالأم لها مكانة عظيمة في الإسلام فقد قرن الله تبارك وتعالى حق الأبوين بحقه في أكثر من موضع من كتابه الكريم، ومع ذلك ـ أي مع تنويهه بحق الأبوين كليهما ـ بين التضحيات العظيمة التي قدمتها الأم، فالله الله يقول: وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَنًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15]، ويقول ل أيضاً: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَلِدَيْكَ إِلَى الْمَصِيرُ [لقمان: 14]، وقد جاء حديث النبي صلى الله عليه وسلم نصاً صريحاً يدلّ على ما أشارت إليه الآيتان الكريمتان .. من أن حق الأم أعظم الحقوق بعد حق الله تبارك وتعالى، فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: يا رسول الله أي الناس أحق بحسن صحابتي؟ فقال له «أُمك». قال له: ثم من؟ قال له: «أُمك»، قال له: ثم من؟ قال له: «أمك»، قال له: ثم من؟ قال له: «أبوك ثم الأقرب فالأقرب»، فبين حق الأم وذكره ثلاث مرات ثم عطف عليه حق الأب مرة واحدة، وثم تقتضي المهلة والترتيب، فهل من حق الأم أن تُضرب بعد هذه التضحيات
العظيمة وما غمرت به الولد من العطف والحنان وما شملته به من البر والإحسان؟!! إن هذه جرأة ليست بعدها جرأة ووقاحة لا تضاهيها وقاحة وعقوق هو أعظم عقوق، فعلى هؤلاء أن يتقوا الله، ولئن كان الوالد ليس من حقه التأفف من فعل والده فكيف بالضرب؟؟!! والله تعالى المستعان.
ما قولكم في رجل يفضل زوجته على والدته ويسخط إذا قالت كلمة لزوجته، ويؤدي ذلك إلى خصام بين والدته وبين زوجته؟ الوالدة أعظم حقاً، وأولى بأن تبرّ وأن تقدّم وتراعي ويحافظ على حقها، (2/206)
صفحة 652
فتاوى النكاح
207
فإن أعظم حق على الرجل إنما هو حق أمه، فعليه أن يتقي الله تبارك وتعالى في هذا الحق وأن يحافظ عليه، وللزوجة أيضاً حق، ومن حقها ألا تكون عرضة لأن تمتهنها الأم وأن تؤذيها وتجرح مشاعرها، فلكل واحدة منهما حق يجب أن يوفي كاملاً غير منجوس، فليس له أن يسخط أُمه لإرضاء زوجته من غير أن تكون الأم ارتكبت شيئاً مما يخل بالحقوق الواجبة للزوجة، وفي نفس الوقت أيضاً عليه أن يرشد أُمه بالنصح وبالكلمة الهادئة الهادفة إن وجد منها حيفاً على الزوجة أو قالت لها كلاماً جارحاً بأن ذلك ليس من حقها وأن إساءتها تنقلب عليها.
رجل غير اسم ولده إلى اسم آخر لأنه يظن أنه سوف يتحسن في تصرفاته فما حكم ذلك؟
التصرف ليس مقروناً بالأسماء، نعم الأسماء الحسنة مطلوبة وينبغي إن كان اسمه غير حسن كأن يكون اسمه مثلاً نويرة أو شقي أو أمثال هذه الأسماء أن يُغيره إلى اسم حسن كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن مع ذلك كله ليست
الأسماء سبباً للاستقامة أو للانحراف، والله أعلم.
كيف يمكن للمرأة أن تبرّ والديها وهي بعيدة عنهما؟
تبرهما بالدعاء لهما وبالاتصال بهما والسؤال عن حالهما، وإرسال الهدايا
إليهما مع إمكان ذلك، والله أعلم. (2/207)
صفحة 653
208
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
علاقة المرأة بأرحامها غير المحارم
هل يجوز للمرأة أن تتعطر وتتطيب لزوجها في المنزل وإخوانه
موجودون؟
إن كانت لا تخرج إليهم وإنما تكون في داخل المنزل فلا حرج في ذلك.
ما نصيحتكم للرجل الذي يسكن زوجته مع إخوانه مع العلم أن إخوته
غير مستقيمين؟
عليه أن يتقي الله وأن يصون أهله وأن يبعدهم عن مظان الريب، والله أعلم.
هل يجوز مصافحة خال الأب أو خال الزوج؟
أما خال الأب فهو ذو محرم، وأما خال الزوج فهو أجنبي لأنه يجوز له أن
يتزوجها.
لماذا لا يجوز للمرأة أن تصافح إخوان زوجها وهم في منزل واحد؟ أجنبيون منها، فعليها أن تحترز منهم كما تحترز من بقية الأجانب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن حمى المرأة أي أخي زوجها فقال: «الحمو الموت»، وذلك لخطورته على المرأة إن تهاونت في اتقاء شره، والله أعلم. (2/208)
صفحة 654
فتاوى النكاح
209
ما حكم مصافحة المرأة الكبيرة في السن والمتزوجة لابن عمها أو ابن خالتها، أو أحد أقاربها علماً بأنهم كبار السن؟
لنا في النبي صلى الله عليه وسلم قدوة حسنة، فقد جاءت النساء المؤمنات يبايعنه صلى الله عليه وسلم فقلن له: «يا رسول الله هلم نبايعك»، فقال: «إني لا أصافح النساء»، وما كانت بيعته للنساء أو بيعة النساء له إلا نطقاً باللسان من غير أن تمتد يده إلى أيديهن أو تمتد أيديهن إلى يده، وقد قالت السيدة عائشة: «إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصافح امرأة أجنبية قط»، فيجب الاقتداء به، وعلى الكل أن يتقي الله، فإنه لا يدري ما هي أسباب الفتنة، وقد تكون هذه المصافحة من أسباب الفتنة التي يشق على المرء إطفاء سعيرها، والله أعلم.
حكم مصافحة أرملة العم ومطلقته كذلك؟
زوجة العم ومطلقته وأرملته هي ليست من ذوات المحارم، إذ يجوز لابن الأخ أن يتزوج امرأة. عمه بعدما تنفصل عنه بطلاق أو وفاة، وكذلك امرأة الخال يجوز لابن الأخت أن يتزوجها، وكذلك امرأة ابن الأخت يجوز لخاله أن يتزوجها، وامرأة ابن الأخ يجوز لعمه أن يتزوجها، فليست هنالك حرمة بينه وبينها، لذلك كانت مصافحته إياها غير جائزة، والله تعالى أعلم.
هل يجوز تقبيل المحارم، ومنهم زوج الأم، لأنه يقال أنه بمثابة العم، وإن كان لي إخوة منه ومن أُمي، فما الجواب في ذلك؟
يجب تجنب كل ما يثير فإذا كان هذا التقبيل يؤدي إلى إثارة فيجب تجنبه ولذلك كره بعض العلماء أن تبدي المرأة شيئاً من زينتها عند أخيها من الرضاع إذا كان هذا الأخ غير ثقة، حتى لا تحصل إثارة من قبله، أما إن لم تكن إثارة فأرجو أن لا يضيق ذلك. (2/209)
صفحة 655
210
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
ما حكم مصافحة الزوجة لأخوال زوجها؟
أخوال الزوج وإخوته وأعمامه كلهم أجانب من زوجته فلا تجوز لهم مصافحتها، ولا يجوز لها مصافحتهم، وذلك أنه لو مات عنها الزوج أو حلالاً لكل واحد منهم، فكيف مع ذلك يصافحونها؟ وأما
طلقها تصبح
المحارم الذين تجوز المصافحة بينهم وبين ذات المحرم منهم فهم الأب والجد وإن علا، وابن الابن وابن البنت وإن سفل، وكذلك الأخ وابن الأخ وابنه، وابن بنت الأخ وهلم جرا وكذلك أبو الزوج، وابن الزوج وكذلك الخال والعم ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» كما دل على ذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم مع دلالة القرآن على حرمة الأخوات والأمهات من الرضاع وزوج الأم وإن علت وزوج البنت وإن سفلت وأبو الزوج وإن علا وابنه وإن سفل، والله أعلم.
ما حكم الإسلام في مقاطعة الأرحام إذا كانوا لا يقيمون حدود الله ولا يصلّون ويشربون الخمر؟ وما حدود العلاقة في ذلك؟
مثل هؤلاء ينبغي أن ينصحهم بقدر مستطاعه فإن أيس من صلاحهم فليقطعهم تأديباً ولا ينو قطيعة للرحم ولكن ردعاً لهم عن عملهم الذي يعملون حتى يرجعوا إلى حدود الله، والله أعلم. (2/210)
صفحة 656
فتاوى النكاح
الحضانة
211
أُمه
التي يحددها
امرأة طُلقت ولديها طفل، كم فترة حضانة الطفل مع الشرع؟ وكم النفقة التي يحددها الشرع؟ أما الحضانة فبحسب ما تكون المصلحة، فإن كان الطفل بحاجة إلى أمه فهي أولى به ما لم تتزوج، وبعد ذلك تنظر مصلحة الطفل، فإن كانت مصلحته عند أبيه فأبوه أولى به على أن لا تحرم أمه، لأن حرمانها من زيارته مما يدخل في الإضرار، والله تعالى يقول: {لَا تُضَارَ وَالِدَةُ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البقرة: 233]، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر
ولا ضرار في الإسلام»، وإنما تعتبر المصلحة عندما يبلغ الطفل إلى هذه المرحلة نظراً إلى أن هدف الشارع في جميع أحكام الشرع إنما هو المصلحة، ومقاصد الشريعة مبنية على اعتبار المصالح، وذكر بعض العلماء أن أحد القضاة من أولى في العهود السابقة اختصم له رجل وامرأة في ولد لهما فخير القاضي الولد بين الأم والأب فاختار الأب، فقالت الأم: «سله لماذا اختار أباه ولم يخترني؟»، فسأله: لماذا اخترت أباك ولم تختر أمك؟»، قال «لأن أمي تحملني إلى الكتاب لأتعلم، والأب يتركني ألعب»، فقال له: «إذا الحق بأمك أولى بك منه»، لأن الأم كانت حازمة وكانت تسعى إلى مصلحة الولد، أما الأب فكان يطلق له الحبل على الغارب، ولم تكن تربيته تربية
فهي (2/211)
صفحة 657
212
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
سليمة، لذلك رأى هذا بأن يلحقه بأمه من أجل مراعاة مصلحته، وأما النفقة
بين
فلا تحدد بمقدار معين لأنها تختلف باختلاف الزمان والمكان، فالنفقات اليوم والأمس أصبحت تختلف اختلافاً كبيراً، لأن متطلبات الحياة تغيرت، وكثير من متطلبات الحياة في وقتنا هذا لم تكن من قبل كالعلاج ووسيلة النقل وغيرها، فلا بد من أن تُراعى الظروف والأحوال، والنفقة تجب على الأب ولو كانت الأم أحق منه بالحضانة باقياً، والله تعالى أعلم.
امرأة مطلقة ولديها أولاد صغار بحاجة للرعاية، فمن أحق بالأولاد
الأب أم الأم علماً بأن الأم تطالب بأولادها .. والأب يعمل برخصة يومين في الأسبوع ومقر عمله في مسقط؟ وهل تجب نفقة على الأب لهؤلاء الأولاد؟
الأم أحق بالحضانة ما لم تتزوج والأب عليه الإنفاق، والله أعلم.
من يستحق تربية الأيتام إذا كانت الأم غير أمينة؛ لارتكابها بعض الأعمال المخلة بالشرف، كما أن والدها متوفى؟ الحضانة للأُم؛ إلا إن ثبت بأدلة مقبولة شرعاً أنها غير أمينة، والله أعلم.
امرأة عاملة لا تتفرغ لأولادها ويخشى زوجها إن طلقها أن يذهب الأولاد عنه فيصبحوا في حضانتها، وامرأة بهذه الصفة يخشى على أولاده منها؟
الأم أحق بالحضانة إن كانت قائمة بواجب الحضانة، أما امرأة تكون خارج البيت لوقت طويل فليست حقيقة بأن تكون حاضنة لهؤلاء الأولاد، فمتى
ترعاهم وتقوم بتربيتهم وإصلاح شؤونهم؟ والله تعالى أعلم. (2/212)
صفحة 658
فتاوى النكاح
213
فيمن طلق زوجته منذ عدة سنوات وله منها طفل بلغ سبع سنوات، ولا يزال الطفل يعيش مع أمه المطلقة التي لم تتزوج منذ أن طلقها والد الطفل، والآن يريد والده أخذه من أمه، علماً بأن أهل المطلقة لا يطالبون
بالنفقة أو أي شيء، فأي من الوالدين أحق بحضانة الطفل؟ جاء في الحديث: «أنت أحق به ما لم تنكحي (1) فالأم أولى به ما لم تتزوج؛ إلا إن ظهرت مصلحته في غير ذلك، والله أعلم.
وجدنا في شرح النيل للإمام القطب (2) هذه الأبيات (3):
وما سقوطها لعذر قد بدا وارتفع العذر تعود أبدا وهي على المشهور لا تعود إن كان سقوطها بتزويج قرن (3)
فما مراده من هذين البيتين؟
مراده بذلك أن الحضانة إن سقط حق المرأة فيها لسبب عذري ثم ارتفع السبب عاد حقها فيها، وإن كان سقوطها من أجل الزواج ثم طلقت، لم يعد وهو رأي المالكية، والعاصمي (4) ـ صاحب النظم ـ مالكي المذهب،
(2) هو
(1) أخرجه أبو داود باب من أحق بالولد برقم 2276/ أحمد، ج 2 ص 182 برقم 6707. العلّامة الحاج محمد بن يوسف بن عيسى بن صالح بن إسماعيل الجزائري، علّامة في التفسير والفقه والأدب، إباضي المذهب، مجتهد كان له أثر بارز في قضية بلاده السياسية، وكانت وفاته في بلدة يسقن، وله أكثر من ثلاثمائة مؤلف منها «تيسير التفسير» و «هميان الزاد وغيرهما ينظر الزركلي، الأعلام ج 7 ص 156.
:
(3) محمد يوسف أطفيش، شرح النيل، ج 7 ص 140. (4) هو القاضي أبو بكر محمد بن محمد بن عاصم الأندلسي الغرناطي، ولد في الثاني عشر من جمادى الأولى من عام ستين وسبعمائة، وتوفي في الحادي عشر من شوّال من عام تسعة وعشرين وثمانمائة ينظر: علي عبد السلام الشولي، البهجة في شرح التحفة، دار الفكر، ج 1 ص 3. (2/213)
صفحة 659
214
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
وأكثر العلماء على أن حقها يعود إليها بالطلاق أو موت الزوج، ومنشأ الخلاف هل المراد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت أحق به ما لم تنكحي» (1) التوقيت أو التعليل، والثاني أرجح، والله أعلم.
امرأة مطلقة ولدها أولاد، يريد مطلقها أن يخرجها من البيت علماً بأن
الزوج يعيش في القسم الثاني من البيت ما الحكم في ذلك؟ إن كانت لها حق الحضانة فهي أولى أن تبقى مع أولادها وترعى مصالحهم وإنما تحرم عليهما الخلوة، فلا يختلي بها ولا تختلي به، والله تعالى أعلم.
(1) سبق تخريجه. (2/214)
صفحة 660
فتاوى النكاح
ثبوت النسب
215
فيمن حكم عليه بالسجن مدة سنة كاملة، ولما خرج وجد امرأته حاملاً في شهرها الرابع، فهل هذا الحمل يلحق الزوج المسجون وهو في سجنه في هذه المدة المذكورة؟
(1)
«الولد للفراش وللعاهر الحجر» (1)، فالولد ولده حكماً ما لم يتخلص منه بلعان ولو يكن من رجل آخر لأن المرأة فراشه، والله أعلم.
فيمن اتهم بالزنا واعترف بعد ذلك بنفسه، وأنجبت المرأة التي زنى بها ولداً، فقام. هذا الرجل ونسب الولد إليه، وآخر له أوراقاً رسمية تثبت ذلك، فهل يجوز ذلك أو لا؟ إن كان لم يتزوج تلك المرأة فلا يلحق به نسباً؛ لأن الولد للفراش وللعاهر الحجر، والله أعلم.
فيمن زنى بامرأة وهي في حال الكفر فولدت منه ولداً ثم أسلمت، فهل يجوز له أن يتزوجها؟ ولمن ينسب الولد؟
إن كانا مشركين في حال الزنى فلا مانع من زواجهما بعد إسلامهما، وإن كان أحدهما مسلماً فلا يحلّ الزواج بينهما بحال، والولد ولد أُمه إن لم تكن فراشاً لرجل، والله أعلم.
(1) حديث الولد للفراش وللعاهر الحجر» أخرجه الربيع باب في الرجم والحدود برقم 609 ابن ماجه باب الولد للفراش وللعاهر الحجر برقم 2004. (2/215)
صفحة 661
[صفحة فارغة] (2/216)
صفحة 662
الفصل السادس
فتاوى الفراق (2/217)
صفحة 663
[صفحة فارغة] (2/218)
صفحة 664
فتاوى الفراق
الطلاق وشروطه
219
حدّد الله تعالى أموراً لكي تأخذ الحياة الزوجية مسارها الصحيح ولكي يهنأ بها الزوجان إلا أن الناس لم يلتزموا بهذه الأمور، كما أنه حدد أموراً للحياة التي بدأت تتصدع، فلا بد أن يسلك الناس خطوات حتى يصلوا إلى المرحلة الأخيرة وهي الطلاق ولا نجد هذه الخطوات في
حياة الناس، فهل يمكن لسماحتكم التحدث عن هذا الموضوع؟ إن الحياة الزوجية حياة تبادل للمشاعر وتقاسم للعواطف، بحيث يشكل الزوجان حقيقة واحدة، وذلك لما يكون بينهما من الانسجام، وهذه الحياة لا بد من المحافظة فيها على الحقوق الواجبة على كل واحد من الزوجين تجاه الآخر، فإن الله الله يقول: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ درجة} [البقرة: 228].
هذا وعندما تتحول هذه الحياة إلى سعير يتأجج باستمرار بحيث تشتعل مشاعر كل واحد من الزوجين ولا يكون هنالك علاج إلا الطلاق يلجأ إليه بعدما تفشل جميع الحلول، وإلا فإننا نجد القرآن الكريم يرشد إلى تفادي الأخير - الطلاق - مهما أمكن تفاديه، فإن الله تبارك وتعالى
هذا العلاج وهو العليم بطبائع عباده وما اشتملت عليه فطرهم أمر بأن يتولى الزوج أولاً علاج المشكلة عندما يكون النشوز من الزوجة لأنه القوام عليها، (2/219)
صفحة 665
220
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
وذلك لما جعل الله له في طبيعة الرجل من القدرة على تسيير دفة الحياة الزوجية ومراعاة ما يكون من قبل المرأة من نشوز، فلذلك يقول الحق سبحانه: وَالَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء: 34]، فيبدأ بالمرحلة الأولى وهي الوعظ الحسن، لما للكلمة الهادئة الهادفة من أثر في النفوس وتحريك للمشاعر وتهييج لعواطف المودة بين الاثنين، ولكن عندما تفشل هذه الكلمة بحيث تكون المرأة مصممة على النشوز ولا يكون للموعظة الحسنة أثر عليها، يؤمر الرجل أن يعالجها علاجاً آخر وهو الهجر في المضاجع لما في ذلك من تأثير عليها، فإن فشل هذا العلاج أيضاً انتقل إلى العلاج الأخير الذي يتولاه بنفسه وهو ضربها ضرباً غير مؤثر ولا مبرح، وهذا هو ضرب الأدب، ويكون بقدر الردع فحسب لا لأجل التشفي والانتقام، فإن التشفي والانتقام لا مكان لهما هنا، فإن تعذر هذا العلاج فهنا تتدخل الأسرتان جميعاً بحيث تنتخب كل واحدة منهما حكماً منها من أجل علاج هذه المشكلة، كما قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [النساء: 35] فينظران في المشكلة كيف نجمت؟ وكيف يكون علاجها؟ وكيف يمكن استئصالها؟ فإن تعذر علاج المشكلة مع اتخاذ هذه الوسائل جميعاً فإن الطلاق يكون مشروعاً.
ولكن كيف يكون هذا الطلاق؟ ومتى يكون؟
أولاً: لا بد من أن يكون الطلاق بالصيغة الشرعية التي أذن الله تبارك وتعالى بها، إذ الله تعالى يقول: {الطَّلَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَنٍ} (2/220)
صفحة 666
فتاوى الفراق
221
[البقرة: 229]، أي الطلاق يوقع عندما يوقعه الرجل مرة بعد مرة، بحيث يوقع في المرة الأولى، ليختبر بذلك نفسه هل يطيق الصبر عن هذه المرأة أو يحس بالندم لما حدث مع إمكان تدارك ما فات لأنه يجد السبيل إلى مراجعتها؟، وتختبر هي نفسها هل بإمكانها أن تستمر بعيدة عن هذا الرجل أو أنها تحس بالندم وتطالبه أن يراجعها؟ كل ذلك من أجل إعطاء كلا الزوجين الفرصة حتى لا يوصد في وجههما الباب، وأما إيقاع الطلاق كله دفعة واحدة فذلك أمر مجانب لما جاءت به الشريعة السمحاء، ومغاير لما أمر الله به من إيقاع هذا الطلاق مرة بعد مرة، فإن راجع كلا منهما نفسه الله وعرف خطأه فيمكنهما تفادي هذه الأخطاء في مستقبل الحياة الزوجية، وذلك بأن يرجع الرجل امرأته إلى عصمته من غير حاجة إلى عقد جديد ما دامت العدة الباقية لأنه أولى بها كما ينص على ذلك قول الله تعالى: وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِهِنَّ فِي ذَلِكَ} [البقرة: 228]، بعد أن قال الله: وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ هُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: 228]، وما عليه إلا أن يشهد شاهدين على أنه راجعها بصداقها وعلى ما بقي من طلاقها، وعندئذ وبعد إخبار الشاهدين إياها بهذه المراجعة في خلال العدة الشرعية تعود زوجه له كما كانت من قبل، وتستمر بينهما الحياة الزوجية إلى أن يشاء الله الله، فإن عادا إلى ما كانا عليه من قبل من شقاق وخلاف ونزاع؛ فعندئذ تكون الطلقة الثانية، وتكون عندهما فرصة مرة أخرى لاختبار نفسيتهما جميعاً، ثم تأتي بعد ذلك الطلقة الثالثة التي تقطع حبال العلاقة بينهما، فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، ومعنى هذا أنه لا بد أن يتزوجها رجل على
لا
قصد أن تبقى في عصمته، وأن يبقى مرتبطاً بها، بحكم الزواج الشرعي من أجل تحليلها للزوج السابق، فإن تزوجها بقصد التحليل للزوج السابق (2/221)
صفحة 667
222
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
سواء كان هذا القصد منهما معاً أو من أحدهما ـ فإنها لا تحل بذلك لمطلقها بل نكاحها بهذه النية إن تواطأ عليه المحلل والمحلل له حرمت عليهما معاً،
ففي الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله المُحلل والمحلل له» وفي رواية أخرى: «لعن الله التيس المستعار»، فلا بد من عقد جديد من زوج آخر مشتمل على جميع لوازمه الشرعية ثم يدخل بها حتى يتم الغرض من الزواج، فإن وقع بينهما طلاق أو خرجت منه بسبب آخر كالموت فعندئذ تحل للأول على أن يتزوجها بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية وذلك بعد أن
تنتهي
عدتها.
هذا والطلاق الشرعي له ميقات شرعي وهو ما دل عليه قول الله تعالى: يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ} [الطلاق: 1]، ولئن كانت دلالة هذه الآية إجمالية فإن السُّنَّة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام بينت هذا الأجمال، فقد جاء في رواية ابن عمر لنا أنه طلق امرأته وهي حائض فجاء عمر الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: «يا رسول الله إن عبد الله طلق امرأته وهي حائض، فقال له النبي عليه أفضل الصلاة والسلام مره فليراجعها، حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فإن شاء أمسك وإن شاء طلق فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء»، ومعنى ذلك أن العدة التي دل عليها قول الله تعالى: {فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} هي أن تكون المرأة في طهر لم يباشرها فيه الرجل، أما إن كانت في حالة حيض أو في طهر باشرها فيه فإن الطلاق يكون حراماً وإن كان واقعاً بحيث تحسب طلقة كما ذهب إليه أصحابنا وجمهور الأمة، وهذه الحرمة لحكم ينطوي عليها هذا التشريع، من أبرز هذه الحكم أن الله تبارك وتعالى يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر، وهو تعالى يعلم ما تنطوي عليه حنايا مشاعرهم وما تشتمل عليه حركات نفوسهم، فالطبيعة البشرية فيها الكثير (2/222)
صفحة 668
فتاوى الفراق
223
من النزوات والكثير من التسرع فلذلك يوصد الباب على الذين يتسرعون، ذلك لأن الرجل لا يطلق عادة في طهر لم يباشر فيه إلا لسبب قاهر إلا إذا كان لا يبالي بالعواقب، كيف والرجل في هذه الحالة يكون أشوق ما يكون إلى زوجته لأنها في حالة طهر بعدما انقطع اتصاله بها، وهو قادر على أن يلبي رغبته ورغبتها من الوصال المباح فيما بينهما، فلا يطلقها في هذه الحالة إلا لسبب قاهر لا محيص فيه عن الطلاق، أما عندما تكون حائضاً فالأمر بخلاف ذلك، لأنه لا يمكن الاتصال ما بين الزوجين اتصالاً كاملاً لأجل ذلك تزهد نفسه فيها ويتعجل تطليقها لأتفه سبب من الأسباب فلذلك أوصد هذا الباب، وفي حالة الطهر الذي باشرها فيه فإن نفسه ربما قد شبعت منها بقضاء وطره منها فلا يبال بطلاقها، وإن من أبغض الطلاق إلى الله الله ما يكون عند عوام الناس وجهلتهم الذين يتطاولون على الله بمخالفة أمره والخروج عن توجيهاته فيوقعون الطلقات الثلاث دفعة واحدة ثم هم بجانب ذلك وكونهم يوقعون الطلاق بقرار مستعجل ربما كان في حالة لا يجوز فيها الطلاق يقعون في مخالفة أخرى لشرع الله تعالى خطيرة جداً، إذ كثير من الناس لا يقتنعون بإيقاع الثلاث دفعة واحدة حتى يقول أحدهم حرمتك علي وحللتك لأي رجل آخر من أنت أيها السفيه حتى تتطاول على الله الله فتدعي التحليل والتحريم من تلقاء نفسك، والله تعالى يقطع دابر هذا الأمر عندما يقول: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِنَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، وقد شدد الله في التحريم بغير بينة منه وجعله من شأن المشركين، حيث قال قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاء عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [الأنعام: 140]. وقال ما لا سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا (2/223)
صفحة 669
224
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
وَابَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ} [الأنعام: 148]، وهذا يدلّ على أن تحريم ما أحل الله الله كتحليل ما حرم سبحانه فكل منهما كفر لا يمكن أن يصدر من مؤمن، فمن أين لهذا الرجل أن يحرمها على نفسه مع أنه إن كان طلقها طلقة واحدة فهو أحق بها، لأن الله الله يقول: {وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَبِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} [البقرة: 228]، ومن أين له أن يحللها لغيره مع أن النص القرآني يدلّ على أنها لا تحل لغيره إلا بعد العدة الشرعية، إذ الله تعالى يقول: {وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228]، فهذا من أسوأ ما يكون من الجهلة من الأخطاء الفادحة التي يلبسونها الطلاق وتؤدي إلى الحيرة والندم والحسرة وإلى أن يلتمس كل واحد من الزوجين المخرج من المأزق الذي وقع فيه، فعلى كل واحد من الزوجين أن يكون على بينة من الأمر، فالمرأة مطالبة بألا تستفز الرجل وألا تهيج مشاعر غضبه لئلا يقع منه ما يندمان عليه، والرجل مطالب بأن يراعي جانب المرأة ويدرك بأنها تتأثر وتهيج مشاعرها وخاصة في فترة الحيض، فلا ينبغي له أن يقابل هذا الهيجان بالتسرع في اتخاذ القرار وإنما عليه أن يتأنى فعلى كل واحد منهما أن يراعي جانب الآخر، وأن يتفادى التسبب في إيقاع الطلاق لما يترتب عليه من قطع الحبال التي تصل بين الزوجين، وما يجده كل واحد منهما من الفراغ الذي يعقب الانفصال فيما بينهما، ثم ما يترتب على ذلك من الإساءة إلى الأولاد وتعريضهم للضياع، والله تعالى أعلم.
ما معنى الوعظ للزوجة إذا نشزت؟
الموعظة.
هي
طب روحي،
كما أن العلاج الظاهر هو طب جسدي، ولذلك
كان الواعظ جديراً بأن يكون حكيماً في موعظته لأن الله تبارك وتعالى (2/224)
صفحة 670
فتاوى الفراق
225
وتعالى
عندما أمر نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام أن يعظ أمره أن يعظ بالحكمة، فقد قال له: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَدِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]، وبين تعالى الدعوة إليه بقوله عزّ من قائل: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَلِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33]، ثم
العنف،
بين بعد ذلك كيف يتوصل الإنسان بالقول الناعم اللطيف إلى ما لا يتوصل إليه بالقول الخشن الغليظ، فإن اللطف يأتي بما لا يأتي به فاللطف يؤلف النافر ويدنيه بينما العنف يُنفر الأليف ويبعده، وهذا واضح في قوله سبحانه: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمُ * وَمَا يُلَقَّهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّتْهَا إِلَّا ذُو حَظِّ عَظِيمٍ} [فصلت: 34، 35]، فمن الضروري في الموعظة أن تكون موعظة حكيمة، وذلك بأن يحرص الواعظ على أن تصل موعظته إلى شغاف قلب المقصود بالموعظة، ومن هنا فالرجل مطالب عندما يعظ زوجته أن يسلك الطريق الأمثل بحيث يتمكن وعظه من شغاف قلبها ويؤثر على أعماق شعورها حتى يقلب مجرى حياتها من النفور والبعد إلى الألفة والقرب، وهذا يعني أنه يؤمر أن يتخذ شتى السبل من أجل وعظ شريكة حياته قبل أن يصل إلى ما بعد هذه المرحلة، كما يمكنه أن يتخذ الوسائل المعاصرة كالشريط والصحيفة والقصة ونحوها، فكل ذلك مما يقرب بينهما بمشيئة الله تعالى، والله تعالى الموفق.
ما معنى الهجر المقصود في الآية؟ من المعلوم أن المرأة مهما أبدت نفورها ومهما كان منها من مشاكسة ومعاكسة تحب أن يكون زوجها بجانبها إذا كان في نفسها بقية من الود بين (2/225)
صفحة 671
226
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
حنايا مشاعرها، وبسبب هذا يشق عليها أن يترك الزوج مضجعها، وذلك بأن يختار لنفسه مرقداً غير مرقدها، أو أن يُوليها ظهره في نفس المرقد بحيث لا يلتفت إليها ولا يكون بينه وبينها اتصال ولا حديث ولا أنس فإن ذلك مما يشق عليها، فإن كانت هي على بقية من الودّ له وعلى بقية من مراعاته وإنما تغلبها طبيعة النفرة يمكن أن يكون في هذا تذكير لها بحاجتها إليه حتى تعود إلى رشدها وتستقيم بعد اعوجاجها اللهم إلا إذا بلغت من النفور مبلغاً لا يمكن أن يؤثر عليها هذا الأسلوب فهنا يعالجها العلاج الأخير الذي يكون فيه تأديب لها وزجر عن مثل هذه التصرفات الشائنة، والله أعلم.
من هم الحكمان؟
الحكم هو الذي يفصل ما بين الجانبين، ومعنى هذا أن يكون الحكم على حنكة وبصيرة وبينة وشيء من الفقه في الدين ومخافة الله جلال ومراقبته وعل، ويشترط في أحدهما أن يكون قريباً للزوج، وأن يكون الحكم الآخر الذي يتصف بهذه الصفات نفسها قريباً للزوجة حتى يكون في لقائهما تقريب ما بين المشاعر المتنافرة والنفوس المتباعدة، إذ لعله بحكمتهما وصلاحهما وإخلاصهما الله الا الله ورغبتهما في الإصلاح بين قريبيهما يكون في فعلهما البركة والخير، والتوفيق من الله الله
ما هي الحالات التي يقع فيها طلاق المرأة؟ تطلق إن طلقها أو علق طلاقها على وقوع شيء فوقع، والله أعلم.
ما قولكم في زوجين يبلغ بهما شدة الخلاف ما بلغ، وتعذر حصول الوفاق بينهما، فالمرأة توجه الكلام البذيء لزوجها، وعندما يحاول إصلاحها تذهب إلى بيت أهلها وتفعل كل ما تريده وتقول أنا حرة (2/226)
صفحة 672
فتاوى الفراق
227
أفعل ما أشاء، وأحياناً تطلب بيتاً مستقلاً، وإذا توفر ذلك تبقى على
حالتها السابقة، فما هو الحل في رأي سماحتكم؟
نظراً إلى الشقاق المتناهي بين الزوجين، أرى أن الطلاق فيه المخرج من هذه الأزمة والمخلص من هذه الشدة، وقد أباحه الله من أجل أمثال هذه الملابسات، فهو الحل الأمثل، والله أعلم.
هل يجوز للرجل أن يطلق زوجته ويتزوج أختها الأصغر منها سناً؟ نعم، من حيث الجواز الشرعي، وذلك بشرط أن ينتظر إلى أن تخرج مطلقته من عدتها، والله أعلم.
فيمن طلق زوجته ثلاثاً عن طريق الهاتف؟
تطلق منه ثلاثاً، والله أعلم.
تراودني وساوس بطلاق زوجتي علماً بأني لا أرغب في طلاقها ولكني لا أستطيع طرح ذلك عن تفكيري، حتى إنني في يوم من الأيام ذكرت اسم زوجتي وقلت: فلانة بنت فلان طالبة ولم أقل طالق ولم أقصد بذلك الطلاق، وأحياناً أخرى أذكر أسماء أشخاص وأقول فلان قال لزوجته فلانة أنتِ طالق فهل تطلق زوجتي بذلك؟
لا تطلق زوجتك بما ذكرته، ولكن إحذر من التلاعب بالطلاق فارتجاج القدم يعقبه السقوط، والله أعلم.
بعض الناس لديهم مرض نفسي كالوسواس والقلق وما شابه ذلك، وهو يدفعه أحياناً إلى أن يُطلق، فهل تراعى هذه الظروف؟
إن كان يوسوس وسواساً قهرياً بحيث لا يمكنه أن يدفع هذا الهاجس
الذي (2/227)
صفحة 673
228
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
لا يتمالك معه أن ينطق بالطلاق فلا بد من مراعاة ذلك واعتبار هذه الأحوال، فليس في كل هذه الأحوال يقع الطلاق، إذ الحديث يقول: «لا طلاق في إغلاق»، فمن وصل به الأمر إلى أن يكون غير قادر على أن يتحكم في تصرفاته وأعماله كأنما يوحى إليه فينطق بالطلاق بمجرد هذا
الوحي - وحي الوسوسة الشيطانية ولا وحي العناية الربانية - فإنه لا يتسرع في إثبات الطلاق الذي صدر منه والله أعلم.
أخبرني زوجي
بأنه طلقني أمام شهود، وهؤلاء الشهود لا أعرفهم ولم
أسمع الطلاق منه شخصياً، فهل يقع الطلاق في هذه الحالة؟ طلاقك واقع لاعترافه به أمامك، والله أعلم.
فيمن طلق زوجته بسبب إصابتها بأمراض عقلية وقد رفض والدها استلام الصداق المؤجل بحجة أن طلاق المرأة لا يقع في حال مرضها فهل طلاقها واقع في هذه الحالة؟
طلاقها ماض، والله أعلم.
رجل كبير السن ومريض، له زوجة عمياء فطلبت منه الطلاق فطلقها، وبعد عام توفي الرجل، فهل طلاق المرأة ثابت؟
نعم طلاقها ثابت وليس لها ميراث ولا عليه عدة إن كانت عدة الطلاق انتهت والله أعلم.
فيمن طلق زوجته طلقة واحدة أمام أبيها وأخيها وبعد أسبوع توفي الزوج فادعى أخوه بأن المرأة قد طلقت بالثلاث فهل عليها عدة ولها الميراث على هذا الحال أم لا؟ (2/228)
صفحة 674
فتاوى الفراق
229
على أخي الزوج أن يقيم بيّنة على صحة ما قال، فإن أقامها فذلك وإلا فعليها العدة ولها الميراث، والله أعلم.
رجل مصاب بشلل كامل ومتأثر من ذلك نفسياً ومعنوياً وأشيع عنه أنه طلق زوجته وصدقت الزوجة ولم تعتد عليه ولكن لم تحضر ذلك الطلاق ولم يخبرها أي أحد شهد الطلاق، فهل يحرمها ذلك من حق الميراث؟ الأصل أنها زوجته حتى تقوم البينة العادلة على أنها طلقت، وإن كانت طلقت طلاقاً رجعياً ومات في أثناء عدّة الطلاق فإنها ترث أيضاً وتلزمها عدة الوفاة، أي تنتقل من عدة الطلاق إلى عدة الوفاة، والله تعالى أعلم.
فيمن وقع خلاف بينه وبين زوجته فأخذها إلى بيت أهلها ودفع لها صداقها عند والدها غير أنه لم يتلفظ لها بكلمة الطلاق، فهل يقع طلاق بهذه الصورة؟ الحل كالعقد يفتقر إلى التلفظ، والطلاق حلّ فلا يكون بدون نطق، والله أعلم.
فيمن قالت له زوجته: طلقني، فلم يرد عليها فهل يقع بذلك الطلاق؟
إن كان لم يصدر منه طلاق لها فلا تطلق بقولها ذلك، والله أعلم.
رجل لم يحدث أن أساء إلى زوجته أو أن جرح مشاعرها، وإن حدث فهو نادم لكن زوجته الآن تطلب منه الطلاق وتريد الانفصال وهو لا يريد ذلك أبداً ويقدّم لها تنازلات عدة وهي ترفض إلا أن يطلقها، ومعهما، بنت، فما هو الحل لهذه المسألة؟
الحل ما جاء في القرآن وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ (2/229)
صفحة 675
230
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء: 35] فأرى في مثل هذا الموقف أن يحكم حكمان، حكم من أسرته وحكم من أسرتها، بحيث يبحثان المشكلة بحثاً مستفيضاً دقيقاً واسعاً حتى يتوصلا إلى أساس المشكلة، فإن كانت مشكلة يمكن علاجها فعليهما أن يعالجاها وإلا فلا بدّ مما لا بد منه، وعلى كل فأنا أقدر مشاعر هذا السائل، وأحترم موقفه، لأنه لم يتسرع إلى الطلاق كما يفعل كثير من الرجال، وأريد أن أنبهه بأنه لو أراد أن يطلق، واقتضى الأمر ذلك ولم يكن هنالك أي علاج نافع فعليه أن يراعي السُّنَّة النبوية في التطليق، بل عليه أن يراعي الأوامر الإلهية أولاً، فالله تبارك وتعالى يقول: {يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1]، وهذا يعني أن تطلق المرأة كما جاء في السُّنة، ففي حديث ابن عمر لها أنه طلق امرأته وهي حائض فجاء عمر له إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: يا رسول الله إن عبد الله طلق امرأته وهي حائض. فقال له: «مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فإن شاء أمسك وإن شاء طلق فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء». أي أن يطلقها في طهر لم يباشرها فيه، فلا يطلقها في حيض ولا في طهر باشرها فيه، على أن يكون هذا الطلاق طلقة واحدة من غير زيادة، لا أن يطلقها ثلاث تطليقات أو ألف تطليقة أو سبعين تطليقة أو يقول لها حرمت عليّ وحللت لأي أحد آخر كما يفعل ذلك العوام الجهلة الذين يحرمون ما أحل الله، ويحللون ما حرم الله، وبئس
ما
يفعلون، والله أعلم.
هل يصح
أن يكون طلاق المرأة بيدها؟
ذلك حق للرجل؛ إلا إن جعل طلاقها بيدها، والله أعلم. (2/230)
صفحة 676
فتاوى الفراق
231
لا
فيمن طلب منه تعبئة استمارة وكان من ضمن بنودها معرفة إن كان متزوجاً أم أعزب فكتب أنه أعزب مع أنه متزوج، هل يقع بذلك
طلاق؟
يقع بذلك طلاق إن لم ينوه، ويحتمل أن يكون قصده بقوله: أعزب أنه في الحال ليست عنده امرأته فيكون صادقاً، والله أعلم.
هل يجوز للأب أن يطلق زوجة ابنه؟
الزوج هو الذي بيده عقدة النكاح، وهو الذي يحل هذه العقدة، فإن الله ناط الطلاق بالزوج في آيات كثيرة في كتابه الكريم، منها قول الله تعالى: {فَإن ????? طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 230] والضمير يرجع إلى الزوج، فكما أن الزوج هو الذي يقبل التزويج فهو إذاً الذي يحلّ عقدة الزواج وليست هذه العقدة بيد غيره وإنما هي بيده، ولكن لو طلق شخص آخر كأب أو غيره فأتم الزوج الطلاق فإن إتمامه له يعتبر تطليقاً منه، وكذلك إن وكله بأن يقوم بالتطليق، أما أن يتدخل الأب من تلقاء نفسه من غير أن يفوض بذلك من الابن فهذا باب مسدود، وليس له أن يتصرف هذا التصرف، والله تعالى أعلم. (2/231)
صفحة 677
232
الطلاق الرجعي
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
إذا طلق الرجل زوجته طلاقاً رجعياً وأراد ردها فهل يشترط إذنها
ورضاها ورضى أهلها؟
إن كانت هذه الرجعة في العدة فلا، لقوله تعالى: {وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَبِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} [البقرة: 228]، أما بعد العدة فهي أملك بنفسها فلا تحلّ له إلا بعقد جديد مع جميع شرائطه الشرعية، وهي رضاها وإذن وليها وصداق جديد وبينة، والله أعلم.
ما حدود العلاقة التي تكون بين المرأة وزوجها أثناء عدتها في الطلاق
الرجعي؟
العلماء في هذه العلاقة بين مشدد ومتسامح وينبغي التوسط، فمنهم من تسامح إلى حد أنه قال له أن يطلع على كل شيء منها ما عدا الفرج، ومنهم من تشدد وقال بأنها تكون كالمرأة الأجنبية ما عدا أنها لا تحتجب عنه ويمكن أن تجلس معه، والقول الوسط في ذلك بأنها تبقى بينهما العلاقة، بحيث يمكن أن يطلع على زينتها، بل ينبغي أن تتزين لأجل أن تغريه على مراجعتها، ولكن لو أراد أن يقضي حاجته منها فإنها تمتنع حتى تتم المراجعة بينهما حسب ما جاء في سورة الطلاق وذلك بإشهاد شاهدين على المراجعة، في خلال العدة وعندئذ لا تمتنع منه بعد أن تعلم ذلك من الشاهدين إبان عدتها، والله أعلم. (2/232)
صفحة 678
فتاوى الفراق
233
ما
هي
الحدود الممنوعة في التعامل بين الزوج وزوجته في عدة طلاقها
الرجعي؟
إن المرأة المطلقة طلاقاً رجعياً تبقى الصلة بينها وبين زوجها، وإن كان لا يحل له أن يستمتع بها إلا بعد أن يراجعها مراجعة شرعية، والصلة تظهر في كونه يرثها وترثه، وفي كونها مأمورة بأن تبقى في نفس بيته كما دلّ على ذلك قول الله تعالى: لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة [الطلاق: 1]، وفي هذا ما يدلّ على جواز أن ينظر إليها ويراها، وأن يخلو بها من غير استمتاع فلا يحل له أن يواقعها، ولا أن يضمها، ولا أن يقبلها، وإنما يجوز له النظر إليها لعل في هذا النظر ما يشجعه على مراجعتها، ومن أجل ذلك استحب لها أن تتزين حتى يكون في ذلك ما يدفعه إلى مراجعتها في خلال العدة، وتُظهر له ظاهر زينتها دون باطن زينتها، وليحذرا من الوقوع في محارم الله فإن مالت نفسه إليها فلا يأتيها إلا بعد أن
يراجعها مراجعة شرعية والمراجعة الشرعية عندنا تتوقف على شهادة شاهدين أخذاً بما دلّ عليه قول الله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ [الطلاق: 2]، فلا بد من أن يشهد شاهدان على مراجعتها، على أن يكون ذلك إبان عدتها قبل أن تنسلخ، أما بعد أن تنسلخ عدّتها فإنه يكون كواحد من الخطاب وهي أملك بنفسها منه، فلا تحلّ له إلا بعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية وهي: رضاها وإذن وليها وصداق جديد وبينة، والله تعالى أعلم.
طلقني؟
حصل بيني وبين زوجي مشاجرة وفي أثناء المشاجرة غضب زوجي أنه غضباً شديداً وقال لي أنت طالق، فهل يعتبر نعم، يقع الطلاق ولو كان في حالة الغضب، فإن الطلاق غالباً هو نتيجة غضب لا نتيجة رضى، والله أعلم. (2/233)
صفحة 679
234
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
هل يجوز للرجل أن يطلق زوجته من أجل الاختلاف في العامل الريزيسي لفصائل الدم؟ ومن أجل أنه لا يحبها، ولسوء التفاهم بينهم والاختلاف في الثقافة العلمية؟
هذه القضايا كلها من إفرازات الغزو الفكري في هذا العصر، فالطلاق شيء لأنه انفصال بعد وصال وقطيعة بعد اتصال، وإنما أباحه الله يا الله لئلا
بغيض
تكون الحياة الزوجية جحيماً لا يطاق عندما تتنافر طباع الزوجين، فإن كان هذا الرجل عندما يمسك هذه المرأة يخشى على نفسه بأن يكرهها كرهاً يؤدي به إلى أن يهضمها ويمنعها حقها الشرعي الواجب عليه لها، فالطلاق أولى من أجل علاج هذه المشكلة، أما إن كان من الممكن تدارك ذلك بطريقة أو بأخرى ومعالجة هذه الأحوال النفسية الطارئة فإن الإمساك أولى ولا يتسرع إلى الطلاق، وقد جعل الله الا الله أنواعاً من العلاج للمشكلات الزوجية المستعصية تفادياً للطلاق، الذي يصار إليه بعدما يستعصي العلاج من جميع الوجوه، فإن كانت المشكلة من المرأة وهي التي تتمرد، فقد أمر الله الله الرجال بعلاج هذه المشكلة، قال تعالى: {وَالَّنِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ الله كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء: 34]، فعليه أن يعظها بالكلمة الهادئة الهادفة، فإن أبت ذلك هجرها في المضجع لعل ذلك يجعلها ترعوي، فإن أصرت على موقفها فله أن يضربها ضرباً غير مبرح وغير مؤثر، فإن أصرت على موقفها أو كان العصيان من قبله ففي هذه الحالة تتدخل الأسرتان ـ أُسرة الرجل وأُسرة المرأة، قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَأَبْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا [النساء: 35]، أما عندما يكون الخلاف لا ينحسم بأي طريق فالعلاج هو الطلاق، وإلا فإن الطلاق يتفادى بما أمكن حتى لا يتسرع الناس إلى التطليق، (2/234)
صفحة 680
فتاوى الفراق
235
لما يترتب على الطلاق من الانفصال وضياع الذرية لأن بقاء الحياة الزوجية ضمان لتربية الذرية من قبل الجانبين على الخير، فلا تفقد الذرية رعاية الأب ولا حنان الأم، وإن كان تباين الثقافة لا يفضي إلى الكره المتأصل الذي يهضم المرأة حقوقها فلا ينبغي له أن يطلقها بسبب ذلك، والله تعالى أعلم.
ما حكم الإسلام في الطلاق الذي يقع دون مؤخر الصداق؟ الصداق حق للمرأة على الرجل، فلا يجوز له أن يرزأها شيئاً منه إلا بطيب خاطرها، وليس له أن يعاملها معاملة سيئة تلجئها إلى أن تحرص على التفلت منه بمسامحته في شيء من صداقها الواجب لها عليه، فإن ذلك مما لا يجوز قط، يقول الله تعالى: {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} [النساء: 19]، ويقول عل: {وَإِنْ أَرَدتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجِ وَآتَيْتُمْ إِحْدَيْهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنَا وَإِثْمًا مُّبِينًا} [النساء: 20]، فلا يجوز للرجل أن يُلجئ المرأة إلى أن تفتدي منه بشيء أو أن تسقط عنه ما وجب عليه من مؤخر صداقها، فإن ذلك يُعد ظلماً لها، على أن الخُلع لا يجوز في الإسلام إلا عندما يكون الرجل غير مقصر فيها ولكن الكراهية جاءت من قبلها حتى خافت أن تقع في المحظور بسبب الكره المتأصل في نفسها، ففي هذه الحالة يجوز له أن يأخذ الفدية التي تفتدي بها منه من أجل أن يخلي سبيلها، أما فيما عدا ذلك فلا، والله تعالى أعلم.
فيمن طلق زوجته طلقة واحدة فادعت طلاق الثلاث، وهو ينكر عليها ذاك فهل له رجعة؟
القول قوله مع يمينه إن ادعت عليه طلاق الثلاث، وله رجعتها ما دامت في عدتها أما بعد العدة فلا بد من عقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، والله أعلم. (2/235)
صفحة 681
236
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
فيمن دعت أن زوجها طلقها بالثلاث فأنكر الزوج طلاقها البتة، وقال: إن كانت تريد الطلاق فأنا الآن أطلقها، فهل تطلق بذلك ثلاثاً أم طلقة؟ طلقت بذلك طلقة واحدة؛ إلا إن كانت صادقة في قولها إنه طلقها ثلاثاً ففي هذه الحالة تكون طالقاً بالثلاث، والله تعالى أعلم.
فيمن قالت له زوجته طلقني لا أرغب فيك، وألحت عليه أن يطلقها فقال لها: أنت طالق واحد اثنين ثلاثة واحد اثنين ثلاثة، فخرجت من البيت بأولادها، والآن يطلب مراجعتها إن كانت تحلّ له شرعاً وإلا فيطلب أولاده ليتولى أمرهم، فماذا ترون في ذلك؟ كلامك هذا أنك أردت أن تطلق امرأتك ثلاث تطليقات
الظاهر من فصرحت بلفظ الطلاق وذكرت واحد واثنين وثلاثة بدلاً من أن تذكر الثلاث دفعة واحدة، وعليه فإني أرى أن المرأة بانت منك بهذا القول فلا تحل لك حتى تنكح زوجاً غيرك نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، ثم تخرج عنك من وجوه الفراق وبعد عدتها منه تحلّ لك بعقد جديد مع كل لوازمه الشرعية، لأن ذلك قصدك وقد دلّ عليه لفظك، والله أعلم.
بوجه
فيمن طلق زوجته طلاق السُّنَّة وفي الحيضة الثالثة أراد أن يراجعها فهل
له ذلك أم لا؟
نعم ما لم تطهر منها، والله أعلم.
هل يثبت طلاق المرأة في فترة حيضها؟
نعم يثبت ويأثم المطلق، وكفارته أن يراجع المرأة حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فإن شاء أمسك وإن شاء طلق فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء، والله أعلم. (2/236)
صفحة 682
فتاوى الفراق
237
الطلاق في أثناء الحيض هل يقع؟
نعم يقع ويأثم الرجل بإيقاعه الطلاق، ويدلّ على وقوعه أمران: الأول قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مره فليراجعها»، حيث أمره بالمراجعة، والثاني: أنه لم يبح له بعد طهرها من الحيض مباشرة أن يطلقها، حيث قال: «مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر»، حتى لا تكون المراجعة من أجل الطلاق، وإنما تكون من أجل العيشة التي يمكن الاستمتاع فيها وهي حالة الطهر فلذلك أمر أن يمسكها في طهرها بعد حيضها حتى تحيض حيضة أخرى ثم تطهر فإن شاء أمسك وإن شاء طلق فهذا دليل على أن ذلك الطلاق واقع،
والله أعلم.
امرأة كانت مريضة جداً وأرغمها زوجها على أن تسمح له أن يأخذ منها حقه الشرعي، ولكنها نظراً لمعاناتها من مرض الضغط بشدة لم تستطع أن تطاوعه، فغضب عليها وطلقها ثلاثاً قائلاً طالق طالق طالق وحرمها على نفسه، تسأل هل لها أن ترجع إليه نظراً لأنها كانت على جنابة، وهل يقع الطلاق في مثل هذه الحالة؟
بئس الرجل هذا وساء ما عمل أعوذ بالله من هذا التصرف الشائن ومن هذا العمل القبيح الذي يعد الإقدام عليه مخالفة صريحة لأمر الله، فالطلاق لا يُصار إليه إلا في حالات يتعذر فيها العلاج للمشكلة الناجمة بين الزوجين، لذلك أمر بتفادي الطلاق بعلاج المشكلات سواء من قبل الزوج إن كان قادراً على ذلك، أو من قبل حكمين ينظران في المشكلة القائمة بين الزوجين لعلهما يجدان حلاً لها ويقدران على إعادة الوئام بينهما ثم بعد ذلك يشرع الطلاق، على أن يكون حسب التوجيه القرآني، فالله تعالى يقول: {يَاتها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1]، وقد يسأل سائل ما (2/237)
صفحة 683
238
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
معنى طلقوهن لعدّتهن؟ والجواب عن ذلك بينه حديث الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، وذلك عندما جاء إليه عمر بن الخطاب له وقال له: يا رسول الله إن عبد الله طلق امرأته وهي حائض، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، فإن شاء أمسك وإن شاء طلق فتلك العدّة التي أمر الله أن يطلق لها النساء»، ومعنى ذلك أن طلاق المرأة المباح هو الذي يكون في حالة طهر المرأة من حيضها قبل أن يباشرها الرجل والطلاق المشروع هو طلاق واحد، لأن الله تعالى يقول: {الطَّلَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَنِ} [البقرة: 229]، ومن المنكر الفظيع بل ومن الاجتراء على الله تعالى أن يتطاول الإنسان على تحريم شيء لم يحرمه الله تعالى فإن الله شدد في ذلك وجعله من افتراء الكذب على الله، وافتراء الكذب على الله كفر، فالله تعالى يقول: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِنَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، وجاء في كتاب الله تعالى ما يدلّ على أن هذا إنما هو شأن المشركين، وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا
عَبَدنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ [النحل: 35]، وقال سبحانه: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ
وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاء عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [الأنعام: 140]، فما للمسلم والوثوب إلى أعمال المشركين والوقوع في مثل هذه المهاوي التي تُرديه والعياذ بالله في الجحيم، ما بال الإنسان المسلم وقد آتاه الله النور وأنزل عليه الكتاب يهوي في الظلام ويعرض عن هذا الكتاب ويتبع مسالك الشيطان، إن ذلك من الأمور المحزنة التي تذر الحليم حيران، فعلى هذا الرجل أن يتوب إلى الله توبةً نصوحاً لتحريمه امرأته، فإن ذلك من الاجتراء على الله، وإن أعظم من ذلك أيضاً أن يقول بعد أن يحرمها (2/238)
صفحة 684
فتاوى الفراق
239
على نفسه وحللتك لأي زوج آخر من أين تحلّ للأزواج وهي لا تزال في عدتها، والله تعالى يقول: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ هُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَ يُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِهِنَ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} [البقرة: 228]، فما الذي يُحللها للغير وهي حرام بنص الكتاب العزيز ما لم تنته عدتها ولكن هذه حماقة ليست بعدها حماقة وجهل يصل بصاحبه إلى الكفر والعياذ بالله فالقضية في منتهى الخطورة، وأما أمر الطلاق الذي يوقع المرة بعد المرة والمرأة في عدتها فإن قصد طلاقاً جديداً في المرة الثانية وكذلك في الثالثة فإن الطلاق يتبع الطلاق ما دامت المرأة في العدة، أما إن قصد بذلك تأكيد الطلاق الأول فإنه يحمل ما أتى به من التكرار على قصد التأكيد وتخرج منه بطلقة واحدة ويكون له الحق في مراجعتها إن لم تكن هذه الطلقة مسبوقة بطلقتين من قبل، لكن يبعد أن يقصد التأكيد مع تلفظه بالتحريم، فإن ذلك مما يدلّ على أنه لم يقصد بهذا اللفظ التأكيد وإنما قصد به التأسيس، والله تعالى أعلم.
ما حكم تطليق الزوجة الحامل؟
به
قيل: طلاق الحامل هو طلاق سُنَّة؛ للنصّ على عدة الحوامل في القرآن وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمَلَهُنَّ} [الطلاق: 4]، وقيل: هو طلاق وسط ليس سُنيَّاً ولا بدعياً، والله أعلم.
إذا طلق الرجل امرأته وهي حامل فهل يقع الطلاق؟
نعم، لأنه لو لم يقع فلا معنى لإيجاب العدّة عليها، والله تعالى يقول: وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ، فهو دليل على أن الطلاق يقع في
الحمل، والله أعلم. (2/239)
صفحة 685
240
طلاق الثلاث
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
رر
يقول الله تعالى: {يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةٌ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: 1]، فهل نفهم من الآية الكريمة أن تبقى المطلقة في بيتها حتى تنتهي عدتها؟ وإذا قال الرجل لزوجته طالق طالق طالق ثلاث مرات في آن واحد هل يعتبر طلقة واحدة أم هو طلاق بالثلاث ولا يحل له أن ينكحها حتى تنكح
زوجاً غيره؟ الآية الكريمة تدلّ على بقاء المطلقة في بيت مطلقها حتى تنتهي عدتها وعندها تخرج فإن الله والله نهى المطلقين عن إخراج المطلقات من بيوتهن، فلا يجوز إخراج المرأة المطلقة من البيت ولا يجوز لها أن تخرج، بل للمطلق الحق أن يفرض عليها البقاء في البيت إذا كان طلاقها رجعياً، والمراجعة تجب بإشهاد شاهدين، ومن قال لزوجته أنت طالق طالق، طالق نظر في قصده فإن قصد بهذا التكرار تأكيد الطلاق الأول طلقت طلقة واحدة، وجاز له مراجعتها ولو لم تنكح زوجاً غيره، إذا كان هذا الطلاق غير مسبوق بطلاقين من قبل ذلك، وإذا كان قصده بهذا التكرار التأسيس وهو إنشاء طلاق جديد في كل مرة فإنها تطلق ثلاثاً ولا تحل له في هذه (2/240)
صفحة 686
فتاوى الفراق
241
الحالة حتى تنكح زوجاً غيره، لأن الطلاق يتبع الطلاق ما دامت المرأة في العدة، والله أعلم.
إذا طلق رجل زوجته ثلاث طلقات في جلسة واحدة، فهل تكون مطلقة طلاقاً بائناً بينونة كبرى بقوله (طلقتك ثلاثاً)؟
أما إن قال لها طلقتك ثلاثاً فنعم، مع كونه يبوء بالوزر، فإن طلاق الثلاث دفعة واحدة معصية، وقد جاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم غضب من
ذلك غضباً شديداً حتى احمر وجهه ثم قال: أيتلاعب بكتاب الله وأنا أظهركم»، وأما إن قال لها أنت طالق طالق طالق، فإن قصد في كل مرة طلاقاً جديداً فهي ثلاث طلقات لأن الطلاق يتبع الطلاق ما دامت المرأة في العدة، وإن قصد بالمرة الثانية والثالثة تأكيد الطلاق الأول ولم يقصد التأسيس أي إنشاء طلاق جديد فهي طلقة واحدة كما قصد، والله أعلم.
فيمن غضب على زوجته وقال لها فلانة بنت فلان طالق، فلانة بنت فلان طالق، فلانة بنت فلان، طالق، فهل يعتبر هذا طلاقاً؟ نعم تكون طالقاً وأي طالق وما هو الطلاق إن كانت هذه غير طالق؟ بل تكفيها كلمة طالق كي تطلق، والله أعلم.
ما الفرق فيما إذا قال الزوج لزوجته: أنت طالق ثلاثاً، وبين قوله لها: أنت طالق طالق طالق، وبين قوله لها أنت طالق أنت طالق أنت طالق؟ الفرق بينهما أن طلاق الثلاث يقع بالتصريح بالثلاث وأما التكرار فحكمه أن يرجع إلى نيته، فإن قصد به التأسيس ـ وهو إنشاء طلاق جديد في كل مرة ـ وكان قد كرر ثلاثاً فحكمه أنه ثلاث أيضاً، وإن قصد به التأكيد لا التأسيس فهي طلقة واحدة فقط حسب القصد، والله أعلم. (2/241)
صفحة 687
242
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
من قال لزوجته أنت طالق ثلاثاً وخمسين طلقة، فهل له رجعة أم لا؟ بانت منه بالثلاث وما زاد فوزر عليه وعلى هذا فإنه لا يملك رجعتها ولا تحل له أبداً حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، ثم تخرج عنه بوجه من وجوه الفراق، وبعد عدتها منه تحلّ للأول بعقد جديد مع لوازمه الشرعية، والله أعلم.
جميع
لقد طلقت زوجتي ثلاث طلقات متتالية، ثم ذهبنا إلى القاضي وأوجب هذا الطلاق طلاقاً واحداً، وفي نفس اليوم حاولت رجعتها، ولكنها رفضت إلا أن يكون لها بيت مستقل وحاول والدها إرضاءها وتدخل الأهل ونتيجة لذلك التدخل زاد غضبي وقلت مطلقة طلاق الثلاث وطلب والدها مني التحريم والتحليل فقلت محرمة عليّ وتحلّ لغيري علماً بأن السبب في تعنتها أنها كانت حاملاً في شهرها الثالث وبعد مضي ستة شهور من الحمل تراجعت المرأة عن طلبها السابق فأرجو أن توضحوا لي إن كان يحل لي مراجعتها أم لا؟
يركب أحدكم الأحموقة ثم يأتي طالباً حلّ مشكلته، فبئس ما طلب أبو المرأة وبئس ما صدر منك، ولو اتقيت الله لجعل لك مخرجاً، ولكن اتبعت هواك وعصيت ربك فأنى يكون لك مخرج؟! ذلك لأن الطلاق المشروع هو طلاق السنة وطلاق الثلاث بدعة، ثم إن التحليل من أمر الله وليس من أمر الخلق، وقد نازعت الله في أمره: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِنَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، وقد بانت منك امرأتك فلا تحلّ لك حتى تنكح زوجاً غيرك، والله أعلم. (2/242)
صفحة 688
فتاوى الفراق
243
امرأة طلقها زوجها الطلقة الأولى وكانت بينها وبينه ثم راجعها دون علم أحد، وبعدها طلقها الطلقة الثانية لكنه كان طلاقاً بالثلاث وقال لها طالق طالق طالق، ثم ردها بدون عقد قبل انتهاء المدة، ثم طلقها الثالثة وذهبت إلى بيت أهلها وبعث إليها بورقة أو شهادة أن طلاقه كان طلاقاً رجعياً وأنه يحق له أن يرجعها دون رضاها فما الحكم في هذه القضية؟ أمر الطلاق والرجعة أمر يحتاج فيه الإنسان إلى أخذ الحيطة والحذر، لأن هذه المسائل تتعلق بالحل والحرمة في أقدس شيء وهو العلاقة الزوجية بين الزوجين، ولأن في النكاح ربط مصير بمصير وفي الطلاق فكاً لهذا الربط ما بين المصيرين، فينبغي الاحتياط بقدر المستطاع، ومع ذلك كله فإن الرجعة والنكاح يجب أن يكون كل واحد منهما بإشهاد شاهدين لأن الله تعالى في معرض الحديث عن الرجعة قال: وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ} [الطلاق: 2]، وهذا هو قولنا وقول طائفة من العلماء من المذاهب الأخرى بينما لا يرى كثير من العلماء اشتراط إشهاد الشاهدين، وبما أن هذه المسألة مسألة خلافية، يسكت فيها عما مضى إن ردها فيما بينه وبينها من غير إشهاد وقد وافقا في ذلك قولاً لعدد كبير من علماء الأمة، ولكننا نقول بأنها بعدما طلقها الطلقة الثالثة لا سبيل له إليها، وكونه أرسل إليها بشهادة تدل على أن هذه الطلقة طلقة رجعية أمر فيه تدليس، وفيه دليل على أنه لا يبالي بحرمات الله، فيجب الحذر في ذلك ومهما فعل عليها أن لا ترجع إليه، لأنها إن رجعت إليه تكون زانية، كما أنه غير مبال بأن يكون زانياً والعياذ بالله، فعليهما أن يتقيا الله تبارك وتعالى، وعليها أن تحرص على الابتعاد حتى تنسلخ عدتها منه، وبعد أن تنسلخ عدّتها منه لا يستطيع أن يتوصل إليها بالرجعة ولو كان الطلاق رجعياً فكيف والطلاق طلاق بائن بينونة كبرى وعندئذ تتزوج بمشيئة الله تعالى بمن أحلها الله تعالى له وأحله لها، والله تعالى أعلم. (2/243)
صفحة 689
244
التهديد بالطلاق
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
فيمن حدث شجار بينه وبين زوجته فقال لها ليس لك دواء إلا الطلاق ولكنه لم يحصل الطلاق، فهل تطلق بذلك؟
ليس قوله: ليس لك دواء إلا الطلاق طلاقاً؛ بل تبقى زوجته ما لم يطلقها، وعليها طاعته والقيام بكل ما له من الحقوق الزوجية، وعليه لها أيضاً كل ما للمرأة على زوجها من الحقوق، والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: لا بد أن أطلقك لا بد أن أطلقك، فهل يقع بذلك
الطلاق؟
هذا توعد منه لها بالطلاق ولا يقع به الطلاق حتى يطلقها، والله أعلم.
حدثت مشاجرة بيني وبين زوجتي مما جعلني أقول لها: إذا لم تتأدبي فسوف يكون طلاقك بالثلاث فما الحكم في ذلك؟
هذا تهديد بالطلاق وليس بطلاق ولكن إياك والتلاعب بهذه الألفاظ، فإن انزلاق القدم يعقبه السقوط ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه فاحذر مما مغبته الندم، والله أعلم. (2/244)
صفحة 690
فتاوى الفراق
الحلف بالطلاق
245
فيمن قال لآخر: حلفت لك بالطلاق لا أعطيك شيئاً مما تطلبه، فهل تطلق زوجته بذلك؟
هذا فاسق؛ لأن الحلف بالطلاق من شيمة الفساق فعليه التوبة إلى الله، وبما أن حلفه بصيغة القسم فلا يقع به طلاق ولو حنث على الصحيح، والله أعلم.
لا
فيمن حلف بطلاق زوجته لا يسقي جلبة والده فلم يسقها وحلف ثانية يسقي مال أخيه فلم يسقه، ثم حلف ثالثة لا يركب سيارة أخيه فهل له مراجعة زوجته إن ركب سيارة هذا الأخير؟ بئس ما فعل، فما أحمق هذا الأرعن السيئ المعاملة والأخلاق، الذي عق أباه وجفا أخاه، وأساء إلى أهله، ومثل هذا لا يكون حقيقاً بأن يزوج، فإن
من
من حق الزوجة أن لا يعرضها للطلاق لأجل خلاف بينه وبين أحد الناس، هذا وإن كان حلفه بصيغة القسم وذلك بأن يقول: بالطلاق لا يفعل كذا ففعله أثم لحلفه بغير الله ولا تطلق به امرأته على الصحيح، وإن كان بصيغة التعليق وذلك بأن يقول: إن فعل كذا فامرأته طالق ففعل ما علق عليه وقع الطلاق بحسب ما علق، فإن طلق طلقت طلاقاً واحداً وإن قيده بالثلاث فكذلك، وفي الحالة الأولى له رجعتها ما لم يسبق ذلك الطلاق
بطلاقين، وإن طلق ثلاثاً بانت منه بالثلاث، والله أعلم. (2/245)
صفحة 691
246
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
إذا حلف رجل بالله الله بأن زوجته إن فعلت فعلاً معيناً فهي طالق، ولكن بعد فترة صام ثلاثة أيام تكفيراً عن حلفه، فهل هذا الصوم هو کاف حتى يُلغي الحلف؟ لا، إذ الطلاق المعلق لا يبطله التكفير، على أن كفارة اليمين ليست هي صيام ثلاثة أيام، بل الواجب عليه في الكفارة أن يطعم عشرة مساكين أو يكسوهم أو يعتق رقبة فإن لم يجد شيئاً من ذلك فعليه صيام ثلاثة أيام، والتكفير هنا لا يلغي الطلاق المعلق بل الطلاق واقع، والله أعلم.
فيمن حلف بطلاق زوجته أنه لا يعود امرأة معينة في حالة مرضها ثم إنه شب حريق في المنزل التي تسكنه تلك المرأة فذهب الرجل مع من ذهب ودخل المنزل لإخماد الحريق فلما رجع إلى منزله وجد امرأته غاضبة، وتدعي أنه علق طلاقها بمجرد دخوله إلى المنزل والزوج ينكر ذلك فما قولكم؟ ينبغي النظر في هذه المسألة من وجوه: أولها: هل كان الحلف بصيغة التعليق أو بصيغة القسم، فإن كان بصيغة التعليق وذلك بأن يقول: إن فعل كذا فامرأته طالق ـ مثلاً ـ فإنه إن فعل ما علق عليه الطلاق وقع الطلاق، وإن كان بصيغة القسم وذلك بأن يقول: بطلاق زوجته لن يفعل كذا، ففي ذلك خلاف إن حنث، قيل: بعدمه وهو الأصح، لأنه مجرد قسم بغير الله لا يترتب عليه إلا الإثم لحرمة القسم بغيره تعالى، فهو كالقسم بسائر الأعراض أو الأجسام، تجب عليه منه التوبة ولا يحنث به أي لا تجب عليه به كفارة، ثانيها: هل حلف بأنه لم يدخل أو لن يدخل، لأن هنالك فارقاً بين الصيغتين يترتب عليه الاختلاف في الأحكام، فقوله: لم يدخل إنما يعني الدخول في الماضي، ولا يضيره الدخول في المستقبل، وقوله: لن يدخل إنما هو في (2/246)
صفحة 692
فتاوى الفراق
247
المستقبل، ولا يضيره الدخول في الماضي ثالثها: إن الدخول لإطفاء الحريق ليس هو دخول عيادة فلا يحنث به إن أقسم أنه لن يعود صاحبة البيت، والله أعلم.
حدث خلاف بيني وبين والدي فحلفت بطلاق زوجتي أن يبيت إخوتي
في بيته، إلا أنهم رجعوا إليه رغماً عني، فهل تطلق زوجتي بذلك؟ بئس ما فعلت فما الذي يعني الزوجة من خلافك مع أبيك، وإنما جمعت بين عقوق الأب والإساءة إلى الزوجة، فمثلك لا يستحق أن يزوج، ولكن يا لسوء حظ هذه المرأة التي رمت بها الأقدار إلى عصمتك وأردتها إلى كنفك، ولو كنت تعلم حقوق الأبوة وحقوق الزوجية لجأرت من هذا العمل الأرعن الذي صدر منك، فيا لك من أحمق جهول، هذا وإن كنت علقت طلاق زوجتك على مبيت إخوتك في بيت أبيك وقع الطلاق بمجرد مبيتهم عند أبيهم، أما إن كان ذلك بطريقة القسم، وذلك بأن تقول مثلاً بطلاق زوجتي لا يبيت إخوتي في بيت أبي، فقد ارتكبت أمراً إذاً بقسمك بغير الله وهو كفر كما جاء في الحديث، فقد روى ابن ماجه عن أبي هريرة الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحلفوا بآبائكم ولا أُمهاتكم ولا بالأنداد ولا تحلفوا إلا بالله إلا وأنتم صادقون»، فعليك التوبة منه، ولكن اختلف في وقوع الطلاق بذلك مع الحنث، والصحيح عدم وقوعه، وبناءً على وقوعه إن كنت جئت بالتعليق كما ذكرنا في الصورة السابقة فلك أن تراجع زوجتك إن كان هذا الطلاق غير مسبوق بطلاقين من قبل وذلك في أثناء عدتها بعد وقوع طلاقها، وذلك بأن تشهد شاهدين أنك راجعتها بصداقها وعلى ما بقي من طلاقها، والله أعلم. (2/247)
صفحة 693
248
الإكراه على الطلاق
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
فيمن حدث شجار بينه وبين زوجته فهجمت عليه وأمسكته من لحيته وركبت فوق صدره، ورفضت أن تتركه إلا أن يطلقها، فطلقها قاصداً
الفكاك من مسكتها. فهل يقع الطلاق في هذه الحالة؟
إن كانت أكرهته على طلاقها ولم يجد مناصاً عن ذلك ولم يوافق على طلاقها في قرارة نفسه وإنما أراد به الفكاك مما أوقعته فيه، فلا طلاق مع إغلاق وليتمسك بها، والله أعلم.
حدث خلاف بيني وبين زوجتي فقامت بكتابة ألفاظ الطلاق على ورقة وأصرت على أن أوقع على ما كتبته، ومن أجل كف شرها قمت
بالتوقيع عليه بدون أن أقصد طلاقها، فهل تصح مراجعتها؟ إن كان الطلاق رجعياً فلا مانع من مراجعتها في خلال عدتها لقوله تعالى: وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَبِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} [البقرة: 228]، أما بعد العدة فتكون كواحد من الخطاب وإن كان الطلاق بائناً فقد سبق السيف العذل والله أعلم. (2/248)
صفحة 694
فتاوى الفراق
طلاق الهازل وفاقد الوعي والسكران
249
زوجان حديثا الزواج مازح الزوج فيه زوجته وقال لها أنتِ طالق إذا
أردت؟
أن
ليس من حسن العشرة والملاطفة الحسنة بين الزوجين أن يذكر الرجل كلمة الطلاق بلسانه في حديثه مع زوجته ليوجه هذه الكلمة إليها، فإن هذه الكلمة تنزل على قلب المرأة كالصاعقة، ولا ينبغي أبداً بأي حال من الأحوال أن يأتي بها الرجل سواء كان جاداً أو هازلاً، والطلاق بغيض إلى الله الله، ولذا نجد في كتاب الله تعالى الأمر بتفادي الطلاق بشتى الطرق، فالله والله أمر الرجل أن يعاشر المرأة عشرة حسنة، والعشرة الحسنة تعني يصبر على بعض ما يصدر منها، لأن طبيعة المرأة تختلف عن طبيعة الرجل، فهي سرعان ما تتأثر لأن عاطفتها تتأجج بسرعة وتؤثر على دماغها حتى لا يبقى صالحاً للتفكير، وبسبب هذا يؤمر الرجل أن يعاشر المرأة عشرة حسنة ولو بدا له منها شيء من المشاكسة، وهو ما يرشد إليه، والنبي صلى الله عليه وسلم يرشد إلى ذلك فيقول: «إن المرأة خلقت من ضلع أعوج، وأعوج ما في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن استمتعت به استمتعت به علي عوج»، ذلك أن يكون الرجل حريصاً على تفادي كل أمر يؤدي إلى اضطراب الحياة الزوجية بينه وبين امرأته، والرسول عليه أفضل الصلاة والسلام كان مضرب المثل لأمته في حسن معاشرة النساء وفي ذلك يقول: «خيركم
ومعنى (2/249)
صفحة 695
250
خيركم
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
المشكلة
لأهله، وأنا خيركم لأهلي»، فخيرة الرجل تقاس بمعاشرته لأهله، فبقدر ما تكون معاشرته معاشرة حميدة وحسنة ولطيفة يكون أوفر خير والعكس في العكس، والأحاديث النبوية ـ على صاحبها أفضل الصلاة والسلام في ذلك كثيرة، هذا ولو حصل شيء من قبل المرأة مما يؤدي إلى تكدر صفو الحياة الزوجية فإن الرجل هو الذي يؤمر بأن يعالج لأنه. ه هو القوام عليها: {وَالَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء: 34]، فيؤمر الرجل أن يعالج النشوز بهذا العلاج الذي يتدرج إلى ثلاث مراحل، المرحلة الأولى مرحلة الموعظة على أن تكون موعظة رقيقة لطيفة تجتذب النفس وتؤثر على القلب ويتفاعل معها الوجدان، فإن أبت المرأة وأصرت إصراراً على نشوزها فالمرحلة الثانية مرحلة الهجر في المضجع بحيث لا ينام معها، وإن نام معها في فراش واحد فلا يقبل عليها وإنما يعطيها ظهره، حتى تحس بإعراضه عنها، فإن تراجعت فذلك خير، وإلا فينتقل إلى المرحلة الأخيرة وهي مرحلة الضرب بشرط أن يكون غير مبرح ولا مؤثر لأنه ليس ضرب انتقام وإنما هو ضرب أدب، فإن لم يُجد كل ذلك فهنا تتدخل الأسرتان ببعث حكم من أهله وحكم من أهلها، فإن تعذر كل ذلك وتحولت الحياة الزوجية إلى الجحيم فهنا يشرع للرجل قطع الحبال بينه وبين امرأته، ولكن بشرط أن يكون ذلك في إطار الأخلاق والفضيلة ومراعاة المشاعر ومراعاة طبيعة المرأة، فينهى أن يطلقها متى شاء فلا يشرع له أن يطلقها إن كانت حائضاً ولا في طهر واقعها فيه، وإنما يطلقها في طهر لم يواقعها فيه، فإن طبيعة المرأة عندما تكون حائضاً يغلب عليها الانفعال، فعليه أن يصبر على انفعالاتها، ومن ناحية أخرى فإن الرجل لا ينتفع بالاستمتاع التام بها أثناء حيضها فلذلك (2/250)
صفحة 696
فتاوى الفراق
251
محرم
قد يتأثر بسرعة فلا يبالي بطلاقها، فقيل له إن الطلاق في هذه الحالة عليك حتى يكون الطلاق في إطار الأخلاق والفضيلة، وكذلك عندما يكون
من
واقعها في طهرها ذلك ربما تكون نفسه قد بشمت منها واكتفى بما حصل الاستمتاع بها فلا يفكر في العواقب المترتبة على طلاقها، أما إن كانت قد طهرت وهو يتمكن من الاستمتاع التام بها ولم يستمتع بها بعد فإن نفسه - ولا ريب ـ تكون تواقة إليها وإلى معاشرتها، وفي هذه الحالة لا يتسرع إلى الطلاق إلا لداع لا مناص منه، وذلك كله من حكمة الإسلام البالغة في المحافظة على حسن العلاقة بينهما، ثم إن الإسلام يأمر الرجل بأن يتجنب كل قول يدلّ على الطلاق سواء كان جاداً أو مازحاً، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة»، فمن أتى بكلمة الطلاق وهو مازح غير جاد فإن ذلك يكون كفعله له وهو جاد، فينطبق عليه نفس الحكم الذي ينطبق في حالة الجد، وكذلك النكاح والرجعة، ذلك لأن الطلاق ينظر فيه إلى الظاهر ولا يلتفت فيه إلى المقاصد، وكذلك جميع العقود إنما هي أمور ظاهرة فلا يلتفت فيها إلى المقاصد فلذلك نيطت أحكامها بما يظهر من قوله، فالألفاظ التي تدل على الحل أو التي تدل على العقد كل منها مأخوذ به ولا يلتفت إلى قصد الإنسان من خلال هذا التلفظ هذا وإن كان هذا الطلاق مقيداً بقيد، كأن قال لها: «أنت طالق إن أردت فذلك الطلاق مقيد بإرادتها فإن أرادت الطلاق وقع وإن لم ترده لم يقع، ونحن نوصي هذا الذي صدر منه هذا القول أن يتجنب ذلك في المستقبل، وأن يحرص على أن تكون دعابته لأهله دعابة ليس فيها شيء مما يكدر صفو الحياة الزوجية، وليس فيها ما يزعج المرأة من ذكر الطلاق، بل عليه دائماً أن يكون حريصاً على تجنب هذه الكلمة وآثارها وتجنب إقلاق امرأته بها، والله تعالى أعلم.
6 (2/251)
صفحة 697
252
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
فيمن اتصل بها زوجها وقال لها أنتِ طالق على سبيل المزاح، والرجل ينكر أنه قال ذلك وإنما اتصل بها ليبارك لها بالزواج لا غير، فما الحكم في ذلك؟
إن كان قال لها: أنتِ طالق، فقد وقع عليها الطلاق، ولو كان ذلك مجرد مزاح، وإن كان لم يقل ذلك فلا، طلاق، وإن اختلفا بحيث ادعت وأنكر فالقول قوله مع يمينه، والله أعلم.
قلت زوجتي طالق، وذلك في غيابها بحضور أشخاص ولا أنكر ذلك،
فهل تطلق بهذا علماً بأني لم أطلق؟ وهل يصح لي مراجعتها؟ كيف تقول إنك لم تطلق وقد قلت امرأتك طالق. فما هو الطلاق في نظرك؟ ولا فرق بين أن يكون الطلاق أمام المرأة أو في غيابها، وإن كانت لا تزال في العدة والطلاق رجعي فلك مراجعتها في أثناء العدة بصداقها وعلى ما بقي من طلاقها وذلك بإشهاد شاهدين على ذلك هذا إن كنت دخلت بها وإلا فغير المدخول بها لا عدة عليها، والله أعلم.
جاء في الحديث الشريف: ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة»، فيما لو سألت امرأة زوجها عن صيغة الطلاق بقصد التعلم فقال لها: الطلاق أن يقول أنت فلانة بنت فلان ـ اسم الزوجة - طالق بالثلاث فهل يساق ذلك مساق الجد وتطلق منه زوجته
بذلك؟
إن كان كلامه سيق مساق تعليمها بصيغة الطلاق لم تطلق، ولكنه كلام فيه مخاطرة والعاقل لا يحوم حول الريب ولا يرعى حول الحمى، على أن قوله: إن الطلاق هو أن يقول لامرأته: أنت طالق ثلاثاً خطأ محض، إذ لا (2/252)
صفحة 698
فتاوى الفراق
253
داعي
لكلمة ثلاثاً فإنه طلاق بدعي، وإنما طلاق السنة أن أن يطلق طلقة
واحدة في طهر لم يباشرها فيه، فالعجب من الناس لا يعرفون الطلاق إلا من طريق البدعة، سعياً منهم إلى تضييق ما وسع الله عليهم وإغلاق ما فتحه لهم، ولو كان طلاق الثلاث مشروعاً ومحبوباً إلى الله لقل فاعلوه، ولكن بما أنه بدعة مخالفة لشرع الله وهو بغيض إلى الله يتهافت الناس إليه تهافت الفراش إلى لهيب النار؛ حتى إنه ليندر أن يقع طلاق بغير الثلاث، لأن نفوس الناس مشغوفة بالمحظور، والله المستعان.
هل طلاق الغضبان يقع؟ وما الدليل على ذلك؟ يقع ما لم يفقد وعيه وليس الدليل يطلب على وقوعه وإنما العكس، لأن الإنسان مسؤول عن تصرفه أياً كان في جميع أحواله إلا إن فقد وعيه، ولو كان الغضب مسود غاً لعدم وقوع الطلاق لكان الغضبان لا يؤاخذ إن بطش بقتل أو غيره، والله أعلم.
فيمن أصيب بحالة من الجنون فطلق زوجته ثم شفي من جنونه وأنكر أنه طلقها رغم وجود الشهود عند نطقه بذلك؟ فما الحكم في ذلك؟ إن كان عندما طلق فاقداً وعيه فالطلاق غير ماض والمرأة زوجته، والله أعلم.
عاماً
فيمن أصيب بشلل نصفي من جراء حادث سيارة منذ ثلاثة عشر وله زوجة وأولاد وقد بقيت زوجته في عصمته بعد وقوع الحادث وقد ساءت حالة المريض في الفترة الأخيرة حيث أثر الحادث في تفكيره، فصار يطلب من أهله أشياء غير معقولة كأن يطلب منهم أن يتصلوا هاتفياً بمنزل جيرانه، وأحياناً يطلب منهم أن ينقلوه إلى المستشفى وما شابه ذلك، وفي يوم من الأيام اضطربت نفسيته من جراء خصام مع (2/253)
صفحة 699
254
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
زوجته فصار يکسر كل شيء أمامه ويمزق النقود التي كانت بجواره وطلق زوجته ثلاثاً، وندم على فعله وأخذ يتوسل أن لا يترك وحده في المنزل فما رأي الشرع في هذه المسألة؟
العبرة بما كان عليه عندما صدر منه الطلاق فإن كان غير فاقد لوعيه فطلاقه ماض، وإن كان فاقده فلا يعتد بطلاقه كما لا يعتد بكل ما يصدر عنه من حل أو عقد، والله أعلم.
إذا كان الرجل في حالة سكر ولا يعي ما يقول، فقال لزوجته طالق، فهل تعتبر طالقاً؟
قول أكثر العلماء أن الطلاق واقع قالوا ذلك عقوبة له، لأنه كان السبب في إيجاد سكره المفضي إلى تطليقه، وقيل لا يقع الطلاق لأنه لا يعتد بحله كما لا يعتد بعقده والطلاق، حل، وكما أن الزواج لا يثبت في مثل هذه الحالة فكذلك الطلاق، وهذا هو القول الراجح، ولكن مع معاقبته بالعقاب الشرعي والتأكد أنه لم يكن على وعي قط، والله أعلم.
ذلك لا بد من
امرأة متزوجة من شاب فاسق وكثيراً ما يرجع إليها وهو سكران ويتعرض للسب والشتم في أهلها كما يلقي عليها كلمة الطلاق لأتفه الأسباب وقد لا يكون هنالك أي سبب سوي أنه أتى إليها وهو سكران، وقد يقع ذلك كثيراً، وقد يصل عدد المرات التي ألقى فيها كلمة الطلاق إلى عشر أو أكثر، والمرأة عندما تسمع هذه الكلمة تخرج من بيت زوجها إلى بيت أهلها ثم يجبرها أهلها على الرجوع إليه وترجع هذا الطلاق وماذا تفعل المرأة؟ وهي تريد
ويتكرر الحدث، فما
حكم
الفراق ولكنها لا تجد من يساندها فماذا تفعل؟ (2/254)
صفحة 700
فتاوى الفراق
255
عليها أن تقيم الحجة الشرعية وأن تشهد من جيرانها وممن كان هنالك على تصرف هذا الرجل، بل ولو لم يطلقها فإن نفس إيذائه لها بالسكر موجب للتفريق بينهما إن طلبت ذلك فلترفع أمرها إلى القضاء الشرعي، والسكران لا يكون كفؤاً لامرأة نزيهة عفيفة، والله أعلم.
إذا طلق الرجل زوجته، ولم يكن في حالته الطبيعية فهل يكون الطلاق
قد وقع؟ الظاهر أنه في حالة سكر، وقد اختلف في وقوع الطلاق في هذه الحالة،
لا
فقيل: يقع الطلاق على الإطلاق، وقيل: يقع إن كان عنده بقية من وعي إن كان فقد الوعي تماماً، ولكن ينبغي في هذه المسألة أن ينظر في أمر هذا السكران، ويُعرض على المحكمة لينال شيئاً من الأدب إن لم يقم عليه حد الشارب، والله أعلم.
فيمن ادعت عليه زوجته أنه طلقها واحدة وهو في حالة السكر، وقد اعترف الزوج بشرب الخمر غير أنه أنكر الطلاق فما قولكم في ذلك؟ عليها أن تقيم الحجة على دعواها، وإلا فهي امرأته حكماً، وفي طلاق السكران خلاف إن فقد العقل بسكره فقيل: بإمضائه وعليه الجمهور، وقيل: بعدم إمضائه، وعليه جماعة من قومنا وابن بركة من أصحابنا، وكان القطب يجنح إليه وهو قول واضح دليله، والله أعلم. (2/255)
صفحة 701
256
كنايات الطلاق
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
فيمن قال لزوجته أنت منطلقة أو فالتة نفسك، ولم يقصد بذلك لفظ
الطلاق، فهل يقع الطلاق بذلك؟
ذلك من كنايات الطلاق، فإن قصد به الطلاق فهي طالق وإلا فلا، والله أعلم.
فيمن قال: تحرم تدخل بيتي، ويقصد بذلك زوجته؟
هذه من كنايات الطلاق فإن قصده بها وقع وإلا فعليه كفارة يمين، هذا مع التوبة إلى الله؛ إذ ليس للإنسان أن يحرم ما أحل الله: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ على اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، والله أعلم.
وقع خلاف بيني وبين زوجتي فقلت لها في حالة غضب: إذا ذهبت إلى بيت أهلك فأنتِ طايحة من رقبتي فذهبت، فهل يقع الطلاق بهذا اللفظ؟ هذا القول من كنايات الطلاق فإن كنت قصدت به الطلاق وقع طلاقها بذهابها إلى بيت أهلها؛ لأن النية هي المعتبرة في الكناية، والله أعلم.
فيمن حدث شجار بينه وبين زوجته فقال لها: أنتِ مطلوقة ـ بهذا اللفظ - وبعد مدة أراد الزوج مراجعتها، فهل له ذلك؟ (2/256)
صفحة 702
فتاوى الفراق
257
أن
إن كان قصده بقوله مطلوقة تطليقها طلقت بذلك طلقة واحدة، وله مراجعتها في عدتها بإشهاد شاهدين على الرجعة على أن يخبرها الشاهدان بها قبل يواقعها الزوج، هذا إن لم يكن طلقها طلقتين قبل هذه المرة، وإن كان طلقها قبلها طلقتين فلا تحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره، وإن كان لم يقصد بذلك الطلاق فالطلاق غير واقع، والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: إن أدخلت شيئاً من تمر نخلك في منزلي بخروجك،
هذه
وذلك قبل ست سنوات، وهو يقصد تهديدها بذلك الطلاق، وفي السنة رأى تمراً بمنزله فسأل زوجته عنه فقالت: هو من نخلي، فقال لها: أنا قلت لك إنك إن أدخلت منه شيئاً في منزلي بخروجك، فقالت: لم أسمع منك ذلك، فما الحل الآن يا شيخنا؟ إن كان لم يقصد به الطلاق فلا يقع به طلاق؛ لأن هذه إحدى الكنايات التي تحتمل قصده الطلاق، والطلاق يقع القصد، أما بالألفاظ الكنائية مع
مع عدم قصده فلا يقع، والله أعلم.
فيمن طلبت منه زوجته أن يطلقها فرد عليها أعطيتك ما طلبت بالثلاث ثم خرج من مجلسه وقال لأحد أهله اعلم بأني طلقت زوجتي، فهل يقع طلاقه بذلك؟
إن قصد به الطلاق فالطلاق واقع وإلا فلا، والله أعلم.
امرأة كانت في خلاف شديد مع زوجها وكان يعود إليها في وقت متأخر فيسمعها كلاماً مؤلماً ويتهمها بأشخاص معينين، وقال لها في مرة من المرات: اذهبي إلى بيت أهلك، فلما أرادت أن تأخذ أغراضها قال: إنك أتيت عندي ولم تأتِ بشيء. وعندما أرادت الخروج قال لها: (2/257)
صفحة 703
258
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
إن خرجت من رز الباب فأنتِ خارجة بكلمتك، بعد ذلك التفت إلى أولاده وقال لهم: من منكم يريد أن يذهب مع أمه؟ فقالت بنت أريد أن أذهب مع أُمي، فقال لها: إن ذهبت مع أمك فأنت لست ابنتي وإنما من رجل آخر، ما الحكم؟
بئس الرجل من يتصرف هذا التصرف فهذا التصرف يدلّ على عدم الإيمان وعلى عدم مراعاة حقوق الزوجية، وعلى الانحراف عن الفطرة الإنسانية السليمة التي فطر الله تبارك وتعالى عليها البشر، فإن العلاقة الزوجية هي وئام ومودة وسكون وعطف ورحمة فالله تعالى يقول: {وَمِنْ آيَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21]، فالعلاقة الزوجية علاقة مودة ورحمة لا علاقة جفاء ونشوز وخلاف وشقاق ونفرة، وغلظة في القول، وصلف في المعاملة، فإن ذلك أمر مرفوض شرعاً، وخير الناس من كان أبر بأهله والنبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام يقول: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مثالاً في حسن معاشرة الأهل، فكان يعاشر أهله بالحسنى، ويتلطف في مخاطبتهم، ويلين لهم القول، ويحسن معاملتهم، ويعينهم على خدمة البيت، هكذا كان شأنه، ولم يكن صلفاً ولا غليظ القول جافياً.
ثم إن اتهام الرجل لامرأته بأنها تأتي الفاحشة وترتكبها وقذفها برجال معينين أو غير معينين لا شك أنه قذف لها وقذف لأولئك الذين لز بهم معها في القذف، فيبوء بعقوبة القذف، وقد فرض الله تعالى في هذه الدنيا عقوبة رادعة للقاذف حينما قال: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَا نَقْبَلُوا هُمْ شَهَدَةً أَبَدًا وَأَوْلَيكَ هُمُ الْفَنسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النور: 4، 5] كما عليهم بالعقوبة التي لا تطاق في (2/258)
صفحة 704
فتاوى الفراق
259
الدارة الآخرة، بقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ - ألسنتهم وايديهم وارجلهم بما كانوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَيذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} [النور: 23 - 25]. على أن مضايقة المرأة واضطرارها للافتداء من الرجل أمر لا يرضاه الإسلام،
أن
فليس للرجل أن يأخذ من امرأته أي حق كان إلا في حالة واحدة وهي يعلم أنها له كارهة، وأنها لا تستطيع أن تقوم بحقوقه المشروعة، وتريد أن تتخلص منه لأجل أن لا تكون عليها تبعة بسبب عدم قيامها بهذه الحقوق، ففي هذه الحالة يباح له ذلك، فالله تبارك وتعالى يقول: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ الله فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا أَفْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَبِكَ هُمُ الظَّلِمُونَ} [البقرة: 229]، ويقول: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوجِ وَعَاتَيْتُمْ إِحْدَثَهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنا وَإِثْمًا مُّبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيتَقًا غَلِيظًا} [النساء: 20، 21]، فأين هذه الآيات القرآنية من هذا الأرعن الذي يتصرف هذا التصرف غير مشفق على أهله وأولاده مما يشترونه من النكد ولا على نفسه من عقاب الله، وأما قوله لها: اذهبي إلى أهلك فإن قصد به الطلاق فهو طلاق لأن ذلك من كنايات الطلاق، وإن لم يقصد به الطلاق لم يقع، وكذلك قوله: إن خرجت خرجت بكلمتك إن قصد بذلك الطلاق فإنها تطلق بهذا القول. وقوله لابنته: أنت لست بابنتي ولتخبرك أُمك بأبيك هو من القذف ومما يعاقب عليه، ولا يتخلص من ذلك إلا، بلعان أي إن لا عن هذه المرأة تخلص من الولد الذي أنكره على أن يكون منكراً له من أول الأمر، لا أن يكون ذلك منوطاً رغب الولد سواء كان ذكراً أو أنثى في اللحوق بأمه، والله تعالى المستعان.
بسبب (2/259)
صفحة 705
260
الطلاق بالكتابة
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
فيمن طلق زوجته بواسطة رسالة دون تلفظ منه، أيقع الطلاق أم لا؟ الطلاق واقع على الصحيح، وإن لم يكن هذا الطلاق مسبوقاً بطلاقين من قبل فلا مانع من مراجعتها وذلك بإشهاد شاهدين على الرجعة قبل انتهاء عدتها، ويخبرها الشاهدان بالرجعة قبل أن يواقعها الزوج، والله أعلم.
فيمن كتب رسالة إلى أهل زوجته قال فيها: أنا فلان بن فلان أفيدكم علماً بأني قد طلقت ابنتكم طلاق السُّنَّة طلاقاً بائناً لا رجعة فيه، وقد طلقتها بالثلاث فهل وافق هذا الرجل السنة في ذلك؟
بئس ما فعل فقد خالف السُّنَّة آخراً بعدما وافقها أولاً، فكان كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، وذلك كله ناتج عن جهله بالسنة وتطبيقها، والله أعلم.
فيمن كتب طلاق زوجته في رسالة، ثم ندم على ذلك وتدارك الرسالة
قبل وصولها إلى زوجته، فهل يقع طلاقه بذلك؟
القلم أحد اللسانين والكتابة كالنطق، فتطلق المرأة سواء وصلتها الرسالة أم لم تصلها، هذا هو القول الصحيح، والله أعلم. (2/260)
صفحة 706
فتاوى الفراق
الطلاق بالنية
261
بأن
هل يقع الطلاق بالنية دون اللفظ؟ وهل يقع بألفاظ لم توضع للطلاق
لغة ولا كناية؟
يتم
إلا باللفظ، فكذلك
الطلاق حل كما أن النكاح عقد، وكما أن العقد لا الحل لا يتم إلا بالتلفظ وألفاظ الطلاق إما أن تكون صريحة كأن يقول الرجل لامرأته طلقتك أو يقول سرحتك، وكذا فارقتك بناءً على العرف الشائع عند الناس أن الفراق بمعنى الطلاق والطلاق الصريح لا يحتاج إلى نية، فإنه يقع عندما يصدر من الإنسان ولو لم ينو الطلاق، ولو قصد المزاح بينه وبين امرأته فقال لها طلقتك وقع الطلاق وإما أن يكون كناية يعبر عن الطلاق بأسلوب المجاز وهي مفتقرة إلى النية أي قصد الطلاق، وذلك كأن يقول لها: حبلك على غاربك أو الحقي بأهلك قصده، الطلاق فإن قصد بذلك الطلاق فهو واقع أما إن كان لم يقصد به الطلاق فهو غير واقع، والألفاظ التي لا تدلّ على الطلاق لا بطريق الكناية ولا بطريق الصريح فهي ليست من الطلاق في شيء، وإن قال من أهل العلم بأنه إن تلفظ بأي شيء وقصد به الطلاق فهو طلاق ولو قال سبحان الله وقصد به الطلاق كان طلاقاً، ولكن هذا القول بعيد عن التحقيق، والله تعالى أعلم.
مع (2/261)
صفحة 707
262
طلاق الحاكم
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
إذا طلق القاضي المرأة من زوجها فهل تلحقها بعد ذلك تطليقات زوجها إن أوقعها الزوج في عدتها؟
يلحقها الطلاق في العدة عندما يكون للزوج الحق في رجعتها، والتي يطلقها القاضي لا يحق للزوج مراجعتها، لأن المراجعة في هذه الحالة مصادمة لحكم القاضي الشرعي، وبهذه تعد بائنة بينونة صغرى، لذلك لا أرى وجهاً للحوق طلاق الزوج لها فيما بعد، والله أعلم.
هل يجوز للقاضي أن يطلق المرأة التي جاءت طالبة الطلاق من زوجها المدمن للخمر؟
نعم لما في ذلك من رفع الضرر عنها، والضرر مرفوع، والله أعلم. (2/262)
صفحة 708
فتاوى الفراق
التعليق
263
رجل يمنع زوجته من الذهاب إلى أهلها وقال لها: إذا ذهبت إلى أهلك فإنك طالق، هل يصح له أن يمنعها من زيارة أهلها وهل هذا الطلاق يُعد حابساً لها الآن؟
هذا الرجل غير مُمسك بمعروف ولا مسرح بإحسان، وإنما هو يتصرف تصرفاً أهوج، إذ منع الرجل امرأته من مواصلة من تجب عليها صلتهم أمر غير جائز له لأنه بذلك يدعو إلى المنكر وينهى عن المعروف، لأنه ينهى عمّا فرضه الله تعالى من التواصل بين الأقارب ويأمر بالقطيعة التي حرمها الله تعالى، ثم تعليقه الطلاق على هذا يُعد أيضاً من ضروب الإساءة إلى العلاقة الزوجية، والناس يتلاعبون بالطلاق تلاعباً عجيباً، أن الله تعالى شرع الطلاق لأجل إصلاح هذه النفوس عندما لا مع يمكن صلاحها إلا بالطلاق، وذلك عندما يقع التنافر ويبلغ مبلغاً عظيماً بحيث تتحول الحياة بين الزوجين إلى جحيم ولا يمكن أن تعود الطمأنينة والاستقرار إلى هذه النفوس إلا بالطلاق، فعندئذٍ شُرع الطلاق على الوجه الحسن الذي شرعه الله، لا أن يكون لعبة في أيدي الرجال يتصرفون فيه كيف شاؤوا، ومما يُؤسف له أن الناس أساؤوا (2/263)
صفحة 709
264
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
هذا
استغلال هذه السلطة التي جعلت في أيديهم إساءة ليست بعدها إساءة، فلأتفه الأسباب يقول الرجل لزوجته: «إن فعلت كذا فأنت طالق، ما الداعي إلى ذلك؟! هل هذا هو الإمساك بالمعروف الذي أوصى الله به؟! في قوله: {فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229]، كلا ليس ذلك إمساكاً بمعروف ولا تسريحاً بإحسان وإنما هو إمساك بإساءة، بحيث تكون الحياة الزوجية حياة قلقة لا يُعرف متى تنتهي، وليس ذلك أيضاً تطليقاً على الوجه المطلوب الذي فيه سلامة لكلا الزوجين، وإنما هو تعليق لهذا التسريح بطريقة تُثير القلق والاضطراب، وأقبح من كله أن يقحم الرجل امرأته ـ وهي شريكة حياته وجديرة بأن يُحافظ على علاقته التي تربطه بها ـ في خلاف ليس لها فيه أي دخل، فقد يكون هذا الخلاف بينه وبين أمه أو أبيه أو أخيه أو بينه وبين جاره أو غيرهم، وإذا به يقول لأبيه الذي ولده: «لأن دخلت بيتك مثلاً فامرأتي طالق»، وكثير من هؤلاء لا يقنعون بهذا القول فحسب بل يقول أحدهم: طالق ثلاثاً إن دخل فيجمع ما بين أمرين خطيرين، أولهما عقوق الوالد، وعقوق الوالد من المعاصي العظيمة، فإن الله تبارك وتعالى شرع بر الوالدين وحرم عقوقهما، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة عاق»، أي من كان عاقاً لوالديه أو لأحدهما، فكيف يسيئ هذا الرجل إلى العلاقة التي بينه وبين أبيه؟ ثم لا يكتفي بذلك بل يؤكد هذه الإساءة ويحرص على تأبيدها حتى يلقى الله تبارك وتعالى عليها، بحيث ينوط طلاق امرأته بإصلاح ما أفسده أي بدخوله على أبيه ومواصلته له، فإن هذه إساءة إلى هذه المرأة إساءة بالغة تعد من الجنون والهوس الذي يصيب الناس، فيجب أن يتفطن الناس لهذه الأمور وأن يُدركوا خطورتها فى الدنيا والآخرة.
هي (2/264)
صفحة 710
فتاوى الفراق
265
وقعت مشاجرة بيني وبين ابنة خالتي فقلت لخالتي: بالطلاق إن دخلت ابنتك هذا البيت فأنا لا أدخله وبعد مدة دخلت ذلك البيت وابنة خالتي موجودة فيه، فما الحكم في ذلك؟ بئس ما قلت وساء ما عملت أنسيت ربك أم جهلته حتى حلفت بغيره؟ ما لك وللحلف بغير الله، وهو من شأن من لا يقدر ربه حق قدره، ثم ما بالك تقحم زوجتك فيما لا علاقة لها به؟ يا للمصيبة الناشئة عن الجهل والحماقة، لقد جئت شيئاً إذاً تجب عليك التوبة النصوح منه، وأن لا تعود إليه قط، وفي وقوع طلاق امرأتك بحنثك قولان أصحهما عدم وقوعه، والله أعلم.
رجل طلق امرأته وأضاف الطلاق إلى المستقبل فقال لها: أنت طالق أول شهر محرم، وكان هذا الكلام في شهر رجب، ولكن قبل حلول شهر محرم - أي في شوّال - طلقها بدون إضافة ولا تعليق على شرط؟ فهل تطلق في شوّال؟ وماذا عليه في شهر محرم هل يبطل الطلاق أم لا؟ نعم تطلق في شهر شوّال، ويلحقها طلاق ثان في شهر محرم إن كانت لا تزال في عدتها، والله أعلم.
فيمن علق طلاق زوجته على زواجه بامرأة أخرى غيرها، وبعد أعوام عديدة وقع الشيء المعلق عليه، وجامع الرجل زوجته وهو ناسي تعليقه طلاقها، ثم تذكرت المرأة فتفرقا بسبب ذلك، ثم إنها تزوجت بعد ذلك الرجل برجل آخر وبعد فترة طلقها والآن هل يصح للزوج الأول أن يتزوجها من جديد؟ إن جامعها وهو ناس تعليقه طلاقها على زواجه بامرأة أخرى فإن تلك المواقعة لا تحرمها عليه إذ لم يقصد الزني؛ اللهم إلا إن كانت هي ذاكرة (2/265)
صفحة 711
266
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ووافقته على الوقاع، وأما إن تذكرا معاً بعد الوقاع فاعتزلها فلا مانع من أن يتزوجها من بعد، والله أعلم.
فيمن قال لزوجته: إن ذهبت إلى المدرسة فأنتِ طالق، فهل يقع الطلاق إن ذهبت من أجل الامتحان فقط؟
تطلق إن ذهبت إلى المدرسة ولو كان الذهاب من أجل الامتحان، والله أعلم.
فيمن كانت زوجته تأخذ من فأنت طالق، فلم ير بعد ذلك ما يكرهه فماذا عليه؟
مال الغير فقال لها: إذا عدت لمثل هذا
هذا رجل جاهل لا يحسن التصرف، فإنه أدخل نفسه في مأزق، فلعل الزوجة تأخذ بدون علمه، فماذا عسى أن يصنع؟ وبما أنه وقع في هذا الأمر
يلزمه أن يسألها كلما أراد جماعها هل أخذت أو لم تأخذ، والله أعلم.
قد منعت زوجتي من دخول بيت أختها، وبعد مدة سألتها إن كانت دخلت أم لا؟
ذلك؟
فقالت إنها لم تدخل، فقلت لها: إن كنت كاذبة في كلامك فاعتبري نفسك طالق، وبعد شهر أقرت لي بأنها كاذبة في كلامها، وإنها قد دخلت بيت أختها، ثم إني قد قمت بمسح رأسها تداركاً لما وقعت فيه، علماً بأنه قد تمت المعاشرة بيننا بعد هذه الحادثة، فما الحكم في بئس ما قلت وساء ما، صنعت وماذا يجديك مسحك لرأسها؟! أو تظن أن الحرام يحلّ بمسح الرأس؟ كلا وعليه فإن كنت تعني بذلك أنها طالق إن كانت دخلت وكانت قد دخلت فقد طلقت بذلك، فإن باشرتها بغير مراجعة شرعية فحكمكما أنكما زانيان والله المستعان (2/266)
صفحة 712
فتاوى الفراق
267
فأبت
فيمن قال لزوجته بطلاق الثلاث إذا لم تسافري معي إلى صحم أن تسافر معه فهل يقع الطلاق في هذه الحالة؟ الظاهر من هذه العبارة أن قائلها قصد تعليق الطلاق ثلاثاً على عدم سفرها معه إلى صحم، والقرينة تدلّ على قصده ذلك السفر بعينه، وعليه فإنها بعدم سفرها معه تطلق ثلاثاً ولا سبيل له عليها، ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، وإن كان لم يقصد ذلك السفر بعينه فإنه إن ذهبت معه إلى صحم قبل انقضاء أربعة أشهر منذ قال ذلك لم يقع طلاقها بقوله هذا على ما هو المشهور في المذهب بأن قوله هذا يعد إيلاء والصحيح عندي أنها تطلق فوراً إن لم تسافر معه وليس ذلك من الإيلاء في شيء كما بسطته في كتاب الإيلاء، والله أعلم.
فيمن حلف على امرأته قبل ثلاث سنوات للدورة الماضية بأن لا تذهب للترشيح لمجلس الشورى وإذا ذهبت فهي طالق وكان يقصد تلك الفترة فقط، والآن يرغب أن تذهب زوجته للترشيح فما رأي سماحتكم في الموضوع؟ إن كان قصد دورة معينة يقع طلاق امرأته إن شاركت فيها بالترشيح فلا ينسحب هذا الحكم على الدورات الأخرى، فلو شاركت فيها بالترشيح فلا يقع طلاقها، والله أعلم.
فأنت طالق ستين
فيمن حدث بينه وبين زوجته شجار في حوالي الساعة الثانية عشر والنصف ليلاً قال لها: إن بت في هذا البيت اليوم طلاقاً، فخرجت المرأة من الغرفة التي كانا فيها ونامت في غرفة أخرى ثم إنه حملها إلى بيت أهلها في الساعة الثالثة ليلاً من نفس اليوم فما الحكم في هذه المسألة؟ إن باتت أكثر الليل في ذلك البيت بحيث مضى نصف الليل ولم تخرج (2/267)
صفحة 713
268
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
بانت منه بالثلاث وما زاد فوزره عليه، ولو خرجت من نفس الغرفة وباتت في غرفة أخرى؛ لأنها بقيت في نفس البيت الذي علق طلاقها على مبيتها فيه، والله أعلم.
فيمن خطب امرأة فوافق أبوها بشرط أن لا يشرب الخمر ولا يزني ولا يتعامل بالربا، وإن فعل شيئاً من ذلك تطلق منه زوجته فوافق على ذلك، وبعد سنوات تنازلت زوجته عن هذا الشرط بدون إذن وليها
فهل لها ذلك؟ وهل يقع طلاقها إن فعل ذلك بعد تنازل المرأة؟ بئس هذا الرجل وبئست هذه المرأة، ولا غرو فقد وافق شن طبقه، إذ الخبيثون للخبيثات، وإلا فكيف تعدل امرأة مسلمة عن شرط يمنع الزني وشرب الخمر؟ وكيف تسمح امرأة على الفطرة - فضلاً عن كونها مسلمة لزوجها بالزنى والفسوق؟ هذا وطلاقها يقع إن فعل ما علق عليه، ولو كان ذلك اشتراطاً من وليها، دونها، أو بادر هو نفسه إلى تعليق طلاقها على فعل ذلك، والله أعلم.
