صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: شريعة - فقه
------------------------------------------
العنوان: المساقاة مشروعيتها وشروطها وأحكامها
المؤلف: أفلح بن أحمد بن حمد الخليلي
الناشر: مطابع النهضة
مكان النشر: د.م
تاريخ النشر: 1421ه/ 2000م
الطبعة: د.ط
أصله: بحث تخرج
الإيداع القانوني: 2000/138
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=1027&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/668
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 16 محرم 1447ه/ 12 - شهر 07 - 2025م. R 1.000
وس
مرة كلها
و شروطها
انتج بن أحمد بن حمد
احكامها (1/1)
صفحة 2
[صفحة فارغة] (1/2)
صفحة 3
الفتح بن أحمد بن حمد الخليلي
الساعات
مشروعيتها
و شروطها
وأحكامها (1/3)
صفحة 4
حقوق الطبع محفوظة
رقم الإيداع: 2000/ 138 (1/4)
صفحة 5
المساقاة
شكر وعرفان
قدمت هذه الرسالة لاستكمال مواد الدراسة بمعهد العلوم الشرعية و عنوشتها بـ"المساقاة؛ مشروعيتها وشروطها " وأشرف علي في كتابتها أستاذي الدكتور / الهادي أحمد الهادي، وقام بمناقشتها مشكوراً أستاذي الدكتور / سليمان أحمد محمد فلهما مني جميل الشكر ووافر التقدير على ما أبدياه من ملاحظات ومنحاني
من توجيهات.
علي.
كما أنني أثني بالشكر على الهيئة التدريسية والإدارية على كل يد بيضاء لهم
وأثلث بالشكر الجزيل و العرفان الجميل للأخوة الأعزة الذين
شاركوني في طباعة هذه الرسالة ومراجعتها، وكل من مد لي يد العون فيها. ثم أمرني سيدي الوالد حفظه الله تعالى بمراجعتها وبإكمال أحكامها، وقد كان لتوجيهاته القيمة ونصائحه السديدة الأثر الكبير في خروج هذه الرسالة على هذا النحو،
فله مني جميل الشكر وخالص الدعاء.
1 (1/5)
صفحة 6
المساقاة (1/6)
صفحة 7
المساقاة
مقدمة
الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على خاتم رسله وعلى آله وصحبه، ومن سار على دربه إلى يوم الدين، أما بعد؛؛؛
فإن سنة الله في عباده اقتضت تباينهم في الأحوال، وتفاوتهم في الملكات وافتقار كل منهم إلى غيره في المعاملات، لتنطبع حياتهم بطابع الاجتماع، وليتم من خلال ذلك كله التكامل بين أفراد هذا الجنس بحسب ما أوتي كل واحد منهم من الهبات الظاهرة والباطنة.
ومن المعلوم أن هذا التداخل في المعاملات يفتقر إلى نظام يستعلي علي نوازع النفس ويؤمن المجتمع من ظلم بعضه لبعض، وقد جاءت شريعة الله العادلة بما يفي بهذه الحاجة، فإن من أبرز خصائصها الشمول والدقة، ومن أجمل محاسنها العدل والإنصاف فما من ظامئ إلا ويجد في معينها الدفاق ما يروي غلته، ويطفئ سعاره.
ــى
ومن هنا كان علم الشريعة ضرورة ملحة في حياة الأمة ليتسـ لكل أحد أن يعرف ما له وما عليه، ولينعم عندما تطبق كل إنسان (1/7)
صفحة 8
المساقاة
بضمان حقه والحفاظ على مصالحه، ومع هذا فلا غرو أن كان طلب هذا
العلم شرفاً لا يسامى ومنقبة لا تساجل.
وهو مما يدخل دخولاً أولياً في قول النبي: (من سلك طريقاً
يطلب فيه علما سهل الله له طريق الجنة)) (1).
وإن مما أعده من أعظم نعم الله على وما أجل نعمه وأكثرها أن وفقني بأن أكون أحد طلاب هذا العلم بمعهد العلوم الشرعية، وحسبي ذلك خيراً أعتد به وشرفاً أعتز به وإن كنت أقل زملائي بضاعة وأدناهم تحصيلاً، فإن نفس مجالسة أهل العلم ومخالطة أهل الفضل نعمة لا يقـ
قدرها، إذ المرء مقيس بخلطائه ومحسوب على جلسائه.
يقاس
المـ رء بالمرء إذا ــا المراء ماشاه
فإن المخالطة والمجالسة عنوان المحبة والمصافاة.
والله در م در من قال:-
فإن محب القوم لا ريب منهم قسيمهموا إن مغرم أو مغانم
وإن من مزايا هذه المؤسسة العلمية المباركة تدريب تلاميذها على البحث من خلال التقارير الدائبة في الفصول الدراسية في شتى الموضوعات
(1)
الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب 30/ 1 برقم (20).
4 (1/8)
صفحة 9
المساقاة
العلمية، ومن خلال بحث التخرج الذي يعد تتويجاً لهذا المجهود الذي يقوم
به الطالب، وقد كان اختياري في بحث التخرج لموضوع:-
المساقاة
مشروعيتها وشروطها وأحكامها
و سبب هذا الاختيار:-
1. حاجة المجتمع العماني الماسة إلى هذا الموضوع، إذ كثر التعامل بها عند
الناس.
2. قلة البحث فيه في كتب المذهب، فكثيراً ما تذكر المسائل مبعثرة من دون بيان للشروط ولا فرز لها، و من دون تأصيل للقواعد التي تتفرع عنها مسائل هذا الباب.
إشارة سيدي الوالد لي بأن أختار هذا الموضوع.
قبل الخوض في خضم البحث لا بد من تنبيهات على بعض
الأمور:-
الأول: أن المناقشة التي تضمنها البحث إن لم أحلها إلى قائل مباشرة أو في الحاشية فلا يمكن الاعتماد عليها لأنها مجرد تصورات وردت لذهن كليل لا يميز بين صحيحها وسقيمها، وقد تكون من باب:- (1/9)
صفحة 10
المساقاة
وكم من عائب قولا صحيحاً و آفته من الفهم السقيـ
الثاني: لا أعلم صحة جميع الأحاديث الواردة فيه، بل أوردت الحديث إن استدل به أو لأنه قد يستدل به، فإن وجدت فيه حكماً لأحد العلماء بالتضعيف أو التصحيح ذكرته.
الثالث: كثير من المسائل لم أجد فيها قولاً صريحاً في المذهب، وإنما استفدت ذلك من مجموع مسائلهم، فلذا ينبغي التأكد من صحتها.
الرابع: نقلت كثيراً من باب المزارعة دون المساقاة خصوصاً في مناقشة مشروعيتها، كالإيرادات التي أوردت على حديث: ((النهي عن كراء الأرض)) وحديث: (أمر رب الأرض أن يزرعها أو يُزرعها أو
يمسكها)). (1/10)
صفحة 11
المساقاة
خطة البحث
ذكر أراء الفقهاء من مختلف المذاهب ومناقشة الأقوال حسب الإمكان والرجوع إلى المعلومات من مظانها والتركيز على المذاهـ الخمسة: الإباضية والحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.
وقد قسمت البحث إلى أربعة فصول:-
الفصل الأول: تعريف المساقاة، ويشتمل على ثلاثة مباحث:- المبحث الأول: تعريف المساقاة، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: تعريفها لغة.
المطلب الثاني: تعريفها اصطلاحاً.
المطلب الثالث: سبب التسمية.
المبحث الثاني: أركان المساقاة.
المبحث الثالث: الفرق بين المساقاة والعقود المشابهة لها.
المطلب الأول: الفرق بين المساقاة والمزارعة.
المطلب الثاني: الفرق بين المساقاة والإجارة.
الفصل الثاني: مشروعية المساقاة ويحتوي على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: أدلة المانعين.
المبحث الثاني: أدلة المجيزين.
المبحث الثالث: حكمة المشروعية. (1/11)
صفحة 12
المساقاة
الفصل الثالث: شروط المساقاة ويشتمل على ستة مباحث:-
المبحث الأول: شروط العاقدين.
المبحث الثاني: شروط مورد العمل وهو الشجر.
المبحث الثالث: شروط الثمر.
المبحث الرابع: شروط العمل.
المبحث الخامس: شروط الصيغة.
المبحث السادس: شروط المدة.
الفصل الرابع: أحكام المساقاة، ويشتمل على عشرة مباحث. المبحث الأول: اللزوم؛ وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: وقت اللزوم.
المطلب الثاني: حكم فسخ العامل للمساقاة.
المطلب الثالث: أثر تقصير العامل في العمل.
المبحث الثاني: أحكام المساقاة الصحيحة والفاسدة.
المبحث الثالث: الشروط والخيارات المعتبرة فيها.
المبحث الرابع: وفيه ثلاثة مطالب:-
المطلب الأول: حكم المساقاة مع انقطاع أمل الحصول
على الثمرة.
المطلب الثاني: حكم بيع الحائط المشغول بعقد المساقاة.
المطلب الثالث: حكم مساقاة الشريك لشريكه. (1/12)
صفحة 13
الخاتمة.
المساقاة
المبحث الخامس: حكم مساقاة الحائط الذي يتخلله البياض.
المبحث السادس: نهاية المساقاة؛ وفيه مطلبان
المطلب الأول: المدة المعتبرة.
المطلب الثاني: سبب الانتهاء.
المبحث السابع: زكاة ثمار المساقاة، وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: وقت استحقاق الثمرة.
المطلب الثاني: وجوب الزكاة على الشريكين. المطلب الثالث: استتمام نصيب أحدهما بالآخر.
المطلب الرابع اشتراط أحدهما الزكاة على الآخر.
المطلب الخامس: وقت إخراجها.
المطلب السادس: زكاة الشركة مع من لم تجب عليه.
المبحث الثامن: خراج المساقاة.
المبحث التاسع: الخرص فيها.
المبحث العاشر: المسائل القضائية، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: اختلاف الطرفيين فيها.
المطلب الثاني: صفة يد العامل.
المطلب الثالث: أثر ظهور الأشجار مستحقة.
9 (1/13)
صفحة 14
المساقاة
الفصل الأول
تعريف المساقاة
ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تعريف المساقاة.
المطلب الأول: تعريفها لغة.
المطلب الثاني: تعريفها اصطلاحاً.
المطلب الثالث: سبب
التسمية.
المبحث الثاني: أركان المساقاة.
المبحث الثالث: الفرق بين المساقاة والعقود المشابهة لها.
المطلب الأول: الفرق بين المساقاة والمزارعة. المطلب الثاني: الفرق بين المساقاة والإجارة.
10 (1/14)
صفحة 15
المساقاة
المبحث الأول
تعريف المساقاة
المطلب الأول: تعريفها لغة:-
سقاه يسقيه؛ وسقاه وأسقاه؛ وسقاه بالشفة وأسقاه: دله على الماء، أو سقى ماشيته أو أرضه أو كليهما جعل له ماء والسقي مصدر سقيته أسقيه سقياً، والسقي التصبب من الماء، يقال: كم سقي أرضك؟ والسقاء يكون للبن والماء، وجمع القليل أسقية، وأسقيات، والكثير: أساق، والاستسقاء: طلب السقي وسقيته قلت له: سقاك الله وسقاه الله الغيث: أنزله، والسقي: أي كعصب النخل إضافة إليه لأنه نبت بين ظهرانيه، والمساقاة: أن يستعمل رجل رجلاً في نخيل أو كروم ليقوم
،
بإصلاحها على أن يكون له سهم معلوم.
قال الأزهري: وأهل العراق يسمونها معاملة.
قال النووي في تعليل تسميتها: لأن العامل يسقي الشجر لأنه أهم
أمورهم لا سيما في الحجاز (1).
(1)
ينظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية إسماعيل بن حماد الجوهري، دار العلم للملايين 2379/ 6، جمهرة اللغة، أبو بكر محمد ابن الحسن بن دريد تحقيق د. رمزي منير، بعلبكي، دار العلم للملايين 853/ 2 - 854، المصباح المنير، أحمد بن محمد القيومي، مكتبة لبنان ص 107، القاموس المحيط، مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي ص 1671، مؤسسة الرسالة، أساس البلاغة، حار الله محمود الزمخشري تحقيق الأستاذ محمود، دار المعرفة ص 215، لسان العرب، ابن منظور محمد بن مكروم، 390/ 14، تاج
11 (1/15)
صفحة 16
المطلب الثاني: تعريفها شرعاً:-
المساقاة
عرفها القطب من الإباضية: أن يدفع الرجل شجره لمن يخدمها، وتكون غلتها بينهما) (1) وذكر الرجل جرياً على الغالب لا للتقييد.
وعرفها الشيخ سالم بن حمود السيابي منهم بقوله:
إن المساقاة بأن يدفع ما يملك من مال له مغنما
لمن به يقوم من حرث ومن سقي بجزء غلة له افهمن
(2)
وهو تعريف غير دقيق لأنه يشمل المزارعة بقوله من حرث، فهو غير مانع، لكن لعله أراد ما يشملهما.
وعند الحنفية: عبارة عن العقد على العمل ببعض الخارج مع سائر شرائط الجواز (3). وقال السيد الجرجاني: المساقاة دفع الشجر إلى من يصلحه بجزء من ثمره) (4).
- (تابع).
العروس الإمام مرتضى الزبيدي 179/ 10 - 180، بدون ت ط محيط المحيط قاموس مطول للغة العربية معلم بطرس البستاني، مكتبة لبنان، ص 416، تحرير ألفاظ التنبيه محيي الدين يحيى النووي، حققه وعلق
عليه عبد الغني الدقر، دار القلم دمشق.
(1)
(2)
(د)
(4)
شرح النيل 66/ 10.
العقود المفصلة 162/ 3. بدائع الصنائع 185/ 6.
(1) التعريفات ص 266.
12 (1/16)
صفحة 17
المساقاة
وعند المالكية: أن يدفع الرجل كرمه أو حائط نخله أو شجر تينه أو زيتونه أو سائر مثمر شجره لمن يكفيه القيام بما يحتاج إليه ن السقي والعمل على أن ما أطعم الله من ثمرتها فبينهما نصفين أو على جزء معلوم من الثمرة (1).
وعند الشافعية: أن يعامل غيره على نخل أو على شجر عنب ليتعهده
بالسقي والتربية على أن الثمرة لهما (2).
من
وعند الحنابلة: دفع شجر لمن يقوم بمصالحه بجزء من ثمره (3)
وعند الزيدية: المساقاة ما كان في النخل والكرم وجميع الشجر الذي
شأنه أن يثمر بجزء معلوم يجعل للعامل من الثمرة (4).
وعند الإمامية: هي معاملة على أصول ثابتة بحصة من ثمرها (ه).
وعند الظاهرية هي أن يدفع المرء أشجاره أي شجر كان من نخل أو عنب أو تين أو ياسمين أو موز أو غير ذلك، لا تحاش شيئاً مما يقوم على ساق، ويطعم سنة بعد سنة لمن يحفرها ويزبلها ويسقيها إن كانت مما
(1) الكافي في فقه أهل المدينة المالكي 106/ 2.
(2) أسنى المطالب 393/ 2
(3) دليل الطالب ص 128.
(4) الروض النضير 351/ 3.
(5) مستند العروة الوثقى، كتاب المساقاة ص 11، وفقه الإمام جعفر الصادق 189/ 4.
13 (1/17)
صفحة 18
المساقاة
يسقى بسانية (1) أو ناعورة (3) أو ساقية ويؤبر النخل ويزبر الدوالي ويحرث ما احتاج إلى حرثه ويحفظه حتى يتم ويجمع أو يبس إن كان مما ييبس، أو يخرج دهنه إن كان مما يخرج دهنه، أو حتى يحل بيعه إن كان مما يا كذلك على سهم مسمى من ذلك الثمر، أو مما تحمله الأصول كنصف أو ثلث أو ربع أو أكثر أو أقل كما قلنا في المزارعة سواء بسواء).
المطلب الثالث: سبب التسمية:
وإنما هي
لم يرد في السنة لفظ "المساقاة" هذا المعنى، فالتسمية ليست توقيفية اصطلاحية تعارف عليها المصنفون وقد نص على عدم التوقيف ابن حزم إذ قال: ومن سمى هذا العمل مساقاة حتى تجعلوا هذه اللفظة حجة؟ ما علمناه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا عن أحد اهـ (4)، وفي فقه الإمام جعفر: (لم يرد لفظ
الصحابة رضي الله عنهم) المساقاة في الكتاب والسنة بشهادة صاحب الجوهرة وغيره) اهـ
(°)
من
لكن قد جاء عند البيهقي: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ساقي يهود خيبر على تلك الأموال على الشطر ... )) (3) إلخ
السانية الناضحة وهي الناقة التي يسقى عليها. لسان العرب 404/ 14.
(1) الناعورة الدولاب والناعور: جناح الرحى والناعور دلو يستقى بها. لسان العرب 222/ 5، وتسمى
عند العمانيين بالمنجور.
(3) المحلي 229/ 8.
(2)
(1)
المرجع السابق ص 232
فقه الإمام جعفر الصادق 189/ 4.
رواه البيهقي؛ ج 6، (11627).
14 (1/18)
صفحة 19
المساقاة
الحديث، فلعل لكلمة "ساقي" في الحديث دوراً في التسمية، إلا أن أكثر الروايات جاءت بلفظ "عامل والأولى تسمية أهل المدينة، لأن السقي أهم أعمالها خصوصاً في جزيرة العرب القاحلة؛ إذ إخراج الماء أشق أعمالهم، قال الزرقاني: (مفاعلة من السقي لأنه معظم عملها وأصل منفعتها وأكثرها مؤونة) اهـ (1)
وذكر الماوردي أن لتسمية المساقاة ثلاث تأويلات: الأول: أنها سيمت بذلك لأنها مفاعلة على ما تشرب بساق والثاني: أنها سميت بذلك لأن موضع النخل والشجر سمي سقياً فاشتقوا اسم المساقاة منه، والثالث: أنها سميت بذلك لأن غالب العمل المقصود فيها هو السقي فاشتق اسم منه (2)، ولفظ مفاعلة؛ إما من المفاعلة التي تكون من الواحد، وهو قليل
ها
نحو: سافر وعافاه الله أو يلاحظ العقد وهو منهما، فيكون من التعبير بالمتعلق عن المتعلق، وإلا فهذه الصيغة تقتضي أن كل واحد من العامل والمالك يسقي لصاحبه كالمضاربة والمقاتلة ونحوهما (3) ويسميها أهل العراق "معاملة" - مفاعلة من العمل وجرى عليها كثير من الفقهاء خصوصاً الأحناف كالكاساني (4) وعليه ابن حزم) من الظاهرية.
(1)
شرح الزرقاني على موطأ مالك 242/ 3
(2) المجموع 401/ 14 - 402.
(3) الذخيرة 093/ 6 بدائع الصنائع 185/ 6.
(4)
(5) المحلى 229/ 8.
10 (1/19)
صفحة 20
المساقاة
وعلى قريب من هذه الألفاظ درجت تسميتها عند الإباضية
" (2)
البصيرة (1) ومختصر البسيوي (3) عمل "الأموال" وفي المصنف) "عمل النخل" وكذلك في جواهر الآثار (4) ومصطلح "المساقاة" موجود في كتبهم أيضاً، فذكر في الإيضاح () وشرح النيل (6) وطلعة الشمس الطالبين (8) وغاية المأمول (9) ومختصر البسيوي (10) والعقود المفصل
(7)
ومنهج
ود المفصلة (11)
وجامع أبي الحسن البسيوي (13) والمصنف (13) وجواهر الآثار
الشرع (15) وغيرها.
(14)
وبيان
(1) البصيرة ص 220. (2) مختصر البسيوي 291.
(3) المصنف 29/ 21. جواهر الآثار 247/ 19.
(4)
(")
(1)
الإيضاح 224/ 6.
شرح النيل 58/ 10. (2) طلعة الشمس 121/ 2.
3
(A)
منهج الطالبين 180/ 12.
(1) غاية المأمول 77/ 6.
(10)
(11)
(12)
مختصر البسيوي 291.
العقود المفصلة 162/ 3
جامع أبي الحسن البسيوي 49/ 4.
(13) المصنف 56/ 21.
(14)
(19)
جواهر الآثار 244/ 19
بيان الشرع 282/ 40.
16 (1/20)
صفحة 21
المساقاة
المبحث الثاني
أركان المساقاة
اختلفت عبارات العلماء في تحديد الأركان (1) التي تقوم عليها المساقاة،
فعند الشافعية خمسة أركان (2):-
-1
-2
-3
- {
العاقدان؛ يقصد بهما المساقي ورب الأرض.
متعلق العمل؛ وهو الشجر.
الثمار؛ المقصود بها الناتجة بعد السقي.
العمل؛ وهي أعمال المساقاة من سقي ونحوه.
الصيغة؛ وهي الإيجاب والقبول.
وعليه جرى العيني من الحنفية (3).
وعند القرافي أربعة أركان:
1 - العاقدان.
1
- ما يشترط للعامل.
2 - العمل.
4 - الصيغة (4).
وعند عبدالله بن نجم بن شاس من المالكية أربعة هي:
(1) الركن ما كان داخلاً في ماهية الشيء ولا يتم الشيء بدونه قال النور السالمي: فالركن ما الشيء به تقوما فالشيء بانتفائه تهدما .. انظر طلعة الشمس 230/ 2.
(2)
روضة الطالبين 50/ 5، زاد المحتاج 317/ 2.
(3) البناية 614/ 10 - 615.
(4) الذخيرة 95/ 6 وما بعدها.
17 (1/21)
صفحة 22
المساقاة
1 - متعلق العقد.
2 - الثمار.
العمل.
-
ما به تنعقد المساقاة (1).
وذكر الكركي من الإمامية أن الأركان هي:
1 - العقد.
2 - متعلق العقد وهو الأشجار.
3 - المدة؛ المقصود بها الفترة التي تقع فيها المساقاة.
- العمل.
-0
الثمار (3).
وعند الحنفية لها ركنان؛ كما ذكر الكاساني (3)؛ هما:
2 - القبول.
1 - الإيجاب.
أو يضاف إليها:
-
الارتباط كما ذكر ابن نجيم (4).
(4)
والخلاف كما ترى هو إلى اللفظ أقرب منه إلى المعنى، لأنه مجرد نظـ
في بعض ملابساتها، فبعضهم اعتبرها أركاناً والبعض الآخر لم يعتبرها،
لكنها لازمة لا تنفك المساقاة عنها.
(1) عقد الجواهر الثمينة 815/ 2 وما بعدها.
(2)
(3)
جامع المقاصد 343/ 7.
بدائع الصنائع 185/ 6.
(1) البحر الرائق 164/ 8.
18 (1/22)
صفحة 23
المساقاة
المبحث الثالث
الفرق بين المساقاة والعقود المشابهة لها
المطلب الأول: الفرق بين المزارعة والمساقاة:-
تخالف المساقاة المزارعة في الصورة فالمساقاة معاملة على أصول ثابتة
بالاهتمام بها والقيام بشؤونها وسائر أعمالها، أما المزارعة: فهي العمل على
أرض بيضاء وزراعتها ويكون الحاصل بينهما.
وفرق الأحناف بين المساقاة والمزارعة بعدة فروق:-
1 - أن المساقاة مختلف في لزومها، فعلى قول من يراها ملزمة يجبر عليها المتعاقدان، بخلاف المزارعة فلا تلزم قبل إلقاء البذر إتفاقاً (1).
2 - إذا انقضت المدة في المساقاة فعلى المساقي مواصلة العمل بدون أجر، أما في المزارعة فإنه يعمل ويستحق بذلك أجراً، قال الدكتور جبر محمود الفضيلات انقضاء مدة العقد في المساقاة لا ينفسخ العقد، بل يستمر العمل ولكن بدون أجر على صاحب الثمر، لأن الشجر لا يجوز استئجاره لأن العمل كله على العامل، أما المزارعة فيستمر العامل في عمله،
عندهم،
وله أجر على ذلك لأن الأرض يجوز استئجارها والعمل عليها) (2).
(1) الظاهر أن فيها خلافاً، ولعل الاتفاق عند الأحناف فقط. انظر الخلاف في لباب الآثار 75/ 9
والذخيرة 105/ 6.
(2) المساقاة والمزارعة والمغارسة د. جبر الفضيلات ص 14.
19 (1/23)
صفحة 24
المساقاة
الشجر
إذا استحق النخل في المساقاة يرجع العامل بأجرة مثله، وفي المزارعة يرجع بقيمة الزرع لأن أجرته صارت عيناً، أي تمثلت بجزء من ومتى صارت عيناً واستحقت رجع بقيمة المنافع ولا يرجع بشيء إذا لم تخرج النخل ثمراً، أما في المزارعة لو استحقت الأرض بعد المزارعة فيرجع العامل بقيمة حصته من الزرع ثابتاً ولو استحقت الأرض بعد العمل قبل المزارعة لا شيء للمزارع.
- بيان مدة المساقاة غير مشترط؛ فيجوز تركه استحساناً للعلم بوقت دراك الثمرة عادة، وتقع على أول ثمر يخرج في السنة، بخلاف الزرع لأن ابتداءه يختلف والانتهاء ينبني عليه فتدخل الجهالة الفاحشة فيه (1).
المطلب الثاني: الفرق بين المساقاة والإجارة:-
المساقاة والإجارة أصلان مختلفان بينهما بعض التشابه، لكن تختل
صورهما، كما تختلف بعض أحكامهما.
ومن صور الاختلاف فيهما:-
-1 - الإجارة لا بد لها من وقت معلوم إلا إذا كانت إجارة على عمل
معين
أما المساقاة فقد قال بعض العلماء
بعدم اشتراط التوقيت لها
استحساناً، وبعضهم اعتماداً على حديث خيبر
(2)
(")
حاشية ابن عابدين،181/ 5 ومجمع الأنمر 504/ 2، والبحر الرائق 164/ 8.
(1) أعني به حديث معاملة النبي و لأهل خيبر فقد جاء فيه نقركم على ذلك ما شـ ا .. إلخ، وسيأتي
تخريجه في محله إن شاء الله.
20 (1/24)
صفحة 25
المساقاة
2 - الإجارة محددة الأجر بالتعيين ولا يصح الجهل بها، بينما المساقاة
محددة الثمار بالجزئية ولا يصح بيانها بالتعيين.
3 - الأجرة لا يلزم أن تكون في الإجارة لها علاقة بالعمل، أما المساقاة فبين الأجرة والعمل علاقة السببية والمسببية المباشرة.
4 - في الإجارة لا يخسر الأجير أجر عمله أبدا إذ أجرة العمل محفوظة له، أما المساقي فقد يخسر عمله إذا لم تثمر الأشجار في المدة المتفق عليها.
-
الأجرة في الإجارة قد تكون قبل العمل وقد تكون أثناءه وقد تكون بعده بينما هي في المساقاة غير متصورة إلا بعد العمل.
مورد الإجارة عام شامل لكل المنافع فيشمل استئجار الأشخاص واستئجار الذوات كبيوت وغيرها، ومورد المساقاة خاص وهو النخيل أو
الشجر.
7 مورد العمل عام في الإجارة فيشمل أي عمل، بينما مورد العمل في
المساقاة خاص بالعمل المعروف.
21 (1/25)
صفحة 26
المساقاة
الفصل الثاني مشروعية المساقاة
ويحتوي على ثلاثة مباحث:-
المبحث الأول: أدلة المانعين.
المبحث الثاني: أدلة المجيزين.
المبحث الثالث: حكمة المشروعية.
22 (1/26)
صفحة 27
(0)
المساقاة
مشروعية المساقاة
(6)
اختلف العلماء في حكم المساقاة، فذهب أبو حنيفة وزفر (1) إلى المنع منها، ونسب إلى الزيدية (2)، وفي هذه النسبة نظر لما سيأتي من مخالفة إمامهم وبعض علمائهم، له وعليه ابن المرتضى منهم م (3)، وعليه الهادوية (4)، وذهب إليه ابن عبدالعزيز والإمام الربيع والإمام أبو عبيدة من أصحابنا، بل نسب إلى عامتهم) عامة المتقدمين، وكرهها النخعي والحسن وإبراهيم، وتومي إليه عبارات بعض العلماء وإن قالوا بالجواز، وذهب الجمهور الأعظم إلى الجواز، فنسب إلى الخلفاء الأربعة وعمار وابن مسعود وسعد بن أبي وقاص ومعاذ بن جبل وسعيد بن المسيب وسالم ومالك والثوري والأوزاعي وزيد بن علي وأخيه محمد بن علي الباقر وولده جعفـ الصادق والناصر للحق وأبي عبدالله الداعي والمؤيد بالله والشافعي وأحمد
(1)
(2)
33
بدائع الصنائع 185/ 6، المغني 556/ 5.
الغرر وأثره في العقود للبروفسور الضرير 481.
(3) البحر الزخار 69/ 4، وشرح المرتضى على الأزهار 313/ 3.
(4) سبل السلام 150/ 3، الروض النضير 354/ 3 (ظاهره المزارعة).
(°)
المدونة الكبرى لأبي غانم الخراساني،112/ 2، والمدونة الصغرى له أيضا،210/ 2، وانظر آثار الإمام
الربيع ص 52. (1) المجموع شرح المهذب 402/ 14.
(2) المحلى 229/ 8
23 (1/27)
صفحة 28
المساقاة
وإسحاق وأبي ثور ويعقوب وعمر بن عبدالعزيز وشهاب والليث (1) وعليه أبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة، وعليه الفتوى عند الحنفية (2).
(1)
الروض النضير 352/ 3، السراج الوهاج 124/ 4، المحلى 229/ 8، الاستذكار 209/ 21، المغ 556/ 5، الشرح الكبير كذلك، الأشراف 167/ 1.
(2)
شرح النقاية 84/ 4، اللباب شرح الكتاب ص 457، بل قال في إعلاء السنن 55/ 17: (والظن بأبي حنيفة أنه لم يبطل المساقاة وإنما كرهها تورعاً، ولم ينه عنها أشد النهي، وإنما كرهها لكونها كالمزارعة وقد ورد النهي عنها، ولأنها مخالفة للأصول المجمع عليه في الإجارة، ورأى أن حديث معاملة النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر على الشجر ليس بنص في عقد المساقاة .. إلخ).
وقال الشيخ محمد أنور الكشميري مبيناً قول أبي حنيفة: (ثم رأيت في حاوي القدس كرهها أبو حنيفة ولم ينه عنها أشد النهي، وحينئذ نشطت من العقال وثلج الصدر وظهر وجه التفريعات مع القول بالبطلان، فإنه قد نبهناك فيما مر أن الشيء قد يكون باطلاً ولا يكون معصية فيض الباري 295/ 3، وهو بذلك خالف نسبة الآخرين.
وهو ضعيف لأنه يلزم من الأخذ الباطل الوقوع في المعصية التزاماً، لأنه أكل للمال بغير حق، والله تعالى يقول: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) (البقرة (188)؛ ثم إن الحكم بالبطلان لا بد له من دليل، ولا دليل إلا النهي والنهى لا يدل على البطلان إلا إذا كان للتحريم، ومن العجيب أن النهي إذا كان للتحريم لا يدل على فساد المنهي عنه عند أبي حنيفة، بل يدل عنده على الصحة كما نسبه إليه بعض العلماء ولاصحابه في ذلك تفصيل يرجع إليه في محله - فكيف والنهي ليس للتحريم كما هو واضح من كلام صاحب الحاوي.
فإن قالوا: يدل على البطلان حديث أبي داود قال: عن سعيد بن المسيب قال: قلنا له: شيء بلغنا عنك في المزارعة، قال: كان ابن عمر لا يرى بها بأساً حتى بلغه عن رافع بن خديج، فأتاه، فأخبره رافع: (أن رسول الله أتى بني حارثة، فرأى زرعاً في أرض ظهير فقال: ((ما أحسن زرع ظهير)) قالوا: (ليس لظهير قال: أليس أرض ظهير؟ قالوا: (بلي؛ ولكنه زرع (فلان قال فخذوا زرعكم وردوا عليه النفقة قال رافع: فأخذنا زرعنا، ورددنا إليه النفقة، قال سعيد: أفقر أخاك أو اكره بالدراهم) (أبو داود برقم (3257 وكذلك حديث عن ابن أبي نعيم، قال: حدثي رافع بن خديج (أنه زرع أرضاً، فمر النبي وهو يسقيها فسأله: لمن الزرع؟ ولمن الأرض؟)) فقال: (زرعي ببذري وعملي لي الشطر ولبني فلان الشطر) فقال: ((أربيتما فرد الأرض على أهلها وخذ نفقتك)) (أبو داود برقم (3260 فإنـ
24 (1/28)
صفحة 29
المساقاة
وعليه أكثر أصحابنا، كابن عباد (1) والبسيوي (3) وغيرهم (3).
—
(تابع).
يجاب بأنه ورد في الحديث الثاني "أربيتما" وهو يقتضي الحرمة، علاوة على ضعف سنده فقد ذكر السياغي أن فيه ابن عامر، قال ابن علي لم أجد له حديثا، وقال الذهبي: روى عنه سفيان والحسن بن صالح معتل. اهـ (الروض النضير (358/ 3 وذكر البيهقي أن جماعة من الحفاظ ضعفوه، والحديث الأول يحتمل أنه منعهم من ذلك لاختلال شرط كأن كان على الأربعاء لأنه كثر التعامل بذلك عندهم، وهو يحتمل أيضا الإجارة لأنه لم يبين بأي وجه أخذ تلك الأرض، بل ذكر أن الزرع لغيره، فالظاهر أنه لا نصيب له فيها فلا دلالة فيه على المطلوب، ولو قيل: قول سعيد بن المسيب بين لنا المطلوب، لقيل بأنه فهم تابعي فليس بحجة.
تنبيه:
مع أن الفتوى عند الحنفية على الجواز إلا أن بعض فطاحل علمائهم يستبسلون استبسالا منقطع النظير لتقوية دليل الحرمة نصرة لمذهب إمامهم، فلذا اعتبرتهم مخالفين في الرأي، وألزمتهم بما التزموا به وفق
قواعدهم في المناقشة.
(1)
(2)
(T)
المدونة الكبرى،111/ 2، المدونة الصغرى 210/ 2.
مختصر
بعض
البسيوي 291 جامع أبي الحسن البسيوي 49/ 4، وانظر جواهر الآثار 244/ 19. بعض من يقول بالفساد لا يعتبرها محرمة بل يعتبرها فاسدة فقط تقبل المتاممة؛ وهو مذهب بـ أصحابنا؛ لأن الفساد عندهم فساد تناقض وفساد حرام. المصنف 47/ 21، والظاهر أن من منعها منهم اعتبرها من القسم الأول دون الثاني.
25 (1/29)
صفحة 30
المساقاة
المبحث الأول
أدلة المانعين
استدل المانعون من المساقاة بجملة من الأدلة منها:-
أولاً: ما رواه مسلم عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم فهي عن المخابرة)) (1).
ثانياً: ما رواه أبو داود بلفظ: من لم يدع المخابرة فليأذن بحرب من الله
ورسوله)) (2)
ووجه الدلالة صريح قوله (المخابرة) وهو الفعل الذي فعله النبي وأصحابه مع أهل خيبر، وقد نهى عنه، فهو نسخ له.
وأجيب عن ذلك بأجوبة:-
أ- قال القرافي: (إن العرب كانت تعرف المخابرة قبل الإسلام، وهي عندهم كراء الأرض بما يخرج منها، مأخوذة من الخبرة التي هي العلم بالخفيات ... فاشتق ذلك لكراء الأرض لتحرث بجزء ما يخرج من المحيوث، وقيل: الخبرة الحرث والمخابرة مشتقة منه، ومنه سمي المزارع خبيراً) (3) وهذا
(1)
(2)
رواه مسلم 199/ 10 (مع الشرح)، وأبو داود برقم (3265).
رواه أبو داود برقم (3263).
(3) الذخيرة 94/ 6.
26 (1/30)
صفحة 31
المساقاة
بناء على منعهم من المزارعة فصرف النهي في الحديث إليها، والصحيح عند أكثرنا الجواز كما سيأتي إن شاء الله.
ب أن عقود المعاوضات لا تشتق لها الأسماء من أماكنها (1).
ج حمل النهي على الكراهة للإرشاد والتنزيه، وهو ما أجاب به السياغي (2)، وهو ضعيف لما سيأتي، ولا يتأتى هذا الجواب في الحديث الثاني، لأن الحرب لا تكون إلا من محرم.
د-
قال القنوجي: (وأما الأحاديث الواردة في النهي عن المخابرة فسق الجواب عنها، وأنها محمولة على ما إذا شرط لكل واحد قطعة معينة من
(4)
الأرض) (3) وقريب منه جواب ابن القيم (4)، وقال ابن تيمية: (واللام
لتعريف العهد، ولم تكن المخابرة عندهم إلا ذلك)).
ويضاف إلى ما قالوه:-
أن جعل المخابرة بمعنى الفعل الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم في خيبر يحتاج إلى
نقل اللفظ من
معناه إلى معنى آخر ولا نقل إلا بدليل، ولا دليل.
(1) المقدمات للعلامة ابن رشد الجد) 547/ 2
(2) الروض النضير 359/ 3، (ظاهره المزارعة).
(3)
السراج الوهاج 124/ 4.
(4) تهذيب ابن القيم لسنن أبي داود 65/ 6 - 66.
(ه) فتاوي ابن تيمية 116/ 29.
27 (1/31)
صفحة 32
المساقاة
فإن قيل: بأن دليل النقل ما رواه أبو داود عن زيد بن ثابت، قال: (نهى رسول الله عن المخابرة. قلت: وما المخابرة؟ قال: أن تأخذ الأرض بنصف أو ثلث أو ربع))).
فيجاب: بأن الحديث لا يدل على ما قالوه لأن فيه أخذ الأرض لا أخذ الشجر، والمساقاة أخذ للشجر، على أن أخذ الأرض بنصف قد يكون بما على الماذيانات، كما ورد في الروايات المقيدة.
و - يشترط للنسخ معرفة التاريخ ولا معرفة هنا، ولا يمكن أن يعول على اسم المخابرة للدلالة على التأخير، إذ ليست نصاً في أنها الفعل الذي فعله النبي في خيبر.
ز لا يمكن أن تنسخ لمعاملة النبي الهلال الأهل خيبر، لأنها استمرت إلى وفاته، وعمل بها من بعده أصحابه، ولا يمكن أن يعملوا بحديث قد نسخ.
ح يشترط في الدليل الناسخ أن يكون في قوة الدليل المنسوخ دلالة وسنداً؛ أي لا ينسخ المتواتر إلا بمثله، وقد قيل بتواتر حديث المساقاة،
وحديث المنع لا يقوى على ذلك لكونه محتملاً بخلاف حديث المعاملة.
ط - يمكن الجمع بين هذا الحديث وحديث معاملة النبي الله مع أهل خيـ فلا يلجأ إلى النسخ، لأن الجمع أولى من الترجيح أو النسخ.
28
رواه أبو داود 67/ 6 برقم (3265).
(") (1/32)
صفحة 33
المساقاة
ي الحديث ليس عاماً عند بعض الأصوليين لأنه حكاية فعل، وقد ذهب بعضهم إلى عدم عمومها، لأنما الدليل في المحكي لا في الحكاية)، وهذا الاعتراض يسوغ في الحديث الأول دون الثاني.
ك - يقصر الحديث على ما اعتاده الناس، بناء على التخصيص بالعادة وعادة الناس في ذلك العصر الكراء على الماذيانات، إذ لم يكن للناس كاء إلا ذلك، وإن كان الجمهور لا يخصصون العام بالعادة، إلا أنهم يلزمون الأحناف بما يلتزمون به.
ثالثاً: ما رواه الإمام الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن عن النبي: أنه نهي عن كراء الأرض)) (2).
مالك
ووجه الدلالة أن النهى عن كراء الأرض يشمل جميع صور ور الكراء ومنها المساقاة والنهي كما هو معلوم يدل على التحريم عند الفحول من أئمة الأصول، وقريب منه في وجه الاستدلال حديث رافع عند مسلم. رابعاً:
عن رافع بن خديج قال: كنا نحاقل الأرض على عهد رسول الله فنكريها بالثلث والربع والطعام المسمى، فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي، فقال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان لنا نافعاً وطواعية الله ورسوله أنفع لنا، نهانا عن أن نحاقل بالأرض فنكري بالثلث والربع
(1) انظر حكاية الفعل وحجيتها في المستصفى 66/ 2، طلعة الشمس 126/ 1.
(2)
رواه الإمام الربيع ص 225 برقم 565، ومسلم 199/ 10 (مع الشرح).
29 (1/33)
صفحة 34
المساقاة
والطعام المسمى، وأمر رب الأرض أن يزرعها أو يُرزعها، وكره كراءها
وما سوى ذلك) (1) وأجيب بما يلي:-
أ- أن حديث رافع غير ثابت فهو مضطرب سنداً ومتناً، فقد قال الأثرم: (سمعت أبا عبدالله - يعني الإمام أحمد بن حنبل - يسأل عن حديث رافع بن خديج: ((نهى رسول الله له عن المزارعة فقال: رافع روي عنه في هذا ضروب) (2)، وضعفه الترمذي (3) أيضاً وابن القيم وقد أطال في رده (4) وابن المنذر والدكتور عبدالله بن عبدالعزيز الجبرين) وآخرون، بل قد ضعفه بعض الصحابة كزيد بن ثابت فقد قال: (يغفر الله لرافع بن خديج والله أعلم بالحديث منه، إنما أتاه رجلان قد اقتتلا، فقال رسول الله: إن كان هذا شأنكم فلا تكروا (المزارع فسمع رافع قوله: ((فلا تكروا المزارع لكن هذا الحديث ضعفه ابن حزم زم)، وحسنه ابن الجوزي ()، وذكر السهارنفوري: أن فيه أبا عبيدة بن محمد عمار أخا بن محمد، وقيل: هما واحد قال ابن معين ثقة. وقال ابن أبي حاتم
أنا
سلمة
عن
(1)
(2)
بن
أبيه: منكر الحديث؛ ولا يسمى. وقال في موضع آخر: صحيح
رواه مسلم 204/ 10 (مع الشرح).
المغني
000/ 0
فتاوى التقي السبكي 423/ 1.
(4) تهذيب ابن القيم 58/ 5.
(5) الطوفان الجارف لكتائب البغي والعدوان القسم الثاني من الجزء الثالث؛ ص 589 - 590.
(1)
(Y)
المحلى
220/ 8
نصب الراية 181/ 4. (1/34)
صفحة 35
المساقاة
منكر الحديث؛ ولا يسمى. وقال في موضع آخر: صحيح الحديث. وقال في موضع آخر: سلمة. وقد قال البخاري في ترجمة: سلمة أراه أخا أبي عبيدة. وذكر الحاتم أبو محمد أبا عبيدة فيمن لا يغرب اسمه، وقال عبد الله أحمد بن حنبل أبو عبيدة هذا ثقة وأخوه سلمة لم يرو عنه إلا علي بن زيد؛ ولا يعرف حاله .... وفيه الوليد بن أبي الوليد، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما خالف على قلة روايته (1).
بن
طاوس
ونسب إلى ابن عباس تضعيف حديث الكراء أيضاً، فقد روى عن أنه كان يخابر فقال عمرو فقلت له يا أبا عبدالرحمن لو تركت هذه المخابرة فإنهم يزعمون أن النبي لا اهله لنهي عن المخابرة. فقال أي عمرو: أخبرني أعلمهم بذلك يعني ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عنها إنما قال: يمنح أحدكم أخاه خيرٌ له من أن يأخذ عليها خرجاً معلوماً)) (2).
وقد يعترض على هذه الرواية بأمرين:-
-1 - أن طاوس كثير الوهم فقد قال القاضي إسماعيل: طاوس مع فضله وصلاحه يروي أشياء منكرة ... ، وعن أيوب: أنه كان يعجب من كثرة
(1) بذل المجهود 54/ 15 بتصرف.
(2)
رواه البخاري 79/ 10 برقم (2330) ومسلم 207/ 10 واللفظ له. (1/35)
صفحة 36
, (!)
المساقاة
خطأ طاوس، وقال الجوزجاني: كان علماء مكة ينكرون على طاوس ما ينفرد به من شواذ الأقاويل (1)، وهذه صنعة أهل الحديث فنتركها لهم. 2 - أن طاوس كان ممن يمنع كراء الأرض مطلقاً كما نسب إليه ذلك الشيخ السالمي والنووي والسبكي والشوكاني والعيني وابن حزم وابن حجر وابن عبدالبر وابن دقيق العيد (3) ويجاب عن ذلك بأنه إن ثبتت نسبة المنع إلى طاوس فلا حجة في رأيه بل الحجة في روايته كما هو مذهب الجمهور، ومذهب الحنفية العبرة بالرأي دون الرواية فلعلهم يعارضون بها الحديث، على أن نسبة المنع إلى طاوس فيها نظر، فهذا الحديث يدل على أنه كان يخابر، وقد ذكر ذلك عنه القرطبي وابن تيمية الحراني وابن القيم (3)، ويجمع بين هذا التعارض بأنه كان ينهى عن كراء الأرض بالذهب والفضة ويجيز كراءها بالثلث والربع، وهو ما رواه عنه بعض المحدثين، كما نقله
حجر
(4)
عنهم
ابن
لكن التقي السبكي خالفهم في ذلك فقد قال: (وليس الاضطراب الذي ذكره الترمذي وغيره مما يوجب رد هذا الحديث، لأن لكثرة الروايات لا
(2)
الإمام الربيع مكانته ومسنده 128، السيف الحاد 118.
شرح المسند 179/ 3، شرح مسلم 198/ 10، فتاوى التقي السبكي 426/ 1، نيل الأوطار 9/ 6، عمدة القاري 164/ 12، المحلى،213/ 8، الفتح 92/ 10، الاستذكار 251/ 21، إحكام
الأحكام 132/ 3.
(T)
الجامع لأحكام القرآن 369/ 3، فتاوى ابن تيمية،90/ 29، تهذيب ابن القيم 57/ 6.
(4)
فتح الباري 80/ 10.
32 (1/36)
صفحة 37
المساقاة
نشك أن هذا الحديث حصل من رافع، وإنما الاضطراب في كونه تارة رواه وأرسله وتارة عن عمه وتارة عن عمّيه وتارة عن رجل من عمومته، وذلك لا يقدح في صحته عن رافع، ورافع صحابي) (1)، وقال بما يقارب قوله العلامة العيني (2)، وقواه السياغي وقال مناقشاً الاعتراض: (وهذا الجواب يرد عليه أنه لم ينفرد رافع بن خديج برواية النهي، بل رواه غيره وهو جابر عبدالله وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري وغيرهم)) وكلام السبكي والسياغي فيه دفع للاضطراب في السند دون المتن.
بن
ب حمل النهي في الحديث على التنزيه حتى يتسنى الجمع بينه وبين حديث ابن عمر في معاملة أهل خيبر، في معاملة أهل خيبر، قال السبكي: وهو أقرب الأجوبة (4). وسوغه الشوكاني ()، ولعله محمل النخعي والحسن وإبراهيم إذ قالوا بكراهية المساقاة.
ج- حمل حديث رافع على صورة محرمة، أي على أن للعامل جزء معيناً من الأرض ولرب الأرض جزء آخر، واستأنسوا لذلك بخصوص سبب الرواية، إذ جاء عند مسلم من طريق حنضلة بن قيس الأنصاري قال: سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والورق، فقال: (لا بأس
(1) فتاوى السبكي 423/ 1.
(2) البناية 577/ 10 وما بعدها.
الروض النضير 356/ 3.
(4) فتاوى السبكي 423/ 1 (ظاهر في المزارعة).
(0)
وابل الغمام حاشية على شفاء الأوام 26/ 2 في المزارعة).
33 (1/37)
صفحة 38
المساقاة
به، إنما كان الناس يؤاجرون الأرض على العهد النبي صلى الله عليه وسلم على الماذيانات ـذا وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم ويهلك هذا، و لم يكن للناس كراء إلا هذا فلذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به) (1) واعترض عليه التقي السبكي بأن العبرة اللفظ لا بخصوص السبب (2). بعموم
وأجيب بأن اللفظ لا يقصر على سببه مع عدم ظهور القرائن التي تفيد تخصيصه بذلك السبب كما هو المعول في الأصول، وصرح به الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في غير موضع قال بعض المحققين وهو قول حسن، ولا يبعد رجوع الجمهور إليه، وإن أطلقوا فإنه إذا ظهر من قرائن المقام ما يقتضي قصر السبب عليه كان من العموم الذي أريد به الخصوص (3) وعليه الشيخ نور الدين السالمي رحمه الله حيث قال في جوهره:-
يزرع قطعة له وأخرى لصاحب الأرض تكون أجرا هذا محل النهي لا سواه والآن متروك فلا نراه فبقي النهي ومعناه اختفى فمن هناك في المراد اختلفا (4)
34
رواه مسلم 206/ 10.
فتاوى السبكي 423/ 1.
الروض النضير 358/ 3.
جوهر النظام 378/ 2.
(1)
(2)
(
(4) (1/38)
صفحة 39
المساقاة
د حمل الحديث على أنه منسوخ، ومال إلى ذلك ابن حزم الظاهري (1) مستظهراً ذلك من أن فعل المساقاة أي فعل النبي لو استمر إلى وفاته، وسار على ذلك أصحابه، فيستحيل أن يكون منسوخاً ولا يتصور منهم العمل به إلا إذا كان ناسخاً للحكم الآخر، وهو حديث المنع وهو ظاهر مذهب الصنعاني والدهلوي (2).
مسدد:
هـ - حمل النهي على أنه كان لأجل خصومات كانت تجري بينهم فقد روى أبو داود من طريق عروة بن الزبير قال: قال يغفر الله لرافع بن خديج أنا والله أعلم بالحديث منه أنما أتاه رجلان قال الأنصار - ثم اتفقا ... قد اقتتلا فقال رسول الله: ((إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع)) زاد مسدد فسمع قوله: (لا تكروا المزارع)) (3) وهو حديث ضعفه بعض العلماء كما سبق وحسنه ابن الجوزي.
و - وقد يقال بأن اللفظ بنفسه خاص لا عموم فيه؛ وذلك لما قاله ابن تيمية: (وإذا كان قد جاء في بعض طرق الحديث أنه نهى عن كراء المزارع مطلقاً، فالتعريف للكراء المعهود بينهم) (4)، قلت: وهو سائغ، لأن الإضافة
المحلى 214/ 8 في المزارعة).
سبل السلام،152/ 3، حاشية الدهلوي على بلوغ المرام 83/ 2 (ظاهره المزارعة).
35
رواه أبو داود برقم (3249).
فتاوي ابن تيمية 111/ 29.
(")
(2)
(3) (1/39)
صفحة 40
المساقاة
سألة
تكون عهدية (1)، فإن قيل: بأن "أل" ومثلها الإضافة إذا احتملت العهد والجنس حملت على الجنس عند بعض الأصوليين، أجيب بأن في المسـ خلافاً، ولو سلم به فذلك عند عدم القرينة، وهنا القرائن دالة على أن المراد
العهد لا سواه.
ومن أقوى هذه الوجوه حسب القواعد الأصولية هو الوجه الثالث
أي قصر اللفظ على خصوص سببه لوجهين:-
1 - أن النص إذا احتمل المجاز أو النسخ أو التخصيص فيحمل على التخصيص، إذ التخصيص أولى من المجاز -وهو حمل النهي على الكراهة
كما هو مذهب جماعة من الأصوليين وأولى كذلك من القول بالنسخ.
2 - لا ينبغي حمل فعل النبي ا ا ا ا ل عل على الكراهة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يتنزه عن ذلك، فإن قيل: بأنه فعل ذلك لبيان الجواز، وذلك مشروع في حقه فلا يكون مكروهاً كما ذكر الشوكاني (2)، فيجاب عن ذلك بأن البيان يحصل بفعل مرة، وهذا الفعل استمر عليه النبي ا ل ا ل له حتى أدركته الوفاة، واستمر على ذلك أصحابه، ومن المعلوم أنهم كانوا يتركون سبعين باباً من الحلال ورعاً فكيف بالمكروه.
(2)
ذكر النور السالمي في بهجته ص 21 نقلاً عن حاشية الشذور للقطب: أن الإضافة تأتي لما تأتي عليه
ل".
وابل الغمام حاشبية على شفاء الأوام 26/ 2.
36 (1/40)
صفحة 41
المساقاة
وأما النسخ فالتخصيص أولى منه كما قدمنا، ويضاف إلى ذلك:-
-1 - أنه لا بد للقول بالنسخ من معرفة التاريخ، ومع عدم المعرفة لا يمكن القول به.
2 - أن ذلك يؤدي إلى القول بنسخ الناسخ، إذ الأصل الإباحة، ثم نسخ بالحرمة، ثم نسخ بالإباحة مرة أخرى، هذا إذا جعلنا الإباحة الأصلية
حكماً شرعياً وقد منع من ذلك بعض الأصوليين.
ويضاف إلى ما قاله الجمهور في تأويله ما يلي:-
ز- أن المنهي عنه في الحديث هو كراء الأرض وليس كراء الشجر، والمساقاة إن اعتبرناها كراء فهي كراء للشجر لا للأرض، ولا يقال: إن أن يطلق ويراد ما فيها بعلاقة المحلية لأن ذلك مجاز،
كراء الأرض يصح والأصل في الإطلاق الحقيقة.
ح أن الكراء له معان كثيرة، لا يناسب المقام إلا أحد معنيين، أولهما الإجارة، وثانيهما الحرث والمساقاة ليست إجارة حتى يشملها النهي، لكن الإشكال أن حديث رافع بين الكراء وأنه يكون بالثلث والربع فيكون كراء على هذا، والمعنى الثاني وهو الحرث، وهو خارج عن المساقاة؛ لأن الحوث ليس من المساقاة في شيء فلا يمكن حمله عليها، ومع هذا الاحتمال الوارد
يسقط به الاستدلال والدليل إذا طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال.
37 (1/41)
صفحة 42
المساقاة
ط - إن سلمنا جدلاً بشمول النهي للمساقاة؛ لقلنا: بأن حديث الجواز خصص العموم، ومن المعلوم بأن الخاص يقضي على العام تقدم العام أو تأخر، ولعل لقول كثير من الأحناف بقطعية العام دخلاً في القول بالتحريم.
ي-
أن الحديث جاء بصيغة "نهى" وهو ما يسميه الأصوليين بحكاية الفعل وليس بعام عند بعضهم، لأنما الدليل في المحكي لا في الحكاية كما سبق.
ك أن الحديث جاء بلفظ خاص ففي البخاري: ( ... حدثني عماي أنهم
كانوا يكرون الأرض على عهد النبي الله بما ينبت على الأربعاء أو شي يستثنيه صاحب الأرض، فنهى النبي الله عن ذلك)) (1)، ولفظ ذلك خاص، وبلفظ عام كما هو لفظ مسلم فهو محتمل، ومع الاحتمال يسقط الاحتجاج به، ويتقوى الخصوص بخصوص سبب الحديث وبدلالة أحاديث الجواز حتى يتسنى الجمع بينها، فإن قيل: بأن ذكر فرد من العام لا يخصصه كما هو مذهب الجمهور. أجيب بأن ذلك فيما إذا ورد نص عام وآخر خاص، أما إذا ورد حديث واحد بلفظين أحدهما خاص والآخر عام؛ فإنه
ينظر فيهما ولا يرجح العام بذلك لعدم العلم بلفظ النبي.
-
ل قد يقال: بأن روايات النهي وردت مطلقة ووردت أيضاً مقيدة بالماذيانات فيحمل المطلق على المقيد كما هو مذهب الجمهور من
الأصوليين.
(1) البخاري رقم (2346)، (2347)، الفتح 093/ 10
38 (1/42)
صفحة 43
المساقاة
-م- وقال سيدي الوالد حفظه الله: (يمكن أن يقال بأنه محمل ما فرته الأحاديث الأخرى ولعله يعني بالحديث المفسر ما رواه البخاري وفيه: (دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما تصنعون بمحاقلكم؟)) قلت: (نواجرهـ على الربيع وعلى الأوسق من التمر والشعير) قال: ((لا تفعلوا ازرعوها أو أزرعُوها أو أمسكوها)) قال رافع: (قلت: سمعا وطاعة) (1) فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى في قوله: ((لا تفعلوا عن الصورة التي حكيت له، وهـ ألهم يؤجرونها على الربيع، وفيها غرر فلذا نهى عنه.
وينبغي أن تحمل حكاية الفعل على لفظ النبي لا إن عرف كما هو الواقع هنا ليزول الإشكال وخلاصة الكلام أن هذه الصورة محرمة وليست
في محل النزاع.
ن التخصيص بالعادة وسبق بيانها.
ولعل للمانعين من المساقاة وجوهاً يرجحون بها هذا الحديث على
أحاديث الجواز، فإليكها مشفوعة بالإجابة عليها:-
1 - كثرة الروايات التي تنهى عن كراء الأرض، فقد جاءت من طرق متعددة من طريق زيد ورافع وأنس وأبي هريرة وجابر.
ويجاب عن ذلك بالآتي:-
(1) رواه البخاري برقم (2339)، الفتح 89/ 10.
39 (1/43)
صفحة 44
المساقاة
أ - أن أحاديث الجواز جاءت أيضا من طرق متعددة فقد رواها ابن عمر وعمر وعلي وابن عباس وأبو هريرة، بل قال ابن عبدالبر في التمهيد: والأحاديث في المساقاة متواترة) (1)، وقال التقي السبكي: (ما اتفق في خيبر وهو صحيح مقطوع به، لتحققنا فعل النبي، إياه، ولا يخالف في ذلك أبو حنيفة ولا غيره)) وقوله: (مقطوع (به يقتضي التواتر، فهو يوازي قول ابن عبدالبر، فعلى قول هذين العالمين لا يمكن الترجيح بذلك لأنها بلغت
درجة القطع.
ب أن حديث المنع ليس في محل النزاع حتى يلجأ إلى الترجيح، ولو سلمنا بأنه في محل النزاع، لقلنا لا يرجع إلى الترجيح إلا مع التعارض، ولا تعارض هنا، لأن أحاديث الجواز خاصة والنهي عام، ولا تعارض بين خاص وعام ولو كان العام قطعي الثبوت، ثم عند التعارض يكون الترجيح أولاً بالدلالة ثم بالسند وهنا دلالة الإباحة أرجح من دلالة التحريم.
