صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: إسلاميات - أصول الفقه - فقه
------------------------------------------
العنوان: المسالك النقية إلى الشريعة الإسلامية
المؤلف: سالم بن حمد بن سليمان الحارثي
مقدمة: محمد بن شامس البطاشي
[تقديم]: محمد بن أحمد بن سعود البوسعيدي
تقريظ: سعيد بن خلف بن محمد الخروصي - حمدان بن عامر بن محمد الحجري
تعريف بمؤلف الكتاب: محمود عبد المعطي بركات
الناشر: المؤلف
مكان النشر: د.م
تاريخ النشر: د.ت
الطبعة: د.ط
الإيداع القانوني: 98/106
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=1496&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/409
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 04 محرم 1447ه/ 30 - شهر 06 - 2025م. المسالك النقية إلى الشريعة الإسلامية
تالية فضيلة الشيخ العلامة القاضي
سالح بن محمد بن سليمان الحارثي (1/1)
صفحة 2
[صفحة فارغة] (1/2)
صفحة 3
الات التشيع
إلى الشريعة الإسلامية
تاليف: فضيلة الصين
midi
العلمية القاضية
2 ? lz r?ro?lz (1/3)
صفحة 4
[صفحة فارغة] (1/4)
صفحة 5
النار
، المنهم
جميع الحقوق - محفوظة للمؤلف
رقم الإيداع 98/ 106 (1/5)
صفحة 6
سلطنة عمان
ص. ب: 951 مسقط
الرمز البريدي: 113
تليفون: 739794
بشمارد الرحمن الرحيم
محمد بن أحمد بن سعود البوسعيدي
التاريخ: 11/ 14172 هـ
الموافق: 1976/ 6 م
هذي المسالك منجاة مؤكدة
من المهالك فاسلك في مسالكها
وهي السبيل لمن رام الدليل على كشف الحقائق أو تنوير حالكها
" المسالك النقية إلى الشريعة المحمدية "، كتاب إستساغته الأفهام، فأثنت عليه
،
الأقلام، إذ جاء موضحاً لكل مسلك بعبارة نقية، سَلِسَتِ المباني، مُشرقة المعاني، مؤيدة بالدليل القطعي، أو الإجماع الشرعي، مُستضيئاً بنور السلف الصالح، متبعاً الطريق
الواضح.
هذا ما رأيناه في كتاب " المسالك "، كما هو المعروف المعهود في جميع ما ألفه صاحب المسالك، سواءً كان تأليفاً كَكِتاب " العقود الفضية "، أو تحقيقا للموسوعات الفقهية، كتحقيقه لكتاب " بيان الشرع "، وغيره، أو ما يفتي به في شتى المسائل، أو ما يكتبه من نيرات الرسائل، أو ما يتكلم به من وعظ وإرشاد، أو ما يُسديه للكل من نصائح قيمة، فهو موفق في جميع أعماله، ومُسدد في أفعاله وأقواله، لأن جميع ما يقوم به يلقيه عن قلب خالص لوجه الله، وبنية حسنة، وقصد رشيد، وقول سديد
هذا
•
هو كما ا عرفته، فضيلة الشيخ سالم بن حمد الحارثي، فكم له من مواقف مؤيدة للحق، ناطقة بالصواب، كاشف دقائق حقائق السنة والكتاب، أمين على ما إستودعه الله من علم غزير، معط مما علمه الله للمسترشد، الكثير الكثير، {يُثبت اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بالقول الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ الله.
محمد يا ام اليوم
محمد بن احمد بن سعود البوسعيدي (1/6)
صفحة 7
بر اين امر من الرحيم ي کے کے مل کر کے اس روح کے کا سر سلام اے
ـذي المسـ الك منجـ ــاة مؤكـ
ـدة
من المـ هالك فاس لك في
مس
الكها
السـ
و
بيل لمن رام الدليل على
کش ف الحقائق أو تنوي حالك
ها
المسالك النقية إلى الشريعة الإسلامية»، كتاب استساغته الأفهام، فأثنت عليه الأقلام، إذ جاء موضحاً لكل مسلك بعبارة نقية، سلسة المباني، مُشرقة المعاني، مؤيدة بالدليل القطعي، أو الإجماع الشرعي، مُستضيئاً بنور السلف الصالح متتبعاً الطريق الواضح. هذا ما رأيناه في كتاب «المسالك»، كما هو المعروف المعهود في جميع ما ألفه صاحب المسالك، سواء كان تأليفاً ككتاب، العقود الفضية، أو تحقيقاً للموسوعات الفقهية، كتحقيقه لكتاب بيان الشرع، وغيره، أو ما يفتي به في شتى المسائل، أو ما يكتبه من نيرات الرسائل، أو ما يتكلم به من وعظ وإرشاد، أو ما يسديه للكل من نصائح قيمة، فهو موفق في جميع أعماله، ومُسدد في أفعاله وأقواله، لأن جميع ما يقوم به يلقيه عن قلب خالص لوجه الله، وبنية حسن وقصد رشيد، وقول سديد
ة، (1/7)
صفحة 8
هذا
هو كما عرفته، فضيلة الشيخ سالم بن حمد الحارثي، فكم له
من مواقف مؤيدة للحق، ناطقة بالصواب، كاشف دقائق السنة والكتاب، أمين على ما استوعبه الله من علم غزير، مُعط مما علمه الله للمسترشد الكثير الكثير، و يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَولِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشَاء
صدق الله العظيم.
محمد بن أحمد بن سعود البوسعيدي
مستشار جلالة السلطان قابوس للشئون الدينية والتاريخية
وبعد أن اطلع الشاعر الكاتب سعود بن حمد بن عبدالله السالمي على بيتي الشعر اللذين أنشأهما معالي السيد محمد بن أحمد البوسعيدي في بداية مقدمته، قام بتخميسهما، مقرظاً بذلك «المسالك النقية في
الشريعة الإسلامية» حيث قال:
إذا اختفت من ك
وناصبتك
مس
سألة
بواضح النص فيها أو مؤولة
اث مهلكـ
((هذي ـالك منجـ ــاة مؤكـ
من المهالك فاسلك
مس
الكها))
ــدة (1/8)
صفحة 9
نادها لكتـ ــاب الله ثـ
إلـ
قول الرسول فم
إن قيل ما تحتويه النور قلت بلى
((فهي السبيل لمن رام الدليل علـ
کشف الحقائق أو تنوير حالكها))
دلا (1/9)
صفحة 10
بعد الله الرحمن الرحيم
الحمد الله الأول والآخر، والصلاة والسلام على رسوله الطاهر، وآله وأصحابه الأخاير، ما ذكر الله ذاكر ونشر العلم ناشر، وبعد: فقد وقفت على الكتاب الذي ألفه الشيخ العلامة سالم بن حمد بن سليمان المسمى المسالك، وقد تصفحت أبوابه ومسائله، وتأملت أواخره وأوائله، ولقد راق لي كلامه، وأعجبني وضعه وانسجامه، حيث أنه قرن كل مسألة بدليلها، وقيدها بأصولها، ووضعها في سبيلها، وهذا هو شأن أهل العرفان، لا قال فلان وفلان، فما العلم إلا كتاب الله المبين، وسنة رسوله الأمين، ثم إجماع المسلمين، فهذه الثلاثة أساس العلم النافع ومنبع الفقه اليانع، فمن أخذ العلم من هذه الثلاثة الأصول فقد بلغ المأمول وفاز بالوصول، وهذه طريقة المحققين من أهل الأصول وعلماء المعقول والمنقول. والكتاب ولو صغر حجمه وقل بالنسبة إلى غيره نظمه سيكثر بعون الله نفعه ويعظم في النفوس وقعه، ومن شمر
کريم (1/10)
صفحة 11
في نشر العلم إزاره وأسهر ليله ونهاره بهمة راقية ونية صافيه فإن الله
من الذين اتقوا والذين هم محسنون ..
محمد بن شامس البطاشي
قاضي عام وزارة العدل
الشيخ محمد بن شامس البطاشي من كبار علماء وفقهاء عمان، من مؤلفاته (كتاب سلاسل
الذهب، وكتاب إرشاد الحائر في أحكام الحاج والزائر ومؤلفات أخرى، ولد هذا العالم سنة. في ولاية قريات من أعمال محافظة مسقط وقد تقلد منصب القضاء ثم فن
1330 هـ
اض
للاستئناف (1/11)
صفحة 12
الحمد لله واهب الحكمة من يشاء من عباده. يؤتي الحكمة من يشاء ومَن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيرا. والصلاة والسلام على أفضل عباده. الذي أرسله الله بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا. محمد بن عبدالله. ذي الرسالة العظمى. سيد الأولين والآخرين وخاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه وسلّم تسليماً كثيرا. وبعد فقد قرأتُ كتاب «المسالك النقية إلى الشريعة الإسلامية للشيخ العالم الفقيه / سالم بن حمد بن سليمان الحارثي حفظه الله تعالى فرأيته كتاباً جامعاً لأحكام أركان الإسلام. مقرونة مسائله بالأدلة. من الكتاب والسنة والإجماع. فهو كتاب يبهج الأبصار والبصائر والأسماع. جزى الله مؤلّفه خيراً ووقاه ضيراً ونفع به وبمؤلفه المسلمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلّم
كتبه سعيد بن خلف بن محمد الخروصي
مساعد مفتي عام السلطنة
في 25 شعبان سن 1418 هـ.
الشيخ العلامة سعيد بن خلف الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة وقد تقلد منصب القضاء في الكثير من المناطق العمانية وله العديد من المؤلفات ككتاب قواعد الشرع في
الوضع وكتاب الدر المنتخب في الفقه والأدب.
• (1/12)
صفحة 13
وهذه أبيات كتقريظ للكتاب
للشيخ العلامة سعيد بن خلف الخروصي
هذي المسـ الك وي واضح
مليئ
ببي ـان العلـ
والحِكْ
حوت عقيدة أهل الإسـ تقامة مع
قواعد الدين شرع الواح
مسـ
ائلها مقرون
أو
سـ
سنة المصطف
براهين
الحك
ال ـهدى من كتـ ـــاب الله ذي العِظَ
ده
ربيعنا عن راة قادة بهم
كذاك إجماع أهل العِلم يُؤثَر في
قـ
ائف الفقهِ عَمَّن ساد بالهِمَمِ
د حاكها ماهر ذو حنكة فن
ذا سالم رائد الأخـ ـــلاق والكـ
أكرم به عالما من ادة قطنوا
عرش العلى من قديم الدهر في الأمـ
ريور 7 کريم (1/13)
صفحة 14
جزاه خالقه خـ
ـــزاء بمـ
أثاه من مُحكَ الآثار والحِكَـ
والحمـ
إتمام
ا لنعمتِ
بحانه من إلـ
ـارئ ا
وأخت
النظر
م بالتسـ
سليم
أشـ
فعه
حُسنى
المبعوث
القيم
ق الله ثم
آل وصحب ام الخيـ (1/14)
صفحة 15
تقريظ الأستاذ حمدان بن عامر بن محمد الحجري
حمدا لمن رفع السماء بلا عمـ
الله
والأرض خاضعة ومن فيهـ
ـلاله، سبحان
وبأمهر الأم ـلاك تـ نزل
نصراً لمن نشر المعارف في الورى
بـ
سجـ
وسعى لنيل العلم فيه واجت
ثم الصلاة مع السلام على الذي
نشر الهدى بين الأنام إلى الأبـ
والآل والأصحاب طراً ماس
لبلوغ نيل العلم ساع أو قصـ
ارك الله الجلي ـل
مس
ساعياً
جاءت لإبراز العلوم بمـ
ولقد سعدت بما وقف ــت عليه فـ
المسالك من علوم أولي الرش
کريم
المدد
تجد (1/15)
صفحة 16
طوب
يخنا بتمام
كتب القبول له من الله الأحـ
قد كان سفراً جامعاً لمعارف
بأدلة الوحيد
شتى من الشرع القويم المعتم
مقرونة التحقيق: نصاً والس
د أشرقت للبـ احثين فصوله عة الذكر الحكيم!
فأشـ
خط البيان أبـ ـوحميـ
ــد إنـ
يخ
ـمت أفكـ ــاره وترفع
لنشر العلم فيما ق د قصـ
د
ند
دد
عن نقل أهل الحشو فيما ق د يرد
العلم طرد شاماً
تحقيقه كتب التراث بذا شـ
ــهد (1/16)
صفحة 17
وكذا العق ود مضيئـ ــة لا تنطف
تحكي أصول الحق من أهل الرشد
ما أحوج الطلاب أن يردوا إلى
نور المسـ
الك والعقود ومـ
تجد
في مجلس للعلم ينش ـره
وأساسه: التوحيد والتق
ــو
يحك
لدور أئمة لفت لـ
فأبو عبيدة والربي
هم
ــند
زان
شرقية من مصرن
كالكوكب الدريف
ـذا البل
وبـ
ــه المضيرب تزدهـ
وفخ
ورة
السـ
بوجوده تخت ـال فـ
تدعو الإله بأن يطيل حياته
ويقيه رب العرش من أهل الحسد (1/17)
صفحة 18
والله يحفظ
على
النبـ
ـزة
وكرامة من ذي الجلال
وختام قولي بالصلاة علـ
ما قام بالتجديد شخص واجت
دد
بقلم: حمدان بن عامر بن محمد الحجري
بتاريخ 24 رمضان 1418 هـ
الموافق 23 يناير 1998 م
• الأستاذ حمدان بن عامر بن محمد الحجري عالم مرشد وأديب، يعمل في وزارة التربية و والتعليم في ولاية بدية وخارجها، ويتابع المعاهد والمدارس المتعلقة بالمنطقة الوسطى، يبلغ من العمر عاماً، وهو يقوم بدور هام في مجال الدعوة والذود عن حياض المذهب الإباضي والدين
خمسين
الإسلامي
، يتميز بالصدق والصراحة وقول الحق من دون محاباة. (1/18)
صفحة 19
تعريف بمؤلف الكتاب
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين
سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين
وبعد،،،
فنحن في هذا التقديم لهذا التقديم الهام - أمام المؤلف وكتاب فالمؤلف هو الشيخ سالم بن حمد بن سليمان الحارثي، من أفاضل علماء عمان وهو سليل بيت علم وأدب وحكم وخلق كريم ولد في الساعة 4 من ليلة الأربعاء 4 ذي القعدة عام 1351 هـ.
استقدم له والده الكريم أنبغ المعلمين وأكفأهم ومنهم الشيخ سعود بن سليمان الكندي، وناصر بن سعيد بن سالم النعماني، وناصر بن حميد الراشدي، ثم جاب البلاد سعياً وراء العلم والمعرفة فرحل إلى نزوى عام 1370 هـ وكانت آنذاك ملاذ أهل العلم وطالبيه، وقبلة
العلماء
اء والمثقفين والأدباء وعلى رأسهم الإمام محمد بن عبدالله الخليلي. ثم عاد مرة أخرى إلى مسقط. رأسه ليغترف من بحور العلم فيها ما شاء الله، من علوم شتى كعلوم اللغة، والمعاني وأصول الدين ثم ولى وجهه شطر «سمائل» لتلقي المزيد من العلوم والمعارف على يد الشيخ خلفان بن جميل السيابي ثم توجه إلى الشيخ حمد بن الإمام نور الدين السالمي
6
"
ور 13 کريم (1/19)
صفحة 20
حيث تلقى الفقه والسيرة وأخبار العلم، وأخذ يتردد على مجالس العلم
العامرة في المدارس والمساجد
•
نطاق المحلية إلى الساحة العالمية، فزار مصر وليبيا،
ومس
ثم عبر والجزائر وتونس واجتمع بالشيخ بيوض وناصر المرموري وعلي يحيى معمر وغيرهم من العلماء، وزار أيضاً تنزانيا وكينيا مفيداً. وهو من الصفوة التي تجمع بين العلم والأدب حيث يعبر عن المسائل العلمية الدقيقة بل والشائكة بأسلوب أدبي رصين بليغ وفي أحايين كثيرة بالشعر الرائق الموزون المقفى، وهذه براعة مزدوجة قلما تجدها إلا عند علماء عُمان حيث بلغوا فيها الغاية وضربوا فيها بسهم وافر وهي طريقة مشوقة تسهل على المتعلم أو الطالب استيعاب المسائل العلمية العقلية والفقهية بشكل محبب وذلك لأن حب الجمال فطرة في النفس الإنسانية وليس أجمل من معنى دقيق يعبر عنه لفظ رائق أنيق فالشـ من أرقى الفنون الإنسانية.
ومن هنا وجدنا مؤلفنا الفاضل العلم المتأدب راقي الأسلوب رائق اللفظ والمعنى يجمع إلى جزالة اللفظ بلاغة القول، علاوة على أن مؤلفنا جمع في أدبياته بين الوطنية والعلم، والشعر العلمي – إن صح التعبير - على صورة السؤال والجواب ظاهرة فريدة تأخذ بلب القارئ وتستولي على ملكاته حيث يرد الجواب عادة على وزن السؤال وقافيته وهي براعة علمية أدبية معاً زيادة على أنها طريقة تربوية في التعليم
(18) (1/20)
صفحة 21
والتعلم ونحن نجد في مثل هذه الأعمال صورة حية لسلف الأمة من
العلماء ممن نظموا النحو والبيان وعلوم القراءات وغيرها
وإن كانت الصورة هنا أكثر تفصيلاً وشمولاً، وهذه الظاهرة في الفكر الإسلامي العُماني تصل حاضر الأمة بماضيها من حيث تنوع مجالات المعرفة والتبحر فيها، وصياغتها أدبياً وشعرياً ولقد أفاض الشيخ من خزان علمها ما أفاض على طالبيه فقام بتعليم علم اللغة وعلوم الشريعة والأدب حيث تخرج على يديه في هذه المجالات علماء ونبهاء وأدباء، ثم ساهم في الحياة العملية، فتقلد منصب القضاء وهو جدير به ثم تدرج إلى قضاء الاستئناف وقد أثرى الشيخ المكتبة الإسلامية ببحوثه العلمية الدقيقة والعميقة
وعلى ذكر البحوث العلمية يأتي دور الحديث عن الكتاب وهو
6 «<
مؤلف جليل أسماه صاحبه «المسالك النقية إلى الشريعة الإسلامية «والشريعة كما نعلم هي شريعة الله حملها محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس منهج هداية وطريق فلاح وسعادة في الدنيا والآخرة حيث تقيم الناس على الجادة، وتحقق بالتزامها السعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة، والتعبير بنسبة الشريعة الإسلامية إلى محمد صلى الله عليه وسلم، قد يأتي من بعض المستشرقين موهما نتيجة لأغراض خاصة يتنزه عنها بالقطع مؤلفنا المفضال
•
(10) (1/21)
صفحة 22
ولا أحسب إلا أن هذه النسبة جاءت استجابة مستفيض وحنين
لحامل هذه الشريعة محمد صلى الله عليه وسلم فالظاهر أن حب الرسول عليه السلام قد ملك عليه شغاف قلبه، فلا بأس من الاستجابة لمثل هذه المشاعر الكريمة التي يشارك فيها مؤلفنا كل مسلم ذاق حلاوة الإيمان حتى كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فلا بأس من هذا التعبير إذا أمن اللبس وهو مأمون إن شاء الله.
ولقد كان لي شرف الإطلاع على هذا السفر الجليل الذي ألفه
العالم الفاضل والموسوم بـ «المسالك النقية إلى الشريعة الإسلامية في جزئه الأول الذي تركز البحث فيه حول العبادات، وقد بدأ المؤلف الحديث في هذا الكتاب عن جوانب وأصول هامة من أصول العقيدة الإسلامية، فتحدث عن الإيمان والإسلام وشروط كل منهما ثم تحدث عن التوحيد الذي هو لب العقيدة الإسلامية وجوهرها، وكذلك عن الإيمان بالرسل والكتب والملائكة والبعث والقضاء والقدر وغير ذلك من المسائل العقيدية الهامة.
وذلك إدراكاً منه لأهمية العقيدة في نفسها ثم أهميتها بالنسبة إلى
«<
العبادات فهي التي تضفي عليها الشريعة واستحضار عظمة الخالق كل ما يتعبد به الإنسان يعين على سداد العبادة في نفسها ويرتب عليها كل الآثار التربوية والخلقية فنحن نعبد إلها واحدا خالقا مريدا عالما (1/22)
صفحة 23
الخ، هذه الصفات العلية وأحسب أن ذلك الأمر جاء من المؤلف
الفاضل لسببين
أولهما
: أنه اختط لهذا السفر الجليل منهجاً استوحاه من حديث
نبوي مبارك شريف وهو الرسول صلى الله عليه وسلم بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا وقد سار على نهج هذا الحديث وحسب خطة البحث شرفا هذا الاقتباس الكريم من قول سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ثانياً
: هو وضع الأساس العقيدي للعبادات الإسلامية، نصل عين القارئ وهو من الأهمية بمكان، فهذه العبادات لا بد لها من أن ترتكز على ركائز عقيدية ثابتة تتمثل في عقائد الإسلام الكبرى كما تقدم والتي بدونها يصبح العمل هباء منثورا، سواء كانت عبادات أو معاملات نعوذ بالله من شر ذلك، والعبادات في الإسلام شرعت لحكم كثيرة على رأسها تأكيد الصلة واستدامتها بين العبد وربه، والعبادات في الإسلام ليست مجرد شعائر تؤدى عمليا كيفما اتفق وإنما هي ذات أبعاد وغايات سلوكية ذات قيمة كبرى في دنيا الناس وحياتهم وصلات بعضهم البعض
وإذا ذهبنا إلى استعراض هذه الأبعاد وتلك الأهداف مرتبطة بكل عبادات الإسلام لطال بنا المقام وهو التقديم لهذا العمل الجليل للشيخ الفاضل مؤلف الكتاب
در 17 کريم (1/23)
صفحة 24
والمؤلف بحسب ما تناوله من قضايا مستوعب وشامل لكل الأحكام بشكل مفصل وأسلوب جزل، بحيث لا يبقى بعده زيادة لمستزيد
فقد جاء مستقصياً غاية الاستقصاء مستفويا غاية الاستيفاء.
وقد جاء توثيق النصوص فيه نموذجاً للبحث العلم
المتكامل
بحيث زينت ذيول صفحاته بقلائد من مراجع أصلية مشار فيها إلى أماكن النصوص بدقة تامة كما يقتضيه المنهج العلمي، كما أن للباحث مهارته الفائقة في توظيف النصوص توظيفاً جيداً سواء كانت من القرآن الكريم أو السنة الشريفة أو أقوال أفاضل العلماء وأساطين المعرفة.
وقد عني عناية خاصة بتخريج الأحاديث النبوية الشريفة والإشارة إلى مصادرها بوضوح بحيث يسهل على الباحث العلمي الذي يتخذ من هذه الدراسة مرجعاً لبحثه الرجوع إليها في مواطنها في بطون التراث بيسر وسهولة وهي ميزة يغفل عنها كثير من الباحثين توخياً للسهولة أو ضنا بالجهد علاوة على ذلك عرضت القضايا بأسلوب عذب رائق والباحث كما قلنا صاحب أسلوب علمي متأدب ولا أزكي على الله أحدا وأحسبه من أهل الفضل والفكر والعطاء المتميز والله حسيبه وهو مول لانا ونعم النصير ونسأل الله تعالى له التوفيق والسداد في حياة علمية حافلة بالإنتاج المثمر في ميدان المعرفة الإسلامية، وأن يوفقه لخدمة دينه الحنيف. (1/24)
صفحة 25
وأخيراً أزجي الشكر - كقارئ - للمؤلف على ما قدمه للمكتبة الإسلامية في جانب عظيم من جوانب المعرفة وهو الفقه الإسلامي، فقد
استنفر همته وجند ملكاته
وسخر قلمه في التفقه في الدين ثم الإضافة إلى
قارئيه، فهو لؤلؤة ثمينة في عقد فريد من علماء هذا البلد الأمين في
الفقه والتوحيد
والله يهدينا جميعاً سواء السبيل، ويوفقنا لنشر دينه الحنيف فهو
نعم الموفق والمعين
أ. د. محمود عبدالمعطي بركات أستاذ ورئيس قسم العلوم الإسلامية كلية التربية والعلوم الإسلامية جامعة السلطان قابوس
11 > (1/25)
صفحة 26
مقدمة العقاب (1/26)
صفحة 27
مقدمة الكاتب
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وأكرم العالمين محمد النبي الأمين وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين
وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:
فقط طلب مني بعض الإخوان أن أكتب شيئاً من فقه الإباضية مقروناً بالأدلة الشرعية فسميته «المسالك النقية إلى الشريعة
الإسلامية
«<<
، وقد قسمت الجزء الأول على خمسة أقسام على ما جاء
في الحديث الشريف بني الإسلام على خمس وكل قسم يشتمل على مسالك تتعلق به والله أساله العون والتوفيق على مواصلة العمل وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما. وإنما ابتدأت الكتاب بالشريعة الإسلامية وختمته في فضل الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم تبريكاً وتيمناً به صلى الله عليه وسلم، وتراني أستعرض الأدلة والحجج وأقارن بها غالباً أقوال المخالفين للمذهب، وإنما قدمت
1 - إنما اخترت له هذه التسمية من قوله جل وعلا: ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض. سورة الزمر الآية (21).
21 کريم (1/27)
صفحة 28
هذا الكتاب اختصاراً وكرؤس أقلام تمهيداً لما أتأمله إن وفق الله ومد
في العمر أن أقوم بتأليف أوسع ولعله في إعادة طبعه مرة ثانية إن شاء
الله والله المعين
فأقول: أولاً:-
وقبل الشروع في تلك المسالك يجب التعريف بالإباضية من هم؟
در 22 کريم (1/28)
صفحة 29
التعريف بالإباضية
لا شك أن الخلاف في تأويل الكتاب العزيز والسنة النبوية علـ صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية شيء معروف وطريق مألوف في اختلاف المفاهيم واستنباط الأحكام ومعرفة الحلال من الحرام، ولكن بدون إشهار سيف أو تخطئة في رأي وتأويل، حتى حصل ما حصل في زمان الخليفة الثالث عثمان بن عفان إلى أن أفضى بهم الحال إلى تجريد السيوف وقتل الخليفة
•
ومن هناك افترق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ بعضهم يضرب رقاب بعض، وانتشرت بينهم تلك الفتنة الصماء العمياء التي حار فيها المبصر والتمس كل من أتى بعدهم طريق الصواب الموصل إلى رضا الله تعالى وزعم أن الحق في يده، وافترقوا إلى
مذاهب
•
ففي القرن الأول كانت مذاهبهم إجمالية كالخوارج والشيعة والمعتزلة. وفي القرن الثاني تبلورت تلك المذاهب وانحصرت إلى أشخاص كإباضية وحنفية ومالكية وشافعية وحنبلية ومعتزلة وشيعة، ومن تلك المذاهب المذهب الإباضي المنسوب إلى عبد الله بن إباض التميمي، الذي نشأ في زمان معاوية بن أبي سفيان واشتهر في زمان
23 کريم (1/29)
صفحة 30
1
عبد الملك بن مروان "، وكان يرجع فى أفكاره ومصدر أقواله إلى، جابر بن زيد العُماني الذي أجمعت الأمة على عدالته وثقته، روى أبو بكر بن نعامة قال: كنت مع أنس بن مالك، وأنس يومئذ مريض، فأتى أنساً مولى له فأكب عليه فقال: توفي جابر بن زيد. فقال: «إنا لله وإنا
إليه راجعون» ثم «إنا لله وإنا إليه راجعون» توفي أبو الشعثاء؟ فقال له مولاه: نعم والله اليوم. فقال: مات أعلم الناس بالله، يرحم
Y.
الله
جابر بن زيد "" وذكره الشهرستاني في الملل والنحل وقال: إنه إباضي "". كما نقل في تهذيب التهذيب الجزء الثاني عن يحيى بز معين أن جابر بن زيد إباضي. واستقامت دولة الإباضية وإمامتها في آخر دولة بني أمية عام 129 هـ " وفي كتاب المعرفة لليعقوبي ص (13) ج 2 قال: قرأت على جابر بن زيد رسالة الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب فقال: يعني جابراً. ما أحبَبْتُ شيئاً كَرِهه ولا كَرِهت شيئاً أحبَّه. وفيها كما روى ابن حجر في تهذيب التهذيب جا ونوالي
1 - وذلك سنة 64 هـ انظر ابن الأثير ج 3 ص (337) إدارة الطباعة المنيرية حيث ذكر مناظرته للخوارج في زمان ابن الزبير وله رسالة لعبد الملك بن مروان أنظر ترجمته في الأعلام
للزركلي.
2 - من مخطوطة قديمة تنسب إلى ضمام بن السائب أحد تلامذة الإمام جابر بن زيد - الجزء الأول ص (218).
- أنظر الأغاني الجزء (23) في ذكر عبد الله بن يحيى الحضرمي. طبع دار الفكر 1407 هـ / 1986 م. وكتاب السير للشماخي وابن الأثير والطبري.) حيث ملكوا اليمن ومكة والمدينة وظهرت عدالتهم وسيرتهم الصالحة مع الجميع).
(24 (1/30)
صفحة 31
أبابكر وعمر رضي الله عنهما ونجاهد فيهما لأنهما لم تقتتل الأمة عليهما ولم تشك في أمرهما ونرجي من بعدهما ممن دخل في الفتنة قال سيد قطب صاحب ظلال القرآن في كتابه العدالة الاجتماعية في الإسلام ص (160/ 159) بعدما حكى ما نقله الطبري وابن الأثير من مراجعة الإمام علي والصحابة للخليفة الثالث عثمان، قال: ولقد كان الصحابة يرون هذه التصرفات الخطيرة العواقب فيتداعون إلى المدينة لإنقاذ تقاليد الإسلام وإنقاذ الخليفة من المحنة، إلى أن قال: ولكن من الصعب أن نعفيه من الخطأ، إلى أن قال: ولكن لا بد لمن ينظر إلى الأمور بعين الإسلام وبروح الإسلام أن يقرر أن تلك الثورة في عمومها كانت فورة من روح الإسلام اهـ.
اضل
قال الشيخ حسن السندوبي في حاشية الجزء الثاني من كتاب البيان والتبيين للجاحظ تعليقاً على إباضيات: (أهل هذا المذهب من أف أهل القبلة وممن ينفرون من البدع التي ليست من الدين في شيء، ومن
هنا يتهمهم بعض المسلمين بالتشدد وبعدم مسايرتهم للتقدم، بل يرمونهم بما هم منه براء، وقد كنتُ خُدعت بقول خصومهم فيهم، فرددت مجمل ما يتهمونهم به في بعض هوامش الجزء الأول، ثم تبين لي اليقين فيهم، فعلمت أنهم من خيار المسلمين وممن يرجعون في كل أمورهم من عبادة ومعاملة إلى الكتاب والسنة). وهو من غير علماء الإباضية كما
1 - البيان والتبيين للجاحظ ج 2 ص 183)، مطبعة الاستقامة، القاهرة سنة 1947 م. (1/31)
صفحة 32
صرح بهذا في الموسوعة العربية الميسرة. وسبقهم إلى هذا ابن حجر وابن حزم والمبرد عندما ذكروا المرداس وخروجه على عبيد الله بن زياد عام (61 هـ) ولن يجد المنصف في سيرتهم وأخبارهم إلا الاعتدال وتطبيق الكتاب والسنة.
((لا تمدحن فتى حت ي تجربه
ولا تذمنه إلا بتجريـ
قال ابن الأثير في الجزء الثالث من الكامل حكاية عن عبدالله بن إباض فيما يرده على الخوارج: إن القوم برءاء من الشرك ولكنهم كفار بالنعم والأحكام. رداً منه على الخوارج الذين يزعمون أن مخالفيهم مشروكون. وقال العلامة البرادي في كتابه الجواهر ص (155) وهو من علماء الإباضية في المغرب. قال: إن المسلمين بعد قتل أبي بلال اجتمعوا بجامع البصرة، وعزموا على الخروج، وفيهم عبد الله ابن إباض ونافع بن الأزرق ووجوه المسلمين، فلما جن الليل سمع دوي القراء وترنين المؤذنين وحنين المسبحين، فقال لأصحابه: أعن هؤلاء أخرج معهم؟ فرجع وكتم أمره واختفى اهـ كلامه. وما أحقهم
عبد الله
2 - أنظر الكامل ص (1220) طبع مؤسسة الرسالة.
ار 26 کريم (1/32)
صفحة 33
بقوله جل وعلا: الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا
ww
الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر والله عاقبة الأمور. وسئل شيخنا العلامة عبد الله بن حميد السالمي العُماني عن الحجة على صحة المذهب الإباضي أنه هو الفرقة الناجية؟ فقال: (قد بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمر قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: عليه وأصحابي)، والحديث عن د الترمذي. ومن. العرباض بن سارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنه من يعش بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة
2
أنا
ث
الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة، فأهل الحق من اتبع سبيله صلى الله عليه وسلم
ضلالة
وسبيل الخلفاء الراشدين من بعده وعضوا على ذلك بالنواجذ، ولا تجد على هذه الصفة إلا الأصحاب، والدعاوي كثيرة والحق ظاهر والله أعلم. وحديث ابن عمر الذي ذكره أخرجه الإمام الربيع بن حبيب في الجامع الصحيح المعتمد عند الإباضية عن ابن عباس، كما
1 - سورة الحج الآية (41).
2 - شرح مسند الربيع للإمام نور الدين عبد الله بن حميد السالمي ص (68)، مطبعة الأزهار البارونية سنة 1326 هـ.
أخرجه أبو داؤد وابن ماجه وابن حبان والترمذي وقال: حسن صحيح.
27 کريم (1/33)
صفحة 34
أخرجه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح، وابن ماجه عن أبي هريرة رفعه ونصه قال: ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهن إلى النار ما خلا واحدة ناجية، وكلهم يدعي تلك الواحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي. ولا شك فكل فرقة تدعي أنها على ما عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال شيخنا السالمي: أي كل واحدة من تلك الفرق تقول: أنها المصيبة فيما ذهبت إليه، وأنها هي المصرح بنجاتها في نص الحديث، وهذا شأن كل أمة اختلفت بعد نبيها، ولولا هذه الدعاوي ما دام الخلاف إلى يوم القيامة، لأن الباطل البحت لا ثبات له، وإنما يثبته تزيينه إياه وإخراجه في صورة الحق وتأييده بالشبة في صورة البرهان فيخفى على كثير من الناس إلا من هدى الله من المؤمنين والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم """ قال الله جل وعلا: قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكـ م بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون * وسيأتي مزيد بحث في
1 - شرح المسند.
2 - المرجع السابق
- سورة الزمر الآية (46).
28 کرم (1/34)
صفحة 35
المسلك التاس عشر ص (88) إن
الله تعالى. والله
الموفق
سالم بن محمد بن سليمان الحارثي (1/35)
صفحة 36
القسم الأول
لمادة أن لا إله إلا الله (1/36)
صفحة 37
المسلك الأول
أساس الدين
قال الله تعالى: إن الدين عند الله الإسلام وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا. فالإسلام لغة: الانقياد قال الله تعالى: قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكـ ن قولوا
أسلمنا
2
"" وأما الإيمان ففي اللغة: التصديق قال الله تعالى:
قال شـ يخنا السالم
t
وما
أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين في مشارق الأنوار: ومذهبنا أنهما مترادفان، قلت: فالإسلام والإيمان وإن اختلفا لغة فهما متحدان شرعا لا ينفصل أحدهما عن الآخر
وربما يكون لأحدهما حكم يخالف حكم الآخر، فالولاية مثلا وهي المحبة والاصطفاء لا تكون إلا للمسلم المؤمن الموفي ولا تكون لفاسق. بخلافه
1 - سورة آل عمران الآية (19). 2 - رواه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن ابن عمر وفي رواية على خمسة أي خمس دعائم أو خمسة أركان وعلى بمعنى من.
- سورة الحجرات الآية (14)
- سورة يوسف الآية (17). (1/37)
صفحة 38
مع قاتل مسلم بغير حق ولو كان المقتول فاسقاً فهو مقود به إن كان عمداً ويؤدى إن كان خطأ، قال الله تعالى: ملة أبيكم إبراهيم هو
سماكم المسلمين *، وقال تعالى: ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين. "2" وقال
تعالى: فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين • فما وجدنا فيها غير
بيت من المسلمين ** والله الموفق
1 - سورة الحج الآية (78). 2 - سورة آل عمران الآية (85). - سورة الذاريات الآيتان (35 و 36)
32 کرم (1/38)
صفحة 39
قال الله جل وعلا:
المسلك الثاني
شروط الإسلام والإيمان
ذلك الله الرحمن الرحيم * ألـ بسم
الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما
nu
أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون • أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون * يسمى مسلماً مؤمناً إلا من أتى بالجمل الثلاث: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأن جاء به حق من عند الله نطقاً باللسان واعتقاداً بالجنان وعملاً بالأركان، فبهذا يحرم دمه وماله وعرضه وله ما للمسلمين من زواج ومعاملة وصلاة ودفن في مقابر المسلمين ويشترط تحقيقه بالختان """ لقول الله جل وعلا:. أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته ورسله واليوم
الآخر فقد ضل ضلالاً بعيدا
1 - سورة البقرة الآيات من (1 - 5). 2 - سيأتي الكلام عن الختان ص (37). - سورة النساء الآية (136).
اير 33 کريم (1/39)
صفحة 40
واختلفوا في نقصان الإيمان بعدما اتفقوا على زيادته، ولم يستبعد الإمام القطب وصفه بالنقصان نظراً لضعف اليقين وقوته. قال ابن رجب الحنبلي في شرحه للبخاري: زيادة الإيمان ونقصانه قول جمهور العلماء إلى أن قال: وتوقف بعضهم في نقصه فقال: يزيد ولا يقال ينقص؛ وروي ذلك عن مالك والله الموفق
1 - شرح البخاري المسمى فتح الباري ج 1 ص (7) وهو مطابق في التسمية لشرح ابن حجر
ولكن لم يكمله وهو أسبق ابن حجر.
و 34 کردم (1/40)
صفحة 41
المسلك الثالث
التوحيد
قال الله جل وعلا: قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا "" وقال تعالى: قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم
مسلمون
2
والتوحيد: هو إفراد الله بصفاته وأفعاله وأقواله، أو تقول إثبات ذات غير مشابهة ولا معطلة عن الصفات، ولا يتم إلا بتنزيه الله عن صفات النقص كالعجز والرؤية ومشابهة الخلق، وما ورد مما يوهم ذلك فمردود إلى المحكم فتؤل اليد بالقدرة والوجه بالذات والعين بالحفظ وهكذا، قال الله جل وعلا: ليس كمثله شيء
ولا يلزم الموحد سوى معرفة عرفة الله حتى تقوم عليه الحجة بالملائكة والكتب والرسل والموت والبعث والجنة والنار والحساب والعقاب بأن
يسمع بذلك أو يسأله أحد عنه أو يخطر بباله والحجة على ذلك أن النبي
1 - سورة آل عمران الآية (64).
2 - سورة الأنبياء الآية (108). - سورة الشورى الآية (11).
35 کريم (1/41)
صفحة 42
صلى الله عليه وسلم لم يطلب من الناس إلا أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله كما ورد في الحديث أمرت أن أقاتل الناس
حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا
بحقها وحسابهم على الله
?
لأن معرفته تعالى تدرك بالعقل وغيره
يدرك بالسمع قال الله تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملاكة
وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم *
وقال تعالى: فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا
يعلمون *
، وقال صلى الله عليه وسلم: كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عن لسانه فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو
يمجسانه
" t"
قال السهيلي في الروض الأنف تعليقا على قوله صلى الله عليه
11011
وسلم: أعوذ بنور وجهك لما خرج من الطائف نور الله
ووجهه، قال: أما الوجه إذا جاء ذكره في الكتاب والسنة فهو
1 - أخرجه مسلم عن أبي هريرة وأخرجه الربيع عن ابن عباس.
-2
سورة آل عمران الآية (18).
- سورة الروم الآية (30).
4 - أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داؤد والطبراني وغيرهم عن أبي هريرة والأسود بن
سريع.
ه - الجزء الثاني ص (232)
36 کريم (1/42)
صفحة 43
ينقسم في الذكر إلى موطنين موطن تقرب واسترضاء بعمل كقوله تعالى: يريدون وجهه به "" وكقوله: إلا ابتغاء وجه
" Y"
ربه الأعلى فالمطلوب في هذا الموطن رضاه وقبوله للعمل وإقباله على العبد العامل، وأصله أن من رضي عنك أقبل عليك ومن غضب عليك أعرض عنك ولم يرك وجهه، فأفاد قوله: * بوجهك * ها هنا معنى الرضى والقبول والإقبال وليس بصلة في الكلام كما قال أبو عبيدة لأن قوله ذلك هراء من القول ومعنى الصلة عنده أنها كلمة لا تفيد إلا التأكيد للكلام، وهذا قول من غلـ ظ طبعه وبعد بالعجمة عن فهم البلاغة قلبه. وكذلك قال هو ومن قلده في قوله تعالى: ويبقى وجه ربك "" أي يبقى ربك وقوله: كل شيء
11011
هالك إلا وجهه أي إلا إياه فعلى هذا قد خلا ذكر الوجه من حكمة وكيف تخلو كلمة منه من الحكمة. إلى أن قال: أما الأشعري فذهب في معنى الوجه إلى ما ذهب فيه من معنى العين واليد وأنها صفات الله
1 - سورة الأنعام الآية (52).
2 - سورة الليل الآية (20).
3 - هو معمر بن المثنى أحد الأعلام الإباضية عده منهم الزركلي تبعا لياقوت في معجم الأدباء وهو من أئمة اللغة في القرن الثاني وقصده دفع ما يوهم أن هنالك شيء زائد على الذات العلية كما قال شيخنا السالمي: ويبقى وجه ربنا معناه بقاء ذاته وما أولاه
اهـ
4 - سورة الرحمن الآية (27)
•
5 - سورة القصص الآية (88). (1/43)
صفحة 44
يستفسر
م
تعالى لم تعلم من وجهة العقول ولا من وجهة الشرع المنقول وهذه عجمة أيضا، فإنه نزل بلسان عربي مبين، فقد فهمته العرب لما نزل بلسانها وليس في لغتها أن الوجه صفة، ولا إشكال على المؤمن منهم ولا على الكافر في معنى هذه الآي التي احتيج آخر الزمان إلى الكلام فيه مع العجمان، لأن المؤمن لم يخش على عقيدته شكا ولا تشبيها فلـ أحد منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا سأله عن هـ الآية التي هي اليوم مشكلة عند عوام الناس. إلى أن قال: ولا قال أحد منهم يزعم محمد أن الله ما يشبهه شيء من خلقه ثم يثبت له وجها ويدين إلى غير ذلك، فدل على أنهم لم يروا في الآية إشكالا وتلقوا معانيها على غير التشبيه، وعرفوا من سمانة الكلام وملاحة الإستعارة أنه معجز فلم يتعاطوا له معارضة ولا توهموا فيه مناقضة. انتهى كلامه وهو مطابق لما عليه عقيدة الإباضية. والله الموفق
•
38 کريم (1/44)
صفحة 45
المسلك الرابع
الإيمان بالأنبياء والملائكة والكتب
قال الله جل وعلا: آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنين كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من
رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير *
الإيمان بالأنبياء والملائكة والكتب بعد توحيد الباري ويجب تنزيههم وتعظيمهم ومعرفة صفاتهم الجائزة والواجبة والمستحيلة، وأن يخص من بينهم نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم، قال الله تعالى: ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلا بعيدا *، وقال الله تعالى: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حري عليكم بالمؤمنين رؤوف
رحيم
وعدد الأنبياء الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه العزيز ثمانية وعشرون نبيا؛ أولهم وأبوهم آدم عليه السلام، وهو رسول إلى بنه
1 - سورة البقرة الآية (285).
2 - سورة النساء الآية (136)
- سورة التوبة الآية (128).
•
39 کريم (1/45)
صفحة 46
وشيث إبنه، والثالث إدريس، ونوح وهود وصالح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ولوط ويعقوب ويوسف وشعيب وموسى وهارون و داؤد
ويوسف الثاني "" وسليمان وأيوب وذا الكفل واسمه يوشع ويونس وإلياس وقيل: هو إلياسين واليسع وزكريا ويحيى وعيس
ومحمد
ونقل القرطبي في الجزء السادس في تفسير قوله تعالى: رسلا مبشرين ومنذرين "" أقوال المفسرين في عدد الأنبياء والرسل واختار منها ما رواه الليث السمرقندي عن أبي ذر الغفاري قال: [قلت يا رسول الله كم كانت الأنبياء وكم كان المرسلون؟ قال: كانت الأنبياء مائة ألف نبي وأربعة وعشرين ألف نبي وكان المرسلون ثلاثمائة
وثلاثة عشر إلى أن قال: قلت: هذا أصح ما روي في ذلك] "" واختلفوا في أيهم من العرب؟ قيل: آدم عربي واشتقاقه من أديم خلقه الأرض، وجمع يوم الجمعة وبذلك سميت الجمعة لحديث الربيع ومالك وأحمد وأبو داؤد والترمذي والنسائي عن أبي هريرة، وله ولد يدعى عبدالحارث "" ونوح عربي مأخوذ من النوح لكثرة بكائه وهو
1 - ذكره الله في سورة غافر قيل: واسمه يوسف بن إبراهيم بن يوسف.
2 - سورة النساء الآية (165)
- أخرجه الآجري وأبو حاتم البستي في ا المسند الصحيح له.
4 - طلب مني شيخنا العلامة بقية السلف الصالح محمد بن شامس البطاشي التوسع في ذكـ الأنبياء والملائكة فاستحسنت نقل ما حكاه السيوطي في الإتقان في علوم القرآن في ذلك وما ذكره المفسرون فمن ذلك كون آدم ها، هو عربي أو أعجمي فالخلاف في ذلك مشهور ولا يبعد أن
(.) (1/46)
صفحة 47
يكون عربيا وهو جد محمد صلى الله عليهما وسلم صاحب المقام المحمود ولواء الحمد الذي آدم ومن بعده كلهم تحت لوائه يوم القيامة. أخرج حديث الشفاعة مطولا جابر بن زيد ومرسلا مسلم عن أبي هريرة وغيرهما من المفسرين لقوله تعالى: أن يبعثك ربك مقاما محمودا سورة الإسراء الآية (79) ونصه في الترمذي وأحمد وابن ماجه مختصرا عن أبي
سعيد عنه صلى الله عليه وسلم: أنا
هل
هي
€
>
عسى
ا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا
فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر اهـ. واختلفوا في اشتقاقه هل هو من أديم الأرض أو من الأدمة كما روى الترمذي وأحمد وأبو داؤد وابن حباب وصححه عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عزوجل خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل والحزن وبين ذلك والخبيث والطيب وأما شيث فلم يذكره الله باسمه واشتهر اسمه في حديث الصحف وغيره. واختلفوا في بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإنس والجن والملائكة أو خاصة بالثقلين الإنس والجن؟ وربما يسـ تدل القائلون بإرساله حتى على الملائكة بسؤال جبريل له حين نزل على هيئة رجل حسن الهيئة يسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان. كما اختلفوا في نبوة لقمان ومريم. ويبعد ما ذكره بعض المفسرين في سورة الأعراف تسمية ولده بعبد الحارث وأن الحارث إبليس لعنه الله وذلك في تفسير قوله تعالى: و هو الذي خلقكم من نفس واحدة - الآية (189) وما بعدها لأنه يجب تنزيه الأنبياء ومن الوجوه التي تدل على عروبة آدم عليه السلام تسمية من سماه من المسميات وعلم آدم الأسماء كلها سورة البقرة الآية (31) وذكر أنها أسماء عربية وهي جبل وإنسان ودابة وأرض وسهل وبحر وحمار وكذلك في سورة الحديد وأنزلنا الحديد - الآية (25) قالوا: نزل مع آدم أشياء وهي مسميات عربية وهي السندان والكلبتان والمطرقة والميقعة. وأول ما قاله آدم عليه السلام بعدما نفخت فيه الروح: ((الحمد لله ((وهذا كله مذكور ومشهور في التفاسير. وأما الملائكة الذين نقل السيوطي أسماءهم من الكتاب العزيز فبعضهم محتمل وبعضهم بعيد الاحتمال كذي القرنين يبعد أن يكون ملكا وإنما ذكرتهم للإطلاع أما في القوة والعظم فتعجز الأوصاف عن وصفهم قال الله تعالى: تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة سورة المعارج الآية (3) وروى جابر بن زيد رضي الله عنه مرسلا أن الله خلق ملكا رأسه في السماء السابعة ورجلاه في الأرض السفلي إحدى زوايا
(11) (1/47)
صفحة 48
الجد الثاني وابنه سام أبو العرب، وهود عربي، وصالح عربي، وإسماعيل عربي، وشعيب عربي، ومحمد سيد الأولين والآخرين.
ذكر هذا السيوطي في الإتقان في علوم القرآن "" وذكر ابن الأثير خالد بن سنان العبسي وهو في الفترة بين عيسى ومحمد صلـ الله عليهما وسلم، وحنظلة بن صفوان ذكره البيضاوي وذكره القطب في شرح العقيدة وهما عربيان في الفترة أيضا. وذكر ابن الأثير أن ابنة خالد أدركت النبي صلى الله عليه وسلم.
2
وقد ذكر الله الصحف المنزلة عليهم كما روى السيوطي الدر أنها مائة وأربعة كتب، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: [قلت يا رسول الله كم أنزل الله من كتاب؟ قال: مائة كتاب وأربعة كتب؛ أنزل على شيث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف، والتوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داؤد، والقرآن على محمد صلى الله عليه وعليهم أجمعين] وقال الله تعالى: إن هذا لفي الصحف الأولى ف إبراهيم
العرش على كاهله يقول: سبحانك ما أعظمك قال الله تعالى: ويحمل عرش ربك
فوقهم يومئذ ثمانية سورة الحاقة، الآية (17).
1 - ج 2 ص (135).
2 - أخرجه عبد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر
• (1/48)
صفحة 49
وموسى
"" وذكرها في سورة النجم أم لم ينبأ بما في صحف
موسى * وإبراهيم الذي وفي
2
وجملة من سماه الله من الملائكة أحد عشر ملكا بعضهم متفق عليه وبعضهم مختلف فيه وهم: جبريل وميكائيل وهاروت وماروت والرعد والبرق ومالك والسجل وقعيد وذو القرنين والسكينة، وفيهم من يوافق اسمه الأسماء العربية كمالك خازن النار، ورضوان خازن الجنة، ومنكر ونكير ملكي القبر، ذكرهما البخاري ومسلم ولم يذكرا اسميهما وذكره الإمام أحمد في مسنده. وصفتهم أنهم من نور، جنسهم غير جنس الإنس والجن، لا يوصفون بأكل ولا بشرب ولا نوم قال الله
تعالى: لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. ويوصفون بأجنحة قال الله تعالى: جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة
11011
مثنى وثلاث ورباع وشهر إسرافيل وعزرائيل ملك الموت قال الله تعالى: قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم
ترجعون
:
وهم على أنواع في أوامر المولى جل وعلا:-
1 - سورة الأعلى الآيتان (18 و 19). 2 - سورة النجم الآيتان (36 و 37). الإتقان في علوم القرآن للسيوطي
- سورة التحريم الآية (6).
5 - سورة فاطر الآية (1). 6 - سورة السجدة الآية (11).
ور 43 کريم (1/49)
صفحة 50
الله
- منهم الحفظة على الإنسان. واختلفوا في عدده بعضهم يقول: واحد، وبعضهم يقول: اثنان، وبعضهم يقول: هم أكثر من ثلاثين ملكا، وروي عن النبي صل عليه وسلم: أنهم بعد موت الإنسان يبقون على قبر الميت فإن كان سعيدا دعوا له بخير وإن كان شقيا دعوا له بما يناسبه ذكر هذا الحديث السيوطي في اللآلئ المصنوعة وعده من الأحاديث الموضوعة.
- ومنهم من أرسله الله لهلاك الكفار كقوم لوط.
- ومنهم من أرسله الله مددا كيوم بدر والأحزاب ويوم حنين - ومنهم من سخره الله للذكر والعبادة قال الله تعالى في
وصفهم: ولا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون
يسبحون الليل والنهار لا يفترون *
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أطت السماء ويحق لها أن تئط، والذي نفس محمد بيده ما فيها موضع شبر إلا وفيه
يسبح بحمده والأطيط: نوع من الصرير،
جبهة ملك ساجد الله
قال القطب في الذهب الخالص """: وبنوا آدم أفضل منهم لأنهم خدم
1 - سورة الأنبياء الآيتان (19 و 20).
2 - رواه ابن مردويه عن أبي هريرة.
3 - الذهب الخالص للشيخ القطب محمد بن يوسف أطفيش. (1/50)
صفحة 51
لفنا
لهم، وصححه وقال: هذا قول أبي خزر وأبي يعقوب من الإباضية بالمغرب. قال: بل قيل المسلم الواحد أفضل منهم جميعا وعللوا ذلك بأن الله جل وعلا سخرهم لخدمة بني آدم والمخدوم أفضل
من الخادم؛ وقيل: إن الملائكة أفضل لأنهم لا يعصون الله وبنوا آدم يعصون. والله الموفق.
ما أمرهم:
ww
1 - سورة التحريم الآية (6)
• (1/51)
صفحة 52
المسلك الخامس
الإيمان بالموت والبعث والحساب والجنة والنار
ويجب الإيمان بالموت والبعث والحساب والجنة والنار قال الله تعالى: ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون * وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون * ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون * وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين * قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين * وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها
خالدين
1
1 - سورة الزمر الآيات من (68) إلى (73).
• (1/52)
صفحة 53
قال القطب في هميان الزاد في تفسير قوله تعالى: قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه
ترجعون
2
ومذهبنا معشر الإباضية ومذهب قومنا أن الأجساد التي أطاعت وعصت هي التي تبعث لتجازى، وهي التي تشـ ـهد، وتأويل بعض نطق بإرادة النطق منها لأن النطق منها لا محوج إليه اهـ يجب القطع ببقاء الجنة والنار وأنهما لا تفنيان، وأن من دخلهما لا يخرج منهما سواء كان مسلما أو مشركا، قال الله تعالى: إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم * يصلونها يوم الدين * وما
" t"
هم عنها بغائبين، والخلف في وجودهما اليوم. وسيأتي بحث هذا ص (62). والله الموفق.
•
1 - " هميان الزاد إلى دار المعاد " للشيخ قطب الأئمة محمد بن يوسف أطفيش ج 13 ص (204)
طبع وزارة التراث.
2 - سورة فصلت الآية (21).
3 - قوله: سواء كان مسلما: أي مات على كبيرة مصرا عليها) تحقيق الشيخ العلامة سعيد بن
خلف الخروصي).
4 - سورة الانفطار الآيات من (13) إلى (16). (1/53)
صفحة 54
المسلك السادس
الخوف والرجاء
قال الله تعالى: أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم "" وقال جل وعلا: إنه لا ييأس من روح الله إلا
الخاسرون *
القوم الكافرون * ويجب على المكلف أن يكون خائفا من عذاب الله وراجيا لثوابه، واختلفوا هل يجب تساويهما أو يجوز رجحان أحدهما على الآخر وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لو نادى مناد في الموقف ليدخل أهل الموقف كلهم الجنة إلا واحدا لخفت أن أكون أنا، ولو قيل ليدخل أهل الموقف كله النار إلا واحدا لرجوت أن أكون أنا. فالرجاء يقود العبد إلى طاعة الله رجاء لرضاه عنه أو طمعا في دخول جنته والخوف يسوقه عن معصية الله خشية سخطه عليه أو تعذيبه بالنار في آخرته أو نزول نقمته وعقوبته في الدنيا قال الله تعالى: حكاية عن إبراهيم عليه السلام: واجنبني
1 - سورة الأعراف الآية (99).
2 - سورة يوسف الآية (87).
- أخرجه أبو نعيم في الحلية عن محمد بن معمر. (1/54)
صفحة 55
ww
وبني أن نعبد الأصنام وقال تعالى: إنهم كانوا يسارعون
في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين. وقال جل وعلا: أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين * نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون " إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون * والذين هم بآيات ربهم يؤمنون * والذين هم بربهم لا يشركون " والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم
راجعون * أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون قال القاضي البيضاوي: يعطون ما أعطوه من الصدقات وقرئ (يأتون ما آتوا ((أي يفعلون ما فعلوه من الطاعات. وقال في هميان الزاد: هذه قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، قال القطب في الذهب الخالص ص (31): ولا يتصور خوف أو رجاء بدون الآخر. انتهى هذا والله
الموفق.
1 - سورة إبراهيم الآية (35).
2 - سورة الأنباء الآية (90).
3 - سورة المؤمنون الآيات من (54) إلى (61).
(11) (1/55)
صفحة 56
تعملون
المسلك السابع
الإيمان بالقضاء والقدر
قال الله تعالى: أتعبدون ما تنحتون * والله خلقك
يجب الإيمان بالقضاء والقدر، ولا يجوز إغراق النظر
فيه، وأن كسب العبد خلق من الله يؤجر ويؤزر على فعله، فما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك فلا جبر. قال تعالى: هل من خالق غير الله
، وقال جل
وعلا: وخلق كل شيء فقدره تقدي
، وقال جل
وعلا: لمن شاء منكم أن يستقيم * وما تشاءون إلا أن يشاء الله، وقال جلا وعلا: قل لن يصيبنا إلا ما كتب
رب العالمين
utn
الله لنا، روى الربيع بن حبيب بسنده إلى عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لن تجد ولن تؤمن
1 - سورة الصافات الآيتان من (95 و 96).
2 - سورة فاطر الآية (3).
- سورة الفرقان الآية (2).
4 - سورة التكوير الآيتان (28 و 29). ه- سورة التوبة الآية (51).
4 .. (1/56)
صفحة 57
وتبلغ حقيقة الإيمان حتى تؤمن بالقدر خيره وشره أنه من الله قال: قلت: يا رسول الله كيف لي أن أعلم خير القدر وشره؟
قال: تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك
فإن مت على غير ذلك دخلت النار، واعتقاد خلق الفعل يعتبر
2
كاثبات شريك الله، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وعلى
العبد أن يرضى بما قضاه الله عليه وقدره، سواء كان في حال يسر أو أو صحة أو مرض أو عذاب أو نعيم قال الله تعالى: ألا له
عسر
الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين والقضاء إبرام الأمر الكون، وهو علم الله بما يؤول إليه العبد من سعادة وشقاوة، والقدر اكتسابه من العبد. وروى الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال:
بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كل شـ
ي
"
بقضاء وقدر حتى العجز والكيس
" t"
والله الموفق.
1 - أخرجه أحمد بن أبي الدرداء ومعناه في الترمذي أيضا وأخرجه ابن ماجه في المقدمة.
2 - سورة الأنبياء الآية (23).
- سورة الأعراف الآية (54).
4 - أخرجه أحمد ومسلم ومالك في الموطأ (1/57)
صفحة 58
المسلك الثامن
في نفي رؤية الباري جل وعلا
منعه
الرؤية لغة: هي اتصال شعاع الباصرة بالمرئي أو انطباع صورة المرئي في الحدقة، والرؤية لا تتم إلا بواسطة العين والذي ينفصل منها شعاع يتصل بالمرئي فتنعكس صورته على حدقة العين فتحقق الرؤية، والرؤية لا تتحقق إلا بانفصال الشعاع من العين على وجه مخصوص يمكن أن يرى، فإذا وردت بمعنى العلم فهي مجاز، ولا فرق بين مثبت الرؤية الله وبين مكيفه وهو حرام متفق علـ حتى مع القائلين بثبوت الرؤية. قال صاحب تفسير المنار "": أما رؤية الرب تعالى فربما قيل بادئ الرأي أن آيات النفي فيها أصرح من آيات الإثبات كقوله تعالى: لن تراني "، وقوله تعالى: لا * * تدركه الأبصار فهما أصرح دلالة على النفي من دلالة قوله تعالى: * وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة
1 - تفسير المنار، الجزء التاسع من سورة الأعراف ص (134).
2 - سورة الأعراف الآية (143).
سورة الأنعام الآية (103). 4 - سورة القيامة الآيتان (22 و 23).
utu
بلي (1/58)
صفحة 59
الإثبات، فإن استعمال النظر بمعنى الانتظار كثير في القرآن وكلام
العرب، كقوله تعالى: ما ينظرون إلا صيحة واحدة. وقوله: هل ينظرون إلا تأويله، وهل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة.، وثبت بأنه استعمل في
هذا المعنى متعديا بإلى فلذلك جعل بعضهم وجه الدلالة فيه على المعنى الآخر وهو توجيه الباصرة إلى ما يراد رؤيته أنه اسند إلى الوجوه وليس فيها ما يصحح إسناد النظر إليها إلى العيون الباصرة وهو في الدقة كما ترى ولذلك اختلف في فهمها العلماء قبل هذه المذاهب فقد روي عبد بن حميد عن مجاهد تفسير ((ناضرة)) بقوله: تنتظر الثواب، قال الحافظ ابن حجر: سنده إلى مجاهد، صحيح، والجمـ يرون فهم مجاهد غير صحيح، ولكن المعتزلة والخوارج والشيعة يرونه
صحيحا اهـ
هور
وقد بالغ العلماء في الحديث عن الرؤية وكل جاء بما لا مزيد عليه من الأدلة والاحتجاج لغة وحديثا وقرآنا حتى أفضى بكل فريق إلى
1 - سورة يس الآية (49)
•
2 - سورة الأعراف الآية (53).
- سورة البقرة الآية (210).
4 - يشير إلى قوله جل وعلا: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة - سورة آل عمران
الآية (77) (1/59)
صفحة 60
تخطئة الفريق الآخر وتكفيره فمثبتها يكفر نافيها ونافيها يكفر مثبتها، والمعتمد عند الإباضية منعها عن الله جل وعلا دنيا وأخرى، لأن إثباتها
قدح في صفات الله والسلامة في اعتقاد نفيها لئلا يقع المثبت في تكييـ وإثبات لون وجهة وزمان ومكان للمولى جل وعلا ثم إن من يجوز في حقه الإختفاء والظهور والسفور والاستتار يكون متقلبا تجري عليه الأحوال فتنزيه المولى جل وعلا عن مثل هذه الأشكال واجب، فكيف وقد ثبت ما يفيد ذلك من كتابه العزيز وهو قوله تعالى: لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار "" فالإدراك يحصل بأدنى ملابسة فكما تجوز الإحاطة بالكثير تجوز بالقليل وبقوله تعالى لموسى عليه السلام: ولن تراني - ولن تقتضي التأبيد كما في قوله تعالى: ولن يخلقوا ذبابا * وبما ثبت عن عائشة عليها السلام وعلي بن أبي طالب وابن عباس ومجاهد وإبراهيم النخعي ومكحول الدمشقي وعطاء بن يسار وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم وأبي صالح - صاحب التفسير - وعكرمة ومحمد بن كعب وابن شهاب الزهري: إن الله لا يراه أحد من خلقه. ومن نظر بإنصاف إلى أحاديث مثبتي الرؤية تحقق ما فيها من اضطراب
1 - سورة الأنعام الآية (103). 2 - سورة الأعراف الآية (143).
- سورة الحج الآية (73). (1/60)
صفحة 61
وتناقض، وأحسن ما فيها لتكون مطابقة للكتاب العزيز أن تحمل بمعنى. (وأعظم دليل لنفي الرؤية آية لا تدركه الأبصار ولا
العلم
2
عبرة بالتأويلات التي لا تنطبق مع الذوق السليم). والله الموفق
1 - راجع المطولات معالم للإمام عبد العزيز الثميني ومشارق الأنوار لنور الدين السالمي والحق
الدامغ للمحقق الأخير الخليلي وهميان الزاد لقطب الأئمة. 2 - تحقيق الشيخ العلامة المحقق محمد بن شامس البطاشي. (1/61)
صفحة 62
شيء
المسلك التاسع
خلق القرآن
اتفق المتأخرون من أشياخنا المشارقة والمغاربة على اعتقاد أن القرآن مخلوق وأنه داخل تحت عموم قوله جل وعلا: خالق كل. وفي عبارة بعض مشايخنا المشارقة بعض تناقض أما المغاربة فلم أجد لهم في المسألة خلافا إلا أنه مخلوق، وأصل الخلاف هل القرآن علم الله وعلمه قديم؟ وهو صفة ذات أو معلـ وم الله بمعنى مخلوق وهي صفة فعل كبيت الله، ثم أنه لا يخلو القرآن إما أن يكون هو الله ولا قائل به، وإما أن يكون جزء من الله ولا قائل به، وإما أن يكون غير الله وهو ظاهر. وقد ثبت أنه منزل في قوله تعالى: بل هو قرآن مجيد • في لوح محفوظ. بل هو آيات بينات في
صدور الذين أوتوا العلم
"
إنا أنزلناه في ليلة القدر
شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، وقوله تعالى:
1 - سورة غافر الآية (62).
2 - سورة البروج، الآيتان (21 و 22).
3 - سورة العنكبوت، الآية (49). 4 - سورة القدر الآية (1).
5 - سورة البقرة الآية (185)
، (1/62)
صفحة 63
يأتيهم من ذكر من ربهم محدث والحاصل أن القرآن كائن بعد أن لم يكن، وكل كائن حادث بلا ريب، واللوح المحفوظ ظرف له. والتناقض الوارد في كلام أشياخنا المشارقة هو مبالغة الشيخ ابن النظر العماني في الرد على من قال بخلقه، ومبالغة الشيخ سعيد بن حمد الراشدي في الرد على من أنكر خلقه
قال شيخنا السالمي رضوان الله عليه: (ليس الخلاف الموجود في الأثر المعروف بمسألة خلق القرآن في علم الله تعالى، إذ لم يقل أحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأن علم الله مخلوق حتى يكون الخلاف في ذلك، وإنما الخلاف في خلق القرآن المنزل، فمنهم من قال بخلقه نظرا إلى صفاته اللازمة للحدوث من كونه منزلا ومتلوا ومجعولا ومحدثا وأنه مركب من حروف ملفوظة ومعان ملحوظة إلى غير ذلك، ومنهم من زعم قدمه نظرا إلى أنه كلام الله وكلام الله قديم، وأنه علم الله وعلم الله قديم، إلى غير ذلك من الشبه الواهية التي يخجل الواقف عليها من النظر إليها، فإنه وإن كان كلام الله قديما وعلمه تعالى قديما فليس القرآن من الكلام القديم ولا من العلم القديم، وإنما هو من الكلام الفعلـ
ما
وإطلاق العلم عليه مجاز، فهو علم الله بمعنى معلومه، ومنه مـ
حديث القلم) لما حلقه الله تعالى قال له: اكتب علم
أي
1 - سورة الأنبياء الآية (2).
«ov» (1/63)
صفحة 64
معلومي)) " اهـ والذي يظهر لي أن الحق مع القائلين بخلقه؛ لأن حجتهم أقوى وأسلم من الوقوع في خطر القدح في صفات الله تعالى. وقد سئل بعض المشايخ: هل الأفضل القرآن أم النبي صلى الله
عليه وسلم؟ فقال (القرآن معجزة من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم فلا يمكن أن تكون المعجزة أفضل من صاحبها كناقة صالح وعصى موسى). (وأعظم دليل لخلق القرآن ما قيل: إن الأشياء خالق أو مخلوق فضع القرآن حيث شئت) والله الموفق.
1 - العقد الثمين، للشيخ نور الدين السالمي ج 1 ص (250). - الشيخ العلامة المحقق محمد بن شامس البطاشي. (1/64)
صفحة 65
المسلك العاشر
في الميزان والصراط والحساب والشفاعة
قال الله تعالى: فأما من ثقلت موازينه * فهو في عيشة راضية * وأما من خفت موازينه * فأمه هاوية * وما أدراك ما هية *
1
نار حامية ** الميزان في رأي الإباضية ومن وافقهم تمييز الأعمال وتفصيلها وليس هنالك كفة وعمود لأن الأعمال أعراض والأعراض لا توزن، قال الله تعالى: والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم
2
بما كانوا بآياتنا يظلمون * وهذا معروف في لغة العرب وحكاه في لسان العرب عن الضحاك وقال: الوزن: العدل
•
وأما الصراط فهو عندهم طريق الإسلام، قال الله
تعالى: وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم، وقال الله
1 - سورة القارعة الآيات من (6) إلى (11).
2 - سورة الأعراف الآيتان (98).
- سورة الشورى الآية (52). (1/65)
صفحة 66
تعالى:
اهدنا الصراط المستقيم "، وأصل الصراط في كلام
العرب الطريق، قال عامر بن الطفيل:
ــهم
الخيل حتـ
تركاهم أذل
راط
وحكى القرطبي في تفسير سورة الفاتحة عن محمد بن الحنفية في
قوله عز وجل [اهدنا الصراط المستقيم * هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره]، هذا هو القول المشهور هم. ويرى الشيخ
معـ
إسماعيل: أن الخلاف في الصراط سائغ وأنه لا مانع أن يكون الصواط جسرا على متن جهنم، وليس ذلك بقادح في العقيدة، قال فـ الجزء ي الأول منه: (فهذا ممكن في العقل لأنه ليس فيه ما يحيله ولا في الشرع ما يبطله، فإن القادر على أن يطير الطير في الهواء قادر على أن يسير الإنسان على الصراط، والله أعلم بكيفيته) """ اهـ
•
1 - سورة الفاتحة الآية (6).
2 - كتاب قناطر الخيرات الجزء الأول ص (247) للشيخ أبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي من علماء جربة بتونس في القرن الثامن الهجري، المتوفي سنة 750 هـ. (1/66)
صفحة 67
وأما الحساب فيجب الإيمان به قال الله تعـ الى: وإن كان
6
، والحساب في
مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين. اللغة العدد، وفي الإصطلاح تمييز العمل خيرا وشرا. روى البخاري ومسلم والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حوسب يوم القيامة قالت: فقلت: يا رسول أليس قد قال الله؟
عذب
أوتي كتابه بيمينه * فسوف يحاسب حسابا يسيرا
:
امن فقال:
ليس ذاك الحساب إنما ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم عذب). قال القطب محمد بن يوسف المغربي في تفسيره الزاد في تفسير سورة الانشقاق: (فأما من أوتي كتابه بيمين
القيامة
هميان
يرا
ناته
الذي كتب فيه عمله وهو المؤمن فسوف يحاسب حسابا يسـ سهلا لا يناقش فيه وهو أن تعرض عليه أعماله فيرى سيئاته وحسـ فلا يجازى بسيئاته بل تغفر له. قيل لا شدة في ذلك على صاحبه، ولا يقال له: لم قلت، ولا يطالب بالعذر والحجة؛ لإنه إن طولب لم يجد حجة ولا عذرا) اهـ وأما الشفاعة فقد أجمع الإباضية أنها لا تحصل إلا للسعيد الذي
مات تائبا، وأما الذي مات مصرا فلا يستحقها وهو مخلد في جهنم،
1 - سورة الأنبياء الآية (47).
2 - سورة الانشقاق الآيتان (7 و 8). (1/67)
صفحة 68
وإنما فائدتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم التخفيف على الناس من الموقف، ورفع درجات المؤمنين في دار السعادة، وحجتهم على ذلك الكتاب العزيز والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم. قال الله تعالى: ولا يشفعون إلا لمن ارتضى * " وقوله
تعالى: واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها
شفاعة
2
وقوله: و ما للظالمين من حميم ولا شفيع
nt
يطاع """، وأما حديث شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي فلمن مات تائبا وكان قد ألم بذنب، وثانيا بأن الحديث أحادي لا يعارض الآيات القطعيات، وثالثا: عارضته رواية الربيع بن حبيب بسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تنال شفاعتي أهل الكبائر
"°"
من أمتي قال الشيخ اسماعيل في القناطر: [الشفاعة هـ
حق، فمن كذب بها فقد كذب القرآن وهي المقام المحمود. قال الله لنبيه
1 - سورة الأنبياء الآية (28)
2 - سورة البقرة الآية (4).
- سورة غافر الآية (18).
- أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم والطبراني عن ابن عباس
10
أخرجه الربيع في زيادات المسند ص (379).
- قناطر الخيرات، الجزء الأول ص (248) للشيخ اسماعيل بن موسى الجيطالي من علم
القرن الثامن الهجري من جربة بتونس. (1/68)
صفحة 69
un
عليه السلام: عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا يحمده فيه
الأولون والآخرون؛ يحمده الأولون بما فتح لهم من الشـ فاعة وكانت مخزونة لا يصل إليها أحد حتى يفتحها النبي صلى الله عليه وسلم، ويحمده الآخرون حيث نجاهم الله من هول المقام. قال: وكان جابر بن زيد يقول: (والله ما شفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين إلا
للتائبين """)]. والله الموفق
1 - سورة الإسراء الآية (97).
2 - في زيادات المسند وفيه عن جابر بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: لا تنال
شفاعتي الغالي في الدين ولا الجافي عنه اهـ. (1/69)
صفحة 70
المسلك الحادي عشر
الخلود في الجنة والنار
قال الله تعالى: ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا "" قال في القاموس وشرحه: الخلد بالضم البقاء والدوام في دار لا يخرج منه كالخلود، ودار الخلد الآخرة لبقاء أهلها، والخلد من أسماء الجنة اهـ، وقد خدع ابليس آدم وحواء عليهما السلام على الخلود، فكان سبب خروجهما من الجنة، ويقال: من تعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه. وسيعودان إلى الخلد وملك لا يبلى إن شاء
الله تعالى
•
اختلف الناس في الخلود على مذاهب. منهم من قال: إن الجنة والنار تفنيان، ومنهم من قال: إن العذاب لأهل الشرك خاصة والموحدون غير معذبين، ومنهم من قال إن أهل الشرك مخلدون في العذاب، وأما أهل الكبائر مما عدا الشرك إما أن يعفى عنهم فلا يدخلونها وإما أن يعذبوا بقدر أعمالهم، والمذهب الذي يعتمده الإباضية: أن الجنة والنار لا تفنيان، وأن من مات مصرا على ذنب ولو كان موحدا فهو خالد مخلد في النار، ولكن عذابه في هنم دون
1 - سورة الجن الآية (23). (1/70)
صفحة 71
عذاب المشرك، وكما أن في الجنة درجات النار دركات
والعياذ بالله منها
1
وحجة المذهب عموم
آيات الخلود للعاصين، والأحاديث الثابتة
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فمن ذلك قوله تعالى: * تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم * ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين، وقوله جل وعلا: إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما * وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت
الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما *
وقوله جل وعلا: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما، وقوله جل وعلا: و قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون * والذين هم عن اللغو معرضون * إلى قوله: أولئك هم الوارثون
1 - راجع مشارق الأنوار وهميان الزاد ومعالم الدين والحق الدامغ.
2 - سورة النساء الآيتان (13 و 14).
3 - سورة النساء الآيتان (17 و 18).