فيمن يمنع زوجته عن كثير من الأمور ويعلق طلاقها على فعل تلك الأمور كأن يقول لها: إذا ذهبت إلى بيت أهلك فأنت طالق، وإن تكلمت بالهاتف فأنت طالق، وهذا دأبه في كثير من الأمور، ثم يسمح لها بعد ذلك، وفي يوم من الأيام قال لها: إذا لم تعودي من عملك إلى البيت الساعة الثانية والنصف فاعتبري نفسك طالق وقد قصد بذلك تهديدها، وقد تأخرت الزوجة عن ذلك الوقت الذي حدده لها زوجها بسبب عدم وجود السيارة مما اضطرها إلى أن تذهب إلى بيت أُمها، وتأخر وصولها
إلى بيتها، فهل بتأخرها هذا - وهي مضطرة ـ تطلق من زوجها؟ (2/268)
صفحة 714
فتاوى الفراق
269
في
إذا علق طلاقها على أمر ففعلت ما علق عليه الطلاق طلقت منه وإن سمح لها أن تفعله؛ إذ لا عبرة بسماحه لها، ولا يهدم ذلك إنشاءه الطلاق المعلق على فعل ما سمح لها أن تفعله، اللهم إلا إن كان قيد في تعليقه وقوع الطلاق بما إذا فعلت ذلك الأمر بدون إذنه ثم أذن لها. فعله ففعلت بإذنه فهنا لا يقع الطلاق لعدم وقوع المعلق عليه كما هو، ولا ريب أنه إن علق طلاقها على عدم عودتها إلى ساعة معينة فلم تعد إليه إلى تلك الساعة فطلاقها ماض، ولو كان قصد به مجرد التهديد؛ إذ لا هزل في الطلاق، كما جاء في الحديث: «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة»،
والله أعلم.
رجل قال لامرأته: إذا دخلت بيت أخيك فأنت طالق، وإذا دخلت بيت أختك فأنت طالق، وإذا دخلت بيت ابن أختك فأنتِ طالق، ولم يكن يقصد حدوث طلقة أو عدة طلقات معينة ولقد طلقت المرأة الآن ولكن يريد الرجل رجعها مع العلم أنها قد دخلت البيوت الثلاثة لحالة اضطرارية. فما الحكم في رجع الرجل امرأته وقد انتهت هذه المرأة من عدتها؟ يؤسف كثيراً للرجال أن يتسرعوا إلى مثل هذا الكلام، وهو إن دل على شيء فإنما يدل على الرعونة وقلة التفكير في العواقب، وعدم المبالاة بحرمات الله، وعدم مراعاة حقوق الزوجية، وهو كلام لا يصدر إلا عن أرعن أهوج لا يفرق بين الحق والباطل، ولا بين الهدى والضلال، فالرجل الذي يقول لامرأته: إن فعلت كذا فأنتِ طالق يعرضها للطلاق من حيث يدري ومن حيث لا يدري، فقد تفعل هذا الشيء وهو لا يدري ويواقعها على أنها امرأته فيعرض نفسه للوقوع في الزنى بذلك، إذ قد تكون هي (2/269)
صفحة 715
270
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
جاهلة ولا تدري العاقبة وتحاول أن تتكتم على فعلها وألا تخبره بما صدر منها بسبب جهلها، وهذا التصرف يؤدي فيما بعد إلى أن يقعا في الحرام والعياذ بالله، وبجانب هذا أيضاً فكثيراً ما يحصل اختلاف ما بين الرجل
بين
وبين أبيه أو بينه وبين أمه أو بينه وبين أخيه أو بينه وبين أخته أو بينه وبين ولده أو بينه وبين جاره أو بينه وبين قريبه أو بينه وبين أي أحد كان ويجعل المرأة عرضة لهذه المشكلة، فيعلق طلاق المرأة ـ وكثيراً ما يكون بالثلاث ـ على دخوله بيت أبيه أو بيت أُمه أو تكليمه لأبيه أو لأمه أو لأخيه أو لابنه أو لابنته، أو لجاره أو لأي أحد كان، فيجمع بذلك ما عقوق الوالد أو الإساءة إلى علاقة القرابة أو الإساءة إلى الجوار وما بين الإساءة إلى العلاقة الزوجية فيما بينه وبين امرأته، وهذا التصرف لا يصدر إلا من أهوج أحمق، ومن هنا يطالب الرجل أن يتحكم في عواطفه، وألا يجعل المرأة عرضة للطلاق، وذلك بأن يتفادى ذكر طلاقها في أي أمر إيجابياً كان أو سلبياً إلا عندما يكون قاصداً تطليقها بالطريقة الشرعية من أجل داع شرعي لا محيص عنه. وفي هذه الحالة المسؤول عنها إن دخلت بيت أخيها فقد وقع طلاقها، وإن دخلت إبان عدّتها بيت أختها وقع طلاقها مرة ثانية، وإن دخلت أيضاً أثناء عدتها بيت ابن أختها وقعت الطلقة الثالثة، وتكون بهذا بانت منه بالثلاث وهذه عاقبة الحماقة والجهل، والله المستعان.
نعم،
قال لي زوجي: إذا ذهبت إلى المكان الفلاني فأنت طالق، وفي غيابه ذهبت فهل يكون قد طلقني؟
لأنه
أثناء
وقع المعلق عليه، وبوقوع المعلق عليه يقع الطلاق، والله أعلم. (2/270)
صفحة 716
فتاوى الفراق
271
لسانه،
إذا قال الرجل لزوجته: «إذا صلّيت أي صلاة في بيت من بيوت الجيران بطلاقك» في لحظة غضب، فطال الزمن وأدّت الصلاة في أحد البيوت مع العلم أنها نسيت ما أخبرها به زوجها وهو متناس أيضاً ما لفظ به مع العلم أنها باقية الآن في ذمته؟ الظاهر أن كلامه من ناحية التركيب كلام غير سليم، ولكننا نحمل الكلام ما يمكن أن يتحمله من المعاني، فقوله بطلاقك» الظاهر أن الباء هنا للمصاحبة، أي تصلين مصحوبة بطلاقك، فإذاً يصحبها الطلاق عندما تصلي، فيقع الطلاق بالصلاة، فإن كانت هي نسيت فلا إثم عليها، ولكن عليها أن تخبره عندما تتذكر، وهو نفسه عرض نفسه للخطر عندما قال لها
ذلك، والله أعلم. (2/271)
صفحة 717
272
المراجعة
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ما قولكم فيمن طلق زوجته وهي حامل فأراد مراجعتها، ولكن أبوها
اعترض على ذلك ولم يوافق؟
من طلق امرأة أقل من ثلاث طلقات فله الحق في مراجعتها متى شاء ما دامت في عدتها، لقول الله تعالى: {وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَرِهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا [البقرة: 228]، وليس لها ولا لوليها حق الاعتراض على الرجعة، وعدة الحامل أن تضع حملها، لقول الله: وَأُوَلَتْ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمَلَهُنَّ} [الطلاق: 4]، والله أعلم.
فيمن طلق زوجته طلاقاً رجعياً ثم راجعها إلى عصمته من غير تلفظ،
وإنما نوى ذلك بقلبه فهل يصح ذلك؟
لا تكون المراجعة بالقلب فقط كما لا يكون الزواج ولا الطلاق بالقلب وحده، فلا بد من تلفظ ولا بد مع ذلك من إشهاد شاهدين على الرجعة، لقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنكُمْ} [الطلاق: 2]، والله أعلم.
من طلق زوجته ثم راجعها بنفسه وكان بحضرته عندما راجعها أخو المرأة وأمها وأختها وإخوة لها صغار، فرجعها بحضرة هؤلاء الشهود، فهل يكفي ذلك أم لا؟ (2/272)
صفحة 718
فتاوى الفراق
273
إن كان ردها بحضور شاهدين أو شاهد وشاهدتين فالمسألة هيئة والرجعة صحيحة، وإنما يؤمر أن يخبرها الشهود بالرجعة من قبل أن تنتهي عدتها وقبل أن يباشرها، وأما إن كان راجعها بنفسه من غير إشهاد فالمسألة عويصة، لأن الله تعالى قال في المراجعة: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ} [الطلاق: 2]، والله أعلم.
طلقت امرأتي طلاقاً رجعياً وراجعتها في عدتها وأشهدت خمسة أشخاص بذلك وبحضورها، غير أن الشهود أبوا أن يشهدوا فما الحكم ذلك، وهل تعتبر المراجعة صحيحة؟
في
إن أشهدتهم على الرجعة فالرجعة صحيحة، وعليهم أن يشهدوا، والله أعلم.
طلقت زوجتي
طلقة واحدة ثم رغبت في مراجعتها فلم يوافق أبوها إلا
بدفع مهر جديد، فما الحكم الشرعي في ذلك؟ إن كانت لا تزال في عدّتها فلك أن تراجعها ولو لم يرض والدها، وأما بعد
عدتها فلا بد من عقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، والله أعلم.
امرأة لديها، أطفال طلقها زوجها للمرة الثانية وكانت غير طاهرة وزوجها لم يكن يعلم بذلك، وبعد أن مضى عليها سنة سمعت أن
الطلاق لا يقع في هذه الحالة، فهل يحق للزوج مراجعتها أم لا؟ لا وألف لا، بل هو واقع، فإن طلاق الحائض وإن كان في نفسه بدعة هو واقع، وإنما يؤمر الرجل أن يكفر هذه الخطيئة التي ارتكبها بمراجعته المرأة إذ كان الطلاق رجعياً، لا إن كان الطلاق بائناً، والدليل على وقوع طلاق الحائض ما روي أن عمر انه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: «إن عبد الله طلق (2/273)
صفحة 719
274
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
امرأته وهي حائض، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فإن شاء أمسك وإن شاء طلق، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء»، والدليل في هذا أمران، أولهما: قوله: «فليراجعها» ولم يقل فليمسكها أو فليرجع إليها بل قال: «فليراجعها»، والمراجعة إنما تكون بعد الطلاق، الأمر الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال له مره فليراجعها، ما قال له حتى تطهر وسكت بل قال له حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر»، فلو كانت هذه المراجعة التي أمره بها مجرد إمساك لهذه المرأة ـ بناءً على أن الطلاق غير واقع ـ لأباح له أن يطلقها فوراً بعد أن تطهر من تلك الحيضة، ولكنه لم يبح له ذلك بل أمره بإمساكها بعد المراجعة حتى تطهر من تلك الحيضة ثم تحيض حيضة أخرى ثم تطهر من تلك الحيضة الأخرى، ثم عندئذ إن شاء أمسك وإن شاء طلق، وهذا لأن المراجعة حكمها حكم الزواج من جديد، وكما أن الإنسان ينهي أن يتزوج لأجل الطلاق، كذلك ينهى أن يراجع لأجل الطلاق، وإنما يراجع لأجل ما يكون بين الزوجين من استمتاع بعضهما ببعض، ففي أثناء تلك الفترة التي تطهر فيها المرأة من تلك الحيضة التي طلقها فيها يتمكن من الاستمتاع بها وتتمكن هي أيضاً من الاستمتاع به، فلذلك أمره بأن يبقى على الزوجية في خلال تلك الفترة، على أن المظنون بالرجل أن لا يترك امرأته هكذا وهي قد طهرت من حيضها فلا بد أن يغشاها، وإذا غشيها قد تصلح الحالة ويذهب ما بينهما من الخلاف والضغن، ومن خلال هذا نتبين أن تلك الطلقة معتبرة ومعدودة من ضمن الطلقات التي يعتد بها في الشرع وعليه فإن كانت هذه الطلقة التي كانت في الحيض هي الثالثة فهي تبين ولا تحل له أبداً حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لا تدليس فيه، وذلك بأن لا يتواطأ على أن
يتزوجها الزوج الثاني من أجل أن يحلها للزوج الأول، والله أعلم. (2/274)
صفحة 720
فتاوى الفراق
275
تزوج رجل امرأة ثم طلقها طلقة واحدة، وانقضت العدة ولم يراجعها ثم انقضت بضع سنين وأراد أن يردها فهل له ذلك؟
إن أرادها فليتزوجها بعقد جديد وبصداق جديد وبرضاها وإذن وليها، وهذا الذي دلت عليه الآية في قوله لا وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 232].
إذا ما تم الطلاق بين الزوجين ثلاث مرات ثم تزوجت المرأة الرجل الثاني حتى يحللها لترجع لزوجها الأول، ويطلقها الرجل الثاني بعد مضي ليلة، فهل هذا الزواج حلال، علماً بأن المرأة كانت في نيتها الرجوع إلى زوجها الأول؟
هذا ليس زواجاً شرعياً، وهذا الرجل إنما هو كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم هو التيس المستعار، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لعن الله التيس المستعار»، ويقول: لعن الله المحلل والمحلل له وهي إن كانت مشاركة في هذا التواطؤ فهي مشتركة معه في اللعنة، ولا يُحللها ذلك لزوجها السابق، وإنما يكون الجميع مشتركين في الزنى، والله أعلم. (2/275)
صفحة 721
276
الإحسان إلى المطلقة
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ما
هو حق المطلقة على زوجها بعد تطليقها؟ المرأة المطلقة إن أرضعت له فلها نفقتها عليه بالمعروف، والله أعلم.
هل للمطلقة متعة؟ وما مقدارها؟
في ذلك خلاف، والراجح نعم لعموم الآية: {وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَنعُ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 241]، ولا تحد بحد إلا بالمعروف، والله أعلم.
فيمن طلق زوجته، هل يلزمه لها شيء من الحقوق غير المؤخر من
الصداق؟
لها الصداق المتبقي لها في ذمته وإن كان لها عليه حق آخر كدين أو قرض فعليه أيضاً أداؤه إليها مع تمتيعها بشيء من المال، والله أعلم.
فيمن أبت المكوث في بيت مطلقها فخرجت منه، فهل على زوجها
نفقتها أيام عدتها؟
إذا خرجت فقد أسقطت نفقتها، والله أعلم. (2/276)
صفحة 722
فتاوى الفراق
هدم الزوج الثاني للطلاق
277
فيمن طلق زوجته مرتين فتزوجت بزوج آخر ثم طلقها هذا الزوج فتزوجها الرجل الأول بعقد جديد، فهل ينهدم الطلاق السابق أم تبقى
عنده بطلقة واحدة؟
الثلاث
قول أكثر العلماء أن الزوج الثاني لا يهدم أقل من ثلاث طلقات وإنما يهدم الثلاث، وذهب بعض العلماء إلى أنه يهدم ما دون الثلاث كما يهدم والقول الأول أحوط، والله أعلم. (2/277)
صفحة 723
278
الخلع
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
فيمن حدث خلاف بينه وبين زوجته فاتفقا على أن تفتدي منه، وقبض الفدية ولكن بعد ذلك امتنع من تطليقها وقد مضى على ذلك ستة أشهر، فهل قبوله الفدية يعتبر طلاقاً أو لا؟
الفدية هي فسخ للنكاح وقيل هي طلاق بائن، والمرأة قد خرجت من عصمته منذ قبل الفدية، والله أعلم.
هل يلزم الرجل الذي خالعته زوجته أن يلفظ عليها الطلاق؟ المشهور أنه تخرج منه بقبوله الخلع، والله أعلم.
فيمن طلبت الطلاق من زوجها قبل الدخول بها فطلب منها أن تدفع له ستة آلاف ريال، علماً بأنه أمهرها ألفي ريال فقط، فهل يجوز له أخذ هذه الزيادة؟
لا يجوز له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، والله أعلم.
افتدت زوجتي مني وقد قبلت منها الفدية ولكن بدون أن ألفظ عليها، فهل يعتبر ذلك كطلاق الثلاث وهل لي مراجعتها إن أردت ذلك؟ هذا خلع وليس هو كطلاق الثلاث ولا كالطلاق الرجعي؛ بل المرأة تكون (2/278)
صفحة 724
فتاوى الفراق
279
أملك بنفسها، فإن أردتها فبعقد جديد مع كافة شرائطه، وهي رضى المرأة وإذن وليها وصداق جديد وبينة، والله أعلم.
فيمن يسيء معاملة زوجته بالضرب والشتم، ويهددها بالطلاق فلم تستطع الزوجة احتمال هذا الأذى فطلبت منه الطلاق، فوافق على أن
تدفع
له ضعف المهر الذي دفعه لها هل يحق له ذلك؟ ليس للرجل أن يلجاء زوجته إلى أن تفتدي منه بسوء معاملته لها، فإن فعل ذلك فإن كل ما يأخذه منها ولو فلساً واحداً فهو سحت، قال تعالى: {وَإِنْ أَرَدتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَاتَيْتُمْ إِحْدَتْهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنَا وَإِثْمًا مُّبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ، وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيتَقًا غَلِيظًا} [النساء: 20، 21]، وقال: {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَآآتَيْتُمُوهُنَّ} [النساء: 19]، وعندما يكون النشوز منها فله أن يخالعها على أن تدفع له مثل ما أعطاها من الصداق أو أقل لا أكثر منه بدليل قول الله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا أفتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229]، مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أما الزيادة فلا»، والله أعلم.
فيمن طلبت طلاقها من زوجها فقال لها: إذا دفعت لي ألف ريال أطلقك، فقالت: أدفع، فطلقها، فهل تلزم بدفع المبلغ؟
إن سبق طلاقه الدفع الذي وعدت به فذلك وعد منها لا يتوقف عليه مضي طلاقه إن لم يعلقه به، والله أعلم.
فيمن تزوج بمهر وقدره أربعة آلاف ريال عُماني، ألفا ريال تمّ شرطهما لعقد الزواج وألفان آخران تم دفعهما للملابس وتجهيزات العرس، وقد استمر هذا الزواج ثلاث سنوات أنجبا خلالها بنتين، وبعد مرور (2/279)
صفحة 725
280
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
هذه المدة نشب خلاف بينهما أوصلهما إلى الطلاق بعد أن تعذرت جميع الوسائل بينهما. في حال طلبت هذه المرأة الطلاق هل يستحق الزوج المبلغ المدفوع كاملاً وهو أربعة آلاف أم يستحق المبلغ الذي عقد عليه الزواج وهو ألفا ريال؟ إن كانت المضارة من الرجل فلم تجد المرأة مناصاً من طلب الطلاق لرفع الضرر عنها فلا يحل له أن يأخذ شيئاً منها، لقوله تعالى: {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} [النساء: 19]، وإن كانت كرهته لا لتقصير منه ولكن لعدم قدرتها على معاشرته، فله أن يسترد منها ما آتاها فقط إن اتفقا على ذلك، والله أعلم.
طلبت زوجتي مني أن أطلقها إثر خلاف بيني وبينها فلم أوافقها على ذلك، فطلب أهلها أن أطلقها على أن يدفعوا لي ألفين وسبعمائة ريال فوافقت على ذلك، وطلبوا مني استلام المبلغ، ولما رجعت إلى البيت فكرت في الأمر وندمت على موافقتي قبول المبلغ، فهل يثبت الطلاق
بقبول الفدية؟ وفي حال ثبوته فإلى من ترجع حضانة الولد؟ بما أنك رضيت بالفدية فهي ثابتة ولا مناص لك عنها، وهي أحق بحضانة الولد ما لم تتزوج، والله أعلم.
فيمن تزوجت رجلاً منذ أشهر ولم يدخل عليها ولم ينقلها إلى منزل الزوجية، والآن طلبت المرأة الخلع ورجع الصداق له وإنهاء العلاقة الزوجية، فهل لها الحق في ذلك؟
لا بد في ذلك من اتفاق بينكما على الفدية لإنهاء الزواج، فإنه هو الذي بيده عقدة النكاح، وإن لم تتفقا فحكموا رجلين حكماً من أهله وحكماً من أهلك، والله أعلم. (2/280)
صفحة 726
فتاوى الفراق
281
أرادت امرأة أن تفتدي من زوجها بمبلغ من المال فوافق الزوج على ذلك، واتفقا على أن تسلمه المبلغ بعد شهرين وخرجا على هذا، فهل وقع الخلع بمجرد رضى الزوج وإن لم يستلم شيئاً أم لا حتى
تدفعه له؟
يقع الخلع بتسليمها المبلغ إليه أو بقبوله المخالعة على أن يكون ما اتفقا على تسليمه إليه ديناً في ذمتها، والله أعلم.
فيمن تزوجت رجلاً برضاها دون إجبار من أحد، ولكن وبعد مضي ثلاث أشهر على زواجها قالت أنا لا أريد هذا الزوج، وبدون سبب ولا حجة على الزوج ولا تقصير منه، حتى وصل الأمر إلى
شرعي
القاضي وسألها فيما إذا حصل تقصير من الزوج؟ فقالت: لا، وهل يحسن المعاشرة الزوجية؟ قالت نعم قال: إذاً لماذا لا تريدينه، فقالت: أنا لا أريده، والذي يطلبه عليّ أنا حاضرة به، فسأل القاضي الزوج: هل تريد الصداق؟ فقال الزوج: لا وأنا الآن أريد المرأة. فأعطى القاضي المرأة مهلة لمدة يومين ونصحها بأن تعود إلى زوجها، وإن لم تفعل فهو فجور وظلم في حق زوجها، وتتقي الله في نفسها، ولكنها وبعد مضي يومين رجعت وقالت سوف أعود إلى زوجي، فقال القاضي: إذا انتهت المشكلة، ولكنها في نفس اليوم رجعت، وقالت: لن أعود ولا أخاف السجن، فأمر القاضي بحبسها وقالت: أنا لن أعود مهما صار، وهي الآن في السجن. فما حكم الشرع في هذه المسألة؟ العاقل من درأ المشكلات عن نفسه، فأولى بهذا الزوج أن يقبل الفدية من المرأة ويسرحها، فأي منفعة له في أن تظل سجينة؟ وهل ذلك مما يحل
المشكلة أو أنه مما يزيدها تعقيداً؟ نسأل الله السلامة والتوفيق للخير. (2/281)
صفحة 727
282
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
فيمن حدث شجار بينها وزوجها فخرج عنها إلى بيت آخر ولم يعد إليها، وقد مضى عليه أكثر من خمسة عشر سنة، والمرأة الآن تعيش مع أولادها وهي تخشى أن يلحقها إثم من جهة زوجها رغم كراهيتها له، فهل يجوز لها أن تفتدي نفسها منه؟
لعله يرضى بالفدية فلتعرضها عليه، فإن رفض فلتطلب تحكيم حكم من أهلها وحكم من أهله، والله أعلم.
إذا حدث خلاف بين المرأة وزوجها فذهبت إلى بيت أهلها ورفضت الرجوع إلى زوجها خوفاً على نفسها من انتقام الزوج منها، فهل تجبر
شرعاً أن ترجع إليه على هذه الحالة؟ وهل لها أن تفتدي منه؟
أما إن كان الزوج يريد الانتقام منها وبدا ذلك منه فلا يمكن من ذلك، إذ للأنفس حرمات، وقد شرع الله تبارك وتعالى أمرين للزوج إما الإمساك بالمعروف وإما التسريح بالإحسان، وليس الإمساك للانتقام من الإمساك بالمعروف، أما إن لم يبد ذلك منه فالأصل أن عليها طاعة الزوج، والخلع جائز ولكنه يتوقف على رضا الزوجين به، فإن لم يرض به الزوج لم يكره عليه، وإن ضارها وثبتت مضارته لها حمل على طلاقها،
والله أعلم.
رجل عقد على فتاة ودفع مقدم الصداق، وبعد فترة ـ تقارب السنة - اكتشف بأن زوجته لا ترغب فيه إلا أن أهلها أصروا على الشاب بأن لا يطلق زوجته ثم طلب الشاب مقدم الصداق الذي دفعه للزوجة فأعطاه أهلها بعضاً من المبلغ؛ إلا أنه لم يطلقها حتى الآن، فما رأيكم
في
ذلك؟ (2/282)
صفحة 728
فتاوى الفراق
283
إن كان قبله منها من أجل تسريحها فقد خرجت منه وصارت أملك بنفسها،
والله أعلم.
فيمن طلق زوجته بفدية مالية، وبعد مضي ثلاثة أيام من الطلاق توفي الزوج، فهل على الزوجة العدّة المفروضة أم لا؟
لا عدة عليها إلا عدة الطلاق ولا ميراث لها، والله أعلم. (2/283)
صفحة 729
284
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
اللعان
فيمن يتهم زوجته بالزنا، ويحلف على ذلك، ويزعم أن حملها ليس منه، وقد فضحها أمام الناس، والمرأة تنكر كل ذلك فما الحكم؟
بئس ما قال، ولئن رفعت دعوى عليه فحكمهما اللعان، والله أعلم.
وقع علي حادث سير، فمكثت طويلاً بين الحياة والموت، ولي امرأة أستجير بالله منها حيث إنها حملت من غيري أثناء وجودي بالعلاج، وعمره الآن ثمانية أشهر تقريباً، أعوذ بالله مما ألبستني به من العار، ويريد فضيلة القاضي إرغامي بالولد، فأرجو من سماحتكم بيان وإظهار الحقيقة؟ أسأل الله لك العافية من كل بلاء، والصحة من كل مرض، والتوفيق لكل خير والأجر على ما أصابك وبعد: فقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي أنه قال: «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، فكل من عقد على امرأة فهي فراشه وما تلد على فراشه فهم أولاده ولو كانوا في الحقيقة من غيره؛ إلا إن تخلص بلعان حسبما أنزل الله فى سورة النور من كتابه، وعليه فما لك مخلص من حمل هذه المرأة إلا إن لاعنتها، والله أعلم.
6
رجل طلق زوجته ثم تبين بأنها حامل من بعد عدتها بأيام قليلة وهو يعلم بأن الابن ليس ابنه وقد نسب له، فما قولكم في ذلك؟
هو ابنه إلا إن تخلص منه بلعان، والله أعلم. (2/284)
صفحة 730
فتاوى الفراق
الظهار والإيلاء
285
ما
هي
الصيغة التي ينعقد بها الظهار؟ هل هي الصيغة المعروفة في كتب الفقهاء عندما يقول الرجل لزوجته: «أنتِ عليّ كظهر أُمي»؟ وهل إذا قال لها: أنتِ كأمي وإنما يعني بذلك تشبيهها بالشجاعة وبالعمل، هل يعني ذلك ظهاراً أيضاً؟
الظهار كالطلاق، له صيغة صريحة وله صيغة كنائية، فالصيغة الصريحة لا تتوقف على النية، عندما يقولها الرجل وهو قاصد أن يقولها ولو لم يقصد نفس الظهار، فلو قال الرجل لزوجته: «أنتِ عليّ كظهر أمي»، ولو لم يقصد
كما
الظهار حكم عليه بالظهار ولم تحل له امرأته حتى يُكفر، والكفارة هي جاءت في القرآن الكريم عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً وذلك كله قبل المسيس، وأما الصيغة الكنائية فهي تفتقر إلى النية، فلو قال الرجل لامرأته: أنتِ أُمي وقصد بذلك الظهار كان ظهاراً، أما إن قصد بأنها كأمه من حيث عظم منزلتها عنده
أو
من حيث الكرم أو الشجاعة أو في أي صفة من الصفات فلا يُعد ذلك ظهاراً، والله تعالى أعلم.
ما الحكم إذا قال الرجل لزوجته: لا ألامسك كامل هذا اليوم لا يعني
به الإيلاء، ولكنه لامسها في ذلك اليوم؟
قوله: «لا ألامسك في هذا اليوم ليس هو يميناً، والإيلاء يمين، لأنه يُقال (2/285)
صفحة 731
286
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
يُولي إذا حلف يميناً بالله تعالى، فمن حلف بأنه لا يواقع امرأته يُمهل أربعة أشهر فإن فاء بأن واقعها وجبت عليه كفارة يمين واستمرت على العصمة الزوجية، وإن استمر على حكم الإيلاء ولم يلامسها حتى مضت أربعة أشهر فإنها تخرج من عصمة الزوجية بنفس قوله ذلك عندنا وعند الحنفية، أما جمهور العلماء من المذاهب الأخرى فيرون أنه يُلزم بأن يطلقها بعد مضي أربعة أشهر وذلك لأجل رفع الضرر عنها، أما إن كانت المدة محددة كأن كان الإيلاء لمدة يوم واحد فلا يعتبر ذلك مخرجاً لها من العصمة الزوجية ولو مضت أربعة أشهر أو ما يزيد عند الأكثر، لأنه حدد المدة واحد، والصحيح عندي لأن امتناعه عن مواقعتها مدة الإيلاء يلحق ذلك بحكمه وهذا كله إن آلى أما إن قال لا يلمسها فإن ذلك لا يكون إيلاء وله أن يُواقعها متى شاء إلا إن قصد المضارة، فإن قصد المضارة وامتنع عن مواقعتها إلى مضي أربعة أشهر فهنا لها الحق بأن تطالب بانفصالها عنه، والله تعالى أعلم.
بيوم
فيمن قال لزوجته حرمتك من الجمعة إلى الجمعة - ويقصد بذلك الوقاع ـ وقد واقع زوجته أثناء ذلك قبل أن يسأل عن الحكم، فما قولكم في ذلك؟ إن كان قصد بذلك ظهاراً أو طلاقاً فذلك كما قصد، وإن لم يقصدهما فعليه التوبة من تحريمه ما أحل الله وعليه كفارة يمين، وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فعليه صيام ثلاثة أيام وإن واقعها قبل أن يكفر مع عدم قصد الظهار أو الطلاق فلا إثم عليه، وإن امتنع عن المواقعة إلى أن مضت أربعة أشهر عمداً خرجت منه بالإيلاء، والله أعلم. (2/286)
صفحة 732
فتاوى الفراق
287
فمين قال لزوجته يا أمي قاصداً مكانتها في نفسه مثل مكانة أُمه في
نفسه، فهل يعتبر ذلك ظهاراً؟
إن لم يقصد بذلك الظهار وإنما قصد أنها كأمه في المنزلة فلا يؤثر ذلك في العلاقات الزوجية شيئاً، ولكن يكره ذلك، والله أعلم.
فيمن ظاهر من امرأته ومضت عليه أربعة أشهر ولم يكفر وبعد أن انقضت أربعة أشهر أراد أن يراجعها فهل عليه الكفارة أم لا؟
لا بد من التكفير ولو تزوجها من جيد، والله أعلم.
طلبت من زوجتي أن تنام معي فرفضت فبلغت عمتها بالأمر فجاءت لنصحها فردت عليها: إن الأزواج لا يريدون من الزوجات إلا المعاشرة، فقلت لها: إن جئت لمعاشرتك فكأني ذاهب لوالدتي، وابتعدت عنها وبعد أن برد ضيق قلبي فكرت بما قلت وندمت، وذهبت أسأل وكل أفتاني برأيه، ومنهم من قال لي طلقها طلقة واحدة فطلقتها طلقة واحدة ولا زالت في العدة فهل لي مراجعتها؟ عليك قبل أن تباشرها أن تكفر كفارة الظهار، وهي عتق رقبة فإن لم تجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم تستطع فإطعام ستين مسكيناً، كل ذلك قبل المسيس، فإن مضت أربعة أشهر ولم تكفر خرجت منك بالظهار، وعليه فإن عليك إن أردت الاستمساك بها أن تراجعها وتكفر، أما المراجعة فقبل انتهاء عدة الطلاق وأما الكفارة فقبل انتهاء عدة الظهار، والله أعلم.
فيمن ظاهر زوجته وباشرها قبل التكفير فماذا عليه؟
تحرم عليه في قول أصحابنا، والله أعلم. (2/287)
صفحة 733
288
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
فيمن ظاهر من زوجته ثم عاد وقد صام كفارة الظهار، ولكن انتهت الأربعة أشهر قبل أن يتم الكفارة بسبعة أيام فهل تكون قد فاتته زوجته في هذه الحالة؟ أم أنه له مراجعتها ما دام أنه بدأ في الكفارة قبل انتهاء
فترة الظهار؟
ما دام قد بادر إلى الصيام قبل انتهاء المدة وهي أربعة أشهر فهي امرأته ولا تفوته بذلك إن شاء الله، والله أعلم.
هذه إجابة الشيخ أحمد بن الدي - مفتي محكمة إمارة العين الشرعية - حول من قال هذه لزوجته: أنت تكونين علي كظهر أُمي أو أختي إن
فعلت كذا ففعلته؟
إن هذا هو صريح الظهار الذي لا ينصرف لغيره ولا تقبل فه النية ويترتب عليه تحريم جميع أنواع الاستمتاع عند المالكية والحنفية وهو أحد قولي الشافعي وأحمد، وقولهما الآخر عدم حرمة التلذذ بما دون الوطء، وإذا عزم المظاهر على وطء المظاهر منها وجبت عليه الكفارة ولا يحل له الوطء قبلها، كما أنها لا تجزي قبل العزم على الوطء، فإن مسها قبل أن يكفر فليستغفر الله، وليس عليه إلا كفارة واحدة وللكفارة ثلاثة أنواع: عتق رقبة مؤمنة، وهذا مع هذه الظروف متعذر جداً، فإن لم يستطع فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً ـ أحراراً مسلمين - فيعطي لكل واحد منهم مداً وثلثي مد من القمح ـ إن كان هو المقتات بالبلد وإلا أعطى ما يسد مسده شبعاً مما هو قوت أهل البلد من أرز وذرة ونحوهما، من كل ما يجزاء في زكاة الفطر والفصيام، ولا بد فيه من نية التتابع فإن بدأ الشهرين من أول يوم من الشهر صامهما حسب الرؤية تسعة وعشرين أو ثلاثين يوماً؛ وإلا كمل المنكسر ثلاثين يوماً، وإن انقطع (2/288)
صفحة 734
فتاوى الفراق
289
تتابعهما بلا عذر كمرض أو نسيان أو إكراه أو خطأ في الغروب أو طلوع الفجر ابتدأ صومهما من جديد متتابعين، كما يبتدئ صومهما إذا وطاء المظاهر منها ولو ليلاً لقوله تعالى: مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسًا} [المجادلة: 3]. وكات إجابة شيخنا الخليلي حفظه الله:
مس
اطلعت على هذا الجواب ولا أمانع من الأخذ به، وإن كان مذهبنا أن المرأة قبل الكفارة يحرمها على المظاهر، أخذاً بحكم سد الذرائع وعملاً بقاعدة: من تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه، ولكن بما أن هذا رأي وذلك رأي وقد أفتى المفتي بأحدهما فلا اعتراض عندنا على من
والله الموفق.
أخذ
به، (2/289)
صفحة 735
290
العدة
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
نرجو تبيين الوجهة الشرعية في ابتداء العدة، والنية التي ينبغي أن تنويها قبل العدّة؟
هي
للمعتدة
علينا أن نعرف ما هي النية؟ وأن نتصور حقيقتها، إذ الحكم على الشيء فرع تصوره، فالنية كلمة عربية يتداولها الناس ويتصرفون في اشتقاقاتها، وكل اشتقاقاتها تدل على القصد، يقال نويت هذا الشيء أنوية نية بمعنى قصدته، ويقول القائل لغيره: «كنت بالأمس ناوياً أن أزورك» أي: كنت بالأمس عاقداً عزمي في طويتي أن أزورك، ولا يفهم الذي يقال له هذا القول إلا هذا المعنى، إذ لا يفهم بحال من الأحوال بأن القائل كان بالأمس يردد بلسانه: سوف أزور فلاناً سوف أزور فلاناً، وإنما يريد بهذا أنه كان قاصداً بأنه سيقوم بهذه الزيارة، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على ذلك فقد قال: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه، وقد قال العلماء: بأن هذا الحديث ورد بسبب معين وهو أن رجلاً هاجر من أجل أن يتزوج امرأة ة تسمى أُم قيس، ولذلك اشتهر بمهاجر أم قيس، ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم ما أراد بقوله: من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله» بأن من هاجر إلى الله ورسوله يردد بلسانه هجرتي إلى الله ورسوله، هجرتي إلى
ت (2/290)
صفحة 736
فتاوى الفراق
291
الله ورسوله، وإنما يريد أن الله مطلع على ما في قرارة نفس كل مهاجر، فعندما تكون هجرته إلى الله ورسوله فإن الباعث لة إلى الهجرة هو أن يفوز برضى الله و مناصرة رسوله، وفي المقابل فإن الذي تكون هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها لا يعني ذلك أن هذه الهجرة يعبر عنها بلسانه: هاجرت من أجل أن أتزوج فلانة أو هاجرت من أجل أن أصيب من هذه الدنيا، فهب لو كان الأمر كذلك فهل الذي هاجر إلى الله ورسوله لو تحدث بأنه هاجر من أجل مصلحة دنيوية يحبط عمله من أجل مجرد هذا الحديث مع أنه في قرارة نفسه لم يهاجر إلا إلى الله، أو هذا الذي هاجر من أجل الدنيا لو كان في قرارة نفسه أنه مهاجر إلى الدنيا ولكن بلسانه يعبر بخلاف ذلك كأن يقول هجرتي إلى الله ورسوله فهل معنى ذلك أن الله تبارك وتعالى يحول عمله إلى أن يكون عملاً خالصاً له لأنه في نطقه عبر عن هجرته إلى الله وإن كان في قرارة نفسه بخلاف ذلك؟! ثم مع هذا كله فإن هذه النية هي الإخلاص وهو المقصود بقول الله وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5]، والإخلاص سر بين العبد وربه، كما يقول بعض أهل العلم الإخلاص سر بين العبد وربه لا يطلع عليه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسه»، فالنية هي إخلاص العمل الله، ولو كان الإخلاص مجرد أن يقول الإنسان أعمل هذا العمل لوجه الله تعالى فما أيسر الإخلاص إذاً، ولأمكن كل أحد أن يقول هذا الذي أعمله حتى عندما أكل إنما أكل لأجل أن أتقوى على طاعة الله وحتى وحتى كذا ... كل ذلك لوجه الله وإن كان الواقع بخلاف ذلك، وبهذا تعلم إنما النية هي أن يقصد الإنسان بعمله وجه الله تبارك وتعالى، وهذا هو المطلوب شرعاً، وهو المراد في قوله تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110]، أي لا يجعل لأحد
لوجه الله
.. lis (2/291)
صفحة 737
292
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
المقاصد
غير الله له نصيباً في قصده الذي انطوى عليه في قرارة نفسه من تلك العبادة بحيث يريد أن يصرف وجهه إليه، وإنما يكون عمله خالصاً لوجه الله ول، لذلك ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا السلف من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين يأتون بشيء من هذه الألفاظ عندما يقومون إلى الصلاة، فما كان أحدهم يقول: «أصلي لله صلاة الظهر أو صلاة العصر، أو صلاة المغرب أو صلاة الفجر، أربعاً أو ثلاثاً أو ركعتين إنما كانوا يستحضرون ما يقومون لأجله في قرارة نفوسهم، وعندما كثر عوام الناس وجهلوا ما ينوونه أراد بعض العلماء أن يعرفهم على ما ينوونه فاخترع لهم هذه الألفاظ التي تعبر عما ينوونه في قرارة نفوسهم - فهي مجرد وسيلة لأجل استحضار معانيها ولكن مع مرور الزمن واستحكام الجهل وتغلغل الأمية وبعد الناس عن منابع العلم والدين أصبحت هذه الوسائل هي عند عامة الناس وغابت المقاصد في خضم العناية بالوسائل، فإذا بالناس لا ينوون وإنما يرددون هذه الألفاط فقط، فقد يكون أحدهم عقله بعيداً كل البعد عن الاستحضار وإنما لسانه يتحدث تلقائياً بهذه الألفاظ ويكتفي بها ويعتقدها هي النية، وليس الأمر كذلك، ثم بجانب ذلك تضاعفت المشكلة إذ أصبح الناس لا يفرقون ما بين العبادة المعقولة المعنى والعبادة غير المعقولة المعنى، في حين أن هنالك فوارق بينهما. فالعبادة غير المعقولة المعنى تشترط لها النية التي هي القصد بالقلب، وذلك كالوضوء مثلاً، فلماذا شرع في أعضاء معينة منها ما يغسل ومنها ما يمسح، أنها ليست موضعاً للحدث، هذا أمر غير معقول المعنى بل هو سر يعلمه الله تبارك وتعالى فلا بد أن نستحضر النية عندما نقوم إلى الوضوء، كذلك الغسل من الجنابة إذ الجنابة ليست أشد النجاسات وليس لها إلا مخرج واحد وقد لا يخرج شيء، لأن مجرد التقاء الختانين يترتب عليه كون الإنسان
مع (2/292)
صفحة 738
فتاوى الفراق
293
محدثاً وأنه يجب عليه أن يعمم جسده جميعاً بالغسل، لماذا ذلك؟ هذا أمر يعلمه الله تبارك وتعالى وحده، وعليه فإنا عندما نقوم إلى الغسل لا بد أن نستحضر النية، كذلك الصلاة لماذا جعلها الله تبارك وتعالى خمساً؟ ولماذا كانت الظهر أربع ركعات والعصر أربع ركعات والمغرب ثلاث ركعات والعشاء أربع ركعات والفجر ركعتين؟ ولماذا يتكرر في الركعة الواحدة السجود مرتين ولا يتكرر الركوع؟ ولماذا يكون القيام ثم الركوع ثم السجود ولا يكون العكس؟ هذه أمور كلها غامضة لا نعلمها إنما الله الا الله وحده يعلم حكمتها فهو تعبدنا بهذه الصلاة فعلينا أن نستحضر النية لها، فلو صلى أحد غير مستحضر للنية فإن صلاته باطلة فإنما الأعمال بالنيات»، وأما الأعمال التي هي معقولة المعنى فالنية فيها طاعة وقربة إلى الله، لأن أي عمل يعمله الإنسان وإن كان عملاً دنيوياً عندما ينويه لوجه الله ويقصد به أمراً مرضياً عند الله سبحانه يتحول إلى عبادة حتى الأكل فعندما يأكل الإنسان لأجل أن يستحضر عظم نعمة الله عليه ويعرف فضل الله تعالى الذي أسبغه عليه ومن أجل أن يتقوى بأكله على العبادة ومن أجل أن يكف نفسه عن الحرام فإن ذلك يحول الأكل الذي هو أمر عادي إلى طاعة وقربة إلى الله، ولكن بجانب ذلك لا يقال بأن النية مشترطة لكل أمر حتى الأمور التي هي قربات إلى الله وتتوقف عليها العبادات ومثال ذلك تطهير الثوب من النجاسة فإنه لا يتوقف على النية فلو قدرنا أن أحداً من الناس تنجس ثوبه وما كان يدري بأن ثوبه متنجس إلا أنه غسله من أجل تنظيفه فقط حتى زالت النجاسة منه ولم يبق للنجاسة أثر فإن ذلك يكفيه ولا يقال بأنه لا بد أن يعيد غسله بنية، ولنقدر أن أحداً من الناس رأى ثوبه متنجساً فألقاه في مكان وجاءت ديمة مطر فسكبت عليه حتى تطهر ولم يبق أثر ولا عين للنجاسة فإنه بذلك يكون طاهراً، ولا يُقال بأن عليه أن يعيد غسله مرة أخرى لأنه لم يباشر تغسيله ولم (2/293)
صفحة 739
294
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ينو تغسيله واختلف العلماء في العدة هل هي من العبادات المعقولة المعنى أو أنها من العبادات غير معقولة المعنى، فجمهور العلماء من أصحابنا ومن علماء المذاهب الأربعة يقولون بأن العدة معقولة المعنى ولذلك قالوا بأن المرأة إذا مات زوجها ولم تكن عالمة بأنه مات حتى انتهت أيام عدتها فإنها تكون بهذا قد أدت عدّتها من حيث لا تدري وليس عليها أن تعتد من جديد، وذهب ابن بركة وابن حزم الظاهري إلى أن العدّة عبادة غير معقولة المعنى وعليه فتتوقف على النية كسائر العبادات التي غير معقولة المعنى، ولما كانت العدة على رأي الأكثرية معقولة المعنى فإنها لا تتوقف على النية عندهم وتصح بدونها، وإنما العجب من صنيع العوام كيف شددوا فيها؟؟!! حتى رأوها لا تصح إلا بنية ملفوظة ترددها المرأة وراء رجل يلقنها إياها فهل هذه العدة أشد وأعظم من الصلاة؟ ولنقدر أن هذه الألفاظ لا بد منها في الصلاة مجاراة لهؤلاء الذين لا يفرقون بين الوسيلة والمقصد ولا بين الواجب وغيره فهل صلاة المرأة تتوقف على أن يدخل عليها رجل يلقنها النية أثناء قيامها إلى الصلاة، فلماذا كان اعتدادها لا يعتد به عندهم حتى يدخل عليها رجل قد يكون أجنبياً منها ويردد هذه الألفاظ وترددها هي معه حتى صارت بعض النساء يعتقدن بأن المرأة لو قرأت بنفسها هذه الألفاظ دون أن يُلقنها إياها رجل أو لقنتها إياها امرأة لم يُجزها ذلك!! هكذا بلغ الجهل بالناس إلى هذا الحد، والله المستعان.
ما هي
الأعمال المحرمة والمباحة للمعتدة؟
أداء
من
المعتدة كغيرها من النساء لا فرق بينها وبينهن في شيء إلا في بعض الحالات، فما يحرم على غير المعتدّة يحرم عليها، وما يباح لغيرها يباح لها إلا ثلاثة أشياء فقط وهي: أنها لا تبيت إلا في بيت زوجها ولا تتطيب ولا (2/294)
صفحة 740
فتاوى الفراق
295
تتزين، ولا معنى للتشدد على المعتدة فإن ذلك من مواريث الجاهلية الذين كانوا يشددون تشديداً بالغاً عليها، ولا معنى للتساهل في غير المعتدة، فالمرأة عندما تكون في غير عدة لا يرون حرجاً أن تترك ما عليها من الستر، فلا يكاد يلومها أحد أن تلتزم الحجاب الشرعي ولم تلبس لباس الوقار الذي فرضه الله تبارك وتعالى بنص كتابه في قوله: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَابِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَآبِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور: 31)، وقوله: {يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [الأحزاب: 59]، بل بلغ الجهل بعوام الناس أنهم يقولون عندما تلتزم المرأة اللباس المفروض عليها شرعاً: «كأنها تريكة» واعجباه هذا الجهل!! فهل هذا الأمر الرباني خصت به المعتدة فقط، حتى يُقال ذلك للمرأة عندما تلتزم اللباس الشرعي وحتى بلغت نذالة أهل الجهل أن بعض السفهاء والأوغاد عندما يرون امرأة ملتزمة بهذا اللباس يسخرون منها ويقولون: «تريكة تريكة تريكة ما أبلغ هذه الحماقة وأقبح هذا الجهل وأنذل هذا السفه، ثم بجانب ذلك جعل الله تبارك وتعالى حرمات يجب أن تراعى وشرع آداباً يجب أن يتخلق بها، ومن هذه الآداب أن الرجل لا يخلو بامرأة إلا مع ذي محرم فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة إلا مع ذي محرم وذلك لأن الخلوة بينهما قد تؤدي إلى
من (2/295)
صفحة 741
296
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
الكثير الكثير مما يُحذر، ومما يؤسف له أن المرأة عندما تكون غير معتدة لا حرج عليها عندهم أن تبدي زينتها لأي أحد كان بدعوى أن هذا قريبها وهذا زوج أختها وهذا زوج خالتها وهذا زوج عمتها، وهذه كلها بدع ومخالفات للأحكام الشرعية، فعلى المرأة أن تلتزم ما فرض الله عليها من
مع
الصون مع كل رجل يباح لها أن تتزوجه وعلى الرجل أن يلتزم ذلك أي امرأة يباح له أن يتزوجها ولو في غير وقت العدة، ولو كانت بينهما حرمة مؤقتة فإن الحرمة الموقوتة لا تكون مسوغاً للخلوة أو لإبداء الزينة، الأخت أو العمة أو الخالة، والله تعالى أعلم.
كزوج
نرجو توضيح ما يجب على المعتدة أثناء عدتها؟
المعتدة كغيرها من النساء لا فرق بينها وبينهن في جميع الأحكام فيما يحل ويحرم إلا في ثلاث حالات فقط، أما في ما عدا ذلك فإن كل ما يحل لغيرها يحل لها وكل ما يحرم على غيرها أيضاً يحرم عليها. والحالات الثلاث هي: أولاً: أنها تمنع من الطيب فليس لها التطيب.
ثانياً:
تمنع
عنها الزينة فليس لها التزين.
ثالثاً.
تمنع من المبيت في غير بيتها على القول الراجح، أما أن تخرج في النهار من أجل حاجتها مستترة فلا مانع من ذلك، ولا تمنع في أيام العدّة من أي عمل من الأعمال التي يجوز للمرأة أن تزاولها في غير حالة الاعتداد، وما اعتاده الناس من التشديد البالغ على المرأة عندما تكون معتدة بحيث تمنع حتى من رؤية الأطفال في بعض المجتمعات وتمنع من الخروج من حجرتها إلى سائر البيت أو إلى المستشفى عندما تمرض، وتمنع من أمور أخرى قد تكون هي في حاجة إليها، هذا كله لا أساس له في الشرع، وهو من الغلو في الدين، والله تعالى حذرنا من الغلو في الدين (2/296)
صفحة 742
فتاوى الفراق
297
وبيّن لنا أن لا شرع في الدين إلا ما شرعه سبحانه، قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَوا شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الشورى: 21]، والله تعالى أعلم.
ذلك؟
عند الانتهاء من غسل الميت يؤتى بالمعتدّة على رأس الميت مغطاة بعدة أغطية وتضع يدها على رأس الميت على النعش، ثم تقاد إلى منزلها كالعمياء، لأنهم قالوا إن في ذلك أجراً لها كما إن بعض النساء يفسرن التربص في الآية الكريمة بأن على المعتدة أن لا ترى شمساً ولا قمراً وإذا مشيت حافية الأقدام على التراب فإنه يتحول جمراً ويسقط في قبر الميت، فما رأي سماحتكم في المعتدة لا تختلف عن غيرها إلا في ثلاث حالات والزيادة عن ذلك بدعة، فلا تتزين بلبس الحلي وما شابه ذلك، ولا تتطيب، ولا تتردد لغير حاجة، أما إذا دعتها الحاجة للخروج فلتخرج، فالفقيرة لها أن تخرج لتعمل لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن بذلك، وأذن لهن أن يخرجن في النهار ويجتمعن في بيت واحد، ثم بعد ذلك ترجع كل واحدة منهن إلى بيتها تنام فيه، ولعلكم أدركتم أيام الإمام محمد بن عبد الله الخليلي الله الذي أباح للفقيرات المحتاجات إلى العمل أن يخرجن في وقت حصاد الحبوب للعمل المناسب لهن مع كونهن في حال اعتداد وحداد على أزواجهن، مع كونه أحرص على تطبيق الشريعة ومنزلته في العلم والورع لا تخفى على الناس. أما هذا التشديد والتغليظ فليس له أساس من الدين ولا يجوز أبداً لأنه مخالفة ظاهرة للشريعة الإسلامية وابتداع في الدين لم يأذن به الله ورسوله: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]، والله أعلم. (2/297)
صفحة 743
298
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
فيمن تزوجها رجل مجنون ثم توفى عنها، فهل تلزمها العدّة؟ نعم تجب عليها العدّة كما تجب على امرأة العاقل أن تعتد إن مات، والله أعلم.
على ما يدل الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً»؟
الحديث يدلّ على أن للمرأة أن تحد على حميمها كولدها وأبيها وعمها وخالها وسائر قرابتها لمدة ثلاثة أيام فقط وما زاد على ذلك فهو حرام إلا إن كان زوجاً فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشراً، والله أعلم.
تنتهي
وجدت في معارج الآمال قولاً عن أبي عبد الله محمد بن محبوب الله أن المرأة الحامل إذا وضعت علقة أو مضغة ولم يستكمل الجنين الخلقة فلا يعتبر ذلك انتهاء لعدة الطلاق من زوجها، وإذا كانت عدة الطلاق تنتهي بالعلقة والمضغة على قول العلماء الآخرين، فهل تقاس على عدة الطلاق عدة المتوفى عنها زوجها إن مات الرجل وزوجته حامل ووضعت علقة أو مضغة؟
عدة كلاهما بوضع حملها ولو علقة، والله أعلم.
ما معنى قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِم مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٌ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمُ [البقرة: 240]؟ (2/298)
صفحة 744
فتاوى الفراق
299
هذه الآية منسوخة بما سبقها ترتيباً لا نزولاً وهو قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] أن الاعتداد إلى الحول كان في صدر الإسلام ثم نسخ إلى أربعة أشهر وعشرة أيام، والله أعلم.
وهذا يعني
فيمن زنى بابنة زوجته وقتل الولد المتكون من الزنى بعد ولادته، وقد ثبت عليه ذلك فتم إعدامه، فهل يلزم زوجته العدة عليه؟ وهل ترثه؟ لا عدّة عليها ولا ترث منه؛ لأنها حُرمت عليه بثبوت ارتكابه الفاحشة ابنتها، والله أعلم.
فيمن توفي عنها زوجها قبل الدخول بها فهل تجب عليها العدّة؟
نعم تجب عليها عدة الوفاة كاملة، والله أعلم.
مع
رجل تزوج امرأة ولم يدخل عليها وبعد مدة خمسة أيام من الزواج توفي، فهل عليها العدّة ولها الميراث مما ترك؟
نعم، لها الميراث وعليها العدّة الشرعية ولها الصداق كاملاً، وإنما وقع الخلاف بين أهل العلم في ما إذا لم يُسم لها صداقاً، هل يكون لها صداق مثلها أو ليس لها؟ والراجح أن لها صداق مثلها، لأن حديث بروع بنت واشق دل على ذلك، وإذا جاء الحديث أخذ به وترك الرأي، على أننا لو لم نعول على هذه الرواية وكان المرجع إلى النظر والاجتهاد فإن من المعروف أن الموت كالدخول في استحقاق المرأة به جميع الصداق الذي سماه لها الزوج، وعليه فإنه يحمل على ذلك حكم ما لو لم يسم لها شيئاً،
والله أعلم. (2/299)
صفحة 745
أين تقضي
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
المعتدة عدّتها؟ وما هي موجبات انتقالها عن بيت الهالك
الذي اعتدت بسببه للإقامة؟
المرأة تقضي عدتها حيث بلغها نعي زوجها، أي في البيت الذي كانت تعيش فيه في حياة زوجها أو فى البيت الذي يصلها فيه نعيه إن كان ذلك البيت ملكاً لذلك الزوج ولو لم تكن مقيمة فيه من قبل، بدليل حديث الفارعة بنت سنان التي أمرها الرسول صلى الله عليه وسلم أن تعتد في البيت الذي وصلها فيه نعي زوجها، والعلماء في هذه المسألة منهم من شدد ومنهم من تسامح ومنهم من توسط، فالمتشددون قالوا إنها لا تبرح ذلك البيت، والمتوسطون قالوا لها أن تخرج في النهار لأجل أن تقضي حاجتها وأن تأنس بزميلاتها كما روي ذلك عن ابن مسعود عنه قال: «ويأويها الليل في البيت الذي تعتدّ فيه أما المتسامحون وهم طائفة كبيرة من أهل العلم ومن
حتى
بينهم جماعة من الصحابة والتابعين قالوا بأن لها أن تعتد في أي مكان وأن تنتقل إلى أي مكان وهذا ما روي عن عائشة لها. أنه روي أنها خرجت بأختها في وقت عدتها إلى العمرة وهذا القول مروي عن جماعة من التابعين من بينهم الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد وهو قول الظاهرية، وانتصر له أتم الانتصار ابن حزم في كتابه المحلى، ونحن نأخذ بما دلّت عليه السُّنَّة ونقول بأنها تعتد في بيت زوجها أي في البيت الذي كانت مقيمة فيه عندما وصلها نعي زوجها ولا تنتقل عنه إلا في حالات الضرورة فقط دون حالات الاختيار.
ما هي
مدة العدّة الشرعية للمتوفى عنها زوجها؟
إن عدة المرأة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام لقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} (2/300)
صفحة 746
فتاوى الفراق
301
[البقرة: 234]، إلا إن كانت حاملاً فعدتها تنتهي بوضع حملها لقوله تعالى: وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق:4]، ولحديث سبيعة الأسلمية التي وضعت حملها بعد وفاة زوجها بأيام فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: حللت فانكحي»، والله أعلم.
اقتضت الأعراف أن يقعد أهل المتوفى للعزاء في موطنه الذي نشأ فيه وفي كثير من الأحيان يكون بيت المتوفى الذي يقيم فيه ببلدة أخرى كمسقط مثلاً ولكن أرملته تذهب إلى حيث يكون العزاء ثم تعود لتكمل عدتها في بيت زوجها المتوفى، فهل تجدون لمثل هذه الحالات من رخصة بعدم المبيت في بيت المتوفى؟
ليس لها ذلك إلا في حالات الضرورة بناءً على ما دلت عليه السنة. والله أعلم.
توفي شخص له أكثر من زوجة تقيم كل واحدة منهن في بيت مستقل، فهل يصح لهن الاجتماع في بيت واحد أثناء العدّة؟
أما في النهار فنعم، وأما في الليل فتأوي كل واحدة إلى بيتها، والله أعلم.
فيمن توفي عنها زوجها هل تبدأ عدّتها من تاريخ الوفاة أم من تاريخ علمها بالخبر؟
القول الراجح أن العدّة تبدأ من ساعة الوفاة وإن لم تعلم المرأة وهي بالأشهر القمرية لا الشمسية، والله أعلم.
من المعلوم أن على المرأة المبيت في البيت الذي تعتد فيه ولكن السائد في المجتمع اليوم أن المعتدّة يجب أن تظل حبيسة جدران بيتها لا تفارقه أبداً، فهل يباح لها الخروج أثناء النهار للمشاركة في الحياة الاجتماعية (2/301)
صفحة 747
302
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
كالتعليم والتعلم والتداوي وزيارة المريض وقضاء الأمور الأخرى من تدابير المعيشة، وهل يختلف الأمر في ذلك بين من يوجد من ينوب عنها
في ذلك ولكنها تتحرج من تكليف الآخرين وبين من لا تتحرج؟ لا داعي لهذا التشدد، فالمعتدة لها أن تخرج في نهار أيام عدتها من أجل قضاء مصالحها أو زيارة المرضى أو الأنس بالنساء الأخريات ومثل ذلك
التعلم والتعليم، ولا يتنافى ذلك مع العدّة التي تقوم بها، والله أعلم.
جرت الأقدار بوقوع حادث سير على رجل وامرأته مما نتج عن الحادث وفاة الزوج وإصابة المرأة ببعض الإصابات المتوسطة، نقلت الزوجة على إثرها إلى المستشفى وأخفي عنها خبر وفاة زوجها خوفاً من تعرضها للصدمة، وأخبرت بعد وفاته بعشرة أيام، فاعتدت من حين ما أخبرت بذلك، فهل تلك الأيام العشر تحسب من أيام العدّة أم أنها خارجة عن العدّة؟ اختلف في ذلك بناءً على الاختلاف في العدّة هل هي معقولة المعنى أو لا؟ فمن رآها معقولة المعنى قال: تبدأ عدّتها من يوم وفاة زوجها ولو لم تعلم؛ لأنها عبادة ذات علة وهي قصد استبراء الرحم مع الحداد على وفاة الزوج، ومن قال بخلاف ذلك قال بأن حساب عدتها يبدأ. إذ لا بد لها من نية، وهو الصحيح، لأن عدة الوفاة تجب حتى على غير
المدخول بها بخلاف عدة الطلاق، والله أعلم.
من يوم
علمت؛
فيمن توفي عنها زوجها وهي مريضة في المستشفى متى تبدأ عدتها، هل بعد خروجها من المستشفى أم بعد وفاة الزوج مباشرة؟
تدخل في العدّة منذ وفاة زوجها، والله أعلم. (2/302)
صفحة 748
فتاوى الفراق
303
المطلقة إذا توفي زوجها فهل تعتدّ عدة الوفاة أم تكمل عدة
الطلاق؟
إن كان الطلاق رجعياً اعتدت عدة الوفاة من يوم وفاته، وإن كان بائناً أتمت عدة الطلاق وليس عليها غير ذلك، والله أعلم.
فيمن طلقها زوجها فجاءها الحيض مرتين ثم لم يراجعها بعد ذلك، فكم تكون أقصى عدتها؟
تنتظر إلى أن ترى الدم للمرة الثالثة أو تبلغ سن اليأس، والله أعلم.
هي
لقد ذكرت في فتوى أن على الأرملة أن تعتد في المنزل الذي جاءها فيه نعي زوجها، فماذا إذا كانت المرأة في زيارة أحد المعارف وجاءها خبر وفاة زوجها، فهل تعتدّ في ذلك البيت؟
لا تخلو إما أن تكون في زيارة ابنتها أو ابنها أو من ماثلهم، فإن كانت مع هؤلاء بحيث يمكنها أن تقيم معهم فإنها تعتد مكانها هناك، وأما إن
كانت عند أجانب فإنها تعود إلى بيت الزوج وتعتد فيه، والله أعلم.
فيمن اعتدت لوفاة زوجها في بيت أهلها وليس في بيت الزوج، فهل يلزمها إعادة العدّة؟
أساءت بذلك وليس عليها أن تعيد الاعتداد والله أعلم.
هل يجوز للمرأة الأرملة أن تخرج إلى السوق مثلاً لحاجة لها أو لحاجة أطفالها عندما لا يكون معها سوى أطفالها؟
نعم، كما تخرج عندما تكون غير مترملة مع الستر التام، والله أعلم. (2/303)
صفحة 749
304
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
في إحدى محاضراتكم ذكرتم بأن المعتدة إذا أرادت الخروج من البيت فلها ذلك شريطة الستر، فما المقصود هنا بالستر؟
المراد بالستر ما يجب على المرأة المسلمة أن تلتزمه من حجاب يصونها،
والله أعلم.
هل يجوز للمرأة في فترة عدّتها المبيت خارج بيت زوجها في حالة المرض أو للضرورة القصوى؟
نعم لا مانع من أن تحمل إذا مرضت إلى المستشفى وأن تبيت فيه، وكذلك في الضرورات التي لا بد منها، فإن الضرورات تقدر بقدرها، والله تعالى أعلم.
خلال
المعتدة إن كانت عاملة بالقطاع الحكومي، هل يجوز لها أن تباشر عملها قبل انقضاء أربعة أشهر وعشرة أيام من وفاة الزوج - علماً بأن هناك مصدراً آخر للزرق وهو الراتب التقاعدي للزوج ـ ومن عملها فهي مضطرة لمخاطبة الرجال؟ وإذا كانت قد لزمت المرأة بعد وفاة زوجها منزلها، فهل رؤيتها للأطفال الذكور دون سن العاشرة يبطل عدة الحداد؟
المعتدّة عدّة الوفاة حكمها حكم غيرها من النساء في كل ما يحلّ ويحرم إلا في ثلاث حالات وهي أنها تمنع من الطيب والزينة والمبيت في غير: بيتها، فلا معنى للتشديد عليها والترخيص لغيرها، فإن ذلك من الإفراط والتفريط الخارجين عن جادة الاعتدال فخروجها للكسب مع التقيد بالآداب الشرعية غير ممنوع عليها، وكذلك لقاؤها للرجال للحاجة مع عدم الخلوة بهم إلا مع ذي المحرم لا يمنع، وإنما تمنع الخلوة بين
والأجنبية سواء في العدّة أو في غيرها، والله أعلم.
الأجنبي (2/304)
صفحة 750
فتاوى الفراق
305
فيمن توفي زوجها وهي ما زالت في فترة الدراسة فهل يجوز لها مواصلة دراستها في أيام عدتها أم لا؟
لا مانع من مواصلتها الدراسة مع الاستتار، والله أعلم.
المعتدة عدة الوفاة إذا اضطرت للذهاب إلى المستشفى وفحصها
الطبيب، هل في
ذلك حرج؟
لا حرج عليها في ذلك وإنما يكون معهما زوج أو ذو محرم في العدة وغيرها، والله أعلم.
امرأة كبيرة في السن توفي زوجها فاعتدت في بيتها، هل يجوز لها الاستعانة بأحد أهلها في قضاء حوائجها أو خروجها بنفسها إذا لم يكن لها أحد من أهلها؟
لا حرج على المعتدة إن استعانت بذويها في قضاء حوائجها، ولا حرج عليها إن خرجت بنفسها لقضاء حوائجها في النهار على أن تبيت الليل في بيتها، والله أعلم.
امرأة معتدة عدة الوفاة وفي أيام العيد انتقلت من بيت العدة إلى بيت ابنتها، ثم رجعت إلى بيتها بعد أربعة أيام فهل تبطل عدتها بذلك؟ لا تبطل بذلك العدّة، وإنما عليها أن تستغفر الله من مخالفة السنة، والله أعلم.
هل يجوز للمعتدة الذهاب للمسجد لأداء صلاة التراويح في جماعة لأنها معتادة في السابق أن تذهب للصلاة
لا مانع من ذلك، والله أعلم.
الجماعة؟ مع (2/305)
صفحة 751
306
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
فيمن فقدت زوجها في موسم الحج بعد حادث انهيار نفق المعيصم
ولم يعرف عنه شيء، فما حكم زوجته في هذه الحالة؟
حكم هذه الزوجة لا يتغير عنه قبل وقوع هذه الحادثة حتى تتبين سلامة زوجها أو وفاته، فإن لم يتبين شيء من ذلك حتى مضت أربع سنين فلترفع أمرها إلى القاضي الشرعي، وهنا يحكم القاضي بوفاة زوجها ويأمر وليه بأن يطلقها، وعليها عدّتان عدة الطلاق وعدّة الوفاة، ويقتسم ماله بين ورثته، فإن ظهر حياً بعد ذلك رجعت إليه زوجته وماله إلا أن تكون المرأة تزوجت بزوج آخر دخل بها فهنا يخير الزوج المفقود - إن ظهر ـ بينها وبين أقل الصداقين، فإن اختارها اعتدت من الزوج الأخير وعادت إلى الأول وإلا للأخير، وفي حال انتظارها في الأربعة الأعوام لا يحرم عليها شيء مما كان يحل لها، ولها النفقة من ماله لأن حكم الزوجية باق بينهما، والله أعلم.
فهي
هل يحق للمرأة النفقة من تركة زوجها في فترة العدّة؟
لا نفقة للمعتدّة عدّة الوفاة إن لم تكن حاملاً اتفاقاً، وإنما لها الإرث، والله أعلم.
ما قولكم في المعتدة من طلاق بائن هل لها سكنى أو نفقة؟
لا سكنى لها ولا نفقة على القول الراجح عند أصحابنا.
فيمن دخل على امرأة معتدة ولا يعلم باعتدادها فسلم عليها ولكنه لم يصافحها فهل عليهما في ذلك حرج؟
لا حرج في ذلك، وإنما يمنع من الخلوة بها سواء كانت معتدة أو غير معتدة، ولا فرق بينهما في الحكم من هذه الناحية، والله أعلم. (2/306)
صفحة 752
فتاوى الفراق
307
فيمن توفي زوجها وترغب في الزواج من شخص آخر وذلك بعد شهرين من موت زوجها الأول، فهل يصح لها الزواج به، وهل يحق لها الميراث إن لم تكمل العدّة؟
أما الميراث فهو حق ثابت لها، وأما الزواج فلا يجوز لها حتى تنقضي أشهر وعشرة أيام أو تضع حملها إن كانت حاملاً، والله أعلم.
أربعة
فيمن توفي زوجها فأرادت التتريك هل يلزمها ذكر اسم الزوج في عقد
النية؟
لا داعي إلى العقد إذ ليس هذا بعقد نكاح، وإنما تكفيها النية بالقلب، والله أعلم.
هل يجوز أن يعقد النية للمعتدة رجل أجنبي عنها؟
النية لا تحتاج إلى عقد، بل هي عقد العزم، والألفاظ إنما هي مجرد تعبير عن هذا القصد وهي غير لازمة، والله أعلم.
ما
هي أدوات الزينة المحرمة على المعتدة؟
أدوات الزينة معروفة كالعقود والأقراط والخلاخل والملابس المزخرفة بالألوان الزاهية والحرير، وإنما تلبس ملابس عادية ليس فيها حرير، والله أعلم.
من المفاهيم الخاطئة فيما تقوم به المعتدّة لبس ثياب خاصة للعدّة وغالباً ما يكون لونها شبيهاً بملابس الرجال، كما أنها تقوم بتغطية كامل جسمها لدى حضور أقاربها إليها، فهل في هذا منافاة لتعاليم الشرع الحنيف وهل يجب فعلاً تغطية الوجه والكفين على المعتدة عند مقابلة أرحامها غير المحارم مع حضور المحارم؟
أما تغطية الوجه والكفين سواء كانت معتدّة أو غير معتدة عند غير محارمها (2/307)
صفحة 753
308
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
حالة
فذلك مما يندب إليه مع عدم خوف الفتنة وأما مع خوف الفتنة فإنه مما يجب، لأن درأ الفتنة أمر لا بد منه، ولا يكون ذلك محصوراً في العدة، وأما بالنسبة إلى لبسها لملابس خاصة فهذا مما لم يشرع، وإنما تتجنب لباس، الزينة وتشبهها بالرجال أمر محرم عليها سواء كانت معتدة أو غير معتدة، فليس لها أن تلبس الملابس التي هي شبيهة بملابس الرجال، والله أعلم.
هل يلزم المعتدة أن تلبس ثوباً معيناً؟
لها أن تلبس أي ثوب ما عدا أثواب الزينة المعروفة، والله أعلم.
هل يجوز للمعتدة أن تغسل ثيابها بالصابون؟
نعم، بشرط ألا يكون مطيباً، والله أعلم.
لا
هل يجب على المعتدة لبس السواد؟
يجب عليها ذلك، وإنما عليها أن تتجنب ثياب الزينة كالحرير إلا إن لم
تجد غيرها، والله أعلم.
هل يجوز للمرأة عندما تكون في عدّتها أن تستحم يومياً أم كل أسبوع؟ وهل تستخدم الصابون أو الشامبو أم لا يجوز لها ذلك؟
لا مانع من أن تستحم حتى في اليوم الواحد أكثر من مرة، ولكن تتجنب الصابون المطيب وتستعمل الصابون غير المطيب، والله تعالى أعلم.
هل يجوز للمرأة المعتدّة أن تبخر منزلها والحجرة التي تنام فيها؟ لا، لأنه يخشى أن ينعكس أثر البخور على ثيابها وعلى جسمها، والله أعلم. (2/308)
صفحة 754
فتاوى الفراق
المعتدة عدّة الوفاة إن لامست طيباً بالخطأ فماذا يلزمها؟ ليس عليها إلا أن تغسل يدها أو الجزء الذي لامس الطيب من جسدها،
والله أعلم.
إذا كانت المرأة في عدتها وصب لها قهوة بها زعفران هل لها أن تشربها؟ هذا شرب وليس تطيباً، فهي لا تتطيب بالقهوة وإنما تشربها، فليس عليها من ذلك شيء، والله أعلم.
ما رأي سماحتكم في المعتدة تجلس في جاعد؟
لا مانع من ذلك والله أعلم.
هل يصح للزائرات أن يشاركن المعتدة في النياح؟
النياحة ممنوعة شرعاً، لقول النبي صلوات الله وسلامه عليه: «صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة، صوت مزمار عند نغمة، وصوت نائحة عند مصيبة، فهذان الصوتان ملعونان وهما من البدع المنكرة، بل هي من الكبائر، لأن اللعن لا يكون إلا على كبيرة، فالنائحة مرتكبة لكبيرة، وقد جاء في رواية ابن عمر لها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليعذب ببكاء أهله عليه وتحمل هذه الرواية على ما إذا لم ينه هذا الرجل عن ذلك وكان فوق البكاء المعتاد الذي أباحه الشرع، فعلى الإنسان أن يحذر أهله من النياحة، أو أن يقربوا نائحة بعد موته لأن ذلك مما يخالف هدي الإسلام الذي أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.
المرأة المعتدة كغيرها من النساء حلاً وحرمة إلا في ثلاث: تمنع من الزينة ومن التطيب ومن المبيت في غير بيت زوجها، فما ترى (2/309)
صفحة 755
310
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
حرج؟
سماحتكم لو زادت في ذلك كعدم لمس التراب وعدم النظر في المرآة وما شابه ذلك مما هو معمول به عند العامة هل عليها في ذلك إن اعتقدت وجوب ذلك عليها فهي عاصية لربها وهالكة إن لم تتب من هذا الاعتقاد الفاسد، والله أعلم.
نعم،
هل يصح لها ولأهل الميت البكاء؟
لأن البكاء طبيعة في النفس البشرية، لكن المحرم النياح الذي يذكر مآثر الميت، والاعتراض على القدر، والله أعلم.
توجد في بعض المجتمعات ظاهرة النياحة على الميت، حيث تقوم النائحات بتعداد مناقب الميت أمام أهله، فما حكم ذلك علماً بأننا عندما نقول لهن لا تفعلن ذلك، يقلن سيغضب أهل البيت إن لم نفعل ذلك؟ هذا أمر يؤسف له، فهن بدلاً من مواساة ذوات المصيبة يزدن جرحهن ناراً، وصوت النائحة، حرام، وهي ملعونة بنص الحديث عن النبي، ومقاومة هذه الضلالات والبدع إنما هي بنشر تعاليم الإسلام وبتوعية المجتمع لينبذ كل ما حرم الله وبتذكيرهن باليوم الآخر وبأن غضب الله هو أشد وأنكى من غضب الناس أجمعين، وعلى الإنسان الذي يرحم نفسه أن يتجنب غضب الله ولو أدى ذلك إلى غضب الناس أجمعين، فلا ينفعه رضاهم مع غضب الله عليه، ولا يضره غضب الناس جميعاً لو اجتمعوا على الغضب عليه مع رضى الله عنه، والله أعلم.
إذا رأت المعتدّة أحد الرجال غير ذي محرم منها، هل تصاب بذنب؟ دخول غير ذي المحرم مع وجود المحرم وعدم الخلوة جائز إذا كان لحاجة، أما مع عدم وجود ذي المحرم فحرام على المعتدة وعلى غيرها، (2/310)
صفحة 756
فتاوى الفراق
311
لا فرق بين المعتدة وغيرها في ذلك، والطفل لا يمنع من الدخول عليها ولا ذنب في ذلك، والله أعلم.
نعم،
هل تعتدّ المرأة التي مات زوجها ولم يدخل عليها بعد؟
لأن الموت ليس كالطلاق، ففى الطلاق الرجل نفسه هو الذي صرم الحبال بتطليقه المرأة، فلذلك إن طلقها قبل أن يدخل بها فما له عليها من عدة تعتدّها، أما إذا مات فالموت أمر رباني خالص لا دخل للإنسان فيه، فلذلك جعل الله تعالى في العدة تعبيراً عن مشاعر الأسى المعتملة في نفس امرأته، بحيث تتربص أربعة أشهر وعشراً لا تتزوج فيها، وأنا أريد أن أنبه هنا بأن العدة ليست كما يتصورها الجهلة من الرجال والنساء أنها أمر عسير، فهي لا تعني التشديد الذي تشدده المرأة على نفسها بحيث تنحبس بين جدران حجرتها ولا تخرج لضوء القمر ... إلى آخر تلك الأوهام التي ما أنزل الله بها من سلطان، بل هي من وحي الشيطان، وإنما العدة الشرعية أن تتربص المرأة أربعة أشهر وعشراً لا تتزوج فيها وتبيت في بيتها الذي تعتد فيه ولا تمنع أن تخرج في النهار لقضاء حاجتها مثل ذهابها للمستشفى أو لابتياع ما تحتاجه وأن تقوم بالعمل إن كانت محتاجة إليه، فهذا كله جائز وتتجنب الطيب والزينة كذلك ولها أن تلتقي بمحارمها وأن تعمل أي شيء مما يحل لها في غير العدة، والله أعلم.
ما المقصود بالعدّة الطويلة الأمد، وهل يجب على المرأة أن تحتجب عن الرجال أثناء عدتها؟
العدّة إما أن تكون عدّة وفاة أو عدة، طلاق، وعدة الطلاق هي ثلاثة قروء والمقصود بالقروء الحيض، وهو أن تحيض المرأة ثلاث حيضات، وقد (2/311)
صفحة 757
312
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
تطول هذه المدة وقد تقصر، أما إن كانت لا تحيض لصغرها وهي لم تبلغ سن الحيض أو لكبرها بأن تكون وصلت إلى سن اليأس فهذه تعتد ثلاثة أشهر، وأما الحامل فقد قال عنها الله تعالى: {وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]، فالحامل عدتها بوضع حملها طالت المدة أو قصرت يوماً أو تسعة أشهر أو أكثر، أما من مات زوجها فإنها تعتد أربعة أشهر وعشرة أيام وإن كانت حاملاً فبوضع حملها، والله أعلم.
لنا
امرأة مات زوجها وهي حامل في شهرها التاسع فولدت ولداً، فهل يؤثر على عدتها؟ هذه المسألة مما وقع فيه الخلاف بين العلماء، هل المرأة المعتدة عدة الوفاة تعتد بأبعد الأجلين فإن كانت مدة حملها أطول من أربعة أشهر وعشر تعتد بالحمل وإن كانت أقصر تعتد أربعة أشهر وعشراً، أو أنها تعتد بوضع الحمل؟ والراجح أنها تعتد بوضع الحمل، والدليل على ذلك حديث أم سلمة ا وهذا الحديث من الشواهد فيما ذكرته من قبل بأن الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ كانوا يرجعون إلى أمهات المؤمنين عندما يختلفون في مثل هذه القضايا، فقد وقع اختلاف بين أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس، فكان ابن عباس يقول بأنها تعتد بأبعد الأجلين وأبو سلمة يقول تعتدّ بوضع الحمل فإذا وضعت حملها انتهت عدتها ولو بعد يوم واحد بل ولو بعد ساعات، فجاء أبو هريرة فذكرا له خلافهما فقال أنا مع ابن أخي ـ يعني ـ أنه يؤيد أبا سلمة بن عبد الرحمن، فأرسلوا رسولاً إلى أم سلمة ا ليسألها عن حكم هذه المسألة، فأجابت بأن سبيعة الأسلمية وضعت حملها بعد موت زوجها بأيام، فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: «حللت فانكحي». وقد قالت طائفة من العلماء ومنهم أكثر أصحابنا بأن هذا الحكم في الحديث (2/312)
صفحة 758
فتاوى الفراق
313
خاص لسبيعة الأسلمية، ولكن لا نرى هذه الخصوصية لأسباب، أولها: أن أُم سلمة و هذا الحديث في محل فض النزاع الذي كان بين الطرفين بين ابن عباس وهو أحد الطرفين وأبي هريرة وأبي سلمة بن عبد الرحمن وهما الطرف الثاني، وجوابها دليل على أن هذا هو الحكم في هذه المسألة، فلو كانت هناك خصوصية لعلمتها أُم سلمة الراوية للحديث، ثانيها: أن الأصل في أحكام الإسلام عدم الخصوصية إلا ما قام فيه الدليل على أنه حكم خاص، ثالثها: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن قال لها: «حللت فانكحي»، تلا قول الله تعالى: وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]، كما جاء في رواية
في
النسائي للحديث، فدل ذلك على دخولها في عموم الآية، رابعها: أن بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم نص نصاً صريحاً على هذا الحكم وبهذا سقطت دعوى هذه الخصوصية، واتضح شمول هذا الحكم لجميع النساء، والله أعلم.
تنتهي
ما قولكم في امرأة توفي عنها زوجها وهي حامل في شهرها الثاني هل تقعد حتى تضع حملها أي بعد سبعة أشهر أم أن عدتها تنتهي بنهاية الأربعة أشهر وعشرة أيام؟
عدتها بوضع حملها بلا خلاف، والله أعلم.
المعتدة عدة الوفاة هل يلزمها بعد انقضاء العدّة اغتسال؟ لا غسل من العدّة فإن العدّة ليست حدثاً فيغتسل منها، والله أعلم.
من
المشاهد أن النساء ينهين عدّتهن بمغيب شمس اليوم الأخير من العدة، بينما قد يكون الهالك أسلم الروح في الصباح، فكيف تحسب
المعتدة أيام العدّة؟
تحسب الأيام من ساعة الوفاة إلى ساعة مثلها في اليوم العاشر بعد الأربعة أشهر. (2/313)
صفحة 759
314
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
هل يشرع الاغتسال لنهاية العدّة فإن لم تكن وردت به سنة صحيحة فهل لمن تفعله من بأس؟
لا سُنَّة في
ذلك، لأن العدة ليست حدثاً حتى تغتسل منه، نعم إن كانت تغتسل للنظافة فلا مانع من ذلك من غير أن تعتقد بأن غسلها ذلك أجل الخروج من العدة، والله أعلم.
لماذا تعتدّ المرأة العجوز التي لا تنجب؟
من
العجوز تجب عليها العدّة تعبداً، فقد جعل الله تبارك وتعالى ذلك أمراً تعبدياً عليها، ولو لم تكن له أسباب معقولة كالصبية وكذلك غير المدخول بها في عدة الوفاة، والله أعلم.
نسمع
بأن المرأة المعتدّة لا يجوز أن يراها الرجال بعد خروجها من
العدّة حتى تمضي عليها ليلة كاملة، فهل هذا صحيح؟
هذا كلام باطل لا أساس له من الصحة، والله أعلم.
امرأة كبيرة في السن توفي زوجها من ستة شهور، قيل لها أن تعتدّ شهرين ونصف وعندما سألوا عن الحكم أراد أهلها أن تعيد العدّة ولكنها رفضت فما الحكم في ذلك؟
أولاً: علينا أن نعلم ما هي العدّة؟ فإن العدة هي التربص عن الزواج، فلا يحل لها أن تتزوج في خلال العدّة سواء أكانت عدة الطلاق وهي التي دلّ عليها قول الله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228]، أم كانت عدة الوفاة وهي التي دلّ عليها قوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ (2/314)
صفحة 760
فتاوى الفراق
315
الآن،
أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234]، ولكن ما هي الأحكام التي تصاحب هذا التربص؟ أما في عدة الطلاق فتؤمر المرأة أن تبقى في بيت الزوج فلا تخرج منه اللهم إلا إن كان الطلاق بائناً بينونة كبرى، وهذا مما تركه الناس مع أن القرآن الكريم نهى عن خروج المرأة المطلقة من بيت زوجها المطلق ونهى الزوج عن إخراجها، فقال تعالى: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَ} [الطلاق: 1]، وأما في عدة الوفاة فإنها تُنهي عن التطيب والتزين والمبيت خارج بيتها، أما أن تخرج في النهار لحاجتها فلا مانع من ذلك، وقد غفل الناس عن ذلك كله وظنوا أن العدة هي أن تبقى حبيسة في حجرة مظلمة في البيت وألا تبصر نور الشمس والقمر وأن لا تخرج لأي غرض من الأغراض، وأن تضاعف من النساء والأطفال، إلى غير ذلك مما أتوا به من الأحكام لا أساس لها في الشرع، ولا دليل عليها في القرآن والسنة وإنما هي
لباسها حتى مع
التي
مما نسجته خيالات هؤلاء الجهلة الذين لا يفرقون بين الحق والباطل، ثم إن هذه العدة تبدأ بوفاة الزوج إن كانت عدّة وفاة أو إيقاع الطلاق من الزوج المطلق إن كانت عدّة طلاق هذا هو قول جمهور العلماء، وقيل بأنها تبدأ منذ علمت فعلى القول الأول فالعدّة لا تفتقر إلى النية، وعلى القول الثاني فهي تفتقر إلى النية لأنها كسائر التعبدات، والذين قالوا بعدم وجوب النية عليها رأوا العدة أمراً معقول المعنى لأنها أريد بها الاستبراء حتى لا تختلط المياه فتختلط الأنساب وأريد بها أن لا يحس أهل الزوج الميت وقرابته بشيء من الأسى عندما تخرج المرأة فوراً من بيت الزوجية إلى بيت زوجية أخرى مع أن زوجها مات عنها عما قريب، ففي العدة جبر لخواطر هؤلاء المصابين ولذلك وجبت عدة الوفاة على غير المدخول به، وبناء على القول الأول فإن المرأة إن مات زوجها وهي لم تعلم بوفاته حتى انتهت عدة (2/315)
صفحة 761
316
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
التربص وهي أربعة أشهر وعشرة أيام تكون عدّتها انتهت ولا يجب عليها أن تستأنف العدّة من جديد وكذلك إن طلقت حتى مرت عليها ثلاثة قروء منذ حدوث الطلاق وهي لم تعلم بذلك بخلافها على القول الآخر، فقول من قال لهذه المرأة السائلة بأن عدّتها تكون باطلة وتستأنف من جديد لا معنى له، وهذه المرأة العجوز من المعلوم أنها لم تتزوج زوجاً آخر وإنما ربما أخطأت بحيث أنها تزينت أو لبست الحلي فعليها أن تستغفر الله تعالى منه وعليها أن تمتنع عنه إن كانت عدتها الشرعية باقية حيث لم تتم أربعة أشهر وعشراً منذ وفاة زوجها، أما الذين قالوا بأن عدتها شهران ونصف فأولئك جهلة يهرفون بما لا يعرفون ويقولون على الله الا الله ما لا يعلمون وذلك من أكبر الكبائر، وقد قرنه الله له بالإشراك به عندما قال: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَنَا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]، فقد قرن الله الله بين الإشراك به والتقول عليه الا الله بغير علم، فعلى هؤلاء أن يتوبوا إلى الله من صنيعهم هذا والله تعالى أعلم.
إن المرأة المعتدة إذا خالفت العادات واتبعت هدي الله ورسوله أسيء
بها الظن بأنها فرحة بموت زوجها، فما نصيحتكم في ذلك؟
على الناس أن يتعلموا أحكام دينهم، وأن لا يقولوا غير الحق بغير علم، فقد قرن الله تعالى القول بغير علم بالشرك والعياذ بالله، فقال عز من قائل: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِلْ بِهِ سُلْطَنَا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] ومخالفة المبطلين اتباعاً للحق واجبة ولو اتهم من خالفهم واتبع الحق بالباطل، والله أعلم. (2/316)
صفحة 762
فتاوى الفراق
317
ما نصيحتكم للزائرات اللاتي يتشددن على المعتدة بالقول إما أن تلتزم يبدع وضلالات العادات والتقاليد أو تجعل في قفص من حديد يوم
القيامة؟
عليهن أن يتعلمن أمر دينهن، وأن يعلمن أنهن محاسبات على هذه الأقوال، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً تهوي به في جهنم أبعد ما بين المشرق والمغرب (1)، ويقول الله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: وهل يكب الناس في النار على وجوههم - أو قال على مناخرهم - إلا حصائد ألسنتهم (2)، والمرأة في ذلك كالرجل، فعلى الإنسان أن لا يتقول على الله بغير علم، ولا يجوز لأحد أن يقول للآخر إنك في موضع كذا في النار، إلا إذا ارتكب كبيرة معينة فيها وعيد فإن هذا قلب للحقائق وافتراء وكذب على الله وكفى به إثماً مبيناً، والله أعلم.
المرأة إن توفيت في أثناء عدتها هل تُطيب أم لا؟
هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم منهم من قال: لا تُطيب قياساً على المحرم والمحرمة بالحج، لأن المحرم يكفن في ثوبي إحرامه كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يقرب طيباً، ولكن ذلك معلل بعلة وهي أنه يبعث يوم القيامة ملبياً، كما أخبر الرسول، وهذه العلة غير موجودة في المعتدة فهي بالحداد إلى أن تنتهي المدة وموتها يسقط الفرض عنها، ومن أجل ذلك أجد نفسي تميل إلى قول من أباح بأن تطيب في فترة عدتها إن ماتت، والله أعلم.
(1) الربيع 273/ 4) (969) - البخاري 180/ 8 - مسلم 2290/ 4 (2988). (2) الترمذي 13/ 5 (2616) ـ ابن ماجه 1314/ 2 (3973).
مطالبة (2/317)
صفحة 763
318
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
ما جزاء المرأة التي ترفض أن تعتد عدة الوفاة؟
جزاؤها عند ربها، والله أولى بخلقه، وعليها أن تتقي الله، والله أعلم.
ما قولكم في عدّة المتوفى عنها زوجها إذا كانت تعاني من مرض شديد أو خلل عقلي، هل تثبت عليها العدة أم لا؟
العدة تجب على الصحيحة والمريضة بالسواء، والله أعلم.
فيمن خطب امرأة معتدة من طلاق بائن؟
إن خطبها في العدّة فأكثر علمائنا يرون حرمتها عليه، وذهب بعضهم إلى أنها لا تحرم عليه بمجرد الخطبة، إن كان العقد في حال انسلاخ العدة، ولا خلاف في كون نفس الخطبة في العدة حراماً، والله أعلم.
العدة
امرأة وهي في عدّة الوفاة بعد موت زوجها وقبل أن تنقضي بعشرة أيام قامت جهلاً منها وتعطرت ولبست ثياباً جديدة ومارست حياتها وكأنها أنهت العدة، ثم تقدّم شخص لخطبتها بعد عشرين يوا يوماً من ذلك التاريخ أي بعد عشرة أيام من اكتمال عدتها، ماذا عليها؟ وهل يلحق الشخص المتقدم لخطبتها إثم؟ إن كان خطبها بعد انقضاء العدّة فلا عبرة بما فعلته في عدتها من تقصير ومخالفة للأحكام الشرعية، فإن ذلك لا يؤثر على الخطبة بل هي وإنما عليها أن تتوب إلى الله من تركها الحداد قبل انتهاء أمد التربص، والله أعلم.
هل
صحيحة
تأخذ الخلوة نفس حكم الدخول في أحكام العدّة؟ وجوب العدّة على المطلقة منوط بالمسيس، والمقصود بالمسيس الجماع، فإن وقع الجماع فعليها وإلا فلا ولكن وقع الأخذ والرد بين العلماء فيما (2/318)
صفحة 764
فتاوى الفراق
319
إذا أرخى عليها حجاباً وكان متمكناً من مباشرتها ثم اتفقا جميعاً على أنه لم يمسها هل يُصدقان ولا تكون عليها عدة أو أن العدة تجب عليها لأنهما لا يُصدقان في ذلك، والخلاف في هذه المسألة عهود السلف، منذ موجود ومنشأ هذا الخلاف كما يقول الإمام أبو نبهان - رحمة الله عليه ـ هو اختلاف العلماء في العدة هل هي حق للزوج أو حق الله تعالى، فمن اعتبرها حقاً للزوج رأى أن قول الزوجين بأنه لم يباشرها حجة في إسقاط هذا الحق ذلك لأنه صدقها أن ليست له عليها عدّة وبناءً على ذلك فإنها لا تجب عليها عدّة، أما عند من يراها حقاً الله تبارك وتعالى فإنه يرى عليها العدة لأنها لا تصدق في حق الله تعالى بأنه لم يجب عليها مع وجود القرينة التي تدل على وجوبه عليها وهي إرخاء الحجاب، واستظهر الإمام أبو نبهان ــرحمة الله عليه ـ أنه حتى على القول بأن العدّة حق الله تعالى يسوغ أن يقال بتصديقها طمأنينة لا حكماً بخلاف من قال بأنها حق للزوج فإنها تصدق في هذه الحالة حكماً، ولم يستبعد تصديقها حكماً حتى على القول بأنها حق الله تبارك وتعالى نظراً إلى أنها أمينة في هذا الحق، ولذلك تصدق فيه مع تصديق الزوج إياها إن لم تكن هنالك ريبة، ومن أدلة ذلك أن الله تبارك وتعالى جعل المتعبدين بالأمور الشرعية مصدقين فيما تعبدوا به بينهم وبين الله فالمرأة نفسها تصدق في ادعائها انتهاء عدتها إن إدعت ذلك بعد مضي ما يمكن فيه انتهاء العدّة من الزمن، ذلك لأن الله تبارك وتعالى عندما قال: {وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، اتبعه قوله: {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ ومعنى ذلك أن قولهن هو الحجة، فإن قالت المرأة في مدة يمكن أن تتخلص فيها من العدة بحيث يمكنها أن تحيض ثلاث حيض بأنها انتهت عدتها أي حاضت ثلاث حيضات يعد قولها حجة في ذلك ويجوز لها الزواج حكماً، وكذلك إن (2/319)
صفحة 765
320
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
توفي زوجها بعد طلاقها طلاقاً رجعياً إن قالت: إن عدتها لا تزال باقية وكان من المحتمل بقاؤها فإنها تنتقل من عدّة الطلاق إلى عدة الوفاة في هذه الحالة، وتستحق نصيباً من الإرث لأنها مصدقة فيما ادعته من استمرار عدتها إن خاصمها ورثة الزوج في ذلك فالقول قولها مع يمينها، والله
تعالى أعلم.
يقول الله تعالى في سورة الطلاق: تَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةً وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا [الطلاق: 2]، فهل نفهم من الآية الكريمة أن تبقى المطلقة في بيتها حتى
تنتهي
عدتها؟
الآية الكريمة تدلّ على بقاء المطلقة في بيت مطلقها حتى تنتهي عدتها ثم تخرج، فإن الله له نهى عن إخراج النساء المطلقات ونهى النساء عن الخروج، حيث قال: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ فلا يجوز إخراج المرأة المطلقة من البيت ولا يجوز لها أيضاً أن تخرج منه، بل للمُطَلَّق الحق أن يفرض عليها البقاء في البيت، العفة، كما تُؤمر المرأة المطلقة طلاقاً رجعياً بالتعرض لمُطلقها
وهذا مع لعل نفسه تميل إليها فيُراجعها بإشهاد شاهدين، والله أعلم. (2/320)
صفحة 766
فتاوى الفراق
مسائل متنوعة في الطلاق
321
أنا امرأة مطلقة من سبعة أشهر وكنت أحب زوجي وزوجي يحبني كثيراً ولا نستطيع البعد عن بعض من كثرة هذا الحب، ولكن شاء القدر بسبب بعض الضغوطات من أهله والذين لم يرضوا بزواجه مني حتى خضع لهم وتم الطلاق، ولكن المشكلة منذ فترة الطلاق وأنا لا أستطيع نسيانه وأنا أفكر فيه ليلاً ونهاراً ورفضت كل من تقدم لخطبتي بسبب حبي له وعندما أراه بالصدفة لا أتمالك نفسي وأبكي من شدة له، فماذا أفعل لكي أنساه وهل أذنبت بوجوده في قلبي إلى هذا اليوم حتى أصبحت أحمل الكثير من الكراهية لأهله بسبب تفريقنا عن بعضنا أفيدوني سماحة الشيخ؟
حبي
على الأهل أن يتقوا الله وألا يكونوا سبباً للتفريق بين الزوجين، بل عليهم أن يكونوا سبباً للوئام لا للانفصام، وللوفاق لا للشقاق، وللألفة لا للنفرة، وعليهم أن يسعوا إلى إصلاح ما أفسدوا، وأن يدفعوا بابنهم إلى مراجعة هذه المسكينة المتعلقة به ولعله هو أيضاً متعلق بها ولكن تأثر بسبب تلكم الضغوطات الظالمة التي لا تمت بصلة إلى الحق هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن هذه المرأة لا تأثم بسبب هذه العواطف والمشاعر فإن هذه أمور فطرية، ولا يمكن للإنسان أن يؤاخذ إلا بما كسبت يداه، فالله تبارك وتعالى (2/321)
صفحة 767
322
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
يقول: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا {لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ} [البقرة: 286]، وليس في وسع الإنسان أن يدفع مثل هذه الهواجس ومثل هذه المشاعر، فمن الإصر أن يحمل تبعة مثل هذه المشاعر الجياشة والعواطف الدفاقة والأحاسيس التي تسيطر على نفسه، إذ ليس بإمكان الإنسان أن يدفعها. فنوصي هذه المرأة أن تسأل الله تبارك وتعالى بأن يجمع بينها وبين مطلقها، وأن يزيل الحواجز التي سببت هذه الفرقة بينهما، وإن كانت الخيرة لها في غير ذلك أن ينسيها الله تبارك وتعالى شأن ذلك الزوج، وأن يعوضها عنه من هو خير لها، وأن لا تحمل في نفسها هذا الهم والله تعالى ولي التوفيق.
ما صحة الحديث تزوجوا) ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز منه العرش؟ هذا حديث ضعفه أهله العلم، بل قالوا هو ضعيف جداً، لا يعول عليه ولا يستند إليه، ولكن مع هذا ثبت الحض على الزواج بدلائل أخرى وكذلك يستنتج عدم الترغيب في الطلاق من دلائل أخرى، فكما قلنا أكثر من مرة بأن القرآن يأمر بتفادي الطلاق بحسب المستطاع، فالمشكلات العائلية يُؤمر الرجل بأن عالجها بينه وبين امرأته أولاً بالنصح والتذكير ثم بعد ذلك إن كانت متصلبة شديدة العناد له أن يهجرها في المضجع ثم بعد ذلك كله في المرحلة الأخيرة من العلاج يؤمر أن يضربها ضرباً غير مبرح ولا مؤثر، ومع تعذر الجدوى من كل ذلك تتدخل الأسرتان لينتقل الأمر من حدود الإصلاح بين الزوجين نفسيهما إلى محاولة الأسرتين القيام بالإصلاح وذلك بتحكيم حكم من أهله وحكم من أهلها لأجل تفادي الطلاق، والله أعلم. (2/322)
صفحة 768
فتاوى الفراق
323
ما حكم ذهاب المرأة إلى بيت مطلقها لرؤية أبنائها والمبيت معهم ليلتين أو ثلاث ليالٍ مع العلم بأن مطلقها موجود في البيت؟
إن كانت لا تختلي به ولا تُخالطه وإنما تكون مع أولادها ولا تختلط به، فلا حرج في ذلك، وأما مع الاختلاط والخلوة فذلك أمر ممنوع، والله تعالى أعلم.
إنني أعيش مع زوج مدمن خمر وتارك للصلاة والصيام ويتقلب في محارم الله، وهو مع هذا أغلب حياته في السجن لا يخرج منه إلا ويدخله ثانية، كما أنه لا يؤمن على فساد أولاده الذين أحاول أن أربيهم
التربية الصالحة، فهل يجوز بقائي في عصمة هذا الزوج؟ بئس الرجل الذي لا يصلّي ولا يصوم ويشرب الخمر ويأتي المنكرات، ولا لامرأة مسلمة أن تبقى معه خوف فتنتها في دينها، وعليه فاقتراحي عليك أن ترفعي أمرك إلى القضاء مع إقامة البينات على الذي تقولينه وكفى بالشرع فاصلاً، والله أعلم.
ينبغي
إن خلق المرأة من ضلع أعوج، يتوهم البعض أنه يجعل من الزوجة شماعة تعلق عليها الأخطاء التي تحدث في الأسرة، فكيف يمكن الرد عن ذلك؟ نص الحديث لا يقتضي أن كل خطأ يكون من المرأة، وكل ما في الأمر أن الرجل مأمور بأن يحتمل ويقدر طبيعة المرأة، لأن المرأة عرضة لكثير من الأحوال الطبيعية التي تعتريها وهي لا تعتري الرجل، فلهذا كانت جديرة بالمراعاة، ومن أجل هذا جعل الله تعالى القوامة بيد الرجل ولم يجعلها بيد المرأة، إذ لو كانت القوامة بيدها لسارعت إلى حل
الانفعالات
بسبب
عقدة النكاح بمجرد أي انفعال من الانفعالات التي تطرأ عليها بخلاف (2/323)
صفحة 769
324
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ألقاها
الرجل الذي يمكن أن يضبط أعصابه ويسيطر على انفعالاته، ونحن نأسف كثيراً أن نرى الرجال في وقتنا هذا لم يقدروا هذه المسؤولية التي الله تبارك وتعالى على عواتقهم والتي جعلها من اختصاصهم، فالمسارعة إلى الطلاق كثيراً ما تحصل أيضاً في وقتنا هذا من قبل الرجال، بل من أقبح الأعمال التي تكون من قبل الرجال والتي يجب أن يُنبه عليها، ويجب على الرجال جميعاً أن ينتبهوا لها، أن تكون المرأة عُرضة للطلاق بسبب خصام قد يحدث بين أب وابنه وبين أخ وأخيه وبين ابن وأمه وبين جار وجاره وبين صديق وصديقه فكثيراً ما يحصل الخصام ما بين هؤلاء فيجمع أحدهم إلى إثم عقوق الوالد وقطيعة الرحم والإساءة إلى حق الجوار والإساءة إلى حق الصداقة التي يجب أن تكون رباطاً ما بين المسلم والمسلم، كثيراً ما يجمع هؤلاء مع ذلك كله أن تكون المرأة عُرضة للطلاق. بحيث يقول أحدهم للآخر: إن دخلت بيتك أو إن جئتك في طلب حاجة أو إن كان مني لك كذا فامرأتي طالق)، وكثير منهم لا يكتفون بذلك حتى يقول أحدهم: هي طالق بالثلاث ويجعلونها عرضة لانفصام العلاقة الزوجية بخصومة تكون بين أحدهم وآخر، وهذا أمر خطير جداً أن ذلك ينافي ما أمر الله تعالى به من أن تكون الصلة ما بين الزوجين صلة بر وإحسان فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَنٍ} [البقرة: 229]، وكذلك أيضاً مما يؤسف له أن تجد كثيراً من الرجال تصدر منهم الإساءات إلى نسائهم والإيذاء الذي لا يحتملنه والمضايقة التي لا تقف عند حد، حتى تلتجئ المرأة إلى الافتداء من الزوج لتتخلص من هذا السعير الذي لا يطاق، مع أن ذلك حرام وشحت فليس للإنسان أن يأخذ من امرأته أي شيء من الصداق الذي أصدقها إياه فيضايقها لتفتدي بشيء منه أو جميعاً وقد يرغب في التخلص منها لأجل أن يستبدل بها امرأة أخرى فلا
مع (2/324)
صفحة 770
فتاوى الفراق
325
يسرحها بإحسان بل يضايقها لتفتدي منه وهذا كله حرام، فالله تعالى يقول: وَإِنْ أَرَدتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَاتَيْتُمْ إِحْدَتْهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنَّا وَإِثْمًا مُّبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيتَقًا غَلِيظًا} [النساء: 21،20]، ولو وقفنا مع هذه الآية الكريمة لنتأمل هذا التوجيه الرباني، لوجدنا أن الله تبارك وتعالى يُحذر الرجال عندما يمل أحدهم عشرة امرأة ما ويريد أن يستبدلها بأخرى، أن يُضايقها حتى يسترد منها أي شيء مما أعطاها إياه، ولو كان أعطاها مقدار قنطار من الذهب واختلف العلماء في مقدار القنطار اختلافاً كثيراً قيل: هو ملء جلد ثور من الذهب وقيل: هو مئة رطل وقيل غير ذلك، والمراد به مهما يكن أعطاها فإنه لا يحل له أن يسترد من ذلك شيئاً، كيف يفعل ذلك وقد وقع الإفضاء بينهما؟ والله الله قال هنا: وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ) ولم يقل وقد أفضيتم إليهن، لأجل أن يبين للناس أن العلاقة الزوجية هي علاقة اندماج وانسجام، علاقة تجعل الزوجين يشكلان حقيقة واحدة، بحيث يكون بعضاً من هذه الحقيقة والمرأة هي البعض الآخر، فهو عندما أفضى إليها كأنما أفضى بعض منه إلى بعضه الآخر، إذ كلاهما يشكلان حقيقة واحدة وشيئاً واحداً، ثم لم يكتف بذلك وقال: {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيتَقًا غَلِيظًا} والمفسرون اختلفوا في هذا الميثاق الغليظ، منهم من قال هو ما أشار إليه القرآن الكريم عندما قال فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَنٍ وهذا التسريح الذي يرزأ فيه الرجل المرأة شيئاً من المال ليس هو تسريحاً بإحسان، والمضايقة في المعاملة ليست هي أيضاً من الإمساك بالمعروف، ومنهم من قال: إن المراد بالميثاق الغليظ الذي أخذته على الرجل ما يكون من الشروط التي تشترط على الرجل إبان، وأحق الشروط أن يوفى به ما (2/325)
صفحة 771
326
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
استحل به الفروج كما جاء في حديث الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، ومن المفسرين المحققين من قال بأن المراد بهذا الميثاق الغليظ هو ميثاق الفطرة، وذلك بأن المرأة ولو كانت مرفهة مدللة بين أبوين حانيين كريمين تشعر بنقص عندما تكون غير ذات زوج، فهي لا يقرّ لها قرار ولا يحلو لها أن تبقى عانساً بين أبويها بل تحب أن تنتقل إلى بيت الزوجية ولو كلفها ذلك البعد عن أبويها والخروج من المحضن الذي درجت فيه والعش الذي نشأت بين أكنافه سعيدة هانئة، وقد يخطبها رجل غريب لم تكن لها به صلة ولا معرفة من قبل ومع ذلك تطمئن إليه وتلقي بنفسها إليه راغبة في أن تندرج في كنفه وتعيش تحت رعايته، لأنها تشعر بأن ذلك مما يجعل حياتها مستقرة طيبة تجد فيها متعة الحياة مع ما تنتظره من قرة العين التي تكون امتداداً لها، فهذا ميثاق فطري تأخذه المرأة على الرجل، فليس للرجل في مقابل هذا الميثاق أن يغدر بها ويُسيء إليها ويُحاول عندما يريد التخلص منها أن يرزأها في شيء من المال باسترداد شيء مما دفعه إليها، بل عليه أن يواسيها وأن يحسن معاملتها، كيف وهي لها حق الامتاع بجانب حق توفية الصداق؟ بدليل النص القرآني: وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَعُ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 241]، فليس له أن يرزأها شيئاً من هذه الحقوق الواجبة لها عليه، والله المستعان.
امرأة عمرها سبعون سنة وزوجها لا ينفق عليها وهي ابنها، فهل تعدّ طالقاً من زوجها؟
الآن تعيش مع
الطلاق لا يكون إلا بتطليق الرجل لها أو بتطليق الحاكم الشرعي لها من زوجها عندما يصر الرجل على تقصيره فيها وعدم تطليقها، أما بدون ذلك
فلا يقع طلاقها. (2/326)
صفحة 772
فتاوى الفراق
327
ما هو حكم الإسلام في زواج الشغَار (1)؟
زواج الشغار هو أن يشترط الرجل على الآخر أن يزوج كل منهما موليته للآخر، وهذا أمر غير جائز، فإن كان هنالك صداق فإن الصداق كثيراً ما يكون صورياً فحسب، بحيث يدفع كل واحد من الأبوين إلى ابنته الشيء اليسير الذي يرضيها به، وهو غير سائغ لأن الصداق لا يدفع من قبل الولي، وإنما يدفع من قبل الزوج، ولأن الصداق يجب أن يكون بحسب رغبة المرأة لا بحسب رغبة الولي، فلا يجتاح حقها من أجل مراعاة وليها أو قريبها من أخ أو غيره وبجانب هذا كله فالشرط جزء من الصداق، فكما أنه لا يجوز أن يكون بضع امرأة صداقاً لبضع امرأة أخرى، فكذلك لا يجوز اشتراط امتلاك هذا البضع من أجل تحليل ذلك البضع لأنه يدخل في الصداق المحجور شرعاً، فيجب التنبه لذلك، على أنه لا يكاد زواج من هذا النوع ينجح قط، بل سرعان ما تكون الخلافات والشقاق ما بين أحد الزوجين والآخر، وبسبب هذا الشقاق تحرص الأسرة الأخرى على انتزاع ابنتها من الزوج الآخر وإن كانت على وفاق معه، ولذلك يجب الحذر منه والحرص على تجنيب الزواج كل مخالفة للشرع، والله أعلم.
(1) الشغار: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق، والشعار: بكسر الشين المعجمة وفتح الغين المعجمة أصله في اللغة الرفع، يقال: شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول كأنه قال: لا ترفع رجل بنتي حتى أرفع رجل بنتك، وقيل: هو من شغر البلد إذا خلا لخلوه من الصداق، ويقال: شغرت المرأة إذا رفعت رجلها عن الجماع. ينظر: ابن منظور، لسان العرب، دار الفكر، دار صادر ـ الطبعة الأولى 1410 هـ ـ 1990 م - ج 4 ص 417 مادة شغر / النووي/ شرح صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثالثة ج 5 ص 200. (2/327)
صفحة 773
328
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
هل يعد زواج القياض الذي هو منتشر في أرجاء البلاد زواج شغار، إن كان هنالك مهر لكلا المرأتين؟ وما حكم هذا الزواج؟ وكيف يتعامل معه مع العلم أن هناك الكثير مثل هذا الزواج؟
كلمة القياض نفسها كلمة فاحشة جداً، فإن القياض إنما يكون في السلع والأموال الممتلكة ولا يكون في الأعراض والبنات، لأن البنات لا تمتلك، وبجانب هذا ففي هذا الزواج لا يؤخذ - عادة - رأي أي واحدة من الفتاتين وإنما تكلف هذه ذاك الرجل من أجل أن الأخرى لوليها أو قريبها، وقد يكون المهر الذي يدفع إليهما لا يرضي كل واحدة منهما، بحيث يبخس حق هذه من أجل أخيها أو من أجل وليّها ويبخس حق الأخرى أيضاً من أجل من يليها، وفي هذا إضاعة للحقوق وإتلاف لها، أما عندما يستكمل عقد الزواج جميع الشروط فأقل ما في ذلك كراهة التنزيه، وكما قيل: خلق
الكرام لا يقبل ذلك.
