صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: فقه
------------------------------------------
العنوان: المعتمد في فقه الصلاة دليلك الموثق وكتابك المنهجي على آراء الشيخين الجليلين أحمد بن حمد الخليلي وسعيد بن مبروك القنوبي
المؤلف: المعتصم بن سعيد المعولي
شارك في المراجعة: سعيد بن مبروك القنوبي - إبراهيم بن ناصر الصوافي - ماجد بن محمد الكندي - أفلح بن أحمد الخليلي
الناشر: د.ن
مكان النشر: [مسقط]
تاريخ النشر: د.ت
الطبعة: 4 (مزيدة ومصححة)
------------------------------------------
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 28 شعبان 1446ه/ 27 - شهر 02 - 2025م. و كل قول مخالف الكتاب والسنة
فَهُوَ مَن دُود و إن جل قائلُهُ، وَمَا وَافَتَهُمَا هُوَ الْمُعْتَصَد"
وما دَل عَلَيْهِ الكتاب أو السنة
الإمام الخليلي
فهوَ القَولُ الصَّحِيحُ الرَّاجح الذي ينبغي للإنسان الأبعد عنه أَبَدًا.
إمام السنة والأصول (1/1)
صفحة 2
الإهداء
إلى مشايخ العِلْم الأَجلاء، العالمينَ العَامِلِينَ، الَّذِيْنَ أَفْنَوْا أَعْمَارَهُمْ عِلْمًا وَعَمَلاً، فَقْهَا وَدَعْوَةً وَصَلاحًا ... إلى طَلَبَةِ العِلْمِ المُتَعَطِّشِينَ لِلْمَعْرِفَةِ، المُسْتَرْشِدِينَ لِلصَّوَابِ ... إِلى وَالِدَيَّ العَزِيزَيْنِ، اللَّذَيْنِ رَبَّيَانِي صَغِيرًا ...
إِلى قُرَّةِ العَينِ، وَسُرُوْرِ القَلْبِ، وَزِيَّنَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، ابْنِيَّ الصَّغِيرِ
أَحمدَ ...
إلى شَرِيْكَ العُمُرِ، وَرَفِيقِ الدَّرْبِ، وَمُرَبِّية الأجيال
أُمِّ أَحَمدَ
أُهْدِي هَذَا الكِتَابَ (1/2)
صفحة 3
قالوا عن الكتاب
"السِنَةُ الخَلْقِ شُهُودُ الحَقِّ"
" ... تَضَمَّنَ الْمُعْتَمَ شَرْحًا وَافِيًا جَوْلاً عَنِ الصَّلاةِ دُوْنَ إِخْلَالٍ أَوْ تَطْوِيلٍ، مُتَمَيِّرًا بسلاسة الأَسْلُوْب وَانْتَقَاء المُفْرَدَات المُعَبْرَة .. إِنَّ هَذَا الكتابَ بمَا يحويه منْ مَوَاضِيْعَ وَمَعْلُوْمَات بطَرِيْقَة مَنْهَجِيَّة جَديدَة فِي العَرْضِ يُعَدُّ مَرْجِعًا قَيِّمًا وَمُفَيْدًا وَإِضَافَةٌ جَدِيدَةً فِي رصيد المكتبة الإسْلاميَّة.
د. على البيماني
رئيس جامعة السلطان قابوس
" .. يَسُرُّنَا أَنْ تُعْرِبَ لَكُمْ عَنْ وَافِرٍ شُكْرِنَا وَتَقْدِيرِنَا عَلَى هَذَا الكِتَابِ الْمُعْتَصَصُ فِي فِقْه الصَّلاة"، وَهَذه الجهود الكبيرة التي بَدَلْتُمُوْهَا في جَمْعِ مَادَّتِهِ القَيِّمَةِ، وَتَرْتِيْبِهَا بِمَنْهَجِيَّةِ يَسَّرَتْ عَلَى طَلَبَة العلْم خَاصَّةً وَجُمْلَة النَّاس بصفَة عَامَّة مَشَقَّةَ البَحْث والاستقصاء لِلْحُصُوْلِ عَلَى مَا يَحْتَاجُوْنَ إِلَيْهِ .. مُتَمَنِّينَ لَكُمْ مَزِيْدًا مِنَ النَّجَاحِ وَالتَّوْفِيقِ فِي مُؤَلَّفَاتِكُمُ
القادمة".
***
د. حمد السالمي
نائب رئيس الجامعة للشؤون الإدارية والمالية
فَتَرَفُرفُ الآمَالُ وَالأَحْلامُ
في يَوْمٍ عَيْدَكَ تَكْتُبُ الأَقْلامُ وَتَعُودُ للذِّكْرَى سُوَيْعَاتٌ لَنَا
في "دَرْسِ فِقْهِ" فِي نِقَاشِ مُثْمِرِ أَمُعَلَّمَ الجيل الجديد تحية
لَكَ يَا مُعَلِّمَ أُمَّةٍ أَحْلَى الهَنَا
***
***
***
***
منبر فيه الدُّرُوسُ تُقَامُ
تَجَلَّى لِلنُّهَى إِسْلامُ
مني إِلَيْكَ مَحَبَّةٌ وَسَلامُ
وَلَكَ التَّحَايَا دَائِمًا وَسَلامُ
د. علي بن هلال العبري
هذه المادة منتقاة من الرسائل الخطية والبريدية والهاتفية التي وصلت الكاتب بعد صدور الطبعة الأولى من الكتاب. (1/3)
صفحة 4
وَقَد اتَّخَذَ بَعْضُ الباحثينَ هَذَا البَرْنَامَجَ مَرْجِعًا رئيسيًّا لِتَدْوِيْنِ فَتَاوَى شُيُوخِ البرنامج وَضَمِّهَا فِي كتاب واحد يَسْهُلُ الرُّجُوْعُ إِلَيْهِ لَنْ بَحَثَ عَنْ فَتْوَى أَوْ عَنْ مَسْأَلَةٍ مُعَيَّنَةٍ كَمَا فَعَلَ أَحَدُ الباحثينَ في هَذَا الكتاب "المُعْتَصَم".
سيف الهادي برنامج: "سؤال أهل الذكر" أَخي المعْتَصمَ بْنَ سَعِيْد المعْوَلي يَشْهَدُ اللهُ بأَنَّكَ أبهرتنا بكتابكَ الفَدِّ أبهرتَنَا بِأَسْلُوبكَ وَجَعَلْتَنَا تُبْحِرُ بِأَنْغَامِ أَوْتَارِ كَلِمَاتِكَ، وَمَا ثَنَائِي لكتابكَ بِشَيْءٍ فَقَدْ أَثْنى عَلَيْهِ كَبَارُ الْفُقَهَاءِ وَالقُرَّاءِ وَلَكنْ كَانَ لِي الشَّرَفُ بأَنْ يَصْلَكَ رَأْي في الكتاب، وَنَتَمَنَّى أَنْ تُوَاصِلَ إِبْدَاعَاتِكَ وَبِنَفْسٍ مُسْتَوَى الطَّرْحِ الَّذِي يُلائِمُ عَصْرَنَا ..
اقْتَنَيْتُ الكِتَابَ القَيِّمَ الرَّائِعَ الْمُعْتَصَصُ وَاطَّلَعْتُ عَلَيْهِ، حَقِيْقَةً إِنَّ قَارِئَ الْكِتَابِ يَشْعُرُ بعدَى الجُهْدِ العَظِيمِ الَّذِي بَدَلَهُ مُؤَلَّفَهُ كِتَابٌ يَرْجِعُ إِلَيْهِ الْمُتَخَصِّصُ وَغَيْرُ الْمُتَخَصِّصِ، أَسْلُوْبُ عَرْضِهِ يُشَجِّعُ القَارِئَ عَلَى مُوَاصَلَة القِرَاءَة بلا تَوَقُف ..
سَلَامٌ عَلَيْكَ أَحْيْ أَبَا أَحَمَدَ وَبَعْدُ فَهَنيئًا ثُمَّ هَنيئًا ثُمَّ هَنيئًا لَكَ إِبْدَاعُكَ الْمُتَمَيِّرُ فِي الْمُعْتَصَ" فَهُوَ بِصِدْقٍ عَينُ الإِبْدَاعِ فِي كُلِّ شَيْءٍ أَسْلُوبًا وَتَبُويْبًا وَمَنْهَجًا وَتَنْسِيْقًا وَمَوْضُوعًا و ... إلخ)
وَفَّقَكَ الرَّحْمَنُ ..
كِتَابٌ جَميلٌ جِدًّا، مَلِيْءٌ بِالْفَوَائِدِ وَفِيْهِ بِحرٌ غَزِيْرٌ ..
أُبَارِكُ النَّجَاحَ البَاهِرَ الَّذي حَقَّقَهُ كتَابُكَ القَيِّمُ، مَا شَاءَ اللَّهُ، كَتَابُكَ يُعْرَضُ فِي سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ". أُبَارك لَكَ أُسْتَاذِي الفَاضِلَ أَبَا أَحْمَدَ"، كتابُكَ أَطْبَقَ الخَافِقَينِ شَهْرَةً فِي التَّدَاوُلِ شَرَاءٌ وَقِرَاءَةً .. وَأُبَشِّرُكَ أَنَّ فِي مَسَاجِدِ الحَيِّ الَّذِي أَسْكُنُ فِيْهِ، تَقَرَّرَ إِقَامَةُ جَلْسَةِ يَوْمِيَّةٍ تَحْتَ عُنْوَانَ: "قراءة في كتاب: المُعْتَمَصُ في فقه الصَّلاةِ أَرْجُوْ أَنْ تُوَاصِلَ التَّفْكِيرَ فِي تَأْلَيْف أَجْزَاءِ أُخْرَى .. شكرًا جَزِيْلاً عَلَى الكِتَابِ المَنْهَجِيِّ بِالْفِعْلِ هُوَ مُعْتَمَدُنَا .. • مُبَارَكٌ عَلَيْكَ الإِصْدَارَ الْمُتَمَيِّزَ الرَّائِعَ جَعَلَهُ اللهُ في ميزان حَسَنَاتِكَ وَنَفَعَ بكَ البلاد
والعباد .. (1/4)
صفحة 5
والصَّلاةُ
مُقَدِّمَةُ الطَّبْعَةِ الرَّابِعَةِ
الحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصَّالَحَاتُ، وبالعَمَلِ بِطَاعَته تَطِيْبُ الْحَيَاةُ وتَنْزِلُ البركَاتُ، والسَّلامُ على مِسْكِ الخِتَامِ وبَدْرِ التَمَامِ سَيِّدِنا محمَّدِ وعَلَى آلِهِ الْأَطْهَارِ مَا تَعَاقَبَ الليلُ والنَّهَارُ ... أما بعد:
فيقولُ المولى جَلَّ وعلا: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إبراهيم: 34 وإِنَّ مِنْ نعم الله عَلَيَّ -والتي لم أكُنْ أحْتَسِبُها - أنْ كَتَبَ لكتابنَا "المُعْتَصَم في فقه الصَّلاةَ" القَبول عندَ النَّاسِ فانتشر بينَ العامَّةِ والخَاصَّةِ انتشارَ النَّارِ في الهَشيمِ، حَتى أَنَّهُ لم تمض إلا أَيَّام معدُودَات حَتى بَدَأَتْ أَحَضَرُ الطَّبعةَ الرابعة من الكتاب بعد طبعَتَيهِ الأُوْلى والثَّانِيَةِ التي بَلَغَتْ نسخها (16,000 نُسْخَةِ)، أمَّا الطَّبعةُ الثَّالثةُ فكانَتْ طَبعَةً جَزَائِرِيَّةً خَاصَّةً لأَهْلِ وَادَي مِيْزَاب بعدَ إِصْرَارِهِمْ أَنْ يَكُونَ الكِتَابُ مُنتَشِرًا بَيْنَهُمْ فِي حِلَقِهِمْ وَمَجَالِسِهِمْ. وقَدْ تَسَارَعَ المجتمعُ العُماني والميزابي - بحمد الله تَعَالى - أفرادًا وَمُؤَسَّسَاتِ عَلَى اقتناء نُسَخ الكتاب بالجملة قبل المفْرَدِ ليُصبحَ الكِتَابُ - كَمَا وُصِفَ فِي كُلِّ مَحْرَابِ وَبَيْتِ ومدرسة ومعهد، بل واعْتُمِدَ معَ القُرضِ المُرْفَقِ كَمَنهَجِ لدورات فقهيَّة في الطَّهارة
والصلاة.
واليَومَ نخرِجُ الطَّبعةَ الرَّابعَةَ من كتاب "المُعْتَمَد" مزيدةً بفوائد علمية، وشوَارِدَ فقهيَّة، مصححةً عما وقعت فيه سابقاتُهَا مِنْ أخْطَاءَ فنيَّة، بمواصفات أغلى من الجودة في التجليد والخياطة لصفحات الكتاب.
وأخيرًا أسألُ اللهُ لهُ القَبول في السَّمَاءِ كَمَا كَتَبَ لهُ القَبُولَ فِي الْأَرْضِ مُتَضَرِّعًا إليه في هذه العَشِيَّةِ المباركة بقولِ شَيْخِنَا السَّالي - رَحِمَهُ اللَّهُ:
والله بالقَبُول فيها وَمِنْهُ أَرْجُو أَنْ
***
حَتى أَرَاهَا فِي غَدٍ مِنْ قَرْضِيْ
***
أبو أحمد المعولي
كُلَّ الوَرَى وَأَنْ يَتمَّ صُنْعُهَا
مسقط / جامعة السلطان قابوس (1/5)
صفحة 6
مقدمة
الحمد لله وكَفَى، وصَلاةً وسَلامًا عَلَى النَّبِيِّ المصطَفى، وعلَى آله وصحبه أهل البرّ والوفاء ... وبعد:
فإني لما رأيتُ أنه قد كثر السُّؤال مِنْ جملةِ النَّاسِ عمومًا ومن طلبة العلم خصوصاً "ما هو رأي الشيخ الخليلي في هذه المسألة؟؟ وما هوَ رَأيُّ الشَّيخِ القنوبي في تلك المسألة؟؟ " لا سيما في أول أبواب الفقه وأبسط مَسَائله (الطَّهارة والصَّلاة)، ولما ابتلي الفقه (1) فكلّفتُ بتدريس "دَوْرَةِ الفِقْهِ" لطلبة وطالبات جامعة السلطان قابوس لم أجد بُدا مع كثرة الإلحاح والتشجيع - منْ أنْ أضَعَ مُذكّرةً مختصرةً مفيدةً في فقه " الطَّهارة والصَّلاة" عَلَى آراء عُلماء العصر الشيخين الجليلين:
بي
(1) - هذه العبارة أخذتها من إجابتي لشيخنا القنوبي -يحفظه الله - في رؤيا رأيته بالمنام، وكأننا بمكتب الإفتاء، سألني أولا: ما أخبار الجامعة؟ فأجبته بحمد الله، ثم سألني وماذا تفعل أنت؟ فقلت له: ابتُلي بي الفقه، فقال وماذا عملت لهم؟ فوقع في نفسي أنه يقصد كتابي هذا- فقلت له: أعددت لهم مذكرة .. واقتبسنا فيها بعض آرائكم فتبسم و لم يقل شيئا. ولعل صمت المنام قد أظهر لي بعدها نطق الحقيقة بعد اطلاع الشيخ عافاه الله - على الكتاب وتشريفه لي بمراجعته على الرغم من كثرة أشغاله وظروفه الصحيَّة - إذ وصف الكتاب بأنه رائق وحسن جدا جدا، وأنه مفيد للعامة وغير العامة في أسلوبه، ومعلوماته، ومن تواضعه -حفظه الله- قال بأنه استفاد منه ..
- وَتَرَاهُ يُصْغِي لِلْحَدِيث بِقَلْ
به
***
سَمْعَه وَلَعَلَّهُ أَدْرَى بِهِ
- مَنْ لي بمثل مَشيكَ المُعتدل
***
تمشي الهُوَيْنَا وَتَجي فِي الأَوَّل
قلتُ: وقد رأيت في المنام قبل ذلك شيخنا الخليلي - يحفظه الله - زارنا بمسجد الجامعة فجلست لأعرض عليه كتابي، فقال: هَذَا يُطْبَعُ، فقلت له: الشيخ: قد راجعه الشيخ ماجد وسأعيده إليه ليكمل مراجعته، فقام عني وهو يقول: هَذَا يُطْبَعُ، فقلتُ: الحمد لله فهذا أثبت. (1/6)
صفحة 7
أحمد بن حمد الخليلي، وسعيد بن مبروك القنوبي -حفظهم الله تعالى؛ لتكون منهجًا سَهْلاً، وكتابًا معتمدًا، ودليلاً موثقاً.
فأيقَظْتُ الهمَّةَ النائمة وشحذتُ العزيمة الخامدة ببذل المجهود لنيل المقصودِ وذلك المفيد، الذي ما كانَ في الحسبان أن يتجاوز عدَّةَ وُريقات، تُسوَّدُ
بتحرير
هذا المختصر في أيام وساعات، ولكنْ جَرى قلمُ القَضاءِ بما يكونُ، وَسَبَقَ القدرُ أَنْ يسيل اليراعُ مِنْ غير إرادة صاحبه ليتجاوز المئات منَ الصَّفحات ويطوي كاتبه الأيام والليالي بل الأسابيع والشُّهور بدلاً عن المعدود من تلك الساعات، وذلك المعدود من تلك السَّاعات، وذلك كله في البحث عن الآراء والترجيحات وتوثيقها من الكتب المطبوعة، والأجوبة المخطوطة، والأشرطة المسموعة، والدروس المفرغة ....
فَجَاءَ هَذَا الكِتَابُ سَفْرًا جَامعًا لِجَميعِ أَبْوَابِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ بِأَسْلُوبِ مَنْهَجِي كَتَبْتُهُ لِيَكُونَ مَرْجِعًا للطَّلَبَةِ وَالمُعَلِّمِينَ في الجَامِعَةِ وَالمَعْهَدِ وَالمَدْرَسَةِ وَالمَرْكَزِ الصَّيْفِيِّ .. تجد فيه بإذن الله تعالى - المعتمد الراجح والصحيح) من آراء الشيخين حفظهم الله - موثقًا لمرجعه في أبواب وفصول، فرائد وفوائد، لطائف وحكم، مسائل
وفتاوى ...
مبتعدا فيه عن الفقهية البحتة، والعلمية الجافة عملاً بما رسخ في ذهني من قول شيخنا القنوبي - حفظه الله - موجَهَا: "لا يَنبَغِي أَنْ يَكُونَ التَّالِيفُ فِقْهِيًّا بحتا (1)، والذي رَ أَسْلُوْبٌ نَابِعٌ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ نَفْسِهِ كَمَا يقولُ شيخنا الخليلي عافاه الله (2)، ولعلك ستلحظ ذلك في ثنايا هذا الكتاب لا سيما في موضوع "فقه الفقه".
مو
(1) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 1425 هـ، 2004 م، "مذكرة خاصة / شرح أبواب من الإيضاح"،
ص 23.
(2)
2) ـ الخليلي،
أحمد
بن حمد. "الجانب الفقهي والاجتهادي في سيرة أبي نبهان مشاركة في ندوة: "قراءات في فكر
أبي نبهان" ص 142. (1/7)
صفحة 8
وقد احترْتُ في عنونته أولاً ثم ربَّحْتُ تسميته بـ"المعتصم في فقه الصَّلاة" إلى
أن وجدتُ بعد ذلك ما اطمأنت به نفْسي والشَرَحَ لَهُ صَدْرِي هَذَا العِنْوان مِن قَول الإمام الخليلي -رحمه الله- حينما أحسنَ وأجادَ مُجيبًا (الفتح الجليل/361): "وَكُلُّ
قَوْل يَخَالِفُ الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَهُوَ مَرْدُودٌ وَإِنْ جَلَّ قَائِلُهُ، وَمَا وَافَقَهُمَا هُوَ الْمُعْتَصَبُ". ولستُ أزعمُ أَنَّني - في هذا الكتاب - جئتُ بدءًا من القول في المسائل، أو أنني رجحتُ بينَ الآراء، وإنما هو جمع وبيان لرأي المشايخ حفظهم الله- في هذه الأبواب، تسهيلاً للعامة وطلبة العلم للقيام بواجب اتباع عالمِ العَصْرِ.
ولذا لا يُنكر عليَّ أنني لم أذكر الآراء الأخرى مع وجود أدلة معتبرة لها؛ لأنني لم ألتزم بذلك، فتلك لها كتب ومصنفات كثيرة لمن شاءَ الاستزادة والرجوع إليها، لذا كانَ اهتمامنا من البداية بالكيف لا بالكم وإلا لطالَ الكتاب، فهذه طريقة في الكتابة والتأليف وَلِكُلِّ وِجْهَهُ هُوَ مُوَلِيهَا. البقرة: 0148
ثم إنَّني أقولُ أبى الله أن تكون العصمة لكتاب إلا لكتابه، وما عداه ففيه النقصُ
والخلل بل العيب والزلل
تُرِيدُ مُبرَّءًا لا
فيه
ولكن ...
فَإِنْ تَجِدْ عَيْبًا فَسُدَّ الْخَلَلا
***
***
وَهَلْ عُوْدٌ يَفُوْحُ بِلا دُخَانِ
فَجَلَّ مَنْ لا غَيْبَ فِيهِ وَعَلا
ومَا حَالُ الكتاب وصاحبه إِلا كَمَا قالَ عمادُ الدِّينِ الأصفهاني: " .. أني رأيتُ أَنَّهُ
لا يكتُبُ إِنسَانُ كتابًا في يومه إلا قالَ في غَده لوْ غُيِّرَ هذَا لَكَانَ أَحْسَنُ، وَلَوْ زِيْدَ لَكَانَ
(1) ـ أعني به الإمام الرضي محمد
بن عبد الله الخليلي توفي عام 1373 هـ (1/8)
صفحة 9
يُستحسن، ولوْ قَدَّمَ هذَا لَكَانَ أفضل، ولوْ تُركَ هذَا لَكَانَ أجملُ، وهذا من أعظم العبر
وهو دليلٌ عَلَى استيلاء النقص عَلَى جملة البَشَرِ".
وقد اشتمل "المعتمد" في جملته على تمهيد للشريعة الإسلامية عموما وللفقه خصوصا، يليه القسم الأولُ في الطَّهارات، ويشمل خمسة أبواب تبدأ بباب الطَّهارة"، وتختتم بـ"بَابُ التَّيَمُّم، ثم القسم الثاني في الصَّلاة، ويشمل سبعَةَ عَشَرَ بابا تبدأ بـ"بَابُ الصَّلاةِ"، وتختتم بـ"بابُ أَحْكَامِ المَسَاجِدِ".
وقَبْلَ البِدَايَةِ
هذه نقاط أضعُها بين يديك - أيُّها القارئ العزيز - حول هذا الكتاب ومنهجيته: حاولتُ أنْ أذكرَ الرَّاحِحَ عندَ الشَّيخين - حفظهم الله - مع دليلهما الشرعي مهما وجدتُ لذلك سبيلا، وإلا اكتفيت بذكر الترجيح فقط.
الكتاب بحمد الله تعالى- تمت مراجعةُ معظم مسائله من قبل شَيْخنا القَنُّوبي -حفظه الله - لا سيما تلك المسائل المتعلقة بترجيحاته وتصحيحاته، فأضاف إليه بعض تصحيحاته ومقترحاته، ووقف عن بعضها حاليا- لمصلحة رآها في نفسه، وقام حفظه الله - كذلك بتعديل صياغة بعض النصوص المنقولة عنه.
الكتاب في أصله أكبر مما هوَ بين يديكَ حاليًّا؛ بعد أن حذف الكثير منه طلبًا للاختصار لذا لم ألتزم بذكر كل ما سمعته أو وجدته عن الشيخين -حفظهم الله، وإنما اقتصَرْتُ على الأهم منه.
• ليس للشيخين - حفظهم الله - منَ الآراء والأحاديث الواردة في هذا الكتاب إلا ما نصصْتُ فيه على الترجيح أو التصحيح معَ النسبة إليهما، وما عدا ذلك فهو زيادة مما عليه العمل حتى تكتمل منهجية الكتاب، فلينتبة لذلك. (1/9)
صفحة 10
الكتاب في جملته يتحدث عن قضايا الرأي الاجتهادية لا عن قضايا الدين التي لا يسعُ الخلاف فيها من قبل أهل الاجتهاد، أمَّا عامةُ النَّاسِ والذين لم يصلوا لدرجة الاجتهاد من أمثالنا فالواجبُ عليهم اتباعُ عالم العصر الحاضر توحيدا للكلمة وامتثالا لقوله تَعَالَى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} النساء: 083 • حرصت على التنويع في ألقاب الشَّيخينِ -حفظهم الله - للتعريف بما لمن لا يعرفها، ثم لبيان قدر العلماء وإنزالهم منازلهم، وحثّ الناس على احترام وتوقير أولي الأمر منهم، ولا قداسة إلا الله.
فإذا قلتُ مثلا: العلامة الخليلي، أو بدرُ الدِّين، أو مفتي العصر، أو إمامُ المفسرين فاعلم أنني أريدُ به سماحةَ شيخنا أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة - يحفظه الله-.
وإذا قلتُ مثلا: العلامة، القنوبي، أو محدِّثُ العَصر، أو إمامُ السُّنة والأصول، أو علامة المعقول والمنقول فاعلم أنَّني أريدُ به فضيلة شيخنا سعيد بن مبروك القنوبي -
يحفظه الله-.
• حرصت باختصار - على ذكر كلّ ما يهم القارئ المبتدئ والمتوسط والمتخصص في تنبيهات وفوائدَ ولطائف ... وما ضاق عليه المتنُ فإني وجدتُ لهُ في الحاشية متنفسًا وسَعَةً.
حرصت على عدم رواية الحديث بالمغنى، وإنما الأخذُ من مصادرها الأصلية - فالأحاديث لا تُؤخَذُ مِنْ كُتب الفقه كما هو معلوم، ثم اقتصرت في التخريج على الأصح والأشهرِ قدر الإمكان. (1/10)
صفحة 11
حرصت على مراجعة الكتاب وضبط متنه (تشكيله) وتنسيقه وترتيبه غاية
الاهتمام تسهيلاً للقارئ وتحبيبًا للطالب.
البَرْنَامَجُ الْإِلِكْتُرُونِيُّ: (CD)
هَذَا وَيُعَدُّ هَذَا المَشرُوعُ بشقيه: (الوَرَقِيِّ، والإلكترُونِي أَوَّلَ مَنهَجٍ مُتَكَامِل مِنْ نَوعِهِ يَحتَوِي عَلَى دُرُوسٍ مُفصَّلَةِ مُرتبطة بالحاسب الآلي يَسْتَفِيدُ مِنْهُ الطَّالبُ وَالمُعَلِّمُ فِي جميعِ أَبْوَابِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلاةِ فَهُوَ مَشْرُوعٌ يجمَعُ بَينَ المُنْهَجِ الدِّرَاسِي وَالوَسِيلَةِ
التعليمية.
إِذْ تَحتَوِي كُلُّ نُسْخَةِ مِنْ نُسَخ هَذَا الْكِتَابِ عَلَى قُرْصِ بِهِ بَرنَامُجَانِ: الأَوَّلُ: بَرْنَامَج بحثيٌّ تَعليميٌّ مُتَطَوِّرٌ، به خَيَارَاتُ: البَحْثَ، وَالطَّبَاعَةِ، وَالتَّصفح،
والقراءة، والاقتباس بالنَّسْخ) وَاللَّصْقِ مَعَ ضَرُورَةِ التَّوْثِيقِ بِالصَّفْحَةِ).
الثاني: بَرْنَامَجُ عُرُوضِ الشَّرائِحِ: ويحتَوِي عَلَى أَكثَرَ مِنْ 350 شَرِيحَةً تَعْلِيمِيَّةً مُدَعْمَةً بالصور التوضيحيَّة لأعْمَالِ الوُضُوءِ والتَّيَمُّمِ والصَّلاةِ .. وَمَا يَقَعُ فِيهِ العَامَّةُ مِنْ أَخْطَاء، مُقَسَّمَةً عَلَى 28 دَرْسًا هيَ جميعُ دُرُوسِ الكِتَابِ.
وَخِتَامًا
في نهاية هذه الرحلة السعيدة الممتعة، والتي قضيتها بين خمائل الكتب، والتطواف الممتعِ بين هاتيكَ الرِّياضِ الغَنَّاء، ومجالسة أولئك الأعلام الأفذاذ، والفطاحل المجتهدين، ومثاقفة تلك المؤلفات، من فقه وأصول وحديث وتفسير، ولغة ومعاجم، فقد كمل هذا الكتابُ، ونَجَزتْ هذه الرسالة، وقد مضت بما لها وما عليها ..
غير أنه لا يفوتني في ختام هذه المقدمة أن أقول كلمة حق وشكر لكل تلك الأنامل المباركة والأنفُس الزَّكَيَّة المثقفة التي كانَ لها عليَّ الفضل الكبير - بعد فضل الله
تعالى- في إخراج هذا العمل بهذه الحلة القشيبة والصُّورة النهائية الرتيبة، وإن كنتُ (1/11)
صفحة 12
لا أحصي ذكرَهُم عددًا فإني أخصُّ بالذكر منهم تلك الفئةَ المؤم من مكتب الإفتاء وعلى رأسهم الشيخ المحقِّقُ سَعِيدُ بْنُ مَبْرُوكَ القَنُّوبِيُّ على إعطائه هذا الكتاب الكثير من وقته الثمين مُراجعًا ومُناقشا ومُعلقًا.
وكذا أشكر الشيخ: إبراهيم بن ناصر الصوافي، والشيخ: ماجد بن محمد
الكندي، والشيخ: أفلح بن أحمد الخليليَّ على تفضلهم بمراجعة هذا الكتا وإبدائهم لي ما استفدْتُ به من ملاحظاتهم ومقترحاتهم القيمة.
سائلا الله
العلي القدير أنْ يُعظِم للجميعِ الأجر والمثوبة، وأنْ يتقبل هذا العَمَلَ
بِقَبُول حَسَنِ وأن يجعلَهُ خالصاً لوجهه الكريم، وشاهدًا لصاحبه يومَ الدِّينِ، وآخرُ
دعوانا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
أبو أحمد المعولي
مسقط / جامعة السلطان قابوس
4 المحرم 1430 هـ
1 يناير 2009 م (1/12)
صفحة 13
عَالِمُ العَصْرِ
قبل الحديث عن شيء من ترجمة عُلماءِ عَصْرِنا الشَّيخين الخليلي والقنوبي - يحفظُهُمُ الله - أحببتُ ذكرَ نُبذة يسيرة فيما قالهُ أهلُ العلم في ضرورة اتباعِ عالمِ العَصرِ منْ حُكْم وأدلَّة، فإليكُمُوها مختصَرَةً مُفِيدَةً ..
القولُ بوُجُوب الأخذ في العَمَل برأي عَالم العَصْرِ المجتهد هو الذي دلَّ عَلَيهِ
الكتابُ العَزيزُ في قولِهِ تَعَالَى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ
الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ
النساء: 83،
و قوله: فَسْتَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا
تَعْلَمُونَ النحل: 43، الأنبياء 7
وأترك تعليلَ ذلك لشيخ المفَسِّرِينَ - وأنقل لك كلامَهُ بفصه ونصه لما فيه من فوائد جمة- حيثُ يَقُولُ -حفظه الله - في جَواهِرِ تفسيره: " .. إِذْ لَو لَزِمَ كُلَّ أحد أنْ يستقل بفهم الدِّين لَلَزِمَ جميعَ النَّاس بلوغ درجة الاجتهاد في الفقه، فإن استنباط الأحكام الشرعية وترجيح الراجح من أدلتها يستوجب أن يجمع الإنسان فنونا من
العلم تمكنه من فهم أدلَّةِ الشَّرعِ ومقاصد التشريع بعد التمحيص وإمعان الفكر. وإطلاق لزوم الاجتهاد أو إباحته لمن لم يستجمع آلاته الضرورية أمر يترتب عليه الخوض في أحكام الله بدون علم، وهوَ منْ أكبر الكبائر، ولذلك قرنَهُ الله تعالى بالشَّرِكِ في قوله: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلُ بِهِ سُلْطَنَا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) الأعراف: 33. وإطلاق مثل هذَا القَول جرَّاً جهلةَ الناس في زماننا عَلَى القَول بدون علم في دِينِ الله، والتَّطاول عَلَى فُقهاء الإِسْلامِ الذِينَ رَسَخَتْ في الفقه أقدامُهُمْ، ودقت في مسائله أنظارُهُمْ، بحيث أصبحَ كثير من الجهلة يعملُ ويُفتي بحسب ما يملي عليه هواه، استنادًا (1/13)
صفحة 14
إلى الاجتهاد المزعوم، حتى بلغ التنطعُ بكثير منهم إلى ردّ مَا اسْتَقَرَّ عليهِ إجماعُ الأُمَّةِ،
وأطبق عليه السَّلفُ والخَلَفُ .. (1).
وَالحَقُّ فِي مَسَائل الخلاف
***
عنْدَ
جميع القائلينَ وَاف
قبل
لَكنَّهُ لَيْسَ يجوز أَبَدا
وَإِنَّمَا يُرَبِّحُ الأَقْوَالا
***
***
لغَير عالم بما يجتهدا
مَنْ عَلمَ الْحَجَّةَ فِيْمَا قَالا (2)
ولهذه الخطورة البالغة والمفسَدَةِ الظَّاهرة نصَّ عَلَى ضَرورة اتباع عالم العصر من المقلد والضعيف غير المجتهد كثير من العلماء منهم الإمامُ السَّالمي وقطبُ الأئمة - رحمهم الله-، يقولُ الشَّيخُ السَّالميُّ رَحِمَهُ الله - بعدَ أَنْ ذكرَ هَذَا الرأيَ: " أَقُولُ: وَهَذَا المذْهَبُ أَقْوَى دَليلاً وَأَقْوَمُ سَبيلاً منَ الذي قَبْلَهُ هذه الأدلة .. "، ويَقُولُ رَحِمَهُ الله - عند ذكره لشروط المجتهد: " .. فمَنْ لم تحصل معه تلك الشروط فلا يحلُّ لَهُ القَولُ في الأحكام الشرعيَّةِ عَنْ نَظَرِ نفسه، بلْ يُقلِّدُ غيرَهُ في ذلك، وذلك حكم الله فيه؛ لقوله تَعَالَى: فَسْتَلُوا أَهْلَ الذِكرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (النحل: 43، الأنبياء: 7".)
وَوَاجِبٌ تَقْلِيدُ غَير المجتهد
***
إِنْ شَاءَ فَعْلَا لِفَقِيهِ مُجْتَهِد (3)
(1) - الخليلي، أحمد بن حمد. جواهر التفسير ج 2 ص 44، 45.
ويقول -حفظه الله - أيضا في فتاواه المتلفزة: " .. أما غير القادر أي على الاجتهاد فإنه يرجع في ذلك إلى من
يملك القدرة على بيان الدليل الشرعي من ا العلماء المعاصرين".
الخليلي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة 26 ربيع الأول 1425 هـ، يوافقه 2004/ 5/16 م.
(2) ـ السالمي، عبد الله بن حميد. جوهر النظام ج 1 ص 33.
(3) - يُنظر:
السالمي، بهجة الأنوار ص 47 - 48.
السالمي، مشارق أنوار العقول ص 122.
السالمي، طلعة الشمس ج 2 ص 418، 446. طبعة: مكتبة الإمام نور الدين السالمي.
القطب، شامل الأصل والفرع ج 1 ص 12. (1/14)
صفحة 15
كما ذكَرَ هَذه المسألةَ أيضًا الشَّيخُ القنونِيُّ -أبقاه الله - في بعض أجوبته المسجلة (شريط فتاوى سناو 1)، وبين هناك أنَّ الرَّاجِحَ وجوبُ اتباعِ عالمِ العَصرِ فِيمَا عَلِمَ العامل).
فالعَالِمُ في عصْرِهِ كَالطَّبيب المريضهِ، فَقَدْ يُفتي شَخصا بحكم يختلفُ عَنِ الشَّخص الآخر مُراعَاةً لظُرُوفه واعتبارًا لأَحْوَاله التي قد تختلفُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْمُسْتَفْتِينَ فَفَتْوى التائب مَثلاً تختلفُ في بعض الأحيان عَنْ فتوى المتحايل والمتلاعب)، كَمَا يَصِفُ الطبيبُ دواءً لمريض لا يَصفُهُ لمريض آخَرَ مُصَابِ بَنَفْسِ المَرَضِ (2).
وَالقَولُ بوجُوبِ الأَخذ برأي عَالِمِ العَصْرِ المجتَهدِ يَظهرُ أكثر جلاءً ووُضُوحًا في تلك المسائل التي يمكنُ أنْ يؤدِّيَ اختِلافُ العَمَلِ فِيهَا وتعدُّدُ الآراء بها إلى شَيْءٍ مِنَ البلبلة والاضطراب والاختلاف بينَ النَّاسِ فَلا محيص عن القول بوجوب الأخذ برأي عالمِ العَصرِ توحيدًا للكلمة وسدا لمداخل الفرقة والخلاف.
وفي هذا السياق يَقولُ الشيخ القنوبي عن الشيخ الخليلي -حفظهم الله -: "وَخُلاصَةُ الكَلامِ أَنَّ شَيْحَنَا - حَفِظَهُ الله - هُوَ عَالِمُ العَصْرِ وَالْجْتَهِدُ المُطْلَقُ، وَعَلَى غَيْره أَنْ يُقَلِّدُوهُ في هَذه المسْأَلَة وَغَيرهَا كَمَا هُوَ مَنْصُوصٌ عَلَيْه في كُتب الأُصُول ...
(1) - أمَّا فيما لا يعلم، فهلْ يُلزَمُ بالسُّؤال أم لا؟ فيه خلاف، والصحيح عنده أنه لا يُلزَم؛ لأنَّ ذلك يعسُر على المف
والمستفي، وبالله التوفيق. يُنظر:
(2) - يُنظر:
(*)
القنوبي، "جواب مطول: مطبوع ومتداول" لدى الكاتب نسخة منه ص 9 - 14، 106.
القنوبي، "فتاوى سناو 1 مادة سمعية. اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية، أو مكتبة مسجد جامعة السلطان قابوس.
الخليلي، برنامج "سؤال أهل الذكر " حلقة: 18 رمضان 1426 هـ، يوافقه 2005/ 10/22 م. القنوبي، برنامج: سؤال أهل الذكر، حلقة: 24 رمضان 1427 هـ، يوافقه 2006/ 10/18 م.
) - القنوبي، سعيد بن مبروك. فتاوى إمام ا السنة والأصول ص 52. (1/15)
صفحة 16
فهَلُمَّ أخي،. طالب العلمِ والعَمَلِ - إلى مَعرفةِ شَيْءٍ مِنْ سِيرة أولئكَ الرِّجَالِ الذينَ جعلَهمُ الله تعالى بما آتاهم من علمه - ورثةً لأنبيائه، وحجةً على خلقه في هذا العَصْر والمصر، يقولُ النُّورُ السَّالميُّ - رَحمَهُ الله (1):
وقَدْ تَقُومُ حُجَّةُ العِلْمِ لما لَوْ كَانَ وَاحِدًا لَهُ الفَضْلُ عَلا وَرَجَّحَ الأَوَّلَ أَنَّ العُلَمَا
***
***
***
قَدْ وَسِعَ الْجَهْلُ بِقَوْلِ العُلَمَا
وَقِيْلَ مَا لَمْ تُبْصِرَ الْحَقَّ فَلا كَالأَنْبِيَا مَقَالُهُمْ قَدْ لَزِمَا (2)
الله
بن حميد. بهجة الأنوار ص 6.
(1) ـ السالمي، عبد (2) - تَنْبِيةٌ مُهِم: الله تعالى لم يتعبدنا إلا بما جاء في كتابه أو على لسان رسوله، وما عداهما فهو راجع إليهما، ولم يأمر الله الضعيف باتباع عالم العصر إلا لكون العلماء هم ورثة الأنبياء بعد انقطاع الوحي السماوي، فهم الذين يكشفون للناس الدليل، ويبينون لهم الحجة، وهم وحدهم القادرون بما جمعوا من آلات الاجتهاد على انتزاع الأحكام الدقيقة بالاستنباط والنظر من أدلتها الشرعية وإلا فإن أقوال العلماء وحدها لا تعدو أن تكون دعاوى تعوزها البينات، فإذن الحجة ليست في نفس قول العالم وإنما في الدليل الذي اعتمده سواء أظهره أو لم يظهره، فلينتبة لذلك،
والله الموفق. (1/16)
صفحة 17
ماحةُ الشَّيخِ الخَليلي - حفظه اللهُ فِي سُطُورٍ:
—
-
هو الشيخ العلامة المجتَهدُ أحْمَدُ بنُ حَمَد بن سُلَيْمَانَ بن بن ناصر الخليلي. وُلدَ صَباحَ الثاني عَشَرَ مِنْ رجب لعام 1361 هـ 27 يوليو 1942 م، وكان مولده بجزيرة زنجبار بشرق إفريقيا.
اشتغل بمساعدة والده في الأعمال اليوميَّة كالتجارة والزراعة والرَّعْي. أتَمَّ حفظ القرآن عن ظهر قلب في التاسعة من عُمرِه. وَهَبَهُ الله ذاكرةً وقادةً، وحافظةً قويةً، وفهما ثاقبا؛ إِذْ كَانَ يحفظ في بعض جلساته 800 بيت مِنْ كتاب "جَوْهَرُ النِّظَامِ".
نشأ نشأةً عصاميَّةً - في غالب طلبه للعلم - حيثُ انكب على مُطالعة الكتـ منذ صغره فقراً في الحديث والتفسير والفقه وأصوله وعلوم اللغة وغيرها. مِنْ أبرز المشايخ الذينَ أَخَذَ عنهم في المهجرِ العماني (زنجبار) العلامة الشيخ أبو إسحاق إبراهيمُ اطفيش الجزائري نزيلُ مصْرَ (ت 1385 هـ). رجع إلى موطنه الأوَّلِ عمانَ عامَ 1384 هـ / 1964 م، والتقى بمشايخ العِلْمِ وعلى رأسهِمْ مُفتي عُمَانَ السَّابِقُ: الشيخ إبراهيمُ بنُ إبراهيم بن سعيد العبْرِيُّ
ت 1395 هـ).
في عام 1393 هـ / 1974 م عُيِّنَ مُديرًا للشؤون الإسلامية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية (سابقا)، وفي عام 1395 هـ / 1975 م عُيِّن بأوامر سامية مُفتيًا عاما للسلطنة خَلَفًا لشيخه العبري، فقام بواجبه تجاهَ أُمَّته ووطنه فحاز ثقة الجميع فرُقّي لدرجةِ وزيرِ عامَ 1986 م، وما زال في منصبه إلى حفظه الله وأمدَّ فِي عُمُرِه.
اليوم (1/17)
صفحة 18
من مؤلفاته: الحقُّ الدَّامِعُ، جواهرُ التَّفسِيرِ، شَرْحُ مَنْظُومَةِ غايةِ المُرَادِ، العقلُ
بين جماح الطبع وترويض الشرع، مجموعة كتب الفتاوى وغيرها كثير ... ومن أبرز محاضراته: دروسُ التَّفسير بجامع رُوي، ودروس العقيدة والفكر بجامعة السلطان قابوس وغيرُها كثير ... وجملة القول إنَّ ة هذا العالم قدْ كُتبَ فيهَا الكُتُبُ وصُنِّف فيها المصنفاتُ لا
سير
مُجرَّدُ هذه الأسطر القصيرات، وبما أنهُ لا يَعرفُ الفضلَ لأهل الفضل إلا ذوو الفضل فحَسْي أن أختم كلامي فيه بشهادة العلامة القنوبي -حفظه الله- له حيث يقولُ: " إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ العِلمِ والفَضْلِ الذِينَ رَفَعَ الله بهم منارَ الإِسْلامِ وجَلَّى بهمْ ظُلُمَاتِ الجَهْل، وأَذْكَى هِمْ حَرَارَةَ التَّقْوَى، وَأَوْقَدَ بهِم جَدْوَةَ الإيمان، الشَّيْخُ العَلامَةُ والبَحْرُ الخَبْرُ الفَهَّامَةُ، شيخنا التَّقِيُّ الوَلِيُّ بَدْرُ الدِّينِ الخليلِيُّ - حَفَظَهُ الله تَعَالى وعافاه"، ويقول أيضا: " .. وَشَيْخنَا الفَرِيْدُ الحَجَّةُ، جَامِعُ شَتَاتِ الفَضَائِلِ، وَوَارِثُ عُلُومِ الأوائل، حُجَّةُ المتكلمينَ، وَسَيْفُ المَناظِرِينَ، وإمَامُ الفُقَهَاءِ وَالْمُفَسِّرِينَ، شَيْخُ الإِسْلامِ الخَلِيْلِيُّ - حَفَظَهُ اللهُ تَعَالى وَعَافَاهُ "، ويقول ثالثة: ". . شَيْخُنَا العَلامَةُ الحَقِّقُ الْجَتَهدُ المطلَقَ الفَريْدُ الحَجَّةُ إمَامُ الْمَتَأَخَرِيْنَ وَحُجَّةُ المتَكَلَّمِيْنَ وَسَيْفُ الْمَنَاظِرِيْنَ شَيْخُ الإِسْلامِ والمسلمينَ بَدْرُ الدِّينِ الخَلِيْلِيُّ - حَفَظَهُ اللهُ وَعَافَاهُ وَبَلَّغَهُ مُرَادَهُ فِي دُنْيَاهُ وَأَحْرَاهُ (1).
وَإِذَا كَانَتِ النُّفُوسُ كَبَارًا
(1) - يُنظر:
***
تَعبَتْ فِي مُرَادِهَا الأَجْسَامُ (2)
القنوبي، قرة العينين ص 55.
القنوبي، جواب مطوَّلٌ: مطبوع ومتداول" لدى الكاتب نسخة منه
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الثاني ص 24.
(2) - لطيفةٌ: عندما سمعتُ هذا البيت الشعري لأول مرة تذكرت شيخنا القدوة الخليلي مباشرةً، فسألت صاحبي بمن يذكرك هذا البيت؟ فنظر إليه وأجاب بداهة: بسماحة الشيخ الخليلي، ولذا أوردته هنا، فالحمد الله الذي جعل ألسنة
الخَلْقِ شُهُودَ الْحَقِّ. (1/18)
صفحة 19
فَضِيلَةُ الشَّيْخِ القَنُّوبِيِّ - حَفِظَهُ اللهُ فِي سُطُورٍ:
-
هوَ الشَّيْخُ العَلامَةُ المحقِّقُ المحدِّثُ سعيدُ بنُ مبروك بن حمود القَنُّوبي. وُلدَ في بلدة الشَّارِقِ مِنْ أعمال ولاية المضيبي، عام 1384 هـ/ 1964 م على وجه التقدير - فَهُوَ حاليًا في الأربعينات من عُمُره -أطال الله حياتَهُ. درس الابتدائية في بلدة الأفلاج القريبة من مكان مولده، وأظهر نبوعًا لافت النَّظَر في سنيه الأُولى.
التقى بعدها بالشيخ حمود بن حميد الصوافي الذي يُكن له كل الاحترام والتَّقْدير - فكان نقطة تحول في حياته؛ إذ استفاد منه علمًا وأتاحَ له فرصة الحصول على مجموعة كبيرة من الكتب بعد أن كان لا يملك منها إلا ثلاثة: تلقينُ الصَّبيان، وتحفةُ، الأعيان، وريَاضَ الصَّالحينَ)، وهيَ الكُتُبُ التي يحبُّه الشيخ حبًّا وافرًا؛ لأنها كانت بدايته في سلوك مدارج العلم.
يحبها
ثم درس بعد ذلك في معهد القضاء والوعظ والإرشاد (معهد العلوم الشرعية حاليا) حيث التقى بجملة من علماء عمانَ وعَلَى رأسهم الشيخ أحمد بن حمد الخليلي -حفظه الله-.
عُرف عن الشيخ حِفْظُهُ الشَّديد وذكاؤُهُ النَّادِرُ واجتهاده في طلب العلم، ورحلاته في البحث عن الكتب والسُّؤال عنها، ولذا فهو اليوم يملك مكتبةً يندر وجود مثلها في عُمانَ لما تحويه من أمهات كتب الشريعة والعربية.
تفوق في علوم الحديث والأصول والفقه حتى صار فيها بحرًا واسعًا. أَلَّفَ الكثير من الكتب والرَّسائل والرُّدود، منها المخطوط ومنها المطبوع، فمِنَ المطبوع: الإمامُ الربيع بن حبيب مكانته ومسنده، تحفة الأبرار، قرة العينين الرأي المعتبرُ، السيفُ الحاد، الطوفان الجارفُ، وغيرها .... (1/19)
صفحة 20
يعمل حاليًا - مستشارًا علميًّا بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ويُطل علينا في بعض حلقات برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" والذي يُبَثُ في تلفزيون سلطنة
عُمان.
وجملة القول أن أختم كلامي فيه بشهادة العلامة الخليلي -حفظه الله - حيث يقولُ: " .. وَعَلَيْهِ فِي عَصْرنَا إمَامُ المَعْقُول والمنقُول القنوبي -حفظه الله"، ويقولُ أيضًا: " .. ويُلمَحُ مِنْ كَلامِ الحَافِظ الحجَّةِ العَلامَةِ القَنُّوبِي حَفَظَهُ اللَّهُ تَعَالى"، ويقولُ في موضع ثالث: ". كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي (السَّيْفُ الْحَاةُ) وَ (الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبِ مَكَانَتُهُ وَمُسْنَدُهُ لَحدِّث العَصْرِ العَلامَةِ القَنُوي -حفظه الله - "، ويقولُ كذلك: " .. وَقَدْ تَوَلَّى مُنَاقَشَةً أَكْثَرِهَا فِي وَقْتِنَا هَذَا العَلَامَةُ الحَدِّثُ الكَبِيرُ الْحَافِظُ الحَجَّةُ الشَّيْخُ القَنُّوبِيُّ - جَزَاهُ الله تَعَالى خَيْرًا، وَأَطَالَ فِي عُمُره"، ويقول عافاه الله: ". فَقَدْ طَلَبْتُ الإِجَابَةَ عَلَيْهَا مِنْ عَلامَتنَا النَّحْرِيرِ الشَّيْخ سَعيد بن مَبْرُوكَ القَنُوْي، وَهُوَ شَابٌ فَتَحَ اللَّهُ بَصِيرَتَهُ وَأَفَاضَ عَلَيْهِ مِنْ مَوَاهِبه فَبَلَغَ فِي عُلُوْم الشَّرِيعَةِ مَرْتَبَةً لا يُرَاحُمُهُ فِيهَا مُزَا.
(1)
(1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى المعاملات ص 177.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 158، 256.
الخليلي، وسقط القناع ص 146.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى- القسم الرابع ص 27. (1/20)
صفحة 21
فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُل فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَهُوا فِي الدِّينِ)
(التوبة: 122)
تمهيدٌ
للشريعة الإسلامية (1/21)
صفحة 22
أولا: تَعْريفُ الشَّرِيعَةِ
حم الله الرحمن الرحيم
تمهيد
للشريعة الإسلامية
لغةً: مأخوذةٌ مِنَ الْمَشْرَعَةِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ، وهي شَرِيعَةُ الْمَاءِ التِي يَسْتَقِي مِنْهَا
الناس (1).
اصطلاحًا: ما أنزلَ هـ تعالى مِنَ الأحكام الثابتة لعباده، وما تفرَّعَ عَنْها مِنْ أحكامٍ
أخرى (2).
ثانيا: مَصَادِرُ الشَّريعة
اعلم أخي طالب العلم، وفقك هـ لأفضل الأعمال بعد الفرائض بل هو من الفرائض على كلِّ مُسلم ومُسلِمة - أنَّ ه ل لم يكل أمرَ الدِّينِ والشريعة والعبادة إلى أفهام الناس المحدودة وعقولهم القاصرة بَلْ أَرسَلَ رسلَهُ تَثرى وأَنْزِلَ كتبَهُ تُتْلَى مُؤيَّدِينَ
(1) – الفيومي، المصباح المنير، باب: الشين مع الراء.
(2) ـ اليحمدي حمد بن هلال فقه العبادات ج 1 ص 13.
فَائِدَةٌ مُهمَّةٌ: لا يخفى على طالب العلم ما يجده دائما من علاقة قوية بين المعاني اللغوية والمعاني الشرعية للمصطلحات، فالشريعة -مثلا- في معناها اللغوي تشير إلى المكان الذي يستقي منه الناس الماء العذب النقي، وأهل عمان يطلقون على أول ظهور الفلج للناس "الشريعة"؛ لكونه أصفى الماء، فكما أن هذه الشريعة (اللغوية) الناس وسلامتهم المادية فكذلك الشريعة (الاصطلاحية) سبب لحياة وسلامة الناس المعنوية.
ومثل هذه العلاقات بين المصطلحات اللغوية والشرعية تجده الصلاة والزكاة
مع
والصيام والحج ... إذ غالبا ما
يكون المعنى اللغوي أعم والمعنى الاصطلاحي أخص من اللغوي، فالعلاقة بينهما علاقة عموم وخصوص. يُنظر: القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 21 رمضان 1430 هـ، يوافقه 11/ 9/ 2009 م. (1/22)
صفحة 23
بالمعجزات والآيات البينات؛ ليَهِلكَ مَن هَلَكَ عَن بَيِّنة ويَحْيَا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنة، فجعلَ
الوحي السماوي بنوعيه: الجليَّ المتمثل في كتاب، والخفيَّ المتمثل في سُنَّة رسوله هوَ المُشرِّعَ في العبادات والمأمورات والمنْهيَّات، والحاكم في تصرفات النَّاسِ وأعمالهم، وهو الفيصل الذي يرجعون إليه عند وقوع الخلاف والنّزاع بينَهمْ، قَالَ تَعَالَى مبيِّنًا
(1)
- وفي هذا نقض لتلك البدعة التي ظهرت في بعض الأيام من قبل بعض الناس الذين ليس لهم كبير فقه في الدين، ولا إلمام بأحكامه وقواعده، ولا إحاطة بأصوله و فروعه ..
التغلب النازي عَلَى عُنقوده
***
إِنْ لَمْ يَنَلْهُ قَالَ هَذَا حَامِضُ
فأخذ كثير منهم وقد يكون بعضهم بحسن نية وعدم دراية بخطورة الأمر - يرد سنة المصطفى مع اشتهارها بأسانيد صحيحة ثابتة؛ لأنها تخالف عقولهم القاصرة تارة، أو لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب تارة أخرى، وثالثة لأن الرسول بشر يخطئ و يصيب كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ) الكبد: 5، ورابعة لأنها تتعارض مع السنن الكونية ... بل وصل الأمر ببعضهم أن زعم أنَّ هذه الأحاديث والروايات هي التي حذرنا هم تعالى منها في قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لقمان: 6 فجعلوا أحاديثه وأقواله هي لهو الحديث بل سبيل الضلال والإضلال ... مع أن هم تعالى يقول: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْى يُوحَى النجم: 3 - 4، وينفي الإيمان عمن اختار غير أمر هم وأمر رسوله وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنِ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى
7
زاب: 36،
اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينا الأحـ ويقول: مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْتَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (النساء: 80، وقبل ذلك ينادي المؤمنين بأشرف صفاتهم فيقول: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن نَتَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (النساء: 59، وهل يكون: ن الرد إلى الرسول إلا بالرد إلى سنته الطاهرة التي حفظت لنا من خلال هذه الروايات والمدونات بضبط وتحرّ بالغ من قبل أصحابها بعد عرضها على كتاب هم أولا ثم على قواعد ومناهج دقيقةٍ ومُحكمة تبين الصحيح من الضعيف والثابت من الموضوع، ولكنَّ اتباع هذا المنهج العلمي السليم لا يُؤثر لهؤلاء البسطاء في قدم العلوم الشرعية سمعة وزعامة وثناء، وقد قيل قديما: وَحَالفَنْ تُعْرَف " قَديْمًا قيلا
***
لَغَامِ إِنْ تَشَأْ تَ
وما هذه الأفكار التي ينادي بها هؤلاء إلا أفكار مستوردة دخيلة غريبة لا غربية ولا شرقية أصولها وبذورها يهودية اخترعها هؤلاء اليهود ليصدوا الناس عن التدين والتمسك بالشرائع، فقد ذكر سماحة المفتي -حفظه ه - نقلا (1/23)
صفحة 24
شأن المؤمنينَ الذي ينبغي أن يكون عليه كُلُّ مؤمن حق موف بدينه مخلص في عبادته ساع لإرضاء ربِّهِ: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُم بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأَوْلَتَبكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) النور: 51، قال الشيخ نورُ الدِّينِ
السَّالِمِيُّ رَحِمَهُ الله - (1):
والأصْلُ للفقه كتابُ البَارِي والاجتهاد عند هذي مُنعا
وأهم مصادر الشَّرِيعَةِ الإِسْلاميَّة مَا يَلَي:
عن
)
***
***
إِجْمَاعُ بَعْدَ سُنَّةِ المُختار وهَالك مَنْ كَانَ فِيها مُبْدِعَا
القُرْآنُ الكَريمُ: هُوَ كلام هم تعَالى وَوَحْيُهُ الْمُنَزَّلُ عَلَى سَيِّدِنا مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم باللسان العربي، المتعبدُ بتلاوته، المعجزُ بتراكيبه ومعانيه، المنقولُ إلينا نقلاً متواتراً.
، أحد الكتاب المعاصرين بأن لليهود أهدافا ثلاثة ... ثالثها: نشر العقلانية المضادة للدين؛ لأن النصوص الدينية تشحن المتدينين ببغض اليهود؛ لتاريخهم الأسود في تقتيل أنبيائهم وركوبهم متن العناد والاستكبار.
والمذهب الذي ينتسب إليه هؤلاء ويتسترون وراءه، ويزعمون أن هذا المنهج وهذا الفكر هو منهج وفكر أهل الحق والاستقامة بريء منهم ومن أفكارهم براءة الذئب من دم يوسف، وبراءة المسيح ممن اتخذوه وأمه إلهين من دون ه، فقد أشاعوا غيرتهم عليه ليمرروا أفكارهم ويسوغوها للناس كما رفع معاوية قميص عثمان حتى نال ما تمنى. وبالجملة فإنّ الكلام في هذا الموضوع يطول، ومن لم ينفعه قليل الحكمة ضره كثيرها، وإنما أحيل القارئ النبيه إلى محاضرات وتحريرات سماحة شيخنا الخليلي -حفظه هـ تعالى الذي يتستر بعضهم باجتزاء كلامه، واقتطاع عباراته، واختيار وطباعة ونشر ما يتناسب مع أفكارهم ليوهموا الناس أن فكرهم مستمد من فكره، وأنهم راجعون بعد أمره و مشورته، ولكن لم يلبث القناع أن سقط، وثوب الرياء أن شف عما تحته، فأبان الحق الذي طالما التبس، وقشع الليل الذي طالما احلولك، وأزاح الستار الذي طالما حجب وغرر، فظهر الصبح لذي عينين، وعرف الناس الحقيقة، وانحسرت بحمد الله - هذه الدعوة فلم يسمع لأربابها صوت ولم ير لهم وجه إلا محاولة المدافعة والتبرير.
ومن شاء المزيد فعليه بالرجوع إلى كلام سماحة الشيخ مفتي العصر -حفظه هم - لا سيما محاضراته المعنونة بـ" احذر يا طالب العلم" جزء واحد، و" العقل بين جماح الطبع، وترويض الشرع" جزأين اثنين مسجلين ومحرين فقد قطعت جهيزة قول كل خطيب".
(1) - السَّالِمِي، ي، عبد هم بن حميد. بهجة الأنوار، ص 4. (1/24)
صفحة 25
وهوَ حُجَّةٌ بإجماع المسلمينَ لا يجوز لأحد أنْ يُنكر حرفًا واحدًا منه.
مثاله: وجوب الحج بقوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ {
97
سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)
آل عمران: 97
و تحريمُ الميتة؛ بقولِهِ تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ من المائدة: 03
السنة النبوية: هي ما ثبت (1) عنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقريرٍ أو صفة خُلُقية أو خلقية)، وهي حجة بالإجماع (3)؛ قَالَ تَعَالَى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا
وحي يوحى
النجم: 3 - 4.
فيظهرُ من خلال التعريف أنَّ للسُّنة ثلاثة أقسام رئيسة، وكلُّها حُجَّةٌ بحمد الله
تعالى- وهي كالآتي:
(1)
التعبير بقولنا (ما ثبت أولى من التعبير بما رُوي)؛ لأنه لا يعتد إلا بالثابت من المرويات صحيحا كان أو حسنا، أما الضعيف وما دونه فلا حجة فيه، ولا يثبت به حكم شرعي، وقد نبه على هذه اللطيفة شيخنا إمام السنة والأصول العلامة القنوبي -حفظه ه -.
يُنظر: القنوبي، الإمام الربيع بن حبيب: مكانته و مسنده ص 6.
(2) ـ هذا هو تعريف السنة عند المحدثين، وهو أعم التعريفات وأشملها ويختلف تعريفها عند الفقهاء والأصوليين فالفقهاء يريدون بها ما يقابل الواجب أي المندوب، أما الأصوليون فيريدون بالسنة ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم مما يستفاد منه
حكم شرعي. يُنظر: القنوبي، القنوبي، الإمام الربيع بن حبيب:
مقدمات في علم الحديث، ص 3.
مكانته و مسنده ص 6، 11.
(3) - يُنظر:
الكندي، إبراهيم بن أحمد أصول الفقه والأدلة النصية ص 124.
القنوبي، الإمام الربيع بن حبيب: مكانته ومسنده ص 11. (1/25)
صفحة 26
* السنة القولية:
مثالها ما رواه النعمان بن بشير أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " الحَلالُ بَيِّنٌ وَ الْحَرَامِ بَيِّنٌ،:
وبينهما أمورٌ مُشتبهات ... (1).
*
السنة الفعلية:
مثالها: قول السيدة عائشة: " كان رسولُ إذا أرادَ الغُسْل من: " الجنابة بدأ فغسل يديه ثم يتوضأ كما يتوضأ للصَّلاة ثُمَّ يُدخلُ أصابعه في الماء و يخلّلُ بها أُصول شعر رأسه، ثم يصبُ على رأسه ثلاث مرات بيده ثُم يُفيضُ الماء على جسده كله وهذا بعد الاستنجاء " (2).
* السُّنَّةُ التقريرية:
مثالها: إقرارُ النَّبي خالد بن الوليد حينَ أكل الضب في مجلسه وهو
يَنظُرُ إليه (3).
أَوْجُهُ بَيَانِ السُّنَّةِ للقُرآن الكريم
جاءَت السُّنَّةُ المطهرة على صاحبها أفضلُ الصَّلاةِ وأتمُّ التَسْلِيمِ- كمصدرٍ رئيس ثان بجانب القرآن الكريم؛ باعتبارها وحيًا من عند ه ل لتُبَيِّنَ للناس كثيرًا مما نُزِّلَ في القرآن الكريم، قَالَ تَعَالَى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (النحل: 44، ويؤكد ذلك قوله تعالى لأزواجِ النَّبِيِّ وأمهات المؤمنينَ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ
إِلَيْهِمْ
(1) ـ البخاري، باب فضل من استبرأ لدينه، رقم الحديث 50.
(2)
- الربيع، باب في كيفية الغسل من الجنابة، رقم الحديث 140.
(3) ـ الربيع، باب: أدب الطعام والشراب، رقم الحديث 387. (1/26)
صفحة 27
وَالحِكْمَةِ الأحزاب: 34، فآيات هي هي القرآن الكريم، والحكمة هي أقوال الرَّسول الموحى معناها من قبل هي، وتلخص بعض أوجه بيان السنَّة للقرآن الكريم في النقاط الآتية:
1 - بيانُ المجمل: مثاله: الإجمالُ في قوله تَعَالَى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَوةَ) البقرة: 43، 43، فالآية الكريمة أمرت بإقام الصَّلاة وإيتاء الزَّكاةِ، لكنَّها لم تحدّدِ الفرائضَ مِنَ النَّوافل، ولم
تتحدث عن مواقيت الصلوات الخمس وعدد ركعاتها وكيفياتها، وكذلك الشأنُ بالنسبة للزكاة، لم تتحدث عن النّصاب والحَوْلِ والأموال التي تُخرَجُ منها الزكاةُ، كلُّ ذلك بينته أحاديث الرسول كما هو مبسوط في كتب السُّنَّةِ مِن صحاح وجوامع
ومسانيد.
2 - توضيح المشكل:
مثالُهُ: قولُهُ تَعَالَى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ
مِنَ الْفَجْرِ البقرة: 187، بينهُ النَّبِيُّ - عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لعدي بن حاتم حينَ أشكل عليه بقوله: إنه بياضُ النَّهار وسوادُ الليل (1).
3 - تقييد المطلق:
مثاله: الإطلاق في قوله تَعَالَى: وَالسَارِقُ وَالسَارِقَةُ فَأَقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا المائدة:
فلفظ
"اليد" في الآية الكريمة مطلَق وهكذا "القَطْعُ"، فقيَّدَت السُّنَّةُ المتمثلة في
أحاديثه وأقواله القطعَ بكونه منَ الرُّسْغِ (مفصَلِ الكَفِّ) فقط، وليسَ كُلَّ اليد التي
(1) - البخاري، باب: قوله تَعَالَى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ، رقم
الحديث 1783. (1/27)
صفحة 28
تُطلَقُ حتى على المرفق والعضد، وحددت للسَّرقَة نصابًا لا يُقطَعُ فيما دونَهُ (1)، مع
اشتراط أنْ يكونَ المسروق مُحْرَزًا (3).
4 - بيان معنى لفظ:
مثالُهُ: قولُهُ تَعَالَى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ) الفاتحة: 7، بينت السنة أنَّ المغضوب عليهم هم اليهود، وأنَّ الصَّالين همُ النَّصارى (3)، وهو الذي ذهب إليه
جمهور المفسيرين
(1)
من ذلك ما رواه الربيع بسنده الرفيع. عائشة فصاعداً "، رقم الحديث 618.
قالت: سمعت رسول هم يقول: "القطعُ في ر
فَائِدَة: مسند الربيع بن حبيب من أصح كتب الحديث لعلو إسناده وثقة رجاله، يقول الإمام السالمي –رحمه الله - في تنبيهاته على المسند: اعلم أنَّ هذا المسند الشريف أصح كتب الحديث روايةً، وأعلاها سندًا، وجميع رجاله مشهورون بالعلم والورع، والضبط والأمانة، والعدل والصيانة، كلُّهم أئمة في الدين وقادة للمهتدين .. فهو أصح كتاب بعد القرآن العزيز، ويليه في الرتبة الصحاح من كتب الحديث"، ولمزيد الفائدة: كنتُ قد كتبت مقالا حول مسند الربيع في إحدى المجلات ومما جاء فيه: (عدالة رجاله: يتميز رجال هذه السلسلة بأعلى درجات العدالة والضبط، وإليك بعضا مما قاله أئمة الحديث فيهم:
الربيع بن حبيب قال عنه ابن معين وابن شاهين: "ثقة"، وقال أحمد ابن حنبل: "ما أرى به بأسًا". أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة قال عنه ابن معين: ليس به بأس، وقوله ليس به بأس بمترلة قوله
"ثقة"
جابر بن زيد قال عنه ابن عباس: عجبًا لأهل العراق كيف يحتاجون إلينا وفيهم جابر بن زيد .. "، وقال ابن حجر: "ثقة فقيه".)، والله الموفق. يُنظر:
الورجلاني، كتاب الترتيب ص 15، 16.
المعولي مجلة زلفى العدد الرابع: مقال بعنوان: مسند الإمام الربيع بن حبيب ص 2
(2) ـ أي محفوظا غير ظاهر للغادي والرائح، أو قل الحِرْزُ: هو ما نُصب عادة لحفظ الأموال، وهو يختلف في كل شيء بحسبه؛ لذلك قال العلماء: "لا قطع في ثمار الأشجار الظاهرة، ولا في السلع المعروضة خارج المحلات التجارية"، وهذا طبعا لا ينفي عن الفعل وصف السرقة، ولا مطلق العقوبة؛ لكن الحدود تدرأُ بالشبهات.
(3) ـ أحمد المسند، باب بقية حديث عدي بن حاتم، رقم الحديث 18572.
(4) ـ الخليلي،، أحمد بن حمد. جواهر التفسير ج 1 ص 284 - 286. (1/28)
صفحة 29
هذا .. وإضافةً إلى ذلك فإنَّ السُّنَّةَ قد تأتي موافقةً لكثير مما جاء في القرآن الكريم،
هود 102.
وفي هذه الحالة تكون واردةً مورد التأكيد والتأييد، ومن أمثلة ذلك قوله عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: "إِنَّ لَيُملي للظالم حتى إذا أخذَهُ لم يفلته هـ)، فإنه يوافق ويؤكِّدُ قولَهُ: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخَذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدُ وقوله عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: "اتقوا هم في النِّساء فإنَّكم أخذتُمُوهُنَّ بأمانة هم واسْتَحْلَلْتُمْ فروجَهُنَّ بكلمة هـ ((2) فإِنَّهُ يؤكِّدُ قولَهُ: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ {
النساء: 19.
يوحَى
النجم: 3 - 4
ولأنَّ السُّنَّةَ كما تقدَّمَ - وحي إلهي وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْى فإنَّ ما ينطقُ بهِ الرَّسُولُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- تشريع رباني لأمتِهِ، وَلِذَا استقلَّتِ السُّنَّةُ بذكرِ أحكامٍ زائدة لم ترد في القُرآنِ الكريم، يقول العلامة القنوئي -حفظه الله -: " ... وَتَأْتي - أي السُّنةُ - تَارَةً أُخْرَى دَالَّةٌ عَلَى بَعْضِ الأَحْكَامِ الَّتِي لم يَتعرّض لها الكتَابُ العَزِيزُ، وَهَذَا هُوَ الحَقُّ الذي دَلَّتْ عَلَيه الأدلة، ولم يأت مَن قَالَ بخلاف ذلك بما يستحقُ الذِّكْرَ (3).
ومن أبرز أمثلة استقلال السُّنةِ بالتشريع: تحريمُ الجمع بين المرأة وعمَّتِها والمرأة وخالتها، وصلاةُ السَّفرِ وصلاة الوتر، وحدُّ الرَّجم، وتحريم أكل كلّ ذي ناب من السباع ومخلب منَ الطَّير، وتحريم أكل لحوم الحمر الأهلية ... وغيرُ ذلكَ.
6
(1) - البخاري، باب: قوله: {وَكَذَلِكَ أَخَذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظلمة، رقم الحديث 4318.
(2) أبو داود، باب صفة حجة النبي، رقم الحديث 1628.
(3) - يُنظر:
القنوبي، الإمام الربيع بن حبيب: مكانته ومسنده ص 12.
الخليلي، العقل بين جماح الطبع وترويض الشرع ص 199 - 205. (1/29)
صفحة 30
وإلى هذين المصدرين الأساسيين (القرآن والسُّنَّة) ترجعُ بقية المصادر الأخرى،
وأهمها:
الإجماع: وهو اتفاق مجتهدي الأُمَّةِ الإِسْلاميَّةِ عَلَى حُكْمِ شَرعِيٌّ فِي عَصْرِ مِنَ العُصورِ
بعد وفاة النبي.
/
دليل الإجماع قوله: "مَا كَانَ اللهُ لِيَجْمَعَ أُمَّتِي عَلَى ضَلال (1).
مثال ذلك: إجماعُ الصَّحابة على أنَّ للجدة السدسَ من الميراث (2)، والدليل على اعتبار الإجماع من حيثُ الجملةُ هوَ ما جاء في حديث ابن عباس
قالَ: " مَا كانَ هم ليجمع أمَّتي على ضَلال (3). هذا ... ولا حجة في الإجماع السكوتي) على رأي كثير من المحققين، وإليه ذهب شيخنا القنوئي -حفظه الله تعالى (5).
القياسُ: وهوَ حَمْلُ مجهول الحكم على معلومه بجامع علة بينهما.
دليل القياس قوله للمرأة الخثعميَّة: "أرأيت لو كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ عَنْهُ أَكُنْت قَاضِيَةً عَنْهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: " فَذَاكَ ذَاكَ " (6).
(1) ـ الربيع، باب: في الأمة أمه محمد، رقم الحديث 40.
(2)
- مستند هذا الإجماع هو ما جاء في سنة النبي من حديث المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة، يُنظر:
مالك، الموطأ، باب: ميراث الجدة، رقم الحديث 953.
(3)
- الربيع،
باب في الأمة أمه محمد، رقم الحديث 40.
(4)
- الإجماع السكوتي: هو أن ينطق بعض أهل العلم بحكم شرعي في مسألة من المسائل ويسكت البقية من غير
بتأييد أو إنكار، وهو مقابل للإجماع القولي.
تصريح - يُنظر:
القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 12 رمضان 1427 هـ، يوافقه 2006/ 10/6 م القنوبي، دروس صيفية في أصول الفقه مجلس منزل فضيلته، لعام 1423 هـ / 2002، مذكرة خاصة ص 95.
(6) ـ الربيع، باب: في فرض الحج، رقم الحديث 395. (1/30)
صفحة 31
مثال ذلك: قياسُ العَقْرَب على الذُّبَاب في طهارة ميتتها، فلا ينتقض وضوء من
مسَّها؛ وذلك لعلة مشتركة بينهما وهي عدم وجود دم سائل في الذباب، وكذلك العقرب وكلُّ ما لا دَمَ سائلَ لهُ منَ الدواب و الحشرات، وهذا الحكم مستفاد مما رواه الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: سمعتُ عَنْ رَسُول هم قال: " إذا وقع الذُّبابُ في إناء أحدكم فامقلُوهُ، فإنَّ في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء، وإنَّه يُقدِّمُ الداء، ويُؤخِّرُ الدواء (1).
(1)
هذا الحديث الصحيح الذي رواه الإمام الربيع بسنده الرفيع، ورواه غيره من أئمة الحديث في كتبهم وصحاحهم كالبخاري والنسائي وأبي داود وابن ماجه وأحمد وابن حبان وابن خزيمة والطبراني والبيهقي وغيرهم، وأكد على صحة معناه العلم الحديث أيضا- لم يمر على أصحاب بدعة العقلانية بسلام كغيره من أحاديثه فقد أكثروا من الدندنة حوله لمخالفته لعقولهم القاصرة، وسننهم الكونية ..
فقد اطلعت مؤخرا على مقال في إحدى الصحف اليومية السائرة مع أحد المروجين لبدعة العقلانية تجرأ فيه على المقام السامي للنبي عليه الصلاة والسلام حيث وصف هذه الرواية بالخرافية ومخالفتها كما يزعم- للسنن الكونية، وهذا نص كلامه: (بل تجد كثيرا من المتحمسين لروايات خرافية معينة يحاولون تطويع بعض النظريات الكونية للتأكيد على الدلالات الخرافية لمروياتهم، وأذكر في هذا الإطار رواية "إذا وقع الذباب ... وساق الحديث إلخ ثم قال:" فقد احتدم الجدل حول دلالات الرواية المخالفة للسنن الكونية ... )، وليس ذلك بغريب على من ينكر سنة النبي إذ يقول بعد ذلك في السياق نفسه منكرا على من يقول بأن السنة تأتي في حجيتها بعد القرآن الكريم: ( ... وزعموا أن تلك وأن السُّنَّةَ تأتي في حجيتها بعد القرآن ... ومن خلال تدبر القرآن نستطيع الجزم أن النبي يکن
السنة،
المرويات هي إليه بشيء آخر غير القرآن .. ". يوحى
ولأول وهلة يدرك القارئ البسيط مدى خطورة هذا الكلام الذي طال المقام الشريف لكلام المحفوف بالعصمة المتوج بوصف العلي الأعلى في قوله تعالى: وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْى يُوحَى النجم: 3 - 4 فحال من ينكر حجية السنة كما يظهر مما تقدم- كحال من يحاول ستر الشمس بأكفه وهيهات وأنى له ذلك ..
وفِي تَعَب مَنْ يَحْسِدُ الشَّمْسَ ضَوْءَهَا
***
(3)
وَيَجْهَدُ أَنْ يَأْتِي لَهَا بِضَرِيْبِ
وقد ملأ كبار علماء الإسلام الراسخين في العلم من الأصحاب وغيرهم من أتباع المذاهب الأخرى مصنفاتهم وكتبهم بلزوم اتباع السنة بعد الكتاب، وحث الناس على اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله وفعله، وإنه لمن السفه أن نقارن بين أولئك الأعلام الشوامخ، وهؤلاء الذين يتكلفون تسويد الصفحات بالنقل من.
أَلَمْ تَرَ أَنَّ السَّيْفَ يَنْقُصُ قَدْرُهُ
***
هنا
وهناك
إِذَا قِيْلَ إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَ العَصَا (1/31)
صفحة 32
قالَ الرَّبيعُ: امْقُلُوهُ أَي اعْمَسُوهُ، وقال أبو عبيدة عن جابر بن زيد: وهذا يدلُّ أَنَّ
الذُّباب وما ليس فيه دم لا يُنجِّسُ مَا وَقَعَ فِيهِ".
كَلِمَةٌ حَوْلَ العَقْلِ البَشَرِيِّ
إنَّ العقل البشري هبة من هم علا، والتفكير نعمة منه، وإن التدبر والتفكر في آيات هي المسطورة والمنظورة أمران حَثَّ عليهما كتاب هم د وسنة نبيه، وإلغاء العقل تماما في فهم النصوص يُؤدِّي بالناسِ إلى أمر خطير جدا من تشبيه له تعالى ووصفه بصفات خَلْقه ونُعُوتهمُ الحسية والمعنوية كإثبات الجارحة له، فصار هؤلاء الحَرْفِيُّونَ أسارَى للألفاظ وتناسوا عربية القرآن بحقيقته ومجازه، وتشبيهه وتصريحه، إضافةً إلى حذفه وإيجازه في مواضعَ معَ بسطه وإسهابه في مواضعَ أُخرَى.
وفي مقابل ذلك فالعقل البشري محدود كأيَّة جارحة من جوارح الإنسان لها حدودٌ؛ وذلك لأنَّ الإنسان نفسه محدود، والآلات التي هي حواس الإنسان والتي هي المغذية للعقل بالمادة المعرفية كلها محدودة؛ إذ إنَّهُ منَ المعلوم أنَّ العقل البشري لا يمكنُ أن يعمل في فراغ مِن غير وجود مادة معرفية يتعامل معها ويُجري عليها عملياته
ولكن لسان الحال يتوجه بالنصح شفقة عليهم: فَدَعْ عَنْكَ الْكِتَابَةَ لَسْتَ مِنْهَا
***
وَلَوْ سَوَّدْتَ وَجْهَكَ بِالْمِدَادِ
هذا .. وقد رد علماء الإسلام من قديم هذه الفرية وهذه المزاعم حول حديث الذبابة، فهذا العلامة كمال الدين الدميري ينقل رد الفقيه أبي سليمان الخطابي المتوفى سنة 388 هـ على من شكك في هذا الحديث (كتاب الحيوان
(444/ 2 - 445
وقد اطلعنا مؤخرا على برنامج علمي (قناة اقرأ/ رمضان 1429 هـ) يديره الداعية المعروف الدكتور محمد العوضي مع أحد الدكاترة المتخصصين يقول فيه ما معناه باختصار -: إنَّ هذا الحديث استفاد منه علماء الغرب قبل علماء المسلمين في استخراج مضادات لكثير من الأمراض، وأجروا حول وقوع الذباب تجارب عديدة كان آخرها قبل ستة أشهر (من تاريخ الحوار في أستراليا. اهـ ونحن ما زلنا نختلف هل هذا الحديث صحيح أم خرافة؟!! (1/32)
صفحة 33
المنطقيَّةَ، فالأَكْمَهُ مثلاً - الذي وُلدَ أَعْمَى - لا يمكنُ لهُ أنْ يتصوَّرَ في ذهنه الألوان أحمرَها
وأصفرَها، ولو كانَ يَسمعُ عنها، وعن جمالها وصفاتها.
وهكذا الشخص الذي وُلد أصمَّ ولم يسمع شيئًا مِنْ كلام الناس وحديثهم لا يستطيعُ أبدًا معَ وجودِ عقله وصحته أن يُعرب بلسانه عمَّا يدور بخلده فيكلم الناس ويتحدث معهم؛ لأنَّ عقلَهُ لم يتخيل تلك الكلمات لتعطل مصدرها وتعذره، وهكذا يُقالُ في بقية حواس الإنسان، ومثلُ هذا يقالُ أيضًا في نعيم الجنَّةِ، لا يمكنُ للإنسان أنْ يتصوَّرَ حقيقتَهُ لأَنَّهُ كَمَا جَاءَ في الحديث " فيها مَا لَا عَينٌ رأت، ولا أُذُنٌ سَمعَتْ، ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ
وهذه الحواس (مصادرُ العقل المعرفيةُ) في حال كمال صحتها وسلامتها هي محدودة في مقدارها؛ لأنَّ البصر كما أَنَّهُ لا يستطيعُ أَنْ يَرى ما كان بعيدًا جدا من ملايين النجوم والكواكب والمجرَّاتِ على عِظَمِ حجمها وسعة اتساعها، كذلك لا يستطيعُ أَنْ يَرى ما التصق بآلة الإبصار (العين)، وهكذا لا يمكنه أن يرى ما حوله مِنْ ملايين الكائنات الحية الدقيقة المنبثة في جوِّ السماء والأرض، وكذا بالنسبة للأثير والأمواج الصوتية والكهرومغناطيسية مع أنَّ العقل يقطع بوجودها من خلال أجهزة
الاستقبال المعدة لها، وعلى خلاف ذلك فقد يرى بصرُ الإنسان السَّراب مـ فيحسبه ماءً زُلالا، وقد قرَّرَ هـ هذا المشهد في قوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَلُهُمْ كَسَرَابِ بقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْثَانُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا) النور: 39. وكذا بالنسبة للمصدر الآخر (السمع فإنَّ سمعَ الإنسان محدود؛ إِذْ إِنَّهُ لا يُدرك الأصوات الدقيقة من حوله مهما كانت قريبةً منه، وكذلك لا يُدرك سمع الإنسان
(1) - البخاري، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، رقم الحديث 3005. (1/33)
صفحة 34
العادي الأصوات العالية والصاخبة إذا كانت بعيدةً عنه كأصوات المدافع والقنابل،
وهكذا الانفجارات الأرضية التى قد تكون أسفل قدميه.
ومع ذلك كله ومعَ فَرض صحة وصول المدخلات صحيحةً من خلال تلك الجوارح المحدودة فإنّ مخرجات العقل ونتائجه لا يلزمُ أن تكون صحيحةً وقطعيةً ونهائيةً، فقد يتأثر العقلُ بمؤثرات جانبية شتّى بتأثير البيئة المحيطة من حوله التي يتفاعلُ معها الإنسان، وبتأثير المعتقدات والأيدلوجيات التي يفترضُ الإِنسانُ أنها مسلمةٌ منَ المسلمات التي لا يمكن النظر فيها، ولولا ذلك لما اختلف الناسُ ولكنَّها سنة إلهية في
الخلقِ ماضيةً قَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةٌ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ *
118
(
:هود: 118 - 0119
هذا إضافة إلى ما قد يغشى بعض النفوس من فتن الهوى والعُجب والغرور وحب الظهور التي كثيرًا ما تتملَّك الأشخاص فتحجب عنهم الحقيقة حتى تزعم أنها خيال، والحقَّ حتى تزعم أَنَّهُ، باطل والسَّراب حتى تزعم أنه ماء نمير.
وصحة العقل شرط لوجوب التكليف على الإنسان، فالمجنون لا يجب عليه شيء من الأحكام التكليفيَّة، وكما يقولُ العلماء: "إذَا أَخذَ اللَّهُ مَا وَهَبَ أَسْقِطَ مَا أَوْجَبَ"، فالعَقْلُ إِذَا شرطٌ للوجوب، وليس مشرِّعًا للمكلفين، بمعنى أن تكون عليه مدار الأحكام إيجابًا وتحريما؛ فإنَّ هم تعالى ناط أمر التكليف بإرسال النذيرِ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) الإسراء: 15، ولم يقل حتى تركب عقولاً، وإلا لأصبحَ
لكل فرد في العالم دين خاص به يختلف عن غيره لاختلاف نتائج الأفكار والأفهام. ولذا فإنَّ العقل وإن توصل إلى استحسان شيء أو استقباحه لم يدل ذلك على الإيجاب أو التحريم؛ لأنَّ هـ قد جعل للتشريع عمومًا وللأحكام التكليفية خصوصاً
بابا آخر وهو الوحي بنوعيه: الجلي والخفيُّ:) كتاب هم، وسنة رسوله .. (1/34)
صفحة 35
ومن حفظ المتون حاز الفنون:
ومَا أروع ما خَصَهُ الإمامُ السَّالِمِيُّ (1) - رَحِمَهُ الله - في هذه المسألة في مقدمة مدارجه
قائلا (2):
فحاكِمُ الشَّرْعِ قَضَى بِمَا جَرَى
فإنَّهُ وإِنْ يَكُنْ يَستَحسِنُ فذاكَ باعتبار ما للطَّبع و رُبَّما أَدْركَ وصف النقص
لكنه لا باعتبار فإِنَّهُ وإِنْ يَكُنْ يَع
إِذْ ليسَ كُلُّ ما يَصحُ عِلْمُهُ
فَسَقَطَ الدَّورُ الذي قد ذُكرا
***
***
***
***
***
***
لا العقل يا ذَا فَاتَرُكَنْ عَنْكَ المَرَا
أشيا وأشياء لها
يستهجنُ
ملائم لا باعتبار باعتبار الشرع
وَصفَةَ الكَمَال فيما يُحصـ
تكليفه الذي أتى من ربِّه
مرَّ فللإيجاب نهج عُلم
يكُونُ واجبًا علينا
حُكْمُهُ
وثَبَتَ الحَقُّ الذي قدْ بَهَـ
ـرا
(1) - نورُ الدِّين أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي، ولد بالحوقين من أعمال ولاية الرستاق، عاش بين (1286 - 1332 هـ)، صار علامة زمانه ومرجع أهل عمان من مؤلفاته: مشارق أنوار العقول في العقيدة، وجوهر النظام في الفقه، وتحفة الأعيان في التاريخ، وشرح الجامع الصحيح في الحديث، وله مؤلفات أخرى كثيرة.
(2)
يُنظر: دليل أعلام عمان جامعة السلطان قابوس، ص 112.
2) - السَّالِمِي،.، عبد هم بن حميد. مدارج الكمال، ص 6. (1/35)
صفحة 36
أخي العابد/ أختي العابدة:
زمن
شَرَفُ العِلْمِ
أمرنا هم تعالى بعبادته وامتثال أمره ونهيه بعد توحيده، وكُلُّ ذلك لا يمكن لنا أن تحققَهُ على الكيفية التي أرادها خالقنا لا اله إلا إذا كُنَّا متسلحين بسلاح العلم في زمن عمَّ وشاع فيه الجهلُ بالدِّينِ وأحكامه، وإلا إذا كنا متمسكين بشعلة العلم في أظلمت فيه على الناسِ الدُّروب نحو علام الغيوب، فالعلم هداية في الظلمات الحالكة يهتدي به صاحبُهُ إلى مسالك السَّلامة والنَّجاة ويبتعد به عَن مزالق الغواية والانحراف، بخلاف الجاهل الذي يتخبط في الظلمات فإِنَّهُ في الحقيقة لا يزداد إلا بُعدًا وهو يحسَبُ أَنَّه يقرُبُ مِن غايته وهدفه أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجَ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلكَفِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (الأنعام: 122،، وفي هذا المعنى يقولُ شاعرُ العلماء وعالم الشعراء العلامة أبو مسلم - رَحِمَهُ الله - تعالى):
وَمَنْ مَضَى فِي طَرِيقِ لَا دَلِيْلَ لَهَا
وَفَاقدُ العَيْن مُحْتَاج لقائده فاستنهض النَّفْسَ فِي إِدْرَاكَ مَا جَهَلَتْ
***
***
***
وَلا مَعَالَمَ تَهْدِي ضَل وانقطعا لَوْلاهُ لَمْ يَدْر مَهْمَا جَارَ أَوْ سَدَعَا حَتَّى تَرَى العِلمَ فِي حَافَاتِها سَطَعا
(1) - البهلاني، أبو مسلم، الديوان 291. (1/36)
صفحة 37
والعلم فضائله لا تحصى، لا تحصى، ولا تُعَدُّ ولا تُستقصى، وردت به آيات الكتاب والمتواترات من أحاديث النبيِّ الأَوَّاب ا، وأخبارُ السَّلَف الصالح رضوان هي تعالى
عَلَيهم:
وَفَضْلُهُ لَيْسَ لَهُ إِحْصَاءُ
***
جَاءَتْ بهِ مِنْ رَبِّنَا الْأَنْبَاءُ (1)
فمِنَ الكِتابِ
قولُهُ تعالى: يَرْفَعَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
دَرَجَتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)
11
المجادلة: 11
فجعل الله للعالمين درجات فوق
درجاتِ المؤمنين، وما ذلك إلا تشريف وتعظيم للعلم وأهله؛ إذْ لولا العِلْمُ ما كانت لهم هذه المنزلةُ السَّامية، والدَّرجة الرفيعةُ العَالية.
وفي سورة آل عمران يجعلُ هي تعالى أهل العلم شهداء له بوحدانيته بعد ملائكته وبعد شهادته هو لنفسه حينَ يقولُ: شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَيْكَةُ وَأُولُوا
18
الْعِلْمِ قَابِمَا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (آل عمران: 18 فبدأ بنفس وثنى بملائكته وثلث بأهل العلم تنبيها على شرف ما يحملونه من أمانة.
ونبه في سورة النَّمل أن صاحب سليمانَ مَا استطاع على ما استطاع عليه - بعون - من نقل عرشِ بَلْقيسَ مِنَ اليمنِ إلى الشَّامِ إِلا لِمِزِيَّةِ العلمِ {قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمُ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا عَانِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَوَاهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ، قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي - النمل: 40 وقد ورد في السُّنَّة الثابتة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم من فضائل
العلم كثير، وفيما يأتي غيض من فيض:
(1)
1) - السَّالِمِي،، عبد هم بن حميد. بهجة الأنوار، ص 4. (1/37)
صفحة 38
عن أنس مالك
بن
قال: " اطلبوا العلم ولو بالصين (1)،
ومِنْ طَريقه عنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " إِنَّ الملائكةَ لتَضَعُ أَجْنِحَتِها لطالب العلم رضًا لما
يطلب
عن أبي هريرة قالَ: قالَ رسولُ: من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل هـ له طريقًا إلى الجنَّة ". (3)
الدين"
عن أنس بن مالك عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " مَنْ أَرادَ هم به خيرًا فَقْهَهُ فِي
(4)
عن جابر بن زيد قال: بلغني عن رسُول هـ قال: "رسم المداد في ثوب أحدكم إذا كانَ يَكْتبُ علمًا كالدَّم في سبيل هـ، ولا يزالُ ينالُ به الأجر ما دامَ
ذلك المدادُ في ثوبه "
لَطِيفَةٌ
بَينَ العِلْمِ وَالعَقْل
عِلْمُ العَلِيمِ وعَقْلُ العَاقل اختلفَا
فَالعِلْمُ قَالَ أَنَا قَدْ حَزْتُ غَايَتَهُ فَأَفْصَحَ العِلْمُ إِفْصَاحًا وَقَالَ لَهُ
فَبَان للعَقْل أَنَّ العِلْمَ سَيِّدُهُ
***
***
***
***
(1) ـ الربيع، باب: في العلم وطلبة وفضلة، رقم الحديث 18.
(2) الربيع، باب: في العلم وطلبة وفضلة، رقم الحديث 20.
()
مَنْ ذَا الذي مِنْهما قَدْ أَحْرَزَ الشَّرَفَا والعَقْلُ قَالَ أَنَا الرَّحمنُ فِي عُرِفَا بأَيِّنَا اللهُ فِي قُرْآنَه أَتَصَفَا فَقَبَّلُ العَقْلُ رَأْسَ العِلْمِ وَالصَرَفَا
- الربيع، باب: في العلم وطلبة وفضلة رقم الحديث.21 والترمذي باب فضل العلم رقم الحديث 2570، وابن ماجه باب: فضل العلماء والحث على طلب العلم رقم الحديث 219.
(4)
- الربيع، باب: في العلم وطلبة وفضلة، رقم الحديث 26، ومالك رقم 1400، والبخاري رقم الحديث 69.
(5) الربيع، باب: في العلم وطلبة وفضلة، رقم الحديث 28. (1/38)
صفحة 39
الحُكْمُ الشَّرعِيُّ
اعْلَمْ أَيُّهَا الطَّالبُ الذكي - سهَّلَ اللهُ لكَ طريق العلم- أَنَّ الحكم الشرعيَّ يُعرفُ بأَنَّهُ هوَ: "أثرُ خِطَابِ الله تعالى المتعَلِّقُ بِأَفْعَالِ المكَلَّفِينَ اقتضاء أو تخييرًا، أو وضعًا (1). وبهذا تُدرك أيُّها الأَلْمعِيُّ أنَّ أحكام الشريعة - إجمالا - تنقسم إلى قسمين اثنين رئيسين (أحكام تكليفية، وأحكام وضعية)، ويندرج تحت كلِّ منهما أحكام فرعية كانَ لابد لطالب العلم أنْ يُلِمَّ بشَيْءٍ منْها - ولو باختصار - حتى لا يُشكل عليهِ شَيءٌ من الاصطلاحات فيما يأتي.
تكليفي
الحكم الشرعي
وضعي
أَوَّلاً: الحُكْمُ التَّكليفي:
وينقسم إلى خمسة أقسام رئيسة وهي الوجوب، والنَّدبُ، والتحريم، والكراهة،
والإباحة.
1 - الوُجُوبُ: هو طَلَبُ الفعلِ عَلَى وَجْهِ الإلزام، بحيثُ يُثَابُ فاعلُهُ ويُعاقَبُ تارِكُهُ. وجوبُ الصَّلاة لقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلوةَ البقرة: 43
مثاله
(1)
- السالمي، عبد الله بن حميد. طلعة الشمس ج 2 ص 325 - 326. طبعة: مكتبة الإمام نور الدين السالمي (الحديثة والمحققة).
اقتضاء: أي طلبا، فيدخل في ذلك ما يُطلب فعله، وهو الواجب والمندوب، وما يُطلب تركه وهو الحرام معنى والمكروه، أما التخيير: فيُراد به المباح، وأما الوَضعُ فهو جَعْلُ الشيء شرطًا أو سببًا أو مانعا لغيره كما سيأتيك قريبا
بإذنه تعالى-. (1/39)
صفحة 40
وينقسم الواجب إلى قسمين:
أ- واجبٌ عيني: يَلْزَمُ كلَّ واحدٍ منَ المُكلَّفين بعينه، كالصَّلواتِ الخَمسِ، وَصَومِ رمضان، والحج.
ب واجب كفائي: إذا قام به بعض المكلَّفين سقط عنِ الباقين، وإنْ لم يَقُم بـ أحد أثموا جميعًا، وذلك كصلاة الميت، وسائر الأمور المتعلقة بتجهيزه.
به
2 - الندب: وهو طلب الفعل طلبًا غيرَ مُلزِمٍ، بحيثُ يُثاب فاعلُهُ ولا يُعاقَبُ تاركة). مثاله قوله:" صَلُّوا قَبْلَ صَلاة الْمَغْرب، قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: " لِمَنْ شَاءَ (2). ويُسمَّى الفعلُ بـ"المندوب"
—
3 - التَّحْرِيمُ: هوَ طلب ترك الفعل طلبًا، ملزما، بحيث يُثاب تاركُهُ ويُعاقَبُ فاعلُهُ. مثاله / تحريمُ الرِّبا بقولِهِ تَعَالَى: {لَا تَأْكُلُوا الرِّبوا - آل عمران: 130،، وتحريم البيع على بيع الأخ بقوله: " وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ "
ويُسمى الفعل بـ " المحرم".
(1)
(3)
مر
تَنْبيَّة مُهم: نعم المندوب "لا يعاقب تاركه"، هذا من حيث الحكم الشرعي، ولكن قد علمت أنَّ شأن المؤمن الحقِّ الامتثال المباشر والفوري لأمر الله وعمل والامتثال لأمر رسوله، و لم يكن سلف هذه الأمة من الرعيل الأول من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم بأمر أو نهاهم عن آخر يسألون النبي هل هذا الأمر للوجوب أو للندب؟ وهل هذا النهي للتحريم أو للكراهة؟ ... فإن كان للندب تركوه أو كان النهي للكراهة خالفوه، بل الشأن كما قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأَوْلَتَبكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (النور: 051 فما عليك أيها المسارع للخيرات - إلا أن تأخذ بالأحزم لأمر دينك وآخرتك، والأحوط في عبادتك، والأجزى
عند ربك، حتى تكون معية الله معك، ورعايته ترعاك، وحفاوته تحفك؛ مصداقا للحديث القدسي الذي يرويه عن رب العزة: "وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بـ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يبطش بها وَرَحْلَهُ الَّتِي يَمْشي بهَا وَإنْ سَألني لأعطينَهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأعيذله".
(البخاري، باب: التواضع، رقم الحديث 6021)
(2) ـ البخاري، باب الصلاة قبل المغرب، رقم الحديث 1111.
(3) – الموطأ، باب: ما ينهى عنه من المساومة والمبايعة، رقم الحديث 1189. (1/40)
صفحة 41
4 - الكَرَاهَةُ: هيَ طلب ترك الفعل طلبًا غيرَ مُلزِمٍ، طلبا غير مُلزِمٍ، بحيثُ يُثاب تاركُهُ ولا يُعاقَبُ
فاعله.
(1)
مثالُهُ كراهة الصَّلاة بعدَ صَلاة الفجر وصلاة العصر؛ لقوله: " لا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس ويُسمَّى الفعلُ بـ" المكروه".
ه - الإباحةُ: هي التسوية بين طلب الفعل وطلب الترك، بحيث يكون المكلف مخيرًا
بينهما.
مثاله الأكل والشرب في قوله تعالى كُلُوا وَاشْرَبُوا * الطور: 19
ويسمى الفعلُ بـ" المباح".
مُلاحَظَةٌ: الثواب والعقاب في المباح حسب نية المكلَّف، فإذا نوى به الطاعة كالتقوي بالأكل - مثلاً - علَى الصَّلاة والصيام أُثِيْبَ وَأُجر، وإذا نَوَى به المعصية
كالإفساد في الأرضِ عصَى وأَثِمَ.
(1) الربيع، باب: جامع الصلاة، رقم الحديث 295. (1/41)
صفحة 42
ثانيا: الحكم الوضعي
وينقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسة وهي: (الشرط، والسبب، والمانع).
أ- الشرط:
تعريفه ما يلزم منْ عَدَمه العَدَمُ، ولا يلزمُ من وجوده وُجُودٌ ولا عَدَمٌ لذاته. وبالمثال يتضح المقال
الوضوء شرط لصحة الصَّلاةِ، فَيَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ وجود الوضوء عدم صحة الصلاة؛
لأنَّ الصلاةَ لا تصح إلا بوضوء، ولكن لا يلزَمُ من وجود الوضوء وجود الصلاة، فَرُبَّما يتوضأُ الإنسانُ لأجل قراءة القرآن أو لأجل النوم مثلاً.
ب السَّبب:
تعريفه ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدمُ لذاته. وبالمثال يتضحُ المقال
دخولُ الوقت سبب لوجوب الصلاة)، فيلزمُ من زوالِ الشَّمس وجوبُ الصَّلاة صلاة الظهر على المكلَّف، ويلزمُ من عدم الزَّوال عدم وجوب صلاة الظهر.
ت المانع: تعريفه ما يلزم من وجوده العدمُ، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته، وهو عَكْسُ الشَّرْطِ كَمَا تَرَى. وبالمثال يتضحُ المقالُ
الحيضُ مانع منَ الصَّلاةَ، فَيَلْزَمُ من وُجود الحيض عدم وجوب الصَّلاة بل منعها وحرمتها، ولكن لا يلزمُ من عدم وجود الحيض وجوبُ الصَّلاة أو عدمها، فقد لا تجب الصلاة لوجود مانع آخر كزوال العقل مثلاً.
(1) - ولا يُشكل عليكَ -أيها النبيه - ما ستجده لاحقا من ذكر "الوقت" في باب "شُرُوطُ الصَّلاة"؛ وذلك لأن وقت الصلاة هو باعتبار وجوب الصلاة أو عدمه سبب، وباعتبار صحة الصلاة أو عدمها شرط، كما يستوعبه تطبيق تعريف السبب وتعريف الشرط على كلا الاعتبارين إذن الوقت من حيث الوجوب سبب، ومن حيث الصحة شرط. قلته عن نظر لا عن أثر، فانظر فيه ولا تأخذ إلا بعدله. (1/42)
صفحة 43
ويد
القَوَاعِدُ الكُلِّيَةُ الخَمْسُ
اتفق العلماء على خمس قواعد كلّية في الفقه الإسلامي تندرج تحتها المئات بل الآلافُ مِنَ الفُروع الفقهية والعملية؛ لذا وجب عليك يا طالب العلم الشريف الإلمام بها ولو باختصار مع التمثيل والتدليل لكل واحدة منها:
فمَنْ يُمارِسُها يُحَصِّلْ مَلَكَة
1 - اليَقينُ لا يَزُولُ بالشَّك:
والوهم.
***
يَدْرِي بِهَا مَأخذَهُ ومَسْلَكَهُ (1)
الشرحُ إذا تيقّنَ المُكَلِّفُ من حالة صارَ إليها فلا ينتقل عنها لمجرد الشك
المثالُ مَن تيقنَ أَنَّهُ توصاً فلا ينتقض وضوؤهُ ذلك إلا بتيقن حصول ما ينقصُ الوضوء كخروج دم أو ريح من الدُّبرِ، أَمَّا مجردُ شَكٍّ فلا يلتفت إليه ويمضي في
عبادته.
الدَّليلُ
ما رواه ابنُ عباس أَنَّ النَّبِيَّ أنَّ النَّبي قال: " إذا شك أحدكم في صلاته فلا
ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يشم ريحا
(1) ـ السالمي، عبد هم بن حميد، جوهر النظام، ج 1 ص 30
(2) ـ الربيع، باب: ما يجب منه الوضوء، رقم الحديث 106.
لعل ذكر الصلاة في الحديث جارٍ مجرى الأغلب المعتاد، وإلا فإنّ جمهور أهل العلم لا يقصرون هذا الحكم في حال
الصلاة فقط بل الشَّكُ. عندهم غير معتبر
مطلقا لا في الصلاة ولا في خارجها ما لم يكن ظنَّا غالبا، قلتُ: وهو الذي
صرح بتصحيحه شيخنا أبو عبد الرحمن القنوبي أنعم الله عليه بالصحة والعافية.
وقد أضاف شيخنا أبو عبد الرحمن القنوبي -حفظه الله - عند مراجعته هذا التنبيه "الصحيح أنه لا يلتفت إلى الشك
سواء طرأ عليه في الصلاة أو خارجها. (1/43)
صفحة 44
2 - الأُمُورُ بمقاصدها:
الشرح العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني.
المثالُ مَن اعتاد على نيّات الصَّلاة اللفظية، فقامَ لصلاة الظهر، ولم ينتبه
فَتَلَفَّظَ بالعصر بدلاً من الظهر، فالعبرة بقصده ونيته القلبية لا بلفظ اللسان (1).، وَنِيَّةُ الصَّلاةِ بالجَنَانِ
***
فَقَط دُونَ النُّطْقِ بِاللَّسَانِ (1)
الدليلُ ما رواه ابنُ عباس وعمرُ بنُ الخطاب أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " إنما
الأعمال بالنيات"
3 - الضررُ يُزالُ:
الشرح كلُّ ما يؤدي إلى إيقاع الضرر أو الحرج أو المفسدة على المكلف أو غير المكلّف فإنَّه يُرفعُ ويُزالُ (4).
المثالُ من أوضح الأمثلة على هذه القاعدة الأحكام المترتبة على حفظ الضرورات الخمس، وهي: الدِّينُ والنفس، والعقلُ، والمال، والعرض، فشرع لحفظ الدين ورفع الضرر عنه الجهاد.
هذا ومما ينبغي أن يُعلم أنه ليس المقصود بقوله صلى الله عليه وسلم: "حتى؛ يسمع صوتا أو يشم ريحا" سماع الصوت أو وجدان الرائحة فقط، وإنما المقصود حتى يعلم ويستيقن أنه قد أحدث سواء علم ذلك بالصوت أو الريح أو بغير ذلك من وسائل العلم التي لا تحتمل الشك والريب".
(1) ?
(القنوبي. دروس صيف 1425 هـ / 2004 م، "مذكرة خاصة/ شرح أبواب من الإيضاح"، ص 4).
- انظر: تنبيهنا في "البابُ الرَّابعُ / أركانُ الصَّلاة" ركنُ النية.
(2) ـ السالمي، عبد هم بن حميد. جوهر النظام، ج 1 ص 7
(3) ـ الربيع، باب: في النية، رقم الحديث 1. والبخاري، باب: بدء الوحي، رقم الحديث 1.
(E)
بن
4) ـ الخليلي، أحمد يوافقه 2006/ 9/25 م.
حمد.
برنامج: "سؤال" أهل الذكر تلفزيون سلطنة عمان حلقة 1 رمضان 1427 هـ (1/44)
صفحة 45
ولحفظ العقل تحريم الخمر وكلّ مُسكر
والحفظ المال تحريمُ السَّرقة
ولحفظ العرض تحريمُ القَذف
وقس على ذلكَ كُلِّ ضَررٍ يقعُ بينَ العِبَادِ بعضهم على بعض
وَجَاءَ لَا ضُرَّ ولا ضرارا
***
قاعدَةٌ نَبْنِي بها آثارا (1)
"
الدليل قوله: " لا ضَرَرَ ولا ضرار (2)، وقبل ذلك الآيات القرآنية التي تنهى
6
عن إيقاعِ الضَّرر بالغيرِ كَقوله تعالى لَا تُضَارَ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} البقرة: 233.
- المشقة تجلب التيسير:
الشرح القاعدةُ تشيرُ إلى يُسْرِ الشَّريعة في تطبيق الأحكام فما وقع فيه على المكلف عسر وعناء ومشقة غير معتادة وخارجة عن الطاقة رُخّص فيها لذلك الحرج. المثال القصرُ في السَّفر، والتيمم عند عدم الماء، وأكل الميتة عند الضرورة،
وإفطار رمضان للمريض والمسافر
•140
الدليلُ قَولُهُ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج
البقرة:
يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَنُ ضَعِيفًا)
28
النساء: 28، وغيرها من
الآيات القرآنية إضافة إلى الأحاديث النبوية.
(1)
) - السالمي، عبد هم بن حميد، جوهر النظام ج 1 ص 113
(2) - الحاكم، المستدرك 57/ 2.
(3) - الراشدي، سفيان بن محمد جواهر القواعد ص 105. (1/45)
صفحة 46
ه - العادَةُ محكمة:
الشرح يعبَّرُ عنها أيضًا بقولهم "العُرْفُ مُعْتَبَرُ"، فما اعتاد عليه النَّاسُ وتعارفوا عليه مما لا يُخالف حكمًا شرعيًّا وتلقتْهُ الطَّباعُ السَّليمةُ بالقَبول (1)، فإنهُ يُعتد به ويُرجعُ إليه في تعاملات النَّاس وفض نزاعاتهم، ولذلك اشتهر من قواعدهم "المعروف عُرفًا كالمشروط شَرْطًا. المثال الإيجاب والقبول في البيع والشّراءِ مِنْ غيرِ تلفظ بين المتعاقدين، وإنا بالأخذ والعطاء، وكأجرة السَّيارات من مكان لآخر، فإنها حسب العرف والعادة الجارية، فلو تنازع صاحب السيارة مع عابرِ السَّبيلِ فإنهم يرجعون إلى العُرف السائد ما لم يكن هناك شرط لأحدهما على الآخر
الدَّليلُ / قولُهُ تَعَالَى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ له البقرة: 228.
-
وقد لخص هذه القواعد الكلية الخمس الإمامُ نورُ الدِّينِ رَحِمَهُ اللهُ في
الأصول" تسهيلاً لكي تحفظها أخي طالب العلم / أختي طالبة العلم:
أمَّا اليَقينُ فَهُوَ لا يُزِيلُهُ
وإِنَّمَا (الأمُورُ بِالمقاصد
و (يُجلَبُ التَيْسِيرُ بالمشقة)
وإِنَّ
(لِلعَادةِ حُكْمًا) فَعَلَ
***
***
***
إلا يقين) مثلُهُ حُصوله و الضُّرُّ مَرفوع بلا مُعاند إِذْ لَيْسَ فِي الدِّين عَذابُ الأمَّة ما قد ذكرتُ أسَّسَ الفقه الأُلَى (2)
(1) - تَنْبيَّة لُغَوِيُّ: القبول بفتح القاف - هكذا ضبطها الصحيح فهي مصدر قَبِلَ يَقْبَل قبولا، وفي الكتاب العزيز فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ} آل عمران: 37، ويخطى بعضُهم فيقول: نسأل الله لكَ القُبول، ومثله ما نسمعه من بعض إخواننا الطلبة يقولون: عمادة القبول والتسجيل، والصواب: عمادة القبول) والتسجيل.
يُنظر: الخليلي، "أخطاء شائعة في اللغة العربية"، "مادة سمعية"، إنتاج مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية.
(2) - السالمي، عبد هم بن حميد. طلعة الشمس ج 2 ص 191/ ج 2 ص 290، 291 "طبعة: مكتبة الإمام السالمي". (1/46)
صفحة 47
خصَائِصُ التَّشريع الإسلامي
يتميز التشريع الإسلامي بخصائص فريدة تجعله قابلاً للعمل والتطبيق في كلّ مكانٍ وزمان بما يخدم الفرد والمجتمع، والجسَدَ والروح في آن واحد، لا يتعارض مع أسس العلم القطعية ولا منطقِ العُقولِ السَّليمةِ، مما حدا بهِ اليومَ أن يُعتمد كأحد مصادر التشريع العالمية.
الخاصيَّةُ الأولى/ الربانية:
هذه الخاصية من أعظم خصائص التشريع الإسلامي، إذ إنَّها تشير إلى أنَّ مصدر هذه الشريعة من عند الرَّبِّ الكامل لا المخلوقات الناقصة، كما أنها تشير في وقت واحد إلى المبدأ والنهاية، والمصدر، والغاية، وهو هم الخالق، منه المبدأ وإليه الرجعي ولهُ الحَمدُ في الآخرة والأولى، كي يُدرك الإنسانُ سبب وجوده في هذه الحياة، والغاية التي خُلق من أجلها، والمنقلَبَ الذي يؤولُ إليه، خلافًا لذلك البعيد المبتعد عن شرعة ه ونهجه القويمِ، فهو يرى أنَّ الحياةَ كلُّها ألغاز مُعمَّاةٌ، وَأَنَّ مَا حَولَه ظَلامٌ في ظلام في
ظلام، وهو يردِّدُ مُتخبّطًا:
جئتُ لا أعلمُ مِن أينَ؟ ولكني أتيتُ
ولقد أبصرتُ قُدَّامي طريقًا
فمشيت
وسأبقى ماشيًا
شئتُ هذا أو أبيتُ
كيف جئت؟!
كيف أبصَرْتُ طريقي؟!! (1/47)
صفحة 48
لستُ أدري ... (إلى أنْ قالَ): أهْذَا اللُّغْزِ حِلٌّ أَمْ سَيبَقَى سَرْمَدِيا؟!
لست أذري
ولماذا لستُ أدري؟!!!
لستُ أدري ... (1)
الخاصية الثانية/ السُّمُولُ:
تشير هذه الخاصيَّةُ إلى حقيقة أنَّ التشريع الإسلامي ليس تشريعا رهبانيا ينحصر في دور العبادة والصَّلاة، بل هو تشريع شامل ينظمُ عَلاقة الإنسان بربه في العبادات، وعَلاقة الإنسان بغيره من البشر في المعاملات ومَعَ كلِّ مُفْردة من مُفردات الحياة والوجود، في السياسة والاقتصاد في الاجتماع والتربية، فالإسلام دين ودولة، عقيدة وشريعة، عبادة وسلوك، يَنظُرُ إلى هذه الحياة على أنها مزرعة للحياة الآخرة، لا يُفرِّطُ في أولى ولا يُقصِّرُ في أَخْرَى؛ قَالَ تَعَالَى: وَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ تِبْيَنَا لِكُلِّ
شَيْءٍ
النحل: 89.
ففي القُرآن الكريم ما وردَ مُفَصَّلاً كمقادير الحدود والمواريث، ومنه ما وَرَدَ مُجْمَلاً تَولَّت السُنَّةُ النبويَّةُ بيانهُ وتفصيله كتفاصيل العبادات من صلاة وزكاة وحَجٌ ... أو مَوْكُولاً لمصالح النَّاسِ وأَعْرَافِهِمُ المعتبرة شرعًا ككثير من قضايا المعاملاتِ المالية وتفصيلاتها (2).
(1) - هذه الحيرة التي وقع فيها هذا المتمرد على فطرته وعقله، ستزول في قبره عندما يُسقط في يده ويحير لسؤال الملكين جوابا فيقول: "لا أدري"، فيجابُ "لا" دريت ولا تليت" (البخاري/1252).
للمزيد والفائدة يُنظر: جواب مطوّل لسماحة المفتي - أيده الله - في الرد على أحد الكتاب المغرضين في وقته. مخطوط مؤرخ بتاريخ: 12 ربيع الثاني 1412 هـ / مسقط، بحوزة الكاتب نسخة منه.
(1)
2) - وفي هذا نقض لبدعة العَلْمَانِيَّة التي تدعو إلى فصل الدين عن الدولة، وحصر الدين في جدران المسجد أو الكنيسة بعيدا عن معترك الحياة العامة وميادينها المختلفة، وقد ظهرت العلمانية أولا في أوروبا كتيار مضاد وكردة فعل معاكسة (1/48)
صفحة 49
الخاصية الثالثةُ العُمُومُ: كان النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلى قومه خاصةً وبُعِثَ مَحَمَّدٌ بهذا التشريع العظيم إلى الكافة
(214
إنسًا وجِنَّا مِنْ يومٍ أنْ أمَرَهُ رَبُّهُ بقوله: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) 214 وإلى قيام الساعةِ، قَالَ تَعَالَى: {قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جميعا الأعراف: 158، وقَالَ: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِين الأحزاب: 40.
لذلك امتثل عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أمرَ رَبِّه فوجَّة البعوث والرسائل إلى كافة أُمَم العالم وشعوبها، فلم يكن هذا الدِّينُ في يوم من الأيام دينًا قوميا بل هو منذُ مرحلته الأولى دين عالمي؛ قال تعالى مخاطبًا نبيَّهُ الكَرِيمَ: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (الأنبياء: 107، والعالَمُونَ: جمعُ عَالَم بالفتح، والعَالَمُ: هوَ كُلُّ مَا كَانَ علامةً ودلالةً على وُجود الخالق ل. (1)
للتيار الديني السائد هناك (النصرانية المحرفة)، حينما حاربت هذه الأخيرة العلم، وألغت العقل كليا، ووقفت ضد أي اكتشاف أو اختراع أو إبداع بشري، حتى لاحقت العلماء وقتلتهم بعد أن اتهمتهم بالهرطقة (الزندقة أو المروق الديني، " Heretic")، ووجد عندهم ما يُعرف بمحاكم التفتيش والتي فيها من العذاب ألوان، وأصدرت عليهم صكوك الحرمان من الجنة .. في مقابل صكوك الغفران.
ولكن شريعة الإسلام الصافية النقية بعيدة كل البعد عن هذه الدينية المتخلفة وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ
يُوقِنُونَ
المائدة: 50.
- يُنظر:
الخليلي، شرح منظومة غاية المراد ص 180.
الخليلي، العقل بين جماح الطبع وترويض الشرع ص 192.
وتطبيقا لهذه الخاصية (العالمية) لابد أن تقوم الأمة أفرادا ومجتمعات بواجب دعوة الغير إلى دين هم تعالى، لا سيما أولئك الذين يتقنون تلك اللغة التي اعتبرت هي اللغة العالمية الأولى لهذا العصر (اللغة الإنجليزية)، فإنَّ هم تعالى أرسل
كل رسول إلى قومه بلغتهم ليحدثهم بما يعقلون وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمَّ (1/49)
صفحة 50
الخاصية الرابعةُ الثَّبَات والمرُونَةُ:
تجمع الشريعة الإسلامية بين صفتَي الثَّبات والمرونة، فهناك أحكام ثابتةً وقضايا غيرُ قابلة للتغيير والتبديل، ولا يجوز فيها الاجتهاد إجمالاً، بل شأنُ المؤمن الحقِّ فيها كما قالَ عَزَّ وَجَلَّ:
إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُم بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا
وَأَطَعْنَا وَأَوْلَتَبكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) النور: 051
فمن الأحكام الثابتة ما ورد في المصادر الشرعية الأصلية من القضايا التي لا يصلها الاجتهاد رغم تغير الظروف والأزمان كأحكام العقائد وأصول الدين وأركان الإيمان وأركان الإسلام من صلاة وصيام وحجّ، وكذلك مكارم الأخلاق كالصدق والأمانة، وهكذا تحريم الزنا والغش والسَّرقة وقتل النَّفْسِ المُحَرَّمَة، فهذه الأحكامُ لا تتغير بتغير الزمان والمكان، ولا يُقبل الاجتهاد فيها من حيث العمُومُ).
إبراهيم:، وجعل الله اختلاف الألسن واللغات من آياته العظيمة التي امتن بها على خلقه حينما قال: {وَمِنْ آيَيْهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَفُ أَلْسِنَيْكُمْ وَأَلْوَيَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَتِ الْعَلِمِينَ) الروم: 22. ونحن نجد اليوم ومن خلال تعاملنا مع كثير من غير المسلمين أن الكثير منهم متعطش لمعرفة الإسلام ومبادئه وما يدعو إليه لا سيما في وجه الحملة الشرسة من قبل وسائل الإعلام ضد الإسلام والمسلمين.
بل لو رجعنا إلى المسلمين أنفسهم لوجدنا أن الغالبية العظمى منهم لا تحسن بل لا تتكلم اللغة العربية أصلا، فإن نسبة المسلمين العرب لا تتعدى 15% من المجموع الكلي للمسلمين كما نشرت ذلك إحدى الدراسات المعاصرة، المرجع:
Islam and Muslims, printed by Discover Islam Center - Page 120
(1) – يمكن أن يقع الخلاف والاختلاف في تفاصيل هذه الأصول والثوابت كاختلافهم في الوتر هل هي من أم النوافل، وكاختلافهم في تفاصيل الزكاة والحج ... إلخ.