4 - سورة النساء الآية (93) (1/71)
صفحة 72
الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون *، وقوله جل وعلا في آخر سورة الفرقان: وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا
وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما * والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غرامل * إنها ساءت مستقرا ومقاما * والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما * والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما " ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا .. إلى
*
*
آخر السورة *، وقوله تعالى: إن الأبرار لفي نعيم
وإن الفجار لفي جحيم * يصلونها يوم الدين * وما
بغائبين
هذا وفي الأحاديث ما يؤيد ذلك وهو كثير فمن ذلك ما رواه الربيع عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من اقتطع حق مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له
1 - سورة المؤمنين الآيات من (1) إلى (11). 2 - سورة الفرقان الآيات من (63) إلى (71). 3 - سورة الإنفطار الآيات من (13) إلى (16). (1/72)
صفحة 73
النار، فقال رجل: وإن كان شيئا قليلا يسيرا يا رسول الله؟ فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: وإن كان قضيبا من أراك ومن ذلك ما رواه الشيخان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا فيها أبدا، ومن نزل من جبل فقتل نفسه فهو ينزل في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا. اهـ. وفي تفسير المنار: (الحالة الثانية: أن يقدم المرء على الذنب جريئا عليه متعمدا ارتكابه عالما بتحريمه مؤثرا له على الطاعة بتركه لا يصرفه عنه تذكر النهي والوعيد عليه فهذا هو الذي أحاطت به خطيئته حتى أثر طاعة شهوته على طاعة ورسوله فصدق عليه قوله تعالى: بلى من كسب سيئة وأحاطت
الله
2
به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون - فراجع تفسير الآية في الجزء الأول - ثم قال: ربما يقول قائل إننا نرى كثيرا من أفراد هذا الصنف مع تلبسهم بهذه الحالة يطمعون في عفو الله ومغفرته، وذلك دليل الإيمان المنجي والجواب عن هذا أن من يصر على معصيته تعالى عامدا عاملا بنهيه لا يكون مؤمنا بصدق خبره ولا مذعنا لشرعه الذي تنال رحمته ورضاه بالتزامه، وعذابه وبأسه باعتداء حدوده،
1 - ورواه مالك ومسلم والنسائي عن أبي أمامة واللفظ للربيع 2 - سورة البقرة الآية (18).
•
97 کريم (1/73)
صفحة 74
فيكون إذا مستهزئا به، فالإصرار على العصيان مع عدم استشعار الخوف والندم لا يجتمع مع الإيمان الصحيح بعظمة الله وصدقه
في وعده ووعيده اهـ. هذا والله الموفق.
1 - تفسير المنار للإمام محمد عبده وتلميذه رشيد الجزء الخامس ص (433). (1/74)
صفحة 75
المسلك الثاني عشر
الختان وأحكام الأقلف
قال في المختار: الختان: موضع القطع من الذكر ومنه قوله والأقلف
عليه الصلاة والسلام: إذا التقى الختانان وجب الغسل الذي لم يختن ويتعلق به صحة الإسلام والطهارة والنكاح واخترت له هذا الموضع لأن الإسلام هو الأساس، واتفق أشياخنا الأوائل والمتأخرون لا نعلم اختلافا بينهم بل فيما يشبه الإجماع أن الأقلف لا يتم إسلامه وهو، ولا يحل تزويجه بمسلمة، فإن تزوج فرق بينهما، ولا تحل ذبيحته، واختلفوا في طهارته، وأن الختان واجب على الذكور ومكرمة للنساء، لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الختان سنة
أقلف
ww
للرجال، ومكرمة للنساء، وروى الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: الوتر والرجم والإختتان والإستنجاء سنن، وفي شرح مسلم للنووي باب خصال الفطرة: (خمس
واجبات
1 - الحديث أخرجه أحمد عن والد أبي المليح والطبراني عن شداد بن أوس وعن ابن عباس.
2 - مسند الربيع ص (276). (1/75)
صفحة 76
من الفطرة وعد فيها الإختتان قال: فالختان واجب عند الشافعي وكثير
اهـ
من العلماء على الرجال والنساء. وسنة عند مالك) وحجة الإباضية على وجوبه حديث الربيع في المسند عن أبي هريرة قال: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنن في الإنسان وعد منها الإختتان والحديث أخرجه مالك في الموطأ وأحمد والترمذي ومسلم عن عائشة، وأخرجه أبو داؤد من حديث عمار، وغالب رواياتهم متفقة على الخمس وفيها الإختتان لا يقال إن بعض السنن غير واجبه فإنا نقول يرد الأمر بشيء يشتمل على الواجب وغير الواجب كما في قوله جل وعلا: كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه
2
حصاده يوم " فالأكل غير واجب وإتيان الحق منه واجب. وف حديث أبي هريرة – وهو متفق عليه - أن النبي صلى الله عليه وسلم وآله قال: اختتن إبراهيم خليل الرحمن بعدما أتت عليه ثمانون سنة
واختتن بالقدوم واختلفوا في القدوم قيل: آل ة القط
ع
6
6
وقيل: موضع. وختان الذكر قطع الجلدة التي تغطي الحشفة والمستحب أن تستوعب من أصلها عند أول الحشفة، ورخصوا إذا انكشف غالب الحشفة. وبهذا الحديث وبقوله جل وعلا: * وأوحينا
1 - حاشية إرشاد الساري على صحيح البخاري، ج 2 ص (262).
2 - سورة الأنعام الآية (141). (1/76)
صفحة 77
إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا. وبما عليه الصحابة من ملازمة الإختتان صغارا وكبارا إذا أسلموا وكانوا قبل ذلك غير مختتنين، وعن أبي برزة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل أقلف أيحج بيت الله؟ قال: لا، نهانا الله عن ذلك حتى يختتن رواه أبو
يعلى
" Y"
وبهذا كله استدل أشياخنا على وجوب الإختتان وفرعوا عليه ما تقدم من واجبات وأحكام على الأقلف حتى قال أبو عبد الله محمد بن محبوب من علماء القرن الثالث في عمان: (إذا امتنع عن الختان يقتل)، وقال أبو سعيد رحمه الله: (أجمع أصحابنا على تحريم مقام الأقلف. مع المرأة التي دخل بها وهو أقلف وكذلك حكي الإجماع على تحريم ذبيحته)، وقال جابر بن زيد عن ابن عباس أنه قال: (لا تؤكل ذبيحة الأقلف ولا يزوج ولا تجوز شهادته ولا يصلى خلفه)، وفي البخاري عن سعيد بن جبير قال: (سئل ابن عباس: مثل من أنت حين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أنا يومئذ مختون. وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك. وفي أحمد وأبي داؤد والطبراني عن ابن جريح قال: (أخبرت عن عتيم بن كليب عن أبيه عن جده أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد أسلمت. قال: ألق عنك شعر
1 - سورة النحل الآية (123)
2 - مجمع الزوائد، ج 3، ص (217).
71 کريم (1/77)
صفحة 78
الكفر
يقول: إحلق). قال: وأخبرني آخر معه أن النبي.
الله
عليه وسلم قال لآخر: ألق عنك شعر الكفر واختتن
قال في الإيضاح: (وأما الأقلف البالغ فإن المسلمين نجسوا البلل منه ولعابه وسوره وعرقه ولا صلاة ولا صيام ولا حج ولا عمرة تقبل منه ولا تؤكل ذبيحته ولا تقبل شهادته). ولا أدري لم حكموا عليه بهذه الأحكام التي لم يحكم بها إلا على المشركين. غير أن النظر يوجب عندي. - والله أعلم - أنه لما ترك الفريضة التي بان بها الموحدون من المشركين جاز أن يحكم عليه بهذه الخصال، وأيضا فإن المشركين سماهم الله نجسا وحكم عليهم بهذا الإسم لأنهم لا يصلون إلى الطهارة ما داموا في شركهم، ولأنهم لا يتوقون من النجاسات في أكثر أحوالهم، والأقلف أيضا كذلك لا يصل إلى الطهارة ما دام أقلف، ولا يكون له الماء طهارة، لأن المراد بالختان الطهارة. والله أعلم. قال محشيه: [الأقلف رأيت في بعض كتب المخالفين للمذهب الإباضي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (الأقلف البالغ لا تقبل له صلاة ولا تؤكل ذبيحته). وفي بعض الروايات: (إذا بلغ ولم يختتن لا تقبل شهادته). وهي رواية عن أحمد بن حنبل واستثنى أحمد من ذلك الكبير إذا أسلم وخاف على نفسه الختان أن له رخصة] اهـ
•
وهو
موافق لمذهب الأصحاب. والظاهر أنهما لا يقولان ذلك عن رأي. قلل
1 - الإيضاح للشماخي ص (89). (1/78)
صفحة 79
القطب: (ومن لم يوجب الختن من قومنا حكم بطهارة الأقلف ولو وجد
ww
الختن ولم يمنعه مانع وحكم عليه بأحكام المختون كلها) اهـ والله
الموفق.
1 - شرح كتاب النيل وشفاء العليل لقطب الأئمة الشيخ محمد بن يوسف أطفيش. ج 1 ص (110) (1/79)
صفحة 80
المسلك الثالث عشر
الولاية والبراءة والوقوف
قال الله تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة
ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم قال القطب رضي الله عنه: الولاية لغة: (القرب والقيام للغير بالأمر والنصر والاهتمام بالمصالح والحفظ والاتصال، فبيننا وبين قومنا ولاية بمعنى: أن كتابنا واحد، ونبينا واحد، وأننا اتفقنا في أصل الشرع، ولا ضير بمخالفة الفروع، وذلك بعض الولاية العامة. قال: والبراءة لغة: البعد عن الشيء والتخلص عنه، وعلى ذلك تبنى البراءة الشرعية، وشرعا البغض والشتم واللعن للكافر لكفره). وأما الوقوف فهي حالة تورث الشك في الغير هل هو صالح أم طالح؟. ولأشياخنا وعلمائنا قديما وحديثا مصنفات عديدة ما بين مطول ومختصر وهو علم قائم بنفسه. ثمرته التوصل إلى رضوان الله في موالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، ومن ثمرته إئتلاف المؤمنين واجتماع شملهم لينتظـ
1 - سورة التوبة الآية (17).
2 - الذهب الخالص ص (32) المطبعة السلفية سنة (1342) هـ. (1/80)
صفحة 81
أمرهم، وفيه مجانبة الفساق واعتزالهم والسلامة من اختلاطهم
وينحصر هذا العلم في ثلاثة أقسام
:
القسم الأول: ولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة، وهو القطع لصاحبه
بالجنة أو النار وذلك فيمن نطق القرآن باسمه أو
كنيته أو أبهمه أو أخبر عنه الرسول صلى الله عليه
وسلم أن فلانا من أهل السعادة أو من أهل الشقاوة.
القسم الثاني: ولاية الجملة وبراءة الجملة، وصورتها أن يعتقد المكلف ولاية أهل طاعة الله من الأولين والآخرين
إلى يوم
الدين وأن يعتقد البراءة من جميع أهل
معصية الله من الأولين والآخرين إلى يوم الدين
القسم الثالث: ولاية الأفراد وبراءة الأفراد بحكم الظاهر، وه وإن كانت داخلة في ولاية الجملة وبراءة الجملة لكن يلزم كل فرد من المؤمنين تعبدا أن يحب
الطائع الله الممتثل لأوامره، ويبغض العاصي
ويجانبه
•
وقد وردت في ذلك أحاديث وآيات كريمة ترشد إلى ذلك فمن الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم: من أحب الله وأبغض الله وأعطى الله ومنع الله فقد استكمل خصائل الإيمان، ومن ذلك قول عمر بن
1 - رواه أبو داؤد والضياء عن أبي أمامة ورمز له السيوطي بالصحة.
vo (1/81)
صفحة 82
الخطاب رضي الله عنه: (من رأينا منه خيرا قلنا فيه خيرا وظننا فيه خيرا وتوليناه، ومن رأينا منه شرا قلنا فيه شرا وظننا فيه شرا وتبرأنا
2
، وقوله
منه) ""، ومن الكتاب العزيز قوله تعالى: فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمـ ؤمنات تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض *، وقوله جل وعلا: قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده ... إلى قوله ... لقد كانت لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم
nin
الآخر ومن يتولى فإن الله هو الغني الحميد *، وهي عامة في جميع الولايات والبراءات في الأقسام الثلاثة، وزاد في الوضع قسما رابعا وهو ولاية البيضة وبراءة البيضة لأنه يجب فرز ما بينهما قال في مختار الصحاح: بيضة القوم ساحتهم ويعني هنا مركز الإمام الحاكم لأنه بيضة البلد أي وحده الذي يجتمع عليه ويقبل قوله. هذا والله
الموفق.
1 - كتاب الوضع لأبي زكريا المغربي وغيره من الآثار القديمة كمسند الربيع بن حبيب.
2 - سورة محمد، الآية (19).
- سورة التوبة الآية (71).
4 - سورة الممتحنة الآيات من (4) إلى (6). (1/82)
صفحة 83
المسلك الرابع عشر
أحكام الكفر و الشرك
قال في مختار الصحاح: الكفر ضد الإيمان إلى أن قال: والكفو أيضا جحود النعمة وهو ضد الشكر. قال القطب في شامل الأصل والفرع في باب الإيمان والإسلام: والكفر لغة: الستر. وعرفا: عدم شكر النعمة اهـ. قلت: والكفر عند الإباضية على نوعين: كفر شرك، وكفر نعمة، وكلاهما وارد في الكتاب العزيز والسنة. فكافر الشرك حكمه مشرك، وكافر النعمة له أحكام المسلمين لا يخرج عن الملة الإسلامية. قال الله تعالى: والله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين "، وقال
1
تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون * ومن الأحاديث المثبتة لكفر النعمة قوله صلى الله عليه وسلم: بين، ومنها قوله صلـ الله عليه
الرجل والكفر ترك الصلاة
1 - سورة آل عمران الآية (97). 2 - سورة المائدة الآية (44).
3 - رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي عن جابر بن عبدالله
(vv > (1/83)
صفحة 84
1
وسلم: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر، ومنها ما رواه البخاري ومسلم وأحمد عن أبي ذر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى ما ليس له فليس منا وليتبوأ مقعده من النار، وروى مسلم وأحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلـ عليه وسلم: اثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في النسب، والنياحة على الميت، ومنها ما ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه
الله
وفي
وسلم: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض و البخاري باب كفران العشير وكفر دون كفر، قال ابن حجر: قال القاضي أبو بكر بن العربي في شرحه مراد المصنف أن يبين أن الطاعات كما تسمى إيمانا كذلك المعاصي تسمى كفرا، وروى البخاري بسنده عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ورأيت النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأت منك خيرا قط، وقال القسطلاني "" ـ في حديث جواز إطلاق الكفر على كفر النعمة، وكذلك الفاسق والمنافق
2
1 - رواه البخاري ومسلم وأحمد عن ابن مسعود.
2 - إرشاد الساري على صحيح البخاري للقسطلاني ج 1 ص (114).
78 کرم (1/84)
صفحة 85
يطلق عندهم على المشرك والمسلم أي الموحد العاصي
والمعنيان متفقان لغة مختلفان شرعا وحكما والشرك نوعان جحود ومساواة. قال القطب في الذهب الخالص ص (23) الشرك مساواة كعبادة غيره مع اثباته وحجود كإنكاره وإنكار حرف ونبي ولملك فهو حقيقة عرفية شرعية في ذلك، وأشرك من قارف شيئا من ذلك ومن شك ف شرك الشاك وهكذا خلافا لبعض فيه انتهى المراد. والله الموفق.
1 - تحقيق الشيخ العلامة سعيد بن خلف الخروصي. (1/85)
صفحة 86
السلك الها مدى عشر
في المخالفين وأحكام الملل الست
قال الله جل وعلا: * إن الذين آمنوا والذين هادوا والصائبين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة
ـادة
إن الله على كل شيء شهيد *، لقد جعل الله أحكام الملل الست مختلفة ولكل حكمه الذي خصه الله به وفصلها رسوله صلى الله عليه وسلم وطبق تنفيذها الأئمة الراشدون. قال المختار بن عوف أحد قـ الإباضية في القرن الثاني للهجرة النبوية العماني المشهور: (الناس منا ونحن منهم إلا مشركا عابد وثن أو كافرا من أهل الكتاب أو إماما
جائرا).
فالملة الأولى: هم المؤمنون فأما أن يكونوا على اسـ تقامة فـ الدين وتمسك بهدي المتقين فأولئك منا ونحن منهم، لهم مالنا وعليهم ما علينا، وإما أن يكونوا منحرفين إما باستحلال وإما بتحريم وكلاهما أهل بغي هم وقادتهم يدعون إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم واتباع أئمة الهدى والامتثال لأوامرهم فإن امتثلوا فذلك المطلوب وإن قاتلوا قوتلوا حتى يفيئوا إلى أمر الله قال الله تعالى: وإن طائفتان من
1 - سورة الحج الآية (17).
480 (1/86)
صفحة 87
المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، والحكم في البغاة أن لا تحل أموالهم ولا تحل نساؤهم ولا ذراريهم ولا يتبع مدبرهم إن لم يكن
لهم مرجع، وبعد رجوعهم والتغلب عليهم فإن كانوا مستحلين فلا غرم عليهم في ما أصابوا من المسلمين كما هو الحال في معاملة الإمام علي بن أبي طالب في أهل الجمل وصفين. وإن كانوا محرمين فعليهم غرم ما أصابوا والتخلص إلى أهل الحقوق التي ضيعوها، وإن غلبونا جاز لنا القيام تحت سلطتهم والتعاون معهم في طاعة الله وتجنب ما فيه سخط الله، وبيننا وبينهم المناكحة والموارثة سواء كانوا على المذهب أو مباينين له. قال شيخنا السالمي رضي الله عنه في عقيـ دة أهل عمان (الله ربنا ومحمد نبينا والإسلام ديننا وهو من الإيمان والإيمان من الإسلام والتقوى من الإيمان والبر والوفاء من الإيمان بعض ذلك من بعض على استكمال الإيمان بما فيه وإقامة حدوده والعمل بحقوقه ولا يثبت الإيمان بانتقاض فرائض الله ولا بالمقام على حرام الله) اهـ الملة الثانية: اليهود، والملة الثالثـ ــة: الصابئون، والملة الرابعة: النصارى، فحكم هذه الملل الثلاث واحد. قال الله
:
1 - سورة الحجرات الآية (9).
2 - تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان للشيخ نور الدين عبدالله بن حميد السالمي وهو شامل لجميع
أهل الإستقامة في العقيدة. (1/87)
صفحة 88
تعالى: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، هذه الملل الثلاث حكمها واحد كما نص الله عليها وإنما جعل حكم الصابئين حكم اليهود والنصارى لأنه تعالى جعلهم وسطا بينهم، واختلفوا في طهارتهم ونكاح
نسائهم في حالة الحرب وأجازوا ذلك إذا كانوا في ذمة المسلمين
بهم
والملة الخامسة: المجوس وحكمهم حكم الملل الثلاث ولكن لا
سنوا
يجوز نكاح نسائهم ولا أكل ذبائحهم لقوله صلى الله عليه وسلم: سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا أكلي ذبائحهم والملة السادسة: المشركون عبدة الأصنام وهم العرب الذين كانوا في جاهلية فهؤلاء لا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل، واختلفوا في سبي وقاتلوهم حت لا تكون
ذراريهم ونسائهم. قال الله تعالى:
فتنة
4
وقال: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن *
# tn
وقال: فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون
1 - سورة التوبة الآية (29).
2 - الحديث أخرجه البيهقي من طرق متعددة ونسبه إلى البخاري ص (188)، السنن
الكبرى ج 9.
سورة الأنفال الآية (39).
- سورة البقرة الآية (221).
482 (1/88)
صفحة 89
لهن *
ww
وقد أجمعت الأمة أنه لا يحل تزويج المسلمة لأحد من سائر
الملل الخمس المذكورة. والله الموفق.
1 - سورة الممتحنة الآية (10). (1/89)
صفحة 90
المسلك السادس عشر
الأدلة الشرعية المعروف بأصول الفقه
يرجع الإباضية في أعمالهم وأحكامهم إلى خمسة أركان هي الأصول عندهم؛ الكتاب العزيز والسنة النبوية والإجماع والقياس والاستدلال، ولكل واحد تفصيل وشرح في كيفية العمل به ومعرفة ناسخه ومنسوخه ومجمله ومتشابهه ومحكمه ومبينه وعامه وخاصه، وهو المعروف بأصول الفقه، ولشيخنا السالمي أحد أعلام الإباضية تأليف خاص به سماه (طلعة الشمس) على منظومة تبلغ ألف بيت. وسبقه إلى ذلك الإمام أبو محمد بن بركة العماني من علماء القرن الرابع ومزجه مع الفقه سماه (الجامع (وهو مخطوط ومطبوع. والشيخ أبو يعقوب من المغاربة بتونس سماه (العدل والإنصاف)، واختصره وشرحه البدر الشماخي من علماء نفوسه بليبيا. وستأتي أبحاث نفيسه في باب النية من القسم الثاني إن شاء الله تعالى. ويقال أول من بلوره الإمام الشافعي وقواعده معروفة منذ عهد الصحابة والتابعين كما في قصة بني النظير في صلاة العصر، واختلاف الصحابة فيها، وكما روي أن المشركين احتجوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم، فرد عليهم رسول الله صلى الله عليه
(^) (1/90)
صفحة 91
وسلم: إن وضع ما لغير العاقل، واستعماله صلى الله عليه وسلم القياس في كثير من أحكامه، وكذلك معرفة الناسخ والمنسوخ،
وتأويل الصحابة في قتال مانع الزكاة من قوله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها، واستخراجهم في إلحاق الوالد بأبيه بعد ستة أشهر منذ الدخول أو منذ العقد من قوله تعالى: وحمله وفصاله ثلاثون شهرا أو هكذا. والله الموفق. (1/91)
صفحة 92
المسلك السابع عشر
تفسير القرآن الكريم
يعتمد القدماء من الإباضية على عدة تفاسير للقرآن الكريم كتسفير الشيخ هود بن محكم الهواري من علماء الإباضية في القرن الثالث وهو مطبوع، وكتفسير الشيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم من علماء الجزائر أيضا وهو الآن مفقود، من غير أن يعرضوا عن سائر التفاسير كالكشاف للزمخشري والفخر الرازي والقرطبي وكل مكتباتهم مملوءة من تفاسير غيرهم. أما المتأخرون فلهم تفاسير خاصة تكاد تغنيهم عن تفاسير غيرهم كهميان الزاد إلى دار المعاد في خمسة عشر مجلدا وتيسير التفسير في ستة مجلدات للعلامة محمد بن يوسف أطفيش من
ww
علماء الجزائر الإباضية وله تفسير ثالث سماه داعي العمل ليوم الأمل لا يوجد كاملا، ولشيخنا العلامة فخر المتأخرين أحمد بن حمد الخليلي يد طولى في التفسير. والله الموفق.
1 - ولد عام (1236 هـ) بجنوب الجزائر وتوفي عام (1332 هـ) أنظر ترجمته في الأعلام
للزركلي (1/92)
صفحة 93
المسلك الثامن عشر
الحديث
عمدة الإباضية في الحديث على الجامع الصحيح المعروف بمسند الإمام الربيع بن حبيب العماني من أئمة القرن الثاني للهجرة الذي أخذ العلم عن شيخه أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة تلميذ الإمام التابعي جابر بن زيد العماني أحد تلامذة ابن عباس وعائشة أم المؤمنين رضي الله هذا فلا يقتصرون على المسند المذكور بل يرجعون إلى الأمهات الكبار كالبخاري ومسلم وسائر الكتب والأسانيد الصحيحة وفقه أئمة المذاهب. والله الموفق.
عنهم. ومع (1/93)
صفحة 94
المسلك التاسع عشر
الخوارج
قال الله تعالى: ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين لا يزال الكتاب والمؤرخون من غير الإباضية يحشرون الإباضية في زمرة الخوارج، والحقيقة أنه لا علاقة لهم بالخوارج المشهورين في دولة بني أمية والذين استباحوا استعراض المسلمين وسفك دمائهم واستحلال أموالهم وذراريهم ونسائهم، فالإباضية في معزل ونفور عن هذا، ومن قرأ وراجع سيرهم وكتبهم علم وتيقن أنهم بعيدون كل البعد عنهم، ولا يجمعهم مع الخوارج إلا استنكار التحكيم الذي قام به الإمام علي بن أبي طالب، وأولئك قوم مضوا من المهاجرين والأنصار ليس فيهم إباضي ولا ذكر له في ذلك الوقت عام 37 هـ بالنهروان وإمامهم عبدالله بن وهب الراسبي، عملني حسبما ذكره صاحب الطبقات - الدرجيني - أنظر ترجمته في كتاب الأعلام للزركلي، حيث قال: عبدالله بن وهب من الأزد ومن أئمة الإباضية من الخوارج عرف بالعلم والرأي والفصاحة والشجاعة وله في
1 - سورة هود الآيتان (118 و 119).
ور 88 کرم (1/94)
صفحة 95
العبادة أعاجيب، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد فتوح العراق مع سـ سعد بن أبي وقاص، ثم كان مع علي في حروبه، ولما وقع التحكيم أنكره جماعة فيهم الراسبي فاجتمعوا بالنهروان وأمروه عليهم، فقاتلوا عليا وقتل الراسبي في الواقعة. وبهذا اللفظ عبر في الموسوعة الميسرة
وأثبته ابن حجر في الصحابة في كتابه الإصابة في تمييز الصحابة. وجدير بهذه الأوصاف من انتخبه المهاجرون والأنصار ومن عندهم من القراء والعلماء أن يكون خلفا للإمام علي بن أبي طالب الذي حكم الحكمان بخلعه واعتبروا إمامته منتهية بتقليده الحكمين وإعطائه المواثيق على أن يرضى بما يحكمان به. وعندهم أن التحكيم مخالف لقوله تعالى: فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله "" وثبت بقتل عمار أن معاوية هو الفئة الباغية. وقولهم: له في العبادة أعاجيب ليست عبادته بأعجب من عبادة وزهد عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ومن وصفهم الله تعالى بقوله: و تتجافى جنوبهم عن المضاجع والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما * وقولهم: من أئمة الإباضية لعلهم يشيرون إلى رضاهم عنه إذا فلا فرق بينه وبين أبي بكر وعمر والصحابة الكرام فهم كلهم أئمة للإباضية والإباضية نسبوا أو انتسبوا إلى عبدالله بن أباض بعد أكثر من عشرين
2
1 - سورة الحجرات الآية (9).
2 - سورة السجدة الآية (14). - سورة الفرقان الآية (64)
ر 89 کريم (1/95)
صفحة 96
عاما من واقعة النهروان كما لا يخفى. وإذا ثبت أن أولئك أعني أهل النهروان صحابة فأي فرق بينهم وبين طلحة والزبير، وأين معاوية ومن معه الذين قاتلوا وقتلوا، وأنت تدري أن الناس انقسموا قسمين طائفة مع علي وطائفة مع معاوية، وكلهم متفقون على من يسمونهم الخوارج ولم يبالوا بوضع الأحاديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بسفك الدماء فعلى المنصف أن يضع القضية نصب عينيه، ويحكم فيها بعدل وإنصاف من غير نظر إلى شريف ووضيع ورئيس ومرؤس، ويحترم
كرم الصحبة ويحفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه. قال المرداس "" بن حدير يرثي عبدالله بن وهب – والمرداس أحد المقاتلين مع عبدالله بن وهب وممن نجا من وقعة النهروان – قال:
أبعد ابن ب ذي النزاهة والتقـ
تل ومن خاض في الحروب
ها لكا
لعظيم
1 - من كلام أبي بلال لما أراد الخروج عام 58 كما في المبرد وغيره أنه والله ما يسعنا المقام بين هؤلاء الظالمين - يعني عبيد الله بن زياد - تزري علينا أحكامهم، مجابنين للعدل مفارقين للفضل والله أن الإقامة على الرضى بالجور لذنب كبير، وأن تجريد السيف وإخافة الناس، ولكننا ننبذ عنهم ونسير في أرض الله لا نهيج أحدا ولا نجرد سيفا ولا نقاتل إلا من قاتلنا، وإن أرادنا قوم بظلم امتنعنا منهم، فقالوا له: أنت سيد المسلمين وفقيههم والرضي فيهم، إلى آخر سيرته العطرة، وذلك بعد ما شاهد (البثجا (في سوق البصرة وقد جردها عبيدالله من ثيابها وقطع أعضاءها وصلبها.
9. (1/96)
صفحة 97
بق
ء
أو أرج
سلامة
وقد قتلوا زي د بن
ومالك
فيا
لم نيت
يرتي
التقـ
ى ألاق ألاقى أولائكا
وزيد بن حصن الطائي الشبيبي - وفي بعض النسخ حصين – ذكره ابن حجر في الإصابة ص (2893) أنه من الصحابة، وكان قرين عبدالله بن وهب، وأشركه الإمام علي بن أبي طالب في الرسالة التي كتبها إليهما بعد التحكيم، ولا يبعد أن يكون عمانيا، وبنو شبيب وبنو
راسب قبيلتان كبيرتان بعمان. ومالك بن التيهان الأنصاري ممن بدرا، ذكره ابن حجر في الصحابة ونص كتابه ذكره ابن الأثير الجزء الثاني ص (171) كتب الإمام علي (من عبدالله علي أمير المؤمنين إلى زيد بن حصين وعبد الله بن وهب ومن معهما من الناس أما بعد .. فإن هذين الرجلين اللذين ارتضيناهما حكمين قد خالفا كتاب الله واتبعا هواهما بغير هدى من الله فلم يعملا بالسنة ولم ينفذا القرآن حكما. لبرئ منهما ورسوله والمؤمنون) ونص كتاب المعاهدة على التحكيم نقلا من ابن الأثير أيضا "هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان قاضي علي على أهل الكوفة ومن معهم وقاضي معاوية على أهلى الشام ومن معهم أننا ننزل على حكم الله وكتابه وأن لا يجمع بيننا غيره
الله (1/97)
صفحة 98
وأن كتاب الله بيننا من فاتحته إلى خاتمته نحيي ما أحيا ونميت ما فما وجد الحكمان في كتاب الله وهما أبو موسى عبدالله بن قيس وعمرو ابن العاص عملا به، وما لم يجداه في كتاب الله فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة وأخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين من العهود والمواثيق أنهما آمنان على أنفسهما وأهليهما والأمة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه وعلى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عـ هد الله ميثاقه أن يحكما بين هذه الأمة لا يردانها في حرب ولا فرقة حتى يعصيا " إلى أن قال: وخرج الأشعث بالكتاب يقرؤه على الناس حتى مر على طائفة من بني تميم فيهم عروة بن أدية أخو أبي بلال فقرأه عليهم، فقال عروة: تحكمون في أمر الله الرجال؟ لا حكم إلا لله، ثم شد بسيفه فضرب عجز دابة الأشعث ضربة خفيفة. وعروة هذا له أخبار وآثار مشهورة قتله عبيدالله بن زياد عام (58 هـ) وهو مولى أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة الإمام المحدث. ونص جواب عبدالله بن وهب من كتاب السير لأبي الحسن البسياني العماني زاد في رسالة الإمام علي موعد ما بيننا العسكر نجران إن شاء الله. فكتب له عبدالله بن وهب وزيد بن
حصن:
(بسم الله الرحمن من عبدالله بن وهب وزيد بن حصن ومن معهما من المسلمين إلى علي بن أبي طالب سلام على من اتبع الهدى فإنا نحمد الله الذي لا إله إلا هو أما بعد .. فإنا قد وصل إلينا كتابك تذكر (1/98)
صفحة 99
أن الحكمين نبذا كتاب الله وحكما بغير ما أنزل الله فقد علمنا والحمد لله أن أمرهما كان مخالفا للحق من أوله وأنت بتحكيمك إياهما أعظم جرما منهما وذكرت أنك ترجع إلى الحق وتعطي الرضى وترجع إلى الأمر الأول فلسنا نرد عليك توبتك فإن كنت صادقا فادخل فيما دخل فيه المسلمون من طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وإمام المسلمين عبدالله بن وهب الراسبي فقد بايعناه بعد خلعنا إياك لاستحقاقك منا أن نخلعك ولا يسعنا إلا ذلك والسلام).
قال القطب محمد بن يوسف الجزائري الإباضي أحد الأعلام المحققين فإن قلت لم لا يقبلوا توبته ويردونه إماما قلت: أصر على التحكيم وملاينة معاوية والأمر الباطل، وأبى من التوبة وتاب ونكث كما مر واستمر على النكث، واستحق الخلع بل خلع نفسه، فساغ استخلاف غيره، وعجلوا بذلك لئلا تبقى الأمة بلا قائم مع أنهم هم الباقون على الحق بعد أن فارقته جماعة معاوية وجماعة علي، وما التوبة إلا بعد استخلافهم عبدالله بن وهب ولا إمامين في سيرة فصحت الخلافة
للثاني: إذ لا تبطل عنه إلا لموجب بعد ثبوتها ولا موجب لبطلانها وأيضا شرطوا عليه إن ترك قتال الفئة الباغية فلا بيعة له عليهم، ولفظ الشرط وذلك عند البيعة بايعناك على طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والعمل بكتاب الله وسنة رسوله والأخذ بسيرة الخليفتين بعد النبي صلى الله عليه وسلم ما استطاع وعلى قتال الفئة الباغية وكل فرقة (1/99)
صفحة 100
امتنعت عن الحق طاغية وكل من نقض عهد الله وغير نة رسوله صلى الله عليه وسلم وحكم بغير ما أنزل الله حتى يظهر نور الله وتطفئ كلمة الجور وتموت البدعة والفجور وتفنى على ذلك أرواحهم وأعطاهم على ذلك العهد والميثاق وعلى أنه إن خالف شيئا من ذلك أو نقض فلا
بيعة له عليهم فبايعوه على ذلك. انتهى كلام القطب رضي الله عنه وكان مرجع الإباضية جابر بن زيد يقوم باحتجاج شديد اللهجة على الخوارج الصفرية والأزارقة، كما كان إمامهم الثاني عبد الله بن أباض يبالغ في الاستنكار عليهم، وقد قاتلهم الإمام الجلندى بعمان وهو قاتل شيبان الخارجي وقاتلهم الأئمة الرستميون بالمغرب كما قاتلهم كثير من الإباضية من أصحاب أبي عبيدة مع المهلب بن أبي صفرة. قال في كتاب المحاربة لبشير بن محمد بن محبوب: - وهو غير بشير بن المنذر المعروف بالشيخ مع العمانيين - وبلغنا أن جعفر بن السمان وحتات بن كاتب سارا مع حبيب بن المهلب إلى أن قتلا معهم الناس في ذلك فأظهر أبو عبيدة ولايتهما فنزل الناس إلى ذلك من قوله فيهما وكانا من فقهاء المسلمين، ويقال: إن جعفرا حمل عن جابر أكثر مما حمل عنه أبو عبيدة، وحكى المبرد عن المهلب بن أبي صفرة أنه لم يبق معه في بعض وقائعه بالخوارج إلا طائفة أغلبهم من أهل
فتكل
1 - في شرح لامية ابن النظر العماني ص (1028) مخطوط. (1/100)
صفحة 101
عمان. والمهلب بن أبي صفرة لا شك أنه قائد عماني وإن كان لم يذكر
له مذهب
•
قال شيخنا السالمي رضي الله عنه في شرح مسند الربيع بن حبيب العماني: واعلم أن اسم الخوارج كان في الزمان الأول مدحا لأنه جمع خارجة وهي الطائفة التي تخرج للغزو في سبيل الله تعالى، قال الله عزوجل: ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة " ثم صار ذما لكثرة تأويل المخالفين أحاديث الذم فيمن اتصف بذلك آخر الزمان ثم زاد استقباحه حيث استبد به الأزارقة والصفرية فهو من الأسماء التي اختفى سببها وقبحت لغيرها، فمن ثم ترى أصحابنا لا يتسمون بذلك،
وإنما يتسمون بأهل الاستقامة لاستقامتهم في الديانة. وعكس هذا الاسـ تسمية أهل السنة، فإنه كان في الزمان الأول قبيحا لكون المراد بالسنة السنة التي سنها معاوية في سب علي وشتمه على المنابر، فصار ذلك سنة ينشأ عليها الصغير ويموت عليها الكبير، حتى غيرها عمر بن عبدالعزيز في خلافته، فأهل ذلك الحال هم أهل السنة في ذلك الزمان ثم اندرس هذا السبب واختفى وظنوا أن السنة سنة النبي صلى الله عليه وسلم فتمدحوا بذلك وجمعوا بين المتضادين في الولاية وهم يعلمون أن الحق مع فريق منهم، وخالفوا سنتهم الأولى حين صارت الدولة لبني
1 - سورة التوبة الآية (46). (1/101)
صفحة 102
العباس من بني هاشم اهـ كلامه. وما ذكره في تسمية أهل السنة
2
بشتم علي على المنابر ذكره المسعودي "" وزاد غيره: وسميت الجماعة لما سلم الأمر الحسن بن علي لمعاوية فسمي عام الجماعة، واشتهر عن المهلب بن أبي صفرة أنه كان يضع الأحاديث في ذم الخوارج ترغيبا للناس في قتالهم. كما اشتهر اشتراك الإباضية معه في قتال الخوارج وكم من معركة قام بها الإباضية ضد الخوارج في عمان وفي المغرب وحاصل المقام أن من تتبع التاريخ وسير الأحداث تبين له حسبما قال العلامة الشكعي في كتابه إسلام بلا مذاهب، أن التحكيم مهزلة، وتيقن أن حالة الإمام علي بعده وبعد مقتلة النهروان تسير في تأخر، وحالة عدوه في تقدم فقد خذله جنده، وفارقه أحباؤه كابن عباس وأخيه عقيل، وكتب له ابن عباس بعدما فارقه وايم الله لئن ألقى الله بما في بطن هذه الأرض من عقيانها ومخبئها وبما على ظهرها من طلاعها ذهبا أحب إلي من أن ألقى الله وقد سفكت دماء هذه الأمة لأنال بذلك الملك والأمره، أبعث إلى عملك من أحببت فإني ظاعن عنه والسلام
1 - شرح مسند الربيع للإمام السالمي ص (59)، مطبعة الأزهار البارونية سنة 1326 هـ.
2 - مروج
الذهب ج 3 ص (41).
3 - الكامل للمبرد
•
- رواه الطبري ج 82/ 6 العقد الفريد ج 242/ 2 شرح بن أبي الحديد ج 4/ص (64). (1/102)
صفحة 103
قال أبو مسلم:
قتل
ـت نف
ـير
الله والري
وأصبحـ
ـذا
والنف
ــور
تناز
ـل السـ يوف فتلت
وي
وتخط
ــها والقلـ ــوب صخـ
ـور
وروى ابن الأثير "" قال: لما رجع الإمام علي بعد التحكيم لقيه عبدالله بن وديعه الأنصاري الصحابي فقال له: ما سمعت الناس يقولون في أمرنا، قال: منهم المعجب به، ومنهم الكاره له، قال: فما قول ذوي الرأي، قال: يقولون أن عليا كان له جمع عظيم ففرقه، وكان له حصن حصين فهدمه، فمتى يبنى ما هدم، ويجمع ما فرق، ولو كان مضى بمن أطاعه إذ عصاه من عصاه، فقاتل حتى يظفر أو يهلك كان ذلك الحزم، ومنه قيل لعلي أن الأشتر لا يقر بما في الصحيفة، ولا يرى إلا قتال القوم، فقال علي وأنا والله ما رضيت وما أحببت أن ترضوا، فإذا أبيتم إلا أن ترضوا فقد رضيت، وإذا رضيت فلا يصلح
الرجوع بعد الرضى اهـ
1 - الجزء الثالث من الكامل ص (164). (1/103)
صفحة 104
والأحاديث المنسوبة إلى أهل النهروان راجع فيها الملحق الأول
والثاني تجد الشفاء إن شاء الله. والله الموفق.
98 (1/104)
صفحة 105
المسلك العشرون
في العلم
قال الله جل وعلا: * شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة
وأولوا العلم قائما بالقسط. وقال جل وعلا: يرفع الله الذين
?
آمنوا والذين أوتوا العلم درجات "" وقال صلى الله عليه وسلم: إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى لما يطلب. العلم هو صفة يتجلى بها المعلوم على ما هو عليه وطرقه ثلاثة: العقل المحض كمعرفة أن الواحد نصف الاثنين، وثانيها: الوجدان وهو ما يجده الإنسان في نفسه وذلك كمعرفة الجوع والشبع والألم والراحة، والثالث: الحس الظاهر الذي يدرك بالحواس الخمس ولا يتمكن الإنسان من إدراك المعلوم إلا بصفاء الطرق الثلاث. ثم إن العلم ينقسم إلى واجب وندب ومباح، وهذا الوارد عن طريق الوحي إلى رسول الله
1 - سورة آل عمران الآية (18).
2 - سورة المجادلة الآية (11)
•
3 - أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والربيع عن أنس بن مالك، وقال الربيع: الأجنحة بدلا من الأيدي في باب الدعاء (1/105)
صفحة 106
الله عليه وسلم أو عن اجتهاده فيما أوكل إليه قال الله تعالى: وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى * - فالواجب: هو ما لا يسع جهله وهو المشار إليه بقوله
2
تعالى: فاعلم أنه لا إله إلا الله، وقال جل
وعلا: فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون * وقوله صلى الله عليه وسلم: اطلبوا العلم ولو في الصين فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم ' والذي لا يسع جهله هو: معرفة الله عزوجل وعلا ونفي الأشباه والأنداد والأضداد عنه، ومعرفة ما افترض عليه، ومعرفة ما أوجب
عليه اجتنابه، وله أحكام وتفاصيل في كتب الفقه والتوحيد. - والمندوب: كتعليم ما يصح البدن ويقوم بحقوق الأهل والولد والمسلمين
•
- والمباح: كتعريف الحرف وتوسيع مطالب الرزق وكسب الحلال من طرقه المباحة بنية التعفف عن الغير وإدخال
الراحة على من يلزمه عوله
1 - سورة النجم الآيتان (3 و 4)
2 - سورة محمد الآية (19).
•
سورة الأنبياء الآية (7)
•
4 - رواه الربيع بن حبيب في مسنده، ورواه ابن عدي وابن عقيل والبيهقي في شعب الإيمان
وابن عبد البر في العلم عن عائشة وأنس بن مالك.
رضي
الله عنهما
•
100 (1/106)
صفحة 107
- وكل ذلك مطلوب منه اخلاص العمل الله ليحصل الثواب في سعيه. قال المحقق العلامة سعيد بن خلفان الخليلي رضوان الله عليه: (العلم ميت إحياؤه الطلب فإذا حيي بالطلب فهو ضعيف قوته الدرس فإذا قوي بالدرس فهو محتجب إظهاره المناظرة فإذا ظهرت المناظرة فهو عقيم ينتجه العمل فإذا أنتج
بالعمل فهو مريض صحته الإخلاص فإذا ح بالإخلاص
هدى إلى الجنة ولا توفيق إلا بالله)
1
1 - تمهيد قواعد الإيمان ج 1.
1.1 >> (1/107)
صفحة 108
المسلك الحادي والعشرون
حملة العلم
قال الله تعالى: * وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم
الجاهلين
2
لعلهم يحذرون "" وقال صلى الله عليه وسلم: يحمل هذا العلـ من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل قال شيخنا السالمي رضوان الله عليه: (أخذ أهل عمان دينهم الصحيح من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بنقل الثقات الفضلاء من العمانيين وغيرهم أخذوا ذلك عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وعبدالرحمن ابن عوف وعمار بن ياسر وعبدالله بن مسعود وأبي ذر وسلمان وصهيب وبلال وأبي بن كعب وزيد بن صوحان - المقتول شهيدا يوم الجمل - وخزيمة بن ثابت – ذي الشهادتين -) وأخذوا أيضا عن علي بن أبي
1 - سورة التوبة الآية (122).
2 - أخرجه ابن عدي وأبو نعيم والبيهقي وابن عساكر عن أسامة بن زيد وأبي هريرة. - نقلاً عن علماء القرن الثاني من كتاب السير والجوامع القديمة والكتب المعتبرة كبيان الشوع
والمصنف والضياء الموثوق بها.
•
102 (1/108)
صفحة 109
" Am
طالب) ومحمد وعبدالله ابني بديل وحرقوص بن زهير السعدي وزيد بن حصن الطائي، وأيضاً أخذوا عمن لم يسم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن أنكر المنكر على أهله ممن شهد يوم الدار صفين وشهد النهروان وممن لم يشهد هذه المشاهد
ويوم
الجمل
ويوم
ممن مات على دينهم. ومن مات قبل اختلاف الأمة، ثم من بعدهم عبدالله بن وهب الراسبي وأصحابه، ثم من بعدهم فروة بن نوفل الأشجعي ووداع بن حوثرة الأسدي ثم قريب والزحاف ثم عروة ومرداس ابنا حدير ومن معهم ثم عبدالله بن أباض وجابر بن زيد وصحار بن العباس العبدي وجعفر بن السماك وحتات بن كاتب وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة. وأبو نوح صالح بن نوح الدهان). قلت: ومن مدرسة أبي عبيدة تفرع المذهب الإباضي إلى حضرموت والمغرب وعمان وخراسان وذلك بمقر إقامته بوطنه البصرة في نهاية دولة بني أمية وصدر دولة بني العباس، فخرج جماعة منهم إلى حضرموت واليمن كالإمام عبدالله بن يحيى الكندي ومن عنده إلى حضرموت وطنهم. والإمام أبو الخطاب المعافري وعبدالرحمن بن رستم ومن عنده إلى طرابلس والمغرب العربي، ومحبوب بن الرحيل والمنير بن النير وهاشم بن عبدالله ومن عنده إلى عمان، وضربوا لذلك مثلا كطائر باض بالمدينة وفرخ بالبصرة وطار إلى عمان.
1 - من تحقيق الشيخ محمد بن شامس البطاشي أبقاه الله
ر 103 کريم (1/109)
صفحة 110
ولم يتطرق شيخنا السالمي هنا إلى ذكر ابن عباس وعائشة أم
المؤمنين وعبدالله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير الذين أخذ عنهم جابر بن زيد وقال: إنه أدرك سبعين بدرياً من غير الصحابة الآخرين رضوان الله عليهم، وما زال الأئمة والفقهاء وحملة العلم قد عمرت بهم الجزائر وتونس وعمان إلى يومنا هذا، يأخذ عن كل خلف عدوله، وليس فيهم من يُنقم عليه شيء من سيرته ولا من يُعاب عليه شيء من خليقته، كلهم أهل بصائر وهدى ماتوا على ما أبصروا من الحق فرحم الله تلك الأرواح ونور تلك المضاجع ورزقنا حسن الإقتداء بهم إنه ولي
التوفيق وهو على ما يشاء قدير والحمد لله رب العالمين. والله الموفق.
• (1/110)
صفحة 111
الماسلك الثاني والعشرون
في الفقه والتأليف
قال الله جل وعلا: * إنتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين * الفقه في اللغة: الفهم، ثم خص به علم
الشريعة
، والإباضية أقدم المذاهب تأليفا في الفقه، وأول من ألف فيه جابر بن زيد، وهو أصل علماء الإباضية في القرن الأول وكانت وفاته على الراجح عام 93 هجرية، وذكره في أعلام الموقعين عن رب العالمين، ومدونته هذه ذكرها صاحب كشف الظنون، وفي كتب الإباضية أنها وقر عشرة أبعرة، وهي بهذا الشكل مجموعة من الحديث والتفسير والاستنباطات والاستخراجات لعلماء الصحابة والتابعين، ولكن من المؤسف أنها ضاعت ولا يدرى عنها شيء إلا وصفها، وآثار جابر مشحونة في كتب الموافقين والمخالفين القديمة والحديثة ومن مؤلفاتهم القديمة (المدونة الثانية) لأبي صفرة عبدالملك بن صفرة أحد تلامذة الإمام الربيع بن حبيب التي ألفها وجمعها أبو صفرة عن شيخه الإمام الربيع، وتلامذته الذين عاصرهم وهم في زمان الإمام مالك بن أنس تحصلنا عليها في مكتبة القاهرة وهي في اثني عشر مجلدا. ومن علماء
1 - سورة الأحقاف الآية (4).
(1.0) (1/111)
صفحة 112
1
عمان المؤلفين القدامى الخليل بن أحمد الفراهيدي صاحب كتاب (العين) وابن دريد والمبرد صاحب (الكامل) وأبو محمد الحسين بن علي في قراءة القرآن في القرن الرابع وأبو محمد عبدالله بن محمد صاحب كتلب (الماء) في القرن الرابع أيضا وأبو جابر محمد بن جعفر في القرن الثالث، وفي كتاب السير للعلامة الشماخي قال عن الإمام عبدالرحمن بن رستم رابع إمام إياضي في المغرب في منتصف القرن الثاني للهجرة قال: أرسل الإمام ألف دينار إلى علماء الإباضية بالبصرة يطلب بها كتبا، فاشتروا له بذلك الألف قرطاسا فنسخوا فيه وقر أربعين جملا كتبا. هذا ما في القرن الثاني من تاريخهم في الفقه والتأليف فكيف بما بعد ذلك في كل قرن. وفي القرن الخامس للهجرة قال الشيخ أحمد بن محمد بن بكر من علماء الإباضية بالجزائر قال: دخلت الديوان بجبل نفوسة أطالع مسألة فبقيت ستة أشهر أقرأ وأطالع ولا أنام إلا فيما بين آذان السحر إلى صلاة الفجر قال: وتأملت ما فيها من تأليف أصحابنا المشارقة فإذا هي نحو ثلاثمائة وثلاثين ألف جزء. وفي القرن العاشر للهجرة قال أحد أعلام عمان يذكر ما يمتلكه من الكتب:
كأن
ها
جنان بها من كل ما تشتهي النف
(1.1) (1/112)
صفحة 113
جرى حب
فلا أ
ن كل عالم
ذكي الحجى والفهم حيث.
عشت خلاً مؤانساً
سواها فنعم الخل لـ
الأن
ولست أرجي أن يف ـــوز بمثلـ
غابر الأيـ ام جن ولا إنس
ثلاث مئين ثـ سبعون عدهـ
وتس
عة آلاف لـ
والجدير بالذكر أن الطباعة كانت غير موجودة في ذلك العصر فكيف وقد انتشرت المطبوعات اليوم فمن ذا يحصيها؟!. والله الموفق. (1/113)
صفحة 114
السلك الثالث والعشرون
الإمامة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
قال الله جل وعلا: * وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي وقال صلى الله عليه وسلم: سبعة يظلهم الله في
الضالمين
ظله
لا ظل إلا ظله: إمام عادل يوم
إلى آخر الحديث
2
الإمامة
من
عند الإباضية فرض من الفروض التي أوجبها الله على المسلمين إذا توفرت شروطها بدليل إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على بيعة أبي بكر الصديق بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسـ سلم وقبل دفنه، واستخلاف أبي بكر لعمر بن الخطاب وجعله الأمر شورى بين ستة. خيار المهاجرين يختارون واحدا منهم وهكذا سلك من بعدهم من أئمة العدل وعلماء المسلمين على اختيار شخص صالح حر بالغ ذكر مسلم عدل غير مقعد لزمانه، سالم من فقد بصر وسمع شجاع عالم بالحروب ذا حسب ونسب في قومه، ومن جهة أخرى فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضان واجبان ولا يتمان إلا بأئمة العدل وما لا يتم
1 - سورة البقرة الآية (124).
2 - أخرجه الربيع عن أنس بن مالك ورواه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي ومالك
(108 (1/114)
صفحة 115
به الواجب فهو واجب اتفاقا لقوله تعالى: الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكو
والله عاقبة الأمور:، كما أجمعوا على معرفة وتمييز إمام العصر عادلا كان أو جائرا لأن لكل واحد منهما حكما يخالف حكم الآخر فإذا توفرت شروط الإمام وجب النظر في شروط العاقدين له فقد اشترط بعضهم أن لا يكون أقل من أربعين رجلا فيهم ستة رجال أو خمسة (2) علماء ولا بأس إن كان فيهم عالم كبير تحصل على تفويض من زملائه يوالي بعضهم بعضا ويثق كل واحد بالآخر وأن يكونوا نصف عدوهم الذين يتقون شوكتهم وعندهم نصف ما عند عدوهم من السلاح والعتاد وكل هذا مأخوذ من قوله جل وعلا:. الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين فإذا تم لهم هذا وجب عليهم أن يبايعوه إماما ووجبت طاعة الإمام وامتثال أوامره وحرمت مخالفته والخروج عنه وجاز له قتال من شذ عن طاعته أو امتنع عن مبايعته لقوله جل وعلا: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا
1 - سورة الحج الآية (41).
2 - وهذا العدد مأخوذ من قوله تعالى: و ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم. الآية ومن فعل عمر إذ جعل الأمر شورى بين ستة سورة المجادلة
الآية (7)
- سورة الأنفال الآية (66). (1/115)
صفحة 116
لأن
الرسول وأولي الأمر منكم *، وهذا كله في إمامة الظهور الإمامة عندهم على أربع مراحل: إمامة كتمان وإمامة دفاع والرابع إمام
الظهور
•
أما إمام الكتمان فمثلوا له بجابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي كانا في حالة خفاء من الجبابرة وحكام العصر لا يطلع عليهم إلا الصادقون من أصحابهم وطلبة العلم، واستدلوا له بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث عاش برهة في دار الأرقم بن أبي الأرقم
مختفيا
وإمام الشراء فمثلوا له بالمرداس بن حدير الذي خرج مجاهدا في سبيل الله أمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر لا يتعرض ولا يستعرض
الناس حتى قام عليه عبيدالله بن زياد فقتله هو وأصحابه.
•
وإمام الدفاع فمثلوا له بعبد الله بن وهب الراسبي لما داهمهم جيش
هم
الإمام علي بن أبي طالب بالنهروان بايعوه مدافعا عنـ حتى قتل أكثرهم. أما العلامة أبو إسحاق أطفيش فيرى إمامة عبدالله بن وهب
إمامة ظهور وله وجه وجيه.
أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فدليل وجوبه من الكتاب
قوله جل وعلا: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى
1 - سورة النساء الآية (59). (1/116)
صفحة 117
وينهى عن
اء والمنكر والبغـ
يعظك
تذكرون
وقوله تعالى: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون *، وفي الحديث عن حذيفة بن اليماني عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يقول: لتأمرن بالمعروف وتنهون عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم، والأحاديث كثيرة. وله شروط وتفاصيل توجد في المطولات وأهمها أن يكون الأمر عارفا بما يأمر به عارفا بما ينى عنه، وله مراتب يكون واجبا ويكون مندوبا ويكون مستحبا لما روى مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان. ولا يشترط أن يكون الإمام قرشيا ولا معصوما، قال صلـ الله عليه وسلم: لو وليكم عبد حبشي فأقام فيكم كتاب الله وسنتي فاسمعوا له
وأطيعوا
، وفي التماس ذلك الموصوف تعطيل للحدود والجمعات
والأحكام المنوطة بإمام العدل. والله الموفق.
1 - سورة النحل الآية (90).
2 - سورة آل عمران الآية (104)
3 - أخرجه أحمد وابن ماجه والبيهقي
4 - رواه البخاري ومسلم وأبو داؤد بألفاظ مختلفة (1/117)
صفحة 118
المسلك الرابع والعشرون
في الجهاد في سبيل ا
الجهاد في اللغة: بذل الوسع وهو من الجهد وهو المشقة والتعب كما في الصحاح قال الله تعالى: كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون * روى البخاري وغيره عن مجاشع قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أنا وأخي فقلت: بايعني على الهجرة فقال: مضت الهجرة لأهلها قلت علام تبايعنا قال: على الإسلام والجهاد) وفي رواية عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا
2
استنفرتم فانفروا وقد فرض الجهاد في السنة الثانية من الهجرة ولا يستبعد أن يكون الركن السادس من أركان الإسلام إذا توفرت شروطه بدليل الوعد والوعيد الوارد في الكتاب العزيز والسنة النبوية قولا وفعلا على تاركه في حياة رسول الله صلى الله عليه وسـ لم وقيام خلفائه من بعده، فبه انتشر الإسلام وعرف الحلال من الحرام وبه
1 - سورة البقرة الآية (16).
2 - رواه البخاري.
(112 (1/118)
صفحة 119
أقيمت الحدود والفرائض وأشرقت الأرض بنور ربها قال الله تعالى: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوارة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم * " قال العلامة أبو إسحاق أطفيش حفيد الإمام محمد بن يوسف صاحب التفاسير وتلميذه: الجهاد ينقسم إلى: فرض عين وهو ضد العدو الهاجم على الحوزة أو المصر ويتعين على من عينهم الإمام لذلك، وفرض كفاية كحماية الثغور وحماية الدعوة الإسلامية. وقال ابن العربي في أحكام القرآن: فإن كلن الإسلام ظاهرا فهو فرض على الكفاية وإن كان ظاهرا على موضع كلن
2
القتال فرضا على الأعيان اهـ قال المحقق سعيد ابن خلفان الخليل
رضوان الله عليه في رسالة له في الجهاد: قلت له: فالجهاد أهو وسيلة أم فريضة؟ قال: هو من أعظم أركان الإسلام وأشدها في التعبد على الأنام فهو قد يكون فرضا وقد يكون ندبا كالحج وكالصلاة والصيام قلت: فمن أين ثبت وجوبه وفرضه؟ قال: من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع أهل العلم، واختلفوا هل الأفضل الجهاد والخروج حتى لمن لا يرجو نفعا ظاهرا في جهاده؟ كما هو رأي
1 - سورة التوبة الآية (11). 2 - أحكام القرآن ج 1 ص (146).
(113 (1/119)
صفحة 120
الإمام أبي سعيد الكدمي، أم الأفضل التربص والكف وتحين الفرص؟ كما هو رأي الإمام أبي محمد بن بركة، أخذا من قوله تعالى: ولا
تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " وحجة الإمام أبي سعيد قوله
تعالى: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله الآية؟ قال المحقق الخليلي: واتفقا على المنع إذا كان قصده إهلاك نفسه لا لفائدة فالمنع مجتمع عليه ومن قصد الاحتساب الله ولو تيقن الهلاك فبذل النفس أفضل إلا إذا كانت حياته أنفع للمسلمين فالكف أفضل في قول الشيخ أبي سعيد اهـ. قلت: ولا بد من أن تكون نية المجاهد بأن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى. قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة مروي عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه قال: (لما أعز الله الإسلام وكثر أهله رجعنا إلى أهلينا وأموالنا نقيم فيها ونصلحها فنزلت). وقال القطب في تيسيره التفسير لقوله تعالى: ومن الناس من يشتري نفسه ابتغاء مرضات الله طلب رضى الله بالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى يصاب بضرر أو يقتل فالشراء لنفسه الله سلمت أو تلفت أو أصابها ضر اهـ "" روى الترمذي عن معاذ بن جبل رضي
1 - سورة البقرة الآية (195).
2 - سورة البقرة الآية (207). - " تيسير التفسير " ج 1 ص (314) (1/120)
صفحة 121
الله عنه قال: قلت يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار قال: لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسوه الله تعالى عليه تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا: تتجافى جنوبهم عن المضاجع ... حتى بلغ ... يعملون ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلي يا رسول الله قال: رأس الأمر وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ فقلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه وقال: كف عليك هذا، قلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال: على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم. والله
الموفق.
1 - سورة السجدة الآيتان (16 و 17). (1/121)
صفحة 122
الأربعة
المسلك الخامس والعشرون
حماية الدين
هذه
قواعد الكفر أربعة: الجهل، والحمية، والكبر، والحسد الداء العضال وهو الذي أعيا الأطباء علاجه، فإنها علل
هي
قاتلة لصاحبها في الدنيا مهلكة له في الآخرة يجب على المؤمن التحذر
منها ومراقبة نفسه في كل لحظة من شموخها عليه
•
وأركان الكفر أربعة أيضا: وهي الرغبة، والرهبة، والشهوة،
والغضب. فالرغبة: متابعة النفس في اكتساب الحرام من غير حله ولا
6
مبالاة بحلال وحرام، والرهبة: منع الواجب من المال خشية الفق ومنها الجبن عن إظهار الحق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والشهوة: أكل ما يشتهي من حلال وحرام وهذه صفة البهائم التي ينحط بها صاحبها من درجة صفات الملائكة الذين خلقوا من عقل بلا شهوة إلى صفة البهائم قال تعالى: فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا * إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا "، والرابعة الغضب: وهي أضرها على الإنسان لأنه يخرج به إلى ما يضره ولا
1 - سورة مريم الآيتان (59 و 60). (1/122)
صفحة 123
ينفعه إلا ما كان غضبا الله إذا انتهكت حرماته، قال الله تعالى حكاية
عن موسى عليه السلام: وعجلت إليك ربي لترضى *
فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وقواعد الدين أربعة: العلم، والعمل، والنية، والورع. وأما أركانه فأربعة أيضا: الرضى بقضاء الله، والتسليم لأمر الله، وتفويض أمرك إلى الله، والرابعة التوكل على الله. قال صلـ الله عليه وسلم: اعبد الله على الرضى واليقين وإلا ففي الصبر على ما تكره خير كثير، روى مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلك جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك
1 - سورة طه الآية (84).
2 - رواه مسلم عن أبي هريرة رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
A
3 - أخرجه صاحب الإحياء وحكى العراقي أنه في المعجم الكبير للطبراني والإتحاف ج 2
ص (328).
(117 (1/123)
صفحة 124
في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه
1
والله
الموفق.
1 - ورواه الترمذي أيضا بألفاظ مغايرة.
(118 (1/124)
صفحة 125
فأعظ
م
المسلك السادس والعشرون
في الحقوق
الحقوق كثيرة ولكل حق يناسبه من واجب ومندوب ومرغب فيه
•
ذلك بعد حق الله جل وعلا حق الوال دين قال الله
تعالى: ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله
Yu
في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير، وللوالدين حق على الولد ولو كانا مشركين يراعيهما ويواسيهما. قال الله تعالى: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجون من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين 2" نزلت في اسماء بنت أبي بكر حيث استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تصل أمها أخرجه أحمد والشيخان. وقال تعالى: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني
1 - سورة لقمان الآية (14). 2 - سورة الممتحنة الآية (8).
119 (1/125)
صفحة 126
صغيرا
1
، واختلفوا هل يصح الدعاء لهما بالرحمة ولو كانا غير
وليين، وليقصد لغير الوليين برحمة الدنيا ولا يتابعهما في معصية الله
فإنه
" Y"
لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ومن الحقوق
المنفصلة منهما حقوق الرحم قال الله تعالى: واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام """ فللأرحام حق الصلة ما عرف النسب سواء كان بالمال أو بالحال وأضعفها رفع السلام، وقيل أقله من حرم
تزويجه
•
ومن حقوق الولد على والده تخير أمه وحفظه والإنفاق عليه وحسن تربيته وتهذيبه. قال الله تعالى: قوا أنفسكم وأهليكم نارا
ntn
وقودها الناس والحجارة.، وقال صلى الله علي
وسلم: تخيروا لنطفكم فإن النساء يلدن أشباه إخوانهن
11011
وأخواتهن ومن الحقوق الجار ذي القربى والجار الجنب ولو كان مشركا تقوم بواجبه في صحته وسقمه وفقره وحاجته وتجتنب أذاه وتحمل أذاه
1 - سورة الإسراء الآيتان (23 و 24).
2 - رواه أحمد والحاكم عن عمران والحكم بن عمر الغفاري (صحيح)، وروى بلفظ آخر عن
علي في أبي داؤد والبيهقي.
- {
- سورة النساء الآية (1).
سورة التحريم الآية (6).
ه رواه ابن عدي وابن عساكر عن عائشة
(120 (1/126)
صفحة 127
ومن الحقوق حقوق اليتامى قال الله تعالى: وأن تقوموا
لليتامى بالقسط
ومن الحقوق حقوق الغريب المنقطع عن أهله وماله
ومن الحقوق حقوق الزوجه على زوجها وحقوق الزوج على زوجته وكل واحد منهما له حق وعليه حق. قال الله تعالى: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة *
ومن الحقوق حقوق الضيف يؤاوى ويكرم إلى ثلاثة أيام لقوله صلى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخـ ـــــــر فليكرم ضيفه، جائزته يوما وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، وما كان بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه
ومن الحقوق حق المملوك أن لا يكلف فوق طاقته ولا يستخدم في الليل عند راحته، لقوله صلى الله عليه وسلم: أوصاني حبيب جبريل عليه السلام برفق المملوك حتى ظننت أن ابن آدم لا يسـ أبدا، وأوصاني بالجار حتى ظننت أن لا يخفى عليه شيء
تخدم
1 - سورة النساء الآية (127).
2 - سورة البقرة الآية (228)
- رواه الربيع وأخرجه الشيخان وأحمد من حديث أبي شريح الخزاعي وقد جاء معناه من
حديث أبي هريرة عند البخاري.
- رواه الربيع بسنده إلى ابن عباس ورواه البيهقي عن عائشة بألفاظ مختلفة.
(121 (1/127)
صفحة 128
ومن الحقوق حقوق الصاحب في السفر تحفظ ه وتحفظ ماله
ووصيته إذا مات وتعالجه إذا مرض.
طاقته
ومن الحقوق حقوق الحيوان أن يطعم ويسقى ولا يحمل عليه فوق ويرفق به حتى في الذبح، عن ابن الحنظلية من أهل بيعة الرضوان رضي الله عنه قال: (مر رسول الله صلى الله عليه وسلم
ببعير
قد
لحق ظهره ببطنه فقال: اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة. وقال صلى الله عليه
فاركبوها صالحة وكلوها صالحة
(
وسلم: إذا ذبح أحدكم فليجهز وفي مسلم عن شداد بن أوس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فاحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فاحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته اهـ
•
ومن الحقوق حق العالم ولا سيما إذا كنت تأخذ منه العلم كما أن عليه لمن يعلمه حق الرعاية. قال تعالى: وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه. وقال تعالى: فاسألوا
أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون *
1 - رواه أبو داود بإسناد صحيح. 2 - رواه ابن ماجه وابن عدي عن ابن عمر. سورة آل عمران الآية (187).
4 - سورة النحل الآية (43).
122 (1/128)
صفحة 129
وفي كل هذا يطبقون أوامر الله وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً. . والله الموفق.
1 - سورة النساء الآية (36).
123 کريم (1/129)
صفحة 130
المسلك السابع والعشرون
في كبائر الذنوب والتوبة منها
التوبة قسمان: فرض وندب. فالفرض ما كان عن ذنب حصل منه فعليه الرجوع فورا. قال الله تعالى: * وتوبوا إلى الله جميعا أيها، وقال جل وعلا: والذين إذا فعلوا فاحشة أو
المؤمنون
2
ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم، والندب هو إعادة التوبة الاستغفار عند تذكره لذنبه أو انكسار نفسه اعترافا بتقصير في حق الله جل وعلا. وقال جل وعلا: إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما * وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما *، وقال تعالى: * بلى من كسب
وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون
سيئة
utu
1 - سورة النور الآية (31).
2 - سورة آل عمران الآية (135). 3 - سورة النساء الآيتان (17 و 18).
- سورة البقرة الآية (81). (1/130)
صفحة 131
وهكذا عندهم من مات على كبيرة أو مصرا على صغيرة فهو مخلد في النار والعياذ بالله إلا إذا تدارك نفسه بالتوبة والإقلاع عن الذنب ودفع
المظالم إلى أهلها أو الدينونة بها. وعن أبي موسى الاشعري عن النبـ صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى يبسط يـ ده بالليل ليتوب ء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع
مسيء
nn
الشمس من مغربها، واليد هنا كناية عن النعمة والقبول والرضى، وعن أبي عبدالرحمن عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله عزوجل يقبل توبة. قال الله جل وعلا في صفات المحسنين
العبد ما لم يغرغر والمسيئين: ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى " الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة إلى آخر الآية. قال القطب محمد بن يوسف في تفسيره التيسير للآية الكريمة: (الذين يجتنبون) المضارع للتجد لا يزالون يجتنبونها. (كبائر (كمطلق الزنى. (الإثم) إضافة خاص لعام هو الإثم. (والفواحش) عطف خاص على عام هو كبائر لأن الفاحشة ما اشتد قبحه من الكبائر كالزنى بحليلة الجار أو بحليلة الساكن
1 - رواه مسلم.
2 - رواه الترمذي.
3 - سورة النجم الآيتان (31 و 32). (1/131)
صفحة 132
معه في الدار أو المحرمة أو بحائض أو نفساء، وقيل الفواحش والكبائر مترادفان وذكرا معا نظرا إلى تغاير مفهوميهما فمفهوم الفحش القبح، ومفهوم الكبيرة استعظام الذنب، وكل فاحشة كبيرة وكل كبيرة فاحشة.) إلا اللمم) الذنب الصغير والاستثناء منقطع لأن لفظ الكبائر والفواحش لا يشمله، وعند سيبويه أن إلا وما بعدها نعت للكبائر والفواحش ولم يشترط كما اشترط إبن الحاجب لذلك أن يكون المنعوت جمعا منكرا غير محصور، قلنا: لا داعي إلى النعت في الآية واصله ما قل من الشيء كما يقال: لمة الشعر لأنها دون الوفرة إلا أنه كل ما نظنه صغيرة لا ندري لعله كبيرة أخفاها لئلا يجترئ عليها لأنها تغفر باجتناب الكبائر وبالوضوء وبالصلاة وبرمضان. وبالجملة فظاهر القرآن والحديث والأخبار ما ذكر لا كما قيل كل ذنب كبير وإن الصغر والكبر بالنسبة. ولنا أن نقول مع ذلك إجلالا له تعالى ليس فيما يعصى الله به صغيرة، وذكر بعض أن الصغائر تعرف. وعن أبي سعيد الخدري أنها مثل النظرة والغمزة والقبلة. قلت: هي كبائر ألا ترى أنهن ينقضن الوضوء والصوم وأنه يكحل عين الناظر بالنار؟ وفي البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الله تعالى كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزني العينين النظر وزني اللسان النطق والنفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه فسمى كل ذلك زنى إلا أن زنى أكبر من زنى. والأكبر يكون بالفرج. وفي مسلم (1/132)
صفحة 133
كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى مدرك ذلك لا محالة. العينان
زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها
البطش والرجل زناها الخطا والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه وعن بعض أنها الهم بالذنب بالفعل له. وقد قيل: إنه يكتب عليه الاهتمام إذا اشتد. ولا يكتب أنه فعل، ولا يكتب عليه إذا خطر في قلبه ولم يدم عليه. وعن ابن عباس: كل ما نهى الله عنه أو عصي به فهو كبير، ومعناه اعتبار عظمة الله سبحانه ليتقي الصغير. وأخطأ من قال: اللمس والمفاخذة صغيرتان لأنهما زنى وغير حفظ للفرج وللعورة فكيف يكونان صغيرتين؟ وليست الكبائر محصورة في القرآن ولا في السنة ولا في الإجماع، بل تعرف بالذوق الصحيح، وكم كبيرة لا توجب الحد ولم يذكر فيها لعن ولا وعيد، وكيف يحصرها ما لا مطمع في ضبطه. قال ابن عباس لمن قال: سبع هن إلى سبعمائة. أقرب منها إلى سبع لكن لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار ولا يقال: الكبيرة كل ذنب يؤذن بقلة الاكتراث بالدين وكم صغيرة حسنة يؤذن بها ولابن حجر كتاب الزواجر عن اقتراف الكبائر، وعن أنس الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك يا ابن آدم انك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم
رضي
127 کريم (1/133)
صفحة 134
بي
لقيتني لا تشرك شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة ة " وليس في الحديث ما يدل على أن التوبة ليست بشرط فإنه مقيد بالآيات التي توجب التوبة كقوله تعالى: إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما * وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا لهم عذابا وستأتي أبحاث نفيسة في باب الأذكار من القسم الخامس إن
أليما
2
شاء الله تعالى. والله الموفق
•
1 - رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. 2 - سورة النساء الآيتان (17 و 18).
128 (1/134)
صفحة 135
القسم الثاني الصلاة وشروط
في تسعة و
(129 (1/135)
صفحة 136
نية
المسلك الأول
النية وفيه قواعد مهمة
النية في اللغة: العزم على فعل الشيء قال صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنيات الحديث مجمع على صحته مستفيض بين الأمة، وأصله في مسند الربيع ابن حبيب وفي رواية أخرى: ى نية المؤمن خير من عمله ومعناه: أن العمل بنية خير من عمل بلا. واختلفوا في تقديره؛ فالذين اشترطوا النية قدروا صحة الأعمال بالنيات أو نحو ذلك، والذين لم يشترطوها قدروا كمال الأعمال بالنيات أو نحو ذلك، قال شيخنا السالمي رضوان الله عليه: (ورجح الأول لأن الصحة أكثر لزوما للحقيقة من الكمال فالحمل عليها أولى ونظير قولهم إنما الملك بالرجال أي قوامه ووجوده وإنما الرجال بالمال وإنما المال بالرعية وإنما الرعية بالعدل)، كل ذلك يراد به أن قوام هذه الأشياء بهذه الأمور، ولا شك أن الأعمال بلا نية هباء فلا صلاة ولا صيام ولا حج إلا بها، الأعمال كلها مربوط ثوابها بالنية حتى وجميع
ذلك
1 - أخرجه البيهقي عن أنس، وأخرجه الطبراني عن سهل بن سعد. ونصه: نية المؤمن خير من عمله وعمل المنافق خير من نيته، وكل يعمل على نيته، فإذا عمل المؤمن عملا نار في قلبه نور. 2 - شرح المسند للإمام السالمي ص (11)، مطبعة الأزهار البارونية سنة (1326) هـ.
(130 (1/136)
صفحة 137
في الطلاق والعتاق، وإن اختلفوا في بعض الأشياء هل يتم بلا نية كالوضوء وغسل الجنابة؟ لكن صاحبه لا ثواب له إلا بالنية، وبعضهم يشترط النية في الذي هو غير معقول المعنى وأما معقول المعنى فلا يشترط فيه النية كغسل النجاسة، قال الله تعالى: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين *، قال الإمام أبو سعيد
الكدمي
: (ربما يعمل الإنسان عملا ولا يستحضر له نية فإذا نوى نية شاملة أن أعمالي التي أعملها حالا واستقبالا أتقرب بها إلى
جميع
2
الله
نفعه ذلك) والله الموفق لكل خير وله الفضل في القبول والرد. والحاصل أن هذا الحديث قاعدة من قواعد الإسلام. وعده بعضهم ثلث العلم، وبعضهم عده ربع العلم، وبعضهم عده خمس العلم. القاعدة الثانية: اليقين لا يزيله إلا يقين مثله، القاعدة الثالثة: لا ضرر ولا ضرار، القاعدة الرابعة: المشقة تجلب التيسير، القاعدة الخامسة: العادة محكمة. وفرعوا على هذه القواعد فروعا فمن تلك الفروع: من شك في الحدث وكان على يقين من الطهارة فليلغ الشك ويتمسك بالطهارة وبالعكس، ومن فروع الأمور بمقاصدها وجوب النية في كل شيء، ومن فروع لا ضرر رد المغصوب وضمانه بالتلف، ومن فروع المشقة تجلب التيسير جواز القصر والجمع والفطر للمسافر والمستحاضة
1 - سورة البينة الآية (5).
2 - فتاوي أبو سعيد مخطوط في مكتبتي.