لاحظنا
في
هذا العصر انتشار ظاهرة العنوس فما هو الحل أمام عزوف الشباب عن التعدد وأمام مطالب الآباء الشاقة؟ يجب على الآباء وعلى المجتمع بأسره التعاون في إعفاف الشباب والفتيات وذلك بتيسير مؤن الزواج، فإن أيسر النساء مهراً أكثرهن بركة، أما اللواتي يشترط لهن الكثير من الشروط ومن المطالب فإن ذلك يؤدي إلى عرقلة زواجهن، وعاقبة ذلك كما قال إمامنا السالمي رحمه الله تعالى: فيشتهي النساء وهو لم يجد وتشتهي الرجال وهي لم تجد فتحمل الشهوة في الصنفين على ارتكاب فاضح وشين وهو أمر خطير، وكثير من الناس مع الأسف الشديد لا يدرون ذلك إلا عندما يرون أنفسهم قد سقطوا في وحل الرذيلة وارتكبوا ما ارتكبوا من (2/328)
صفحة 774
فتاوى الفراق
329
الأخطاء، عندئذ يحاولون تدارك هذا الخطأ، وأنّى لهم أن يتداركوه وقد فات الأوان، فكثير من الفساد إنما هو ناشئ عن هذه المغالاة في الصدقات، ومن هنا حثّ الإسلام على التقليل من المهور، ثم بجانب ذلك أيضاً أباح الإسلام الحنيف تعدد الزوجات بسبب الحروب الطاحنة التي يتعرض لها الرجال، أو سائر الأسباب التي تؤدي بحياتهم فيكون العدد القليل من الرجال في مقابل العدد الكثير من النساء، ومن أجل ذلك يقول الله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُوا فِي الْيَنَهَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء: 3]، ولكن التعدد مشروط راعاة العدل بين النساء، فلا يباح للرجل أن يتصرف كما يشاء، وقد جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كانت له امرأتان فلم يعدل بينهما، جاء يوم القيامة وشقه مائل» والعياذ بالله، فالإسلام أباح التعدد بل نستطيع أن نقول بأنه دعا إلى التعدد لأجل القضاء على عنوس النساء، وعلى الرذيلة والحد من انتشارها، وتحقيق مطالب الحياة.
بمر
عدد من النساء يعانين من العنوس وتمرُّ بهن ظروف صعبة للغاية كأن تكون إحداهن مطلقة أو أرملة، وقد شاع زواج المسيار وهو مستوف لأركان العقد الصحيح وشروطه إلا أن المرأة فيه تتنازل عن حقها في المبيت والنفقة فتترك ذلك للزوج، يقول البعض إنه ساهم في حل مشكلات عديدة، وينظر البعض إلى أنه ظلم للمرأة، فما حكم هذا الزواج؟
المرأة لها الحق في أن تنزل عما هو من حقها، فلها الحق أن تنزل عن حقها في السكنى وفي النفقة وفي المعاشرة، ولذلك جاء في كتاب الله تعالى ما يدلّ على أن المرأة إن خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً يجوز الصلح بين (2/329)
صفحة 775
330
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
الطرفين: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُورًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحَا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأَحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَ} [النساء: 128]، ولكن لا بد أن تتفادى المشكلات، فإن لم تكن تترتب على هذا الزواج مشكلة اجتماعية وكان فيه حل للمشكلات فلا حرج، لأن الشريعة الإسلامية إنما جاءت من أجل درء المضار، ويُدفع الضرر الأكبر بالضرر الأصغر، والله تعالى أعلم.
ماذا نفعل نحن الفتيات إذا كان الملتزم لا يتقدّم إلينا لعدم وجود المال الكثير لديه، فقد وصل جشع الآباء إلى إيصال المهر إلى ثمانية آلاف يأخذها كلها الأب، ولا تدخل في هذا المهر الملابس ولا الذهب، فنحن نعاني كثيراً من ذلك، فاقترحوا لنا حلاً؟
هذه المشكلة حلها بالاتفاق ما بين الشاب والفتاة بطريقة المراسلة البريئة التي لا تشوبها شائبة ريب أو شك من قبل الأولياء، وعندما يتفقان على الزواج ويتبين من الأب العنت فعلى الفتاة أن تكتب إلى القاضي الشرعي بأنني رضيت بهذا الشاب زوجاً لي وأريده بمهر قدره كذا ولا أريد والدي أن يتدخل في ذلك، وعلى القاضي الشرعي أن يفرض ذلك، هذا بجانب توعية المجتمع بمضار انتشار العنوس في الفتيات وخطورته، وأن ذلك منشؤه جشع الأولياء، والله المستعان
يتجه الشباب حالياً إلى الزواج من المرأة العاملة حتى ولو كان مهرها غالياً أما الفتاة التي لا تعمل فلا يكترثون بها ولا يلتفتون إليها، مما سبب المزيد من المشاكل في المجتمع، فهل يمكن أن تسلطوا الأضواء على هذه النظرة عند الشباب؟ شرع الله تعالى الزواج تلبية لداعي الفطرة والسكون النفس وطمأنينتها (2/330)
صفحة 776
فتاوى الفراق
331
تحمله هو
هي
وراحتها وللانسجام بين الزوجين لما في الزواج من تحمل المسؤولية من كلا الزوجين، ولا ريب أن مسؤولية الرجل تجاه هذا الرابطة المقدسة مسؤولية كبرى، لأن الله تبارك وتعالى جعل القوامة إليه، وذلك عندما قال: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34]، ومن جملة ما يجسد هذه المسؤولية تحمل الرجل للنفقات، لأنه المسؤول عن المرأة، فهو الذي يجب أن ينفق عليها، وأن يتحمل تبعات حياتها، ومن هنا كانت نظرة الرجل إلى مال المرأة وشغفه به أمراً منافياً لهذا القدر العالي الذي رفعه الله إليه، فعلى الرجل أن يبحث عن المرأة الصالحة التي يجد معها الدفء والحنان والانسجام مع للمسؤوليات المالية وغيرها، وهذه النظرة التي ينظرها هؤلاء الرجال في حقيقتها تجاوز لمسؤولية القوامة على المرأة بما فضل الله تعالى به الرجل من الخصائص التي جعلها في فطرته وطبعه ولم يجعلها في فطرة المرأة، وطبعها، وبما أنفق من المال، ومن هنا كان المهر على الرجل للمرأة، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بين ما ينبغي أن يفتش عنه الرجل عندما يريد أن يتزوج، فقال عليه الصلاة والسلام: تنكح المرأة لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك»، على أن هذا البحث عن المال قد يؤدي إلى أن يكون الإنسان متجاهلاً ما تقتضيه الحياة الزوجية، من قيام المرأة بشؤون منزلها، فإن المرأة الموظفة لا تتفرغ غالباً لترتيب أمور البيت ولا تتفرغ لإسعاد زوجها ولا لتربية أولادها وإفاضة الحنان عليهم في معاملتها لهم، ومن المعلوم أنه لا يمكن أن تكون الأم الصناعية - الحاضنة أو المربية ـ كالأم الحقيقية التي سخرها الله تبارك وتعالى لتحمل هذا الولد جنيناً في أحشائها وغذته بخلاصة غذائها، فلا تستطيع أي امرأة أن تعوض هذا الولد عن الحنان الذي يجده من الأُم عندما يفتقده، فكيف إذا كانت (2/331)
صفحة 777
332
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
هذه الأم مشغولة بالأعمال وكان الأب لا يبحث إلا عن الراتب الذي تتقاضاه على رأس كل شهر ليضمه إلى ثروته، فإن ذلك يتنافى مع ما فطر الله تعالى عليه الوالدين من الحنان للأولاد، ومن المعلوم أن المرأة التي يكون دخلها وافراً كثيراً ما يتنافس فيها المتنافسون ويزيد مهرها، وهذا يؤدي إلى أن تتصاعد هذه المهور وتكثر، ويؤدي الأمر بخلاف ذلك عندما يبحث أحدهم عن الأخلاق والدين والمنبت الحسن: منبت الاستقامة والطهر والعفاف، والله تعالى أعلم.
ما حكم الإسلام في زواج المتعة (1)؟
نكاح المتعة كان مرحلة في سبيل تحريم كل علاقة غير نظيفة بين الرجل والمرأة كما حرمت الخمر تدريجياً لأن الناس قد ألفوا الخمر في جاهليتهم، وقد روي عن ابن عباس أنه كان يرى جواز نكاح المتعة، ولكنه شذ بهذا القول من بين سائر الصحابة، ثم روي عنه أنه تراجع عنه، ويدرك أي عاقل بأن نكاح المتعة أمر تأباه الفطرة السليمة، فإن أي امرأة شريفة بفطرتها تأبى أن تكون مأوى للرجال بحيث تكون أسبوعاً مع هذا وأسبوعاً آخر وهكذا تتذوق المتعة منهم تتقبلها في أحضانهم فيحتضنها هذا أسبوعاً والآخر أسبوعاً، أو تكون شهراً مع هذا وشهراً مع ذلك وهلم جرا، ولا يرضى أي رجل سليم الفطرة ذلك لوليته مهما كان الأمر، على أن الزواج هو ربط مصير بمصير وهو اجتماع الأرواح قبل أن تلتقي الأجساد فلذلك يجب أن يكون الزواج غير موقوت، ولا نرى وجهاً لإجازة زواج المتعة بحال من الأحوال والقرآن بيّن أن الغاية من الزواج الإحصان حيث قال تعالى: تُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ} [النساء: 24]، والله أعلم.
(1) المتعة: أن تزوج الرجل المرأة إلى أجل معين بقدر معلوم. (2/332)
صفحة 778
فتاوى الفراق
333
فيمن أسلمت وبقي زوجها على كفره ـ وهو من أهل الكتاب ـ فهل
تبقى العلاقة الزوجية بينهما أم تنقطع بمجرد دخولها الإسلام؟
لا تبقى علاقة زوجية ما بين مسلمة، وكافر، فإن الله تبارك وتعالى يقول: وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنُ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَيْكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ وَايَتِهِ، لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [البقرة: 221)، ولفظة المشرك تصدق على الكتابي وعلى غيره ويقول: فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة: 10]، فإذا أسلمت المرأة انقطعت علاقة الزوجية بينها وبين زوجها الكافر، ولكن ذلك إن أسلم قبل أن تتزوج بغيره فقيل: هو أحق بها، ولكن لا بد من عقد جديد، وقيل: يبقى معها بالعقد السابق وهو الراجح المأخوذ به عندنا المذهب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أبقى ابنته بعدما أسلم زوجها بعد زمن غير قصير، معه بنفس العقد السابق (1) فيؤخذ بهذا الرأي وإن كان تجديد العقد أحوط، ولها أن تتزوج بعد أن تعتدّ منه لأنه بحكم إخلاده إلى الكفر محرم عليها، فلا تحرم من الزواج انتظاراً لإسلامه، والله أعلم.
مع
في
روى الإمام الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن وطء السبايا من الإماء فقال: «ولا تطأوا الحوامل حتى يضعن ولا الحوائل حتى يحضن فهل النهي للتحريم أم للكراهة؟ وما معنى الحوائل؟ (2) وهل النهي عام للحرائر والإماء أم أنه خاص بالإماء؟ هذا الحكم في السبايا فإن كانت السبية حاملاً فلا يجوز لمن دخلت في
(1) هذه الرواية أخرجها أحمد، ج 1، ص 217 برقم 1876.
(2) أخرجه الربيع باب في السبايا والعزلة برقم 526. (2/333)
صفحة 779
334
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
ملكه بالسبي أن يواقعها حتى تضع حملها، إذ لا يجوز له أن يسقي زرع غيره، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي أراد أن يواقع جاريته قبل أن تضع حملها «لقد هممت أن ألعنه لعناً يدخل معه قبره) وأما الحوائل فهن غير الحوامل من النساء والحوائل جمع حائل وهي التي يأتيها الحيض حالاً بعد حال، ولا يجوز لمن دخلت في ملكه حائل أن يواقعها حتى يستبرئها بحيضة، وقيل: بحيضتين قياساً على عدة الأمة، ولا تدخل الحرائر في هذا الحكم؛ إذ الحرائر لا توطأ بملك يمين وإنما بالنكاح الشرعي، وهو لا يكون إلا بعد عدة إن كانت ذات زوج من قبل، ولا يجوز تزوج الحامل، فإن عدتها أن تضع حملها فلا معنى لاستبرائها، وبما تقدّم تعلمون أن النهي للتحريم لا للكراهة فحسب، والله أعلم.
بماذا تنصحون الشباب المسلم المقدم على الزواج؟
أهم نصيحة هي نشر الوعي الإسلامي وحرص الناس جميعاً على أن يتكيفوا وفق تعاليم الإسلام، وأن يجعلوا رضا الله تبارك وتعالى نصب أعينهم وملء قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم.
هل يجوز للرجل أن يتزوج ابنة زوجته المتوفاة، إذا كانت هذه الربيبة لم تترب في حجره، إذ أن الله عل يقول: {وَرَبَبُكُمُ الَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِسَآبِكُمُ الَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 23]، فالمشرع الحكيم حددها بالتي تربت في حجر زوج الأم، وهذه الفتاة لم تترب في حجره؟
(1) أخرجه مسلم باب تحريم وطء الحامل المسبية برقم 1441/ أبو داود باب: وطء
السبايا برقم
02156 (2/334)
صفحة 780
فتاوى الفراق
335
هذا استدلال بالمفهوم ويسمى مفهوم المخالفة، ويسمى أيضاً دليل الخطاب عند علماء أصول الفقه، ومفهوم المخالفة يجوز أن يستدل به بشروط، منها أن لا يكون منطوقه وارداً مورد الأغلب المعتاد، أما إذا كان وارداً مورد الأغلب المعتاد فليس بحجة، ومن ذلك هذه الآية الكريمة الَّتِي فِي حُجُورِكُم، فإن من المعلوم أن غالب الربيبات يكن في حجور أزواج أمهاتهن، وعليه فإن لم تكن في حجره فلا تخرج عن هذا الحكم، لأن هذا المنطوق الذي هو أصل للمفهوم روعي فيه كونه وارداً مورد الأغلب المعتاد، وإذا ورد المنطوق مورد الأغلب المعتاد فلا يحتج بمفهومه، ومن ذلك أيضاً قول الله تعالى: {فَمَنِ أضْطَرَّ فِي مَخْمَصَةِ} [المائدة: 3]، إذ المخمصة هي الضرورة الغالبة، فالآية وردت مورد الأغلب المعتاد فلا يحتج بمفهومها. ويقول عل: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [الأنعام: 151]، ويقول سبحانه: {وَلَا نَقْتُلُوا أَوَلَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ [الإسراء: 31]، وكلا الآيتين لا يحتج بمفهومهما فلا يقال فيمن قتل ولده لا من إملاق ولا من خشية إملاق إنه لا حرج عليه، لأن المنطوق كما قلنا وارد مورد الأغلب المعتاد، ومن شروط الاستدلال بمفهوم أيضاً أن لا يكون المنطوق وارداً مورد الامتنان، أما إذا كان وارداً مورد الامتنان فلا يحتج بمفهومه، فالله تبارك وتعالى امتن علينا بالبحر، فقال: لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيّا} [النحل: 14]، فليس لنا أن نستدل بالمفهوم فنقول يباح لنا اللحم الطري فقط، أما اللحم اليابس ـ أي ما جفف من السمك - فلا يجوز أكله، لأن هذا وارد مورد الامتنان فلذلك لا يحتج بمفهومه، كذلك إن جاء المنطوق تعليماً لسائل، كأن يجهل إنسان حكم مسألة بعينها، فعلمه الشارع، كما لو سأل الرسول صلى الله عليه وسلم سائل وعلمه أن
المخالفة (2/335)
صفحة 781
336
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
هذا الحكم في هذه القضية كذا وكذا، فلا يستدل بمفهومه المخالف لأنه ورد تعليماً لذلك الجاهل، مثال ذلك: أن يسأل سائل الرسول صلى الله عليه وسلم هل في الذهب المخزون زكاة؟ فيجيبه النبي صلى الله عليه وسلم: نعم في الذهب المخزون زكاة، فهذا لا يدلُّ أن الذهب غير المخزون ـ المتداول ـ ليس فيه زكاة، لأن المنطوق ورد تعليماً لجاهل أو جواباً لسائل، والله أعلم.
من الأمور المحزنة أنه تم تزويج بنت عمرها عشر سنوات إلى رجل عمره خمس وستون سنة وذلك طمعاً من الأب ولسيطرة إحدى النساء على الأب رغم أنها ليست من أقاربه حيث أنها حصلت على مبلغ من المال من الزوج ومن الأب .. ما قول سماحتكم وما نصيحتكم لهم ولوالديهم وإلى مشايخ البلدة؟
بئسما يفعله هؤلاء، فالزواج ليس بيعاً للفتاة المتزوجة وإنما هو ربط مصير بمصير، ويجب أن يكون بموافقة الفتاة نفسها إن كانت بالغة، وإن كانت دون البلوغ فلها الغير بعد البلوغ، وكل ما أنفقه الزوج إن دخل بها لا يمكنه استرداده مع غيرها وذلك بما أصاب منها، وعلى الناس أن يتقوا الله تعالى وأن يدركوا أن الصداق ليس للأب حق أو نصيب فيه إنما هو حق للفتاة وحدها، فإن الله تبارك وتعالى يقول: {وَآتُوا النِّسَاءَ وارج صَدُقَنِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا} [النساء: 4]، ولم يقل: وآتوا أولياء النساء الصدقات أو أتوهم شيئاً منه، فطمع الأب الذي يؤدي به إلى أن يبيع ابنته هذا البيع البغيض فإنه دعاه إلى ذلك محض طمع فيما لم يأذن الله تبارك وتعالى بالطمع فيه، بل هو ظلم، فعلى الآباء أن يتقوا الله، وعلى المجتمع أن لا يقر هذه العادات السيئة،
والله أعلم. (2/336)
صفحة 782
فتاوى الفراق
337
تعلمون أن الأسرة هي الخلية الأولى للمجتمع فإذا صلحت الأُسرة صلح المجتمع كله وإذا فسدت الأسرة فسد المجتمع وقد تتعرض الأسرة إلى مشاكل منها: التفكك الذي يحصل بين الزوجين أو بين الأزواج والأبناء فما هو مفهوم التفكك الأسري في نظركم؟
إن الأسرة عندما تتماسك بحيث يكون الزوجان على تفاهم ووئام وتواد وتشاور في كل الأمور فإن الذرية تنشأ في محضن التفاهم والوئام والتواد، و تسودها الرحمة والطمأنينة ويحصل فيما بينها الترابط المطلوب شرعاً، كما أن الأقربين أيضاً عندما يرعى كل منهم حق قريبه ويؤدي ما فرض الله الله عليه من حق ويصل ما أمر الله به أن يوصل فإن ذلك يؤدي إلى التفاهم، وهذا إنما ينشأ من خشية الله تعالى ومراقبته والتعلق بالدار الآخرة ورسوخ العقيدة في النفس، ثم ما يتبع ذلك من الأعمال الصالحة وتجنب الأعمال السيئة، فإن ذلك كله هو الذي يولد التفاهم والتواد والتراحم والتعاطف وهذا مطلوب لا بين الأسرة فحسب بل في المجتمع كله، وفي الأمة كلها، إذ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ولئن كان ذلك حقاً واجباً على المسلم لكل مسلم فإنه ولا ريب عندما يكون هذا المسلم قريباً يتضاعف هذا الحق ويتأكد أكثر فأكثر، إذ للقربى حقها في الإسلام، ولذلك نجد أن الله تبارك وتعالى عندما أمر بإيتاء المال، وجه أولاً إلى إيتائه ذوي القربى قبل ذكر أي صنف من الأصناف الأخرى قال: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ عَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَتَيكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّيْنَ وَعَالَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَآلَى الزَّكَوَةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُوا وَالصَّبِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَبِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَيكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177]، فحق (2/337)
صفحة 783
338
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
القريب أكد من سائر الحقوق التي تجب فيما بين المسلمين عامة، لأن الأسرة تشكل الخلية الأولى للمجتمع، والله أعلم.
وما هي مجمل أسباب التفكك في نظركم؟
التفكك له أسباب عدة من بينها:
1 - أن تكون الأسرة غير متوادة فإن البغضاء تولد التفكك.
2 ـ أن يكون في الأُسرة الحسد.
2
3 - ألا تتفاهم الأسرة في أمورها ولا تتشاور فيما بينها.
4 - أن تكون الأسرة لاهثة وراء المادة، فإن ذلك يؤدي بها إلى أن تطأ على جميع القيم في سبيل تحصيل هذه المادة التي يلهث كل أحد منها
وراءها، وهذا مما يؤدي إلى تفككها.
وما هي النتائج التي تترتب على هذا التفكك؟
وعندما
تفكك الأسرة يؤدي إلى ضياع المجتمع كله، لأن الأسرة هي الخلية الأولى للمجتمع فعندما تكون الأسرة مفككة يكون المجتمع بأسره ضائعاً، تكون الأسرة مترابطة يكون المجتمع كله مترابطاً، لأن الأسرة مجتمع مصغر والمجتمع أسرة مكبرة.
وهل هناك من حلول لتفادي هذا المرض قبل وقوعه؟
نعم تتمثل الحلول في ترسيخ العقيدة وفي مراقبة الله تعالى وخشيته، وفي النظر إلى أن الدنيا متاع زائل ومرحلة قصيرة وسفرة منتهية، وأن الكل يجب أن يتعاونوا على البر والتقوى ولا يمكن التعاون على البر والتقوى إلا إذا كان هنالك تواد وتفاهم وترابط وحب للخير. (2/338)
صفحة 784
فتاوى الفراق
339
قرأت في كتاب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن الاستمناء زني»، فما معنى
الاستمناء؟
الاستمناء هو ما يسمى في عرف الناس بالعادة السرية، وأما الحديث المذكور فهو غير ثابت عن الرسول الله، إلا أن القرآن دل على تحريمه، فالله تعالى يقول: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَتُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَبِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [المؤمنون: 5 - 7]، والمستمني لم يستعمل زوجه ولا ملك يمينه، وكذلك المرأة عندما تستمني، وفي الحديث عن الرسول: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء»، فأرشدهم إلى الصوم ولم يدلّهم على الاستمناء، على أن الاستمناء يؤدي إلى أمراض متعددة والعياذ بالله، نسأل الله تعالى الوقاية منها.
حالة قتل الرجل زوجته أو ابنته هل يحكم له القاضي بالحبس أو
القتل؟ وهل يتساوى الرجل مع المرأة إن قتلت زوجها؟ علينا أن ندرك أن قيمة الإنسان في الإسلام قيمة غالية، فدم الإنسان لا يسفك حتى مع ارتكاب الخطأ إلا بأمر مبيح شرعاً، وذلك لأجل مراعاة حرمات الإنسان، وبجانب هذا فإن الإسلام لأجل مراعاة حقوق الوالدين لم يشرع القصاص بالقتل من الوالد عندما يقتل ولده ذكراً كان أو أنثى اللهم إلا إن كان قتله فتكاً ولم يكن هنالك أي سبب لقتله، فذلك من الفساد في الأرض والمفسد في الأرض يقتل حداً ولا يجوز العفو عنه، ولو عفا ولي الدم فلا يلتفت إلى عفوه، أما إذا وجد الرجل امرأته ترتكب الفاحشة فقتلها فينظر هل ارتكابها الفاحشة قامت به الحجة الشرعية؟ أما (2/339)
صفحة 785
340
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
هي
مع قيام الحجة الشرعية بأن قتله لها كان إبان ارتكابها الفاحشة ففي مثل هذه الحالة يدرأ عنه القصاص ولا يعاقب بأي عقاب، أما إن كان مجرد دعوى منه بأنه وجدها ترتكب الفاحشة فلا تقبل دعواه إلا ببينة، والبينة في ارتكاب الفاحشة هي أربعة شهود عدول يشهدون أنهم رأوا العملية ظاهرة بينة ـ أي رأوا الميل في المكحلة ـ ولا قصاص بين الزوجين فيما دون القتل، فلو وقع جرح أو ضرب بينهما فلا قصاص بينهما، ودية المرأة على النصف من دية الرجل، فإن قتلته وأراد أولياؤه القصاص منها فلهم القصاص مع نصف الدية فيما ذهب إليه كثير من العلماء، وبعضهم قال: هم مخيرون بين القصاص وبين الدية فقط من غير أن يأخذوا نصف الدية إن قتلوها، وإن قتلها وأراد أولياؤها القصاص منه فلهم أن يقتصوا منه رد نصف الدية إلى ورثته، هذا هو قول أكثر أهل العلم، وقيل بخلاف ذلك، والله تعالى أعلم.
مع (2/340)
صفحة 786
الفصل السابع
فتاوى عامة (2/341)
صفحة 787
[صفحة فارغة] (2/342)
صفحة 788
فتاوى عامة
لباس المرأة
343
قال تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31]، ما تفسيركم لهذه الآية؟
الزينة الظاهرة قيل: هي ما ظهر من ثيابها وقيل هي الوجه والكفان فقط، ولكن يجب على المرأة مع خوف الفتنة أن تقطع دابرها بستر وجهها وكفيها، والله أعلم.
الآية وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِحَتٍ بِرِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور: 60]، ما معنى وضع الثياب في هذه الآية، وهل هو شامل لغير المحارم؟
القواعد هنَّ من جنس المرأة الكبيرة التي لا تشتهي ولا تشتهى، ولا حرج عليها إن وضعت ظاهر ثيابها أي الجلباب واكتفت بالثياب التي عليها من غير جلباب حتى ولو جلست مع غير ذي المحرم، ولكن الاستعفاف بترك ذلك خير لهن، والله أعلم.
ما الحكم الشرعي في تغطية المرأة لوجهها؟ وما هو تفسيركم لقوله تعالى: تَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن (2/343)
صفحة 789
344
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
جَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [الأحزاب: 59]، وكذلك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المرأة إذا بلغت المحيض لا يجوز أن يرى منها إلا هذا وهذا ـ وأشار إلى وجهه وكفيه»، حيث قال العلماء: إن هذا الحديث ضعيف؟
الوجه مختلف فيه، هل هو من العورة أو لا؟ والراجح أنه ليس بعورة نظراً إلى أن المرأة مأمورة بكشف وجهها في الإحرام، فقد جاءت امرأة خثعمية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي كاشفة وجهها لأنها في حالة الإحرام، فصرف النبي صلى الله عليه وسلم عنها وجه الفضل بن عباس ولم يأمرها بأن تستر وجهها، وهذا الحديث صحيح، إلا أننا نقول مع خوف الفتنة يجب عليها أن تستر وجهها دفعاً للفتنة، لا لأن نفس الوجه عورة، وحديث: «إذا بلغت المرأة المحيض لا يجوز أن يرى منها إلا هذا وهذا - وأشار إلى وجهه وكفيهـ»، أخرجه أبو داود من طريق أُم المؤمنين عائشة، ولكن معلول من ناحيتين: سقوط راو من رواته، وعنعنة قتادة، وقتادة مدلّس، فلا يؤخذ بعنعنته حتى يصرح بالتحديث إلا أن حديث الخثعمية هو أقوى حجة من ذلك، والله أعلم.
يقول الله: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَبِيبِهِنَّ ما معنى الجلباب في هذه الآية؟، وهل تعني لآية تغطية الوجه أم ماذا؟
اختلف أهل العلم هل معناها تغطية الوجه أو أنها تضرب بجلبابها على صدرها لئلا تنكشف النتوءات التي في الصدر، وقد قلنا أكثر من مرة بأن وجه المرأة على القول الراجح ليس بعورة، ولكن يجب عليها ستره إن خشيت الفتنة، فخوف الفتنة يجعل ستره واجباً عليها،
والله أعلم. (2/344)
صفحة 790
فتاوى عامة
345
نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن لبس الشهرة، فما معنى لباس الشهرة الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه؟
لباس الشهرة هو اللباس الذي يشد الانتباه، ويجعل صاحبه في وضع متميز عن سائر الناس، فيشار إليه بالبنان وتمتد إليه أبصار الناس، فمثل هذا مما ينهى عنه، والله أعلم.
ما ورد عن النبي في معرض الحديث عن أهل النار ذكر نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة فما تفسيركم لمفردات هذا الحديث الشريف؟
الحديث الشريف يدلّ على وضعية تصل إليها المرأة في هذه الأمة، هذه الوضعية لم يشهدها رسول الله، وإنما قالها لما عرفه من نبأ الغيب بما أوحاه الله تبارك وتعالى إليه، فالحديث في صحيح مسلم من رواية أبي هريرة جاء فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صنفان من أُمتي من أهل النار لم أرهما بعد، رجال بأيديهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة .. »، وهو يدلّ على أن هذه الأمة سترزأ بالانحراف كما رزئت به الأمم الأخرى، بعض هذا الانحرف يكون بدافع من حب السلطة وخدمة المتسلطين، وذلك ما أشار إليه الحديث بقوله: رجال بأيديهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس»، والمقصود بذلك الجلادون الذين لا يبالون بما ينزلونه على ظهور الناس من العذاب، فهؤلاء من أهل النار ـ والعياذ بالله - بنص الحديث الشريف وكذلك نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، وجاء في الحديث: «لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا فهذا الحديث الشريف يدلّ ـ كما ذكرت ـ على ما (2/345)
صفحة 791
346
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
وصلت إليه المرأة من التفنن في إغراء الرجل بالوقوع في الفحشاء والزيغ عن الرشد وتعدي حدود الله، وذلك من خلال إبراز مفاتنهن المغرية على الفساد فهن يلبسن من الكسوة ما يجعلهن في حكم العاريات، إما لأنها شفافة لا تستر محاسنهن ولا تواري ما تجب مواراته، وإما لأن الكسوة ضيقة بحيث يتجسد من ورائها الجسم بمفاتنه تجسداً تاماً فتظهر أغواره وهضابه، فهن على كلا الأمرين، مغريات وهن مائلات بتغنجهن وتكسرهن، ومميلات لأنهن يملن قلوب الرجال الضعاف إليهن، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، وذلك بما اخترعنه من أنواع تصفيف الشعر الذي ظهر حقاً في هذه الأمة كما ظهر في الأمم الأخرى، فكثير من النساء اللواتي خرجن عن حدود الله وتبرجن تبرج الجاهلية ونبذن الحجاب الشرعي وقعن في ذلك، فقد تفنن في تصفيف شعور رؤوسهن حتى يبدو الشعر كأنه برج على رأس المرأة، وهذا من أعلام النبوة إذ لم يكن معهوداً في عهده صلوات ربي وسلامه عليه، والمرأة التي تفعل ذلك لا تدخل الجنة ولا تجد ريحها وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا ـ كما جاء في الحديث الشريف، وذلك وعيد لهن بالحرمان من الجنة لارتكابهن هذا المنكر الفظيع، نسأل الله تعالى العافية لنا جميعاً منه، والله تعالى ولي التوفيق.
ما هو لباس المرأة؟
لباس المرأة هو اللباس السابع الفضفاض الذي ليس بضيق بحيث يبين
مفاتن جسدها بتجسيده عن النتوءات التي في جسمها، والذي لا يشف عن شيء من محاسن، المرأة، أما إن كان يصف بحيث يكون لاصقاً بالجسم يبين نتوءاته أو يشف بحيث يكون أشبه باللباس الرقراق ففي هذه الحالة تكون مخلفة لأمر الله، وقد أبصرت أم المؤمنين عائشة امرأة لبست (2/346)
صفحة 792
فتاوى عامة
347
ثياباً رقاقاً ـ أي لا تستر محاسنها ـ فقالت لها: (ما آمنت بسورة النور امرأة تلبس هذه الثياب فعلى النساء أن يكن على بينة من ذلك، وعليهن أن يتجنبن كل ما يغري من اللباس، والله تعالى أعلم.
وهو
ما هو اللباس الشرعي للحجاب؟ وما حكم النقاب؟
إن الله تبارك وتعالى عندما يُخاطب عباده بأحكامه وتعبداته إنما يريد تهذيب نفوسهم والرقي بها إلى درجات الخير، ولم يكن خطاب الله تعالى لعباده لأجل إذلالهم وامتهانهم لكن لأجل خيرهم ونفعهم، ومن المعلوم أن القيود الشرعية - قيود الأخلاق والفضائل - التي فرضها الإسلام على الرجال كانت سابقة في الخطاب على القيود التي فرضها على النساء، فالله الله قال: قل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور: 30]، وهذا أمر جازم فرضه الله تبارك وتعالى على المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم وأن يحفظوا فروجهم، وحفظ الفرج نتيجة لغض البصر، وبين تعالى ما يراد من هذا الأمر إذ قال: ذَلِكَ أَزْكَى هَم فهذه طهارة للمؤمنين، والدين الحق لا تكون فيه مفارقات وتناقضات، وكيف يمكن للمؤمنين أن يغضوا من أبصارهم كما أمر الله إذا كان الأمر مع المؤمنات بعكس ذلك؟ وكانت المؤمنات كغير المؤمنات يخرجن متبرجات تبرج الجاهلية تتراقص أجسادهن العارية عن يمينهم وعن شمائلهم ومن أمامهم ومن خلفهم، بحيث لا يفتح أحد عينيه إلا على طوفان من هذا التبرج المثير، فإن ذلك من المفارقات الفاضحة والتناقضات البينة، فلذلك فرض الإسلام الحنيف ما فرض من الحجاب الشرعي على المؤمنات بما ولي ذلك من قوله تعالى: وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا (2/347)
صفحة 793
348
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
121
لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ وَاب بِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَآبِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31]، فكان فيما فرضه الله على المؤمنين والمؤمنات محافظة على الفضيلة وسلامة للمجتمع وطهارة للنفوس، ولم يأمر النساء بما أمرهن من أجل إذلالهن، فإن الله تعالى خاطب بهذا الأمر رسوله أن يبلغه قبل كل شيء خيرة النساء وهن أزواجه وبناته إذ قال: يَتأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 59]، فأزواج النبي وبناته من دعائم بيت النبوة أطهر البيوت وأشرفها وأعفها وأنزهها وأسماها ومع ذلك كان أمر الله تعالى هذا مصدراً بهن لتكون نساء المؤمنين تبعاً لنساء هذا البيت الطاهر الشريف، وهناك شائعات عند كثير من الناس بأن العبرة بما في القلوب لا بالمظاهر فلا أثر للباسهن وغيره في الاستقامة وعدمها، وهذه الشائعات هي من نسيج الذين يريدون أن يدمروا الفضيلة ويشيعوا الرذيلة ويقضوا على الطهارة والنزاهة في المجتمعات، وهي عباد الشهوات، فالله تعالى أدرى بما فطر عليه عباده وأخبر بمصالحهم، وقد وجه الله تعالى خطابه لأمهات المؤمنين مع علو قدرهن وطهارة عرضهن وشرف منزلتهن ومع كونهن في بيت النبوة بأن لا يلن القول مع أنهن كنَّ بين المهاجرين والأنصار الذين مثلهم في التوراة والإنجيل، ومن ما هم إلا من رجال اليوم من هو كالمهاجرين والأنصار في العفاف والطهارة والنزاهة، ومن اليوم من نساء اليوم من هن كأمهات المؤمنين في العفاف والطهارة والنزاهة، ذلك فإن الله تبارك وتعالى يقول: {يَنسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ومع إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ
شائعات (2/348)
صفحة 794
فتاوى عامة
الفساد
جميع
349
جسدها
في بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَوَةَ وَآتِينَ الزَّكَوةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيرا [الأحزاب: 32 33، ففي ذلك المجتمع الطاهر النظيف يأمرهن الله بأن لا يخضعن بالقول لئلا يطمع الذي في قلبه مرض، ليت شعري هل المرض في ذلك الوقت أكثر من المرض في وقتنا هذا الذي استشرى فيه وعم. فيه الشر وطغت فيه أنواع الانحراف؟! وهل هذا الوقت أسلم وأعف وأطهر من ذلك الوقت؟ وقت كان فيه الرسول صلى الله عليه وسلم على رأس الأمة وكان الخطاب فيه يوجه إلى أمهات المؤمنين وهن بين ظهراني المهاجرين والأنصار بأن يحرصن على الوقار والحشمة في المظهر والمخبر، وعلى أي حال فإن المرأة مأمورة بأن تصون نفسها صوناً كاملاً، والحجاب الذي أجمع على وجوبه من غير خلاف علماء الأمة بين هو ستر المرأة بثوب فضفاض غليظ وإنما رُخص على رأي طائفة من الأمة في الوجه والكفين فلا يجب سترهما لعدم دخولهما في العورة، ومن العلماء من يقول بأنهما داخلان ضمن عورة المرأة فيجب سترهما، ونحن لا نسلم بدخولهما في العورة بدليل مشروعية عدم النقاب في حال الإحرام بالحج والعمرة وكذلك عدم لبس القفازين ولا يتعبدنا الله بشيء من كشف العورات قط، وإنما الذي نقوله بأن ستر المرأة لوجهها وكفيها هو أمر مرغب فيه ومندوب إليه عند عدم خوف الفتنة، أما إن كانت تخشى من الفتنة فذلك أمراً واجباً، إذ من شأن شريعة الإسلام أن تقطع ذرائع الفساد، وسد الذرائع باب واسع في الفقه الإسلامي الحنيف، فإن من الأحكام الشرعية بنيت عليه، فمن أجل ذلك يجب على المرأة أن تقطع دابر الفتنة بالستر الكامل لجميع جسدها حتى وجهها وكفيها عندما تخشى منها، ومن الذي يأمن من الفتنة في هذا الوقت الذي استشرى فيه الفساد؟!.
يصبح (2/349)
صفحة 795
350
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
حجاب المرأة هل يشمل تغطية الوجه أم يكفي تغطية الشعر فقط؟ اختلف العلماء في الوجه والكفين هل هما داخلان في عورة المرأة، أو لا؟، وهذا الاختلاف منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم من التابعين ومن بعدهم، والذي نذهب إليه أن الوجه والكفين غير عورة، والدليل على ذلك أن المرأة مطالبة بأن تكشف عن وجهها عندما تكون محرمة ولم تكن عند الرجال الأجانب، وهو دليل على أن الوجه غير عورة إذ لا يتعبد الله عباده بكشف شيء من العورة، أي لا يكون كشف شيء من العورة عبادة، ولكن عندما تكون خائفة من الفتنة فعليها ستر وجهها لسد ذريعة الفساد، لا لأجل ستر العورة، لأن ذرائع الفساد يجب سدها. والله تعالى أعلم.
إذا كانت المرأة تعاني من دوار أثناء تغطيتها لوجهها، هل لها أن تخرج
عينيها؟
إن لم تكن في ذلك فتنة فلا حرج.
الغطاء الذي تضعه المرأة على وجهها يقول البعض بأنه فتنة أكثر من أنها لو لم تضعه لأنه سيدفع الشباب إلى البحث عن صورتها هل هي جميلة أم قبيحة؟
هذا كلام الذين يعاكسون الفطرة، ويهرفون بما لا يعرفون، ونحن نجد أن القرآن الكريم يبيّن أن احتشام المرأة يكون أثره أثراً أكبر في صونها وفي دفع أذى الفساق عنها، فالله يقول: يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الأحزاب: 59]، فانظر إلى قوله تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ}، وكذلك نجد التوجيه الرباني يوجه كلاً من الرجل والمرأة (2/350)
صفحة 796
فتاوى عامة
351
إلى غض البصر ثم يوجه النساء إلى الاستعانة على ذلك بصون مفاتنهن وزينتهن وذلك في سورة النور عندما قال الله تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى هَمَّ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَا بِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَتِهِنَّ أَوْ نِسَآبِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 30، 31]، هذا هو كلام رب العالمين الله، وهو يدل على أن المرأة كلما كانت أكثر احتشاماً واتزاناً وستراً كان في ذلك صون لنفسها وصون لدين الرجل أيضاً من الفساد، لأن الرجل يتأثر بأي شيء من قبل المرأة، فهو يتأثر بجرس حليها وبنبرة صوتها وبنفحة طيبها وبكل حركة من حركاتها، فلذلك فرض الله على المرأة ما فرض من الاحتشام ومن المعلوم أن جمال المرأة الحسي الفتان يتجسد ويتمثل في محاسن الوجه، ولذلك نجد أن الشعراء لم يتغزلوا في شيء من مفاتن المرأة ومحاسنها كما تغزلوا في مفاتن الوجه ولا سيما العين، فأكثر ما قاله الشعراء في المرأة هو في عينها وكذلك في شفتيها وجبينها وخديها، وعلى هذا إن كان الوجه فاتناً فإن ستره يكون واجباً في المجتمعات التي يندس في صفوفها الكثير من الناس الذين لا يتقون الله تعالى، وهؤلاء الذين يروجون لفساد الأخلاق بهذه النظريات الباطلة إنما هم يقولون ما لا يعلمون ويحاولون أن يعاكسوا ما يعلمون فعلى المرأة المسلمة ألا تصغي إلى كلام أولئك وأن تحرص على التمسك بدينها، والله تعالى المستعان. (2/351)
صفحة 797
352
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ما مدى صحة الحديث الذي يروى عن عائشة رضي الله تعالى عنها في
جواز ظهور الوجه والكفين لدى المرأة؟
حديث عائشة حديث ضعيف، لأن فيه إرسالاً، ثم هو جاء من طريق قتادة معنعناً، وعنعنة قتادة تُضعف بسبب تدليسه إلا أن له بعض المتابعات التي تدل عليه، والحديث المسؤول عنه جاء من طريق عائشة أن أسماء دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فأعرض عنها وقال: «يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصح لها أن يُرى منها إلا هذا وهذا ـ وأشار إلى الوجه والكفين. ومن الأحاديث التي تدلّ عليه حديث الخثعمية، ومع خوف الفتنة يجب اتقاء الفتنة فسد ذرائع الفساد باب واسع من أبواب الشريعة
السمحة.
إنني امرأة التزمت بالحجاب الشرعي، فهل الحجاب الشرعي هو يغطى به الوجه وهذا ما التزم به؟
مع خوف الفتنة ستر الوجه واجب ومن التي لا تخشى الفتنة الآن في خضم فساد الرجال وعدم استقامتهم، وعدم تنزههم عن مد أبصارهم إلى النساء، والله أعلم.
ما حكم اللبس الأبيض للنساء؟
اللبس الأبيض لا يمنع لذاته إلا إذا كان فيه تشبه بالرجال، فإن التشبه بالرجال ممنوع، فإن كان من عادة الرجال وحدهم في المجتمع أن يلبسوا فالنساء يمنعن من ذلك حتى لا يتشبهن بالرجال، أما إذا لم يكن
الأبيض،
ذلك من عادة الرجال
وحدهم،
فلا
يمنع أن تلبسه المرأة إذ لا تعد بذلك
متشبهة بالرجال، والله أعلم. (2/352)
صفحة 798
فتاوى عامة
353
هل تغطية الوجه هو المقصود بالحجاب؟
الحجاب هو كل ما ستر ما يجب ستره، والله أعلم.
قرأت في مقالة تصدر في بلد عربي مسلم لكاتبة عربية وظهر في المقال التشدق والاستهزاء الصارخ بتكليف شرعي للمرأة حيث كتبت أن الحجاب مجرد قطعة قماش لا تُغير من المرأة شيئاً، وأنه ليس من الأخلاق، فالأخلاق توجد في النفس لا في الحجاب، وأنه ظاهرة غريبة بدأت الآن بالتوسع والانتشار - تقصد في بلدها ـ والنساء يتحجبن للمتزوجين لا غير، وكتبت أن الرجال يعرفون أن الحجاب لا يغير من المرأة شيئاً، هل يمكن أن توضح لنا الارتباط بين الحسي المادي والأداء الروحي المعنوي في التكاليف والواجبات
الشرعية؟
الأداء
هؤلاء الذين شرقوا الآن بسبب الصحوة الإسلامية يتخبطون في تيههم ويحاولون أن يصوروا المؤمنين والمؤمنات بما يحلو لهم، ولا يعجب الإنسان من ذلك، فإن الله تعالى يقول: {وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَا بِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ} [الأنعام: 121]، وهذا من وحي الشياطين، فهذه شيطانة أوحى إليها شيطان من شياطين الجن بما أوحى إليها، فهي من أولياء الشياطين، وإلا فإن المؤمن الذي يرضى بالله وتعالى رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً وبالقرآن الكريم منهجاً وصراطاً لا يعدل عما جاء في هذه الحنيفية السمحة التي أنزلها الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم من آيات محكمات وأحكام تتجاوب مع الفطرة السليمة التي فطر الله تعالى البشر عليها، فما الحجاب إلا استجابة لداعي الفطرة، لأن المرأة خلقها الله تبارك وتعالى مؤثرة في الرجل بكل ما أودعه الله تبارك وتعالى فيها من محاسن جسمها، (2/353)
صفحة 799
354
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
بل وبكل ما أودعه الله تبارك فيها من طبيعة الليونة الجذابة، فهي مؤثرة على الرجل تأثيراً بالغاً بكل حركة أو نظرة أو صوت حلي أو نفحة طيب، والله يريد لعبادة الطهر والنزاهة، وأن تكون الاستجابة لداعي الفطرة في إطار من الحشمة والوقار لا في الاستهتار وتجاوز الإنسان حدود الفطرة وخروجه عن الاعتدال الذي يدعو إليه الإسلام وانسلاخه من إنسانيته ـ كما هو الواقع الآن في العالم الغربي الذي يتخبط في تيهه ـ وما هو نذير شر والعياذ بالله فقد أصبحت المرأة فى الغرب عُرضة لهؤلاء المغرضين وأصبحت سلعة تباع وتشترى وأصبحت الأعراض تُنتهك والقيم تُداس ولم تعد للإنسان أية كرامة رغم التقدم المادي الكبير، وفي الأحداث التي تقع في الغرب ما يكفي شاهداً ودليلاً على تردي الإنسانية هناك في هذه الهوة السحيقة، التي أبعدت الإنسان كل البعد عن مقومات حياته، وهؤلاء الذين يرفعون هذه الأصوات في بلاد الإسلام من أجل الوصول بالرجل المسلم والمرأة المسلمة إلى هذه الهوة، ودفع الرجل المسلمة والمرأة المسلمة إلى هذه الهلكة إنما هم أعداء للإنسان وللقيم الإنسانية اشتمل عليها هذا الدين الحنيف، والإسلام لا يمكن أن يتحقق في حياة الإنسان إلا عندما يتجاوب تجاوباً تاماً جسماً وروحاً عقلاً وقلباً فكراً ووجداناً ظاهراً وباطناً مع التعاليم السمحة التي جاء بها ديننا الحنيف فالله تعالى يقول: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36]، والقرآن الكريم هو الذي جاء بهذا البيان الرباني الذي فرض على المرأة هذه الآداب العالية والفضائل السامقة وذلك في قوله الله: وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَ بِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ (2/354)
صفحة 800
فتاوى عامة
355
أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَآبِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ
121
روونده
يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31]، وفي كتاب الله ما يدل على أن هذه الأوامر ما قصد بها إلا تكريم المرأة وصونها، ولذلك بدأ الإسلام بأكرم النساء فوجه هذا النداء إليهن، فإن الله تبارك أول ما خاطب في كتابه بهذه الأحكام أطهر بيت وإذ وجه خطابه بذلك أولاً إلى بيت النبوة فخاطب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبناته بهذا الحكم الرباني، إذ قال الله تبارك وتعالى خطاباً لرسول الله: يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الأحزاب: 59]، فهذا الخطاب لم يكن لعامة النساء وحدهن وإنما كان للخاصة ثم العامة فهو تكريم من الله تعالى للمؤمنات، وحسب النساء المؤمنات أن يكن مقرونات بذلك البيت الطاهر في هذا الخطاب الرباني الذي يوجهه الله تعالى إليهن والمؤمنات اللاتي يحتجبن بالحجاب الشرعي وقد أصبحن قذاً في عيون الفاسقين والفاسقات وشجاً في حلوقهم، يُعدن إلى ذاكرة أهل الإيمان ما كان من صنيع المؤمنات من قبل كما أثبتت المراجع الحديثية ذلك، فعندما أنزل الله الله آية النور التي هدت إلى الحجاب سارعن إلى امتثال هذا الأمر، وقد وصفت أُم المؤمنين عائشة - رضي الله تعالى عنها - أثر ذلك على نفوس النساء المؤمنات إذ انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله تبارك وتعالى في كتابه فقمن إلى مروطهن وشققنهن واعتجرن بها وأصبحن وراء النبي صلى الله عليه وسلم معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان، وإن كان ذلك المظهر شجاً في حلوق المنافقين في ذلك الوقت، فكذلك المنافقون والمنافقات في هذا العصر، والتاريخ يعود (2/355)
صفحة 801
356
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
من جديد بمشيئة الله تبارك وتعالى وحكمته، فالإيمان يرجع بأهله إلى ما كانوا عليه سابقاً، والنفاق يرجع أيضاً بأهله إلى ما كانوا عليه سابقاً، والحق والباطل يتصارعان، ولا بد أن ينتصر الحق على الباطل فيزهقه، والحمد الله.
هل يجب على المرأة أن تلبس العباءة من أعلى رأسها علماً بأن البعض منا سمع بحرمة لبس العباءة من الكتف لاعتبار ذلك من الزينة، فما رأي سماحتكم في ذلك؟ على المرأة أن تستتر وتتجنب الكيفية التي فيها إغراء من اللبس،
والله أعلم.
ما رأيكم في العباءة المنتشرة حالياً وهي عباءة الكتف التي تحوي زركشة وبعض النقوش بدلاً من عباءة الرأس؟
ينبغي أن تكون العباءة مغطية للرأس ولسائر الجسد، وأن لا تكون مغطية لجزء من الجسد فقط، فإن الله تعالى يقول: {يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِأَزْوَجِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الأحزاب: 59].
هل يجوز لبس العباءة التي تصف الخصر، والتي تسمى محلياً بالعباءة
الفرنسية؟
كل لباس يؤدي إلى أن يتشخص شيء من مفاتن المرأة فهو لباس محرم غير جائز، ونحن ما جاءنا البلاء إلا من فرنسا ونظيراتها، والله المستعان.
هل الملابس العمانية للنساء حرام لما فيها من زينة وتطريز؟
إذا كانت هذه الملابس لا تشد الانتباه أو كانت تُغطى بالعباءة فلا حرج. (2/356)
صفحة 802
فتاوى عامة
357
ما حكم لبس العباءة المزركشة بأي نوع من أنواع الزينة والتي بلي
المجتمع بها؟
كل شيء يؤدي إلى لفت الانتباه وإلى شد الأنظار فهو غير جائز لأنه شرارة
فتنة، والله المستعان.
سماحة الشيخ توجد عباءات وأغطية للرأس مزخرفة بفصوص لامعة من كريستال، فهل يصح لبسها؟
هذا من الزينة، والزينة يجب أن تخفى وأن لا تظهر، والله أعلم.
أيهما أفضل لبس الجلباب أم اللبس العُماني المتعارف عليه، وهل الصلاة به أو الخروج به، وأيهما أفضل العباءة المفتوحة أم
تصح
العباءة المغلقة؟
ليس هناك تناف ما بين اللباسين، فلماذا لا تلبس المرأة اللباس المعهود وبعد ذلك تتجلب بجلباب يواري لباسها ويواري ما عسى أن ينكشف من جسمها بسبب عدم مواراته، ولا مانع أن تصلي بهذا اللباس عندما يكون ساتراً لجميع جسدها ما عدا الوجه والكفين، وأما هل الأفضل العباءة المفتوحة أم العباءة المغلقة؟ فما كان أكثر ستراً للمرأة فينبغي لها أن تلتزمه،
والله أعلم.
ما حكم لبس المرأة الملابس العُمانية التقليدية التي يوجد بها كثير من
الزينة؟
الإسلام لا يأمر بنوع من اللباس بعينه، بل يأمر أن يكون لباس المرأة لباساً ساتراً فضفاضاً، لا يصف ولا يشف، فلا يكون رقيقاً يشف ما تحته ولا (2/357)
صفحة 803
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: فقه
------------------------------------------
العنوان: المرأة تسأل والمفتي يجيب
المؤلف: أحمد بن حمد الخليلي
إعداد وترتيب: بدرية بنت حمد الشقصية
المراجعة: قسم الفتاوى بمكتب الإفتاء، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: د.ت
الطبعة: د.ط
عدد الأجزاء: 2
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/691
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/213696784241
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 14 رمضان 1446ه/ 14 - شهر 03 - 2025م. 358
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
يكون ضيقاً يصف ما تحته، ولئن كانت هذه الملابس فيها شيء من الزينة، فإن هذه الزينة يجب أن تستر والستر إما بالجلباب وإما بالعباءة التي تلبسها المرأة، والله أعلم.
6
ما حكم لبس الدشداشة العُمانية القصيرة في كل الأوقات وأثناء
الصلاة؟
إن كانت تصف أو تشف أو تبيّن شيء من جسم المرأة فلا، أما إن لم تكن كذلك، أو كان فوقها لباس يغطي مفاتن المرأة فلا حرج من لبسها، والله
تعالى أعلم.
ما حكم تقصير ثوب المرأة وذلك برفعه فوق الكعبين، وأيضاً ما حكم
تضييقه؟
إن الله له عندما فرض على المرأة الحجاب الشرعي أراد لها الصيانة والعفاف وأراد لها ولمجتمعها طهارة النفس والحس والسلوك والمشاعر والوجدان، فالله الله يقول مخاطباً عبده ورسوله: يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الأحزاب: 59]، وقال تعالى: {وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبَصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ابا بِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَتِهِنَّ أَوْ نِسَآبِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا
رووده
يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ (2/358)
صفحة 804
فتاوى عامة
359
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31]، فنفهم من هذه الآية أن المرأة مأمورة بأن تكون مصونة عفيفة نزيهة وألا تثير خيال الرجل بأي حال من الأحوال، لا بنفحة طيبها ولا بترنيمة صوتها ولا بجرس حليها، والحجاب الشرعي الذي فرضه الله الله على المرأة هو الثياب السابغة التي تستر جميع مفاتنها وجميع جسمها وحليها، وإنما أباح الله الا الله ل لهن أن يظهرن ما ظهر من زينتهن، وقد اختلف العلماء في المراد بما ظهر منهم من قال ظاهر ثيابها، ومنهم من قال: الوجه والكفان، وهؤلاء استندوا إلى حديث رواه أبو داود والبيهقي من رواية أُم المؤمنين عائشة لا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل بيتها ووجد أسماء أخت السيدة عائشة فأعرض النبي صلى الله عليه وسلم عنها عندما رآها عليها ثياباً رقاقاً وقال لها: «يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يجز أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه، وقد أعل هذا الحديث بعنعنة قتادة، لأنه مدلّس، فلذلك يحتاط المحدثون من الأخذ بروايته عندما يعنعنها ولا يصرح بالتحديث، وأما في المتجمع العائلي لا بأس على المرأة إذا كشفت عن وجهها وكفيها إذا كانت آمنة من الفتنة وأما عند خروجها وخشية الفتنة على نفسها أو على الرجال الذين ينظرون إليها فلا يجوز لها أن تكون سبباً للفتنة أو عرضة لها، بل يجب أن تطفأ نارها بأي وسيلة من الوسائل، ومن هنا كان ستر المرأة لوجهها وكفيها أمراً ضرورياً عندما تخشى الفتنة عليها أو منها، أما إظهار الكعبين فهو منافٍ لهذا الستر الذي فرضه الله، وإذا كان الحجاب الشرعي الذي فرضه الله على إمائه المؤمنات مراداً به الستر والصون والطهارة لهن ولمجتمعهن، فإن مما ينافي ذلك أن تلبس المرأة الثوب الضيق الذي لا يستر مفاتنها بل يجسدها، فعلى المرأة المؤمنة أن تجتنب ذلك، كما أن عليها أن تجتنب أيضاً الثياب الرقاق التي تشف عن بدنها، فالتي تشف عن البدن كالتي تصف، وقد أبصرت أُم المؤمنين (2/359)
صفحة 805
360
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
عائشة نساءاً عليهن ثياب رقاق فقالت: ما آمنت بسورة النور امرأة تلبس هذه الثياب، فعلى النساء المؤمنات أن يتمسكن بهذا الواجب الشرعي الذي فرضه الله تعالى عليهن لأجل صونهن، ولأجل صون مجتمعهن، والله تعالى أعلم.
هل يصح للمرأة أن تبدي الجزء الأسفل من إزارها (سروالها) - أي من الركبة فنازلاً - وذلك بأن تلبس قميصاً دشداشة) قصيراً كما هو الشائع في اللباس التقليدي العُماني؟ وهل لذلك حد؟
المرأة مأمورة بستر نفسها وستر زينتها، وبما أن هذا السروال لضيقه قد يجسد ساقيها مع كافة الزينة عادة نرى وجوب سترها له بقميصها أو جلبابها، وليس لها إبداؤه، والله أعلم.
سماحة الشيخ ترتدي بعض النساء أغطية داخلية للصدور محشوة بالإسفنج مما يؤدي إلى تضخيم الصدر ليبدو أكبر من حجمه الحقيقي، وكذلك توضع قطع من الإسفنج على الأكتاف داخل الملابس، لتظهر أكبر من حجمها، فما حكم ذلك؟
كل من ذلك من الإغراءات المحرمة، والله أعلم.
مع
ما رأي سماحتكم في ارتداء الملابس ذات الموديلات المختلفة لبس العباءة معها، عند الذهاب إلى الحفلات أو مع الصديقات مع
ارتداء النقاب عند وجود الرجال؟
إن كانت الملابس ساترة ولم يكن بها تشبه بالمتبرجات أو الفاسقات فلا
حرج في ذلك وحكمها حكم الزينة المحللة، والله أعلم. (2/360)
صفحة 806
فتاوى عامة
361
سماحة الشيخ ما حكم الرجل الذي يخرج مع أهله إلى الأسواق وهن يرتدين ملابس ضيقة مع إبراز الشعر والعباءة الشفافة ووضع مساحيق
التجميل؟ هذا من الدياثة المحرمة، فهو لا يصدر إلا ممن عُدم الغيرة وصار ميت الضمير متبلد الإحساس، وإقراره ذلك إنما هو إقرار للمنكر، وهذه هي الدياثة عينها، وفي الحديث: «لا يدخل الجنة ديوث»، والله أعلم.
نرى بعض أولياء الأمور يُلبسون بناتهم الصغيرات ملابس قصيرة أو بدون أكمام ويُطيبن، فما حكم هذا في الشرع مع بيان السن الذي يُؤمر الأولياء فيه بمراعاة الستر في بناتهم؟ يختلف الحال بين طفلة صغيرة جداً، وغيرها، فالطفلة الصغيرة يتسامح فيها أما عندما تبدأ في الاستحياء فإنه ينبغي أن تُنمى فيها غريزة الحياء، فلا يُسمح لها أن تلبس هذه الملابس عندما تكون عاقلة متصورة للاستحياء، والله تعالى أعلم.
ما حكم لبس البنطلون على أن يغطى بعباءة. فهل حكمها في هذا
الحال حكم المتشبهات بالرجال؟
أما إذا كان البنطلون كبنطلونات الرجال فنعم، والله أعلم.
هل يجوز للمرأة ارتداء البلوزة غير المفصلة للجسم؟
لا أعرف البلوزة وإنما يطلب من المرأة أن تلبس من الثياب ما لا يصف ولا يشف، وأن يكون سابغاً ليس فيه تشبه بالرجال أو النساء المتبرجات الفاسقات، والله أعلم. (2/361)
صفحة 807
362
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ما حكم لبس الملابس الضيقة التي تحدد الجسم كالبنطلون والقميص وغيرها من أصناف الملابس الضيقة؟ وهل تصح الصلاة بالملابس الضيقة التي تصف الجسم؟
اللباس الشرعي يجب أن يكون لا يصف ولا يشف، وما عدا ذلك فهو لباس غير شرعي، وعندما أبصرت أم المؤمنين عائشة لا امرأة عليها ثياب رقاق أعرضت عنها بوجهها وقالت: «ما آمنت بسورة النور امرأة تلبس هذه الثياب»، والله أعلم.
ما حكم لبس البنطلون إذا كان واسعاً؟
أما أن تلبس المرأة بنطلوناً ولا تلبس فوقه شيئاً فذلك ينافي ما يجب أن تكون عليه المرأة من الزي الساتر السابغ ولو كان البنطلون واسعاً، والله تعالى أعلم.
سماحة الشيخ إذا كان القميص أو البنطلون واسعاً، هل يصح لبسه؟ الأصل جواز ذلك، لكن إذا كان في ذلك تشبه بالكافرات أو كان به أي شيء مما يمنع شرعاً فذلك غير سائغ، والله أعلم.
هل يجوز لبس البنطلون أمام الأم والإخوة والأخوات والأقارب من الأخوال والأعمام في البيت دون الخروج به، علماً بأنه شائع في الوقت
الحاضر؟ المرأة تُؤمر أن تصون نفسها، ولباس البنطلون وحده من غير أن يلبس درع فوقه مما يجسد مفاتن المرأة ويبرزها، فهو أمر محجور على النساء، وعليهن
أن يتجنبنه حتى ولو مع محارمهن وقريباتهن من النساء، والله أعلم. (2/362)
صفحة 808
فتاوى عامة
363
ما حكم لبس البنطلون والقميص اللبس الرياضي) المقرر بالكلية مع إمكان مرور الرجال؟
الثوب الذي تلبسه المرأة المسلمة يجب أن يكون فضفاضاً لا ملتصقاً بجسمها يبدي مفاتنها، فعلى المرأة أن تلبس الفضفاض الواسع حتى ما بين النساء، وكما أن الرجل ليس له أن يلبس الثوب الضيق الذي يُبدي عورته أمام الرجال فكذلك المرأة أمام النساء، أما الرياضة فإن لم يكن منها بد فلا بد تكون في مكان لا يمر به الرجال، وعلى المسؤولين أن يراعوا هذا وعلى الحاضر أن يبلغ الغائب، والله أعلم.
هل ظهور القدم من المرأة حرام؟
القدم لم تستثن من جسم المرأة، وعليه فقول أكثر العلماء أنه يجب ستره، وهناك من ترخص فيه إلحاقاً بالكفين، والله أعلم.
ما الذي ينبغي للمرأة ستره عند الخروج من بيتها، لأن هنالك الكثير من النساء غير مقتنعات بوجوب ستر قدمي المرأة عند الصلاة وعند الخروج من البيت؟ أما قدما المرأة فلم يدل دليل على استثنائهما، بل دلّ الدليل على وجوب سترهما، فعلى المرأة عندما تكون أمام الأجانب أن تستر قدميها وهو ما يعبّر عنه بسحب الذيل، أو بلبسها للجوربين في حال القيام إلى الصلاة أو حال مقابلتها للأجانب، أما الوجه ففيه خلاف بين أهل العلم، والراجح غير عورة، إلا مع خوف الفتنة فعليها أن تستر، والله أعلم.
أنه
ما حكم الإسلام في لبس كعوب أحذية النساء الحديثة والمحدثة لصوت شديد عند المشي؟
هذا مناف للآداب المطلوبة من النساء، فهو أولاً مناف للفطرة، لأن (2/363)
صفحة 809
364
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
المرأة تريد بهذه الأحذية وبالكعب العالي أن تطول فوق قامتها، ثم بجانب ذلك هو من أسباب شد انتباه الرجال، والله يقول: وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ} [النور: 31]، فكل صوت من قبل المرأة يثير إحساس الرجل هو مُحَرّم، ومما يعجب له أن تدعي المرأة الإيمان وهي من ذلك تتبرج تبرج الجاهلية وتغري الرجال بنظراتها وبميوعتها وبرقيق ثيابها وبنفحات طيبها وليس إيمانها هذا من
6 -
الحقيقة في شيء، وعندما أبصرت أُم المؤمنين عائشة لا امرأة عليها ثياب رقاق قالت: «ما آمنت بسورة النور امرأة تلبس هذه الثياب»، ووصفت أم المؤمنين عائشة لا تأثر نساء المهاجرين والأنصار - رضي الله عنهن بالإيمان الحق بما أنزل الله وتفاعلهن معه حيث ذكرت أنهن عندما أنزل الله تعالى على نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام سورة النور التي فيها قوله عز من قائل: {وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبَصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ انقلب المهاجرون والأنصار إلى نسائهم يتلون عليهن ما أنزل الله في كتابه على نبيه، فكان الرجل يتلو ذلك على امرأته وأمه وابنته وأخته، فقمن إلى مروطهن وشققنهن واعتجرن بها وأصبحن وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان، هذا هو الإيمان الحق وهذا هو التفاعل مع الإيمان، لأن النساء أولى بأن تُستر أعراضهن، وهتك أعراض النساء أفحش من هتك أعراض الرجال، لأن الرجل، إن قيل أنه زان مثلاً فإن هذه الفاحشة يرجع أثرها إلى نفسه وعار ذلك خاص به، لكن إن قيل إن فلانة زانية فإن أسرتها جميعاً تلتصق بهذا العار، فلذلك شدد الله سبحانه وتعالى في رمي المحصنات في القرآن الكريم في قوله: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ (2/364)
صفحة 810
فتاوى عامة
365
جَلْدَةً وَلَا نَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَدَةً أَبَدًا وَأَوْلَيْكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4]، ويقول في بيان الوعيد الأخروي على ذلك: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 23]، فعلى الإنسان أن ينزه لسانه، وذلك شأن المسلم كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والله أعلم.
سماحة الشيخ ما قولكم في لبس ما يعرف بالكعب العالي والأحذية التي تصدر أصواتاً أثناء المشي؟
يكفينا قول الله تعالى: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ فكل من ذلك مما يلفت الانتباه وهو حرام، والله أعلم.
ما حكم من تلبس اللباس الذي تزيد قيمته على أربعمائة ريال؟ وهل يختلف ذلك بين امرأة تعتبر هذا المبلغ باهظاً وأخرى لا يكاد يساوي هذا المبلغ عندها شيئاً يذكر؟
على المرأة إن كانت تعيش في نعمة أن تتذكر أصحاب الأكباد الجائعة، وأن تتذكر أهل المسغبة الذين لا يجدون القوت الذي يسدون به حاجتهم من الطعام، وفي الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم: «ليس بمؤمن من بات شبعان وجاره جائع، يعني ليس من الإيمان أن يرضى الإنسان لنفسه أن يشبع وجاره جائع، فكيف إذا كان الإنسان ينفق هذه النفقات الكثير مع وجود الكثير من الجياع وما أكثرهم وما أحوجهم إلى الطعام وما أكثر العاطلين عن العمل، فعلى الإنسان أن يشفق على أعطاف النعيم ولا يتذكر هؤلاء البؤساء
نفسه
من أن يتقلب في
والمحرومين، والله أعلم. (2/365)
صفحة 811
366
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
ما حكم الإسراف في الملابس؟
الإسراف في الملابس كالإسراف في غيره وهو غير محمود، وإنما يؤمر الإنسان أن يكون وسطاً بين الإفراط والتفريط، والله أعلم.
ما تقول في مدرسة بنات يقام فيها احتفالات بين النساء فقط دون الرجال وتكون هناك تمثيليات وبعض البنات يمثلن رجالاً بزي رجالي وقد وضعت لحية وشارباً بالصبغ، فهل يجوز لهن ذلك؟
في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «العن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال»، والله أعلم.
بعض المعلمات يأمرن بالمعروف والاحتشام بلبس الحجاب، وهن لا يفعلن ذلك، بل نجدهن كاسيات عاريات ولا نستطيع الرد عليهن، فما رأيكم فيمن يقول ما لا يفعل وهن أرباب العلم والمعرفة؟
على المأمور بالخير أن يفعل الخير ولو كان الأمر لا يفعله: اعمل بقولي وإن قصرت في عملي ينفعك قولي ولا يضررك تقصيري وإن كانت هذه الظاهرة مصيبة كبيرة، لأن الله تعالى نعى على الذي يقول الخير ولا يفعله: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَبَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44]، وقد يُفضي أيضاً هذا إلى الشك فيما أمر به الآمر، وفي ما ينهى عنه الناهي، ولكن مع هذا - كما قلت ـ على المأمور ـ ما دام ـ أمر بخير ـ أن يسارع إلى فعل الخير، وما عليّ إن وجدت إنساناً يقول لي هذه الطريق هي التي تفضي إلى حيث تقصد، وهذه الطريق الثانية طريق فيها أشواك، ومخاطر وسباع، وكان هو يسلك هذه الطريق الثانية، فما دمت مطمئناً إلى صدق قوله فعليّ أن أعمل بقوله وأدع فعله لنفسه. (2/366)
صفحة 812
فتاوى عامة
367
لقد كان المجتمع الشرقي مجتمعاً محافظاً، فكيف كانت البداية في تسرب أفكار السفور؟ وهل كانت هناك ردود فعل؟
السفور هو من جملة ما غزا به الاستعمار الغربي هذه الأمة الإسلامية ومشكلته كانت مشكلة معقدة ولا زالت مع رجوع كثير من الفتيات والحمد لله إلى الاستمساك بالحجاب الشرعي، وهذا ما يجعلنا نستذكر ما ذكرته عائشة أم المؤمنين وانا عن نساء الأنصار اللاتي انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله في كتابه عندما أنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم آية الحجاب، فكان الرجل يتلو ذلك على امرأته وأخته وابنته فقمن إلى مروطهن وشققنها واعتجرن بها وأصبحن وراء الرسول صلى الله عليه وسلم معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان هذه الصورة الإيمانية تعود والحمد الله عوداً حميداً الآن إلى الفتيات المسلمات عندما نراهن يستمسكن بالحجاب الشرعي أما مشكلة السفور فبدايتها حسب ما علمت كانت بداية خفيفة شيئاً فشيئاً، ومما يؤسف له أن يكون الرجل دائماً هو الذي يضل المرأة، فالمرأة عندما أراد الرجل أن يكرمها أكرمها وعندما أراد أن يهينها أهانها، والمرأة دائماً بسبب قوة عاطفتها تنساق وراء دعاية الرجل المغرضة، وحسبما اطلعت كانت أول حركة فيها شيء من الخروج عن المألوف من الحجاب الشرعي ما كان من الشاعرة عائشة هانم التيمورية، فكان أبوها يشجعها على أن تخرج أمام الكتاب الذين كانوا يحضرون عنده ويبدعون في الكتابة بلغات متعددة بالعربية وبالتركية وبالفارسية، وكانت أُمها متشددة عليها ووالدها يشجعها على ذلك، واستمر الأمر صراعاً بين الأب المتساهل والأم المتشددة، فالأم كانت محافظة والأب كان بحسب اصطلاح العصر متفتحاً، وهذا الذي جعل هذه المرأة تجتري على ما لم يكن مألوفاً من الحضور (2/367)
صفحة 813
368
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
أمام الرجال الأجانب، ثم تلتها صديقة لها وهي ملك حفنى ناصيف التي كتبت أبياتاً تخاطب بها المرأة المصرية فى أمر الحجاب قائلة لها:
سيري كسير السحب لا تأني ولا تتعجلي
لا تكسحي أرض الشوارع بالإزار المسبل
أما السفور فحكمه في الشرع ليس بمعضل
ذهب الأئمة فيه بين محرم ومحلل
ويجوز بالإجماع عند قصد تأهل
ونجد أن هذه المرأة استغلت استغلالاً غير محمود خلافاً بين الفقهاء في الوجه، هل يجوز إبرازه أو لا يجوز فوظفته في دعوتها إلى السفور الذي هو رفع المرأة ثوبها وإبراز الكثير من مفاتنها، ثم اختفى ذلك كله، وبعد ذلك عادت الأميرة نازلى فاضل من سفرها إلى بلاد الغرب وكان لها صالون وكان كثير من المفكرين والكتاب يرجعون إليها ويحضرون صالونها، وكانت كلمتها هي الكلمة الأولى عند اللورد كرومز الإنجليزي الذي كان حاكماً حقيقياً في مصر في ذلك الوقت، حتى أن القصر الخديوي لم يستطع أن يعمل شيئاً تجاهها لأنها كانت محمية من قبل المستعمر، وفي ذلك الوقت كان أحد روادها قاسم أمين، وكتب أحد الألمان كتاباً ذكر فيه أن المرأة المسلمة معرضة للكثير من الإهانة، وذكر أمثلة على ذلك ودعا إلى القضاء عليها، وقال: أولاً إن المرأة يباح لزوجها أن يتزوج غيرها ولا يباح لها أن تتزوج غيره، فإما أن يكون تعدد في الأزواج والزوجات وإما أن يكون منع التعدد عند الجميع، كما يباح للمسلم أن يتزوج كتابية بخلاف المسلمة أنها تعطى نصف ما يعطى الرجل في الإرث، وكذلك الحجاب الشرعي الذي فرض عليها، فانبرى قاسم أمين ليرد على هذا الكتاب ولما رد عليه كان من (2/368)
صفحة 814
فتاوى عامة
369
ضمن ما جاء في رده بأننا لا نغتر بوضع امرأة تبهرها حضارة الغرب، فنحن لنا مقوماتنا وحضارتنا وتاريخنا ودائماً نستمسك بذلك»، فوشي به عند الأميرة نازلي فاضل بأنه يعنيها بهذا فهي المبهورة بحضارة الغرب وثقافتها، فكانت مصيبته عندها أعظم من أن يطيق احتمالها، لأنها كانت مكانتها عند المستعمر مكانة لا يكاد أحد تحدثه نفسه بأن يصل إليها، لذلك أراد أن يتقرب لها ويتودد إليها بتأليف الكتاب الذي ألفه في تحرير المرأة ودعا فيه إلى ما دعا إليه الألماني ما عدا قضية زواج المسلمة بغير المسلم، لم يقل فيها شيئاً، ومع هذا كله كانت ردة الفعل ردة عنيفة، حتى زوجة قلسم أمين نفسها كانت تقول بأن هذه الدعوة التي دعا إليها قاسم أمين كانت دعوة هدامة خطيرة جداً، وقد أدرك هو خطورتها، وكان يتجرع غصص الألم ومرارة الأسف عندما حضرته الوفاة على هذا الأمر ويتمنى
دفع
،
أن
لو استقبل من أمره ما استدبر فلم يكن منه شيء من ذلك، وقد اعترف أن هذه كانت دعوة خطيرة، ثم أرخي الستار على هذا الأمر، ثم جاء دور سعد زغلول الذي احتل مكانة سياسية مرموقة بين الشعب المصري استغلها إلى المرأة إلى هاوية الفساد فدعا إلى اجتماع فيه دعا الناس أن يعطوا المجال للمرأة بأن تخلع عنها الحجاب الشرعي وأراد أن يكون قدوة لهم فبدأ بزوجته التي كانت تلقب بأم المصريين فرفع عنها الحجاب أمام الجمهور، فعادت مشكلة عند الناس، لأن كثيراً من الزوجات حرصن على التمرد على أزواجهن، وكثير من البنات حرصن على التمرد على آبائهن متذرعات بما كان من الزعيم مع أم المصريين فكانت ردة فعلهن عنيفة وحصل صراع عنيف، دعا على إثره إلى اجتماع آخر وأتى بفتاة لتلقي خطاباً وهي محجبة وفي أثناء إلقائها رفع الحجاب عنها وصفق له الجماهير، وبسبب هذا تفشى السفور وانتقل إلى بلاد العرب فأخذت تسري عدواه من (2/369)
صفحة 815
370
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
أثناء
مكان إلى مكان، وهو أمر يؤسف له كثيراً، ولا يجر إلا الويلات والدمار لصاحبه فكل من عمل عملاً سيئاً كانت عاقبته سيئة وذلك بأن يؤتى من نفس العمل الذي عمله، وقد اطلعت في جريدة الأخبار قبل حوالي عشرين عاماً على مقال كان يصدر في كل يوم سبت بعنوان: «من واحد إلى عشرة»، وهذا المقال كان الحديث فيه عن سعد زغلول وعن حركته ودعوته، ومن جملة ما ذكره المقال بأن سعد زغلول كان له قريب يسمى إبراهيم وكان إبراهيم هذا له أخت والاثنان نشأا في بيت سعد زغلول، فأرسل إبراهيم لدراسة الأدب الفرنسي في فرنسا، أما أخته فظلت في بيت سعد زغلول حتى تزوجها أحد الباشاوات وكان مليونيراً، وذهب معها لقضاء شهر العسل في باريس، فبينما كانت في المكان الذي نزلت فيه جاء إليها أخوه ومعه صديق ألماني فعرف بينهما، وطلب الصديق أن يراقصها، ولأجل أن يثبت أخوها أنه متحرر لم يمنعها من أن تراقص ذلك الصديق فراقصها. وفي المراقصة قال لها: «هاتان العينان هما اللتان كنت أبحث عنهما طول عمري أجدهما إلا في جبينك»، وذهب عنها وقد غرس في قلبها بذرة غرام، ثم جاء إليها في اليوم التالي وهو يحمل إليها قصيدتين إحداهما باللغة الفرنسية يتغزل فيها في محاسنها، والقصيدة الثانية يصف فيها لوعة غرامه، وكان مما قاله في قصيدته هذه: «هل تسمحين يا سيدتي أن أكون خادماً صغيراً في مملكة قلبك الواسع فردت عليه أنت صاحب الجلالة في هذه المملكة ولست خادماً صغيراً»، فلما جاء إليها الباشا رفضته، وقالت له: «أنا وجدت صاحبي الذي أبحث عنه وانتهى كل شيء كان بيننا»، فقال لها: سأكتب للزعيم»، قالت له: «ليس لي زعيم إلا قلبي، حيث ما يوجهني»، وتعلقت بذلك الشاب الألماني والتحقت به ورفضت زوجها، وهذه نتيجة كشف الحجاب عن الزوجة وكشف الحجاب عن الفتاة، نسأل الله العافية. (2/370)
صفحة 816
فتاوى عامة
ما لا يجوز للمرأة إظهاره
371
ما المقصود بالزينة في قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ الآية، وهل هناك خصوصية لبعض الأولياء بالتمتع بالزينة أو النظر إليها دون بعض؟
المراد بالزينة في الآية الكريمة كل ما تتجمل به المرأة من حلي وغيره، فهي مأمورة مأمورة بستر ذلك، وإنما يباح لها إبداء مطلق زينتها لزوجها، كما يباح لها إبداء ما كان من الزينة في غير الأعضاء التي يمنع من إبدائها كالأسورة لذوي محارمها من آباء وأبناء وغيرهم كما ذكروا في الآية، وهكذا النساء المسلمات، والله أعلم.
سماحة الشيخ لقد تكرمتم - رعاكم الله - بتبيين الحق لنا حول ما تفشى في مجتمعاتنا من أنواع الزينة التي لا تتفق ومقتضيات الدين الحنيف، ومن المعروف أن الزينة من مظاهر الإسلام التي يحرص عليها، فنود من سماحتكم تبيين حدود وضوابط الزينة الشرعية للمرأة؟
الزينة لم تحرم على الإطلاق، إذ الله تبارك وتعالى علم ما في نفوس عباده مما فطرهم عليه، وقد فطر الناس على حب الزينة، والنساء بصفة خاصة فطرن على حب الزينة، فلذا لم تمنع المرأة من الزينة، وإنما منعت من الإغراء بها، فهي لها أن تبدي مطلق زينتها لشخص واحد، وهو الذي (2/371)
صفحة 817
372
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
تحرص على أن تأسر قلبه وأن تستبد بهواه وهو الزوج، ومع ذلك أيضاً يباح لها أن تبدي من الزينة ما لم يكن خارجاً عن حدود الاعتدال لذوي المحارم منها، لأن مما فطر عليه الناس أن لا يتأثر الرجل بذات محرمه، هذا الذي ينبغي أن يكون في قرارة كل نفس، ومع هذا أيضاً تتجنب المرأة في تزينها ما يؤدي إلى التشبه بالنساء الكافرات لأن في التشبه بهن اهتزازاً للإيمان وتقويضاً لصرحه، وقد يؤدي ذلك إلى التفصي منه منه نهائياً، وهذا عين المحذور، نسأل الله تبارك وتعالى السلامة.
ما هي حدود عورة المرأة أمام أخيها وأبيها؟
يقول الله وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَا بِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآ بِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَآبِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} [النور: 31]، وقد اختلف العلماء في عورة المرأة مع محارمها، منهم من ترخص كثيراً، ومنهم من شدد، وينبغي أن تراعى الأحوال، فالذين ترخصوا بلغ بهم الحال إلى أن قالوا إن المرأة لها أن تظهر لذوي محارمها ما فوق السرة وما تحت الركبة، والذين شددوا منهم من قال: لها أن تظهر لهم موضع الزينة من يديها وموضع ومن أذنيها ومقدمة شعرها، ومنهم من رخص لها أن تظهر شعر الرأس كله، ومنهم من رخص لها: أن تظهر أيضاً زينة عنقها، وينبغي أن تراعى الأحوال، أما كشف المرأة ما فوق السرة وما تحت الركبة فهو وإن كان جائزاً في حالة الضرورة عند ذوي المحارم، كالعلاج ونحوه، ولكن ينبغي أن لا يتخذ ذلك عادة بحيث تبدي المرأة لهم ما فوق
السرة وما تحت الركبة، بل يعد هذا مخلاً بالمروءة والوقار، والله أعلم. (2/372)
صفحة 818
فتاوى عامة
373
مع
هل يجوز للمرأة أن تظهر شيئاً من جسمها كالعنق والساعد مثلاً
ذي محارمها؟
مع
ذهب كثير من أهل العلم إلى أن عورة المرأة مع ذي محرمها كعورة المرأة المرأة المؤمنة، أو كعورة الرجل مع الرجل، وهؤلاء توسعوا في الإباحة، وبعضهم شدد فأباح إظهار موضع الزينة فقط، وذلك موضع القرطين من الأذنين وموضع السوارين من الساعدين وموضع الخلخالين من الساقين، وبعضهم توسع أكثر من ذلك فأباح إظهار صفحة العنق وإظهار الساعد، ومهما يكن فإن المرأة كلما كانت أستر كان ذلك أدعى إلى حشمتها ووقارها، والله أعلم.
ما حكم المرأة التي تظهر جزءاً من رأسها أمام الأجانب؟ وما حكم
صلاتها بهذه الهيئة؟
عصت بذلك ربها، وإن صلت كذلك فلا صلاة لها، والله أعلم.
هل يصح للمرأة أن تظهر يدها ورجليها وقدميها عندما تخرج من
بيتها؟
أما يداها فإن لم تخش الفتنة فلا حرج من كشفهما مع عدم الزينة كالوجه، ولكن هل المرأة الآن آمنة من الفتنة؟! فكثير من الناس تراهم يلبسون الثياب وهم في حقيقتهم أخطر من الذئاب والكلاب، أما بالنسبة للقدمين فلا يرخص في كشفهما، والدليل على ذلك حديث أُم سلمة لنا عندما سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن حكم المرأة في الإسبال، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «ترخي شبراً»، فقالت له: «إذاً ينكشف عن قدميها»، فقال لها: «ترخي ذراعاً»، وهو دليل على منع انكشاف القدمين. (2/373)
صفحة 819
374
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
ما حكم كشف المرأة للمنطقة الموجودة تحت ذقنها؟
ما عدا الوجه لا يجوز كشفه، فالنحر والعنق وما بين النحر والعنق والذقن لا يجوز كشفه.
هل يجوز إبداء المرأة المسلمة شيئاً من جسمها للكافرات للعلاج؟ تُؤمر المرأة المسلمة أن تعالج نفسها مع الطبيبة المسلمة إن وجدت إلى ذلك سبيلاً، فإن تعذر ذلك فالضرورة تبيح المحظور، مع محاولة توقي الفتنة حسب الاستطاعة.
هل يجوز أن ترى المرأة المسلمة أعضاء جسم امرأة أخرى مسلمة كانت أم غير مسلمة؟
يحل لها أن ترى منها ما كان أعلى من السرة وأسفل من الركبتين، أما المرأة المسلمة فلا تبرز هذه الأعضاء منها لامرأة غير مسلمة، لأن الله تعالى قال: {أَوْ نِسَآبِهِنَّ، والنساء غير المسلمات لسن من النساء اللواتي يضفن إلى المسلمات.
هل يجوز في الإسلام أن تدلّك الشغالة النصراني جسد المرأة المسلمة؟ هذا يتوقف على وجود المرأة المسلمة أو عدم وجودها، فإن كان هناك ضرورة فالضرورة تقدر بقدرها، لأن الله له عندما أباح للمرأة أن تكشف مواضع الزينة منها أباح أن تكشفها للنساء المؤمنات، فقال تعالى: {وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا لهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ابا بِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ (2/374)
صفحة 820
فتاوى عامة
375
بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَآبِهِنَّ} [النور: 31]، أي نساء المؤمنات، والمرأة غير المسلمة لا يجوز أن تبدي لها المرأة المسلمة زينتها.
ما الحكم في كشف المرأة بعض أجزاء جسدها كالساعد في المستشفى للفحص، مع العلم أن الفاحص رجل؟
إذا كانت توجد امرأة للفحص فلا يجوز الفحص مع الرجل، وإذا تعذر ذلك فليكن ذلك بحضور ذي محرم.
هل الحناء على الأيدي زينة يجب إخفاؤها عن غير المحارم؟
مع ذلك نقول
الذي نعتمده أن الوجه والكفين ليسا من عورة المرأة، ولكن إذا أدى كشفها عن وجهها أو عن كفيها إلى الفتنة فإنه يجب عليها أن تسترهما، خصوصاً عندما تكون المرأة بارعة الجمال وتضع المساحيق على وجهها، وكذلك عندما تتفنن في نقش الحناء في الكفين بحيث يشد ذلك انتباه الرجال، فلذلك أقترح على المرأة في مثل هذه الحالة أن كفيها، فإن ذلك أرضى الله الله.
تستر
هل يجوز للمرأة أن تكشف غطاء رأسها لأخي زوجها، علماً بأن هذا الولد بلغ وقد ربته منذ صغره وتعتبره كواحد من أولادها؟ لا، هو ليس بذي محرم لها، ولا يحلّ لها حتى مصافحته، والله أعلم.
هل يجوز للمرأة إبداء الزينة أمام شقيق الزوج إذا كانا في بيت واحد؟ دخول شقيق الزوج عليها في خلوة ولو لم تكن تبدي زينتها ضلالة، لأنه أجنبي منها، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «إياكم والدخول على النساء»، فقال له رجل من الأنصار: «أرأيت الحمو يا رسول الله»، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «الحمو الموت». (2/375)
صفحة 821
376
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ماذا يجب على الطالبة حينما تركب الحافلة؟، وهل يجوز لها أن تبدي يديها أمام السائق أو أن تكلمه؟
لا يجوز لها أن تبدي يديها بل عليها أن تسترهما، أما أن تكلمه كلاماً عادياً غير مصحوب بالإثارة مع عدم الخلوة به لأجل قضاء حاجة من الحاجات فلا مانع من ذلك، والله أعلم.
أرى بعض النساء يتكشفن للسائق أو الخادم أو الخياط وذلك بحجة أنهم لا يعرفونهن، فما نصيحتكم لهن علماً بأن الأب والإخوة موافقون على ذلك؟
لا عبرة بموافقة أي أحد على معصية الله تعالى فإن طاعة الله مقدمة على طاعة أي أحد، وعندما قال الله: وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَابِهِ، إلى آخر الآية الكريمة، لم يستثن الرجال الذين لا يعرفونهن أو الذين لا يعرفنهم، فلا يجوز للمرأة أن تكشف لأحد من هؤلاء شيئاً من زينتها بأي حال، فإن كشف المرأة زينتها للرجل الأجنبي حرام ومظنة للفتنة سواءً أكان يعرفها أو لا يعرفها.
هل مقياس الفتنة بالجمال أم هناك أشياء أخرى؟
ليس الجمال وحده هو مقياس الفتنة، بل هناك أيضاً الظروف الاجتماعية فالمرأة قد تكون في بيئة فاسدة فلا تأمن من الفتنة بين ناس لا يخشون الله ولا يتقونه، ومن الأباطيل التي أشيعت الآن لأجل تضليل المرأة والتغرير بها ما يردده الكثيرون بأنه ليست العبرة بما يقع بين المرأة والرجل من الاختلاط والاحتكاك وإنما العبرة بما في القلوب والسؤال الذي يوجه إلى هؤلاء هل قلوب الرجال اليوم أبر وأتقى وأندى من قلوب المهاجرين (2/376)
صفحة 822
فتاوى عامة
377
والأنصار الذين اختارهم الله لأن يكونوا صحابة للنبي؟!، وهل قلوب النساء اليوم أبر وأتقى وأندى من قلوب أُمهات المؤمنين وأزواج الرسول؟!، ومع ذلك فالله تبارك وتعالى يخاطب نساء النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: يَنِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخَضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [الأحزاب 32)، مع أنهن كن في مجتمع المهاجرين والأنصار، يقول ذلك لهن لصون شرفهن، وحفظ كرامتهن ورفع عزة أنفسهن، فكيف في هذا المجتمع الذي استطار في هشيمه الفساد وتفشت فيه الإباحية، ويوجد فيه أنذال ممن هم أشباه الرجال ولا رجال أيقال بأن المرأة تأمن الفتنة فيها؟! (2/377)
صفحة 823
378
الحلال من زينة المرأة
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
هل يجوز للمرأة أن تلبس الذهب أو لا يجوز لها ذلك؟
هذه القضية بحاجة إلى بيان حتى لا يقع فيها لبس، فهناك روايات متعددة متعارضة بعضها يؤذن بلبس الذهب للمرأة وبعضها الآخر لا يؤذن بذلك، فبأي القسمين من هذه الروايات نأخذ؟
إن في الأحكام الشرعية ما هو ناسخ ومنسوخ، فالناسخ هو الدليل الذي يأتي بعد الدليل السابق ناسخاً له ومبطلاً لحكمه، وقد كانت في زمن التشريع أحكام موقوتة جاءت من أجل أن تعالج مشكلة معينة فإذا انتهت تلك المشكلة يأتي حكم آخر، وهو الذي يستقر ويستمر، ولا يمكن أن يقال إن هذه الرواية نسخت تلك الرواية، أو بأن هذا الدليل نسخ ذلك الدليل إلا بحجة نعرف بها الناسخ من المنسوخ، وذلك بالنظر إلى زمن ورود الدليلين، فالمتأخر يكون ناسخاً للمتقدم، ومع الجهل بزمن ورود الدليلين فإن الدليلين يعتبران متناقضين، وفي هذه الحالة لا يمكن أن يعول على أحدهما إلا بحجة وفي هذه القضية المسؤول عنها لا نملك الحجة بأن أحاديث المنع جاءت من بعد، فإذاً بماذا نعمل؟ هناك حجة شرعية قوية جداً وهي حجة الإجماع. فقد انعقد الإجماع على أن الذهب جائز للمرأة، وقد حكى هذا الإجماع جماعة من كبار العلماء المحققين (2/378)
صفحة 824
فتاوى عامة
379
الحفاظ، من بينهم ابن عبد البر صاحب كتاب التمهيد الذي كان يُلقب بحافظ المغرب، ومن بينهم الحافظ ابن حجر العسقلاني صاحب فتح الباري الذي لقبه بعض الناس بحافظ المشرقين والمغربين، فهذان العالمان الجليلان حكيا انعقاد الإجماع على أن الذهب جائز للمرأة، واستمر العلماء من قبلهما ومن بعدهما على أن الذهب جائز للمرأة لأن زينة المرأة مكملة لأنوثتها، والزينة مطلب فطري للمرأة، ولما كانت مطلباً فطرياً فإن الزينة محللة لها إلا ما دل الدليل على تحريمه، ولما جاءت أدلة تدل على الإباحة وأدلة تدل على المنع، وقد انعقد الإجماع على الأخذ بالأدلة الدالة على الإباحة فهذا يدل على أن الأدلة الدالة على الإباحة هي المتأخرة، لأن الأمة ما كانت لتجمع على ضلالة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تجتمع أُمتي على ضلالة»، واستمرت الفتوى في العالم الإسلامي على ذلك إلى هذا العصر، عندما ظهر ناصر الدين الألباني، وهو رجل لا نغمطه حقه من ناحية حفظ الحديث فهو من كبار الحفاظ للحديث الشريف وله باع طويل في علم الحديث وهذا أمر لا ينكر، ولكن بجانب ذلك أيضاً له شذوذات كثيرة، ومن جملة الشذوذات التي خرج فيها عما اتفقت عليه كلمة علماء الأمة ما ذكره في كتاب آداب الزفاف حيث رجح أن الذهب حرام على المرأة وحرص كل الحرص على أن يفرض هذا الرأي على الكل، وأخذ أتباعه يروجون لهذا الرأي ولم يلتفتوا إلى ما ذكره الحفاظ الذين هم حجة من إجماع الأمة على الإباحة، وإجماع الأمة قرينة نقطع معها بأن الروايات التي جاءت بالمنع روايات متقدّمة والروايات التي جاءت بالإباحة هي روايات
متأخرة، والله أعلم. (2/379)
صفحة 825
380
6 -
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ما حكم لبس الخاتم الذي به فص؟ علماً بأن بعضهم يرى ذلك تأسياً برسول الله - عليه أفضل الصلاة والسلام والبعض يلبسه للزينة، فما قولكم في ذلك؟ علماً بأن بعض تلك الفصوص لها خصائص يُدفع بها بعض الحوادث كلدغة العقرب مثلاً.
لا مانع من لبس الخاتم الفضي، فقد تختم النبي صلى الله عليه وسلم بخاتم من ورق ـ أي فضة، وأما الفصوص فلا علم لي بخصائصها، وإنما سمعت أن لبعضها خصائص كالعقيق والفيروز، ولئن كان ذلك صحيحاً فهو من الطبائع التي أودعها الله في مخلوقاته، والله أعلم.
هل يجوز ارتداء عقد على شكل يد أو أي شيء من جسم الإنسان؟ بداية أحب أن أنبه أن كلمة ارتداء لا تطلق لغة إلا على استعمال الرداء، فالشيء الذي لا يستعمل على شكل الرداء لا يسمى ارتداء وإنما يُقال لبس، فينبغي أن يُقال لبس عقداً. وفي تصوير الأعضاء التي هي غير الرأس خلاف بين أهل العلم، فمنهم من شدد في ذلك، ومنهم من قال بأن غير الرأس لا يمنع منه، وبناءاً على رأي المرخصين فلا حرج إن لبست حلياً لا يشكل رأس إنسان أو حيوان، وأما على قول المشددين فلا.
هذا
هل يجوز وضع الحناء في أيام الأعياد وفي غيرها؟ ذلك جائز للمرأة، وحرام على الرجل لحرمة التشبه بهن، والله أعلم.
ما حكم الحناء للشعر الأسود؟
إذا كان لأجل شده فنعم، أما لأجل تغيير الجمال فلا، لأن جمال المرأة في
سواد شعرها، والله أعلم. (2/380)
صفحة 826
فتاوى عامة
381
هل وضع الحناء في اليدين من السُّنَّة؟ وهل هنالك دليل على ذلك؟ نعم، ففي عهد الرسول صلى الله عليه وسلم و كانت النساء تستعمل الحناء لأجل الزينة، وقد جاء في بعض الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم تشجيع المرأة على التزين بالحناء.
بعض النساء تضع النقوش بهذا الحناء، فهل هذا جائز؟
إذا كان مكتوماً عن الرجال وكانت هذه النقوش ليس فيها ما يخل بالآداب فهذا من التفنن في التزين.
هذه
ما حكم النقش بالحناء على اليدين؟
من الأشياء التي تلفت النظر، فإذا عملت المرأة شيئاً من هذا، فعليها أن تبس ما يستر يديها كالقفازين حتى لا يرى ذلك الرجال.
ما حكم ما تنقشه بعض النساء من الحناء على أيديهن، هل يعد من الزينة المحرمة؟
إن كانت هذه الزينة للزوج وتسترها عن الرجال الأجانب فلا يقال بأنها محرمة.
ما حكم الإسلام في إزالة شعر وجه المرأة ويديها وساقيها؟
النمص ـ وهو إزالة شعر الحاجبين ـ حرام، وأما شعر ساقيها أو ذراعيها أو خديها أو شاربها فذلك كله يجوز لها أن تزيله، وهذا مما نص عليه ولا حرج في ذلك، والله تعالى أعلم.
هل يجوز للمرأة أن تقص شعر رأسها من أسفل لتمنع تساقطه ولأجل إطالته لأن الشعر كلما قص من أطرافه زاد ذلك من طوله؟
لا مانع من قص المرأة أسفل شعرها لأجل هذا الداعي، والله أعلم. (2/381)
صفحة 827
382
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
هل يجوز للمرأة لف شعرها على شكل دائري؟
الأولى للمرأة أن تضفر شعرها ثم ترسل ضفائرها إلى الخلف لأن في ذلك ستراً لها ولشعرها، بخلاف ما إذا لفته، وإذا كانت هذه اللفة لا تظهر ولا تثير فلا مانع من ذلك، والله أعلم.
هل يجوز لبس العدسات اللاصقة وعمليات التجميل؟
لا مانع من لبس العدسات اللاصقة، أما عمليات التجميل فإن تشوه الإنسان بحادث وقع عليه فلا مانع من إزالة ذلك التشوه بعملية لا تبديل لخلق الله فيها، وإنما لإزالة هذا التشوه، والدليل على ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لعرفجة عندما قطعت أنفه أن يصطنع أولاً أنفاً من الورق ثم لما أنتنت أباح له أن يصنعها من الذهب.
هي
سمح
سماحة الشيخ هناك نوع من العدسات تعرف بالعدسات التجميلية الملونة تستخدمها المرأة من أجل تغيير ألوان عينيها كيف ما شاءت، علماً بأن هذه العدسات تسبب أضراراً لشبكية العين، كما أن سعرها
مرتفع، فما حكم استخدامها؟
محرمة لكلا السببين، لأن فيها تغييراً لخلق الله، ولأنها أيضاً تؤدي إلى
الإضرار، وكل ما أضر بالإنسان عليه أن يتقيه، والله أعلم.
هل يجوز للمرأة أن تلبس أسنان الذهب أم لا؟
يجوز للمرأة أن تستعمل الذهب في أي شيء إلا التأني، أي لا تستعمل آنية الذهب، فلا تأكل ولا تشرب في إناء الذهب والفضة، لأن استعمال آنية الذهب والفضة غير جائز للرجل والمرأة، والله أعلم. (2/382)
صفحة 828
فتاوى عامة
383
ما حكم تعطر المرأة وتزينها وخروجها من بيتها إلى المدرسة مباشرة؟
وما هي الزينة التي لا يجوز إبداؤها للنساء؟
المرأة مأمورة بأن تخرج وهي محتشمة فلا تخرج وهي متزينة إن كانت تصادف الرجال في طريقها اللهم إلا إن سترت زينتها، حتى لا يراها أحد من الرجال، أما الطيب فتؤمر المرأة بعدم التطيب حتى لا تظهر الرائحة إلا إن كانت آمنة أنه لا يسلك تلك الطرق رجال، ولا تمنع المرأة من إبداء زينتها أمام النساء المؤمنات الأمينات وإنما تمنع عندهن من إظهار ما بين السرة والركبة من جسمها. (2/383)
صفحة 829
384
الحرام في زينة المرأة
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ما حكم استعمال أصباغ الشعر الحديثة، وإذا كان ذلك جائزاً في حالة دون أخرى فهل للتاجر أن يبيعها دون السؤال عن غرض استعمالها؟ إذا كان هذا تغييراً لخلق الله - كما يرغب الكثير من النساء في تشقير الشعر الأسود - فإن ذلك غير جائز، أما إذا كانت تفعل ذلك من أجل التزين لزوجها بخضاب شعرها الأبيض فلا مانع منه. فإن كان هذا الذي يبيع الأصباغ يرجو أن تكون من تستعمله من النساء إنما تستعمله لأجل خضاب الشعر الأبيض بقصد التزين للزوج ففي ذلك سعة بفضل الله، والله تعالى أعلم.
ما حكم صبغ الشعر للرجل والمرأة؟
هذه
أما الرجل فله أن يخضب بغير السواد، وأما السواد فلا، وأما المرأة فرخص لها إن كان من أجل التزين لزوجها، والله أعلم.
هل يصح صبغ شعر المرأة بالحناء وغيره من الأصباغ الحديثة؟ إن كان الخضاب من البياض إلى الصفرة ونحوها فلا مانع منه، وإن كان من السواد فلا يجوز، لأنه خلاف الفطرة، والله أعلم. (2/384)
صفحة 830
فتاوى عامة
385
ما حكم استخدام الحناء المحتوي على صبغة؟ وهل يعتبر ناقضاً للوضوء؟ يصح من البياض إلى الصفرة ونحوها ولا يصح من السواد، وهو ناقض للوضوء إن كان مختلطاً بنجاسة، والله أعلم.
سماحة الشيخ ما حكم صبغ الشعر بصبغات كيماوية بعضها يزول بالغسل، وبعضها يبقى ثابتاً لمدد طويلة، علماً بأن هناك طريقة تعرف بالميش وهي أن تصبغ خصلات الشعر بألوان مختلفة وأحياناً يصبغ الشعر كاملاً بلون واحد؟
الصبغ بهذه الطريقة هو من جملة الأشياء التي فيها تغيير لخلق الله، إذ صبغ الشعر بألوان مختلفة خروج عن الطبيعة ومعاكسة للفطرة، لأن الله تبارك وتعالى خلق شعر المرأة على لون واحد سواء كان أسود أو كان فيه شيء من الحمرة، ولم يخلقه متغيراً بعضه أسود، وبعضه أزرق كأنه تشكيلة من الألوان. فهذا غير جائز، على أن هذه الأصباغ التي تبقى في الشعر قد تكون حائلاً في الغسل الواجب بين الماء ووصوله إلى هذا الشعر وذلك غير جائز ـ أيضاً، والله أعلم.
مستحضر سائل تستعمله بعض النساء وذلك لتغيير لون الحاجب من الأسود إلى البني، ويستمر فترة تصل إلى ستة أشهر تقريباً، فهل يجوز
ذلك؟
هذا من تبديل خلق الله وهو غير جائز، والله أعلم.
هل يجوز تشقير شعر الحواجب دون إزالته؟
التشقير آفة جاءت بسبب حب اتباع الغرب والانبهار بحالة المرأة الغربية
فهو غير جائز، والله أعلم. (2/385)
صفحة 831
386
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
هل يجوز للمرأة أن تقوم بتشقير شعر وجهها تزيناً للزوج؟
ذلك تبديل لخلق الله، والله أعلم.
هل للمرأة أن تحول شعرها الأبيض إلى أشقر؟
لا بأس، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أباح الخضاب بالحناء.
ما حكم المادة الملونة التي توضع على شعر الوجه لتغيير لونه، وهل هو ناقض للوضوء؟
لا أعرف هذه المادة؟ ولا على ماذا تحتوي؟ فإن كانت تحتوي على شيء من النجاسات فإن النجاسة عندما تلامس البدن تنقض الوضوء
تغيير
الشعر
سماحة الشيخ بالنسبة للون الشعر إذا كان اللون أسوداً هل يجوز تغييره إلى غيره أو أبيض إلى أسود؟
الأسود إلى الأبيض أو غير ذلك خلاف للفطرة، لأن جمال المرأة في الأسود، وأما شعر المرأة الأبيض فإن كانت تريد أن تتجمل لزوجها فأبيح لها أن تخضبه حتى بالسواد من غير تدليس عليه ولكن الأفضل لها أن تخضب بالحناء وأن تمعن في هذا الخضاب حتى يسود الشعر، والله أعلم.
انتشر وباء الموضة في كثير من أنماط الحياة، ومن ذلك ما يعرف عند النساء بتسريحة الشعر، ويقتضي ذلك أن يجعد الشعر الناعم أو ينعم الشعر المجعد، وأحياناً تقتضي الموضة قص الشعر، وأحياناً يلف على هيئات مختلفة تلفت الأنظار، فما قول سماحتكم في اتباع هذه الموضة؟ وما حكم قص الشعر؟ (2/386)
صفحة 832
فتاوى عامة
387
قضية اتباع الموضة - كما يقال ـ إن دلت على شيء فإنما تدل على ما وصلت إليه الأمة من الضعف والهزيمة في مواجهة التيارات المختلفة الوافدة من هنا وهناك، والتي طمت على ساحة الأمة الإسلامية، في حين أن الأمة الإسلامية مطلوب من رجالها ونسائها أن يكونوا جميعاً أقوياء موصولين بالله سبحانه وتعالى، لا ينبهرون بما يأتيهم من هنا وهناك، وإنما يرتكزون على مؤسسات إيمانية قائمة تلكم المؤسسات هي العقيدة الصحيحة والأخلاق المرضية والفضائل التي يجب على كل من الرجل والمرأة أن يتحلى به ومتابعة هذه التسريحات الوافدة وتغيير خلق الله تبارك وتعالى بتغيير الشعر عن طبيعته كل من ذلك إنما هو مخالفة صريحة لأمر الله ووقوع في شباك الشيطان، عندما قال ـ فيما توعد به الجنس البشري: وَلَا مُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيرنَ خَلْقَ اللهِ} [النساء: 119]، فالتي خلق شعرها مجعداً أو ناعماً عليها أن ترضى بقسمة الله لها، ومن غريب ما وقع للناس في هذا العصر أن النساء أصبحن كثيراً ما يلهثن وراء ما عليه الآخرون، حتى في ما يخالف الجمال الطبيعي للمرأة، إذ الجمال الطبيعي ـ مثلاً ـ في شعر المرأة أن يكون شعراً فاحماً، ولذا نجد الشعراء كثيراً ما تغزلوا في الشعر الأسود وعبروا عن سواد الشعر بالليل، وعن جمال المرأة ما بين هذا السواد بأنه كالقمر في وسط ليل داج، ونجد من الشعراء من يقول ـ أيضاً ـ في التعبير عن حسن سواد الشعر:
وما خضب الناس البياض لأنه قبيح ولكن أحسن الشعر فاحمه أما الآن فنجد المرأة التي شعرها أسود تحاول أن تشقره، فتخرج بذلك عن الطبيعة، وهذا دليل التأثر والانهزام أمام الآخرين فمثل هذه الأشياء جميعاً يجب على المرأة أن تتفطن لها، على أن تقليد القوم الكافرين أياً كانوا (2/387)
صفحة 833
388
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
يهوداً أو نصارى أو ملاحدة إنما هو ناشئ عن ضعف القلوب واهتزاز العقيدة وعن أمراض نفسية، ولذلك جاء التحذير البالغ من موالاتهم، لأن
شأنه
هذه التبعية العمياء ما هي إلا من دلائل هذه الموالاة، لأن الإنسان من أن يحب تقليد من يعظمه في نفسه ويجله في قلبه ويكبر أفعاله، هذه طبيعة البشر، ومن هنا حذر الله تبارك وتعالى من موالاة أولئك، بل حذر في معرض هذا التحذير من الوقوع في الارتداد، لأن هذه الموالاة تجر صاحبها شيئاً فشيئاً إلى أن يتفصى من الإسلام كله ويقع في الارتداد، فالله تبارك وتعالى يقول: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَرَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِمِينَ} [المائدة: 51]، ثم أتبع ذلك قوله: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ تَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَابِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرِ مِنْ عِندِهِ، فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَدِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ إِنَّهُمْ مَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَسِرِينَ} [المائدة: 52، 53]، وهذا دليل على أن الموالاة ناشئة عن مرض نفساني، ثم حذر بعد ذلك من الارتداد عندما قال: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ يُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَا بِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعُ عَلِيمٌ} [المائدة: 54]، فهذه التبعية التي تقع إنما هي تجسيد لهذه الموالاة المحرمة، وهي التي لا تقف بصاحبها عند حد عندما يسترسل فيها حتى يقع في المحذور الأكبر وهو التفصي من الإسلام نهائياً والوقوع في الارتداد ـ والعياذ بالله.
ما حكم الشرع في أخذ المرأة من شعرها أو حلقه (القص)؟ وإذا كان الحكم المنع، فما الدليل الشرعي الدال عليه؟ (2/388)
صفحة 834
فتاوى عامة
389
شدد علماؤنا في قص المرأة شعرها أو حلقه وجعلوه كلحية الرجل، ولا إخالهم في ذلك إلا أنهم نظروا إلى أن شعر المرأة من أتم زينتها، فهو بمثابة التاج على رأسها، وحلقه أو تقصيره تشويه لمنظرها وتبديل لفطرة الله فيها، ويضاف إلى ذلك في هذا العصر أن قص المرأة شعرها عادة مستوردة من الغرب، وتقليد الكفرة في عاداتهم أمر محظور شرعاً، هذا وأرى جواز أن تأخذ المرأة من أطراف شعرها لتسويته بقدر ما تأخذ منه عند تحللها من الإحرام والله أعلم.
شعر رأس المرأة هو تاجها وأساس جمالها في الماضي والحاضر، وربما اختلف ذوق بعض الشباب من حيث استحبابهم للمرأة التي تأخذ من طول شعرها لا سيما من جانب الجبهة لتشكل ما يسمى بـ (العرف). فما رأي سماحتكم في
شعر المرأة كما قيل هو تاجها وهو مظهر جمالها، ولذلك يجب أن تحافظ على هذا الجمال، لأن الإسلام دين الفطرة، وهؤلاء الذين يميلون إلى قص شعر المرأة قد فسدت أذواقهم نتيجة رغبتهم في تقليد الأجانب، وخرجوا بذلك عن إطار الفطرة السليمة فلا عبرة بأذواقهم المنحرفة، والإسلام إنما يحرص على اتباع سنن الفطرة، وعلى الذوق السليم، وعلى أن تبقى الأمور على طبيعتها ما لم تؤد إلى ضرر، ومع ذلك لا مانع من أن تأخذ المرأة من أطراف شعرها كما أمرت بذلك فعلاً عندما تتحلل من إحرامها، والله أعلم.