النص
- أن أحاديث الإباحة مخالفة للقياس، فيرد الخبر لمخالفته للقياس، كما هو مذهب بعض الأصوليين، ويجاب عن ذلك بأن المعول عليه هو دون القياس، كما هو مذهب الجمهور من الأصوليين، ويكون القياس في هذه الحالة فاسد الاعتبار، هذا إذا ثبت أنه مخالف للقياس، وفي هذه المسألة
40
تمهيد ابن عبدالبر 473/ 6.
فتاوى السبكي 425/ 1.
(1)
(2) (1/44)
صفحة 45
المساقاة
يحتمل أنه موافق القياس كما هو مذهب البعض، وعند الآخرين أنه يخالفه
لكنه يعتضد بصورة قياس أيضاً، وهي القياس على المضاربة.
وقد يقال: بأنا لا نرد الخبر - خبر الجواز - لمخالفته للقياس، وإنما ترجح بالقياس حديث التحريم، لأنه هو الموافق للقياس، ومن المعلوم بأن موافقة القياس من ضمن المرجحات لكن يجاب بأن الترجيح بالقياس وموافقته من آخر المرجحات والترجيح يكون أولاً بدلالة الحديث، ودلالة حديث الإباحة أقوى، على أن بعض العلماء لم يعتبر الترجيح بموافقة
القياس.
3 - أن أحاديث النهي قولية وحديث الإباحة فعلي، والقول مقدم على الفعل. ويجاب عن ذلك: بأن الفعل ليس بمحتمل، والقول جاء محتملاً فلذا يقدم الفعل عليه، ولو سلم بدلالة القول على المطلوب لقلنا: إن الفعل خصصها إذ هو خاص والقول عام، ومن المعلوم أن الفعل يخصص عموم القول على أن ترجيح القول على الفعل ليس متفقاً عليه.
4 - دليل التحريم يقدم على دليل التحليل.
يقدم الدليل المقتضي لشغل الذمة والشغل يشمل وجوب الترك - على الدليل المقتضي، إبراءها، لكن يجاب على كلا الوجهين بما حاصله:- أ- أن الترجيح بالحكم أو بشغل الذمة هو من آخر المرجحات، فالترجيح يكون أولاً بالدلالة ثم بالسند ثم بالحكم أو شغل الذمة.
41 (1/45)
صفحة 46
المساقاة
ب أن الترجيح بتقديم دليل التحريم أو الدليل المقتضي لشغل الذمة، إنما يكون عندما يتصور أنه قد طرأ على دليل الإباحة نسخ، ولا يتصور في حديث الجواز ذلك، لأن النبي لا لا لو استمر عليه إلى وفاته وسار على ذلك
أصحابه من بعده فلا يمكن نسخه.
ج علاوة على أن بعض العلماء لا يعتبر الحكم من إحدى المرجحات.
1 - مقتضى الاحتياط يرجح أحاديث النهي.
والجواب عنه بأن الكلام في الراجح لا في مقتضى الاحتياط.
خامساً: ما رواه الشيخان عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه فإن أبي فليمسك أرضه)) (1).
ووجه الدلالة أن النبي الا الله خير صاحب الأرض بين هذه الأمور وذلك
يقتضي عدم إباحة غيرها.
وأجيب عن ذلك بما يلي:-
أ- أن النهي كان في أول الأمر لحاجة الناس ولفقرهم، ولكون المهاجرين ليس لهم أرض، فأمر الأنصار بالتكرم عليهم ويدل لذلك رواية: ((كان
رواه البخاري (90/ 10، برقم (2341)، رواه مسلم 197/ 10.
42
(1) (1/46)
صفحة 47
المساقاة
لرجال فضول أرض ... )) (1) وهذا كما نهى عن ادخار لحوم الأضحية ليتصدقوا بذلك) (2)، ويدل لذلك التعبير بالأخوة الداعية للرفق والعطف على الأخ في الله ولما كثر جاز (3)، ويدل لذلك ما روي في مجمع الفقه الكبير -إن صح- وفيه: (( ... فتعطلت كثير من الأراضين، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يرخص لهم في ذلك فرخص
(1) ((and
-
لكن قد يعترض على ذلك بأمور:-
أن راوي الحديث أبا هريرة قد أسلم متأخراً بل لعله أسلم بعد فتح خيبر، فالحديث ليس في أول الأمر، والأصل في الرواية ألا تكون سلة، فهذا يقتضي أن الحديث ليس في أول الأمر.
2 - أن جعل ذلك في أول الأمر هو احتمال غير ناشيء عن دليل.
- لو كان الأمر كما تقولون لأجل المصلحة، لما كان لقوله أولا فليزرعها معنى، لأنه لا مصلحة في ذلك للمحتاجين، ولما قال أخيراً فليمسك أرضه لأن إعطاءه لغيره بجزء من الثمر أكثر نفعاً من إمساكها.
43
رواه مسلم 197/ 10. سبل السلام 152/ 3. شرح النيل 59/ 10 - 60.
الروض النضير 350/ 3.
33
(1)
(2)
(3)
3 (1/47)
صفحة 48
المساقاة
ومع كون هذه الاعتراضات توهي من أمر هذا الجواب، إلا أنه يمكن
الجواب عنها بما يلي:
-1
-1 - أن رواية أبي هريرة لا يلزم تأخرها لأن الصحابة يرسلون الأحاديث في بعض الأحيان، كما هو معلوم، على أن الحديث جاء من طرق أخرى فقد رواه جابر بن عبدالله وأنس بن مالك.
احب
2 - وأما الدليل الدال على أنه في أول الأمر ما سبق من رواية الفقه الكبير؛ إن صحت وكذلك محاولة الجمع مع أحاديث الجواز سوغ القول بأنه كان في أول الأمر.
مجمع
3 - أما سبب عدم عموم النهي لزراعة رب الأرض بنفسه وإمساكه لها، فلأنه لا يتمكن الكل من زراعة أرضهم بأنفسهم، فلذا سيمنحونها لغيرهم، وأما الإمساك فهو حل ذكر أخيراً، ونفوس الأنصار وقلوبهم المتدفقة بالرحمة و الإحسان تأبى أن تمسك الأرض، وإخوانهم المهاجرون يتضورون جوعاً، فلذا سيكثر المنح، أما مع المعاملة بجزء فسيقل المنح، ومقصد
الحديث زيادته لا نقصانه.
ب قال الإمام القطب رحمه الله بعد ذكر الحديث: (ويبحث فيه بأن هذا نهي تنزيه لقرينة؛ أنه فعله، وأن الأرض ملك لمالكها) (1) وأيد ذلك صاحب التنقيح بحديث: لأن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ ((لأن
44
شرح النيل 61/ 10.
(1) (1/48)
صفحة 49
المساقاة
عليها أجراً معلوماً) (1) (2) ولعله يستفيد ذلك من كلمة "خير" إذ هي للتفضيل، والأصل فيه أن تكون المفاضلة موجودة في الاثنين، وذلك يقتضي الجواز، لكن هذا غير لازم لأن الله تعالى يقول: {ولأمة مؤمنة خير
من مشركة ولو أعجبتكم) (البقرة 221) ولا خير في المشركة.
وهذا الجواب -وهو حمل النهي على الكراهة - يرد عليه ما ورد على حمل الحديث السابق عليها.
ج- ويحتمل أنه يريد من منحها إعطاءها من يحرثها بأجر ذهب أو فضة جزء منها، وسماه منحاً لأنه يتضمن نفعاً لمن يحرثها ولو بأجر، ويقوي هذا أن الأرض مال مملوك، فالأصل أنه لا حق فيها لأحد إلا ما رضي
أو
به (3)
وقد يجاب عن ذلك بالآتي:-
1 - أن الإعطاء بأجرة مجاز، قال في تاج العروس: ( ... يمنحه أعاره إياه، وقد يقع على الهبة مطلقاً لا قرضاً ولا عارية) (4)، ففي الحديث معناه الإعارة بدون مقابل وجعله لمجرد العارية بأجرة بمجاز، وإن جمع بين المعنيين
فهو جمع بين الحقيقة والمجاز، وجعله للحقيقة أولى.
(1)
(2)
33
رواه البخاري 91/ 10 برقم (2342)، ومسلم 207/ 10.
التنقيح لابن عبد الهادي 74/ 3 75 (3) شرح النيل 61/ 10.
(4)
تاج العروس 232/ 2.
45 (1/49)
صفحة 50
المساقاة
-2 - لو حمل اللفظ على المجاز الإعطاء بمقابل- لخالف الغاية من الحديث مصلحة الفقراء، وهو أيضاً ينافي الجواب الأول، على أنه ورد في وهي رواية ولا يكريها بثلث اولا (بع لكنه أولى من القول بالنسخ لأن اللفظ إذا احتمل المجاز أو النسخ حمل على المجاز.
-3 - صدر الحديث يوهي من أمر هذا الجواب؛ وذلك أن فيه: ((كانوا يزرعونها بالثلث والربع فقال: ... )) وسبب الحديث لا بد أن يشمله فقال: .... ))
النهي
عن
د اعتبر التقي السبكي النهي فيه عن الإجارة دون المزارعة والمخابرة)، وهو كلام عجيب، لأنه قد ذكر بنفسه قبل هذا الكلام مباشرة رواية جابر، وفيها: (كانوا يزرعونها بالثلث والربع والنصف، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها، ومن لم يفعل فليمسك أرضه)) (2) فسبب الحديث يدل على أن الحديث أدل على النـ ـهي عر المزارعة والمخابرة منه على الإجارة، لأن السبب أنهم يزرعونها بالثلث والربع والنصف وهي صورة المزارعة والمخابرة، لكن يجاب عن ذلك بأن الثلث والربع؛ يحتمل أن التقسيم كان على الماذيانات، لأنه ورد بذلك عند مسلم، فتحمل الرواية المطلقة على المقيدة، والناس لم يكن لهم كراء إلا
ذلك، فالمنع من هذه الصورة دون غيرها.
(1)
(2)
فتاوي السبكي 392/ 1.
رواه البخاري 90/ 10 برقم (2340).
46 (1/50)
صفحة 51
المساقاة
أن الاستدلال بالحديث إنما هو استدلال بمفهوم المخالفة، وقد عارضه المنطوق فيقدم عليه، ومن المعلوم أن من شرط الاحتجاج به ألا يعارضه ما هو أقوى منه دلالة، وقد خالفه هنا ما هو أقوى منه دلالة، ومن شرطه ألا يرد لسبب خاص وقد ورد هنا لسبب خاص، بينته رواية جابر الآتية، وأبو حنيفة لا يحتج بمفهوم المخالفة إذا توفرت شروطه فكيف إذا اختلت فإن قيل بأن التخيير في الحديث وإن جاء بمفهوم المخالفة فإن ذلك يقتضي عدم الخروج عنها، فيجاب: بأنه لا يلزم ذلك، فكما لا يلزم من الحديث حرمة بيع الأرض لا يلزم منه حرمة المساقاة فيها، ولا حرمة استئجارها، ويعكر على كونه مفهوم مخالفة أن في رواية أخرى: ((ولا يكريها)) فهو منطوق في النهي، لكن يعترض عليه بما اعترض على أحاديث النهي عن كراء الأرض.
و - حمل الحديث على صورة محرمة وإن جاء بلفظ عام، وذلك لخصوص سببه، فيقصر عليه، فقد جاء عند مسلم من طريق جابر بن عبدالله يقول: (كنا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم نأخذ الأرض بالثلث والربع بالماذيانات فقام رسول الله له في ذلك، فقال: (من) كانت له أرض فليزرعها، فإن لم يزرعها فليمنحها أخاه، فإن لم يمنحها أخاه فليمسكها)) (1) وقصر الحديث على سببه لأجل الجمع بين الأدلة والقرائن اقتضت ذلك، والكلام فيه كالكلام على نفس الاعتراض في الحديث السابق.
(1)
رواه مسلم 199/ 10 - 200.
47 (1/51)
صفحة 52
المساقاة
ز لو سلمنا بأنه غير مقصور على سببه لقلنا هو عام خصصته الأدلة المجيزة للمساقاة، إذ الخاص يقضي على العام مطلقاً عند الجمهور خلافاً لكثير من الأحناف، ولعل النزاع في المسألة الأصولية له أثر في الخلاف
هنا كما سبق بيانه.
ح أن المقصود بالأرض هي الأرض البيضاء دون الأرض التي بها الشحر، والدليل على ذلك ما جاء في الحديث: ((فليزرعها)) ولا يمكن الزرع إلا في الأرض الجرداء، إذ التي بها الشجر لا يتأتى بها الزرع، فليس النـ ـهي في الحديث متعلقاً بالمساقاة لا من قريب ولا من بعيد.
سادساً: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال: ((نهى النبي الله عن المزابنة، والمحاقلة، فالمزابنة بيع التمر على رؤوس النخل والمحاقلة كراء الأرض)) (1).
ووجه الدلالة أن النبي ا ل ا ل ل لنهى عن المحاقلة وهي كراء الأرض والنهي
يقتضي التحريم.
ويجاب عن ذلك بوجوه:-
أ بأن المحاقلة ليست بنص في الموضوع، فهي محتملة لمعاني كثيرة، منها أن المحاقلة بيع الزرع في سنبله بالبر، كما قال الجوهري وأبو عبيدة، وقال
(")
الجامع الصحيح 226 حديث رقم (566).
48 (1/52)
صفحة 53
المساقاة
الشيخ عامر: (بيع الرجل سنبل زرعه بحب معلوم كيله إلى أجل قال القطب: لكن الأولى إسقاط قوله إلى أجل، وقيل: المنهي عنه بيع الزرع قبل إدراكه، وقيل بيع الثمرة قبل صلاحها (1).
ب لو سلم بأن المراد منه كراء الأرض كما فسره الراوي، لعرض له مل عرض على الاستدلال بحديث النهي عن كراء الأرض، وقد سبق بيانه.
ج-
قد يقال: قيده ما ورد في حديث الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنه في عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة والثنيا إلا أن تعلم)) (2) فالاستثناء يشمل ما يمكن دخوله والمخابرة إذا علمت بالمحاصصة فهي مستثناه، لأن الاستثناء يشمل جميع المفردات المتعاطفة عند بعض الأصوليين، إلا أنه قد يقال بأن في الحديث زيادة والزيادة يدخلها الخلاف هل تقبل مطلقاً أو لا أو التفصيل؟ لكن الدليل يقيد ما هو أقوى منه، إلا أن يقال بأنه يحمل على الأخيرة، لعدم ذكره في الأحاديث الأخرى، فهي قرينة لعدم رجوعه إلى الجميع، وفيه إشكال آخر؛ وهو دخول "عن" قبل "الثنيا" في رواية أبي داود والنسائي، ولعلها قرينة صارفة عن الرجوع إلى الجميع، إضافة إلى أن التحديد بالجزئية قد يقال: بأنه غير معلوم لأنه غير معلوم الكمية والمقدار.
(1)
شرح النيل 59/ 10، الإيضاح 225/ 6، شرح المسند 181/ 3.
(2) رواه الترمذي 511/ 4) برقم (1108)، وبإضافة "عن" قبل "الثنيا" برواية النسائي 38/ 7، وأبي داود
برقم (3262).
49 (1/53)
صفحة 54
المساقاة
د قد يقال بأن الحديث خصصته العادة، وهي كراء الأرض بالصورة المحرمة التي فعلها الناس آنذاك، وسبق بيانها.
هـ- وقيل: بأن الحديث يحمل على التنزيه، وقد يقال: لا يتأتى الحمل على التنزيه لأنه عطف عليها المزابنة وهي حرام، فاقتضى الأمر حرمة المحاقلة، وهو ضعيف لأن الجمهور لا يعملون بدلالة الاقتران، وإن كانت في الحديث من أقوى صوره أي الاقتران وإنما يمتنع القول بالكراهة لما سبق، لا لهذه الدلالة.
واستدل كذلك بالنهي عن المزابنة (1) في نفس الحديث السابق
واعتبروا أن المساقاة من المزابنة، وهذا الاستدلال ضعيف لوجوه:
ا أنها ليست نصاً في الموضوع ولا يمكن معارضة النصوص الصريحة به.
ب أن راوي الحديث فسرها بغير ذلك، فقد فسرها بأنها بيع التمر بالتمر على رؤوس النخل، وقد قال ابن عمر: المزابنة بيع التمر بالتمر كيلاً، وبيع العنب بالزبيب كيلاً) قال ابن عبدالبر: (هذا التفسير إما مرفوع، وإما من قول الصحابي الرواي، فيسلم له لأنه أعلم به) (3).
(1) استدل به في لامع الدراري 280/ 6، وفي عمدة القاري 167/ 12.
(2)
شرح المسند 180/ 3. (1/54)
صفحة 55
المساقاة
ج- لو سلمنا بأن المساقاة من المزابنة لقلنا: خصصها الدليل الخاص، إذ الخاص يقضي على العام مطلقاً.
-
د الحديث ورد بصيغة نهى وهي حكاية، فعل، وفيها خلاف سبق بيانه.
سابعاً: نهى النبي الله عن بيع الغرر)) (1) ووجه الدلالة صريح قوله الغرر، صلى الله عليه وسلم إذ إن المساقاة فيها، غرر، لأن أجرة الأجير غير معلومة.
وأجيب عن ذلك بالآتي:-
أ- أن النهي عن الغرر، عام وحديث الإباحة خاص، والخاص يقدم على العام (2) ولا ينبغي أن يقال: بأن حديث الإباحة خصص العموم لأنه لا
غرر في المساقاة، ولا يتصور إباحة الشرع لصورة من صور الغرر. وأجاب القاضي أبو الطيب بأن نهي النبي له عن بيع الغرر، وهذا ليس ببيع، ولو صح؛ فالغرر ما تردد بين جائزين ليس لأحدهما أغلب،
ب
وعقد المساقاة ليس بغرر لأن العادة أنها تثمر كل سنة (3).
ج الغرر ينهى عنه عندما يكون ظلماً لأحد الطرفين، وهذا ليـ كذلك، لأنه إن ربح فقد ربحا جميعاً، وإن خسر فقد خسرا جميعا (4).
33
رواه الترمذي برقم (1248).
(2) الذخيرة 094/ 6
(3)
(1) فتاوي السبكي 420/ 1.
(4) استفدت هذا الجواب من كلام ابن تيمية الآتي.
?? (1/55)
صفحة 56
المساقاة
د علاوة على كل ذلك فهو حكاية فعل وفيها خلاف سبق ذكره.
ثامناً: أن الخبر المجيز ورد على خلاف القواعد، وإذا ورد الحديث على
خلاف القواعد رد إليها، وحديث الجواز خالف سبع قواعد محرمة وهي:- بيع الثمرة قبل بدو صلاحها.
أ-
ب- بيع الطعام بالطعام نسيئة، إذا كان العامل يغرم طعام الدواب والأجراء، لأنه يأخذ عن ذلك الطعام طعاما بعد مدة.
ج- الغرر للجهل بما يخرج.
بيع
الدين بالدين، لأن المنافع والثمار كلاهما غير مقبوض الآن.
المخابرة وهي كراء الأرض بما يخرج منها.
و - المزابنة.
ز - هو من باب قفيز الطحان.
وأجاب عن ذلك القرافي: بأن مخالفة الحديث لا توجب رده إلا إذا لم يعمل به، أما إذا عمل به فإنه لا يرد، ولا يلزم الشارع أنه متى شرع حكماً شرعه مثل غيره، بل له أن يشرع ما له نظير، وما لا نظير له (1)، وفي هذا الجواب نظر، لأن الحديث حجة عمل به أم لا، ولا تحاكم الشرعية بأقوال
الناس وأفعالهم، بل أقوالهم وأفعالهم محكومة بالشرع.
(1) الذخيرة 94/ 6.
02 (1/56)
صفحة 57
المساقاة
وفي مخالفة المساقاة لبعض هذه القواعد نظر، ولو سلم فالقياس فاسد الاعتبار، أما عند من جعلوا المساقاة موافقة للقياس فإنه لا تعارضه هذه
القواعد لكونهم يعتبرونها من الشركات لا من الإجارات.
تاسعاً: القياس على تنمية الماشية ببعض نمائها فهو ممنوع، والمساقاة مثله، والجواب عن ذلك: أن هناك فرقاً بين المواشي والثمرة، فالمواشي لا يتعذر بيعها عند العجز عن الإقامة بها بخلاف الزرع الصغير والثمرة، وهو معارض بالقياس على القراض (1).
وقياس المساقاة على تنمية الماشية فاسد الاعتبار لمصادمة النصوص الصريحة الصحيحة، وقد أجاز بعضهم أن تكرى الماشية على الثلث كما في البخاري عن معمر، وفسره في فيض الباري بالنسل، وذكر أنه وقع فيه تنازع (3) فالأصل هنا غير متفق عليه.
(2)
(1) الذخيرة 95/ 6. رواه البخاري 75/ 10.
(2)
(3) فيض الباري 296/ 3.
03 (1/57)
صفحة 58
المساقاة
المبحث الثاني
أدلة المجيزين
استدل الجمهور لإجازة المساقاة بجملة من الأدلة منها من:-
أ- الكتاب:-
قوله تعالى: (وأحل الله البيع) (البقرة 275) وقوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة عن
تراض منكم) (النساء (39).
وقد استدل بهذه العمومات بعض علماء الشيعة وتعقبه الخوئي منهم بقوله: (قد عرفت غير مرة أن العمومات والإطلاقات لا تشمل المعاملات التي تتضمن تمليك المعدوم، فإنه أمر غير جائز، ولذا لا نعهد فقيهاً يلتزم بصحة ذلك في غير المضاربة والمزارعة والمساقاة، هنا فلا مجال ومن
للتمسك بها، ولا بد في الحكم بالصحة من التمسك بالدليل الخاص) (1).
لكن يعكر قوله: (لا) نعلم فقيها أن البخاري روى عن بعض الفقهاء أنهم أجازوا اجتناء القطن على النصف، وعن جماعة أنهم أجازوا أن يعطى الثوب بالثلث والربع ونحوه، وقال معمر لا بأس أن تكرى الماشية على
(1) كتاب المساقاة 11.
54 (1/58)
صفحة 59
المساقاة
الثلث والربع إلى أجل مسمى (1)، وحكى القرطبي جواز أخذ دابة أو سفينة ويكون الربح بينهما عن بعض التابعين (3)، وروي عن الإمام أحمد (3) إجازة
مثل ذلك، وأجاز بعض أصحابنا أمثال هذه الصور (4).
وهذا الاستدلال وإن كان في حقيقته من البعد بمكان، إلا أن الأحناف يلتزمون صحة أمثال هذه العمومات في كثير من الأحكام، بل ويجعلونها مدار احتجاجهم مع مخالفتها لكثير من الأحاديث، وهذا الاحتجاج وافق الأحاديث و لم يخالفها، فهو أولى، ويلزم الأحناف بما يلتزمون به.
ب- السنة:-
1 - عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما منها من ثمر أو زرع)) ().
ــود
وفي رواية أخرى عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب أجلى اليهـ والنصارى من أرض الحجاز، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ظهر على خيبر أراد إخراج اليهود منها، وكانت الأرض حين ظهر عليها الله ولرسوله
(1)
(2)
33
رواه البخاري 75/ 10.
الجامع لأحكام القرآن 369/ 3.
(3) فتاوى ابن تيمية 125/ 29.
(4)
C
انظر الإيضاح 333/ 6.
رواه البخاري 79/ 10 برقم (2329)، ومسلم 208/ 10، أبو داود 67/ 5 برقم (3266).
00 (1/59)
صفحة 60
المساقاة
وللمسلمين، فأراد إخراج اليهود منها فسألت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرهم بهما على أن يكفوا عملها، وله نصف الثمر، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نقركم بها على ذلك ما شئنا فقروا بها حتى أجلاهم عمر إلى تيما
وأريحا (1).
ووجه الدلالة أن رسول الله له عامل يهود خيبر هذه المعامل
اليهود، وهي
ــة
مع
المساقاة بعينها، واستمر على ذلك إلى وفاته، وسار على ذلك
من بعده أصحابه، وهذا يقتضي المشروعية وأجيب أو قد يجاب- عن ذلك بأجوبة مختلفة:-
أ- عدم ثبوت حديث المعاملة، فقد نص في التاج على اختلاف العلماء في صحة حديث خيبر (3) والجواب عن ذلك: أن على مدعي عدم الصحة الدليل، ولا تقبل الدعاوى بغير بينات، بل اعتبر السبكي وابن عبدالبر أن الحديث بلغ إلى درجة القطع، كما سبق بيانه.
عن
ب أن الحديث منسوخ بحديث النهي عن المخابرة، وأجاب السياغي بقوله: (وأما أولاً: فلأن النسخ لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع بين الروايات، وقد عرفت إمكانه؛ أي الجمع، وأما ثانياً: فلأن شأن الناسخ أن يكون متأخراً عن منسوخه، وهنا الأمر بالعكس لإطباق نقلة الحديث
(1)
(2)
رواه البخاري 88/ 10) برقم (2338)، ومسلم 212/ 10.
التاج 832/ 3. (1/60)
صفحة 61
المساقاة
والسير والأخبار باستمراره صلى الله عليه وآله وسلم على معاملة أهل منذ فتحها حتى، قبض، ثم في مدة خلافة أبي بكر وصدر خلافة عمر،
خيبر
إلى أن أجلاهم عنها) (1).
وقد سبق بيان محمل المخابرة في الحديث، وأنه لا يمكن صرفه إلى هذه الاحتمال الوارد فيه لا يثبت به النسخ؛ فكيف والقرائن تمنع
المعاملة،
من حمل المخابرة على المعنى الذي حملوه عليه.
ج- أن أهل خيبر كانوا عبيداً للمسلمين، فجعل لهم النصف نفقة لهم، أو يقال: إن المعاملة بين السيد وعبده تصح بما لا تصح بين الأجنبيين، معول كثير منهم، وهو تأويل العلامة ابن عبدالعزيز (3)، ويجاب عن
بوجوه:-
ذلك
:أولاً: دعوى أن أهل خيبر عبيد لم يقم عليها دليل، بل كانوا أحراراً، والعبودية لا تثبت بمجرد الانتصار، بل في نفس الانتصار كلام للعلماء هل فتحت عنوة، أو فتحت صلحاً أو فتح بعضها عنوة وبعضها صلحاً؟ فإن كان الفتح صلحاً فلا عبودية، وإن كان عنوة فلا يستلزمها، قال السياغي في ذلك: (ولكن لا بد معه من التخميس، ولم يؤثر عنه ذلك، عنه ذلك، وكذلك
البيع من رقابهم)).
(1)
(2)
الروض النضير 359/ 3.
المدونة الكبرى 210/ 2 - 211، المدونة الصغرى 210/ 2.
(2) الروض النضير 359/ 3.
Ov (1/61)
صفحة 62
المساقاة
قال ابن تيمية: (ومعلوم بالنقل المتواتر أن النبي صالحهم، ولم يسترقهم حتى أجلاهم عمر، ولم يبعهم، ولا مكن أحداً من المسلمين من استرقاق أحد منهم) ()، وينظر فيه بأن ابن إسحاق ذكر في سيرته أن النبي أصاب منهم صفية بنت حيي، وقال إثر ذلك: (وفشت السبايا من خيبر في المسلمين) (3)، وذلك يقتضي وقوع السبي؛ ولكن ذلك في حصن الغموس وحصن أبي الحقيق، وذلك لا يلزم منه سبي الجميع، والوجوه الجميع، ولو سلم بسبي الجميع لقيل: بأنه صالح أهل فدك
التالية تنفي سبي على مثل ذلك، ولم يقاتل فهم أحرار (3).
ثانياً: لا يصح اعتبار أهل خيبر عبيداً؛ وذلك لأن عمر به نفاهم إلى تيما وأريحا، ولا يصح تضييع أموال المسلمين، وفيهم الأرامل والأيتام، فلو كانوا عبيداً لم ينفهم، فذلك يستلزم حريتهم؛ وذلك لأن تض تضييع أموال
المسلمين لا يجوز (4).
ثالثاً: أنه قد جاء في رواية قول عبدالله بن رواحة: (إما أن تضمنوا لي أو أضمن لكم ولا يكون بين السيد وعبده ضمان (5).
(")
فتاوى ابن تيمية 97/ 29
سيرة ابن هشام 344/ 3 - 345.
(3) انظر مصالحة أهل فدك في سيرة ابن هشام 345/ 3.
(4)
الروض النضير 329/ 3، الذخيرة 95/ 6.
(0) المقدمات 549/ 2 - 550.
58 (1/62)
صفحة 63
المساقاة
د مخالفة راوي الحديث وهو عبد الله بن عمر لمقتضى الحديث، فذلك يقدح في الأخذ بالرواية، كما هو مذهب كثير من الأحناف؛ لأن العبرة
عندهم برأي الراوي لا بروايته.
ويجاب عن ذلك بما يلي:-
1 - أن العبرة برواية الراوي لا برأيه؛ إذ رأيه يحتمل أن يكون قبل اطلاعه على الحديث، أو أنه ذهل عنه أو نسيه فلا يمكن أن يعول على رأيه، بل يعول على روايته، كما هو مذهب جمهور الأصوليين، ولعل قول بعـ
الأحناف بأن العبرة بالرأي يعد من أسباب الخلاف في المسألة. 2 - أنا لا نسلم بمخالفة ابن عمر للحديث، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله
تعالى.
3 - أن الحديث رواه غير ابن عمر، فقد رواه عمر وأبو هريرة وعلي وابن عباس وبعض هؤلاء يوافق الحديث، بل لم يؤثر مخالفته إلا عن ابن عمر أحد خمسة رواة، فلا يمكن إعمال رأيه ومخالفته الحديث مع موافقة بقية الرواة للحديث.
وهو
أن المعاملة كانت مع كفار، ولا يستلزم ذلك جوازها مع المسلمين، وأجاب عن ذلك ابن تيمية الحراني بقوله: وهذا مردود فإن خير قد صارت دار إسلام، وقد أجمع المسلمون على أنه يحرم في دار الإسلام بين المسلمين وأهل العهد ما يحرم بين المسلمين من المعاملات الفاسدة، ثم إنا قد ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل بين المهاجرين والأنصار، وأن معاذ بن جبل عامل
09 (1/63)
صفحة 64
المساقاة
على عهده أهل اليمن بعد إسلامهم على ذلك، وأن الصحابة كانوا يعاملون بذلك ... ) (1) بل حتى في بلاد الكفر لا يحل التعامل إلا وفق منهج الشريعة وإن قال بعض بخلافه.
و- أن هذه المعاملة كانت خراج مقاسمة (3) بطريق المن والصلح و
جائز (3).
والجواب عن ذلك: أن التقسيم يدل على أن أرض خيبر ليست خراجية، فقد خمس النبي خيبر، و لم يكن له ولا لأصحابه عمال صلى الله عليه وسلم يعملونها ويزرعونها (4).
ويدل هذا الحديث على أن الأرض لهم من وجهين:-
-1 - دلالة لفظ "خمس" فإنه لا بد أن يكون لهم أربعة أخماس، فإن قيل: بأنه قسم المتاع والمنقولات دون الأرض، أجيب بأنه قوله: "خيبر" أصرح في الأرض منه في المتاع، فإن قيل: بأن الذي عامل اليهود هو النبي صلى الله عليه وسلم دون المسلمين، وذلك يقتضي أن الأرض للدولة، أجيب بأن النبي صلى الله عليه وسلم وكيل عن المسلمين، وهو أولى بهم من أهلهم وأنفسهم.
(1)
فتاوي ابن تيمية 97/ 29 98.
(2) الخراج نوعان: خراج المقاسمة وخراج الوظيفة، فخراج المقاسمة: هي الضريبة المقطوعة من الناج الزراعي كأن يؤخذ نصف الخارج أو ثلثه أو ربعه، وأما خراج الوظيفة فهو الضريبة المفروضة على الأرض سواء استغلها صاحبها أم تركها، انظر الفقه الإسلامي وأدلته 823/ 2.
(r)
مجمع الأخر 499/ 2.
(4) الاستذكار 197/ 21 برقم (31009).
60 (1/64)
صفحة 65
المساقاة
2 - جاء في الحديث: ((ولم يكن له ولا لأصحابه ... )) فلو كانت الأرض لبيت المال لما كان لذكرهم، داع، وسبب ذكرهم أن الأرض لهم. وقد روى مسلم والبيهقي ما يدل على ذلك، فقد جاء: ((وكانت الأرض حين ظهر عليها الله ولرسوله وللمسلمين)) (1)، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي قسطاً من الثمار لأزواجه، فإذا كانت من خراج المقاسمة فليس لأزواجه حق ثابت فيها، وقد قسم عمر الأرض، وهذا يدل على أن الأرض كانت لهم، بل قال له: لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها، كما قسم النبي الله خيبر))
(2)
ز - أنه أقرهم على أن لهم النصف، والنصف الآخر جزية، والجزية يجوز فيها من الجهالة ما لا يجوز في الإجارات (3).
وأجاب عن ذلك ابن حزم الظاهري فقال: (وأما قولهم: إن ذلك المأخوذ منهم كان مكان الجزية، فكلام من لا يتقي الله تعالى، وكيف يجوز أن يكون ذلك النصف مكان الجزية، وإنما كان حقوق أرباب الضياع المقسومة عليهم الذي عومل اليهود على كفايتهم العمل، والذين خطبهم عمر كما ذكرنا وأمرهم أن يلحقوا بأموالهم، فلينظروا فيها إذ أراد إجلاء اليهود عنها، والآثار بهذا متواترة متظاهرة كالمال الذي حصل لعمر
(1)
رواه مسلم 2122/ 10، البيهقي 188/ 6.
رواه البخاري 83/ 10 برقم (2334).
(3) الروض النضير 353/ 3.
61 (1/65)
صفحة 66
المساقاة
بها فجعله صدقة وكقول ابن عمر في سبب إجلاء اليهود خرجنا إلى خيبر (فتفرقنا في أموالنا) وكان إعطاء أمهات المؤمنين بعض الأرض والماء وبعضهن الأوساق، وإن بقايا أبناء المهاجرين لبها إلى اليوم على مواريثهم ... (1)
ويضاف إلى ما قاله ابن حزم أن الجزية لم تشرع آنذاك بعد باعتراف الحنفية أنفسهم").
2 روى البخاري من طريق أبي هريرة قال: قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم: اقسم بيننا وبين إخواننا (النخل قال: ((لا)) فقالوا: (تكفونا المؤنة ونشرككم في الثمر) قالوا: (سمعنا وأطعنا) (3).
ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم رضي منهم هذا العمل، وهو المساقاة بعينها، فذلك يقتضي المشروعية.
وأجاب ابن التين عن ذلك بأن المهاجرين ملكوا بعضاً من الأرض
والمال باشتراط في ليلة العقبة، فليس من
المساقاة.
(1) المحلى 231/ 5.
(2) فقد صرح بذلك أبو بكر الرازي، انظر لامع الدراري 281/ 6، البناية 576/ 10، عمدة القاري
168/ 12
(3)
رواه البخاري 73/ 10
62 (1/66)
صفحة 67
المساقاة
وتعقبه الحافظ ابن حجر، بأنه لم يقم عليه دليل، ولا يلزم من المواساة ثبوت الاشتراك، ولو ثبت لم يبق لسؤالهم معنى والرد عليهم كذلك (1).
ج- الإجماع:-
فقد
روى البخاري: (عن أبي جعفر قال ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا. يزرعون على الثلث والربع وزارع علي وسعد بن مالك وعبد الله بن مسعود وعمر بن عبدالعزيز والقاسم بن محمد وعروة، وآل أبي بكر وآل عمر وآل علي وابن سيرين ... وعامل عمر الناس، على إن، وعامل عمر الناس، على إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر، وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا ... ) (2).
وقال أبو جعفر: (عامل) رسول الله له أهل خيبر بالشطر ثم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم أهلوهم إلى اليوم يعطون الثلث أو الربع (3) وهـ
أصرح من الأول لأن الأول الأظهر فيه أنه للمزارعة دون المساقاة. وقد حكى الإجماع أو الاتفاق كل من العلامة البسيوي (4) والعوتي (5) وشمس الدين ابن قدامة (6) وموفق الدين ابن قدامة () وابن
(1)
(2)
فتح الباري 74/ 10، عون الباري 62/ 4.
رواه البخاري 76/ 10 - 77 برقم (2325)، وقد بين كل من ابن حجر والعيني من وصل هذه
النسبة إلى أصحابها انظر الفتح 76/ 10 وعمدة القاري 168/ 12.
(4)
000/ 0
المغني 555/ 5.
مختصر البسيوي 291، جامع أبي الحسن 49/ 4.
(0) الضياء 245/ 18.
(1) الشرح الكبير 557/ 5.
(2) المغني 549/ 5 - 552.
63 (1/67)
صفحة 68
المساقاة
حزم) ومحمد جواد مغنية (3) والشيخ المطيعي (3) وصاحب غاية البيان (4)
وابن مفلح () والبهوتي (6) والشماخي (7) وعبدالرحمن عميرة (8).
ولعل المخالفين لهم في دفع الإجماع وجهان:
1 - أنه لا يسلمون بانعقاد الإجماع وذلك لمخالفة عبدالله بن عمر،
ترك الكراء، ورجع إلى حديث رافع.
لكن يجاب عن ذلك من وجوه:-
فقد
أ أنا لا نسلم بمخالفة ابن عمر، فهو لم يترك المساقاة، وإنما ترك شيئاً من المعاملات الفاسدة، قال ابن قدامة: ورجوع ابن عمر إليه يحتمل أنه رجع عن شيء من المعاملات الفاسدة التي فسرها رافع في حديثه، أما غير ابن
عمر
فقد أنكر على رافع ولم يقبل حديثه
(9) 11
(1)
المحلي 230/ 8.
(2) فقه الإمام جعفر الصادق 190/ 2.
(2) تكملة المجموع 402/ 14.
(1) البحر الرائق 064/ 8
(0) المبدع 46/ 5.
(1) كشاف القناع 533/ 3.
(2)
الإيضاح 233/ 6.
(8) تعليق على كتاب الميزان لعبد الوهاب الشعراني 127/ 3.
(1)
المغني
007/ 0 (1/68)
صفحة 69
المساقاة
وظاهر ترك ابن عمر أنه كان لأجل الورع؛ إذ كان من أكثر الصحابة ورعاً، ويدل لذلك ما رواه مسلم: (أن عبد الله بن عمر كان يكري عبدالله أرضيه حتى بلغه أن رافع بن خديج الأنصاري كان ينهى عن كراء الأرض، فلقيه عبدالله، فقال: يا ابن خديج ماذا تحدث عن رسول الله في كراء الأرض؟. قال رافع بن خديج لعبدالله: سمعت عمي وكانا قد شهدا بدراً يحدثان أهل الدار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهي عن كراء الأرض. قال عبدالله: لقد كنت أعلم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأرض تكرى، ثم خشي عبدالله أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدث في ذلك شيئاً لم يكن علمه فترك كراء الأرض (1).
فكلمة "خشي" مع علمه السابق بالكراء في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تدل على أنه تركه ورعاً حتى أنه قال: كنا لا نرى بالخبر بأساً، حتى كان علم أول فزعم رافع أن نبي الله له نهى عنه) (2) فكلمة "زعم" توحي بالشك في الأمر، ثم إن كلمة "الخبر" لا تشمل المساقاة لما تقدم، وقد ورد في الحديث السابق كراء الأرض، وهو لا يشمل المساقاة أيضاً، فلا يمكن أن يطلق هذا اللفظ على المساقاة إلا مجازاً، بل ذكر ابن حزم والسياغي أنه قد صح عن ابن عمر القول بجواز المزارعة (3)، والمساقاة من باب أولى.
رواه مسلم 203/ 10 - 204.
رواه مسلم 201/ 10.
المحلى 215/ 8، الروض النضير 353/ 3.
(3)
3 3
(1)
(2) (1/69)
صفحة 70
المساقاة
ب أن الإجماع منعقد قبل مخالفة ابن عمر - إن ثبتت مخالفته- فكما هو معلوم أن مذهب جماعة من محققي الأصول عدم اشتراط انقضاء العصر لصحة الإجماع، بل ينعقد ولو خالفه من خالفه بعد وقوعه، ومخالفة ابن عمر إن ثبتت فهي بعد أعوام مديدة قد جاء في إحدى الروايات عن نافع (أن ابن عمر كان يكري مزارعه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي إمارة أبي بكر وعمر وعثمان، وصدراً من خلافة معاوية حتى بلغه في آخر خلافة معاوية أن رافع بن خديج ... إلخ)).
فمخالفة ابن عمر في ذلك الوقت لا تنقض الإجماع، والحنفية يقولون
بعدم اشتراط انقراض العصر لصحته (2) فيلزمهم هذا الإجماع.
ج-
أن الإجماع صحيح، وإن خالف ابن عمر، لأن العبرة بقول الكثرة، فلو خالف مخالف وأغلب الأمة على خلافه فقولهم حجة، والإجماع منعقد بذلك، وهذا عند من اعتبر الإجماع بقول الكثرة وأن مخالفة الواحد لا
تؤثر.
2 - أن هذا الإجماع سكوتي، والإجماع السكوتي ليس بحجة. والجواب عن ذلك: أن الإجماع السكوتي حجة عند كثير من العلماء، وقد اختلفوا فيه إلى ثلاثة عشر قولاً (3)، وعلى كثير من تلك الأقوال يكون هذا الإجماع حجة، وقد ذكر الزركشي أن الباجي ينسب القول بالحجية
(1)
(2)
رواه مسلم 202/ 10.
فواتح الرحموت 224/ 2.
(3) البحر المحيط 0494/ 4
66 (1/70)
صفحة 71
المساقاة
إلى أكثر المالكيين والقاضي أبي الطيب وأبي إسحاق وأكثر أصحاب الشافعي وقال ابن برهان وإليه ذهب كافة العلماء منهم الكرخي، ونص ابن السمعاني والدبوسي في "التقويم"، وقال عبدالوهاب: هو الذي يقتضيه مذهب أصحابنا (1)، وهذا الإجماع أقوى بكثير من الإجماعات التي يحتج بها كثير من الفقهاء.
قال ابن تيمية فإذا كان جميع المهاجرين كانوا يزارعون والخلفاء الراشدون وأكابر الصحابة والتابعين من غير أن ينكر ذلك منكر، لم يكن إجماع أعظم من هذا، بل إن كان في الدنيا إجماع فهو هذا، لا سيما وأهل بيعة الرضوان جميعهم زارعوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده، إلى أن أجلى عمر اليهود إلى تيما) (2).
ولفظ "زارعوا" يشمل المساقاة هنا؛ لأنهم ساقوا وزارعوا في نفس العقد، وعلى هذا سار الخلفاء الأربعة، وعملهم حجة عند أبي حازم من الحنفية (3) فعليه العمل بمقتضاه، وكذلك يلزم من يجعل عمل أهل المدينة مرجحاً لحديث على آخر، كما هو مذهب مالك والشافعي (4)، إلا أنه لا يمكن أن يحتج به على أبي حنفية، لأنه لا يقول بالترجيح به.
67
نفس المرجع ص 495.
فتاوي ابن تيمية 97/ 29.
جامع الكلم ص 263.
نسبه إليهم ابن تيمية في فتاويه 309/ 20.
(4)
33
(3)
(")
(2) (1/71)
صفحة 72
د القياس:
المساقاة
دليل القياس يختلف باختلاف نظرة القائسين، لأن بعضهم يعتبرها مخالفة للقياس، وبعضهم يعتبرها موافقة له.
بالنسبة للقائلين بمخالفتها للقياس فتقرير دليلهم كما قيل: (ثم الدليل من طريق المعنى هو أنها عين تنمى بالعمل، فإذا لم تجز إجارتها جاز العمل عليها
ببعض نمائها كالدراهم والدنانير في القراض، ثم الاستدلال بالقراض
وجهين:-
أحدهما ذكره أبو علي بن أبي هريرة أن الأمة مجمعة على جواز القراض، وما انعقد الإجماع عليه فلا بد أن يكون حكمه مأخوذاً عن توقيف أو اجتهاد يرد إلى أصل وليس في المضاربة توقيف نص عليه، فلم يبق إلا توقيف اجتهاد أدى إلى إلحاقه بأصل وليس في المضاربة في الشرع أصل ترد إليه إلا المساقاة وإذا كانت المساقاة، أصلاً للفرع المجمع عليه كانت أحق بالإجماع عليه.
الثاني: ذكره أبو حامد الإسفرائيني وهو أنه لما جازت المضاربة إجماعاً وكانت عملاً على عوض مظنون من ربح مجوز كانت المساقاة أولى
بالجواز؛ لأنها عوض على عمل معتاد من ثمرة نمائية) (1).
(1) المجموع 404/ 14.
68 (1/72)
صفحة 73
المساقاة
وهذا القياس وإن كان يدل على عقلية خصبة في التفكير والمناقشة، إلا
أن المعارضه كلاما قد يجيب به عليه.
1 - مناقشة الوجه الأول:-
أ- أن الأمة -وإن كانت مجمعة على جواز المضاربة- لا يلزم أن يكون مستندهم القياس على المساقاة، بل يحتمل أنه صح في ذلك أثر لم يصل إلينا أو وصل بسند لم يصح، بل قال ابن حزم في المقارضة: (والذي نقطع عليه أنه كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وعلمه فأقره) (1).
أو استنبطوا ذلك بوجه من وجوه الدلالات، ولم ينتبه لذلك من بعدهم، بل ذكر بعض العلماء بعض الدلالات التي تدل على جواز المضاربة فيحتمل أن يكون العلماء المتقدمون استندوا إليها، ومن شاء أن ينظر تلك الدلالات فلينظرها من محلها (2). ب ذهب بعض الأصوليين إلى أنه لا يشترط أن يكون للإجماع حجة يعتمد عليها، فعلى هذا القول لا داعي للاستدلال بأي وجه من
"مستند"
الدلالات وإن كان هذا القول مستبعداً، ولعله لم يقع أصلاً.
(1)
مراتب الإجماع ص 91.
(2) الروض النضير 346/ 3.
69 (1/73)
صفحة 74
ج
يصح
المساقاة
أنه لا اعتماد الأمة في إجماعها على هذا القياس؛ لأنه أي قياس المضاربة على المساقاة جاء على خلاف سنن القياس؛ إذ هو قياس
صورة شاذة على صورة شاذة، ولا يصح عند جماعة من الأصوليين. د أن جماعة من الأصوليين قالوا بأنه لا يصح أن يكون مستند الإجماع قياساً أصلاً؛ فكيف بقياس هذا حاله.
هـ- ذهب بعض العلماء إلى القول بعدم القياس على أصل ثبت بالإجماع - كما هو الحال هنا بل لا بد أن يثبت الأصل بالكتاب أو السنة، وهذا الاعتراض يصح عند من يسلم بذلك.
2 - مناقشة الوجه الثاني:-
قال العلامة محشي الإيضاح: قال شيخنا رحمه الله: يتأمل هذا القيلس لأن يكون حكم الأصل ثابتاً على خلاف القياس والشرط هنا مفقود) (1)، قال القطب رحمه الله أيضاً: قلت: ذلك قياس على ما خالف الأصل) (2)، وصورة القياس هذه أي على الصورة الشاذة مما اختلف فيه الأصوليون، فنسب إلى أبي حنيفة منع ذلك (3)، بل من القواعد عند الحنفية ما ثبت على خلاف القياس فغيره عليه لا يقاس فلا يلزمهم هذا الاستدلال إلا إذا سلموا بصحة القياس، وهم لا يسلمون به فيمتنع الاعتماد عليه في المناقشة
إلا بعد المناقشة فيه أولاً.
(1)
(2)
الإيضاح 224/ 6.
شرح النيل 58/ 10.
(3) فتاوى ابن تيمية 555/ 20.
Y. (1/74)
صفحة 75
المساقاة
هذا بالنظر إلى الجمهور القائلين بأن المساقاة جارية على خلاف
الأصل وعلى خلاف القياس، وممن قال بذلك القطب، وشيخ محشي
الإيضاح، والبسيوي والعوتي والشيخ السيابي حيث قال:
نعم تخالف الأصول فاعلم
من أوجه على الصحيح ارتسما
وعليه ابن رشد الجد والحفيد والعلامة أبو البركات والدسوقي وابن نجيم والكركي والزرقاني والخوئي وبداما أفندي، وعزاه البروفيسور الضرير إلى
الجمهور
(1)
وخالفهم بعض أتباع الإمام أحمد منهم ابن تيمية وابن القيم وعبدالله ابن عبدالرحمن (2) فاعتبروها موافقة للقياس
بالنسبة للقائلين بموافقتها للقياس فوجهة نظرهم في إثبات المساقاة به ملـ قاله ابن تيمية الحراني فقد قال ما ملخصه:-
انظر: مختصر البسيوي ص 292، شرح النيل 558/ 10، الإيضاح 224/ 6، جواهر الآثار 245/ 19، الضياء 245/ 18، العقود المفصلة 163/ 3، المقدمات 552/ 2، بداية المجتهد 1381/ 4، الشرح الصغير 711/ 4، شرح الزرقاني 242/ 3 حاشية الدسوقي 539/ 3 مجمع الأخر،505/ 2، البحر الرائق 195/ 8 جامع المقاصد 349/ 7.
(2) فتاوى ابن تيمية،100/ 29، تيسير العلام 119/ 2.
71 (1/75)
صفحة 76
المساقاة
(أحدها أحد أوجه القياس: أن هذه المعاملة ليست من المؤاجرة المطلقة فإن النماء الحادث يحصل من منفعة أصلين منفعة العين التي لهذا كبدنه
وبقره، ومنفعة العين التي لهذا كأرضه وشجره، كما تحصل المغانم بمنفع أبدان الغانمين وخيلهم، وكما يحصل مال الفيء بمنفعة أبدان المسلمين من قوتهم ونصرهم، بخلاف الإجارة فإن المقصود العمل أو المنفعة، وهنا منفعة بدن العامل وبدن بقره وحديده هو مثل منفعة أرض المالك وشجره، ليس مقصود واحد منهما استيفاء منفعة الآخر، وإنما مقصدهما جميعاً ما يتولد من اجتماع المنفعتين فيشتركان في المغنم والمغرم كسائر المشتركين فيما يعد من نماء الأصول التي لهم، وهذا يخالف الإجارة المحضة، فالتصرفات العدلية معاوضات ومشاركات ومن المعلوم قطعاً أن المزارعة والمساقاة ونحوهما من جنس المشاركة فليستا من جنس المعاوضة المحضة، والغرر إنمل حرم في بيع المعاوضة؛ لأنه أكل مال بالباطل، وهنا لا يأكل أحدهما مال الآخر؛ لأنه إن لم ينبت الزرع فإن رب الأرض لم يأخذ منفعة الآخر، بل ذهب منفعة بدنه كما ذهبت منفعة الأرض، هذا بخلاف إجارة الغرر فإن أحد المتعاوضين يأخذ شيئاً والآخر يبقى تحت الخطر فيفضي إلى ندم أحدهما وخصومتهما، وهذا المعنى منتف في الشركات.
الوجه الثاني: أن هذه من جنس المضاربة، فإنها عين تنمو بالعمل، فجاز العمل عليها ببعض نمائها كالدراهم والدنانير والمضاربة جوزها الفقهاء كلهم، وقد كان أحمد يرى أن نقيس المضاربة على المساقاة والمزارعة لثبوتها
72 (1/76)
صفحة 77
المساقاة
بالنص، فتجعل أصلاً يقاس عليها، وقياس كل منهما على الآخر صحيح، فإن قيل: الربح في المضاربة ليس من عين الأصل، بل الأصل يذهب ويجيء، بدله فالمال المقسم حصل من نفس العمل بخلاف الثمر والزرع؛ فإنه من نفس الأصل، قيل: هذا الفرق فرق في الصورة، وليس له تأثير شرعي، فإنـ نعلم بالاضطرار أن المال المستفاد إنما حصل من مجموع منفعة بدن العامل ومنفعة رأس المال، ولهذا يرد إلى رب المال مثل رأس ماله، ويقتسمان الربح، كما أن العامل يبقى بنفسه التي هي نظير الدراهم، وليست إضافة الربح إلى عمل بدن هذا بأولى من إضافته إلى منفعة مال هذا ... ويقال أيضاً: لو كان ما ذكروه من الفرق مؤثراً لكان اقتضاؤه لتجويز المزارعة دون المضاربة أولى من العكس، لأن النماء إذا حصل مع بقاء الأصلين كان أولى بالصحة من حصوله مع ذهاب أحدهما، فإن قيل: للزرع نماء الأرض دون البدن؛ فقد يقال والربح نماء العامل دون الدراهم أو بالعكس، وكل هذا باطل، بل الزرع يحصل بمنفعة الأرض المشتملة على التراب والماء والهواء ومنفعة بدن العامل والبقر والحديد، ثم لو سلم أن بينها وبين المضاربة فرقاً فلا ريب أنها بالمضاربة أشبه منها بالمؤاجرة، لأن المؤاجرة المقصود فيها هو العمل ويشترط أن يكون معلوماً والأجرة مضمونة في الذمة، أو عين معينة وهنا ليس المقصود إلا النماء ولا يشترط معرفة العمل، والأجرة ليست عيناً ولا شيئاً في الذمة وإنما هي بعض ما يحصل من ولهذا متى عين فيها شيء معين فسد العقد كما تفسد المضاربة إذا شرط أحدهما ربحاً معيناً أو أجرة معلومة في الذمة وهذا بين، فإذا كانت بالمضاربة
النماء،
73 (1/77)
صفحة 78
المساقاة
أشبه منها بالمؤاجرة جداً ... وكان لا بد من إلحاقها بأحد الأصلين فإلحاقها
بما به أشبه أولى، وهذا أجلى من أن يحتاج فيه إلى إطناب.
الوجه الثالث: أن تقول لفظ الإجارة فيه عموم وخصوص، فهي على
ثلاث مراتب:-
أحدها: أن يقال لكل من بذل نفعاً بعوض فيدخل في ذلك المهر، كما في قوله تعالى: (فما استمتعم به من هن فأتوهن أجورهن) (النساء 24)، وسواء كلن العمل هنا معلوماً أو مجهولاً، وكان الآخر معلوماً أو مجهولاً، لازماً أو غير
لازم.
المرتبة الثانية: الإجارة التي هي جعل، وهو أن يكون النفع غير معلوم لكن العوض مضموناً، فيكون عقداً جائزاً غير لازم ...
المرتبة الثالثة: الإجارة الخاصة، وهي أن يستأجر عيناً أو يستأجره على عمل في الذمة، بحيث تكون المنفعة معلومة فيكون الأجر معلوما والإجارة
لازمة ...
فيقال المساقاة والمزارعة والمضاربة ونحوهن من المشاركة على نماء يحصل هي إجارة بالمعنى العام أو الأعم، ومن قال هي إجارة بالمعنى الأخص فقد أخطأ، وإذا كانت إجارة بالمعنى الأعم التي هي الجعالة فهنالك إن كان العوض شيئاً مضموناً من عين أو دين فلا بد أن يكون معلوماً،
74 (1/78)
صفحة 79
المساقاة
وأما إن كان العوض مما يحصل من العمل جاز، أو يكون جزء شائعاً فيه كما لو قال الأمير في الغزو: من دلنا على حصن كذا فله منه كذا فحصول الجعل هناك مشروط بحصول المال، مع أنه جعالة محضة لا شركة فيه، فالشركة أولى وأحرى.
ويسلك في هذا طريقة أخرى فيقال: الذي دلنا عليه قياس الأصول أن الإجارة الخاصة يشترط فيها ألا يكون العوض غرراً قياساً على الثمن، فأمل الإجارة العامة التي لا يشترط فيها العلم بالمنفعة فلا تشبه هذه الإجارة بما تقدم فلا يجوز إلحاقها بها، فتبقى على الأصل المبيح، فتحرير المسألة أن المعتقد لكونها إجارة يستفسر عن مراده بالإجارة، فإن أراد الخاصة لم يصح، وإن أراد العامة فأين الدليل على تحريمها إلا بعوض معلوم، فإن ذكر قياساً، بين له الفرق الذي لا يخفى على غير فقيه فضلاً عن الفقيه، ولن يجد إلى أمر يشمل مثل هذه الإجارة سبيلاً، فإذا انتفت أدلة التحريم ثبت الحل.
ويسلك في هذا طريقة أخرى وهو قياس العكس، وهو أن يثبت في
الفرع نقيض الحكم الأصل لانتفاء العلة المقتضية لحكم الأصل فيقال: المعنى الموجب لكون الإجارة يجب أن تكون معلومة منتف في باب المزارعة ونحوها، لأن المقتضي لذلك أن المجهول غرر، فيكون في معنى بيع الغـ الغر المقتضي أكل المال بالباطل، أو ما يذكر من هذا الجنس وهذه المعاني منتفية
Yo (1/79)
صفحة 80
المساقاة
في الفرع، فإذا لم يكن للتحريم موجب إلا هذا وهو منتف فلا تحريم (1).
اه المراد منه.
وهو كلام حسن في عمومه، لكن قد يعترض عليه في بعض النقاط، منها قوله: (منفعة بدن العامل وبدن بقره وحديده وهو مثل منفعة أرض المالك وشجره ليس مقصود واحد منهما استيفاء منفعة الآخر وإنما
مقصود هماً جميعاً ما يتولد من اجتماع المنفعتين، فيشتركان في المغنم
والمغرم).
إن كان قصده أنها مشاركة في أعيان فهو غير مسلم، وذلك لأمرين:- -1 - أنه لو كان ذلك مما يشترك فيه للزم معرفته قبل العقد، كما تلزم معرفة النخل في المساقاة إذ لا فرق بينها.
2 - لو كانت المشاركة في ذلك للزم في التقسيم تقسيم بقر المساقي وحديده ومواده أيضاً.
هذا إذا قصد ذلك وإلا فالعبارة محتملة.