الواجبات (1/50)
صفحة 51
وفي مقابل ذلك هناك أحكام مَرئَةٌ متغيرة قابلة للأخذ والرد، وللاجتهاد فيها مجال
و
رحب، وذلك في الأشياء غير المنصوص عليها قطعًا، أو المختلف في ثبوتها، وكذلك ما نيط بمصالح النَّاسِ وحاجاتهم المختلفة في كلّ مكان وزمان، وما كان مبنيا على الرخص ورفع الحرج.
ومِنَ الأمثلة على الأحكام المرنة الاختلاف في الفَصْلِ أو الوَصْل في نوافل النَّهار (1)، والاشتراك في الأوقات (2)، ومقادير التعزيرات التي يحددها الحاكم، وعقود المعاملات المستحدثة، وكذلك الترخيص للمَريض والمسافر ليُفطروا في نهار الصيام،
والحامل والمرضع إذا احتاجتا.
(1)
1) ـ كل ذلك جائز عند الشيخ القنوبي -حفظه ه-. يُنظر: القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 156
(2)
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة 24 رمضان 1425 هـ، يوافقه 8 نوفمبر 2004 م.
2) – القول بالاشتراك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء هو الراجح عند الشيخين -حفظهما ه- كما سيأتي إن شاء هـ تعالى. يُنظر: الباب الثالثُ: في شُروط الصَّلاة/ شرط الوقت. (1/51)
صفحة 52
أَوَّلاً: تَعْرِيْفُ الفِقْهِ:
فِقْهُ العِبَادَاتِ
لُغَةً: الفهمُ مطلقًا، أو فهم المعنى الذي فيه غموض (1) قال تعالى: {قَالُوا
يَشْعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ: هود: 091
اصطلاحًا: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المستنبطة من أدلتها التفصيلية.
تدرج مصطلح الفقه:
أصلُ كلمة الفقه في النصوص الشرعية عامةً يُرادُ منها العلم بأمور الدين عمومًا، ومنه تسميتهم للعقيدة بـ"الفقه الأكبر"، وعلى ذلك يُحْمَلُ مِثلُ قولِهِ تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَنَفَقَهُوا فِي الدِّينِ التوبة: 122، * وقوله عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: " مَنْ أَرادَ هم به خَيْرًا فقهَهُ فِي الدِّينِ (2)، ثم قُصرت في اصطلاح العلماء على الأحكام العملية فقط دون العقائد والأخلاق.
(1) - يُنظر: الفيومي. المصباح المنير، باب: الفاء مع ا القاف وما يثلثهما.
(2) – الربيع، باب: في العلم وطلبة وفضله، رقم الحديث 26. (1/52)
صفحة 53
ثانيًا: تعريف العبادات:
لغةً: مفرد "عبادة"، والعبادة هي الخضوع والطاعة والاستسلام والانقياد (1). اصطلاحًا: العبادة (بمعناها العام هي كلُّ عَمَلٍ مشروع يقدَّمُ ويُرادُ بِه وجه هـ تعالى، وبالمعنى الخاص) حصرها العلماء في مجموعة من الشعائر التعبدية كَالصَّلاة والزَّكَاةِ والصِّيامِ والحج، وهذا المعنى هو المراد في "فِقْهُ الْعِبَادَاتِ".
(1) - يُنظر: الفيومي، المصباح المنير، باب: العين مع الباء وما يثلثهما. (1/53)
صفحة 54
فِقْهُ الفِقْهِ
إنَّ الله تعالى عندما أمرنا بأداء العبادات كلّها من إقامة للصلاة وإيتاء للزكاة وإمساك في الصيام وسعي وطواف في الحج ... إلخ لم يُرد بذلك كله مجرد طقوس جوفاء لا أثر لها في السُّلوك الظاهر والباطن للإنسان بحيثُ لا تتجاوز مجرد القيام والنَّصَب، أو الإنفاق والبذل، أو الجوع والعَطَش .. وإنما أراد شيئًا أبعد من ذلك كله، غايات ساميةً روحانيةً من الخشوع والتزكية والامتثال التام والتعبدِ الخالص والتسليم المطلق الله الخالق اللطيف الخبير الحكيم العليم، والذي يجتمع كله في تقوى الله عل، فهذه هي الغاية الحقيقية من تشريع العبادات أمرًا ونهيًا، فعلاً وتركًا. لنا أن نُسميه بـ "فقه الفقه".
وهو ما يمكنُ
فعلى طالب العلم والسَّائِرِ في درب العبادة الصحيحة الموصلة إلى رضوان الله تبارك وتعالى أنْ لا يُهمل هذا الجانب المهم في عبادته، وأن لا يجعل من قيامه للعبادات مجرد التخلص من أداء فرض واجب عليه، بحيث يكونُ همه وغاية مقصوده هوَ إسقاط ذلكَ الدَّيْنِ الحال والواجب المحتَمِ، بلْ عليه أن يستشعر جوانب العبادة الروحانية وأسرارها الإيمانية، ويحاول أنْ يُعدّدَ النياتِ عند القيام لأدائها حتى تَعْظُمَ مَثُوبَتُهُ، وتعلوَ، درجتُهُ، ويزداد إيمانًا فوق إيمانه وإخلاصا فوق إخلاصه، وزكاةً فوق زكاته؛ فيكونَ من المؤمنين الذين حصرهم الله بقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ وَايَتُهُ، زَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ) أَوْلَيْكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَمْ دَرَجَتُ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمُ الأنفال: 2 - 4. (1/54)
صفحة 55
والمتأمل في مفردات العبادات واحدةً واحدةً يجد هذه اللفتة الروحانية متخلّلةً
تلك النصوص التشريعية في مختلف جوانب العبادات، وهذا ما جعل الرعيل الأوَّلَ من السلف الصالح - رضوان الله تعالى عليهم - ينفعلونَ معَ هذه العبادات، بل تعتملُ هذه العبادات في نُفُوسهم فأَثْرَتْ في مَجَرى حياتهم بعدَ أنْ كانت قُرَّةَ أعينهم ومهوى
أفئدتهم.
وتعالى
ففي الرُّكْنِ العملي الأول من أركان هذا الدِّينِ العظيم -وهيَ الصَّلاةُ - يُبَيِّنُ الله أن الغاية من الصلاة هي النهي عن الفحشاء والمنكرِ وَأَقِمِ الصَّلَوةُ إِنَّ الصَّلوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ العنكبوت: 45، فلذلك مَن لم تَنْهَهُ صلاته عن الفحشاء والمُنْكَر دَلَّ ذلكَ على وجود خلل كبير فيها، وأنَّ هذه الصَّلاةَ قد فقدت رُوحَها، فعليه أنْ يَتدارك نفسه بإقامة الصَّلاة حق الإقامة، ففي الحديث الصحيح لكل شيء عمود، وعمودُ الدِّينِ الصلاة، وعمود الصلاة الخشوع، وخيرُكم عند الله أتقَاكُم (1)، أمَّا مَن لم تَنْهَهُ صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها منَ الله إلا بُعدًا (2)
وفي جانب الزكاة والصَّدقة يقول تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بها التوبة: 103، التوبة: 103، وفي الصِّيامِ يقولُ تعَالى يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ البقرة: 183،، ويقولُ
" .. ولا صوم إلا بالكفّ عن محارم الله " (3).
(183
(1)
- الربيع، باب في فضل الصلاة وخشوعها، رقم الحديث 285.
(2) – الربيع، مراسيل الإمام جابر بن زيد. رقم الحديث 954. والمعجم الكبير للطبراني، رقم الحديث 10862.
(3) ـ الربيع، باب: في آداب الوضوء وفرضه، رقم الحديث 92. (1/55)
صفحة 56
هذه من
أمَّا عن الحج فنجد التنبية المتكرِّرَ والفواصل المتتابعة في بيان أنَّ الغاية الشعيرة الجليلة هي تحقيقُ فضيلة التقوى. وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
196
الحَج أَشْهُرُ مَعْلُومَتُ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوفَ وَلَا جِدَالَ في الْحَج وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمُهُ اللهُ وَتَزَوَدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ
197، و وهكذا يقول تعالى في سورة الحج: لَن
يَتأُولِي الْأَلْبَب (البقرة: 196 - 197،
197
يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ - الحج: 37.
تتحدث
عن
وفي أطول آيات القُرآن الكريم إطلاقًا وهي "آية الدين"، التي أحكام فقهية في المعاملات المالية المحضة - يختم الله تعالى هذه الآية بالأمر بالتقوى التي: تثمرُ العلم النافع بإذن الله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بلْ إِنَّهُ الله صرَّحَ بالغاية الكُبرى من العبادات كلّها، وذلكَ البقرة: 282،
وو
SAS
في صدر كتابه الكريم في أوائل سورة البقرة حينما قَالَ تَعَالَى: يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة: 21.
فما عليك أخي طالب العلم النجيب - إلا أن تستحضر في عبادتك كل هذه المعاني السامية، والأسرار العظيمة، حينها ستدرك تغَيُّرًا حقيقيًّا في عبادتك، ونجاحًا
باهرًا في معاملتك .. وما خفي منَ الحِكَمِ عندَ الله تعالى كانَ أجلَّ وأعظمَ قَالَ تَعَالَى: وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
الإسراء: 85. (1/56)
صفحة 57
ا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)
(البقرة: 222)
الْقِسْمُ الأَوَّلُ
في الطَّهارة وأحكامها (1/57)
صفحة 58
البَابُ الأَوَّلُ: فِي الطَّهَارَةِ
تعرَّف - أيُّها الطالبُ الأريب، وهبَك هم الطَّهارة الظاهرة والباطنة - أنَّ الطهارة من أي نجاسة منَ النَّجاسات شرط من شروط صحة الصَّلاة، وتشمل هذه الطهارة
طهارة الجسم والثّوب والمكان، وللطهارة أنواعٌ ومطَهِّراتٌ سَيأتي ذكرها ف لِكُلِ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ بِإِذنِ هُ تَعَالَى.
فَصْلٌ فِي أَصْلِ الطَّهَارَةِ
الطَّهارة في أصلها اللغوي تشيرُ إلى معنى النَّظافة، وفي الشَّرْعِ: هيَ إِزالةُ كُلِّ عَينِ مُسْتَقذَرَة أَمَرَ الشَّارِعُ بِإِزالَتِهَا، أَوْ غُسْلُ أعضاء مخصوصة بصفة مخصوصة.
وعن أصلها الشرعي حَسْبُكَ قولَهُ تعالى:
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبا فَأَطَهَرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيْبًا فَأَمْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم
مِّنْهُ
المائدة: 6 (1/58)
صفحة 59
فَصْلٌ فِي تَقْسِيمِ الطَّهَارَةِ الطَّهارة تنقسم إلى قسمين طهارةٌ منَ النَّجَس (الْخَبَثِ)، وطهارةٌ مِنَ الحَدَث.
الطهارة
من
النجس
الحدث
أصغر
وات
فالنَّجَسُ أو الخَبَثُ: هوَ عبارةٌ عنْ عَين النَّجاسة القائمة بالشخص أو الثوب أو
المكان.
وأَمَّا الحدث فهو: الحالة الناقضَةُ للطَّهارة شرعًا، أو قلْ: هو معنى قائم بالنَّفس مانع من بعض العبادات كالصَّلاة والطَّواف (1)، وينقسم الحدث إلى قسمين: أكبر وأصغر، فالأصغر: ما يُوجِبُ الوُضوءَ (2)، ومن أسبابه: خروج البول والغائط والريح والمذي والودي، أو ملامسة نجاسة من النَّجاسات، ويمتنع مع وجود الحدث الأصغرِ ما
يلي:
أ- أداء الصَّلاة؛ لقوله:" .. ولا صلاة لمن لا وضوء له (3).
(1) ? - الخليلي، أحمد بن حمد. الفتاوى، ج 1 ص 25.
(2) - القنوبي، دروس صيف 1424 هـ / يوافقه 2003 م. (مذكرة خاصة ص 39). (3) - الربيع، باب: في آداب الوضوء وفرضه، رقم الحديث 92. (1/59)
صفحة 60
مس المصحف وقراءَةُ القُرآن الكريم منْهُ (1)؛ لحديث الربيع أَنَّهُ قالَ فِي الجُنُبِ والحائض والذين لم يكونوا على طهارة) لا يقرؤون القرآن ولا يطؤونَ مُصحفًا بأيديهم حتى يكونوا مُتَوضئينَ (((2).
ج- الطُّواف بالبيت (3)؛ لما رُوي: " الطُّواف بالبيت صلاة، إلا أن هي أحلَّ فيه النطق، فمَن نطق فيه فلا ينطق إلا بخير " (4).
أمَّا الحدث الأكبرُ: فهو ما يُلزمُ الغُسل ومن أسبابه: الجنابة (الإنزالُ أو الجماع)، والحيض والنفاس، ويمتنع مع الحدث الأكبر ما يلي:
أ- أدَاءُ الصَّلاة: لوُجُودِ الحَدَث المانع مِنَ العبادة، وفي الحديث: " لا يقبل هم يَقْبَلُ صَلاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ (5)، والطَّواف بالبيت: لقوله لعَائِشَةَ عِندَمَا حَاضَتْ: فَعَلِيَّ مَا يفعَلُ الحَاجُ، غير أنك لا تطوفي بالبيت حتى تطهري
(1) ـ أما عن لمس المصحف لصاحب الحدث الأصغر فيقول الشيخ القنوبي -حفظه ه- في هذه المسألة:" .. والحديث الذي رواه الإمام الربيع - رَحِمَهُ الله - تعالى .. يدل على المنع .. ، وعلى كل حال فالأفضل والأحسن ألا يلمس أحد القرآن إلا وهو طاهر" المرجع: فتاوى إمام السنة والأصول ص 17، أما عن كتابة الآيات القرآنية لغير المتوضئ فيرى الشيخ القنوبي أن الظاهر عدم المنع، والله أعلم. القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 2003 م (مذكرة خاصة ص 52). (2) ـ الربيع، باب: في ذكر القرآن، رقم الحديث 12.
(3) ـ بناء على رأي الجمهور وهو الصحيح. القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 1423 هـ/2002 م، "مذكرة
خاصة"
ص 94.
واختلفوا -كذلك- في السعي هل تُشترط فيه الطهارة أو لا، والذي اختاره إمام السنة والأصول عدم الاشتراط، وهو مذهب الجمهور، والله أعلم.
(E)
يُنظر: القنوبي، فتاوى الحج 1 مادة سمعية إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية.
4) - الحاكم في مستدركه، باب في سورة البقرة، رقم الحديث 3013.
(9)
- النسائي، باب فرض الوضوء، رقم الحديث 139.
(1) ـ الربيع، باب: ما تفعل الحائض في الحج، رقم الحديث 440. (1/60)
صفحة 61
ب - الصيام؛ لقوله:
مَنْ أَصبحَ جُنَّبًا أصبحَ مُفطرًا (1)، وَلما رُوي أنَّ السَّيدةَ عائشةَ قَالَتْ: " كُنَّا نَحيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُول هـ ثُمَّ نَطْهَرُ فَيَأْمُرُنَا بِقَضَاءِ الصَّيَامِ وَلا يَأْمُرُنَا بِقَضَاءِ الصَّلاة (2)، وَإِذَا امْتَنَعَ الصَّيَامُ امتنعَ الاعْتِكَافُ لأَنَّهُ مَشروط بالصيام.
ج- قراءة القرآن الكريم مطلقا وكتابته، ولمس المصحف (3)؛ لحديث الربيع السابق قال في الجنب والحائض والذين لم يكونوا على طهارة: ((لا يقرؤون القرآن ولا يطؤونَ مُصحفًا بأيديهم حتى يكونوا متوضئينَ)) (4).
د-
المباشرة بين الزوجين (حال الحيض نصا، والنفاس قياسا)؛ قالَ تَعَالَى: فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله البقرة: 222.
ذ دُخُولُ المسجد: كَمَا تَجِدُهُ فِي بَاب "أحكَامُ المَسَاجِدِ".
(1) ـ الربيع، باب: ما يفطر الصائم ووقت الإفطار والسحور، رقم الحديث 318.
(2) – الترمذي، باب: مَا جَاءَ فِي قَضَاءِ الْحَائِضِ الصِّيَامَ دُونَ الصَّلَاةِ، رقم الحديث 717.
(3) – فائدة: اختلف العلماء في شريط القرآن هل يُعطى حكم المصحف أو لا؟ والذي يميل إليه شيخنا أبو عبد الرحمن عافاه الله- أن شريط القرآن (كذاكرة الإنسان وكالذاكرة الإلكترونية لا يعطى حكم المصحف، وعليه فيجوز لصاحب الحدث الأكبر مس شريط القرآن وحمله وإدخاله في آلة التسجيل، ولا حرج عليه إن نسيه فدخل به
القنوبي
دورة المياه، ولكن الاحتياط عند الإمكان هو المطلوب. يُنظر:
القنوبي، "جلسة إفتاء" بولاية المصنعة، بتاريخ: 17/ 5 / 2003 م.
القنوبي، دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية (سابقا)، صيف 1421 هـ / 2000 م، مذكرة رقم 6 ص 16.
(4) ـ الربيع، باب: في ذكر القرآن، رقم الحديث 12. (1/61)
صفحة 62
ويُلخص لنا هذه الأحكام الإمامُ السَّالِمِيُّ - رَحِمَهُ الله - فاحفظها واشدُدْ بما يدًا،
تكن لك ذكرى، وقديما قيل:
"من حفظ المتُونَ حاز الفنون
الصَّوْمُ وَالصَّلاةُ وَالطَّوَافُ
تلاوَةُ الذكر مُرُوْرُ المسجد
لحائض وَنُفَسَا وَجُنُـ
***
***
***
وَسَجْدَةُ الذِّكْر وَالاعْتِكَافُ وَالْمَسُ لِلْمُصْحَفِ حُرَّمٌ فَابْعُد وَالْوَطْءَ مِنْ هَاتَيْنِ فَلْتَجْتَبَ
والاعتكاف هَكَذَا تَمَامَا (1)
وَلْيُبْدلُوا الطَّوَافَ وَالصَّيَامَا
فَصْلٌ فِي النِّيَّةِ للطَّهَارَةِ
اعلم - أيُّها المتفقه - أنَّ العبادات إجمالاً تنقسم إلى قسمين اثنين: الأوَّلُ عبادات معقولة المغنى، وهي: التي يُدرك المكلَّف الحكمَةَ من تشريعها، والقسم الثاني/ عبادات غير معقولة المغنى، وهي: التي لا يُدرك المكلَّفُ الحِكْمَةَ من تشريعها. فالنيَّةُ شرط في صحة العبادات غير المعقولة المعنى، ومنها الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، إذ لا تُدرك الحكمةُ من غُسل هذه الأعضاء معَ أَنَّ الظَّاهِرَ طهارة
الكُلِّ، قَالَ تَعَالَى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ - البيئة: ..
أَمَّا التطهرُ مِنَ النَّجَس فإنه لا يحتاجُ إلى نيَّة؛ لأنَّ المقصود إزالةُ عَينِ النَّجاسة منَ البدن أو الثوب أو المكان، فيطهُرُ محلُّ النَّجاسة بغسله بلا نية على المعتمد عند علمائنا -حفظهم هـ - (2)، يقولُ سماحة يحفظه الله تعالى-:" .. هذا والنِّيةُ التي
(1)
الشيخ
بن حميد. مفتاح السعادة إلى صحيح العبادة، ص 40.
1) - السَّالِمِي،، عبد الله
(2) - يُنظر:
القنوبي، قُرة العينين ص 37. (1/62)
صفحة 63
هي القصد بالقلب إنَّما تَجبُ في غير معقول المعنى من الأعمال، وذلك كالصلاة والوضوء، أمَّا مَا كانَ معقول المغنى كالتطهر منَ النَّجاسة فلا تجب له النية، فلو فعله الإنسان ساهيًا لم يكن عليه حرج ولم تلزمه الإعادة (1).
فَائِدَةً: ينبغي للمُسلم دائمًا أنْ يصطحب النية في أدائه لجميع العبادات معقولةً كانت أو غير معقولة بلْ ويُعدّدَ النِّيات للعبادَةِ الواحِدَةِ حَتى يُؤْجَرَ بِكُلِّ نية ينويها.
فَصْلٌ فِي أَقْسَامِ المَيَاهِ
الماء: هو أقوى المطهرات في إزالة النجاسات على الإطلاق، بل هو المطهِّرُ الوحيد لرفع الأحداث (2)، وقد قسَّمَ الفقهاء الماءَ تبعًا لحكم كلّ واحدٍ منه إلى ثلاثة أقسام: القسمُ الأَوَّلُ: الماء المطلَقُ وهو الماء الباقي على أصل خلقته، ويُلحق به عند جمهور الفقهاء ما تغيَّر بطول مكثه (3)، أو بما هو متولّد منه كالطحلب، أو بطاهر لا
6
ينفَكُ عنهُ كَالملح ووَرَق الأشجار والتراب (1)، ويُعرَفُ هذا النوع بـ "الماء الطَّهُور".
القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول ص 96
القنوبي، دروس صيف 03. 20 م (مذكرة خاصة ص 16).
(1) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 214.
(2)
الخليلي، برنامج: سؤال أهل الذكر حلقة: 27 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/22 م. القنوبي، برنامج " سؤال أهل الذكر - حلقة: 6 رمضان 1422 هـ، يوافقه 2001/ 11/22 م.
) - من حيثُ الأصلُ، وإلا فإن التيمم يقوم مقامه عند عدمه.
(3) - سُئل فضيلة شيخنا القنوبي - متعنا الله بحياته في جواب له مسجل عن الوضوء بماء المواسير مع وجود تغير في بعض
أوصافه بسبب طول المكث بها فأجاب بأنه طاهر مطهر ولا بأس بالوضوء منه. (القنوبي، سلسلة في ظلال السنة. فتاوى"1" شرط سمعي، إنتاج: تسجيلات مشارق الأنوار).
(E)
4) - القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية (سابقا بروي)، صيف 1421 هـ / 2000 م، رقم المذكرة 9 ص 6. (1/63)
صفحة 64
وحُكْمُهُ: انَّهُ يُزيلُ الخبث ويرفَعُ الحدث، فهو الماء الذي يَصلُحُ للوضوء وللاغتسال دونَ غيرِهِ مِنْ أَقسَامِ المياه الأخرَى (2)؛ قَالَ تَعَالَى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهَرَكُم بِهِ الأنفال: 11، ومِنْ أشكاله ماء الأمطار والأفلاج والبحار والأودية والعيون (3).
القسْمُ الثَّاني: الماءُ الطَّاهِرُ وهوَ ما اختلط به طاهرٌ ينفك عنه في أصله، وحكمه: أَنَّه يُزيلُ الخبث ولا يَرفعُ الحدَثَ، ومن أشكاله الماء المختلط بالصابون أو الزعفران، وكذلك الماء المستخرَجُ مِنَ النَّباتات كَمَاءِ الوَرْد (4).
القسم الثالث الماءُ النَّجسُ وهو الماء الذي وقعت فيه نجاسة فغيرت لونه أو طعمه أو رائحته وحكمُهُ أنَّه لا يُزيلُ الخبث ولا يرفعُ الحدث بالاتفاق.
(1)
– ذكر شيخنا الخليلي -حفظه هـ - أن حكم الماء الذي اختلط به التراب كمياه الأودية حكمه كالماء المطلق؛ لأن التراب يشارك الماء في وصفيه: الطهارة بنفسه والتطهير لغيره، يُنظر: الفتاوى ج 1 ص 10 (2) - فَائِدَةٌ: يقول العلامة القنوبي: " لا بد من تقييد الماء الصالح للوضوء بكونه غير مغصوب؛ لأن الصحيح أن الوضوء
بالماء المغصوب باطل .. وكذلك الوضوء من آنية الذهب والفضة".
(القنوبي، دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية (سابقا بروي)، صيف 1421 هـ / 2000 م، رقم المذكرة 9
ص 12).
(3)
ومنها ماءُ زَمْزَمَ، ولا دليل على كراهة أو حرمة استخدامه في النظافة من توضؤ أو اغتسال أو استنجاء لقدسيته و ميزته عن سائر المياه ... بل الدليل يدل على خلاف ذلك وهو الذي درج المسلمون على العمل به جيلا بعد جيل، وخلفا عن سلف، ومن المعلوم أن هاجر أم إسماعيل عليهما السلام لم يكن لديها لمختلف استعمالاتها غير ماء زمزم، بل النبي عندما أفاض في، "أنه دعا بسجل من ماء زمزم، فشرب منه وتوضأ "، (رواه أحمد، رقم/ 532)، ولا حظ للنظر عند ورود الأثر، وعدم المنع مع الاحتياط في ترك الاستنجاء به عند الإمكان قال به شيخنا إمام النة والأصول حفظه الله.
جاء عن
حجه
(القنوبي. دروس صيف 1425 هـ / 2004 م، "مذكرة خاصة / شرح أبواب من الإيضاح"، ص 25).
(4) - القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 2001 م الموافق 1422 هـ. (مذكرة خاصة ص 16). (1/64)
صفحة 65
يقولُ الإمامُ السَّالِمِي رَحِمَهُ الله - (1):
الماءُ مِنه طاهِرٌ مطهرُ
ومنه رجْسٌ صَحَ فيه النَّجَسُ
إلا إذا
*
***
***
***
مسألة
ومِنهُ طَاهِرٌ ولا يُطي
نْجُسُ
والأولُ المُطلَقُ ليسَ يَنْ لوا وعَرْفَا وبطعم غُيّ
الماء إذا كانَ فوق القُلتَينِ فَلا يتنجَّسُ بوقوع النَّجَاسَةِ فِيهِ ما لم يتغَيَّرُ أَحَدُ أوصافه؛ لقوله: الماءُ طَهُورٌ لا يُنجِّسُهُ إِلا مَا غَيَّرَ لونَهُ أَوْ طعمه أو رائحته (2). أَمَّا إِذَا كَانَ الماء دونَ القُلَّتين ووَقَعَتْ فيه نجاسة فغيرت أحد أوصافه الثلاثة فإنَّه
ينجس باتفاق.
واختلف العلماء إذا لم يتغير أحد أوصافه فقيل: ينجُسُ؛ لقوله: " إذا كانَ الماء قدرَ قُلتين لم يحتمل حَبَّيًّا (3)، وذهب بعض المحققين وعلى رأسهم شيخنا القنوبي - حفظه ه - إلى القول بعدم نجاسته؛ حملاً للحديث على الأغلب المعتاد (4)
(1) - السالمي، عبد هم بن حميد. مدارج الكمال ص 12.
(2)
(3)
القلة:
وحدة حجم، تُقدر بالوزن بحوالي 100 كيلو جرام تقريبا. يُنظر الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 10
- الربيع، باب: في أحكام المياه، رقم الحديث 158.
- الربيع، باب: في أحكام المياه، رقم الحديث 159.
4) - لكي يُستدل بمفهوم المخالفة لا بد من تحقق عدة شروط به، ومن هذه الشروط أن لا يكون واردا مورد الأغل المعتاد، كقوله تعالى: {وَرَبَيْبُكُمُ الَّتِي فِي حُجُورِكُم} النساء: 23،، فمفهوم ا م الآية أن الربيبة إذا لم تكن في الحجر فإنه يجوز لزوج أمها أن ينكحها ولو بعد حين، وقد كادت الأمة أن تُجمع على خلاف ذلك؛ لأن ذكر الحجر في الآية جار على الأغلب؛ إذ الغالب في الربيبة أنها تتربى في بيت زوج أمها، وتفصيل ذلك في كتب أصول الفقه لمن شاء الرجوع إليها، يقول الإمام السالمي - رَحِمَهُ الله - في شمس الأصول (ج 1 ص 520 طبعة: مكتبة الإمام السالمي الحديثة
والمحققة):
وَذَاكَ مثْلُ عَادَة الْعَرَب
***
فِي نَحْوِ أَنْ يَجْرِيَ مَجْرَى الأَغْلَب (1/65)
صفحة 66
مَسْأَلةٌ أُخْرَى
ألحق بعض العلماء بالماءِ الطَّاهِرِ الماء المستعمل - وهو الماء المتساقط من أعضاء الوضوء أو الغسل في إزالة الخبث وعدم رفع الحدث، فمنعوا الوضوء والاغتسال به، وصحَّحَ الشيخ القنوبي -حفظه هـ - جواز استعماله لرفع الأحداث فحكمه: حكم الماء المطلق في صحة استعماله للوضوء والغسل، وإنْ كانَ الخروج من الخلاف هو الأولى عند الإمكان (1).
فَصْلٌ في آداب قضاءِ الحَاجَةِ
تعرف أيها العبد الضعيف، رحمني الله وإياك - أنَّ حِكْمَةَ الحكيم قضت أنْ يجعل في الإنسان ما يُشعرُهُ بضعفه وقلة حيلته، ومن ذلك حاجته الماسة والضرورية لقضاء حاجته الطبيعية وإخراج تلك الإفرازات السَّامَّة والمؤذية، حتى إن الإنسان لا يمكنه العيش ولا يقرُّ له قرارٌ حتى تخرج منه وتنفصل عن جسده.
وجاءَ هذا الدِّينُ العظيمُ ليُكرِّمَ هذا المخلوق الضعيف على سائر الخلق، فوضع له منَ الآداب ما يحفظ كرامته، ويحول دون أن تنحط به هذه العادة اليومية إلى المرتبة الحيوانية، فكانت هذه الآدابُ منْ سُنَن الفطرة التي أَرشَدَ إِلَيْهَا الشَرْعُ الحنيفُ.
يُنظر:
(1) - يُنظر:
القنوبي، دروس صيف 1422 هـ / 2001 م، "مذكرة خاصة" ص 15.
المنتدى الأدبي، قراءات في فكر أبي نبهان محاضرة لسماحة المفتي بعنوان: "الجانب الفقهي والاجتهادي في سيرة أبي نبهان" ص 137، 138.
الغاربي، محمد بن راشد. برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 24 رجب 1424 هـ، يوافقه 21/ 9/ 2003 م.
القنوبي، دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية (سابقا)، صيف 1421 هـ / 2000 م، مذكرة رقم 6 ص 13. القنوبي، دروس صيف 1422 هـ / 20 م، "مذكرة خاصة". ص 10. (1/66)
صفحة 67
وآداب قضاء الحاجة منها ما هو واجب على الإنسان، ومنها ما هو مستحب لا
يأثم بتركه المكلف، ومن جملة آداب قضاء الحاجة ما يأتي:
-1
-2
أنْ لا يصطحب معَهُ كلَّ ما لا يَليقُ حمله عند قضاء الحاجة كالمصحف وما كُتب عليه اسم هـ تعالى، وبه تُدرك أيها الأريب
أنه لا ينبغي كتابة اسم المولى أو شيء من القرآن على
الساعات
أو القلائد أو العقود التي يلبسها الصَّغار والكبار، فإنْ كانَ لابُدَّ منها فليسترها في جيبه أو تحتَ ثُوبِهِ.
أنْ يَكُونَ مَكَانُ قَضَاءِ الحَاجَة:
ساترا عن أعين الناس بعيدًا عنهم، بحيثُ لا يُسمع له صوت،
ولا تشم له رائحةٌ بقدر الإمكان، فقدْ كانَ عليهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ إِذا خرجَ لحاجته أبعدَ المذهب (1).
غير مُتَّخذ لمصالح الناس كموضع الجلوس أو المرور، قال عليه
الصلاةُ والسَّلامُ: اتَّقُوا اللاعنَيْن، قَالُوا: وَمَا اللاعنَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الَّذِي يَتَحَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ ظَلْهِمْ (2).
منخفضًا لينا: لا يؤدّي إلى تطاير شيء من النجس إلى البدن أو
الثياب، ولذلك يُنهى أيضًا عن استقبال الريح لئلا يرتد إليه شيء منْ شررِ
البول.
(1)
2 - ابن أبي شيبة باب من كره أن ترى عورته ج 1 ص 129.
وفي هذا الزمان الذي توجد فيه دورات المياه المخصصة لقضاء الحاجة إذا تمكن الإنسان من إخفاء الصوت والرائحة عن الغير فذلك. هو المطلوب ب وإلا فالله أولى بعذره، والأمر إذا ضاق اتسع، والله المعين.
(2) ـ أبو داود، باب: المواضع التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عَنِ الْبَوْلِ فِيهَا، رقم الحديث 23. (1/67)
صفحة 68
أنْ لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها في بوله وغائطه
لحديث
جابر بن عبد مرفوعا: "لا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط (2)
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة كثيرًا، والمُعْتَصَصُ المَشْهُورُ في المَذْهَب هو رأي ابن عباس بأنَّ النهي محصورٌ فِي الفَضَاءِ، أَمَّا فِي المَبانِي الْمَعَدَّةِ لذلكَ فَلا حَرَجَ، فقد جاء في رواية الربيع أن جابرًا سأل ابن عباس عن هذه المسألة فقال: "ذلك إذا كان في الصحاري، والقفار أما في البيوت فلا حَرَجَ لأنَّه قد حال بين الناس وبين القبلة حيالٌ وهو الجدَارُ " (3). أنْ يُقدِّم في الدُّخول لمكان قضاء الحاجة رجلَهُ اليُسرى، ويقول: "اللهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بك من الخبث والخبائث (4)، وإذا كانَ فِي الفَضَاء فَإِنَّه يقولُ هذا الدعاء عند تشميره لثيابه.
(1)
أمَّا عندَ الخروج فيقدِّمُ رجلَهُ اليُمنى، ويقولُ: "غُفْرَانَكَ " (5).
جاءت روايات فيها النهي عن استقبال الشمس والقمر وبيت المقدس، وكلها لا تصح ولا تثبت عن كما أفاد ذلك شيخنا القنوبي -حفظه الله - في فتاواه ودروسه الصيفية. يُنظر:
القنوبي،
"جلسة إفتاء" بولاية المصنعة، بتاريخ: 17/ 5 / 2003 م. القنوبي، دروس مفرغة لصيف 1421 هـ / 2000 م رقم المذكرة 3 ص 6.
(2) ـ الربيع، باب: في الاستجمار، رقم الحديث 77.
(3) ـ الربيع، باب: في الاستجمار، رقم الحديث 77.
(4) ذكر شيخنا القنوبي -حفظه ه- بأن الأولى ضم الباء في "الخبث" بدل الإسكان "الخُبث"، وأن الظاهر في تفسير الخبث أنها ذكور الشياطين، والخبائث إناثها، وما ورد من روايات في ذكر البسملة عند الدخول فلا يثبت شيء منها، وهكذا يقال في رواية "اللهم إني أعوذ بك من الرّجس النجس الخبيث المخبث ... ".
للاستزادة يُرجع القنوبي، تحفة الأبرار ص 115 - 116.
(5) وردت روايات في دعاء الخروج منها:"الحمد لله الذي أذهب عني الأذى"، ولكن هذه الروايات ليست بالقوية بل كلها ضعيفة، فالأولى الاقتصار على الصحيح الثابت، وهو "غُفْرَانَك".
للاستزادة يُرجع: القنوبي، تحفة الأبرار ص 116. (1/68)
صفحة 69
- V
أن لا يقضي حاجتَهُ قائمًا خوفًا من تطاير شيء من النجس إليه، ولمخالفة ذلك لهيئة الستر والخُلُقِ الكريم، والثابت عن المعصوم عليه أفضلُ الصَّلاة وأتم التسليم أنَّه ما كانَ يبولُ إلا جالسًا (1).
أن لا يقضي حاجته في جُحر، فعن ابن عباس
نهى عن البول والغائط في الأجحرة" قالَ ابنُ عباس: إنما نَهى عن ذلكَ عليه السَّلامُ لأنها مساكن إخوانكمْ مِنَ الجن
أن يكفَّ عن الكلام أثناء قضاء الحاجة إلا لضرورة، فقد ثبت أن رجلاً سَلَّمَ على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وهو جالس لحاجته فلم يرد عليه السلام (3).
(1) ومن العجيب الغريب أن ينص بعض الناس على هذا الأدب الجليل ثم يروي بعد ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بال قائما، هذا تناقض، وكيف يُقبل ذلك؟!! وهذا الفعل نفسه لو صدر من أعرابي جاف لم يكن مقبولا ولا مستساغا بل كان منكرا عليه أشد النكير، فكيف بمن أُرسل متمما لمكارم الأخلاق، المتوج بوصف العلي الأعلى بقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ
عَظِيمٍ
القلم: 4، والروايات مهما صحت أسانيدها فإنها يمكن تنقد من جهة متونها أيضا؛ إذ ليست سلامة السند إلا شرطا واحدا من شروط صحة الحديث، كما يُدرك ذلك من خلال تعريف الحديث الصحيح:" ... من غير شذوذ ولا علة قادحة"، والعلة القادحة كما تكون في السند تكون في المتن أيضا، يقول شيخنا إمام السنة والأصول - حفظه الله -: " .. الحديث الذي فيه أن الرسول بال وهو قائم هذا الحديث وإن صح إسناده وجاء عند البخاري وغيره فهو كذب صريح وافتراء قبيح "
وقد برأت السيدة عائشة ساحة المعصوم من هذه الفرية العظيمة فقالت: " من حدثكم أنه بال قائما فلا تصدقوه"، وقد صحح هذه الرواية غير واحد من العلماء منهم النووي في شرحه لصحيح مسلم (158/ 3 (623) فقال: "وإسناده جيد"، وقد كان من هديه في قضاء الحاجة إبعاد المذهب، وعدم رفع الثياب إلا عند ـد الدنو منَ الأرض، وكلُّ هذا يتنافى مع هذه الفرية، والله المستعان. يُنظر:
(2)
القنوبي، جلسة إفتاء "مادة سمعية"، إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية.
القنوبي. دروس صيف 1422 هـ /:يوم: 7/ 9/ 2001 م، "مذكرة خاصة" ص 13.
2 - الربيع، باب: في الاستجمار، رقم الحديث 83. وقصة مقتل الصحابي الجليل سعد بن عبادة له مذكورة في بعض السنة، وإن كان لبعضهم فيها مقال وتضعيف، فالله أعلم بحقيقة الواقع والحال. يُنظر: المستدرك على الصحيحين، باب: ذكر مناقب سعد بن عبادة الخزرجي، رقم الحديث 5100.
كتب
(3) – الربيع، باب: في الاستجمار، رقم الحديث 84. (1/69)
صفحة 70
-^
أن يستبرئ ويستجمر ويستنجي:
و
فالاستبراء هو إزالة أثر البول المتبقي بمخرجه، وهو واجبٌ؛ لأنَّ الرسول علق الوعيد على تركه، فقالَ فِي الرَّجُلَين اللَّذَيْنِ يُعذِّبَانِ في قبريهما (1):
(1) - عَذَابُ القَبر مما أشار إليه القرآن الكريم، وصرحت به المتواترات من أحاديث الرسول الكريم، يقول الإمام
السالمي في "أنوار العقول":
ثُمَّ عَذَابُ الْقَبْرِ مِمَّا جَاءَ بِه
***
تَوَاتُرُ الأَخْبَارِ
فمن إشارات القرآن الكريم الواضحة إلى عذاب القبر قوله تعالى:
غافر: 046
غافر: 11.
1 - النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيَّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) 2 - قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَنَا اثْنَيْنِ وَأَحْمِيتَنَا اثْنَتَيْنِ فَأَعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوج مِّن سَبِيل) سَنُعَذِّبُهُم مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (التوبة: 101. إضافة إلى الآيات المقابلة التي تثبت حياةً السعداء ونعيمهم في القبور كقوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
179
آل عمران: 169.
ويكفينا من السنة أن في المسند الصحيح للإمام الربيع بن حبيب – رَحِمَهُ الله- سبع روايات
بعذاب القبر منها:
1 - رواية ابن عباس أن رسول هل كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن" ... وأعوذ بك من عذاب القبر". رواه الربيع، باب في القبور، رقم الحديث 490.
2 - حديث أم المؤمنين عائشة أن رسول قال عندما مر بيهودية ماتت وأهلها يبكون عليها:"! ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها ". رواه الربيع باب في القبور، رقم الحديث 488.
3 - حديث أبي سعيد الخدري له أن رسول هم قال: "إن أحدكم إذا مات عُرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال له هذا مقعدك حتى يبعثك هم يوم القيامة". رواه الربيع باب في القبور، رقم الحديث 489.
4 - حديث أبي أيوب الأنصاري له أن رسول هل سمع صوتا حين غربت الشمس فقال: " هذه أصوات اليهود يعذبون في قبورهم". رواه الربيع باب في القبور، رقم الحديث 494.
هذا .. وأما ما جاء من أنّ سعد بن معاذ كان لا يستبرئ من البول، ولذا عُذب في قبره فكذب مختلق موضوع، وكبيرة رمي بها هذا الصحابي الجليل الذي اهتز لموته عرش الرحمن، يقول محدث العصر -حفظه الله- في أحد أجوبته (1/70)
صفحة 71
يعذبان وما يُعذَّبان بكبير، أما أحدهما فقد كانَ لا يستبرئ من البول، وأما الآخرُ فكان يمشى بينَ النَّاس بالنميمة " (1)
ومن طرق الاستبراء المفضلة: أنْ يَسلت المستبرئ ذكرَهُ وذلك بالضغط عليه مُبتدئًا من أصله إلى منتهاه.
أما الاستجمار فهو إزالة آثار عين النجاسة المتبقية بالحجارة – كما هـ
الحال في السابق، أو ما يقوم مقامها كالمناديل الورقية في وقتنا الحالي.
وقد اختلف العلماء في حكم الاستجمَارِ، فذهب إباضية المغرب إلى وجوبه، وهذا القولُ أحوط وأولى بالاتباع، وذهب كثير من العلماء إلى عدم الوجوب (2)، إلا أنه لا ينبغي التفريط فيه لا سيما من كان مبتلى بسلس البول أوْ لا ينقطع عنهُ مدَدُ البَولِ مُبَاشَرةً؛ لأنَّ استخدام الماء مباشرةً قد يزيد من جريان البول.
المكتوبة:" ليس ذلك بصحيح ولا حسن، بل هو من أقبح الكذب، وأسمجه، فقاتل الله واضعه، وكذا لم يثبت أنه رضي الله عنه وأرضاه وجعل الجنة مستقره ومأواه قد عُذِّب في القبر، والله أعلم".
ويقول في موضع آخر: "وأما حديث ابن عباس (لو نجا أحد من عذاب القبر لنجا منه سعد ... ) فهو معلق في
زوائد المسند، والمعلق من باب الضعيف كما هو مقرر في مصطلح الحديث .. ".
يُنظر:
(1)
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى- القسم الثالث ص 12. القنوبي، فتاوى على أسئلة. من الشرق الإفريقي، ص 18 - 19.
القنوبي برنامج سؤال أهل الذكر"، حلقة: 24 رمضان 1425 هـ يوافقه 2004/ 11/8 م.
1) - الربيع باب: في القبور، رقم الحديث 492.
(2)
) - القنوبي،
سعيد بن مبروك. دروس صيف 2004 م (مذكرة خاصة ص 2). (1/71)
صفحة 72
تنبية
: وليحذر المتطَهَّرُ مِنَ الوسوسة والشكوك والمبالغة في الاستبراء والاستجمار والاستنجاء حتى يصل به إلى حدّ الوَسْواسَ القَهْرِي؛ فَإِنَّهُ بَابٌ ومصيدة للشيطان (1).
فَتْوَى
السؤالُ ما حُكم الاستجمار؟ وهل يكون من البول فقط أم من البول
والغائط؟
الجواب ذهب أصحابنا من أهل المغرب إلى وجُوبه للأمر به في الحديث، والأصل أن يُحمل الأمرُ على الوجوب، وذهب غيرُهم إلى أنه مندوب إليه، والقولُ
6
الأوَّلُ أحوط وأولى بالاتباع، ولا فرق في ذلك بينَ الأحْبَثَينِ، وَ أعلمُ (2). أمَّا الاستنجاء فهو غُسْلُ السَّبِيلَينِ القُبُلِ والدُّبُرِ) بالماء الطهور أو الطَّاهر لإزالة ما بقي من النَّجاسة (3)، والاستنجاء يكون بعد الاستبراء والاستجمار، والصحيحُ المُعْتَمَ عندَنا أنه واجبٌ لا بُدَّ منه حتى يتوضأ المكلَّف لأداء الصلاة؛ لأنَّ الماء هو أقوى المطهرات على الإطلاق في إزالة عَين النجاسة من مباطنها إلا إذا منعه مانع من استعمال الماء (4).
(1) ـ المعولي، المعتصم بن سعيد. الوسواس القهري: الأسباب، المظاهر، الحلول. مطوية من إنتاج: مكتبة وتسجيلات أمجاد الإسلام.
(2) الخليلي، أحمد بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 10.
) - الاستنجاء عبادة معقولة المعنى يُراد منها إزالة عين النجاسة من موضع خروجها، لذلك فالصحيح أنه لا يشترط لها النية ولا أن يكون الماء مطلقا، ومع ذلك فقد أوجب أصحابنا الاستنجاء بالماء خشية ما قد يتبقى في الشقوق من النجاسات التي لا يزيلها إلا الماء أو ما يقوم مقامه من السوائل.
يُنظر: الشماخي عامر بن علي. الإيضاح ج 1 ص 45.
(4) - فَائِدَة: و وردت رواية في الاستنجاء من الرِّيحِ "من استنجى من الريح فليس منا"، لكنها رواية موضوعة لا أبدا، كما نص على ذلك العلامة القنوبي -حفظه الله تعالى - في بعض دروسه وفتاويه. (1/72)
صفحة 73
فَتْوَى أُخْرَى
السُّؤالُ هَلْ يُجزي الاستجمارُ بالحجارة دُونَ الماء لأداء الصلاة؟ الجواب لا تجزي الحجارةُ عن الماء عندنا بل لا بُدَّ مِنَ الجمع بينهما وذلك صنيعُ تُجْزِي
أهل قُباءَ الذينَ أَثْنى هـ تَعَالى عليهم بقوله: لَمَسْجِدُ أُسَسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ
108
التوبة: 10،
أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَنَطَهَرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَهِّرِينَ والنَّبيُّ قد أمر أن يُصنَعَ مثل ما صنعوا، وقدْ جَاءَ إليهم النَّبِيُّ وسألهم بم استحقُوا هذا الثناء من هم؟ فقالُوا: إنَّهم يُتبعونَ الحجارة الماء، وعليه فإنَّ على الذي نسي استعمال الماء أن يُعيد صلاته لأنَّ صلاته غير تامة، وله أعلم.
خاتمة
ويُلَخّصُ لنا الإمامُ نُورُ الدِّينِ السَّالميُّ - رَحِمَهُ الله - بعضا من هذه الآداب
بعباراته الرائقة السَّهلة والمختَصَرة فيَقولُ (2):
عند قضا الحاجة فالإبعاد
بحيث لا تراهُمُ العُيونُ ولْيَجتنب قبلته عند الحدث وكُلَّ مَا يَضُرُّ بالأنام والطُّرْق أو مَسَاقط الثّمار لتذهب اليُسرى بها الأَحْبَانًا وما الثلاث حده في الأكثر
***
***
***
***
***
***
***
بَيانُ مَا يفعله العباد
أو اسْتَارٌ حَاجِبٌ مَصُونُ
وحيثُ لا يُسمع صوت ما حدث
واجتن
كموه
مَنْ مَا كَانَ ذَا احْتِرَامِ
الجُلوسِ والأَنْهَارِ
وهَيِّنْ مِنْ حَجَرٍ ثَلاث كُل جامد مُطه
كذاك
(القنوبي، أحاديث ضعيفة. مجلة المعالم العدد الثاني (1421 هـ 2000 م) ص 51).
(1) ـ الخليلي، أحمد بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 11. (2) ـ السالمي، عبد هم بن حميد. مدارج الكمال ص 8. (1/73)
صفحة 74
الباب الثاني: فِي أَعْيَانِ النَّجَاسَاتِ
تعلَّمْ أخي طالبَ طالب العلم أنك إذا أردتَ القِيامَ لوضوء الصلاة ورفع الحدث الأصغر فلا بُدَّ أولاً أن تتأكد من عدم تلبسكَ بأي عين من أعيان النجاسات (1)، وفي حال وجود أي نجاسة على بدنك فلا بُدَّ أوَّلاً من إزالتها لابتداء الوضوء فالتخلّي قبل
التحلي ..
والرَّفعُ للأنجاس شرط للوُضُوءُ (2)
وهَكَذَا تُشْتَرَطُ طَهَارَةُ التَّوْب والمكان لابتداء الصَّلاة قال: " لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةً بِغَيْرِ طُهور (3)، ولذلك وجب عليك معرفة أعيان النجاسات، فمن أعيان النجاسات
التي يَلْزَمُ التطهر منها:
أَوَّلاً: النَّجَاسَاتُ الخارجَةُ مِنَ السَّبِيلَينِ (القُبُلِ والدُّبُرِ) أ- البَوْلُ: مطلقا سواءً كان من آدمي أو غيره، وقد قيل: البولُ هوَ أشدُّ النجاسات لا سيما من الآدمي (4)، فلا بُدَّ مِن غُسلِهِ وعركه.
(1) - أعيان النجاسات: هي كلُّ ما له جُرم (جسم) قائمٌ من الأخباث بحيث يمكن أن يُرى أو يُلمس أو يُشم، كالأمثلة
الآتية في هذا الباب.
(2)
(3)
- السالمي، عبد هم بن حميد. مدارج الكمال، ص 9.
- النسائي، باب: فرض الوضوء، رقم الحديث 139. (4) - ذكر ذلك الإمام السالمي في جوهره والله أعلم بدليله.
يُنظر: السالمي، عبد ا
الله
بن حميد. جوهر النظام ج 1 ص 46. (1/74)
صفحة 75
ويُستثنى من ذلك بولُ الصبيِّ الذَّكَر الذي لم يأكل الطعام بعد، فإنَّه يُجزي في تطهيره النَّضحُ من غير حاجة إلى عَرك (1)؛ والدليل على هذا الاستثناء ما رواه ابن عباس قال: "إِنَّ أم قيس بنتَ محْصَن أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله، فأجلسه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره فبالَ على ثوبه، فدعا بماء فنضحَهُ نضحًا ولم يَغسلْهُ (2).
(1) - وقد أكد العلم الحديث من خلال التجربة والتحليل وجود فرق في التركيب العضوي بين بول الصبي وبول الصَّبيَّة مما استدعى وجود هذا التفريق في الحكم بينهما، فقد أُجريت دراسة تجريبية شملت الدراسة 73 طفلا: 38 ذكرًا، و 35 أنثى، وصنفوا إلى أربع فئات عمرية، وجُمعت العينات ونُقلت مباشرة لتفحص معمليا، واستمر العمل لعدة أشهر مع مراعاة أقصى ما يمكن من درجات التعقيم وتجنب التلوث.
وقد كانت النتائج على النحو التالي:
(أولا) الفئة العمرية الأولى: بلغ عدد البكتريا في الحقل المجهري لبول الرضع الإناث 41,9 بينما بلغ العدد 2 في نفس الحقل للرضع الذكور.
(ثانيا) الفئة العمرية الثانية: بلغ عدد البكتريا في الحقل المجهري لبول الرضع الإناث 24,1 بينما بلغ العدد 2,25 في حالة الرضع الذكور.
(ثالثا) في الفئة العمرية الثالثة: بلغ عدد البكتريا في الحقل المجهري لبول الرضع الإناث 24,1 بينما بلغ العدد 1,6 في حالة الرضع الذكور.
(رابعا): في الفئة العمرية الرابعة: بلغ عدد البكتريا في الحقل المجهري لبول الرضع الإناث 13,9 بينما بلغ العدد 6,8 في حالة الرضع الذكور.
وهذا المعنى يشير إليه ما تكلم. عنه فقهاء الشريعة قديما وحديثا، حين عللوا تعليلات متقاربة من هذا المعنى العلمي
التشريحي.
فمن أخبر الرسول الله هذه الفروق التشريحية؟!! اللهم إنا نشهدك حقا أنه رسول الله.
انظر للأهمية:
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 1 ص 10 - 11.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى - القسم الثالث ص 35.
موقع: http://www.nooran.org/con 8 /Research.
(2) – الربيع، باب: جامع النجاسات، رقم الحديث 154. (1/75)
صفحة 76
ب الغائط: ما يخرجُ مِنَ الدُّبُرِ من فضلات الإنسان وسموم الجسم،
تعالى: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَابِطِ
النساء: 43.
قال
ويُلحَقُ بالغائط فضلات ما لا يُؤكلُ لحمُهُ منَ الحيوانات، أمَّا ما يُؤكل لحمه فروتُه وفرته طاهر)، وبالنسبة لروث الطُّيور رخَّصَ بعض العلماء في المأكول منها، وبعضهم قيَّدة بالمشقة وعدم إمكان الاحتراز رفعًا للحرج عن المكلفين (2).
دم الحيض والاسْتحَاضَة والنفاس: لقوله صلى الله عليه وسلم: " المني والمذي والوَدْيُ
ودَمُ الخَيْضَة ودَمُ النِّفاس نَجَسٌ لا يُصلّى في ثوب وقع فيه شيء من
ذلك حتى يُغسل ويزولَ أثره (3).
ث- الْمَنِيُّ وَالْمَذِيُّ وَالْوَدِيُّ للحَدِيثِ السَّابِقِ.
والفرق بينَها أَنَّ المني ما يَخرجُ بلذة واندفاق ثم انكسار للشهوة، وهو عند
:
الرجل سائل أبيضُ غليظ له رائحة كرائحة الطَّلع، وعند المرأة ماء رقيق، وهو موجب للغُسْلِ على المرأة كالرَّجُلِ. (
(1)
الرَّوْتُ: رَحِيعُ ذي الحافر والجمع أرواث، والفَرْث ما ألقي من الكرش وفي التاويل: مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمِ
النحل: 66. يُنظر: ابن منظور، لسان العرب، مادة: روث، فرث.
محمد بن راشد. برنامج سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 24 رجب 1424 هـ
(2) – الغاربي، يوافقه 21/ 2003/9 م.
(3)
(4)
- الربيع، باب: جامع النجاسات، رقم الحديث 150.
- جميعها نجسة على الرأي المعتقد، ويجوز في نطقها التخفيف والتثقيل، "قَالَ الْأَزْهَرِيُّ قَالَ الْأُمَوِيُّ: الْوَدِيُّ
وَالْمَدِي وَالْمَنِي مُشَدَّدَاتٌ وَغَيْرُهُ يُخَفِّفُ". يُنظر:
القنوبي، حكم الإفرازات الخارجة من قبل المرأة (فتوى خطية معتمدة بحوزة الكاتب نسخة منها) ص 2.
الفيومي. المصباح المنير، باب الواو مع الدال وما يثلثهما.
(5) ـ على الرأي الصحيح المعتمص عند الشيخين - حفظهما الله -؛ لدلالة السنة الصحيحة على ذلك، وسيأتي ذكره
لاحقا في باب الغسل. (1/76)
صفحة 77
والمذي: هو ماء رقيقٌ شفّافٌ لا لَوْنَ لَهُ كاللعاب، يَخرجُ حَالَ التشهي والمداعبة
من غير انكسار، وهو كذلك عندَ الرَّجل والمرأة إلا أنه لا يُوجِبُ شيئًا إلا الاستنجاء والوضوء فقط؛ لقوله: " الوضوء من المذي والغُسْلُ من المنى (1).
أَمَّا الوَدْيُ فهو سائل رقيق أبيضُ يَخرجُ بِلا شهوة بعد البول بسبب علَّةٍ أو برد، ولا يُوجبُ إلا ما يُوجبُهُ البولُ فقط
ج-
طُهْرُ النِّسَاء: ويُسمَّى القَصَّةَ البَيْضَاءَ، وهو سائل شديد البياض يُعدُّ
و
علامة لطهر المرأة من الحيض والنفاس، وعلة نجاسته مُرُورُه بمخرج
النجاسة أثناء خروجه (2).
وهكذا كلُّ ما خرج من السَّبيلين ولو كان غير معتاد كالحصى والدود لخروجهما من مخرج النجاسة؛ ولذلك فإنَّها يمكنُ أنْ تَطْهُرَ إِذا غُسلت، يقولُ الشيخ المجدِّدُ نورُ
الدِّينِ السَّالِمِيُّ رَحِمَهُ الله -:
وَكُلُّ مَا مِـ السبيلين بدا وَنَحْوَهَا لَكِنَّهَا إِنْ
(1)
(2)
***
***
وَلَوْ يَكُوْنُ حَجَرًا وَجَلْمَدا وزالت الأَنجَاسُ عَنْها طَهُرَن
- الربيع، باب: ما يجب منه الوضوء، رقم الحديث 104، 134. تنبية: ويُنبه شيخنا محدث العصر -يحفظه الله - إلى أنه لا يدخل في ذلك على الصحيح- تلك الإفرازات المهبلية التي تخرج من قبل المرأة والتي ابتليت بها كثير من النساء - شفاهنَّ الله وعافاهنَّ - لا سيما وأنها لا تخرج من مخرج البول ولا من مخرج الغائط، وهكذا حكم الريح الخارجة مِنْ قُبل المرأة طاهرة ولا تنقض الوضوء ولا تبطل الطواف. الصحيح، ولا يُمنع بسببها قراءة القرآن ولمس المصحف الشريف، يقول فضيلته: " وذهبت قلة قليلة من أهل العلم إلى القول بطهارتها وعدمِ نَقْضها للوضوء، وهذا هو القولُ الصحيحُ الراجح عندي، والله تبارك وتعالى أعلم." يُنظر:
القنوبي، حكم الإفرازات الخارجة من قبل المرأة (فتوى خطية معتمدة بحوزة الكاتب نسخة منها) ص 2 - 3. القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة 28 جمادى الأولى 1427 هـ، يوافقه 2006/ 6/25 م. وحلقة: 23 رمضان 1428 هـ، يوافقه 2007/ 10/05 م.
(3) - السَّالِمِي، عبد الله. بن حميد، مدارج الكمال، ص 16. (1/77)
صفحة 78
ثانيا: النَّجَاسَاتُ الخَارِجَةُ مِنْ سَائِرِ أَعْضَاءِ الجِسْمِ
أ- القيء هو كلُّ ما خَرجَ من الجوف من طَعامِ وشَرَاب مُجَاوِزًا الفم حتى وهو ناقض للوضوء كما سيأتي -؛ لقوله في حديث جابر بن زيد رَحِمَهُ الله -: "مَن قَاءَ أو قَلَسَ فليتوضأ (1).
يَملأَهُ،
ب القَلَسُ (2): هو ما يَخرجُ مِنَ الحُلْقُوم ووَصَلَ الفَمَ وَلكنَّهُ لم يُجَاوِزْهُ، ودليلُ نجاسة القدس ونقضه للوضوء الحديث المتقدّمُ، ولا فرق في نجاسة القيء والقلس بينَ كبير أو صغير، ذكر أو أنثى رضيع أو غير رضيع فلينتبه لذلك لا سيما المرضِعَاتُ. أمَّا مجرَّدُ وصول طَعْم أو حموضة إلى الحلق فهذا لا ينتقض به الوضوء (3).
ج - الرُّعَافُ: هوَ الدَّمُ الذي يَخرجُ مِنَ الأَنفِ مُتصلاً بسبب نزيف ونحوه، والرعاف داخل في عُمومِ الدَّمِ المَسْفُوحِ.
:
والقيء والقَلسُ والرُّعافُ تنقُضُ الوضوءَ دُونَ الصلاة؛ قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "القـ والرُّعافُ لا يَنقُضان الصَّلاةَ فإذا انفَلَتَ المصلّي بهما توضاً وبنى على صلاته (4).
د - الدَّمُ المَسْفُوحُ: هو كلُّ دمِ جاوزَ موضِعَهُ مِنَ الجسمِ؛ لقوله تعالى: {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا الأنعام: 145، وذلك يكونُ في صُوَرٍ متعددة مِنْها دمُ الجروح، والدم الخارج
مِن شقوق الأرجُلِ.
(1)
(2)
- الربيع، باب ما يجب منه الوضوء، رقم الحديث 111.
2) - ويجوز: القلس، بالسكون.
يُنظر: ابن منظور، لسان العرب، باب: قلس.
(3) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 2004 م (مذكرة خاصة ص 3).
- (E)
الربيع، باب ما يجب منه الوضوء، رقم الحديث 115. (1/78)
صفحة 79
أَمَّا مَا كَانَ مِنَ الدَّمِ فِي اللَّحْمِ بَعْدَ السَّلخِ فليْسَ بِنَجِسٍ عَلَى المُذْهَبِ الْمُعْتَمَد وعليه الجمهورُ (1)، وَكَذَا دَمُ السَّمَك وحيوان البحر ليس بنجس علَى الْمُعْتَمَد وَعَلَيْهِ الجمهورُ أيضًا (2)، لأَنَّهُ إذا حلَّتْ ميتتُهُ حَلَّ الدمُ منه من باب أَوْلى لأَنَّهُ جزء منه.
مَسْأَلَةٌ
اختلف العلماء في مقدارِ الدَّمِ الناقض للصَّلاة إذا وجده المصلي بعد صلاته، فمنهم مَنْ حَدَّدَهُ بمقدار الظفر أو الدرهم و المعتمد عند شيخنا القنوبي -حفظه الله - أنَّ الدم مطلقًا قليلَهُ وكثيره ناقض للوضوء إلا إذا كان قليلاً جدا يُعْتَفَرُ ويُتسامح فيه رفعًا للحرج ودفعًا للمشقة (3).
بحيث
ورُخص كذلكَ في الدَّم المُجْتَلَب القليل كدَم البعوض والذباب وكل ما
يَصعُبُ الاحترازُ مِنْهُ.
(فَائِدَةُ: السَّائِلُ الأبيضُ المعرُوفُ عندَنا بالمد، الخارِجُ من الجروح ليس بنجس أيضا (4).
(1) - وقيل: الدم مطلقا نجس مسفوحا أو غير مسفوح لإطلاق آية المائدة ذِكْرَ الدَّمِ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ المائدة: 3، ولكن قد علمت أنَّ المطلق يُحمَلُ على المقيَّدِ فلذا يترجَّحُ الرأي الأَوَّلُ.
يُنظر: السالمي، مشارق أنوار العقول ص 151 - 154.
(2) ـ أفادني به شيخُنا القنوبي - أبقاه الله - في إجابة لاستفهام شفهي مني! له، وذلك في صيف عام 2004 م، يوافقه عام
1425 هـ.
(3)
3) – وأما الحديث الذي فيه الترخيص بما هو أقل من الظفر فهو حديث باطل لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. يُنظر: القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى- القسم الخامس ص 35. ودروس صيف 2003 م"مذكرة خاصة" ص 34.
القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 29 ربيع الثاني 1427 هـ، يوافقه 2006/ 5/28 م.
(4) - القنوبي، سعيد بن مبروك. بحوث ورسائل وفتاوى- القسم الرابع ص 96. (1/79)
صفحة 80
خَاتِمَةٌ
وإليكَ مَا قالَه النُّورُ السَّالميُّ - رَحِمَهُ الله- فاحفظها واشدُدْ بما يدًا):
وَإِنْ يَكُ اللُّبَاسُ مِمَّا طَهُرَا
كَشَرَرٍ يَطِيرُ
مُغْتَسل
أَوْ مِنْ دَمٍ مُجْتَلَ
***
***
فَلا يَضُرُّ نَجَسٌ إِنْ لَمْ يُرَى
أَوْ مَا أَتَى بِهِ الذَّبَابُ فَسَلِ
كَانَ عَلَى عَلَيْلٍ
***
وَكُلُّ ذَا وَنَحْوُهُ أَبِيحَا لِرَفْعِ مَا مِنْ ضَرَرٍ أُتِيْحَا
أ-
فَصْلٌ في نجَاسَاتِ أُخْرَى
الخنزير: بجميع أجزائه على المعتمد (2)؛ لقوله تعالى في وصف
الخنزير: فَإِنَّهُ رِجْسٌ - الأنعام: 145.
ب الكلبُ: لقوله: "إذا وَلَغَ الكلب في إناء أحدكم فَلْيُهْرِقُهُ وليغسله سبع
مرات، أولاهُنَّ وأخراهُنَّ بالتراب"
كلُّ ذي ناب مِن الرِّباعِ ومخلب مِنَ الطَّيرِ: ودليل نجاستِها) قوله: أكل كلّ ذي ناب مِنَ السِّباع، ومخلب منَ الطَّيرِ حرام (5).
(1) ـ السالمي، عبد الله بن حميد. مدارج الكمال ص 27.
(2) ـ يُنظر:
(3)
الخليلي، فتاوى الأيمان والكفارات والنذور الكتاب الخامس) ص 358، 423. السالمي، مشارق أنوار العقول ص 151 - 152.
- الربيع، باب: جامع النجاسات، رقم الحديث 155.
(4) ـ اليحمدي، حمد بن هلال. فقه العبادات، ج 1 ص 36. (5) - الربيع، باب: أدب الطعام والشراب، رقم الحديث 390. (1/80)
صفحة 81
تهى
ث الجَلالة: وهوَ الحيوانُ الذي يأكلُ النَّجاسات، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " رَسُولُ الله عَنْ أَكْلِ الْجَلالَة وَأَلْبَانها (1)، والحكمُ في سؤره وفضلاته أنها نجسة،
إلا أنْ تُحبَسَ عنِ القاذورات، وأقلُّ الحبس يوم وليلة للطير، وثلاثة أيام للغنم، وسبعة
للإبل والبقر.
ج الميتة: وهي كلُّ حيوان بَرِّي ذي نفس سائلة (2) خَرجَتْ روحه على سبيل الذكاة الشرعيَّة.
(3)
والدليل على نجاسة الميتة قولُهُ تَعَالَى: {إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً مع الأنعام: 145 وكذلك استدل بعضُهم على ذلك بالمفهوم المخالف من قوله عندما سُئل عن الوضوء بماء البحر: " هو الطهور ماؤه، والحلّ مَيتَتُهُ "
ويُستثنى من الميتة:
1 - الصُّوفُ والشَّعْرُ والوبر وأطرافُ الرِّيش، وما دُبعَ منَ الجلد؛ لامتنان له لك بها على الإنسان في قولهِ تَعَالَى: وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُونَهَا يَوْمَ طَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَنَنَا وَمَتَعًا إِلَى حِينِ النحل: 80، ولقوله ... إِنَّمَا حَرُمَ أَكلُها، وأيما إِهَابٍ ذُبِغَ فقدْ طَهُرَ (5)، واسْتَثنى أَكثرُ أصحابنا - رحمهُمُ اللهُ - مِنْ عُمُوم هَذَا الحديث جِلْدَ مَا
(1) ـ أبو داود، باب النهي عن أكل الجلالة وألبانها، رقم الحديث 3291.
(2) – أي به دم يجري في عروقه.
(3) ـ اليحمدي حمد بن هلال فقه العبادات، ج 1 ص 34.
(4)
(5)
- الربيع، باب: في أحكام المياه، رقم الحديث 163.
- الربيع، باب: أدب الطعام والشراب، رقم الحديث 392. (1/81)
صفحة 82
لا يُؤكَلُ الحمُهُ مِنَ ميتة الحَيَوَانِ، فَلا يُجدي فيه دبَاغُ، يقولُ سَماحَةُ المَفْتِي حفَظهُ الله -: " وَهُوَ القَولُ الْمُعْتَمَ عَلَيه في المذهَب عندَنَا (1).،
2 - ميتةُ الجَراد والسَّمَك (2)؛ لحديث "أُحِلَّ لَكُمْ مِيتَتَانِ ودَمَانِ، فالميتان: الجَرَادُ والسَّمك، والدَّمانِ: الكَبِدُ والطَّحَالُ (3)، وهكذا كلُّ ما خَرجَ مِن حيوان البحر فحكمه الطهارةُ؛ قَالَ تَعَالَى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ (4)
المائدة: 96.
3 - ميتة ما لا دمَ فيه: كالذُّباب والخنافس والعقرب؛ لقوله صلى الله عليه وسلَّمَ: "إذا وقع الذُّباب ... الحديث (5). وقد قيس على الذُّباب ما شابَهَهُ مما لا دمَ
يُنظر:
(2)
الخليلي، الفتاوى ج 5 ص 342، 344.
الخليلي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 7 رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 10/22 م.
- اختلف العلماء في حكمِ السَّمَكِ الطَّافي، فقيل بكراهة أكله، وقيل بجواز أكله وطهارته وهو الصحيح عند الشيخين -حفظهما الله -، يقول الشيخ القنوبي: " فقد اختلف العلماء في السمك الطافي، والذي يظهر لنا – والله تعالى أعلم أنه حلال بدون كراهة؛ وذلك لأدلة كثيرة جدا نقتصر هنا على ذكر اثنين منها: .. " وذكر منها قوله:"هو
الطَّهور ماؤه، والحلُّ مَيْتُهُ". يُنظر:
القنوبي، رسائل وبحوث وفتاوى (مطبوعة) ص 45.
الخليلي، الفتاوى، ج 5 ص 425 - 429.
(3) - رواه الربيع، باب: الذبائح، رقم الحديث 226.
(4) - بناء على أن الضمير في قوله تَعَالَى: وَطَعَامُهُ عائد إلى البحر لا إلى الصيد، أما
فقط فشدد فيما عدا الصيد، والله أعلم.
(5) - رواه الربيع، باب: أدب الطعام والشراب، رقم الحديث 375.
من
قال بأنه عائد إلى
صيد
(6) - القنوبي، دروس صيفية مفرَّغة بمبنى معهد العلوم الشرعية سابقا بروي)، صيف 1421 هـ/ 20 م، مذكرة رقم 9 ص 7. (1/82)
صفحة 83
- الجنين المذكَّاةُ أُمُّهُ: فإنَّ ميتتَهُ طاهرةً ولحمه حلال على المُعْتَمَ الرَّاجح
عند شيخنا الخليلي وشيخنا إمام السُّنَّة والأصول عافاهُمُ الله تَعَالى - (1) للحديث الصحيح: " ذكاةُ الجنين ذكاةً أَمِّه (2) ه - ميتةُ الصَّيد: بعدَ أَنْ يُذكَرَ اسم الله و عند إطلاق الحيوان المعلم أو
السَّهم نحو الصيد، هذا إن أدركَ الصَّيدَ ميتًا، فإن أدركه حيًّا وجب عليه أن يذكيَهُ الذكاة الشرعية.
خُلاصَةٌ
ويُلخص لنا كلَّ ذلك الإمامُ السَّالميُّ - رَحِمَهُ اللهُ - حِينَمَا يقولُ (3):
إلا حَصَالاً قَدْ أَتَتْ فِيْمَا نُظـ
ذَكَاتُهُ وذُكرَ اسْمُ الْمَلَك كَذَا ذَكَاةُ الْأُمِّ تُجْزِي الْوَلَدْ
مَيْتَةُ الذي يَعِيشُ في البحر لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ تَسَيْلُ فَاعْلَمَا وَالقَرْنُ وَالعَظْمُ إِذَا الْعَظْمُ وَضَحْ كَذَاكَ أَيْضًا شَعْرُهَا وَجَلْدُهَا
***
***
***
***
***
***
***
والرِّجْسُ فِي الْمَيْتَةِ حُكْمُ الْتُزِمْ
فَمَيْتَةُ الصَّيْدِ إِذَا لَمْ تُدْرَك
عَلَيْهِ مَعْ إِرْسَالِ سَهْمٍ
إِنْ يَكُنِ الْجَنِيْنُ بَنَيْنُ فِي البَطْنِ اسْتَقَرْ وَمَيْتَةُ الجَرَادِ بَلْ وَكُلُّ مَا
كَذَا الْوَلِيُّ إِنْ يَمُتْ وَهُوَ الْأَصَحْ (4) نْ مَيْتَةٍ يَحِلُّ قِدْمًا أَكْلُهَا
الخليلي، الفتاوى ج 5 ص 349 - 350.
القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 7 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/2 م. (2) ـ أبو داود، باب ما جاء في ذكاة، الجنين، رقم الحديث 2445.
(3)
3 - السَّالِمِي،، عبد الله بن حميد. مفتاح ا السعادة إلى صحيح العبادة، ص 42 - 43. مدارج الكمال ص 22. عند شيخنا القنوبي -حفظه الله – طهارة المسلم حيا وميتًا، وليًا أو غير ولي، وهكذا ما قطع من جـ
(4) ـ الأصح رطبا أو يابسا، وكذلك القولُ في البياض الموجود بأصول الشعر، وعليه فلا ينقض الوضوء مس أي من ذلك. يُنظر: القنوبي، دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية (سابقا بروي)، صيف 1421 هـ / .. م، رقم المذكرة 9
ص 2.
القنوبي، دروس صيف 1422 هـ، يوم الخميس 2001/ 7/12 م، "مذكرة خاصة". (1/83)
صفحة 84
فائدة
اختلف الفقهاء في نجاسة الخمر، بعد اتفاقهم على حُرمتها، فذهب الجمهور إلى نجاستها، وربَّحَ الشيخان الخليلي وَالقَنوي - يحفظهم الله- القول بطهارتها إلا إنْ صُنعت من من مادة نجسة؛ إذ ليس كلُّ مُحرَّم نجسًا، وإِنْ كانَ كُلُّ نجس محرَّمًا؛ وقد أَراقَ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلمدنَانَ (1) الخمر في سكك المدينة عند نزول آية الخمر (2)، وهذا دليل على طهارتها (3).
فَائِدَةٌ أُخْرَى
اعلم يا رعاك الله - أنَّ أهلَ العلم قد اختلفوا في نجاسَةِ المشرك الو المذكورة في قوله تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسُ التوبة: 28، فَقِيلَ: إِنَّ نجاستهم حسية، وقيل: إنها معنوية، والرأيُّ الأول هو الذي يميلُ إليه شيخنا الخليلي في بعض
(1) - الدَّنُ كَهَيْئَةِ الْحُبِّ إِلا أَنَّهُ أَطْوَلُ مِنْهُ وَأَوْسَعُ رَأْسًا وَالْجَمْعُ دِنَانٌ
(2)
يُنظر: الفيومي.
المصباح المنير، باب: الدال مع النون وما يثلثهما.
2 - البخاري، باب: صَبِّ الْخَمْرِ فِي الطَّريقِ، رقم الحديث 2284.
(3) - ومثل الخمرِ يُقال في الكُحُولِ، وعليه فإنك تُدرك أنه لا حرج في استعمال العطور والدهانات التي يو
مكونتها شيء من الكحول بناءً على القول بطهارته. يُنظر:
الخليلي، فتاوى الأيمان والكفارات والنذور الكتاب الخامس) ص 359، 433.
القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول، ص 14.
4) ـ مثل هذا التركيب في العربية (يا رعاك الله، يا حفظك الله، يا وفقك الله) يقدر له منادى محذوف رعاك الله، أو يا قوم رعاكم الله بالنسبة للجمع، وهكذا فقس.
غلام (1/84)
صفحة 85
أجوبته، والرأي الآخرُ هوَ الذي اختارَهُ محدِّثُ العَصر العلامة القنوي - متعنا الله
بحياتهما- (1).
أمَّا المشرك الكتابي (2) - يهوديًا أو نصرانيا - فالرَّاجحُ الْمُعْتَمَ عِندَهما طهارتُهُ؛ لأنَّ الله تَعَالى أَحَلَّ لَنَا أَكْلَ طعامهم وذبائحهم، ونكاح الحرائر منْ نِسَائِهِمْ.
(1)
اللامس |
1) - وثمرَةُ الخلاف:: تظهر في حكم رطوباتهم، فمن قال بأن نجاستهم حسّية فقد حكم بنجاسة ما لامسوه إذا كان أو الملموس أو كلاهما رطبا، وهكذا بانتقاض الوضوء بمصافحتهم مع وجود رطوبة يمكن أن تنتقل عن طريقها النجاسة. أما الرأي القائل بأن نجاستهم معنوية فقد قصرها على الشرك الذي تلوثت به نفوسهم دون أن يكون له أثر في تنجيس الطاهرات، والعلم عند الله.
يُنظر:
الخليلي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة: 17 رجب 1424 هـ، يوافقه 2003/ 9/14 م.
القنوبي، جلسة إفتاء بمجلس منرل فضيلته - ليلة الأربعاء 13/ 5 / 2008 م.
(2) - فَائِدَة: ربَّحَ شيخنا الخليلي - حفظه الله - أن لفظ المشرِكِ غير مقصور على الوثني بل هو شامل للكتابي، وهذا الرأي منسوب لأكثر أهل التفسير؛ وذلك لأدلة كثيرة من الكتاب، منها:
1 - قَالَ تَعَالَى: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ وَامِنُوا بِما نَزَلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهَا فَتَرُدَّهَا عَلَى
??
أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} النساء: 47 - 48 2 - قوله تَعَالَى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَنْبَنِي إِسْرَويلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) المائدة: 72.
قوله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَيْهَا وَحِدَ الَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (2) التوبة: 31. يُنظر:
الخليلي، شرح منظومة غاية المراد ص 114، 157، 158.
المنتدى الأدبي، قراءات في فكر الشقصي محاضرة لسماحة المفتي بعنوان: "مكانة الشيخ العلامة الشقصي العلمية"
ص 71 - 72. (1/85)
صفحة 86
البَابُ الثَّالِثُ فِي الوُضُوءِ
قَالَ تَعَالَى: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنَّبًا فَأَطَهَرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْةُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ
المائدة: 6
فَصْلٌ فِي أَصْلِ الوُضُوءِ
الوُضوءُ في اللغة: مأخوذ من الوضاءة أي الحُسْن والنظافة، يُقالُ: (وُضوء) بضم الواو للفِعْلِ، وأمَّا (وَضُوء) بفتح الواو فيطلَقُ على الماء الذي يُتوضَّأُ به، وأما في الشرع فالوضوء: هو استعمالُ ماء طَهُور في أعضاء مخصوصة على صفة مخصوصة بنية
العبادة.
وأصلُ مشروعيته ما تلوثه أعلاه من قوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ... المائدة: 6، ومنَ السُّنَّة قولُهُ عليه أفضلُ (1/86)
صفحة 87
الصَّلاةِ والسَّلام: "لا إيمانَ لَمَنْ لا صلاة له، ولا صلاةَ لَمَنْ لا وُضوءَ لَهُ (1)، وغيرُها
كثير متواتر (2).
فَصْلٌ فِي حُكْمِ الوُضُوءِ
ويختلف حكم الوضوء حسب أحواله وأسبابه، فقد يكون واجبًا كالوضوء للصلاة؛ للآية السابقة، وللطَّواف بالبيت (3)، لأنَّ الطَّواف بالبيت صلاة إلا أنَّ هم قدْ أَحلَّ فيه الكلامَ، وَلمَس المصحف والقراءة منْهُ (4)؛ لقوله في الجنب والحائض والذين لم يكونُوا على طَهَارة لا يقرؤون القرآنَ ولا يطؤونَ مصحفًا بأيديهم
حتَّى يكونُوا مُتوضّئِينَ
(1)
- الربيع، باب: في آداب الوضوء وفرضه، رقم الحديث 92.
(2) ـ أما حديثُ سَبَب مَشروعيَّة الوُضوء المذكور في بعض الكتب الفقهية (وهو أن عشرة من أحبار اليهود أتوا يسألون النبي ... ) فغير صحيح و ح ولا ثابت، كما. صرح بذلك بعض العلماء منهم سماحة الشيخ الخليلي في بعض أجوبته حيث قال فيه: "ما رأيت إسنادا يمكن التعويل عليه"، وكذلك سمعتُ الشيخ القنوبي في إحدى جلساته العلمية يقول: بأن حديث قصة الوضوء المذكورة في كتاب الوضع حديث باطل موضوع، وقد راجعتُ كتاب الوضع فوجدت القصة، فارجع إليها في صفحة 39 - 40. يُنظر:
_ ()
الطيواني،
خلفان بن سليمان. قاموس الصلاة ص 13 (تعليق).
القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس مفرغة لصيف 1421 هـ / 2000 م.
على رأي الجمهور، وهو المُعْتَمَطَ عندَ الشَّيخين أبقاهما الله، كما تجده في الفتاوى (11/ 1) لشيخنا يحفظه الله -، وسمعته مشافهةً من شيخنا القنوبي -يحفظه الله-.
(4) وبهذا الرأي يفتي شيخنا القنوبي -حفظه هم تعالى-. يُنظر: فتاوى إمام السنة والأصول ص 26 - 17.
_ (°)
الربيع، باب: في ذكر القرآن، رقم الحديث 12؛ ولقوله تعالى: لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) الواقعة: 79 أي المتطهرون، وهو خبر بمعنى النهي، ولقوله: "لا يمس القرآن إلا طاهر" رواه أبو داود والنسائي، ولأن تعظيم القرآن واجب، ومن تعظيمه مسه بكامل الطهارة. (1/87)
صفحة 88
ويُندَبُ الوضوء في أحوال كثيرة كالوضوء للنوم؛ لقوله "إذا أتيت مَضْجَعَكَ فتوضأ وضوءك للصَّلاة (1)، وعقب الاستيقاظ من النوم؛ لقوله: " فإِذَا اسْتيْقَظَ وَذَكَرَ الله انحَلَّتْ عُقْدةٌ، فإذَا توضأ انحلت عُقْدَةٌ (2).
:"
كان
وكذلك يُندَبُ عندَ غُسل الجنابة؛ لقول السَّيدة عائشة: "كَانَ رَسُولُ هم إذا أرادَ الغُسل من الجنابة بدأ فغسلَ يَديه ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة .. (3)، وللجُنُبِ عندَ إرادَةِ الأكل والشرب والنوم، قالت السيدة عائشة النَّبِيُّ إذا كَانَ جنبًا، فأرادَ أنْ يأكل أو ينام توضاً (4). ولقراءة القُرآنِ ودراسة الحديث وروايته، ومطالعة كتب العِلْمِ الشرعي مِنْ تفسير وحديث وعقيدة وفقه ونحوها، لكن إذا كان القرآن أكثر من التفسير، فيُشَدَّدُ في المس لا سيما لصاحب الحدث الأكبر (5)، وكذا يُندَبُ الوضوء بعدَ ثورة لأنَّ الوضوء يطفتُهُ، لما رُوي أنَّهُ عليه الصلاة والسلام قال: "فإذا غضبَ
الغضب؛
أحدكم فليتوضأ " (1
(1)
وهذه تكملة الحديث أذكره للفائدة وعملاً بالسنَّة " ... ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك،
آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت".
البخاري، باب: فَضْلِ مَنْ بَات عَلَى الْوُضُوءِ، رقم الحديث 239.
(2) ـ الربيع، باب: جامع الوضوء، رقم الحديث 132.
(3) الربيع، باب: في كيفية الغسل من الجنابة، رقم الحديث 140.
_ (9)
مسلم، باب: جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له، رقم الحديث 461. وذهب بعض علمائنا إلى أن المراد بالوضوء في هذا الحديث وغيره من الأحاديث الوضوء اللغوي (وهو غسل اليدين والموضع فقط). للاستزادة يُنظر: السَّالمي، شرح الجامع الصحيح ج 1، ص 268 - 269.
(5) - القنوبي، سعيد بن مبروك. "جلسة إفتاء" بولاية المصنعة، بتاريخ: 17/ 5 / 2003 م.
(6) رواه أحمد في مسنده، باب: حديث عطية السعدي، رقم الحديث 17302.
ه (1/88)
صفحة 89
وللخروج من خلاف العلماءِ، كَمَن لَمسَ فرجَه بظهر كفّه، أو أكل لحم الجزور)؛ لقول بعضهم (2)؛ لقول بعضهم بالوضوء منه (3)، ولتكون عبادته صحيحةً بالاتفاق عليها
استبراء لدينه، ويكون الوضوء مباحًا إذا قصد به مباحًا كالتنظف والتبرد.
تذكير تقدَّمَ لدَيكَ سلفًا أَنَّهُ يُشرَطُ لصحة الوضوء إزالةُ النَّجَاسَات منَ البدن، كما تقدَّمَ أيضًا (4) أَنَّ الماء المطَّلَقَ هوَ الماء الذي يَرفَعُ الحَدَثَ، فهو الماء الذي يَصلُحُ للوضوء وللاغتسال بالاتفاق – دُونَ غَيْرِهِ مِنْ أَقسَامِ المياهِ الْأُخْرَى. فَهَذه هيَ شُرُوطُ الوُضُوءِ، فَشَمِّرِ الهِمَّةَ لمعرِفَةِ الفَرَائِضِ ..
فَصْلٌ فِي فَرَائِضِ الوُضُوءِ
نَصَّ القُرآنُ الكَريمُ على أركان أو فرائض أربعة للوضوء، وهي: غُسل الوجه، واليدين، والرّجلين، ومسحُ الرَّأس، إضافةً إلى النّية المشار إليها، وذلك كله في قوله
(1) - فَائِدَةً: صحَّحَ شيخنا القنوبي -حفظه هـ - نقض الوضوء بمس الفرج سواء كان بظاهر الكف أو بباطنه، أما سائر
الأعضاء فلا ينتقض الوضوء بملامستها.
أما الوضوء أو الاغتسال ممن غسل ميتا أو مس جسمه فغير ثابت عن النبي، والمؤمن لا ينجس حيا ولاميتا، وعليه فمن مس قطعة جلد منفصلة من جسمه سواء كانت رطبة أو يابسة، أو بياض أصل الشعر كل ذلك لا ينقض الوضوء على الصحيح. يُنظر:
(2)
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى - القسم الثالث، ص 40.
القنوبي، دروس مفرغة لصيف 1421 هـ / 2000 م، ودروس صيف 1423 هـ / 2002 م، "مذكرة خاصة" ص 61. - الْجَزُورُ مِنْ الْإِبِلِ حَاصَّةً يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالْجَمْعُ جُزُرٌ مِثْلُ: رَسُولٍ وَرُسُلِ .. وَقِيلَ: الْجَزُورُ النَّاقَةُ التي تُنْحَرُ يُنظر الفيومي. المصباح المنير، باب: الجيم مع الزاي.
(3) عدم نقض الوضوء بأكل لحم الجزور هو رأي الجمهور، ومع ذلك يقول شيخنا القنوبي -حفظه ه-:" .. وعلى كل حال فالسلامة في القول بالوضوء من أكل لحم الإبل".
(القنوبي، دروس صيفية مفرَّغة بمبنى معهد العلوم الشرعية (سابقا بروي)، صيف 1421 هـ .. رقم المذكرة ه
ص 2 - 3).
(4) - عندَ ذِكْرِ أَقْسَامِ الميَاهِ في (البابُ الأَوَّلُ: في الطَّهارة). (1/89)
صفحة 90
تعالى: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ
إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)
أولاً: النِّيةُ:
المائدة: 6.
وهيَ مِنْ أركان الوضوء وفرائضه على الصَّحِيحِ الْمُعْتَصَب؛ لقوله تعالى (وَمَا أُمِرُوا
60
إلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كل البيئة: 5، البيئة: ه، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمالُ (1)، أي صحة الأعمال وقَبولُها مرهونة بنيَّاتها، وذلك لأنَّ الوضوء عبادة غير معقولة المغنى.
المكلف وينوي
بوضوئه رفع الحدث، والتطهر للعبادة، ولا بُدَّ أنْ تكون هذه النيَّةُ
سابقةً لجميع أعمال الوضوء، فإِنْ قَدَّمَ بعض أعضاء الوضوء الواجبة على النية لزمته
الإعادة.
والمقصود من النية تمييز العبادة عن العادَة، أو تمييز بعض العبادات عن وتمييز رتبة هذه العبادة، أي كالصَّلاة تكونُ فرضا تارةً، ونفلاً تارةً أخرى (2).
تنبية: النية المطلوبة للعبادة هي النية القلبية، وهي القصد والعزم بالقلب لأداء الفعل، ومعنى ذلك أنَّ النية محلها القلب، ولذا فَلا دَلِيلَ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النِّيَّاتِ اللَّفْظِيَّة، وإنما يُكتَفَى في ذلكَ بالنَّية القَلبيَّة (3).
(1)
- الربيع، الباب الأول في النية، رقم الحديث 1.
(2) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج: "سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 9 رمضان 1429 هـ
يوافقه 10/ 11/ 2008 م.
(3) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 156.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الثالث ص 40 (1/90)
صفحة 91
فَائِدَةٌ جَلِيْلَةٌ
من توضأ وارتفع حدثُهُ أجزَاهُ ذلك الوضوء لكُلِّ عبادة يُشترَطُ لها الوضوء ولو لم يستحضر تلك العبادة في وضوئه ذلك، كالصَّلوات ولو تعددت فرضا ونفلاً،
وكالطواف بالبيت وقراءة القرآن الكريم، يقولُ ابنُ النَّصْرِ (1):
وَإِنْ تَوَضَّأْت بلا نيَّة (2)
***
أَجْزَاكَ لِّلْفَرْض وَالنَّفْل
لأنَّ المقصود من الوضوء رفعُ الحدث، فلمَّا ارتفع الحدث جازت سائر العبادات مِنَ
على القَولِ الْمُعْتَمَ الصَّحِيحِ عِندَ الشَّيخَينِ
فَتْوَى
السُّؤالُ مَا قولكم سماحة الشيخ فيمن توضاً لصلاة الميت، فحضرثه فريضةً من
الفرائض، هل تصح صلاته بذلك الوضوء؟
الجَوَابُ الوضوء يُرادُ به رفعُ الحدث، والحدث هو معنى قائم بالنَّفس مانع من الصلاة، فإذا ارتفع الحدث جازتِ الصلاةُ، ولا داعي إلى تجديد الوضوء، وه
أعلم (4).
(1) - تنبية: يقول الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري المفتي السابق: شاع عند أهل عمان
بالظاء (النظر)، وهو خطأ والصواب كتابته بالضاد قرينة الصاد؛ لأن هذا الاسم مشتق من النضارة والتي هي إشراق الوجه، وليس من النظر بمعنى الرؤية، وللأسف فلا زلنا نرى من الكاتبين والمؤلفين من يكتب هذا الاسم بالظاء، والله
الموفق للصواب.
(2)
راجع: المنتدى الأدبي، قراءات في فكر ابن النضر.
(2) - أي بلا نية مخصوصة لعبادة معينة غير نية الوضوء.
(3) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 25.
القنوبي، دروس مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية سابقا، بروي)، لصيف 1421 هـ / 2000 م، رقم المذكرة 9 ص 1.
، أحمد حمد.
(4) _ الخليلي، بن الفتاوى، ج 1 ص 25. (1/91)
صفحة 92
مَسأَلَةٌ
ويُستحَبُّ استصحاب ذكر النّية إلى آخر الطَّهارة؛ لتكون أفعاله كلها مقترنةً بالنّية، ولكن لا يضرُّ عُرُوبُ النية، أي ذهابها عن خاطره وذهوله عنها، بعد أنْ أتى بهما في أول الوضوء؛ لأنَّ ما اشترطت لهُ النّيةُ لا يبطلُ بعزوبها والذهول عنها كالصلاة والصيام، وذلك بخلاف الرفض أي الإبطال، وذلك بأن. ينوي إبطال ما فعله كان
ينوي في قَلْبه: إِبْطَالَ وُضُوئه جازمًا بذلك، فإنَّه يبْطِلُ.
ثانيا: غُسْلُ الوَجْه:
لقوله تعالى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) أي غُسلُ ظاهر جميع الوجه، بحيثُ يُسيلُ الماء عليه ولا يكتفي بمجرد المسح (1)، والفرضُ هو الغسلُ مرةً واحدةً، أما تكرارُ الغسل ثلاث مرات فهو سنة وليس فرضًا.
6
والدليل على جواز الاجتزاء بالإفرادِ دونَ التثليث في المغسولات ما ثبتَ أَنَّ النَّبِيَّ توضاً مرَّةً مرَّةً فقالَ: هذا وضوء لا تُقبَلُ الصَّلاةُ إلا به"، ثم توضاً اثنتين اثنتين
فقالَ: "مَنْ ضاعف ضاعف هـ له"، ثم توضاً ثلاثا ثلاثا فقالَ: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي (2).
والوجه:
ما يواجه به الإنسانُ غيرَهُ منَ النَّاس وحده طولاً ما بين منابت شعـ الرأس المعتاد، إلى منتهى الذقن، وحده عرضًا: ما بينَ شَحْمِي الْأُذِنَينِ؛ هَذَا لِمَنْ لَمْ يَكُنْ بهِ شَعرٌ، أَمَّا مَن كانَ به شعر فكذلكَ علَى القَول المشهور، وهُوَ الْمُعْتَصَصُ الصَّحِيحُ عِندَ
(1) ـ أما رواية "أشربوا أعينكم الماء" فهي رواية لا تثبت عن النبي، لضعف إسنادها، وبطلان متنها، كما نص على ذلك إمام السنة والأصول العلامة القنوبي أكثر من مرة في بعض أجوبته ودروسه الصيفية لطلبة العلم. يُنظر: القنوبي، أحاديث ضعيفة. مجلة المعالم / العدد الثاني (1421 هـ / 2000 م) ص 51
(2)
(القنوبي، صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية سابقا، بروي)، صيف 1421 هـ / 2000 م، رقم المذكرة 9 ص 12). - رواه الربيع، باب في آداب الوضوء وفرضه، رقم الحديث 89. (1/92)
صفحة 93
شيخنا القنوبي -حفظه الله -؛ ولذا يجب على الصَّحِيحِ عِندَهُ - تَخلِيلُ اللَّحْيَةِ إِذَا كانت خفيفةً دونَ الكَثيفَة)، وغُسْلُ العذار (2)، وكذا البياضُ الذي بينَ شَعْرِ اللحية
والأذن (3).
ثالثًا: غُسْلُ اليَدَيْنِ إِلى المَرْفَقَينِ:
لقوله تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ
المائدة: 6،
وللإجماع.
ويجب عند جمهور العلماء وهو المُعتصم عند العلامة القَنُّـ القَنُّوبي لى (4) - إدخالُ المرفقين) في غُسل اليدين، لأنَّ حرف إلى لانتهاء الغاية، وهي هنا بمعنى "مَعَ"
كما في قوله تَعَالَى: وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ) هود: 52، و وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَهُمْ إِلَى {*
أَمْوَالِكُمْ النساء: 2، النساء:2، وقد أوضحت السُّنَّةُ النبوية المطلوب وبينت المجمل، رُوي عن أبي هريرة في صفة وضوء رسول هـ: لأنه توضاً فغسل وجهه، فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى شرع في العَضُد، ثم اليسرى حتى شَرعَ في العَضُد .. " (6).
(1) وإلى هذا التقييد أيضا مال الإمام السالمي -رحمه الله - فقال معقبًا: "قُلتُ: وهذا أسهل مِمَّا تَقَدَّمَ، وَكَأَنَّهُ إِلَى الْحَقِّ
أقرب". يُنظر:
القنوبي، اتصال هاتفي شخصي بفضيلته، ليلة الخميس 21 ذو الحجة / 1429 هـ - يوافقه 18/ 12 / 2008 م.
القنوبي، فتاوى الحج 1 مادة سمعية إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية.
السالمي، معارج الآمال ج 1 ص 319 طبعة: مكتبة الإمام السالمي الحديثة والمحققة.
(2) - العذَارُ: هو الشعر النابت على العظم الناتئ بقرب الأذن، وهو جانب اللحية من الأعلى.
(3) - القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية (سابقا بروي)،
صيف 1421 هـ / 2000 م، مذكرة رقم 7 ص 3.
(4) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية (سابقا بروي)،
صيف 1421 هـ / 2000 م.
(°)
(5) - والمرفق: هو ملتقى عظم العضد والذراع.
(2) - رواه مسلم، باب: اسْتِحْبَابِ إِطَالَةِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْحِيلِ فِي الْوُضُوءِ، رقم الحديث 362. (1/93)
صفحة 94
ويجب أن لا يفوت المكلَّفَ النَّبيَّة تخليلُ الأصابع عندَ غُسل اليدين؛ يقولُ النَّبِيُّ: خللوا بين أصابعكم في الوضوء قبل أن تُخلَّلَ بمسامير منْ نارٍ (1).
تنبية: نَرَى بعض النَّاسِ مِنَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ - هدانا الله وإِيَّاهمْ- عندَ غُسل اليَدَينِ لا يقومُونَ برَفْعِ كُمِّ القَميص السَّاتر للسَّاعِد إلى أعلى المرفق، وهذا خطأ جلي لما عَلِمْتَ مِنْ دُخول المرفقين في المغسول مِنَ اليَدَين، وبالله التوفيق.
رابعًا: مَسْحُ الرَّأْسِ:
لقوله تعالى: وَأَمْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ
الشعر
والمسح هو إمرار اليد المبتلة على العُضو، والرَّأْسُ: هنا هوَ منْ مَنبـ المعتاد من المقدَّمِ فوق الجبهة إلى قفا الرَّأْسِ. واختلف الفقهاء في القَدْرِ المجزئ مِن مَسحِ الرَّاسِ: فقيل لا بدَّ مِنْ مسح جميع الرَّأسِ حملاً للباء في قولِهِ تَعَالَى: {وَأَمْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ على التوكيد، على حد قوله: وَلْيَطَوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) الحج: 29، وإلى هذا الرأي ذهب العلامة 29، الأصولي ابنُ بركة)، وقيل بل يجزي مسحُ بعض الرَّأْسِ وأَنَّ الباء في الآيةِ للتَّبعيض - أي ببعض رؤوسكُمْ، واستدلوا له بما ثبت عن ابن عباس أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: "مسح ببعض رأسه في الوضوء (3)، والرَّأيُ الأَوَّلُ أحوط وفيه خروج من خلاف العلماء، ولكنْ مَنْ مَسَحَ بعضَ الرَّأس فينبغي لَهُ أنْ لا يَقْتَصِرَ عَلَى نَزْرِ يَسِيرِ مِن مُقدِّمته.
(1)
(2)
- الربيع، باب: في الاستجمار، رقم الحديث 90.
بن
- ابنُ بركة هو العلامة الشيخ الأصولي الكبير أبو محمد عبد الله محمد بن بر ركة البهلوي من علماء القرن الرابع الهجري اشتهر بكتابه الجامع وتخريجاته الأصولية، كان عميد المدرسة الرستاقية في عمان توفي سنة (362 هـ) تقريبًا. يُنظر: معجم أعلام الإباضية/ قسم المشرق العربي.
(†)
– الربيع، باب: في آداب الوضوء وفرضه، رقم الحديث 98. (1/94)
صفحة 95
مَسأَلَةٌ
ومنَ السُّنة مسح الأذنين معَ الرَّاس؛ لقوله: "الأذنان منَ الرَّاس"، قال أبو الشعثاء راوي الحديث: وبَلَغَني عنه عليه السَّلامُ أنه غرف غرفةً واحدةً فمَسَحَ بها رأسَهُ وَأُذُنَيه (1).
ويكفي في المسح مرةً واحدةً شاملة للظَّاهر والباطن، ولا يُستحب تكرار المسح للرأس والأذنَينِ عَلَى الْمُعْتَمَ الصحيح)، وهو رأي جمهورِ العلماء خلا الشافعية وبعض أصحابنا (3)؛ لأنَّ حديث الوُضوءِ ثلاثًا ثلاثًا عامٌ حَصَّصَتِ السُّنَّةُ الممسُوحَ منه
بالمرة الواحدة؛ لحديث علي بن أبي طالب كرَّمَ هـ وجهَه - في وصف وضوء رسول قالَ: وَمَسَحَ برأسه مرةً واحدةً (4)، ولأنه لو كرَّرَ المسح لاتَّحَدَ معَ الغُسلِ،
هكذا قيل، وهم أعلمُ (5).
!
ويُكتفى في مسح الأذنين بماء الرَّأس على الصحيح عند شيخنا إمام ا والأصول حفظَهُ الله، وقيل: لابدَّ أَنْ يَأْخُذَ ماءً جديدًا لهما.
السنة
(1)
- الربيع، باب في آداب الوضوء وفرضه، رقم الحديث 99.
(2) - يُنظر
القنوبي، برنامج: " سؤال أهل الذكر " حلقة: 9 رمضان 1428 هـ، يوافقه 2007/ 9/21 م. القنوبي، دروس صيف 1422 هـ / يوم الخميس 2001/ 7/12 م، "مذكرة خاصة".
(3) - فَائِدَةٌ: يجوز نصب ما بعد "خلا" باعتبارها، فعلا، والجرُّ باعتبارها حرفا، وكلا الوجهين جائز في لغة القرآن،
والحمد لله معلم البيان.
(4)
أبو داود، باب صفة وضوء النبي، رقم الحديث 102.
(5) - السالمي، عبد الله بن حميد. شرح الجامع الصحيح ج 1 ص 145. (1/95)
صفحة 96
خامسًا: غُسْلُ الرِّجلين إلى الكعبين:
لقولِهِ تَعَالَى: وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ * والكَعْبَان: هما العَظْمان النَّاتِتَانِ مِنَ {الجانبين عندَ مِفْصَلِ القَدَم، فالواجبُ في الرِّجْلَينِ الغُسلُ ولا يجزِي فيهما المسحُ، ومَن مَسَحَ جاهلاً بالحكم أعادَ صلاته. ويجب غسل الكعبين مع الرجلين كغُسل المرفقين في اليدين، لدخول الغاية في المغَيَّا، أي لدخول ما بعد إلى فيما قبلها، وكذلك يجبُ غُسْلُ الأعقاب والبطون
منَ القدمين؛ لوُرُود الوعيد الشديد على ترك غُسلها، قالَ: " وَيْلٌ للعراقيب من النَّارِ ووَيْلٌ لبطونِ الأَقدام من النَّارِ)
(1).
قالَ الرَّبيعُ: أرادَ بذلكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ تُغْرَكَ بالماء ويُبَالَغَ فِي غُسلها.
خَاتِمَةٌ
يقُولُ الإمامُ نُورُ الدِّينِ السَّالِمِيُّ - رَحِمَهُ الله - ملخصا فرائض الوضوء وأركائه (2):
هَذا المَقامُ كاشف مُجْمَلَهَا
مِنْ مَنبَتِ الشَّعر الَّذِي قَدْ عُوِّدا في العَرْضِ ثُم اللُ لليَدَيْنِ الكعبين
ومَسحُهُ في الكُلِّ في البعض بما جديد من كلا الوَجْهَيْنِ والأولُ الرَّاجِحُ فِي القِيَاسِ
***
***
***
***
***
***
***
فرائضُ الوضوء أربع لها
لغُسلُ للوجه وحده بدا
للذقن طُولاً وإلى الأذنين
والمسحُ للرَّ امُ الفَرضِ
سُنَّ فيهِ المَسحُ للأُذنير
وقيلَ يُجي فيه ماءُ الرَّأْسِ
(1)
- الربيع، باب في آداب الوضوء وفرضه، رقم الحديث 93.
(2) ـ السالمي، عبد الله بن حميد. مدارج الكمال، ص 9. (1/96)
صفحة 97
فَصْلٌ فِي سُنَنِ الوُضُوءِ
تعرف - أخي طالب العلم، وفقكَ هي لما يحب ويرضى - أن أعمال الوضوء لا تقتصر على فرائضه ولا تنحصر في أركانه المذكورة في آية المائدَة (1) بل هناكَ سُنن
للوضوء، منها الواجبة، ومنها المندوبة والمستحبَّةُ، وإليك بيانًا مختصرًا لجملها:
1 - السواك قبل الوضوء: وحكمه الندب، قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عندَ كلِّ صَلاةِ وكلّ وضُوءِ " (2)
2 - التسمية: وهي قولُ المتوضئ "بسم هم، وهي على الصحيح المعتمد عند العلامة القنوبي عافاه الله - واجبةً في حالة الذِّكْرِ والنِّسْيان (4).
(1) - وتُسَمَّى: "آيةَ الوضوء" أيضًا.
(2) - المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: "الأمرتهم بالسواك " أي أمرا جازما يفيد الوجوب، وإلا فإنَّ السواك مأمور به كغيره من المندوبات
المأمور بها. يُنظر:
(3) ـ هذه هي
الربيع، باب: الطهارة بالاستجمار، رقم الحديث 87.
السالمي، شرح الجامع الصحيح ج 1 ص 142.
الصيغة الأولى مع جواز غيرها من الصيغ الأخرى، فإذن الخلاف إنما هو في الأفضل لا في الواجب، ولا شك أن الأفضل هو ما ورد في السُّنَّة، ومُستند من ذهب إلى أن أفضل الصيغ هي "بسم هم" أن رواية الربيع الواردة أعلاه نصت "ولم يذكر اسم هم "، وبعض الروايات نصت على "ولم يسم" ومن المعلوم أن التسمية تتحقق بالاقتصار على قول "بسم هـ "، بل جاءت رواية صحيحة صريحة: الوضؤوا باسم الله" (ابن حبان/6653)، وهذا القول هو ما عليه جمهور الإباضية، قال صاحب الإيضاح (68/ 1): "فكذلك التسمية يقول: (باسم الله) هكذا في آثارهم -رحمهم ه- وهو ما صدر به الإمام الجيطالي كما في حاشية الإيضاح (56/ 1)، وأقره عليه محشيه العلامة السدويكشي، والاكتفاء بـ"بسم هم " هو قول القطب - رَحِمَهُ الله - شرح النيل، ط: تراث 74/ 1)، وأفضلية الاكتفاء بـ"بسم ه الذي انتصر له صيرفي الحديث وناقده شيخنا القنوبي -حفظه هم تعالى-، حيث يقول: " ... هذا ومن الجدير بالذكر أنني لم أجد "الرحمن الرحيم" بعد "بسم ه " عند إرادة الوضوء إلا في رواية موضوعة ... "اهـ. وخير الهدي هدي محمد، وقد علمت فالزم غرزه. يُنظر: القنوبي، تحفة الأبرار، ص 116 - 117.
".اهـ،
11
هو
(4) اختلف العلماء في حكم التسمية على الوضوء، فذهب كثير من العلماء -رحمهم هم- إلى أنها مندوبة وغير واجبة أصلا، وأن المراد من الحديث الحث عليها، والمراد بنفي الوضوء نفي كماله لا صحته، وذهب بعضهم إلى أنها (1/97)
صفحة 98
والدَّلِيلُ عَليه قولُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: "لا وضوء لِمَنْ لم يذكر اسم هم عليه
تنبيه
ومن الجدير بالذكرِ أَنَّهُ لم يَثبُتْ شَيْءٌ من الأذكار والأدعية أثناء الوضوء إلا التسمية في أوَّله، وفي آخره قولُ: أَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلا هم وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأشهدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عبده ورسوله (2)، فقد ثبت في فضلها قولُ النَّبيِّ: " ما من مسلم يتوضأ فيُحسنُ الوضوء ثم يقولُ: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا هم وأشهدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عبده ورسولُهُ إِلا فتحت له ثمانية أبواب الجنَّة، يدخلُ منْ أَيْها شَاءَ (3).
وثبت أيضًا عن أبي سعيد الخُدْري له موقوفا (4) أَنَّهُ قالَ: "مَنْ توضَّأَ فقالَ: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبحمدك أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا أنت أستغفرك وأتوبُ إِليكَ" كُتبَ فِي رَقّ ثم طُبعَ بطابع فلم يُكسر إلى يوم القيامة)، والحديث وإِنْ كانَ موقوفًا لفظًا إِلا أَنَّ لهُ الرفع؛ إذ لا يمكنُ أنْ يُقَالَ بمجرَّد الرأي ولا مجال للاجتهاد فيه (6).
واجبة في الذكر دون النسيان، ورجح إمام السنة والأصول - حفظه -هم- وجوبها في الذكر والنسيان؛ لأن الأصل أن يحمل النفي على الصحة قبل حمله على الكمال ما دام أنَّ حمله على الصحة ممكنا كما في هذا الحديث، أي: لا وضوء صَحِيح لمن لم يذكر اسم هم عليه. يُنظر:
القنوبي، "فتاوى سناو 1 مادة سمعية اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية، أو مكتبة مسجد جامعة السلطان قابوس.
القنوبي، دروس صيف 2003 م "مذكرة خاصة" ص 32.
(1) الربيع، باب: آداب الوضوء وفرضه، رقم الحديث 89.
(2) – القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية سابقا بروي)، لصيف 1421 هـ
رقم المذكرة 10 ص 14 - 13.
(3)
مسلم، باب: الذِّكْرِ الْمُسْتَحَبِّ عَقِبَ الْوُضُوءِ، رقم الحديث 345. وورد في بعض الروايات زيادة:"اللهم اجعلني
من التوابين واجعلني من المتطهرين"، لكنها رواية ضعيفة.
(4)
يُنظر: القنوبي، تحفة الأبرار، ص 122.
(4) – الموقوفُ: هو ما كان من قول الصحابي و لم يسنده إلى النبي، والمرفوع ما أسند وأُضيف إلى النبي
(5) ـ النسائي، السنن الكبرى، رقم الحديث 9909.
(2) - يُنظر: القنوبي، سعيد بن مبروك. تحفة الأبرار ص 123. (1/98)
صفحة 99
3 - غُسْلُ اليدَيْنِ إلى الرّسفَينِ: ويتأكد ذلك بعد النوم؛ قال: " إذا استيقظ أحدُكُمْ مِنْ نومه فلا يَغْمس يدَه في الإناء حتى يغسلها ثلاثا؛ لأنَّه لا يدري أين باتت
يده (1).
4 - المضمَضَةُ والاستنشاق والمضمضة: هيَ إِدْخالُ الماء في الفم وتطهير باطنه بالخَضْحَضَة (2). والاستنشاق: هوَ إدخالُ الماء في الأنف وجذبه بنفسه إلى داخل أنفه أنفه ثم طَرْحُهُ، حَتى يَطْهُرَ باطنُهُ. وحُكْمُ المضمضة والاستنشاق الوجوبُ على المعتقد الصحيح (3)، ويُستحب المبالغة فيهما ما لم يكن الإنسان صائمًا؛ قالَ للقيط بن صُبرة:" إِذا اسْتَنْشَقْتَ فأبلغ إلا أنْ تكونَ صَائمًا " (4)، والأولى أن تكون المضمضة والاستنشاق من غَرْفَة واحدة (1)؛
(1) الربيع، باب: آداب الوضوء وفرضه، رقم الحديث 88.
(2)
- ومما يذكره البعض في باب المضمضة والاستنشاق أنه ينبغي إِدْحَالُ الإِصْبَعِ في الفَم في حال المضمضة، ولكن لإمام المنقول والمعقول عافاه الله - وقفة مع هذا الرأي العاري من الدليل؛ لكونه لم يثبت عن الأسوة لا من طريق صحيحة ولا حتى حسنة يمكن أن يتكأ عليها لدعم هذا القول، يقول -حفظه الله -:" أما إدخال الأصبع في الفم في حالة المضمضة فمما لا دليل عليه من سنة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم - البتة، فليس هنالك حديث صحيح أو حسن يدلُّ على مشروعية إدخال ذلك في الفم .. بل يُؤخذ مِنَ الروايات الصحيحة أنَّ النبي
بإدخال إصبعه".
(القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 8 رمضان 1428 هـ، يوافقه 2007/ 9/20 م)
(3) قال الشيخ القنوبي -حفظه ه- في أجوبته على أسئلة من الشرق الإفريقي ص 9: " .. والذي عِنْدِي أَنَّ المضمضة والاستنشاق واجبات لا يتمُّ الوضوء إلا بها، وقد كرَّر ذلك في دروسه الصيفية على أبنائه طلبة العلم.
وإلى هذا الرأي -أيضا- ذهب جماعة من أهل العلم، وحُجَّةُ هؤلاء أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم - الذي جاء مبينا للتشريع- لم يؤثر عنه لا من جهة قوله ولا من جهة فعله أنه ترك المضمضة والاستنشاق في الوضوء ولو مرة واحدة، مع ورود الأحاديث الصريحة في الأمر بهما، والأصل أن يحمل الأمر على الوجوب، أضف إلى ذلك أن همه عز وجل أمرنا في كتابه بغسل الوجه، ومحلُّ المضمضة والاستنشاق من جملة الوجه، والله أعلم.
(4) الربيع، باب: آداب الوضوء وفرضه، رقم الحديث 94. (1/99)
صفحة 100
لحديث جابر بن زيد قال: بلغني عن رسول الله أنه تمضمض واستنشق من غَرفة
واحدة " (2)
تنبية: يقوم بعضُ المتوضّنِينَ - هَدَانَا اللهُ وَإِيَّاهمْ عِندَ غُسْلِ الْأَنفَ بِغُسْلِها مِنَ الخارج فقط مِنْ غَيْرِ اسْتنشاق وإدخال للماء في الأنف (المنْخَرَيْن)، وهذا خَطَاً ولا يُجْزِي في الوُضُوء، فليُنتَبَه وليُنيَّة عَلَى ذلك.
28
فَائِدَةٌ
السؤال ما هيَ الحِكْمَةُ مِنْ تقديم المضمضة والاستنشاق على الأعضاء الوا غُسلها مثل الوجه واليدين؟
الجَوَابُ الحكمة -في رأي بعض العُلماء - أنَّ الماء إمَّا أَنْ يتغير طعمه أو لونه أو ريحه، وتغير اللون هو أكثر تأثيرًا على الماء من تغير الطَّعْمِ أو الرِّيح؛ لأنَّ تغير اللون دليل على ما خالط الماءَ مِنْ غيره، فالإنسان إذا وضع الماء في يدَيْهِ وقربه من عينيه يَشعر بتغير لونه، فإذَا وضعَهُ في فيه فإِنَّهُ يشعرُ بطعم الماء، فإذا وضعه في أنفه يشعرُ بريحه، والحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم يُبينُ أنَّ الماء باق على أصل خلقته وهو الطهورية والتطهير ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحُهُ، فقد جاء في الحديث الذي رواه الإمامُ الربيع - رَحِمَهُ الله - عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن رسول هم أنه قالَ: " الماء طَهورٌ لا ينجِّسُهُ إلا ما غلب عليه فغير لونه أو طعمه أو ريحه"، هذه
(1) – القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 1425 هـ / 2004 م، "مذكرة خاصة / شرح أبواب من الإيضاح"،
ص 29.
(2)
(2) - الربيع، باب: آداب الوضوء وفرضه، رقم الحديث 96. (1/100)
صفحة 101
هي
التي استظهرها بعض العلماء، وقد تكون هنالك حكمة قد خفيت علينا،
والوضوء نفسه إنما هو أمرٌ تعبدي، وهي أعلمُ.
- التَّقْلِيْثُ: أي الوُضوءُ ثلاثًا ثلاثا لكلِّ عضو من الأعضاء المغسولة دونَ الممسوحة (2)؛ لقوله حين توضأ ثلاثا ثلاثا: "هذا وُضُوئِي وَوُضُوء الأنبياء منْ
قبلي
(3)
6 - التَّرْتِيبُ: أي ترتيب أعْضَاءِ الوُضوءِ كما وردَتْ في الكتاب والسُّنَّةِ، مع البدء بالميامن قبل المياسر، فقد كانَ عليه الصَّلاة والسَّلام يُحِبُّ التيامُنَ فِي طُهوره إِذا تطهر، وفي انتعاله إذا انتعل (4)، وحكمُ الترتيب الوجوب (5) على المعتقد الصحيح عند شيخنا القَنُّوبي -حفظه هـ -، ومالَ إليه شيخنا الخليلي - حفظَهُ هم - في فتاواه (6)؛ لأنَّه الثابت من فعل المبلغ، ولم يُؤثر عنه ولا مَرَّةً واحدةً أنه لم يرتب أعمال الوضوء، ولا صرَّحَ بذلك قط لا بقول ولا بفعل، والقولُ بالترتيب هو قولُ الإمام الربيع خلافًا لشيخه أبي عبيدة -رحمهم هي جميعا (7).
أحمد (1) ـ الخليلي، بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 30.
(2) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 1422 هـ /:يوم الخميس 7/ 12 /2001 م، "مذكرة خاصة".
(3)
- الربيع، باب: آداب الوضوء وفرضه، رقم الحديث 90.
(4) ـ أحمد، المسند، رقم الحديث 24484.
(e)
- وينبني على القول بوجوب الترتيب أنَّ الذي يترك غُسل عضو من الأعضاء كاليدين مثلاً ثم يتذكر بعد ذلك، فعليه أن يرجع ليغسل ذلك العضو ثم يغسل ما بعده من الأعضاء، وإلا فعَلى رأي مَن لم ير وجوب الترتيب فيجوز له غسل ذلك العضو الذي ترك غسله نسيانًا في آخر الوضوء، و لا يلزمه أن يأتي بما بعده من
الأعضاء.
(6) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 32.
القنوبي، دروس صيف 1425 هـ / 2004 م، مذكرة خاصة / شرح أبواب من الإيضاح"، ص 30.
) إذ لم ير هؤلاء القائلون بعدم الوجوب -كما ذهب إليه صاحب الإيضاح- أنَّ الواو في آية الوضوء تفيد الترتيب بل
هي
لمطلق الجمع، واستدلوا على ذلك بما رَوَوْهُ مِنْ سُؤال الصحابة -رضوان هم تعالى عليهم- عن ما يبدؤون به في (1/101)
صفحة 102
- الموَالاةُ: هي التَتابعُ في أعمال الوضوء عُضوًا بعد عضو. وضابط الموالاة: أنْ لا يَجفَّ العضو السَّابِقُ قبل البدء بالعضو اللاحق وذلك في الأحوال العادية، والصحيحُ أنَّ حُكَمَ الموالاة كالترتيب في الوجوب الملازمة النَّبيِّ لها طوال حياته (1). عدَمُ الإِسْراف في استخدام الماء: فقدْ كانَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يتوضأُ بِقَدَرِ
-
المد ويغتسلُ بقَدَر الصَّاع (2).
وَالَمَاءُ مُدُّ فِي الوُضُوءِ وَلَدَى
***
ذَا الغُسْلِ صَاعٌ لَا أَقَلَّ مَقْصدا (3)
ـنبيه
العُنق
دَرَجَ كثيرٌ منَ النَّاسِ على مَسْحِ الرَّقَبةِ فِي الوُضُوءِ بعدَ مَسْحِ الْأَدْنَينِ مِعَ أن ست مِنْ أعضاء الوضوء على الصحيح المعتمد، والحقيقةُ أَنَّ ذلك لم يثبت عنِ النَّبِيِّ
عن
ذلك.
السعي فأجابهم بقوله: "نبدأ بما بدأ هم به"، أي في قوله: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ الله البقرة: 158، فلو كانت الواو تفيد الترتيب لعلم الصحابة ما يبدؤون به أولا من خلال الآية الكريمة، و لم يسألوا النبي. وقد أطلعني الشيخ المراجع ماجد الكندي في مباحثاتي له بمكتب الإفتاء أن الثابت في هذا الحديث هو قول النبي ابتداء "نبدأ بما ... "، أما سؤال الصحابة فلم يثبت كما تراه في كتب السنة بل لم يرد فيها أصلا إلا ذكره في بعض
الكتب الفقهية، والله أعلم. يُنظر:
الربيع، باب: في الكعبة والمسجد والصفا والمروة، رقم الحديث 418.
الشماخي، الإيضاح ج 1 ص 96 - 97.
(1) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 32.
القنوبي، دروس صيف 1425 هـ / 2004 م، "مذكرة خاصة / شرح أبواب من الإيضاح"، ص 30.