نحن
ما حكم قص شعر الزوجة تزيناً لزوجها؟
نأسف لتغير فطر الناس نتيجة التأثر بالآخرين، فقد كان من جملة
المقاييس التي يُقاس بها جمال المرأة طول شعرها أما الآن فقد أصبح (2/389)
صفحة 835
ومن
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
الأمر بخلاف ذلك، فأصبح هذا الجمال يُقضى عليه، فتحب المرأة بقدر مستطاعها أن تتخلص من طول الشعر وأن تقصره، وفي هذا التقصير أمران اثنان أولهما التشبه بالرجال والتشبه بالرجال ممنوع، والأمر الثاني: تقليد الآخرين، وتقليد الآخرين ممنوع فإن الله تبارك وتعالى جعل للمسلم شخصيته المتميزة في معتقداته وسلوكه وفي أعماله وأخلاقه وفي كل تصرفاته، فلذلك يجب أن لا يكون متأثراً بالآخرين، بل يجب على المسلم أن يكون مؤثراً لا متأثراً وقائداً لا، مقاداً، وأن يكون هو القوي لا الضعيف، ومن عادة الإنسان أن ينساق وراء التيارات الأخرى عندما يشعر بضعف، عادة الضعيف أن يريد محاكاة القوي، وعندما كان المسلمون أقوياء كان الآخرون يقلدونهم، أما الآن وقد انقلبت القضية على عكس ذلك، وأنا أريد هنا أن أضع بين أيديكم كلمات قالها أحد المسلمين، وهذه الكلمات قلتها أكثر من مرة وفي أكثر من محاضرة وفي أكثر من درس لأنها جديرة بأن تكتب بماء الذهب، وأن تكون نبراساً للمسلم يستنير به ومنهجاً له يسير عليه هذه الكلمات قالها الشاعر الإسلامي الباكستاني محمد إقبال، يقول: (إن المسلم لم يُخلق ليندفع وراء التيار ويساير الركب البشري حيث اتجه وسار بل خُلق ليُوجه العالم والمجتمع والمدنية ويفرض على البشرية اتجاهه ويُملي عليها إرادته، لأنه صاحب الرسالة وصاحب العلم اليقين، ولأنه المسؤول عن هذا العالم وسيره واتجاهه فليس مقامه مقام التقليد والاتباع وإنما مقامه مقام الإمامة والقيادة مقام الإرشاد والتوجيه، مقام الآمر الناهي، وإذا تنكر له الزمان وعصاه المجتمع وانحرف عن الجادة لم يكن له أن يخضع ويضع أوزاره ويُسالم الدهر، بل عليه أن يثور عليه وينازله ويظل في صراع معه وعراك حتى يقضي الله في أمره، ه، إن الخضوع والاستكانة للأحوال القاصرة والأوضاع القاهرة والاعتذار بالقضاء والقدر (2/390)
صفحة 836
فتاوى عامة
391
من شأن الضعفاء والأقزام، أما المؤمن القوي فإنه نفسه قضاء الله الغالب وقدره الذي لا يرد)، فيا ليت المسلمين وعوا ذلك وأدركوا مسؤوليتهم ورسالتهم، والنبي صلى الله عليه وسلم كان شديد الحساسية تجاه تقليد الآخرين، فقد كان كثيراً ما يُعلل الأحكام التي يأمر بها بمخالفة غير المسلمين، فكثيراً ما يقول: «خالفوا اليهود والنصارى»، «خالفوا اليهود»، «خالفوا المجوس»،
خالفوا المشركين»، أما الآن فقد أصبح تقليد هؤلاء هو رمز التقدم وعنوان الرقي ومظهر المدنية، وذلك كله من جراء الأمراض النفسية التي أصابت هذه الأمة، مصداقاً لقول الله تعالى: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَرِعُونَ فهمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَابِرَةُ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرِ مِنْ عِندِهِ، فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَدِمِينَ} [المائدة: 52]، وعلى كل فقص شعر المرأة كما قلنا هو مناف للفطرة ومخالف للمظهر الجمالي الذي أكرم الله الله به المرأة وفيه تقليد للآخرين، اللهم إلا أن يكون هذا القص بمقدار ما تأخذ منه عندما تتحلل من إحرامها من غير أن تزيد على ذلك، والله تعالى أعلم.
ما حكم قص شعر الطفلة؟
الطفل غير مكلفة، ولكن ينبغي أن تعود على مكارم الأخلاق والالتزام بقيم الإسلام، لئلا تتأثر، لأن للتربية في الصغر آثاراً تنعكس في الكبر.
هل يجوز قص شعر الفتاة الصغيرة؟
الصغيرة أمرها أهون، ولكن الكبيرة لا ينبغي لها ذلك، لأن في قص الشعر تشويهاً لجمال المرأة، إذ طول شعر المرأة هو مظهر من مظاهر جمالها، على أن في قص الشعر تشبهاً بالكافرات وكل أمر فيه تشبه بالكفرة يُدعى
المسلم إلى اعتزاله واجتنابه. (2/391)
صفحة 837
392
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
هل يجوز تقصير شعر الفتيات دون سن البلوغ؟
لا ينبغي
ذلك لئلا يعتدنه إلى أوقات بلوغهن وإن كنا لا نقول بحرمته على
غير البالغ، والله أعلم.
ما حكم قص الشعر أو كيه إذا كانت المرأة ستحضر مناسبات تختص بوسط نسائي مسلم فقط؟
مهما كان من أمر فهي مأمورة بأن لا تبرز شعرها، فما معنى قص الشعر لأجل حضورها المناسبات؟! كما أنها مأمورة أن تغطي شعرها حتى عند المسلمات لعدم أمنها أن توجد ما بينهن فاسقات، والله أعلم.
هل يجوز للمرأة أن تأخذ شيئاً من شعر رأسها، بحيث يصل شعر الرأس بعد القص إلى فوق الأكتاف أو أسفل من ذلك بقليل، وهل يصح لزوجها أن يطلب منها ذلك بحجة التزين له؟
لا تقص المرأة شعرها لغير ضرورة إلا من أطرافه، والله أعلم.
في
هل يجوز للفتاة أن تقص شعرها من الأمام «القصة» ليس بغرض وضعها عند الخروج ولكن في البيت؟
هذا تشبه بغير المسلمات وكفى به حجراً، والله أعلم.
أنا امرأة متزوجة وألبس الحجاب الشرعي والحمد لله، إلا أني أعاني من تساقط الشعر، فهل من رخصة في قص الشعر إلى الكتفين، كذلك أنا ذات حاجب كثيف ومتصل ببعضه البعض، أضف إلى ذلك وجود بعض الشعيرات على جانبي الحاجب، فهل من حرج إذا ما قمت بقص الحاجب وإزالة تلك الشعيرات؟ (2/392)
صفحة 838
فتاوى عامة
393
أما قص الشعر من أجل علاج تساقطه فلا مانع منه، وأما الأخذ من شعر الحاجب فلا يجوز إلا لصرف الضرر، وأما ما كان من غير الحاجبين فلا مانع من إزالته، والله أعلم.
سماحة الشيخ إذا كانت امرأة يتساقط شعرها فهل يصح لها أخذ
الأدوية لعلاجه؟
نعم، العلاج كله جائز ما لم يكن بحرام، والله أعلم.
داخلة في
ما هو تفسير الحديث (لعن الله النامصة والمتنمصة؟ النمص هو: ترقيق الحواجب، فأي امرأة رققت حواجبها فهي هذه اللعنة، وأي امرأة كان ذلك عملها أي ترقيق الحواجب للنساء الأخريات أيضاً تبوء بهذه اللعنة - والعياذ بالله - فاللعن على من فعل ذلك ومن فعل به كما جاء في الحديث، والله تعالى أعلم.
فهي
ما حكم استخدام المرأة لأدوات الزينة للشعر (ماسك الشعر) التي بها مجسمات لطيور أو حيوانات أو إنسان سواء كانت طفلة صغيرة أو
امرأة؟
لا يجوز اتخاذ الصور المجسمة لذوات الأرواح لحديث: «لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة أو كلب وحديث: إن أصحاب هذه الصور ليعذبون بها يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم»، والله تعالى أعلم.
هل يجوز للمرأة المصابة بمرض الصلع أن تلبس الباروكة؟ قال: لعن الله الواصلة والمستوصلة، فكيف بلبس الباروكة؟!. (2/393)
صفحة 839
394
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
سماحة الشيخ إذا ابتليت المرأة بالصلع فهل يجوز لها أن تستخدم
شعراً صناعياً ثابتاً والذي يعرف بالباروكة؟
لئن كان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لعن الله الواصلة والمستوصلة» فكيف بالباروكة التي هي أشد فتنة وأشد تغرراً، ونحن نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة تستأذن في ابنتها أصيبت بالحصبة فتمزق بسبب ذلك شعرها في أن
تصله بشيء فمنعها رسول الله له من ذلك، فكيف بما زاد عليه؟ صلى الله عليه وسلم
ما حكم النمص؟
يقول الله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [آل عمران: 132]، والنصوص الكثيرة في كتاب الله تعالى قاضية بوجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم وحده المعصوم عن كل زلل فيم يتعلق بتبليغ وبيان حكم الله تعالى وإرشاده لعباده، ولذلك أمر الله الا الله بالاحتكام إلى رسوله صلى الله عليه وسلم كما أمر بالاحتكام إلى نفسه عندما قال سبحانه: {فَإِن نَتَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]، والحكم من رسول صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة واضح بَيّن فليس لي أن أتعداه وأتجاوزه إلى أي حكم آخر، لأن الأحكام الأخرى المخالفة ما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تعدو أن تكون متأثرة بهوى النفوس وبإيحاءات الشيطان الرجيم الذي يرغب في احتلال هذه النفوس وإبعادها عن مصدر الهداية كتاب الله تعالى الخالد وسُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم النيرة، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لعن الله النامصة والمتنمصة»، ومن المعلوم أن النمص: هو ترقيق شعر الحواجب، فعلى هذا فأي ترقيق لشعر الحواجب يدخل
في
في هذا الحكم الخطير، ومن المعلوم أن الوعيد عندما يأتي في كتاب الله أو سنة الرسول عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام الثابتة الصحيحة إنما يدلُّ
على أن ما ترتب عليه الوعيد هو كبيرة من الكبائر، فالنمص كبيرة ولذلك جاء (2/394)
صفحة 840
فتاوى عامة
395
اللعن مترتباً على من فعلت ذلك بشعرها وعلى من فعل بها ذلك، فالنامصة هي: التي تفعل في غيرها، والمتنمصة هي اتي تطلب من غيرها أن يفعل بها هذا النمص، وكلاهما مشتركتان في اللعن، ولا يمكن أن يكون للناس رأي بعد ما جاء هذا الحكم من الرسول.
هل هناك علة معينة في هذا المنع وهل يجوز للمرأة أن تتنمص لزوجها انطلاقاً من أمر الإسلام لها أن تتزين لزوجها؟
المطلق يحمل على إطلاقه ما لم يرد التقييد، ولم يرد تقييد لإطلاق هذا الحكم، فلا يمكن أن نقيده برأينا، إذ لا رأي لأحد مع الحكم الصادر من الله أو من الرسول عليه الصلاة والسلام.
النبي
بعض النساء تقول بأن حاجبيها ملتقيان فهل لها أن تفصل بين هذا وذاك؟
قال: «كل خلق الله حسن».
هل يجو التفريق بين الحاجبين أو تهذيبهما ولو بشيء قليل؟ هذا هو النمص، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لعن الله النامصة والمتنمصة».
البعض يقل بأنهن يرققن حواجبهن للأزواج، فهل يجوز ذلك؟
لا يتزين للزوج بما حرم الله، إنما يتزين له بما أباحه الله.
ما حكم إزالة بعض الشعيرات المتفرقة من المنطقة التي توجد بين العين والحاجب؟
هذا الشعر إما أن يكون موصولاً بشعر الحاجبين أو لا، فإن كان موصولاً بشعر الحاجبين فلا تجوز إزالته لأنه من الحاجبين وترقيق الحاجبين محرم، (2/395)
صفحة 841
396
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الله النامصة والمتنمصة وهذا وعيد شديد، لأن اللعن لا يكون إلا على كبيرة من الكبائر، وإن كان غير موصول بشعر الحاجبين فذلك شعر آخر ولا يعتبر من ترقيق شعر الحاجبين فلا مانع من إزالته، والله تعالى أعلم.
هل يجوز للمرأة إزالة الشعر الزائد فوق الحاجبين دون تغيير شكلهما
حتى تزداد المرأة جمالاً في نظر زوجها؟
إن كان الشعر المزال من نفس شعر الحاجبين فلا تجوز إزالته، وإن كان من غير شعر الحاجبين فلا مانع منه، والله أعلم.
سماحة الشيخ تحتج كثير من النساء بعدم وجود أضرار ظاهرة من النمص، فما الحكمة من تحريمه؟
إن الله تبارك وتعالى بين وجوب الاستسلام لأمره ولأمر رسوله، ولم يدع مجالاً للتردد في قبول أمر جاء من قبله أو من قبل رسوله، فإن الله وكل كرر في كتابه في أكثر من موضع أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ» وبين أن اتباع الرسول تصديق لحب الإنسان لربه سبحانه وتعالى، وسبب لنيله لحب ربه، فإن الله تبارك وتعالى قال: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي حببكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران: 31]، وبين أن المؤمن والمؤمنة لا يترددان قط في قبول ما جاء عن الله أو جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شعار أي تعلة من التعلات، بل لا بد من أن يسلم الإنسان تسليماً، فقد قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مبينا} [الأحزاب: 36]، بل بين الحق تبارك وتعالى أن المسلم لا يمكن أن (2/396)
صفحة 842
فتاوى عامة
397
يصل إلى درجة الإيمان قط حتى يسلّم لما جاء من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم، محكماً إياه في كل شيء، من غير أن يجد في نفسه حرجاً مما قضى به الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد قال سبحانه: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء: 65]، وأمر مع التنازع والاختلاف في أي شيء كان أن يكون الاحتكام إلى الله وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَتَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]، وكل ذلك يؤكد وجوب الاتباع، والإنسان لا يدري بضرره من نفعه، لأن الإنسان لا يستطيع أن يحيط بكل شيء، والناس يكتشفون يوماً بعد يوم الكثير من المضار التي لم يكونوا يتصورونها من قبل، كما أن كثيراً من أسرار التشريع يكتشف يوماً بعد يوم، وما على الإنسان إلا أن يسلم تسليماً لأمر الله سواء اكتشف ذلك أم لم يكتشف، والله أعلم.
هل يجوز للفتاة أن تضع الكحل في عينها حين ذهابها إلى المدرسة
بحيث تضمن أن لن يراها رجل؟
إن سترت وجهها فلا مانع من الكحل، والله أعلم.
ما حكم ما يعرف بالرموش الصناعية، وذلك بأن تدهن الرموش بمواد دهنية لإظهارها بغير صورتها الطبيعية، علماً بأن هذه المواد تسبب التهابات وتساقطاً في الرموش؟
فضلاً عما في ذلك من تبديل خلق الله ففي ذلك ضرر بالجسم، والإنسان أمين على نفسه ليس له أن يضر بها أبداً، فيجب على الإنسان أن يتقي كل (2/397)
صفحة 843
398
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
المضار، وبما أن هذه الرموش الصناعية تسبب شيئاً من الحساسية والالتهابات ويؤدي ذلك إلى سقوط الرموش فاتقاء ذلك أمر واجب، والله أعلم.
قرأنا في بعض الكتب أنه لا يجوز للمرأة أن تكتحل وتمتشط أو تضع
الزينة وهي حائض، فهل ينطبق ذلك على الفتاة غير المتزوجة؟ إنما قيل ذلك خشية أن يطمع فيها الزوج فيطأها، ومع الأمن لا يؤدي ذلك إلى المعصية، والله أعلم.
ما قولكم في إزالة المرأة لشعر وجهها وجسمها تزيناً لزوجها؟ لا مانع من ذلك إلا شعر الحاجبين، فإنه لا يزال منه شيء، والله أعلم.
هل يجوز للمرأة إزالة شعر اليدين والرجلين؟ وهل ينطبق ذلك على الفتاة غير المتزوجة؟
نعم يجوز لها ذلك قبل الزواج وبعده، والله أعلم.
هل يجوز قص شعر الحواجب والساقين واليدين في المرأة والرجل. أما الحاجبان فلا للنهي الثابت عن النبي بل النهي والوعيد وصل إلى حد اللعن: «لعن الله النامصة والمتنمصة»، أما شعر الساقين وشعر الصدر وشعر الوجه مثلاً فلا حرج في ذلك. والله أعلم.
الشعر الذي تقصه المرأة، هل يعتبر عورة بعد قصه؟
نعم، وعليها ستره كما أن شعر العورة يجب ستره عن الإبداء سواء كان شعر رجل أو امرأة، والله أعلم. (2/398)
صفحة 844
فتاوى عامة
399
يجب
ألا يعتبر ما يسمى المكياج تغييراً لخلق الله، وهو يغير لون البشرة والشفاه ويجعل شكل الإنسان كأنه ليس هو، فضلاً عما يدخل في صناعته من مواد كيميائية بترولية ضارة؟
أن يتقى الضرر، فإن كانت هذه المادة مأمونة الضرر وغير مختلطة
بشيء من النجاسات المحرمة، وكانت المرأة التي تستعملها تصون نفسها، ولا تزيد على كونها تجمل بها نفسها أمام زوجها فلا يؤدي ذلك إلى القول بأنه حرام، لأن الصورة لا تتبدل فيما أحسب، وإن كان ذلك يؤدي إلى تغير الصورة رأساً فذلك ولا ريب من تبديل خلق الله، والله
المستعان.
ما حكم استخدام المرأة لأحمر الشفاه الذي قيل أنه يصنع من الأجنة وأحياناً من شحوم الخنازير؟ وهل يحرم على المرأة استخدامه للتزين أمام زوجها؟
بما أن فيها مادة نجسة فلا يجوز استخدامها، وفي الحلال الطاهر غنى
والله أعلم.
سماحة الشيخ تستخدم بعض النساء كريمات لتبييض الوجه، وقد عرفت بعض هذه الكريمات بأضرارها بينما لم يثبت أي ضرر لبعضها الآخر، فهل يدخل استخدام هذه الكريمات تحت مفهوم تغيير خلق الله؟
إن كانت تؤدي إلى تغيير اللون فنعم، وكذلك إن كانت تؤدي إلى ضرر، أو كان الضرر منها غير مأمون، لا سيما إن كان مرجحاً، فالضرر يجب أن يتقى، والله أعلم. (2/399)
صفحة 845
400
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
ما حكم المساحيق والأصباغ والحمرة التي تضعها بعض النساء للزينة؟ إذا كانت في الفراش مع الزوج فلها أن تفعل ما تشاء من الزينة، ولكن مع مراعاة الزينة التي لا تحول بينها وبين طاعة الله، أما أن تتزين للمكتب والطريق ونحوهما فلا.
أمّا
هل يجوز للمرأة أن تعمل أحمر الشفاه وصبغ الأظافر، سواء أكانت في البيت أو خارجه؟ وهل تجوز الصلاة به؟
صبغ الوضوء والغسل، وأما أحمر الشفاه فقد ذكر بعض الناس أن مادته فيها شيء من أنفحة الخنزير ولئن كان كما قيل فلا يجوز استعماله بحال، وإن كان بخلاف ذلك ولم يكن فيه شيء مما يحرم فإنه يباح أن تتزين به المرأة لزوجها، لا أن تخرج به أمام الرجال، والله أعلم.
الأظافر فلا يجوز لأنه يحول بينها وبين وصول الماء إليها في
ما حكم طلاء الأظافر؟
طلاء الأظافر بمادة طاهرة لا ينقض الوضوء الذي سبقه، وإنما يؤثر على الوضوء الحادث فيما بعد، لعدم وصول الماء إلى الأظافر بسبب الحاجز الذي يكونه الطلاء، والله أعلم.
فتاة سمعت بأن أحمر الشفاه صنع من لحم الخنزير فإذا استخدمت تلك المادة هل تُعد أكلت لحم الخنزير وشحمه؟
جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام (2/400)
صفحة 846
فتاوى عامة
401
كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح
ألا وإن حمى الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب»،، فهذا الحديث يدلُّ على أن ما تبيّن للإنسان حِلّه فله أن يأتيه ويعمل به، وما تبين له حرمته عليه أن يتجنبه وما كان بين هذا وذلك بحيث تكون حوله شبهة فإن المسلم الذي يحتاط لدينه يؤثر أن يتقي الشبهات، لأن من وقع في الشبهات لا بد أن يقع في الحرام، كما لو رعى أحد حول حمى حماه أحد الملوك فإن رعيه في ذلك المكان يؤدي إلى أن يدوس هذا الحمى ويقع فيه، وبسبب ذلك يترتب عليه ما يترتب على من تعمد تجاوز
الحمى.
هذا ولا ريب أن الأشياء المستوردة قد يتبين للإنسان خلوها من كل مادة محرمة، وقد يتبين أن فيها شيئاً من المواد المحرمة، فما كان خالياً من المواد المحرمة وتبين ذلك تمام التبين فيجوز للإنسان أن يتناوله وينتفع به، وما تبين أنه مشتمل على مادة محرمة فعليه تجنبه، وقد سمعت بأن هذا الصبغ الأحمر المعبر عنه بأحمر الشفاه فيه مادة من الخنزير، والله أعلم من أي شيء هي، هل من جلده أو من لحمه أو من عظمه أو من شحمه؟ وهذا وحده كافٍ لإثارة الشبه والإنسان دائماً مطالب بأن يحتاط حتى لا يقع في محارم الله الله، ومحارم الله تبارك وتعالى هي حماه، فمن دخل في شيء من هذه المحارم أو حام حولها يعتبر منتهكاً لحمى الله الا الله فعلى العاقل أن يتجنب ذلك وأن يجنبه من ولي أمره، وأن يحرص على السلامة فإن السلامة هي رأس المال، والله تعالى أعلم. (2/401)
صفحة 847
402
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
إذا كان أحمر الشفاه مصنوعاً في دولة مسلمة وأرادت المرأة أن تتزين
به لزوجها؟
إن كان مصنوعاً في دولة مسلمة وكانت المادة غير مستوردة فهذا مما تطمئن النفس إليه ما لم يتبين أنه صُنع من مُحرم، وإن كان مصنو. عاً في أنه دولة مسلمة وتبين مصنوع من حرام وجب تجنبه، إذ الحرام حرام بذاته وإنما الذي استورد من دول الكفر تكون الشبهة حوله أقوى مما استورد من بلاد الإسلام، لأن بلاد الإسلام هي مظنة الاتقاء من الوقوع في مثل هذه المخاطر، ووضع هذا الصبغ في الفم يؤدي إلى أن يتحلل منه شيء مع الريق مما يؤدي إلى أن تبلع المرأة بعض هذا التحلل، والله تعالى أعلم.
ما رأيكم في مستحضرات التجميل التي تستعملها المرأة بكافة أنواعها، مثل مساحيق زينة الوجه وحمرة الشفاه، وصبغ العينن والرموش بالإضافة إلى صبغ الأظافر، وما هو الواجب عليها أن تعمله داخل البيت بين الأهل، وأيضاً خارج البيت أثناء زيارة الأقارب والجيران وهي مستعملة هذه المستحضرات؟
الأصل في الزينة الإباحة، إلا عندما يطرأ على هذا الأصل طاراء يقتضي التحريم، والدليل على ذلك قول الله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَمَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 32]، على أن الحكم على الأشياء كما جاء في الحديث: «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعرفهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، وعليه فيجب التأكد من خلو تلك المساحيق (2/402)
صفحة 848
فتاوى عامة
403
من المواد المحرمة، على أنه قد قيل بأن أحمر الشفاه من ضمن مكوناته شحوم الخنزير، وهو مما يورث الشبهة في سائرها، ثم يشترط في كل زينة ألا تكون مانعة من وصول الماء إلى شيء من أعضاء الوضوء أو الاغتسال الواجب، ولو كان جزءاً يسيراً، وبناءً على ذلك يمنع طلاء الأظافر بمادة الماء من الوصول إلى الأظفار عند الوضوء أو الاغتسال، ثم لا
عازلة تمنع بد من مراعاة ألا يكون في استعمال شيء من ذلك تشبه بالمشركات الفاسقات لحرمة التشبه بهن «فمن تشبه بقوم فهو منهم»، وعلى المرأة أن تستر جميع زينتها في البيت أو خارجه عن الرجال الأجانب ولو كانوا من أقاربها، والمراد بالأجنبي كل من يجوز له أن يتزوجها ولو بعد حين وإن كان ابن عمها أو ابن خالتها، والله أعلم.
سماحة الشيخ تستخدم بعض النساء ما يعرف بالأقنعة الطبيعية، وذلك بوضع طبقة من اللبن أو الروب أو العسل أو البيض أو خضراوات مهروسة توضع على الوجه من أجل تطريته وتنقيح البشرة، هل يصح استخدام المواد الغذائية لهذا الغرض؟ أولاً قبل كل شيء تطرية الوجه ينبغي أن تكون بالمحافظة على أسباب الصحة، ولكن - وللأسف ـ كثير من أسباب الصحة الآن أهملت، وليت الناس يحافظون عليها، ومن جملة المحافظة على أسباب الصحة: أن يكون نوم الإنسان مبكراً، وأن تكون يقظته مبكرة، هذا الأمر أصبح الآن عديماً مع الأسف الشديد، ومن ذلك ألا ينام وقد ملأ أوعية بطنه من الطعام، والناس الآن يأكلون في وقت متأخر، ومن ذلك أن يأكل الإنسان بقدر بحيث يتبع ما دل عليه قول الله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُشْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31]، وما دل عليه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عندما (2/403)
صفحة 849
404
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
هي
من
الأسباب،
حياة محدودة،
قال: «نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لم نشبع»، أي لا نأكل إلى حد الشبع، هذا كله فيه محافظة على الصحة، إلى غير ذلك وبجانب ذلك فإن ممارسة العبادات والإكثار من ذكر الله تعالى، تؤدي إلى إنارة الوجه. هذا أن هذه الحياة كيف ما كانت مع وشبابها شباب محدود ـ هذا إن أنسى للإنسان في أجله ـ وصحتها صحة محدودة، إذ تتهدد هذه الصحة الأمراض والأسقام، بل الحياة من أولها إلى آخرها محدودة، كل لحظة يترقب الإنسان فيها ريب المنون، لا يدري متى يفجؤه، فإذا كانت الحياة بهذه الحالة فهل هي تستحق من الإنسان أن يعتني بها هذه العناية الكبيرة على حساب الحياة الآخرة؟، إن المرأة التي تريد الجمال الدائم ونضرة الوجه واعتدال الجسم وكل معاني الجمال فلتحافظ على تقوى الله، فهناك حياة وعد الله الا الله بها المتقين فيها ما لا يخطر على بال أي أحد، {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَةٍ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] شبابها لا ينصرم وحياتها لا تنتهي وصحتها لا تقف عند حد، كل ما فيها نعيم مقيم فما بال الإنسان يستعمل العسل والبيض والألبان وغيرها هذا من الإسراف غير الجائز، ومن الترف، والترف منشأ كل شر من شرور الدنيا والآخرة، وهو مرتبط بالتلف، وما بينهما من التقارب اللفظي مؤذن لما بينهما من الترابط السببي والتآخي المعنوي، فإن الحق الله ما ذكر الترف إلا وهو مقرون بالشر ذكره مقروناً بعذاب النار يوم القيامة ـ والعياذ بالله، فعندما ذكر أصحاب الشمال أول ما وصفهم به قال: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} [الواقعة: 45]، وذكر ما يصيب الأمم من عذاب الدنيا فبين أن منشأ ذلك الترف، يقول سبحانه: حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْتَرُونَ} [المؤمنون: 64]، وقال: {وَكَمْ من قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا
قَصَمْنَا (2/404)
صفحة 850
فتاوى عامة
405
بأسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ * لَا تَرْكَضُوا وَاَرْجِعُوا إِلَى مَا أَتُرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَكِيكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْتَلُونَ} [الأنبياء: 11 - 13)، وذكر ما يصيب الأمم عموماً من العذاب فبين أن منشأ ذلك فساد المترفين وقال: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن تُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَرْنَهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16]، وذكر تكذيب المرسلين فبين أن منشأه أيضاً الترف فقال: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} [المؤمنون: 33]، وهكذا كل سبب للشر يكون غالباً منشأه الترف، فمثل هذه الأشياء المذكورة من الترف التي لا تقف بصاحبها عند حد، والله المستعان.
سماحة الشيخ: أفتيتم بعدم جواز استخدام المواد الغذائية كالروب والعسل ونحوهما لترطيب الوجه وتجميله، لما في ذلك من الإسراف واستخدام النعمة في غير ما خلقت له، ولكن ما حكم استخدامها لنحو العلاج كالليمون لتشقق الشفتين واستخدام قطع الخيار لإزالة السواد الذي يتكون تحت العينين واستخدام الكركدية المخلوط بالعسل والبيض لإزالة قشرة الشعر ومنع تساقطه، وذلك فراراً من الأدوية
المصنعة؟
لا مانع من ذلك، والله أعلم.
ظهرت دهانات بيضاء واقية من الشمس تشكل عند استخدامها طبقة على الوجه تمنع وصول الماء إلى بشرة الوجه أثناء الوضوء، فما حكم وضوء من توضأ مع وجود هذه الطبقة على وجهه؟
إن كان لا يمكن إيصال الماء بأي طريقة فذلك غير جائز، والله أعلم. (2/405)
صفحة 851
406
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
ما حكم تطويل الأظافر؟
هذا مناف للفطرة التي سنها الله الله لعبده الخليل وجاء سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤكداً بتقليم الأظافر، وما تطويل الأظافر إلا تقليد للغرب والكفرة، وهذا أمر محجور فإنه رمز موالاتهم فقد قال الله تعالى: {يَاتها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَرَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَكَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَابِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرِ مِنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَدِمِينَ} [المائدة: 51، 52]، وهكذا الذين يسارعون الآن في اتباع عادات أعداء الله سبحانه من الكفرة هم في قلوبهم مرض سواء كانوا من الرجال أم من النساء.
ما حكم إطالة المرأة لأظفارها، حتى وإن لم تكن تقليداً للغربيات ولكن تزيناً للزوج؟
ذلك أمر معاكس للفطرة، فإن من سنن الفطرة تقليم الأظافر، ومن أعرض عن ذلك فقد أعرض عن فطرة الله التي فطر الناس عليها، وليست الزينة في إطالة الأظافر وإنما الزينة في تقليمها، ولكن هذه نفوس انحرفت فطرها وانطمست بصائرها فاستحسنت القبيح واستقبحت الحسن، ولله الأمر من قبل ومن بعد، والله أعلم.
ما حكم لبس الذهب أثناء الدوام الرسمي؟
هذا الذهب إما أن يظهر للرجال أو لا، فإن كانت المرأة تستره ولا يبدو إلا للنساء فقط فأرجو أن لا يكون حرجاً عليها فى ذلك، أما إذا كانت تظهره للرجال فهو ولا ريب حرام. (2/406)
صفحة 852
فتاوى عامة
407
انتشرت في أوساطنا عادة الذهاب إلى الكوافير، والمرأة التي لا تذهب إليها تعدُّ متخلفة، علماً أن العاملين فيها رجال أو نساء كافرات، والمرأة تقضي وقتها في هذا المحل من الظهر حتى المغرب دون أن تصلّي، فما حكم ذلك؟
محمود،
أجاد أحد المشايخ عندما قال الكوافير مشتقة من الكفر، وهذا التخلف الذي تعيبه النساء على المرأة التي لا تذهب للكوافير تخلف لأنه تخلف عن الذهاب إلى الجحيم، فالمرأة المسلمة مأمورة أن تصون نفسها، ولا يحل لها أن تبدي شيئاً من جسمها للرجال اللهم إلا الوجه والكفين مع أمن الفتنة لا مع خوف الفتنة على القول الراجح، وإنما يستثنى من ذلك من ذكرهم الله تعالى في قوله: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَابِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَآبِهِنَّ، والمقصود بنسائهن النساء المسلمات غير الفاسقات، لأن المرأة العفيفة ألا تبدي مفاتنها أمام المرأة الفاسقة حتى لا تصفها للرجال لأنها غير مأمونة، وكذلك النساء الكافرات من غير مأمونات، فلذلك قيد الله تعالى بقوله: {أَوْ نِسَآبِهِنَّ، فكيف بإبدائها لزينتها وكشفها عن رأسها أمام الرجال الأجانب وأمام النساء الفاسقات الكافرات، نسأل الله تعالى
تؤمر
العافية.
ما الحكمة من عدم إبداء المرأة زينتها لإمرأة أخرى؟
عدم إبداء الزينة لا يشمل المرأة المؤمنة العفيفة، وإنما المرأة الفاجرة أو المرأة الكافرة خشية أن تصفها للرجال، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا تنعت المرأة المرأة لزوجها كأنما ينظر إليها» (2/407)
صفحة 853
408
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
ما قولكم في المرأة التي تذهب للكوافير لتصفيف شعرها لزوجها، وما قولكم في من يقول إن من يدخل هذا المكان كفر؟
نسأل الله تبارك وتعالى العافية، ودخول المرأة الكوافير التي قد يكون فيها رجل أو نساء غير مسلمات أو الفاسقات من النساء المسلمات غير جائز
لأنه مكان فيه ريبة، والكفر هنا ليس كفر شرك وإنما هو كفر نعمة.
ما حكم ذهاب المرأة إلى أماكن الكوافير لإزالة شعر الوجه واليدين؟ المرأة لها أن تتزين الزينة المشروعة، على أن تكون هذه الزينة إما بتزيينها لنفسها أو تزيين امرأة من المسلمات المحافظات، أما أن تذهب إلى مثل هذه الأماكن التي فيها ريبة، وقد تكون فيها امرأة غير مسلمة، أو مسلمة غير متقيدة بتعاليم الإسلام، ولا يؤمن منها أن تصف محاسنها للرجال إلى غير ذلك مما يكون من المخالفات الشرعية فذلك غير مباح، والله تعالى أعلم.
لا يكاد يمر يوم إلا ويفتح فيه محل للتجميل وتصفيف الشعر المعروف بالكوافير وأصبحت كثير من النساء ترتاد هذه المحلات علماً بأن هذه المحلات تقوم بنمص الحواجب وتسريح الشعر كما ذكرنا في السؤال السابق وتخرج منها المرأة بكامل زينتها وهنا تساؤلات عدة: ما حكم دخول هذه المحلات؟ وما حكم الإنفاق فيها؟ وما حكم الكسب منها؟، علماً بأن القائمات على أمر التزيين وأمر هذه المحلات قد يكن غير مسلمات؟
الجواب على هذا السؤال جواب متعدد المناحي، فمن ناحية فإن فيه كثيراً من المخالفات الشرعية، كنمص الحواجب فإنه من الكبائر، لأن كل ما جاء الوعيد عليه أو ترتب عليه لعن أو نحوه فهو من الكبائر، وقد ثبت في الحديث (2/408)
صفحة 854
فتاوى عامة
409
الصحيح عن الرسول الله أنه قال: «لعن الله النامصة والمتنمصة»، وكذلك تصفيف الشعر بطريقة تلفت الأنظار وتشد الانتباه ـ أيضاً ـ ذلك من المعاصي الكبيرة، لما جاء من الوعيد الصريح في ذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: «رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة رتب على ذلك وعيداً شديداً فقال: «صنفان من أهل النار وقال أيضاً: «لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها يوجد من مسيرة كذا»، ومن ناحية أخرى فإن إبراز المرأة لزينتها أمام المرأة غير المسلمة أو المرأة الفاجرة - وإن كانت تنتمي إلى الإسلام ـ غير جائز، فإن الله تعالى قال: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَابِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَآبِهِنَّ} [النور: 31]، أي النساء المؤمنات، لأن الله تعالى قال في الآية من قبل: {وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ، فالنساء المذكورات هنا هن اللواتي يجوز للمرأة المسلمة أن تبدي زينتها عندهن وهن النساء المؤمنات دون غيرهن إذ النساء الكافرات والمشركات لسن بمؤمنات، وكذلك المرأة الفاجرة التي تفصت من الإيمان بفجورها، فلا يجوز إبراز هذه الزينة عندها، فكل من ذلك يجب أن يحذر منه.
أما فيما يتعلق بالإنفاق والكسب، فالإنسان مسؤول عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، ففي الحديث عن النبي: لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما علم، فيسأل المال عن من أين اكتسبه، لأنه ليس له أن يكتسبه من أي، وجه، وإنما يكتسبه من الوجوه النظيفة المحللة، كما يسأل عنه فيما أنفقه، لأنه ليس له أن ينفقه في أي سبيل، وإنما ينفقه في سبيل مباح، ومثل هذا الإنفاق ليس هو إنفاقاً في سبيل مباح، وهذا الكسب أيضاً، هو كسب خبيث، لأنه يأتي من طريق محرم، والله أعلم. (2/409)
صفحة 855
410
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
سماحة الشيخ يصل الأمر في بعض صالونات التجميل إلى حد إزالة الشعر من العورة ووضع الحناء في مواضع حساسة من الجسد كالفخذ، بحجة التزين للزوج، ويقتضي ذلك أن تتكشف المرأة وتستسلم لمن يقوم بذلك، وجاءت الآن صرخة ما يسمى بالحمام المغربي الذي تقوم فيه العاملة بصالون التجميل بتقشير الجسم، ويتم ذلك بالليزر أو البخار أو بالكريمات الخاصة بدعوى إزالة الخلايا الميتة، فما قول سماحتكم في هذه الأفعال التي تقوم بها مجموعة من
النساء؟
هذا كله من المحرمات، لأن المرأة المسلمة عند النساء المؤمنات الصالحات لا يجوز لها أن تكشف ما بين سرّتها وركبتها إلا في حالة الضرورة القصوى، كحالة العلاج الذي لا بد فيه من كشف ما يجب في الأصل ستره، أما أن تكشف المرأة هذه السوءة الكبرى لأجل التزين فذلك غير جائز، ولا يجوز للمرأة أن تطلع على عورة المرأة كما لا يجوز للرجل أن يطلع على عورة الرجل، والنساء اللواتي يقمن بهذه العملية هن غير مؤمنات حتى ولو ادعين الإسلام، فلا يجوز للمرأة أن تظهر معهن زينتها فضلاً عن كشف عورتها. والله المستعان.
هل يصح للرجل أن يذهب بزوجته إلى محلات التزين (الكوافير) لإزالة شعر الوجه واليدين؟
تلك أماكن يرتادها الفساق من رجال ونساء فالذهاب إليها مشاركة في الفسوق ولا يرضى ذلك من في قلبه بقية من الإيمان، بل ولا من في نفسه بقية من الغيرة والشهامة، والله أعلم. (2/410)
صفحة 856
فتاوى عامة
411
في
ما قولكم في رجل أراد أن يفتح محلاً للكوافير وتعمل به امرأة؟ ذلك عون للنساء على التبرج وتشجيع عليه، وكفى به إثماً مبيناً،
والله أعلم.
أنا رجل أنوي فتح محل تجاري يعنى بتحسين الشعر للفتيان والفتيات دون سن البلوغ، فهل من حرج في ذلك؟
أما الفتيات فلا يجوز خروجهن إلى محلات التجميل إلا إن كن في سن الطفولة، فلا حرج في ذلك، والله أعلم.
انتشرت في الآونة الأخيرة عادة جديدة لدى إقامة المهرجانات والحفلات سواء العامة أو العائلية وهذه العادة هي الرسم على وجوه الأطفال بحيث تستخدم أصباغ لرسم حيوانات مثل القرود ونحوها أو قلوب، فما حكم من يقوم بذلك؟ وما حكم من يسمح بأن يعمل ذلك
لولده؟
فكأنما
هم
کلاهما شريكان في استحقاق سخط الله تبارك وتعالى، فالله حرم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم تصوير ذوات الأرواح، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أصحاب هذه الصور ليعذبون بها يوم القيامة ويقال لهم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم، خلقوا خلقاً حاولوا أن يضاهوا به خلق الله، وهذا من الأمور الخطيرة التي يترتب عليها الوعيد الشديد فيجب اتقاء ذلك، والله أعلم. (2/411)
صفحة 857
412
نظر المرأة
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
هل أمر المرأة بغض البصر عن الرجال الأجانب مطلق أم مقيد بنظرة
الشهوة؟
النظر سهم مسموم، وعندما يطلق الإنسان نظره ـ سواءاً أكان رجلاً أم امرأة ـ إلى الجنس الآخر لا يأمن أن تثور في نفسه نوازع الشر، فلذلك من باب سد ذرائع الفساد يجب على الإنسان أن يمتنع عن النظر، وإنما يسمح بالنظر بقدر الضرورة فقط، لا بما زاد عنها، والله تعالى أعلم.
إن النظر إلى العالم عبادة، فهل يجوز للمرأة أن تنظر إلى العالم؟ المرأة مطالبة أن تغض بصرها، ولئن تغض بصرها خير لها من أن تنظر إلى عالم أو جاهل، إلا أنها مع أمن الفتنة لا نقول بأنها قد قارفت معصية بذلك، والقول بأن النظر إلى العالم عبادة لا أعرف دليله ولا صحة هذا الدليل.
ما حكم نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي؟
المرأة تُؤمر بغض بصرها، كما يُؤمر الرجل بغض بصره، ومعظم الفتن بسبب النظر، ومعظم النار من مستصغر الشرر، فيجب اتقاء النظر، وإن كانت نظرت إليه وهي آمنة من الشهوة فالمسألة أهون، ولكن هذا لا ينبغي أن تنظر إلى رجل أجنبي لغير داع.
مع (2/412)
صفحة 858
فتاوى عامة
413
ما حكم مشاهدة المرأة للرجال من خلال شاشة التلفاز؟
تُؤمر بغض النظر، إلا عندما تنظر من غير شهوة ومن غير أن تكون متعمدة للنظر نفسه، ولكن لأجل معرفة شيء ما. (2/413)
صفحة 859
414
صوت المرأة
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
متى يكون صوت المرأة عورة؟
يكون صوت المرأة عورة عندما يكون مثيراً، فلا يجوز للمرأة أن تتحدث بإثارة، بل عليها عندما تتحدث مع الأجنبي أن تتحدث بدون إثارة.
هل صوت المرأة يعتبر عورة أو فتنة؟
شدد بعض العلماء في صوتها حتى اعتبروا أنه إذا جاوز حداً معيناً يكون سبباً لوقوعها في الإثم، ولا يوجد دليل على ذلك من السنة حتى نعتمده، وإنما نرى أنه عندما تتحدث بتغنج وتكسر وتلين الصوت فهنا يكون صوتها فتنة، أما عندما تتحدث بغير ذلك فلا يترتب على حديثها شيء من الحرمات.
ما قول سماحتكم في إلقاء المرأة السلام على الرجال الأجانب خاصة إذا كانوا شباباً، وكذلك العكس أي إلقاء الشباب السلام على النساء، خاصة إذا كن فتيات؟ أما إن كانت النفوس بريئة والضمائر نقية ولم تكن هنالك ريبة فلا حرج في ذلك، فقد كان السلام من قبل بين الرجال والنساء، لأن السلام هو تحية المسلمين بعضهم لبعض سواء الرجال أو النساء، وقد سأل موسى علام شعيب عن أمرهما، فذلك دليل أنه لا يمنع الرجل الأجنبي أن يكلم
بنتي (2/414)
صفحة 860
فتاوى عامة
415
النساء الأجنبيات والعكس، فمع نقاء الضمائر وصفاء النفوس لا حرج في ذلك، أما إن كانت هنالك ريبة فالريبة تتقى، والله تعالى أعلم.
هل يجوز للطالبة أن ترفع صوتها وتناقش وتجادل أم لا؟ إن كانت ترفع صوتها باحتشام بقدر أن يسمع صوتها فيما هو ضروري فلا حرج عليها.
هل يجوز أن تقرأ المرأة القرآن أمام الرجل أو أن تتلو أمام الدكتور مثلاً: ونحن مضطرون إلى ذلك؟
أولاً هل هذا الدكتور ثقة وأمين؟ وهل لقب الدكتوراه يكسبه الثقة والأمانة؟! على أن المرأة لا يحل لها أن تخلو برجل أجنبي مهما كانت ثقته، ولو كان عفافه كعفاف يوسف، فالخلوة محرمة، أما في غير الخلوة فالمرأة إن قرأت القرآن أو غيره يجب ألا تقرأه بصوت فيه إثار.
ما حكم تحدث المرأة مع مع الخياط؟
هذه الأمور تختلف بين وضع وآخر، فأولاً ما هو الداعي إلى الذهاب إلى هنالك؟ ثم ما الداعي إلى الحديث؟ والخياط لا يختلف حكمه عن حكم
غيره.
ما
حكم تحدث المرأة مع خياط الملابس مع الرجاء بأن توجه كلمة
شاملة للنساء؟
النساء يؤمرن بصون أنفسهن خصوصاً إن كانت المرأة تتحدث مع رجل غير مأمون، فلا ينبغي أن تتحدث معه، بل ينبغي أن تعتزل ذلك، وأن تكون دائماً على حياء وعفة ونزاهة وأن تبتعد بنفسها عن الرجال. (2/415)
صفحة 861
416
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
ما رأيكم في تحدث المرأة مع عاملها في أمر هي بحاجة إليه فيه، علماً بأن هذا العامل مسلم؟ أما الخلوة فليس لها أن تخلو برجل أجنبي مسلماً كان أو كافراً، بل حتى لو كان حميها، كما دلّ على قول النبي صلى الله عليه وسلم: إياكم والدخول على النساء». فقال له رجل من الأنصار: أرأيت الحمو يا رسول الله؟ فقال له رسول الله: «الحمو الموت»، أما إن كانت لا تخلو به، أو كانت تكلمه واسطة، كأن تكلمه في الهاتف وكان كلاماً بريئاً فلا حرج في ذلك.
بوا
هل كلام الرجال غير المحارم في الهاتف حرام على المرأة، علماً بأنها
تعرفهم؟
الكلام نفسه إن لم تكن هنالك ريبة ليس محرماً، فأزواج النبي صلى الله عليه وسلم أُمهات المؤمنين - رضي الله عنهن - كان الصحابة والتابعون يسألونهن عن أمر الدين، خصوصاً ما يتعلق بأمور المسلمين مما عرفنه من سنة النبي، وكن يجبنهم من وراء حجاب.
ما حكم الزوجة التي تكلم غريباً وقد نصحت من قبل أبنائها وأخذوا عنها الهواتف لكن الزوج صامت لا ينكر عليها فبالنسبة لهم هل يهجرونها أم يضربونها أم يرحلونها إلى أهلها؟ أم ماذا يصنعون معها؟ كيف يرحلونها إلى أهلها وهي في ذمة زوج؟ ترحيلها إلى أهلها أمر عسير، ولكن عليهم أن ينصحوها بقدر، مستطاعهم، وأن يحركوا مشاعر الزوج حتى لا يقر السوء في أهله، فإن الذي يقر السوء في أهله ديوث، والديوث حرام عليه رائحة الجنة كما جاء في الحديث عن النبي أن مكالمة مع المرأة للرجل الأجنبي في الهاتف من غير ضرورة ومن غير أن يكون الكلام بريئاً أمر فيه كثير من الخطورة، والله تعالى أعلم. (2/416)
صفحة 862
فتاوى عامة
خروج المرأة من البيت
417
في
ما الحكم في ذهاب المرأة إلى السؤال في مسألة دينية عند رجل عالم الدين، علماً بأنهما أحياناً يكونان بمفردهما؟
في
هذه الحالة ينبغي ولو كانت خادمتها، أو أن يكون معه ذو محرم منه.
أن يكون بينه وبينها حاجز أو أن يكون معها محرم،
حافلة يختلط فيها الرجال مع النساء، فهل يصح للمرأة أن تركبها دون محرم مع الضرورة؟
من المفروض أن يكون فيه مكان للنساء ومكان للرجال، وألا يختلط بعضهم ببعض بحيث تتحيز النساء إلى جهة ويتحيز الرجال إلى جهة
أخرى، ومع الضرورة يباح ما لا يباح في حالة الاختيار، والله أعلم.
هل يجوز للمرأة أن تذهب إلى الكوافير لغرض غير مخالف لشريعة
الله؟
نفس الذهاب مخالف لشريعة الله فإن هذه الأماكن أماكن للريب، إذ كثيراً ما تكون المرأة فيها عرضة للانكشاف إما لرجل أجنبي وإما لامرأة غير
مسلمة أو غير أمينة، فلذلك لا ينبغي أن تذهب إليها، والله المستعان. (2/417)
صفحة 863
418
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ما حكم المرأة التي تذهب إلى الكوافير؟
هذه الأماكن لا تذهب إليها إلا المرأة التي لا خلاق لها في الإسلام، لأن التي تعمل في الكوافير إما كافرة أو فاسقة، والمرأة المسلمة لا يجوز لها أن تظهر زينتها عند هؤلاء.
ما حكم ذهاب المرأة إلى الخياط لتفصيل الملابس مع إعطاء الخياط المقاس؟ نتمنى أن يكون للنساء اهتمام بملابسهن من غير أن يقوم الرجال بذلك، فإن الرجل قد يتأثر بمجرد رؤيته للباس المرأة، ولا سيما الملابس الداخلية أو الملابس التي تفصل وتبين قوام المرأة أو غير ذلك، وهذا يؤدي إلى الفتنة، ولذلك نود اجتناب هذا الأمر من باب سد الذرائع، فإن من أحكام الإسلام سد ذرائع الفساد.
تقريباً
هل يجوز للمرأة أن تخرج إلى المستشفى أو إلى الأسواق مع غير ذي
محرم، وهل يجوز لها أن تركب مع أصحاب السيارات؟
المرأة لا تختلي إلا بذي، محرم، أما الخلوة بالأجنبي فلا تجوز، والسيارة هي شبيهة بالخلوة، وفي غير حالات الضرورة لا تركب مع أجنبي إلا أن يكون معها ذو محرم، والله أعلم.
ما حكم خروج مجموعة من الفتيات إلى المحلات لشراء حاجاتهن الخاصة دون أن يكون مع أي واحدة منهن محرم، علماً أنهن يخرجن بكامل الحشمة والعفة والستر؟ إن كن لا يدخلن المحل مع رجل أجنبي فالمسألة أهون، هذا كله
ومع
فذلك لا ينبغي إلا بمقدار الضرورة فقط من غير زيادة على ذلك، وعندما (2/418)
صفحة 864
فتاوى عامة
419
يمكن أن يقوم أخوها أو أبوها أو نحوهما بشراء ما تحتاج إليه فالأولى لها أن تدع الخروج لمثل هذه المحلات.
هل يجوز للمرأة أن تذهب إلى التسوق؟ وما هو المستحب في هذه المسألة؟ إن كانت تختلط بالرجال وتحتك بهم فلا، وأما إن كانت تعتزل الرجال ولا يوجد رجل يقوم بهذا الغرض وهي محتاجة إلى ذلك فعليها أن تحتشم أيما احتشام، وأن تتجنب الاختلاط بالرجال والخلوة بهم، بحيث لا تدخل المكان الذي فيه أجنبي وتختلي به، والله أعلم.
ما حكم الإسلام في الفتيات اللواتي يكثرن الخروج إلى الأسواق؟ خروج المرأة لغير سبب مما ينافي ما أمرت به من الوقار والحشمة، فالله الله يقول لأمهات المؤمنين وهن خير النساء وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُن} [الأحزاب: 33] ولو كان هذا الحكم ليس مفروضاً على الجميع، فإن تردد المرأة في السوق مظنة لكثير من الأمور المنافية للستر، فإنها مظنة لتعرضها للرجال بل والاجتماع بهم وتشوفهم إليها ولا تأمن الفتنة في مثل هذه الحالة، فعليها أن تجتنب ذلك جهدها إلا للضرورة.
يقام سوق الأربعاء ويزعم أنه للنساء خاصة، وقد أخذ هذا السوق يستقطب عدداً هائلاً عدداً هائلاً من الرجال والنساء من مختلف المناطق، ويعتبر وكراً من أوكار الفساد ومقراً للتعارف بين الشباب والفتيات، فنرجو أن توضحوا لنا هذه الأمور وهي حكم من يسمح لأهله بارتياد هذا السوق، هل يعتبر ديوثاً في حكم الشرع يناله الوعيد؟ وحكم ارتياد هذا السوق؟ وما هو واجب المسلم إزاء هذا المنكر العظيم؟ لا ريب أن ارتياد أي مكان من أمكنة الفساد حرام، فكل مفسدة يجب أن (2/419)
صفحة 865
420
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
تقاطع، ولا يجوز الإقرار بأية مفسدة، فبما أن هذا المكان مكان فساد ولو كان الذاهب لا يذهب للفساد ولكن في ذهابه إليه تشجيع على الفساد من ناحية، ومن ناحية أخرى قد تلحقه التهمة، وعلى الإنسان أن يستبرئ لدينه ولعرضه وأن يتقي كل شبهة من الشبهات فلا يجوز الذهاب إلى هناك، أما ترك الأهلين لأن يذهبوا إلى هذا المكان فلا ريب أن
من
سمح
لأهله
بالذهاب إليه وكان على علم بالفساد الذي يقع هنالك هو ممن يقر السوء وهو ديوث وتحرم عليه الجنة والواجب على المسلمين جميعاً
أهله في التعاون على تغيير هذا المنكر.
ما حكم إظهار المرأة لزينتها عند خروجها من البيت وخاصة إظهار الخاتم والأساور؟ وهل هي من الزينة؟ وبماذا نرد على من يقول أن هذه ليست ملفتة وليست أيضاً مثيرة للرجل؟
قول من قال بأن بروز خاتم المرأة وبروز أساورها غير لافت لنظر الرجال كلام غير صحيح ولا أساس له من الصحة، لأن الرجل يلفته من المرأة كل شيء، فنفس جرس حليها ولو لم يبد هو لافت لنظره ومثير لخياله وأحاسيسه، وكذلك نفحة طيبها ونبرة صوتها، ولذلك نرى في الأدب الرباني الذي يؤدب الله تبارك وتعالى به عباده من المؤمنين والمؤمنات قوله تعالى: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: (31]، فأمر أن لا يثرن حواس الرجال ومشاعرهم من خلال إسماعهم جرس، حليهن، فكيف بما إذا كان ذلك الحلي ظاهراً وتمتد إليه أنظار الرجال؟ لا ريب أن ذلك مما يثير كوامن ما في نفوسهم من الرغبة في هذه النسوة، فلذلك كانت الضرورة داعية إلى أن تستتر المرأة ولا تبرز هذه الزينة، ومن قال بأن الأساور غير (2/420)
صفحة 866
فتاوى عامة
421
زينة؟! إذاً ما معنى لبس المرأة لها؟! وكذلك الخاتم إن لم يكن زينة فما معنى لبس المرأة له؟! هل تلبسه عبثاً أو تلبسه للتزين؟! فعلى المرأة أن تحرص على إخفاء كل ذلك وعدم إبدائه إلا لزوجها وذوي محارمها، والله تعالى أعلم.
هل يجوز إظهار زينة الثياب عند الخروج؟
إذا كانت الثياب فيها لمعان وزينة - أي ثياب مغرية تلفت نظر الرجال - فذلك غير جائز.
إن الإسلام حض على النظافة والتزين والظهور بالمظهر الحسن، فهل من حرج على المرأة إذا خرجت من بيتها متعطرة لزيارة إحدى جاراتها، التعطر وكونها بها رائحة كريهة يبعث على التأفف والتنافر؟
لأن
عدم
لا تخلو هذه المرأة إما أن تكون تمرّ على الرجال أو لا، فإن كانت آمنة من مرورها على الرجال فيُباح لها أن تتطيب أما إن كانت تمر على الرجال فلا، وتُؤمر أن تستحم وتستعمل بعض المنظفات التي تزيل الرائحة الكريهة من غير أن تكون بها رائحة تستهوي الذين في قلوبهم مرض، والله المستعان.
هناك كثير من النساء يرغبن أن يخرجن من البيت وهن متعطرات لا لإغراء الرجال ولا لغيرها من الفتنة ولكن من أجل الرائحة الطيبة، ولاختفاء هذه الظاهرة تقيداً بقول العلماء أصبحن لا يشممن روائح طيبة سوى روائح العرق، فما قولكم؟ تُؤمر المرأة إن خرجت من بيتها أن تخرج غير متطيبة، ولذلك شدد النبي صلى الله عليه وسلم في شهود المرأة المتبخرة الصلاة في المسجد: «من أصابت بخوراً (2/421)
صفحة 867
422
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
فلا تشهد معنا الصلاة لأن المرأة لها أثر بالغ على الرجل سواء من نفحة طيبها أو من جرس حليها أو من ترنيمة صوتها فكل ذلك يؤثر على الرجل تأثيراً بالغاً، فلذلك تُؤمر المرأة ألا تتطيب، اللهم إلا إذا كانت متطيبة قبل خروجها، وما استطاعت أن تخفي ذلك الطيب، واضطرت إلى الخروج فالله أولى بعذرها.
امرأة تتعطر وتتزين وأسفل الكعبين خالٍ من الثوب، والزوج راض على
ذلك، فما حكمه. وهل يعتبر ديوثاً وما حكم الديوث؟
إن كانت تتعطر عندما تخرج من البيت وتلقى الرجال فذلك لا يجوز، وكذلك إظهار شيء من ساقها ولو من أسفل، وأقل ما يقال في الزوج ـ إن رضي بذلك ـ أنه مقر للمنكر، والساكت عن المنكر ملعون، والله أعلم.
امرأة ضيفت امرأة وقامت بعد ذلك بتقديم العطور لها عند نهاية الجلسة وعودة تلك المرأة إلى منزلها، فهل على المرأة المضيفة إثم في تقديم العطور لها؟
إن كانت المرأة الزائرة تمرّ على رجال يشكون ريحها فهما مشتركتان في الإثم، وإن كانت آمنة من أن يشم أحد من الرجال ريحها فهما سالمتان، والله أعلم.
ما حكم الإسلام في إخراج العطر للضيوف (النساء)؟
المرأة منهية عن الطيب عندما تخرج من بيتها لئلا يشم ريحها الرجال، وعليه فإن كن يخرجن إلى الطرق حيث يصادفن الرجال فلا يجوز إخراج الطيب لهن، لما في ذلك من العون على المعصية، والله أعلم. (2/422)
صفحة 868
فتاوى عامة
423
هل يجوز للمرأة وضع قليل من العطر الروائح) عند الخروج لمنع رائحة الجسم من الظهور؟
إن كانت رائحة الطيب لا تظهر فلا حرج، والله أعلم.
إذا خرجت المرأة متعطرة من بيتها مباشرة إلى سيارة زوجها ثم إلى نساء لزيارتهن والرجوع مع الزوج أيضاً، فهل يثبت عليها حكم من خرجت متعطرة على غير هذه الصفة؟ إن كانت لا يشم الرجال الأجانب ريحها فلا حرج في ذلك، والله أعلم.
هذه
ما حكم الإسلام في خروج النساء لتوديع حجاج بيت الله الحرام، بأن هناك نساء أجنبيات غير ذوات محارم؟
علماً
أعف
أهله،
من العادات السيئة التي يجب تفاديها، فإن المرأة مأمورة بأن تبقى في بيتها لا أن تخرج عنه، فالله الله خاطب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وهن النساء جيباً وأطهرهن عرضاً وأنقاهن ضميراً وأطهرهن سريرة، وقد كن بين المهاجرين والأنصار الذين كانوا يجلون النبي صلى الله عليه وسلم حقه في بقوله لهن: يَنِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تبرجن تبرج الْجَهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَوةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الأحزاب: 32 133، ثم بيّن علة هذه الأوامر بقوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33] فهذه الأوامر تطهير من الله تبارك وتعالى والناس قد تساهلوا في النساء في غير حالة العدة، فهي تجلس مع من تشاء وتصافح من تشاء وتمزح مع من تشاء، وهذا أمر غير جائز، فاجتماع النساء بالرجال فيه
أمر (2/423)
صفحة 869
424
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
حرج كبير وهو أمر لا يجوز، فعلى المرأة أن تتقي الأجانب ولو كانوا من أقاربها كابن عمها وابن خالها وزوج أختها وأخي زوجها فهؤلاء أجانب لأنهم يجوز لهم أن يتزوجوها، فلا يجوز لها أن تختلط فضلاً عن أن تختلط بغيرهم ممن هم أبعد منهم نسباً، فيجب أن تعود النساء إلى الصون والبقاء في مساكنهن.
بهم
نرى كثيراً من النساء يخرجن يوم العيد بكامل زينتهن فيلبسن الحلي ويتعطرن ولا يلبسن الجلابيب السود الساترة بدعوى أن السواد لا يتناسب مع يوم العيد لأنه يوم فرح والسواد يجلب الحزن بل ربما يلبسن الجلابيب المنقوشة بالخيوط الذهبية أو الفضية التي تثير الفتنة، والأفظع من ذلك أن كثيراً من هؤلاء يخالطن الرجال؟
ولا يجوز ذلك لأنه من المفسدة التي يجب إنكارها، فالمرأة تؤمر أن تضع جلباباً من أجل ستر زينتها ومفاتنها وما يشد الانتباه إليها من الثياب، وعندما تخلع الجلباب تكون مخالفة لأمر الله وليس الجلباب الأسود رمزاً للحزن وإنما هو رمز الستر والصون والعفاف وعليها عندما تخرج ألا متطيبة وعليها أن تستر زينتها، والله تعالى أعلم.
تخرج
ما الحكمة في منع النساء من الاختلاط بالرجال سواء في الدراسة أو
في العمل؟
الحكمة واضحة فإن الجمع بين النار والوقود لا يعقبه إلا الاشتعال، أن تكون الحالة إذا كانت المرأة تختلط بالرجل؟! إنما يترتب
وماذا عسى
على هذا الاختلاط أن تثور أحاسيسه وأحاسيسها، ومن الذي يضمن (2/424)
صفحة 870
فتاوى عامة
425
ويأمن من ثوران هذه الأحاسيس الباطنة؟ أو يأمن من انطباع صورته في ذهنها وصورتها في ذهنه؟ أو أن يبقى خياله مشغولاً بها وخيالها مشغولاً به؟ ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والدخول على النساء» فقال له رجل من الأنصار أرأيت الحمو يا رسول الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحمو الموت»، وهذا واضح في ما يقع في عصرنا هذا، فقد وقعت أحداث كثيرة ترتبت على مثل هذا الاختلاط، من ذلك أن رجلاً جاءني قبل بضعة أشهر وذكر لي أن أخت امرأته تختلط بهم في البيت فعلق بها وصار مغرماً بها إلى حد بعيد بحيث لا يستطيع الصبر عنها، فجاء يستشيرني في تطليق امرأته لأجل أن يتزوجها من بعد، كما أن رجلاً وامرأته جاءا لي وقد وقعت بينهما مشكلة، ووقعت المشكلة أيضاً بين تلك المرأة وأختها، بسبب أن هذا الرجل يحضن تلك الأخت في السيارة، فوقعت بينه وبينها مودة غرامية، وتفطنت زوجته لذلك فاتصلت بتلك الأخت هاتفياً وشتمتها وصارت ما بينهما القطيعة، كما أن الرجل صار أيضاً مشرداً بسبب هذا الاتصال الذي بينه وبين أخت امرأته، وقد ترافع الرجل وزوجته إليَّ في هذه القضية، بل جاء إلي رجل وذكر لي أن أختاً له ذهبت لتقوم بشؤون أختها التي كانت على وشك الولادة، فولدت أختها الحامل وبقيت هذه الأخت معها إلى أن انقضى أمد نفاسها ثم رجعت إلى أهلها ولكنها عندما رجعت رجعت هي الأخرى حاملاً، وعندما سُئلت قالت إنها حملت من زوج أختها، فهذه الأمور كلها تسبب مشكلات متعددة، فكيف يقال إن اختلاط المرأة بالرجال واختلاط الرجال بالنساء أمر مأمون الجانب؟! فعلى الرجال والنساء أن يتقوا الله الا الله وأن يخشوا مغبة هذه اللقاءات التي تكون بين الطرفين، والله المستعان. (2/425)
صفحة 871
426
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
نهى الإسلام عن الاختلاط بين الرجل والمرأة في كل المجالات، فما
هو حكم الإسلام في اختلاط الطالبات والطلبة في أثناء الدراسة؟ لا فرق بين مجال الدراسة، وغيره، فالمرأة مأمورة بأن تصون نفسها عن
الرجال، والرجال مأمورون بأن يصونوا أنفسهم حتى لا تقع الفتنة.
نعلم خطورة الاختلاط وحرمته من خلال الآيات والأحاديث الكثيرة، فهل الإجماع منعقد على ذلك؟
الإجماع لا داعي إليه مع وجود النص، فإن النص حجة بذاته، ولا مجال للاختلاف مع ورود النص، فمع ورود النص القطعي من القرآن الكريم، وكذلك عندما يثبت الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا سيما عندما يبلغ الحديث درجة الشهرة أو درجة التواتر، وكان صريحاً في الموضوع فلا مجال للنظر في الإجماع أو الاختلاف، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يأتي الإجماع مخالفاً للنص القطعي من الكتاب العزيز أو السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، والإجماع عندما يكون مستوفياً لشروطه يكون أيضاً بمثابة الدليل القطعي عند جمهور العلماء، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن هذه الأمة لا تجتمع على ضلال. (2/426)
صفحة 872
فتاوى عامة
سياقة السيارة
427
عرف عنكم أنكم أفتيتم بانتحار من يقود سيارته بسرعة كبيرة لا يتغلب عليها، فهل لكم أن توضحوا هذا الأمر؟
لا يخفى ما للإنسان من قيمة عند الله تبارك وتعالى في هذا الوجود وما له من منزلة يتبوؤها في هذا الكون، لأن الإنسان لم يخلق كغيره من الكائنات التي ينشرها الميلاد وتطويها الوفاة، وإنما وجود الإنسان يمتد إلى ما بعد هذه المرحلة القصيرة المحصورة بين الميلاد والوفاة، فوجود الإنسان يمتد بفكره الذي يخلفه والذي تنتفع به أجيال الأمم جيلاً بعد جيل، كما يمتد امتداداً حقيقياً في الوجود الأخروي الذي ينقلب إليه ويُجزى فيه بأعماله التي قدمها خيراً كان ذلك أو شراً، فإن ما يقدمه الإنسان في هذه الحياة لا يمكن أن يستوفي جزاءه جميعاً فيها، ذلك لأن الله تبارك وتعالى جعل حياة الناس في هذه الحياة ليست بحسب ما يقدمونه من خير أو شر، إذ هي حياة ابتلاء وليست حياة جزاء، لذلك كان الجزاء مدخراً ليلقاه الإنسان في دار المنقلب، وهنالك ينقسم الناس إلى فريقين فريق في الجنة وفريق في السعير، بحسب ما قدم الإنسان في هذه الحياة من صالح الأعمال أو سيئها. هذا ولا ريب أن هذا التكريم الذي كُرمه الإنسان نُص عليه في كتاب الله سبحانه الذي لم يغادر صغيرة ولا كبيرة مما تحتاج إليه الحياة الإنسانية إلا (2/427)
صفحة 873
428
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
أحصاها وبوأها ـ في نظام دقيق - مكانها اللائق بها، فالله تعالى يقول في تكريم الإنسان: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70]، ويتمثل هذا التكريم في تسخير الكائنات بأسرها له فحمل بمشيئة الله في البر وفي البحر وأصبح الآن محمولاً أيضاً في الهواء، ومن هذا الحمل في البر ركوب السيارت التي تقطع المسافات البعيدة وتقرب القاصي وتوصل الإنسان إلى مبتغاه، وهذه نعمة كبرى من نعم الله التي أسبغها على هذا الكائن البشري والتي يجب أن تُقابل بالشكران، وأن يحرص الإنسان على أن تكون سبباً للسلامة لا أن تكون سبباً للعطب، ومن تكريم الله للإنسان أيضاً أنه لا الله جعل الاعتداء على حياته أمراً خطيراً تترتب عليه العقوبة الدنيوية والعقوبة الأخروية، أما العقوبة الدنيوية فتتمثل في قول الله تعالى: إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33]، والعقوبة الأخروية نص الله تعالى عليها في قوله: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93]، وقد قرن الله بين الاعتداء على قتل الإنسان وبين الإشراك بالله والزنى عندما يقول الله سبحانه: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ
تلے
وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ، مُهَانًا إِلَّا مَن تَابَ وَآمَن وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحًا فَأُولَبكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الفرقان: 68 - 70]، وليس العدوان الذي حرمه الله الله
فيما يتعلق بهذا الجانب محصوراً في عدوان الإنسان على غيره، بل عدوان (2/428)
صفحة 874
فتاوى عامة
429
الذي
فيها
جهنم
يُفاخر
الإنسان على نفسه أمره كبير، فإن الله تبارك وتعالى يقول: {وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29]، وجاء في الحديث الشريف أخرجه الشيخان وغيرهما من طريق أبي هريرة له عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالداً مخلداً، ومن رمى نفسه من شاهق فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً فيها مخلداً ومن شرب سماً فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار خالداً مخلداً»، هذا هو مصير من يقتل نفسه، وذلك هو مصير من يقتل غيره، ومن المعلوم أن الذي يُسرع إسراعاً يتجاوز حدود الاعتدال أو يُخالف نظام السير مخالفة تؤدي إلى أن يُخاطر بنفسه أو يُخاطر بغيره أو يجمع ما بين هاتين المخاطرتين، هو في حكم القاتل المنتحر، فهو قاتل لغيره لأنه لا يبالي بما يترتب على هذه السرعة الجنونية التي يراها فخاراً به ومجداً يتقلد شرفه، وهو أيضاً انتحر لأنه سبب لفناء وهلاك نفسه، فلما كان سبباً لقتل غيره وقتل نفسه ويفعل ذلك عن عمد غير مبال بما يترتب على ذلك من العواقب الوخيمة ولا يعتبر بما يقع حوله من أحداث فهو ناحر منتحر، فكم يرى بيوتاً أصبحت مقفرة بعدما كانت عامرة بأربابها بسبب هذه السرعة الجنونية، وكم يرى حوله من ثكالى وأرامل، وكم يرى حوله من أيتام لا يبالي بأناتهم ولا بما يملأ قلوبهم من الحزن والأسى، وحكمه واضح في كتاب الله، لأنه مفسد في الأرض يسعى إلى إقفار البيوت بعد أن كانت عامرة بسكانها، ويسعى إلى إيتام الصبيان بعدما كانوا فرحين مطمئنين في كنف آبائهم وأمهاتهم، ويسعى إلى إثكال الأمهات بعد أن كن مسرورات بأفلاذ أكبادهن، ويسعى إلى إرمال النساء بعدما كن في كنف شركاء حياتهن مطمئنات وادعات فهذا من المفسدين في الأرض، وحكم المفسدين في الأرض ما نص عليه القرآن الكريم عندما قال الله الله: (2/429)
صفحة 875
430
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ} [المائدة: 33]، ولذلك أنا أهيب بالحكومة الرشيدة أن تُولي هذا الجانب اهتماماً كبيراً وأن تكون العقوبة لهؤلاء الذين لا يبالون بمصير الأمهات والآباء والصبيان والصغار والكبار والأزواج والزوجات بل ولا يبالون بمصيرهم أن تكون عقوبتهم
عقوبة رادعة، فمن اتضح أنه لا يُبالي ويتهور هذا التهور عن قصد وعمد فحكمه أن يُقام عليه هذا الحد الشرعي ويعاقب هذه العقوبة الرادعة بمشيئة الله سبحانه وتعالى، أما الجزاء الأخروي فهو إلى الله تعالى، وعلى أولئك الذين يسرعون غير مبالين بالعواقب التي تترتب على هذا الإسراع من قتل أنفسهم وقتل غيرهم أن يدركوا أنهم إنما يسابقون إلى النار والعياذ بالله وليسوا مسابقين إلى الجنة، والله المستعان.
ما حدود السرعة المعقولة التي إن أسرع بها الإنسان وتوفي لا يُعد منتحراً؟ ضابط ذلك بأن كل سرعة حسب العادة وحسب ما هو معروف من الأحداث، عندما يسرعها الإنسان لا يستطيع أن يتحكم في السيارة لو أبصر دابة أو أعمى أو غيرهما يقطع الطريق أو انفجر إطار أو نحوه، أو أبصر أي سبب من أسباب الخطر فهو في حكم الناحر المنتحر.
إذا كان هذا الشخص الذي اعتدي عليه معه شخص آخر وتوفي معه، فعلى من تكون دية ذلك الشخص الذي توفي؟
الدية على المُعتدي لا على المُعتدى عليه، وكذلك الكفارة، هذا إن كان انحراف السير بطريق الخطأ، أما إن كان بالتعمد فالقضية قضية فساد في
الأرض، ويجب أن تكافح بما نص عليه القرآن الكريم، والله أعلم. (2/430)
صفحة 876
فتاوى عامة
431
امرأة كانت تقود سيارة ومعها أبناؤها وتسرع سرعة معقولة، فظهرت عليها سيارة أخرى فأدت إلى الاصطدام بها ووفاة أبنائها وهي متألمة، فما نصيحتكم لها؟
هي
على
نسأل الله تعالى أن يخفف عنها آلام حزنها وأن يُفرج عنها كربتها وينفسها عنها، وأن يُبدلها بأولئك الأولاد أولاداً صالحين، والمسؤولية إنما من دخل عليها وخرج عن خطه إلى خطها، فهو يتحمل مسؤولية هذا الأمر، والله المستعان.
كفارة القتل نتيجة حادث هل هي على الفور أم على التراخي؟ الكفارة حكمها كحكم سائر الأوامر المطلقة التي يؤمر بها الإنسان، وقد اختلف الأصوليون فى الأوامر المطلقة فمنهم من قال: بأنها تحمل على الفور، ومنهم من قال بأنها للتراخي، ومن الأصوليين من قال بأن الأمر المطلق الذي لم يقيد بوقت يبقى على إطلاقه ليس للفور ولا للتراخي فمتى أداه سواء عجل تأديته أو أخر فهو مؤد له، إن كان لم يؤخره تأخيراً يؤدي به إلى الإهمال.
شخص يُسرع السرعة المعقولة (ثمانين) انزلقت به السيارة وتوفي
الشخص الذي يركب معه فعلى من تكون الدية والكفارة؟
لا يخلو هذا الانزلاق إما أن يكون بسبب خطأ ارتكبه فعليه في هذه الحالة دية الخطأ وعليه الكفارة، وهي عتق رقبة إن وجدها فإن لم يجدها فعليه صيام شهرين متتابعين، وهذه نقطة ينبغي أن نقف عندها فهي دليل على قيمة الإنسان فإن الإنسان لا يُعفى عندما يقتل غيره خطأ بل يحمل مسؤوليتين، المسؤولية الأولى أن يدي ذلك القتيل والمسؤولية الثانية أن (2/431)
صفحة 877
432
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
يتسبب في إحياء نفس إحياء معنوياً والإحياء المعنوي هو عتق رقبة، لأن المعتق إنما هو بمثابة من أحيا، فإن تعذر عليه العتق فهنا يجب عليه أن يصوم شهرين متتابعين، أما إذا انزلقت لسبب أو لآخر ولم يكن له أي تصرف فيه وإنما كان قدراً ربانياً من عند الله الا الله فلا يتحمل المسؤولية، وليس عليه دية أو تكفير، والله أعلم.
ينبغي
هل يجوز للمرأة تعلم السياقة عند رجل أجنبي عنها؟ وما حكم تعلمها السياقة عند امرأة مع العلم أنهما قد تخرجان في بعض الأحيان إلى حد السفر وفي بعض الأحيان تمران في الأماكن العامة التي يكثر فيها الرجال كالأسواق مثلاً؟
أن تكون قيادة المرأة للسيارة في حدود الضرورة فقط من غير زيادة، أما أن تركب مع رجل أجنبي يعلمها قيادة السيارة فهذا أمر فيه أكثر من محذور، فعليها أن تتقي الله في ذلك وأن تدعه، وأما تعلمها من امرأة مثلها فلا حرج هذا عليها، لكن مع ألا يتجاوز خروجهما حد السفر، ثم بجانب هذا أيضاً عليهما اجتناب غشيان الأماكن التي يكثر فيها الرجال الذين لا يُؤمنون من الشر، فإن دفع المفسدة مقدم على جلب المنفعة، والله تعالى أعلم.
ينبغي
ما حكم ما يفعله بعض الناس عند تعلم السياقة بحيث يتفق مدرب السياقة مع المتدرب على مبلغ معين يدفعه الأخير عند حصوله على رخصة القيادة من دون تحديد لفترة التدريب ولا يحصل المدرب على أجرته إلا بعد حصول المتدرب على رخصة القيادة؟
هذه صفقة فيها، غرر، إذ لا يدري أيهما المدة التي يستغرقها المتدرب في
تدربه، ولا يدري مدربه متى ينتهي من تدربه، وينتهي هو من تدريبه، (2/432)
صفحة 878
فتاوى عامة
433
ولا يدري المتدرب أيضاً ما المقدار الذي يتكلفه المدرب من الوقت ومن العناء، فلذلك كانت هذه الاتفاقية فيها جهالة، وكل جهالة غرر، وكل غرر غير جائز، اللهم إلا بعد أن ينتهي من تدربه فإن أتما ما اتفقا عليه تم، وإن لم يتما ما اتفقا عليه أو أتم ذلك أحدهما وعارض الآخر ففي هذه الأحوال كلها يرجعان إلى أجر المثل، بحيث يقدر عناء المدرب بالنظر إلى المدة وإلى الجهد الذي بذله في تدريبه لهذا التدريب والطريقة المثلى أن تقدر الأجرة بالساعات، فبقدر الساعات التي يستغرقها المدرب في تدريب المتدرب تكون الأجرة.
هل يجوز للمرأة أن تمتلك السيارة وتقودها؟
أما امتلاكها للسيارة فلا يحرم عليها، وأما قيادتها للسيارة فغير محرمة على المرأة لذاتها، ولكن قد يكون هناك محاذير يجب مراعاتها، منها أنه قد تكون هذه القيادة سبباً لوقوعها في مخالفة، ويؤدي ذلك إلى أن تجرها الشرطة إلى مخافرهم، وهذا أمر فيه محظور، والأمر الثاني: أن تتعطل السيارة في مكان وتحتاج إلى إصلاح، والمرأة بطبيعتها وبمحافظتها على نفسها يتنافى ذلك مع قيامها بإصلاح هذه السيارة.
ما قولكم في قيادة المرأة العاملة للسيارة من أجل الذهاب إلى العمل والذي قد يكون في نفس الولاية ويستغرق عشر أو خمس عشرة دقيقة
للوصول؟
ليست القضية قضية قيادة السيارة، وإنما القضية قضية ما يترتب على هذه القيادة، فهذه المرأة قد تتعطل سيارتها وتحتاج إلى إصلاح ويكون إصلاحها بكيفية لا تليق مع حشمة المرأة المسلمة ووقارها هذا من ناحية، ومن (2/433)
صفحة 879
434
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ناحية أخرى قد تقع في مخالفات مرورية وذلك مما يؤدي إلى جرها من قبل شرطة المرور إلى مخافرها وهذا مما يجب أن تتنزه عنه المرأة المسلمة، فلذلك نرى أنه من الأسلم ترك القيادة إلا إن دعت الضرورة إلى ذلك، فالضرورة تقدر بقدرها
امرأة لها سيارة تأخذ نساء إلى العمل في كل يوم ذهاباً وإياباً، وتقطع مسافة سفر، فهل يصح لها ذلك؟
الأخذ
أما الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد نهى أن تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، وهذا حديث صحيح يجب به، ولكن مع الضرورات ومع كون هذه المرأة إما ستركب مع رجل أجنبي أو ستركب مع مع امرأة فالأولى ركوبها مع المرأة من ركوبها مع رجل أجنبي إن لم يكن من ذلك بد قط، فإن أهون الشرين هو الذي يُرتكب والله المستعان (2/434)
صفحة 880
فتاوى عامة
سفر المرأة
435
مع
نحن طالبات السكن الداخلي بالجامعة قد نضطر أحياناً إلى الخروج أحد الأشخاص المصرح لهم من قبل أهلنا ولكنهم ليسوا محارم مع العلم أننا لا نكون بمفردنا بل مع مجموعة بنات إما واحدة أو أكثر وذلك لاضطرارنا للخروج مع هذا الشخص لعدم وجود شخص آخر، وهذا الشخص قريب لأحد البنات ولكنه ليس محرم؟
لا بد من أن يكون ذا محرم ولو لواحدة منكن.
إن بعض الطالبات بعيدات عن أهلهن ويردن الذهاب في بعض الأحيان إلى المناطق الداخلية ولعدم وجود المحارم اضطرت هؤلاء الطالبات إلى استئجار حافلة بسائقها هل هناك مانع شرعي من
ذلك؟
أما الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم فقد نهى أن تسافر المرأة إلا مع زوج أو ذي محرم، فينبغي عندما لا يكون معهن محرم أن يكون لهذا السائق من يرافقه من نسائه المحارم منه، فإما أن تكون معه ذات محرم وإما أن تكون معه زوجه، وهذا الأمر ينبغي أن يوضع في الحسبان، أما إن كانت هنالك ضرورة لا محيص عنها فالضرورة تقدر بقدرها. (2/435)
صفحة 881
436
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
ما حكم سفر المرأة إلى الخارج للدراسة دون محرم مع العلم أنها تكون في صحبة مجموعة من الطالبات؟
لا بد من أن يكون معها محرم، وعلى الطالبات أن يتمسكن بهذا الأمر، والله أعلم.
ما حكم ذهاب البنت للدراسة في الخارج ربما بغير محرم؟ أما إن كانت تذهب مع محرم وهي مصونة من كل ما يخشى ويتقى فلا مانع من ذلك، وأما أن تذهب بنفسها مع غير محرم ولا زوج فذلك لا يجوز، لنهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن سفر المرأة إلا مع زوج أو ذي محرم،
تعالى أعلم.
ما حكم سفر البنت للدراسة في الدول الأخرى؟
والله
إن كانت تسافر مع محرم وتعود مع محرم، وتستقر في مكان مصون، ومكان الدراسة هو أيضاً مصون بحيث يؤمن عليها كل فساد، وتكون في يد أمينة فلا حرج، أما أن يلقى بها إلى حيث المخاطر فإن ذلك مما يعد إهمالاً للواجب وتضييعاً للأمانة وهو عكس ما يدل عليه قول الله تعالى: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَيْكَةُ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6]، فعلى أولياء الأمور أن يتقوا الله تعالى في بناتهم، فإن الفتاة التي هي في مرحلة المراهقة والبلوغ كثيراً ما تكون عرضة لأولئك الذين يريدون بها السوء، وهي إن أهملت وتركت وشأنها كانت في ذلك خطورة بالغة عليها، والناس في أيام جاهليتهم من غير أن يؤمنوا بالله وباليوم الآخر كانوا يحافظون على الشرف والعرض، ويرون العرض أغلى من كل شيء، فكيف والإسلام هو (2/436)
صفحة 882
فتاوى عامة
437
الذي شدّد في هذا الأمر، وقرن بالمحافظة على العرض الخوف والرجاء، فمن الواجب على الإنسان أن يحافظ على عرضه، وعلى كرامته، وأن لا يفرط في ثمرات فؤاده وأفلاذ كبده، والله تعالى المستعان.
امرأة اضطرت لإحضار خادمة للطهي والتنظيف فقط، ومانع زوجها ذلك بسبب حضورها مسافرة من دون محرم، فهل تتحمل هذه المرأة وزر سفر الخادمة وحدها أم ليس عليها شيء؟
إن كانت مضطرة إلى ذلك فالضرورة تقدر بقدرها، والله أعلم.
تزوج رجل من امرأة ثم طلقها، فهل يجوز لها أن تسافر مع ابن هذا الرجل الذي طلقها باعتباره محرم إذا كانت البنت شابة والابن شاب
أيضاً؟
نعم، هو محرم منها ولو طلقها أبوه، فهي لا تحلّ له أبداً وتحرم عليه حرمة مؤبدة، ويجوز لها بنص الكتاب العزيز أن تظهر زينتها له، حيث يقول عل: وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَ بِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ} [النور: 31]، فيجوز لها أن تسافر معه، إلا اللهم إن كان رجلاً مخوفاً تخشى على نفسها منه، فيجب أن تتقي ما تخشى ولو كان الرجل أباها، والله أعلم. (2/437)
صفحة 883
438
دراسة المرأة
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ما حكم ذهاب الفتاة المسلمة إلى الجامعة؟
المرأة المسلمة لا يحد لها حد في الدراسة فلها أن تدرس في جميع مراحل الدراسة وفي أي وقت من الأوقات، ولكن لا بد من مراعاة أن تكون هذه الدراسة دراسة مصونة لا تختلط فيها بالرجال، والله أعلم.
ما قولكم في الدراسة الجامعية بالنسبة للفتاة؟ وهل تخصصها في مجال الهندسة مناسب لطبيعتها كامرأة؟
الدراسة الجامعية غير محجورة على الفتاة إن لم يكن فيها ما يمنع شرعاً کاختلاط الجنسين، وخير ما تدرسه الفتاة ما عدا العلوم الشرعية والأدبية والتربوية الطب أو التمريض، أما دراسة الهندسة فهي غير ملائمة لها إذ لا يمكنها العمل في هذا المجال اللهم إلا إن كانت هندسة عمرانية وما كانت مهمتها إلا وضع خرائط البناء وتباشر هذه المهمة في بيتها ويتوسط زوجها
أو ذو محرمها بينها وبين الرجال الذين لهم علاقة بعملها، والله أعلم.
أنا طالبة تم قبولي في كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي، إذ لم أحصل على مجال أدرس فيه داخل السلطنة، هل يجوز لي أن أدرس من دون أن أقيم مع محرم، علماً بأني سأقيم مع جماعة آمنة
هناك
من (2/438)
صفحة 884
فتاوى عامة
439
ذلك؟
الفتيات الصالحات في سكن خارج مبنى الكلية مع عدم وجود مشرفة لهذا السكن والدراسة تستمر لمدة أربع سنوات، أفتونا في إن كان هذا السكن سكناً آمناً بحيث لا يخشى فيه شيء من المحاذير فلا
حرج إن شاء الله مع إخلاص النية لطلب العلم لوجه الله وعل، فإن الله لا أجر من أحسن عملاً.
يضيع
فتاة أكملت الثانوية وجلست في المنزل لعلمها أن الاختلاط محرم وفتاة أكملت الثانوية والتحقت بجامعة بلادها خوفاً من السفر بلا محرم مع العلم أن الدراسة بها، مختلطة وفتاة أكملت الثانوية وسافرت إلى إحدى الدول لعدم وجود الاختلاط في جامعاتها، مع العلم أنها مسافرة من غير محرم أيهما أفضل؟
الأفضل المرأة التي تلتزم بواجبات الإسلام وتؤثر أن تجلس في بيتها، لا أن ترتكب ما حرم الله الله (2/439)
صفحة 885
440
عمل المرأة
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ما حكم الإسلام في عمل المرأة خارج بيتها؟
العمل الأساسي للمرأة هو أن تكون سيدة بيتها، وربة مملكتها، وأملها الأساسي أن تصنع الأجيال وأن تربي الأطفال، إلا أن هناك أعمالاً أخرى يجوز لها أن تعملها خارج بيتها مع المحافظة على تعاليم دينها، هذه الأعمال هي تدريس بنات جنسها وتمريضهن وعلاجهن أما أن تعمل في المكتب بجانب الرجل وهي لا تدخر شيئاً من وسائل الإغراء والفتنة فذلك لا يجوز، فلا يجوز مثلاً بحال من الأحوال أن تعمل المرأة سكرتيرة تتزين لمكتب السكرتارية أكثر مما تتزين لزوجها في المخدع وهذه الظاهر موجودة الآن،
وهي مما لا يصح، فعلى الجميع أن يتفطن لذلك، والله المستعان.
ما رأي الشرع في خروج المرأة للعمل المختلط وهي متحجبة ومحتشمة ملتزمة بآداب الدين، فهل هذا العمل يجوز إذا كانت الظروف تحتم عليها العمل في هذا المجال مثل الحاجة الماسة لتأمين الحياة ولقمة العش؟ من عجائب ما حدث في عصرنا هذا، ومن المفارقات الغريبة أن تكون المرأة مسؤولة من عول نفسها وعول غيرها، في حين أن الله تعالى جعل للرجل قوامة لأنه يعلم أن للمرأة خصائص لا تتناسب مع القوامة، فلماذا تعمل هذه المرأة؟ ومن ناحية أخرى قد تكون هي غير متزوجة، مما يجعلها (2/440)
صفحة 886
فتاوى عامة
441
تضطر إلى العزوف عن الزواج، وهذه من المشكلات التي يعاني منها مجتمع الإسلام، وقد تندم المرأة بعد حين إذا رأت أنها قد فاتها قطار الزواج وخرجت من طور الشباب إلى المشيب، فلم تعش عيشة زوجية ولم ترزق بذرية، عندئذ تفكر المرأة، ومن هنا أشجع كلا الجنسين على الارتباط بحبل الزوجية الطاهر الذي جعل الله تعالى فيه تلبية للرغبة وإشباعاً للغريزة وحفاظاً على النسل وصوناً للكرامة وتعاوناً على الخير.
ما حكم خروج المرأة للعمل مضطرة لعول نفسها وأسرتها حيث إن ذلك يُعرضها للاختلاط علماً بأنها ملتزمة بالحجاب؟
إذا لم تجد بداً من ذلك، فعليها أن تشتغل بقدر ما تكفي نفسها مؤونة العيش مع التزامها بالأدب الإسلامي حسب ما يمكنها.
ما حكم الإسلام في عمل المرأة في القطاع الخاص مثل السكرتيرة؟ السكرتيرة تخلو بالرجل الأجنبي وتجلس معه في المكتب، والخلوة محرمة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما»، ويقول: «ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم»، ويقول: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلو بامرأة إلا مع ذي محرم».
ما حكم الممرضة عندما تقيس نبض القلب للرجل المريض فهي تضع يدها في يده مع العلم أنها مضطرة؟
المفروض ألا تكون المرأة ممرضة للرجال، وألا يكون الرجل ممرضاً للنساء، بل تكون للنساء طبيبة وممرضة وللرجال طبيب وممرض، ولكن
مع جريان الأمور بخلاف ذلك فالأمور تقدر بقدر الحاجة، والله أعلم. (2/441)
صفحة 887
442
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
هل يجوز في إطار العمل أن يلتقي الشاب بالشابة في مكتبه للتحدث
في مجال العمل أو في أي مجال آخر من مجالات الحياة؟
النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم»، وكفى ذلك العاقل رادعاً عن الخلوة وخصوصاً في مرحلة الشباب فإنها مرحلة فوران وهيجان، وفي هذه المرحلة يجب أن يكون الإنسان أحرص ما يكون على أن يكفكف نفسه ويُباعدها عما يؤدي بها إلى الخطر، وماذا تكون النتيجة إذا اجتمع النفط مع النار إلا الاشتعال فالاجتماع ما بين الجنسين أمر خطير، لأن انجذاب كل واحد من الجنسين للجنس الآخر انجذاب فطري له دافع قوي، والإسلام لأجل ذلك يصون النفوس بما فرض على المرأة من الحجاب الشرعي وبما فرض من القيود الأدبية الخلقية التي تباعد الإنسان عن مظان الخطر. (2/442)
صفحة 888
فتاوى عامة
كفارة اليمين
443
ما حكم من اعتاد أن يحلف باسم الله من دون قصد حتى في الأمور غير الصحيحة؟
من كان يتلفظ بألفاظ القسم من غير أن يعقد العزم على القسم وإنما تسبق لسانه إليه فذلك مما يُعد من لغو اليمين والله تعالى يقول: {لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورُ حَلِيمٌ} [البقرة: 225].
إذا حلف إنسان في حالة غضب أنه لا يعمل شيئاً معيناً، ولكنه وجد نفسه مضطراً لفعل ذلك الشيء مع العلم بأن الحلف كان في ساعة غضب، فهل تلزمه كفارة؟ وما نوعها؟
الأصح أن الكفارة تلزم الحالف إن قصد أن يحلف سواء كان في حالة الغضب أو في حالة الرضا، والكفارة نصَّ عليها القرآن الكريم في قوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَدتُم الْأَيْمَن فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَرَةُ أَيْمَنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَنَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
[المائدة: 89].
صلے (2/443)
صفحة 889
444
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
لدي ابن يدرس في الصف الأول الثانوي وعمره 19 عاماً. وقالت زوجتي إذا رسب الابن في الدراسة أحلف سبعين يميناً تخرج أنت وولدك من البيت فماذا عليها؟
إن كانت لم تصرح بما تحلف به فلا أرى عليها إلا التوبة، اللهم إلا إن نوت أنها حلفت بالله فعليها كفارة يمين وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن لم تجد فصيام ثلاثة أيام، هذا إن لم يخرج الأب وابنه من البيت، والله أعلم.
شخص حلف أن يصوم شهراً كاملاً ولكن نتيجة بلاء أصابه الله تعالى به لم يستطع أن يُكمل الشهر فماذا عليه؟
هذا الشهر إما أن يكون شهراً واجباً عليه فلا بد أن يصومه مع القدرة، ومع العجز ينتقل عن الصيام إلى الإطعام وإما أن يكون غير واجب عليه وإنما أوجبه على نفسه بيمينه التي حلفها، ففي هذه الحالة يمكنه أن ينتقل من الصيام إلى كفارة اليمين وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة، والله تعالى أعلم.
ما
حكم من حلف بالله عدة مرات وهو كاذب؟
عليه أن يتقي الله، وأن يتوب إليه توبة نصوحا وأن يرجع إليه سبحانه، فإن اليمين الكاذبة هي اليمين الغموس ومعنى كونها غموساً أنها تغمس صاحبها، في النار والعياذ بالله إن لم يتب منها، وبجانب هذه التوبة فإن عليه عندنا أن يكفر كفارة يمين وهي ما نصَّ عليه القرآن الكريم في قوله عز من قائل: فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَرَةُ أَيْمَنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا (2/444)
صفحة 890
فتاوى عامة
445
أَيْمَنَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 89]، فالمكفر مخير بين ثلاثة أشياء بين بين أن يطعم عشرة مساكين من أوسط ما يطعم به أهله، أو أن يكسوهم كسوة متوسطة، أو أن يعتق رقبة، فإن عجز عن ذلك كله فهنالك ينتقل إلى صيام ثلاثة أيام، هذه هي كفارة الحنث في اليمين المنصوص عليها في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما شدّد بعض العلماء عندما غالى الناس في الإيمان فجعلوا اليمين - عندما يشدّد الإنسان على نفسه في يمينه - حكمها كحكم كفارة الظهار من حيث نوعية التكفير وذلك بأن تكون إما عتقاً لرقبة أو صياماً لشهرين متتابعين أو إطعاماً لستين مسكيناً، ولا دليل على هذا، ولذلك جنح كثير من علمائنا إلى أن كفارة اليمين لا تختلف ولا تتنوع بين مغلظة ومرسلة كما ينوعها بعض أهل العلم، وإنما هي في جميع الأحوال
كفارات مرسلة بحسب ما نُص عليه في القرآن الكريم، والله تعالى أعلم.
كيف يكون التكفير عن اليمين للفتاة التي لا تزال تحت نفقة والديها؟ بعضهم يقول علي الصيام لأنني ليس لي مورد ثابت، وبعضهم يقول بل علي أن أكفر بإطعام عشرة مساكين أي أن يكفر والدي عني، فما رأيكم في ذلك؟ إن كانت غير واجدة لما تدفعه من الإطعام أو الكسوة أو العتق فعليها أن تصوم ثلاثة أيام، والله أعلم.
الكثير من الناس عندما يريدون أن يكفروا كفارة اليمين يقومون بصيام ثلاثة أيام، فهل يصح ذلك؟ وهل يصح إخراج النقود بدل ذلك وكم
مقدارها؟
كفارة اليمين في الأصل ليست بالصيام، وإنما هي كما دلت عليه الآية (2/445)
صفحة 891
446
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
القرآنية، فالله الله يقول: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَدتُمُ الْأَيْمَنَ فَكَفَرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} [المائدة: 89] فجعل الله تعالى المُكفِر مُخيراً بين ثلاثة أشياء، وهي أن يُطعم عشرة مساكين من أوسط ما يُطعم أهله أو أن يكسوهم أو أن يعتق رقبة فإن لم يجد واحداً من هذه الأشياء الثلاثة فعليه صيام ثلاثة أيام، أما مع القدرة على واحد من الثلاثة فإنه لا يجوز أن يعدل عن ذلك إلى الصيام، إذ لا يعدل عن الأصل إلى البدل إلا مع عدم وجود الأصل، هذا والإطعام هو الأصل سواء كان ذلك في الكفارات أو في فدية الصيام أو فدية الإتيان بما لا يتفق مع مقتضيات الإحرام ومقدار الإطعام دل عليه ما ثبت في السنة أن الرسول صلى الله عليه وسلم خير كعب بن عجرة - رضي الله تعالى عنه ـ لما أتى ما ينافي الإحرام وهو الحلق للضرورة بين أن ينسك بنسيكة أو يصوم أو يُطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع فهذا دليل على أن مقدار الإطعام هو نصف صاع، ولا يتبين لي فرق بين الفدية وبين الكفارة، فإن الذي يحتاج إليه المسكين في الفدية هو نفسه الذي يحتاج إليه في الكفارة، والحديث يُؤخذ به في بيان مجملات القرآن الكريم، فالأولى العمل بهذا الحديث وإن اختلف العلماء كثيراً في مقدار الإطعام على أنه ذهب كثير من العلماء في حالة تقديم تقديم الطعام إلى أن الوجبة الواحدة غير مجزية، وقيل: بل تجزي إن كانت وجبة مأدومة وهذا القول أصح، نظراً إلى إطلاق القرآن والسنة، والأصل في الأمر المطلق أن تجزي فيه المرة الواحدة، فلا دليل على الوجبتين إلا من باب الاحتياط، ومن المعلوم أنه ينبغي للإنسان دائماً أن يأخذ بالأحوط، وأن يخرج من عهدة الخلاف مهما أمكنه، أما تحديد ذلك بالنقد فهو غير ممكن لعدة أمور أولاً لأن الأمر جاء بالإطعام ولم يأت (2/446)
صفحة 892
فتاوى عامة
447
بدفع النقود، وثانياً: لأن النقود لا يمكن أن تُحدد نظراً إلى أن الطعام يغلو ويرخص بقدر اختلاف الأزمنة والأمكنة، فقد يكون في زمان أغلى منه في زمان آخر، وفي مكان أغلى منه في مكان آخر، مع أنه لا ينبغي للإنسان أن يعدل عما دلّ عليه النصّ وهو الإطعام إلى دفع النقد اللهم إلا مع تعذر الإطعام بحيث لا يجد المساكين الذين يتقبلون الطعام، وأما مع وجود الذين يتقبلون الطعام فالأخذ بذلك أولى، وفيه اتباع لما دل عليه النص واتباع لما استقر عليه عمل السلف والله تعالى أعلم.
6
انتشرت عادة بين الناس وهي أنه من أراد أن يكفر عن يمين أو نحو ذلك بدلاً أن يصوم ثلاثة أيام ويفطر، يصوم يومين وليلة، فهل يجوز
ذلك؟
كفارة اليمين لا تكون من أول الأمر صياماً وإنما الصيام للذي لا يجد شيئاً يدفعه، أما من كان واجداً فعليه أن يطعم عشرة مساكين، أو أن يكسوهم أو أن يعتق رقبة، فالله تعالى يقول: {فَكَفَّرَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ [المائدة: 89]، والرقبة الآن غير موجودة، فالعادم للإطعام والكسوة والرقبة إنما يصوم ثلاثة أيام، وأما صيام يومين ونصف يوم فهذا مما يخالف النص القرآني الصريح، وهو من فعل الجهلة، والله تعالى أعلم. (2/447)
صفحة 893
448
التوبة
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
كيف يتوب العبد إلى الله سبحانه وتعالى؟ وما هي شروط التوبة حتى
تقبل عند ربه؟
إن من فضل الله الله على عباده أنه لم يجعل الصلة بينه وبينهم تنقطع بمجرد وقوع الإنسان في الزلة بل لهذا الإنسان طريق يرجع من خلالها إلى ربه عندما يراجع نفسه ويثوب إلى رشده ويلوم نفسه على ما قارفت وارتكبت، وذلك هو طريق التوبة النصوح التي جعلها الله الله طهرة للمذنبين مما وقعوا فيه من الآثام، وقد بين الحق أن المعاصي كلها تغفر بالتوبة، دعا عباده إليها وحثهم عليها ورغبهم فيها، وبين أنه لا يحول بينهم وبينها وقوعهم في أي معصية كانت، وذلك أنه تعالى قال: {قُلْ يَعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَن تَقُولَ نَفْسُ بِحَسْرَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَيْنِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الزمر: 53 - 58]، فالله لا يأمر عباده هنا بأن يقلعوا عن (2/448)
صفحة 894
فتاوى عامة
449
المعاصي مهما كانت هذه المعاصي فإنها مهما كبرت وعظمت فالله تعالى أعظم منها وأجلّ وأكبر:
عظيم الذنب يغفره العظيم ويحلم عن مناوئه الحليم
فالله الله لا يعظم عنده ذنب أن يغفره إذا جاء صاحبه تائباً وآيباً إليه سبحانه.
هذا وللمعصية أثر خطير على النفس الإنسانية وقد دلّ عليه حديث هريرة الله الذي رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن وغيرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن العبد إذا أذنب الذنب نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع وتاب واستغفر صقل، وإن هو عاد عادت حتى تملأ قلبه فذلك الران»، ثم تلا قوله تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14]، فالران أثر المعصية الذي يُغطي على القلب حتى يطمس نوره ويُكدر صفوه وحول بياضه إلى سواد وضياءه إلى ظلمة ومن هنا نجد أن الله تعالى يبين أن توبته إنما هي للذين يتعجلونها لا للذين يصرون على ما هم عليه ويسوفون التوبة من حال إلى حال ولا يبالون بذلك، فقد قال سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَيْكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء: 17]، فالله ال جعل التوبة هنا كأنها حق واجب عليه سبحانه، مع أنه تعالى لا يجب عليه شيء، ولكن بما أن وعده منجز، وقد وعد لله بقبول التوبة صار ذلك بمثابة الحكم الذي لا بد من الوفاء به، كما بين أن هذه التوبة للذين يعملون السوء، وذكر السوء بصيغة الإفراد ثم قيد عمل هذا السوء بقوله بجهالة»، معنى ذلك أن الإنسان لا يأتي هذا السوء لكونه نداً لربه ومكابراً ومتحدياً له، فإن من يتحدى الله الا الله يخذله الله وباب التوبة وإن كان مفتوحاً للجميع إلا أن تحديه لربه يؤدي به إلى الخذلان والعياذ بالله إلا قليلاً ممن (2/449)
صفحة 895
450
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
كتب الله الله لهم النجاة بعد الوقوع في هذه الورطة العظيمة، وهذا كله يدلنا أن المعصية إن استحكمت في نفس صاحبها تحكمت في هواه وصرفت إرادته وملكت عليه أمره وكان أسيرها والعياذ بالله، واستئسار الإنسان للمعصية يؤدي به إلى مخاطر كثيرة، على أن قلب الإنسان مثله كمثل الثوب فالثوب يتأثر بأي دنس من الأدناس، ولكن إن تعجل صاحبه بتنظيفه زال أثر ذلك الدنس، وإن تركه مهملاً وتراكمت عليه آثار هذه الأدناس صار من الصعب جداً أن تزول هذه الآثار عنه، ومثل قلب الإنسان كمثل المرآة، فالمرآة عندما تهمل يتراكم عليها الصدأ فيكون من الصعب أن يزال أثر هذا الصدأ، فلذلك كان الذي يتعجل تنظيف نفسه وتصفية مرآة قلبه بالتوبة النصوح حرياً بأن يوفقه الله تبارك وتعالى وأن يتوب عليه وأن يُصلح شأنه وأن يُبدله بالمعصية توبة وبالفجور براً وبالخذلان توفيقاً، أما الذي يُخلد إلى هواه ويصر على معصيته فهو ينطبق عليه ما في الآية التالية وهي قوله سبحانه وتعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} [النساء: 18]، حيث نرى أن السيئات هنا ذكرت بصيغة الجمع لا بصيغة الإفراد بخلاف السوء في الآية السابقة، لأن هذه السيئات تتراكم على نفس الإنسان سيئة بعد سيئة وتتراكم آثارها فتطمس نور القلب والعياذ بالله وتأسر هواه، حتى يكون تصرف الإنسان بموجب ما تمليه عليه هذه السيئات أي يمليه شيطانه، حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْكَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَارُ أُوْلَبِكَ أَعْتَدْنَا هُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 18]، فالتوبة ليست لأولئك الذين يُسوفون من حال إلى حال ويصرون على المعصية حتى إذا حضر أحدهم الموت حاول أن يتخلص وأنى له ذلك والله الله قد أمره بالتوبة فيما مضى وتوبته عندئذ توبة مغلوب على أمره، والتوبة المقبولة إنما هي توبة المختار الذي يستطيع أن يصر على المعصية ولكنه يؤثر (2/450)
صفحة 896
فتاوى عامة
451
رضى الله تعالى على هوى نفسه فيتراجع عن هذا الهوى ويعود إلى رشده ويستمسك بحبل ربه، ويستمر على تقوى الله سبحانه وتعالى، {وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَارُ أُوْلَبِكَ أَعْتَدْنَا هُمْ عَذَابًا أَلِيمًا، كلمة كفار كما حققها المفسر الكبير السيد محمد رشيد رضا في تفسيره المنار هي بمعنى كفر النعمة، لتشمل المصرين على المعاصي سواء كانوا كفاراً كفراً ملياً أو كفر نعمة، فمن هنا كان من الضرورة بمكان أن يسارع الإنسان إلى التوبة. أساس
ولكن ما هي التوبة؟ التوبة ترتكز على أمور، أولها: الندم، فإن الندم هو التوبة إذ من لم يندم لم يتب والندم هو أن يتمنى الإنسان أن لو استقبل من أمره ما استدبر حتى لا يقع في تلك المعصية التي وقع فيها، وتمنى أن لو أمكنه بأي وجه من الوجوه أن يتفاداها ولكن بما أن ذلك أمر فات فهو لا يمكنه تفاديه وإنما يتفادى أداءه في المستقبل ويندم عليه ندماً شديداً، ثانيها: الإقلاع عن المعصية، فمن كان مصراً على معصيته فليس هو من التائبين قط، إذ الله تعالى وصف التائبين بقوله: {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [آل عمران: 135]، وثالثها: أن ينوي في قرارة نفسه أن لا يعود إلى معصيته التي ارتكبها كما لا تعود الألبان إلى ضروعها، ورابعها الاستغفار، وهو وإن قال من قال من أهل العلم بأنه لا يلزم فإن الآيات القرآنية صريحة في أنه لا بد منه فالله تعالى يقول: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مدْرَارًا} [نوح: 10، 11]، وهذه وإن كانت دعوة من نوح علي لقومه إلا أن استغفار الإنسان لربه من صميم العقيدة فلا تختلف فيها شرائع الأنبياء، إذ ما كان من علاقة بين العبد وربه لالالالالالا لا تأتي الشرائع لتنسخ شيئاً منها، ونجد فيما يذكر الله تعالى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قوله سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} [النساء: 64]، فالله (2/451)
صفحة 897
452
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
تعالى ناط التوبة والرحمة بالاستغفار، كما نجد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال: «إنه ليران على قلبي فأستغفر الله في اليوم مائة مرة»، وقد كان الصحابة يحصون عليه صلى الله عليه وسلم استغفاره في الجلسة الواحدة نحو سبعين مرة أو نحو مائة مرة، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يحرص على الاستغفار إلى هذا الحد فكيف بأمثالنا ما بالنا لا نستغفر الله تبارك وتعالى من خطايانا، على أن الاستغفار طلب المغفرة وهو داخل في صميم التوبة والله تعالى أعلم.
هل يوجد فارق بين التوبة والاستغفار؟ فإذا كان فما حقيقة التوبة؟ الاستغفار هو طلب المغفرة وهي جزء من التوبة ولا يكون وحده توبة، فالتوبة هي الاستغفار والندم وعقد العزم على عدم العودة إلى المعصية.