واستدلاله بالقياس على المضاربة سليم على قوله، إذ المضاربة والمساقاة موافقة للقياس عنده لكن يلزمه اطراد ذلك في صور أخرى كإعطاء دابة للعمل ومقاسمة الربح بينهما، وغير ذلك من الصور الكثيرة، ولعل هذا
76
فتاوي ابن تيمية 98/ 29 - 106.
(1) (1/80)
صفحة 81
المساقاة
الملتزم يلتزم به ابن تيمية؛ لأنه حكى عن الإمام أحمد إباحة ذلك (1)، وهذا الاعتراض قد يعترض به أيضاً على استدلاله بقياس العكس إذ في تلك الصور تنتفي العلة التي جعلها بنفسه في الإجارة ونفاها في المزارعة والمساقاة والمضاربة، وقد يعترض عليه أيضاً في هذه النقطة بأن قياس العكس فيه
خلاف، فلا تلزم هذه الحجة من خالفه في الاحتجاج بذلك.
وكذلك قد تعرض على دليل القياس إيرادات سواء اعتبرتها موافقة
للقياس أو مخالفة له فإليكها مع بيان زيفها:
1 - قول الإمام الشافعي: (وأما قياسه وما أجاز من النخل والأرض على المضاربة، فعهدنا بأهل الفقه يقيسون ما جاء عمن دون النبي صلى الله عليه وسلم على ما جاء عنه، وعكس هذا جهل) (3).
والجواب عن ذلك: إن كان يعتبر المساقاة ثابتة عن النبي كما هو ظاهر قوله: (وعكس هذا ... ) أي قياس الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم على غيره، فالجواب أنه ذكره لتقوية الحجة، وإضافة دليل القياس إلى دليل النص ليتأكد به، وكذلك ليبين للمخالفين أنهم فرقوا بين متماثلين في الحكم، وإن كان لا يعتبر الحكم ثابتاً بالنص فيلزم القياس، ليتسنى له به معرفة الحكـ الشرعي، وهو حجة سواء أكان المقيس عليه ثبت بكتاب أو سنة أو أجمع
فتاوي ابن تيمية 125/ 29.
(2) فتاوى السبكي 417/ 1.
VY (1/81)
صفحة 82
المساقاة
عليه، وهنا ثبت بالاجماع، واعتبار عدم ثبوت المضاربة بالسنة مانعا من القياس غير مسلم عند الجمهور، لأن السنة مصدر، والاجماع مصدر، فما ثبت بواحد منها قيس عليه ما شابهه وبعض أصحاب الشافعي يمنعون القياس إلا في أصل ثبت بالنص ()، و لم أجد ذلك معزوا للشافعي حتى يقال بأنه بني على أصله.
2 - قد يقال: إن القياس أي للمساقاة على المضاربة - مصادم للنصوص الشرعية فهو فاسد الاعتبار.
ويجاب عنه: بأنه لا يعتبر فاسد الاعتبار إلا مع تعذر تأويل أدلة الخصوم تأويلا صحيحا، أما مع الإمكان فلا يرد، وأدلتهم هنا إما عمومات والقياس يخصصها كما هو مذهب الجمهور، وإما محتملات لأكثر من معنى كالمخابرة، وهذا القياس تعضده نصوص صحيحة صريحة لا مطعن فيها.
3 - قد يقال: بأن المضاربة لم يجمع عليها حتى تكون أصلا يقاس عليه، لما قاله ابن حزم الظاهري: (لا) ما يدعونه من الباطل والظن الكاذب في الإجماع على المضاربة التي لا تروى إلا عن ستة عنهم) ()، ولا يصح القياس إلا على أمر مجمع عليه. (2)،
من
الصحابة رض
الله
نسبه إليهم الشوكاني، إرشاد الفحول ص 205.
(2) المحلى 230/ 8.
Y? (1/82)
صفحة 83
المساقاة
ونحيل الجواب عن ذلك إلى ابن حزم ذلك إلى ابن حزم نفسه حيث يقول في القراض: وعمل به المسلمون عملاً متيقناً لا خلاف فيه، ولو وجد فيه خلاف ما التفت إليه؛ لأنه نقل كافة بعد كافة إلى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمه بذلك،
وقد خرج في قراض بمال خديجة رضي الله عنها) (1).
وقال أيضاً فيه: (ولكنه إجماع صحيح مجرد، والذي نقطع عليه أنه
كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وعلمه فأقره) (2) فبنفسه يصرح بالإجماع.
هو
ولو سلم بعدم ثبوت الإجماع فإما أن يقال ثبتت المضاربة بالسنة كمل ظاهر كلامه الأول، بل اعتبره من نقل الكافة، فإن كان كذلك فلا حاجة إلى الإجماع، إذ لا يشترط في الأصل عند الجمهور أن يكون مجمعاً عليه، وإن كان يقول بعدم ثبوتها فيجب عليه منعها لمخالفتها لمقتضى بعض
الأدلة.
-
الاستدلال بالمقاصد
جاءت الشريعة الربانية لتغطي حاجات المجتمع وتفي بمتطلباته، وذلك يقتضي جواز الأمور التي توقف عليها مصالح الأمة في نواحيها الاقتصادية والاجتماعية، وغيرها والمساقاة مما يحقق مصلحة الأمة سواء من الناحية
79
المحلي 247/ 8.
مراتب الإجماع ص 91.
(")
(2) (1/83)
صفحة 84
المساقاة
الاقتصادية أو الاجتماعية بل حتى المصلحة الدينية (1)، ومن المعلوم بأن من الدينية (1)، مقاصد الشريعة حفظ المال، ومن سبل حفظ المال تطبيق هذه المعاملة.
و مما يقوي رأي الجمهور القائلين بالجواز:-
1 - أنه أقوى من حيث الأدلة؛ إذ دلالة السنة النبوية عليه صريحة، فالنبي عامل أهل خيبر، و لم يخالف في ذلك أحد، فهو دليل صريح، علاوة على أنه اعتضد بالإجماع، وأدلة المخالفين لهم أدلة ضعيفة، لأن الإجمال
يعتريها، علاوة على قدح بعض العلماء في صحة بعضها.
-2 - أن جمهور الأمة استقروا على إباحة ذلك، وقد قيل: بأن رأي الجمهور مرجح إذا تكافأت الأدلة، فكيف إذا كانت أدلة الجمهور أقوى؟! كما هو الحال هنا.
- تعتضد الإباحة كذلك بأنها رأي الخلفاء الأربعة عند من يرى حجية إجماعهم، وعليه عمل أهل المدينة؛ عند من يرى حجية عملهم، بل هو قول الصحابة جميعاً كما قدمنا.
4 - ويستأنس لها بأن فيها مراعاة لمصالح الأمة وتحقيقاً لمقصد
مقاصد
من
الشريعة الربانية.
(1) سيأتي توضيح ذلك في حكمة المشروعية.
80 (1/84)
صفحة 85
المساقاة
وذهب المالكية إلى القول بجواز المساقاة للضرورة)، و لم أفهم معنى الضرورة هل هي ضرورة رب الأرض؟ أو ضرورة العامل؟ أو ضرورة
الشريكين؟ وهل الضرورة التي لا محيص عنها أو هي الحاجة؟.
ولعلهم يستدلون لذلك بأن هذا الفعل خالف القياس وصادم كثيراً من القواعد، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم لا يقتضي جوازها في غير الضرورة، لأنه لم يفعلها إلا عندما لم يكن له ولا لأصحابه عمال يعملون فيها كما سبق ذكره والفعل لا يعم عند جمهور الأصوليين كما نسبه إليهم الشوكاني (2)، فلا يقتضي الجواز إلا في تلك الحالة، لأن الأصل المنع.
وقد يجاب عن ذلك بأن تلك واقعة حال، ولم يبين النبي صلى الله عليه وسلم أنها أجيزت للضرورة، ومن المعلوم أن تلك الضرورة لم تستمر تلك المدة الطويلة منذ معاملة أهل خيبر حتى وفاة النبي وأبي بكر من بعده وشملت أغلب خلافة عمر، وكذلك لم تشمل تلك الضرورة جميع من شارك في تلك المعاملة، وهم يقاربون ألف وخمسمائة رجل، ولا يتصور اضطرارهم جميعاً لها، بل لا شك أن بعضهم كانوا قادرين على تفادي المساقاة بغيرها.
وكذلك فإن النبي حين عرض الأنصار العمل على إخوانهم المهاجرين لم يستفصل هل هم بحاجة إلى عمال أو لا؟ وترك الاستفصال
(1) كتاب المساقاة والمزارعة والمغارسة ص 13، الذخيرة 102/ 6.
(2)
إرشاد الفحول ص 38.
81 (1/85)
صفحة 86
المساقاة
دليل العموم عند كثير من الأصوليين (1)، علاوة على أن من ضمن أدلة الجواز التي ذكروها القياس على القراض، وهو لم يجز للضرورة فقط، وإنما جاز فيها وفي غيرها.
وقد يكون الخلاف لفظياً فقط، إذا كانوا يعنون بالضرورة الحاجة وهو ظاهر حيث إنهم أجازوا المعاملة في الأصول مع غير الضرورة وإنم قيدوا مساقاة الزرع بالضرورة.
بعد عرض أدلة المجيزين والمانعين يرى الناظر أن أدلة المجيزين أوضح
دلالة وأقوى حجة
من
أدلة المانعين.
(1)
ولإمام الحرمين تفصيل في ذلك من شاء فلينظر البرهان،346/ 1، ولابن السبكي تفصيل آخر في
الأشباه والنظائر.
82 (1/86)
صفحة 87
المساقاة
المبحث الثالث
حكمة المشروعية
إن شمولية هذا الدين اقتضت أن تشمل أحكامه ونظمه كل دقيقة وجليلة تمس معاش الإنسان لتسير حياته في مهيع إيماني اجتماعي ولا يزيغ عن فلك الفطرة ولا تحيد عن مقتضى المصلحة.
وبما أن الإنسان مدني بطبعه اجتماعي بفطرته فلا يمكنه أن يوم بمزاولة كل الأعمال بنفسه وإلا لما استقامت الحياة ولا تقدمت البشرية، ولهذا كان التعامل بين الناس موجوداً، وكانت الأسواق شاملة لكل التعاملات التي تربط بين بني البشر.
وقد كانت المساقاة من ضمن المعاملات التي ضمها السوق الجاهلي و لم يلغ الإسلام هذه المعاملة لأنه لم يأت ناقماً على كل ما كان إبان الجاهلية بل لما زاغ عن منهاج الحق والعدل، وكان دماراً على الإنسانية يقذف بها في هوة سحيقة لا تنتشل منها إلا بالإسلام.
وقد هذب الإسلام هذه المعاملة لنفي الغرر والظلم بين الناس فمنع أن
يكون لأحد الطرفين ما على الماذيانات وللآخر الجزء الثاني منها.
وحاجة الناس إلى المساقاة تظهر عندما يكون لأحد الطرفين أرض وأشجار وهو لا يحسن استغلالها، أو لا يساعفه الوقت لذلك، ولآخر
83 (1/87)
صفحة 88
المساقاة
الخبرة دون الأرض والشجر، فالأول بحاجة إلى من يزرع ويساقي عنه والآخر بحاجة إلى أرض يزرعها ويسقيها ليكون له نصيب من عمرها،
فحقق الإسلام بهذه الإباحة مصلحة الاثنين من غير ضرر ولا ضرار.
ولا يمكن أن يقال إن إباحة الإجارة تغني عن المزارعة والمساقاة، لأن لكل واحدة من المعاملتين مجالا لا تقوم المعاملة الأخرى به، وميزة المساقاة والمزارعة عليها أن العمل فيهما يكون ودوافع النفس قد بلغت في العامل أوجها، والله يعلم ما تكنه النفوس وما تضمره الصدور ألا يعلم من خلق
وهو اللطيف الخبير) (الملك 14) مع قلة العمل وعدم إتقانه، مع أن المالك قد لا يملك الأجرة التي يدفعها سعامل فيقتضي ذلك تعطيل الأرض، بخلاف المساقاة فإن الأجرة تكون في
بخلاف الإجارة فالأجير ضامن فيها لربحه ولو
مقاسمة الثمر وهو يغني صاحب الأرض أن يتحمل تكلفة مادية أخرى.
وإضافة إلى ذلك فيها مصلحة أخرى، وهي تحسين ظن كل طرف بالآخر، إذ لا يشك المالك في تفاني العامل في العمل؛ لأن مصلحته تقتضي ذلك، وبذلك تسلم الصدور وتطهر من الغل وسوء الظن، وفيه ما لا يخفى المصلحة الاجتماعية والدينية، فضلاً عما فيه من حكم العمل الأخرى.
من
84 (1/88)
صفحة 89
المساقاة
الفصل الثالث
شروط المساقاة
ويشتمل على ستة مباحث:-
المبحث الأول: شروط العاقدين.
المبحث الثاني: شروط مورد العمل وهو الشجر.
المبحث الثالث: شروط الثمرة.
المبحث الرابع: شروط العمل.
المبحث الخامس: شروط الصيغة.
المبحث السادس: شروط المدة.
85 (1/89)
صفحة 90
تمهيد:-
المساقاة
الفصل الثالث
شروط المساقاة
بعد بيان مشروعية المساقاة لا بد من بيان شروطها، لأن صحتها متوقفة على توفر شروطها، وهذه الشروط متوزعة على أركانها، إذ لكل ركن منها شروط تتوقف صحة المساقاة عليها، وقد ذكرها بعض العلماء سردا، وبعضهم قسمها على أركانها وهو الذي سندرج عليه في ذكرها، وقد سبق أن ذكرنا الأركان ونحن الآن بصدد ذكر شروط كل ركن، ولا بأس من إعادة ذكر الأركان لننطلق من خلالها إلى إيضاح الشروط.
الأركان هي:
1 - العاقدان
3 - الثمر
ه - الصيغة
مورد العمل "الشجر"
4 - العمل
6 - المدة
86 (1/90)
صفحة 91
المساقاة
المبحث الأول
شروط العاقدين
حتى تصح المساقاة لا بد من توفر شروط في العاقدين تؤهلهما لهذه المعاملة، وبعض هذه الشروط عامة في كل المعاملات وبعضها ا خاص بالمساقاة، وتلك الشروط هي:-
1 - أن يكون جائز التصرف، وقد نص على ذلك المالكية (1) والشافعية (2) والحنابلة (3).
قال في "نهاية المحتاج": تصح من مالك وعامل جائز التصرف لنفسه كما قاله الشارح رادا به دعوى شمول جائز التصرف للولي في مال محجوره، فيكون مكررا، وهو الذي لا حجر عليه دون غيره كالقراض، وتصح لصبي ومجنون وسفيه من وليهم بالولاية عليهم عند المصلحة للحاجة إلى ذلك، ولبيت المال، وفي مال من لا يعرف مالكه من الإمام، وللوقف من ناظره، وفي مال الغائب) (4).
فالذي يشترط فيه هذا الشرط
هو
العاقد دون رب المالك.
(1) الذخيرة 95/ 6.
(2)
(T)
زاد المحتاج 357/ 2.
المبدع 47/ 5. نهاية المحتاج 245/ 5.
87 (1/91)
صفحة 92
المساقاة
وقد بين بالمقصود بجائز التصرف فهو:
أ- العاقل.
ب البالغ.
ج- الرشيد؛ الذي لم يحجر ماله، لسفه وأضاف الخوئي كذلك ألا يحجر
ماله لإفلاس (1).
ولعل دليلهم في ذلك قول النبي: ((رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي
حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ)) (2).
لكن الحديث لا يدل على المطلوب لأنه بين رفع القلم والمقصود بالقلم الحساب أو الجزاء لعلاقة السببية فلا دخل للعقود في ذلك، على لو قيل: ليس المقصود به الحساب وإنما المقصود أثر العقد. لقلنا: دلالته على المطلوب دلالة اقتضاء وقد اختلف العلماء في عمومها فلا يستدل بها إلا على القول بالعموم.
ولعلهم نظروا إلى مقاصد الشريعة الغراء في حفظ المال فلو تصرف من ليس أهلا للتصرف لفاتته منافع جمة، وقد شرع الإسلام الحجر لذلك ولازمه منع التصرف، وقد يدفع ذلك بأن المقصد دفع المفسدة وجلب المصلحة، وقد تكون في اعتبار تعاملهم، فلذا تنعقد المعاملة دفعا للضرر
کتاب المساقاة ص 11.
(2) رواه أبو داود 229/ 6) برقم (4236)، المدونة الكبرى لأبي غانم 249/ 2.
88 (1/92)
صفحة 93
المساقاة
وتحقيقا للمصحلة، ولوليه النقض -إن اقتضت المصلحة على أن قوله تعالى: وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغو النكاح) (النساء 6) أمر بالابتلاء قبل البلوغ ولازمه انعقاد تعامله، فإن قيل: بأن الابتلاء بعد البلوغ، أجيب: بأنه لا يتم بعد البلوغ، ولا يطلق بعده إلا مجازا، والأصل الحقيقة على أن الابتلاء مغى ببلوغ النكاح وهو سن البلوغ، ولا يكون إلا قبله.
فإن قيل: بأن المختبر يكون معه عند الابتلاء والابتلاء مجرد استشارة أجيب: بأن لفظ الابتلاء يشمل ما هو أعم من ذلك، وبعض الأحيان لا يكون إلا عند الانفراد وفي الآية متعلقات أخرى يمكن لكلا الفريقين
التمسك بها.
وذهب بعض المحققين إلى انعقاد عقده في الأمور اليسيرة دفعا
للحرج، وعملا بالحنيفية دون غيرها.
وذكر الخوئي أن شرط عدم الحجر لسفه وإفلاس خاص بالمالك دون العامل لأنهما ممنوعان من التصرف في مالهما خاصة دون الكسب وتحصيل المال، إذ لا حجر عليهما من هذه الجهة (1).
2 - الاختيار، كما نبه الخوئي (2).
89
كتاب المساقاة ص 11.
11
(1)
(2) كتاب المساقاة
ص (1/93)
صفحة 94
المساقاة
الحرية، فلا تنعقد لعبد معاملة.
أما الأحناف فلا يشترط عندهم البلوغ بل تصح للمأذون له في
التجارة ولا تشترط عندهم الحرية (1).
ويضاف إلى ذلك:-
4 - ألا يكونا مرتدين عند الحنفية - فقد قال الكاساني في بيان شروطها: (ومنها ألا يكونا مرتدين في قول أبي حنيفة على قياس قول من أجاز المعاملة، حتى لو كان أحدهما مرتدا وقفت المعاملة، ثم إن كان المرتد هو الدافع فإن أسلم فالخارج بينهما على الشرط، وإن قتل أو مات أو لحق فالخارج كله للدافع لأنه نماء ملكه، وللآخر أجر المثل إذا عمل، وعندهما الخارج بين العامل المسلم وبين ورثة الدافع على الشرط في الحالين كمل إذا كانا مسلمين، وإن كان المرتد هو العامل فإن أسلم فالخارج بينهما على الشرط، وإن قتل أو مات على الردة أو لحق فالخارج بين الدافع المسلم وبين ورثة العامل المرتد على الشرط بالإجماع، لما مر في المزارعة، هذا إذا كانت المعاملة بين مسلم ومرتد، فأما إذا كانت بين مسلمين ثم ارتدا أو ارتد أحدهما فالخارج على الشرط لما مر في كتاب المزارعة، ويجوز معاملة المرتدة دفعا واحدا بالإجماع))، و لم أجد دليلا لمنع معاملة المرتد، وعدم
(1)
بدائع الصنائع 185/ 6، المبسوط 123/ 23، شرح المحلة 766.
(2) بدائع الصنائع 185/ 6.
90 (1/94)
صفحة 95
المساقاة
إقراره على ارتداده لا يقتضي نقض معاملته إذ لا تلازم بين الأمرين، وقد
قرر الشارع عقوبات فلا يستبدل عنها بغيرها.
ولعلهم يفرقون بين المرتد والمشرك الأصلي - والنبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر وهم مشركون بأن المرتد لا يقر على ارتداده بينما المشرك الأصلي لا يقتل في بعض الحالات، وأما التفريق بين الرجل و المرأة فلأن المرتدة لا
تقتل عندهم خلافا للجمهور - فليست كالرجل في ارتدادها.
-
(1)
هم
ألا يتعلق بماله حق للآخرين، فقد قال القرافي في تفصيل ذلك: وللمأذون دفع المساقاة وأخذها وله مساقاة أرضه وليس للغرماء فسخها، لأنها تنمية كالبيع والكراء، ولو ساقى أو أكرى بعد قيامهم، فلهم فسخ ذلك لأنه يمنعهم من البيع بالمساقاة، قال اللخمي: إن ساقى قبل قيام بعقد يمنع ببيع (1) الرقاب، فلهم الرد في الكراء والمساقاة، لاتهامه في منعهم، وإذا كان في يده ما يوفي الدين فهلك بعد المساقاة لم ترد المساقاة قبل أمدها أو قبلها، فلهم بيع الحائط دون نقض المساقاة قاموا قبل العمل أو بعده فيباع على أنه مساقى وليس باستثناء الثمرة؛ قاله ابن القاسم، وقال غيره يمنع البيع ويبقى موقوفا، إلا أن يرضى العامل بترك المساقاة، فإن كانت عاما واحدا والثمار مزهية جاز بيع الأصل اتفاقا، ويباع نصيب المفلس منفردا إن كان أرجح، وإلا بيع مع الأصل، وإن كانت الثمار
مأبورة، جاز بيع الأصل اتفاقا) (2).
(1) كذا في الأصل والظاهر أنه يمنع من بيع الرقاب. (2) الذخيرة 95/ 6 - 96، مدونة مالك 10/ 4.
91 (1/95)
صفحة 96
(2)
المساقاة
6 - ألا يكون مريضا (1) فقد قال القرافي: (في الكتاب؛ للمريض أن يساقي نخله إلا أن يحابي فيكون ذلك في ثلثه، قال ابن يونس: قيل يمتنع أ ع أن يساقي على الورثة أكثر من الثلث، فإن كان الحائط أكثر من الثلث وساقاه سنة ونحوها فيما يجوز بيع النخل إليه، جاز، إلا أن يكون فيها محاباة لا يحملها الثلث، كمساقاة على ثلاثة أرباع ومساقاة مثله الربع، فقد أوصى له بالنصف فخير (2) الورثة بين إمضائه أو يقطع له ثلث مال الميت ويكون لهم عدم الإجازة كوصية بخدمة عبده عشر سنين وهو لا يحمله الثلث وليحمل خدمته، لأنه عون عليهم أكثر من الثلث فخيروا بين الإجازة ودفع الثلث بتلا)، قال اللخمي قال سحنون: إذا زاد على مساقاة مثله بأمر بين فهو كهبته يوقف السقي إلى ما لا يطول ولا يضر، فإن صح وإن مات وحمل ثلثه الحائط نفذ، وإن لم يحمله وحمل المحاباة خير الورثة بين الإجازة وبين قطع الثلث له بتلا (4)، وتستحب المساقاة، ولا يمكن العامل حانه الوقف من السقي، فإن خيف على الحائط فسخت المساقاة قبل الصحة والموت)).
نفذ
(1) لعلهم يعنون بها مرض الموت دون غيره، إذ لا يتعلق حق الورثة إلا بتلك الحالة.
(2)
كذا في الأصل والظاهر أنه فيخير.
(3) كذا في الأصل والظاهر أنه بدلا.
(4) كذا في الأصل والظاهر أنه بدلا.
(5) الذخيرة 96/ 6.
92 (1/96)
صفحة 97
المساقاة
7 - أما معاملة النصراني ومثله اليهودي فقد قال القرافي في الكتاب: (يكره عملك عند النصراني مساقاة لأنه استيلاء على المسلم بملك منافعه ويجوز أن تساقيه إذا أمنت أن يعصر نصيبه خمرا) (1) وقد يعترض على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم عامل يهود خيبر وكان لا يأمن من أن يعصروا نصيبهم
التمر خمرا.
من
وقد يجاب عنه: بأن سلطة الإسلام ماضية في ذلك الوقت وسيوف
1
النبي الله وأصحابه لم تعمد بعد فيبعد أن يتجاسر اليهود عليه، ولو علمـ لأنفذوا فيهم الحق، ولا يمكن أن يمنع معاملة الجميع لاحتمال مخانصة أحدهم، كما لا يمنع بيع السلاح مع أن بعض الناس - بلا شك- يسفكون به الدم الحرام. قد يقال بأنه يشترط أن يكون مالكا أو وكيلا عنه، فقد قال الكركي: (قوله: (وليس للعامل أن يساقي غيره، لأن المساقاة إنما تكون بين صاحب الأصول والعامل، لأنها معاملة على الأصول بحصة من الثمرة، والعامل لا حق له في الأصول فمساقاته عليها خلاف موضوع المساقاة وهذا خلاف ما سبق في المزارعة؛ والفرق أن المزارعة لا يشترط فيها كون الأرض مملوكة للمزارع وإلا لم تصح في الأرض الخراجية بخلاف المساقاة، ولعل السر في ذلك أن غرض المساقاة هو العمل في الأصول وإصلاح وترتيبها لفائدة الثمرة، وأما المزارعة فإن المقصود فيها هو الحاصل
هي
(1) الذخيرة 97/ 6، المدونة 011/ 4
93 (1/97)
صفحة 98
المساقاة
وليس الغرض فيها كالغرض في الأصول وإن كان حرثها وتسميدها مقصودا تبعا للمزارعة، وهذا إذا لم يأذن المالك، فإن أذن العامل في المساقاة
صح، وكان الثاني هو العامل والأول وكيل عن المالك) (1).
وقد اختلف في ذلك العلماء فذهب بعض الإباضية إلى جواز معاملة العامل لغيره إذا كان مثله في الجرأة والأمانة (3) وذهب المالكية إلى جوازها ولو كان دونه في الأمانة ولو بدون إذن رب الحائط، وفرقوا بينه وبين القراض بأن مال القراض يعاب عليه والحائط، بخلافه ويحمل على ضد الأمانة إذ الأصل التجريح فإن وقع تقصير فالأول يضمن (3).
وعند الشافعية قال المتولي إذا كانت المساقاة في الذمة فللعامل أن يعامل غيره لينوب عنه، ثم إن شرط له من الثمار مثل ما شرط المالك له أو دونه فذاك، وإن شرط له أكثر فعلى الخلاف في تفريق الصفقة فإن جوزنله وجب للزيادة أجرة المثل، وإن منعناه فالأجرة للجميع، وإن كانت المسلقاة على عينه لم يكن له أن يستنيب ويعامل غيره، فلو فعل انفسخت المساقاة بتركه العمل، وكانت الثمار كلها للمالك ولا شيء للعامل الأول، وأما الثاني فإن علم فساد العقد فلا شيء له وإلا ففي استحقاقه أجرة المثل الخلاف في خروج الثمار مستحقة (4)، وهم فرقوا بين المساقاة والمضاربة في
(1)
(2)
جامع المقاصد 391/ 7
إضافات الإمام أبي سعيد ص 67. (3) الخرشي 334/ 6، الشرح الكبير 545/ 3.
(4) الروضة 167/ 5.
94 (1/98)
صفحة 99
المساقاة
ذلك، قال المطيعي في بيان وجه التفريق والفرق بين المساقاة حيث كان للعامل أن يساقي عليها، وبين المضاربة حيث لم يجز للعامل أن يضارب بها، أن تصرف العامل في المضاربة تصرف في حق رب المال، لأن العقد ليس بلازم فلم يملك الافتيات عليه في تصرفه وتصرف العامل في المساقاة تصرف في حق نفسه للزوم العقد فملك الاستنابة في تصرفه) (1).
ونص السرخسي من الحنفية على فساد المعاملة إذا شرط للعامل النصف وعامل العامل غيره على الثلث، وذكر أن الخارج لرب النخل وللعامل الآخر على الأول أجرة، مثله ولا أجرة للأول على رب النخل، لأنه خالف الأمر، فإن رب النخل إنما رضي بشركته في الخارج لا بشركة الثاني، فصار بمنزلة الغاصب فلا يستوجب الأجر أقام بنفسه أو بنائب
والثلث من مال رب النخل فلا يمكن إعطاؤه منها (3). وعند الحنابلة لا يجوز أن يساقى غيره كما لا يجوز أن يضارب غيره ونسبوه إلى أبي يوسف وأبي ثور (3).
واختلف الإمامية في ذلك، فقيل لا يجوز للعامل في المساقاة أن يسلقي غيره مع اشتراط المباشرة، أو ما النهي عنه، وأما مع عدم الأمرين ففي جوازه مطلقا كما في الإجارة والمزارعة وإن كان لا يجوز تسليم الأصول إلى العامل الثاني إلا بإذن المالك، أو لا يجوز مطلقا وإن أذن
(1) تكملة المجموع 414/ 14. (2) المبسوط 115/ 23 - 116. المبدع 54/ 5، المغني 578/ 5.
(r)
95 (1/99)
صفحة 100
المساقاة
المالك، أو لا يجوز إلا مع إذنه، أو لا يجوز قبل ظهور الثمرة ويجوز بعده
أقوال (1).
ويدل حديث أبي داود عن رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء، وله نفقته)) (2) على منع مساقاة المساقي لغيره، لأن العامل الثاني زرع في أرض قوم بغير إذنهم فيصدق عليه وصف الحديث، وتشمله نتيجة الحديث: ((فليس له من الزرع شيء)) فبناء على دلالة الحديث لا يصح أن يعامل المساقي غيره، لكن الحديث فيه مقال ففي سنده شريك بن عبدالله قال عنه ابن حجر: (صدوق يخطيء كثيراً، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة ... ) (3) علاوة على ذلك فهو مدلس قال عبد الحق الإشبيلي كان يدلس. وقال ابن القطان: وكان مشهوراً بالتدليس (4) وأورده ابن حجر في المرتبة الثالثة من
المدلسين ().
قلت: وقد روي الحديث عند أبي داود وأبي عبيد بالعنعنة.
(1) كتاب المساقاة / ص 69.
(")
رواه أبو داود 64/ 5 برقم (3261)، وأبو عبيد ص 121) برقم (708)، الترمذي 648/ 3 برقم (1366) وقال عنه: حسن غريب وذكر أن العمل عليه عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق
وذكر تحسين البخاري له.
(T)
تقريب التهذيب 351/ 1
(1) تهذيب التهذيب 296/ 4.
(")
الخوارج والحقيقة الغائبة ص 229 نقلا عن تعريف أهل التقديس لابن حجر ص 97 رقم (56) ولم
يحضرني حتى أنقل منه مباشرة.
96 (1/100)
صفحة 101
المساقاة
قال الخطابي في "معالم السنن": (هذا الحديث لا يثبت عند أهل المعرفة بالحديث، وحدثني الحسن بن يحيى عن موسى بن هارون الحمال: أنه كان ينكر هذا الحديث ويضعفه ويقول: لم يروه عن أبي إسحاق غير شريك، ولا عن عطاء عن غير غير أبي إسحاق، وعطاء لم يسمع من رافع بن خديج شيئا، وضعفه البخاري أيضا، وقال: تفرد بذلك شريك عن أبي إسحاق، وشريك يهم كثيرا، أو أحيانا، وقال الخطابي أيضا وحكى ابن المنذر عن أبي داود قال: سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن حديث رافع بن خديج فقال: عن رافع ألوان. ولكن أبا إسحاق زاد فيه زرع بغير إذنه. وليس غيره يذكر هذا الحرف) (1).
قال ابن القيم مقويا الحديث وليس مع من ضعف الحديث حجة، فإن رواته محتج بهم في الصحيح، وهم أشهر من أن يسأل عن توثيقهم، وقد حسنه إمام المحدثين أبو عبدالله البخاري والترمذي بعده، وذكره أبو
داود و لم يضعفه فهو حسن عنده واحتج به الإمام أحمد وأبو عبيد) (2). وقواه أيضا السهارنفوري (3)، ونسبة ابن القيم تحسينه إلى أبي داود فيها نظر، وذلك لأن جماعة من محققي المحدثين قالوا: بأن سكوت أبي داود
لا يقتضي تحسين الحديث (4)).
(1)
معالم السنن 64/ 5، 65.
(2) تهذيب ابن القيم 64/ 5.
(3) بذل المجهود 71/ 15.
(1)
ينظر بحث حكم القيام للقادم لشيخنا الجليل محمد بن راشد الغاربي (من دون صفحة) فقد أطال في
المسألة.
97 (1/101)
صفحة 102
المساقاة
وبغض النظر عن الحديث؛ يتقوى المنع بأنه لا حق للعامل في الأصول حتى يعامل فيها غيره، علاوة على أن رب الشجر قد لا يرضى بمعاملة غير العامل، إما لأنه عامله على أساس التعارف أي له من الثمر جزء زهيد- وإما لأمانته أو لجرأته (1) أو لقرابته منه، وإما لأن رب الشجر لا يرضى بمعاملة العامل الثاني لحزازة في النفوس ونحوها، فلا ينبغي أن يجبر عليها، أما
أن
رضي بذلك فلا إشكال في الصحة؛ والله أعلم وأحكم.
ولذا اشترط أصحابنا هاتين الصفتين.
98 (1/102)
صفحة 103
المساقاة
المبحث الثاني
شروط مورد العمل "الشجر"
الشرط الأول: نوع الشجر:-
اختلف العلماء في شروط الشجر بناء على بعض الاعتبارات فبعضهم وسع وبعضهم ضيق فذهب داود الظاهري إلى أنها خاصة بالنخل فقط (1)، لأنها مورد النص وهي رخصة فلا تتجاوز موضوع النص، ولا يمكن القياس على الرخص علاوة على أنها مخالفة للقياس، فلا ينبغي أن
يتجاوز موضع اللفظ.
وللشافعية تفصيل في المسألة فنترك المجال للعلامة النووي ليفصل لنا
قولهم بقلمه السيال:-
الشرط الأول: أن يكون نخلا أو عنبا، فأما غيرهما من النبات فقسمان:-
القسم الأول: ما له ساق، وما لا، والأول ضربان.
الضرب الأول: ما له ثمرة كالتين والجوز والمشمش والتفاح ونحوها، وفيها قولان؛ القديم: جواز المساقاة عليها والجديد المنع وعلى الجديد في شجر المقل؛ وجهان: جوزها ابن سريج ومنعها غيره، قلت الأصح المنع والله
أعلم.
99
556/ 5
(1) المغني (1/103)
صفحة 104
المساقاة
الضرب الثاني: مالا لمرة له كالدلب والخلاف وغيره، فلا تجوز المساقاة عليه، وقيل في الخلاف وجهان لأغصانه.
القسم الثاني: ما لا ساق له كالبطيخ والقثاء وقصب السكر والباذنجان والبقول التي لا تثبت في الأرض ولا تجز إلا مرة واحدة، فلا تجوز المسلقاة عليها، كما لا تجوز على الزرع، فإن كانت تثبت في الأرض وتجز مرة بعد مرة فالمذهب المنع، وقيل وجهان أصحهما المنع)).
وقد اعتبر بعض الشافعية شموله للعنب بالنص (1) وحمله آخرون على النخل بالقياس الجلي فيما أحسب الذي يقوى على معارضة العموم ويخصصه، وفي العلة الجامعة بينهما وجهان:-
أولاهما بروز الثمر وإمكان، خرصه، وهو محمل الإمام الشافعي حيث قلل في "الأم": (والمساقاة جائزة في النخل والكرم؛ لأن رسول الله أخذ فيهما بالخرص، وساقى على النخل وثمرها مجتمع لا حائل دونه، وليس هكذا شيء من الثمر، الثمر كله دونه حائل، وهو متفرق غير مجتمع، ولا تجوز المساقاة في شيء غير النخل والكرم) (3).
وقد تعقبه في كلامه هذا ابن عبدالبر حيث قال: (ما اعتل به الشافعي في جواز المساقاة في النخل والعنب دون غيرها من الأصول فإن
(1)
الروضة 150/ 5.
(2) المجموع 403/ 14.
(3) الأم 238/ 3، وانظر مختصر المزي 71/ 3.
100 (1/104)
صفحة 105
المساقاة
ثمرتها ظاهرة لا حائل دونهما يمنع منها لإحاطة النظر إليها ليس بشيء، لأن الكمثرى والتين وحب الملوك وعيون البقر والرمان والأترج والسفرجل وما كان مثل ذلك كله يحاط إليه كما يحاط بالنظر إلى النخل والعنب) (1). ودعوى عدم جوازه في غير ما يخرص لم يدل عليها دليل، لعدم التلازم بينها وبين المساقاة على أن بعض الشافعية منعوا الخرص فيها، كما سيأتي بيانه إن شاء الله، وبعض العلماء أجازوا الخرص حتى في غير النخل
والعنب.
والوجه الثاني: وجوب الزكاة، قال صاحب المغني متعقبا دلك: (ووجوب الزكاة ليس من العلة المجوزة للمساقاة ولا أثر له فيها) (3).
وقال ابن حزم وهذا فاسد وقياس بارد ويقال لهم: لما كان ثمر النخل ذا نوى وجب أن يقاس عليه كل ذي نوى أو لما كان ثمر النخل حلوا وجب أن يقاس عليه كل حلو، وإلا فما الذي جعل وجوب الزكاة حجة في إعطائها بسهم من ثمارها) (3).
ولا علاقة بين الزكاة والمساقاة لأن المساقاة إنما تكون في الأشجار
التي يحتاج إلى سقيها والعمل فيها.
(1) الاستذكار 212/ 21.
(2) المغني
001/ 0
(3) المحلي 231/ 8.
101 (1/105)
صفحة 106
النخيل.
المساقاة
والشافعي يقول بالقياس في الرخص فيلزمه قياس كل شجر على
بينما ذهب التقي السبكي من الشافعية إلى جوازه في جميع الشحر أي أخذ بالقدم- بشرط أن يحتاج إلى العمل ().
وموضع الخلاف عندهم كما قال في "كفاية الأخيار": (واعلم أن محل الخلاف فيما إذا أفردت بالمساقاة، أما إذا ساقاه عليها تبعا لنخل أو عنب ففيه وجهان، حكاهما الرافعي في آخر المزارعة بلا ترجيح، قال النووي: أصحهما أنه يجوز قياسا على المزارعة) (2).
وذهب المالكية إلى أن الشجر المعتبر في المساقاة لا بد له من دله
شروط:-
الأول: أن يكون مما تجنى ثمرته ولا تختلف واحترزنا بقولنا: "لا تختلف" عن
الموز والقصب والقرط والبقل لأنه بطن وجزه بعد جزه.
الثاني: أن تكون مما لا يحل بيعها ..
(1)
الثالث: أن يثمر الشجر عام المساقاة (4).
(1)
فتاوى السبكي 425/ 1.
(2) كفاية الأخيار 0580/ 1
(T)
سيأتي بسط هذا الشرط في ركن الثمار إن شاء الله تعالى.
(4) سيأتي بيانه قريبا في الشرط الرابع إن شاء الله تعالى.
102 (1/106)
صفحة 107
المساقاة
الرابع: وهو مختص بالزرع والمقائي وغير ذلك مما عدا الكرم والنخل وسائر الأصول المثمرة أن يعجز ربه عنه على أشهر الروايتين، وأن يخاف عليه الهلاك، ويشترط أيضاً فيه أن يكون ظاهراً، فلا تجوز المساقاة عليه قبل ظهوره من الأرض (1).
ويلزمهم القول بأنه أيضاً في النخل والكرم وسائر الأصول المثمرة لا بد لها من عجز ربها عنها وذلك لأنهم يعتبرون المساقاة عقد أجيز
للضرورة، فذلك يقتضي عدم الجواز إلا لضرورة في كل الأحوال.
وأما الحنفية فتصح عندهم في النخل والكرم والشجر والبقول والإسافنج ونحوها وأصول الباذنجان الحاجة الناس في كلها لا في بعضها (2). وذكر الدكتور الزحيلي أن بعض متأخري الحنفية ذهبوا إلى جوازهل
حتى فيما لا ثمر له لأجل خشبه وأغصانه (3)، وقريب منه مذهب ابن حزم الظاهري حيث قال: (لا تحاش شيئاً مما يقوم على ساق ويطعم سنة بعد سنة) (4) وقريب منه قول الحنابلة، حيث قالوا بعمومه لكل شجر مثمر، ونسب هذا القول إلى الخلفاء الأربعة وبه قال سعيد بن المسيب وسالم ومالك والثوري والأوزاعي وأبو يوسف ومحمد وإسحاق وأبو ثور، وقيد صاحب "الإنصاف" المثمر بالمقصود، وذكروا أن ما لا ثمر فيه من الشجر
(1)
(2)
3
-
عقد الجواهر الثمينة 816/ 2، الشرح الصغير 714/ 4 720.
مجمع الأنهر 503/ 2، شرح الوقاية 085/ 4
(3) الفقه الإسلامي وأدلته 632/ 5. (4) المحلى 229/ 8.
103 (1/107)
صفحة 108
المساقاة
كالصفصاف والجوز ونحوهما، أو له ثمر غير مقصود كالصنوبر والأرز فلا تجوز المساقاة عليه وبه قال مالك والشافعي، ولم يذكروا فيه خلافا لأنه ليس منصوص عليه ولا في معنى منصوص، ولأن المساقاة إنما تجوز بجزء من الثمرة وهذا لا تمر له إلا أن يكون مما يقصد ورقه كالتوت والورد فالقياس يقتضي جواز المساقاة عليه، لأنه في معنى الثمر لأنه نماء يتكرر كل
عام ويمكن أخذه والمساقاة عليه بجزء منه فيثبت له مثل حكمه (1).
ولكن تدل معاملته على منع ما سوى الثمر، لأنه عاملهم على يخرج منها من ثمر فهو نفي لغيره، وغيره لا يثبت إلا بدليل، لأن المساقاة على خلاف الأصل، واستثني منه ما قصد ثمره فبقي غيره على المنع، ولا يمكن القياس عليه لأن ما ثبت على خلاف القياس فغيره عليه لا يقاس وقد يقال: بأنه ثبت جواز ذلك بالمفهوم "مفهوم الموافقة" وهو ضعيف لأن المنطوق "الثمر" أقوى من المفهوم "الورق" فلا تساوي، لكن قد يقال: بأن الواقع في خيبر واقعة حال، لأن الأشجار هناك ليست مما يقصد
ورقه وإنما مما يقصد عمره، وواقعة الحال لا يقصر عليها.
أما عند من يجعلها موافقة للقياس فيصح عنده القياس على الثمرة، ويسوغ له في الاستدلال له التمسك بالقياس على المضاربة، وقياس العكس وغيرها من الأقيسة التي ذكرها ابن تيمية في المشروعية؛ وقد سبقت، وذلك لأنها تحقق نفس الغرض الذي تحققه المساقاة على الثمر ولا غرر فيها
(1)
المغني
/557 الإنصاف 466/ 5، زاد المعاد 0144/ 3
104 (1/108)
صفحة 109
المساقاة
بالاعتبارات التي ذكرها، وقد يقال أيضا بأن فيها تلبية لمقاصد الشريعة
وتحقيقاً لها.
ومذهب أصحابنا جوازها في جميع الشجر حيث قال الشيخ سالم ابن حمود السيابي:-
والقائلون بالعموم قاسوا على النخيل وهو الأساس وقد يقاس قيل أي على الرخص إذا دعا داع لمقصد يخص أشهرها في كل ما يسقى اعلما في النخل والرمان بعض حكمل) ونص على ذلك العلامة البسيوي (2) وكثير من علماء أصحابنا (3)، وهو ظاهر كلام الشيخ السيابي السابق واختلفوا في مساقاة البقول فذهب القطب إلى منعه (4) وذهب جماعة آخرون من وذهب جماعة آخرون من أصحابنا إلى جوازها ()، وهو جوازها ()،
قول عبدالله
بن دينار (6)
ولعل للإباضية قولين فيها؛ أحدهما: جوازها في كل ما يسقى،
والثاني: جوازها في كل ما له عمر (7).
(1) العقود المفصلة 163/ 3.
(2)
مختصر البسيوي ص 291، جامع البسيوي 49/ 4.
(3) انظر بيان الشرع 268/ 40 291، المصنف 60،57،41،40،39/ 21، شرح النيل 84/ 10.
(4)
شرح النيل 66/ 10.
,
بيان الشرع 289/ 40، المصنف 56/ 21.
(1)
3
المجموع 400/ 14.
العقود المفصلة 163/ 3. (1/109)
صفحة 110
لفظ
المساقاة
قال ابن قدامة مستدلاً للقول بالعموم في جميع الشجر: (وأما تخصيص ذلك بالنخيل أو به وبالكرم فيخالف عموم قوله: (عامل) رسول الله له أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر)) وهذا عام في كل، عمر، ولا تكاد بلدة ذات أشجار تخلو من شجر غير النخيل، وقد جاء في بعض الأخبار أن النبي يا الله عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من النخل والشجر، ولأنه شجر يثمر كل حول فأشبه النخيل والكرم، ولأن الحاجة تدعو إلى المساقاة عليه كالنخل وأكثر لكثرته فجازت المساقاة عليه كالنخل))، وقوله: هذا عام - أي من ثمر أو زرع فيه تجوز، لأن المنكر لا يكون عاماً عند الجمهور في الإثبات، وإنما هو مطلق، ودعوى أنه لم يوجد من الثمر إلا نخل مفتقرة إلى الدليل ولعلهم يستدلون لها بحديث مسلم: (( ... فكان يعطي أزواجه كل سنة مائة وسق، ثمانين وسقاً من تمر وعشرين وسقاً من شعير ..... فهذا يقتضي عدم وجود شجر غيرها لكن ذلك واقعة حال، وواقعة الحال لا تقيد إطلاقاً ولا تخصص عموماً فلا أثر لها، علاوة على أنه يحتمل أنه لا وجود لغير النخل في النصيب الذي كان يعطيه النبي ل لأزواجه لا غير، إذ خيبر كانت حيطاناً متعددة، فلا يلزم اتحاد الأشجار فيها.
وأما الرواية التي ذكرها ((ما يخرج من النخل والشجر)) فقد حكى الدارقطني عن شيخه ابن صاعد أن شيخه وهم في هذه الزيادة لأن بقيـ
001/ 0
106
المغني
(1) (1/110)
صفحة 111
المساقاة
الرواة لم يذكروها (1)، ولعلها يجري فيها الخلاف الواقع في زيادة الثقة هل تقبل أو لا أو التفصيل أو تعتبر القرائن - إن كان الراوي ثقة ولعل اعتبار القرائن يرجح عدم الزيادة، وذلك لأن الحديث السابق يبين أن نصيب أزواج النبي الله من التمر والشعير، و لم يذكر ثمراً من شجر آخر، وذلك يقتضي عدم وجود شجر إلا النخل إذ الشعير من الزرع، لكن هذه القرينة غير كافية للاحتمال الذي ذكرناه سابقاً وهو أن هذا نصيب أزواج النبي ها من الأرض التي لهن أو للنبي أو من أرض الخمس، ولا يلزم من عدم وجود شجر فيها عدم وجوده في كل خيبر، بل العادة جرت بوجود أنواع كثيرة من الأشجار ومن الزرع في المدن الكبيرة ولا يتصور قيام مدينة خيبر ولا شجر فيها إلا النخل ولا زرع إلا الشعير، بل ذكر ابن حزم أن فيها
أنواعاً متعددة
-
من الشجر (2).
وقد يستدل للعموم كذلك بأدلة منها:-
1 الإجماع: فالإجماع الذي يستدلون به لم يأت فيه ما يفرق بين النخيل وغيره، بل فيه أنهم يعملون في الأرض بما يخرج من ثمرها، وذلك يقتضي شموله لجميع الشجر.
لكن يبقى الإشكال أنه لا يلزم من الإجماع إلا الإثبات الجزئي أي أنهم اتفقوا على مشروعية المساقاة، ولا يلزم منه أن يكون ذلك مشروعاً في
(1) تلخيص الحبير 68/ 3، فتاوى السبكي 425/ 1.
(2) المحلي 232/ 8.
107 (1/111)
صفحة 112
المساقاة
كل الشجر، بل يكفي الاتفاق على نوع واحد حتى يقال أو يحكى
الإجماع.
هو
2 - القياس: أي على المضاربة فكما استدل على مشروعية أصل المساقاة بالقياس على المضاربة يمكن أن يستدل على مشروعيتها في بقية الأشجار بالقياس كذلك، إذ هي عقد للعمل ببعض نمائه وهذه العلة موجودة في كل الأشجار، فلا يمكن أن تقصر على النخل فقط، ومن شروط العلة كما معلوم الإطراد، فلا يمكن الاستدلال بالقياس لإثبات مشروعيتها في النخل دون غيره من بقية الأشجار، فإن قيل: بأن هذا القياس لا يصح لكونه قياس صورة شاذة على شاذة أجيب بأنا نلزمكم بما التزمتم به في
مشروعية المساقاة، وقصره على النخيل تحكم لا دليل عليه.
-3 - الأقيسة التي استدل بها ابن تيمية على مشروعية المساقاة من قياس العكس وغيرها من الأقيسة، إذ كلها تدل على مشروعيتها في كل الشجر.
-
4 - القياس على النخل فقد قال ابن القيم: (وكون الشجر نخلاً لا أثر له البتة، فحكم الشيء حكم نظيره، فبلد شجرهم الأعناب والتين وغيرهما من الثمار في الحاجة إلى ذلك، حكمه حكم بلد شجرهم النخيل سواء؛ ولا
فرق) ().
108
زاد المعاد 144/ 3.
(1) (1/112)
صفحة 113
-
المساقاة
ه الحاجة الماسة: التي دعت إلى المشروعية في النخل موجودة في بقية الأشجار، قال ابن قدامة: (ولأن الحاجة تدعو إلى المساقاة عليه كالنخل وأكثر لكثرته فجازت المساقاة عليه كالنخل) (1)، فإن قيل: بأن العمل في النخل أكثر وأشق فلذا أجيز فيه المساقاة وغير النخل أقل عناء، والمساقاة أجيزت على خلاف القياس، وأجيزت للضرورة والضرورة تقدر بقدرها، أجيب بأن الحاجة الماسة الموجودة في النخل موجودة في كثير من الأشجار فلا فرق بينها والاستدلال بالحاجة في مشروعيتها في النخل دون سواها تحكم إذ الحاجة موجودة في جميع الأشجار، وتختلف الأشجار باختلاف
البلدان.
-6 - تجويز المساقاة في جميع الأشجار: يحقق مقصداً من مقاصد الشـ الغراء ألا وهو حفظ المال، فلذا ينبغي أن يجاز ما حقق هذه المصلحة.
هي أولى بالجواز من المزارعة وذلك لأن الغرر في المزارعة أكثر.
ريعة
واختلف القائلون بالعموم هل العموم باللفظ أو على حسب مـ يظهر بالقياس فمذهب ابن قدامة (2) وابن حزم (3) إلى أن العموم باللفظ
(1) المغنى 557/ 5.
(2) المغني
00 v/0
(3) المحلي 0232/ 8
109 (1/113)
صفحة 114
المساقاة
وكأنه مذهب بعض الشافعية، وقال آخرون منهم التقي السبكي (1) وابن
القيم) والشيخ السيابي) إلى أن العموم بالقياس.
واختلف العلماء في مساقاة "البعل" الذي ليس بحاجة إلى سقي- فأجازه الجمهور من المالكية (4) والحنابلة () وبعض الإباضية)، وخالف في
(7)
ذلك آخرون منهم الليث الليث بن سعد ()، وهو ظاهر أبيات الشيخ السيابي
السابقة، فمنعوا المساقاة فيه، ولعلهم استأنسوا لذلك بأن المساقاة سميـ بذلك لأن السقي أهم أعمالها، فإذا لم يوجد سقي فلا مساقاة، لكن يجلب عن ذلك بما أجاب به ابن حزم في إحدى المسائل المشابهة بقوله: (ومن
سمى هذا العمل مساقاة حتى تجعلوا هذه اللفظة حجة؟ ما علمناها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا عن أحد من الله أحد من الصحابة رضي عنه) () وقد يستدلون كذلك على المنع بأنه لا داعي إلى المساقاة فيها لعدم الحاجة، لكن يجاب عن ذلك: بأن الحاجة تدعو إلى المعاملة فيها، ذلك لأن
الكلفة ليست في السقي فقط بل فيه وفي غيره من أعمالها.
(1)
(2)
(")
(4)
(")
(1)
فتاوى السبكي 425/ 1.
زاد المعاد 144/ 3.
العقود المفصلة 163/ 3.
الخرشي على مختصر خليل 227/ 6
المبدع 46/ 5، كشاف القناع 527/ 3.
بيان الشرع 295/ 40.
(7) تكملة المجموع 403/ 14.
(8) المحلى 229/ 8.
110 (1/114)
صفحة 115
المساقاة
ويدل للجواز نفس الأدلة التي دلت على المشروعية، ولست أدري هل كان في خيبر "بعل" أو لا، وقد ذكر الشيخ عليش أنه موجود (1) فلو ثبت لدل ذلك على الجواز، وكذا إن كان يوجد في المدينة لأن الأنصار طلبوا قسمة أموالهم ثم اتفقوا على عقد المساقاة و لم يستفصل النبي هل كان
فيها "بعل" أو لا؟ وتركه دليل العموم عند كثير من الأصوليين، لكن يبقـ الإشكال في احتمال وجود ذلك أو عدمه، وقد يقال: لو سُلّم بوجوده؛ لقلنا: إنما جاز تبعاً لكن يرد على ذلك بأن التبعية لا تثبت إلا بدليل. الشرط الثاني: أن يكون معلوماً وقد نص على ذلك العلماء من كافة المذاهب: الإباضية (2) والأحناف (3) والمالكية (4) والحنابلة) والشيعة الإمامية (6) والشافعية (7).
وقد ذكر الشافعية في ذلك شرطين متقاربين:-
أ- أن تكون الأشجار مرئية وإلا فباطل على المذهب، وقيل: قولان. ب أن تكون معينة فلو ساقاه على أحد الحائطين لم يصح).
(1)
منح الجليل 385/ 7.
(2)
(2)
(4)
(0)
بيان الشرع 286/ 40.
بدائع الصنائع 186/ 6.
مدونة مالك 3/ 4
المغني
564/ 5
(1) كتاب المساقاة ص 15.
(2)
33
(^)
الروضة 151/ 5.
نفس المرجع والصفحة. (1/115)
صفحة 116
المساقاة
لكن عند المالكية لا تشترط الرؤية فقد قال في الذخيرة: (في الكتاب: يجوز مساقاة ما لم يره من ثمر نخل أو شجر؛ قياساً على الذي يظهر ومنعه "ش" أي الشافعي - قياساً على بيع الغائب ونحن نمنع حكم الأصل".
وقريب منه مذهب الحنابلة في الظاهر من كلام صاحب المغني لأنه قال: (ولا تصح المساقاة إلا على شجر معلوم بالرؤية أو بالصفة التي لا يختلف معها كالبيع، فإن ساقاه على بستان بغير رؤية ولا صفة لم يصح، لأنه عقد على مجهول فلم يصح كالبيع، وإن ساقاه على أحد هذين الحائطين لم يصح، لأنها معاوضة يختلف الغرض فيها باختلاف الأعيان، فلم نجز على غير معين كالبيع) (2).
الشرط الثالث: أن يكون الشجر مغروساً، فإن لم يكن مغروساً فلا تصح العلماء، ففي مدونة مالك: قلت: أرأيت إن دفعت إليه
عند جماعة
من
"
أرضاً على أن يغرسها ويقوم على الشجر حتى إذا بلغت الشجر كانت في يده مساقاة عشر سنين؛ أيجوز ذلك؟ قال: لا يجوز ذلك عندي. قلت: لم؟ قال: لأنه غرر) (3)، قال النووي: إذا ساقاه على "ودي" ليغرسه ويكون
(1) الذخيرة 109/ 6.
(2)
(T)
564/5
المغني مدونة مالك 8/ 4
112 (1/116)
صفحة 117
المساقاة
الشجر بينهما، أو ليغرسه ويتعهده مدة كذا والثمرة بينهما فهو فاسد على
الصحيح، وقيل: يصح فيهما للحاجة، وقيل: يصح في الثاني) (1). ولو دفع إليه "وديا" ليغرسه في أرض نفسه على أن يكون الغراس للدافع والثمر بينهما فهو فاسد وللعامل عليه أجرة مثل عمله وأرضه، ولو دفع إليه أرضه ليغرسها بودي نفسه على أن تكون الثمرة بينهما ففاسد أيضاً ولصاحب الأرض أجرتها على العامل (3)، قال الغزالي: (ولو ساقاه على ودي ليغرسه فهو فاسد "و" أي على وجه أو قول بعيد فإنه كتسليم البذر) (3).
-
وقال الخوئي في عرض شروطها: (كونها ثابتة مغروسة فلا تصح في الودي أي الفسيل قبل الغرس) (4).
وعلل ذلك في فتح الوهاب بأن الغرس ليس من أعمال المساقاة
فضمه إليه يفسدها (ه).
وخالف في ذلك أحمد فنقل ابن مفلح أنه إن ساقى على شجر يغرسه ويعمل عليه حتى يثمر صح في المنصوص (6)، وتسمى عنده
ندهم
(1)
(2)
الروضة 151/ 5 - 152.
نفس المرجع والصفحة.
) الوجيز 227/ 1.
(4) كتاب المساقاة
(°)
ص
10
فتح الوهاب 244/ 2.
(1) المبدع 48/ 5.
113 (1/117)
صفحة 118
المساقاة
"المناصبة" وهي أخص من المساقاة)، ونص على صحة ذلك عثمان النجدي (2)، وهو مذهب ابن حزم الظاهري فقد قال مستدلاً للجواز: أعطى رسول الله الله خيبر لليهود على أن لهم الشطر من زرع ونخل وشيء، وهذا عموم لكل ما خرج منها بعمله من شجر أو زرع أو فمر وكل ذلك داخل تحت العمل بأنفسهم وأموالهم، ولا فرق بين غرس أو زرع أو عمارة شجر، وبالله تعالى التوفيق، وبالضرورة يدري كل ذي تمييز أن خيبر وفيها نحو ألفي عامل ويصاب فيها نحو ثمانين ألف وسق تمر، وبقيت بأيدهم أزيد من خمسة عشر عاماً ... فلا بد أن فيهم من غرس فيما بيده من الأرض، فكان بينهم وبين أصحاب الأصول من المسلمين بلا
شك).