(2) - مقْدَارُ الصَّاعِ النَّبَوِيِّ أربعة أمداد، والمدُّ ملء الكفين المتوسطين، وهذا دليل على الاقتصاد في الإسلام، وفيه غلق
11
للباب أمام الموسوسين، أما رواية "الوضوء على الوضوء نور على نور فهي باطلة لم تثبت عن النبي.
يُنظر: القنوبي، دروس صيفية مفرَّغة بمبنى معهد العلوم الشرعية (سابقا) بروي)، صيف 1421 هـ / 2000 م.
- السالمي، عبد الله بن حميد. مدارج
الكمال،
ص
11 (1/102)
صفحة 103
لا في حديث صحيح ولا حَسَن (1)، وإنما استحسنَهُ بعضُ العُلماء اعتمادًا منهم على رواية ضعيفة، ولذلك قالَ الإمامُ السَّالِمِيُّ - رَحِمَهُ الله -: (قلتُ: وَمَسْحُ الرقبة استحبَّهُ بعض العلماء ولم يكن موجودًا في الأحاديث الْمَرويَّة عن رسول (2)، وإذا لم يكن مرويًّا عن رسول فالأولى تركه لأنَّه ليس مما آتانا به الرَّسُولُ قَالَ تَعَالَى: وَمَا الكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا الحشر: 7، إذ
لَوْ كَانَ خَيْرًا لَمْ يَفُتْ مُحَمَّدًا
***
فَصْلٌ فِي صِفَةِ الوُضُوءِ
حْضَرَ
إذا أراد الإنسانُ الوضوء تأكَّد أوَّلاً من زوال كل نجاسة عالقة ببدنه، مَاءً طَهُورًا ونَوَى الوُضوءَ مُستحضرًا رَفْعَ الحَدَث واستباحةَ الصَّلاة -مثلاً-، فَبَسْمَلَ وغَسَلَ يدَيْه إلى الرُّسغَين، ثُمَّ تَضْمَضَ واستنشقَ ثَلاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وجَهَهُ ثَلاثًا، ثم يَدَيه اليمنى فاليُسرى إلى المرفقين ثلاثا ثلاثا، ثُمَّ مَسَحَ رأسَهُ وأذنيه ظاهرهما وباطنهما مرَّةً مرَّةً، ثم غَسَلَ رِجلَيْهِ اليُمنى فاليُسرى إلى الكعبين ثلاثا ثلاثًا.
الشيخان
(1) مثل رواية "مسح الرقبة أمان من الغل يوم القيامة" لم تثبت البتة، فقد ضعفها جماعة من أهل العلم منهم الخليلي والقنوبي -حفظهما هم تعالى-، يقول الشيخ القنوبي عافاه الله -: " على أنَّ مسح الرقبة لا ذكر له في أكثر كتب المذهب كمدونة أبي غانم، وزيادات القطب عليها، والبصيرة لعثمان الأصم، وجامع أبي محمد، وجامع أبي الحسن ومختصره، وجامع ابن جعفر. . والوضع وحاشيته وقواعد الإسلام والنيل وشرحه على طول اعتناء صاحبه بذكر الأقوال، والجامع الصغير والذهب الخالص، وشامل الأصل والفرع وأربعتها للإمام القطب –رحمه ه تعالى-، ومدارج الكمال للإمام نور الدين السالمي -رحمه هم تعالى-، وسلك الدرر، وجامع أركان الإسلام، وسلاسل الذهب، وغاية المأمول وغيرها، وهو قول جمهور الأمة ... ".
يُنظر: القنوبي، "جواب مطوَّلٌ: مطبوع ومتداول" لدى الكاتب نسخة منه ص 37 - 38.
(2) - السَّالِمِي،
عبد
الله بـ
بن حميد. معارج الآمال ج 1 ص 350. طبعة مكتبة الإمام السالمي الحديثة والمحققة.
(3) السالمي، عبد ا
الله
بن حميد. جوهر النظام، ج 1 ص 80. (1/103)
صفحة 104
خَاتِمةٌ
يقُولُ الإِمَامُ السَّالِمِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - فِي مَدَارِجِ الكَمَالِ (1)
وبالغَنَّ. حَسْبُمَا يُطَاقُ
تبالغَنَّ والسواك فاهملا
تدخل في الإناء من تلك السُّنَن ومنها تخليل للحية الرَّجُلْ ترتيبه إلا لِعُدْرٍ فَاعْرِفِ والرَّفَعُ للأَنْجَاسِ شَرْطٌ لِلوُضُو واحدةً وجَاءَ بالتصحيح كرَّرَهُ لاتَحَدا كَذَا رَأَوْا وبعضه من جملة المندوب وخلل اللحية بعض أَوْجَبَا صَلاهُ أو يَأْتِي بِما قَدْ لزِمَا
***
***
***
***
***
***
***
***
***
مَضْمَضَةٌ سَوَاكَ استنشاق
إلا إذا مَا كُنْتَ صَائمًا فَلا
تَسْمِيةٌ غُسْلُ اليَدَيْنِ قَبْلَ أَنْ
ومنها أيضا أنْ يُرتبَ العَمَلُ
كذا التَّوالي وهوَ أَنْ يُسْرِعَ فِي وهكذَا التَّثليثُ فِي كُلِّ عُضُوْ وبعضُهُم أَثَبَتَ للمَمْسُوح للفرق بَينَ الغُسل والمسح ولَوْ وبعض ما مر من الوجوب
تَمَعْمَض استنشق ووال رتبا
وتارك لواجب يُعيد ما
فصل في مكروهاتِ الوُضُوءِ
تعرف أيُّها المتَّبِعُ لأَحْسَنِ القَولِ - أنَّ هناك عدة أمورٍ تُكرَهُ أَوْ لَا تُستَحْسَنُ حال
الوضوء، منها (1):
(1) ـ السالمي، عبد الله بن حميد. مدارج الكمال، ص 9. (1/104)
صفحة 105
1 - الوُضُوء قائمًا (2).
2 - التَّحَدُّثُ بغيرِ ذِكْرِه.
- الإِسْرَافُ فِي صَبِّ الماء.
- الزيادَةُ في المغسول على الثَّلاث وفي الممسوح على الواحدة.
5 - التَّوَضُو في موضع نَجس؛ لَئَلا يَتنجس منه (3).
6 - التَّعَرِّي عند الوضوء إذا كانَ في خلوة، ويحرُمُ في مكان يمكنُ أنْ يَراهُ النَّاسِ (4). 7 - تَرْكُ سُنَّة من سنن الوضوء المستحبة.
ولا يُكرَهُ على الصحيح عند شيخنا الخليلي -رعاه الله (5) تنشيف الأعضاء بعدَ الوضوء بمنديل أو ما شابهه، لا سيما عند الحاجة كوجود برد مثلاً؛ لما ثبت عندَ الرَّبيع وغيره أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ مُتخذا منديلاً يمسح به بعدَ الوُضو.
وكذلك لم يثبتِ النَّهي عن الوضوء بالماءِ المشمَّس والحار لكن ينبغي تركُهُ إِذا ثبت ضررُ سُخونته (1).
(1) - للمزيد والتفصيل حول مكروهات الوضوء انظر السالمي، المعارج ج 1 ص 412 - 417. (طبعة: مكتبة الإمام
السالمي الحديثة والمحققة).
(2) ـ قال بعض العلماء ذلك نظرًا لأنهم رأَوْا أَنَّ الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء جالسا.
(القنوبي، دروس صيف 2001 م الموافق 1422 هـ. (مذكرة خاصة ص 19).
(3) قال بعض أهل العلم: تكره إراقة ماء الوضوء في مكان يُداس فيه كالطريق تتريها لماء الوضوء؛ لأن له حُرمةً ولأنَّه أثر عبادة، وهكذا يُقال إذا كان ماء الوضوء يختلط بمياه المجاري الملوثة، والله أعلم.
أحمد
(4) ـ الخليلي، بن حمد. برنامج: سؤال أهل الذكر - حلقة: 21 شعبان 1426 هـ، يوافقه 2005/ 9/25 م.
(5) وكذا عند الإمام أبي سعيد الكدمي - رَحِمَهُ الله - كما حكاه عنه سماحة شيخنا الخليلي -حفظه ه- بعد قوله في وصف أبي سعيد: "وكذلك عندما يجد الدليل من السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسَّلام لا يتجاوزه إلى غيره ... ". للمزيد يُنظر: قراءات في فكر أبي سعيد الكدمي ص 54، 56.
(7)
- رواه الربيع، باب في آداب الوضوء وفرضه، رقم الحديث 95. (1/105)
صفحة 106
فتوى
السُّوَالُ مَا حُكْمُ الوُضوءِ داخِلَ دَوْراتِ المَيَاهِ؟
الجَوَابُ إِنْ كانَ فِي مَكَانٍ لا تُصيبُهُ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ إِنْ تَوضَّأَ (2).
فَصْلٌ فِي نَواقِضِ الوُضُوءِ
واعلم أخي العابد - أنَّ الإِنسانَ مأمورٌ أَنْ لا يُبطِلَ عَملَهُ بعد تمامِهِ وَلَا تُبْطِلُوا
أَعْمَلَكُمْ مُحَمَّد: 33 33،، وَهَا أَنَا أذكرُ بعضًا من مُبطلات الوضوء
الرّدَّةُ: وهي الخروجُ من الإسلام كلّيًا، أو ارتكاب ما يوجب ذلك كإنكار ما هو معلوم منَ الدِّينَ بالضرورة من غير شُبهة أو تأويل.
لمس المتوضئ لعَوْرته (المغلَّظَة) أو عورة غيره (3): ولا فَرْقَ على الْمُعْتَصَص الصحيح عند العلامة القنوبي - أنْ يكونَ ذلك اللمس بباطن الكَفِّ أو بظاهره (4)، فعن ابن عباس مرفوعا: " إِذا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فليتوضأ (5)، وعن جابر بن زيد مرفوعًا أيضًا:" إذا مست المرأةُ فرجها
فلْتَتَوَضا (6).
(1) – القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيفية مفرغة. صيف 1421 هـ / 2000 م، رقم المذكرة 10 ص 11.
العلوم الشرعية (سابقا بروي)،
(2) ـ الخليلي، أحمد! حمد. برنامج: سؤال أهل الذكر - حلقة: 21 شعبان 1426 هـ، يوافقه 2005/ 9/25 م.
أحمد
بن
(3) ـ الخليلي، بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 29.
(4) – القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 1425 هـ/2004 م، "مذكرة خاصة". ص 3.
(9)
5) - رواه الربيع، باب ما يجب منه الوضوء، رقم الحديث 115.
(1) - رواه الربيع، ما يجب منه الوضوء، رقم الحديث 107.
ويظهر لك جليًّا أيُّها النَّبيه - أنَّ الراجح الصحيح من خلال هذه الأحاديث الصحيحة أن الوضوء ينتقض بمس الذكر خلافا لمن قال بعدم النقض استدلالا بما رُوي: "هل هو إلا بضعة منك" فهذا الحديث على تقدير صحته منوخ
لا يُحتج به. يُنظر: (1/106)
صفحة 107
لَسَ مَا كانَ نجسًا: إذَا كَانَ اللامس أو الملمُوسُ أو كلاهما رطبًا، وقد
تقدَّمَ ذكرُ النَّجاسات وأنواعها سلفًا، والحمد الله حقَّ حمده.
الغيبة: لقوله: الغيبةُ تُفطَّرُ الصَّائم وتنقض الوضوء
6
وقد قاس
عليها كثيرٌ مِنَ العلماء سائر الكبائر من المعاصي، فقالوا: إنَّ جميع كبائر
الذُّنوب ناقضة للوضوء كَالنَّظَرِ المُحرَّمِ مُباشرةً أو بواسطة، ومثله
(1)
القنوبي، الإمام الربيع بن حبيب. مكانته و مسنده، ص 206.
القنوبي، برنامج: سؤال أهل الذكر، حلقة: 12 رمضان 1428 هـ، يوافقه 2007/ 09/24 م.
- رواه الربيع، باب ما يجب منه الوضوء، رقم الحديث 105.
تنبية: اشتهر في بعض الروايات المذكورة في الكتب الفقهية زيادة والنميمة"، والحقيقة أن هذه الزيادة لم ترد في كتب الحديث الأصلية التي تروي الأحاديث بأسانيدها المتصلة إلى النبي، ومن المعلوم أن الروايات تؤخذ من كتب الحديث والرواية لا من كتب الفقه التي تورد الأحاديث بلا إسناد.
وكذا لا يثبت ما يرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إِنَّ الكَذِبَ والغيبة والنميمةَ وَاليَمينَ الفَاجِرَة وَالنظَرَ بِشَهْوَةِ يَنقُ الْوُضُوء، ويُفطرنَ الصائم، ويَهدِ منَ الأَعْمَالَ هَدما، ويَسقِينَ أُصول الشر"، ولكن لا يعني ذلك نفي هذا الحكم. النميمة وغيرها في هذا الباب، إما لأنها مقيسة على الغيبة، أو لأنها داخلة في عموم ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله كما تجده في باب الصيام. يُنظر:
• القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول ص 89.
القنوبي، "فتاوى سناو 1، مادة سمعية اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية، أو مكتبة مسجد جامعة السلطان قابوس. القنوبي، دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية (سابقا بروي)، صيف 1421 هـ / 2000 م، مذكرة رقم 6
ص 3. (1/107)
صفحة 108
(1)
الاسْتمَاعُ المَحرَّمُ كالاستماع إلى الغيبة والنميمة ومزامير الشَّيطان (1
ولمس المتوضئ للمرأة الأجنبيَّة أو مصافحتها (2).
كُلُّ مَا خَرَجَ مِنَ السَّبِيلَينِ) (القُبُلِ والدُّبُرِ): معتادًا كالبول والغائط والريح)، أو غيرَ مُعتادٍ كدُودٍ أَو حَجَرٍ.
خُرُوجُ الدَّمِ: وذلك إذا جاوزَ محلَّهُ، وهوَ الدَّمُ المسفوح؛ لقوله تعالى:
أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا الأنعام: 145.
وناهيك في هذا ما رواه الإمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب -رحمه ه - بإسناده إلى حَبْرِ الأُمَّةِ وترجمان القرآن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة، صوت مزمار عند نعمة، وصوت مرنة عند مصيبة"، وفسَّرَ الربيع - رَحِمَهُ الله - صوت المزمار بصوت المغنية، وعززت روايته هذه روايات شتى جاءت من طرق شتى عن اثني عشر صحابيا، منها حديث أبي مالك الأشعري عند البخاري: وهم ما كذبني سمعال ول الَيَكُونَنَّ مِن أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحَرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازف .. " (البخاري معلقا) .... إلخ.
للمزيد يُنظر: جواب مطول لسماحة المفتي -حفظه هـ- حول اللحية والموسيقى، فإن فيه شفاء العليل، ودواء السقيم.
(2) - المرأَةُ الأَجْنَبيَّةُ: هي كلُّ امرأة يجوز للرجل أن يتزوجها عاجلا أم آجلا. وتقابلها المرأةُ المَحْرَمُ: وهي كل من يحرم على الرجل نكاحُها حرمةً مُؤبَّدَةً بسبب نسب أو رضاع أو مصاهرة.
قُلْتُ: ومن الطريف أنني - في يوم من الأيام وبعد صلاة المغرب مباشرة- كنتُ في حلقة علم نقرأ فتاوى سماحة شيخنا الخليلي -حفظه الله تعالى- فأتينا على فتوى سماحته حول مصافحة المرأة الأجنبية وأثرها على الوضوء، وبعد القراءة والشرح بدا لي أن أسأل أحد الحاضرين عن المقصود بالمرأة الأجنبية، فأجاب بكل ثقة ودون تردد بأنها المرأة الأوروبية أو الأمريكية .. !!! وهذا ما أكد علي أن أعرف بالمرأة الأجنبية هنا، رزقنا الله جميعا صادق القول وخالص
العمل.
يُنظر: الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 26.
(3) - السالمي، عبد الله بن حميد. مدارج الكمال، ص 10.
(4)
- تَنْبية: الرِّيحُ وإن كان خروجها من موضع النجاسة ينقض الوضوء ويبطل الصلاة، إلا أنه ليس لها أي تأثير مطلقا على الرأي المعتمد الصحيح عند العلامة القنوبي- في تنجيس ما لامسته من ثوب أو بدن سواء كانت رطبة أم يابسة، وسواء كان ما لا مسته رطبا كان أم يابسا. يُنظر:
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى/ القسم الرابع ص 96.
القنوبي، حكم الإفرازات الخارجة من قبل المرأة (فتوى خطية معتمدة بحوزة الكاتب نسخة منها) ص 2. (1/108)
صفحة 109
خرُوجُ القَيء والقَلس: لقوله صلى الله عليه وسلم: " مَنْ قَاءَ أَو قَلَسَ فليتوضأ (زَوَالُ العَقْلِ أو التَّمْيِيزِ: وذلكَ بالنَّومِ أَوِ السُّكْر أو الإغماء أو الجنونِ ونحوها؛ لأنَّ الإنسانَ في تلك الحالة لا يشعرُ بما يخرج منه قال عليه
الصَّلاة والسَّلام: " العَيْنَان وكَاءُ الدُّبر (2).
فَائِدَةٌ
ربَّحَ الشيخ سعيدُ بنُ مبروك القنوئي -حفظه الله - أنَّ الضَحِكَ لا ينقض الوضوء سواءً كان هذا الضحك أثناء الصلاة أو خارجها (3)، ولكنَّهُ ينقصُ الصَّلاةَ طبعًا، والله
أعلم.
لَطِيفَةٌ
في إحدى الليالي - بينَ صلاتي المغرب والعشاء بالمسجد الجامع- جَمَعَنا مجلس العلم ببقيَّةِ السَّلف شيخنا العلامة سيف بن راشد المعولي - رَحِمَهُ الله، فذُكِرَتْ عِندَهُ مسألة قص الأظافر والشعر وأثرها على صحة الوضوء!
فأردف الشيخ - رَحِمَهُ اللهُ - مِنْ دُرَره الثمينة قصَّةً وقعت بين الإمام السالمي وشيخه العلامة راشد بن سيف اللمكي -رحمهم الله تعالى جميعًا- قال الشيخ: وقع في هذه المسألة اختلاف بينَ التلميذ السَّالمي والشيخ اللمكي، فقال الشيخ بنقض الوضوء، النقض، فأرسلوا كتابًا إلى جَنَابِ قُطب الأئِمَّةِ - رَحِمَهُ الله - (4)
وقال التلميذ
بعدم
(1) ـ الربيع، باب: ما يجب منه الوضوء، رقم الحديث 111.
(2) الربيع، باب: في النوم الذي ينقض الوضوء، رقم الحديث 118.
(3) - القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 1425 هـ / 2004 م، "مذكرة خاصة / شرح أبواب من الإيضاح"
ص 27.
العلامة محمد
(4) - هوا بن يوسف اطفيش، ينتهي نسبه إلى سيدنا عمر بن الخطاب، أشهر عالم إباضي بالمغرب الإسلامي في العصر الحديث، ولد في "وادي ميزاب" من الجنوب الجزائري سنة 1237 هـ، فشمر ساعد الجد
عن (1/109)
صفحة 110
بالمغرب العربي يسألونه عن الراجح في هذه المسألة، فجاء الجواب المغربي موافقا لرأي التلميذ النجيب (1)
حينها قال الشيخ سيف المعولي - رَحِمَهُ الله - - في ثناء الإمام السالمي ومدح حافظته القوية منذ صغره - كلمةً لا زِلْتُ أحفظها وتتردَّدُ في ذهني إلى الآن، قال: "ذاكَ وعَاهُ مَا مَنْخِرُق (2).
مَسأَلَةٌ
للنوم عدة حالات وهيئات، فمنه ما يكون طويلاً ثقيلاً في حالة الاضطجاعِ فهذا ناقض للوضوء ولا إشكال (3)، وقد اختلف العلماء في غير هذه الهيئةِ مِنَ النَّومِ النَّاقض
والتحصيل، بعزيمة لا تعرف الملل، يؤازره ذكاء حاد، وذاكرة وقادة حتى تبقر في علوم الشريعة والعربية، فلقبه الإمامُ السالمي بقطب الأئمة، له مؤلفات كثيرة من أهمها تفاسيره الثلاثة: تيسير التفسير، وهميان الزاد، وداعي العمل، إضافةً إلى موسوعته القيمة "شرح النيل"، والتي تُعدُّ عمدة الباحثين في الفقه الإباضي، توفي رَحِمَهُ الله- بعد أن قضى قرابة قرن في الجهاد العلمي، والإصلاح الاجتماعي وذلك سنة 1332 هـ / 1914 م.
يُنظر: ر: معجم أعلام الإباضية/ قسم المغرب العربي.
(1) - قُلْتُ: وهذا القول هو الذي صححه شيخنا القدوة البدر الخليلي -حفظه الله - في فتاوى المرأة وفي الفتاوى المتلفزة، وكذا صححه العلامة القنوبي جزاهما الله - عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء. الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 1 ص 94.
(2)
(3)
الخليلي، برنامج: "سؤال أهل الذكر - حلقة: 23 صفر 1426 هـ، يوافقه 2005/ 4/3 م.
القنوبي، دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية (سابقا بروي)، صيف 1421 هـ / 2000 م، مذكرة
رقم 6 ص 12.
القنوبي، دروس صيف 1422 هـ / 2001 م، "مذكرة خاصة" ص 35.
يقصد بـ"وْعَاهُ" ذاكرته وحفظه.
- يُنظر: الجيطالي، قواعد الإسلام، ج 1 ص 186 - 187.
ونسب محشي الإيضاح القول بعدم نقض النوم للوضوء مطلقا حتى في هذه الحالة (الحالة الأولى) إلى أبي
الأشعري: (الإيضاح، ج 1 ص 131)، وهم أعلم بالصواب. (1/110)
صفحة 111
فة
للوضوء على أقوال كثيرة، فقيل بنقض النَّومِ مطلقا على أي هيئة وعلى أي. كان، وقيل بالنَّقْضِ
للمُتكئ والمضطَجِع، أمَّا الجالسُ فلا نَقْضَ عَلَيْهِ. والرَّاجح عند شيخنا القَنُّوبي -حفظه هـ - أنَّ النوم الناقض هو النَّومُ الذي لا يَشعرُ صاحبُهُ بخروج شيء حتى ولو كان جالسًا (1)، وإلى هذا الرأي ذهب غيرُ واحد من علمائنا -رحمهم الله - (2)، وذلك وذلك لأنَّ النَّومَ ليس حدثًا ناقضا بنفسه وإنما بما يُؤدِّي إليه، ولأنَّ الإنسان قد ينام نوما عميقا في جلوسه فلا يُحس لما يعرضُ لَهُ؛ قال: "العَيْنَان وكَاءُ الدبر " (
لَطِيفَةٌ أُخْرَى
وفي هذا السياق حدثنا بعض أفاضل عَصرنَا أنَّ بعض العلماء ممَّنْ كانَ يقولُ بعدم نقض الوضوء لَمَنْ نامَ جالسًا - جلسَ يومَ الجمعة بجوار رَجُل، فأخذت الرجل غَفْوةً فنامَ على جلسته تلك حتى أحدث، فقالَ لهُ العالم: اذهب وتوضأ فقد خرجت منك ريح، فأنكرَ الرجلُ ذلك، وكرَّرَ عليه العالم الطلب، فقالَ الرجلُ: بل خرجت منكَ أنتَ.!! وهـ المستعان.
- إذْ لَيْسَ مَا قَبْلَ جَمِيْعًا يُقْبَلُ
أَوْ كَانَ أَصْلُهُ مِنَ ا
- وَلَيْسَ كُلُّ خِلَافٍ.
***
***
***
إلا الذي عن
يَنْزَعُهُ فَهْمُ أُولِي
إلا خلاف
(1) – القنوبي، سعيد بن مبروك برنامج "سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 20 جمادى الأولى
1424 هـ، يوافقه 2003/ 7/20 م.
(2) - يُنظر: الطيواني خلفان بن سليمان. قاموس الصلاة ص 33.
(3) رواه الربيع، باب: في النوم الذي ينقض الوضوء، رقم الحديث 118. (1/111)
صفحة 112
خُلاصَةٌ
يَقُولُ الإِمَامُ السَّالِمِيُّ - رَحِمَهُ الله - في مدَارِجِ الكَمَالِ (1)
ضُهُ بِخَارِجِ مَعْلُومٍ
كَالْقَيْءِ وَالْقَلْسِ وَدَمٍ وَاغْتُفِ وَبِالرُّعَافِ وَالدَّمِ الْمَسْفُوحِ
***
***
***
ــنَ ا سَّبِيلَيْنِ أَوِ الخَلْقُ
قبل المرأة ريح تَنتَشِرُ
رُجُ مِنْ جَسَدِهِ الْمَجْرُوحِ
كَذاكَ إِنْ بَاشَرَ مَا كَانَ نَجس أَوْ لِفُرُوجِ بَالِغِ كَانَ لَمَسْ
بِبَاطِنِ الكَفِّ عَلَى الثَّقْبَيْن
إِنْ كَانَ فَرْجُهُ الَّذِي قَدْ لَمَسَا
كَذَاكَ أَيْضًا أَنْ تَرَى عَوْرَةَ مَنْ
***
***
***
الرُّفْغَيْنِ
بلا حجاب أوْ عَلى الرَّف أَوْ مَسَّ س أَجْتَبَيَّةً مِنَ النِّسَاء
لَيْسَ
سَ يَحلُّ أَنْ تَرَاهُ فَاعْلَمَنْ ـضَرُورَةً
وَذِي النِّسَاءُ عَوْرَةٌ كَثِيرَةً إلا الَّذِي أُخْرِجَ
وَجْهٌ وَكَفَّان وَسَائرُ القَدَمُ وَزَوْجَةُ المَرْءِ كَمِثْل نَفْ وَالشِّرْكُ نَاقِضٌ لَهُ إِذَا طَرَا شمَلُ الغَيْبَةَ وَالنَّمَيْمَة وَيَنْقُصُ الإِغْمَاءُ وَالْجُنُونُ
***
***
***
***
إلا لَمَنْ يَكُونُ مِنْهَا ذَا حُرُمْ
لا يَنقصُ الوُضُوءَ غَيْرُ مَسَّه وَالخُلْفُ فِي الْمَعَاصِي عَنْهُمْ صَدَرَا والكذبَ وَالصَّغِيرَةَ الذَّميمة وَالنَّوْمُ إِذْ مُضْطَجِعًا تَكُونُ
1) - السَّالِمِي،، عبد الله بن حميد. مدارج الكمال، ص 10. (1/112)
صفحة 113
فصل في المسح على الجبيرة
تصحُ
الجبائر هي ما يوضعُ مِنَ اللَّفائِفِ أو الصَّمَائِدِ عَلَى مَواضِعِ الجروحِ وتشفى، وقدْ رخَّصَ الشَّرعُ الشَّريف في المسْحِ عليها بدلاً مِنْ غُسلِها رفعا للحَرَجِ
78.
ودفعًا للمشقة، قَالَ تَعَالَى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج - الحج: 078 وإِذَا كَانت لِفَافَةُ الجَبيرَة لا تستوعب جميعَ العُضو المغسول فيمسَحُ على اللفافة ويغسلُ الجزء الباقي من العضو والأصلُ الشَّرعيُّ للمَسح على الجبائرِ ما ثبت عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهَه -: " أنه انكسَرَ إِحدَى زندَيْهِ فَسَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أنْ يمسح على الجبائر، قال له: ((نعم)) (2). نَعَمْ
مسألة
غُسْلُ الرِّجلين فَرِيضَةٌ مِنْ فَرَائِضِ الوُضُوءِ وركن من أركانه لَنَص آيةِ الوُضُوءِ عَلَى
ذلك؛ قَالَ تَعَالَى: وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ * المائدة: 6، وعليه فلا يُجزِي مسحُهُما أو المسحُ على الخفين بعد أن نزلت آيةُ المائدة التي هي آخر القرآن تزولاً، واءً كان ذلك في سفر أو في حضر (3)، وما رُوي في المسح على الخفين فهو محمولٌ على ما قبل المائدة، فحُكمُهُ النَّسْخُ، ولذلكَ قالَ ابنُ عباس: " ما رأيتُ رسول الله مَسَحَ على خُفْه قط (4).
سوا
(1) - القنوبي، دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية (سابقا بروي)، صيف 1421 هـ /2000 م، مذكرة
رقم 6 ص 12.
(2)
- الربيع، باب في المسح على الخفين، رقم الحديث 126.
محمد بن راشد برنامج سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 24 رجب 1424 هـ
(3) - الغاربي، يوافقه 21/ 9/ 2003 م.
(E)
4) ـ الربيع، باب: في المسح على الخفين، رقم الحديث 123. (1/113)
صفحة 114
على
أن ما رُوي في المسح على تقديرِ ثبوته فهوَ آحادٌ لا يُعارِضُ القطعي المتواتر من القرآن الكريم)، وإلى هذا الرأي ذهب طائفةٌ كبيرة من صحابة رسول الله؛ ولذلك شدَّدت السيدة عائشة فقالت: "لأن أحمل السكين على قدمي أحب إلي مِنْ أَنْ أَمْسَحَ على الخُفَّين (2)
(1)
كان الصحابة الله يردُّون كلَّ رواية تتعارض مع القطعي من القرآن الكريم، حينما لا يُمكنُ الجمع بينهما بوجه من وجوه الجمع التي ذكرناها سابقا في مبحث "أَوْجُهُ بَيَانِ السُّنَّةِ للقُرْآنِ الكريم"، وهذا المنهج منهج معروف ومتبع لديهم، ولذلك أمثلة كثيرة، كما فعلت السيدة عائشة حين ردت على ابن عمر في قضية تعذيب الميت ببكاء أهله عليه مستدلة بقوله تَعَالَى: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى الأنعام: 164، وفي قضية اعتماره في رجب، وكما صنع ابن بحديث الحكم بن عمرو الغفاري في تحريم ذوات الناب من السباع والمخالب من الطير (رواه البخاري، باب:
عباس لحوم الحمر الإنسية، رقم الحديث 5103).
عن
وعموما فإن هذا المنهج أرشد إليه النبي الله أصحابه فيما رواه الربيع بسنده المتصل الصحيح عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس النبي قال: " إنكم ستختلفون من بعدي فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فعني وما خالفه فليس عني" (رواه الربيع، رقم 41)، هذا كما قلنا عند وقوع التعارض والاختلاف وتعذر إمكان الجمع، أما عند إمكان الجمع بوجه من الوجوه المعتبرة التي ذكرناها سابقا فلا يُصار إلى الرد كما هو متقرر ومعلوم.
قال النور السالمي -رحمه الله - في شرحه لهذا الحديث: " ... وهذا في ما وقع فيه الاختلاف بين الأمة؛ بدليل قوله: "إنكم ستختلفون من بعدي"فأما المتفق عليه أنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يحتاج إلى عرض، بل يجب العمل به وإن خالف ظاهر الكتاب؛ لأنه إما ناسخ أو مخصص .. إلخ" فحذار كل الحذر من التسرع في ردّ أقوال المعصوم قبل التأمل والنظر من قبل أهل العلم والبصر قَالَ تَعَالَى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهم النحل: 44. يُنظر: القنوبي، الإمام الربيع بن حبيب: مكانته
و مسنده ص 112، 116 - 118.
السالمي، شرح الجامع الصحيح ج 1 ص 66.
(2) ـ الربيع، باب: في المسح على الخفين، رقم الحديث 127. (1/114)
صفحة 115
البَابُ الرَّابِعُ في الغُسْلِ
قَالَ تَعَالَى: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلوةَ وَأَنتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا
تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلِ حَتَّى تَغْتَسِلُوا - النساء: 43
فَضْلُ فِي أَصْلِ الغُسْلِ
الغُسْلُ لُغَةً: بضمّ الغَينِ اسمٌ لفعل الاغتسال، والغَسلُ بالفتح - اسم للماء المغتَسَلِ بهِ كما تقدَّم في الوضوء والوَضوء، وأما في الشرع: فهوَ إفاضةُ الماءِ على الجسد كله بنيَّة التَّطهر رفعًا للحدث الأكبر كالغُسْلِ من الجنابة أو الحيض، أو عَمَـ عَمَلاً بالسنة كالغُسل للجمعة والإحرام.
وعن أصله الشرعي حسبُكَ قولُهُ تَعَالَى: {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّى
تَغْتَسِلُوا
النساء: 43، وما رواه ابن عباس عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الوضوء مِنَ المَذْي والغُسْلُ منَ المَني (1) .. إلى غير ذلك منَ النُّصوص الكثيرة.
فصل في الغُسل الواجب
يَختلفُ حُكْمُ الغُسْلِ حسب أحواله وأسبابه، فقد يكون الغسل واجبًا للأسباب
التالية:
- رواه الربيع، باب ما يجب منه الوضوء، رقم الحديث 104، 134. (1/115)
صفحة 116
والجنابة
أَوَّلاً: الجَنَابَةُ لقوله تَعَالَى: {وَإِن كُنتُم جُنُبًا فَأَطَهَرُوا المالية: 6، حَدَتْ أَكْبَرُ يَتَّصِفُ به الرَّجلُ والمرأةُ بسبب الإنزال أو الجُمَاعِ. ويكون الإنزالُ في اليقظة كما يكونُ في النَّوم وهو المعروف بالاحتلام، ويكون الاحتلام من المرأة كما يكون منَ الرجل؛ ولذلك يجب الغسلُ عليهما جميعًا)، فعن ابن عباس قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: بَرِحَ الخفاء يا رسولَ اللهِ المرأةُ تَرى في النومِ مَا يَرى الرجلُ، فقالَ رسولُ الله: ((عليها الغُسلُ إِذَا أنزلت)) (2). أمَّا الجماع فيجب به الغُسلُ أنزَلَ الرجلُ أو لم يُترل فعن جابر بن زيد قال: سألتُ كانَ يَعْتسلُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من جماع ولم يُنزِلُ؟ قالت: كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يصنَعُ بنا ذلك ويغتسل ويأمرُنا بالغُسل ويقولُ: ((العُسْلُ واجب إذا التقى الختانان)) (3)، ويقولُ: ((إذا التَقَى الختانان فالغُسْلُ واجب أنزلَ الرَّجلُ أو لم
عائشة
(1)
العلماء،
وإن كانت المرأة أقل احتلاما من الرجل إلا أنه يجب عليها الغُسل أيضا على الصحيح الراجح عند جمهور وهو الذي عليه الفتوى عند عالمي زمانهما الخليلي والقنوبي -حفظهم الله تعالى -؛ لدلالة السنة النبوية على ذلك. يُنظر: الخليلي برنامج "سؤال أهل الذكر"، حلقة: 23 رمضان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 11/29 م.
(2)
القنوبي، دروس صيف 2003 م) (مذكرة خاصة ص 54).
- الربيع، باب: فيما يكون منه غسل الجنابة، رقم الحديث 138.
(3) ـ الربيع، باب: فيما يكون منه غسل الجنابة، رقم الحديث 135.
(4)
- الربيع، باب: فيما يكون منه غسل الجنابة، رقم الحديث 137.
يتحقق الحِمَاعُ أَوِ التِقَاء الختائين بولوج حشَفَةِ الذَّكَرِ (موضع الختان داخل الفرج؛ لذا فليس منه المداعبة التي تكون دون ذلك ما زل، فإن أنزل وجب الاغتسال على المتزل دون صاحبه، والله أعلم. (1/116)
صفحة 117
ثانيا: طُهْرُ المَرأَة من الحيض لقوله تَعَالَى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} البقرة: 222، أي اغْتَسَلْنَ. وكذلك طهرها منَ النِّفاس، قياسًا على الحيض؛ لأنَّ النفاس - كما يقولُ الفقهاء- حيض طالت أيامه.
ثالثا: الموت وهو واجب على الكفاية، قالت أم عطية الأنصارية: دخل علينا رسولُ الله حين توفيت ابنته فقال: " اغسلنَها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتنَّ ذلك بماء وسدر، واجعلْنَ في الآخرة شيئاً من كافور " (1).
رابعًا: دُخولُ المشرك في الإسلام لأمره ثمامة الحنفي بالاغتسال حِينَ أسلم (2). خامسًا: النَّجَاسَةُ المجهولَةُ المَوْضِعِ فِي الجَسَدِ: يجبُ عَلَى صَاحِبِها غُسْلُ جَسَدِهِ كلّه؛ لأنَّهُ تيقّنَ النَّجاسَةَ وجَهلَ موضعَها، فلا يَطهُرُ إلا بيقين وذلك ما لا يحصُلُ إلا بغُسل جميع الجسد (3).
فَصْلٌ فِي الغُسل المنْدُوبِ
أوَّلاً: لصلاة الجمعة): قال: " الغُسلُ يومَ الجمعةِ واجب على كل محتلم
، (1)
ومراده بالوجوب التأكيد عليه.
- (1)
رواه
- (1)
(2) - ابن.
الربيع، باب: الكفن والغسل، رقم الحديث 480.
البخاري، باب: غسل الميت و وضوؤه بالماء والسدر، رقم الحديث 1175.
حبان، باب: غسل الكافر إذا أسلم، رقم الحديث 1255.
يقول العلامة القنوبي - أبقاه الله -: "وهذه المسألة تحتاج إلى نظر؛ لأنها محتملة، والأسلم أن يغتسل". القنوبي، دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية (سابقا بروي)، صيف 1421 هـ / 2000 م، مذكرة رقمه صه. (3) – السالمي، عبد الله بن حميد. مدارج الكمال ص 11.
(4) - اختلف العلماء في مَشْرُوعِيَّة غُسل الجُمُعَة، فقيل: هو مشروع لليوم وعليه سماحة المفتي -حفظه الله-، وقيل: الذي مال إليه المحدّث - حفظه الله - القنوبي (القنوبي، دروس صيف 2003 م "مذكرة خاصة" ص 28)؛ فعلى الأول يُشرع الغسلُ على الجميع وجبت عليه الجمعة أو لم تجب، أراد الحضور أو لم يرد.
للصلاة
وهو (1/117)
صفحة 118
ثانيا: للإحرام بالحج أو العمرة ولدخول مكة وللوقوف بعرفة: لِمَا رُوي: " أَنْ النَّبِيِّ تَجَرَّدَ لإهْلاله وَاغْتَسَلَ (2)، حتى الحائض والنفساء يُشرع في حقهما الاغتسال للإحرام؛ لأمره أسماء بنت عُميس بالاغتسال بعد ولادتها بمُحَمَّد بن أبي
(3)، ولما رُوي أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا قَدمَ مَكَّةً يغتسل)، ولوقوف عَرَفَةَ). ثالثا: الغُسْلُ للعيدين: يقولُ الشيخ القنويي - حفظه الله-:" الاغتسالُ يومَ العيد وردَتْ فيه بعض الأحاديث التي تُرْفَعُ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ولا يصح شيء من ذلك، وإنما جاءَتْ رواياتٌ مُتَعَدِّدَةٌ عن صحابة رسول الله له منها الصحيح ومنها السقيم، فالظَّاهِرُ أنَّ هذا الاغتسال ثابت، وأيضًا - قَاسَهُ بعضُ العلماء على الاغتسال ليوم الجمعة وهو قياس لا بأس به، ولكنّ الأقوى هو ما جاءَ عن الصحابة -رضوان الله تبارك وتعالى عليهم، فالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ قد أخذوا ذلكَ عَنِ النَّبِيِّ صلواتُ الله وسلامه
عليه
(6)
الله
وعلى الثاني فلا يلزم الغسلَ مَنْ لم يُرد حضور صلاة الجمعة، ولكنَّ الاحتياط أولى وفيه الأجر والمثوبة للجميع تعالى، أما من أراد حضور الصلاة فليغتسل لأنه مشروع للصلاة على هذا الرأي، ولو كان الحضور غير واجب في حقه كالمرأة والعبد والمسافر.
بإذن
ومثل هذا يقال في الاغتسال بعد دخول مكة، الظاهر أنه للطواف وليس لمجرد الدخول، وهكذا في كلّ ما يكون به زحام خشية خروج شيء من الروائح الكريهة من بدن الإنسان، لا سيما مع انعدام وسائل التبريد والتكييف خاصة في العصور السابقة.
يُنظر: فتاوى فضيلة الشيخ العلامة سعيد بن مبروك القنوبي، ص 84.
(1) ـ الربيع، باب: في صلاة الجمعة وفضل يومها، من طريق أبي سعيد وعائشة. رقم الحديث 284، 285.
(2) - الترمذي، باب ما جاء في الاغتسال للإحرام، رقم الحديث 760.
(3) ـ الربيع، باب: ما تفعل الحائض في الحج، رقم الحديث 445.
(4) ـ أبو داود، باب دخول مكة، رقم الحديث 1589.
(5) - الموطأ، باب: الغسل للإهلال، رقم الحديث 619.
(6) - فتاوى فضيلة الشيخ العلامة سعيد بن مبروك القنوبي، ص 112. (1/118)
صفحة 119
وهناكَ اعْتسَالات غيرُ مَسْئُونَة؛ لكونها لم تثبت في سُنة النَّبِيِّ كالغُسلِ من صلى الله عليه وسلم مِنَ الاستحاضة والحجامة والغُسل لمَن غَسَّلَ مَيْتًا ()، بل هناك ما هو بدعةٌ مُخَالَفَةٌ لهدي النبي لا ينبغي فعله أبدًا كالغُسل بعد انتهاء عدة المرأة المتوفَّى عنها زوجها (2)، والله
المستعان.
6
فَائِدَةٌ جليلة
اختلف العلماء في حُكْم غُسْل الجُمُعَةِ، فذهب أكثرُهُمْ إِلى أَنَّهُ سَنَّةٌ وليس واجبًا شرعيًّا يأثُم تاركه (3)، وإنَّما عبر بالوجوب ومراده الحض والتأكيد عليه، وهكذا كثير من المصطلحات الأصولية الطارئة لا يمكنُ أنْ تُحْمَلَ وتُلَ على النصوص الشرعية من كتاب الله تعالى أو سُنة نبيه
(1) يُنظر:
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 362.
القنوبي، دروس صيف 2000 م الموافق 1421 هـ. مذكرة خاصة ص 15
القنوبي، دروس صيف 1425 هـ / 2004 م، "مذكرة خاصة/ شرح أبواب من الإيضاح" ص 10 – 11.
(2) - ومن الجدير بالذكر وإن كان لا يخفى في كثير من المجتمعات التي عشش فيها الجهل وفرخ أن هناك – في العدد وما يتعلق بها - الكثير الكثير من الأمور المبتدعات التي ما أنزل الله بها من سلطان، كإقراء المعتدة نيَّةَ العدة من قِبَلِ رَجُـ أجنبي عنها، وزعمهم أنَّ العدة لا تنعقد بدون ذلك بل لا بد أن يكون هذا الإقراء قبل دفن الزوج المتوفى، ومن هذه المنكرات أيضا احتجابها عن كلِّ ذَكَرٍ ولو قريبا، وأنه لا بد أن تلبس ثيابا معينة، ثم ختمها بتغسيل المعتدة، بل ورميها في البحر للاغتسال، واجتماع النساء لتجديد البكاء والنواح ثم الاجتماع على أكل الذبائح المعدة لهذا اليوم .. !! وقد أفرد لها شيخنا بدر الدين الخليلي -حفظه الله – رسالة خاصة بعنوان "المعتدة بين البدعة والسُّنة"، فليرجع إليها من شاء. وكذلك نبه شيخنا إمام السنة والأصول أبو عبد الرحمن -حفظه الله تعالى - مرارا على هذا الأمر وما يقع فيه من
مخالفات كثيرة للهدي النبوي على صاحبه أفضل الصلاة وأتم التسليم، والله المستعان. انظر للأهمية: تعليقنا حول هذا الموضوع بزيادة وتفصيل / الباب الثالث عشر: في صلاة الجنازة صفحة 372. (القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر " حلقة: 11 جمادى الأولى 1428 هـ، يوافقه 2007/ 05/27 م). (3) ـ أفاد شيخنا القنوبي -حفظه الله - في جلسة المراجعة معه بمكتب الإفتاء بتاريخ: 25 ذي القعدة/ 1429 هـ 24 / نوفمبر / 2008 م أن الذي يراه في غسل الجمعة أنه يدور بين الوجوب والتأكيد.
ويُنظر: القنوبي، دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية (سابقا بروي)، صيف 1421 هـ / 2000 م، مذكرة رقم 9
ص 4. (1/119)
صفحة 120
ونذكر مثالاً على ذلك، مصطلح "القَضَاءِ" يراد به عند الأصوليين الإتيان بالعبادة بعد خروج وقتها المحدد لها شرعًا، ولكنَّ هذا المعنى الحادث لا يمكنُ أنْ تُحمل وتُفسَّرَ عليه النصوص الشرعية كقوله تَعَالَى: فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَسِكَكُمْ
الجمعة: 10،
1، وقولهِ
فَاذْكُرُوا الله البقرة: 200، وقوله تَعَالَى: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ):" فما أَدْرَكْتُم فصلوا ومَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا " (1)، فالمراد بالقضاء هنا هو أداء العبادة في
وقتها، والله أعلم.
-
وقد نبه على هذه الفائدة الجليلة أكثر من مرة شيخنا إمامُ السُّنة والأصول – حفظه الله، وكذا شيخنا الخليلي -حفظه الله (2)، وقبلهما الإمامُ السَّالِمِيُّ - رَحِمَهُ الله في شرحه على الجامعِ الصَّحِيحِ حيث قال في موضع: " فَالوَاجِبُ التنبه لهذه النَّكْتَة فإنها مَزَلَةُ الأَقْدَامِ وقَدِ انجرَّ بِنَا الكَلامُ بِالاسْتِطْرادِ فِي ذِكْرِها لِعِظَمِ خَطَرِهَا "
-
- (1)
- الربيع، باب: في صلاة الجماعة والقضاء في الصلاة، رقم الحديث 220.
(2) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى الأيمان والكفارات والنذور، ص 185.
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص
97 - 98
القنوبي، دروس صيف 1424 هـ / يوافقه 2003 م. (مذكرة خاصة ص 13).
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ص 232.
القنوبي، دروس حول سجود التلاوة بجامع الإمام الجيطالي بالموالح الشمالية / صيف 2006 م. القنوبي، دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية (سابقا بروي)، صيف 1421 هـ 2000 م، مذكرة رقمه
(3) - يُنظر:
ص.
السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 1 ص 322. السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2 ص 94 - 95. (1/120)
صفحة 121
فَصْلٌ فِي فَرَائِضِ الغُسل
أولاً: النِّيةُ: (1) لأنَّها عبادةٌ غيرُ مَعقُولَة المعنى، قال:" إنما الأعمال بالنيات (2)، ويجزي على الصَّحيح الْمُعْتَمَم عندَ الشَّيخين- غُسل واحدٌ لأكثر من سبب كالجنابة مع الحيض، أو الجنابة مع الجُمُعة بشرط نية رفع حدث السببين من البداية (3).
ثانيا: تَعْمَيْمُ البَدَن بالماء: قالَ: " تحت كُلِّ شَعرة جنابةٌ، فَبُلُوا الشَّعرَ وأنقُوا البشر (4)، وقال: "أمرني حبيبي جبريلُ ال أن أغسلَ فنيكتي وعَنْفَقَتي وعَنْقَفَتي عندَ الجنابة " (5).
(1)
- على الرأي الصحيح عند شيخنا الخليلي، وشيخنا إمام السنَّة والأصول، وهو المشهور عند الجمهور؛ بناء على أن الغسل عبادة غير معقولة المعنى وكل ما كان كذلك فلا بد له من النية. يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 214.
القنوبي. دروس صيف 1425 هـ / 2004 م، "مذكرة خاصة / شرح أبواب من الإيضاح" ص 10 -
الجيطالي، قواعد الإسلام ج 1 ص 207.
(2) - الربيع، الباب الأول في النية، رقم الحديث 1.
(3) - يُنظر:
الخليلي، 79 مسألة للنساء فقط "مادة سمعية، إنتاج مكتبة وتسجيلات مشارق الأنوار.
المنتدى الأدبي، قراءات في فكر أبي سعيد الكدمي، محاضرة لسماحة المفتي بعنوان: "التأصيل الفقهـ الإمام أبي سعيد الكدمي" ص 57.
القنوبي، دروس صيف 1422 هـ 2001 م، مذكرة خاصة" ص 18 - 19.
(4) ـ الربيع، باب في كيفية الغسل من الجنابة، رقم الحديث 141.
(0)
5) ـ الربيع، باب: في كيفية الغُسل من الجنابة، رقم الحديث 142. قال الربيع: الفنيكةُ: هي المسربة التي في وسط الشارب، والعنفقةُ: هي المسربة التي في الرقبة من خلف قفاء الرأس والعنقفةُ: هي الشعيرات المنحازة من اللحية تحت
الشفة السفلى. (1/121)
صفحة 122
ثالثا: الموالاة والدَّلْكُ: الموالاة هي المتابعةُ بينَ المغسولات بحيثُ يُشْرَعُ في اللاحق
قَبْلَ أَنْ يَجفَّ المغسُولُ السَّابق، ولا بُدَّ منها لأنَّ الغُسل عبادة واحدة لا تتجزأ. والدَّلك هوَ إمرار اليد عندَ صب الماء حتى يصل الماء إلى جميع مواضع الجسد؛ لقوله: " قَبلُوا الشَّعْرَ، وأنقُوا البَشَرَ (1)، ويجزي عنهُ كُلُّ ما يَقومُ مَقَامَ الدَّلَكَ كرشاش الماء وموج البَحْرِ، وقيلَ: إِنَّ الدَّلك غيرُ واجب إذا تعهد المغتسل مباطن جسمه وعمَّمَ الماء، وهوَ المُعْتَمَصُ عند شيخنا الخليلي -حفظه الله - (2). وكذلك مما يجب في الغُسل الواجب المضمضة والاستنشاق على المعتمد عندَ المُعْتَمَم الشيخين - يحفظهما الله (3)، قَالَ: " فَبُلُوا الشَّعْرَ، وأنقُوا البَشَرَ" فالفمُ به بَشَرٌ، والأنفُ به شعر.
فَتْوَى
السُّوَالُ شَخص اغتسل بغير نيَّة الاغتسال، هل يجب عليه الغسلُ مرةً أخرى إنْ كانَ قَدْ لزِمَهُ الغُسْلُ؟
الجَوابُ اختلف العُلماء في حكم النّية لغُسل الجنابة، والصحيح أنها واجبة؛ لأنه – أعني غُسل الجنابة - غيرُ معقول المغنى، وكلُّ عبادة غير معقولة المغنى لا بُدَّ لها من
نية (4)
(1)
1) ـ الربيع، باب في كيفية الغسل من الجنابة، رقم الحديث 141.
(2)
- الخليلي، أحمد
بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 214.
(3)
- لا سيما إن كان لا يتوضأ في اغتساله ذلك. الخليلي، أحمد: بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 13.
(4) ـ أعاد الشيخ القنوبي -حفظه الله - صياغة الجواب في جلسة المراجعة معه.، بمكتب الإفتاء (بتاريخ: 25/ ذي القعدة/ 1429 هـ، 24 / نوفمبر / 2008 م). ويُنظر: القنوبي، دروس مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية (سابقا بروي)، لصيف 1421 هـ / 2000 م، مذكرة رقم 5 ص 8. (1/122)
صفحة 123
فَتْوَى أُخْرَى
السؤال هل يُجزي تعميم الجسد بالماء عندَ الغُسل من الجنابة دون إمرار اليد عليه؟ الجَوَابُ اختُلف في ذلك والراجح الإجزاء إِنْ تتبع مغابنَ جَسَده. والله أعلم).
فَصْلٌ في سُنَن الغُسل ومُسْتَحبَّاتِهِ
أَوَّلاً: إرَاقَةُ البَوْل (2).
ثانيًا: الاستنجاء (3).
ثالثًا: التَسْميَةُ (4).
رابعًا: الوُضُوءُ قَبْلَهُ)، لفعل النَّبيِّ، إلا أنَّه يُؤخَرُ غُسل القدمين ليجعله آخرَ الاغتسال، وهذا الوُضُوءُ يمكنُ أَنْ يُصلِّيَ بِهِ المكلَّفُ مَا دَامَ أَنَّهُ لم ينتَقَضَ بِلَمْسِ الْفَرْجِ
أو بغيره من نواقض الوُضُوء.
(1)
1) ـ الخليلي،
أحمد
بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 14.
(2) – إراقة البول استحبه العلماء احتياطا من أجل إخراج ما تبقى من المني في مجرى البول، وهذا خاص بالرجال، أما المرأة فلا تؤمر بذلك؛ لأن مجرى البول عندها غير مجرى المني، والله أعلم.
(3) - يُستحب ذلك نظرا لأنه الثابت عن النبي وحتى لا يخرج أثر الجنابة المتبقية بمجرى البول أثناء الاغتال أو بعده، وعلى تقدير خروجها فالراجح عند شيخي زمانهما الخليلي والقنوبي -يحفظهم الله تعالى – عدم وجوب إعادة الغسل مرة أخرى؛ لأنها أثر للجنابة السابقة وليست جنابة جديدة، وهذا هو رأي قطب الأئمة –رحمه الله - أيضا، وإن ذهب كثير من العلماء إلى وجوب الإعادة. يُنظر:
الخليلي، فتاوى الزينة والأعراس ص 51.
القنوبي، دروس صيف 2001 م مذكرة خاصة ص 18.
(4) ـ يقول الشيخ القنوبي -حفظه الله -: " لم أجد دليلا يدل على وجوب التسمية للاغتسال، لكن إن. فحسن"، لا سيما إن أراد الوضوء؛ فالتسمية للوضوء مشروعة بل واجبة بنص السنة الصحيحة.
(القنوبي، دروس صيف 1421 هـ /. 20 م "جلسة إفتاء مفرغة إجابة على أسئلة من طلبة العلم من أهل صور"). 2 - الوُضُوءُ قَبْلَ الاغتسال سنة غير واجبة كغيره من سنن الغسل، ولكن إذا أراد المغتسل الصلاة فلا بد من الوضوء على ما اعتمده شيخنا بدر الدين الخليلي يحفظه الله-؛ حيث يقول سماحته في فتاواه (المتلفزة):" ويتبين بهذا أن الراجح
(0) (1/123)
صفحة 124
خامسا: الأعالي قَبْلَ الأسافل والميامنُ قبل المياسِرِ؛ لفعلِ النَّبِيِّ ولأنَّهُ كَانَ يُحِبُّ التَيَامُنَ فِي طُهُوره وَنَعْله وَفِي تَرَجُله (1).
فَصْلٌ فِي صِفَةِ الغُسْلِ
ذلك،
خير الهدي هديُ مُحَمَّد، وها هي أمُّ المؤمنينَ السيدة عائشة تنقل لك صفة اغتسال رسول الله الله فتقولُ: " كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أرادَ الغُسْلَ مِنَ بدأ فغَسَلَ يديه، ثم يتوضَأُ كَمَا يتوضأ للصَّلاة، ثم يُدخِلُ أَصابعَهُ في الماء ويُخلِّلُ بها
الجنابة
أصول شعر رأسه، ثم يَصبُّ على رأسه ثلاث مرّات، بيده ثم يُفيضُ الماءَ عَلَى جَسَده كله، وهذا بعد الاستنجاء " (2).
فيظهرُ لنَا أنَّ صفَةَ الغُسْل مرتَّبَةٌ على النحو التالي:
1 - النية.
بأن
2 - الاستنجاء.
3 - غسلُ ما بينَ السُّرَّةِ والرُّكبتين، وكلّ موضع وقعت فيه نجاسة. 4 - وُضُوءُ الصَّلاة بما فيه المبالغةُ في المضمضة والاستنشاق، وتأخيرُ القدمين.
ه - تعميم الجسَدِ بالماءِ، مبتدءا بالأعلى قبل الأسفل، وبالأيمن قبل الأيسر.
6 - غُسْلُ القدمين اليُمْنى ثُمَّ اليُسْرَى.
الجنابة عليه أن يتوضأ سواء قدّم الوضوء قبل الغسل أو أخره إلى ما بعد الغسل، ولا يصلي بدون
اغتسل من من هذا هو القول الراجح".
وضوء،
يُنظر: الخليلي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة 15 من رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 10/30 م.
(1) ـ أحمد، المسند، رقم الحديث 24484.
(2)
2 - رواه الربيع، باب: في كيفية الغسل من الجنابة، رقم الحديث 140. (1/124)
صفحة 125
فَتْوَى
السؤال أنا شاب أبلغ منَ العُمر 19 سنةً وقد قرُبَ موعد زواجي وعندما سألتُ أحد أصدقائي المتزوجين عن الطهارة بعدَ مُجامَعَة الزَّوجة أجابني بصورة غير واضحة، أرجو الإفادة عن الطَّهارة بعد الجماع؟
الجَوابُ الطَّهارةُ بعد الجماع هي نفسُ الغُسْلِ مِنَ الجنابة الذي يجب بالاحتلام ونحوه، وهي الاستنجاء أوَّلاً ثُمَّ الوضوء أو الاقتصارُ على المضمضة والاستنشاق، ثم غُسْلُ الرَّأْسِ وتعميم الجسد بالماء معَ إيصال الماء باليَدِ إلى مغابن الجسد كالسُّرَّة والرُّفْغَينِ والإِبطَين، والله أعلمُ (2).
خاتمةٌ
وإليك ما قالَهُ الشَّيخ الفقيه الأديبُ نورُ الدِّينِ السَّالِمِيُّ - رَحِمَهُ الله- في مدارجه (3)
وَلا يَتِمُّ الغُسْلُ دُونَ أَرْبَع
ومرَّ عِنْدَ الغُسْل بالكَفَّ عَلَى
سُنَّ لَهُ السِّوَاكُ فَاغْسل اليدا
وَاحْتُ عَلَى الرَّأْسِ ثَلاثًا بَعْدَمَا
وَالمَاءُ مُدُّ فِي الوُضُوءِ وَلَدَى
***
***
***
***
تَمَضْمَضَ اسْتَنْشَقُ وَعَمِّمْ تَتْبَع
مَا تَسْتَطِيعُ لازمًا وَقِيلَ لا
قَبْلَ دُخُولِهَا الإِناءَ وَاقْصدا تَذْكُرُ اسْمَ مَنْ عَلَيْكَ أَنْعَمَا ذَا الغُسْلِ صَاعٌ لَا أَقَلَّ مَقْصِدا
(1) – الرُّفغان: تثنية رفع بضم الراء- وهو ما حول الفرج، وقد يطلق على الفرج نفسه.
(2) ـ الخليلي، أحمد بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 13.
عبد الله
(3) - السَّالِمِي،. بن. حميد. مدارج الكمال، ص 11. (1/125)
صفحة 126
التيمم مِن
البَابُ الخَامِسُ: فِي التَّيَمُّمِ
تعلم - أخي طالب العلم، وفقك الله لكل خير وأبدلك بكل عُسر يسرا - أنَّ جملة خصائص هذه الأمة (1) التي فضَّلَها الله على سائر الأمم وجعلها خير أمة أُخرجَتْ
للنَّاسِ، وقد شُرِعَ التيمم تيسيرًا للعبادِ ورَفعًا للحرج عنهم، شُرِعَ التيمم ليكون عبادة بديلة عن الوضوء والغُسلِ عند عدم الماء أو عدم القدرة على استعماله، ولمشروعية التيمم مناسبة لطيفة أدَعُ السيدة عائشةَ تحكيها لكَ، فاطلبها
بنفسك ... (2)
(1)
عن جابر بن عبد الله قال: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَعْطيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الْأَنْبِيَاء قَبْلِي تصرتُ بالرُّعْب مَسيرَةَ شَهْرٍ وَجُعَلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ......
(البخاري، باب: قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، رقم الحديث 419).
(2) ـ عن عائشة أم المؤمنين لها قالت: سافرنا مع رسول الله في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء انقطع عقد لي، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه، فأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فأتوا إلى أبي بكر الصديق فقالوا: ألا ترى ما صنعت ابنتك بالناس؟ أقامتهم على غير ماء فجاء أبو بكر إلى رسول الله فوجده واضعا رأسه على فخذي وقد نام فقال: قد حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس ليسوا على ماء ولا ماء معهم.
قالت عائشة: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول، فجعل يطعن بيده في خاصرتي، فمنعت نفسي من الحركة لمكان رأس رسول الله الله على فخذي، فنام رسول الله حتى أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم. قالت: فبعثنا البعير الذي كنتُ عليه فوجدنا القلادة تحته. القصة راجع
في:
الربيع، باب: فرض التيمم والعذر الذي يوجبه، رقم الحديث 168.
البخاري، باب: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا، رقم الحديث 322. (1/126)
صفحة 127
فَصْلٌ فِي أَصْلِ التَّيَمُّمِ
التَّيَمُّمُ لغةً: القَصْدُ، ويَمَّمْتُهُ: قصدْتُهُ، قَالَ تَعَالَى: وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ
{
تُنفِقُونَ} البقرة: 267، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ حَتَّى صَارَ التَّيَمُّمُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ عِبَارَةً عَنِ اسْتِعْمَالِ التُّرَابِ فِي الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ عَلَى هَيْئَةٍ مَحْصُوصَة، بنية التطهرِ مِنَ الحدث الأصْغَرِ أو الأكبر (1).
وأصْلُ مشروعية التيمُّم - باعتباره طَهَارةً بديلةً - ثابت بالكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمة، فمِنَ الكتاب قولُهُ تَعَالَى: وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ
الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْةُ الماسة: 6، ومن السُّنَّةِ الصَّحيحة: قولُ النَّبِيِّ لأبي * ذر: " التيمم يكفيكَ إِنْ لم تجد الماءَ عَشْرَ سِنِينَ (2)، وأجمعت الأمة الإسلامية على مشروعية التيمم)، والحمدُ اللهِ حَقَّ حمده.
(1) ـ الفيومي، المصباح المنير، باب: الياء مع الميم.
2) ـ الربيع، باب: فرض التيمم والعذر الذي يوجبه، رقم الحديث 171.
(2)
(3) - نعم أجمعت الأمة الإسلامية بعد نص الكتاب والسنَّة على أنَّ التيمم طهارة من الطهارات المشروعة في الإسلام، ولعل هذا يؤكد ما سبق الحديث عنه أوَّلاً من أنَّ الله تعالى لم يكل أمر الشرع إلى عقول البشر القاصرة، وأهوائهم المتفرقة، وإلا فما يقول أولئك العقلانيون الذين يردُّون ما لا يتوافق مع عقولهم، كيف يكون تعفير الوجه واليدين بالتراب طهارة من الطهارات ونظافة من الصلوات، وتلاوة آيات الله البينات، والطواف بالبيت
النظافات تباح
معه
العتيق؟!!! ولكن. ـدًا عَلَيْنَ
الامْتَشَالُ العُقُولَ فِيمَا أَشْكَلا
***
***
وَمَا لَنَا التَنْقَيْرُ وَالْجِدَالُ
ونترك الأمر لأرباب العُلا (1/127)
صفحة 128
فصل في أسباب التيمم
التيمم طهارة بديلة عن الوضوء والغسل في حال الضرورة، وذلك له أسباب ودواعٍ، فَمِنْ أسباب التيمم ما يلي:
1 - فُقْدَانُ الماء لقولهِ تَعَالَى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ل المائدة: 6، وفقدان الماء حقيقةً بانعدامه أصلاً، أو فقدان الماء حكمًا مع وجوده حقيقةً، وذلك إذا لم يمكن الوُصُولُ إليه لسبب من الأسباب: كوف على نفس أو مال أو نسيان للماء، أو عدم وجود وسائل استخراجه
2 - عَدَمُ القُدْرة على استعماله بسبب:
أ- البرد الشديد فقد أقر عمرو بن العاص حينَ تيمم منْ جَنابة في غزوة
:
ذات السلاسل (2).
الخوفُ مِنْ: حُدوث مرض أو ازدياده أو تأخر شفاء؛ لقوله: " قتلوه قَتَلَهُم الله، ماذا عليهم لو أمرُوهُ بالتيمم (3).
(1) - ولا فرق في ذلك بين مقيم ومسافر، وذكرُ السفر في الآية للأغلب المعتاد؛ إذ السفر عادة ما يكون مظنة لفقدان
الماء.
القنوبي. دروس صيف 1422 هـ / 2001 م، "مذكرة خاصة" ص 16.
(2) ـ الربيع، باب: الزجر عن غسل المريض، رقم الحديث 174، وهذا الحديث يدل على الرأي الصحيح وهو جواز إمامة المتيمم بالمتوضئ كما ستجده في باب أحكام الإمامة بعون الله تعالى-.
يُنظر: القنوبي، دروس صيفية مفرَّغة بمبنى معهد العلوم الشرعية سابقا بروي صيف 1421 هـ / 2000 م.
(3) ـ الربيع، باب: الزجر عن غسل المريض، رقم الحديث 176، ونصه "قال جابر بن زيد: وبلغني عن قوم مات بحضرتهم مجدور فقيل للنبي الله إنَّه أمر بالغسل كما ترى فكر عليه الجدري فمات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((قتلوه قتلهم الله ماذا عليهم لو أمروه بالتيمم)). (1/128)
صفحة 129
الحاجة إلى الماء للشرب؛ للقاعدة "الضَّررُ يُزالُ"، و"الضرورات تبيحُ المحظورات"، وكذلك إذا وَجَدَ الماءَ يُباعُ لكنَّه بثمن عال فلا يجب عليه شراؤه ويعدلُ إلى التيمم.
ث الخوف من فوات وقت الصَّلاةِ؛ لقصَّةِ السَّيدة عائشةَ حين نزلت آيةُ التيمُّمِ بعدَ أَنْ خافُوا فوات الوقت (1).
فَصْلٌ في أركان التَّيَمُّمِ
تعلم - أيُّها الطالب الذكى الأريبُ أنَّ للتيمم أركانا لا يتم إلا بها، فمن أركانه:
1 - النية لرفع الحدث الأصغر أو الأكبر (2)؛ لأنَّها عبادة غير معقولة المغى، وقد صحح المحدِّثُ القنوبي -حفظه الله - إمكان الاكتفاء بتيمم واحد لرفع الحدثين الأصغر والأكبر إذا نوى بتيممه ذلك (3).
(1) – الربيع، باب: فرض التيمم والعذر الذي يوجبه، رقم الحديث 168.
(2) ـ الرأي الراجح أن التيمم ليس مبيحا للصلاة فقط ولا رافعا للحدث رفعا كليا، وإنما الرأي الراجح أن التيمم يرفع الحدث رَفْعًا مُوَفَّتًا إلى أنْ يجد المتيمم الماء أو يقدِرَ على استعماله، وعلى ذلك فله أن يأتي بسائر العبادات التي يُشترط لها الوضوء ما دام باقيا على تيممه ذلك، ومقتضى هذا القول أيضا أن للرجل مباشرة امرأته التي ارتفع حدثها بالتيمم بعد طهرها من الحيض أو النفاس.
يُنظر: القنوبي، سعيد بن مبروك. فتاوى على أسئلة من الشرق الإفريقي ص 8.
(3) - ولأنَّ التيمم عبادة غير معقولة المعنى فتقتصر مشروعيته على الأحداث غير معقولة المعنى والتي تُرفع في الأصل بالوضوء أو الغسل، أما الأخباتُ والنجاسات الظاهرة فلا يمكن التيمم لها على الصحيح كما صرح به محدث العصر – أبقاه الله؛ إذ لا بد فيها من إزالة عين النجاسة (الخبث)، ولا ترتفع حتى تُزال العين حقيقة.
القنوبي، دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية (سابقا بروي)، صيف 1421 هـ / 00 القنوبي، دروس صيف 1425 هـ / 2004 م، "مذكرة خاصة / شرح أبواب من الإيضاح" ص 7. القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر حلقة: 22 رمضان 1430 هـ، يوافقه 12/ 9/ 2009 م. (1/129)
صفحة 130
المائدة: 6،
2 - وَضْعُ الكَفَّينِ علَى الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا * والمراد بالصعيد الطيب: الترابُ ذو الغُبار، وقيل: الصَّعيدُ الطيب هو التراب
المخرج للنبات استئناسًا بقوله: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ
الأعراف: 58.
(1)
3 - مَسْحُ الوَجْه: كلّه مرةً واحدةً من غير تثليث ولا تخليل.
- مَسْحُ اليدَينِ إلى الرُّسغَينِ: بوضعِ اليُسْرَى عَلَى اليُمْنى ثُمَّ العَكس
مَسْأَلَة
اختلفت الرواياتُ في عَدَدِ ضَرَبَاتِ التَّيهم، فقد جاء في أكثر الروايات النَّصُّ على الضربة الواحدة، وجاءَ في رواية الربيع التصريح بالضربتين الاثنتين، فعن عمار بن ياسر قالَ: " تيممنا مع رسول الله فضربنا ضربة للوجه
وضربة لليدين" (2).
وبناءً على كلّ ذلك فمَنْ عَمِلَ بالضربة أو بالضربتين فلا حرج عليه -إنْ
شاء الله تعالى (3).
(1) - فائدة: فإن لم يجد التراب المذكور للتيمم فليضرب على أقرب شيء إليه من تراب غير منبت أو حجارة أو حصى أو سبحة ... وقد نَبَّهَ إمامُ السنة - أيضا - إلى أَنَّهُ لا يُتيمَّمُ بتُراب المقابر.
(2)
(القنوبي، دروس صيف 2003 م "مذكرة خاصة" ص 47).
- الربيع، باب: فرض التيمم والعذر الذي يوجبه، رقم الحديث 173.
(3) ـ الجدير بالذكر أن القول بالضربة الواحدة في التيمم قال به من أئمتنا الكبار أبو عبيدة مسلم –رحمه الله-، مع أنه هو الذي روى حديث عمَّارِ النَّاص على الضربتين؛ ولذا عُدَّت هذه المسألة من المسائل اختلف فيها رأي أبي عبيدة عن روايته. يُنظر: القنوبي، قُرة العينين ص 78 - 79.
القنوبي، دروس صيف 1424 هـ / يوافقه 2003 م. (مذكرة خاصة ص 38).
القنوبي، دروس صيف 1425 هـ / يوافقه 2004 م، "مذكرة خاصة / شرح أبواب من الإيضاح" ص 7. (1/130)
صفحة 131
فَصْلٌ فِي سُنن التَّيمم
للتيهم سُنَنٌ متعددة، منها:
1 - التسميةُ قياسًا على الوضوء (1).
2 - النفخُ على الكفين أو نفضُهما نفضًا خفيفًا قبل المسح.
- الترتيب: الوجه فاليد، والموالاة؛ لأنَّه عبادة واحدة مترابطة.
فَصْلٌ فِي كَيفِيَّةِ التَّيَمُّمِ
بعد أن اطلعت على أركان التيمم وسننه فلا تخفى عليك كيفيته، وهي كالتالي: النية لرفع الحدث التسمية، وضعُ الكَفِّين على الصعيد الطَّيِّب، نفضهما نفضا خفيفًا، مسح الوجه كامله، وضعُ الكَفَّين على الصعيد مرَّةً أُخرى، نفضهما نفضًا خفيفًا، مَسْحُ اليدين إلى الرُّسغين اليمنى ثم اليُسرى، وهكذا تكون قد تيممت، تقبَّلَ الله طاعتك وأجزَلَ مثوبتَكَ، والله أعلم وأحكم.
فَصْلٌ فِي نواقض التَّيَمُّمِ
1. كلُّ ما يَنقض الوضوء؛ لأنَّه بدلّ عنه، والبَدَلُ يُعطى حُكم المُبْدَل منه. 2 زوالُ العلَّةِ أو السَّبب المبيح للتيهم، كما مرَّ سابقًا.
(1)
1) ـ القنوبي،
ب، سعيد بن مبروك. دروس صيف 1425 هـ / 2004 م، "مذكرة خاصة / شرح أبواب من الإيضاح" ص 3. (1/131)
صفحة 132
(1)
فَائِدَةٌ
أقوال راجحة عند العلامة القنوبي
1 - نص كثير من العلماء على اشتراط كون التيمم بعد دخول الوقت والصَّحيحُ المعتمد جوازُهُ قبل دخول الوقت إذا كان صَاحِبُهُ متأكدًا أَنَّهُ لن يحصل ولن يجد الماء في الوقت (1).
2 - نص كثيرٌ من العلماء على وجوب التيمم لكل فريضة، والصحيحُ المعتمد إجزاء التيمم السَّابق ما لم ينتقض بأي ناقض من نواقض التيمُّمِ.
-3 - التيمُّمُ إلى الرُّسغين على القَولِ الصَّحِيحِ الْمُعْتَصَب (3).
4 - فاقد الطهورين (الماء والتراب) يصلّي في الوقت ولا قضاء عليه (4).
ه - التُرابُ المستعمَلُ في التيمم لا مانع منَ التيمم به مرةً أخرى كالماء المستعمل في الوضوء على الصحيح المعتمد (5).
1) ـ القنوبي، ب، سعيد بن مبروك. دروس صيف 2003 م "مذكرة خاصة" ص 47. (2) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 2003 م "مذكرة خاصة" ص 47.
(3) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد م الشرعية (سابقا بروي)،
صيف 1421 هـ / 2000 م.
الثاني
(4) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك برنامج " سؤال أهل الذكر - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 20 رب 1426 هـ، يوا افقه 2005/ 5/29 م. وبعضهم قال يضرب يديه في الهواء، وصرح شيخنا أبو عبد الرحمن القنوبي -حفظه الله - بأن هذا الرأي لا دليل عليه إلا من باب الاحتياط، وإذا فعله الإنسان من باب الاحتياط فالأولى أن ينوي به التيمم؛ لأنه الأقرب إلى هيئته. (القنوبي، سلسلة في ظلال السنة. فتاوى"1" مادة سمعية، إنتاج: تسجيلات مشارق الأنوار).
(5) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية (سابقا بروي)، صيف 1421 هـ / 2000 م. (1/132)
صفحة 133
6 - من تيمَّمَ ووجدَ أو تذكر الماءَ أثناءَ الصَّلاة فالقولُ الصحيحُ المُعْتَمَد أَنَّ صلاته باطلة، وعليه الوضوء وإعادةُ الصَّلاة، أما إذا اكتشفه بعدَ الصَّلاة فلا إعادة عليهِ على الصَّحِيح الْمُعْتَصَص (1).
7 - مَنْ لم يجد الماءَ وخافَ خُروج وقت الصَّلاة فالصحيحُ أَنَّهُ يتيمم ويصلي، ولوْ كانَ يعلمُ أنَّه سيجد الماء بعد خروج الوقت؛ لأنَّ للماء بدلاً وهوَ
التراب وليس للوقت بدل (2).
28 -
خاتمة
واحفظ - أيُّهَا الطَّالبُ المجد - ما يقولُهُ الشَّيخُ السَّالِمِيُّ - رَحِمَهُ الله - في بغض
أَحْكَامِ التَّيَمُّم،،،
*
ف "من حفظ المتُونَ حَازَ القُنُونَ"
إنْ عُدمَ الْمَيَاهُ عِنْدَ السَّفَرِ
إِنْ خِيْفَ فَوْتُ الْوَقْتِ إِذْ لا بَدَلُ
مَا لَزِمَ لَزِمَا
كَيْفَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ وَهُوَ لَمْ
أَلَيْسَ يُجْزَيْهِ الَّذي قَدْ فَعَلا
***
***
***
***
فَاقْصِدْ تَيَمُّمَّا كَذَا فِي الْحَضَرِ للوَقْت وَالْمَيَاهُ عَنْهَا الْبَدَلُ فَوَجَدَ الْمَا لَا يُعِيْدَ فَاعْلَمَا يَقْدِرْ عَلَى سِوَى التُّرَابِ إِذْ لَزِمْ أَمْ ثُمَّ فَرْضٌ غَيْرُهُ قَدْ نَزَلا
(1) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيفية مفرغة. صيف 1421 هـ / 2000 م.
علوم الشرعية (سابقا بروي)،
(2) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. فتاوى على أسئلة من الشرق الإفريقي ص 8. (1/133)
صفحة 134
[صفحة فارغة] (1/134)
صفحة 135
و و
صلوا كَمَا رَأيتموني أصلي
القسم الثاني
في الصلاة وأحكامها (1/135)
صفحة 136
الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي الصَّلاَةِ
الصَّلاَةَ الصَّلاَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الصَّلاَةُ، إِذَا جِئْتَ لَقَدْرِهَا فَالْقَدْرُ الْجَلِيلُ، وَإِذَا جِئْتَ لِفَضْلِهَا فَالْفَضْلُ الْعَظِيمُ، وَإِذَا جِئْتَ خَطَرِهَا فَالْخَطَرُ الْجَسِيمُ)، ي عَمُودُ
الدِّيْنِ وقِوَامُهُ، وَجَنَّةُ الْمُؤْمِنِ وَحَيَاتُهُ، وَبَلْسَمُ الْهَمِّ وشِفَاؤُهُ، وَمَفْزَعُ الصَّالِحِ وَرَجَاؤُهُ. أَوَّلُ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ الأَنامُ، وَآخِرُ مَا يُتْرَكُ مِنْ دين الله الإِسْلَامِ، جَفَّتْ فِي وَصْفِهَا الْمَحَابِرُ وَالأَقْلَامُ، وَتَبَارَتْ في ذكْرِ مَحاسنهَا الْأَعْلَامُ، وَتَوَفَّفَتْ عَنْ إِدْرَاكَ عَمِيق أَسْرَارِهَا الْأَنْهَامُ، فَإِلَيْكَ جُهْدًا مُقلاً يَرْجُو بِهِ صَاحِبُهُ أَجْرًا مُمْتَدًّا غَيْرَ مُنْقَطِع إِلَى يَوْمِ
الْقِيَامِ ..
فَصْلٌ فِي أَصْلِ الصَّلاةِ
الصَّلاةُ: لَغَةَ الدُّعَاءُ، قَالَ تَعَالَى: {وَصَلَ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوَتَكَ سَكَنْ لَهُمْ النوبية:
103، أَيْ ادْعُ لَهُمْ (2).
اصطلاحا هيَ عِبَادَةٌ مُشْتَمَلَةٌ عَلَى أَقْوَال وَأَفْعَال، مُفْتَتَحَةٌ بالتكبير
مُحْتَتَمَةٌ بالتَسْلِيم مَعَ النِّيَّةِ بِشَرَائِطَ وَأَرْكَانِ مَحْصُوْصَةٍ.
(1) - جَاءَ فِي الْعَيْنِ لِلْخَلِيلِ: " الْخَطَرُ: اِرْتِفَاعُ الْمَكَانَةِ وَالْمَنْزِلَةِ وَالْمَالِ وَالشَّرَفِ ... وَيُقَالُ لِلْرَجُلِ الشَّرِيْفِ: هُوَ عَظِيْمُ
الْخَطَرِ".
(الْفَرَاهِيْدِي الْعَيْنُ، بَابُ: الْحَاءِ وَالطَّاءِ وَالرَّاءِ مَعَهُمَا)
(2) ـ ومنه قول الشاعر:
تقولُ بنتي وقد قرَّبتُ مُرتحلا
عليك مثْلُ الذي صلَّيْت فَاغْتَمضي
صلَّيت: أي دعوتِ.
يُنظر: الوضع ص 90 - 91.
*-*-*
-*-*-*
يَا رَبِّ جنّب أَبِي الْأَوْصَابَ وَالوَجَعَا
نوما فإنَّ لَجَنب المرء مُضْطَجَعَا (1/136)
صفحة 137
وَأَمَّا عَنْ أَصْلِهَا الشَّرْعِيِّ فَقَدْ أَجْمَعَت الأُمَّةُ الإِسْلَامِيَّةُ قَاطِبَةً عَلَى رُكْنَيَّتِهَا وَوُجُوْبِهَا بَعْدَ نُصُوصِ الْكِتَاب الْعَزِيزِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَة، فَفِي الْكِتَابِ تَكَرَّرَ الْأَمْرُ الصَّرِيحُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ النساء: 77 ثَمَانِي مَرَّاتٍ تَقْرِيْبًا، وَفِي السُّنَّةِ قَوْلُهِ صلى الله عليه وسلم: " لَا إِيْمَانَ لمَنْ لا صَلاةَ لَهُ. . ((1)، وَغَيْرُهَا كَثِيرٌ وَمُتَوَاتِرٌ.
كثير
وَمِنَ الْجَدِيْرِ بِالذِّكْرِ أَنَّ الصَّلاةَ وَإِن اخْتَلَفَتْ هَيْئَاتُهَا كَانَتْ مَشْرُوعَةً عَلَى مِنَ الأُمَمِ السَّابِقَةِ قَبْلَنَا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ آيَاتٌ مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى:
) وَجَعَلْنَهُمْ أَيْمَةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَوةِ * الأنبياء: 73، وكقوله فِي مَدْحِ إِسْمَاعِيلَ ال وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَوةِ وَالزَّكَوَةِ وَكَانَ لا:
عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّا
55
وَفِي بِدَايَةِ الْعَهْدِ الْمَكِي فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً ثُمَّ اسْتَقَرَّ وُجُوبُهَا بَعْدَ لَيْلَةِ الإِسْرَاءِ (2) عَلَى مَا عَلَيْهِ الآنَ، وَالْعِلْمُ عند هـ.
(1)
- الرَّبِيعُ، بَابٌ: فِي آدَابِ الْوُضُوْءِ وَفَرْضِهِ، رَقْمُ الحديث 92.
(2) - فَائِدَةٌ مُهمَّةٌ: اعْلَمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُ الْوَفِيُّ، رَزَقَكَ اللهُ الصَّوَابَ فِي الاعْتِقَادِ وَالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ أَنَّ الإِسْرَاءَ ثَابِتٌ بِنَصِ الكتاب الْعَزيز، وَالْمُعْرَاجَ أَشَارَتْ إِلَيْهِ آيَاتٌ سُوْرَة النَّحْم، وَصَرَّحَتْ به أَحَادِيثُ حَالَمُ النَّبِيِّينَ وَالرُّسُلِ، يَقُولُ إِمَامُ الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول - حَفِظَهُ اللهُ تَعَالَى: " وَنَحْنُ تَقْطَعُ بالإسْرَاء لَنَصَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى ذَلِكَ فِي سُورَةِ الإِسْرَاءِ، وَكَذَلِكَ أَشَارَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ إِشَارَةً وَاضِحَةً جَليَّة إلى المعراج في سُورَة النَّحْم، وَهُنَالِكَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ جدا جدا تدل عَلَى ذَلكَ ...
وَعَلَى السياق نفسه يَقُولُ إمَامُ الْمُفَسِّرِينَ أَطَالَ اللهُ في عُمْره -: " بالنسبة إلى الْإِسْرَاء فَلأَهْل النَّص القطعي في سُورَة الْإِسْرَاءِ، وَأَمَّا الْمِعْرَاجِ فَمِنْ حَيْثُ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ، الَّتِي تَكَادُ تَكُونُ صَرِيحَةً فِي سُورَةِ النَّحْمِ، مَعَ الْأَحَادِيثِ المُستفيضة، ولذلكَ قَالُوا: مَنْ أَنْكَرَ الْمَعْرَاجَ فَهُوَ فَاسِقٌ أَمَّا مَنْ أَنْكَرَ الْإِسْرَاءَ فَهُوَ كَافِرٌ كُفْرَ مِلة؛ لِأَنَّهُ رَدَّ نَصَّا مريحاً لا يَقْبَلُ الْحَدَلَ إِلَى أَنْ قَالَ - حَفَظَهُ اللَّهُ -:
" نَحْنُ كَمَا قُلْنَا سَابقاً يُعَوِّلُ عَلَى قَوْل مَنْ قَالَ بِأَنْ مَنْ الكَر الْمَعْرَاجَ يُفَسَّقُ، لأَنَّ الْإِشَارَةَ إِلَيْهِ وَاضِحَةٌ فِي الْقُرْآن الْكَرِيمِ، وَمَنْ أَنْكَرَ الإِسْرَاء يُشرِكُ"، ثُمَّ قَالَ مَرَّةً ثَالِثَةٌ إِجَابَةً عَلَى سُؤَالِ ثَالِثٍ: (1/137)
صفحة 138
فَضْلٌ
فِي مَكَانَةِ الصَّلَاةِ فِي الإِسْلامِ وَأَهَمِّيَتِهَا
لا تَحْفَى مَكَانَةُ الصَّلاةِ وَأَهَمِّيَّتُهَا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فَهِيَ مِنْ أَبْجَدِيَّاتِ الدِّينِ وَمُسَلَّمَاتِهِ، وَمِنْ أَوَّلِ الْعِبَادَاتِ التِي لا يَسَعُ جَهْلُهَا بَعْدَ قِيَامِ حُجَّةِ التَّكْلِيفِ بِهَا، وَيَدُلُّ عَلَى أَهْميَّة هَذَا الرُّكْنِ العَظيم أُمُورٌ كَثِيرَةٌ جدًّا، نُلَخَصُ أَبْرَزَهَا فِي النِّقَاط التالية،
فَالصَّلاة هي:
1 - أَوَّلُ رُكْنٍ عَمَلِيَّ بَعْدَ الإِيمَانِ بِالْغَيْبِ (2)، قَالَ تَعَالَى: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ () الَّذِينَ
يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلوةَ البقرة: 2 - 3.
"نحن قلنا بأن من أنكر الإسراء فَإنكاره للإسراء يُعتبر ردَّة عن الإسلام، أمَّا مَن أنكر المعراج فإنكاره للمعراج إنما يُعتبر فُسُوقًا، ولكن مع هذا كله نقول إن تَأوَّل المعراج بأَنه عُرُوجٌ بالروح فلا يُفْضِي به الأمـ إلى أن يُقال بأنه
فاسق".
وحاصل المقام أن الإسراء ثبت بدليل قطعي، فمن أنكره من غير تأويل فقد كَفَرَ كُفْرَ شرك، وهذا حكم كل من أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة من المسائل القطعية نصا ودلالة.
وفي المقابل فإنه نظرا لعدم صراحة الدليل في المعراج وعدم خروجه عن دائرة الظن إلى القطع فلا يكفّر منكره ولكنه يفسق ما لم يكن متأولا، وهو حكم الظنيات من القضايا التي لم يُقطع بنصها أو دلالتها. وهذه قاعدة جليلة من ذخائر العلم تسترشد بها في الحكم بين مسائل الدين ومسائل الرأي، فاشدد بها يدا، والعلم
الله
عند تعالى. يُنظر:
الخليلي برنامج سؤال أهل الذكر"، حلقة خاصة حول موضوع الإسراء والمعراج بتاريخ: 27 رجب 1425 هـ،
افقه 2004/ 9/12 م. يو
القنوبي، برنامج " سؤال أهل الذكر " حلقة: 15 رجب 1423 هـ، يوافقه 2002/ 9/22 م.
(1) ويدل على ذلك حديث السيدة عائشة, قالت: " فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر. (الربيع باب في فضل الصلاة وخشوعها. رقم الحديث 285).
(2) ـ الخليلي، أحمد بن
حمد. برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 21 شعبان 1426 هـ، يوافقه 2005/ 9/25 م. (1/138)
صفحة 139
2 - عَمُودُ الدِّين وَقَوَامُهُ قَالَ: " لَكُلِّ شَيْء عَمُودٌ، وَعَمُودُ الدِّين الصَّلاةُ. ." (1)، وَقَالَ: "رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ .. (2).
3 - أَحَدُ أَرْكَانِ الإِسْلامِ الخَمْسَةِ، قَالَ النَّبِيُّ: " بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ:
شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا هـ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ هـ، وَإِقَامُ الصَّلاة .. (3).
4 - أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَة، قَالَ: " إِنْ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلَحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ
5 - هِيَ الْمَفْزَعُ لِلإِنْسَانِ عِنْدَ الشَّدَائِدِ، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ
21
هَدُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ
19
ن
هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَابِمُونَ - المعارج: 19 - 23، وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ فَزِعَ إِلَى الصَّلاةِ، وَيَقُولُ: " أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلالُ (6).
تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ، قَالَ تَعَالَى: {وَأَقِمِ الصَّلَوةُ إِنَّ
الصَّلَوَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ العنكبوت: 45.
(1) ـ الربيع، باب: في فضل الصلاة وخشوعها، رقم الحديث 285.
(2) ـ الترمذي، باب ما جاء في حرمة الصلاة، رقم الحديث 2541.
(3) ـ البخاري، باب: بني الإسلام على خمس، رقم الحديث 7.
(4) - الترمذي، باب: مَا جَاءَ أَنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَة الصَّلَاةُ، رقم الحديث 378.
(5) ـ أبو داود، باب: وَقْتِ قِيَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ اللَّيْلِ، رقم الحديث 1124. (6) ـ أبو داود، باب: في صلاة العتمة، رقم الحديث 4333. والطبراني، في المعجم الكبير، رقم الحديث 6090. (1/139)
صفحة 140
(1)
7 - قُرَّةً عَيْنِ المُصْطَفَى إِذْ يَقُولُ: "حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ الدُّنْيَا النِّسَاء وَالطَّيبُ،
وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاة " (1)
آخرُ وَصِيَّة وَصَّى بِهَا رَسُولُ هـ أُمَّتَهُ عنْدَ مُفَارَقَتِهِ الدُّنْيَا فَقَدْ كَانَ يَقُولُ فِي مَرَضه الَّذِي تُوُفِّيَ فيه: " الصَّلاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)
9 - هِيَ الْوَاقِي لِلإِنْسَانِ مِنَ الْوُقُوعِ فِي بَرَائِنِ الْكُفْرِ قَالَ الرَّسُولُ الْعَظِيمُ: لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْكُفْر إلا تَرْكُهُ الصَّلاةَ " (3).
النسائي، باب: حُبِّ النِّسَاءِ، رقم الحديث 3878. وفي رواية أخرى (وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ). النسائي،
رقم الحديث 3879.
(2) ـ ابن ماجه، باب ما جاء في ذكر مرض رسول الله، رقم الحديث 2688.
(3) - الربيع، باب: جامع الصلاة، رقم الحديث 306.
"کفر
فَائِدَةٌ جَليْلَةٌ: المراد بالكفر هنا "كفر النعمة" وليس كفر الشرك، وهو ما يسميه بعض علماء الحديث بـ" دون كفر"، بمعنى أن صاحبه لا يخرج من ملة الإسلام، فله ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين إلا في الأحكام المتعلقة بالولاية والبراءة، وهذا الحديث دليل على إثبات كفر النعمة، ويقابله كفر الملة أو كفر الشرك. ويدل على هذا النوع من الكفر أيضا أحاديث أخرى منها قوله: "السباب المسلم فسوق وقتاله كفر"، وقوله اثنتان في أمتي هما كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت" ... إلخ، يقول إمام السنَّة والأصول العلامة القنوبي – حفظه الله وأبقاه -: (المراد بالكفر في هذه الأحاديث ونحوها عند أصحابنا كفر النعمة، وقد وافقهم على ذلك جماعة العلماء منهم البيهقي وابن الأثير وابن العربي و الحافظ ابن حجر والعيني ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا وغيرهم، وهو الذي يقتضيه صنيع كل من الإمام البخاري والإمام مسلم وابن حبان في صحاحهم، وقد دلت على هذا النوع من الكفر أيضا آيات قرآنية كثيرة منها قوله سبحانه: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَبِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ المائدة: 44، وقوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) آل عمران: 97، وقوله: إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَا شَاكِرًا وَإِما كَفُورًا الإنسان: 3، وقوله: ليبلون تأشكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي هي كريم
من
وغيرها).
40
40
وبهذا تعلم أن إطلاق الإباضية لمصطلح الكفر على مرتكب الكبائر لا يعدو أن يكون كفر نعمة لا كفر شرك كما توهمه البعض، فنسبوا إليهم تشريك مرتكب الكبيرة، فتبينوا وتثبتوا. يُنظر:
الخليلي، شرح منظومة غاية المراد ص 135. (1/140)
صفحة 141
إِضَافَةً إِلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَرَدَ فِي فَضْلِ الصَّلاةِ وَالحَتْ عَلَى إِقَامَتِهَا، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، وَمُرَاعَاةِ حُدُودِهَا آيَاتٌ وَأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ ..
وَإِنَّما تُطْلَبُ مِنْ مَحَلِّهَا
***
وتُخطَبُ العَادَةُ عِنْدَ أَهْلَهَا
فَصْلٌ فِي الصَّلواتِ الخَمْس
ولا يخفَى عَليكَ أَيُّهَا التَّلميذُ النَّجِيبُ، أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْكَ بِالْعَمَلِ بَعْدَ نِعْمَةِ العِلْمِ أَنَّ الصلوات الخمْسَ المكتوبات التي يُنادَى بها في الجماعات هي:
-1
وهي أربع ركعات سرِّيات، يكتفي فيها الإِمَامُ والمَأمُومُ بقراءة الحمد فقط، يفصل بين ركعاتها التَّشَهدُ الأول بعد الركعة الثانية ليقوم المصلّي
للركعة الثالثة بتكبير، ويجلس بعدَ الرَّابعةِ للتَّشهدِ الأخيرِ ثُمَّ التسليم. العَصْرُ: وهي كالظهرِ حذو النَّعْلِ بالنغل (2)، وهيَ الصَّلاةُ الوُسْطَى عَلَى الرَّاجح عندَ الشيخين - يحفظهما الله - (3).
الخليلي، جواهر التفسير ج 2 ص 226 - 234.
القنوبي، السيف الحاد ص 43 - 50 (حاشية).
القنوبي، فتاوى على أسئلة من الشرق الأفريقي ص 29.
القنوبي، الإمام الربيع بن حبيب: مكانته و مسنده ص 183 - 185.
القنوبي، فتاوى على أسئلة من الشرق الأفريقي ص 29.
(1) ـ ابتدأنا الحديث حول الصلوات الخمس بصلاة الظهر لأنها أول صلاة صلاها الرسول صلى الله عليه وسلم ثم صلاة العصر كما
استظهر ذلك شيخنا إمام السنة والأصول القنوبي متعه الله بالصحة والعافية.
(القنوبي، دروس صيف 2001 م، يوافقه 1422 هـ. "مذكرة خاصة ص 23").
(2) - أي كما تُقْطَع إحدَى النَّعلين على قدر النَّعل الأخرى، وهو كناية عن المساواة والتطابق بين الشيئين.
(3) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 221.
القنوبي، الطوفان الجارف (تعليق) ج 3 قسم 2 ص 513.
القنوبي، قرة العينين ص 49.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى – القسم الثالث ص 14. (1/141)
صفحة 142
- المغرب: وهي ثلاث ركعات يجهرُ الإمامُ في الرَّكعتين الأوليين منها بفاتحة الكتاب وما تيسَّرَ لَهُ مِنَ القُرآن يقرأُ المأمومُ الفاتحة ويكتفي بالاستماع لما
بعدها، أما الركعة الثالثَةُ فهي ركعة سرِّيةٌ يُجترى فيها بقراءة أم الكتاب.
- العشاء: وهي أربع ركعات يجهرُ الإمامُ في الركعتين الأوليين منها بفاتحة الكتاب وما تيسَّرَ لهُ منَ القُرآن ويُسِرُّ القراءة في الركعة الثالثة والرابعة،
ويفصل بين هذه الركعات الأربع بالتشهد الأوَّل بعد الركعة الثانية، ويجلس بعد الرابعة للتشهد الأخير ثم التسليم.
ه - الفجر: وهي ركعتان يجهرُ فيهما الإمامُ بالفاتحة والسُّورة بعدها، ليجلس بعد الثانية للتشهد الأخير ثم التسليم.
فهذه هي الصلوات المفروضات - إِضَافَةً إِلى صَلاةِ الجُمُعَةِ، وَمَا عَدَاها فليس فَرْضًا (1)، كَمَا دَلَّ على ذلك حديث الأعرابي: " .. خمس صلوات في اليوم والليلة، قال: هلْ غيرُهَا؟ قَالَ: لا إلا أنْ تطَّوَّعْ (2)، وسَيَأتي الحديث مفصلا حَولَ بقيَّةِ الصَّلواتِ فيما سيأتي بعون الله تعالى.
وَاجِبَاتُ وَلِيِّ أَمْرِ الصَّبِيِّ
يُؤْمَرُ وَلِيُّ أَمْرِ الصَّبِيِّ بِتَعْلِيمه الصَّلاةَ إِذَا بَلَغَ سَبْعًا مِنَ السِّنِينَ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُعْمِلَ مَعَهُ مُخْتَلَفَ الْوَسَائِلِ لِتَرْغيبه وَتَحْبيبه في الصَّلاة منَ الْقصَّة المؤثّرَة، وَالْعَبَارَة المُلَطَّفَة، وَالرَّبْطِ بِالدَّارِ الْآخِرَةِ، وَالتَّرْغِيْبِ بِعَظِيمِ الثَّوَابِ وَالتَرْهِيْبِ مِنْ أَلِيمِ الْعِقَابِ؛ حَتَّى يَنْشَأَ
مُحبًّا للصلاة مُعْتَادًا عَلَيْهَا، فَ:
القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول ص 86.
القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر"، حلقة: 5 رمضان 1427 هـ، يوافقه 2006/ 9/29 م.
أحمد (1) ـ الخليلي، بن
حمد. الفتاوى ج 1 ص 170، 179. والخليلي برنامج سؤال أهل الذكر حلقة: 15 جمادى الأولى
1430 هـ، يوافقه 10/ 5 / 2009 م.
(2) ـ الربيع، باب: في الإيمان والإسلام والشرائع، رقم الحديث 56. (1/142)
صفحة 143
النَّفْسُ كَالطَّفْلِ إِنْ تُهملْهُ شَبَّ عَلَى
***
حُبِّ الرَّضَاعِ وَإِنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطم (1)
فَإِذَا بَلَغَ الْعَاشِرَةَ يَكُونُ قَدْ أَتْقَنَ الصَّلاةَ بإِذْنِ هـ تَعَالَى، فَإِذَا تَرَكَهَا وَجَبَ إِرْشَادُهُ وَتَنْبَيْهُهُ أَوَّلاً، ثُمَّ تَأَديبُهُ بَعْدَ ذَلكَ بحَسَب مُقْتَضَى الحَالِ وَالْمَصْلَحَة فِي جَانبه، وَكُلُّ هَذَا مُسْتَفَادٌ مِنَ المَرْوِيِّ فِي الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ لِلْمُرَبِّي الأَوَّل عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَأَتَم التَسْلِيمِ - حِيْنَمَا قَالَ مُوَجَهَا: " مُرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ إِذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ، وَإِذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ فَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا (2).
ومَعَ
مسألة
ذَلِكَ فَلَا تَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ الصَّلاةُ وَسَائِرُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَتَكُونُ فِي حَقِهِ كُلُّهَا نَفْلاً إِلَى أَنْ يَصِلَ سِنَّ الْبُلُوغ وَالتَّكْلِيفِ، إِلَّا إِنْ بَلَغَ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الإِنْيَانُ بِالْوَاجِبِ الْمَفْرُوضِ عَلَيْهِ وَإِنْ أَدَّاهُ سَابقًا؛ لأَنَّهُ كَانَ فِي حَقِهِ نَفْلاً وَالآنَ أَصْبَحَ فَرْضًا، يَقُولُ شَيْخنَا الْقَنُوبِيُّ - حَفِظَهُ ه تَعَالَى: ". وَلِذَلِكَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلاةَ إِذَا بَلَغَ فِي الْوَقْتِ وَلَوْ صَلَّى قَبْلَ الْبُلُوغ (3).
فَائِدَةٌ فِي عَلَامَاتِ الْبُلُوغِ
عَلامَاتُ الْبُلُوغ مِنْهَا مَا هُوَ خَاصٌ بِالصَّبِيِّ، وَمِنْهَا مَا هُوَ خَاصٌ بِالصَّيَّةِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُشْتَرَكَ بَيْنَهُمَا، يَقُولُ الإِمَامُ السَّالِمِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي تَلْقِيْنِ الصَّبْيَانِ:
- البوصيري، محمد بن سعيد. ديوان البوصيري / قصيدة البردة ص 232.
- (1)
(2) ـ أبو داود، باب: متى يؤمر الغلام بالصلاة، رقم الحديث (417). وفي الحديث نظر عند بعضهم، يقول القنوبي: "وهذا الحديث قد حَسَّنه بعض العلماء بمجموع طرقه، ولكنَّنِي لا أُقْوَى على ذلك". يُنظر: القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 7 صفر 1428 هـ، يوافقه 2007/ 02/25 م.
(3)
- يُنظر:
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الأول، بحث الاستدراك ص 25.
القنوبي، "فتاوى ج 9"، س 14 بمعهد القضاء الشرعي (سابقا). اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية، "مادة سمعية". (1/143)
صفحة 144
فَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ [وَالصَّيَّةُ) حَدَّ الْبُلُوغِ وَهُوَ حُصُولُ الْحُلُمِ أَي الْمَاءِ الدَّافِقِ،
أَوْ نَبَاتُ الشَّعر فِي الْمَوْضِعَ الْمُعْتَادِ، أَوْ بُلُوغُ خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةٍ عَلَى قَوْل وهُو الأَصَحُ، أَوْ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةٌ عَلَى قَوْل آخَر - وَالْمَرْأَةُ إِنْ وَجَدَتِ الْحَيْضَ أَوْ الْحَمْلَ أَوْ تَكَعَبَ ثَدْيَاهَا فَإِذَا وَجَدَ الصَّبِيُّ وَالصَّيَّةُ إِحْدَى هَذِهِ الْعَلَامَاتِ حُكمَ لَهُ وَعَلَيْهِ
بِأَحْكَامِ الْبَالغ، وَيُوَجَّهُ إِلَيْهِ التَّكْلِيفُ بالْعِبَادَات وَالْخَطَابُ بَتَرْك الْمَحْجُورَات (1). تَنْبيَّة): مَنْ لم تظْهَرْ عَلَيهِ إِحدَى عَلامَات البلوغ فإِنَّهُ يُعَدُّ بِالغَا شَرعًا ببلوغه خمْسَةَ عَشَرَ عَامًا عَلَى الصَّحيح عندَ شَيْحَيْنَا السَّالمي - رَحمهُ الله - والقنوبي -حفظَهُ الله، وَالله أَعْلَمُ (2).
فَصْلٌ فِي حُكْمِ تَارِكِ الصَّلَاةِ
تَعَلَّمْ أَخِي الْمُسْلِمَ - أَلْزَمَ هم غَرْزَكَ فِي الطَّاعَاتِ وَالصَّالِحَاتِ، وَوَقَاكَ مِنَ الْمَعَاصِي وَالْمُوبِقَات - أَنَّ شُرُوطَ وُجُوب الصَّلاة هي: الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ والطَّهارةُ مَنَ الحَيْضِ وَالنَّفاسِ، فَمَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ - بَعْدَ وُصُولِه سِنَّ الرُّشْدِ مَعَ صحة عَقْلِهِ فَلا يَخْلُو مِنْ أَحَدٍ أَمْرَيْن (3):
إِمَّا أَنْ يَتْرُكَهَا جُحُودًا لِفَرْضِيَّتِهَا أَوْ إِنْكَارًا لَهَا بالْكُليَّةِ: فَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ كَافِرٌ مُرْتَةٌ عَنِ الدِّينِ، يَقُولُ الْعَلامَةُ الْقَنُّوبِيُّ حَفَظَهُ هُم وَعَافَاهُ:" .. وَأَمَّا إِذَا كَانَ تَرْكُهُ لَهَا جُحُودًا فَإِنَّهُ يُشرك باتفاقهم؛ وَذَلكَ لأَنَّ فَرْضَ الصَّلاةِ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّين بالضَّرُورَةِ، وَمَنْ أَنْكَرَ مَا هُوَ مَعْلُومٌ بالضَّرُورَة فَإِنَّهُ يُشركُ وَالْعِيَاذُ بالله (4)، وَحُكْمُهُ: أَنَّهُ
(1) ـ السالمي، عبد الله بن حميد. تلقين الصبيان، ص 23. (2) ـ المعمري، عبد بن سعيد. من فقه الصيام ج 2
الله
"مادة سمعية"، إنتاج: تسجيلات مشارق الأنوار.
(3) - للمزيد: ينظر هذا التفصيل في الخليلي برنامج "سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 10 من
6
ربيع الثاني 1425 هـ، يوافقه 2004/ 5/30 م.
(4) - ينظر:
القنوبي، السيف الحاد ص 47 (حاشية). القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول، ص 39. (1/144)
صفحة 145
يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ فَيُعْفَى عَنْهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَ جُحُودًا وَإِلا قُتِلَ مُرْتَدَّا، وَهَذَا حُكْمُ كُلِّ مَنْ أَنْكَرَ مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّين بالضَّرُورَة.
وَأَمَّا إِنْ تَرَكَهَا تَهَاوُنَا وَتَكَاسُلاً مِنْهُ لا جُحُودًا وَإنْكَارًا لَهَا: فَحُكْمُهُ: أَنَّهُ كَافِرٌ كُفْرَ نِعْمَةٍ لا كُفْرَ شِرْكَ، يُسْتَتَابُ ثَلَاثًا فَإِنْ تَابَ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا تَرَكَ، وَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ حَدًا، وَلا فَرْقَ فِي هَذَا الْحُكْمِ بَيْنَ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، قَالَ الإِمَامُ السَّالِمِيُّ (1).
=
(1)
وَضَرَبُهُ فِي العَشْرِ وَهُوَ أَعْدَلُ
وَبَالِغُ تَرَكَة الغُ تَرَكَهَا وَيَعْقِلُ
مِنْ بَعْدِ أَنْ تَوَّبْتَهُ ثَلاث
***
***
***
***
وَعَدَمُ الفَرْقِ هُوَ الجَلِيُّ
***
مَسأَلة
وَقِيلَ بَلْ يُؤْمَرُ ابْنَ سَبْعِ
ا عَلَيْهِ مِنْ دَلِيْلٍ يُنقَلُ
نْ غَيْرِ عُذْرِ فِيهِ قَولٌ يُقتَلُ
إِنْ صَحَ قَتَلٌ وَهُوَ الْمَرْضِيُّ
رَجَ المُصَنِّفُ الإِنَاثَا
وَمِنْ رِسَالَةِ الْمُحْتَصَرُ الْمُفيدُ فِي الْكَفَّارَات" مَسْأَلَةٌ فيمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا عَلَى جهَةِ الانْتِهَاكِ أَوِ التَّهَاوُنِ وَالتَّكَاسُلِ، ثُمَّ أَرَادَ التَّوْبَةَ إِلَى اللَّهِ فَعَلَيْهِ الْبَدَلُ، وَالْخِلافُ فِي الْكَفَّارَة، قِيْلَ بلُزُومِ الكَفَّارة قياسًا عَلَى الصَّومِ ...
وَرَأَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَدَمَ وُجُوبِ الْكَفَّارَة في الصَّلاة أَصْلاً (2)، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمُحَقِّقَانِ الْخَلِيلِيُّ (3) وَالْقَنُوبِيُّ، لأَنَّ الأَصْلَ فِي مَالِ الْمُسْلِمِ الْعِصْمَةُ، فَلَا يُخْرَجُ مِنْهُ إِلَّا بِدَلِيلِ شَرْعِيٌّ مُعْتَبَرٍ، لَكِنْ لَوِ احْتَاطَ وَلَوْ بِكَفَّارَةِ وَاحِدَةٍ فَالاحْتِيَاطُ حَسَنٌ جَميلٌ:
القنوبي، الإمام الربيع بن حبيب: مكانته و مسنده ص 178.
القنوبي، "فتاوى ج 4 " بمعهد القضاء الشرعي (سابقا). "مادة سمعية" اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية ..
(1) ـ السالمي، عبد الله بن حميد. مدارج الكمال، ص 35.
(2) ـ البطاشي، محمد بن شامس. غاية المأمول. ج 3 ص 252.
(3) ـ الخليلي، أحمد بن حمد. الفتاوى ج 1 114، 154.
4) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي (أجوبة مفرغة ومطبوعة) ص 161. (1/145)
صفحة 146
وَذُو احْتياط في أُمُورِ الدِّينِ
***
منْ شَـ إلَى يَقين
وَهَذَا الرَّأْي [عَدَمُ وُجُوبِ الكَفَّارِةِ ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّيخُ مُنَازِلُ مِنْ أَصْحَابِنَا
الْخَرَاسَانِيِّينَ (1).
خِلافٌ وَثَمَرَةٌ
تَقَدَّمَ مَعَكَ قَرِيبًا - أَنَّ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الصَّلاةِ عَلَى المُكَلَّفِ حُضُورَ العَقْـ وَبَنَاءً عَلَيْهِ فَلا تَجِبَ الصَّلاةُ عَلَى الْمَعْمَى عَلَيْهِ وَفَاقد الْوَعْيِ فِي الْحَالَ، وَمِنْ حَيْ الْقَضَاءُ لاحقًا: اخْتَلَفُوا فِي الإِغْمَاء هَلْ سَبِيلُهُ سَبِيْلُ الْجُنُونِ أَوْ هُوَ مُجَرَّدُ مَرَضِ؟ وَثَمَرَةُ الخلاف: مَنْ رَأَى أَنَّ الإِغْمَاءَ جُنُونٌ لَمْ يَرَ عَلَى صَاحِبِهِ قَضَاءَ الصَّلَوَاتِ الَّتِي اسْتَغْرَقَ وَقْتَهَا فِي الإِغْمَاءِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَجْنُون في سُقُوط التَّكَاليف عَنْهُ - اللَّهُمَّ إِلا إِنْ أَغْمِيَ عَلَيْهِ وَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ صَلَاةٍ، أَوْ أَفَاقَ حَالَ دُخُولِ الْوَقْتِ فَعَلَيْهِ فِي الْحَالَيْنِ الْقَضَاءُ.
وَمَنْ رَأَىهُ مَرَضًا أَلْزَمَهُ قَضَاءَ جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ الَّتِي فَاتَتْ بِسَبَبِ الإِغْمَاءِ، وَهَذَا الرَّأْيُ أَحْوَطُ (2) وَالأَوَّلُ أَرْجَحُ (3).
(1) - يُنظر:
المعولي، المعتصم بن سعيد. المُعْتَصَصُ فِي فِقْهِ الكَفَّارَاتِ ص 43.
المعولي، المعتصم بن سعيد. المختصر المفيد في الكفارات ص 35. السالمي، عبد بن حميد. جوابات الإمام السالمي ج 1 ص 194.
(2) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 106.
الخليلي، برنامج: سؤال أهل الذكر، حلقة: 11 رمضان 1429 هـ، يوافقه 12/ 9 / 2008 م.
(3) - يُنظر:
القنوبي، برنامج " سؤال أهل الذكر " حلقة: 19 ربيع الأول 1425 هـ، يوافقه 2004/ 5/9 م. القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة 22 رمضان 1430 هـ، يوافقه 12/ 9/ 2009 م. (1/146)
صفحة 147
الْبَابُ الثَّانِي: فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ
تعرف أيُّها التّلْمِيذُ جَعَلَنِي اللهُ وإِيَّاكَ مَن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَلِحًا وَقَالَ
إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) فصلت: 33 33 أن:
الأَذَانَ فِي اللَّغَةِ: الإِعْلامُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَذَانُ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (التوبة: 3،
أَيْ إِعْلامٌ، وَأَذِن فِي النَّاسِ بِالْحَج الحج: 27 أَي أَعْلِمْهُمْ. وَشَرْعًا: هُوَ الإِعْلَامُ بدخول وقت الصَّلاة بأَلْفَاظ مَحْصُوصَة.
وَالْأَذَانُ مَشْرُوعٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِجْمَاعِ، فَمِنَ الْكِتَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا وَقَوْلُهُ: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ الجمعة:
ناديتُم إِلَى الصَّلوة المائدة: 058) وَمِنَ السُّنَّةِ قَوْلُهُ: " إِذَا سَمِعْتُمُ النَّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ .. (1)، وَغَيْرُهَا مِنَ الأَدلَّةِ كَثِيرٌ؛ وَلِذَلِكَ انْعَقَدَ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ.
فَصْلٌ فِي سَبَبٍ مَشْرُوعِيَّةِ الأَذَانِ
6
وَقَدْ شُرِعَ الْأَذَانُ فِي السَّنَةِ الأُولَى مِنْ هِجْرَةِ رَحْمَةِ الْعَالَمِينَ، بَعْدَمَا اسْتَشَارَ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ هُ عَنْهُمْ فِي شِعَارِ يَجْمَعُ النَّاسَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلَوَات وَلَيْسَ يُنَادِي بِهَا أَحَدٌ، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا في ذَلكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ننصبُ رَايَةً عنْدَ حُضُور الصَّلاة فَإِذَا رَأَوْهَا آذَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَلَمْ يُعْجِبْهُ ذَلكَ، وَقَالَ بَعْضُهُم: اتَّخِذُوا قَرْنَا مَثَلَ قَرْنِ الْيَهُودِ، وَقَالَ آخَرُونَ: اتَّخِذُوا
(1) ـ الربيع، باب: في الأذان، رقم الحديث 177. (1/147)
صفحة 148
نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى، فَكَرِهَ النَّبِيُّ لا كُلَّ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ مُخَالَفَةِ أَهْلِ
الكتاب (1).
(1)
وربي
سه
- وفي هذا تجسيد لذلك المبدأ العظيم الذي دأب النبي له على تربية أصحابه عليه وغرس في نفوسهم، وهو مبدأ الاستقلالية بالشخصية المسلمة وعدم التبعية والتقليد الأعمى للآخرين، فهو عليه أفضل الصلاة والسلام ربى أصحابه هذه الأمة على الاستقلالية في المنهج والاستقلالية في التصور والفكر والمعتقد والسلوك؛ لأنَّ المنهج والسلوك إنما الفكر، ومما لا شك فيه أيضا أن الفكر يتأثر بالمحاكاة في السلوك، لذلك جاءت النصوص الكثيرة التي فيها النص والأمر بمخالفة اليهود والنصارى والمجوس والمشركين وسائر ملل الكفر والشرك، ومن أمثلة ذلك: - قوله لها الله: "خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ وَفُرُوا اللحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ. البخاري، باب: تقليم الأظافر، (5442).
ينبثقان
عن
2 - وقوله: "جُرُّوا الشَّوَارِبَ وَأَرْحُوا اللَّحَى خَالِفُوا الْمَجُوسَ". مسلم، باب: سنن الفطرة، (383). - وقوله: " خَالِفُوا الْيَهُودَ فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ وَلَا خَفَافِهِمْ". أبو داود، باب: الصلاة في النعل، (556). . طبعا كانت النعال في الماضي لا ترفع الأقدام عن الأرض حال السجود-.
وقد جسد النبي تلك المعاني كلها بفعله فحينما مر أحد اليهود على النبي وأصحابه وهم قيام في حالة دفن ميت، قال ذلك اليهودي: هكذا نصنع، فقعد النبي صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه بالقعود مخالفة لعمل أهل الكتاب، (أبو داود، باب: القيام للجنازة رقم 2762)، وكذلك حِينَ صَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَلِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالَ رَسُولُ الله " فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ" -أي مع يوم عاشوراء. (مسلم، باب: أي يوم يصام في عاشوراء، رقم 1916). وهكذا فقد شدد الشارع الحكيم في كل ما كان فيه تشبه بالكفار والفساق وأعداء الدين أَفَحُكْمَ الْجَهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمَا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)
المائدة:
ومن أروع ما يمكن أن يُذكر في هذا السياق تلك الكلماتُ التي صدَرَتْ من ذلك الشاعر الإسلامي الكبير محمد إقبال، فقد حقَّ لها أن تحفظ وأن تكتب بمداد من نور على صفحات اللُّجَيْنِ ((إن المسلم لم يخلق ليندفع مع التيار، ويساير الركب البشري حيث اتجه، وسار بل خُلق ليوجه العالم والمجتمع والمدينة ويفرض على البشرية اتجاهه، ويملي عليها إرادته؛ لأنه صاحب الرسالة وصاحب الحق اليقين؛ ولأنه المسؤول عن هذا العالم وسيره واتجاهه، فليس مقامه مقام التقليد والاتباع، إن مقامه مقام الإمامة والقيادة مقام الإرشاد والتوجيه مقام الآمر الناهي، ولئن تنكر له الزمان وعصاه المجتمع وانحرف عن الجادة لم يكن له أن يخضع ويضع أوزاره ويسالم، بل عليه أن يثور عليه وينازله ويظل في صراع معه وعراك حتى يقضي الله في أمره، إن الخضوع والاستكانة للأحوال القاسرة والأوضاع القاهرة والاعتذار بالقضاء والقدر من شأن الضعفاء والأقزام، أما المؤمن القوي فهو نفسه قضاء الله الغالب وقدره الذي لا يرد)). والله
الموفق لخيرة الأمور. (1/148)
صفحة 149
يَقُولُ عَبْدُ بْنُ زَيْدٍ فَطَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوا فِي يَدِهِ فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ هُ أَتَبيعُ النَّاقُوسَ؟ قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ فَقُلْتُ: تَدْعُو بِهِ إِلَى الصَّلاةِ، قَالَ: أَفَلا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلكَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: بَلَى، فَقَالَ تَقُولُ: الله، الله ... إلخ الأذان، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ رَسُولَ هـ فَأَخْبَرْتُهُ بمَا رَأَيْتُ، فَقَالَ: إِنَّهَا لَرُوْيَا حَقٌّ إِنْ
شَاءَ هم، فَقُمْ مَعَ بِلال فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ فَلْيُؤَذِّنْ به فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتَا مِنْكَ، فَقُمْتُ بلال فَجَعَلْتُ أُلقيه عَلَيْهِ وَيُؤَذِّنُ بهِ، قَالَ: فَسَمِعَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ وَيَقُولُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ يَا رَسُولَ ه لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ مَا رَأَى فَقَالَ رَسُولُ ه: "الْحَمْدُ لِله فَذَلكَ أَثْبَت (1).
فَائِدَةٌ فِي مُؤَذِّنِي النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
اشْتُهِرَ مِمَّن رَفَعُوا شِعَارَ التَّوْحِيدِ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثَلَاثَةُ مُؤْذِّنِينَ، وَهُمْ بِلالُ مِنُ رَبَاحٍ لحَبَشِي وَلَمْ يُؤَذِّنْ لِأَحَدٍ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلا لِعُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ حِيْنَ فَتَحَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَبَكَى عُمَرُ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ لِسَمَاع صَوْت بلال وَتَذَكَّرهم لذلك الْعَهْد النَّبَوِيِّ الزَّاهِرِ حِيْنِ كَانَ بِلالُ يُدَوِّيْ بِالأَذَانِ عَلَى مَسْمَعِ النَّبِيِّ، وَعَبْدُ ه بنُ أُمِّ مَكْتُومِ الَّذِي كَانَ يُؤَذِّنُ الأَذَانَ الثَّانِي لِصَلاةِ الصُّبْحِ، وَلَا يُؤَذِّنُ حَتَى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ، وَأَبُو مَحْذُورَة أَوْسُ بنُ مُعِيرِ الْجُمَحِيِّ - رَضِيَ هِ تَعَالَى عَنْهُم أَجْمَعِينَ. فَصْلٌ فِي فَضْلِ الأَذَانِ
تَعَلَّمْ - أَخِي الطَّالِبَ، رَزَقَكَ هـ الْمُسَارَعَةَ إِلَى الْخَيْرَاتِ أَنَّ فِي الْأَذَانِ ثَوَابًا كَبِيرًا، وَفَضْلاً عَظِيمًا بدليل قَوْله: " لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النَّدَاءِ وَالصَّفْ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجدُوا إِلا أَنْ يَسْتَهمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا (2)، وَمَا ثَبَتَ عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ: " إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ وَبَادِيَتِكَ فَأَذْنَتَ
(1) - أبو داود، باب: كَيْفَ الْأَذَانُ، رقم الحديث 421.