ما الفرق بين المعصية والسيئة والذنب والخطيئة والإثم؟ الإثم والذنب والخطيئة والمعصية والسيئة كلمات متقاربة، فالسيئة سميت بالسيئة لأنها تسوء صاحبها عندما يلقى جزاءه، وهي أيضاً تسوؤه إن تاب إلى الله تعالى واستغفره، لأنه يحس بالندم تجاهها وتسوء من عرف حقيقتها، وسميت المعصية معصية لأن فيها مخالفة لأمر الأمر، وسمي الإثم إثماً والذنب ذنباً لما يترتب على ذلك من استحقاق العقاب، فكل من ذلك يصدق على الصغيرة كما يصدق على الكبيرة، فمن أمثلة مجيء كلمة السيئة وهي على الصغيرة قول الله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء: 31]، وأما مجيؤها على الذنب الكبير فكما في قول الله تعالى بلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81]، وقوله سبحانه: مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْرَى الَّذِينَ عَمِلُوا {
وهي
دالة
دالة (2/452)
صفحة 898
فتاوى عامة
453
السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [القصص: 84]، وقوله عَل مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُم مِّن فَرعَ يَوْمَدٍ عَامِنُونَ * وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل: 89، 90]، وقوله: {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الأنعام: 160]، ففي كل هذه الآيات نجد أن السيئة بمعنى الذنب الكبير، وكذلك نجد ما يدل على أن المعصية تطلق على الذنب الكبير كما في قول الله تعالى: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجن: 23]، وقوله: وَمَن اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ [النساء: 14]، إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة، والخطيئة مثل ذلك،
ففي حديث العفو عن الخطايا إنما هو العفو عن الصغائر دون الكبائر، وسميت الخطيئة خطيئة لأن صاحبها خرج عن سنن الصواب وعدل إلى مفاوز الباطل وتسمى أيضاً خطأ، ولا مشاحة في الاصطلاح، ونفهم مما تقدّم أن القرائن هي التي تشخص المراد بالسيئة والمعصية والخطيئة ونحوها هل هو الذنب الكبير أو الذنب الصغير؟ فالإنسان إن وجد آية أو حديثاً فيه إطلاق شيء من هذه الألقاب على معنى لا يصح له الاستدلال به في سائر الأدلة على إطلاق نفس هذا اللفظ فيها على نفس المعنى الذي هو في الآية أو الحديث الذي استدل به، لأن القرائن هي التي تشخص المراد، والله تعالى أعلم.
هل الله لا يغفر كل الذنوب عندما يتوب إليه عبده؟
نعم، هذا مما نص عليه الحق تبارك وتعالى، إذ قال عل: {قُلْ يَعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53]، فبعد هذا النص الصريح من الله تعالى بأنه يغفر الذنوب جميعاً لا يسعنا إلا أن نوسع ما وسع الله تعالى لعباده ونقول (2/453)
صفحة 899
454
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
إن الله يغفر كل ذنب لمن تاب منه، ولا يمكن أن يقال بأن هناك ذنوباً معينة لا يغفرها الله، ما دام جاء هذا النص الصريح من كتاب الله تعالى ليدل أن الذنوب كلها يغفرها للتائبين، فإن الله هو التواب الرحيم وحلمه وفضله وكرمه يقتضي أن يكون لها الله غفوراً لكل ذنب عندما يتوب إليه التائب.
هل للاستغفار صيغة معينة أم تكفي النية بالقلب، وهل يقتصر في على صيغ معينة؟
الذكر
الاستغفار لا ينحصر في صيغة معينة، وإن كان ورد في الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بعض الصيغ نحو: «أستغفر الله العظيم وأتوب إليه» و «أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه من كل ذنب»، ولكن لا يعني ذلك أن هذه الصيغة وحدها هي التي يقتصر عليها المستغفر، وقد قال العلماء إن التوبة إلى الله الا الله من معصية السر تكون سراً، كما يدل عليه حديث النبي: أحدث لكل سيئة توبة السر بالسر والعلانية بالعلانية»، فمن كانت معصيته سرية فتوبته أيضاً منها سرية، ويكون استغفاره بقلبه ولو لم ينطق ذلك بلسانه مجزياً له إذا عقد العزم على عدم العودة وكان قلبه ضارعاً إلى الله تعالى بأن يغفر له، ولكن ينبغي أن يترجم الذي في قرارة نفسه بنطقه، وإذا كانت المعصية ظاهرة بحيث يعلم الناس بهذه المعصية فإن على هذا التائب أن يجهر بتوبته كما جهر بمعصيته، لتمتحي تلك الصورة السيئة القاتمة التي انطبعت في أذهان الناس عنه إلى صورة مخالفة لها، وأما أمر الأذكار فذكر الله تعالى مطلوب بكل حال، {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَينُ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]، فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ فَأَنتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10]، {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} (2/454)
صفحة 900
فتاوى عامة
455
[البقرة: 200]، فينبغي للإنسان أن يذكر الله على أي حال، ولا يقتصر في ذكر الله الله على صيغ معينة، وأفضل الصيغ ما جاء في كتاب الله تعالى وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم كالإتيان بالباقيات الصالحات والاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ففي كل هذه الأذكار خير كبير، والأهم أن يقصد بذكره لربه تزكية النفس وتطهيرها من أرجاس المعصية حتى تكون خاشعة تخشى الله الله وتتقيه وتتجنب نواهيه وتسارع إلى أوامره.
رجل أراد أن يتوب إلى الله تعالى من معصيته فهل يلزمه أن يذهب إلى عالم ليلقنه التوبة؟
لا كهانوتية في الإسلام، لأن الإسلام يفتح الباب بين العبد وربه من غير واسطة من الخلق فمن أراد التوبة فليتب بينه وبين ربه، وإنما يؤمر الإنسان أن يعلن توبته إن كان أعلن معصيته، أما إن استتر بستر الله وارتكب معصيته من غير أن يطلع عليها الناس، فكذلك تكون توبته سراً بينه وبين ربه، ولذلك جاء في الرواية: (أحدث لكل معصية توبة، السر بالسر والعلانية بالعلانية، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: من أصاب شيئاً من هذه القاذورات فليستتر
بستر الله، فإن من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله، والله تعالى أعلم.
الإنسان قد يتوب إلى الله ويقلع ويندم ويعزم أن لا يعود إلى المعصية مرة أخرى، ولكنه في ساعة غفلة يقع في نفس الخطأ فمثل هذا هل تقبل توبته؟
إن الله تبارك وتعالى من فضله على عباده لم يجعل للتوبة وقتاً محدوداً أو فترة بحسب الأعمال التي يعملها الإنسان بحيث يُتاب عليه مرة أو مرتين أو ثلاث مرات فحسب، وإنما باب التوبة مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها (2/455)
صفحة 901
456
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: «إن الله يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار حتى تطلع الشمس من مغربها، والمراد ببسط الله الله يده بالنهار ليتوب مسيء الليل وببسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار أن الله الا الله يقبل التوبة، فهو كأنما يتلقى عباده التائبين بيده ويمنحهم هذه التوبة من فضله تبارك وتعالى، والحق سبحانه عندما ذكر عباده المتقين الذين وعدهم جنة عرضها السموات والأرض كان مما وصفهم به عدم الإصرار حيث قال سبحانه: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135]، هذا ومن المعلوم أن الإنسان عرضة للخطأ، وهذا أمر غير، بدع، لأن فطرة الإنسان تقتضي ذلك، ففطرة الإنسان فطرة محدودة من شتى النواحي سواء من حيث الملكات والإرادة أو من حيث النظر والإدراك، والله الله ذكر آدم السلام وهو أبو البشر فقال: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمَا [طه: 115]، ولقد أجاد من
قال:
لئن نسيت عهوداً منك سالفة فاغفر فأول ناس أول الناس
والله بين الفرق بين منهج المتقين ومنهج غيرهم، فمنهج المتقين هو منهج التراجع والادكار، إذ الله تعالى يقول: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَيفُ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [الأعراف: 201]، فالمتقي إذا مسه طائف من الشيطان سواء كان استزله حتى أخرجه عن سواء الصراط أو كان في محاولته لإخراجه عن سواء الصراط يتذكر فيرجع من أول الأمر أو يرجع بعدما ينحرف شيئاً قليلاً ويثوب إلى رشده، وهنالك فرق ما بين الإصرار وما بين الادكار والتوبة، فالمصرّون إنما يقتدون بإبليس لعنه الله، (2/456)
صفحة 902
فتاوى عامة
457
فإبليس عدو الله هو إمام المصرين، لأنه أصر لما انطوى عليه من خُبث وشوء سريرة وسوء نية فلذلك استحق اللعنة والطرد من عند الله الله فهو إمام للمصرين، بينما الذين يتوبون إلى الله تعالى ويتراجعون هم يقتدون بصفي الله آدم الذي هو إمام التائبين، فإن آدم أول من تاب، فآدم وحواء: قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ)
[الأعراف: 23]، فاعترفا بخطيئاتهما وذنبهما وطلبا من الله العفو، ونعمة الله تعالى على عباده وفضله الواسع يقتضيان أن يعفو عنهم لأنه الله عفو كريم يحب العفو، وهكذا شأن الإنسان الذي يخشى الله تعالى عندما تزل قدمه وينحرف عن الجادة سرعان ما يتراجع ويرجع إلى الحق، وهذا يعني أن باب التوبة مفتوح لا يسد إلا عندما تكون هذه التوبة توبة اضطرار في حال شعور الإنسان بانتهاء أمده في هذه الحياة وقيام قيامته وذلك بوصول روحه إلى الحلقوم، فلا ينفس للإنسان حينها بالتوبة، ولذلك قال الله: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْكَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَارٌّ أَوَلَيكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 18]، وهكذا لا تقبل التوبة عندما تقوم قيامة الدنيا، بحيث يرى الإنسان علامات انتهائها بتبدل نظام هذا الكون بأن تطلع الشمس من المغرب وتغرب من المشرق فهنا يغلق باب التوبة، لأن توبة التائبين في ذلك الوقت إنما هي توبة اضطرار وليست توبة اختيار، ولأجل هذا يؤمر الإنسان بأن يسارع إلى التوبة في جميع أحواله وأن يحدد لكل معصية توبة «السر» بالسر والعلانية بالعلانية»، لأن الإنسان عندما يزل وينحرف عن الحق لا بد أن ينزل منزلته التي أنزل نفسه فيها، فرفعه عن هذا المنزلة إنما يكون برجوعه إلى الله فلذلك كان لزاماً عليه أن يُعلن هذه التوبة إن كانت بارزة ظاهرة حتى يُرفع عن المنزلة التي أنزل نفسه فيها وهي منزلة الخسة والدناءة. (2/457)
صفحة 903
458
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
ما نصيحتكم لرجل يرتكب المعاصي وهو يعلم أنها معاصي، وعند اقترافه لمعصية من المعاصي يتوب منها مع العزم على عدم العودة، ولكنه يرجع ثانية ويقع في الذنب؟ إن الله الله يقبل توبة عبده - كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم ـ ما لم يُغرغر، ولكن على أن يعقد العزم على عدم العودة، وعندما تنزع نفسه إلى الشر مرة أخرى فليحاول أن يصدها عن الشر، وليستعن على ذلك باستحضار موقف يوم القيامة وخطورته واستحضار نعيم الجنة وعقاب النار ـ والعياذ بالله، فإن ذلك مما يُعين الإنسان على كبح جماح النفس وعم استرسالها في شهواتها، والله أعلم.
ذلك
امرأة تكثر من التوبة والاستغفار، لكنها لا تحسّ ولا تستشعر بطعم
العبادة؟
سر
ما بينها وبين ربها، وإنما على الإنسان دائماً أن يستشعر عظمة الله تعالى المعبود وأن يستشعر حاجته إليه، وغنى المعبود عنه، وأن يستشعر أن كل ما يفعله عباده لا يزيد في ملك الله شيئاً، فلو كان أهل السموات والأرض على قلب أبرّ رجل لما زاد ذلك في ملكه سبحانه شيئاً، ولو كانوا جميعاً على قلب أفجر رجل لما نقص ذلك من ملكه شيئاً، وإنما الفضل الله تعالى أولاً وآخراً على أن وقوف الإنسان بين يدي ربه أمر يعد شرفاً عظيماً ليس بعده شرف، ولئن كان الإنسان الضعيف عندما يقف بجانب من آتاه الله الله نفوذاً وسلطاناً في الأرض يشعر أن ذلك شرفاً بحسب المقاييس عند البشر، فكيف عندما يتصل اتصالاً مباشراً بعالم الغيب والشهادة ملك الملوك الذي {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَدِهِ، وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ (2/458)
صفحة 904
فتاوى عامة
459
يدي
إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء: 44]، فجدير به أن يستشعر الشرف العظيم، لأنه ضعيف بين يدي أقوى الأقوياء الذي لا قوي غيره، ولأنه فقير بين أغنى الأغنياء الذي لا غني في الحقيقة سواه، ولأنه مخلوق واقف بين يدي الخالق ولأن الله تعالى مالك أمره ومصرف هذا الوجود بأسره، ولأنه بوقوفه هذا يُشارك الوجود بأسره، فالوجود كله يسبح بحمد ربه ويسجد خاضعاً لجلاله، فجدير إذا أن يستشعر نعمة الله تعالى عليه الذي شرفه بالتوفيق لهذا الوقوف بين يديه، وأن يستشعر أن هذه النعمة يجب أن تُشكر ومن شكرها أن يحس بقدرها وعظمها وجلال أمرها، وهذا فيما أحسب سبب لاستشعار هذه المرأة لذة العبادة ولذة الوقوف بين يدي الله له، والله أعلم.
ما حكم من عصى الله تعالى بجهالته للذنب أي أنه لا يعلم بأن فعله هذا حرام أو لا يعلم أن فعله هذا يترتب عليه من الأحكام كذا أو كذا، والآن علم ذلك وأراد التوبة بعد الندم؟
تجب التوبة على من وقع في محارم الله، سواء كان ذلك بعلم أو بجهل، إذ الجهل ليس عُذراً للجاهل، ولو كان الجهل عُذراً للجاهل لكان أولى بالتكريم من العالم لأنه مناط السلامة ومعقل النجاة، ولكن أبى الله تعالى ذلك، فالله أرسل رسله وأنزل كتبه ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من الله حي عن بيّنة، والإنسان مأمور ألا يُقدم على شيء إلا ببينة من أمره وبصيرة من ربه حتى يسير في طريق السلامة ويتجنب الوقوع في المهاوي والمزالق، وقد قال تعالى في هذا وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلم} [الإسراء: 36]، ولذلك على الإنسان أن يتعلم حكم الشيء الذي لا يعرف حكمه قبل أن يُقدم عليه لئلا يتورط. (2/459)
صفحة 905
460
هذا
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ومن وقع في شيء من محارم الله و فعليه التوبة من ذلك، ولكن يبقى النظر هل هذه القضية التي وقع فيها خاصة فيما بينه وبين ربه فحسب أو تتعلق بها حقوق للعباد؟ ففي الحديث الذي رواه الإمام الربيع بن نه عن أبي عبيدة قال: سمعت جماعة من الصحابة يروون عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الذنب ذنبان ذنب بين العبد وربه، وذنب بين العبد وصاحبه فالذنب الذي بين العبد وربه من تاب منه كان كمن لا ذنب له، والذنب الذي بين العبد وصاحبه لا توبة له حتى يرد المظالم»، فإن كانت هذه المعصية بينه وبين ربه فيجب عليه أن يتوب بينه وبين ربه وبهذا يمحو آثار خطيئته، إلا أن هناك حقوقاً فيما بينه وبين الله قد تكون واجبة منها الكفارات، فإنه لا بد من أداء هذه الكفارات سواء ما نص عليه القرآن الكريم أو ما نص عليه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن كان حنث في يمينه فعليه الكفارة المرسلة بنص القرآن الكريم أو وقع فيما يُوجب الكفارة المغلظة كأن يفطر في رمضان عمداً من غير عذر شرعي فعليه الكفارة بنص حديث رسول الله، وكذلك أيضاً على المُظاهِر وعلى القاتل الخطأ الكفارة بنص القرآن الكريم، وكذلك لا بد له من قضاء ما ضيع من صومه أو فروضه، أما فيما عدا ذلك فإن توبته بينه وبين ربه تمحو خطاياه حتى لا يبقى لهذه الخطيئة أثر، فيصبح لم يقع في معصية قط، أما إن كانت هنالك حقوق للعباد فإن هذه الحقوق لا بد من الوفاء بها، فإن كان هذا السائل سرق من أحد الناس أو اغتصبه ماله أو وقع في معصية أدت إلى انتهاك عرض فلا بد من أداء الحق إلى صاحبه إلا إن تنازل له صاحب الحق عن حقه فهنا يكون ذلك عفواً منه، والله تعالى يتقبل منه.
كأن (2/460)
صفحة 906
فتاوى عامة
461
منهم
يظن البعض أن الاستقامة طريق صعب وأن التوبة إلى الله لا تتطلب أن يكونوا ملتزمين التزاماً شديداً ـ كما ندماً شديداً وتتطلب منهم يرون مثلاً كثيراً من الملتزمين - فلا بد أن يقلدوهم في حركاتهم وفي كل أفعالهم، فكيف يوضح هذا الأمر؟
الاستقامة هي أن يستقيم الإنسان على منهج الحق وأن يتبع أوامر الله ويزدجر عن نواهيه، فلا يقارب شيئاً من حرماته ولا يقع في شيء من مكروهاته، هذه هي الاستقامة، وليست هي أمراً أمراً عسيراً بل هي أمر ميسر لمن يسره الله تبارك
أراد منهم
وتعالى له، فالله سبحانه لم يطلب من العباد ما فيه مشقة وكلفة عليهم، إنما ما فيه يسر لهم ويُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: 185]، {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج} [الحج: 78]، فليس في دين الله حرج، ولم يحرم الله تعالى على الناس شيئاً مما يحتاجون إليه إلا وأباح لهم في مقابله ما يغنيهم عما حرم، فكما حرم الزني أباح الزواج الشرعي، له لما فيه من الألفة والتقريب ما بين قلوب الأسر وقلوب الأفراد، إذ الزواج ليس هو مجرد ارتباط ما بين الزوجين فحسب بل هو أيضاً ارتباط بين الأسرتين، ففيه مصالح كثيرة بينما الزنى بخلاف ذلك، وكذلك حرم الله تعالى الخبائث من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله والخمر، وأباح تعالى لعباده في مقابل ذلك طيبات المطاعم والمشارب وما أكثرها، ونحن إذا ما نظرنا إلى المحرمات وجدناها أموراً قليلة يسيرة بالنسبة إلى ما أباح الله تعالى من الطيبات الكثيرة التي لا نحصيها، وكذلك عندما حرم الله تعالى قول الهجر من الغيبة والنميمة والكذب وغير ذلك أباح القول الطيب، فأباح المزاح الذي لا يؤدي إلى الكذب ولا يؤدي إلى إثارة الأضغان والأحقاد، وأباح الكلام الذي يريح النفوس ويقرب ما بين القلوب، فما (2/461)
صفحة 907
462
الاستقامة
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
الاستقامة
أباحه الله تعالى ودعا إليه إنما هو داعية للألفة والتقارب بخلاف ما حرم، وهكذا. فطريق الاستقامة إنما هو طريق الفطرة، والخروج عن منهج إنما هو خروج عن منهج الفطرة، فليس الأمر كما يتصور الناس أن طريق وعر شائك صعب وإنما هو طريق في منتهى اليسر بمشيئة الله الله ولكن شأن الفطر إذا تعفنت والعقول إذا أظلمت والنفوس إذا تكدرت أن تتصور الأمور بعكس حقيقتها، فتتصور الطيب خبيثاً والخبيث طيباً وتتصور السهل صعباً والصعب سهلاً، فقد يرتكب الإنسان الصعوبات الكثيرة في سبيل إرضاء شهوته وإرضاء شيطانه غير مبال بما يترتب على هذه الصعوبات من المخاطر، بينما يرى من الصعب على نفسه أن يقوم بالواجب بينه وبين الله تعالى فيجتنب محارمه ويقوم بفرائضه، وهذا أمر عجيب، ومن هنا ندرك أن الإسلام هو دين الفطرة: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30]، وكما قلت إن من شأن الإنسان إذا ألف المعصية حتى رانت على قلبه أن يكون أسيراً لها، ولذلك يصعب عليه الخير وإن كان طريق الخير سهلاً ميسراً بسبب الفته للمعصية وعدم قدرته على الانفكاك عنها، أما عندما تكون فطرته سوية فإنه لا يرى في ذلك شيئاً من الصعوبة، فالعبادات التي فرضها الله تعالى على عباده هي كلها ميسرة، فالصلوات الخمس مثلاً يقيمها الإنسان في أوقات محدودة لا تكون أبداً على حساب عمله ولا على حساب راحته، بل في هذه الصلاة الراحة والطمأنينة والخروج من هموم هذه الدنيا واللجوء إلى الله تعالى فكيف يشق على الإنسان أن يقف بين يدي الله تعالى خمس مرات ليتخلى عن هموم الدنيا وليتخلص من أرجاس نفسه، بحيث يُقبل على الله تعالى طاهراً نقياً ويتشرف بمناجاة الله له أي شرف أعظم من هذا الشرف، فهل في هذا مشقة وصعوبة؟! (2/462)
صفحة 908
فتاوى عامة
463
مع
كذلك الصيام الذي فرضه الله إنما هو شهر في العام فلم يفرض الله تعالى على عباده أن يصوموا طوال العام أو أن يصوموا نصفه أو ثلثه أو ربعه، بل فرض عليهم أن يصوموا شهراً واحداً في العام فأي مشقة في هذا الصيام؟! أن في الصيام راحة في البدن كما جاء عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام قوله: «صوموا تصحوا»، وقد ثبت أن الصيام سبب لتنقية الجسد من ترسبات الكثير من الأطعمة وآثارها ومخلفاتها في هذا الجسم، كذلك الزكاة فالإنسان يخرج العشر في ثمرات الأشجار والزروع، إن كانت تُسقى بغير مؤونة، وكلفة ونصف العشر إن كانت تُسقى بكلفة، أما إذا جئنا إلى زكاة النقدين وإلى زكاة التجارة فهي بنسبة اثنين ونصف في المائة، وأي كلفة في مع أن الإنسان ينفق النفقات الكثيرة في سبيل إرضاء شيطانه ولا يبالي بها، فقد ينفق في الخمر وفي طاولات القمار وفي أنواع المجون والفساد مفلساً الأموال الطائلة حتى يصبح بين عشية وضحاها من كثرة الإنفاق فنخرج من هذا كله أن طريق الاستقامة طريق سهل لا كما يتصوره هؤلاء، وإنما هذا يعود إلى عدم تصورهم الحقيقة بسبب ما ذكرته من عفن أفكارهم وعقولهم، والله المستعان.
هذا
هل يجوز أن يحلف الإنسان على التوبة كأن يقول أقسم بالله إنني أتوب
عن
كذا؟
التوبة لا تحتاج لتأكيد بالقسم، لأن التوبة إنشاء، والذي يحتاج إلى تأكيد هو الخبر، فالعبد عندما يتوب ينشيء التوبة ولا يخبر عنها، إذ قول الإنسان أستغفر الله تعالى وأتوب إليه ليس هو إخباراً عن طلبه المغفرة وعن توبته وإنما هو إنشاء لهذا الطلب نفسه ولهذه التوبة والإنشاء لا يحتاج إلى توكيد بالقسم، ولكن لو وقع ذلك لا يقال بأنه عصى بهذا، والله أعلم. (2/463)
صفحة 909
464
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
هل التوبة لمرتكب الكبيرة تامة الأركان حتى ولو لم يطبق الحد الشرعي عليه، وهل يكون طاهراً إذا تاب التوبة الصدوق استناداً إلى حادثة ماعز والغامدية عندما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ليطهرهم؟
إن الله الله فتح باب التوبة دون اشتراط إقامة حد، وذلك من فضل الله الله على عباده وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على أن يتوب الإنسان بينه وبين نفسه من غير أن يعرضه إلى إقامة الحد عليه، فقد قال رسول صلى الله عليه وسلم: «من أصاب منكم شيئاً من هذه القاذورات فليستتر بستر الله، فإن من يُبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله فمن أبدى صفحته وكشف أمره فلا بد من إقامة حد الله الله عليه، ومع ذلك لو جاء المعترف بما يوجب الحد عليه، فإنه يردد كما ردد النبي ماعزاً لعله يتوب بينه وبين ربه، فإن من شأن المؤمن الرحمة، والنبي صلى الله عليه وسلم هو في قمة الإيمان فكان أكثر الناس رحمة، وليس من رحمة الإنسان أن يحب إيذاء الغير - وإن كان في إقامة حدود الله الله أيضاً رحمة، ولكن العاصي إذا اقترف ما يوجب الحد ثم تاب بينه وبين ربه فقد أمن شره، ولذلك كان من شأن أئمة المسلمين إذا جاءهم أن يقيموا عليه الحد الشرعي ألا يأخذوا بقوله من أول مرة
أحد يطلب منهم حتى يتتبعوا أمره ويتكرر اعترافه بما يوجب الحد الشرعي، والله أعلم.
هل يُطهر الحد من أقيم عليه الحد؟ وإذا لم يكن هناك إقامة حدود فكيف السبيل إلى تطهير العاصي من الذنب؟
الحد يُطهر المحدود ولكن لا يعني ذلك أن التوبة تتوقف على إقامة الحد، وإنما يتوب الله الله على التائب كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أصاب شيئاً من هذه القاذورات فليستتر بستر الله فإن من يبد لنا صفحته (2/464)
صفحة 910
فتاوى عامة
?
نقم عليه كتاب الله»، فالذي يقع في شيء من المعاصي عليه أن يستتر الله الا الله وإذا أبدى صفحته وكشف أمره فلا بد من إقامة حكم
الله الله عليه، أما قبل ذلك فهو في سعة من أمره وليتب إلى الله الله فيما بينه وبين ربه، وعلى العبد أن يحدث لكل معصية توبة السر بالسر والعلانية بالعلانية، والله أعلم.
شخص لم يكن يصلّي من قبل والآن تاب إلى الله فماذا يصنع بصلواته الفائتة، وما صحة الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي: يقول من فاتته صلوات ولم يحصها فليصل آخر جمعة من رمضان وليقرأ عدداً معيناً من الآيات»؟
هذا الحديث حديث باطل لا يصح، ولا يجوز التعويل على هذه الروايات الباطلة ومن فاته شيء من الصلوات فليقضها، والقضاء لا يقيد بوقت من الأوقات اللهم إلا الأوقات التي تمنع فيها الصلاة وهي وهي وقت طلوع الشمس إلى استكمال طلوعها ووقت غروبها إلى أن تستوفي غروبها، ووقت استوائها في كبد السماء في الحر الشديد، فهذه الأوقات الثلاثة لا يجوز فيها القضاء وفيما عدا ذلك فالقضاء مشروع، فمثلاً يمكن أن يقضي في الوقت الذي بين المغرب والعشاء صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، وكذلك فيما بين طلوع الشمس إلى الزوال، فالنبي صلى الله عليه وسلم في واقعة الخندق قضى ثلاث صلوات في وقت العشاء حيث قضى الظهر والعصر والمغرب ثم قام للعشاء الآخرة، ولا بد من القضاء على القول الراجح الذي نأخذ به، والله
تعالى أعلم. (2/465)
صفحة 911
??
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
إن العلماء اشترطوا لمن اغتاب إنساناً أو نم عليه، ثم أراد التوبة أن يعتذر إليه وأن يستسمحه، ولكن يقول البعض: إن في ذلك مشقة عليه أو يخشى أن يغضب عليه أو يخشى أن يكون في ذلك إحراج، فهل يمكن أن يسقط عنه ذنبه؟ هذه مسألة فيها خلاف بين أهل العلم، منهم من قال: لا بد أن يعتذر إليه، ومنهم من قال: يكفيه أن يتوب بينه وبين ربه وذلك بأن يندم على ما صدر منه وأن يُقلع عما وقع منه وأن يستغفر ربه وأن يعزم على عدم العودة إليه، ولكن مع هذا كله لا بد من أن يصلح ما أفسد فإن كان أشاع عنه سوءاً فعليه أن يمحو أثر كلامه ذلك بأن يذكره بالخير بدلاً من أن يذكره بالسوء، وقد جاءت روايات تدل على أن من وقع في غيبة أحد فليستغفر له ربه سبحانه وتعالى؛
أي يكفّر ذلك بطلبه المغفرة لذلك الذي اغتابه، والله تعالى أعلم.
البنت عندما لا تتوفق للزواج هل يعود ذلك إلى ذنب اقترفته؟ لا، فقد يبتلي الله سبحانه من يشاء بما يشاء، والدنيا دار بلاء، والمؤمنون أكثر بلاء من غيرهم، ولا ريب أن من شأن العارفين بالله عندما يلقون أي صعوبة أو محنة في الدنيا أن يراجعوا أنفسهم، ولكن هذا لا يلزم أن يكون بسبب معصية، فقد يكون ذلك لأجل رفع الدرجات، إذ الله تعالى عندما يبتلي عباده أو إماءه بشيء مما يكرهونه في هذه الدنيا قد يريد بذلك رفع درجاتهم، أو محو سيئاتهم على أن الإنسان كثير الخطأ مهما كان ولا يبرئ نفسه من الخطأ، ولئن كان يوسف الله الذي برأه الله في كتابه والذي برأته امرأة العزيز وبرأته النساء الأخريات، يقول: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَارَةُ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [يوسف: 53]، فكيف بأمثالنا، إنه ليجدر بأي إنسان عندما يرى أي محنة أو أي شيء يكره في هذه الدنيا (2/466)
صفحة 912
فتاوى عامة
467
من
أن يحاسب نفسه على ما قدم، إذ لعل الله لا اله ابتلاه بذلك بسبب ما بدر منه الأعمال السيئة، ومع ذلك نؤكد ما قلناه سابقاً بأنه لا يلزم أن يكون ذلك بسبب مقارفته للمعصية، فقد جاء في بعض الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه يؤتى بأكثر الناس نعيماً في هذه الدنيا فيغمس يوم القيامة غمسة في عذاب الله ويقال له: هل ذقت نعيماً قط؟ فيقول: لا ويؤتى بأكثر الناس بؤساً في هذه الدنيا ويغمس غمسة في نعيم الآخرة فيقال له هل ذقت بؤساً قط؟ فيقول: لا، فهذه الفتاة التي ابتليت بزواج غير موفق إن كانت من الصالحات فذلك من أجل أن يرفع الله تعالى درجاتها، وكذلك التي لم تتوفق لزواج لعل الله ابتلاها لتعيش في هذه الدنيا عيشة هم وحزن لينقلب هذا الهم والحزن إلى فرح دائم في الدار الآخرة، والله أعلم.
ما حكم من كان يأخذ شيئاً من محل عن طريق السرقة قبل البلوغ، ثم عندما بلغ ندم على ما فعل، هل يرجع ما أخذه؟
نعم، عليه رجع ما أخذ إلى صاحبه، فإن ذلك حق واجب عليه، إذ على
الصبي أداء ما أكله أداء ما أكله في بطنه أو اغتصبه بفرجه بعد بلوغه من ماله، هكذا
نص العلماء، والله تعالى أعلم.
البعض كان يأخذ شيئاً من محل يديره رجل غير مسلم، وعندما تاب ظن في نفسه أن ما أخذ من غير المسلم لا يرجع عند التوبة، فهل هذا صحيح؟ مال غير المسلم مضمون كمال المسلم، وإنما يحل مالهم عندما يحاربون المسلمين وتكون حرباً جهادية بينهم وبين المسلمين، أما عندما يكونون مسالمين فلا يجوز أخذ شيء من أموالهم، بل حرمات أموالهم كحرمات أموال المسلمين. (2/467)
صفحة 913
468
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
طالبات عند عودتهن من الكلية في نهاية الأسبوع كن يتوقفن في إحدى المحلات التجارية لشراء بعض الأغراض، وكن يأخذن حبات من الزيتون ويأكلنه ظناً منهن أنه عرض للتجربة قبل الشراء وتكرر ذلك الأمر: يأكلن منه ولا يشترين ماذا عليهن الآن بعد أن تبين لهن الأمر بعدم جواز ذلك؟ يجب عليهن أن يتخلصن من هذا الحق إلى صاحب المحل فإن ذلك يورث النار، كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام الربيع حمدالله أن النبي عليه الصلاة والسلام قال القليل من أموال الناس يورث النار». وقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً في أموال الناس، ففي الحديث عنه عليه أفضل الصلاة والسلام ردوا الخيط والمخيط وإياكم والغلول فإنه عار على أهله يوم القيامة»، ولئن كان هذا في المال العام فما بالنا بالمال الخاص، وكذلك جاء في حديث رسول الله من اقتطع حق مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار»، فقيل له: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله، فقال لهم: «وإن كان قضيباً من أراك»، وجاء في حديث أبي هريرة له عند الإمام الربيع قال: «سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر فلم نغنم ذهباً ولا فضة إلا الأموال والمتاع فأهدى رجل من بني الضبيب يسمى رفاعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاماً أسود يسمى مدعماً، فوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو وادي القرى فبينما مدعم يحط رحال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء سهم غرب فأصابه فقتله، فقال الناس هنيئاً له الجنة فقال: «لا، والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها من المغانم يوم خيبر لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً»، فالمال وإن كان شيئاً يسيراً لا يجوز أخذ شيء ء منه إلا برضى صاحبه، والقرآن حريص على بيان ذلك وتحذير الناس من الوقوع في مثل هذه الورطات، فالله تعالى يقول: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى (2/468)
صفحة 914
فتاوى عامة
469
الْحُكَامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188] ويقول: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُون تجرَةً عَن تَرَاضِ مِنكُمْ وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ** وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانَا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يسيرًا} [النساء: 29، 30]، والوعيد في هذا شديد جداً فيجب الحذر، ولذلك ندعو هؤلاء الأخوات إلى تقدير ما أكلنه ورد ثمن ذلك إلى صاحب المحل، والله تعالى أعلم.
امرأة أخذت من زميلتها مالاً على وجه السرقة والآن نادمة وتريد أن ترجع المال إلى صديقتها، ولكنها تستحي أن تواجهها بالحقيقة ماذا
تصنع؟
لا يلزمها أن تصارحها بالحقيقة لأن المصارحة ليست واجبة، وإنما الواجب إيصال الحق إلى صاحبه، فعليها أن توصل إليها حقها، ولا يلزمها أن تخبرها بأن هذا الحق من سرقة سرقتها منها، بل يكفيها أن تقول لها هذا حق لك عليّ أو هذا مما وصلني من حقك فخذيه أو عليّ لك ضمان أو نحو هذا مما يغني عن التصريح الذي يؤدي إلى الإحراج، والله تعالى أعلم.
امرأة لزمها مبلغ من المال لأحد الخياطين، ثم سافر الآن، ما السبيل لإيصال هذا المال وقد تعذر وصولها إليه ومعرفتها مكانه، فماذا تصنع فيما لزمها له؟
عليها أن تحرص على إيصال هذا المال إليه إذا كانت تجد سبيلاً إليه، فإن لم تجد السبيل فعليها أن تسأل عن السبيل بقدر المستطاع، فإن تَعَذرَ ذلك عليها ولم تجد سبيلاً إليه قط فلتدفع ذلك إلى فقراء المسلمين، والله تعالى أعلم. (2/469)
صفحة 915
470
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
هل إقرار المرأة على نفسها بالزنى وطلبها حد الرجم يكفي ولو لم
ينفذ فيها؟
إذا أقرت على نفسها وجب أن يُقام عليها الحكم الشرعي، وإن لم يقم عليها الحد الشرعي فلتتب بينها وبين الله الا الله ولا يلزمها أن تعترف بالزني، والله أعلم.
أنا معلمة في إحدى مدارس السلطنة قمت بإدارة جمعية تعاونية بالمدرسة التي أعمل فيها ويتمثل ذلك بالقيام بأعمال البيع والشراء للجمعية، وكنت خلال هذا العمل أقوم بشراء بعض السلع خارج حسابات الجمعية لبيعها لحسابي الخاص كما كنت في بعض الأحيان أستخدم بعض أموال الجمعية لصالحي أيضاً، ومضى على ذلك قرابة سبع سنوات وحتى الآن لم أرد هذه المبالغ ولم أعرف كم هي مع العلم بأن هذه المبالغ هي أموال طلاب وجزء منها لإدارة المنطقة التعليمية، كما أن أصحاب هذه الأموال من المساهمين من الطلاب وقد أنهوا دراساتهم وهم الآن غير معروفين، كيف لي أن أرد هذه الأموال؟ وكيف أقدّرها؟ وأنا حائرة في أمري وأتوب إلى الله تعالى من هذا العمل، أرجو أن تفيدوني.
يورط الناس كثيراً أنفسهم، إذ يتصرفون تصرفاً عجيباً في الأموال من غير مبالاة، ولا يصحون من هذه السكرة إلا بعد حين، وعندئذ يلتمسون المخرج، وقد يكون المخرج كما قيل أضيق من عقد التسعين، بسبب صعوبة الأمر، ولكن مهما كان الأمر فإن من اتقى الله جعل له تبارك وتعالى مخرجاً من أمره، إذ الله تبارك وتعالى يقول: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2، 3]، فالإنسان مطالب بأن يتورع كل الورع عن أموال الناس وعن كل ما يتصل بحقوقهم، لأن توبة الذي يغمط (2/470)
صفحة 916
فتاوى عامة
471
عما
حقوق الناس مرهونة برد الحقوق إلى أصحابها أو طلب التنازل منهم لهم من حقوق وهذا أمر قد يتيسر وقد يتعسر أحياناً، فلذلك كان من الضرورة أن يحرص الإنسان على اتقاء أموال الناس فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «القليل من أموال الناس يورث النار». وفي الحديث الآخر عنه عليه أفضل الصلاة والسلام: «من اقتطع حق مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار». فقيل له: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ فقال: «وإن كان قضيباً من أراك». وجاء في الحديث الثابت من طريق أبي هريرة له أنه قال: سافرنا مع رسول الله عام خيبر فلم نغنم ذهباً ولا فضة إلا الأموال والمتاع، فأهدى رجل من بني الضبيب يسمى رفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم غلاماً أسود يسمى مدعماً، فوجه النبي صلى الله عليه وسلم نحو وادي القرى فبينما مدعم يحط رحال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء سهم غرب فأصابه فقتله فقال الناس: هنيئاً له أخذها الجنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا والذي نفسي بيده إن الشملة التي المغانم يوم خيبر لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً». والأحاديث في كثيرة، وحسبنا القرآن، فالله تعالى يقول: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ
من
هذا
وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَلِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 188]، ويقول سبحانه: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ مِنكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانَا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَالِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: 29، 30]، وقال في أكل أموال اليتامى إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْن سَعِيرًا} [النساء: 10]، فالمشكلة مشكلة معقدة لأن مال الناس يجب أن يرد إليهم، ولكن نظراً إلى أن الحق و فتح أبواب التوبة لعباده ويسر للمتقين الخروج من المآزق، فقد قال الفقهاء في المال الذي جهل (2/471)
صفحة 917
472
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ربه بحيث تعذر التوصل إليه بأي وسيلة من الوسائل: إن فقراء المسلمين أولى به، ومنهم من قال: بأن مرده إلى بيت مال المسلمين، والأصل في هذا اللقطة، حيث إنها تدفع إلى فقراء المسلمين عندما يتعذر على الإنسان معرفة صاحبها، ويحمل على ذلك كل مال جهل ربه وعلى هذه فهذه المرأة ينبغي أن تبحث قدر مستطاعها عن أصحاب هذه الحقوق، فإن تعذر عليها التوصل إليهم بأي سبيل من السبل فعندئذ تعدل إلى دفعه إلى فقراء المسلمين، وفي ذلك إن شاء الله مخلص لها، والله تعالى أعلم.
التائب من أخذ الربا، ماذا يفعل بالزائدة التي تدرها أمواله هل يتركها
للبنك مع العلم أنه قد يستغلها في أعماله المضادة للإسلام مثل بناء الكنائس، أو أنه يتصرف بها وذلك يكون مضاداً لقول النبي صلى الله عليه وسلم في
معنى الحديث كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به؟
يؤمر المرء أن يكون في معاملاته متقياً الله الله، ومن تقوى الله وعل أن يختار لأمواله إذا أراد إيداعها التقي العفيف، فقد روي في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كفى بالمرء خيانة أن يكون أميناً لخائن أو أن يكون أمينه خائناً»، والمقصود بالخيانة مخالفة أوامر الله، فمما يجب على الإنسان ألا يستودع نقوده حيث تُستغل في الربا ويتصرف فيها بمعصية الله سبحانه، بل عليه أن يختار لها المستودع الأمين، غير الخائن، ومن ذلك أن لا يُودع نقوده المؤسسات التي تتعامل بالربا أو التي تشجع على المنكر، أو التي تستغل الأمانة التي يودعها فيها في محاربة الدين، فما للإنسان وتركه نقوده في البنوك التي تتعامل بالربا؟ سواء كان يأخذ ما تدره هذه النقود من الزيادة فى هذه المعاملة أو لا يأخذ، والأخذ من هذه الزيادة يعد مقارفة للربة ورضا به، والله لا يقول: {وَإِن تُبْتُم فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 279]. (2/472)
صفحة 918
فتاوى عامة
473
هل يوجد هناك فرق في العقوبة والإثم ما بين جريمتي الزنى وعمل قوم لوط بالنسبة للمحصن ولغير المحصن وأيهما أشد إثماً هل هي فعلة قوم لوط أم الزنى بالنسبة للفاعل والمفعول به، وإذا تاب هل تقبل توبة الفاعل أم لا بد من تطبيق العقوبة حتى تقبل التوبة؟
نسأل الله تعالى العافية، وعلى الإنسان ألا يستخف بأي معصية من المعاصي، فإن الاستخفاف بالمعاصي يؤدي إلى ارتكابها، فلا نستطيع أن نقول بأن إحدى الجريمتين أهون فكل من الزنى والفاحشة المشار إليها جريمة كبيرة وكل ما كان فيه شذوذ عن الفطرة وخروج عن الطبيعة هو أعظم فُحشاً وأكبر إثماً، فالزنى هو فاحشة كبيرة لأنه يؤدي إلى اختلاط الأنساب وإلى عدم الثقة والطمأنينة بينما يجب أن يكون المجتمع قائماً على الطمأنينة، بحيث يطمئن الزوج إلى زوجته، وتطمئن الأسرة إلى أفرادها حتى لا يكون فيها أي اضطراب، ومن المعلوم ظهور الزنى يكون على عكس ذلك، ولذلك عندما نهى الله تبارك
أن
وتعالى عن الزنى لم ينه عنه وحده وإنما نهى عن قربانه، فقد قال عزَّ من قائل: {وَلَا نَقْرَبُوا الزِنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32] وذلك دليل على خطورة الزنى، ومن أجل هذا سدت الأبواب وأغلقت النوافذ في وجه هذه الجريمة بما شرعه الله تعالى من الأخلاق والآداب التي فرضها الله على الجنسين جميعاً، فقد قال عز من قائل: قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى هَمَّ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور: 30]، فأمر الله الله بغض البصر لأن البصر هو النافذة التي يطل منها الشيطان ويلج منها إلى النفوس فيؤثر عليها تأثيراً خطيراً، وأتبع ذلك الأمر بحفظ الفروج لأن حفظ الفروج مسبب عن غض البصر، فعندما يغض الإنسان بصره يستطيع أن يتحكم في فرجه، (2/473)
صفحة 919
474
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
هذا
والإسلام دين بعيد عن المفارقات والتناقضات فهو دين يوائم بين جميع أطراف أوامره ونواهيه وتوجيهاته وإرشاداته، فلذلك أتبع الله هذا الأمر الذي وجهه إلى عباده الذكور، أمراً آخر وجهه إلى إمائه الإناث عندما قال: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَابِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ} [النور: 31]، وليس ذلك فحسب بل شدد في الأمر على المرأة بألا تضرب برجلها في الأرض فيُعلم ما تخفي من زينتها، لأن جرس حليها له أثر على قلب الرجل وهكذا نبرة صوتها ونفحة طيبها، ولذلك أُمِرَ كلّ بما أُمِرَ به من الآداب التي تتلاءم مع فطرته، ومع كله أمرا أيضاً بأن يكون الدخول باستئذان وأن يحترم الناس ما في بيوت الآخرين فلا يتجسسون عليها، وحذر الرجال من الدخول على النساء فقد قال النبي: إياكم والدخول على النساء» فقال له رجل الأنصار: أرأيت الحمو يا رسول الله قال له: «الحمو الموت»، وحمو المرأة هو قريب زوجها كأخيه، ولئن كان قريب زوجها يشبه بالموت من حيث إن دخول الرجل على امرأة أخيه يُشكل خطراً كبيراً فكيف إذا كان الداخل أجنبياً رأساً؟ فقد قال: «ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم»، وقال عليه أفضل الصلاة والسلام: «ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما، ولئن كانت جريمة الزني بهذا القدر من الخطورة فإن الجريمة الأخرى هي أشد خطراً لأن فيها عدواناً على الطبيعة وتمرداً على الفطرة وانتهاكاً للحرم وعدواناً على كرامة الرجولة وفي ذلك ما فيه من الخطر العظيم، ثم بجانب ذلك هو يؤدي إلى تلف ثروة كبيرة، هذه الثروة هي ثروة النسل إذ النسل يضيع عندما
من (2/474)
صفحة 920
فتاوى عامة
475
تلقى بذوره في أرض غير منتجة وذلك مما يسبب خطورة بالغة، والله الله عندما ذكر هذه الجريمة النكراء ذكرها مشدداً فيها وهي من القذارة بحيث أن ذكرها لم يكن إلا لأجل التحذير منها، وإلا فقد كان الجدير أن يطهر الكلام من ذكرها، وما كان ذكرها إلا من أجل تنفير النفوس عنها لفحشها.
هذا وقد جعل الله الا الله حداً لمقارفة جريمة الزنى وهو ما جاء في أول سورة النور عندما قال عز من قائل: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذَكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكُ تَرِمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2، 3]، وقد جاء حديث النبي صلى الله عليه وسلم ليبين أن هذا الحكم إنما هو خاص بالزاني البكر والزانية البكر، أما الزاني المحصن والزانية المحصنة فإن حكمهما أكبر من ذلك وهو: أن يُرجما بالحجارة حتى الممات، وقد اختلف العلماء فيمن أتى عمل قوم لوط، فذهب جماعة إلى أنه يقام عليه حد الزاني سواء كان محصناً أو بكراً وذهب فريق آخر إلى أنه يطبق عليه ما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم الرجل يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به، وهذا يعني أن الحكم في به»، الفاعل والمفعول به أن يقتلا جميعاً سواء كانا محصنين أو بكرين أو كان أحدهما محصناً والآخر بكراً، ومن العلماء من قال: بأن عقوبتهما أن يرميا من جبل شاهق ثم يُقذفا بالحجارة إلى الممات لأن الله تعالى عاقب قوم لوط بالحجارة، وهذا مروي عن ابن عباس، ومهما يكن فإن هذه الجريمة هي في منتهى الفحش والخطورة ولا يقع فيها إلا الشاذ الذي تنكر للفطرة وأبى إلا أن يدخل في مداخل القذارة التي لا تدانيها قذارة، والله تعالى المستعان. (2/475)
صفحة 921
476
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
امرأة زنت فسترها الله ثم تابت توبةً نصوحاً، فلما تقدّم إليها الخاطبون
احتارت في أمر البوح لهم أو الكذب عليهم، فماذا تصنع؟
إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالاستتار بستر الله، فهو عليه أفضل الصلاة والسلام يقول: من أصاب شيئاً من هذه القاذورات فليستتر بستر الله، فإن من يبد لنا
صفحته نقم عليه كتاب الله»، هذا وقد جاء فيما يُذكر من سيرة الفاروق أن رجلاً جاء إليه وقال له: يا أمير المؤمنين إن لي ابنة أصابت حداً من حدود الله وأرادت بعد ذلك قتل نفسها ولكننا أمسكنا بها ثم تابت توبةً نصوحاً وقد جاء الخاطبون يخطبونها فهل أخبرهم بما كان من أمرها؟» فقال له عمر ه: «أنكحها كما تُنكح العفيفة وإلا جعلتك نكالاً»، أي إن أخبرتهم بما كان من أمرها وهتكت سترها جعلتك نكالاً بحيث إني أعاقبك على هذا الفعل، ومن المعلوم أن زوال العُذرة - إذا كان هو الذي يقف في سبيل ستر نفسها ـ لا يلزم أن يكون بارتكاب الفاحشة، فالمرأة تزول عذرتها بأسباب منها الركوب الطويل والقفزة إلى غير ذلك من الأسباب، وبإمكانها أن تستعمل المعاريض لتتوقى بذلك الكذب ولتكون ساترة لنفسها بستر الله تعالى فقد قيل: إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب، والله أولى بستر، عباده، وجدير بالعباد أن يستر بعضهم على بعض وأن يستروا على أنفسهم.
، (2/476)
صفحة 922
فتاوى عامة
الوصية
477
ما حكم الوصية؟ وما مقدار المال الذي تجب فيه؟
الوصية واجبة بالكتاب العزيز وبالسُّنَّة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة أما الكتاب العزيز فإن الله تبارك وتعالى يقول: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا
والسلام
حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180]، وموضع الاستدلال هو قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ والمكتوب هو أمر مفروض، ثم قال حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} ومعنى ذلك أن هذا أمر واجب عليهم، والوصية للوالدين نُسخت على قول كثير من العلماء بالآيات التي جاءت بتفصيل أحكام المواريث وإعطاء كل ذي حق حقه، مع ما ولي ذلك من قول الله سبحانه وتعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِيرٌ} [النساء: 13، 14]، فلم يبق لأي وارث حق في الوصية إلا أن تكون هذه الوصية من ضمان، ويعتضد ذلك بالحديث الصحيح الثابت الذي بلغ درجة الشهرة وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا وصية لوارث»، وانعقد الإجماع على الأخذ بذلك، ومن العلماء من قال بأن الآية غير منسوخة وإنما هي في الوالدين غير الوارثين، كأن يكون للإنسان (2/477)
صفحة 923
478
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
بها
والدان كافران فإنه لا توارث بين مسلم وكافر، ولكن مع ذلك لا تمنع الوصية له بل هي واجبة. وأما السنة فحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لمسلم أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة تحت رأسه، وفي رواية: «ما حق امرئ مسلم يجد ما يوصي به أن يبيت يلتين إلا ووصيته مكتوبة تحت رأسه»، ومعنى ذلك أن على المسلم أن يستعد للموت وأن يُهيئ وصيته، وإن كان على المسلم حقوق يرى أنه لا يتمكن من أدائها في حياته فعليه أن يوصي لتؤدى عنه بعد مماته. وقد نيطت الوصية في القرآن الكريم بوجود الخير أي المال، فمن وجد مالاً يفضل عن الحاجة فعليه أن يُوصي منه لأقربيه الذين لا يرثونه، وهذا أمر يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، فإن لظروف الزمان والمكان تأثيراً على الأحوال في تبدل أحكامها، فقد كان بعض التابعين يقول: بأن من كان عنده خمسون درهماً فعليه أن يوصي، لأنه يعتبر ترك خيراً، ولكن ما مقدار خمسين درهماً في وقتنا هذا؟ هل تُعد من الثروة ومن المال؟ وعلى كل حال إنما يُعد خيراً ما يفضل عن الحاجة وهو الذي تكون فيه الوصية، والله تعالى أعلم.
معظم الناس يوصون عند نيتهم لسفر أو حج، متى تكون الوصية
واجبة؟
يقول الله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180]، فهذه الآية تدلُّ على أن الوصية واجبة لأن الله قال: «كُتِب» وجعلها واجبة حقاً على المتقين، ومعنى ذلك أنها حق على كل مسلم، لأن كل مسلم مطالب الله تبارك وتعالى، ولكن ذلك يشترط أن يكون بيد الإنسان مع شيء من المال الذي يتركه، وكلمة خير في الآية الكريمة كلمة مطلقة لم
بأن يتقي (2/478)
صفحة 924
فتاوى عامة
479
تقيد بقيد، وقد اختلف العلماء في مقدار المال الذي إن توفر لدى الإنسان كان عليه أن يوصي بشيء لأقربيه الذين لا يرثونه صلة لهم بعد الموت كما كان يصلهم في حياته بقدر ما يستطيع، والقول الفصل في هذا بأن ذلك يعود إلى الغرف، فما يُعرف عند الناس بأنه مال يكفي صاحبه لحاجاته ويفضل شيء منه لورثته فعليه أن يوصي ولو بشيء يسير منه لأولئك الذين لا يرثونه، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما حق رجل مسلم يجد ما يوصي به أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوب عند رأسه»، ومعنى الحديث أن الإنسان يُطلب منه من أول الأمر أن يتعجل في الوصية حتى لا يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة مُعدة فالوصية وإن فرضها الله تبارك وتعالى عند حضور الموت على كل من يملك خيراً، إلا أن الإنسان لا يدري متى يحضره الموت، فقد يحضره فجأة من غير أن تكون له
مقدمات.
كثير من الناس يؤخرون أفعال البرّ إلى وصاياهم، فهل للوصية ميزة في مزيد الثواب؟
لا، بل جاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم: «بأن أفضل الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح، وجاء أيضاً في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «بأن درهماً يتصدق به الإنسان في حياته خير له من مائة درهم بعد وفاته»، فيؤمر الإنسان بأن. بأن يتصدق فى حياته كما قلت إلا وصية الأقربين فإن يوصي وصية الأقربين هي صلة بعد الموت ولو برّهم في حياته، والأقربون هم الذين لا يرثونه، وكذلك يؤمر الإنسان أن يوصي احتياطاً لئلا يفجأه الموت قبل أن يؤدي الحقوق التي عليه وإلا فإن الإتيان بجميع أعمال البر في الحياة خير منه بعد الممات، والله تعالى أعلم. (2/479)
صفحة 925
480
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
من الذي يلزمه الإيصاء؟
جاء في كتاب الله تعالى قوله سبحانه كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة: 180]، وهي تدل على وجوب الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف لكن جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا وصية لوارث»، وهذا الحديث جاء من طرق متعددة حتى أنه بلغ درجة الشهرة لكثرة طرقه، ويتأيد ذلك بما في كتاب الله تبارك وتعالى من قوله سبحانه بعد قسمته المواريث بين عباده بعدله تِلكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَلِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [النساء: 13، 14]، ومعنى هذا أنه لا يجوز للإنسان أن يتجاوز ما رسمه الله تبارك وتعالى له من الحدود فيما يتعلق بأمر المواريث، إذ لم يكلها الله إلى أحد من خلقه، فلم يكلها إلى ملك مقرب ولا إلى نبي مرسل وإنما قسمه بعدله فأعطى كل ذي حق حقه وكل تدخل في ذلك يعتبر تبديلاً لقسمة الله، فمن أعطى أحداً أكثر مما أعطاه الله تبارك وتعالى فقد تجاوز حدود الله وكان حقيقاً بذلك العقاب الذي ذكره الله تعالى في الآية الكريمة، وقد وقع الإجماع على أن الوصية لا تجوز لوارث، أما ماذا يقال في معنى الآية الكريمة؟ ففي ذلك خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: بأن هذا الحكم نسخ، ثم اختلفوا في ناسخه، فمنهم من قال: بأن ذلك نسخ بالحديث المتقدم، ومنهم من قال: نسخ بآية المواريث، ومنهم من قال بأنه نسخ بكلا الأمرين مع اعتضاد ذلك بالإجماع هذا قول طائفة من أهل العلم، وذهبت طائفة (2/480)
صفحة 926
فتاوى عامة
481
أخرى إلى أن هذا الحكم لم ينسخ وإنما هو في الوالدين والأقربين غير الوارثين وهذا القول قاله عدد من علماء التابعين منهم الحسن وطاووس والضحاك، وهؤلاء قالوا بأن الآية من باب العموم الذي أريد به الخصوص، وهو الذي كان يميل إليه شيخنا أبو إسحاق إبراهيم أطفيش فقد قال: بأن هذا الحكم إنما هو في الوالدين غير الوارثين لشركهما أو لأنهما مملوكان، فإن شركهما لا يقطع حقهما من صلته بهما بعد موته وكذلك رقهما، فيوصي لهما بما يمكن أن يتملكاه بعد عتقهما، وهذا الرأي هو الذي جنح إليه العلامة أبو الحسن البسيوي في كتابه الجامع، وحكى بأن الآية الكريمة خصصت بما دلّ عليه الحديث وهو وإن كان عاماً فله جانب خاص، هذا الجانب هو الذي خصص الآية الكريمة، وهذا القول هو من القوة بمكان وما هنا فالإنسان مطالب بأن لوالديه ولأقاربه الذين يوصي
لا يرثونه.
هذا والقول بوجوب الوصية للأقربين الذين لا يرثون هو الذي قال به أصحابنا بغير خلاف بينهم، وهو الذي يدلُّ عليه ما ذهب إليه الزهري وأبو مجلز وأيده المفسر الطبري، وهو من القوة بمكان لأن الله تعالى قال كُتِبَ وكتب بمعنى فرض وقال حَقًّا وكلمة حقاً تدل على الوجوب وقال: عَلَى الْمُتَّقِينَ وكل أحد من المسلمين يجب أن يكون من المتقين، أما من قال بأن قوله سبحانه وتعالى: {حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} قرينة تدلُّ على صرف هذا الحكم عن الوجوب لأن هذا الحق جعله الله على المتقين ولم يجعله على العامة، فالجواب عن ذلك أن الله تعالى قال: {وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَعُ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة: 241]، فهل يسقط حق المتعة عن غير المتقي ويقال بأنه واجب (2/481)
صفحة 927
482
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
على المتقي فحسب؟! إنما قوله الله عَلَى الْمُتَّقِينَ يدلّ على تأكيد هذا الحكم، إذ كل واحد يجب عليه أن يحرص على أن يكون من المتقين. هذا ويقع كثير من الناس في الخطأ عندما يقولون بأن الوصية لفقراء الأقربين، والصحيح أنها للأقربين فقراء كانوا أو أغنياء، لأن الله تبارك وتعالى جعلها لهم بعد الممات، فكما أن على القريب أن يصل قريبه في حياته كذلك عليه أن يصله أيضاً بعد مماته، ومما يدلُّ على هذا أن طائفة من العلماء ذهبت إلى أن من أوصى للفقراء مثلاً ولم يوص للأقربين فإنه يعطى الأقربون ما أوصى به للأبعدين، وهذا القول روي عن طاووس والحسن وقتادة، وجابر بن زيد وجماعة آخرين، وروي عن أبي الشعثاء رحم الله وعن طائفة من أولئك العلماء بأن الأقربين يعطون الثلث، والذي ذهب إليه أكثر أصحابنا بأن الأقربين يعطون الثلثين مما أوصى به لغير الأقربين من الفقراء وغيرهم، والموصى لهم يعطون الثلث، وذهب الإمام السالمي كم لله في المدارج إلى أن الوصية تنفذ كما هي ويتحمل هو تبعة مخالفته لحكم الشرع، ولعل الذين ذهبوا إلى الرأي الأول رأوا العمل بما دل عليه الحديث الشريف: «من عمل عملاً ليسي عليه أمرنا فهو رد أما بقية علماء الأمة فإنهم قالوا بئس ما فعل إن أوصى للأبعدين ولم يوص للأقربين ووصيته تنفذ كما أوصى بها ولا تبدل عما جاء به نص وصيته.
أدائه
وبالإضافة إلى ما تقدم تجب الوصية على من كان عليه حق لم يتمكن من في حياته كأن يكون عليه دين أو صداق غائب لامرأته أو تبعة من وجه من الوجوه كضمان لأحد من الناس سواء كان ضماناً تتعلق بمال أو بعرض كأن يكون جنى على امرأة أو على رجل فيما يتعلق بشرفهما أو عرضهما، والله تعالى أعلم. (2/482)
صفحة 928
فتاوى عامة
483
ما حكم من يوصي بماله بقصد حرمان الورثة؟ هذا أمر خطير فإن الوصية إنما هي طاعة وقربة وليست معصية ومجانبة لحكم الله تعالى، ولذلك شدد الحديث الشريف في ذلك تشديداً بالغاً، فقد أخرج الدارقطني من طريق ابن عباس ا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الإضرار في الوصية من الكبائر»، أي مضرة الإنسان لورثته بأن يوصي لأحد بقصد حرمانه الورثة، وجاء في الحديث الذي أخرجه أبو داود من طريق أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار والقرآن قبل ذلك هو أصرح وأدل ما يكون على هذا الحكم، إن الله تعالى يقول: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَلِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِيبُ} [النساء: 13، 14]، ففي هاتين الآيتين وعيد على تغيير حكم الله تبارك وتعالى ولو بالتحايل، والله أعلم.
ج
امرأة ترغب في إنفاذ وصيتها في حياتها، فهل يجوز لها ذلك؟ لا مانع من ذلك، إلا في وصية الأقربين فإنها حق بعد الموت، والله أعلم.
توفي والدي في التاسع من رمضان وقبل وفاته كان يردد صوموا عني رمضان، وفقد الوعي قبل قدوم رمضان وفي التاسع من رمضان كانت وفاته، فهل علينا الصيام عنه الشهر كاملاً أم التسعة أيام التي عاش فيها ولم يصمها فقط؟
بوفاته انتقل إلى الدار الآخرة، وصار غير متعبد بالأيام الباقية التي بعد وفاته من رمضان، والله تعالى أعلم. (2/483)
صفحة 929
???
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
فيمن أوصى أولاده في مرض موته بالصيام عنه، والصوم في هذه الأيام
يكلف مبالغ كبيرة، ومع ذلك لا يوجد الأمين. فما العمل؟
إذا لم يجد من يصوم عن الميت حسب الوصية فلا مانع من العدول عن الصوم إلى الإطعام، وهو إطعام مسكين عن كل يوم، لأن الله جعل الإطعام للعاجز من الأحياء، فالميت أحق بالتسامح، وأما الحجة الموصى بها فالأحوط للورثة أن يقوموا بها إن كانوا ذوي يسر واتفقوا على الاحتياط، والله أعلم.
صلے
حبر
هل يجوز إبدال الصيام بالإطعام في حال تنفيذ الوصية؟ إذا لم يوجد الأمين الذي يصوم عن الهالك أو وجد بكلفة بالغة ومشقة عظيمة، فلا مانع من العدول عن الصيام إلى الإطعام، والإطعام هو إطعام مسكين عن كل يوم، والأصل في هذا قول الله الله وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينَ} [البقرة: 184]، فإذا كانت الآية الكريمة محكمة غير منسوخة كما ذهب إليه طائفة من المفسرين وعلى رأسهم الأمة وترجمان القرآن ابن عباس، وهي في الأحياء الذين يتكلفون الصوم كالمريض الذي لا يرجى برؤه والمرأة العجوز والشيخ الكبير إذا كان الصوم يجهدهما والحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما فما بالك بالصيام عن الهالك، فلا ريب أنه أجدر بأن يترخص فيه بإباحة العدول عنه إلى الإطعام إذا كان متعذراً أو متعسراً، وقد ذهب بعض العلماء إلى جواز العدول عن الصيام عن الهالك إلى الإطعام عنه حتى في حالات الاختيار، فمما يؤثر عن غير واحد من العلماء أن الميت إذا أوصى بالصيام جاز العدول عنه إلى الإطعام، وإن أوصى بالإطعام لم يجز العدول عنه إلى الصيام، وذلك لما في الإطعام من منفعة الفقراء بخلاف الصيام وإن أوصى، لأن الإنابة في الإطعام مجمع عليها وفي الصيام مختلف فيها. (2/484)
صفحة 930
فتاوى عامة
485
جدة أوصت بناتها بصيام شهرين كاملين عنها وأكدت الموضوع بأنها كتبت الوصية بالمحكمة وذهب البنات إلى المحكمة فلم يجدن الوصية، فهل يلزمهن ذلك؟
الوصية لا تتوقف على الكتابة، فإذا ثبتت عند الموصى إليه فلا ريب أنه يلزمه أن ينفذ هذه الوصية إن كان، وارثاً، وصيام الحي عن الميت دلّت عليه السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين عن طريق عائشة: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه»، وقال: «اقضوا فدين الله أحق بالقضاء»، فيؤخذ من هذا أن الوارث يصوم عن مورثه، أما أنه يصوم غير الوارث فلا، فخشية أن يكون هذا الصيام صياماً واجباً نرى أن يصمن عنها، ولا يكون صيامهن في وقت واحد وإنما تصوم الواحدة بعد الأخرى حتى تنتهي المدة المقررة التي أرادتهن أن يصمنها، والله تعالى أعلم.
ما قولكم في امرأة أوصت بأجرة من يصوم شهرين عنها بعد موتها، فهل يجوز العدول عن الصيام إلى الإطعام؟ وإذا جاز فما مقدار هذا
الإطعام؟
لا مانع من ذلك ويطعم مسكين عن كل يوم، ولا يجوز العكس، والله أعلم.
إذا أوصى الرجل بصيام أشهر ذكرها، فهل هنالك فرق بين تأجير الرجل والمرأة؟ أي هل يجوز أن تؤجر امرأة تصوم شيئاً من هذه الأشهر إذا كان الموصي رجلاً؟
لا مانع من نيابة المرأة عن الرجل في الصوم إن كانت ممن لا يحيض لبلوغها سن الإياس، حتى لا يكون الحيض فاصلاً بين الصوم، والله أعلم. (2/485)
صفحة 931
486
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
رجل توفي وترك وصية ومن ضمن ما ذكر فيها صيام أربعة أشهر بعد وفاته، مع العلم أن الوصية قد كتبت منذ ستين عاماً، وقد أشار بعض ورثته بأن يدفع مبلغ من ماله للمسجد تعويضاً عن صيام الأربعة أشهر، لهذا نود الإفادة هل يكفي دفع المبلغ للمسجد أم لا بد من صيام الأشهر الأربعة بالكامل أم ماذا نفعل؟
الوصية لا يبطلها تقادم الزمن ولو إلى قرون ولا يكون الدفع لمسجد بديلاً للصوم، وإنما يجوز إبداله بإطعام مسكين عن كل يوم، والله أعلم.
من وجبت عليه الزكاة في حياته ولم يؤدها، هل يعذر إذا أوصى بذلك
في وصيته؟
إن كان تائباً إلى الله تبارك وتعالى من تقصيره، وكانت وصيته خشية أن يفاجئه الموت قبل التمكن من الأداء لا لأجل التهاون بالأداء والتعويل على الوصية فحسب فإن الله أولى بعذره ونرجو له القبول عند الله: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِح} [البقرة: 220]، والله أعلم.
امرأة أوصت بحجة أن تنفذ قبل موتها لكنها حجت بنفسها فهل بعد موتها تنفذ الوصية؟
ينظر هل ألغت هذه الحجة أو لا فإن ألغتها فلا يحب أن تنفذ، وإن لم تلغها فيجب إنفاذها لاحتمال أن تكون أرادت بإبقائها الاحتياط وهناك
احتمالات أخرى، فالأولى أن يحج عنها، وينوى بها الاحتياط عنها.
ما قولكم في امرأة أوصت بحجة وزيارة وأشارت إلى أنها حجة الفريضة، وبعد كتابة الوصية وقبل موتها قامت بتأجير من قام بأداء (2/486)
صفحة 932
فتاوى عامة
487
فريضة الحج عنها ثم توفاها الله بعد ذلك، فاحتار الوصي هل يلغي الحجة أم يؤجر لها من يحج عنها نافلة؟
إن لم تلغها الموصية بنفسها فإنها تبقى ثابتة وعلى الموصى إنفاذها بعد موتها، والله أعلم.
رجل أوصى بحجة ثم فقد العقل فهل وصيته تنفذ؟
وصيته تنفذ بعد موته، والله أعلم.
رجل أوصى بحجة بعد موته وقام أولاده بتنفيذ الوصية فهل يجوز للذي يقوم بالوصية أن يتمتع بعمرة إلى الحج أم يفرد بالحج بناءً على أن الوصية لم تذكر فيها عمرة؟ لا مانع من التمتع بالعمرة إلى الحج لأنه أدى الحجة وزاد عليها، فليجعل الحجة من أول الأمر عن الميت بحيث يخرج من بلده قاصداً أن يحج ويعتمر عنه، والله أعلم.
إن أوصى الميت بكفارة مغلظة، هل يجوز إطعام ما دون الستين مسكيناً أو لا بد من إطعام الستين؟
ذهب أصحابنا والجمهور إلى أن الإطعام في الكفارات المغلظة يجب أن يكون لستين مسكيناً ولا يجزاء أقل من هذا العدد ولو كان الإطعام بقدر ما يكفي للستين، لأن الشارع حدد عدد المساكين والتقصير دون هذا العدد تقصير عن أمر الشارع، اللهم إلا أن يندر وجود المساكين لطغيان المال وشمول الغنى، فلا مانع عندئذ من إطعام العدد الحاصل وتكرار الإطعام بقدر ما يكفي لستين مسكيناً، وذهب الحنفية إلى أن (2/487)
صفحة 933
488
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
السنة إطعام طعام يكفي لستين مسكيناً ولو كان لمسكين واحد، وَرُدَّ بأن ذلك هروب من الواضح إلى المشكل، فإنه ينبني عليه ترك العدد المذكور، وهو ستون مسكيناً إلى دفع طعام ستين لمسكين واحد،
والله أعلم.
أوصت امرأة بأربع كفارات مرسلة إطعام عشرة مساكين عن كل كفارة، فهل يجوز العدول عن الإطعام إلى النقد؟ وكم تساوي قيمة النقد عن كل شخص؟ وهل يجوز دفعها لأربعة فقراء كل واحد
كفارة؟
الأصل في ذلك الإطعام، ولم يذكر النقد عند السلف، وإنما يصار إليه بدلاً من الطعام مع تعذر الإطعام، ويعطى كل واحد من المساكين ما يكفيه لغدائه وعشائه وذلك يختلف باختلاف الزمان والمكان، فلا يمكن تحديده، وإنما على من اضطر إلى ذلك أن يقدر بنفسه ما ينفقه في يومه على غدائه وعشائه فيعطي ذلك للمسكين، والله أعلم.
ما حكم الإيصاء بقراءة القرآن بعد الوفاة؟
اختلف أهل العلم في ذلك، وقد ذهب كثير منهم إلى إثبات هذه الوصية، والذي أراه أن القرآن يتلى تقرباً وتعبداً ولا يتلى اكتساباً، ولما كانت تلاوته عبادة فلا يؤخذ الأجر عليه، هذا إن كان أوصى بأن يؤجر من ماله بعد موته من يقرأ عنه شيئاً من القرآن حتى لا تكون تلاوة القرآن ذريعة للتكسب، أما إن أوصى بأن يقرأ القرآن من غير إيجار فلا مانع من إنفاذ هذه الوصية وإن كنا لا نجد دليلاً يدلُّ على أن الميت ينتفع بهذه القراءة، نعم إن كان أوصى بتقوى الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج بيت الله الحرام (2/488)
صفحة 934
فتاوى عامة
489
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبالبر والتقوى وبتلاوة كتاب الله والعمل به وباتباع سنة رسول الله، فإن هذا من الوصية الحسنة التي يؤمر الإنسان أن يوصي بها، كما وصى إبراهيم بنيه ويعقوب بأن لا يعبدوا إلا الله وَوَضَى بِهَا إِبْرَاهِمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَنبَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الذِينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ بَابِكَ إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهَا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 132، 133].
هذا ومما ينبغي التنبيه عليه أن بعض الناس يوصون بقراءة القرآن الكريم على قبورهم، وهذه وصية باطلة؛ لأنها مخالفة لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ هديه عليه الصلاة والسلام أن تكون زيارة القبور للاتعاظ والذكرى والدعاء للميت لا أن تكون من أجل إقامة شعائر دينية، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وأمر عليه أفضل الصلاة والسلام بقراءة القرآن في البيوت، فقال: «اقرأوا القرآن في بيوتكم ولا تجعلوها قبوراً» إشارةً إلى أن المقابر ليست أماكن لقراءة القرآن، وقد أجاد في هذا الإمام السالمي الله تعالى عندما قال:
أتعمرن قبورنا الدوارس ويترددن إليها الدارس وهذه المساجد المعدة نترکها وهي لذاك عدة والمصطفى قد زارها وما قرأ إلا سلاماً ودعا وأدبرا حسبك أن تتبع المختار وإن يقولوا خالف الآثار
وقد سبقه إلى مثل هذا المحقق الخليلي رحم الله حتى أنه أفتى بإبطال هذه الوصية وبيع المال الموصى به لمصلحة المسلمين إن لم يكن الورثة معروفين وإلا رد على الورثة، والله أعلم. (2/489)
صفحة 935
490
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
الوصية هل يجوز أن تشهد فيها امرأتان مع رجل؟
علي أي حال الوصية واجبة يطلب من الإنسان عندما تحضره الوفاة لقول الله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180]، ولذلك قال العلماء بأن من حضرته الوفاة فعليه أن يوصي بهذا الحق، فإن وجد شهوداً عدولاً فليشهدهم، وإن لم يجد العدول فليشهد غير العدول، وإن لم يجد أحداً فليكتب وصيته، وإن تعذر عليه أن يكتبها في ورقة مثلاً فليكتبها ولو على الأرض، وإن لم يستطع ذلك كله فليجهر بالقول وذلك عذر له فيما بينه وبين ربه لعل ملائكة الله تعالى تسمع وتكون شاهدة بذلك، والله أعلم.
إذا أوصى رجل وحدد شخصاً بعينه ليقوم بتغسيله بعد وفاته بغض النظر هل ذلك الشخص يجيد تغسيل الميت أو لا، هل تثبت مثل هذه
الوصية؟
لا ينبغي للإنسان أن يحدد شخصاً يغسله إلا أن يكون خبيراً بتغسيل الموتى، أما إن كان غير خبير فإنه يكون مخطئاً في هذه الحالة، ولا بأس عندئذ أن يشارك في التغسيل ولو بصب الماء من غير أن يتولى هو التغسيل بطريقة فيها خطأ ومجانبة لطريق الحق، وإنما يباشر التغسيل من كان عارفاً بطريقة
الغسل، والله أعلم.
يوصي
البعض بتغسيلهم في أماكن معينة وبدفنهم في مقابر معينة وقد
يكون في هذا مشقة فهل يجب تنفيذ مثل هذه الوصايا؟
هذه الوصية تنفذ في حال اليسر ولا تنفذ في حال العسر، والله أعلم. (2/490)
صفحة 936
فتاوى عامة
491
يوصي البعض بأن يكفن من ماله ولا ينتبه لذلك إلا بعد أن يدفن الميت، فكيف يتصرف الوصي في هذه الحالة؟
عندما يتعذر تنفيذ الوصية فإن الوصية ترجع إلى الورثة، فإن كان الورثة كلهم بلغاً عقالاً بحيث يسوغ لهم أن يتصرفوا في التركة كما يشاؤون فإنه ينبغي لهم أن ينفقوا ذلك في الخير من غير أن يكون ذلك لازماً عليهم، ولكن ذلك أبر لميتهم وأفضل لهم، أما إن كان الورثة أو بعضهم أيتاماً فإن ذلك لا يسوغ في مال اليتامى وإنما يسوغ في مال البلغ العقلاء المالكين لأمرهم، والله تعالى أعلم.
ما رأي سماحتكم فيما يوصي به البعض من إعطاء مبلغ معين لمن شارك في الدفن أو حفر قبره حيث إن عدد المشاركين في ذلك كبير يشق على الوصي معرفتهم؟
عندما يتعذر الوصول إلى الموصى لهم فإن الوصية ترجع إلى الورثة، إلا إن كانت هذه الوصية من ضمان فلا بد من البحث عن الموصى لهم أو عن ورثتهم إن كانوا قد ماتوا، فإن تعذر ذلك فحكم ذلك حكم المال الذي جهل ربه وكل مال جهل ربه فإن فقراء المسلمين أولى به، والله تعالى
أعلم.
أم أوصت بعمرة وحجة ولكن أولادها أدوا الحجة ولم يؤدوا
العمرة؟
لا بد من إنفاذ الوصية كما هي، فإن الله تعالى يقول: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 181]، وإن قصروا في ذلك فعليهم استدراك ذلك بأداء العمرة، والله تعالى أعلم. (2/491)
صفحة 937
492
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
امرأة توفيت وقد كتبت وصيتها غير أن الوصي لم ينفذ الوصية منذ 4 سنوات، فهل على الورثة من ضمان أن لو قصروا في متابعة الوصية؟ الورثة ليس لهم أن يرثوا شيئاً من المال إلا بعد إنفاذ الوصية والدين كما جاءت بذلك نصوص القرآن فإن الله تبارك وتعالى قال: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنِ} [النساء: 12]، وقال تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنِ} [النساء: 12]، {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ [النساء: 12]، فلا يجوز لهؤلاء الورثة أن يتساهلوا في أمر الوصية ولو
قدرنا أن الوصي تهاون وفرط في القيام بهذه الوصية فعليهم أن يقوموا بها، وإن كانوا في بلد إسلامي حيث يوجد من يحتكم إليه بشرع الله تبارك وتعالى فعليهم أن يحتكموا إليه ومن الواجب على الحاكم عندئذ إن ثبتت عنده خيانة من الوصي أن يقيم شخصاً آخر أميناً ثقة ينفذ هذه الوصية بأمانة، وإن اتهم الوصي ولم تثبت عليه خيانة فإن على الحاكم أن يهياء من يشرف عليه في جميع أعماله لئلا تكون من قبله خيانة، والله تعالى أعلم. رجل توفي منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، ولكن أبناؤه لم يقوموا بتنفيذ
وصيته ولا بتوزيع ميراثه فما حكم ذلك وماذا يترتب عليه؟ لا يجوز تأخير تنفيذ الوصية يوماً واحداً مع إمكان تنفيذها، فالذي يمكن أن ينفذ قبل دفنه فلينفذ وإنما يؤخر ما لا يمكن تنفيذه، وهؤلاء الأولاد خانوا والدهم بذلك، أما توزيع الميراث فهو حق للورثة وعندما يطالبون به، يجب على الذين بأيديهم المال أن يسارعوا إلى توزيعه، إذ لا يجوز أن أحد من حقه، وذلك إنما يكون بعد قضاء الدين وإنفاذ الوصايا، لقول الله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 12]، وقول الله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنِ} [النساء: 12]. (2/492)
صفحة 938
فتاوى عامة
493
وصل إلينا رجل وبيده وصية امرأة وقد جعلته وصياً لها، ومضى منذ وفاتها أكثر من عشرين سنة، وقد اقتسم الورثة المال وبعضهم توفي، وسؤاله هل يسعه السكوت أم لا؟ وإن كان لا يسعه فعلى من يوجه
دعواه؟ وهل الأصل التنفيذ أم عدمه؟ وهل يختلف الحكم إذا كان
الوصي عنده علم بالوصية؟ الأصل عدم إنفاذ الوصية حتى يصح إنفاذها، ولا
يسع
الوصي
أن يسكت،
بل عليه أن يرفع دعوى على الورثة ويقيم الحجة عليهم، وإن كان الوصي علمه بها وتحمله إياها فهو ضامن لها في ماله، وليرجع بعد
أهملها مع
ذلك على الورثة بعد إقامته الحجة عليهم، والله أعلم.
رجل توفي، وكان قد أوصى بحجة تدفع من ماله، علماً بأنه يمتلك قطعة أرض، ولم يتمكن الورثة من بيعها حتى الآن، وقد خلف بنتين لا تمتلكان شيئاً من المال وترغبان في تنفيذ وصية والدهما، فهل يجوز لهما أن تقترضا من أزواجهما مبلغاً لأداء الحجة الموصى بها أم تنتظران حتى بيع قطعة الأرض؟ وهل يجوز تأجيل الحجة إلى عام آخر متى تم بيع قطعة الأرض؟ الأولى لهما انتظار بيع قطعة الأرض ولو تيسر ذلك بعد عام، ذلك لأن الحج لا يقترض له حتى لو أراد الإنسان أن يحج عن نفسه فكيف بغيره، والله أعلم.
حدد
ما الحكم في من أوصى لأشخاص من الأقربين وترك الباقين، وفي من أناساً معينين وجعلهم أوصياء؟ أما إن أوصى لبعض الأقربين دون بعض فقيل: بأن الوصية تعمم في حق كل من يستحقها من الأقربين، وقيل: إن كان الذين أوصى لهم تنالهم (2/493)
صفحة 939
494
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
الوصية بحيث إنه لم تكن هنالك درجة أقرب منهم إليه فهم أولى بها دون الآخرين، وإن لم تكن تنالهم فإنها تعمم في الجميع.
وعليه مع
أما بالنسبة للأوصياء فإنه إن كان عيّن شخصاً وصياً له فإنه يعتد بذلك، ذلك أن يعين الثقة، وله أن يعين اثنين فصاعداً، وإن عين اثنين فصاعداً فإما أن يعتبرهم أوصياء معاً، فلا يستطيع أن يستقل أحدهم بتنفيذ وصيته دون الآخر، بل لا بد من أن يشتركوا فى التنفيذ جميعاً، وأما إن قال مثلاً بأن الحاضر منهم يقوم مقام الغائب، والصحيح يقوم مقام المريض، والقادر يقوم مقام العاجز، والحي يقوم مقام الميت، فإن من حضر وهو صحيح قادر على تنفيذ الوصية فهو الذي يقوم بتنفيذها ولا حرج إن لم يشاركه الآخر، والله تعالى أعلم.
ما قولكم في رجل كان قد أوصى قبل وفاته بصيام عشرة أشهر، وبعد وفاته أعطى الورثة الوصي قيمة أجرة صيام العشرة أشهر، ولكن الوصي لم يقم بتنفيذ الوصية في حينها ومرت السنين، والآن أصبح ما أعطاه الورثة لا يفي في هذا الزمان أجرة صيام شهر واحد بسبب غلاء الأسعار، فماذا ترون سماحتكم؟ إذا ثبت أن الوصي تمادى من غير عذر في تنفيذ الوصية إلى أن ارتفعت الأسعار فلم يكف ما أعد لتنفيذ الوصية، مع أنه لو تعجل تنفيذها لكفي، فهو آثم غارم لما كان من قبله من التقصير، والله أعلم.
امرأة عندها بنتان وأخ خليص وأخ من أب، وبما أن كل ما تمتلكه من ميراث زوجها وابنها كانت قد كتبته لبناتها، والمرأة ما زالت على قيد الحياة، فهل يحق لأخيها الخليص شيء من الورثة؟ (2/494)
صفحة 940
فتاوى عامة
495
أما الوصية فلا وصية لوارث، وأما العطية فلا مانع من أن يعطي أحد أولاده في حياته مع العدل بينهم، والله أعلم.
ما قولكم في رجل أوصى بمائة قرش يشترى بها مال تنفق غلته في يوم عرفة، ولكن الوصي لم يتمكن من الحصول على مال بهذه القيمة فاحتفظ بالقروش إلى أن تغير الصرف عندها بادر بصرفها عن خمسين ريالاً، وكما تعلمون أن قيمة القرش في تغير مستمر، فمرة ترتفع وأخرى تنخفض، فهل ترون أن الضمان يلزمه؟ وماذا عليه أن يعمل؟ ليس على الوصي في ذلك كله حرج، لأنه لم يقصد إلا الإحسان والله تعالى يقول: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ} [التوبة: 91] وارتفاع سعر القرش وانخفاضه أمرهما إلى الله الذي يخفض ويرفع وهو الذي بيده كل شيء، وأما ما تبقى بيده فعليه - إن لم يجد ما يشتريه به من أصل ـ أن يوزعه على الفقراء في يوم عرفة، والله أعلم.
امرأة من أقاربنا توفت منذ أربعة أعوام وتركت وصية تنفذ من مالها بعد موتها وجعلت أوصياءها ابن عمها وابن أختها وجعلتني ثالثهم وقمنا بالإجراءات اللازمة لتنفيذ الوصية ولكن لم نجد شيئاً ينفذ به هذه الوصية؛ حيث إن الميتة كان عندها بيت ملك والبيت هذا مكتوب وقف لأبناء إخوانها الأشقاء لما رجعنا إلى ابن أخيها الذي كان مقيماً عندها في حياتها وسألناه عن التركة ردَّ علينا إنها لم تترك شيئاً أثاث المنزل وسيارة مستعملة وأيضاً بعض المتاجر البسيطة التي تغطي الدين الذي عليها فكيف تنفذ الوصية؟ يبدأ بقضاء الديون التي عليها ثم تنفذ الوصايا، والوقف هنا من جملة الوصايا لأنه موصى به بعد موتها وليس منجزاً في حياتها، والوصايا كلها
سوي
لا (2/495)
صفحة 941
496
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ترجع إلى ثلث التركة لأنها وصايا تبرعية بما في ذلك الوقف، وعليه فإن التحاصص فيما بينها في الثلث، والله أعلم.
ما قولكم في امرأة هلكت وتركت شيئاً قليلاً من المال عبارة عن بعض النخيل، ولها أربع ربنات وابنا ابن ذكور وكانت قد أوصت بحجة وبصيام شهرين متتابعين وبكفارات لا نعلم عددها، وقد كانت هذه الوصية على يد أخيها وبغياب الورثة، وبتقييم المال وجد أنه لا يتعدى ألفي ريال عماني؟
أما ما كان من الوصية من حقوق الناس فمخرجه من أصل المال ولو استغرق المال كله وليس للوارث إلا ما فضل من التركة، لقول الله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنِ} [النساء: 12]، وأما ما كان من حقوق الله الواجبة، ففيه خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: بأن حقوق الله كحقوق الناس تجب في أصل المال، ومنهم من رأى أنها في الثلث، أما وصايا التبرعات فهي من الثلث قولاً واحداً، والله أعلم.
ما قولكم فيمن أوصت لابنتها من بعد موتها ببيت لها عن ضمان، وذكرت بما اشتمل عليه من أبواب وجذوع وأثاث، وفي البيت مناديس وصياني وصفاري، فهل تدخل في المشتمل بعدما عينت من المشتمل الأبواب والجذوع والأثاث أم أن الأثاث يطلق على كل شيء في البيت؟ من أوصى لأحد ببناية بما اشتملت عليه من جذوع وأبواب وأثاث، فإن كلمة الأثاث يندرج تحتها ما يصدق عليه هذا اللفظ عرفاً، لأن العبرة بالعرف في مثل هذه الأمور، أما من ناحية اللغة فإن الأثاث يطلق لغة على متاع البيت، والمتاع كل ما ينتفع به، لأنه مأخوذ من الاستمتاع وقد سمى الله الدنيا متاعاً، (2/496)
صفحة 942
فتاوى عامة
497
هذا وإذا كان هنالك استثناء فإن الاستثناء قرينة دالة على أن ما عدا المستثنى داخل تحت مدلول اللفظ إذا كان من جنس المستثنى، والله أعلم.
امرأة أوصت في حياتها بخمس نخلات لحفيدها (ولد ولدها) في حضور شهود ودون كتابة فهل يحق لها ذلك إذا كان لديه إخوة؟ إن كان غير وارث فذلك جائز إن لم تتجاوز الوصية الثلث، والله أعلم.
امرأة أوصت شفاهةً على بنات أختها بالمحافظة على أغنامها بعد موتها على أن تكون هذه الأغنام سبيلاً وليس لهن منها إلا الجدي الصغير والعجوز وإلا ألبانها ومكثت هذه الأغنام في أيديهن مدة أربعين سنة، بعدها أردن دفع هذه الأغنام لابن عم الموصية باعتباره الوارث لها، مع أنه لم يطالب بها طيلة هذه المدة، فهل لهن ذلك؟ وهل لابن عم الموصية الحق في أخذها ميراثاً، أم تجب عليه المحافظة عليها كما ورد في الإيصاء؟
الوصية لا تبدل ما دامت متفقة مع تعاليم الدين لقوله تعالى: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 181]، وكيف ترجع ميراثاً إلى الوارث؟ وقد أخرجها الموروث بالوصية عن ملك الوارث وجعلها في باب من أبواب البرّ، وإنما يجب على الوارث ـ كغيره ممن
تكون تحت يده ـ أن يحافظ عليها بحسب مقتضى الوصية، والله أعلم.
توفيت امرأة، وكانت قد أوصت بتوزيع خمسين ريالاً عُمانياً على الفقراء الأقربين، علماً بأن لها أولاد عم وأولاد أخت وأولاد خالة وأولاد خال، فمن منهم يستحق هذه الوصية؟ وكيف يتم توزيعها؟
يجب أن تكون الوصية لجميع الأقربين غنيهم وفقيرهم، لأنها حق القرابة (2/497)
صفحة 943
498
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
وليست حق الفقر، ولذلك لا تختص بالفقراء منهم، عملاً بقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180]، وإنما نسخ بالميراث حق الوارث منهم وبقي حق من لا يرث، وعليه فجميع المذكورين في السؤال يدخلون ضمن الأقربين الذين يستحقون الوصية، والله أعلم.
ما قولكم في امرأة أوصت بجميع تركتها لبعض ورثتها من ضمان لزمها، ومعلوم أن لها بنات يأخذن بالشرع ثلثي تركتها، أرادت بذلك حرمانهن من الإرث وذلك واضح من الوصية، لأنها تأتي على جميع مالها، وأما كون هذه الوصية عن ضمان فتحايل على الشرع أرادت منه حرمان بناتها من الإرث، وإلا فلا ضمان لهم عليها فقد كانت تطعم من أوصت لهم بعد موت والدهم وهم أيضاً يرثون ثلث مالها لو كان هناك شيء بعد ما أوصت به وهي ليس لديها شيء آخر سوى الذي
أوصت به؟ بما أنها أوصت بذلك من ضمان لزمها فالوصية ثابتة، وإن كانت أرادت بما ذكرت التدليس فالله أولى بها، وإنما نحكم بالظاهر، والظاهر ثبوت الوصية
والله أعلم.
أم عندها أربعة أولاد ثلاثة ذكور وواحدة أنثى، وترغب قبل وفاتها أن تكتب وصية ليكون ثلث مالها لأولاد اثنين من أولادها الذكور، أما ثالثهم لا تريد أن تكتب له شيئاً ولا لأولاده بسبب مقاطعته لها منذ فترة طويلة جداً ولا يأتيها حتى في العيد، وكذلك ابنتها الوحيدة والمطلقة تريد كتابة البيت باسمها مع عدد قليل من النخيل، فهل يحق لها ذلك؟ (2/498)
صفحة 944
فتاوى عامة
499
الظاهر أن قصدها من هذه الوصية الإلجاء، والإلجاء لا يجوز في الإسلام فإن الله أعطى كل ذي حق حقه، وتعهدي قسمة الله ظلم، والأولى لها أن توصي بما يلزمها من حقوق الله وحقوق الناس ثم تتقرب من بعد إلى الله بما هو خير وأبقى من أصناف القربات، والله أعلم.
امرأة توفيت فجأة قبل أن تكتب وصيتها مخلفةً ثلاثة أبناء بارين بها، وكانت في حياتها دائمة التفكير في أداء فريضة الحجة وقراءة ختمة وصيام ولكن عاجلها الموت قبل تنفيذ أمنيتها هذه، والآن يرغب أولادها في تحقيق رغباتها هذه براً بها ووفاءً لذكراها، علماً بأن كل منهم يريد القيام بتنفيذ هذه الأشياء عنها بنفسه، فهل يمكن ذلك أو يقوم كل واحد منهم بأداء أحد الأشياء ثم يقتسمون التكاليف جميعاً فيما بينهم بالتساوي؟ الأولى أن يتفقوا فيما بينهم بحيث يتحمل كل واحد منهم شيئاً، والله أعلم.
امرأة توفيت وتركت ابنة ثم أرادت البنت أن تتصدق لوالدتها المتوفاة
بتلاوة القرآن الكريم بالأجرة، فهل يجوز لها ذلك؟
لا مانع من ذلك، وأما وصول الأجر إليها فأمره إلى الله، والله أعلم.
امرأة توفيت وخلّفت بنتاً، وكانت قبل وفاتها قد كتبت البيت الوحيد الذي تملكه لبنتها، وبعدها مرضت فقامت بكتابة وصية توصي فيها بعمل حجة لها وصيام شهر رمضان وأشياء أخرى، فهل يجب على البنت بيع
البيت وإنفاذ وصية أمها علماً بأنها فقيرة وأمها ليس لديها مال؟ بما أن البيت ملك للبنت، والأم لم ترك مالاً فلا يلزمها ذلك حكماً، اللهم
إلا إن قصدت البر بأمها، فإن ذلك حسن والله يؤجرها عليه، والله أعلم. (2/499)
صفحة 945
0 ..
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
هذا
امرأة توفيت في حادث سير وتركت مالاً وذهباً غير أنها لم توص بحج فاتفق الورثة على الحج عنها، فهل لهم ذلك؟
من البر والإحسان، وهذه المسألة مما اختلف فيه أهل العلم، فعند أصحابنا والمالكية والحنفية أن حقوق الله تعالى الواجبة على الإنسان إن لم يوص بها فإنها لا تجب في مال الميت أي لا يجب إخراجها ولو عرف ذلك الورثة، وإنما ينبغي لهم أن يخرجوا هذه الحقوق.
وذهب الشافعية والحنابلة أن ذلك واجب، ولو لم يوص به إن كان ذلك بيناً بياناً واضحاً، وهذا القول هو الذي أميل إليه بدليل حديث النبي صلى الله عليه وسلم في مسند الإمام الربيع بن حبيب من طريق ابن عباس لا أن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام جاءته امرأة خثعمية فقالت له يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع الثبوت على الراحلة أفأحج عنه؟ فقال لها: أرأيت أن لو كان على أبيك دين فقضيته أكان مجزياً؟ فقالت نعم فقال: فذاك ذاك»، وجاء في رواية الشيخين من طريق عائشة وغيرها أن النبي أمر بأن يقضى الحق الذي على الميت وقال: فاقضوا فدين الله أحق بالقضاء». وقوله: فدين الله أحق بالقضاء»، يدلُّ على أن دين الله تبارك وتعالى مقدم من حيث القضاء، وإن قال كثير من أهل العلم: إن دين الناس مقدم على دين الله وذلك لتيسيره سبحانه وإلا فالأصل في دين الله أنه مقدم على دين الخلق، ولما كان دين الخلق ولو لم يوص به إذا ثبت أنه في ذمته وجب أداؤه من ماله وكان ذلك مقدماً على الوصية كما يقول التلمساني: إن امرؤ قد قدرت منونه كفن ثم أديت ديونه وبعد ذاك تنفذ الوصية ويقع الميراث في البقية (2/500)
صفحة 946
فتاوى عامة
0.1
فإن دين الله من باب أولى يجب إنفاذه، هذا وقد ذكرت الوصية قبل الدين في أربعة مواضع من سورة النساء في قول الله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنِ} [النساء: 12]، وقوله: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ مَا أَوْ دَيْنِ} [النساء: 12]، وقوله سبحانه: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ [النساء: 12]، وقوله عل: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دين} [النساء: 12]، لأجل التأكيد على الوصية لأن الناس قد يتساهلون في أمر الوصية ما لا يتساهلون في الدين، وإلا فالأصل في الدين أنه يقدّم، والله تعالى أعلم.
إذا لم يوص الفقير بشيء هل للورثة أن يقوموا بذلك؟ نعم، ذلك من البر والإحسان، وكل ما فعلوه من خير تجاه موروثهم فذلك من الخير.
ما حكم وصية المنافق، هل تنفذ أم لا؟
النفاق ينقسم إلى قسمين لأنه إما أن يكون نفاق عقيدة، وإما أن يكون نفاق عمل، فنفاق العقيدة هو أن يبطن الإنسان عقيدة الكفر بين حنايا ضميره وفي طوايا نفسه ويظهر عقيدة الإسلام، وهذا الذي كان عليه معظم المنافقين في عهد النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، ومما يدلُّ على ذلك قول الله تبارك وتعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لكَذِبُون [المنافقون: 1]، وكذلك قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8]، وقوله سبحانه: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ} (2/501)
صفحة 947
502
في
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
[البقرة: 14]. وأما المنافق العملي فهو ما دل عليه الحديث الشريف: «ثلاث من كن فيه فهو منافق ... ». وفي رواية: «أربع .. » إلى آخر الحديث. والنفاق العقدي هو وإن كان في حقيقته كفراً بالله سبحانه وإشراكاً من حيث الطوية التي ينطوي عليها هذا المنافق، إلا أنه تجرى عليه أحكام المسلمين الظاهر، والوصية أمر لا يختلف فيه المسلم والكافر، ولو اعتبرنا ما في طوايا نفسه ولم نأخذ بظاهر قوله فإن ذلك لا يمنع أن يحكم له بما يحكم لغيره من جواز الوصية، فوصية الكافر تنفذ كما تنفذ وصية المسلم إن كانت وصية ببر، ولذلك قال العلماء بأن المشرك إن أوصى لأقربائه مثلاً ومن بين أقربائه مسلم فإنه يدخل في ضمن الموصى لهم، وكذلك العكس، لو كان مسلم أوصى لقرابته ومن بينهم، ذمي فإن ذلك الذمي يدخل في هذه الوصية ولا يحرم منها، وهذا يعني أن الوصية لا يشترط لها الإيمان، وإنما الوصية هي تقرب إلى الله، وصلة أيضاً مع القرابة بالنظر إلى وصية الأقربين وأما نفاق العمل فلا ريب أنه لا يؤدي إلى إبطال وصية صاحبه ما دامت لا تتصادم مع حكم الدين، والله تعالى أعلم.
هل تثبت وصية الطفل؟
أولاً: نحن لا نسميه طفلاً ما دام هو عاقلاً، ووصية الصبي إن كان عاقلاً مختلف فيها، من العلماء من قال بأن الصبي لا يعتد بوصيته كما لا يعتد بطلاقه ولا ببيعه ولا بشرائه ولا بمعاملاته جميعاً، وهذا قول الشافعي وأصحابه وكثير من العلماء، وذهب كثير من أصحابنا والحنفية والمالكية إلى أن الصبي إن كان عاقلاً فإنه وإن كان لا يباح له أن يتصرف في ماله إلا أنه له أن يوصي، وزاد أصحابنا أيضاً بأن له أن يعتق، والله تعالى أعلم. (2/502)
صفحة 948
فتاوى عامة
503
المجنون الذي يشهد له الناس أن له عليهم ديون وقد دوّن في وصيته
ذلك، إلا أنه بعد أن جُن فقد مكان الوصية فهل تثبت وصيته؟
كونه له عليهم ديون أمر لا يشترط فيه أن يوصي لهم بل ثبوت ذلك الدين حجة على المدين سواء كان ثبوته بإقراره أو بشهادة عادلة، إذ لو أوصى بأن لي على فلان كذا من الدين لما كان ذلك حجة لأن هذه دعوى منه بخلاف ما إذا أوصى بأن عليه ديناً أو شهد شهود بذلك أو وجدت وثيقة شرعية تثبت أن عليه الدين ولكن ثبوت الدين عليه باعترافه إن كان عند الاعتراف مجنوناً لا عبرة به والله أعلم.
سيدة توفيت وكانت قبل وفاتها قد أوصت بغنمة بعينها أن تُعطى أحد الناس، فاتصل به فلم يأت فقاموا بذبح الغنمة، وفي العام القادم ربوا غنمة أخرى واتصل به فلم يأت. فما الحكم في ذلك؟ قد كان الواجب على الوصي أن يخرج إلى الموصى له لا أن يطلب الموصى له أن يأتي، لأن هذه الوصية حق لا بد من أدائه إلى من أوصي له به، وهم مقصرون في عدم تسليم تلك الشاة بعينها إلى من أوصي له بها، وإنما يجزيهم بعد ذبحها أن يضمونها بأن يبدلوها بأخرى لا تقل عنها قيمة ولا نفعاً، والله تعالى أعلم.
توفي شخص ولم يترك شيئاً، وعليه بعض الديون البسيطة غير الموثقة رسمياً، هل يمكن تخصيص جزء من ماله لقضاء دينه وآخر لتنفيذ صلوات وزكاة وحجة عنه؟
على الإنسان أن يستعد للقاء الله، فإن الموت لم يوقت له وقت، وأن يعد وصيته سواء أكان ذكراً أو أنثى، وقبل بضع سنوات توفيت امرأة صالحة (2/503)
صفحة 949
504
الوصية
هي
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
بعدما جاوزت التسعين من عمرها وقد وجدت وصيتها مكتوبة منذ كانت عمرها خمسة عشرة عاماً، فالوصية لا تقرب الموت ولا تعجل الوفاة، إنما استعداد للقاء الله والله تبارك وتعالى أشار إلى الوصية وإلى وجوبها في كتابه عندما قال: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180]. وقد نسخت الوصية للوالدين بالميراث وبقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا وصية لوارث»، وبقيت الوصية للأقربين حقاً واجباً بعد الموت لتكون صلة بين القريب
وقريبه، وكذلك تجب الوصية بحقوق العباد وبحقوق الله إن كان لا يتمكن من أدائها أدائها في حياته، مع أن الإنسان مأمور بأن يسارع إلى تنفيذ كل حق عليه سواء كان حقاً الله أو حقاً للعباد، أما هذا الذي مات ولم يترك وصية، فلا يكون إرث في المال إلا بعد قضاء الدين فإن الله الله قال: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنِ} [النساء: 12]، يعني أن تقسيم الإرث إنما يكون بعد إنفاذ الوصية وقضاء الدين وأما ما لم يوص به من الحقوق فإن كان حقاً الله تبارك وتعالى وكان واجباً ففيه خلاف هل ينفذ إن لم يوص به أو لا؟ فقيل: لا ينفذ إلا إن اختار ذلك الورثة من تلقاء أنفسهم، وكانوا جميعاً بلغاً عقلاء فلا مانع إن تراضوا على الإنفاذ ويعد ذلك تبرعاً منهم لأنه لم يوص بنفسه، وقيل: ما كان حقاً الله تبارك وتعالى متعيناً وقد قامت
الحجة به، كأن تجب عليه زكاة ولم يزك فإن ذلك ينفذ، فإن النبي عندما جاءت إليه امرأة خثعمية، وقالت له: يا رسول الله إن فريضة الله على عبادته أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع الثبوت على الراحلة، أفأحج عنه؟» فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت أن لو كان على أبيك دين فقضيته أكان مجزياً» قالت: «نعم»، قال: فذاك ذاك»، فقاس دين الحق على دين الخلق، إلا أن الصلوات لا يمكن أن يصلّي أحد عن أحد، وأما الصيام فقد دلت (2/504)
صفحة 950
فتاوى عامة
0.0
السُّنَّة على قضائه عن الميت، ففي حديث الشيخين عن عائشة لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه»، وكذلك الحج،
والله أعلم.
رجل توفي وعنده مال وأثر ماء يتجاوز ثلاثة آلاف وعنده زوجة وأربعة أولاد فهل يجب على أولاده الإنفاق بحجة وعمرة وصيام رمضان وكفارة أم لا؟ مما يؤسف له أن كثيراً من الناس يغادرون هذه الحياة الدنيا وقد أُنسئ في آجالهم ولكنهم مع ذلك لا يتهيئون للقاء الله، فلا يكتب أحدهم وصية أن القرآن الكريم بيّن فرضية الوصية للأقربين، إذ الله يقول: كُتِبَ مع عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180]، فالوصية للأقربين الذين لا يرثون واجبة عندنا بدليل أن الله تبارك وتعالى بين أنها مما كُتب أي فُرض، ولا يمكن أن يصرف هذا اللفظ إلى غير معنى الوجوب، وقال بعد ذلك: {حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ، ومعنى ذلك أن كل من أراد أن يكون من زمرة المتقين فحق عليه أن. يوصي بهذه الوصية، ولكن يبقى السؤال لماذا أدرج الوالدين هنا في ضمن الذين يوصى لهم مع أن الوالدين لهما حق في الإرث منصوص عليه في كتاب الله في سورة النساء؟ والجواب عن ذلك أن كثيراً من قالوا بأن الآية الكريمة نُسخ منها ما دلّ على الوصية للوالدين بآيات المواريث، ومنهم من قال بأن النسخ إنما هو بحديث: «لا وصية لوراث»، انعقاد الإجماع على مدلول هذا الحديث، ومنهم من قال بالجمع بين الحديث والآية، حيث ذهب بعض العلماء من السلف ورجّحه بعض
مع
العلماء
ما
أشياخنا المتأخرين إلى أن الوالدين المقصودين هنا هما الوالدان اللذان لا (2/505)
صفحة 951
506
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
يرثان، وذلك بأن يكونا غير مسلمين، فلا حق لهما في الإرث، ولكن لهما حق في الوصية بسبب أبوة الأب وأمومة الأم، وهذا القول هو من القوة بمكان، خصوصاً إذا نظرنا إلى الدلائل الأخرى وهي عدم جواز أن يوصى للوارث. وكذلك يجب على الإنسان أن يوصي بما عليه من الحقوق التي يخشى أن لا يتمكن من أدائها في حياته، لأن الإنسان لا يدري متى يفجؤه ريب المنون، فإن كانت عليه حقوق الله تبارك وتعالى أو حقوق للبشر فعليه يوصي بها مع أمره بأن يعجل في أدائها، وإنما الوصية للاحتياط لا لأجل أن يتكل على الوصية ولا يؤدي الحقوق.
أن
هذا وإن أوصى أحد بما عليه من الحقوق سواء كانت حقوقاً لله تبارك وتعالى أو حقوقاً للبشر، فإن ذلك ينفذ من وصيته، وقد أجمع العلماء على أن حقوق العباد تنفذ من أصل المال واختلفوا في حقوق الله هل هي من أصل المال أو من الثلث والراجح أنها من أصل المال وإن ذهب كثير من العلماء إلى أنها من الثلث، بدليل أن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام قال: «فاقضوا فدين الله أحق بالقضاء»، وكلمة أحق إن لم تدلُّ على أسبقية حقوق الله تبارك وتعالى على حقوق الناس فلا أقل من أن تدل على أن حقوق الله وعمل وحقوق الناس جميعاً مشتركة في هذه الأحقية، وأجمعوا كذلك أن حقوق البشر الواجبة عليه كالديون والتبعات تؤدى ولو لم يوص بها إذا ثبتت الحجة بها، وأما حقوق الله فقد اختلفوا فيها فذهب أصحابنا وطائفة من علماء المذاهب الأخرى إلى أن هذه الحقوق لا تجب إن لم يوص بها، ومنهم من قال بأنها تجب في ماله إن ثبتت لدى الوارث ولو لم يوص بها، وهذا القول أرجح، ذلك لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فاقضوا فدين الله أحق بالقضاء دليل على ذلك، ومن العلماء من فرّق بين حقوق (2/506)
صفحة 952
فتاوى عامة
507
الله الواجبة في الذمة وبين حقوقه الواجبة في المال، فلم ير وجوب إنفاذ الحقوق الواجبة في الذمة ورأى وجوب إنفاذ الحقوق الواجبة في المال، وهذا هو الذي ذهب إليه الإمام نور الدين السالمي ـ رحمه الله تعالى، وبجانب هذا فإنه مما ينبغي للأولاد أن يبروا به أبويهم بعد وفاتهما من البر الإكثار من الصدقة عنهما، وأن يفعلوا ما يمكن أن ينفعهما عند الله تبارك وتعالى كالحج والعمرة فإن ذلك مما يرجى خيره للوالدين وللأولاد الذين يأتون بهذه الأعمال، أما أن نقول بالوجوب فلا دليل على ذلك، والله تبارك
وتعالى أعلم. (2/507)
صفحة 953
0.1
النذر
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
نذرت امرأة بتقسيم نوع من الملابس النساء معينات ولكن إحدى هذه النساء ماتت قبل أن يصل إليها النذر، فهل على المرأة التي نذرت
شيء؟
ليس عليها شيء، ولكن إن رأت أن توزع تلك الملابس إن قدرتها بمقدار على ورثة تلك المرأة فذلك خير، وإن رأت أن توزعها على بقية تلك النساء فذلك خير أيضاً، ولكن لا يلزمها شيء لأن المرأة توفيت قبل لزوم ذلك عليها، والله أعلم.
امرأة نذرت بأن تتصدق بمائة ريال للفقراء إذا شفيت من مرضها ولكن قبل أن تشفى قامت بتغيير النذر أو الرجوع عنه، فما رأيكم في ذلك
وماذا عليها؟
لا يملك أحد بعد النذر أن يتراجع عنه، ما لم يقيد ذلك في نفس الوقت الذي نذر فيه، أما إن قيد في نفس الوقت الذي نذر فيه فلا حرج عليه، والله أعلم.
امرأة قالت لابنتها إذا شفاك الله له من المرض فسوف آخذك معي
إلى العمرة لكن عندما شفاها الله لم يسمح لها زوجها بالذهاب إلى العمرة؟ (2/508)
صفحة 954
فتاوى عامة
509
إن كانت نذرت ذلك وألزمته نفسها فإن النذر يجب عليها الوفاء به، وإن وجد ما يمنعها منه فإنه يبقى ديناً في ذمتها إلى أن يمن الله تعالى عليها بالفرصة للوفاء، والزوج لا يسوغ له منعها من أداء النذر الواجب عليها، وأما إذا كان مجرد وعد منها لابنتها فلا يترتب عليه شيء إن أخلفت وعدها، اللهم إلا الإثم إن كانت قادرة على إنجازه، والله أعلم.
امرأة رأت في المنام أنها نذرت أن توزع خبزاً وحلوى إذا ما شفيت أمها، فهل هذا النذر يلزمها؟
ما كان في المنام لا يلزمها، والله أعلم.
امرأة نذرت أن لا تسمع الأغاني أبداً، ولكنها لم توف بهذا النذر لأنها أحياناً يغلب عليها الشيطان فتسمعها، ماذا عليها؟
عليها أن تتوب إلى الله تعالى وتستغفره وأن تلتزم أوامر الله وعل، ويحسن أن تكفر كفارة مرسلة ككفارة اليمين وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن عجزت عن كل ذلك فلتصم ثلاثة أيام ولتجتنب سماع الأغاني، والله أعلم.