وإضافة كلمة "شيء" إلى حديث المعاملة يدخله الخلاف الوارد في زيادة الثقة إن كان الرواي له ثقة هل تقبل مطلقاً أو لا؟ أو تعتبر القرائن. وتصح عند الحنابلة إن كان الغرس من رب الأرض، فإن كان
الغراس من العامل فصاحب الأرض بالخيار بين قلعه ويضمن له نقصه وبين تركه في أرضه ويدفع إليه أي العامل قيمته أي الغراس، وإن اختار العامل قلع شجره فله ذلك، سواء بذل له صاحب الأرض القيمة أو لا لأنه
(1) كشاف القناع 533/ 3.
(")
هداية الراغب ص 373.
(3) المحلي 227/ 8.
114 (1/118)
صفحة 119
المساقاة
ملكه فلم يمنع تحويله، وإن اتفقا على إبقائه أي الغراس في الأرض ودفع أجرة الأرض جاز لأن الحق لا يعدوهما (1).
الشرط الرابع: لا بد عند المالكية أن يكون الشجر ذا ثمر أو يثمر عام المساقاة، ومنعوا غيره إلا تبعاً (2)، ونسبه ابن المنذر إلى يعقوب ومحمد (3). (2)، وذهب الشافعية (4) والحنابلة (5) إلى عدم اشتراطه -أي إلى جوازها ولو كانت تثمر بعد أعوام ويدل لذلك أنه لا بد من وجوده في خيبر، ودعوى التبعية مفتقرة إلى دليل والنبي الله لو ترك الاستفصال في حديث: اقسم بيننا وبين إخواننا النخل وتركه دليل العموم عند جماعة كما سبق، والحاجة الداعية إلى جوازها بعد بلوغ حد الإثمار موجودة قبل ذلك فالتفريق تحكم، والاستدلال بالقياس على القراض لا يمكن التفريق فيه بين
ما
ا بلغ حد الإثمار وما لم يبلغ حده.
(1) کشاف القناع
534/ 3 - 535
(2) الشرح الكبير 539/ 3، الخرشي 228/ 6، الشرح الصغير 714/ 4.
(3) الإشراف 169/ 1.
(4)
الوجيز 227/ 1.
(ه) المغني 578/ 5. (1/119)
صفحة 120
المساقاة
المبحث الثالث
شروط الثمرة
وحتى تكون المساقاة معتبرة لا بد لثمرتها من شروط:-
1 - أن تكون معلومة بالجزئية:-
أي أن تكون القسمة محددة النصيب بالجزئية كالثلث والربع وما شاكل ذلك، ويدل لذلك أن النبي الا الله عامل على الشطر، وعدم المعاملة بالجزئية المعلومة يؤدي إلى الغرر الفاحش، وكذلك اشتراط شيء فوق الجزئية
كدراهم معدودة أو ما سواه، وهو محرم بل حكى ابن رشد الحفيد اتفاق العلماء على منع ذلك (1)، وقال ابن عبد البر في تمهيده: (وأجمعوا على أنه لا تجوز المساقاة إلا على جزء معلوم قل أو كثر (2) وحكى الاتفاق كل من السهارنفوري (3) والكشميري (4) وابن مفلح () والسياغي)، ونص عليه الإباضية والحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة
والإمامية والظاهرية ().
(1)
بداية المجتهد 1388/ 4.
(")
تمهيد ابن عبدالبر 103/ 6
(3) بذل المجهود 56/ 15.
(4)
(")
فيض الباري 295/ 3.
المبدع 54/ 5، المغني 577/ 5.
(1) الروض النضير 352/ 3.
(V)
مختصر البسيوي ص 291 بيان الشرع 295/ 40، بدائع الصنائع 186/ 6، الذخيرة 102/ 6،
الروضة 151/ 5، المغني،595/ 5، جامع المقاصد 370/ 7، المحلي 229/ 8.
116 (1/120)
صفحة 121
المساقاة
وذكروا لمخالفة ذلك صورا عديدة فحكموا ببطلانها فلو قال: ساقيت على أن جزء من الثمرة لك فسدت المساقاة، ولا يصح لأحدهما مكيلة معلومة والباقي بينهما، وكذا إن كان له ثمرة نخل معلومة والباقي بينهما (1)، أما اشتراط الزكاة فقال بعضهم: بجوازه لرجوعه إلى جزء معلوم وهو ما سنتكلم عنه في محله إن شاء الله تعالى.
وإذا كان هناك عرف فهو يغني عن التحديد بالشرط عن بعض
أصحابنا (2) لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.
وعند الإمامية في جواز اشتراط شيء فوق الجزئية للعامل خلاف؛ فقيل: بصحته مطلقاً، وقيل: بالبطلان مطلقاً، وقيل: بالتفصيل بين أن يكون ذلك بنحو الشرط فيصح أو بنحو الجزئية فلا أقوال، والأول للعمومات، وذكروا أن مستند القائلين بالكراهة غير واضح (3)، أقول: بأن مستند الكراهة واضح، وذلك لأن تملك ذلك كان في مقابل شيء غير معلوم، فبناء على تصور الثمرة نتج هذا المبلغ، وقد يختلف، وفيه غرر، لأنه ليس بتبرع محض بل هو في مقابل شيء غير معلوم وأجـ جيز في المساقاة بطريقة خاصة فيمنع غيرها، مع أن الدليل الدال ليس فيه اشتراط منفعة غير
المحددة بالجزئية.
(1)
الروضة 151/ 5، الذخيرة 103/ 6.
(2) بيان الشرع 385/ 40.
(1)
كتاب المساقاة ص 37، 44.
117 (1/121)
صفحة 122
المساقاة
وذهب بعض أصحابنا إلى جواز أن يعطى العامل "البيدار" عذقاً من كل نخلة، ولكن هذا القول لا يخلو من الإشكال السابق أي الغرر - وكذلك فيه إشكال آخر إذ جاء في الحديث: (( ... قلت أي رافع: نؤجرها على الربيع وعلى الأوسق من التمر والشعير. قال أي النبي لا تفعلوا ازرعوها، أو أزرعوها أو أمسكوها قال رافع قلت: سمعاً وطاعة) (1)، وقيد المحقق الخليلي جواز ذلك بالتتامم)، ومعنى
-
ذلك أن العقد غير ملزم.
ولو ساقاه بالنصف إن سقى بالناضح وبالثلث إن سقى بالسـ فمنعه الشافعية (3) والحنابلة)، وذكر ابن قدامة أنه يتخرج القول بالصحة قياساً على الإجارة، واختلف الإمامية فيه فأجازه بعضهم لعدم إضرار مثل هذه الجهالة، لعدم إيجابها الغرر مع أن مبناها على تحمله وعند آخرين منع ذلك لكونها تتضمن إلزاماً، والتزاماً، ولا يكون ذلك إلا مع التحديد (ه) ولعل مما يستأنس به المجوزون ما ذكر من معاملة عمر حيث شرط لهم الشطر إن جاء هو بالبذر، وإن جاءوا هم بالبذر فلهم كذا، فعمر لم يحدد
('')
(2)
(")
رواه البخاري 89/ 10
تمهيد قواعد الإيمان 187/ 8
الروضة 153/ 5، الوجيز 227/ 1، المجموع 409/ 14.
(4) المغني 562/ 5.
(")
كتاب المساقاة 36 - 37.
118 (1/122)
صفحة 123
المساقاة
الناتج، لكن لا يلزم منه صحة ما استدلوا له، لأن مجيئهم بالبذر أو محيء
عمر يكون قبل العقد.
- أن تكون مشاعة:-
لأن الشجر قد يثمر في جهة معينة فيستأثر بها أحد الطرفين دون غيره، فيؤدي ذلك إلى النزاع، ويحمل العامل إلى أن يهتم بجانبه دون جانب رب الأرض، والنبي الله قد نهى عن كراء الأرض بما على الماذيانات أن تكون لأحدهما كما في بعض روايات حديث رافع، وفي ذلك غرر عظيم لا يخفى، والنبي صلى الله عليه وسلم عندما صالح أهل خيبر شرط لهم الشطر من كل الثمر، وأجاز بعض أصحابنا أن يستثني المالك شجراً ليس للعامل ربح منهن وعليه السقي (1)، وفيه إشكال لما فيه من الغرر، ولأنه شمله نهي النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: (( ... أو شيء يستثنيه صاحب الأرض فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك)).
- أن تكون الثمرة بينهما:-
فإن شرطا أن الثمرة لأحدهما فسدت المساقاة عند بعض العلماء، فقد قال الكاساني: (ومنها أي من شروطها - أن يكون الخارج لهما، فلو شرطا أن يكون لأحدهما فسدت لما علم) (2) وفي مختصر اختلاف العلماء نقل المنع عن أبي يوسف ومحمد (3).
(1) المصنف 30/ 21.
(2)
بدائع الصنائع 186/ 6.
(2)
مختصر اختلاف العلماء 27/ 4.
119 (1/123)
صفحة 124
المساقاة
وقال النووي: ( ... فلو شرطا بعض الثمار لثالث أو كلها لأحدهما فسدت المساقاة ... وفي التتمة وجه شاذ أنه تصح المساقاة إذا شرط كل الثمرة للعامل لغرض القيام بمصلحة الشجر) أما الأجرة فقد قال فيها: (وفي استحقاق الأجرة عند شرط الكل للمالك وجهان كالقراض أصحهما المنع، لأنه عمل مجاناً) ().
11
وخالف في ذلك المالكية ففي مدونة مالك": (قلت لعبدالرحمن بن القاسم: أرأيت إن أخذت نخلاً مساقاة على أن لي جميع ما أخرج الله منها؟ قال مالك: لا بأس بذلك. قلت: لم أجازه مالك؟ قال: لأنه إنما هو بمنزلة المال يدفعه إليك مقارضة على أن لك ربحه، ولأنه إذا جاز له أن يترك لك نصف الثمرة بعملك في الحائط جاز أن يترك لك الثمرة كلها (2)، وهو مذهب الشيخ السيابي، لأن المالك كالمتبرع في هذه
الصورة).
ونجد المانعين والمجيزين تعلقوا بالقياس على المضاربة، مع أن التعلق بالقياس عليها لا يخلو من نظر، أما أولاً: فلعدم وجود الدليل الصريح بجواز ذلك أو عدمه في المضاربة. وأما ثانياً: فلأن المخالف لا يسلم بصحة الأصل المقيس عليه، فضلاً عن كون الأصل مخالفا للقياس.
(1) الروضة 151/ 5.
(2)
(2) مدونة مالك 2/ 4. (1) العقود المفصلة 164/ 3.
120 (1/124)
صفحة 125
المساقاة
وظاهر مذهب بعض الإباضية جواز اشتراط جميع الثمرة للمالك،
وخالف في ذلك العلامة أبو الحواري فقال ببطلان العقد، ووجوب أجرة المثل للعامل (1).
4 - أن تكون مختصة بهما:-
فلو شرطا شيئاً منها لغيرهما فسدت المساقاة عند الشافعية (2)، أما إذا شرطا جزء منه للغلام الذي يعمل مع العامل ففيه خلاف، فقيل: يصح أن يأكل منه، وقيل: لا، وقيل: بالتفصيل إن شرط له جزء معيناً كالثلث وإن لم يكن معيناً فلا يصح، وهو مذهب النووي (3)، ومذهب ابن قدامة
صح
منع ذلك مطلقاً، لأنه إن حدد الأجرة كان كما لو شرط المال لنفسه، لأن العمل واجب عليه، وإن لم يقدره فسد لذلك، ولأنه مجهول، ويفارق هذا ما إذا اشترط المضارب أجر ما يحتاج إليه من الحمالين ونحوهم، لأن ذلك لا يلزم العامل فكان على المال، ولو شرط أجر ما يلزمه عمله لنفسه لم يصح كمسألتنا (4)
(1) المصنف،29/ 21، بيان الشرع 289/ 40.
(2) الروضة 151/ 5.
) نفس المرجع ص 155.
(1)
المغني
0568/ 5
121 (1/125)
صفحة 126
ه - ألا يبدو صلاح الثمرة:-
المساقاة
فلو بدا صلاحها ففيه خلاف، قال الإمام أبو سعيد الكدمي رحمه الله: بجوازه ما دام يحتاج إلى صلاح). ونص على ذلك الكاساني وبه قال السمرقندي، وقال ابن رشد الجد-: ويجوز ما لم يحل بيع الثمرة ومثله في الكافي).
وللشافعية في المسألة قولان قال في "الأم": (إذا أجزنا المساقاة قبل أن تكون ثمراً بتراضي رب المال والمساقي في أثناء السنة، وقد تخطئ الثمرة فيبطل عمل العامل وتكثر فيؤخذ أكثر من عمله أضعافاً، كانت المساقاة إذا بدا صلاح الثمرة وحل بيعه وظهر أجوز) (3) وفي محل الخلاف عند الشافعية فيه خلاف فقد قال النووي: في جواز المساقاة بعد خروج الثمر قولان، أظهرهما الجواز، وفي موضع القولين طرق أصحها أنهما فيما قبل بدو الصلاح فأما بعده فلا يجوز قطعاً، والثاني القولان فيما لم يتناه نضجه وإن تناهى لم يجز قطعاً، والثالث: طردهما في كل الأحوال) (4).
ويدل لجوازها في كل الأحوال أمور:-
(1) إضافات أبي سعيد ص 64.
(2)
بدائع الصنائع 186/ 6، تحفة الفقهاء 268/ 3، المقدمات 553/ 2، الكافي 109/ 2.
(3) الأم 238/ 3.
(4) الروضة 152/ 5.
122 (1/126)
صفحة 127
المساقاة
الدليل الأول: أن النبي فتح خيبر في شهر صفر وصالح أهلها بعد ذلك، أي في شهر صفر أو ما بعده، وذلك يوافق بالحساب الشهر الثالث أو ما بعده من الشهور الشمسية وذلك يقتضي أن الشجر ظهر ثمره ثمر النخيل وخصوصاً إذا ثبت تنوع الأشجار الموجودة في خيبر لأن وقت
ثمرها مختلف.
فإن قيل: لعل عقد المساقاة وقع بعد ذلك أي بعد أن انقضت الثمرة
الأولى فيجاب عن الاعتراض بما يلي:- 1 - يستبعد بقاء تلك المدة الطويلة بدون وضع لصورة العلاقة بين الطرفين ومن المعلوم أن النبي الله كان يريد إخراج اليهود، وذلك يقتضي التعجيل في الصلح أو الإخراج.
-2 - ما رواه البيهقي عن ابن عمر: أن النبي القاتل أهل خيبر حى ألجأهم إلى قصرهم، فغلب على الأرض والزرع والنخل، فقالوا: يا محمد دعنا نكن في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها. ولم يكن لرسول الله ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها، فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع ونخل وشيء ما بدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عبد الله
بن رواحة رضي الله عنه يأتيه في كل عام فيخلفها عليهم ثم يضمن الشطر فشكوا إلى رسول الله له في عام شدة خرصه ... ) (1).
لمهـ
(1) السنن الكبرى للبيهقي 189/ 6 برقم (11626).
123 (1/127)
صفحة 128
المساقاة
وعبدالله بن رواحة مات في معركة مؤتة، أي لا يتمكن من الخوص
ــوب
إلا مرتين على أكثر تقدير، فإذا ثبت أنه خرص في عامين ثبت المطلود وهو أن الصلح كان قبل انقضاء الثمرة الأولى، وأن عقد المساقاة شملها،
ويدل الحديث على تكرار خرصه من وجوه:-
أ- دخول كان على فعل الإتيان للخرص ودخول كان على الفعل يفيد تكراره، وذلك يقتضي تكرار الإتيان للخرص وكل ذلك يقتضي أنه قد خرص أكثر من مرة في أكثر من عام، وقد يقال بأنه كرر الخرص في عام واحد لكثرة الأموال والنخيل في خيبر.
ب قوله كل عام وكل من ألفاظ العموم، فيقتضي شموله على أقل تقدير لعامين، فلا يحمل على ما هو أقل منها ولا يتأتى حمله على العامين إلا إذا اعتبر الصلح في تلك الفترة.
ج قوله: (فشكوا ... في عام يستلزم أنه عمل أكثر من عام، لأنه لو كان ذلك غير متكرر لقال بلفظ آخر يقتضي عدم التكرار.
لكن يبقى الإشكال أن هذا الحديث دليل على صحتها فيما لو
ظهرت الثمرة ولم تبلغ الصلاح لأن المساقاة وقعت والثمرة كذلك.
الدليل الثاني: أن الإجماع منعقد على مشروعية المساقاة في الأصل قبل ظهور الثمر، فيستصحب الإجماع حتى يقوم دليل على خلافه، وهذا حجة من جعل استصحاب الإجماع حجة.
عند
124 (1/128)
صفحة 129
المساقاة
الدليل الثالث: أن اشتراط عدم ظهور الثمرة يكاد يتعذر في بعض المزارع لتعدد الأشجار التي فيها، وتعدد أوقات ثمرها فلا يكاد ينقضي ثمر هذه إلا بعد ظهور ثمر الأخرى، فيؤدي ذلك إلى منع المساقاة رأساً في هذه المزارع، ولا يمكن أن يقال إن المساقاة تكون لبعض الأشجار دون بعض لأن السقي متحد فيها، إلا إن كانوا يقولون بصحتها لأنها وقعت تبعا، أما أصالة أي
إن كانت بنفسها فلا تصح.
- اتحاد الجزء المشروط:-
فلو تعدد الجزء المشروط فلا عند المالكية سواء كان التعدد في يصح السنوات، كأن كان له في السنة الأولى النصف وفي الثانية الثلث، أو كان بتعدد الأجزاء حسب الثمرات ففي نوع نصف وفي الآخر ربع، فقد قال الخرشي ويشترط في الجزء المأخوذ أن لا يكون مختلفاً فلا صنف النصف ومن آخر الثلث) (1).
يصـ
من
وقال القرافي في "الجواهر": تمتنع المساقاة أربع سنين سنتين على النصف وسنتين على الربع للغرر، بفوات أحدهما بجائحة مع العمل في الآخر، ويمتنع حائط بموضع مرغوب فيه مع آخر إلا بجزء واحد كما اتفق
في خيبر) (2).
(1)
228/ 6
الخرشي (2) الذخيرة 0104/ 6
125 (1/129)
صفحة 130
المساقاة
وفي "مدونة مالك": قلت: أرأيت إن دفعت إليه نخلاً مساقاة حائطاً على النصف وحائطاً على الثلث أيجوز ذلك في قول مالك، قال: لا يجوز ذلك عند مالك. قلت: لم؟ قال: للخطار لأنهما تخاطرا في الحائطين، إن ذهب أحدهما غبن أحدهما صاحبه في الآخر) (1)، وفي "المنتقى": (فإن كان على مساقاة مختلفة فلا خير في ذلك ... وكذلك لو عاقده السنتين بأجزاء مختلفة لم يجز) (2)، ومثله في الكافي (3).
ليهـ
فدليلهم النهي عن الغرر، وفعل النبي يا الله في خيبر، ولعل مخالفيـ يعتبرونها واقعة حال لكن تبقى الإشكالية في كونها موافقة للقياس أو مخالفة له فإن كانت موافقة له فالأمر يقتضي جوازها، وإما إن كانت مخالفة له
فتقصر على موضع إباحتها ولا تجتاز محلها.
ويمكن الغرر في تعدد السنين، بأن العامل إذا كان نصيبه في السنة الأولى أقل ورجا الزيادة في السنة الثانية على حسب العقد قد تنفسخ المساقاة ويخرجه رب الأرض فيؤدي إلى الغرر والضرر لأن العامل لا يدري هل سيعمل أو لا؟ وهل سيأخذ كل تلك الأنصبة أو أحدها؟ وفي ذلـ
ذلك
غرر.
('")
(2)
مدونة مالك 9/ 4.
المنتقى
119/ 0
(3) الكافي 109/ 2.
126 (1/130)
صفحة 131
المساقاة
وأضاف في "المنتقى": القياس على القراض، فكما لا يجوز أن يدفع إليه مالين على وجه القراض بعقد واحد وعلى أجزاء مختلفة لم يجز في المساقاة، ولما جاز أن يدفع إليه جنسين من العين ورقاً وذهباً في عقد واحد على جزء واحد جاز مثله في المساقاة (1) لكن قد يفرق بين النقود والشجر فالنقود مثلية وتلك قيمية، فلا يمكن التفريق بين القيمي في مثل هذا بخلاف المثلي، علاوة على أن النقود متداخلة في التجارة فيكاد يتعذر الإفراد إلا إذا كان يتاجر تجارتين وذلك يقتضي كونهما في عقدين.
وخالف في ذلك آخرون فقالوا: بجواز تعدد الجزء المشروط، قال ابن قدامة: (إذا كان في البستان شجر من أجناس كالتين والزيتون والكرم والرمان فشرط للعامل من كل جنس قدراً، كنصف ثمر التين، وثلث الزيتون، وربع الكرم وخمس الرمان، أو كان فيه أنواع من جنس فشرط من كل نوع قدراً، وهما يعلمان قدر كل نوع؛ صح، لأن ذلك كأربعة بساتين ساقاه على كل بستان بقدر مخالف للقدر المشروط من الآخر، وإن لم يعلما قدره أو لم يعلم أحدهما؛ لم يجز، لأنه قد يكون أكثر ما في البستان من النوع الذي شرط فيه القليل ... ولو قال ساقيتك على هذين البستانين هذا؛ صح ... وإن قال: بالنصف من أحدهما
بالنصف
من
هذا والثلث من
والثلث من الآخر؛ لم يصح، لأنه مجهول ... ولو ساقاه على بستان واحد
يزان؛ صح، لأنهما
نصفه هذا بالنصف ونصفه هذا بالثلث وهما متميزان؛
127
المنتقى 119/ 5.
(") (1/131)
صفحة 132
المساقاة
کبستانين ... ولو ساقاه ثلاث سنين على أن له في الأولى النصف وفي الثانية الثلث وفي الثالثة الربع؛ جاز، لأن قدر ماله في كل سنة معلوم فصح، كمل لو شرط له من كل نوع قدراً)) وفي "جامع المقاصد": (ولو شرط له النصف من أحد النوعين والثلث من الآخر؛ صح إذا علم مقدار كل منهما) (3) وعند بعض الإمامية لا يشترط معرفة المقدار مع عدم الغرر (3)، أقول أن الغرر متوقع لأنه قد يكون النوع الذي شرط فيه الجزء القليل للعامل هو أكثر الحائط فيقع بذلك الضرر على العامل.
وقال النووي: (إذا كان في الحديقة نوعان من التمر فصاعداً كالصيحاني والعجوة والدقل، فساقاه على أن له النصف من الصيحاني أو من العجوة الثلث فإن علم قدر كل نوع؛ جاز، وإن جهله أحدهما لم يجز، ومعرفة كل نوع إنما تكون بالنظر والتخمين دون التحقيق) (4).
وذكر في "المجموع" جواز اختلاف الأنصبة في السنوات، وقال إثره: ومنع مالك ذلك، وهو خطأ لأن ما جاز أن يكون العوض في أحواله متفقاً جاز أن يكون مختلفاً كالبيع والإجارة)).
(1)
(2)
المغني 560/ 5 - 561.
جامع المقاصد 369/ 7.
(3) كتاب المساقاة ص 35.
(4)
الروضة 153/ 5.
(5) المجموع 413/ 14.
128 (1/132)
صفحة 133
المساقاة
ونقل صاحب مختصر اختلاف العلماء الجواز عن محمد في
حائطين (1).
والظاهر أنهم يستدلون بالقياس على البيع والإجارة كما هو ظاهر عبارة المجموع لكن يبقى الإشكال في كونها أبوابا مختلفة وأحكامها متباينة، والمساقاة صورة شاذة لا يمكن أن تقاس على غيرها.
المساقاة
وهنا يجدر التنبيه على مسألة؛ وهي الأشياء التي تقسم في المسـ وهل هي مقصورة على الثمر فحسب أو تشمل جميع الأشياء التي تخرجه الشجرة؟ فعند الإباضية؛ قال الإمام أبو سعيد رحمه الله: (أما الليف فلا نعلم أنه يدخل في المشاركة إلا أن يشترط العامل، وأما السعف اليابس فقد قيل فيه: إنه إذا اشترط العامل وشرط بأمره كان له حصة منه على المشاركة، وأما الجريد فإن كان نعني به الأعسا فقد قيل: أن للعامل حصة من ذلك، لأنه من الثمرة إلا أن يشترط رب المال) (2) وعنه أيضاً: أن للعامل نصيب في عسى النخل وحطب القطن وعسى الذرة والتين إلا لعرف أو شرط (3).
وذكر العلامة الفضل بن الحواري: أن للعامل حصته من الجذوذ والقصب والتبن والعسق والحوض إذا شرطه أو أجر من شرطه (4)، وفي
129
مختصر
اختلاف العلماء 29/ 4.
إضافات الإمام أبي سعيد ص 66.
بيان الشرع 296،292/ 40.
جامع الفضل بن الحواري 185/ 3.
(1)
(2)
(4)
C 3 (1/133)
صفحة 134
المساقاة
المصنف: أنه ليس للعامل من الأقباب إلا قدر نصيبه والباقي لأصحاب النخيل لأن المضرة عليهما جميعا)، وذكر المحقق الخليلي رحمه الله: أن التبن
والقصب إن اقتضى العرف دخولهما في القسمة فيدخلان وإلا فحسـ العرف وإن تباين فالأغلب منه (3).
وفي "مدونة مالك": قلت: أرأيت سواقط النخل جرائده وليفة لمن تكون؟ قال: أرى أن يكون ذلك بينهما. قلت إلى قدر ما يتعاملان به؟ قال: نعم) وقال أبو عمرو القرطبي: (وما قطع من الجريد والليف والزرجون فهو بينهما على قدر ما لكل واحد منهما من أجزاء الثمرة) (4). وقال النووي من الشافعية السواقط وهي السعف التي تسقط من النخل يختص بها المالك، وما يتبع الثمن فهو بينهما، قال الشيخ أبو حامد: ومنه الشماريخ) ().
فإذا كان ما يسقط للمالك فما لم يسقط فهو له من باب أولى. وقال صاحب "كفاية الأخيار": (لو) شرط في العقد أن يكون سواقط النخل من السعف والليف ونحوهما للعامل بطل العقد، لأنها لرب النخل وهي غير مقصودة فلو شرط لهما فوجهان) (2).
(1) المصنف 34/ 21.
(2)
تمهيد قواعد الإيمان 187/ 8
(
مدونة الإمام مالك 9/ 4.
(4) الكافي 107/ 2.
()
الروضة 166/ 5.
(1) كفاية الأخيار 581/ 1
130 (1/134)
صفحة 135
المساقاة
والتقسيم لعله مذهب من أجاز المعاملة على الشجر غير المثمر
كبعض الحنفية وكأنه مذهب ابن قدامه (1) والخوئي (2)، وقيل: بأنه وجه
للشافعية كما
سبق
نقله عن الروضة.
وقد يستدل على أنها للمساقي بمعاملة النبي وفيه: أن الرسول
الله شطر ثمرها (3).
فالاتفاق أن للنبي - وهو رب الأرض - أن يأخذ نصف الثمر، فذلك يقتضي أن يأخذها المساقي لأن المال لا يمكن أن يتلف.
وقد يجاب بالآتي:-
-1 - أنه استدلال بمفهوم اللقب وهو ليس بحجة عند الجمهور. 2 - أنه لم يذكر الجريد وغيره لأنها معروفة، وذكر الثمر لأنه الأهم.
وقد يرد على الوجهين؛ بأنا لم نقل ذلك احتجاجاً بمفهوم اللقـ و لم يسكت النبي الله لأنها معروفة وإنما قصرنا ذلك على الثمر لوجوه:- أ- أن الأصل في هذه المعاملة على مذهب للجمهور أنها مخالفة للقياس، فلا يباح إلا مورد النص، لكن يبحث فيه بأن جماعة من الأصوليين قالوا
بالقياس في الرخص.
131
007/ 0
المغني
(1)
(2) كتاب المساقاة ص
11
(3) السنن الكبرى للبيهقي برقم (11632). (1/135)
صفحة 136
المساقاة
ب أن حديث مائة وسق الأزواج النبي الله يقتضي أنهن لم يعطين شيئاً
من غيرها.
أن النبي في مقام معاوضة، وينبغي فيها ذكر هذه الأمور إن ج
كانت له.
د-
أنه لو كانت بالقسمة أو السوية لما دعى داع أن يأتي التقييد بعد الإطلاق "بشطر ما يخرج منها" ثم قال: "من ثمر أو زرع" وهـ
للمطلق ولو كان عاماً لما كان للقيد فائدة.
ولعلها مسكوت عنها لعدم أهميتها أو لعدم حاجة النبي لها.
وقد يستدل على أنها للمالك بما يلي:-
1 - قول الأنصار - وهم أرباب الأرض: تكفون العمل ونشر ككم في الثمرة بحضرة النبي علي الهلال وفق قصر أصحاب الأرض الأنصار - ما يعطونه للعاملين على الثمرة فقط، فذلك يقتضي أن غيرها ليس لهم أي ليس
للعاملين.
السابق.
وإن اعترض بأنه مفهوم لقب، فيجاب بما أجيب به على الحديث
132 (1/136)
صفحة 137
يقتضي
المساقاة
ورد في رواية: ((ولهم شطر ما يخرج منها)) (1) أي لليهود فذلك أنها للمالك، لأن لليهود شطر ثمرها فقط، فلزم أن يكون غير الثمر
للمالك.
3 - أن الأرض ملك لمالكها، والأصل أن ما ينمو فيها ملك له فيبقى هذا
الأصل ويستصحب، ولا يخرج عنه إلا بدليل.
وقد يستدل على أن المقاسمة تشملها بالآتي
?
1. ما رواه أبو عبيد عن ابن عباس قال: (دفع رسول الله خيبر أرضها ونخلها إلى أهلها مقاسمة على النصف) (2) وكذا ما رواه البيهقي عن ابن عمر عن أبيه عمر: أن رسول الله ساقى يهود خيبر على تلك الأموال على الشطر ... ) (3) فالشطر والنصف يشمل الثمر وغيره.
لكن قد يجاب عن ذلك بأن هذه الرواية مطلقة ووردت روايات أخرى تقيد هذا الإطلاق، فيجب حمل المطلق على المقيد، كما هو مذهب جمهور الأصوليين.
2. أن المساقاة ساعدت على نمائها كما ساعدت على نماء الثمرة، وللعامل حق فيها بسبب عمله الذي كان له دور في نمائها، وهي متكررة
(1)
رواه البيهقي السنن الكبرى 191/ 6 برقم (11630).
(2) الأموال ص 195، برقم (1435).
(T)
رواه البيهقي 190/ 6 برقم (11627).
133 (1/137)
صفحة 138
المساقاة
كما أن لصاحب الأرض دورا أيضاً فمقتضى القياس ومقتضى العدالة أن
تكون بينهما كالثمرة.
فإن قيل: بأن الشجر بكل ما فيه يزيد بالمساقاة؛ من جذور وأغصان، ومع ذلك فلا يدخل في قسمة المساقاة يجاب بالتفريق بين ذلك
بوجهين:-
أ- أن هذه متكررة، ومقصد عمل المساقاة ما تكرر، فيشمل الجريد وغيره بخلاف الأغصان والعروق فليست بمتكررة، وليست من مقصد عقد المساقاة في الأصل إلا بطريق التبعية.
ب أن هذا يمكن قسمه فيُقسم، وما لا يمكن قسمه لا يقسم للتعذر، فإن قيل: بأنه يعوض مقدار الزيادة في الشجر فيعطى من النقود ونحوها، لأن ما لا يتمكن فيه من المعاوضة بالمثل فبالقيمة يجاب بأن اشتراط العامل مقدار نصيبه من الثمر يحسب معه ما ينفع به الشجر، والحديث قد يكون ترك ذلك لأجل العرف ومقتضى القائلين بموافقتها للقياس جواز المقاسمة في
ذلك أيضاً.
134 (1/138)
صفحة 139
المساقاة
المبحث الرابع
شروط العمل
وهو بحسب ما يقتضيه العقد عرفاً.
1 - فلذا لا يجوز أن يشترط عملا ليس من جنس المساقاة:-
وقد اختلف العلماء في تحديد العمل إجمالاً.
فذهب النووي إلى أن ما تحتاج إليه الثمار لزيادتها، ويتكر كل سنة، فهو من عمل المساقاة، ومن وظيفة العامل، وأما ما لا يتكرر كل سنة، ويقصد به حفظ الأصول، فهو من وظيفة المالك (1)، وعند ابن مفلح أن ما فيه صلاح الثمرة فعلى العامل، وما فيه صلاح الأصل فعلى المالك (2)،، وقيل: ما يتكرر كل عام فعلى العامل، وما لا يتكرر فعلى المالك، وهذا أصح عند ابن قدامة إلا في شراء ما يلقح به، فإنه على رب المال، وإن تكرر، لأنه ليس من العمل (3).
وعند الإباضية يحكم العرف فيه على حسب سنة أهل البلد (4)، لأن
العادة محكمة.
وسبب الخلاف فيما أحسب يرجع إلى أمرين:-
(1) الروضة 158/ 5 - 159.
(2)
المبدع 53/ 5.
(3) المغني
565/ 5
(4) المصنف 34/ 21، بيان الشرع 40/ 263، 271، 275.
135 (1/139)
صفحة 140
المساقاة
الأول في تأويل حديث النبي: تكفون (العمل)) وحديث: ((على أن يعتملوها من أموالهم هل يقصد بهما جنس العمل؟ لكن يلزم منه أن يكون عاماً مخصصاً، لأن الكل متفقون على أنه لا يلزم العامل ما فيه حفظ
الأصول وما لا يتكرر، أو يحمل على العهد، وهو تحكيم للعرف حينئذ. الثاني: هل فعل النبي صلى الله عليه وسلم وإقراره للمهاجرين والأنصار يحمل محمل التشريع على حسب الأصل أو يحمل على أنه طرف في المعاملة؟ لأن أفعال النبي تأتي متعددة الوجوه، ولا يلزم التأسي به إلا فيما كان على وجـ
(1)
التشريع).
وتفصيل ذلك أن أعمال المساقاة تأتي على أربعة وجوه (2):- أ- عمل يعود نفعه على الثمرة دون النخيل مثل التأبير وتصريف الجريد والجداد، وينقسم إلى أقسام:-
- ما يجب فعله من غير شرط، وهو كل ما لا تصلح الثمرة إلا به كالتلقيح والأباري، ولمالك في التأبير قولان على أيهما؟ وقيل: يجمع
(1)
انظر أقسام فعل النبي في كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية ص 30. أعني بالفعل التشريعي الذي أمرنا باتباعه، فإن اعتبرناه تشريعاً أثبت أن مطلق العمل على العامل، أما إذا لم تحمله على ذلك الوجه فلا يجب على العامل إلا بالشرط، ومثل ذلك مثل اشتراط جابر ظهر بعيره إلى المدينة في تعامله مع النبي صلى الله عليه وسلم فذلك لا يدل على منع البيع إلا بذلك الشرط، وأقواله وأفعاله يجوز الاقتداء بها بل يجب في بعض الأحيان ما لم تكن خاصة به، والأمر هنا يجوز الاقتداء به إن اعتبرناه طرفاً في المعاملة، فيجب مطلق العمل على العامل بالشرط، وإن اعتبرناه تشريعاً لزم من غير شرط. (2) هذا التفصيل من تكملة المجموع، وقد استفدت منه كثيراً وأضفت إليه أقوال المذاهب الأخرى مع
الأدلة.
136 (1/140)
صفحة 141
المساقاة
بينهما، فعلى رب المال الشيء الذي يلقح به، وعلى المساقي وضعه في
موضع النفع به (1).
-
- ما لا يجب عليه فعله إلا بالشرط وهو كل فعل فيه زيادة للثمرة وقد تصلح بعدمه كتصريف الجريد وتدلية الثمرة.
-
مختلف فيه كالقطاط والجداد، ففيه وجهان للشافعية
-1 - أنه واجب بالشرط لتكامل الثمرة بعدمه.
2 - أنه واجب على العامل بغير شرط، لأن الثمرة لا تستغني عنه، وإن
تكاملت قبله (2).
وعند الإباضية الجداد على العامل كما نص على ذلك أبو الحواري
وغيره (3).
أما عند الأحناف فلا يلزم العامل الجداد، بل هو عليهما بقدر حصصهما لأن الثمر قد أدرك فصار ملكاً مشتركاً فيلزمهما معاً، ولو شرط على العامل فسدت المساقاة عندهم (4)، أما المالكية فقد قالوا: بلزوم هذا العمل عليه قال ابن رشد الجد- في ذكر أعمال المساقاة: وذلك مثل الحفر والسقي وزبر الكرم وتقليم الشجر ويجب له به العوض، والتسريب
(1) الذخيرة 101/ 65.
(2) المجموع 415/ 14.
(4)
الضياء 253/ 18.
بدائع الصنائع 186/ 6، البحر الرائق 166/ 8، مجمع الأنمر 505/ 2.
137 (1/141)
صفحة 142
المساقاة
وإصلاح مواضع السقي والتذكير والجداد وما أشبه ذلك) (1)، وذكره القرافي أيضاً في الذخيرة (3)، وهو قول الحنابلة أيضاً، لأنه من العمل كالتشميس، وروي عن أحمد فيه أنه إذا شرط على العامل جاز لأن العمل عليه، وإن لم يشترطه فعلى رب الأرض بحصته، أي أنه عليهما وأجاز اشتراطه على العامل وتعقب ذلك ابن قدامة بأن حديث: أن يعتملوها من أموالهم يخالفهم، وكذلك فإن هذا من العمل، فيكون عليه، واحتج من جعله عليهما بأنه يكون بعد تكامل الثمرة، وانقضاء المعاملة فأشبه نقله إلى المنزل، وهو منقوض بالتشميس، ويفارق النقل إلى المنزل فإنه يكون بعد القسمة وزوال العقد، فأشبه المخزون (3).
ويدل للوجوب عليه:-
1 - أن النبي لم يذكر عنه أنه كان يبعث إلى خيبر من يشاركهم في الجداد، فإن قيل: بأنه يحتمل أن يكون ذلك ليس فعلاً تشريعياً، أجيب: بأنه ولو سلم بأنه ليس فعلاً تشريعياً، لكن الحديث يدل على جواز اشتراطه على العامل وهو ينقض قول الأحناف.
-2 - حديث: تكفون) (العمل)) وحديث: أن يعتملوها من أموالهم
وهما يشملان الجداد.
(1) المقدمات 556/ 2.
(2) الذخيرة 99/ 6. (3) المغني 567/ 5. (3)
138 (1/142)
صفحة 143
المساقاة
إلا أنه يبقى في الحديثين الإشكال السابق، فلو لم يحملا على محمل
التشريع لصح اشتراطه على أيهما.
3 - استصحاب الإجماع، إذ انعقد الإجماع على أن العمل قبل الجداد واجب على العامل فيستصحب الإجماع، وهذا عند من جعل استصحاب الإجماع حجة.
ب ما يعود نفعه على النخل دون الثمرة، مثل سد الحظار وشق السواقي ورفع المياه، قال الإمام الشافعي في الأم: (وأما سد الحظار فليس فيه مستزاد لإصلاح في الثمرة، ولا يصلح شرطه على المساقي، فإن قال: فإن أصلح للنخل، أن يسد الحظار فكذلك أصلح لها أن يبني عليها حظار لم يكن، وهو لا يجيزه في المساقاة، وليس هذا الإصلاح من الاستزادة في شيء من النخل، إنما هو دفع الداخل) (1)، وأضاف في المجموع ما شاكله من عمل الدواليب وإصلاح الزرانيق، فإن شرط على العامل مما ذكر كان الشرط باطلاً والمساقاة فاسدة عند بعض الشافعية، وقال بعضهم: يبل الشرط وتصح المساقاة. حملاً على الشروط الزائدة في الرهن، تبطل ولا يبطل معها الرهن في أحد القولين، وقد خطأ جمهور الشافعية هذا، لأن عقود المعاوضات إذا تضمنت شروطاً فاسدة بطلت كالشروط الفاسدة في
البيع والإجارة (2).
(1) الأم 238/ 3. المجموع 415/ 14.
(2)
139 (1/143)
صفحة 144
المساقاة
وقد منع ابن حزم الظاهري، من اشتراط حفر بئر وتنقيتها، وحفر سائبة وتنقيتها، وحفر نمر وتنقيته (1)، وقال السياغي من الزيدية: (وليس
منه ما يعود إلى حفظ الأصل كبناء الحيطان (2).
وخالف المالكية الشافعية في سد الحظار، فأجازه المالكية، وقد نص على ذلك القرافي، فقد ذكر ما يمنع؛ ومثل له بحفر بئر وبناء سكن، وعقب على ذلك بقوله: (لأنها زيادة تختص بك فهي إجارة مجهولة، ويجوز اشتراط ما تخف مؤنته كخم العين، وشد الحظار ... واليسير من إصلاح الظفيرة ... ) (3) وقد نص على ذلك أيضاً الزرقاني منهم ج- ما يعود نفعه على النخل والثمرة كالسقي والإبارة، وقطع الحشيش المضر بالنخل، وما جرى مجراه مما فيه إصلاح النخل ومستزاد
(4)
للثمرة مما لا تصلح إلا به كالسقي فيما لا يشرب بعروقه كنخل البصرة. قال الإباضية: بأن السقي من أعمال المساقاة وأنه واجب على
العامل، بل اعتبروا أن التلقيح دون السقي لا يعتبر مساقاة ().
وقال الأحناف بوجوب السقي على العامل، وأنه من أعمال المساقاة، بل لو شرط على رب النخل لم يجز ذلك (6).
(1) المحلي 232/ 8. الروض النضير 361/ 3.
(3) الذخيرة 102/ 6.
(4)
شرح الزرقاني 247/ 3.
(0) المصنف 34/ 21.
(1) البحر الرائق 166/ 8، مجمع الأنمر 504/ 2.
12. (1/144)
صفحة 145
المساقاة
وقال ابن رشد الجد-: (وما تعلق بإصلاحها، فضرب ينقطع
بعدها بيسير وضرب دائم فاليسير يلزم المساقي، مثل الحفر
والسقي ... وإصلاح مواضع السقي)).
وللشافعية ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه واجب على العامل بنفس العقد، واشتراطه عليه تأكيد، لما فيه من صلاح النخل وزيادة الثمرة.
الثاني: أنه واجب على رب النخل، واشتراطه على العامل يبطل العقد، لأنه بصلاح النخل أخص منه بصلاح الثمرة.
الثالث: أنه يجوز اشتراطه على العامل لما فيه من زيادة الثمرة، ويجوز اشتراطه على رب النخل لما فيه من صلاح النخل، فلم يتناف الشرطان فيه، فإن شرط على العامل لزمه، وإن شرط على رب النخل لزمه، وإن غفل عنه لم يلزم أي واحد منهما (2)، وعند الحنابلة أن السقي من أعمالها، فقد قال ابن قدامة: ( ... وسقي الشجر واستقاء الماء وإصلاح طرق الماء وتنقيتها، وقطع الحشيش المضر والشوك وقطع الشجر اليابس وزبار الكوم
وقطع ما يحتاج إلى قطعه ... ) (3).
141
المقدمات 555/ 2 - 556.
المجموع 415/ 14.
565/ 5
المغني
(1) (1/145)
صفحة 146
المساقاة
وذكر أيضاً قول بعضهم أن ما يتكرر كل عام فهو على العامل، وما لا يتكرر فهو على رب المال، وعقب عليه بقوله: (وهذا صحيح في العمل ... )) وذكر ابن المرتضى في شرح الأزهار أن السقي من أعمال المساقاة (3)، وقال السياغي: على أن يقوموا على نخلها ... إلخ)) دليل على أن جميع المؤن على العامل، وذلك فيما يحتاج إليه إصلاح الثمر فيما يتكير عمله كالسقي وتنقية الأنهار ... وتنحية الحشيش))، وذكر الخوئي أن السقي من الأعمال (4).
ومن العجيب الخلاف في السقي، هل هو من أعمال المساقاة أو لا؟ وأعجب الأقوال الوجه الثاني للشافعية، حين منعوا اشتراط السقي على
العامل.
ويدل لوجوبه عليه أمور:-
-1 - ورد في رواية البيهقي: ((ساقي رسول الله ... )) ().
وذكر السقي يقتضي دخوله في العمل.
(1)
(2)
(3)
نفس المرجع والصفحة.
الأزهار 318/ 3. شرح
الروض النضير 360/ 3.
(4) کتاب المساقاة ص 24.
(")
سبق تخريجه.
142 (1/146)
صفحة 147
المساقاة
2 - لم يذكر عن النبي له أنه كان يبعث من يسقي أموال خيبر، ولم تكن خيبر بأرض ذات أمطار كثيرة، حتى يقال بأن الأمطار سقتها، بل لا بد لها
من ساق، والواقع أن اليهود "العمال" هم الذين يسقونها.
- حديث: تكفون العمل وحديث: ((على أن يعتملوها من أموالهم والسقي من جملة الأعمال.
ودعوى أنه يزيد الشجر لا أثر لها البتة، فهما متلازمان أي مصلحة الثمر والشجر في هذا الأمر فلا مانع منه، ونماء الشجر ليس هو المقصود أصلاً، وإنما المقصود نماء الثمرة، بل أكثر الأعمال فيها نفع للشجر فيلزمهم منعها على ذلك.
د وهو ما لا يعود نفعه على النخل ولا على الثمر، كما لو اشترط على العامل أن يبني له قصراً أو يخدمه شهراً، وهذا باطل لا يصح وقد منع
من صحة ذلك الشافعية والظاهرية، ولا أعلم أحداً يخالف في ذلك.
-
-2 كون العمل معروفا عندهما:-
فقد قال صاحب الكافي: ويجب أن يكون مفهوماً معلوماً في الحرث والحفر وسائر العمل الذي تقوم به الثمرة) (1) وذكر النووي أنه إذا لم يكن
معلوماً لأحدهما وجب تفصيله قطعاً (2).
(1) الكافي 107/ 2. (2) الروضة 158/ 5.
143 (1/147)
صفحة 148
المساقاة
أما إذا تعدد العمال فعند الإمامية يعين عمل كل واحد منهم وتعين
حصته (1).
وقد يقال: بأنه لا يلزم تعيين عمل كل منهما ولا تعيين حصته لأن جميع العمال عنده بمثابة طرف، وهو يمثل الطرف الآخر كما هو الواقع في خيبر إذ لم يفصل النبي عمل كل واحد من اليهود و لم يعين له نصيباً معيناً لكن قد يقال عليهم بأنفسهم تعيين أعمالهم وأنصبتهم.
التخلية بين العامل والعمل أو انفراد العامل بالعمل:-
وفيه تفاصيل لعلماء المذاهب فنترك لكل مذهب التعبير عن وجهة نظره، مقتضى مذهب أصحابنا عدم اشتراط التخلية، لأنهم أجازوا مشاركة العامل العمل)، وكان الصحابة يمرون بأموالهم، فقد قال ابن عمر:
(فتفرقنا في أموالنا).
(")
کتاب المساقاة ص 53.
(2) بيان الشرع 275/ 40، وملخص العمل عند الإباضية أن على العمال القزاز والرضم والقصاص والتحويل والحظار والسقي والجزاز وسحل النخل والحدار، والسحار واختلفوا في السماد وشحب السواقي؛ فقيل: على المالك، والصحيح تحكيم العرف واختلفوا في الحلال؛ هل على الحصص أو يحكم العرف وهو الصحيح، وأما الدوس والاذرا فقيل من رأس المال، أما النجار وجذور الذرة فبسنة أهل البلد وكذا الموضع، وحراسة المال من اللصوص عليهما بقدر حصصهما، ولعل وجه ذلك أنها ليست من أعمال المساقاة، فلو حملنا "آل" في العمل على الجنس؛ لقلنا: بعدم دخول هذه لأنها صورة شاذة ولا تدخل في العموم عند بعض الأصوليين، ولأنها ليست من أعمال المساقاة في شيء.
انظر بيان الشرع 275/ 40 - 276.
144 (1/148)
صفحة 149
المساقاة
أما الأحناف فيشترط عندهم التخلية بين العامل وعمله فقد قال الكاساني في معرض ذكر شروطها: (ومنها التسليم إلى العامل، وهو التخلية
حتى لو شرطا العمل عليهما فسدت لانعدام التخلية) (1).
قال في الروضة: فلو) شرطا كونه في يد المالك أو مشاركته في اليد لم يصح، ولو سلم المفتاح إليه وشرط المالك الدخول عليه جاز على الصحيح، ووجه الثاني أنه إذا دخل كانت الحديقة في يده ويتعوق بحضوره عن العمل، ومنها أن ينفرد العامل بالعمل فلو شرط مشاركة المالك في العمل فسد العقد، وإن شرطا أن يعمل معه غلام المالك جاز على المذهب، والمنصوص، وقيل: وجهان كالقراض هذا إذا شرط معاونة الغلام ويكون تحت تدبير العامل، فلو شرطا اشتراكهما في التدبير ويعملان ما اتفقا عليه لم يجز بلا خلاف، وإذا جوزناه في الأول فلا بد من معرفة الغلام بالرؤية أو الوصف، وأما نفقته فإن شرطاها على المالك جاز، وإن شرطاها على العامل جاز أيضاً على الأصح، وعلى هذا؛ هل يجب تقديرها ليعرف ما يدفع إليه كل يوم من الخبز والأدم أم لا؟ بل يحمل على الوسط المعتاد لأنه يتسامح به وجهان وبالثاني قطع الشيخ أبو حامد، وإن شرطاها في الثملر فقطع البغوي بالمنع لأن ما يبقى مجهول، وقال صاحب "الإفصاح": يجوز لأنه قد يكون من صلاح المال، ويشبه أن يتوسط فيقال إن شرطاها جزء معلوم بأن شرطا للمالك ثلث الثمار وللعامل ثلثها وبصرف الثلث
ــن
(1) البدائع 186/ 6.
145 (1/149)
صفحة 150
المساقاة
الثالث إلى نفقة الغلام جاز، وكأن المشروط للمالك ثلثاها، وإن شرطاها في الثمار بغير تقدير جزء لم يصح، ولو لم يتعرضا للنفقة أصلا فالمذهب والذي قطع به الجمهور أنها على المالك، وفي وجه على العامل حكاه في المهذب، ولصاحب الإفصاح احتمالان آخران أحدهما أنها من الثمرة والآخر يفسد العقد، ولا يجوز للعامل استعمال الغلام في عمل نفسه، ولو شرط أن يعمل له بطل العقد ولو كان له الحديقة غلمان يعملون فيها لم يدخلوا في مطلق المساقاة، ولو شرط استئجار العامل من يعمل معه من الثمرة بطل العقد ولو شرط كون أجرة من يعمل معه على المالك بطل على المذهب وبه قطع الأصحاب، وشذ الغزالي فذكر في جوازه
وجهين) (1).
برسم
قال الشافعي في "الأم": (ونفقة الرقيق على ما تشارطا عليه، وليس نفقة الرقيق بأكثر من أجرتهم، فإذا جاز أن يعملوا للمساقى بغير أجرة جاز أن يعملوا له بغير نفقة) (2).
الحائط
أما المالكية؛ فقد قال القرافي منهم: (في الكتاب له اشتراط ما في
العقد
يوم من الرقيق والدواب، ويمتنع اشتراطك نزع ذلك منه لأنها زيادة اشترطتها لنفسك، إلا أن تكون تدعيها قبل ذلك، ولا يشترط عليك ما لم يكن فيه عند العقد إلا ما قل كغلام أو دابة في حائط كبير،
(1) الروضة 155/ 5 - 156.
(2) الأم 239/ 3.
146 (1/150)
صفحة 151
المساقاة
لأنه كزيادة تختص به وفي الحائط الصغير الذي تكاد تكفيه الدابة يصير جملة العمل عليك ولا يشترط إخلاف ما جاء به من الدواب أو الرقيق
يوم
العقد
لأنه عليه السلام لم ينزع من أهل خيبر ولم يعطهم، وما كان فخلفه عليك، لأنه عليه، دخل، ويمتنع اشتراطك خلفه عليه، لأنها زيادة
تختص بك وتبقى بعد المساقاة، وعليه نفقة نفسه ودواب الحائط ورقيقه وجميع المؤنة، كان الرقيق لك أو له، ويمتنع اشتراط نفقت عليك، لأن
سهم
العمل عليه فعليه نفقة العاملين؛ وقاله ابن حنبل، وقال "ش" أي الشافعي: نفقة غلمانك عليك، لأنهم ملكك إلا أن يشترط إخلافهم ... فأما اشتراط الغلام والدابة في الحائط الكبير فعليك خلف ذلك بمنزلة ما فيه عند العقد، وإذا كان الأجراء لك فعليك أجرتهم وعليه نفقتهم، لأن عليك ما يحفظ الأصل، وعليه إقامة ما يصلح الثمرة) (1).
وقد يقال: بأنه لا يمتنع اشتراط نزع ذلك، لأن نزع ذلك لا يحتاج أصلاً إلى اشتراط لأن الغلمان، غلمانه، بل بقاؤهم هو الذي يحتاج إلى الاشتراط، لأن الأصل تبعيتهم لرب الأرض لا للعامل، واشتراط عملهم مع العامل مخالف للأصل فهو الذي يحتاج إلى دليل، وعندما أراد الأنصار معاملة المهاجرين لم ينههم النبي الله عن إخراج علمانهم الموجودين في
حدائقهم.
(1) الذخيرة 99/ 6 - 100.
147 (1/151)
صفحة 152
المساقاة
وقال ابن قدامة: (وإن شرط أن يعمل معه غلمان رب المال فهو كشرط عمل رب المال لأن عملهم كعمله فإن يد الغلام كيد مولاه وقال أبو الخطاب فيه وجهان، أحدهما كما ذكرنا، والثاني يجوز لأن غلمانه ماله فجاز أن تعمل تبعاً لماله كثور الدولاب، وكما يجوز في القراض أن يدفع إلى العامل بهيمة يحمل عليها، وأما رب المال لا يجوز جعله غلماناً
تبعاً، وهذا قول مالك والشافعي ومحمد بن الحسن، فإذا شرط غلمان
لهـ
على
يعملون معه فنفقتهم على ما يشترطان عليه فإن أطلقا ولم يذكرا نفقتهم فهي على رب المال، وبهذا قال الشافعي، وقال مالك: نفقت المساقي، ولا ينبغي أن يشرطها على رب المال لأن العمل على المساقي، فمؤنة من يحمله عليه كمؤنة غلمانه ولنا أنه مملوك رب المال فكانت نفقته
عليه عند الإطلاق، كما لو أجره فإن شرطها على العامل (جاز) (1).
أقول: وفيه نظر، فإنه جاء في الحديث: على أن يعتملوها من أموالهم)) (2) فإن ذلك يشمل بعمومه - نفقة العامل ولا مخصص له ويشمل ذلك نفقة غلام رب المال، فتعارض هنا أصلان الأصل الأول: وجوب نفقة العمل على العامل بكل ما فيه والأصل الثاني: وجوب نفقة العبد على سيده، والأصلان عامان فهو من تعارض عمومين، ويحتاج إلى
مرجح لأحدهما على الآخر.
567/ 5 - 568
المغني
(1)
(2) السنن الكبرى للبيهقي 119/ 6) برقم (11632)، وأبو داود 67/ 5 برقم (3267).
148 (1/152)
صفحة 153
المساقاة
هذا إذا قلنا: بأن معاملة النبي: على أن يعتملوها من أموالهم لبيان أنها على العامل مطلقاً؛ أي أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم فعل تشريع، أما إذا قلنا: بأنه فعل ذلك لكونه أحد الطرفين، فلا يلزم ذلك إلا
بالاشتراط.
ثم قال أي ابن قدامة ولا يشترط تقديرها؛ وبه قال الشافعي، وقال محمد بن حسن يشترط تقديرها لأنه اشترط عليه ما لا يلزمه فوجب أن يكون معلوماً، كسائر الشروط، ولنا أنه لو وجب تقديرها لوجب ذكر صفاتها، ولا يجب ذكر صفاتها فلم يجب تقديرها، ولا بد من معرفة الغلمان المشترط عملهم برؤية أو صفة لتحصل بها معرفتهم كما في عقد الإجارة ... وإن شرط العامل أن أجر الأجراء الذين يحتاج إلى الاستعانة بهم من الثمرة وقدر الأجرة لم يصح، لأن العمل عليه فإن شرط أجرة من الملل لم يصح، كما لو شرط لنفسه أجر عمله وإن لم يقدره فسد لذلك ولأنه مجهول، ويفارق هذا ما إذا اشترط المضارب أجر ما يحتاج إليهم من الحمالين ونحوهم؛ لأن ذلك لا يلزم العامل فكان على المال، ولو شرط أجر ما يلزمه عمله بنفسه لم يصح كمسألتنا) (1).
وحديث البيهقي عن ابن عمر: أن النبي لدفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعتملوها من أموالهم ... )) (3) وفي حديث
(1) المغني
(2)
568/ 5
سبق تخريجه.
149 (1/153)
صفحة 154
المساقاة
معاملة الأنصار المهاجرين؛ وفيه: ((ويكفونهم العمل والمؤنة)) (1) فالحديثان يقتضيان أن الإنفاق يكون على العامل في كل شيء فيه مصلحة الثمرة وذلك يشمل العمال ونفقاتهم، هذا إذا قلنا بأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ذلك تشريعاً.
ولا مانع من أن تكون أجرتهم على رب الأرض لأن النفقة عليه أصلا، وكون العمل على العامل لا يمنع من مشاركة الغلمان له من دون نفقة، فالأجير إن وكل بعمل ما فشاركه غلمان الموكل في ذلك العمل لا يلزم إعطائهم نفقتهم. أما الشيعة الإمامية فقد قالوا: لا يشترط أن يكون العامل في المسلقاة مباشراً للعمل بنفسه، فيجوز له أن يستأجر في بعض أعمالها أو في تمامها ويكون عليه الأجرة، ويجوز أن يشترط كون أجرة بعض الأعمال على المالك، والقول بالمنع لا وجه له، وكذا يجوز أن يشترط كون الأجرة عليهما معا في ذمتهما، أو الأداء من الثمر، وأما لو شرط على المالك أن
يكون أجرة تمام الأعمال عليه أو في الثمر ففي صحته وجهان:- أحدهما: الجواز لأن التصدي لاستعمال الأجرة نوع من العمل، وقد تدعو الحاجة إلى من يباشر ذلك لمعرفته بالآحاد من الناس وأمانتهم وعدمها،
والمالك ليس له معرفة بذلك.