(2) - مالك، الموطأ. باب ما جاء في النداء للصلاة، رقم الحديث 136. (1/149)
صفحة 150
للصَّلاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ فَإِنَّهُ لا يَسْمَعُ صَوْتَ الْمُؤَذِّن جِنَّ وَلَا إِنَّسٌ وَلَا شَيْء إِلا شَهِدَ لَهُ
يَوْمَ هم الْقِيَامَةِ " هَكَذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ يَقُولُ الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقَا يَوْمَ الْقِيَامَة ((1).
أَنْ
تنبية
عَلَى الرَّغْمِ مِنْ فَضْلِ الأَذَانِ الْكَبيرِ وَأَجْره الْعَظيم إلا أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ وَلَا لِمَرَّةِ وَاحِدَةٍ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَذَّنَ لِلصَّلاةِ؛ وَلِذَلِكَ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى كَرَاهَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالإِمَامَة، وَعَلَى كُلِّ حَالَ فَالسُّنَّةُ أَنْ يُؤَذِّنَ شَخص وَيَؤُمَّ بِالنَّاسِ شَخْصٌ آخَرٌ، هَذَا هُوَ القابتُ وَهُوَ الذي دَرَجَ عَلَيْهِ الْحُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ - رضْوَانُ هي تَعَالَى عَلَيْهِم.
فَتْوَى
السُّوَالُ هَلْ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَخْتَلَفَ الْمُؤَذِّنُ عَنِ الْإِمَامِ؟
الْجَوَابُ نَعَمْ ذَلكَ مِنَ السُّنَّةِ، وَالْحَديثُ الذي فيه أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى هم عَلَيْهِ وَآله
وَسَلَّمَ- أَذَّنَ فَهُوَ حَديثُ ضَعِيفٌ حَسْبَ نَقْدي (2).
تَنْبية آخَرُ
شَاعَ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ لا سَيَّما فِي بَعْضِ الأَزْمِنَةِ السَّابِقَةِ أَنْ يَسْتَأْثَرَ الإِمَامُ بِالإِقَامَة دُونَ الْمُؤذَن، فَيُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ فَإِذَا حَانَ وَقْتُ الصَّلاة أَقَامَ الْإِمَامُ بِنَفْسِهِ، وَهَذَا خَلافُ السُّنَّة؛ إذْ في سُنّته الثابتة أَنَّ مَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ، وَهُوَ مَا دَرَجَ عَليهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ -
(1) ـ مسلم، باب: فضل الأذان وهرب الشيطان عند سماعه، رقم الحديث 580.
(2) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العال الشرعية (سابقا بروي)،
صيف 1421 هـ / 2000 م. (1/150)
صفحة 151
رِضْوَانُ هُ تَعَالَى عَلَيْهِم - جيلا بَعْدَ حِيْلِ ()، وَسُنِّيَةُ إِقَامَةِ الْمُؤَكِّنِ هُوَ الَّذِي انْتَصَرَ لَهُ أَشَدَّ الانْتِصَارِ الإِمَامُ نُورُ الدِّينِ السَّالِمِيُّ - رَحِمَهُ الله (2)، وَالشَّيْحَانِ الْخَلِيلِيُّ وَالْقَنُّوبِيُّ
حَفِظَهُمْ هُ تَعَالَى جَمِيعًا -
(1)
- وردت رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن أخا صداء قد أذن ومن أذن فهو يقيم"، ضعفها بعض أهل العلم من جهة إسنادها، وممن ضعفها العلامة القنوبي يحفظه الله تعالى - في بعض أجوبته (يُنظر: القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية سابقا، صيف 1421 هـ / 2000 م)، ولكنَّ ضعفها لا يقدح في معنى المتن وصحته من أذن فهو يقيم)؛ إذ إنه ثابت من طرق كثيرة ومتعددة عن رسول الله الله، ومن المعلوم المتقرر أن ضعف السند لا يعني بطلان المتن أو فساد معناه، فكم من الأحاديث التي تروى وليس لها أسانيد أصلا لكن جرى العمل بقتضى معانيها لورود هذه المعاني من طرق وأدلة أخرى، ومن أوضح أمثلة ذلك رواية "صلاة المسافر ركعتان حتى يؤوب إلى أهله أو يموت" هذه الرواية مع ضعف سندها إلا أنها لا يمكن أن يقدح في معناها الصحيح الذي هو أوضح من شمس الظهيرة في رابعة النهار، وكذا يقال في حديث: "من تعلم لغة قوم أمن مكرهم، فهو صحيح المعنى وإن لم يثبت من جهة سنده كما صرح به شيخنا القنوبي -حفظه الله - (جلسة إفتاء بولاية إبراء صيف 1427 هـ / 2006 م)، فتفطن لذلك، والله يوفقك.
(2)
2 - يقول - رَحِمَهُ الله - في هذه المسألة كما في المعارج: "فهذه السنة النبوية وهذه الآثار الْمَشرقية والْمَغْرِبية كلها مصرحة بأنَّ الْمُقِيم هو الْمُؤَذِّن، فلا مَعنَى لما حدث في آخر الزمان من استبداد الإمام بالإقامة دون الْمُؤَذِّن، فَإِنَّ ذلك خلاف السنة قطعا، ولا يوجد له ما يسوغه شرعا .. فالواجبُ عَلَى كُلِّ مَن قَدَر، أن يُحيي السنَّةَ في هذا الزمن الكَدِر، وأن يقوم الله تقربا يإحيائها ورغبةً في فضلها".
(السالمي، معارج الآمال ج 2 ص 765، طبعة: مكتبة الإمام السالمي المحققة).
(3) ـ الطيواني،
خلفان
بن سليمان. قاموس الصلاة ص 47.
أما رواية: (المؤذن أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة فهذه الرواية لا حجة فيها لمن قال: إن الإمام هو الذي يقيم دون المؤذن لعدة أمور منها: أن المراد بالرواية أن الإمام أملك بوقت الإقامة وبأمر المقيم بالإقامة لا برفع الإقامة نفسها، وهذا هو الأصل أنَّ المقيم لا يقيم الصلاة إلا بعد أمر الإمام إلا إذا كان بينهما تعارف على وقت معين فيقيم المؤذن فيه مباشرة، ومنها: أن هذه الرواية موقوفة على الإمام علي كرم الله وجهه - وليست مرفوعة إلى النبي، ومن المعلوم المتقرر أنه لا حجة في الموقوف ولو لم يعارضه مرفوع، كيف وقد عارض هذه الرواية الضعيفة على افتراض وجود التعارض- المرفوع الصحيحُ الثابت عن النبي، وإلا فقد حكم بضعف هذه الرواية بعض أهل العلم لوجود علة قادحة في إسنادها، والله ولي التوفيق. يُنظر:
الطحاوي، مشكل الآثار، باب: المؤذن أملك بالأذان، ج 5، رقم الحديث 1824.
الخليلي، رد مطوّل على أحد المغرضين - مخطوط بحوزة الكاتب نسخة منها، ص 49 - 51.
• المنتدى الأدبي، قراءات في فكر السالمي، محاضرة لسماحة المفتي بعنوان: "منهج السالمي في مؤلفاته الفقهية" ص 26. (1/151)
صفحة 152
وَاللَّهِ دَرُّ مُحْيِي السُّنَنِ وَمُمِيتُ الْبِدَعِ ... فِي قَوْلِ
إِذْ كَانَ فِي سُنَّتِه مَنْ أَذْنَا
حتَّى أَتَى مَنْ جَهلُوا المَسْنُون
وفعلُهُ صَلَّى عَلَيْهِ رَبُّهُ
***
***
***
فَهُو يُقيْمُ وَعَلَيْه صَحْبُنَا
للاحتياط يَدَّعُونَا
مُشْتَهِرٌ مَضَى عَلَيْهِ صَحْبُهُ
وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ أَجْمَعُ
***
إلى انتهَائِهِمْ عَلَيْهِ أَجْمَعُوا
فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ
اِخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي حُكْمِ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ فِي حَقِّ الْجَمَاعَةِ، وَالْقَوْلُ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا رِضْوَانُ هم عَلَيْهِمْ - أَنَّهُمَا وَاجِبَانِ عَلَى الْكِفَايَةِ، لَأَمْرِهِ صلى الله عليه وسلم بِالْأَذَانِ وَالإِقَامَة فِي مَوَاقِفَ مُتَعَدِّدَة، وَيُؤَيِّدُ ذَلكَ مُوَاظَبَتُهُ عَلَى الْأَذَانِ وَالإِقَامَةِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ إِذْ لَمْ يَتْرُكْهُما لا فِي حَضَر ولا في سَفَر، يقولُ شيخنا إمامُ السُّنَّة والأصول - حفظه هم تعالى -: ". . فكذلك كلُّ ما واظب عليه رسولُ من أفعال الصلاة فإِنَّهُ يُحِبُّ كَوجوبها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" (3) وهو حَديثُ صَحِيحٌ
ثابت (4)
وأما في صلاة المنفرد فالأَذَانُ وَالإِقَامَةُ سُنَّةٌ لكُلِّ مُنْفَرد في خاصَّة نَفْسه)، وَالإِقَامَةُ آكَدُ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ مِنَ الأذان؛ إذْ لا بُدَّ مِنْهَا عِنْدَ الْقِيَامِ لأَدَاءِ الْفَرِيضَة،
الجهضمي، من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد بن حمد الخليلي ج 1 ص 202 - 203.
القنوبي، برنامج: سؤال أهل الذكر، حلقة 11 جمادى الأولى 1428 هـ، يوافقه 2007/ 05/27 م.
، عبد (1) - السَّالِمِي، -
الله
بن حميد. جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام ج 1 ص 79.
(2) السالمي، ب، عبد الله بن حميد. معارج الآمال ج 2 ص 765، طبعة: مكتبة الإمام السالمي المحققة.
(3) – البخاري، باب: الْأَذَانِ لِلْمُسَافِرِ إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً وَالْإِقَامَة، رقم الحديث 595.
(4) - القنوبي، سعيد بن مبروك. فتاوى إمام السنة والأصول، ص 22.
(5) - يُنظر: (1/152)
صفحة 153
وفِي فَتَاوَى سَمَاحَةِ الشَّيْخِ - حَفِظَهُ هـ - أَنَّ مَنْ تَرَكَ الإِقَامَةَ مُتَعَمِّدًا أَعَادَ الصَّلَاةَ، وَإِنْ نَسِيَهَا مَضَى في صلاته وَه يَتَقَبَّلُ مِنْهُ (1).
وَلَا يُشْرَعُ الأَذَانُ وَالإِقَامَةُ (2) إِلا فِي الْفَرَائِضِ الخَمْسِ وَالجُمُعَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلَيْسَ للنَّوَافِلِ وَالسُّنَنِ أَذَانٌ وَلا إِقَامَةٌ، وَهَكَذَا فَالأَذَانُ وَالإِقَامَةُ مَشْرُوعَانِ فِي حَقِّ الرِّجَالِ
دُونَ النِّسَاء.
القنوبي، دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية (سابقا بروي)، صيف 1421 هـ / 2000 م، مذكرة رقم 11
صه.
القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 12 ربيع الأول 1425 هـ، يوافقه 2004/ 5/2 م. تَنْبيَّةٌ مُهِمْ: مَن كان في بلد لا يؤذن بها كبلاد الكفر فلا بد من الأذان ولو بخفض الصوت. (الخليلي، "فتاوى" لطلاب جامعة كندا"، س 3 "مادة سمعية").
أحمد (1) ـ الخليلي، بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 45.
(2) - فَائِدَةٌ: يُطلق على الأذان والإقامة تغليبا "الأذانان"، ومنه ما جاء في الحديث مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم " بين كل أذانين صلاة " (البخاري/591)، وهو حديث صحيح ثابت عن النبي، ومثل هذا التركيب شائع في لغة العرب، فيقال للأب والأم الأبوان، وللشمس والقمر القمران، وللتمر والماء الأسودان، ولأبي بكر وعمر العمران، وللظهر والعصر الظهران، وهذا ومثله مما يُعرب في علم النحو إعراب الملحق بالمثنى، أي بالألف والنون رفعا وبالياء والنون نصبا وجرا. ومن الجدير بالذكر أنه جاء في بعض روايات الحديث السابق زيادة " ... إلا المغرب"، ولكن هذه الرواية منكرة أو شاذة على أقل تقدير كما بين ذلك إمام السنة والأصول أبقاه الله، ولذلك فلا تمنع الصلاة بين أذان المغرب والإقامة إن كان هناك متسع من الوقت، وقد دل على ذلك الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال:" صَلوا قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: لِمَنْ شَاءَ؛ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً"، وعلى ذلك فمن دخل المسجد بعد أذان المغرب فلا يجلس إلا أن يصلي تحية المسجد. قلت: وقد رأيتُ كلاً من سماحة الشيخ الخليلي والعلامة القنوبي -حفظهم الله - دخلوا المسجد بعد أذان المغرب فظلوا واقفين و لم يجلسوا حتى أقيمت الصلاة، وعلى ذلك العمل، وبه أفتى الإمام الخليلي رَحِمَهُ اللهُ - مَن سأله هل يُصلى بعد أذان المغرب في السفر؟ فأجاب بأنه لا مانع من الصلاة بعد أذان المغرب في الحضر والسفر. يُنظر: الخليلي، الإمام محمد بن عبد الله. الفتح الجليل من أجوبة الإمام أبي خليل ص 217.
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 168، 177.
القنوبي، قرة العينين ص 43.
القنوبي،
أحاديث صحيحة. مجلة المعالم العدد الثاني (1421 هـ / ... (1/153)
صفحة 154
وَلا تُؤَذِّنُ الْفَتَاةُ لِأَحَدُ
لأَنَّ ذَاكَ صِفَةُ الرِّجَالِ
لأَنَّ حَفْصَ صَوْتِهَا الثّميْنِ
فاقرأ واحفظ
***
***
***
وَلَا تُقِيمُ فَهُوَ مَنْعٌ
للأبد
لا من صفات رَبَّة الحجال
مُخَالِفٌ لحَالَة التَّأْذَيْنِ
وَلا أَذَانَ لا وَلَا إِقَامَ
عَلَى النِّسَا كَذَاكَ لا إِمَامَةٌ (1)
وَالْأَذَانُ وَالإِقَامَةُ مَشْرُوعَان في الْحَضَر وَفي السَّفَر في الأَدَاءِ وَفِي الْقَضَاءِ؛ لأَمْرِهِ بِلالاً أَنْ يُؤَذِّنَ وَيُقِيْمَ عِنْدَمَا نَامَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَقَامُوا بَعْدَ
طُلُوعِ الشَّمْسِ (3)
تنبية
فِي عَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ الأَذَانِ لِغَيْرِ الْفَرَائِضِ
شَاعَ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ رَفْعُ الأَذَانَاتِ عِنْدَ وُقُوعِ كُسُوفِ الشَّمْسِ وَحُسُوفِ الْقَمَرِ،
المبلغ)، وَالسُّنَّةُ أَنْ يُنَادَى بـ"الصَّلَاةَ جَامِعَةً (5)
وَهَذَا أَمْرٌ لَمْ يَثْبُتْ أَبَدًا عَن الْمُبَلِّغ لهم
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ص 168.
(1) - السَّالِمِي، عبد الله بن حميد. جوهر النظام، ج 1 ص 46.
(2) ـ الخليلي، أحمد بن حمد. برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 21 شعبان 1426 هـ، يوافقه 2005/ 9/25 م.
(3) ـ ابن أبي شيبة. المصنف، باب في القوم ينسون الصلاة أو ينامون عنها، (308).
وبهذا الحديث يُشرع الأذان والإقامة في القضاء لكن إن تعددت الفوائت فيؤذن للمرة الأولى فقط، ويقيم
صلاة على الرأي الصحيح.
• القنوبي، دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية سابقا (روي)، صيف 1421 هـ / 2000 م، رقم المذكرة 11
القنوبي، دروس صيف 2004 م الموافق 1425 هـ. (مذكرة خاصة ص 8).
(4) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. "جلسة إفتاء" - بمبنى معهد العلوم الشرعية سابقا (روي)، الأربعاء 2000/ 7/26 م. (5) ـ "الصَّلَاةَ جَامِعَةً" بالنصب على الإغراء، أي بتقدير فعل محذوف تقديره (الزموا) أو ما شابه ذلك، ووردت روايات بصيغ قريبة مثل "إِنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ" وهي واضحة في إعرابها. (1/154)
صفحة 155
لِيُجْمَعَ النَّاسُ لِصَلاةِ الْكُسُوفِ وَالْحُسُوف (1)، أَمَّا الأَذَانُ لَو كَانَ مَشْرُوعًا فِي هَذَا
الْمَوْطِنِ أَوْ بِهِ فَضْلٌ وَمَحْمَدَةٌ لَكَانَ أَوْلانَا بِالْسَبْقِ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ
لَوْ كَانَ خَيْرًا لَمْ يَفُتْ مُحَمَّدًا
***
وَصَحْبَهُ وَلَمْ يَكُنْ تَعَدَّدا ... (2)
فَائِدَة
اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الأَذَانِ هَلْ هُوَ مَشْرُوعٌ لِلْوَقْت أَوْ لِلْجَمَاعَةِ أَوْ لِلصَّلَاةِ، يَقُولُ الْعَلَّامَةَ الْقَنُّوبِيَّ - عَافَاهُ هم -: "وَلا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْأَذَانُ مِنْ أَجْلِ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ جَمِيْعًا ... ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ الأَدلَّة وَقَالَ ... فَدَلَّ ذَلكَ عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ مِنْ أَجْلٍ هَذه الْوُجُوه الثَّلَاثَةِ، كَمَا أَنَّهُ مَشْرُوعٌ مِنْ أَجْلِ إِعْلَاء كَلمَة التَّوْحِيدِ وَأَنَّهُ شَعَارُ الإِسْلامِ" (3).
(1)
- وقد قاس بعض العلماء على النداء في صلاة الكسوف والخسوف بقولهم: "الصلاة جامعة" النداء لكل صلاة لا يؤذن لها كالعيدين والاستسقاء فيُنادى لها بذلك أيضا، وأنت تدري أن القياس في مسائل العبادات غير سائغ لغلبة الجانب التعبدي فيها، ومن شروط القياس وجود علة معتبرة جلية تجمع بين أصل القياس وفرعه، هذا مع وجود الفارق بين الأمرين، فالقياس هنا مع الفارق؛ لكون الناس يعلمون متى سيكون العيد ومتى ستكون صلاة الاستسقاء، خلافا للكسوفين وبناءً على ذلك فقد صحَّحَ محدِّثُ العصر - أبقاه الله تعالى - عدم صحة هذا القياس، وأنه لا يشرع على الصحيح - الإتيان بأي من تلك الألفاظ في العيد والاستسقاء، فيقتصر به على مورد النص وما دلت عليه السنة المطهرة. يُنظر: القنوبي، برنامج " سؤال أهل الذكر، حلقة: 24 رمضان 1422 هـ، يوافقه 2001/ 12/10 م.
حيث الأصل-. -من
(2) السالمي، -
(3) - يُنظر:
جوهر النظام، ج 1 ص 80.
القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول. ص 22.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى - القسم الثالث ص 35. (1/155)
صفحة 156
فَصْلٌ فِي أَلْفَاظِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ
تعرَّف أخي، سدَّدَ الله منطقَكَ، وجعلَكَ منْ دَعا إليه أنَّ للأذان ألفاظا توقيفيةً ثبت إقرارها عن أفصح من نطق بالضاد، فلا يجوز العدولُ عنها إلى غيرها،
وهي كما تعلم وتحفظ:
ه أَكْبَرُ أَكْبَرْ (مَرَّتَيْنِ).
أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا هي (مَرَّتَيْن).
أَشْهَدُ (1) أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ هـ (مَرَّتَيْنِ).
حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ (مرَّتين).
حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ مَرَّتَيْنِ).
ه أَكْبَرُ هِ أَكْبَرْ (مَرَّةً وَاحِدَةً).
لا إِلَهَ إِلا ه (مَرَّةً وَاحِدَةً) (2).
(1) - أول مؤذني النبي الصحابي الجليل بلال بن رباح، وقد ظل مؤذنا له حتى وفاته عليه الصلاة والسلام، وهذا ما يؤكد كمال فصاحته وصحة منطقه، وقد وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بنداوة الصوت وجماله، أما ما رُوي أن بلالا (لكن) وأنه لم يكن يحسن نطق الشين في الأذان فينطقها سينا، أي يبدل شينات الأذان سينات فيقول (أسهد، بدل أشهد)، وجاءوا لتأييد زعمهم. هذا برواية يرفعونها إلى النبي صلى الله عليه وسلم - وحاشاه عن ذلك - "سين بلال عند الله شين"، فهذه رواية باطلة مخترعة مكذوبة على النبي له ولو كانت فيه لثغة ولكنةٌ لتوفرت الدواعي على نقلها ولعابها أهل النفاق عليه والمبالغون في التنقيص للإسلام وأهله.
وقد حكم ببطلان هذه الرواية نقاد الحديث وصيارفته، ومنهم شيخنا إمام السنة والأصول -حفظه الله تعالى-. وقبل ذلك قال ابن كثير: ليس له أصل ولا يصح، وقال العلامة إبراهيم الناجي: وأشهد بالله والله أن سيدي بلالا ما قال أسهد بالسين المهملة قط .. ، بل كان بلال من أفصح الناس وأنداهم صوتا. يُنظر:
القنوبي، مقدمات في علم الحديث ص 8.
العجلوني، كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، رقم الرواية 1520.
صلا الله
(2) - تنبية مهم: في أمور لم تثبت عندنا من ألفاظ الأذان عن سيد الخلق، ومن تلك الألفاظ ما يلي: (1/156)
صفحة 157
وَالْأَذَانُ وَالإِقَامَةُ مَثْنَى مَثْنَى؛ لِقَوْله: " ... وَالْأَذَانُ مَثْنَى مَثْنَى وَالْإِقَامَةُ مَثْنَى مَثْنَى (1)، يَقُولُ صَاحِبُ الْقَوَاعِدِ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَمَذْهَبُ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ مَثْنَى مَثْنَى، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ (2)، وَيُزَادُ فِي الإِقَامَةِ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ" (مَرَّتَيْنِ) بَعْدَ قَوْله: "حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ".
تنبية
فِي كَيْفِيَّةِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ
وَتَخْتَلِفُ صِفَةُ الأَذَانِ عَنْ صِفَةِ الإِقَامَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْأَذَانَ يَكُونُ بِتَرَسُلِ وَتَمَهُلِ
معَ تَحْسِينِ الصَوْتِ مِنْ غَيْرِ تَلْحِينِ أَوْ تَطْرِيب يَخْرُجُ به عَنْ حَدِّ بَيَانِ الصَّوْت وَتَحْسينه، خلافًا لِبَعْضِ النَّاسِ الَّذِينَ أَحْدَثُوا فِي الأَذَانِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ هُ عَزَّ وَجَلَّ- مِنْ سُلْطَان لا في كتاب وَلا فِي سُنَّةِ، فَأَخَذُوا يَتَغَنَّوْنَ بِالْأَذَانِ وَيَتَمَايَلُونَ بِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِهَدْيِ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم فَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسِ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ: إِنَّ الْأَذَانَ
-1
حَيَّ عَلَى خَيْرِ العَمَلِ.
2 - أَشْهَدُ أَنَّ عَلِيًّا وَليُّ الله، يقول المحدث القنوبي يحفظه الله -:" هذا طبعا لم يثبت عن رسول الله ". القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول ص 23.
الصَّلاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، في أذان الفجر يقول المحدث القنوبي -حفظه الله- في بعض أجوبته:" ولم يأت هذا
الكلام في شيء من ا الأحاديث الصحيحة الدالة على مشروعية الأذان .. على كثرتها فلذلك تركه كثير من الأولى". القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الرابع (غير مرقمة).
شابهه من
العلماء، وهو
4 - التثويب، وهو أن ينادي المؤذن بين أذان الصبح وإقامته بحي على الصلاة، حي على الفلاح) أو بما ألفاظ التنبيه، والغرض منها تنبيه النائم للصلاة، يقول العلامة المحدث القنوبي -حفظه الله -: "لم يثبت في ذلك حديث صحيح عن رسول الله وإنما وردت في ذلك بعض الروايات، إلا أنه لم يثبت فيه حديث صحيح". يُنظر: القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول ص 23.
(1)
2 - الربيع، باب: في الأذان، رقم الحديث 177.
(2) - الجيطالي، إسماعيل بن موسى قواعد الإسلام ج 1 269. (1/157)
صفحة 158
سَهْلٌ سَمْحٌ فَإِنْ كَانَ أَذَانَكَ سَمْحًا سَهْلاً وَإِلا فَلَا تُوَذِّنْ، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْعِلْمِ إِلَى وَقْتِنَا يُنْكِرُونَ التَّطْرِيبَ وَالتَّلْحِينَ في الأَذَان (2).
أَمَّا إِقَامَةُ الصَّلاةِ فَمِنَ السُّنَّةِ الْحَدْرُ وَالإِسْرَاعُ فِيْهَا؛ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لبلال: " يَا بِلالُ إِذَا أَذْلتَ فَتَرَسَلْ فِي أَذَانِكَ، وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرُ (3)، وَلا يُسْتَحَبُّ رَفْعُ المُقِيمِ صَوتَهُ بالإقامة كالأذان - حَتَّى يُسْمِعَ مَنْ هُمْ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، وَه يَهْدِي إِلَى سَوَاءِ
السبيل.
فَصْلٌ فِي شُرُوطِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ
1 - أَنْ يَرْفَعَهُ مُسْلِمٌ ذَكَرٌ عَاقِلٌ: فَلا يَصِحُ مِنْ كَافِرٍ أَوِ امْرَأَةٍ أَوْ مَجْنُونِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُؤَذِّنِ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيح عند شيخنا القَنُوبِي - الطَّهَارَةُ مِنَ
(4)
الْحَدَثَيْنِ الْأَصْغَرِ وَالأَكْبَرِ لَكِنْ يُرَاعِي صَاحِبُ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ عَدَمَ دُخُولِ
الْمَسْجِد.
2 - أَنْ يُرْفَعَ الأَذَانُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْت: إِلا الْفَجْرَ وَالْجُمُعَةَ بِشَرْطِ أَنْ يُؤَذِّنَ لَهُمَا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ مَرَّةً أُخْرَى.
3 - أَنْ يَكُونَ بأَلْفَاظه الْعَرَبِيَّةِ: وَلا تُجْزِئُ عَنْهَا لُغَةٌ أُخْرَى؛ لِأَنَّ أَلْفَاظَهُ تَعَبُّدِيَّةٌ
مَوْقُوفَةٌ.
4 - التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالاةُ: بَيْنَ أَلْفَاظِ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ.
(1) ـ الدارقطني، سنن الدارقطني، باب: تخفيف القراءة لحاجة، رقم الحديث 1898.
(2) - للمزيد/ يُنظر: السعدي، جابر بن علي. التطريب في الأذان. مجلة المعالم/ العدد الثالث عشر، ص
(3) ـ الترمذي، باب ما جاء في الترسل في الأذان، رقم الحديث 180.
(4)
ب، سعيد بن مبروك. دروس صيف 2003 م) مذكرة خاصة ص 56).
4) - القنوبي، (1/158)
صفحة 159
فَصْلٌ فِي سُنَنِ الْأَذَانِ
وَاعْلَمْ - وَهَبَكَ هي السَّمَسُكَ بِالسُّنَنِ الْمَحْمُودَةِ، وَالْبُعْدَ عَنِ الْبَدَعِ الْمَشْمُومَةِ
أَنَّ للأَذَان سُنَنًا وَآدَابًا يَنْبَغِي التَّحَلِّي بهَا وَإِرْشَادُ الْمُؤَذِّنِينَ إِلَيْهَا، فَهَا كَهَا مُحْتَصَرَةً
مُفيدةً ..
(1)
(1)
-1 - الطَّهَارَةُ مِنَ الْحَدَثَيْن: الأَصْغَرِ وَالأَكْبَرِ)
2 - الأَذَانُ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الصَّلاةِ.
- الْقِيَامُ فِي الأَذَانِ مَعَ اسْتَقْبَالِ الْقِبْلَة (2). 3 -
4 - رَفْعُ الصَّوْت بالأَذَان، قَالَ: " فَارْفَعْ صَوْتَكَ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ صَوْتَ الْمُؤَذِّن
جنِّ وَلا إِلسَ وَلا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (3).
في
وَهُوَ أَرْفَعُ للصَّوْتِ؛ لحديث أبي
ه - وَأَنْ يَجْعَلَ إِصْبَعَيْه المسبحتين (4) جُحَيْفَةَ الصَّحِيحِ (5) قَالَ: " رَأَيْتُ بلالا يُؤَذِّنُ فَجَعَلْتُ أَتْبَعُ فَاهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا وَإِصْبَعَاهُ
في
أذنيه. " (6).
) - الصحيح ما أثبتناه أعلاه، وهو أن الطهارة ليست بشرط لصحة الأذان، حتى لو قدرنا إن رفع الآذان شخص جنب، ولا يخفى عليك أنَّ الأولى الالتزام الكامل بالطهارة خروجا من الخلاف، وتعظيما للشعيرة؛ قَالَ تَعَالَى: {وَمَن يُعَظِمْ شَعَرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ. الحج: 32.
(2) - القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيفية مفرغة. معهد العلوم الشرعية (سابقا بروي)، صيف 1421 هـ / 2000 م، مذكرة رقم 11 ص 7.
(3)
3 - الربيع، باب في الأذان، رقم الحديث 178.
عن
(4) ـ هما المشهورتان بالسبابتين، وقد عدلنا هذا الإطلاق لما فيه من معنى السباب المذموم، وأخذنا بالاصطلاح الأقل شهرةً لما فيه من معنى التسبيح المحمود، ومثل هذا يقال في (النسيكة) بدلا من قولهم (العقيقة)؛ فقد كان عليه الصلاة والسلام يعجبه الفأل الحسن، ويكره الاسم القبيح ويغيّره إلى الاسم ذي المعنى الشريف، والله الموفق. هذا الحديث شيخنا القنوبي في إجاباته على أسئلة واردة إليه من الشرق الإفريقي ص 3، وكذا في مجلة
(°)
- صحح المعالم العدد الخامس (1422 هـ / 2001 م) ص 50.
(6) ـ الترمذي، باب: مَا جَاءَ فِي إِدْحَالِ الْإِصْبَعِ فِي الْأُذُنِ عِنْدَ الْأَذَانِ، رقم الحديث 181. (1/159)
صفحة 160
6 - أَنْ يَلْتَفتَ بوَجْهِهِ نَاحِيَةَ الْيَمِين عِنْدَ قَوْله الشِّمَالِ عِنْدَ قَوْله: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ"؛ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ.
الصَّلاة"، وناحية
- مُتَابَعَةُ الْمُؤَذِّن (1)، لقَوْله: إِذَا سَمِعْتُمُ النَّدَاءَ فَقُولُوا مثلَ مَا يَقُولُ
الْمُؤَذِّنُ .. (2).
أَلْفَاظ
تنبية): الْحَديثُ السَّابِقُ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ .. " عَامٌ فِي جَمِيعِ الأَذَانِ لَكِنْ وَرَدَتْ أَدلَّةٌ أُخْرَى حَصَّصَتِ الْحَيْعَلَتَيْنِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى
(1) - مُتَابَعَةُ المؤَذِّن سنةٌ واجبة على الرأي الذي مال إليه سماحة المفتي -حفظه الله -، وقيل: بل هم بواجبة، وهو الذي صححه الشيخ القنوبي -حفظه الله - كما هو رأي أكثر أهل العلم.
الله
ولكن من الجدير بأن يُعلم ويُوضع نُصبَ العينين أن شأن المؤمن دائما هو الامتثال والتسليم لأمر النبي إذا صح وثبت، من غير سؤال هل هذا الأمر للوجوب أو للندب، وهل هذا النهي للكراهة أو للتحريم بحيث لو كان للندب أو للكراهة خالف الأمر والنهي، مثل هذا الصنيع لم يكن في عهد النَّبِيِّ ولا عُرف عن أصحابه ر، -رضوان عليهم- بل كانوا يمتثلون بعد الأمر مباشرة، ويقفون بعد النهي مباشرة، هذا هو طريق الفلاح، وهذا هو شأن المؤمن الحق الذي وصفه الله بقوله: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ليَحْكُم بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا
وَأَطَعْنا وَأُولَيكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الثورة 051 (1) (القنوبي، دروس صيف 2004 م (مذكرة خاصة ص 15). (2) – الربيع، باب: في الأذان، رقم الحديث 177.
وقد أخذ بعض أهل العلم جمعا بين هذا الحديث وحديث (بين كل أذانين مشروعية متابعة المقيم، وليس في هذا
سعيد
دليل صريح، إذ تسمية الإقامة أذانا مشاكلة لغوية، لا يلزم منها المطابقة الحكمية والشرعية بينهما، يقول الشيخ -حفظه الله -:" .. وفي الحقيقة لم أجد دليلاً صحيحاً ثابتاً يدل على متابعة المقيم، ولكن بعض العلماء يأخذ
القنوبي
متابعة الأذان ذلك من
من
باب "بين كل أذانين صلاة " فيجعل الإقامة أذاناً ثانياً كما في هذه الرواية
أما حديث "أقامها الله وأدامها" التي تقال عند قول المقيم "قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة" فيقول عنه محدث العصر:"ولكنه حديث ضعيف على الصحيح" فلا يُشرع الإتيان به، والله الهادي إلى سبيل الرشاد. القنوبي، فتاوى فضيلة
الشيخ سعيد القنوبي ص 161.
وانظر: تحفة الأبرار للحافظ العلامة القنوبي ص 132. (1/160)
صفحة 161
"
كَمَا
الْفَلَاحِ مِنْ هَذَا الْعُمُوم؛ لذلكَ فَالرَّأْيُّ الْمُعْتَصَمَ الصَّحِيحُ (1) أَنْ يُقَالَ بَعْدَ الْحَيْعَلَ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بالله"، نَظَرًا لكَوْن ذَلكَ هُوَ الثَّابِتَ عَنِ الأُسْوَةِ الْحَسَنَةِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عِنْدَ الإِمَامِ مُسْلِمٍ (2)، وَيُؤكِّدُ ذلكَ أَيْضًا أَنَّ الْحَيْعَلَتَينِ لَيْسَنَا مِنَ الأَذْكَارِ الَّتِي يُشْرَعُ تَرْدِيدُهَا عُمُومًا، بخلاف سَائِرِ أَلْفَاظ الْأَذَانِ الْأُخْرَى.
- الصَّلاةُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ الأَذَان ثم الدُّعَاءُ بقَوْله: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ صلى الله عليه وسلم
الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا
صل الله
مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدتَهُ فَمَنْ دَعَا بِهَذَا الدُّعَاءِ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَةُ النَّبِيِّ (3) بِإِذْنِ هم
تَعَالَى، وَثَبَتَ عَنْ رَسُول هم (4) أَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبِالإِسْلامِ دِينًا} غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ ().
(1) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 1423 هـ / 2002 م، "مذكرة خاصة" ص 67. وفتاوى إمام السنة والأصول.
ص 24.
(2)
- مسلم، باب: اسْتِحْبَابِ الْقَوْلِ مِثْلِ قَوْلِ الْمُؤَدِّنِ لِمَنْ سَمِعَهُ، رقم الحديث 578. (3) ـ البخاري، باب الدعاء بعد النداء، رقم الحديث (579). وهذا الحديث بهذا اللفظ أورده شيخنا إمام السنة والأصول في الأدعية المشروعة بعد الأذان، وذلك في كتابه القيم النفيس "تحفة الأبرار" ص 127 - 128.
(4) - يُنظر:
(°)
القنوبي، تحفة الأبرار ص 126.
القنوبي، ودروس مفرغة لفضيلته بمبنى معهد العلوم الشرعية سابقا (روي) في صيف 1421 هـ / ... مسلم، باب: اسْتِحْبَابِ الْقَوْلِ مِثْلِ قَوْلِ الْمُؤَدِّنِ لِمَنْ سَمِعَهُ، رقم الحديث 579.
تنبية: أما ما يزيده البعض في هذه الأدعية من قولهم "والدرجة العالية الرفيعة" فلم يثبت عن النبي، بل ولم يرد أصلا في كتب الحديث ورواياته المعتبرة، وإنما ورد في بعض الكتب الفقهية. وهكذا قولهم: "إنك لا تخلف الميعاد"، وقولهم: " برحمتك يا أرحم الراحمين" كل ذلك غير ثابت.
وكذلك لم يثبت قولهم: "حق لا إله إلا الله" بعد قول المؤذن "لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ" كما نسمعه من كثير من عوام الناس، و "لا إله إلا الله" وإن كانت كلمة حق ولاشك في ذلك، إلا أن المشروع الثابت في هذا الموطن متابعة المؤذن، وخير
الهدي هدي محمد .. (1/161)
صفحة 162
فَائِدَةٌ
إذَا رَفَعَ الْمُؤَذِّنُ الأَذَانَ في حَال تلاوَتكَ لكتاب الله الْمَجِيدِ فَالْأَفْضَلُ فِي هَذه الْحَالَةِ أَنْ تَسْكُتَ وَتُتَابِعَ الْمُؤَذَنَ وَتَأْتِيَ بِالدُّعَاءِ الْمَشْرُوعِ بَعْدَ الْأَذَانِ ثُمَّ تُوَاصِلَ قِرَاءتَكَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَتَكُونُ قَدْ حُزْتَ عَلَى الْفَضْلَينِ، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
فَصْلٌ فِي نَوَاقِضِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ
تَعَرَّف - أَخِي الطَّالبَ، جَنَّبَكَ هـ محبطات الأعمال- أنَّ الأذان ينتقض وكذا
الإقامة بأحد الأسباب التالية:
1 - زوالُ العقل.
2 - الارتداد أثناءَهُ.
- القولُ أو الفعل الفاحش أثناءه.
4 - عدم الموالاة والترتيب بين ألفاظه.
تنبية: إذَا نَسيَ المؤذنُ شيئًا منْ ألفاظ الآذانِ أوِ الإِقَامَةِ ثم تذكَّرَهُ بعدما جَاوِزَهُ فَإِنَّهُ يَرجِعُ إِليه فيأتي به وبما بعدَهُ مراعاةً للترتيب، والله أعلم.
سبُكَ أَنْ تَتَّبِعَ الْمُخْتَارا
للمزيد: يُنظر - تحفة الأبرار ص 126 - 128.
***
وَإِنْ يَقُولوا خالَفَ الآثارا
(1) – القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج "سؤال أهل الذكر"- تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 6 رمضان 1423 هـ،
يوافقه 12 نوفمبر 2002 م. (1/162)
صفحة 163
فَضْلٌ
فيما بين الأذان والإقامة
هناك عدة أمور ومسائل ينبغي التنبه لها والتنبيه عليها فيما بين الأذان والإقامة:
لبلال: "
أولا: الفصل بين الأذان والإقامة: ينبغي أن يكون بمقدار ما يتجهز المصلونَ للصلاة وينتهي من كانَ في حاجة من قضائها؛ لما رُوي من قول النبي صلى الله عليه وسلم وَاجْعَلْ بَيْنَ أَذَانَكَ وَإِقَامَتِكَ قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الأكلُ مِنْ أَكْلِهِ وَالشَّارِبُ مِنْ شُرْبِهِ وَالْمُعْتَصِرُ إِذَا دَخَلَ لقَضَاءِ حَاجَتِه (1).
ثانيًا: الخروجُ مِنَ المسجدِ بعدَ الأذانِ وقَبلَ الصَّلاةِ: لا ينبغي إلا لضرورة أو بنية العودة مرةً أخرى؛ لثبوت النهي عن ذلك في أحاديث متعددة، ولمخالفة هذا السلوك للمقصد من الأذان وهوَ جمعُ الناس إلى المساجد، وإظهار رمز الوحدة، وشعار التوحيد، قال أبو هريرة له لما رأى رجلاً خَرَجَ من المسجد وقد أَذَّنَ المؤذن: "أما هذا فقد عصى أبا القاسم (2)، يقول العلامة القنوبي -حفظه هـ -:" .. والحديث وإنْ كان موقوفا على أبي هريرة - رضي هم تعالى عنه - إلا أنَّ حكمه الرفع؛ إذ لا يمكنُ أَنْ يُقال بمحض الرأي"
ثالثا: الدَّعاء بين الأذان والإقامة: من المواضع المباركة والمستجابة للدعاء، وللأسف قد غفل عن هذا الوقت والدعاء فيه الكثيرُ منَ الناس - هدانا هم تعالى وإيَّاهم، وقد أشار إلى هذا المعنى وثبوته عن المصطفى العلامة القنوبى - حفظه
(1) ـ الترمذي، بَاب: مَا جَاءَ فِي التَّرَسُّلِ فِي الْأَذَانِ، رقم الحديث 180.
(2)
مسلم، بَاب: النَّهْيِ عَنِ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، رقم الحديث 1047. القنوبي، سعيد بن مبروك.
بحوث ورسائل وفتاوى- القسم الأول، ص 36.
(3) - القنوبي، سعيد بن مبروك. فتاوى إمام السنة والأصول، ص 43. (1/163)
صفحة 164
ه -، حيث يقولُ في أحد المواضع: " ففي الدُّعاء بين الأذان والإقامة خير كثير، كما
ثبت ذلك عن
النَّبِيِّ؛ ففي سنن أبي داودَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " لَا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ
الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ" (2).
لطيفةٌ
قدر هم تعالى لنا بأن أكرمنا أن كنا في منزل شيخنا القنوبي -حفظه هـ - يوم ولادة سليله البكر عبد الرحمن (3)، فكان من جملة ما حدثنا به أنه سوف يُسمي ابنه في هذا اليوم أو اليوم السابع، وسألناه عن الأذان والإقامة في أُذُني المولود فأجابَ: بأنهُ لم يؤذِّنْ ولم يُقمْ؛ لأنه يرى عدم ثبوت كل ذلك عنِ النَّبِيِّ، فنعم الليلُ ونعم الأب، جعله المولى خير خلف لخير سلف.
بنو الأكرمين الأكرمونَ ومَنْ يكن
(4)
***
280
و
تنبيه مهم
لآباء صدق يلقَهم حيث سيرا
تقدَّمَ سلفًا أَنَّهُ لا ينبغي معاجلة المصلين بالإقامة بعد الأذان، وهذا أمرٌ ينبَّهُ عَلَيه أكثر بين أذان المغرب وإقامته، فمن الأخطاء ما يفعلُهُ بعضُ النَّاس من الإقامة بعد أذان المغرب مباشرةً بحجة ضيق وقت صلاة المغرب المبالغ فيه، بحيثُ لا يتمكن من سمع النداء أن يتوضأ ويلحق بالجماعة إلا وهم في الصَّلاة، والحقيقةُ أنَّ وقت المغرب ما لم
(1) - يُنظر:
القنوبي، برنامج: سؤال أهل الذكر حلقة: 13 رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 10/28 م. القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ص 128.
(2) ـ أبو داود، بَاب مَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، رقم الحديث 437.
(3)
3) - وقد كان ذلك في مطلع صيف 2001 م، وبالله التوفيق. (4) - القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 2001 م الموافق 1422 هـ. (مذكرة خاصة ص 8 (1/164)
صفحة 165
يدخل وقت صلاة العشاء)، وفي فتوى لسماحة شيخنا الخليلي - متعنا هم بحياته - حول الانتظار بين أذان المغرب وإقامته أجاب سماحته: " لا بأس بالانتظار بعد الأذان نحو خمس دقائق، وهم أعلم (2)
وبالحجة السابقة نفسها يؤخرونَ التفات الإمام بعد الفريضة إلى ما بعدَ السُّنَّة، مع أنَّ السُّنَّةَ الالتفات بعد الفرائض مباشرةً لا بعدَ السُّنَن ولا حظ للنظر عند ثبوت الأثر
عن سيد البشر
خاتمة
في بعض أحكام الأذان
للإمام نورِ الدِّينِ السَّالِمِي رَحِمَهُ الله -
و إن أردت أن تؤدّي الوَاجِبَا
على الجميع إن أتاه البعض ورتل الأذان مثنى مثنى وزد على الأذان إن أقمتا
وإن تُؤذِّنْ نحو يمناك اقبلا وأقبلَنَّ للشِّمال إن تقل
***
***
***
***
***
***
أذن أقم تؤد فعلا واجبا
أجزى و إلا فالصَّلاةُ نقض
واجْزِمْ إِذَا أَقمت فادر المغنى قد قامت الصَّلاةُ أني كُنْتَا إِذَا النّداء بالصَّلاة وصلا حيَّ على الفلاح حتى تمتل (3)
(1) - يُنظر:
الخليلي، برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 29 رجب 1423 هـ، يوافقه 2002/ 10/6 م.
القنوبي، دروس صيف 2003 (مذكرة خاصة ص 18).
أحمد
(2) ـ الخليلي، بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 209.
(3) - السالمي،.
عبد
الله
بن حميد. مدارج الكمال ص 30. (1/165)
صفحة 166
الباب الثالث: في شُرُوطِ الصَّلاةِ
اعلم أيُّها الطالبُ النَّبيه، وفقك هـ إلى صحيح العبادة، وجنَّبَكَ مسالك الضلال والغواية- أنَّ للصلاة شروطًا وأركان (1) لا تتم الصلاة إلا بأدائها والقيام بها، وكُلُّ (1) ذلك مأخوذ من قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وفعله، واقتفاء لقوله: " صلوا كما رأيتُمُونِي أصلي (2).
ونشرعُ بالله مستعينين - أوَّلاً في الحديث حول شروط الصَّلاة، فنقولُ: إِنَّ الشروط قسمان: أ- شروط وُجُوب: وهيَ العقلُ والبُلوغُ والطَّهارةُ منَ الحَيْضِ وَالنِّفاسِ، وقد تقدم
الحديثُ عَنْها.
شروط صحة: وهي - إجمالا - الإسلام والطهارة، ودخول الوقت، وستر
العورة، واستقبال القبلة ..
وتاركاً شيئًا من الشروط
***
وإليكَ تفصيل القول في شروط صحة الصلاة
فَلا صَلاةَ لانتفا المشروط (3)
(1) - فَائِدَةٌ مُهمَّةٌ في الفرق بينَ الرُّكن والشرط: تقدم سابقًا تعريف الشرط بأنه ما يلزم من عدمه العدمُ ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، وهذا الكلام ينطبق على الركن أيضًا، إلا أن الفارق الجوهري بينهما أنَّ الشرط يكونُ خارج ماهية العبادة، والركن يكون داخلا في ماهيتها، فمثلا: الطهارة واستقبال القبلة شرط للصلاة لأنهما يقعان خارج ماهية الصلاة، أما قراءة الفاتحة والركوعُ فهما ركن لأنهما ضمن أعمال الصلاة التي لا تتم إلا بها. يُنظر: القنوبي، دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية (سابقا)، صيف 1421 هـ / 2000 م، مذكرة رقم 8 ص 2 - 4.
(2) ـ البخاري، باب: الْأَذَانِ لِلْمُسَافِرِ إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً وَالْإِقَامَةِ، رقم الحديث 595.
(3) - السالمي، عبد الله بن حميد. مدارج الكمال ص 37. (1/166)
صفحة 167
الشَّرِطُ الأولُ: الإِسْلامُ
علينا نحن معاشر المسلمين - أن نحمد هـ تعالى على أنِ اصْطَفَانَا مِنْ بَينِ أُمَمِ الْأَرْضِ فَنَكُونَ مسلمين مؤمنين موحدين الله، فنعمةُ الإسلام هي أكبر نعمة أنعمها ه علينا، فـ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَيْنَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَيْنَا اللَّهُ * الأعراف: 43؛ ذلك لأنَّ الصلاةَ وسائر العباداتِ لا تصح ولا تُقبلُ مِنْ غَيْرِ المُسْلِمِ، قَالَ تَعَالَى:
وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} آل عمران: 85.
و
تنبيه مهم
ذكرنا آنفًا أنَّ من شروط وجوب الصَّلاة البلوغ والعقل، وقد أضاف بعضهم شَرْطَ الإِسْلامِ شَرطًا مِنْ شُروط وجوب الصَّلاة، والصحيح أن الإسلام شرطُ صحة لا شرط وجوب؛ وذلك لأنَّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة على المعتمد الراجح عند الشيخين - أبقاهُما هم تعالى - كما أنهم مخاطبون بأصولها، ولذلك فكما أنهم مُعاقبون على ترك الأصول فهم معاقبون أيضًا على ترك الفروع كالصلاة والزكاة ... وعلى ذلك دلائل كثيرة وشواهد من القرآن الكريم منها:
فصلت: 6 - 7.
{1 قولُهُ تَعَالَى: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوةَ. 2. عندما حكى عن أهل النار أهمْ يُسألونَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ حكى إجابَتَهُم
44
بقوله: {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (3) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ
45
43
الخايضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّين (25) المدثر: 43 - 46، وغيرُ ذلكَ مِنَ النصوص مِنْ كتاب هم تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم يقول سماحة الشيخ: " بجانب كون ه تبارك وتعالى خاطبهم بالإيمان وبقبول هَذا الدِّينِ وبالانضمام إلى هذا المعتقد، خاطبهم أيضاً بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولكن لا تصح منهم الصلاة ولا تصح منهم الزكاة إلا (1/167)
صفحة 168
باعتناقهمُ الإسلام، فهنالك فرق بين شرط الوجوب وشرط الصحة .. وهكذا يُقالُ في كل العبادات التى تتوقف على شرائط لصحتها، لا يعني ذَلكَ عَدَمَ وُجُوهِها على مَنْ لم يوف بتلك الشرائط، وإنما هذه شرائط لصحة العمل لا لوجوب العمل، وكذلك إقامُ الصلاة وإيتاء الزكاة وجميع الأعمال الواجبة في الإسلام، مما يتوقف على عقيدة الإسلام يعدُّ الإسلامُ شرطاً لصحتها ولا يعد شرطاً لوجوبها (1).
اقْرَأْ وَاحْفَظُ
يَقُولُ النُّورُ السَّالميُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي مَدَارِجِ الكَمَالِ
(1)
وَتَارِكُ التَّوْحِيدِ هَلْ يُعَذِّبُ
وَإِنْ تَرَى الإِسْلامَ شَرْطاً وَقَعَا
أي لا يَصحُ دُونَهُ وَإِنْ وَجَبْ
يُنظر:
***
***
***
بتركه الأَعْمَالَ وَهُوَ المَذْهَبُ
فَذَاكَ في صحة مَا قَدْ صَنَعَا فَالْوُجُوب غَيْرُهُ أَيْضًا سَبَبٍ (2)
الخليلي، جواهر التفسير ج 2 ص 415، ج 3 ص 189.
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 303.
الخليلي، برنامج: سؤال أهل الذكر، حلقة: 25 رمضان 1429 هـ، يوافقه 26/ 9 / 2008 م. القنوبي، شرح مدارج الكمال ج 1 مادة سمعية"، اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية، أو مكتبة مسجد جامعة السلطان
قابوس.
القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول ص 86.
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة 23 جمادى الأولى 1425 هـ، يوافقه 2004/ 7/11 م.
القنوبي، دروس صيف 2004 م الموافق 1425 هـ. (مذكرة خاصة ص 5).
?
(2) السالمي، عبد الله بن
حميد. مدارج الكمال ص 6 - 7. (1/168)
صفحة 169
الشرط الثاني: الوَقْتُ
جعل هم تعالى للصلوات مواقيت لأدائها (1) لا تُقدَّمُ ولا تؤخَرُ إلا بعذر شرعي
وحرَّمَ أوقاتًا (3) لا تجوزُ الصَّلاةُ فيها ولا تصحُ، وأوقاتًا أخرى تُكْرَهُ فِيهَا، قَالَ تَعَالَى:
103)
إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا)
حسب التفصيل الآتي:
(1)
مواقيت الصلوات الخمس
وهذه هي أوقات الصلوات الخمس، نبدأها من بداية اليوم
ساء: 103،
ا، وذلك كله
العربي
: (4)
- أوقات الصلوات الخمس حددها الله تبارك وتعالى عن طريق حديث جبريل عليه السلام- حينما أما مرتين لكل صلاة: مرة في أول الوقت، ومرة في آخره؛ ليبين له ولأمته أوقات الصلوات المفروضة، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: " قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَمَّني جبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام عِنْدَ البيت مَرَّتَيْن فَصَلَّى بِي الظُّهْرَ حِينَ زَالَت الشَّمْسُ .. الحديث".
أبو داود، باب: في المواقيت، رقم الحديث 332.
(2) ـ "لا يمكن لأحد أن يقدم الصلاة على وقتها وهذا بإجماع الأمة الإسلامية قاطبة، كما أنه لا الصلاة عن وقتها إذا كان متذكرا لذلك وإنما يُعذَر النَّائِمُ والنَّاسِي" حتى ينتبه.
يصح له أن يُؤَخِّرَ
يُنظر: القنوبي، برنامج: سؤال أهل الذكر، حلقة: 5 رمضان 1423 هـ، يوافقه 22 نوفمبر 2002 م. (3) - فَائِدَةٌ لغوية: تعلم أيها الطالب العربي الأديب أن كلمة (أوقات) تنصب بتنوين الفتح (أوقاتًا)؛ وليست بالكسر، كما يفعل البعض خطأ، ويُخطئ الآخرين فيقول (قضيتُ أوقات)؛ وذلك لأنها جمع تكسير لا جمع مؤنث سالم، فجمع المؤنث السالم هو لفظ دال على الجمع بزيادة ألف وتاء، فلا بد أن تكون الألف والتاء زائدتين حتى يُعدَّ الجمع - مؤنثاً سالماً.
أما كلمة أوقات فهي جمع وقت، فالتاء فيه أصلية وليست زائدة، ومثل كلمة أوقات (أقوات، وأموات، وأبيات، وأصوات .. ) التي هي جموع لقوت، وميت، وبيت، وصوت .. ) على التوالي.
كما
هو
(4) - اليَوْمُ العَرَبِيُّ الإِسْلامِيُّ يبدأ بغروب الشمس، وعليه فتكون تلك الليلة من اليوم التالي وليست تابعة لليوم السابق الحال في (اليوم الإفرنجي) الذي يبدأ في الساعة الثانية عشرة من منتصف الليل، وهذا الفارق يتضح جليا في دخول الأشهر الهجرية وخروجها؛ إذ يقيم المسلمون عباداتهم وشعائرهم بمقتضى الأيام العربية، فمثلا: صلاة التراويح تقام بعد رؤية الهلال مباشرة وفي نفس الليلة قبل بداية الصيام؛ لأن تلك الليلة أمست من رمضان، وهكذا بالنسبة (1/169)
صفحة 170
1 - المغرب: يبدأ وقتها بسقوط قرص الشمس الأحمر على المعتبر عند شيخنا الخليلي -حفظه الله -
كاملاً وينتهي بغروب الشفق
2 - العشاء: يبدأ وقتها بعد وقت المغرب، وينتهي بثُلث الليل وقيل: بمنتصفه، يقولُ شيخنا القنوبي -حفظه الله -: " الذي نأخذ به ان وقت العشاء ينتهي: أنَّ بمنتصف الليل" (2)، ويقول أيضًا: "وهو الراجح عندي لدلالة السنة
الصحيحة الثابتة " (3).
الفَجْرُ: يَبدأُ مِنْ طُلوعِ الفَجْرِ الصَّادِقِ إلى طُلوعِ جُزءٍ مِنَ الشَّمس.
للخروج إذ يعتبرون تلك الليلة من اليوم التالي، وعليه فإن أول صلاة يصليها المسلم في يومه هي صلاة المغرب، وعلى هذا الاعتبار فضلنا الابتداء بذكر وقت صلاة المغرب أولاً ولكلِّ وِجْهَهُ هُوَ مُوَلِهَا .. وبالله التوفيق.
(1)
- وقيل بالأبيض وهذا أوسع، وبهذا تدرك أن وقت المغرب هو أقصر الأوقات مقارنة بغيره من أوقات الصلوات إلا أنه ليس بتلك العجلة التي يتصورها كثير من الناس بحيث لا يكاد المؤذن ينتهي من أذانه حتى يقوم أو يُطالب بالقيام لإقامة الصلاة، ثم يؤخر التفاتُ الإمام بعد الصلاة إلى ما بعد السنة، والحق أن ذلك مبالغة في الإسراع وإلا فوقت المغرب أوسع مما يتصوره هؤلاء؛ فقد قرأ النبي صلى الله عليه وسلم في المغرب بسورة الأعراف فرقها في ركعتين، يقول سماحة الشيخ – أبقاه الله تعالى- في فتاويه:" لا بأس بالانتظار بعد الأذان نحو خمس دقائق، والله أعلم". يُنظر:. الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 209.
الخليلي، برنامج: " سؤال أهل الذكر حلقة: 18 رمضان 1423 هـ، يوافقه 24 نوفمبر 2002. النسائي، باب: الْقِرَاءَةُ فِي الْمَغْرِبِ بـ المص، رقم الحديث 981.
(2) - يُنظر:
(^)
القنوبي، جلسة إفتاء بمجلس مترل فضيلته - ليلة الأربعاء 13/ 5 / 2008 م.
القنوبي، برنامج: " سؤال أهل الذكر "- حلقة: 20 ربيع الثاني 1426 هـ، يوافقه 2005/ 5/29 م.
3) – القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج: سؤال أهل الذكر "- تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 20 ربـ 1426 هـ، يوافقه 2005/ 5/29 م. (1/170)
صفحة 171
وينتهي إلى
الظَّهِرُ: يبدأُ بعد زوال الشمس عن كبد السماء بقدر بسيط) مصير ظلّ كلّ شيءٍ مثله مع مراعاة ذلك القدر الذي زالت به
الشمس (2).
العَصْرُ: يبدأ من خروج وقت الظهر، أي بعد مصير ظلّ كلّ شيء مثله معَ مراعاة القدر الذي زالت به الشَّمس وينتهي باصفرار الشمس قبل الغروب (3)؛ لأنَّ هَذَا الوقت وقت تمنع فيه الصَّلاةُ عَلَى الرأي الرَّاحِحِ (4).
(تنبيه)
الفجرُ، فجران فجر كاذب وفجرٌ صَادق، فَالفَجْرُ الكاذب: هو الذي يطلعُ مستطيلاً متجها إلى الأعلى في وسط السَّماء، ثم تعقبُهُ ظُلْمة، ويقابلهُ الفَجْرُ الصَّادقُ: وهوَ البياض المنتشر ضوءه معترضا في الأفُقِ والأَوَّلُ: لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الأَحكامِ، فحكمه حكم الليل، والثاني: هو الذي تتعلق به الأحكام الشرعية كلها من بدء الصوم، ودخول وقت الصبح وانتهاء وقت الوتر.
6
(1)
يستحب الإبراد وتأخير صلاة الظهر في أيام الحر الشديد لقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا اشتد الحر فأبردوا بالظهر فإن شدة الحـ
من فيح جهنم". قال الربيع: فيحها: نفسها.
الربيع، باب في أوقات الصلاة، رقم الحديث 181.
(2) - القنوبي، سعيد بن مبروك. فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ص 168.
أحمد
حمد.
"مفسدات الصلاة"، شريط سمعي. إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية.
(3) ـ الخليلي، بن (4) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. فتاوى إمام السنّة والأصول،
ص
72
استدراك مُهم: ولكن من لم يصل بعد إلى ذلك الوقت بسبب نوم أو نسيان أو غير ذلك الأسباب فعليه
من
المبادرة إلى الصلاة قبل غروب الشمس؛ لقوله: " من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح،
ومن أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر".
الربيع، باب: في صلاة الجماعة والقضاء في الصلاة، رقم الحديث 221. (1/171)
صفحة 172
مَسْأَلَةُ الاشْتِرَاكِ فِي الْأَوْقَاتِ
ثبت في الحديث الصحيح عندَ الإمام الربيعِ والشَّيخين وغيرهم عن ابن عباس " أنَّ النبيَّ صلَّى الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء الآخرة جميعًا من غير خوف ولا سفر ولا سحاب ولا مطر (1)، وبناءً على هذا الحديث وصحته فقد رأى الشَّيْخان (2) - أطال الله في عُمُرِهِمْ - أَنَّ القول بالاشتراك بين الوقتين هو القولُ الصحيح، أي أن الوقت مِنْ أول الظهر إلى آخرِ العصرِ مشترك بينهما، وهكذا من أول المغرب إلى آخر العشاء وقت مشترك بينهما لأداء الصلاتين، ولكن ذلك منوط بوجود الحرج والمشقة؛ لأنَّه لم يكن مما يتكررُ من فعل النبي، وقد أفصح عن ذلك ابنُ عباس عندما سُئِلَ عنْ علةٍ فعله فقالَ: "أَرَادَ أَنْ لَا يُخْرِجَ أُمَّتَهُ". ومما لا يخفى عليكَ أَيُّهَا المتعلمُ النجيب - أنَّ الجمع في أحد الوقتين أو القولَ بالاشتراك في الأوقات مختلف عمَّا يُعرف بـ " الجَمْع الصُّوْري"؛ وذلك لأنَّ هذا الأخير متفق على جوازه، فهو جمع في الصُّورة فقط، وأما حقيقتُهُ فهوَ أنْ يصلي الظهر في آخرِ وقتها، فإذَا سَلَّمَ انتهى وقت الظهرِ ودخل وقت العصر فيصليها حينئذ في وقتها المتفقِ
عليه، والعلم عند الله (3).
(1)
يُنظر:
الربيع، باب: القرآن في الصلاة، رقم الحديث 254.
البخاري بَاب: مَنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ، رقم الحديث 1103.
مسلم، باب: الجمع بين الصلاتين في الحضر، رقم الحديث 1151.
(2) - يقول سماحته -حفظه الله -:" .. وبناء على القول باشتراك وقت الصلاتين، وهو قول قوي تؤيده السنة، وإن:
العمل به. والله أعلم". يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 229 - 230.
القنوبي، برنامج " سؤال أهل الذكر " - حلقة 24 رمضان 1425 هـ يوافقه 2004/ 11/8 م.
القنوبي، فتاوى على أسئلة من الشرق الإفريقي ص 10.
(3) ـ أما ما جاء في رواية البخاري أن عمرو ابن دينار - راوي الحديث عن الإمام جابر - قال: "قُلْتُ: يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ أَظُنُّهُ أَخَرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ الْعَصْرَ، وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ وَأَخَرَ الْمَغْرِبَ قَالَ: وَأَنَا أَظُنُّهُ" فلا يخفى أنه مجرد ظن، والمقدم على ذلك البيان العملي من الراوي الأول ابن عباس حينما صلَّى الصلاتين في وقت إحداهما، وبالله التوفيق. (1/172)
صفحة 173
تنبية مهم: تقدَّم لديكَ أَيُّها المتعلّمُ الحصيفُ أَنَّ شُرُوطَ وُجُوبِ الصَّلاةِ هِيَ: الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ والطَّهارة من الحيض والنفاس، وبالجمع بين هذه الشروط وبينَ القَولِ باشتراك الأوقات نقُولُ بالله مستعينين:
إِنَّ المرأةَ إِنْ طَراً عَليها الحيضُ أو النّفاسُ بعد دخول وقت الصلاة المشترك فَيَجِبُ عَليها بعدَ طُهرِهَا أَنْ تَقضيَ الصَّلاتين معًا إنْ كانت لم تُصَلِّهما أو الصَّلاةَ الثانية إنْ صَلت الأولى، ولو طرأ عليها هذا الحدث في وقت الصلاة الأولى؛ لأنه بدخول وقت الصلاة الأولى وجبت عليها الصلاتان معا بناء على الاشتراك في الأوقات. وبالعكس إن طهرت المرأة في وقت الثانية فتصلي الأولى والثانية، ومثلها الصبي
إن بلغ والمجنون إن عقل والمغمى عليه إن أفاق في وقت الثانية يجب على الصلاتين معا بناء على الاشتراك، فكن لهذا منتبها ومنبها (1).
الْأَوْقَاتُ المُحَرَّمَةُ
قم
اعلم أخي هداك هم الأسباب طاعته، وجنبك موجبات سخطه ومعصيته أنَّ الأوقات المذكورة آنفا هيَ أوقات لأداء الصلوات المفروضة، وأنَّ هناك أوقاتًا تحرم فيها الصلاة بل لا تنعقد ولا تصح فيها الصلاة أبدًا (2) فرضا كانت أم نفلاً، أداءً كانت أم قضاءً، فكن منها على حذر (1)، وهي:
_ ()
القنوبي، سعيد بن مبروك، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ص القنوبي، دروس صيف 2003 م مذكرة خاصة ص 11).
بن
???
1) الخليلي، أحمد حمد برنامج "سؤال أهل الذكر تلفزيون سلطنة عمان حلقة: 15 جمادى الأولى 1430 هـ، يوافقه 5/ 10 / 2009 م.
(2) - لطيفة: حكى لنا شيخنا القنوبي متعه الله بالصحة والعافية أن الإمام نور الدين السالمي سمع عن راشد بن عزيز وكان عاتبا عليه بعض الأمور - أنه أفتى بجواز قضاء الصلاة الفائتة بنوم أو نسيان في أوقات التحريم، فغضب الشيخ -رحمه الله - وقال: " لا يوجد قول في المذهب ولا نعلمه في غير المذهب بجواز ما قاله راشد، بل لا خلاف في تحريم الصلاة في ذلك الوقت من فائت وغيره". (1/173)
صفحة 174
أ وقتُ الطَّلوع: إذا طلع جزء منَ الشَّمس حتى تستكمل طلوعها (2)، وقيل:
حتى ترتفع قدر رمح أي ما يعادلُ اثنتي عشرة دقيقةً تقريبا وهو
المعتمد الصحيحُ
ب وقتُ الزَّوال: وقتُ استواء الشمس في كبد السماء (4)، وذلك في الحر الشديد إلى أن تزول الشمس أي يدخل وقت الظهر، ويستثنى من النهي يوم الجمعة (5) علَى الصَّحِيح الْمُعْتَصَب عندَ الشَّيحَين - يحفظهم الله - (6).
يُنظر:
ثم ذكر الشيخ السالمي -رحمه الله - بعد ذلك أن الشيخ عيسى بن صالح الحارثي أطلعه على وجود قول في المسألة.
القنوبي، قرة العينين ص 85.
السالمي جوابات الإمام السالمي ج 1 ص 346، 347.
، أحمد حمد.
(1) ـ الخليلي، بن الفتاوى ج 1 ص 86.
(2) - فَائِدَةٌ مُهمَّةٌ: وقتُ الشروق المكتوب على التَّقْويمِ المَعْرُوْفِ الموزع من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بالسلطنة هو وقت طلوع قرن من الشمس، وتحتاج الشمس حتى تستكمل طلوعها من دقيقتين إلى ثلاث دقائق كحد أقصى، أما وقت أذان الظهر المبين بالتقويم فهو بعد انحراف الشمس عن كبد السماء بمقدار خمس دقائق، وكذا وقت أذان المغرب هو بعد اكتمال غروبها بخمس دقائق، والله الموفق.
اتصال هاتفي شخصي بالأستاذ محمد البوسعيدي مُعد التقويم المعتمد في السلطنة، صباح الاثنين: 17/ ربيع الثاني/ 1430 هـ - يوافقه 009/ 4/13 200 م.
(3) - يُنظر:
القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 7 رمضان 1429 هـ، يوافقه 8/ 9/ 2008 م.
القنوبي، دروس صيف 2003 م مذكرة خاصة ص 58).
(4) ـ هذا هو
الصحيح عند الشيخ المحقق القنوبي -حفظه الله، وقيل إن النهي يبدأ قبل ذلك أي من الضحوة الكبرى.
(القنوبي، برنامج: سؤال أهل الذكر، حلقة: 24 رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 11/8 م).
(5) ـ أبو داود، باب: الصلاة يوم قبل الزوال، رقم الحديث 915.
(6) - رأي سماحته أفادني به ابنه الشيخ أفلح -جزاه الله خيرا، أما الشيخ القنوبي فقد صرح به في برنامج: "سؤال أهل
الذكر " " حلقة: 24 رمضان 1425 هـ يوافقه 2004/ 11/8 م. (1/174)
صفحة 175
وقتُ الغُرُوب: إِذَا غَربَ جزء مِنَ الشَّمس، حتى تستكمل غروبها، والعبرة في الطلوع والغروب بالحقيقة لا بالجبال التي تحجب الرؤية).
وقيلَ: إذَا اصفرَّتِ الشمسُ ودَنَتْ مِنَ الغُروبِ فإنَّ الصَّلاةَ تمنعُ وهوَ الصحيحُ المعتصم عند الشيخ الخليلي - يحفظه الله -؛ لحديث لا تُصَلُّوا بَعْدَ الْعَصْرِ إِلا أَنْ تُصَلُّوا وَالشَّمْسُ مُرْتَفَعَةٌ) (2)؛ فعندَ اصفرار الشَّمس أو عندَ قُرب طلوع الشمس ينبغي أن يُقالَ بعدم جواز الصلاة في هذين الوقتين ولَوْ كانت الصلاة من الصلوات ذوات
الأسباب (3).
عامر
والدليل على حرمة الصَّلاة في هذه الأوقات عُمُومًا مَا ثَبَتَ مِنْ طَرِيقِ عُقبَةَ بنِ قال: " ثَلاثُ سَاعَاتِ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَنْهَانَا أَنْ تُصَلِّيَ فِيهِنَّ أَوْ أَنْ تَقْبَرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ (4).
ويُضاف إلى ذلك عدم جواز الصَّلاة إذَا أُقيمت الفريضة المكتوبة لمن لم يُصل تلك الصَّلاةَ، فيجب علَى الصَّحيح المُعْتَصَم عندَ الشَّيخَينِ) قطع الصلاة
(1) ـ القنوبي، دروس صيف 1424 هـ / يوافقه 2003 م. (مذكرة خاصة ص 58).
(2) ـ أحمد في مسنده مسند علي بن أبي طالب، رقم الحديث 1020.
(3)
- تنبية: كان شيخنا القنوبي يحفظه الله - يقول بهذا الرأي إلا أنه توقف عنه عند المراجعة خشية أن تكون الزيادة في آخر الحديث إلا أَنْ تُصَلُّوا وَالشَّمْسُ مُرْتَفَعَةٌ" شاذة، والله أعلم. يُنظر:
(4)
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 43.
القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول، ص 72.
- مسلم، باب: الْأَوْقَاتِ الَّتِي نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا، رقم الحديث 1373.
(5) - يُنظر:
الخليلي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة 27 من جمادى الأولى 1424 هـ، يوافقه 2003/ 7/27 م.
القنوبي، دروس صيف 2002 م، الموافق 1423 هـ. (مذكرة خاصة ص 12). (1/175)
صفحة 176
والدخولُ معَ الإمام في هذا الوقت (1)؛ لقوله: " إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلا صَلَاةَ إِلَّا
الْمَكْتُوبَةُ (2).
وكذا وقت خطبة الجمعة إلا ركعتي تحيَّة المسجد، يقولُ محدث العصر عافاه الله -: " ومن الأوقات التي يُنهى عن الصَّلاة فيها وقتُ خُطبة الجمعة، فذلك الوقت ينهى عن الصَّلاة فيه باستثناء ركعتي تحية المسجد (3).
مَسأَلة
ثبت في الحديث أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " مَنْ أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومَنْ أدرك من العصر ركعةً قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر (4)، وعليه فإنَّهُ يستفاد من الحديث أنّ النَّهيَ عَن الصَّلاة في هذه الأوقات إنما هوَ في عَنِ ابتداء الصلاة لا عن استمرارها، وذلك لمن أكمل ركعة تامة من صلاته، فمن استيقظ قبل طلوع الشمس -مثلا- وكان بإمكانه أداء ركعة كاملة فعليه أن يأتي بالصلاة، فإن تمت الركعة الأولى قبل الطلوع فعليه مواصلة الصلاة ولا
يلتفت إلى الطلوع؛ لأن النهي في هذه الأوقات فهي عن الابتداء لا عن المواصلة. هذا هو الرأي الراجحُ الذي رجحه الإمامُ السَّالِمِيُّ - رَحِمَهُ الله - والعلامة ن (5) - حفظَهُ هـ وأبقَاهُ -، يقولُ الإمامُ السَّالميُّ - رَحمَهُ الله -: "وظاهرُ الحديث
القنوبي
_ ()
بعض العلماء يقُولُ: يُسلّم لقطع صلاته والدخول مع الجماعة، يقول العلامة القنوبي -حفظه الله – معلقا على ذلك: "وفي الحقيقة أنَّ هذا مُجرَّد استحسان .. وإلا فلا دليل عليه، فعندما يُكبر الإمام يقطَعُ الصلاة ويُصلّي مع الجماعة؛ والله -تبارك وتعالى-أعلم".
(2)
- مسلم، باب: كَرَاهَةِ الشُّرُوعِ فِي نَافِلَةٍ بَعْدَ شُرُوعِ الْمُؤَذِّنِ، رقم الحديث 1160.
(3) – القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج: "سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 25 رمضان 1425 هـ،
يوافقه 2004/ 11/9 م.
4) ـ الربيع، باب: في صلاة الجماعة والقضاء في الصلاة، رقم الحديث 221.
(5) - يُنظر: (1/176)
صفحة 177
يؤيد القول الأَوَّلَ وإِنْ كانَ شاذًا في المذهب .. وهَذا الحديث خاص، والخاص مُقدَّم على العام، وقد يُغتفرُ في البناء ما لا يُغتفرُ في الابتداء، فالنَّهي عن الصلاة في ذلك الوقت فهي عن ابتدائها لا عن استدامتها. . " (1). وهذا كله خلافًا لمنْ قالَ بأنَّه يقفُ بعد الركعة الأولى منتظرا استكمال طلوعِ الشمس حتى رخصوا له بأن يلتفت للخلف ليتأكد من طلوعها، وقد عرفت الرأي الراجح فاشدد به يدًا. وهم الموفّقُ.
الأوقات المكروهة
تكره الصلاة كراهة تتزيه لا تحريم في الأوقات التالية:
- بعد طلوع الفجر حتى تُصلَّى الفريضةُ إلا ركعتي السُّنَّة.
أ
ب بعد صلاة الصبح حتى يطلع قرن من الشمس.
ت بعد صلاة العصر على الصحيح؛ والدَّليلُ على الكراهة في هذينِ الوقتين قول النبي: " لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا و (2) صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس"
(1) - يُنظر:
هذا
القنوبي، دروس صيف 2003 م) مذكرة خاصة ص 28).
القنوبي، برنامج " سؤال أهل الذكر " حلقة: 11 رمضان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 11/17 م. القنوبي، برنامج " سؤال أهل الذكر، حلقة: 4 رمضان 1430 هـ، يوافقه 25/ 8 / 2009 م.
سّالمي، شرح الجامع الصحيح ج 1 ص 323. المنتدى الأدبي، قراءات في فكر السالمي، محاضرة لسماحة المفتي بعنوا ان: "منهج ا في مؤلفاته "الفقهية ص 22
هو
(2) ـ الربيع، باب: في جامع الصلاة، رقم الحديث 298 رأي جمهور العُلماء وأيده محدِّثُ العصر -حفظه الله - خلافا لمن قال بأن النهي بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر منسوخ بحديث "من أدرك من الصبح ركعة فقد أدرك الصبح، ومن أدرك منا العصر ركعة فقد أدرك العصر "؛ فهذا الحديث خاص فقط فيمن لم يصل الفريضة أصلا. (1/177)
صفحة 178
مَسْأَلَةٌ
اختلف العلماء في التنفل بعد صلاة الوتر قبلَ أنْ ينام المصلي؛ ذلكَ أَنَّهُ لم يأتِ حديث صريح يدلُّ على النهي عن الصَّلاة بعد الوتر إلا أمرُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بأنْ تجعل الوتر آخر الصلاة (1) في قوله: "اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ وثرًا ((2)، لذلك ذهب بعضهم إلى الكراهة وذهب بعضُهم إلى التحريم، يقولُ إمامُ السُّنَّة والأصول حفظه هـ -: ". . فينبغي ترك التنفل بعد صلاة الوتر بغض النظر عن حرمة ذلك أو كراهيته، فإنَّ ه الله لا يُعبد بالمكروه (3).
ورأى -حفظه هـ - في موضع آخر بأنَّ الإنسانَ إِذَا بَدَا لَهُ التنفلُ بعدَ أَنْ صلَّى الوترَ فَلا مانع من ذلك بعدَ أنْ أدَّى الوتر باعتبارها آخر صلاته، (4) وهم الهادي إلى سواء السبيل.
فَائِدَةٌ
ثبتت مشروعية قضاء الفوائت (فرائضَ أو سُنن وكذا الصلوات السببية في الأوقات التي تُكرَهُ فيهَا الصَّلواتُ دونَ التي تحرمُ، فَهِيَ مُستشاةٌ مِنْ عُمُومِ النَّهِي عَنِ
وفي حالة الجمع بين الصلاتين لا فرق على المعتقد الصحيح عند شيخنا القنوبي -حفظه الله وسدد خطاه- بين أن تكون صلاة العصر في جمع تقديم أو تأخير أي في وقت الظهر أو في وقت العصر -؛ لأن النهي في قوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة بعد صلاة العصر .. " معلق بصلاة العصر مطلقا، و لم يخص الجمع عن غيره بحكم آخر.
(القنوبي، دروس صيف 2003 م" مذكرة خاصة ص 59").
(1) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 2003 م (مذكرة خاصة ص 57).
(2) ـ البخاري، باب: الحلق والجلوس في المسجد، رقم الحديث 452.
(3) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. فتاوى إمام السنة والأصول، ص
73 - 72
(4) ـ فلو قدرنا أن شخصا صلَّى مَا شَاء الله له من النوافل وختمها بالوترَ ثُم أراد النَّوم فلم يستطع أن ينام، فأراد بعد
ذلك أن يصلّي فلا بأس عليه؛ لأنَّه لَم يُرد عندما أوتر أن يُصلِّيَ بعدها.
(القنوبي، برنامج " سؤال أهل الذكر، حلقة: 25 رمضان 1428 هـ، يوافقه 2007/ 10/07 م.) (1/178)
صفحة 179
الصَّلاة في هذه الأوقات (1)، ومن أمثلة السَّبَيَّات: صَلاة الجنازة، وصلاة الاستخارة، وصلاة تحية المسجد، وصلاة الكسوف والخسوف ... - كمَا سَيَأْتي، وهم أعلم.
فَتْوَى
السُّؤالُ ما رأيكم في وقت صلاة تحية المسجد؟ أفتنا مأجورًا.
الجواب تصلى في جميع الأوقات باستثناء وقت الشروق والغروب، ووقت وقوفِ الشمس في كبد السماء في الحر الشديد، وقيل مطلقا، إلا يوم الجمعة، وهم أعلم). الشَّرطُ الثالث: الطَّهارة
والطَّهارة المطلوبة للصَّلاةِ هي الطهارةُ مِنَ الحدثين: الأصغر والأكبر (3) كما تقدَّمَ سابقا؛ قال:" .. ولا صلاة لمن لا وضوء له (4)، فمَنْ صلى بغير طهارة لم تنعقد صلاته أصلا، ومَنْ طرأ عليه الحدث أثناء صلاته انتقضت ما لم يُسَلَّمْ، والطهارة من الحدثين شرط في صحة كلّ صلاة، فريضةً كانت أو نافلةً.
و كذلك تُشترط الطهارةُ مِنَ الخبثِ النَّجَسِ)، وهذه الطهارة تكونُ في:
أ - الثوب: قَالَ تَعَالَى: وَثِيَابَكَ فَطَهِر المدثر: 4، وقالَ الرَّسُولُ: " المني والمذي والودي .. نجس لا يصلى في ثوب وقع فيه شيء من ذلك حتى يُغسل ويزول أثرُهُ ". (5)
(1)
ينظر:
الخليلي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة 28 ربيع الثاني 1424 هـ، يـ يوافقه 29/ 2003/6 م.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ص 72.
(2) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. فتاوى على أسئلة من الشرق الإفريقي، ص 11.
(3)
3 - بالوضوء وال والغسل أو عن طريق التيمم.
(4)
(5)
) - الربيع، باب: في آداب الوضوء وفرضه، رقم الحديث 91.
- الربيع، باب: جامع النجاسات، رقم الحديث 150. (1/179)
صفحة 180
ب البَدَن: قالَ: اغسلي عنك الدَمَ وصلّي (1)، وإذا وجَبَ تطهير الثوب
فتطهير البدن أولى.
ج- المكان: لنهي المكان: لنهي النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عن
عن
الصَّلاة في المقبرة، والمنحرة، ومعاطن الإبل (2)
لأنها مظنة النجاسة (3).
الشرط الرابع: اللبَاسُ
يُشترط لصحة الصَّلاة اللباس الساتر للعورة باتفاق العلماء (4)؛ قَالَ تَعَالَى: يَنبَنِى آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ * الأعراف: 31، والمراد بالزينة في الآية اللباس الذي يستر العورة لقوله تَعَالَى: قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَرِى سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا - الأعراف: 26، ومن شأن الإنسان إذا دُعي للقاء ملك منَ الملوك أو مسؤول من المسؤولين أن يتجهز ويستعد لذلك اللقاء ويلبس لهُ أحسن اللباس وأطيبه، فأولى بذلك عند لقاء
تنبية: توجد رخصة تذكر في بعض كتب الفقه فيمن اكتشف وجود نجاسة في ملبسه بعد الصلاة، أو نيها وتذكرها بعد الصلاة صلاته تامة ولا إعادة عليه؛ استدلالا بما يروي أن النبي صلى بِنَعْلِهِ ثُم نَبَّهَهُ جبريل ال إلى أنَّ نَجاسة كانت في ذلك النعل فَخَلَعَ نَعْلَهُ واسْتَمَرَّ في صلاته مِن. غير أن يُعيدها من بدايتها. ولكن هذا الحديث مختلف في ثبوته، وهذا الحكم قال به مَنْ رأى ثبوته؛ ولإمام المعقول والمنقول فيه نظر، إذ يقول: "والذي أرى أنه الأقرب أنَّ هذا الحديث لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعليه أرى أنَّ قَوْلَ مَنْ يقول بالإعادة هو القول الأقرب إلى الصواب".
(1)
(القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 24 رمضان 1422 هـ، يوافقه 2001/ 12/10 م).
- البيهقي، السنن الكبرى، رقم الحديث 327. (2) ـ الربيع، باب: جامع الصلاة، رقم الحديث 296. (3) ـ أمَّا ما كان طاهرا من الأرض وما أنبتت فلا مانع.
الصحيح.
الصلاة فيه، وكذا الصلاة على الصوف لا مانع. من
منه
ينظر: القنوبي، فتاوي ج 12، ص 11 "مادة سمعية"، اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية. 4) ـ الخليلي،، أحمد بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 41. (1/180)
صفحة 181
ملك الملوك الذي بيده كلُّ شيء، وله الحكم ولهُ الأمرُ كلُّهُ، فيأخذُ مِنْ زينته ولباسه الحسن ما يليقُ بعظم هذا المقامِ الجليل.
فَصْلٌ فِي صِفَةِ اللباس
والأصلُ أنَّ كلَّ لباس طاهر ساتر تجوز به الصلاة، ويُستثنى من ذلكَ ما فَهى عنه الشَّرْعُ كالذَّهَبِ والحرير للرجال؛ قالَ فيهما المصطفى: " .. لأنهما محرمان على رجال أمتي، ومحللان لنسائها (1).
والأَوْلَى للرِّجالِ لِبْسُ البياض من الثياب فإنها خير الثياب وأفضلها؛ قالَ: "عليكم بهذه الثياب البيض ألبسوها أحياءَكُم، وكفنوا فيها موتاكم، فإنها خيرُ ثيابكُم (2)، وعن علي بن أبي طالب قال: نهاني رسولُه عن لبس القسيّ وعن لبس المُعَصْفَرِ .. (3). والقسي: هوَ الحرير، والمعصفر: اللباس الذي خالطَتْه صفرةً.
فَصْلٌ فِي اللُّبَاسِ الْمُجْزِي لِلصَّلاةِ
وأقل المجزي في لباس الصَّلاةِ ستر العورة من الرجل والمرأة، وعورة الرجل من السُّرة إلى الركبتين مع دخولهما في حدّ العورة على المختار (4)، فقد مَرَّ الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم عَلَى رَجُلٍ وَفَحْدَاهُ مَكْشُوفَتَانِ فَقَالَ: يَا مَعْمَرُ غَطْ فَحَذَيْكَ فَإِنَّ الْفَحْذَيْنِ
(1)
1) - الربيع، باب: الكفن والغسل، رقم الحديث 475
(2)
2 - الربيع، باب: الكفن والغسل، رقم الحديث 475
3) ـ الربيع، باب: في الركوع والسجود وما يفعل فيهما، رقم الحديث 234.
(4) - يُنظر:
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى - القسم الخامس ص 35.
القنوبي، برنامج: " سؤال أهل الذكر حلقة 9 ذو القعدة 1423 هـ،: يوافقه 2003/ 1/12 م. (1/181)
صفحة 182
عَوْرَة
وينبغي له مع ذلك سترُ الصَّدر والبطن والظهر والعاتقِ، بل يقول إمام
السنة يحفظه الله -: "القولُ بوجوب ستر العاتق له وجة وجية" وهم أعلم (2).
لِبَاسُ المرأةِ
وأما بالنسبة للمرأة فجميعُ جسدها عورة إلا الوجة والكفَّين، لسؤال أم سلمة بعد ذكره لحد إزرة المؤمن، والمرأة يا رسُولَ هم؟ قال: "ترخي شبرا " قالت: إذًا ينكشف عنها؟ قالَ رسولُ هم صلَّى هم عليه وسلَّمَ: " فذراعًا لا تزيد
عليه
وعلى ذلك فلا يجوز للمرأة على الرأي المعتمد الصَّحِيحِ عندَ الشَّيخَينِ أن تُظهر في صلاتها قدميها وكلَّ ما لا يجوز إظهاره عندَ الأجانب، بل عليها ستره بلبس الجوربين أو بإرخاء الثوب حتى يُغطّي القدمين، لأنَّهَا مأمورة في حال الصلاة أن تكونَ في كامل هيئتها، يقول سماحة الشيخ – حفظَهُ هم وأبقاه في أحد أجوبته: " نعم القولُ الصحيحُ الذي نعتمدُهُ أنَّ قدمي المرأة من عورتها التي يجب عليها أن تسترها في الصلاة وفي لقائها بالرجال الأجانب بدليل حديث أم سلمة رضي هم تعالى عنها .. (4)، وفي مدارج الكمال للإِمَامِ السَّالِمِيِّ - رَحِمَهُ الله -:
(1)
- مسند أحمد، حديث محمد
بن
عبد الله
بن
ه، رقم الحديث 21457.
(2) - يُنظر:
(3)
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 40.
القنوبي، برنامج: سؤال أهل الذكر، حلقة: 15 رمضان 1429 هـ، يوافقه 9/ 16 /2008 م.
- الربيع، باب: في الثياب والصلاة وما يستحب من ذلك، رقم الحديث 276.
(4) - يُنظر
الخليلي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 10 من ربيع الثاني 1425 هـ، يوافقه 2004/ 5/30 م.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الخامس ص 33.
القنوبي، برنامج: "سؤالُ أهل الذكر" حلقة: 3 رمضان 1430 هـ، يوافقه 24/ 8/ 2009 م. (1/182)
صفحة 183
وَكُلُّ مَا لَيْسَ لَهَا أَنْ تُظهِرَهُ
***
فَفِي الصَّلاةِ وَاجِبٌ أَنْ تَسْتُرَهُ (1)
لَطِيفَةٌ
قلت: وقد حضرتُ في يوم من الأيام مجلسًا زارَنَا فِيهِ شيخنا بدرُ الدِّينِ الخليلي – حفظه الله في المركز الصيفي الذي أقامه شيخنا القنوبي -حفظه الله - لطلبة العلم - فتذاكرُوا مسألةَ عورة الأمة، فأبدى الشيخ القنوبي رأيه وقال: بأنَّه لا فرق بين الأمة والحرة في حد العورة)، ثم قالَ معقبًا ومُدلّلا لذلك بأنَّ الأمَةَ قد تكون أكثر جمالاً
وأشَدَّ فتنةً من الحرة مثل ما هو معروف من جمال إماء التُرْكِ، فابتسم البدرُ الخليلي - حفظهم الله - إقرارًا لكلامه وإعجابًا باستدلاله (3).
قُلوبُ العَارِفِينَ لَهَا عُيُونٌ
وأَجْنحَةٌ تَطيرُ بغَيرِ رِيْشٍ
***
***
ترَى مَا لا يَراهُ النَّاظرونَا
إلى رِضْوَانِ ربِّ العالمينَا
السُّؤالُ الأَوَّلُ هل يجوز للمسلم جر إزاره في الصَّلاةِ أو خارِجَها؟
الجواب جرُّ الإزار منكر وكبيرة من كبائر الإثم، وهو من صفات الفساق، ولا يقبل هم صلاةَ مَنْ صنعَ ذلك، وسواءً كانَ في الصلاة وحدها أو في الصلاة وخارجها
عبد
الله
(1) ـ السالمي،. بن حميد. مدارج الكمال، ص 27.
(2) – يُنظر: القنوبي، سعيد بن مبروك. جلسة إفتاء "مادة سمعية"، إنتاج: م: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية.
(3)
- وقد أكد لي هذا الإقرار إجابةُ الشيخ حفظه الله - على أسئلة وجهتها إليه (بتاريخ: غرة ذي الحجة 1429 هـ الموافق: 30/ 11 / 2008 م) فقال: بأنه لا دليل على استثناء عورة الأمة، والفتنة بها قائمة كالحرة، والله الموفق. (1/183)
صفحة 184
إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)
المائدة: 27، وكالإزار سائر الثياب، وإنَّما غلب
الإزارُ في الحديث لأنَّه الغالب، وهم أعلم ().
السُّؤالُ الثَّاني هلْ يجب على المرأة تغطية قدميها في الصَّلاة؟
الجواب نعم القولُ الصحيحُ الذي نعتمده أنَّ قدمي المرأة من عورتها التي يجب عليها أن تسترها في الصلاة وفي لقائها بالرجال الأجانب بدليل حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها عندما سمعت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يشدّدُ في إسبالِ الرَّجل لثوبه فسألته عن حكم المرأة، فقال: ترخي شبرًا، فقالت لهُ: إِذَا ينكشفُ عَنْ قدميها، فقال: ترخي ذراعًا. فهذا دليلٌ على أنَّ انكشاف القدَمينِ غيرُ سائغ بالنسبة إلى المرأة مع الرجالِ الأجانب، كذلك في حال الصلاة؛ لأنَّ في حال الصلاة هي مأمورة أن تكونَ في كامل هيئتها (2).
تنبيهات مهمة
حولَ اللباس في الصَّلاةِ
1 - لبسُ السَّاعة في الصَّلاة لا يجوز إذا كانت مصنوعة من الحديد أو من أي نوع من أنواع المعادن على المُعتصم عندَ الشَّيخين - يحفظُهُمَا اللَّهُ؛ وذَلِكَ لَنَهي النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الصلاة بالآنك والشبه (3)، وقيسَتْ عليهما بقيَّةُ المعادن، فَمَنْ نَسِيَهَا ثم تذكرها
عن
أثناء الصَّلاة فعليه أنْ يخلعها مباشرةً (4).
(1) ـ الخليلي،
أحمد
بن
حمد. الفتاوى ج 1 ص 37.
بن
حمد. برنامج: سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 10 ربيع الثاني 1425 هـ،
أحمد
(2) ـ الخليلي، يوافقه 2004/ 5/30 م.
(3) - قال الربيع الآنك القصدير والشبه الصفر الأحمر. كتاب الترتيب ص 139.
(4) - يُنظر: (1/184)
صفحة 185
وَهَكَذَا يُقالُ فِي (الإكسسوارات المصنوعة من المعادن والتي اعتادت بعض النساء لبسها واستخدامها للتزين فعليها أنْ تخلعَها أثناء تأديتها لهذه الشعيرة المقدسة، والعلم عند الله تعالى.
أما لبسُ النَّفَّارَة في الصَّلاة فلا مَانِعَ مِنْهُ إنْ كانت غير مصنوعة من المعادن وكانت لا تشغل المصلي في صلاته (1).
2 - الإشبالُ منكر وكبيرة من كبائر الذنوب سواءً كان ذلك خارج الصلاة أو داخلها؛ للأحاديث المتواترة (2) عنِ النَّبي، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: " إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه ولا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين وما أسفل مَنْ ذلكَ ففي النَّارِ" قالَ ذلك ثلاث مرات (3)، وعلى ذلك فتفسد صلاةُ المُسبِلِ، وَمَنْ صَلَّى خَلفَهُ إِنْ كانَ إمامًا (1).
(1) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 37 - 38.
القنوبي، فتاوى على أسئلة من الشرق الإفريقي ص 3 - 4.
القنوبي، دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية (سابقا)، صيف 1421 هـ / 2000 م، مذكرة رقم 6 ص 17.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الثالث ص 19.
القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 14 رمضان 1422 هـ، يوافقه 2001/ 11/30 م.
(2) - يقول شيخنا إمام السُّنَّة والأصول -حفظه الله -: " النهي عن الإسبال ثبت من أكثر من ستة وثلاثين طريقا. رسول الله. .. وهي. بمجموعها تبلغ التواتر المعنوي، بل لقد قال بعض بأنها من باب التواتر اللفظي، وبالتالي فإن الصلاة خلف المسبل لا تجوز بحال من الأحوال؛ وذلك لأن المسبل متلبس بالمعصية في صلاته ". يُنظر: القنوبي، فتاوى ج 4 " بمعهد القضاء الشرعي (سابقا). اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية، أو مكتبة مسجد جامعة
(3)
السلطان قابوس
القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول، ص 74.
- الربيع باب في الثياب والصلاة وما يستحب من ذلك، رقم الحديث 275.
تنبية: ومع ذلك فلا بد للمسلم أيضا من إظهار الكعبين لحديث " وَلا حَقَّ لِلْكَعْبَيْنِ فِي الإِزارِ". (النسائي، باب: مَوْضِعُ الْإِزَارِ، رقم الحديث 5234).
يُنظر: الخليلي، برنامج: "سؤال أهل الذكر"، حلقة: 18 محرم 1429 هـ، يوافقه 2008/ 01/27 م. (1/185)
صفحة 186
وكذا تفسدُ صَلاةُ المصلين في الصف الأَوَّلِ إنْ كانَ سترة الإمامِ مُسبلا ولم يشاركه أحدٌ في السترة (2)، ومَعَ ذلك فإنَّ الإنسان غيرُ مطالب بالنظر والتفحص للإمام وسترته بل يمضي على صلاته ما دامَ أَنَّ الأصلَ السَّلامة.
- لبس الجوارب للرجال أثناء الصلاة لا يضرُّ بالصَّلاة فهي لا تمنع الأقدامَ مِنْ أن تصل إلى الأرض ولا تمنعُ مِنَ السُّجودِ على سبعة آراب، ولا تدخل في مسألة الإسبال (3).
أما المرأة فقد علمت أنها مأمورة بستر قدَمَيْها بإطالة التَّوبِ وَهُوَ الْأَصْلُ أو بلبس الجوارب (4).
- وردت أحاديث كثيرةٌ تدلُّ على تحريم تصوير ذوات الأرواح وتحريم لبس ما فيه صورة من ذوات الأرواح، وبناءً على قاعدة "النَّهِيُّ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ المَنْهِيِّ عَنْهُ" فقد صحح إمامُ السُّنَّة والأصول - حفظه هـ - بطلان صلاة مَنْ لبس في صلاته لباسًا فيه صورة مِنْ ذوات الأرواح كالبشر وسائر الحيوانات (5).
ه - لا بُدَّ أنْ يكونَ الثوبُ واسعًا فضفاضاً بحيث لا يجد عورة المصلي كالبنطلون الضيق، وهكذا يجب أن لا يكونَ شفّافًا يشفُ عمَّا تحته (6).
الربيع باب في الثياب والصلاة وما يستحب من ذلك، رقم الحديث 275.
(1) - يُنظر: القنوبي، سعيد بن مبروك. فتاوى إمام السنّة والأصول،
، أحمد
(2) ـ الخليلي، بن حمد. الفتاوى ج 1 ص
(3) - يُنظر:
ص
74 - 075
الخليلي برنامج: سؤال أهل الذكر، حلقة: 13 محرم 1424 هـ، يوافقه 16 مارس
القنوبي، برنامج: سؤال أهل الذكر، حلقة: 12 رمضان 1428 هـ، يوافقه 2007/ 09/24 م.
(4) – القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 12 رمضان 1428 هـ، يوافقه 2007/ 09/24 م.
(0) - يُنظر: القنوبي، سعيد بن مبروك. فتاوى على أسئلة من الشرق الإفريقي ص 3.
(1)
6) ـ الخليلي،
ي، أحمد بن حمد. "فتاوى نسائية"، ج 1، س 37. إنتاج: تسجيلات المناهل. (1/186)
صفحة 187
6 - الأصْباغُ الصَّناعيةُ التي توضعُ على الأظافر وتمنع وصول الماء إليها، على
المرأة اجتنابها حتى يصح وضوؤُها ثم تصح عبادتها (1).
الشَّرِطُ الخامس: القِبْلَةُ
جاءت شريعة الإسلام مهيمنةً على الشرائعِ السَّابقة، وجامعةً لمواريث الرسالاتِ السماوية المتقدمة، وأنَّ الْأَنْبِيَاءَ كلّهم إِخْوَةٌ مِنْ عَلَّاتِ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ (2)، وقد أراد هم عزَّ وجلَّ أنْ يجسد ذلك المعنى بأمره لنبيه باستقبال قبلة أهل الكتاب "بيت المقدس (3)، فكانَ المسلمون يستقبلون بيت المقدس قبل الهجرة، وبعد الهجرة لمدة سبعة عشر شهرًا) حتى نزل قولُهُ تَعَالَى: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَهَا فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} البقرة: 144، فتوجة المسلمون نحو الكعبة شرفها هم ورفع قدرها.
(1) - يُنظر: القنوبي، سعيد بن مبروك. فتاوى إمام السنة والأصول، ص 74 - 75.
(4) -
- مسلم، باب: فضائل عيسى عليه السلام، رقم الحديث 4362. والْعَلاتُ: بِفَتح الْمُهْمَلَةِ الضَّرَائِرُ، وَأَوْلَادُ الْعَلات:
الإخوة من الآب وَأُمَّهَاهُمْ شَتَّى.
(3)
(4)
يُنظر: ابن حجر، فتح الباري ج 10 ص 244.
أحمد الخليلي، بن حمد. العقل بين جماح الطبع وترويض الشرع ص 199 - 205.
4) ـ عن ابن عباس أن النبي –صلى الله عليه وسلم- فُرضت عليه الصلوات الخمس قبل هجرته بنحو سنتين، وص رسول الله إلى بيت المقدس بعد هجرته سبعة عشر شهرا، وكانت الأنصار وأهل المدينة يصلون إلى بيت المقدس نحو سنتين قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، وكان النبي الله صلى إلى الكعبة بمكة ثمان سنين إلى أن عرج به إلى بيت المقدس ثم تحول إلى قبلته.
الربيع، باب: استقبال الكعبة وبيت المقدس، رقم الحديث 209. (1/187)
صفحة 188
وقد اتفق المسلمون من حيثُ الجملة على وجوب استقبال الكعبة باعتباره شرطًا من شروط صحة الصَّلاة (1).
فَائِدَةً: قال أهل العلم: يجب على مَنْ كانَ معاينا للكعبة أمامه أن يستقبل عينها (2)، أما مَنْ كانَ غَيرَ مُعاين لها بحيثُ يَتعذَّرُ عليه إصابة عينها- كما هو حالُ
السَّوادِ الأعظم مِنَ المسلمينَ فلا يجب عليهِمْ إلا استقبالُ جهتِهَا (3) قَالَ تَعَالَى: {فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ، البقر
تحري القِبْلَةِ
البقرة: 144.
يجب التحري والاجتهاد في معرفة جهة القبْلَة أي بذل المجهود لنيل المقصود - وذلك بالدلائلِ والقرائن في حقٌّ مَنْ كان عاجزا عن معرفة القبلة، واشتبهت عليه جهتُها، فمَنْ وجدَ أي مرشد اتبعه (برا) كانَ أو فاجرًا) (4)؛ لأن خبر المرشد أقوى من الاجتهاد، وإذا اكتشف بعد الصلاة سواءً كانَ في الوقت أو بعده خطاً ما كان عليه فلا إعادة عليه على الصحيح المعتمد عندَ الشَّيخين -حفظهما الله - (5) مَا دَامَ أَنَّهُ لَم
(1) ـ يقول الشيخ سعيد القنوبي في أجوبته القيمة بالبرنامج القيم "سؤالُ أهل الذكر ": " استقبال القبلة فريضة من الفرائض، بل هو شرط من شروط صحة الصلاة بنص كتاب الله تبارك وتعالى - وبنص السنة الصحيحة عن النبي القولية ودَلَّ على ذلك - أيضًا - فعله الله "
(القنوبي، برنامج: سؤال أهل الذكر حلقة: 15 رمضان 1429 هـ، يوافقه 9/ 16 /2008 م). (2) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 2001 م، الموافق 1422 هـ. (مذكرة خاصة ص 30).
(3) - يُنظر:
الخليلي، برنامج "سؤال أهل الذكر"، حلقة: 5 رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 10/20 م. الخليلي، برنامج: سؤال أهل الذكر، حلقة 10 رمضان 1422 هـ، يوافقه 26/ 11/ 2001 م.
(4) ـ القنوبي، دروس صيف 2001 م الموافق 1422 هـ. (مذكرة خاصة ص 22).
(5) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 186. (1/188)
صفحة 189
يُقصِّرْ فِي التَّحري؛ وفي ذلك قيل- نزلَ قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَ فَثَمَّ وَجْهُ
الله (1) البقرة: 115. فَائِدَةٌ: من الوسائل المعينة والدقيقة في مغرفة القبلة وتحديد جهتهَا "البَوْصَلَةُ"، فعلى المسلم أن يصطحبها في أسفاره لا سيَّما عندما يسافر إلى بلاد غير مُسلمة، قُلْتُ: وقد استخدمناها في سَفَرِنا للولايات المتحدة الإمريكية في صيف 2005 م، وقد كانت عمليَّةً ومُجْدِيَةً جدًّا.
أَعْدَارُ تَرْكِ القِبْلَةِ
تعرَّف - يا رَعَاكَ الله - أنه قدْ يَعرضُ على المصَلِّي منَ العَوارض ما يمنعُهُ مـ استقبال القبلة في صلاته؛ فيمكنه ترك استقبالها في الأحوال التالية:
-1 - صلاةُ الخائف (2) على نفسه أو ماله، وصلاةُ المطرود الذي يتبعه عدو أو سَبع - من السباع، وصلاة المسايفة عند الاشتباك مع العدو، فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا البقرة: 239 قالَ ابنُ عمرَ: مُسْتَقْبلي الْقِبْلَة أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبليهَا (3).
2 - صلاةُ المريض والمكرَه والمربوط إذا عَجزوا عن الاستقبال قال: " إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا، وإذا أمرتكم بشيء فانتوا ما اسْتَطَعْتُمْ (4).
"
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر - حلقة 15 رمضان 1429 هـ، يوافقه 2008/ 9/16 م.
(1) - رُوي عن عامر بن ربيعَةَ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله الله في سَفَر فَتَغَيَّمَت السَّمَاءُ وَأَشْكَلَتْ عَلَيْنَا الْقِبْلَهُ فَصَلَّيْنَا وَأَعْلَمْنَا فَلَمَّا طَلَعَتْ الشَّمْسُ إِذَا نَحْنُ قَدْ صَلَّيْنَا لَغَيْر الْقِبْلَة فَذَكَرْنَا ذَلكَ للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَنْزَلَ الله فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَتَمَ
وَجْهُ اللَّه البقرة: 115.
(2)
(3)
ابن ماجه باب مَن يصلي لغير القبلة وهو لا يعلم، رقم الحديث 1010 (وفيه ضعف عند بعضهم).
- يُنظر: |: القنوبي، سعيد بن مبروك. بحوث ورسائل وفتاوى- القسم الأول، ص 59. البخاري، بَاب: قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا، رقم الحديث 4171.
4) – الربيع، باب: في فرض الحج، رقم الحديث 397. (1/189)
صفحة 190
صلاة النافلة على الراحلة في حال السفر، فعن ابن عمر بن الخطاب.
قالَ: " كان رسولُ الله يصلي على راحلته في السَّفرِ حيثُ ما توجهَتْ بهِ راحلته")
قال الربيعُ: وذلك في النوافل.
و
تنبيه مهم
صلاة النافلة في السفر على الراحلة كالسيارة والحافلة والطائرة من السنن التي غفل عنها كثير من الناس في هذه الأيام، فتجد الواحد منهم هدانا له وإياهم- يقطَعُ المئات بل الآلاف مِنَ الكيلومترات بين نوم وأكل وكثرة حديث ووقع في أعراض النَّاسِ، وينسون أو يتناسونَ هذه السُّنَّة الشهيرةَ الثابتة عن الأسوة الحسنة
أن
فما أجدرَ المسلم وهو يمشي في مناكب الأرض، ويضرب في مشرقها ومغربها. يُجدد العهد والصلة بالله -عز وجل- فيحيي هذه السُّنَّةَ ويدعُوَ الناس إليها لا سيما في تلك الأسفار التي يقصد فيها المسافرُ بيت هم العتيق لأداء شعائر الحج والعمرة، ألا وإِنَّ ذلكَ مِنْ تعظيم شعائرِ هـ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ
الحج: 32
(3)
(1) - يُنظر: الربيع، باب: في سبحة الضحى وتبردة الصلاة، رقم الحديث 203.
22 - القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس في جامع الإمام الجيطالي بالموالح الشمالية، صيف 6 ..
(2)
(3) - مَن شاء المزيد حولَ صلاة النفل في الراحلة وأحكامها وما يتعلق بها من مسائل فقد كفانا عناء البحث عنها علامة المعقول والمنقول-متعنا الله بحياته - ومَنْ قَصَدَ البَحْرَ اسْتَقَلَّ السَّواقيا، فانظر - أخي طالب العلم - إجاباته الشافية في البرنامج القيم: سؤال أهل الذكر، حلقة: 27 رمضان 1428 هـ، يوافقه 2007/ 10/09 م. (1/190)
صفحة 191
مَسْأَلةٌ
في الصَّلاةِ دَاخِلَ الكَعْبَةِ
اختَلَفَ أهل العلم في الصَّلاة داخل الكعبة على عدة آراء، فمنهم من منع ذلكَ مطلقًا، ومنهم مَنْ منع الفرضَ وأجازَ النَّفل (1) و به أفتى سماحة المفتي حفظه الله (2)، بينَما مَالَ العلامةُ القنويي -حفظه الله - إلى الجواز مطلقًا فرضًا أو نفلا (3)؛ لثبوت فعل ذلك عن الشارع () مع عدم وجود ما يصرفُ هذا الفعل عن أصل العموم إلى التخصيص بالنفل دون الفرض؛ إذ الأَصْلُ أَنَّ مَا جَازَ فِي النَّفْلِ جازَ في الفرض إلا إِذَا دل دليلٌ عَلَى خلاف ذلك. ولا دليل -كذلك- عَلَى التَّخصيص به دون غيره من أفراد أُمته.
اتخاذ السترة
اتخاذ
اعلم - وفَّقَكَ هم للعمل بسنة نبيه الشريفة - أنَّهُ قد غفل كثير من الناس عن السترة أثناء صلاتهم، فتجد الواحد منهم إذا دخل المسجد لم يهتم أن يصلي خَلْفَ سارية أو جدار يمنع المارةَ مِنَ المرور أمامَهُ، واتخاذ السترة سنة من السنن النبوية الثابتة
(1)
1) - السالمي،.
عبد
الله
بن حميد. شرح الجامع الصحيح ج 2 ص 194.
أحمد
بن حمد. برنامج سؤال أهل الذكر تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 20 رمضان 1426 هـ
(2) ـ الخليلي، يوافقه 2005/ 10/24 م.
(3) - يُنظر:
القنوبي، دروس صيف 2001 م الموافق 1422 هـ. (مذكرة خاصة ص 30).
القنوبي، دروس صيف 2004 م الموافق 1425 هـ. (مذكرة خاصة ص 17).
القنوبي، برنامج " سؤال أهل الذكر، حلقة: 26 رمضان 1428 هـ، يوافقه 2007/ 10/8 م.
(4) - المشرّعُ والشارع في الحقيقة هو الله عز وجل، ولكنها تُطلق مجازا كما في السياق أعلاه على
المبلغ لشرع الله -عز وجل-.
يُنظر: السالمي، مشارق أنوار العقول، ص 46. (1/191)
صفحة 192
من قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله، فقد قال الله: " إِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْل فَلْيُصَلِّ وَلا يُبَال مَنْ مَرَّ وَرَاءَ ذَلكَ ((1)
وإذَا أراد شخص المرور أمامَ المصلّي فإنَّ المصَلِّي مأمور بدفعه ودرثه ما استطاع، فإن أبى فمَا هوَ إلا شيطان من شياطين الإنس كما ثبت في الحديث " إن أحدكم إذا كان في الصلاة فلا يدع أحدًا يمر بين يديه وليدرأه ما استطاعَ فَإِنْ أَبِي فليقاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطان (2).
وإِذَا قُدِّرَ أَنَّ شخصًا مرَّ بين المصلي وسترته فإنَّ صَلاتَه لا تتأثر على الرأي الْمُعْتَصَد الرَّاجح عندَ الشيخين الخليلي (3) والقنوبي (4) -يحفظُهُمُ ه؛ وذلك لأنَّ الصَّلاةَ ليست حبلاً ممدودًا ينقطعُ بمرور المارة، وإنَّما هي صلة بين العبد وربه، يصلها بر القلب ويقطعُها فجوره (5).
(1)
- مسلم، باب: سُتْرَةِ الْمُصَلِّي، رقم الحديث 769.
تنبية: وبناء على ثبوت هذه السنة فلا ينبغي تركها، ومن حيث حكمها الشرعي فللعلماء فيها خلاف، فقيل: بالوجوب، وقيل: بالتأكيد، يقول العلامة القنوبي عافاه الله -: " فالسترة تدور بين الوجوب والتأكيد"، وكذا فينبغ كما يشير الحديث - أن ترتفع السترة عن الأرض مقدار شبرين أو ثلاثة، وأما أحاديث اتخاذ الخط فضعيفة".
(القنوبي، دروس صيف 2002 م الموافق 1423 هـ. (مذكرة خاصة ص 59)).
(2) ـ الربيع، باب: الجواز بين يدي المصلي، رقم الحديث 246.
أحمد
(3) ـ الخليلي، بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 38.
(4) - القنوبي، سعيد بن مبروك. فتاوى إمام السنّة والأصول ص 38.
(ه) - وإلى هذا الرأي -أيضا- ذهب الإمام الرضي المحقق محمد بن عبد الله الخليلي -رضوان الله تعالى عليه- في أجوبته القيمة المسماة بالفتح الجليل من أجوبة الإمام أبي خليل.
الجدير بالذكر أنَّ ما يُذكر "إن الصلاة ليست حبلا ممدودا .. إلخ" ليس بحديث نبوي وإن توهم ذلك من توهمه من أهل العلم نظرا لروايته في بعض الكتب الفقهية، وقد قلنا سلفا إن الأحاديث تؤخذ من مصادرها الأصلية، ولا تؤخذ من كتب الفقه التي كثيرا ما تخلط الحابل بالنابل والغث بالسمين، لا سيما إن اجتمع مع ذلك قلة علم وعدم إدراك من
قارئها. (1/192)
صفحة 193
فائدة
رخص بعض أهل العلم في المرور بين يدي المصلّي في المسجد الحرام؛ ولعل ذلكَ لوجودِ الزّحام ووقوع الحرج في حال التشديد على النَّاسِ، والأمرُ إِذا ضَاقَ السَعَ، وعُمومًا يَنبغي لمنْ وَجَدَ سَبيلاً إلى تَرْك المرور أن لا يمر (1).
تنبيه مهم: يكثُرُ المُرُورُ بينَ يَدَيْ المصَلِّي مِنْ قِبَلِ بَعضٍ مِنَ الْمُصَلِّينَ غَيْرَ مُبَالِينَ بنهي النبي، وأكثرُ مَا يقعُ ذلكَ في صَلاةِ الجُمُعَةِ وصَلاةِ التراويح ونحوها مِنَ الصَّلوات، وقد نهى النَّبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلامُ عن ذلكَ مُشَدَّدًا ومُعْلظًا قَولَهُ: "لَوْ يعْلَمُ المار بينَ يَدَيْ المصَلِّي مَاذَا عليه لَوَقَفَ أربعينَ خيرًا لَهُ مِنْ أَنْ يمرَّ بِينَ يَدَيْهِ". قَالَ جابر: قال بعض الناس يعني أربعين خريفًا، وقال آخرون: أربعينَ شَهْرًا، وقالَ آخرون: أربعين يوما (2).
خطيب من
الخطباء عجب
لطيفة: وفي هذا السياق من لطيف ما حدثني به أحد الدكاترة في حرم الله الآمن عن الناسُ مما أتى به في خطبته من أحاديث واهية لم يتجاوز واحدٌ منها عتبة الضعيف على أكثر تقدير، فلما نزل سأله الناس من أين لك بهذه الخطبة؟!! فردَّ عليهم محتجاً: أخذتها من كتاب الموضوعات لابن الجوزي! والله المستعان. يُنظر: الخليلي، الإمام محمد بن عبد الله. الفتح الجليل من أجوبة الإمام أبي خليل ص 193.
(1) - يُنظر:
القنوبي، قرة العينين ص 118 - 136.
عبد الفتح الجليل من أجوبة الإمام أبي خليل ص 193.
الخليلي، الإمام محمد الله بن.
القنوبي، دروس صيف 2002 م الموافق 1423 هـ. (مذكرة خاصة ص 63).
(2) - الربيع، باب: الجواز بين يدي المصلي، رقم الحديث 245. (1/193)
صفحة 194
خَاتِمةٌ
فِي أَحْكَامِ القِبْلَةِ
وإليك ما قالَهُ النورُ السَّالميُّ - رَحمَهُ الله - فاحفظها واشدُدْ بما يدًا (1):
إن كنت في المسجد أو للجهة
أن تتحرى فالتحري لزما
فيها وإِنْ كانُوا مِنَ الفجَّارِ نفس و مال من عدو أقبلا و لا يُطيقُ نحوهَا أَنْ يَنتصب أو حائرا لم يهتد البيلا على الطريق و على الرحال ويمض حيثُ شَاءَ مِنْ غيرِ شَطَطً
***
***
***
***
***
***
***
و يجب استقبالُ عَين الكعبة
إن لم تكن فيه ولكن بعدما
و جائز تقليد أهل الدار
ويترك القبلة مَنْ خَافَ عَلَى أوْ كانَ مربوطًا على نحو خشب
أَوْ كانَ أعمى لم يجد دليلا
أوْ كانَ ذا تنفل في الحال لكنه يحرم نحوها فقط
(1) ـ السالمي، عبد الله
بن حميد. مدارج الكمال ص 28. (1/194)
صفحة 195
البَابُ الرَّابِعُ فِي أَرْكَانِ الصَّلاةِ
وبعد أن تعلمت - أخي الطالب أختي الطالبة - شروط الصَّلاة فاحمد هم تعالى على نعمة العِلْمِ واسألهُ التَّوفِيقَ لصالحِ العَمَلِ، والاقتداء بسَيِّدِ الرُّسُلِ، المعطى جوامع الكلم، القائل: " صلوا كما رأيتمُونِي أُصَلِّي (1).
وقد مرَّ لديك سلفًا أنَّ للصَّلاة أركانًا وقد عرفت الفَرقَ بينَ الرُّكن والشرط فشمر العزم لإدراك الأركان فإنَّهُ لا يمكنُ أنْ يقومَ للصَّلاة بدونها بنيان ...
وأركانُ الصَّلاةِ تسعة، وهي إجمالاً - النيَّة، والقيام، وتكبيرة الإحرام،: والخشوع، وقراءة الفاتحة، والركوع والسجود، والتشهد الأخير، والتسليم.
فَهَاكَها مفصلةً مُبَيَّنَةً:
الرُّكْنُ الأَوَّلُ: النيَّةُ
النية هي الركنُ الأول من أركان الصلاة، بل هي الركن الأول من جميع العبادات التي لا نعقلُ معناها، والدَّليلُ على وجوبها وركنيَّتِها قَولُهُ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ البينة، وقولُهُ عليهِ الصَّلاةُ وَالسَّلَامُ: " إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بالنيات (2).
(1) – البخاري، باب: الْأَذَانِ لِلْمُسَافِرِ إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً وَالْإِقَامَةِ، رقم الحديث 595.
(2) - رواه:
الربيع، باب: في النية، رقم الحديث 1.
البخاري، باب: بدء الوحي، رقم الحديث 1. (1/195)
صفحة 196
فَضْلٌ
واعلم - يا رحمك هـ - أنَّهُ ينبغي للمصلّي إذَا أرادَ القيام واقفًا بين يدي ربه العظيم جل في علاه أنْ يُخلص القصد والمراد الله تعالى ثم يُعَيِّنَ الصَّلاةَ التي يريدُ القِيامَ لها ظهرًا أو عصرًا ... ثم يعينها فرضًا أو نفلاً ... حضرًا أو سفرًا .. أداءً أو قضاء، وعليه أن يستحضر نيته طوال الصلاة إن أمكنه، وإن عزبت النية أثناء الصلاة فلا بأسَ ما لم قطعها أو تبديل النية لصلاة أخرى كان يحولها مِنْ فَرْضِ لنفل، أو مِنْ فَرضِ لَفَرَضِ آخرَ فَإِنَّ ذلك مما تفسُدُ الصلاةُ الصلاة به).