131 (1/137)
صفحة 138
وأشباهها، ومن فروع تحكيم العادة بيان أقل الحيض وأكثره ومسائل
التعارف، وقد نظمها شيخنا السالمي في طلعة الشمس فقال:
وإنم
اليقي
هو لا يزيل
إلا يقيـ
ن مثل
ـه حصولـ
ور بالمقـ
اصد
والضر مرفوع بلا معـ
ويجل
التيس
ير بالمشـ
وإن للعـ ـادة حكمـ
قة
إذ ليس في الدين عذاب الأم
ا فعل
ما قد ذكرت أسس الفق ــه الأولـ
وذكرها السيوطي في الأشباه والنظائر:
اند
فالقاعدة الأول: اليقين لا يزال بالشك وأصل ذلك قوله
صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان ليأتي أحدكم وهو في صلاته فيقول له: أحدثت فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا
1 - رواه مسلم والربيع والبخاري والترمذي. (1/138)
صفحة 139
والقاعدة الثانية: المشقة تجلب التيسير قال الله تعالى: ما
جعل عليكم في الدين من حرج
1 " قال صلـ الله عليه
وسلم: بعثت بالحنيفية السمحة
القاعدة الثالثة: الضرر يزال وأصلها قوله صلى الله عليه
وسلم: لا ضرر ولا ضرار
القاعدة الرابعة: العادة محكمة لقوله صلى الله عليه وسلم: ما
11011
رأه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن واستدل بعضهم بتحكيم العادة بقوله تعالى: * وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين. وبقوله تعالى: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى *
القاعدة الخامسة: وهي الأمور بمقاصدها والأصل في هذا قوله
" V?
صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنيات. والله الموفق.
1 - سورة الحج الآية (78)
•
2 - رواه الخطيب عن جابر
3 - أخرجه مالك وابن ماجه والبيهقي والدار قطني والحاكم وفي رواية لا ضرار بزيادة ألف - أخرجه أحمد في مسنده وقال السيوطي عن العلائي لم أجده وإنما هو من قول ابن مسعود.
ه - سورة الأعراف الآية (199).
6 - سورة النساء الآية (115).
- أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عمر بن الخطاب وفي الربيع
عن ابن عباس
زاير 133 کريم (1/139)
صفحة 140
المسلك الثاني
أدب قضاء الحاجة
روى الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أنا لكم مثل الوالد أعلمكم أمر دينكم. وأمر أن يستنجى بثلاثة أحجار، ونهى عن الروث
والرمة وهي العظام البالية، وفي حديث آخر: *
ن هى عن
البول والغائط في النبي صلى الله عليه وسلم: أنه من أدبه صلى الله عليه وسلم لا
الأجحرة "" وفي المسند أيضا عن ابن عباس عن
يكشف إزاه إن أراد حاجة الإنسان حتى يقرب من الأرض وقال أيضا: لا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط، ومن شروط الصلاة أن لا يصلي وهو يدافع الأخبثين لأنه بمنزلة من صره افي ثوبه، روى الترمذي عن ابن ماجه أن رسول الله صلى الله عليه
هم
1 - أخرجه أيضا أبو داؤد والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة. 2 - ورواه أبو داؤد والنسائي عن عبدالله بن سرحن وفيه قالوا لقتادة: ما يكره من البول في الأجحر؟ قال: كان يقال: أنها مساكن الجن
3 - وأخرجه الترمذي ولفظه ولم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض.
- أخرجه الربيع عن جابر بن عبدالله وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو داؤد عن أبي أيوب والأكثر أنه مخصوص بالصحاري.
(134 (1/140)
صفحة 141
،
ww
وسلم نهى أن يصلي الرجل وهو حاقن وفي رواية حاقب وليتجنب المواضع الصلبة ولا يستقبل الريح ولا الشمس ولا القمر ولا مجالس الناس والأشجار المثمرة والماء الجاري والراكد إلا عند الضرورة، ويستجمر بيده اليسرى ثم يسلت ذكره """ لينقطع المدد، ولا بأس بالأوراق ويجزي الماء لمن لم يتيسر له الإستجمار بالأوراق أو الحجارة لأن المطلوب زوال النجس، وليقدم رجله اليسرى عند دخوله
المستراح عكس المسجد وأما المنزل فتقدم اليمنى دخولا وخروجا. والإستجمار من سنن الفطرة التي سنها أبونا إبراهيم عليه السلام وذكرها الله جل وعلا في قوله: وإذ ابتلـ إبراهيم ربه ورواها الربيع بن حبيب في مسنده عن أبي هريرة
بكلمات قال: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنن في الإنسان خمس في الرأس وخمس في الجسد فاللواتي في الرأس: فرق الشعر وقص الشارب والسواك والمضمضة والاستنشاق، واللواتي في الجسد: نتف الإبطين وتقليم الأظافر والإستحداد والختان والاستنجاء والحديث متفق عليه في كتب السنن وبعضهم يقتصر على خمس. والله
الموفق.
1 - والحديث في مسند الربيع عن ابن عباس وفيه وهو زنا وفي رواية وهو يدافع الأخبثين.
2 - يسلت بمعنى: يعصر.
3 - سورة البقرة الآية (124). (1/141)
صفحة 142
المسند التالية
النجاسات
قال الله تعالى: قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه
رجس
قيل هذا الضمير عائد إلى الأربعة الأصناف وأنها كلها
رجس، والرجس: النجس والنجاسات على أنواع منها متفق عليه ومنها مختلف فيه؛ فمن المتفق عليه في المذهب: البول والغائط والدم والمني والوذي والميتة والقيء والخنزير وبول السباع وأرواثها والمشرك الجاحد والوثني والمجوسي وبعض خرج الخلاف في المشرك الجاحد وفسر قوله تعالى: إنما المشركون نجس. بعدم تجنبهم النجاسات وهم كسائر أهل الكتاب، وكذلك القول في الأقلف والمرتد عن الإسلام وكل مسكر. ويرى بعضهم أن المني والودي والمذي والطهر من النساء من المتنجسات ولسن بنجسات لمرورهن على موضع البول، فبعض قاسهن على اللبن المتفق على طهارته ومثلهن القيح والصديد وما يخرج من تحت الجلد، وبعض شبههن بالدم المتفق على نجاسته فألحقهن بحكم
1 - سورة الأنعام الآية (145).
2 - سورة التوبة الآية (28).
زير 136 کريم (1/142)
صفحة 143
النجاسة. وأما الميتة فعلى ثلاثة أجزاء: متفق على تحريمه كاللحم والشحم والبلل، ومتفق على تحليله كالصوف والشعر والوبر والريش وغير ذلك مما لا تحله الحياة ومختلف فيه كالجلد بعد الدباغ وأطراف الأضلاف والعظام قال صلى الله عليه وسلم: أيما إهاب دبغ فقد
طهر
1
حية فهو ميتة
وقال صلى الله عليه وسلم: ما قطع من البهيمة وهي. وكذلك اختلفوا في القليل من الدم الذي ليس
بمسفوح، وفي الرشاش من البول الذي لو اجتمع لم يفض، وفي دم القلب ودم العروق ودم الشهداء ومن قتل ظلماً ودم الذباب والبراغيث والبعوض والقردان وما كان دمه مكتسباً والدليل على نجاسة الدم ما رواه الربيع بسنده قالت أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما: (جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن امرأة وقع في ثوبها دم من دم الحيضة كيف تصنع؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أصاب ثوب إحداكن دم من دم الحيضة فلتعركه ثم لتنضحه بماء ثم تصلي)، وشدَّدوا في القمل وخزق الدجاج الأهلي والطيور المحرّم أكلها من ذوات المخالب، وكذلك معهم ما بين مشدّد ومرخص في الجلال، وفي بول ما يؤكل
الخلاف
1 - أخرجه السبعة إلا البخاري وقال الترمذي: حسن صحيح.
2 - أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه.
- الحديث أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داؤد ومالك.
(137 (1/143)
صفحة 144
لحمه. قال في حاشية الوضع: (البول من بني آدم وغيرهم لا فرق في ذلك بين ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل لحمه عند أصحابنا لاستواء الجميع
ـبر
في الشراب الذي يؤل بولا كما استوى الجميع في نجاسة الدم) اهـ ولا شك أنه من الخبائث التي جاء بتحريمها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ويحرم عليهم الخبائث وأما الدليل على نجاسة البول فكثير منها ما رواه أبو عبيدة عن جابر قال: (بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مر برجلين يعذبان في الق فقال: يعذبان وما يعذبان بكبير أما أحدهما فقد كان لا يستبرئ من البول وأما الآخر فقد كان يمشي بين الناس بالنميمة) """ وحكى ابن المنذر الإجماع في كتابه الإجماع على نجاسة البول ص (36) روى الربيع عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المني والمذي والودي ودم الحيض ودم النفاس نجس لا يصلى بثوب وقع فيه شيء حتى يغسل ويزول أثره وروى أبو عبيدة بسنده إلى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: دم نجس لأنه دم عرق ينقض الوضوء ومما يدل على نجاسة الغائط وهو معلوم بالضرورة ما ثبت من وجوب الاستنجاء والاستجمار في سنن الفطرة أخرجه الربيع وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داؤد وغيرهم عن
1 - سورة الأعراف الآية (157) 2 - الحديث أخرجه النسائي وابن ماجه.
الاستحاضة
138 (1/144)
صفحة 145
أبي هريرة وفي المسند عن عائشة رضي الله عنـ قالت: أغسل ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المني ثم يخرج إلى
ww
الصلاة والماء يقطر منه، وفي حديث ولوغ الكلب في الإناء
2
والأمر بغسله ما يدل على نجاسة السباع وأرواثها وأسئارها، وف القيء روى الربيع بسنده إلى أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: العائد في صدقته كالكلب العائد في قيئه واستدلوا على نجاسة الخمر بقوله جل وعلا: إنما الخمر والميسر والأنصاب
" t"
والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه * واستدلوا على اجتناب الجلالة بقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن عباس نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرب لبن الجلال
10"
والله ولي
التوفيق.
1 - أخرجه أحمد والبخاري والترمذي.
-2 - أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه
- أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داؤد والنسائي وابن ماجه. بينما يرى الشيخ محمد بن
شامس البطاشي أن هذا الحديث لا دلالة فيه على نجاسة القيء إنما يدل على خسته.
- سورة المائدة الآية (90)
ه رواه الخمسة إلا ابن ماجه وصححه الترمذي. (1/145)
صفحة 146
المسلك الرابع
تطهير النجاسة
وغالبها ينحصر في عشرة أشياء بعضها بالغسل كالثياب وما أشبهها، وبعضها يزول بالمسح كالشيء الأملس والحديد وما أشبه ذلك وهو كل ما لا ينشف النجس إذا وصل إليه بخلاف ما فيه فروج وشقوق فإن ذلك لا يصلحه المسح.
ومنها ما يطهر بالنار كالأرض وما في معناها مما عمل منها كأواني الطين، وهذا إذا لم تكن عين النجس قائمة وإلا فلا بد من إزالتها، ومنها ما يطهر بمرور الزمان كالنبات والأشجار وكل ما يطهر من الأرض بالنار، والحاصل أن الأرض تطهر بالماء وبالنار وبالزمان وبالمطر وبالريح وإن اختلفوا في مقدار الزمان لكن اتفقوا على اشتراط زوال العين، كما قدروا أياما للجلال من الناس كشارب الخمر وللحيوانات بأيام معدودة ويقال بأن الخمر يبقى في جسد الشارب إلى أربعين يوما وذلك مأخوذ من تطور الإنسان في الرحم كما في الحديث. ويتقى البلل منه والرطوبة، ومنها النضح وهو افراغ الماء من غير دلك كبول الصبي الرضيع روى الشيخان ((عن أم قيس رضي الله عنها أنها أتت بابن لها لم يبلغ أن يأكل الطعام وإن إبنها ذاك بال في حجر رسول
€ 12. (1/146)
صفحة 147
روي
الله صلى الله عليه وسلم فدعا بماء فنضحه على ثوبه ولم يغسله غسلا))، ومنها الوطي بالنعال والخف المتنجسين فإن طهارتهما المشي أبو داؤد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: إذا وطى أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له طهور، ومنها الرشح وذلك كالقلال الراشحة والأسقية، ومنها الدباغ لجلد الميتة لحديث زيد بن ثابت عند الدار قطني ((دباغ جلود الميتة طهورها))، ومنها التتريب كصوف الميتة ووبرها وشعرها، واختلفوا في الماء إذا حلته النجاسة هل ينجس إذا كان أقل من قلتين ولو لم يظهر عليه تغير من طعم أو لون أو رائحة أو لا ينجس حتى تظهر عليه الثلاث العلامات كلها أو يكفي في التنجيس ولو واحدة أما إذا كان أكثر من قلتين فالحكم فيه الطهارة ولا سيما إذا كان جاريا لقوله صلى الله عليه وسلم: الماء طهور ولا ينجسه إلا ما غلب على طعمه أو لونه أو رائحته والحديث في مسند الإمام الربيع عن ابن عباس صحيح معتمد وتقديره بالقلتين ثبت في حديث آخر
منه
2
um
قال شيخنا السالمي رضي الله عنه: (ومنشأ الخلاف تعارض العموم والمفهوم، فحديث لا ينجسه شيء يدل بعمومه على عدم خروجه عن الطهارة بمجرد ملاقاة النجاسة وحديث القلتين يدل بمفهومه على
1 - أخرجه أبو داؤد وأحمد والبزار عن ابن عباس وعائشة.
2 حديث القلتين أخرجه الأربعة وصححه ابن خزيمة والحاكم عن ابن عمر ونصه إذا كان
الماء قلتين لم يحمل الخبث وفي رواية ولم ينجس
€
(11) (1/147)
صفحة 148
خروجه من الطهورية بملاقاتها فمن أجاز التخصيص بمثل هذا المفهوم
•
قال به في مثل هذا الموضع ومن منع منه منعه هاهنا) اهـ وهذا الخلاف وهذه الأقوال ثابتة في البئر المتنجسة لكن ثبت نزحها إذا حلتها النجاسة بالسنة من فعل الصحابة وعلى رأسهم ابن عباس وابن الزبير في زنجي سقط في بئر زمزم فاستخرجوه منها ونزحوا البئر فلم يستطيعوا استقصاء الماء منها حتى سدوا عينا تخرج من قبل ركن الحجر. والله ولي التوفيق.
1
1 - حكاه صحاب كتاب الوضع رضي الله عنه ورواه البيهقي عن ابن سيرين.
(142 (1/148)
صفحة 149
المسلك الخامس
الوط
الوضوء لغة: الطهارة والنظافة، وفي الشرع: تطهير أعضاء مخصوصة بالماء المطلق لتنظف وتحسن ويرفع عنها حكم الحدث لتستباح بها العبادة الممنوعة قبل وأجمعوا أنه لا يصح إلا بعد زوال الأنجاس من البدن، ومن ذلك الاستنجاء والدليل عليه قوله تعالى في مدح أهل قباء حيث نزل فيهم قوله تعالى: فيه رجال يحبون أن
un
يتطهروا والله يحب المطهرين، قال في حاشية الوضع: وذلك لأن مدح الفعل والفاعل يدل على الأمر بالفعل. قال في السؤالات: ويعتبر الأمر في أحد ثلاثة أشياء: بدخول الألف على الفعل، وبمدح
الفعل والفاعل، وبذكر الثواب على الفعل
وفيه فرائض متفق عليها وسنن متفق عليها وأشياء مختلف فيها هل هي فرض أو سنة؟ فالمتفق عليه من الفرائض أربع: غسل الوجه، وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس ولو قليلا منه، وغسل الرجلين إلى الكعبين أخذا من قوله جل وعلا: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا
1 - سورة التوبة الآية (108) وأثبته البيضاوي وغيره من المفسرين
(143 (1/149)
صفحة 150
برؤسكم وأرجكم إلى الكعبين فمن هنا اختلفوا هل يجب تجديد الوضوء عند كل صلاة؟ أو يكفي وضوء واحد ما لم يحدث؟ قولان واستقر الأمر على عدم الوجوب الحديث مسلم عن بريدة: (كان النبـ صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح صلـ
الصلوات
ه،
بضوء واحد، فقال له عمر: إنك فعلت شيئا لم تكن تفعل فقال: عمدا فعلته) وذلك لبيان الجواز. وفي أحمد وابن ماجه: لا وضوء إلا من ريح أو سماع وفي رواية الدارمي: * إلا من حدث
وأما السنن المتفق عليها فالتسمية عند الشروع في الوضوء لقوله
صلى الله عليه وسلم: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه قال الربيع: قال أبو عبيدة: (وذلك ترغيب من النبي صلى الله عليه وسلم في نيل الثواب الجزيل في ذكر الله)، ومنها غسل اليدين ثلاثا قبل إدخالهما في الإناء، لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الربيع عن أبي هريرة: إذا استيقظ احكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا لأنه لا يدري أين باتت يده ومنها المضمضة والاستنشاق لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الربيع بمسنده إلى ابن
1 - سورة المائدة الآية (6).
2 - أخرجه الربيع عن ابن عباس وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي.
- أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي
(144) (1/150)
صفحة 151
عباس للقيط بن صبرة: إذا استنشقت فابلغ إلا أن تكون
صائما
?
"" قال: وفي رواية أخرى عن ابن عباس: إذا توضلت
فضع في أنفك ماء ثم استنثر وقال أبو عبيدة أيضا عن جابر بن زيد قال: بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تمضمض
" Y"
واستنشق من غرفة واحدة، ومنها مسح الأذنين لما روى أبو داؤد والنسائي وابن ماجه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله كيف الطهور؟ فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل ذراعيه ثلاثا، ثم مسح برأسه فأدخل إصبعيه السبابتين في أذنيه ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه وبالسبابتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثا، ثم قال: هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء هذا هو المتفق عليه عند أشياخنا إلا مسح الرأس فبعض يكتف
وظلم
بمرة واحدة وبعض ثلاثا، وفي مسند الربيع إلى ابن عباس عن صلى الله عليه وسلم: أنه مسح ببعض رأسه في الوضوء وفى المسند أيضا عن جابر بن زيد قال: سمعت أن رسول الله صلى الله عليه
1 - أخرجه أحمد والنسائي وهو في البخاري أيضا. 2 - أخرجه البخاري والنسائي وابن ماجه
(145 (1/151)
صفحة 152
وسلم قال: الأذنان من الرأس "" قال: وبلغني عنه عليه السلام
أنه غرف غرفة فمسح بها رأسه وأذنيه
2
?
ومن السنن مسح الرقبة ذكره في قناطر الخيرات ورواه أحمد عن
ليث عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده
أنه ((رأى رسول الله صلى
الله عليه وسلم يمسح رأسه حتى بلغ القذال وما يليه من مقدم العنق)) وحديث القناطر الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: مسح الرقبة أما من الغل القيامة يوم وإن أشار بعضهم
إلى تضعيف سنده فيقدح في العمل به إنما هو زيادة فضل
•
قال محشي الوضع: واختلفوا في التسمية وفي غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء وفي مسح الأذنين وفي الترتيب والموالاة، هل هـ من الواجبات أو من المستحبات؟ قلت: وكذا القول في تخليل اللحية وتخليل الأصابع والتثليث في الضوء ودليل وجوب الترتيب والموالاة ما رواه الربيع وأحمد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه توضأ مرة مرة فقال: هذا وضوء لا تقبل الصلاة إلا به،، ثم توضا اثنتين اثنتين فقال: من ضاعف ضاعف الله له، ثم توضاً ثلاثا ثلاثا فقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي
1 - أخرجه أحمد وأبو داؤد والترمذي وابن ماجه عن أبي أمامة وأبي هريرة من طرق متعددة. 2 - أخرجه الترمذي وذكره صاحب كنز العمال ج 9 (26232)
- أخرجه صاحب الإتحاف في شرح إحياء علوم الدين من عدة طرق مرفوعة وموقوفة.
(146 (1/152)
صفحة 153
تمضمـ
قال شيخنا السالمي رضي الله عنه في المدارج:
وخا
ـق ووال رتبـ
ــل اللحية
اختار الإمام أبو سعيد الكدمي وجوب تخليل اللحية لأن مسحها قبل نبات الشعر واجب فبقي الوجوب على أصله، واختار الإمام محمد ابن بركة عدم الوجوب لأن العبد غير مكلف بباطن الأشياء، وروى ابن ماجه والترمذي عن عثمان ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته))، وفي المسند عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خللوا بين أصابعكم قبل أن تخلل بمسامير من نار، وفي المسند أيضا إلى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ويل للعراقيب من النار، وويل لبطون الأقدام من النار قال الربيع: أراد بذلك النبي صلـ الله عليه
2
5
وسلم أن تعرك بالماء ويبالغ في غسلها، قال أبو محمد في الجامع: - مخطوط -) وتخليل الأصابع في المسح غير واجب بإجماع وإن كان إيصال الماء إلى مواضع التخليل واجبا، وفي هذا دليل على أن
1 - أخرجه أحمد وأبوا داؤد والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي ومالك.
- أخرجه أحمد وابن ماجه في "كتاب الطهارات".
(147 (1/153)
صفحة 154
ما أصابه الماء في مواضع الوضوء والتطهر من الجنابة إذا لم يمرر الإنسان يده عليه مع الماء أنه يجزيه إذا جرت اليد على الأكثر منه في
قول من رأى إمرار اليد مع الماء واجبا في الطهارة) اهـ
•
وكل هذا بعد النية وأن يكون الماء طاهرا وغير مضاف كالنبيذ والقراءة المشهورة في قوله تعالى: وأرجلكم بفتح اللام عطفا على المغسول قالوا: والنكتة فيه الترتيب وعدم الإسراف في صب الماء لأن الوضوء عبادة غير معقولة المعنى ففصل بالممسوح وهو الرأس بين مغسولين وهما اليدان والرجلان. وروى الربيع والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي ومالك واللفظ للربيع عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم بما يمحو
بن مالك
الله به الخطايا ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط قالها ثلاثا. وروى الربيع وأحمد ومسلم واللفظ للربيع عن جابر بن زيد قال: بلغني عن عثمان بن عفان أنه جلس على المقاعد فجاء المؤذن فأذن لصلاة العصر فدعا بماء فتوضأ ثم قال: (والله لأحد ثنكـ حديثا لولا أنه في كتاب الله ما حدثتكموه ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من إمرئ يتوضأ فيحسن وضوءه لصلاته ثم
يصليها إلا غفر الله ما بينها وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها).
148 (1/154)
صفحة 155
قال الربيع: يريد بقوله لولا أنه في كتاب الله قول الله عزوجل: أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات
1
يذهبن السيآت ذلك ذكرى للذاكرين *، وذكر ابن حجر عن عروة إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات
أن الآية بالياء وهـ
والهدى
والحاصل أن القائم إلى الصلاة لا يخلو إما أن يكون محدثا أصغر وهو البول والغائط وما خرج من السبيلين فهذا عليه أن يتوضأ، وإما أن يكون محدثا حدثا أكبر وهو الجنابة فهذا عليه أن يغتسل فإن الله لا يقبل
صلاة بغير طهور. والله ولي التوفيق.
1 - سورة هود الآية (114). 2 - سورة البقرة الآية (159).
(181) (1/155)
صفحة 156
المسلك السادس
غسل الجنابة
قال في المعجم الوسيط: الجنابة حال من ينزل منه مني أو يكون منه جماع يقال: اغتسل من الجنابة. وفي مختار الصحاح: رجل جنب من الجنابة سواء فرده وجمعه ومؤنثه وربما قالوا في جمعه أجناب وجنبون، قال الله تعالى: وإن كنتم جنبا فاطهروا *
روى الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس رضي الله عنه قال: تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وانقوا غسل الجنابة فرض بالإجماع. قال في
البشر
الوضع
و
: (إعلم أن الاغتسالات المفروضات أربع وهي الغسل من الجنابة، والغسل من الحيض، والغسل من النفاس، وغسل الميت وهو فرض على الكفاية)، وقال في القواعد: (ومفروضات الغسل الواجب ستة: أحدها النية عند التلبس به واستصحاب حكمها، وعموم
1 - سورة المائدة الآية (6).
2 - وأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة.
3 - "كتاب الوضع" لأبي زكريا ص (155).
- كتاب قواعد الإسلام للشيخ أبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي من علماء جربة في
القرن الثامن. (1/156)
صفحة 157
الجسد بالغسل، وإمرار اليد معه أو ما يقوم مقام اليد، وكون ذلك بالملء المطلق، والموالاة، ووجوب الغسل بالجماع والاحتلام)، أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: (سألت عائشة هل كان يغتسل رسول الله صلى الله عليه وسلم من جماع ولم ينزل؟ قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع بنا ذلك ويغتسل ويأمرنا بالغسل ويقول: واجب إذا التقى الختانان)
الغسل
وروى الربيع بسنده إلى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم
2
قال: الوضوء من المذي والغسل من المني ووجوب الغسل من الجماع أنزل أو لم ينزل هو المتفق عليه مع أشياخنا، قال ابن وصاف: - من علماء عمان القدامى في شرح الدعائم – مخطوط - (يتعلق بدخول الحشفة في الفرج عشرة أحكام: نقض الطهارة، ووجوب الغسل، ووجوب الحد، ووجوب الكفارة عند الصيام، ونقض الصيام، وإباحتها للزوج الأول، والتحريم على الآباء والأبناء، وخروجها من حكم الإيلاء، وإفساد الحج) اهـ. ولعل العاشرة تحريمها على من فعل بها ذلك. وروى الربيع عن جابر بن زيد عن زيد بن ثابت قال: بلغني أن أم سليم امرأة أبي طلحة الأنصاري جاءت
1 - والحديث رواه البخاري والترمذي وابن ماجه.
- أخرجه أحمد والبخاري والترمذي وابن ماجه
واستخرج السيوطي في كتاب الأشباه والنظائر بدخول الحشفة في الفرج وخمسين.
(171) 00 (1/157)
صفحة 158
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: (يا رسول الله إن الله لا
يستحي من الحق هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت
1
؟
قال: نعم إذا رأت الماء قال جابر وقد جاء في رواية أخرى
عن كثير من الصحابة إزالة الغسل عنها إلا الوضوء ولعل القائلين بعذرها عن الغسل لم يثبت عندهم الحديث، والقياس أن الإحتلام للرجال ولم يلزموا الصبية إذا وطئها البالغ الغسل من الجماع.
کان
وروى الربيع بسنده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد الغسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء ويخلل بها أصول شعر رأسه، ثم يصب على رأسه ثلاث مرات بيده، ثم يفيض الماء على جسده كله وهذا بعد الاستنجاء
2
وروى الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أمرني حبيبي جبريل عليه السلام أن أغسل فنيكتي وعنقفتي عند الجنابة قال الربيع: قال أبو عبيدة: (وعليه مع ذلك غسل رفغيه ومأبضيه ومسربته وسرته وكل ما
بطن من جسده قال الربيع:
1 - الحديث أخرجه أحمد والبخاري ومسلم ورواه مالك في الموطأ
- أخرجه أحمد والبخاري وأبو داؤد والنسائي والدارمي ورواه مالك في الموطأ. (1/158)
صفحة 159
:
الفنيكة: هي المسربة التي في وسط الشارب، والعنفقة المسربة التي في الرقبة من خلف قفاء الرأس، والعنقفة: هي الشعيرات
المنحازة من اللحية تحت الشفة السفلى، والرفغان: ما بين الذكر
التي
والفخذين، والمأبضان: ما تحت الركبتين، والمسربة: هـ ي فصلت الصدر إلى السرة) اهـ. وهذا الحديث أشار إليه ابن الأثير
قال: (أمرني جبريل أن أتعاهد فنيكتي عند الوضوء قال: والفنيكان: العضمان الناشزان أسفل الأذنين بين الصدغ والوجنة، وقيل: هما العظمان المتحركان من الماضع دون الصدغين إلى أن قال: ومنه حديث عبد الرحمن بن سابط إذا توضأت فلا تنس الفنيكين وقيل: أراد به تخليل أصول شعر اللحية).
وروى الربيع بسنده إلى أسامه بن زيد قال: جاءت أم سلمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تستفتيه لامرأة جاءتها فقالت: (امرأة تشد شعر رأسها هل تنقضه لغسل الجنابة قال: يكفيها أن تحثـ ثلاث حفنات من ماء واغمزي قرونك عند كل حثية ثم تفيضين عليه من
2
عليه
الماء وتطهرين)، وروى الربيع بسنده إلى جابر بن زيد قال: بلغني عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: يا رسول الله تصيبني الجنابة من الليل ماذا أصنع؟ فقال رسول الله صلى الله عليه
1 - غريب الحديث ج 3 ص (476) لأبن الأثير - أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي
• (1/159)
صفحة 160
وسلم: توضأ واغسل ذكرك ثم نم قال الربيع: قال أبو
عبيدة: معنى توضأ: ليس بوضوء الصلاة وهو غسل اليدين
والله
الموفق
1 - الحديث أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داؤد والنسائي ومالك في الموطأ.
(154 (1/160)
صفحة 161
المسلك السابع
التيمم ونواقض الوضوء والتيمم
التيمم لغة: القصد، وفي الاصطلاح الشرعي: طهارة ترابية
تشتمل على الوجه واليدين تستعمل عند فقد الماء وعند عدم القدرة على
استعماله اهـ.
وهو فرض بالإجماع وهو بدل من استنجاء ووضوء واغتسال
واختلفوا هل يجوز قبل دخول الوقت قياسا على الوضوء أو لا يجوز إذ هو للضرورة؟ وهل يصلي به الصلوات كلها ما لم يحدث أو يجد الماء والراحة أو. يجدد التيمم عند كل صلاة ما لم يجمعها؟ في ذلك خلاف، وهو كالوضوء موالاة وترتيب ونية، وصفته عليها معنا أن يضرب بكفيه الأرض ثم يرفعها فيمسح بهما وجهه ثم يضرب ضربة ثانية فيمسح بهما يديه ظاهرهما وباطنهما إلى الرسغين لما روى أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن عمار بن ياسر قال: (تيممنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربنا ضربة للوجه وضربة لليدين) "" وذلك يسمي الله على تيممه ويقصد بتيممه رفع الحدث وإباحة الصلاة
بعدما
ولا يتيمم برماد ولا بجص ولا صاروج ولا نورة ولا سبخة ولا برملة
1 - أخرجه أبو داود والنسائي والبخاري عن عمار مطولا ولم يذكر بعضهم الضربتين
001 (1/161)
صفحة 162
ولا بطين رطب لقوله تعالى: فتيمموا صعيدا طيبا
والطيب
المنبت وهذه غير منبتة. وإنما يتيمم بالتراب الذي له غبار، فإن لم يمكنه وجوده تيمم بما هو أقرب شبها إلى التراب من هذه الأشياء. وهو للمسافر والحاضر الذي لا يجد الماء وكل هذا مأخوذ من قوله جل وعلا: فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه. . وإذا تيمم وصلى ثم وجد الماء فلا إعادة عليه ولو كان الوقت باقيا إذا بالغ في الطلب على الراجح لما رواه أبو داؤد والنسائي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيدا طيبا فصليا ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة ولم يعد الآخر ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا له ذلك فقال للذي لم يعد أصبت السنة وأجزأتك صلاتك، وقال للذي توضا
صلاته:
وأعاد: لك الأجر مرتين) اهـ
وينقضه ما ينقض أصله وهو الوضوء، وينتقض الوضوء بثلاثة
أشياء: بالنوم إذا كان مضطجعا لما رواه الربيع عن ابن عباس عن
النبي صلى الله عليه وسلم: إنما الوضـ وء على من نام
مضطجعا
2
، وبالحدث من قبل أو دبر أو جوف أو دم روى الربيع
1 - سورة المائدة الآية (6).
2 - ورواه أبو داؤد عن ابن عباس أيضا (1/162)
صفحة 163
بسنده إلى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا شك أحدكم في صلاته فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يشم ريحا وفي أبي داود والترمذي والنسائي عن علي بن طلق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف فليتوضا وليعد الصلاة، وروى الربيع عن ابن عباس قال: قال صلـ
الله
"
2
عليه وسلم: الوضوء من المذي والغسل من المني وبخروج الدم فائضا قال الخطابي: وقال أكثر الفقهاء: (سيلان الدم من غير السبيلين ينقض الوضوء وهذا أحوط المذهبين وبه أقول) اهـ، وبالكلام المحرم روى الربيع عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الغيبة تنقض الصيام وتنقض الوضوء قال في كنز بلفظ الغيبة تنقض الوضوء والصلاة، وبلمس حرام أو نظر إلى عورة محرمة أو جوف بيت أو لمس فرجه أو فرج زوجته، وكذلك إذا هي لمست منه ذلك روى أبو عبيدة عن جابر بن زيد: بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا مست المرأة فرجها فلتتوضأ وروى الخمسة وصححه الترمذي
العمال
11 t
1 - رواه مسلم عن أبي هريرة.
2 - ورواه أحمد والبخاري والترمذي وابن ماجه واللفظ للربيع
3 - "معالم السنن" للخطابي ج 1 ص (61)
- كنز العمال ج 3 (8025) ونسبه إلى الديلمي وذكره صاحب "أطراف الحديث".
ه ورواه أحمد بن حنبل ج 2 ص (223).
(10 v (1/163)
صفحة 164
عن بسرة بنت صفوان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ
€
واختلفوا في الجمع بين التيمم والوضوء للمسترسل وصاحب الرعاف والمستحاضة ولصاحب الجبيرة فبعض العلماء يرى أن التيمم يجزي عن الوضوء في مثل هذه الحالة، ذلك لأنه لم يرد من الشارع أمر بالجمع بينهما وإنما قاله من قاله احتياطا، قال القطب في شامل الأصل والفرع ومن عنده ما لا يكفي أعضاءه استعمله وتيمم للباقي وقيل لا تيمم عليه وقال أبو حنيفة وداود لا يستعمله بل يتيمم لأنه غير واجد، ووجوده ما لا يكفي كعدم الوجود اهـ ص (225) ج 1. أما صاحب الجبيرة ففي الحديث أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن علي بن أبي طالب أنه انكسر إحدى زنديه فسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يمسح على الجبائر "؟ قال: نعم فالأولى له أن يعمل بهذا الحديث ولا يتيمم ولا يجمع بين التيمم والوضوء. وحكم نواقض التيمم هو حكم نواقض الوضوء وأما الجنب فإذا وجد الماء فعليه أن يغتسل إذا قام للصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم: فإذا وجدت الماء فامسسه والله الموفق.
بشرتك
1 - أخرجه ابن ماجه عن زيد بن علي عن أبيه عن جده علي في باب الطهارة ص (134).
2 - رواه الربيع وأحمد والترمذي عن أبي ذر رضي الله عنه (1/164)
صفحة 165
المسلك الثامن
الحيض والنفاس
الحيض لغة: الإنفجار وقيل السيلان. وفي الشرع: الدم الخارج بنفسه من فرج المرأة الممكن حملها عادة غير زائد على خمسة عشر يوما، من غير مرض ولا ولادة. واختلفوا في أقل سن الفتاة التي يمكن حيضها فقيل: سبع سنين، وفي أكثره فقيل: ستون سنة على أرجح الأقوال، فهي بين هذين الحدين يمكن حيضها. واختلفوا في أقله وأكثره فالأرجح أقله ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام كما في الحديث بمسند الربيع "" وصفته شرعا دم أسود ثخين ' منتن فهو آسن أي متغير عن سائر الدماء بلونه ورائحته وثخنه. واختلفوا في انتظار الطهر بعد نهاية العادة فقيل: لا انتظار أخذا بالعادة وقيل تنتظر يومين وقيل ثلاثا وقيل
يوما وليلة، والأقوال في النفاس. وهذا في المعتادة بثلاث مرات وأجمعوا أن عليها إعادة الصيام من رمضان التي تركته أيام الحيض، كما أجمعوا أن عليها ترك الصيام والصلاة أيام الحيض وأجمعوا على
1 - وأخرجه الطبراني عن أبي أمامة
2 - روى أبو داود وابن حبان والحاكم عن عائشة أن فاطمة بنت حبش كانت تستحاض فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن دم الحيض أسود يعرف فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة فإذا كان الآخر فتوضأي وصلي
• (1/165)
صفحة 166
تحريم وطئها أيام حيضها ونفاسها لقوله تعالى: فاجتنبوا النساء في
المحيض
المصحف ومس
، كما أنها تمنع من الطواف بالبيت ومن قراءة القرآن
واختلفوا إذا عاودها الدم بعد الاغتسال منه قبل الأيام التي أعتادتها فقيل حيض إذا كان بعد عشرة أيام من طهرها واختاره الربيع بن حبيب، وقيل لا تعتبرها حيضا وتتمسك بالعادة إلا إذا استمر بها ثلاث مرات فعليها الرجوع عن عادتها إلى عادة أخرى واختاره القطب محمد بن يوسف. قال في الوضع: (إعلم أن مسائل الحيض والنفاس تدور على خمس مسائل: إحداها مسألة الأوقات، والثانية مسألة الأصول والبناء، والثالثة مسألة الإنتظار، والرابعة مسألة الانتساب، والخامسة مسألة الطلوع والنزول).
قال المحشي: قال في الإيضاح: بعد عدها. والنساء في هذه المسائل على وجهين مبتدأة ومعتادة فمسألة الأوقات ومسألة الانتظار تشتركان فيها جميعا المبتدأه والمعتادة. ومسألة البناء ومسألة الانتساب تنفرد بها المبتدأة، ومسألة الطلوع والنزول للمعتادة خاصة. واختلفوا في الحامل إذا أتاها الحيض هل يعتبر حيضا أم لا؟ وذكر الدارمي في مسنده اختلاف الصحابة والتابعين في ذلك وعده بعضهم من غيض الأرحام أخذا من قوله تعالى: وما تغيض الأرحام
2
1 - سورة البقرة الآية (222).
الدارمي ج 1 ص (225) / والآية من سورة الرعد (8).
17. > (1/166)
صفحة 167
وللمستحاضة أن تجمع بين الصلاتين وتغتسل عند كل صلاة لما رواه أحمد وأبو داؤد والترمذي من حديث حمنة ((حيث رخص لها رسول الله
صلى الله عليه وسلم أن تجمع بين الصلاتين تقدم العصر الظ
مع
ــهر
أو
تؤخرها إلى العصر وتقدم العشاء مع المغرب أو تؤخرها إلى العشاء أو
تصلي بين الوقتين ((. واختلفوا في الصفرة والكدرة بعد الط تعطي حكم الحيض أم لا؟ قولان
هر، هل
6
وللنساء في علامة الطهر عادتان بعضهن يطهر بالتيبس وبعضهن برؤية القصة البيضاء وهي ماء أبيض مثل اللعاب. والتي عادتها الجفاف فإنها تدخل قطنة في فرجها فإذا رأتها صافية تيقنت الطهر لما روى الربيع عن أبي عبيدة عن جابر عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: لا تطهر المرأة من حيضها حتى ترى القصة والقصة الجص شبه الطهر ببياض الجص وأما النفاس فحيض طالت أيامه واختلفوا في أقله وأكثره والراجح أن أقله عشرة أيام وأكثره أربعون يوما لغير المعتاد، والمعتادة تلتزم عادتها فإن انقطع الدم قبل الأربعين اغتسلت وصلت، فإن عاودها قبل عشرة أيام فهو نفاس وإن عاودها بعد عشرة أيام فحيض. هذا ملخص
البيضاء
ما يختاره العلماء من الأقوال. والله الموفق.
•
www
1 - الحديث أخرجه البخاري ومالك في الموطأ.
(111) (1/167)
صفحة 168
المسلك التاسع
البقعة الصالحة للصلاة
قال صلى الله عليه وسلم: جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا رواه الربيع عن ابن عباس والحديث مشهور في كتب
والمعنى أنها جعلت كلها موضع سجود لا يختص السجود منها
2
السنن بموضع دون موضع، ومثل هذا لا يختص به صلى الله عليه وسلم فقد قال: صلوا كما رأيتموني أصلي * ويستثني من ذلك ما رواه الترمذي وابن ماجه عن ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي في سبعة مواطن: في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي معاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله ذلك لأن المصلي في ظهر الكعبة لا قبلة له. ويلحق بالمنهي عن الصلاة فيه الأرض المغصوبة والجص والنورة والصاروج والرماد والذي لا تستقر فيه جبهة المصلي. وكذلك تكره في الحطيم وفي الصفا والمروة وداخل الكعبة، وجازت على كل ما أنبتت الأرض وكرهت على ما لا ينبت من الأرض أخذا بمفهوم الحديث وضعفه بعض العلماء في ابن
1 - من رواية ابن ماجه عن أبي هريرة وأبي ذر وأحمد والضياء عن أنس
2 - رواه أحمد والبخاري عن مالك بن الحويرث (1/168)
صفحة 169
ماجه وعبد ابن حميد والترمذي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلى في سبعة مواطن في المزبلة والمجزرة والمقبرة
الله
وقارعة الطريق وفي الحمام وفي أعطان الإبل وفوق ظهر بيت والحاصل أن هذه الأشياء وردت فيها أحاديث مرفوعة إلى النبـ
صلى الله عليه وسلم في النهي عن الصلاة فيها وبعضها مأخوذ بالمفهوم. ومثله الصلاة على الحرير والذهب لغير النساء وهل النهي يدل على عنه أولا يدل؟ (قاعدة إلا ما ظهرت عليه النجاسة
فساد المنهي كالمجزرة والمزبلة والقرب من الكنيف بلا سترة. والله ولي التوفيق. (1/169)
صفحة 170
المسلك العاشر
لباس الصلاة
قال الله تعالى: خذوا زينتكم عند كل مسـ سجد
يعن
لباسكم عند كل صلاة على قول بعض المفسرين. قال في الوضع: وفي اللباس أربع خصال: أحدها أن يكون أصله حلالا، والثانية أن يكون طاهرا من جميع النجاسات، والثالثة أن يكون من غير ما نهي عنه في الصلاة مثل الحرير """ والإبريسم، والذهب والحديد والنحاس. روى الربيع عن جابر: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بالآنك والشبه قال الربيع: الآنك: القصدير، والشبه: الأحمر. قيل: نهي تحريم، وقيل: نهي كراهة، والرابعة أن يكون موا للسنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لباس السدل، واشتمال "4" اهـ. وفي مسند الربيع ابن حبيب عن أبي عبيدة عن
الصماء
1 - سورة الأعراف الآية (31)
افقا
2 - متفق عليه عن عمر والنهي عن الذهب والحرير رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه
عن أبي موسى.
3 - وحديث النهي عن الحديد والنحاس أخرجه الربيع عن جابر موقوفا
4 - أخرجه الربيع عن جابر بن عبدالله ورواه الشيخان وأحمد من حديث أبي هريرة ورواه
الجماعة إلا الترمذي من حديث أبي سعيد
•
(172) (1/170)
صفحة 171
جابر بن زيد عن أبي هريرة قال: (سئل رسول الله صلـ الله عليه وسلم عن الصلاة في ثوب واحد. فقال صلى الله عليه وسلم: أوكلكم يجد ثوبين)، ومن المسند أبو عبيدة عن جابر بن زيد: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في ثوب واحد في بيت أم سلمة واضعا طرفيه على عاتقيه فيما بلغني والله أعلم. والحديث رواه الجماعة عن عمرو بن أبي سلمة قال: ((رأيت النبي صلـ الله عليه وسلم يصلي في ثوب واحد متوشحا به في بيت أم سلمة قد ألقى طرفيه على عاتقيه ((وعن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه ولا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين وما أسفل من ذلك ففي النار قال ذلك ثلاث مرات ولا ينظر إلى من يجر إزاره بطرا ومن هنا اختلف العلماء في صلاة من صلى وهو مسبل قيل تفسد وقيل لا تفسد إلا على من قصد البطر والخيلاء. واختلفوا في العراة هل يصلون قياما أو قعودا؟ وهل يصلون جماعة أو فرادى؟ في ذلك خلاف والكل جائز والله الموفق. وعليهم غض البصر ولا سيما في النهار والله المستعان. ولا يجوز الصلاة بثوب لا يحجب العورة، وكرهت بما يجسم الأعضاء للرقة أو
1 - الحديث رواه الجماعة إلا الترمذي.
2 - رواه الربيع بن حبيب ومالك وأحمد وأبو داؤد وابن ماجه كلهم عن أبي سعيد لكن ليس فيه
قوله ثلاث مرات
170 (1/171)
صفحة 172
للشد
6
، وعلى المرأة ستر عورتها، وكلها عورة إلا الوجه والكفين
ومعنى اشتمال الصماء هو شد الثوب على الجسد بلا رفع جانب منه فلا يسهل وصول الأعضاء إلى الأرض ولا يسهل الركوع، ومعنى السدل تفرق الثوب فيما ينكشف فيها من خلف أو جنب أو قدام طولا أو عرضا، وحديث السدل أخرجه أبو داؤد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن السدل في الصلاة وأن يغطي الرجل وقال أبو عبيدة في غريبة: ((السدل إسبال الرجل ثوبه من
فاه
غير أن يضم جانبيه بين يديه فإن ضمه فليس بسدل)). والله الموفق.
•
1 - قوله: (للرقة أو للشد): أي إذا كان الثوب رقيقا يشف عما تحته أو كان لاصقا بالجسـ
فيمثل العورة فلا يصلي فيهما
2 - وهو في أحمد والترمذي.
•
(166 (1/172)
صفحة 173
المسلك الحادي عشر
استقبال القبلة
وجب استقبال القبلة بالإجماع وهي الكعبة، قال الله تعالى: وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره فباب الكعبة قبلة لها، وهي قبلة لأهل المسجد، وهي قبلة لأهل مكة، وهي قبلة لأهل الحرم، وهو قبلة لأهل الآفاق. ولا يصلي إلى سارية في المسجد الحرام ساترة لها بل يجعلها جانبا، قال الإمام أبو إسحاق الحضرمي
رضي الله عنه: فيما يسقط به فرض القبلة وهي سبع خصال: - أحدها: شدة الخوف على نفسه أو ماله مقبلاً أو مدبرا منهزما من عدو أو بهيمة أو سيل أو نحو ذلك
- والثانية: أن يكون مربوطا على خشبة أو نحوه فإنه يصلي كيفما
أمكنه
- والثالثة: أن يكون مريضا لا يتهيأ له التوجه إلى الكعبة. - والرابعة: أن ينتقل على راحلته فإنه يصلي حيثما توجهت بـ راحلته ويبدأ يحرم إلى الكعبة، وقلت: مثله الراكب على
الطائرة أو السيارة وليحذر فوات الوقت
1 - سورة البقرة الآية (144).
• (1/173)
صفحة 174
- والخامسة: أن ينتقل ماشيا فإنه يتوجه محرما إلى القبلة
- والسادسة: الغريق يصلي كيفما أمكنه.
- والسابعة: أن يكون أعمى ولا يقدر على من يعرفه عليها أو أن
يكون في ظلمة وهو بصير أو غابت الدلالة أو كان في
موضع جهل فيه الدلالة عليها فيبقى متحيرا فإنه يتحراها
ويصلي، ويقلد الأعمى البصير والجاهل العارف اهـ
ومن صلى لغير القبلة ثم تبين له بعد الفراغ منها فلا إعادة عليه ولو بقي الوقت لقوله تعالى: والله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم
وجه الله
"" قيل نزلت في قوم صلوا لغير القبلة بعدما اختلفوا فـ القبلة فصلى كل واحد إلى جهة ثم تبين لبعضهم أنه صلى لغير القبلة
فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة من صلى لغير القبل فنزلت في حقهم هذه الآية الكريمة فقال: مضت صلاتكم
ــة
قال شيخنا السالمي رضي الله عنه: (أعلم أنه لا خلاف بين الأمة في وجوب معرفة الإستدلال على القبلة، لكن هل وجوب ذلك فرض عين أم فرض كفاية؟ قال الفخر: فيه وجهان أصحهما فرض على العين لأن كل مكلف مأمور بالاستقبال ولا يمكنه الاستقبال إلا بواسطة معرفة دلائل القبلة وما لا يتأدى الواجب إلا به فهو واجب،
1 - سورة البقرة الآية (115)
2 - رواه البيضاوي وغيره من المفسرين (1/174)
صفحة 175
وهو مقتضى مذهب الأصحاب رحمهم الله؛ واستظهر محشي الإيضاح أنه فرض كفاية) اهـ. والأدلة على ذلك تختلف باختلاف القبلة والمطالع والمغارب، والرياح، والنجوم. ويندب وقيل يجب نصب سترة للمصلي أمامه وليكن بجنبها لا يجعلها نصب عينيه، واختلفوا في نقض صلاة من مر أمامه بينه وبين سترته، روى أبو داود وابن ماجه
أمامه
وروي
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أحدكم فيجعل تلقاء وجهه شيئا فإن لم يجد فلينصب عصا فإن يكن معه عصا فليخط خطا ثم لا يضره ما مر الحاكم: استتروا في صلاتكم ولو بسهم وروى أبو داؤد عن بن الأسود قال: ((ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى عود ولا عمود ولا شجرة إلا جعله على حاجبيه الأيمن
المقداد
أو الأيسر ولا يصمد إليه صمدا () اهـ. والله ولي التوفيق
1 - معارج الآمال ج 3) مخطوط) للشيخ نور الدين عبدالله بن حميد السالمي.
• (1/175)
صفحة 176
المسلك الثاني عشر
الأوقات
ان
يجب معرفة أوقات الصلوات الخمس قال الله تعـ الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا يعني فرضا محدود الأوقات لا يجوز تأخيرها عن أوقاتها في شيء من الأحوال، وقال تعالى: فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون * وله الحمد في السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون "" قال القاضي: إخبار في معنى الأمر بتنزيه الله تعالى والثناء عليه في هذه الأوقات التي تظهر فيها قدرته وتتجدد فيها نعمته. وعن ابن عباس رضي الله عنـ هما: أن الآية جامعة للصلوات الخمس (تمسون) صلاة المغرب والعشاء و (تصبحون) صلاة الفجر و (عشيا) صلاة العصر و (تظهرون) صلاة الظهر اهـ. وقدم صلاة العصر إشارة إلى الاهتمام بها كما سماها في آية أخرى بـ الصلاة الوسطى * لأنها وقت اشتغال الناس
بأسواقهم
•
1 - سورة النساء الآية (103). 2 - سورة الروم الآيتان (17 و 18).
- سورة البقرة الآية (238).
170 (1/176)
صفحة 177
روى أحمد ومسلم والنسائي وأبو داؤد عن عبدالله بن عم أن عمرو رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وقت صلاة الظـ هر مالم يحضر العصر، ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يسقط ثور الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل، ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس، وفي رواية لمسلم وقت الفجر ما لم يطلع قرن الشمس الأول. وفيه ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس وسقط قرنها الأول وثور الشفق بالثاء دورانه و انتشاره ومعظمه وأول وقت الظهر الزوال اهـ. أحمد والترمذي والنسائي عن جابر بن عبدالله وروي
أن
النبي
صلى الله عليه وسلم وآله جاءه جبريل عليه السلام فقال له: قم فصل فصلى الظهر حين زالت الشمس، ثم جاءه العصر فقال: قم فصله فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم جاءه المغرب فقال: قم فصله فصلي المغرب حين وجبت الشمس، ثم جاءه العشاء فقال: قم فصله فصلى العشاء حين غاب الشفق، ثم جاءه الفجر فقال: قم فصله فصلى الفجر حين برق الفجر أو قال: سطع الفجر، ثم جاءه من الغد للظهر فقال: قم فصله فصلى الظهر حتى صار ظل كل شيء مثله، ثم جاءه العصر فقال: قم فصله فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، ثم جاءه المغرب وقتا واحدا لم يزل عنه، ثم جاءه
1 - من شرح المسند للشيخ نور الدين عبدالله بن حميد السالمي ج 1.
(171 (1/177)
صفحة 178
العشاء حين ذهب نصف الليل أو قال: ثلث الليل فصلى العشاء، ثم جاءه حين أسفرت جدا فقال: قم فصله فصلى الفجر. ثم قال: ما بين
هذين الوقتين وقت وقوله فصله الهاء هاء السكت قال البخاري: هو أصح شيء في المواقيت وأما الصلاة التي نسيها أو نام عنها فوقتها إذا ذكرها لما رواه الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم من نسى صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها * قال الربيع: (وذلك في حين تجب عليه فيه الصلاة. قال المحشي: احترازا من الأوقات التي نهينا عن الصلاة فيها وهي الطلوع والغروب والاستواء فإنه إذا ذكرها في شيء من هذه الأوقات أخرها إلى الوقت الذي بعده. وذكر صاحب الإيضاح في قوله: فذلك وقتها قولين قيل وقت إعادتها وقيل وقت فرضها. قال: فمن ذهب إلى أن ذلك وقت وجوبها جعلها دينا يقضيها متى شاء، قال: ومن ذهب إلى أنه وقت إعادتها جعله وقتا لها، فإن تركها بعدما ذكرها أو بعد ما انتبه من نومه مقدار ما يصليها فيه هلك) اهـ
•
وتكره الصلاة في خمسة أوقات بعد العصر وبعد الفجر إلا ما كان
واقعة حال كركعتي الطواف والصلاة على الميت وصلاة نيم عنها أو نسيت، وإنما الممنوع إنشاء صلاة بدون سبب. ويشتد التكريه بل
1 - رواه أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة. 172 کريم (1/178)
صفحة 179
ويحرم
عند الطلوع، وعند الغروب، وعندما تكون الشمس في كبد السماء في الحر الشديد. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وفي مسلم عن عقبة بن عامر يقول: ((ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر فيهن موتانا حين تطلع الشمس بازغة
حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف أي تميل الشمس للغروب حتى تغرب)). والله الموفق
•
173 کريم (1/179)
صفحة 180
السلك المالية النصر
الآذان والإقامة
الآذان لغة: الإعلام. وشرعا: الدلالة على دخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة. وشرع عند قدوم المسلمين المدينة. قال القرطبي وغيره: (اشتمل الآذان مع قلة ألفاظه على مسائل العقيدة، لأنه بدأ بالأكبرية و وهي تتضمن وجود الله وكماله، ثم ثنـ بالتوحيد ونفي
الشريك، ثم بإثبات الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم، ثم دعا إلـ الطاعة المخصوصة عقب الشهادة بالرسالة لأنها لا تعرف إلا من جهة
الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم دعا إلى الفلاح وهو البقاء الدائم وفيه
n\n
الإشارة إلى المعاد ثم أعادها توكيدا)، وقد ذكره الله تعالى في كتابه
العزيز في قوله: وإذا ناديتم إلى الصلاة إتخذوها هزوا ولعبا * قال في الوضع: (وكان سبب ابتداء الآذان ما ذكره محمد بن عبدالله بن زيد الأنصاري عن أبيه أنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولم يكن للمسلمين ما يجمعهم إلى الصلاة، جعل المسلمون
1 - شرح المسند" ج 1 ص (244). 2 - سورة المائدة الآية (58)
- "كتاب الوضع" تأليف أبي زكريا من علماء الإباضية بالمغرب ص (223).
174 (1/180)
صفحة 181
يتحينون أوقات الصلاة فيجتمعون إليها وليس ينادى بهن. فتكلموا في ذلك. فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين فيما يجمعهم إلى الصلاة. قال بعضهم: ننصب راية فوق ظهر المسجد عند الصلاة فإذا رأوها أذن بعضهم بعضا، فلم يعجبه ذلك. وقال بعضهم نوري نارا على ظهر المسجد، وقال بعضهم نتخذ قرنا مثل قرن اليهود فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم من أجل النصارى. ولكن عليه قاموا وأمروا بالناقوس حتى يصنع. فقال عبدالله بن زيد: فرأيت في تلك الليلة في المنام رجلا عليه ثوبان أخضر ان يحمل ناقوسا فقلت له: يا عبدالله أتبيع الناقوس؟ فقال: وما تصنع به، قلت: ندعوا به الناس إلى الصلاة، فقال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ قلت: بلى. قال: قل: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلى آخر الآذان، فلما استيقظت أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك، فقال: إنها رؤيا حق إن شاء الله فلقنها بلالا فإنه أقوى منك صوتا فخرجنا إلى المسجد ألقنها على بلال وهو يؤذن، فلما سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج يجر رداءه فقال: رأيت مثل الذي رأى. ففرح النبي صلى الله عليه السلام
إلا الله
وقال: الحمد لله
ww
(
وتمامه " أشهد أن محمدا رسول الله،
أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة،
1 - والحديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم.
حي
على الصلاة، (1/181)
صفحة 182
على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله ". واختلفوا هل هو سنة على الكفاية أو فرض على الكفاية في الجماعة سنة على الفرد وإن تركه أهل قرية قوتلوا.
وحاصل الأقوال هل هو حق للصلاة أو حق للجماعة أو حق للوقت؟ وعلى سامعه أن يتابعه إلا في قوله حي على الفلاح فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله وكذلك في حي على الصلاة يقول لا
ww
هم
حول ولا قوة إلا بالله وروى الجماعة إلا مسلما عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قال حين سمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه اللـ مقاما محمودا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة ويسن لمن أذن أن يقيم كما ثبت في حديث زياد بن الحارث الصدائي رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم """ وثبت في حديث أبي أمامه عند أبي داؤد زيادة قد قامت الصلاة ((قد قامت الصلاة قبل قوله الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله)) وهو مجمع عليها في الإقامة، وليس على النساء آذان ولا إقامة، وكذلك السنن والنوافل لا يؤذن لها ولا يقام، ويصح الآذان بغير طهارة ولغير المصلي مع الجماعة ويجوز من طفل وساع وراكب وقاعد،
1 - رواه مسلم وأبو داؤد عن عمر بن الخطاب رضي ا الله عنه
2 - رواه الخمسة إلا النسائي (1/182)
صفحة 183
ويستحب الإسراع في الإقامة كفلكة المغزل بخلاف الآذان فالسنة فيه
www
الجزم أي التسكين للوقف. والله الموفق.
1 - الذهب الخالص لقطب الأئمة الشيخ محمد بن يوسف أطفيش ص (150) 177 کرم (1/183)
صفحة 184
المسلك الرابع عشر
التوجيه وتكبيرة الإحرام
يجب قبل الدخول في الصلاة استحضار النية للعمل الذي يستقبله
سواء كان فرضا أو نفلا كما في الحديث إنما الأعمال بالنيات
?
قال
في الوضع: (بعد ذكر الخصال التي لا بد منها للمصلي الثالثة العلم
جهل
لقوله عليه السلام: عمل قليل في علم، خير من عمل كثير في "" قال: وينقسم العلم على أربعة أقسام: أحدها العلم بفرض الصلاة، والثاني العلم بأي الصلوات يصلي، والثالث العلم بأفعالها وأركانها المفروضة والمسنونة، والرابع العلم بما يتقى فيها ويجتنب مما ينقض الصلاة) اهـ ويؤخذ من قوله جل وعلا: فسبح بحمد ربك حين تقوم * مشروعية التوجيه وهو عبارة عن التسبيح والتحميد والتمجيد والتهليل الوارد عند القيام إلى الصلاة ولفظه كما في شامل الأصل والفرع لقطب الأئمة محمد بن يوسف عن عمر وعائشة
2
1 - والحديث رواه السيوطي في الجامع الصغير بلفظ ((عمل قليل في سنة خير من عمل كثير
في بدعة ((عن أبي هريرة وابن مسعود
2 - من "كتاب الوضع" لأبي زكريا ص (295).
- سورة الطور الآية (48). (1/184)
صفحة 185
لاة
وابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم) كان إذا قام إلى الصـ قال: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جـ دك ولا إله
غيرك) قال: وقولها: (كان إذا قام قال (صيغة استمرار فدل ذلك على الوجوب وإنما يدل على التأكد فقط لو صح أنه ربما ترك ذلـ ـك أو صح عنه أنه قال: غير واجب فليس كما قيل أنه يدل على التأكد
2
فقط اهـ. قال شيخنا السالمي: (اختلفوا في التوجيه قال
بعضهم: فريضة، وقال بعضهم: سنة مؤكدة وهو أكثر القول، ثم قال بعد ذلك: وقد ضم أصحابنا إلى التوجيه المنقول عن نبينا عليه الصلاة والسلام التوجيه الذي ذكره الله تعالى عن خليله إبراهيم عليه السلام وهو قوله: إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا ومـ فعلوا ذلك وأمروا به استحبابا)
" t
أنا من المشركين وأخرج مسلم في صحيحه أن عمر كان يجهر بهذه الكلمات يقول: (سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك) اهـ.
1 - شامل الأصل والفرع للشيخ محمد بن يوسف أطفيش ج 2 ص (57). - معارج الآمال للشيخ نور الدين عبدالله بن حميد السالمي ج 8 ص (45). - سورة الأنعام الآية (79).
4 - والحديث الذي ذكره القطب روي في كتب السنن رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والدار قطني والحاكم وللدار قطني مثله من رواية أنس وللخمسة مثله من حديث أبي سعيد.
179 (1/185)
صفحة 186
قال العلامة الثميني: (إن المصلي الغير قاصد بصلاته
التقرب بها إلى عفو الله تعالى ورضاه لا ثواب له عليها وإن كانت صحيحة مسقطة للفرض عنه لإتيانه بصورتها الموصوفة شرعا) اهـ. قال القطب: (لا تصح عبادة غير مطلع على حكمتها كالصلاة إلا بالنية فإنها تعبد بالنظر إلى التخصيص بأوقات وعدد وقراءة وسر وجهر. ولو عقل معناها بالنظر إلى أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر لكن قد يقال هذا لازم لها لا علة ولو كان قد يعبر عنه بالعلة والجهر بنية الفرض والتيمم للفرض ونحو ذلك مما هو فرض أولى من الإسرار فيجهر بقوله أصلي أربع ركعات صلاة الظهر) اهـ
وقال في الذهب أيضا: (تكبيرة الإحرام فرض، ومعنى قول الشيخ تكبيرة الإحرام بعد الدخول أنها ليست مما قبل الصلاة، إذ بها
يدخل فهي كباب الدار وهو منها ومدخل لها ولا يدخل في الصلاة إلا بها وهي تحريمها والتسليم تحليلها) اهـ. وقال في مسند الربيع: عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تحريم الصلاة التكب ير وتحليلها التسليم والحديث رواه الخمسة إلا النسائي عن علي بن أبي طالب وزاد في أوله ومفتاح الصلاة الطهور، وقال الترمذي: هذا أصح
1 - شرح الأسرار النوارانية، للشيخ العلامة ضياء الدين عبد العزيز الثميني من علماء المغرب في القرن الثاني عشر، ص (397) طبع حجرية.
2 - الذهب الخالص للشيخ القطب محمد بن يوسف أطفيش ص (143).
180 کي (1/186)
صفحة 187
شيء في هذا الباب وأحسن، وأخرجه الحاكم وصححه وصفة النطق بها أن تقول: " الله أكبر " بفتح الهمزة فتحة لا مد فيها وتسكين اللام الأولى وتشديد اللام الثانية تشديدا مطابقا للحنك ويمد النطق بها ولا يطول ضمة الهاء لئلا يتولد من ذلك واو ويفتح الألف من أكبر بلا مد ويسكن
الكاف ويفتح الباء بلا مد ويبين الراء تبيينا يكاد يتوهم السامع أنه نطق
برائين)
ww
، ولا تصح بغير العربية، ولا بشيء من أسماء الله غير هذا الاسم لقوله صلى الله عليه وسلم: صلوا كما رأيتموني
أصلي
والله الموفق
•
1 - معارج الآمال للشيخ نور الدين السالمي عبدالله بن حميد السالمي ص (59).
2 - رواه أحمد والبخاري. (1/187)
صفحة 188
السلك الغامدي عشر
الدخول في الصلاة وأحكام القراءة والاستعاذة والبسملة
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكل شيء عمود وعمود الدين الصلاة، وعمود الصلاة الخشوع، قال بعض العلماء: (يحتاج المصلي إلى أربع خصال حتى يكون خاشعا: إعظام المقام، وإخلاص المقال، واليقين التام، وجمع الهمة). وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا، قال القط ب: (يوسع بين الرجلين عرض نعل أو أربعة أصابع إلى أن قال: وتضم المرأة جسدها في الصلاة كلها ولا فساد إن لم تضم، ولا عليه إن ضم ويستحب كون البصر في موضع السجود إلا في السجود فإلى جهة ركبتيه ... إلى أن
1 - قال شيخنا السالمي في شرح المسند: وكونها عمود الدين رواه الترمذي في جامعه عن معاذ بن جبل في حديث طويل قال: إنه حسن صحيح لكن عبر فيه بالأمر عن الدين ورواه أيضا البيهقي في شعب الإيمان عن عمر رضي الله عنه والديلمي في الفردوس من حديث علي لكن عبر فيه بالإيمان بدل الدين اهـ.
2 - وهو في المسند عن الإمام الربيع عن أنس بن مالك
4182 (1/188)
صفحة 189
قال: ولزم الخشوع ونية التقرب والقبلة وأداء الفرض مستعينا بالله عليه
ورجاء الثواب وخوف العقاب وتجزي النية بلا تلفظ وإن لم يتقرب
صحت
بسنتين
un
وعصى ولم يثب) اهـ. وفرضت الصلاة قبل الهجرة
2
قال الله تعالى: * فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم وقد روى الاستعاذة عنه صلى الله عليه وسلم في الصلاة أبو سعيد الخدري عن أحمد والترمذي وأبو داؤد والنسائي وقال ابن المنذر: جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول قبل القراءة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. واختلفوا هل هي فرض أو سنة أو نفل؟ وصحح القطب القول الأول وينبني على هذه الأقوال فيمن لم يعوذ هل تبطل صلاته على القول بأنها فرض؟ أو تبطل إن تعمد تركها على القول بأنها سنة؟ أو لا تبطل على القول بأنها نفل؟. أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: (فاتحة الكتاب هي أم القرآن فقرأها وقرأ فيها ((بسم الله الرحمن الرحيم)))، ومن المسند أيضا أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج قال الربيع: الخداج: الناقصة وهي غير التمام. والحديثان
1 - الذهب الخالص لقطب الأئمة الشيخ محمد بن يوسف أطفيش ص (152). 2 - سورة النحل الآية (98).
در 183 کريم (1/189)
صفحة 190
مشهوران في كتب السنن وفي رواية عن عبادة بن الصامت عند الجماعة: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) وفي رواية للدارقطني ((لا تجزي صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) وعندنا أن البسملة آية من الفاتحة وتاركها عمدا يعيد الصلاة
وتلزم قراءة السورة في الركعتين الأوليين من المغرب والأوليين من العشاء والفجر للإمام والمنفرد لا للمأموم، وأما الظـ هر والعصر والأخيرة من المغرب والأخيرتان من العشاء فلا قراءة سورة فيهن على المنفرد والمأموم والإمام، قياسا على ما ثبت أن السورة يجهر بها في كل صلاة يجهز لها وكل صلاة لا يجهر فيها فلا يقرأ فيها بسورة ولم معهم الأحاديث التي يروى فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ
تثبت
n\n
فيها سورة سرا. قال القطب (فإن قلت: فما تصنع بتلك الأحاديث التي أثبتت السورة في نحو الظهر؟ قلت: أحاديث آحاد لم يصح سندها عند أصحابنا فعملوا بالقياس وهو أنه صلى الله عليه وسلم يسر في نحو الظهر ووجدناه يجهر في ذوات السورة فعلمنا أنه لما لم يجهر لم يكن يقرأ السورة). وقد اختلفوا هل يقدم القياس على الآحاد. وقولهم ربما أسمعنا الآية في نحو الظهر "شاذ" ويجزي في القراءة حيث تقرأ السورة ثلاث آيات وقيل آية واحدة ومن تركها عمدا أو سهوا بطلت صلاته، لقوله صلى الله عليه وسلم: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب
1 - شامل الأصل والفرع للعلامة محمد بن يوسف أطفيش، ج 2، ص (77). (1/190)
صفحة 191
وشيء من القرآن رواه في الأسرار النوارانية وروى أن جابر
?
بن زيد صلي بالناس وقرأ * مدهامتان * "" آية واحدة بيانا
للجواز. والحديث موجود في مجمع الزوائد بلف ـظ
:
لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وآيتين عن عبادة بن الصامت وفيه عن جابر بن
عبدالله قال: (سنة القراءة في الصلاة أن يقرأ في الأوليين بأم القرآن. ولا يقرأ المأموم خلف
وسورة، وفي الأخريين بأم القرآن)
2
اه
الإمام إلا فاتحة الكتاب لقوله صلى الله عليه وسلم: لا تفعلوا إلا
بأم القرآن. والله الموفق.
1 - سورة الرحمن الآية (64). 2 - مجمع الزوائد"، ج 2، ص (115).
رواه الربيع وأبو داود والترمذي عن عبادة بن الصامت. (1/191)
صفحة 192
المسلك السادس عشر
في الركوع والسجود والتحيات والتسليم
الركوع لغة: الإنحناء، قال في الصحاح: ومنه ركوع الصلاة والسجود والخضوع قال: ومنه، سجود الصلاة وضع الجبهة على الأرض قال أكثر الفقهاء: التحية: الملك والبقاء، والتسليم: بذل الرضى بالحكم اهـ، أما الركوع والسجود فهما فرضان بالإجماع، وأما التحيات والتسليم فهما سنتان واجبتان على أصح الأقوال. قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون هذا دليل فرضهما من الكتاب، ومن السنة أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فلما نزل فسبح باسم ربك العظي قال: اجعلوها في ركوعكم، فلما نزل سبح اسم ربك قال: اجعلوها في سجودكم). وحد الركوع
الأعلى
1 - سورة الحج الآية (77).
2 - سورة الواقعة الآية (74) و (96).
- سورة الأعلى الآية (1)
- رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن عقبة بن عامر
1 AT >> (1/192)
صفحة 193
شرعا انحناء تمكين اليدين على الركبتين وتسوية الظـ
مع
ثلاث
هر والعنق والرأس في الصلاة بين القيام والقعود وإن لم يسو فسدت صلاته. وقيل لا تفسد إن حصل الركوع. وهل على المرأة أن تركع كركوع الرجل لعموم أحاديث الاعتدال القطب واختاره؟ أو تصوب رأسها وعنقها وظهرها من خلف بحيث تقرب يديها من ركبتيها؟ قولان. ويقول في ركوعه: " سبحان ربي العظيم " ثلاث مرات لحديث عبدالله بن مسعود عند الترمذي وأبي داؤد وابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم مرات فقد تم ركوعه وذلك أدناه، وإذا سجد فقال في سجوده: سبحان الأعلى ثلاث مرات فقد تم سجوده وذلك أدناه قال شيخنا السالمي رضوان الله عليه: وفي قوله ((وذلك أدناه)) في الموضعين إشارة إلى أنه لا يكون المصلي عاملا بالسنة إذا اقتصر على ما دون الثلاث المعمول به عند أصحابنا رحمهم الله تعالى. وينهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود لما روى أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن علي بن أبي طالب وذكر فيه النهي عن قراءة القرآن في الركوع. فإذا اعتدل المصلي قائما بعد قوله: سمع الله لمن حمده قال: ربنا ولك الحمد لما روى أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي
ربي
والسجود
و
1 - شرح المسند للشيخ نور الدين السالمي عبدالله بن حميد السالمي، ج 1، ص (341). 2 - رواه النسائي والترمذي موصولا عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب.
187 کرم (1/193)
صفحة 194
هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا قال الإمام: سمع ا
الله
لمن حمده قال من خلفه: ربنا ولك الحمد فإنه من وافق قوله قول
الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه
ويسن التكبير عند كل خفض ورفع واختلفوا في فساد صلاة تاركه سهوا وذلك لما روى الجماعة من طرق شتى عن ابن مسعود وأبي هريرة قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يكبر في كل رفع وخفض وقيام وقعود).
2
قال القطب: (اختلفوا في القعود الواجب في الصلاة
فقيل: الجلسة بين السجدتين، وقيل: جلوس التحيات الأولى، وقيل جلوس الثانية، وقيل جلوسهما جميعا، وقيل جلوسهما والجلسة بين السجدتين. وفي المقدار الواجب فقيل: مقدار ما يقول التحيات، وقيل: مقدار ما يقول التحيات المباركات حتى يقول: الطيبات، وقيل: الصالحين، وقيل: حتى يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وقيل: حتى يقول: ورسوله (اهـ. وألحق محشي الوضع التحيات بالفرائض وقال: اختلفوا هل الفريضة الأولى أو الثانية أو كلتاهما فريضة؟، ولفظها كما في مسند الربيع وشرحه عن ابن عباس وابن
1 - رواه الجماعة إلى النسائي
2 - " شامل الأصل والفرع "، لقطب الأئمة الشيخ محمد بن يوسف أطفيش ج 2، ص (102). - كتاب الوضع "، للشيخ أبي زكريا، ص (322)
188 (1/194)
صفحة 195
مسعود وعند الجماعة بألفاظ فيها زيادة ونقص وهي ((التحيات المباركات الله الصلوات الطيبات، السلام عليك أيها النبـ ورحمة الله
وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله)). ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم في القعود عن أربع كما في مسند الربيع عن ابن عباس عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى المصلي أن يقعي في صلاته إقعاء الكلب، وأن ينقر فيها نقر الديك، أو يلتفت فيها التفات الثعلب، أو يعقد فيها قعود القرد قال الربيع: إقعاء الكلب: أن يفرش ذراعيه ولا ينصبها، وقعود القرد أن يقعد على عقبيه وينصب قدميه، ومن فعل شيئا من هذه الوجوه الأربعة فعليه إعادة الصلاة اهـ. قال القطب: وترد المرأة قدميها وساقيها لليمين فيهما وتفضي بأوراكها للأرض ويوقف يعني الرجل يمناه فيهما ويقعد على اليسرى مفرشة وجاز لهما كل قعود فيها اهـ
2
واختلفوا في التسليم قال القدماء من أشياخنا كأبي عبيدة والربيع: تجزي تسليمة واحدة، وقال آخرون: تسليمتان كل واحدة إلى جهة، والكل مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهل يقول: السلام عليكم ورحمة الله؟ أو يكتفي بالسلام عليكم يصفح بها يمينا وشمالا
1 - ورواه أحمد والترمذي بألفاظ مختلفة.
2 - الذهب الخالص لقطب الأئمة ص (159).
(189 (1/195)
صفحة 196
يقصد بها الحاضرين أو الملائكة أو الخروج من الصلاة؟ كل ذ
واسع.
ويسن مسح الجبهة بعد التسليم بيمينه ثلاثا وهو يقول: ((أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله)) لما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمسح جبهته بعد التسليم والحديث ثابت في بيان الشرع والجامع من كتب أشياخنا القديمة حتى قال في كتاب الأشياخ: تركه من الجفاء، ورواه في حلية الأولياء عن أنس ونصه عن أنس بن مالك قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم من
صلاته
مسح جبهته بيده اليمنى وقال: بسم الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، اللهم أذهب عني الهم والحزن). والله الموفق.
Yu
1 - حلية الأولياء ج 2، ص (208).
(190 (1/196)
صفحة 197
المسلة السابع عشر
سجود السهو و التلاوة
السهو لغة: الغفلة عن الشيء وذهاب القلب إلى غيره. وقال بعض العلماء: السهو غفلة يسير رة عما هو في القوة الحافظة يتنبه بأدنى تنبيه، والنسيان: زواله عنها بالكلية. قال شيخنا السالمي: وقضيته أن السهو والنسيان مترادفان. قال والسهو في الصلاة غير السهو عنـ ها؛ فإن السهو عنها التغافل عن آدائها وصاحبه منافق لقوله تعالى: فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون، والسهو في الصلاة: هو الخطأ في شيء من أركانها أو نسيانه حال الأداء، وهذا يقع للمؤمنين بل لخواصهم بل للأنبياء كما وقع ذلك لسيد الأولين والآخرين عليه صلوات الله وسلامه. ومن رحمة الله علينا أن شرع لنا
2
عند ذلك سجدتين نسجدهما بعد تمام الصلاة اهـ. قال المحشي على المسند أبو عبدالله محمد بن عمر رضي الله عنه: أجمع أصحابنا على أنهما من تمام الصلاة. واختلفوا هل هما بدل من سهوه أو استغفار منه؟ قال: وينبني على الخلاف في ذلك الخلاف فيما يقال فيهما، وفي
1 - سورة الماعون الآيتان (4 و 5). 2 - شرح المسند ج 2 ص (36).