(1) السنن الكبرى للبيهقي 191/ 6 برقم (11633).
150 (1/154)
صفحة 155
المساقاة
الثاني: المنع، لأنه خلاف وضع المساقاة والأقوى الأول، هذا ولو شرطا كون الأجرة حصة مشاعة من الثمر بطل الجهل بمقدار مال الإجارة فهي
باطلة (1).
وكذلك عندهم: لو شرط العامل على المالك أن يعمل غلامه معه صح، أما لو شرط أن يكون تمام العمل على غلام المالك، فهو كما لو شرط أن يكون تمام العمل على المالك، وقد مر عدم الخلاف في بطلانه لمنافاته لمقتضى وضع المساقاة، ولو شرط العامل على المالك أن يعمل غلامه في البستان الخاص بالعامل فلا ينبغي الإشكال في صحته، وإن كان ربما يقال بالبطلان، بدعوى أن عمل الغلام في قبال عمل العامل فكأنه صار مساقياً بلا عمل منه ولا يخفى ما فيها، ولو شرطا أن يعمل غلام المالك للعامل تمام عمل المساقاة بأن يكون عمله له بحيث يكون كأنه هو العلمل ففي صحته وجهان لا يبعد الأول، لأن الغلام حينئذ كأنه نائب عنه في العمل بإذن المالك، وإن كان لا يخلو عن إشكال مع ذلك، ولازم القول بالصحة الصحة في صورة اشتراط تمام العمل على المالك بعنوان النيابة عن العامل (2).
إذا تبرع عن العامل متبرع بالعمل جاز إذا لم يشترط المباشرة، بل لو أتى به من غير قصد التبرع عنه أيضاً كفى، بل ولو قصد التبرع عن
المالك
(1)
كتاب المساقاة ص 30 - 32.
(2) كتاب المساقاة ص 28 - 30.
151 (1/155)
صفحة 156
المساقاة
كان كذلك أيضاً، وإن كان لا يخلو من إشكال فلا يسقط حقه من الحاصل، وكذا لو ارتفعت الحاجة إلى بعض الأعمال، كما إذا حصل السقي بالأمطار ولم يحتج إلى النزح من الآبار خصوصاً إذا كانت العدة كذلك، وربما يستشكل بأنه نظير للاستئجار لقلع الضرس إذا انقلع بنفسه
فإن الأجير لا يستحق الأجرة، لعدم صدور العمل المستأجر عليه منه فاللازم في المقام أيضاً عدم استحقاق ما يقابل ذلك العمل، ويجاب بأن
وضع المساقاة وكذا المزارعة على ذلك، فإن المراد حصول الزرع والثمرة فمع احتياج ذلك إلى العمل فعله العامل، وإن استغنى عنه بفعل الله أو بفعل الغير سقط واستحق، حصته بخلاف الإجارة، فإن المراد منها مقابلة العوض بالعمل منه أو عنه، ولا بأس بهذا الفرق فيما هو المتعارف سقوطه أحياناً كالاستقاء بالمطر مع بقاء سائر الأعمال، وأما لو كان على خلافه، كما لو لم يكن عليه إلا السقي واستغنى عنه بالمطر أو نحوه كلية، فاستحقاقه
للحصة مع عدم صدور عمل منه أصلا مشكل (1).
(1) كتاب المساقاة 57 - 59.
152 (1/156)
صفحة 157
المساقاة
المبحث الخامس
شروط الصيغة
نقصد بشروط الصيغة الإيجاب والقبول - هنا الشروط الخاصة
بالمساقاة، فلا نتطرق للشروط في كل العقود كاتحاد الموجب بين الإيجاب والقبول وكالتنجيز فيهما وموافقة القبول للإيجاب في القيمة ومباشرته له وإنما نعني ما يخص المساقاة فقط.
تنعقد المساقاة بلفظ المساقاة اتفاقاً لأنها الأساس فيه، أما بلفظ عامل فقد اختلف العلماء في ذلك فمذهب الحنابلة (1) والإمامية (2) أنها تصح لذلك وقد بين ابن قدامة أن سبب جواز ذلك هو مراعاة المعنى، فإن أتى بأي لفظ يدل عليها صح (3)، أما الشافعية فلهم وجهان الصحة وعدمها (4)، ومذهب النووي منهم المنع ()، وكذلك المالكية، فمذهب ابن القاس
(1)
منهم أنها لا تنعقد إلا بلفظ المساقاة، وخالف في ذلك آخرون منهم فقالوا
بانعقادها.
(1)
33
(2)
(T)
3
0564/5
المغني جامع المقاصد 345/ 7.
المغني
0564/ 5
(4) المجموع 414/ 14.
(5) الروضة 157/ 5. (1) المقدمات 552/ 2.
153 (1/157)
صفحة 158
المساقاة
المشابهة،
أما لفظ الإجارة فلا تصح عند الشافعية كما ذكر في المجموع)، وفي الروضة وجهان؛ أصحهما المنع، والأول: لما بينهما من والثاني: لأنهما بابان مختلفان، لأن لفظ الإجارة صريح في غير المساقاة، فإن
أمكن تنفيذه في موضعه نفذ فيه، وإلا فلا وهو إجارة فاسدة، والخلاف راجع إلى الاعتبار باللفظ أو المعنى (2).
وجوزه سحنون من المالكية لأنهما عقدان على منافع، وأبطله ابن القاسم لمباينة البابين وصحح ابن رشد قول ابن القاسم كما لا تنعقد الإجارة بلفظ المساقاة (3)، وعند مالك جواز الإجارة بلفظ المسـ المساقاة (4)، وعند الحنابلة وجهان أيضاً: أحدهما؛ لا يصح، ذكره أبو الخطاب، لأن الإجارة يشترط لها كون العوض معلوماً، والعمل معلوماً، وتكون لازمة، والمساقاة بخلافه، والثاني؛ يصح وهو أقيس لأنه مؤد للمعنى فصح به العقد، كسائر الألفاظ المتفق عليها (9) وفي "الإنصاف" ذكر الوجهين في ذلك أحدهما: تصح واختاره المصنف والشارح وابن رزين وقالوا: هو أقيس وابن عدوس في "تذكرة" له، وصححه في "التصحيح" وجزم به في "الوجيز"، وهو المذهب على ما اصطلحناه، والثاني: لا تصح، قدمه في
(1) المجموع 413/ 14. (2) الروضة 157/ 5.
(3)
الذخيرة 105/ 6.
(4) المقدمات 552/ 2.
(0) المغنى 565/ 5. (1/158)
صفحة 159
المساقاة
"الهداية" و"المستوعب" و"الخلاصة" و"التلخيص" و"البلغة" و"شرح ابن رزين وغيرهم، ونص على الأول أحمد في رواية جماعة (1).
وتصح عندهم بما يؤدي معناها نحو عاملتك وفالحتك واعمل في بستاني حتى تكمل ثمرته، لأن القصد المعنى فإذا جاء بأي لفظ دل عليه صح كالبيع (2)، بل قال ابن مفلح بأنها لا تفتقر إلى القبول لفظاً) (3) واختار الجواز ابن الحاجب وابن شاس وابن عرفة وهو المذهب عند المالكية (4) ومثله عند الإمامية في مثل نحو عاملتك وصالحتك أما في نحو اعمل في بستاني ففيه خلاف بينهم، ذكر الكركي أن الأظهر عدم الصحة، لأن هذه المعاملة مشتلمة على غرر وجهالة على خلاف الأصل، فيقتصر على موضع
اليقين (9).
أما عند الإباضية فإنهم لم يذكروا لفظاً خاصاً للمساقاة، والظاهر أنهم يجيزونها بأي لفظ يدل عليها.
والقائلون بالجواز بأي لفظ يدل لهم أن لفظ المساقاة لم يأت نص يدل عليه، وقصر الصيغة عليها لم يقم عليه دليل، والحديث أصرح في لفظ عامل، بل إن سلم بأن النبي الله وأصحابه عقدوها بتلك اللفظة فذلك لا
(1)
الإنصاف 5/ 423.
(2) المذهب الأحمد ص 104، کشاف القناع 533/ 3.
(T)
(4)
(°)
المبدع 49/ 5.
الخرشي
227/ 6
جامع المقاصد 345/ 7.
100 (1/159)
صفحة 160
المساقاة
يقتضي منع غيرها، لأن عرفهم جرى بذلك، ويدل على عدم الاشتراط
أيضاً أنه عندما عقد الأنصار والمهاجرون الاتفاق عليها لم يرشدهم النـ إلى لفظ معين ولو كان هناك لفظ معين لنبههم عليه، وتدل لذلك أيضاً القاعدة "العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني"، ويستأنس أيضاً بقاعدة "إعمال الكلام أولى من إهماله"، وهنا أمكن إعمال الكلام بعقد المساقاة به.
وأما ذكر الأعمال ففيه خلاف.
قال النووي: (وإذا عقدا بلفظ المساقاة فالصحيح أنه لا يحتاج إلى تفصيل الأعمال، بل يحمل في كل ناحية على عرفها الغالب، وقيل: يجب
تفصيلها، وهذا الخلاف إذا علم المتعاقدان العرف المحمول عليه فإن جهل أحدهما وجب التفصيل قطعا))، وقال الغزالي: (ولا يشترط "و" على وجه بعيد- تفصيل الأعمال فإن العرف يعرفها) (2)، وقال القرافي من المالكية: (لا يشترط تفصيل الأعمال، بل يحمل على العادة (3)، ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفصل الأعمال، بل جاء بالخطاب العمومي ((أن يعتملوها من أموالهم و لم يفصل الأعمال في حديث: ((تكفونا العمل)) ومن المعلوم بأن توضيح ذلك لا داعي إليه لأنه معلوم، وتوضيح
(1) الروضة 158/ 5.
(7)
الوجيز 228/ 1.
(3) الذخيرة 105/ 6.
156 (1/160)
صفحة 161
المساقاة
الواضحات إحدى المشكلات كما قيل، وإذا كان هناك عادة حمل عليها، لأن العادة محكمة، والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، أما إذا كان لا يعلم فلا بد من البيان، حتى لا يقع في الغرر حيث يقدم على أمر، وهو لا يدري ما يلزمه فيه.
أما إذا ساقاه سنتين؛ فعند الشافعية قولان في وجوب ذكر قسط كل سنة، أحدهما: لا يجب، كما إذا اشترى أعياناً بثمن لم يجب ذكر قسط كل عين منها، الثاني: يجب، لأن المنافع تختلف باختلاف السنين، فإذا لم يذكر قسط كل سنة لم نأمن أن ينفسخ العقد فلا يعرف ما ير. يرجع فيـ العوض، وبعض الشافعية قالوا: القولان في الإجارة، أما في المساقاة فإنه يجب ذكر قسط كل سنة من العوض، لأن الثمار تختلف باختلاف السنين، والمنافع لا تختلف عادة باختلاف السنين (1).
مس
قلت: إني لم أجد من يذكر أن النبي الفصل ذلك، بل حـ تحديداً واحداً لجميع السنين، فذلك يقتضي عدم وجوب ذكر قسط كل سنة، أما قولهم بأنه إذا انفسخت المساقاة فلا يعرف ما يرجع فيه. فكلام ضعيف لأنه يرد إلى أجرة المثل في بعض الصور ذكر القسط أو لا، تباين أو اتحد، وسيأتي بيانه في محله؛ إن شاء الله تعالى.
157
المجموع 406/ 14.
(") (1/161)
صفحة 162
المساقاة
ولا بد من بيان حدود الشجر، فلو أمره بالعمل في أرض فعمل فيها
وفي غيرها فلا شيء عليه من الأخرى ولو كان رب الأرض حاضراً لا
ينكر (1).
و لم أجد للأحناف كلاماً في الصيغة، إلا أنهم قالوا: ركناها أي المساقاة - الإيجاب والقبول كما قال الكاساني، أو مع الارتباط كما قال ابن نجيم، ولم يفصلوا كيفية الإيجاب والقبول، ولعله يصح عنده
صيغة تدل على ذلك وهم يسمونها المعاملة.
سم بأي
لأنهم يقولون بقاعدة "العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، لا
بالألفاظ والمباني" (2).
(1)
(2)
بيان الشرع 286/ 40.
شرح القواعد الفقيهة ص 55. (1/162)
صفحة 163
المساقاة
المبحث السادس
شروط المدة
ولا بد للمدة من شروط حتى تكون المساقاة معتبرة:-
-1 - أن تكون المدة محددة معلومة:-
قبل الكلام في هذا الشرط لا بد من بيان متعلق القول بوجوب توقيتها إذ مبناه عند كثير من العلماء على لزومها، فلذا سنتكلم عن اللزوم أولاً. اختلف العلماء في لزومها، فذهب الجمهور إلى اللزوم، بل قال الكركي إجماعاً (2) وهو مذهب الأحناف (3) وجمهور الشافعية (4) والمالكية (5) والشيعة الإمامية (6) وعليه بعض الحنابلة (7) وعليه بعض أصحابنا كالعلامة
البسيوي)
وقال فريق آخر منهم التقي السبكي (9) من الشافعية وعليه
(1)
(2)
(4)
(°)
€
الخرشي
227/ 6
جامع المقاصد 344/ 7.
البدائع 187/ 6.
فتاوى السبكي 421/ 1، المجموع 406/ 14.
الذخيرة 105/ 6، الخرشي 227/ 6.
(1) كتاب المساقاة ص 22، جامع المقاصد 344/ 7.
(Y)
(^)
(9)
المغني 569/ 5.
مختصر
البسيوي ص 291.
فتاوى السبكي 421/ 1.
159 (1/163)
صفحة 164
المساقاة
الظاهرية (1) وأكثر الحنابلة (2) فيما أحسب وبعض أصحابنا (3) بعدم اللزوم.
وسنذكر أدلة الفريقين في معرض أدلة توقيت المساقاة وعدمه، إذ الأدلة متحدة والإيرادات واحدة حتى نستغني عن التكرار، وما تمز به أحدهما دون الآخر في الإيرادات نحيله إلى فهم القارئ الكريم، إذ لا يعسر فهمها عليه لأن المقام متضح.
واختار في "التبصرة" من الحنابلة فيما أحسب أنها غير لازمة من جهة العامل ولازمة من جهة المالك (4) وهو ضعيف، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو المالك واشترط أن يخرجهم متى شاء، فمن قبله هي جائزة وليست لازمة، ولو قال العكس لكان أولى حتى لا يعارض الحديث.
كان
وقيل: إن وقت لها وقت فهي لازمة إلى ذلك الوقت وإلا فهي جائزة، وهو ظاهر كلام المحقق الخليلي رحمه الله تعالى (5)، ونص عليه الشيخ محمد بن عبدالله بن مداد (1) في المفاسلة ولعل حكمهما متحـ متحد، وعليه
(1)
المحلى 225/ 8.
(2) كشاف القناع 527/ 3، المبدع 52/ 5، المغني 569/ 5.
(3) المصنف 31/ 21، 32، 55.
(2)
(")
المبدع 52/ 5.
تمهيد قواعد الإيمان 187/ 8
(1) لباب الآثار 87/ 9
160 (1/164)
صفحة 165
المساقاة
فروع بعض أصحابنا (1)، ولعلهم يفرقون بين المؤقتة لأنها حددت فأشبهت العقود اللازمة، فلا يمكن إلغاء التوقيت لدلائل العمومات، وغير المؤقتة هي
فعل النبي صلى الله عليه وسلم وكانت غير لازمة لعدم التوقيت، فكذا هنا، وسوع التقـ السبكي ذلك (2).
وقيل: أولها لازم كالإجارة وآخرها إذا عجز كالجعل أي غير لازم، وهو قول سحنون (3)، ولعل هذا القول راجع في حقيقته إلى القول الأول.
وقيل: بأنها جائزة لازمة (4)، و لم أفهم مراده من ذلك.
أما تحديد التوقيت فعلي اشتراطه الجمهور كما نسبه إليهم النووي (5)
(7)
والسياغي (6) والصنعاني (7) والشوكاني (8)، وهو الذي يفهم من كلام الشيخ درويش)، وعليه الشافعية، ولم يخالف منهم إلا التقي السبكي (10) وعليه بعض المالكية (11) كابن الحاجب، وكلام مالك بخلافه حيث قال:
(1)
(2)
انظر بيان الشرع 295/ 40، المصنف 31/ 21.
فتاوى السبكي 421/ 1.
) الذخيرة 105/ 6.
(4)
(•)
فتاوى السبكي 421/ 1.
شرح صحيح مسلم 211/ 10.
) الروض النضير 360/ 3.
(^)
سبل السلام 149/ 3.
نيل الأوطار 9/ 6.
(1) الدلائل في اللوازم والوسائل ص 397
(1.)
فتاوى السبكي،425/ 1، طبقات الشافعية 232/ 10.
(11) عقد الجواهر الثمينة،820/ 2، الفواكه الدواني 108/ 20، منح الجليل 397/ 7.
161 (1/165)
صفحة 166
المساقاة
الشأن فيها الجداد وإن لم يؤجلاه) (1)، وذكر عن أحمد بن حنبل
القولان (2)، وكثير من أصحابه على عدم اشتراطه (3).
أما الأحناف فقد قالوا بعدم اشتراطه مع كونهم يقولون باللزوم، وعللوا ذلك كما قال العيني: والثابت عادة كالثابت شرطا فصارت المدة معلومة، فإن تقدم أو تأخر ذلك بيسير لا يقع بسببه منازعة عادة) (4) فلم يعتبر اشتراط التوقيت لأن وقت خروج الثمر معلوم، والظاهرية قالوا: بعدم اشتراطه أصلاً، بل غالى ابن حزم الظاهري فاعتبر التوقيت مفسداً لهـ ()
(7)
وكأنه أي عدم الاشتراط مذهب الشوكاني (6) والصنعاني (7)
-
والسياغي) وعليه جماعة من أصحابنا (9).
واستدلوا لذلك بقول النبي: ... أقركم فيها على ذلك ما
شئنا)) (10).
(1) الذخيرة 98/ 6، وذكر الشيخ عليش أن ظاهر كلام العلامة خليل عدم اشتراط ذلك،
منح الجليل 397/ 7.
(2) فتاوى السبكي 424/ 1، البناية 616/ 10.
(3)
المبدع،49/ 5، الروض المربع،239/ 2، کشاف القناع 537/ 3.
(4) البناية 617/ 10.
(5) المحلى 225/ 8، وانظر شرح صحيح مسلم 211/ 10.
(1)
3
نيل الأوطار 9/ 6. سبل السلام 149/ 3.
(8) الروض النضير 360/ 3.
(1) المصنف 31/ 21 - 32.
(10)
رواه مسلم 211/ 10
162 (1/166)
صفحة 167
المساقاة
وقد تكلف الجمهور الإجابة على هذا الاستدلال، فأوله بعضهم على أن المراد منه مدة العهد والمراد أن نمكنكم من المقام في خيبر ما شئنا، ثم نخرجكم إذا شئنا، لأنه كان عازماً على إخراج الكفار من جزيرة العرب كما أمر في آخر عمره.
وقيل: معناه لنا إخراجكم بعد المدة المسماة وكانت سميت مدة).
وقيل: لأنهم كانوا عبيداً له، ويجوز بين السيد وعبده ما لا يجوز بين الأجنبيين، إذ للسيد أخذ ما بيد عبده عند الجميع، وهو ضعيف، لأنهم
ليسوا بعبيد كما سبق بيانه.
وقيل: لعله بين لهم ولم يبينه الراوي، أو أن الراوي لم يسمعه، والأصل خلافه.
وقيل: ليس القصد بهذا الكلام عقد المساقاة، وإنما القصد أنها غـ
مؤيدة (2).
معهم،
ـير
وقال ابن رشد الجد-: (وإنما قال ذلك لهم بعد عقـ ــد المساقاة كما يقول الرجل للرجل إذا شاركه أو قارضه أنت شريكي ما أحيانا الله، لا يريد بذلك ضرب مدة مجهولة، وإنما يريد بذلك أني أبقى معك مع القراض والشركة على شروطها) (3).
(1)
(2)
شرح صحيح مسلم 211/ 10، الروض النضير 360/ 3.
شرح الزرقاني 243/ 3.
) المقدمات 553/ 2.
163 (1/167)
صفحة 168
المساقاة
وفيه نظر؛ وذلك لأن ابن رشد نفسه قال: (ما أقرهم الله، أي لم
يأمره الله تعالى بإجلائهم عنها وترك معاملتهم فيها، وكان يرجو
الله و لم يأذن له إلا في مرض موته)).
وهذا يقتضي أن النبي الله لم يقل ذلك بقصد الاستمرار.
ذلك من
واعتبره ابن عبدالبر من خصوصياته (2)، وهو ضعيف لأمور:-
-1 - أن دعوى الخصوصية لا تثبت إلا بدليل ولا دليل.
2 - أن الصحابة استمروا على تلك المعاملة ولم يبينوا لها مدة. - أن النبي لم تكن المساقاة له، وإنما كان معه في تلك المعاملة مـ شاركه في فتح خيبر، فكيف يقصر عليه أمر شاركه فيه ما يقارب ألف وخمسمائة رجل إلا إن كانوا يقولون بأنه كان وكيلاً عنهم فساغ لذلك.
وجميع
هذه الاعتراضات التي اعترض بها على الاستدلال بالحديث لا تخلو من نظر لعدم ما يدل عليها لكن قد يجاب على الحديث بوجهين:- 1 - أن المقصود "بنقركم": نقركم على أرض خيبر لا على عقد المسلقاة، فإن قيل: بأن إبعادهم عن الأرض يقتضي زوال المساقاة، أجيب بأنه لا مانع من ذلك، لأن الإخراج لم يعرض للمساقاة إلا تبعاً، أما أصالة فهو إخراج من الأرض، وإن استلزم ذلك الخروج من العمل، كما لو عامل
(1)
نفس المرجع والصفحة.
(1) الاستذكار 207/ 21
164 (1/168)
صفحة 169
المساقاة
النبي اليهود بالإجارة أما ساغ له اشتراط إخراجهم من الأرض، مع
أنها لا بد لها من توقيت.
-2 - أنها قد يكون لابد لها من توقيت ولكن الاشتراط هو الذي منع التوقيت، وقد يعترض على ذلك بأن ما كان أصله التوقيت لا يصح اشتراط عدم التوقيت فيه وهذان الجوابان ليسا من القوة بمكان حتى يعتمد عليهما.
وقد يستدلون كذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحدد مدة في معاملته مع أهل
خيبر وهو قريب من الأول، والإيرادات عليهما واحدة.
وقد استدلوا كذلك بالقياس على المضاربة، إذ لا يشترط فيها التوقيت وليست بلازمة.
وقال القرافي متعقباً القياس الفرق بأن أرباح القراض منوطة بالأسواق وهي غير منضبطة في مدة معينة، فكانت غاية نضوض المال وغاية المساقاة الجداد، وما تجدد المدة، ويكون آخرها الجداد، فلا يختل من مقصودها) (1).
وقال المطيعي أيضاً: والفرق بينهما أن نماء النخل في المساقاة متأخر عن العمل، فكان في ترك لزومه تفويت العمل بغير بدل، ونماء المال في
(1) الذخيرة 106/ 6. (1/169)
صفحة 170
المساقاة
المضاربة متصل بالبيع، فلم يكن في ترك لزومه تفويت للعمل بغير بدل فلذلك انعقد لازماً في المساقاة وجائزا في المضاربة) (1).
ويضاف إلى ما قالوه، أنه قياس على ما خالف الأصل، ومما يزيده ضعفاً أن الظاهرية لا يقولون بالقياس فكيف يستدلون به، إلا أن يكون من باب إلزام الخصم بما يلتزمون به.
وقد يستدل أيضاً بالقياس على المزارعة - بالنسبة إلى القائلين باشتراط المدة فيها لكن هذا القياس لا يلزم إلا الأحناف القائلين بالتفريق بينهما في التوقيت، لكنهم لا يسلمون به لمخالفة الأصل، وكلام الحنفية يسوغ عندما يساقي الرجل على صنف واحد من الثمار أما إذا ساقي على أشجار متعددة الأنواع والأحناف يجيزون ذلك لما كان وقت خروجها متحداً إذ حصادها مختلف الأوقات فلا يعلم المقصود هل هو ثمر الصنف الأول أو ثمر الصنف الثاني؟ فلا بد من بيان، ولعلهم يشترطون تحديد المدة فيها كما يفهم من كلام بعضهم.
أما القائلون بالتوقيت واللزوم فملخص استدلالهم ما يلي:-
أ- قول الله تعالى: أوفوا بالعقود (المائدة))، وكذلك بحديث: ((المؤمنون عند شروطهم) (2)، وقد يقال هو عام خصصه حديث: نقركم علـ
(1)
المجموع 406/ 14.
(2) رواه الدارقطني 19/ 2 برقم (2667)، واستدل به في جامع المقاصد 344/ 7، (1/170)
صفحة 171
المساقاة
ذلك ما شئنا)) إذ الخاص يقضي على العام مطلقاً، وقد يدفع بتأويل الحديث بالتأويلات السابقة، ويجاب عن ذلك بأن تخصيص العام أولى من
تأويل الخاص.
ب التشبيه بالإجارة؛ أي القياس عليها، لكن تعقب السبكي ذلك فقال: ولا يلزم شبهها بالإجارة أن تعطى جميع أحكامها)) وقال في المغني: وفارق الإجارة لأنها بيع فكانت لازمة كبيع الأعيان ولأن عوضها مقدر معلوم فأشبهت البيع وقياسهم ينتقض بالمضاربة وهي أشبه بالمساقاة مـ الإجارة فقياسها عليها أولى) (2) على أن الإجارة على عمل معين لا يلزم توقيتها، والمساقاة بها أشبه من الإجارات الأخرى، والإجارة مختلف في
لزومها.
ج-
ــن
المصلحة تقتضي بيان المدة إذ لم تحدد مدة فقد يخرج رب الأرض على المساقي بعدما بذل كل ما في وسعه في الأرض، فيكون في خروجه ضرر عليه وإن عوض لأن الذي بذله في بعض الأحيان أكثر من أجرة المثل، لأن الدوافع النفسية بلغت فيه أقصاها، وقد كان يأمل أن يكون له جزء من الثمر فتغيره ضرر عليه؛ والضرر يزال، وقد يكون الضر على صاحب الأرض لأنه يجبر على دفع أجرة المثل، وقد يكون لا يملك إلا أرضه للمساقي، هذا إذا قيل: إنه يدفع أجرة المثل أي بقول الكرخي
(1)
فتاوى السبكي 421/ 1.
(2) المغني 569/ 5.
167 (1/171)
صفحة 172
المساقاة
وكثير من العلماء على منع ذلك، ويضاف إليه أن رب الأرض إن رأى المساقي بذل ما عنده وتصور أن الثمرة أكثر من أجرة المثل دفعه ذلك إلى نقض المساقاة، والمساقي إن تصور أن الثمر أقل من الأجرة نقضها ليأخذ الأجرة؛ إن قيل: بأن له الأجرة، وفيها خلاف.
وحرر ذلك في "المجموع" بأسلوب آخر فقال: (ولا تجوز إلا على مدة معلومة لأنه عقد لازم، فلو جوزناه مطلقاً استبد العامل بالأصل فصار كالمالك) (1) وفيه نظر لأن المخالفين له يقولون: إن لصاحب الأرض إخراجه مع إعطائه حقه؛ أجرة المثل إن لم يبدأ الثمر أو نصيبه إن ظهرت، وبنى الاشتراط على اللزوم، ولا لزوم عند المخالفين له، بل يقولون هي عقد
جائز عندهم. وقال ابن عبد البر: والذي عليه العلماء بالمدينة أن المساقاة لا تجوز إلا إلى أجل معلوم) (2) وذلك حجة عند المالكية القائلين بحجية عمل أهل المدينة لكنها حجة مختلف فيها فلا تلزم إلا من سلم بها.
حكى القاضي أبو الطيب الإجماع على اشتراط التوقيت والإجماع حجة فيجب العمل به لكن في الإجماع نظر، قال التقي السبكي: (وهو غير مسلّم له، ولم نجد نقلة الإجماع على أنه ذكر مدة كذا قال القاضي، وإنما أراد إجماع من قال بها من الطائفتين) (3).
(1) المجموع 405/ 14. (2) تمهيد ابن عبد البر 405/ 6. (2) فتاوى السبكي 420/ 1.
168 (1/172)
صفحة 173
المساقاة
ح- هي التزام عمل في الذمة فيجب أن تكون لازمة قال التقي السبكي متعقباً ذلك: (وقوله إنها التزام عمل في الذمة يمكن أن ينازع فيه، ويقال:
إنها إذن كالجعالة وليست بالتزام) (1).
2 - ألا تتجاوز حداً طويلاً من السنين:-
وقد اختلفوا في تحديده فمنع ابن نجيم من الحنفية أن تكون خمسمائة سنة، وذكر في المزارعة أن تكون قدر ما يعيش إليه مثلهما) فلا يصح إن تجاوزت ذلك و لم يحدد المالكية جوازه بعدد معين من السنين ومنعوها فيمل طال منها (3) بينما كره ابن رشد الجد ذلك (4)، وللشافعية في ذلك ثلاثة
أقوال:-
أحدها: لا تجوز أكثر من سنة لأنه عقد على غرر أجيز للحاجة، ولا تدعو الحاجة أكثر من سنة؛ لأن المنافع تتكامل في سنة.
والثاني: تجوز ما بقيت العين؛ لأن كل عقد جاز إلى سنة جاز إلى أكثر منها، كالكتابة والبيع إلى أجل.
والثالث: إنه لا يجوز أكثر من ثلاثين سنة؛ لأن الثلاثين شطر العمر، ولا تبقى الأعيان على صفة أكثر من ذلك، ومنهم من قال: هي على القولين
(1)
نفس المرجع ص 421.
(2) البحر الرائق 164،159/ 8.
(1)
3
المدونة 8/ 4، الجواهر الثمينة 820/ 2، الذخيرة 114/ 6.
(4) المقدمات 553/ 2.
169 (1/173)
صفحة 174
المساقاة
الأولين، وأما الثلاثون ذكره على سبيل التكثير لا سبيل التحديد، وهو
الصحيح (1).
وأما الحنابلة فلا يشترطون التوقيت كما سبق ولا أحسبهم
يشترطون عدم طول المدة، لأنه لا افتقار عندهم إلى المدة وإلى ذكرها.
(2)
وقال أحد علماء الشيعة الإمامية: وتجوز أكثر من ثلاثين) (2) قال
الكركي: (وفي منع الشافعي الزيادة على الثلاثين تحكم) (3).
ودليل المانعين لأكثر من سنة ما ذكره في المجموع من أنه عقد على غرر أجيز للحاجة ولا تدعو الحاجة إلى أكثر من سنة، لأن منافع الأعيان تتكامل في سنة (4).
وكذلك القاعدة الفقهية الضرورة تقدر بقدرها، ولكونها مخالفة للقياس لا تتجاوز ذلك، وقد يقيسونها على الإجارة، لأن الإجارة لا تجوز أكثر من سنة عند بعضهم، ويجاب عن ذلك بعدم تسليم حكم الأصل، وكذلك لا يمكن القياس لاختلاف أحكام البابين ولو سلمنا بصحة حكم الأصل لما صح القياس عند بعضهم، لأنه قياس على أصل مختلف فيه.
(1) المجموع 405/ 14. جامع المقاصد 353/ 7.
(2)
3
(3) نفس المرجع والصفحة.
(1) المجموع 405/ 14.
170 (1/174)
صفحة 175
المساقاة
وقد يستدل على أنه لا بد من أن تكون لمدة قصيرة ما رواه مسلم من حديث جابر قال: نهى النبي الله عن بيع الأرض البيضاء سنتين أو (ثلاثا)) (1) والحديث وإن كان لفظه يشمل المزارعة والإجارة فقط إلا أنه من حيث المعنى يشمل المساقاة أيضاً لمشابهتها المزارعة في أكثر الأحكام.
إلا أن دلالة الحديث على المساقاة ليست دلالة صريحة بل تستفاد
بالقياس فقط.
أما القائلون بجواز ذلك ولو طالت السنون فيدل لهم أمور:
أ فعل النبي في خيبر، إذ لم يقتصر على سنة واحدة، ولم يذكر أنه
كان يجدد العقد كل سنة، فذلك يدل على الجواز وإن طالت السنون، فإن قيل: إن ذلك يدل على جوازه أربع أو خمس سنين لأن تلك المدة التي ساقي النبي عليها اليهود أجيب بأنا لا نسلم بقصره على ذلك، أما أولا: فلأن النبي ل لا يسكت لو كان ذلك لا يجوز إلى أكثر من تلك المدة، بل لا بد أن يبينه لأصحابه ويخبرهم بعدم الجواز، وأما ثانياً: فلأن الصحابة استمروا على ذلك و اتفاقهم حجة يعمل بها.
ب استصحاب الإجماع فقد وقع الإجماع على جواز المساقاة في السنة الأولى، فيستصحب هذا الإجماع في موطن الخلاف.
171
رواه مسلم 200/ 10، والدارمي 271/ 2.
(1) (1/175)
صفحة 176
المساقاة
لكن هذا يصح عند من جعل استصحاب الإجماع حجة يعمل بهـ
وفيه خلاف سبق ذكره.
ج-
الاستدلال بالعمومات الدالة على مشروعية المساقاة إذ لم تفرق بين
ما قصر من السنين وبين ما طال منها، والتفريق بين ذلك تحكم.
-3 - ألا يقل عن وقت حصاد الثمر:-
لا بد من مراعاة وقت حصاد الثمرة عند العقد حتى لا تضيع الحقوق
وتذهب أدراج الرياح. فإن تعاقدا على مدة لا تخرج فيها الثمرة بطلت عند الحنفية (1) والشافعية (2) والحنابلة (3)، وإن كان يتوهم وجود الثمر فإن غلب الوجود
، (4)
صح في الأوجه عند الشافعية، وإن غلب العدم فلا على الأوجه عندهم وإن وقعت فللشافعية والحنابلة وجهان في استحقاق أجرة المثل: الأول: يستحق، والثاني: لا يستحق (5)، أما إذا جعلا مدة قد تكمل وقد لا تكمل؛ فوجهان عند الشافعية والحنابلة في صحتها الأول: تصح، والثاني: لا تصح (6)،)، وإن ساقاه إلى مدة تكمل فيها الثمرة غالباً فلم تحمل تلك
الثمرة تلك السنة فلا شيء للعامل عند الحنابلة.
(1)
مجمع الأنمر 505/ 2، المبسوط 104/ 23.
(2) المجموع 405/ 14.
(1)
) المغنى 571/ 5.
الوجيز
227/ 1
(5) المجموع 405/ 14، المغني 571/ 5
(1) المجموع 405/ 14، الإنصاف 428/ 5 - 429.
172 (1/176)
صفحة 177
المساقاة
أما الأحناف فإن ظهرت الثمرة صح العقد وإلا فلا وله أجره مثله، أما إن جرت العادة بظهورها فلم تظهر فلا أجرة له)، وأما مذهب أصحابنا رضوان الله عليهم فإن العامل يبقى حتى يأكل قدر عنائه أو له أجرة المثل (2).
ولعلهم يفرقون بين المضاربة إذ لا أجر له فيها والمساقاة بأن
المضاربة لا يربح فيها رب المال بشيء إن خسرت المضاربة، أما في المساقاة فإن رب الأصل يربح لأن العامل يسقي شجره فلعلهم لهذا أوجبوا علي
العوض.
عليه
وعند الإمامية إن وقتت بوقت تحصل فيه الثمرة عادة فلم تظهر الثمرة فلا شيء للعامل لأنه عقد صحيح لم يظهر فيه النماء الذي اشترط جزؤه له فكان كما لو لم تربح المضاربة، ولأصالة براءة الذمة من وجوب عوض غير المشروط (3).
أما إن ظهرت الثمرة و لم تكمل فله منها نصيب، أما العمل فعنـ الأحناف أنه على العامل ولا أجرة له (4)، وعند الشافعية أنه على المالك (5) (4)، وأيده الكركي أحد علماء الشيعة الإمامية - قال: (الأقرب العدم لأن
مجمع الأنمر 504/ 2، المبسوط 104/ 23.
(2) الضياء 241/ 18. جامع المقاصد 355/ 7.
3
(4) حاشية ابن عابدين 181/ 5.
(9)
الروضة 156/ 5 - 157.
173 (1/177)
صفحة 178
فائدة تعيين
المساقاة
المدة هو عدم تعلق الحكم الثابت بالعقد بعدها، ولأن العمل الواجب بالعقد هو ما كان في خلال المدة، وما بعدها منفي بالأصل، ويحتمل الوجوب لأن الحصة من الثمرة في مقابل العمل إلى زمان بلوغ الثمرة وتقدير المدة إنما هو باعتبار الغالب فمع التخلف لو ملك الحصة بدون العمل لزم تملك أحد العوضين لا في مقابل العوض الآخر، واختار هذا الاحتمال في التذكرة محتجاً بأن المساقاة لو انفسخت قبل كمال الثمرة لوجب إكمال العمل، فليكن هنا كذلك ويمكن الفرق بين بقاء العقد وانفساخه وفي الأول قوة) (1).
أقول: وفيه نظر؛ فقد يقال: الأولى أن العمل عليهما بقدر نصيبهما حتى يأخذ كل واحد منهما نماء الثمرة بمقابل، وحتى لا يلزم رب الأرض بما هو مصلحة المساقي، أو يلزم المساقي بما هو مصلحة لرب الأرض، بل يلزم كل واحد منهما بما ينفع به نفسه أو يقال بأن العمل الذي يقسم عليهما ليس جميع عمل المساقاة بل الذي ينفع الثمر خاصة، أما الذي ينفعه مع الشجر كالسقي فهو يقسم بتقسيم أخر؛ فيقسم لرب الأرض أكثر لأن فيه مصلحة شجره وثمره، بخلاف المساقي فلا مصلحة له إلا مصلحة الثمر، وما استدل به الكركي على أنه ليس عليه عمل يمكن أن يناقش، فدعوى أن التعليق بمدة فائدته عدم تعلق الحكم بما بعدها فمسلم ونحن نقول: بأنه لم يتعلق الحكم بما بعدها وليس عمل الجزء من المساقاة في شيء بل هو
(1)
جامع المقاصد 355/ 7.
174 (1/178)
صفحة 179
المساقاة
عمل لمصلحته هو ولا علاقة له برب الأرض، ودعوى أن العمل منفي بالأصل، فالجواب عنه بأن العمل المنفي بالأصل هو ما كان لمصلحة الغير، أما العمل الذي لمصلحته بنفسه فالأصل أنه يلزم كل أحد ما فيه مصلحته أما إلزام رب الأرض بعمل لمصلحة المساقي فهو مخالف للأصل.
175 (1/179)
صفحة 180
المساقاة
الفصل الرابع
أحكام المساقاة
ويشتمل على عشرة مباحث:
المبحث الأول: اللزوم؛ وفيه ثلاثة مطالب:-
المطلب الأول: وقت اللزوم.
المطلب الثاني: حكم فسخ العامل للمساقاة.
المطلب الثالث: أثر تقصير العامل في العمل.
المبحث الثاني: أحكام المساقاة الصحيحة والفاسدة.
المبحث الثالث: الشروط والخيارات المعتبرة فيها.
المبحث الرابع: وفيه ثلاثة مطالب
المطلب الأول: حكم المساقاة مع انقطاع أمل الحصول
على الثمرة.
المطلب الثاني: حكم بيع الحائط المشغول بعقد المساقاة.
المطلب الثالث: حكم مساقاة الشريك لشريكه. المبحث الخامس: حكم مساقاة الحائط الذي يتخلله البياض. المبحث السادس: نهاية المساقاة، وفيه مطلبان
المطلب الأول: المدة المعتبرة.
المطلب الثاني: سبب الانتهاء.
المبحث السابع: زكاة ثمار المساقاة، وفيه ستة مطالب
176 (1/180)
صفحة 181
المساقاة
المطلب الأول: وقت استحقاق العامل الثمرة.
المطلب الثاني: وجوب الزكاة على الشركين. المطلب الثالث: استتمام نصيب أحدهما بالآخر.
المطلب الرابع: حكم اشتراط أحدهما الزكاة على
الآخر.
المطلب الخامس: وقت إخراجها.
المطلب السادس: زكاة الشركة مع من لم تجب عليه.
المبحث الثامن: خراج المساقاة.
المبحث التاسع: الخرص فيها.
المبحث العاشر: المسائل القضائية، وفيه ثلاثة مطالب:
الخاتمة.
المطلب الأول: اختلاف الطرفيين فيها.
المطلب الثاني: صفة يد العامل.
المطلب الثالث: أثر ظهور الأشجار مستحقة.
177 (1/181)
صفحة 182
المساقاة
المبحث الأول
اللزوم
سبق الكلام عن لزوم المساقاة وعدمه عند الكلام عن التوقيت فيها،
وسنكمل الآن بقية الأحكام المتعلقة باللزوم.
المطلب الأول وقت لزومها
اختلف العلماء على القول بلزومها - في وقت اللزوم؛ فقيل: بالقول أي حتى قبل الشروع في العمل، وقيل بالعمل قل أو كثر، وقيل: بالتنبيت – التأبير - - وهو ظاهر كلام الإمام أبي سعيد رحمه الله، وقيل: بالاخضرار، وكل هذه الأقوال ذكرها أصحابنا (1).
أما عند المالكية فقد قال القرافي: قال صاحب المقدمات تلزم بالقول بخلاف القراض؛ وقاله "ش" أي الشافعي، وقيل: المزارعة كذلك، وقيل: لا تنعقد ولا تلزم إلا بالعمل، وقيل: تنعقد وتلزم بالشروع، ولا تلزم الشركة باللفظ ولا بالعمل، واختلف بماذا تنعقد هل باللفظ أو بالعمل قولان في المدونة) (2).
وذكر الشيخ عليش بأنه قيل: بلزومها بحوز المساقي فيه، وذكر أن القول بلزومها بالعقد نقل الأكثر عن المذهب؛ أي المالكي (3).
(1)
بيان الشرع 261/ 40، 274،2، 288، المصنف 48/ 21.
(2) الذخيرة 105/ 6.
(2)
منح الجليل 384/ 7
178 (1/182)
صفحة 183
المساقاة
هذا إذا لم تظهر دلائل تدل على خيانة العامل، فإن لرب الأرض
حينئذ فسخها كما سيأتي إن شاء الله.
المطلب الثاني: حكم فسخ العامل للمساقاة:-
إذا فسخ العامل المساقاة قبل ظهور الثمر ففي استحقاقه لأجرة المثل قولان عند أصحابنا (1)، وهما وجهان للحنابلة (2)، ومذهب جماعة كبيرة أنه لا شيء للعامل، وهو مذهب ابن حزم مبرراً له بأن العامل مخير بين الخروج والإتمام).
وهذا التفريع فيما أحسب عند من يقول بعدم اللزوم، ولعل الخلاف النزاع في وقت استحقاق الأجير لأجرته، ففي الحديث أعطوا) الأجير أجره قبل أن يجف عرقه)) (4)، ولم يمكن في المساقاة لمانع، وانتفى المانع هنا، لكن الحديث فيه مقال فقد ذكر ابن حجر أنه رواه ابن ماجة وفيه عبدالرحمن بن زيد بن أسلم، والطبراني في "الصغير" من حديث جلبر؛ وفيه شرقي بن قطامى وهو ضعيف ومحمد بن زياد الراوي عنه، وأبو يعلى وابن عدي والبيهقي من حديث أبي هريرة (0) أو يقال بأن الأجير لا
(1)
(1) بيان الشرع 290/ 40.
(2)
(3)
(4)
المبدع 45/ 5.
المحلى 226/ 8.
رواه ابن ماجة 817/ 2 برقم (2443).
(9) تلخيص الحبير 69/ 3.
179 (1/183)
صفحة 184
المساقاة
يستحق أجرة إلا بتمام العمل لأن الأجرة علقت على ذلك قال الشـ
خلفان بن جميل السيابي في الإجارة:-
وليس للأجير شيء من العمل إن لم يتم العمل الذي حصل (1)
أما عند من يرى اللزوم فإنهم قالوا إن غاب العامل والفسخ مثله احتج عليه عند الإمام وإلا فجماعة المسلمين، وإلا أشهد شاهدين واستأجر عليه والاستئجار برأي العدول وقال آخرون: لا عمل له ولا أجرة، هذا عند أصحابنا (2).
وعند الشافعية؛ إن هرب قبل التمام نظر، فإن تبرع المالك بالعمل أو المؤنة بقي استحقاق العامل بحاله، وإلا رفع الأمر إلى الحاكم وأثبتت عنده المساقاة، فإن وجده أجبره على العمل وإلا استأجر عليه، واستئجاره من ماله إن كان له مال، وإلا باع نصيب العامل كله أو بعضه بحسب الحاجة للمالك أو غيره إن بدا صلاحه، وإن كان قبل بدوه استأجر عليه من المالك أو غيره، أو من بيت المال ثم يقضيه العامل إذا رجع أو من نصيبه، ولو وجد من يستأجر بأجرة مؤجلة أغنى عن الاقتراض، وإن عمل المالك وكان قادراً على مراجعة الحاكم أو على الإشهاد و لم يفعل لم يرجع، وإن لم يمكنه الإشهاد ففي رجوعه وجهان؛ أصحهما عند الجمهور لا يرجع لأنه عذر نادر، وحكي وجه أنه يرجع وإن تمكن من الإشهاد،
بنفسه
(1) سلك الدرر 132/ 2.
(2)
مختصر البسيوي 292، بيان الشرع 290/ 40.
180 (1/184)
صفحة 185
المساقاة
وهو شاذ، وإن أشهد رجع على الأصح للضرورة، وقيل: لا؛ لئلا يصير حاكماً لنفسه، والإشهاد يكون على العمل أو الاستئجار مقيداً بشرط الرجوع وبدونه كتركه، وإذا أنفق بإذن الحاكم ليرجع؛ فوجهان، ووجه المنع: أنه متهم في حق نفسه، فطريقه أن يسلّم إلى الحاكم ليأمر غيره بالإنفاق، ومتى تعذر إتمام العمل بالاستقراض وغيره؛ فإن لم تكن الثمرة خرجت فللمالك الفسخ على الصحيح للتعذر والضرورة، وقال ابن أبي هريرة: لا يفسخ لكن يطالب الحاكم من يسقي عن العامل، وإن كانت الثمرة قد خرجت فهي مشتركة بينهما، فإن بدا صلاحها بيع من بقدر ما يستأجر به عامل، وإن لم يبدو تعذر بيع نصيبه وحده، لأن شرط
نصيب
القطع في المشاع لا يكفي، فإما أن يبيع المالك نصيبه معه ليشترط القطع في الجميع، وإما أن يشتري المالك نصيبه فيصح على الأصح أن يبيع الثمرة قبل بدو الصلاح لصاحب الشجرة يكفي عن اشتراط القطع، فإن لم يرغب في بيع ولا شراء وقف الأمر حتى يصطلحا، وقيل: بل تفسخ ولو خرجت الثمار وتكون الثمرة بينهما (1).
وعند الإمامية؛ لو هرب العامل لا تنفسخ المساقاة بمجرد هروبه، ولا يثبت للمالك الفسخ به بل يرفع الأمر إلى الحاكم، وتثبت عنده المساقاة لينفذ في طلبه، فإن وجده أجبره على القيام بالعمل وإلا اكترى من ماله من يعمل إن كان له مال ولم يوجد من يتبرع عنه بالعمل، لأن العمل حق
(1) الروضة 160/ 5 - 162.
181 (1/185)
صفحة 186
المساقاة
عليه وإن لم يجد أنفق من بيت المال ولو قرضاً إن كان فيه سعة، وإلا اقترض عليه أو استأجر بأجرة مؤجلة إلى وقت دراك الثمرة، ولو وجد
متبرعاً لم يجز الاستئجار ولا الاقتراض.
ولو فقد الجميع فللمالك الفسخ قبل ظهور الثمرة دفعاً للضرر ولتعذر أحد العوضين، أما بعده فإنه يبيع ما يفي بالعمل فلو لم يوجد راغب، أو لم يف البعض باع الجميع وحفظ ما يبقى للعامل.
ولو عمل المالك بنفسه أو استأجر وكان قادراً على الحاكم من دون مراجعة فهو متبرع وإن نوى الرجوع، لأنه لا عبرة بالنية، ولو أذن الحلكم رجع بأجر مثله أو بما أداه إن قصر عن الأجرة، فإن زاد لم يرجع بالزائد، ويشكل بما إذا تعذر الاستئجار إلا بزيادة فالمتجه أنه يرجع بجميع ما أدى، ولو تعذر الحاكم كان له أن يشهد أنه يستأجر عنه ويرجع حينئذ ولو لم يشهد لم يرجع ولو نوى على إشكال، ومنشأه من أصالة عدم التسلط على شغل ذمة الغير يطالب به، فيقتصر على موضع الوفاق وهو ما إذا أشهد، أن الشاهدين لا ولاية لهما على العامل وفائدة الإشهاد هو التمكن من إثبات استحقاق الرجوع، والذي يقتضيه النظر أن اشتراط الإشهاد لا وجه له إذ لا ولاية للشاهدين على العامل ولأن إذنهما غير معتبر
ومن
(1)
أما عند الحنابلة؛ فإذا هرب العامل فلرب المال الفسخ لأنه عد جائز، وإن قلنا أي الحنابلة: بلزومه فحكمه حكم الميت عند إباء
(1)
جامع المقاصد 381/ 7 - 384.
182 (1/186)
صفحة 187
المساقاة
الورثة، إلا أن الحاكم إن لم يجد مالا وأمكنه الاقتراض عليه فعل، وإن لم يمكن ووجد من يعمل بأجرة مؤجلة فعل إلى وقت الإدراك، فإن لم يجـ
فلرب المال الفسخ، أما الميت فلا يقترض عليه، لأنه لا ذمة له (1).
أما إن كان الإخراج من رب الأرض فعند من لم يجعلها لازمة فللعامل أجرة مثله، إن لم يظهر الثمر، وإلا فله نصيبه من الثمر على حسب
القسمة.
رب
قال ابن حزم: (ولو أخرجه وقد حرث وقلب وزبل وأخرجه و الأرض فله أجرة مثله، وقيمة زبله إن لم يجد زبلا مثله، قال تعالى:
والحرمات قصاص فة والبقرة 194)
194)
فلعمله حرمة فلا بد أن يقتص مثلها، والزبل
ماله فلا يحل إلا بطيب نفسه) (2).
وسيأتي زيادة بسط الكلام في ذلك في نهاية المساقاة.
المطلب الثالث: أثر تقصير العامل في العمل:
إذا قصر العامل في العمل ولم يأت بالواجب عليه فعند أصحابنا؛ قيل: ليس له العناء الأجرة، وقيل: له العناء وعليه الضمان (3)، ووجه الأول: أن العناء لا يستحقه إلا بتمام عمله، وبما أنه لم يتمه فلا يستحق أجراً،
(1) المغني 0574/ 5
(2) المحلى 226/ 8.
(T)
3
مختصر البسيوي ص 292، بيان الشرع 268/ 40.
183 (1/187)
صفحة 188
المساقاة
ووجه الثاني: أنه عمل وقصر فيستحق الأجرة لعمله وعليه الضمان لتقصيره في أداء الواجب عليه، وهذا يتفق مع القاعدة لا ضرر ولا ضرار، وفي منعه من نصيبه ضرر عليه، وإن سقاه المطر وقد استأجره أياماً فله حصته ولا ينقص منها شيئاً، وسوغ الشيخ العبري الخلاف فيه وصحح أ م أنه للعامل (1)، وقد يستدلون لذلك بأنه - بلا شك - نزلت أمطار فسقت أرض خيبر فلم يحرمهم النبي صلى الله عليه وسلم من أخذ بعض نصيبهم، علاوة على أن منفعة المطر نفعت الملزم بذلك العمل، فلا ينبغي أن يقال: إنها نفعت رب الشجر مع تعلق العمل بذمة العامل ولو ضيع المطر مجرى الماء لألزم العامل بتنقيته لأن التنقية من أعمالها والغنم بالغرم، فلا يمكن أن يحكم بوجوب الغرم عليه وثبوت الغنم لغيره.
أما عند الشافعية؛ ففي "المجموع" قال: (إذا اعتبرناها شركة فالقسمة
ثابتة له ولو اعتبرناها إجارة فلا حق له لأنه لم يعمل (3).
وعند المالكية؛ ذكر الشيخ عليش أنه لو قصر حط بقدر نسبته، فلو شرط حرث ثلاث مرات وحرث اثنتين حط من جزئه ثلثه (3)، لكن الإملم مالك ذكر أنه لو وجد لعمله بدل فلا يحاسبه على التقصير، كما إذا سقت السماء أرض المساقاة (4)، وكأنه يقيد الحط بعدم وجود البدل. المساقاة)،
(1)
جوهر النظام 78/ 3.
(2) المجموع 414/ 14. منح الجليل 415/ 7.
(4) المنتقى 125/ 5.
184 (1/188)
صفحة 189
المساقاة
وعند الشيعة الإمامية؛ لو ترك بعض العمل أجبر عليه إن لم يفت الوقت وهو مقتضى القائلين باللزوم من أصحابنا وغيرهم وإن لم يمكن الجبر جاز الفسخ، وإن فات فله الفسخ أيضاً بخيار تخلف الشرط، والخلاف هل له ألا يفسخ ويطالبه بأجرة العمل بالنسبة إلى حصته؟ بمعنى أن يكون مخيراً بين الفسخ وبين المطالبة بالأجرة، وجهان؛ بل قولان للشيعة (1).
وإذا ترك العامل العمل بعد إجراء العقد ابتداء، أو في الأثناء، فالظاهر أن المالك مخير بين الفسخ، أو الرجوع إلى الحاكم الشرعي، وإن لم ماله يمكن استأجر من من يعمل عنه، أو بأجرة مؤجلة إلى وقت الثمر فيؤديها منه، أو يستقرض عليه ويستأجر من يعمل عنه، وإن تعذر الرجوع إلى الحاكم، أو تعسر، فيقوم بالأمور المذكورة عدول المؤمنين، بل لا يبعد جواز إجباره نفسه (2).
(1)
(T)
كتاب المساقاة ص 27.
نفس المرجع ص 54 - 59. (1/189)
صفحة 190
المساقاة
المبحث الثاني
أحكام المساقاة الصحيحة والفاسدة
إذا صحت المساقاة اشتملت على جميع شروطها وأركانها ولم
تشتمل على ما يفسدها ترتبت عليها آثارها الشرعية، من وجوب العمل
على العامل، ومن ثبوت الحصة له، إلى غير ذلك من النتائج،
أما إذا فسدت كأن اختل شرط من شروطها، أو اشتملت على
جهالة في الشروط، أو خالفت مقتضى العقد أو غير ذلك فلا تترتب عليها تلك الآثار.
فإذا فسدت المساقاة وعلم بفسادها قبل الشروع في العمل التغى العقد، ولا شيء لأحدهما على الآخر، وأما إذا علم بعد الانتهاء أو بعد الشروع فللعامل أجرة مثله، وتكون جميع الثمرة للمالك، وهو مذهب الإباضية (1) والأحناف (2) والشافعية (3) والحنابلة (4) والإمامية، وبين الكركي ذلك قائلا: بأنه لم يحصل على ما يقتضي نقل الثمرة عن ملك مالكها، وعمل العامل إنما كان في مقابلها، وقد فاتت، فيجب الرجوع إلى قيمتها، وهي أجرة المثل لعمله) ().
سبب
(1) آثار الإمام الربيع (مخطوط) ص 53، جامع أبي الحواري 182/ 2.
(2) المبسوط 104/ 23 البدائع 188/ 6.
(3) الروضة 151/ 5.
(4)
(*)
المغني
5/ 563
جامع المقاصد 378/ 7.
186 (1/190)
صفحة 191
المساقاة
أما إذا كان عالماً بالفساد فلا يستحق الأجرة عند الكركي، لأنه بذل عمله في مقابل ما يعلم أنه لا يقع، وإذا شرطت جميع الثمرة للمالك فلا شيء للعامل عند بعض الإمامية (1) وبعض الشافعية منهم النووي (2) وبعض الحنابلة وإليه ذهب ابن قدامة (3)، وهو بمنزلة المتبرع. قدامة (3)،
واستدل القائلون بوجوب الأجرة له بالقياس على النكاح إذ وجب المهر فيه وأجيب بأنه متبرع ويفارق النكاح بوجهين:-
أ.
عقد النكاح صحيح وهذا فاسد.
ب. أن الأبضاع لا تستباح بالبذل.
ولأن المهر لا يخلو أن يكون واجباً بالعقد أو بالإصابة أو بهما، فإن
وجب بالعقد لم يصح قياس هذا عليه لوجهين:-
أ.
أ.
ب.
أن النكاح صحيح وهذا فاسد.
أن العقد هنا لا يوجب، ولو أوجب لوجب قبل العمل، ولا
خلاف في عدم وجوبه في تلك الحالة.
وإن وجب بالإصابة لم يصح القياس عليه لوجهين:-
أن الإصابة لا تستباح بالإباحة والبذل، بخلاف العمل.
(1) نفس المرجع. (2) الروضة 151/ 5.
المغني 564/ 5.
187 (1/191)
صفحة 192
المساقاة
أن الإصابة لو خلت من العقد لأوجبت، وهذا بخلافه. ب.
وإن وجب بهما امتنع لهذه الوجوه كلها (1).