امرأة نذرت أن تصوم شهراً إن هي خرجت من البيت، أو خرج أبو زوجها بسبب مشاجرة وقعت بينهما، فتوفي أبو الزوج ولم تخرج هي حتى الآن، فهل يلزمها ما نذرت؟
لم يقع ما علقت نذرها عليه فلا يلزمها شيء، وإنما يلزمها عندما يقع ما علق عليه النذر، والله تعالى أعلم. (2/509)
صفحة 955
510
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
امرأة نذرت أن تصوم خمسة عشر يوماً، وبعد أن صامت عشرة أيام جاءتها الدورة الشهرية وبعد انقضائها لم تكمل الخمسة الباقية مباشرة بعد الحيض، فما رأي سماحتكم في ذلك؟
هي أساءت في هذا، فقد كان عليها أن تكمل ولكن إن فعلت ذلك جهلاً تعذر، لا إن فعلت ذلك قصداً، والله تعالى أعلم.
امرأة نذرت أن تصوم كفارة شهرين متتاليين، ولكن الحيض يعترضها فكيف يكون صومها؟
من
هذا سؤال غريب كيف يكون صيام نذر وصيام كفارة في وقت واحد، إذ النذر شيء والكفارة شيء آخر، فالنذر أن ينذر الإنسان الله تعالى تقرباً إليه أن يفعل شيئاً الطاعة بسبب وقوع محبوب إليه، أو سلامته من سوء يخشاه ويتقيه كأن يقول: إن جنبني الله هذا الشيء أفعل كذا من البر سواءً كان صلاة أو صياماً أو صدقة أو حجاً أو عمرة أو غيرها، أما الكفارة فتجب لذاتها فهي إما أن تكون بإضاعة الصيام أو بسبب يمين أو قتل أو ظهار، وهذه الكفارة أوجبها الله تعالى ولم يوجبها الإنسان على نفسه بنذر، وعلى أي حال صيام الكفارة وصيام النذر إن اعترضه حيض فالمرأة عليها أن تفطر ثم بعد ذلك تواصل القضاء مباشرة من غير فاصل، والله أعلم.
امرأة كبير السن نذرت أن تصوم شهراً فلما صامت أصابه مرض وتكلفت كثيراً، وقد عجزت عن الصيام، هل يلزمها شيء أم لا؟ قيل تفتدي بإطعام مسكين عن كل يوم، وقيل يسقط عنها الوفاء، والله أعلم.
امرأة تعبت في الحمل، وعندما وضعت قالت: إن شاء الله تعالى إني لا أحمل مرة ثانية لمدة سنتين، وعندما تتحقق أمنيتي ولا أحمل لمدة (2/510)
صفحة 956
فتاوى عامة
511
سنتين أنوي أن أصوم شهراً كاملاً، وقالت هذا الكلام في ساعة غضب، وبعد ذلك تحققت أمنيتها ولم تحمل لمدة سنتين، وبعد السنتين حملت مرة ثانية، فما قولكم سماحة الشيخ في هذا الكلام علماً بأن هذه المرأة تعبت في هذا الحمل أكثر من السابق ولا تقدر على الصيام شهراً كاملاً في هذه الفترة، هل يجوز أن تصوم بعد الولادة أم يكون هناك حل آخر؟
ينظر في قصدها، فإن كانت قصدت بهذا النذر فذلك حسب قصدها، إذ النذر ليس مذكوراً في عبارتها ذكراً صريحاً وإنما يحتمله اللفظ فلا بد من مراعاة القصد، فإن كانت قاصدة النذر فعليها الوفاء بما نذرت، وإن كانت غير قاصدة النذر فلا يلزمها الوفاء بذلك، وبناءً على أن الوفاء يلزمها فلا حرج عليها إن أخرت هذا الوفاء إلى أن تضع حملها، والله أعلم.
طالبة نذرت إذا شاهدت سهرة في التلفزيون فسوف تصوم ثلاثة أشهر متتابعة فالتزمت بهذا النذر ولكن في يوم من الأيام كانت نائمة فصحت
فشاهدت السهرة ثم تذكرت وأغلقت التلفاز، ماذا تصنع؟ هذه المسألة وقع فيها خلاف بين أهل العلم أي من ألزم نفسه شيئاً لم يكن لازماً عليه وإنما ألزمه نفسه لردعها عن أمرها على أن يكون ذلك الذي لزمه نفسه من جنس الطاعات كالصلاة والصيام والصدقة والحج ويدخل في ذلك أن يكلف نفسه إن فعل شيئاً ما كأن حافياً كما يحج يقول كثير من الناس في وقتنا هذا، فمن العلماء من قال بأن إلزام الإنسان نفسه شيئاً يعتبر في حكم اللازم عليه وهذا هو مذهب الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد حمدالله الذي يقول: من ألزم نفسه شيئاً ألزمناه إياه»، وذهب (2/511)
صفحة 957
512
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
من
فريق آخر إلى أنه لا يلزمه لأنه أراد الامتناع، فحكم ذلك حكم اليمين، وكفارة اليمين بينها الله تعالى في قوله: فَكَفَرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامِ} [المائدة: 89]، فعلى هذا الرأي من ألزم نفسه شيئاً عليه أن يكفر كفارة يمين وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام، أو كسوتهم من متوسط الكسوة المعروفة المألوفة أو أن يعتق رقبة، فإن تعذر عليه كل ذلك بحيث لم يجد الرقبة ولم يستطع أن يطعم ولم يستطع أن يكسو لفقره فعليه أن يصوم ثلاثة أيام، وكلا الرأيين له وجه من الصواب، أما قول من قال من ألزم نفسه شيئاً ألزمناه إياه فلعل صاحبه نظر إلى أن عدداً الأنبياء التزم بأشياء فكانت لازمة، ما ذكر الله تبارك وتعالى عن إسرائيل: {إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَاءِ يلُ عَلَى نَفْسِهِ} [آل عمران: 93]، وهكذا ما كان من أهل الكتاب، فإنهم التزموا بعض الأشياء فكانت لازمة عليهم كما ذكر الله تبارك وتعالى عز رهبانية النصارى، ولكن في شريعتنا ليس لنا أن نشرع شيئاً لم يشرعه الله تبارك وتعالى لنا، فلذلك شدد الله في التحليل والتحريم، فليس للإنسان أن يحلل ويحرم من تلقاء نفسه يقول تعالى: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، ويقول سبحانه: قَد خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا فَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاء عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [الأنعام: 140]، وأما الذين ألزموه اليمين فقد اعتبروا قصده عندما قال إن فعل كذا فعليه كذا إنما أراد بذلك الامتناع وحكم ذلك حكم اليمين، فيتوسع بقول من قال بأنه تلزمه كفارة يمين لا غير فلعل هذه تلزمها كفارة يمين بسبب صنيعها الذي صنعته، والله أعلم. (2/512)
صفحة 958
فتاوى عامة
513
رجل نذر أن يذبح شاة إذ شفاه الله، وقد شفاه الله فهل يذبحها ويوزعها على الفقراء أم يطبخها لأهله؟
يفهم من هذا أنه نذر أن يتقرب بها إلى الله بما نذر به، والأصل أن النذر إنما هو في التقرب إلى الله، والله تعالى مدح الذين يوفون بالنذر، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه، وجاء في الحديث عنه أفضل الصلاة والسلام: لا نذر فيما لا يملك ابن آدم، ولا نذر في معصية». ولما كان النذر قربة إلى الله فليتصدق بهذا على الفقراء والمساكين، لأنه إن أطعمها لنفسه ولعياله أتى بما كان معتاداً، إذ لا بد من نفسه وعياله بخلاف ما إذا تصدق على الفقراء والمساكين، وهذا من أجل مراعاة أصل النذر وإلا فإن ذلك يعود إلى نيته في حال نذره،
أن
يطعم
والله أعلم.
امرأة نذرت فعل شيء ما ولم تستطع بسبب الفقر، فما الحكم في
ذلك؟
بما أنها نذرت فإن النذر يبقى متعلقاً بذمتها فمتى من الله عليها بالقدرة
فعليها أن تفي به، وإن عجزت عنه فالله أولى بعذرها، والله أعلم.
أم نذرت بأن تصوم إذا عوفي ولدها من مرض فماتت، فهل يجوز لابنتها أن تصوم عنها؟
هذا من باب الوفاء بالنذر الواجب على الميت، وقد جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسألته عن مثل هذا وأمرها بالوفاء، وجاء رجل أيضاً وذكر له أن أُمه نذرت أن تصوم فأمره أن يصوم عن أُمه التي التي ماتت ولم تف بنذرها،
والله أعلم. (2/513)
صفحة 959
514
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
هل الأسنان المطلية بالذهب حرام، علماً بأنه وفاء لنذر قطعه لشخص؟ الجواب على هذا السؤال ذو شقين، الشق الأول: لبس الإنسان لأسنان الذهب، فهناك فارق بين الرجال والنساء، أما الرجال فلا يحل لهم اتخاذ الأسنان الذهبية إلا مع الضرورة التي تدعو إلى اتخاذ السن من الذهب، أما مع عدم الضرورة فلا يتخذ الرجل السن الذهبية، وأما بالنسبة إلى المرأة فذلك لها مباح ولا يحرم عليها، وأما الشق الثاني: فما هو النذر الذي يجب أن يوفى به؟ جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه، فالنذر في الطاعة منعقد، وفي المعصية غير منعقد، أما إذا كان الشيء من المباحات، كأن نذر أحد أن يأكل كذا، أو أن يعمل شيئاً من الأعمال التي هي مباحة في الأصل وليست من قبيل الطاعات ولا من قبيل المُحرمات والمكروهات فللعلماء قولان: منهم من قال إن النذر لا يكون إلا طاعة وبما أن هذا العمل غير طاعة فلا ينعقد به النذر، ومن العلماء من قال بما أن هذا العمل لا يُعدّ من قبيل المحرمات فالوفاء به واجب، ولا أجد دليلاً يرجح أحد القولين، ولكن من حيث ميل النفس فإن نفسي تميل إلى أن الإنسان يُخَيَّر في الوفاء وعدمه، إذ لا ينقل النذر ما كان مباحاً إلى غير حكم الإباحة، والله أعلم. (2/514)
صفحة 960
فتاوى عامة
أخلاق وتعامل
515
قد يظن كثير من الناس أن الإسلام يعنى بجانب معين في الحياة، وأن بقية الجوانب قد لا يطرقها الإنسان من قريب أو بعيد، فترى كثيراً من الناس يحافظون على العبادات بَيْدَ أن التزامهم بالأخلاق وما تدلُّ عليه تلك العبادات لا يكاد يذكر كيف يجسد الإنسان الإسلام في حياته حتى يكون قدوة يحتذى؟
هذا
کله
إن الإسلام هو رسالة الله إلى خلقه وهو نظام هذا الكون المستمد من تعاليم الحق، ونواهيه، وهو الذي يؤدي إلى الانسجام بين الجوانب المختلفة في الإنسان فيؤدي إلى الانسجام بين الروح والجسم والعقل والقلب والفكر والوجدان والضمير والغرائز، ويؤدي إلى التناسق والانسجام بين الإنسان الذي استخلفه الله تعالى في هذه الأرض وهو جزء من الكون وبين هذا الكون الواسع الأرجاء المترامي الأطراف الذي بحمد الله ويخضع ساجداً لجلاله، فالإسلام بهذا يعنى بصلة المخلوق بالخالق وصلة المخلوق ببني جنسه وصلته بجميع أجزاء الكون التي تشاركه الوجود في هذه الساحات الواسعة من هذا الوجود، لذلك كان الإسلام يتناول جوانب الحياة سواءً ما يتعلق منها بالعبادات أو جميع بالأخلاق أو بالمعاملات أو بأي جانب من جوانب العمل في هذه الحياة،
يسبح (2/515)
صفحة 961
516
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
ودليل ذلك واضح من كتاب الله، فإن الله الله يقول: {قُلْ إِنَّنِي هَدَيْنِ رَبِّي إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسلِمِينَ} [الأنعام: 161 - 163]، فالإنسان المسلم مطالب بأن يجسد الإسلام في حياته كلها، بحيث تكون هذه الحياة تجسيداً للإسلام، وأن يكون الإسلام في وفاته بحيث يموت ميتة مرضية الله الله، فتكون الحياة الله والممات الله، وترون أن الحق الله جمع في الآية السابقة بين أمرين اثنين: الصلاة التي هي رمز العبادات والتي هي أعظم قربة من الأعمال التي يعملها الإنسان ليزدلف بها إلى رضوان الله الله وبين النسك الذي فيه منفعة له ولبني جنسه، فأوجب الله الله أن يكون كل واحد منهما خالصاً لله، فكما أن صلاة المسلم الله لا الله فكذلك نسكه الله الله، وهذا يعني أن تكون جميع تصرفاته وأعماله مضبوطة بضوابط الشرع ومقيدة بقيود الدين الحنيف، وبهذا يكون مسلماً حقاً مؤدياً ما عليه الله الله، والتمسك بالإسلام يعني طاقاته وإمكانياته وملكاته لما فيه مصلحة هذا الدين
بين
فإنما
أن
يسمع
يسخر الإنسان جميع ولما فيه مصلحة الأمة والمجتمع، وهذا لا يتم إلا إن كانت حركاته كلها تجسد الإسلام فهو إن نظر إنما ينظر بعين الإسلام وإن سمع بإذن الإسلام، وإن أخذ أو أعط أو دفع أو جذب فذلك بيد الإسلام، وإن مشى فبقدم الإسلام، وإن تنفس فبرئة الإسلام، وإن صنع أي شيء في هذه الحياة فإن ذلك عائد إلى الإسلام دين الله تعالى الحق، بهذا يكون الإسلام إسلاماً حقاً، فلا بد أن يسلم الإنسان روحه وجسمه سره وعلانيته ظاهره وباطنه الله تبارك وتعالى، ونحن نرى كيف تأتي الأخلاق على رأس قائمة ما يطالب به المسلم، فالله الله يقول في وصيته لبني إسرائيل وقد ذكرها في كتابه الكريم لتكون وصية لهذه الأمة: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83] (2/516)
صفحة 962
فتاوى عامة
517
قل
ربي
والنبي صلى الله عليه وسلم عندما جاء إليه رجل وطلب منه وصية يوصيه بها قال له: الله ثم استقم وخالق الناس بخلق حسن»، وأنتم ترون كيف أن الحق الله قال: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83]، ولم يقل وقولوا حسناً، ذلك لأن المعاملة الحسنة مطلوبة ما بين المسلم وبين
الله
للمؤمنين الناس جميعاً، وكذلك الحديث الشريف قال: وخالق الناس بخلق حسن»، ومعنى ذلك أن يخالق الإنسان أعداءه وأولياءه مخالقة طيبة حسنة وهذا ما كان يفعله النبي عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام، فهو دائماً يستعمل الحكمة والموعظة الحسنة وكان يخالق الناس بأخلاقه العالية: أخلاق النبوة التي تجسد قمة الربانية وقمة ما يقتضيه الوحي الإلهي الذي أوحاه الله تعالى إلى رسله، كما نجد تأثير هذه الأخلاق فيما ذكره الله وعل في كتابه الكريم، فإن الله لا يقول لنبيه عليه أفضل الصلاة والسلام: {أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَدِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبِّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]، فيأمر الله نبيه أن يدعو الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، ولئن اقتضى الأمر مجادلة بينه وبين المدعوين فلتكن هذه المجادلة بالتي هي أحسن، حتى لا يؤدي ذلك إلى تنفير الناس مما يدعو إليه من مبادئ الحق، وكذلك في معرض الحديث عن الدعوة يقول الله تبارك وتعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَلِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33]، ثم بعد ذلك قال: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّتْهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّتْهَا إِلَّا ذُو حَظِّ عَظِيمِ} [فصلت: 34، 35]، فيؤمر الإنسان أن يخالق الناس بالخلق الحسن في مقام الدعوة إلى الله تعالى، فتكون دعوته بطريقة فيها رفق وحكمة ولطف حتى تجتذب النفوس وتؤثر على القلوب لتتفاعل هذه (2/517)
صفحة 963
518
النفوس مع
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
هذه الدعوة تفاعلاً تاماً، وبين الله له الا الله أن بهذا يمكن أن يقرب
هذا
البعيد وأن يتألف النافر وأن يجتذب الشارد، حتى يكون الذي بينه وبين الداعي عداوة كأنه ولي حميم، كما يأمر الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين أن لا يجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، وهذا كله يدلُّ على أن الأخلاق مطلوبة، وخصوصاً للداعية إلى الله، والله تعالى المستعان.
هل السلام في الاستئذان واجب؟
المسألة فيها خلاف، وهي مسألة فرعية وليست مسألة أصولية حتى يُقال بأنها من مسائل الدين، والراجح القول بفرضيته، لأنه هو الذي يدلّ عليه ظاهر القرآن الكريم وتؤيده الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالأخذ بذلك مما يجب لرجحان هذا القول بظهور أدلته وقوتها، ومع ذلك لا يُخطأ من قال أو عمل بخلافه لأن المسألة لا تتجاوز أن تكون مسألة فرعية، والله أعلم.
هل يجوز للرجل أن يسلم على المرأة الأجنبية وإذا سلم عليها هل الواجب رد السلام؟ أو العكس؟ لا مانع أن يسلم الرجل على المرأة الأجنبية، والمقصود بالتسليم قوله: السلام عليكم لا المصافحة كما يفسرها كثير من الناس ومن تسليم الرجل على المرأة الأجنبية قصة النبي موسى مع بنتي شعيب عالم، وهذا انتفاء الريب، أما إذا كان السلام وسيلة للفحش مع
أدلة
جواز
فذلك غير جائز، فإن الشيء الحسن قد يكون وسيلة للشيء القبيح فينقلب قبيحاً لقبح الغاية التي يتوسل إليها به، ولكن إذا حصل هذا السلام فالمرأة تؤمر برد السلام لأن رد السلام فرض {وَإِذَا حُمِّيتُم بِنَحِيَّةٍ فَحَدُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا [النساء: 86]. (2/518)
صفحة 964
فتاوى عامة
519
ما قولكم فيمن اغتابت في لحظة غضب امرأة ظالمة متسلطة وهي
صائمة، فماذا عليها؟
الظالم المتسلط المجاهر بظلمه لا غيبة له بنص الحديث فلا نقض على من اغتابه، والله أعلم.
ماذا يجب على من ظلم أحداً بغيبة أو بهتان أو قذف وقد يعلم المظلوم
بذلك؟
على من ظلم أحداً في عرضه بغيبة أو نحوها أن يدرأ آثار هذا الاغتياب وهذا الظلم سواء علم المظلوم بذلك أو لم يعلم، وذلك بأن يبين للناس الذين سمعوا منه ما سمعوا خطأ ما صدر عنه، وبطلانه، وأن عليهم أن يصححوا الصورة التي تصوروها خطأ عن المظلوم من جراء هذا الظلم، وعليه أن يستبرئ المظلوم ليجعله في حل وقيل لا يلزمه ذلك إن لم يعلم به، وإنما يستغفر له إن كان من أهل الولاية وإلا دعا له بأن يوفقه الله للتوبة وحسن العمل، والله أعلم.
بعض الإخوة يتناولون سيرة إخوانهم بالغيبة وعندما نصحوا بذلك قالوا بأنهم فسقة ويُسوغ لنا أن نتناول سيرة الفسقة؟ لا تُذكر سيرة الفاسق لأجل تذكر سيرة فسوقه ولأجل التفكه باغتيابه وإنما يُذكر ما فيه من الفسوق لأجل التحذير منه، أما من أخذ يتكلم عن الفُساق من أجل التندر فهو غير معذور، والله أعلم.
ما حكم الشرع في امرأة تتكلم عن نفسها بما جرى عليها من أهل زوجها هل تكون نمامة بذلك؟
النمام هو الذي يسعى للتفريق بين الجانبين فيأتي لهؤلاء بكلام ولهؤلاء (2/519)
صفحة 965
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
بكلام ليُوغر صدور هؤلاء وهؤلاء، وهذه إن كانت تتكلم بغير حق فهي مغتابة، والمغتاب من يذكر الغير بما يكره في غيبته فإن لم يكن فيه ما يقول فهو باهت، وإن كانت تتحدث عن مضايقاتهم وإيذائهم لها فليس في ذلك حرج، والله أعلم.
امرأة سرق منها ذهب فظنت خطأً أن أناساً معينين هم الذين سرقوه، فاتهمتهم وأبدت اتهامها لهم، ثم بان لها بعد زمن أنهم لم يسرقوا ذهبها؟ فماذا عليها؟
عليها أن تبرئهم مما اتهمتهم به وأن تعتذر إليهم، إلا اللهم إذا كانوا أهلاً للاتهام، فإن كانوا أهلاً للاتهام، بأن كانت لهم سوابق تقتضي اتهامهم فهي غير ظالمة لهم وإنما هم ظلموا أنفسهم، أما إن كان الأمر بخلاف ذلك بحيث لم تكن لهم سوابق سوء فالأصل في الإنسان أن تبرأ ذمته ما لم تكن هنالك أسباب تقتضي عدم تبرئة الذمة، وعليها أن تبين أنهم لم يرتكبوا ما اتهمتهم به، والله تعالى أعلم.
ما حكم الغش في الاختبارات الدراسية هل حكمها حكم ما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا»، أو الحديث مقتصر في
الله.
معاملات البيع والشراء؟
يسير
ما أقبح الغش وما أسوأه وما أبعد من دلس عن الجادة، إن طالب العلم يجب عليه أن يتعلم الأخلاق الفاضلة وأن يتعود المعاملة الحسنة وأن في الدرب المستقيم، فإن العلم نور من الله تبارك وتعالى يقذفه في صدور عباده الصالحين الذين يتقونه ويؤمنون به ويطيعون أوامره ويزدجرون عن نواهيه، وقد ضرب الله تعالى مثلاً في بني إسرائيل الذين يتحملوا التعاليم (2/520)
صفحة 966
فتاوى عامة
521
التي منحوها عندما قال: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِلُوا التَّوْرَنَةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَبُوا بِنَايَتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ لأجل
الظَّالِمِينَ} [الجمعة: 5]، هكذا ضرب الله تعالى هذا المثل الشنيع فيهم
أن
نزولهم إلى هذا الحضيض وانحطاطهم إلى هذه الدركات التي لا يرضى ينحط إليها إلا السفلة الذين لا يربؤون بأنفسهم عن سفاسف الأمور، وهذا
أن
المثل وإن كان من حيث لفظه في بني إسرائيل فإنه من حيث معناه يصدق على من نحى نحوهم وسلك نهجهم، فهذا الذي يتعود الغش وهو يتحمل نوراً يرجو الله تعالى أن يهديه به إلى الخير وأن يُفيد به الأمة ماذا عسى تكون حالته فيما بعد؟ وكيف يتحمل هذه الرسالة التي جاءته من الله تبارك وتعالى ودل عليها قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ اَقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ** الَّذِى عَلَمَ بِالْقَلَمِ عَلَمَ الْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1 - 5]، كيف يتحملها وهو متلبس بهذه الحالة الدنيئة التي لا تكون إلا من أنذال الناس؟ ونحن نجد الناس في جاهليتهم كانوا يربؤون بأنفسهم عن أن يُسجل عليهم الكذب حتى في حالة مخاصمة من يخاصمون، فعندما سأل أبا سفيان قبل إسلامه هرقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وأوصافه وأمر أصحابه أن يكونوا من ورائه وطلب منهم إن كذب أبو سفيان أن يكذبوه، جعل أبو سفيان يقول: بأنه ما أن يُكذبه من كان معه لو دَلّس في أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم ولكن خشي يسجلوا عليه كذباً فلذلك رباً بنفسه أن ينزل إلى هذا الحضيض، وحرص على أن تكون إجاباته إجابات واقعية، وقد تكلم أحد الجاهليين الذين كانوا تهودوا أي اعتنق اليهوية وهو السموأل في هذا وقال: إنا وإن مالت دواعي الهوى وأنصت السامع للقائل لا نجعل الباطل حقاً ولا نرضي دون الحق بالباطل نخاف أن تسفه أحلامنا فنخمد الدهر مع الخامد
خشي
أن (2/521)
صفحة 967
522
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
الله
هكذا كان الإحساس الذي يوجد عندهم فكيف بالمسلم الذي رضي رباً وبالنبي صلى الله عليه وسلم رسولاً وبالقرآن الكريم حجةً ودليلاً وبتعاليم الإسلام هدى
خلال
يسير عليه؟ كيف يرضى هذا المسلم وهو يتحمل رسالة الإسلام من تعلمه أن يكون من أول الأمر مُدلّساً؟ فهذا أمر لا يمكن أن يقبل أبداً، على
صلے
أن
أن ذلك مما يدخل في الكذب - كما تقدّم - والله تبارك وتعالى يبين الكذب لا يمكن أن يلتقي مع الإيمان عندما قال: {إِنَّمَا يَفْتَرِى الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِنَايَاتِ اللَّهِ وَأَوْلَبِكَ هُمُ الْكَذِبُونَ} [النحل: 105]، فيفتري الكذب من كان غير مؤمن، أما المؤمن فإنه يترفع عن الكذب، ولذلك جاء في الحديث عندما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: أيكون المؤمن كذا أيكون كذا وكان مما سُئل عنه أيكون المؤمن كذاباً» قال: «لا»، فالمؤمن لا يمكن أن يكون كذاباً هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فهذا الغش ليس غش فرد فحسب، وإنما هو غش للأمة كلها، فإنه عندما يحمل شهادة الزور فإن ضررها ينقلب على الأمة، لأنها تثق به من خلال هذه الشهادة المزورة وهو لم يتوصل إليها إلا بالتدليس والاحتيال، فعلى طلبة العلم أن يتقوا الله في هذا الأمر وإياهم والحوم حوله، والله المستعان.
هل يعتبر إيذاء الجار من سوء الأخلاق؟ إن الله تعالى أمرنا أن نقول للناس حسناً، فقال تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83]، وهذا يعني أن لا يؤذوا غيرهم، والجار ممن لا يجوز إيذاؤه سواءً كان براً أو فاجراً، مؤمناً أو كافراً، قريباً أو بعيداً، والجار ثلاثة: جار له حق واحد وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق، فالجار الذي له حق واحد هو الجار غير المسلم وغير النسيب، والجار الذي له حقان هو الجار المسلم له حق الإسلام وله حق الجوار، والجار الذي له ثلاثة حقوق (2/522)
صفحة 968
فتاوى عامة
523
هو الجار المسلم ذو الرحم له حق الجوار وحق الإسلام وحق الرحم، وقد أمرنا الله تبارك وتعالى بأن نحسن معاملة الجيران، فقال تعالى: {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ} [النساء: 36]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومعنى ذلك أن من آذى جاره فليس بمؤمن بالله واليوم الآخر.
ما حكم الشرع في رجل يمنع زوجة ابنه من مخالطة الجيران وعندما لا تصغي لكلامه يقول لها: إنه تبرأ منها؟
البراءة ليست لعبة يلعبها الإنسان، وإنما البراءة وحد السيف سيان، فكما لا يجوز للإنسان أن يقتل غيره بغير حق، ليس له أن يتبرأ منه بغير حق، وإنما يتبرأ بموجب للبراءة بسبب الإصرار على معصية الله الله
هل التنابز بالألقاب كبيرة من كبائر الذنوب؟
نعم، لأن الله تبارك وتعالى أتبع ذلك قوله: {بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَنِ [الحجرات: 11]، ووصف الشيء بأنه فسوق دليل على أنه كبيرة.
ما الحكم فيمن يُصدر ألقاباً إلى الأشخاص كأن يقول له: أنت حمار أو يسبه أو يلعنه؟
لا يصدر ذلك إلا ممن لا يخشى الله تعالى ولا يتقيه، فإن الكلمات التي تخرج من فم الإنسان محسوبة عليه وهو مجزي بها وقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمعاذ الله: «ألا أدلك على ملاك ذلك كله» وأشار إلى لسانه، فقال له معاذ: «إننا مؤاخذون بما نقول يا رسول الله؟»، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثكلتك أمك وهل يكب الناس في النار على (2/523)
صفحة 969
524
وجوههم
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟!» وجاء أيضاً في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبينها تهوي
من
به في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب، وجاء في كتاب الله التحذير من أمثال هذه الأشياء، يقول الله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمُ قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِرُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَنِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَيْكَ هُمُ الظَّلِمُونَ} [الحجرات: 11]، هكذا حذر الله من التنابز بالألقاب ومن اللمز، لأنه يتنافى مع الإيمان، فعلى المؤمنين أن يتقوا الله وأن لا يقعوا في شيء
من ذلك قط.
بالنسبة للألقاب، هناك أسماء إذا أردنا أن نخبر عنها أحداً لا يُعرف ذلك الشخص إلا بلقبه المشهور ونحن لا نريد أن نلقبه به لأننا لا نعرف هل يرضى به أم لا؟ هذا تعريف لأن بعض الناس اشتهروا بالألقاب، كالأعمش والجاحظ، ولا يعرفهم الناس إلا بها، فلا مانع منها لأنه قصد بها التعريف ولم يقصد بها
التنقيص.
نسمع كثيراً إطلاق بعض الألقاب على المتدينين المتمسكين بأهداب أمثال التعصب والرجعية والتعقيد والتطرف، فما تحليلكم لهذا
دينهم
القول وردكم عليه؟
هذا أمر غير مستغرب إذ وجد ذلك في جميع العصور، فالله تبارك وتعالى حكى في كتابه العزيز ما يكون من اختلاف في مسلك المؤمنين الأبرار وأعدائهم الكافرين الفجار، وما يكون من نظرة الفجار إلى الأبرار، فالله (2/524)
صفحة 970
فتاوى عامة
525
تعالى يقول: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَا مَرُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ أَنقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَفِظِينَ} [المطففين: 29 - 33]، فهذه هي سُنَّة الله في خلقه، وشأن الفجرة أن يسخروا من البررة، ويتفكهوا بهذه السخرية ويستديموا الهزء بهم، وقد استهزأ برسل الله سبحانه ولقبوا بألقاب مختلفة،
فقيل عنهم: إنهم مجانين وقيل عنهم إنهم سحرة وقيل عنهم ما قيل، ولكن هذا كله لم يصدهم عن إبلاغ رسالة الله والقيام بدعوة الله له في أوساط الساخرين، ونبينا صلى الله عليه وسلم نفسه تعرض لما تعرض له من هذه الألفاظ
قومهم والسخرية والاستهزاء، وقد كان القرآن الكريم ينزل عليه ليثبت قلبه بما يقص عليه من أنباء المرسلين من قبل، وعندما أمر الله تبارك وتعالى عبده ورسوله عليه أفضل الصلاة والسلام أن يعلن سبيله وسبيل أتباعه أشار إلى ما كان من المرسلين من قبل وما كان من قومهم اتجاههم، وما أدى إليه الأمر بعد معركة حامية الوطيس ما بين أولئك الرسل وما بينه قومهم المعاندين، فالله تعالى يقول في سورة يوسف: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَنَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]، وأتبع ذلك قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِيَ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [يوسف: 109]، ثم بين المُنقلب فقال: حَتَّى إِذَا اسْتَيْسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كَذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُحِيَ مَن نَّشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [يوسف: 110]، فالناس في هذه العصر الأخيرة هم الناس السابقون في طباعهم وفي مسالكهم، فلا بد أن يكون هناك صراع ما بين الحق والباطل، ولا بد من أن يُحاول الباطل تشويه الحق بكل ما أعطي من قوة وخبرة وحيلة حتى يصد الناس عن اتباع الحق، ومن (2/525)
صفحة 971
526
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
لا
هنا نشأت هذه الألقاب فى المتمسكين بدين، الله فسُموا بالمتطرفين وسموا بالمتعصبين وسُمُوا بالرجعيين وسلطت عليهم الألقاب المختلفة وكيلت لهم التهم المتنوعة لأجل تشويه صورتهم في أذهان الناس، ولكن الحقيقة بد من أن تتجلى في يوم من الأيام، والحق لا بد من أن يشق طريقه فيصل إلى غايته المنشودة، فهؤلاء الذين يشوهون صورة المسلم المتمسك بدينه بما ينبزونه به من الألقاب وما يكيلون له من التهم، يسعون وراء سراب بقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْثَانُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَقَهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [النور: 39]، وأغلب هؤلاء من المنافقين الذين ينتسبون إلى هذه الأمة، فهم من أبناء جلدتنا ويتحدثون بألسنتنا ولكنهم كالببغاء لا يملكون إلا ترديد ما يقوله أسيادهم من الكفرة الفجرة الملاحدة، ويظنون أن التقدم باتباع تلكم الطرق الزائفة عن الحق التي يسلكها الفجار الكفرة من أعداء الله تعالى وأعداء الإنسانية، ولا بد أن ينكشف الأمر على حقيقته مهما كانت محاولة أعداء الإسلام لطمس هذه الحقيقة ومهما كانت عندهم من قوة، فهم سمو المتحلل من دينه متقدماً، نعم يمكن أن نسميه أنه بمعنى يتقدم إلى الهاوية ويزحف إلى الجحيم ويسير بمن معه إلى لعنة الله تعالى وإلى خزي الدنيا وعذاب الآخرة ولكنه ليس متقدماً بالمعنى الصحيح وهو التقدّم إلى ساحة الخير والنجاح، وقد ثبت فشل هذه المبادئ التي اعتنقها هؤلاء، فقد تآكلت بنفسها ـ والحمد لله ـ من الداخل وخرّت على وجوهها، فهذه الشيوعية التي يعتبرونها رمز التقدم وعنوان الرقي ودليلاً عى مجاوزة مراحل التخلف أصبحت الآن متآكلة متطاحنة فأكل بعضها بعضاً وطحن بعضها بعضاً فهوت على وجهها، وسوف يأتي اليوم الذي تُذرى فيه في مزابل التاريخ، ولا يبقى لها أي أثر يذكر بمشيئة الله الله، وهكذا بالنسبة للعلمانية والإباحية وسائر المبادئ الفاسدة المنحرفة
متقدماً (2/526)
صفحة 972
فتاوى عامة
527
عن صراط الله سوف تتآكل كما تآكلت الشيوعية وتتلاشى كما تلاشت فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءَ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} [الرعد: 17].
يقول الله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَهْدِيكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ [النور: 58] هل يمكن معاملة خدم هذه الأيام كالعبيد؟ إن الله له عندما أنزل القرآن الكريم على النبي عليه أفضل الصلاة والتسليم جعل ما فيه من أحكام متلائمة مع طبيعة الإنسان التي طبعها الله عليه، فالله تبارك وتعالى جعل في نفوس الأرقاء تقديراً واحتراماً وتوفيراً لساداتهم وسيداتهم، ولذلك فإنه من النادر أن يطمع هذا الرقيق في سيدته أو يحاول يستمتع بها بالنظر إليها وأن يتأمل محاسنها، لأن نظرة الاحترام والتقدير والإكبار تمنعه من ذلك، أما الخادم الذي يؤتى به فإن هذه الحالة النفسية الموجودة في الرقيق غير موجودة فيه، فلذلك لا يمكن أبداً أن يحمل على الرقيق في هذا الحكم، وكثيراً ما تقع الحوادث الكثيرة ما بين ربات البيوت وما بين الخدم الذين يعملون في البيوت، وكثيراً ما يقع التآمر على أرباب البيوت ويحاول الجابان التخلص من رب البيت، والعياذ بالله.
أن
ما حكم قيام الطالبات للمعلمة احتراماً لها؟
إن كان ذلك لقصد الاحترام ولم يكن يدخل في نفس المعلمة شيء فليس في ذلك حُرمة، بل التعبير عن الاحترام يُعد أمراً مندوباً إليه، والله أعلم.
من
استمرأ الكثير وجود الخادمة الأجنبية فلا حدود ولا ضوابط كأنها واحد أفراد الأسرة، نرجو بيان النهج الإسلامي في ذلك؟ في هذه الحالة لا بد من التوقي، وعلى الرجل أن يعامل الخادمة على أنها أجنبية، فلا يخلو بها وعليه أن يحرص على تجنب ملامستها في
الأخذ (2/527)
صفحة 973
528
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
والعطاء بقدر استطاعته، وأن يغض بصره، وأن يتجنب الدخول عليها بقدر مستطاعه، وأن ينضبط في تحركاته بضوابط الشريعة الإسلامية، أما أن يرسل لطرفه العنان ويرسل ليده العنان ويرخى الزمام لنفسه وللخادمة كما يشاء هواهما فهذا مما يؤدي إلى الكثير من الأمور الخطيرة التي لا تحمد عاقبتها، فيجب توقي ذلك.
نقدت طالبة على المعلمة لبسها الضيق وشعرها الظاهر، فردت عليها المعلمة من علمني حرفاً صرت له عبداً، وأن عليها أن تحترم من هو أكبر منها، فهل غلطت الطالبة في حقها؟
لا، بل غلطت المعلمة، إذ استنكفت من الحق وأبت قبوله، فعليها أن تقبل الحق سواءً قاله صغير أو كبير وقوي أو ضعيف وذكر أو أنثى وقريب أو بعيد وبغيض أو حبيب، فإن الحق مقبول ممن جاء به، والله الله نعى على أولئك الذين يأبون أن ينقادوا للحق، يقول تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمَ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} [البقرة: 206]، فهذا جزاء من رفض قبول الحق.
إن علمت من شخص ما أنه مصر على المعصية وهو بذلك كافر كفر نعمة، مثل إيذاء الصالحين والسرقة، فبعد البراءة منه، هل يجب إخبار المسلمين بذلك ليتبرؤا منه مع العلم أنه من الممكن أن يكون في منزله
الأب؟
لا يؤمر الإنسان أن يشهر بأحد إذا كان أمره. بأحد إذا كان أمره مستوراً، إلا اللهم إن كان يضر بالمسلمين فإنه يحذر المسلمين من شره لئلا يتضرروا به، أما هتك الأسرار وكشف العورات فهذا مما لا نؤمر به، وعندما نتحدث عن الفاسق أنه فاسق (2/528)
صفحة 974
فتاوى عامة
529
فإنما نتحدث عنه بقدر ما يحذر الناس من شره ويدركون مؤامراته، أما إن كان مأمون الشر فما لنا وله فلسنا بحاجة إلى الحديث عن ذلك وليس ذلك من الدين في شيء.
كيف يكون معاملة المخالفين للسُّنَّة كالمسبل إزاره، والحالق لحيته والذي يأخذ الربا؟
هؤلاء يُذكرون بالله واليوم الآخر، ويُدعون إلى الحق، يقول الله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[النحل: 125].
ما حكم الإحسان إلى أطفال امرأة مطلقة من زوجها، وهذا الأب يقدّم لهم نفقة شهرية وإيجار مسكن وهي تأكل من بيت أهلها، هل يُعدّ عمل أهلها هذا أجراً وإحساناً عند الله؟
نعم، فـ «في كل ذي كبد رطبة أجر»، هكذا قال الرسول.
امرأة ارتكبت فاحشة الزنى ونتج طفل عن هذه الفاحشة ونسبته أُمه إلى زوجها الذي تزوجته بعد ارتكابها لهذه المعصية، وقامت الكثير من النساء بتوجيه النصح لها في هذه المسألة، فهل يقتصر دور النساء عند هذا الحد؟ وهل عليهن أكثر من هذا؟
عليهن النصح والتوجيه بقدر المستطاع، ثم إذا أمكن ردعها بالمقاطعة فعليهن مقاطعتها.
ما حكم الإسلام في الإحسان إلى ابن الزنى؟
يقول الله سبحانه وتعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164]، فابن (2/529)
صفحة 975
530
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
الزني ليس عليه من إثم أبويه شيء أبداً، فإن معصيتهما لا تسري إلى ولدهما، فلا يجوز أن يرفض ابن الزنى بسبب معصية أبويه، والإحسان مأمور به إلى أي أحد حتى الحيوان، فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «في كل ذي كبد رطبة أجر»، فما دام في كل ذي كبد رطبة أجر فكيف بالإنسان الذي له حقوق الإنسانية، فالإحسان إلى ابن الزنى يعدّ إحساناً ولا يعد إساءة.
هل يحق للإنسان أن يأخذ من مال أخيه في الله بغير إذنه فيما يسمى
الناس
بالتعارف؟ هناك فارق ما بين التعارف والدلالة فالتعارف يكون بين جميع وذلك بأن يتعارف أهل المجتمع التسامح على شيء معروف بينهم، وذلك كتسامح الناس فيما تساقط من ثمار النخل والشجر، فلا يلزم الذي يأخذ من ذلك الاستئذان من أصحابها، بل تعارف الناس على التسامح فيما بينهم في ذلك كاف لأن يسوغ هذا الأخذ، وهكذا كل ما كان متعارفاً عليه بين أفراد المجتمع أما الدلالة فهي أوسع من التعارف، فالدلالة إنما تكون ما بين الإخوان الذين يتحابون ويتصافون بحيث تطمئن نفس الآخذ ويسكن قلبه بأنه لو رآه صاحب المال يأخذ من ماله لسر بذلك، ويجب في الدلالة الآخذ عندما يراه صاحب المال فإن استحيا فذلك دليل على أنه لا دلالة عنده، ولذلك حُكي عن الإمام المحقق سعيد بن خلفان ـ رحمه الله تعالى أنه وجد إنساناً في بستان له يأكل من تين، فلما رآه هذا الرجل قال له: سامحني، فقال له المحقق الخليلي: لا تنافق.
أن لا يستحي
من هاهنا قال الخليلي لمن قد جاءه بذاك لا تنافقن فطلب السماح منه يدلُّ على أنه ما كان مطمئناً لهذه الدلالة فهو نفاق، وإن كان دخل بدلالة هو واثق بها فإنه لا يحتاج إلى أن يعتذر إليه، كما روي أن (2/530)
صفحة 976
فتاوى عامة
531
جماعة من التابعين دخلوا بيت الحسن البصري فاندفعوا إلى أكل الطعام الذي وجدوه في البيت عندما دخل عليهم سر بذلك وفرح وذكر أن الصحابة رضوان الله عليهم كان ذلك هديهم. وإن قوماً دخلوا بيت الحسن فاندفعوا في أكل ما يدخرن فسر وجهه وقد تهللا بصنعهم من بعد أن قد دخلا قال كذاك كانوا يفعلون يعني به الصحب المفضلين ويُروى عن أبي عبيدة أنه قال: لو أردت أن أنفق من كيس حاجب لأنفقت،
6
لما بينهما من دلالة واطمئنان، نفس والتعارف والدلالة مختلف فيهما ولكن القول الصحيح هو القول بجوار الدلالة والتعارف فأما الدلالة فقد استدل لها بقول الله سبحانه وتعالى: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجُ وَلَا
عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَآبِ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَمكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَلِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَلَتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ} [النور: 61]، فالأكل من مال الصديق مما يدخل من باب الدلالة والاستدلال لجواز التعارف من السُّنَّة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أباح للناس الذين يردون إلى المدينة المنوّرة أن يدخلوا مزارعها ويأكلوا من غير أن يحملوا، فهذا يدخل في باب التعارف لأن ذلك مما تعارف الناس على إباحته، والله أعلم.
رجل مضطر إلى مال، والمال متوفر عند غيره ولا يعطيه هل له أن يأخذ من ماله؟ الإنسان المضطر اضطراراً بالغاً يؤدي به إلى الهلاك له أن يأخذ من أي مال شاء بقدر ما يدفع ضرورته، فقد أباح الله الا الله للمضطر الميتة والدم والخنزير (2/531)
صفحة 977
532
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
وما أهل لغير الله به فكيف لا يباح له أن يأخذ من مال أخيه، وقد كان على ذلك الأخ أن يُطعمه، فإن لم يفعل فله أن يأخذ بقدر ما يدفع ضرورته، واختلف هل عليه أن ينوي القضاء مع اليسر أو ليس عليه أن ينوي ذلك؟ فالذين قالوا عليه أن القضاء ينوي مع اليسر نظروا إلى حرمات الأموال، والذين قالوا إنه لا يجب عليه أن ينوي ذلك نظروا إلى أن على صاحب ذلك المال أن يعطيه وأن عليه حقاً في ذلك المال، فإذا امتنع صاحب المال عن دفع الحق الذي عليه، فلصاحب الحق أن يأخذ حقه منه بيده، والله أعلم.
ما معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة ولا البر بالبر ولا الشعير بالشعير ولا الملح بالملح، إلا مثلاً بمثل يداً بيد سواء بسواء عيناً بعين»؟ يعني. أن هذه الأشياء لا يجوز بيعها بمثلها مع النسئة، فيباع الذهب بالذهب مثلاً مع التأخير، بل يجب أن يكون الدفع بالحال، وكذلك يجب التساوي بحيث يكون الذهب الذي هو الثمن بقدر الذهب الذي هو مثمن من غير زيادة على ذلك، وهكذا في سائر الأصناف، والله تعالى أعلم.
ما هي ضوابط الخلوة المحرمة بين الرجل والمرأة؟ الخلوة داعية الفتنة، ولذلك جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم»، وقال عليه أفضل الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة إلا مع ذي محرم». وقال: «إياكم والدخول على النساء فقال له رجل من الأنصار أرأيت الحمو يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «الحمو الموت»، والمقصود بالحمو أخو الزوج، فشبه أخا الزوج بالموت لأن دخوله على (2/532)
صفحة 978
فتاوى عامة
533
أن
امرأة أخيه أمر فيه من الخطر ما ليس بعده، فهو من المحارم التي يجب تتقى، ومما يؤسف له أن كثيراً من الناس لا يبالون بهذا التوجيه النبوي الشريف، ولا يبالون بهذا الضابط الشرعي الذي ينفي عن الأمة كل ريبة وكل خطر أخلاقي، فلذلك تقع أمور سلبية ناتجة عن هذه الخلوة بين الرجل والمرأة الأجنبية، وضابط الخلوة هو أن يكون رجل وامرأة في مكان يمكن أن يتصرفا فيه من غير أن تمتد إليهما عين ومن غير أن يراقبهما أحد، فإن وجدت الخلوة فلا يجوز لرجل أن يكون مع امرأة أجنبية إلا أن يكون معها محرم لها، والله تعالى أعلم.
امرأة سمعت بعض العلماء يُحرم المصافحة بين الرجل الأجنبي والمرأة ويذكر بأن ذلك يؤدي إلى الفتنة ثم سمعت أيضاً محدثاً آخر يقول بأنه لا مانع إذا مدت المرأة يدها لمصافحة الرجل الأجنبي فلا توجد في ذلك فتنة، أين تكمن الفتنة في المصافحة؟
الرجل حساس من قبل المرأة والمرأة حساسة من قبل الرجل، لأن الجاذبية التي تجذب كل واحد من الاثنين إلى الآخر جاذبية قوية جداً وذلك من أجل أن تكون حياة الإنسان حياة مدنية والعشرة بين الزوجين عشرة انسجام ووئام ومودة وحنان، فلذلك يتأثر الرجل بمصافحة المرأة الأجنبية وتتأثر المرأة الأجنبية عندما يصافحها الرجل الأجنبي، لذلك امتنع النبي صلى الله عليه وسلم عن مصافحة النساء عندما جئن لمبايعته وقال: إني لا أصافح النساء»، وفي الحديث عنه عليه أفضل الصلاة والسلام: «لأن يُطعن أحدكم بمخيط من حديد في رأسه خير من أن يمس امرأة ليس له عليها سبيل»، وكل ذلك دليل على المنع من مصافحة الأجنبية، ولا يستغرب الإنسان من كون هذه المصافحة سبباً من أسباب الفتنة، ولننظر إلى قول الله تعالى: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ (2/533)
صفحة 979
534
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
يَغْضُضْنَ مِنْ أَبَصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَابِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَآبِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31]، فترون كيف أن الله تعالى أمر بسد أبواب الفتنة وقطع دابرها، ومن ذلك أن المرأة تؤمر أن لا تثير خيال الرجل بشيء من جرس حليها لأن خيال الرجل خيال مرهف تجاه المرأة، فلذلك يثيره كل شيء كنبرة صوتها وجرس حليها ونفحة طيبها، فلا غرو إن امتنعت المصافحة ما بين الرجل والمرأة في الإسلام لأجل اتقاء الفتنة، ومعظم النار من مستصغر الشرر، والله تعالى أعلم.
هل يجوز مصافحة المرأة المسنة دون حائل أم لا؟
المرأة المسنة إما أن تكون من القواعد وإما ألا تكون من القواعد، فإن كانت من القواعد فالقواعد رُخص فيها ما لم يُرخص في غيرها، والقواعد من النساء هن اللواتي لا يَشتَهين ولا يُشتَهين أي لا يشتهيهن أحداً لأنهن بلغن من الكبر مبلغاً ما عُدن يؤثرن معه على أحد ينظر إليهن صغيراً كان أو كبيراً، وهن أيضاً لا يشتهين الرجال لأنهن جاوزن هذه المرحلة.
ما الحكم في مصافحة المرأة لأعمام الأب أو الأم وهم في سن متقدّم؟ أعمام الأم والأب هم من محارمها، إذ لا يجوز لهم أن يتزوجوا بها، وحرمتها عليهم حرمة أبدية بسبب النسب، فهم من محارمها، والله أعلم. (2/534)
صفحة 980
فتاوى عامة
535
هل يجوز للمرأة مصافحة الرجل بوجود حاجز عند المصافحة كاللحاف؟
نحن ندعو إلى ترك ذلك كله، وهذه العادة يجب التخلص منها، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لأن يطعن الرجل بمخيط من حديد في رأسه خير له من أن يمس امرأة ليس له عليها سبيل»، وكما أن الرجل يخاطب بذلك فكذلك المرأة، ولكن إن كانت العادة مستحكمة فيمكن أن تصافح من وراء حائل للمرحلة الأولى ثم يكون التخلي عن هذه العادة إن شاء الله، والله أعلم.
يظن بعض الناس أنهم بعدما يتزوجون يسمح لهم بالنظر إلى المرأة الأجنبية أو مصافحة النساء الأجنبيات وغيرها من الأمور، ويحتجون بنياتهم وأنهم متزوجون. أفدنا؟
وهل الزواج يبيح المحجور؟! فالله الله شدد في المتزوج أكثر من غيره، إذ الزاني الذي سبق له أن تزوج يُرجم، والزاني الذي لم يسبق له أن تزوج يُجلد، فالمتزوج يشدد عليه أكثر من غيره، ولا يُباح له ما لا يباح لغيره، والله أعلم.
هل يجوز للمسلم أن يعامل الكافر بأحد المعاملات التالية إذا كان القصد من ذلك الدعوة إلى دين الله ونشر تعاليمه وهي:
1 - إلقاء السلام على الكفار والرد عليهم؟
أما البدء بتحية الإسلام فلا، وإنما يحيون بتحية أخرى، والرد عليهم إن سلموا بقوله: «وعليكم»، كما أرشد إلى ذلك الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، والله أعلم.
2 - القيام لهم عند دخولهم؟
لا مانع من ذلك، فإن هذا من المعاملات التي تجوز أن تكون بين المؤمن والكافر، وخصوصاً إن كانت من أجل دعوة الكفار إلى الإسلام، والله أعلم. (2/535)
صفحة 981
536
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
- مصافحتهم ومعانقتهم وتقبيلهم؟
أما المصافحة فنعم، وأما المعانقة والتقبيل فلا ينبغي ذلك، والله أعلم.
- تهنئتهم في مناسبات الزواج أو قدوم مولود؟
إن لم يكن ذلك على حساب الإسلام فلا مانع من ذلك، والله أعلم.
ه ـ عيادة مرضاهم وزيارتهم لتفقد أحوالهم؟
لا مانع من ذلك، وقد فعله الرسول صلى الله عليه وسلم، وخصوصاً عندما يكونون جيراناً فلهم حق الجوار، وقد أرسل النبي عليه أفضل الصلاة والسلام عندما اشتدت المجاعة في مكة المكرّمة وفي حال محاربة الكفار للمسلمين قافلة لأجل إطعام الجياع منهم، لأن فيهم النساء والأطفال، وقد أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يدرأ المصيبة عن الأطفال والنساء من ناحية وأن يتألفهم بما فعله من ناحية أخرى، والله أعلم.
6 - قبول هديتهم والإهداء إليهم؟
لا مانع من ذلك ما لم يكن ذلك مقروناً بأمر لا يقره الإسلام، كأن يكون ذلك في أعياد ميلادهم، والله أعلم.
V
- ولا ينهَنكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَرِكُمْ أَن تبرُوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8]، هل هناك فرق في معاملتهم بين دار الإسلام ودار الكفر؟
المسلم مطالب أن يقول للناس القول الحسن فالله تعالى يقول: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83]، ولم يقل وقولوا للمسلمين قولاً حسناً أو نحو ذلك، وفي الحديث الشريف: قل ربي الله ثم استقم وخالق الناس بخلق
حسن»، والله أعلم. (2/536)
صفحة 982
فتاوى عامة
عادات وتقاليد
537
ما حكم جلوس بعض النساء بعد صلاة العصر أمام بيت إحداهن ويأخذن في الحديث في أعراض الناس، وهذه العادة تسمى بالمعصرات؟ جلوس النساء أمام البيوت ليس من الأخلاق والحياء في شيء، فإن ذلك مما يتنافى الأخلاق، وهكذا إطلاق الألسن بذكر النساء أو الرجال، بل هو مما مع يؤدي بصاحبه ـ والعياذ بالله - إلى سخط الله، فإنه مما يدخل في قوله: وهل يكب الناس في النار على مناخرهم أو قال على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم»، فهذه من حصائد الألسن التي تكب الناس في النار على وجوههم وعلى مناخرهم، فعليهن أن يتقين الله وقد يستخف الإنسان بالكلمة. الله، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبينها تهوي به في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب والعياذ بالله ويقول عليه الصلاة والسلام: إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يتبينها يكتب له الله بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بكلمة من سخط الله ما يتبينها يكتب له الله بها سخطه إلى يوم يلقاه»، فعلى الجميع أن يتجنب ذلك، والله تعالى المستعان.
وهي
عظيمة عند
ما حكم تقديم البخور والعطر للنساء اللاتي يأتين للزيارة؟ بما أنهن يخرجن ويمررن بالرجال فذلك غير سائغ، لأنه من التعاون على الإثم والله تعالى المستعان. (2/537)
صفحة 983
538
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
في مجتمعنا العُماني لا زالت تسكن في البيت الواحد العائلة الكبيرة، فيكون فيها زوجات الإخوة مثلاً، فيأكلون جميعاً ويجلسون جميعاً، ما رأيكم في ذلك؟
ذلك غير جائز، فإن أخا الزوج هو أجنبي من زوجة أخيه، فلا يجوز له أن يخلو بها ولا أن يجلس معها إلا الجلسة التي يكون معها زوجها وهي محتشمة أتم الاحتشام.
إذا ذهبت المرأة إلى زيارة أحد ما تقدّم لها صاحبة المنزل العطور والبخور، وإذا رفضت تلك المرأة التبخر والتعطر تستهزاء بها،
ونلاحظ انتشار هذه العادة فنرجو إفادتكم لنا في هذا الموضوع؟ تُؤمر المرأة إذا خرجت من بيتها ألا تخرج متبخرة ولا متطيبة، وإنما تحتفظ بالطيب للبيت، وقد نهى الرسول النساء أن يحضرن المسجد إذا أصبن بخوراً، فعلى الجميع أن يرعوي ولئن كانت هذه عادة متأصلة فإن الدين يغلب على العادات، ولقد كان لأهل الجاهلية عادات سواء النساء أو الرجال، ولما جاء الإسلام الحنيف بما يبطل تلك العادات استجاب الجميع لداعي الله، فعلى النساء في هذا الوقت أن يستجبن لداعي الله تعالى أيضاً.
ما حكم قراءة المولد والمالد؟
قراءة المولد أو الاحتفال بذكرى ميلاد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمر لم يكن عند السلف الصالح، إذ لم يكن معهوداً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عهد الصحابة - رضوان الله عليهم، وإنما حدث ذلك بعد قرون، ويقال بأنه حدث في إبّان الدولة الفاطمية، ولذلك وقف العلماء موقفين منه، منهم من نظر إلى أنه بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار وعلى هذا فهو غير (2/538)
صفحة 984
فتاوى عامة
539
جائز، ومنهم من قال بأنه سائغ لأن فيه تذكيراً بنعمة بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وهذا رأي وجيه، ولكن لا بد من أن نعتبر بعض الاعتبارات، فربما بالغ بعض الناس في الاحتفال بذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم وأحدثوا أشياء لم يكن ليرضى بها الرسول من بين هذه الأشياء الاختلاط بين النساء والرجال والإسراف الذي ينهى عنه الإسلام، وتقديس كلام أحد بعينه، لأن القدسية لكلام الله، ومع ذلك لا حرج أن يقرأ الإنسان الكتاب الذي ألف في حكاية قصة مولد النبي صلى الله عليه وسلم ولكن على ألا يعتقد في قراءة ذلك الكلام التعبد الذي في قراءة كلام الله تبارك وتعالى، فإن كلام الله تعالى تعبدنا بتلاوته، فلو قرأ القرآن الكريم شخص أعجمي لا يعرف من العربية شيئاً، فإنه يكون بذلك متعبداً بهذه التلاوة التي يتلوها لكتاب الله، بينما كلام غيره من كلام أهل العلم بل حتى الأحاديث النبوية لا يتعبد أحد بتلاوتها لذاتها، وإنما لأجل دلالات الحق ومقاصد الشرع وإرشاد الإنسان إلى سبيل الحق والدين، أما أن يعتبر الإنسان كلام أحد له قدسية بحيث يقرأه متبركاً به كما يتبرك بقراءة كلام الله تبارك وتعالى فهذا غير سائغ، ولذلك نحن نقترح في تذكير الناس بمثل هذه المناسبة العظيمة أن تلقى محاضرة يدعى فيها الناس إلى اتباع السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وإحياء ما اندرس منها والقيام بالدعوة التي دعا إليها الرسول صلى الله عليه وسلم حتى لا يكون اشتغال الناس بالأمور الظاهرة فحسب. وأما ما يسمى بالمالد فهذا أمر لا أعرفه، ولكن حسبما قيل لي بأنهم يعتقدون اعتقادات خارجة عن الحق، ويستحضرون الشياطين إلى آخره، وهذه أمور لا تجوز أبداً، فلا يجوز لأحد أن يدعو غير الله تبارك وتعالى، فإن دعاء غير الله يدخل ضمن اتخاذ غير الله تبارك وتعالى إلهاً يعبد، وقد شدد الحق كثيراً في ذلك في كتابه، فقد قال: {قُلْ مَن رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا
فهم (2/539)
صفحة 985
540
ج رور
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ضرا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظُّلُمَتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ أ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّرُ [الرعد: 16]، ويقول: مَا يَفْتَح اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [فاطر: 2]، ويقول: {وَلَن سَأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَ اللهُ قُلْ أَفَرَهَيْتُم مَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍ هَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرِهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكَّلُونَ} [الزمر: 38]، كما نجد الله يخاطب كتابه الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أشرف الخلق وأعلاهم منزلة وقدراً فيقول له: قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ} [الأعراف: 188]، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فكيف بغيره عليه أفضل الصلاة والسلام؟! بل كيف يملك ميت لأي أحد نفعاً أو ضراً؟! وكيف يلجأ الإنسان إلى مردة الجن أو الشياطين أو نحو ذلك فيطلب منهم قضاء حاجة أو دفع مضرة أو تحقيق منفعة؟! ذلك كله مما يعد من الشركيات، والله تعالى
المستعان.
ما حكم الاحتفال بالمولد النبوي؟
الاحتفال بذكرى مولد رسول الله الله أمر لم يُعهد عند السلف، فلم يُعهد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عهد الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - ولا التابعين، وإنما حدث بعد مضي ثلاثة قرون، وأول ما حدث عند الفاطميين، وإنما أحدثوا هذا الاحتفال ستراً على معتقداتهم، لأن معتقداتهم غير إيمانية، هذا هو قول الذين حجروا على الناس أن يحتفلوا بهذه المناسبة الكريمة، ومنهم من قال بأن هذه وإن كانت بدعة إلا إنها بدعة حسنة والبدعة الحسنة ما كان لها أصل في شرع الله والبدعة السيئة ما لم يكن لها أصل (2/540)
صفحة 986
فتاوى عامة
541
مع
في شرع الله، وذلك أن الله تعالى شرع لعباده ما يأتون وما يذرون، وبين نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام كثيراً من مجملات القرآن الكريم، ولكن ذلك قد تكون بياناته مجملات، فمن عمل عملاً يوافق شيئاً من هذه المجملات التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم أو عمل بمقتضاها فإن هذه البدعة تكون بدعة حسنة عندئذ، وإذا نظرنا إلى الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم نجد أنه يجسد حب الإنسان المسلم للنبي، وإن كان هذا الحب يجب ألا ينحصر في هذا الجانب وحده، فإن محبته ليست محبة عاطفية فحسب كمحبة غيره لا تكاد تثور حتى تغور، وإنما محبته محبة عقيدة، ويجب أن تكون متجسدة بالاقتداء به عليه أفضل الصلاة والسلام وترسم خطواته ومن شأن الإنسان أن يحب الاقتداء بالعظماء، وأي عظيم أعظم من النبي؟! ومن شأن الإنسان أن يُسارع في هوى من يحبه، وأي أحد أولى بالحب من النبي صلى الله عليه وسلم!، فلذلك كان حرياً بهذا الذي يحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يحرص على تجسيد هذا الحب في إحياء سُنّته وفي اتباع أوامره وفي الازدجار عن نواهيه على أن اتباعه الله ليس تجسيداً لحبه وحده وإنما هو تجسيد لحب الله تعالى أيضاً فإن الله تعالى يقول: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31]. ولكن مع هذا فالإنسان ليس خالياً من العاطفة ولما كان كذلك فقد يريد أن يُظهر هذا الحب، إلا أن هذا ينبغي أن يُؤطر في الإطار الشرعي، وذلك بأن يُحتفى بهذه المناسبة احتفاء بعيداً عن البدعة، فلا يكون في ذلك اختلاط بين النساء والرجال ولا شيء من مظاهر الإسراف والبذخ، ولا بد أن يكون هذا الاحتفاء بناءً بحيث يُترجم إلى عمل دعوي، يحرص المسلمون على استغلال هذه المناسبة في استثارة إخوانهم المسلمين من أجل اتباع سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم وإحياء ما اندرس منها وإبلاغ دعوته إلى الناس، وهذا لا يتم إلا (2/541)
صفحة 987
542
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
عندما تكون هذه الاحتفالات متجددة، ومعنى تجددها أن لا يقتصر الإنسان على تلاوة قصة النبي صلى الله عليه وسلم التي قد تكون كُتبت منذ مئات السنين فأكل الدهر منها وشرب حتى أصبحت تُمل من كثرة ما تردد على الأسماع، لأنه لا يمكن أن يُردد حديث على الأسماع باستمرار إلا ويُمل ما عدا قول الله تعالى، ومع هذا علينا أن نفرق بين كلام الله وكلام غيره، فكلام الله تلاوتنا له تلاوة تعبدية، فإن الأعجمي الذي لا يعرف من العربية شيئاً يتلو القرآن الكريم فيكتب الله تعالى له أجراً على تلاوته القرآن بخلاف ما يتلى من كلام الناس، فإن الذي يُتلى من كلام الناس إنما يتلى لأجل الاستفادة من فائدته لا من أجل التعبد وهكذا كلام النبي، فنحن المسلمين لا نقرأ حديث الرسول صلى الله عليه وسلم من أجل أن نتقرب إلى الله بقراءته كما نتقرب إلى الله بقراءة القرآن وإنما نتلوه ونتقرب إلى الله بتلاوته من أجل تفهمنا معناه ومن أجل محاولتنا لتطبيق مضمونه، ولئن كان هذا في كلام النبي صلى الله عليه وسلم فكيف بكلام غيره من الناس؟! ولئن كان الأمر كذلك فإنه من المفروض أن تُربط هذه المناسبة بالواقع، وذلك بأن يُكشف للناس كيف كان عِظَمُ هذا الحدث الأمة التاريخي وماذا ترتب عليه من خير عظيم للإنسانية وماذا يجب على المسلمة أن تصنع الآن وهي قد بعدت كثيراً عن هذا المصدر، فأصبحت تقلد الآخرين بدلاً من أن تتبع خطوات النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، وأصبحت تعتز بحذوها حذو غيره من الناس، ولربما كانت تعتز بأولئك الكفرة أكثر مما تعتز بارتباطها بالنبي عليه أفضل الصلاة والسلام، ومع ذلك تعالج قضايا العصر على ضوء هذه المناسبة، وبذلك تكون هذه المناسبة مناسبة بناءة ويكون الاحتفاء بذكرها سبباً لإزالة كثير من غبش
التصور عن كثير من الناس وسبباً لارتباط كثير من الناس بعقيدتهم وأخلاقهم نبيهم عليه أفضل الصلاة والسلام.
وسُنَّة وأوامر ربهم (2/542)
صفحة 988
فتاوى عامة
543
ما حكم الاحتفال بميلاد الأطفال بعد بلوغهم حولاً كاملاً من عمرهم بما يسمى بالحول حول؟
الأصل في الاحتفال بأعياد الميلاد ونحوها أنه من أمور النصارى، ولا يجوز للمسلم أن يطبق ما اعتاده المشركون كالنصارى أو اليهود أو غيرهم، بل على المسلم أن تكون له منهجية مستقلة، فإن كان هنالك تأثر بعادات النصارى فلا ريب أن ذلك لا يجوز، وإن كان هذا الأمر خارجاً عن عادات النصارى وبطريقة ليس فيها أي تقليد كإطفاء الشمع أو غيرها، وإنما هو مجرد توزيع. صدقة أجل شكر نعمة الله تبارك وتعالى ببقاء ذلك المولود قرة عين إلى مضي عام فنرجو أن لا يصل الأمر ـ مع توقي كل تقليد للأجانب ـ إلى حد الحرمة، ولكن ترك ذلك أولى حتى لا يفضي إلى شيء من التقليد، والله تعالى أعلم.
من
ما حكم الإسلام في حضور حفلات عيد الميلاد؟
عيد الميلاد من الأمور الدخيلة في الإسلام، والأصل أن تكون أيام الطفل كلها أعياد، وأن يفرح باستمرار، لا أن يفرح بمناسبة عيد الميلا فقط، كما أن كلمة عيد الميلاد كلمة دخيلة في الإسلام فإن في الإسلام عيدين لا ثالث لهما، اللهم إلا يوماً في الأسبوع يعد عيد للمسلمين، وهو يوم الجمعة والعيدان اللذان يحتفل بهما المسلمون هما عيد الفطر وعيد الأضحى، فقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم الأنصار أن يقتصروا بالاحتفال على هذين
اليومين وأن يتركوا ما كانوا يحتفلون به في أيام الجاهلية، والله أعلم. (2/543)
صفحة 989
544
مسائل طبية
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
فتاة تتعاطى نوعاً من العلاج يتسبب في تأخيرها لصلاة الفجر، فما
الحكم في ذلك؟
إن كان العلاج ضرورياً فذلك لا يُمنع لأنه ليس بيدها والعلاج لا بد منه، أما إن كانت تجد علاجاً آخر يغنيها فينبغي أن تأخذ منه ما يكفيها عن ذلك العلاج وذلك لأن المحافظة على الصلاة في أوقاتها واجبة إن كان الإنسان يملك القدرة على هذه المحافظة، أما إن نام ولم ينتبه من نومه إلا بعد مضي الوقت فهو متعبد بأن يصلي الصلاة متى انتبه من نومه، لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا تذكرها». والله أعلم.
رجل كان لديه جرح في ركبته وعندما صلى أخذ ذلك الجرح ينزف
أثناء الصلاة؟
إن كان هذا النزيف نزيفاً مستمراً أو لا يمكن أن يتوقف فما عليه من الصلاة على تلك الحالة، فالصحابة له كانوا يصلون وجروحهم تلعب دماً، ومن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من رمي بسهم في صلاته فاستمر في صلاته مع نزيفه لأنه لا يمكنه، وقفه والله تعالى المستعان (2/544)
صفحة 990
فتاوى عامة
545
شخص أُجريت له عملية جراحية في عينه فوجهه الطبيب إلى عدم التعرض للماء في وجهه أو في رأسه ونهاه عن حركتي الركوع والسجود، كيف يصلي هذا المريض الآن؟
إن الله تبارك وتعالى يسر ولم يُعسّر، وسهل ولم يُصعَب وَيُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، فدين الله تعالى دين يُسر، لذلك جعل الله تعالى التيمم بديلاً عن الوضوء وعن الغسل فيمن كان غير قادر عليهما، كما جعل الله الله الإيماء للركوع والسجود بديلاً عنهما في حق غير القادر عليهما، فكل شيء غير مقدور عليه يُعدل عنه إلى المقدور عليه، فالله تبارك وتعالى يقول: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَنَهَا} [الطلاق: 7]، لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، والله تعالى أعلم.
ما نوع المرض الذي يباح معه للصائم الفطر، هل هو المرض الشديد أم أي مرض بحكم عموم اللفظ؟
لا بد من مراعاة مقصد الشارع، فإن مقصد الشارع التخفيف والتيسير، فالله تعالى يقول: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: 185]، وهذه الآية عامة وقد جاءت في معرض الحديث عن أحكام الصيام، ومراعاة هذا المقصد تدلّنا أن بعض الأمراض لا تكون داعية للإفطار، بل قد يكون الصيام أنفع للمريض من الفطر، وهذا يتطلب أن يكون المريض صائماً لا أن يكون مفطراً، وبعض الأمراض لا يتكلف معها المريض أية مشقة، فلو أصيب الإنسان بقرحة في يده أو رجله ولم يکن بحاجة إلى استعمال الدواء في نهار رمضان فإن هذه القرحة لا تكون داعية إلى الإفطار، ولذلك ينبغي أن يُقال بأن المرض الذي يُسوغ (2/545)
صفحة 991
546
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
معه الفطر هو المرض الذي يتحمل المريض منه مشقة بسبب الصيام، سواء كانت هذه المشقة من حيث أنه لا يقوى على أن يتسحر مقدار ما يكفيه لصيامه في النهار، أو كان بحاجة إلى تكرار الغذاء في النهار، فإن بعض الأمراض لا بد من استعمال الغذاء معها في ساعات منتظمة لا سيما في حالة استعمال الأدوية عن طريق الفم، وكذلك إن كان الصيام
يؤدي إلى بطء البرء أو تعمق العلة أو زيادة المرض، أما إن كانت العلة بخلاف ذلك بحيث لا يكون الفطر، أنفع للمريض من الصيام فلا ريب أنه في هذه الحالة يستصحب الأصل الذي هو وجوب الصيام، والله
تعالى أعلم.
معه
إذا كانت عملية غسيل الكلى عن طريق الأوردة حيث يتم إدخال بيكربونات الصوديوم وبعض الأملاح ويضاف له أحياناً جلوكوز عن طريق الأوردة ومهمته تنقية الدم ثم إخراجه، هل هذه العملية تضر الصوم؟ وإذا أراد المسلم أن يصوم هل له ذلك؟
ويمرر
هذا
إن كان يتسرب شيء من ذلك إلى الجوف فإنه ناقض للصيام، وإلا فلا، ولكن نظراً إلى أن المريض بالكلى هو مريض من ناحية ثم هو بحاجة إلى العلاج من ناحية ثانية فنحن نختار له تفادياً لهذا الأمر أن يأخذ برخصة الله تعالى للمريض في ذلك اليوم الذي تجرى فيه هذه العملية، وأن يفطر ثم يقضي بعد ذلك يوماً مكان هذا اليوم.
مرضها؟
ما رأيكم في المرأة التي تضطر أن يكشف عليها الطبيب أثناء. إن لم توجد طبيبة وكان ذلك أمراً ضرورياً، فيباح لها أن يعالجها طبيب بشرط وجود ذي محرم منها أو زوجها عنده، والله أعلم. (2/546)
صفحة 992
فتاوى عامة
547
هل يجوز للمرأة أن تكشف عن عورتها في حالة العلاج إذا كانت الطبيبة غير مسلمة، ولم يكن هناك طبيبة متخصصة في هذا المجال؟ إن كان العلاج ضرورياً فلا مانع، إذ يجوز في حال الاضطرار ما لا يجوز في حال الاختيار، والله أعلم.
هل من الجائز أن يقوم رجل طبيب مسلم أو غير مسلم بعمليات
جراحية للنساء إذا تعذر وجود طبيبات يقمن بهذه العملية؟
يباح في الاضطرار ما لا يباح في الاختيار، فإن أمكن أن يتفادى ذلك بحيث يكون العلاج بغير العملية عندما تكون العملية غير ضرورية فإنه يجب أن يقتصر على العلاج الآخر إن لم توجد الطبيبة التي تقوم بهذا العلاج، وإن كانت العملية ضرورية وأمكن أن تقوم بها امرأة فلا يجوز للمرأة أن تتطبب عند رجل، وإن كانت العملية ضرورية ولم توجد امرأة تقوم بها فيباح أن يجري هذه العملية رجل لهذه المرأة، وفي هذه الحالة يؤمر أن يكون معها ذو محرم اللهم إلا إن تعذر ذلك، فإن الأمور ينظر فيها بقدر ظروفها وملابساتها، ويباح في حال الاضطرار ما لا يباح في حال الاختيار كما تقدم، والله تعالى أعلم.
ما حكم عمليات التجميل التي يندفع الناس إليها بسبب التشوه الخلقي؟ عمليات التجميل تختلف بين عملية، وأخرى فإن كانت عمليات التجميل تبديلاً لخلق الله بحيث يُغير الإنسان ما فطره الله تعالى عليه فهذا غير جائز فإنه من وحي الشيطان الذي قال فيما ذكره من قصده في إغواء هذا الإنسان {وَلَاَمُرَتَهُمْ فَلَيُغَيّرنَ خَلْقَ اللَّهِ} [النساء: 119]، فتبديل خلق الله أمر غير مستساغ قطعاً، أما إن كانت لأجل إزالة تشوه وقع للإنسان وهو (2/547)
صفحة 993
548
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
يؤدي به إلى الضرر سواء كان هذا الضرر جسدياً أو نفسياً بحيث يشعر دائماً كأنه أمام الناس مزدرى ومحتقر وينعكس أثر ذلك على نفسه، فلا مانع من إزالة التشوهات فحسب من غير تبديل لخلق الله، والله تعالى أعلم.
سماحة الشيخ ما حكم إجراء العمليات الجراحية التجميلية كتقويم
الأنف أو تقويم الأسنان لإضفاء مظهر جميل على صاحبه؟
ما كان تغييراً لخلق الله فهو غير جائز، أما إذا كان الإنسان مصاباً بآفة أدت به إلى شيء من التغيير في طبيعة أنفه أو طبيعة أسنانه أو أصيب بحادث أدى به إلى ذلك فلا مانع من ذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أباح لعرفجة أن يصنع الفضة. فلما نتنت أباح له أن يصنع أنفاً من الذهب، والله أعلم.
آنفاً
من
هل في تركيب أسنان صناعية فوق الأسنان الأصلية محذور؟ لا مانع من ذلك، فالنبي عليه أفضل الصلاة والسلام أباح لعرفجة عندما قطعت أنفه أن يصنع أنفاً من من فضة ولما نتنت أنفه من الفضة أباح له أن
يصنع
أنفاً
من الذهب، والله أعلم.
ما حكم عملية زرع الأسنان؟
إن كان ذلك لا يترتب عليه شيء من المضرة فهو مما يباح وإلا فالمضرة
مدفوعة، والله أعلم.
ما حكم زراعة الأسنان زرعاً لا تركيباً على كافة أنواعها، وإذا مات الإنسان وهي في فيه كيف يفعل بها، سواء أكانت مزروعة أم مركبة؟ لا مانع من زرعها إن تأتى ذلك، فإن أمكن نزعها بعد موته نزعت وإلا دفنت معه، والله أعلم. (2/548)
صفحة 994
فتاوى عامة
549
هل يجوز تقريب الأسنان المتفرقة إذا كان منظرها مشوهاً؟
إن لم يكن ذلك يتوقف على خلعها ولا يؤدي إلى تبديل خلق الله فلا مانع
منه، والله أعلم.
ما حكم تقويم الأسنان المتباعدة، وهل يفرق بين ذكر وأنثى في هذا الأمر؟ لا يُفرق بين ذكر وأنثى في هذا الأمر، فإن كان هذا التقويم لا يؤثر تغييراً في خلق الله ولا يسبب شيئاً مما يحذر منه الشرع الشريف فلا مانع منه، أما إذا كان شيئاً يسبب ذلك فهو ممنوع، والله أعلم.
من
امرأة لديها طفلة في وجهها شامة إذا أزالت تلك الشامة أحدثت أثراً في وجهها هل يعد ذلك إجراماً في حقها أو تشويهاً لوجهها من غير إذنها، وهل تعتبر تلك الشامة نعمة من الله فتبقى كما هي؟ أما إذا كانت شامة لا تضر فلتدعها كما هي، وإن كانت تؤدي إلى ضرر بها أو تشوهها فلتستشر الأطباء في إزالتها بطريقة لا تؤدي إلى الإضرار بها، والله أعلم.
ما حكم الإسلام في تحويل الجنس؟
خلق الله الجنس البشري كسائر أجناس الأحياء منقسماً إلى نوعين حتى يتم التكامل بينهما، وخص كل نوع بخصائص ومزايا أظهرها ما يكون في الأعضاء التناسلية من فروق بين الذكر والأنثى، وقد تختلط هذه الخصائص فيؤدي اختلاطها إلى الشذوذ عن كلا النوعين وهذا الذي يحصل في الخنثى الذي يجمع بين العضو الذكري والأنثوي، وقد أطال الفقهاء في أحكامه الخاصة بميراثه وعبادته وغير ذلك من الأحوال، وللفرضيين
شرح (2/549)
صفحة 995
550
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
عناية بالغة به فلا يكاد كتاب مما ألف في الفرائض يخلو من باب خاص بأحكامه، وإذا كانت الخنوثة المعروفة عند غالب الناس هي اجتماع العضوين فإن هنالك أحوالاً أبعد من الشذوذ منها أن يولد الإنسان أنثى ظاهر الأمر فيه كل ما في الأنثى من علامات عضوية وخصائص نفسية ثم لا يلبث أن تنحسر أنوثته وتتكشف عن الذكورة التامة عند المراهقة أو البلوغ أو بعد ذلك بأمد قد يكون قصيراً أو طويلاً وهذا يعني أن الذكورة كانت كامنة وراء الأنوثة الشكلية الظاهرة فلا تبث أن يجليها النمو الجسدي الذي يصحبه التطور النفسي، وقد يكون عكس ذلك وهو أن يولد المولود ذكراً ثم تنكشف أنوثته بنفس الطريقة والسر في ذلك حسب ما يبدو أن الفطرة الحقيقية كانت مغشاة بالملامح والعلامات الشكلية الظاهرة إلى أن يأذن الله بانجلائها، وقد تناول هذا الموضوع بالبحث أحد الفقهاء المعاصرين وهو أستاذنا العلامة الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي الميزابي فيما كتبه تعليقاً على متن النيل في طبعته الثانية وذلك في تعليقه الطويل الذي تحدث فيه عن الخنثى، ومما جاء فيه: «أما تحول الأنثى إلى ذكر والذكر إلى الأنثى فقد انتقل علم ذلك - بفضل تقدم التشريح ـ من دور الخيال والأقاصيص إلى دور الحقيقة والواقع الملموس، وفيما سيرد عليك الخبر اليقين، ودونك ما قرره علم الفسيولوجية في هذا الموضوع: الخنوثة البشرية هي اجتماع الجنسين في شخص واحد وهي: نادرة جداً في الجنس البشري، وهذا الاتحاد لا يكون إلا ظاهرياً، لأن الخنوثة البشرية بناءً على ما أظهره البحث التشريحي دائماً ما إلا نقص أو شواذ في تكوين لا تشاهد تامة على الإطلاق إلا في العالم النباتي أو
هي
الأعضاء التناسلية وهي الحيوانات الدنية، ولقد أحدثت الخنوثة الظاهرة في الجنس البشري الناشئة عن شواذ الأعضاء التناسلية جملة تغيرات في سجلات المواليد، مواليد (2/550)
صفحة 996
فتاوى عامة
551
منهم
من
كان
سجلت أسماؤها بكونها من جنس الإناث صارت فيما بعد ذكوراً، وخلافها كان يظن بأنها من جنس الذكور انقلبت دفعة إلى إناث في سن البلوغ، ولم تكن الخناث المتعددة التي عرضوها في المدن الكبرى يشاهدها الناس، وهي بين سن السادسة عشرة والخامسة والعشرين سوى نساء أو رجال شوهت أعضاء تناسلها، ولها الشبه بجنسين متحدين، ذلك أن لهم في وسط الصفن الخالي من الخصيتين فلق مستطيل على شاكلة الفرج وغور في العجان يدعو إلى الظن بوجود مهبل، والبعض من كان لهن بظر هائل شبيه بالقضيب يصحبه انتصاب، شديد و تتدلى بشكل شبيه بالخصيتين تحت الفلق الفرجي الثنية الغشائية التي يتكون منها الشفران الصغيران، وبناءً على ذلك قسم البحث التشريحي خناث الجنس البشري إلى ذكور وإناث، أما خناث الإناث أو النساء ذوات البظر الطويل فإنهن يمتلكن بوجه عام الثديين والرحم والمبيضين القليلي النمو، وتكون عانتهن منبسطة، وجهازهن الصفراوي وافراً، والشعر نابتاً فوق شفتهن العليا، وصوتهن جهورياً، وتختص جميع ملامحهن بملامح المرأة المترجلة، ولا يشعرن بأدنى ميل للرجال، بل يطلبن ـ بعكس ذلك - بنات جنسهن ليأتين معهن مباشرات كالذكور فضلاً عن كونهن عقيمات على التقريب دائماً، أما الخناث الذكور أو الرجال المشوهو أعضاء التناسل أولئك الذين استمرت خصياتهم في معدتهم ولم تسقطا فتكون فيهم جملة علامات شبيهة بالنساء أنهم يمتلكون شبه فرج وشبه مهبل، وتكون من ثم ملامحهم مستديرة وصوتهم رفيعاً، وشعر ذقنهم قليلاً، وليس للحب عندهم. تأثير بل يستمرون ذابلين عنينين إلى أن تدفع الطبيعة بما لها من القوة خصيتهم خارج معدتهم بعد أن كانتا مختفيتين فيها، وإذ ذاك يصيرون رجالاً، وإليك بعض محسوسة وقعت تزيدنا علماً بالنظرية وإقناعاً:
وهي
أمثلة (2/551)
صفحة 997
552
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
أ ـ كانت بنت من الداخليات في كلية البنات بالقاهرة، وكانت تمتنع من الاستحمام أمام زميلاتها حتى شكونها إلى الرئيسة، فلما بلغت الستة عشرة أخذ ينبت لها زعب في شفتها العليا، الأمر الذي جعل الرئيسة تهتم بأمرها فارتها إلى الدكتور هيس فأجابها بأنها ذكر، وقد عمل لها عملية جراحية ظهرت بها أعضاؤها التناسلية الذكرية بأكملها وأطلقوا عليها اسم إبراهيم.
ب ـ وأن رجلاً ناهز من العمر 68 سنة دخل المستشفى على أثر نزلة خطرة أصابته فتوفي بعد أربع وعشرين ساعة، وعند تشريح جثته وجد الجراحان فيه قضيباً واضحاً ولكن مركزه مرتفع جداً تحقق أنه بظر كبير جداً، وبدون صماخ وتحته فلق فرجي ضيق وفيه الصماخ البولي، ويذهب هذا الفرج إلى رحم بكر له جسم وعنق كامل التكوين يتصل به، بوقان وله مبيضان بكران ليس للبويضات والحيض أثر فيهما، وعلى ذلك عوض من أن يكون رجلاً كان امرأة بذقن بدون ثديين وبظر كبير الحجم، جرت هذه الحادثة في مستشفى لودي غرّة أغسطس 1878 م.
هذا ما أردنا نقله من بحث أستاذنا الكبير الذي أبرز فيه حقائق قد تكون غامضة عن كثير من الناس، وقد أحال في خاتمة بحثه من أراد مزيد الاطلاع على مثل هذا كتاب تاريخ الإنسان «الطبيعي لإلياس غضبان، واختتمه بقوله: «وسبحان من لا تزال أسرار خليقته تبهر الباحثين». ا. هـ.
هذا وإذا ما حدث مثل ذلك وتجلت الطبيعة على حقيقتها بعد خفائها بحيث لم يعد ليس في الأمر، فالواجب حسبما أرى وجوب مراعاة ما الأحكام، فمن تبينت ذكورته أعطي أحكامها، وكذا انكشف في جميع العكس، وذلك بخلاف ما إذا كان التحول غير طبيعي، كالذي حدث فيمن أطلق عليهم لقب الجنس الثالث فإنه تحول قسري شكلي هو ناتج عن (2/552)
صفحة 998
فتاوى عامة
553
انحراف التربية وفساد البيئة وشذوذ الفطرة وما يتبع ذلك من التردي في مهاوي الرذيلة، والتلبس بمساوئ الأخلاق، وذلك ممقوت عند الله وعند الخلق، إذ يؤثر ذلك تحولاً في الحكم الشرعي الذي كان لهؤلاء الشواذ قبل شذوذهم، نسأل الله تعالى العافية في الدنيا والآخرة، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
امرأة توجد بها هرمونات ذكرية بجانب الهرمونات الأنثوية بمعنى أنها خنثى هل يصح لها أن تغير جنسها من امرأة إلى رجل؟ وإذا كان ذلك لا يجوز لها فهل يحلّ لها أن تحتك مع باقي النساء مع العلم بأنها توجد بها أعضاء ذكرية؟ الخنثى المُشكل يكون بين الرجل والمرأة، ولذلك يتجنب الرجال ويتجنب النساء، فالخنثى مأمورة بأن تتجنب الرجال والنساء، والعبرة في ذلك بالمبال هل يخرج البول من العضو الذكري أو العضو الأنثوي، وإذا كان الأطباء يقررون بأن جانب الذكورة هو الغالب فلا مانع في مثل هذه الحالة من تغليب هرمونات الذكورة على هرمونات الأنوثة، ولا مانع من إجراء عملية من أجل الانتقال إلى الطبيعة الخالصة بدلاً من التذبذب بين الطبيعتين، والله أعلم.
ما حكم الإسلام في نقل ما يسمى بالحيوان المنوي من الرجل والبويضة من المرأة وتلقيحها خارج الرحم، ثم إعادتها بعد فترة إلى رحم المرأة؟ هذه الطريقة تسمى بالتلقيح الصناعي وأحياناً تسمى طريقة أطفال الأنابيب، وقد طرحت هذه القضية في إحدى دورات مجمع الفقه الإسلامي، وكانت هنالك مناقشة فيما يراه أهل العلم من حكم في هذه القضية المستجدة، فبعض أهل العلم رخصوا بشروط وقيود، منها أن يكون ذلك في
حالة (2/553)
صفحة 999
554
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
الاضطرار، ومنها: أن يكون ذلك على أيدي الأمناء لئلا تكون هنالك خيانة في استغلال الحيوانات المنوية المتبقية، ومنها: إتلاف الحيوانات المنوية غير تلك التي لقح بها البويضة لئلا تستغل في طرق غير مأمونة، إلى غير ذلك وفريق من العلماء شددوا في ذلك، وقالوا بعدم جواز ذلك، وفريق آخر توقف، وقد طرحت سؤالاً على الأطباء الحاضرين هل من المأمون أن ينشأ هذا الطفل الذي يتكون بطريقة التلقيح الصناعي أو بطريقة أطفال الأنابيب نشأة طبيعية بحيث لا يكون شاذاً في أفكاره ولا في سلوكه بتأثير تكوينه هذا؟ فأجابوا بأن عمر طفل الأنابيب في ذلك الوقت لم يتجاوز خمس سنوات ولا يمكن الحكم عليه إلا بعد أن يصل إلى مرحلة المراهقة والبلوغ، عندئذ من الممكن ضبط سلوكياته والنظر في تصرفاته، وكان مما ذكرته لهم بأن الله تبارك وتعالى خلق الإنسان كما خلق غيره من الكائنات بلقاء الذكر والأنثى، وهذا اللقاء جعل الله يا الله فيه مودة ورحمة تلتقي مشاعر الزوجين في هذا وتنسجم انسجاماً ليس بعده انسجام إذ لا يوجد انسجام بين الزوجين كلحظة اللقاء الجنسي، الذي يتولد عنه الجنين المتكون، وهذه المشاعر والأحاسيس التي تكون بين الزوجين تنعكس على الطفل الذي يتكون منهما، فإن الله الله جعل الإنسان جسماً وروحاً، والروح فيها مشاعر وأحاسيس، فمما يبدو أن الطفل الذي يتكون بطريقة غير الطريقة الطبيعية ينشأ طفلاً شاذاً، وقد أخبرت فيما بعد أن هؤلاء الذين تكونوا بهذه الطريقة منهم من أخذ يُلقي ثيابه، ومنهم من كان حاقداً حتى على الأطباء الذين كانوا السبب في تكوينه بهذه الطريقة الشاذة، لأنهم وجدوا أنفسهم شاذين وكانوا يبحثوا عن هؤلاء الأطباء لينتقموا منهم، فهذا دليل على أن هؤلاء ينشأون نشأة غير طبيعية، وبما أن الأمر كذلك، فدفع الضرر مقدم على جلب النفع، ودفع المفسدة مقدمة على جلب المصلحة، والله تعالى أعلم.
اللقاء (2/554)
صفحة 1000
فتاوى عامة
555
ما حكم الدين في طفل الأنابيب هل هو شرعي؟
الذي يسمى بطفل الأنابيب وما هو بطفل الأنابيب لأن الأنابيب ليس لها طفل، أثيرت قضيته في مجمع الفقه الإسلامي بجدة، وكان هناك أخذ ورد، فبعض العلماء رأوا حرمة طريقة طفل الأنابيب، وبعضهم قالوا بالإباحة بقيود، وفريق توقف، هذا وطريقة توليد طفل الأنابيب غير طبيعية والنجاح غير مضمون، لأن جماعة من الأطباء حضروا هذا المجمع وقالوا: إن النجاح غالباً إنما هو بنسبة ما بين 10? إلى 15? بينما 90? إلى 85? تكون العملية فاشلة، ثم إن طفل الأنابيب يتوصل إلى تلقيحه بطريقة تخالف الطريقة الشرعية التي فرضها الله تعالى، والإسلام أمر بصون العورات، فليس للرجل أن يبدي عورته إلا مع امرأته في غير حالة الضرورة، وليس للمرأة أن تكشف عورتها إلا لزوجها، وفي عملية طفل الأنابيب الطبيب ويخرج الحيوان المنوي من الرجل ثم يخرج البويضة من امرأة هذا الرجل بطريقة غير طبيعية ثم يتم التلقيح في هذه الأنبوبة، وبعد ذلك يقذف بهذا اللقاح داخل فرج المرأة ثم رحمها. ولا بد للطبيب من أن يكشف على فرج المرأة، وبجانب هذه المحاذير سألت الأطباء عن مستقبل هذا الطفل هل هذا الطفل للذي تم لقاحه بهذه الطريقة عندما يكبر تكون قواه العقلية والفكرية طبيعية أم لا، فأجابني الأطباء بأنهم إلى الآن لا يملكون الإجابة عن هذا، لأن عمرها خمس سنوات، ولا يمكن الإجابة على الغيب، ولا يبعد أن يكون مستقبلة العقلي والفكري غير طبيعي وهذا هو الأصل، لأن الله جعل لكل شيء حكمة، فهذه المرأة التي تتلقى اللقاح وهي في غمرة الشهوة وفي منتهى اللذة في حال مباشرة الرجل لها وتلاحم نفسيهما حتى تكون كالنفس الواحدة في حالة اتحاد مشاعرهما
يجيء (2/555)
صفحة 1001
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
واشتراكهما جميعاً في اللذة، تفقد ذلك عندما تتلقى هذه الكائن بهذه الطريقة الصناعية. إذ لا تتلقاه وهي مشتهية راغبة وإنما تتلقاه وقد تكون تتألم عندما يقذف ذلك اللقاح بواسطة هذه الأنبوبة في رحمها، فهناك فارق ما بين هذه الحالة وتلك الحالة، ولا ريب أن لهذه المشاعر المتحدة ما بين الرجل والمرأة في حال اللقاح الطبيعي تأثيراً في مستقبل هذا الطفل العقلي والفكري، ونحن نشاهد الأشياء التي تولد بغير الطريقة الطبيعية تختلف عن الأشياء التي تولد بالطبيعة وبالفطرة، فهذا الدجاج الذي يولد بغير الطريقة الطبيعية ليس هو كالدجاج المتولد لطبيعته في لذته ولا في حجمه ولا في حالته ولا في ما يعطيه الجسم من الغذاء بل لعل ضرره أكثر من نفعه، وكذلك الفاكهة غير الطبيعية والتي تولد بالطريقة الصناعية، وعلى هذا فالإنسان الذي يولد بغير الطريقة الطبيعية أقرب إلى الظن أن يكون أيضاً غير طبيعي في المستقبل، هذا الذي يتبين لي، فلأجل ذلك قلت الأقرب أن نتوقف عن القول بإباحة التلقيح عن طريق الأنبوبة، والله أعلم.
وفي إجابة أخرى قال سماحته من العلماء من أباح ذلك بقيود، وهي: أن يكون ذلك بين الزوجين وحدهما وأن تتلف الحيوانات المنوية التي تبقى حتى لا تستغل في الفساد وفي الخلط بين الأنساب، ومنها: أن يكون ذلك على أيدي أطباء أمناء لا على يد طبيب غير مأمون في دينه وفي معاملاته، على أن يكون ذلك في حالة الضرورة القصوى، ونحن لا نمانع من أن يحاول الإنسان بطريقة أو بأخرى أن يتوصل إلى نعمة الله تبارك وتعالى التي أنعمها عليه إلا أنه مع ذلك نرى التوقي بقدر المستطاع من كل الأسباب التي تؤدي إلى المفسدة، وإن ترخص مترخص فأخذ برأي
جميع الضوابط والتقيد بجميع الشروط فنرجو ألا
المجوزين مع مراعاة. يضيق عليه، والله تعالى أعلم. (2/556)
صفحة 1002
فتاوى عامة
557
ما حكم إنجاب المرأة من زوجها المتوفى عن طريق التلقيح الصناعي
من حيوانات منوية محفوظة في مراكز المني أو التلقيح الصناعي؟ الإنجاب الفطري الذي أباحته شريعة الله تعالى الغراء هو ما يكون بين زوجين مترابطين برباط الزواج المقدس الذي لم ينحل، ولا ريب أن هذه الرابطة تنحل بينهما بمجرد موت أحدهما، أو بما يقتضي حلها بينهما في الحياة من طلاق أو غيره، وعليه فحمل المرأة من زوجها المتوفى بعد وفاته من منيه المحفوظ لدى المصحات المختصة يعد من ضروب الزنا، ولا يكون الحمل شرعياً فلا يلحق المولود به نسباً، والله أعلم.
هل يجوز شرعاً اختيار جنس الجنين فالآن هناك بحوث مكثفة تجرى من أجل أن يتحكم الأب والأم في جنس الجنين فيختارونه تارة ذكراً ويختارونه تارة أنثى، وهذه البحوث وإن لم تظهر على الساحة بشكل واسع إلا أنها بدت تخطو خطواتها الأولى واقعاً، فهل يجوز ذلك شرعاً؟
اقتضت حكمة الله تبارك وتعالى أن يكون الجنس البشري كسائر الأجناس الحية الأخرى منقسماً إلى نوعين الذكر والأنثى ليتم بينهما التكامل. كما اقتضت حكمته تعالى أن يتفاوت الناس فيما يوهبون من هذين النوعين منهم من يوهب، الذكور، ومنهم من يوهب، الإناث، ومنهم من يوهب من كلا الجنسين، ومنهم من يحرمهما جميعاً، يقول تعالى: {يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكَرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ [الشورى: 49، 50]، هذه هي إرادة الخالق وهذه هي والإنسان مهما أوتي من طاقات العقل وملكات التفكير إلا أن عقله يرتد خاسئاً ذليلاً أمام جبروت العزة الإلهية وأمام حكمة الله تبارك وتعالى البالغة
حكمته، (2/557)
صفحة 1003
558
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
التي تعجز عقول البشر أن تكتنهها كما هي، فلذلك ما على الإنسان إلا أن يسلم تسليماً، والله الله هو العليم بضرورات الحياة وبمتطلباتها، وقد اقتضت حكمته هذا التنويع، فلذلك نرى خطورة بالغة أن يطلق للإنسان العنان في الاختيار والتحكم في أمر النسل لأن ذلك يتصادم مع الحكمة الربانية، فقد يوجد أناس فيهم الحمية الجاهلية، ولا ينظرون إلى الأنثى إلا نظرة احتقار وازدراء، هؤلاء قد تسوّل لهم أنفسهم أن يتحكموا في أجنتهم فلا يريدون إلا أن يولد لهم ذكور، وقد يكون هنالك اتجاه آخر لا يريدون إلا الإناث، وهذا يؤدي إلى خطر بالغ، ومن طرق الإسلام في معالجة القضايا سد ذرائع الفساد، وبناءً على ذلك نرى أن هذه ذريعة إلى أمر قد يكون فيه الكثير من الفساد يجب أن تسد هذه الذريعة، كما أنه قد يؤدي إلى التغلغل في البحوث المتعلقة بهذا الجانب إلى أن يحصل ما حصل فعلاً مما يسمى بالاستنساخ، وألا يقف ذلك عند حدود الحيوانات بل تتناول التجربة الإنسان، وفي المساس بالكرامة الإنسانية ما هو معلوم لكل ذي عقل، فيجب أن يوقف هذا الأمر عند حده وألا نعترض على حكمة الله سبحانه وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ويختار مَا كَانَ هُمُ الْخِيَرَةُ} [القصص: 468، والله تعالى المستعان.
فلذلك
هذا
من
هل يجوز كشف هوية الجنين إذا كان ذكراً أو أنثى من أجل الميراث؟ الجنين ما دام في عالم الغيب لا تترتب عليه أحكام ولو كشف وعرف أنه ذكر أو أنثى من خلال الوسائل الحديثة، ولا يعطى الأحكام التي يعطاها من انتقل إلى عالم الشهادة، فلا يستحق الإرث بمجرد كونه جنيناً في رحم حتى يخرج حياً إلى هذا الوجود فعندئذ يحكم بتوريثه أما لو مات وهو جنين فإنه لا يورث ولو ثبتت حياته من قبل موته لأنه لم ينتقل إلى عالم الشهود، فلا داعي إلى مثل هذه التصرفات، والله أعلم.
أُمه (2/558)
صفحة 1004
فتاوى عامة
559
هناك أمور تعارف عليها بعض الناس يستطيعون من خلالها كما يقولون أن يتحكموا في جنس الجنين، ولا يستخدمون شيئاً من الأجهزة أو من العقاقير وإنما هي عملية توقيت فمثلاً عند انتهاء الطمث وبدء تكون البويضة يبدأ الجماع مثلاً في تلك اللحظة حتى يأتي المولود ذكراً،
وهلم جرا مثل هذه الأشياء هل تدخل ضمن هذا الحكم؟
أما قصد أن يكون الجنين ذكراً فقط، وأن لا يكون هنالك تقبل للأنثى فهذا شيء حرمه الله تبارك وتعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًا
رووو
وَهُوَ كَظِيمٌ. ينورى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيْمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [النحل: 59،58]، فيجب أن يتقبل الإنسان الأنثى كما يتقبل الذكر، فالله تعالى امتن بالأنثى قبل أن يمتن بالذكر عندما قال: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن
يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرُ [الشورى: 49، 50]، وهذا مما يدلُّ على أن حكمة الله تعالى في هذا بالغة فلا داعي إلى أن يتصرف الإنسان من تلقاء نفسه وبحسب هواه بطريقة تؤدي إلى التصادم مع الحكمة الربانية، والله أعلم.
هل يجوز استخدام هذا العلم الذي قرره العلم الحديث في اختيار جنس الجنين فيما إذا كان مرض معين يصيب أحدهما، فمثلاً لو كان الجنين ذكراً فإنه يصاب بمرض وراثي إذا ما ولد فيختارون الأنثى خشية وقوع هذا المرض؟ ومن الذي يستطيع أن يحدد بأن الذكر هو الذي يصاب بهذا المرض دون الأنثى، هل هناك قدرة على هذا التحديد هذه أمور لا بد من استقرائها من الجوانب، وإعطاء الحكم فيها يتوقف على تصورها تمام التصور فإن
جميع (2/559)
صفحة 1005
560
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
الحكم على الشيء فرع تصوره والاستقراء مطلب شرعي من أجل إعطاء الأحكام الشرعية، فإن الإنسان إن لم يستقراء الأحداث لا يستطيع أن يحكم عليها، والله أعلم.
هل تجوز المباعدة بين الولادات بالطرق العصرية، وليس بمنع دائم وذلك لتسهل تربية الأطفال والعناية بهم والإنفاق عليهم، فبعض الناس معاشهم ثمانون ريالاً، فكيف تكفي زوجاً وزوجة وإثنى عشر ولداً وبنتاً، ولديهم غرفة واحدة وقد نادى الإسلام بالتفرقة في المضاجع؟ أما إذا كانت بسبب الفقر فلا، لأن الله تبارك وتعالى قال: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [الأنعام: 151]، وقال تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} [الإسراء: 31]، وأما إذا كانت المرأة تتحمل صعوبة، فلها ذلك من أجل الضرورة، على أن تكون الوسائل الواقية من الحمل لا تضر بصحة المرأة، إذ لا يدفع الشيء المضر بما هو أضر منه، والله أعلم.
امرأة تتناول حبوب منع الحمل وذلك لأنها في كل مرة تلد بعملية قيصرية حيث إنها أنجبت ثلاث مرات بثلاث عمليات، فما الحكم في
ذلك؟
إن كانت مضطرة إلى ذلك فنعم والضرورة تقدر بقدرها، والله أعلم.
ما حكم المباعدة بين الولادات؟ وما هو ضرر استعمال الوسائل المانعة
للحمل؟ المباعدة بين الولادات لا يصار إليها إلا مع الضرورة التي لا مناص منها، أما إن كان ذلك بالوسائل الطبيعية أي بالرضاع فلا مانع، لأن استعمال (2/560)
صفحة 1006
فتاوى عامة
561
الأدوية المانعة للحمل كثيراً ما يؤدي إلى الإضرار بالجسم، وهذا أمر واضح حتى أن العادة الشهرية لا تنتظم عند المرأة، ونحن كثيراً ما نتلقى من النساء يشكين فيها من عدم انتظام العادة، وهذا راجع إلى استعمال هذه الأدوية، وبعض الأدوية يصل ضررها إلى أن تكون سبباً
سيلاً
من
الأسئلة
والعياذ بالله - إلى سرطان الرحم والله المستعان.
ما رأي الإسلام في المباعدة أكثر من سنتين؟
عن
أولاً نريد أن نصحح التعبير، فإن الإسلام لا يسأل عن رأي وإنما يسأل حکمه، إذ الإسلام ليس هو من عند البشر، بينما الرأي هو رأي البشر، أما الإسلام فهو من عند الله، ولذلك لا يقال ما رأي الإسلام وإنما يقال ما حكم الإسلام، وأما بالنسبة للمباعدة ما بين الولادات فهي لا يصار إليها إلا الضرورة التي لا ميحص عنها، أما مع عدم الضرورة فهي غير سائغة، والله أعلم.
مع
امرأة لديها عشرة أطفال أو أكثر تريد أن توقف النسل بدعوى أن لديها ما يكفيها من الأولاد فما حكم ذلك؟ أما إن لم تكن هنالك ضرورة تدفعها إلى هذا فلا يجوز ذلك، لأن استمرار النسل وكثرته من مطالب الإسلام، ومن الحكم البالغة التي تتعلق بالزواج الشرعي، فهو ثمرة، له والله تبارك وتعالى جعل للوالدين أجراً في أعمال أولادهما عندما يكون الأولاد صالحين، فصلاحهم ينعكس أثره على آبائهم وأمهاتهم عندما يدعون لهم بعد مماتهم، فلذلك كان من ابتهال الصالحين الذين وصفهم الله تبارك وتعالى بأنهم عباد الرحمن أنهم يقولون في دعائهم: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّدِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74]، فلذلك ينبغي للإنسان ألا (2/561)
صفحة 1007
562
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
يقطع النسل إلا لضرورة لا محيص عنها، لأن هذا مما ينافي ما شرع لأجله الزواج، والله تعالى أعلم.
في بعض الأحيان تأتي حالات طارئة وتكون فيها المرأة في شهرها التاسع فيؤتى بها وهي على وشك الموت هل يصح أن يخرج الجنين من بطنها لضمان حياته؟ اختلف أهل العلم فيما إذا ماتت الأم والجنين لا يزال حياً يتحرك، هل تعمل عملية قيصرية لإخراج الجنين أو لا؟ والخلاف موجود منذ القرون الأولى، فمنهم من قال بأن الجنين هو في عالم الغيب، ولسنا مسؤولين عمن كان في عالم الغيب وإنما علينا بعالم الشهادة، فينبغي أن تترك المرأة حيناً بعد حين حتى تتوقف حركة الجنين وعندئذٍ تُدفن، ومنهم من قال: بل تدخل امرأة يدها إلى رحم تلك الحامل لتُخرج الجنين، ومنهم من قال: تُجرى لها عملية قيصرية، وهذا القول هو الذي نأخذ به ونعتمد عليه، ذلك لأن إنقاذ الجنين هو إنقاذ لنفس بشرية، والله تبارك وتعالى يقول: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَ تَهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} [المائدة: 32] ومعنى أحياها أنقذها من الهلكة، ومن ضمن الإنقاذ من الهلكة أن يسعى الإنسان إلى إخراج الجنين من الرحم ولو بطريقة العملية القيصرية، على أن كبرى المفسدتين تُدرأ بالصغرى، ومن المعلوم أن شق البطن هو أهون بكثير من موت نفس نفخ الله تبارك وتعالى فيها الروح وجعل فيها الحياة، ومن المعلوم أيضاً بأن الأم نفسها لو كانت تملك من الأمر شيئاً وخيرت بعدما ماتت وكانت تملك الخيار لاختارت أن يشق بطنها من أجل إخراج جنينها (2/562)
صفحة 1008
فتاوى عامة
563
حتى ينعم بالحياة، ولو تعلم ذلك في حياتها وخيّرت لاختارت أن يشق بطنها ويُخرج مولودها إذا ماتت لأجل هذه الاعتبارات كلها رأينا الأخذ بهذا الرأي، أما القول بأن امرأة تدخل يدها إلى رحمها لاستخراج الجنين فهذه طريقة لا نراها، لأنها مظنة لإهلاك الجنين بدلاً من أن تكون وسيلة من أجل إحيائه، وإن كانت حية ويمكن إجراء عملية قيصرية من أجل إنقاذ الجنين قبل أن تموت فذلك خير، والله تعالى الموفق.
بعض النساء أثناء الولادة يضطر الطبيب أن يجري لهن عملية قيصرية فإذا وصل عدد العمليات أربع عمليات يضطر الطبيب إلى وقف النسل، هل يصوغ هذا شرعاً؟ الضرورة تقدر بقدرها، ومن المعلوم أن المحافظة على النسل من مقاصد الشريعة الإسلامية، فإن الشريعة الإسلامية تدور حول خمسة مقاصد كما نص على ذلك الأصوليون والفقهاء، وهي المحافظة على الدين والمحافظة على النفس والمحافظة على العقل والمحافظة على النسل والمحافظة على المال وكل ما يضر بالدين أو العقل أو النفس أو النسل أو المال محرم في شريعة الله كما هو معلوم في علم المقاصد الذي صار من بعد علماً مستقلاً منذ بدأ الأصوليون يفردونه بالمؤلفات، وبناءً على ذلك فإن أي عمل يؤثر على هذه الحكمة البالغة ـ وهي المحافظة على النسل ـ معدود من الأعمال غير الجائزة، اللهم إلا عندما تكون هنالك ضرورة ولا يمكن تفادي المحظور بأي وسيلة أخرى من الوسائل الواقية فهنا يكون اللجوء إلى الممنوع من المباح ونحن عرفنا من الأطباء أن عمليات التعقيم أو ما يسمى الربط أو نحوه مما يؤدي إلى أن تكون صحة المرأة متدهورة، لأن ذلك مما يُعاكس جريان العادة
الشهرية وانضباطها وهو مما يؤثر على صحة المرأة والله تعالى المستعان (2/563)
صفحة 1009
564
هي
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
امرأة أجرت عمليتين من أجل الولادة وكلاهما بطريقة العملية القيصرية، لكن أمرها الطبيب أن تمتنع عن الحمل لمدة ست سنوات حتى
تكتسب صحة جيدة لكنها حملت الآن بعد سنتين، وهي تعاني
الآن من
آلام وأمراض كثيرة فهل يصح لها أن تجهض حملها؟ أخطأت إذ لم تتبع نصح الطبيب، فلئن تمتنع من الحمل أولى لها من أن تجهض حملاً قد تكون، اللهم إلا إذا كان الأمر يؤدي إلى خطورة على حياتها، وقرر الأطباء ذلك ولم يختلفوا فيما بينهم ففي هذه الحالة لها أن تجهض من أجل المحافظة على حياتها، لأن حياتها متيقنة ومستقبل حياة ذلك الجنين غير متيقن والجنين في عالم الغيب وهي في عالم الشهادة، فالمحافظة على حياتها أولى، وإن كانت لذلك الجنين حرمات، والله
تعالى أعلم.