(191 (1/197)
صفحة 198
لكل
السلام بعدهما، وفي تكرارهما بتكرار السهو في الصلاة، فمن قال أنهما بدل من سهوه في الصلاة يقول فيهما: ((سبحان ربي الأعلى ثلاثا)) في كل مرة كما يسبح في الصلاة، ويسلم منهما كما يسلم من الصلاة ويكررها بتكرار السهو في الصلاة، لقوله عليه السلام: سهو سجدتان بعد التسليم "" ومن قال: أنهما استغفار من سهوه قال: يقول: (استغفرك اللهم مما كان مني (ثلاثا في كل سجدة. فإذا فرغ منهما قال: " صلى الله على نبينا محمد وآله. ولا يكررهما بتكرار السهو اهـ
قال في الإيضاح: (كما كان يستغفر لأفعال كثيرة بمرة واحدة) وهما واجبتان عند الأكثر من أشياخنا. روى أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان ولبس عليه صلاته حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين وهو جالس قال الربيع: قال أبو عبيدة: ذلك إذا كان الرجل خلف إمامه وأما إذا كان وحده فليعد صلاته، والحديث رواه الجماعة من حديث أبي هريرة وعند أحمد وأبي داؤد وابن ماجه عن ثوبان: لكل سهو سجدتان بعدما
يسلم
1 - أخرجه أبو داؤد وابن ماجه عن ثوبان.
2 - " الإيضاح "، للشيخ عامر بن علي الشماخي من علماء نفوسه بليبيا
(192 (1/198)
صفحة 199
وأما سجود التلاوة ففيه اختلاف بعض قال: واجب، وبعد قال: سنة مؤكدة وهو أكثر القول. ويظهر الخلاف فيمن قرأها في
يجـ
الصلاة هل يجب عليه سجودها فإذا تركها فسدت صلاته؟ أو لا ويؤخرها إلى ما بعد التسليم؟ قولان. وهي في أحد عشر موضعا من سور القرآن متفق عليها [سورة الأعراف (1)، وسورة الرعد (2)، وسورة النحل (3)، وسورة الإسراء (4)، وسورة مريم (5)، وسورة الحج (6)، وسورة الفرقان (7)، والنمل (8)، والسجدة (9)، وص (10)، وفصلت (11)].
قال في الإيضاح: سجود التلاوة سنة مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال المحشي عليه: هذا مذهبنا ومذهب الجمهور. وذهب أبو حنيفة إلى أنه واجب. قال القسطلاني في إرشاد الساري على صحيح البخاري: وهي من السنن المؤكدة عند الشافعية لحديث ابن عمر أبي داؤد والحاكم (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ علينا القرآن فإذا مر بالسجدة كبر وسجد وسجدنا معه إلى أن قال: والمشهور عند المالكية وهو القول القديم للشافعي أنها أحـ د عشر
عند
والله
الموفق.
-
- إرشاد الساري على صحيح البخاري "، للقسطلااني ج 2 ص (281).
193 کريم (1/199)
صفحة 200
المسلك الثامن عشر
نواقض الصلاة
قال في الإيضاح: إعلم أن الذي يوجب إعادة الصلاة ينقسم إلى قسمين زيادة ونقصان، أما الزيادة فتنقسم أيضا إلى قسمين أقوال وأفعال، والأفعال تنقسم إلى قسمين ظاهر وباطن، أما الظاهر كالحركات والسكنات، والباطن فكالاعتقادات والارادات. أما زيادة الأقوال فإنها لا تخلو أن تكون من الأقوال التي هي أقوال الصلاة أو من الأقوال التي هي أقوال الصلاة كلام، فإن كانت من الأقوال التي هي. مثل الحمد لله والتكبير له وأشباه ذلك من الاستغفار والتسبيح مما كان تلاوة من القرآن فإن بعضهم قال: من أدخل في صلاته عملا لم يكن فيها أعاد صلاته، إلا إن أراد بذلك إصلاح صلاته مثل تنبيه الإمام، والدليل على هذا القول ما روي أنه قال عليه السلام: صلوا كما رأيتموني أصلي والله أعلم. وقال بعض: لا إعادة عليه في هذا كله إذا ذكر على النص المذكور في كتابه تعالى ما لم يرد بذلك أمرا ونهيا أو خطابا لغيره أو رد جواب لمن سأله أو استفهاما لغيره أو جر بذلك لنفسه منفعة. أو دفع عنها بذلك مضرة. أو عن غيره سواء كان
1 - رواه أحمد والبخاري عن مالك بن الحويرث. (1/200)
صفحة 201
ذلك في السورة التي كان يقرأ فيها أو غيرها ما لم يكن ساهيا فيما ذكرنا، والسهو في هذا كله لا يفسد الصلاة لأنه لم يبلغ منزلة الكلام إذ ليس هو من كلام الآدميين، والدليل على ما قلناه ما روي عن حذيفة قال: (صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فابتدأ بسورة البقرة وكان لا يمر بآية عذاب إلا استعاذ ولا بآية الرحمة إلا سأله ولا بآية التنزيه إلا سبح) ' وقد روي عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة رحمه الله أنه لم ير بأسا بالتحميد والتسبيح والتعظيم بعد تكبيرة الإحرام. والله أعلم. وأما الأقوال التي هي كلام فإنه اتفق العلماء أن الكلام في الصلاة عمدا ينقضها والدليل قوله تعالى: وقوموا لله قانتين """ أي وما روي من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا وما روي أنه قال عليه السلام: صلاتنا
ساكتين
تتكلموا في الصلاة
"121
هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين. واختلفوا في الكلام في الصلاة بالسهو والنسيان قال بعضهم: يفسدها لعموم الأحاديث
1 - رواه أحمد عن عائشة
•
2 - سورة البقرة الآية (238)
•
روى مسلم والجماعة عن زيد بن أرقم سبب نزول الآية إلا ابن ماجه وفيه فأمرنا بالسكوت
ونهينا عن الكلام
•
4 - رواه أحمد والنسائي عن ابن مسعود.
ه رواه أبو داؤد عن أبي سعيد (1/201)
صفحة 202
رضي
المتقدمة وهو قول أصحابنا، وقال بعضهم: لا يفسدها واستدلوا بحديث ذي اليدين المشهور ولفظه (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشى إما الظهر وإما العصر فسلم في ركعتين ثم أتى جذعا في قبلة المسجد فاستند إليها مغضبا وفي القوم أبو بكر وعمر الله عنهما فهابا أن يتكلما، وخرج سرعان الناس قائلين: قصرت الصلاة، فقام ذو اليدين فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فنظر النبي صلى الله عليه وسلم يمينا وشمالا فقال: ما يقول ذو اليدين، قالوا: صدق لم تصل إلا ركعتين، فصلى ركعتين فسلم ثم كبر ثم سجد ثم كبر فرفع ثم كبر فسجد ثم كبر فرفع. قال: وأخبرت أنه قال: وسلم). وتفسد الصلاة القيقية. واختلفوا في فسادها ذي دم بينه وبين سترته أو بين يديه، قال هاشم والربيع وابن محبوب من قدماء علمائنا في القرن الثاني للهجرة: (لا يقطع الصلاة مرور شيء. ليست حبلا ممدودا إنما تعرج إلى السماء فيصلها بر القلب ويقطعها فجوره لقوله صلى الله عليه وسلم: لا يقطع الصلاة شيء فادرأوا ما استطعتم """ وفي الدار قطني عن ابن عمر قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر قالوا: لا يقطع صلاة المسلم شيء وادرأ ما استطعت. وإذا سها الإمام فعلـ المأموم أن ينبهه
1 - الإيضاح ص (528)، ورواه مسلم وغيره عن أبي هريرة.
2 - رواه أبو داؤد عن أبي سعيد
بمرور
197 (1/202)
صفحة 203
بالتسبيح أو بقراءة آية من القرآن تدله على سهوه لقوله صلى الله عليه
وسلم: من نابه شيء في صلاته فليسبح فإنما التصفيق للنساء وفي رواية لأبي داؤد: إذا نابكم شيء في الصلاة فليسبح الرجال ولتصفق النساء، وفي إبن حبان وأبي داؤد وأحمد عن مسور بن يزيد قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فترك آية فقال له رجل: يا رسول الله آية كذا وكذا، قال: فهلا ذكرتنيها). ومن مفسدات الصلاة الالتفات فيها لأنه مناف للخشوع وذلك إذا تعمد وهو أن يرمي بوجهه يمينا وشمالا لقوله صلى الله عليه وسلم لأنس بن إياك والالتفات في الصلاة فإن الالتفات في الصلاة هلكة فإن
مالك
:
2
كان لا بد ففي التطوع لا في الفريضة. وعن عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التلفت في الصلاة فقال: اختلاس يختلسه الشيطان من العبد. والله الموفق.
1 - رواه سهل بن سعد وأخرجه البخاري ومسلم وأبوا داؤد.
2 - رواه الترمذي وصححه
3 - رواه أحمد والبخاري والنسائي وأبو داؤد
دار 197 کريم (1/203)
صفحة 204
السنة التاسع عشر
صلاة الجماعة
قال الله تعالى: وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزؤا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون "" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الاثنان فما فوقهما جماعة، واختلفوا في صلاة الجماعة فقيل: فرض عين، وقيل: فرض كفاية، وقيل: سنة، والأكثر على أنها فرض كفاية إذا قام بها البعض أجزأ عن الباقين والدليل ما روى الربيع من طريق أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الصلاة في الجماعة خير من صلاة الفرد بسبع وعشرين ورواه الشيخان وأحمد عن أبي هريرة. وفي المسند أيضا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: صلاة الجماعة تفضل على صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين درجة، وفي المسند
درجة
أيضا عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي صلـ الله عليه وسلم قال: لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن بها ثم آمر رجلا يؤم الناس ثم أخالف إلى رجال فأحرق
1 - سورة المائدة الآية (58)
2 - رواه ابن ماجه وابن عدي وأحمد وأبو داؤد عن أبي موسى وأبي أمامه
198 (1/204)
صفحة 205
عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء "" ويؤخذ من هذا الحديث معنيان: كون الصلاة الجماعة فرض عين، وكونها فرض كفاية، وذلك أن تأخر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة دليل أنها فرض كفاية وتحريقه بيوت المتخلفين كونها فرض عين. ومما يشبه الاتفاق معنا أن الإمام يحمل عن المأموم قراءة السورة لا قراءة الفاتحة بدليل لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب "" فهو عام للإمام والمأموم وحديث من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة رواه أحمد وابن ماجه عن جابر وحديث الربيع وأبي داؤد والنسائي والترمذي قال: (انصوف رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: هل قرأ أحد آنفا منكم معي، قالوا: بلى يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مالي أنازع القرآن
قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما
جهر فيه) زاد في رواية عن عبادة بن الصامت
القرآن
1 - رواه أحمد والبخاري والترمذي والنسائي والدارمي ومالك
2 - وهو في مسند الربيع أيضا بلفظه
- رواه الربيع والترمذي وأبو داؤد
199 کريم
#
لا تفعلوا إلا بأم (1/205)
صفحة 206
وعلى المأموم أن يتأخر قليلا إن كان واحدا وإن كانوا أكثر وقفوا
خلفه وجعلوه وسطا، وكذلك عليه أن يتابع إمامه في الركوع والسجود
والقراءة فلا يسايره ولا يتقدمه فإن فعل عمدا بطلت صلاته لقوله صلـ الله عليه وسلم: إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا رفع فارفعوا وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد،
لنا
وإذا سجد فاسجدوا وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعين. وعلى المرأة أن تصف وحدها خلف الرجال ولو منفردة بخلاف الرجال فعليه أن يجتذب من الصف واحدا يصف معه واختلفوا في فساد صلاته إن صلى منفردا خلف الجماعة روى أبو عبيدة بسنده إلى أنس بن مالك قال كانت جدتي مليكه صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما فأكل ثم قال: قوموا أصلي بكم قال أنس: فقمت إلى حصير قد اسود من طول ما لبس فنضحته بماء فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصففت أنا والشيخ وراءه والعجوز وراءنا فصلى بنا ركعتين ثم انصرف) وروي أحمد والبخاري وأبو داؤد والنسائي عن أبي بكرة أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: زادك الله حرصا ولا تعد. اهـ، كما على المأمومين
1 - رواه مالك وأحمد والبخاري وأبو داؤد والربيع عن انس وعائشة 2 - رواه الجماعة إلا ابن ماجه عن أنس.
200 (1/206)
صفحة 207
تسوية الصفوف وأن يتحاذوا بالمناكب. روى الشيخان عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سووا صفوفكم فـ إن تسـ
وية
فإذا
دم
الصفوف من تمام الصلاة وفي رواية تراصوا واعتدلوا خرج خارج من الصف وجب على من بجنبه أن پسد ثلمته فإن تقـ من خلفه وسدها جاز. وكل شيء فيه صلاح الصلاة جاز فعله ولو بتقديم وتأخير. ويمكن أن يؤخذ هذا من فعل الصحابة رضي الله عنهم. روى البخاري عن أنس بن مالك أن المسلمين بينما هم في الفجر يوم الاثنين وأبو بكر رضي الله عنه يصلي بهم ففاجأهم النبي صلى الله عليه وسلم. وقد كشف ستر حجرة عائشة فنظر إليهم وهم صفوف فتبسم يضحك، فنكس أبو بكر رضي الله عنه على عقبيه وظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يخرج إلى الصلاة وهم المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحا برسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأوه، فأشار بيده أن أتموا، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر وتوفى ذلك اليوم.
وفي أحمد وأبي داؤد وابن حبان عن أنس عن النبي.
•
الله
عليه وسلم قال: رصوا صفوفكم وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق
فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشياطين تدخل من خلل الصفوف كأنها
الحذف
?
والحذف: ابن الماعز.
(201 (1/207)
صفحة 208
واشترطوا اتحاد النية والوقت في الإقتداء بالإمام فلا يصلي ظهرا
خلف مصل عصرا لقوله صلى الله عليه وسلم: إنما جعل الإمام
ليؤتم به "" واختلفوا في فسادها عليه إن صلى.
•
ومنعوا تعدد الجماعة في مسجد واحد في وقت واحد واختلفوا في فسادها إن حصلت من غير إمام معتاد لقوله صلى الله عليه وسلم: إذا أقيمت الصلاة في المسجد فلا صلاة إلا المكتوبة فيه وأن لا يتقدم الناس إمام يكرهه المأمومون فإن تقدم على رغمهم صحت الصلاة خلفه لقوله صلى الله عليه وسلم: لا صلاة لإمام أم بقوم وهم له. ولكن يؤمهم أعلمهم وأقرأهم لكتاب الله، ولا تكون
کارهون
المرأة إماما ولا الصبي ولا المملوك لنقصهم عن مرتبة الإمامة. وف الربيع والبيهقي عن أبي هريرة: صلوا خلف كل بر وفاجر، وصلوا على كل بر وفاجر زاد في البيهقي: وجاهدوا مع كل بر وفاجر ومن جاء للصلاة وقد سبقه الإمام فليوجه ثم ليقل: أصل ما أدركت وأقضي ما فاتني من صلاة الإمام، ثم يكبر تكبيرة الإحرام ويتابع الإمام فيما أدركه فيه، وبعدما يسلم يقوم بلا تسليم ولا تكبير فيقضي ما فاته من صلاة الإمام ويبتدي بما بعد تكبيرة الإحرام فإذا
1 - متفق عليه من حديث أبي هريرة.
1 - أخرجه الأربعة واللفظ من شرح النيل
•
2 - أخرجه الربيع في زيادات المسند وأبو داود والترمذي وابن ماجه
•
4202 (1/208)
صفحة 209
انتهى إلى الموضع الذي أدرك فيه الإمام قعد وسلم وقد انتهت صلاته، لقوله صلى الله عليه وسلم: إذا ثوب للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون واتوها وعليكم السكينة والوقار وما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا فإن أحدكم في صلاة ما كان يعمل إلى الصلاة. وفي حديث الشيخين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة اهـ. والله الموفق.
1 - رواه الربيع عن أنس بن مالك ورواه الجماعة إلا الترمذي عن أبي هريرة باختلاف في
بعض الألفاظ (1/209)
صفحة 210
المسلك العشرون
في صلاة السفر
قال الله تعالى: وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا روى الجماعة إلا البخاري عن يعلى بن أمية قال: [قلت لعمر بن الخطاب فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا فقد أمن الناس قال: (عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)] قال في المعجم الوسيط: سفر الرجل سفرا خرج للارتحال. أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر) الحديث رواه البخاري وأحمد عن عائشة رضي الله عنها ولفظه معهما فرضت الصلاة ركعتين ثم هاجر ففرضت أربعا وتركت صلاة السفر على الأول وفيه إشارة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن مكة مسقط رأسه دار سفر له وأن وطنه المدينة دار الهجرة. قال
1 - سورة النساء الآية (101). (1/210)
صفحة 211
الخطابي: مذاهب أكثر علماء الأمصار على أن القصر هو الواجب في السفر وهو قول علي وعمر وابن عمر وابن عباس وجابر وروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز وقتادة والحسن. قال حماد بن سليمان: يعيد من يصلي في السفر أربعا "" فلهذه الأدلة وبما روي عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته، لهذا كله أجمع علماؤنا على وجوب قصر الصلاة في السفر إذا تجاوز عمارة وطنه بستة أميال لما روى البخاري ومسلم وأبو داؤد والترمذي والنسائي وأحمد من طرق متعددة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعا وصليت معه العصر بذي الحليفة ركعتين))، وفي والنسائي وأحمد والبيهقي عن شرحبيل بن السمط قال: (رأيت عمر صلى بذي الحليفة ركعتين فقلت له: فقال إنما أفعل كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل)، قال ياقوت في معجم البلدان: ذو الحليفة قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة. ولا حد لقصر الصلاة معهم ولو طال السفر لما روى أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة عام الفتح خمسة عشر يوما يقصر الصلاة وهو لا ينوي الإقامة بها، ورواه أحمد والبخاري وأبو داؤد وابن
1 - معالم السنن ج 2 ص (47 و 48).
2 - رواه الجماعة إلا البخاري عن يعلى بن أمية.
مس (1/211)
صفحة 212
ماجه عن ابن عباس وزاد بعضهم سبع عشرة يوما وبعض تسع عشرة يوما وبعض قال: أقام عشرين يوما وهو يقصر الصلاة، وفي مسند أحمد أن ابن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة فيها. وفي رواية أربعة أشهر. وأجازوا لمن قصد سفرا أن يقصر حينما يخرج من عمران بلده قبل مجاوزة الفرسخين ويلازم القصر حتى يعود ويدخل عمران بلده. روى البخاري عن علي بن أبي طالب قال: خرج فقصر الصلاة وهو يرى البيوت بيوت الكوفة فلما رجع من سفره قيل له: هذه الكوفة فهل نتم الصلاة قال: لا نتمها حتى ندخلها لأنا في حكم المسافرين اهـ "" وألزموا من قصر في موضع التمام أو أتم في موضع القصر التوبة والبدل ما بقي الوقت. واختلفوا في البدل والكفارة إن خرج الوقت وأوجبوا على كل مكلف أن يتخذ لنفسه وطنا ينطلق منه لقصره الصلاة ولفطره في رمضان ولا صلاة لمن لا وطن له لأنه لو جاز له أن لا يتخذ لنفسه وطنا لجاز له أن يقصر الصلاة أبدا لأنه مسافر ولا يصوم رمضان ما دام حيا مع أشياء قد سقطت على المسافر فتنهدم بذلك قواعد الشرع، وعلى الصبي والزوجة والعبد أن يكونوا تابعين لولاة أمورهم. كما أجازوا له الجمع بين الصلاتين بأن يقدم العصر فيصليها مع الظهر والعشاء مع المغرب أو يؤخر الأولى إلى وقت الثانية كله واسع وثابت في السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال إقامته
1 - إرشاد الساري على صحيح البخاري للقسطلاني ص (293).
(206 (1/212)
صفحة 213
وفي حال تحركاته حال سفره، ففي البخاري ومسلم عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل يجمع بينهما فإن زاغت قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب به وفي رواية لمسلم: كان إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر يؤخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينهما. روى الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن معاذ بن جبل قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء قال معاذ: فأخر الصلاة يوماً ثم خرج يصلي الظهر والعصر جميعاً ثم دخل فخرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً) ورواه النسائي بهذا اللفظ. وفي أحمد وأبي داؤد والترمذي عن معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسـ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظـ يجمعها إلى العصر يصليهما جميعاً. وإذا ارتحل بعد أن تزيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم سار وكان إذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء وصلاها مع المغرب. وفي أحمد ومسلم والنسائي عن جابر رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصلاتين بعرفة بآذان واحد وإقامتين وأتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بآذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما ثم اضطجع حتى طلع الفجر) والحديث
ـهر
(207 (1/213)
صفحة 214
الأخير في مسند الربيع عن أسامة بن زيد وفيه بعض اخت
الألفاظ. والله الموفق.
208 (1/214)
صفحة 215
فيه
المسلك الحادي والعشرون
صلاة الجمعة
أسعد
وهي فرض بالإجماع، وكان يسمى في الجاهلية يوم العروبة بفتح العين وضم الراء، وأول من سماها بذلك كعب بن لؤي وقيل قصي ابن حكيم وكلاهما من أجداد النبي صلى الله عليه وسلم وكان يجمعهم، وسمي في الإسلام يوم الجمعة وذلك لما اجتمع الأنصار مع بن زراره بالمدينة وصلوا فيها الجمعة قبل الهجرة بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم حسبما قرره السهيلي في الروض الأنف. ولعله لهذا نظر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب والصحابة رضوان الله عليهم حيث مصر الأمصار السبعة أو الثمانية في البلاد العربية لما توسعت الفتوحات الإسلامية تكريما للعرب، وهي مكة والمدينة والبصرة والكوفة والشام واليمن بمسجد الجند منها الذي بناه معاذ بن جبل رضي الله عنه، ولا تصلى في عدن، والسابع البحرين وعمان مصر واحد، وقيل كل واحد مصر برأسه حتى قيل لو أقيمت في البحرين أجزت عن أهل عمان أو
AC
في صحار أجزت عن أهل البحرين وهي الأحساء، ونقل أبو مسلم نثار الجوهر أن الجمعة تقام في صحار في زمان النبي صلى الله علي وسلم، والمصر الثامن مصر. هذه الأمصار التي رواها أشياخنا في
(209 (1/215)
صفحة 216
جامع ابن جعفر أقدم كتاب في المذهب في القرن الثالث مخطو
منه بعض الأجزاء بوزارة التراث. قال شيخنا السالمي: للإجماع شروط: الأول أن يكون للمجتمعين مستند يستندون إليه من كتاب أو سنة أو اجتهاد سواء كان ذلك المستند قطعيا أم ظنيا، فإن علمنا مستندهم كان ذلك زيادة لنا في الاطمئنانية وتوسعا في العلم وإن جهلناه مع حصول الإجماع منهم وجب علينا أن نحسن بهم الظن وأنهم لم يجمعوا على ذلك إلا وعندهم مستند من قبل الشارع كإجماعهم على تعيين أمصار معينة لإقامة الجمعة فيها في خلافة عمر رضي الله عنه، فإنه عين لها أمصارا ثمانية أو سبعة على اختلاف الروايات ولم ينقل عن واحد منهم إنكار لذلك اهـ. حتى أن أبا عبيدة رضي الله عنه من سلف أئمتنا في القرن الثاني أحد رواة المسند لا يرى صلاة الجمعة في شيء من بلدان الأعاجم. وفي تاريخ دمشق لابن عساكر في تمصير الأمصار قال الحسن البصري: (لا جمعة إلا في الأمصار. فقال له الربيع: ما الأمصار يا أبا سعيد؟ قال: المدينة والبصرة والكوفة والبحرين والجزيرة والشام ومصر). قال الضحاك: (هذه هي البلدان التي جعلها عمر أمصارا رضي الله عنه) وذكر هذا السيوطي صاحب تاريخ الخلفاء اهـ، قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة
1 - " شرح طلعة الشمس " للشيخ العلامة نور الدين السالمي الجزء الثاني ص (83).
2 - " تاريخ دمشق " لابن عساکر ج 2 ص (83).
(210 (1/216)
صفحة 217
من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ... الآيات إلى آخر
السورة *
n\n
والحاصل أن الجمعة فرضت إجمالا كما فرضت
الصلاة والزكاة، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتها وعددها ومحلها وخطبتها وسننها وواجباتها قال الله تعالى: وا وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم *، وهي عند علمائنا من أحكام الظهور كالحدود، وشروطها المتفق عليها ثمانية نظمها الشيخ عبدالله بن ماجد العبري في بيتين قال:
أربع
روط ثـ
بدون
ها فلا تصح الجمع
ام إذن
نداء خطب
ة إقامة
فالمصر هو ما أقره المؤمنون عمر بن الخطاب والصحابة رضوان الله عليهم على أنه صحار مصر عمان والإمام العادل أصله رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون الذين كانوا يقيمونها بعده وتلزم طاعتهم، قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله
1 - سورة الجمعة الآيات (9) إلى (11).
2 - سورة النحل الآية (44).
(211) (1/217)
صفحة 218
وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم * و الجماعة مأخوذة من قوله
تعالى: فاسعوا إلى ذكر الله والنداء من قوله تعالى: إذا نودي للصلاة والوقت وقت الظهر هو وقتها بالإجماع والخطبة مأخوذة من قوله تعالى: إلى ذكر الله، والإقامة مأخوذة من فعلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث لا صلاة جماعة إلا بأذان وإقامة. وفي الجزء الخامس عشر من بيان الشرع للشيخ محمد بن إبراهيم الكندي من علماء القرن الخامس - طبع وزارة التراث - قال: (وأجمعوا على أن الجمعة واجبة على الأحرار البالغين المقيمين الذين لا عذر لهم). وفي البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه
فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع اليهود غدا والنصارى بعد غد اهـ. واشتراط الإمام العدل لها هو قول حبيب بن عمر والد الربيع بن حبيب صاحب المسند وغيره من العلماء ذلك لأن بني أمية معاوية ومن بعده اتخذوا منبر الجمعة سلما لشتم المسلمين وتنفيذا لأهوائهم وفي حديث من عمل عملا أشرك فيه غيري فهو له وأنا أغنى الشركاء عن
1 - سورة النساء الآية (59).
(212 (1/218)
صفحة 219
الشرك
موضوعها.
"" وقد أفسد ابن محبوب صلاة إمام خرج بالخطبة عن
ولم يشترط جابر بن زيد وأبو عبيدة الإمام العدل بل أوجبوا إقامتها حتى مع غير العدل لكن في المصر الممصر بناء على أن مؤسسة الإمام العدل ولهم آراء وأقوال في المطولات كبيان الشرع وشرح النيل والمصنف والمعارج وغيرها من المؤلفات القديمة والحديثة ولا شك أن المجمع عليه لا يصح خلافه وتجاوزه. والمختلف فيه أوسع من الدهناء فهي فرض عين على أهل صحار مع الإمام العادل، وفرض كفاية بالنسبة على من في عمان، وأجمعوا أنها لا تلزم مسافرا ولا امرأة فإن صليا مع الموطنين أجزت عنهما لحديث الدارقطني عن جابر: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة إلا امرأة أو مسافرا أو عبدا أو مريضا) اهـ. وإنما فرضت على النبي صلى الله عليه في طريقه إلى المدينة المنورة في بني سالم بن عوف إيذانا بوصوله وطنه وهو بين مسجد قباء ومسجده الشريف، ولترك النبي صلى الله عليه وسلم لها في سفره. وكذلك الخلفاء الراشدون بعده. حكى الإجماع على عدم وجوبها على المسافر القطب في شرح الدعائم وشارح المغني ابن قدامة، قال الشيخ محمد بن روح بن عربي من علماء القرن الرابع في عمان: (وقد بلغنا أن وارث بن كعب رحمه الله لم يكن صلى صلاة
1 - أخرجه الربيع عن أبي هريرة وأحمد ومسلم وابن ماجه.
213 (1/219)
صفحة 220
الجمعة قصرا بنزوى لأن نزوى وجبال عمان ونواحيها من الرساتيق ليست من الأمصار، قال: ونحن نأخذ بهذا القول، ونرى أن الجمعة بصحار واجبة كان فيها إمام عادل أو إمام جائر، قال: وليس قول من رأى الجمعة قصرا في الرساتيق وأرض الأعاجم من حيث لا يكون فيها إمام به تقام حدود الله بصواب عندنا ولا نرضى ذلك في رأينا غير أنا لا نحكم عليه بالفسق ولا نخلعه عن الإسلام من أجل ذلك إلا أن يخطئ من لم ير رأيه ذلك في صلاة الجمعة قصرا في الأطراف فهو عندنا مخلوع عدو لنا في الدين إذ ظلل بما استحسن من رأيه أئمة المسلمين اهـ من
بيان الشرع. والله الموفق
1 - الجزء الخامس عشر تأليف الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم الكندي من علماء نزوى بعمان
متوفي عام 508 هـ وكتابه في أثنين وسبعين جزءا تم نشره بواسطة وزارة التراث العماني
•
(214 (1/220)
صفحة 221
المسلك الثاني والعشرون
صلاة المريض والخائف على نفسه وماله
أجمعوا على فرائض الصلاة أنها ست وهي أركانها بعد تكبيرة الإحرام وهي الأولى لقوله تعالى: وربك فكبر *، والثانية القيام لقوله تعالى: وقوموا الله قانتين القـ راءة لقوله، و تعالى: فاقرأوا ما تيسر من القرآن، والركوع والسجود لقوله تعالى: واركعوا واسجدوا *، والسادسة القعود لقوله تعالى: الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم *. هذا ما يجب على المستطيع فعله ولا يعذر منه. أما المريض فله حم يختلف، قال صلى الله عليه وسلم: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما
استطعتم
"
1 - سورة المدثر الآية (3). 2 - سورة البقرة الآية (238).
- سورة المزمل الآية (20).
- سورة الحج الآية (77)
ه - سورة آل عمران الآية (191).
6 - رواه الربيع عن انس وأحمد ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة.
(210 (1/221)
صفحة 222
واختلف العلماء في العاجز عن قيام والركوع والسجود
فقيل: يصلي بالإيماء سواء عجز عن الكل أو عجز عن البعض، وقيل عليه أن يأتي بما استطاع من قيام أو ركوع أو سجود لأن كل واحد فرض برأسه، وكذلك صاحب السفينة قيل: يصلي قاعدا ويومئ لركوعه وسجوده، وكذلك من عالج عينيه له أن يصلي مضطجعا ويقرأ صلاته وكأنه يركع ويسجد وكذلك من كان في الماء والطين يومئ لركوعه وسجوده ومثلهم المقيد وراكب الطائرة وكل هذا مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وقوله صلى الله عليه وسلم: صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب، ورواية الوضع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يصلي المريض قائما، فإن لم يستطع فليصل قاعدا، فإن لم يستطع فنائما، فإن لم يستطع فمستلقيا،. وصفة صلاة
" In
فإن لم يستطع فلا يكلف الله نفسا إلا وسـ الإيماء بأن يحني رأسه وجسده للسجود أكثر من إنحنائه للركوع، قال أبو سعيد من سلفنا القدامى: وأحسن القعود عندهم أن يقعد كما يقعد للتحيات في سائر الصلوات. ويضطجع على جنبه الأيمن مستقبلا القبلة، هذا ومن تعذر عليه الإيماء رجع إلى التكبير فيكبر تكبير الصلاة على الميت قيل خمس تكبيرات واختاره أبو سعيد وقيل أربع تكبيرات
1 - رواه أحمد والبخاري عن عمران بن حصين.
2 - " كتاب الوضع " لأبي زكريا ص (271).
(216 (1/222)
صفحة 223
خمس تكبيرات واختاره أبو سعيد وقيل أربع تكبيرات وقيل عدد تكب الصلاة وهذا استحسان من أشياخنا غير واجب، ومن لم يعقل التكبير
كبر له وليه وهذه غاية الاستطاعة، وأجازوا له الاستناد على خشبة أو جدار إن لم يقدر أن يقف مستقيما على رجليه لما روى أبو داؤد عن أم قيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسن وحمل اللحم اتخذ عمودا
•
في الصلاة يعتمد عليه. وأما صلاة الخائف فلا يخلو إما أن يتواقف الزحفان في القتال فقد
ذكر الله تعالى كيفية الصلاة في كتابه العزيز في سورة النساء وذكر المفسرون في كيفيتها وجوها المختار منها:-
- أن يصلي الإمام ركعتين ركعة بطائفة ثم تنصرف تلك الطائفة وتواجه العدو وتأتي الطائفة الأخرى فتصلي مع الإمام الركعة الثانية فيكون للإمام ركعتان وللجيش لكل واحد ركعة واحدة ثم يسلمون جميعا ولا تحيات ولا تشهد عليهم ولا فرق بين المغرب وغيرها ولا سفر ولا حضر عليهم - وأما أن يتداخل الزحفان فإن المصلي يأتي بما أمكنه من إيملء
أو تكبير
•
- وأما أن يخاف نزول العدو عليه سواء في منزله أو على
راحلته قال الله تعالى: فإن خفتم فرجالا أو ركبانا.
1 - سورة البقرة الآية (239).
217 (1/223)
صفحة 224
فإنه يصلي كيفما أمكنه ولو كان راكبا على راحلته قال صلى الله عليه وسلم: إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما
استطعتم. والله الموفق.
(218 (1/224)
صفحة 225
المسلك الثالث والعشرون
صلاة العيدين والتراويح
العيد قيل مشتق من العود وهو واوي قلبت واوه ياء وسمي بذلك لتكراره بتكرار السنين. وقيل تفاؤلا لأنه يعود على من أدركه من الناس
كتسمية القافلة تفاؤلا بالقفول، والسليم وهو اللديغ تفاؤلا بالسلامة
•
www
قال الله تعالى: قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى * قيل: أنها نزلت في صدقة الفطر وصلاة العيد والله أعلم. والرواية متواترة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العيد وحرض عليها وأمر بها حتى أمر بخروج النساء إليها، ولولا الإجماع أنها ليست بفرض لكان هذا التأكيد يوجب فرضها اهـ، ومن كتاب أبي قحطان من علماء القرن الثالث بعمان أجمع فقهاء المسلمين أن صلاة العيد سنة في الأمصار والقرى والجماعة إلى أن قال: ولو أجمع قوم من أهل الأمصار على تركها لكانوا قد تركوا أمرا واجبا يأثمون فيه اهـ
1 - من جامع أبي محمد أحد علمائنا القدامى في القرن الرابع.
2 - سورة الأعلى الآيتان (14 و 15)
•
3 - بيان الشرع للشيخ العلامة محمد بن إبراهيم الكندي من علماء القرن الخامس الهجري،
ج 15 ص (95).
(219 (1/225)
صفحة 226
ويسن فيها التجمل واللباس الحسن والطيب والخروج إلى الجبان، وهما ركعتان بثلاث عشرة تكبيرة أو سبع تكبيرات على الوجوه المشهورة الأول مع أشياخنا المشارقة والثاني مع أشياخنا المغاربة، ثم يخطب بعد الصلاة بخطبة تناسب المقام ففي خطبة عيد الفطر يذكر فيها فضل رمضان وزكاة الفطر واستقبال أشهر الحج، وفي صلاة الأضحى يذكر فيها معالم الحج وواجباته والضحية وما إلى ذلك ولا أذان لهما ولا إقامة. وموضع التكبير خمسا بعد تكبيرة الإحرام في الركعة الأولى وفي الثانية بعد القراءة قبل الركوع خمسا وبعد الركوع قبل السجود ثلاثا، وعلى القول بسبع فأربع بعد الإحرام وثلاث بعد القراءة في الركعة
الثانية
إنما
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (وجد عمر حلة من استبرق تباع في السوق فأخذها فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ابتع هذه فتجمل بها للعيد والوفد، فقال: هذه لباس من لا خلاق له) " وعر وعن أم عطية عند الجماعة قالت: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق والحيض وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن المصلى ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، قلت: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب قال: لتلبسها أختها من جلبابها).
1 - متفق عليه.
220 (1/226)
صفحة 227
التروايح هو المعبر عنه بقيام رمضان سميت بالتروايح لما
يحصل من الاستراحة في كل ركعتين بالتسليم. قال القطب: قام رمضان سنة.
مرغب فيها لا مؤكدة وهي ثماني ركعات زاد أبو بكر ثمانيا وعمر أخرى اهـ، وروى في الإيضاح وقد بلغنا أن النبي صلى
الله عليه وسلم من قيام رمضان ثماني ركعات وهي أربع تسليمات زاد أبو بكر الصديق رضي الله عنه ثمانية أخرى، ثم زاد عمر رضـ
نة سـ
الله عنه ثمانية أخرى، وذلك كله أربع وعشرون ركعة فكان ذلك. لمن بعدهم اهـ """ ولم أقف عليه في كتب السنة. وقد كثرت أقوال السلف في تحديد ركعات التروايح ولم يثبت من ذلك شيء متفق عليه، إلا أن أكثر أشياخنا السالفين يصلون التروايح ثلاثة مقامات ويوترون بثلاث يصلون سحرا ثلاثة مقامات وقد جمعوا بين فعل النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما. وفي المسند أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضي الله عنها قالت: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فصلى بصلاته ناس كثير ثم صلى الليلة الثانية فكثر الناس، ثم تجمعوا في الليلة الثالثة والرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن يفرض عليكم. وذلك في
1 - " الذهب الخالص " لقطب الأئمة ص (201).
2 - الإيضاح للشماخي ص (560).
221 (1/227)
صفحة 228
رمضان) ورواه مسلم أيضا عن عائشة وهو في البخاري عن زيد بن ثابت، وفي مسلم أيضا عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة
فيقول: من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك، ثم كان الأمر
على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر على ذلك
البخاري وابن خزيمة والبيهقي أن عمر رضي الله عنه جمعهم صلاتها جماعة مع أبي ابن كعب وقال: (نعمت البدعة والتي ينامون
عنها خير منها) يشير إلى صلاة السحر. هذا والله الموفق.
222 (1/228)
صفحة 229
المسلك الرابع والعشرون
الوتر والسنن المؤكدة وغير المؤكدة
الوتر لغة الفرد واختلف أشياخنا هل هو فرض أو سنة مؤكدة غير واجب؟ اختار الوجوب جابر بن زيد واختار عدم الوجوب الربيع بن حبيب. ويظهر الخلاف في تاركه عمدا هل عليه كفارة؟ وهو قول محمد بن محبوب. أولا كفارة عليه؟ وهو الأكثر. وهو متعلق بالركعة الأخيرة مسبوق بشفع ووقته ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر عن ابن عباس وابن عمر أنهما سمعا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: الوتر ركعة من آخر الليل "" ووقته من صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، روى الربيع عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوتر بخمس فإن لم تستطع فبثلاث فإن لم تستطع فبواحدة فإن لم تستطع فتومئ إيماء "2" وقال الربيع: قال أبو عبيدة عن جابر بن زيد: (الوتر والرجم والاختان والاستنجاء سنن واجبات)، فأما الوتر فلقول النبي صلى الله عليه
1 - رواه أحمد ومسلم
2 - وأخرجه في مجمع الزوائد عن أبي أيوب وقال: ((على أثره)) ورواه أبو داؤد باختصار ج 2 ص (241).
(223 (1/229)
صفحة 230
وسلم لأصحابه:
إن
، زادكم صلاة سادسة خير لكـ
حمر النعم وهي الوتر وروي
أحمد وأبو داؤد والنسائي عن أبي
بن کعب رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر " بسبح اسم ربك الأعلى، وقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد
الله
" يعني في كل ركعة من الثلاث)). قال شيخنا السالمي رضي عنه: واختار أصحابنا الوتر بثلاث مسبوقة بركعتين يسموهما سنة العشاء فتلك خمس ركعات. وهل يفصل الركعة الأخيرة عما قبلها بتسليمة أم لا؟ اختار بعضهم الفصل وآخرون عدمه والكل مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم. وعن ابن عمر أنه كان يسلم بين الركعتين والركعة حتى أنه كان يأمر ببعض حاجته "" وكان يصليه صلى الله عليه وسلم جماعة كما فعل ذلك عائشة و ابن عباس رضي الله عنهما في غير رمضان. وروى الجماعة عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم أوتر على بعيره. روى الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين وبعد المغرب ركعتين وبعد صلاة العشاء ركعتين وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف الناس ويصلي ركعتين ورواه الترمذي وصححه.
مع
1 - أخرجه الخمسة عن خارجه بن حذافة إلا النسائي وصححه الحاكم ولفظه معهم إن الله أمدكم
بدل زادكم والمعنى واحد
2 - رواه البخاري.
224 (1/230)
صفحة 231
هر أربعا
ها
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داؤد معناه لكن ذكروا فيه قبل الظـ ولعلها سنة الزوال وفي المسند أيضا عن عائشة رضي الله عنـ قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل ثلاث عشرة
ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء للصبح ركعتين خفيفتين
البخاري ومسلم وأحمد عن عائشة قالت: لم يكن النبي عليه وسلم على شيء من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر وفي الإيضاح وغيره من كتب أشياخنا: (من السنن المؤكدة ركعتان بعد المغرب وركعتان قبل فرض الفجر). روى البخاري ومسلم عن عائشة وابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد المغرب ركعتين وروى الترمذي عن ابن مسعود أنه كان يقرأ فيهما وفي
الركعتين قبل صلاة الفجر بقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحـ قال في الإيضاح: (عن علي بن أبي طالب قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: ومن الليل فسبحه وأدبار
السجود
2
" قال:
الركعتان بعد صلاة المغرب قال، في زاد المسير في علم التفسير: للمفسرين في هذا التسبيح ثلاثة أقوال: أحدها أنه الركعتان بعد المغرب. روي عن عمر وعلي والحسن بن علي وأبي هريرة والحسن ومجاهد والشعبي والنخعي وقتادة في آخرين وهو رواية
1 - أخرجه الربيع عن أبي أيوب الأنصاري، وأخرجه الترمذي عن عبدالله بن السائب. 2 - سورة ق الآية (40). (1/231)
صفحة 232
العوفي عن ابن عباس، الثاني النوافل بعد المفروضات، الثالث التسبيح
باللسان في إدبار الصلوات المكتوبة).
وعن عائشة: كان لا يدع ركعتي الفجر في السفر ولا في
الحضر ولا في الصحة ولا في السقم
ومن السنن المؤكدة ركعتا الطواف بعد كل أسبوع، ومن فاتتاه بعد حج أو عمرة لزمه دم لأنهما واجبتان وموضعهما المسجد الحرام ولا وقت لهما على المختار لكن تمنع الصلاة عند الطلوع والغروب. قال الله تعالى: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى * روى أحمد ومسلم والنسائي عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انتهى إلى مقام إبراهيم قرأ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلي فصلي رکعتين فاتحة الكتاب، وقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد ثم
فقرا هم
عاد إلى الركن فاستلمه ثم خرج إلى الصفا
•
- ومن السنن المرغب فيها ركعتان عند خسوف القمر وكسوف
الشمس
- ومن السنن المرغب فيها ركعتان للإستسقاء، وبعدهما خطبة
وتضرع، وأن تكون بإجتماع خارج البلد
1 - " الجامع الكبير عن تاريخ الخطيب " ج 2 ص (371). 2 - سورة البقرة الآية (125).
رواه الربيع عن ابن عباس ورواه أحمد والبخاري ومسلم.
4 - رواه أرباب السنن من طرق متعددة.
226 (1/232)
صفحة 233
- ومن السنن المرغب فيها صلاة الضحـ، أقلها ركعتان
وأكثرها ثمان
- ومن السنن المرغب فيها تحية المسجد
- ومن السنن المرغب فيها قيام الليل لما روي أن النبي الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: يا عبدالله
لا تكن مثل فلان كان يقوم من الليل فترك قيام الليل ون عليه السلام لا يفوته.
وكان
كالغلاف
وعلى كل حال فالصلاة خير موضوع من شاء فليقلل ومن شاء فليكثر أخرج معناه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة وهي للفرض وتكمل الفريضة المختلة بناقص لم يعلم. وفي البخاري في باب التواضع عن أبي هريرة قال: قال: رسـ ول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عزوجل قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب لي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإن أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه،
1 - رواه جابر بن زيد بلاغا من أم هاني ورواه أحمد ومسلم وابن ماجه عن عائشة. 2 - رواه جابر بن زيد موقوفا، ورواه الجماعة عن أبي قتادة.
3 - ذكره القطب في الذهب الخالص
(227 (1/233)
صفحة 234
وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته وقوله: وما ترددت، يعني ما ترددت رسله، وأضاف ذلك إلى نفسه تكريما لشرف أوليائه ورفعة منزلتهم حتى أنه لو تأتى أن لا يذيقهم الموت الذي حتمه على عباده لفعل، فكيف والموت يفضي بهم إلى دار السعادة من دار المحنة والبلاء والصلاة أحد الأبواب إلى المولى جل وعلا قال الله تعالى: واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين
والله الموفق.
1 - سورة البقرة الآية (45). (1/234)
صفحة 235
المسلك الخامس والعشرون
أحكام تجهيز الميت
2
قال الله جل وعلا: كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور "" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله فإن نفس المؤمن تخرج رشحا ونفس الكافر تخرج من شدقه كما تخرج نفس الحمار ومن كتاب السير وغيره من كتب أشياخنا) دخل ثابت البناني على جابر بن زيد حين احتضر فقال: هل تشتهي شيئا؟ قال: إني لأشتهي أن ألقى الحسن البصري قبل أن أموت. فخرج ثابت فأعلمه بقول جابر وكان من الحجاج فركب بغل ثابت على السرج وركب خلفه ثابت بطيلسانه، فلما دخل على أبي الشعثاء وهو مضطجع انكب عليه الحسن وهو يقول: قل لا إله إلا الله، فرفع جابر عينيه وهو يقول: أعوذ بالله من غدو أو رواح إلى النار، فقال: يأبا سعيد يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانهم لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمان
1 - سورة آل عمران الآية (158)
رواه الطبراني عن ابن مسعود.
•
مسـ
تخفيا
229 (1/235)
صفحة 236
1
خيراً. فقال الحسن: هذا والله الفقيه العالم، ثم قال: يا أبا سعيد أخبرني عن حديث ترويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المؤمن إذا حضرته الوفاة، فقال: قال عليه السلام: إن المؤمن إذا حضرته الوفاة وجد برداً على كبده فقال جابر: الله أكبر اللهم إني أجد برداً على كبدي ونفساً طامعة في لقاء ربي، ثم قبض رحمة الله عليه) ونقل
2
القصة الشيخ محمد بن راشد الخصيبي عن ابن الجوزى من الشافعية
لا مانع من إيرادها لما بها من الفوائد قال: (لما حضرت جابر بن زيد ذلك الوفاة قيل له: ما تشتهي؟ قال: نظرة في وجه الحسن، فبلغ الحسن فجاءه ودخل عليه فقال له: يا جابر كيف تجدك قال: أجد أمر الله غير مردود، يا أبا سعيد حدثني حديثاً سمعته عن رسول الله صلـ الله عليه وسلم، فقال الحسن: يا جابر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن من الله على سبيل خير إن تاب قبله، وإن استقاله أقاله، وإن اعتذر قبل عذره، وعلامة ذلك أن يجد برداً على قلبه قبل
أن تخرج روحه فقال جابر: الله أكبر إني لأجد برداً على قلبي، ثم
"
قال: اللهم إن نفسي تطمع في ثوابك فحسن ظني وآمن جزعي وخوفي. ثم تشهد ومات رضي الله عنه) اهـ. ومما تفرد به جابر بن زيد أيضاً أجاز ليزيد بن المهلب بن أبي صفرة أن يكبر على أبيه ثلاث تكبيرات
1 - سورة الأنعام الآية (158).
- - الزمرد الفائق في الأدب الرائق " للشيخ محمد بن راشد الخصيبي ج 1 ص (228).
230 کرم (1/236)
صفحة 237
لما توفي المهلب. وفي الاستدراك للدار قطني وغيره عن ابن عباس
وأنس وجابر بن زيد وابن سيرين أن التكبير ثلاث لا غير
وحقيقة الموت يعتبر بجس العرق الذي بين الكعب والعرقوب، وبجس عرق في الدبر ومن علامات الموت سكون الحركة من بدنه كله وبرودة جسده وتغير لونه وانقطاع نفسه، وكذلك يعتبر الحامل موتها كفة الميزان أو ما أشبهه على سرتها فما دامت الكفة تتحرك فهي
بوضع
حية. والأفضل التعجيل بتجهيز الميت ومواراته لقوله صلى الله عليه
وسلم: لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله وفي الذهب الخالص: (وندب تلقين المحتضر الشهادة إجماعا إلى قوله: وتوجيهه للقبلة عند المعاينة وعلاماتها إحداد البصر واشخاصه، وعنه صلى الله عليه وسلم: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله ووجهوهم إلى القبلة وأغمضوا بصرهم فإن البصر يتبع الروح)
2
اهـ
،
والقيام بجهاز الميت المسلم ومواراته والصلاة عليه وتكفينه، كلها من فروض الكفاية، وأخص الناس به أقاربه ما وجدوا وذلك مأخوذ من قوله جل وعلا في قصة ابني آدم فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا
1 - رواه الربيع عن ابن عباس ورواه في الإيضاح عن أبي سعيد ورواه أبو داؤد وغيره في الجنائز
- - الذهب الخالص " للشيخ القطب ص (188).
(231 (1/237)
صفحة 238
ـند
الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين *، ومن المسـ أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عيه وسلم: عليكم بهذه الثياب البيض ألبسوها أحياءكم وكفنوا فيها موتاكم فإنها خير ثيابكم، ولا تكفنوهم في حرير ولا مع شيء من الذهب، لأنهما محرمان على رجال أمتي، ومحللان لنسائهم وروى الربيع تعليقا، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: موتاكم ولم أجده بهذا اللفظ ومعناه مجمع عليه، وفي المسـ ند أبو عبيدة قال: بلغنا عن محمد بن سيرين قال: قالت أم عطية
بماء
اغسلوا
الأنصارية: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفيت ابنته فقال: اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك اء وسدر، واجعلن في الآخرة شيئا من الكافور، فإذا فرغتن فأذنني. فلما فرغنا آذناه، فأعطانا حقوه فقال: أشعرنها إياه قال الربيع: الحقو: الإزار، وقوله أشعرنها إياه: أي تقينها إياه. والحديث أخرجه أحمد وأبو داؤد بألفاظ مختلفة عن ليلى بنت قانف الثقفية وسمى ابنته بأنها أم كلثوم وقيل زينب ورواه البخاري ومسلم عن أم عطية وزاد إبدأن بميامنها ومواضع الوضوء فظفرن شعرها ثلاثة قرون
فيه
#
فألقيناها خلفها اهـ
1 - سورة المائدة الآية (31).
أحمد عن جابر عن رسول الله صلى الله وروي
2 - أخرجه الشافعي وأحمد وأصحاب السنن إلا النسائي.
232 (1/238)
صفحة 239
عليه وسلم قال: إذا اجمرتم الميت فأجمروه ثلاث
وروى أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: سئل رسول الله صلى الله
ثم يعمم
عليه وسلم عن امرأة ماتت فأمر بتفريق شعرها عند غسلها قالت: وصفة غسل الميت كصفة الغسل من الجنابة بأن ينظف من النجاسة، وتغسل عورته بيد ملفوفة بخرقة، ثم يوضى وضوء الصلاة، بالماء يمينا فشمالا، ثم يعمم بماء فيه سدر، ثم يغسل عن السدر، ويكفن بعد أن ينشف من الماء في ثلاثة أثواب قميص وسروال ولفافة، ولا مانع من الزيادة وأن تكون وترا. واختلفوا إذا ماتت امرأة مع رجال أو رجل مع نساء فقيل يغسلون من وراء الثياب وقيل يتيمم لهما. وإن كان الميت مدنفا أو يتأثر بالتغسيل فإنما يتيمم له. وأما شهيد المعركة فلا يغسل لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن عباس قال: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد بالشهداء أن ينزع
2
عنهم الحديد والجلود وقال: ادفنوهم بدمائهم وثيابهم). وقد کفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب صحارية وفي رواية سحولية كما في ابن هشام وغيره من كتب السير والحديث ليس فيها قميص ولا عمامة بل إزار ورداء ولفافة، ويستحب وضع ذريرة مطيبة
1 - الحديث لم أجده في شيء من كتب الحديث ويجمع بينه وبين حديث أم عطية أن الذي فعلته في شعر ابنة النبي صلى الله عليه وسلم حيث ظفرته من تلقاء نفسها لا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي تختاره الحنفية أعني تفريق شعرها بعد الغسل. اهـ.
2 - والحديث في مسند الربيع بغير هذا اللفظ.
233 کريم (1/239)
صفحة 240
في قطن يلف بها الميت حال التكفين وتوضع في مواضع سجوده
ومباطنه ووجهه وعورته ثم يلف عليه الكفن ويربط بالخيط
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم " واختلف في معنى الإسراع فقيل: المطلوب سرعة تجهيزه وقيل: سرعة الجري عند حمله، وعلى كل حال فالسرعة هنا. سرعة لا تفض إلى المشقة على الحامل ي والمحمول. وفي البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من تبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً وكان معها حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع بقيراطين كل قيراط مثل قال في سبل السلام شرح بلوغ المرام للعلامة الصنعاني تنبيه في حمل الجنازة. أخرج البيهقي في السنن الكبرى بسنده إلى عبدالله بن أنه قال: (إذا تبع أحدكم الجنازة فليأخذ بجوانب السرير الأربعة ثم ليتطوع بعد أو يذر فإنه من السنة) وأخرج بسنده أن عثمان حمل بين
أحد
مسعود
" Y"
العمودين سرير أمه فلم يفارقه حتى وضعه اهـ " قال في
الإيضاح
: فإذا حملوه فليخرجوا رأسه أولاً، وكذلك يقدمون رأسه
1 - متفق عليه
2 - السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص (139).
- " الإيضاح " للشماخي ص (592). (1/240)
صفحة 241
في حال سيرهم ولا يخبوا خبيب اليهود ولا يدبوا دبيب النصارى. قال: وفي أثر أصحابنا رحمهم الله، وقيل يستحب أن يقال خلف الجنازة: لا إله إلا الله الحي الذي لا يموت وكل ذكر الله حسن. وعند محمد بن محبوب رحمه الله أحد علمائنا في القرن الثالث: يكره الكلام عند خروج الجنازة حتى يرجع من القبر وقال من قال: حتى يقع رش الماء. وقيل: كلم الحسن رجل خلف الجنازة فقال: في شغل، وقيل: تمام الجنازة الأخذ بأكنافها الأربعة والصمت فيها. وروي أن جابر بن زيد رحمه الله كان لا يتكلم خلف الجنازة. انتهى ما في الإيضاح. وقال في موضع آخر: وأما من يشيّعه فالمتأخر منهم أفضل من المتقدم لأن الجنازة متبوعة. وقد رأيت في بعض الكتب أن النبـ
اه
صلى الله عليه وسلم قال: الجنازة متبوعة وليست بتابعة قلت والحديث أخرجه ابن ماجه عن ابن مسعود زاد في آخره ليـ منا من تقدمها وفي البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت: قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين يذهبون بها يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعها الإنسان لصعق. والله الموفق. (1/241)
صفحة 242
السلك السادس والعشرون
الصلاة على الميت
وأما الصلاة على الميت فإنها كما قدمنا أنها من فروض الكفاية وأن أحق الناس بالميت أقربوه، فهم الذين يأمرون بالصلاة عليه، أو يؤخذ الأذن منهم تكريما لهم وجبرا لمصيبتهم، فإن لم يأمروا أولم يوجد له أقارب صلى عليه أولى الناس بالإمامة. روى الربيع بن حبيب في الجزء الثالث من مسنده سمعت جابر بن زيد عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الصلاة جائزة خلف كل بار وفاجر، وصلوا على كل بار وفاجر - وفي هذا ما يدل على أن الربيع أدرك جابر بن زيد رضي الله عنهما - والحديث رواه الطبراني عن ابن عباس بلفظ صلوا على من قال لا إله إلا الله. وفي المسند أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أولى بالصلاة على الميت أفضل القوم ورعا وأسنهم في ذكـ
الله
واختلفوا في التكبير على الميت والراجح أن يكون بأربع تكبيرات لما روى الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى للناس النجاشي في اليوم الذي
236 (1/242)
صفحة 243
مات فيه وخرج بهم إلى المصلى وصفهم وكبر أربع تكبيرات والحديث رواه الجماعة بألفاظ فيها زيادة ونقص عن جابر وأبي هريرة
و عمران بن حصين وكلهم متفقون على عدد التكبير إلا ما روي عن جابر بن زيد أنها ثلاث. واختار أشياخنا قراءة الفاتحة مرتين: بعد التكبيرة الأولى مرة، وبعد التكبيرة الثانية مرة، وبعد التكبيرة الثالثة يدعوا المصلي بما فتح الله له فيدعو للرجل الصالح بسعادة الآخرة ويدعو لغيره بمثل ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم *، ثم يصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكبر ويسلم. وعن جابر رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر على جنائزنا أربعا وقرأ بفاتحة الكتاب في التكبيرة الأولى، وعن طلحة بن عبد الله الخزاعي قال: صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ فاتحة الكتاب
فقال: (لتعلموا أنها سنة). وليقف على رأس الرجل وصدر المرأة وقيل بالعكس. وكان الإمام أفلح لا يرى التوجيه في الصلاة على الميت لازما والإمام أفلح من الأئمة الرستميين في المغرب في القرن الثالث وكان هاشم بن غيلان في زمانه في عمان يرى التوجيه كما أن هاشما
1 - سورة غافر الآية (7).
2 - رواه الشافعي
- رواه البخاري وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه والنسائي
237 کرم (1/243)
صفحة 244
يروي عن موسى بن أبي جابر أحد حملة العلم عن الربيع أنه يقرأ ف الصلاة على الميت الفاتحة مرتين، ويروى أن الربيع ابن حبيب ب يقرأها
مرة واحدة، ومن كتاب المصنف مؤلفه من علماء القرن السادس وعن رجل صلى بقوم على جنازة فكبر أربعا بغير قراءة قال: لا بدل موسى عليه، وقال الأزهر: إن علم ذلك في مقامه أبدلوا وإن لم يعلم حتى ينصرف فلا بدل عليه والحاصل أن عندهم أن أركان الصلاة على الميت هي التكبير والقيام واختلفوا في القراءة هل هي من الأركان أم لا؟.
والله الموفق.
238 (1/244)
صفحة 245
المسلك السابع والعشرون
الدفن
قال الله تعالى: * ثم أماته فأقبره القبر من كرامة الإنسان ليكون حاله مخالفاً لحالة الحيوان وقال جل وعلا: ألم نجعل الأرض كفاتا * أحياء وأمواتا. وينبغي أن يكون عمق القبر وعرضه على حسب طول الميت وعرضه. وعمقه إلى الركبة وإلى ثلاثة أذرع أو بقدر ما يوارى الميت ويمنعه من السباع وعن أنس عند أحمد وابن ماجه (لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رجل يلحد وآخر يضرح، فقالوا: نستخير ربنا ونبعث إليهما فأيهما سبق تركناه، فأرسل إليهما فسبق صاحب اللحد فلحدوا له)، والشق وهو الضريح وسط القبر واللحد في جانب منه على جهة القبلة. وفي النسائي والترمذي عن هشام بن عامر قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فقلنا: (يا رسول الله الحفر علينا شديد لكل إنسان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احفروا واعمقوا واحسنوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد فقالوا فمن نقدم يا رسول الله؟
1 - سورة عبس الآية (21).
2 - سورة المرسلات الآيتان (25 و 26).
(239 (1/245)
صفحة 246
قال: قدموا أكثر هم قرآنا وكان أبي ثالث ثلاثة
واحد) اهـ.
وفي الإيضاح إن لم يجدوا أرضا للدفن فعلـ القائمين بدفنه شراؤها من أموالهم لأنه من واجبهم وما لا يتم به الواجب فهو واجب، وهذا بخلاف الكفن فإنه من رأس مال الهالك. ويقال: باب القبر من جهة رجليه. وفي أبي داؤد عن ابن إسحاق قال: أوصى الحارث أن يصلي عليه عبدالله بن يزيد فصلى عليه ثم أدخله القبر من قبل رجلي القبر وقال: هذا من السنة. وينزل معه القبر ثلاثة أو أربعة ويضعوه في مضجعه، والأولى بهذا أقاربه إن أمكن والمرأة يقف في وسطها زوجها أو ذو رحم منها. وإن لم يوجد فالصالح من الحاضرين. قائلين: " بسم الله وعلى ملة رسول الله منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ي). وعن ابن عمر عند أحمد وأبي داؤد والنسائي: إذا وضعتم موتاكم في القبور فقولوا: (بسم الله وعلى ملة رسول الله (وأخرج الحاكم والبيهقي أنها لما وضعت أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: منها خلقناكم الآية. وفي حديث القاسم بن محمد أبي داؤد قال: دخلت على عائشة رضي الله عنها فقلت: (يا أماه اكشفي لي عن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه فكشفت له
عند
1 - سورة طه الآية (55).
(240 (1/246)
صفحة 247
عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحة العرصة الحمراء،
ورأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدما وأبو بكر رأسه بين كتف رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر رأسه عند رجلي رسول الله صلى الله عليه وسلم) وفي البخاري من حديث سفيان التمار أنه رأى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم مسنما أي مرتفعا كهيئة السنام. وكانت وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين عندما زاغت الشمس لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، ودفن يوم الثلاثاء وقيل يوم الأربعاء وتولى غسله ودفنه علي والعباس وأسامه وفي رواية أدخلوا معهم عبدالرحمن بن عوف وفي رواية اشترك وصالح شقران وقثم بن العباس وسوى لحده رجل من الأنصار. وبعد وضعه في قبره مستقبل القبلة على شقه الأيمن يسقف عليه بالألواح أو اللبن وينثر عليه حصباء تسد الخلل بينهما، وتخلط بتراب مبلول بماء ثم يهال عليه التراب وتوضع عليه العلائم. روى ابن ماجه عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعلم قبر عثمان بن مضعون بصخرة: وعن جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليـ
معهم
الفضل
بن العباس
وسلم رش على قبر ابنه إبراهيم ووضع عليه حصباء
وروى شيخنا السالمي في المعارج حديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأم، وأسرعوا
1 - رواه الشافعي
(241 (1/247)
صفحة 248
البقرة
به إلى قبره، وليقرأ عند رأسه فاتحة البقرة وعند رجليه بخاتمة قلت: والعمل بأن يقرأوا فاتحة الكتاب بعد الفراغ من الدفن خاتمة لاجتماعهم. وفي مجمع الزوائد عن ابن عمر أيضا قال: وليقرأ عند رأسه بفاتحة الكتاب، وعند رجليه بخاتمة سورة البقرة، وحديث المعارج رواه في مجمع الزوائد عن ابن اللجلاج قيل للشيخ ناصر بن خميس - من علماء دولة اليعاربة في القرن الحادي عشر – نراهم يضربون بمسحاة حول القبر ضربتين واحدة في جانبه والثانية فوق القبر يفعلون ذلك دائر القبر أذلك يستحب أم لا؟ قال: لا يضيق ذلك إن كان لمعنى صلاح، وسوغ ذلك أبو نبهان جاعد بن خميس
والغرض منه تنفير الكلاب والسباع عن العبث بالميت
•
الله عنه
وعادتنا في عمان بعد الفراغ من دفن الميت يجتمع أقاربه في جانب من المقبرة ويصافحهم المشيعون تعزية ومواساة لمصابهم. وفي ابن ماجه عن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه عزوجل من حلل الكرامة يوم القيامة وفي أحمد وابن ماجه عن الحسين بن علي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة ويذكرها وإن قدم عهدها ويحدث لذلك استرجاعا إلا جدد الله تبارك وتعالى له عند ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم
أصيب
(242 (1/248)
صفحة 249
وينهى عن تجصيص القبور وعمارتها لما رواه الربيع عن ابن عباس وأحمد ومسلم وأبو داؤد والنسائي والترمذي من حديث جابر أن
النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تفصيص القبور أي
•
تجصيصها ويصح البكاء على الميت ويحرم الصراخ والنواح ولطم الخدود وشق الجيوب. وعن عائشة عند أحمد أن سعد بن معاذ لما مات حضوه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر. قالت: فوالذي نفسي بيده أني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر وأنا في حجرتي. وعن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوة الجاهلية رواه مسلم وفيه عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها. إلا أجره الله في
?
مصيبته وأخلف له خيرا منها قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت: كما
أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخلف الله لي خيرا منه رسول
الله صلى الله عليه وسلم. والله الموفق.
(243 (1/249)
صفحة 250
المسلك الثامن والعشرون
في عذاب القبر
اختلف أشياخنا في عذاب القبر، والثابت معهم وجوده للأحاديث الصحيحة المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولقوله جل وعلا: أغرقوا فأدخلوا نارا *، النار يعرضون عليها غدوا
وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب * وقوله تعالى: سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم * فالعذاب الأول إقامة الحدود، والثاني عذاب القبر، والثالث عذاب النار. وفي مسند الربيع عن جابر قال: بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مر برجلين يعذبان في القبر فقال: يعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فقد كان لا يستبريء من البول، وأما الآخر فقد كان يمشي بين الناس بالنميمة، قال أبو عبيدة: وكان جابر ممن يثبت عذاب القبر. الحديث رواه أيضا البخاري والنسائي عن ابن عباس وهو عند النسائي أيضا عن ابن عباس قال: (مر رسول الله صلى الله عليه
1 - سورة نوح الآية (25). 2 - سورة غافر الآية (46). - سورة التوبة الآية (101). (1/250)
صفحة 251
وسلم بحائط من حيطان المدينة سمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعذبان وما يعذبان في كبير ثم قال: بلى كان أحدهما لا يستبريء من بوله وكان الآخر يمشي بالنميمة، ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين فوضع على كل قبر منها كسرة فقيل له: يا رسول الله لم فعلت هذا؟ قال: لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا أو إلى أن ييبسا (ومعناه لا يعذبان في كبيرة في ظنهما وهما كبيرتان عند الله تعالى ولا شك أنهما من كبائر الذنوب إذ لا صلاة لمن لا يتوق البول. وكذلك النميمة عظيم شأنها وكثير من العمانيين يحملون الميت في سعف النخيل وجريده كهيئة النعش وبعد دفن الميت يضعونها على القبر. وفي المسند أيضا الربيع عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوتا حين غربت الشمس فقال: هذه أصوات اليهود يعذبون في، والحاصل أن الشيخ عبد العزيز الثميني قال في كتابه معالم الدين: إن الأحاديث الدالة على عذاب القبر متواترة. وفي مسند الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا
قبورهم
" n
1 - والحديث أخرجه النسائي والطبراني موصلا
(245 (1/251)
صفحة 252
والممات والحديث رواه مالك في الموطأ، ومسلم، ونص الحديث في صحيح مسلم من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم في حائط لبني النجار على بغلة له ونحن معه إذ حادت به فكادت تلقيه وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة قال: كذا كان يقول الجريري فقال: من يعرف هذه الأقبر؟ فقال رجل: أنا قال: فمتي مات هؤلاء؟ قال: ماتوا في الإشراك. فقال: إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: * تعوذوا بالله من عذاب النار. فقالوا: نعوذ بالله من عذاب النار. فقال: تعوذوا بالله من عذاب القبر. فقالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر. فقال: تعوذوا من الفتن ما ظهر منها وما بطن. قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر ومنهـ وما بطن. قال: تعوذوا بالله من فتنة الدجال. قالوا: نعوذ بالله من اهـ. والله الموفق.
الدجال
فتنة
(246 (1/252)
صفحة 253
المسلك التاسع والعشرون
في فرض الصلاة وقصة المعراج
وفي البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان أبو ذر رضي الله عنه يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فرج عن سقف بيتي وأن بمكة فنزل جبريل عليه السلام ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا وأفرغه في صدري ثم أطبقه ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا، فلما جئت إلى السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء الدنيا: افتح، قال: من
هذا؟ قال: جبريل، قال: هل معك أحد؟ قال: نعم معي محمد صلي الله عليه وسلم، فقال: أرسل إليه، قال، فلما فتح علونا إلى السماء الدنيا فإذا رجل قاعد عن يمينه أسودة وعلى يساره أسودة إذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال: مرحبا بالنبي الصالح والإبن الصالح، قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم عليه السلام، وهذه الأسودة التي عن يمينه وشماله نسم بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، حتى عرج بي إلى السماء الثانية فقال لخازنها: افتح، فقال له خازنها: مثل ما قال الأول. ففتح. فقال
247 (1/253)
صفحة 254
أنس: وذكر أنه وجد في السموات آدم وإدريس وموسى و.
6
أنه
وجد آدم في
جبريل مر
وإبراهيم صلوات الله عليهم ولم يثبت كيف منازلهم غير السماء الدنيا وإبراهيم في السماء السادسة، قال أنس: فلما بالنبي صلى الله عليه وسلم بإدريس قال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح، فقلت من هذا؟ قال: هذا إدريس ثم مررت بموسى عليه السلام فقال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح، فقلت من هذا؟ قال: هذا موسى، ثم مررت بعيسي عليه السلام فقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا عيسى ثم مررت بإبراهيم عليه السلام فقال: مرحبا بالإبن الصالح والنبي الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا إبراهيم صلى الله عليه وسلم قال ابن شهاب: فأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حية الأنصاري كانا يقولان: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف الأقلام. قال ابن حزم وأنس بن مالك: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ففرض الله عزوجل على أمتي خمسين صلاة فرجعت بذلك حتى مررت بموسى عليه السلام، فقال: ما فرض الله لك على أمتك؟ قلـ ت: خمسين صلاة، قال فارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فرجعت فوضع عني شطرها، فرجعت إلى موسى قلت: وضع عن شطرها، فقال: ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق، فرجعت فوضع شطرها،
248 (1/254)
صفحة 255
فرجعت إليه فقال: ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعت فقال: هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي، فرجعت إلى، فقال: ارجع إلى ربك. فقلت: قد استحيت من ربي، حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى وغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثم أدخلت الجنة فإذا فيها حبائل اللؤلؤ وإذا ترابها المسك به اهـ
موسى
انطلق بي.
والله الموفق.
(249 (1/255)
صفحة 256
الزكاة
في أن عشره (1/256)
صفحة 257
المسلك الأول
يف بالزكاة ودلـ
وهي لغة النماء وترد بمعنى التطهير، وفي الشرع: اسم لما يخرج من مال عن مال وبدن على وجه مخصوص لطائفة مخصوصة. وهي من العبادات المالية، المعدودة الركن الثاني بعد الصلاة، ولم يذكر الله تعالى في كتابه العزيز الصلاة غالبا إلا وأتبعها بالزكاة، وقد أجمع الصحابة في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنهم على قتال مانعها قال الله تعالى: فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في ' وفي مسند الربيع بن حبيب بسنده عن ابن عباس عن النبي
الدين صلى الله عليه وسلم: لا صلاة لمانع الزكاة قالها ثلاثا والمتعدي فيها
كمانعها
?
قال الربيع: المتعدي فيها هو الذي يدفعها لغـ أهلها. ـير
قلت: ومثله الذي يدفع بها مغرما أو يجلب بها مغنما، والحديث لم أجده في شيء من كتب الحديث ورأيت في مجمع الزوائد عن ابن مسعود موقوفا قال أمرنا بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ومن لم يزك فلا
1 - سورة التوبة الآية (11). (1/257)
صفحة 258
صلاة له "" وقال جل وعلا: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم
2
اذا إلى
ولاهم يحزنون * وفي البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معـ اليمن فقال: ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم. واختلفوا متى فرضت والراجح أنها فرضت في مكة قبل الهجرة إجمالا وفصلت بعد الهجرة في السنة الثانية. وهي تطهر المال من الخبث وتقيه من الآفات وتقي النفس من رذيلة البخل وتثمر لها فضيلة الكرم ويستجلب بها البركة في المال ومدح المخرج عنه. وأشرك مستحل تركها ونافق تارك إنفاذها تهاونا، ومن أهمل إخراجها سنينا ثم تاب قيل عليه أن يخرج عن كل سنة مضت، وقيل يجزي زكاة السنة الأخيرة مع التوبة
وتجب على كل بالغ و عاقل مسلم مالك نصابا ملكا تاما إجماعا، واختلفوا في وجوبها على اليتيم والعبد والذمي والمديون وأصل الخلاف
هل هي عبادة فلا توجه فرضيتها عليهم أو حق لمحتاج على غنـ
ي
1 - وروى الترمذي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: و المعتدي
في الصدقة كمانعها.
2 - سورة البقرة الآية (277)
3 - والحديث أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه
(252 (1/258)
صفحة 259
وفي مسند الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس في الجارة ولا في الكسعة ولا في النخة ولا في الجبهة صدقة قال الربيع: الجارة: الإبل التي تجر بالزمام وتذهب وترجع بقوت أهل البيت، والكسعة: الحمير، والنخة: الرقيق، والجبهة: الخيل. قال أبو عبيدة: ليس في شيء من
?
هذا صدقة ما لم تكن للتجارة. قال ابن الأثير في النهاية "": ومنه الحديث لا صدقة في الإبل الجارة فاعلة بمعنى مفعولة كارض غامرة بمعنى مغمورة بالماء أراد ليس في الإبل العوامل صدقة اهـ وفي الزكاة ما يشترط في إخراجه تمام الحول كالنقدين والتجارة والمواشي ومنه ما لا يشترط كالتمور والحبوب، روى أبو داؤد وابن ماجه عن علي ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والحديث خاص بالنقدين والتجارة والمواشي وأما التمور والحبوب فدليله قوله جل وعلا: وآتوا حقه
حصاده يوم
والله الموفق.
1 - النهاية لابن الأثير ج 1. 2 - سورة الأنعام الآية (141).