وحدد العلامة أبو الحواري أجرة المثل بيوم المحاكمة (2) -في المفاسلة-، ولا أعرف وجه ذلك، وفيه إشكال، لأن العامل استحق أجرته يوم تمام عمله، فإن زاد الأجر أو نقص يوم المحاكمة فالزيادة والنقصان لا تعلق لهمل
به
أما عند المالكية فقد اختلفوا في ذلك إلى عدة أقوال، قال القرافي مبيناً لها: ففي "الجواهر" المساقاة الفاسدة إذا أدركت قبل الشروع فسخت، أو بعد الفراغ ففي الواجب أربعة أقوال: أجرة المثل، مساقاة المثل مطلقاً ما لم نكن (3) أكثر من المشترط إن كان للشرط للمساقي، أو الأقل إن كان الشرط للمساقي (4) التفصيل لابن القاسم: أجرة المثل إن خرجا إلى الإجارة الفاسدة، أو بيع الثمار قبل بدو صلاحها، كاشتراط أحدهما زيادة من عين أو عرض أو غيرهما، فالمالك مستأجر بأجرة فاسدة، والعامل مشتر للثمرة بما زاده، وإلا فمساقاة المثل إذا لم يخرجا عن حكمها
(1)
(2)
المغني
563/ 5 - 0564
جامع أبي الحواري 182/ 2.
(3) كذا في الأصل ولعلها (تكن) بالتاء.
(1) كذا في الأصل والصواب (للمساقى) وهو الذي ذكر في عقد الجواهر 0824/ 2
188 (1/192)
صفحة 193
المساقاة
بل عقداها على غرر الحائط على النصف وآخر على الثلث، واشتراط من
العمل ما لا يلزم مما لا يبقى مؤبداً.
قال الشيخ أبو الوليد الذي وجد فيه لابن القاسم مساقاة المثل أربع مسائل؛ اثنتان في "المدونة": إذا ساقاه وفي الحائط ثمر - أطعم، أو اشترط المساقي العمل معه، واثنتان في "العتيبة": اجتماعها مع البيع في عقد، أو ساقاه سنة على النصف وسنة على الثلث.
الحال الثالثة: أن يعثر عليها في أثناء العمل، فيفسخ والواجب فيه أجرة المثل – إذا انتهى على ما تقدم من تفصيل ابن القاسم وله أجرة مثله فيما عمل إلى حين العثور، ولا يفسخ ما الواجب فيه مساقاة المثل، بل يمضي وله مساقاة مثله، ولو كانت أعواماً وبقي بعضها بعد العثور، بنى على مساقاته فيها مساقاة المثل، فهذه ثلاثة أحوال للمساقاة الفاسدة) (1).
أما عند ابن حزم الظاهري فإنها ترد إلى مساقاة مثلها، ودليله أنه لا يحل الكراء إلا بجزء مشاع مسمى من من الأرض، ولا يصح إباحة الأرض وما أخرجت للعامل بغير طيب نفس صاحب الأرض، لقوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) (البقرة 188)، ولا يجوز إباحة بذر العامل وعمله، فيردان إلى مثل حق كل واحد منهما، مما أخرج الله منها، لقوله تعالى
189
الذخيرة 113/ 6 - 114.
(1) (1/193)
صفحة 194
المساقاة
والحرمات قصاص)) (البقرة 194) فالأرض حرمة ومن حقه يقتص بمثل حق
مثلها، وبذر الزارع وعمله حرمة محرمة من ماله وبشرته فله، ومن حقه أن يقتص بمثل حق ذلك مما أباح الله تعالى في المعاملة (1).
وقد بناه على أمر لا يسلّم به الجمهور وهو منع كراء الأرض بالذهب والفضة، بل لو سلم بصحة أصله الذي بنى عليه لا يصح الفرع، لأن حديث أبي داود السابق يرد عليه وفيه: (فأخذنا زرعنا ورددنا لـ النفقة)) (2)، وكذا في الحديث الآخر: ((أربيتما فرد الأرض على أهلها وخذ نفقتك)) (3) لكن الثاني منهما ضعيف كما سبق بيانه، ويبقى الإشكال أن الحديث إن صح فهو في المزارعة دون المساقاة، والحكم قد يختلف لأن أخذ الأجر على الأرض البيضاء يصح دون الأشجار فلا يصح لمنع تأجيرها، وقد يقال: باختلاف الصورة فالإجارة عقد تبنى عليه أمور، بينما أجرة المثل هنا عوض حتى لا تضيع الحقوق، ولأمثال ذلك صور في
الشريعة الغراء.
والأحناف والشافعية (4) لا يمكنهم الاستدلال بالحديث في المسألة لأنهم لا يقولون بمقتضاه في الزرع، بل يعتبرونه يتبع البذر، وذكر في بذل
(1)
(2)
المحلي 228/ 8.
سبق تخريجه.
(3) سبق تخريجه.
(4) إرشاد الساري 178/ 4.
190 (1/194)
صفحة 195
المساقاة
المجهود بأنهم قد يقولون بأنه ثبت للنبي اللهم أن البذر لصحاب الأرض (1)،
وهذا التأويل ضعيف لأن النبي لا لا لا ل ل لم يستفصل، وتركه دليل العموم عند كثير من الأصوليين.
والمساقاة الصحيحة يقتسم العامل والمالك فيها نصيبهما بحس الاتفاق وإنما الخلاف في وقت استحقاق العامل، فقيل: بالظهور وقيل:
بالقسمة، كما سيأتي إن شاء الله.
وذكر الأحناف أحكاماً أخرى متعلقة بذلك منها:-
-أ- أجرة المثل في المساقاة الفاسدة لا تكون إلا بعد العمل، وتجب وإن لم يخرج الشحر شيئاً بخلاف المعاملة الصحيحة.
ب- يجوز الزيادة على الشرط "نصيب أحدهما أو الحط منه، وفق القاعدة المقررة وهي "كل موضع احتمل إنشاء العقد جاز تبديل نصيبه"،
وإلا فلا (2)، وهذا في المعاملة الصحيحة دون الفاسدة.
ج-
المساقاة الفاسدة لا يمكن جبر العامل فيها على العمل، لأن الجبر بحكم العقد، والعقد الفاسد لا قيمة له، بل هو في حكم العدم فلا يترتب عليه أثر، بينما المساقاة الصحيحة يجبر فيها على العمل ويلزم به.
191
بذل المجهود 67/ 15.
بدائع الصنائع 188/ 6.
(1) (1/195)
صفحة 196
المساقاة
د المساقاة الفاسدة لا يمكن أن يلزم بها أي واحد منهما لأنها لم تقم على أساس صحيح (1) (1)، بينما الصحيحة لازمة عند الجمهور، فلا يملك أحدهما
فسخها أو الامتناع من المضي فيها من غير رضى صاحبه إلا لعذر.
ذكر الكاساني في معرض ذكر أحكام المساقاة الفاسدة فقال: (ومنها أن أجرة المثل فيها يجب مقدراً بالمسمى لا يتجاوز عنه، وعند محمد يجب تاماً، وهذا الاختلاف فيما إذا كانت حصة كل واحد منهما في العقد، فإن لم تكن مسماة في العقد يجب أجرة المثل تماماً بلا
مسماة
خلاف) (2).
وفيه إشكال فإن كانوا يعنون بالمسمى تحديد أجرة معينة للعامل فهو ليس من المساقاة في شيء، وإنما تكون المعاملة إجارة، لأن الأجرة في المساقاة لا تكون محددة بالمسمى، وإن كانوا يعنون به الحصة من الثمرة فلا تعلق للعامل بها إذا فسدت المساقاة، والعوض هو الأجرة لا غير، وهي ليست ثمراً إلا إن كانوا يعنون بها القيمة علاوة على أن الثمار ليست
مسماة وإنما هي معلومة بالجزئية فقط.
192
نفس المرجع والصفحة.
نفس المرجع والصفحة.
(')
(2) (1/196)
صفحة 197
المساقاة
المبحث الثالث
الشروط والخيارات المعتبرة فيها
اختلف العلماء في شروط العقود فتوسع فيها الجمهور وعليه الإباضية (1)، وضيق الأحناف (2) فيها فمنعوا الاشتراط فيها، وقد دلت أدلة كثيرة لما قاله المجوزون، فعن ابن عباس قال: ((اشتري رسول الله صلى الله عليه وسلم من جابر بن عبدالله بعيراً، واشترط جابر ظهره من مكة إلى المدينة ... ))) وكذلك قوله: من باع نخلا قد أبرت فثمرتما للبائع إلا أن يشترطها المبتاع) (4) وغيرها من الأدلة الكثيرة، وما استدل به المخالفون يمكن أن يناقش فحديث نهى عن بيع وشرط ضعفه جماعة من الحفاظ، بل ذكر ابن تيمية أنه لا يوجد في شيء من دواوين الحديث)، وذكر العلامة الزيلعي قول ابن القطان: قال وعلته ضعف أبي حنيفة في الحديث (6)، وقد تعقب الأحنافُ المحدثين القائلين بضعف أبي حنيفة ومنهم العلامة الكوثري فلينظر إليه من شاء، لكن لو صح الحديث لقلنا: بأنه قابل للتأويل، فيحتمل التقييد لأنه مطلق، كما قال سيدي الوالد حفظه الله، فيحمل على شرط
(1)
شرح المسند 3/ 187.
(2) فيض الباري 400/ 3.
3
€
(0)
€
الجامع الصحيح ص 227 برقم 570 الجامع الصحيح ص 228 برقم 572 فتاوي ابن تيمية 29/ 132.
(1) نصب الراية 18/ 4.
193 (1/197)
صفحة 198
المساقاة
خالف مقتضى العقد أو على الشرط الفاسد، أو المتضمن للجهالة
وتفصيل ذلك يرجع إليه في محله.
وقد قسم بعض العلماء شروط العقود إلى أربعة أقسام:-
أحدها يقتضيه إطلاق العقد كشرط تسليمه.
الثاني: شرط فيه مصلحة كالرهن، وهما جائزان اتفاقاً.
الثالث: اشتراط العتق في العبد، وهو جائز عند الجمهور لحديث
عائشة وقصة بريرة.
الرابع: ما يزيد على مقتضى العقد، ولا مصلحة فيه للمشتري، كاستثناء منفعته، فهو باطل (1).
واختلفوا كذلك في الشروط المعتبرة في المساقاة فتوسع فيها قوم منهم الإباضية (2) ومنهم الشيعة الإمامية، حيث ذكر الكركي أن الشرط الذي لا يتضمن جهالة ولا يناقض العقد فهو لازم (3)، وضيق فيها آخرون، وسبب التضييق أنها صورة خالفت الأصل، فيقتصر في جوازها على موضع النص، فلا يشترط فيها إلا شرط يوافق الشروط المعتبرة، في عهد النبي ووجهة نظر الموسعين أنها تضمنت جهالة وهي أعظم من الشرط،
(1)
فتح الباري 5/ 188.
(2) المصنف 29/ 21 بيان الشرع 275/ 40، 287، جامع الفضل ابن الحواري 185/ 3.
(3)
جامع المقاصد 395/ 7.
194 (1/198)
صفحة 199
المساقاة
ولأن النبي اشترط أن يخرجهم متى شاء، وجعل عمر إن جاء هو بالبذر فله الشطر (1) فإنه يجب بالشرط أي لو شرط على أحدهما لوجب عليه.
ولو شرط على أحدهما ما يجب على الآخر في العمل فيبطل العق
اقاة
عند الأحناف حيث قالوا: لو شرط الجداد على العامل فسدت المسـ بذلك (2)، وهو قول للشافعية (3) وهو رأي أبي الخطاب من الحنابلة، لأنه يخالف مقتضى العقد، لكن روي عن أحمد ما يدل عن صحة ذلك فإنه ذكر أن الجداد عليهما، فإن شرطه على العامل جاز (4)، ومذهب أصحابنا يقتضي جواز ذلك (5).
وقد يقال: يعتبر الشرط إذا كانا يربحان به جميعا أو يخسران معاء لعدم تضمنه على غرر، أما أن يخسر أحدهما ويربح الآخر فلا، كما إذا اشترطا على أحدهما عمل حيطان أو دفع مبلغ معين أو غير ذلك لأنه لا يعلم هل سيحصل على ما يعوضه عن ذلك أو لا؟
195
سبق تخريجه.
مجمع الأنمر 505/ 2.
المجموع 415/ 14.
المغني 566/ 5.
بيان الشرع 275/ 40 - 276.
(1)
(2)
3
(4)
(9) (1/199)
صفحة 200
المساقاة
ولو ساقاه على حديقة بالنصف على أن يساقيه أخرى بالثلث أو على أن يساقيه العامل على حديقته ففاسد عند الشافعية (1) والحنابلة (2) لأنه شرط عقدا، وهل تصح المساقاة الثانية؟ قال النووي: (ينظر إن عقدها وفاء بالشرط الأول لم يصح وإلا فيصح) ولعلهم يستدلون بما رواه الإمام الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: ((نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن شرطين في بيع وهو أن يبيع الرجل الغلام لرجل بثمن معلوم على أن يبيع له الآخر غلاماً بثمن معلوم، أو بثمن يتفقان عليه) (4).
(°)
قلت: لكن الحديث ليس نصا في الموضوع لعدم تعين المحمل الذي حملوه عليه، لوجود الخلاف فيه (9)، وخالف في ذلك بعض الإمامية، قال أحدهم: (يجوز اشتراط مساقاة في عقد مساقاة، كأن يقول ساقيتك على هذا البستان بالنصف على أن أساقيك على هذا الآخر بالثلث، والقول الصحة لأنه كالبيعين في بيع المنهي عنه ضعيف، لمنع كونه من هذا القبيل، فإن المنهي عنه البيع حالا بكذا ومؤجلا بكذا، أو البيع على تقدير كذا بكذا، وعلى تقدير آخر بكذا، والمقام نظير أن يقول بعتك داري
بعدم
(1)
الروضة 153/ 5.
(2) المبدع 55/ 5.
(3)
(4)
الروضة 5/ 153.
الجامع الصحيح ص 227 برقم 569.
(5) انظر الخلاف في شرح المسند 187/ 3.
196 (1/200)
صفحة 201
المساقاة
بكذا على أن أبيعك بستاني بكذا، ولا مانع منه لأنـ
شرط مشروع في ضمن العقد)).
لو فسد الشرط فيحتمل بطلان العقد معه لذلك ويحتمل عدمه، وفي بعض الصور حكم بعض الإباضية (3) والحنفية (3) ببطلان العقد وهو قول للشافعية وقول للحنابلة، وقول للشافعية (4) والحنابلة) بعدم بطلانه وسبب الخلاف فيما أحسبه يرجع إلى أن النبي لا لا نقض عقد تميم الداري حيث جاء في الحديث أن ابن عباس قال: ((وكان تميم الداري باع داراً واشترط سكناها فأبطل النبي الله البيع والشرط)) لأن الشرط كان في عقدة البيع، ويحتمل أن يكون إنما أبطل ذلك لجهل مدى السكنى) (1). والنبي لم يبطل عقد عائشة أم المؤمنين عندما اشترت بريرة مع بطلان الشرط، وإنما أبطل الشرط وحده، ولعل هذا يرجع إلى فهم معنى أن النهي يدل على الفساد، هل فساد الشرط أو فساده مع العقد.
(1) کتاب المساقاة ص 52.
(2) المصنف 29/ 21 مجمع الأنمر 505/ 2.
3
(4)
المجموع 415/ 14.
(5) المغني 566/ 5.
(1) الجامع الصحيح ص 228 برقم (570).
197 (1/201)
صفحة 202
الخيارات الجائزة فيها:
المساقاة
اختلف العلماء في ثبوت خيار الشرط فذهب الإمامية) إلى ثبوته فيها، وخالفهم في ذلك الحنابلة فقالوا بعدم ثبوته فيها، وبين ابن قدامة وجهة نظرهم حيث قال: (ولا) يثبت في المساقاة خيار الشرط لأنها إن كانت جائزة فالجائز مستغن بنفسه عن الخيار فيه وإن كانت لازمة فإذا فسخ لم يمكن رد المعقود عليه وهو العمل فيها) (3).
وأما خيار المجلس فقد اختلف فيه الشافعية على وجهين كالإجارة (3)، وبين ابن قدامة أنها لا تثبت إن كانت المساقاة عقداً جائزا لما تقدم، وإن كانت لازمة فعلى وجهين أحدهما لا يثبت لأنها عقد لا يشترط فيها قبض العوض، ولا يثبت فيها خيار الشرط فلا يثبت فيها خيار المجلس كالنكاح، والثاني: يثبت لأنه عقد لازم يقصد به المال فأشبه
البيع) (1).
(1) كتاب المساقاة ص 22 - 23.
(2)
المغني
5/ 572
(3) المجموع 414/ 4.
(4) المغنى 5/ 572.
198 (1/202)
صفحة 203
(1)
المساقاة
أما خيار الرؤية فقد ذكر الحطاب من المالكية أنه إن أخذ حائطاً
بدون وصف ولا رؤية سابقة بشرط خيار العامل بالرؤية كالبيع الظاهر
الصحة (1).
منح الجليل 0401/ 7
199 (1/203)
صفحة 204
وفيه ثلاثة مطالب:
المساقاة
المبحث الرابع
المطلب الأول: حكم المساقاة مع انقطاع أمل الحصول على الثمرة:- (نقل المتولي: أنه إذا لم تثمر الأشجار أصلاً، أو تلفت الثمار كلها بجائحة، أو غصب، فعلى العامل إتمام العمل، وإن تضرر به كما أن عامل القراض يكلف التنضيض وإن ظهر خسران، و لم ينل إلا التعب، وهذا أصح مما ذكره البغوي أنه إذا تلفت الثمار كلها بالجائحة ينفسخ العقد، إلا أن يريد بعد تمام العمل وتكامل الثمار، قال: وإن هلك بعضها فللعامل الخيار بين أن يفسخ العقد ولا شيء له وبين أن يجيز ويتم العمل ويأخذ نصيبه) (1).
وعند المالكية؛ قال الحافظ ابن عبدالبر: (وإذا أجيح بعض الحائط سقط عنه بعض ما أجيح منه إذا كان لا يرجى منه ثمرة، وما جذ من النخل لم يلزمه سقيها، وعليه أن يسقي ما لم يجد حتى يجذ، وإذا جذ غيره قبله، وإن أجيح الحائط كله انفسخت فيه المساقاة، وإن أجيح ثلثه
فصاعداً، فعن مالك فيه روايتان:
إحداهما: أن العامل بالخيار بين فسخ المساقاة والإقامة عليها.
200
الروضة 5/ 163.
(1) (1/204)
صفحة 205
المساقاة
والأخرى أن المساقاة لازمة لهما، إلا أن تكون الجائحة أتت على قطعة من النخل والشحر بعينها، فتنفسخ المساقاة فيها وحدها دون ما سواها. وإن أتلفت الجائحة أقل من ثلث الحائط فالمساقاة صحيحة لازمة، ولو انهارت البئر انفسخت المساقاة إلا أن يريد العامل أن ينفق من ماله في صلاح البئر، ويكون على مساقاته ويرتمن صاحب الحائط من الثمرة بم أنفق فذلك له) (1).
وعند الإمامية فيه قولان أقواهما العدم (3).
قال سيدي الوالد حفظه الله تعالى بأن له الفسخ إن تلف جميعها حتى لو قلنا بلزوم العقد، لأن مقصده منها يفوت هذا إذا كانت المساقاة
لعام، وأما إذا كانت أكثر من ذلك فلا).
ولعله قال ذلك لأن المقصد إذا كانت أكثر من عام لا يفوت.
ويدل له ما يلي:-
1. أن مقصد الشريعة من إباحة المساقاة نفع الجانبين، وهنا لا نفع للعلمل
بل يتضرر إن أجبر على تمام العمل.
2. يعتضد ذلك بالقاعدة الشرعية لا ضرر ولا ضرار"، إذ في الجبر ضرر
على العامل لا محالة.
(1) الكافي 109/ 2. (2) کتاب المساقاة ص 47.
201 (1/205)
صفحة 206
للثمرة،
المساقاة
علاوة على أن العلماء قالوا بأن العمل الذي يلزم العامل ما فيه زيادة وهذا لا مطمع له في خروجها فضلاً عن زيادتها، ففيه منفعة للأصل فقط بالسقي وغيره من الأعمال، فهذا العمل للأصل لا للثمر. شدد العلماء في المساقاة إذا كانت لمدة لا تثمر فيها الأشجار، وهنا علم بأنها لا تثمر فلماذا يلزم العامل بتمام عمله.
4
ه. وقد يعضد ذلك بالقياس على الإجارة، لأن المستأجر إن لم يمكنه
استيفاء منفعته فله الفسخ، وليس القياس بالقوي لكن يستأنس به.
فإن قيل: بأن العامل لزمه العمل قبل ذلك فيستصحب الأصل، إذ استصحاب الأصل حجة شرعية، يجاب عن ذلك بأنه يعمل بالاستصحاب عند عدم المعارض وإلا فلا يعمل به كما هو الحال هنا، وما استدل به المتولي من القياس على المضاربة غير مسلّم؛ لأنه لا مضرة على العامل في التنضيض وليس فيه مصلحة لرب الأرض على حسابه.
وهذا يشمل ما إن انقطع أمل الحصول بمرض الشجر ونوه، إن أصيبت بالمرض بعد العقد، وإن أصيبت قبله ولم يعلم به فله الفسخ، لأنه
غبن، وإن علم به وأقره فقد يقال بلزومه عليه.
وأما إذا أصيب الأقل فقد يقال: بوجوب العمل عليه لأن العبرة بالأكثر ولا يلتفت إلى القليل، لأنه بلا شك أصيب بعض أشجار خيبر في تلك المدة الطويلة و لم يلغ أحد الطرفين العقد لذلك، وقد يقال: بأن
202 (1/206)
صفحة 207
المساقاة
عليه العمل فيما بقي، لأن المنفعة فيه فقط، وأما الأشجار الأخرى إن قلن: بلزوم العمل عليه فعليه الغرم وليس له الغنم وهذا يخالف القاعدة الشرعية، ويخالف مبدأ العدالة.
وأما إن أصيب الأكثر فله الفسخ ولا عبرة ببقاء القليل لأن مقصده
فات بذلك.
المطلب الثاني: حكم بيع الحائط المشغول بعقد المساقاة:- ظاهر مذهب أصحابنا جواز بيع الحائط المشغول بعقد المساقاة)، فهم لا يعتبرونه مانعاً من عقد البيع، ولعلهم قالوا بذلك لأنه لا ضرر على المشتري في الغالب به، فإن لم تكن النخيل مأبرة فالمشتري له نصيب من الثمر على حسب قسمة المساقاة، لأنه رضي بذلك من أول الأمر، وإن كانت مأبرة فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المشتري، فإن لم يشترطها فلا حق له فيها، فعلى ذلك لا ضرر عليه أيضاً، لأن الثمار ليست من حقه، فلا يفرق عنده أن تقسم قسمين للبائع والمساقي أو للبائع وحده، لكن قد يتصور الضرر للمشتري أو العامل بأمرين:
بين
-1 - أن يكون عقد المساقاة تم على أساس التعارف بين البائع والمساقي كأن يكون جعل للبائع جزء بسيطاً لأجل الصلة بينهما والمشتري لا يرضى بذلك النزر اليسير، وقد ينقلب ذلك فيكون ضرراً على العامل، إذا
(1) المصنف 43/ 21، بيان الشرع 263/ 40.
203 (1/207)
صفحة 208
المساقاة
تعاقد بجزء يسير له لأجل السبب ذاته ولا يرضى بالعمل بذلك الجزء لغير
البائع.
2 - قد يكون في وجود العامل ضرر على المشتري لأمر كوجود أهله أو ما شاكل ذلك، وفي هذا أيضاً ضرر على العامل، ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام، علاوة على أنه لا يقبل بعض الأشخاص بالعمل عند أشخاص معينين لوجود حزازات ونحوها والضرر مرفوع لكن إذا رضي العامل والمشتري بذلك فإن الضرر يرتفع.
فلذا قال أصحابنا بأنه يخير المشتري بين نقض العقد وبين إبرامه إذا لم يعلم بوجود عقد المساقاة (1) و لم أفهم معنى الخيار هل في نقض عقد المساقاة، أو نقض عقد البيع، وهو الظاهر من كلامهم لأن في البيع غرراً.
وقد يستدل للجواز بأنه لا بد أن يكون بعض المسلمين باعوا أراضيهم بخيبر لطول السنين، ولكن لم أجد ذلك، ويدل لذلك أيضاً عموم الأدلة المبيحة للبيع التي لم تفرق بين حالة العقد وعدمه، وهي أولى أولى من إلغاء العقد بذلك لتضمنه للضرر، ويتأيد أيضاً بقاعدة "إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما"، فالبيع أخف من إلغاء المساقاة.
204
نفس المرجع والصفحة.
(1) (1/208)
صفحة 209
المساقاة
وقد يستدل للمنع بالقياس على الإجارة، إذ لا يصح بيع العقار المؤجر، لكن لا أعرف دليلاً لمنع ذلك، إلا تعلق حق الغير به، وهو لا يضر
المستأجر لبقاء عقده.
أما عند الأحناف؛ فذكروا في الأعذار التي تفسخ بها المزارعة ومن ضمنها ما قالوه أما الأول الذي يرجع إلى صاحب الأرض فهو الدين الفادح الذي لا قضاء له إلا من ثمن هذه الأرض، تباع في الدين ويفسخ العقد بهذا العذر، إذا أمكن الفسخ بأن كان قبل الزراعة، أو بعدها إذا أدرك الزرع، وبلغ مبلغ الحصاد، لأنه لا يمكنه المضي في العقد إلا بضر يلحقه، فلا يلزمه تحمل الضرر، فيبيع القاضي الأرض بدينه أولاً، ثم يفسخ المزارعة، ولا تنفسخ بنفس العذر، وإن لم يمكن الفسخ بأن كان الزرع لم يدرك و لم يبلغ مبلغ الحصاد لا يباع في الدين، ولا يفسخ إلى أن يدرك الزرع، لأن في البيع إبطال حق العامل، وفي الانتظار إلى وقت الإدراك تأخير حق صاحب الدين وفيه رعاية الجانبين فكان أولى) (1).
وعند المالكية؛ قال القرافي: قال إذا فلست لم تفسخ المساقاة عمل أم لا، ويبيعه الغرماء على أن هذا مساقيه لتعلق حق العامل قبل الغرماء، قال ابن يونس: منع غيره بيع الغرماء له وتوقف حتى يرضى العامل بتركه،
205
بدائع الصنائع 183/ 6 - 184.
(1) (1/209)
صفحة 210
المساقاة
لأنه
بيع له واستثناء ثمرة للعامل وقال سحنون إنما يجوز بيعه إذا كانت المساقاة سنة بجواز بيع الربع والحوائط، على أن يقبضها بعد سنة)).
أقول: قول ابن يونس بأنه استثناء فيه نظر، فقد يقال:-
1. بأنه ليس باستثناء وإنما هو إتمام عقد، لأن المشتري له مصلحة بذلك أيضا، فإن كانت الثمرة، فواضح، وإن لم تكن له فكفي العمل.
2. لو سلم أنه استثناء فهو استثناء معلوم والنبي فهي عن بيع الثني إلا أن تعلم وهي معلومة بالجزئية، هذا إذا اعتبرت أنها معلومة، وقد تعتبر غير ذلك لأنها غير محددة فيبقى الجواب الأول.
فإن أراد المشتري إخراج العامل فقد يقال بلزوم الغرم عليه إن كانت الثمار له؛ لأن الغنم بالغرم، وأما إن كانت الثمار للبائع فعليه الغرم وخلاصة الكلام أن الغرم إنما يكون على صاحب الثمرة، فإن كانت للبلئع
فلا
يصح للمشتري إخراج العامل لأنه إضرار بالبائع ولا يصح.
أما
بيع الثمرة من قبلهما، فقد قال القرافي فيه: قال إذا اجتمعتما
على البيع قبل الطيب أو الزهو لمن يحصد أو يجد جاز كالشركاء) (2).
(1) الذخيرة 6/ 120.
(2) الذخيرة 116/ 6.
206 (1/210)
صفحة 211
المساقاة
أما عند أصحابنا فقد ذكر الإمام أبو سعيد رحمه الله بأنه لا يصح للعامل أن يبيع نصيبه إلا للمالك (1) وهذه المسألة فيما أحسب متعلقة بوقت استحقاق العامل لنصيبه، فإن قيل بالظهور فله البيع إذا طاب الثمر، وإلا فلا.
وقد ذكر ابن قدامة بعض الصور التي يسوغ فيها البيع فقد قال: (ثم إن كانت الثمرة قد ظهرت بيع من نصيب العامل ما يحتاج إليه لأجر ما بقي من العمل؛ إن مات العامل، واستؤجر من يعمل ذلك، وإن احتيج إلى بيع الجميع بيع، ثم لا يخلو إما أن تكون الثمرة قد بدا صلاحها أو لم يبد، فإن كانت قد بدا صلاحها خير المالك بين البيع والشراء، فإن اشترى نصيب العامل، جاز، وإن اختار بيع نصيبه أيضاً باعه، وباع الحاكم نصيب العامل، وإن أبى البيع والشراء باع الحاكم نصيب العامل وحده، وما بقي على العامل من العمل يكترى عليه من يعمله وما فضل لورثته، وإن كان لم يبدأ صلاحها خير المالك أيضاً، فإن بيع لأجنبي لم يجز إلا بشرط القطع،
لم
ولا يجوز بيع نصيب العامل وحده لأنه لا يمكنه قطعه إلا بقطع نصيـ المالك فيقف إمكان قطعه على قطع ملك غيره، وهل يجوز شراء المالك لها؟ على وجهين، وهكذا الحكم إذا انفسخت المساقاة بموت العامل لقولنا
بجوازها، وأبى الوارث العمل)).
207
بيان الشرع 288/ 40.
573/ 0
المغني
(1)
(2) (1/211)
صفحة 212
المساقاة
المطلب الثالث: حكم مساقاة الشريك لشريكه:-
لو كان شجر بين اثنين فساقى أحدهما صاحبه، وشرط له أكثر من نصيبه كأن كانت نصفين فشرط للعامل الثلثين صح عند الحنابلة (1) والشافعية (2) وقيده الغزالي منهم بشرط الاستبداد) استبداد العامل بالعمل، وهو ظاهر كلام المالكية (4)، لأنه كما لو قال له ساقيتك على نصيبي بالثلث، وإلا فهي فاسدة أي إذا شرط له مثل نصيبه كأن شرط له النصف أو أقل مثل الربع، وقد اختلف الشافعية والحنابلة في وجوب أجرة المثل في هذه الحالة وقد سبق بيانه في أحكام المساقاة الفاسدة، ووجه الفساد أن العامل يستحق النصف بملكه، ولم يجعل له في مقابل عمله شيئاً، وإن شرط له أقل النصف فقد أضيف إلى ذلك أن يدفع جزء من نصيبه لشريكه من دون
من
موجب
(°)
أما
عند الأحناف فهي فاسدة ولو شرط للعامل أكثر من نصيبه وأجازوا مثل ذلك في المزارعة على أصح الروايتين (6).
(2)
33
(1)
المغني الروضة 153/ 5.
563/ 5
) الوجيز 227/ 1
(4) المدونة 10/ 4.
(5) الروضة 153/ 5، المغني 563/ 5.
(1) البحر الرائق 164/ 8.
208 (1/212)
صفحة 213
تثمر
المساقاة
وسألت سيدي الوالد عن ذلك، فأجاب: بأن في المسألة غرراً، إذ قد أشجار المساقاة دون أشجار العامل فيأخذ العامل قدراً كبيراً من شجر
المساقاة، وقد تثمر أشجار العامل دون غيرها فيخرج العامل من ثمر نخيله ليعطيه لرب الأرض الأخرى، مع أن الآخر لا حق له في ذلك الثمر، أما إذا
كانت الأشجار مشاعة فالمسألة أرخص.
أما إذا كانا يعملان عند الإمام أبي سعيد رحمه الله لأنها معاً فلا يصح شركة أبدان ولا تثبت عنده، وعند الأحناف لو كانت بين اثنين بالبذر والبقر وما خرج نصفين جاز ولو تفاوتا فلا (1)، أما عند المالكية فقد قال ابن عبدالبر في الزراعة: لا تجوز الشركة في الزرع إلا على التكافئ في الأرض والبذر والعمل، وإن لم يكن التساوي في الأجزاء، إذا كانت قيمة العمل مكافئة لكراء الأرض، واقتسموا على قدر البذر، وجائز أن يكون جزء بعضه أكثر من بعض إذا تحاصوا في الأرض والحرث والبذر، واقتسموا الزرع على قدر حصة كل واحد منهم من البذر، ولا يجوز أن تكون الأرض عند أحدهما والبذر من عند الآخر ... وإذا اشترك ثلاثة في زرع فكانت الأرض من عند أحدهم، والبقر من عند الآخر والعمل على أثلاثاً جازت الشركة إذا تكافأت القيم، لأنهم قد
الثالث، والبذر بينهم سلموا من كراء الأرض بما يخرج منها، ولو كان البذر على أحدهم
209
الجامع المفيد 277/ 3
(1) (1/213)
صفحة 214
المساقاة
والأرض للثاني، والعمل على الثالث لم يجز ... ) (1) أما عند الحنابلة؛ فيجوز ولو شرطاً التفاضل في الثمرة، لأن من شرط له الأكثر قد يكون أقوى على العمل وأعلم به من الذي شرط له الأقل (3)، لكن ابن قدامة قال بفساد ذلك واعتبر الثمار بينهما على قدر ملكهما ويتقاصان العمل إن تساوياً فيه، وإن كان لأحدهما فضل نظرت فإن كان له شرط فضل ما في مقلبل عمله استحق ما فضل له من أجرة المثل، وإن لم يشترط له شيء فلا شيء
له، إلا على الوجه الذي ذكره بعض الحنابلة وتعقبه هو (3).
(1) الكافي 0104/ 2 (2) كشاف القناع 530/ 3.
3
المغني
0564/ 5
210 (1/214)
صفحة 215
المساقاة
المبحث الخامس
حكم مساقاة الشجر الذي يتخلله البياض
اختلف العلماء في مساقاة الشجر مع مزارعة البياض الذي يتخلله بناء على نظرة بعضهم المتشددة تجاه المزارعة؛ إذ حرمها كثير من العلماء، فهذه صورة للجمع بين المعاملتين - أي المساقاة والمزارعة- في عقد واحد. فذهب كثير من العلماء إلى جوازها مطلقاً، انفردت بنفسها أو
جامعت المساقاة كما فعل النبي عليه الله.
بينما ذهب جمهور الشافعية (1) والمالكية (2) إلى منع المزارعة إلا إن كانت تبعاً للمساقاة، وخالف جماعة من الشافعية ذلك فذهبوا إلى جوازهـ مطلقاً، وممن ذهب إلى ذلك ابن شريح وابن خزيمة وابن المنذر والخطابي
والنووي والسبكي والقسطلاني (3).
وفرع الشافعية على القول بالمنع إلا تبعاً فروعاً متعلقة بمساقاة الشجر الذي يتخلله البياض، فلا بد عندهم من اتحاد الصفقة، فإن عقد بلفظ عاملتك على النخيل والبياض كفى، وأما لفظ المزارعة والمساقاة فلا يغني أحدهما عن الآخر، فإن قدم المساقاة واتصلت به المزارعة فقـ فقد اتحدت
(1)
الروضة 168/ 5.
(2) الكافي 101/ 2.
إحكام الأحكام 132/ 3، الروضة 168/ 5، المسائل المنثورة ص 99، فتاوى السبكي 426/ 1، إرشاد
الساري 178/ 4.
211 (1/215)
صفحة 216
المساقاة
الصفقة، وإلا فقيل: يصح لحصولهما لشخص؛ والأصح المنع، لأنها تبع فلا تفرد كالأجنبي، وإن قدم المزارعة فسدت على الصحيح لأنها تابعة، وقيل:
تنعقد موقوفة؛ فإن ساقى صحت؛ وإلا فلا وإن اختلف الجزء المشروط في المزارعة والمساقاة جاز على الأصح، وقيل: يشترط التساوي، لأن التفصيل يزيل التبعية، أقول: قد يستدل لذلك باتحاد الواقع في خيبر، لكنه مرد واقعة حال لا يمكن الاعتماد عليه كما لا يمكن منع ما سوى النصف من الثمر لذلك ولو كثر البياض المتخلل مع عسر الأفراد؛ فقيل: يبطل، لأن الأكثر متبوع لا تابع، والأصح الجواز للحاجة، واستأنسوا للقلة -أي قلة الزرع النسبة إلى الشجر - بأن نصيب أزواج النبي الله ثمانون وسقاً من تمو وعشرون وسقاً من شعير، قال النووي أثر الحديث: (قال العلماء: هذا دليل على أن البياض الذي كان بخيبر الذي هو موضع الزرع أقل من الشجر))، وأما شرط كون البذر من العمل فهي مخابرة، فقيل: تجوز تبعاً للمزارعة، والأصح المنع؛ لأن الحديث في المزارعة، وذهب السبكي
(2)
والقسطلاني (2) إلى جوازها ولو أفردت (3)، قلت: الحديث أدل على المخابرة منه على المزارعة، لأنه شرط عليهم أن يعتملوها من أموالهم، ولأنه
لم يذكر أنه كان يرسل البذر إليهم.
(1)
شرح صحيح مسلم 211/ 10.
(2) فتاوى السبكي 426/ 1، إرشاد الساري 178/ 4.
(d)
الروضة 170/ 5، وذكر تفصيلات أخرى فمن شاء فليرجع إليها.
212 (1/216)
صفحة 217
المساقاة
وقد رد عليهم ابن قدامة بقوله: (فإن قال أصحاب الشافعي: تحمل أحاديثكم على الأرض التي بين النخيل، وأحاديث النهي عن الأرض
البيضاء جمعاً بينهما، قلنا: هذا بعيد لوجوه خمسة:-
أحدها: أنه يبعد أن تكون بلدة كبيرة يأتي منها أربعون ألف وسق ليس فيها أرض بيضاء، ويبعد أن يكون قد عاملهم على بعض الأرض دون بعض، فينقل الرواة كلهم القصة على العموم من غير تفصيل مع الحاجة
إليه.
الثاني: أن ما يذكرونه من التأويل لا دليل عليه.
الثالث: أن قولهم يفضي إلى تقييد كل واحد من الحديثين وما ذكرناه حمل
لأحدهما وحده.
الرابع: أن فيما ذكرناه موافقة عمل الخلفاء الراشدين وأهليهم وفقهاء الصحابة وهم أعلم بحديث رسول الله وسنته ومعانيها، وهو أولى من
قول من خالفهم.
الخامس: أن ما ذهبنا إليه مجمع عليه، فإن أبا جعفر روى ذلك عن كل
أهل بيت بالمدينة ... ) (1).
وأما المالكية؛ فاشترطوا لذلك شروطاً:-
(1) المغن 586/ 5 - 587.
213 (1/217)
صفحة 218
المساقاة
الأول: أن يتحد الجزء المشروط، فإن لم يتحد لم يجز وفسدت بذلك. الثاني: أن يكون البذر من العامل، وهو ضد شرط بعض الشافعية كما سبق، قلت: وفيه نظر لأن عمر عامل الناس على إنه إن جاء عمر بالبذر فله الشطر، وإن جاؤوا بالبذر فلهم كذا، ومعنى ذلك أنه لا مانع من أن يؤخذ من أيهما.
الثالث: أن يكون البياض قليلاً بالنسبة للشجر أو الزرع كالثلث أو دونه، أي بأن تكون قيمته أي أجرته بالنسبة للثمرة الثلث فأقل بعد إسقاط كلفة الثمرة، كما لو كان كراؤه مفرداً مائة وقيمة الثمرة بعد إسقاط ما ينفق عليها مائتان، فيعلم أن كراءه ثلث، فإن كان أكثر لم يجز وفسدت، وظاهر
كلام القيرواني أن المراد بالثلث ثلث المساحة لا القيمة (1).
قال ابن حزم متعقباً ذلك: ويقال لمن قلد مالكاً: من أين لكم تحديد البياض بالثلث؟ و لم يأت قط في شيء من الأخبار تحديد ثلث ولا دليل عليه، ومثل هذا في الدين لا يجوز، ويقال لهم: ماذا تريدون بالثلث؟ أثلث المساحة؟ أو ثلث الغلة؟ أو ثلث القيمة؟ فإلى أي واحد مالوا من هذه الوجوه، قيل لهم ومن أين خصصتم هذا الوجه دون غيره؟ والغلة قد تقل وتكثر، والقيمة كذلك، وأما المساحة فقد تكون مساحة قليلة أعظم غلة أو أكثر من أضعافها، وأيضاً فإن خيبر لم تكن حائطاً واحداً ولا محشراً
(1) انظر الرسالة الفقهية ص 221، الشرح الصغير 721/ 3.
214 (1/218)
صفحة 219
المساقاة
واحداً، ولا قرية واحدة ولا حصناً واحداً ... وقد كان فيها بياض لا سواد فيه وسواد لا بياض فيه وبياض وسواد، فما جاء قط في شيء من الآثار تخصيص ما خصه) (1).
وقد يستأنس المالكية لقلة الغلة بأن نصيب أزواج النبي له مائة وسق، ثمانون وسقاً من تمر وعشرون وسقاً من شعير، هذا إن كانوا يريدون بالثلث ثلث الغلة، أما إذا كانوا يريدون ثلث القيمة كما قال أبو البركات أو ثلث المساحة كما هو ظاهر كلام القيرواني فلا يدل الحديث على ذلك، علاوة على أن الخارج هنا خمس المجموع لا ثلثه، وورد في رواية أخرى أن نصيبهن مائة وسق تمراً وعشرون وسقاً من شعير، فعلى هذا يكون الخارج من الزرع سدس المجموع.
أما عند أكثرنا فلا إشكال إذ المزارعة جائزة صحيحة بل نص الشيخ السالمي والشيخ درويش (2) أنها أحب إليهما من كراء الأرض بوجه آخر لأن الخبر ورد بها، فلا داعي إلى تفريع مسائل على ذلك، فلا يختلف الحكم سواء اجتمعت مع المساقاة أو انفردت بنفسها أو انفردت المساقاة بذاتها
(1)
(2)
المحلي 218/ 8
جوابات الإمام السالمي 401/ 4، الدلائل ص 403، ونسبه الشيخ البسيوي إلى أكثر فقهاء عمان،
مختصر البسيوي ص 292.
215 (1/219)
صفحة 220
المساقاة
فكل واحدة منها صحيحة، قل الزرع أو كثر، أمكن فصلها أو لا، وهو
قول الحنابلة (1) وعليه كثير من علماء الأمة.
أما الجمع بين المساقاة والإجارة فقد قال فيه ابن قدامة: (وإن أجره بياض أرض وساقاه على الشجر الذي فيها جاز لأنهما عقدان يجوز إفراد كل واحد منهما فجاز الجمع بينهما كالبيع والإجارة، ويحتمل ألا يجوز بناء على الوجه الذي لا يجوز الجمع بينهما في الأصل، والأول أولى، إلا أن يفعلا ذلك حيلة على شراء الثمرة قبل وجودها، أو قبل بدو صلاحها فلا يجوز سواء جمعا بين العقدين، أو عقدا أحدهما بعد الآخر لما ذكرنا في
إبطال الحيل) (3).
وقال البروفسور الضرير: المساقاة على الشجر وإجارة الأرض،
وهذه معاملة جائزة أيضاً عند رة أيضاً عند من يجوز المساقاة وإجارة الأرض) (3). أما إجارة الأرض مع أشجارها فقد أطال ابن تيمية جداً في هذه المسألة مستعرضاً الأقوال وأدلتها فمن شاء فليرجع إليه (4).
216
019/ 0
المغني
(1)
(2)
نفس المرجع ص 589.
(3) الغرر وأثرة في العقود ص 483.
(4)
فتاوي ابن تيمية 59/ 29. (1/220)
صفحة 221
المساقاة
أما إذا ساقى على النخل و لم يذكر البياض فليس للعامل أن يزرع فيها بغير إذن ربها، وإن زرع فهو متعد، فله الزرع وعليه أجرة الأرض كذا ذكر الإمام الشافعي (1) وتابعه ابن المنذر (3)، وحديث: ((من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته)) (3) يرد على ذلك، لأنه يقتضي أن الزرع لمالك الأرض والنفقة للغاصب.
وقال مالك: (ما از درع الداخل في البياض فهو له، وإن اشترط
صاحب النخل أن يكون ذلك بينهما فهو جائز، إذا كان تبعا للنخل) (4). وذكر الباجي نقلاً عن سحنون عن ابن نافع عن مالك أن عليه كراء الأرض لصاحب الحائط، ووجه الأول أن لفظ المساقاة إنما يختص بالثمار، وما كان من الأرض على وجه التبع فهو للعامل كالمراح والمسكن وغير ووجه الثاني أنه مقصود بالحرث والعمل فوجب أن لا يختص بالعامل
ذلك،
كالثمرة.
بل ذكر ابن الجلاب في تفريعه أن لصاحبه يفعل فيه ما شاء من
زراعة أو إجارة أو ترك (5).
(1)
مختصر المزي 71/ 3.
(2) کتاب الأشراف 177/ 1.
(3)
(4)
(°)
سبق تخريجه وذكر ما قيل فيه.
الذخيرة 106/ 6، كتاب الأشراف 177/ 1.
المنتقى 121/ 5 - 122.
217 (1/221)
صفحة 222
المساقاة
وكون البياض له فيه إشكال لأنه يخالف الحديث السابق، وقد حكم الإمام أبو سعيد بأن البطلان فيه أولى، ويكون له أجر مثله، أو عليه كراء الأرض وما نقصها والزراعة له (1)، والحديث يدل على أن له النفقة وهو
قريب من الأول.
وعند الإمامية لا يجوز أن يزرع الأرض قطعاً، لأن كل منهما.
حكم الاستقلال أي السقي والزراعة (3).
ولعل للعرف دخلاً في ذلك فإن اقتضى زارعته وكونه بينهما ساغ لذلك، وإن اقتضى تركه ساغ أيضاً، وأما أن يكون لأحدهما فلا يخلو من إشكال لتضمنه شرطاً قد يربح به أحدهما دون الآخر، ولأنه لو كان ربحه لرب الأرض وعمله على العامل لألزم العامل عملاً ليس من جنس عمل
218
المساقاة.
إضافات أبي سعيد ص 71.
جامع المقاصد 394/ 7.
(")
(T) (1/222)
صفحة 223
المساقاة
المبحث السادس
المطلب الأول: المدة المعتبرة:-
نهاية المساقاة
اختلف العلماء في تحديد المدة المعتبرة، فمقتضى مذهب أصحابنا لا يشترط تحديدها بالسنين، بل إن حددت بها اعتبرت وإلا فهي بانقضاء الثمرة)، و قريب منه قول المالكية، حيث جاء في "الذخيرة": (قال ابن يونس: قال سحنون: منتهى المساقاة في التمر جداده بعد إثماره، وفي التين والكرم قطافه ويبسه، وفي الزرع تهذيبه) (3)، وكذلك عندهم إن ساقاه سنة واحدة لكن منتهاها الجداد، فإن كانت تطعم في العام مرتين هي إلى الأولى حتى يشترط الثانية، ولا يصح أن توقت بسنين معلومة (3)، أما عند الشافعية فإن كانت بالشهور أو السنين العربية فذلك ولو وقتت بالرومية وغيرها جاز إذا علمها، فإن أطلق لفظ السنة انصرف إلى العربية وإن وقت بإدراك الثمرة فهل تبطل كالإجارة أو تصح لأنها المقصود وجهان عند الشافعية والحنابلة، وعند الحنابلة الأصح الصحة (4)، ورجح النووي أولهما، وبه قطع البغوي، وصحح الغزالي الثاني، فعلى الثاني لو قال: ساقيتك سنة، وأطلق
(1)
مختصر البسيوي ص 192.
(2) الذخيرة 98/ 6.
(1)
عقد الجواهر الثمينة 820/ 2، الذخيرة،114/ 6، مدونة مالك 12/ 5.
219
الإنصاف 429/ 5.
(4) (1/223)
صفحة 224
المساقاة
فهل يحمل على السنة العربية أو سنة الإدراك؟ وجهان، زعم الفرج السرخسي أن أصحهما الثاني، فإن قلنا بالأول أو وقت بالزمان فأدركت الثمار والمدة باقية لزم العامل أن يعمل في تلك البقية، ولا أجرة له، وإن انقضت المدة، وعلى الشجر طلع أو بلح فللعامل نصيبه منهما، وعلى المالك التعهد إلى الإدراك، وإن حدث الطلع بعد المدة فلا حق للعامل فيه ولو ساقاه سنين واشترط له ثمرة سنة بعينها، والأشجار بحيث تثمر كل سنة لم يصح قال النووي: ولو ساقاه تسع سنين وشرط له ثمر العاشرة لم يصح قطعا، وكذا إن شرط له ثمرة التاسعة على الصحيح).
وانصراف السنة إلى العربية لعله لعرف كان عندهم، أو لأنها هي السنة شرعا، فإن كانت الأولى فذلك يختلف باختلاف الأعراف، بخلاف الثانية فإنها لا تختلف ولو تباينت الأعراف ولا أدري وجه المنع من التوقيت بوقت الإدراك، ولعله لتباين وقتها بين سنة وأخرى، قال في "جامع المقاصد": (ومنشأ الإشكال أي من التوقيت بإدراك الثمرة- من أن الثابت في العادة كالمعلوم وأن المساقاة عقد مبني على الغرر والجهالة، فلا يفسد بهما، وهو مختار ابن الجنيد، ومن أن الغرر مناف لصحة المعاوضة، وتجويز الغرر مع فرد من أفراد الغرر، لا يقتضي التجويز مطلقا
(1) الروضة 156/ 5 - 157، المجموع 406/ 14.
220 (1/224)
صفحة 225
المساقاة
وقوفا مع موضوع النص، والأصح عدم الجواز كما هو المشهور بين الأصحاب) (1).
ولعل الغرر الذي فيه أقل من الغرر في التسمية بعام أو نحوه، لأن الشجرة قد تثمر وقد لا تثمر بخلاف وقت الجداد، فالإثمار فيه أبلغ، وعلاوة على ذلك فإن في السنة قد تثمر وتنتهي الثمرة وذلك يقتضي بقاء العامل بلا دافع يدفعه للإقدام على العمل، إذ لا مصلحة له بذلك، إنما. مصلحة للمالك وحده.
والإشكال بالتوقيت بالجداد لا يكون إلا عند تعدد الأشجار، و اختلاف وقت، إثمارها فلا بد من تحديد إثمار صنف معين منها، وقد يقال بعدم وجوب العمل على العامل في الصنف الذي لا يثمر في تلك المدة، لأنه لا يرجو منه ثمرة، وقد يقال بوجوبه عليه حكما بالغالب.
أما إن تأخر إثمار بعض الشجر فقد قال القرافي: (قال مالك: فإن تأخرت نحو العشرة من النخل أو الشجر فعليه سقي جميع الحائط، حتى يجد ما بقي ويسقى في الأجناس المختلفة كالنخل والرمان، حتى يفرغ من الجميع، وقال مطرف كلما قطعت ثمرة انقضت مساقاتها، قلت: أو كثرت تشبيها للأصناف بالحوائط، قال مالك: وإذا دخل الحائط سيل فاستغنى عن الماء فلا تحاسبه بذلك) (2)، وقال أيضاً: (وبقاء نخلات يسيرة
(1)
جامع المقاصد 355/ 7.
(2) الذخيرة 98/ 6.
221 (1/225)
صفحة 226
المساقاة
سقى الحائط لأنه بقية المدة والأصول وإذا كانت متأخرة الطيب فكذلك وكذلك الأنواع المختلفة إذا بقي بعضها، وقال عبدالملك: إذا كان المتأخر نخلات متأخرة فسقي الحائط عليك، وقد برأ من الحائط بحصول الطيب الغالب، ويوفي نصيبه من المتأخر الطيب، فإن المتأخر الطيب الأكثر سقاه كله تغليبا للأكثر، أو متناصفا سقي (1) المتأخر وحده، وسقيت الباقي والثمار المختلفة لمتأخر الطيب مع متقدمه (3).
وقد يقال عليهما أن يسقيا بقدر نصيبهما، أو يسقي العامل نصيبه وله عوض عن نصيب المالك، وقد يرجح الإثمار في الأكثر، لأن العبرة بالأكثر تغليبا في كثير من الأحكام، لقاعدة "العبرة بالغالب الشائع لا بالنادر"، وإن كانا متناصفين فقد يرجح وجوب العمل عليه بناء على الاستصحاب، وقد يقال بوجوبه على العامل مطلقا لأجله، وهذه المسألة لها علاقة بالمسألة المعروفة هل العبرة بأوائل الأسماء أو أواخرها.
وعند أصحابنا إن حمل بعضها ولم يحمل بعض يخير العامل بين أخذ العناء من الجميع، أو أخذ نصيبه مما حمل دون غيره، كذا رأي أبي المؤثر وأبي الحواري (3)، ولا يصح أن يكون له نصيبه مما حمل وأجرته مما لم يحمل، لأنه جمع بين البدلين، ولا يصح، لأن البدل لا يثبت إلا عند انتفاء المبدل منه، أما إذا ذهبت ثمرتها فلا عناء له، ووجه التفريق أنه في الحالة
(1)
(2)
كذا في الأصل والظاهر أنه سقى.
نفس المرجع ص 122.
(3) المصنف 48/ 21، بيان الشرع 292/ 40.
222 (1/226)
صفحة 227
المساقاة
منه، أما إذا ذهبت ثمرتها فلا عناء له، ووجه التفريق أنه في الحالة الثانية دخلت الثمار ملكه ثم تلفت فخسر هو كما خسر رب النخل، وأما في الحالة الأولى فلم يدخل شيء في ملكه، وإن لم تحمل نخيله فوقت من حملة نخيلة (1).
وبعد الجداد يجوز إخراج العامل عند أصحابنا رحمهم الله، وقيد ذلك الإمام أبو سعيد بأن لا يعلم أن عنايه يزيد على الذي حصل له، فإن علم فله تمام عنائه (2)، وذلك دفعا للضر عن العامل، وذكر أبو عبدالله من أصحابنا أن الشجر إذا صار لا يحتاج إلى سقي فللمالك الإخراج، وظاهر الأمر أن الاستغناء للثمرة لا للشجرة (3).
أما إذا فسل الموز فإن عند أبي المؤثر يبقى حتى يأكل الأمهات الأبكار، ثم لصاحب الأرض إخراجه، وإن سقى بعد حسب له عناؤه، وعند أبي الحسن حتى يأكل البطن الثاني أيضاً، وأما القطن فإنه يأكل إلى الفضيخة يرفعه أبو الحواري عن نبهان عن محمد بن محبوب- يأكل سنة الفتكة الأولى، وأما البقل والقت فسنة بعد الجزة الأولى (4).
(1)
(2)
3 3 3
جامع الفضل بن الحواري 186/ 2.
المصنف 49/ 21، بيان الشرع 287/ 40. (3) المصنف 47/ 21، بيان الشرع 287/ 40.
(4) المصنف 56/ 21.
223 (1/227)
صفحة 228
المساقاة
واختلفوا في تحديد نهايتها، فقيل: إذا أتى تارمة، وقيل: إلى أن تعرف
النخيل بألوانها، وقيل إلى السجار، وقيل غير ذلك (1).
المطلب الثاني: نهاية المساقاة:-
تنتهي
المساقاة بأمور متفق عليها وأخرى مختلف فيها، لأنها متعلقة بمسألة
اللزوم، فعند
من يجعلها لازمة فلا تنفسخ عنده بلا عذر، ومن يجعلها غير لازمة فلأحد الطرفين نقضها، وسيأتي بيان ذلك في محله:-
1 - انتهاء المدة المقررة: فإذا انتهت المدة المقررة فقد التغت المساقاة لأن المدة تحديد لنهايتها فلا يتجاوز ذلك، وإن واصل العامل السقي بعد صرم الثمرة فله أجرته أو نصيبه إن لم تحدد مدة معينة، وإن حددت فلا يتجاوزها العامل وإن جاوزها فلا نصيب له (2).
-2 - موت العامل أو رب الأرض عند ابن حزم مستدلاً لذلك بقوله تعالى: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها)) (الأنعام (164) إلا بالتقار (3)، وهذا استدلال فيه نظر لأنه ينتقض بإجارة العين إذا مات المؤجر، فإنها لا تنتقض بالموت، لكن ابن حزم يلتزم بالملتزم فيقول ببطلان عقد الإجارة بالموت، وعند الأحناف تفصيل في المسألة، قال العلامة المعروف بداما أفندي:
(1)
(2)
نفس المرجع ص 187.
بيان الشرع 284/ 40 - 285.
(3) المحلى 225/ 8.
224 (1/228)
صفحة 229
للمساقاة
وتبطل المساقاة بموت أحدهما ... فإن كان الثمر خاماً أي نيا عند الموت أو تمام المدة على تقدير ذكر المدة فيها يقوم العامل أو وارثه عليه كما كان يقوم قبل ذلك إلى أن يدرك الثمر قال ابن الشيخ في شرح "الواقية": إن مات الدافع في حال أن الثمر في يقوم العامل عليه كما قام، وإن مات العامل والثمر في يقوم وارث العامل عليه كما قام موروثه وإن وصلية أبى الدافع على كونه حياً أو ورثته إن ميتاً أي ليس لهم من ذلك المنع استحساناً، كما في المزارعة، لأن في منعه الحاق الضرر به، فيبقى العقد دفعاً للضرر عنه، ولا ضرر للدافع ولا على ورثته) (1)، ونص الكاساني على الانتقاض بموت أحد العاقدين (2).
(2)
وهو قول الحنابلة لأن المساقاة تبطل بما تبطل به الوكالة (3). وذهب أكثر الإباضية (4) والشافعية (5) والإمامية إلى أنها لا تبطل يموت أحدهما، لكن لو كانت مقيدة بمباشرة العامل بطلت عند الإمامية (6)،
ولو اشترط عليه المباشرة لا بنحو القيد فالمالك مخير بين الفسخ لتخلف
(1)
(1) مجمع الأنمر 506/ 2.
(2)
(1) البدائع 188/ 6.
(3) كشاف القناع 537/ 3.
(4)
(4) انظر إضافات أبي سعيد ص 70، المصنف 37/ 21، بيان الشرع 274/ 40.