أنا امرأة كنت حاملاً في بداية الحمل وأصبت بنزيف شديد وأخبرني الطبيب بضرورة إجراء عملية إجهاض لأن الطفل مشوه والحوض غير منفتح فوافقت، فما الحكم؟
إن كان بقاء الحمل يعرضها للخطر فإنه يسوغ لها أن تتخلص من الحمل لأجل المحافظة على سلامتها، إذ حياتها حياة متيقنة بينما حياة الجنين حياة غير متيقنة، فلذلك لا يحكم عليه بحكم الأحياء، والمحافظة على حياة متيقنة أولى من التفريط فيها من أجل المحافظة على حياة غير متيقنة، ومن ناحية ثانية فإنها هي الأصل والجنين، فرع، أما إذا كان الأمر بخلاف ذلك بحيث لم يكن وجود الجنين يهدد حياتها فإن التشوه لا يسوغ أن يجهض من أجله الجنين، وإنما أمر تشوهه إلى الله تعالى فهو الذي قدره، والله
تعالى أعلم. (2/564)
صفحة 1010
فتاوى عامة
ما حكم إجهاض جنين الاغتصاب في الشرع الإسلامي؟
هو حرام حرام، حرام، فإن هذا الاغتصاب لا يتحمل الجنين شيئاً من وزره يقول الله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164]، وإنما يتحمل وزره
المغتصب فما له يودي والله الا الله جعل له حرمة الإنسانية؟! والله المستعان.
نقل الدم من امرأة إلى طفل دون سن الحولين هل يأخذ حكم الرضاع؟ لا نستطيع أن نقول بأن نقل الدم له حكم الرضاع، لأن الرضاع هو امتصاص اللبن، وللماء حكم الرضاع عندما يكون ماء ثيب كما ذكرنا ذلك غير مرة، أما الدم فليس هو في حكم الرضاع، هكذا يبدو ولا نستطيع أن نعطيه حكم الرضاع كما وجدنا من العلماء من يقول بذلك، ولكن الإقدام على القول بهذا فيه شيء من العسر فلذلك نمسك عن القول به، والله أعلم.
ما حكم التبرع بالأعضاء؟
على الإنسان أن ينتفع بأعضائه بنفسه وهو لا يملكها حتى يتبرع بها، والله أعلم.
ما حكم استنساخ الأعضاء؟
استنساخ الأعضاء خير من نقل الأعضاء، لأن نقل الأعضاء يؤدي إلى فقدان المنقول منه ذلك العضو، فلو أمكن أن تستنسخ الأكباد مثلاً حتى يمكن لمن كان فيه مرض كبد أن تغرس فيه كبد مستنسخة لكان ذلك خيراً، ولو أمكن أن تستنسخ كلى لأجل غرسها فيمن تعطلت كلاه لكان حسناً وهكذا، فاستنساخ الأعضاء لا مانع منه شرعاً، ولو كان المستنسخ منه متوفى فلأن يستنسخ منه خير من أن تنقل أكباد الموتى، والله تعالى أعلم. (2/565)
صفحة 1011
566
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
رجل ابتلى الله زوجه بمرض فشل الكلى، وهو يتردد على المستشفى مرتين في الأسبوع لأجل الغسيل الكلوي وقد أصبحت حياته ابتلاء عظيم من الله كما يصفها هو فهو يعمل من الصباح إلى الثانية ظهراً ثم يرجع إلى البيت ليقوم بأداء معظم الواجبات المنزلية لعدم قدرة الزوجة على العمل في معظم الأحيان وأيضاً القيام بالعناية بالأولاد وما يتخلل ذلك من عمل خارج المنزل، وقد أكد له معظم الأطباء المسلمون منهم والكافرون بأن العلاج الأمثل لمثل هذه الحالات هو نقل كلية من شخص إلى زوجه، يقول الزوج: فهل يجوز لي أن أتبرع بإحدى كليتي ليس بيعاً وتصرفاً بشيء من جسمي ولكن إيثاراً ومشاطرة لنعمة من نعم الله وعل؟ هذه القضية بحثت في المجامع الفقهية وغيرها، وللعلماء فيها رأيان: منهم من تشدد وقال بأن على المبتلى أن يصبر على أن يأتي الله تعالى بالفرج، وهذا الذي هو معافى ليس له أن يؤثر غيره بشيء من جسمه، لأن الإيثار ليس بالنفس وإنما الإيثار على النفس، ومنهم من قال ـ وهذا قول أكثر علماء العصر ـ إن لم يكن ذلك تجارة، ولم يكن ذلك من شخص لا يملك أمره، ولا بتأثير ضغوط نفسية أو غيرها وإنما ذلك اختياراً فلا مانع من نقل الكلى، ونرى أن من توسع بهذا الرأي فنرجو أن لا يؤاخذه الله تبارك وتعالى، ونسأل الله تعالى لهذا الرجل السلامة، ولامرأته العافية والصحة وزوال البأساء والضراء، وأن يجعل حياتهما حياة هانئة سعيدة، وأن يبدلهما بالسقم صحة وبالبلاء عافية، وبالمرض سلامة من كل داء، والله تعالى ولي التوفيق.
ما حكم الشريعة فيمن يتعمد نقل مرضه للآخرين؟
إن كان نقله يؤدي إلى موت الطرف الآخر فحكمه حكم القاتل العمد ويجب عليه ما يجب على القاتل العمد من القصاص، وإن كان بخلاف (2/566)
صفحة 1012
فتاوى عامة
567
ذلك فلكل شيء عقوبته، فالذي ينقل الأمراض التي لا تؤدي إلى الهلاك ولكنها تؤدي إلى التعب والمحنة يعاقب بحسب ما يقتضيه نظر الحاكم في ذلك، والله تعالى أعلم.
رجل يعاني من مرض في الكبد بسبب فيروس شديد وخطير لكن قال له الأطباء إذا أردت أن تتزوج امرأة لا بد أن تعلمها بذلك لتأخذ حقنة تجنبها انتقال هذا المرض إليها وإلى أولادها، وكلما خطب امرأة وأخبرها بالأمر رفضت أن تأخذ هذه الحقنة ورفضت الزواج منه
بالتالي، فما هي نصيحتكم له وللآخرين الذين يخطب من عندهم؟ أسأل الله تبارك وتعالى العافية لنا ولهم جميعاً ونصيحتي لأمثال هؤلاء أن يقولوا كلمة الصدق، وبإمكانهم أن يتزوجوا من خارج البلاد، لأن النظام يبيح لهم أن يتزوجوا من خارج البلاد حسبما أظن، وبإمكانه أن يتوصل إلى امرأة يقنعها بهذا وتقتنع، وأسأل الله تعالى له التوفيق.
من مسببات مرض الإيدز تعاطي المخدرات عن طريق استخدام الحقن،
فما حكم الإسلام فيها وفي المخدرات والمسكرات بشكل عام؟ الإسلام يحذر من كل ما يضر بالإنسان عقلاً أو جسماً أو عرضاً أو ديناً أو مالاً، فكل ما يضر بذلك فهو حرام، ولا ريب أن المخدرات تضر بالعقل وتضر بالجسم، كما أن المسكرات بشكل عام هي مضرة بالعقل وبالجسم، وقد تؤدي إلى الوفاة عن طريق هذه الأمراض التي تسببها، والله تبارك وتعالى حذرنا من أن نقتل أنفسنا فقال: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنكُمْ وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ (2/567)
صفحة 1013
568
جهنم
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا} [النساء: 29، 30]، فمن تعاطى شيئاً من هذه المخدرات أو هذه المسكرات فأصيب بها المرض أو غيره من الأمراض الفتاكة وأدى به ذلك إلى الموت بأي وجه من الوجوه فهو في حكم المنتحر، ويناله العقاب الذي هيأه الله تبارك وتعالى للمنتحر وهو الذي أخبر به الله بقوله: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانَا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا} [النساء: 30]، والذي دل عليه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن شرب سماً فقتل نفسه فسمه هو يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن نزل من شاهق فقتل نفسه فهو ينزل في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبدا» المخدرات وجميع والمسكرات هي محرمة في الإسلام فالله تعالى يقول في محكم الكتاب العزيز: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الخَمرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوةِ فَهَلْ أَنتُم مُنتَهُونَ} [المائدة: 90، 91]، ولا ريب أن جميع المسكرات لها حكم الخمر في الإسلام، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مسكر خمر وكل خمر حرام» وفي الحديث أيضاً عن النبي: أنه نهى عن كل مسكر ومفتر، فالمخدرات في هذا الحكم قطعاً، والله تعالى أعلم.
داخلة
ما هو الحكم الشرعي في توبة من تسبب لنفسه بالإصابة بمرض الإيدز؟ وما هي نظرة الإسلام إلى المصاب بهذا المرض العضال؟ يقبل الله تعالى توبة العبد ما لم يغرغر، فالله تعالى يقول: {قُلْ يَعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ (2/568)
صفحة 1014
فتاوى عامة
569
هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الزمر: 53 - 55]، فالتوبة بابها مفتوح لكل صاحب معصية، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار»، والمقصود ببسط اليد قبوله لتوبة التائبين، وكذلك جاء في الأحاديث الكثيرة عن الرسول الله الحض على المسارعة إلى التوبة وبيان أن الله تبارك وتعالى يحب من عباده التوبة مهما وقعوا في الفحشاء والموبقات، إذ عفو الله تبارك وتعالى عن التائبين أوسع من ذلك كله، أما نظرة الإسلام إليه فهو بعد التوبة مقبول عند المسلمين وأما إن كان مصراً على معاصيه فهو في حكم البراءة عند المسلمين، والله تعالى أعلم.
ما حكم قتل من يعتصر ألماً من مرض الإيدز خاصة إذا كان ذلك برضاه وكان ذلك في سبيل تخليصه من ذلك الألم وتلك المحنة التي يمر بها؟ قتل النفس المحرمة بغير الحق، حرام، فلا يجوز أن يقتل المصاب بهذا المرض ولو كان ذلك بإذنه، إذ الإنسان ليس له أن يأذن بأن يقتل وليس له أن يقتل: {وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29]، ومن كبائر الإثم أن يقتل الإنسان نفسه وكذلك أن يقتل غيره إلا بوجه شرعي، فلذلك يجب على من أصيب بهذا المرض أن يتقي الله وأن يصبر فلعل قتله لنفسه يؤدي به إلى عذاب أشد وذلك أمر لا ريب فيه، فإن عذاب النار أشد من هذا العذاب، وكذلك على الآخرين أن يصبروا على ما يصيب هذا الإنسان من بلاء ومرض فإن ذلك كله إنما هو ابتلاء من الله تبارك وتعالى
فيبتلي من يشاء بالشدائد كما يبتلي من شاء بالمنح، والله تعالى أعلم. (2/569)
صفحة 1015
570
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ما حكم جواز حمل المرأة المصابة بمرض الإيدز مع العلم بأن احتمال إصابة جنينها كبير؟
لا نقول بأنه لا يجوز الحمل إذا كان من المحتمل أن لا يصاب الجنين بهذا المرض وكان احتمال الإصابة احتمالاً خفيفاً، أما عندما يكون احتمال الإصابة بنفس المرض أي انتقال العدوى إلى الجنين احتمالاً قوياً ففي مثل هذه الحالة يمنع الحمل حتى لا يتعرض الجنين إلى نقل العدوى إليه، والله أعلم.
في
في حالة إصابة أحد الزوجين بمرض الإيدز» مرض العوز المناعي وامتناعه عن إعلام شريكه بمرضه كيف يكون السبيل الذي يمكن اتباعه في حماية الطرف السليم أو بمعنى آخر هل تجوز المعاشرة بين الزوجين إذا كان أحدهما مصاباً بهذا المرض؟ إن الحمية مطلوبة في الإسلام، لذلك شرع في الإسلام التوقي من كل أسباب الهلاك والأمراض، وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بالفرار من المجذوم كالفرار من الأسد، كذلك جاء في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدلُّ على التوقي من أسباب الهلاك والأمراض المعدية والفتاكة كلها، فمن أجل ذلك كان لزاماً على الإنسان أن يتوقى الإصابة بهذه الأمراض، وعندما يكون أحد الزوجين مصاباً بهذا المرض الفتاك مع معرفة أن المعاشرة تؤدي إلى نقل المرض إلى الطرف السليم في ذلك فلا ريب أن المعاشرة تكون في مثل هذه الحالة محرمة، اللهم إلا إذا كان من الممكن اتخاذ الحواجز الوقائية دون الإصابة كاتخاذ العازل ونحوه إن كان ذلك يؤدي إلى عدم وقوع الإصابة للطرف السليم بنفس هذا المرض أي عدم انتقال العدوى إليه، فلا مانع من المعاشرة في هذه الحالة، والله تعالى أعلم. (2/570)
صفحة 1016
فتاوى عامة
571
أنا طالب مصاب بمرض الاكتئاب وأتعلم بالجامعة السنة الأولى، فما نصيحتكم لي هل أترك الدراسة وأبحث عن عمل أم أستمر في الدراسة
مع العلم أنني راغب فيها، وما هو العلاج بالقرآن لهذا المرض؟ أسأل الله تعالى لهذا السائل العافية من كل بلاء والشفاء من كل داء، والصحة من كل سقم وأسأل الله أن ء يهيي له من أمره رشداً وأن يفتح له باباً إلى الخير وأن يسهل له ما كان صعباً وأن ييسر له ما كان عسيراً، ثم أحضه على الإكثار من ذكر الله، فإن الله تبارك وتعالى يقول: {أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَيِنُ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]، على أن الاكتئاب الذي يصيب المرء هو نوع من الغم، وقد ذكر الله الله النجاة من الغم في كتابه عندما ذكر قصة ذي النون وأنه نادى في الظلمات أن لا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87]، ثم أتبع ذلك قوله: {وَنَجَيْنَهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُجِى الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء: 88]، ومعنى ذلك أن المؤمنين ينجيهم الله تعالى من الغم بذكره تبارك وتعالى، فأنا أنصح هذا الشاب أن يكثر من قول: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، أوقاته في ليله وفي نهاره في حركته وفي سكونه، في قيامه وقعوده، ويكثر بجاب ذلك من الآيات الأخرى والسور التي فيها ترويح للنفس، وكل القرآن فيه راحة للبال وطمأنينة للنفس، وليكثر من قراءة سورة الفاتحة فإنها رقية بنص السُّنَّة النبوية، والمعوذتين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرقي بهما، وسورة الإخلاص لما فيها من توحيد الله وتنزيهه، وآية وسورة الانشراح لما فيها من ذكر شرح الصدر، وقول الله تعالى: قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِى وَيَسَرْ لِي أَمْرِى * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِسَانِي يَفْقَهُوا قولي} [طه: 25 - 28]، ومع هذا كله ليس هناك مانع من أن يتناول علاجاً 25
في جميع
الكرسي (2/571)
صفحة 1017
572
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
مادياً بجانب هذا العلاج الروحاني، فليراجع الأطباء لعلهم يدلونه على بعض العقاقير التي فيها ترويح للنفس وشرح للصدر، وليكثر من الدعاء والتضرع إلى الله الله فإن الله يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، وأسأل الله تعالى العافية للجميع إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.
رجل ابتلاه الله تعالى بداء عضال فيطلب منكم نصيحة له ولأهله؟ نصيحتي له أن يصبر، فإن وراء الصبر الفرج بمشيئة الله، وأن يدعو الله تبارك وتعالى أن يشفيه من علته، وأن يتعالج بالعلاج الطبيب بواسطة الأطباء ذوي الخبرة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حث على العلاج فقال: «تداووا عباد أن كل داء له دواء إلا الهرم فإنه لا دواء له، كما أن التداوي اتباع لسنة الحياة التي سنها الله تبارك وتعالى، فلا ينبغي للإنسان أن الدعاء، لأن الله تبارك وتعالى يشفي بإرادته وبقدرته
الله»، وبين
يعدل عنه، مع فنبي الله تعالى وخليله إبراهيم لا يقول: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء: 80]، فالدواء لا يشفي والطبيب لا يشفي إنما الدواء سبب والطبيب متسبب، والشافي هو الله سبحانه وتعالى، ولكن الأخذ بالأسباب سُنة من سنن الحياة وينبغي للإنسان أن يهتم بذلك، ونصيحتي لأهله بأن يعينوه وأن لا يئيسوه من الشفاء وأن يكونوا معه متعاونين في الأحوال، وأن يصبروا على ما يلقونه من التعب في علاجه وفي العناية بشؤونه والقيام بمصالحه، فإن ذلك ما يؤجرون عليه، كما كان ذلك من امرأة أيوب عندما اعتنت بزوجها بعدما هجره الناس جميعاً وقد ابتلاه الله بما ابتلاه، به فكانت عاقبة ذلك أن من الله عليه بالعافية ووهبه الله أهله ومثلهم معهم رحمة من عنده، ورفع منزلة تلك
جميع
المرأة. (2/572)
صفحة 1018
فتاوى عامة
573
فينبغي أن يُعتنى كثيراً بالمرضى وأن لا يلقوا من قبل أهليهم شيئاً من القنوط أو اليأس أو شيئاً من الضيق والحرج، فإن ذلك مما يتنافى مع ما سنه الله تبارك وتعالى من الأخلاق العالية التي يتعامل بها الأهلون، وأسأل الله تبارك وتعالى لهذا المبتلى الشفاء من كل داء والعافية من كل بلاء والصحة من كل سقم والراحة من كل تعب إنه تبارك وتعالى على كل شيء قدير وهو بالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير. (2/573)
صفحة 1019
574
الإعاقة
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
عموم
نجد أن المقبلين على الزواج يُنصحون حالياً بعمل فحوصات طبية حتى يتجنبوا الأمراض الوراثية في نسلهم، فما حكم الإسلام في
ذلك؟
أمر الله تعالى بتجنب المهلكات فقال سبحانه وتعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة} [البقرة: 195]، وهذا وإن جاء في سياق ذكر أحكام الجهاد إلا أن لفظه يشمل كل تهلكة فهي بجميع أنواعها منهي عنها، وكذلك نجد الله تعالى يقول: {وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوَانَا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذالك على الله يسيرا انکاري [النساء: 29، 30]، ونجد أيضاً أن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام كان حريصاً على تفادي جميع ما يؤدي إلى الضرر سواء ضرر الإنسان بنفسه أو ضرره بأولاده أو بغيره، فالنبي اللهم أن ينهى عن الغيلة لولا أنه تذكر أن فارس والروم يفعلونها ولا تضر بأولادهم، فمن هذا كله نأخذ أنه مما ينبغي للإنسان أن يتفادى ما يؤدي به إلى الضرر وهذا لا ينافي التوكل على الله، فإن التوكل على الله مطلوب، ولما كان الأمر كذلك فإنه مما ينبغي للإنسان أن يحرص على تفادي الاقتران بالمرأة التي يؤدي اقترانه بها إلى أن تكون ذريتها مصابة بالأمراض والآفات والعاهات فإن كان الرجل والمرأة جميعاً (2/574)
صفحة 1020
فتاوى عامة
010
يحملان ما يسمى بالجين الذي قد يؤدي إلى ظهور المرض فيما بعد في الأولاد فينبغي تجنب الارتباط بالزواج بينهما وهذا لا ينافي التوكل ـ كما قلت ـ وإنما هو من باب الأخذ بالأسباب وعندما يكشف الرجل في نفسه ذلك، أو تكشف المرأة في نفسها ذلك فينبغي لكل واحد منهما عندما يريد الاقتران بالآخر أن يكشف له هذا الأمر وأن يحثه على الفحص حتى لا يقع أولادهما ضحية لهذه العاهة التي يحمل كل من الرجل والمرأة أصلها في بدنه، والله تعالى أعلم.
يثار كلام حول الزواج من الأقارب من أنه قد يؤدي إلى ضعف النسل أو قد يؤدي إلى انتقال الأمراض الوراثية، فهل في زواج الأقارب شيء من المحذور؟
ليس فيه محذور، وقد فهمت من الأطباء أن الزواج من الأقارب هو كالزواج من غيرهم لا يؤدي إلى المحذور، وهذا الذي يقتضيه القرآن الكريم، فإن الله تبارك وتعالى عندما قال النبيه يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ الَّتِى عَاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِكَ وَبَنَاتِ عَمَّتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَلَئِكَ الَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِي إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [الأحزاب: 50]، ذكرت له القريبات، ولو كان هناك محذور من زواج الرجل بقريبته لما امتن الله تعالى بإباحته على نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام، وهذا مما يدلُّ على أن الزواج بالقريبات لا يلزم أن يكون سبباً لوجود الأمراض، أما ما رُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أغربوا تنجبوا»، فهو حديث مضعف عند أهل الحديث، وكذلك (2/575)
صفحة 1021
576
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
النهي عن الحرص على الزواج من القرائب وتعليل ذلك بقوله: ألا تضعفوا، فإن ذلك مضعف عند أهل الحديث، وعلماء الطب في وقتنا هذا يؤكدون ما دلت عليه الأدلة الشرعية من القرآن والسُّنَّة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام من مشروعية هذا الزواج ومن كونه غير ضار، والنبي صلى الله عليه وسلم نفسه تزوج من قريباته فتزوج زينب التي كانت عند زيد بن حارثة من قبل، وهي بنت عمته فزواجه بها يعني مشروعية الزواج بالقريبات، ولا يقتضي هذا خصوصيته به، فإن الله تعالى بعدما عدد المحارم قال على إثر ذلك: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24]، فلا أن يُقال بالمنع، وهذا لا يعني الحث على أن يُحصر الزواج ما بين الأقارب فقط، فحصر الزواج ما بين الأقارب قد يتنافى أيضاً التي جعلها الله تبارك وتعالى في الزواج ما بين الأسر، فقد يكون الزواج مقرباً يُدني أسرة من أسرة وعشيرة من عشيرة ويُؤلف بين القلوب بعد
ينبغي
مع
الحكمة
تنافرها ويُوحد بين الجماعات بعد تشتتها، فإن الله تعالى جعل في الزواج مودة ورحمة فهو القائل امتناناً على عباده: {وَمِنْ عَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21]، وهذه المودة والرحمة لا تنحصر في ما بين الزوجين وحدهما بل تتجاوزهما إلى أسرتيهما فيكون بين هاتين الأسرتين من التقارب والمودة والرحمة والتداخل والحنان والشفقة والتعاون على البر والتقوى كما يكون ما بين الأقربين والإنسان ينبغي له أن يحرص على قاعدة أحبائه وذوي الصلة به، فمن هنا كان مما ينبغي للأُسر أن تفتح الأبواب للتزاوج فيما بينها جميعاً من غير أن ينحصر هذا الزواج ما بين الأسرة الواحدة فقط.
توسيع (2/576)
صفحة 1022
فتاوى عامة
Ovv
هل من غير الكفاءة زواج المعوق من غير المعوق، بمعنى إذا أراد رجل معوق أن يتزوج من امرأة ليست معوقة، فهل لا يعتبر كفؤاً
لها؟
من
لا تكره أن تتزوج إلا من رضيت به، إلا أن زواجها به لا يُعتبر نقصاً قدرها فالشخص المصاب بعاهة من العاهات قد يكون له قدر عظيم عند الله تبارك وتعالى فلا ينقص ذلك من قدره، فالأعمى لا ينقص من قدره عماه والأعرج لا ينقص من قدره عرجه والأصم لا ينقص من قدره صممه وهكذا، وكذلك تزوج الرجل بالمرأة العمياء أو العرجاء أو الصماء لا يُعد عيباً ولا نقصاً ولا يؤدي ذلك إلى انتقاص بين الناس، بل قد يلجأ الناس إلى هؤلاء، فقد ذكر الإمام أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي ـ رحمه الله تعالى في كتابه الاستقامة أنه أتى على أهل عمان عصر من العصور كان المراجع الذين يرجعون إليهم في ذلك العصر ـ وهو القرن الثالث الهجري ـ كلهم مصابين، فكانوا يرجعون إلى ثلاثة أعمى وأصم وأعرج، وهؤلاء الثلاثة هم أبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي الذي كان ضريراً وأبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي وكان أصم، وأبو الحواري وكان أعرج، فهؤلاء الثلاثة كانوا على سدة الأمر وعلى ذروة المرجعية في الأمور مع أنهم مصابون، فالإصابة لا تُعد عيباً قط ولا ينبغي أن تكون منفرة.
ما الحكم في الزواج من امرأة مجنونة؟
لا مانع من ذلك، وإنما عليه أن يصبر على أذاها وأن يحرص على صونها وأن يُحسن رعايتها، والله تعالى أعلم. (2/577)
صفحة 1023
OVA
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
هل يصح الامتناع عن الإنجاب في حالة تأكد وجود نسبة عالية من
احتمال ولادة طفل معوق؟
لا بد من الاتفاق بين الرجل والمرأة كليهما، ولا يُعد هذا خروجاً عن حدود التوكل وإنما هو تفادٍ للمشكلة، والله تعالى أعلم.
هل العاهة التي تصيب أحد الزوجين بسبب شرعي تجبر على التطليق؟ الطلاق مشروع، ولكن لا ينبغي للإنسان أن يسرع إليه مع إمكان تفاديه، والأدلة على مشروعية تفادي الطلاق متوافرة ظاهرة شاهرة، وعندما يكون هنالك ضرر على أحد الجانبين فإن الطلاق يُشرع لتفادي هذا الضرر غير المحتمل، والله تعالى أعلم.
لو حدث تزواج بين من يحمل جيناً يؤدي إلى أن يكون الأطفال معوقين مع امرأة تحمل نفس الجين مثلاً، وجاء الجنين حسب الفحوصات أو حسب الكشف التلفزيوني مشوه، عندئذ كيف يكون التعامل مع الجنين المتوقع ولادته مشوهاً؟ كونه مشوهاً ذلك قدر الله تعالى، ولما كان ذلك قدر الله فليس للإنسان دخل فيه، لأنه لم يتسبب لهذا التشوه، وهو مسؤول عن فعله، وتلك نفس تكونت وبعد تكونها أصبحت لها حُرمات، وقد بين الله تبارك وتعالى حرمة النفس البشرية عندما قال: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32]، فإجهاض هذه النسمة بعد تكونها يُعد جريمة يتحمل وزرها من يقوم بذلك، والله
تعالى أعلم. (2/578)
صفحة 1024
فتاوى عامة
579
سمعنا البعض يقول: إن الجنين إن لم يتخلق فيجوز إجهاضه، وأما إذا تخلق بعد الأربعة الأشهر مثلاً فلا يجوز، هل توافقون على ذلك؟ لا نوافق على هذا، وهو رأي غير مسلم، لأن للجنين حياتين: حياة نمو وحياة إحساس، فحياة النمو تبدأ من العلوق فعندما تعلق النطفة بالبويضة يبدأ النمو وتبدأ الحياة والجناية على هذه الحياة جناية لا يستهان بها، ثم بعد ذلك تكون حياة الإحساس بعد مضي أربعة أشهر وبعد نفخ الملك الروح في هذا الجنين بأمر الله تبارك وتعالى، والله تعالى أعلم.
هل يجوز إسقاط الجنين وهو في شهره الثالث وعلى وشك دخول الرابع لسبب عدم وجود قلب له كما قيل لأمه من قبل الأطباء، مع العلم أن هذه الأم لم يحدث لها نزيف، ولا ما يدلُّ على فساد هذه البذرة إلا من خلال الأشعة، وسماع صوت قلبه بالموجات الصوتية ولم يظهر صوت نبضات القلب، فذهبت الأم إلى المستشفى تطلب من الأطباء أن ينزلوه فما الحكم في هذا؟
إن الله شرف الإنسان قبل ولادته بما أحاطه به من أحكام، فالأم الحامل مسؤولة عن الحفاظ على صحة جنينها وسلامته، كما أن تعريضها لأي مشكلة تؤدي إلى إسقاط الجنين يعدُّ إجراماً في حق الإنسانية، لأن لذلك الجنين مستقبلاً إنسانياً إن أمد الله تبارك وتعالى في عمره حتى خرج إلى هذا الوجود الإنساني، ومن أجل هذا قضى النبي صلى الله عليه وسلم في إسقاط الجنين بغرة عبد أو أمة كما ثبت بذلك الحديث الصحيح عنه عليه أفضل الصلاة والسلام، وللجنين حرمة من أول تكونه وذلك لوجود الحياة فيه فهو وإن لم تكن فيه حياة إحساس ففيه حياة نمو، إذ حياة الإحساس تكون بنفخ الروح فيه بعد أن يبلغ أربعة أشهر كما جاء بذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم (2/579)
صفحة 1025
01.
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
وكما تدل على ذلك التقارير الطبية، وأما حياة النمو فهي تبدأ من أول اللقاح ولذلك ينمو الجنين ويتطور من طور إلى طور حتى يأتي الوقت الذي تنفخ فيه الروح والقضاء على حياة هذا الجنين سواء قبل أن تنفخ فيه حياة الإحساس بنفخ الروح أو بعد ذلك يُعد إجراماً، ولذلك تجب المحافظة عليه اللهم إلا عندما يكون وجوده في رحم أمه يشكل خطراً على سلامة الأم، فإن المحافظة على سلامة الأصل وهي الأم أولى، أما إن لم يكن وجوده يشكل خطراً على حياتها فلا عبرة بما يقال إنه سيولد متشوهاً مثلاً أو سيولد بلا قلب فإن ذلك ليس من مسؤولية الإنسان إنما ذلك من أمر الخالق تبارك وتعالى ولم يكن ذلك بفعل أحد من الناس، وإسقاطه إنما يكون بفعل أحد من الناس.
هذا وقد يتصور الطبيب وفق الآلات التي عنده أن الجنين بلا قلب، هذا التصور قد ينكشف على خلاف ما هو عليه، فقد تكون الآلة التي يكون بها جس نبض القلب آلة غير سليمة، لأن الإنسان مهما كان هو عرضة للخطأ، وعلى هذا فإن لم يكن وجود هذا الجنين سبباً لخطر يهدد الأُم فليس للأُم أن ترضى بالإسقاط وليس لأحد أن يفعل ذلك، وعلى هؤلاء أن يتوبوا إلى الله تبارك وتعالى، كما أن عليهم الضمان لوالده إن لم يتنازل عن حقه في ذلك، والله تعالى أعلم.
ما الحكم الشرعي في امرأة قطعت نسلها وذلك بسبب إنجابها أطفالاً
معوقين؟ عليها أن تستغفر الله تعالى من ذلك، فإن الله قادر على أن يرزقها الذرية الطيبة الطبيعية التي ليس فيها شيء من الأمراض، والله على كل شيء
قدير. (2/580)
صفحة 1026
فتاوى عامة
581
إذا اكتشف الجنين بأنه مشوه ومعوق فهل يجوز إجهاضه؟ تشويهه ليس من صنع الإنسان وإنما هو من صنع الله تبارك وتعالى الذي له الخلق والأمر والحكم والقهر يصرف الوجود كيفما يشاء، يقول للشيء كن فيكون لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ} [الأنبياء: 23] بينما الإقدام على إجهاضه هو من صنع الإنسان، والإنسان مسؤول عن صنعه، ولا يُسأل عما جرى به، القدر، لأن ما يجري به القدر ليس في مقدوره أن يتصرف فيه، فالإقدام على إجهاضه جناية، وهي جناية لا تحتمل في الإسلام.
هذا وللجنين حياة تبدأ بمجرد العلوق وهي حياة النماء والتطور من طور إلى طور، وحياة تبدأ منذ نفخ الروح فيه وهي حياة الإحساس، ولكل واحدة من الحياتين حرمات فيجب مراعاتها، والله تعالى أعلم.
الخلقة طفل لديه تشوه في وعمره 11 سنة كما أن عنده مرض في الكلى كيف نستطيع أن نجعله يصوم وأن يصلّي؟ أما الصلاة فلا إشكال فيها، فيؤمرون بتعليمه الصلاة وليصلها كيفما قدر، إن استطاع أن يؤدي الصلاة بجميع وظائفها وأعمالها فليفعل، وإن لم يستطع فليأت بما يقدر عليه، فإن لم يستطع أن يصلّي قائماً فليصل قاعداً، وإن لم يستطع أن يصلّي قاعداً فليصل مضطجعاً، أما الصيام فإن كان غير قادر عليه فلا يكلف وإذا بلغ الحلم وهو غير قادر على الصيام فهو يدخل في الذين يُطِيقُونَهُ} كما جاء في قوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184]، فيفتدي بإطعام مسكين عن كل يوم، والله
تعالى أعلم. (2/581)
صفحة 1027
582
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
يسمع
لقد رزقني الله له بثلاثة أولاد، وعندما ولد الأول أُجريت له عملية جراحية في القولون حيث تم استئصال جزء منه، كما ظهر به مرض آخر وهو في السمع في إحدى الأذنين وبالتالي أصبح لا يسمع إلا من خلال أذن واحدة، كما أن به قصراً في النظر، أما المولود الثاني فقد جاء سليم البنية، وأما الأخير فقد شابه الأول لكنه لا أبداً وأجريت له أيضاً عملية جراحية، وقد رقد في المستشفى أكثر من شهر، والآن أصبح هذا الولد لا يسمع ولا يتكلم وعمره الآن حوالي أربع سنوات، وقد أكد لي الأطباء الذين أشرفوا على إجراء العمليات بأن سبب ذلك هو مرض وراثي وبالتالي لا يوجد له علاج حتى الآن، سؤالي هو هل تجدون لي رخصة بالتوقف عن الإنجاب وذلك بسبب مصير أولئك الأطفال الذين يولدون بهذه الهيئة وما يلاقونه من تعب وخطورة عند إجراء العملية وكيفية عيشهم بهذه الصورة وغيرها من الأحوال الأخرى؟ أما قبل الحمل فإن كان التوقف لا يؤثر على الأم ضرراً، ولا يسبب لها خطورة، ولا تترتب عليه نتائج سلبية فلا مانع من ذلك، ولكن مع تراضي الزوجين، ولكننا مع هذا نحبذ أن يوكل هذا الأمر إلى قضاء الله تعالى، وقدره فإن الله تعالى قادر على أن يهب هذا السائل أولاداً معافين من كل بلاء مشفيين من كل داء قادرين على مواجهة هذه الحياة وأعبائها، فإن الله تعالى على كل شيء قدير، وليعول على الدعاء فإن الله تعالى يقول: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)
[البقرة: 186]. (2/582)
صفحة 1028
فتاوى عامة
583
ما هو التعامل الشرعي لأسرة رُزقت بمولود معوق؟
التعامل الشرعي هو أن ترضى هذه الأسرة بقسمة الله تبارك وتعالى، فإن الله
تعالى يبتلي من يشاء من عباده بما يشاء من البلاء، وكل ذلك لحكمة، وما على الإنسان إلا أن يصبر عند البلاء، فإن البلاء يرفعه الله تبارك وتعالى مع الصبر متى يشاء، وقد يتحول البلاء بين عشية وضحاها إلى فرج عاجل، وعلى هذه الأسرة أن تكون حريصة على ألا يحس هذا المولود عندما ينشأ بأن به شيئاً من النقص، فإن هذا الإحساس قد يُولد في نفسه عقدة نفسية، بأنه دائماً موصول بالله تبارك وتعالى وأن هذا الابتلاء لأمر أراده الله تعالى به وبأهله من الخير فعليه أن يرضى بقسمة
بل ينبغي
أن يحس
إنما هو الله، ولعله في يوم من الأيام يصبح من نوابغ العلماء الذين يقودون الناس إلى الخير ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر، ومن الأمور المهمة أن يُنشأ على حب معالي الأمور وعلى السعي إلى جبر هذا النقص بالجوانب الأخرى التي يُمكن أن يستغلها ومن بينها الذكاء، فقد يكون لدى المصاب بآفة من الآفات من الذكاء والفطنة ما يجعله يتغلب على مشكلات الحياة ويفوق الآخرين من أقرانه، والله تعالى أعلم.
كيف يمكن أن يُعلم الأبكم المسائل التي لا يسعه جهلها في الشرع؟ إن كان يمكنه أن يستوعب بالإشارة أو بالكتابة. إن علم الكتابة فتعلمها. فإنه يُشار إليه أو يُكتب له حتى يتمكن من فهم المُراد، وكثير من البكم هم الفطنة والذكاء بحيث يفهمون بالإشارة، وكثير منهم يتمكنون من معرفة الكتابة، فمن كان متمكناً من معرفة الكتابة يكتب له ما يجب عليه من أمور دينه، ومن كان متمكناً من معرفة الإشارة فإنه يشار إليه بالواجب عليه، والله تعالى أعلم.
من (2/583)
صفحة 1029
584
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
الأسرة التي يوجد لديها معوق سواء كان رجلاً أو امرأة لكن لا يُحسن الصلاة ولا يُحسن الصيام ولا يستطيع أن يفعل شيئاً من العبادات، هل الأسرة كفارة تؤديها عن هذا المعوق؟
تلزم
إنما عليه بنفسه أن يؤدي التكاليف الشرعية بقدر استطاعته، فإن الله تعالى كلف يسيراً ولم يُكلف عسيراً، يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، فهو إن استطاع أن يأتي بالصلاة على وجهها مستوفية لجميع شروطها وأركانها وهيئاتها فذلك هو الواجب عليه، وإن كان لا يستطيع ذلك فيُكلف أن يأتي بما يستطيعه لا بما لا يستطيعه، فإن قدر على القيام قام وإلا صلّى قاعداً وإن لم يستطع أن يصلّي قاعداً صلى مضطجعاً مستقبلاً القبلة فإن لم يستطع فليصل على أي وجه كان، فإن لم يستطع أن يأتي بالصلاة ولو بمجرد النطق بها فليكبر لكل صلاة خمس تكبيرات وحسبه ذلك، وكذلك إن استطاع أن يأتيها بطهر كامل فعليه ذلك فإن لم يستطع فعليه التيمم فإن عجز عن التيمم كان الواجب عليه أن يأتي بالصلاة ويسقط عنه الوضوء والتيمم معاً، هكذا شريعة الله تبارك وتعالى السمحة، وإنما الناس يتصورون أن التكاليف شاقة وصعبة وهي ليست من المشقة في شيء فإن الله تبارك وتعالى يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر، فما عليهم إلا أن يسارعوا إلى طاعته قدر استطاعتهم من غير أن يتكلفوا ما لا يستطيعون، ولما كانت هذه التكاليف منوطة بالشخص نفسه فإن التكليف عنه إلا غيره لا ينتقل، فلا ينتقل التكليف من والد إلى ولده ولا من ولد إلى والده، إلا أنه يمكن للإنسان أن يأتي ببعض العبادات نيابة عن الغير، فمن ذلك أنه شرع الحج نيابة عن الغير، كما دلّت الأحاديث على صوم الإنسان النذر عن ميته، بل جاء حديث (2/584)
صفحة 1030
فتاوى عامة
585
عائشة ـ رضي
الله تعالى عنها عاماً من مات وعليه صيام صام عنه ـ
وليه»، من غير تقييد بحال من الأحوال، وأما الصلوات فلا ينتقل فرضها إلى الغير، والله تعالى أعلم.
امرأة لديها ولد يتيم معوق تريد أن تطعمه في نهار رمضان، فهل في
ذلك حرج؟ إن كان غير واع بحيث لا يتصور العبادة ولا يعرف وجوبها عليه فالتكليف ساقط عنه، ولا حرج في إطعامه، وإن كان يتصور العبادة ولكنه لا يقدر عليها فالتكليف بنفس الصيام ساقط عنه، ولكن على القول الراجح عليه أن يُطعم عن كل يوم مسكين إن كان قادراً على الإطعام، عملاً بقول الله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184]، بناءً على أن الآية محكمة غير منسوخة وأن المقصود بقوله يطيقونه يتكلفونه، والله تعالى أعلم.
ما هو الحد في التصرفات المالية التي يتصرف بها المعوقون؟ ومتى تتاح لهم فرصة ممارسة هذه المعاملات وما هي الضمانات التي جعلها الشرع حفاظاً على أموالهم؟ الشخص المعوق إما أن تكون علته جسمية وإما أن تكون علته عقلية، فإن كان ما به يتعلق بجسمه وكان عقله وافراً، بحيث لم يكن متأثراً في أفكاره ولم ينعكس ما به من علة على تصرفاته وأعماله فإن له حرية التصرف، فهو يبيع ويشتري، ويتزوج ويُزوج كغيره من الناس وله أن يبرم أي اتفاق بينه وبين غيره، أما إن كان الذي به أمراً يعود إلى عقله أو إلى سوء تصرفه كالجنون والعته وبعض التصور الخاطاء وذلك بأن تكون به غرة أو كان (2/585)
صفحة 1031
586
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
غير قادر على تصور الأمور كما هي - وهؤلاء هم الذين يعبر عنهم بالحمقى والمغفلين ـ وهم الذين أصيبوا بشيء من الحجاب المانع من نفاذ شعاع العقل إلى تصرفاتهم حتى تكون هذه التصرفات منضبطة انضباطاً تاماً، فهؤلاء يمنعون من التصرف بسبب هذه الآفة، فقد يندفع أحدهم فيبيع ويشتري من غير أن يفكر في مصلحته، ومن هذا الباب السفه وهو عبارة عن خفة تؤدي بالإنسان أحياناً إلى ألا يُبالي بما ينفعه في ماله سواء كان ذلك في بيع أو اشتراء أو عطاء للمال، وإنما يُمنعون من التصرف بقدر ما تصان به أموالهم حتى لا تكون عرضة للتلف، وبقي الكلام في الضرير، قال العلماء بأنه يُمنع من البيع والشراء إلا بواسطة وكيله لأنه قد لا يتصور ما يبيعه، فلا يتصور قيمته اللّهم إلا إذا كان الذي يبيعه شيئاً منضبطاً معلوماً كالمياه مثلاً، لأن المياه التي يُسقى بها ـ وهي المعبر عنها بمياه الأفلاج - منضبطة ومعلومة ولا تحتاج إلى نظر، فما كان غير محتاج إلى النظر، لأن تقديره لا يعود إلى النظر لا يُمنع الأعمى من بيعه، وإن كان بعض أهل العلم يرى أن الأعمى الحاذق القادر على ضبط تصرفاته في بيعه وشرائه لا يمنع من البيع والشراء، والله تعالى أعلم.
فتاة كانت تعلم أنها إذا ما تزوجت من شاب تقدم إليها ستنجب أطفالاً معوقين لأن الطبيب أخبرها بذلك، ولكنهما تزوجا فأنجبت طفلة معوقة فرمتها في المستشفى أو في دار الحضانة بحجة أنها لا تستطيع أن
تربيها؟
هذا مما يدل على نضوب العاطفة، وإلا فقلب الأم أرحب القلوب وصدرها أوسع الصدور وضميرها أحيا الضمائر، وأحاسيسها أكثر جيشاناً من أحاسيس غيرها، هذا هو المعتاد، ولكن قد يتبلد الحس وتتحجر المشاعر (2/586)
صفحة 1032
فتاوى عامة
587
والعواطف حتى تؤدي بالأم إلى أن ترفض تربية ولدها، فعليها أن تتقي الله في هذه المولودة فإنها لا يعنيها مما وقع بها شيء، إذ ذلك إنما هو قدر الله، وعليها أن تدرك أنها نفس بحاجة إلى الحنان والعطف والرعاية، والله تعالى الموفق.
في بعض الأحيان يولد طفل مشوه بحيث يتبرأ منه الوالدان، هل يصح للطبيب أن يعامل هذا الطفل بخلاف ما يعامل به بقية الأطفال، فيقوم مثلاً بتقليل الدواء وما شابه ذلك عنه؟
معاذ الله
من ذلك، لماذا يتبرأ الوالدان من طفل وضعه يستدر ويستوجب الشفقة؟ فإن هذا مما يُخالف تعاليم الإسلام، لأن الإنسان كلما كان أضعف كان أولى بأن يُمنح الرحمة والشفقة من الناس فكيف بالوالدين والطبيب؟ فعلى الطبيب أن يكون أشفق بهذا منه بغيره.
فتاة خلقها الله تعالى مُعاقة فى رجليها ولكن بعض الذين يكونون حولها يعيرونها بإعاقتها، ويقولون لها: إن الله له كان يعلم أنك لو
خلقت سليمة ستكونين جائرة في الأرض»، فتريد نصيحة لهم؟
بئس ما يقولون، فهذا الكلام لا يصدر إلا عن جهل وعنجهية وعدم فهم للواقع ولا معرفة لحكمة الله تعالى، فإن الله تعالى يبتلي من يشاء من عباده بما يشاء من البلاء، وأعظم الناس بلاء الأنبياء ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، والبلايا تتنوع، فقد يُبتلى الإنسان بمصيبة في بدنه أو في ماله أو في، عرضه، وقد يبتلى بمصيبة في أهله وذريته، وقد يُبتلى بمصيبة في عزه وشرفه، وكل مصيبة تصيب الإنسان ترفع من قدره وتُعلي من شأنه عند الله عندما يحتسب أجره عنده تعالى ولا يجد في نفسه غضاضة مما أصابه، (2/587)
صفحة 1033
588
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ويجب على الناس أن يخففوا عن أصحاب المصائب مصائبهم لا أن يضاعفوا المصائب عليهم بجعلها سبباً للسخرية منهم والاستهزاء بهم والاستخفاف بأقدارهم والتنكيت عليهم، فإن هذا إنما هو شأن الجهلة الذين لا يُفرقون بين الضب والنون ولا بين الثمرة والجمرة، وعلى العاقل أن يترفع عن مثل هذا التصرف وأن يكون حليماً في تصرفه ودوداً إلى الناس يحب لهم الخير، ويستعطفهم بأخلاقه وبحسن معاملته، ويتلطف بالضعفاء كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح، فهذه المعاملة من الآباء والأمهات ومن الإخوة والأخوات ومن المجتمع في حق المصابين دليل على تحجر العقول وعلى عدم الفهم والإدراك لحكمة الله تبارك وتعالى، وإلا فما على الإنسان إلا أن يشكر الله تعالى على نعمة العافية إن كان معافى كما أن على المُبتلى أن يصبر على البلاء إن كان مبتلى، والله تبارك وتعالى يؤتي فضله من يشاء.
بعض الناس يتخذون هؤلاء الذين ابتلاهم الله بعاهة في عقولهم مجالاً للسخرية والتسلية، فما نصيحتكم لهؤلاء؟
هذا يعود إلى ضعف الوازع الديني من ناحية وإلى عدم التربية الأخلاقية من ناحية أخرى، فإن من تربى على الأخلاق الفاضلة وعلى توقير الكبير والرحمة بالصغير لا يمكن أن تصدر منه هذه التصرفات، لأنها تصرفات قوم شاذين خارجين عن الفطرة السليمة التي فطر الله تعالى عباده عليها، وإنما دفعت بهم التربية السيئة إلى الانزلاق في هذه المزالق والوقوع في هذه المهالك، والإيمان حاجز للإنسان عن ذلك كله، لأن المؤمن يُدرك تمام الإدراك أن الله تبارك وتعالى هو الذي خلق المصاب هذا الخلق وهو الذي حرمه من نعمة العقل، ولما كان هذا ابتلاء من الله تبارك وتعالى (2/588)
صفحة 1034
فتاوى عامة
589
طاعة
فالسخرية منه إنما هي سخرية من الله الذي ابتلاه هذا الابتلاء، وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يبتلي من يشاء من عباده بالحرمان من بعض النعم حتى يبلو صبره من جزعه كما يبتلي من يشاء من عباده بتوفير النعم ليبلو شكره من كفره، فجدير بمن يتصور نفسه عاقلاً أن يستخدم. هذه النعمة في المُنعِم وذلك يقتضي أن يكون حريصاً على عدم احتقار أحد من الناس أو تنقيصه بسبب ما به من آفة أو عاهة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يقتله ولا يحقره، بحسب امراء من الشر أن يحقر أخاه المسلم»، على أن التسلية لا تكون بهذا إنما يتسلى الإنسان بالنظر في آيات الله والاعتبار بخلقه واستجلاء نعمه في هذه المخلوقات التي خلقها الله وسخرها لعباده، فإن ذلك هو الذي يسلي الإنسان، على أن الإنسان يعلم أن كل ما بيده من نعمة إنما هو من عند الله وأن الله تعالى قادر على أن يسلب منه أي نعمة من هذه النعم في أي وقت من الأوقات، من غير أن يتوقف هذا السلب على إرادة الإنسان، فالحياة تُسلب من الإنسان على غير اختيار فيتحول إلى جثة هامدة وقد يتحول من وفرة العقل إلى أن يكون أقل الناس عقلاً يتصرف تصرف المجانين، وقد يتحول من صحة الجسم إلى الإصابة بعاهة من العاهات التي تجعله عبرة لعباد الله، فالعاقل هو من اعتبر بغيره، والأحمق أو الجاهل من اعتبر به غيره، والله تعالى أعلم.
يتبرع
هناك مؤسسات خيرية تجمع الأموال للمعوقين، هذه المؤسسات تقوم بحفلات لا تجوز شرعاً أو يكون فيها اختلاط بين الرجال والنساء، فهل يجوز لهم أن يتبرعوا لها؟
لأولئك المعوقين من غير هذه الطريقة، وذلك بأن يحرص على أن
يدفع لهم ما يمكنه دفعه مباشرة، والله تعالى أعلم. (2/589)
صفحة 1035
590
السحر وحقيقته
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ما حقيقة السحر؟ وما مدى تأثيره على الناس؟
يجب أن يكون لدينا في قرارة نفوسنا جميعاً أن هذا الكون بأسره سماءه وأرضه، علويه وسفليه ملكه وملكوته ظاهره وباطنه، روحه ومادته هو ملك الله الله فلا يملك أحد لأحد نفعاً ولا ضراً، ولا يستطيع أحد مهما كان أن يجلب مصلحة لنفسه أو يدفع مضرة عنها إلا بإذن الله تعالى، ولئن كان الحق تبارك وتعالى يخاطب خيرة رسله وصفوته من خلقه سيدنا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام فيقول له: {قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرُ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188]، فكيف بمن عداه، فكيف يتصور الإنسان أن الخلق يملك بعضهم لبعض تحقيق منفعة لم يردها الله تبارك وتعالى، أو دفع مضرة شاء الله تعالى وقوعها، يقول سبحانه وتعالى: {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَأَتَخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظُّلُمَتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّرُ} [الرعد: 16]، ويقول الله تعالى: {وَلَيْن سَأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَ اللهُ قُلْ أَفَرَهَيْتُم مَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ (2/590)
صفحة 1036
فتاوى عامة
591
بِضُرٍ هَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرِهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكَّلُونَ} [الزمر: 38]، ويقول: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
ج
[فاطر: 2]، ويقول تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنعام: 17]، ويقول: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرِ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس: 107]، كل ذلك من أجل أن تصفو عقيدة الإنسان ويخلص إيمانه ويتوجه يقينه إلى ربه سبحانه وتعالى، موقناً أن الخلق أجمعين لا يملكون شيئاً من تحقيق المنافع أو دفع المضار، فلا يتعلق الإنسان بالجن ولا بالشياطين ولا بالسحرة ولا بغيرهم إنما يتعلق بالله سبحانه وتعالى، فإذا سأل فإنه يسأل ربه سبحانه وإن دعا فإنه يتجه إلى الله بدعائه، وهكذا علم النبي صلى الله عليه وسلم حبر الأمة وترجمان القرآن الكريم عبد الله ابن عباس إذ قال له: يا غلام إني أعلمك كلمات: إحفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده اتجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك. ولكن مع هذا فإن الله يبتلي بعض عباده ببعض، ويبتلي بعض مخلوقاته ببعض الحكمة يعلمها، فهو يسلط من يشاء على من يشاء، ويقي شر من يشاء من يشاء، وكل ذلك لأنه الله مدبر هذا الوجود ومصرفه ويفعل في خلقه ما يريد لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ولا تبديل لكلماته، وذلك لابتلاء العباد - عندما يبتلون بمثل هذه المواقف - هل يصبرون أم يجزعون؟ فإن الإنسان مجزي بصبره خيراً عظيماً، وقد بشر الله الصابرين آيات كثيرة، منها قوله سبحانه وتعالى: {وَبَشِّرِ الصَّبِرِينَ} [البقرة: 155]
في (2/591)
صفحة 1037
592
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ويقول الله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10]، وهذا لأجل أن يوطن الإنسان نفسه في جميع الشدائد التي يلقاها والمحن التي يكابدها ويواجهها حتى لا يجزع عند وقوع شيء من ذلك، بل يكون أشد صلة وإيماناً به الله والسحر الذي ذكر في القرآن الكريم إنما هو نوعان: سحر تخيل، بحيث يخيل الإنسان للإنسان ما ليس بواقع أنه واقع وهذا أمر معهود وأنا شاهدته بنفسي، فقد كنت في الصين ورأيت أحداً من الناس جاء بورقة ولواها ثم أخذ يصب فيها حليباً وبعد حين نفض هذه الورقة وإذا بها بدلاً من أن ينسكب منها حليب يسقط منها منديل، ثم بعد ذلك غطى على
ء،
المنديل بشيء، ثم كشف عن هذا الغطاء فإذا ببطة تسمى عندهم ببطة بكين تطير من هناك، وهذا كله من السحر وليس هو من الحقيقة في شيء والله له ذكر مثل هذا في قصة موسى مع فرعون عندما قال: {يُخَيَّلُ الله إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه: 66].
والنوع الثاني: يكون بإلقاء العداوات والكره في النفوس بحيث تكره نفس نفساً أخرى وهذا يقع، يقول الله تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، ولكن مع هذا يقول: {وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَقَ وَلَبِثْ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 102]، فهم لا يملكون أن يوقعوا المضرة إلا عندما يريد الله تبارك وتعالى وقوعها ابتلاء منه سبحانه وتعالى، فالسحر لا ينفعل بنفسه وإنما ينفعل بأمر الله تعالى، أما ما شاع وذاع في أوساط الكثير من الناس من أن السحرة يأكلون لحوم البشر، وأنهم يخفون البشر ويظهرونهم للناس كأنهم موتى وأنهم يخيلون للناس أن فلاناً ميت وما هو بميت وإنما أخفي من قبل الساحر وأن الذي يغسل هو جماد وليس ذلك الرجل الذي يخيل (2/592)
صفحة 1038
فتاوى عامة
593
الأدمغة
إليهم أنه مات، فكل ذلك لم يقع، ولم يدل عليه دليل قط لا من كتاب الله ولا من سُنَّة النبي لا بل هو من الأوهام والأساطير التي تعشش في المريضة والتي يروج لها في المجتمعات الساقطة، التي شاع فيها الجهل وانحسر فيها العلم، وقد تابعت قضيتين اثنتين، الأولى أني سمعت الكثير من الناس أن شاباً مات ودفن ووقف أبوه على قبره ودفنه بنفسه ثم بعد سنتين ظهر، فجاء أبو هذا الشاب وأمه إلي وذكر أن ابنهما وجداه بعينه، وأن كل العلامات التي كانت لابنهما ظهرت في هذا ولكن قالا بأنه استولى الساحر على عقله فلا يعترف بأبوة أبيه أو بأمومة أُمه بل أصبح ينتمي إلى ذلك الساحر، وإذا بي في نفس اليوم ألقى ذلك الشاب في عزاء فحضر أمامي وعرض علي قضيته بأنه طلق امرأته وهو في حالة يرثى لها بسبب فقدانه الوعي والنباهة، فسألت عنه أهذا الذي يقال بأنه مسحور؟ فقيل لي: نعم، وقد وصل الأمر إلى حد أن بعض الجهات الرسمية صدقت بهذا
من
الأمر، حتى قالوا للذي يدعي أنه أبوه خذه إليك، لما جاء به هو وامرأته العلامات التي ظهرت فيه، إلا أن جماعة من الناس شهدوا بأنه ابن فلان وأنهم عرفوه منذ ولد إلى ذلك الوقت، كما أن ابن خالته شخصية لها مكانة اجتماعية في الدولة والمجتمع، ولذلك كان وجوده سبباً للحيلولة دون هذا التصرف الأهوج، والقضية الأخرى روج لها كثيراً، إذ أشيع بأنه ظهر شاب بعد سنين وبعدما مات أبوه، جاء هذا الشاب إلى أُم ذلك الشاب المتوفى وأظهر لها العلامات التي تعرفها في ابنها وأخذ يحدثهم عن قصص ذلك الشاب وما كان من أمره، ثم تورط بعلاقة مع امرأة خائنة واتفق هو وإياها على التخلص من زوجها، وفعلاً وقع هذا التخلص، إذ قتلاه جميعاً لأجل أن يتزوجها فيما بعد، وبعد هذا كله رصدت القضية باسم ذلك الذي قالوا عنه بأنه مسحور، وقد غرر بأم ذلك الشاب وصدقت كل تصديق، وعندما (2/593)
صفحة 1039
594
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
عرضت القضية عليّ من اللجنة الشرعية، سألت هذا الرجل: ما اسمك الحقيقي؟ فاعترف بالحقيقة وقال اسمي فلان ابن فلان الفلاني، وأبي هو فلان ابن فلان الفلاني وأمي فلانة بنت فلان الفلانية، واندهشت تلك العاهرة التي شاطرته الجريمة وقالت له ألا تقول بأن أُمك فلانة، فقال لها: ليست بأمي، ولكنني ابتليت بها فقلت له بل هي التي ابتليت بك»، فاتضحت حقيقة هذا الرجل قبل أن يعدم وتبيّن أنه لعب بعقول الناس وعندما سألته من أخبرك بقصص ذلك الشاب الذي توفي من سنين حتى تقمصت شخصيته وأخذت تحكي قصصه التي تحكيها كأنك شاهد عيان وكأنك صاحب هذه القصص التي تحكيها، فأخبرني بأن أخاه هو الذي علمه تاريخه جميعاً وحفظه إياه حتى استطاع أن يغرر الناس بما يحكيه منه، فهؤلاء وأمثالهم إنما هم شياطين يلعبون بعقول الناس ويجدون في المجتمع المنحط من يساندهم، والله المستعان.
هل فعلاً سُحِرَ النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟ ذلك مما ورد في الصحيحين وتلقاه كثير من الناس - مع الأسف الشديد بالقبول، ولكن عندما نرجع إلى التحقيق ندرك أنه ليس كل ما ثبت سنده ثبت متنه، فالروايات يجب أن تنقد من حيث المتون كما يجب أن تنقد من حيث الأسانيد ولا يكفي نقد الإسناد وحده، ومما هو معلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معصوماً، وحالة السحر التي حكيت أنها أصابته بحيث يخيل إليه يفعل الشيء وهو لا يفعله، وأنه يأتي نساءه وهو لا يفعل ذلك، لا يمكن بحال من الأحوال أن تصيب المعصوم صلوات الله عليه والذي ينزل عليه الوحي من عند الله، لأن هذا مما يجعل المجرمين يشككون في الوحي، لأن الوحي على هذا غير مأمون أن يكون أصيب بالتحريف من جراء هذا
أنه (2/594)
صفحة 1040
فتاوى عامة
الذي يزعم هؤلاء الزاعمون أنه أصيب به النبي، ومن خلال ذلك روج لقصة، الغرانيق وما هي من الحقيقة في شيء، إنما هي خيال في خيال ولكن تلقفها المتلقفون وأظهروها في صورة مزوقة تغري النفوس لقبولها، فعلينا أن نوقن بأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم من عند الله وأن كل ما ينطق به إنما هو وحي من عند الله، فلا يمكن أن يؤثر عليه سحر الساحرين كما لا يمكن أن تتدخل الشياطين في الوحي الموحى إليه من رب العالمين حتى يخيل للناس ما يبديه أولئك الشياطين أنه من جملة الوحي، والله تعالى المستعان.
يمر
هل يستطيع الساحر أن يخفي أحداً عن الأنظار من دون أن يميته؟ قد يُخفي نفسه، فيمكن للساحر أن يخيل للناس من سحره أنه أنه يمر كما الحيوان هذا من المحتمل، وقد ذكر أنه يمكن أن يخيل للناس غير الواقع بأنه واقع، ولكن أن يتصرف بنقل أحد من مكانه إلى مكان آخر ويخفيه عن الأنظار ويأتي بخشبة مثلاً فيصورها في صورة إنسان فهذا مستحيل لا
يصدق.
كثيراً ما نسمع بأن فلان سحر وأن الجثة الميتة ما هي إلا تصوير لعين الناس، وأن الجسد الحقيقي للشخص الميت أخذه الساحر مع الشخص الميت إلى مكان آخر ما مدى صحة هذا القول؟
6
هذا من الهراء الباطل الذي لا يلتفت إليه إلا الحمقى والجهلة.
بعض الناس يعتقدون أن الشيطان يتمثل في صورة ابن آدم أربعين يوماً،
فهل هذا حقيقة؟
كثير من القضايا هي من وحي الشياطين ومن ذلك ما يسمى الآن بتحضير (2/595)
صفحة 1041
596
كان يزعم
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
الأرواح، وقد كنت أتابع هذه القضية منذ ثلاثين عاماً وأسأل عنها لما أشيع أن هنالك من الناس من يحضر الأرواح، مع أن القرآن الكريم يدل على أن تحضير الأرواح من المستحيل، لأن الله تعالى يقول: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوح قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85]، ويقول سبحانه: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْرًا} [مريم: 98]، ويقول: اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى: [الزمر: 42]، فإن كانت الروح التي ماتت يمسكها الله فمن الذي يستطيع أن يطلقها من الله لتعود وتتحدث مع الناس، تابعت هذه القضية وسألت بعض المشايخ الذين جربوا هذا الأمر، فذكروا أن رجلاً من الناس أنه يحضر أرواحاً بطريقة معينة، وكان الناس يلتفون من حوله، يقول له أحدهم حضر روح فلان وآخر حضر روح فلان وهكذا، يقول المتحدث: «وإذا بي أرغب أن أسمع من روحي بعض الحديث»، فقلت له: أنا فلان بن فلان فقال طيب، وكان هنالك «زنديل» تحضر عنده الروح حسب ما يزعمون فتحرك الزنديل، فسئل: من أنت؟ فقال: فلان - اسم الرجل نفسه، يقول: «فطرحت على هذا الذي حضر عن أشياء لا يعلمها غيري فأجابني بها فتعجبت من هذا الأمر» ولكن عن بعض الأمور كحفظ القرآن وغير ذلك فإذا به ليس على صفته، فقلت له: من أنت وأصدقني فيما تقول؟ فقال لي: «أنا قرينك» أي هو القرين من الجن يتحدث بهذا ليضلل الناس، وبهذا يتبين أن هؤلاء إنما يحضرون الشياطين الذين يريدون أن يضلوا الناس الذين لهم صلة بهؤلاء الشياطين من خلال خبث النفوس، لأن الشياطين تألف النفوس الخبيثة كما تألف الملائكة الأرواح الطيبة.
حضر روحي
أسئلة
سألته (2/596)
صفحة 1042
فتاوى عامة
597
امرأة كان لها زوج شديد وقاس وكان يعمل الأعمال السحرية ليضر بها الناس وكان يجبرها أن تدفن تلك الأعمال السحرية في أماكن معينة ثم تشاهد بنفسها المقصودين بالسحر يتضررون وهي الآن مطلقة وتائبة ولكنها تسأل عما يمكن أن تُكفّر به عن ذلك السحر؟
6
إن الله تبارك وتعالى لم يترك الناس سدى ولم يخلقهم هملاً، فكل إنسان محاسب على ما قدم وما أخر أَيَحْسَبُ الإِنسَنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِي يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَدِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الموتى} [القيامة: 36 - 40]، (بلى لهذا كانت طاعة من تحق له الطاعة من البشر مؤطرة في حدود طاعة الله وطاعة رسوله، فما كان لأحد أن يطيع أحداً من الناس أياً كان زوجاً أو والداً أو أي أحد له شأن وقدر ورفعة في معصية الله سبحانه وتعالى، فإن معصية الله الا الله أمر عظيم، ومن شأن المؤمن ألا يتردد في طاعة الله وطاعة رسوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ هَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36].
أكبر
هذا والسحر هو أكبر الكبائر لأنه من ضمن الإشراك بالله، الذي هو الكبائر، إذ في السحر طاعة للشيطان وتجاوب مع عمله وانقياد له وإيثار لطاعته على طاعة الله، وكفر بما أنزل الله الله، لذلك كان السحر معدوداً من جملة الإشراك، وقد جاء في الحديث عن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام: «اقتلوا الساحر والساحرة»، فحكم الساحر والساحرة أن يقتلا بسبب ردتهما عن الإسلام، على أن السحر مهما كان إنما يضر من كتب الله تعالى عليه التضرر به، فالله الله يقول: {وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 102]، ولكن مع ذلك هو من أعظم الكفر، ومما يدل على أن السحر داخل في ضمن الكفر قوله الله تعالى: {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا (2/597)
صفحة 1043
598
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَرُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَكهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 102]، ومعنى ذلك أن من تعلم السحر فهو كافر، ومن سعى وراء ضلالة السحر فهو كافر، فما كان لهذه المرأة أن تطيع زوجها فيما يأمرها به من الكفر ومخالفة الحق، وعليها مع التوبة إلى الله له الا الله أن تتخلص إلى أولئك الذين تضرروا وذلك بأن تضمن أي تضرر أصابهم في أنفسهم وأموالهم إلا أن ينزلوا عن حقهم ويعفوا عنه فإن ذلك أمر سائغ، والله تعالى أعلم.
أن امرأة ملتزمة بديني وأعتني ببيتي وأولادي وقبل فترة من الزمن تزوج زوجي امرأة أخرى ذات خلق ودين، ولكن إحدى القريبات مني فكرت «بعمل» يفرق بين زوجي وزوجته فقمت بهذا العمل وتم التفريق بين زوجي وزوجته، وزوجي في الحقيقة لا يؤمن بهذا، ولا يشك فماذا عليّ؟
في
أبداً،
من تعامل مع السحرة فقد كفر، فعلى هذه المرأة أن تتوب إلى الله توبة نصوحاً، وأن ترجع إلى حظيرة الحق التي خرجت منها، وأن تطلب من زوجها العفو عما أجرمته في حقه، وأن تطلب من تلك المرأة التي تسببت للفراق بينها وبين زوجها بأن تسامحها، وعليها أن تصلح ما أفسدته بقدر المستطاع، فإن كانت دفنت شيئاً من هذا العمل الخبيث في أي مكان فعليها أن تنزعه وتتلفه، ولتدعُ الله تعالى بأن يقضي على أثر السحر الخبيث، وبهذا تكون ذمتها بريئة وتوبتها مقبولة بإذن الله تعالى. (2/598)
صفحة 1044
فتاوى عامة
599
هنالك من يعالج بالقرآن الكريم، ويخبر المريض بأنه مسحور، أو أن أحداً من الناس وضع له عملاً، فكيف استدل المعالج لذلك؟ وما الحكمة من سؤال المعالج عن اسم أم المريض؟
أما السؤال عن اسم أم المريض فذلك يدخل في التنجيم، والتنجيم باطل، وهو حرام لا يجوز لأحد من الناس أن يفعله، ولا يجوز لأحد من الناس أن يأتي من يفعله، وما التنجيم إلا بقية من معتقدات الذي يعتقدون أن لهذه النجوم تأثيراً في حياة الناس، ويجب على الناس ألا يصدقوا الذي يدعي علم الغيب، لأن القرآن صريح بأنه لا يعلم الغيب إلا الله فلا يجوز لأحد قط أن يصدق أن هناك من خلق الله تعالى من يعلم الغيب في السماء وفي الأرض، ومن كان في قرارة نفسه خلاف ذلك فقد كفر بما أنزل على محمد، وعلى أولئك الذين يتورطون بالذهاب إلى هؤلاء العرافين أن يعودوا إلى ملة الإسلام وأن يستلهموا الحقائق من القرآن الكريم، وأن لا يقعوا أسرى لأولئك الذين يروجون بينهم هذه الأوهام، فإنهم بهذا تعمى عليهم السبل ولا يجدون الطريق الذي يؤدي إلى الحقيقة، فليتقوا الله تعالى وليرجعوا إلى رشدهم، يقول النبي: من أتى عرافاً فسأله فقد كفر بما أنزل على محمد، والله تعالى المستعان.
ما مدى صحة استخدام المعالج للأخوة المسلمين من الجن في إبطال الأعمال، وأمراض النفس؟
الجن لا يعلمون الغيب، فالله تبارك وتعالى يقول: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} [سبأ: 14]، والتعلق بهم من دفع الضرر أو من أجل تحقيق المنافع أمر لا يزيد المتشبثين إلا رهقاً، بل
أجل (2/599)
صفحة 1045
600
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
هو وليد الأوهام والجهل والخرافة فلا يجوز لأحد أن يصدقه، وإني من تصديق هذه الأشياء من قبل أحد يتلو كتاب الله تعالى ويقرأ
من
لأتعجب سورة الفاتحة الشريفة في صلاته، وفي هذه السورة ما يبين أن الاستعانة لا تكون إلا بالله كما أن العبادة لا تكون إلا له يقول الله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، وهذا في الأمور التي لم يجعل الله تعالى التعاون فيها بين الناس من سُنن الحياة ونواميس الوجود، أما الأمور التي جعل الله تعالى التعاون فيها بين الناس من سنن الحياة ومن نواميس الوجود فلا مانع من استعانة أحد بأحد، فللإنسان أن يأتي إلى غيره من الناس ليقول له أعني بإقراض مبلغ من المال، ولكن ليس له أن يقول له أعني فاجعلني الأغنياء، وله أن يقول له أعني بالعلاج من هذا المرض ولكن ليس له أن يقول له: أعني بالشفاء من هذا المرض، فإن الشافي إنما هو الله الله وللإنسان أيضاً أن يقول لغيره: أعني على حمل هذا الحمل أو تحمل عني هذا الحمل، ولكن ليس له أن يقول له: أعني بحيث تجعلني قوياً قادراً على هذا الحمل، فإن ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى، ولما كان ذلك من مقدور الله وحده فليس لأحد أن يستعين عليه بأحد إلا به تبارك وتعالى، فليس له أن يستعين بإنسي ولا جني، لأنهم جميعاً لا يملكون دفع الضرر ولا يملكون تحقيق المنفعة إلا بأمر الله تعالى، وقد علمنا الله تعالى من خلال ما يحكيه عن إبراهيم الله أن الشفاء من عند الله: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 480، ولكن بما أن الله تعالى جعل لكل داء دواء، فالطبيب المعالج يستعمل الدواء النافع سواء كان هذا الدواء حقنة أو شراباً أو عملية يجريها، أما أن يكون الطبيب يملك بأن يشفي لكان لهذا الطبيب أن يدفع الموت عن الناس وكم من أحد يعالجه الطبيب
أحداً فلا، وإلا
فيتماثل للشفاء وإذا به بعد ذلك يموت وهو على تلك الحالة. (2/600)
صفحة 1046
فتاوى عامة
601
قال الله تعالى: {وَجَاه و بِسِحْرٍ عَظِيمِ} [الأعراف: 116]، لماذا أسماه
عظيماً؟
لأنهم خيلوا لموسى عال مع أنه كان من أرسخ الناس عقلاً وأحياهم نفساً وأكثرهم بصيرة أنها تسعى وما هي بساعية، والله تعالى أعلم.
الناس يلصقون بمن يتهمونه بالسحر بعض الصفات فيقولون بأن الساحر لا يمكن أن يقرب مسجداً أو أن يذهب إلى الحج، فإذا وجدوا شخصية من هذا النوع اتهموه بالسحر فهل هذا صحيح؟
لا، فالساحر قد يأتى المسجد، والله تعالى أعلم.
هل يعد الساحر كافراً؟
نعم هو كافر لأنه يستمد من وحي الشيطان، وليس هو من الإيمان في شيء، ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله فقال: «اقتلوا الساحر والساحرة».
ما هي عقوبة الساحر في الآخرة؟
عقوبته في الآخرة عذاب جهنم خالداً مخلداً فيها أبدا.
الإنسان الذي لا يعتني بنظافة بدنه وملابسه هل يكون معرضاً للسحر؟ الشياطين تألف الخبيث، فإن كان لا يتقي النجاسات فلربما كان ذلك سبباً لقرب الشياطين منه، وقد يكون الخبث المعنوي أيضاً سبباً لأسر الشياطين لأولئك، يقول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ تَؤُزُهُمْ أَنَّا [مريم: 83]، وأعني بالخبث المعنوي أن يكون الإنسان خبيث النفس عاصياً الله الله مجانباً لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وللصيام والحج وسائر العبادات بعيداً عن ذكر الله، فإن ذلك مما يؤدي إلى أن تتلبس به الشياطين، والله تعالى أعلم. (2/601)
صفحة 1047
602
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
من خلال تفحصنا للواقع نجد أنه قد تنشز زوجة أحدهم عليه فيبقى حائراً هل ذلك النشوز هو بسبب السحر أم بسبب أنها لا تحبه أو لا ترغب فيه فيرتبك ولا يدري كيف يتصرف فهل هنالك علامات معينة تدل على أن الزوجة إنما تأثرت بفعل السحر؟
نحن لا ننكر أن يكون هنالك سعي من بعض السحرة والدجالين للتفريق بين المرء وزوجه كما قال الله تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} [البقرة: 102]، ولكن مع هذا لا يقع إلا بقدر من الله: 102]، وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 102]، فالضرر إنما يقع إذا كتبه الله تبارك وتعالى وإلا فالأصل أن لا يؤثر سحر الساحر حتى يكون ذلك أمراً مقدراً من قبل الله سبحانه، وكثير من الناس ربما يتوهمون أن ما يقع بينهم من خصومات وما يقع بينهم من خلاف إنما هو بسبب سحر الساحرين، ولا يلزم أن يكون ذلك صحيحاً، بل هذا لعله من النادر أن يكون بسحر السحرة فإن كره المرأة لزوجها وكذلك كراهة الرجل أحياناً لامرأته قد يحصل بدون أن يكون هنالك سحر، والخلاف ما بين الزوجين يقع حتى في أطهر البيوت وهو بيت النبوة، فالنبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام كان أحياناً يقع خلاف بينه وبين أهله نساءه لمدة شهر وما ذلك إلا بسبب ما يقع من خلاف فيما بينهم، فلا يُعدّ هذا أمراً خارجاً عن الطبيعة والمألوف، والله تعالى أعلم.
حتى
أنه
خير (2/602)
صفحة 1048
فتاوى عامة
مس الجن
603
قضية تلبس الجن بالإنس هل هي حقيقة أم هي أمور نفسية؟
هذه قضية بحثها العلماء ووقفوا منها موقفين منهم من قال بدخول الجن في جسم الإنس لأن أجسامهم أجسام لطيفة أي هم أقرب إلى الروحانية فلذلك يتمكنون من الدخول، ومنهم من قال بعدم دخولهم لأنهم ولو كانت أجسامهم لطيفة إلا أنهم أجسام فلا يتلبس جسم بجسم، ولكن مع هذا هنالك تأثير من حيث الإيحاء فقد يتكلم الإنسان كلاماً يوحيه إليه الجني الذي تلبس به بطاقته الروحانية لا يدخله في جسمه حسب ما يبدو، وإنما يؤثر عليه تأثيراً حتى يتحدث مما يتحدث به، وعلى أي حال هذه القضية قضية لا ننكر وقوعها إلا أن ذلك قد رُوج له ترويجاً عجيباً عند الناس، وهذا الذي جعل الناس يتأثرون تأثراً نفسياً عجيباً، وتترادف عليهم الأمراض النفسية، وتكثر عندهم الأوهام، وتشيع عندهم الخيالات حتى يتحدث الإنسان بأنه رأى كذا ورأى كذا وأنه يحس بكذا في حالة نومه أو في حالة انفراده أو في غير ذلك من أنواع الحالات، وهذا في الغالب ناشيء عن حالات نفسية، فقد وصل الأمر بالناس أن أحداً إذا أحس حشرجة في حلقه قال هذا من أثر الجن أو أوجعته أذنه قال هذا من الجن، أو وجع رأسه قال هذا من الجن، أو أصابه أي شيء قال هذا من (2/603)
صفحة 1049
604
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
الجن، كأنما الإنسان ليس عرضة للبلاء، فمثل هذه الإشاعات أوحت إلى الناس إيحاءات غريبة، وأثرت عليهم تأثيراً نفسياً فلذلك كان من الواجب أن يكافح هذا بتعويد الناس على التصلب، ومع هذا فيؤمر كل أحد أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وعندما شكا عبد الله بن عمرو بن العاص إلى النبي عليه أفضل الصلاة والسلام أنه يرى أهوالاً في نومه علّمه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: «أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعذابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون ومن هنا فالمسلم مأمور أن يتقي الله في جميع أحواله، فيتقي الله عندما ينام فلا ينام إلا على طهارة، ويتقي الله عندما يستيقظ فيستيقظ على نية خالصة ترضي الله تعالى، وأن يذكر الله قبل نومه وعند يقظته، وفي جميع أحواله، فإن استدامة المسلم لذكر الله تبارك وتعالى في أحواله المختلفة سبب لوقايته من هذه الشرور والأوهام والخيالات، فليكثر الناس من ذكر الله تبارك وتعالى لتطمئن قلوبهم، فإن الله تعالى يقول: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28] والله تعالى الموفق.
إذا أصيب الإنسان بمس الجن وذهب إلى العرافين. فما حكم الإسلام في ذلك؟ جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من ذهب إلى عراف فصدقه فقد كفر بما أنزل الله على محمد»، لأن العراف يدعي علم الغيب، والله تبارك وتعالى يقول: {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل: 65]، ويقول: عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا
لا
[الجن: 26]، والنبي الذي هو أرفع الناس منزلة، وعلى صلة بالوحي يعلم الغيب اللهم إلا أن يوحي إليه ربه، فقد قال الله تعالى خطاباً له: (2/604)
صفحة 1050
فتاوى عامة
605
قل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرُ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188]، فكيف بغيره عليه الصلاة والسلام.
ما حكم الإسلام في الطلاسم التي تكتب ويبخر بها المريض الذي أصيب بشيء من الجن فبعضها يكتب عليها آيات قرآنية؟ الطلاسم المجهولة المعنى لا تجوز كتابتها خشية أن تكون شركاً أو باطلاً، والقرآن لا يجوز أن يكتب ليحرق، والله أعلم.
يقوم بعض العرافين والمنجمين بالاستعانة بالجن في أمورهم فعندما يذهب إليهم شخص مريض مثلاً يقوم هؤلاء العرافون بسؤال الجن عن سبب المرض فيصفون له الداء والدواء فيشفى المريض على أثر ذلك الدواء، فما رأيكم في ذلك مع العلم بأن هذا الشيء مجرب
وواقع؟
هذا من الاستدراج، فالله تعالى يقول: {سَنَسْتَدْرِجُهُم مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 182]، وليس ذلك دليلاً على أن هذا العمل حق، فإن الحق لا يقاس بنجاحه الشكلي الظاهر وإنما العبرة بحكمه عند الله تعالى، وبموافقته للدليل الشرعي، وقد بيّن الله تعالى لنا أن ادعاء علم الغيب دليل على عدم الإيمان بالله وبما أنزل، فالله تعالى يقول في وصف نفسه: {عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، رَصَدًا} [الجن: 26، 27]، فالله تعالى يخبرنا أنه لا يعلم الغيب أحد إلا ما يوحيه إلى الرسل من علم غيبه، أما من عداهم فلا يمكن أن يطلعوا على علم الغيب، وأخبرنا سبحانه أن رسول الله لا يعلم الغيب من تلقاء نفسه (2/605)
صفحة 1051
? • ?
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
وإنما يعلم ذلك بوحي يُوحيه تعالى إليه: قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ
يجب
علمه
[الأعراف: 188]، وقد أصيب النبي صلى الله عليه وسلم نفسه بما أصيب به بسبب عدم بالغيب، ولو كان يعلم الغيب ما مسه السوء، فقد حفر المنافقون له حفرة فوقع فيها، ثم بجانب ذلك فهؤلاء يتوسلون إلى الجن والشياطين بأمور تنافي العقيدة، وقد يتقربون إلى أولئك بقرابين، والقربان لا يكون إلا لله تعالى، قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162]، فليس لأحد أن يتقرب إلى أحد بنسكه أو بأي شيء كان، إنما القربان إلى الله الا الله والله وعمل أخبرنا بما كان عليه أهل الجاهلية فقال سبحانه: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالُ مِنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقَا} [الجن 6]، وهكذا شأن هؤلاء، فهم يعوذون بهؤلاء الجن وسيزيدونهم رهقاً، فما لهم والتعلق بهم، فالتعلق أن يكون بالله تعالى، فهو ل يقول في كتابه: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ، يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس: 107]، ويقول سبحانه: {وَإن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ} [الأنعام: 17]، ويقول تعالى: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا مَوْلَنَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51]، ويقول: ما يَفْتَح اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكَ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الحكيم} [فاطر: 2]، ويقول تبارك وتعالى: {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّرُ} [الرعد: 16]، ويقول: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَ اللهُ قُلْ أَفَرَءَ يْتُم مَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ (2/606)
صفحة 1052
فتاوى عامة
607
ج
بِضُرٍ هَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكَّلُونَ} [الزمر: 38]، وقد أخبرنا الله تعالى أن
الجن لا يعلمون شيئاً من الغيب، وذلك عندما قص علينا قصة سليمان علي ووقوعه على الأرض بعدما تأكلت منسأته فقال: فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيِّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} [سبأ: 14]، ويقول سبحانه وتعالى: قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ الله [النمل: 65]، فلا معنى للتعلق بهؤلاء، فإن كانوا يعتقدون أن أولئك الجن يشفون المرضى وأنهم متصرفون في هذا الوجود فذلك يُعد من الشركيات وكذلك مع التقرب إليهم بالقرابين نعم التعاون بين الناس مشروع ولكن فيما هو مقدور البشر: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2]، ولكن في الأمور التي هي من شأن الله تبارك وتعالى لا تكون إلا بالله إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، فكما تكون العبادة محصورة الله
الاستعانة
فكذلك الاستعانة، فلا يجوز شيء من ذلك، والله تعالى أعلم.
ما هي
الطريقة الصحيحة لعلاج المريض الذي دخله الجن؟
الطريقة الصحيحة قراءة القرآن الكريم على الجان إلى أن يرفع أذاه عن دعاء الله الله بأن يدفع شره وضره، والله أعلم.
المريض، مع
فتاة أصابها مس من الجان وأصبحت تعاني من أشياء لا أحد يفهمها، فمثلاً يحدث لها انتفاخ في جسمها حتى في لسانها فلا تستطيع الكلام، وهذا يمنعها من ممارسة حياتها بشكل طبيعي، وقد تقدّم لها العديد من الخطاب لطلب يدها لكنها عندما توافق وتقبل بذلك الشخص (2/607)
صفحة 1053
608
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
تمرض كثيراً أو يمرض هو حتى تكون النهاية الانفصال، وقد تكرر ذلك عدة مرات، نرجو إفادتنا وشكراً؟
أنصحها بأن تعمل بقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَبِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [الأعراف: 201]، فعليها أن تكثر من قراءة كتاب الله كل وأن تستعيذ به تعالى من الشيطان الرجيم ونفثه ومكره وخداعه وجميع ملابساته، وأن تكثر من قراءة المعوذات وآية الكرسي، وأن تكثر من قول: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87]، فإن الله تعالى نجى ذا النون بقوله ذلك: {وَنَجَيْنَهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ تُجِى الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء: 88]، وأسأل الله تعالى لها العافية ورفع هذا البلاء عنها، والله تعالى أعلم.
ما هي
التميمة؟ وما حكم تعليقها؟ وما حكم تعليق الحروز إذا كانت
مكتوبة بالقرآن بقصد التبرك بالقرآن لأجل الشفاء؟
الأصل هي
التميمة في ما كان يعلقه الناس في أيام جاهليتهم من الأشياء التي يعتقدون فيها دفعاً للضرر، وقد أدركنا بعض الناس في حالة جهلهم يعلقون بعض الأشياء من الحيوانات على الأطفال كأظفار الأسود مثلاً، وهذه هي التمائم المحرمة، بل من علق تميمة فقد أشرك، لأنه اعتقد أن ذلك المعلق يدفع عنه ضرراً ويحقق له خيراً، وهذا شرك إذ لا يملك أحد لآخر نفعاً ولا ضرراً إلا الله تبارك وتعالى وحده، فهو الذي يصرف هذا الكون، والآيات القرآنية تدلّنا على أن المعتقد الصحيح يحول بين الإنسان أن يفعل شيئاً هذه الأشياء، فإن القرآن الكريم جاء ليقرر عقيدة التوحيد، ومن التوحيد أن يعتقد الإنسان أن الله تبارك وتعالى وحده هو
وبين
من
الذي يدفع الضراء وأنه وحده هو الذي يحقق السراء، فالله الله يقول: (2/608)
صفحة 1054
فتاوى عامة
609
قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَنَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51]، ويقول سبحانه: وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنعام: 17]، ويقول ل: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرِ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ
بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ، يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يونس: 107]، ويقول سبحانه وتعالى: {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَا تَخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّرُ} [الرعد: 16]، وقول تعالى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ
لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [فاطر: 2]، ويقول: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَ اللَّهُ قُلْ أَفَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرِ هَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرِهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ، قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِلُونَ} الزمر: 38]، ويقول في أولئك الذين كانوا يتشبثون بالجن ويتعلقون بهم ويرجون منهم أن يعيذوهم من الشرور: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالِ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقَا» [الجن: 6]، فهذه النصوص كلها تدلنا على أنه لا يملك أحد لغيره نفعاً ولا ضراً إلا الله تبارك وتعالى، فإنه سبحانه هو الذي يحقق المنفعة ويدفع المضرة، ولئن كان النبي صلى الله عليه وسلم على عظم شأنه وقدره وما كان له من منزلة عند الله تعالى يقول الله تعالى له: {قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} [الأعراف: 188]، فكيف بغيره صلوات الله وسلامه عليه، بل كيف بالجمادات، وكيف بهذه التمائم التي لا تسمع ولا تعقل ولا تبصر ولا أثر لها في الحياة: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادُ أَمْثَالُكُمْ (2/609)
صفحة 1055
610
تلے
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ أَلَهُمْ أَرْجُلُ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ عَاذَانُ يَسْمَعُونَ بهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ} [الأعراف: 194، 195]. فلذلك نقول بحرمة اتخاذ هذه التمائم، ومن اعتقد منفعتها أو مضرتها فهو مرتد عن الإسلام لأن ذلك ينافي ما جاء به القرآن وينافي العقيدة الصحيحة القطعية المتواترة، أما إن كان يتبرك بكتابة وتعليق آيات من كتاب الله ففى هذا خلاف بين أهل العلم منهم من كره ذلك لئلا يتشبه بالذين يعلقون التمائم، ولئلا يعتقد أن كتابة هذه الآيات هي التي تنفع وتدفع المضرة، ومنهم من أباح ذلك، هذا وقد أشار الإمام السالمي رحمه الله تعالى إلى أن الكتابة لا ينبغي للإنسان أن يتشبث بها، لأنها غير معهودة في الرعيل الأول وإنما هي حادثة، وقد وصلت إلى المسلمين من طريق اليهود فلذلك يرى تركها، يقول:
ثم الكتابة التي قد ذكرت لا أعرف الوجه لها لو شهرت حادثة في جمعنا المعهود وأصلها قد كان في اليهود والله قد أغنى العباد عنها بأدعيات يستجاب منها فينبغي للإنسان أن يتعلق بالدعاء، وأن يتبرك بتلاوة الآيات القرآنية، وإن كان الذي يعوذ طفلاً فإنه يعوذ بتلاوة الآيات من الكتاب الكريم، كتلاوة سورة الفاتحة الشريفة وآية الكرسي والإخلاص والمعوذتين، وكل القرآن بركة، ولا ينبغي للناس أن يسلسوا قيادهم لهذه الأوهام والخيالات، بل عليهم أن يكابروها قدر، مستطاعهم، وقد أصبح الناس الآن يتصورون تصورات عجيبة فبالأمس اتصلت بي امرأة فى قضية معينة تتعلق بأمر لا يملك أحد أن يحقق فيه منفعة أو أن يدفع فيه مضرة فأجبتها، وآخر الأمر تقول على من تدلني؟ فقلت لها: أدلك على الله العليم الخبير السميع (2/610)
صفحة 1056
فتاوى عامة
611
البصير، الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، إلا أن الناس لا يقتنعون بهذا، إن دلوا على الله تبارك وتعالى اشمأزوا بينما هم يعتقدون في البشر تحقيق المنافع ودفع المضار وهذه عادة جاهلية: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ الله [الزمر: 45]، فعلى الناس أن يتقوا الله وأن يدركوا المعتقد الصحيح، وعليهم
أن يتداركوا أنفسهم لإنقاذها من هذه الورطة، والله تعالى المستعان.
كيف يمكن للإنسان أن يتخلص من وساوس الشيطان؟ وهل من أدعية
لذلك؟
يتخلص من ذلك بذكر الله، فإن الله تعالى يقول: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طيفٌ مِنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [الأعراف: 200، 201]، فعلى الذي يتعرض للوساوس أن يكثر من ذكر الله، وأن يتلو هذه الآية المباركة الطيبة، وأن يتلو سورة الناس لأجل التخلص من وساوس الخناس، والله
تعالى يشفيه ويعينه على الخير، والله تعالى أعلم. (2/611)
صفحة 1057
612
إعلام وفن
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ما حكم الدش؟
هذه آفة من آفات العصر، ولا ريب أن الشيء الذي يجتمع فيه الضرر والنفع، فإن دفع الضرر مقدّم على جلب المنفعة، وقد نبه الله تبارك وتعالى على ذلك عندما قال وجَل: {يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمُ كَبِيرُ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَفْعِهِمَا} [البقرة: 219]، ولكن لو تمكن الإنسان أن يتحكم فيه تحكماً تاماً، وكان حذراً من أن يستغل أي استغلال سيئ في حياته وبعد مماته، فلا مانع من أن يستغل في الخير، ولكن القليل النادر من يستطيع أن يتحكم فيه هذا التحكم، والله المستعان.
ما حكم مشاهدة الأفلام التربوية؟
إذا كانت هذه الأفلام تربوية سليمة لم تشب بشيء من الشوائب المحظورة فلا حرج في ذلك، وأما إذا كانت مشوبة بشوائب فإن حرمتها بقدر ما فيها من الشوائب، والله تعالى أعلم.
ما حكم الإسلام في مشاهدة المسلسلات والتمثيليات مع العلم بأن فيها أحداثاً لا ترضي الله ولا رسوله ولا كل من يوجد به ذرة إيمان، فما نصيحتكم لمن أصبحت هذه المسلسلات شغله الشاغل وأصبح يقدمها حتى على أداء العبادات؟ (2/612)
صفحة 1058
فتاوى عامة
613
-
هذه من أسباب الفتن ودواعي الفساد، وهي رقية الشيطان ـ والعياذ بالله، فعلى كل مؤمن ومؤمنة أن يتجنب ذلك، ولا يرضى به، ونصيحتنا لكل من
ابتلي بمثل هذا أن يتقي الله وكل وأن يصون نفسه من سخط الله بتجنب
معاصيه، والله تعالى أعلم.
ما حكم مشاهدة الأفلام؟
يختلف الحكم باختلاف طبيعة تلك الأفلام، فإن كانت أفلاماً ليس فيها ما مشاهدته على الطبيعة فلا مانع، وأما إن كان فيها ما تحرم مشاهدته على الطبيعة فإن الواسطة لا تحل ما كان حراماً على الطبيعة، والله تعالى أعلم.
يحرم
يسمع
نرى الكثير من النساء وبعض الأمهات يجلسن مع أبنائهن لمشاهدة المسلسلات والأفلام الخليعة والاستماع للأغاني الماجنة، فإذا نصحت إحداهن يقلن هذا من الترويح عن النفس، فما رأيكم في من لا النصح ويصر مستكبراً؟ وما حكم الإسلام في ذلك؟ على كل أحد من أمهات وبنات، ومن آباء وأبناء، من ذكور وإناث أن يتقوا الله والجلوس إلى مشاهدة هذه المسلسلات ليس من تقوى الله في شيء، فإن كل لحظة تمر بالإنسان هو مسؤول عنها، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما وعن شبابه فيما أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ وماذا عمل في ما علم؟»، فالإنسان مسؤول عن العمر، ومعنى ذلك أنه يسأل عن لحظة هذه اللحظات التي تمر به، فإن كل اللحظات إنما هي جزء من هذا العمر، وكل لحظة يمكن أن يستغلها الإنسان في بر فاستغلها في فجور يكون قد كفر النعمة التي أنعم الله تعالى بها عليه، لأن العمر هو النعمة
أفناه؟
من (2/613)
صفحة 1059
614
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
الكبرى فعليه أن يقدر هذه النعمة وأن لا يفرط فيها، كما أن كل لحظة من اللحظات تمر عليه تقربه من لقاء الله، فالإنسان يسير سيراً حثيثاً في حياته هذه ليله ونهاره ونومه ويقظته وذكره وغفلته، والأنفاس إنما هي خطوات يخطوها الإنسان إلى الحياة الأخرى، فعلى الإنسان أن يتقي الله وأن لا يضيع حياته بمشاهدة المسلسلات والأفلام الخليعة أو الاستماع للأغاني الماجنة أو الجلوس إلى القصص والحديث الفارغ الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، والله المستعان.
ما حكم مشاهدة المرأة للمصارعة الحرة؟
المصارعة الحرة فيها إبداء لما يجب ستره، فيجب على الرجال والنساء ترك مشاهدتها، ولا يجوز لهم أن يشاهدوها، والله تعالى أعلم.
من الملاحظ أن الإنسان يقضي الساعات الطويلة على شبكة المعلومات (الإنترنت) ولو كان في عمل الخير كالدعوة، ولكنه يتقاعس عن الأعمال الأخرى كزيارة الأقارب والمرضى والأعمال الخيرية في بلده،
ما حكم الشرع في هذا العمل؟ وما نصيحتكم لهذا الإنسان؟ كل شيء خرج عن حده انقلب إلى ضده ولو كان نافعاً مثال ذلك جرعة من الدواء، إن أخذه الإنسان أكثر من القدر الذي ينفعه فإنها تنقلب إلى مضرته، ومن هنا كان على الإنسان أن يعطي هذه الآلات من الوقت بقدر ما ينفع ولا يضر، فلا يكون على حساب الدين والواجبات الأخرى، ومن بين هذه الواجبات صلة الأرحام وزيارة المرضى وتشييع الموتى والقيام بالواجبات الاجتماعية المتنوعة، فإن ذلك كله مما يجب أن لا يفرط فيه، والله تعالى أعلم. (2/614)
صفحة 1060
فتاوى عامة
615
هل قضاء الأوقات الطوال أمام شاشة الحاسب الآلي في تصفح الأخبار
مثلاً تعد من ضمن التضييع والهدر للأوقات؟
كل شيء بمقدار، وكل ما خرج عن حده انقلب إلى ضده، ولا ينبغي للإنسان أن يفوت الفرص، وإنما عليه أن يزن الأمور بمعايير دقيقة، ولا أقول بأنه يعيش في منأى عما يدور في العالم لأن المسلم مطالب بأن يكون خبيراً بما يدور في العالم، ولا أدل على ذلك من أن الله أنزل في كتابه أنباء الأمم السابقة من أجل أن تتبصر هذه الأمة وتتربى على كونها أمة عالمية تحمل إلى الإنسانية رسالة عالمية، بل أنزل الله تعالى قرآناً يتلى في الصلوات وفي غيرها إلى قيام الساعة يُحدث المسلمين وكانوا يومئذ فئة قليلة لا يكادون يصلون إلى العشرات بما وصل إليه الصدام المسلح بين دولتين كبريين كانتا تتقاسمان معظم العالم المتحضر آنذاك أن أولئك مع المؤمنين في ذلك الوقت لم يكونوا حسب الظاهر يعنيهم من هذا شيء، إذ كانوا مشغولين بأنفسهم، وكانوا في معزل عن معترك هاتين الدولتين، إذ لم يكن يمتد إليهم نفوذ أي واحدة منهما، ولكن مع ذلك أنبأهم الله الله بما وصل إليه الأمر وما سينقلب إليه فيما بعد عندما قال: {المَ غُلِبَتِ الرُّوم فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُّ وَيَوْمَذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الروم: 1 - 5]، فمتابعة أحوال العالم مطلوبة، ولكن لا أن يكون ذلك على حساب طلب العلم والعبادة والأوراد والأذكار والتقرب إلى الله تعالى بصنوف الطاعات وإنما ذلك بقدر ما يأخذ الإنسان العظة والعبرة والدرس ويتزود من أجل الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى،
والله أعلم. (2/615)
صفحة 1061
?) ?
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
كما تعلمون فإن وسائل الاتصال منتشرة بشكل كبير اليوم ولله الحمد والمنّة، ويعد برنامج (البالتوك) نوعاً من أنواع الاتصالات، ومن بين غرف هذا البرنامج غرفة الأرقم وتجري في هذه الغرفة مناقشة بعض القضايا مثل قضية تعدد الزوجات حيث تتم المناقشة إما بالكتابة أو بواسطة لاقط الصوت بين الأشخاص، ماذا ترون في مشاركة المرأة في مثل هذه المناقشات وبالذات بواسطة لاقط الصوت؟ وهل صوتها يعتبر عورة بالنسبة للرجال؟ علماً بأن الغرف يدخلها الجنسان؟
هذه القضية تحتاج إلى شيء من الدقة في الإجابة عليها، فنحن نشجع المرأة أن تكون داعية إلى الله، آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر، وأن تسخر هذه الوسائل من أجل القيام بهذه المسؤولية، والاضطلاع بهذه المهمة. لأن الله الله يقول في وصف المؤمنين والمؤمنات: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَوَلَيْكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزُ حَكِيمٌ} [التوبة: 71]، فالآية تدلُّ على اشتراك الجنسين جميعاً في الاضطلاع بهذه المهمة، ولكن مع هذا لا بد من مراعاة الآداب والأخلاق والتقيد بالحشمة والوقار، فحديث الرجل إلى المرأة يجب ألا يكون حديثاً مشوباً بعاطفة، ولربما غرّر الرجل بالمرأة من خلال إذكائه عاطفتها وهو يتحدث إليها حديثاً عاطفياً، فيجذبها إلى أمور لا تحمد فمن هنا نحن نوصي أولئك الدعاة أن يتخلقوا بأخلاق الدعاة وأن يتركوا هذا الجانب، وأن يحرصوا على الإصلاح، فلا يجعلون الدعوة وسيلة لتهييج العواطف، فإن ذلك أمر يؤدي إلى التخريب لا إلى التعمير، كما يجب على المرأة أن تتعامل مع الرجل بحذر وأي حذر، ولا سيما إن أراد أن يفاتحها في قضية (2/616)
صفحة 1062
فتاوى عامة
617
زواج أو نحو ذلك، فإن الاسترسال في هذا ربما أدى بها إلى ما لا تحمد عاقبته، فليس كل الرجال رجالاً، وقد يغرها بمظهره وبسمته وبوقاره وبتحليه بصفات الصالحين حسبما يظهر ولكنه ينطوي على حقيقة مضادة لهذا الظاهر وهذا أمر يجب أن يتنبه له الجميع، ومن المعلوم أن يتنبه له الجميع، ومن المعلوم أن المرأة سرعان ما تتهيج عاطفتها، لأن عاطفة المرأة - كما تقول باحثة اجتماعية فرنسية ـ تشغل كلا جانبي دماغها عندما تثور بخلاف عاطفة الرجل فإنها تشغل جانباً واحداً وتترك الجانب الآخر صالحاً للتفكير، ولذلك يجب الرفق بالمرأة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: رفقاً بالقوارير»، ويجب على الرجل أن يتعامل المرأة على أنها أخته وأمه وابنته، فكما أنه لا يرضى لأمه ولا لابنته ولا لأخته أي عار يلحقها كذلك عليه ألا يرضى لأي امرأة أخرى ذلك، لأنها أُخته في الإنسانية قبل أن تكون أخته في الإسلام، ثم هي أُخته في الإسلام، ثم قد تكون أخته في المجتمع أيضاً عندما يجمعهما جميعاً مجتمع واحد، فعليه أن يتقي الله تبارك وتعالى في ذلك وأن يحرص على تجنب جميع الإثارات، وقد وصلتني شكاوى من بعض النساء الداعيات بأن بعض الفتيات أصبحن يتعرضن للإثارات من قبل بعض الناس الذين يتظاهرون بمظهر الصلاح والاستقامة وذلك عبر هذه الوسيلة فعلى هؤلاء أن يتقوا الله وألا يستعملوا هذه الوسيلة إلا في البناء.
هذا، ويمكن أن يلتقي «الداعي والداعية من خلال الحديث ولكن مع ذلك يجب أن يكون حديثاً وقوراً، وإن كنا لا نقول بأن صوت المرأة عورة، وإنما على المرأة إن تحدثت مع الرجل أن تتجنب التغنج والمثيرات، ويجب ألا يكون حديثها حديثاً عاطفياً، وإنما يكون حديثاً جدياً، وبهذا يمكن أن يتعاون الجنسان، وكذلك لا أقول بمنع التحدث إلى المرأة فيما (2/617)
صفحة 1063
618
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
يتعلق بأمور الزواج ـ أي مفاتحة المرأة في هذا ـ ولكن ذلك في حدود الحشمة والوقار مع اطلاع أسرتها على ذلك ومن بينهم ولي أمرها، وقد وقفت على أبيات أعجبتني فيها الكثير من النصح والتوجيه للمرأة، ومن بينها ما يتعلق بجانب تغرير المرأة من أجل الزواج أو من أجل شيء آخر هذه الأبيات قالها أحد كبار الدعاة قبل سنين كثيرة عندما خرجت المرأة
متبرجة تبرج الجاهلية ونسيت حشمتها ووقارها وما يجب أن تكون عليه، فقد وجه إلى المرأة نصيحة، قال فيها:
قصرت أكماماً وشلت ذيولا هلا رحمت إهابك المصقولا أسئمت من برد الشتاء سجونه فطلبت تحرير المصيف عجولا وخطرت تحت غلالة شفافة في فتنة تدع الحليم جهولا محبوكة لصقت بجسم مشرق دفعته فورته فبان فصولا هل قصر الخدان في صرعاهما أو كان طرفك في الطعان كسولا حتى استعنت على القلوب بمعمدِ وجعلت جسمك كله مسلولا ألححت في عرض الجمال وغرك الأغراء لما أسمعوك فضولا من نال منك رضاً فأنت ملاكه ومن انتهرت قسا فكوني عدولا صوني قداسة ما وهبت وحذاري أن تبتغي بعد الهوي حلولا واسمي بعرضك فالمضلل فورة وإن اهتدى عبثاً يضل وصولا شاهدت ضليلا يطارد غادة فنهرته حنقاً فقال خجولا أبغي البناء بها فقلت مداعباً هل كان باب وليها مقفولا؟ فرنا ولم يرها فجن وقال لي أبعثت فينا يا غيور رسولا لم يبق لي أرب فما يضطرني حتى أكون مكلفاً مسؤولا قل للفتاة الغر هذا حبه إن بان ملتاعاً وذاعب ميولا يلقاك كالحمل الوديع مضللا فإذا تمكن منك أمسى غولا (2/618)
صفحة 1064
فتاوى عامة
619
فنحن نحذر المرأة من أن تقع فريسة لمثل هؤلاء الناس، كما نحذر الرجل أيضاً أن يقع هو أيضاً فريسة الشيطان من خلال إغوائه بطريق المرأة، وعلى الجانبين أن يتقيا الله تبارك وتعالى.
هل سماع الغناء محرم تحريماً قاطعاً؟
نعم، الأغاني محرمة إلا الأناشيد التي فيها تذكير بالله وباليوم الآخر من غير أن تكون فيها، ميوعة ولا شيء من الفساد وإنما هي الأناشيد التربوية والحربية المجردة من كل ما فيه فساد، والله أعلم.
ما قول الدين في الموسيقى والغناء، فإن كان حراماً فكيف نربي أبناءنا على كرههما والتناقض في كل مكان في المجتمع؟
أما العزف بآلات اللهو فإننا نجد في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ما يحذر عن ذلك، فقد جاءت الأحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم من رواية اثني عشر صحابياً من كبار أصحاب الرسول، ناهية عنها ومشددة فيها، فلذلك لا نرى العزف بالآلات الموسيقية، أما الأناشيد الدينية أو الأناشيد الحماسية التي تثير العاطفة الدينية وتبعث الحماس على الجهاد في سبيل الله وترفع من معنويات السامع فهذه لا بأس بها، على شرط ألا يكون هذا الغناء مشتركاً بين الرجال والنساء، وألا يكون من ينشد متميعاً. في نشيده، نشيده، أما تربية الأولاد مع ما نشاهده من أنواع المنكرات، فإن المؤمن القوي في مثل هذا الموقف التحديات بقوة إيمانه، فكثيراً ما نشاهد التبرج وميوعة الأخلاق، ولكن ذلك لا يعني أن ننساب ونسلم للواقع ونربي أولادنا بحسب ما يتلاءم مع هذه البيئة الفاسدة.
يواجه
جميع (2/619)
صفحة 1065
620
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
ما حكم الغناء والموسيقى؟ وهل جائز اقتناء الأناشيد المصحوبة
بالدف؟
حذر الله تعالى من اللهو في قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوا أَوَلَيْكَ هُمْ عَذَابٌ مُّهِينُ} [لقمان: 6]، وقد فسر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس الله لهو الحديث بأنه الغناء، وقد روي ذلك عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما، وذكر بعض المفسرين بأن إجماع المفسرين انعقد عليه، وعلى هذا فإن الغناء هو مدعاة الفساد وسبب لطغيان الشهوات وانتشار الفساد والعياذ بالله، كما جاء تحريم الغناء في نصوص صريحة عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية اثني عشر صحابياً من أجلة الصحابة ـ رضوان الله تعالى عليهم - منهم: علي بن أبي طالب وعائشة أم المؤمنين وأبو هريرة وأنس بن مالك وآخرون، وهذه الروايات يشد بعضها بعضاً، وبجانب ذلك أيضاً فإن الآثار المروية عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك كثيرة ومتظافرة فيفهم من هذا كله أن الغناء مدعاة إلى الفساد - فنعوذ بالله منه، وقد كان السلف الصالح حذرين من ذلك جداً، فقد روي عن ابن مسعود صل الله: «أن الغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء الزرع، وأن ذكر الله ينبت الإيمان كما ينبت الماء الزرع».
ـ
والغناء يفضي إلى الفتنة - كما هو معروف - خصوصاً الأغاني المائعة أو ما إذا كان الغناء من امرأة، لأن المرأة مغرية للرجل، وكذلك قد يكون الرجل مغرياً للمرأة، وقد يفضي الغناء إلى هدم الأسر والقضاء على المستقبل، ففي إحدى الخطب تحدث أحد الخطباء عن شيء من ذلك يقول: بأن رجلاً عاد إلى بيته ووجد التلفزيون في البيت فيه أثر أحمر شفاه، فسأل طفله عن هذا الأثر من أين جاء؟ فقال: إن المغني فلاناً كان يغني في (2/620)
صفحة 1066
فتاوى عامة
621
التلفزيون فجاءت أُمي فقبلته، فأدى الحال بالأب إلى تطليق الأم، وهكذا انهدمت الأُسرة بسبب الغناء، والإسلام لا يمنع شيئاً إلا لما فيه من الضرر، ولا يأمر بشيء إلا لما فيه من الخير، فعلى الإنسان أن يتدبر ويحذر وأن يحرص على سلامة نفسه وسلامة أسرته وسلامة مجتمعه، وإنما يباح من ذلك ما كان من الأناشيد الدينية أو الحماسية التي تلقى من غير خلاعة ومن غير مجون، وأما إن كانت مصحوبة بالدفوف فإن ضرب الدفوف ممنوع إلا في المناسبات لأجل الإشهار والإعلان والأفراح، فإذا كانت الأناشيد لهذه المناسبات وكانت دفوفاً لا طبولاً فلا مانع من ذلك،
والله أعلم.
ما حكم المرأة التي تسمع الأغاني بقصد الترفيه عن نفسها فقط، وما حكم سماع الأغاني في الأعراس؟
الغناء هو رقية الزنى ومزمار الشيطان، فعلى المؤمنين والمؤمنات تجنب ذلك، والترفيه يكون بسماع القرآن وتلاوته أو سماع الأناشيد الدينية لا بهذه الأغاني الماجنة المنحلة، ويباح للنساء في الأعراس أن ينشدن بأنفسهن ما لا ميوعة فيه من غير أن يسمع أصواتهن الرجال، والله أعلم.
هل يحرم على المرأة الرقص والطرب والغناء في البيت في الحدود المعقولة دون إصدار أصوات عالية وحركات ماجنة أمام محارمها فقط
لا غير؟
المرأة مأمورة أمام محارمها بالحياء، والوقار، لا أن تكون مستهترة ماجنة،
والله أعلم. (2/621)
صفحة 1067
622
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
من الناس من يدعي بأن الأغاني ليست محرمة إلا الأغاني التي بها الإغراءات والميوعة في الصوت والألفاظ الساقطة وأما التي تخلو من الألفاظ الساقطة فلا حرج في الاستماع إليها، وأما حديث ابن عباس حيث قال عن لهو الحديث بأنه الأغاني فهذا قول موقوف وليس بمرفوع إلى النبي فلا يعتبر كدليل على تحريم الأغاني بصفة عامة فما بال الأغاني المصحوبة بالموسيقى والخالية من الإغراءات والميوعة ومع عدم تضليلها عن الذكر وعن الصلاة وكيف تكون محرمة ما لم تنص عليها المصادر الشرعية بما فيها الإجماع؟
إن كان البحث عن الإجماع فقد ذكر القرطبي - فيما أحسب ـ أن رأي ابن عباس به مجمع عليه، وهو مروي أيضاً عن ابن عمر ها من الصحابة وعن غيره، وقد جاء التشديد في الأغاني من رواية اثني عشر صحابياً من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم وهي روايات يشد بعضها بعضاً، مع وجود الصحيح فيها كحديث صوتان ملعونان ومن الصوتين صوت مزمار عند نعمة، ومن الذي يقول بأن الأغاني التي تصدر من النساء بأصواتهن الرقيقة لا تثير الهواجس والمشاعر في النفوس حتى تستجيب هذه النفوس لداعي الشهوات، ولذلك قال العلماء بأن الغناء رُقية، الزنى، والله تعالى المستعان.