(253 (1/259)
صفحة 260
المسلك الثاني
فيما يجب إخراج الزكاة منه والدليل عليه
والأصناف التي تجب فيها الزكاة بالإجماع فهي الذهب والفضة وهما أثمان الأشياء والتجارة والسلت والبر والشعير والتمر والزبيب والنعم وهي: الإبل والبقر والجواميس والضأن والمعز، ويحمل الذهب على الفضة والبر على الشعير والبقر على الجواميس والضأن على المعز لأنها كجنس واحد، قال شيخنا السالمي رضي الله عنه في الجوهر:
والس
ــات
أقش
الشـ
عير
وقي
النظر
ـير
وقيدوا وجوبها في النعم إن كانت سائمة واختلفوا في غير السلئمة وهي المعلوفة في المنزل فقيل فيها الزكاة وقيل لا زكاة فيها. قال في الإيضاح: وسبب اختلافهم معارضة دليل الخطاب للعموم وذلك أن دليل الخطاب في قوله عليه السلام: ليس في سائمة الرجل صدقة حتى تتم الأربعون يقتضي أن لا زكاة في غير السائمة وعموم قوله عليه السلام في الأربعين شاة يقتضي أن غير السائمة في هذه بمنزلة السائمة،
254 (1/260)
صفحة 261
وحديث تقييدها بالسائمة في الإبل أخرجه أبو داؤد وأحمد وا د والنسائي وصححه الحاكم عن بهز بن حكيم رضي الله عنه وكذلك في الغنم التقييد بالسائمة رواه البخاري وأبو داؤد والنسائي عن أنس، وفي مسند الربيع أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فيما سقت السماء والعيون العشر وما سقي بالدوالي والغرب نصف العشر "" وعن ابن عباس أيضا كما في مسند الربيع ورواه أصحاب السنن من طرق متعددة قال: قال صلى الله عليه وسلم: ليس فيما دون خمس أواق صدقة، والأوقية أربعون درهما، وليس فيما دون عشرين مثقالا صدقة، وليس فيما دون خمس ذود صدقة يعني: خمسة أبعرة، وليس فيما دون أربعين شاة صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة وروى أحمد وابن ماجه عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الوسق ستون صاعا، والذود. الإبل ما بين الثلاث إلى العشر وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها والكثير أذواد. وأما زكاة التجارة فدليل وجوبها قوله جل وعلا: يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من
الأرض
من
"" قال شيخنا السالمي في المعارج: وزكاة التجارة ثابتة
الحديث رواه الجماعة من طرق متعددة عن ابن عباس.
2 - سورة البقرة الآية (267).
(255 (1/261)
صفحة 262
إجماعا خلافا لداؤد الظاهري، وكذلك نقل الإجماع في نيل الأوطار) عن ابن المنذر وفي أبي داؤد عن سمرة بن جندب قال: (أما بعد .. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا أن نخرج الصدقة
من الذي أعد للبيع). والله الموفق.
1 - في الجزء الرابع صفحة (1154).
256 کر (1/262)
صفحة 263
المسلك التالية
فيما يجب فيه العشر من الزكاة
يجب العشر من الثمار إجماعا واختلفوا هل النصاب شرط وجوبها أم لا؟ روى الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فيما سقت السماء والعيون العشر وما سقي بالدوالي والغرب نصف العشر " والمراد بالعيون ما يشمل الأنهار والأمطار والذي لا يتكلف في رفع مائها بالآلات ومثله المسمى بالبعل - كما في حديث ابن عمر عند الجماعة إلا مسلما – أو كان عثريا بفتح العين المهلة وبالمثناة الخفيفة وكسر الراء
2
وشد التحتية. فالعشر واجب في هذه الأصناف بعد بلوغ النصاب على الصحيح لثبوت تخصيصه في الأحاديث المتفق عليها كما قررناه في المسلك الثاني. ويجوز أخذ الزكاة بالكيل والخرص وذلك بعدما يطيب وهو أن يحمر أو يصفر لقوله تعالى: وآتوا حقه يوم
حصاده
ولما روى الترمذي وابن ماجه عن عتاب بن أسيد أن النبي صلى الله
1 - والحديث رواه الجماعة من طرق متعددة عن ابن عمر وجابر
•
2 - قال ابن الأثير: (العثرى هو من النخل الذي يشرب بعروقه من ماء المطر (لسان العرب
ج؛ ص (541).
(YOV (1/263)
صفحة 264
عليه وسلم كان يبعث على الناس من يخرص عليهم كرومهم وثمارهم: وفي حواشي جامع ابن جعفر - من الكتب المخطوطة القديمة في القرن الثالث - عن الإمام أبي سعيد الكدمي - أحد الأعلام القدامى - قال: واختلفوا فيمن باع وأعطى ثمرة نخلة ولم يعرف أنه حصده تمرا أو أكله رطبا هل عليه زكاته أم لا؟ قال: فيه خلاف، قال: والعلة في ذلك أنه مستهلك في الدين وحق العيال عندي أوجب من حق الدين. قلت: ويؤخذ جواز ذلك من قوله جل وعلا: كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده " " فقوله: (كلوا) يعني قبل إخراج الزكاة. واختلفوا هل يستتم النصاب بالشريك أو لا؟ ويضم الرديء على الجيد ويؤخذ الوسط في الزكاة والنصاب عند أشياخنا ثلاثمائة صاع وهو خمسة أوسق كما نص الحديث السابق وضبطه المحقق الخليلي سعيد بن خلفان رضوان الله عليه شعرا في قوله:
اء تحرير الصواع وضبط
بالقرش وزنا باعتبار فاش
بعون قرش
1 - سورة الأنعام الآية (141)
•
بعدهن ثلاث
ب الماشـ
258 (1/264)
صفحة 265
والفرض زده م
روش
أيضا ومثقالا بـ
تيحاش
فالقرش الفضي النمساوي سبعة مثاقيل وإن اختلفت المقادير والعبارات في سائر النواحي والبلدان فإنما يعود إلى هذا الضبط وهو مقدار معروف في الكفارات والزكوات، والصاع: كيلوان بالوزن المعروف اليوم. واختلفوا فيما تدارك من الثمار في زمان واحد هل
يحمل الثاني على الأول ويزكي الجميع أو يزكي كل واحد على. وهذا الخلاف في غير النخل أما النخل فمحمول بعض على بعض إلا ما اثا أو هبة تحصل عليها بعد ذلك فمحل نظر. واختلفوا في زكلة المال المستفاد إذا استفاده قبل شهره الذي وقته لزكاته قيل يزكيه مع ما سبق عنده وقيل ينتظر به الحول. والله الموفق.
كان
ميرا
259 (1/265)
صفحة 266
المسلك الرابع
فيما يجب فيه ربع العشر
وهما النقدان والتجارة أما النقدان فيجب على من ملك عشرين مثقالا من الذهب غير المسكك وأما المسكك فنصابه عشرين دينارا والمثقال ثلاثة قراريط والقيراط ثلاثون حبة شعير، أما المسكك فينقص
?
وزنه ستة قراريط من غير المسكك من مجموع تسعين حبة فالدينار أربع
صدقة
وثمانون حبة شعير والمثقال تسعون حبة كما في الوضع والإيضاح وذلك كما في مسند الإمام الربيع بن حبيب ليس فيما دون عشرين مثقالا. وعبارة أبي داؤد عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم وليس عليك شيء يعني في الذهب حتى يكون لك عشرون دينارا فإذا كانت لك عشرون دينارا وحال عليها الحول ففيها نصف دينار وعبر بالدينار مكان المثقال. وقال في نيل الأوطار: الدينار مثقال درهم وثلاثة أسباع الدرهم والدرهم ستة دوانيق والدائق قيراطان والقيراط طسوجان والطسوج حبتان والحبة سدس ثمن درهم وهو جزء من ثمانية وأربعين جزء من درهم. كذا في القاموس اهـ
1 - القاموس المحيط ج 4 ص (156). (1/266)
صفحة 267
وأما الفضة فنصابها كما في حديث الربيع عن ابن عباس ليس
فيما دون خمس أواق صدقة والأوقية أربعون درهما وأجمعوا على أن كل سبعة مثاقيل عشرة دراهم، وحديث الربيع أخرجه البخاري ومسلم وأحمد عن أبي سعيد. ويتم كل من الذهب والفضة بالآخر وجاز أن تخرج من أحدهما عن الآخر لأنهما جنس واحد، وأوجب أشياخنا الزكلة في الحلي وروى أبو داؤد عن عبدالله بن شداد بن الهاد أنه قال: (دخلنا على عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى في يدي فتخات من ورق فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقلت: صنعتهن لأتزين لك يا رسول الله، قال: أتؤدين زكاتهن؟ قلت: لا أو ما شاء الله. حسبك من النار). والأصل دخول كل مصوع من
قال: الذهب والفضة والحلي تحت عموم فرض الزكاة في الذهب والفضة ولم يثبت ما يخرجها من العموم. والله الموفق
(261 (1/267)
صفحة 268
لسلك الفاهمي
زكاة الغنم
ومن جامع ابن جعفر " قال: (وأما زكاة الغنم فلا يؤخذ الغنم شيء حتى يبلغ أربعين شاة فإذا بلغت الغنم أربعين ففيها شاة إذا حال على الأربعين حول، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ واحدة
وعشرين ومائة، ثم فيها شاتان، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ واحدة ومائتين، ثم فيها ثلاث شياه، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ أربعمائة، ثم فيها أربع شياه. وروى في الوضع عن النبي صلى الله عليه وسلم: ليس فيما دون أربعين شاة صدق ــة ورواه البيهقي والحاكم وغيرهما في الحديث الجامع لصدقات الإبل والغنم، وقال الدارقطني: هذا إسناد صحيح ورواته ثقات عن أنس بن مالك. وروى أحمد والنسائي وأبو داؤد والبخاري حديث زكاة الغنم وفيه وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة فإذا زادت ففيها شاتان إلى مائتين فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة فإذا زادت ففي كل مائة شاة
1 - هو محمد بن جعفر أحد العلماء القدامى في القرن الثالث مخطوط من الجزء الأول.
262 (1/268)
صفحة 269
ولا يؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلا أن يشاء
المصدق ولا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية وإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة شاة واحدة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها وتتم العدة ولو بصغيرة يحملها الراعي وكذلك الضأن يحمل على المعز قل أو كثر ويخرج من الأغلب الذين تجب عليهم الزكاة ويحمل المعز على الضأن لأنهما من جنس واحد وكذلك الشركاء يحمل بعضهم على بعض وإن عجز سهمه عن شاة كاملة أخرج قيمة ما عليه. هذا والله الموفق
(263 (1/269)
صفحة 270
السلاك السادس
في زكاة الإبل والبقر والجواميس
قال شيخنا السالمي في تلقين الصبيان: وأما الإبل فتجب فيها الزكاة إذا ملك خمس سوائم وصاعدا وحال عليها الحول معه، فإذا بلغت خمسا ففيها شاة وسطة، وإن كانت عشرا ففيها شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه، وإن بلغت خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض وهي ابنة سنة فإن لم توجد فابن لبون ذكر وهو ابن سنتين، فإن بلغت ستا وثلاثين ففيها ابنة لبون وهي ابنة سنتين، فإن بلغت ستا وأربعين ففيها حقة طروقة الفحل وهي ابنة ثلاث سنين، فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان، فإذا بلغت مائة وإحدى وعشرين ففيها ثلاث بنات لبون، فإذا بلغت ثلاثين ومائة ففيها ابنتا لبون وحقه، ثم على هذا القياس كلما زادت عشرا ففي كل أربعين ابنة لبون وفي كل خمسين حقة ولا شيء بين الفريضتين. وكذلك القول في زكاة البقر والجواميس وهي محمولة على زكاة الإبل ولكن تختلف تسمية الأسنان فيها وهو مطابق لما حكاه ابن جعفر صاحب الجامع من علمائنا القدامى. وروى هذا أرباب السنن النسائي والبخاري وابن ماجه من حديث عبدالله بن المثنى الأنصاري وأخرجه الدارقطني من حديث النظر
264 (1/270)
صفحة 271
ابن شميل عن حماد بن سلمة، ورواه أبو داؤد عن أنس بن مالك قال: أخذت من ثمامة بن عبدالله بن أنس كتابا زعم أن أبا بكر كتبه لأنس وعليه خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه مصدقا وكتبه له فإذا فيه) هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين التي أمر الله عزوجل، فمن سألها من المسلمين على وجهها فليعطها ومن سأل فوقها فلا يعطه) وساق الحديث تفصيلا لأسنان الصدقة المذكورة. وروى البخاري قال: حدثني ثمامة أن أنسا رضي الله عنه حدثه أن أبا بكر رضي الله عنه كتب له فريضة الصدقة التي أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم) من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليس عنده جذعة وعنده حقه فإنها تقبل منه الحقة ويجعل معها شاتين ان استيسرتا له أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده الحقة وعنده الجذعة فإنها تقبل منه الجذعة ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده إلا ابنة لبون فإنها تقبل منه ابنة لبون ويعطي شاتين أو عشرين درهما، ومن بلغت صدقته بنت لبون وعنده حقة فإنها تقبل منه الحقة ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين. ومن بلغت صدقته بنت لبون وليست عنده، وعنده بنت مخاض فإنها تقبل منه بنت مخاض ويعطى معها عشرين درهما أو شاتين (وروى الخمسة عن معاذ بن جبل قال: (بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وأمرني أن آخذ
(265 (1/271)
صفحة 272
من كل ثلاثين من البقر تبيعا أو تبيعة من كل أربعين مسنة ومن كل حالم دينارا أو عدله معافريا). وفي أحمد عن يحيى بن الحكم قال: (بعثني
رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدق أهل اليمن فأمرني أن آخذ من البقر كل ثلاثين تبيعا ومن كل أربعين مسنة فعرضوا علي أن آخذ ما بين الأربعين والخمسين وما بين الستين والسبعين وما بين الثمانين والتسعين فقدمت فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فأهرني أن لا آخذ فيما بين ذلك). وزعم أن الأواقص لا فريضة فيها اهـ. وقد تكلم بعض العلماء في أحاديث معاذ بضعف وأصح شيء في وجوب الزكاة في البقر ما رواه البخاري من طريق أبي ذر رضي الله عنه قال: انتهيت إليه قال: والذي نفسي بيده أو والذي لا إله غيره أو كما حلف ما من رجل تكون له إبل أو بقرة أو غنم لا يؤدي حقها إلا أوتي بها القيامة يوم أعظم ما تكون وأسمنه تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها كلما جازت ". والله
أخراها ردت إليه أولاها حتى يقضي بين الناس
الموفق.
1 - ورواه مسلم أيضا.
(266 (1/272)
صفحة 273
المسلك السابع
في أسنان الإبل والبقر والغنم
ومن سنن أبي داؤد قالوا: يسمى الحوار، ثم الفصيل إذا فصل، ثم تكون بنت مخاض لسنة إلى تمام سنتين، فإذا دخلت في الثالثة في ابنة لبون فإذا تمت له ثلاث سنين فهو حق وحقه إلى تمام أربع سنين لأنها استحقت أن تركب ويحمل عليها الفحل وهي تلقح ولا يلقح الذكر حتى يثني ويقال للحقة: طروقة الفحل لأن الفحل يطرقها إلى تمام أربع سنين، فإذا طعنت في الخامسة فهي جذعة حتى يتم لها خمس سنين، فإذا دخلت في السادسة وألقى ثنيته فهي حينئذ ثني حتى تستكمل ستا، فإذا طعن في السابعة سمي الذكر رباعيا والأنثى رباعية إلى تمام السابعة، فإذا دخلت في الثامنة وألقى السن السديس الذي بعد الرباعية فهو سديس وسدس إلى تمام الثامنة، فإذا دخل في التسع وطلع نابه فهو بازل أي بزل نابه يعني طلع، حتى يدخل في العاشرة فهوحينئذ مخلف، ثم ليس له اسم ولكن يقال: بازل عام وبازل عامين ومخلف عام ومخلف عامين ومخلف ثلاثة أعوام إلى خمس سنين والخلفة الحامل. قال أبو حاتم: والجذوعة وقت من الزمن ليس بسن، وفصول الأسنان عند طلوع سهيل قال أبو داؤد: وأنشد الرياشي شعرا: (1/273)
صفحة 274
إذا
هيل آخر
الليل طلـ
فابن اللبون الحق والحق جذع
لم يبق م
أسنانها غـ ـير
هبع
والهبع
: الذي يولد في غير حينه اهـ، وهو موافق لما في جامع ابن جعفر وزاد ابن جعفر التيعة أربعون من الغنم والتيمة الزائدة على الأربعين حتى تبلغ الفريضة الأخرى ويقال: أنها الشاة التي تكون للرجل في منزله يحلبها وليست بسائمة، الشنق: قيل ما بين الفريضتين في الإبل من خمس إلى عشر. قال: ووجدت أنا أنها الغنم التي تعطى عن الإبل والبقر حتى تبلغ الفريضة.
4
اللغة ص (399)
وأما أسماء البقر من كتاب الإفصاح في فقـ الطلا ولد البقر عندما تلقيه التبيع أول سنة وقيل: هو العجل المدرك، الجذع فوق التبيع، الثني بعد الجذع، الرباع بعد الثني، السدس بعد الرباع، الصالغ بعد السدس وهو أقصى أسنانه، يقال: صالغ سنة وصالغ سنتين وكذلك ما زاد وفي المصنف أسنان البقر تبيع لسنة، وجذع لسنتين، وثني لثلاث سنين، ورباع لأربع سنين وسيس لخمس
1
1 - تأليف العلامة أحمد بن عبدالله الكندي وهو من علماء القرن السادس الهجري وكتابه في اثنين وأربعين جزء مخطوط طبع بوزارة التراث الجزء السادس منه. (1/274)
صفحة 275
سنين، وصالغ لست سنين وهي أقصى أسنانه ويقال: صالغ سنة وصالغ سنتين وهو مطابق لما في الإفصاح. والصالغ بالصاد المهملة
وبالغين المعجمة. والله الموفق
•
269 (1/275)
صفحة 276
المسلك الثامن
الأصناف التي تعطي الزكاة
قال الله تعالى: إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم * هذه الآية الكريمة أصل في بيان الأصناف الذين تنفذ فيهم الزكاة وهم ثمانية واختلفوا إذا وجدوا جميعا هل تنفذ في جميعهم أم يكفي ولو في واحد منهم؟ واختار أشياخنا إجزاءها في واحد لأن اللام لبيان الصرف وكل هذا في غير زمن الإمام أما مع وجود الإمام فهو الأولى بها ينفذها في عز الدولة قبل كل شيء ثم في الأصناف التي يوجب الشرع لها حقا في الزكاة لقول أبي بكر الله عنه وهو إمام الأئمة: (والله لو منعوني لقاتلتهم عليه) وروى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داؤد عن أبي هريرة واللفظ لأبي داؤد) لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر بعده وكفر من كفر من العرب قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله
الصديق
ي
1 - سورة التوبة الآية (60).
-2 - رواه جابر بن زيد بلاغا في مسند الربيع بن حبيب.
عقالا
270 (1/276)
صفحة 277
عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قل
عزوجل
ما
لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه "" وحسابه على الله؟ فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه. فقال عمر بن الخطاب: فوالله هو إلا أن رأيت الله عزوجل قد شرح صدر أبي بكر للقال، قال: فعرفت أنه الحق (قال أبو داؤد: وفي رواية الزهري عناقا بدل عقال وهو عبارة عن أقل شيء يجب أداؤه. والحجة الأخرى لأبي بكر الصديق رضي الله عنه قوله جل وعلا: فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم فهذه ثمانية أصناف تنفذ فيهم الزكاة.
- واختلفوا في تمييز الفقير من المسكين: وأكثر القول أنهما صفتان متلازمتان معنى وإن اختلفتا لفظا. كما اختلفوا في أقل الأحوال التي يكون بها الفقير والمسكين مستحقا للزكاة وأكثر القول أن من كان له نصاب يؤدي منه الزكاة ولا دين عليه فهذا لا يعطى من الزكاة ويعطى من قصرت حاله عن هذه المرتبة،
1 - الضمير عائد إلى المال وضمير حسابه عائد إلى القائل
2 - سورة التوبة الآية (5).
271 (1/277)
صفحة 278
ولو كان معه أصول مثمنة ولم يقصد بها التجارة وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه إلى اليمن:: خذها من أغنيائهم وضعها في فقرائهم "" وجاز إعطاؤه ولو لنفقة سنة لقوله صلى الله عليه وسلم: خير الصدقة ما أبقـ
واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول
- والعاملون عليها: هم الجامعون لها بأمر الإمام لهم الغناء على
ذلك ولو كانوا أغنياء
•
- وأما المؤلفة قلوبهم: فذلك خاص بالإمام ويقال: أن حقهم منسوخ. وقد كان ذلك في صدر الإسلام كما هو مشهور من رأي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كما في القرطبي وغيره وهل هم من المسلمين أو من المشركين "؟ فيه خلاف. وعلى كل حال فالعموم يشمل الجميع.
مماليك
- الصنف الخامس في الرقاب: وهم المكاتبون وأصلهم. كاتبهم سادتهم على شيء يدفعونه فكاكاً لرقابهم، قال في الإيضاح: وذلك ما يدل على أنهم أحرار لأن المملوك لا حق له
،
1 - أخرجه الشيخان عن معاذ بن جبل رضي الله عنه
2 - رواه الطبراني عن ابن عباس.
3 - الصحيح أنه لا حق لمشرك في الزكاة والذين تألفهم النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم رجال أظهروا الإسلام) الشيخ العلامة سعيد بن خلف الخروصي).
272 کريم (1/278)
صفحة 279
في الزكاة لقوله تعالى: * عبداً مملوكاً لا يقدر على
شيء *
-
الصنف السادس: الغارمون وهم الذين لزمتهم ديون في غير معصية سواء قاموا بإصلاح بين غيرهم وتحملوا الديون في الإصلاح أو ذهبت أموالهم بسبب من الأسباب
-
الصنف السابع في سبيل الله: وهم المجاهدون في سبيل الله والمرابطون في الثغور ويدخل فيهم القائم بمصالح المسلمين كالإمام والقاضي والمفتي والمنقطع في مصالح المسلمين ولو كان
غنياً.
- وابن السبيل وهو الصنف الثامن: وهو المسافر المحتاج.
واختلفوا فيما إذا رجعوا وقد بقي عندهم شيء من الزكاة هل تحلى لهم أم لا؟ قولان. واختلفوا في جواز تقديم الزكاة قبل وقتها والأصل فيه هل هي عبادة أو حق للفقير؟ واختلفوا في جواز شراء المزكي لها من الفقير بعد قبضه لها، واختلفوا في من دفع زكاته لأمين يفرقها فضاعت من يده هل يضمنها أم لا؟ وللأمين أن يأخذ منها له ولمن يعوله إن كان مستحقا. والله الموفق.
1 - سورة النحل الآية (76).
273 کريم (1/279)
صفحة 280
المسلك التاسع
زكاة الفطر وتقديم الزكاة قبل وقتها
قال القسطلاني: أضيفت الصدقة للفطر لكونها تجب في الفطر منه أو مأخوذة من الفطر التي هي الخلقة المرادة بقوله تعالى: فطرة الله التي فطر الناس عليها. وهذا قاله ابن قتيبة والمعنى أنها وجبت على الخلقة تزكية للنفس أي تطهيرا لها وتنمية لعملها اهـ. وفي مسند الربيع عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر على الحر والعبد والذكر والأنثى والصغير والكبير صاعا من تمر أو صاعا من زبيب أو بر أو شعير أو من أقط. واختلف أشياخنا في وجوبها فذهب أكثر المشارقة على الوجوب وذهب أكثر المغاربة على أنها فضيلة والخلاف موجود مع سائر المذاهب وإن حكى ابن المنذر الإجماع على الوجوب. ويستدل على الندبية بما رواه النسائي عن قيس بن سعد بن عبادة أنه قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر
1 - إرشاد الساري على صحيح البخاري للقسطلاني ص (84). 2 - سورة الروم الآية (30). والحديث أخرجه الجماعة عن ابن عمر بلفظ فرض بلد سن.
274 (1/280)
صفحة 281
قبل أن تنزل الزكاة فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله) وطعن بعضهم في صحة الحديث. واختلفوا هل على الزوج إخراج الفطرة عن زوجته أو ذلك الخطاب موجه إلى كل مكلف بعينه فهي مسئولة عن نفسها؟ وفي ذلك خلاف. وتقدم وصف الصاع في نصاب الزكاة
ووقت إنفاذها ما بين صلاة الصبح وصلاة العيد لما روى الجماعة إلا ابن ماجه عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة يعني صلاة العيد، ويجوز تقديمها قبل الفطر بيوم أو يومين لضعيف أو محتاج لما روى البخاري (كانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين). قال في: وقد أجاز أصحابنا تعجيلها في شهر رمضان قياسا على
" Yu
الإيضاح تعجيل زكاة الأموال والناس مختلفون في تقديمها وفي تقديم زكاة الأموال قبل وقتها. قلت: روى البخاري ومسلم وأحمد عن أبي هريرة قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر على الصدقة فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد وعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم الزكاة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا قد احتبس أدراعه واعتاده في سبيل الله تعالى، وأما العباس فهي علي ومثلها
1 - الإيضاح للشماخي ج 2 ص (90). (1/281)
صفحة 282
معها ثم قال: يا عمر أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه؟
وأما
قوله: هي علي ومثلها معها أنه تسلف صدقة العباس قبل أن تحل
كما في رواية البيهقي عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنا كنا احتجنا فأسلفنا العباس صدقة عامين
?
اهـ
وقال في الإيضاح أيضا: واختلفوا في أول وقت وجوبها قال بعضهم: تجب بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان، وقال آخرون: إنما تجب بطلوع الفجر من يوم الفطر وذلك لأنها عند هؤلاء مأخوذة من الاسم وهو يوم الفطر، وأما القول الأول فإنما يدل على أن قائله ذهب إلى أنها متعلقة بيوم العيد بخروج رمضان، وليلة العيد ليست من رمضان، وفائدة الخلاف تظهر فيمن حدث له مولود قبل وقت الفجر أو شيء من العبيد والزوجات هل عليه إخراج الزكاة عنهم أو لا؟ قولان. إلى أن قال: وأفضل إخراجها يوم الفطر قبل صلاة العيد لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بزكاة الفطر أن تخرج قبل أن يخرج الناس إلى المصلى روى أبو داؤد وابن ماجه وصححه الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث طعمة للسماكين فمن أداها قبل الصلاة أي صلاة العيد فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات اهـ. وقال: وإن أخرجها بعد الصلاة أجزى عنه ذلك. وقيل: هي فطرة حتى يموت
276 (1/282)
صفحة 283
الشهر وهو شهر شوال فإذا انسلخ فهي صدقة فهؤلاء جعلوا شهر الفطر كيوم الفطر. وقال قوم: هي فطرة من يوم الفطر إلى يوم الأضحى فهؤلاء جعلوا أشهر الحج ميقات لها. والله أعلم وبالله التوفيق.
277 (1/283)
صفحة 284
المسلك العاشر
الركاز ومعادن الأرض ولؤلؤ البحر
الركاز في اللغة: بكسر أوله مخفف على وزن كتاب مصدر بمعنى المفعول أي المركوز في الأرض وهو المدفون فيها، وعبارة مختار الصحاح: والركاز بالكسرة دفين أهل الجاهلية كأنه ركز في الأرض وأركز الرلج وجد الركاز اهـ. وفي مسند الربيع بن حبيب عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: جرح العجماء جبار والبئر جبار وفي الركاز الخمس قال أبو محمد في
1
الجامع: أما ما أوجبه النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت له الروايات عنه عليه السلام أنه قال: وفي الركاز الخمس قال أصحابنا: الركاز: كنوز الجاهلية ووافقهم على ذلك أهل الحجاز. وأمل أهل العراق فعندهم أنه المعادن والقول عندي ما قاله أصحابنا لأن اسم الركاز مأخوذ من أركز الرمح ما ثبت أصله فطريقة أصحابنا ومن وافقهم أهدى من طريقة من خالفهم في هذا وغيره. وقال أيضا: ومن وجد ركازا قل أو كثر كان عليه الخمس يخرجه إلى الفقراء إذا عدم الإمام اهـ ومن المصنف تأليف الشيخ أبي بكر الكندي نقلا عن
1 - الحديث رواه الجماعة عن أبي هريرة.
278 کرم (1/284)
صفحة 285
الإشراف لابن المنذر قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: في الركاز الخمس وهذا قول الزهري ومالك بن أنس والشافعي وأبي ثور والنعمان وأصحابه ولا نعلم أحدا خالف في ذلك إلا الحسن البصري فإنه يفرق بين ما يؤخذ منه في أرض الحرب وأرض العرب فأوجب الخمس فيه إذا وجد في أرض الحرب، قال أبو بكر: بظاهر الحديث نقول. قال أبو سعيد: - من علماء عمان في القرن الرابع – معنا أنه يخرج في معاني قول أصحابنا بما يشبه الإتفاق أن فيه الخمس ومعهم ما كان من كنوز الجاهلية إن كان أراد بالركاز معني كنوز الجاهلية. ومن المصنف أيضا عن كتاب الإشراف قال أبو بكر: (اختلفوا فيما يخرج من المعدن فكان مالك يقول: إذا بلغ ما يخرج من المعدن عشرين دينارا أو مائتي درهم زكى مكانه وشبه ذلك بالزرع يخرج من أرض المرء. وكان عمر بن عبدالعزيز يأخذ من المعادن من كل مائتي درهم خمسة دراهم. وكذلك قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية وأبو ثور. وأوجب الزهري وأبو عبيد وأصحاب الرأي فيما يخرج من المعادن الخمس، وقالت طائفة: ما يخرج من المعادن فائدة من الدنيا من القابل "" فإذا اجتمع معه مقدار ما تجب فيه الزكاة وحال عليه الحول ففيه الزكاة هذا على قول الشافعي. قال أبو
1 - المعنى أنه يحسبه من الفائدة واختلفوا في زكاة الفائدة هل ينتظر بها الحول أم تزكى مع ما عنده مما حال عليه الحول
(279 (1/285)
صفحة 286
بكر: وبه نقول. قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في أكثر القول من معاني قول أصحابنا معنى القول الآخر أنه لا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول خرج ذهبا أو فضة أو ترابا يعالج بالنار ومعي أن في بعض القول أنه ما خرج ذهبا أو فضة كان فيه الزكاة في الوقت ثم حوله فيما يستقبل وما كان من التراب الذي يعالج بالنار فهو بمنزلة المكتسب لا زكاة فيه إلا بعد الحول أن يحمل على ماله ولا يبين لي فيما يعالج بالنار اختلاف في معنى الزكاة ثم حكى صاحب المصنف عن محمد بن محبوب – أحد الأعلام العمانيين بعمان في القرن الثالث – أن ما لا يعالج بالنار قال: فيه الخمس من حين يخرج، وأما ما يعالج بالنار فحتى يحول عليه الحول ثم فيه الزكاة من كل مائتي درهم خمسة دراهم وأما ما كان من الصفر فليس فيه الزكاة
ومن الإشراف نقلا من المصنف قال أبو بكر: فيما يجب في العنبر فروينا عن ابن عباس أنه قال: لا شيء فيه. وبه قال عمر بن عبدالعزيز ومالك بن أنس وسفيان الثوري وابن أبي ليلى والحسن بن صالح والشافعي وأبو ثور وأبو عبيد والنعمان ومحمد. وقال الحسن البصري: ليس في صيد السمك صدقة. وكذلك قال مالك بن أنس وسفيان الثوري وابن أبي ليلى والحسن بن صالح والنعمان ومحمد، وقد روينا عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: في العنبر الخمس. وكذلك قال
1 - لعله إن تم حوله. (1/286)
صفحة 287
الحسن والزهري: يخرج منه الخمس، ويعقوب ومحمد وإسحاق: فيه
العشر
وكان عطاء يقول: ليس في اللؤلؤ ولا في الزبرجد ولا الياقوت ولا الفصوص صدقة، وقال القاسم بن محمد: ليس في اللؤلؤ زكاة إلا ما يراد للتجارة وكذلك قال عكرمة في اللؤلؤ والجوهر. وهذا قول مالك وسفيان الثوري ومحمد. قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا بما يشبه الاتفاق أنه لا زكاة في شيء من الجوهر إلا في جوهر الذهب والفضة. وليس في سائر ما أخرجت الأرض من الجواهر زكاة غيرهما ولا ما خرج من بر ولا بحر وكـ ذلك قال الله تبارك وتعالى: والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم إنما الزكاة فيها من جميع الجواهر إلا ما
دخل من
"1"
جميع في معنى التجارة فإنه فيه الزكاة بمعنى زكاة التجارة
ذلك
ولا أعلم في ذلك اختلافا في قول أصحابنا اهـ. والله الموفق.
1 - سورة التوبة الآية (34).
(281 (1/287)
صفحة 288
المسلك الحادي عشر
في التشديد على السؤال والتشديد على منح الزكاة
روى الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال: (كان ناس من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم ثلاثا حتى نفد ما عنده ثم قال: ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يسـ يعفه الله ومن يستغن يغنه الله، ومن تصبر يصبره الله، وما أعطي أحد
ww
تعفف
عطاء خير له وأوسع من الصبر}) ومن المسند أيضا عن أبي
هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله لى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده ليأخذ """ أحدكم حبلا فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلا آتاه الله من فضله فيسأله أعطاه أو
1 - والحديث رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد أيضا 2 - قوله: ليأخذ قال المحشي: هكذا فيما رأينا من النسخ بلام داخلة على المضارع ولعله لأن يأخذ بلام داخلة على أن المصدرية كما في البخاري فتسبك مع ما بعدها بمصدر يكون مبتدأ خبره قوله خير من أن يأتي إلخ. والجملة الإسمية جواب القسم قال: ويحتمل أن يكون قد حذفت منه أن الناصبة للمضارع على حد ومن آياته يريكم البرق من سورة الروم الآية (24) وقولهم: (تسمع بالمعيدي خير من أن تراه (والله أعلم
تير 282 کرم ہيں (1/288)
صفحة 289
منعه
وفي البخاري ومسلم عن ابن عمـ رضي الله عنهما
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم وفي مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يسأل الناس أموالهم تكثرا فإنما يسأل جمرا فليستقل أو ليستكثر وفي المسند عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوى ولا لمتأثل مالا قال الربيع: ذو المرة السوى: القوي المحترف،
2
والمتأثل: جامع المال. قال في القواعد: - تأليف الشيخ إسماعيل الجيطالي من علماء المغاربة في القرن الثامن الهجري – والمختار في حد الغنى الذي تحل معه الصدقة ما ذهب إليه بعض أصحابنا من لم يكن
ـير
له مال يكفيه هو وعياله لنفقتهم وكسوتهم ومؤنتهم إلى الحول فهو فقـ ويأخذ الصدقة اهـ. وسبق أن بعضهم لا يراعي الأصول ولو كانت
مثمنة إذا لم يقصد بها التجارة.
وفي المسند عنه عليه السلام: من كثر ماله ولم يزكه جاءه يوم القيامة في صورة شجاع أقرع له زبيبتان موكل بعذابه حتى يقضي الله بين الخلائق قال الربيع يعني: ثعبانا أقرع فيكون في فمه من كلا
1 - الحديث أخرجه البخاري ومسلم وأحمد عن أبي هريرة وفيه إثبات أن في قوله لئن يأخذ. 2 - والحديث أخرجه أحمد والترمذي وأبو داؤد والدارقطني عن عبدالله بن عمر ورواه النسائي وابن ماجه وأحمد عن أبي هريرة.
283 کريم (1/289)
صفحة 290
الجانبين رغوة السم بمنزلة الزبيبتين في التماحهما ولم يرد بهما العينين
ww
والحديث بهذا اللفظ. قال شيخنا السالمي رضي الله عنه: والحديث
الآية
معطوف على الحديث الذي قبله وهو من مسند ابن عباس عند المصنف ورواه البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له القيامة شجاعا يوم أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه يعني شدقيه ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك ثم تلا: ولا تحسبن الذين يبخلون اهـ وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين العباد تعالى: * ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة " وقوله تعالى: والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم. واختلف المفسرون هل هذه الآيات في
2
وقال الله
المسند 1 - شرح 2 - سورة آل عمران الآية (180).
للشيخ نور الدين السالمي ج 2 ص (75).
- سورة التوبة الآية (34)
(YAE) (1/290)
صفحة 291
المشركين أو في المسلمين؟ ومن قال فـ المسلمين هل هما منسوختان بفرض الزكاة وهو الراجح بدليل الأحاديث المذكورة ومنها قوله: ولم يؤد زكاته أو ذلك في حقوق أخرى تلزم في المال غير الزكاة؟ كله محتمل وصحيح. والله الموفق. (1/291)
صفحة 292
الرابع
والعبارات
(286 (1/292)
صفحة 293
المسند الأول
في أقسام الصوم ومعناه ودليل وجوبه
الصوم في اللغة: الإمساك، وقوله جل وعلا حكاية عن مريم: إني نذرت للرحمن صوما " أي صمتا. وفي الشرع: إمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع العلم والنية، وفي تحديد آخر إمساك مخصوص في زمن مخصوص بشرائط مخصوصة اهـ
فرض في السنة الثانية من الهجرة في شهر شعبان قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون * أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون * شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا
1 - سورة مريم الآية (26).
{287 (1/293)
صفحة 294
الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون * واختل ف المفسرون هل المفروض على من قبل هذه الأمة هو رمضان هذا أم غيره؟ وهل رمضان اسم من أسماء الله أو مشتق من الوقت الذي فرض فيه الصوم
أو أنه يرمض الذنوب أي يذيبها وهو معنى قوله جل وعلا: لعلكـ تتقون المعاصي فإن الصوم يكسر الشهوة قال في مختار الصحاح ص (257): قيل: أنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر فسمي
بذلك اهـ
وقد رخص الله تعالى للمريض والمسافر عن الصوم وفي معناهما الحائض والنفساء وعليهم العدة وهو البدل. وهل البدل يصح أن يكون مفرقا أو يلزم أن يكون متتابعا إن لم يكن العذر نفسه عرض للصائم؟ قولان. روى الدارقطني عن ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: قضاء رمضان إن شاء فرق وإن شاء تابع وروى البخاري عن ابن عباس) لا بأس لا يفرق لقول الله تعالى: أيام أخر) وروى الدارقطني أيضا عن عائشة قالت: نزلت و فعدة من أيام أخر متتابعات فسقطت متتابعات). وقال: إسناد صحيح. قال الفخر الرازي في الجزء الثاني ص (120): مذهب علي وابن عمر والشعبي أنه يقضيه متتابعا، وقال الباقون: التتابع مستحب وإن فرق
?
1 - سورة البقرة الآيات من (183) إلى 185).
فعدة من
288 (1/294)
صفحة 295
جاز وحكي عن أبي عبيدة ابن الجراح أنه قال: (إن الله لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه) اهـ. واختلفوا إذا أخره إلى عام قابل فقيل عليه كفارة عن كل يوم يطعم مسكيناً وقيل لا كفارة عليه واختاره أبو سعيد. وأما العاجز لشيخوخته فعليه عن كل يوم اطعام مسكين نصف صاع من بر أو أرز فمن تطوع خيراً فزاد في الفدية فله فضل الزيادة. وقيل في هذه الآية: وعلى الذين يطيقون فدية طعام
مسكين
أربعة أقوال:
الأول:
أنها منسوخة فكانوا مخيرين بين الصيام والإطعام
والثاني:
نسختها فمن شهد منكم الشهر فليصمه
أنها ليست منسوخة
والثالث:
أنها مخصوصة، خص منها القادر الذي لا عذر
له
والرابع:
أن بعضها منسوخ وبعضها محكم والناسخ لها ما
بعدها فمن شهد منكم الشهر فليصمه
روى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داؤد واللفظ عن ابن عباس وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فكان من شاء منهم أن يفتدي بطعام مسكين افتدى وتم له صومه فقال: فمن تطوع
289 (1/295)
صفحة 296
خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم وقال: فمن شهد منكـ الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وفي أبي داؤد أيضا عن ابن عباس قال: كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان يوم مسكينا، والحبلى والمرضع إذا خافتا قال أبو داؤد: يعني: على أولادهما أفطرتا وأطعمتا. وفي البخاري ومسلم وأحمد والربيع عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه في الجاهلية فلما قدم المدينة صامه وأمر الناس بصيامه فلما فرض رمضان كان هو الفريضة وترك عاشوراء ومن شاء صامه ومن شاء تركه) زاد الربيع ولكن في
يوم
صيامه ثواب عظيم اهـ. والله الموفق
•
290 (1/296)
صفحة 297
المسلك الثاني
في فضل شهر رمضان وصيامه وفضل ليلة القدر
روى الربيع بن حبيب بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ولو علمتم ما في فضل رمضان لتمنيتم أن يكون سنة وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله عزوجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة فإذا كان يوم صوم
أحدك
إمرؤ
فلا يرفث يومئذ ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إنـ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عنـ د الله يوم
المسك القيامة من ريح، وللصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطوه وإذا لقي ربه فرح بصومه والحديث أيضا أخرجه الربيع والبخاري وأبو داؤد ولفظه عند الربيع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك فارق عبدي شهوته وطعامه من أجلي فالصيام لي وأنا أجازي به
1 - والحديث رواه أحمد واليهقي عن أبي هريرة أيضا ولكن ليس فيه لتمنيتم أن يكون سنة.
291 (1/297)
صفحة 298
وأما ليلة القدر فيكفي أنها نزلت في فضلها سورة القدر ووردت
في فضل إحيائها أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن اختلفوا في تحديدها من ليالي شهر رمضان والأكثر أنها في العشر الأواخر منه بل في أوتاره منها، روى الربيع بن حبيب من طريق أنس بن مالك وأخرجه مالك في الموطأ عن عبادة بن الصامت وأحمد ومسلم عن أبي سعيد بألفاظ مختلفة قال الربيع بسنده عن أنس بن مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أريت هذه الليلة حتى تلاحا رجلان منكم فرفعت فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامس ة قال الربيع: أي تماريا. ومن مسند الربيع أيضا وهو في مالك والبخاري ومسلم وأحمد عن أبي سعيد أيضا قال: قال أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال: (كان رسول الله صلـ الله عليه وسلم
اعتكف
ي
يعتكف في العشر الأواسط من رمضان فاعتكف عاما حتى إذا كان إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج فيها من اعتكافه غدوتها قال: من فليعتكف في العشر الأواخر، وقد أريت هذه الليلة ثم معي أنسيتها وقد رأيت أني أسجد في غدوتها في ماء وطين فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر
قال في الوضع: - تأليف الشيخ أبي زكريا الجناوني من علماء الإباضية في جربة تونس - من أراد أن ينال فضل رمضان فليعرف حرمته وليحفظ فيه لسانه عن فضول الكلام القبيح والكذب والنميمة
292 کرم (1/298)
صفحة 299
وليحفظ جوارحه كلها عن المحارم وليطيب مطعمه الذي عليه المدار وبه صلاح قلبه وجوارحه فإذا فعل ذلك كان حقيقا أن ينال فضل رمضان ويتقبل الله صومه وقيامه. هذا والله الموفق.
293 (1/299)
صفحة 300
الثلاثين
2
المسلك المثاليت
في وجوب الصيام والإفطار وفضل السحور
ا.
قال الله جل وعلا: * فمن شهد منكم الشهر فليصمه روى الربيع بن حبيب بسنده إلى أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: في رمضان لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا. وفي رواية فأتموا، واتفق أشياخنا على وجوب الصوم برؤية العدل الواحد دخولا وروى أبو داؤد عن ابن عمر قال: (تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصامه وأمر الناس بصيامه) وروى أبو داؤد أيضا عن ربعي بن خراش عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اختلف الناس في آخر يوم من رمضان فقدم أعرابيان فشهدا عند النبي صلى الله عليه وسلم بالله لهل الهلال أمس عشية، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفطروا. زاد خلف في حديثه وأن يغدوا إلى مصلاهم) قال الإمام أبو إسحاق الحضرمي في مختصر الخصال: لا يجب صيام شهر رمضان إلا
1 - سورة البقرة الآية (185).
2 - الحديث رواه مالك والبخاري ومسلم عن ابن عمر وفيه بعض اختلاف في الألفاظ.
294 (1/300)
صفحة 301
بوجود خمس خصال: أحدها التوحيد، الثاني البلوغ، الثالث العقل، الرابع رؤية هلال الشهر بنفسه أو يشاهده رجل عدل وقيل بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين أو استكمال شعبان ثلاثين يوما، والخامس طلوع الفجر من أول الشهر. وزاد في الإفطار دخول الليل والسفر واشتراط نية الإفطار إذا خرج نهار رمضان والمريض إذا خاف المرض والحيض والنفاس والحامل والمرضع إذا خافتا على حمليهما والكبير الذي يعجز عن الصوم والذي يخاف الهلاك من شدة العطش وقد تقدم في المسلك الأول مأخذ بعض هذا. قال القطب الحائض والنفساء فسق اهـ. وهو مما لا خلاف فيه معنا وإنما عليها بدل الصيام لا الصلاة والحجة على ذلك ما رواه البخاري ومسلم والحاكم عن ابن مسعود وأبي سعيد الخدري وابن عمر وأبي هريرة بألفاظ مختلفة واللفظ للبخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للنساء: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى قال: فذلكن من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى. قال: فذلكن
: وصوم
من نقصان دينها وأخرج الجماعة عن معاذة قالت: (سألت عائش
ـة
فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك. مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا
نؤمر بقضاء الصلاة).
1 - الذهب الخالص ص (251).
10 (1/301)
صفحة 302
وروى الربيع في مسنده عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار وأخروا السحور والحديث رواه أحمد عن أبي ذر وأخرجه البخاري ومسلم وأحمد عن أبي هريرة ورواه أبو داؤد والنسائي وابن ماجه وهو أيضا عند الترمذي عن عائشة وفيه زيادة ونقص والمعنى متفق على ذلك. والله الموفق.
(296 (1/302)
صفحة 303
المسلك الرابع
المفطرات
قال شيخنا السالمي في جوهر النظام:
الأكل والشـ
ــرب وبالجمـ
اع
ـن المفط رات بالإجمـ
ناع
قال الشيخ عامر بن علي الشماخي – من علماء الإباضية في القرن الثامن - والمفطرون على ثلاثة أصناف: صنف يجوز له الفطر، وصنف لا يجوز له الفطر، وصنف يجب عليه الفطر. فالذي يجوز له الفطر على أربعة أصناف: صنف يلزمه القضاء دون كفارة، وصنف تلزمه الكفارة دون القضاء، وصنف يلزمه القضاء والكفارة جميعا. ونصف لا يلزمه قضاء ولا كفارة. والله أعلم أما الصنف الذي يلزمه القضاء دون الكفارة فهو المريض والمسافر، والصنف الذي تلزمه الكفارة دون القضاء فهو الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة اللذان لا يقدران على الصيام ومن به مرض دائم لا يرجى برؤه، والصنف الذي يلزمه والكفارة جميعا فهو الحامل والمرضع إذا خافتا من الصوم على
القضاء
297 (1/303)
صفحة 304
أولادهما، والصنف الذي لا يلزمه قضاء ولا كفارة فهو المجنون والمريض المتمادي في مرضه حتى مات في قول بعضهم والمسافر المتمادي في سفره حتى مات فيه اهـ
ويشترط عندنا أن لا يصبح جنبا فإن أصابته جنابة في النهار بادر إلى الاغتسال روى أبو داؤد عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يفطر من قاء ولا من احتلم ولا من احتجم وروى الربيع بسنده إلى أنس بن مالك قال: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يعب الصائم من المفطر ولا المفطر من الصائم والحديث أخرجه البخاري ومسلم وأحمد عن أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك وفيه فلم يعب
ـهر
الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم. وأما اشتراط الطـ من الجنابة فلما روى الربيع عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أصبح جنبا أصبح مفطرا قال الربيع: عن أبي عبيدة عن عروة بن الزبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي وجملة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: من أصبح جنبا أصبح مفطرا به وفي المسند أيضا عن أبي هريرة (أفطر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره
1 - وأخرجه الدارقطني عن أبي سعيد والترمذي عن زيد بن أسلم.
والحديث رواه الشيخان ومالك
298 (1/304)
صفحة 305
رسول الله صلى الله عليه وسلم بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا على قدر ما يستطيع من ذلك). واختلفوا في الإفطار هل هو بأكل أو بجماع أو هما قضيتان واقعتان؟ ويتفرع على هذا اختلافهم في وجوب الكفارة هل تلزم المجامع أو جميع المفطرين؟ والحديث أخرجه الجماعة من طرق متعددة بألفاظ مختلفة وفيه التخيير بين العتق والإطعام والصيام.
ومن المفطرات المعاصي الكبائر وذلك لما روي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الغيبة تفطر الصائم وتنقض الوضوء رواه الربيع وأخرج الجماعة إلا النسائي ومسلما معناه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لم يدع قول الزور والعمل به فليس الله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه وهو كناية عن عدم القبول وروى أبو داؤد والترمذي عن أبي هريرة أيضا: الصيام جنة إذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم إني ائم وحديث الربيع أخرجه بهذا اللفظ
واختلفوا فيمن أكل أو شرب ناسيا في رمضان والأكثر أنه لا بدل عليه وهو رأي جابر بن زيد وكان بعض أصحابه يجني له رطبا في شهر رمضان فقال: إني أكلت. قال جابر: أطعمك الله. وروى أبو داؤد عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم
(299 (1/305)
صفحة 306
2
بهوه
فقال: (يا رسول الله أكلت وشربت ناسيا وأنا صائم قال: والله أطعمك وسقاك) "" وكذلك القول في المكره على الإفطار لكن لا يباح له الإفطار بالجماع إذا أكره عليه. والخلاف أيضا فيمن أفطر على أن الشمس غربت فإذا هي لم تغب روى أبو داؤد عن أسماء بنت أبي بكر قالت: (أفطرنا يوما في رمضان في غيم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم طلعت الشمس (قال هشام: لا بد من القضاء. قال الخطابي: قلت: اختلف في وجوب القضاء إلى أن قال: وشـ بمن أكل ناسيا. قال القطب: فليس ما لا يغذي مفطر للصيام لأنه لم يدخل في الآية هذا قلته من جانب من يقول لا يفطر إلا المغذي ولم أر من ذكر مثله ومشهور المذهب خلافه اهـ. قال البخاري: باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيا وقال عطاء: إن استنثر فدخل الماء في حلقه لا بأس به إن لم يملك. وقال الحسن: إن دخل حلقه الذباب فلا شيء عليه. وقال الحسن ومجاهد: إن جامع ناسيا فلا شيء عليه اهـ. والله الموفق.
1 - والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه
2 - معالم السنن للخطابي ج 2 ص (94).
•
- تيسير التفسير لقطب الأئمة محمد بن يوسف أطفيش ج 1 ص (273).
300 (1/306)
صفحة 307
هنا
المسلك الخامس
صيام النفل والأيام التي يحرم صيامها
2
قال في الإيضاح: أعلم أن الصوم المندوب شروطه كشروط الصوم الواجب في النية والإمساك عن المفطرات وجميع ما ينقض الصوم الواجب ينقض الصوم المندوب والاختلاف الذي هناك لاحق. وأما حكم الإفطار في التطوع فإنه ليس على من دخل التطوع فقطعه بعذر قضاء. وأما إن قطعه بغير عذر فعليه القضاء. والدليل على هذا ما روي أن عائشة وحفصة كانتا صائمتين فأفطرتا فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: أبدلا يوما مكانه والترمذي عن أم هاني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر وروي أبو داؤد عن أبي سعيد قال: (جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسـ ه وسلم ونحن عنده فقالت: يا رسول الله إن زوجي صفوان بن المعطل يضربني إذا صليت، ويفطرني إذا صمت، ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس. قال: وصفوان عنده. قال: فسأله عما قالت؟ فقال: يا
1 - الإيضاح للشماخي ج 2 ص (129). 2 - الحديث أخرجه أبو داؤد عن عائشة.
وروى أحمد
الصائم
(301 (1/307)
صفحة 308
رسول الله أما قولها يضربني إذا صليت فإنها تقرأ بسورتين وقد نهيتها.
قال: فقال: لو كانت سورة واحدة لكفت الناس
?
وأما قولها
يفطرني فإنها تنطلق تصوم وأنا رجل شاب ولا أصبر. فقال رسول الله
وأما
صلى الله عليه وسلم يومئذ: لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها وا قولها أني لا أصلي حتى تطلع الشمس فإنا أهل بيت قد عرف لنا ذلك ولا
نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس (قال الخطابي على أثره قلت في الحديث من الفقه أن منافع العشرة والمتعة من الزوجة مملوكة للزوج في عامة الأحوال وإن حقها في نفسها محصور في وقت دون وقت اهـ واختلف أشياخنا في صيام يوم الشك من شعبان على ثلاثة أقوال بعض حرمه وبعض أجازه وبعض خير الصائم فيه، وعلى كل حال إذا لم يجزم به من رمضان فلا يجزى عنه باتفاق منهم لأنه لم يبيت صيامه من الليل، وفيه قول رابع وهو استحباب صومه. وفي المسن الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: نهى رسول الله صلى الفطر ويوم
يوم من شعبان آخر
الشك وهو الله عليه وسلم عن صوم يوم
ويوم
الأضحى قال: من صامها فقد قارف إثما
?
د روي
أبو عبي دة عن
جابر بن زيد قال: بلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله عن ه صلي بالناس يوم العيد ثم انصرف فخطب الناس ثم قال: (إن هذين يومان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهما يوم فطركم من صيامكم ويوم تأكلون فيه من نسككم (وروى الخمسة إلا أحمد وصححه
302 (1/308)
صفحة 309
الترمذي عن عمار بن ياسر قال: (من صام اليوم الذي يشك
فيه فقد
عصي
أبا القاسم محمدا صلى الله عليه وسلم). قال شيخنا
السالمي.: والنهي عن صوم العيدين محمول على التحريم إجماعا سواء صامهما عن نذر أو تطوع أو كفارة أو غير ذلك ولو نذر صومهما متعمدا لعينهما لا ينعقد نذره ولا يلزمه قضاؤه اهـ. وفي البخاري ومسلم عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن صوم يومين يوم الفطر ويوم النحر وفي لفظ لأحمد والبخاري لا صوم في يومين ولمسلم لا يصح الصيام في يومين وفي الجزء الرابع من نيل الأوطار للشوكاني ص (292) وقد أجمع العلماء على تحريم صوم هذين اليومين بكل حال. وفي المسند عن ابن عباس نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال وفي البخاري ومسلم وأحمد عن عائشة قالت: نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم. وقد تقدم في المسلك الأول حديث صوم عاشوراء ونقل ابن عبد البر الإجماع أنه ليس الآن بفرض ونقل الإجماع على أنه
مستحب وفي مسند الربيع عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من صام في كل شهر ثلاثة أيام فكأنما صام الدهر كل
?
والحديث رواه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي ذر ولأحمد وأبي داؤد
معناه من حديث أبي قتادة لكن حدد في بعض الروايات الأيام بأنها أيام
1 - شرح المسند ج 2 ص (4).
(303 (1/309)
صفحة 310
البيض فهل هي ابتداء من الثاني عشر أو من الثالث عشر؟ خلاف وبعض لم يحدده. وفي المسند أيضاً عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صام رمضان ثم أتبعه بستة أيام من شوال فكأنما صام الدهر كله والحديث رواه الجماعة من حديث جابر ولبعضهم عن ثوبان لكن اختلفوا في تعجيلها بعد العيد أو شهر شوال كله وقت لها؟ فيه خلاف. وذكر في الإيضاح استحباب صيام سبعة أيام في السنة سبعة وعشرين من رجب وخمسة وعشرين من ذي القعدة واليوم الأول والسابع والتاسع من ذي الحجة ولعل السادس والسابع تاسع من محرم وعاشر محرم ورويت أحاديث في. ام رجب وفضله والله
الموفق. (1/310)
صفحة 311
المسلك السادس
الاعتكاف
قال في مختار الصحاح: الاعتكاف في المسجد هو الاحتباس، وعكف على الشيء أقبل عليه مواضبا وبابه دخل وجلس. قال القطب محمد بن يوسف أطفيش في تفسير قوله تعالى: * ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد أي مقيمون فيما إذا اعتكفتم فيها فلا جماع ليلا
أيضا كما لا جماع نهارا لا في بيوتكم ولا في المساجد سواء اعتكفت بالصوم وهو واجب في الاعتكاف ولو في غير رمضان وهو مذهبنا، أو بغير صوم في غير رمضان. ويجوز الاعتكاف في كل مسجد لهذه الآية وأفضلها ما فيه الجماعة والجمعة والآذان وخصه بعض بما فيه ذلك
V
وبعض بالمسجد الحرام ومسجد المدينة وبعض بالمسجد الحرام. ولا اعتكاف دون ثلاثة أيام ولا اعتكاف بلا صوم، وأجيز يوم ولو بلا
يصح
صوم لما روى عنه صلى الله عليه وسلم: ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه ويفسد بالجماع اهـ. قلت: الحديث أخرجه الدارقطني والحاكم عن ابن عباس وروى أبو داؤد عن عائشة رضي الله عنها قالت: (السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا ولا
1 - تيسير التفسير ج 1 ص (275) سورة البقرة الآية (187). (1/311)
صفحة 312
يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلا لما لابد له منه ولا اعتكاف إلا بصوم ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع). وفي مسند الربيع أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة رضـ الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدنـ إلي رأسه فأرجله وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، وفي جامع
لعجزه
ورجح
أبي محمد بن بركة – من علماء عمان في القرن الرابع ص (300) مخطوط - ومن نذر أن يعتكف في مسجد بعينه في أيام معلومة فحيل بينه وبينه بهدم أو غيره فقال بعض أشياخنا: يلزمه كفارة نذره إلى أن قال: والكفارة كفارة يمين مرسلة ثم ذكر القول الثاني بأن بعضا عذره عن الكفارة لأن الكفارة عقوبة عن ذنب ولا ذنب له هذا القول الأخير. وفي مختصر الخصال للإمام الحضرمي الإباضي – من علماء القرن الخامس - فيما يباح للمعتكف أن يخرج لأجله وعد ست عشرة خصلة: أحدها: أن يخرج لغائط أو بول، والثاني: أن يخرج للغسل من الجنابة، والثالث: أن يدخل وقت فريضة وهو محدث فإنه يخرج ليتوضأ، الرابع: أن يخرج لعشائه وسحوره فيأكل أينما كان، والخامس: أن يخرج لصلاة الجمعة إذا كانت في غير المسجد الذي يصلي فيه، السادس: الحائض والنفساء فإنها تخرج فإذا طهرت رجعت، السابع: أن يخرج من أجل مرض فإذا صح
1 - قوله للغسل من الجنابة: أي من احتلام. (الشيخ العلامة سيعد بن خلف الخروصي). (1/312)
صفحة 313
رجع
، الثامن: المرأة تطلق أو يموت عنها زوجها فإنها تخرج إلى بيتها
مس
جد بيتها
فتعتد فيه فإذا انقضت العدة رجعت فإذا كانت معتكفة في فتقف مكانها، والتاسع: أن يخاف على نفسه أو ماله في معتكفه فإنه يخرج وإذا أمن رجع، والعاشر: أن يخرجه الإمام أو الوالي في دفع حق أو إقامة حد، والحادي عشر: يجب عليه الخروج في الجهاد فإنه يخرج لذلك، والثاني عشر: يخرج لعيادة مريض ولا يقعد عنده إذا كان ممن يجوز عيادته، الثالث عشر: أن يكون عنده مسئول به فإنه يخرج عنده فإذا مات أو أفاق رجع، قال: أقوله قياسا والرابع عشر:: أن يخرج لصلاة الجنازة إذا وليها فإذا صلى رجع. وعلى كل حال فلا يلزم الاعتكاف إلا بنية من الليل ودخول في المعتكف بعد غروب الشمس ولا
يخرج إلا بعد غروبها لمن اشترط الصوم. والله الموفق.
307 (1/313)
صفحة 314
المسلك السابع
النذور
قال في المعجم الوسيط: نذر الشيء نذرا أوجبه على نفسـ يقال: نذر ماله الله ونذر على نفسه أن يفعل كذا، قال القطب محمد بن يوسف رضي الله عنه في تفسيره هميان الزاد: ((يوفون)): أي الأبرار ((بالنذر)): بما أوجبوه على أنفسهم من الطاعة وليس بواجب فمن وفى بما أوجبه على نفسه كأنه أوفى بما أوجب الله عليه ابتداء فذلك وصف بالغ لهم والجملة استئناف بياني وفيها دليل على وجوب الوفاء بنذر الطاعة كأن يقول: الله علي صوم كذا أو صلاة كذا أو صدقة كذا أو غير ذلك إن شفي مريضي أو فرج الله عني أو نحو ذلك. واستفتى سعد بن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نذر على أمه ماتت ولم تقضه فأمره بقضائه لها. ومن لم يف لزمته كفارة يمين. وعنه صلى الله عليه وسلم لا نذر في معصية الله " ومن نذر في
2
1 - " هميان الزاد إلى دار المعاد " لقطب الأئمة الشيخ محمد بن يوسف أطفيش تفسير سورة الإنسان الآية (7).
2 - أخرجه الربيع وأحمد والبخاري وأبو داود والنسائي ومالك.
•
- أخرجه الربيع وأحمد والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومالك
308 (1/314)
صفحة 315
معصية وجب عليه أن لا يفي بها وتركها كفارة النذر. وقيل تلزمه كفارة النذر ومن لم يعلق لشيء قيل لا يجب عليه الوفاء وقيل يجب إلى أن قال: وقيل: إن لم يعلق ولم يقض لزمته كفارة يمين. قلت: ولعل هذا وجه ما رواه في بيان الشرع عن موسى بن علي أحد أعلام عمان في القرن الثاني حيث قال: سألت موسى وقد نذرت أن أصوم شهرين وأنا يومئذ شاب فضعفت عن الصوم فهل لي أن أطعم عن كل يوم مسكينا؟ فقال: نعم، وسألته أن أطعم وإن لم أضعف عن الصيام؟ فقال: نعم إن شئت، فقلت: فهل لي أن أطعم مسكينا واحدا وأعشيه شهرين قال: إن شئت فعلت ذلك. وعن الأزهر بن محمد مثل ذلك اهـ. لأنه لم يعلق أو أنه من باب أنه لم يقل الله كما قال القط هميانه ما نصه:
وقيل: إن لم يقل الله علي فلا نذر. قال ابن حجر: وقول الله تعالى يوفون بالنذر يؤخذ منه أن الوفاء به قربة للثناء على فاعله لكن ذلك مخصوص بنذر الطاعة. وقد أخرج الطبري من طريق مجاهد في قوله تعالى: يوفون بالنذر قال: إذا نذروا في طاعة الله تعالى. قال القرطبي: النذر من العقود المأمور بالوفاء بها المثنى على فاعلها وأعلى أنواعه ما كان غير معلق على شيء كمن
1 - فتح الباري لابن حجر ص (499) باب الوفاء بالنذر. (1/315)
صفحة 316
يعافي من مرض فقال: الله علي أن أصوم كذا أو أتصدق بكذا أو أتصدق بكذا شكرا لله تعالى. ويليه المعلق على فعل طاعة كان شفى الله مريضي صمت كذا أو صليت كذا وما عدا هذا من أنواعه كنذر اللجاج كمن يستثقل عبده فينذر أن يعتقه ليتخلص من صحبته فلا يقصد القربة بذلك أو يحمل على نفسه فينذر صلاة كثيرة أو صوما مما يشق عليه فعله ويتضرر بفعله فإن ذلك يكره وقد يبلغ بعضه التحريم اهـ. والله
(310
الموفق (1/316)
صفحة 317
المسلك الثامن
الأيمان
قال في مختار الصحاح: اليمين القسم والجمع أيمن وأيمان، وقيل: إنها سميت بذلك لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كل امرء منهم يمينه على يمين صاحبه إلى أن قال: وأيمن الله اسم وضع للقسم هكذا بضم الميم والنون وهو جمع يمين وألفه ألف وصل إلى أن قال: ولم يج الأسماء ألف الوصل مفتوحة غيرها وربما حذفوا منه النون فقالوا: أيم الله بفتح الميم وكسرها. وربما أبقوا الميم وحدها فقالوا: م الله بضم الميم وكسرها. وربما قالوا: من الله بضم الميم والنون
في
ww
وكسرهما وفتحهما، ويقولون: يمين الله اهـ. وعرفت شرعا بأنها توكيد الشيء بذكر اسم أو صفة الله فالاسم معروف والصفة كقول إبليس لعنه الله: فبعزتك لأغوينهم أجمعين "" وفي البخاري باب الحلف بعزة الله وصفاته وكلامه وقال ابن عباس: كان النبي عليه وسلم يقول: أعوذ بعزتك. قال الله جل وعلا: ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله
1 - مختار الصحاح ص (745).
2 - سورة ص الآية (82).
الله
(311 (1/317)
صفحة 318
سميع عليم. لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم * اختلف المفسرون في معنى جعل الله عرضة للأيمان هل هو من باب النهي عن كثرة الحلف كلما تكلمت أقسمت أو من باب من حلف عن شيء ورأى غيره خيرا منه فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه؟ كما في حديث الربيع وأحمد ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من حلف يمينا فرأى خيرا منها فليكفر عن يمينه ويفعل ما حلف عليه ورواه أحمد والترمذي بلفظ فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه ه. وفي هذه الرواية دلالة على جواز تقديم الكفارة على الحنث. وكذلك اختلفوا في اللغو ما هو؟ قال في الوضع وقد سبق التعريف بالمؤلف: قال ص (652): اللغو في لغة العرب: هو الساقط الذي لا يعتد به إلى أن قال: واختلف العلماء في معنى اللغو المذكور على سبعة أقوال. قال بعضهم: ما يصل به المتكلم كلامه بسرعة من غير قصد ولا عقد، كقول القائل بلى والله ولا والله وأمثالها فقالوا: لا كفارة ولا مؤاخذة عليه في مثل هذا حتى يعزم عليه بعقد من القلب وهذا قول عائشة وأبي الشعثاء قال المحشي: وبه جزم في الصحاح. قلت: روى البخاري عن
عائشة رضي الله عنها قالت: (أنزلت في قول لا والله وبل ى والله)، القول الثاني: أن يحلف الرجل على شيء في علمه وظنه فإذا هو
1 - سورة البقرة الآيتان (224 و 225).
312 کرم (1/318)
صفحة 319
بخلاف ما حلف عليه ودليل هؤلاء الخطأ المرفوع عن هذه الأمة، قلت لقوله صلى الله عليه وسلم: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، القول الثالث: هو اليمين في حال الغضب
الغضب
2
ودليل هؤلاء قول النبي صلى الله عليه وسـ لم: لا يمين في، القول الرابع: هو اليمين على المعصية وقطيعة الرحم دليل هؤلاء قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا نذر ولا يمين في معصية الله ولا في قطيعة رحم، القول الخامس: هو دعاء الرجل على نفسه بالشر ودليل هؤلاء قول الله تعالى: ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وقوله: ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم وذلك كقول القائل: أعمى الله بصره أو أذهب عقله أو
بالخير ماله أو ولده إن لم يفعل كذا وكذا بلسانه دون عقد القلب، والقول السادس: هو اليمين المكفرة لأنها إذا كفرت سقطت، القول السابع: هو اليمين على النسيان ودليلهم قوله عليه السلام: رفـ ع عن أمتي والنسيان وما أكرهوا عليه وزاد ابن حجر قولا ثامنا:
الخطأ
وهو
non
أن يحلف على الشيء أن لا يفعله ثم ينسى فيفعله، قال: وهو قول
1 - رواه الطبراني عن ثوبان
2 - رواه الطبري في تفسيره " جامع البيان " عن ابن عباس رضي الله عنه ج 2 ص (409).
- سورة الإسراء الآية (11).
- سورة يونس الآية (11)
5 - شرح البخاري ج 11 ص (476).
313 (1/319)
صفحة 320
ي مسند
إبراهيم النخعي، ونسب القول في الغضب إلى طاوس الربيع عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدرك عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ركب يحلف بأبيه فقال: إن الله نهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان منكم حالفا فليحلف بالله أو. ومن قواعدهم في الأيمان هل يتعلق موجب الحنث بأقل
mu
ليصمت ما نطلق عليه الاسم أو بجميعه؟. وكذلك اختلفوا هل تقع الأيمان على الألفاظ والمسميات أو على المقاصد والعرف؟ وينبني على هذه القواعد فروعها. وهي من أبحاث أصول الفقه. وكذلك اختلفوا فيمن حلف على شيء وبادل به هل يحنث أم لا؟ لأن الخلاف معهم هل بدل الشيء هو الشيء أو غيره، ومن ذلك اختلافهم في اختلاف اللغة مع العرف والعادة ومن ذلك اختلافهم في الكتاب، ومن ذلك هل هو كلام أم لا؟. ولكل قاعدة من هذه القواعد حجة من الكتاب العزيز والسنة النبوية فمثلا فيمن
حلف لا يأكل لحما فأكل سمكا هل يحنث أم لا فاللحم معروف في العرف والسمك لا يسمى لحما. وذكره الله تعالى في قوله: * وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا * فسماه لحما وقوله تعالى: وجعلنا السماء سقفا محفوظام وقوله جل
1 - والحديث أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عمر.
2 - سورة النحل الآية (14).
3 - سورة الأنبياء الآية (32). (1/320)
صفحة 321
وعلا: الذي جعل لكم الأرض فراشا وكذلك من حلف لا يشرب من النهر فلا يعني أنه يكرع فيه، والحجة أن الكلام غير الكتاب قوله جل وعلا: قال آيتك ألا تلكم الناس ثلاث ليال سويا • فخرج
على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا فقال: كتب إليهم كتابا. ويظهر الخلاف فيمن كتب طلاق زوجته هل تطلق أو لا حتى يتكلم به؟ وهكذا
•
وفي مسند الربيع بسنده إلى أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من اقتطع حق مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار قال له رجل وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وإن كان قضيبا من أراك وهذه هي اليمين الغموس التي يغمس صاحبها في الإثم وفي الوضع الغاموس بالألف. قال القطب في شرح النيل: زيادة الألف للمبالغة. وروى البخاري عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الكبائر: الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين
الغموس والحديث أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وزاد بعضهم عن أبي هريرة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ليس فيها
1 - سورة البقرة الآية (22). 2 - سورة مريم الآيتان (10 و 11).
- والحديث أخرجه أحمد في مسنده والنسائي والدرامي ومالك في كتاب الأقضية ومسلم وفي
الأيمان عن أبي أمامه الحارثي (1/321)
صفحة 322
كفارة يمين صبر يقتطع بها مالا بغير حق وعلل بعضهم ذلك بأنها أعظم من أن تكفر واعتبرها من اللغو. وقال بعض العلماء أنه لا فرق بينها وبين سائر الأيمان ولم يثبت معه الحديث وهي شبيهة بقتل المؤمن عمدا حيث لم يذكر الله جل وعلا فيه توبة ولا كفارة اهـ. هذا والله
الموفق.
1 - ملخصا من شرح البخاري لابن حجر إلا ما قلته من قتل المؤمن عمدا. (1/322)
صفحة 323
المسننة التاسع
الكفارات
" Y"
قال ابن حجر في شرح البخاري: وسميت كفارة لأنها تكفر الذنب أي تستره ومنه قيل للزارع كافر لأنه يغط البذر، وقال ي الراغب: الكفارة ما يغطي الحانث في اليمين واستعمل في كفارة القتل والظهار وهو من التكفير وهو ستر الفعل وتغطيته فيصير بمنزلة ما لم يعمل اهـ. وفي جامع ابن بركة - مخطوط ص (290) - والكفارة مأخوذة من كفرت الشيء أي غطيته وسترته فكأنها تكفر الذنوب أي تسترها. هذا معروف من طريق اللغة ويطلقه الفقهاء على هذا اللفظ والذي عندي والله أعلم أن الأيمان الفاجرة لا يكفرها إطعام المسلكين ولا الصيام ولا عتق الرقاب لأن العقوبة مع هذا باقية حتى يقصد هذا بالتوبة لأن التوبة هي التي تستر الذنوب فإذا تاب وحصل تائبا سترت أيمانه وذنوبه الكفارات مع التوبة والله أعلم. اهـ كلامه. وعلى كل حال فكلا الحالتين مرتبط بعضهما ببعض ولا يتم أحدهما إلا بالآخر والله ولي التوفيق. قال الله جل وعلا: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما
1 - شرح صحيح البخاري لابن حجر ج 11 ص (514).
دار 317 کرم (1/323)
صفحة 324
تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته
nn
لعلكم تشكرون *. قال أبو محمد بن بركة: وكل حالف يمينا حنث
فيها فعليه كفارتها كان عاصيا في حلفها أو غير عاص، والكفارة ما ذكر الله تعالى في سورة المائدة سوى يمين الظهار فقول الله جل ذكره: ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم فجمع بهذه الآية كل يمين حلف بها فحنث حالفها، وهذا عموم ومن ادعى التخصيص فعليه الأدلة وقد فرق أكثر أصحابنا بين كفارة الأيمان فيما يحلف به بغير الله والذي نختاره وما دلت عليه الآية أن كفارة الأيمان كلها سواء إلا كفارة الظهار فإنه لاحظ للنظر مع النص وقد وجدت لأبي حنيفة فيمن قال هو يهودي أو نصراني إن فعل ثم حنث: أن عليه كفارة يمين مرسلة وكذلك قال أحمد بن حنبل فيمن قال هو كافر ثم حنث: أن عليه كفارة يمين مرسلة ولم نذكر قول مخالفينا في كتابنا سرورا منا بموافقتهم ولكن سرورا بالاحتجاج به عليهم عند مخالفتهم إيانا في الأيمان لأنهم يعطون في بعض المواضع ويمنعون في مواضع أخرى وبالله توفيقنا وبه نستعين إلى أن قال: وقال داؤد بن علي: لا تجب الكفارة على من حلف يمينا فاجرة واحتج بأن الكفارة ساترة للذنب وهذا عاص والوعيد لا يزول عنه بالكفارة عنده على من حلف يمينا كان له أن يحلف عليها ثم حنث.
1 - سورة المائدة الآية (89)
318 (1/324)
صفحة 325
قال: وإذا كانت الكفارة في اللغة ساترة فما لم تستره لا يلزم يقال له ما ينكر أن تكون الكفارة لازمة له على كل يمين مباح له الحلف بها أو محظور عليه أن يحلف بها وذلك أن رجلا لو حلف لا يقتل زيدا فقتله أنه يكون حانثا وتلزمه الكفارة ولا تكون الكفارة ساترة لذنبه وهو القتل. وكذلك ما ينكر أن تلزم الكفارة في اليمين الكاذبة إذا اقتطع بها مال امرء مسلم وإن كان مستحقا للوعيد، وأيضا فإن الله تبارك وتعالى قال: ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ولا يزيل هذا العموم إلا حجة بقطع العذر وأيضا فإن الله تعالى أوجب الكفارة على قاتل الصيد بقوله: يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا ... إلى قوله أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله " فأوجب الله الكفارة على قاتل الصيد إذا تعمد لقتله وليست ساترة لذنبه وبالله التوفيق. والحاصل أن الكفارات المجمع على تغليظها كفارة الظهار وكفارة المجامع نهارا في رمضان وكفارة القتل. واختلفوا هل يجزي الإطعام عن العاجز عن الصيام في كفارة القتل أم لا؟ وما دون ذلك من الأيمان الغليظة والخفيفة فمقيس ومختلف فيه بعض
منه
ألحقه بالمغلظات. وبعض جعله من المرسلات الوارد حكمها في سورة
المائدة
والله الموفق.
1 - سورة المائدة الآية (95).