ينو
فَتْوَى
السؤال ما الحكمُ إِذَا صلَّى الشَّخصُ الجمعة بنية أنها (سنة) جاهلاً بحكم وجوبها؟ وهَلْ يلزمُه شيءٌ؟
الجواب عليه أنْ يُبدلها ظهراً أربع ركعات؛ فإنَّ الجمعة لا تنعقدُ إِنْ نواهَا سنةً، وعليه التوبة إلى هل الجهله الواجب عليه، وهم أعلَمُ (2).
فَوَائِدُ
صحح محدَّثُ العَصر (3) - حفظَهُ هم - أنَّهُ لا يلزمُ المسافر تعيينُ صلاتي المغرب والفجر أنهما حضر أو سفر؛ وذلك لأنهما صلاتان لا قصْرَ فيهما.
(1) – القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 1425 هـ / 2004 م، "مذكرة خاصة / شرح أبواب من الإيضاح"،
ص 24.
(2)
أحمد) ـ الخليلي، بن
حمد. الفتاوى ج 1 ص 131.
(3) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك، دروس صيف 2003 م يوافقه 1424 هـ. (مذكرة خاصة ص 11، 34). (1/196)
صفحة 197
وصحح كذلك وجوب التزامِ النِّيةِ في ركعات الصَّلاة كصلاة الوتر مثلاً- على
ما أَحْرَمَ عليه أوَّلاً، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ ثلاثًا إنْ كانَ أحرَمَ بواحدة، أو يقتصر على
واحدة إن أحرم على ثلاث (1).
تنبية
في النِّياتِ اللُّفظِيَّةِ
النية المطلوبة للصلاة هي النية القلبية، وهيَ القصد والعزم بالقلب لأداء الفعل، ومعنى ذلك أن النيةَ محلها القلبُ، وأمَّا ما شاعَ عندَ الكثير من الناس من الإتيان ببعض الألفاظ فهو ليس من النية الواجبة في شيء، بل لم يأت به سلطان لا من كتاب ولا من سنة، ولم يكن معهودًا عندَ الرَّعيل الأول من صحابة رسوله والتابعين لهم، وإنَّما استحسنَهُ بعض العلماء المتأخرين من أجل إعانة العوامِ على استحضار نية الصلاة فقط، ولكن صارَ الأمرُ عادةً عندَ النَّاسِ فاختلطت العادة بالعبادة حتى قالوا بوجوب هذه الألفاظ (2) ...
ومن المعلومِ بين عوام الناس أنفسهم أنه لو قال أحد لصاحبه: "كنتُ نَوَيْتُ بالأمس زيارتك" لم يكن معنى ذلك أنَّه ردَّدَ ألفاظًا معيَّنةً، وإِنَّمَا هوَ قصدُ القلب فقط لفعل ذلك العمل، فحصلت النية بذلك.
ويكفي دلالة على وجود نية الصلاة وجود نية الصلاة أنَّ الواحد منهم إذا أرادَ أنْ يصلّي ذهب فقضى حاجته وتوضأ وضوءَ الصَّلاةَ ثُمَّ مَشَى لمصَّلاهُ وقامَ في الصف واستوى عند إقامة الصلاة، فما معنى ذلك كلّه؟!! أليس دليلاً واضحًا على وجود النية والقصد والإرادة؛ ولذا أنكر الإمامُ النُّورُ السَّالِمِيُّ - رَحِمَهُ الله - في جوهره ذلك القول ناظِما:
(1) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك جلسة إفتاء بمجلس متزله - ليلة الأربعاء 29/ 4 / 2008 م.
(2)
، أحمد 2) ـ الخليلي، بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 156. (1/197)
صفحة 198
ونِيَّةُ الصَّلاةِ بالجَان
واللفظ تأكيد لمن يشاه
كَيْفَ يَكُونُ اللَّفْظُ يلزَمَنَّا وَالوَاجِبُ النِّيَّةُ دُوْنَ القَوْل
ويقولُ رَحِمَهُ اللهُ في موضع آخر:
لأَنَّمَا النِّيَّةُ با
ويقولُ في موضع ثالث:
بِالفُؤَادِ
وَهِيَّ بالقَلْب وباللسان وأَهلُ نَزْوَى عِنْدَهُمْ بِالقَلْبَ
***
***
***
***
***
***
فقط دونَ اللفظ باللسان
وَقِيلَ لازم وَلا تَرَاهُ
لَمْ يَكُنْ فِي القَصد يَدْخُلَنَا
فَلا أَرَى صحتَهُ منْ قَوْل (1)
لا بالتلفظَات والتعداد (2)
في قول بعض النَّاس من عُمان وَهُوَ الذي مَالَ إِليه قَلْبي (3)
الرُّكنُ الثاني: القِيامُ
دل مجموع النصوص من كتاب هـ تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم عَلَى وُجُوبِ القيام في
الصَّلاةِ، وأَنَّهُ رُكن لا تصحُ الصَّلاةُ بدونِهِ قَالَ تَعَالَى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَنِتِينَ البقرة: 238، وفي السُّنَّةِ المطَهَّرة قوله: صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطعْ فَقَاعدًا (4).: فَقَ
(1) ـ السالمي، عبد الله بن حميد. جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام ج 1 ص 78.
(2)
بن حميد. جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام ج 1 ص 89.
- السالمي،
عبد
(3) ـ السالمي، عبد الله بن حميد. جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام ج 4 ص 292.
(4) - البخاري، باب: إِذَا لَمْ يُطِقْ قَاعِدًا صَلَّى عَلَى جَنْب، رقم الحديث 1050. (1/198)
صفحة 199
هذا بالنسبة للفرائض، ويُرخَصُ في النَّوافل المطلقة - غير المؤكدة وغير الراتبة بالصَّلاة قاعدًا ولوْ مع الاختيار (1)، ولكنَّ صلاة القاعد في هذه الحالة أقل درجةً من صلاة القائم قال: " صلاة أحدكم قاعدًا نصفُ صلاته قائمًا "
فَصْلٌ فِي صِفَةِ القِيَامِ
وصفة القيام أن ينتصب المصلّي معتدلاً دون انحراف أو اتكاء لأي جهة من الجهات معَ التفريق بينَ القدَمَين دونَ مباعدة كبيرة بحيثُ تكون قدماه مسايرة لأعضاء جسمه، ويسوي المصلّي قامته ويقيمُ صلبَهُ ويُرْسِلُ يديه على جانبيه (3)، ويصوبُ
(1) ـ لأن القيام في النوافل المطلقة غير المؤكدة كسنة الفجر، والراتبة كسنة المغرب- ليس بركن وإن كان أفضل وأكمل للأجر، أفاد ذلك محدث العصر -حفظه الله وأبقاه-.
(القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 27 رمضان 1428 هـ، يوافقه 2007/ 10/09 م).
(2) ـ الربيع، باب: في القعود في الصلاة والتحيات، رقم الحديث 235.
من
صلاتنا
(3) - تميز أصحابنا -رحمهم | الله- منذ القرن الأول الهجري وإلى يومنا هذا بالأخذ بالأحوط والمجمع عليه في تمام الصلاة، وترك المختلف فيه، يقول سماحة الشيخ أبقاه الله -: " وعملنا في الصلاة، مبني على الاحتياط، ولذلك كانت صلاتنا صحيحة بالإجماع"، ويقول في موضع آخر: " مع أن صلاتنا -والحمد لله- صحيحة بالإجماع؛ فإن خالفنا في شيء من من أصحاب المذاهب الأربعة لم يقولوا في كتبهم بوجوب فعل ما لم نفعله -أي باشتراطه لصحة الصلاة، ولا بفساد الصلاة بفعل ما نفعله ولا يفعلونه، بل ما خالفونا فيه يعدونه من السنن والمستحبات، وأصحابنا - رحمهم الله - آخذون بالأحوط في كل شيء" (الخليلي، الفتاوى، ج 1 ص 210، 234)، وكذا يقول العلامة القنوبي - يحفظه الله - بأن: "صلاتنا صحيحة - إن شاء الله تعالى- باتفاق من يعتبر باتفاقه واختلافه" (القنوبي، دروس صيف 2001 م / 1422 هـ"مذكرة خاصة ص 26"). ذلك ومن
عدم عملهم برفع الأيدي وضمها في الصلاة، ولم يقل أحد منهم بمشروعيته فضلا عن
مسنونيته أو استحبابه، أما الرفع فمن أدلتهم على عدم مشروعيته ما يأتي:
1 - الاضطراب الكبير والاختلاف الشديد في روايات الرفع وحكمه، وهي تتراوح بين الاستحباب والجواز وعدم الجواز، ثم اختلافهم في عددها ومواضعها وتفاصيلها؛ وهذا الاختلاف يدل على أنه أمر زائد عن الصلاة، وليس سنة دائمة للرسول صلى الله عليه وسلم، ولو كان كذلك لما تباين الحكم إلى هذه الدرجة. ومثل هذا الاضطراب في الروايات ثم الأقوال يقال في مسألة الضم. وهذا يدلنا على ضعف القاعدة التي قامت عليها هذه المرويات المضطربة في مسألة من أكثر المسائل والقضايا تكرارا في حياة النبي بل هي أكثر عبادة كررها (1/199)
صفحة 200
النَّبِي في حياته. ومع هذا الاضطراب الشديد والتباين الكبير في الآراء رأى أصحابنا أن السلامة لا تكون إلا في الرجوع إلى الأصل وهو سدل اليدين.
2 - وجود روايات صحيحة تنهى عن الرفع مثل قوله: " كأني بقوم يأتون من بعدي يرفعون أيديهم في الصلاة كأنها أذناب خيل شمس". (الربيع 216) وعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: " مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ اسْكُنُوا فِي الصَّلاة". (مسلم 651).
وجود روايات تذكر التكبير في الصلاة بدون ذكر الرفع: مثل حديث (المسيء صلاته): " إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاة فكبر ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّر" البخاري 715.
- الأخذ بمبدأ الاحتياط والرجوع إلى الأصل: بما أن الرفع لم يثبت عن النبي من طريق تقوم به حجة فهو الصلاة غير معنى أو حاجة فينبغي تركه وعدم
عمل زائد عن
من
فعله.
العمل بالقاعدة الفقهية القول مقدم على الفعل عند الاختلاف، وهنا تعارض النهي الصريح عن الرفع مع
صل الله
الروايات الفعلية المحتملة والمعلة في رفع النبي.
وأما أدلتهم في ترك ضم اليدين في الصلاة فألخص بعضها فيما يلي:
1 - ضعف الروايات التي استدل بها القائلون بالضم، وقد ناقش هذه الروايات وبين ما فيها من علل غير الإباضية، منهم الشيخ محمد عابد مفتي المالكية بمكة في كتابه "القول الفصل في تأييد سُنَّة السَّدل"، والشيخ محمد الخضر الشنقيطي في إبرام" النقض لما قيل من أرجحية القبض"، وغيرهم.
ومن الإباضية محدث العَصْرِ –أبقاه الله - حيث صرح بقوله: " أحاديث الرفع والضم لم تثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وكذا أحاديث التأمين وعلى تقدير ثبوت شيء منها فإنه منسوخ - كما
بيناه في موضع
آخر". يُنظر:
القنوبي، رسالة في حكم آمين.
-2
القنوبي، سلسلة في ظلال السنة. فتاوى"1" شرط سمعي، إنتاج: تسجيلات مشارق الأنوار.
الأصل في الصلاة هو السدل، والقبض أو الضم شيء زائد عنها، ونظرا لاختلاف العلماء فيه فقد أخذ الإباضية بالأصل وتركوا ما عداه.
3 - أنَّ الضم لا يكون إلا برفع اليدين، وقد تقدم معك عدم مشروعية رفع اليدين في الصلاة.
4 - الأخذ بالمجمع عليه، وهو صحة الصلاة بالسدل، وترك المختلف فيه وهو جواز الضم وعدمه.
هذا مختصر مفيد وملخص سريع، وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق، ومن لم ينفعه قليل الحكمة ضره كثيرها، أما
للاستزادة والتفصيل فراجع:-
جواب للشيخ الخليلي بالفتاوى ج 1 ص 224. (1/200)
صفحة 201
ببصره نحو موضع سجوده ولا يرفعه؛ لما جاء من الوعيد الشديد على ذلك، ففى الحديث عنه قال: " مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ، فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ: لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتَحْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ).
فتْوَى
السُّؤالُ في حال تأدية الصلاة أين يكون نظر المصلّي؟
•
جواب للشيخ القنوبي على أسئلة الشرق الأفريقي ص 22 - 24.
ومع ذلك كله فإن أصحابنا رضوان الله تعالى عليهم - لا يحكمون على من خالفهم في هذه المسألة، أو غيرها من المسائل الخلافية التي اختلفت فيها كلمة الأمة منذ قرون طويلة بفساد الصلاة ولا بعدم جواز الصلاة خلفهم ما دام أنهم يعملون بما يعتقدون أنه سنة، ويرتضونه دليلا، يقول سماحة الشيخ الخليلي -حفظه الله تعالى- في فتاواه:" لم أتعرض في جوابي لصلاة الشافعي ولا غير الشافعي جوازا ولا بطلانا، وما كان لي أن أحكم ببطلان صلاة أحد يتمذهب بمذهب ويؤدي صلاته طبق تعاليم ذلك المذهب، فإن علماء المسلمين لهم اجتهادات وآراء في الصلاة وغيرها من العبادات، ولا يُعد الخلاف في ذلك من القضايا المفضية إلى الإشكال .. ". (الفتاوي ج 1 ص 218 - 219). ويقول في موضع آخر: " لا ينبغي للمسلمين أن تشتد الخصومة بينهم في مسائل فرعية، للاجتهاد فيها مجال رحب، ما دام كل مجتهد يتعلق فيها بما يراه حجة ويرتضيه دليلاً". (الفتاوى ج 1 ص 217).
بل إن الاختلاف في مثل هذه القضايا الفرعية الجزئية أمر أراده الله لحكمة بالغة في علمه ولا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ
النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُم هود: 118 - 119، وهذا هو
غاية
التسامح وقمة التعايش الذي امتاز به أصحاب هذا المذهب العريق مع مخالفيهم من أهل القبلة، حتى أنهم يطلقون عليهم مصطلح (قومنا) بل يعتبرونهم جميعا إخوانا لهم ما دام أنهم يشهدون بشهادة التوحيد التي لا يختلف فيها اثنان من المسلمين، يقول الإمام السالمي - رَحِمَهُ الله - في منظومته القيمة "كشف الحقيقة":
ونحن لا تطالب العبادا فى بالجملتين قُلنَ
***
***
فوق
إخوان
بادا
هادَتَيْهِمُ اعْتقَ رَباحُقُوق قُمْنَ قُمْنَا
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل،،،
(1) ـ البخاري، بَاب: رَفْعِ الْبَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، رقم الحديث 708. (1/201)
صفحة 202
الجواب المصلى عندما يكونُ قائمًا يكون نظره محصورًا بين قدميه وموضع سجوده، وعندما يكون ساجدًا يَنظُرُ إلى أنفه؛ لأنَّ ذلكَ هوَ النظر الطبيعي، وعندما يكون راكعًا ينظرُ إلى مَا بينَ إلهاميه، وعندما يكونُ قاعدًا ينظر إلى ما بين ركبتيه، والله تعالى أعلم).
تنبية
السُّنةُ أنْ يفتح المصلّي عينيه في الصلاة، لكن لا ينبغي له أنْ يفتح عينيه كثيرًا مخافةَ أن يشتغل، بل يكونُ الأمرُ وسطًا، بل الظَّاهِرُ كما يقولُ شيخنا الخليلي والغاربي أَنَّهُ لا مانع من الإغماض لمن خشي الاشتغال بالفتح، وبالله التوفيق (2).
فَصْلٌ فِي صَلَاةِ العَاجِزِ
واعلَمْ - أدام هم عليْكَ نعمة الصحة والعافية - أنَّ مَنْ لم يستطع القيامَ فِي الصَّلاةِ فإِنَّهُ يسقط عنهُ هذَا الفرضُ، فيُصلِّي على الكيفية التي يستطيعُ عليها، فمَنْ لم يستطِعْ أنْ يصلِّيَ قَائِمًا فَليُصَلِّ قاعدًا (3)، فإِنْ لم يستطعْ أَنْ يُصلِّيَ قاعدًا فليصل مضطجعًا عَلَى
(1) ـ الخليلي،
(2) ـ يُنظر:
أحمد
حمد.
المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 1 117
الخليلي، برنامج: سؤال أهل الذكر - حلقة: 19 ربيع الأول 1425 هـ، يوافقه 9/ 5 /2004 م. الخليلي، برنامج "سؤال أهل الذكر " حلقة: 10 شوال 1426 هـ، يوافقه 2005/ 11/13 م. الغاربي، محمد بن راشد. "جلسة إفتاء" بتاريخ: 13 شعبان 1423 هـ.
(3) ـ يكون وضع القدمين حال الصلاة قاعدًا كحالها في وضع التشهد إلا أنَّ نصب القدم اليمنى لا يكون إلا عند
قراءة التشهد قدر الإمكان وإلا فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ - التغابن: 016
يُنظر: القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى- القسم الثالث ص 16. (1/202)
صفحة 203
جنبه الأيمن مستقبلاً للقبلة بوجهه، وإلا صلّى مُستلقيًا على ظهره وتكونُ قدماه نحو القبلة، بحيثُ لَوْ وقف لاستقبل القبلة)).
وإن لم يتمكن من استقبال القبلة فليصل إلى أي جهة كان عليها، وهكذا من لم يستطع أن يركع أو يسجد فليومئ لهما، ويكون إيماؤُهُ للسجود أخفض من إيمانه للركوع (2)، فإن لم يستطع الإيماء ولا الحركة مطلقاً فعليه أن يأتي بألفاظها من قراءة وتسبيح وتحميد (3)، ولا يترك الصلاة في حال من الأحوال ولو أنْ يُكَيفَ أعمالها بقلبه ما دام أن مناط التكليف (العَقْلَ) قائم بهِ فَسُبحانَهُ ما أَيسرهُ مِنْ دِيْنِ، وَمَا أَتَهَا مِنْ أَنَّ نعْمَةٍ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ - البقرة: 185.
والدِّينُ يُسْرٌ لَمْ يَكُنْ عَسِيرًا
***
فَبَشِّرُوا لا تُظْهرُوا التنفيرا
(1) ـ يقول شيخنا القنوبي -حفظه الله - في أجوبته المتلفزة: "والصحيحُ أنه لا يصح الاستلقاء إلا لمن لا يتمكن من وهو على جنب أو كان يَشقُ عليه ذلك ففي هذه الحالة يُصلي مستلقيا" .. إلخ ذلك التفصيل الممتع الذي تجدونه في هذه الحلقة المؤرخة بتاريخ: 27 ربيع الثاني 1426 هـ، يوافقه 2005/ 6/5 م.
الصلاة
(2) - يُنظر:
(*)
"
الخليلي، برنامج: "سؤال أهل الذكر - حلقة 15 جمادى الأولى 1430 هـ، يوافقه 10/ 5 / 2009 م. القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر " حلقة: 22 رمضان 1430 هـ، يوافقه 12/ 9/ 2009 م.
العلماء من
تنبية: نص بعض أهل العلم على مشروعية التكبير في حق من لم يستطع القراءة فيكبر عن صلاته خمسا أو ستا أو سبعا، ولم يفت شيخنا أبا عبد الرحمن القنوبي-متعنا الله بحياته أن يعلق على هذه الأقوال، فقد أعقبها بقوله: " وأنا في الحقيقة لم أجد دليلا يدلُّ على هذه الأقوال جميعا بل ولا يوجد ذلك في حقيقة الواقع، وقد أخذ ذلك بعض الصلاة على الميت وهو قياس عجيب، وعلى كل حال أرى أن الذي يستطيع أن يأتي بالتكبير فهو يستطيع -أيضا- أن يأتي بالقراءة وينوي الركوع والقيام والسجود وما شابه ذلك .. ".
وهكذا لا يُشرع التكبير عن الغير من باب أولى؛ لأن كل أحد مكلف بالقيام بالعبادة بنفسه ولا يكبر أحد عن أحد كما لا يصلي أحد عن أ أحد، غياب العقل يسقط التكليف، وقد قيل قديما: "إذا أخذ الله ما وهب (العقل) ومع.
أسقط ما أوجب".
(يُنظر: القنوبي، برنامج: سؤال أهل الذكر، حلقة: 27 ربيع الثاني 1426 هـ، يوافقه 2005/ 6/5 م). (1/203)
صفحة 204
فتْوَى
السُّؤالُ أُنَاسٌ كَانُوا مُسَافِرينَ في حَافِلَة وأَدْركَتْهُمْ صَلَاةُ الفَجْرِ، فَقَائِدُ الحافلة رَفَضَ الوقوف وهمْ لم يُصَلُّوا أيضًا إلا بعدَ أنْ وقفَتِ الحافلةُ وطَلَعَت الشَّمسُ. الجَوابُ قَدْ كَانَ عَلَيهِمْ أَنْ يُصَلُّوا في ميقات الصَّلاةِ وأَلا يُؤخِّرُوها حَتى تطلُعَ الشَّمْسُ عَلَيهِمْ أَنْ يُصَلُّوا فنحْنُ وَقَعْنا فيه، أنا بنفسي وقعت في مثل هذه الحالة قبل أكثرَ مِنْ ثلاثينَ عَامًا مِنَ الآن صليتُ في الحَافِلَة وتعَدِّرَ عَلَيَّ أَنْ أَجدَ الماء للوُضُوءِ أَوْ أَنْ أجدَ التُرابَ للتَّيهم، فتيممتُ بغُبارِ المقعد، مقعَدِ الحافلة فصلَّيتُ، والحمدُ اللهِ).
مسألة
لو قُدْرَ أَنَّ إنسانًا لم يجد ما يستر به عورتَهُ في الصَّلاة إلا أن يصلي جالسًا، فهل يُراعي الرُّكن؟ فيُصلي قائمًا، أو يراعي الشَّرْطَ؟ فيُصلي جالسًا، قولان، والمختارُ عندَ العلامة القنوبي - حفظَه هم - أنَّه يصلّي قاعدًا؛ لأنَّ هذا هو الأقربُ إلى معاني الشريعة ومقاصدها، ومع ذلكَ يَستر عورته بما أمكنَ مِنْ تُراب أو شَجَرِ (2)، إلا إذا كان في مكان ساتر بحيث لا يمكن أن يطلع عليه أحدٌ - كأن يكون في غرفة مغلقة فيراعي
حينَهَا الرَّكن ويصلي قائمًا (3).
_ (1)
الخليلي،
2009/ 3/1 م.
(2) - السَّالِمِي،
(3) ـ القنوبي،
أحمد
بن
حمد. برنامج: "سؤال أهل الذكر تلفزيون سلطنة عمان، 4 ربيع الأول 1430 هـ، يوافقه
، عبد الله:
بن حميد. تلقين الصبيان 69. طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الدينية دائرة الوعظ.
ص
، سعيد بن مبروك. دروس صيف 2001 م، الموافق 1422 هـ. (مذكرة خاصة ص 22). (1/204)
صفحة 205
مَسْأَلةٌ أُخْرَى
الأصلُ أنَّ المأموم يتابعُ إمامَهُ صلَّى الإمامُ قاعدًا أو قائمًا لحديث: " إِنَّما جُعل الإمامُ إمامًا ليؤتَمَّ بِهِ، فإذا صلَّى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلَّى قاعدًا فصلوا قعودًا" (1)، ولكن إن عرض للإمام عارض أثناء الصلاة فاضطر للجلوس، فالمختار عند شيخنا المحقق القنوبي - حفظه هـ - أن يواصل المأمومونَ الصَّلاةَ قيامًا لا قعودًا (2).
الرُّكُنُ الثَّالِثُ: تَكْبِيرَةُ الإِحْرَامِ
وهي التي تعرف بـ"تكبيرة الاسْتِفْتَاح"؛ لأنَّها أوَّلُ شَيْءٍ يُستفتحُ به في الصَّلاة، وبما يصيرُ العبد داخلاً في صلاته، وتُسمَّى "تكبيرة الإحرام" لأنَّه يحرم على المصلِّي بها ما كانَ مباحًا لَهُ خارج الصلاة.
وتكبيرة الإحرامِ ركن ثابت منْ أركانِ الصَّلاةِ (3)؛ لأدلة كثيرة منها إشارةُ القُرآنِ
في قوله تَعَالَى: وَرَبَّكَ فَكَبر المدثر: 3 وقوله: وَكَبره تكبيرا) الإسراء: 111؛ وصريح السنة في قوله: " تحريمُ الصَّلاة التكبير وتحليلها التسليم (4)، ولذلك فلا تصح صلاةُ
"
مَنْ صلَّى بدونِ تكبيرة الإحرام؛ لأنَّه ما لم يكبر فلا يُعدُّ داخلاً في صَلاتِهِ.
وعلى العبد أن يستحضر معنى هذه التكبيرة لينسكبَ في نفسه شعور بأنه بين يدي الله تعالى الكبير المتعال، وأنَّ الكبرياء الله وحدَهُ، فمَا لَهُ مِنَ الكبرياء شيء، ولا
(1)
) ـ الربيع، باب في القعود في الصلاة والتحيات، رقم الحديث 243.
(2) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ص 26.
(3) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج: " سؤال أهل الذكر "- تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 19 رمضان 1422 هـ، يوافقه 2001/ 12/5 م، وفتاوى إمام السنة والأصول، ص 29.
(4) ـ الربيع، باب: في ابتداء الصلاة، رقم الحديث 223. (1/205)
صفحة 206
يحقُ لَهُ أَنْ يُنازِعَ ربَّهُ تبارك وتعالى في صفةٍ مِنْ صفاتِهِ كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ القُدُسِي: الْكَبْرِيَاء رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَدَفْتُهُ فِي النَّارِ (1).
فَتْوَى
السؤال شخص أمِّي كان يصلّي دونَ أنْ يكبر تكبيرة الإحرام جهلاً بذلك، ومضى عليه وهو على هذه الحالة عشرون عامًا ثُمَّ عَلمَ بعد مرور تلك المدة، فماذا
عليه؟
الجَوَابُ عليه أن يتوب إلى الله تبارك وتعالى، وأن يعيد تلك الصلوات التي صلاها بدون تكبيرة الإحرام، والله أعلم).
فَصْلٌ فِي صِفَةِ تَكبيرةِ الإِحْرَامِ
وصفة تكبيرة الإحرام هي: "اللهُ أَكْبَرْ" بفتح الهمزة من لفظ الجلالة، وسكون أ اللام الأولى وتشديد الثانية، وضمّ الهاء، ثُمَّ بفتح همزة "أكبر" وسكون الكاف وفتح الباء وسكون الراء (3). والمراد من تكبيرة الإحرام اللفظ والمعنى على القول الصحيح الراجح)، وبناء على ذلك فلا يجوز التكبير بغير اللغة العربية)، وكذلك لا ينوب عن التكبير أيُّ لفظ آخرَ كأَنْ تَقول: الله أجلُّ الله أعظم)، وهَكَذَا (الله الكبير، الله الجليل، الله العظيم)؛
(1) ـ أبو داود، باب: ما جاء في الكبر، رقم الحديث 3567.
(2) - القنوبي، سعيد بن مبروك. فتاوى إمام السنة والأصول ص 36.
(3)
- السالمي، عبد ا
الله
بن حميد. معارج الآمال ج 8 ص 59 - 60.
(4) - القنوبي، سعيد بن مبروك. فتاوى إمام السنة والأصول ص 30.
(0) - كأن يقول باللغة الإنجليزية Allah is the Greatest)، بل لابد من تعلم هذا اللفظ والإتيان به بلغة
القرآن الكريم. (1/206)
صفحة 207
لأن الحديث خص التكبير دون غيره، ولأن ألفاظ الصَّلاة توقيفية من الشارع الحكيم، وقَولُهُ: " مَنْ عَمِلَ عَمَلاً ليسَ عليه أمرُنا فهو رةٌ ((1) أَصل في ردَّ كلّ ما كَانَ مُبْتَدَعًا في أمر العبادات.
28 0
تَحْذِيرٌ
واحذرْ - أَيُّهَا المصلِّي النَّبيه - من اللحن والخطأ في تكبيرة الإحرام)، ومن أمثلة اللحن الجلي في التكبيرِ مَدُّ همزة "الله" فتصبحُ استفهاما ويفحُشُ المعنى والعياذ بالله، وكذا إشبَاعُ ضمة الهاء من لفظ الجلالة حتى يتولد عنها حرف الواو، أو إسكان الهاء من غير تحريك لها، وهكذَا أَنْ تُمَدَّ همزةُ "أَكْبَرُ" أو تكسر الكاف، أو تُعطَّشَ فتصبح شيئًا، أَو يُشبِعَ فتحة الباءِ فتصبح ألفًا "أكبار" فينقلب المعنى تمامًا؛ لأنَّ أكبار جمعُ (كَبَر)، و (كَبَرُ) اسْمٌ مِنْ أسماءِ الطَّبْلِ والعياذ بالله، وهكذا فلتحذر من تكرير حرف الرَّاء حتى تتولد راءات زائدة (3).
مسألة
ومَنْ عَرضَ عليهِ عارض أثناء التكبير فلم يكمله، كأن يكون نطق باسم الجلالة فعطس، فلأهل العلم في المسألة رأيان: الاستئناف والبناء، والأَوَّلُ هُوَ المختارُ عندَ
(1) ـ الربيع، باب: في الولاية والإمارة، رقم الحديث 50.
(2) - السالمي، عبد الله بن حميد. معارج الآمال ج 8 ص 60 - 63.
وقد لخص هذه الأخطاء تلخيصا حسنًا الشيخ إبراهيم بن ناصر الصوافي في شريطه القيم "راقب صَلاتَكَ"،
إنتاج: مركز مشارق الأنوار للإنتاج الفني.
(3)
- من
الصفات التي تتميز بها الراء صفةُ التَّكْرِيرِ، ولكن العلماء وأهل الإقراء نبهوا على أن المراد من ذكر هذه الصفة
الاحتراز عن المبالغة فيها لا منعها على الإطلاق.
يُنظر: الغوثاني يحيى بن عبد الرزاق. علم التجويد: أحكام نظرية وملاحظات تطبيقية (المستوى الثاني)، ص 11. (1/207)
صفحة 208
صاحب الإيضاح (1) ورجَّحَهُ شيخنا القنوبي -أبقاه الله، فمَنْ وقعَ في ذلك فعليه إعادة التكبير من جديد ولا يبني على السابق).
مَسْأَلَة أُخْرَى
وحكم تكبيرة الإحرام في الشك كحكم سائر أركان الصلاةِ، فَمَنْ شك في الإتيان بما بعدما جاوزها فلا يلتفت لشكه ولا يرجع إليها إلا بحصول يقين أَنَّه ما أَتَى بَهَا، هَذَا الرأي هو الذي اختاره شيخنا القدوةُ الخليلي وشيخنا العلامةُ القَنُّونِيُّ -حفظَهُمُ الله وسدَّدَ في طريق الخير خطاهُمْ، وفي هذا درةٌ للوسوسة، واستصحاب للأصل (3).
الرُّكْنُ الرَّابِعُ: الخُشُوعُ
تعرَّف - أيُّها المستنيرُ في ظُلَم الحياة، والسُّائرُ على دروب النَّجاة- أنَّ الجسد بلا روح جيفة هامدة، وهذه هي حالُ الصَّلاةِ بلا خشوع، لا قيمةَ لَهَا بَلْ هِيَ إلى الاحتقارِ والإقصاء أدنى وأقربُ، وهذا هو شأن رأس العبادات إذا فارقها روحها وسرُّ حياتها ولدتها، والذي هو سببُ عُروجها بصاحبها إلى الملأ الأعلى .. وهو سبب النجاح والارتياح في الدُّنيا، والفوز والفلاح في العقبى.
(1)
- هو
أبو ساكن عامر بن علي الشماخي، نسبة إلى جبل شماخ بليبيا حاليا، من كبار علماء الإباضية في ا المغربي، من أشهر كتبه "الإيضاح" الذي يضعه علماء المشرق في الدرجة الأولى من كتب المغاربة، توفي رحمه الله- سنة
792 هـ.
يُنظر: الشماخي عامر بن علي الإيضاح، ج 1 ص 485.
(2) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. فتاوى إمام السنة والأصول، ص 32.
(3) - يُنظر:
الخليلي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة خاصة حول موضوع الوسواس، بتاريخ: 30 من ربيع الأول
1424 هـ، 2003/ 6/1 م.
القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول ص 31 - 32. (1/208)
صفحة 209
لذا فما أحراهُ وما أولاهُ أنْ يوضع في مصاف أركان الصلاة وفرائضها، بل من أعظمها وأولاهَا)، حتى لا يكون حظ صاحبها منها مجرد التعب والنَّصَب، والقيام
والقعودِ، قَالَ تَعَالَى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ {
المؤمنون 1 - 2، وأمر بذلك أمرًا جازمًا مؤكدًا بقوله: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَنِتِينَ) البقرة: 238 أي خاشعين خاضعين ذليلين بين يدي الجبار، ملك الملوك الذي بيده حَلٌّ كلّ شيء وإبرامه، وبسط كلِّ شيء وقبضه، ولهُ الأمرُ والنَّهيُ والبَطسُ والقهرُ، بَلْ لَهُ الأمرُ كلَّه، وإليهِ يُرجعُ الأمرُ كلُّهُ.
يقولُ إمام الخاشعين، و قدوة القانتين، الذي إذَا كَبَّر سُمعَ لبُكائِه أزيز كأزيز المِرْجَلِ (2) - وقدَ غُفر له ما تقدَّمَ مِنْ ذنبه وما تأخَّرَ -: " لكلّ شيء عمود، وعمود الدين الصلاة، وعمود الصلاة الخشوع (3) ... فاسمع وتفكَّرْ
وَلَيْسَ خُشُوعُ الْحِسْمِ يَوْمًا بِنَافِعِ فَمَا كُلُّ مَنْ صَلَّى يُقَالُ مُصَلِّيًا
***
***
إِذَا غَابَ قَلْبٌ فِي شَعَابِ التَّدَبُّرِ
فَشَتَّانَ بَينَ الاسْمِ وَالْفِعْلِ فَانْظُرِ (4)
1) ـ بل عده إمام السنة والأصول حفظه الله - الركن الأعظم للصلاة، والمشتغل عنه مشتغل عن الركن الأعظ
(1)
استدلالا بقول المصطفى المختار: " وعمود الصلاة الخشوع".
(2)
(3)
(يُنظر: القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 33).
- النسائي باب البكاء في الصلاة، رقم الحديث 1199.
- الربيع، باب: في فضل الصلاة وخشوعها، رقم الحديث 288.
24 ـ من رائية الصلاة لأبي نصر فتح بن نوح المغربي -رحمه الله، ملحقة بدعائم ابن النضر العماني ص 205، 207.
(4) (1/209)
صفحة 210
فَصْلٌ فِي حَدِّ الخُشُوعِ
وقد تعددت العبارات في ذكر الخشوع وتعريفه ومن أروع ما قيل، ما ننقله لك -عزيزي القارئ عن شيخنا بدرِ الدِّينِ الخليلي -حفظه الله -: " الخشوع روحُ الصَّلاةِ وحياتها، وهو تعظيمُ المقامِ واستحضار المقال، فَهُوَ فِي القَلْبِ وَأَثَرهُ فِي
الجوارح "
(1)
وقد قيل: إنَّ الخشوع لا يتحصَّلُ إلا بأربعِ خِصَال - فاجمع الهمة لتحصيلها كلّها-
: (2)
1 - إعظام المقام، الذي أنتَ واقفٌ فيه.
- إخلاص المقال، الله الواحد الديان.
- اليقينُ التام في الله تعالى بالثواب والعقاب، والجنة والنار.
- جمعُ الهيئة، فلو خشع قلبُ هذا لخشعت جوارحُهُ (3).
فَرَائِدُ
هذا .. وإذا علمت - رحمني الله وإياك - ما لا يتحصَّلُ الخشُوعُ إِلَّا بِهِ فَلَا تَعْجَبْ إِذَا فعَلَ الخشوع بصاحِبِهِ العَجَبَ وتسَامَى بهِ عَنْ أَدِيمِ الأَرضِ حَتَّى طَارَ بِهِ للمَاةِ الْأَعْلَى، فلم يكن له في هذه الفانية إلا الجسم.
ومما يُحكى مما لا يُستبعد ولا يُستقصَى أنَّ أحدَهُمْ كَانَ يصلِّي فانهدَمَ جانبٌ مِنَ
(1) الخليلي، أحمد بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 68.
(2) ـ الطيواني،
من
خلفان
بن سليمان. قاموس الصلاة ص 63 - 64.
قول التابعي الكبير سعيد بن المسيب عندما رأى رجلا وهو يعبث بلحيته في الصلاة: "لو خشع قلب
(3) ـ أخذا هذا لخشعت جوارحه".
(ابن أبي شيبة، المصنف، باب: (120) في مس اللحية في الصلاة، رقم 7). (1/210)
صفحة 211
المسجد فلم يشعر به، ومرَّتْ ببعضهمُ الطُّبُولُ والزُّمورُ فَلَمْ يسمعها، ووقف على ثالثهمُ الطَّيرُ يظنُّهُ جدارًا أو خشبةً منصوبةً من شدَّة سكونه وحُسن وقوفه، وإن تعجب فَاعْجَبْ فَمَنْ أُريدَ لَهُ أَنْ تُقطع قدمُهُ قَبْلَ وجود أدوات التخدير، فأمرهم أن يقطعوها عندما يكونُ في الصَّلاة؛ لأَنَّهُ لا يُحس بشيء عندما يُقْبلُ على ربه .. هذه مواهب
الله ولطائِفُهُ يهبُها مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِباده (1) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا
70
النساء: 70.
فَصْلٌ فِي الاطْمِثْنَانِ
وأدنى ما يُجزي في الخشوع "الاطْمِثْنَانُ" في القيام والركوع والسجود والقعود مع إكمال الشروط والواجبات والأركان، فهذا أمر واجبٌ لا بدَّ منه، من تركه فسدَتْ صلاته، ووجب عليه إعادتها لقوله: " لا صَلاةَ لَمَنْ لا يُقيمُ صُلْبَهُ:" الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (2)، ولأمر المعلّم الأول الرجل الذي أسرع - في صلاته في حديث المسيء صلاته - بإعادتها وقال له: "ارجع فصل فإنك لم تصل (3).
"
(1) - ولا عجب في ذلك ولا غرابة ولا إنكار ولا استنكار إذا علمنا أن النَّسوة اللاتي كنَّ يتحدثن عن شغف امرأة العزيز قطَّعْنَ أيديهن بنص القرآن الكريم - بمجرد بروز سيدنا يوسف ال، هذه أحوالُ مَن تعلقت نفوسهم بالدُّنيا .. فمَاذَا عَسَى أَنْ يَفْعَلَ الهَائِمُ الذِي سرَى حُبُّهُ شَوْقا إلى العالم الأَعْلَى
(2)
يُنظر:
*-*-*
الخليلي برنامج " سؤال أهل الذكر"، حلقة: 6 محرم 1424 هـ، يوافقه 2003/ 3/9 م.
المحروقي، درويش بن جمعة. "الدلائل في اللوازم والوسائل" ص 89.
الراشدي، طالب بن علي. أحسن ظنك بربك ج 2 "مادة سمعية". إنتاج: مركز رياض الجنة للإنتاج والتوزيع.
- ابن ماجه، باب: الركوع في الصلاة، رقم الحديث 861، وجاء في رواية أخرى عند الترمذي (245) وأبي داود
(729): لا تُجْزِئُ صَلَاةُ الرَّجُلِ حَتَّى يُقِيمَ ظَهْرَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ".
(3) – البخاري، باب: وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ لِلإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا، رقم الحديث 715. (1/211)
صفحة 212
وأَقَلُّ الاطمئنان: هوَ أنْ يمكُثَ المصَلِّي زمنًا في هيئته تلكَ حَتَّى تَستقر جميـ أعضائه، ويرجع كلُّ مفصل لموضعه، ومَنْ أخل بالاطمئنان وأسرع في صلاته فهو
أسرق الناس وأسوؤُهُم، وفي هذا يقولُ إمَامُنَا السَّالِمِيُّ - رَحِمَهُ الله -:
وأَسْرِقُ النَّاسِ في قَدْ يَسْرِقُ
***
صَلَاتَهُ فَهُوَ بَهَا مُنطَلَقُ (1)
وذلك أخذ مما رُويَ مِنْ قول المصطفى: " إِنَّ أَسْوَأَ النَّاسِ سَرِقَةَ الَّذِي يَسْرِقُ صَلَاتَهُ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَكَيْفَ يَسْرِقُهَا؟ قَالَ: لا يُتِمُّ رُكُوعَهَا ولا سُجُودَهَا (2).
فَتْوَى
السُّؤال ما حكمُ مَنْ لم يُقم الركوع والسجود في الصلاة؟
الجواب جاءَ في الحديث الشريف عن النَّبي " لا صلاة لمن لا يقيم صلبه في ركوعه وسجوده"، وفي حديث المسيء صلاته أنَّ النَّبِيَّ أمره أن يركع حتى يطمئنَّ راكعًا، وأن يسجدَ حتى يطمئنَّ ساجدًا، وعليه فمَنْ لا يُتم ركوعه وسجودَهُ بالطُّمأنينة
فصلاته باطلة، والله أعلم (3).
(1) - السَّالِمِي،.
عبد
الله
بن حميد. جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام ج 4 ص.
(2) ـ أحمد، المسند، مسند أبي سعيد الخدري، رقم الحديث 11106.
أحمد (3) ـ الخليلي، بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 45. (1/212)
صفحة 213
الرُّكنُ الخَامِسُ: قِرَاءَةُ الفَاتِحَةِ
دلَّت النصوص الشرعية على ركنية قراءة الفاتحة في الصلاة)، بلْ إِنَّ رُكنيتُها في كل ركعة من ركعات الصَّلاة فرضًا أو نفلاً عَلَى الْمُعْتَمَد المشهور (2)، سواءً كانَ المصلّي منفردًا أو في جماعة، إمامًا أو مأمومًا، في صلاة سرية أو جهريَّة (3)، وأنَّ الصلاةَ لا تصح بدونها ففي حديث أنس مرفوعًا إلى النَّبِيِّ: " مَنْ صَلَّى صلاةً لم يقرأ فيها بأَمِّ القُرآنِ فهيَ خِداج"، قالَ الربيعُ: الخداجُ النَّاقصةُ، وَهِيَ غيرُ السَّمَامِ).
القراءة كلُّها.
(1) - خلافٌ وَثَمَرَةٌ: هذا بناءً على الرأي المُعتصم عند الشيخين -حفظهما الله - وهو أن الركن في القراءة هو قراءةُ الفاتحة فقط، خلافا لمن قال: إن الركن هو وثمرة الخلاف تظهر في المستدرك الذي فاتته الفاتحة ولحق الإمام في قراءة السورة فبناء على الرأي الأول المعتمد الركن)، فعليه أن القائل بأن الفاتحة هي " يستمع للسورة ثم يقضي الفاتحة بعد ذلك؛ لعموم حديث " فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا" وهذا قد فاتته الفاتحة و لم يُدْرِكها مع الإمام فعليه قضاؤها من بعد، ولا يُشرع له إتيانها بعد
انتهاء الإمام من قراءتها. أما على القول الثاني (القائل بأن القراءة كلها ركن أو عمل واحد)، فيمكن له أن يقرأ الفاتحة ثم يستمع ما بقى من السورة مع الإمام إن كان يعلم أنَّ الإمام سيستمر في القراءة إلى ما بعد انتهائه هو من الفاتحة. يُنظر: الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 97. الخليلي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 22 من شوال 1425 هـ، يوافقه 2004/ 12/5 م. القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 15 رمضان 1429 هـ، يوافقه 9/ 16 /2008 م. القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي. ص القنوبي، سعيد بن مبروك، فتاوى بقرية لزق بعُمان 1423 هـ"، سه، "مادة سمعية".
(2)
•
0553
(3) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 64.
(E)
القنوبي، دروس صيفية مفرَّغة بمبنى معهد العلوم الشرعية (سابقا)، صيف 1421 هـ / 2000 م، مذكرة رقم 8 ص 3. القنوبي، برنامج: سؤال أهل الذكر، حلقة: 16 شوال 1428 هـ، يوافقه 2007/ 10/28 م.
4) - الربيع، باب: في القراءة في الصلاة، رقم الحديث 225.
?
تَنْبيَّة مُهم: ومن تمام الصلاة تمام قراءة ركن الفاتحة على الوجه المشروع الذي أنزله الله، فعلى المصلين عموما وطلاب العلم خصوصا أن يحرصوا أتم الحرص تعلمًا وتعليمًا للآخرين- على إخراج الحروف من مخارجها، وإعطاء كل حرف حقه من الصفات اللازمة، ومستحقه من الصفات الطارئة. (1/213)
صفحة 214
وبذا تُدرك أيها الفطِنُ - أَنَّ مَنْ نقص مِنَ الفاتحة شيئًا ولو حرفا واحدا فسدت صلاته كما هوَ الرأي الْمُعْتَصَصُ الصَّحِيحُ عندَ الشيخين أبقاهما الله؛ لأنه نقص في رُكن من أركان الصَّلاة ()، وهكذا مَنْ كرَّرَ آيةً أو بعض آية من الفاتحة متعمدا وغير مُضطر فقد فسدت صلاته لتكريره ركنًا مِنْ أركانِ الصَّلاةِ (2)، والله
المستعان
ومن أبرز الأمثلة على ذلك: ضرورة التفريق بين حَرْفَي (الضاد، والظَّاء) في قوله تعالى: وَلَا الضالين الفاتحة:؛ وذلك لاختلاف المعنى الجلي بين الكلمتين، فالضالين بالضاد - مأخوذةٌ من الضَّلال التي هي رديف الغواية وضدُّ الهداية، أما الظالين بالظاء- فهي مأخوذة من الفعل (ظل) (بمعنى مكث مدة من الزمن نهارا، من أخوات "كان")، فلا يخفى عليك إذن الفرق الجلي بين المعنيين؛ لذلك رأت طائفة كبيرة من أهل العلم فساد صلاة من قرأها بالظاء بدلا من الضاد - إن كان قادرا على التفريق بينهما، يقول العلامة القنوبي: " لابد من التفريق بينهما، وقد ذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنَّ مَن لَم يأت بالوجه الصحيح فإن صلاته تكون باطلة"، بل وصف -حفظه الله - القول بالنقض في أحد دروسه بأنه "قول قوي جدا".
وأبسط تفريق بين الحرفين أن الضاد تخرج بانطباق اللسان بالحنك الأعلى خلف الأضراس العليا، وأما بالنسبة للظاء فتلاحظ أنَّ طرف اللسان يخرج حال النطق بالحرف بين الأضراس العليا والسفلى، وهذا أمر يظهر ويستبين بالمحاولة والتجريب، فاسأل معلمك يُريك صواب نطقك؛ فالقراءة سنةٌ مُتبعة تأخذ مُشافهة لا مطالعةً، و"مَنْ كَانَ عِلْمُهُ من كتابه فَخَطَؤُهُ أَكْثرُ مِنْ صَوَابه"، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
(1) - يُنظر:
المنتدى الأدبي، قراءات في فكر البهلاني الرواحي، محاضرة لسماحة المفتي بعنوان: "البهلاني فقيها وأديبا" ص 26. القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 20 ربيع الأول 1428 هـ، يوافقه 2007/ 04/08 م. القنوبي، دروس صيف 2002 م الموافق 1423 هـ. (مذكرة خاصة ص 20).
الخليلي، جواهر التفسير ج 1 307. المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 1 ص 154.
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة 9 رمضان 1429 هـ، يوافقه 10/ 11 / 2008 م.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 169.
أحمد (2) ـ الخليلي، بن
حمد. برنامج: " سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 28 من صفر 1425 هـ،
يوافقه 2004/ 8/18 م. (1/214)
صفحة 215
أَمَّا إِذَا كَانَ تَكْرارُه نسيانًا أو من أجل إصلاح القراءة فلا حرج عليه بإذن الله تعالى يقولُ الحافظ القنوبي: "أمَّا إِذَا كرر الإنسانُ جملةً من الفاتحة من أجل إصلاح القراءة فإنَّ ذلك لا بأس به بل قد يكونُ في بعض الحالات واجبًا، والله تعالى أعلمُ (1). يقولُ النُّورُ السَّالميُّ رَحمَهُ الله - (2):
وَمَنَعُوْا تِكْرَارَهُ لِلْحَمْد
ونقضُوا صلاةَ ذا المكرّر
***
***
والتَّحِيَّات بمعنى العمد وعَذَرُوا النَّاسِي هُنَاكَ فَاعْذُر
مَسْأَلَةٌ
ولا يحملُ الإمام عن المسبوق المستدرك - قراءة الفاتحة، فإنَّ لم يدركها المأمومُ
وجب عليه قضاؤها على الرَّأي الْمُعْتَمَ الصَّحِيحِ
فَضْلُ فِي البَسْمَلَةِ
والبسملة آية من سورة الفاتحة يجب الجهرُ بها في حالة الجهر، والإسرار في موضع
السر
(4)
(1) - يُنظر:
القنوبي، برنامج: " سؤال أهل الذكر، س 9، حلقة 12 رمضان 1422 هـ، يوافقه 2001/ 11/28 م.
6
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 169.
(2) - السَّالِمِي،.
عبد الله
بن حميد. جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام ج 1 ص 83.
(3) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. بحوث ورسائل وفتاوى - القسم الأول، بحث الاستدراك ص 14.
(4)
هذا هو
طائفة كبيرة صحابة من
مذهبنا الذي اتفق عليه أصحابنا -رضوان الله تعالى عليهم - وهو مذهب الشافعية؛ وذلك لما جاء عَلِيٌّ وَعَمَّارٌ وأبو هريرة وابنُ عمر وابن عباس وعائشة: أن النبي صلى رسول الله منهم. الله عليه وسلم كان يجهر ببسم ا الله الرحمن الرحيم". يُنظر الحاكم، المستدرك على الصحيحين، باب: يُجهر في ا الله الرحمن الرحيم، رقم الحديث 1061. ببسم
وبات (1/215)
صفحة 216
كمَا أَنَّ الصَّحيحَ الْمُعْتَصَمَ عِنْدَ الشَّيحَينِ -وفقهم الله (1) أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ كُلِّ سُورةِ
كُتبت قَبلَهَا.
وبناءً على أنَّ الفاتحة ركنٌ معَ الأخذ في الاعتبار أنَّ البسملةَ جزء منهَا فَمَنْ تركَ البسملة في الفاتحة مِنْ غيرِ تأويل فسَدَتْ صلاتُهُ.
وأقوى ما استند عليه النافون للجهر والمثبتون للإسرار روايات أنس المتعددة والتي منها "صليت مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وعمر وعثمان -رضي الله عنهم- فلم أسمع أحداً منهم يقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم"، هذه الرواية أعلها أئمة الحديث بعلل كثيرة أوصلها بعضهم إلى تسع علل.
كما
صرح
يقول شيخنا القدوة العلامة الخليلي -حفظه الله - في جواهر تفسيره: " وأنت ترى هذه الروايات عن أنس لا تخلو من اضطراب فتجدها تارة نافية لقراءة البسملة وتارة نافية للجهر بها وأخرى نافية لسماعها، ومثل هذا الاختلاف لا تنهض به حجة بذلك ابن عبد البر في "الاستذكار" وهو من أجل أئمة المالكية" ثم يقول في الروايات المقابلة لها:" وإذا تدبرت مجموعة الروايات استطعت أن تستخلص منها صحة القول بالجهر". على أنه ثبت عن أنس نفسه بإسناد صحيح إنكار صحابة رسول الله له المهاجرين منهم والأنصار لعدم الجهر بالبسملة، فعن أنس بن مالك الله قال: صلى معاوية بالناس في المدينة صلاة جهر فيها بالقراءة، فلم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، و لم يكبر في الخفض والرفع فلما فرغ ناداه المهاجرون والأنصار يا معاوية نقصت الصلاة - وفي رواية سرقت الصلاة- أين بسم الله الرحمن الرحيم؟ وأين التكبير إذا خفضت وإذا رفعت؟ فكان إذا صلى بهم بعد ذلك قرأ بسم الله الرحمن الرحيم وكبر. (الشافعي، المسند، رقم الحديث 138). والحديث صحيح الإسناد كما أوضح العلامة المحدث أحمد محمد شاكر في شرحه وتحقيقه لسنن الترمذي، وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم فأنت ترى كيف اجتمعت كلمة المهاجرين والأنصار على إنكار عدم الجهر بالبسملة على معاوية بن أبي سفيان مع شدة بطشه وقوة شكيمته وليس ذلك إلا لتركه واجبا لا يصح التساهل فيه والحديث ظاهر في أن العمل عند الصحابة -رضي الله عنهم- قد استقر على الجهر بالبسملة وإلا فكيف يعرفون أنه لم يقرأها رأسا لو كانت مما يخفت في الصلاة .. فلا يمكن أن تُعارِض رواية أنس المعلولة والمضطربة رواياته الصحيحة الثابتة. لمزيد من التفصيل:
يُنظر: بحث العلامة الخليلي في كتابه القيم جواهر التفسير ج 1 ص 178. والقنوبي في كتاببين القيمين: السيف الحاد 120 - 121، والإمام الربيع بن حبيب مكانته ومسنده ص 129، 130.
(1) ـ يُنظر:
الخليلي، جواهر التفسير ج 1 ص 174.
القنوبي، برنامج " سؤال أهل الذكر"، حلقة: 9 رمضان 1429 هـ، يوافقه 10/ 11/ 2008 م. (1/216)
صفحة 217
والدليل على أنَّ البسملَةَ آيةٌ منَ الفاتحة ما رُوي عن ابنِ عباس وأم سلمة مرفوعًا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: " كَانَ يَقْرَأُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمينَ .. (1)، وعن أَبي هُرَيْرَةَ " أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا قَرَأَ وَهُوَ يَوْمُ النَّاسَ افْتَتَحَ الصَّلاَةَ بِـ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: هِيَ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ فَاتِحَةَ الْقُرْآن فَإِنَّهَا الآيَةُ السَّابِعَةُ (2)، وعندَ الربيع عن ابن عباس موقوفًا: فاتحة الكتاب هي أمُّ القُرآن فاقرأها واقرأْ فِيهَا (بسم ا الله الرحمنِ الرَّحِيمِ)، وقالَ: إِنَّهَا آية من كتاب الله (3).
إضافةً إلى ذلك كتابتها أوَّلَ الفاتحة وأوَّلَ كلّ سورة – إلا التوبة في المصحف الإمام المجمع عليه (4)، مع إجماع الصَّحابة له على عدم كتابة أي شيء غير القرآن بين دفتي المصحف، ولذلك لم يكتبوا أسماء السور وعددَ الآيات والمكي والمدني)
(1) ـ الدارقطني، السنن، باب وجوب القراءة، رقم الحديث 1187.
(2)
- الدارقطني، السنن، باب: وُجُوبِ قِرَاءَةِ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي الصَّلَاةِ وَالْجَهْرِ بِهَا، رقم الحديث 1183. (3) ـ الربيع، باب: في القراءة في الصلاة، رقم الحديث 226.
(4) - المصحف الإمام: هو المصحف الذي جمع عثمانُ الناس عليه ونُشر في الآفاق والأمصار، وأُحرق ما عداه من النسخ، وهو الرسم العثماني الباقي إلى يومنا هذا، وقد أجمع الصحابة عليه بعدما خشي اختلاف الناس في قراءاتهم للقرآن الكريم.
(°)
- وهكذا (آمين) – بالتخفيف - ليست من الفاتحة ولا من القرآن بالإجماع؛ لعدم كتابتها في المصحف المجمع عليه منذ عهد سيدنا عثمان بن عفان وإلى يومنا هذا، وقد ذهب أصحابنا رضوان الله تعالى عليهم- إلى عدم مشروعية قول "آمين" في الصلاة، وذلك لعدة أمور، منها:
1
أن آمين من كلام الناس، وكلامهم ممنوع في الصلاة بعد نسخه بأدلة كثيرة من كتاب الله وسنة رسوله، فأما الكتاب فقوله تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ قَنِتِينَ)، البقرة: 238، وأما السنة فقوله: " إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ منْ أَمْرِهِ مَا يَشَاء وَإِنْ ممَّا أَحْدَثَ أنْ لا تَكَلَّمُوا في الصَّلاة". (البحاري، باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
معلقا) (1/217)
صفحة 218
إمام
فائدة: السَّبْعُ المَثَاني هي الفاتحةُ الشَّريفةُ على المعتمد الراجح عندَ. المفسرين - أبقاه الله - (1) قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ عَانَيْنَكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْهَانَ الْعَظِيمَ
87
الحجر: 87.
الرُّكنُ السَّادِسُ: الرُّكُوعُ
الرُّكُوعُ رُكن من أركان الصَّلاة لقوله تَعَالَى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
ولقوله للمسيء صَلَاتَهُ: " ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ
أرْكَعُوا الحج: 77، ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدلَ قَائِمًا (2).
هذا
أن الروايات الدالة على مشروعية التأمين في صحتها نظر كبير، فقد أعلها العلماء بعلل كثيرة، فمنها الضعيف ومنها الباطل وليس هذا موضع ذكرها وبيانها-.
أن كثيرا من تلك الروايات على ما فيها من علل - ليست نصا في تأمين الصلاة، وإنما هي عامة بل صريحة في العموم.
على تقدير صحة بعض روايات التأمين فهي محمولة على ما قبل نسخ الكلام في الصلاة.
ومن العجيب أن القائلين بمشروعية التأمين قد اختلفوا فيه كثيرًا، فقيل: هو للمقتدي والإمام - وقيل: (هو للمقتدي فقط، ثم اختلفوا هل المشروع فيه الجهر أو الإخفاء؟ يقول العلامة المحدث القنوبي -حفظه الله -:" وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أنه ليس عندهم دليل صحيح ولا حسن في هذه القضية وإلا فمن المستبعد جدا أن يخفى ذلك مع أن النبي قد صلى بأصحابه أكثر من عشرة أعوام ... وإذا تقرر ذلك تبين لك أنه لم يثبت عنهم شيء في الجهر ولا في الإسرار ومعنى ذلك في حقيقة الواقع أنه لم يثبت في السنة ولا عن أحد من الصحابة القول
بالتأمين والحمد لله حق مده ".
للمزيد يُنظر:
القنوبي، رسالة في حكم آمين.
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 222 - 224.
(1) ـ الخليلي، أحمد بن حمد. برنامج "سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 11 رمضان 1429 هـ
يوافقه 12 12/ 9 / 2008 م.
(2) – البخاري، باب: وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ لِلإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا، رقم الحديث 715. (1/218)
صفحة 219
وعليهِ فَمَنْ ترك الركوع ناسيًا أو متعمدا، عالِمًا أو جاهلا حتى خرجَ مِنَ الصَّلاةِ فقدْ فسَدَتْ عليه صلاتُهُ، ومَنْ تذكَّرهُ أثناءَ الصَّلاة وجَبَ عليه أَنْ يَرجع إليه ويأتِيَ بما بعده ثم يسْجُدُ للسَّهو بعدَ السَّلام، أمَّا إِنْ لم يأت به فقدْ فَسَدَتْ صَلاتُهُ، ولا يُجبر بسجود السهو، وهذا هوَ حُكْمُ الأَرْكَان في الصَّلاة ().
وَصفَةُ الرُّكُوع: الانحناء بالظهر والرأس معًا حتى تبلغ يدَاهُ (أو راحتاهُ) ركبتيه مفرقًا بين أصابعه، مع مراعاة تسوية ظهره وعنقه ورأسهِ (2)، بحيثُ لَوْ وُضِعَ عَلَى ظَهْرِهِ قَدَحُ ماء لاستقرَّ عليه، ويكون بصرُهُ حالَ ركوعه بينَ إِيمَامَي قدمَيْهِ (3).
فائدة: هذا الحديث الجليل القدر يُعرف عند العلماء بحديث المسيء صلاتَهُ أُورِدُه هنا بنصه وفصه كما رواه الإمام البخاري لما يحويه من فوائد جليلة تهم كل مسلم في أداء صلاته حتى قيل: إن هذا الحديث هو الأصل الذي بنيت عليه صحة الصلاة؛ فما ذكر في هذا الحديث فهو واجب، وما سواه فهو غير واجب إلا ما دل دليلٌ خارج
وجوبه) ...
والحديث: عن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَرَدَّ، وَقَالَ: ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، فَرَجَعَ يُصَلِّي كَمَا صَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ، فَقَالَ: ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ثَلَاثًا، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلَّمْنِي، فَقَالَ: " إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ منَ الْقُرْآن ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدلَ قَائِمًا ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالسًا، وَافْعَلْ ذَلكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا ".
(1) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج: "سؤال أهل الذكر" - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 22 رمضان 1430 هـ، يوافقه 12/ 9/ 2009 م.
(2) ـ لحديث صفة صلاة النبي الله الذي روته أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق:" وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخص رأسَهُ وَلَمْ يُصَوِّبَهُ، وَلَكنْ بَيْنَ ذَلكَ، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ من الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا ". (مسلم، باب: مَا يَجْمَعُ صِفَةَ الصَّلَاةِ وَمَا يُفْتَتَحَ بِهِ وَيُخْتَمُ بِهِ، رقم الحديث 768).
، أحمد
(3) ـ الخليلي، بن
حمد. المرأة تسأل والمفتي يُجيب ج 1 ص 117. (1/219)
صفحة 220
فَصْلٌ فِي الفَاظِ الرُّكُوعِ
ويقولُ في ركوعه "سُبْحَانَ رَبيَ العَظِيم"؛ لما ثبت في حديث ابنِ عباد
عندما نزل قوله: فَسَبِّحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ الحاقة: 52، قال عليه الصلاة والسلام: جعلوها في ركوعكم" (1)، ولقوله، ولقوله: " فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظْمُوا فيه الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ (2)، ويمكنُ للمُصلّي أن يكرّر التسبيح - في ركوعه وسجوده وترا: ثلاثا أو خمسًا أو سبعًا أو أكثرَ مِنْ ذلك حسب ما يشاءُ، وأقل التسبيح في الصلاة ثلاثُ مَرَّاتِ على الصحيح عند شيخينا الخليلي (3) والسَّالمي (4
أَقَلُّ مَا يجزي منَ التَّـ
***
(?)
ثلاث مرات علَى الصَّحِيحِ
فإِذَا انتهى من التسبيح قامَ قائلاً (سمع الله لمن حمدَة)، فَإِذَا اطْمَأَنَّ في قيامه قالَ: (ربنا ولك الحمدُ)، هذا في حقٌّ مَنْ كانَ إمامًا أو مُنفردًا، أَمَّا المأمومُ فَيَقُولُ في قيامه:
(1) ـ الربيع، باب: في الركوع والسجود وما يفعل فيهما، رقم الحديث 233.
(2)
النسائي، باب: تَعْظِيمُ الرَّبِّ فِي الرُّكُوع، رقم الحديث 1035.
الجدير بالذكر: أنه يوجد في بعض الكتب الفقهية استحباب زيادة "وبحمده" في الركوع والسجود، وهذه الزيادة جاءت بها بعض الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وللوقوف على رأي المحدثين نترك المقام لفارس الميدان ليبدي لنا وجهة نظره في هذه القضية إجابةً على أحد الأسئلة (المتلفزة):" هذا اللفظ الذي وَرَدَ في هَذَا السُّؤَال قد جَاءَ فِي بَعْضٍ كُتب الحديث وقد صَحَّحَهُ بعض العلماء، ولكنني لا أَقْوَى عَلَى الجزم بثبوته في هذا الوقت لأَنَّ أَسَانِيدَه تَحْتاجُ إلى شيء مِنَ النَّظَر والتمحيص، ومِنَ المعلُوم بأَنَّ تَصْحِيح الأحَادِيث لَيْسَ بِالأمْرِ الهين كما يتصوره كثير من الناس .. ولكن حتى يتأكد الإنسان من. صحة هذا الحديث ينبغي له أن يترك ذلك".
(القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 21 رمضان 1422 هـ، يوافقه 2001/ 12/7 م).
بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 68، 69.
(3) ـ الخليلي، أحمد
(E)
4) - السالمي،.
عبد
الله
بن حميد. جوهر النظام ج 1 86. (1/220)
صفحة 221
ربَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ) ولا يقولُ (سمع الله لمن حمدَهُ إذَا استوَى قائمًا؛ لأنَّ الإمامَ يحملُها عنه (1) كَمَا سَيأتي (2). ويُستحَبُّ - أيضا - بعد قول المصلّي: (ربنا ولك الحمد) أنْ يزيد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه) (3)؛ لما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: " من المتكلم آنها وهو يقولُ: "ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه"، قال رجلٌ منهم: أنا يا رسول الله، قالَ: " لقد رأيتُ بضعًا وثلاثينَ مَلَكًا يبتدرونَها أَيُّهمْ يكتبها أولا (4).
فَائِدَةٌ
وإدراك الركوع معَ الإمامِ هوَ الحد الفاصلُ لإدراك الركعة؛ لقول المبلّغ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا جئْتُمْ إِلَى الصَّلاة وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا وَلا تَعُدُّوهَا شَيْئًا (5).
وعليه فمَنْ لم يدركِ الرُّكوعَ - أي جاءَ بعد قيام الإمامِ مِنَ الرُّكوعِ- فإنه لم يدركِ الركعة، ووجب عليه قضاؤُهَا كاملةً مِنْ قراءة وركوع وسجود، أمَّا مَنْ أدرك الإمام وهو راكع فقد أدرك الركعة وعليه معَ ذلك قضاء ما فاتَهُ مِنَ القراءة على الرأي المعتقد الصحيح عندَ الشَّيخين -حفظهم الله - (6).
(1)
- وقد سمعتُ شيخنا أبا عبد الرحمن القنوبي -حفظه الله - يذكر أن هذا هو الرأي الصحيح وعليه الجمهور، وأنه قد ذهب بعض أصحابنا والشافعية إلى أن المأموم يقول مثلما يقول الإمام والمنفرد، أي يقول: سمع الله لمن حمده" فإذا انتصب قائما قال: "ربنا" ولك الحمد. (القنوبي، دروس صيف 2003 (مذكرة خاصة ص 56).
ثم وجدتُ ممَّن ذهب إلى هذا الرأي من أصحابنا الشيخ درويش المحروقي في كتابه القيم "الدلائل في اللوازم والوسائل" ص 95.
(2)
- يُنظر: البابُ الثَّامِنُ في أَحْكَامِ الإِمَامَةِ / فصل فيما يحملُهُ الإمام.
عن
المأمومين.
بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 66، 67.
(3) - يُنظر: الخليلي، أحمد
(4)
- الربيع، باب: في الركوع والسجود وما يفعل فيهما، رقم الحديث 236. (5) ـ أبو داود، باب: فِي الرَّجُلِ يُدْرِكُ الْإِمَامَ سَاجِدًا كَيْفَ يَصْنَعُ، رقم الحديث 759.
(6) - يُنظر: (1/221)
صفحة 222
وبناءً على ذلك فمن لم يدرك ركعةً من الصلاة أي لم يدرك الركوع من الركعة
الأخيرة) فإنَّهُ لم يدرك الصلاةَ؛ لقوله: " مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ " (1)، وخيرُ تطبيق عملي لهذه المسألة: مَنْ دخلَ معَ الإمام في صلاة الجمعة بعد الركوع الثاني فإنَّه يقضيها ظهرًا لا جمعة على الرأي الذي عليه الفتوى عند يخي زمانهما العلامتين الخليلي (2) والقنوبي (3) - حفظهم الله -، وكذا قال بعضهم في المسافر يدخلُ معَ الإمام المقيم في التَّشَهدِ الأخِيرِ مِنْ صَلاة رُباعية، فإنه يقضي ركعتين لا أربعًا)، والله أعلم.
هَذا .. وأما بالنسبة إلى بقيَّة الصَّلوات الأخرى فإنَّه إِذَا أدركَ وَلَوْ جزءًا بسيطًا مِنَ الصَّلاة فإنَّه يكون مدركاً لتلك الصَّلاة علَى الصَّحيح (5) كما سيأتي قريبا بإذن الله
(1) ? مالك،
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 64.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى - القسم الأول، ص 52.
الموطأ، باب: مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً منَ الصَّلاة، رقم الحديث 14.
(2) ـ الخليلي، أحمد بن حمد. برنامج: "سؤال أهل الذكر - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 7 من ربي
1424 هـ، يوافقه 2003/ 6/8 م.
(3) – القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج "سؤال أهل الذكر - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 23 جمادى الأولى 1425 هـ، يوافقه 2004/ 7/11 م.
(4) ـ قلت: وقد سألتُ شيخنا القنوبي -حفظه الله - مشافهة. عن المسافر إذا أدرك الإمام المقيم في التشهد الأخير أيقضي ركعتين أم أربعا؟ فأجاب بأنه يُفضّل أن لا يدخل معه، وسألته عن الراجح فاعتذر عن الترجيح في ذلك الوقت.
(القنوبي، جلسة إفتاء بولاية إبراء – صيف 2004 م).
(5) ـ الخليلي، أحمد بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 99، 101.
(7)
22 - يُنظر: الباب الثامن في أحكام الإمامة/ فصل في الاستدراك. (1/222)
صفحة 223
فَائِدةٌ أُخْرَى
مَنْ أدرك الإمام وهو راكع وأرادَ الدُّخُولَ معَهُ في الركوع فإنَّ عليه أن يأتي بتكبيرَةِ الإِحْرامِ وهوَ قائِم، ثم يأتي بتكبيرة الانتقالِ مِنَ القيامِ إلى الركوع -على المُعتصم عند شيخينا الخليلي (1) والقَنُّوبي (2) -، وإنْ كانت قد فاتته مع الإمام؛ لأنها ليست مشروعةً لذاتها، وإنَّما للتَّوصل إلى الركوع والسجود.
الرُّكنُ السابع: السجود
واعلم أيُّهَا العابدُ الأريبُ - أَنَّ السجودَ الله تعالى هو غاية الخضوع ومنتى أنفَهُ التذلُّل حينما يترلُ الإنسانُ بكبريائه، وبمحل شموخه وأنفته، وينتهي بما حتى يضع وجبهته على الأرض ويساوي بها التُّرابَ، ووالله إنَّ في هذا العزَّ لمن رامَهُ، والعلُوَّ لمن
قصدهُ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ القصص: 83، حينئذ يكونُ الدُّنو والتطَامُنُ علوا ورفعةً عندَ الله ال؛ لذا يقرب العبدُ مِنْ مولاه، بل يكون في أكثر حالاته قربًا مِنْ رَبِّهِ جَلَّ في علاه، علو في دئو، وقَدْ ثبت (3) "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ (4).
فَأَنْتَ في تَذَلُّلِ الدُّنُوِّ
***
وَهُوَ فِي تَعَرُّزِ العُلُو)
(1) - أفادني بذلك الشيخ المراجع إبراهيم الصوافي -آجره الله-.
(2) - يُنظر:
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى - القسم ا الثالث ص 35.
القنوبي، دروس صيف 2001 م الموافق 1422 هـ. (مذكرة خاصة ص 9).
(3) ـ أفادني بثبوته شيخنا القنوبي. -حفظه الله - في جلسة المراجعة الثانية بمنزل فضيلته بتاريخ: 1429/ 11/28 هـ
2008/ 11/27 م).
(4)
مسلم، بَاب: مَا يُقَالُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، رقم الحديث 744.
الله (5) ـ السالمي، عبد بن حميد. جوهر النظام ج 1 86. (1/223)
صفحة 224
حكْمَةٌ: وقدْ قِيلَ: إِنَّ هذهِ هذه هي الحكمة من تكرار السجودِ دون الركوع في الركعة الواحدة؛ ولذا عندما سَأَلَ رجلٌ من الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يُرافقه في الجنة
أجابه صلواتُ الله وسلامه عليه بقوله: " أَعنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُود (1). والسجود ركن من أركان الصَّلاةِ؛ لقوله عزَّ مِنْ قائل: وَأَسْجُدُوا الحج: 77؛ ولقوله تَعَالَى: وَاسْجُدْ وَاقْتَرَب العلق: 19؛ ولقوله للمسيء صلاته: " ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا (2)، والسجدتان جميعًا حد واحد بينهما قعدة خفيفة.
فَصْلٌ فِي صِفَةِ السُّجُودِ
وصفة السجود أنْ يهوي المصلّي من قيامه نحوَ الأَرض، مقدمًا عَلَى الْمُعْتَمَص - ركبتيه ثم يديه (3) مصوبا بأصابعه مضمومةً نحو القبلة (4)، وفي حال استقراره على هيئة السجودِ يضع جبهته وكفَّيهِ وركبتيه، ويضعُ بطُونَ أصابع قدميه على الأرض متجهةً للقبلة، وهذه هي الآرابُ - أي الأعضاء - السَّبعةُ كما جاءَ في الحديث "أُمِرَ نَبِيَّكُمْ
أَن يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٌ آرَاب
(1)
- مسلم، باب: فضل السجود وما يقال فيه، رقم الحديث 754.
(2) ـ البخاري، باب: وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ لِلإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا، رقم الحديث 715.
(3) ـ هذه المسألة تعارضت فيها الروايات بين تقديم اليدين أو تقديم الركبتين، وكلُّها لا تثبت عن النبي، والرجوع إلى الأصل والأقرب إلى هيئة الصلاة يقتضي تقديم الركبتين، يقول إمام المعقول والمنقول -متعنا الله بحياته -: " الصحيح عندي من حيث الكلام على الروايات أن تلك الروايات جميعًا لا تثبت عن النبي، سواء تلك الروايات الدالة على تقديم الركبتين أو تلك الدالة على تقديم اليدين .... ولكن الأقرب إلى الصواب أنه يُقدِّم رُكبتيه؛ لأن ذلك هو الأقرب إلى هيئة الصلاة، وهذا هو الذي نعمل به؛ والعلم عند الله تعالى".
(القنوبي، سؤال أهل الذكر، حلقة: 8 رمضان 1428 هـ، يوافقه 2007/ 9/20 م)
(4) – القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 2002 م، الموافق 1423 هـ. (مذكرة خاصة ص 65). (5) ـ أبو داود، باب: أعضاء السجود، رقم الحديث 756. (1/224)
صفحة 225
مع مراعاة ملامسة الأنف للأرض طوال السجود، وتبطلُ الصَّلاةُ بترك ذلك على الصحيح عندَ الشيخين -حفظَهِمُ الله تعالى (1)، ويُراعي كذلك عدم الضغط على الجبهة حالَ وضعها في الأرض (2).
أَنْ
ويُراعي أيضًا عَدَمَ رص قدميه في السُّجُودِ وَلا مُبَاعَدَهُمَا كَثِيرًا، وَإِما يَنبغي يَكُونَ الأَمرُ وَسَطًا (3)، وَكَذَا عَلَيْهِ أَنْ يتجنَّبَ رَفْعَ قَدَمَيْهِ في السُّجود، وأقل ما يجزي مِنَ القَدَم ثلاثة أصابع (4)، ومنْ سهَا فرفع أنفَه أو قدمه فليُرْجِعُهما إلى الأَرضِ وَلْيُسَبِّحْ ثلاث تسبيحات قبل الرفع. وعليه كذلك أن يكشف جبهته للأرض وألا يحول بين جبهته وموضع سجوده حائل كالعمامة والمصرّ والكُمَّة، بل عليه أنْ يرفَعَهَا قبل ابتداء الصلاة على الفتوى عندَ شيخي زمانهما الخليلي والقنوبي -حفظهم الله تعالى (5).
(1) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 70.
القنوبي، دروس صيف 1424 هـ / يوافقه 2003 م، (مذكرة خاصة ص 46).
ثفنة
سو داء على
(2) - تنبية: يتكلف بعض الناس هدانا الله وإياهم - فيحُكُ جبهته بالأرض أثناء سجوده، حتى تبدو جبهته رجاء أن يشمله قوله ل: سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ * الفتح: 29، وليس ذلك بمراد الآية، ولكن الجهل يفعل العجائب، وأقبح منه من يقصد بعمله هذا سمعة رياء، يقول القطب رحمة الله تعالى عليه- في الهميان (502/ 13 - 503):" .. وما ذكر من الثفنات وأثر التراب إنما يمدح بهما لعدم قصد الفاعل المدح، وإن قصده فرياء وكفر؛ ولذلك نُهي عن كثرة الاعتماد على الأرض بالوجه، وقالوا: ترك التراب على الجبهة بعد الصلاة جفاء، قال بعض السلف: كنا نصلي فلا يُرى بين أعيينا شيء وترى أحدنا لا يصلي فترى بين عينيه ركبة البعير فلا ندري أثقلت الأرض أم خشنت .. !! ".
(3) – القنوبي، سعيد بن مبروك. "سؤال أهل الذكر، حلقة 12 رمضان 1428 هـ، يوافقه 2007/ 09/24 م. (4) ـ الخليلي، أحمد بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 68.
(5)
- وهذا الرأي أيضا هو الذي صححه الإمام السالمي تغمده الله بشآبيب رحمته حيث يقول: " والصحيح عندي لا يجزيه ذلك، وهو الأنظر عند أبي محمد". يُنظر:-
السالمي، معارج الآمال ج 8 ص 175.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 1 ص 145. (1/225)
صفحة 226
ويقدِّمُ السَّاجد في هويته للسجودِ ركبتيه فيدَيْهِ، ويقدِّمُ في قيامه منَ السُّجودِ العكس من ذلك فيبدأ برفع يديه ثم ركبتيه.
ويجعلُ الرَّجُلُ يديه أمام ركبتيه، فيما بينهما وبين رأسه، وينبغي أن تكون أطرافُ الأصابع عند الأذنين (1)، مجافيًا قليلا بينَ عضديه (2)، ولْيَضُمَّ أصابعه متجهةً نحو القبلة. وأمَّا المرأةُ فقيل بأنَّ عليها أن تضمَّ ولا تجافي، وصحَّحَ الإمامُ القطبُ - رَحِمَهُ والعلامة القنوبي فى (3) - حفظه الله - عدم الفرق بين صلاة المرأة وصلاة الرجل ما دامَ أنَّ صلاتها بعيدة عن الأعين ولا يمكنُ أنْ يراها في ذلك المكان أحدٌ.
الله
فَتْوَى
السؤال ما قولُكم فيمَنْ يسجدُ فوق العمامة، أي أنَّ العمامة تحول بين جبهته
والأرض؟
الجواب في نقض صلاته خلاف بين العلماء، والراجح النقض إذا كانت كثيفةً
تحولُ بينه وبينَ الأرض، والله أعلم (4).
(1)
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى- القسم الثالث، ص
33
أحمد 1) ـ الخليلي، بن (2) ـ لما روي عن السيدة أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث قالت: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَجَدَ جَافَى حَتَّى يَرَى مَنْ خَلْفَهُ وَضَحَ إِبْطَيْهِ قَالَ وَكِيعٌ يَعْنِي بَيَاضَهُمَا. (مسلم، باب: مَا يَجْمَعُ صِفَةَ الصَّلَاةِ، رقم الحديث
حمد. "مفسدات الصلاة، شريط سمعي. إنتاج مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية.
(768
فخير
ولكن لا ينبغي أن يكون ذلك كما يفعله بعض الناس من المجافاة الزائدة والمبالغ فيها حتى يؤذوا المصلين بجوارهم،
الأمور يا فتى أوسطها.
(3) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 2002 م، الموافق 1423 هـ. (مذكرة خاصة ص 57).
(4) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. بحوث ورسائل وفتاوى القسم الثالث، ص 33. (1/226)
صفحة 227
فَصْلٌ في لفظ السجودِ
تعلَّمْ أيُّها الأخ، أهمَكَ الله ذكرَهُ وشُكْرَهُ - بأنَّ المشروع في سُجُودِ الفرض أنْ يقول المصلّي: (سبحان ربي الأعلى؛ وذلك لقوله: " اجعلوها في سُجُودِكُمْ (1)
بعدما نزلَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الأعلى: 1.
ويمكنك أيها المصلّي في حال صلاة النفل - كقيام الليل مثلا أنْ تدعُو الله تعالى في سجودك وفي القعدة بين السجدتين، وهذا مخصوص بالنوافل دون الفرائض (2)، فقد دعا النبيُّ في صلاة الليل بقوله: " أعوذُ بعفوك من عقابك وبرضاك من
سخطك " (3)
(1)
1) - الربيع، باب: في الركوع والسجود وما يفعل فيهما، رقم الحديث 233.
(2)
(2) - يقول سماحة الشيخ -يحفظه الله - في جواب له ببرنامج "سؤال أهل الذكر ": "والدليل على ذلك ما جاء = النبي صلى الله عليه وسلم – وهذا مما اتفق عليه – أنه قال: "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين". وما كان من إباحة الحديث وإباحة الدعاء وإباحة الأمور التي هي خارجة عن ألفاظ الصلاة إنما ذلك كان قبل نسخ الكلام ثم بعد ذلك نسخ الكلام بقول الله تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ قَنِتِينَ البقرة: 238 فمنع الكلام في الصلاة، وإنما ترخص في النوافل في الدعاء في السجود وفي غيره ما لم يترخص في الفرائض، والله تعالى أعلم"، ويقول محدث العصر –متعه الله بالصحة والعافية في أجوبته الإفريقية: "ولا مانع من الدعاء في صلاة النفل، وأما في الفرض فلا إلا بعد قراءة التشهد وقبل السلام". يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 69، 70، 178.
الخليلي، برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 13 من شوال 1424 هـ، يوافقه 2003/ 12/7 م.
القنوبي، فتاوى على أسئلة. من الشرق الإفريقي ص 38.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ص 170.
(3) - الربيع، باب: ما يجب منه الوضوء، رقم الحديث 112.
يقول شيخنا إمامُ السُّنة والأصول القنوبي - -حفظه الله - عن هذا الحديث: " حديث السيدة عائشة .. في صلاة النفل لا في صلاة الفرض، ولا مانع من ا الدعاء في صلاة النفل، وأما في الفرض فلا إلا بعد قراءة التشهد الأخير وقبل السلام،
وقد ثبت في ذلك أحاديث كثيرة".
(القنوبي، فتاوى على
أسئلة
من الشرق الأفريقي، ص 38). (1/227)
صفحة 228
ويمكن للمصلي أن يكرّر التسبيحَ وترًا: ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أو أكثر من ذلـ حسبَ مَا يشاءُ كما تقدَّمَ مثلُهُ في الرُّكُوع، وإذا كانَ إمامًا فلا ينبغي له الإطالة علَى النَّاسِ وليجعل ذلكَ لصَلاةِ نفسه، وأقلُّ التسبيح -كما في الركوع - ثلاث
مرات على الصَّحِيحِ عندَ شَيحَيْنا الخليلي (1) والسَّالِمِي، فاسمع واحفظ ..
أَقَلُّ مَا يُجْزِي مِنَ سبيح
***
ثلاث مرات على الصَّحِيحِ (2)
الرُّكْنُ الثَّامِنُ: القُعُودُ للتَّشَهدِ
وهوَ القُعود الأخيرُ الذي يعقبُهُ السَّلامُ دونَ القعود الأول الذي يعقبه القيامُ، أَمَّا الصَّلواتُ الثنائية فليس فيها إلا تشهد واحدٌ، وهوَ الرُّكنُ، وقد ذكر بعضُهُمْ أَنَّ الدَّليلَ على فرضيَّةِ القُعود وركيَّتِهِ قوله: فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَما وَقُعُودًا. فَصْلٌ فِي صِفَةِ القُعُودِ
النساء: 103.
والسُّنَّةُ في هيئة القُعُود أنْ يجلس المصلّي مسوّيًا، ظهرَهُ، ويفترش رجلَهُ الْيُسْرَى جالسًا عليها، وينصب رجله اليمنى، ويجعل بُطونَ أصابع قدميه على الأرض معتمدًا عليها، لتكُونَ أطرافها إلى القبلة؛ لحديث السيدة عائشة في صفة صلاة النبي:" وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى (3)، ويضعُ كَفَّهُ اليَمَنَى عَلَى كبته اليُمْنَى، وكفَّهُ اليُسرَى عَلَى ركبته اليُسرى بحيثُ تكونُ رؤوسُ أصابعهما علَى
أطراف الرُّكبتين.
(1) ـ الخليلي، أحمد
بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 68، 69.
(2) - السالمي،.
عبد الله
بن حميد. جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام ج 1 ص 86.
(3) - مسلم، باب: مَا يَجْمَعُ صِفَةَ الصَّلاةِ وَمَا يُفْتَحُ بِهِ وَيُحْتَمُ بِهِ، رقم الحديث 768. (1/228)
صفحة 229
هناك عدة
فَصْلٌ في لفظِ التَّشَهْدِ
روايات ثابتة في صيغة التشهد أو التحيات، وكلُّها جائزة بحمد الله
تعالى، والمختارُ منها اللفظ الوارد في رواية ابن مسعود
ولفظ ابن مسعود: التَّحِيَّاتُ لله (2) وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ (3).
ولفظ التشهد واجب من واجبات الصَّلاة على أقل تقدير، بل مال شيخنا الخليلي عافاه الله إلى أنَّهُ ركن لا تتم صلاةً مَنْ تَرَكَهُ).
(1) وهناك ألفاظ وصيغ أخرى للتشهد جاءت من طرق عدة من الصحابة منها تشهد ابن عباس وتشهد عمـ وهي متقاربة الألفاظ، وكلُّها مجزئة للصلاة، والذي أثبتناه أعلاه هو تشهد ابن مسعود وهو الذي اختاره شيخنا القنوبي - حفظه الله - في كتابه القيم "تحفة الأبرار"، ويُنبه فضيلته في هذا التشهد على عدة أمور منها:
-)
-2
أن الصحيح التزام صيغة (السلام عليك أيها النبي بدلا من (السلام على النبي)، للتفصيل انظـ ر: التحفة
ص 139 - 140.
عدم ثبوت (أرسله بالهدى ... ) بعد الصلاة على النبي. يُنظر:
القنوبي، تحفة الأبرار ص 139 - 143.
القنوبي، سلسلة في ظلال السنة. فتاوى " ج 1" شرط سمعي، إنتاج: تسجيلات مشارق الأنوار.
(2) ـ قال ابن عباس قال: التَّحِيَّاتُ كلمات كان يعلمهن النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه [وفي بعض الروايات زيادة: كما يعلمهم السورة من القرآن] ومعنى التحيات: الملك الله.
(الربيع، باب: في القعود في الصلاة والتحيات، رقم الحديث 242).
(3) - البخاري، بَاب: مَا يُتَخَيَّرُ مِنْ الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّشَهُدِ وَلَيْسَ بوَاجب، رقم الحديث 791.
تنبية: ينبه العلامة القنوبي عافاه الله - إلى أن زيادة "وحده لا شريك له" في لفظ التشهد لم تثبت عن حديث مرفوع، فالأحسن الالتزام بما ثبت في الحديث. يُنظر:
النبي
القنوبي، دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية (سابقا بروي)، صيف 1421 هـ / 2000 م، مذكرة رقم 9 صه.
(4) - يُنظر: (1/229)
صفحة 230
الرُّكُنُ التَّاسِعُ السَّلامُ
وهو ركن من أركان الصَّلاةِ عَلَى الصَّحِيحِ المُعْتَمَم عندَ الشَّيخَينِ -حفظهم الله - (1)؛ لحديث الإمام علي - كرَّمَ اللهُ وجهَهُ - مرفوعًا: " تحريمُ الصَّلاة التكبير، وتحليلها ولمواظبة النبي عليه في جميع صلواته فرضا ونفلاً، ولوْ كانَ سُنةً أو
التسليم "
(2)،
غيرَ واجِب لبيَّنَ ذلكَ النَّبِيُّ بقوله أو بفعله؛ وعَلَيه فتفسُدُ صَلَاةُ مَنْ تركه أو أتَى بناقض ما لم يُسلَّمْ ويخرج منَ الصَّلاةَ (3)
والرُّكنُ في السَّلامِ هو نفسُ التَسليم، أمَّا الالتفاتُ يمينا وشمالاً فهوَ سُنةٌ لا ينبغي
تركها بحال من الأحوال (4).
فَصْلٌ فِي صِفَةِ التَّسْلِيْمِ
وصفة التسليم أن يصفح المصلِّي بوَجْهِهِ عن يمينه قائلاً: (السَّلامُ عَلَيْكُمْ، ثُمَّ عَنْ
شماله قائلاً: (ورحمة الله).
(1) - يُنظر:
(1)
الخليلي، إجابة على أسئلة وجهها الكاتب لسماحته -رعاه الله، بتاريخ: غرة ذي الحجة 1429 هـ الموافق:30/
11/ 2008 م.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الأول / بحث الاستدراك ص 9.
القنوبي، سجود السهو، مادة سمعية متداولة/ الجزء الثاني.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 1 ص 118.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الأول / بحث الاستدراك ص 21.
2) ـ الربيع، باب: في ابتداء الصلاة، رقم الحديث 223.
(3) - يُنظر:
القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 8 رمضان 1423 هـ، 2002/ 11/14 م.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 168.
(4) - القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 1424 هـ، 2003 م، "مذكرة خاصة"، ص 62.
(5)
- تنبية: لم يثبت الإتيان في التسليم من الصلاة بلفظة "وبركاته" بعد الإتيان بـ: "السلام عليكم ورحمة الله". (القنوبي، سلسلة في ظلال السنة. فتاوى " ج 1 " شرط سمعي، إنتاج: تسجيلات مشارق الأنوار). (1/230)
صفحة 231
واعلم أيُّهَا المتعلّمُ أنَّ علماءنا أثابُهُمُ الله - أجازوا التسليمة الواحدة والتسليمتين الاثنتين في الخروج منَ الصَّلاة، وكلُّ ذلك مروي في سُنة النبي، وإِنْ كانَ العمل عند الأكثر على التسليمة الواحدة، ودليلُ الأصحاب ما رُوي عن طائفة مِنْ صَحابة رسول الله منهُم السَّيدةُ عَائِشَةُ وغيرُها: " أَنَّ رَسُولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةٌ ((1)، وقد حكَى غيرُ واحد منَ العُلماء الإجماع على صحة صلاة من سلم تسليمةً واحدةً (2).
وَسَلَّمَنَّ يُمْنَةً ويُسرى
وَأَوَّلُ القَوْلَين عَنْ ضُمَا وَكُلُّهُمْ قَد
اقرأ وتدبر
***
***
***
تسليمتين والشهير وترا والثاني عن بقيَّة الأَعْلامِ
وهوَ حَدِيثُ لا تُطِيْلُ ذَكْرَهُ (3)
الله
لَطِيفَةٌ
وممن أدركنا من بقية السَّلف الشيخ العالم المربِّي سيف بن راشد المغولي -تغمَّدَه برحمته وأسكنه فسيح جناته - أرادَ أَنْ يُعلِّمَ النَّاسَ سَعَةَ المذهب والعَمَلَ بالرأي الآخرِ، فصلَّى بَنَا صَلاةَ الفجرِ ذات يوم وسلم تسليمتين عن يمينه وشماله، فانقم الناسُ في هذه اللحظَةِ بينَ مُنكر لهذا الفعل ومستفهم عن سببهِ! فَأَجَابَهُمُ الشيخ الوقورُ وهُوَ يقومُ لمصافحتهم بهذه الأبيات الثلاثة من "جوهر النظام"، فرضي الجميع وسلَّمُوا ..
(1) - الترمذي، بَاب: مَا جَاءَ فِي التَسْلِيمِ فِي الصَّلَاةِ، رقم الحديث 173.
(2) - وممن حكى إجماع العلماء في هذه المسألة، وقال بإجزاء التسليمة الواحدة ابن المنذر الشافعي في كتابه (الإجماع/ حيث يقول: "وأجمعوا على أنَّ صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة جائزة"، والنووي في كتابه (المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج باب: (السلام) حيث يقول: "وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا إلا تَسْلِيمَةٌ واحدة"، والحمد لله حق حمده. (يُنظر: القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول 37 - 38).
(3)
- السالمي، عبد الله بن حميد. جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام ج 1 ص 88. (1/231)
صفحة 232
قلت: وقد فعله خاتمة الحفاظ شيخنا الخليلي - أبقاه الله - حينَما افتتح أ الجوامع التي يحضُرها قومُنا من أصحاب المذاهب الأُخرى (1).
أحد
وهذا هو دأب أصحابنا في حلّهم وترحالهم يراعُونَ الواقع، ويأخذون بالأوسع ما لم يخالف كتابًا ناطقا أو سنةً ماضيةً، وهذا مِنْ ذخائرِ العِلْمِ فَاشْدُدْ بِهِ يدًا.
فَائِدَةٌ
وردت روايات تُنسَبُ إلى النَّبيِّ فيها مشروعية المسح على الوجه والجَبْهَةِ بعد السَّلامِ، وكذا بعدَ الدُّعاءِ، وقد تكلَّمَ فيها أهل العلم، وممن تكلَّمَ فِيهَا شيخنا إمامُ السُّنَّة والأصول -حفظه الله تعالى - فحكم علَى الرِّوايات الأولى بالبطلان والوضع، وعلى الثانية بالضعف والوهن (2)، وقدْ عَرَفْتَ فَالزَمْ غَرزَهُ.
(1) ـ كان ذلك بولاية بركاء، وقد بين الشيخ بعد ذلك في جواب مكتوب لمن استفهمه أن عمله ذلك كان تأليفا للقلوب وجمعا للكلمة وإشعارا بالوحدة، ولا مانع منه ما دام أنه رأي سائغ له وجه في المروي من سنة أبي القاسم. (2) ـ يقول العلامة القنوبي في "جواب مطوَّلٌ: مطبوع ومتداول" لدى الكاتب نسخة منه ص 40 - 41: "مسـ الجبهة بعد السلام غير مشروع، والحديث الدال على مشروعيته ضعيف باطل لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ لأن في إسناده زيدا العمي، قال عنه أبو زرعة: ليس بالقوي، واهي الحديث ضعيف ... وكذا لم يثب حديث مسح الوجه بعد الدعاء على الصحيح، ولا عبرة بتحسين الحافظ ابن حجر له ولا بمتابعة من "
ذلك ... ".
تابعه
ثم إننا نقول كما قال شيخنا -حفظه الله - إنَّ "من مسح وجهه بعد الدعاء وهو يظن أن الحديث ثابت لا حرج -إن شاء الله تعالى- وإن كان الأولى عندنا خلافه"
وفي هذا المعنى سمعتُ شيخنا بدر الدين الخليلي -حفظه الله – يستشهد بقول الناظم: وَكُلُّ مَا كَانَ عَلَى خلاف
***
عليه
أَمْرِ مُحَمَّ
فللتلاف
الأديان
ثم وجدتُ هذا البيت من نظم النور السالمي -رحمه الله- في كتابه القيم "جوهر النظام في. والأحكام" ج 3 ص 136. (1/232)
صفحة 233
فَائِدَة: حدثنا شيخنا الحافظ سعيدُ بنُ مبروك القنوبي أنَّ الإمام السالمي تغمده الله بواسع رحمته - زار بلدة
الحمراء، فسأل أحد طلبة العلم هناك، ماذا تقرأ؟ فأجاب الطالب: أقرأ "جوهر النظام" فقال الشيخ –رحمه الله -:" لقد أعطيتُكَ سيفًا قَاطعًا إِنْ كُنْتَ بِهِ صَارِبًا". يُنظر:
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى - القسم الثاني ص 117، 118.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 167. (1/233)
صفحة 234
الباب الخامس: في سُنَن الصَّلاةِ
اعلم أيُّها الطالبُ - لقاك الله دروب الجنان، ووقَاكَ مَسَالكَ النيران، بعدَ أَنْ علمت الأركانَ - اعلم أنَّ للصَّلاة سُننا ثبَتَتْ عَنْ خَير البريَّة مِنْها مَا هُوَ واجبٌ لا يجوز تركه)، ومنها ما هوَ مُستحب لا ينبغى التفريط فيه، أو الاقتصار دونَ فعْله بعد ثُبوته)، فلا تعجل علينا بيانه ف لِكُلِّ نَبَا مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ.
(1) - تنبية مُهم في الفَرْق بينَ الرُّكن والواجب قد يتساءلُ بعض طلبة العلم - أصلح الله لنا ولهم الشأن عن الفرق بين أركان الصلاة المفروضة، وسننها الواجبة، فأقول باسم الله مبتدئا وبه مستعينا: إنّ كُلا من الركن والواجب لا يجوز تركه على جهة العمد بحال من الأحوال، فمن تركه متعمدا فسدت صلاته.
يرجع
ويظهر الفرق بين الركن والواجب جليًّا في حال السهو والنسيان، فمن نسي الركن حتى جاوز موضعَهُ وجبَ عليه الرجوع إليه، ولا يُجبر بسجود السهو مطلقا، فمَنْ نسي الفاتحة -مثلا- وتذكرها في سجوده وجب عليه لزاما الرجوع إلى موضعها والإتيان بها كاملة، أما الواجب فمن نسيه حتى جاوز موضعه فلا. إليه ويُجبر بعد ذلك بسجود السهو، مثاله: نسي القراءة بعد الفاتحة حتى استقر راكعا، فإنه لا يرجع إ ع إليها؛ فلا يُرجَع للواجب بعد محاوزته وانتقاله للركن، بل يواصل صلاته ويسجد للسهو قبل السلام. الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 65، 117). وهكذا يقال فيمن نسي التشهد الأول حتى استقر قائمًا فلا يرجع إليه – على الصحيح الراج زمانهما – حفظهما الله-. (الفتاوى ج 1 ص 91، وفتاوى إمام السنة والأصول ص 169).
وخلاصة ذلك في المدارج/31:
وبعض ذي فرائض و تبطُلُ
والبعض منها سنن لا تفسد
*-*-*
***
وبهذا تدرك أيها اللبيب: أن كل ركن واجب، وليس كل واجب ركنًا ..
العمد و النسيان إذْ يُعطِّلُ
ا إلا إذا يَعتَمـ
تنبية: فيمن نسي الركن فرجع إليه هل يأتي بما بعده، أم يواصل من حيث تذكر؟ خلاف، وقد حكى كلا القولين شيخنا القنوبي - حفظه الله -، والله أعلم بالراجح.
قلتُ: وبعد أن كتبتُ ما كتبته بمدة وجدتُ أن شيخنا القنوبي -حفظه الله - يميل إلى القول بالإعادة كما يدل
عليه قوله: "ولكن القول الأول هو الأولى". (1/234)
صفحة 235
وسُنَنُ الصَّلاة - إجمالاً - هي: التوجيه والاستعاذة، والقراءة بعد الفاتحة، وتكبيرات الانتقال، والتَّشَهدُ الأَوَّلُ والصَّلاةُ عَلَى النَّبِيِّ بعد التشهد، والدُّعاءُ بعد
التشهد الأخير، والدُّعاء بعد التسليم.
فهاك بيان ما أجملنَاهُ، وتفصيل ما أورَدْنَاهُ.
يکه
فَصْلٌ فِي التَّوْجِيهِ
التوجيه - ويُسميه البعض دعاء الاستفتاح - سُنَّةٌ مِنْ سُننِ الصَّلاةِ، وهوَ عَلَى الصحيح عند شيخنا بدر الدين -حفظه الله تعالى- سنة مؤكدةً، وغيرُ واجب (2)، لكن لا ينبغي تركه، فقدْ اسْتَفْتَحَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم به صَلَاتَهُ.
والتوجيه المشروع مِنْ فعلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم هوَ: " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ تَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلا إِلَهَ غَيْرُكَ (1)، ويُعرَفُ هذا التوجيه بتوجيه سيدنا مُحَمَّد
(يُنظر: القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 8 رجب 1423 هـ، يوافقه 2002/ 9/15 م).
(1) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج: "سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 5 رمضان 1424 هـ يوافقه 31 أكتوبر 2003 م.
(2) - الخليلي، أحمد بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 49.
ثم إني وجدت القَوْلَ بِعَدَمِ الوُجُوبِ - أيضًا - هو الذي يميل إليه شيخنا إمامُ السُّنَّة والأصول - حفظه الله -. يقولُ في بعض أجوبته: " .. وعلى كلِّ فالقول بأنه واجب يحتاج إلى دليل، نعم إذا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق صحيحة بأنه واظب عليه فهاهنا يكون واجبًا لمواظبة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ولكن لم يثبت أنه واظب عليه"، ويقول في موضع آخر: " .. وذلك يدل على عدم الوجوب؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال للرجل الأعرابي: (إذا جئت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر من (القرآن فهذا الحديث لم يذكر فيه التوجيه". (القنوبي، سعيد بن مبروك، فتاوى إمام السُّنَّة والأصول ص 25 - 26).
بل وجدتُ بعد ذلك التصريح بعدم الوجوب من شيخنا مُحدث العصر -حفظه الله - في بعض أجوبته القيمة في البرنامج القيّم: "سؤال أهل الذكر " حيث يقول:" .. ثم إن التوجية على أصح الأقوال وأرجحها ليس بواجب .. فلو تركه الإنسانُ متعمدا حتى في الفريضة لا يُقال إن صلاته باطلة". (برنامج: "سؤال أهل الذكر"، حلقة: 9 شعبان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 10/5 م). (1/235)
صفحة 236
وقد استحب علماؤنا الله أنْ يُقرَنَ بهذا التوجيه ما حكاه الله تعالى عن خليله إبراهيم الا بقوله: إِنِّي وَجَهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ
حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ الأنعام: 79 وَهَذا هو المعروف بتوجيهِ سَيِّدِنا إبراهيم
العلية (2)
مَحلُّ التَّوجِيهِ
ومحل التوجيه عندنا قبل تكبيرة الإحرام".
(1)
ابن ماجه، السنن، باب: افتتاح الصلاة، رقم الحديث 796.
(2) ـ هذا التوجيه استحبه أصحابنا -رضوان الله عليهم- من باب الترغيب ولم يقل أحد منهم بأنه واجب، بل رُوِيَ مرفوعا إلى النبي (الطبراني، المعجم الكبير، رقم الحديث 923).
وفي هذا السياق ينبه شيخنا القنوبي -حفظه الله - إلى ضرورة التقيد بالآية الكريمة، فلا يُسقط كلمة إنِّي من أول التوجيه فيبدأ بقوله: وَجَهْتُ، وهكذا بعضهم يزيد (مسلما)، وآخرون يقولون في حق المرأة (حنيفة)، وعلى كل حال فالأولى التقيد بنص ا الآية الكريمة. يُنظر:
القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول، 27 - 28.
القنوبي، برنامج: "سؤال" أهل الذكر حلقة: 15 رمضان 1428 هـ، يوافقه 2007/ 9/27 م.
(3) - استدل أصحابنا له على كون التوجيه قبل تكبيرة الإحرام بعدة أمور منها:
1 - أنه ثبت من طرق كثيرة نسخ الكلام في الصلاة بعد تكبيرة الإحرام إلا ما دلّ عليه الدليل، كالاستعاذة والتسبيح والتحميد والتكبير، ولم يثبت دليل ينص على لفظ التوجيه يؤتى به بعد تكبيرة الإحرام، فالأحوط أن يكون قبل التكبير. -2 - قوله في حديث الأعرابي (المسيء صلاته): " إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبَرُ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآن"، ولو كان التوجيه بعد تكبيرة الإحرام لعلمه النبي الهلال له هذا الرجل، و لقال له: فكبر ثم وجه ثم اقرأ ما تر
معك ...
ما رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والدار قطني والحاكم عن. عائشة أن النبي –صلى الله عليه وسلم- إذا استفتح الصلاة قال: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ .. إلخ " ورواه الخمسة من حديث أبي سعيد: وروى مسلم في صحيحه أن: كان يجهر بهذه الكلمات، وروى سعيد بن منصور عن أبي بكر أنه كان يستفتح بها، وروى مثله الدارقطني عن عثمان، وابن المنذر عن ابن مسعود له، ومن حيث إن تحريم
عمر (1/236)
صفحة 237
ورُويَ عَنْ أَبي عبيدةَ الكَبير رَحمَهُ الله - (1) جوازُهُ بعد التكبير، لكنَّ الرواية المشهورة عنه موافقة لرأي الأكثر (2)، والله أعلم.
فَائِدَة
واتَّفَقُوا أَنَّهُ لا مانعَ مِنْ تقديم أيِّ مِنَ التوجيهين على الآخر، واختَلَفُوا في الأفضل مع جواز الجميع، والذي ذهب إليه أكثرُ المغاربة (3) وحسَّنَهُ الإِمَامُ الخليلي (4) - رَحِمَهُ الله هو تقديم توجيه سيدنا إبراهيم وتأخير توجيهِ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ عليهمُ الصَّلَاةُ والسَّلامُ (5)، وذلك لأمرين اثنين: الأوَّلُ: وجود الخلاف هل التوجيه قبل تكبيرة
الصلاة التكبير، حمل أصحابنا - رحمهم الله - هذه الروايات على ما قبل الإحرام، إذ لو كان التكبير سابقاً
عليها لما صدق أن الاستفتاح بها.
للتفصيل: يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 49.
القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول ص 26.
(1) ـ هو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، لقب بالكبير للتمييز بينه وبين أبي عبيدة الصغير عبد الله العماني البسيوي، وهذا الأخير الذي جمع بين العلم والتجارة، حتى سافر إلى الصين، ولقبه ملكها
الأخلاق الطيبة".
هو
يُنظر: معجم أعلام الإباضية / قسم المغرب العربي ج 2 ص 266.
(2) – القنوبي، سعيد بن مبروك. فتاوى إمام السنة والأصول، ص 26.
القاء
(3) ـ أعني بالمغاربة: أصحابنا من أهل المغرب الأوسط الذين يتركز وجودهم في ثلاث مناطق هي: وادي ميزاب. الجزائر، وجبل نفوسة من ليبيا، وجزيرة جربةً من تونس، وقد كانت لهم في السابق دولة لهم فيها صولة وجولة إلا أنَّ الأيام دُوَلُ يقلبها الله كيف شاء، فالله المستعان، والله الأمر من قبل ومن بعد.
أما المشارقة فهم الإباضية الموجودون في الجانب المشرقي كعمان واليمن وشرق أفريقيا والبصرة وخراسان وغيرها، وإن كان واقع اليوم كما يقول شيخنا السالمي - رَحِمَهُ الله - (الجوهر 282/ 4): وَخُرَاسَانَ وَفِيْهِمْ عُلَمَا
(4)
***
وَالآنَ مِنْ غَالبهَا قَدْ عُدمَا
- أعني بالإِمَامِ الخَلِيلي: الإمام الرضي محمد بن عبد الله الخليلي –رَحِمَهُ الله الذي توفي عام 1373 لهجرة المصطفى
عليه الصلاة والسلام.
(5) - يُنظر: القنوبي، سعيد بن مبروك، فتاوى إمام السنة والأصول، ص 28. (1/237)
صفحة 238
الإحرام أو بعدها، الثاني: وجودُ قول بانتقاض صَلاةِ مَنْ فَصَلَ بينَ التوجيه وتكبيرة الإحرام).
تَنْبية: اعلم أيُّها الطالب، رزقك الله سلوك الأدب - أنه لا مانع من إطلاق لفظ (السَّيَادَة) على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأما خبر "لا تسودوني في الصلاة" فكذب موضوع لا شك في وضعه، بل الدليلُ الصريح الصحيح يدل على خلاف ذلك تماما، وقد أبعد النجعة وأغرب المقال من زعم أنه لا ينبغي أن يُوصف أفضل خلق الله و بلفظ السيادة، وأعجب منه من تطاول حتى قال: إن كل بشر يمكن أن يوصف بأنَّه سَيِّدٌ إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم!! وَهَبْيْ قُلْتُ هَذَا الصُّبْحُ لَيْل *** نَمَى العَالَمونَ عَن الضّياء
فسبحان الله! أين هؤلاء مما جاء في كتاب الله ل من وصف هذا النبي الخاتم بالشاهد البشير النذير، وأين هم مما نزل في القرآن من الأمر بالتعزير والتوقير وخفض الصوت خشية بطلان الأعمال، وهل عميت أعينهم أم صمت آذانهم مما امتلأت به كتب السنة من احترام وتوقير لأفضل خلق الله أجمعين، خير من وطئ الثرى، وسار على البيداء! أم أيـ هم بعد ذلك الشمس في رابعة النهار، أين هم من قول الله تَعَالَى: {أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيَّا مِّنَ الصَّلِحِينَ} آل عمران: 39، بل أين هم من صريح قول النبي: " أنا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُ الْأَرْضُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعِ وَأَوَّلُ مُشَفْعِ وَلا فَخْرَ، وَلِوَاءُ الْحَمْدِ بِيَدِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فخر". (ابن ماجه 4298)
من
وكل
دع.
يّدُ الكونين والثق
الذي تر. شفاعته
وفي خُلق
ول الله ملتمس
فإن فضل رسول الله
وانسب إلى ذاته ما شئت
وكيف يدرك في الدنيا حقيقت
ـشر
-*-*-*
-*-*-*
***
لين والفريقين من عُرْبِ وَمِنْ عَجَمِ
لكل هول الأهوال مقتحـ من ولم يدانوه في علم ولا غرفاً من البحر أو رشفاً من الديـ واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتك
وانسب إلى قدره ما شئت من ناطق بف حد فيعرب عنه
قوم نيام تسلوا عنه بالحلـ
خلق الله كلهم
للمزيد / يُنظر:
القنوبي، سعيد بن مبروك. جلسة إفتاء (2) مادة سمعية"، إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية. البوصيري، محمد بن سعيد. ديوان البوصيري / قصيدة البردة ص 233 - 234.
(1) - وهذا الرأي مخالف لأكثر المشارقة الذين يقولون بتقديم توجيه سيدنا محمد. وبهذا تعلم أنه لا ينبغي الإتيان بتلك النيات اللفظية بعد التوجيه، والفصل بها بين التوجيه وتكبيرة الإحرام كما اعتاده بعض الناس، والله المستعان. (1/238)
صفحة 239
وهو
مَسْأَلةٌ
مَنْ دخل المسجد ووجد الجماعة قائمةً، فقيل: إِنَّهُ يقرأُ التوجيه أثناء مشيه، لكنَّ الأولى عند شيخنا القنوبي - حفظه الله - ما صحَّحَهُ الإمامُ السَّالِمِيُّ رَحِمَهُ الله - (1) أَنَّهُ يقرأُ التوجية إذا وقف في مكانه من الصف؛ لأنَّ هذا هو الأليقُ بمقام الخشوع والسكينة والوقار المأمور بها؛ قالَ: " إذا ثُوبَ للصَّلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، انتوها وعليكم السكينة والوقارُ، فمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ في صلاة ما كانَ يَعمدُ إِلى الصَّلاة (2).
فَصْلٌ فِي الاسْتِعَادَةِ
يُسَن للمُصَلِّي - وجوبًا على الصَّحيح المُعتصم عند الشيخين (3) - أن يقول بعد
تكبيرة الإحرام وقبل القراءة (4) {أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ؛ للأمر بها في قوله:
98.
فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْوَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ النحل: 098
(1) - يُنظر: القنوبي، سعيد بن مبروك، فتاوى إمام السنة والأصول، ص 26 - 27. (2) ـ الربيع، باب: في صلاة الجماعة والقضاء في الصلاة، رقم الحديث 220.
(3) - يُنظر:
(4)
الخليلي، برنامج: "سؤال" أهل الذكر حلقة 15 جمادى الثانية 1428 هـ، يوافقه 2007/ 7/1 القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول، ص 34.
- محل الاستعاذة: قيل بأن الاستعاذة قبل تكبيرة الإحرام، والأول وهو أنها بعد التكبيرة- "هُوَ الحَقُّ" كما يقول شيخنا القنوبي -حفظه الله - في بحث الاستدراك. (القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الأول/ بحث الاستدراك،
ص 26).
ويقول في موضع آخر: " ولكن القول الصحيح في هذه المسالة، وهو الذي عليه الجمهور من الأصحاب وغيرهم بأن الاستعاذة محلها بعد تكبيرة الإحرام. (القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول، ص 34). تنبية: يُذكر في بعض كتب الفقه عن الظاهرية أن الاستعاذة بعد القراءة وليس قبلها، أخذا بظاهر الآية الكريمة فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ! وهذا لا يصح عنهم، وقد رجعت إلى المحلى لابن حزم الظاهري فلم أر ما يفيد (1/239)
صفحة 240
ومعنى الاستعاذة: الالتجاء والاستجارة.
ولا بد فيها من نطق اللسان وليست هي بالقلب فقط، ولو أسمعَ المستعيدُ أذنيه فلا يُضيرُهُ ذلك شيئًا بإذن الله تعالى (1).
فَائِدَةٌ
قيلَ: ويُستحَبُّ في الصَّلاة ثلاث سكتات خفيفات: سكتة قبل الاستعاذة، وسكتة بعد الاستعاذة، وسكتة بعد القراءة وقبل الركوع (2)، والله أعلم.
خلاف وثمرة
اختلفوا في الاستعاذة هل هي مشروعة للصلاة أو للقراءة، والثاني هو الراجح عند الشيخين – أبقاهما الله-، يقولُ محدِّثُ العَصر - عافاه الله -: " والصَّوابُ أَنَّها للقراءة
لقوله سبحانه: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْهَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ، وهو مذهب الإمام الخليلي، الله تعالى عنه وشيخنا العلامة المحقق الخليلي (4) - حفظه الله تعالى-
رضي
ذلك بل على العكس من ذلك، يقول أحمد ابن الجزري في شرح طيبة النشر: " وأما ما يُنقل عنهم -أي الظاهرية- أو عن غيرهم من الاستعاذة بعد القراءة لظاهر الآية فليس بصحيح عنهم ولا عن غيرهم .. ".
(أحمد ابن الجزري، شرح طيبة النشر في القراءات العشر ص 46).
(1) ـ هذا هو
(2)
يُنظر:
الْمُعْتَصَم في الفتوى عند شيخنا القنوبي خلافا لمن قال بالنقض.
القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول ص 35.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ص 165.
) - الصوافي، إبراهيم بن ناصر. راقب صلاتك "مادة سمعية". إنتاج: مركز مشارق الأنوار للإنتاج الفني.
(3) - يُنظر:
الخليلي، الإمام محمد بن عبد الله. الفتح الجليل من أجوبة الإمام أبي خليل ص 176. القنوبي، سعيد بن مبروك. "جواب مطوَّلٌ: مطبوع ومتداول" لدى الكاتب نسخة منه ص 25.
(4) ـ الخليلي،
أحمد
بن
حمد. الفتاوى ج 1 ص 96.
(5) - يُنظر: (1/240)
صفحة 241
وثمرةُ الخلاف: تبرز في حق المستدرك، فمَنْ قالَ إنَّها للصَّلاةِ قَالَ: يُؤْتَى بها في موضعها من الركعة الأولى عند القيام للقضاء، ومَنْ قالَ للقراءة قالَ: يُؤتَى بها عندَ أول قراءة في أي ركعة من الركعات، وهذا هوَ الْمُعْتَصَب).
فَتْوَى
السُّؤَالُ متى يستعيد المستدرك لصلاةِ الإِمَامِ؟
الجَوابُ اختلف في استعاذة المستدرك متى تكونُ؟ قيل: عندما يقومُ للاستدراك، وقيل: عندما يشرع في القراءة وهذا أصح، لأنها شرعت للقراءة كما هو صريح قوله تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ، فَإِنْ أَخَرَها إلى الاستدراكِ كانَ ما يقرؤُهُ معَ الإمام غير مسبوق باستعاذة، وذهب قطب الأئمة –رحمه الله - إلى أنَّ الإمامَ يحملها عن المستدرك، والله أعلمُ (2).
فَصْلٌ في القِرَاءَةِ بعدَ الفَاتِحَةِ
القراءَةُ بعد الفاتحة سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الصَّلاةِ الثَّابتة (3) قَالَ تَعَالَى: فَأَقْرَهُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ
الْقُرْآنِ وقَالَ: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ - المزمل:20.
(1)
القنوبي، قُرة العينين ص 37.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى - القسم الأول / بحث الاستدراك، ص 26.
1) - يُنظر: القنوبي، سعيد بن مبروك، فتاوى إمام السنة والأصول، ص 35. أحمد 2) ـ الخليلي، بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 96.
(2)
قال بوجوبها، ومنهم من اقتصر على مجرد النية
(3) ـ اختلف العلماء في حكم قراءة ما زاد على الفاتحة، فمنهم من وعدم الوجوب مع التنبيه على أنه لا ينبغي تركها يقول إمام السنة والأصول - حفظه الله تعالى ومتعنا بحياته -: "وعلى كُلِّ حال القراءة بعد الفاتحة لا تَصِلُ إلى درجة الوُجُوبِ والرُّكْنية، وأما ما جاء في بعض الروايات: " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وما زاد " فهذه الرواية من طرقها جميعا لا تصل إلى درجة الثبوت، خلافا لمن قال بثبوتها، فهي ليست بثابتة على الصحيح، وعليه فلا أقوى على القول بالوجوب.".
(القنوبي، "سؤال أهل الذكر"، حلقة: 28 جمادى الأولى 1427 هـ، يوافقه 2006/ 6/25 م.) (1/241)
صفحة 242
وأقل المتيسر المجزي في قراءة ما بعد الفاتحة آية واحدة تامة المعنى على أصح
أقوال العلماء ().
مَحلُّ السُّورَةِ
وهَذه القراءة مشروعةٌ في الجهري من ركعات الصَّلاة دونَ السِّري منها (2)، وهي: ركعتا الفجر، والأوليان من المغرب والعشاء، وصلاة الجمعة، وكذلكَ هيَ مشروعةٌ في ركعتي العيدين، والكسوفين، والاستسقاء .. وسائر السنن والنوافل.
وقد أطال الشيخ –حفظه الله- في بيان ضعف هذه الرواية بهذه الزيادة (وما زاد) وعدم ثبوت نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذلك في بعض الحلقات (المتلفزة) بيانا لا مزيد عليه استغرق ما يزيد على منتصف الحلقة، ثم ختم الجواب بقوله: "وهذه الرواية تحتاج إلى كلام طويل، ولكن هذه الرواية من الضعف بمكان ولا يمكن أن تطيل بذكرها الآن، ويُمكن أن نكتب في ذلك كتابا مُحرَّرًا تبين فيه تلك العلل"، فسبحان من فتح على العارفين من أبواب علمه!!
للمزيد والتفصيل يُنظر: القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر"، حلقة: 13 ربيع الأول 1428 هـ، يوافقه
2007/ 04/01 م.
(1) ـ وقيل أقل المجزئ ثلاث آيات قياسا على أقصر سورة في القرآن الكريم، وهي سورة الكوثر، ولكن قد علمت أن الصحيح ما تقدم، يقول إمام الحديث -حفظه الله -: ". . فالصواب إذا كانت الآية تَامَّةَ المعنى فهِيَ تُجْزِئُ". (القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر"، حلقة: 28 جمادى الأولى 1427 هـ، يوافقه 2006/ 6/25 م.)