ما حكم سماع الأناشيد المصحوبة بالدف لكثرة الاختلاف في ذلك؟ الدف أجيز من أجل الإشهار لا من أجل إمتاع الأسماع، ومن أجل ذلك شن في إشهار الزواج، وأجيز في الحرب من أجل إثارة الحماس، وعليه فينبغي النظر في دواعي استماع هذه الأناشيد، فإن كان ذلك من أجل التحمس للجهاد، فأرجو ألا يضيق، وإن كان من أجل الطرب فأولى به المنع، والله أعلم. (2/622)
صفحة 1068
فتاوى عامة
623
قال
قال رسول الله: إن أشد الناس عذاباً
يوم القيامة هم المصورون»،
ما درجة هذا الحديث ما معنى «المصورون»؟
هم
الحديث صحيح، وقد اختلف العلماء في المراد بالمصورين، فمنهم من الذين يضاهئون خلق الله، ويدلُّ على هذا ما جاء في رواية: الذين يضاهئون خلق الله بحيث ينحتون نحوتاً فيها تصوير للبشر أو لذوات الأرواح، وقد جاء في حديث عائشة لنا في قصة النمرقة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أصحاب هذه الصور ليعذبون بها يوم القيامة، ويقال لهم أحيوا ما خلقتم»، وقيل المراد بالمصورين في هذا الحديث هم الذين يصورون الله بصورة خلقه، أي يشبهونه بخلقه، تعالى الله عن
ذلك.
هل الرسم حلال أم حرام في الشريعة الإسلامية؟
كل صورة تنقل وترسم أو تنسج باليد، تدخل في عموم الصور المحرمة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال في النمرقة: إن أصحاب هذه الصور ليعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم، هذا إن كانت الصورة فيها روح، أما إن كانت الصورة لجبل أو بيت أو ما شابه ذلك مما ليس به روح فلا حرج والله أعلم.
لي أخ يعمل أستاذاً للتربية الفنية وطبيعة عمله تُجبره في بعض الأحيان إلزام الطلبة أن يرسموا بعض الرسوم التي تحتوي على أحياء كالحيوان والأشخاص فما حكم عمله؟
تصوير ذوات الأرواح بالرسم أو بالنحت أمر محجور للروايات الكثيرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا يمكن أن نقول بجوازه، والله أعلم. (2/623)
صفحة 1069
624
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
في بعض المواد مثل العلوم تطلب المدرّسات من الطالبات رسم بعض ذوات الأرواح، فهل ذلك جائز أم لا؟
يقول النبي: إن أصحاب هذه الصور ليعذبون بها يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم، وقد كان هذا في صورة منسوجة، وحكم الرسم وحكم النسيج لا يختلف، وعليه فإني أنصح بتجنب التصوير حسب ما يمكن، وأسأل الله العفو والعافية لمن اضطروا إلى التصوير، كما أسأله تعالى أن يرفع هذا البلاء عن الكل، والله أعلم.
ما الحكم فيمن يقوم برسم حيوانات أو بشر من غير توضيح لمعالم الوجه أو إخفائها بالكلية؟
أما إن كان يبدو أن ذلك وجه فهذا لا يجوز، وإن كان لا يبدو أنه وجه قط
فالمسألة أهون، والله أعلم.
ما حكم التصوير؟
أما إن كان التصوير بالنحت أو بالرسم فهو غير جائز، ويدخل ذلك في حديث الرسول: إن أصحاب هذه الصور ليعذبون بها يوم القيامة، ويقال لهم أحيوا ما خلقتم»، وأما إن كان بآلة التصوير ففي ذلك خلاف بين العلماء فبعضهم ألحق هذه الصور بالصور المرسومة والمنحوتة، وبعضهم رأى أن هذا مجرد حبس للظل، لأن صورة الإنسان تنطبع في هذا الأثير ولذلك إذا وضعت المرآة عن يمينه أو عن شماله أو في أي جهة انطبع في هذه المرآة من صورته ما واجهها، فقالوا بجواز ذلك، ولكن اشترطوا لذلك شروطاً من ذلك أن لا يكون هذا التصوير يؤدي إلى تعظيم المصور، فإن التعظيم لا يجوز للبشر، ولو كان من الناس الأتقياء البررة الأوفياء، فقوم (2/624)
صفحة 1070
فتاوى عامة
625
نوح عبدوا يغوث ويعوق ونسرا ووداً وسواعا وهؤلاء كانوا أشخاصاً صالحين صوروهم لأجل التأسي بهم، ولكن مع طول الزمن عظموا ثم بعد ذلك تحول التعظيم إلى عبادة، فالتعظيم تخشى منه محاذير، ومنها: ألا تكون الصورة خلاعية، فالصور الخلاعية محرمة سواءاً أكانت صورة رجل أو امرأة، والله أعلم.
ما حكم الإسلام في أن تتصور المرأة مع إبداء كامل زينتها؟ هذا من التبرج المحرم الذي حرمه الله تعالى، فهي يتضاعف وزرها ما بقيت تلك الصورة، والله أعلم.
ما حكم الإسلام في الفتاة المسلمة والمحجبة التي تزيل الحجاب أثناء التصوير وتضع المكياح، مع العلم أن الرجال هم الذين يقومون بعملية التحميض؟
الإسلام يأمر المرأة بالعفاف والطهر والنزاهة، ويأمرها أن تكون عاملاً مهماً في بناء المجتمع الصالح، وذلك لا يكون إلا إذا حافظت المرأة على جميع واجبات دينها، ولم تتخلَّ عنها، ومن حكمة الله الله أن جعل المرأة مغرية بفطرتها وبطبيعتها، فلذلك أمرها بما أمرها به من الآداب الاجتماعية والقيود الخُلقية، ولم يأمرها بذلك إلا بعدما أمر الرجال أيضاً، فالله يقول: قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُم إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور: 30)، ولكن هل من الممكن أن يغض المؤمنون جميعاً أبصارهم كما أمرهم الله ويحافظون على هذا أن الأجساد العارية النسائية تتراقص عن أيمانهم وعن
الواجب مع شمائلهم ومن أمامهم ومن خلفهم، ونظراً إلى أن الإسلام بعيد عن (2/625)
صفحة 1071
626
في
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
التناقضات، فرض بعد ذلك ما فرض من القيود الاجتماعية على المرأة فقال: وَقُل لِّلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبَصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31]، فبما أن المرأة مصدر إغراء للرجل أمرت بأن تبتعد عن إظهار زينتها وفتنتها للرجل، اللهم إلا رجلاً واحداً لها أن تبدي له كل شيء وهو شريك حياتها، وهناك أيضاً رجال بطبيعة الفطرة لا يتأثرون فأبيح لهن أن يبدين لهم بعض زينتهن وهم ذوو المحرم، لأن من طبيعة ذي المحرم ألا يميل إلى ذات المحرم، وألا يتأثر بها إلا إذا كان شخصاً ممسو. خاً، والصورة الغوتوغرافية لا يختلف وضعها عن الوضع الطبيعي للمرأة، ذلك استعملت صورة النساء لأجل الإغراء أشياء كثيرة، لأنها مصدر فتنة، وهذا من امتهان المرأة واحتقارها ـ لو أدركت هي ذلك ـ ولكنها مع الأسف الشديد هي منجرفة مع هذا التيار وراضية بهذا الاستغلال لها من غير أن تبالي كما أن المرأة استخدمت وسيلة لجلب المال فالفتاة الحسناء تترك في المتجر لجلب الزبائن، والسلعة توضع عليها صورة امرأة للمساعدة على إنفاقها، ومن الإعلانات التي نُشرت في إحدى الجرائد إعلان عن مذياع (راديو) من نوع سانيو صورت بجانبه امرأة عارية تستحم من أجل التشجيع على أخذ هذه السلعة، ومن هذه الإعلانات أيضاً صورة امرأة أعلاها كلب كأنما يباشر معها الجنس وهذه الصور لأجل دعاية لتحميض الصور، فالمرأة ما دامت مصدر فتنة بما آتاها الله الله من جمال وما فطرها عليه من حسن يجب عليها أن تصون هذا الجمال وألا تتبذل وألا تغري به أو تجعله وسيلة من وسائل الإفساد في المجتمع، وألا تجعل نفسها وسيلة من وسائل الاستغلال، بل عليها أن تحافظ على شخصها، وعلى صورتها حتى لا
تقع في أيدي الرجال يتناولونها وهي على هذه الحالة. (2/626)
صفحة 1072
فتاوى عامة
627
تُقدّم للمرأة بعد ولادتها ملابس لطفلها، ماذا يُصنع بالملابس المشتملة على صور وحيوانات؟
حرج
أما الملابس المشتملة على الصور والحيوانات فهي لا تخلو من أمرين: إما أن يمكن إزالة تلك الصور أو يتعذر ذلك، فإن كان ذلك ممكناً فلا في استبقاء الثياب للبسها مع إزالة الصور، وأما عندما يتعذر ذلك فإنه يُنهى
عن إضاعة المال، ولذلك جاء في الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إلا ما كان رقماً في ثوب، ومن هذا النوع أيضاً الصور في العملات، فقد تكون صورة امرأة، وهنا في عمان كانت تتناول عملة فضية فيها صورة ملكة النمسا ماريا تريزا وقتاً طويلاً ولم يُنكر ذلك علماء الإسلام وأئمته، بل أقروا ذلك لأجل المحافظة على المال، فكذلك ما كان من هذا النوع، والله تعالى أعلم.
ما حكم شراء المرأة لبعض صور الأطفال التي * في الأسواق سواءً الفوتوغرافية منها أو المرسومة باليد بقصد تعليقها في غرفة النوم أو دورات المياه لقصد الزينة؟ أما الصور المرسومة فلا تجوز لأنها داخلة في الوعيد الذي جاء في حديث أبي سعيد الخدري صلي الله عند الإمام الربيع حمدالله وعند غيره من أئمة الحديث، وحديث النمرقة في قصة عائشة - رضي الله تعالى عنها - وما قاله النبي صلى الله عليه وسلم لها: «إن أصحاب هذه الصور ليعذبون بها يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم، لأن راسمها أحدث صورة برسمه إياها، فهي لا تجوز سواء كانت فيها خلاعة أو لم تكن فيها خلاعة، أما الصور الفوتوغرافية فقد أباحها بعض أهل العلم نظراً إلى أن الذي يُصور بالآلة الفوتوغرافية لا يُحدث صورة لم تكن موجودة، وإنما يحدث صورة منطبعة في الأثير، إذ صورة الشيء تنطبع في الأثير من كل الجهات (2/627)
صفحة 1073
628
وهكذا
جميع
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
سواء من الأمام أو من الخلف أو من اليمين أو من فوق ولذلك عندما يكون هناك جسم لماع شفاف تنطبع فيه هذه الصورة التي وراءه والذي يفعله إنما هو حبس الصورة فقط، واشترط في ذلك شرطان: الشرط الأول: أن لا تكون هذه الصورة فيها شيء من الخلاعة، فلو أن أحداً أخذ صورة امرأة متبرجة أو أخذ صورة رجل يقبل امرأة لعد ذلك حراماً الصور التي فيها خلاعة هي محرمة، الشرط الثاني: أن لا يكون التصوير ولا اقتناء الصورة بسبب تعظيم يُفضي إلى ما لا تحمد عاقبته، فالذين اتخذوا الأصنام آلهة من دون الله سبحانه كان منشأ اتخاذهم هذه الأصنام هو التعظيم، بل كان تعظيماً للصالحين كما قيل، فيعوق ويغوث ونسر هؤلاء كانوا قوماً صالحين فلما ماتوا حرص اتباعهم على أن يصوروهم وقالوا نصورهم لأجل أن تبقى ذكرياتهم عالقة بأذهاننا حتى نحرص على الاقتداء بهم وترسم خطواتهم، فلما تقادم العهد أدى ذلك إلى التعظيم فعظموا ثم تتطور التعظيم من حال إلى حال حتى صاروا معبودين من دون الله سبحانه وتعالى، وكان ذلك سبباً لأول عبادة للأصنام في الأرض، فالصورة التي تسبب تعظيماً لصاحبها ولو كان من الأولياء الصالحين ومن الأتقياء البررة ومن العلماء المجتهدين ممنوعة، والله تعالى أعلم.
هل يجوز وضع صورة مكبرة في الغرفة بقصد الذكرى؟
إذا كان هذا يؤدي إلى تعظيم للمصور فلا، فلذلك ينبغي أن يحتفظ بهذه الصورة في محفظة الصور (الألبوم) ولا يحتفظ بها في الجدر،
والله أعلم. (2/628)
صفحة 1074
فتاوى عامة
629
هل يجوز تعليق الصور في المنزل؟
إن كانت هذه الصور مجسمة فهي محرمة بلا خلاف وإن كانت فوتوغرافية ففيها الخلاف، منهم من شدد فيها، ومنهم من ترخص لأنه رآها مجرد حبس الظل، والمترخصون اشترطوا ألا توحي بتعظيم وألا يكون فيها شيء من الخلاعات، والله أعلم.
هل يجوز تعليق صورة فوتوغرافية لإنسان في الحائط؟
النزاهة في ترك ذلك، والله أعلم.
ما حكم الصور والشعور الآدمية والحيوانية التي تطرز بها ملابس
الأطفال؟
لا يجوز تطريز شيء من الملابس بهذه الصور، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عندما أبصر نمرقة في حجرة السيدة عائشة وفيها صور امتنع عن الدخول، ولما رأت في وجهه الكراهة قالت له: أتوب إلى الله مما صنعت، فقال: «ما بال هذه النمرقة» فقالت اشتريتها لك لتتكئ عليها، فقال: «إن أصحاب هذه الصور ليعذبون بها يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم»، فلذلك لا يجوز بحال أن يتعمد الإنسان أن يطرز شيئاً من الثياب بهذه الصور، ولا أن يشتري ثياباً فيها هذه الصور، أما لو وقعت عنده ثياب فيها صور ففيها خلاف بين أهل العلم، منهم من رخص بناءً على حديث أبي قتادة «إلا ما كان رقماً في ثوب»، حتى لا يتلف الإنسان المال، ولكن على ألا يتعمد الإنسان انتقاء الثياب التي فيها صور، ومن العلماء من منع
والله أعلم.
ذلك، (2/629)
صفحة 1075
630
أحلام ورؤى
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
الرؤيا والأحلام ما الذي يحكيه الإنسان لمن يثق فيه، هل إذا رأى رؤيا يخبر بها كل أحد أم يقتصر على أشخاص معينين، وهناك برامج في قنوات متعددة تعنى بتفسير الأحلام والرؤى فتنتشر أمام الناس جميعاً، فهل ذلك جيد؟
الرؤيا تختلف، فإن كانت الرؤيا بشارة لجميع المسلمين فينبغي للإنسان أن يعلنها لأنها بشارة تعود على الكل بالخير والمسلمون شركاء فيها، وإن كانت الرؤيا خاصة بالرائي فإنه يتخير من يتحدث إليه بها حتى يتجنب ما أن يحدث له كالحسد مثلاً، وهذا ما حدث من قبل يعقوب عندما نصح ابنه يوسف علي ألا يقص على إخوته ما رآه في منامه من سجود الشمس والقمر وأحد عشر كوكباً له، والله أعلم.
عسى
إذا رأى الإنسان رؤيا على من يقصها؟ هل يقصها على جميع الناس؟ أم أنه يخص بها من يثق به؟
أما إذا كان يعرف أحداً بعينه يعتمد عليه في تعبير الرؤى ويعرف أنه ذو باع طويل في ذلك فالأولى أن يتجه إليه ويسأله، والله أعلم. (2/630)
صفحة 1076
فتاوى عامة
631
من يرى في منامه أهوال يوم القيامة ويتخيل نفسه أنه يموت عدة مرات، فما تأويلها؟ أنا لست خبيراً بتعبير الرؤى، إلا أن هذه الأهوال قد تكون حديث نفس أحياناً، وأما إن كان يرى أن القيامة قد قامت فهذه الرؤيا مبشرة في حقيقتها، لأن المعبّرين يقولون: رؤية القيامة دليل على قيام العدل، لأن الله تعالى يقول: {وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَمَةِ} [الأنبياء: 47].
إحدى الأخوات اتصلت تقول إنها ترى في نومها كوابيس مخيفة وفي كل مرة تقوم مرعبة خائفة تردد بعض الآيات وهي رأت ذلك ثلاث مرات وتريد حلاً؟
نسأل الله لها العافية والسلامة وزوال البأساء والضراء ودفع كل ما تكره، ونوصيها عندما تأتي الفراش للنوم أن تنام على طهر إذا كانت متمكنة من التطهر ـ في غير أوقات الحيض والنفاس ـ فلا تنام على جنابة، ثم تتلو ما تيسر من كتاب الله، وينبغي أن تقرأ الفاتحة الشريفة وآية الكرسي والإخلاص والمعوذتين وأن تنفث في يديها ثم تمسح على جسدها كله وهي تقول عند المسح أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعذابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، فإن هذا الدعاء علمه الرسول صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمرو بن العاص عندما شكا أنه عندما يأوي إلى فراشه لينام تزعجه أحلام، فأمره النبي أن يقول هذا الدعاء، ولئن كانت هذه المرأة حالة حيض فإنها تقتصر على هذا الدعاء، على أنه رخص بعض العلماء إن كانت خائفة أن تتلو من القرآن ما يسكن روعها ولو كان ذلك في حالة
في
الحيض، والله أعلم. (2/631)
صفحة 1077
632
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
امرأة مخطوبة وسوف تتزوج بعد شهر ولكن خاطبها يرى في المنام أن
رجلاً أبيض يأتيه يقول له بأن الزواج غير صحيح؟
الله أعلم، والأحكام الشرعية لا تستقى من المنامات، وإنما تناط باتباع الأوامر والازدجار عن النواهي والتقيد بالقيود الشرعية والانضباط بحسب موجب الأحكام الشرعية من غير خروج عنها، وإنما من المحتمل أن يكون بينهما رضاع أو نحوه، لأن الرؤيا للرجل الصالح كثيراً ما يكون فيها إرشاد وتنبيه كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، لذلك ينبغي له أن يتحقق هل وقع رضاع بينهم يؤدي إلى حرمتها عليه، أو أن هنالك سبباً من أسباب تحريمها عليه، فإن كان هنالك ما يؤدي إلى التحريم فعليه أن يتقي ذلك، والله المستعان.
امرأة رأت في المنام إذا جاء أخوها من بريطانيا معافاً سليماً ستصوم، فهل يلزمها صيام؟
لا تترتب على الرؤى المنامية، أحكام، فإن الأحكام إنما هي في اليقظة وليست في المنام، فمن نذر الله وهو بكامل قواه العقلية وإدراكه فعليه أن يفي به، أما إن رأى ذلك في المنام فلا، وكذلك لو رأى في المنام مثلاً أنه طلق امرأته فلا يقع بذلك طلاقها، وكذلك لو رأى أنه أعتق رقيقاً له فلا يقع بذلك عتق، فإن قال قائل إن إبراهيم رأى في منامه أنه يذبح ولده فكان ذلك حكماً له فالجواب أن للأنبياء أحوالاً تختلف تمام الاختلاف عن أحوال غيرهم، فإن الشيطان لا يتمثل لهم وإنما رؤاهم وحي من عند الله تعالى، ثم بجانب ذلك نحن لسنا متعبدين بشرائع النبيين السابقة، وإنما ذكرت في كتاب الله تعالى من أجل العظة والاعتبار، لا من أجل التطبيق والعمل، فلا يلزم من ذلك شيء، والله أعلم. (2/632)
صفحة 1078
فتاوى عامة
633
ما تفسير كثرة رؤية المقابر في المنام؟ تختلف الأحوال، فقد يرى الإنسان أنه يصلّي في مقبرة، أو يرى نفسه يدفن ميتاً في مقبرة، أو يرى نفسه يعمل عملاً في مقبرة أو ينبش قبراً، ولكل من ذلك جواب فالتعبير يختلف باختلاف المرئي، والله أعلم.
أنا امرأة أرملة توفي زوجي منذ عدة سنوات وقد رأيته في منامي يوماً من الأيام وقد كان في فراشي وهو يعاتبني بعدم الخروج إلى المزرعة وأنا أعطيه ظهري، وقد رأيته في يوم من الأيام مع أجنبية لا أعرف من هي، فما تأويل ذلك؟ أما التأويل فلا أستطيع أن أؤول بدون علم وحسبي أن أقول لا أدري، ولكن ربما هذه المرأة تقع الآن في أمور ما كان يرضاها زوجها من قبل، فينبغي لها أن تحاسب نفسها، والله أعلم. (2/633)
صفحة 1079
634
مسائل في العزاء
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
كم يوم تكون مدة العزاء بحيث لو انتهت هذه المدة يكون العزاء بمثابة إعادة تذكر آلام الحزن والفراق عند أهل الميت؟
يؤخذ من نهي النبي لا أن تحدّ المرأة أكثر من ثلاثة أيام إلا على زوج لأن حد العزاء ثلاثة أيام، والله أعلم.
هل تعتبر الزيادة في أيام العزاء عن ثلاثة أيام من البدع؟
يفهم من السُّنَّة النبوية أن العزاء فوق ثلاث إن لم تكن المصيبة في زوج ممتنع شرعاً، وذلك من قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على رجل أكثر من ثلاثة أيام إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً»، ووجه الاستدلال بالحديث أن أيام المصاب هي هذه الأيام الثلاثة، فلذلك صح فيها الحداد للمرأة، وفي الجلوس للعزاء بعدها تمديد غير مشروع للمصاب، والله أعلم.
هل تجوز تعزية المصاب بعد ثلاثة أيام؟ وإن قلت بالمنع فهل يستثنى من كان مسافراً وعاد بعد ثلاثة أيام؟
يفهم من قوله: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على رجل أكثر من ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً» أن المصاب حده (2/634)
صفحة 1080
فتاوى عامة
635
ثلاثة أيام فلا تنبغي التعزية بعدها، ومن كان على سفر فعاد بعد ثلاث فليذهب إليه من شاء مسلماً لا معزياً، والله أعلم.
ما الحد الأدنى الذي يمكن تقديمه إكراماً للمعزين تمشياً مع عاداتنا دون أي مخالفة شرعية؟
ينبغي أن يقدّم إليهم التمر والقهوة والماء بغير زيادة، والله أعلم.
يوجد معنا على عادة عند النساء وهي إذا مات أحد فإن النساء المعنيات بالعزاء من أرحام الميت يجلسن سبعة أيام لا يغتسلن ولا يقربن طيباً فإذا كان اليوم السابع اغتسلن وتبخرن وتطيبن ويقلن بأن العزاء انتشل فهل هذه العادة موافقة للشرع الشريف أم إنها بدعة من البدع؟
هي عادة محرمة كما يدل عليه الحديث، والله أعلم.
ذلك
ما حكم الإسراف في القهوة أثناء فترة العزاء؟
من الإسراف المحرم الذي يدخل في قول الله تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ، وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} [الإسراء: 26، 27]، لأن فيه مخالفة للشنة،
والله أعلم.
هل يجوز الأكل من طعام العزاء؟
ما الأكل من تلك الأطعمة إلا تشجيع على انتهاج هذا السبيل المنحرف فهو من ضمن الممنوعات، والله أعلم. (2/635)
صفحة 1081
636
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
من أين يأكل الضيوف الذين يأتون للعزاء إن كان الأكل من طعام
العزاء لا يصح؟
يأكلون من بيوتهم ولا داعي إلى حضورهم للعزاء إن كان لا بد من ضيافتهم، والله أعلم.
إذا استمر أقارب الميت في العزاء لمدة ثلاثة أيام، فهل يجوز تقديم الطعام لهم لكونهم أقارب كالعمة والخالة وأبناء العم وأبناء الخال ...
إلخ؟
إن كانوا مشتركين في المصيبة وفي العبء فلا حرج في ذلك، والله أعلم.
هل يصح لأهل المصيبة أن يأكلوا من طعام العزاء؟ أم ماذا يفعلون؟ إن كان أهل المصاب وحدهم هم الذين يأكلون من الطعام الذي يعد لهم فلا حرج عليهم في ذلك، والله أعلم.
ما هي
عنها؟
السنة المتبعة في العزاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم حتى نتبعها، نريد اللبيان
السنة أن يصنع طعام من قبل جيران المصاب ليأكل منه أصحاب المصيبة،
لأنهم يشغلون بمصيبتهم عن الاشتغال بطعامهم، والله أعلم.
بماذا تنصح أهل المتوفى فعله أثناء أيام العزاء حتى يكونوا موافقين
لسنة الرسول؟
أنصحهم بعدم تقديم الأطعمة من حلوى وفواكه ولحم وأرز وأن يقضوا وقتهم في اجتماعهم في الموعظة والذكرى، والله أعلم. (2/636)
صفحة 1082
فتاوى عامة
637
هل تجوز قراءة القرآن أثناء أيام العزاء الثلاث الأولى؟
مع
ما
قراءة القرآن من الأمور التي ينبغي للمسلم المداومة عليها في فرحه وترحه وحزنه وسروره، فلا يقتصر عليها في مصابه، ومما يؤسف له أن كثيراً من الناس اعتادوا في أيام العزاء قراءة القرآن بطريقة تنافي واجبات التلاوة وآدابها، فترى بعض الناس يقرأون وآخرين مشغولين بحديث الدنيا يتخلله من الضحك والهزل، والقارئ يقطع قراءته ويقف قائماً عندما يدخل الداخل وكل ذلك ينافي ما أمر الله به في قوله: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْوَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ، وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204]، فأين الاستماع والإنصات عند هؤلاء الذين لا يُجِلّون كلام الله؟ إنا لله وإنا إليه راجعون، فالقرآن كتاب الله الخالد تعبدنا بتلاوته للتدبر والذكرى والعمل فلا يجوز جعله وسيلة للأعمال المنافية للسُّنَّة من إحضار وجبات الطعام في العزاء وحضور الجهلة العوام الذين لا يقدرون قدر القرآن ولا يعملون به،
والله أعلم.
ما قول سماحتكم في قراءة القرآن أيام العزاء بقصد جعل ثواب ذلك لروح شخص معين فهل يناله أجر تلك القراءة؟
يقول الله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَيْنِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39]، وهو يدلُّ على أن الإنسان يجزى بسعيه لا بسعي غيره، وفي الحديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له»، وإنما جاء في بعض الروايات تخصيص هذا العموم بمشروعية القيام الأعمال عن عن الميت كالحج، كما في حديث الخثعمية، والصيام كما في حديث عائشة ا وغيره، وذلك في الذي مات وعليه صيام، والصدقة كما في حديث الرجل الذي ماتت أمه فأراد الصدقة عنها، ولم يأت في
ببعض (2/637)
صفحة 1083
638
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ذلك عن
قراءة القرآن عن الميت ما يدلُّ على انتفاعه به، ولم يرو شيء من الرعيل الأول، أي الصحابة والتابعين، وانتفاع الميت بها أو عدمه أمر غيبي
لا يجوز الخوض فيه إلا بنص صريح، وأنى لنا به؟ والله أعلم.
يقوم
أحد من
من الناس بتأجير رجل يقرأ له القرآن ويهبه للأموات ويعطيه على ذلك مبلغاً من المال جزاء قراءته للقرآن، فهل ذلك حلال أم حرام؟ أقل ما في ذلك أنه مكروه، إذ القرآن عبادة ولا يسوغ للإنسان أن يأخذ أجراً على العبادة، ولم يرد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يقرأ أحد أحد، عن نعم للإنسان أن يقرأ القرآن الكريم ويدعو بعد قراءته بأن يغفر الله الله لخواصه وغيرهم من المؤمنين فإن الله قد يستجيب لهذا الدعاء فيرحم أولئك الموتى، فقراءة القرآن إذن مظنة لاستجابة الدعاء كما أن الدعاء يجاب أدبار الصلوات، والله أعلم.
هل يجوز أن يؤجر شخص لقراءة القرآن الكريم ثم يهدي ثواب ذلك للميت لأنه أوصى بذلك؟
الناس أحدثوا أموراً كثيرة لم تكن في عهد النبي، مع أن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام يقول: إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة». ومن هذه الأمور المُحدثة قراءة القرآن بالأجرة، فإن قراءة القرآن عبادة، لأنه يتقرب إلى الله الا الله بتلاوته، والعبادة لا يؤخذ عليها أجر، فكما أن الإنسان لا يبتغي أجراً من الله على صلاته التي يصليها، كذلك لا يأخذ أجراً على قراءته لكتاب الله تبارك وتعالى، وإنما أجر ذلك ما يناله في الدار الآخرة من الثواب الجزيل عند الله الله (2/638)
صفحة 1084
فتاوى عامة
639
أما أن يتخذ القرآن الكريم طريقة للكسب فهذا من باب الأكل به ثمناً قليلاً، فما بال الإنسان بدلاً من أن يقرأ القرآن تقرباً إلى الله يقرؤه لأجل دريهمات أو ريالات أو دنانير ينالها، إنما هذا من بيع القرآن الكريم بالثمن اليسير، ونرى منع ذلك منعاً باتاً، وإن وجد من العلماء من يرخص في ذلك، فإن الذي نأخذ به أنه لا يجوز هذا لمخالفته ما مضى عليه السلف في أيام النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين - رضي الله تعالى عنهم ـ، ولا دليل على انتفاع الميت بما يهدى إليه من الأعمال إلا ما ورد الدليل عليه بمشروعية النيابة فيه عن الغير، فقد ورد الدليل بمشروعية أن ينوب الإنسان عن غيره في الحج سواء كان ميتاً أو حياً عاجزاً كما حصل ذلك للخثعمية التي جاءت تستفسر النبي صلى الله عليه وسلم عن حجها عن أبيها فأباح لها ذلك لأنه شيخ كبير لا يستطيع الثبات على الراحلة، وكذلك جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم الحث على الصدقة عن الميت، وجاء عنه كما في حديث عائشة عند الشيخين: من مات وعليه صيام صام عنه وليّه، وهل يقال بأن بقية الأعمال كذلك؟ لا نقوى على القياس في هذا لأننا نجد أنه لا خلاف بين العلماء أنه لا يصلي أحد عن أحد، والقراءة هي جزء من الصلاة، إذ الصلاة لا تكون بدون قراءة، فعلى هذا فقراءة القرآن بغير صلاة أقرب إلى أن يكون الميت لا ينتفع بها، فلا ينبغي أن يهدي الإنسان ثواب قراءته التي يقرأها للميت، نعم يمكن أن يدعو للميت الصالح بعد قراءة القرآن ويكون ذلك مظنة لاستجابة الدعاء، فإن قراءة القرآن من العبادات والعبادات وسائل لاستجابة دعائه، فالإنسان قد يصلّي صلاة الفريضة أو صلاة السنة أو صلاة النفالة ثم يدعو بعد ذلك بما يدعو به من الدعاء فكذلك غيرها من الطاعات إنما هي مظنة لاستجابة الدعاء، فإن تلا القرآن الكريم ودعا للميت الصالح بعد تلاوته رجي أن يستجيب الله تبارك وتعالى دعاءه، والله تعالى أعلم.
)) (2/639)
صفحة 1085
640
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
يوجد في المناطق عادة سار عليها الأهل منذ زمن بعيد تتمثل في تلاوة القرآن الكريم في آخر أيام العزاء وكذلك تلاوة بعض التراتيل تسمى عندهم «الوهبة» والموجود كذلك اعتقاد البعض أن تلك التلاوة
والتراتيل تذهب للميت بفائدة فما مدى صحة هذا الاعتقاد؟
هذه أمور تتوقف على بيان من الشارع، ولم يأت من قبله ما يدل على انتفاع الميت بتلاوة القرآن وإهداء ثوابه إليه، بل الأصل أن عمل العامل لا يتجاوزه إلى غيره، كما يدل عليه قول الله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَيْنِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39]، اللهم إلا ما استثني بالدليل كالحج والصدقة وصوم القريب عن قريبه إن مات وعليه صيام، والله أعلم.
هل قراءة الوهبة في أيام العزاء جائزة؟
يقول الله تعالى: {كُلُّ أَمْرِي بِمَا كَسَبَ رَهِينُ} [الطور: 21]، ويقول: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَيْنِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39]، فالإنسان لا يُوهَب عمل غيره، نعم يؤجر على عمل الخير إن كان سبباً له، فقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له، أما أن يعمل أحد من الناس عملاً ويهبه لغيره فلا أصل لذلك، اللهم إلا الحج والعمرة والصدقة، فقد ثبت أن الميت ينتفع بذلك، أما الحج والعمرة فدليله أن النبي يا لا لا لا أجاب الخثعمية عندما سألته في الحج عن أبيها وقد كان حياً لكنه لا يستطيع الثبوت على الراحلة بقوله: «أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ذلك مجزياً»، قالت: نعم، فذاك ذاك». وأما الصدقة فإن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله عن أُمه بأنها ماتت ويرى أنها لو كانت تملك من الأمر شيئاً لتصدقت أفيتصدق عنها، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالصدقة عنها، وكذلك قضاء الصيام إن كان واجباً على
قال: (2/640)
صفحة 1086
فتاوى عامة
641
الميت، لحديث عائشة عند الشيخين من مات وعليه صيام صام عنه وليه»، والله تعالى أعلم.
تخرج النساء للتعزية في حافلات من مجموعات قد تزيد عن ثلاثين امرأة تاركات وراءهن البيوت والأولاد دون رعاية في رحل شيقة مليئة بالأحاديث التي يتخللها الكثير من الغيبة والنميمة ولا تمت للحديث عن الموت بصلة بالإضافة إلى المبالغ المادية التي تتكلف عن النقل وما يتبعه والذي كان يمكن أن يوجه إلى وجوه عديدة من وجوه الصلاح، فما حكم المرأة التي تسافر للتعزية إلى أكثر من حد السفر، مع العلم أن المتوفى ليس من أرحامها وقد لا يكون من معارفها أصلاً ولكن خرجت لأن جارتها تعرف أحداً من أهل المتوفى وقد وجدت حالات أن جميع الواصلات للتعزية لا يعرفهن أحداً من أهل المتوفى ولا يعرفن أحداً، ولكن الوصول كان بسبب
أن العزاء كان قريباً من بيت آخر كن قصدنه في الأصل للتعزية؟ المرأة مأمورة بأن تلزم بيتها وأن ترعى شؤونه، وقيامها بإصلاح بيتها هو أولى ما تقوم به، فتربية أولادها ومراعاتهم والقيام بتوجيههم الوجهة السليمة جهاد في سبيل الله، وكذلك القيام بخدمة بيتها وراحة زوجها جهاد في سبيل الله، أما هذه الرحلات فإنها لا نصيب لها فيها، اللهم إلا أن يكون النصيب وزراً، خصوصاً عندما تكون في رحلتها تتفكه بالغيبة أو بالنميمة أو بالحديث الهراء الذي لا يمت إلى الدين بصلة من الصلات، فإن ذلك مما لا يعود عليها بمصلحة قط، ولا داعي أن تذهب إلى العزاء اللهم إلا أن يكون المعزي فيه رحماً لها بحيث يكون الذين أصيبوا بتلك المصيبة من أرحامها، فذهابها إليهم يعد من صلة الأرحام بشرط أن يكون ذلك بإذن زوجها وتكون برفقة زوج أو ذي محرم. (2/641)
صفحة 1087
642
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
من المشاهد أن قسوة القلوب تطغى على معظم القاعدين للعزاء إذ أصبحوا يتداولون فيما بينهم الأحاديث الدنيوية ولا يكاد يوجد في المجالس ما يذكرهم بالله واليوم الآخر، فما الذي تنصحهم بالعمل به أثناء الإقامة في أيام العزاء؟ مما ينبغي في أوقات العزاء أن يكون هنالك تذكير بالله، إما بإلقاء محاضرات فيها تذكير بالموت وبيوم القيامة وبالواجب الذي يُفرض على الإنسان القيام به قبل أن ينقلب إلى لقاء ربه بالموت أو بقراءة لكتب فيها رقائق، كالكتب التي تذكر بالموت وبالقبر وباليوم الآخر، حتى يكون المجتمعون موصولين بما هم مجتمعون لأجله، ومستفيدين من هذا الموقف الذي يلتفون حوله، والله أعلم.
هل يتوافق مع السنة قراءة المصحف الذي تصحبه وليمة كبيرة في آخر يوم من أيام العزاء؟ وما البدائل المقترحة لاستغلال هذا التجمع خاصة
لدى النساء؟
يقول الله تعالى: {لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيَّا وَيَحِقَ الْقَوْلُ عَلَى الْكَفِرِينَ} [يس: 70] فالقرآن إنما يتلى لأجل أن يتزود منه الأحياء بصائر في دينهم ونوراً يسيرون عليه في دربهم، أما الميت فإنه لا ينتفع بتلك القراءة وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39]، وماذا عسى أن تكون فائدة هذا للميت الذي ربما لم يتل القرآن في حياته ولم يعمل به فأنّى له أن ينتفع بما يتلى من أجله من بعد موته، على أن هذه التلاوة لا يُقصد بها العبادة وإنما هي عادة جرت، وتتبعها بدعة هي من شر البدع، فالواجب ترك ذلك حتى لا يُتخذ القرآن وسيلة إلى البدعة واجتماع الناس لأجلها، بل ينبغي في مثل هذه الحالات أن يكون تذكير بالله واليوم الآخر ـ كما قلنا ـ سواء كان ذلك عند النساء أو عند الرجال، والله أعلم. (2/642)
صفحة 1088
فتاوى عامة
643
ذلك
أصبح من المشاهد توالي الوفود النسوية من القاصي والداني في يوم نهاية العدة ويتخلل ذلك إثارة كوامن الحزن على الفقيد وعلو أصوات النياحة والعويل وكأن المتوفى لم يوار في التراب بعد، ويتبع إعداد وجبة العشاء لكل الحاضرات والغريب أن ذلك يُعد معهن من أعظم القربات التي يُرجى ثوابها للهالك، فهل ترون في هذا الفعل مخالفة لشرع الله، وما ترون الواجب على ولي المعتدة عمله حيال
ذلك؟
هذه عادة جاهلية يجب أن تختفي ولا يجوز إقرارها، فعلى الرجال والنساء جميعاً أن يعملوا من أجل القضاء عليها، والله أعلم.
شاع بين عامة الناس أنه إذا ماتت زوجة أحدهم فقام زوجها بإنزالها في قبرها لم يجز لذلك الزوج الزواج بامرأة أخرى إلا بعد انقضاء عام كامل على وفاة زوجته أما إذا لم يقم بإنزالها في قبرها فإنه يجوز له الزواج في أي وقت، أفتونا في هذه المسألة؟
هذه أيضاً من بدع أهل الجهل، ولا وجود لهذه المسألة في الشريعة الإسلامية، فله أن يتزوج متى شاء ولا تجب عليه العدة وإنما العدة على
النساء
وهي
أربعة أشهر وعشر لا سنة كاملة، والله أعلم.
عادة للنساء في اليوم الأخير من العزاء يفرشن خضرة مثل «الفجل» في
صحون على الأرض، فما رأيكم في ذلك؟
ذلك من البدع فيجب اجتنابه، والله أعلم. (2/643)
صفحة 1089
644
غسل الميت والصلاة عليه
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
هل للرجل أن يغسل محرمته مع وجود النساء؟ وهل للمرأة أن تغسل محرمها مع وجود الرجال؟ وعند عدم وجود النساء هل للرجل أن يغسل محرمته؟
أو من
للرجال حرمات وللنساء حرمات، فلا يحلّ لرجل أن يغسل امرأة ميتة إن لم تكن حليلته ـ ولو كانت محرمته، ولا يحل لامرأة أن تغسل رجلاً ميتاً إن لم يكن زوجها ـ ولو كان محرمها، بل يتولى غسل الرجل الرجال وتتولى غسل المرأة المرأة اللهم أن يكون الرجل بين نساء خلص ليس بينهن رجل أو العكس، فهنا يتولى الرجال المحارم غسل محرمتهم الميتة وتتولى النساء المحارم غسل محرمهن الميت، على أن يكتفي في ذلك بصب الماء دون العرك فيما بين السرة والركبة سواء من قبل الرجال في محرمتهم قبل النساء في محرمهن أما عند وجود الرجال أو الزوجة فلا يجوز للنساء المحارم تغسيل محرمهن وكذلك عند وجود النساء أو الزوج لا يجوز للرجل تغسيل محرمته، ودعوى أن ذلك من البر باطلة، فإن البر لا يكون لشرع الله، وأكثر منها بطلاناً دعوى أن من لم يفعل ذلك عليه كفارة صيام أو إطعام، فإن ذلك من افتراء الكذب على الله وكفى به إثماً مبيناً وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، والله أعلم.
مخالفاً (2/644)
صفحة 1090
فتاوى عامة
645
هل يجوز للمرأة أن تغسل زوجها إذا مات وكذا العكس؟ نعم، على القول الصحيح الراجح، فأم المؤمنين عائشة لا تقول: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غير نسائه»، وكذلك العكس، فقد روي عن الصديق الله الله أنه غسل زوجته أم رومان ـ رضي الله تعالى عنها ـ عندما توفيت، فلا مانع أن يغسل الرجل امرأته الميتة وتغسل المرأة زوجها الميت لأن العلاقة الزوجية باقية بينهما لذلك شرعت العدة حتى لغير المدخول بها.
امرأة أوصت أن تغسلها امرأة معينة مع بناتها، فهل يسوغ لها ذلك؟ لا مانع من ذلك.
هل يجوز تقليم أظافر الميت أو قص شعره كالعانة أو الإبط؟ اختلف في ذلك، فمنعه أصحابنا واستحبه غيرهم في حال طول الشعر أو الأظافر، والله أعلم.
إذا ماتت امرأة وهي تلبس عدسات لاصقة، فهل يجب نزعها عند غسلها، وكذلك إذا كانت لابسة اللولب؟
إن أمكن النزع فذلك، وإن لم يمكن فالله أولى بعذر من كان غير قادر.
ما حكم تغسيل الحائض والنفساء للميت من النساء؟
لا حرج في ذلك، والله أعلم.
هل يمكن للجنب سواء كان رجل أو امرأة أن يغسل الميت؟
الجنب والحائض ليسا بنجسين، بخلاف ما يتصور الكثير من الناس أن (2/645)
صفحة 1091
??
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
جسم الحائض نجس وأنها تنجس ما باشرت، فقد جاء في الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي في الثوب الذي يباشر فيه أهله وكذلك جاء في الروايات عن أمهات المؤمنين ـ رضي الله عنهن ـ أنهن كن يصلين في الثوب الذي يحضن فيه، وكان ربما لحق ذلك الثوب شيء من الدم، فلا تزيد أن تفيض عليه من ريقها ثم تطهره بظفرها حتى يزول أثر الدم، وهذا دليل على أن الجنب والحائض غير نجسين، وأن عرقهما، طاهر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين عائشة: ناوليني الخمرة ـ أي الفراش الذي يصلّي فيه ـ فقالت له: «إني حائض يا رسول الله قال ليست حيضتك في يدك»، وجاء عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشرب من الكأس الذي كانت تشرب منه ويضع فاهه حيثما كانت تضع فاهها مع أنها حائض، وكذلك جاء أنه يتعرق اللحم بفيه بعدما تتعرقه بفيها ويضع أسنانه حيثما وضعت أسنانها وهي حائض، وجاء أيضاً عن النبي الا الله أنه كان يدخل مع الحائض في لحاف واحد، ولا يمنع الجنب ولا الحائض من ذكر الله تعالى، وإنما يُمنعان من قراءة القرآن، وعلى هذا فلا مانع من تغسيلهما للميت، والله تعالى أعلم.
يلاحظ أن كثيراً من الرجال يساعدون في مباشرة جثمان الأموات من النساء أثناء التجهيز كرفعهن في السرير أو إنزالهن منه أثناء مراحل التجهيز المختلفة وهم ليسوا من محارمهن، وذلك بحجة الرغبة في نيل الأجر، فهل يصح لغير محارم المرأة من الرجال أن يقوموا بهذا العمل خاصة مع وجود المحارم، وهل يجب على المحارم منع من أراد القيام بذلك؟ المرأة لها حرماتها في محياها وبعد مماتها، فلذلك ينبغي أن يُسارع إلى هذا الأمر المحارم، وقد قال الفقهاء بأن المحارم أو الزوج هم أولى الناس (2/646)
صفحة 1092
فتاوى عامة
647
بالقيام بتجهيز المرأة ولا سيما عندما تنزل في القبر، وقالوا بأن المحرم أو الزوج هو الذي يلي المنطقة الوسطى من جسمها إلا أننا نجد في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما توفيت إحدى بناته دعا إلى إنزالها في القبر من لم يغش تلك الليلة أهله، وكان ذلك بحضور زوجها، وهذا يدلُّ على أن الأمر لا ينحصر في ذوي المحارم، نعم وكما قلنا فالمناطق التي لها حرماتها من جسم المرأة أكثر من غيرها ينبغي أن لا يُباشرها إلا ذو المحرم أو الزوج.
هل يجوز للمرأة أن تتبع جنازة زوجها حتى مكان غسله؟ وكيف تكون
نية العدة؟
إن كانت ترافقه بغير نواح ومن غير أن تزاحم الرجال الأجانب فلا مانع، وإلا فهو ممنوع ونية العدة كسائر النيات للأعمال، فهي القصد بالقلب إلى أداء العمل قربة إلى الله، والله أعلم.
لا
عند حمل الميت في جنازة ومرور هذه الجنازة على مجموعة نساء موجودات في بيت الميت في ذلك الوقت، هل يجب عليهن الوقوف؟ يجب أن تقف النساء ولا الرجال.
هل تصح صلاة المرأة على الميت مع الجماعة؟
لا مانع من صلاتهن على الميت وراء الرجال مع عدم صلاتهن على الأموات شفاعة ودعاء، والله أعلم.
لم
اختلاطهن
بهم،
فإن
لا يصلّى على السقط الميت وهل يبعث يوم القيامة؟ لا يصلى عليه لأنه لم يدخل في هذه الحياة الدنيا بحكم الأحياء فيدخل في حكم الأموات، إذ الموت مترتب على الحياة، ولئن كان فيه حياة فتلك (2/647)
صفحة 1093
648
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
حياة في عالم الغيب لا في عالم الشهادة، وأما أمر البعث فهو ليس من شأننا، وإنما الله تبارك وتعالى وحده هو الذي يعلم ذلك، فإن شاء بعثه وإن شاء لم يبعثه، والله أعلم.
إذا خرج المولود من بطن أمه ميتاً، هل يصلى عليه؟ لا يصلى عليه إلا إن بانت فيه دلائل حياة بعد الخروج، والله أعلم.
المولود الذي يولد وهو كامل الخلقة إذا ولد ميتاً هل يصلّى عليه؟ إن ولد ميتاً لم يستهل فإنه يغسل ويكفن ويدفن، أما الصلاة فهي على من تيقنت حياته بعدما ولد.
فيمن وَجَدَ طفلاً ميتاً من أب غير شرعي وهو لا يدري هل خرج من بطن أمه حياً أم ميتاً هل يصلّى عليه؟
الأصل فيمن ولد ولا دليل على حياته أنه خرج ميتاً إن كان لم يستهل، أما إن استهل فإنه يصلّى عليه، ولا فرق في ذلك بين أن يكون أبوه أباً شرعياً أو غير شرعي، إذ الأصل أنه على الفطرة، والله تعالى يقول: {وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164]، فلا يحمل تبعة ما فعل أبواه، والله تعالى أعلم.
هل يجب على من يقوم بغسل الميت في نهار رمضان قضاء ذلك
اليوم؟
لا، فغسل الميت لا يفطر.
امرأة حرجت عليها عمتها بأن لا تغسلها بعد مماتها، ولا تقعد في عزائها فهل عليها حرج إن غسلتها أو قعدت في عزائها؟ (2/648)
صفحة 1094
فتاوى عامة
649
ليس عليها من ذلك حرج فإن ذلك واجب عليها، ولا تترك الواجب من أجل قول باطل هو أقرب إلى الهذيان، والله أعلم.
ما حكم زيارة القبور للمرأة؟
اختلف العلماء في ذلك، فمنهم من منع المرأة من زيارة القبور لأحاديث وردت في ذلك، نظراً إلى كون المرأة سرعان ما تتأثر عاطفتها، ولربما أتت هنالك بأعمال تنافي الصبر، ومنهم من أباح الزيارة لها بشرط الصبر وعدم العويل أو الإتيان بشيء من الأعمال التي تنافي ما أمرت به المرأة المؤمنة من الصبر في المصاب.
يقال بأن المرأة التي توفي عندها ولدها لا يجوز لها شرب الماء في
وقت غروب الشمس، فهل هذا صحيح؟
هذا باطل، لها أن تشرب في وقت غروب الشمس وفي وقت طلوعها بل الأوقات، حتى في حالة دفن الولد إلا وقت الصوم.
وفي جميع
هل الأمر في قول الرسول صلى الله عليه وسلم في شأن القبور: «ألا فزوروها»، هو للندب أم هو للإباحة؟
ذلك يختلف باختلاف أحوال الزائرين، فإن من زار القبور من أجل الاتعاظ وذكر الآخرة والاستعداد للموت والتشجع للعمل الصالح وذلك بتذكر الحالة التي انقلب إليها الميت وهو ينتظر الانقلاب إليها، فذلك مما يقوي جانب الندب، أما إن كان يزور القبر لأن المزور قريبه أو لأجل تذكار القربي فقط فالأمر للإباحة، بشرط ألا يصدر هجر من الزائر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: «ألا فزوروها»، أتبع ذلك قوله: «ولا تقولوا هجراً». (2/649)
صفحة 1095
650
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ما حكم زيارة قبور الأنبياء ووضع الزهور والعود عليها تبركاً بها؟ الأنبياء في غنى عن هذا كله فلا توضع عليهم زهور ولا غيرها، والزائر يزورهم لأجل الاتعاظ ونيل الأجر لا لأجل أن يفيد هؤلاء الأنبياء بشيء، وقد أمرنا بأن نزور القبور وأن لا نقول هجراً في زيارتها فهكذا تكون زيارتنا لقبور الأنبياء، هذا وقبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو القبر الوحيد من قبور الأنبياء الذي يمكننا أن نقطع به أما بقية قبور الأنبياء فلا يمكننا أن نقطع بها، لأننا لا ندري في أي مكان هي وما يُقال عنها إنما هو مجرد ظنون.
ما هو قول الشرع في قراءة القرآن على المقابر؟
قراءة القرآن في المقابر ليست من السنة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «إقرأوا القرآن في بيوتكم ولا تجعلوها قبوراً إشارة إلى أن المقابر ليست مكاناً لقراءة القرآن، وقال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، والنبي صلى الله عليه وسلم زار القبور ولم يقرأ شيئاً من القرآن:
أتعمرن قبورنا الدوارس ويترددن إليها الدارس وهذه المساجد المعدة نتركها وهي لذاك عدة والمصطفى قد زارها وما قرأ إلا سلاماً ودعا وأدبرا حسبك أن تتبع المختار وإن يقولوا خالف الآثار
ما قول الشرع في تجصيص القبور أي البناء عليها وكتابة اسم الميت وتاريخ وفاته على رأس الميت في القبر؟
كل ذلك مخالف للسُّنَّة، فالنبي لم يعمل شيئاً من ذلك بل نهى عنه، صلى الله عليه وسلم لم وإنما وضع على قبر عثمان بن مضعون - رضي الله تعالى عنه ـ حصاة لتكون علامة لقبره فقط من غير أن يصنع شيئاً مما ذكر. (2/650)
صفحة 1096
فتاوى عامة
فتاوى عامة
651
ما أهمية السؤال بالنسبة للمسلم؟
السؤال ضرورة لأن الإنسان لم يُخلق عالماً، يقول الله تبارك وتعالى: {وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [النحل: 78]، والإنسان لم يترك هملاً ولم يخلق سدى، بل خُلق ليحمل أمانة كبيرة وليكون خليفة في الأرض، ومعنى الخلافة أن يُجسد فيها أوامر من استخلفه، أوامر صاحب السلطان المطلق في الكون وهو الله سبحانه وتعالى، وهذا التجسيد لأوامره سبحانه لا يمكن أن يكون على النحو الذي يرضيه تعالى إلا عندما يكون الإنسان بصيراً بما يأتيه وما يذره، فيتصرف بحسب أمر الله، ولئن كان الإنسان لم يُخلق على علم ودراية بل خُلق بحاجة إلى أن يطلع على الحقيقة التي يجهلها فإن على من لم يكن ذا علم بالموضوع الذي يعنيه ويشغله مما يتعلق بوظيفته في هذه الأرض وهي خلافة الله سبحانه والصلة بالله عليه أن يسأل من كان ذا علم، فلا بد من السؤال، ولذلك قال الله تعالى: {فَسْتَلُوا أَهْلَ الذِكر إن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وهو وإن كان وارداً في قضية معينة تتعلق بإرسال المرسلين إلا أنه ـ كما قال علماء الأصول ـ لا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ، فالإنسان مطالب بأن يسأل أهل الذكر على كل حال من الأحوال حتى يتمكن من فهم ما يعنيه من أمور دينه ودنياه، والله أعلم. (2/651)
صفحة 1097
652
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
البعض يقول إنك إذا لم تسأل لا يترتب عليك حكم ولا يترتب عليك تكليف ماذا يقال لهؤلاء؟
هؤلاء سقطوا إلى حضيض الجهل، وإلا فإن الإنسان مكلف على أي حال سأل أو لم يسأل، فعليه أن يسأل حتى يدرأ عن نفسه صفة الجهل، وليس له أن يخلد إلى جهله، ولو كان في ترك السؤال سلامة للإنسان لكان الجهل خيراً من العلم لأنه سبب للسلامة، ولكن أنّى ذلك والله تعالى فرض السؤال
على عباده؟!
في
الحديث الذي رواه الربيع الله الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم فهل على المرأة من غسل في هذا اليوم؟ كلمة محتلم تشمل الجنسين الرجل والمرأة، فلكلاهما هذا الحكم، وذلك أجل الاستعداد لذلك اليوم بالتهيؤ لذكر الله تبارك وتعالى فيه.
من
هل يجب على المرأة عند قراءتها للقرآن الكريم أن تتحجب؟ عليها أن تستر نفسها ما عدا الوجه والكفين لأن قراءة القرآن مظنة حضور الملائكة، وحضور الملائكة لا يتم مع بقاء المرأة غير مستترة، فلذلك تؤمر بهذا، والله تعالى أعلم.
امرأة حفظت خمسة عشر حزباً من القرآن الكريم ولانشغالها لم تستطع مراجعتها فنسيت الكثير منها أو نسيتها، فهل تأثم؟ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من تعلم القرآن ثم نسيه حشر يوم القيامة أجذم»، واختلف العلماء في المراد بالنسيان، فجمهورهم على أن النسيان هو نسيان التلاوة، لأن هذا هو الظاهر والمتبادر، ولا يصار إلى غيره إلا مع قرينة، ومنهم من حمل النسيان على معنى نسيان العمل، وأصحاب القول الأول قالوا إن كان (2/652)
صفحة 1098
فتاوى عامة
653
هذا بسبب مرض أدى إلى النسيان فلا حرج، وبعضهم ترخص ما دام يفرق ما بين القرآن وغيره من الكلام بحيث لا يلتبس عليه غير القرآن بالقرآن ومهما يكن فإننا نوصيها بأن تحافظ على ما حفظته وأن تحرص على استعادة ما نسيته وأن تحافظ على مدارسة القرآن لئلا يتفلت منها، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت». والله أعلم.
ما قولكم في ختان البنات وما نسمع من إعراض النساء عن ختان بناتهن أفيدونا؟
ذلك من السُّنَّة، ولكن من غير إنهاك، كما دل على ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أمر الخافضة ألا تنهك، وترك ذلك لا يؤدي إلى حرمة، والله أعلم.
عن حديث عائشة لها عندما قالت عن اللواتي يدخلن الحمامات إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أيما امرأة وضعت ثيابها في غير بيت زوجها فقد هتكت ما بينها وبين الله من ستر»، فهل تعتبر حمامات المستشفى والجامعة من ضمن الحمامات التي وردت في الحديث؟ لا، وإنما هو في الحمامات التي يرتادها الناس وفيها شيء من كشف العورات وانتهاك الحرمات، فلذلك يؤمر الرجل فضلاً عن المرأة بألا يدخل حماماً يلتقي فيه الناس وليس فيه ستر، والله أعلم.
ما حكم الجلوس في مجلس العلم إذا حضرته امرأة شبه عارية؟ إن الله أراد لهذه الأمة أن تكون أمة خلق وآداب وفضائل، ولذلك أدبها الله في كتابه العزيز، فالله وعل يقول: قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى هَمَّ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور: 30] (2/653)
صفحة 1099
654
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
فقد فرض على المؤمنين غض الأبصار، وليس من الممكن أن يتمسك المؤمنون بهذا الأدب الذي فرضه الله الله عليهم في الحياة، وأن يغضوا من أبصارهم كما أراد الله الا الله مع أنهم لا يفتحون أعينهم إلا على المناظر الشائنة من التبرج البغيض، فلذلك أدب الله له الا الله النساء كما أدب الرجال حيث قال من بعد: {وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَ بِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ أَوْ
أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَآبِهِنَّ [النور: 31]، وعندما فرض الله الا الله هذه الآداب الاجتماعية على النساء، فرضها أولاً على أطهر النساء وأعفهن أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد قال الله تعالى لنبيه عليه أفضل الصلاة والسلام: يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِأَزْوَجِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [الأحزاب: 59]، فقد أمره الله الا الله أن يؤدب بهذه الآداب أولاً أزواجه وبناته وهن أطهر النساء وأعفهن وأرفعهن قدراً وأعظمهن شأناً، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل وجه الله الأوامر الصارمة إلى أُمهات المؤمنين - رضي الله تعالى عنهن ـ بألا يقلن حديثاً أمام الرجال لئلا يطمع الذي في قلبه مرض، وإذا كان الله الله يحذر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الجو الطاهر والبيئة الصالحة أن يلن الحديث خشية أن يطمع الذي في قلبه مرض مع رفعة أقدارهن ومع تقدير أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لهن، واحترامهم لهن باعتبارهن أمهاتهن فكيف بما عداهن من النساء، وبين الرسول صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الثابتة خطر اجتماع الرجل بالمرأة، فقد قال: «ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم»، فكيف تأتي امرأة مبتذلة غير مصونة أمام الرجال والشباب الذين تلتهب غرائزهم والذين يتأثرون بهذه (2/654)
صفحة 1100
فتاوى عامة
655
المناظر أكثر من غيرهم، إن ذلك لما لا يصح في الإسلام، لأن ذلك من دواعي الفساد، ولقد ثبت في القواعد الشرعية بأن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، فحضور مجلس العلم الذي تحضر فيه امرأة شبه عارية لا يصح، كيف وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم من أصابت بخوراً من النساء ألا تحضر المسجد مع أنهن يحضرن بالرزانة والوقار، وقالت أم المؤمنين عائشة
بني
«لو أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ما أحدثته النساء لمنعهن المساجد كما منعت نساء إسرائيل»، وما الذي أحدثته النساء في ذلك الوقت؟! إنه شيء لا يقاس بالنسبة إلى وقتنا، فعلى الجميع أن يتقي الله، والله أعلم.
أنا امرأة من هواة الشعر أكتب في الشعر الغزلي النبطي، ولي كتابات في الدين، بالفصحى، فهل الشعر جائز أم هو حرام أم هو مكروه، وهل هناك ضوابط؟
الشعر كغيره من الكلام، عندما يكون سليماً من كل المفاسد والمضار فهو جائز، وعندما يكون مشوباً بشيء من المنكرات فهو حرام، فعندما يكون دعوة إلى الخير وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر وإصلاحاً للمجتمع وإرشاداً للغوي وهداية للضال فهو خير كبير ويثاب عليه الإنسان، فحسان بن ثابت شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم كان النبي عليه أفضل الصلاة والسلام يخبر أنه يمده روح القدس عندما كان ينافح عن النبي عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام، وكان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه نه شعراء كعبد الله بن رواحة وغيره، ولكن شعرهم لم يكن منحطاً هابطاً سافلاً، ولم يكن من أمثال الشعر الذي تتقيؤه قرائح الفساق سموماً تبث من أجل إفساد المجتمع وإشاعة الفحشاء وتحبيب الرذيلة إلى النفوس والصد عن سبيل الله تعالى، فهذا الشعر لا يُحمد ولا يُقر ولا يكون له مكان في الإسلام، أما الشعر الرفيع الذي فيه ترويض (2/655)
صفحة 1101
656
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
للنفس على الطاعة، وتعريف للنفس بمعائبها، وتبصير لها بما يجب عليها من حق الله تبارك وتعالى وتعريف لها بعظمة الله وكبريائه وجلاله، ومدح النبي صلى الله عليه وسلم ولعباد الله تعالى الصالحين الذين يتقون الله ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فلا ريب أنه شعر جائز بل مطلوب، والله تعالى ولي التوفيق.
كيف يمكن للمرأة الشاعرة أن تشارك بشعرها في نصرة الإسلام، هي الطرق المحددة في ذلك؟
ما
إن المرأة في الأزمنة السابقة استطاعت أن تسهم إسهاماً في بناء العقلية الإسلامية، وفي توجيه الإنسان إلى الخير، وفي شحذ هممه، وإيقاد عزائمه، أمثلة ذلك قصيدة قالتها الفارعة بنت طريف أخت الوليد بن طريف،
ومن
وهي من الخوارج، ونحن وإن كنا لا نتفق مع الخوارج في غلوائهم وخرجوهم عن حدود الاعتدال حيث إنهم حكموا على المسلمين بأحكام المشركين، واستباحوا دماءهم وأموالهم إلا أننا نكبر فيهم الحماس، ونكبر فيهم مقاومة الظلم وتحدي الظالمين والوقوف في وجوه المتكبرين، فالفارعة بنت طريف خرج أخوها متصدياً للظلمة، وقتل في المعركة، ولما قتل كان منها انتصار، له ورثته بمرات كثيرة يقول ابن خلكان: إنها لا تقل عن مراثي الخنساء لأخيها بل تتميز بالحماس، وكان مما قالته
قبر كأنه
بتل نهاة رسم قبر على جبل فوق الجبال منيف تضمن مجداً عظبلياً وسؤددا وهمة مقدام ورأي حصيف فيا شجر الخابور مالك مورقا كأنك لم تجزع على ابن طريف فتى لا يحب الزاد إلا من التقى ولا المال إلا من قنا وسيوف ولا الذخر إلا كل جرداء صلدم معودة للكر بين صفوف كأنك لم تشهد هناك ولم تقم مقاماً على الأعداء غير خفيف (2/656)
صفحة 1102
فتاوى عامة
657
ولم تستلم يوماً لورد كريهة من السرد في خضراء ذات رفيف القنا ينكزنها بأنوف وسمر
ولم تسع يوم الحرب والحرب لاقح حليف الندى ما عاش يرضى به الندى وإن مات لا يرضى الندى بحليف فقدناك فقدان الربيع وليتنا فديناك من ساداتنا بألوف وما زال حتى أزعج الموت نفسه شجا لعدو أو لجاً لضعيف ألا يا لقومي للحمام وللبلا وللأرض همت بعده برجوف ألا يا لقومي للنوائب والردى ودهر ملح بالكرام عنيف وللبدر من بين الكواكب إذ هوى وللشمس لما أزمعت بكسوف ولليث كل الليث إذ يحملونه إلى حفرة ملحودة وسقيف ألا قاتل الله الحشا حيث أضمرت فتى كان للمعروف غير عيوف فإن يك أرداه يزيد بن مزيد فرب زحوف لفها بزحوف عليه سلام الله وقفاً فإنني أرى الموت وقاعاً بكل شريف فلننظر كيف استطاعت هذه الشاعرة أن تلهب الحماس وتؤجج العواطف وتبعث على الجهاد بهذه الروح الدافقة بمشاعر الإيمان والقوة ومشاعر تحدي الظلم والمرأة عندها الآن مجال واسع فبإمكانها أن تنشر ما تكتبه الصحف أو أن تبثه عبر الشبكة العالمية للمعلومات، وبإمكانها أن
في
تجمع شعرها في كتاب لها وتنشره ما بين الناس فالمرأة لها مجالات في الدعوة إلى الخير وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنهوض بالأُمة.
ما رأيكم في وجود الخدم الذكور في المنزل؟ وهل يجوز وجود الخادمة غير المسلمة؟ اختلاط الذكور بالإناث مصدر فتنة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «إياكم والدخول على النساء»، فقال له رجل من الأنصار: أرأيت الحمو يا رسول الله»، فقال (2/657)
صفحة 1103
658
إخوتهم
بينهم
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
له النبي صلى الله عليه وسلم: الحمو الموت، وحمو المرأة هو أخو زوجها، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في أخي زوج المرأة أنه الموت مع رعاية الإخوة حقوق غالباً، فكيف بغيره من الرجال، وكيف بالخادم الأجنبي، فإذا كان هذا الخادم يختلط بنساء العائلة في البيت فذلك لا أبداً، أما إذا كان يصح هناك جناح خاص يصل إليه هذا الخادم الذكر، والإناث في جناح خاص في البيت، بحيث لا يكون اختلاط فقد يتسامح في ذلك خصوصاً مع الضرورات، وإلا فالتوقي أولى خشية ما يحدث من الفتن الكثيرة، وأما الخادمة غير المسلمة فيجب أن ينظر إليها من الناحية الاجتماعية قبل النظر إلى الناحية الدينية، فالخادمة غير المسلمة إذا أخذت تربي الأولاد كيف ستكون تربيتها لهم، فالمسألة فيها إشكال كثير فضلاً عن كون غير المسلم وغير الكتابي هو نجس كما نصَّ القرآن على ذلك: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نجس} [التوبة: 28]، فينبغي التحرز من ذلك، والله أعلم.
أنا امرأة متزوجة ولدي سبعة أطفال أكبرهم يبلغ من العمر 12 سنة، هل يمكنني أن أطلب من زوجي أن يأتي بخادمة تساعدني في عمل المنزل، علماً بأنني مصابة بمرض فقر الدم، وأعاني من مضاعفات حادة جداً تعيق عملي كربة بيت كذلك بعض أطفالي يعانون من نفس المرض ويحتاجون إلى رعاية زوجي يعمل مهندساً ولديه معارف كثيرون ولا أقدر بأن ألبي له متطلبات الضيافة من أكلات وغيره. وما هي الشروط التي يمكنها أن تتوفر في الخادمة؟ أسأل الله تعالى لها ولأولادها العافية والصحة وزوال البأساء والضراء، وأن يبارك فيها وفي زوجها وفي أولادهما، وأن يجعل هذه الذرية ذرية صالحة مؤمنة قائمة بأمر الله، أما سؤالها عن الخادمة فبما أنها لا تستطيع أن تتحمل (2/658)
صفحة 1104
فتاوى عامة
659
مع
ذلك
أعباء البيت فلا مانع من أن تطلب من يساعدها على ذلك، ولكن لتحذر أن تكون هنالك خلوة ما بين الخادمة والزوج، فإن هذه الخلوات كثيراً ما تكون سبباً للفساد والانحراف والعياذ بالله، أما بالنسبة إلى أوصاف هذه الخادمة فينبغي أن تكون مسلمة أمينة محافظة على صلاتها وعباداتها، وإن أمكن أن تكون كبيرة غير شابة وغير مغرية فذلك أولى خشية الفتنة، والله تعالى الموفق.
نحن طالبات فهمنا من منهج التربية الإسلامية أن الناس أمام الله سواسية وأن أفضلهم هو أتقاهم لربه ذكراً كان أو أنثى، فكيف تجمع هذا الأمر وبين أن نصيب الرجل من الميراث أكثر من المرأة، ووقفة الرجل أمام المصلين عندما يؤمهم بعكس المرأة التي تقف في الصف الأول من النساء، وكذلك لا تؤم المرأة الرجل؟
بين
هذه فلسفة غريبة، فإن الله ل وعد من عمل صالحاً بجنته ذكراً كان أم أنثى، فالمرأة ليست مهضومة الحق، فهي لم يهضم حقها إذ أعطيت نصف ما يعطى الرجل في الميراث، أما أولاً فلأن المرأة لا تتحمل الواجبات المنزلية التي يتحملها الرجل، إذ يجب على الرجل أن ينفق على زوجته وليس عليها أن تنفق على الرجل، وعلى الرجل أن ينفق على أولادهما وليس عليها أن تنفق عليهم، من ناحية السكن والكسوة والمعيشة، وأما ثانياً: فالرجل يتحمل واجبات اجتماعية لا تتحملها المرأة، فالمرأة ليس عليها عقل فلو قتل أحد من عشيرتها آخر خطأ لما كان عليها أن تدفع نصيبها في تحمل الدية، أما الرجل فعليه أن يتحمل نصيبه في الديّة، لأن الدية تسقط عن القاتل ما دام القتل خطأ وتجب على عشيرته، ويكفي أن الصداق على الرجل، وليس عليها أن تُصدقه، وما يجري الآن في كثير من البلاد الإسلامية من تحمل المرأة أعباء المنزل فتعدّ (2/659)
صفحة 1105
في
? ?
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
المنزل وتهيئه للزوج أمر مخالف لحكم الإسلام، وهذه العادة جاءت إلى المسلمين بسبب احتكاكهم بالغربيين، وهؤلاء الذين يتشدقون بأنهم أعطوا المرأة حقها لننظر ما هو حق المرأة عندهم؟ يكفي أن المرأة بمجرد ما تتزوج تفقد انتماءها إلى أُسرتها، ومما يؤسف له كثيراً أن يجري المسلمون أنفسهم هذا المضمار، لأي شيء ذلك؟! هل بيعت المرأة حتى تفقد أُسرتها؟! أم هل وهبت حتى صارت ملكاً للزوج وملكاً لأسرته؟ أم هل صارت ميراثاً لأسرة الزوج؟ فإذاً لماذا تنتسب لأسرة الزوج وتترك الانتساب إلى أُسرتها؟ إن الإسلام الحنيف يجعل المرأة كياناً وشخصية فلا تفقد انتماءها إلى أُسرتها، وفي فرنسا قبل عشرين عاماً أو ما يزيد عن ذلك قليلاً كان النظام لا يسمح للمرأة أن تتصرف في ممتلكاتها إلا بإذن زوجها، ولا لها أن شيئاً تبيع ممتلكاتها إلا بإذن زوجها، ولكن عدل هذا القانون قريباً، فهل هناك كما
من
يصح
قالوا مساواة وإنصاف للمرأة؟!، أما ما جاء في السؤال بأن الرجل يتقدم وأن المرأة لا تتقدّم وأنه يؤمها وهي لا تؤمه فهذا من أجل المحافظة على كرامة المرأة نفسها، فهل المرأة تحب لنفسها أن تكون أمام الرجل تركع أمامه ويتفصل جسمها وتبدو مفاتنها؟!، فالمرأة التي على الفطرة ترفض ذلك، بينما الرجل وضعه بخلاف ذلك، فالإسلام لم يمتهن المرأة أبداً ولا احتقرها بل أعطاها حقها وبوأها في مكانها اللائق بها، والله أعلم.
تلك
يدعي بعض المغرضين من أعداء الإسلام بأن الإسلام قيد من حرية المرأة، وجعلها أقل مقاماً من الرجل لا مكان لها في الحياة إلا في منزل تتقوقع فيه لا تغادره أبداً، أي أن الإسلام يحرم البشرية من الطاقات التي تملكها المرأة، فما قولكم؟ الإسلام هو الذي أنصف المرأة، والجاهلية القديمة والحديثة كل واحدة (2/660)
صفحة 1106
فتاوى عامة
661
منهما دفعت بالمرأة إلى هُوة الهلاك وهضمت حقوقها، كما دفعت بالرجل أيضاً، وإلى الأيام القريبة كان القانون الفرنسي لا يسمح للمرأة أن تتصرف في ملكها إلا بإذن زوجها، وهذا لم يكن في الإسلام قط، وفي الحديثة عندما تتزوج المرأة رجلاً تنسلخ من انتسابها إلى أُسرتها وتنتسب
الجاهلية
إلى أسرة الزوج، وكثير من الذين يريدون تقليد الغرب في بلاد الإسلام يعملون مثل ذلك، فهل المرأة هضمت الحقوق في الإسلام أو أنها هضمت الحقوق عندهم؟! إنما الإسلام دين الفطرة، فلذلك يضع كل أحد مکانه في ذلك فهي مع
المناسب، فهو يدعو إلى الحفاظ على كرامة المرأة ومع قيامها بأعمالها في بيتها لها أن تقوم بالأعمال خارج بيتها بما يتناسب مع فطرتها، أما أن تكون المرأة سلعة ـ كما هي الحالة في الغرب ـ تُباع وتُشترى فالإسلام لا يقرّ بذلك، وأذكر أني قبل أكثر من عشرين سنة من الآن اطلعت على مقال كتبته كاتبة ألمانية تتحسر فيه على وضع المرأة في بلاد الغرب، وتقول بأن حياة المرأة في بلاد الغرب حياة شقاء، فهي لا تكاد تستيقظ من نومها حتى تأخذ في مطاردة وسائل المواصلات التي تنقلها إلى مكان العمل ثم تعود إلى بيتها في الساعة الخامسة مساءً وقد أرهقها العمل كل إرهاق فلا تتفرغ لترتيب بيتها ولا لتربية أولادها ولا للراحة مع زوجها، وإنما كل همها في هذه الحالة أن تُلقي بجسمها المنهك المكدود في الفراش ثم لا تكاد تستيقظ إثر ذلك التعب إلا على مواجهة الشقاء من جديد، وبعد هذا كله تقول: «متى نسعد ببيوت الحريم التي هي في بلاد الشرق والتي تكون المرأة فيها مدبرة بيتها والقائمة بإراحة أولادها وزوجها»، فالمرأة الغربية تتطلع إلى هذه الحياة التي توجد في بلاد الإسلام، فإذاً ما يقوله المغرضون لا قيمة له بجانب الحقائق التي لا تتجلى عندنا فقط بل
تتجلى على ألسنة أهل تلك العادات المخالفة للإسلام، والله المستعان. (2/661)
صفحة 1107
662
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ما حكم تغطية الخل أو ربطه بإحكام؟ إن كان ذلك يسبب إسكاراً بحيث يشتد حتى يسكر فهو غير سائغ، وإن كان لا يسبب إسكاراً وإنما التغطية لأجل الحذر أن يصيبه شيء فلا حرج في ذلك، والله أعلم.
ما حكم الإسلام في استخدام زجاجات الخمر الفارغة لماء الورد وغيرها، بعد غسلها بالماء والصابون؟
الخمر هي أم الخبائث الآثام ومنشأ الرذائل لذلك كان التنفير عنها ومجمع تنفيراً بالغاً، ومن أجل هذا لما نزل تحريمها على النبي صلى الله عليه وسلم بالنص القاطع لم يتردد الصحابة م في إراقتها وتحطيم دنانها فحطموها بالمهراس امتثالاً لأمر الله حتى لا يبقى لها أثر، ومن أجل هذا لا ينبغي بل لا يجوز أن يبقى شيء من الزجاج الذي أعدَّ لاستعمال الخمر أو استعمل للخمر من أجل استعمال شيء طيب فيه، فإن في ذلك قبل كل شيء تشجيعاً على استعمال الخمر، ثم في ذلك أيضاً ما يدعو إلى سوء الظن وعلى الإنسان أن يتقي موارد ظن السوء، والله تعالى أعلم.
امرأة استعارت كراساً من عند زميلتها ولكن بعد ذلك ذهبت عنها تلك الزميلة، أو أصبحت تقطن في مكان بعيد ولا سبيل لها للوصول إليها، تريد الآن رجع الأمانة فماذا تفعل؟
عليها أن تحافظ على هذه الأمانة، وأن تبحث عن صاحبة الأمانة بقدر المستطاع، وأن توصي بردها إليها إن خشيت الوفاة، وإن أيست نهائياً بحيث تعذر أن تُرد هذه الأمانة إلى صاحبتها أو إلى ورثتها فذلك مال مجهول ربه، وكل مال جهل ربه ففقراء المسلمين أولى به، والله تعالى أعلم. (2/662)
صفحة 1108
فتاوى عامة
663
امرأة تعمل محاسبة في عيادة أجنبية وأحياناً تجد أموالاً زائدة فهل
تأخذها أم تتركها؟
لا تأخذ شيئاً لم يكن لها، وإنما تردّ تلك الأموال إلى نفس العيادة،
والله أعلم.
ما حكم النوم على البطن، لأنه يروى حديث ينهى عن النوم على البطن لكونها نومة الشيطان؟
جاء في بعض الروايات النهي عن نوم الرجل على بطنه، وعلى أي حال أنا لست على خبرة بمقدار صحة هذا الحديث ومعرفته فذلك أمر راجع إلى أهل الحديث، وكذلك جاءت رواية وأحسبها موقوفة على عمر - رضي الله تعالى عنه ـ فيها النهي عن أن تنام المرأة مستلقية في هيئة من تنتظر المباشرة من الرجل ذلك لئلا يكون في ذلك تذكير للمرأة بالمباشرة وإثارة للشهوات هذا من باب الأدب حتى يكون الإنسان قادراً على السيطرة على غرائزه لا يثير الغرائز ولا يهيجها هذا الذي يتبين لي، والله تعالى أعلم.
ما النصيحة التي تقدّمها لنا في استغلال الإجازة الصيفية؟ نصيحتي لنفسي ولجميع الأخوات أن نتقي الله جميعاً وأن نراقبه في السر والعلانية، وأن نجعل الدار الآخرة نصب أعيننا وأن يتذكر كلا منا الموت وغصته والقبر ووحشته والنشور وهوله والحساب وعسره والجنة ونعيمها والنار وجحيمها، أما بالنسبة إلى استغلال الإجازة الصيفية فهي كاستغلال الأوقات كلها، فالإنسان ذكراً كان أو أنثى مطالب بأن يستغل أوقاته جميعاً في الخير، ومن هذا المنطلق أنا أحض الفتيات الطالبات والمدرسات على (2/663)
صفحة 1109
? ?
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
استغلال أوقاتهن في هذه الإجازة بمضاعفة الجهد في حفظ كتاب الله وتحفيظه ومحاولة التفقه في دين الله بدراسة كتب الفقه، وبدراسة ما يوصل إلى فهم القرآن الكريم، من العلوم العربية والأدبية، ودراسة علوم الفكر الإسلامي التي تؤدي بمشيئة الله إلى صفاء الذهن وصفاء العقيدة، والله الموفق.
نرجو توضيح بعض الطاعات التي تشغل الطلب في إجازتهم عن ارتكاب المعاصي؟
ذلك
ما أكثر الطاعات التي فيها تربية للنفس وتزكية لها، وفي مقدمتها ذكر الله تعالى، فإن ذكر الله ينعش النفوس ويحيي القلوب ويبعث الحياة في الأرواح ومنها تلاوة كتاب الله مع التدبر والتأمل، والعناية بطلب علم الدين الذي يُعرّف الإنسان بربه ويُبصره بعبادته وبكيفية أدائها على الوجه الشرعي الذي يُرضي الله تبارك وتعالى ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك بإرشاد الغافل وهداية الضال وتبصير الأعمى، فإن في خيراً كثيراً، ولأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم، ومنها زيارة الأرحام وزيارة الإخوان في الله تبارك وتعالى من أجل التعاون على البر والتقوى في ذلك كله خير كثير إن شاء الله، ومنها حفظ القرآن الكريم الذي يجب أن يعتنى به عناية بالغة، فإن القرآن الكريم ـ كما جاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم: «هو حبل الله المتين ونوره المبين والذكر الحكيم والصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تتشعب معه الآراء ولا يشبع منه العلماء»، فعلى الطلبة والطالبات أن ينهلوا من المعين الدافق بالخير، ومن هذا النهر الجاري بالنور الذي يعمر القلوب بذكر الله تبارك وتعالى.
هذا (2/664)
صفحة 1110
فتاوى عامة
665
ماذا
تنصح الفتاة المسلمة بعد الثانوية العامة، وخاصة أنها لم تلتحق بأي كلية أو جامعة أو وظيفة؟
ننصحها بأن تكون ربة بيت صالحة مصلحة، تتزوج الرجل الصالح وتعينه على أمر دينه ويعينها على أمر دينها، ويربيان أولادهما على الصلاح والاستقامة والبر والتقوى فليست الشهادة هي كل شيء، إنما الشهادة وسيلة وليست غاية، والله تعالى أعلم.
كيف يكون التعلم من غير معلم، فالكثير من الطالبات لا تُتاح لهن الفرصة للالتحاق بالمعاهد، فما الطريقة التي تسلكها في التعلم وتنمية المواهب؟ لا بد أن يكون معها طموح، فالطموح هو الذي يُذلل الصعاب وهو الذي يُقرب البعيد ويسر العسير بمشيئة الله سبحانه وتعالى، وطموح الطامحين لا يقف عند حد فبقدر ما تكون الهمة عالية والعزيمة متوقدة يكون طموح الإنسان، وقد يسترشد الإنسان في طموحه حتى بأفعال الحيوانات أحياناً، وقد يسترشد أيضاً بأفعال ذوي الطموحات الدنيوية مع أن أولئك بعيدون في طموحهم عن دين الله الله، فينظر كيف يكدحون ليحققوا ما يحققونه وليصلوا إلى ما يرمونه؟ وييسر الله تعالى لهم بقدر هذا الطموح عندما تقتضي إرادته تبارك وتعالى أن يصلوا إلى ما كانوا إليه يطمحون، فمما يُذكر عن (تيمورلنك) أنه كان يطمح أن يكون حاكماً مسيطراً على جانب من هذه الأرض إلا أنه كان رجلاً فقيراً وكان لصاً يعدو على أموال الناس فيسرقها، وفي ليلة من الليالي ذهب إلى قطيع من الغنم ليذهب به فشعر به الراعي فأطلق عليه سهمين أصاب أحدهما كتفه والآخر رجله وظل ينزف دماً وأخذ يمشي بهدوء لأجل تعثره في المشي بسبب إصابته ووصل إلى خربة من الخرب ودخلها آوياً إليها وظل هنالك إلى الصباح، وكان يلوم (2/665)
صفحة 1111
???
مع
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
نفسه على ذلك الطموح الذي يطمحه أنه متلبس بهذه الدنيئة وهي اللصوصية، وبينما هو يلوم نفسه إذا به يرى نملة تحمل شيئاً من الطعام وتحاول أن تتسلق جداراً ولكنها تعجز وتسقط حاولت المرة تلو الأخرى، وكان يعد المرات التي تحاول فيها التسلق، فعد مئة وثلاثين مرة عجزت فيها عن التسلق ثم بعد ذلك في المرة المئة والحادية والثلاثين استطاعت أن تتسلق بذلك الطعام الذي تحمله ووصلت إلى مبتغاها، وقرر في نفسه أن يُصمم على المضي قدماً حتى يصل إلى ما يبتغيه من الملك وفعلاً وصل إلى ذلك، فهكذا نية طالب العلم، عليه أن يكون طموحاً وشديد الرغبة في العلم ولا يقف دون طموحه أي شيء، ومع هذا أيضاً عليه أن يكون متعلقاً بالله، لأننا نجد أن الحق سبحانه يبيّن أن الذين يجاهدون في الله يحققون المكاسب، فالله الا الله يقول: {وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]، فعلى طالبة العلم أن تتحلى بتقوى الله تعالى فإن الله تعالى يقول: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَكُمْ فُرْقَانَا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الأنفال: 29]، وقد أجاد الشاعر الذي قال:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يؤتى لعاصي
كما أجاد الشاعر الآخر الذي تحدث عن الجد في طلب العلم فقال: بقدر الجد تُعطى ما تروم ومن رام المُنى ليلاً يقوم وأيام الحداثة فاغتنمها ألا إن الحداثة لا تدوم فمن كان طالباً للعلم عليه أن يكون جاداً في طلب العلم طلب العلم صادقاً في ذلك حريصاً على تحقيق هذه الأمنية، ومع هذا كله لا يُعدم طالب العلم من يرشده (2/666)
صفحة 1112
فتاوى عامة
?? V
في أي مكان، فالطالبات في هذا المعهد الميمون - معهد العلوم الشرعية - نرجو بمشيئة الله أن تكون كل واحدة منهن سفير علم في بلدها وفي مجتمعها ترشد إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتوجه بنات جنسها إلى ما ينفعهن، وتوجههن إلى العلم النافع والعمل الصالح، والله ولي التوفيق.
هل من نصيحة للفتاة التي تعيش في زمن القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر؟ وهل هناك ما يدعو إلى التفاؤل؟
نحن نثق في الله، فبجانب هذا الشر المستطير هناك خير ينتشر انتشار الفضاء يطوي سجاف الظلام، والحمد الله، وعلى المرأة أن دائماً - وهكذا الرجل - على تقوى الله والاستمرار على اتباع نهج الحق والبعد عن الفساد، ودواعي التفاؤل كثيرة.
الضوء في تحرص
هل يجوز للمرأة كفالة طفل غير شرعي ولمن ينسب هذا الطفل؟ نعم لها أن تكفله، ولكن لا يكون محرماً لها إلا إن أرضعته أو أرضعته إحدى قريباتها اللاتي يحرمنه عليها بسبب رضاعهن، له، وأما بالنسبة للنسب فلا ينسب إلا لأبيه وإن جهل أبوه فإنه في هذه الحالة يُقال هو ابن أبيه أو يقال هو ابن عبد الله، والله أعلم.
امرأة عجوز ومريضة لديها مبلغ معيّن وأودعته ابنتها والبنت أخذت منه مبلغاً معيناً دون علم الوالدة، وبعد ذلك توفيت الوالدة وتقاسم الورثة الميراث والبنت لم ترد المبلغ، فما حكم المبلغ الذي أخذته البنت هل تتصدق به عن والدتها أم يعتبر من نصيب الورثة؟ بعد موت الوالدة كل شيء هو ملك لها يعود إلى ورثتها، فلا بد من رده إلى الورثة حسب أنصبائهم في الميراث، والله أعلم. (2/667)
صفحة 1113
668
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
هل يجوز للنساء أن يُغسلن الصبي؟
إن كان الصبي في مرحلة الصبي الأولى بحيث لا تعدّ له عورة ولا يستحي النساء عندما يغسلنه في حياته فلا مانع في هذه الحالة من تغسيلهن له، والله تعالى أعلم.
من
إن لي ابناً تخرج من الجامعة لم يعمل إلى الآن كلما قدم أوراقه في مكان قوبل بالرفض، كما أن لي بنتاً لم تتزوج إلى الآن وكل رفيقاتها وبنات عائلتها رزقن بالزوج، فقالت لي إحدى الأخوات اذهبي إلى أحد المشايخ ليكتب لك حجاباً حتى يعمل ابنك وتتزوج ابنتك، فهل يجوز أن أفعل ذلك؟
أنا لا أدري ما يكتب ولا ما يترتب على هذه الكتابة، فإن كانت الكتابة تبركاً بآيات الكتاب العزيز مع القطع بأن الله تعالى هو الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فذلك فيه رخصة، أما أن تكون الكتابة طلاسم غير معروفة أو أموراً لا يطمئن القلب إلى أنها خالية من الشركيات والبدعيات فالمسألة خطيرة، والله أعلم.
امرأة كانت تعالج عيون بعض الرجال بإزالة الشعر، وقد عرفت أن المرأة لا يجوز لها ملامسة الرجل الأجنبي، فماذا تفعل وكان مقصدها
الأجر؟
إن لم يوجد من يعالج هؤلاء الرجال غيرها فلا مانع من علاجهم، وإنما يكون ذلك إما بحضور ذي محرم لها، وإما بحضور ذات محرم لهم، والله أعلم. (2/668)
صفحة 1114
فتاوى عامة
669
فتاة سمعت من يقول لها بأن أكل المرأة وشربها أمام غير محارمها يعدّ
عورة؟
إن كانت مستترة فلا يُعدّ ذلك عورة، وليس الكلام الذي سمعته صحيحاً، وإنما هو من باب التقول على الله بغير علم، والله أعلم.
امرأة ربطت طائراً حتى نسته فمات؟
عليها أن تتوب إلى الله وتستغفره، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها»، فبعدما فعلت الذي فعلته فلتعمل شيئاً من أعمال البر التي تقربها إلى الله، والله تعالى يتقبل منها، والله أعلم.
قد أزور أحد المسلمين فيقدّم لي طعاماً تحدثني نفسي أنه ليس مما ذكي زكاة شرعية فأحسن الظن ويسعني السكوت، علماً بأنه قد يكون غير متورع عن مثل هذه الشبهات وقد يكون أحد الأقارب وأخشى من عاقبة الأمر إن سألته أو لو آكل ما قدمه لي فما قولكم؟
هذه المسألة يتنازعها جانبان الجانب الأول هو: اصطحاب الأصل، لأن الأصل في طعام المسلم الحل ما لم يتبين أنه ينتهك الحُرمة ويأكل ما حرم الله تعالى، ودليل ذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه البخاري من طريق عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ أنه عندما سُئل عن ذبائح قوم كانوا جديدي عهد بالإسلام وقالوا لا ندري أذكروا اسم الله عليها أم لا، قال: «سمّوا الله أنتم وكلوا». استصحاباً للحالة الأصلية في المسلم، لأن الأصل في المسلم أن تكون أطعمته محللة ولحومه لحوماً مذكاة، والجانب الثاني هو: اتقاء الشبه الذي دل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الإثم ما حاك في الصدر والبر ما اطمأن عليه القلب، فما اطمأنت عليه النفس هو البر، وما كان في (2/669)
صفحة 1115
670
المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ الجزء الثاني
النفس من حديث يجذب على اعتقاد الريبة فهذا يعتبر من الإثم، وهنا ينبغي للإنسان أن يكون له ميزان هل يتصور هذا الشك مجرد خيالات ووساوس، أو هو منبعث عن أمر تعتمد عليه النفس في شكها؟ فإن كان عن أمر تعتمد عليه النفس في شكها فلا ريب أنه يُؤمر في هذه الحالة بالتوقي، والله تعالى أعلم.
هي
ما المقصود بمنفحة العجل؟ وما حكم أكل الأجبان التي تحتوي عليها؟ أنفحة العجل هكذا التسمية في اللغة العربية، وعندما يكون العجل مذكى ذكاة شرعية فلا مانع من استعمال الجبن مع وجود الأنفحة فيه، أما عندما يكون غير مذكى ذكاة شرعية فيجب اتقاء هذ الجبن، والله تعالى أعلم.
ما حكم أنفحة العجل الموجودة في الأجبان؟
هذا يعود إلى العجل نفسه وكيف كانت ذكاته فإن كان قد ذكي ذكاة شرعية بحيث كانت ذكاته ممن تجوز ذكاته شرعاً وهو المسلم أو الكتابي الذي تحققت كتابيته لا بمجرد الادعاء ولم تكن موقوذة أو أصيبت بالصعقة الكهربائية وغير ذلك، فأنفحته جائزة ويجوز استعمال الأجبان التي اختلطت بأنفحته، أما ما كان غير مذكى أو كانت ذكاته ممن لا تجوز ذكاته شرعاً وذلك بأن يكون ملحداً أو وثنياً فلا يجوز أكل الأجبان التي فيها هذه الأنفحة، والله تعالى أعلم.
هل يمكنني أن أحتفظ بمالي في المصرف دون أخذ الربا؟ بما أن المصرف لا يجمد هذا المال وإنما يستعين به على المعاملات الربوية، لا نرى جواز ذلك إلا مع الضرورة القصوى، بحيث لا يجد مأمناً (2/670)
صفحة 1116
فتاوى عامة
671
لماله في غير هذا المصرف، لأن الله تعالى يقول: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]، وهذا من التعاون على الإثم والعدوان، والله أعلم.
ما حكم إيداع الذهب بالبنك للاحتفاظ به، ويُدفع لحفظه مبلغ معين؟ لا بأس في ذلك، لأن هذه معاملة ليست فيها ربا وإنما مجرد ائتمان ولا الأمن على الذهب خارج البيت، والله أعلم.
سيما في حال
عدم
هل يجوز وضع مبلغ من المال في مصرف يتعامل بالربا وديعة دون أخذ ربا عليه، إذا كان وضعه في البيت غير مأمون؟
في هذا الإيداع تشجيع ضمني على المعاملات الربوية التي حرمها الله الله فلذلك عندما يجد الإنسان مناصاً من ذلك لا يحل له أن يشجع على معصية الله، أما عندما لا يجد مأمناً لنقوده، فله في هذه الحالة أن يودع هذه النقود في البنوك أمانة مع اشتراطه ألا تستعمل في شيء، فإن استعملها أولئك بعد ذلك فهم المسؤولون عن ذلك، والضرورة تقدر بقدرها،
والله أعلم.
ما حكم الشرع في فوائد البنوك الحالية؟
لا
أولاً أريد أن أنبه على مسألة مهمة ألا وهي أن الإنسان عليه أن يلتزم في تعبيره بالتعبير القرآني كما عليه أن يلتزمه في سلوكه، فالشيء المحرم يمكن أن يُعبّر عنه بعبارة تشوق إليه وهي بمثابة الدعاية له، فالتعبير عن
الربا بالفوائد غير جائز، وهذا من مصائب هذا العصر، إذ سمي الربا فوائد مع أن الله تبارك وتعالى يقول: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبوا} [البقرة: 276]، وأي فائدة (2/671)
صفحة 1117
672
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
سمي
فيما محق الله؟ كما أن هناك أشياء متعددة تسمى بغير أسمائها فالزني حباً، والرقص وأنواع المنكرات سميت فناً، والخمر سميت المشروبات
وقال:
الروحية، وهذا مصداق للحديث الشريف، فقد جاء في الحديث عن الرسول: «لا ينقضي الليل والنهار - أي لا تنقضي الدنيا ـ حتى تستحل طائفة من أمتي الخمر بأسماء يسمونها بها»، فتسمية الربا فائدة أو تسمية الخمر بالمشروبات الروحية كل من ذلك حرام، والربا حرام، إذ لعن الله آكله ومؤكله وكاتبه وشاهده، كما جاء في الحديث الصحيح هم سواء» يعني في الإثم والقرآن الكريم يدلُّ على ذلك فالله تبارك وتعالى يقول: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوْا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَنُ مِنَ الْمَسَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبوا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَوَأْ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَبِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275]، وقال سبحانه: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [البقرة: 278]، فكل ربا هو حرام أياً كان اسمه أو الجهة المتعاملة به، والله المستعان.
هل يجوز لشخص سواءً كان رجلاً أو امرأة أن يضع أمواله في البنك بقصد الزيادة وتوزيعها على الفقراء والمساكين أو التبرع بها في المشاريع الخيرية، وهل يجوز وضع الأموال في البنك دون أخذ زيادة؟ أما أخذ الزيادة فلا، لأن هذه الزيادة ربا، والآخذ يبوء بوزر الربا ولا ينال من أجر الإنفاق شيئاً، فإن ذلك الإنفاق لا يترتب عليه قبول، إذ الله الله لا يقبل صدقة من غلول كما نص على ذلك حديث النبي، ثم من ناحية أخرى قد يترتب على الأخذ أطماع نفسية، فالإنسان لا يأمن نفسه أن تقول له إنه أولى بهذا المال لأنه من الفقراء وأنه من المحتاجين إلى غير ذلك، فيتذرع (2/672)
صفحة 1118
فتاوى عامة
673
إلى أخذ هذا المال بأي طريق كان وإيداع المال في البنوك الربوية من غير أن يأخذ الإنسان شيئاً من الزيادة تقيد إباحته بحالة الضرورة دون غيرها
فيجوز ذلك في حالة الاضطرار لا في حالة الاختيار، والله تعالى أعلم.
هل ثبت لكم أن الجوائز التي تقدمها البنوك للأشخاص تستخدم لنشر النصرانية في الدول الإسلامية في حال عدم أخذها؟ وإذا كان ذلك قد ثبت فهل يجوز أخذ مثل هذه الجوائز وتوزيعها على الفقراء والمحتاجين الاعتقاد أن ذلك ليس من باب الصدقة؟ مع هذا مما يدعو المسلمين إلى أن يكونوا على يقظة وأن يعرفوا كيف يتصرفون في أموالهم، فإن أعداء الإسلام يتربصون بهم الدوائر ويريدون إضلالهم وإغواءهم بأي وجه من الوجوه، فهم يريدون أن يستأسر الناس للأطماع بحيث يرغبون في هذه الجوائز لتتسخ قلوبهم بالطمع، ولا ريب أن اتساخ القلب بالطمع يؤدي إلى الكثير من المخاطر، فقد يؤدي إلى إظلام القلب والعياذ بالله، وإلى استئساره لشهوات المال، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى خطورة المعصية على القلب عندما قال: «إذا أذنب العبد الذنب نكتت في قلبه نكتة سوداء فإن هو نزع وتاب واستغفر صُقل وإن هو عاد زادت حتى تملأ قلبه فذلك الران»، ثم تلا الآية الكريمة: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14]، كما جاء في كتاب الله لتبشير من كان سليم القلب يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبِ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88، 89]، وقال سبحانه في وعده لعباده المؤمنين بالجنة: {وَجَاءَ بِقَلْبِ مُّنِيبٍ [ق: 33]، ونحن نعلم أن هؤلاء عندما يدفعون هذه الجوائز يريدون أن يجروا الناس إلى الربا بطريقة أو بأخرى، فالقضية في منتهى الخطورة وما يدرينا أن هذا الذي يأخذ هذه الجائزة ويقول: «أنا سأوزعها على الفقراء»، يطمع فيها بنفسه بعد (2/673)
صفحة 1119
674
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
ذلك، ففي المرة الأولى يوزعها على الفقراء ثم في المرة الثانية يكون بين جذب ودفع ثم في المرة الثالثة يستأسر بشهوة المال، فالسلامة كل السلامة أن يتجنب الإنسان هذه المصارف الربوية والتعامل معها، وأن يحرص على المؤسسات التي فيها تقيد بشريعة الله، ولو كانت لا تتقيد بجميع الشرع في جميع الأحكام، لأنه كما يقال: حنانيك بعض الشر أهون من بعض، فهناك بنوك تُضاف إلى الإسلام فيقال إسلامية، ونحن لا ندري دقتهم في تطبيق الأحكام الشرعية، وإنما حضرنا في دورات مجمع الفقه الإسلامي وحضرنا على مناقشات تدور حول المسائل التي تتعلق بمعاملات هذه البنوك، مع وجود خبراء ممن يعملون في هذه البنوك يتحدثون عن قضاياها مع عرض ذلك، ونحن نعرف أن من الفقهاء أيضاً من يترخص ويبسط الرخصة وهي أن تبسط من غير أن تقيد بقيود وهذا موجود في كل وقت، ولكن مهما كان الأمر فهي أولى من هذه المؤسسات التي هي غارقة في الربا المُحرم، فإذا أراد الإنسان أن يودع أمواله فليُودع أمواله في البنوك الإسلامية وإذا أراد أن يستغلها في أعمال تجارية فليكن فيها مع اطلاعه على البرنامج الذي يتبعه ما يسمى بالبنك الإسلامي حتى يكون آمناً على ماله من أن يتسخ بشيء من المعاملات المحرمة، وهذا الريع الذي يأتي من هذه المؤسسات التي تتقيد بشريعة الله الله يمكن أن يتوسع فيه المسلم بحيث يبسط منه على فقراء المسلمين ويمدهم به، وكذلك يقيم مؤسسات خيرية بناءً على هذه المعاملة التي نرجو أن تكون معاملة طيبة، والله أعلم.
لا ينبغي
ما حكم العمل في المصارف؟ إن كانت المصارف متقيدة بالأحكام الشرعية بحيث تتجنب الربا والغش المعاملات المحرمة، وكان الصرف يتقيد فيه بالطريقة الشرعية
وجميع (2/674)
صفحة 1120
فتاوى عامة
675
بحيث يتم فيه التقابض يداً بيد فلا مانع من ذلك وإلا فيجب اجتناب كل ما
فيه حرمة، والله أعلم.
ما حكم استئجار بيت بني بالربا؟
الإثم على من تعامل بالربا وليس على من سكن البيت، والله أعلم.
ما حكم الإسلام في التأمين على الحياة؟
يأمن الحياة من بيده الموت والحياة، أما الذي لا يعرف متى يفاجئه الموت وفي أي لحظة يقع عليه فلا يستطيع أن يأمن حياة نفسه فضلاً عن أن يأمن حياة غيره، ومن المعلوم أن شركات التأمين تنمي هذه الثروة بطريقة غير مشروعة، وهل أحد يعلم أن هذه التنمية بطريقة مشروعة تماماً؟! بحيث لا تنميها بطرق الربا والإتجار في الخمر وبالاشتراك في مسارح الرقص إلى ما وراء ذلك، لا يستطيع أحد أن يطمئن إلى ذلك، بل الواقع المعهود المألوف بأن شركات التأمين لا تتحرز من ذلك، والناحية الثانية أن كل واحد ممن يعطي التأمين لا يخشى بسبب التأمين أن يقع عليه حادث، لا يعطي عطاءاً تعاونياً اجتماعياً، فمثله مثل الذي يقامر بالميسر، فمن هذه الناحية لا يختلف التأمين عن الميسر، وإذا فرض على الإنسان التأمين فرضاً، بحيث لم يتمكن من الأمور الضرورية إلا بواسطة التأمين، فليجعل التأمين كضريبة تؤخذ منه بغير حق من غير أن يطمع في استردادها، ولو وقع عليه حادث وسوغ له نظام التأمين أن يعطى في مقابل ذلك الحادث شيئاً فله أن يأخذ ما أعطى فقط استرداداً لحقه لا زيادة، والإسلام لا يحرم شيئاً إلا ويُبيح في مقابله آخر، فهو يحرم الضار ويبيح النافع، فبدلاً من التأمين كان الواجب أن تكون هناك شركات تعاونية اجتماعية إسلامية،
أنه (2/675)
صفحة 1121
??
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
يساهم كل أحد بما يدفع فيها لا لأجل أن يرد إليه شيء بل لأجل المحافظة على سلامة المجتمع والتكافل الاجتماعي في المجتمع، وفي مثل هذه الحالة يمكن أن تنمى هذه الثروة بالطريقة الجائزة شرعاً وذلك بالإتجار في الأمور المباحة، والله أعلم.
اشتركت أنا وزوجتي في جمعية مالية، وبعد مرور سنة حصلنا على
مبلغ مقداره ثمانية وأربعون ألفاً مناصفة بيني وزوجتي.
أ - فهل علينا إخراج زكاة هذا المبلغ وهو عبارة عن دين نؤديه أقساطاً على مدى عشر سنوات؟
ب ـ وإذا كان علينا إخراج الزكاة فهل يجوز لزوجتي أن تعطيني زكاة نصف المبلغ الذي عليها لأستعين به على تسديد الدين؟ ج ـ وهل يجوز لي أن أعطي كل زكاة مالي لواحد من إخوتي لكونه مقبلاً على الزواج وهو بحاجة ماسة إلى المال؟
نعم تجب عليكما الزكاة إن حال عليه الحول وهو معكما لم يستهلك، أما إن استهلكتماه قبل ذلك فلا زكاة فيه، ولا معنى أن تعطيك الزوجة زكاتها أنكما شريكان فهذا من التحايل، وأما أخوك فلك أن تعطيه من زكاتك إن كان مستحقاً للزكاة، والله أعلم.
مع
ما حكم اتخاذ الذهب والفضة للزينة في المنزل؟ وكذلك الآنية المطلية بالذهب هل لها نفس الحكم، وكذلك بعض النساء يضعن الذهب على الملابس فما حكم ذلك؟
أما تزين المرأة بهما فهو مباح حتى ولو كان بالتطريز بهما في ثيابها، وأما الآنية الذهبية والفضية فهي ممنوعة، والله أعلم. (2/676)
صفحة 1122
فتاوى عامة
677
ما حكم الجوائز التي يحصل عليها المشتري؟
إن سعى إلى هذه الجوائز وقصدها فلا تحل له، وهكذا إن كانت تأتيه بطريق السحب ذلك من المقامرة المحرمة إلا إن كانت هذه الجوائز في يد كل مشتر أياً كان، بحيث يعلم المشتري بأنه ينال هذه الجائزة، والله أعلم.
وسبب
فتاة مستقيمة تقدم لها عدد من الخاطبين إلا أنها رفضت الزواج بهم ذلك أن لها إخوة وأخوات أصغر منها اجتهدت كثيراً فـ تنشئتهم تنشئة إسلامية وتخاف أن تضيع ما غرسته فيهم حال غيابها عنهم وكثيراً ما تستشهد بقوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَيْكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6]، وقد ضحت في سبيل ذلك كانت تتمناه زوجاً لها ورفضت الزواج وهي الآن تتساءل هل هي على صواب أم على خطأ؟
بمن
كنا نود لها أن تتزوج، ولعل زوجها يعينها على تربيتهم، فلتعرض الأمر على من يخطبها فلعلها تجد من الصالحين المصلحين من يقف بجانبها ويشد أزرها ويعينها على الاضطلاع بهذه المهمة ونسأل الله تعالى لها التوفيق.
لي ولد تارك للصلاة ويشرب الدخان وكثير الكذب وكل هذا بسبب مرافقته لجليس السوء، خطبت له بنتاً متدينة وذات خلق وجمال، وسألتني أُمها عن ابني وعن صفاته فقلت لها إنه ولد صالح وذو خلق وهو متدين وبالفعل تمّ الزواج، وكل هدفي من ذلك الكلام بأن يصبح ابني ملتزماً، فلعل الله يهديه عندما يتزوج بنتاً متدينة، فهل أكون بذلك آثمة أو مذنبة عندما تفوهت بهذه الكلمات المخالفة لصفات ابني أو (2/677)
صفحة 1123
678
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
أني زوجت متدينة لتارك الصلاة فإني أحس بالخوف من الله من أن ذلك، فإن كنت مخطئة فماذا عليّ أن أفعل الآن؟
أكون مخطئة في هو خطأ وأي خطأ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من غشنا فليس منا»، فإن كان الغش في البضاعة يجعل الإنسان ليس من جماعة المسلمين، مع أن ضررها قد يكون ضرراً محصوراً محدوداً، فكيف إذا كان الغش في علاقة زوجية مستمرة دائمة؟! هذا غش عظيم، فقد كان يجب عليك أن تُخبري بالحقيقة وأن تضعي أُسرة الفتاة مع الفتاة نفسها أمام الأمر الواقع ليتصرفوا حسب ما يختارون لأنفسهم، وعليك الآن أن تصلحي هذا الخطأ بالرجوع إلى تلك الأسرة وإعلامهم بحالة الإبن حتى يقرروا ما يريدونه إما الاستمرار
في العلاقة الزوجية، وإما تخليص ابنتهم من هذه العلاقة، والله أعلم. (2/678)
صفحة 1124
الفهرس (2/679)
صفحة 1125
[صفحة فارغة] (2/680)
صفحة 1126
الفصل الخامس
فتاوى النكاح
الفهرس
الخطبة
الولاية في الزواج الرضا في الزواج
الصداق
الكفاءة في الزواج
عقد الزواج
الزفاف
حقوق الزوجين
ما تحرم به المرأة على زوجها
تعدد الزوجات
العشرة الزوجية
النفقة
أثر الوطء في الحيض والدبر (2/681)
صفحة 1127
المحللات والمحرمات من النساء الجمع بين القريبات
الرضاع
الزنا وأثره على الزواج
حقوق الآباء والأولاد
علاقة المرأة بأرحامها غير المحارم
الحضانة
ثبوت النسب
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
الطلاق وشروطه
الفصل السادس
فتاوى الفراق
الطلاق الرجعي.
طلاق الثلاث
التهديد بالطلاق
الحلف بالطلاق
الإكراه على الطلاق
طلاق الهازل وفاقد الوعي والسكران
كنايات الطلاق
الطلاق بالكتابة
الطلاق بالنية (2/682)
صفحة 1128
الفهرس
طلاق الحاكم
التعليق
المراجعة
الإحسان إلى المطلقة
هدم الزوج الثاني للطلاق
الخلع
اللعان
الظهار والإيلاء
العدة
مسائل متنوعة في الطلاق
الفصل السابع فتاوى عامة
لباس المرأة
ما لا يجوز للمرأة إظهاره
الحلال من زينة المرأة
الحرام في زينة المرأة
نظر المرأة
صوت المرأة
خروج المرأة من البيت
سياقة السيارة (2/683)
صفحة 1129
المرأة تسأل والمفتي يجيب - الجزء الثاني
سفر المرأة
دراسة المرأة
عمل المرأة
كفارة اليمين
التوبة
الوصية
النذر
أخلاق وتعامل
عادات وتقاليد مسائل طبية
الإعاقة
السحر وحقيقته
مس
الجن
إعلام وفن أحلام ورؤى
مسائل في العزاء
غسل الميت والصلاة عليه
فتاوى عامة (2/684)