319 (1/325)
صفحة 326
المسلك العاشر
الاستثناء في الأيمان
قال صاحب الإيضاح ": الاستثناء معناه: إخراج بعض من كل بإلا أو بكلمة في معنى إلا من جميع تخصيصات العموم مثل أن يقول في أثر يمينه: إلا أن يشاء الله، أو إن أراد الله، أو إن قضى الله، أو إن أذن الله. وذكر عن بعضهم أنه أجاز الاستثناء بكل شيء ذكر الله فيه وأراد به هدم اليمين مثل أن يحلف ويقول: أستغفر الله، أو سبحان الله والدليل على هذا القول قوله تعالى: ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا " إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت *. قال أهل
2
التفسير: يعني إذا قلت لشيء إني فاعل ذلك غدا يعني: فاستثن وقل: إن شاء الله واذكر ربك إذا نسيت أن تستثني من ساعتك فقل بعد ذلك إذا ذكرت قبل أن تحنث فاستثن وقل إن شاء الله. ففي هذا دليل إذا ذكر الله وأراد به هدم اليمين أن ينفعه لقوله تعالى: وا واذكر ربك إذا نسيت والله أعلم. ومن شروط الاستثناء الاتصال بالمستثنى منه وقد
1 - الإيضاح للشماخي ج 2 ص (216) وصاحب الإيضاح هذا من علماء الإباضية في القرن
الثامن من أهل نفوسه بليبيا
2 - سورة الكهف الآيتان (23 و 24).
320 (1/326)
صفحة 327
الله
اليمين
أجمع أنه إذا اجتمع في الاستثناء ثلاثة شروط أن يكون متناسقا مع وملفوظا به ومقصودا من أول اليمين أنه لا ينعقد معه اليمين واختلفوا في غير هذه الثلاثة المواضع أعني إذا لم يكن متناسقا. مع اليمين أو نواه ولم ينطق به أو حدثت له نية الاستثناء بعد اليمين، ويدل عليه أصل اختلافهم هل هو حال لليمين أو مانع؟ فإذا كان مانعا لم يكن إلا متناسقا مقصودا من أول اليمين، وإذا كان حالا جاز فيه الوجهان. وهذا التعليل موجود عن بعض فقهاء قومنا والله أعلم. وقد روي أن النبي عليه السلام قال: والله لأغزون قريشا ثم سكت ساعة فقال: إن شاء ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دال على انفصاله. وأما إذا كان يجري بالنية دون اللفظ فأقول أنه كما لا يلزم اليمين بالنوي دون اللفظ كذلك لا ينفع الاستثناء بالنوي دون اللفظ لأن ما كان عقده بالقول ففسخه لا يكون إلا بالقول غير أن قوله عليه السلام: الأعمال بالنيات شاهد الصاحب القول الأول. وفي الأثر الاستثناء يهدم الأيمان سواء كان قبلها أو بعدها إذا كان متصلا بها وذلك فيما يوجبه النظر لما كان الاستثناء مؤثرا في هدم اليمين بعدها فأحرى أن يؤثر قبلها. وأما الأيمان التي يؤثر فيها الاستثناء من التي لا يؤثر فيها. وفي الأثر الاستثناء يهدم الأيمان كلها إلا الطلاق والعتاق والظهار والنكاح فهذا لا ينفع فيه فقد ثبت ولا ينهدم به كقوله لزوجته طالق إن
1 - أخرجه أبو داؤد وغيره عن عكرمة.
إنما
321 (1/327)
صفحة 328
شاء الله وعبده حر إن شاء الله وهي عليه كظهر أمه إن شاء الله اهـ قال ابن حجر في شرح حديث باب الاستثناء في الأيمان: واتفق العلماء كما حكاه ابن المنذر على أن شرط الحكم بالاستثناء أن يتلفظ بالمستثنى
به وأنه لا يكفي القصد إليه. قال الخطابي في معالم السنن: لم يختلف العلماء بأن استثناءه إذا كان متصلا بيمينه فإنه لا يلزمه كفارة وقال بعضهم: له أن يستثني ما دام في مجلسه روي ذلك عن طاوس والحسن البصري وقال قتادة: إذا استثنى قبل أن يقوم أو يتكلم فله ثنياه، وقال أحمد بن حنبل: يكون الاستثناء ما دام في ذلك الأمر. وعن ابن عباس أنه قال: له استثناؤه بعد حين، وعن مجاهد له أن يستثني بعد سنين، وعن سعيد بن جبير بعد أربعة أشهر، قلت: وعامة أهل العلم على خلاف قول ابن عباس وأصحابه ولو كان الأمر على ما ذهبوا إليه لكان للحالف المخرج من يمينه حتى لا يلزمه كفارة بحال. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه قال هذا على أثر حديث أبي داؤد عن عكرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: والله لأغزون قريشا ثم قال: إن شاء الله والله الموفق.
1 - " معالم السنن " للخطابي ج 4 ص (48).
در 322 کرم (1/328)
صفحة 329
Hollo THUOCAN
323 (1/329)
صفحة 330
المسلك الأول
في دليل وجوب الحج والعمرة
قال في مختار الصحاح "" الحج في الأصل القصد وفي العرف قصد مكة للنسك وبابه رد فهو حاج وجمعه حج بالضم كبازل وبزل إلى أن قال: وذو الحجة بالكسر شهر الحج وجمعه ذوات الحجة ولم يقولوا ذووا على واحدة اهـ. قال الله جل وعلا: والله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن
العالمين
الحج خامس أركان الإسلام المفروضة بالإجماع وكان فرضه في السنة التاسعة للهجرة، واختلفوا في العمرة هل هي فرض مثل الحج أم لا لقوله تعالى: وأتموا الحج والعمرة الله "؟ وعلى كل حال فلا يجبان في العمر إلا مرة واحدة وهي قرينة الحج في الطواف والسعي والإحلال والإحرام والقرآن معه في أشهر الحج وفي المختار: والعمرة في الحج وأصلها من الزيارة والجمع عمر. واستدلوا على وجوبها
1 - مختار الصحاح ص (123)
2 - سورة آل عمران الآية (97).
- سورة البقرة الآية (196).
324 (1/330)
صفحة 331
بعطفها على الحج في قوله جل وعلا: وأتموا واستدلوا بعدم الوجوب بقراءة والعمرة بالرفع ـ ال القطب في وأتموا الحجة والعمرة الله إنتوا بهما تامين
تفسيره
بشروطهما وأركانهما لا تقطع وهما ولا تكدروهما بشيء والأمر للوجوب، فهما واجبان ذاتاً وتماماً وإن قرأ برفع العمرة فالمعنى والعمرة ثابتة الله على وجه الوجوب إلى أن قال: والقائل بعدم وجوبها يقول: الآية أمر بإتمامها بعد الدخول فيها وكل نفل يجب إتمامه بعد الدخول فيه وهل هما على الفور أو على التراخي؟ قولان. وشروط وجوبه البلوغ والعقل والحرية والإسلام وأمان الطريق والزاد والراحلة وأن لا يضيع من يلزمه عوله بعده أمناً ونفقه. واختلفوا في حج الصبي هل يسقط عنه الفرض أم لا؟ ورجح ابن محبوب من أسلافنا القدامى أجزاءه، وروى الخطيب والضياء عن ابن عباس رضي الله عنهما أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما أعرابي حج ثم هاجر فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى لأن الأعرابي إذا حج قبل الهجرة فكأنه لم يحج ذلك لأن الهجرة فرض فهو على شركه في الاعتبار. وروى هذا الحديث صاحب الوضع من أشياخنا. وأما دليل الأمان فمأخوذ من قوله
1 - تيسير التفسير للإمام القطب ج 1 ص (287).
320 کريم (1/331)
صفحة 332
تعالى: فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي * وإن كان داخلاً
في الاستطاعة، وروى الترمذي عن ابن عمر: السبيل: الزاد
:
الله عليه ى وقوله صلى الله
والراحلة، ودليل عدم تضييع من يلزمه عوله قوله صلـ وسلم: كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت عليه وسلم: كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع في مال أبيه وهو مسئول عن رعيته. فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته وفي مسند الربيع بسنده إلى أنس بن مالك قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر ذات يوم فجلس فقال: سلوني عما شئتم ولا يسألني أحد منكم عن شيء إلا أخبرته به فقال الأقرع بن حابس: يا رسول الله الحج علينا واجب في كل عام؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احمرت وجنتاه وقال: والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت لم تفعلوا ولو لم تفعلوا لكفرتم ولكن إذا نهيتكم عن
1 - سورة البقرة الآية (196)
2 - رواه أحمد وأبو داؤد والحاكم والبيهقي عن ابن عمرو. رواه أحمد والبيهقي وأبو داود والترمذي عن ابن عمر.
326 (1/332)
صفحة 333
1
شيء فانتهوا وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم) ". والله "
الموفق.
- الحديث أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي
در 327 کرم (1/333)
صفحة 334
السلك الثاني
الخروج إلى الحج و على من يجب
فكل من توفرت له شروط الحج وجب عليه التهيوء والاستعداد لأداء هذه الفريضة العظيمة قال الله جل وعلا: وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق *
ا بعد
أن ذكر جلّ وعلا مكانة البيت وعطّ شرفه بقوله: * وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي يئاً وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود: """ قيل: الخطاب بالتأذين والأمر به لأبينا إبراهيم عليه السلام قال الله تعالى: ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وقيل: لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم. قال القاضي البيضاوي في تفسيره ص (443): (وأذن في الناس): ناد فيهم وقرأ (أذن (بالحج بدعوة الحج والأمر به، روي أنه عليه السلام صعد أبا قبيس فقال: يا أيها الناس حجوا بيت ربكم فأسمعه الله من في أصلاب الرجال وأرحام النساء فيما بين المشرق والمغرب ممن
1 - سورة الحج الآية (27).
2 - سورة الحج الآية (26).
- سورة النحل الآية (123).
زير 328 کريم (1/334)
صفحة 335
سبق في علمه أن يحج وقيل: الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بذلك في حجة الوداع اهـ. قال القطب: وهو تراخي وإنما يهلك بموته غير حاج ولا موص وهو الصحيح لتأخيره صلى الله عليه وسلم مع تمكنه، أو فوري لتخصيصه بوقت في السنة، وعليه فإن أخره نواه آداء أو قضاء أقوال اهـ. واستدل القائلون بالتعجيل بقوله صلى الله عليه وسلم: من أراد الحج فليعجل فإنه قد يمرض المريض وتضل الراحلة وتكون الحاجة " وفي حديث أحمد والبيهقي تعجلوا فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له، رفعوه إلى ابن عباس عن
ـــج
صلى الله عليه وسلم، وفي الوضع روي عن عمر ابن الخطاب) الله عنه أنه قال: (لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى الأمصار فلا أجد رجلاً بلغ السن ووجب عليه الحج فلم يحج إلا ضربت عليه الجزية والله ما أولئك بالمؤمنين) قال جل وعلا: الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج "4" قال القطب في: وقت الحج أشهر أو الحج ذو أشهر شوال وذو
تفسيره
1 - الذهب الخالص لقطب الأئمة الشيخ محمد بن يوسف أطفيش ص (264). 2 - أخرجه أحمد والبيهقي وابن ماجه والطحاوي عن ابن عباس.
أخرجه البيهقي وسعيد بن منصور من طرق وابن شيبه وصاحب القوت والإحياء. 4 - سورة البقرة الآية (197).
ه - تيسير التفسير للشيخ القطب محمد بن يوسف اطفيش الجزء الأول ص (298).
4329 (1/335)
صفحة 336
مع
القعدة وعشرة من ذي الحجة، ولا يشكل علينا الجمع لأن المعنى أن الحج يوقع في ثلاثة أشهر والأمر كذلك فإنه يوقع في التسعة الأولى وفي ليلة النحر، فذو الحجة بذلك محل للحج بل يوقع باقي أعماله أيضاً بعد ذلك ولا يلزم من كون شهر محلاً لكذا أن يكون في كل يوم منه، إلى أن قال: ومذهبنا الأول فلا يفوت طواف الزيارة والسعي ما دام غير نلقض لإحرامه ولو عاماً أو أكثر وفاته بالعشرين على الثاني وبالثلاثين على الثالث فيقضي الحج مستأنفاً على القولين، إلى أن قال: (فمن فرض فيهن الحج) على نفسه بالإحرام به مع النية ولو بلا لفظ ومع التلبية به اللفظ والقصد للدخول فيه كالدخول في الصلاة هذا مذهبنا، إلى أن قال: (فلا رفث) في الحج لا جماع كما تعورف شرعاً أو فلا فش كلام في أمر الجماع ومقدماته وهو المعنى الحقيقي للرفث وعليه فبالأولى أن لا جماع، (ولا فسوق) في الحج ولا غيره ومنها السب والنبز باللقب فمن فعل كبيرة بعد الإحرام لزمه دم (ولا جال في الحج) في أيامه بعد الإحرام، ومن جادل حتى أغضب أو غضب لزمه دم ولو في الحق والمباح اهـ. المراد منه. قال صلى الله عليه وسلم: من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولـ ولدته امه "" قال القطب: وزعم بعض أن الجدال بالحق غير منهي عنه ويرده مخالفة ظاهر الآية وأنه يفضي إلى شر وقد قال الله عزوجل: فلا تمار فيهم
1 - رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة.
330 (1/336)
صفحة 337
إلا مراء ظاهراً وقال السيد سابق: الجدال المنهي عنه هنـ
هو الجدال بغير علم أو الجدال في باطل أما الجدال في طلـ
أحسن
الحق
فهو مستحب أو واجب وجادلهم بالتي هي واختلفوا هل يبيع أصل ماله للحج أو يحج من فضله ماله وهل يقدم على التزويج للمضطر عليه أم لا؟ قولان. ويسـ تحب أن يكون السفر يوم الخميس لما روى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج إذا أراد سفراً يوم الخميس اهـ. وأن يصلي ركعتين عند خروجه لما روى الطبراني وابن عساكر عن المطعم بن المقدام ما خلف أحد عند أهله أفضل من ركعتين يركعهما عندما يريد سفراً ويودع أهله وأقاربه لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أن يسافر فليقل لمن يخلف استودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه وعن أنس قال: جاء رجل إلى النبي وسلم: فقال: يا رسول الله أريد سفراً فزودني، فقال: زودك الله التقوى، قال: زدني قال: وغفر ذنبك، قال: زدني: قال ويسر لك
11011
صـ
من أراد
لى الله عليه
الخير حيثما كنت وروى أبو داود والترمذي عن عمر بن
1 - سورة الكهف الآية (22). 2 - فقه السنة ج 1 ص (567).
- سورة النحل الآية (125). - رواه أحمد عن أبي هريرة. 5 - رواه الترمذي وقال حديث حسن.
331 (1/337)
صفحة 338
الخطاب رضي
الله عنه (استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في العمرة فأذن لي وقال: لا تنسنا يا أخي من دعائك فقال كلمة ما يسرني
أن لي بها الدنيا) وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان النبـ صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج إلى سفر قال: * اللهم أنت
الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم إني أعوذ بك من الضبنة ' في السفر والكآبة في المنقلب اللهم اطو لنا الأرض وهون علينا السفر) وإذا أراد الرجوع قال: * آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون وإذا دخل على أهله قال: توباً توبا لربنا أو بألا يادر علينا حوبا "" وأخرج أحمد ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر كبر ثلاثاً ثم قال: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل بما ترضى اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في رجع قالهن وزاد فيهن آيبون تائبون عابدون لربنـ حامدون) وروي
الأهل
والم
ال. وإذا
1 - الضبنة يعني: الرفاق الذين لا كفاية لهم.
2 - رواه أحمد والطبراني والبزار
توباً توبا مصدر تاب وأوبا مصدر آب بمعنى رجع.
332 کرم (1/338)
صفحة 339
البخاري عن جابر رضي الله عنه قال: (كنا إذا صعدنا كبرنا وإذا نزلنا سبحنا) وفي مسند الربيع بسنده إلى أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أقبل من حج أو غزو أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير آيبون تائبون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده وأما المرأة فهي كالرجل في هذا الفرض وإنما يلزمها بشروط زيادة عن الرجل هي وجود ذي محرم أو زوج أو مع نساء أو ثقاة يمنعونها كأنفسهم. قال القطب في شرح النيل: هذا مذهبنا ومذهب الشافعي ومالك. وقال أبو حنيفة والحسن البصري والنخعي: لا تحج إلا مع محرم أو زوج. واستدل في الذهب الخالص لذلك بحج نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الأمناء حيث احجهن عمر بن الخطاب مع عثمان وعبد الرحمن بن عوف، وحجة المانعين قوله صلى الله عليه
وسلم: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسير مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها وقال في الإيضاح: وكذلك لا تلبس المرأة خزاً ولا حريراً ولا تتزين ولا تكتحل وتنزع عنها حليها، إلا ما خافت أن ينكسر بنزعه فلتتركه للضرورة، لأن هذا كله زينة لأنه من
1 - أخرجه الربيع وأحمد والبخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه ومالك وهو في الربيع عن
أبي هريرة. (1/339)
صفحة 340
دواعي الجماع فنهى عنه كما نهى عن الرفث. وقال ابن حجر نقلاً عن ابن المنذر: أجمعوا على أن المرأة تلبس المخيط كله والخفاف وأن لها أن تغطي رأسها وتستر شعرها إلا وجهها فتسدل عليه الثوب سدلاً خفيفاً تستتر به عن نظر الرجال ولا تخمره إلا ما روي عن فاطمة بنت المنذر قالت: (كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر تعني جدتها) قال: ويحتمل أن يكون ذلك التخمير سدلاً كما جاء عن قالت: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر بنا ركب سدلنا الثوب على وجهنا ونحن محرمات فإذا جاوزنا رفعناه) اهـ. قال الخطابي: قلت: قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى المحرمة عن النقاب فأما سدل الثوب على وجهها من رأسها فقد رخص فيه غير واحد من الفقهاء ومنعوها أن تلف الثوب أو الخمار على وجهها أو تشد النقاب أو تتلثم أو تتبرقع. والله الموفق.
عائشة
1 - أخرجه أبو داؤد
2 - معالم السنن للخطابي ج 2 ص (154). (1/340)
صفحة 341
المسلك الثالث
عند ربه
في الواجب من مناسك الحج وغيرالواجب وفي الإحرام
قال الله جل وعلا: * ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له قال القاضي البيضاوي: أحكامه وسائر ما لا يحل هتكه
أو الحرم وما يتعلق بالحج من التكاليف وقيل الكعبة والمسـ جد الحرام
والبلد الحرام والشهر الحرام والمحرم اهـ.
•
قال شيخنا السالمي رضي الله عنه في تلقين الصبيان: أركان
الحج ثلاثة:
- الأول: الإحرام فمن لم يحرم فلا حج له إجماعاً. - الثاني: الوقوف بعرفة فمن لم يقف بعرفة فلا حج له
إجماعاً.
•
الثالث: زيارة البيت ومن تركه بطل حجه إجماعاً.
فدليل الإحرام قوله تعالى: فمن فرض فيهن الحج * يعن بالإحرام واختلفوا في السعي هل هو من الأركان أم من السنن؟ ودليل الوقوف بعرفة وهي موضع وقوف الحجيج تبعد عن مكة بنحو تسعة
1 - سورة الحج الآية (30) (1/341)
صفحة 342
أميال، ما رواه في الإيضاح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الحج عرفة فمن أدرك من الشمس بقدر ما يقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فقد أدرك الحج وإن غربت الشمس ولم يقف بعرفات فقد فاته الحج وقال بعضهم: من وقف بعد ذلك ساعة من الليل ولحق الناس صلاة الفجر بجمع فقد أدرك الحج لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من وقف بعرفات ساعة من الليل ولحق معنا صلاتنا هذه صلاة الفجر بجمع فقد أدرك الحج "" وأما دليل زيارة البيت بعد الوقوف فقوله جل وعلا: * ثم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق
وا تفث
فقضاء التفث قص الشارب والأظفار ونتف الإبط والإستحداد عند
الإحلال (وليطوفوا) طواف الركن الذي به تمام التحلل فإنه قرينة
قضاء التفث
•
روى الربيع بسنده إلى أبي سعيد الخدري قال: وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة أن يهلوا من ذي الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرناً، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل العراق
ذات عرق
هذا الحديث رواه الجميع باتفاق على هذه المواضع
1 - أخرجه أحمد وأرباب السنن عن عبدالرحمن بن يعمر.
2 - سورة الحج الآية (29).
3 - أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والدارمي
336 (1/342)
صفحة 343
وزاد في حديث ابن عباس عند الشيخين قال: فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة فمن كان دونهن فمهله من أهله "" قال الخطابي: قلت: معنى التحديد في هذه المواقيت أن لا تتعدى ولا تتجاوز إلا باستصحاب الإحرام، وقد أجمعوا أنه لو أحرم دونها حتى يوافي الميقات محرماً أجزاه، وليس هذا كتحديد مواقيت الصلاة فإنها إنما ضربت حداً لئلا تتقدم الصلاة عليها. وفي
،
جامع ابن جعفر عن عزان بن الصقر من علماء عمان في القرن الثاني ومن جاوز الميقات ولم يحرم إن لم يخف فوت الحج فليرجع إلى الميقات فيحرم منه، وإن خاف أن يفوته الحج أحرم من حيث ذكر أنه لم يحرم وعليه دم. قال غيره وقال في مثل هذا: أنه ليس عليه دم إلا أن يدخل مكة غير محرم فإذا لم يدخل فليس عليه دم، هذا يوجد عن أبي الحسن رحمه الله، وقال أبو صفرة أحد تلامذة الربيع بن حبيب: كنا نحرم من جدة في الصيف فلما جاء الشتاء شق ذلك بنا فصرنا نحرم من ذات عرق. قال شيخنا السالمي على أثره ما معناه: وأبو صفرة من أهل العراق ومن فهم من كلامه أن جدة ميقات فقد غلط وإنما الظاهر أن جدة أبعد من ذات عرق والميقات بعدها.
ومن السنة صلاة ركعتين بعد لباس الإحرام وقبل التلبية لما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه اغتسل ثم لبس ثيابه فلما أتى ذا الحليفة
1 - معالم السنن للخطابي ج 2 ص (126).
337 (1/343)
صفحة 344
صلى ركعتين ثم قعد على بعيره فلما استوى به على البيداء أحرم وفي مسند الربيع عن أبي سعيد الخدري قال: إن تلبية
بالحج
رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، قال نافع: وكان ابن عمر يزيد فيها لبيك وسعديك والخير بيديك لبيك والرغبة والعمل""". ولا خلاف مع أشياخنا أنه لا يقوم مقام التلبية شيء من الأذكار وهي عندهم كتكبيرة الإحرام، كما سن رفع الصوت بها لقوله صلى الله عليه وسلم: أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال """ وهذا خاص بالرجل وأما المرأة فعليها خفض صوتها ورخص لمن يكثر التردد إلى مكة كحطاب وتاجر أن يدخل بلا إحرام وبعض شدّد في ذلك لحديث ابن عباس عند البيهقي * لا يدخل أحد مكة إلا محرماً لكن روى ابن أبي شيبة وابن عدي استثناء الحطابين والعمالين وثبت أن الصحابة يترددون على مكة دخولاً وخروجاً بدون إحرام ودخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح
بلا إحرام والحديث يؤول بقاصد حج أو عمرة. والله الموفق
•
1 - أخرجه الدارقطني والبيهقي والطبراني والحاكم عن ابن عباس 2 - الحديث أخرجه مالك ورواه الشيخان وكلهم عن ابن عمر.
رواه الخمسة وصححه الترمذي.
338 (1/344)
صفحة 345
المسفلة الرابع
ما يجوز للمحرم فعله وما يجب عليه تركه
يمنع المحرم من خمس: اصطياد صيد البر، ولبس المخيط، والطيب، والنساء، وإلقاء التفث. قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هدياً بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام * أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله
" Am
الذي إليه تحشرون. قال أبو محمد في الجامع: من قتل صيداً في الحرم وهو حلال أو حرام فعليه الجزاء قال الله تعالى: * لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن دخل الحرم سمي محرماً فالجزاء يجب على من قتل في الحرم وإن كان حلالاً بظاهر الآية، وإن قتله وهو في غير الحرم وهو حلال فلا شيء عليه، وإن قتله وهو حرام في غير الحرم كان عليه الجزاء لأنه مخاطب بالآية، وقال أصحابنا: إن قتل المحرم الصيد خطأ في الحرم وفي غيره خطأ أن عليه الجزاء وظاهر الكتاب
1 - سورة المائدة الآيتان (95 و 96).
(339 (1/345)
صفحة 346
يوجب على قاتل العمد دون المخطئ. قال في الإيضاح: قال: ((ومن متعمداً لقتله ومع هذا التخصيص أوجبوا الجزاء في
قتله متعمداً
)) يعني
العمد والخطأ ولم يمتثلوا دليل الخطاب لهذه الآية وهو الأشبه في هذا الوجه لأن الخطأ لا يزيل الضمان بل يزيل الإثم فقط. قال البيضاوي: ومن قتله منكم متعمداً ذاكراً لإحرامه عالماً بأنه حرام عليه قبل ما يقتله والأكثر على أن ذكره ليس لتقييد وجوب الجزاء فإن إتلاف العامد والمخطئ واحد في إيجاب الضمان بل لقوله: ومن عاد فينتقم الله منه ولأن الآية نزلت فيمن تعمد. وقال القطب في تيسير التفسير: ثبت الجزاء في العمد بالكتاب وفي الخطأ بالسنة وحكاه عن الزهري. وفي مسند الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب العقور عند الشيخين وأحمد و عن عائشة قالت: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل خمس فواسق في الحل والحرم قال ابن العربي: أمر بالقتل وعلل بالفسق فيتعدى الحكم إلى كل ما وجدت فيه العلة ونبه بالخمسة على خمسة أنواع من الفسق اهـ. وفي مسند الربيع بسنده عن أنس بن مالك قال: (أهدى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
1 - رواه الجماعة إلا الترمذي عن ابن عمر
un
(340 (1/346)
صفحة 347
دعوه
حماراً وحشيّاً بالأبواء يعني موضعاً فرده عليه فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الكراهة في وجهه قال: إنا لم نرده عليك إلا أنا محرمون (' وروي عن ابن عباس قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد مكة وهو محرم حتى إذا بلغ الروحا إذا هو بحمار وحش عقير فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يوشك أن يأتيه صاحبه وأتى البهزي وهو صاحبه فقال: يا رسول الله شأنكم بهذا الحمار فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقسمه بين الرفاق ثم مضى حتى إذا كان بالأثاية بين الرويثة والعرج وهي مواضع فإذا بظبي حاقف في ظل وفيه سهم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً أن يقف عليه ولا يريبه أحد حتى يجاوزه) قال الربيع: العقير: المعقور، والحاقف في ظل: المحتقف هو المتعقب في
2
موضع المفازة وقوله: لا يريبه: أي لا يمسه بسوء وقد اختلفوا في
جواز أكل المحرم لحم الصيد سواء كان باقياً على إحرامه أو خالعاً له
حرما
وذلك اختلافهم في قوله تعالى: وحرم عليكم صيد البر ما دمم هل المحرم الصيد أو الاصطياد وأما لبس المخيط والطيب فقد روى أبو عبيدة بسنده إلى أبي سعيد
الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يلبس المحوم
1 - أخرجه أحمد ورواه مسلم وأبو داود والترمذي والدارمي.
2 - أخرجه أحمد والنسائي ومالك
(341 (1/347)
صفحة 348
القميص ولا العمامة ولا السراويلات ولا البرانس ولا الأخفاف فإن لم يجد نعلين فليلبس خفين ولقطعهما أسفل من الكعبين ولا يلبس المحرم شيئاً من ثياب مسها الزعفران ولا الورس قال ابن حجر في شرح الحديث: واجمعوا على أن المراد به هنا الرجل ولا يلتحق به المرأة إلى أن قال: وإنما تشترك معه المرأة فيما مسه الورس والزعفران. وقال أيضاً: بعد ذلك قال الخطابي: ذكر العمامة والبرنس معاً ليدل على أنه لا يجوز تغطية الرأس لا بالمعتاد ولا بالنادر قال: ومن النادر المكتل يحمله على رأسه. واعترضه ابن حجر: مجرد وضعه على رأسه على هيئة الحامل لحاجة لا يضر في مذهبه كالإنغماس في الماء فإنه لا يسمى لابساً وكذا ستر الرأس باليد. وقال في الإيضاح: إن الفقهاء قاسوا ما لم يذكر في هذا الحديث على ما ذكر مما هو في معناه إلى أن قال: وكذلك لا يضع على رأسه شيئاً يحمله ولا يستره وقد رخصوا له أن يغطي أنفه من النتن إن مر به ويغطي لحيته وأكثر من ذلك والعلة في ذلك هل الوجه من الرأس أم لا؟ والصحيح أنه من الرأس لما جاء في الأثر إحرام الرجل في رأسه والوجه من الرأس وإحرام المرأة في وجهها والوجه دون الرأس اهـ.
قائلاً
1 - أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي ومالك في
الموطأ
2 - فتح الباري لابن حجر ج 3 ص (391). 3 - الإيضاح للشماخي ج 2 ص (155).
342 (1/348)
صفحة 349
وفي
المسلك الثاني تقدم الكلام على المرأة وما يتعلق بها ورخص له في الإيضاح والقواعد أن يشد على نفسه ولو بعقد هميان نفقته ونسب
ذلك إلى ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما
العربي
" Yu
وأما تحريم الجماع فمأخوذ من قوله جل وعلا: فلا رفت واتفقوا على أن الجماع بعد الإحرام مفسد للحج والعمرة. واختلفوا في مقدماته من النظر والقبلة واللمس فقال بعض: يفسد حجه وقال بعض: عليه دم ما لم ينزل الماء كذا قال في حاشية الوضع. قال ابن: إذا وقع الوطي في الحج أفسده لأنه محظور كالأكل في الصوم أو الكلام في الصلاة فإن وقعت المباشرة لم تفسده لأن تحريمها لكونها داعية للجماع كما حرم الطيب والنكاح حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا ينكح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب " ولو وجد الطيب والنكاح لم يفسد الحج فكذلك بالمباشر اهـ. وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه
•
?
من
وأما إلقاء التفث فقد تقدم الكلام عليه في المسلك الثالث ونزيد هنا
البحث عن قوله جلّ وعلا: ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي
محله
قال القطب في التيسير: لا تحلقوا رؤسكم للتحلل، و (محله)
1 - أحكام القرآن لابن العربي ج 1 ص (134).
-1
2 - رواه الربيع وأخرجه الجماعة إلا البخاري عن عثمان بن عفان
343 (1/349)
صفحة 350
قيل الحرم كله وأيام منى أو الحرم مطلقاً ولو قبل أيام منى عندنا وعند أبي حنيفة إلا المحصر فقد اختلفوا هل يحل له النحر في الحل أو لا يجوز إلا في الحرم؟ قولان. وهل على المحصر بمرض أو عدو وجوب الإعادة بعد الإحرام بالحج بنفل أو لا؟ قولان أيضاً. إلى أن قال: (فمن كان منكم مريضاً (مرضاً يحوجه إلى الحلق إلى أن قال: (أو به أذى من رأسه ففدية (فعليه فدية (من صيام) هي صيام ثلاثة أيام (أو صدقة) اثني عشر مداً على ستة مساكين يعن أصواع كل مسكين نصف صاع (أو نسك) يفرقه لأهل مكة الفقراء ذبح شاة ثنية إلى أن قال: وكل فعل مناف للإحرام ففيه ذلك إذا فعل لأذى كلبس المخيط والتطيب وإن فعل لغير أذى فشاة وقال الشافعي: كحكم الآية "" اهـ قال ابن العربي: إذا منعه العدو يحل في موضعه ولا
ثلاثة
قضاء عليه وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: عليه القضاء وظاهر اختياره عدم القضاء حيث قال: بعد ذلك المعنى قالوا: تحلل من نسكه قبل تمامه فلم يكن بد من قضائه كالفائت والمفسد. قلنا: الفاسد هو فيه ملوم والفائت هو فيه منسوب إلى التقصير وهذا مغلوب اهـ. روى البخاري ومسلم عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: (حملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي فقال: ما
1 - بتصرف من ج 1 ص (292). 2 - أحكام القرآن لابن العربي ص (122).
(344 (1/350)
صفحة 351
كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى أتجد شاة؟ قلت: لا، قال: تصوم ثلاثة أيام وتطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع) وفي رواية أبي داؤد ما يفيد التخيير كالآية الكريمة وهو أنه
قال له صلى الله عليه وسلم: إن شئت فانسك نسيكة وإن شئت فصم
ثلاثة أيام
من
واختلف الشيخان الحضرميان وائل بن أيوب وأبو المهاجر وهما تلامذة أبي عبيدة في لبس الحلي للمرأة المحرمة فرخص
أسلافنا
من
لها أبو المهاجر وشدد عليها وائل وألزمها دماً إن لبست حلياً أو حريراً كما منعها أن تختضب بالحنا، وروى عن ابن عمر " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين وفي رواية ينهى النبي صلى الله عليه وسلم النساء في الإحرام عن القفازين والنقاب ومامس الورس والزعفران من الثياب "" زاد أبو داؤد ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب معصفراً أو خزاً أو حلياً أو سراويل أو قميصاً والنقاب: تغطية الوجه وإخراج العينين من نقب فيه والقفازين ما تلبسه المرأة فيغطي يديها وأصابعها. والله
الموفق
•
1 - أخرجه أحمد والبخاري والنسائي والترمذي وصححه عن ابن عمر
2 - أخرجه أحمد وأبو داؤد.
((345 (1/351)
صفحة 352
المسلك الخامس
دخول مكة والطواف والسعـ
قال الله تعالى: * وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود إلى قوله جل وعلا: ربنا وابعث
فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم " تأمل هذا الربط الوثيق والعلاقة المتينة بين هذين النبيين الكريمين إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام في قوله جلّ وعلا: * وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا * وقوله: وابعث فيهم رسولا منهم وقوله صلى الله علي وسلم: أنا دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى بن مريم
وقوله
" وقوله
جل وعلا: ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً جل وعلا: وأذن في الناس بالحج * "4" هل الداعي لذلك إبراهيم
1 - سورة البقرة الآيات من (125) إلى (128)
2 - أخرجه صاحب كنز العمال ورواه كثير من المفسرين ورواه أحمد عن العرباض بن سارية
وفيه زيادة نور ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام.
- سورة النحل الآية (123).
4 - سورة الحج الآية (2).
346 (1/352)
صفحة 353
أو محمد صلى الله عليهما وسلم؟ وقوله تعالى: * ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين "" وقوله: * ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه " وقوله: بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين * وقوله جل وعلا: * ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم والمسلمون محمد وأمته فكل هذا يأمرنا أمراً جازماً
ntn
مسلمون * على المحافظة والرجوع إلى هذا البيت العظيم الذي جعله الله مثابة وأمناً. والمثابة الموضع الذي يثاب إليه مرة بعد أخرى ومنه سمي المنزل كذا في الصحاح فكيف وقد أضاف إليه الأمن فقد اطمأنت النفس وارتاح القلب وهانت الصعاب وقرب من رضى الله من يعرف المطلوب يحقر ما بذل فقاصد مكة لا يخلوا إما أن يكون معتمراً أو مفرداً أو متمتعاً أو جامعاً بينهما وهو القارن أو قاصداً لحاجة غير ذلك فقوله صلى الله عليه وسلم: لا يجاوز الميقات إلا محرم إن كان قاصداً لحج أو عمرة وسبق البحث في هذا في المسلك الثالث
1 - سورة الحج الآية (78).
2 - سورة البقرة الآية (130) - سورة البقرة الآية (135). 4 - سورة البقرة الآية (132)
(347 (1/353)
صفحة 354
قال السيد سابق عن ابن حزم: دخول مكة بلا إحرام جائز
لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل المواقيت لمن مر بهن يريد حجا أو عمرة ولم يجعلها لمن لم يرد حجاً أو عمرة فلم يأمر الله تعالى قط ولا رسوله عليه الصلاة والسلام بأن لا يدخل مكة إلا بإحرام فهذا إلزام ما لم يأت في الشرع إلزامه. واختلفوا متى يقطع التلبية؟ والأكثر أنه إذا انتهى إلى المسجد وشاهد الكعبة قطعها.
قال في الوضع: فإذا قدم مكة فعل أربعاً قبل دخول المسجد إحداها: الاغتسال إن أمكنه """ وإلا أجزاه الوضوء، والثانية: أن يدخل من باب بني شيبة، والثالثة: أن يدعو بهذا الدعاء قبل وقوع بصره على البيت يقول: " الله أكبر الله أكبر الله أكبر اللهم زد بيتك هذا شرفاً وتعظيماً ومهابة وتكريما وزد من عظمته وشرفه وكرمه ممن حجه أو اعتمره من عبادك الصالحين تكريماً وإيمانا " وأن يدخل رجله اليمنى عند دخول المسجد ويدعوا بهذا الدعاء " اللهم أنت السلام ومنك السلام وإليك يرجع السلام فحينا يا ربنا بالسلام وأدخلنا برحمتك دار السلام اللهم اغفر لي ذنوبي وأدخلني أبواب رحمتك ". وقال في الإيضاح: وإذا أراد الطواف لاذ بالبيت بقدر مالا يقابل الباب ثم يأخذ في الطواف على يمينه يعني يمين الباب ويقول عند ركن الحجر: " الله أكبر الله أكبر
1 - فقه السنة للسيد سابق ج 1 ص (584). 2 - روى هذا مسلم عن ابن عمر يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وزاد وكان يدخل مكة
نهاراً ويغتسل. (1/354)
صفحة 355
الله أكبر اللهم إني أسألك إيماناً بك وتصديقاً بكتابك ووفاء بعهدك
واتباعاً لسنتك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، ثم تمشي في الطواف وأنت تقول سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على محمد النبي آله وسلم ". قلت: وينبغي أن ينتبه الطائف في ابتداء طوافه لئلا يتقدم عن
(
محاذاة الحجر لئلا يختل طوافه، وهكذا يصنع حتى يتم سبعة أشواط ويسن تقبيل الحجر الأسود ولمس الركن اليماني إن أمكنه وإلا أشار إليه ولا يدخل في طوافه الحطيم بل يطوف به كما يطوف بالبيت القائم لأنه منه، وقال في الإيضاح: أما التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير الذي يقال في الطواف فهو سنة يقوله عليه السلام في طوافه فيما بلغنا والرواية في ذلك عنه عليه السلام: أن الملائكة عليهم السلام قالت لآدم عليه السلام: حججنا هذا البيت قبلك بألف عام فقال: ما كنتم تقولون؟ قالوا كنا نقول: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) قال آدم: (ولا حول ولا قوة إلا بالله) فلما طاف إبراهيم عليه السلام أخبرته الملائكة عليهم السلام بقول آدم عليه السلام فزاد (العلـ
العظيم (فلما بعث النبي عليه السلام زاد) وصلى الله على محمد النبـ وآله وسلم تسليما) فصلى الله عليهم أجمعين
?
اهـ. وقال: وأما
1 - أخرج هذه الآثار الحسيني في شرح الإحياء عن عدة طرق مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه
وسلم.
(349 (1/355)
صفحة 356
الدعاء والوقوف عند الباب والميزاب والأركان فمستحب وكذلك أيضاً مس الركنين اليمانيين فمستحب لما بلغنا أن رجلاً جاء إلى عبد الله بن عمر فقال له: (يا أبا عبد الرحمن لقد رأيتك لا تمس من الأركان إلا اليمانيين، ورأيتك تلبس النعال السبتية، ورأيتك تصبغ بالصفرة، ورأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال ولم تهل أنت إلا في يوم التروية. قال عبدالله بن عمر: أما الأركان فإني لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يمس إلا اليمانيين، وأما النعال السبتية فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها، وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ بها، وأما الإهلال فإني أرى رسول الله لا يهل حتى تنبعث به راحلته)، ومن شروط الطواف الطهارة وهو صلاة أبيح فيه الكلام لما رواه الترمذي وأحمد عن ابن عباس (الطواف بالبيت صلاة ولكن أحل الله فيه المنطق فمن نطق فلا ينطق إلا بخير) وفي الترمذي عن عابس بن ربيعة قال: (رأيت عمر بن الخطاب يقبل الحجر ويقول: إني أقبلك وأعلم أنك حجر ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك لم أقبلك) وفيه سئل ابن عمر عن استلام الحجر فقال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله فقال الرجل: أرأيت إن غلبت عليه أرأيت إن زوحمت فقال ابن عمر: اجعل أرأيت في اليمن رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله) قال أبو
1 - الحديث أخرجه الربيع والبخاري وأبو داؤد (1/356)
صفحة 357
عيسى
: حديث ابن عمر حسن صحيح وقد روي عنه من غير وجه والعمل على هذا عند أهل العلم يستحبون تقبيل الحجر فإن لم يمكنه ويصل إليه استلمه بيده وقبل يده وإن لم يصل إليه استقبله إذا حاذى به وكبر وهو قول الشافعي "" وفي الطبراني عن ابن عباس (كان الحجر الأسود أشد بياضاً من الثلج حتى سودته خطايا بني آدم) وفي الترمذي وأبي داؤد عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله عزوجل وبعد ذلك فليصل ركعتي الطواف في مقام إبراهيم أو في المسجد ثم تشرب وتصب على رأسك من ماء زمزم. قال
بعمرة
العلامة عبدالعزيز الثميني: المحرم إما مفرد بحج أو متمتع بعمه أو قارن بهما إلى أن قال ما معناه: فمن تمتع في أشهر الحج فعليه الهدي ومن اعتمر لا في أشهره ثم أقام حتى حج فلا دم عليه، الثلني أن يفرد بحج ثم يحوله لعمرة فيلزمه هدي ويكون متمتعاً وإن لم يحوله بقي ملتزماً إحرامه حتى يرمي جمرة العقبة يوم النحر وإذا قدم مكـ ــة ملبياً بالحج فلا يطف بالبيت وإن طاف وسعى لزمه هدي لا إن طاف فقط ويلبي بحج كلما صلى ركعتين وترك الطواف له أفضل. وأما القارن فإنه يحرم بهما ويحل منهما يوم النحر، وهل على القارن طوافان
ا عارضه الأحوذي ج 4 ص (93) ورواه مسلم عن عبدالله بن سرحن. 2 - كتاب النيل وشفاء العليل للشيخ العلامة عبد العزيز الثميني ج 4 من شرحه ص (58). (1/357)
صفحة 358
وسعيان أو يجزيه طواف واحد وسعي؟ قولان. قال القطب: فإن قلـ
فالقارن متى يعمل أعمال عمرته؟ قلت إذا قدم مكة طاف لها وركع وشرب وسعى فيقوم بمكة محرماً ولا يطوف وليصل حيث شاء من المسجد وليلب ولا يحل حتى يجيء يوم النحر اهـ شرح النيل. واختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هل أفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قرن أو تمتع؟ وكل أتى بحجة ودليل ثم اختلفوا في أيها أفضل؟ قال شيخنا السالمي رضي الله عنه في شرح المسـ ند: التمتع أفضل وهو المذهب وعليه العمل عند أصحابنا اختياراً للأفضل لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر به من لم يسق الهدي من أصحابه. وفي مسند الربيع عن جابر بن زيد قال: (بلغني عن سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس اختلفا في التمتع بالعمرة إلى الحج فقال الضحاك: إن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك فقال سعد: قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه) قال الربيع: قال أبو عبيدة: من أراد التمتع فعل ومن شاء ترك، وكل ذلك واسع اهـ
أهل
ا.
بعمرة ومنا من
وفي البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فمنا من أهل بحجة وعمرة ومنا من أهل بالحج وأهل رسول الله صلى الله عليه
1 - أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومالك في الموطأ. (1/358)
صفحة 359
وسلم بالحج فأما من أهل بالحج أو جمع الحج والعمرة لم يحلوا حتى كان
النحر) انتهى يوم وفي مسند الربيع أبو عبيدة قال: بلغني عن عروة بن الزبير قال: قلت لعائشة وأنا يومئذ حديث السن أرأيت قول الله تعالى: إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما فما أرى على أحد بأساً أن لا يطوف بهما، قالت عائشة رضي الله عنها: كلا لو كان الأمر كما تقول كان فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، وإنما أنزلت هذه الآية في الأنصار كانوا يهلون من مناة وكانت مناة خلف قديد وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزل الله تبارك وتعالى: إن الصفا والمروة الآية) قال الربيع: بقديد كانت الجاهلية يعبدونه. واختلف أشياخنا في السعي بين الصفا والمروة هل هو فرض ينهدم حج تاركه أو سنة يجبر بالدم؟ وهو الأكثر بعد اتفاقهم أنه مشروع. وفي المسند أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن جابر بن عبدالله قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل إلى الحجر الأسود حتى انتهى إليه في ثلاثة أطواف فإذا وقف على ثلاثاً ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك
مناة
حجر
الصفا كبر وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير ويصنع على المروة مثل ذلك ثلاثاً ثلاثاً وإذا نزل من على الصفا مشى حتى إذا انصبت قدماه (1/359)
صفحة 360
في بطن الوادي سعى حتى إذا خرج منه ونحر بعض هديه بيده ونـ بعضه غيره) واختلف أشياخنا هل الرمل باق أو منسوخ؟ والأكثر
" In
أنه منسوخ أما الرمل بين العلمين في السعي فمطلوب ومسنون والمرأة ليس عليها رمل. والله الموفق.
1 روي بنحوه مسلم وابن ماجه والدارمي (1/360)
صفحة 361
المسلك السادس
عرفة والمزدلفة ومنى
قال الله جل وعلا: فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن هذه عرفات اليوم العظيم الذي يتوجه إليه أهل المشرق
الضالين
والمغرب من شتى أنحاء العالم، الحاضر فيها والغائب عنها يبيتون ليلتها بمنى يستعدون للوقوف عشيتها بين يدي الرحمن الذي وسع سمعه الأصوات، فلو أعطى كل واحد منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكه شيئاً إلا كما ينقص المخيط إذا أخل في البحر. أما القارن والمفرد فهما على إحرامهما، وأما الأهل والمتمتع والآفاقي فعليهم أن يتجردوا من ثيابهم ويلبسوا ثياب إحرامهم رافعين أصواتهم بلبيك اللهم لبيك، هذا اليوم هو اليوم الذي نزل فيه قوله جلّ وعلا: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت
2
عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا وهو المشار إليه بهذا
الشرف العظيم الموافق ليوم الجمعة، قال صل الله عليه
ي
وسلم: الحج عرفة من جاء قبل طلوع الفجر من ليلة جمع فقد أدرك
1 - سورة البقرة الآية (203). 2 - سورة المائدة الآية (3). (1/361)
صفحة 362
الحج أيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم روى مسلم عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما
عليه
قال: غدونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من منى إلى عرفات منا
الملبي ومنا المكبر
•
قال الشيخ الثميني في كتاب النيل: ندب لمريد الروج لمنى والإحرام لحج أن يغتسل ويلبس ثوبي إحرامه عشية يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة ويطوف سبعاً ويصلي ركعتين، ولا يجب الطواف ذلك اليوم عند الإحرام ثم يجهر بالتلبية ثلاثاً كما مر ثم يقوم، وإن أحوم من مسجد الجن فأحسن، وجاز من البطحاء أو من الحرم ثم يجهر بالتلبية ثلاثاً كما مر، وروي أنه صلى الله عليه وسلم ربما أهل إذا استوت به راحلته إلى أن قال: فإذا أتاها قال: اللهم إن هذه منى وهي من المناسك أسألك أن تمن عليَّ فيها وفي غيرها بما مننت به على أوليائك وأصفيائك فها أنا ذا عندك وبين يديك وفي قبضتك وينزل بها ويصلي الخمس جميعاً ويبيت بها مع الناس ويكثر الذكر، وندب مشيه من مكة لمنى ومنها لعرفات ومنها لمنى ومنها لمكة راجعاً في الطريق الأعظم إن لم يمنع بعدو أو أمر معجز، ومن بات في غيرها لزمه دم إن لم يأت من بعيد لما روي عنه صلى الله عليه وسلم أن رجلا أتاه بالمزدلفة فقال: أتيتك يا نبي الله من جبل طي قد أكللت راحلتي ولم أدع
1 - أخرجه أحمد والأربعة والحاكم والبيهقي عن عبدالرحمن بن يعمر.
356 (1/362)
صفحة 363
جبلاً إلا وقفت عليه فقال له: من شهد الصلاة معنا ووقف بعرفة ساعة من ليل أو نهار فقد قضى تفثه وتم حجه به "" وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه خرج إلى منى يوم التروية وصلى بها خمس صلوات ولا يخرج من منى إلى عرفات قبل طلوع الشمس كما لا يعود إليها في يوم الأضحى إلا قبل طلوع الشمس. روى مسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نحرت هاهنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم ووقفت هاهنا وعرفة كلها موقف ووقفت هاهنا وجمع كلها موقف وفي مسلم أيضاً عن جابر (فلما كان يوم التروية
توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب النبي صلى الله عليه وسلم فصل بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفه فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشـ
مس
إن
أمر بالقصوى فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال: دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا كل شيء من أمر الجاهلية موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة
1 - متفق عليه
2 متفق عليه (1/363)
صفحة 364
السكينة
وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة وذكر الخطبة إلى أن قال: ثم أذن بلال ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئاً ثم ركب حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصوى إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص وأردف أسامة خلفه ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق القصوى الزمام حتى أن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى: أيها الناس السكينة كلما أتى جبلاً من الجبال أرخى لها قليلاً حتى تصعد حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة. ثم ركب القصوى حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده ولم يزل واقفاً حتى أسفر جداً فدفع قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن العباس حتى أتى بطن محسر فحرك قليلاً ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها الحذف رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثاً وستين بدنة بيده ثم أعطى عليا فنحر ما غبر وأشركه في هديه). ونقل شيخنا السالمي رضي الله عنه في شرح المسند هذا الحديث الذي رواه مسلم لمطابقته ما عليه المذهب ورواه أبو داؤد وفي مسند الربيع
مثل
حصي
358 کريم (1/364)
صفحة 365
"2
عن أبي سعيد الخدري قال: اختلف ناس عند أم الفضل بنت الحارث وهي والدة عبدالله بن عباس في يوم عرفة في صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قائلون: هو صائم، وقال آخرون: ليس بصائم، قال أبو سيعد: فأرسلت إليه أم الفضل بقدح لبن وهو واقف على بعيره فشربه وروى أيضاً بسنده عن أبي عبيدة أسامة قال: بلغني عن بن زيد قال: (دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة حتى إذا كان بالشعب فنزل وبال وتوضأ ولم يسبغ الوضوء فقلت له: الصلاة فقال: الصلاة أمامك فركب فلما جاء المزدلة نزل فتوضأ وأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلي المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره منزله ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يفصل بينهما بشيء)، قال الربيع: قال أبو عبيدة: يستحب بعد المغرب ركعتان خفيفتان. ومن المسند أيضاً أبو عبيدة قال: لما أذن الله تعالى لنبيه أن يحج حجة الوداع وهي حجة التمام فوقف بعرفة وقال: أيها الناس إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض فلا شهر ينسى ولا عدة تحصي ألا وإن الحج في ذي الحجة إلى يوم القيامة "" وروى الربيع عن أبي عبيدة قال: لما تم حجه خطب الناس بعرفة فقال: إن أهل
1 - الحديث أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي.
2 - رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داؤد والنسائي وابن ماجه ومالك في الموطأ. - أخرجه مسلم والبخاري عن جابر بن زيد عن ابن عباس. (1/365)
صفحة 366
الشرك والأوثان كانوا يدفعون من عرفات إذا صارت الشمس على رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال على وجوههم، ويدفعون من المزدلفة إذا طلعت الشمس على رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم، وإنا لا ندفع من عرفات حتى تغرب الشمس ويفطر الصائم وندفع من المزدلفة غداً إن شاء الله قبل طلوع الشمس هدينا مخالف لهدي أهل الشرك والأوثان والحاصل أنهم أجمعوا أن الواقف قبل الزوال لا حج له، وإن الخارج من عرفات قبل غروب الشمس لا حج له. واختلفوا فيمن أفاض منها ولم يخرج من حدودها وفيمن وقف بعد الغروب وقبل الفجر قيل: يجزيه وقيل: لا حج له. ويقطع التلبية عندما يرمي جمرة العقبة وهو يقول: الله أكبر ولله الحمد مع كل حصاة بعدما يجعل منى يمينه والبيت يساره وأول الرمي طلوع شمس الأضحى يوم إلى الزوال ثم ينحر ويحلق ويزور البيت ويرجع للإقامة بمنى ثم يكون الرمي في اليوم الثاني والثالث من الزوال إلى الغروب كل جمرة بسبع حصيات مثل. الحذف ويبدأ بالأولى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة
حصى
ومن تركها أو شيئاً منها فعليه دم شاة قال الله جل وعلا: فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه قال القطب في الهميان: الحادي عشر من ذي الحجة والثاني عشر والثالث عشر وتسمى أيام منى وأيام رمي الجمار إلى أن قال: فمن تعجل في يومين
1 - روى معناه من عدة طرق في كتب الحديث البيهقي ومسلم والبخاري وأحمد وابن ماجه.
(360 (1/366)
صفحة 367
النحر
أي استعجل بالنفر من منى في ثاني يومين بعد يوم الجمار عندنا وقبل طلوع الفجر ومن تأخر فلا إثم عليه عن النفر في اليوم الثاني إن بات ليلة الثالث ورمى فيه فلا إثم عليه قال القطب: وقد ورد في الأخبار الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم يكبر مع كل
حصاة
1
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم
رمي الجمار عند زوال الشمس أو بعد زوال الشمس
?
" وروى
البيهقي عن نافع أن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما كان يقول: (لا نرمي في الأيام الثلاثة حتى تزول الشمس) وروى أحمد ومسلم والنسائي عن جابر رضي الله عنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر ويقول: لتأخذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه) وعن عبدالرحمن التيمي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نرمي الجمار الحذف في حجة الوداع """ قال في إحياء علوم الدين: أعلم أنك في الظاهر ترمي حصى في العقبة وفي الحقيقة ترمي به وجه الشيطان وتقصم به ظهره إذ لا يحصل إرغام أنفه إلا بامتثالك أمر الله
بمثل حصى
1 - رواه ابن عمر وأخرجه مسلم عن جابر
•
رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وحسنه.
3 - رواه الطبراني في الكبير بسند ورجاله رجال الصحيح ومعنى الحذف بالحاء والذال والمواد
هنا الرمي بالحصى الصغار (1/367)
صفحة 368
wym
تعالى تعظيماً له بمجرد الأمر من غير حظ للنفس فيه واختلفوا إن
قدم نسكاً على نسك من تلك الأربعة التي هي الرمي والنر والحلق والزيارة فقيل خالف السنة وعليه دم لأن الترتيب واجب قال شيخنا السالمي: وعليه أكثر أهل المذهب، وقيل: دم عليه لما روى الربيع بسنده عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال في حجة الوداع: (إن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح فقال له: اذبح ولا حرج فجاءه آخر فقال له: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، فقال: إرم ولا حرج
سئل في ذلك اليوم عن شيء إلا قال: وا ولا حرج الربيع: قال أبو عبيدة: هذه رخصة من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم """ وهؤلاء عندهم أن الترتيب غير واجب، ونقل الغزالي في الإحياء أن وقت طواف الإفاضة بعد نصف الليل من ليلة النحو، وروى الحسيني شارح الإحياء عن ابن عمر أن رجلاً سأل النبـ عليه وسلم فقال: (إني أفضت قبل أن أرم فقال: ارم ولا حرج) ". والله الموفق.
الله
1 - شرح الإحياء ج 4 ص (454).
رواه الشيخان وغيرهما من طرق متعددة.
- الإحياء وشرحه ج 4 ص (402).
(362 (1/368)
صفحة 369
المسلك السابع
في الهدي والجزاء والضحية
قال الله تعالى: * وأتموا الحج والعمرة لله فإن احصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب هنا ثلاثة أشياء هدي وجزاء وضحية أما الهدي فهو واجب على المحصر والمتمتع الواجد ومحلها الحرم وكذلك الفدية والجزاء ولقوله تعالى: جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد يعني منفعة لأهل الحرم """ واختلفوا في المماثل في جزاء الصيد هل هي الخلقة باعتبار الهيئة أو باعتبار القيمة والأول قول مالك والشافعي والثاني قول أبي حنيفة، قال القط في تفسيره التيسير والقولان في المذهب، وهل يجزي أن يحكم على
ب
1 - سورة البقرة الآية (196).
2 - سورة المائدة الآية (97).
زير 363 کريم (1/369)
صفحة 370
نفسه إن علم على أنه معقول المعنى أو يلزم أن يكون عدلين على أنه تعبد؟ قولان. كما اختلفوا في المحل هل عليه جزاء إن قتل صيد الحوم أم لا؟ قولان. كما اختلفوا في الناسي إذا حلق قيل: عليه الجزاء وقيل: لا جزاء عليه واختاره أبو سعيد. وهل يعاد الحكم على من تكرر منه قتل الصيد أو يقال له اذهب فينتقم الله منك؟ قولان أيضاً. وهل يجوز تقديم هدي المتعة قبل يوم النحر أو لا؟ قولان. أخذا من قوله تعالى: فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي * ويجوز اشتراك سبعة فأقل في ثنية إبل ومسنة بقر إن كان في ضحية أو هدي تمتع أو قرآن لا في جزاء صيد ولا في حقه وما دون ذلك، وجاز له الأكل من هدي التطوع قال القطب: إجماعاً وليس له أن يأكل مما للجزاء والنذر. واختلفوا في القارن هل عليه هدي أم لا؟ ويسمى الهدي ضحية كما اختلفوا في الضحية هل هي واجبة أم لا؟ والمختار أنها غير واجبة روى الربيع بن حبيب بسنده إلى جابر بن عبدالله نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية البدنة عن سبعة وروى الربيع أيضاً بسنده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: (خرجنا مع رسول الله
ي
صلى الله عليه وسلم لخمس ليال بقين من ذي القعدة ولا نرى إلا أنه
الحج فلما دنونا من مكة مر رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يكن معه هدي إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة أن يحل. قالت
1 - أخرجه مسلم والبخاري وأحمد عن جابر
(364 (1/370)
صفحة 371
عائشة
: فدخل علينا بلحم بقر يوم النحر فقلت: ما هذا اللحم؟ قال: نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه) قال في نيل الأوطار: وظاهر الأحاديث جواز الاشتراك في الهدي وهو قول الجمهور من غير فرق بين أن يكون المشتركون مفترضين أو متطوعين أو بعضهم متطوعاً وبعضهم مفترضاً اهـ """ وروى الترمذي وابن ماجه عن رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من هراقة دم، وإنه لتأتي يوم القيامة بقرونها وأضلافها وأشعارها وإن الدم ليقع من الله عزوجل بمكان قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفساً وروى أحمد وابن ماجه عن زيد بن أرقم قال: (قلت: يا رسول الله ما هذه الأضاحي؟ قال: سنة أبيكم إبراهيم قالوا: مالنا منها؟ قال: بكل شعرة حسنة قالوا: فالصوف؟ قال: بكل شعرة من الصوف) ووقتها بعد صلاة العيد إلى ثلاثة أيام، وينبغي أن لا تذبح قبل إمام الصلاة وأن تكون مسنة تتجاوز ستة أشهر لا عيب فيها وروى البخاري ومسلم عن البراء بن عازب قال: (ضحى خال لي يقال له أبو بردة قبل الصلاة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ـاة لحم فقال: يا رسول الله إن عندي داجناً جذعة من المعز
حسنة
شاتك
1 - أخرجه الشيخان وأحمد
2 - نيل الأوطار للشوكاني جه ص (116).
365 کرنا (1/371)
صفحة 372
يذبح
قال: اذبحها ولا تصلح لغيرك ثم قال: من ذبح قبل الصلاة فإنما لنفسه ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين: وفي مسند الربيع بسنده إلى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم
"1"
ضحي بكبشين أملحين موجوئين وفي المسند أيضاً بسنده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: (دف ناس من أهل المدينة حضرة الأضحى في زمان النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلوا وتصدقوا بما بقي بعد ثلاثة أيام قالت: فلما كان بعد ذلك قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كان الناس ينتفعون بضحاياهم ويجعلون جم الودك ويتخذون منها الأسقية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما ذلك؟ فقالوا يا رسول الله نهيت إمساك الضحايا بعد ثلاثة أيام فقال: إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت عليكم فكلوا وتصدقوا وادخروا) """ قال الربيع: الدافة: القادمون. وعن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أربع لا تجوز في الأضاحي العوراء البين عورها والمريضة البين مرضها والعرجاء البين ضلعها والكسـ
ــير
التـ
لا تنقـ
ومعنى تنقى: مخ لها وفي رواية العجفا بدل لا تنقى قال
1 - أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه
2 - أخرجه أبو داؤد ومالك ومعنى دف: أي ساروا سيراً ليناً
3 - رواه الخمسة
{366 (1/372)
صفحة 373
النووي: وأجمعوا أن العيوب الأربعة المذكورة في حديث البراء وه المرض والعجف والعور والعرج البينات لا تجزي التضحية بها وكذا ما كان في معناها أو أقبح منها كالعمى وقطع الرجل وشبهه اهـ. قال القطب في الذهب الخالص: سنت الضحية بوجوب (أبو حنيفة) أو ندب في مذهبنا ومذهب مالك إلى أن قال: ولا تجزي ذات عور لا تبصر به العلف والمرعى ولا عرج لا تصله به ومرض ولو جنوناً إلى أن قال: وهزال بلا مخ وجاز غير ذلك ولو أعظم كالعمى وقطع الساق أو لا يجوز وهو الصحيح وجاز ما دون كثقب الأذن وقطع وشق فيها وكسر القرن أو لا ما دار ثقبتها وتسمى خرقاء ولا مشقوقة بلا دور وتسمى شرقاء ولا ما قطع من أذنها قطعة وتركت وعلق من قدم بضمتين وتسمى المقابلة أو من أُخر بضمتين وتسمى مدابرة بفتح و لا مقطوعة الأذن وتسمى عضباء ولا بتراء وهي مقطوعة الذنب ولا مكسورة القون وتسمى عضبا أيضاً أو تجوز إلى أن قال: وجازت الجماء إجماعاً وناقصة خلقة قياساً عليها كالكساء في مذهبنا وهي المخلوقة بلا أذن وقوله تعالى: ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس
الفقير
2
اختلف المفسرون في المنافع هل هي دنيوية أو أخروية أو
1 - الذهب الخالص للإمام القطب ص (288) إلى (289).
2 - سورة الحج الآية (28) (1/373)
صفحة 374
كليهما؟ اختار الشيخ هود بن محكم الهواري - أحد علماء الإباضية في القرن الثالث – أنها منافع دنيوية وأخروية ونسب القول بذلك إلى مجاهد محتجاً بقول الله تعالى: ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم "" أي بالتجارة في موسم الحج و الأيام المعلومات قال ابن عباس: أنها أيام عرفة والنحر والتشريق وأما بهيمة الأنعام * الإبل والبقر والغنم التي تنحر في يوم العيد وما بعده من الضحايا والهدايا والبهيمة تطلق على كل ذات قوائم أربع فكلوا منها وأطعموا البائس قال القطب في الهميان في تفسير الآية: قيل: اتفق العلماء أنه
الفقير
لا يمنع الأكل من المتطوع به لما روي عن جابر بن عبدالله في قصة حجة الوداع قال: (وقدم عليّ من اليمن ببدن وساق رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وستين بدنة ونحر عليّ ما غبر وهو تمام المائة التي جاء بها من اليمن كما في صحيح مسلم، وأشركه في بدنه ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر وطبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقها) اهـ. ملخصاً من الجزء العاشر من الهميان ص (30). والله الموفق.
1 - سورة البقرة الآية (198). (1/374)
صفحة 375
المسلك الثامن
حج الحائض و وداع البيت
وزيارة الرسول صلى الله عليه وسلم
قال الله تعالى: * واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون ذكر الله عند جمار وبعد فرض الصلوات لمن كان في منى أو في الآفاق من غير تحديد، روى البخاري عن ابن عمر أنه كان يكبِّر في منى تلك الأيام وخلف الصلوات في هذه الأيام الثلاث ابتداء من ظهر يوم العيد وانتهاء بعد عصر عشر، ونقل القرطبي في تفسيره الإجماع أن التعجل في الخروج لا
يجوز قبل الثاني عشر
•
قال في الإيضاح: والوداع سنة عند علمائنا
الثالث
الله ومن رحمهم
خرج ولم يودع فعليه دم والدليل على هذا ما روي من طريق ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا ينفر أحدكم حتى يكون آخر
1 - سورة البقرة الآية (203) أنظر أحكام القرآن للقرطبي أول الجزء الثالث منه (1/375)
صفحة 376
عهده بالبيت
وفي
مسند الربيع بسنده إلى عائشة أم المؤمنين
رضي الله عنها قالت: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله صلـ الله عليه وسلم: من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يتمهما جميعاً قالت: فقدمت مكة وأنا حائض فلم أطف بالبيت ولا
بين الصفا والمروة فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى عليه وسلم فقال: انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة به قالت: ففعلت فلما قضيت الحج أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبدالرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت فقال: هذا مكان قالت: فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة
عمرتك
ثم أحلوا ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وأما الذين أهلوا بالحج أو جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً) """ وفي مسند الربيع عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (قدمت مكة وأنا حائض ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إفعلي ما يفعل الحاج غير أنك لا تطوفي بالبيت حتى تطهري) وروى أبو عبيدة عن عائشة
1 - الحديث أخرجه أحمد ومسلم وأبو داؤد وابن ماجه وفي رواية أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض متفق عليه
2 - رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي ومالك
- أخرجه البخاري ومسلم وأحمد ومالك في الموطأ.
زير 370 کريم (1/376)
صفحة 377
الله عنها قالت: (إن صفية بنت حيي زوج النبي. رضي
و
الله
سلم
عليه وسلم حاضت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه فقيل: إنها قد أفاضت قال: فلا
فقال: أحا بستنا
إذا) ".
?
والحاصل أنهم اختلفوا في طواف الوداع على أربعة أقوال
قيل: إنه واجب وفي تركه دم وهو الأكثر، وقيل سنة ولا شيء على تاركه، وقيل واجب للأمر به إلا أنه لا يلزم تاركه شيء، والرابع لا يلزم صاحب العذر كالحائض، ثم اختلفوا فيمن ودع وتباطأ لعذر أو غير عذر هل يعيد وداعه أم لا؟ فمن جامع ابن جعفر من علماء القرن الثالث في عمان قال: قال أبو عبيدة وأبو نوح: (من ترك طواف الصدر فعليه دم شاة إلى أن قال: وإن احتاج إلى ما يشرب أو يتوضأ فلم يجد
إلا بشراء فيشتري ولا يتمهل ويقضي ما كان عليه من دين وهو مار). قال أبو صفرة: قال محبوب: (إن أبا عبيدة رحمه الله ودع ثم تحول إلى بئر ميمون فسلم على امرأتين من المسلمين، ثم قام يصلي المغرب. قال الجمال: يا أبا عبيدة حبستني، قال: أوما حبسك غيري؟ قال: لا، فركب أبو عبيدة من وقته ليجمع في موضع آخر) وقال الشيخ منصور الخروصي: بئر ميمون قريب من بيوت
1 - أخرجه البخاري ومسلم وأبو داؤد وأحمد والترمذي وابن ماجه ومالك.
(371 (1/377)
صفحة 378
مكة
قال السيد سابق: اتفق العلماء أنه مشروع لما رواه أبو داؤد ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان الناس ينصرفون في كل وجه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا ينفر أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت) قال: واختلفوا في حكمه فقال مالك وداؤد وابن المنذر: أنه سنة لا يجب في تركه شيء وهو قول
أعماله
الشافعي وقالت الأحناف والحنابلة ورواية عن الشافعي أنه واجب يلزم بتركه دم. ووقت طواف الوداع بعد أن يفرغ المرء من جميع ويريد السفر فإذا طاف الحاج سافر تواً دون أن يشتغل ببيع أو شراء ولا يقيم زمناً فإن فعل شيئاً من ذلك أعاده اللهم إلا إذا قضى حاجة في طريقه أو اشترى ما لاغنى له عنه من طعام فلا يعيد لذلك لأن هذا لا يخرجه عن أن يكون آخر عهده بالبيت اهـ. وقال في الإيضاح: وفي الأثر وإذا أردت الخروج فأت البيت وطف به سبعة أشواط ثم صل ركعتين ثم إنت زمزم واشرب من مائها وصب على رأسك وقل كما وصفت لك عند العمرة وكذلك تفعل عند الزيارة من الدعاء ثم ارجع فقم بين الباب والحجر الأسود واعتمد بيدك اليمنى على أسكفة الباب وحيث تبلغ يدك ويدك اليسرى قابضة أستار الكعبة ثم ألصق بطنك بجدار الكعبة وادع بما فتح الله لك من الدعاء وقل عند ذلك " اللهم لك حججنا وبك آمنا ولك
1 - في أنساب الأشراف البلاذري بئر ميمون بالحجون وميمون هو ابن شعبة الحضرمي وقريبا منها دفن أبو جعفر المنصور
2 - فقه السنة للسيد سابق ج 1 ص (636).
372 کي (1/378)
صفحة 379
أسلمنا
وعليك توكلنا وبك وثقنا وإياك دعونا فتقبل نسكنا واغفر ذنوبنا واستعملنا لطاعتك، اللهم إنا نستودعك ديننا وإيماننا وسرائرنا وخواتم أعمالنا وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم الله
"
هم
اقلبنا منقلب
المدركين رجاءهم المحطوطة خطاياهم الممحاة إساءتهم المطهرة قلوبهم منقلب من لا يعصي لك بعدها أمراً ولا يحمل وزراً منقلب من عمرت بذكرك لسانه وزكيت بزكاتك نفسه ودمعت من مخافتك عيناه، اللهم إني
عبدك
" Yu
' بن عبدك بن أمتك حملتني على دابتك وسيرتني في بلدك حتى أقدمتني حرمك وأمنك فقد رجوت بحسن ظني أن تكون قد غفرت لي فازدد عني رضى وقربني إليك زلفى، وإن كنت لم تغفر لي فمن الآن عليَّ قبل أن تباعدني عن بيتك، وهذا أوان انصرافي غير راغب عنك ولا عن بيتك ولا مستبدلاً بك ولا ببيتك، اللهم لا تجعل هذا آخر العهد مني عن بيتك الحرام فاغفر لي وارحمني إنك أنت أرحم الراحمين ولا تنزع رحمتك مني، اللهم إذا أقدمتني إلى أهلي فاكفني مؤني ومؤنة عيالي ومؤنة خلقك فإنك أولى بخلقك منى اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال والولد، تائبون عابدون لربنا حامدون وإلى ربنا راغبون وإنا إلى ربنا لمنقلبون " واخرج إذا ودعت ولا تبع ولا تشتري بعد الوداع وتمر وأنت محزون على
1 - هذا الدعاء إلى آخره ذكره السيد سابق ونسبه إلى ابن عباس.
373 کرم (1/379)
صفحة 380
فراق البيت والله أعلم وبالله التوفيق وفي مسند الربيع بسنده إلى أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أقبل من حج أو غزو أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير آيبون تائبون ساجدون عابدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده """ اهـ
قال القطب في الذهب الخالص: وينبغي زيارته صلى الله عليه وسلم بلا وجوب وروي من حج ولم يزره فقد جفاه وهو أقرب إلى
الإيجاب
" وروى الطبراني والبيهقي عن ابن عمر من حج فزار قبري بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي وقال في شرح
النيل
: وإذا دخل المسجد صلى ركعتين ثم يمضي و ويصلي ويقول: يا رسول الله ويدعوا ثم يتأخر قدر ذراع ويسلم على أبي بكر ويقول يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتأخر قليلاً ويسلم على عمر ويمدح كلاً منهم بما شاء إعلاء لدين الله وهو في كل ذلك بوقار، إلى أن قال: وليس على النساء زيارة قبره صلى الله عليه وسلم. قال في نيل الأوطار جه: واختلفت أقوال أهل العلم فذهب
1 - الإيضاح للشماخي ج 1 ص (211). 2 - أخرجه أحمد بن حنبل والبخاري ومسلم وأبو داؤد والترمذي وابن ماجه ومالك في الموطأ. رواه ابن عدي والدارقطني وابن حبان عن ابن عمر.
4 - شرح كتاب النيل وشفاء العليل للشيخ العلامة محمد بن يوسف أطفيش ج 4 ص (269). (1/380)
صفحة 381
الجمهور إلى أنها مندوبة، وذهب بعض المالكية وبعض الظاهرية إلى أنها واجبة، وقالت الحنفية: أنها قريبة من الواجبات، وذهب ابن تيمية
الحنبلي حفيد المصنف المعروف بشيخ الإسلام إلى أنها غير مشروعة وتبعه على ذلك بعض الحنابلة اهـ كلامه
•
قال العتبي: كنت جالساً عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله سمع ت الله تعالى يقول: ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيما "" وقد جئتك مستعفياً من ذنوبي ومستغفراً إلى ربي وفي رواية مستغفراً من ذنوبي ومستشفعاً بك إلى ربي ثم أنشأ يقول:
يا خير من دفنت في الترب أعظم
فطاب من طيبهن القاع والأكـ
ــداء لقـ
أنت
اکنه
ـبر
العف
اف وفيه الجود والكرم
1 - سورة النساء الآية (64). (1/381)
صفحة 382
ثم انصرف فحملتني عيناي فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم
فقال: يا أعرابي إلحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له
والله الموفق.
ھي (1/382)
صفحة 383
المسلك التاسع
في الحرم الشريف وتفسير
ما به من مناسك وفضل المساجد الثلاثة
بسم الله الرحمن الرحيم
لإيلاف قريش • إيلافهم رحلة الشتاء والصيف • فليعبدوا
" وقال
رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف * جل وعلا أولم نمكن لهم حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنا """ لقد ذكر الله سبحان وتعالى مكة وحرمها كثيراً في القرآن الكريم وعظم حرمتها من سفك الدم إلى تحريم لقطتها وأن لا يختلي خلاها ولا ينفر صيدها، واختلفوا هل تملك بيوتها وهل يؤخذ عليها أجر؟ قال القطب في الهميان: ومذهبنا معشر الأباضية أن الأجو على دور مكة مكروهة وجازت بلا كراهة على نحو الخشب والبيع
1 - سورة قريش
•
2 - سورة القصص الآية (57).
377 (1/383)
صفحة 384
بالاجارة قال: ومذهب أبي حنيفة المنع ومذهب الشافعي الجواز وقال أيضاً عن مجاهد: تضاعف الحسنات بمكة كما تضاعف
السيئات. قال الله تعالى: إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة
2
مباركاً وهدى للعالمين * وقال في سورة البقرة: وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل """ قال ابن كثير لم يج: خبر أنه كان مبنياً قبل الخليل وقد كان المُبَلِّغ له ببنائه الملك عن معصوم الجليل جبريل فمن ثم قيل: ليس ثم في هذا العالم بناء أشرف من الكعبة لأن الآمر ببنائها الملك الجليل والمبلغ والمهندس جبريل والباني الخليل والتلميذ إسماعيل، وذكر المفسرون أحاديث كثيرة مرفوعة وموقوفة في أول من بنى المسجد الحرام هل الملائكة أو آدم؟ وعلى كل حال فالثابت هو ما قاله ابن كثير وما رواه في الصحيحين عن ابن عباس رم عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم فتح مكة: * إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة وفي مسند الربيع بسنده إلى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلع له أحد فقال: هذا جبل يحبنا ونحبه، اللـ إبراهيم حرم مكة وأنا أحرم ما بين لابتيها قال الربيع: يعني ما بين
هم
الله
1 - هميان الزاد إلى دار المعاد " لقطب الأئمة الشيخ محمد بن يوسف أطفيش، ج 10 ص (25)
تفسير سورة الحج الآية سواء العاكف فيه والباد
2 - سورة آل عمران الآية (96).