فَائِدَة:
ومن أحكام القراءة أن من لحن في صلاته حتى أبدل آية رحمة بآية عذاب أو العكس، فصلاته منتقضة على رأي أكثر العلماء، وصحَّحَ إمام السنة والأصول -حفظه الله -.
يُنظر: -
عدم النقض.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى - القسم الثالث، ص 28، القسم الخامس ص 39. الخليلي، "أنت تسأل والمفتي يجيب" ج 6، "مادة سمعية".
(2) - قِرَاءَةُ السُّورَةِ فِي الرَّكَعَاتِ السِّرِّيَّةِ: (وهي الأوليان من الظهر والعصر) من المسائل التي تباين فيها الرأي، واختلف معها عمل الأمة الإسلامية، وعلى المنهج نفسه - منهج الاحتياط والسلامة في الدين والتمسك بالدليل- أطبقت كلمة أصحابنا -رضوان الله تعالى عليهم سلفا وخلفا، فلم يروا القراءة بعد الفاتحة في الظهرَينِ مطلقا، وهم في رأيهم هذا عاملون بالسنة التي ثبتت عندهم، والقياس الدال على ذلك، وتتركز أدلتهم عموما واختصارا- في ثلاث نقاط كالآتي: 1 أنَّ الأصل فيما لا يجهر بالقراءة فيه الاقتصار على الفاتحة الشريفة وحدها، وهذا معلوم بالاستقراء المطرد المنعكس، فركعة المغرب الأخيرة وركعتا العشاء الأخيرتان لا يُزاد فيهما غير الفاتحة من أجل الإسرار فيهما. (1/242)
صفحة 243
وهي مشروعة في حق الإمام والمنفرد، أما المأموم فالواجب عليه الاستماع؛ ففي الحديث الصحيح أن النبي صلّى بأصحابه صلاة الغداة -وهي الصبحُ- فثقلت عليه القراءةُ فلما انصرف قالَ: (لعلكم تقرؤونَ خلف إمامكمْ)) قال: قلنا أجل، قالَ: ((لا تفعلُوا إلا بأم القرآن فإنَّهُ لا صلاة إلا بها (((1).
فَائِدَة: لا مانع من قراءة القارئ لأكثر من سُورة بعد الفاتحة في الركعة الواحدة؛ لإقرار النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم رسولَه الذي كانَ يؤُمُّ أصحَابَهُ في صَلاهُمْ ويختم قراءَتَهُ بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (2)، يَقُولُ شيخنا بدرُ الدِّينِ - رعَاهُ الله -: " وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ (1).
وهكذا لو أتينا لصلاة الجمعة والعيدين فإنهما وإن كانتا من الصلوات النهارية إلا أنه يُجهر فيهما بالقراءة من أجل السورة بعد أم الكتاب.
2. أن حكم المأموم فيما عدا الفاتحة الاستماع والإنصات؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا تفعلوا إلا بأم القرآن"، ويتعذر هنا الإنصات مع إسرار الإمام بالسورة!.
ما رُوي عن ابن عباس أنه سُئل أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ الله يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؟ فَقَالَ: لا لا، فَقِيلَ لَهُ: فَلَعَلَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي نَفْسِهِ؟ فَقَالَ: خَمْسًا هَذهِ شَرٌّ مِنْ الأُولَى كَانَ عَبْدًا مَأْمُورًا بَلغَ مَا أُرْسِلَ بِهِ". (أبو داود، رقم
الحديث 658).
أما الروايات التي استدل بها أصحابها على مشروعية قراءة ما زادَ على الفاتحة فلم يعمل بها أصحابنا -رحمهم الله - لما رأوا من عدم ثبوت في بعضها، واضطراب في البعض الآخر، وليس هذا محل بسطها ومناقشتها، فمن شاء المزيد فعليه
الرجوع إلى رسالة سماحة المفتي - حفظه الله - "حُكْمُ قُراءَة السُّورَة في قراءة السِّرِّ" ففيها قطعت جُهيزةُ قَوْلَ كُلّ
على أنَّ هذه المسألة نظيرة المسائل السابقة من حيث إن القائلين بمشروعية قراءة ما زاد على الفاتحة في الظهرين لم يقولوا بوجوب ذلك، فضلا عن شرطيته لتمام الصلاة، وعليه فلا يترتب أي فساد على صلاة اقتصر على الفاتحة من وحدها عندهم، كما حكى غير واحد من علمائهم الإجماع على ذلك، يقول ابن القطان في كتابه "الإقناع في مسائل الإجماع": "ومن قرأ أم القرآن في صلاته فصلاته تامة مجزئة بإجماع". فالحمد الله على تماما يُنظر: الخليلي، حكم قراءة السورة في قراءة السِّر. مكتب الإفتاء وزارة الأوقاف والشؤون الدينية.
(1)
(2)
) - الربيع، باب: في القراءة في الصلاة، رقم الحديث 229.
مسلم، بَاب: فَضْلِ قِرَاءَةِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، رقم الحديث 1347.
النعمة
وعظيم
المنة. (1/243)
صفحة 244
مَسأَلَةٌ
ولا يحملُ الإمام عن المسبوق المستدرك - قراءة السورة إن لم يدركها، فعليه
قضاؤها مِنْ بعدُ عَلَى الرَّأي الْمُعْتَصَص (2).
فَتْوَى
السُّوَالُ هل الأفضَلُ كَفْرَةُ الرَّكعات أَمْ إطالةُ القراءة في النَّوافِلِ؟
الجواب الأفضل على الصحيح - إطالة القراءة في النوافل؛ والله تبارك وتعالى أعلمُ (3).
مِنْ ذَخَائِرِ العِلْمِ
تعلم أيُّها الطالب - سهل الله لك طريق الجنَّة - أنَّ الشيخين -حفظهم الله - يُوصُونَ دائما في فتاواهم بالخروج مِنْ خلاف أهلِ العِلْمِ مهما وجدَ الإِنسانُ إلى ذلكَ سبيلاً، ما دامَ أنَّ ذلك لم يخالف قرآناً ناطقا أو سُنةَ ماضية، لكنهم في مقام الإفتاء لا يحملونَ النَّاسَ على ورعهمْ بلْ يُفْتُونَ النَّاسَ بما وسعَهُمْ في دينهم
(1) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَدٍ. برنامج: سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"- تلفزيون سلطنة عمان،
حلقة:
13
ربيع الثاني 1426 هـ،
يوافقه 2005/ 5/22 م.
(2) ـ الخليلي، أحمد
بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 97.
(3) - القنوبي، سعيد بن مبروك. فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ص 145.
هو
القول
(4) - يقول إمامُ السُّنَّة والأصول حفظه الله - في بعض أجوبته المسجّلة: ". . فلذلك نَرَى أن القول الثالث الراجح وإن كان القول الأول هو الأحوط لأن فيه خروجا من عُهْدَة الخلاف، والخروج من عُهْدَة الخلاف إذا أَمْن من غير أن ينوي المخالف أن يُخالف سُنَّةً ثابتة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وإنَّما مَخَافَة أَنَّ تلك السنة هذا أسلم؛ والله تعالى أعلم." (القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر"، حلقة: 13 رمضان
لم تثبت .. لا شكٍّ أنَّ
1422 هـ، 2001/ 11/29 م).
عن
:
من عميق
الفقه، وقد اشتهر عن إمام المذهب أبي سعيد الكدمي –
الله استنباط. وإفتاء الناس بما وسعهم في دين رَحِمَهُ الله - قوله: " ليسَ العَالِمُ مَنْ حملَ النَّاسَ عَلَى وَرَعِهِ، وَلَكنَّ العَالِمَ مَنْ أفتى النَّاسَ بما وسعهم في دِينِ اللَّهِ". (1/244)
صفحة 245
ومع ذلك فقد يترك الإنسانُ أمرًا جائزا ومباحًا في نظره خشية وقوع الحرج والفتنة بين الناس؛ كما ترك عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ إعادة بناء البيت على قواعد إبراهيم التعليم لكون قريش حديثي عهد بالكفر
وفي هذا السياق فهمْ يُفتونَ بجَوَازِ التَنْكَيْس في قراءة ما بعد الفاتحة، وعدم كراهة ذلك (2) (كأن يقرأ المصلي في الركعة الأولى سورةً من أواخر المصحف ثُمَّ يقرأ من أوائله)، ولكنهم مع ذلك يرونَ أنَّ الأولى تركه خشية أنْ يُوجد في المأمومِينَ مَنْ يَأْخذُ
هذا هو
نفسه أنه
هو
الفقه لمن عرفه، وهذا هو الفقيه حقا لمن قصده، وهي مرتبة عليا لا ينالها من قرأ كتابا أو كتابين، وظن العالم المفتي، والفقيه الباقر، والمتحدث المصقع، كما ابتلي هذا الزمان بكثير ممن هم على هذا المنوال، قد جمعوا "حشفا للعلماء الراسخين إجلال في قلوبهم أو مهابة في نفوسهم، وهم مع ذلك لا كيلة" فليس عندهم وسوء يعرفون من العلم إلا قشوره ثم يأخذون يصححون ويضعفون، ويحللون ويحرمون، بحجج تفضح جهلهم، وتبدي ريبهم، حتى يكون منهجا يصدق فيه وعليه قوله: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ) قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ الملا) الأنعام: 149 وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنَّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا يونس: 36
148)
ل: 64
ــلَّ التَّعَ ـاطي في
الفت اوَى
فالفق
هُ لَ يْسَ ينالُ
يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 117.
***
***
*-*-*
واش
ـعَرَنْ
شهر
المنتدى الأدبي، قراءات في فكر أبي سعيد الكدمي، محاضرة لسماحة المفتي بعنوان: "التأصيل الفقهي عند الإمام أبي سعيد الكدمي" ص 51.
(1) - أبو عبيدة قال: بلغني عن عائشة أم المؤمنين. قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألم تري قومك حين بنوا البيت اقتصروا عن قواعد إبراهيم العلا؟ " فقلت: يا رسول الله ألا تردها إلى قواعد إبراهيم؟ قال: " لولا حدثان قومك بالكفر". (الربيع، باب: في الكعبة والمسجد والصفا والمروة، رقم الحديث 413).
(2) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 53.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 159. (1/245)
صفحة 246
بالرأي الآخر، وكذلك خروجًا مِن خلافِ أَهْلِ العِلْمِ، فالسَّلامةُ في الدِّينِ لا يعدها
شيء
شمرْ وَكُنْ فِي أُمُورِ الدِّينِ مُجتَهِدًا
***
وَلا تَكُنْ مثل عير قيد فالقَادا
***
- وَذُو احْتِيَاط في أُمُورِ الدِّينِ مَنْ فَرَّ منْ شَكٍّ إِلى يَقين (1)
فصل في تكبيرات الانتقال
وذلك أن يقول المصلّي: "الله أَكْبَرْ"؛ لقول ابن مسعود: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى
6
-
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكَبِّرُ فِي كُلِّ رَفْعِ وَوَضْعِ وَقِيَامٍ وَقُعُود (2) ولذا فإن تكبيرات الانتقال ثابتة بإجماع الأمة، وهو يدلُّ على مشروعية التكبير في هذه الأحوال إلا في الرفع مِنَ الركوع، فإنَّهُ يَقولُ: "سَمِعَ اللَّهُ لَمَنْ حَمدَهُ".
وتكبيرات الانتقال سُنةٌ من سُنن الصلاة الواجبة من تركها متعمدا فدت صلاته، ومَنْ نسيها فلا يرجع إليها بعد الانتقال عنها إلى موضع آخر، ويسجد لسهوه قبلَ السَّلام).
تنبية
تكبيرات الانتقال مشروعةً في حال الانتقال من ركن لآخر أو من حد لآخر، منْ بداية الانتقال إلى نهايته، خلافًا لَمَن يُؤخِّرُ هذه التكبيرة إلى وصوله أو قُبَيْلَ وصوله للحد الآتي، أو يقطعُ التكبيرة قبل وصوله للحدّ بفترة بل عليه أن يقطعها قبل الحد مباشرةً،
(1)
1) - أورده العلامة القنوبي عافاه الله - في "جلسة إفتاء" بولاية المصنعة، بتاريخ: 2003/ 5/17 م. و لم أجد نسبته لقائله، وبالله التوفيق.
(2) ـ أحمد، المسند. مُسنَدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، رقم الحديث 3549.
أحمد
(3) ـ الخليلي، بن حمد. برنامج: "سؤال أهل الذكر"- تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 22 من ذي الحجة 1423
هـ، يوافقه 2003/ 2/23 م. (1/246)
صفحة 247
وكذا مَن يطيلها إلى ما بعد استقراره في الحد اللاحق، فإن ذلك خطاً، وإنْ كانَ لا
يُؤدِّي إِلى فَسَادِ الصَّلاةِ.
هَذَا .. وإذا عرفت فاعْمَلْ فَجَمَالُ العِلْمِ إِصْلاحُ العَمَلِ.
فَصْلٌ في تَسْبيحَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ
وَهُو وَاجِبٌ مِنْ وَاجِبَات الصَّلاة لا يَجُوزُ تَرْكُهُ في حَالَ العَمْد، وقَدْ تَقدَّمَ الحديث عنهُ مُفصَّلاً عندَ الكَلامِ عَلَى رُكْنَيْ "الرُّكُوعِ"، و"السُّجُودِ" فَارْجِعْ إِلَيْهِ.
فَتْوَى
السُّوَالُ مَا حُكْمُ التَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ والسُّجُودِ؟
الجَوابُ اللهُ أَعْلَمُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ واجِبْ وَلَكِنَّهُ ليسَ بِشَرْطِ وَلَا رُكْنٍ، بمعنى أَنَّهُ إِذَا نَسِيَهُ المُصَلِّي فيكتفي بسُجُود السهو، ولكنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَترُكَهُ عَمْدًا (1).
فَصْلٌ فِي التَّشَهدِ الأَوَّل
التشهد الأولُ والجلوس لهُ بعد الركعتين سنةٌ من سنن الصلاة الواجبة (2)؛ لمواظبة النبي عليه؛ إذ لم يتركه إلا سهوًا كما ثبت في الصحيح أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قام من اثنتين
وسجد سجدتين للسهو قبل أن يُسلّم (3).
(1)
21 - القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيفية مفرغة. صيف 1421 هـ / 2000 م، مذكرة رقم 9 ص 12.
م الشرعية (سابقا بروي)،
(2) ـ يقول العلامة القنوبي متعه الله بالصحة والعافية- في بحثه القيم حول موضوع "الاستدراك": " ومن المعلوم أن التشهد الأول واجب على القول الصحيح"، وقد استدل فضيلته على وجوبه بدليلين اثنين: بأمره وبفعله، أما أمره فما جاء في بعض الروايات "فليقل"، وفي بعضها "فليقولوا"، وأما فعله فمواظبته عليه مع قوله: " صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ". يُنظر:
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى - القسم الأول / بحث الاستدراك، ص 9.
القنوبي، "سجود السهو مادة سمعية متداولة/ الجزء الثاني.
6
(3) ـ البخاري، باب: مَا جَاءَ فِي السَّهْوِ إِذَا قَامَ مِنْ رَكْعَتَيْ الْفَرِيضَةِ، رقم الحديث 1148. (1/247)
صفحة 248
ولفظ التشهد الأول هو لفظ التحيات الذي مرَّ معك سابقا في باب "أركان الصلاة (1)، إلا أن الدعاء بعدَهُ مختص بالتشهد الأخير الذي يعقبه السَّلامُ (2).
مسألة
تَرْكُ التشهد الأول على جهة العمد مُفسد للصلاة، أَمَّا إِذا نسيه المصلِّي فقامَ عنهُ سهوًا، فانتبه أو تبه قبل انتصابه قائمًا فعليه الرجوع إليه مباشرةً، أما إن انتبه بعد أن استقر قائمًا فَالمُعتصم عندَ الشيخين - حفظهما الله - ما دَلَّ عليهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحَ (3) السابق)، فيمضي على صلاته ولا يرجعُ ويسجدُ لِسَهوه سجدتين قبل السلام، وبذلك يُرجَى لهُ القَبولُ والسَّمامُ.
(1)
وقد ذكرنا هناك أن المختارُ في التَشَهدِ - كما تقدَّم اللفظ الذي جاء من طريق ابن مسعود: التحيات لله وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِي وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ".
(2)
- هذا هو
المعتمد وعليه العمل والفتوى خلافا لبعض المتأخرين الذين زعموا أنه مشروع حتى في التشهد الأول.
(القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 12 رمضان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 11/18 م).
(3) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 91.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الأول / بحث الاستدراك، ص 28.
القنوبي، برنامج: سؤال أهل الذكر حلقة: 13 جمادى الثانية 1427 هـ، يوافقه 2006/ 7/9 م.
4) - يُعرف هذا الحديث عند الفقهاء بحديث عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ" نسبةً لراويه، قَالَ: "صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ ثُمَّ قَامَ فَلَمْ يَجْلِسْ فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ثُمَّ سَلَّمَ". تقدم تخريجه
أجاب عن
وإذا علمت أن هذا الحديث صحيح ثابت فالواجب العمل به، والتعويل عليه؛ لأنَّ هذا هو عين منهج القرآن بل أمره الصريح قَالَ تَعَالَى: وَمَا آلَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ (الحشر: 7، وقد أجاد الإمام الخليلي –رحمه الله- وأحسن القول عندم هذه المسألة بعينها فقال: "ما ذكره في الوفاء - أي وفاء الضمانة لقطب الأئمة هو السُّنة؛ لأنه روي أن النبي قام فنبه و لم يرجع للتحيات الأولى ومضى على صلاته، وهذا يحتج به من يقول إن التحيات الأولى ليست بفرض، وإِنْ صَحَ الحديث فالعمل به، وقول بخلاف الحَدِيْثِ يُضَرَبُ بِهِ عُرْضَ الحَائِط، والعلم عند الله جل وعلا". يُنظر: الخليلي، الإمام محمد بن عبد الله. الفتح الجليل من أجوبة الإمام أبي خليل ص 192 - 193. (1/248)
صفحة 249
فَصْلٌ فِي الصَّلاةِ النَّبَوِيَّةِ
تعلَّمْ - يَا مَنْ شَرُفْتَ بأنْ كانَ لكَ أحمد نبيًّا - أنَّ الله تعالى رفعَ ذِكْرَهُ فِي العَالَمينَ، فمَا يتمُّ للصَّلاة أذان بلْ ولا للعبد إسلام إلا بالشَّهادَةِ لَهُ بالرسالة بعد الشهادة الله بالألوهية والوحدانية، وتعلَّمْ أنَّ الله رفع ذكرَهُ في العالمينَ بأَمْرِهِ أمرًا جازمًا واجبًا بالصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيهِ عندَ كلِّ ذكْرِ لَهُ فقال: كلِّ ذِكْرٍ لَهُ فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَيْكَتَهُ يُصَلُّونَ
عَلَى النَّبِيِّ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) الأحزاب: 056 ويُؤتَى بالصَّلاة على النَّبيِّ بعد التشهد الأخير فقط على الرأي المشهور (1 والمختارُ عندَ علامة المعقول والمنقول حفظَهُ الله وأبقاه - الإتيان بصيغة الصَّلاة
فَائِدَةٌ: عُرْضَ الحَائِط: بضم العين المهملة هكذا وردت في معاجم العربية وعُرضه: أي وسطه أو أي ناحية من نواحيه، وهو تركيب شهير في اللغة، يُكى به عن عدم الاكتراث والمبالاة بالشيء.
(الفراهيدي، الخليل بن أحمد العين، باب: العين والضاد)
(1) - الصلاة على النبي الا بعد التشهد الأخير مما لا إشكال في مشروعيته، وقد وقع الأخذُ والردُّ في الصلاة بعد التشهد الأول، يقولُ شيخنا القنوبي أبقاه الله تعالى -: "إلا الصلاة على النبي ال [أي بعد التشهد الأول] فإن فيها خلافا مشهورا، وليس هذا موضع بسط الكلام على ذلك، على أنه ليس في المسألة دليل قوي مع أحد الفريقين،
ولكل وجهة هو موليها ". يُنظر:
القنوبي،
تحفة الأبرار ص 139.
القنوبي، جلسة إفتاء بمجلس مترل فضيلته - ليلة الأربعاء 13/ 5 / 2008 م.
الجدير بالذكر أن مقتضى الآية الأمر بالجمع بين الصلاة والسلام، وهذا أمر لا ينبغي التفريط فيه حتى أن قط الأئمة رَحِمَهُ الله - استظهر وجوب الجمع بينَ الصَّلاةِ والسَّلام إلا في هذا الموضع فيُقتصر على الصلاة دون السلام؛
لأن المصلي قد أتى بالسلام أثناء التشهد في قوله: (السلام عليك أيها النبي). يُنظر:
السالمي، مشارق أنوار العقول ج 1 ص 34.
القنوبي، دروس صيف 2002 م الموافق 1423 هـ. (مذكرة خاصة ص 59).
القنوبي، شرح مدارج الكمال ج 1 مادة سمعية"، اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية أو مكتبة مسجد جامعة السلطان
قابوس. (1/249)
صفحة 250
الإبراهيمية قدر الإمكان (1)؛ لما ثبت عندَ الربيع أنَّ بشير بن سعد قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أمرنا الله أنْ نُصلي عليك فكيفَ نُصلي عليك؟ فسكت حتى نسينا أَنَّهُ سَأَلَهُ، فقالَ: " قولُوا اللهمَّ صلّ على نبينا محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد (2). فَائِدَةٌ: اختص سيدنا إبراهيم ال بالذكرِ مَعَ سَيِّدِنَا محمد صلى الله عليه وسلم عندَ الصَّلاة
عليْه اسْتَجَابَةً لدعوته حِينَمَا قَالَ: وَاجْعَل لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (الشعراء: 4 (3).
لَطِيفَةٌ
84
ومِمَّا زَادَنِي شَرَفًا وتيها
دُخُولي تحتَ قَولِكَ يَا عِبَادِي
***
***
وكدْتُ بِأَحْمُصِي أَطَأُ القُريَّا وأنْ صَيَّرْتَ (أَحمدَ) لي نبيا
فَصْلٌ فِي الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلامِ
الدُّعاء بين التشهد الأخير والسَّلام (4) مما لا ينبغي التفريط فيه مع عدم وجوبه، وتمام الصَّلاة بدونه ()، وللإنسان أن يسأل الله له في ذلك الموقف ما شاءَ مِنْ حاجتي
(1) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 161.
(2)
2 - الربيع، باب التسبيح والصلاة على رسول الله، رقم الحديث 510.
أحمد (3) ـ الخليلي،
(4)
بن
حمد. برنامج "سؤال أهل الذكر"، حلقة: 9 صفر 1426 هـ، يوافقه 2005/ 3/20 م. وإياك أن تلتفت لقول مَنْ قالَ بأنَّ الدعاء مشروع بعد التشهد الأول أيضًا، فإن هذا ليس له دليل معتمد لا من كتاب ولا من سنة، يقول علامة المنقول والمعقول -حفظه الله -: " أما الدعاء بعد التشهد الأول فإنه لا يؤتى به ولا يشرع، وما ذكره بعض المتأخرين من مشروعية الدعاء بعد التشهد الأول لأنّ الأحاديث أطلقت فهو كلام مردود، لأنّ الأحاديث في حقيقة الواقع لم تطلق، فهي واضحة كل الوضوح بأنها في التشهد الثاني".
(القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة: 12 رمضان 1423 هـ، يوافقه 18 نوفمبر 2002 م).
(5) ـ الخليلي،، أحمد
بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 69. (1/250)
صفحة 251
الدنيا والآخرة، فقد قالَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: " ثُمَّ يَتَخَيَّرُ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ
فَيَدْعُو (1).
وقد ثبتت بعد التشهدِ وقبل السلامِ عِدَّةَ أدعية وأذكار في سنة النبي المختار، أكتفي منها بذكر بعض ما ورد في كتاب "تحفة الأبرار (2)، فارغب إلى ربك في سؤاله فأنت المحتاج إلى جزيل نواله:
-1
" اللهم إني أعوذُ بِكَ مِنْ عَذاب القبر، وأعوذُ بكَ مِنْ عَذاب جهنَّمَ، وأعوذُ بكَ مِنْ فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا
والممات (3)
(1)
1) - البخاري، باب: مَا يُتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّشَهُدِ وَلَيْسَ بوَاجب، رقم الحديث 791. (2) ـ كتاب " تحفة الأبرار في الأَذْكَارِ الوَارِدَةِ في كتاب الله وسُنَّة نبيه المختار " تأليف الشيخ العلامة سعيد بن مبروك بن حمود القنوبي، عمدة في الصحيح الثابت من الأدعية النبوية الصحيحة والثابتة على صاحبها أفضلُ الصلاة وأتم
التسليم.
(3) ـ هذا الحديث حديث صحيح ثابت مشهور في كتب السنة عند الموافقين والمخالفين، فقد رواه الإمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب – رَحِمَهُ الله - بإسناده المتصل الرفيع "أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن:" اللهم إني أعوذ بك ... إلخ"، وقد ملأ أصحابنا – رضوان الله تعالى عليهم- كتبهم بذكر هذا الحديث (انظر: مثلا المعارج (217/ 8) وأنه مما يُؤتى به بعد التشهد الأخير في الصلاة اتباعا للسنة التي امتلأت بها كتب الرواية والحديث.
فقد اتفق على رواية هذا الحديث الستة من أئمة الحديث وهم: البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وقد رواه أيضا أحمد في مسنده، وابن أبي شيبة في مصنفه، والبيهقي في سننه، وعبد الرزاق في مصنفه أيضا، والحاكم في مستدركه، والطبراني في معجمه والطبري في تهذيبه، وأبو عوانة في مستدركه والحميدي وأبو يعلى الموصلي في مسنديهما، وابن حبان وابن خزيمة في صحيحيهما، والنسائي في السنن الكبرى، وغيرهم كثير .. وأما عن حكمها الشرعي في الصلاة فيقول الشيخ المفكر عبد الله بن عامر العيسري في محاضرته (أعمال الصلاة): "وقد ذهب جمهور العلماء من أصحابنا وغيرهم إلى أن التلفظ بالاستعاذات الأربع بعد التشهد الأخير قبل السلام سنة مؤكدة، وذهب الظاهرية إلى وجوبها .. ". (1/251)
صفحة 252
وبذلك تدرك خطورة تلك الدعوة، وذلك النكير بل والإنكار من قبل من يلبس لبوس المذهب، ويتسربل بسربال الاستقامة، ويتحدث باسم الدعوة، ثم يردُّ مثل هذه الأحاديث الصحيحة الثابتة بحجة أنها لم تتواتر تارةً، أو أنها لم تذكر في القرآن تارةً أخرى، أو أنَّ العقل لا يستسيغها تارةً ثالثة ... ويأخذون يملأون الدنيا ضجيجا وإنكارا ثم بنا للفرقة في أوساط الناس في أمور كان للناس فيها سعة ووفاق ..
عليه منكر منهم.
وقد كان كاتب هذه الكلمات ممن التزم السنة وامتثل أمر النبي صلى الله عليه وسلم في الإتيان بهذا الدعاء قبل السلام وبعده، فأنكر قائلاً: ولم تستعيد من المسيح الدجال؟! فأجبته بكل بديهة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ منه .. !! يقول ربُّ السيف والقلم الإمام المحقق سعيد بن خلفان الخليلي - رَحِمَهُ الله - "في تمهيد قواعد الإيمان" جه ص 207: أم تحسب أنَّ الدِّين يُؤخذ من قبل الرأي؟! كلا؛ فإنَّ من أخذ دينه بالقياس لا يزالُ الدهر في التباس، حائرا عن السبيل، حائدا الدليل، بل الدِّينُ كله ما أخذ أبي القاسم، وليس لغيره إلا الاتباع والتسليم، ومن كره الاتباع
عن
واختار الابتداع فلا بد له من ... ".
عن
وقد رأينا أن هذه الزوبعات التي تُقام ولا تُقعد حول أحاديث صحيحة ثبتت بأسانيد عالية عن ا النبي كحديث الاستعاذة من المسيح الدجال وأحاديث عذاب القبر وحديث الذبابة وغيرها من الأحاديث والمرويات في أبواب العقيدة والفقه لا تعود على المذهب الذي ينتسبون إليه بما هو خير، بل لا نستغرب بعد ذلك حينما يجادلنا مجادل في الحرمين – كما وقع لنا ذلك شخصيا-، أو في أي مكان آخر، أو نجد على مواقع الشبكة المعلوماتية من يقول إن الإباضية ينكرون السنة، أو يتساءل على أقل تقدير – هل يعترف الإباضية بالسنة أصلا!!
ثم إنني أقولُ: إن أمر التصحيح والتضعيف هو من صنعة المحترفين لا من تخرصات المبتدئين لا سيما إذا كان ذلك النقد والجرح موجها للمتن مع صحة السند فإن الأمر أخطر، والخطب أجل ومما قرره علماء الحديث أن علم نقد المتن من أصعب العلوم إطلاقا، لا يطيقه إلا العلماء المجتهدون الراسخون في العلم الذين جمعوا شروط الاجتهاد، وقد حضرنا لقاء بعنوان "الفقه الإسلامي ومستجدات العصر" سأل فيه شيخنا الفاضل سعيد بن سليمان الهدابي مدير دائرة الإرشاد والتوجيه الديني بجامعة السلطان قابوس الأستاذ الدكتور العالم وهبة الزحيلي عن شروط المؤهل للاجتهاد،
فأجاب بأن شروط المجتهد هي:
1. أن يكون عالما بأحكام القرآن.
عالما بأحاديث الأحكام.
عالما بأصول الفقه.
عالما باللغة العربية.
عالما بإجماع ا
العلماء.
عالما بالقياس وشرائطه.
وأن يكون عالما بمقاصد الشريعة.
2
{
5
7 (1/252)
صفحة 253
-2
" اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (1).
فهل هؤلاء الذين خاضوا ما خاضوه مدحا وقدحا، تصحيحا وتضعيفا، حازوا هذه العلوم أو وصلوا إلى هذه المرتبة، لا أظن أدنى من سمع كلام أحدهم إلا ويعرف الإجابة، وينقدح في نفسه النصح لهم بقراءة شيء ولو من مختصرات النحو والإعراب ليقيموا ألسنتهم ويحفظوها من اللحن فضلا عن الخوض في مسائل العلم والرد على العلماء الراسخين المجتهدين!!
يقول الإمام نور الدين السالمي - رَحِمَهُ الله - عند ذكره لشروط المجتهد (طلعة الشمس 418/ 2): " .. فمن لم تحصل معه تلك الشروط فلا يحل له القول في الأحكام الشرعية عن نظر نفسه، بل يقلد غيره في ذلك، وذلك حكم الله فيه؛ لقوله تَعَالَى: فَسَتَلُوا أَهْلَ الذِكرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ))
(43)
النحل: 43، الأنبياء: 7".
وأقول: إننا وجدنا علماءنا الربانيين الذين وصلوا مرتبة الاجتهاد وحُقَّ لهم، مع اجتهادهم العميق واستنباطهم الدقيق ووصولهم إلى الراجح من الأقوال، وإداركهم في المقابل للسقيم منها، نجدهم قد يقفون ويتانون من التصريح ببعض آرائهم واجتهاداتهم ولو لمدة من الزمن، فلا يطيرون بها فرحا، ويذيعونها في الآفاق سراعا، بل كثيرا ما هم وقافون؛ لمقصد رأوه أو لمصلحة اعتبروها؛ كأن يكون في ذلك الاجتهاد مخالفة لرأي يفتي به شيخهم الجليل، أو أن الناس حديثو عهد باستقامة، أو تمسك برأي آخر قوي ... وهذا هو الفهم العميق والتطبيق الدقيق لحديث النبي صلى الله عليه وسلم حين قال للسيدة عائشة ل الله: " ألم تري قومك حين بنوا البيت اقتصروا عن قواعد إبراهيم عليه السلام؟ " فقلت: يا رسول الله ألا تردها إلى قواعد إبراهيم؟! قال: " لولا حدثان قومك بالكفر". (الربيع 413).
فقد ترك النبي و إعادة بناء البيت العتيق على قواعده الأصلية التي بني عليها في عهد سيدنا إبراهيم العليا، مع أن هذا البيت هو أول بيت وضع للناس بنص القرآن، وهو قبلة كل المسلمين إلى يوم الدين؛ وذلك كله مراعاة للحالة السابقة التي كان عليها أولئك القوم، وخشية عليهم من وقوع الحرج والفتنة في دينهم، فهل أدرك العقلانيون هذا السر العظيم؟!! وهل فقهوا هذا المقصد الكبير؟!! وهل جنبوا الناس الفرقة والشقاق؟!! أم كانوا سائرين على عكس هذا المنهج ومجدفين عكس التيار ... ؟!!
(1)
فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا النساء: 78.
- رواه البخاري أَنَّ أَبا بَكْرِ الصِّدِّيقِ الله أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ: عَلَّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ: " قُلْ
اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ... إلخ".
(البخاري، باب: الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلَامِ، رقم الحديث 790). (1/253)
صفحة 254
"
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ به منِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إِلَهَ إِلا
أَنتَ (1).
فَصْلٌ فِي الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ بَعْدَ السَّلامِ
الذكر والدعاء بعدَ السَّلامِ مما رَغِبَ عنهُ واستخف به كثيرٌ مِنَ العِبَادِ (2) - هدانا الله تعالى وإياهم- فتجدُ الواحد منهم ما يكاد يفرغ إِمَامُهُ مِنَ السَّلَامِ حتى يُعرِضَ عَنِ الذكر والدعاء بالانصراف والقيام، جهلاً أو تجاهلاً بقول المولى: فَإِذَا فَرَغْتَ
فَانصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب الشرح: 7 - 8
(1)
2 - ويفضل أن يؤخر هذا الدعاء إلى ما قبل التسليم لما جاء في الرواية ثُمَّ يَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ النَّشَهُدِ
وَالتَّسْلِيم".
(مسلم، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه، رقم الحديث 1290).
(2) - الدعاء له فضل عظيم، وثواب جزيل، لا ينبغي للمسلم أن يغفله أو يتغافله بحال من الأحوال، فهو سلاح المؤمن، ومخ العبادة بل هو العبادة كلُّها، فالصلاة كلها ذكر ودعاء، قَالَ تَعَالَى: {وَأَقِمِ الصَّلوةَ لِذِكْرِي لا له: 14، وهكذا كل العبادات من صيام وحج وعمرة إنما شرعت –كما جاء في الأثر - من أجل ذكر الله، ولهذا قيل: من لا يسأل الله يغضب عليه! ومصداق ذلك قول الحق تبارك وتعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) غافر: 060
المرأ بالدعاء وتزدريه
سهامُ اللَّيْل لا تخطي ولكن
أحمد
(3) ـ الخليلي، بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 180.
*-*-*
***
وَمَا تَدْرِي بَمَا صَنَعَ الدُّعَاءُ هَا أُمَدٌ وللأمد انقضاء (1/254)
صفحة 255
وفي هذا مخالفة لهدي محمد؛ إذ من هديه الثابت من فعله التفات الإمام
تجاه المصلين عقبَ الصَّلاةِ (1) فعَنْ سَمُرَةَ بْن جُنْدَب قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى صَلاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهه "
وقَدْ في النبي أصحابَهُ نهى
عن الانصراف حتى ينصرف الإمام (3)؛ فعن أنس
ه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَاهُمْ أَنْ يَنْصَرِفُوا قَبْلَ انْصِرَافِهِ مِنَ الصَّلاةِ (4).
ضي
ويمكنُ للإنسان أن يدعو في هذا الموقف بما اختارَهُ واصطفاه من خيري الدنيا
والآخرة، على أنه لا يخفى عَلَى الفَطن أنَّ هناك أذكارًا وأدعيةً ثبتت في صحيح النبويَّة، فهيَ أَوْلى وأفضلُ، وها أنا أذكر بعضا منها:
السنة
1 - الاستغفارُ (ثلاث مرات ثم تقولُ: " اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (5).
2 - سُبْحَانَ الله ثلاثا وثلاثين مرة، الحمد الله ثلاثا وثلاثين)، الله أكبر (ثلاثا وثلاثين)، ويقولُ تمام (المئة (1): لا إله إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2).
(1) – القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 2001 م، الموافق 1422 هـ. (مذكرة خاصة ص 31).
(2) - البخاري بَاب يَسْتَقْبِلُ الْإِمَامُ النَّاسَ إِذَا سَلَّمَ، رقم الحديث 800.
بن
(3) الخليلي، أحمد يوافقه 2006/ 9/25 م.
حمد. برنامج "سؤال أهل الذكر تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 1 رمضان 1427 هـ
(4) ـ أبو داود، بَاب: فِيمَنْ يَنْصَرِفُ قَبْلَ الْإِمَامِ، رقم الحديث 529.
(5) - لحديث ثوبان قَالَ كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلاثًا وَقَالَ: " اللَّهُمَّ أَنتَ السَّلامُ وَمِنكَ
السَّلامُ تَبارَكْتَ ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَام".
(مسلم، باب: اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلاةِ وَبَيَانِ صِفَتِهِ، رقم الحديث 931). (1/255)
صفحة 256
3 - آيةُ الكُرْسى (3).
(1) - فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: كلمة (مئة) كتبتها العرب قديما بالألف (مائة) للتمييز بينها وبين كلمتي (مِنْهُ) و (منة)، وذلك حينما
لم يكن هناك نقط وإعجام للحروف، فكان هذا التركيب (مئة) من غير نقط تحتمله الكلمات الثلاث. وقد اختلف أهل العربية بعد ذلك اختلافا واسعا في كتابتها بالألف أو بدونها، والذي نرى أنه الأولى بالاختيار
أن تكتب كلمة (مئة بدون ألف؛ وذلك للأسباب الآتية:
1) أنَّ الميم في (مئة) مكسورة، ولا يناسب الكسرة مجيء أ ء ألف بعدها.
أن العلة التي كتبت بها الكلمة بالألف قد زالت في يومنا هذا، وأصبح القارئ العربي المعاصر لا سيما النقط وأدوات الطباعة الحديثة قادرا بكل سهولة ويسر على التمييز بين الكلمات الثلاث (مئة،
وجود
منْه، منة).
وهو أقوى الأسباب: أن كتابتها بالألف أدى إلى الوقوع في خطأ فاحش من قبل كثير من القراء المعاصرين ولا سيما عامة الناس بل وسمعنا حتى من المثقفين والإعلاميين وأرباب الصحافة، وهو أنهم يقلبون كسرة الميم فتحة مناسبة للألف، ثم يثبتون الألف في النطق، وهذا هو خلاف مقصود علماء اللغة قديما حينما أثبتوا هذه الألف صونا للسان والنطق من الخطأ واللحن، فلما حصل الضد بالإثبات زالت العلة ووجب الرجوع
إلى الأصل وهو العدم لا سيما مع وجود هذه المصلحة الواضحة الجلية. وقد نقل القطب - رَحِمَهُ الله - في (كتاب الرسم ص (39) عن أبي حيان أنه قال: "وكثيرا ما أكتب أنا (مئة) بغير ألف؛ لأن كتابة مائة بالألف خارج عن القياس".
وقد أبعد النجعة من استدل على أن الأولى إثبات الألف مطلقا بأنها مكتوبة في القرآن بالألف مِائَةَ، وهذا استدلال غريب؛ إذ إنه من المتقرِّرِ عند الجميع أنه لا يقاس على خط المصحف كما لا يقاس على خط العروض، ولذا ألغزوا خطان لا يقاس عليهما؟! ...
للمزيد يُنظر:
كتابُ الرَّسم، للإمام القطب محمد بن يوسف اطفيش ص 38 - 40.
المفْرَدُ العلم في رسم القلم للسيد أحمد الهاشمي ص 12 - 13.
أخطاء لغوية شائعة، للأستاذ خالد العبري ص 125 - 126.
(2) - لحديث أبي هريرة الله عَنْ رَسُول الله: " مَنْ سَبَّحَ الله في دُبُر كُلِّ صَلاة ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، وَحَمدَ اللهَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، وَكَبَّرَ اللهَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ فَتِلْكَ تِسْعَةٌ وَتَسْعُونَ وَقَالَ تَمَامَ الْمَيَّةِ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ
الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ غُفَرَتْ عَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ".
(مسلم، باب: اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَبَيَان صفته، رقم الحديث 939).
(3) - وهيَ أَعْظَمُ آية في كتاب الله. (1/256)
صفحة 257
- المعوذات الثلاث (1).
لَطِيفَةٌ
ذكر بعض أهل العلم أَنَّ مَثَلَ مَنْ أعرض عنِ الذَّكرِ والدُّعاء بعد اجتهاده وإكماله الصَّلاة كمثل مَنْ قامَ إلى شجرة فنفضها وتساقطت ثمارها حتى إذا انتهى من نفضها ولَّى عنها ولم يأخذ من ثمرها شيئًا (2).
لَطِيفَةٌ أُخْرَى
وفي سياق الذكرِ والدُّعاءِ كانَ مِن أروع ما أطلعنا عليه سماحة المفتي -حفظه الله وأبقاه من بدائع المحقق الخليلي - رَحِمَهُ الله - (3) أن عثر هذا الأخير على بيتين لأحد الفَلاحِينَ العُمانيينَ فعارضهما ببيتين آخرين، يَقولُ الفَلاحُ:
(1)
مَنْ خَافَ مِنْ نُوَبِّ الزَّمانِ وَعَضَه
فِي كُلِّ شَهْرٍ مِنْهُ تَأْتِي عَلَّةً
فعارضهما ببيتين آخرين قال فيهما:
***
***
فليزرع القتَ النضير بأرضه
تغنيك عن دين البخيل وقرضه
1) - تنبية: المعوذات: هكذا النطق الصحيح لها بتشديد الواو مع الكسرة، خلافا للخطأ الشائع في نطقها بالتشديد الفتحة. والمعوذات هي: سور الإخلاص والفلق والناس، سُميت كلها بالمعوذات تغليبا وإن لم يكن في الإخلاص لفظ
الاستعاذة.
والأصل في المشروعية حديثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: "أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَقْرَأَ الْمُعَوِّذَاتِ دُبُرَ كُلِّ
صلاة".
(النسائي، باب: الأَمْرِ بِقِرَاءَةِ الْمُعَوِّذَاتِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ مِنْ الصَّلاةِ، رقم الحديث 1319).
(2) ـ الخليلي، (3) - يُنظر:
أحمد
بن مد المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 1 ص 121.
حمد.
الخليلي، سعيد خلفان. الدِّيوَانُ ص 221. بن
المنتدى الأدبي، قراءات في فكر الخليلي. محاضرة الخليلي فقيها ومحققا لشيخنا بدر الدين الخليلي -حفظه الله -
18 (1/257)
صفحة 258
مَنْ خَافَ مِنْ نُوَبِّ الزَّمانِ وَعَضَه
فِي كُلِّ يَومِ مِنْهُ تَأْتِي رَحَمَةً
***
***
فلْيَدْعُ رَبَّ العَرْشِ خَالِقَ أَرضِه
تُغنيكَ عَنْ دَيْنِ البَحْيْل وقَرْضه
خَاتِمَةٌ
في صِفَةِ الصَّلاةِ إجمالاً
واعلم أيُّها المصلّي القانتُ أَنَّكَ إِذَا توضأت وتوجهت نحو محراب خشوعك فأقم للصَّلاة ثم اقرأ دعاء الاستفتاح مستحضرًا في قلبكَ عينَ الصَّلاة التي تريد أداءها - مثلاً: فريضة صلاة الفجر ركعتين ثم كبر للإحرام قائلا: اللي فاستعذ بالله واقرأ فاتحة الكتاب وزدْ معها ما تيسَّرَ مِنَ القرآن، ثم اركع بتكبير مسويًا ظهرك
سرا،
وملتقما (1) ركبتيك بأصابع راحتَيْكَ، وقُلْ في ركوعك هذا: سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيمُ ثلاثا، فإذا أردت القيامَ فقلْ أثناء قيامِكَ: سمع الله لمن حمدَهُ فإِذا انتصبت فقل: ربَّنا وَلَكَ الحَمد وإنْ زِدْتَ بعدَها حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فِيهِ} فَحَسَنٌ جَميلٌ. ثم تخرُّ لسُجُودِكَ الله وعمل بتكبير مُقدِّما ركبتَيْكَ ثم يديكَ مُصوبًا بأصابعهما مضمومة نحو القبْلَة، ممكنا جبهتك وأنفك في الأرض، ناصبًا قدَمَيْكَ، مجافيًا عضدَيْكَ عن جنبيك شيئًا قليلاً، فإذا اطمأنت ساجدًا فقل: سُبْحَانَ ربيَ الأَعْلَى ثلاثًا، ثم تقعد قدةً خفيفةً وتسجد بعدها مرةً أخرى، وكلُّ ذلك بالتكبير، ثم تعود للقيام بتكبير وتفعلُ مثل ما فعلت في الركعة الأولى من قراءة وركوع وسجود، فإذا أتممت السَّجدة الثانية فاقعد للتشهد مفترشًا يسراك وناصبًا يمناك وتقرأُ التشهد فالصَّلاةَ الإبراهيمية فالدعاء
(1) – ملتقما: أي مفرقا لأصابع يديك على ركبتيك. (1/258)
صفحة 259
على ما علمته سلفًا، فإذا انتهيت من ذلك فاصفح بوجهك نحو اليمين قائلا: السَّلامُ عَلَيْكُمْ ثُمَّ نحوَ الشِّمَال قائلاً: وَرَحمةُ الله) (1).
ثم ارغب إلى ما عند ربك بالذكر والدعاء بين الخوف والرجاء، سائلاً قبول عملك وبلوغ أملك، فكم من مصل ليس له من صلاته إلا التعب والنصب، نعوذ بالله من الخذلان ومن محبطات الأعمال.
تتمة مهمة
"وَمَن حَفِظَ المتُونَ حَازَ القُنُونَ"
وبعدَ ذَيْنِ (2) وجَبَ القِيَامُ تَعَوَّذُ قِراءَةُ الحَمْدِ فَقَط وَمَعَهَا بَعْضُ القُرَانِ إِنَّ غَدا
لكنَّهُ فِي الرَّكَعَات الأول
ثمَّ الرُّكُوعُ والقِيَامُ مِنْ وهَكَذَا وَبَعْدَهُ سُجُودُ مقْدَارَ مَا يَقِرُّ كُلُّ مِفْصَلٍ
وَاعْتَدِلَنَّ قَائِمًا وَقَاعِدا
وهَكَذَا والتَّشَهد اقْعُـ
***
***
***
***
***
***
***
ـادر وهذَا الإِكْرَامُ
إنْ كانَ فِي النَّهَارِ ذَا الْفَرْضُ يُحَطِّ
وفي جمي التَنفُّل
لَيْلَه مُصَلِّيَا مُسْتَرْشِدا
والاعْتِدَالُ لَيْسَ يُغْنِي عَنْ
مُكَرَّرًا بَيْنَه ا قُعُودُ
ـعَهُ ولسواه انتقل
مُسْتوفيًا للفْظَ للفظة التَّشَهد (3)
(1) - ولا يخفى عليك إن كنتَ في صلاة ثلاثية أو رباعية كالظهر والعصر والمغرب والعشاء فإنك تقوم بانتهاء التشهد الأول للركعة الثالثة فتقرأ الفاتحة من غير سورة كما هو معلوم من جميع الركعات السرية - ثم تركع وتسجد حتى تتم صلاتك كما مر معك.
ولا بد لك أن تراعي -كذلك- في صلاة الجماعة أنَّ المؤذن يحمل عنك الإقامة، والإمام بعض أعمال الصلاة (كقراءة السورة، وقول سمع الله لمن حمده) كما سيأتي لاحقا بإذن الله تعالى.
(2) - "ذين" اسم إشارة حذفت منها هاء التنبيه "هذين"، والإشارة هنا إلى الأذان والإقامة.
(3) – السالمي، عبد الله بن حميد. مدارج الكمال ص 31. (1/259)
صفحة 260
البَابُ السَّادِسُ: فِي الْأَفعَالِ الخارِجَةِ عَنِ الصَّلاةِ
المبطلات - المكروهات - المباحات)
تعلم أيُّها المصلّي الحريص، جنَّبكَ الله محبطات الأعمال - أَنَّ اللَّهَ وَ فِي عَنْ إِبطال الأعمال بعد تمامها بل وإيَّان أدائها؛ فَقَالَ تَعَالَى: وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَلَكُم محمد: 33، وقد مرَّ بكَ – آنفًا - مَا يَلْزَمُ فَعلُهُ لتَمامِ الصَّلاةِ مِنْ شُروط وأركان وسُنَنِ وَاجِبَاتٍ، فَشَمِّرِ العَزمَ لمعرفة المنهيات، ثُمَّ قُلْ بعدَ السَّمَامِ حَامِدًا مولاك:
عَرَفْتُ الشَّرَّ لا للشَّرِّ لكنْ لِتَوفَّيهِ *** وَمَنْ لا يَعرِفُ الشَّرَّ مِنَ النَّاسِ يَقَعْ فِيهِ
والأساس الشرعي
فَصْلٌ فِي مُبطلاتِ الصَّلاةِ
لمُبطلات الصَّلاة قولُهُ عليه الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: "مَنْ عَمِلَ عَمَلاً
ليسَ عَلَيْهِ أمرنا فهو رد (1)، بعد قوله: "صلُّوا كَمَا رَأيتموني أُصلّي (2).
فَائِدَةٌ: لَقَدْ قَرَّرَ أهلُ الفقه وقواعده أَنَّ حَدِيثَ مَنْ عَمِلَ عَمَلاً ليسَ عليه أمرنا فهو رد (3)، أصل وقاعدة في ردّ وإبطال كلّ ما كانَ خلاف الشرع من أعمال الجوارح، فهو ميزان للأعمال في ظاهرها، كما أن حديث " الأعمال بالنيات (4) أصل في ردّ
(1)
- الربيع، باب: في الولاية والإمارة، رقم الحديث 50.
(2) ـ البخاري، باب: الْأَذَانِ لِلْمُسَافِرِ إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً وَالْإِقَامَةِ، رقم الحديث 595.
(3)
- الربيع، باب: في الولاية والإمارة، رقم الحديث 50.
(4) ـ الربيع، باب: في النية، رقم الحديث 1. والبخاري، باب: بدء الوحي، رقم الحديث 1.
(4)
فائدة: هذا الحديث، حديث "إنما الأعمال بالنيات"، حديث صحيح ثابت ورد عند معظم المحدثين كالربيع والبخاري ومسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان وابن خزيمة وابن الجارود وغيرهم، غير أنه لا يوجد له ذكر في موطأ الإمام مالك إلا من رواية تلميذه محمد بن
الحسن. (1/260)
صفحة 261
في ردّ وإبطال كلِّ مَا كانَ خلاف الشَّرعِ مِنْ أعمالِ القُلوب، فهو ميزان للأعمال في
باطنها (1). وحاصلُ المقامِ يُفصِحُ ويَقُولُ:
- وَكُلُّ فِعْلٍ لَمْ يَكُنْ صَلاحًا
- وكُلُّ مَا كَانَ عَلَى خلاف
***
***
لَهَا فنقضُها قَدْ لاحا (2) فر محمَّـ، فللتلاف (3)
ولذا فأنت تدري أنّ مُبطلات الصَّلاة تنقسمُ - حسب طبيعتها إلى قسمين اثنين:
قسم يتعلق بأحوال النفس ونياتها، وقسم يتعلق بالأفعال الظاهرة.
القسم الأولُ: النواقض المتعلقة بأحوال النفس، وهي كما يلي:
1 - الرِّدةُ: عن دين الله الإسلام؛ لأنَّ الإسلام شرط لصحة جميع العبادات؛ قَالَ تَعَالَى: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} آل عمران: 085 2 - تحوُّلُ النية أو قطعها لأنَّ الصلاةَ عبادةٌ واحدةٌ منَ التكبير إلى التسليم فلا بُدَّ اصطحاب النية حتى نهايتها، فتفسد - مباشرة - بنية الخروج منها، وهكذا بتبديل نية الصلاة مطلقاً سواء كان ذلك من فرض لفرض، أو من نفل لفرض، وكذا من فرض لنفل على الصحيح (4).
من
ولمكانة هذا الحديث فقد صدر به المحدثون كتبهم، ومصنفاتهم، حتى قال بعضهم بأنه ينبغي أن يُكتب في أول كل باب، وقد عدَّ بعضُهم هذا الحديث بأنه ثُلُثُ العِلْمِ وقيل: رُبُعُهُ، وقيل: حُمُسُهُ، واشتقوا منه قاعدة فقهية جليلة وهي:
(الأمور بمقاصدها، أو العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني).
يُنظر: القنوبي، الإمام الربيع بن حبيب: مكانته و مسنده ص 214.
(1) - الندوي، أحمد بن علي. القواعد الفقهية ص 280.
(2)
(3)
(4)
- السالمي، عبد الله بن حميد. مدارج الكمال ص
27
- السالمي، عبد الله بن حميد. جوهر النظام ج 3 ص 136.
) - القنوبي، دروس صيف 1425 هـ / 2004 م، "مذكرة خاصة / شرح أبواب من الإيضاح"، ص 24. (1/261)
صفحة 262
3 - الرياء والعجب: إذا دخل به المصلي في صلاته ابتداء – أي أنَّه لم يقصد بها في
قيامه وجه الله أصلاً- فقد دخلها بناقض ووجب عليه إعادتها، أمَّا إذا عرض عليه أثناء صلاته فصرفَهُ عنه مباشرةً ولم يستمر عليه بل ولم يُقرَّهُ في نفسه أصلاً، فلا حرج عليه وليمض على صلاته و لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) البقرة: 286 ... أفاد هذا التفصيل شيخنا العالم محمد بن راشد الغاربي -حفظه الله تعالى- في دروسه الجامعية (1)، وشيخنا القنوبي -حفظه الله- في دروسه على الإيضاح (2).
4 - زَوَالُ العَقْل: بنوم أو سكر أو إغماء أو جنون، فكما أنَّ العقل شرط لوجوب الصلاة فهو شرط لصحتها أيضًا، وعليه فتنتقص صلاةً مَن فقد عقله ولم يع ما يقولُ، ودليل ذلك قوله: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَلَوَةَ وَأَنتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا
تقُولُونَ النساء: 43
ويؤكدُ هذا المعنى تعليلُ النبي الوارد في قوله: " إذا نعس أحدكم في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإنَّ أحدكم إذا صلَّى وهو ناعس لعلَّهُ يذهبُ يستغفر الله فيسب نفسه (3).
ه - تعمُّدُ الاشتغال عن الصَّلاة، والتمادي بالتفكير خارجها متعمدا حتى لا: يدري ما فعل، ولا كم صلَّى، ولا أين وصل، فلا يعدو أن يكون كما قال تعالى في وصف أهل النفاق الذين يقومون للصلاة وهم كسالى: كَأَنَّهُمْ خُشُبُ مُّسَنَدَةٌ، والعياذ بالله تعالى.
(1)
عندما شرفنا طلابا بين يديه في مقرر: المقاصدُ العَامَّةُ في التَشْرِيْعِ الإِسْلامي" وقد كان ذلك في خريف
بجامعة السلطان قابوس.
المنافقون:
(2) – القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 1425 هـ / 2004 م، "مذكرة خاصة / شرح أبواب من الإيضاح"،
ص 23.
(3)
- الربيع باب في السهو في الصلاة، رقم الحديث 253. (1/262)
صفحة 263
القِسْمُ الثَّاني: النَّواقِضُ المتعلّقةُ بالأفعال الظاهرة، وهيَ كَمَا يلي:
1 - ترك ركن أو شرط للصلاة عمدًا أو نسيانًا، وكذا ترك السنن الواجبة عمدًا حسب ما تقدَّمَ تفصيلُهُ (1).
2 - تكرار ركن من أركانها، أو جزء منه مثل تكْرارِ كَلِمَةٍ مِنَ الفَاتِحَةِ- على جهة العمد ومن غير مصلحة الصلاة.
3 - العبث أو الأكل والشربُ في الصَّلاة، ومن فتاوى بدر الدين -حفظه الله-:
وفي سَرْط (النخامة) (2) خلاف، والأحوط إعادة الصلاة (3).
والقولُ بوجوب الإعادة أيضا - منْ تعمَّدَ بلعَها مِنْ غَير عُذر هو الذي يميلُ إليه
شيخنا العلامة أبو عبد الرحمن حفظه الله - (4).
4 - الكَلامُ فِي الصَّلاةِ مما ليس من أذكار الصَّلاةِ؛ لثبوت نسخ الكلام في الصلاة فعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلاةِ يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ وَهُوَ إِلَى جَنْبِهِ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَتْ وَقُومُوا لِلَّهِ قَنِتِينَ} البقرة: 238 فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنْ
الْكَلامِ (5).
(1) ـ الخليلي، أحمد بن حمد. "مفسدات الصلاة"، شريط سمعي. إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية.
(2) - النُّخامَةُ ما يَخْرُجُ من الصَّدْرِ، أو ما يخرج من الخيشوم عند التنخع.
يُنظر: الفراهيدي، العين، باب: الخاء والشين.
أحمد
(3) ـ الخليلي، بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 111.
(4) القنوبي، سعيد بن مبروك برنامج "سؤال أهل الذكر تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 6 رمضان 1423 هـ
يوافقه 12 نوفمبر 2002 م.
(°)
مسلم، باب: تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ، رقم الحديث 838. (1/263)
صفحة 264
فَصْلٌ فِي مَكْرُوهَاتِ الصَّلَاةِ
ولا يخفى عليك - أيُّها القارئ النبيه - أنَّ مكروهات الصلاة هي أمور خارجة عن الصلاة ومخالفة لسننها وآدابها المرغوبة والمستحبَّة، وقد تُؤدّي إلى شغل المصلّي عن الخشوع في صلاته، فينبغي تركها لنيل الثواب وعدمُ فعلها وإن لم يكن على فاعلها عقاب، فالزمِ السَّنةَ واجتنب البدعةَ، تَرقَى بِهَا مدارج الكمال، وخير الهدي هدي محمد .. وإليك طائفة من مكروهات الصلاة
1 - الصَّلاةُ معَ مُدافَعَة الأَحْبثَين وهما البولُ والغائط، وقد قيل: إنَّها لا تنتقضُ حتى يرفع رجلاً ويضع أخرى؛ لما يؤدّي إليه ذلك من اشتغال عن الصلاة، بل وفقدان لركن الصلاة الأعظم (الخشوع)؛ ودليل ذلك ما ثبت أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم فهي عن الصَّلاة معَ مُدافعة الأخبثين (1).
2 - الصَّلاةُ معَ مُغالبة النوم: وذلك لنفس ما يؤدي إليه الأمر السابق من ذهاب للخشوع، ولأنَّ الناعس كذلكَ - لا يدري كثيرًا مما يقولُ، كما صرَّحَ بذلك حديث السيدة عائشة مرفوعا: " إذا نعس أحدُكم في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإنَّ أحدكم إذا صلَّى وهو ناعس لعله يذهب يستغفرُ الله فيسبُ نفسَهُ (2). 3 - الصَّلاة بحضرة الطعام لحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: " إذا أقيمت الصلاة وحضر فابدؤوا بالعشاء قبل العشاء؛ لئلا تدعو أحدكم نفسه إلى الطعام فيشتغل عن
العشاء
"
الصلاة فينقُصُ منها (3).
(1) - الربيع، باب: جامع الصلاة، رقم الحديث 301.
(2)
- الربيع، باب: في السهو في الصلاة، رقم الحديث 253. (3) ـ الربيع، باب: في السهو في الصلاة، رقم الحديث 252. (1/264)
صفحة 265
4 - استقبال كلِّ ما يُلهي ويُشغلُ عن الصلاةِ: كاستقبال المرآة والصور، ولا يحرم ولا تفسُدُ الصَّلاةُ إلا بقصد التعظيم، فقد فرغ النبيُّ صلى الله عليه وسلم من صلاة صلاها فقال لعائشة: " أميطي عَنَّا قِرَامَك هَذَا فَإِنَّهُ لا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ فِي صَلاتِي
ه - التزام بقعة معينة في المسجد: كما نراه من بعض كبار السن، هدانا الله وإياهم بحيثُ يلزمُها ولا ينفك عنها، وكأنها قد كُتبت له، أو ورثها عن آبائه الأَوَّلِينَ؛ فقد نهى عليه الصلاة والسلامُ أَنْ يُوَفِّنَ الرَّجُلُ الْمَكَانَ فِي الْمَسْجِد كَمَا يُوَطِّنُ الْبَعِيرُ (2).
6 - الالتفات اليسير دون عذر: بحيث يجاوز قليلاً مواضع النظر في قيامه وقعوده
وركوعه وسجوده وقد قيل: لا تفسدُ الصَّلاةُ حتى يرى السماء أو يرى من خلفه (3)، خَلفَه (3)، وإذا تعمد المصلّي الالتفات وتكرر منه ذلك في صلاته فقد فسدت صلاته على رأي كثير من العلماء (4).
7 - التبسُّمُ الخفيف: من غير تعمُّد، ومع ذلك فعليه أن يمسك نفسه مباشرةً ولا يسترسل في خاطره ذلك (5)؛ لأنَّ المقام مقامُ إجلال وإعظام بين يدي الجليل، أرأيت
(1) – البخاري، باب: إِنْ صَلَّى فِي ثَوْبِ مُصَلَّب أَوْ تَصَاوِيرَ هَلْ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَمَا يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ، رقم الحديث 361. (2) – أبو داود، باب: صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، رقم الحديث 731.
(3) - يُنظر: الخليلي،
"مفسدات الصَّلاة، شريط سمعي إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية.
الخليلي برنامج "سؤال أهل الذكر"، حلقة: 21 صفر 1425 هـ، يوافقه 2004/ 4/11 م.
(4) - اليحمدي، حمد بن هلال. فقه العبادات "1" ص 177.
(5) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 109 - 110.
القنوبي، دروس صيف 2002 م / 1423 هـ "مذكرة خاصة ص 65".
• القنوبي، دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية (سابقا بروي)، صيف 1421 هـ / 2000 م، مذكرة رقم
صه (1/265)
صفحة 266
نفسك معلمًا وأمامك تلميذك تحدثُه فينصرفُ عنك غائبًا بفكره، شاردا بذهنه، يبتسم
ابتسامةً وكأن لا أحدَ أمامه .. ماذا يكون موقفك؟!
- السجود من غير سهو: كما درج بعض من عوام النَّاسِ عَلَى السُّجودِ بعد كلِّ صَلاة، أو السُّجود بعد صلوات معيَّنة في غير المواضع التي يُسجدُ فيها للسَّهو
(1) ـ هذا السجود بهذه الصفة لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم لا من قوله ولا من فعله عليه الصلاة والسلام، ولم يثبت كذلك أحد عن من صحابته -رضوان الله تعالى عليهم، وإنما الثابت عنه سجود السهو في مواضع معينة ومحدودة –كما سيأتي بيانها بإذن الله تعالى-، وليس منها هذا السجود، أما سجود الشكر كما يقول البعض - فهو ليس من هذا القبيل، إذ إن سجود الشكر الثابت عن النبي - هو سجدة واحدة لا سجدتان اثنتان وهو كذلك سجود مطلق غير مرتبط بصلاة وسلام فيمكن أن يسجد في أي وقت من الأوقات.
وما يتعلل به البعض مما روي عن ابن عباس فقد تكفل بالإجابة عنها سماحة العلامة المفتي يحفظه الله – حينما قال في فتاواه (ج 1 ص 67):" الرواية موقوفة على ابن عباس - رضي الله عنهما - ذكرها أبو غانم – رحمه الله تعالى- في المدونة بلا سند بلفظ ((من استطاع ألا يصلي صلاة إلا ويسجد بعدها سجدتين فليفعل)) وقول الصحابي إذا لم يرفعه إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- لا يكون حجة إلا إذا أجمع الصحابة عليه ".
فإذا هذه الرواية لا حجة فيها لهؤلاء من
عدة وجوه:
أولا: أنها لا تثبت عن ابن عباس لأنها منقطعة الإسناد، بل لا إسناد لها، وأول شرط من شروط
اتصال السند.
ثانيا: أنها موقوفة على ابن عباس، والموقوف من قول الصحابي لا حجة فيه على الصحيح- إلا إذا أجمع عليه الصحابة، ولا إجماع هنا طبعا، أو كان من الأمور التي لا يمكن أن تقال بالرأي والاجتهاد، فحينئذ له حكم الرفع إلى النبي -، وهذه المسألة ليست هذا القبيل أبدا. من بل على العكس من ذلك فقد نقل الرواة عن النبي صلى الله عليه وسلم استغفاره الخفيف بعد السلام والسجود أظهر للناس فلو كان النبي يدأب على السجود بعد الفرائض لاشتهر النقل بذلك عنه، ولروي بالأسانيد المتصلة في كتب السنة والصحاح.
ثالثا: أنه لم يجر العمل بها حتى عندَ القائلين بهذه الرواية، إذ إنَّ مقتضاها أن يسجد الإنسان بعد كل فريضة بل بعد كل صلاة فرضا كانت أو نفلا، لكنا نجد الذين يحتجون بمثل هذه الروايات ينصون قولا وعملا على السجود عقب فريضتي الظهر والعشاء فقط بحجة النهي عن الصلاة بعد فريضتي الفجر والعصر، وضيق الوقت بعد فريضة
المغرب. (1/266)
صفحة 267
9 - التَشاؤُبُ في الصَّلاة: ومع ذلك فإنَّ المصلي مأمورٌ إِذا فَاجَأَهُ التثاؤُبُ أَنْ يَدرأهُ ويكظمَهُ ما استطاع إلى ذلكَ سَبيلا؛ للحديث " التَّثَاؤُبُ في الصَّلَاةِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا
وقد غاب عن هؤلاء أن سجود السهو بعد الصلاة مباشرة لا يفرَّقُ فيه بين ظهر وعصر، ولا عشاء وفجر، هذا إن اعتبروه من باب السهو، وإن لم يعتبروه من هذا الباب فماذا عسى أن يفعل الواحد منهم إذا سها في صلاة الظهر أو العشاء أيسجد اثنتين أم أربعا؟!!
أما بالنسبة لتركه السجود بعد المغرب بحجة أن الوقت يضيق على هاتين السجدتين الخفيفتين، فلعل صاحبه قد نسي أو تناسى أن هذا الوقت يتسع لركعتين راتبتين بعدها، وكذلك لعله يجهل ما ورد في الصحيح أن النبي كان يقرأ في بعض الأحيان في صلاة المغرب بالأعراف وكذا بالطور والمرسلات والأعراف من السور الطوال!!
رابعا: أنَّه لا يمكن أن يُقصَر معنى لفظ الرواية على السجود المعروف على تقدير ثبوتها - بل كثيرا ما يراد بالسجدتين والركوعين - في نصوص الشارع - صلاة ركعتين، يقول إمام المعقول والمنقول –حفظه الله - في إجاباته المتلفزة (25 رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 11/9 م): " ما جاء: (مَن استطاع أن يسجد سجدتين) الذي في " المدونة " لا يُراد بالسجدتين هاهنا السجود المعروف، وإنما ذلك يُراد به أن يركع ركعتين كما فَسَّرت ذلك رواية أخرى، وينبغي أن تفسر الروايات بالروايات الأخرى".
إضافةً إلى كل ذلك فإننا نجد أولائك العوام الذين يكررون السجود من غير داع جعلوا المذهب عرضة للنقد عند قومنا؛ إذ عدَّه المخالفون من أعمال المذهب المخالفة للسنة، كما أن الحال أفضى ببعض عوام الناس إلى تقديم هاتين السجدتين قبل السَّلام في كل فريضة بحجة الاحتياط، ولا شك أن ذلك زيادة في الصلاة مما ليس من أعمالها، ا، والله
المستعان.
فإذا السجود عقب الصلوات في غير حالات السهو والنسيان ينبغي تركه وإرشاد الناس إلى تركه بالحكمة والموعظة الحسنة؛ وذلك لمجانبته فعل المبلغ إلينا ما أنزل إليه من ربه، ولو كان خيرا لكان هو أولانا بالسبق إليه، وليس هنالك جُرم أعظمُ مِن أن يظنَّ إنسان أنه سبق إلى فضيلة لم يبلغها النبي، وكلُّ ما كان سببه موجودا في عهد النبي و لم يفعله عليه الصلاةُ والسَّلامُ ففعلُهُ بعدَهُ، بدعةً، وما أحسن عمل الإمام الخليلي -رضوان، تبارك وتعالى عليه وقوله، أما العملُ: فقد كان يترك السجود أدبار الصلوات إلا للساهي، وأما القول: فجوابه عندما سل عن الأولى بالأخذ من الأقوال في مسألة من المسائل، بين - رضوان الله تبارك وتعالى عليه السنّةَ ثم قال: "وَفِيهَا الْفَضْلُ
-
لِمَنْ أَرَادَ الفَضْلَ". (1/267)
صفحة 268
تَشَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ (1)، فإنْ كانَ لابُدَّ فليضع ظاهر كفِّهِ اليُسرى على
فه (2)
فتْوَى
السُّؤالُ مَا حُكْمُ المذاكَرَة في المسجد، والكتابُ الذي يُذاكِرُ فِيهِ بهِ صُورٌ بشَرِيَّةٌ؟ الجَوَابُ إِنْ كَانَتْ هَذِهِ الصُّورُ غَيْرَ خَلاعِيَّة، وكانَتِ المُطَالعَةُ لأَجْلِ مَا فِي هَذِهِ الكُتُب مِنَ العِلْمِ، فَلا مَانِعَ مِنْ ذَلكَ، وأمَّا إِنْ كَانَتِ الصُّورُ خَلاعِيَّةً فَلَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (3).
فصل في مباحاتِ الصَّلاةِ
اعلم يا بارك الله فيك - أَنَّهُ يُباحُ بل يندب للمصلي - أحيانًا بعض من الأعمال والأفعال التي تكون خارج الصلاة، وذلك بقدر الحاجة إليها، وضابطه: كلُّ ما كان من مصلحة الصلاة أو دَعَت الضرورة إليه، ومِنْ ذلك:
الفتح على الإمام في القِراءَةِ: لا سيما إن تردَّدَ أو لم يكن قد قرأ ما تتم به
الصَّلاةُ (4).
(1) – الترمذي، باب: مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ التَّثَاؤُب فِي الصَّلاةِ، رقم الحديث 338.
(2) - تَنْبيَّة: ولا يخفى عليك - أيها الحريص على طاعة مولاك - أن مقام الصلاة والوقوف بين يدي الله تعالى مقام عظيم، لذا فلا يليق بالعابد الحق أن يفتح فاه أمام مولاه؛ فإن ذلك معبر عن الكسل والتكاسل الموصوف به أهل الدرك الأسفل من النار وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَوَةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا كل النساء: 142، وأيضا قال عنهم في سورتم الفاضحة: وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَوَةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى) التوبة: 54، ومن منا لا يخشى النفاق وقد خشيه فاروق الأمة والخليفة الثاني شهيد المحراب عمر بن الخطاب له. (3) ـ الخليلي، أحمد
بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 204.
(4) - تنبية آخر: وعليه فلا ينبغي معاجلة الإمام بالفتح من كل حدب وصوب بحجة التصويب لقراءته، حتى يقوم بالرد عليه من يسمعه ومن لا يسمعه من أطراف المسجد وأواخر الصفوف، فتسمع الأصوات تتعالى من هنا وهناك ويحصل اضطراب عند الإمام وجلبة في المسجد، إذ قد يكون الإمام قادرا على مراجعة نفسه والاهتداء إلى صواب قراءته، أو الركوع في موضع تمت فيه القراءة وأمكن فيه الركوع، وفي مثل هذه الحالة شدد بعض أهل العلم حتى ذهب وإن كان علماؤنا (1/268)
صفحة 269
2 - تنبيه الإمام بالتسبيح له عند الخطأ التسبيحُ أن يقول المأمومُ سُبْحَانَ الله"؛ وهذا في حق الرجال، أما النِّساء فالمشروع في حقهنَّ التصفيق؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ نَابَهُ شَيْء في صلاته فَلْيُسَبِّحْ فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيحُ للنِّسَاء (1).
-3 - البكاء لأمر الآخرة: فقد كانَ لا اله إذا كبَّرَ سُمعَ لبكائه في صدره أزيز كأزيز المرجَلِ (2)، هذا إذا لم يتعمَّدْهُ المصلي، أمَّا تعمُّدُهُ فلا يصح؛ لأَنَّ البكاء ليسَ مِن أَعْمَالِ الصَّلاة المشروعة، وكذا ليسَ لهُ أنْ يتعمَّدَ قراءةَ آيات من أجل أن يبكي، أو يَعلَمُ أَنَّهُ سيبكي عند قراءتها (3).
المعاصرون لا يقولون به إلى بطلان صلاة المأموم الذي تكون هذه حالته، فقد قال الإمام السالمي –رَحِمَهُ الله- في بعض أجوبته: " إذا قرأ الإمام مقدار ما تتم به الصلاة فلا يجوز للمأموم أن ينبهه والله أعلم"، وهذه هي حال الجاهل بالفقه في الدين، وما أولى حاله بما وصفه به النور السالمي -رحمه الله-:
يخطئ من حيث يظن الحقا
***
للمقت في ذاك
ستحقا
هذا .. ومن غريب ما رأيناه أنا وجدنا من يرفع عقيرته ويُعلي صوته في الحرم المكي ليفتح على الإمام في صلاة التهجد وبينه وبين الإمام الآلاف من المصلين، والله في خلقه شؤون، والله المستعان. انظر: السالمي، جوابات الإمام السالمي ج 1 ص 420.
(1)
القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 16 شوال 1428 هـ، يوافقه 2007/ 10/28 م.
مسلم، باب: تَقْدِيمِ الْجَمَاعَةِ مَنْ يُصَلِّي بِهِمْ إِذَا تَأَخَّرَ الْإِمَامُ وَلَمْ يَخَافُوا مَفْسَدَةً بِالتَّقْدِيمِ، رقم الحديث 639. التصفيح هو التصفيق، وليس هو –طبعا- بالكيفية المعروفة عند العامة مِنْ ضَرْب باطن الكف باطن الأخرى، وللعلماء خلافُ في صفة التصفيق المشروع في الصلاة، يقول شيخنا القنوبي -أبقاه الله تعالى - بعدما حكى الأقوال في المسألة:"ولا شك بأن التصفيق بظاهر الكف على الباطن أولى، لأن التصفيق بالباطن على الباطن قد يحدث منه صوت كبير
لا داعي إليه".
فَائِدَةٌ مُهمَّةٌ: هذا عندما تصلي النساء خلف الرجال ويكون الإمام بطبيعة الحال رجلا، أما عند صلاة المرأة ببنات جنسها فإن المشروع في هذه الحالة على المعتمد. عند العلامة القنوبي- هو التسبيح لا التصفيق لعدم سماع أحد من الرجال لأصواتهن. للمزيد انظر:
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 1 ص 117 - 118.
القنوبي برنامج سؤال أهل الذكر"، حلقة: 9 رمضان 1428 هـ، يوافقه 2007/ 9/21 م.
(2) - النسائى باب البكاء فى الصلاة، رقم الحديث 1199
(3) - القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 2002 م / 1423 هـ "مذكرة خاصة ص 1 ". (1/269)
صفحة 270
4 - الفعلُ الخفيف لإصلاح الصَّلاة: كتسوية موضع السجود، أو إزالة أذى وقع بالعين أو الفم، أو طَرْدِ ذُباب بالوجهِ شَغلَ المصلي عن صلاته، وذلك كله بأقل فعل وأدنى حركة يتم بها المقصود، فقدْ جَاءَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التَّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ قَالَ: " إِنْ كُنْتَ فَاعلاً فَوَاحِدَةً (1).
دَفْعُ المار بين يدي المصلي: إذا كانَ مرورُهُ بينه وبين سترته، أو بينه وبينَ موضع سجوده قالَ الرَّسُولُ: " إِنَّ أَحدَكمْ إِذا كَانَ في الصَّلاة فلا يدع أحدًا يمرُّ بينَ يديه وليدرأه ما استطاعَ فَإِنْ أبي فليقاتله فإنَّما هو شيطان (2).
قَتْلُ الأسودين "الحية والعقرب": ويُقاس عليهما كلُّ مؤذ، وذلك بأقل حركة ممكنة؛ قَالَ رَسُولُ الله: " اقْتُلُوا الْأَسْوَدَيْن فى الصَّلاة الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ (3). تنجيةُ النَّفْس أو المال من الهلاك: فقد جاءت الشريعة بحفظ هذه المقاصد
العامة والضروريات الخمس)
- حمل الطفل وإسكاته: يقولُ محدِّثُ العصر عافاه الله -: "لا مانع منْ أنْ تحمل المرأة ابنها في الصَّلاة، بل وترضعه لإسكاته إن اضطرت لذلك على الصحيح
(•) "
(1) - البخاري، باب: مَسْحِ الْحَصَا فِي الصَّلَاةِ، رقم الحديث 1131.
(2)
(^)
- الربيع، باب الجواز بين يدي المصلي، رقم الحديث 246.
3) – أبو داود، بَاب الْعَمَلِ فِي الصَّلاة، رقم الحديث 786.
(4)
2 - تقدَّمَ الكلامُ حول هذه المقاصد أو الضرورات الخمس عند الحديث على قاعدة "الضررُ يُزالُ"، وهذه الضرورات الخمس التي جاءت الشريعة بحفظها هي: الدين، والنفس، والعقل، والمال، والعرض. وبذلك تعرف أن هذا الفرع هو تطبيق عملي لهذه القاعدة الجليلة ... فشُدَّ العزمَ نحو الأصول والقواعد تدرك بها الفروع والمقاصد: فمَن يُمارسها يُحصِّلْ مَلَكَة يَدْرِي بِهَا مَأخذَهُ ومَسْلَكَة
***
(5) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج "سؤال أهل الذكر تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 15 يوافقه 2002/ 9/22 م.
رجب
1423 هـ، (1/270)
صفحة 271
9 - بَلْعُ البُصَاق والرِّيق أو القَاؤُهُ: إذا تجمَّعَ في فَم المصلي وشغلَهُ عن صلاته (1)؛ لأنَّ ذلكَ منْ مصلحة الصَّلاة، ويُشيرُ إلى الجواز قوله: إذا كان أحدكم يصلي فلا
يبصق قبل وجهه، فإِنَّ الله قبل وجهه إذا صلَّى ((2).
(1) الخليلي، أحمد بن حمد برنامج "سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 17 رمضان 1423 هـ
يوافقه 23 نوفمبر 2002 م.
(2) ـ الربيع، باب: في المساجد وفضل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، رقم الحديث 264. (1/271)
صفحة 272
البَابُ السَّابِعُ فِي صَلَاةِ الجَمَاعَةِ
تعرَّف - أيُّها المسلمُ الموفّي بدينك - أنَّ دينك الإسلام دين الوحدة والتوحيد، فكما لا يتم إسلام بغير توحيد، فكذا لا يكمل إيمان بغير اجتماع ووحدة، ولذا جاءت جميعُ أركان هذا الدين تدعُو للوحدة والجماعة، وتنبذ الفرقة والتفرقة، بل وتعدها مخالفةً لمقتضى الطَّاعة، فالصَّلاة والصيامُ والحج والزكاةُ كلُّها عبادات جماعية اجتماعية، وكانَ مِنْ أعظَمِها على الإطلاقِ صَلاةُ الجَمَاعَةِ .. فهي بحقِّ مِن سُنَنِ الهدى التي شرعت بالكتاب والسنة والإجماع ..
فصل في مَشروعيةِ صَلاةِ الجماعة وفضلها
جاء في فضل الجماعة ومشروعيتها نصوص كثيرةٌ من الكتاب، وسنة النبي الأواب نذكر غيضا ونترك فيضًا، وحَسبُكَ مِنَ القلادة ما أحَاطَ بالعُنُق:
1 - فمن الكتاب قولُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلوةَ .. النساء: 102، فأقمت لهم الصَّلاة أي: في جماعة (1).
2 - ومن
السنة قوله عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: " الصَّلاةُ في الجماعة خير من صلاة الفذ
بسبع وعشرين درجة (2)، وقوله صلى الله عليه وسلم: " مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةِ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَة فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ (3)
(1) - والآيةُ - أيضا - دليل واضح على وجوب صلاة الجماعة على الأعيان كما سيأتي قريبا بإذن الملك العلام-.
(2) الربيع،
(3)
باب: في صلاة الجماعة والقضاء في الصلاة، رقم الحديث 218.
مسلم، باب: فَضْلِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ فِي جَمَاعَةٍ، رقم الحديث 1049. (1/272)
صفحة 273
3 - أمّا مِنْ حيثُ الإجماع فقد أطبق المسلمونَ جيلاً بعد جيل، قولاً بعد عمل على مشروعية صلاة الجماعة من حيث الجملة (1).
فَصْلٌ فِي حُكْمِ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ
الجماعةُ في الصَّلوات الخمس والجُمُعَة فَرْضٌ عَلَى الأَعْيان، تلزم كل مكلف بعينه ما استطاع إليها سبيلاً، هذا هو المُعْتَصَصُ الصَّحيحُ عندَ الشَّيخَينِ أبقاهُمُ اللَّهُ، وما سواه فَضَعيف ومرجُوحٌ (2)، بلْ إِنَّ تركها شارةُ النّفاق ودَيْدَنُ المنافقينَ، أَعاذَنَا اللهُ وإِيَّاكُمْ منه
ومنهم ..
وجوب
وسأذكرُ لكَ أَيُّها الطَّالبُ - على وجه الإجمال والاختصار بعضًا أدلة من شهود الصلوات الخمس في الجماعات، وسأترك الباقي للكتب المطولات، ومَنْ لم ينفعه قليلُ الحكمة ضرَّه كثيرها:
1 - قولُهُ تَعَالَى: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّكِمِينَ} البقرة: 43، وذلك لا يكون إلا في
الجماعات (3).
(1)
- ابن المنذر، الإجماع ص 9.
: شيخ
(2) - أفاضَ الحديث حول هذه المسألة وكشف اللثام لمن التبس عليه من الأنام كل من: المفسرين العلامة الخليلي في جواهر تفسيره، فراجع الثالث منها تمتدي، وذلك عند تفسير قوله تَعَالَى: {وَأَرْكَعُوا مَعَ الرركمين البقرة: 43، وشيخ المحدثين العلامة القنوبي في رسالة خاصة حول حكم صلاة الجماعة، فيمم نحوها تـ دُرَرَها، ومَنْ قَصَدَ البَحْرَ اسْتَقَلَّ السَّواقيا.
يُنظر:
الخليلي، جواهر التفسير ج 3 ص 196 - 214.
المنتدى الأدبي، قراءات في فكر أبي سعيد الكدمي، محاضرة لسماحة المفتي بعنوان: "التأصيل الفقهي
الإمام أبي سعيد الكدمي" ص 55.
القنوبي، حكم صلاة الجماعة إصدار: مكتبة الضامري للنشر والتوزيع.
(3) ـ الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 76 - 77. (1/273)
صفحة 274
2 - قولُ قول الإمام القانت: " لقد هممتُ أنْ أمر بحطب فيُحطَبَ، ثم أمر بالصلاة
فيؤذن لها، ثم أمر رجلاً يؤمُّ الناس ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم .. (1)، ولو
كانت فرضَ كفاية لكانت الكفاية حاصلة بالنَّبي الله ومَنْ يُصلي معه من الصحابة - صلى الله عليه وسلم رضوان الله تعالى عليهمْ، ولوْ كَانتْ مجرَّدَ سُنةِ لما استدعى الأمر هذه العقوبةَ الصَّارمة. 3 - ما ثبتَ أَنَّ عَبْدَ الله بن مسعود قالَ: " مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظٌ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَات حَيْثُ يُنَادَى بهنَّ - أي في الجماعات، فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لنَكُمْ سُنَنَ الْهُدَى وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلَّفُ فِي بَيْتِه لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ ... وَلَقَدْ رَأَيْتَنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ في الصَّف" (2).
والكلامُ عَني عَنِ التَّعْلِيقِ والتَّطويل بالتَّدْلِيلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ, قَلْبُ
أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ. ف: 037
ق 37
اِقْرَأْ وَتَدَبَّرْ
لَم يَعْذُرِ الْمُخْتَارُ خَيْرُ البَشَرِ
***
بل قال فيه أجب النداء
***
فالفاتح البصيرُ أولى وأحق
***
ابن أم مكتوم ضرير ولم يكن يعتبر العماء أنْ يلزَمنَّ فعلها إذا انطلق (3)
(1)
(2)
- الربيع، باب في أوقات الصلاة، رقم الحديث 184.
مسلم، باب: صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، رقم الحديث 1046.
(3) – السالمي، عبد
الله
بن حميد. جوهر النظام ج 1 ص 105 - 106. (1/274)
صفحة 275
فَصْلٌ فِي أَعْدَارِ تَرْكِ الجَمَاعَةِ
اعلم حفظك الله من كل سوء ومكروه، بعدما تقرَّرَ لدَيكَ أنَّ صلاة الجماعة الأعيان - اعلم أنَّ هناك أعذارًا شرعيةً تُسوِّغُ للمصلّي التخلف عن صلاة الجماعة، ومِنَ الأعذار الشرعية - سَلَّمَكَ الله - ما يلى (1):
فريضةً على
1 - الخَوْفُ وَالمَرَضُ: بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم، وفعله، أما قولُه فحديث ابن عباس
مرفوعًا: " قَالُوا: وَمَا الْعُدْرُ؟ قَالَ: خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ ((2)، وأما الفعلُ فعدم خروجه لصلاة الجماعة فترة مرضه الذي توفي فيه، وأمر أبا بكر ليقوم مقامه في إمامة المصلين، معَ علم أنَّ حجرات بيته كانت ملاصقةً لمسجده الشريف
2 - الرَّيحُ والمَطَرُ والبَرْدُ الشَّديدُ: الحديث أبي سعيد الخدري أَنَّ رَسول الله صلى الله عليه وسلم كانَ يَأْمرُ المؤذِّنَ إذا كانت ليلة باردةً ذات مطر وريح ريح أن يقول: "ألا صَلُّوا في
الرحال (4).
3 - أَكْلُ مَا لَهُ رائِحَةٌ كَرِيْهَةٌ: وكذَا مَن ابتلي باسترسال الرِّيح منه؛ لأنَّ هذا أشدُّ وقعًا في حق المصلين والملائكة المتعاقبين (6)؛ لقوله: " مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالْقُومَ فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى ممَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ (7).
(1) - للمزيد والتفصيل: انظر جوابا مطولا لشيخنا أبي عبد الرحمن -حفظه الله - على أسئلة الشرق الإفريقي ص 4 - 7. (2) ـ أبو داود، باب: فِي التَّشْدِيدِ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ، رقم الحديث 464.
- (1)
- الربيع، باب في الإمامة، والخلافة، رقم الحديث 214. (4) – الربيع، باب: في الأذان، رقم الحديث 177.
(ه) – ولذا فلا يخفى عليك أيها الفَطِنُ - أنَّ الواجب عليك أن تتجنب هذه المأكولات أوقات الصلوات إلا إن ذهب
رائحتها بقتلها طبخا، فعند ذلك زالت العلة ووجبت الجماعة.
وهكذا يقال في الأعذار المذكورة بعدها (حضور الطعام، ومدافعة الأخبثين)، الأصل أن على الإنسان المقبل على صلاة الجماعة أن يتخلص منها سلفا؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
(6) – القنوبي، سعيد بن مبروك. فتاوى على أسئلة من الشرق الإفريقي ص 7.
(V)
مسلم، باب: نَهْيِ مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلَّا أَوْ كُرَّانًا، رقم الحديث 876. (1/275)
صفحة 276
4 - حُضُورُ الطَّعامِ معَ شِدَّةِ الجوع: لأنَّ ذلك مما يُذهبُ الخشوع؛ قالَ:" إذا أقيمت الصلاةُ وحَضَرَ وحَضَرَ العَشَاءُ فَابْدؤُوا بالعشاء قبل العشاء؛ لئلا تدعو أحدكم نفسه إلى الطعام فيشتغل عن الصلاة فينقص منها (1)، مع التنبيه أنَّ عليه أن يأكل بقدر ما يدفعُ هذه الحاجة، لا أن يسترسل في مطعمه ومشربه والناسُ في مساجدهم يُصلُّونَ.
"
ه - الصَّلاةُ مَعَ مُدافَعَة الأَخْبَثَينِ: لِنهي مُدافَعَة الأخبثين: لنهي النبي عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين (2)، والأخبثان هما: البول والغائط -كما تقدَّم.
فصل في مواضع صَلَاةِ الجَمَاعَةِ
ولا تجب صلاة الجماعة إلا في الصَّلوات الخمس المكتوبات، وكذا في صلاة الجمعة، وما عداها منَ الصَّلوات فالجماعةُ فيها سُنةُ غيرُ واجبة، وذلك كصلاة الجنازة والعيدين والكسوفين والتراويح والاستسقاء، والله أعلم.
فَصْلٌ فِي تِكْرار الجَمَاعَةِ
تعلم - وفَقَنِي اللهُ وإِيَّاكَ لأَسْبابِ العِلْمِ أنه يمنعُ المصلُّونَ -على سبيل العمد - مِنْ إنشاء جماعة قبل الجماعة الراتبة الأولى، وهكذا بعدها؛ لأنَّ الجماعة شرعت من أجل الاجتماع، وفعلُ ذلك دليلُ التفرُّقِ وشَارَةُ النزاع.
ويجوز تكرار الجماعة بل يجبُ لَنْ أتى متأخّرًا بسبب نوم أو ما أشبهه من الأعذار ما لم يفض ذلكَ إلى التهاون في حضور الجماعة الأولى، فقد جاءَ أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ
(1)
:
- الربيع، باب في السهو في الصلاة، رقم الحديث 252.
(2) - الربيع، باب: جامع الصلاة، رقم الحديث 301. (1/276)
صفحة 277
وَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بأَصْحَابه فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ
مَعَهُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَصَلَّى مَعَه (1).
وهذا الحُكْمُ - وهوَ التَّصَدُّقُ بالتَنفُلِ خَلْفَ المفتَرِضِ المتأخّر - في غَيْرِ الفَجْرِ والعَصْرِ؛
إذْ لا صلاة بعدهما كما ثبت ذلك في الحديث (2).
وفي الحديث - أيضا - دليلٌ على أنّ الجماعة تنعقد باثنين فصاعدًا.
وهكذا لا مانع على المعتمد عندَ الشيخين -حفظهما الله - من إعادة الصَّلاة جماعةً إن كان هنالك موجب للإعادة؛ إذ لا دليل على المنع بلْ هُوَ الواجبُ في حقهم، وإِنْ قالَ بخلافه مَنْ قَالَهُ (3).
ولا يجوز اتفاقًا إقامة جماعتين متماثلتين في نفس المكان والزمان، وفي حال اختلاف الصلاتين فعلى الجماعة الثانية أن تنتظر حتى تنتهى الجماعةُ الأُولى، وإنْ كانَ لا بُدَّ فاعلةً فعليها أن تغيب إلى موضع بعيد بحيث لا يُسمعُ للأُولى صوت، ولا يصح بها اقتداء.
=
تحذير: وعليه فمَنْ أقامَ جماعةً أخرَى مع علمه بوجود جماعة قريبة قد أقيمت من قبلُ في نفس المكان والزمان-ولو اختلف الفرضَانِ - فصلاة الجماعة الثانية باطلةً وعَلَيهِمْ إعادة صلاتهم، فليُنتبَة لذلك، والله المستعانُ (4)
(1) ـ أحمد، مسند أبي سعيد الخدري، رقم الحديث 10980.
(2) - قُلْتُ: و: وبهذا التفصيل سمعتُ العلامة إمام السنة -بارك الله فيه - يفتي ويقول، وذلك في دروسه الصيفية لعام 2000 م، والحديث المشار إليه هو قوله: " لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة
الصبح حتى تطلع الشمس".
الربيع، باب: في جامع الصلاة، رقم الحديث 298.
(3) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 80،103، 112.
القنوبي، دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية (سابقا بروي)، صيف 1421 هـ /2000 م، (مذكرة رقم 11
_ (4)
ص 8).
، أحمد
(4) - الخليلي، بن حمد. فقه الهبة والهديَّة إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية. (1/277)
صفحة 278
مَسأَلة
مَنْ دخل المسجد وأُقيمت الجماعةُ الأولى (الأَصْلِيَّةُ) وجب عليه الدُّخولُ والصَّلاةُ معهم، وإن كان قد صلَّى تلك الفريضة سلفًا فإِنَّهُ يجعلُها نافلة؛ لما ثبت في الحديث أنَّ النبي رأى رجلاً مُعتزلاً في المسجد بعدَ أنْ صلَّى بالناس فأنكر عليه أشد الإنكار، وقالَ لَهُ: " ما منعك أنْ تُصلي معَ النَّاسِ أَلَسْتَ برجلٍ مُسلم؟!! " قَالَ: بَلى يا رسولَ اللهِ، ولكن قد صليتُ في أهلي، فقال: " إذا جئت والنَّاسُ يصلُّونَ فصل معهم وإنْ كنتَ قد صليت في أهلك " (2).
أمّا إنْ كانت تلك الجماعةُ غير الجماعة الأولى كجماعة ثانية أو ثالثة فهو مخير بين الدخول أو عدمه (3) إلا بعدَ الفَجرِ والعَصرِ فَإِنَّهُ لا يدخلُ؛ إذ لا صلاة بعدهما كما تقدَّمَ، والله أعلم.
فَصْلٌ في صَلاةِ المرأةِ معَ الجماعةِ
اعلم عبد الله -، اعلمي - أَمَةَ الله - أَنَّ صَلاةَ المرأة في صحن دارها خيرٌ من صلاتها في مسجد بلدتها، وصلاتها في غرفتها خيرٌ من صلاتها في صحن دارها، لكن مع ذلك يجوز للمرأة أن تشهدَ الجُمُعةَ والجماعات في مساجد المسلمين بشرط أن تخرج في كامل
(1)
- وهذا الحكم عام يشمل جميع الفرائض على الصحيح بما فيها فريضتي الفجر والعصر؛ لأن الدخول هنا واجب فأشبهت الصلوات السببية. من هذه الناحية.
يُنظر:
القنوبي، برنامج " سؤال أهل الذكر " حلقة: 17 شوال 1423 هـ، يوافقه 2002/ 12/22 م. القنوبي، برنامج " سؤال أهل الذكر " حلقة: 25 رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 11/9 م.
(2) ـ قال الربيع: قال أبو عبيدة: معنى ذلك أن يجعلها سبحةً –أي نافلة-. (الربيع، باب: في صلاة الجماعة والقضاء في الصلاة، رقم الحديث 219).
(3)
3 – القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 4 رمضان 1423 هـ،
يوافقه
2002/ 11/10 م. (1/278)
صفحة 279
عفتها وحشمتها بعيدةً كل البعد عَنْ كُلِّ ما قد يلفت انتباه الرّجال منَ الزِّينة الظاهرة) فعن أم المؤمنين عائشة قالت: " لو أدرك رسول الله ما أحدث النساء لمنعهنَّ له المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل".
قالَ الرَّبيعُ: ذلك من أجل ما يعملنَ منَ العطر والريح والطيب، فيدخلن به المسجد
ويشغلن به النَّاسَ عن الصَّلاة (2).
(1) ـ الخليلي، أحمد يوافقه 2005/ 3/6 م.
بن
حمد. برنامج: "سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 25 محرم 1426 هـ
(2) ـ الربيع، باب في المساجد وفضل مسجد رسول الله، رقم الحديث 262. (1/279)
صفحة 280
البابُ الثَّامِنُ: فِي أَحْكَامِ الإِمَامَةِ
تعلم - جعلكَ الله للمُتَّقِينَ إِمَامًا - أنَّ الله لشرع الإمامة في الجماعات، كما بيَّنَ ذلكَ إمامُ الأنبياء والمرسلين بقوله وفعله، وذلك لا يتحقق إلا بوجود إمام ومقتدين به، ولأنَّ إمامَ القوم هو وفدُهم إلى ربهم تبارك وتعالى، وفضلُ الصَّلاة يتضاعف بفضل الإمام وخشوعه، فما على المقتدين إلا أنْ يحسنوا اختيار مقدَّمهم، وأنْ لا يختاروا لهذا الأمر إلا من كان أمثلهم طريقةً وأقومهم سبيلاً.
فَصْلٌ فِي شُروطِ الإِمَامِ
يُشترط لَنْ يتقدمُ إمامًا للنَّاسِ ما يُشترَطُ لصحة صَلاة كلّ مصلِّ مِنَ الإسلام والعقل والطَّهارة، وكذا يُشترط للإمام خاصةً أنْ يكونَ:
1 - ذَكَرًا: فلا تصح إمامة المرأة بالرِّجال مُطلقًا، يقُولُ شيخنا بدْرُ الدِّين - عافاه الله - وَقَد انعقَدَ الإِجْمَاعُ القَطْعِيُّ قَولاً وَعَمَلاً من عهد الرسول وإلى وقتنا هذا بأنَّ المرأة لا يُمكنُ أنْ تكونَ إمَامةً للرِّجَال (1).
وجازت على المُعْتَصَم عندَ الشَّيخين (2) - أبقاهما الله - إمامتها ببنات جنسها، في جميع الصلوات فرضا كانت أو نفلاً على ألا يُتخذ ذلك عادةً، وتقف المتقدمة للإمامة في هذه الحالة وسط الصف.
(1) ـ الخليلي، أحمد بن حمد. برنامج: سؤال أهل الذكر"، حلقة: 9 صفر 1426 هـ، يوافقه 2005/ 3/20 م.
(2) - يُنظر:
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 1 ص 139.
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 148. (1/280)
صفحة 281
2 - عالما بأَحْكَامِ الإمامَةِ والقِرَاءَةِ: لأنَّ عدم ذلك قدْ يؤدي إلى بطلانِ الصَّلاةِ وفسادها، ويُستثنى مِنْ ذَلِك مَا إِذَا كانُوا جميعًا جهلةً بالأحكام وتلاوة القُرْآن ففي هذه الحالة يتقدَّمُ أَحدُهم؛ إذْ إِمَامَةُ الأمي جائزة بمثله، ولا يتركون الجماعة الواجبة لهذا السبب (1)، فما لا يُدرَك كلُّهُ لا يُترَكُ جُلُّهُ.
3 - سَليمًا منَ العَاهَات التي تمنعُ أداء الصَّلاة على الجهة المشروعة بأركانها وفرائضها، كالمقعد وصاحب سَلَس البول عافانا الله وإياكم وجميع المسلمينَ - فَإِنَّهُ لا يَوْمُ
إلا بمثله.
وليسَ مِنْ ذلكَ العَمَى على الصحيح - (2)؛ ودليله الجلي الواضح استخلاف النبي للأغمى (3) ابن أم مكتوم ليقوم بإمامة المصلِّينَ حالَ سفرِهِ عَليهِ الصَّلَاةُ والسَّلامُ عنِ المدينة المنورة.
فَائِدَةٌ
اعلم أيُّها المتفقه في الدِّينِ - أن كثيرًا مِنْ أهل العلم قدْ أدْرجَ فِي بَابِ شُرُوطِ الإِمَامِ البُلُوغَ باعتباره شَرْطًا لصحة الإمَامَة، ولكنَّه رأي مرجوح عندَ الشَّيخَينِ -يحفظهما الله -،
(1)
القنوبي، دروس صيف 2000 م الموافق 1421 هـ. (مذكرة خاصة ص 16).
القنوبي برنامج "سؤال أهل الذكر " - حلقة: 2 رمضان 1428 هـ، يوافقه 2007/ 9/14 م.
أحمد
1) ـ الخليلي، بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 71.
(2) - يُنظر: الخليلي، برنامج:" سؤال أهل الذكر - حلقة: 12 ربيع الثاني 1423 هـ، يوافقه 2002/ 6/23 م. القنوبي، برنامج " سؤال أهل الذكر " حلقة: 27 ربيع الثاني 1426 هـ، يوافقه 2005/ 6/5 م.
(3) -
- بنص القرآن الكريم أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى، عبس: 2، وحُقَّ له أن يستخلفه الرسول وقد عاتبه الله فيه، وحُقَّ له يؤم المسلمين في عاصمة دولة الإسلام المدينة المنورة وقد زكاه الله تعالى بخشيته بقرآن يتلى في الصلوات؛ ليكون عظة وتذكرة في صحف مكرمة إلى قيام الساعة قَالَ تَعَالَى: وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخشَى عيس: 8 - 9
أن (1/281)
صفحة 282
والرَّاجِحُ خلافُهُ)، وعَلَيهِ فتصح إمامةُ الصبي ما دامَ أَنَّهُ مميز للأحكام ومحافظ على الصَّلاةِ
بجميع أركانها وشروطها وقراءتها ووظائفها، كما دلَّ الدَّليلُ الشَّرعي على ذلك، وهو عَمْرَو بن سلمةَ كانَ يَؤُمُّ قومه وهو صبي (2).
(2)
لطيفة
أَنَّ
دخلَ وفدٌ منَ العَرَب على الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز، مهنئين له بعد توليه الخلافة، وكانَ منْ عادة الوفود أنْ يُقدِّمُوا أَحدَهمْ ليتحدَّثَ باسم باسم الجميع، فتقدم صبي ليتكلم عن وفده، فقالَ لهُ عمرُ: يا غلامُ إِنَّ هناكَ مَنْ هو أكبر منك سنا! فقال الغلامُ أصلح الله الأمير، المرءُ بأَصْغَرَيْه قَلبه ولسانه، وإذا منح الله المرء لسانًا لافظًا وقلبًا حافظًا فقد استحق الكلام، وإذا كانَ الأمرُ بالسِّن فإنَّ هناكَ مَنْ هو أكبرُ مِنكَ سَنَّا، فتهلل وجه عمرَ وأَنشَدَ (3):
تَعَلَّمْ فَلَيسَ المرء يولَدُ عالما
وإِن كَبيرَ القَوْم لا علمَ عِنْدَهُ
يُنظر:
***
***
وليس أخو عِلْمٍ كَمَنْ هُوَ جَاهَلُ صَغِيرٌ إِذَا التَفَّتْ عَلَيه المحافلُ
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 73، 85.
المنتدى الأدبي، قراءات في فكر ابن بركة البهلوي، محاضرة لسماحة المفتي بعنوان: "ابن بركة والبحث العلمي"
القنوبي، برنامج " سؤال أهل الذكر " حلقة: 20 ربيع الثاني 1426 هـ، يوافقه 2005/ 5/29 م. القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة 22 رمضان 1430 هـ، يوافقه 12/ 9/ 2009 م. (2) - البخاري، باب: وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرِ وَكَانَ النَّبِيُّ مَسَحَ وَجْهَهُ عَامَ الْفَتْحِ، رقم الحديث 3963.
والترمذي، بَاب: مَنْ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ، رقم الحديث 495.
(3)
- القصة ذكرها كثير من أهل السير والأدب وممن ذكرها مع الشاهد ابنُ عساكر في تاريخ دمشق عند حديثه عن
سيرة الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز وذكر مناقبه الذائعة. يُنظر:
ابن منظور، مختصر تاريخ دمشق ج 19 ص 98 - 127.
الذهبي،. سير أعلام النبلاء ج 5 ص 114 - 148. (1/282)
صفحة 283
-
فَصْلٌ فِي مَرَاتِبِ الْأَئِمَّةِ
واعلم - يا رعاك الله أنَّ المُعتمد في مراتب الأئمة وأحقهم بالتقدم لإمامة الناس
هو ما ثبت من قول النبي: " يومُ القومَ أَقْرَؤُهُمْ لكتاب الله، فإنْ كانُوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسُّنَّة، فإن كانوا في السنة سواءً فأقدمُهُمْ هَجْرَةَ، فَإِنْ كانُوا في الهجرة سواء فَأَكْبَرُهُمْ سَنًا (1)؛ لذا إن اجتمع الأقرأُ والأفقهُ قُدَّمَ الأقرأُ ما دامَ أَنَّ عندَهُ مِنَ فقه الصَّلاةِ ما لا بأس به، وإلا قُدِّمَ الأفقه (2).
والفاسِقُ ليس أهلاً للإمامة ولا كرامة، فلا يُقدَّمُ إمامًا لِيصَلِّيَ بِالنَّاسِ (3)، فإِنْ تَقدَّمَ جازت إمامته ما لم يُدخِلْ فيها مَا يُفْسِدُها؛ قالَ: الصَّلاةُ جائزة خلف كل بار وفاجر (4)، وهوَ فِعْلُ السَّلفِ أبي الشَّعثاء وأتباعِهِ خلفَ أئمة الجور وولاة الظلمة من بني أمية كالحجاج بن يوسف الثقفي وزياد بن أبيه عاملهم الله بما يستحقونَ.
"
(1) ـ الربيع، باب: في الإمامة والخلافة، رقم الحديث 212.
(2) القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 1423 هـ / 2002 م، (مذكرة خاصة. (3) - القنوبي، سعيد بن مبروك. الإمام الربيع بن حبيب: مكانته و مسنده ص 65 (الحاشية).
(?)
4) - الربيع، باب في الإمامة والخلافة، رقم الحديث 211.
?
تَنْبِيَّةٌ مُهم: قدمنا ذكر ضابط جواز إمامة الفاسق وهو "ما لم يُدخل فيها ما يفسدها" على نص الحديث لَمَّا ظَنَّ من الناس أنَّ هذه الزيادة من الحديث نفسه وأخذُوا يروون الحديث بما فيه هذه الزيادة، فيقولون: قال رسول الله: " الصلاة جائزة خلف كل بار وفاجر ما لم يُدخل فيها ما يفسدها"، وهذا خطأ كبير، والأشدُّ منه أن وقعت فيه كثير من طبعات المسند حتى تلك الحديثة والتي عُدَّت أكثرها تحقيقا وتدقيقا، والحق أنَّ هذه الزيادة مدرجة في ذيل الحديث، فهي من قول الإمام الربيع، وليست من الحديث نفسه .. والمَدْرَجَاتُ في الحديث مَا أنت
***
مِنْ بَعض ألفاظ الرُّواة اتَّصَلَتْ وهذه الزيادة وإن كانت مدرجةً وليست من لفظ الحديث فلا يعني ذلك عدم صحتها في نفسها، بل هي ضابط وقيد لا بد منه في صحة إمامة الفاسق وغير الفاسق، فمَنْ أدخل في صلاته ما يفسدها لم تجز إمامته، وفدت صلاته وصلاة من يصلي خلفه، يقول العلامة القنوبي -حفظه الله -: "وهذا الحكم شامل لكل فاسق بشرط أن لا يأتي فيها ما (1/283)
صفحة 284
تنبيه
ولا يؤم الرجلُ في دارِ الرجل، ولا الرجلُ في سُلطان الآخرِ إلا بإذنه، وفيه نُظِمَ
وَصَاحِبُ السلطان في سُلطانه
وصاحبُ
حب المنزل في منزله
***
***
أحق بالصَّلاة من أعوانه
أَوْلى لأنَّهمْ أَتَوْا من أجله
فصل في مواضع المأموم مع إمامه
اعلم - رحمك الله - أَنَّهُ لا يخلو الحالُ معَ الإمامِ مِنْ مأمومٍ واحدٍ أو أكثر، رجالاً أو
نساء على البيان التالي: فَالمَأمُومُ المنفرِدُ الذَّكرُ يقفُ ملاصقًا لإمامه من جهة اليمين (2)، فإن دخل عليهم مأموم ثان وهم في صلاتهم هَذهِ جذبَ اللاحِقُ المأمومَ السابق حتى يضعه في سترة الإمام
يفسدها كما نص على ذلك الإمام الربيع - رحمه الله تعالى-، وهو تقييد صحيح لا غبار عليه، وقد توهم بعضهم أنه من جملة الحديث وليس الأمر كذلك".
كذلك،
هذا .. وقد نبه على هذه اللطيفة - أيضا - شيخنا بدر الدين الخليلي -حفظه الله - في بعض إجاباته الشفهية. ونبه على مثلها أيضا في تفسيره لآيات الصيام، وذلك في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: " إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغربت الشمس فقد أفطر الصائم"، زاد بعضُهم في آخر الحديث: "أكل أو لم يأكل" ظنًا منه أنه الحديث وليس هو بل هي زيادة مدرجة لبيان معنى الحديث فقط، والعلم عند الله تعالى. يُنظر: القنوبي، فتاوى على أسئلة من الشرق الإفريقي ص 4.
من
القنوبي، دروس في أصول الفقه صيف 2002 م الموافق 1423 هـ. (مذكرة خاصة ص 6
الطيواني، قاموس الصوم ص 91. الله
(1) ـ السالمي، عبد | بن حميد. جوهر النظام ج 1 ص 107.
(2) - وَلا يَلْزَمُ على المُعْتَصَد عندَ العلامة القنوبي - أن يتأخر المأمومُ عن الإمام قليلا، أو يتقدم الإمام المأموم، وإن تقدمه قليلا فلا بأس عليهم بإذن الله تعالى، أما أن يتقدم المأمومُ الإمامَ فهذا غير جائز في جميع الأحوال، بل هو مُبطل للصلاة، إلا في حالة واحدة على الصحيح، وهي تقدمُ المأمومين الإمام في صحن الحرم المكي من غير جهة الإمام، أما من جهة الإمام فلا يجوز لهم أن يتقدموه أبدا.
وكما أنه ليس لهم أن يتقدموه في الموضع ليس لهم أن يتقدموه أو يسابقوه في أي عمل من أعمال الصلاة من قراءة وركوع وسجود وقعود، ومن تعمد ذلك فسدت صلاته، والله المستعان. يُنظر:
الخليلي، برنامج "سؤال أهل الذكر " حلقة: 24 رمضان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 11/30 م. (1/284)
صفحة 285
خشية أن يتأخر هوَ في تكبيرة الإحرام فيبقَى الأَوَّلُ بلا سترة، ويقوم هو عن يمين السترة
مُباشرةً.
وإِنْ كَانوا اثنين فَأَكْثَرَ صفُوا خلف الإمام ابتداءً، ويؤمرون مع ذلك إذا كانوا أكثر مِنَ اثنين - بتوسيط الإمام في جميع الصفوف، وإن ابْتَدَأَ المأمومون الصف من طرفه ولم يمتد إلى وسطه فسدت صلاة ذلك الصف (1).
وكذا تفسد صلاةُ المصلّي المنفردِ خَلْفَ الصَّفٌ مطلقا، أو مع عدم تمام الصف السابق (2)، والله المستعانُ.
القنوبي، جلسة إفتاء "مادة سمعية، إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية.
القنوبي، دروس صيف 1423 هـ / 2002 م، (مذكرة خاصة ص 70).
القنوبي، دروس صيف 1424 هـ / 2003 م (مذكرة خاصة ص 50).
(1) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 80.
القنوبي، دروس صيف 1423 هـ / 2002 م، (مذكرة خاصة ص 50).
القنوبي، برنامج " سؤال أهل الذكر " حلقة: 5 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 10/31 م.
(2) ـ الرأيان موجودان عند علمائنا - حفظهم الله - فَالرَّأْيُّ الأَوَّلُ: هو الذي ذهب إليه العلامة أحمد بن حمد الخليلي في فتاواه القيمة، وعليه فلا يصفُ اللاحق خلف الصفّ منفردا بل عليه أن يجر أحدا، ولو كان الصف السابق مكتملا، والرَّأْي الثاني: وهو عدم فساد صلاة المنفرد خلف الصف إلا إذا كان الصف السابق غير مكتمل، وفي هذه الحالة لا يُشرع الجرُّ ولا الالتصاق بالصف الأمامي، وهو رأي الإمام أبي نبهان - رَحِمَهُ الله، ومال إليه العلامة سعيد بن مبروك القنوبي، ولكل دليله ومستنده، ولا حرج على عامل بأي من القولين بإذن الله - ما دام أن لكل واحد دليلا معتبرا، ولكل رأي حظ من النظر قَدْ عَامَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رَزْقِ اللَّهِ) البقرة: 20.
يُنظر:
الخليلي، الفتوى ج 1 ص 99، 193.
القنوبي، دروس صيف 1424 هـ / 2003 م، (مذكرة خاصة ص 22).
القنوبي، برنامج:" سؤال أهل الذكر " - حلقة: 15 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/10 م. القنوبي، برنامج:" سؤال أهل الذكر " حلقة: 15 ربيع الثاني 1427 هـ، يوافقه 2006/ 5/14 م. (1/285)
صفحة 286
تنبية مُهم: يعْفَلُ بعضُ المُستدْرِكِينَ هَدَانَا اللهُ وإِيَّاهُم حِينَ قِيَامِهِمْ بِإِنْشَاءِ الصُّفُوفُ الأُخْرَى عن تحرِّي قافية الإمام فيصُفُونَ عَلَى طَرَف الصَّفِّ بحيثُ لا يَكُونُ خَلْفَ الإِمَامِ أَحَدٌ، وَهَذَا خَطَأَ كَبِيرٌ يؤدّي إلى فَسَادِ الصَّلاةِ، عياذا باللهِ مِنَ الجَهْلِ (1)
مَوَاضِعُ المرأةِ مَعَ الْإِمَامِ
وتقفُ المرأة إذا كانت منفردةً عن يمين الإمام زوجًا أو محرمًا كحال المأموم المنفرد، وقيل: بل تصفُ خلف الإمام مطلقا، والكل سائع ومقبول (2).
وكذا إذا انفردت المرأةُ معَ رجُلٍ واحد أو جماعة منَ الرِّجالِ وقفت خلفَهُمْ صفا لوحدها.
وإذا انفردت النسوة ولم يكن معهنَّ رجلٌ صففْنَ خلف الإمام، وإن كان رجل واحدٌ معَ الإمامِ صفَّ عن يمين الإمام وصفت النساء خلفهم.
وإذا اجتمع الرجال والنساء والصبيانُ صفًّ الرجالُ أولاً ثم صف الصبيانُ خلف الرجال، وصَفَّت النساءُ خلف الصبيان؛ قالَ: الخَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخرُهَا وَخَيْرُ " صُفُوف النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا (3)، والله أعلم وأحكم.
(1) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 80.
القنوبي، دروس صيف 1423 هـ / 2002 م، (مذكرة خاصة ص
(2) ـ على القول الأول: أفتى شيخُنا بدرُ الدِّين، وبالثاني: يفتي شيخنا القنوبي -حفظهم الله جميع
مُوَلِهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ البقرة: 0148
يُنظر:
(3)
-
الخليلي، برنامج " سؤال أهل الذكر " حلقة: 24 رمضان 1423 هـ، يوافقه 02/ 11/30 القنوبي، برنامج: " سؤال أهل الذكر " حلقة: 15 رجب 1423 هـ، يوافقه 2002/ 9/22 م.
وَلِكُلِّ وِجْهَهُ هُوَ
- مسلم، باب: تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ وَإِقَامَتِهَا وَفَضْلِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ مِنْهَا وَالِازْدِ حَامِ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَالْمُسَابَقَةِ إِلَيْهَا وَتَقْدِيمِ أُولِي الْفَضْلِ وَتَقْرِيبهِمْ مِنْ الْإِمَامِ، رقم الحديث 664. (1/286)
صفحة 287
فَصْلٌ فِي إِمَامَةِ المتيمم بالمتَوضِّيَّ
واعلم أيُّها المتعلمُ لا أَرَاكَ الله مكروها - أنَّ المُعتصم في صحة إمامة المتيمم بالمتوضئ (1) هوَ ما ثبتَ مِنْ إقرارِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص حينَ أمَّ بالمصلين وهو متيمم مِنْ جنابة وهم متوضئونَ (2).
فَصْلٌ فِي إِمَامَةِ المتَنفِّل بالمفترض
ولا يخفى عليك أيها التلميذُ الحريص - أَنَّهُ يمكنُ للمُتنفّل أنْ يُصلِّي خلف المفترض
ولا إشكال في ذلك، وفي العكس أي في إمامة المتنفل بالمفترض) وقع خلافُ أهل العلم،
مِنَ
والرَّاجح الجواز على الفتوى عند محدّث العَصر -حفظه الله، ولكنَّ الخروج من الخلاف هو الأولى عند الإمكان (3)؛ والدليل على رُجحان هذا الرأي ما ثبتَ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَل كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْعِشَاءَ ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلاةَ وهو
متنقل (4).
ـوم الشرعية (سابقا بروي)،
(1) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيفية م صيف 1421 هـ / 2000 م، (مذكرة رقم 6 ص 6). (2) ـ أبو داود، باب: إِذَا خَافَ الْجُنُبُ الْبَرْدَ أَيَتَيَمَّمُ، رقم الحديث 283. ونَصُّ الحَدِيثِ: عن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَة فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أهْلِكَ، فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُب، فَأَخبَرْتُهُ بالذي منعني من الاغتسال، وَقُلْتُ: إِلى سَمِعْتُ اللهَ يَقُولُ: وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} النساء: 29، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّه. وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا.
(3) - يُنظر:
(4) – أبو د
القنوبي، قرة العينين ص 49.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى - القسم الثالث ص 18، 25.
القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر - حلقة: 24 جمادى الأولى 1423 هـ، يوافقه 2002/ 8/4 م.
الخليلي، برنامج سؤال أهل الذكر - حلقة: 6 رمضان 1428 هـ، يوافقه 2007/ 09/18 م.
داود، بَاب: إِمَامَةُ مَنْ يُصَلِّي بِقَوْمٍ وَقَدْ صَلَّى تِلْكَ الصَّلَاةَ،
رقم
الحديث 507. (1/287)
صفحة 288
فائدة
وبعد أن علمت - أَيُّها التَّلميذُ النَّجيبُ، رزقَكَ اللَّهُ حُسَنَ العِلْمِ والعَمَلِ أَنَّهُ لا مانع مِنْ إمامة المتنفّل بالمفترض على الصَّحيح؛ فلا شَكَ أنكَ أدْركتَ أنَّ الصَّحيحَ - أيضًا - هوَ عدمُ اشتراط اتحادِ صَلاةِ المأمومِ مَعَ صلاة الإمام، ولكنَّ الأحوطَ أَنْ لا يُؤْخَذَ بهذه الرخصة إلا في حالاتِ الضَّرورةِ، كَمَنْ صَلَّى معَ إِمَامٍ فتبينَ لهُ بعدها أنَّ الإمام قد صلَّى بخلاف الصَّلاة التي صلاها هوَ؛ وذلك لأنَّ الأخذ بالمجمع عليه أوْلى إِذَا أمكن باتّفاق الجميع (1).
مَثَالُهُ: مَنْ صَلَّى خَلْفَ إِمَامِ الظُّهْرَ فَتبَينَ لَهُ بَعْدَ ذلكَ أَنَّ الإِمَامَ كَانَ يُصَلِّي صَلاةَ العَصْرَ، فَلا إعادةَ عَلَيه فيما مَضَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ
صحَّحَ شيخنا القدوة الخليلي -حفظه الله تعالى - في فتاواه القيمة ضرورة متابعة المأموم المتنفّلِ لإِمَامه الذي يُصلّي فريضة المغرب من حيثُ عدد الركعات، فيُصلِّي ثلاث ركعات كما يُصلّي إمامُهُ (2) ولا يشفعُ بركعة رابعة، وهذا غير داخل في حديث " لا وثران في ليلة " (3).