()
الإشراف 176/ 1، لكن قال النووي: ولو مات مالك الشحر في أثناء المدة لم تنفسخ المساقاة .... فإن كان المساقاة على عينه انفسخت بموته كالأحمر "المعين" وإن كانت على الذمة فوجهان، أحدهما تنفسخ، لأنه لا يرضى بيد غيره، والثاني وهو الصحيح وعليه التفريع لا تنفسخ كالإحارة) الروضة
162/ 5
(1) كتاب المساقاة ص 23.
225 (1/229)
صفحة 230
المساقاة
اشترط عليه المباشرة لا بنحو القيد فالمالك مخير بين الفسخ لتخلف الشرط،
أو إسقاط حق الشريك، والرضى باستئجار من يباشر.
لكن لا يجبر وارث العامل على العمل عندهم فإن اختاره بنفسه أو بالاستئجار فله، وإلا فليستأجر الحاكم من تركته من يباشر إلى بلوغ
الثمر.
ويدل لعدم الانتقاض:-
أ فعل النبي له مع أهل خيبر: فقد مات كثير من أصحابه ممن لهم نصيب من الأرض، ولم ينقضها النبي، بل مات النبي والمعاملة مستمرة، مع كونه وكيلاً عن المسلمين في تلك المعاملة، ولم ينقضها المسلمون فصار كالإجماع، ولم يذكر أنهم جددوا عقداً لذلك، وكذلك مات جماعة من اليهود العمال - فلم تلتغ المعاملة لذلك، فإن قيل: بأن معاملة المجموع تختلف عن معاملة الآحاد أجيب بأن العبرة بالعاقد فيها إذ هو الوكيل، ومات وكيل المسلمين و لم يجددوا العقد.
ب الاستصحاب إذ كانت المساقاة صحيحة، فيستصحب ذلك الأصل. ويتأيد ذلك بقاعدة "اليقين لا يزول بالشك"، فإن قيل: إن الميت
ذلك:
ليس أهلاً للتعاقد فتبطل لذلك لأن العقد من غير أهله، يجاب عن بأنه قد يغتفر في الاستمرار" ما لا يغتفر في الابتداء"، وقد أبرم العقد وهو
له أهل.
226 (1/230)
صفحة 231
المساقاة
أما إذا لم يعمل ورثة العامل من بعده، فإن لورثته عناءه إلى يومه (1)، وإن لم يحدد له أجراً فله سنة أهل البلد، وإن اختلفت فبالوسط منها، وقيل بأن له العناء إن اختلفت (3)، أما لو وكل عاملين فمات أحدهما وله أيتام، فعمل الآخر وأتم العمل، فإنه يعتبر متبرعاً عند الإباضية، ولا شيء له، وإن نوى أخذ العناء، وجهل معنى الحجة ولم يقدر على ذلك
فيسعه فيما بينه وبين الله، أما في الحكم فلا (3)، ووجه ذلك أنه ظهر أنـ متبرع فيعامل بالظاهر في الحكم، أما فيما بينه وبين الله إن لم يكن متبرعا يسوغ أن يمنع من أخذ حقه.
فلا
لأن
وقد يقال: بأنه إن لم يتعاقد مع وكيل الأيتام فلا حق له في العناء،
العناء لا يثبت إلا بعقد والعقد لا يكون إلا بإيجاب وقبول. حق مرض العامل الذي يعجز به صاحبه عن أداء العمل الذي يلزمه فهو عذر عند الأحناف لفسخ العقد لأن إلزامه استئجار الأجراء زيادة ضرر عليه، ولم يلتزم ذلك في العقد فيجعل عذراً، ولو أراد العامل ترك ذلك العمل هل يكون عذراً فيه؟ روايتان وتأويل أحدهما أن يشترط العمل بيده
فيكون عذراً من جهته (4).
(1)
3
بيان الشرع 295/ 40.
(2) المصنف 37/ 21. بيان الشرع 285/ 40. مجمع الأنهر 506/ 2.
C 3
(4)
227 (1/231)
صفحة 232
-
المساقاة
4 كون العامل سارقاً: يخاف منه على الثمر أو السعف قبل الإدراك، لأنه يلزم صاحب الأرض ضرراً لم يلتزمه هذا عند أصحابنا وقيده بعضهم بما إذا لم ينبت يؤبر (1) وعليه الأحناف (2)، وقال ابن المنذر من الشافعية: (فيقال له: أقم مكانك عاملاً يقوم بما يجب عليك أن تقوم به، فإذا جاءت الغلة أخذ كل واحد من رب المال والعامل حصته، وكانت أجرة القائم في مال العامل) (3) وعليه الحنابلة (4).
أقول هو ضرر على العامل لم يلتزمه في العقد، ولا ضرر ولا ضرار وعلى القول بالفسخ يرتفع الضرر والضرار فإن قيل: بأن فسخه يتعارض قاعدة اليقين لا يزول بالشك؛ لأن الأصل عدم جواز الفسخ، ويجلب: بأنه عارضها ما هو أقوى منها، على أن هذه القاعدة حجة لنا، إذا الأصل عدم تكليف العامل بعامل أخر واليقين لا يزول بالشك، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يأمن أهل خيبر ومع ذلك لم يلزمهم بعامل.
وخالف في ذلك المالكية ()، فقالوا بأن خيانته لا تمنع من إتمام العقد معه. وتعقبهم ابن قدامة بقول: (ولنا أنه تعذر استيفاء المنافع المقصودة منه فاستوفيت بغيره كما لو، هرب ولا نسلم إمكان استيفاء المنافع منه لأنه لا
(1) المصنف 48/ 21، بيان الشرع 288/ 40، 295. (2) مجمع الأخر 506/ 2، البدائع 188/ 6.
(3) الأشراف 176/ 1، انظر المجموع 410/ 14.
(4)
المغني
574/ 5
(5) بداية المجتهد 1391/ 4.
228 (1/232)
صفحة 233
المساقاة
يأمن من تركها، ولا يوثق منه بفعلها ... وفارق فسخه بغير الخيانة فإنه لا
ضرر على رب المال وههنا يفوت ماله) (1).
-
وسيأتي تكملة ذلك في المبحث العاشر؛ إن شاء الله تعالى.
الدين: قال ابن نجيم من الحنفية: (وإذا أراد رب الأرض أن يفسخ العقد، وليس من قبله البذر قبل العمل ليس له ذلك، إلا أن يكون عليه دين لا وفاء إلا منه، فإن باعها بالدين لم يكن عليه من نفقة العامل شيء في حفر الأنهار وإصلاحها، لأن المنافع لا تتقوم إلا بالعقد أو شبهه، ولم يوجد ذلك، ومتى كان البذر من قبله بأن يكون مستأجراً للأرض، فإن نبت الزرع لا يباع حتى يستحصد، لكن القاضي يخرجه من الحبس، ولا يحول بينه وبين الغرماء، لأن في البيع إبطال حق العامل، وفي ترك البيع تأخير حق رب الدين، والتأخير أهون من الإبطال، فلو زرع و لم ينبت فقد اختلفوا فيه، قيل: لصاحب الأرض بيعها بالدين لأنه ليس للزرع في الأرض حق قائم، لأن إلقاء البذر استهلاك، وقيل: ليس له البيع لأن إلقاء البذر من الاستنماء وليس باستهلاك) (2).
وقد يقال بمراعاة المصلحة في ذلك ويدفع الضرر عن كلا الطرفين ما أمكن ذلك لأن الضرر يزال وفي معاملة الدائن تعارض حقان حق الدائنين
(1) المغني 5/ 574 - 575.
(2) البحر الرائق 166/ 8.
229 (1/233)
صفحة 234
المساقاة
و تعلقه بمجموع المال، وحق العامل وتعلقه بثمار أشجار المساقاة، والتعلق
الخاص أقوى من التعلق العام.
-6 - الحجر على أحدهما لسفه: تنفسخ المساقاة عند الحنابلة (1) بالحجر لسفه على المالك أو العامل وهو بالنسبة إلى المالك أظهر إذ المساقاة متعلقة بماله، أما العامل فلا خسارة عليه في ماله بذلك، بل عمل المساقاة متعلق بكسبه وجده، قال الخوئي: (فإن المفلس والسفيه إنما هما ممنوعان من التصرف في مالهما خاصة دون الكسب وتحصيل المال، إذ لا حجر عليهما من هذه الجهة) (2).
بل قد يقال: بأن المالك لو حجر عليه لا يبطل العقد بذلك، لأنه قد يغتفر في الاستمرار ما لا يغتفر في الابتداء، وقد أبرم العقد وهو له أهل، إضافة إلى الاستصحاب، إذ يقتضي عدم نقض المساقاة، والحجر إنما يمنع العقد، ولا عقد هنا، إذ العقد قد تم قبل الحجر، فلا ينبغي أن تلغى المسلقاة بذلك، علاوة على أن فيها مضرة بالجانبين، فالمالك يتضرر بإلزامه بأجرة المثل وتعطيل أرضه والعامل يتضرر بحرمانه من حصته من الثمر، والضرر مرفوع، ويتأيد بقاعدة اليقين لا يزول بالشك.
وهو يتعلق فيما أحسب بمسألة هل هذا الشرط يلازم المشروط من أوله إلى آخره كالوضوء للصلاة، أو لا كرضى الولي في النكاح؟.
(1) كشاف القناع 537/ 3.
(2) کتاب المساقاة ص 11.
230 (1/234)
صفحة 235
المساقاة
الجنون فلو حن العامل أو رب الأرض انفسخت المساقاة عند
الحنابلة (1) بذلك، لحديث: رفع القلم عن ثلاثة)) (3) ومن ضمنهم المجنون
حتى يفيق، لعدم أهليته للتعاقد.
التقايل والتراضي: صرح بذلك الأحناف (3) والشيعة الإمامية (4)، ولا
أخال غيرهم ينكرونه. .
الفسخ بخيار الشرط: عند الإمامية)، ولا يثبت أصلاً في المساقاة عند الحنابلة (6)، وفيما أحسب من يعتبر خيار المجلس من الشافعية والحنابلة يقولون بفسخها به ()، ولعل مذهب الحطابي من المالكية جواز الفسخ بشرط خيار العامل بالرؤية (8).
-10 - إذا تلفت الثمار كلها بجائحة ينفسخ العقد عند بعض كما ذكره
(9)
(10) -
البغوي (1)، وهو قول عند الإمامية - في عدم الظهور (10)، وقيل لا ينفسخ،
(1) كشاف القناع 537/ 3.
(2)
(3)
سبق تخريجه
(1) البدائع 188/ 6.
(1)
كتاب المساقاة،
ص
22
(0) كتاب المساقاة ص 22.
(1) المغنى 572/ 5.
(2) انظر المغني 572/ 5، المجموع 414/ 14.
(8) انظر منح الجليل 0401/ 7
(9)
الروضة 163/ 5.
(10) كتاب المساقاة ص 47.
231 (1/235)
صفحة 236
المساقاة
بل على العامل إتمام العمل، وللمالكية تفصيل سبق ذكره (1)، وعند سيدي الوالد أن له الفسخ إن كانت المساقاة لعام وقد سبق بيان ذلك.
11 - هروب العامل: عند عدم القدرة على جبره أو الاستئجار عليه أو الأخذ من ماله، و سبق بيان ذلك والاختلاف فيه في مبحث اللزوم.
12 - العزل عند من يقول بعدم اللزوم، ولا حاجة لإعادة ما ذكر، فإن وقع الفسخ فإليك ما أوضحه البهوتي في بيان الأحكام المتعلقة بذلك فقد قال ما ملخصه: (فإن فسخت بعد ظهور الثمرة فهي بينهما على ما شرطاه لأنها حدثت على ملكهما ... وإن فسخ العامل أو هرب قبل ظهورها فلا شيء له، وإن فسخ العامل بعد شروع العامل في العمل وقبل ظهور فعليه أجرة مثل عمله) (2).
(1) الكافي 109/ 2. (2) كشاف القناع 538/ 3.
232 (1/236)
صفحة 237
المساقاة
المبحث السابع
زكاة ثمار المساقاة
المطلب الأول: وقت استحقاق الثمرة:
اختلف العلماء في وقت استحقاق العامل النصيبه فذكر كثير منهم انه يستحق مجرد الظهور، وهو مذهب الإمامية (1)، وعليه الحنابلة كما ذكر البهوتي (2) وابن قدامة (3)، وحكى ابن مفلح فيها الخلاف (4). وهو قول للشافعية (9) قال الكركي: لا خلاف عندنا في أن العامل يملك الحصة بظهور الثمرة، وللشافعية قول أنه لا يملك شيئاً إلا بعد القسمة، كالعامل
في القراض، والحكم في الأصل ممنوع) ().
والجواب عن القياس بوجوه:-
-1 - أنه قياس على أصل مختلف فيه، وقد منعه قوم منهم العلامة ابن
بركة (7)
(1)
جامع المقاصد 376/ 7
(2) کشاف القناع 0538/ 3
المغني
576/ 5
(1) المبدع 54/ 5. (5) الروضة 160/ 5.
(1)
3
جامع المقاصد 376/ 7. جامع ابن بركة 146/ 1
233 (1/237)
صفحة 238
المساقاة
2 - لو سلمنا بصحة القياس فلا يلزمنا لانا لا نلتزم بصحة الأصل،
فالقياس يلزم من فرّق بينهما، إما نحن فلا.
3 - هو قياس على ما خالف الأصل ولا يصح عند جماعة كما سبق بيانه. وقيل: بأنه يستحق ذلك بالقسمة وهو قول بعض الشافعية ولعله مال له
بعض الحنابلة كما يستفاد من حكاية ابن مفلح للخلاف، ونـ الباجي من المالكية (1).
ص عليه
وقد ذكر أحد علماء الإمامية فروعاً لهذه القاعدة أي استحقاق العامل النصيبه بالظهور - منها: (ما) إذا مات العامل بعد الظهور قبل القسمة مع اشتراط مباشرته للعمل، فإن المعاملة تبطل من حينه، والحصة تنتقل إلى ورثته على ما ذكرنا، ومنها: ما إذا افسخ أحدهما بخيار الشرط أو الاشتراط بعد الظهور وقبل القسمة أو تقايلا، ومنها ما إذا حصل مانع عن إتمام العمل بعد الظهور، ومنها ما إذا خرجت الأصول عن القابلية لإدراك الثمر ليبس أو فقد الماء أو نحو ذلك بعد الظهور، فان الثمرة في هذه الصورة مشترك بين المالك والعامل، وإن لم يكن بالغاً، ومنها: في مسالة الزكاة فإنها تجب على العامل أيضاً إذا بلغت حصته النصاب، كما هو المشهور، لتحقق سبب الوجوب، وهو الملكية له حين الانعقاد، أو بدو
الصلاح على ما ذكرنا) (3).
234
73 - 076
(1)
المنتقى 120/ 5.
(2) كتاب المساقاة
ص (1/238)
صفحة 239
المساقاة
ولا أعرف وجهاً لبعض هذه التفريعات، بل لم أفهم معنى بعضها
فذكرتها كما وجدتها.
والفروع التي أتصورها تندرج تحت هذه المسألة ما يلي:-
1. وجوب الزكاة عليهما على القول بالظهور وعلى الآخر فهي محتملة. 2. وجوب الخراج عليهما على القول بالظهور أيضاً.
3. . صحة بيع العامل لنصيبه قبل الجداد إن قلنا بالظهور، وبعدمها إن قلنا بالقسمة، ومثلها العرية والإجارة وغيرها؛ أي بعد الطيب كما هو
واضح. . لو فسخا العقد لأي سبب بعد الظهور يكون للعامل نصيبه إن قلنا بالظهور، وإن قلنا بالمقاسمة احتمل أن تكون له أجرة المثل، لأن الثمر لم يدخل ملكه.
ه. فضلا عن جميع الأمور التي تترتب على الملكية، فلا يحكم عليه بالإفلاس ويجوز له أن يوصي بثلثه إلى غير ذلك من آثار الملكية.
المطلب الثاني: وجوب الزكاة على الشريكين
اختلف العلماء في الزكاة في المساقاة هل تجب على الشريكين أو لا؟
فذهب الإباضية إلى وجوبها عليهما قال النور السالمي:-
وإن يكن أقعدها بخم
من زرعها أو ربع أو سدس
زكاتها من الجميع تخرج لأنما الشركة فيها تلج
(1)
جوهر النظام 167/ 1، وانظر إضافات أبي سعيد ص 68.
(1)
235 (1/239)
صفحة 240
المساقاة
بل ذهب رحمه الله إلى وجوبها حتى لو شرط للعامل عذق من النخل،
وذكر أنه أكثر القول وهو المعمول به في الأعصر الخالية (1).
(3)
وعليه مالك فيما يفهم من كلام أتباعه (2) والشافعي (3) والليث وابن حزم) والشيعة الإمامية ()، ويدل لهم ما رواه أبو داود عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها حيث قالت: كان النبي يبعث عبدالله بن رواحة فيخرص النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه، ثم يخير يهود يأخذونه بذلك الخرص، أو يدفعونه إليهم بذلك الخرص لكي تحصى الزكاة، قبل أن تؤكل الثمار وتفرق)) (6) لكن الحديث فيه رجل مجهول، قال فيه ابن حجر: (وهذا فيه جهالة الواسـ طة، وقد رواه عبدالرزاق والدارقطني من طريقه عن ابن جريح عن الزهري، ولم يذكر واسطة، وهو مدلس، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه قال فرواه صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة، وأرسله معمر ومالك وعقيل
لم يذكروا أبا هريرة ... )).
(1)
جوابات الإمام السالمي 66/ 2 83
(2) الخرشي 232/ 6.
(3)
الإشراف 174/ 1، للشافعية قول آخر بوجوبها على المالك دون العامل والأصح الأول، انظر تكملة
المجموع 413/ 14.
(4)
المحلي 227/ 8.
(•)
جامع المقاصد 377/ 7، كتاب المساقاة ص 76.
(6) رواه أبو داود 69/ 5 برقم (3271)، أبو عبيد ص 195 برقم 1437.
(7) تلخيص الحبور 182/ 2.
236 (1/240)
صفحة 241
المساقاة
ورواية الموطأ لم تذكر أن الخرص للزكاة وكذا رواية البيهقي، علاوة على أنه لم يصرح بأنه يأخذ من مال العاملين، ويحتمل أنه لم يأخذه لكون
العاملين من اليهود - إن ثبت عدم الأخذ وهم لا تؤخذ منهم زكاة. ولعلهم يستأنسون للوجوب عليهما أيضاً بأنه لم يذكر أن الجباة كانوا يسألون عن معاملة الناس مع كثرتها، خصوصاً في المدينة المنورة، إذ كثر
التعامل بها عندهم.
وخالف في ذلك أبو المكارم بن زهرة من الشيعة الإمامية فقال بعدم وجوبها على العامل وتعقبه الكركي قائلاً: وما ذكره لا يتم على القول بأن العامل يملك الحصة بالظهور، وأسند المصنف في "التذكرة" القول بتمليكه إياها بالظهور في المساقاة إلى علمائنا، فإن كان ابن زهرة قائلاً بذلك فلا وجه لإنكاره الزكاة أصلاً، وإن قال بأنه يملك بالقسمة اتجه عدم الوجوب عليه لفقد شرط الوجوب، وهل تجب زكاة حصته على المالك حينئذ؟ يتجه العدم، لأنه من جملة المؤن، وهل ينثلم به النصاب؟ يحتمل ذلك) (1).
ولعل للخلاف ثلاثة أسباب هي:-
يجعله من
1. ما ذكره الكركي وهو وقت استحقاق العامل لنصيبه، فعند عند الظهور لا يسوغ له القول إلا بوجوبها على العامل، وعند من يجعله
237
جامع المقاصد 377/ 7.
(1) (1/241)
صفحة 242
المساقاة
بالمقاسمة فإنه يسوغ له القول بعدم الوجوب عليه، إذ وقت الوجوب قد خصوصاً إذا قال بأن وجوبها قبل القسمة، أما إذا قال بوجوبها
انتهى،
بعدها فإنه قد تجب فيها الزكاة كما سيأتي بيان ذلك؛ إن شاء الله تعالى. 2. ذكر سيدي الوالد أن أسباب الخلاف التنازع في كون المساقاة إجرة أو شركة، فعند من يجعلها إجارة يسوغ له القول بعدم الوجوب، لأن الثمرة مجرد أجرة له فهو كمن أعطي على عمله ثماراً فإنه لا تجب عليه الزكاة بذلك، وعند من يعتبرها شركة فالزكاة عليهما.
خلاف العلماء في تعلق الزكاة هل بحق الأرض أو بحق الثمر؟ فإن كان الأول فلا زكاة على العامل، وعلى الثاني تجب الزكاة عليهما.
المطلب الثالث: استتمام نصيب أحدهما بالآخر:-
کل
وإذا لم يبلغ نصيب كل واحد منهما النصاب ففي استتمام نصيب واحد منهما بالآخر خلاف بين أهل العلم، قال الشيخ الجناوني: (وكل نصاب كمل في ملك مالك أو ملاك شتى بالشركة فقد وجب عليهم أخذ الوقت للزكاة ما خلا النض) (1)، فعلى هذا يستتم كل واحد منهما نصيبه بالآخر، وهو ظاهر على القول بأنها تؤخذ قبل القسمة وهو قول في المذهب (2) خصوصاً عند من يجعل الخلطة فيه، وهو قول ذكره الشيخ
(1)
الوضع 179.
(2) إضافات أبي سعيد ص 68.
238 (1/242)
صفحة 243
المساقاة
الثميني)، ولم يذكر كثير من علمائنا الخلطة فيه، فظاهر كلامهم أنه لا
يستتم بذلك، لكن عبارة نور الدين السالمي: (لأنها الشركة فيها تلج) تدل على المتاممة، وقال أيضاً:-
وامرأة خالطت الحليلا في مالها ودفع ست نخيلا يفعل فيها كيفما يشاء فماله ومالها
واء
يجمع كل واحد من جهته ويحملن في زكاة غلت ... وكل قوم أصلهم سواء في مزرع فحكمهم سواء (3) ويدل للاستتمام أن المعاملة كانت منتشرة بينهم، ولم يذكر أن الجابي كان يسأل عنها وإنما يأخذها مباشرة، على أن الخطة واضحة في ذلك، فلا تتمايز ثمارهما، ويشملهما عموم حديث: ... ولا يفرق بين مجتمع خشية الزكاة)) (3)، وهذا مجتمع.
وذهب الحنابلة في الصحيح عندهم إلى عدم المتاممة، فإن لم يبلغ مال أحدهما فلا زكاة عليه، والأخر يزكي إن بلغ وإن بلغا زكيا وإلا فلا (4)،
وللشافعية في المتاممة خلاف أيضاً (ه).
(1)
(2)
(T)
33
(4)
شرح النيل 23/ 3.
جوهر النظام 167/ 1.
رواه البخاري 69/ 7 برقم (1450)، صحيح ابن حبان 59/ 8 برقم 3266.
المغني
576/ 5
(ه) تكملة المجموع 413/ 14.
239 (1/243)
صفحة 244
المساقاة
المطلب الرابع: اشتراط أحدهما الزكاة على الآخر:-
ويجوز عند المالكية (1) أن يشترط أحدهما على الآخر أن تكون الزكاة نصيبه، مستدلين بذلك بأن الزكاة ترجع إلى نصيب معين فمن كان لـ النصف وشرط الزكاة على صاحبه فهو كمن شرط له خمسة أسهم من تسعة، ولصاحبه أربعة أسهم من تسعة وإذا لم تبلغ الثمار النصاب فهو للمشترط، كما في القراض.
وفيما أحسب أن هذا الشرط يسوغ عندهم إذا كان نصيب المشروط عليه أكثر من الزكاة، وإن كان مساوياً لها فيحتمل الخلاف السابق في شرط الثمار لأحدهما، وإن كان أقل فلا يسوغ لأنه لم يشرط له جزء من
الربح بل شرط عليه غرامة علاوة على عدم ربحه. قال ابن حزم متعقباً ذلك: ومن أصاب ما تجب به الزكاة فواجبة عليه وإلا فلا، ولا يحل اشتراطها على أحدهما، لقوله تعالى: ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى) (الأنعام 164) ... وقد كانا قلدرين على الوصول إلى ما يريدان من ذلك بغير هذا الشرط الملعون، وذلك بأن يكونا يتعاقدان على أن لأحدهما أربعة أعشار الزرع، أو أربعة أخماس
الثلث، أو نحو هذا فيصح العقد (2).
ولقول ابن حزم ما يؤيده:
(1)
الخرشي
232/ 6
(2) المحلى 226/ 8.
240 (1/244)
صفحة 245
المساقاة
1 - أن الزكاة تعلقت بذمة الشريكين ولا يمكن إسقاطها، فكيف يسوغ أن يترك أمره تعالى بإيتاء الزكاة لأجل شرط، فكل ما دل على وجوب الزكاة يدل على منع اشتراطها على الآخرين، فإن قيل: بأن صورة شرط الزكاة على أحدهما تشبه صورة ما إذا شرط له أقل من ذلك بقليل، فتتحد النتيجة، ويجب أن يتحد الحكم عند اتحادها، يجاب عن ذلك بأن
الصورتين لم تتحدا في سلامة الطريق الموصلة إلى تلك النتيجة، فالنبي قال للرجل: لا تفعل بع الجمع بالدراهم وابتع بالدراهم جنيباً) (1)، مع كون الصورة متحدة، ومع التشابه الواضح في النتيجة.
2 - أن الشرط مناقض لآيات الزكاة فهو شرط ليس في كتاب الله، وقد نهى النبي عن اشتراط شرط ليس في كتاب الله، ويبطل الشرط بذلك كما دل عليه الحديث النبوي الشريف.
3 - اشتراط الزكاة يخالف مقتضى القياس، فلا يجوز في أي عقد من العقود اشتراط الزكاة على العاقد الآخر فكذا الأمر هنا، لكن المخالفين
يعارضون بالقراض، فعندهم يسوغ اشتراط الزكاة على أحدهما فيه. أن الأصل أن الزكاة تعلقت بذمة، فلا يصح أن تنقل عنها إلا بدليل،
4 -
ولا دليل والاستصحاب حجة.
241
رواه الإمام الربيع ص 230 برقم (579).
(1) (1/245)
صفحة 246
المساقاة
المطلب الخامس: وقت إخراجها:-
أما وقت إخراجها فقيل تؤخذ قبل القسمة إن اتفقا وقيل وإن لم يتفقل)، وعند المالكية (3) والشافعية (3) أنها يبدأ بها عندهم ثم يقتسمان، ويدل لهذا القول الحديث السابق وفي آخره ... لكي تحصى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتفرق إن قيل بثبوته، وقد يرد عليه أن إحصاء الزكاة يكون بالخرص عند الطيب، وأما إخراجها بعد ذلك فلا يدل الحديث على
المطلوب.
وقيل بأن كل واحد منهما يأخذ نصيبه ثم يز
کيه (4).
المطلب السادس: زكاة الشركة مع من لم تجب عليه:-
وإن كان أحدهما لا زكاة عليه كالمكاتب والذمي فعلى الآخر زكاة حصته فقط، وعليه مالك والشافعي وهو ظاهر كلام ابن قدامة)، وعليه الإمام أبو إسحاق رحمه الله من أصحابنا سواء أكان الذي وجبت عليه الزكاة المالك أو العامل ()، ويدل له فيما أحسب حديث: ((عامل النبي أهل
(1)
إضافات الإمام أبي سعيد 68. (2) الخرشي 232/ 6. (3) الإشراف 174/ 1
(3)
33 3
(4)
(0)
33
(1)
إضافات الإمام أبي سعيد 68.
المغني
017/ 0
مختصر الخصال ص 105.
242 (1/246)
صفحة 247
المساقاة
خيبر على شطر ... )) فشرط لهم الشطر وهو النصف، ولو أخذ منه جزء للزكاة لخالف مقتضى عقده، علاوة على أنه في الأصل لا تؤخذ منهم الزكاة، ومعارض الأصل لا بد له من دليل فعليه إثباته، وقد يقال بأن الشطر الذي شرطه لهم إنما هو بعد أخذ الزكاة، وهو خلاف الظاهر، أما الباجي فله تفصيل آخر في المسألة، فقد قال: (وإذا كان الخرص للزكاة لزم إخراجها من جميع ثمر الحائط إن كان العامل ذمياً أو عبداً، لأن الزكاة إنما تعتبر بحال مالك الأصل، فإن كان صاحب الأصل مسلماً حراً فالزكاة في جميعه، وإن كان صاحبه عبداً أو ذمياً فلا زكاة في شيء منه، لأن العامل إنما يملك حصته من الثمرة بالقسمة والزكاة تجب فيها قبل ذلك ببدو
الصلاح) (1).
وقال الليث: (أعلم) شريكه وزكى الحائط ثم يقتسمان) (3)، ومثله قول الإمام أبي سعيد في النصراني حيث قال: حسن إذا كان المال للمسلم أو الذمي مما زال (3) إليه في مال المسلمين) (4) وقد يستدل له بالحديث السابق لكي تحصى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتفرق فإحصاء المال كله والعمال فيها من اليهود وهم لا تؤخذ منهم زكلة
الزكاة
من
19.0
(1) المنتقى 120/ 5.
(2)
المغني 576/ 5، الإشراف 175/ 1.
(3) كذا في الأصل ولعل الصواب "آل".
(4)
إضافات الإمام أبي سعيد ص 69.
243 (1/247)
صفحة 248
المساقاة
فأخذت من الجميع، لكن الحديث محتمل لأخذها من الجميع، ولأخذها من
المسلمين فقط.
وذكر نور الدين السالمي رحمه الله أن الخلاف ينبغي أن يخرج على
مسألة مخاطبة الكافر بفروع الشريعة والمذهب عندنا مخاطبته (1). ولو سلم أصلاً بالخلطة في ذلك فلا خلطة بين من وجبت عليه الزكاة وبين من لم وبين من لم تجب عليه كما قال الإمام الخليلي رحمه الله (2)، وذكر الشيخ الثميني في الاستتمام ثلاثة أقوال؛ قيل به مطلقاً، وقيل: بعدمه مطلقاً، وقيل: بالتفصيل بين من وجبت عليه الزكاة ومن لم تجب عليه (3).
(1)
معارج الآمال 199/ 14.
(2) الفتح الجليل ص 232، جامع أركان الإسلام (مع المجموعة القيمة) ص 229.
(3) كتاب النيل (مع الشرح) 23/ 3 - 24.
244 (1/248)
صفحة 249
المساقاة
المبحث الثامن
خراج المساقاة
أطلق العلماء القول بتعلق حق الخراج برقبة المالك قال ابن قدامة: فالخراج على رب المال لأنه يجب على الرقبة، بدليل أنه يجب سواء أثمرت الشجرة أو لم تثمر، ولأن الخراج يجب أجرة للأرض فكان على رب الأرض كما لو استأجر أرضاً وزارع غيره فيها، وبهذا قال الشافعي) (1) وقال الكركي: (قوله والخراج على المالك إلا أن يشترط العامل أو عليهما. إذا كان الشجر في الأرض الخراجية فإن الخراج على المالك؛ لأنه سبب الغراس، إلا أن يشترطه على العامل أو عليهما فإن اشترط كذلك وجب الوفاء بالشرط، لكن يجب أن يكون الخراج معلوم القدر، ليصح اشتراطه ولو زاد على المقدر شيء فهو على المالك) (3).
والظاهر أنهم يعنون به خراج الوظيفة دون غيره؛ لأن ابن قدامة قال: أثمرت أو لا ولأن الكركي قال: ولو زاد على المقدر شيء فهو على المالك) وهذا شأن خراج الوظيفة وهو سائغ لما قالاه، ويضاف إليه أن العقد الذي أنشئ للأرض الخراجية هو بين المالك والدولة، ولا دخل للعاقد الثاني "العامل" بذلك، فلا يسوغ أن يجعل عليه، وهو ما قاله الكركي، إلا أنه أجاز اشتراطه على العامل، وفيه إشكال من حيث اشتماله على الغور،
(1) المغني 577/ 5.
(2)
ovv/o
جامع المقاصد 391/ 7، کتاب المساقاة ص 71 - 72.
245 (1/249)
صفحة 250
المساقاة
لأنه لا يعرف العامل هل تثمر الأرض أو لا؟ ولو أثمرت فكم يكون مقدار الثمر؟ فجهله بالخارج مع اشتراط شيء عليه لا يعرف هل سيأخذ ما يوازيه أو لا؟ لا يصح، وهم أجازوه بناء على جواز اشتراط أحد العاقدين على الآخر ذهباً أو فضة وسبقت مناقشة ذلك.
أما خراج المقاسمة فهو عليهما لأنه متعلق بالثمر كما قال سيدي الوالد حفظه الله تعالى، ومن المعلوم أن ذلك يقيد بمعرفة العامل بالخراج، فلا
يحكم به عليهما إلا عند العلم به وبمقداره، وإذا لم يخبر رب الأرض العلمل
بذلك فقد غشه.
-1
-2
وقد يتخرج فيها الخلاف لسببين:-
وقت استحقاق العامل للثمرة، فلو استحقها عند الظهور فعليه مقدار نصيبه من خراجها وعند من يقول بالمقاسمة قد يخالف في ذلك. هل المساقاة إجارة أو شركة؟ فعند من يعتبرها إجارة قد يقول بعدم وجوب شيء على العامل لأنها أجرته وعند من يجعل ها شركة يوجب ذلك عليه.
وهذا السببان من أسباب الخلاف في وجوب الزكاة عليهما أيضاً أو
عدمها.
ويمكن أن يقال بجواز اشتراط أحد الطرفين خراج المقاسمة على الآخر لأنه لا محظور من ذلك، إذا علم الطرفان بمقدار الخراج، لأنه يرجع إلى جزء معلوم، وحكمه يخالف حكم الزكاة لوجود الموانع في الزكاة دونها.
246 (1/250)
صفحة 251
المساقاة
المبحث التاسع
الخرص فيها
اختلف العلماء في الخرص في الزكاة فنسب إلى الأحناف منعه (1)، وهو قول بعض أصحابنا (2)، وأجازه الجمهور (3) وعليه بعض أصحابنا كالإمام الخليلي (4) والنور السالمي رحمهما الله وبسط في بيان أدلته ومناقشة
المخالفين له (9)، وصدر به الإمام القطب (6) في "الذهب الخالص".
واختلف القائلون بالجواز فقصره داود على النخل خاصة، والشافعي جوزه فيه وفي العنب، وهو قول الإمام مالك، بل حكى ابن عبدالبر الإجماع على منع ما سواه (7)، ودعوى الإجماع منقوضة بوجود الخلاف في
(1) اختلفت النسبة إلى الأحناف فكثيرون ينسبون إليهم منع الخرص رأساً، وذكر الشيخ السهانفوري أن أبا حنيفة يعتبره في الخراج والجزية دون المزارعة والمساقاة، بينما ذكر العلامة الكشميري أن الحنفية اعتبروه إلا أنهم لم يجعلوه حجة ملزمة، وقال إثره: (ومن سوء بعض عبارات أصحابنا نسب إلينا عدم اعتباره مطلقاً). وذكر المحشي عليه أن العيني نقل عن أئمتهم القول بكراهيته، وفي بعض الكتب أنه باطل، ومنشوه عبارة
الطحاوي، وأيد المحشي قول العلامة الكشميري في النسبة.
(3)
انظر فيض الباري 43/ 3، حاشية البدر الساري 43/ 3، بذل المجهود 78/ 15
قاموس الشريعة 13/ 175 وما بعدها.
بداية المجتهد 525/ 2، قواعد الإسلام 24/ 2.
(4) الفتح الجليل ص 235.
(0)
معارج الآمال 10/ 15 وما بعدها.
(1) الذهب الخالص 222.
(2) كتاب الأموال ص 195 برقم 1443، التمهيد 469/ 6.
247 (1/251)
صفحة 252
المساقاة
الزيتون كما حكاه الحافظ ابن عبدالبر نفسه (1)، والعلامة ابن رشد - الحفيد (2) والدكتور يوسف القرضاوي)، بل ذكر في "الموسوعة الفقهية" بأن بعض المالكية يقولون بجوازه في غيرهما إذا احتاج إليه أهله أو كانوا غير أمناء (4).
أما في المساقاة فإن الثمر نصيب الشريكين فلذا نص بعض العلماء على منع العامل من الأكل من الثمرة إلا بعد القسمة ()، واختلف العلماء في الخرص فيها، فجوزه بعضهم وهو قول للشافعية) وعليه بعض المالكية ومنع منه أكثر أهل العلم وهو قول عند الشافعية وللمالكية فيه تفصيل سيأتي إن شاء الله، والمانعون قالوا بأن القسمة لا تكون إلا بالكيل فيها وكذلك في الشركة (7).
واستدل الجمهور لمنع ذلك بأنه من باب المزابنة، ويدخله بيع الرطب بالتمر، وبيع الطعام بالطعام نسيئة (8)، علاوة على أنه أجـ يز في الزكاة
برخصة والرخصة لا تتعدى محلها.
(1)
(2)
التمهيد 0470/ 6
بداية المجتهد 525/ 2.
(3) فقه الزكاة 385/ 1.
(4)
الموسوعة الفقهية 100/ 19 نقلاً عن مواهب الجليل،387/ 1، ولم أجده حتى أنقل منه.
(5) الذخيرة 0109/ 6 فتاوى السبكي 421/ 1.
(1)
33
بداية المجتهد 1389/ 4.
(8) نفس المرجع والصفحة.
248 (1/252)
صفحة 253
المساقاة
وحجة من أجازها تشبيهها بالعرية؛ قال ابن رشد: (وفيه ضعف، وأقوى ما اعتمدوا عليه في ذلك ما جاء من الخرص في مساقاة خيبر من
مرسل سعيد بن المسيب وعطاء بن يسار) (1).
قال ماجد الحموي في تعليقه عليه: بل سليمان بن يسار) أي من مرسل سليمان بن يسار لا عطاء، وهو الصحيح حسب رواية الموطأ. وسبب ضعف القياس على العرية أمران:-
-1 - أنه قياس صورة شاذة على صورة شاذة، وقد منع منه جماعة من
الأصوليين، كما سبق بيانه.
-
أن المساقاة لا تقدر بخمسة أو ساق بخلاف العرية فهي لا تزيد على
ذلك، فهو قياس مع الفارق.
ما لا يعفى
وأما الحديث فقد قال فيه السيوطي: قال ابن عبدالبر: كذا رواه مرسلاً رواة الموطأ وأصحاب ابن شهاب، وقد وصله صالح بن أبي الأخضر عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة) (3) ودفعه بعضهم بأنه كان معاملة بين مسلمين ومشركين، ويعفى في المعاملة معهم المسلمين (3)، قلت: وهو ضعيف، لأن الهيمنة للإسلام فيها فلا يحكم فيها إلا بحكمه، وقد حكى ابن تيمية الإجماع على ذلك في كلامه عن مشروعية المساقاة، فضلاً عن تأول بعض العلماء الخرص بأنه كان لأجل
(1) نفس المرجع ص 1389.
(2)
تنوير الحوالك 185/ 2. فتاوى السبكي 421/ 1.
249 (1/253)
صفحة 254
المساقاة
فلي، حمله
لصحة
الزكاة، قال العلامة الباجي: وقول ابن رواحة: إن شئتم فلكم، وإن شئتم عيسى على أنه كان يسلم إليهم جميع الثمرة بعد الخرص ليضمنوا حصة المسلمين من الثمرة، ولو كان هذا لم يجز، لأنه بيع الثمرة بالثمرة بالخرص في غير العرية، وإنما يجوز مثل هذا في الزكاة أن يخرص عليهم، ثم يكون عليهم من الثمر ما أوجبه الخارص عليهم على سنة الزكاة في أموال المسلمين، لأن أصل الحوائط لهم فإذا حملناه على هذا الوجه فمعنى قوله: (إن شئتم فلكم وإن شئتم (فلي على سبيل التحقيق خرصه، فيقول لهم إن شئتم أن تأخذ الثمرة على أن تؤدوا زكاة ملا خرصته عليكم، وإلا فأنا أشتريها من الفيء بمثل ما يشترى به فيخرج هذا الخرص الذي خرصه، وذلك معروف لمعرفتهم بسعر عر التمر، فكانوا يأخذونه لتحققهم صحة قوله، وإن قلنا إن المراد به خرص الثمرة لا قسمه لاختلاف الحاجة، فمعنى قوله: إن شئتم فلكم هذا النصف، وإن شئتم فلي ولكم هذا الآخر، على معنى التخيير لهم في النصفين ليأخذوا أيهما شاءوا لتحققه التساوي في ذلك فكانوا يأخذون الذي يسر لهم ويخصهم به ... ) (1).
وفيه إشكال وتقويه رواية البيهقي وفيها: (( ... ثم يضمنهم الشطر)) فكأنه يفهم منه أنهم يأخذون الثمرة كلها ثم يدفعون مقدار نصفها خرصاً. واختلف أصحاب مالك في ذلك واختلفت الرواية عنه؛ فقيل: يجوز
(1) المنتقى 120/ 5.
250 (1/254)
صفحة 255
المساقاة
مطلقاً، وقيل: لا يجوز من الثمار في الربوية ويجوز في غير ذلك)، قلت: وفيه إشكال، لأن الخرص لا يكون في غير التمر والعنب وهي من الثملر الربوية - عند المالكية وعليه نص الإمام مالك، بل حكى ابن عبدالبر الاتفاق عليه، ومعنى ذلك أن الخرص لا يتأتى أبداً في المساقاة، إما لأنها ربوية - في التمر والزبيب وإما لمنع الخرص فيها رأساً، ثم وجدت ما يدفع هذا الإشكال فقد ذكر قول للمالكية بجواز خرص غير التمر والعنب إذا احتاج إليه أهله، أو كانوا غير أمناء (3)، لكن يبقى الإشكال في نسبته إلى الإمام مالك، لأنه يفهم منه منع غيره فقد قال: (السنة ألا يخرص من الثمر إلا النخل والعنب) (3).
وقد يدفع الإشكال بما ذكره ابن عبدالبر من حكاية هذا القول بعكس ذلك فقد قال: ( ... إنه لا يجوز في قسمة الثمار في رؤوس النخل والأشجار إذا اختلفت حاجة الشريكين إلا في التمر والعنب فقط، وأما الخوخ والرمان والسفرجل والقثاء والبطيخ وما أشبه ذلك من الفواكه التي يجوز فيها التفاضل يداً بيد، فإن مالكاً لم يجز قسمتها على التحري) (4).
(1)
(2)
بداية المجتهد 1388/ 4.
الموسوعة الفقهية 100/ 19 نقلاً عن مواهب الجليل 387/ 1
(3) كتاب الأموال ص 195 برقم 1443.
(4) الاستذكار 216/ 21.
251 (1/255)
صفحة 256
المساقاة
فهنا المنع لما يجوز فيه التفاضل يدا بيد وهو غير ربوي دون النخل والعنب وهو من الربوي وفيه إشكال أيضاً، لأن التشديد في المجازفة في الربوي أكثر من غيره.
القول الثالث: بجوازه إذا اختلفت الحاجتان، وعليه ابن القاسم
(1)
هم،
فإذا أراد أحدهما البيع والآخر التيبيس فعندئذ يجوز دونما سواه. وهذا يسوغ في بعض الأشجار دون بعض، فأغلب أنواع النخل لو أراد الإنسان تيبيسها فلا يكون ذلك إلا بعد الجداد فتمكن القسمة ثم يصرفها كل أحد في حاجته، ويستثنى من ذلك بعض الأنواع كالفرض،
فإن من أراد تيبيسه يبقيه مكانه والمبسلي جداده يكون قبل للتبسيل بالطبخ، ومن أراده بعد الطيب أخذه بالخرص، وقد يقال بأنه لا أخذه بالخرص، لأن الخرص يكون بعد الطيب لا قبله كما هو
يصح
هنا.
-1
وهذا القول لا يخلو من نظر وذلك لأمرين:-
الحال
أن أرباب الأرض "المسلمين" في خيبر كثيرون، ويستبعد أن تختلف حاجتهم جميعاً عن حاجات العمال "اليهود"، والخرص كان
للكل.
2 - أن أغلب النخيل لا يختلف أثر الحاجة عليها وذلك لأن من أراد تيبيسه أو أكله أو غير ذلك فكله يكون بعد الجداد لا قبله.
(1) الاستذكار (217/ 21 - 218، بداية المجتهد 1388/ 4.
252 (1/256)
صفحة 257
المساقاة
أما الشافعية؛ فقد قال ابن عبدالبر: (وأما الشافعي فتحصيل مذهبه أن الشركاء في النخل المثمر إذا اقتسمت الأصول بما فيها من الثمر جاز، لأن الثمرة تبع الأصول بالقسمة، والقسمة عنده مخالفة للبيوع، قال: تجوز بالقرعة، والبيع لو وقع بالقرعة لم يجز، وأيضاً فإن الشريك يجبر على القسمة، ولا يجبر على البيع، وأيضاً أن التحابي في قسمة الصدقة وغيرها جائز وذلك معروف وتطوع، ولا يجوز ذلك في البيوع ولا يجوز عند الشافعي قسمة الثمرة دون الأصول قبل طيبها بالخرص على حال، وتجوز عنده قسمتها مع الأصول على ما وصفنا، وقد قال في كتاب "الصرف": تجوز قسمتها بالخرص إذا طابت وحل بيعها والأول أشهر في مذهبه عند أصحابه) (1) ولم أجد ذلك في كتب الشافعية، وفيه إشكال، وذلك لأن الأصول لا تشملها قسمة المساقاة علاوة على أنها لا يمكن خرصها، وذكر النووي أن المالك إن لم يثق بالعامل وأراد تضمينه التمر أو الزبيب بني على أن الخرص عبرة أو تضمين؟ فإن قلنا عبرة لم يجز، وإن قلنا: تضمين جاز على الأصح كما في الزكاة، ويجري الخلاف فيما لو أرد العامل تضمين المالك بالخرص (2).
اختلف العلماء في الخرص في الزكاة هل يخفف فيه لحاجة أرباب الأموال أو لا؟ أما في المساقاة فقد قال الباجي: (وأما التخفيف اليسير فإن
(1) الاستذكار 218/ 21.
(2) 0
الروضة 165/ 5 - 166.
253 (1/257)
صفحة 258
كان بمعنى
المساقاة
المقاسمة فلا يجوز فيه إلا المساواة وإن كان بمعنى الزكاة فقد
تقدم ذكره في باب الزكاة) (1).
قلت: ويؤيده مبدأ العدالة الإسلامية لأنهما شركاء، وتنقيص أحدهما لصالح الآخر ظلم للأول فلا يصح، فإن قيل: بأن حديث: ((إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع)) (3) يدل للتخفيف، لأنه يشمل بعمومه كل خرص حتى لغير الزكاة قلنا الحديث فيه مقال فقد ذكره ابن حجر فقال: (وفي اسناده عبدالرحمن بن مسعود بن نيار، الراوي عن سهل بن أبي حثمة، وقد قال البزار: إنه تفرد به. وقال ابن القطان: لا يعرف حاله. قال الحاكم وله شاهد متفق على صحته أن عمر بن أمر به انتهى، ومن شواهده ما رواه ابن عبدالبر من طريق ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر مرفوعاً: خففوا في الخرص فإن في المال العرية والواطئة والأكلة)) (3).
الخطاب
:قلت ما رواه ابن لهيعة إن تفرد به فليس بحجة، لأنه ضعيف مختلـ
وإليك أقوال بعض أئمة الحديث فيه:-
1. قال الحميدي: كان يحيى بن سعيد لا يراه شيئاً.
b
2. قال ابن المديني: لا أحمل عنه كثيراً ولا قليلاً، ونقل عنهما مثل ذلك
أيضاً الإمامان البخاري ومسلم.
(1) المنتقى 121/ 5.
(2)
(3)
رواه الدارمي 271/ 2
تلخيص الحبير 2/ 182.
254 (1/258)
صفحة 259
المساقاة
قال ابن معين كان ضعيفاً لا يحتج بحديثه، وقال أيضاً: هو ضعيف
قبل أن تحترق كتبه وبعد احتراقها.
قال النسائي ليس بثقة.
ه. قال الجوزجاني لا ينبغي أن يحتج به ولا يغتر بروايته).
بل لو صح حديث ابن لهيعة لكان حجة لنا، لأن العرية والواطئة والأكلة تكون للشريكين "العامل والمالك" فتغليب جانب أحدهما مع توفـ
العلة ظلم للآخر.
ولو صح
حديث: إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث ... لقلنا:
بأنه عام خصصه خصوص مقصده (2)، لأنه قصد بذلك دفع الحاجة عن المالكين، أما في المساقاة فلو دفع حاجة أحدهما لأضر بالآخر.
(1) انظر شرح علل الترمذي ص 104، جواب لشيخنا العلامة القنوبي حول حديث: (أسلم الناس وأمن
عمرو بن العاص).
(2) التخصيص بالمقاصد له أمثلة كثيرة، كقصر بعض الفقهاء الاحتكار على وقت الغلاء.
255 (1/259)
صفحة 260
المساقاة
المبحث العاشر
المسائل القضائية
المطلب الأول: اختلاف الطرفين فيها
تباينت وجهات نظر العلماء في بعض المسائل المتعلقة بالقضاء بناء على بعض الاعتبارات، فعند الإمامية؛ إذا اختلفا في صدور العقد وعدمه فالقول قول منكره، وكذا لو اختلفا في اشتراط شيء على أحدهما وعدمه (1) ويدل لذلك قول النبي: البينة) على من ادعى واليمين على من
أنكر))).
أما إذا اختلفا في صحة العقد وعدمه فعندهم يقدم قول مدعي الصحة (3)، وعليه المالكية (4) وذلك لأنه الأصل فيما احسب، ويؤيده
الظاهر.
أما إذا اختلفا في حصة المالك والعامل فقد اختلف في ذلك العلماء، فذهب أبو الحواري فيما يظهر في المغارسة - إلى انه يقدم قول المالك (5)
(1) کتاب المساقاة ص 79. رواه الإمام الربيع ص 234 برقم 592.
(T)
3 3
(3) كتاب المساقاة ص 79 - 080 (4) الذخيرة 116/ 6.
(•)
جامع أبي الحواري 184/ 2.
256 (1/260)
صفحة 261
المساقاة
وعليه الحنابله (1) والإمامية (3)، واحتجوا لذلك بأن الأصل أن الكل ملكه والعامل يدعي الزيادة، والمالك ينكر ذلك فيكون قوله بيمينه مع عدم البينة، وعند المالكية إن كان قبل العمل تحالفا وتفاسخا، وإن كان بعده فإن أتى العامل بما يشبه أي قوله أقرب إلى الظاهر - صدق مع يمينه، إن أتى المالك بغير ما يشبه وإن أتى المالك بما يشبه وأتى العامل بما لا يشبه صدق المالك، وإن أتى أحدهما بما يشبه قبل العمل والآخر بعكسه فقولان بالتحالف أو بثبوت قول الذي جاء بالأشبه (3)، وعند الشافعية يتحالفان كالمتبايعين إذا اختلفا في قدر الثمن (4)، ووجه الكركي الإمامي ذلك بقوله: فإن أصالة استحقاق المالك الجميع انقطعت بعقد المساقاة المتفق على حصوله، إذ ليس وقوعه وجه دون وجه بأصل، وكل واحد منكر لما يدعيه الآخر، ولأن العامل منكر لاستحقاق عمله في مقابل الأقل من الحصة) (5). وكذا لو اختلفا في المدة أي يقدم قول المالك عند الإمامية (6)، ومثله لو اختلفا فيما تناوله من أشجار لنفس الحجة السابقة.
(1)
33
(2)
المغني
ovolo
جامع المقاصد 388/ 7
(3) الذخيرة 116/ 6.
(1) المجموع 411/ 14، الوجيز 229/ 1.
(ه)
جامع
المقاصد 388/ 7
(1) كتاب المساقاة ص 080
257 (1/261)
صفحة 262
المساقاة
ت
وقد يقال بأن الأشجار والمدة يرجع فيها إلى القرائن إن احتمل ذلك، لأنه من المستبعد أن يساقيه شهرا، مثلا، وكذا من المستبعد أن يساقيه
على بعض الأشجار التي تسقى بماء واحد وعملها متحد، ومسألة المدة قد يكون العامل يدعي الأقل فيكون المالك يدعي الزيادة وعندئذ تلزمه هو البينة، لأن الأصل عدم وجوب العمل على العامل، ودعوى الزيادة خلاف
الأصل.
أما لو اختلفا في قدر العمل المشروط احتمل تقديم قول العامل أو
التحالف (1)
قلت: قد يقال يجري فيها ما يجري في السابق فينظر في العمل فإن من جنسها قدم قول المالك، لأن الأصل وجوب العمل على العامل، ولأن العادة جرت في ذلك، وإلا قدم قول العامل.
كان
وإن كان عندهما بينة فوجهان عند الحنابلة في تقديم بينة الداخل أو بينة الخارج)، أما عند الإمامية فتقدم بينة الخارج "العامل" لأنه المدعي - الظاهر أنه في المسألة السابقة فقط، وإلا فتقدم بينة المدعي منهما، وقال صاحب "المبسوط" حكم بالقرعة، وما ذكره متجه على القول بأن كلا منهما مدع، ومنكر، أما عن القول بأن المدعي هو العامل وأن اليمين في
جانب المالك فلا يتجه ذلك (3).
(1)
جامع المقاصد 385/ 7.
(2) المغني
(3)
ovolo
جامع المقاصد 388/ 7.
258 (1/262)
صفحة 263
المساقاة
ولو اختلفا في قدر الحاصل قدم قول العامل، وكذا لو دعي عليه أن
التلف كان بتفريطه إذ كان أميناً له، فيقبل قوله مع اليمين). ولا تسمع عند صاحب "المبسوط" والمصنف في "التذكرة" دعوى
الخيانة حتى يحررها بناء على أن الدعوة غير المحررة لا تسمع، وذكر الخوئي أنها تسمع).
واختلفوا إذ ثبتت خيانته، وضم المالك إليه حافظا، فعند بعض
الشافعية أن أجرته على العامل بناء على أن مؤنة الحفظ عليه)، وذ بعض الإمامية إلى أنها على المالك ()، ولو لم يمكن حفظه مع الحافظ فالأقرب رفع يديه عن الثمرة، وإلزامه أجرة عامل، وأما وجه القرب في الثانية فلأن العمل واجب عليه، وقد تعذر فعله بنفسه، فوجب أن يستأجر من يقوم مقامه، كما لو، هرب وفيه نظر لأن تعذر العمل غير واضح لأن مجرد الخيانة غير كاف في ثبوت العمل، إذ لو جوزنا رفع يده عن الجميع بسببها أمكن أن يقال إن التعذر بسبب المالك، فلا يجب شيء على العامل، وللتوقف في الموضعين مجال (6)، وعند الحنابلة والشافعية يستأجر من
(1) كتاب المساقاة ص 80، جامع المقاصد 385/ 7.
(2)
33
جامع المقاصد 388/ 7.
(3) کتاب المساقاة ص 80. جامع المقاصد 388/ 7
(1)
(°)
(1)
نفس المرجع والصفحة.
جامع المقاصد 387/ 7 - 388.
259 (1/263)
صفحة 264
المساقاة
ماله إن لم يمكن الإشراف وخالف في ذلك المالكية، كما سبق في مبحث
نهاية المساقاة.
المطلب الثاني: صفة يد العامل:-
تعتبر يد العامل يد أمانة إلا بتضييع ووجه كونه أمينا ما قاله الكركي من أنه نائب المالك في حفظ المال كعامل القراض، ولذا يقدم قوله في قدر الحاصل وفي كونه لم يفرط (1)، والظاهر أن المالكية استثنوا من ذلك العلمل الثاني لهما -أي لو سقى العامل الأول غيره - فالأصل عندهم فيه التخريج.
أما إذا ثبتت خيانته فعندئذ ينزع منه هذا الوصف.
المطلب الثالث: أثر ظهور الأشجار مستحقة
قبل الكلام حول ما إذا ظهرت الأرض مستحقة، ينبغي الكلام حول أحقية الثمر عند تبعية بذره لشخص وتبعية أرضه لآخر، فقد اختلف العلماء في ذلك فذهب شريك بن عبدالله النخعي والطحاوي (2) والتقي السبكي (3) إلى أن لرب الأرض الزرع وللعامل نفقته، وهو وجه ذكره العلامة أبو عبيد (4)
واستدلوا لذلك بجملة من الأدلة منها:-
(1)
(2)
نفس المرجع ص 385.
شرح مشكل الآثار 281/ 3.
(2) فتاوى السبكي 427/ 1.
(1) كتاب الأموال ص 122 برقم 708
260 (1/264)
صفحة 265
المساقاة
1. حديث شريك بن عبدالله عن أبي إسحاق السبيعي عن عطاء بن أبي رباح عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله: ((من زرع في أرض قوم بغير إذهم فليس له من الزرع شيء ترد نفقته))؛ حسب اللفظ الذي ذكره السبكي وقريب منه اللفظ الذي ذكره الطحاوي.
ووجه الدلالة أنه بين أن ليس للعامل حق في الزرع وأن نفقته ترد له.
أقول: قد يقال لا يسوغ الاستدلال بالحديث على ذلك لأمور:- أ. أنه لا يتم الاستدلال إلا إذا جعلت جملة ترد نفقته- استئنافية وهو خلاف الأولى فالأصل أنها متصلة أي أنها صفة وقطعها خلاف المتبادر. ب الحديث محتمل للجهل بأحقية الأرض لغيره، وللغصب لها فنحمله على الأول لحديث: ((ليس لعرق ظالم حق)) (1) إن صح الحديث وإن كان هذا الحديث عاماً من وجه فهو من تعارض عمومين ويجمع بينهما بذلك.
ج. الحديث فيه مقال، سبق ذكره.
د. ذكر أبو عبيد في تأويل الحديث احتمالاً بأنه لا يطيب له إلا بقدر نفقته، فمعنى ذلك عليه أن يتبرع بما فضل (2).
(1)
رواه البخاري 84/ 10، أبو عبيد ص 121 برقم (704).
(2) کتاب الأموال ص 122.