- سورة البقرة الآية (127).
إن
378 کرم (1/384)
صفحة 385
حرتيها
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مكة حرام حرمها الله لا تحل لقطتها ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها ولا يختلي خلاها، فقال عمه العباس: إلا الإذخر يا رسول الله، فقال: إلا الإذخر وقال
الربيع: لا يعضد: أي لا يقطع، والخلا: الكلاً، والإذخر: نبت
2
يصنع منه الحصر وتسقف منه البيوت، وقوله: لا يختلي خلاها:
أي لا يجز حشيشها أي النابت دون المزروع.
قال الشيخ عبدالعزيز الثميني في النيل: أصل الطواف أنه لما قال عز وعلا لملائكته: إني أعلم ما لا تعلمون * ظنوا غضباً منه تعالى عليهم فلاذوا بالعرش وتضرعوا فرحمهم ووضع به ع بيتاً تحت عرشه على أربعة أساطين من زبرجد وحشاه بياقوتة حمراء وهو البيت المعمور فأمرهم أن يطوفوا به ويدعوا العرش يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعود كل منهم إليه أبداً ثم أمرهم أن يبنوا في الأرض مثله ثم أمر من بها بطوافه وجعله من أركان الحج والعمرة ولا حج لتاركه لقوله: وليطوفوا * الآية وهو طواف الزيارة وسن إبراهيم عليه السلام ابتداءه من الحجر الذي أتى به جبريل عليه السلام من الجنة من
1 - أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومالك
2 - أخرجه أحمد بن حنبل والبخاري وأبو داؤد والنسائي وابن ماجه والدارمي
- سورة البقرة الآية (30).
- سورة الحج الآية (29).
•
379 (1/385)
صفحة 386
ياقوتة بيضاء وتغيَّر بلمس الجاهلية له وستره مولانا عن عيون الظلمة إذ هو من الجنة وسيعود كما خلق. إلى أن قال: أصل السعي أن إسماعيل عليه السلام ترك صغيراً هناك مع أمه هاجر فعطش فقامت تطلب له ماء من ناحية الصفا والمروة مترددة بينهما حتى أنبع الله عزوجل زمزم من
تحت قدميه فجعل من المناسك
•
وسمي يوم التروية وعرفة بذلك لما رأى الخليل عليه السلام في منامه أنه أمر بذبح ابنه أصبح يروي يومه فكراً أمن الله الحلم أم من الشيطان ثم رأى ليلة عرفة ذلك أيضاً فلما أصبح عرف أنه من الله تعالى وسميت عرفات قيل لأن جبريل عليه السلام كان يري بها الخليل عليه السلام المناسك ويقول عرفت اهـ
وسميت المزدلفة لاقترابها إلى عرفه لأن الزلفة القربة وقيل لإجماع الناس بها من أزلفت الشيء إذا جمعته وهو المشعر الحرام جمعاً وسمي مشعراً من الشعار وهو العلامة لأنه معلم للحج
ويسمى
والصلاة والمبيت به والدعاء عنده من شعائر الحج ووصف
لحرمته.
وقال في الوضع: إنما سميت مكة لقلة مائها تقول العرب: مك الفصيل ضرع أمه وامتكه إذا مص ما فيه من اللبن قال: وسميت بكة لأن الناس يتباكون فيها أي يزدحمون يبك بعضهم بعضاً إلى أن قال: وقال بعضهم: بكة: البيت وما حوله من المطاف ومكة:
رم
380 کريم (1/386)
صفحة 387
كله وقيل: بكة هي مكة لتعاقب الباء والميم وسميت أم القرى لأن الأرض دحيت من تحتها وقد خلقها الله قبل السموات والأرض بألفي عام وكانت زبدة بيضاء على وجه الماء فدحيت الأرض من تحتها ويدل على ذلك قول الله تعالى: إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً
ww
وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم * والآيات هي المقام والحجر الأسود والحطيم وزمزم والصفا والمروة والمشاعر كلها
اللغة
وقال: وأما الصفا والمروة فهما جبلان بمكة والصفا في: الصخرة الصلبة الملساء، والمروة في اللغة: الحجر اللين. وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: كان على الصفا صنم على صورة رجل يقال له: إساف وعلى المروة صنم على صورة امرأة تدعى نائلة فذكّر الصفا لتذكير إساف وأنث المروة لتأنيث نائلة
وأما منى فسميت منى لما يمنى فيها من الدماء تقول العرب: منى لك الماني أي قدر لك المقدر، روي أن جبريل عليه السلام بعثه الله إلى إبراهيم عليه السلام ليعلمه مناسك الحج ومشاعره فكان يقول لإبراهيم: هذا مكان كذا وكذا حتى بلغ منى فإذا هو بإبليس لعنه الله قد استقبله عند الجمرة الأولى فرماه بسبع حصيات وكبر عليه
1 - سورة آل عمران الآية (96).
- " كتاب الوضع " لأبي زكريا المغربي ص (636).
(381 (1/387)
صفحة 388
فطار فوقع على الجمرة الثانية فرماه وكبر فلما رأى أنه لا يطيقه ذهب، وحكى ابن الجوزى هذه القصة في زاد المسير في علم التفسير "" إلى ابن مجلز قال: لما فرغ إبراهيم من البيت أتاه جبريل فأراه الطواف ثم أتى به جمرة العقبة فعرض له الشيطان فأخذ جبريل سبع حصيات وأعطى إبراهيم سبعاً وقال له: إرم وكبر فرميا وكبّرا مع كل رمية حتى غاب الشيطان، ثم أتى به جمرة الوسطى فعرض لهما الشيطان فأخذ جبريل سبع حصيات وأعطى إبراهيم سبع حصيات فقال له: إرم وكبر فرمياً وكبرا مع كل رمية حتى غاب الشيطان، ثم أتى به منى فقال: هاهنا يحلق الناس رؤسهم ثم أتى به جمعاً فقال: هاهنا يجمع الناس، ثم أتى به عرفة فقال: أعرفت قال: نعم قال: فمن ثم
020 قال في
ويسمى
الحطيم
عرفات وذلك في تفسير قوله تعالى: وأرنا مناسكنا مختار الصحاح: والكعبة البيت الحرام سمي بذلك لتربيعه، قال الأزرقي في تاريخ مكة: وجعل إبراهيم الحجر إلى جنب البيت عريشاً من أراك تقتحمه العنز وكان زرباً لغنم إسماعيل اهـ وهو شمال الكعبة لأن الناس تحطم بعضهم بعضاً وهو الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة عند الربيع والبخاري ومسلم ألم ترى قومنا حين بنوا البيت اقتصروا عن قواعد إبراهيم
•
1 - ج 1 ص (146).
2 - سورة البقرة الآية (128).
382 کرتے (1/388)
صفحة 389
عليه السلام؟ فقالت: يا رسول الله ألا تردها إلى قواعد إبراهيم؟
قال: لولا حدثان قومنا بالكفر وعلى كل حال فلا يتم الطواف إلا بإدخاله في المطاف
وفي مسند الربيع بسنده إلى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صلاة أحدكم في مسجدي هذا – يعني مسجد المدينة - خير من الصلاة فيما سواه من المساجد بألف صلاة إلا المسجد وروى ابن ماجه عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه
الحرام وسلم قال: صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه وروي من عدة طرق عن أبي هريرة وابن عمر ر وأبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تشد الرحال إلا إلى
ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى وعند البزار وقال: إسناده حسن، والطبراني من حديث أبي الدرداء رفعه الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة والصلاة في بألف صلاة والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة
مسجدي
والله الموفق
•
1 - الحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة.
2 - رواه أحمد والبيهقي والترمذي وابن ماجه وأبي داؤد والنسائي ورواه البخاري.
وير 383 کرم (1/389)
صفحة 390
المسلك العاشر
في الذبح والنحر
ذكاة مأخوذ من التطيب فالذكاة تطيب الحيوان للأكل قال ويسمى الله تعالى: والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون * لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين * "1" قال في الصحاح: البدنة: ناقة أو بقرة
ـب
تنحر بمكة سميت بذلك لأنهم كانوا يسمنونها والجمع بدن. قال القط في هميان الزاد: (جعلناها لكم من شعائر الله) أي أعلام دينه. وقوله (لكم فيها خير) فيه ما في قوله (لكم فيها منافع) ومن شأن الحاج أن يحرص على ما فيه منفعة دينية وخير ديني وقوله (فاذكروا اسم الله عليها صواف (عند نحرها أو ذبحها وصواف قائمة على ثلاث معقولة اليد اليسرى وقيل اليمنى وذلك سنة أو صواف المصطفة كل واحدة قد صففت يديها ورجليها إلى أن قال: وقرأ صوافن وقرأ صوافنا وقرأ صوافي بفتح الياء وإسكانها، واستحب عطاء الذبح والنحر في حال
1 - سورة الحج الآيتان (36 و 37). (1/390)
صفحة 391
البروك لئلا تؤذي ورأى بعضهم ابن عمر ينحرها باركة، وكل ذكر الله
يجزي، وذبح صلى الله عليه وسلم كبشين وجههما للقبلة اهـ ومن شروط التذكية التسمية والنية واستقبال القبلة وأن يكون باليد اليمنى واختلفوا هل تؤكل إذا لم يسم ولم ينو ولم يستقبل القبلة؟ والأصل في هذا هل هذا شرط تمام أو شرط صحة؟ ولم يشترطوا في التسمية أن تكون بالعربية والأكثر على تحريمها فيما يظهر إذا قصد الخلاف خلاف السنة. قال شيخنا السالمي في جوهر النظام:
:
لا ينف
الذكـ
الذبيح
إلا.
الذاب
خذ تصريح
إلا إذا واط
لذكـ
ــر البـ
ــــــــاري
ـواه أجـ زاه بلا إنكار
AA
والأصل في وجوب التسمية قوله جل وعلا: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق """ واختلفوا في الناسي للتسمية هل تؤكل ذبيحته أم لا؟ قال في الإيضاح: والفسق لا يكون ممن ترك التسمية ناسياً لأن الفسق هو الخروج عن الطاعة ومن لم يقصد معصية
1 - " هميان الزاد إلى دار المعاد " للقطب محمد بن يوسف أطفيش، ج 10 ص (41). 2 - سورة الأنعام الآية (121). (1/391)
صفحة 392
فلا
يعصي
في فعله، ومن ذهب إلى تعميم الآية حرمها في ترك التسمية عمداً أو نسياناً وصرف الكناية في قوله: (وإنه لفسق) إلى أقرب المذكورات وهو المذبوح. وروى أبو داؤد عن عائشة أنهم قالوا: (يا رسول الله إن قوماً حديثوا عهد بجاهلية يأتون بلحمان لا ندري أذكروا اسم الله عليها أم لم يذكروا أنأكل منها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سموا الله وكلوا) قال الخطابي في معالم السنن: فيه دليل على أن التسمية غير واجبة عند الذبح لأن البهيمة أصلها على التحريم حتى يتيقن وقوع الذكاة فهي لا تستباح بالأمر المشكوك فيه فلـ كانت و التسمية من شرط الذكاة لم يجز أن يحمل الأمر فيها حتى على حسن الظن بهم فيستباح أكلها كما لو عرض الشك في نفس الذبح فلم يعلم هل وقعت أم لا؟ لم يجزأ أن تؤكل. واختلفوا فيمن ترك التسمية على الذبح عامداً أو ساهياً فقال الشافعي: التسمية استحباب وليس بواجب وسواء تركها عامداً أو ساهياً وهو قول مالك وأحمد، وقال الثوري وأهل الرأي واسحاق: إن تركها ساهياً حلت وإن تركها عامداً لم تحل، قال أبو ثور وداؤد: كل من ترك التسمية عامداً كان أو ساهياً فذبيحته لا تحل ومثله
عن ابن سيرين والشعبي اهـ
وأما النية فقد قال في الإيضاح: فإن الذكاة عبادة تصلح فيها النية ومثل هذا من طعن جملاً برمح في موضع النحر فإنه إن ذكر اسم الله
1 - معالم السنن ج 4 ص (262).
(386 (1/392)
صفحة 393
قتلنا
وعنى النحر فإنه يؤكل وإن لم يعن النحر فلا يؤكل، قلت: ومن جهة أخرى فالذكاة عبادة غير معقولة المعنى وقد أجاز بعضهم ذكاة الغاصب والسارق وإنما تحرم عليهما، وروى أبو داؤد عن ابن عباس قال: جاءت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا نأكل مما ولا نأكل مما قتل الله، فأنزل الله تعالى: * ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه * "" قال الخطابي: في هذا دلالة على أن المعنى ذكر اسم الله على الذبيحة في هذه الآية ليس باللسان وإنما معناه تحريم ما ليس بالمذكى من الحيوان فإذا كان الذابح ممن يعتقد الاسم وإن لم يذكره بلسانه فقد سمى وإلى هذا ذهب ابن عباس في تأويله الآية اهـ وأما استقبال القبلة فإنه مستحب وإن تعمد وذبح لغير القبلة فإنه ليس في ذلك تحريم ما لم يعتقد مخالفة المسلمين فإذا اعتقد مخالفة المسلمين لم تؤكل، وكذلك من ذبح بشماله فإنه قد خالف ما جاءت به الشريعة من المسلمين فإن كان سمى الله ولم يرد بذلك مخالفة السنة لم تكن بذلك خبيثة، والمأمور أن تضجع الذبيحة إلى القبلة على شقها الأيسر ويذبح باليمين لقوله عليه السلام: الشمال الأسفل
الحديث لم أجده
•
1 - سورة الأنعام الآية (121). 2 - معالم الدين وصحيح البخاري.
387 (1/393)
صفحة 394
وفي مسند الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: سمعت
ناساً من الصحابة يروون عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى في الذبح عن أربعة أوجه: الخزل والوخز والبخع والترداد قال الربيع: الخزل: إدخال الحديدة تحت الجلد واللحم ويذبح قبالته، والوخز: الطعن برأس الحديدة في رقبة الشاة بعد الذبح، والبخع: كسر الرقبة، والترداد: الذبح بالحديدة الكليلة التي تردد في اللحم قال في الإيضاح: تحرم الذبيحة بالوخز والبخع دون الخزل والترداد، قال شيخنا السالمي رضي الله عنه: والنهي واقع على الأربعة بصيغة واحدة وظاهره التحريم، وفي المسند أيضاً بسنده إلى أبي سعيد قال: كانت جارية لكعب بن مالك ترعى غنماً له فأصيبت منها شاة فذبحتها بحجر فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: لا بأس بها قال في الإيضاح: ويذبح بالحجارة المرو وهي البيضاء والحمراء ولا يذبح بما سواهما قال في شرح النيل: والظاهر أنه لا فرق
فكلوها
ما دام محدداً لقوله صلى الله عليه وسلم: كل ما أنهر الدم والحديث رواه البخاري بلفظ ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل ليس الظفر والسن أما الظفر فمدي الحبشة وأما السن فعظم
1 - روى البخاري معناه في كتاب الذبائح ص (24)
2 - رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داؤد وابن ماجه والدارمي ومالك
3 - رواه البخاري.
388 (1/394)
صفحة 395
واختلفوا في ذبيحة الكتابي وإن يذكر اسم الله فقال ابن عباس وعطاء أنها تحل مستدلاً بقوله تعالى: وطعام الذين أوتوا الكتاب حل
لكم وطعامكم حل لهم "" نزلت في ذبائح أهل الكتاب كذا قال القرطبي وغيره من المفسرين، وبعض اشترط التسمية مستدلاً بقوله تعالى: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه * وبعض شد في الحربي ورخص في المعاهد
قال العلامة الثميني في النيل: تصح الذكاة بكشفرة حادة وإن انحرفت أو اعوجت وبسيف وبمقراض قال القطب في شرحه:: تصح الذكاة بهما أو بأحدهما على القطع قال: وبموسى وبحجر محدد إلى أن قال: لا بعظم أو سن أو ظفر أو زجاج أو رخام أو خزف أو ذهب أو فضة أو قصب أو خشب ويجر به جراً قال الشارح: وقيل: إن الذبح
بهن مكروه وإن النهي عنه ليس للتحريم وحجة المرخصين عموم
الحديث كل ما أنهر الدم
•
وروي أحمد عن ابن عمر
أنه أمر أن تحد الشفار وأن توارى
البهائم، وفي الدارقطني عن أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: لا تعجلوا الأنفس قبل أن تزهق. والله الموفق.
1 - سورة المائدة الآية (5)
389 (1/395)
صفحة 396
النيل
" Y"
المسلك الحادي عشر
في كيفية الذبح والنحر
قال صلى الله عليه وسلم: إذا أتيت على المرئ والودجين والحلقوم فدعها حتى تبرد وفي رواية أخرى أفر الأوداج والمرئ وأرح البهيمة ورواهما في الإيضاح وأقرهما القطب في شرح وقال في الإيضاح: وأما صفة الذكاة فالذكاة في اللغة: الشق، وفي الشرع: قطع الحلقوم والمرئ والودجين. وفي سنن أبي داؤد عن ابن عباس وأبي هريرة قالا: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شريطة الشيطان زاد بن عيسى في حديثه وهي التي تذبح فيقطع الجلد ولا تفرى الأوداج ثم تترك حتى تموت، قال القطب في النيل وشرحه: ورخص في أكلها إن قطع الحلقوم والودجان والمرئ وبقيت القشرة السفلى إلى أن قال: فإن قلت كيف القول بإجزاء قطع أحدهما مع الحلق والحلقوم؟ قلت: لعله ساغ لهم الخلاف مع أن ذلك مأمور به في الحديث من حيث حمل الحديث على الإرشاد إلى المصلحة والرفق على الدابة فإنه يسهل موتها بجمع ذلك ويسرع ولم يحملوه كله على الوجوب فمن أوجب قطع الحلق والحلقوم فقط اعتبر قطع النفس والأكل والشرب
1 - رواه أبو محمد
في الجامع، ولم أجدهما في كتب الحديث
1390 (1/396)
صفحة 397
وهن مادة الحياة فلا تصح الحياة مع عدمهن، ومن أوجب قطع الودجين فقط اعتبر أن تلك المجاري الثلاثة تنسد بقطعها ومن أوجب قطع الحلق والحلقوم وأحد والودجين جمع بين ذلك، ومن أوجب الكل راعي ظاهر الحديث وهو الراجح، وقد يوجه أيضاً القول باغتفار بقاء ودج واحد مع قطع الحلق والحلقوم والودج الآخر باعتبارها الأكثر وإلغاء الأقل باعتبار أنه لا حكم للأقل كما هو وجه جوازها إذا بقيت القشرة السفلى من المرئ اهـ شرح النيل ج 4. وقال أيضاً: وسن في الإبل النحر وفي
الغنم والطير الذبح وفي البقر الوجهان إتفاقاً، وهل يؤكل إن نحر يذبح كعكسه وهو المختار أو لا؟ قولان. وإن نحر البعير ولم يقطع حلقه ولا حلقومه فسدت وجوز بدونه لا كذبح أي بدون القطع والنحر في المنحر واللبة ويفسدها ذبح من قفا إلا إذا انقلبت الموسى للقفا بتحركها أكلت اهـ. قال السيد سابق في فقه السنة: في الذكاة قطع الحلقوم والمرئ ولا يشترط إبانتهما ولا قطع الودجين. قال غيره: وهذا مذهب الشافعي وأحمد، وقال مالك وأبو حنيفة: لا تصـ تصح الذكاة إلا بقطع الودجين والحلقوم انتهى وقال في فقه السنة معللا عدم اشتراط إبانهما لأنهما مجرى الطعام والشراب الذي لا يكون معها حياة وهو الغرض من الموت ولو أبان الرأس لم يحرم ذلك المذبوح، وكذلك لو ذبحه من قفاه متى أتت الآلة على محل الذبح اهـ. وقال العلامة ابن النظر في
الدعائم:
1391 (1/397)
صفحة 398
ـنور تخطّ ف رأس ديـ
ك
فبان الرأس منه بغ
فعر
بأن الذبـ ــح في
دوي
رأس أن ـك غير مودي
وموسى هو موسى بن أبي جابر أحد حملة العلم إلى عمان عن الربيع بن حبيب من علماء القرن الثاني الهجري. وقال في جوهر
النظام:
والذب
بطول الرقب
وقال في النيل: ومن ذبح شاة أو غيرها وأمسكها حتى ماتت فسدت إن لم تتحرك بعد إطلاقها قال: والمختار أكلها إن كانت صحيحة وإن كانت مريضة لم تؤكل مخافة أن تكون ماتت قبل الذبح بالمرض وفي معناه المتردية والنطيحة وما أكل السبع قال: ومن شرد جمله فرماه بنبل فمات فسد وإن تردى في بئر ولم يصل حلقه أو لبته فطعنه في محل الذكاة فالأكثر على فساده وجوز فيهما بضرورة اهـ. روى البخاري ومسلم عن رافع بن خديج كنا في سفر فند بعير من إبل القوم ولم يكن
392 (1/398)
صفحة 399
معهم خيل فرماه رجل بسهم فحبسه فقال رسول الله صلـ الله عليه وسلم: إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما فعل منها هذا فافعلوا به هكذا والأوابد: جمع أبده وهي التي توحشت ونفرت من الإنس اهـ. وروى البخاري عن علي وابن عباس وابن عمر وعائشة (ما أعجزك من البهائم مما في يدك فهو كالصيد وما تردى في بئر فذكاته حيث قدرت عليه). وروى أحمد وابن ماجه وأبو داود والترمذي والدارقطني وابن حبان وصححه عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الجنين: ذكاته ذكاة أمه وروى الربيع بسنده عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أحلت لكم ميتتان
ودمان فالميتتان: الجراد والسمك، والدمان: الكبد والطحال وفسر أبو سعيد في كتاب الاستقامة الدمين: بدم اللحم ودم السمك. وفي صحيح مسلم عن شداد بن أوس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فاحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فاحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته. والله
الموفق.
1 - وأخرجه أحمد وابن ماجه والدارقطني عن عبدالرحمن بن زيد بن أسلم.
(393 (1/399)
صفحة 400
المسلك الثاني عشر
ما يحل من الحيوان وما يحرم
يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا
ما يتلى عليك غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد قال القطب في تفسيره هميان الزاد: قالوا للكندي: - ولعله الأسود العنسي المرتد – أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن فقال: نعم أعمل لكم مثل بعض فاحتجب أياماً كثيرة ثم خرج فقال: والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد إني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة فنظرت فيها فإذا هو قد أمر بالوفاء ونهى عن النكث وحلل تحليلاً عاماً ثم استثنى استثناء ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين ولا يستطيع أحد أن يلتي بهذا إلا في اجلاد اهـ. وقال رضي الله عنه في تفسيره التيسير: العقود: هو ما بين الخلق والخالق وما بين الخلق وسواء في ذلك ما كعقد النكاح والبيع والرهن والنذر والحلف وما أمر الله تعالى بفعله
وجب
أو تركه والإحرام بالحج والعمرة وما يستحب واجتناب المكروه والأمر
1 - سورة المائدة. (1/400)
صفحة 401
حقيقة في الوجوب على الصحيح) أحلت لكم بهيمة الأنعام) تفصيل للعقود والبهيمة كل حي لا يميز ولو قملة أو دودة وقيل اسم لكل ذي أربع من حيوان البحر والبر من قولهم استبهم الأمر إذا أشكل، إلى أن قال: (والأنعام (الذكر والأنثى من الضأن والمعز والبقر والإبل فهن ثمانية وألحق بهن الظباء وبقر الوحش ونحوهما مما يماثل الأنعام في الإجترار وعدم الأنياب ومن الطير التي لا مخلب لها وذلك قياس وسنة ويجوز أن يراد بالبهيمة غير الأنعام من تلك الأشياء وأضيفت للأنعام للشبه) إلا ما يتلى عليكم (بعد في هذه السورة وقوله: (حرمت عليكم الميتة (أكلاً وانتفاعاً (والدم المسفوح) كما في سورة الأنعلم (ولحم الخنزير) وسائر أجزائه لقوله: (فإنه رجس) إي فإن الخنزير كله رجس وقال عن قتادة: (من أكل لحم الخنزير استتيب وإن لم يتب قتل (قال القطب: ولعله أكله بغير استحلال وإنما يقتل لو استحله ولم يتب. إلى أن قال: (وما أهل لغير الله به) بذكره مثل أن يقول عند تذكيته: باسم اللات أو باسم العزى (والمنخنقة والموقوذة) المضروبة بخشبة أو أو حديد أو بندق البارود قلت: هذا رأيه فيما حجر
رمي بالبندق وقد أباح أكله إذا ذكر اسم الله عليه تلميذه أبو إسحاق اطفيش ابن أخيه والأستاذ الإمام محمد عبده مفتي الديار المصرية وسبقهما إلى ذلك العلامة الصبحي من علماء دولة اليعاربة لكن فرق بين أن تكون الرصاصة محددة فأجازها أو غير محددة فلم يجزها اهـ (1/401)
صفحة 402
(والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم) أدركتم حياته مما أهل لغير الله به وتعرف الحياة بعد الذبح والنحر بحركة أذن أو ذنب أو رجل أو تثاؤب قال القطب: وهو المشهور عندنا (وما نبح على النصب) الأصنام فإن أدرك حياً أعيد ذبحه وفي مسند الربيع بسنده إلى أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخالب من الطـ ـير حـ أيضاً بسنده قال: بلغني عن علي بن أبي طالب قال نهى رسول
الله يوم خيبر عن متعة النساء وعن أكل لحوم الحمر الأهلية
وفيه
•
واختلف أشياخنا في السباع وذات المخالب من الطير قيل: إنها حرام أخذاً بظاهر الحديث وخص بعض المفترس منها وقيل: مكروه للشبهة الحاصلة في النهي وقيل: حلال أخذاً بعموم قوله تعالى: قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أول لحم خنزير فإنه رجس: قال الإمام أبو الكدمي: في كتابه الاستقامة
ntn
سعيد
- مخطوط - على أثر الآية الكريمة والحديث. والإجماع منهم بأنه قد يجوز أن يكون في سنته صلى الله عليه وسلم فرض ونفل وتحريم
1 - تيسير التفسير للشيخ القطب سورة المائدة ج 2 ص (1).
2 - أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه ومالك
•
- أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي ومالك.
4 - سورة الأنعام الآية (145). (1/402)
صفحة 403
وأدب فلما أجمعوا على ذلك كان هذا مما هو خارج على الأدب لا على التحريم وشبهه بالنهي عن أكل البصل والثوم لقاصد المسجد وعن أكل الحمر الأهلية استبقاء على حمولتهم وكذلك الخيل والبغال وتقززه صلى الله عليه وسلم عن أكل الضب وما ألحقوا به من الضبع والثعلب والسنور مما تعافه النفوس السليمة سواء من دواب البر أو البحر وكان من رأي الإمام المحدث أبي عبيدة تحليل أكل لحم السباع متعلقاً بالآية الكريمة، روى الربيع بسنده عن ابن عباس قال: قال خالد بن الوليد المخزومي: (دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة فأتي بضب محنوذ فأهوى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم
الله
بيده فقال بعض النسوة اللاتي في البيت: أخبرن رسول الله صلـ عليه وسلم بما يريد أن يأكل منه، فقيل: هو ضب يا رسول الله فرف يده، قال خالد: فقلت: حرام يا رسول الله؟ قال: لا ولكن ليس هو بأرض قومي فأجدني أعافه، قال خالد فاجتررته وأكلته ورسول الله ينظر) "1" وبسنده أيضاً عن ابن عمر قال: (جاء رجل إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: ما تقول في الضب يا رسول الله؟ قال: لست بأكله ولا محرمه) """ اهـ.
?
1 - أخرجه الشيخان البخاري ومسلم ومالك في الموطا.
2 - رواه مسلم والترمذي.
1397 (1/403)
صفحة 404
nin
قال ابن العربي اختلف العلماء في هذه الآية يعني: آية الأنعام
المذكورة على أقوال:
الأول: أنها منسوخة بالسنة حرم النبي صلى الله عليه وسلم لحوم الحمر الأهلية وحرم كل ذي ناب من السباع وذي مخلب
من الطير خرجه الأئمة كلهم
الثاني: أنها محكمة لا حرام فيها إلا فيما قالته عائشة
الثالث: قال الزهري ومالك في أحد قوليه هي محكمة ويضم إليها بالسنة ما فيها من محرم إلى أن قال: قال عمرو بن
دينار: قلت لجابر بن زيد: إنهم يزعمون أن النبي صلى
الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية، قال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري ولكن أبا ذلك الحبر يعني ابن عباس وقرأ: قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً هم الآية وكذلك يروى عن عائشة مثله وقرأت
الآية كما قرأها ابن عباس. والله الموفق
1 - أحكام القرآن لابن العربي ج 2 ص (756).
398 (1/404)
صفحة 405
المسلك الثالث عشر
في الصيد والاصطياد
قال الله تعالى: يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع روى البخاري ومسلم واللفظ لمسلم عن عدي بن حاتم
الحساب
رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله فان أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، وإن وجدت مع كلبك كلباً. غيره وقد قتل فلا تأكل فإنك لا تدري أيهما قتله، وإن رميت بسهمك فاذكر اسم الله فإن غاب عنك يوماً فلم تجد فيه إلا أثر وجدته غريقاً في الماء فلا تأكل زاد في رواية للبخاري قلت: (وأنا
س
همك فكل إن شئت، وإن
نرمي بالمعراض قال: كل ما خرق وما أصاب بعرضه فلا
تأكل
رضي
?
). وفي مسند الربيع عن أبي عبيدة عن جابر عن عائشة
الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من اقتنى كلباً لا لزرع ولا لضرع نقص من أجره كل يوم قيراط به قال جابر: وفي
1 - سور المائدة الآية (4). (1/405)
صفحة 406
رواية قيراطان والقيراط مثل جبل أحد ومن جامع ابن بركة فإن اقتنى مما أبيح له وعلّمه ليصطاد به فأرسله على الصيد وسمى عليه
إلى
فإن أخذ صيداً أو قتله جاز أكله إذا لم يأكل الكلب منه، قال الله تعالى: يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات قوله ... وكلوا مما أمسكن عليكم فإذا أكل منه فإنما أمسكه على نفسه والتعلم الذي تكون به الجارحة معلمة هو أن يدعو الكلب فيجيب ويأخذ عندما يستشلا أو يمسكه على صاحبه ولا يأكل منه شيئاً فيستحق اسم المعلم بأول فعلة يفعلها ولا يؤكل ما يسمى به معلماً لأن الكلب في حال أخذه المرة الأولى لا يسمى معلماً وإنما سمي معلّماً عند فراغه من القتل فكان قتل وهو غير مستحق للاسم وكل ما يسمى من الجوارح جاز الاصطياد به كالصقر والفهد والبازي والعقاب وما جانس ذلك بظاهر الآية والله أعلم وفي البخاري عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه يقول: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إنا بأرض قوم أهل الكتاب نأكل في آنيتهم وأرض صيد أصيد بقوسي وأصيد بكلبي المعلم والذي ليس معلماً فأخبرني ما الذي يحل لنا من ذلك؟ فقال: أما ما ذكرت من أنك بأرض قوم أهل الكتاب تأكل في آنيتهم فإن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها وإن لم تجدوا فاغسلوها ثم
1 - وأخرجه البخاري ومسلم ومالك في الموطأ عن أبي زهير
2 - جامع ابن بركة مخطوط ص (253).
• (1/406)
صفحة 407
كلوا فيها، وأما ما ذكرت من أنك بأرض صيد فما صدت بقوسك فلذكر اسم الله ثم كل، وما صدت بكلبك المعلم فاذكر اسم الله ثم كل، وما صدت بكلبك الذي ليس معلماً فأدركت ذكاته فكل ه).
وفي مسند الربيع بسنده إلى ابن عباس قال: (أهدى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حماراً وحشياً بالأبواء يعني موضعاً،
فرده عليه فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الكراهة في
1
وجهه قال: إنا لم نرده عليك إلا أنا محرمون) "" وفي المسند أيضاً عن ابن عباس قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد
مكة وهو محرم حتى إذا بلغ الروحا، إذا هو بحمار وحش عقير فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دعوه يوشك أن يأتيه صاحبه وأتى البهزي وهو صاحبه فقال: يا رسول الله شأنكم بهذا الحمار فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقسمه بين الرفاق ثم مضى حتى إذا كان بالأثاية بين الرويثة والعرج وهي مواضع بظبي حاقف في ظل، وفيه سهم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً أن يقف عليه ولا يريبه أحد حتى يجاوزوه) قال الربيع:
"
إذا
العقير: هو المعقور، والحاقف في ظل: المتحقف وهو المتعقب في موضع المفازة وقوله: لا يريبه أي لا يمسه بسوء. وفي هذه
1 - أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داؤد والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي ومالك. 2 - الحديث أخرجه أحمد والنسائي ومالك
(2.1) (1/407)
صفحة 408
الأحاديث اهتمام أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالاصطياد وتقريره
لهم. والله الموفق.
402 (1/408)
صفحة 409
المسلك الرابع عشر
في المشروبات من الخمر و النبيذ
قال الله جل وعلا: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون "1" قيل الخمر هو الشراب المسكر المتخذ من عصير العنب وقيل اسم لكل مسكر خمر العقل أي غطاه وهو مأخوذ من قوله تعالى: إني أراني أعصر، والخمر: العنب في لغة أهل عمان، روى الربيع بسنده
خمراً
عن عائشة رضي الله عنها قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شراب البتع فقال: كل شراب أسكر فهو حرام وفي مسلم عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كل مسكر خمر وكل خمر حرام قال في لسان العرب: البتع، والبتع مثل القمع، والقمع: نبيذ يتخذ من عسل كأنه الخمر صلابة، وقال أبو
1 - سورة المائدة الآيتان (90 و 91).
2 - سورة يوسف الآية (36)
- الحديث أخرجه البخاري ومسلم ومالك في الموطأ. (1/409)
صفحة 410
الله
حنيفة: (البتع الخمر المتخذة من العسل فأوقع الخمر على العسل والبتع أيضاً الخمر يمانية والبتاع الخمّار) وفي حديث النبي صلـ الله عليه ي وسلم أنه سئل عن البتع فقال: كل مسكر حرام قال: هو نبيذ العسل وهو خمر أهل اليمن وفي مسند الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: نهى أن يشرب التمر والزبيب جميعاً وكذلك كل خليطين قال الربيع: قال أبو عبيدة: (ذلك إذا اختمرا وفسدا وأما على غير ذلك فلا بأس به) وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبدالله الأنصاري أن النبـ عليه وسلم نهى أن يخلط الزبيب والتمر والبسر والتمر وفي رواية أخرى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تجمعوا بين الرطب والبسر وبين الزبيب والتمر نبيذاً. واختلف أشياخنا هل النهي للتحريم أو للتكريه؟ والثاني هو قول أبي عبيدة ولكن اتفقوا على كراهته وتجنبه إذا اشتد وخيف سكره وفي مسند الربيع أيضاً عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن ينبـ في الدباء والمزفت والنقير والحنتم "" قال الربيع: (الدباء: القرع، والمزفت: الذي يطلى بالزفت، والنقير: حجر، والحنت: القلال الخضر) وكذلك اختلفوا هنا هل النهي باق أو منسوخ؟ وذلك سد
1 - الحديث رواه أحمد ومسلم والترمذي. 2 - أخرجه أحمد ومسلم والبخاري والترمذي. (1/410)
صفحة 411
للذريعة والقول بنسخه هو المعتمد عندهم وإن كان الإمام أبو سعيد يرى تحريمه كما يرى أن من نبذه على قصد الخمر فهو حرام لا يحل، فهو فاسد النيَّة بخلاف أن لو نبذه على قصد الخل فاشتد فهو حلال ويكسر عن شدته، كما اختلفوا في نجاسة الخمر أخذاً من قوله تعالى: رجس. فبعض حكم بنجاستها وبعض قال بطهارتها نظراً إلى أصلها وهو التمر والعنب والماء.
خلاً
ومن كتاب الإشراف على أقوال الأشراف "" قال أبو بكر: اختلف أهل العلم في الخمر هل يجوز أن يعالج به فيتخذ منه خـ أو لا يجوز؟ فقالت طائفة: لا يجوز ذلك، روينا هذا القول عن عمر
بن الخطاب رضي الله عنه وبه قال الزهري، وكرهت طائفة أن يتخذ العصير للخل وقالت: لا يتخذ من العصير الخل ولكن يصب الخل على العصير حتى يغلبه فلا يصير خمراً بحال هذا مذهب أحمد بن حنبل وبنحوه قال ابن المبارك إلى أن قال: وقال النعمان: لا بأس أن يتخـ
الخمر
خلاً
6
وفي مسند الربيع عن ابن عباس قال: (أهدى رجل إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم راويتي خمر فقال له: أما علمت أن الله حرمها فقال: لا، فسار إنساناً فقال له صلى الله عليه وسلم: بم ساررته؟ فقال له: أمرته أن يبيعها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الذي حرم شربها حرم بـ
1 - : كتاب الإشراف على أقوال الأشراف " لابن المنذر ج 2 ص (382).
ففتح (1/411)
صفحة 412
المزادتين وهما الراويتان حتى ذهب ما فيهما به قال شيخنا السالمي رضي الله عنه: (والحديث يدل على وجوب إراقة الخمر وتحريم الانتفاع بها ولو كانت فيها منفعة بوجه من الوجوه ما أمر بإراقتها صلى الله عليه وسلم) وفي المسند أيضاً عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لعن الله الخمر وبائعها ومشتريها وعاصرها وحاملها والمحمول إليه وشاربها """ وروى أبو داؤد ومسلم عن أنس بن مالك أن أبا طلحة سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمراً أفأجعله خلاً؟ قال لا فاهراقه. والله الموفق.
:
1 - الحديث أخرجه مالك في الموطأ ومسلم وأحمد والنسائي
- أخرجه أبو داؤد وزاد فيه وأكل ثمنها وأ وأخرجه الترمذي
(406 (1/412)
صفحة 413
المسلك الخامس عشر
في أدب الطعام والشراب
قال الله جل وعلا: يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين " قل من حرم زينة اله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين أمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون "" روى البخاري عن عمر بن أبي سلمة يقول: (كنت غلاماً في. حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول
الله صلى الله عليه وسلم: يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك
?
فما زالت تلك طعمتي بعد) """ وفي مسند الربيع بسنده إلى
أنس بن مالك قال: (أوتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلبن شيب بماء وعلى يمينه أعرابي وعلى يساره أبو بكر فشرب وأعطى الأعرابي
?
وقال: الأيمن فالأيمن (30 وفي رواية له أخرى بلاغاً عن جابر ابن زيد قال: بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أنه أوتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام صغير وعن يساره شيوخ من 1 - سورة الأعراف الآيتان (31 و 32).
2 - وأخرجه مالك والدارقطني.
- رواه أحمد والبخاري وأبو داؤد والترمذي وابن ماجه ومالك. (1/413)
صفحة 414
يده)
بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام صغير وعن يساره شيوخ من أصحابه فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء به فقال: لا والله ولا أؤثر بنفسي منك أحدا قال: فتله رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفي مسند الربيع بسنده إلى أبي سعيد عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من شرب في آنية الذهب والفضة فكأنما يجرجر في جوفه نار جهنم """ قال ابن المنذر في الإشراف: الشرب في آنية الذهب والفضة محرم لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك إلى أن قال: وقد اختلفوا في الآنية المفضضة فكان ابن عمر لا يشرب في قدح فيه حلقة من فضة ولا ضبة من فضة إلى أن قال: ورخصت طائفة في الشرب في الإناء المفضض كسعيد بن جبير اهـ. قال شيخنا السالمي: والحديث دال على حرمة الشوب والفضة ومثله الأكل كما صرحت به رواية مسلم ويقاس عليه
وغيره
في الذهب
" t"
مطلق التأني بهما "" قال القطب في الذهب الخالص: وجاز في إناء أكثره غير فضة ولا ذهب لا فيما موه كله من أحدهما. وقال في شامل الأصل والفرع: واتفقوا على جواز استعمال الآنية الغالية الثمن من غير الذهب والفضة أما آنيتهما فبعض حرم استعمالها وبعض حرم
1 - الحديث أخرجه أحمد والبخاري ومسلم ومالك
2 - أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وابن ماجه والدارمي ومالك
الإشراف على أقوال الأشراف ج 2 ص (367).
•
408
4 - شرح المسند ج 2 (1/414)
صفحة 415
الشرب منها وأجاز الأكل وغيره
ه، وبعض كره ذلك بلا تحريم وأجاز
الشرب من إناء مضبب بفضة وقد شرب عمر بين الضبتين إذ لا يصدق عليه أنه إناء فضة، وقد انصدع للنبي صلى الله عليه وسلم قدح
فجعل مكان الصدع سلسلة من فضة رواه أنس
وفي مسند الربيع عن أبي عبيدة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأكل عن ثلاثة أوجه عن التقشير والترميل والتنقيب فالقشار الذي يأكل من كل ناحية ويقشر وجه الطعام، والمرمل الذي يرفع لفيه ما لا يسع، والنقاب الذي يحفر في الطعام خبة ويرجع إليه الإدام وفي مسند الربيع عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه سمعت
الشراب
رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن التنفس قال أبو سعيد: قيل: (يا رسول الله إني لا أروى من نفس واحد، فقال له: فأبن القدح عن فيك ثم تنفس فقال الرجل: فإني أرى القذى، قال: فأهرقه (قال الربيع: قال أبو عبيدة: وكذلك في الطعام لا ينفخ فيه وإن كان حارا فبرده وهو عند أحمد في النهي عن النفخ في الشراب والمعنى متقارب، وفي المسند عن جابر بن زيد قال: بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تعبوا الماء عبا
?
1 - " شامل الأصل والفرع " ج 1 ص (92). 2 - الحديث أخرجه أحمد والترمذي.
(409 (1/415)
صفحة 416
فإن من ذلك يتولد البهر ولكن مصوه
ه مص
البيهقي عن أنس بلفظ مصوا الماء مصا ولا تعبوه عبا فإن الكباد من العب
وفي ذلك مع الأدب الخلقي مصلحة طبية، وفي صحيح مسلم وكان صلى الله عليه وسلم يتنفس في الشراب ثلاثا ويقول: إنه أروى وأبرأ وأمرأ قال أنس راوي الحديث: (فأنا أتنفس في الشراب ثلاثا) وروى مسلم أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يشربن أحدكم قائما فمن نسي فليستقيء وفي رواية قتادة قيل لأنس: (فالأكل قائما قال: ذلك شر وأخبث) ثم روي بعده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من زمزم فشرب قائما واستسقى وهـ البيت) "" وفي رواية الربيع عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الشرب قائما ويروى أنه شوب من زمزم قائما قال ابن عباس: المرجع فيه إلى كتاب الله وهو قوله: كلوا واشربوا فهذه تبيح الأكل والشرب على أي حال إلا في موضع خصه النهي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والظاهر أن هذا شبيه بالتنفس في الإناء ثلاثا ففيه مصلحة طبية ومعان خلقية. والله
1
عند
الموفق
•
1 - الحديث أخرجه الربيع والبخاري وأحمد وأبو داؤد والنسائي وابن ماجه والدارمي ومالك
€ 21.) (1/416)
صفحة 417
المسلك السادس عشر
في فضل الذكر والدعاء
والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
قال الله تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم
يرشدون * صلى الله عليه وسلم قال: تضرعوا إلى ربكم وادعوه في الرخاء فإن الله قال: من دعاني في الرخاء أجبته في الشدة ومن سألني أعطيته ومن تواضع لي رفعته ومن تضرع إلي رحمته ومن استغفرني غفرت له
" روى الربيع عن أبي عبيدة قال: بلغني عن رسول الله
الله
وروى أبو عبيدة بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله صلـ عليه وسلم: يقول ربنا تبارك وتعالى حين يبقى ثلث الليل الآخر: من يدعني فأستجيب له ومن يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فاغفر له وروى أبو عبيدة بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول
2
1 - سورة البقرة الآية (186).
2 - أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه
(411 (1/417)
صفحة 418
دعوت فلم يستجب لي "1" وروى أيضا بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ولكن ليعزم على المسألة فإنه لا
2
مكره له په وفي رواية الموطأ لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ليعزم في الدعاء فإن الله صانع ما شاء لا مكره له وروى الترمذي عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الدعاء مخ العبادة قال القطب محمد بن يوسف في هميان الزاد عند تفسير قوله جل وعلا: والله يرزق من يشاء بغير حساب * ومن قارب فراغ عمره ه ويريد أن يستدرك ما فاته فليشتغل بالأذكار الجامعة فتصير بقية عمره القصيرة طويلة مثل أن يقول: سبحان الله عدد الحصى أو سبحان الله عدد ذرات الأجسام والأعراض، وكذا من فاته كثرة الصيام والقيام يشتغل بكثرة الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله فإنه من فعل في جميع عمره كل طاعة ثم صلى عليه صلاة واحدة رجحت تلك الصلاة الواحدة على كل ما عمله في جميع عمره من الطاعات لأنك تصلي على قدر وسعك وهو يصلي على حسب ربوبيته فكيف صلوات قلت: يشير
1 - أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه ومالك 2 - أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والموطأ.
- سورة النور الآية (38).
(412 (1/418)
صفحة 419
رضي الله عنه إلى ما رواه مسلم وأبو داؤد والترمذي والنسائي وابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
وفي
ود
قال: من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه عشرا رواية من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات وحط عنه بها عشر سيئات ورفعه بها عشر درجات ومن علي صلاة واحدة كفاه الله تعالى هم الدنيا والآخرة به وقال في بعض كتبه: (وكل عبادة أو دعاء منه مقبول ومنه مردود إلا الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم فمقبولة، أي لأنها نفع له صلى الله عليه وسلم). قال في زاد المسير في علم التفسير: والباقيات الصالحات
خير عند ربك ثوابا وخير أملا "" فيها خمسة أقوال
أحدها:
:
أنه " سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر " وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن عجزتم عن الليل أن تكابدوه وعن العدو أن تجاهدوه فلا تعجزوا عن قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فقولوها فإنهن الباقيات
الصالحات
2
" وهذا قول ابن عباس في رواية عطا
وبه قال مجاهد وعكرمه والضحاك وسئل عثمان بن عفان
1 - سورة الكهف الآية (46).
2 - أورده السيوطي في الدر عن ابن مردوية.
(413 (1/419)
صفحة 420
عن (الباقيات الصالحات (فقال هذه الكلمات وزاد ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وقال سعد بن
المسيب ومحمد بن كعب القرظي مثله
والثاني: أنها " لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله " رواه علي ابن أبي طالب عن رسول الله صلـ
الله عليه وسلم.
الثالث: أنها الصلوات الخمس رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وبه قال ابن مسعود ومسروق وابراهيم.
والرابع: الكلام الطيب رواه العوفي عن ابن عباس
•
الخامس: هي جميع أعمال الحسنات رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال قتادة وابن زيد. وقوله جل وعلا: هو
خير عند ربك ثوابا أي أفضل جزاء وخير أملا أي خير مما تأملون لأن آمالكم كواذب وهـ ذا أمل لا
يكذب
وروى الترمذي عن عبد الله قال: (كنت أصلي والنبي صلى الله ثم
عليه وسلم وأبو بكر وعمر معه فلما جلست بدأت بالثناء علـ الله ث الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثم دعوت لنفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سل تعطه سل تعطه) قال ابن العربي في
(414 (1/420)
صفحة 421
"\ n
عارضة الأحوذي: حسن صحيح قد بينا في الأحكام وسابقة هذا الكتاب أن للدعاء شروطا تقترب إجابته بها، منها الإخلاص، ومنها التملق الله، ومنها الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا اجتمعت تعينت الإجابة بالوعد الصادق، وذكر الشرطين لأن الإخلاص ركن الدين واكتفى بشهرته لأنه باطن ولأن الأعمال بالنيات، وقد روي عن فضالة أنه قال: (دخل رجل يصلي فقال: اللهم اغفر لي وارحمني فقال له النبي صلى الله عيه وسلم: عجلت أيها المصلي إذا صليت فقعدت فاحمد الله بما هو أهله وصل علي ثم ادعه
رجل فحمد الله وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم فقال
صلى الله عليه وسلم: أيها المصلي ادع تجب) اهـ.
?
ثم
قال الله تعالى: من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه
يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه * """ قال القاضي البيضاوي: بيان لما يطلب به العزة وهو التوحيد والعمل الصالح وصعودها إليه مجاز عن قبوله إياهما أو صعود الكتبة بصحيفتهما والمستكن في يرفعه للكلم فإن العمل لا يقبل إلا بالتوحيد ويؤيده أنه نصب العمل أو للعمل فإنه يحقق الإيمان ويقويه أو الله تخصيص العمل بهذا الشرف لما فيه من الكلفة وقرئ يصعد على البنائين والمصعد هو
1 - عارضة الأحوذي لابن العربي ج 3 ص (75).
2 - سورة فاطر الآية (10). (1/421)
صفحة 422
الله تعالى أو المتكلم بها أو الملك، وقيل الكلم الطيب يتناول الذكر والدعاء وقراءة القرآن، وعنه عليه الصلاة والسلام: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء فحيى بها وجه الرحمن فإذا لم يكن عمل صالح لم يقبل)
اهـ. روى الحاكم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (إذا حدثتكـ بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله إن العبد إذا قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وتبارك الله قبض عليهن ملك فضمهن تحت جناحيه وصعد بهن لا يمر بهن على جمع من اللائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يحيي بهن وجه الرحمن ثم تلا عبدالله إليه يصعد الكلـ الطيب والعمل الصالح يرفعه الآية). ومعنى يحيي بها وجه الرحمن كناية عن قبول العمل ورضاه عنه
وروي من طرق متعددة بألفاظ مختلفة منها ما رواه ابن خزيمة وابن حبان عن أبي هريرة) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد
المنبر فقال:
#
آمين آمين آمين
قيل: يا رسول الله إنك صعدت المنبر فقلت: آمين آمين آمين فقال: إن جبريل عليه السلام أتاني فقال: من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فا بعده الله قل آمين. فقلت: آمين، ومن أدرك أبويه أو أحدهما فلم يبرهما فماتا فدخل النار فأبعده الله قل آمين. فقلت: آمين، ومن ذكرت عنده فلـ عليك فمات فدخل النار فأبعده الله قل آمين. فقلت: آمين) وفي
يصل (1/422)
صفحة 423
الحكم لابن عطاء لا يكون تأخر أمد الإجابة مع الإلحاح في الدعاء موجبا ليأسك فهو ضمن لك الإجابة فيما يختار لك لا فيما تختار لنفسك وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا " وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم """ ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنا يستجاب
له
اهـ
•
وفي مسند الربيع عن ابن مسعود قال: (أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟ فسكت حتى نسينا أنه ساله فقال: قولوا اللهم صلي على نبينا محمد وعلى أل محمد كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد والسلام كما قد علمتم) قال الربيع: قال أبو عبيدة: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله
1 - سورة المؤمنون الآية (51).
2 - سورة البقرة الآية (172).
وبركاته (1/423)
صفحة 424
هو
هكذا علمناه يعني في التحيات. بقي البحث في تشبيهه صلى الله عليه وسلم بأبيه إبراهيم وهو أفضل منه وأحسن ما أجيب عنه أن التشبيه إنما لأصل الصلاة لا للقدر فهو كقوله تعالى: إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح """ وقوله وكتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم * وهو كقولك: أحسن إلى فلان كما أحسنت إلـ فلان وتريد بذلك أصل الإحسان لا قدره ومنه قوله تعالى: وأحسن كما أحسن الله إليك وفي مسند الربيع عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتب له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد
11011
بأفضل مما جاء به إلا من عمل أكثر من ذلك " وفيه عن
أبي هريرة من قال على أثر صلاته سبحان الله والحمد لله مائة مرة حطت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحـ
روي مسلم
1 - أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي ومالك.
2 - سورة النساء الآية (163).
10
- سورة البقرة الآية (183).
- سورة ص الآية (77).
-5 - أخرجه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وابن ماجه ومالك
6 - أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومالك (1/424)
صفحة 425
النار
من
والترمذي عن عبادة بن الصامت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه قال على أثره الحافظ المنذري في كتابه: قد ذهب طوائف أساطين أهل العلم إلى أن مثل هذه الإطلاقات التي وردت فيمن قال: لا إله إلا الله دخل الجنة أو حرم الله عليه النار ونحو ذلك إنما كان في ابتداء الإسلام حين كانت الدعوة إلى مجرد الإقرار بالتوحيد فلما فرضت الفرائض وحدت الحدود نسخ ذلك والدلائل على هذا كثيرة متظاهرة وقد تقدم غير ما حديث يدل على ذلك في كتاب الصلاة والزكلة والصيام والحج ويأتي أحاديث أخر متفرقة إن شاء الله وإلى هذا القول ذهب الضحاك والزهري وسفيان الثوري وغيرهم وقال طائفة أخرى: لا احتياج إلى إدعاء النسخ في ذلك فإن كل ما هو من أركان الدين وفرائض الإسلام هو من لوازم الإقرار بالشهادتين وتتماته فإذا أقر ثم امتنع عن شيء من الفرائض جحداً أو تهاوناً على تفصيل الخلاف فيه حكمنا عليه بالكفر وعدم دخول الجنة وهذا القول أيضاً قريب، وقالت طائفة أخرى: التلفظ بكلمة التوحيد سبب يقتضي دخول الجنة والنجاة من النار، بشرط أن يأتي بالفرائض ويجتنب الكبائر، فإن لم يأت بالفرائض ولم يجتنب الكبائر لم يمنعه التلفظ بكلمة التوحيد من دخول النار، وهذا قريب مما قبله أو هو هو اهـ كلامه. وهو واضح مطابق للكتاب
1 - الترغيب والترهيب للحافظ المنذري ج 2 ص (413).
(219) (1/425)
صفحة 426
والسنة مطلقهما ومقيدهما مجملهما وبيانهما، فقوله صلى الله عليا وسلم: بني الإسلام على خمس وقوله: قل آمنت بالله ثم، وما نزل في وحشي قاتل حمزة رضي الله عنه ونفوره
استقم
2 ما
عن الإسلام حتى نزل فيه ما نزل ثم دخل في الإسلام، وقوله جل وعلا: قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف
يؤيد ذلك. والله الموفق.
1 - الحديث أخرجه مسلم في كتاب الإيمان ونصه عن أبي عمرة سفيان بن عبد الله
عنه قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسال عنه أحدا غيرك قال:
بالله ثم استقم
•
2 - سورة الأنفال الآية (38).
420
الله
قل آمنت (1/426)
صفحة 427
موقعة الفهروان
أهواء 1 المؤرخين
تأليف: عبدالله القحطاني
(421 (1/427)
صفحة 428
بد الله الرحمن الرحيم الملحق الأول
موقعة النهروان وأهواء المؤرخين
الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاما على المصطفى وآله وصحبه أجمعين، أما بعد: هذه قراءة في جزء من الفتنة التي ثارت بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم أكن لأتعرض لها لولا جراءة بعض المخالفين في الرأي خلال حوار دار بيننا وبينهم، فتعرضوا لبعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشتم والسباب، وقد دعموا طعنهم بشيء مما ورد في بعض المصادر التاريخية الإسلامية.
هذه القراءة هدفها تحذير المسلمين من الخوض في هـ ذه الفتنة المظلمة التي وقعت بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كنا نكره شيئاً من التاريخ فإننا نكره تاريخ الفتنة التي اضطره مت بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونكره الخوض فيها إلا
لإنصاف المظلوم منهم على أيدي الكتاب والمؤرخين.
قراءتي هذه مبنية على حديث الرسول الكريم صلـ الله عليه
وسلم: عن حذيفة بن اليمان أنه قال: يا رسول الله إنا كنا في شر فذهب
422 (1/428)
صفحة 429
الله بذلك الشر وجاء بالخير على يديك، فهل بعد الخير من ن قال: نعم. قال: ما هو، قال عليه الصلاة والسلام: فتن كقطع
الليل المظلم يتبع بعضها بعضاً، تأتيكم مشتبهة كوجوه البقر، لا تدرون أيا من أي. رواه أحمد
فإن كانت هذه الفتن مشتبهة على أصحاب رسول الله صلـ عليه وسلم، فلم يدروا أيا من أي، فكيف تكون علينا نحن الذين أتينا في
زمان بعيد عنهم؟!
الله
إنني لم أكن لأدخل في هذا الأمر لو لا أن جرني البعض إليه
جرا، فقمت بمحاولة للدفاع عن أصحاب رسول الله، وأحتسب أجوي
على الله
منهج البحث
هدفنا الأسمى هو توحيد أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ومنهجنا
هو عدم التعرض لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحكام شخصية، وإذا ذكرنا شيئاً من الأحكام فإنما هو نقل لأقوال كبار الصحابة أنفسهم، أو لأحد من كبار التابعين القريب لتلك الفترة، والذي يؤخذ قوله بالقبول من جميع الأطراف، وكذلك من مصادر يقبلها المخالف في الرأي ما استطعت، وفي ذلك أولا غمط كبير للمصادر الإباضية رغم شهادة المخالفين لهم بالنزاهة عن الكذب، وثانياً في ذلك
(423 (1/429)
صفحة 430
ترك للكثير من الحقائق والحجج التي لو اعتمدت عليها لأغنتن
الكثير من النقل.
محور دراستنا هم أهل النهروان من أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم، الذين تعرض لهم بعض المتهورين بالطعن والتفسيق، وهذا يحتم علينا بطبيعة الحال التعرض للفتنة، والدخول في متاهاتها، نسأل
الله أن يجعل لنا نورا يمكننا من الخروج من ظلمائها سالمين
•
سأحاول جاهدا أن أعرض فقط ما يكون ذكره ضورة من
أحداث الفتنة، والتي تعني أهل النهروان مباشرة.
مثار الفتنة
مثار الفتنة هو مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، ومطالبة بعض الصحابة بتعجيل القصاص من قتلته، وهذا موضوع لن ندخل في تفصيلاته، ولكن في خلافة الإمام علي ابن أبي طالب، انشق معاوية بن أبي سفيان، ولم يسلم للإمام علي ابن أبي طالب القياد، واستأثر بلاد الشام، وكان مؤازره صاحبي آخر هو عمرو بن العاص، من جانب آخر خرج الصاحبان طلحة والزبير على الإمام علي وانضمت إليهما أم المؤمنين عائشة ومعهم خلق كثير فتمت المواجهة في ما سمي بموقعة الجمل وقتل في هذه المعركة عدد كبير من المسلمين يقدر بالآلاف، وكانت الغلبة للإمام علي، فتوجه بعدها لإخضاع معاوية فكانت موقعة
(424 (1/430)
صفحة 431
صفين حيث قتل مرة أخرى ألوف من المسلمين، وكاد جيش معاوية أن ينهزم لولا خروج عمرو بن العاص داهية العرب بخطة جديدة، وهي رفع المصاحف طلبا للتحكيم، فكانت أول نتيجة أن انقسم جيش علي إلى قسمين أحدهما يرى وجوب وقف القتال حقنا للدماء، وآخر يتزعمه بعض الصحابة يرى أن هذه من دواهي عمرو عندما رأى الهزيمة بين عينيه، ونادوا أن (لا حكم إلا لله)؛ وحكم الله واضح في قتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله بانضوائها تحت راية الخليفة المنتخـ ولكن مع ميل الإمام علي للرأي الثاني فإن رضوخه كان للرأي الحاقن للدماء، وهنا نشبت الفتنة الجديدة وانقسم جيش الإمام علي، فانحاز الكثير من الصحابة - وفيهم رجال من أهل بدر وأهل بيعة الشجرة - وتبعهم خلق كثير ممن لم يرتضوا التحكيم إلى منطقة تدعى حروراء، ونصبوا إماماً جديداً عليهم بعد أن خلع الإمام علي البية من عنه بارتضائه للتحكيم، وذلك اتباعاً لقوله صلى الله عليه وسلم الذي ورد في
ب،
صحيح مسلم في كتاب الإمارة: ومن مات وليس في عنقه بيعة
مات ميتة جاهلية، وكانت الفتنة فعلي بن أبي طالب لم ير هؤلاء إلا فئة باغية اغتصبت الخلافة منه مثلهم في ذلك مثل معاوية، فاقتتل جيش الإمام علي في موقعة النهروان، وسقط من المسلمين مرة ثالثة أعداد كبيرة، فيهم بقية الله في أرضه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه، وهذا متفق عليه بين كل المصادر التاريخية باختلاف مشاربها.
وسلم، وه
(425 (1/431)
صفحة 432
قراءة الأحداث
هذه فتنة عمياء، اقتتل فيها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحق أنه لم يقم المسلمون بعدها إلا على ضلع أعوج، فتحزبوا أحزاباً ومذاهب شتى، كل يتأول هذه الأحداث على طريقته والخلفية التاريخية التي ينظر من خلالها، ولم يخل كاتب من التحيز لفريق دون آخر، وهذا ليس بالعجيب، فهي كما وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتن كقطع الليل المظلم، كيف لنا أن نبصر فيها، ولكن كانت هنالك سبيل السلامة؛ تلك التي أصلها الخليفة الخامس عمر بن عبدالعزيز بقوله (تلك دماء طهر الله منها سيوفنا، أفلا نطهر منها ألسنتنا)، والتي استلهمها من قوله تعالى: تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون وما أسلمها من طريق! كيف لا ونحن لا نصل مد أحد أولئك الصحابة ولا نصيفه، ولو أنفقنا مثل أحد ذهبا، وقد أحسن أبو عمرو بن العلاء في قوله (ما نحن فيمن مضى إلا كبقل في أصول نخل طوال)!
التحكيم ونتيجة المباشرة
الحكمان هما الصحابيان أبو موسى الأشعري يمثل عليا، وعمرو بن العاص يمثل معاوية، وكانت النتيجة المتفق عليها باختصار أن خدع عمرو الداهية أبا موسى الأشعري فجعله يصعد على المنبر فيخلع عليا
(426 (1/432)
صفحة 433
من الخلافة ثم انصرف عمرو وأهل الشام إلى معاوية وسلموا عليه بالخلافة كما تتفق كل المصادر على ذلك وقد أحس جند الإمام علي بالندم لأنهم ضربوا عمرو بن العاص بالسوط فقط ولم يضربوه بالسيف في
ذلك الموقف
علي ونتيجة التحكيم
لم يرض علي بن أبي طالب بنتيجة التحكيم، فمما قاله في إحدى خطبه في أهل الكوفة - والرواية للطبري - (ألا إن هذين الرجلين اللذين اخترتموهما حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما، وأحيا ما أمات القرآن، واتبع كل واحد منهما هواه بغير هدى من الله، فحكما بغير حجة بينة، ولا سنة ماضية، واختلفا في حكمهما، وكلاهما لم يرشد، فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين) ""، وقد ذكر ذلك
عينه في رسالته لأهل النهروان التي سننقلها لاحقا في هذا الجواب. فهذا رأي علي؛ ويتضح فيه تقييمه للتحكيم، ونظرته له من مبتدأه حين قال (اخترتموهما (!، والعصمة لأنبياء الله فهو من هو عقلا وحكمة لم يرض بنتيجة التحكيم ثم لم يرض عن أصحابه الذين لم
يرتضوا بالتحكيم!.
1 - تاريخ الطبري، المجلد الثالث، ص (113). - المرجع السابق، ص (116).
(427 (1/433)
صفحة 434
اهير الصحابة من غير أهل النهروان يرون هذا الرأي أيضا ينقل الطبري أيضا قول ابن عباس رضي الله عنه (قبح الله رأي أبي موسى! حذرته وأمرته بالرأي فما عقل) ويستمر الطبري ليروي قول أبي موسى الأشعري نفسه (حذرني ابن عباس غدرة الفاسق، اطمأننت إليه، وظننت أنه يؤثر شيئا على نصيحة الأمة)
ولكني
الخلاصة في مسألة التحكيم
يتضح من استقراء النصوص السابقة، أن التحكيم خطة من عمرو، استجاب لها الإمام علي رضوخا لنداء الأغلبية من الناس، أما علي والجمع الأكبر من الصحابة فكانوا جميعا يدركون خطورتها، ويكفي على ذلك دليلا أنه كرم الله وجهه قرر مواصلة قتال معاوية بعد خدعة التحكيم مباشرة، ورسالته لعبد الله بن وهب الراسبي رضـ
عنه عند الطبري خير شاهد على ذلك
الله
1 - تاريخ الطبري، المجلد الثالث، ص (113).
2 - راجع هذه الرسالة في قسم) نظرة تحليلية) من هذه الرسالة، وراجع الطبري ج 3،
ص (117).
(428 (1/434)
صفحة 435
أما
موسى
تقييم من ألسنة الصحابة والتابعين لمعاوية وعمرو عمرو فيكفي ما نقلناه من كلام علي وابن عباس وأبي موس فيه، أما معاوية فإننا سننقل حكم جهة محايدة فيه، فاسمع كلام الحسن البصري رحمه الله يقول: (أربع خصال كن في معاوية لو لم تكن فيه إلا واحدة لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأمة بالسيف حتى أخذ الأمر من غير مشورة، وفيهم بقايا الصحابة، وذوو الفضيلة، واستخلافه من بعده ابن سكيرا خميرا، يلبس الحرير ويضرب الطنابير، وادعاؤه زيادا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الولد للفراش، وللعاهر الحجر وقتاله حجراً وأصحاب حجر فياويلا له مـ من حجر، وحجر هو صحابي دفن حياً لأنه أبى لعن علي
وأصحاب حجر)
2
على المنابر وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حقه (لا أشبع
الله بطنه)! رواه مسلم في كتاب البر والصلة من صحيحه
1 - ابن الأثير في كتابه " الكامل " ج 3، ص (487)، وحجر بن عدي أحد الصحابة العباد، مترجم في) سير أعلام النبلاء)، ج 3، ص (462)) والإصابة) (ج 1، ص (329) ط. دار الكتب العلمية).
2 - لتفصيل القصة راجع ابن الأثير ج 3 ص (487)، والبداية والنهاية ج 8 ص (50 إلى 55)، والخلافة والملك لأبي الأعلى المودودي ج 1 ص (105)، وتاريخ الطبري ج 4
ص (190 إلى (207)، والاستيعاب لابن عبدالبر ج 1 ص (135)، وابن خلدون ج 3 ص (14). - أما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة) من حديث ابن عباس: (كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه فقال للنبي صلى الله عليه وسلم يا نبي
(429 (1/435)
صفحة 436
الله ثلاث أعطنيهن قال نعم قال عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبه بنت أبي سفيان أزوجكها قال نعم قال ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك قال نعم قال وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين قال نعم قال أبو زميل ولولا أنه طلب ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم ما أعطاه ذلك لأنه لم يكن يسأل شيئا إلا قال نعم) فهو حديث باطل إليك أقوال أهل العلم فيه: قال الذهبي في الميزان ج 3 ص (93) في ترجمة عكرمة بن عمار، أحد رواة هذا الحديث: (وفي صحيح مسلم قد ساق له أصلا منكراً عن سماك الحنفي عن ابن عباس في الثلاثة التي طلبها أبو سفيان) - وقال في سير أعلام النبلاء ج 7 ص (137) عن هذا الحديث: (قلت: قد ساق له مسلم في الأصول حديثاً منكرا، وهو الذي يرويه سماك الحنفي عن ابن عباس في الأمور الثلاثة التي التمسها أبو سفيان من النبي صلى الله عليه وسلم).
قال ابن تيمية في مجموع الفتاوي ج 7 ص (263): (روى مسلم أحاديث قد عرف أنها غلط مثل قول أبي سفيان لما أسلم: أريد أن أزوجك أم حبيبة، ولا خلاف أنه تزوجها قبل إسلام أبي سفيان).
وقال ابن القيم في زاد المعاد ج 1 ص (110): (هذا الحديث غلط لا خفاء به. قال أبو محمد بن حزم: وهو ((((((موضوع ((((((بلا شك فيه كذبة عكرمة بن عمار. وقال ابن الجوزي: في هذا الحديث وهم من بعض رواته لا شك فيه ولا تردد، وقد اتهموا به عكرمة بن عمار؛ لأن أهل التاريخ أجمعوا على أن أم حبيبة كانت تحت عبدالله بن جحش، وولدت له وهاجر بها - وهما مسلمان – إلى أرض الحبشة ثم تنصر، وثبتت أم حبيبة على إسلامها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبها عليه، فزوجه إياها وأصدقها عنه صداقا، وذلك في سنة، سبع من الهجرة، وجاء أبو سفيان فدخل عليها، فثنت فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجلس عليه، ولا خلاف أن أبا سفيان ومعاوية أسلما في فتح مكة سنة ثمان، وأيضا ففي هذا الحديث أنه قال له: وتؤمرني أن أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال (نعم) ولا يعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا سفيان البته)
اهـ
- وذكر ابن القيم أيضاً هذا الحديث في (جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام صلى الله عليه وسلم (ص (132) إلى (134 فذكره وما أجيب به عنه، ثم ناقش تلك الوجوه
430 (1/436)
صفحة 437
إذا فأهل النهروان ليسوا نشازا في تقييمهم هذا وعدم رضـ
بمسلك معاوية وعمرو بن العاص
عود على بدء
قلنا أن أهل النهروان هم بقية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من القراء والمجاهدين، ومن نزل رتبة عنهم فهو من التابعين، فكان رأيهم الاستمرار في قتال معاوية حتى ينصاع لأمر الله، وينضوي تحت لواء الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكانوا يرون أن التحكيم خدعة دبرها عمرو بن العاص، فنادوا أن لا حكم إلا الله، وعندما تخلى علي عن الخلافة، أقاموا خليفة منهم كي لا يناموا ليلة
-
واحدا واحدا، ثم ختم ذلك بقوله: (وبالجملة، فهذه الوجوه وأمثالها مما لا يعلم بطلانها واستكراهها وغثائتها ولا تفيد الناظر فيها علما، بل النظر فيها والتعرض لإبطالها من منارات العلم، والله تعالى أعلم، فالصواب أن الحديث غير محفوظ، بل وقع فيه تخليط والله أعلم).
وقد تعرض لهذا الحديث والأجوبة التي أجيب بها عنه ثم بيان ما فيها مغامز العلامة الزرقاني في " شرح المواهب اللدنية " ج 3 ص (243 إلى 245). وقال ابن الأثير: (وهذا الحديث "مما " لاحظ تعبيره بما أي ليس كل " أنكر على مسلم .. ) البداية والنهاية ج 4 ص (144).
قال ابن كثير في " السيرة النبوية " ج 3 ص (277)، وفي " البداية والنهاية · ج 4 ص (145)
بعد أن ذكر بعض الأجوبة التي أجيب بها عن هذا الحديث: (وهذه كلها ضعيفة ... ) ومنقول بتصرف من فتاوي الشيخ سعيد القنوبي ج 2 مخطوط، وراجع كذلك كتب الشيخ العلامة حسن السقاف الشافعي خصوصا تعليقاته على كتاب " دفع شبه التشبيه بأكف التترية ". (1/437)
صفحة 438
من دون خليفة فيخالفوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان خليفتهم المنتخب هو الصحابي عبدالله بن وهب الراسبي فخاصمهم علي وسماهم (الخوارج) لأنهم خرجوا من جيشه، فهو خروج سياسي، وقاتلهم لذلك، فلم تقم لعلي من بعد قتالهم قائمة إذ انتزع منه معاوية اليمن والحجاز ومصر، وغارت خيله على الأنبار، وقتلوا عماله، فلم يعد له كلام أو يمتثل له أمر، وهذا سر كثرة شتمه وتقريعه لجنوده في أغلب خطبه من بعد ذلك، ويكفيك مخاطبته لجنده الذين قتلوا أهل النهروان بقوله (يا أشباه الرجال ولا رجال، حلوم الأطفال وعقول ربات الحجال، وددت أني لم أركم ولم أعرفكم! .. ) و خطبة التي لا تحتاج إلى تخريج، ومن أراد متابعة ذلك فليرجع إلى نهج البلاغة أو أغلب كتب التاريخ التي تحدثت عن هذه الفتنة
يسمع
شخصيات من أهل النهروان
من شـ
ــهير
عبد الله بن وهب الراسبي
عبدالله بن وهب الراسبي يعرفه الزركلي قائلا: (كان ذا علم ورأي وفصاحة وشجاعة أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وشهد فتوح العراق مع سعد بن أبي وقاص)، فهو صحابي – عالم – ذو رأي
-1
الأعلام للزركلي ج 4 ص (288). (1/438)
صفحة 439
- خطيب شجاع - جاهد في سبيل الله، نصبه الصحابة إماما عليهم بعد
أن تنازل علي، خوفا من أن يستأثر بها معاوية الذي سبق كلام الحسن
البصري فيه
حرقوص بن زهير السعدي
حرقوص بن زهير السعدي كان أحد قادة جيوش الفتح أيام عمر، فاتح الأهواز، فقد جاء في أسد الغابة: (إن الهرمزان الفارسي صاحب خوزستان، كفر ومنع ما قبله، واستعان بالأكراد، فكثف جمعه، فكتب سلمى ومن معه إلى عتبة بن غزوان، فكتب عتبة إلى عمر بن الخطاب، فكتب إليه عمر يأمره بقصده، وأمد المسلمين بحرقوص بن زهير السعدي، وكانت له صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره على القتال، فاقتتل المسلمون والهرمزان، فانهزم الهرمزان، وفتح حرقوص سوق الأهواز ونزل بها، وله أثر كبير في قتال الهرمزان) "" فحرقوص هو صحابي، فاتح الأهواز. إنه المجاهد الذي يختاره عمر - وما أدراك ما عمر في اختيار الرجال – من بين الصحابة كرجل للمهمات الصعبة، وما أشبهه بالقعقاع بن عمرو رضي الله عنه. فلمصلحة من تتم تشويه صور قادة الفتح الإسلامي في الأذهان من غير دليل، بل بالافتراء الصريح؟!
1 - أسد الغابة ج 1 ص 474 إلى (475 وأشار إلى تاريخ الطبري ج 4 ص (76).