فَصْلٌ في واجباتِ الإِمَامِ تَجاهَ مَأموميهِ
واعلم - أعانك الله على القيام بواجب الإمامة - أنَّ للمأمومين على إمَامِهمْ حقوقًا،
فمن حقوقهم:
(1) - يُنظر:
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى - القسم الأول / بحث الاستدراك، ص 25. القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 2 رمضان 1430 هـ، يوافقه 23/ 8 / 2009 م.
،، أحمد
(2) ـ الخليلي، بن حمد. الفتاوي ج 1 ص 81، 172
(†)
(3) – الترمذي، بَاب: مَا جَاءَ لَا وِثْرَانِ فِي لَيْلَةِ، رقم الحديث 432. (1/288)
صفحة 289
أ- تفقُدُ الصُّفُوف وتسويتها: فقد كان عليه الصلاة والسلامُ يتعهد تسوية الصفوف بنفسه، ويقولُ: " سَرُّوا صُفُوفَكُمْ فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَة
الصلاة (1).
ب عدم الإطالة عليهم: خشية أن يوجد بينهم صاحب عذرٍ أو حاجة؛ قال: " إذا صلَّى أحدكم بالنَّاس فليخفف فإنَّ فِيهِمُ السَّقِيمَ والضعيف والكبير وذا الحاجة فإذا صلَّى لنفسه فليطل ما شاء (2).
فَصْلٌ فيما يحملُهُ الإمام عن المأمومينَ
تعلم - أيها الطالب النجيب - أنَّ الإمام يحملُ عن مأموميه عدة أمور، وهي:
ت
أ قراءة ما زادَ على الفاتحة: لقوله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْوَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ. الأعراف: 204 (3).
قولُ: "سمع الله لَنْ حمدَة": للحديث الصحيح: إذا قال الإمامُ: سمع الله لمن حمدَهُ قالَ من خلَفَهُ: ربنا ولك الحمد (4).
السهو بسبب اشتغال القَلْب عن بعض ركعات الصَّلاة (5).
(1)
(2)
- البخاري، بَاب: إِقَامَةُ الصَّفْ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ، رقم الحديث 681.
- الربيع باب في الإمامة والخلافة، رقم الحديث 213.
(3) – أما بالنسبة لقراءة الفاتحة فهي غير داخلة في عموم هذه الآية؛ لأنها مخصصة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة إلا بها "، فوجبت قراءتها على الجميع إماما أو مأموما.
يُنظر: الخليلي، برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 9 صفر 1426 هـ، يوافقه 2005/ 3/20 م.
(4) ـ الربيع، باب: في الركوع والسجود وما يفعل فيهما، رقم الحديث 235.
(5)
ه) - وذلك لضرورة متابعة الإمام، أما السجدتان إذا وقع من المأموم ما يُوجب عليه السجود - فلا دليل على أن الإمام يحملها عن المأموم بل الدليل الصحيح يدل على خلافه، وذلك هو. عموم حديث النبي: " إن أحدكم إذا قام (1/289)
صفحة 290
فَصْلٌ في بيان ارتباط صَلاةِ المأمومِ بِصَلَاةِ الإِمَامِ
تعلم أيها الطالبُ الحاذق - أَنَّ الْمُعْتَمَدَ مِنَ الأقوال عندَ الشيخين (1) ? متعنا الـ بحياتهما - هوَ القولُ القائلُ بارتباط صلاة المأموم بصلاة إمامه صحةً وفسادًا، وذلك
للأدلة والقرائن التالية:
أ- أن الإمامَ يحملُ عنِ المأموم بعض أعمالِ الصَّلاةِ – كما مر قريبًا، ولولا الإِمَامُ لما ارتفعت عن المأموم.
أن المأموم ليس له أن يتقدم إمامَهُ في شيء من أعمال الصلاة أو أقوالها، فلو تقدمه متعمدًا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ.
أنَّ المأموم إذا كانَ مسافرًا وجب عليهِ أنْ يُصلي خلف المقيم أربعًا بالإجماع مع أنَّ الأصل أنَّ فرضَهُ ركعتان فقط.
المأمومِ
ث قَوْلُ النبي صلى الله عليه وسلم: " إنَّما جُعل الإمامُ إمامًا ليؤتم به، فإذا صلَّى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلَّى قاعدًا فصلوا قعودًا (2)، ولولا الارتباط لما سقط عن ركن من أركان الصلاة وهو القيام.
يُصلي جاءه الشيطانُ فلبس عليه صلاته حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين وهو
جالس".
(الربيع، باب في السهو في الصلاة، رقم الحديث 249).
القنوبي، دروس مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية سابقا، بروي)، لصيف 1421 هـ / 2000 م، رقم المذكرة 9 ص 2.
(1) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 85 - 86.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الأول / بحث الاستدراك، ص 27.
القنوبي، فتاوى على أسئلة من الشرق الإفريقي ص 11.
القنوبي، دروس مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية سابقا) (بروي)، لصيف 1421 هـ مـ / 2000 م، رقم المذكرة 9 ص 1.
(2) – الربيع، باب: في القعود في الصلاة والتحيات، رقم الحديث 243. (1/290)
صفحة 291
فصل في الاستخلافِ
الاستخلافُ مَشروع في حالات الضرورة لأجل مواصلة صَلاة الجماعة وإتمامها، واستخلاف الإمام لأحد المأمومين جائز في كلّ ناقض مِنْ نواقض الصَّلاةِ على الْمُعْتَمَم عند أكثر أصحابنا المشارقَةِ، ورأى المغاربة وبعضُ المشارقة أنَّه مقصور فقط على الحدث الذي تُبنى معه الصلاةُ وهو القيء والرعاف والخدش، فلا استخلاف فيما عداهَا، وهذا الأخيرُ هو الذي رجحه النور السالميُّ رَحِمَهُ الله (1).
(1) ـ هذا القولُ نسبه صاحب كتاب "الاستدراك وَالاسْتخْلافُ في "الصَّلاة" لشيخنا البدر الخليلي -حفظه الله-، وهذا الذي يظهرُ، أما أولا: فالكتاب المذكور راجعه شيخنا القدوة حمود بن حميد الصوافي –أمد الله في عمره- وإذا قال فإن القول ما قاله، وأما ثانيا: فلأن هذه المسألة مبنية على مسألة ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام صحةً وفسادًا، ومقتضى القول: أن الإمام إذا فسدت صلاته فسدت صلاةٌ مَن يُصلي خلفه مباشرةً، فإذن لا معنى للاستخلاف بعد انتقاض صلاة الإمام، لأن صلاة المأمومين تنتقض مباشرة على رأي القائلين بالارتباط، وقد علمت قريبًا - أن القول بالارتباط هو الصحيح عند عالمي العَصرِ والمِصْرِ الخليلي والقنوبي -أبقاهما الله تعالى-.
أما بالنسبة لجواز الاستخلاف في الأمور المذكورة أعلاه (القيء والرعاف والخدش)؛ فذلك لأن الصلاة لا تنتقض بها، وإنما ينتقض الوضوء فقط، بدليل إعادة الوضوء ثم البناء على ما سبق من الصلاة؛ وهذا ما دل عليه الحديث الصحيح " القيء والرعاف لا ينقضان الصلاة، فإذا انفلت المصلي بهما توضأ وبنى على صلاته. (الربيع، باب: ما يجب منه الوضوء، رقم الحديث 115).
ويمكن أن يُقال بجواز الاستخلاف حتى على رأي بعض القائلين بالارتباط، وذلك إذا ظنَّ الإمامُ طَنَّا قويا أن صلاته ستنتقض فيستخلف مباشرة، بحيث لو انتقضت صلاته بعدها يكون قد أتم الاستخلاف وكان للمأمومين إمامهم الثاني، والله
تعالى أعلم.
يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 74.
الخليلي، برنامج سؤال أهل الذكر"، حلقة: 9 صفر 1426 هـ، يوافقه 2005/ 3/20 م. الخليلي، برنامج سؤال أهل الذكر"، حلقة: 26 رمضان 1429 هـ، يوافقه 2008/ 9/27 م.
القنوبي، دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية (سابقا) بروي)، صيف 1421 هـ 2 م، مذكرة خاصة
ص 14.
الصوافي، مسألتا الارتباط والاستخلاف في الصلاة. "مادة سمعية، إنتاج: مكتبة وتسجيلات الطلائع الإسلامية.
السالمي، معارج الآمال ج 9 167 - 172.
المحروقي، سليمان بن محمد الاستدراك والاستخلاف في الصلاة، ص 14. (1/291)
صفحة 292
وصفة الاستخلاف أن يُقدِّمَ الإمامُ سترتَهُ أو أحد المأمومين ليقوم مقامه في الإمامة)، فيبدأ بهِمْ مِنْ حيثُ وصل الإمامُ، ويكون استخلافُ الإمام للمأمومِ عَنْ طريقِ الإشارة إن فهمت، أو بالعبارة كأن يقول له: تقدم، أو أن يجذب الإمامُ المأموم ليحل
محله.
تنبية: وإذا كانَ الإِمَامُ المستخلَفُ في القعود أو الركوع أو السجود فينوي الإمامة من مكانه، ثم يتقدَّمُ لمكانه مَتى مَا تَمكَّنَ (2).
لَطِيفَةٌ
كانَ الإمامُ الخليلي - رَحمهُ اللهُ - يَوْمُ مُقيمينَ ومَسَافِرينَ في صلاة رباعية، فاستخلَفَ مُسَافِرًا ليَقوم مقامَهُ، فصلى بهم ركعتين، ثم سألهم الإمامُ - رَحمهُ اللهُ - بَعْدَ ذَلكَ، فَأَعادَ بهِمُ الصَّلاةَ مَرَّةً أُخْرَى أربع ركعات (3).
تعالى شيئا
من
(1) - تَنْبية مهم: الأولى أن يكون خلف الإمام أولاهم بالإمامة بعد الإمام؛ لقوله ليه الصلاة والسلام -: ذوو الأحلام منكم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"، وغيرُ ذلك خلافُ الأولى، ولذا فعلى طلبة العلم ومن أعطاهم الله المعرفة بالدين أن لا يستنكفُوا أو يبتعدوا عن إمامة النَّاسِ أو القيام في سترة الإمام خشية أن يتولى كل ذلك من ليس أهلا للإمامة ولا الاستخلاف من الجهلة وعوام الناس، ولربما أدى ذلك إلى نقض صلاتهم من حيث يدرون أو لا يدرون، ولا يحسبن أحدهم أنه عندما يبتعد عن إمامة الناس أو القيام خلف الإمام أنه متورع أو أن ذلك مرتبة من الورع في الدين، كلا بل ذلك تضييع لحق العلم فالواجب القيام بحقه، ومن تشجع بعلمه فهو كمن تورع به ..
وقي
بعلم
(2) - يُنظر:
شجعا
***
فَهُ
الخليلي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 26 رمضان 1429 هـ، يوافقه 27/ 9/ 2008 م.
القنوبي، "جلسة إفتاء" بولاية المصنعة، بتاريخ: 17/ 5 / 2003 م.
القنوبي، دروس صيف 1424 هـ /2003 م، مذكرة خاصة ص 14.
(3) ـ كان الواجب على الإمام المسخلَفِ أَنْ يُصلي بهم أربع ركعات نظراً لأنه أحرم على الأربع، ولذا أعاد بهم الإمام
- رحمه الله - الصلاة مرة أخرى. يُنظر:
القنوبي، دروس صيف 1424 هـ / 2003 م، مذكرة خاصة ص 15.
الصوافي، مسألتا الارتباط والاستخلاف في الصلاة. "مادة سمعية"، إنتاج: مكتبة وتسجيلات الطلائع الإسلامية. (1/292)
صفحة 293
فصِّلُ فِي الاسْتِدْرَاكِ
تعلم - يا طَالبَ العِلْمِ وهَبَكَ الله الاستباق للخيرات، والمسارعة للصلوات- أنَّ الإنسان قد تعتريه العوارض فيتأخرُ عَن الصلاة فيلحق بالجماعة وقد ابتدأت الصَّلاة، فيُشرع في حقه الاستدراك، وهوَ الدُّخولُ معَ الجماعة ثم القضاء لما فاتَ، قَالَ: " إذا
ثوب للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأثوها وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتُمْ فصلوا وما فاتكمْ فَاقْضُوا فإِنَّ أحدكم في صلاة ما كانَ يعْمَدُ إلى الصَّلاة" (1)، ولذا فإنَّ المستدرك يُعطى أجر صلاته كاملاً إنْ لم يقصر في طلبها ولم يتهاون بها؛ قالَ: " مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاة فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ (2).
ويُشرَعُ على الرَّاجح الدُّخولُ معَ الجماعة في أي ركعة كانت وفي أي موضع من قيام وقعود وركوع وسجود، حتى في التشهد الأخير (3)، والدليل عموم قوله صلى الله عليه وسلم: " فما أدركتم فصلوا (4).
فإذا وجدت الإمام قد سبقك في شيءٍ مِنْ صلاته فوجه ثم كبر تكبيرة الإحرام وأنتَ قَائِمٌ، ثُمَّ اتَّبَعْهُ في كلّ الذي يأتيه من أعمال الصَّلاة، حتى إذا كانَ الإمامُ في التشهد الأخير قرأ المأمومُ التحيات إلى ختام الصلاة النبوية والأولى أنْ يُؤخِّرَ الدعاء إلى ما قبل السَّلامِ) - ثم ينتظر، فإذا سلَّمَ الإمامُ قامَ مِنْ غيرِ تكبيرٍ ليقضي ما فاتَهُ مِنْ قيام وركوعِ وسجود حتى يصل إلى الموضعِ الذي أدركَ فيهِ الإمامَ فيقعدُ ويأتي بالدعاء قبل السلام ثم يُسلّم، ولَهُ أنْ يُسلم مباشرةً بعد القعود.
(1) ـ الربيع، باب: في صلاة الجماعة والقضاء في الصلاة، رقم الحديث 220. (2) - مالك، الموطأ، باب: مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ، رقم الحديث 14.
(3) - يُنظر:
(4)
الخليلي، الفتاوي ج 1 ص 99، 101. القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص
- تقدم تخريجه قريبا.
23
(ه) - القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 1423 هـ / 2002 م، مذكرة خاصة ص 3. (1/293)
صفحة 294
تَنْبِيهَاتٌ
لا يخفى عليك - يا بارك الله فيك - أَنَّهُ قَدْ مَرَّ في الأبواب السابقة ذكر بعض الترجيحات والتصحيحات عندَ الشَّيخين الخليلي والقنوبي -حفظهم الله- والتي تتعلقُ بأعمال الصَّلاةِ مِنْ جهة وبباب الاستدراك من جهة أخرى، ذكرناها هناك بالتفصيل كلُّ حَسَبَ مُناسبه، وها أنا أجملُها هنا تذكيرًا للشطار)، ومصقلةً للأفكار:
يُستثنى من قاعدة "وما فاتَكُمْ فَاقْضُوا ما إذا أدرك المأموم إمامه بعد الركوع أو أثناء السُّجود، فالصَّحيحُ (2) أنَّ عليه أن يقضي الركعة كلها بما فيها السجود الذي أدركه، وهذا كلُّهُ مُستند على الحديث الصحيح (3) من قول المبلغ: " إِذَا جِئْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا وَلَا تَعُدُّوهَا شَيْئًا (4).
مَن أدرك الإمام في قراءة السُّورة فعليه الإنصاتُ وقضاء الفاتحة بعد ذلك؛ ثمرةً للرأي الصحيح الذي يعتبرُ قراءة الفاتحةَ عَمَلاً، والقراءة بعدها عملاً
آخر
جَوَازُ دُخُولِ المصلّي في التَشَهدِ الأخير على الصحيح؛ لعموم قوله: فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا (6).
(1) - الشطار: ر: جمع شاطر وهو – في الأصل اللغوي- من أعيا أهله ومؤدِّبَهُ حيلة ومكراً، وكذا تعني الص كما في
معاجم العربية، ولكنَّا استخدمناها بمعنى "الأذكياء" مجاراة للحقيقة العرفية الدارجة.
(2)
يُنظر: الزبيدي، تاج العروس، مادة "شطر". انظر: باب: أركان الصلاة ركن الركوع.
(3) - القنوبي، سعيد بن مبروك. بحوث ورسائل وفتاوى - القسم الأول/ بحث الاستدراك، ص 4. (4) – أبو داود، باب: فِي الرَّجُلِ يُدْرِكُ الْإِمَامَ سَاجِدًا كَيْفَ يَصْنَعُ، رقم الحديث 759. (5) - انظر: باب أركان الصلاة ركن قراءة الفاتحة (تعليق).
(6) – الربيع، باب: في صلاة الجماعة والقضاء في الصلاة، رقم الحديث 220. (1/294)
صفحة 295
وثْبَةُ الاستدراك) مشروعةٌ على المشهور عندنا (1)، ولكنَّ تركها لا يُؤدِّي إلى فسادِ الصَّلاة (2)، وهي قيامُ المستدرك في آخر قضائه إلى الركعة التي أدرك بدايتها، ثم يجلس بعدها مباشرةً من غير أن يقرأ أي شيء؛ وذلك أَنْ لأنَّها مما فاتَهُ مِنْ أعمال الصَّلاة والتي تدخلُ تحت عُموم قوله: "وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا (3).
كلُّ ما ما ذكرناه سابقا مبني على الرأي المشهور عند الأصحاب -رضوانَ اللهِ تعالى عليهم وهو أنَّ ما أدركَهُ المأمومُ مع إمامه هوَ آخِرُ صَلاته، والعُمْدَةُ في تصحيح هذا القول عند العلماء السَّالمي (4) والخَليلي (5) والقنوبي (6) هو لفظ "الفوات" في قوله: "وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا (7) إضافةً إلى أنَّ هذا الرأيَ موافق للأصل، وهو توافقُ صلاة المأموم معَ صَلاة إمامه (8).
وخالف صاحبُ القواعد فقالَ: والصحيحُ أنَّ ما أدركَ هوَ أوَّلُ صلاته (9)،
والأوَّلُ أولى بالعمل؛ لأنَّهُ أوفقُ بالسُّنَّةِ، وأرفق بالعوام، وأيسر عندَ القضاء.
(1) القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 2004 م، الموافق 1425 هـ (مذكرة خاصة ص 1). (2) – أفادني ذلك الشيخ المراجع ماجد بن محمد الكندي -جزاه الله خيرا- في إحدى جلسات النقاش معه بمكتـ الإفتاء، وأضاف بأن الشيخ القنوبي يحفظه الله تعالى- لا يقول بفساد صلاة من تركها.
(3)
- الربيع، باب: في صلاة الجماعة والقضاء في الصلاة، رقم الحديث 220. (4) - السالمي، عبد الله بن حميد. شرح الجامع الصحيح، ج 1 ص 322
(5)
أحمد ه) ـ الخليلي، بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 97، 98.
(6)
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الأول / بحث الاستدراك ص 25.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ص 232.
القنوبي، دروس صيفية بمبنى معهد العلوم الشرعية سابقا، بروي، صيف 1421 هـ / 2000 م، مذكرة رقمه ص 3.
(7) ـ الربيع، باب: في صلاة الجماعة والقضاء في الصلاة، رقم الحديث 220.
(8) - انظر: باب: الغسل/ فَائِدَةٌ.
(9) - الجيطالي، إسماعيل بن موسى. قواعد الإسلام ج 1 372. (1/295)
صفحة 296
الأخير
مَسْأَلةٌ
اقْرَأْ وَانْتَبِهْ
أخي - أيُّها المتعلّمُ اللبيب - مرَّ لديك سابقًا جواز الدخول مع الجماعة في التشهد على الصحيح المعتمد عندَ الشيخين بدرِ الدِّينِ ومُحدِّث العصر -حفظه الله (1)؛ وذلك لعموم قوله: " فما أدركتم فصلوا (2)، وعليه فالأصل أن يوم صلى الله عليه وسلم " المستدْرِكُ بعدَ سلامِ الإِمَامِ ليقضي ما فاتَهُ، ولا يلتفت لمنْ يُقيمُ جماعةً أثناء قضائه، ولوْ كانت تقيمُ نفس الفرض
أمَّا شيخنا القنوئي - عافاه الله - فقدْ فصَّلَ في المسألة وقال: " لاشك أنَّ الأَسلَمَ أَنَّ من لم يدرك الركعة الأخيرة ووجد جماعةً أخرى فإنَّه يقطعُ تلك الصلاةَ، أَمَّا مِنْ لم يجد جماعةً ثانيةً فذلك لا يؤثر عليه بل يواصل صلاته (4)، والله يتقبل صالح العمل.
هذا إذا اتحدت صلاة المستدرك في التشهد الأخير معَ صَلاة الإمامِ قصرًا وتماما، أمَّا إذا اختلفت كأنْ يكونَ الإمامُ متما والمأمومُ مسافرًا وعَلمَ القادم بذلك قبل دخوله فالأولَى أنْ لا يدخُلَ معهُمْ ()، واللهُ أَعْلَمُ وأَحْكَمُ.
(1) ـ يُنظر:
الخليلي، الفتاوي ج 1 ص 99، 101.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص
23
(2) – الربيع، باب: في صلاة الجماعة والقضاء في الصلاة، رقم الحديث 220.
به الشيخ المراجع ماجد الكندي في إحدى جلسات النقاش معه بمكتب الإفتاء، وصرح بسماعه
من
(3) ـ أفادني الخليلي -يحفظه الله تعالى-.
(4) - القنوبي، سعيد بن مبروك، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 23.
(5)
ه) ـ أفادني به شيخنا القنوبي - حفظه الله - مشافهة عندما سألته عن المسافر إذا أدرك الإمام المقيم في التشهد الأخ أيقضي ركعتين أم أربعا؟ فأجاب بأنه يُفضّل أن لا يدخل معه، وسألته عن الراجح فاعتذر عن الترجيح في ذلك الوقت. (القنوبي جلسة إفتاء بولاية إبراء – صيف 2004 م). (1/296)
صفحة 297
لَطِيفَةٌ
في أصل مَشْرُوعِيَّةِ الاسْتِدْراكِ
كَانَ بَعْضُ الصحابة يَأْتُونَ الصَّلاةَ وقَدْ سَبَقَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِبَعْضِ الصَّلاةِ فَيُشِيرُونَ إِلى المصلِّينَ بالأَصَابِع: كَمْ صَلَّى؟ وَاحِدَةً أو اثْنَتَيْنِ قَبْلَ نَسْخِ الحركة فِي الصَّلاةِ- فيُصَلِّي فَاتَهُ مُنفردًا وَمُسْرعًا ثُمَّ يَلْحَقُ بِالْجَمَاعَة ..
فَجَاءَ مُعَاذْ يَومًا وَقَدْ سَبَقَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَبَعْض الصَّلاةَ، فَدَخَلَ فِي الصَّلاةِ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ الصَّلاةَ قَامَ مُعَاذْ يَقْضِي مَا سَبَقَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: قَدْ سَنَّ لَكُمْ مُعَاذ، فَهَكَذَا فَافْعَلُوا (1).
"
(1) ـ أحمد، المسند، حديث: معاذ بن جبل رضي الله تعالى
عنه، رقم الحدي
21107 (1/297)
صفحة 298
البَابُ التَّاسِعُ: في سُجودِ التَّلَاوَةِ وَسُجُودِ السُّهْو
تعلم أيُّها العَابِدُ، أَكرَمَكَ الله - أنَّ الله تعالى أرادَ أنْ يُرفع قدرك بتمام الخضوع وإظهار الضعف والحاجة له، وهذا ما لا يتحقق كمالُهُ إلا بالسجود لَهُ لا حين تتساوى جبهة ابنِ آدم موضعُ العزَّةِ والأنفة بتراب الأرض، وبذا يحصلُ القُربُ مِنَ الرَّبِّ؛ ومِنْ أَجْلِ ذلكَ شُرِعَ السُّجُودُ مُتكرِّرًا في كُلِّ ركعة، وشُرِعَ السُّجودُ لتلاوة القُرآن، ولجبرِ السَّهو وإرغام الشيطان قربةً للمولى (1).
ولذا كانت بكثرته وصية نبي الله (2)، وعلى تركه تحسَّرَ إِبليس اللعينُ " إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي يَقُولُ: يَا وَيْلَهُ أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةَ، وَأُمِرْتُ بالسُّجُود فَأَبَيْتُ فَلي النَّارُ (3)، أعاذنا الله وإياكَ منَ النَّارِ ..
أَوَّلاً سُجُودُ التّلاوة:
فَصْلٌ في مشروعيَّةِ سَجْدَةِ التَّلاوةِ وحكمها
سجدة
سجدة التلاوة أو سجود التلاوة، وتُسمى أيضًا "سجدةَ "القرآن" هـ واحدة مشروعة في الصلاة وخارجها؛ فقد حكى الله تعالى عن أهل العلم من أهل
(1) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. بحوث ورسائل وفتاوى- القسم الخامس ص
(2)
33
2 - عن رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبِ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ: لِي سَلْ، فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِى الْجَنَّةَ، قَالَ: أَوْ غَيْرَ ذَلكَ! قُلَتْ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بكثرة السُّجُود"، وفي رواية أخرى قال لسائل آخر: " عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُود لله فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لله سَجْدَةً إِلَّا رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا
خطيئة ".
(3)
مسلم، باب: فَضْلِ السُّجُودِ وَالْحَتْ عَلَيْهِ، رقم الحديث 753، 754.
مسلم، باب: بَيَانِ إِطْلَاقِ اسْمِ الْكُفْرِ عَلَى مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ، رقم الحديث 115. (1/298)
صفحة 299
الكتاب بأنَّهمْ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا السلام الإسراء: 107، وَحَكَى عَمَّنْ
هدَاهُمْ واجْتَبَاهُمْ بأَهُمْ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ وَاَيَنتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا. وبها اشتهَرَ النَّقلُ عن خير البشر، ولذا فقد اتفقت كلمة الأمة على مشروعيَّتِها مِنْ حيثُ الجملةُ، والحمد الله على تمام المنة.
وحكم سجدة التلاوة الوُجُوبُ على الفتوى عندَ مُفتي العصر (1)، والنَّدْبُ عندَ محدِّثِ العَصرِ (2) -حفظهم الله تعالى-، وعلى الأخير جمهور الأصحاب، والله في اختلاف أهل العلم رحمة وحكمة بالغة (3) وَلِذَلِكَ خَلَقَهُم ـ
(1) - الخليلي، أحمد بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 116.
(2) - يُنظر:
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 161.
القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول ص 64.
هود: 119.
القنوبي، دروس حول سجود التلاوة" بجامع الإمام الجيطالي بالموالح الشمالية/ صيف 2006 م.
تنبية مهم: نعم المندوب "لا يعاقب تاركه"، هذا من حيث الحكم الشرعي، ولكن قد تكرر أن شأن المؤمن الحق
مر
الامتثال المباشر والاستسلام الفوري لأمر الله وأمر رسوله، و لم يكن سلف هذه الأمة من الرعيل الأول من صحابة رسول الله إذا أمرهم النبي بأمر أو نهاهم عن آخر يسألونه هل هذا الأمر للوجوب أو للندب؟ وهل هذا النهي للتحريم أو للكراهة؟ ... بحيث إن كان هذا الأمر للندب تركوه أو كان ذلك النهي للكراهة خالفوه وارتكبوه، بل الشأن كما قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمُ بَيْنَكُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأَوَلَيْكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) النور: 051
فما عليك أيها المسارع للخيرات- إلا أن تأخذ بالأخزم لأمر دينك وآخرتك، والأحوط في عبادتك، والأجزى عند ربك، حتى تكون معية الله معك، وترعاك رعايته، وتحفك حفاوته؛ مصداقا للحديث القدسي الذي يرويه النبي عن رب العزة: "وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أَحَبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الذي يبصر به، ويَدَهُ التي يبطش بها، وَرَحْلَهُ التي يمشي بهَا، وَإنْ سَألني لأعطينَهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَني لأعيذله".
(البخاري، باب: التواضع، رقم الحديث 6021)
(3) - تَنْبية آخَرُ: جاءت رواية تُنسب إلى النبي الله فيها أنه قال: "اختلاف أمتي رحمة"، لكنَّ هذه الرواية ضعيفة لا تصح عنه، بل لا إسناد لها البتة إلا في كتب الأحاديث الموضوعة كما أبان ذلك المحدثون والمحققون؛ فالله تعالى نى (1/299)
صفحة 300
فَصْلٌ فِي مَوَاضِعِ سَجَدَةِ التَّلاوةِ
تعرَّف - يا باغي الخير - أنَّهُ قد اختلف في مواضع سجود التلاوة، وعليه فقد اختلف في عددها أيضًا، والمعوَّلُ عليه عند أكثر أصحابنا هو عدمُ السُّجود في سُوَرٍ المُفَصَّل (النجم، والانشقاق، والعلق (1)؛ ولذا يكون عددُها عندهم إحدَى عَشرة
سجدة.
الأنفال: 046
هذه الأمة عن الاختلاف ورتب على وقوعه ذهاب الريح (القوة) قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَنَزَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وجاء في بعض روايات هذا الحديث "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"، وقد سمعت شيخنا محدث العصر يحكم ببطلان هذه الرواية (صيف 13/ 2001)، وقال ابن حزم عنها: خبر مكذوب موضوع باطل لم يصح قط. (يُنظر: الإحكام لابن حزم والمقاصد الحسنة للسخاوي، وكشف الخفاء للعجلوني).
أما اختلاف العلماء في الفروع فهو رحمة من حيث إنَّ العاملَ لا يُلزم بالبدل والإعادة ما دام أنه وافق قولا معتبرا له وجه من الحق (أي لم يعارض نصا ثابتا)، وهذه هي قاعدة "مراعاة الخلاف" التي يُشير إليها قولُ عمر بن عبد العزيز: "ما سرني لو أنَّ أصحاب محمد لم يختلفوا؛ لأنهم لو لم يختلفوا لم يكن رخصة مع قول غيره". وكذا فاختلافُ العلماء رحمة من حيث إن الله وعمل لو أراد أن لا يختلف أهل العلم لأنزل في كل حكم قديما أو حادثا نصا قطعيا في ثبوته ودلالته فلما لم يكن ذلك مع أمره برد ما اختلفنا فيه إلى استنباط أولي العلم علم أن اجتهادهم صواب ما دام أنه لم يخرج عن أصل من السنة والكتاب، وهذا ما يهون الخطب، ويُسهل الأمر على الناس من حيث إن العالم في عصره كالطبيب لمريضه، يصف له ما يصلحه في زمانه الذي يعيش فيه، وحسب مقتضى ظروفه التي تحيط به، وبذا تُدرك أنه لو اقتصر العلماء على ما أثر من اجتهادات وأقوال السلف والمتقدمين وحمل الناس على الأخذ بها لوقع التشديد في كثير من الأمور الواسعات، والتضييق في الأمور المباحات؛ لأن ما يصلح لعصر قد لا يصلح لعصر
من
أمَّا الحرص على السعي وراء الرخص وتتبع الشواذ من الآراء، والسقطات من أقلام الفقهاء، فذلك أمر غير اختلاف العلماء، بل هو عادة السفهاء، وديدن الأغبياء، وهلكةٌ صح فيها قول العقلاء الأتقياء: "من تتبع الرخ كل مذهب فهو هالك".
ومثله قول بعض الضعفاء الجهلاء: "ضعها في رقبة عالم تخرج سالما، وكذا من" قلد عالمًا فهو سالم" فليس على
إطلاقه، بل هو مقيد ومبين بقولهم: وَلَيْسَ كُلُّ خِلَافٍ جَاءَ مُعتَبرا
***
إلا خلافا له -
(1) ـ المفصل: هي ما ولى المثاني من قصارِ السُّورِ، وهي: السبع الأخير من القرآن الكريم، سُميت بالمفصل لكثرة فصل البسملة بين سورها، وتبدأ من سورة الحجرات إلى آخر القُرآن، وقيل: بل تبدأ من سورة (ق)، والعلم عند الله. (1/300)
صفحة 301
وصحح شيخنا القنوبي - متعنا الله بحياته - مشروعية السجود في سور المفصل
عن المعصوم
6
الثلاث بعد أن صحح ثبوت ذلكَ عَنِ، إذ يقولُ في جواب له مُفصل حول السجود في المفصل بعد مناقشة أدلَّة المثبتينَ والنَّافِينَ: " وبذلك يتبينُ أَنَّ الراجح هو القول الأول، وهو مشروعية السجود في المفصل، والله أعلمُ (2).
وقال شيخنا بدر الدين -حفظه الله - عنْ هذا القول بأنه أحوط (3)، وإلى هذا
الرأي - أيضا - مالَ إمامُ المذهب العلامة أبو سعيد الكدمي - رَحِمَهُ الله - (4).
ولم يثبت سجود للنبي في ثانية الحج)، وعلى هذا كله يكون عدد مواضع السجود المعتمدة أربعة عشر موضعًا، وهي: (الأعراف، والرعد، والنحل،:
(1)
- من
ذلك ما ثبت عن ابن مسعودٍ له أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ سُورَةَ النَّجْمِ فَسَجَدَ بِهَا فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ الْقَوْمِ إِلَّا سَجَدَ فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ كَفَّا مِنْ حَصًى أَوْ تُرَابِ فَرَفَعَهُ إِلَى وَجْهِهِ وَقَالَ: يَكفيني هَذَا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قتل كافرًا. البخاري، رقم الحديث 1008. وحديثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "سَجَدْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي إِذَا السَّمَ السَّمَاء انْشَقَّتْ وَاقْرَأْ بِاسْمِ
ربِّكَ". مسلم، رقم الحديث 905.
(2) ـ يُنظر:
القنوبي، "جواب مطوَّلٌ: مطبوع ومتداول" لدى الكاتب نسخة منه ص.
القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول ص 65.
إجابة على أسئلة وجهها الكاتب لسماحته -رعاه الله، بتاريخ: غرة ذي الحجة 1429 ها
(3) ـ الخليلي، 11/ 30/ 2008 م.
(4)
2 - هو أبو سعيد محمد بن سعيد بن محمد بن سعيد الكدمي الناعبي عاش في القرن الرابع الهجري، اشتهر بمدرسته الفكرية في الرد على بعض من خالفه من أهل زمانه من مؤلفاته: كتاب الاستقامة والمعتبر، إضافة إلى أجوبة نثرية كثيرة، قال عنه العلامة أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي -رحمه الله -: "وكفى بأبي سعيد حجة ودليلا، لمن أراد أن يتخذ الحق لنفسه سبيلا؛ فإنه أعلم من نعلم من الأحبار، وآثاره أصح الآثار"، توفي أسكنه الله فسيح جناته بين سنتي 353 - 356 هـ. (معجم أعلام الإباضية / قسم المشرق العربي). يُنظر:
القنوبي، "جواب" مطوَّلٌ: مطبوع ومتداول" لدى الكاتب نسخة منه ص 47.
القنوبي، دروس حول "سجود التلاوة" بجامع الإمام الجيطالي بالموالح الشمالية / صيف 2006 م.
(5) - ثانيةُ الحَج هي قوله تَعَالَى: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَرْكَعُوا وَأَسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافَعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) الحج: 77، وكل ما ورد فيه ضعيف لا يثبت لا سيما وأن بعضه جاء من طريق عبد الله ابن لهيعة، وهو ضعيف مختلط لا يحتج بروايته ولا كرامة. (1/301)
صفحة 302
والإسراء، ومريم، والحج والفرقان، والنمل، والسجدة، وص، وفصلت، والنجم،
والانشقاق، والعلق))، والله يقولُ الحقَّ، وهوَ يهْدِي السَّبِيلَ.
فصل فيمَنْ تُشرَعُ فِي حَقِّهِ سَجدَةُ التَّلاوةِ
اعلم - وهبك الله القرب منه - أنَّ سجدة التلاوة تُشرَعُ في حق تالي القرآن والمستمع إليه، دونَ مَن سمعَهَا أو رَأَى مَنْ يسجدُها مِنْ غيرِ اسْتماع لها (2). وكذا تُشرَعُ في الصَّلاة فرضًا أو نفلاً، منفردًا أو مقتديًا، إمامًا أو مأموما المختار عند أصحابنا المشارقة وهو رأي الإمامين الخليلي والقنوبي -حفظهما الله - (3، فاعمل هذا ولا تلتفت لمَنْ فَرَّقَ بينَ الفرض والنفل، أو قالَ: إنَّها بعدَ الصَّلاة مطلقًا؛ فإِنَّهُ لاحظ للنَّظر مع ثبوت الأَثَرِ عن سيد البشر).
(1)
يُنظر: القنوبي، "جواب مطوَّلٌ: مطبوع ومتداول" لدى الكاتب نسخة منه ص 50 - 51.
أحمد 1) ـ الخليلي، بن حمد. المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 1 ص 119.
(2) - يُنظر:
الغاربي، محمد بن راشد. "جلسة إفتاء" بتاريخ: 13 شعبان 1423 هـ.
القنوبي، دروس صيف 2004 م الموافق 1425 هـ. (مذكرة خاصة ص 17).
القنوبي، دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية (سابقا بروي)، صيف 1421 هـ / 2000 م، مذكرة رقم 6
صه.
(3) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 54،70، 116.
القنوبي، دروس حول "سجود التلاوة" بجامع الإمام الجيطالي بالموالح الشمالية/ صيف 2006 م.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 160.
(4) - لحديث أَبِي رَافِعٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْعَتَمَةَ فَقَرَأَ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ فَسَجَدَ، فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ، قَالَ: سَجَدْتُ
بهَا خَلْفَ أَبي القاسم فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ فِيهَا حَتَّى أَلْقَاهُ.
(البخاري، باب: مَنْ قَرَأَ السَّجْدَةَ فِي الصَّلَاةِ فَسَجَدَ بِهَا، رقم الحديث 1016). (1/302)
صفحة 303
فَتْوَى
السُّؤالُ هَلْ يَسجُدُ مَنْ يستمع لشريط القرآن عندَ الآيات التي تُوجد بها سَجْدَةٌ؟ الجواب نعم؛ يَسجد عندما يستمع إلى ذلك والله أعلم، لكن إذا كانَ ذلك على طريق التعلم، -مثلاً- يُعِيدُ الإِنسانُ الآيةَ عدة مرات سواءً كان يقرأُ هو نفهُ مِنَ المصحف أو مِنْ ذاكرته أوْ كانَ يَستمعُ إلى شريط، يُرَدِّدُ تلك الآيةَ فَإِنَّهُ يَسجُدُ فِي المَرَّةِ الأولى؛ وذلك لأنه في المرات الثانية لم يَنْوِ التَّلاوة وإنَّما نوى التكرار من أجل الحفظ، والله أعلم.
فَصْلٌ فِيمَا يُقَالُ فِي سَجْدَةِ التَّلاوةِ
يمكنُ أنْ يُقال في سجود التلاوة كما يُقالُ في سائر السجود، إلا أَنَّهُ يُستحبُّ أَنْ يَدعو الإنسانُ بالمأثور الثابت عن النَّبيِّ)، ومن ذلك أنْ يقول في سجوده: "ربي أَعْطني بها أجْرًا، وضع عني بها وزرا، وارزقني بها شكرًا، وتقبلها مني كما تقبَّلتَ مِنْ عبدك داودَ سجدتَهُ (3).
ويمكن أيضا- أن يأتي في سجود التلاوة بقوله: سُبْحَنَ رَبَّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبَّنَا لَمَفْعُولا (4) وهذا كله عندَما يَكُونُ السُّجودُ،
عندما يَكُونُ السُّجود خارجَ الصَّلاةِ).
(1) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك برنامج: سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 17 شوال 1423 هـ
يوافقه 2002/ 12/22 م.
(2) ـ الخليلي، أحمد بن حمد. برنامج: "سؤال أهل الذكر تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 13 ربيع الثاني 1426 هـ، يوافقه 2005/ 5/22 م.
(3) – الربيع، باب: في الركوع والسجود وما يفعل فيهما، رقم الحديث 237.
\ (8)
107
وذلك لما حكاه الله له عن أهل العلم بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَبَّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبَّنَا لَمَفْعُولًا) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) الإسراء: 107
1.9 -
2006 م.
(5) - القنوبي، دروس حول "سجود التلاوة" بجامع الإمام الجيطالي بالموالح الشمالية / صيف 6.
107 (1/303)
صفحة 304
أما في الصَّلاة فالأولى أن يكتفي المصلّي بالتسبيح الذي يُقالُ في سجود الصَّلاة (1)؛ وذلك خروجًا من الخلاف (2) بعد ثبوت فهي النَّبيِّ عن قراءة القرآن في الركوع والسجود (3)، والله يتقبل صالح الأعمال.
لَطِيفَةٌ
عن أبي عبيدة قال: بلغني عن أبي سعيد الخُدْرِي قال: رأيتُ كأنّي تحتَ شَجرةٍ أقرأ صَ وَالْقُرْآنِ. فلما بلغت السجدة سجدت الشجرةُ ثم قالت: " ربي أعطني بها أجرًا، وضع عني بها وزرا، وارزقني بها شكرًا، وتقبلها مني كما تقبَّلت من عبدك داود سجدته ".
قال أبو سعيد: فأخبرتُ بذلك النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: ((نحنُ أَحَقُّ بِالسُّجودِ مِنَ الشَّجَرَةِ)) ثم قرأ رسولُ الله ص وسَجَدَ وقَالَ هَذَا القَولَ (4).
خِلافٌ وَثمرَةٌ
اعلم - رحمك الله - أنَّ الفُقهاء وأهلَ الإقراء قد اختلفُوا في سجدة التلاوة وكذا سجدة الشكر - هل هما صلاة أو ليستا بصلاة؟!
وثمرة الخلاف: القائلون بأنَّ السَّجدة صلاة - وهم الأكثر- اشترطوا لها ما يُشترَطُ لصحة الصلاة منَ الطهارة والوقت واستقبال القبلة، وهو الذي ربَّحَهُ بدرُ الدين الخليلي - عافاه الله - في فتاواه).
(1) - القنوبي، سعيد بن مبروك، فتاوى ج 4 س 3. مادة سمعية بمعهد القضاء الشرعى (سابقا). مادة سمعية اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية، أو مكتبة مسجد جامعة السلطان قابوس.
(2) القنوبي، سعيد بن مبروك. فتاوى إمام السنة والأصول ص 66.
(3) – الربيع، باب: في الركوع والسجود وما يفعل فيهما، رقم الحديث 234.
(4)
(9)
- الربيع، باب: في الركوع والسجود وما يفعل فيهما، رقم الحديث 237.
أحمد
5) ـ الخليلي، بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 226. (1/304)
صفحة 305
أَمَّا مَنْ لَمْ ير أنها صلاة - وهو الأرجَحُ عند شيخنا القنوبي) - لم يشترط كل ذلك، وعده كالتسبيح والتحميد مما مثلُهُ في الصَّلاة ولا يُشترط لَهُ ما يُشترَطُ للصَّلاة، ولكنْ لا يَحْفَى عليك - أيُّها الفَطنُ الحَدْرُ - أَنَّهُ لا ينبغي لك (2) أن تقرأ القرآن وتسجدَ الله الله إلا على طهارة وبأكمل هيئة، والخروجُ مِنَ الخلاف هو مطلوب الجميع، وبالله التوفيق.
فَائِدَةٌ
إذا قَرَأَ الخطيب آيةً فيها سجدة وهو على المنبر، فلا يجب عليه سُجود التلاوة؛ لأنَّه لَمْ يَقصد التلاوة، وإنَّما قَصَدَ الاستشهاد فحسب، يقول سماحة المفتي – ربي -: "وهذا القولُ هوَ الذي تَأخُذُ به ((3).
(1) - يُنظر:
الجامعية، ميمونة بنت حميد الإنارة في أحكام الطهارة ص 245 - 246. (لقاء المؤلفة بالمحدّث القنوبي -حفظه الله -) القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 25 رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 11/9 م. (2) - فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: الأفعالُ في العربية إما متعدية بنفسها أو لازمة لا تتعدى إلا بحروف التعدي، ومن هذا القسم الأخير الفعلُ "ينبغي" فهو فعل لازم يتعدى بحرف التعدي "اللام"، ومن الخطأ الشائع في اللسان العربي تعدية هذا الفعل بالحرف "على"؛ فيقال: "ينبغي عليك"، وإنما الصواب أن يقال:"ينبغي لك"، وهذا ما تجده كثيرا في كتاب الله العزيز،
92
211
فالله تعالى يقول: {وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا مرم: 92، ويقول: وَمَا يَنْبَغِي هَمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (2)
الشعراء: 211، وفي موضع ثالث: وَمَا عَلَّمْنَهُ الشَّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ بس: 69، ومن لسان أفصح مَنْ نطق بالضاد قوله: " مَا يَنْبَغِي لِعَبْدِ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى " ال. (البخاري، باب: قَوْلِهِ: {وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا
عَلَى الْعَالَمِينَ، رقم الحديث 4265).
وتسجيلات الهلال حمد. "أخطاء شائعة في اللغة العربية"، "مادة سمعية، إنتاج: مكتبـ
يُنظر:
الخليلي، أحمد الإسلامية.
بن
العبري،
خالد
بن هلال. أخطاء لغوية شائعة ص 42.
(3) ـ الخليلي،
أحمد
2006/ 9/3 م.
بن
حمد. برنامج: سؤال أهل الذكر تلفزيون سلطنة عُمان حلقة: 9 شعبان 1427 هـ،
يوا
افقه (1/305)
صفحة 306
قلتُ: وقد أضاف شيخنا القنوئي -حفظه الله - عند المراجَعَة بخطّ قلمه "وَهُوَ الصَّحِيحُ عندي".
تنبية
ولا معنى لما ذكرَهُ البعض منْ أنَّهُ لا ينبغي للمصلّي قراءة آية فيها سجدة في الصلوات المكتوبات بعد أن علمت وثبت لديك أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كان يدأب على قراءة سورة السجدة كاملةً في الركعة الأولى مِنْ صَلاة الفجرِ يومَ الجُمُعَةِ، وَكَفَى بِهِ أسوةً
حسنة.
فَرَتَّلَ القُرْآنَ عِنْدَ وَحْشَتَهُ وَكُلُّ مَنْ أَكْثَرَ مِنْهُ مَاجِدُ
اقرأ وتدبر
***
***
عَلَى اعْتِبَارِ وَحُضُور فكرته أَقَلُّهُ فِي اليَوْمِ جُزْءٌ وَاحد (2)
(1) ـ ولكن لا ينبغي مع ذلك أن يقرأ المصلي سورة أو آية من أجل السجدة فقط؛ لأنه كمَنْ تعمد أن يزيد في صلاته، فالسجدة مشروعة من أجل القراءة، وليست القراءة من أجل السجدة، فافهم وكن فاطنا. يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 54، 116.
القنوبي، دروس حول "سجود التلاوة" بجامع الإمام الجيطالي بالموالح الشمالية / صيف 2006 م.
القنوبي، دروس صيف 2001 م الموافق 1422 هـ. (مذكرة خاصة ص 21).
(2) ـ السالمي، عبد
الله
بن حميد. مدارج الكمال ص 167. (1/306)
صفحة 307
ثانيًا سُجُودُ السَّهو:
فَصْلٌ فِي مَشْرُوعِيَّةِ سُجُودِ السُّهُو وَحُكمِهِ
اعلم أيُّها المتفقه في الدِّين، أعاذك الله من الغفلة، وألهمكَ الصَّوابَ والفِطْنةَ أَنَّ الإنسان قدْ تَعْرِضُ لهُ العوارض وتبدو لهُ البَدَوَاتُ في صلاته فيقع في السهو عن بعض أعمال الصلاة، فيُشرع في حقه رحمةً مِنَ الله، وصونًا لعمله منَ البطلان- سجدتان آخر الصلاة تُعرفان بـ " سَجْدَتي السَّهْو" أو كما يُسمِّيهما البعضُ "سَجْدَنِي الوَهْم". وقد اتَّفَقَ فقهاء المذاهب الإسلامية من حيث الجملة على مَشرُوعيَّة سجود السهو، ولذلك أدلة كثيرة ثابتة من قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله.
وسجود السهو مشروع في واجبات الصلاة وسُنَنها (1)، أمَّا الفرائض والأركانُ فلا يجزي عنها إلا الرجوع إليها والإتيان بها (2).
وحُكْمُ سُجود السهو الوجوب (3)، وذلك في حقٌّ مَنْ وَقعَ في موجبِ مِنْ موجباتِ السُّجود لا كما اعتادَهُ كثيرٌ مِنَ النَّاسِ هدانا اللهُ وإِيَّاهُمْ (4).
(1) - يُنظر: القنوبي، سعيد بن مبروك. سجود السهو، مادة سمعية متداولة/ الجزء الثاني. (2) - يُنظر: تعليقنا حول الفرق بين الركن والواجب في باب سنن الصلاة/ فصل التوجيه.
(3)
، أحمد 3) ـ الخليلي، بن (4) - انظر للأهمية:
حمد. الفتاوى ج 1 ص 116.
تعليقنا في الباب السادس / فصل في مكروهات الصلاة.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى- القسم الرابع ص 96. (1/307)
صفحة 308
فَصْلٌ فِي مَوَاضِعِ سُجُودِ النَّبِيِّ
دَلَّت السنة النبوية الصحيحة على مواضعَ لسجود السهو، أربعة من فعله
والخامس من قوله، وهي كالتالي (1):
1 - قام من اثنتين في صلاة رباعيَّة وترك التَّشهدَ الأَوَّلَ، وسجدَ قبلَ السَّلام). سَلَّمَ مِن اثنتين في صَلاة رباعيَّة، ثم أكمل ما بقي وسجد بعدَ السَّلام).
سلَّمَ مِنْ ثلاث في صَلاة رباعيَّة، ثم أكمل ما بقي وسجدَ بعدَ السَّلام
4 - صلى خمسا، أي زادَ ركعةً خامسةً، فَسَجدَ بعدَ السَّلام)
(4)
فَقامَ
(1) - يُنظر القنوبي، سعيد بن مبروك. "سجود السهو"، مادة سمعية متداولة/ الجزء الأول. (2) – للحديث المعروف بحديث عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ فَلَمْ يَجْلِـ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَسْلِيمِ ثُمَّ سَلَّمَ. (مالك، الموطأ، بَاب: مَنْ قَامَ بَعْدَ الْإِثْمَامِ أَوْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، رقم الحديث 202). (3) ـ للحديث المعروف بحديث ذي اليَدَيْنِ وفيه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لا لا لا انْصَرَفَ مِنْ اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: أَقَصُرَت الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله: أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَصَلَّى اثنتين أخريين ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِه أَوْ أَطْوَلَ يُنظر:
البخاري، بَاب: هَلْ يَأْخُذُ الْإِمَامُ إِذَا شَكَ بِقَوْلِ النَّاسِ، رقم الحديث 673.
القنوبي، السيف الحاد ص 16.
تنبية: حمل أصحابنا -رضوان الله تعالى عليهم- سؤال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وإجابتهم عليه على ما قبل نسخ الكلام في الصلاة، أما بعد النسخ فمن تحدث بعد سلامه بحديث خارج الصلاة أو قام أو سجد سجدتين وجب عليه إعادة الصلاة من أولها ولا يسعه البناء في هذه الحالة، يقول سماحة المفتي -حفظه الله -: " وذهب أصحابنا في هذه المسألة إلى أن حديثه كان في الوقت الذي لم يحرم فيه الكلام في الصلاة، بعد، وأما الحديث بعد أن حرم الكلام في الصلاة وبعد أن جاء عن النبي له قوله: ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين)) فهو حديث ناقض للصلاة، ويجب
أن يستأنف من جديد". يُنظر: الخليلي، الفتاوى ج 1 ص
118
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ص 24.
(4) - مسلم، باب: السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ وَالسُّجُودِ لَهُ، رقم الحديث 898.
(ه) ـ لحديث ابنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ اللهِ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقِيلَ لَهُ: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ، قَالَ: صَلَّيْتَ خَمْسًا فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا سَلَّمَ. (البخاري، باب: إِذَا صَلَّى خَمْسًا، رقم الحديث 1150). (1/308)
صفحة 309
طَرْحُ الشك والبناء على اليقين: لقول النَّبيِّ في حديث أَبي سَعِيد الْخُدْرِيِّ: " إِذَا شَكَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَح الشَّكَ وَلْيَبْن عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ
يُسَلَّمَ
(1)
هذَا إِنْ لم يكُنْ عندَ المصلّي غلبة ظنِّ، فإنْ كَانَ لدَيه ظَنِّ غَالِبٌ أَخَذَ بِهِ وَلَوْ كانَ فيه أخذُ بالأَكثَرِ؛ لأنَّ للظَّنِّ الغَالِبِ حُكْمَ اليَقِينِ، والله أعلم.
فصل في مُوجِبَاتِ سُجُودِ السُّهو
وبذا تعلم عزيزي القارِئَ، جَمَلكَ الله بالعِلْمِ أَنَّ سُجودَ السَّهْوِ مِنْ اسمِهِ يُشْرَعُ في حالات السهو فقط؛ ولا يُشرَعُ في حَالِ العَمْدِ (2)، والأسباب الموجبة لسجودِ السهو كما دلت عليها سنة أبي القاسم نصاً أو قياسًا تكاد تنحصر في التالي:
—
نسيان سُنة من سُنن الصلاة كالاستعاذة (3)، أو قراءة غير الفاتحة، أو
6
تكبيرات الانتقال، أو تسبيح الرُّكوع والسجود، أو التشهد الأول.
وبعد أن رأيت هذا الحديث وصحته فحُقَّ لك أن لا تلتفت لقول من قال بأن من زاد ركعة سهوا فدت صلاته، وَإِذَا جَاءَ هُرُ اللَّهِ بَطَلَ هُرُ مَعْقَلِ. يُنظر:
(1)
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 213.
القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 19 رمضان 1422 هـ، يوافقه 2001/ 12/5 م.
مسلم، باب: السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ وَالسُّجُودِ لَهُ، رقم الحديث 888.
(2) - الجيطالي، إسماعيل بن موسى قواعد الإسلام ج 1 ص 293.
(3) ـ الاستعاذة كغيرها من سنن الصلاة الواجبة من نسيها حتى جاوزها فلا يرجع إليها ولا يأتي بها في أي موضع صلاته خلافا لمن قال بخلاف هذا الرأي، هذا هو المعتمد عند الإمام السالمي الا الله والعلامة الخليلي –أبقاه الله – كما نسبه إليهما إمام السنة والأصول -حفظه الله تعالى- في دروسه القيمة حول سجود السهو، ويجزي عنها سجدتان قبل السلام قياسا على من ترك التشهد الأول.
قلت: وقد أضاف شيخنا القنوبي - حفظه الله - عند المراجَعَة بخط قلمه "وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي".
(القنوبي، "سجود السهو، مادة سمعية متداولة/ الجزء الثاني). (1/309)
صفحة 310
زيادة شيءٍ مِنْ أركانِ الصَّلاةِ أو سُننها من غير عمد: كتكرار الفاتحة
أو شيء منها، أو زيادة ركعة في الصلاة.
شَيْءٍ مِنْ أقوال الصَّلاة أو أعمالها في غير موضعها سهوا: كان يجهر في موضعِ السِّرِّ أو العكس، أو يقرأ الفاتحة في موضع التحيات أو العكس (1).
البناء على اليقين وطَرْحُ الشَّك: فمَنْ شكَ هَلْ صَلَّى ثلاثًا أَمْ أربعًا، بَنِي عَلَى الثلاث المتيقن بها، وألغَى الرابعة.
قاعدة مُهمَّةٌ: مَن نسي سنة من سنن الصلاة أو شك في الإتيان بها فلا يرجع
إليها بعد أن جاوز موضعها وانتقل إلى موضع آخر، وهذا ينطبق على جميع سنن كمن نسي الاستعاذة حتى بدأ في القراءة، وكذا في قراءة ما بعد الفاتحة لمن استقر راكعا، وكذا التشهد الأول لمن انتصب قائما فلا يرجع إليه على الصحيح الراجح عند الشيخين - حفظهما الله، ويجزيه عن ذلك سجدتان يسجدهما قبل السلام، هذا هو حكم السنن لمن جاوز محلها إلى ركن من الأركان.
أما الأركانُ فلا يجزي عنها إلا الإتيان بها كما سيأتي، والله أعلم (2).
(1) ـ من أتى بالتحيات بدلا الفاتحة
عن
سهوا فلا بد من الإتيان بها أي الفاتحة - حال تذكره، أو يقضيها بعد سلام الإمام إن كان في جماعة و لم يلحق على قراءتها؛ وذلك لما علمت أنها ركن من أركان الصلاة، وكذا يُقال في ألفاظ التحيات في التشهد الأخير على القول بأنها رُكن كما صححه بدر الدين الخليلي يحفظه الله-، فلينتبه لذلك. (الخليلي، إجابة على أسئلة وجهها الكاتب لسماحته -رعاه الله، بتاريخ: غرة ذي الحجة 1429 هـ
2008 م).
(2) - ينظر
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 91.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ص 166.
القنوبي برنامج: " سؤال أهل الذكر " حلقة: 13 جمادى الثانية 1427 هـ،، يوافقه 2006/ 7/9 م. (1/310)
صفحة 311
فَصْلٌ فِي مَحَلِّ السِّجُودِ
تعلم يا طالب العلم، جعلكَ اللهُ كَمن يرفعُهُمُ اللهُ يومَ القيامة درجات – أنَّ أهلَ العلم قد اختلفوا كثيرًا في محلّ سُجود السهو، ولكن لابد أن تعلم مع ذلك أيضًا أنَّ مما يهوِّنُ الأمرَ ويسهلُ الخَطْبَ أَنَّ خلافَهِمْ هذَا إنما هوَ في الأولى والأفضل وليس في الواجب والمجزئ (1).
والمعتمد في محلّ سُجودِ السَّهوِ هوَ ما دَلَّ عَليهِ هدي محمد صلى الله عليه وسلم مِنْ قَولِهِ أو من فعله كما مرَّ لدَيكَ آنفًا - فما سَجدَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قبلَ السَّلامِ يُسجَدُ لَهُ قبل السلام، وما سجدَ لَهُ بعد السلام فيُسجد له بعد السلام، وما لم يرد فيه نص فيقاس على المنصوص عليه.
وإن أشكل عليك الأمر والتبست عليك المواضع فاعمل بقاعدة: "إن كان لزيادة فبعد السَّلام وإنْ كانَ لنقصان فقبلَ السَّلام"، وهذا التفصيل اعتمده العلامتان الخليلي والقنوبي كما يُستنبَطُ من مجموع أجوبتهم - حفظَهُمُ الله تعالى (2):
وَكُلُّهُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ مُلْتَمِس
***
غَرْفًا مِنَ البَحْرِ أَو رَشْفَا مِنَ الدِّيمِ
(1) القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر "، حلقة: 13 جمادى الثانية 1427 هـ، يوافقه 2006/ 7/9 م.
(2) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 116.
الخليلي، برنامج: " سؤال أهل الذكر - حلقة: 24 ربيع الثاني 1425 هـ، يوافقه 2004/ 6/13 م. القنوبي، "سجود السهو مادة سمعية متداولة/ الجزء الأول والثاني.
القنوبي، برنامج: " سؤال أهل الذكر - حلقة: 16 رمضان 1428 هـ، يوافقه 2007/ 9/28 م.
جدا
ومتنه
أما حديث: "لكل سهو سجدتان بعد "السلام" فضعيف لا يثبت عن النبي؛ إذ إسناده ضعيف مضطرب كما وصفه المحدث القنوبي-، وبذا تدرك أنه لا دليل فيها لمن قال بأن سجود السهو بعد السلام مطلقا، وكذا لا دليل فيها أيضا لمن قال إن السجدتين تُكرَّران لمن تكرر منه موجب السهو. (1/311)
صفحة 312
280
تنبيه
واعلم أيها النبيه، ألهمكَ اللهُ السَّدادَ في القول أن المعول عليه عند العصر (1) فيما يُقالُ في سُجود السهو هو ما يُقالُ في عامة السجودِ مِنَ التسبيح؛ لعموم
قول الأسوة الحسنة: اجعلوها في سُجُودِكُمْ (2) بعدَما نزَلَ قَولُهُ تَعَالَى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الأعلى: 1.
قلتُ: وقد أضاف شيخنا القنوبي -حفظه الله - عند المراجعة بخط قلمه "وَهُـ الصحيح عندي".
تنبيه ثان
واعلم أخي، رُزقت الحرْصَ والنَّباهة - أن المشروع في السهو سجدتان ولو تكرر موجِبُهُ أَوْ طَالَ، إلا أَنْ يَسهوَ المصلّي سَهوًا بالغَا بحيثُ لم يعقل ولم يدْرِ ما أَتَى مِنْ صَلاته ولا ما بقيَ عَليه منها ففي هذه الحالة يجبُ عَلَيْهِ إعادةُ الصَّلاةِ مِنْ أَوَّلِهَا.
هذا إذا كان منفردًا، فإنْ كانَ مأمومًا أجزاهُ أنْ يَسجد سجدتين للسهو بعد السلام ويحملُ عنه إمامه سهوه ذلك فلا يُلزمُ بإعادة؛ قالَ عليهِ الصَّلاةِ والسَّلامِ:" إِنَّ أحدَكُمْ إذا قامَ يُصلّي جَاءَهُ الشَّيْطَانُ فلبس عليه صلاته حتى لا يدري كم صلَّى فإذَا وجد أحدُكم ذلك فليسجد سجدتين وهو جالس". قال الربيع: قال أبو عبيدة: ذلك إذا كانَ الرَّجلُ خلف إمامه، وأمَّا إذا كانَ وحدَهُ فليعد صلاته (3).
(1) ـ الخليلي، برنامج: " سؤال أهل الذكر "، حلقة: 13 رمضان 1427 هـ، يوافقه 2006/ 10/7 م. (2) ـ الربيع، باب: في الركوع والسجود وما يفعل فيهما، رقم الحديث 233.
(3) ـ الربيع، باب: في السهو في الصلاة، رقم الحديث 249. (1/312)
صفحة 313
دام
أن
ومجرد غفلة القلب وشرود الذهن في بعض أعمال الصلاة لا يُؤدِّي إلى نقضها مَا صاحبها أتى بجميع أعمالها الظاهرة صَحِيحَةً سليمة، صحح ذلك العلامة القنوئي - حفظه الله - ونسبَهُ لقُطب الأئمة - رحمه الله تعالى (1).
تنبية ثالث
اعلَمْ أَهمَكَ الله صادق القول وصالح العمل - أنَّ أهل العلم قد اتفقوا على أنه ليس على الإمام أن يسجد لسهو المأموم.
لكنْ إِنْ سهَا المأموم خلف إمامه بأن أتى موجبًا من موجبات السهو - فيُشرَعُ في حقه سجود السهو، ولا يحملُ عنه إمامُهُ هذَا السُّجودَ؛ وذلكَ لَمَا دَلَّ عَليهِ عُموم قوله " .. فإذا وجد أحدُكم ذلك فليسجد سجدتين وهو جالس
مَسأَلة
إِنْ سَجَدَ الإمامُ قبلَ السَّلام وجب على المأموم متابعته في السجود لارتباط صلاته بصلاة إمامه ولوجوب متابعته حتى يُسَلَّمَ، يُسَلَّمَ، وإنْ سجَدَ الإمامُ بعدَ السَّلامِ فَيَسجدُ المأمومُ إن تابعَهُ في سَهوه، ويُخيَّرُ إِنْ لَمْ يُتابعهُ.
(1) – ولاشك أنه مع سقوط القضاء عليه في هذه الحالة فقد فاتته فضيلة الخشوع المطلوبة، ولا يؤجر المرء إلا بقدر استحضر من صلاته، وعليه يحمل ما جاء في الأثر: " ليس للإنسان من صلاته إلا ما عَقَلَ". يُنظر: الخليلي برنامج: سؤال أهل الذكر"، حلقة: 1 رمضان 1427 هـ، يوافقه 2006/ 9/25 م.
(2)
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ص 166.
2) – وبذا تدرك أن ذلك النكير على أهل الاستقامة لسجودهم خلف الإمام ما هي إلا شنشنة تعرفها من أخْزَم، ومع ثبوت الدليل فلا كلام إلا القبول والتسليم، وإذا جَاء فَهَرُ اللَّهُ بِطَلَ هُرُ مَعْقَل. (1/313)
صفحة 314
مَسْأَلةٌ أُخْرَى
مَن سَهَا فِي الصَّلاةِ الأُوْلى حالَ الجمع بين الصلاتين فيسجد لسهوه هذا بعد سلامه مِنَ الأُولى مباشرةً ولا يؤخرُهُ إلى ما بعد الثانية على الرأي المعتصم عند بدر الدين الخليلي - يحفظه الله (1).
فتْوَى
السؤال ما حكم سجودِ السَّهوِ مَن صلَّى الظهر والعَصْرَ جمعًا، فوقع منه السهو في كلتا الصلاتين؟
الجَوابُ اختلف في الذي يجمعُ الصَّلاتين هلْ يَسجد لكل واحدة منهما للسَّهو إِنْ سها فيهما، وذلك أنْ يَسجد للأُولى بعدَ التَسليم إنْ سَها فيها، وكذلك يفعل في الثانية، أو يسجد لهما جميعًا بعد الثانية، والأوَّلُ أصح، والله أعلمُ (2).
قلتُ: وقد أضاف شيخنا القنوبي -حفظه الله - عند المراجَعَة بخط قلمه "وَهُـ
الصحيح".
فَائِدَةٌ»: ومَنْ نَسيَ سجودَ السَّهو شُرِعَ لهُ قضاؤُهُ متى تذكره، من غير تقييد ذلك بفريضة أو نافلة على الرَّأي المعتمد عندَ إمامِ السُّنةِ والأصول (3).
أحمد
(1) ـ الخليلي، بن
أحمد
حمد. الفتاوى ج 1 ص 117.
حمد.
(2) ـ الخليلي، بن .. الفتاوى ج 1 ص 117.
(3) - القنوبي، سعيد بن مبروك. فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ص 166. (1/314)
صفحة 315
خَاتِمَةٌ
ومَن حفظ المتُونَ حَازَ القُنُونَ
وما أروع ما لخصه الإمامُ السَّالِمِيُّ - رَحِمَهُ الله - في مدارج الكمال حينما قال (1):
وَالسَّهَرُ إِنْ جَاءَ بَتَرْكَ السُّنن
***
مثالُهُ مُبَدِّلٌ بالجَهْرِ
أو بالتحيات بحيث يحمدُ
أوْ بِالسَّلامِ لَيْسَ في محله
وَلَيسَ فِي السَّهو عَلَيْكَ سَهْوُ
(1) - السالمي، عبد الله بن حميد. مدارج الكمال،
ص
***
***
***
***
33
أو بخلاف وضعها المستحسن
سرًّا وَبِالجَهْرِ مَكَانَ السِّر وعكسها أو قَامَ حيث يقعد فسجدتان شرعا من أجله وإِنْ يَطُلْ فَافْهَمْ عَدَاكَ اللَّهْرُ (1/315)
صفحة 316
البَابُ العاشر: فِي صَلَاةِ الجُمُعَةِ
قَالَ تَعَالَى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ فَأَنتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَإِذَا رَأَوْا تِجَرَةً أَوْ هوا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ فَابِما قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ اليَجَرَةُ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّزِقِينَ)
الجمعة: 9 - 11
فَصْلٌ فِي فَضْلِ يَومِ الجُمُعَةِ
اعلم أيُّها العابد، جمعَ اللهُ بكَ شَمَلَ الأمَّة، وأزاحَ عنك كل كرب وغُمَّة - أنَّ يومَ الجمعة هو خيرُ يوم طلعت عليه الشمس، ولذا فهو أعظم أيام الله في الأسبوع، بل هو سيد الأيام، ويوم عيد وفرحة، فيه ساعةٌ لا يُوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يَسأَلُ الله شيئًا إلا أعطاه إياه).
فَصْلٌ فِي حُكْم صَلَاةِ الجُمُعَةِ
تعلم أيُّها المتفقه في الدِّين، جمعَ اللهُ لكَ جوامع الخير - أنَّ الأمَّةَ الإسلامية أجمعت على مشروعية صلاة الجمعة، وأنَّها فرضُ عين على كلِّ مَن سمع النداء وتوفرت فيه
(1) ـ أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال: خرجت إلى الطور فلقيتُ كعب الأحبار فجلس فحدثني. عن التوراة وحدثته عن رسول الله، وكان فيما حدثته أن قلت له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم! الجمعة، فيه خلق آدم عليه السلام، وفيه تاب الله عليه، وفيه أهبط من السماء إلى الأرض، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مُسيحَةٌ ليلة الجمعة حتى تطلع الشمس إشفاقا من الساعة إلا الجن والإنس، وفيه
أعطاه إياه ".
ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا إلا (الربيع، باب: في صلاة الجمعة وفضل يومها، رقم الحديث 282). (1/316)
صفحة 317
شروط وجوبها)، والأدلة على ذلك متوافرة من الكتاب والسنة، فأما الكتاب فما
تقدمَ مَعَكَ في التلاوة من الأمر بالسعي إليها في قوله: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ - الجمعة: 9 الجمعة والأمر للوجوب، ومِنَ السُّنَّةِ قَولُ الإمامِ الأعظم: " مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَع تَهَاؤُنَا بِهَا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ (2)، وقد أقامها النبي بالمدينة المنورة، وثبت (3) أنَّه أمرَ بها فصلِّيت في مسجد بني عبد القيس بجواثى مِنَ البحرين (4). وهي ركعتان وقت الظهر يَجهرُ فيهما الإمامُ بقراءة الفاتحة والسورة، وقبلها خطبتان بينهما جلسة خفيفة كما سيأتي قريبًا في شروط صلاة الجمعة.
فصل فيمَن تَجبُ عليه صلاةُ الجُمُعةِ
تجب صلاة الجمعة على البالغ فلا تلزمُ الصبيَّ، والرَّجُلِ فلا تلزم المرأةَ)، والمقيم فلا تلزم المسافر، والحرّ فلا تلزم العبد، والقادر فلا تلزمُ العاجز؛ قال صلى الله عليه وسلم: " الْجُمُعَةُ
(1) - يُنظر:
(2)
ابن المنذر، الإجماع ص 8.
السالمي، الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة ص 18.
القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول ص 52،53.
2) - أبو داود، باب: التَّشْدِيدِ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ، رقم الحديث 888.
(3) – القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول ص 53.
(4) – البخاري، بَاب: الْجُمُعَةِ فِي الْقُرَى وَالْمُدُنِ، رقم الحديث 843.
(°)
- نعم
المرأة لا يلزمها الخروج لصلاة الجمعة بل لا يُسَنّ في حقها، ولا يُندَب لها أن تذهب إلى المسجد وتُؤَدِّيَ صلاةَ الجمعة هناك وإن كان يجزيها عن الظهر، وإنما يُندَب في حقها أن تصلي في بيتها، وهو أولى بها، لا سيما ما قد يُصاحب خروجها للجامع من اختلاط ومرور بالرجال حال الذهاب والإياب، خاصةً في هذه الأزمان التي قل فيها
الاحتشام عند كثير من الفتيان والنسوان، وإياك اغني فافهمي ياجَارَة، نسأل الله تعالى السلامة والستر في الدارين. أما ما يتعلل به البعض من طلب الاستفادة من الخطبة فهو أمر يحصل في البيت عن طريق الاستماع المباشر من منارة الجمعة أو عبر وسائل الإعلام المسموعة والمرئية وهي غير قليلة لا يُعدم طالبها ولا يكاد يخلو منها بيت، فالزمي
دارك، وإياك وما يُعتذرُ مِنْهُ.
(القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 50). (1/317)
صفحة 318
الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَة إِلا أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَوْ امْرَأَةٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ مَرِيضٌ (1)، ومَن أداها من هؤلاء أجزتمْ وسَقطتْ عنهم فريضةُ الظهر.
فاحفظ مثنها تضبط حدها ..
يَلزَمُ بالغَا مقيمًا ذكـ
فيخرج العاجز والنساء
كذا مسافر وإن يصلّي
***
***
***
حوا صلاة جمعة إن قدرا
والعبد والصبيان والخنشاء
جاز له إتيان هذا الفعل (2)
فصل في شُرُوطِ صحتِها
تَختص صلاة الجمعة لصحتها بعدة شروط، فضلاً عن الشروط العامة لصحة صلاة الجماعة، والشروط المختصة لصلاة الجمعة هي:
الشَّرطُ الأولُ: الإمامُ
الذي يأمر بإقامتها، برا كان أو فاجرًا؛ فإذا أمر بإقامتها حاكم المسلمين وولي أمرهم وجب إجابةُ مناديها والسَّعي إليها.
يقولُ سماحة المفتي -حفظه الله -: " وعليه فهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، وما جاء من خلاف في شروطها يرفعُهُ أمرُ الحاكم المسلم في إقامتها، وعليه فإذا أُقيمت بأمر السلطان لم يُجُز لأحد أن يتخلف عنها.
(1)
1) – أبو داود، باب: الْجُمُعَة لِلْمَمْلُوك وَالْمَرأَة، رقم الحديث 901.
(2)
2) - السالمي، عبد الله بن حميد. مدارج الكمال ص 40.
أحمد
(3) ـ الخليلي، بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 125. (1/318)
صفحة 319
الشرط الثاني: الوَقتُ
(1)
ووقتها هو وقت صلاة الظهر حذو النعل بالنعل (1)، يبدأُ من زوال الشمس حتى يَصير ظل كلِّ شيء مثلَه؛ ذلك لأَنَّ الْجُمُعَةَ بَدَلٌ من صلاة الظهر، ووقت صلاة الظهر بعد زوال الشمس بإجماع الأُمَّةِ، والبدلُ يأخذُ حكم المبدل منه. إلا أنَّ وقت الزوال مُستثنى منَ النَّهي عن الصَّلاة يومَ الجُمُعة، كما تقدمَ سَلفا (2
تنبية: وقت صلاة الجمعة هو وقت صلاة الظهر كما رأيت، وعليه فلا يُقدم
الله
الأذانُ الثَّاني والخطبة قبل دخول الوقت، وما يقوم به بعض الناس - هدانا ا وإيَّاهم من تقديم الأذان الثاني والخُطبة قبلَ الزَّوالِ لا يصح، وما يتعلَّلُونَ بِهِ مِن أَنَّهُ لا زوالَ
يومَ الجُمُعة فتخليط بين المسائل، فالاستثناء إنما هُوَ لجواز التنفل لا لدخول الوقت وتقديم العبادة، فتنبه لذلك علمًا وعملاً.
الشَّرطُ الثالث: الجَمَاعَةُ
الجماعة شرط لصحة صلاة الجمعة، لأن الاجتماع هو شعارُ الجُمُعَةِ؛ لذا لا يصح تأديتها فرادى، والدليل على ذلك قوله: " الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي
جَمَاعَة (3)
واختلفوا في أقل العدد المجزي لصحتها وانعقادها، وليس في هذه القضية توقيف من الشارع على عدد معلوم إلا الاجتهاد من أهل العلوم، يقولُ الإمامُ السالمي - رَحِمَهُ
(1) – القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 2001 م / 1422 هـ (مذكرة خاصة ص 25).
(2)
2) – الباب الثالث في شروط الصلاة- فصل في شرط الوقت الأوقات المحرمة صفحة 176. يُنظر: الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 130.
القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر حلقة: 24 رمضان 1425 هـ يوافقه 2004/ 11/8 م.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 140.
(3) - أبو داود بَاب الْجُمُعَة لِلْمَمْلُوكِ وَالْمَرْأَةِ، رقم الحديث 901. (1/319)
صفحة 320
الله في "الحَجَجُ المقنعةُ": "والصَّحيحُ أَنَّها تَنْعَقَدُ بما يُطلق عليه اسم جمع حقيقةً، وهم من الثلاثة فصاعدًا، أو حكمًا وهم من الاثنين فصاعدًا، أمَّا التحديد بما فوق ذلك فلا سبيل إليه .. (1)
قلتُ: وقد أضاف شيخنا القنوئي -حفظه الله - عند المراجَعَة بخط قلمه "وَهَذَا هُوَ
الصَّحِيحُ".
الشَّرطُ الرَّابع: الخُطبةُ)
القولُ الصَّحيحُ عند محدّث العَصر -حفظه الله - أنَّ الخُطْبَة شرط لصحة صلاة الجمعة (3)، لا تتمُّ جُمُعة بدونها ودليل ذلك قولُهُ تَعَالَى: {وَتَرَكُوكَ قَابِمَا (الجمعة: 11، مع مواظبته عليه الصلاة والسلامُ عليها طول حياته حتى أتاه اليقينُ. وهي خطبتان بينهما جلسة خفيفة كما دلّت على ذلك الأحاديث المستفيضة في
السنة الصحيحة (4).
(1)
ص
VV.
- السالمي، عبد الله بن حميد. الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة. (2) - تَنْبيَّة: خُطْبَةُ الجُمعة وعَرَفةَ -بالضم - هكذا هو ضبطها الصحيح خلافا لمن يخلط بينها وبين الخطبة
والتي هي تقدم الرجل للاقتران بامرأة فانتبه والله يسدد قولك ..
(4)
فخطب
النِّكَاحِ بالكَسْرِ ومَا
***
في الحج خُطبة بضمّ فاعلما
ومع القول بمشروعية خطبة الخطبتين لصلاة الجمعة فلا يعني ذلك أنها قائمة مقام ركعتي الظهر على الصحيح عند الأئمة السالمي والخليلي والقنوبي بل هو مذهب أكثر الأصحاب؛ لأدلة منها: أنَّ الركعتين يُستقبل بهما القبلة والخطبة يستقبل بها الجماعة، والصلاة لا يكون بعضُها نحو القبلة والبعض الآخر عكس ذلك.
كما أن المستدرك في صلاة الجمعة يقضي ما فاته من الصلاة فقط، ولا يقضي الخطبة التي فاتته أيضا، بخلاف من فاتته ركعتان من الظهر، فلا بد له من قضائها، فتحصل لديك أن الخطبة شرط للصلاة لا شطر منها، والله أعلم. يُنظر:
•
السالمي، الحجج (المقنعة ص
ALAV-VV
الخليلي، برنامج سؤال أهل الذكر " حلقة: 11 رمضان 1426 هـ، يوافقه 2005/ 10/15 م.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 57.
القنوبي، دروس صيف 2000 م 1421 هـ (مذكرة خاصة ص 9).
(4) - القول بالخطبتين والجلوس بينهما هو السنة الثابتة من فعل الأسوة الحسنة، وكفى به قدوة وإماما، وقد صرّح بالخطبتين وثبوتهما عن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام شيخنا القدوة الخليلي - أبقاه الله - حينما انتصر له في رس الته القيمة (1/320)
صفحة 321
"وَحْيُ السُّنةِ فِي خُطْبَي الجُمُعَةِ " (ملحق بالفتاوى 508/ 1): وهذا نص كلامه: "إن الخطبتين في الجمعة والجلوس بينهما
مما ثبت عن رسول الله، وعمل به أصحابه .. "، وإلى هذا الرأي ذهب طائفة. من محققي أصحابنا المتقدمين والمتأخرين، فقد نص عليه العلامة أبو الحسن البسيوي في جامعه (149/ 2) ثم أعقب كلامه بحكاية الإجماع عليه بقوله: ". . وعليه الإجماع"، ونقل كلامه العلامة أبو مسلم في نثاره (471/ 2) و لم يتعقبه بشيء بل أقره عليه، وأنت تدري أنهما من أعلام المسلمين في زمانهما، وممن صرَّح بهذا الرأي من أصحابنا أيضا الشيخ الجيطالي في قناطر الخيرات (440/ 2)، وقطب الأئمة في التيسير (356/ 13)، والهميان (225/ 14 - 226)، وغيرهم.
يقول شيخنا القنوبي -حفظه الله - في "قُرَّةُ العَيْنَين في صَلاة الجُمُعَة بخطبتين" (55): "وهذا القول - أي القول بالخطبتين والجلوس بينهما- رجحه جماعة من المتأخرين منهم الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري المفتي السابق، وشيخنا الفريد الحجة جامع شتات الفضائل ووارث علوم الأوائل، حجة المتكلمين، وسيف) وإمام الفقهاء والمفسرين، شيخ الإسلام الخليلي - حفظه الله تعالى وعافاه". وإذا تقرر لديك أن هذا الرأي هو رأي الجمهور والمحققين من الأصحاب، فاعلم أن الدولة الرستمية الإباضية المغربية قد أطبقت على هذا القول علما وعملا، ولا يخفى عليك أن هذه الدولة قد قامت في فترة مبكرة من عمر المذهب العريق أي منتصف القرن الثاني الهجري تقريبا- يقول المؤرخ البرادي في كتابه "الجواهر المنتقاة" ص 202: "فإنهم – أي الأئمة الرستميين كانوا إذا فرغوا من الخطبة الأولى قاموا إلى الخطبة الثانية .. "، وأنت خبير بأن مؤسس هذه الدولة هو الإمام عبد الرحمن بن رستم الذي أخذ عن شيخه أبي عبيدة عن جابر عن الصحابة عن النبي، وإذا سألت عن تلك الروايات التي رويت في هذا الباب فاعلم أنها كثيرة اعتمد عليها هؤلاء العلماء المتقدمون والمتأخرون، فدونك غيضا من فيض، ورشفًا من غرف:
هذا
1 - عن ابن عمر قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ لا يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِمًا ثُمَّ يَجْلِسُ ثُمَّ يَقُومُ، قَالَ: كَمَا يَفْعَلُونَ الْيَوْمَ. (مسلم (1425)، يقول الشيخ القنوبي عن هذه الرواية في " قرة العينين /58": "وهذا إسناد صحيح لا يحوم حوله شك ولا ريب؛ ولذلك لم يقدح فيه أحد من علماء المسلمين على اختلاف طبقاتهم، وتباين وجهاتهم".
2 - عن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ لله أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَحْطُبُ قَائِمًا ثُمَّ يَجْلِسُ ثُمَّ يَقُومُ فَيَحْطُبُ قَائِمًا، فَمَنْ نَبَّأَكَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالسًا فَقَدْ كَذَبَ. (مسلم/ 1427).
3 - عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِمًا ثُمَّ يَقْعُدُ ثُمَّ يَقُومُ فَيَحْطُبُ. (أحمد /2208). أضف إلى ذلك الإجماع العَمَليَّ الذي استقرَّ في عهد الصحابة زمن الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر بن الخطاب له أجمعين عملا بالخطبتين والجلوس بينهما، ولم يحدث الخلاف والقولُ بالخطبة الواحدة إلا عندما ظنَّ مَن ظَنَّ أنَّ أول من أحدث الخطبتين والجلوس بينهما عثمانُ لما كبرت سنه، أو معاوية لما كثر شحم بطنه.
هذا .. وإذا تقرر لديك ما تقرر بالحجة والبرهان، فاعلم أن العالم مهما بلغ من العلم ما بلغ فلا بد وأن تخفى عليه سنةٌ أو ينسى مسألة، وما ذلك على طبع البشر بغريب، وما سُمِّيَ الإنسانُ إلا لنسيه، ومن ادعى عدم ذلك فقد ادعى مترلة فوق متزلة أبي بكر وعمر وغيرهما من صحابة رسول الله، وقد قيل: لا أضرَّ على العلم من قول بعض ا المقلدة: "ما ترك الأول للآخر"، وإنما الصدق والحق بل الواقع ما قاله المحققون والعارفون: "كم ترك الأول للآخر! "، والله قد تعبدنا (1/321)
صفحة 322
يقوم بهما الخطيب بعد زوالِ الشَّمس، ومنَ السُّنة أن تكونَ الخُطبة متصلة بالأذان (1)، والإقامة متصلة بالخطبة، والصلاة متصلة بالإقامة.
أمية،
فَائِدَةٌ): سنَّ معاويةُ بنُ أبي سفيان شتمَ الإمام علي كرم الله وجهه- على منابر الجمعة، واستمر العمل واستمر العمل بهذه السُّنة السَّيئة في بني أمية إلى أيام الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، حتى قَدمَ عليه وفد من الإباضية، يُنكرون بعض بدع بني فوعدهم بان يحيي في كلّ يومٍ سُنَّةً ويُميت فيه بدعةً، ومن تلك المناكر التي وعدهم بتغييرها لعن علي على المنابر أبدلها بآية قرآنية وهي قوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
وَالْإِحْسَنِ وَإِيتَايِ ذِي الْقُرْفَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ
للسنة
منهم
باتباع كتابه وسنة رسوله، لا بأقوال البشر مهما جلت أقدارهم، وإذا ثبت الدليل فنعمل به تقربا إلى الله وإحياء مع إحسان الظن بأولائك العلماء -رحمهم الله وعفا عنهم- حينما قالوا ما قالوه ظنَّا. أن العمل بالخطبتين أمر محدث بخلاف السنة؛ لأنهم كانوا أحرص ما يكونون على الابتعاد عن بني أمية ومحدثاتهم، فلعل الوهم سرى من هذا الطريق، والعُذرُ عندَ كرامِ النَّاسِ مقبول، فهم معذورون بل مأجورون ..
يقول إمامنا السالمي -رحمه الله -:
لجمع
ة عَرَفَ
سْتَحَبُّ سَـ
للمزيد يُنظر:
الخليلي، وحي
السنة في خطبتي الجمعة.
***
***
يَخطُبُ فِيهِنَّ بخطب حتى تكون تلك فَصْلاً هما
الخليلي، جواب مطول لسماحته -أيده الله في الرد على أحد الكتاب المغرضين في وقته –مخطوط مؤرخ بتاريخ: 12
ربيع الثاني 1412 هـ / مسقط، بحوزة الكاتب نسخة منه.
القنوبي، قُرة العينين في صلاة الجمعة بخطبتين.
القنوبي، "جواب مطوَّلٌ: مطبوع ومتداول" لدى الكاتب نسخة منه، ص 90 - 101.
السالمي، مدارج الكمال، ص 51.
(1) - لا
يعني
ذلك أن يقوم الخطيب فور انتهاء الأذان مباشرة، بل يأتي أولا بدعاء الأذان ثم يقوم باسم خطيبا، أفاد ذلك شيخنا القنوبي -حفظه الله- في بعض دروسه، وهذا الفصل اليسير لا ينافي ما قلناه أعلاه، والعلم عند الله. (القنوبي، دروس صيفية "مذكرة خاصة").
الله (1/322)
صفحة 323
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُو
تَذَكَّرُونَ
90
النحل: 90، فكانت هذه إحدى المناقب الذائعة لهؤلاء
القوم -رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم (1).
لطيفة
كانَ السَّلَفُ الصالح جابرُ بنُ زيد الأزدي، وأبو عبيدة الكبير، وضمام، وصحار، والربيع وغيرهم -رحمهم الله تعالى - يُصلُّون الجُمُعَةَ خَلفَ أئمة الجور والظلم كالحجاج بن يوسف، وزياد ابن أبيه، وولده عبيد الله بن زياد وهم من هم في الجور والغشم وسفك الدماء والفتك بالأبرياء. وقد أُطلق حاجب بن مودود من سجن الحجاج يوم الجمعة ثاني ذي الحجة، وكان يُريدُ الحج، فصلى أولاً الجمعةَ خَلفَ عامل بني أميَّةَ، ثم انصرف لحجه بعد أن عارضه أصحابه لضيق الوقت، فأصر على شهود الجمعة، وكرر عليهم قوله: "إِنَّ لي في الجمعة لحاجةً، إنَّ لي في الجمعة لحاجة".
وقد أَخَرَ الحجاج يومًا صلاةَ الجُمُعة فصلَّى جابر الظهر وهو جالس، ثم قال: اليَومَ نَفَعَ كَلَّ ذِي عِلْمٍ عِلْمُهُ، فعلِمَ الحجاج بذلك وَقَالَ: "اليَوْمَ عَرَفْنَا مَنْ صَلَّى وَمَنْ لم يُصَلِّ (2).
(1) ـ السيابي، سالم بن حمود. العُرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة ص 161 - 162.
(2) - يُنظر: القنوبي، "فتاوى ج 4 " بمعهد القضاء الشرعي (سابقا). "مادة سمعية" اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية، أو مكتبة
مسجد جامعة السلطان قابوس.
القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول، ص 53 - 54.
السالمي، معارج الآمال ج 10 ص 87. (1/323)
صفحة 324
فَصْلٌ فِي سُنَنِ الجُمُعَةِ
اعلم - يا باغي الخير - أنَّ هذا اليومَ العظيم قد اختصه الله تعالى بسنن و آداب ينبغي التحلّي بها، فمن تلك السنن:
1 - الاغتسال: لقوله: " الغسلُ يومَ الجمعة واجب على كل محتلم " (1)، ومراده بالوجُوبِ التَّأكيدُ عليْهِ، كَمَا تَقَدَّم مَعَكَ فِي بَابِ الْاغْتَسَال.
2 - التَّطيِّبُ والتَّسوك والتَّزينُ: لقوله: " لا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِه أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَة الأُخْرَى (2)
011
3 - التبكيرُ للصَّلاةِ: لِقَولِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: " مَنِ اغْتَسَلَ يومَ الجُمُعَةِ كَغُسلِ الْجَنابِةِ ثُمَّ راحَ فكأنما قرَّبَ بَدَنَةً، ومَنْ راحَ في السَّاعة الثانية فَكَأَنا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ راحَ في السَّاعة الثالثة فكأنما قرَّبَ كبشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابعة فكَأَنما قَرَّبَ دجاجةً، وَمَن راحَ فِي السَّاعَةِ الخامِسَةِ فَكَأَنما قَرَّبَ بَيْضَةً (3) وقد قال النبي في خطبته لرجل جاء متأخرا، وأخذ يتخطى رقاب
المصدِّينَ: "جلس فَقَدْ آذَيْتَ (4).
(1) - رواه الربيع، باب: في صلاة الجمعة وفضل يومها، من طريق أبي سعيد وعائشة. رقم الحديث 284، 285.
(2) – البخاري، باب: الدُّهْنِ لِلْجُمُعَةِ، رقم الحديث 834.
(1)
(E)
- الربيع، باب: في صلاة الجمعة وفضل يومها، رقم الحديث 286.
4) – أبو داود، باب: تَحَطَّي رِقَابِ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، رقم الحديث 943. (1/324)
صفحة 325
4 - 4 - الاجتهاد في الذكر والدُّعاء توخيًا لساعة الإجابة: لقوله: "وفيه ساعة لا يصادقها عبد مسلم وهو قائمٌ يُصلي يَسأَلُ الله شيئًا إلا أعطاه إياه (1). ه - الإكثار منَ الصَّلاة على النبي يومَ الجُمُعة وليلته: لقوله صلى الله عليه وسلم: " إن من أَفْضَل أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ .. فَأَكْثَرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلاةِ فِيهِ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ (2).
6 - قِرَاءَةُ سُورَة الكَهْفِ يومَ الجُمُعَة: لقوله: " إِنَّ مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَينَ الجُمعَتَين (3).
(1)
- وفي رواية أخرى:" فيه سويعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه" فأشار رسول
الله صلى الله عليه وسلم إلى تقليلها بيده.
الربيع، باب: في صلاة الجمعة وفضل يومها، رقم الحديث 282، 283.
فائدة: اختلف الناس في ساعة الإجابة من يوم الجمعة متى هي! والأقرب أنها بعد صلاة العصر من يوم الجمعة كمـ يدل عليه قول الإمام أبي الشعثاء راوي الحديث: "هي آخر ساعة يوم الجمعة"، وهو الذي مال إليه شيخنا إمام النة والأصول -حفظه الله-.
هذا .. وقد جرت عادة الشرع على إخفاء بعض العبادات والأوقات التي يعظم فيها الأجر ويجزل عندها الثواب كساعة الإجابة يوم الجمعة، وليلة القدر، واسم الله الأعظم، وكما أُخفيت الصلاة الوسطى من بين سائر الصلواتِ الخمس؛ وذلك حتى يجتهد الناس في العبادة والذكر، ويستديموا صلتهم بالله وعمل في كل الأحوال والأوقات، بدل أن يقتصر ذلك على ساعة محددة دون ساعات هذا اليوم المبارك، أو ليلة معينة من ليالي ذلك الشهر الكريم، أو اسم واحد
من أسماء الله الحسنى. يُنظر:
القنوبي،
تحفة الأبرار ص 57.
القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول ص 86.
(2) - وتكملة الحديث للفائدة: القَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمْتَ؟ أَي بَلِيتَ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ".
(أبو داود، باب: في الاستغفار، رقم الحديث 1308).
(3) ـ الحاكم، المستدرك. باب تفسير سورة الكهف، رقم الحديث 3349. (1/325)
صفحة 326
- مطلق التنفل قبلَ الصَّلاة، والصلاة بعدها لقوله: "مَنْ اغْتَسَلَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ ثُمَّ أَنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ خَطْبَتِهِ ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ غُفَرَ
لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ "
فائدة: يقول شيخنا محدث العصر -حفظه الله -: "ثبت الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- مشروعية قراءة سورة الكهف في يوم الجمعة، فهو حديث صحيح؛ إذ لا مَغْمَزَ في إسناده ولا في مثنه، أما ما عدا ذلك ممَّا يُعرف بالسور المنجيات فلا أصل له في سُنَّة رسول الله .. ". يُنظر:
_ (1)
القنوبي، دروس صيف 2002 م الموافق 1423 هـ. (مذكرة خاصة ص 60).
القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر " حلقة: 13 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/8 م.
مسلم، باب: فَضْلِ مَنْ اسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ فِي الْخُطْبَةِ، رقم الحديث 1418.
تنبية: مطلقُ التنفل قبل الصلاة يوم الجمعة في المسجد أو في البيت ثابت عن المصطفى، أما القول بسنة راتبة بعد الأذان الأول وقبل الصلاة كما ترى الأمة كلها تقوم ما إن ينتهي المؤذن من أذانه - فلم يثبت ذلك، فالأولى أن يتنفل الإنسان من غير تقييد ذلك بالأذان أو عدمه، إذ التخصيص متوقف على التوقيف من الشارع الحكيم، ولا نص هنا، لا سيما إذا علمت أصلا أنّ هذا الأذان محدث لم يكن في - عصر النبي ولا صاحبيه حديث، أو يكون فيه توقيف!.
فيه
يقول شيخنا أبو عبد الرحمن القنوبي -متعه الله بالصحة -:" والحاصل أن الصحيح عندنا أنه ليست هنالك سنة قبلية -أي مخصوصة بعد الأذان - قبل فريضة الجمعة، ولكن ينبغي للإنسان أن يتنقل ما شاء قبل فريضة الجمعة وقبل خطبتها ".
فَائِدَةً: جاء في الحديث السابق قول النبي:" .. غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ"، فيصير المجموع عشرة أيام على قاعدة مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِها من الأنعام: 160، وعلى هذه القاعدة أيضا جاء قولُ الرسول صلى الله عليه وسلم: " مِنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتبعَهُ بسَتَّةِ أيامٍ مِن شَوَّالَ فكأنما صامَ الدَّهر كله " (الربيع/ 315). إذا جمعت أيام الشهر، مع الأيام الستة فيكون المجموع ستة وثلاثين يوما تقريبا، وقد علمت أن السنة ثلاثمئة وستون يوما، فيكون مجموع صيام ستة وثلاثين يوما كصيام السنة كلها، ومن فعل ذلك في كلّ عام فكأنما صام الدهرَ كلَّهُ، وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعُ عَليم (البقرة: 261. يُنظر:
(261
الصوافي، حمود بن حميد. فضائل الجمعة وتنبيهات أخرى. "مادة سمعية. إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية.
القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر " حلقة: 14 رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 10/29 م.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 141. (1/326)
صفحة 327
8 - تخفيف الخطبة، وإطالة الصَّلاة: لقوله صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ طُولَ صَلاةِ الرَّجُل وَقصَرَ خُطْبَته منة من فقهه - أي دليل عليه - فَأَطيلُوا الصَّلَاةَ وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ، وَإِنَّ مِنَ الْبَيَان سَحْرًا (1).
9 - قراءة سورة الجمعة أو سَبِّحْ في الأولى والغاشية في الثانية: فعن جابر بن زيد قال: أدركت ناسا من أصحاب رسول الله يقولون: إنَّ رسولَ الله
حدثني
يحفظهم
يقرأُ يومَ الجُمُعة على إثر سورة الجُمُعَةِ هَلْ أَتَنكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ
الغاشية: 1، وسمعتُ أيضًا أنه يقرأُ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (2) الأعلى:
61
لَطِيفَةٌ
1.
الثّقةُ قال: سَألَ سائل من طلبة الشيخ حمود الصوافي شيخنا القنوبي - الله تعالى عن إنشاد الشعر في الخُطب فردَّ عليه الشيخ سعيد: وهل تسمعُ
الشيخ يُنشد الشعرَ في خُطبه؟!!
فإِذًا الأصلُ في الخَطيب أن لا يأتي في خطبته بشيء من الشعر، ولكن إذا أتى فلا
يُؤثر ذلك في الخطبة ولا في الصَّلاة لا سيّما إنْ كانَ لمصلحة (3).
يقولُ شيخنا البَدرُ الخليلي - حفظه الله - في بعض أجوبته المتلفزة: " النبي لم يكن يوردُ شعراً في خطبته، والصَّحابة -رضي الله تعالى عنهم- أيضًا كانوا على ذلك.
_ ()
(2)
مسلم، بَاب تَخْفِيفِ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ، رقم الحديث 1437.
- الربيع، باب: في صلاة الجمعة وفضل يومها، رقم الحديث 287.
(3) - القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 2002 م / 1423 هـ (مذكرة خاصة ص 52). (1/327)
صفحة 328
وعلى أي حال إنْ كانَ الشعر وغظيًا فلا حرج من الاستشهاد به لكن على أن لا يُكثر منه حتى تتحول الخطبة إلى ديوان شعر .. وإنّما الشيء اليسير لا حرج فيه إنْ كان وعظا (1).
فَصْلٌ فِي صِفَةِ أَداءِ صلاةِ الجُمُعةِ
إذا زالت الشَّمسُ عن كبد السَّماء دخلَ الإمامُ المسجد وصعد المنبر واستقبل المأمومين مسلمًا عليهم)، ثم جلس منتظرًا فراغَ المؤذنِ مِنَ الأذان، وأتى بالذكرِ المأثور بعد الأذان، فإذا انتهى قامَ مرةً أُخرى يخطبُ في النَّاس مُبتدئًا بالبسملة، وحمد الله تعالى، والثناء عليه، والشهادة له بالوحدانية، ولنبيه بالرسالة، ثم يأخذ في وعط النَّاسِ، وتذكيرهم، وترغيبهم وترهيبهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ثم يختم
خطبته الأولى فيجلس برهةً خفيفةً مرةً أخرى ليقوم للخطبة الثانية ويُجملُ فيها فصله في خطبته ولا يُطل عليهم، ثم يدعو بما شاءَ مِنَ الدُّعاء من خيري الدُّنيا والآخرة له ولإخوانه المؤمنين والمؤمنات.
فإذا انتهى من الخطبة أقامَ المؤذنُ ونزلَ الخطيبُ ليؤم المصلين بركعتين يجهر فيهما بقراءة الحمد وما تيسَّرَ منَ القُرآنِ كما تقدَّمَ ويَختِمُ كُلَّ ذلكَ بالسَّلامِ، والله يتقبلُ منهم أجمعين.
(1) ـ الخليلي، أحمد حمد. برنامج سؤال أهل الذكر - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 20 ربيع الثاني 1429 هـ
بن
يوافقه 2008/ 04/27 م.
(2) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 134.
القنوبي، دروس صيف 2002 م / 1423 هـ (مذكرة. ص 50). (1/328)
صفحة 329
تنبيهات
التنبيه الأول: الأذان بعد دخول وقت صلاة الجمعة واجبٌ لا بُدَّ منه لقوله
تَعَالَى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ الجمعة 9، وهو الأذان المعهود في عهد النبي وصاحبيه أبي بكر وعمر وعندما كثُرَ النَّاسُ في زمن عُثمانَ زادَ أَذانَا آخرَ ا،
قبله)، ولم ينكر عليه الصحابة، فكان العمل به إلى يومنا هذا.
ونظرا لكون النداء الأوَّل محدثًا بعد عصر الرسالة، ولكونه قد يكون قبل دخول الوقت فلا يخفى عليك - أيُّها النَّبيه - أنَّ الأحكام الشرعية المتعلقة بالجمعة كوجوب السعي والنهي عن البيع والشراء، وإنشاء السَّفَر مُتعلق بالنداء الثاني لا الأول على الرأي المعتمص عند شيخنا القنوبي -حفظه الله - (2)، إلا أن واجب الاستباق للخيرات يُحتّم على المسلم الحقِّ أن يَقدُمَ للجُمُعة قبل الأذانين الأول والثاني (3) وَاللهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعُ عَلِيمُ} البقرة: 0261
(1) - القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 2004 م / 1425 هـ (مذكرة خاصة ص 1)
(2) - يُنظر:
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة 23 جمادى الأولى 1425 هـ، يوافقه 2004/ 7/11 م. القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 52.
(3) ـ وقد حثت على الاستباق للخيرات والمسارعة إليها والتنافس فيها غير ما آية من كتاب الله العزيز، قَالَ تَعَالَى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ البقرة: 148، وقال ول: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} آل عمران: 133، وقال أيضا: أُوْلَيْكَ يُسَرِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَبِقُونَ) المؤمنون: 61، وقال له في موضع آخر: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَفِسُونَ * المطففين: 26، والآيات في هذا كثيرة، ومما ثبت في فضل الجمعة والحض على التبكير إليها ما ثبت عند الربيع من طريق أبي هريرة وأبي سعيد الخدري له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" من اغتسل يوم الجمعة كغسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر ".
قال الربيع: ليس يريد عدد الساعات وإنما يريد الفضل ما بين أول الوقت وآخره.
(الربيع، باب: في صلاة الجمعة وفضل يومها، رقم الحديث 286) (1/329)
صفحة 330
التنبيه الثاني: ما وردَ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا جُمعة ولا تشريق إلا في أنَّ
جامع"، وكذا أربع" إلى الولاة: الفيء والصدقات والحدود والجمعات"، لم يثبت من طريق صحيحة ولا حسنة ولا ضعيفة خفيفة الضعف (1)، ولذا فإنَّ الصحيح عدمُ اشتراط المصر لإقامة الجمعة (2)
(1) - يُنظر:
(2)
ومن
القنوبي، "جواب مطوَّلٌ: مطبوع ومتداول" لدى الكاتب نسخة منه ص 80.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الأول / بحث: إذا اجتمع جمعة وعيد في يوم واحد ص 29.
من
حصْرُ صَلاة الجمعة في الأمْصَار السَّبعة أو الثمانية لم يدل عليه دليل من كتاب ولا سنة بل الدليل السنة ونفس التمصير يدل على جواز إقامة الجمعة في كل مكان توفرت فيه شروط إقامة الجمعة، والحجة في ذلك: 1. من الكتاب: أن الله تعالى أمرنا بإجابة نداء الجمعة أمرًا مطلقا غير مقيد بمكان دون غيره، ولم يأت حصره بمصر ولا غير مصر في كتاب ولا سنة، فوجب امتثال الأمر وإجابة النداء قَالَ تَعَالَى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ - الجمعة: 9.
ومن
السنة: الإطلاق في قول النبي صلى الله عليه وسلم: " لَيْنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمْ الْجُمُعَاتِ أَوْ لَيَحْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنْ الْغَافِلِينَ (مسلم / 1432)، وأمره بإقامتها في جواثى من البحرين –كما تقدم، و لم يخصها بذكر أمصار دون غيرها من المناطق والبلدان، وإقامتها في جوائى دون مكة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع تمصير مكة بعد ذلك فيما مصر بالإجماع، إنما هو راجع إلى النظر في الظروف والأحوال، ولذلك اتضح أن أمر الجمعة في تحديد أماكن إقامتها ليس راجعا إلى النص، وإنما راجع إلى الاجتهاد، حسب ما تقتضيه الظروف ويستلزمه النظر.
ومن عمل الصحابة: إجماعهم على إقامة الجمعة في الأمصار بعد أن لم تكن تقام فيها في عهد النبي، فدل هذا الإجماع على جواز الزيادة على ما كان في عهد النبي، وإذا جازت هذه الزيادة بالإجماع جازت الزيادة على ما كان في عهدهم أيضا، بل الواقع أنها كانت تقام في أماكن كثيرة في نفس الوقت، حى قيل إن أربعة آلاف منبر كانت تُرفع زمن الخلافة العُمَرِيَّةِ في مختلف أرجاء الدولة الإسلامية.
على أنَّ هذه الأمصار ما مصرها عمر بن الخطاب له بعد موت النبي ورحيل الصديق الأكبر أبي بكر من أجل الجمعة فقط، وإنما مصرها من أجل الدواوين، فهو تنظيم سياسي إداري لما رأى أنها هي المدن الكبرى بعد اتساع رقعة الدولة الإسلامية في عهده الله، فتبين لك أن إقامة الجمعة في تلك المناطق لا يدل على حصر الجمعة فيها بل على العكس. ذلك. من (1/330)
صفحة 331
وإن سلمنا -جدلا- بأن الجمعة كانت تقام في تلك الأمصار فقط فهذا بنفسه لا يدلُّ على الحصر، لأنَّ الحصر متوقف على توقيف الشارع ولا نص هنا، وإنما تحديد هذه الأمصار دون غيرها واقعة حال واجتهاد من الفاروق، لما رآها في زمنه عواصم كبرى يمكن أن يرجع إليها أفراد دولة المسلمين، ومن قواعدهم السائرة: وقائع الأحوال لا تخصص عموما ولا تقيد إطلاقا.
هذا .. وقد تقدم لديك عند الحديث حول مشروعية الخطبتين مما يؤكد كلامنا هذا أنَّ الجمعة كانت تقام طوال العهد الرستمي بالمغرب العربي، وهي ليست من الأمصار التي مصرها عمر بن الخطاب قطعا، وهكذا إذا نظرنا إلى القسم المشرقي للمذهب الإباضي وجدنا أن دعوى حصر الجمعة في نزوى وصحار دعوى لم يقم عليها دليل، أما أولا فلما علمت أنّ الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ليس فيها ما يفيد حصرها في مناطق معينة من دولة الإسلام بعد أن أمر بإقامتها حاكم المسلمين أيا كان مسماه (إماما، أو خليفة، أو سلطانا .. )، وثانيا لأن نزوى ليست من الأمصار السبعة باتفاق الجميع، ولم يكن الأئمة قبل الوارث بن كعب يصلونها في نزوى أصلا، وإنما كانت تقام في صحار فقط، وإذا صحت إقامتها في نزوى بعد ذلك فلا مانع من إقامتها في أي منطقة. القُطر العماني، إذا أمر بها ونودي لها، وهذا هو فعلُ كثير. الأئمة كما تجده في التاريخ العماني المجيد، وأضرب لك أمثلةً.
من
من
ذلك:
من
الإمام الوارث بن كعب له صلاها في نزوى و لم تكن تصلى إلا في صحار فقط.
الإمام عمر بن الخطاب الخروصي العماني الله أمر بالجمعة في عهده فأُقيمت في جميع مناطق
عمان.
عصره
الإمام عزان بن قيس صلاها في كلّ مكان صادفته فيه، فصلاها في مسقط ونزوى وسمد وفنجا وجعلان، ومن المعلوم أن هذا الإمامَ ما كان يصدر في جميع أموره إلا بإشارة من علماء عـ وعلى رأسهم المحقق الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي -رحمهم الله جميعا-.
الإمام محمد عبد
ومسمع من
بن
الله
الخليلي أمر بإقامتها في جعلان فأقيمت حتى وفاته له على مرأى
علماء عصره، بل هم بأن يأمر بإقامتها في جميع مدن عمان الرئيسة بعد أن أخذ الإذن والموافقة من الشيخين عيسى بن صالح الحارثي، والشيخ ماجد بن خميس العبري-رحمهم الله جميعا
ومما يؤكد أن الجمعة لم تكن محصورة في صحار ونزوى، وأنها أقيمت في مناطق كثيرة من المصر العماني زمن الأئمة العدول والعلماء المحققين ما يوجد من المنابر القديمة القائمة إلى يومنا هذا في بعض المساجد بمناطق وولايات مختلفة من السلطنة، وقد شاهد بعضها الثقاتُ والمشايخ الأجلاء، منها ما يوجد في عبري والرستاق ونخل.
يقول
العلامة
القنوبي السابق، ومنهم.
- حفظه الله -: "وقد أخذ بهذا القول جمع من أصحابنا المتأخرين منهم الشيخ العلامة إبراهيم بن سعيد المفتي ا بن حمد الخليلي -حفظه الله شيخنا العلامة المحقق الحافظ الشيخ أحمد. وعافاه، ومنهم الشيخ العلامة خلفان بن جميل السيابي كما هو موجود في أجوبته. -رحمه الله تعالى-، ومنهم (1/331)
صفحة 332
التنبيه الثالث: لا يَنبغي الاشتغالُ أثناءَ خُطبة الجمعة بشيء إلا الاستماع والإنصات؛ لما ثبت من النهي عن تقليب الحصى وعَن الكلام أثناء الخطبة (1) بقوله: "وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا (2)، وبقوله: ". . ومَنْ قَالَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِصَاحِبِهِ صَه أَي أنصتُ فَقَدْ لَغَا، وَمَنْ لَغَا فَلَيْسَ لَهُ فِي جُمُعَته تَلْكَ شَيْءٌ (3).
ولذا فقد ذهب كثير من الفقهاء إلى أنَّ مَن تكلم أولَغَا أثناءَ الخُطبة فعليه الخروجُ مِنَ المسجدِ ثُمَّ الدُّخولُ معَ الداخلينَ، وقد فاته أجرُ السَّبق، وفيه نظر عند شيخنا القنوبي -متعه الله بالصحة والعافية - إذ لم يرَ الخروج من المسجد إلا التوبة والندم القلبي في ذلك الوقت ويمكنه الاستغفارُ بعدَ ذلك (4).
الشيخ بيوض وآخرون، بل تعجب العلامة البرادي - رحمه الله تعالى من ترك بعض العلماء للجمعة"، وقد
أجاد النور السالمي – رَحِمَهُ الله- في جوهره بقوله (الجوهر 1/ 126):
التمصيرُ حَالٌ يَعْرِضُ
ذه صُحَارُ بَعْ
اروق
***
***
*-*-*
***
ستقيم تار
وبعد ما كان با من قُوَّة
ومدًا مكانها قـ
روق
صطفى
لو كان ذا التعيين مما وقفا
***
(1) - القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج "سؤال أهل الذكر" تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 23 جمادى الأولى
1425 هـ، يوافقه 2004/ 7/11 م.
(2)
- مسلم، باب: فَضْلِ مَنْ اسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ فِي الْخُطْبَةِ، رقم الحديث 1419.
(3) – أبو داود، باب: فضل الجمعة، رقم الحديث 887.
(E)
4) ـ القنوبي،
سعيد بن مبروك. دروس صيف 2001 م 1422 هـ (مذكرة خاصة ص 33). (1/332)
صفحة 333
فَصْلٌ
فِي بَعْضِ أَحْكَامِ الجُمُعَةِ
1. صلاة الجمعة فريضةٌ وصلاة العيد سُنةٌ، وعليه فلا تسقط صلاة الجمعة إذا اجتمعت مع صلاة العيد على المعتمد عند شيخنا الخليلي -حفظه الله-، وهو الذي انتصر له أيضًا - شيخنا القنوبي -أبقاه الله - في بحث خاص، فارجع إليه). .2 يصح أن يكونَ الخطيب غيرَ الإمام وإنْ كانت السنة على خلاف
ذلك (2)
القولُ بمشروعية تحية المسجد أثناء خطبة الخطيب هو القولُ الصحيحُ
-
عند الشيخين -حفظهم الله (3).
لا يمكن أن تأتي جماعة ثانية متأخرة أو لم يسعها المسجد وتقيم صلاةَ الجمعة في نفس المكان أو البلدة التي أقيمت فيها ذلك اليوم (4).
(1) - يُنظر:
•
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 129.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الأول / بحث: إذا اجتمع جمعة وعيد في يوم واحد 29 - 34.
(2) - يُنظر: الخليلي،
، الفتاوى ج 1 ص 128.
القنوبي، دروس صيف 2000 م / 1421 هـ (مذكرة خاص
(3) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 123، وأيضا إجابة موسعة ص 135 - 142.
القنوبي، "فتاوى بقرية لزق بعُمان 1423 هـ"، سه، "مادة سمعية". القنوبي، تحفة الأبرار ص 136 (تعليق).
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 63.
(4) القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 2004 م / 1425 هـ (مذكرة خاصة ص 5). (1/333)
صفحة 334
مَنْ لم يدرك الركوع من الركعة الثانية من صلاة الجمعة فيدخلها بنية الظهر على المعتمد عند الشيخين -حفظهما الله -، فيقومُ بعد سلام الإمام ليقضي
أربع ركعات إنْ كانَ مقيمًا، واثنتين إنْ كانَ مسافرًا (1).
ذهب الجمهور إلى جواز جمع العصر مع الجمعة وهو الصحيح عند
شيخينا الخليلي والقنوبي - يحفظهم الله - (2).
ذهب الجمهورُ إلى أنَّ المسافرين ليس لهمْ أنْ يقيمُوا الجمعةَ بأنفسهم في
بلد لا تقام فيها ولو كانوا في الكثرة ما كانوا، وهو الصحيح عند المحققين عند المحققين الخليلي
والقنوبي -حفظهما الله (3).
ينبغي أن تكونَ الخُطبةُ مشتملةً على شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ وَحَمْدِ اللَّهِ والثناءِ
عليه، ولكنَّ الصحيح أن ذلك كلَّهُ لا يَصِلُ إلى درجةِ الشرْطِيَّة، وكذا فالصحيح
عدم اشتراط كون خطبة الجمعة باللغة العربية (4).
(1)
- يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 131.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الأول / بحث الاستدراك ص 25.
(2) - يُنظر:
(3) - يُنظر:
الخليلي، إجابة على أسئلة وجهها الكاتب لسماحته -رعاه الله، بتاريخ: غرة ذي الحجة 1429 هـ - الموافق: 30/
11/ 2008 م.
القنوبي، دروس صيف 2000 م / 1421 هـ (مذكرة خاصة ص 26).
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 132.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 52
(4) ـ أما بالنسبة للآيات فلا تُقرأ إلا باللغة العربية، ويمكن أن تترجم معانيها إجمالا إلى أي لغة من اللغات؛ قَالَ تَعَالَى:
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ - إبراهيم: 4. يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 134. (1/334)
صفحة 335
الأصل في الخطيب أن لا يأتي في خطبته بشيء من الشعر، وإذا أتى فلا
يُؤثر ذلك في الخطبة ولا في الصلاة).
10. النَّهي عن البيع والشراء بعدَ النّداء مُخصوص في حقِّ مَن تجب عليه صلاة الجمعة، أمَّا مَن لم تجب عليه الجُمُعة كالمرأة والمسافر فلا إثم عليهم، ولكن ليس لهمْ أَنْ يبيعُوا أو يشتَرُوا ممَّنْ تَجبُ عليه صلاة الجمعة، هذا هو الرأي الْمُعْتَصَم (2)؛ لما لا يخفى أن في هذا تعاونًا على الإثم والعدوان، وهو مِنْ صفاتِ أَهلِ النِّفاقِ، والله النفاق، والله المستعان (3). 11. إذا فسدت الجمعةُ على الجماعة في الحال فإنَّهم يعيدونها جميعًا جمعةً، وإِنْ خرج الوقتُ فيقضونَها ظهرًا، أما المنفرد إذا فسدت عليه فيعيدها ظهرا في الوقت وبعد الوقت (4).
ومِنَ المدارج اقرأ واحفظ:
مَنْ فَسَدَتْ عليه صلَّى أربعا
***
كان قضاء أو إعادةً معا
وفيه قول جاء بالتفصيل
إِذْ لَمْ يَكُنْ خروجُ وقتِها سَبَبْ
***
***
لكنَّ هذا واضح الدليل لنصْفِهَا إِنْ كَانَ أربعًا وَجَبْ (5)
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 58،61.
القنوبي، برنامج:" سؤال أهل الذكر، حلقة 23 جمادى الأولى 1425 هـ، يوافقه 2004/ 7/11 م.
(1) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 2002 م / 1423 هـ (مذكرة خاصة ص 52). (2) - القنوبي، برنامج: سؤال أهل الذكر، حلقة 23 جمادى الأولى 1425 هـ، يوافقه 2004/ 7/11 م. (3) - قَالَ تَعَالَى: {الْمُتَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ بَعْضُهُم مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُم نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (التوبة: 67
(4) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 135.
القنوبي، دروس صيف 2003 م / 1424 هـ (مذكرة خاصة ص 13).
الصوافي، حمود بن حميد. فضائل الجمعة وتنبيهات أخرى. مادة سمعية". إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية.
الله
(5) ـ السالمي، عبد بن حميد. مدارج الكمال.
ص
2. (1/335)
صفحة 336
البَابُ الحادي عَشَرَ فِي صَلَاةِ السَّفَرِ
اعلم - أيُّها الطالب، ألهمَكَ اللهُ شَكْرَ نعمته - أنَّ هذا الدِّينَ دينُ اليُسْر والسهولة، والرحمة والسَّماحة، يسر الله به على العباد فلم يكلفهم عننا ولم يتركهم هملاً كما أنه لم يخلقهم سُدًا، ولذا فإنَّك تجد اختلافا في كثير من الأحكام بين حال الصحة والمرض، وحال الإقامة والسفر. ومن مظاهرِ اليُسرِ والسَّماحةِ التخفيف عن المسافر في صلاته فضلاً مِنَ اللهِ وكرمًا؛ ذلكَ أَنَّ السَّفَرَ والغُربةَ قطعةٌ منَ العذاب فلا يَزالُ حَنينُ صَاحِبِهِ لأَوَّلِ مَوطِنه حتى يؤوبَ إليه ..
فَصْلٌ في أصل السفر
السفر في أصل اللغة الكشفُ والوضوح، يقالُ أسفر الصبحُ أي بانَ وانكشف،
وامرأة سافر أي مظهرةً شعرها (1).
واصطلاحًا هو خروجُ الإنسان من محل إقامته لقضاءِ غَرضِ ما معَ نية الرجوع
والعودة إليه.
(1)
والسفر في أصل الشرع ثابت بتواتر النقل عن نبي الرحمة من قوله وفعله (2).
- إبراهيم مصطفى، المعجم الوسيط مادة "سفر" ص 432.
(2) - صَلاةُ السَّفَرِ مما ثبتت مشروعيتُه من سنة النبي و لم ترد في كتاب الله، كما سبق بيانه في أوجه بان السنة للقرآن ففي الربيع عن جابر بن زيد قال: سأل رجل عبد الله بن عمر فقال له: يا أبا عبد الرحمن! إنا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن ولا نجد صلاة السفر، فقال له عبد الله بن عمر: يا هذا إنَّ الله قد بعث إلينا محم ولا نعلم شيئًا وإنما نفعل كما رأيناه يفعل.