261 (1/265)
صفحة 266
المساقاة
وفي سنن أبي داود لفظ آخر للحديث هو أقوى دلالة على المطلوب وهو من زرع في أرض قوم بغير أذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته وفيه مقال سبق ذكره.
وذكر ابن حجر أن ابن أيمن رواه في مصنفه بلفظ: ((إن رجلاً غصب رجلاً أرضاً فزرع فيها فارتفعوا إلى النبي لها فقضى لصاحب الأرض بالزرع وقضى للغاصب بالنفقة)) (1).
2. حديث: ((أن رسول الله له أتى بني حارثة فرأى زرعاً في أرض ظهير، فقال: ((ما أحسن زرع ظهير قالوا: ليس لظهير) فقال: ((أليس أرض ظهير؟ قالوا: بلى؛ ولكنه زرع فلان) قال: فخذوا زرعكم وردوا عليه النفقة ... )).
عن أبي نعيم قال: حدثني رافع بن خديج: ((أنه زرع أرضاً فمر به النبي وهو يسقيها فسأله: لمن الزرع؟ ولمن الأرض؟ فقال: (زرعي ببذري وعملي لي الشطر ولبني فلان الشطر فقال: ((أربيتما فرد الأرض على أهلها وخذ نفقتك)) (3).
والجواب: أن الحديثين لا يدلان على المطلوب فعلاوة على عدم ثبوت الثاني كما سبق، فهما خارجان عن محل النزاع، وذلك لأنهما فيما
(1) تلخيص الحبير 62/ 3.
(2) سبق تخريجهما.
262 (1/266)
صفحة 267
المساقاة
إذا وقع العمل مبنياً على عقد فاسد، خالف شيئاً من الشروط اللازمة أو غير ذلك، ومن المعلوم أن العمل المبني على العقود الفاسدة فيه أجرة المثل.
4. التعليل: قال الطحاوي معبراً عن وجهة نظره له: (ولأن الذي بذره ذلك الرجل في تلك الأرض قد انقلب فيها وصار مستهلكاً فيها، ثم كان عنه بعد ذلك ما كان عنه ما هو خلافه، وما كان سببه الأرض التي بذر فيها، فكان من حق ربها أن يقول للذي بذر فيها ما بذر ما كان في أرضي سببه، وهو غير ما بذر فيها فهو لي دونك غير أنك قد أنفقت فيه كان عنها ما أخرجته أرضي فتلك النفقة لما عاد إلى ما عاد مما كانت أرضي سببه نفقته على شيء قد صار لي دونك فتلك النفقة علي
مما
نفقة
هي
حتى
لك) (1).
ه. عضده التقي السبكي بالقياس، فقد قال بعد كلام: (وبالقياس على ولد الأمة من زوج أو واطئ بشبهة أو غيرها فإنه لسيدها، والأمة كالأرض وماء الزوج وواطئ الشبهة كالبذر لا فرق بينهما، إلا أن الماء ليس بمال والبذر، مال فإن صح الفرق بينهما من هذه الجهة وإلا فهما
سواء) (2). وليس القياس بالقوي لأنه قياس مع الفارق فهذا لا ينفك يتبع السيد على قول جماعة من المحققين حتى مع العقد الصحيح بخلاف الزرع، فإنه
(1) مشكل الآثار 281/ 3
(2)
فتاوى السبكي 427/ 1.
(3) كتر العمال 643/ 10 برقم 30376.
263 (1/267)
صفحة 268
المساقاة
بالعقد الصحيح يصبح لهما - بالمزارعة- أو للعامل - بأجرة الأرض وكذلك فإن الولد بالنسبة لأبيه لا يقبل التملك أصلاً بخلاف المال هناء ولكن يمكن أن يقابل ذلك بأن ابن عبد رجل وطئ أمة لرجل آخر فولدت فهو لسيد الأمة دون سيد العبد لكن الخلاف ليس في تبعية الزرع لرب الأرض، وإنما الخلاف في استحقاق الغاصب للنفقة، وهذا القياس لا يدل على ثبوت النفقة، بل هو محتمل لضدها. وقد يستدلون أيضاً بما يلي:-
•
6 عن مجاهد: أن قوماً غرسوا أرض قوم بغير إذنهم فقضى فيها عمر بن الخطاب أن يدفع إليهم أهل الأرض قيمة نخلهم فإن أبوا أعطاهم أهل النخل قيمة أرضهم).
وهو عمل صحابي فليس بحجة على أن دلالته على المطلوب ليسـ
صريحة لاحتماله لغير الغصب كالخطأ.
قد يعضدونه بقاعدة لا ضرر ولا ضرار لأن في حرمانه من حقه
ضررا عليه والضرر مرفوع في الإسلام.
ويدل للمخالفين لهم على قولهم إن ليس للغاصب شيء أدلة منها:- -1 - حديث: ليس لعرق ظالم فيه (حق)) (2) وفيه مقال ذكره ابن حجر حيث قال عنه: أبو داود من حديث سعيد بن زيد في آخر الحديث الذي قبل هذا، ورواه النسائي والترمذي وأعله الترمذي بالإرسال، ورجح
(1) كنز العمال 643/ 10 برقم (30376). رواه البخاري 84/ 10، الدارقطني 23/ 3 برقم (2915).
(2)
264 (1/268)
صفحة 269
المساقاة
الدارقطني إرساله أيضاً، واختلف فيه على هشام بن عروة اختلافاً كثيراً، ورواه أبو داود الطيالسي من حديث عائشة وفي إسناده زمعة وهو ضعيف، ورواه ابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه في مسنديهما من حديث كثير بن عبدالله بن عبدالرحمن بن عوف عن أبيه عن جده، وعلقه البخاري بقوله ويروى عن عبدالرحمن بن عوف، ورواه البيهقي من حديث الحسن عن سمرة، والطبراني من حديث عبادة وعبدالله بن عمرو) (1).
وأجيب عنه أيضاً؛ إن قيل بثبوته:-
أ. حديث رافع أخص منه، والخاص يقضي على العام. ب. أنه ورد في الغرس، وحديث رافع في الزرع، فيقصر الأول على سببه، بأن التأويل الأول أرجح لأن بناء العام على الخاص أولى من المصير إلى قصر العام على سببه من غير ضرورة (3).
ورد
قلت: في الجواب الأول نظر أيضاً لأن حديث: ((من زرع ... ))
يشمل غير المتعمد فبينه وبين حديث ليس لعرق ... )) عموم وجهي. -2 - أن صاحب الأرض لا يمكن أن يلزم بعقد لم يلتزمه، فيجبر عليه من غير سبب منه، بل هو بفعل الغاصب، فيجب أن يأخذ الغاصب جريرة عمله لا أن يعوض شيئا عنه.
- قاعدة سد الذرائع، وذلك حتى لا يأخذ الأوغاد أراضي غيرهم فيزرعوها ليأخذوا منها النفقة بغير حق.
(1)
تلخيص الحبير 61/ 3.
(2) عون المعبود 191/ 9 - 192.
265 (1/269)
صفحة 270
المساقاة
والآن نأتي إلى بيت القصيد لبيان أثر ظهور الأشجار مستحقة فقد قال الطحاوي في ذلك: (ومثل ذلك مما هو مردود حكمه إلى حكم ما في هذين الحديثين اللذين ذكرناهما في هذين البابين الرجل يغرس في أرض الرجل بغير أمره، أو يغرس فيها بأمره بمعاملة فاسدة فسيلاً فيصير نخلاً أنه يكون لرب الأرض دون غارسه، لأنه قد كان فيه من الزيادة مما كان على الأرض ما كان مما لا يتهيأ حصوله من الفسيل الذي كان زرع فيها، ويكون ذلك كله لرب الأرض، وعلى رب الأرض لغارسه ما أنفقه
فيه) (1).
أما الجمهور فقد فرعوا على الأصل الآخر؛ وهو عدم استحقاق
الغاصب لشيء:- فملخص كلام الشافعية والإمامية ما يلي: إن أجاز المغصوب مه المساقاة صحت عند الإمامية - لأنها كعقد -الفضول - وإلا بطلت وكان للمالك جميع الثمر وللعامل أجرة مثله على الغاصب، لأنه عمل بعوض ولم يسلم له العوض فيرجع ببدل عمله وقصره الإمامية على ما إذا كان جاهلاً بالحال إلا إذا كان مدعياً عدم الغصب وأن الشجر للمساقي فحينئذ لا يحل له الرجوع لاعترافه بصحة المعاملة، هذا إذا كانت الثمرة باقية، أما لو تلفت فللمالك الرجوع على الغاصب بتمامه أو بنصيبه أو على العامل بنصيبه، وأما أن يرجع بالجميع على العامل؛ ففيه قولان: وهما وجهان
(1) مشكل الآثار 3/ 282
266 (1/270)
صفحة 271
المساقاة
للشافعية، هذا إذا لم يكن العامل عالما بالغصب وإلا فله الرجوع عليه فعلى الجواز عند عدم علم العامل بالغصب يرجع هو للغاصب لأخذ عوض نصيب الغاصب وأجرة مثله وإن أخذت من الغاصب رجع إلى العامل لأخذ النصف ويعطيه أن يعطي العامل أجرة المثل، وذكر الإمامية أنه إذا اعترف بصحة العقد لا يسوغ له الرجوع، لأن أخذ رب الأرض يكون ظلما له فلا يحق له أن ينقل هذا الظلم أو نصفه إلى غيره.
ووجه جواز تضمين العامل الكل أن يده ثبتت على الجميع فيضمن الجميع كالعامل في القراض في المال المغصوب ويده يد ضمان، وقرار الضمان على من تلفت في يديه العين، ولو تلف جميع الثمر في أحدهما كان قرار الضمان عليه ويحتمل في أصل المسألة كون قرار الضمان على الغاصب مع جهل العامل، لأن مغرر من قبل الغاصب، ولا ينافيه ضمانه الأجرة عمله لأنه محترم، وبعد فساد المعاملة لا تكون الحصة عوضا عنه
فيستحقها وإتلافه الحصة بغرور من الغاصب لا يوجب ضمانه له (1). وعند الحنابلة؛ إن ظهر الشجر مستحقاً بعد العمل أخذه ربه، وليس للعامل شيء من الثمر، ولا أجرة له على رب الشجر، وإنما أجرته على الغاصب؛ لأنه غره، وإن شمس العامل الثمار ولم تنقص قيمتها أخذها ربها وإن نقصت أخذها مع إرش نقصها من العامل أو الغاصب، ويستقر الضمان على الغاصب، وإن اقتسما رجع على أيهما شاء، فإن ضمن
(1) كتاب المساقاة ص 62 - 69، المجموع 411/ 14، وانظر جامع المقاصد 378/ 7 - 379.
267 (1/271)
صفحة 272
المساقاة
الغاصب ضمنه الكل أو نصيبه وإن ضمن العامل ضمن نصيبه، فإن ضمن الغاصب الكل رجع على العامل بقدر نصيبه، لأن التلف في يديه، ويرجع العامل على الغاصب بأجرة المثل، وإن ضمن العامل احتمل تضمينه لنصيبه لأنه لم يقبض الثمرة كلها بل كان مراعياً لها واحتمل تضمينه الكل لأن يده ثبتت على الجميع). ومقتضى مذهب أصحابنا أن لا شيء للغاصب (2)، قال نور الدين
السالمي رحمه الله: (وهذا يتصور فيما إذا غصب أرضاً فعمل فيها فإنها وما فيها لمالكها، وليس لهذا الغاصب شيء من عناه، وأما إن سرق شحره
ملکه
أو نخله فغرسها في أرضه فإنها تكون هي وغلتها للمسروق لأنها ما دامت قائمة العين فهي نخلته وشجرته لم ينتقل من شيء، وهل إذا سرق صرمة صغيرة فغرسها في أرضه حتى صارت نخلة يكون حكمها كما لو سرق نخلة فتكون للمسروق هي وغلتها، أو كما لو سرق حباً فليس عليه إلا المثل والقيمة؟ وجهان قلتهما تخريجاً على اختلافهم في الصرم؛ هل هو أصل أو غلة؟ فعلى القول بأنه غلة يكون حكمه حكم الحب، وعلى القول بأنه أصل يكون حكمه حكم النخلة (3) وذكر الإمام أبو يعقوب الوارجلاني أن ما استغله الغاصب من الثمار التي حدثت عنده وأمثالها
(1) كشاف القناع 539/ 3.
(2) المصنف 125/ 18. حل المشكلات ص 174.
(2)
268 (1/272)
صفحة 273
المساقاة
يأخذها الإنسان في آخرته دون دنياه (1)، ومعنى ذلك أنها تجب عليه ديناً ولكن لا يحكم عليه بها، وإن تلفت فذكر اختلاف العلماء فيما عليه؛ هل الذي يجب عليه قيمتها يوم الغصب أو يوم الترافع أو أغلى القيمتين أو أغلى القيمات (2)؛ أي أرفع قيمة مر عليها المغصوب من يوم غصبه إلى يوم الترافع؟ قال سيدي الوالد حفظه الله: وهو قول وجيه أي القول الأخير لأنه منع المغصوب منه من استغلال حقه في كل أحواله حتى مع غلاء قيمته
فلذا يضمن ذلك.
(1) الدليل والبرهان 99/ 3. نفس المرجع ص 100.
(2)
269 (1/273)
صفحة 274
المساقاة
الخاتمة
بعد أن جف القلم ورفعتُ أوراق البحث أوجز أهم ما توصلت إليه
من نتائج:-
-1
-2
-3
- {
-9
أن المساقاة مشروعة دلت على ذلك أدلة من السنة ودلائل
الإجماع، وعليه استقر رأي الجمهور.
تباينت وجهات نظر العلماء في اعتبارها موافقة للقياس أو مخالفة له، بناء على اختلافهم في اعتبارها من الشركات أو من
الإجارات.
المساقاة جائزة في جميع الشجر عند أكثر العلماء، لكن لا بد أن يكون معلوماً، بل واشترط بعضهم أن يكون مرئياً، وأن يكون مغروساً على خلاف في ذلك ولا يشترط أن يكون ذا ثمر على القول الراجح.
لا بد للثمرة فيها أن تكون معلومة القسمة بالجزئية وأن تكون بينهما ولهما فقط، وألا يبدو صلاح الثمرة وأن تكون القسمة متساوية في جميع المال؛ على خلاف في بعض ذلك، لكن إذا اجتمعت هذه الشروط فهي صحيحة بالاتفاق.
لا بد أن يكون العاقد جائز التصرف.
العمل فيها يكون بحسب العرف، ولا يصح اشتراط ما يخالف
مقتضى العقد.
270 (1/274)
صفحة 275
المساقاة
الصيغة المعتبرة بالاتفاق
هي
"ساقيت" ومشتقاتها، وغيرها
- Y
-9
مختلف فيها، ومذهب كثيرين صحة ذلك، ولذلك دلائل سبق
ذكرها.
لا بد لها من مدة معلومة عند الجمهور، وأن تكون كافية لخروج الثمر، وألا تكون مدة طويلة جداً، واختلف في
تحديدها.
المساقاة لازمة عند جمهور أهل العلم، بناء على أنها من
الإجارة ومختلفون في وقت اللزوم وسببه.
10 - إذا صحت المساقاة ترتبت عليها آثارها من وجوب العمل على العامل وثبوت الحصة له إلى غير ذلك، أما إذا فسدت
-11
قبل العمل فلا شيء للعامل، وأما بعده ففيه أجرة المثل عند
الجمهور ولهم بعض التفاصيل في ذلك.
يصح اشتراط شرط لا يتضمن جهالة ولا يخالف مقتضـ
العقد.
12 - إذا انقطع أمل الحصول على الثمرة وكانت المساقاة لعام
فللعامل الخيار في الفسخ عند بعض المحققين.
13 - يجوز بيع
الحائط المشغول بعقد المساقاة عند أصحابنا إن كانوا
متراضين بذلك.
271 (1/275)
صفحة 276
المساقاة
14 - تجوز مساقاة الشريك لشريكه إذا شرط له أكثر من نصيبه وقيد ذلك بعض المحققين بما إذا كانت الأشجار مشاعة دون
غيرها.
15 - تجوز مساقاة الشجر مع مزارعة البياض الذي يتخلله، ويجوز كل واحد من العقدين سواء أفرد أم اقترن بغيره على
الصحيح.
16 - تنتهي
-17
المساقاة بانتهاء المدة المتفق عليها، وأما موت أحد
الطرفين فمذهب كثيرين عدم انتقاضها به، وتفسخ بالأعذار كمرض العامل وكونه سارقاً منه على الثمر وكالجنون وإذا
تلفت الثمار.
يستحق العامل نصيبه بالظهور عند جماعة من
العلماء.
18 - الزكاة واجبة فيها على الشريكين، ولا يصح اشتراط أدائه
-19
على أحدهما وتجب قبل القسمة عند بعض العلماء.
اشتراطه
خراج الوظيفة يكون على رب الأرض، ولا يصح على العامل، أما خراج المقاسمة فعليهما، ويصح اشتراطه على
أحدهما لرجوعه إلى جزء معلوم.
20 الخرص في المساقاة مختلف فيه لوجود الاحتمال في الحدي
هل الخرص لأجلها أو للزكاة.
272 (1/276)
صفحة 277
المساقاة
21 - إذا اختلف المالك والعامل فيقدم قول المالك عند بعض العلماء في المدة والجزء المشروط، ويقدم قول العامل في قدر الخارج
-22
وفي كونه لم يفرط.
يد العامل يد أمانة فلذا يصدق في قدر الخارج وفي كونه لم
يفرط.
23 - إذا ظهرت الأشجار فالجمهور على أن على الغاصب أجرة المثل للعامل إن عمل، والثمار لمالك الأصل.
هذا ما تيسر تحريره بفضل الله في هذا الموضوع المهم فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان وما أبرئ نفسي إن النفـ
لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم.
وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
273 (1/277)
صفحة 278
المساقاة
الملحق (1)
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى سماحة شيخنا الجليل أحمد بن حمد الخليلي - حفظه الله تعالى -
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد،،،
فنرجو منكم التكرم بالإجابة على الأسئلة التالية بما يبدد عنا سجاف ظلمات
الجهل والله يعظم لكم الأجر.
1: هل تصح المساقاة أو المزارعة من ثلاثة أشخاص رجل له الأرض وآخر منه
العمل وثالث عليه معدات العمل ولهم الربح بنسبة معينة؟
ج: عقد المساقاة هو عقد استثنائي أبيح لما فيه من المصلحة، وإن كان لا يخلوفي أصله من الغرر، فهو أشبه بالرخصة، والرخص لا تتعدى مواضعها الواردة فيها، و من المعلوم أن الغرر الذي يكون على العامل بسبب ضياع جهده عندما تفسد الثمرة أو تصيبها جائحة أهون من الغرر الذي يلحق صاحب المعدات الذي يخسر ماله عندما يكون الناتج من العمل لا يحقق الربح المطلوب للوفاء بالنفقات، لذلك لا
274 (1/278)
صفحة 279
المساقاة
أرى جواز هذه الصورة في المساقاة، وإن كنت لم أجد حكم ذلك منصوصا عليه،
والله أعلم.
س 2: إن كلف السقي مؤنة من المال - سواء بقعد الفلج أو فاتورة الماء – فعلى من تلك المؤنة؟ وهل للعرف تحكيم فيها؟ وإن اقتضى الأمر مد أنابيب للري فعلى من
يكون؟
ج 2: إن كان في ذلك عرف متبع فهو الذي يحكم في ذلك، وإن لم يكن في ذلك عرف فإن الأصل في الماء أن يكون على صاحب النخل والشجر، وكذلك الأنابيب وإنما
على المساقي العمل، هذا ما بان لي، والله أعلم.
س 3: إن اقتضى الأمر استخدام المبيدات – سواء التي تنفع الشجر أو الثمر -
فتكون على من منهما؟
ج 3: استخدام المبيدات هو لمصلحة الثمر، ومن هنا يتبين لي أنه على المساقي لأنه
القائم بالعمل، إلا إن تشارطا بخلاف ذلك، والله أعلم.
س: هل يستتم أحد الطرفين بنصيب الآخر في الزكاة؟
جع: بما أن الثمرة واحدة ونصيب كل واحد منهما مشاع فيها أرى أن نصاب الزكاة (1/279)
صفحة 280
المساقاة
يتم باجتماع النصيبين، ولو كان كل واحد منهما لا يكفي لبلوغ قدر النصاب،
والله أعلم.
سه: هل يصح أن يشترط العامل أجرة بعض العمال على المالك؟ وإن أجيب
بعدم الصحة فهل تفسد المزارعة أو المساقاة بذلك؟
جه: بما أن العامل الأصلي الذي تم العقد معه بأن يقوم بأعمال المساقاة هو المسئول عن جميع أعمالها لا أرى وجها لاشتراطه على المالك أن يكون عليه أجور العمال الفرعيين، واشتراطه ذلك يخل بصحة عقد المساقاة فيما أرى، والله أعلم. أحمد بن حمد الخليلي
276 (1/280)
صفحة 281
الملحق (2)
المساقاة
تعريف بعض المصطلاحات
البسلي: نوع من النخيل يجنى بعد اصفراره وقبل إرطابه ويجفف في
الشمس أو يطبخ ثم يجفف.
حمل بعضها أي أثمر، قال في اللسان وحملت المرأة والشجرة، تحمل حملا؛ علقت .. والحمل ثمر الشجرة والكسر فيه لغة، وشجر حامل، وقال بعضهم: ما ظهر من ثمر الشجرة فهو حمل، وما بطن فهو حمل). (مادة حمل) الفرض: قال في اللسان .. ضرب من التمر، وقيل: ضرب من التمر صغار لأهل عمان، قال شاعرهم:-
إذا أكلت سمكا وفرضا ذهبت طولا وذهبت عرضا قال أبو حنيفة: (وهو) من أجود ثمر عمان هو والبلعق قال: وأخبرني بعض أعرابها قال: إذا أرطبت نخلته فتؤخر عن اخترافها تساقط
عن نواه فبقية الكباسة ليس فيها إلا نوا معلق بالتفاريق). (مادة فرض) العذق قال في اللسان العذق) بالفتح النخلة، وبالكسر: العرجون بما
فيه من الشماريخ ويجمع على عذاق). (مادة عذق)
الهيس: قال في اللسان: (اسم أداة الفدان، عمانية .. قال: تميس الأرض
تدقها). (مادة هيس)
277 (1/281)
صفحة 282
المساقاة
قال الشيخ السالمي: (والهيس: هو إثارة الأرض بآلة الحرث) (1).
الحظار الحائط قال في اللسان الحظار حائطها). (مادة حظر) قال الشيخ العبري): (وهو) الشوك لمنع دخول الدواب) (3).
التأبير: قال في اللسان وتأبير النخل تلقيحه، يقال نخل مؤبرة مثل مأبورة، والاسم منه الإبار على وزن الإزار ... ). (مادة أبر)
التنبيت: وهو التأبير.
قال الشيخ العبري: إي) أبر، والنبات في اصطلاح أهل عمان
فحال النخل الذي يلقح به ثمرها) (4).
الحلال: قال الشيخ العبري: الحلال بمهملة هو تنقية الزرع من الكلأ
لغة عمانية) (5).
الطناء: وهو بيع ثمر الشجر، والمطني: هو المشتري)، ويكون بالمزايدة. طناء النخل: بيع ثمرها، ومطنيها مشتريها ().
الهنقري: هو صاحب المال وهو مقابل للعامل وذلك اصطلاح عماني.
البيدار: هو عامل النخل.
وهي
جوهر النظام 076/ 3
هو الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري المعني السابق.
جوهر النظام 81/ 3
جوهر النظام 470/ 2.
جوهر النظام 075/ 3
جوهر النظام 421/ 2.
278
جوهر النظام 2/ 421.
(")
(2)
(3)
(t)
(5)
(6)
(7) (1/282)
صفحة 283
المساقاة
القعد
كراء الأرض والماء). هو
العناء: قال أبو إسحاق (2): (العنا والعناء بالقصر والمد: التعب، واستعمل اللفظ فيما يقدر من الأجر للعامل، إطلاقا للسبب وإرادة المسبب) (3).
العسي: جمع عسوة وهو العذق بعد إخراج التمر منه.
عسي الذرة: سنبلها (4).
الفضيخة: قال في اللسان فضخ) كسر كل شي أجوف نحو الرأس والبطيخ فضخه يفضحه وافتضخه ... وأفضخ العنقود: حان وصلح أن يفتضخ ويعتصر ما فيه وفضخ الرطبة ونحوها من الرطب يفضحها فضخا:
شدخها.
والفضيخ عصير العنب وهو شراب يتخذ من البسر المفضوح وحده من غير أن تمسه النار وهو المشدوخ .... (مادة مضخ)
التارمة: نهاية الشيء ولعلهم يعنون بها نهاية العمل أو نهاية الثمرة أو نهاية الشجرة بموتها، ولعل المعنى الأول أقرب الاحتمالات.
(1)
(T)
(T)
(4)
جوهر النظام 81/ 3. التعريف للإمام السالمي.
هو العلامة أبو إسحاق إبراهيم إطفيش من علماء المغاربة حفيد آخي القطب.
جوهر النظام 65/ 3.
جوهر النظام 71/ 2
279 (1/283)
صفحة 284
المساقاة
الفتكة: الظاهر أنهم يعنون بها القطع وهو القطف، فالفتكة الأولى هي
القطعة الأولى التي تحنى فيها ثمار ذلك البطن.
الخوص: هو سعف النخل، عند أهل عمان: وهو العسيب (1).
الأكمام جمع كم وهو غلاف الطلع (2).
الشغراف هو ما يبس من أكمام الطلع.
العسق: هو العرجون.
الحوض: هو
السعف.
الزور: هو العسيب (3).
الجريد: جمع جريدة وهو الزورة الصغيرة، سميت جريدة لتجريدها من
السعف أي الخوص.
الجد: صرم الثمرة.
الجز: قطع الثمرة (4).
الدوس: هو الذي يدوس الحب ليزول عنه القشر.
الجزاز: هو الذي يجز الزرع من الأرض. الشائف: هو الذي يطرد الطير عن الأرض.
(1)
(2)
(3)
(t)
جوهر النظام 101/ 3.
جوهر النظام 44/ 3.
جوهر النظام 141/ 3.
جوهر النظام 290/ 2.
YA. (1/284)
صفحة 285
المساقاة
القراز: هو الذي يسوي الأرض ويقطعها بالشكل المخصوص لإلقاء البذر
فيها.
الصرم جمع صرمة وهي الفسيلة الصغيرة من النخل، سميت بذلك لأنها
تصرم من أمها أي تقطع.
الصارم هو الجذاذ وهو الذي يقطع الثمر من النخل (1).
النجار: النجار لعله خلب النخل أي قطع الكرب وهو ما يعرا
العمانيين بالشرط أو الشراطة.
جذور الذرة: قطعها.
الرضم: التنقية بعد الهيس وإخراج الحجارة من الأرض، ورضم الأرض: إثارتها للزرع، ورضامة تنقية الأرض من الحشيش وتليين صلابتها (2). القصاص: القطع أي قطع الزور -الجريد- أو الثمرة.
سحل النخل قطع شوكها.
الدوس: تنقية الحب بالوطئ بالأقدام.
الأذرا: تنقية الحب بعد الدوس برفعه وتنزيله حتى تزول منه الشوائب. المزابنة: هي بيع الرطب على النخيل بتمر مجذوذ، مثل كيله تقديرا (3). القراض أو المضاربة: مفاعلة من الضرب وهو السير في الأرض، وفي الشرع عقد شركة في الربح بمال من رجل وعمل من آخر (1).
(1)
جوهر النظام 166/ 1 (الإمام السالمي).
281
إزاحة الأغيان عن لغة أهل عمان ص 61.
التعريفات ص 265.
(2)
(3) (1/285)
صفحة 286
بطن بعد بطن: أي ثمرة بعد ثمرة.
المساقاة
القرط: شجرة عظيمة ذات سيقان وأشواك تستخرج منها مادة لدبغ
الجلود.
التنضيض: تحويل العروض إلى نقود ببيعها.
العرية: نخلة يعطى ثمرها لفقير.
الأكلة الأكلات ما يؤكل في بعض الأحيان أو يضيف به (3).
الودي: قال في اللسان: فسيل النخيل وصغاره واحدتها ودية، وقيل تجمع
على ودايا). (مادة ودى)
ملاحظة ما لم أحله من معاني الكلمات استفدته من بعض المشايخ؛
جزاهم الله خيرا.
(1)
(2)
(تابع)
التعريفات ص 272.
الذهب الخالص ص 223.
282 (1/286)
صفحة 287
كتب التفسير:-
-1
المساقاة
المصادر والمراجع
الجامع لأحكام القرآن القرطبي، دار الكتاب العربي (القاهرة)
ط: 1387 هـ – 1967 م.
كتب السنة وشروحها:-
-2
-
- {
-6
إرشاد الساري شرح صحيح البخاري، للعلامة القسطلاني
دار الفكر والطباعة والنشر والتوزيع.
الاستذكار، للحافظ ابن عبدالبر القرطبي، دار الوعي (القاهرة)
ط: 1413 هـ.
إعلاء السنن: المحدث ظفر أحمد العثماني، على ضوء ما أفاده الإمام أشرف علي التهانوي، إدارة القرآن والعلوم الإسلامية كراتشي (باكستان) بدون.
الإمام الربيع مكانته ومسنده للشيخ العلامة سعيد بن مبروك
القنوبي - مكتبة الضامري ط: 1416/ 1 هـ.
بذل المجهود في حل أبي داود للعلامة خليل أحمد
السهانفوري، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، بدون.
تقريب التهذيب للعلامة ابن حجر العسقلاني، تحقيق
عبدالوهاب عبد اللطيف دار المعرفة، ط 2: 1975 م.
283 (1/287)
صفحة 288
- A
-9
المساقاة
تلخيص الحبير للحافظ ابن حجر العسقلاني، تحقيق الدكتور
شعبان محمد إسماعيل، مكتبة ابن تيمية، بدون.
التمهيد للحافظ ابن عبدالبر، تعليق الأستاذ مصطفى بن أحمد
العلوي والأستاذ محمد بن عبدالكبير، دار الكتب العلمية
1387 هـ - 1967 م.
10 تنوير الحوالك بشرح موطأ مالك للحافظ السيوطي، دار
الكتب العلمية بدون.
11 - تنقيح تحقيق أحاديث التعليق للعلامة محمد بن أحمد بن عبدالهادي، دار الكتب العلمية منشورات محمد علي بيضون،
بيروت (لبنان) ط: 1419 هـ.
12 تهذيب التهذيب ابن حجر العسقلاني، دار إحياء التراث
العربي، بيروت، ط 1: 1991 م.
13 تهذيب سنن أبي داود لابن القيم الجوزية بتحقيق محمد حامد الفقي، ط: الملك خالد بن عبدالعزيز.
14 - الجامع الصحيح: مسند الإمام الربيع، دار الحكمة ط:
1418 هـ.
15 - الجامع الصحيح للإمام البخاري (مع فتح الباري) مكتبة الكليات الأزهرية 9 ش الصنادقية - الأزهر.
284 (1/288)
صفحة 289
المساقاة
16 - جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم للعلامة ابن رجب الحنبلي البغدادي، دار الفكر 1412 هـ
1992 م.
17 - حاشية البدر الساري إلى فيض الباري (مع فيض الباري)، توزيع دار الباز للنشر والتوزيع، عباس أحمد الباز، مكة
المكرمة.
18 - حاشية الترتيب على الجامع الصحيح للشيخ المحشي محمد بن عمرو ابن أبي ستة، تحقيق إبراهيم طلاي، ط: دار البعث
-19
قسنطينة (الجزائر).
حاشية الدهلوي على بلوغ المرام، للعلامة أحمد حسن الدهلوي، المكتب الإسلامي ط: 1394 هـ - 1974 م. -20 - سبل السلام شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام للإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني، دار الكتب العلمية - بيروت،
بدون.
-21 السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج للشيخ أبي الطيب صديق بن حسن خان الحسيني القنوج
-22
البخاري، إدارة إحياء التراث الإسلامي (قطر)، بدون. سنن الدارقطني لعلي بن عمر الدارقطني تحقيق محمدي بن النوري، دار الكتب العلمية - بيروت طا:
منصور
1417 هـ.
285 (1/289)
صفحة 290
المساقاة
-23
سنن الدارمي لأبي محمد عبدالله بن محمد الدارمي، توزيع دار الباز للنشر والتوزيع، عباس أحمد الباز (مكة المكرمة). 24 - السيف الحاد على من أخذ بحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد للشيخ المحدث سعيد بن مبروك القنوبي، ط: 3 -
1418 هـ.
-25 - شرح الزرقاني على الموطأ - وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف - دولة الإمارات العربية المتحدة (1413 هـ
1992 م).
26 - شرح الجامع الصحيح، مسند الإمام الربيع للشيخ نور الدين السالمي، برقم إيداع 93/ 113.
27 - شرح العلامة النووي لصحيح مسلم، مكتبة الرياض الحديثة،
بدون.
-28 شرح علل الترمذي، العلامة ابن رجب الحنبلي، تحقيق صبحي
-
السامرائي عالم الكتاب ط 2: 1405 هـ – 1985 م.
29 صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان تحقيق شعيب الأرنؤوط،
-30
-31
مؤسسة الرسالة ط 2: 1418 هـ - 1997 م.
صحيح مسلم بشرح النووي مكتبة الرياض الحديثة، بدون.
عمدة القاري شرح صحيح البخاري للعلامة العيني.
286 (1/290)
صفحة 291
المساقاة
32 - عون الباري لحل أدلة صحيح البخاري، للإمام أبي الطيـ صديق ابن حسن الحسيني القنوجي ط: الشيخ خليفة بن
آل ثاني أمير دولة قطر 1404 هـ - 1983 م.
33 - عون المعبود شرح سنن أبي داود للعلامة أبي الطيب محمد آبادي، منشورات دار الكتب العليمة، بيروت لبنان، بدون.
34 فتح الباري لشرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني، مكتبة الكليات الأزهرية 1398 هـ - 1978 م. 35 - فيض الباري على صحيح البخاري للشيخ محمد أنور الكشميري مع حاشية البدر الساري) توزيع دار الباز للنشر
والتوزيع، عباس أحمد الباز (مكة المكرمة).
36 - لامع الدراري على جامع البخاري، لأبي مسعود الكنكوهي، مكتبة الامدادية (مكة المكرمة) ط: 1397 هـ - 1977 م.
37 كتاب الأموال للعلامة أبي عبيد مؤسسة ناصر للثقافة بيروت (لبنان)، ط: 1981/ 1 م.
-38 - كنز العمال للعلامة علي المتقي بن حسام الدين الهندي
-39
مؤسسة الرسالة، 1399 هـ – 1979 م.
مختصر سنن أبي داود للإمام أبي داود سليمان بن الأشعث
السجستاني (مع معالم السنن)، ط: الملك خالد بن
عبدالعزيز.
287 (1/291)
صفحة 292
المساقاة
40 مشكل الآثار للعلامة أحمد بن محمد الطحاوي، ط: مجلس
دائرة المعارف النظامية (الهند) 1333 هـ.
41 معالم السنن لأبي سليمان الخطابي بتحقيق محمد حامد الفقي
ط الملك خالد بن عبدالعزيز.
خلف
42 - المنتقى شرح موطأ للإمام مالك، لأبي الوليد سليمان بن الباجي، دار الكتاب العربي (بيروت)، صورة من طبعة طبعت
عام 1332 هـ.
43 - موطأ الإمام مالك مع تنوير (الحوالك) للإمام مالك بن أنس، دار الكتب العلمية بدون.
44 - نصب الراية، العلامة أبو محمد عبدالله بن يوسف الزيلع
-
الحنفي، دار إحياء التراث العربي، (بيروت - لبنان).
الزيلعي
45 نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار
للعلامة محمد بن علي الشوكاني رئاسة إدارة البحوث العلمية
والإفتاء والدعوة والإرشاد (السعودية).
288 (1/292)
صفحة 293
كتب الفقه:-
المذهب الإباضي:-
المساقاة
46 - أثار الإمام الربيع مخطوط بخط صالح بن سالم بن سليمان
السدريني-.
47 - إضافات أبي سعيد الكدمي على كتاب الإشراف لأبن المنذر، أبواب السلم المزارعة والمساقاة تحق: نبهان بن راشد الصلتي
بحث تخرج 19 - 1420 هـ، 98 - 1999 م).
48 الأيضاح: للشيخ عامر بن علي الشماخي، وزارة التراث القومي والثقافة (سلطنة عمان) 1404 هـ / 1984 م. 49 - البصيرة: الشيخ الأصم، وزارة التراث القومي والثقافة (سلطنة
- O.
عمان).
بيان الشرع: الشيخ محمد بن إبراهيم الكندي، وزارة التراث القومي والثقافة (سلطنة عمان) ط 1: 1413 هـ.
51 - التاج للإمام العلامة عبد العزيز الثميني (طباعة خاصة). 52 - تمهيد قواعد الإيمان للإمام المحقق سعيد بن خلفان الخليل
وزارة التراث والقومي والثقافة، 1407 هـ - 1986 م.
53 جامع أبي الحسن البسيوي للشيخ أبي الحسن علي بن محمد
البسيوي وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان
1404 هـ - 1984 م.
289 (1/293)
صفحة 294
المساقاة
54 جامع ابن بركة للإمام عبدالله بن محمد بن بركة، وزارة التراث القومي والثقافة تحقيق عيسى يحيى الباروني (بدون).
جامع أبي الحواري للعلامة محمد بن الحواري، وزارة التراث
القومي
الثقافة، 1405 هـ - 1985 م.
-56 جامع أركان الإسلام للشيخ سيف الخروصي مع المجموع
القيمة بتحقيق الشيخ أبي إسحاق.
57 جامع الفضل بن الحواري للشيخ الفضل بن الحواري، وزارة التراث القومي والثقافة 1406 هـ - 1985 م.
58 - الجامع المفيد من أحكام أبي سعيد للإمام أبي سعيد الكدمي،
وزارة التراث القومي والثقافة 1406 هـ - 1985 م.
-59 جوابات الإمام السالمي تنسيق د. عبدالستار أبو غدة الطبعة الثانية 1419 هـ - 1999 م.
60 - حل المشكلات المنسوب إلى الشيخ عبدالله بن محمد بن رزيق المشهور بأبي زيد وزارة التراث القومي والثقافة، بدون.
61 - جواهر الآثار: الشيخ محمد عبدالله بن
-62
بن عبيدان وزارة
التراث القومي والثقافة (عمان) 1406 هـ / 1986.
جوهر النظام للشيخ نور الدين السالمي ط 11: 1410 هـ.
63 الدلائل في اللوازم والوسائل للشيخ درويش المحروقي، وزارة
التراث القومي والثقافة.
290 (1/294)
صفحة 295
المساقاة
64 - الذهب الخالص المنوه بالعلم القالص للإمام محمد بن يوسف
-65
إطفيش، المطابع العلمية، بدون.
سلك الدرر الحاوي غرر الأثر للشيخ خلفان بن جميل
السيابي وزارة التراث القومي والثقافة، ط 2، 1409 هـ
1988 م.
66 - شرح كتاب النيل وشفاء العليل: لقطب الأئمة محمد بن يوسف أطفيش مكتبة الإرشاد (جده) دار الفتح بيروت،
2 1392 هـ - 1972 م.
67 - الضياء، للشيخ سلمة بن مسلم العوتي، وزارة التراث القومي والثقافة (عُمان) ط 1: 1411 هـ / 1991 م.
68 - العقود المفصلة في الأحكام المؤصلة للشيخ سالم بن حمود السيابي وزارة التراث القوم والثقافة 1402 هـ
1982 م.
69 - غاية المأمول في علم الفروع والأصول للشيخ محمد
بن
شامس
1405 هـ.
البطاشي، وزارة التراث القومي والثقافة (عُمان 1405
70 قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة للشيخ جميل بن خميس
السعدي وزارة التراث القومي والثقافة، 1404 هـ
1984 م.
291 (1/295)
صفحة 296
المساقاة
الجيطالي،
71 قواعد الإسلام للإمام أبي طاهر إسماعيل بن موسى تعليق بكلي عبدالرحمن بن ر، المطبعة العربية، ط 1،
1976 م.
72 - كتاب النيل وشفاء العليل مع شرح النيل مكتبة الإرشاد جده،
دار الفتح بيروت، ط 2، 1392 هـ- 1972 م.
-73 - لباب الآثار الواردة على الأولين والآخرين الأخيار المنسوب
-74
- Yo
إلى العالم السد مهنى بن خلفان البوسعيدي، وزارة التراث
القومي والثقافة 1405 هـ - 1985 م.
مختصر البسيوي: أبو الحسن علي بن محمد البسياني، وزارة
التراث القومي والثقافة (عُمان) ط 1406 هـ / 1986 م. مختصر الخصال للإمام إبراهيم بن قيس الحضرمي، وزارة
التراث القومي والثقافة، 1404 هـ.
76 - المدونة الصغرى: لأبي غانم بشير بن غانم الخراساني، وزارة
التراث القومي والثقافة (عُمان).
77 - المدونة الكبرى لأبي غانم بشير بن غانم الخراساني، وزارة
- Y?
التراث القومي والثقافة (عُمان) 1404 هـ.
المصنف: للشيخ أبي بكر أحمد بن عبدالله الكندي، وزارة
التراث القومي والثقافة (عُمان)، بدون.
292 (1/296)
صفحة 297
المساقاة
79 - معارج الآمال على مدارك الكمال بنظم مختص
الخصال
للإمام العلامة عبد الله بن حميد السالمي، وزارة التراث القومي
والثقافة (عُمان) 1984،1404 م.
80 - منهج الطالبين وبلوغ الراغبين: الشيخ خميس الشقصي ط 2: 1413 هـ وزارة التراث القومي والثقافة.
-81 الوضع للعلامة أبي الخير يحيى الجناوني.
المذهب الحنفي:-
82 - البحر الرائق شرح كتر الدقائق لزين الدين الشهير بابن نجيح.
مكتبة الرشيدية (بدون).
83 بدائع الصنائع: لعلاء الدين مسعود الكاساني ط 1: دار الفكر
1417 هـ.
84 - البناية شرح الهداية: لأبي محمد محمود العيني دار الفكر ط 2:
-^0
1411 هـ.
تحفة الفقهاء لعلاء الدين السمرقندي. دار الكتب العلمية ط
1414 هـ.
86 - رد المحتار على الدر المختار (حاشية ابن عابدين لمحمد أمين
عبدالعزيز (ابن عابدين دار إحياء التراث القومي طا:
1419 هـ.
293 (1/297)
صفحة 298
المساقاة
87 - مختصر اختلاف العلماء لأبي بكر أحمد بن علي الجصاص، دار
البشائر، ط 2، 1417 هـ.
-88 - شرح الوقاية للحافظ أبو الحامد محمد عبدالحميد الجمعية الإسلامية الصينية بكين الصين.
89 - :المبسوط الشمس الدين السر الدين السرخسي ط: دار الفكر
1409 هـ.
-90 مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر للشيخ عبدالرحمن الكليوبي المعروف بشيخي زاد شاه، دار الكتب العلمية طا،
1419 هـ.
91 - المختار من كتاب اللباب في شرح الكتاب، لعبد الغني الغنيمي الدمشقي، الأزهر - إدارة المعاهد الأزهرية مصر ط 1970 م.
المذهب المالكي: -
92 - بداية المجتهد ونهاية المقتصد لأبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد، المعروف ابن رشد (الحفيد) دار الكتب العلمية ط 1:
1416 هـ.
93 - حاشية الخرشي على مختصر خليل، دار الكتب العلمية ط 1:
1417 هـ.
حاشية الدسوقي، العلامة الدسوقي، دار الفکر، 1970 م.
294 (1/298)
صفحة 299
المساقاة
95 الذخيرة لشهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي دار الغرب
ط 1: 1994.
96 - الرسالة الفقهية للشيخ أبي محمد عبدالله أبي زيد القيرواني، دار الغرب الإسلامي (بيروت) 1406/ 1 هـ - 1986 م. ط 97 - الشرح الصغير بهامش بلغة السالك للشيخ أحمد الدردير ط: دار الفكر، 1410 هـ - 1989 م.
-98 - الشرح الكبير، الشيخ أحمد الدردير دار الفکر، 1970 م مع
حاشية الدسوقي.
عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة، جلال الدين بـ نجم بن شاس. تحق: د. محمد أبو الأحفان. وأ. عبد الحفيظ منصور. دار الغرب الإسلامي (بيروت) طا:
1415 هـ / 1995 م.
100 - الكافي في فقه أهل المدينة المالكي، للشيخ أبي عمر بن عبدالبر القرطبي. تحق: د. محمد بن ابن ماديك المورتاني دار الهدى
للطباعة (1399 هـ /1979 م).
10 - المدونة للإمام مالك بن انس دار الفكر ط 1: 1419 هـ 102 - المقدمات الممهدات لأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد
-103
القرطبي، دار الغرب ط 1: 1408 هـ.
منع الجليل شرح مختصر خليل للشيخ محمد عليش، دار
الفكر، 1409 هـ.
295 (1/299)
صفحة 300
المساقاة
المذهب الشافعي:-
104 - أسنى المطالب، للقاضي أبي يحيى زكريا الأنصاري، دار
الكتاب الإسلامي، القاهرة، بدون.
105 الإشراف على مذاهب أهل العلم لأبي بكر بن المنذر، دار
الفكر ط 1414 هـ.
106 - الأم للإمام الشافعي محمد بن إدريس، دار المعرفة، بدون. 17 - روضة الطالبين، للإمام أبي زكريا محي الدين يحيى بن شرف النووي، دار الكتب العلمية بدون.
108 - زاد المحتاج بشرح المنهاج للشيخ حسن الحسان الكوهج المكتبة العصرية ط 1407/ 2 هـ.
109 - فتاوى السبكي للإمام تقي الدين علي بن عبدالكافي السبكي تحق: حسام الدين المقدسي، دار الجيل بيروت طا:
1412 هـ - 1992 م.
110 - كفاية الأخيار لتقي الدين أبي بكر الحصيني – المكتبة العصرية
ط 1409/ 1 هـ.
111 - المجموع شرح المهذب المنسوب للإمام أبي زكريا يحى بن شرف النووي، دار الفكر، التكملة الثانية.
112 - مختصر المزني للإمام أبي العباس (الشافعي (الصغير) دار الفكـ
ط الأخيرة 1404 هـ.
296 (1/300)
صفحة 301
المساقاة
113 - المسائل المنثورة للإمام النووي ترتيب تلميذه الشيخ علاء الدين بن العطار، دار الكتب العليمة، ط 1، 1402 هـ
1982 م.
114 - نهاية المحتاج للعلامة محمد بن أبي العباس، دار الفكر، ط الأخيرة 1404 هـ.
115 - الوجيز الإمام الغزالي دار المعرفة، 1399 هـ - 1979 م.
المذهب الحنبلي:-
116 - أعلام الموقعين عن رب العالمين لأبي عبدالله محمد بن أبي بكر
المعروف بابن قيم الجوزية، دار الجيل (بيروت).
117 - الإنصاف لعلاء الدين أبي الحسن المرداوي. دار إحياء التراث العربي ط 1: 1419 هـ.
118 - تيسير العلام شرح عمدة الأحكام: لعبد الله بن عبدالرحمن آل بسام مطبعة النهضة الحديثة، مكة المكرمة طه:
(1398 هـ - 1978).
119 - دليل الطالب، مرعي بن يوسف الحنبلي / المكتب الإسلامي/
دمشق.
120 - الروض المربع للعلامة منصور بن يونس البهوتي، دار الكتب
العلمية، بيروت لبنان، 1408 - 1988 م.
297 (1/301)
صفحة 302
المساقاة
121 - زاد المعاد لابن القيم الجوزية، مؤسسة الرسالة ط 3:
1418 هـ.
122 - الشرح الكبير للعلامة ابن قدامة المقدسي، دار الكتاب العربي (1392 هـ / 1972 م).
123 - فتاوى ابن تيمية: جمع وترتيب عبدالرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي، طبع تحت إشراف الرئاسة العامة لشؤون
الحرمين الشريفين.
124 - الكافي لموفق الدين عبد الله بن قدامة المقدسي. الإسلامي، ط 1408/ 5 هـ.
المكتب
125 - كشاف القناع للعلامة منصور بن يونس البهوتي. دار الفكر ط / 1402 هـ.
126 - المبدع شرح المقنع لأبي إسحاق برهان الدين إبراهيم بن محمد بن مفلح دار الكتب العلمية ط 1: 1418 هـ
127 - المذهب الأحمد في مذهب الإمام أحمد للشيخ محي الدين يوسف بن الشيخ جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي
القرشي البكري المعروف بابن الجوزي) ط 2 / منشورات
المؤسسة السعيدية بالرياض.
128 - المغني للعلامة ابن قدامة المقدسي، دار الكتاب العربي (بيروت)
1392 هـ / 1972 م.
298 (1/302)
صفحة 303
المساقاة
مذهب الإمامية:-
129 - جامع المقاصد في شرح القواعد لعلي بن الحسين الكركي، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لأحياء التراث.
- T.
فقه الإمام جعفر الصادق، عرض واستدلال محمد جواد
مغنيه، دار العلم للملايين (بيروت) ط 1965/ 1 م.
131 - مباني العروة الوثقى، كتاب المساقاة محاضرات زعيم الحوزة العلمية السيد أبي القاسم الموسوي الخوئي، المطبعة العلمية
ط 1: 1309 هـ.
مذهب الزيدية:-
132 - البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار، للإمام أحمد بن يحيى المرتضى مكتبة الخانجي (مصر) طا:
1368 هـ / 1949 م.
133 - الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير لشرف الدين الحسين بن أحمد السياغي، مكتبة اليمن الكبرى، صنعاء
ط 2 (1405 هـ / 1985 م).
134 - شرح الأزهار للإمام أحمد بن يحيى بن المرتضى، وزارة العدل
الجمهورية اليمنية صنعاء.
299 (1/303)
صفحة 304
المساقاة
135 - وبل الغمام حاشية على شفاء الأوام للعالم محمد بن علي الشوكاني طباعة، تحق: جمعية علماء اليمن ط 1:
1416 هـ / 1996.
مذهب الظاهرية
136 - المحلى لابن حزم الظاهري (أبي محمد بن علي بن أحمد) دار
الكتب العلمية.
كتب التاريخ:-
137 - البداية والنهاية ابن كثير مكتبة المعارف الطبعة الثانية،
1980 م.
138 - سيرة ابن هشام السيرة النبوية لابن هشام دار إحياء
التراث العربي 1391 هـ / 1971 م.
كتب حديثه:-
139 - تعليق عبدالرحمن عميرة على كتاب الميزان لعبد الوهاب الشعراني عالم الكتاب.
140 - حكم القيام للقادم للشيخ الجليل محمد بن راشد الغاربي (لم
يطبع بعد). (1/304)
صفحة 305
المساقاة
141 - الغرر وأثره في العقود الفقه الإسلامي، محمد الأمين الضرير، إدارة التطوير والبحوث قسم الدراسات والبحوث الشرعية
ط 2 1416 هـ - 1995 م.
142 - فقه الزكاة للدكتور يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة.
143 - الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي، دار الفكر،
ط 2، 1405 هـ - 1985 م.
144 - المساقاة والمزارعة والمغارسة د. جبر الفضيلات دار عمان عمان الأردن 1414 هـ / 1993.
145 - الموسوعة الفقهية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت، ط 2، 1410 هـ - 1990 م، ذات السلاسل
الكويت.
كتب الفنون الأخرى:-
146 - إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، للشيخ محمد بن علي الشوكاني، ط: دار الفكر الطبعة الأولى.
147 - إزاحة الأغيان عن لغة أهل عمان الشيخ الجليل سعيد بن حمد الحارثي، ط 1: 1411 هـ - 1990 م.
148 - أساس البلاغة جار الله محمود الزمخشري، تحقيق أ. محمود، دار
المعرفة بدون.
301 (1/305)
صفحة 306
المساقاة
149 - البحر المحيط لبدر الدين محمد بن بهادر الزركشي – وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية (الكويت) ط: 1409 هـ ـ
1988 م.
150 - البرهان لإمام الحرمين أبي المعالي عبدالملك بن عبدالله الجويني. 151 - بهجة الأنوار للإمام نور الدين السالمي، ط 1411 هـ
1991 م.
152 تاج العروس، الإمام مرتضى الزبيدي، بدون ت ط. 153 - تحرير ألفاظ التنبيه لمحي الدين النووي، تعليق عبدالغني الدقر، دار القلم، دمشق.
154 - التعريفات الجرجاني، تحقيق عبدالرحمن عميرة، عالم الكتاب،
ط 1407:1 هـ - 1987 م.
155 - التلخيص لإمام الحرمين تحقيق الدكتور عبدالله جولم النيابي، أحمد العمري دار البشائر الإسلامية، ط:1،
وشبير
1417 هـ 1996 م.
156 - جمهرة اللغة، أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد، تحقيق د. رمزي منير بعلبكي، دار العلم للملايين.
157 - الخوارج والحقيقة الغائبة للشيخ ناصر السابعي، ط 1: مطبعة
النهضة 1420 هـ - 1999 م.
158 - الدليل والبرهان للإمام أبي يعقوب الوارجلاني طبعة وزارة
التراث القومي والثقافة 1417 هـ - 1997 م.
302 (1/306)
صفحة 307
المساقاة
159 - شرح القواعد الفقهية الشيخ أحمد بن محمد الزرقاء، دار
القلم، دمشق ط 2 1409 هـ - 1989 م.
160 - الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، إسماعيل بن حماد الجوهري، دار العلم للملايين.
161 - طبقات الشافعية العلامة عبدالوهاب بن علي السبكي، دار إحياء الكتب العربية.
162 - طلعة الشمس للشيخ نور الدين السالمي، وزارة التراث القومي والثقافة (عمان)، 1401 هـ - 1981.
163 - الطوفان الجارف لكتائب البغي والعدوان للشيخ العلامة سعيد بن مبروك القنوبي ط 1، 1420 هـ - 2000 م.
164 - فواتح الرحموت لشرح مسلم الثبوت، المحقق ابن عبدالشكور
دار صادر ط:1 - 1324 هـ.
165 - القاموس المحيط، محمد بن يعقوب الفيروز آبادي مؤ.
الرسالة.
ـــة
166 - محيط المحيط، قاموس مطول للعربية معلم بطرس البستاني،
مكتبة لبنان.
167 - المصباح المنير، أحمد بن محمد القيومي، مكتبة لبنان، 1987 م.
-174
لسان العرب، ابن منظور محمد بن مکروم، دار الفكر ط 3:
1414 هـ.
303 (1/307)
صفحة 308
المساقاة
169 - مقاصد الشريعة الإسلامية العلامة محمد الطاهر بن
الشركة التونسية للتوزيع الطبعة الثالثة 1988 م.
عاشور،
170 - نهاية السول لجمال الدين الأسنوي، عالم الكتاب، بدون.
304 (1/308)
صفحة 309
1
V
12
12
17
19
19
20
22
26
63
شكر وعرفان
مقدمة
خطة البحث
تعريف المساقاة
المساقاة
الفهرس
المبحث الأول: تعريف المساقاة
المطلب الأول: تعريفها لغة
المطلب الثاني: تعريفها شرعا
المطلب الثالث:
سبب التسمية
المبحث الثاني: أركان المساقاة
المبحث الثالث: الفرق بين المساقاة والعقود المشابهة لها
المطلب الأول: الفرق بين المزارعة والمساقاة
المطلب الثاني: الفرق بين المساقاة والإجارة
مشروعية المساقاة
المبحث الأول: أدلة المانعين
المبحث الثاني: أدلة المجيزين
أ- الكتاب
ب- السنة
ج الإجماع
305 (1/309)
صفحة 310
68
83
??
87
99
117
136
154
160
177
179
179
180
184
187
194
201
201
204
المساقاة
د القياس
المبحث الثالث: حكمة المشروعية
شروط المساقاة
المبحث الأول: شروط العاقدين
المبحث الثاني: شروط مورد العمل "الشجر"
المبحث الثالث: شروط الثمرة
المبحث الرابع: شروط العمل
المبحث الخامس: شروط الصيغة
المبحث السادس: شروط المدة
أحكام المساقاة
المبحث الأول: اللزوم
المطلب الأول: وقت لزومها
المطلب الثاني: حكم فسخ العامل للمساقاة
المطلب الثالث: أثر تقصير العامل في العمل
المبحث الثاني: أحكام المساقاة الصحيحة والفاسدة
المبحث الثالث: الشروط والخيارات المعتبرة فيها
المبحث الرابع
المطلب الأول: حكم المساقاة مع انقطاع أمل الحصول على الثمرة
المطلب الثاني: حكم بيع الحائط المشغول بعقد المساقاة
306 (1/310)
صفحة 311
209
212
22
220
22
234
234
236
239
241
243
243
246
248
257
257
261
261
271
المساقاة
المطلب الثالث: حكم مساقاة الشريك لشريكه
المبحث الخامس: حكم مساقاة الشجر الذي يتخلله البياض
المبحث السادس: نهاية المساقاة
المطلب الأول: المدة المعتبرة
المطلب الثاني: نهاية المساقاة
المبحث السابع: زكاة ثمار المساقاة
المطلب الأول: وقت استحقاق الثمرة المطلب الثاني: وجوب الزكاة على الشريكين المطلب الثالث: استتمام نصيب أحدهما بالآخر المطلب الرابع اشتراط أحدهما الزكاة على الآخر المطلب الخامس: وقت إخراجها
المطلب السادس: زكاة الشركة مع من لم تجب عليه
المبحث الثامن: خراج المساقاة
المبحث التاسع: الخرص فيها
المبحث العاشر: المسائل القضائية
المطلب الأول: اختلاف الطرفين فيها
المطلب الثاني: صفة يد العامل
المطلب الثالث: أثر ظهور الأشجار مستحقة
307
الخاتمة (1/311)
صفحة 312
المساقاة
الملحق (1) الفتاوى
الملحق (3): تعريف بعض المصطلاحات
المصادر والمراجع
الفهرس
274
278
284
306 (1/312)
صفحة 313
[صفحة فارغة] (1/313)