(433 (1/439)
صفحة 440
وفي أهل النهروان صحابة آخرون
لقد اجتمعت بالنهروان بقية نادرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يسع المجال لتعدادهم ونذكر منهم ههنا الصحابي زيد بن حصن الخاشع الأواب، وشجرة بن أوفي السلامي وهو من أهل بدر، وعبد الله بن شجرة ويزيد بن عاصم وإخوته الأربعة وهم ممن بليع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، أي أنهم من الذين رضي الله عنهم بنص الكتاب العزيز
لقد قتل جميع هؤلاء وغيرهم من الصحابة وآلاف من المسلمين في هذه الواقعة، وعلى الإجمال فإن أهل النهروان كانوا من خيار أهل الأرض يومئذ وزهادهم، فيهم من أهل بدر وممن بايع تحت الشجرة
والقراء، ومن خيار التابعين
هل كان أهل النهروان طلاب دنيا؟
أفضل إجابة على هذا السؤال هو عدم رضاهم بالتحكيم، فهم طلاب موت في سبيل بقاء خليفة المسلمين المنتخب في منصبه، وما
1 - وذلك في قوله سبحانه: لقد رضي الله عنه المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم .. 2 - المتبع أسماء الصحابة من أهل النهروان يرجع كتاب الجواهر المنتقاة لأبي القاسم بن إبراهيم البرادي، ت 750 هـ، والكتاب مخطوط في دار الكتب المصرية بالقاهرة. تحت رقم 21791 ب وأنساب الأشراف للبلاذري. (1/440)
صفحة 441
أعظمه من جهاد في سبيل الله، أما وأن الخليفة المنتخب قد تنازل عن الخلافة راضيا بالتحكيم، فإنهم قد اختاروا من يرتضون دينه بديلا عنه، لإقامة شرع الله ودينه، وقد ذكر المؤرخون خطبهم في أثناء البيعة، وهي تؤكد حرص هؤلاء القوم على واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل والمناداة إلى ترك دار الفتنة إلى بعض كور الجبال، وهذا منصوص عليه في خطبة الإمام عبد الله بن وهب الراسبي قبل
البيعة
نظرة أبي الحسن والحسين لأهل النهروان
برفض أهل النهروان للتحكيم، واعتزالهم، ثم انتخابهم لإمام جديد خلفا للإمام علي الذي رضي بالتحكيم أولا ثم رفض نتيجته، فقد رأى أن تنصيبهم لإمام جديد ما هو إلا مقاتلة له، وهذا ما نص عليه بقوله (ولكنهم قوم قاتلونا فقاتلناهم)، ولكنه مع هذا نفى عنهم الشرك والنفاق عندما أراد بعض المغرضين رميهم بذلك فقال (من الشرك فروا)، وأوضح أن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا وهؤلاء بعكس
ذلك
1 - الطبري ج 3 ص (116).
2 - نص الرواية عند ابن أبي شيبة في المصنف 37942. (1/441)
صفحة 442
من البادئ في مجزرة الصحابة في النهروان؟
سننقل هاهنا رواية للطبري يروي فيها شيئا من التحرش بهؤلاء الصحابة المجاهدين ((قال أصحاب سعد) وهو سعد بن مسعود الثقفي) لسعد: ما تريد من قتال هؤلاء ولم يأتك فيهم أمر! خلهم فليذهبوا، واكتب إلى أمير المؤمنين، فإن أمرك باتباعهم اتبعهم، وان كفاك غيرك كان في ذلك عافية لك، فأبى عليهم ذلك (("" فأنت ترى تحرش هذا القائد بأهل النهروان، ولك أن تتصور كيفية نقله للخبر بعد ذلك إلى علي بن أبي طالب! فهل سيصور نفسه مبتدأ العدوان عليهم؟!، ولكن هذا لا يعني أبدا أن الإمام عليا لم يكن صاحب القرار الأول في المجزرة
فالكل يتفق على حضوره هنالك ساعة الواقعة.
جريمة تشويه صورة أهل النهروان في الأذهان
إن خصم علي بن أبي طالب كانا داهيتي العرب عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان، ولقد تمكنا من زرع عملاء لهم في صفوف جيش علي يبثون الفرقة، ولقد تمكن بعضهم من الوصول إلى أن يكون من قادة جيش الإمام علي وناقلي الأخبار إليه، ولقد أسهم هؤلاء إسهاما عظيما في إذكاء نار الفتنة، ولي أعناق الأحاديث النبوية الشريفة لتكون موجهة لأصحاب النهروان فيكونوا هم الذين حذرت منهم الأحاديث
1 - الطبري ج 3 ص (116).
(436 (1/442)
صفحة 443
الشريفة بأنهم يأتون في آخر الزمان، يتركون أهل الأوثان، ويقتلون أهل الإسلام، يقرؤون القرآن فلا يجاوز حناجرهم، وما ذلك بغريب فبعد مقتل عمار بن ياسر، وخروج الكثير من جيش معاوية إلى جيش الإمام علي، بعد أن قرع سمعهم الحديث (ويح عمار تقتله الفئة الباغية) أشاع عمرو بن العاص مقولته (إنما قتله من خرج به) وهكذا تشوهت الحقيقة في أذهان كثير من العامة، الذين عادوا أدراجهم إلى جيش معاوية. ولقد بدأت كتابة التاريخ الإسلامي بعد ذلك، تحت. الدولة الأموية - السلطة الجديدة - وبصرها، وأهل النهروان ومن بقي منهم هم من كان يرى ضرورة عدم مهادنة جرثومة "" هذه الدولة، فسلطت عليهم يدها الباطشة، وإعلامها الهادر عسى أن تأتي عليهم فلا
تبقي لهم أثرا، ولم تكن الدولة العباسية بأرحم من ذلك.
لقد
صور
مسمع
أهل النهروان على أنهم الخوارج المتوحشون، الذين
يجب قتلهم واستئصالهم، وقد أتقنت الدولة الأموية ومن بعدها الدولة العباسية تتبع من بقي من آثارهم، فتتبعتا كل من رأى عدم شرعيتها في كل أرض وقطر؛ وأوسعوا قتلا وتعذيبا.
لقد صور الكثير من المؤرخين أهل النهروان وبقاياهم وحوشا مسعورة تتلذذ ببقر البطون وقتل الناس، فترى بعد تعريف كل واحد
1 - الجرثومة لغة الأصل.
(437 (1/443)
صفحة 444
منهم) زائغ مبتدع (وإن كان صحابيا مجاهدا، وما هي بدعته؟ إنها لم تكن إلا قوله: لا حكم إلا الله، ومتى كان هذا القول بدعة وضلالة؟ وأنت أيها القارئ الكريم قد رأيت قول علي وابن عباس بل وقول
أبي موسى وهو أحد الحكمين ذاته
1
تلفيق التهم بهؤلاء الصحابة ومن بقي منهم
من ذلك وأخطره استغلال لفظة (الخوارج) في غير محلها، فهي تسمية أطلقها عليهم الإمام علي بن أبي طالب لتمييزهم ممن بقي عنده، ولم تكن تلك سبة وإلا لما استخدمها أهل النهروان أنفسهم، فخروجهم من جيش علي حقيقة تاريخية، ولا عيب فيها، فهي رفض لفكرة التحكيم التي ثبت فشلها عمليا ولم يقبل نتيجتها حتى الإمام علي، فهو خروج سياسي، ولكن المؤسف أن يتجرأ عليهم اللاحقون من أهل الأهواء، الذين لم يسلم من تزويرهم أحد حتى من لحق من أئمة المذاهب فألفوا الأحاديث في شتمهم، وتحذير الأمة منهم كالحديث المكذوب على الإمام الشافعي وأنه أخطر من إبليس، وغيره من أئمة المذاهب الإسلامية، في الوقت الذي تؤلف فيه الأحاديث لإطراء المتهاونين في دينهم المقصرين فيه، رغم ورود أحاديث صحيحة تقذعهم كقوله صلى الله عليه وسلم في معاوية لا أشبع الله بطنه، أولئك الذين لم
1 - صحيح مسلم ج 4 ص (2010) برقم 2604 وكذلك ج 2 ص 1114) برقم 1480. (1/444)
صفحة 445
يسلموا إلا فرقا من السيف، قبيل انتقال الرسول الكريم إلى الرفيق الأعلى بعد أن أوسعوه هجاء بأشعارهم وقتالا بسيوفهم، لقد صور بعض هؤلاء مثلا بأنه كان من كتبة الوحي رغم أنه كان من الطلقاء الذين أسلموا عام الفتح؛ فأي وحي هذا الذي كتبه؟! لقد كانت حملة مسعورة لتشويهه الحقائق في أذهان العامة، وتحوير التاريخ، وما أعظم الفرية على رجال من أهل بدر وبيعة الشجرة ومن ماثلهم في الفضل والشرف حتى سمى خروجهم لإقامة حكم الله خروجا من الدين، وما التطاول على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج من الدين إلا طامة كبرى، ومصيبة عظمى تقذف بقائليها في المهالك، وهي تهمة لم يقم عليها الدليل، ولا تسندها الحجة، وهل يكون اعتزال الفتنة خروجا من الدين، في الوقت الذي لا يعد اغتصاب الخلافة من الخليفة الشرعي المنتخب خروجا من الدين؟.
2
ومن ذلك التشويه المعتمد أيضا تأليف القصص في وحشية أهل النهروان وسذاجتهم، وقتلهم للمسلمين في الوقت الذي يعتذرون لأهل الخنازير عن قتل خنازيرهم، وهذه القصص منتشرة في كتب التاريخ وأغلبها كذبها هو أوضح ما فيها!، ولو سلمنا جدلا بصحتها فإن تصرف البعض (إن صح (لا يدل على الكل، ومن الغباء والظل
سحب
خطأ فرد أو أفراد على الجماعة كلها، والله تعالى يقول ولا
تزر وازرة وزر أخرى * ويقول كل نفس بما كسبت رهينة *
6
(439 (1/445)
صفحة 446
وإلا فمن الحمق والغباء أن يأتي حاقد ليحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطاء بعض الصحابة، كما فعل خالد بن الوليد وآخر لعله أسامة بن زيد، الذين تبرأ الرسول صلى الله عليه وسلم مما فعلا مباشرة فقال صلى الله عليه وسلم اللهم إني أبرأ مما مما صنع خالد، من رواية
البخاري، وقال للآخر: ماذا تقول للا إله إلا الله إذا جـ
القيامة
من رواية مسلم
•
اءت يوم
أليس من الظلم اليوم أن ننسب الحركات المتطرفة في بعض الدول الإسلامية التي تقتل الناس من غير جرم اكتسبوه، أليس من الظلم أن ننسبها إلى المذاهب الإسلامية التي ينتمون إليها أصلا فنقول هؤلاء شافعية أو مالكية مثلا رغم أنهم يبرأوون من أفعالهم؟!! فهذه بتلك
ريخ النجدية والصفرية وأمثالهم
بعد مجزرة الصحابة بالنهروان، تم تتبع من بقي من الناس الذين يمتون إلى هؤلاء فكرا، في كل أرض لإبادتهم، وتزعمت هذه الحملة بطبيعة الحال الدولة التي خرج ضدها هؤلاء واقرأ إن شئت أفعال زياد بن أبيه فيهم؛ ويكفيك أنه كان يصلب نسائهم عرايا، فكانت هنالك ردة فعل مجرمة لدى بعض هؤلاء فأفتوا بشرك مخالفيهم؛ فاستحلوا دماءهم وأموالهم وحرموا مناكحتهم، كالنجدية أتباع نجدة بن عامر
1 - نشأة الحركة الإباضية للدكتور عوض خليفات ص (64)، وقد ذكر المصادر
(440 (1/446)
صفحة 447
الحنفي أهل اليمامة الرياض (حاليا)، ومثلهم الأزارقة أتباع نافع بن
الأزرق، والصفرية أصحاب زياد ابن الأصفر، وما كان من بقية أهل النهروان الثابتين على الإنصاف إلا أن أعلنوا البراءة منهم وذلك مدون في ما كتبوه وحفظته كتب التاريخ فلتراجع كتب الإباضية في هذا لأن قولهم حجة عليهم، وهذا سر تسمية هؤلاء البغاة للإباضية بالقعدة، أي أنهم قعدوا عما سولته لهم أنفسهم بأنه جهاد، وما هو إلا ردة فعل للانتقام من كل المسلمين، وهو شبيه بما يحدث في كثير من بقاع العالم الإسلامي اليوم. إن الإباضية يبرأون على كل حال من كل إنسان لوث يده متعمدا
بدماء المسلمين الطاهرة الزكية، أو استحل دمائهم، أيا كان، فالناس عند الله محاسبون بأعمالهم لا بأنسابهم.
•
الأعجب في الأمر أن تجاهلا عظيما وغضا للطرف يجري عما
صنعه معاوية ومن جاء بعده، وقد ذكرنا مقولة الحسن البصري فيه وتقتيله لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والصالحين من الأمة، والأخبار الموثوقة في هذا كثيرة مؤلمة؛ فمنها ما رواه ابن جرير الطبري وابن الأثير واللفظ له، في قتل معاوية لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد (وكان سبب موته أنه كان قد عظم شأنه عند أهل الشام ومالوا إليه لما عنده من آثار أبيه ولغنائه في بلاد الروم، ولشدة بأسه، فخافه معاوية وخشي منه، وأمر أثال النصراني أن يحتال في قتله، وضمن
(21) (1/447)
صفحة 448
له أن يضع عنه خراجه ما عاش!، وأن يوليه جباية خراج حمصـ فلما قدم عبدالرحمن من الروم دس إليه ابن اثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه، فشربها، فمات بحمص، فوفى له معاوية بما ضمن له) فهل معاوية مستثنى من قوله تعالى: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا أما الأحاديث التي وردت في فضائل معاوية فارجع
عظيما
6
1
للحافظ الذهبي في (سير أعلام النبلاء) لتعلم بطلانها
المناظرة بين ابن عباس وأهل النهروان
الصحابي عبدالله بن عباس انتدبه علي ابن أبي طالب لمناظرة أهل النهروان، وتختلف المصادر هاهنا فمنها ما يقول ومنها ما
1 - ابن جرير الطبري في تاريخه ج 3 ص (202) وابن الأثير في الكامل ج 3 ص (453) وهو الذي قتل الحسن بن علي بالسم بواسطة زوجته ولما بلغه موته كبر هو ومن عنده من أهل الشام وهو الذي دس على الاشتر النخعي فقتله بالسم في طريقه إلى مصر وهو الذي أرسل بسر بن أرطأه إلى اليمن فهاجم واليها عبيد الله بن العباس فلم يجده في منزله وخرج له ولداه طفلان
فذبحهما بسكين كانت عنده.
2 - الحافظ الذهبي في) سير أعلام النبلاء) ج 3 ص (132)، وارجع للأحاديث الثابتة في صحيح مسلم التي تقدح في معاوية ج 4 ص (2010) برقم 2604 وكذلك ج 2 ص (1114) برقم 1480، وكذلك شربه للخمر في مسند الإمام أحمد بسند رجاله رجال مسلم ج ص (347)، أما إذا أردت تفصيلا للموضوع، ولتعلم الذين عناهم الحديث [الله الله في أصحابي] وغيره في هذا الباب، فارجع إلى دراسة الشيخ حسن السقاف في تحقيقه لكتاب " دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه " لابن الجوزي ص 235) إلى (243) الطبعة الثالثة
(442 (1/448)
صفحة 449
يقول حجوه، وقد ذكرنا ما رواه الطبري من مقولة ابن عباس في التحكيم، فرأيه رأي أهل النهروان والمصادر الإباضية تورد رسالة شديدة اللهجة من علي إلى ابن عباس ومما يقوله فيها (وقد بلغني عنك أنك تقول: ((بعثني علي إلى قوم لأخاصمهم فخصموني بما كنت أخصم به الناس ()، فلعمري لئن كنت تعلم أني قتلت الخوارج ظلما وماليتني على قتلهم، ورضيت به، فأنت شريكي في قتلهم، وإن كنت تضمر لي أمرا وتضهر خلافه، فلقد شقيت في الدنيا والآخرة ... ) ثم تذكر المصادر الإباضية جواب ابن عباس لعلي، وبه تفصيل للمناظرة، وما تم فيها، وحجج الفريقين واضحة ولا يهم أين وردت وإنما المهم قوة الحجة ونصاعة البرهان، في أي مصدر كانت، وأنت تعلم الآن أن من أهل النهروان من هو لا يقل فضلا عن ابن عباس بل هنالك من أطول منه صحبة وقد شهد بدرا. وقد أشار الطبري إلى اقتناع ابن عباس برأي أهل النهروان في قوله: (فدخل علي الكوفة، ونزلوا بحوراء، فبعث إليهم عبدالله بن عباس، فرجع ولم يصنع شيئا، فخرج إليهم علي فكلمهم حتى وقع الرضا بينه وبينهم ("""، فقوله (فرجع ولم يصنع شيئا (لا يحتاج إلى شرح، ومما يدل على اقتناع ابن عباس بما
1 - لقد نقل الرسالتين بكاملهما الدكتور محمد صالح ناصر في كتابه "منهج الدعوة عند الإباضية" فلتراجع هناك، وكذلك ذكرت المناظرة وأجوبة الطرفين في العقود الفضية في الأصول الإباضية لسالم بن حمد الحارثي ص (50) إلى (59) وقد ذكر مصدرها.
2 - الطبري ج 3 ص (114).
({{r} (1/449)
صفحة 450
ذهب إليه أهل بدر والسابقين من أصحاب رسول الله من أهل النهروان، هو اعتزاله للفتنة ورجوعه إلى مكة المكرمة وقد ترك العمل الذي وكله به ابن عمه علي بعد أن اتهمه بالاختلاس وحاشا ابن عباس عن ذلك ولكنها الفتنة العمياء والوشاية المغرضة، التي أوقعت بينه وبين علي كما أوقعت بين علي والصحابة من أهل النهروان من بعد، وقد كتب ابن عباس إلى علي (أما بعد فقد فهمت تعظيمك مرزاة ما بلغك عني أني رزئته من أهل هذه البلاد، فابعث إلى عملك من أحببت فإني ظاعن عنه والسلام)، ولو كان ابن عباس يرى بطلان رأيهم لما وسعه ترك قتالهم، وقد فعل ذلك أبو موسى الأشعري فرحل من الشام إلى مكة
المكرمة 20.
الأحاديث التي صرفت ظلما في أهل النهروان
لنفرض جدلا أن أهل النهروان كانوا على خطأ في اجتهادهم للخروج من زمرة جيش الإمام علي، واستخلافهم إماما جديدا، هل فعلهم هذا كاف للحكم بخروجهم من الملة وإن صلوا وصاموا؟! وهل في ذلك دليل على أن تبقى ذرياتهم خارجة عن الدين إلى يوم القيامة؟! لا أظن أن عاقلا يتبنى هذا الزعم غير المنطقي، ومع ذلك فلقد لويت
1 - ابن الأثير، " الكامل " المجلد الثالث
الطبري ج 3 ص (113).
کريم (1/450)
صفحة 451
أعناق كثير من الأحاديث، واستغلت في معرض القدح في أهل النهروان، وهي كثيرة ومتفرقة في المساند، ولكن معانيها مجتمعة لا تخرج عن ما في الأحاديث التالية:
أن أبا سعيد الخدري قال بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسما أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم فقال يا رسول الله اعدل فقال ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل فقال عمر يا رسول الله ائذن لي فيه
فأضرب عنقه فقال دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته. صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى رصافة فما يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى نضيه وهو قدحه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر ويخرجون على حين فرقة من الناس، قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتي به حتى
نظرت إليه على نعت النبي صلى الله عليه وسلم الذي نعت
رواية البخاري.
(445 (1/451)
صفحة 452
يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن
قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة. رواية البخاري
بعث علي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهبية فقسمها بين الأربعة الأقرع ابن حابس الحنظلي ثم المجاشعي وعيينه بن بدر الفزاري وزيد الطائي ثم أحد بني نبهان و علقمة بن علاثة العامري ثم أحد بني كلاب فغضبت قريش والأنصار قالوا يعطي صناديد أهل نجد ويدعنا، قال: إنما أتألفهم فأقبل رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناتئ الجبين كث اللحية محلوق فقال اتق الله يا محمد، فقال: من يطع الله إذا عصيت أيأمنني الله على أهل الأرض ولا تامنوني، فسأله رجل قتله أحسبه خالد بن الوليد، فمننه، فلما ولى قال إن من ضيئني في هذا أو في عقب هذا قوم يقرءون لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وفي رواية أخرى قتل ثمود. رواية
البخاري. عن عصام عاصم بن كليب عن أبيه قال كنت جالسا عند علي رضي الله عنه فقال إني دخلت على رسول الله صلى الله عليه
(446 (1/452)
صفحة 453
وسلم وليس عنده أحد إلا عائشة رضي الله عنها، فقال: يا ابن أبي طالب كيف أنت وقوم كذا وكذا، قال: قلت الله ورسوله أعلم قال قوم يخرجون من المشرق يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية فمنهم رجل مخدج اليد كأن يديه ثدي حبشيه. رواية أحمد
يخرج من أمتي قوم يسيئون الأعمال يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، قال يزيد: لا أعلم إلا قال: يحقر أحدكم عمله من عملهم يقتلون أهل الإسلام فإذا خرجوا فاقتلوهم ثم إذا خرجوا فاقتلوهم ثم إذا خرجوا فاقتلوهم فطوبى لمن قتلهم وطوبى لمن قتلوه كلما طلع منهم قرن قطعه الله عزوجل فردد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين مرة أو أكثر وأنا أسمع. رواية
أحمد
كيف استغلت هذه الأحاديث
أولا: أضيف إلى بعضها شروح الرواة، ونظراتهم الخاصة، وهي تسخير بين لمراد الحديث، مثل) حتى نظرت إليه) لمناصرة طائفة على أخرى، فهي ليست من صلب الحديث، وإنما هي
-
- إن صحت - دعوى فريق ليبرر موقفه، ولا تقبل لفض خصام، وسيأتيك البيان ببراءة الصحابة أهل النهروان من ذلك.
(447 (1/453)
صفحة 454
ثانيا: ذو الثدية، صوره بعض المتهورين ظلما على أنه هو حرقوص بن زهير السعدي، الذي لم يبن على دليل، بل هو من الكذب المعارض للدليل البين، والحجة الساطعة، وإليك البيان:
حرقوص بن زهير السعدي الصحابي المفترى عليه
إن الجرأة على فاتح الأهواز حرقوص بن زهير على أنه ذو
الثدية، لهو من الكذب على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأولا: لم يرد في أي من الصحاح ولو إشارة واحدة على أن ذا الثدية كان حرقوص بن زهير السعدي، مع أن كتب الصحاح لم تدون
إلا بعد النهروان، ومؤكد أنها ستشير إليه اسما لو صح الخبر
وإنما هذه الفرية من تلفيقات المأجورين الحاقدين على أهل
النهروان.
ثانيا: لقد ذكرنا مكانة حرقوص عند عمر رضي الله عنه، واختياره له من بين الصحابة لنجدة المسلمين، وفتح الأهواز، ونحن نعلم
مدى دقة عمر في اختيار قادته؟!، فكيف يستعين عمر على الجهاد وهو ذروة سنام الإسلام برجل ذلك شأنه وتلك علامته التي يزعمون؟ وهل سيفعل ذلك عمر عن جهل وهو صاحب الفراسة، خصوصا وأن عمر هو الذي هم بقتل ذي الخويرة
في بعض الروايات
•
،
(448 (1/454)
صفحة 455
ثالثا: كيف يتسامح الصحابة في بقائه بينهم، وقيادته لهم، حتى يوم
النهروان وهو هذا شأنه؟
رابعا: يخرج من ضئضئه أي من نسله ومعدنه وحرقوص لم يكن من نسل ومعدن ذي الخويصرة.
خامسا:
الحديث يذكر أنه أسود اللون، وإن كان لون البشرة ليس
بنقيصة، فإن حرقوص عربي من بني سعد جزيرة العرب، ولم
يكن إفريقيا.
فلمصلحة
من
يشوه البعض صور عظماء هذه الأمة من الصحابة
الفاتحين الذين ماتوا من أجل أن تحيا الخلافة الراشدة، وفي المقابل نرى دفاعا مستميتا عن من أنزل الله فيه قوله: * ومنهم من عاهد الله لأن
آتانا من فضله لنصدقن ..
نظرة تحليلية للأحاديث
الأحاديث تذكر أن هؤلاء القوم صفاتهم كالتالي:
1. يأتون في آخر الزمان.
2. يخرجون على فرقة من الناس
•
3. يخرجون من المشرق؛ وانظر إلى حديث [اللهم بارك لنا في شامنا
وفي يمننا]، لتعرف هذه المنطقة! الحديث في البخاري في كتاب
(449 (1/455)
صفحة 456
الجمعة وفي كتاب الفتن، وسنن الترمذي في كتاب المناقب، وعند
أحمد في مسند المكثرين من الصحابة.
4. يقرؤون القرآن ولا يجاوز تراقيهم.
ه. يسيئون الأعمال فمثلا يكفرون المسلمين ويسارعون إلى إخراجهم
من الملة
6. يقتلون المسلمين ويتركون عبدة الأوثان.
وما يمكن أن يتناسب من هذه الأوصاف مع أهل النهروان ثانيها، وهو أنهم يخرجون على فرقة من الناس، وهي تنطبق ليس عليهم أنفسهم وإنما تنطبق على كل فرق الفتنة: أهل الجمل وأهل صفين، أما الأوصاف الباقية فهي لا تتناسب معهم إطلاقا للأسباب التالية:
تذكر أنهم يأتون في آخر الزمان، وأهل النهروان لم يكونوا فـ
آخر الزمان. تذكر أنهم يتركون قتال أهل الأوثان، ويقتلون أهل الإسلام، وأهل النهروان قد قتلوا وهم على مصاحفهم، بينما قد قاتلوا أهل الأوثان بشهادة الجميع، ويكفي أن منهم من قاتل مشركي قريش في معركة بدر الكبرى، ومنهم فاتح الأهواز، وقادة الأجناد في فتوح العراق. (1/456)
صفحة 457
ثبت أن معاوية وعمرو بن العاص قاتلوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل ولقد قتل جيش معاوية عمار بن ياسر الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار من رواية البخاري. فلماذا ينصرف الخروج على عبدالله بن وهب وقومه ولا ينصرف على معاوية وقومه وكل له شرف الصحبة، بل صحبة أولئك أطول؟!
لا غرابة أن يسمي الإمام أهل النهروان بالخوارج ليميزهم عن جيشه، ولكن الغرابة أن تستغل هذه التسمية بعد ذلك لهوى في الأنفس للمز هؤلاء الصحابة بالخروج عن الدين، وبين الخروجين فرق شاسع.! فلماذا مثلا يطلق لفظ الخوارج على هؤلاء الصحابة اليوم بينما لم يطلق هذا الوصف على أم المؤمنين عائشة ومن معها من الصحابة ساعة خروجهم على علي في موقعة الجمل؟ ولماذا يكون أولئك مجتهدين مأجورين في اجتهادهم وأهل النهروان مجتهدين مأزورين؟ فما هو مقياس الحكم هاهنا؟
لماذا يتجرأ البعض على هؤلاء الصحابة بالفسوق من الدين لأن عليا قاتلهم، وفي نفس الوقت يترحمون على معاوية وعمرو الذين ثبت قتالهم للمسلمين وخروجهم على علي وقتلهم لعمار بن
(451 (1/457)
صفحة 458
ياسر؟!، وقد ذكرنا قول الرسول صلى الله عليه وسلم في معاوية ونقلنا قول الحسن البصري فيه، وكذلك تسمية عمرو بن
العاص بالفاسق والغادر من ألسنة الصحابة كابن عباس وأبي
موسى
الأشعري
ثبت أن القرآن كان يصدع أكباد هؤلاء القوم من الصحابة والتابعين، وينير قلوبهم، هربوا من اتباع الهوى واطرحوا زهرة الحياة الدنيا، راغبين فيما عند الله، وشوهد من مخالفيهم من كان لا يصل القرآن إلى لسانه فضلا عن الحنجرة، فالأولى بالأهواء والبدع تارك القرآن ومخالفه.
نحن نعلم أن هؤلاء القوم كانوا يناصبون الدولة المغتصبة للخلافة العداء، فمن هذا الذي يتوقع أن يسكت إعلام الأمويين الهادر عن تشويه صورهم وتضليل سبيلهم؟ وهل من تشويه أكبر من لي أعناق الأحاديث - في وقت كثر فيه الوضع على رسول الله صلى
الله عليه وسلم – ضد هؤلاء الذين كانوا يريدون للخلافة الراشدة أن تعود؛ تلك التي كان عليها الصديق والفاروق يشهد العدو والصديق على نزاهة أهل النهروان وبعدهم وأنفتهم عن الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولن يضير الصحابي عبدالله بن وهب الراسبي ولا غيره ما يقوله عنه أولئك
1 - ابن جرير الطبري في تاريخه ج 3 ص (113)، وكذلك عند غيره في أحداث سنة 37 هـ.
(452 (1/458)
صفحة 459
الذين لا يأبهون بالكلمة وأثرها على أنفسهم عند الله، وقد ثبت ود الإمام علي لهم بعد تحكيم الحكمين تعترف بصحة رأيهم وسلامة منهجهم ومنها هذه عند الطبري (بسم الله الرحمن الرحيم من علي أمير المؤمنين، إلى زيد بن حصين وعبدالله بن وهب ومن معهما من الناس. أما بعد، فإن هذين الرجلين اللذين ارتضينا حكمهما قد خالفا كتاب الله، واتبعا أهواءهما بغير هدى من الله، فلم يعملا بالسنة، ولم ينفذا للقرآن حكما، فبرئ الله ورسوله منهما والمؤمنين! فإذا بلغكم كتابي هذا فأقبلوا فإنا سائرون إلى عدونا وعدوكم، ونحن على الأمر الأول الذي كنا عليه. والسلام) 10.
من صفات المذكورين في الحديث: يقرؤون القرآن لا يجلوز تراقيهم فهم وبكل وضوح منافقون، وقد شهد الإمام. لأهل النهروان وبعد قتاله لهم بأنهم ليسوا منافقين كما روى ذلك ابن أبي شيبة "2"
لقد ثبت أن الإمام علي قال (لا تقاتلوا الخوارج من بعدي) أي الخارجين عن جيشه، ولو كان هؤلاء هم الخارجين عن الدين لما وسعه أن يسقط عنهم القتل، خصوصا وأن الرسول الكريم يقول
1 - الطبري ج 3 ص (117).
2 - نص الرواية عند ابن أبي شيبة في المصنف 37942 (1/459)
صفحة 460
في حق الفئة التي ستخرج عن الدين فإذا خرجوا فاقتلوهم ثم إذا خرجوا فاقتلوهم ثم إذا خرجوا فاقتلوهم فطوبى لمن قتلهم
وطوبى لمن قتلوه
فكيف بعد هذا يتجرأ بعض اللاحقين، وبتعصب أعمى، ليتهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل النهروان بالخروج من
الدين؟!
التاريخ الإسلامي
ــدة
إننا نؤمن بأن التاريخ الإسلامي من بعد الخلافة الراش تشويه كثير من الأقلام المأجورة، التي لم تتحرج حتى عن الكذب على
رسول الله صلى الله عليه وسلم لتنصر رأيها، أو الاتجاه السياسي الذي تناصره، ولقد ذكر بعضهم في مقدمات كتبهم أنهم كتبوا ما كتبوا بناء على طلب الوالي أو الخليفة أو الوزير الفلاني، واسمع إلى المبالغات في الألقاب التي يهيلونها على هؤلاء الساسة والتي تصل إلى حد الغلو، فهل يتصور عاقل أن المدون في هذه الكتب سيكون فيه ما يسئ إلى صاحب الطلب؟! (ولقد حفظ التاريخ أخبارا كثيرة شاهدة على ذلك، لعل أولها الحملة التي قادها معاوية بن أبي سفيان بنفسه وجند لها جنوده، من محدثين وقصاصين، ليصنعوا مناقب لبعض رجال الصحابة يقابلون بها
(454 (1/460)
صفحة 461
سيرة الإمام علي بن أبي طالب ومناقبه، وهذا أمر مشهور نقله (علـ بن محمد المدائني) مفصلا في كتاب " المغازي والسيرة النبوية "، ونقل عن الإمام محمد الباقر بتفصيل أقل وأوجزه (نفطويه) و (الطبري)
و (ابن الأثير) بجلمة أو بجملتين .. وبهذا حمل التاريخ صورا دخيلة عليه، وبتأثير مباشر من السلطة
•
ومن تلك الأخبار ومن أكثرها دلالة، ما هو واضح جدا في مغازي الزهري، والزهري قد حدث بنفسه أن أمير مكة خالد القسري قد أمره بكتابة المغازي والسيرة، قال: فقلت له: إنه يمر بي الشيء من سيرة علي بن أبي طالب فأذكره؟ قال: لا إلا أن تراه في قعر الجحيم! فإذا قرأت الآن مغازي الزهري - وقد جمعها عبدالرزاق في
مصنفه - رأيته حريصا على تلك التعليمات كل الحرص) وإذا وجد أحدهم متنفسا بين الأسطر تراه يذكر شيئا من الحقيقة ثم ما يلبث أن يدمغها بحكم جائر من عنده ليوافق هوى السلطات الجائرة، فترى أحدهم يتخبط أيما تخبط عند كتابة الوقائع وتدوين الأحداث، فمثلا يبدي إعجابه بورع ونزاهة أبي حمزة المختار بن عوف الشاري وعدله وإنصافه بين الناس بعد طرده لولاة بني أمية والذين يذكر مخالفتهم لشرع الله لأنه يدون ما يدونوه في الدولة العباسية مثلا التي تتلذ بذكر مساويء
1 - مجلة المنهاج، بيروت، العدد الرابع – السنة الأولى - شتاء 1417 هـ، منتدى المنهاج،
ص (263).
(003) (1/461)
صفحة 462
الأمويين، ثم إذا ذكر قتل بني أمية لهم يقول (وطهر الله الأرض من فتنتهم (لأن السلطة الجديدة أيضا ترى هؤلاء أهل فتنة لأنهم لا يقرون بشرعيتها، واسمع إلى ابن خلدون في مقدمته إذ يقول: (وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا وسمينا، ولم يعرضوها على
أصولها، ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلوا عن
الحق، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط) ""
مثال على الاضطراب في رواية أحداث النهروان
يروي الكثير من مؤرخي تلك الحقبة أن أهل النهروان عندما قاتلهم أشياع علي كأنهم قيل لهم موتوا فماتوا، وأن علي بن أبي طالب
قال لجيشه (والله لا يقتل منكم عشرة، ولا يبقى منهم عشرة) فيزعمون أن ذلك كان، ولكن العجب أنهم يروون أن الخوارج انقسموا
من بعد ذلك إلى فرق كثيرة تصل إلى اثنتي عشرة فرقة وتزيد في أحيان أخرى، ونحن نتساءل: من أين أتت هذه الفرق إن كان الناجون لا يزيدون على عشرة؟ ثم إن الاضطراب يبلغ أقصاه عندما يذكرون
1 - ابن خلدون، المقدمة، ص (9 و 10).
2 - د. حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام ج 1 ص (175)، الفخري ص (118 و 119) (1/462)
صفحة 463
حربهم
لمعاوية (بشهر زور) سنة 41 هـ، فهزموا جيشه حتى أخذ يستغيث بأهل الكوفة لنجدته فمن أين خرج هذا الجيش الذي استطاع هزيمة معاوية فلا مناص لمن يحترم عقله أن تكون الحقيقة كامنة في أحد
أمرين:
الأول: كذب المؤرخين، فعدد القتلى ليس كما وصفوا، وكلام علي الذي
أوردوه مختلق
•
الثاني: أن دعوة هؤلاء القوم كانت تأسر ألباب الناس فتنتشر بين المسلمين انتشار النار في الهشيم، فيكثر عددهم بسرعة رغم الحصار المفروض عليهم، ولا يوجد عاقل يظن أن المسلمين مغفلين يركضون وراء كل ناعق، فكيف إذا كان المؤرخون يصورون الخوارج على أنهم رعاع ليسوا بأصحاب حجة؟!
أمثلة على الخلف الصالح من أهل النهروان
لقد بقيت من أهل النهروان بقية، وأعجب بفكرهم الكثير من الناس، وعليك أن تتصور ما كانت عليه دولة بني أمية – إلا في لمحات من الدهر – من بعد عن منهج الله، وقتل لعباد الله، فخرج عليها هؤلاء مطالبين بالعودة إلى ما كان عليه السلف الصالح، فضربوا أروع الأمثلة للتضحية في هذا السبيل، وقد سلب أدبهم الراقي ألباب الأدباء والمفكرين في هذا العصر، فكتبوا مقرضين له معجبين بشجاعتهم في ذات الله،
(457 (1/463)
صفحة 464
وليس هذا المجال مجال تفصيل، وإنما سنذكر مثلين من هؤلاء الأعلام، ومن أراد الاستزادة فعليه بكتب التاريخ والأدب قديمها وحديثها:
ندر من يجرؤ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في عهد عبيدالله بن زياد الذي لا يوجد مؤرخ إلا يذكر فسقه، واستخفافه بدماء المسلمين، ولكن هذا هو عروة بن أدية يقف بين يديه؛ وكان عبيدالله في رهان فقال له (خمس كن في الأمم قبلنا فقد صرن فينا أتبنون بكل ريع آية تعبثون • وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون * وإذا بطشتم بطشتم جبارين. فلما سمع ابن زياد ذلك ترك رهانه، واضمر لعروة الشر، فهرب، غير أن ابن زياد تمكن من القبض عليه وقتله!!، وبعث ابن زياد ألفي رجل على رأسهم ابن حصن التميمي لقتال أبي بلال أخي عروة، فهزمهم أبو بلال وهو في أربعين رجلا!، وفـ ذلك يقول
الشاعر:
أألفا مؤم
ا زعمتـ
ويقتل
سهم بأس
ك أربعون
كذبتم ليـ
س
ذاك كمـ
ولكـ
ــن الخـ
وارج مؤمنون (1/464)
صفحة 465
ما
الفئ
القليل
د علمت
الفئة الكثـ يرة ينصرون
فمتى كان إنكار المنكر خروجا لا يرضاه الإسلام؟! وإذا لم يكن فينا من الخير ما ندافع به عن القائمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أفلا نكف ألسنتنا عن شتمهم
يزيد بن عبدالملك خليفة المسلمين!! حكم ديار الإسلام أربع سنوات اشتهر باللهو والخلاعة والتشبيب بالنساء، شغف بجاريتين إحداهما حبابة والأخرى سلامة، وقد غنت حبابة يوما:
تراقي واللـ هاة حرارة
ا تطمئ ن ولا تسـ
نس
برد
فطرب يزيد السكران ثم قال: أريد أن أطير! فقالت له حبابة: فعلى من تدع الأمة؟ قال: عليك؛ فخرج بعض خدمه وهو يقول: سخنت عينك فما أسخفك!. وكان موتها سبب
بيـ
1 - الطبري ج 6 ص (175).
(459 (1/465)
صفحة 466
موته، فقد اعتل بعدها ولم يظهر للناس، ولم يدفنها أياما جزعا عليها، ومات بعدها بأيام قلائل!
فكان قائد تحرير مكة والمدينة من أيدي هؤلاء المتهتكين أبو حمزة المختار بن عوف الشاري يقول: أقعد حبابة عن يمينه وسلامه عن يساره، ثم قال: أريد أن أطير، فطار إلى لعنة الله
وأليم عقابه
فمن أولى هذين بأن يعاب، وهل يعد تغيير المنكر على الفسـ غشما وخروجا عن الإسلام؟!
قة
الحاجة إلى موسوعة تاريخية إسلامية
إن التاريخ الإسلامي يحتاج إلى قراءة منصفة، تعيد كتابته وتصفيته، خصوصا اليوم بعد أن تبين للجميع كيف تلصق بالكثير من الأحزاب والاتجاهات تهم هي منها بريئة براءة الذئب من دم يوسف عليه
السلام.
كتابة التاريخ الإسلامي، كثيرا ما تأثرت بعوامل أقواها إرضاء السلطات، والخوف من القمع، وغالبا ما تكون الاتجاهات المذهبية و الفكرية هي المنطلق لأغلب من دون للأحداث وخصوصا أحداث
1 - المسعودي، مروج الذهب، ج 3 ص (175)، الفخري ص (118 و 119).
€ 17. > (1/466)
صفحة 467
الفتن، وهذه طامة عانى منها الإسلام كثيرا، والمخرج في نظري
المتواضع يكون:
أولا في توعية الناس بخطورة تكفير المسلمين وتضليلهم من غير حجة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، وتنبيههم لسقطات
المؤرخين التي لم ينج منها إلا من رحم الله.
ثانيا على كل من أراد الخوض في غمار أحداث التاريخ الإسلامي وغيره أن يضع نصب عينيه قوله تعالى: و يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين وقوله صلى الله عليه وسلم: كفي بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع رواية مسلم. ثالثا: إننا نستصرخ أعلام الأمة من الؤرخين أن يجتمعوا من كل مذهب إسلامي يشاركهم في ذلك أساطين علوم الحديث النبوي الشريف ليدونوا موسوعة للتاريخ الإسلامي، قوامها تقوى الله، ليس هدفها إرضاء الأذواق، ولا نصرة مذهب على آخر، ولا تشويه التاريخ الإسلامي، وإنما إخراج الحقائق ناصعة بينة، الأحاديث النبوية بها ثابتة، والأخبار موثقة. ينبهوا على الفتن، وخطورة الخوض فيها، بل ويستخلصوا منها العبرة والدرس كي لا يقع اللاحق في ما وقع فيه السابق، وبهذا نكون قد استفدنا من سودنا
(11) (1/467)
صفحة 468
لأخبار الفتن التي وفعت بين المسلمين. إننا لا ندعو مطلق لتشويه تاريخ الأمة فهو ميراثنا الحضاري، ولكننا ننادي بإنصاف
كل من ظلمه كتاب التاريخ، فتحقيق كثير من المسلمات التاريخية الخاطئة سيكون له أثره الفاعل في العمل على وحدة صف الأمة المسلمة، ونحن نعلم أن يختبئ في أعطاف الأمة من لا يريد
ذلك!.
الخاتمة
السلامة
الفتنة التي قامت بين أصحاب رسول الله كانت فتنة عمياء، ذهب ضحيتها الكثير من المسلمين، وكانت نتيجتها القاسية ذهاب الخلافة الراشدة وقيام الملك العضوض، إن خوضنا نحن اللاحقين في غمار هذه الفتنة، لنصوب أو نخطئ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لهو ضرب من المخاطرة، وسعي في طريق دامس الظلام، وا السكوت والبعد عن تضليل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، عملا بقوله عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام: لا تسبوا أصحابي لا تسبوا أصحابي فلوا أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، والخطر الإعظم هو في تضليل تلك الكوكبة المخلصة التي اعتزلت الفتنة على جسر النهروان من أصحاب رسول الله صلى الله
462 (1/468)
صفحة 469
عليه وسلم، والذين كان فيهم من أهل بدر ومن أهل بيعة الشجرة،
فأقاموا دينهم، وماتوا على مصاحفهم
•
وإن كان منا من يرى معاوية مجتهدا وله أجر في اغتصابه للخلافة من سيدنا علي بن أبي طالب وتحويلها إلى ملك عضوض يتوارثها الأمويون من بعده؛ فأحرى بهم أن يعذروا الصحابة الآخرين
الذين نافحوا لتبقى الخلافة الراشدة حية زاهرة، وإنه لمن الحيف بمكان
أن نحكم بأهوائنا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
إن المسلم الحصيف هو من يشغل نفسه بما يقربه من الله زلفى،
ويتدبر ما يسمع، فيعمل بأحسنه، ولا يخوض في ما ليس له به علم. أيها المسلمون إن وصفنا للواقع الإسلامي بأنه مؤلم لهو تبسيط ومواساة لأنفسنا لما نحن فيه من ضياع، إن الحكمة تقتضي أن نبحث عن ما يؤلف الصف ويوحد الكلمة؛ فنعمل على إشاعته، ونعترف بالخلاف وحتميته، فكفانا فرقة وشتاتا * ولا تنازعوا فتفشلوا
وتذهب ريحكم
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب
(463
•
إليك (1/469)
صفحة 470
الملحق الثاني
ابن تيمية وقوله في الإمام علي
من المفارقات أن من أثار هذا الموضوع هو أحد الحشوية الوهابية، الذين أحيوا فكر ابن تيمية الحراني، ومما قاله لي أنه له الإمام علي وأنا لي حرقوص!، وهذا أمر مضحك فإمامة الحراني قد تكلم في حق الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بما لا يليق، وقد خطأه في سبعة عشر موضعا يرى أنه خالف فيها نص الكتاب، وقال
هم
عنه: إنه كان مخذولا، وإنه قاتل للرئاسة لا للديانة وقد ذكر ذلك كتابه المنهاج """ ومما قاله) وليس علينا أن نبايع عاجزا عن العدل عليا ولا تاركاله، فأئمة السنة يسمون أنه ما كان القتال مأمورا به ولا واجبا ولا مستحبا ويقول ولا أدري أعظم ذنبا من رأى أنه أريق به دم ألوف مؤلفة من المسلمين، ولم يكن في قتلهم مصلحة للمسلمين لا في دينـ ولا دنياهم بل نقص الخير عما كان وزاد الشر على ما كان) وابن تيمية لا نثق برأيه فهو متخبط في أغلب أمره، وهذا افتراء على الإمام علي وتهجم عليه، وهو في قوله الأخير هذا لا يقول ما يقوله إلا دفاعا عن جيش معاوية من أهل الشام الذين بغوا على الخليفة المبايع فقاتلهم الإمام علي تنفيذا لحكم الله سبحانه وتعالى بعد أن أبوا الانصياع إلى الحق لقوله
1 - ابن تيمية، منهاج السنة النبوية ج 2 ص 203 و 204).
(464 (1/470)
صفحة 471
سبحانه فقاتلوا التي تبغي، ولكننا ذكرنا ذلك ليرى القارئ الكريم
*
مدى التخبط الذي يعمه في هؤلاء القوم، وكيف يفلح في أقواله وأفعاله
من أذنه الله بالحرب بسبب عدائه لأولياء الله؟ وآخر دعوانا أن الحمد الله
رب العالمين
رجب 1418 للهجرة المباركة.
(170) (1/471)
صفحة 472
الظروف السياسية لنشأة الفرقة الإباضية
تعتبر دراسة الفرق الإسلامية موضوعا مهما ضمن مواضيع الفكر الإسلامي، وذلك لما له من تأثر ولا يزال في حياة المسلمين سواء من قريب أو من بعيد، وبصفة مباشرة أو غير مباشرة كما ينبغي النظو إلى هذا التاريخ بكل أحداثه وبكل مخلفاته على أنه ملك للمسلمين عامة، وأنه تراث حضاري يشكل ذاكرة مشتركة لهم يجب الاعتزاز بها، لتكون دراسته على أسس علمية محضة، بدون أحكام مسبقة عنها، وبذلك يتسنى أكثر الوصول إلى النتائج الصحيحة، وتكون الاستفادة منها
والبناء عليها لمواصلة درب الحضارة.
((1
ظروف ظهور جماعة النهروان
إن النزاعات الخطيرة التي وقعت بين المسلمين في عهد الخليفة
الثالث عثمان بن عفان قد تسببت في تقسيم المسلمين إلى فئتين كبيرتين: 1 - فئة علي بن أبي طالب وأنصاره.
2 - فئة معاوية بن أبي سفيان وأنصاره.
إذ تطورت الأحداث إلى أن التقى الفريقان في معركة صفين سنة
36 هـ، وكان أن توقفت الحرب قبل نهايتها إثر رفع جيش معاوية
للمصاحف مناديا بتحكيم كتاب الله تعالى
(466 (1/472)
صفحة 473
وإثر هذا الحدث وقع خلاف في جيش علي بسبب قبول التحكيم أو
عدمه، وبالتالي توقفت الحرب، وافترق الجيش وخرجت منه جماعة
اتجهت إلى حروراء حيث لم ترض بتوقيف الحرب وتحكيم الرجال وتروي لنا المصادر التاريخية المفاوضات التي وقعت بين هذه الجماعة التي أصبحت تحمل اسم أهل النهروان – نسبة إلى المدينة التي
نزلوا بها - وبين الإمام علي ومبعوثه عبدالله بن العباس.
•
إذ نفهم من روايات المبرد بأن الإمام علي بواسطة مبعوثه ابن عباس استطاع إقناع أهل النهروان بأنهم على خطا وضلال، وأنه يلزمهم العودة إليه والدخول تحت طاعته، في حين نجد المصادر
الإباضية تروي عكس ذلك. فا الشماخي في سيره يخبرنا أن أهل النهروان أقنعوا ابن عباس بعد مفاوضات طويلة بصحة موقفهم وأنهم على حق فيما ذهبوا إليه، بل أكثر من ذلك حيث يلزم من الإمام علي نفسه الانضمام إليهم وذلك لكونه قد أسقط على نفسه الإمامة بقبوله ما يسفر عليه الحكمان.
وأمام تضارب هاتين الروايتين يبقى معرفة الموقف الحقيقي والصحيح مرتبط بعدة قضايا تاريخية أخرى تزامنت أو تلت هذه الحادثة ولعل ما نتعرض إليه لاحقا يعتبر جزء من ذلك
وفي موضوع تسميتهم يذكر لنا المبرد أن الإمام علي هو الذي سماهم بالحرورية لاجتماعهم بحروراء، كما أطلق عليهم فيما بعد اسم
(467 (1/473)
صفحة 474
المحكمة لما أصبحوا يحملون شعار " الحاكمية الله لا حكم إلا الله "
وينادون بها في المساجد
وتوالت الأحداث حتى ظهرت نتيجة التحكيم، التي خلع بموجبها الإمام علي فرأى أهل النهروان أن الإمامة قد سقطت من أعناقهم وأنه يلزمهم تولية إمام جديد عليهم، وبعد استشارات بينهم في تقديم الرجل
الأنسب لهذه المهمة العظيمة ولو عليهم عبد الله بن وهب الراسبي
إذ أن هذه الشخصية لها مكانة علمية وروحية عند أهل النهروان، وهذا ما نجده مذكور عن مصادر السنة وكذا الإباضية فيقول المبرد عنه:
" وكان عبدالله بن وهب ذا رأي وفهم ولسان وشجاعة ويصفه المؤرخ الإباضي الدرجيني في طبقاته قائلا: [فبايعوه وكان ذا رأي
وحزم ودين وعلم، وقع به الائتلاف وارتفع في أيامه الاختلاف، فلـ يزل يقول بالحق، ويحكم بالعدل ويلطف بالرعية ويقسم بالسوية حتى قبض رحمه الله] "، وبعد أن فشلت المفاوضات بين الطرفين اضطر لمقاتلتهم في وقعة النهروان سنة 38 هـ، ولم يبق منهم إلا عددا صغيرا تفرق في الأمصار المجاورة خاصة البصرة والكوفة
• (1/474)
صفحة 475
(2) مناقشة تسمية أهل النهروان بالخوارج فى تاريخ إطلاق التسمية عليهم
أما عن أصل مصطلح الخوارج ومن كان أول من تلفظ به وأطلقه على أهل النهروان فإن هذا لم يكن تحديده واضحا، فمصادر التاريخ الإسلامي تذكر أهل حروراء - كما سماهم الإمام علي - وهم أهل النهروان باسم الخوارج إثر تفرقهم عن جيش علي مباشرة، دون أن تشير كيف كان ظهور هذا المصطلح الجديد ثم كيف كان إطلاقه عليهم ومن كان وراء ذلك
ولكن ما يمكن أن يفهم من رواية المبرد أن هذه التسمية لم يكن ظهورها إلا بعد مناقشة الإمام علي لهم قبل وقعة النهروان وذلك عندما قال: " أنتم الحرورية لاجتماعهم بحروراء " فهذه الرواية دالة أن تسمية الخوارج ما زالت لم تطلق عليهم، وإلا ما استفسر عما يسميهم
وبذلك نستطيع أن نحضر تاريخ إطلاق هذه التسمية عليهم فنقول أنها كانت بعد سنة 37 هـ عندما كانت المفاوضات بين أهل النهروان والإمام علي جارية لمحاولة إرجاعهم إلى بيت الطاعة
ولعل ذلك التصلب الذي أبداه أهل النهروان في موقفهم
وإصرارهم على ما ذهبوا إليه كان من الأسباب المباشرة لإطلاق هذه
التسمية عليهم.
(219) (1/475)
صفحة 476
ب)) وقفة مع الأحاديث النبوية في موضوع الخوارج
أما أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الواصفة للخوارج مثل قوله صلى الله عليه وسلم: سيماهم التحليق يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، علامتهم رجل مخدج البدن فإن هذه الأحاديث لم تعين أهل النهروان بذاتهم وإنما أتت واصفة لهؤلاء القوم وهذه الأوصاف يمكن أن تنطبق عليهم وعلى غيرهم فكل من كانت صفاته تلك، فهو
الخوارج.
عداد
ويبقى السؤال المطروح: لماذا اقتصر إطلاق هذا المصطلح على جماعة النهروان دون غيرها؟ رغم وجود من خرج قبلهم عن الإمام أمير المؤمنين أمثال حزب معاوية، وحزب طلحة والزبير وعائشة
وقبلهم القبائل المتسببة في قتل الخليفة عثمان.
إذ كل هؤلاء حملوا السلاح وأسالوا دماء المسلمين وأثاروا الفتن في الدولة الإسلامية، وربما حجم فتنهم أكبر من فتنة أهل النهروان
بالكثير
•
وقبل كل هذا لماذا لم تطلق هذه التسمية على من أنكر جزء من
الدين الإسلامي؟ وهم مانعوا الزكاة، فمن المعلوم أن إنكار جزء من
الدين يخرج عن الملة ويعتبر صاحبه كافرا كفر شرك
أما
•
عن الأوصاف التي اشتمل عليها الحديث، خاصة قول
الرسول صلى الله عليه وسلم: يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم
فإن من باب الموضوعية والصدق مع النفس لا يصح إطلاق هذه (1/476)
صفحة 477
الأوصاف على أهل النهروان الذين فيهم من شهد بدرا وفيهم كثير من الصحابة، وكونهم جزء من جيش علي، بل من خيرة جنده كما وصفهم هو بذاته، أنهم من الكفر هربوا، عندما سئل عنهم، وكما وصفهم المبرد: (والخوارج في جميع أصنافها تبرأ من الكاذب ومن ذي المعصية الظاهرة). وإلا كيف يقبلهم الإمام علي ضمن جنوده إذا كانت فيهم تلك الأوصاف وأن تحولهم بمجرد خروجهم على سلطة علي أمر غير منطقي ولا معقول، مع كون خروجهم على أساس فهم للنصوص
الشرعية.
ج) نتائج مستخـ ة من التحليل السابق
إذا بعد هذا التحليل حول إطلاق تسمية الخوارج على أهل
النهروان يمكن استخلاص ما يلي:
1
إن هذه الأحاديث الواردة في موضوع الخوارج يمكن مناقشة متونها أن ثبتت صحة أسانيدها، فالمتن يمكن أن يقدح في صحة
الحديث، كما هو معروف على مصطلح الحديث، خاصة الأحاديث التي وردت في مواضيع الفتن باعتبار أن الصراعات السياسية كانت على أشدها، والنزاعات بلغت ذروتها، فليس من
الصعب على متعصب أو حاقد وضع مثل هذه الأحاديث وإسنادها إلى الثقات
(471 (1/477)
صفحة 478
عند افتراض ثبات هذه الأحاديث وصحتها متنـ ندا يبق التساؤل مطروحا، لم خص بهذه التسمية هذه الجماعة دون غيرها؟ رغم ما ظهر في التاريخ الإسلامي قبلهم وبعدهم ممن
ــف
ارتكب من الفتن والحروب ما يفوق أعمالهم بأضعاف مضاعفة إن الصفات المذكورة في الحديث لا يعقل أن تنطبق على أهل النهروان الذين فيهم الصحابة والتابعين والذين شهد بتقاهم وصلاحهم العدو قبل الصديق، ولكونهم لم يقوموا بأعمال عنـ أو تكفير للمسلمين سوى خروجهم الذي كان على اجتهاد فهم، وعلى أساس شرعي. وإن من قام بالعنف ونادى بتكفير المسلمين و استحلال دمائهم وأموالهم وأعراضهم هم الذين ظهروا في الكوفة والبصرة والعراق عامة بعد معركة النهروان سنة 38 هـ، حيث لا علاقة لهم بكل ما قاموا به، فهم قد ذهبوا إلى ربهم قبل وقوع كل تلك الأحداث، بل لو كتب لهم أن عاشوا ما حدث لما ارتضوا لدماء المسلمين وأموالهم أن تستحل، لذا فإن تحميل أعمال هؤلاء لأولئك لا مبرر له، كما لا مبرر لإطلاق
تسمية أولئك على هؤلاء
فأهل النهروان هم جماعة من المسلمين كغيرهم ممن قدر لها أن تعيش أحداث فتنة المسلمين، وقد كان لها موقف فيها حسب نظرتها
(472 (1/478)
صفحة 479
واجتهادها في الحكم على الأحداث، كما كان لغيرها مواقف وآراء
وأفعال أخرى.
(2) ظهور جماعة القعدة
أصل فرقة الإباضية تحت هذا العنوان سنبين كيف كان منشأ فرقة
القعدة والتي ستصبح فيما بعد تسمى بالإباضية، وهي ذات صلة مباشرة بجماعة النهروان.
بعد إنتهاء معركة النهروان تفرق من بقى منهم في الأمصار المجاورة خاصة منها الكوفة والبصرة بالعراق، وكان ممن قصد البصرة جماعة رأت ضرورة العمل الدعوي والتزام الهدوء ومحاولة تشكيل تجمع سري، لكونهم أقلية ضعيفة في محيط سياسي يشدد الحصار على كل من لا يظهر ولاءه للحكم الأموي، ويقضي على كل من يشم منه رائحة المعارضة أو عدم الولاء، وقد تزعم هذه الجماعة في بادئ الأمر أبو بلال مرداس بن جدير التميمي الذي يعتبر من كبار الشراح عند الإباضية، حيث تروي لنا المصادر الإباضية وكذا السنية أخباره مع عبد الله بن زياد القائد الأموي، الذي لم يستطع القضاء عل جماعته إلا أثناء الصلاة في قرية ((آسك)) سنة 61 هـ وقد اتسمت مرحلته بمحاولة تشكيل هذه الجماعة ووضع الأسس الأولية لها
(473 (1/479)
صفحة 480
واستقطاب بعض الشخصيات إليها. وفي نفس الوقت شهدت ملاحقات
ومتابعات ومضايقات من السلطة الأموية
وبعد وفاة أبي بلال تولى الزعامة السياسية عبد الله بن إباض،
،
الخليفة مع
ومما ترويه لنا المصادر أنه كان ذا صلة برؤساء الخوارج من نافع بن الأزرق وغيره، كما له اتصالات مع السلطة الأموية خاصة عبدالملك بن مروان، وقد ترك لنا التاريخ تلك الرسالة التي بعث بها إليه، يشرح له فيها موقفه من الاحداث والفتن
كما تذكر لنا المصادر أن عبدالله بن إباض وفي اجتماع مع رؤساء الخوارج أعلن إنفصاله عنهم عندما اختاروا العنف والخروج لمحاربة السلطة واستحلال دماء المسلمين والحكم عليهم بالشرك وكان
ذلك سنة 64 هـ
•
ومن الراجح أن إطلاق تسمية القعدة عليهم كان أثر هذا الموقف
الذي اختاره زعيمهم، وهي تعني قعودهم عن حمل السلاح وانتهاج سبيل العنف وعدم خروجهم للحرب مع الآخرين
وإن هذا الموقف المتخذ يعتبر تحولا كبيرا ونقطة انعطاف هامة
في مسيرة هذه الجماعة حيث انتهجت لنفسها منحنى خاصا أصبح يميزها عن غيرها من الفرق الأخرى، خاصة منها فرق الخوارج وما وقعت
فيه من أعمال عنف وتقتيل
•
(474 (1/480)
صفحة 481
ولعل الذي لم يستطع تفهمه أكثر المؤرخين لهذه الحقبة ولم
يستطع تقبله البعض الآخر منهم! هو هذا المنعطف الذي سجله رجال القعدة بمواقفهم وبأقلامهم، حيث لم يشاركوا الخوارج فيما ذهبوا إليه،
بل نجد زعيمهم عبدالله بن إباض يعلن براءته صراحة من نافع بن الأزرق واتباعه في تلك الرسالة التي بعث بها إلى الخليفة الأموي
عبدالملك بن مروان.
وبذلك لم يبق لهم ما يجمعهم بالخوارج ولا بتلك الأعمال التي أنكرتها عليهم كل الفرق الإسلامية ثم أصبح لها بمرور الوقت إدارة مستقلة وأنظمة قادرة تسعى لتنظيمها وتحديد وجهة نظرها من الأحداث
الجارية آنذاك وكيفية التعامل معها.
وإن الملاحظ في كتب التاريخ السنية هو الجهل التام بهذا التحول في مسيرة الحركة، وعدم تعرضها إلى هذه الأحداث الخاصة بهذه الفرقة، فتصنفها ضمن فرق الخوارج، وتنسب لها ما تنسب لغيرها من
الفرق كالأزارقة والنجدية دون أي تمييز
ولعل مما ساعد على ذلك، كون هذه الجماعة – أي القعدة – تعتمد السرية في كل تحركاتها ونشاطاتها دون العلن، لهذا لم يكن من السهل التعرف على اتباعها ولا رجالها ولا أعمالها. ومما زاد الطين بلة ما قام به كتاب المقالات من بعد، حيث نقلوا أسماء لفرق
هو
(475 (1/481)
صفحة 482
وأشخاص، ونسبوا لها آراء سياسية وفقهية وعقدية ثم نسبوها لهذه
الجماعة ثم صنفوها من فرق الخوارج.
وإذا عذر الأقدمون في وقوعهم في هذا الخلط لكون المصادر غير موجودة أو صعبة المنال، فإن المحدثين لم يبق لهم أي حجة في الوقوع في مثل الأخطاء السالفة أو تكرار وترديد ما جاء به الأولون، حيث كل وسائل البحث ومصادره بين أيديهم، وبأيسر تكلفة يمكن لهم الحصول
عليها
(4) الإمام جابر بن زيد
الزعيم الأول للقعدة
تعتبر المصادر الإباضية أن جابر بن زيد الأزدي العماني هو المؤسس الحقيقي لهذه الفرقة والواضع لمنهج سيرها، حيث انظم إلى جماعة أبي بلال عند مجيئه إلى البصرة رغم أن أبا بلال يعتبر أول
مؤسس لها
كما تروي لنا المصادر أن كلا من أبي بلال وعبدالله بن إباض كانا يصدران في أمورهما عن توجيهات جابر بن زيد، ومن الواضح أن المكانة العلمية لجابر هي التي خولته ليكون الإمام والقائد الموجه والمدبر، ولقد انتهج في نشر دعوته العلم السري والتستر حتى لا تتمكن
أيادي السلطة الأموية من الوصول إليها والقضاء عليها في مهدها
(476 (1/482)
صفحة 483
كما اعتمد كذلك على استعمال التقية الدينية، فكان يخفي انتماءه
أصحابه أن يحافظوا على السرية. ولعل من الصور التي تجلت ويوصي
فيها هذه التقية هي تلك العلاقات التي كانت تجمع جابر بن زيد بالحجاج، إذ كانت له زيارات دورية له في قصره، وقد بلغت ثقة الحجاج به إلى أن عرض عليه القضاء، لكن الإمام جابر رفض ذلك. وإن هذه التقية كانت سببا في نسبة المذهب إلى عبدالله بن إباض دون
جابر بن زيد
ومن الأسئلة التي يطرحها دارسوا تاريخ الإباضية هي: لماذا لم
ينسب المذهب إلى جابر بن زيد مع كونه هو المؤسس الحقيقي له لدى الإباضية، ونسب إلى إبن إباض؟
إن لهذا التساؤل عدة تبريرات، واتخاذ جابر للتقية من أهم التبريرات، فلم يعلم من غير اتباع الحركة أنه ينتمي إليها، وكان
معروفا بأنه محدث وفقيه تولى التدريس والافتاء بالبصرة فقط.
أما عبدالله بن إباض الذي نسبت إليه الفرقة فقد تولى التمثيل السياسي، ودافع عنها، وكانت توليته لهذا المنصب لما أوتي من قوة المناظرة والمحاججة، كما أنه ينتمي إلى قبيلة قوية آنذاك وهي قبيلة بني
تميم والتي تولت حمايته، مما قد يلحقه من السلطة الأموية.
({VV > (1/483)
صفحة 484
الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي الزعيم الثاني للقعدة
بعد وفاة الإمام جابر بن زيد سنة 93 هـ تولى الإمامة من بعـ تلميذه أبو عبيدة، وواصل السير على نفس خطى أستاذه، ملتزما بمبدأ الدعوة السلمية والسرية. ولأبي عبيدة كذلك مكانة علمية معتبرة فهو التلميذ الأكبر لجابر بن زيد ولازمه طوال حياته وروى عنه ه أحاديث كثيرة وكان عضده الأيمن في كل شؤون تسيير الجماعة، لذا فقد اكتسب خبرة كبيرة من أستاذه زودته بالتجربة الكافية لتحمل المسؤولية مباشرة بعد وفاته.
كما شهدت الدعوة في عهده تنظيما داخليا محكما بإنشاء مجالس للعلماء والأعيان والعامة، كل يقوم بدوره في المحافظة على الدعوة وتدعيم قواعدها وتنظيم صفوفها، هذا ما جعلها تشهد انتشار أسرع في عهده وتصل إلى مناطق بعيدة عن قلب الدعوة إلى البصرة بالمشرق، حيث تولى تكوين الدعاة في معهده الذي هو عبارة عن سرداب تحت الأرض يتظاهر فيه بصنع القفاف وهو يلقي على طلبته دروسه في العلوم الشرعية والفكرية المختلفة
ثم يبعث بهم بعد نهاية التكوين الذي يستمر لعدة سنوات إلى
المشرق والمغرب لنشر الدعوة هناك، حيث أيادي السلطة بعيدة
وضعيفة، وبالإمكان التحرك والنشاط أكثر.
(478 (1/484)
صفحة 485
فيرجع إليه الفضل في إيصال ونشر الدعوة الإباضية إلى
حضرموت وعمان بالمشرق وإلى ليبيا وتونس والجزائر بالمغرب. فيما يخص المغرب كان ذلك على يد البعثة العلمية التي تخرجت علي يده سنة 140 هـ بعد أن مكثت بالبصرة خمس سنوات، من سنة
135 هـ إلى 140 هـ، في تلقي العلم في معهده وهؤلاء الخمسة معروفون عند الإباضية بحملة العلم إلى المغرب وهم: أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح، عبد الحر بن رستم، عاصم السداراتي، إسماعيل بن درار الغدامسي وأبو داؤد القبلي.
وبعد وصولهم المغرب أقاموا الإمامة الأولى بطرابلس سنة 140 هـ وكان إمامها أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح ودامت أربع سنوات ثم سقطت سنة 144 هـ على أيدي العباسيين، ثم أقاموا الإمامة الثانية بتيهرت سنة 160 هـ ودامت إلى سنة 296 هـ وكانت نهايتها على أيدي الفاطميين.
وبهذا أكون قد أتيت على عرض وتحليل ظروف نشأة فرقة الإباضية منذ أن كانت جزءا من جيش الإمام علي في وقعة صفين إلى أن أصبحت فرقة ثم مذهبا مستقلا له تواجدت إمامات في المشرق
والمغرب.
(479 (1/485)
صفحة 486
نتائج
بعد العرض الماضي لنقاط البحث يمكن أن نستخلص مجموعة نتائج متمثلة فيما يلي:
إن أهل النهروان لم تكن لهم صلة بالخوارج الذين اعتمدوا العنف والتقتيل والاستحلال، فهم جماعة من الصحابة والتابعين كغيرهم، خرجوا من جيش الإمام علي بناء على اجتهاد شرعي، رأوا فيه الصواب وليس اتباعا للهوى، لذا لا وجود لمبررات علمية تسمح بإطلاق تسمية الخوارج عليهم ... إن فرقة الإباضية كان منشؤها بعد معركة النهروان وهـ منفصلة عن فرق الخوارج ولم تشاركهم في أعمال العنف والتقتيل والتكفير وأعلنت براءتها من تلك الأعمال منذ بدايتها
•
إن فرقة الإباضية كانت جذورها بالبصرة بزعامة الإمام جابر بن زيد ثم نمت وانتشرت في المشرق والمغرب على يد الإمام أبـ عبيدة، ومع مرور السنين أصبحت مدرسة ومذهبا إسلاميا كغيره من المذاهب بآرائه المتكاملة
بقلم قاسم بن الشيخ بالحاج احمد الري بقا دانه الجزائر (1/486)
صفحة 487
قم
انتهي
المالي
والحمد لله رب العا لي
تحرير الجزء الأول من هذه المسالك
وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يعينني على تحرير الجزأين الثاني والثالث ليكون تكملة للمطلوب ويتضمن الأحكام والمعاودي والنكاح والمعاملات والجنايات
والله الموفق على
كل خير
(481) (1/487)
صفحة 488
56
الصفحة
1
21
23
31
33
35
1
39
12
46
فهرست
القسم الأول
شهادة أن لا إله إلا الله ومتعلقاتها
المسلك
مقدمات
مقدمة الكتاب للمؤلف
التعريف بالإباضية
المسلك الأول: أساس الدين
المسلك الثاني: شروط الإسلام والإيمان
المسلك الثالث: التوحيد
المسلك الرابع: الإيمان بالأنبياء والملائكة
المسلك الخامس: الإيمان بالموت والبعث والحساب والجنة
والنار
المسلك السادس: الخوف والرجاء
المسلك السابع: الإيمان بالقضاء والقدر
المسلك الثامن: في نفي رؤية الباري جل وعلا
المسلك التاسع: خلق القرآن
: ?
48 (1/488)
صفحة 489
الصفحة
59
11
74
77
A.
84
87
88
11
102
105
1.A
112
116
المسلك
المسلك العاشر: في الميزان والصراط والحساب والشفاعة
المسلك الحادي عشر: الخلود في الجنة والنار المسالك الثاني عشر: الختان وأحكام الأقلف
المسلك الثالث عشر: الولاية والبراءة والوقوف
المسلك الرابع عشر: أحكام الكفر والشرك
المسلك الخامس عشر: في المخالفين وأحكام الملل الست
المسلك السادس عشر: الأدلة الشرعية المعروف بأصول
الفقة
المسلك السابع عشر: تفسير القرآن الكريم
المسلك الثامن عشر: الحديث
المسلك التاسع عشر: في الخوارج
المسلك العشرون: في العلم
المسلك الحادي والعشرون: حملة العلم
المسلك الثاني والعشرون: الفقه والتأليف
المسلك الثالث والعشرون: الإمامة والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر
المسلك الرابع والعشرون: في الجهاد في سبيل الله
المسلك الخامس والعشرون: حماية الدين
(EAT > (1/489)
صفحة 490
الصفحة
119
124
المسلك
المسلك السادس والعشرون: في الحقوق
المسلك السابع والعشرون: في كبائر الذنوب والتوبة منها
(484) (1/490)
صفحة 491
الصفحة
130
136
12.
143
155
159
162
172
167
170
174
فه من القسم الثاني إقام الصلاة وشروطها
المسلك
المسلك الأول: النية وفيه قواعد مهمة المسلك الثاني: أدب قضاء الحاجة
المسلك الثالث: النجاسات
المسلك الرابع: تطهير النجاسة
المسلك الخامس: الوضوء
المسلك السادس: غسل الجنابة
المسلك السابع: التيمم ونواقض الوضوء والتيمم
المسلك الثامن: الحيض والنفاس
المسلك التاسع: البقعة الصالحة للصلاة
المسلك العاشر: لباس الصلاة
المسلك الحادي عشر: استقبال القبلة
المسلك الثاني عشر: الأوقات
المسلك الثالث عشر: الأذان والإقامة
(485 (1/491)
صفحة 492
الصفحة
178
182
186
191
194
198
204
209
215
219
223
229
236
239
المسلك
المسلك الرابع عشر: التوجيه وتكبيرة الإحرام
المسلك الخامس عشر: الدخول في الصلاة وأحكام القراءة
والاستعاذة والبسملة
المسلك السادس عشر: في الركوع والسجود والتحيات
والتسليم
المسلك السابع عشر: سجود السهو والتلاوة
المسلك الثامن عشر: نواقض الصلاة
المسلك التاسع عشر: صلاة الجماعة
المسلك العشرون: في صلاة السفر
المسلك الحادي والعشرون: صلاة الجمعة
المسلك الثاني والعشرون: صلاة المريض والخائف على
نفسه
وماله
المسلك الثالث والعشرون: صلاة العيدين والتراويح
المسلك الرابع والعشرون: الوتر والسنن المؤكدة وغير
المؤكدة
المسلك الخامس والعشرون: أحكام تجهيز الميت
المسلك السادس والعشرون: الصلاة على الميت
المسلك السابع والعشرون: الدفن
• EAT > (1/492)
صفحة 493
المسلك
المسلك الثامن والعشرون: عذاب القبر
المسلك التاسع والعشرون: فرض الصلاة وقصة المعراج
الصفحة
244
247 (1/493)
صفحة 494
فهرس
القسم الثالث
الزكاة
المسلك
الصفحة
المسلك الأول: التعريف بالزكاة ودليل فرضها وعلى من
251
تجب
المسلك الثاني: فيما يجب إخراج الزكاة منه والدليل عليه المسلك الثالث: فيما يجب فيه العشر من الزكاة
المسلك الرابع: فيما يجب فيه ربع العشر المسلك الخامس: زكاة الغنم
المسلك السادس: في زكاة الإبل والبقر والجواميس المسلك السابع: في أسنان الإبل والبقر والغنم
المسلك الثامن: الأصناف التي تعطى الزكاة المسلك التاسع: زكاة الفطر وتقديم الزكاة قبل وقتها المسلك العاشر: الركاز ومعادن الأرض ولؤلؤ البحر
المسلك الحادي عشر: في التشديد على السؤال على منع الزكاة
والتشديد
254
257
260
262
264
267
270
274
278
282 (1/494)
صفحة 495
فهرست
القسم الرابع
الحوم والإيمان والكفارات
المسلك
المسلك الأول: في أقسام الصوم ومعناه ودليل وجوبه المسلك الثاني: في فضل شهر رمضان وصيامه وفضل ليلة
القدر
الصفحة
287
291
المسلك الثالث: في وجوب الصيام والإفطار وفضل السحور 294
المسلك الرابع: المفطرات
المسلك الخامس: صيام النقل والأيام التي يحرم صيامها
المسلك السادس: الإعتكاف
المسلك السابع: النذور
297
301
305
311
317
320
المسلك الثامن: الأيمان
المسلك التاسع: الكفارات
المسلك العاشر: الإستثناء في الأيمان
(489 (1/495)
صفحة 496
فهرسن
القسم الخامس
الحج والذباح والمشروبات والمأكولات وذكر الله
الصفحة
324
328
339
346
355
363
369
377
384
المسلك
المسلك الأول: في دليل وجوب الحج والعمرة المسلك الثاني: الخروج إلى الحج وعلى من يجب
المسلك الثالث: في الواجب من مناسك الحج وغير الواجب
وفي الإحرام
المسلك الرابع: ما يجوز للمحرم فعله وما يجب عليه تركه
المسلك الخامس: دخول مكة والطواف والسعي
المسلك السادس: عرفة والمزدلفة ومنى المسلك السابع: في الهدي والجزاء والضحية
المسلك الثامن: حج الحائض ووداع البيت وزيارة الرسول صلى الله عليه وسلم
المسلك التاسع: في الحرم الشريف وتفسير ما به من مناسك
وفضل المساجد الثلاثة
المسلك العاشر: في الذبح والنحر
(11.) (1/496)
صفحة 497
الصفحة
390
394
399
403
407
611
422
464
المسلك
المسلك الحادي عشر: في كيفية الذبح والنحر المسلك الثاني عشر: ما يحل من الحيوان وما يحرم
المسلك الثالث عشر: في الصيد والإصطياد
المسلك الرابع عشر: في المشروبات من الخمر والنبيذ
المسلك الخامس عشر: في أدب الطعام والشراب
المسلك السادس عشر: في فضل الذكر والدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
موقعة النهروان وأهواء المؤرخين
ملحق ابن تيميه وقوله في الإمام علي
(691) (1/497)
صفحة 498
مطبعة الألوان الحديثة ت: 562276 (1/498)
صفحة 499
[صفحة فارغة] (1/499)