دا
وأما قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن نَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَوَة إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْيْنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} النساء: 101، فهي في الخوفِ خاصةً وليست في السفر كما أكده سؤالُ الرجل وإقرار ابنِ. عمر له، وإليه ذهب المحققون من العلم، يقولُ العلامة القنوبي - حفظه الله -: " .. وذلك لأن الآية في صلاة الخوف كما رجح) ذلك ابن جرير وابر (1/336)
صفحة 337
فمن قوله: "على المقيم سبع عشرة ركعة وعلى المسافر إحدى عشرة ركعةً (1)، ومن فعله: إقامته بمكة عام الفتح خمسة عشر يوما يقصر الصلاة (2).
فَصْلٌ فِي مَسَافَةِ السَّفَرِ
تفقه أخي في دين الله - أَنَّ الْمُعْتَصَدَ عندَنا (3) في مسَافَة السَّفَر فَرْسَحَان (4)؛ لما ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى الظُّهْرَ بِالْمَدِينَة أَرْبَعًا، وَصَلَّى الْعَصْرَ بذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ" (ه)، ولم يثبت أنه قصر دونَها)، والله أَعلم وأحكمُ.
وصاحب الصنائع وهو المروي عن جمع من صحابة رسول الله .. ". يُنظر: القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول، ص 10.
وعن جماعة التابعين -رضوان الله تعالى على من
(1)
القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر " - حلقة: 4 رمضان 1423 هـ، 2002/ 11/10 م. القنوبي، "فتاوى ج 4 " بمعهد القضاء الشرعي (سابقا). "مادة سمعية" اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية، أو مكتبة مسجد
جامعة السلطان قابوس.
- الربيع، باب في فرض الصلاة في الحضر، والسفر، رقم الحديث 190.
(2) – الربيع، باب: في فرض الصلاة في الحضر والسفر، رقم الحديث 193.
(3)
هذا الرأي هو الذي ذهب إليه أصحابنا -رحمهم الله تعالى-، واعتمده عالما العصر الشيخان الخليلي والقنوبي – الله- في أجوبتهم المنتشرة الذائعة، فمن جاوز الفرسخين بأي وسيلة كانت- وجب عليه القصر، وجاز له
حفظهم الجمع والفطر، وفي كل ذلك تخفيف ورحمة. يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 152.
القنوبي، الرأي المعتبر في حكم صلاة السفر ص 8 - 9.
القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول ص 94.
4) – الفَرْسَحَان بالمقاييس العصرية تساوي 12 كيلومترا تقريبا، وهي المسافة من المدينة إلى ذي الحليفة على بالتقريب.
(E)
(5) - يُنظر:
_ (1)
كتاب الترتيب/ الجزء الرابع - روايات الإمام أفلح الرستمي عن أبي غانم الخراساني وغيره، رقم الحديث 17.
البخاري، بَابٍ: يَقْصُرُ إِذَا خَرَجَ مِنْ مَوْضِعِهِ، رقم الحديث 1027.
مسلم، باب: صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا، رقم الحديث 1114.
لم يرد في تحديد مسافة القصر حديث صريح ثابت مرفوع إلى النبي، ولكن هذا الحديث كما يقول الإمامان
ابن حجر والقنوبي: هو أقرب حديث في هذه القضية، وهو الأظهر للأخذ والاعتبار. (1/337)
صفحة 338
تنبية أوَّل: يبدأ حساب الفرسخين من نهاية عُمران البلد، إلا إن تطاول العمران وامتد فيبدأُ حساب الفرسخين من بيته الذي يخرج منه (1).
تنبية ثان: إذا نوى المسافرُ مجاوزة الفرسخين فإنَّه يبدأُ القصر عند مفارقة عمران بلده على المشهور (2) - بشرط أن لا ينوي المبيت أو المقيل دونَهما، أمَّا إِنْ كان خروجه داخل حدود الفرسخين، أو مع نيته المبيت أو المقيل قبل مجاوزتهما فلا يقصرُ الصَّلاةَ.
فَصْلٌ فِي مُدَّةِ السَّفَرِ
والحقُّ أَنَّ المسافر يجب عليه القصرُ مهما استمرَّ منَ الزمن في سفره طالت المدة أم قصرت ما لم يتخذ ذلك الموضعَ وطنًا؛ لأنَّه الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الكثيرة قولاً وفعلاً، فقد أمر بالقصر عمومًا، وأقامَ بمكة وتبوك وغيرهما وهو يقصر الصلاة، والأصلُ بقاء هذا الحكم على إطلاقه مهما مكتَ المسافر في سفره من الزمن؛ إذ الأصلُ أن يُحمل المطلَقُ على إطلاقه ما لم يُقيَّد هذا الإطلاق بدليل معتبر صالح للتقييد، ولا دليل بعدَ أنْ أكمل الله الدِّينَ وأتم النعمة، ولو كان ذلك مما يحدد أو يقيد بزمن
يُنظر: القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول ص 95.
(1) - كما استحسنه الإمام الخليلي - رحمه الله - لأهل، زنجبار، حيث يقول: "فإن توسع أصحاب زنجبار بهذا القول فواسع وهو حسن".
قلت: وقد استحسن هذا الرأي - أيضا - شيخنا أبو عبد الرحمن القنوبي متعه الله بالصحة والعافية- حينما علق عليه بقوله: "وهو رأي حسن سائغ "، وتظهر فائدة العمل بهذا الرأي في المدن العصرية الكبرى حيث يمتد العمران لمسافات شاسعة لا يمكن أن تعد بطولها وعرضها وطنا يقيم فيه الإنسان ويتم فيه الصلاة. يُنظر:
الخليلي، الإمام محمد بن عبد الله. الفتح الجليل من أجوبة الإمام أبي خليل ص 170، 192.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 43.
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر "- حلقة: 26 جمادى الأولى 1426 هـ، يوافقه 2005/ 7/3 م.
(2) – القنوبي، سعيد بن مبروك. فتاوى إمام السنة والأصول ص 96.
ولا شك أنَّ الإنسان إذا تمكن من الخروج من الخلاف -وهو يسير بإذن الله مع الوسائل الحديثة- فذلك هو الأولى، وذلك أن يصلي في عمران بلده تماما، أو خارج الفرسخين قصرا. (1/338)
صفحة 339
لبينه المولى ل لعباده، فلما لم يكن من ذلك شيءٌ عُلم أن مراد الشارع الإطلاق؛ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَنَهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا
يَتَّقُون ال التوبة: 115.
فَصْلٌ فِي حُكمِ الجمعِ
تعلم أخي، هوَّنَ الله عليك شقّةَ السَّفر - أنَّه يجوز للمسافر ما دام في سفره أن
=
يجمع بأذان واحد وإقامتين اثنتين - بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، وهو مخير في ذلك من أول وقت الأولى إلى آخر وقت الثانية، فإن صلى الصلاتين في وقتِ الأولى كانَ ذلك منه جمع تقديم، وإن صلاهما في وقت الثانية كان جمع تأخير، وكذا له أنْ يوسط بينهما في الوقت.
تنبية أول: ومع جواز الجمع في السَّفرِ مطلقا فإنَّ الأولى في حق المسافر المقيم
الإفراد، وفي حق الجاد في السَّيرِ الجمعُ اتباعًا لسنته الثابتة مِنْ فعله (1)
وبذا تُدرك أنَّ اعتياد الجمع بين الصلاتين من قبل بعض الناس الذين يقيمون في مكان ما بغرض الدراسة أو العمل لفترة مؤقتة طالت أم قصرت ليس بشيء أبدا، بلْ خلافُ السنة التي على المسلم الحقِّ أنْ يلتزمها منهجًا لحياته يردُ منها ويصدر عنها
هوَ خَلافُ
في كل شؤونه.
(1) – فقد أقام النبي بمكة المكرمة خمسة عشر يوما يفرد كل صلاة في وقتها مع القصر، وكَانَ فِي حُروحِهِ إِلى تَبُوكَ إِذَا ارتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيعَ الشَّمْسُ أَخَرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَحْمَعَهَا إِلَى الْعَصْرِ فَيُصَلِّيَهُمَا جَمِيعًا وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ صَلَّى
الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ سَارَ، وكذا يصنعُ في المغرب وَالعِشَاءِ. يُنظر:-
الربيع، باب: في فرض الصلاة في الحضر والسفر، رقم الحديث 193.
أبو داود، باب: الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ، رقم الحديث 1031. (1/339)
صفحة 340
من انقلاب الموازين، وتبدل السنن واستفحال الجهل عند بعض الناس أن لا
يتصوروا صلاة المسافر إلا بالجمع بين الصلاتين من غير تفريق بين مقيم بمكان أو جاد
في سير
فَالفَضْلُ للمُقيم في الإفراد
بل
***
والجَمْعُ للمُحِدِّ في التّرْدادِ
وفيه قول لا يجوز يجمعن
***
مَنْ في بلاد قدْ أَقامَ وقَطَن (2)
فَائِدَةٌ: الجمعُ جائز كَمَا تقدَّمَ، ويُسَنُّ للجاد في السَّير، ولا يتأكَّدُ إلا في حالتين اثنتين: الأولى: جمعُ الظُّهْرَينِ في عَرَفَةَ جمع تقديم، والثانية: جمع العشاءين في المزدلفة جمع
تأخير (3).
تنبية ثان: تقدَّمَ لديك سلفًا عندَ الحديث على الأوقات أن الرأي الراجح عند الشيخين -حفظهما الله - جواز الجمع في الحضر (تماما)؛ بناءً على القول باشتراك الأوقات (4) كما ثبت في السنة الفعلية (1)، وقد بَيَّنَ ابنُ عباس راوي الحديث أن ذلك
(1) - انظر للأهمية: رسالة شيخنا القدوة العلامة الخليلي بعنوان: " الجمع بين الصلاتين، فقد وضع المقصل على المفصل، وأنزل النقاط على الحروف إنكارا وردا لبدعة الجمع بين الصلاتين في حال الإقامة وعدم الحاجة إليها مخالفين بذلك سنة أبي القاسم، علاوةً على ما يصحب هذا الجمع في كثير من الأحيان من مخالفات شرعية تزيد الطين بلةً، والعليل علة.
الخليلي، الجمع بين الصلاتين، ص 4 - 12).
(2) ـ السالمي، عبد
بن حميد جوهر النظام ج 1 ص 118 - 119.
أحمد
بن حمد. برنامج: "سؤال أهل الذكر تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 11 رمضان 1429 هـ
(3) ـ الخليلي، يوافقه 12/ 9 / 2008 م.
(4) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 229 - 230.
القنوبي، برنامج " سؤال أهل الذكر، حلقة: 24 رمضان 1425 هـ يوافقه 2004/ 11/8 م. (1/340)
صفحة 341
عند مظنة الحرج والمشقة (2)، كما هو شأنُ أصحاب الأعذار كالمستحاضة وصاحب سَلَس البول (3)، وكالطبيب حالَ إجراءه عمليةً تمتد إلى وقت الصلاة الأخرى (4).
تنبية ثالث: تقدَّمَ لديك أيضًا (5) - أنَّ الجمعَ الصوري من اسمه ليس جمعا في الحقيقة؛ وإنَّما أُطلق عليه جمع من حيثُ الصورة والشكل، وإلا فإنَّ المصلي يصلي كلَّ صلاة في وقتها حقيقةً، فهو غيرُ الجمع في أحد الوقتين؛ ولذا فهذا الجمع جائز
باتفاق (6).
القنوبي، فتاوى على أسئلة. من
(1) - رواه:
الشرق الإفريقي ص 10.
(2)
(3)
الربيع، باب: القرآن في الصلاة، رقم الحديث 254.
البخاري، بَاب: مَنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ، رقم الحديث 1103.
مسلم، باب: الجمع بين الصلاتين في الحضر، رقم الحديث 1151. مسلم، باب: الجمع بين الصلاتين في الحضر، رقم الحديث 1151.
- ذلك إذا كان دم الاستحاضة ومدد البول أو النجاسة عموما تنقطع في أحد الوقتين، أما إذا كان المدد مستمرا بلا انقطاع فلا فائدة للجمع في هذه الحالة، فالأولى إفراد كلِّ صلاة في وقتها لأن هذا هو الأصل.
القنوبي، دروس صيف 2001 م الموافق 1422 هـ، "مذكرة خاصة"، ص 26.
القنوبي، دروس صيف 1424 هـ، الموافق 2003 م، "مذكرة خاصة"، ص 63.
ربيع
(4) ـ الخليلي، أحمد بن حمد. برنامج "سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 3 الأول 1427 هـ يوافقه 2006/ 4/2 م.
(5) - انظر: الباب الثالث في شروط الصلاة فصل في شرط الوقت.
(1) ـ وذلك أن يصلي الظهر في آخر وقتها، فإذا سلم انتهى وقت الظهر ودخل وقت العصر فيصليها حينئذ في وقتها
المتفق عليه، وكذا القول في المغرب والعشاء. القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 45. القنوبي، دروس صيف 2003 م (مذكرة خاصة ص 11).
• (1/341)
صفحة 342
فَصْلٌ فِي حُكمِ القَصْرِ
اعلم أخي السائح في أرض الله - أن الأمة الإسلامية بعد إجماعها على
مشروعية السفر من حيثُ العموم كاتفاقها على مشروعية البيع والشراء) اختلفت في بعض أحكامه من حيث التفصيل.
ومن
-
تلك المسائل مسألة حكم القصر، والمتفق عليه عند أصحابنا رضوان الله تعالى عليهم - هو أنَّ القصر في السفر عزيمة - أي واجبٌ لا رخصة (2)، وذلك لأدلة كثيرة نطوف على بعضها:
ملازمة النبي للقصر في جميع أسفاره، ولم يثبت عنه أنه أتم في سفر قطُّ،
كما نص عليه غيرُ واحد من كافة المذاهب الإسلامية.
وَلَوْ كَانَ القَصْرُ جَائِزًا لَبَيَّنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذلك ولوْ مَرَّةً واحدةً بقوله أو بفعله، وفعلُهُ هَذَا - وهوَ مُلازَمةُ القَصْرِ - مُبيِّنٌ مُجمَلِ قولِهِ تَعَالَى: وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ.
البقرة: 43، ومِنْ قَواعِدِهِمْ: البَيانُ يُعطَى حُكْمَ المبين
(1) القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 1422 هـ / 2001 م، "مذكرة خاصة" ص 38.
(2)
- إذا تقدم لديك أن الجمع رخصة، فاعلم هنا أن القصر عزيمة، ومن وجب عليه القصر جاز له الجمعُ، والقول بأن القصر عزيمة هو مذهب الحنفية والهادوية بل مذهب الصحابة قاطبة.
للمزيد/ يُنظر: رسالة علامة المنقول والمعقول القنوبي -حفظه الله – المسماة بـ"الرأي المعتبر في حكم صلاة السفر" فإذا يممت نحوها فقد وقعت على الخبير، وفيها الغُنية والكفاية لمن أراد الله له التوفيق والهداية.
هذا
ومن
الجدير بالذكر أن هذا الكتاب الرأي المعتبر) يعدُّ اختصارا لكتاب مخطوط للشيخ -حفظه الله - بعنوان "الحق المبين في أحكام صلاة المسافرين"، كما صرح بذلك في بعض أجوبته المكتوبة والمتلفزة، وقد جمع فيه مؤلفه
الكثير من
الأدلة مع الكثير من التفصيل، يسرا الله تعالى طبعه. يُنظر: القنوبي، الإمام الربيع بن حبيب: مكانته و مسنده ص 72 (الحاشية).
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر " حلقة: 26 جمادى الأولى 1426 هـ، يوافقه 2005/ 7/3 م.
(3) ـ أما ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم: "كان يقصر في السفر ويتم، ويفطر ويصوم" فهو حديث ضعيف باطل لا تقوم به حجة أبدا وذلك لشدة ضعف رجال إسناده. للمزيد والتفصيل يُنظر: القنوبي، الرأي المعتبر، ص 34 - 36. (1/342)
صفحة 343
-2
حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "فُرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرَّتْ صلاةُ السفر وزيدَ في صلاة الحضر
حديث ابن عباس رضي
الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " على المقيم سبع
عشرة ركعة، وعلى المسافر إحدى عشرة ركعة " يعني به الصلوات
الخمس
(2) -
(1) – الربيع، باب: في فرض الصلاة في الحضر والسفر، رقم الحديث 188.
(2)
الربيع، باب: في فرض الصلاة في الحضر والسفر، رقم الحديث 190.
تنبية مُهم: أما حديث: "صلاة المسافر ركعتان حتى يؤوب إلى أهله أو يموت"، فمع صحة معناه إلا أنه حديث ضعيف لوجود ضعف في إسناده، كما نبه على ذلك إمامُ المعقولُ والمنقولُ -حفظه الله تعالى- في ض فتاويه، وفي الاستدلال بالأحاديث الصحيحة غنية وكفاية عن الاستدلال بالضعيف.
وهناك أمثلة كثيرة على أحكام كثيرة وردت فيها أحاديث وروايات لم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن مع ذلك لم يقدح ذلك في أصل الحكم؛ لكونه قد ثبت بأدلة أخرى، فالاستدلال بالسليم لا بالعليل، وبالصحيح لا بالضعيف، ومن المعلوم أن ضعف بعض الطرق أو الروايات لا يقدح في الروايات الأخرى مع ثبوتِ صحتها سندًا ومتنا. واستمع لما يقوله مُحدث العصر -حفظه الله - في هذا الشأن: " وأريد أن أنبه هنا إلى أننا وإن كنا قد ذكرنا أنَّ حديث (يا أهل مكة ... ) المشهور بأنه ضعيف فلا ذلك أنَّ الحُكْمَ الذي دل عليه ليس بصحيح؛ ذلك لأن هذا الحكم قد ثبت بأدلة أخرى فضعْفُ ذلك الدليل لا يُقدِّم ولا يُؤخّر في هذه المسألة، وهكذا بالنسبة إلى غيرها المسائل إذا قيل عن دليل من أدلتها إنه لا دلالة فيه على المطلوب إما لضعفه من حيث الإسناد أو من حيث المتن أو لعدم دلالته على ذلك لأنه مخصوص أو مُقيد أو ما شابه ذلك لا يعني أن الحكم الذي استدل بعض العلماء عليه بذلك الدليل ليس بصحيح في نفسه لاحتمال أن يكون قد دلّ عليه دليل آخر؛ والله -تبارك وتعالى-أعلم".
يعني
من
هذا .. ومن الجدير بالذكر أن العلماء قد اختلفوا في جواز الاستدلال بالأحاديث الضعيفة في المواعظ وفضائل الأعمال بعد اتفاقهم على عدم جواز الاستدلال بها في الأحكام كما هو الحديث الأول، فمن أجاز ورخص في فضائل الأعمال اشترط لذلك شروطا كثيرة، مثل: أن لا يكون الحديثُ شديد الضعف، وأن يُروى بصيغة التمريض، وأن يكون داخلا تحت أصل عام ... إلخ والحقُ عدم جواز رواية الضعيف مطلقًا إلا ا إلا. مع التنبيه على ضعفه أو ذكر إسناده، وهذا هو مذهب كبار المحققين من المحدثين كالبخاري ومسلم وابن معين وابن العربي وابن حزم، وهو الذي انتصر له خاتمة الحفاظ المحدّث القنوبي -حفظه الله تعالى-. يُنظر:
القنوبي، الطوفان الجارف ج 3 قسم 2 ص 513.
القنوبي، مقدمات في علم الحديث ص 20.
القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول ص 105. (1/343)
صفحة 344
هذا .. ولا ريب أنَّ الإنسان مطالب دائمًا بالخروج مِنَ الخلاف والتزام منطقة
الأمان، وهذا يتوافق مع القول والعمل بقصر الصلاة، فاستصحاب الأصل وهو القصر - لا يجوز العدول عنه إلا بيقين ولا يقين هنا، وقد بين هذا الرأي عمل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم (1)، وأكَّدَهُ إجماع الأمة الإسلامية، فَمَنْ قَصَرَ الصَّلاةَ فَقَدْ أخذ بالمجمع عليه في صحة صلاته، ومن أتم فقد وقع في الخلاف والاختلاف.
فالحمد الله على نَيل الهُدَى
***
وفقنا على سبيل أحمدا (2)
فَائِدَةً: ولا يتمُّ المسافرُ في سفره إلا في حالتين اثنتين: الحالة الأولى: إذا صلى
خلف إمام مقيم يتم الصلاةَ، والحالة الثانية: إذا فسدت عليه صلاة رباعية في الحضرِ أراد قضاءها في السفر بعد خروج الوقت (3).
تنبية: لا دليل لمن قال بأن القصر رخصة في قوله في صلاة السفر: "صَدَقَة تَصَدَّقَ اللهُ بهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبلُوا صَدَقَتَهُ (4)، بل هو خلافُ هذا المراد من وجهين: الوجه الأولُ: الأمر بقبولها في قوله: " فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ"، والأمرُ للوجوب، الوجه الثاني: كونُ
(1)
القنوبي، دروس صيف 2001 م الموافق 1422 هـ. "مذكرة خاصة"، ص 38.
القنوبي، دروس صيف 1424 هـ، الموافق 2003 م، "مذكرة خاصة"، ص 68.
القنوبي، "فتاوى سناو 1 مادة سمعية اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية، أو مكتبة مسجد جامعة السلطان قابوس. القنوبي، شرح مدارج الكمال ج 3. مادة سمعية، اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية، أو مكتبة مسجد جامعة السلطان قابوس. القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر " حلقة: 11 رمضان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 11/17 م القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر "، حلقة: 26 جمادى الأولى 1426 هـ، يوافقه 2005/ 7/3 م.
، أحمد
1) ـ الخليلي، بن
(2)
حمد. الفتاوى ج 1 ص 149 - 150.
- السالمي، عبد الله بن حميد. كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة ص 82.
(3) - الصوافي، حمود بن حميد. تعلم الصلاة، "مادة سمعية. إنتاج: مركز مشارق الأنوار للإنتاج الفني.
(4)
- مسلم، بَاب: صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا، رقم الحديث 1108. (1/344)
صفحة 345
القصر في السفر صدقة من
الله يجبُ قَبولُها ككون يومِ العِيدِ ضيافَةً مِنَ اللَّهِ، يجبُ قَبولُ
ضيافته، وفطر يوم العيد الذي لا يجوزُ صيامه بإجماع المسلمين (1
فَتْوَى
السؤال ما حكمُ الصَّلاةِ خلف إمام يتمُّ الصَّلاةَ في مكان يجب عليه القصر فيه
لكونه مسافرًا؟ الجواب إذا أتم المسافرُ حيثُ يجب عليه القصرُ فلا يُصلَّى خلفَهُ، إِلا إِنْ كَانَ متأولا (2)، والله أعلمُ (3).
وَفِي فَتْوَى أُخْرَى: بما أنَّه متأوّل فيما يعملُ فلا حرج في الصلاة خلفه، والله
(4) أعلم.
فَصْلٌ فِي اتِّخَاذِ الْأَوْطَانِ
تعلم - لا حرمك الله نعمة السكن والوطن - أنَّ مما اتفق عليه الفقهاء أنه لا بُدَّ للإنسان من وطن يتخذه، واحد على الأقل)، وليس له أن يجعلَ الدُّنيا كلها سفرًا، أو يتخذها كلها وطنًا؛ لأن في ذلك نقصانًا من الدِّين، وتعطيلاً للشعائرِ (6).
(1) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 161.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 36.
(2) - متأولا: أي آخذا برأي من يقول بجواز الإتمام في السفر، ولا يفعل ذلك انتهاكًا أو جهلاً بالحكم الشرعي، وهو
(2)
وجوب القصر كما في هذه المسألة.
أحمد (3) ـ الخليلي،
بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 154.
(4) ـ الخليلي، أحمد
بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 215.
البهلاني، نثار الجوهر ج 3 ص 512. اليحمدي، فقه العبادات "1" ص 249.
(5) - يُنظر:
(6) - جعل الله تعالى لكلِّ مِنَ الوَطنِ والسَّفرِ أحكاماً خاصةً؛ فلأجل هذا وجب على المرء أن يجمع بينهما، فمن أحكام الوطن: وجوب الإتمام، وإقامة الجمعات، وفي شهر رمضان الصيام، ومن أحكام السفر: وجوب القصر، ومشروعية (1/345)
صفحة 346
ووطنُ الإنسان حيث استقرت نفسه واطمأن قلبه، فإذا تحقق ذلك في مكان ما كانَ ذلك المكانُ وطَنَّا لَهُ يُتم فيه الصلاةَ.
وبناءً عليه فللإنسان أن يتخذ ما شاء من الأوطان متى ما حصل له الاستقرار
والاطمئنان في مكان من أرض الله، ولا تلتفت لمن حدَّدُ ذلك بأربعة أوطان (1). تنبية وكاتخاذ الوطن يكون نزعُهُ عند انعدام شروطه، وكلُّ ذلك بالنية القلبية ولا تشترط لهُ التَّمْتمَات اللفظية (2).
ووطنُ الإنسان حيثُ يَسْكُنُ
يراهُ خَيْرَ مَنزل لا يُخرِجُة
اقرأ وتدبر
***
***
وتطمئن نفسه ويُوطنُ
منهُ سِوَى أَمرٍ عَظِيمٍ يُزعجة (3)
فَائِدَةٌ): السُّراةُ لا وَطَنَ هُمْ إِلا حَيثما يُشهرونَ سُيُوفَهُمْ، فَحَيثمَا أَشْهَرُوا
ه (4)
سُيُوفَهِمْ أَتَمُّوا صَلاتَهُمْ ()
ومشروعية الجمع، وجواز إفطار الشهر بنية القضاء. هب أن أحدا من الناس لم يتخذ وطنا وجعل الدنيا كلها سفراء فمتى يجب عليه صيام رمضان وهو في كل أحواله مسافر، أليس في ذلك نقصان من الدِّين، وتعطيل لشعائر المسلمين؟!! (1) - الاستدلال على تحديد عدد الأوطان بالقياس على تحديد عدد الزوجات قياس فاسد غير صحيح، وأنت تدري أن تحديد الجمع بين الزوجات لا يشابهه الجمع بين الأوطان، فحصر الزوجات بأربع ثابت بالكتاب والسنة، وأما تعداد الأوطان فأمر مرتب على شروط (الاستقرار والاطمئنان) متى ما توفرت في صاحبها تعدد الوطن، فهذا أمر وذاك آخر، ألا تراه إذا لم تكن له زوجات أليس له أن يتخذ وطنا بل أوطانا متعددة! وهذا الذي رآه من محققينا الإمامان السالمي – رَحمَهُ الله - والقنوبي -حفظه الله -. يُنظر:
(3)
السالمي عبد الله بن حميد معارج الآمال ج 10 ص 227.
القنوبي، سعيد بن مبروك. فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 40.
-
السيابي، سالم بن حمود القول المعتبر في أحكام صلاة السفر ص 9 - .
(2) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج "سؤال أهل الذكر"، حلقة: 15 محرم 1425 هـ، يوافقه 2004/ 3/7 م. - السالمي، عبد الله بن حميد. جوهر النظام ج 1 ص 120. (4) - الشُّرَاةُ: هم قوم خرجوا من أوطانهم بائعين نفوسهم رخيصة في سبيل الله، للحد كلمة الحق، وسيطرة الجور والظلم؛ والشراء مأخوذ من قوله تعالى: إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ
منبرين
من الفساد حال عدم ظهور (1/346)
صفحة 347
فَائِدَةٌ
اعلم أخي، رحمك اللهُ - أَنَّهُ وُجِدَ مِن أهْلِ العِلْمِ مَن شَدَّدَ فِي الكلامِ بين الصَّلاتِينِ حالَ الجمعِ حتى بالغ فيهما واعتبرهما صلاةً واحدةً تنتقض بكلمة "أف"، ورأى بعضُهم أن مثل ذلكَ لا يُؤثر على الجمع لا سيما إنْ كَانَ لَحَاجَةٍ، وَهَذَا القولُ هو القولُ المُعْتَصَصُ الصَّحِيحُ عندَ الشيخين - أبقاهُما الله - (1)
فَائِدَةٌ أُخْرَى
تعلم - يا طالب الرشاد، وقاصد الفلاح في المعاد - أنَّه لا مانع على الصحيح عند الشيخين -حفظهما الله - من إمامة المسافر في الجمعة والجماعات (2)، كما دلت على ذلك السُّنَّةُ العملية؛ إذ أقام الفاتح بمكة خمسة عشر يوما يؤمُ النَّاسَ في سائر
وَأَمْوَاهُم بِأَن لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرُهَ إِنَّ التوبة: 111، وهو إحدى مسالك هذا الدين، يقول شيخ الفقه والأدب -رحمه الله-:
ثُمَّ الطُّهُورُ وَدَفْعٌ وَالشَّرَاءُ مَعَ الْـ
-*-*-*
كتمَانِ طُرْق لَهُ، أَكْرِمْ بَهَا سُبُلا
يُنظر الخليلي، شرح منظومة غاية المراد ص 104 - 105.
(1) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 163.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي
ص
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الخامس ص 31.
044
القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر حلقة: 8 رمضان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 11/14 م.
(2) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 127.
القنوبي، "جواب مطوَّلٌ: مطبوع ومتداول" لدى الكاتب نسخة منه ص 89.
القنوبي، برنامج: سؤال أهل الذكر - حلقة: 26 جمادى الأولى 1426 هـ، يوافقه 2005/ 7/3 م. (1/347)
صفحة 348
الصلوات (1)، وينبغي للإمام المتقدّم أنْ ينبِّهَ المقيمينَ منَ المأمومين لإتمام الصَّلاةِ في الرباعيات، كأن يقُول: أتموا الصَّلاةَ فإني مُسَافِرٌ أو ما شابهها منَ الألفاظ (2).
-2
فَصْلٌ
في بعض أحكام السفر
القصر مختص بالصلوات الرباعية وهي: الظهر والعصر والعشاء، أما المغرب والفجر فلا قصر فيهما (3)، والجمعُ للجميع إلا الفجر فلا تجمع مع صلاة
أخرى.
مَنْ وجبت عليه صلاة رباعية في الحضر فخرج من بلده مسافرًا، فأرادَ أداءها في السفر فإنه يصليها ركعتين على المُعتصم عندَ الشَّيخين - حفظهما الله؛ ذلك لأن الوقت كلَّه من أوله إلى آخره وقت أداء، وفي العكس العكس إجماعا (4).
(1) ـ الربيع، باب: في فرض الصلاة في الحضر والسفر، رقم الحديث 193.
(2) ـ أما رواية (يا أهل مكة أتموا الصلاة ... )، فهي وإن كانت ضعيفة إلا أنه لا يعني فساد الحكم أو المعنى الذي دلت عليه كما تقدم التنبيه على ذلك.
(القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر " حلقة: 26 جمادى الأولى 1426 هـ، يوافقه 2005/ 7/3 م.)
(3) – وبما أن هاتين الصلاتين (المغرب والفجر) لا قصر فيهما، ولا فرق في تأديتهما بين حال الحضر وحال السفر، فقد قال شيخنا القنوبي -حفظه الله-: قول من يقول إن صلاة المغرب والفجر في السفر يجب أن تُعيَّن نيتها سفا قول
مرجوح.
(القنوبي، دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية سابقا بروي)، صيف 1424 هـ / 2003 م، مذكرة خاصة
ص 11).
(4) - العكس المتفق عليه هو أن من دخل عليه وقت الصلاة في السفر ورجع إلى بلده في الوقت فإنه يصليها حضرية بلا
خلاف بين العلماء. يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 154، 158.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى - القسم الثالث ص 30.
القنوبي، دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية (سابقا بروي)، صيف 1421 20 م، مذكرة خاصة ص 25. (1/348)
صفحة 349
الصلاة داخل الفرسخين (الأميال (1) لمن رجع من السفر تابعة للصلاة خارج الفرسخين إتمامًا، وقصرًا، فمَن قصر في سفره صلاةً رباعيةً فيقصرُ داخل الفرسخين ما لم يدخل عمران بلده، ومَن لم يقصر هناك (2) فلا يقصرْ هنا على ما رجحة سماحة المفتي -حفظه الله - في فتاواه (3).
الجمعُ والقصرُ شرعًا من أجل السفر ومشقته، وليس العكس، وعليه فلا يجوز للإنسان أن يذهب خارج الفرسخين من أجل قصر الصلاة وجمعها ثم
يرجع إلى بلده ليخلد للراحة والكسل، فمَنْ فرَّ منَ الحقِّ رُدَّ إِليه (4). من نوى أنْ يجمع بين الصلاتين وبعد أن صلَّى الصلاةَ الأولى رأى ترك الجمع فلا شيء عليه، وأمَّا مَن أحرم على نيَّة الإفراد ثم رأى بعدَ سَلامه مِنَ الأُولى أنْ يجمع فالأرجَحُ - عندَ عَلامَة المعْقُولِ والمَنْقُول جَوَازُهُ، ولكنَّ
الأحوط تركه).
(1) - الأميال: المسافة بين نهاية العمران إلى الفرسخين.
(2) ـ بأن لم تحضره صلاة مكتوبة أصلاً، أو حضرته صلاةٌ لا قصر فيها كالفجر والمغرب، أو كانت جميع صلواته تماما خلف الإمام المقيم، أو امرأة كانت حائضا أو نفساء قبل أن تعود. وبما أنه لا يوجد في هذه القضية المختلف فيها دليل صريح فلا شك أن الأولى الاحتياط والخروج من الخلاف، لا سيما مع وجود وسائل النقل المعاصرة، فإما أن يصلي خارج الفرسخين قصرا، أو داخل العمران تماما، وكلُّ ذلك سهل يسير والحمد الله تعالى. يُنظر:
(3)
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 163.
القنوبي، برنامج: " سؤال أهل الذكر " حلقة: 26 جمادى الأولى 1426 هـ، يوافقه 2005/ 7/3 م.
3) ـ الخليلي،
، أحمد بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 153.
(4) - القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 2001 م الموافق 1422 هـ. "مذكرة خاصة ص 38".
_ (°)
الدليل على رجحان هذا القول أنه لم يثبت أن النبي كان يأمر أصحابه بأن يعقدوا نية الجمع عندما يريد أن يجمع، وقد يكون عددهم في بعض الأحيان بالمئات بل بالآلاف كما هو واضح جلي في حجة الوداع وفي غيرهـ المشاهد. يُنظر:
القنوبي، برنامج: " سؤال أهل الذكر " حلقة: 13 رمضان 1422 هـ، يوافقه 2001/ 11/29 م. القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 48 - 49. (1/349)
صفحة 350
(1)
- V
إذا أتم من أرادَ الجمعَ - فردًا أو جماعة - الصَّلاةَ الأولى، وقبل قيامه للصلاة الثانية أُقيمت جماعة أخرى تُصلّى الصلاةَ الأولى، فللجماعة الأولى بل عليها -وجوبا (1) - أن تنتظر الجماعةَ الثانية حتى تنتهي ثم يُؤَدُّونَ الصَّلاةَ جميعًا، ولا يضرُّهم ذلكَ الفاصل، وكذا لا يضرُّ مثلُ هذا الفصل بين الصلاتين لحاجة، كأن يعيد المصلي وضوءه إذا انتقضَ، أو يعيد الصلاة الثانية مرةً أخرى بعد فسادها. المعتمد عند المحققين من أهل العلم أنَّ السفر الذي تجمع وتقصر معه الصلاة هو مطلقُ السفر، لا فرق بين أن يكون هذا السفر في طاعة أو في
معصية (2).
المقيم الذي يستدرك خلف إمام مسافر في صلاة رباعية عليه أن يأتي بالثالثة والرابعة بعد سلام الإمام مباشرة ثم يقوم ليقضي ما فاتَهُ (3).
4 - لعدم جواز إقامة جماعتين اثنتين في مكان واحد حتى لو اختلفت الجماعتان في الفرض؛ لقوله: " إذا أقيمت المكتوبة فلا صلاة إلا المكتوبة" أي المكتوبة التي أقيمت وعليه فمن أقام جماعةً أخرى مع علمه بوجود جماعة قريبة قد أقيمت من قبلُ في نفس المكان فعليهم إعادة صلاتهم، فلينتبه لذلك، والله المستعان.
(2)
(الخليلي، فقه الهبة والهدية إنتاج مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية)
2) - ممن ذهب إلى هذا الرأي من محققي أصحابنا ابن بركة وأبو سعيد الكدمي والإمام السالمي وقطب الأئمة في زيادات المدونة، والشيخ إبراهيم بن سعيد العبري المفتي السابق للسلطنة، وهو الذي رجّحه الحافظ القنوبي -حفظه الله -
في بعض إجاباته وعجيب مصنفاته، يُنظر: -
القنوبي، قُرة العينين ص 47.
القنوبي، الرأي المعتبر ص 85.
القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول ص 93.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى- القسم الأول، ص 54
(3) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 156.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى - القسم الثالث ص 30. (1/350)
صفحة 351
-9
مَن فَسَدَتْ عَليهِ صَلاةٌ رُباعِيَّةٌ خلف إمام مُقيم وهوَ مُسافِرٌ فَعَليهِ أَنْ يقضيها أربعًا عَلَى الفَتْوى عند سماحة المفتي يحفظه الله؛ نظرًا إلى أَنَّ ارتباط صلاته بصَلاة إمَامه يجعلُ فرضَهُ أربعًا (1).
وصحَّحَ المحدِّثُ القنونِيُّ عافاه الله - أَنَّهُ يقضي ركعتين مطلقًا سواءً كان في الوقت أو في غيره؛ معلّلا أنَّ إتمامه كان لعلة وهي وجوب متابعة الإمام، فلما انتفت العلةُ انتفى المعلولُ، ووجب الرجوع للأصل، وهو القصر (2)، وقد علمت أنَّ كلا منهم لم يقل فندًا، فَمَنْ عملَ بِأَيِّ القولين فقدْ آوى إلى ركن شديد.
-10 - السُّنَنُ الرَّاتبةُ لا تُشرعُ حالَ الجمع بين الصلاتين، وإنما يُشرع في حق المسافرِ النفلُ المطلق كالضُّحى وقيام الليل (3).
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 48.
(1) -
- الخليلي،
، أحمد
بن حمد. برنامج: سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 11 رمضان 1429 هـ
يوافقه 12 سبتمبر 2008 م.
(2) - يُنظر:
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى - القسم الثالث ص 37.
القنوبي، دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية (سابقا بروي)، صيف 1421 هـ / 2000 م، مذكرة رقم 1.
القنوبي، دروس صيف 2004 م الموافق 1425 هـ. (مذكرة خاصة ص 3).
(3) - السُّنَنُ الرَّاتبَةُ: كما سيأتي ذكرها بعون الله تعالى- هي السنن التي كان النبي يصليها قبل الفرائض أو بعدها، كسنة الظهر القبلية والبعدية، وسنة المغرب، وسنة العشاء، وليس منها سنة الفجر لأنها سنة مؤكدة، والله أعلم.
يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 158.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي.
ص
القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة 24 رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 11/8 م. (1/351)
صفحة 352
11 - إذا خرجَ الإِنسانُ من عمران بلده إلى منطقة وشك في مجاوزة الفرسخين فالأصلُ الوطنُ، فلا يقصرُ حتى يتيقن السفر ومجاوزة الفرسخين، فاليقين لا
-12
يزولُ بالشك (1).
الصبي يتبع أباه في وطنه حتى يبلغ، والمرأة تتبع زوجها بالانتقال إليه لا بمجرد العقد (2).
13 - قلتُ: وقد أضاف شيخنا القنوبي -حفظه الله - عند المراجعة بخط قلمه هذه المسألة: "إِذَا بَلَغَ الإِنسَانُ فِي السَّفَر فَإِنَّهُ يقصُرُ في ذلكَ المَوْضِعِ لَعَدَمِ استقراره فيه، إلا إذَا نَوى الاستقرار في ذلك المكان، هَذَا هُوَ ذَلِكَ
الصحيح (3).
(1) ـ هذا المثال تطبيق عملي لهذه القاعدة الشهيرة المتَّفقِ عليها عند جماهير أهل العلم من كافة المذاهب الإسلامية، وق تقدم الحديث حول هذه القاعدة عند ا الكلام على "القَوَاعِدِ الكُلِّيَّةِ الخَمْسِ" من القسم الأول من هذه الكتابة اليسيرة،
فارجع إليها إن شئت ففي التكرار مصقلة للأفكار. يُنظر:
القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول ص 94.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 41 - 42.
(2) - القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 41.
تنبية: قال بعض من أهل العلم بأن الصبي إذا بلغ في مكان ما فإنه يتم في ذلك المكان الذي بلغ فيه ولو كان مسافرا، ولشيخنا القنوبي -حفظه الله - فيه نظر، بل إنَّ الصَّحيحَ خلافه؛ لأنَّهُ وإن استقل بنفسه عن أبيه ببلوغه الحلم إلا أنه يرجع في العادة إلى المكان الذي خرج منه، وهو وطن أبيه الأول، اللهم إلا إن اختار ذلك المكان الذي بلغ فيه وطنًا يستقر فيه بعد أن اطمأنت إليه نفسه، فإن كان ذاك فذاك، وإلا فقد عرفت الراجح فاشدد به يدا. القنوبي، دروس صيف 2004 م الموافق 1425 هـ، مذكرة خاصة ص 19").
(3) انظر: التنبيه السابق. (1/352)
صفحة 353
مسألة
من فسدت عليه صلاة رباعية أو أضاعَها متعمداً ثم أرادَ قضاءَها بعد خروج الوَقْت، فإنَّه يقضيها حسب المكان الذي وجبت عليه فيه تماما أو قصرًا، مثاله: فسدت عليه صلاة الظهر في الحضر فإنه يقضيها في السفر حضريةً، أو ترك صلاة العشاء في السفر فيقضيها في الحضرِ سفريةً، حسب المكان الذي وجبت عليه فيه.
وإنْ كانَ وقتُ الصَّلاةِ لا زَالَ باقيًا فيَأْتِي بِهَا حَسب المكانِ الَّذِي هُوَ فِيهِ؛ لأنَّ الوقت لازال وقتا لأدائها (1).
أَمَّا مَن نامَ عنها أو نسيها فإنَّه يقضيها حسب المكان الذي هو فيه عَلَى الرَّأي الْمُعْتَصَب (2)؛ لقول النبي: " مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاة أَوْ نَسيَهَا فَلْيُصَلْهَا إِذا ذَكَرَهَا (3). صلاةَ العَصْرِ في السَّفَرِ ثم تذكرها في بلده بعد خروج وقتها فيصليها حضرية حسب المكان الذي هو فيه (4).
مثاله:
نسي
(1) - القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج: "سؤال أهل الذكر " تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 22 رمضان 1430 هـ، يوافقه
12/ 9/ 2009 م.
(2) - يُنظر: القنوبي، دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية (سابقا بروي)، صيف 1421 هـ / 2000 م، مذكرة رقم
(3)
(4)
ص 7.
• الخليلي، الإمام محمد بن عبد الله. الفتح الجليل من أجوبة الإمام أبي خليل ص 186.
- الربيع، باب: في أوقات الصلاة، رقم الحديث 186. أما الزيادة المشهورة "فذلك وقتها" فلا تصح عن النبي
4 - وينبغي أن يُؤخذ في الاعتبار عند العمل بهذه المسألة القولُ الراجح، وهو القولُ بالاشتراك في الأوقات كما تقدم، فيستثنى من ذلك ما إذا كان خروج الوقت من صلاة الظهر إلى العصر، فتقضى حسب المكان الذي هو فيه مطلقا، ولو كان قضاؤها بسبب فساد الأولى، بل ولو بسبب تركها متعمدا مادام أن الوقت مشترك لأداء الصلاتين
معا، والله أعلم، يُنظر: الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 155. (1/353)
صفحة 354
وخارج من داره و قدْ حَضَرْ
كذا إذا ما فسدت في حضرة والحكمُ إِنْ أضاعها كحكمه أما التي نسيها فحيثُ مَا
اقرأ وتحفظ
***
***
***
***
وقت أدائها يصليها حضر
وشاءَ أنْ يقضيها في سفرة
إن فسدت عليه دون علمه
لزما (2)
يذكرها أداؤها قد لزما (2)
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ص 158.
القنوبي، دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية (سابقا بروي)، صيف 1421 هـ /2000 م، مذكرة رقم
ص 7.
(1) – تقدم لديك قريبا- الراجح عند الشيخين -حفظهما الله - وهو أنه يصليها سفرًا لا حضرا؛ وذلك لأن الوقت وقت أداء من أوله إلى آخره، لا يتعلق الوجوب بأوله دون آخره؛ وكذلك قياسا على العكس المتفق عليه، وهو أن من دخل عليه وقت الصلاة في السفر ورجع إلى بلده في الوقت فإنَّه يصليها حضريةً بلا خلاف بين العلماء.
(2) - السالمي، عبد الله بن حميد. مدارج الكمال.
ص (1/354)
صفحة 355
الباب الثاني عشر: في صلاة الخوف
قَالَ تَعَالَى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن نَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْيْنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَفِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلوةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَابِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ .. النساء: 101 - 102.
فَصْلٌ في مَشْرُوعِيَّةِ صَلَاةِ الخَوْفِ
تعلم أيُّها المتعلمُ، رزقك الله الأمنَ في الدَّارين - أنَّ الإنسان قد يُبتلى بشيء من الخوف على النفس أو المال والعيال، فتشرع في حقه رحمةً من الله - صلاة الخوف، تأكيدًا لدوام الصلة بالله عمل، وتضرعًا إليه حتى يتحقق النصر والتثبيت.
ومشروعية هذه الصلاة الاضطرارية ثابتة بنص الكتاب العزيز –كما تلوته أعلاه (1)، وبفعل المشرع (2) مع أصحابه في غزوة ذات الرقاع (3)، وغيرها من
الأيام والمواقع (4).
(1)
السفر
(3)
للفائدة: تعليقنا في الباب السابق (باب) السفر / فصل في أصل (السفر) حول دلالة الآية على صلاة الخوف لا
راجع
كما هو الرأي المعتمد عند المحققين من أهل العلم.
(2) - المشرّعُ والشارع في الحقيقة هو الله لك، ولكنها تطلق مجازا كما في السياق أعلاه على النبي صلى الله عليه وسلم لكونه المبلغ لشرع ا الله يُنظر: السَّالمي، مشارق أنوار العقول، ص 46. (3) - ذات الرفاع: سُمِّيت بذلك لأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِبِلٌ تَحْمِلُهُمْ فَكَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشَاةٌ فَتَحَرَّقَتْ نِعَالُهُمْ فَلَفُوا الرِّقَاعَ عَلَى أَرْجُلِهِمْ، وَقِيلَ نِسْبَةً إِلى جَبلٍ فِيهِ بَيَاضٌ وَحُمْرَةٌ وَسَوَادٌ. الربيع، باب: في صلاة الخوف، رقم الحديث 196. (4) - كعسفان، وبطن نخل، وذي قرد، حتى قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها أربعاً وعشرين مرة، والله أعلم. (1/355)
صفحة 356
فصل في أسْبَابِ صَلَاةِ الخَوْفِ
اعلم - أيُّها المتفقه في الدين - أنَّ من أسباب صلاة الخوف أنْ يُواقف الإنسانُ عدوا، أو يطلبه عدو، أو يترصد به سبع، أو يهرب من مخوف كسيل أو نار، أو يتلاحم بالسلاح معَ الأعْداء، أو يتوهم خطرًا محدقًا به يمنعُه من أداء الصلاة بكامل
وظائفها.
فَصْلٌ فِي صِفَةِ صَلَاةِ الخَوْفِ
تعلم - لا أخافك الله دُنيا وأُخرى أنّ النَّبيَّ صلَّى صلاة الخوف في مواقف مشهودة بكيفيات متعددة وهيئات مختلفة يفيد مجموعُها التواتر المعنوي)، وذلك حسب ما يقتضيه المقام، ويتطلبه الحال، ويُحقق الغاية التي شرعت من أجلها هذه الصلاة، ومن تلك الكيفيات المشهورة
صَلاةُ المواقفة
في حال مواجهة العدو وجهًا لوجه وخشية الهجوم من قبله، ينقسم جند الله إلى فرقتين: فرقة تَصُفُ خلف الإمام، والفرقة الأخرى تواجه العدو، فيصلي الإمام بالفرقة الأولى ركعة ركعةً كاملةً، حتى إذا أتمها واجهت العدو، وجاءت الفرقة الثانية وصلى بهم الإمام الركعة الثانية فإذا سلَّم الإمامُ سلَّمَ الجميع، فيحصل للإمام ركعتان ولكلّ فرقة ركعة واحدة (2).
(1) – القنوبي، سعيد بن مبروك. بحوث ورسائل وفتاوى - القسم الأول / رسالة في حكم صلاة الجماعة ص 57. (2) - يُنظر:
الخليلي، برنامج:" سؤال أهل الذكر " - حلقة: 15 جمادى الأولى 1430 هـ، يوافقه 10/ 5 / 2009 م. الخليلي، برنامج:" سؤال أهل الذكر - حلقة 27 جمادى الأولى 1424 هـ، يوافقه 2003/ 7/27 م. وثبت في بعض الروايات أنَّ كلَّ طائفة أتمت الركعة الأخرى بنفسها، ثم سلم بهم النبي صلى الله عليه وسلم جميعا، ومما ثبت في هيئتها أيضا أن النبي صلّى بإحدى الطائفتين رَكْعَتَيْن ثُمَّ سَلَّمَ ثمَّ صَلَّى بالطَّائِفَة الأخرَى رَكْعَتَيْن مُتنفلا، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَرْبَعَ رَكَعَاتِ وَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةِ رَكْعَتَيْنِ. (مسلم، باب: صَلَاةِ الْخَوْفِ، رقم الحديث 1392). (1/356)
صفحة 357
وهي
أي صلاة الخوف - بهذه الصفة في الحضر والسفر على السواء، وكذا
المغرب وغيرها من الصلوات لا فرق بينها لاتحاد العلة))
صلاة المسايفة
وَذَلكَ أَنْ يَتَداحَلَ الزَّحْفَان بالسُّيُوفِ أَوْ نَحْوهَا مِنَ الْأَسْلِحَةِ، فَلَا يَجِدُ كُلُّ وَاحِدٍ
مِنْهُمُ الفكاكاً مِنْ عَدُوِّهِ حَتَّى يُصَلِّي، فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يُمْكِنَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالْفِعْلِ وَلَا بِالْإِيْمَاء كَبَّرَ لِكُلِّ فَرِيْضَة خَمْسَ تَكْبِيرَات، وَكَانَ ذَلكَ مُجْزِياً عَنْهُ بإذن الله).
صَلَاةُ مُطْلَقِ الخَوفِ
وَذَلكَ أَنْ يَشْتَدَّ الْخَوْفُ بِإِنْسَانِ وَلَمْ يُمْكَنَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْمُوَاقَفَة لوجود عَدُوٌّ أَوْ سَبْعِ يَطرُدُهُ مَثلا، فَإِنَّهُ يُصَلِّي كَيْفَ مَا أَمْكَنَهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا له البقرة 239، أي: ماشيًا أو راكبًا حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، مُسْتَقبِلا القِبْلَةَ أَوْ غَيرَ مُسْتقبلها (3).
تنبية: جاء في رواية ابن عباس أنه قال: "فَرَضَ اللَّهُ الصَّلاةَ في الحَضَرِ أرْبعًا، وَفي السَّفَرِ رَكَعَتَيْنِ، وَفِي الخَوفِ ركعة"، والحديث صحيح ثابت إلا الزيادة في آخره "وفي الخوف ركعة" فإنها شاذة على التحقيق عند العلامة القنوبي
حفظه الله -.
القنوبي، أحاديث صحيحة. مجلة المعالم العدد الثاني (1421 هـ / 2000 م) ص 50.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى - القسم الأول / بحث الاستدراك، ص 24 - 25. القنوبي برنامج " سؤال أهل الذكر " - حلقة: 4 رمضان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 11/10 م.
(1) - يُنظر:
الجيطالي، إسماعيل بن موسى قواعد الإسلام ج 1 ص 360.
السالمي، عبد ا الله بن حميد. شرح الجامع الصحيح ج 1 ص 281.
القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج " سؤال أهل الذكر " حلقة: 24 رمضان 1422 هـ، يوافقه 2001/ 12/10 م.
الله
بن حميد. تلقين الصبيان ص 53. طبعة: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية/دائرة الوعظ.
عبد (2) - السَّالِمِي، (3) ـ ابن المنذر، الإجماع ص 10. (1/357)
صفحة 358
وبالجُمْلَةِ
وبالجُمْلَةِ فَإِنَّ الْخَائِفَ عَلَى دَمِهِ وَمَالِهِ وَعِيَالِهِ، يَجُوْزُ لَهُ أَنْ يُقَصَّرَ مِنْ صَلَاتِهِ وَوَطَائِفِهَا مَا لَمْ يُمْكِنَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ، وَيُقَصِّرَ مِنْ نَفْسٍ صَلَاتِهِ مَا لَمْ يُمْكِنْهُ مِنَ الرُّكُوعِ والسُّجُود إلى الإِيْمَاء قَائِمًا أو قاعدًا، راجلاً أَوْ رَاكِبًا، مَاشيًا أَوْ رَاكضًا، مُستقبلاً أو مُسْتدبرًا ()، حسب الظروف المحيطة لا سيما مع تعذَّر بعض الكيفيات السابقة التي قد
تصعُبُ في زمن الحروب بالرَّشَاشَاتِ والمدافِعِ والطَّائِرَاتِ قَالَ تَعَالَى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم التغابن: 16.
أمَّا صلاة الخوف فليقدِّمُوا
لكل فرض ركعتين طائفة نحو العدو بالسلاح تدفع وتحرس الأخرى إذا تشهدت هَذا إذا الصفان قد تقابلا وإنْ تداخلوا معًا أَوْ كَسرَا
تمامًا أو إيماء إن تعذرا
لكلّ فرض خس تكبيراتِ
اقرأ وتعلم
***
***
***
***
***
***
***
هم إمامًا وليصل بهم خلف الإمام ثم أخرى واقفة ثُمَّ تصلي ركعةً إن ركعُوا وسلمت إِنْ سلَّموا و كملت أو سبعا قد شاهدوا مُقابلا بعضُهُمُ يُصلِّ كيف قَدَرا أو بقـ راءة و إلا كبرا إنْ لم يُطق كذا المريض آتي (2)
(1) – الخليلي، أحمد
بن
حمد. برنامج:" سؤال أهل الذكر - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 27 جمادى الأولى
1424 هـ، يوافقه 2003/ 7/27 م.
(2) ـ السالمي، عبد الله بن حميد. مدارج الكمال.
ص
42 (1/358)
صفحة 359
البَابُ الثالث عشر: فِي صَلَاةِ الجِنَازَةِ
تعلم أخي أطال الله عمرك في الطاعات - أنَّ ريب المنون للإنسان بالمرصاد، وهي عليه تحل بلا خبر أو ميعاد؛ لأنَّه أمر لا يعلمُهُ أحدٌ إلا رب البرية والعباد، فإذا مات ابنُ آدمَ قامت قيامتُهُ، ووجب على أهله ومَن حولَهُ القيام بالصلاة عليه بعد المسارعة في جهاز جنازته، والسؤالُ له بالفوز والتثبيت حينَ إجابته؛ فإنَّ الفوز الحقيقي يومَ يُزحزح عن النَّارِ ويدخلُ جنةً ربه ..
قَالَ تَعَالَى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} آل عمران: 185.
فصل في حكم صلاة الجنازة
لقد علمت أيُّها الطالب، جنَّبكَ الله المصائب - أنَّ الصلوات الواجبة تنقسم إلى واجب عيني، تلزم كلَّ واحد بالعَيْنِ: وذاك كالصلوات الخمس والجمعة وقد تقدم الكلام عليها سلفًا، والقسم الثاني هو الواجب الكفائي وهي: صلاة الجنازة (1).
فصل في أصل الجنازة
جاء في لسان العرب: الجَنَازَةُ بالفتح الميتُ، والجنازة بالكسر السرير الذي يُحمل عليه الميت على أنْ يكونَ هوَ فيه، وإلا فهو مجرَّدُ نعش وسرير
(1)
- وقد نص على التصريح بالتصحيح بكون صلاة الجنازة من فروض الكفايات شيخنا العلامة سعيد بن مبروك
القنوبي
- (1)
يحفظه الله تعالى - وذلك في إجاباته المتلفزة.
(القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر حلقة: 12 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/7 م).
2) – ابن منظور، لسان العرب، مادة (جتر) جَنَرَ الشيءَ يَجْرُه جَنْزَاً. (1/359)
صفحة 360
والأصلُ الشرعي لصلاة الجنازة ووجوبها الكفائي من الكتاب والسنة، أما الكتاب: فقد أشار إليها القرآن الكريم عندما نهي النبي عن الصلاة على المنافقين ()، قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَّاتَ أَبَدًا التوبة: 84
(1)
وأما السنة: فما ثبت أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِجَنَازَةِ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَقَالَ: هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنِ؟ قَالُوا: لَا، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى فَقَالَ: هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبَكُمْ (2)، ومن زوائد المسند قوله: " الصلاة على موتى أهل القبلة المقرين بالله ورسوله واليوم الآخر واجبةً، فمن تركها فقد كفرَ
فصل في فضل الجنازة
جاءت الكثير من النصوص الشرعية في الحث على القيام بأمر الجنازة والصلاة على الميت، منها قول الرسول: " مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ، قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ، قَالَ: مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ
الْعَظِيمَيْنِ (4).
، أحمد حمد.
(1) ـ الخليلي، بن
د. فتاوى في أحكام الجنائز ج 2 "مادة سمعية". إنتاج: مكتبة وتسجيلات مشارق الأنوار. (2) – البخاري، بَاب: مَنْ تَكَفَّلَ عَنْ مَيِّتِ دَيْنًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، رقم الحديث 2131. (3) - الورجلاني، أبو يعقوب. كتاب الترتيب، ج 3 رقم الحديث 34.
ولا يخفى عليك أيها المتعلمُ النبيه - أنَّ المراد بالكفر في هذا الحديث هو (كفر النعمة) وليس كفر الشرك، وقد تقدم تعليقنا حول إثبات هذه القضية والتنبيه عليها من الكتاب والسنة، فارجع إليها إن شئت (القسم الثاني / البابُ
الأَوَّلُ: في الصَّلاة).
(4)
- مسلم، باب: فَضْلِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَازَةِ وَاتَّبَاعِهَا، رقم الحديث 1570. (1/360)
صفحة 361
فَصْلٌ في شُرُوطِ صَلَاةِ الجَنَازَةِ
يشترط لصحة صلاة الجنازة ما يشترط لسائر الصَّلوات المكتوبات من الطهارة واستقبال القبلة ومراعاة الأوقات؛ إذ الأصلُ أنَّه يُحكَمُ على صلاة الجنازة بما يُحكمُ بِه على الفرائض إلا إذا دل دليل على خلاف ذلك (1).
وهيَ مِنَ الصلوات السببية على الصحيح (2) أي أنَّها تؤدى في الأوقات المكروهات ولا تؤدى في الأوقات المحرمة؛ للحديث الثابت عن عقبة بن عامر ه قال: " ثَلَاثُ سَاعَاتِ كَانَ رَسُولُ الله يَنْهَانَا أَنْ تُصَلِّيَ فِيهِنَّ أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيْفُ الشَّمْسُ الْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ (3).
فصل في صفة صلاة الجنازة
تعلم أيها العاملُ، رزقك الله حسن الخاتمة - أن صلاة الجنازة هي صلاة الميت تصلى بأربع تكبيرات بلا ركوع ولا سجود ولا قعود، وإليك تفصيل هذا القول .. أمد الله في عمرك - أنَّه إذا تم جهاز الجنازة أُدنيت للصلاة حتى توضع جهةً
اعلم
القبلة وينبغي أن يكون وضعُ الميت عندما يُصلّى عليه كوضعه عندما يدفنُ، وذلك بأن يوضع على جنبه الأيمن ويكونُ وجهُهُ للقبلة (4).
(1) – القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج: "سؤال أهل الذكر" - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 11 رمضان 1424 هـ،
يوافقه 2003/ 11/5 م.
(2) – القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج: "سؤال أهل الذكر"- تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 11 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/5 م.
(3)
مسلم، باب: الْأَوْقَاتِ الَّتِي نُهِيَ عَنْ الصَّلاة فيها، رقم الحديث 1373.
، أحمد حمد.
4) ـ الخليلي، بن فتاوى في أحكام الجنائز ج 2 "مادة سمعية". إنتاج: مكتبة وتسجيلات مشارق الأنوار. (1/361)
صفحة 362
فيتقدَّمُ الولي للصلاة على قريبه، أو يُقدِّم أورع الناس وأفقههم في الدين، فإذا استوى الإمام والمأمومون كبر الإمامُ التكبيرةَ الأولى (1) واستعاذ بالله وقرأ الفاتحة سرا،
ثم كبر الثانية وصلى على النبي، ثم كبر الثالثة وخصَّ فقيدهم بالدعاء وطلب الرحمة والغفران إن كان من أهل الولاية والطاعة (2)، وإلا اكتفى بالدعاء لنفه
(1) ـ من أتى بالتوجيه قبل تكبيرة الإحرام فلا حرج عليه بإذن الله تعالى، و لم نذكره في صفة صلاة الجنازة أخذا بقول من يقول بعدم مشروعيته في هذه الصلاة، وهو الذي يراه الشيخ القنوبي -حفظه الله - كما تجده صريحا في سؤال أهل الذكر، حلقة: 12 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/6 م، وبصحة صلاة من تركه أفتى سماحة الشيخ كما تجده صريحا في الفتاوى ج 1 ص 182.
(2)
- الدعاء بالرضى والمغفرة والرحمة الأخروية ثمرة من ثمار الولاية، وعليه فلا يمكن بل لا يجوز أن يُترضى على فاسق أصر على فسقه، وجاهر بفجوره، ولو كان ممن يشهد الشهادتين، ويدين بدين الإسلام؛ لأن من كان هذا شأنه فهو في براءة الله وبراءة عباده، والدليل على أن مرتكب الكبائر ليس في ولاية المسلمين نصوص كثيرة من كتاب الله وعل ومن سنة نبيه، وقد أورد العلامة بدر الدين الخليلي –سدده الله - كثيرًا منها في جواب مفصل خاص بهذه القضية بعنوان: "حُكْمُ البَرَاءَةِ مِنْ مُرتكب الكبيرة"، كشف فيه الغطاء، وأزالَ به الستار عمَّن التبس عليه هذا الأمر، وأشكلت عليه هذه القضية، فأرشد الحائر إلى صوابه، وردَّ المرتاب إلى يقين اعتقاده، أكتفي منها بذكر هذين النصين فقط، ومن لم ينفعه قليل الحكمة ضره كثيرها:
1) قوله تَعَالَى: فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (التوبة: 96، فمن كان فاسقا –والفسق هو مطلق الخروج عن الطاعة فإن الله لا يرضى عنه، فكيف بعد ذلك يُدعى بالرضى لمن حكم الله بأنه لا يرضى عنه؟!!.
وقوله: "مَنْ غشنا فليس منا، ومن أحدَثَ في الإسلامِ حدثًا أو آوى مُحدثًا فليسَ مِنَّا، ومَن لم يوقر كبيرنا ولم يرحم صغيرنا فليس منا" قال الربيع: معنى هذا كله البراءة منه (753). فمن لم يكن منا فهو في البراءة، والفسق وكفر النعمة، ومن كان هذا حاله ورضي بهذه المنزلة فلا يُسأل له الجنة، وكذا أسبابها من الرضى والمغفرة ..
ولذا يقول إمامنا السالمي- تغمده الله بواسع رحمته (الجوهر 26/ 1):
ولا يجوز بالرص
لأَنَّهُ يُف
والله لا يره
ـولي
ران
ساق
***
***
*-*-*
*-*-*
إلا إذا كـ
لواحد منَ العُصاة الفَجَ
والف
ـوز بالجنان والرض
إلا بترك الف
بالإطلاق (1/362)
صفحة 363
وَيَسْتَغْفِرُ لِذَنْبِهِ وَلِلْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (1)، فإذا انتهى من ذلك كبر الرابعة وسلَّمَ تسليمةً واحدةً يَصْفَحُ بِهَا وَجْهَهُ يَمِينًا وَشِمَالاً.
والمأمومون في كلّ ذلك تبع لإمامهم، فإذا سلَّموا عقب إمامهم فقد تمت صلاتهم
ورجيت شفاعتهم.
من المتقدمين والمتأخرين
هذا .. وإذا جئت إلى أهل العلم والفضل والصلاح العالمين العاملين من الصحابة والتابعين، فلا ينبغي لك ذكرهم إلا مقرونا بالترضي والترحم عليهم، أو بالسؤال بحفظهم، فهذا حقهم، وكلُّ إنسان يترل مترله
*-*-*
الذي هو فيه .. ترحم عليهِمْ وَارْضَ عَنهُمْ فَإِنما حقوقهم محض الرِّضَا والتَّرَحم أن تصيبك بركة الترحم عليهم، والدعاء لهم بأن تُجاب "وَلَكَ مِثْلُ ذَلِكَ"، لا سيما من أمثال الشيخ السالمي -
عسى
رحمه الله- القائل:
وَيَرْحَمُ اللَّهُ فَى دَعَا لي
-*-*-*
من ـــن قلبه في ذ
(1)
- إن كان الميت وليا للمصلي فيخصه بالدعاء وطلب المغفرة والرحمة له كأن يقول: "اللهُمَّ إِنَّ فُلَانَا عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتكَ تَوَفَّيْتُهُ وَأَبْقَيْتَنَا بَعْدَهُ، اللهُمَّ أبدله داراً خيراً من داره، وَأَهْلاً خَيْراً مِنْ أَهْلِه وَقَرَاراً خَيْراً مِنْ قَرَاره، وأَصْعَدٌ رُوحَهُ فِي أَرْوَاحِ الصَّالِحِيْنَ، وَاجْمَعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فِي دَارِ تَبْقَى فِيْهَا الصُّحْبَةُ وَيَذْهَبُ فِيْهَا النَّصَبُ واللُّغُوبُ ".
أما إن كان هذا الميت من غير أهل الولاية كأن يكون من أهل الفسق والعياذ بالله، أو كان في الوقوف لكونه مجهول الحال فيكتفي المصلي بالدعاء لنفسه ولعامة المؤمنين بما شاء من الرحمة والغفران، وسيدخل هذا الهالك فيهم إن كان عند الله تعالى من أهل الولاية، ويمكن أن يكتفي في ذلك بقوله: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَأَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَآبِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) وفهمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَيذٍ فَقَدْ رَحمْتَهُ، وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ
الْعَظِيمُ) غافر: 7 - 09 (1/363)
صفحة 364
فَصْلٌ
في تنبيهات ومسائل مهمةٍ
التنبيه الأول: اختلف الناسُ فيما يُقرأ بعد التكبيرة الثانية، والمعتصم عند الشَّيحَين - حفظهم الله - (1) أَنَّه يُؤتى بالصَّلاة عَلَى النبي صلى الله عليه وسلم - كما أثبتناه سابقًا، وهوَ مذهب الإمام أبي الشَّعَثاءِ رَحِمَهُ اللهُ، بل هو مذهب جمهورِ الأمة (2). والمختار من صِيَغِ الصَّلاةِ هي الصلاة الإبراهيمية المشهورة، معَ جَوازِ غيرها (3).
التنبيه الثاني: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الزيادة على التكبيرات الأربع في صلاة الميت، إلا أنه ينبغي أن يكون الأغلب أربع تكبيرات؛ لأنَّه آخرُ فعل النبيِّ، وَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثَ مِنْ أَمْرِ رَسُول الله).
وأما الزيادة في بعض الأحيان مع أمن البلبلة، ووقوع اللبس على كثير من النَّاسِ
فذلك لا مانع منه (5).
-
(1) يُنظر
الخليلي، إجابة على أسئلة, وجهها الكاتب لسماحته -رعاه الله، بتاريخ: غرة ذي الحجة 1429 هـ - الموافق: 30/
11/ 2008 م.
القنوبي، جلسة إفتاء "مادة سمعية، إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية.
القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 11 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/5 م.
(2) - القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 1424 هـ / 2003 م، "مذكرة خاصة ص 12".
(3) – القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج "سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 11 رمضان 1424 هـ
يوافقه 2003/ 11/5 م.
(4)
(o)
الربيع، باب في صيام رمضان في السفر، رقم الحديث 308.
القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج: سؤال أهل الذكر تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 12 رمضان
1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/6 م. (1/364)
صفحة 365
التنبيه الثالث: يقفُ الإمامُ حالَ الصَّلاة على الميت عند رأس الرجل ووسط المرأة، مع وجود الخلاف لكنَّ هذا الرأي أهدى سبيلا، وأقوم قيلا، وأقوى دليلا؛ لثبوته في المرفوع إلى النبي، وقد ذكر بعض أهل العلم أن الحكمة من ذلك هو أن يستر الإمام عجيزة المرأة عن الرجال (1).
التنبيه الرابع): لا مانع من صلاة المرأة على الجنازة إذا لم يكن هنالك اختلاط أو محظورٌ آخر، وكذلك استظهر المحققان الخليلي والقنوبي يحفظهما الله - أنه لا مانع من انفراد النساء بالصلاة على الجنازة (2)؛ لما ثبت أنَّ نساء الصحابة -رضي الله عنهُنَّ - صلَّينَ على النَّبيِّ، بَلْ يجب عليهنَّ ذلكَ إِنْ لَّمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِنَ الرِّجَالِ يَقُومُ بهَذَا الوَاجب. التنبيه الخامس: الاستدراك في صلاة الميت لا مانع منه عند الشيخين - حفظهما الله، فمَن سبقَهُ إمامه بشيء من هذه الصلاة فعليه قضاؤه بعد سلام الإمامِ مباشرةً، ولا فرق بينَ أنْ يكونَ الميت قد حمل أو لا زال في موضعه (3).
التنبيه السادس: بما أنّ صلاة الجنازة ليس فيها ركوع ولا سجود فلا مانع من
أدائها بالنعال (4).
(1) – القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج: سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 10 رمضان 1424 هـ،
يوافقه 2003/ 11/4 م.
(2) - يُنظر:
لخليلي، برنامج سؤال أهل الذكر"، حلقة: 5 صفر 1427 هـ، يوافقه 2006/ 3/5 م. القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 10 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/4 م.
- يُنظر:
الخليلي، فتاوى في أحكام الجنائز ج 2 مادة سمعية. إنتاج: مكتبة وتسجيلات مشارق الأنوار. القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة: 12 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/7 م.
(4) - يُنظر: (1/365)
صفحة 366
التنبيه السابع: الأصلُ في صلاة الجنازة أن تكون خارج المسجد، ولكن لا مانع على الراجح عند سماحة المفتي والعلامة القنوبي - أكرمهم الله من أداء صلاة الجنازة في المساجد، حتى معَ عدَمٍ وجُودِ عذرٍ
التنبيه الثامن: إذا تعدد الأمواتُ فيُقدَّمُ الرجالُ أولاً ثم الأطفال ثم النساء، ويُقدَّمُ الأَفضلُ على المفضول في كل صنف من هؤلاء الأصناف، ويكون هذا التقديم من جهة الإمام على المعتمد عندَ الشيخين أبقاهما الله تعالى (2).
الله -
-
فَائِدَة
وهذه المسألة مسألةُ تعدُّد (الأموات هي آخرُ مسألة كتبها الإمام أبو مسلم رحمه
=
في موسوعته "نثارُ الجوهر في علم الشرع "الأزهر" وقد كانت أمنيته أن يجعله في أكثر من ذلكَ إِلا أَنَّ الأَجَلَ وافاهُ قبلَ بُلوغ الأمل (3).
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 183.
الخليلي، فتاوى في أحكام الجنائز ج 2 "مادة سمعية". إنتاج: مكتبة وتسجيلات مشارق الأنوار.
(1) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 182.
القنوبي، دروس صيف 2002 م / 1423 هـ (مذكرة خاصة ص
(2) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى في أحكام الجنائز ج 2 "مادة سمعية". إنتاج: مكتبة وتسجيلات مشارق الأنوار. القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر حلقة: 12 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/6 م.
(3) - يُنظر البهلاني، ناصر بن سالم. نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر ج 5 ص 476. (1/366)
صفحة 367
فَصْلٌ فِيمَن يصَلَّى عَلَيْهِ
تفقة - أخي في الدِّين - أنَّ صلاة الجنازة حقٌّ لكلِّ موحد من أهل القبلة؛ لما تقدَّمَ لديكَ مِنْ قول خاتم الرُّسُلِ: الصَّلاةُ على موتى أهل القبلة المقرينَ بالله ورسوله واليوم الآخر واجبة)، ولقوله: " الصَّلاةُ جائزة خَلْفَ كُلِّ بَارٌ وفاجر، وصلوا علَى كُلِّ بَارٌ وفَاجر (2). وعليه فإنَّها تُصلَّى على كلِّ مَن مات من أهل التوحيد رجلاً كان أو امرأةً، صغيرًا أو كبيرًا، برا أو فاجرًا على الرأي المعتمد (3)، ولا تُصلى على من لا يدين بدين الإسلام من سائرِ مِلَلِ الشَّرك والكُفْرِ، والأوْثَان إلا مواراةَ جُنَّتَه لَئَلا تُؤذِيَ رائحتها
عباد الله (4)
(1) - الورجلاني، أبو يعقوب. كتاب الترتيب، ج 3 رقم الحديث 34.
(2) ـ الربيع، باب الحجة على من لا يرى الصلاة على موتى أهل القبلة ولا يرى الصلاة خلف كل بار وفاجر، رقم
الحديث 776.
(3) - هذا هو
الرَّاجِحُ عِنْدَ الشَّيخَينِ - حفظهما الله - ولم يقولا ذلك فندًا وإنما هو الحق؛ وذلك لعموم الأحاديث السابقة، ولكن لا يصلي عليه أي على الفاجرِ المشتهر بمعصيته - أ -- أهلُ الصلاح ومَن يُنظَر إليهم من أهل الفضل، وإنما يصلّي عليه عوام الناس؛ حتى يكون ذلك رادعًا لأمثاله من غيره، لما ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم امتنع من الصلاة على قاتل نفسه، وعلى من غل في سبيل الله مع قوله: " صَلُّوا عَلَى صَاحِبَكُمْ " (مالك/ 867)، ومثله جاء في من مات وعليه دين و لم يترك له وفاءً ولا ضمانًا لحق صاحبه (الربيع/ 763).
ويُقاس عليهم على الصحيح-كلُّ من مات مصرا على كبيرة من كبائر الذنوب ولم يتب منها، كتارك الصلاة انتهاكا، وشارب الخمر، والمعروف بعقوقه لوالديه .. فتجري عليهم أحكام الموحدين في الدنيا (إلا الولاية طبعا) من التغسيل والتكفين والصلاة والدفن في مقابر المسلمين، ولكن لا يصلّي عليه أهلُ الفضل وإنما يتركونه لعامة الناس، والله
يتولى حسابه، وَعِندَ اللَّهِ تَجَتَمِعُ الخُصُومُ. يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 183.
الخليلي، شرح منظومة غاية المراد ص 154، 155.
القنوبي، الإمام الربيع بن حبيب: مكانته ومسنده ص 192 - 194.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى- القسم الرابع ص 94.
القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 12 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/6 م.
(4) _ الخليلي،
أحمد
بن شرح منظومة غاية المراد ص 115.
حمد. (1/367)
صفحة 368
تنبية: الطفلُ إذا ولد حيًّا أو استهل صارحًا فيصلى عليه ولا إشكال في هذا الأمر (1) (1)، أمَّا بالنسبة لمن خرجَ ميتًا فقد صحَّحَ بعض المحدثين حديث: " وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْعَى لَوَالدَيْهِ بِالْمَغْفِرَة والرَّحْمَة ((2)، وبناءً عليه فيُصلَّى على الطف المكتمل الخلقة، وإن خرج ميتًا.
هذا .. وقد قيَّد سماحة الشيخ حفظه الله في بعض أجوبته الصَّلاةَ على السقط بشرط أن يستهل صارحًا، وعَليهِ فَإِنْ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّه مَيْتًا لم يُصَلِّ عَلَيْهِ كما صَرَّحَ العلامةُ القَنُّوبِيُّ - حَفَظَهُ الله - أيضًا (3)، ومَنْ أخذ بأحدِ الرَّأيين فقد آوى إلى ركن
شديد.
فَعَلَّ عِندَهُمْ سِوى مَا عِنْدِي
***
ولم أجده فأنا في حَدِّي
(1)
- ونسب ابن المنذر الإجماع فيها (كتاب الإجماع/11).
من
الخلاف.
تنبية: ينبغي التأمل في كثير من حكايات العلماء للإجماعات، حتى إجماعات ابن المنذر، كما يتبين له ذلك من يطالع كتابه "الإجماع"، وغيره من كتب الفقه، إذ كثير من تلك المسائل لا تخلو. يقول العلامة إمام السنة والأصول -حفظه الله -: " ثُم إنَّ كثيرًا من الكتب تُذكر فيها كثير من المسائل ويدعي أولئك المُؤلِّفُون بأن تلك المسائل ممَّا أجمع عليها وليس الأمر كذلك، فقد قال شخص في مسألة المسائل بأن من العلماء قد أجْمَعُوا عليها على رأي من الآراء وفي تلك المسألة على حسب حافظتي في ذلك الوقت من غير بحث فيها عشرة أقوال فكيف يُدعَى بأنه قد أجمع على تلك المسألة؟!، ووجدت بعض المسائل ذكر بعض العلماء
الإجماع على رأي وذكر غيرهم الإجماع على رأي مُضاد له .. ! ". يُنظر:
القنوبي، قُرة العينين ص 86.
القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر " حلقة: 12 رمضان 1427 هـ، يوافقه 2006/ 10/6 م.
(2) - أبو داود، باب: الْمَشْيِ أَمَامَ الْجَنَازَةِ، رقم الحديث 2766.
يُنظر بعض العلماء الذين صححوا هذا الحديث في القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى- القسم الرابع ص 40.
(3) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 182.
الخليلي، برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 25 رمضان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 12/1 م.
القنوبي، دروس صيف 2000 م الموافق 1421 هـ. (مذكرة خاصة ص 8). (1/368)
صفحة 369
تنبية ثان: شهيد المعركة الذي مات في ساحة القتال- لا يُغسلُ وإِنَّما يكفَّنُ في أثوابه التي مات فيها بعدَ نَزع سلاحه (1)، واختلفُوا في الصَّلاةَ عَلَيه، وقد ثبت أنَّ ولَ جَاءَ بعدَ مُدَّة وصلَّى على شهداء أُحد (2).
فَصْلٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الغَائِبِ
اعلم أيُّها الأخ العزيز، لا أراك مولاك مكروها - أَنَّه لا مانع من الصَّلاةِ علـ الميت الغائب الذي لم يُصَلَّ عَلَيه - على الْمُعْتَصَب (3) - سواء كان قد توفي في نفس البلد التي أنت فيها أو في بلاد أخرى، وكذا سواء في نفس اليوم أو بعد مدة من الزمن. والدليل على ذلك أنَّ النبيَّ صلَّى عَلَى النَّجاشي صَلاةَ الميت بعدما نعاه للنَّاس في اليوم الذي مات فيه، فخرج بهم إلى المصلى فصفّهم، وكبر أربع تكبيرات (4).
(1)
- الخليلي، أحمد
بن
حمد. فتاوى في أحكام الجنائز ج 1 مادة سمعية". إنتاج: مكتبة وتسجيلات مشارق الأنوار. (2) - فقد صلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ، هذا الحديث دليل واضح
على مشروعية الصلاة على الشهيد وكذا على مشروعيتها للغائب ولو بعد مدة من السنين كما تجده في المسألة اللاحقة بإذن الله. (البخاري، باب غزوة أحد، رقم الحديث 3736).
(3) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 182.
(4)
القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر حلقة: 12 رمضان 1424 هـ، يوافقه 003/ 11/7
- الربيع، باب صلاة الجنائز، رقم الحديث 484. (1/369)
صفحة 370
فَائِدَةٌ
في آداب المحتضر والمتوفى
اعلم أيُّها الفاني، خفف الله عني وعنك سكرة الموت - أنك إذا شهدت محتضَرًا (1) قد قاربه ريب المنون فينبغي لك أن تلقنَهُ الشَّهادة (2)، لقوله: " لَقْنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ (3)، فإذا ارتخت، الرجلان وبردت الأطراف، وغارت الأنفاس، وشخص البصر، وارتفعت الروحُ، فلا يُذهلك ذلك عن ذكر الله، وقم بآداب هذا الهالك وحقوقه في الحال، ومنها (4):
إغماض عينيه والدُّعاء لهُ إنْ كانَ صالحا - (5): قال المصطفى: " إِذَا حَضَرْتُمْ مَوْتَاكُمْ فَأَغْمِضُوا الْبَصَرَ؛ فَإِنَّ الْبَصَرَ يَتْبَعُ الرُّوحَ، وَقُولُوا خَيْرًا؛ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ عَلَى مَا قَالَ أَهْلُ الْبَيْت ((6).
(1) - فَائِدَةٌ لغوية: شخص يُحتضر فهو محتضر، هكذا بالبناء للمجهول على الصواب؛ لأن الفاعل محذوف وهو الموت أي حضره الموت، وليس مبنيا للمعلوم كما يبنيه البعض للمعلوم فيقول: "يحتضر، فهو محتضر". هذا .. ولا مانع من أن يُقال "المتوفّي" بالبناء للمعلوم خلافا لمن خطأ هذا الاستعمال وقصره على "المتوفى" بالبناء للمجهول باعتبار اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ الزمر: 42، والدليل على الجواز الآيات القرآنية الكثيرة التي فيها إسناد التوفي لغير المولى عز وجل ومن ذلك قوله تَعَالَى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا - الأنعام: 61، وقوله: قل
يَتَوَفَّنَكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وَكِلَ بِكُمْ. السجدة: 11، وا والله أعلم.
يُنظر: العبري، خالد بن هلال. أخطاء لغوية شائعة ص 41، وص 157.
(2) – القنوبي، سعيد بن مبروك. تحفة الأبرار ص 204.
(3)
- مسلم، بَاب: تَلْقِينِ الْمَوْتَى لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، رقم الحديث 1523.
أحمد
حمد.
(4) ـ الخليلي، بن د. فتاوى في أحكام الجنائز ج 1 "مادة سمعية". إنتاج: مكتبة وتسجيلات مشارق الأنوار. 5) ـ ومن الدعاء الثابت في السنة أن تقول: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لـ (فلان) ويسميه باسمه)، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ ". يُنظر:
(0)
(7)
القنوبي،.
تحفة الأبرار ص 204، 205.
مسلم، باب: فِي إِغْمَاضِ الْمَيِّتِ وَالدُّعَاءِ لَهُ إِذَا حُضِرَ، رقم الحديث 1528.
ابن ماجه، بَاب مَا جَاءَ فِي تَعْمِيضِ الْمَيِّتِ، رقم الحديث 1445. (1/370)
صفحة 371
نعي
احبهم
الميت: يُستحبُّ أَنْ يُعْلَمَ جيرانُ الميت وأصدقاؤه بخبر وفاة صا حتى يُؤدوا حقهُ بالصَّلاة عليه والدعاء له، ويحوزُوا أجر القيام بجنازته وشهودها حتى يُوارَى في ثرى رَمْسه (1).
قضاء الدين: يُؤمَرُ أَنْ يُسارَعَ في قضاء دين الميت أو إبرائه منه؛ لحديث أبي هريرة، مرفوعاً " نَفْسُ الْمُؤمِن مُعَلَّقَةٌ بدَيْنِه حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ (2).
فإن تعذَّرَ الوفاء عن المتوفى أو إبراؤُهُ من دينه فينبغي لوارثه أو غيره أن يتكفل به (3).
تنبية: سمعتُ شيخنا العلامةَ القنوبي عافاه الله - أن الصحيح في (ابن ماجه أنه غير منقوط (ماجة)؛ ذلك لأنه اسم أعجمي، والأسماء الأعجمية لا تنقط.
(القنوبي، دروس صيف 1425 هـ / 2004 م، "مذكرة خاصة/ شرح أبواب من الإيضاح"، ص 24). (1) - الرمس: هو القبر، والتعبير اقتبسناه من قول صالح بن عبد القدوس: شَّيْخُ لَا يَتْرُكُ أَخْلاقَهُ
*-*-*
(حَتَّى يُوَارَى في شَرَى رَمْسه)
(2) – الترمذي، بَاب: مَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ، رقم الحديث 998. هذا في ديون الخلق، وكذا يجب القضاء في الديون الوَاجِبَة للخالق الله كالحج والزكاة والكفارات، وإن لم يوص
(3)
—
بها الهالك على ما استظهره العلامة الخليلي والمحقق القنوبي؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "فدين الله أحق بالقضاء" (مسلم/1936). وقد اتفق العلماء على أن ديون العباد تُخرج من أصل التركة، وإنما الخلاف في الديون الواجبة لرب العباد، والراجح عند عالم العصر شيخنا الخليلي –أبقاه الله - أنها تُخرج من أصل التركة أيضا؛ وذلك لما دل عليه الحديث
هذا
السابق، والله تعالى أعلم.
ولذا فينبغي لأهل الصلاح ومن هم محيطون بالورثة أن يُقنعوا هؤلاء الورثة بوجوب إخراج هذه الحقوق لا سيما ديون الخالق جل لعدم وجود من يُطالب بها، وأن هذا أمر واجب متحتم عليهم قبل قسمة التركة وذهاب الأموال، ونفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه.
يُنظر:
تنبية: هذا إذا ترك الهالك المتوفى- مالا فإن لم يترك فلا يلزم الورثة بإخراج شيء من أموالهم، والله أعلى أعلم.
الخليلي، فتاوى الوصية والوقف ص 32، 126.
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 286.
القنوبي، برنامج: سؤال أهل الذكر، حلقة: 10 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/4 م.
المعولي، المُعْتَمَد في فقه الكَفَّارَاتِ ص 7. (1/371)
صفحة 372
- E
المسارعة إلى تجهيز الميت: اتفق الفقهاء على أنَّهُ إِنْ تُيُقنت مصيبة الموت فعلى من شهدَها أن يبادر إلى التجهيز ولا يُؤخر؛ لقوله عليه الصَّلاةُ
والسَّلامُ: " لا يَنْبَغِي لِحِيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَي أَهْلِهِ " ويُكره بل ويحرُمُ كلُّ ما خالف الهدي النبوي في باب الجنائز من النواح، والصياح،
وشق الجيوب، ولطم الخدود .. )
(1) ـ أبو داود، باب: التَّعْجِيلِ بِالْجَنَازَةِ وَكَرَاهِيَة حَبْسِهَا، رقم الحديث 2747.
(2) - لقد تقدَّمَ لديك أيها الحريص، وقاك الله سيئات البدع، والمحدثات في الدين- التنبيه على الكثير من بدع الجنائز والمعتدة في القسم الثاني من هذا الكتاب / الباب الرابع: في الغسل صفحة 122 (تعليق)، فارجع إليه إن شئت. وهناك مخالفات أخرى نبه على بعضها الشيخان الخليلى والقنوبي -حفظهم الله - في دروسهم وفتاواهم، وقبل أن أذكر بعضا منها أذكِّرُكَ أيها القارئ، أصلح الله لي ولك الشأن - بقول النبي صلى الله عليه وسلم: " لَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَحَدَثَ فِي الإِسْلامِ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا " (الربيع/43)، وبقوله في حديث آخر: " مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رد " (البخاري / 2499)، وإذا علمت البدعة وخطرها فاعمل على إماتتها بدعوة الناس إلى تركها ببصيرة وبيان وكشف من المعرفة والعلم، وبالأسلوب والطريقة التي هي أحسن لا بالتي هي أخشن، مستحضرا قول المولى جل وعلا: أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ النحل: 125، ومن منكرات الجنائز:
-1
-2
تزيين النَّعش وتغطيته بغطاء فيه آيات من القرآن الكريم، حتى صارت كما يقول أبو مسلم "فَرَائِسُ الأَجَالِ كَعَرَائِسِ الْحِجَالِ"، ومن المعلومِ أنَّ مثل هذا الغطاء كثيرا ما يتعرض للإلقاء في الأرض والاتساخ، وربما يدوسه البعض بعلم أو بدون علم، وهذا يتنافي وحُرمة القرآن التي أمر الله بتعظيمها، ثم إنَّ القرآن الكريم عظة وذكرى للأحياء، ولا ينتفع به الأموات ليُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا، يس: 69 - 70،
والله المستعان.
تعالي أصوات المشيعين بقولهم "اذكروا الله" أو "اذكر ربك يا غافل"، وقد يكون قائل ذلك أبعد الناس عن استشعار الذكر ومعانيه، فالذكر حال التشييع لا يكون برفع الصوت، وإنما بخفض الصوت المعين على العظة والادكار.
11
اتباع النساء للجنائز حتى المقابر وما يتبع ذلك من البكاء والنواح والعويل من البدع المنكرة أيضا؛ مع ما ثبت من لعن النبي الله للنائحة عند المصيبة؛ فعن ابن عباس عنه عليه الصلاة والسلام قال: صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: صوت مزمار عند نعمة، وصوت مُرنّة عند مصيبة". وزيد فيها في (1/372)
صفحة 373
-7
- V
-^
رواية أخرى لعنت النائحة، والجالسة إليها، والمستمعة. قال الربيع المرنة: النائحة، وصوت مزمار:
صوت مغنية. (الربيع/644).
تلقين الميت الشهادتين بعد مواراته في قبره، ولو كان ذلك مما ثبت لاشتهر اشتهارا واسعا، وإنما جاء من طرق ضعيفة جدا لا تقوم بها الحجة أبدا.
قراءة القرآن - وهو الذي يُعرف عندهم بـ" بالرهبة أو الختمة "- وذلك في اليوم الثالث أو بعد اليوم الثالث من أيام العزاء، وإهداؤه كما يزعمون، وسيأتي قريبا تفصيله - لروح الميت، على أنه في كثير من الأحيان هَذا يقرأ بصوت مرتفع وذلك يقرأ بصوت مرتفع، ويأتي بعضُ النَّاسِ وَيُسَلِّمُون ويقوم من يقرؤون ويتكلمون، إلى غير ذلك من المخالفات لآداب تلاوة القرآن الكريم.
قطع المسافات الطويلة من أجل (واجب) التعزية كما يقولون، وفي هذا يقول سماحة المفتي -حفظه الله - في شريط "يحسن الله عزاكم": "ليس هذا الذي يسمونه واجبًا بواجب .. فلا ينبغي أن يجاوز –أي العزاء- مسافة القصر إلا لذي قرابة أو لروابط اجتماعية بينهم وبينه"، بل قد يجر – وقد وقع - قطع
المسافات الطويلة من أجل المصاب إلى حوادث سير تؤدي إلى مصائب كثيرة بدل المصاب الواحد. إطالة فترة العزاء المحددة بثلاثة أيام كما يستفاد من قول النبي:" لا يَحِلُّ لِامْرَأَةِ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيْت فَوْقَ ثَلَاثَ لَيَالِ إِلَّا عَلَى زَوْجِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرا" (الربيع/542)، وإطالة أيام العزاء، والإيصاء بذلك عمل من أعمال الجاهلية، فقد كانوا يوصون إذا ما ماتوا أن تُشَقَّ من أجلهم الجيوب وتلطم الخدود ويبكى عليهم الحول الكامل، يقول أحد الشعراء الجاهليين يوصي ابنتيه قبا
وفاته:
إلى الحول ثم اسمُ السَّلام عليكما
***
وَمَنْ يَبْكِ حَوْلاً كَامِلاً فقدِ اعْتَذَرْ إقامة الولائم أيام العزاء، ودعوة القاصي والداني إليها، وكأنَّ السنة قد انعكست عند هؤلاء القوم؛ إذ في سنته أن يصنع جيران العزاء لأهل العزاء الطعام، لا أن يصنع أهل العزاء الطعام لغيرهم في الحديث اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا فَإِنَّهُ قَدْ أَتَاهُمْ أَمْرٌ شَغَلَهُمْ (أبو داود / 2725). أضف إلى ذلك أنه كثيرا ما تكون هذه الولائم من أموال الورثة الأيتام الذين لا يملك أحد التنازل عن حقهم في هذه الأموال حتى يبلغوا، فيكون هذا كما قالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ الْيَتَمَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارا وَسَيَصْلَوْن سَعِيرًا (النساء: 10 والله المستعان، والله الأمر من قبل ومن بعد. ولا يشفع لذلك أن. يوصي
الهالك لولائم، عزائه، فإن الوصية لولائم العزاء باطلة وترد أموالها للورثة كما نص وأفتى بذلك الإمام أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي، ومال إليه الإمام السالمي - رَحِمَهُ الله- في جوهره، وقال به
الإمام الخليلي - رَحِمَهُ الله، وأفتى به أيضًا عالما العصر والمصر المحققان الخليلي والقنوبي -أيدهم الله تعالى-. (1/373)
صفحة 374
وكذا قراءةُ القُرآنِ عَلَى القُبُورِ مما شدَّدَ فيه علماؤنا
إلى غير ذلك
من المخالفات الواضحات الهدي النبي و السلف الصالح - رضوان الله تعالى عليهم-، والله يقول
الحق وهو يهدي السبيل. يُنظر:
(1)
السالمي، جوهر النظام ج 3 ص 137.
الخليلي، يحسن الله عزاكم مادة سمعية". إنتاج: مكتبة وتسجيلات مشارق الأنوار. الخليلي، فتاوى في أحكام الجنائز ج 1 مادة سمعية". إنتاج: مكتبة وتسجيلات مشارق الأنوار. الخليلي، فتاوى النكاح ص 392 - 404.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الثالث، ص 28.
الخليلي، برنامج: سؤال أهل الذكر، حلقة: 20 رمضان 1424 هـ، يوافقه 03/ 11/15 القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر " حلقة: 12 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/7 م. القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر"، حلقة: 8 شوال 1425 هـ يوافقه 2004/ 11/21 م. المنتدى الأدبي، قراءات في فكر أبي نبهان محاضرة لسماحة المفتي بعنوان: "الجانب الفقهي والاجتهادي في سيرة
ص 143.
نبهان"
مسألة قراءة القرآن على القبور مما شدّد فيه المتأخرون من المحققين وعلى رأسهم الإمام أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي - رَحِمَهُ الله - في نثره ونظمه، إذ عدَّها من البدع التي شاعت عند أهل عصره، حتى أنَّ هذا الإمام رَحِمَهُ الله - أفتى ببطلان وصية الأموات بقراءة القرآن على قبورهم، وحمل على ذلك الإمام الرضي سالم بن راشد الخروصي فعمل هذا الأخير بأمر شيخه السالمي -رحمهم الله تعالى جميعا، وببطلان الوصية بقراءة القرآن على القبور أفتى سماحة المفتي الخليلي -حفظه الله تعالى، وفي هذا السياق يقول محدِّثُ العصر أيضا: "ولا شك أنّ القراءة على القبور من البدع المخالفة لهدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويقول أيضا: "هذه الوصية باطلة لا تصح ".
وإنما المشروع بعد دفن الميت وعند زيارته الدعاء له بالتثبيت، والرحمة إن كان من أهل الصلاح والولاية، وهذا الدعاء يكون فرديا، أي يدعو كل واحد بنفسه لا أن يقوم أحد بالدعاء والباقون يؤمنون عليه فإنه خلاف هدي محمد
هذا .. ويزداد الأمر سوءا إذا كانت قراءة القرآن الكريم بأجرة؛ فإن القرآن الكريم يقرأ تعبدا لا تكسبا، وأخدُ الأجرة على قراءة القرآن أمر غير معهود زمن النبي الله والصدر الأول من هذه الأمة، وفي الحديث الصحيح "مَنْ عَمل عَمَلا لَيْسَ عليه أمرُنا فهُوَ رَدُّ " (الربيع 50)؛ ولذا أفتى شيخنا بدرُ الدِّين الخليلي -حفظه الله - بعدم جواز قراءة القرآن بالأجرة أيضا سواء كانت على القبور أو في البيوت، يقول سماحته -حفظه الله -: " قراءة القرآن بأجرة غير جائزة على الصحيح، لذلك لا أرى ثبوت هذه الوصية إلا إن قام الورثة أنفسهم بالقراءة بغير أجرة".
الجدير بالذكر أنه ليس هنالك دليل صحيح يدل على أن الميت ينتفع بقراءة القرآن عليه ولو كان ذلك بغير أجرة، كما استظهره المحققان الخليلي والقنوبي يحفظهم الله - في أجوبتهم، يقول سماحة الشيخ: " لا نجد دليلا يدل على أن (1/374)
صفحة 375
غيرةٌ عَلَى السُّنةِ
السؤال/ سماحة الشيخ بعض الشباب عندما يمشون خلف جنازة لا يقومونَ بحملها، وعندما يُقال لهم: "لماذا لا تصنعونَ ذلك؟! " يقولون: "السنةُ تقتضي عدم حمل الجنازة، إنما المشي خلفها فقط"، فهل هذا الكلام صحيح؟
الجواب هذا كلام الجهلة الذين لا يفرقون بين التمرة والجمرة، ولا يفرقون بين الضب والنون، ولا بين الجدي والحمل، أما أهل العلم فلا يقولونَ ذلك؛ كيف لا يُسنّ للإنسان أنْ يَحمل الجنازةَ؟! ولماذا كانَ حضوره مع أنّ الحضور إنما هو لأجل الحمل
الميت ينتفع بهذه القراءة"، أما الشيخ القنوبي فيقول: " .. وإلا فإنّ الظاهر أنّ القراءة لا تصل إلى ذلك "أي الميت-، بل صرح في إجاباته الإفريقية بقوله: "والراجح أنه لا ينتفع به".
بل الأدلة تشير إلى خلاف ذلك، فالقرآن الكريم هداية للأحياء لا للأموات قَالَ تَعَالَى: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْهَانٌ مُّبِينٌ لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا بس: 69 - 70، وجاء في الحديث ترتيب الثواب لقارئ القرآن لا لغيره حينما قال: "مَنْ قَرأْ حَرْفًا من كتاب الله فَلَهُ به حَسَنَةٌ .. " (الترمذي (2835)، هذا فضلا عن النهي عن قراءة القرآن على القبور المفهوم من أمر النبي بالصلاة والقراءة في البيوت وعدم اتخاذها قبورا (البخاري/ 414 الحاكم 2020)، ومما يقرره الإمام السالمي - رَحمَهُ الله- في جوهره ... فالمصطفى قد زارها وما قرا
و لم تكن قراءة ا لو كان خيرًا سَبَقَ
حَسْبُكَ أنْ تتب
المختارا
***
*-*-*-
*-*-*
***
إلا. ـلاما ودعا وأدبرا
وجد في المـ
أثور
و
ـــحبه مى ما زاروا
وَإِن يَقول
الَفَ الآثارا
للمزيد/ يُنظر:
السالمي، محمد بن عبد الله. نهضة الأعيان ص 48 - 50.
السالمي، جوهر النظام ج 3 ص 46.
الخليلي، فتاوى المعاملات ص 256،257 - فتاوى الوقف والوصية ص 69.
القنوبي، فتاوى على أسئلة من الشرق الإفريقي ص 13.
القنوبي، تحفة الأبرار ص 208 - 210.
القنوبي، أحاديث ضعيفة. مجلة المعالم/ العدد الأول (1421 هـ /2000 م)، ص 45.
القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 12 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/6 م. (1/375)
صفحة 376
؟! والنبي نفسه شارك في حمل الجنائز، فكيف يعتذر الإنسان عن حمل الجنازة؟! .. إنما هذا التصرف تصرف أرْعَنُ، وهو يدلُ على حماقة هؤلاء وجهلهم، والله
المستعان (1).
(1) ـ الخليلي، يوافقه 2003/ 10/27 م.
أحمد
بن حمد برنامج: "سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 1 رمضان 1424 هـ (1/376)
صفحة 377
البَابُ الرَّابِعُ عَشَرَ فِي السُّنَنِ المُؤَكَدَةِ
تفضَّلَ الله علينا بشرع السُّنن والنوافل لتكونَ جبرًا لما نقص من الواجبات والفرائض؛ ولتكون رافدًا يصل العبد بموالاه، وميدانًا يستبق فيه المشمرون لنيل رضاه،
وتوخيا لتسديده في هذه الحياة، كما يرويه عنه نبيه ومصطفاه:
"وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بالنَّوَافِل حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ به، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطسُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سألني لأعطينَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَني لأعيذتْهُ (1).
اعلم أيها الطالب، وفقك الله لأهدى سبيل وأقْوَمِ قِيْلِ أَنَّ أَهْلَ الفقه بالدِّينِ قَدِ اختلفوا في حكم كثير مِنَ الصلوات هل هي من الواجبات أو السنن المؤكدات؟! وكذا الشأن في الراتبات والنوافل المستحبات؟!
وقد مضى "المعتصم" على الأخذ بالمعتصم عند مفخرتي العصر، والغُرَّتين في جبين الدهر الشَّيخين الجليلين: الخليلي والقنوبي -حفظهما الله - ... أحببتُ التذكير بذلك والتنبية عليه لئلا يقع اللبس والإشكالُ لما تجده في بطون الكتب من أقوال، فكن
فاطنًا.
(1)
1) - البخاري، باب: التَّوَاضُع، رقم الحديث 6021.
يقول محدث العصر عافاه الله - عن هذا الحديث: " قد جاء من طرق أخرى يشد بعضها بعضا فيرتقي بذلك
الحديث إلى درجة القبول .. هذا الذي نراه في هذا الحديث".
(القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر " حلقة: 12 رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 10/27 م) (1/377)
صفحة 378
فصل في الحثّ على لزوم السنن والنوافل
تعرَّف - أَيُّهَا العَابِدُ، جَعَلَكَ اللهُ كَمَنْ يُدعَى مِنْ بَاب الصَّلاة يومَ القِيَامَةِ أَنَّ السُّنَ المؤكدة: هي التي أَمَرَ النَّبِيُّ بفعلها أمرًا مُؤكدًا (كتحية المسجد، وصلاة الكُسُوف)، أواظب عليها النبيُّ ولم يتركها لا في حضر ولا في سفر (كصلاة الوتر، وسنة الفجر)، ولم يثبت عنه أنه تركها ولا مرةً واحدةً في حياته)، ولذا فإنَّ السُّنَنَ المؤكدة هي أقرب ما تكون إلى الوجوب، فلا ينبغي تركها إلا لعذر.
وعموما فإنَّ السُّننَ كلَّها مؤكدةً أو غير مؤكدة لا ينبغي لمؤمن تركها ما دامَ أَنَّها قد ثبتت عمَّن جعَلَهُ الله لنا أسوةً حسنةً، وقد سُئل بعض العلماء عمَّن اعتاد ترك السنن الراتبة والمؤكدة آكد، فأجاب بأنَّه: خسيس المنزلة (2)، ثم عقب الإمام السالمي رَحمَهُ الله - بقوله: "والجنة لا يدخلها خسيس (3)، وكذا سُئل أحدهم عمّن قاون بالنوافل التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "هو رجل سوء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "هو رجل سوء" وذكر بأنَّهُ لا يَقبَلُ لهُ، شهادة (4).
وقد ورد في الحثّ على السنن الكثيرُ من الفضل نزيد على ما تقدَّمَ قول المصطفى:" مَا أَذنَ اللهُ لِعَبْدِ فِي شَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ رَكْعَتَيْن يُصَلِّيهما (5).
(1) - القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج: سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 12 رمضان 1425 هـ،
يوافقه 2004/ 10/27 م.
(2) ـ القنوبي،
، سعيد بن مبروك. دروس صيف 2001 م 1422 هـ (مذكرة خاصة ص 35).
(3) - يُنظر: الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 171.
السالمي، جوابات الإمام السالمي ج 1 ص 336.
(4) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج: سؤال أهل الذكر تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 12 رمضان 1425
يوافقه 2004/ 10/27 م.
(°)
- الترمذي، باب: مَا جَاءَ فِيمَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ الْقُرْآنِ مَالَهُ مِنْ الْأَجْرِ، رقم الحديث 2836. (1/378)
صفحة 379
تنبية: لا يخفى عليك -أيها النبيه - أنَّ جميعَ السُّنن مؤكدةً أو غير مؤكدة يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب وسورة، إلا أنَّ بعضها مطلوب فيه التخفيف كسنة الفجر، وبعضها مطلوب فيه التطويلُ كسنة الكسوف وكلُّ ذلك آت بإذن الله.
تنبية ثان: تعلم - أخي، حفظك الله من كل سوء- أن أفضل صلاة المرء غير
أن
المكتوبات في بيته، سواءً كانت مؤكدةً أو مستحبةً مطلقة أو راتبةً، قبلية أو بعدية، ليليةً أو نهاريةً لثبوت ذلك من فعل خير البشر وقوله (1)، ففي حديث ابن عمر النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا (2)، إِلا أَنَّهُ لا يُنكر على الإنسان الصلاة في مسجده لا سيّما لحاجة كحضور مجلس علم.
ونذكرُ من هذه السنن المؤكَّدة في هذا الباب: صَلاةَ الوتر، وسنَّةَ الفجر، وسنَّةَ تحية المسجد، وصلاةَ الكُسُوف)، وصلاة العيد نفردها بباب خاص ..
(1) – القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج: "سؤال أهل الذكر"- تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 14 رمضان 1425 هـ
يوافقه 2004/ 10/29 م.
(2)
مسلم، باب: اسْتِحْبَابِ صَلَاةِ النَّافِلَةِ فِي بَيْتِهِ وَجَوَازِهَا فِي الْمَسْجِدِ، رقم الحديث 1296. (1/379)
صفحة 380
فصل في صلاة الوتر
الوتر سنة مؤكدة على الراجح عند الشيخين أبقاهما الله، يقول سماحة المفتي
حفظه الله -: ونحن نأخذ بقول مَن قال بأن الوتر سنةٌ مؤكدة (1).
صِفَةُ الوِتْرِ
—
وأقل الوتر ركعة واحدة، وتصح بثلاث وخمس وسبع إلى ثلاث عشرة ركعة)، قال رسولُ الله: " أوتر بخمس، فإن لم تستطع فبثلاث، فإن لم تستطع فبواحدة، فإن لم تستطع فتومي إيماء " (2).
(1) - وقد نُسب إلى أكثر أصحابنا -رضوان الله تعالى- القول بوجوبها، ولكن الذي ذهب إليه جمهور الأمة هو التأكيد، وممن ذهب إلى التأكيد من أصحابنا: الإمام الربيع بن حبيب، وأبو سعيد الكدمي الناعبي، وقطب الأئمة، والإمام السالمي في المعارج وغيرهم -رحمهم الله تعالى-، ومن أدلتهم على عدم وجوب الوتر:
أ- قوله تَعَالَى: حَفِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَوةِ الْوُسْطَى) البقرة: 238، ولو قلنا بوجوب الوتر لكانت المفروضات ستا، ولا تكون صلاةٌ وسطى من عدد زوجي، وهذا ما يؤكد أن الواجبات خمس فقط. ب- حديث من جاء يسأل عن الإسلام فأجابه النبي بقوله: "لخمس صلوات في اليوم والليلة" قال هل غيرها، قال: "لا إلا أن تطوع" ... ثم أدبر الرجلُ وهو يقول: لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أفلح إن صدق". (الربيع/ 56).
ت - حديث ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِه حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ يُؤْمِنُ إِيمَاءً صَلَاةَ اللَّيْلِ إِلَّا الْفَرَائِضَ، وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِه (البخاري / 945)، ولو كانت الوتر من الفرائض لوقف ولصلاها قائما بكامل هيئتها كسائر الفرائض، فلما لم يكن من ذلك شيء عُلم أن الوتر غير واجب؛ إذ الصلاة على الراحلة في حال الاختيار من خصائص السنن لا الفرائض.
أما حديث: "إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ زَادَكُمْ صَلَاةً سَادِسَةٌ خيرٌ لكم من حمر النعم - أي كرائم الإبل - وهي
الْوَثر " (الربيع /195) فالمراد في الأجر لا الوجوب، والله بكل شيء عليم.
•
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 179.
الخليلي، برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 29 رجب 1423 هـ يوافقه 2002/ 10/6 م.
القنوبي، فتاوى على أسئلة. من الشرق الإفريقي ص 11.
السالمي، شرح الجامع الصحيح ج 1 ص 272، 277. (1/380)
صفحة 381
ويجوز في الوتر الفصلُ والوصل، وإن كان الفصلُ أولى من الوصل (3)؛ لأنَّه أكثر فعل النبي وأرشد إليه بقوله: صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا حَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً (4).
لطيفة: لا ينبغي للإنسان عندَ الإمكان أن يقتصر في الوتر دونَ ثلاث ركعات، ولذا رُويَ عن أبي الشعثاء جابرٍ رَحِمَهُ اللهُ - أَنَّه أوتر بواحدة ليُرِيَ أصحابه الجواز، ثم قال لهم: "هذا وترُ العاجز
(0)
(1) – يقول الشيخ سعيد بن مبروك بن حمود القنوبي يحفظه الله - في أحد أجوبته: " نعم قد جاءت كيفيات متعددة لصلاة الوثر، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يُصلي الوثر ثلاث عشرة ركعة - وفي الواقع هذا الوثر مع قام الليل وكان يفصل بين كلّ ركعتين".
(القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 137)
(2) – الربيع، باب: في فرض الصلاة في الحضر والسفر، رقم الحديث 194.
(3)
3 - قلتُ: وقد سألتُ مشافهة الشيخين الخليلي والقنوبي -حفظهما الله - عن الأولى في الوتر فأجاب الجميع بجواز الأمرين مع أفضلية الفصل، والحمد لله تعالى.
وكذا نسب صاحب القواعد القول بتفضيل الفصل للأصحاب " ... وبهذا يقول أصحابنا، ولكنهم استحبوا أن يصلي ثلاثا يفصل بين الركعتين والركعة بالتسليم".اهـ، هذا إذا صلَّى الوتر ثلاث ركعات، فإن صلاها خمسا أو سبعا
أو أكثر فيُسلّم بعد كل ركعتين. يُنظر:
الجيطالي، قواعد الإسلام ج 1 ص 317.
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 171.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 156.
القنوبي، دروس صيف 2002 م / 1423 هـ مذكرة خاصة ص 54).
القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 7 صفر 1428 هـ، يوافقه 25/ 2007/2 م. القنوبي، برنامج: سؤال أهل الذكر، حلقة: 2 رمضان 1430 هـ، يوافقه 23/ 8 / 2009 م.
(4) – البخاري، باب: مَا جَاءَ فِي الْوِتْرِ، رقم الحديث 936.
(5) - يُنظر:
الجيطالي، إسماعيل بن موسى قواعد الإسلام ج 1 ص 317 - 318.
الخليلي، أحمد بن حمد برنامج: سؤال أهل الذكر، حلقة: 29 رجب 1423 هـ، يوافقه 2002/ 10/6 م. (1/381)
صفحة 382
مُلاحَظَةٌ مُهمَّةٌ: مَنْ أَرادَ أَنْ يُوترَ بطَريقة الفَصلِ صلى ركعتين ركعتين بتشهد وتسليم، فإذا أرادَ الانتهاء قامَ وصَلَّى ركعةً واحدةً بتشهد وتسليم، ويكون كلا التشهدين في هذه الحالة ركنا للصلاة.
أَمَّا مَن أرادَ أن يصلّي الوتر بطريقة الوصل -وهي تصلُحُ لمنْ يُصلِّي ثلاث ركعاتِ فقط - فعليه أن يصل بين ركعاتها من غير أن يسلم بعد تشهده من الركعتين، وإنماً
يقتصر في التشهد الأول إلى الصَّلاة الإبراهيمية ثم يقوم بتكبيرة للركعة الأخيرة.
مَا يُقرأُ في الوثر
ويَقرَأُ المصلي في جميع ركعات الوتر -بما فيها الركعة الثالثة فاتحة الكتاب وما تيسر من القرآن، ومِنَ السُّنَّةِ (1) أن يقرأ المصلي في الركعة الأولى منها بسورة
سبح، وفي الثانية بسورة الْكَفِرُونَ، وفي الثالثة بسُورة الإخلاص (2). ويُندَبُ أنْ يَقُولَ المصَلَّى في مجلسه بعدَ فَراغه منْ صَلاته هذه: "سُبْحَانَ الملك القُدُّوس" ثلاثَ مَرَّات (3).
وَقْتُ الوثر
يبتدئ وقتُ صلاة الوتر من بعد صلاة العشاء إلى ظهور الفجر الصادق على الصحيح- (4)، ويُستحب تأخيرها إلى آخر الليل لمن أمِنَ النوم، وغلب على ظنه أنه
(1) - القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج: "سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 24 رمضان 1425 هـ
يوافقه 2004/ 11/8 م.
(2) - النسائي، بَاب مَا جَاءَ فِيمَا يُقْرَأُ بِهِ فِي الْوِتْرِ، رقم الحديث 424.
(3) - القنوبي، سعيد بن مبروك. تحفة الأبرار ص 152.
(4)
•
يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 177.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 130. (1/382)
صفحة 383
سيتيقظ من آخره، وإلا قدَّمها المصلي بعد صلاة العشاء، والأفضل أن يُؤخرها قبل منامه ليختم يومه بعبادة ربه، فعن جابر بن عبد الله قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: أَيُّكُمْ خَافَ أَنْ لا يَقُومَ مِنْ آخر اللَّيْلِ فَلْيُوتِرُ ثُمَّ ليَرْقُدْ، وَمَنْ وَلِقَ بِقِيَامِ مِنْ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرُ مِنْ آخره؛ فَإِنَّ قِرَاءَةَ آخر اللَّيْلِ مَحْضُورَةٌ وَذَلكَ أَفْضَلُ).
تنبية: يمكن أن تُصلَّى الوتر قبل دخول وقت العشاء على الصحيح، وذلك
في حال ما إذا جُمعت العشاء جمع تقديم في وقت المغرب، هذا هو الحقُّ (2).
تنبية ثان: من خرج عليه وقتُ الوتر أو نسي هذه الصلاةَ شُرِعَ له قضاؤُها متى تذكرها، ولا فرْقَ في ذلك بينَ ليل أو نهار على المعتصم عند الشيخين -أبقاهما
الله - (3)
فَتْوَى
السؤال عندما يجمعُ صلاةَ المغرب مع العشاء، هل له أن يُؤخر الوتر؟ الجواب نعم، لهُ أنْ يُؤخر، كما أنَّ لهُ أنْ يأتي به بعد العشاء مباشرةً؛ والله
أعلم (4).
(1)
مسلم، باب: مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، رقم الحديث 1256.
(2) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك برنامج: سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 13 رمضان 1425 هـ،
يوافقه 2004/ 10/28 م.
(3) - يُنظر:
الخليلي، برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 29 رجب 1423 هـ، يوافقه 2002/ 10/6 م.
القنوبي، دروس صيف 2003 م / 1424 هـ (مذكرة خاصة ص 49).
(4) – القنوبي، سعيد بن مبروك برنامج: "سؤال أهل الذكر"- تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 6 رمضان 1422 هـ،
يوافقه 2001/ 11/22 م. (1/383)
صفحة 384
فَصْلٌ فِي سُنَّةِ الفَجْرِ
تعلم أخي، ألهمك الله رشدَكَ - أنَّ مِنَ السُّننِ المؤكداتِ ركعتي الفجرِ رهما ركعتان خفيفتان بعد طلوع الفجر الصادق (2) وقبل صلاته، وقد واظب عليهما النبيُّ في كل أحواله، وحثّ عليهما أصحابه كما ثبت (3) في ذلك قوله: رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا " (4).
وهما ركعتان خفيفتان كما تقدَّم أي لا يطيلُ فيهما القراءة اتباعًا للسنة (5)، ولذا يُستحَبُّ اتباعًا للسُّنة (2) - أيضا - أن يقتصر المصلّي في الأولى -
الكتاب - على سُورةِ الكَفِرُونَ، وفي الثانيةِ عَلَى الإخلاص ().
(1)
القول بتأكيد سنة الفجر نص عليه شيخنا الخليلي -حفظه الله - في فتاواه، وصرّح بتصحيحه شيخنا القنوبي في
دروسه الصيفية القيمة خلافا لمن قال بخلاف هذا الرأي. يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 179.
القنوبي، دروس صيف 2004 م / 1425 هـ (مذكرة خاصة ص 20).
(2) - تنبية: تقدَّم لديك في الباب الثالث في شروط الصلاة/ الوقت أنَّ الفجر الصادق: هو البياض المنتشر ضوءه معترضاً في الأفق، ويقابله الفجر الكاذب: وهو الذي يطلع مستطيلاً متجهاً إلى الأعلى في وسط السماء، ثم تعقبه ظلمة. والأول: هو الذي تتعلق به الأحكام الشرعية، والثاني له حكم الليل.
(3) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج: سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 12 رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 10/27 م.
(4) - مسلم، باب: اسْتِحْبَابِ رَكْعَتَيْ سُنَّةِ الْفَجْرِ وَالْحَتْ عَلَيْهِمَا وَتَخْفِيفِهِمَا وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِمَا وَبَيَانِ مَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقْرَأُ فِيهِمَا، رقم الحديث 1193.
(5) ـ لحديث أم المؤمنين عائشة قالت: "كان رسولُ الله له يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلي إذا سم
النداء بالصبح ركعتين خفيفتين".
(الربيع، باب: في سبحة الضحى وتبردة الصلاة، رقم الحديث 202).
(6) - القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 2003 م / 1424 هـ (مذكرة خاصة ص 38).
(V)
مسلم، باب: اسْتِحْبَابِ رَكْعَتَيْ سُنَّةِ الْفَجْرِ وَالْحَتْ عَلَيْهِمَا وَتَخْفِيفِهِمَا، رقم الحديث 1195. (1/384)
صفحة 385
تنبية: من فاتته سنةُ الفجر قبل الصلاة فيُشرعُ له قضاؤُها بعد الصلاة مباشرةً
على المعتصم عند الشيخ ابن يوسف - رحمه الله (1) ورجَّحه الإمامان الخليلي والقنوبي - حفظهما الله - (2)
وكذا تُقضَى سنة الفجر قبل الفريضة عند خروج وقت صلاة الفجر -أي على نفس الترتيب المعهود (3)؛ والدَّليلُ عَلَى ذَلكَ هُوَ فَعْلُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه حَينَ نامُوا عنْ صَلاةِ الفَجرِ مَا أَيْقَظَهُمْ إِلا حَرُّ الشَّمْسِ، فَأَذَّنَ بِلالُ فَصَلَّوْا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ثُمَّ صَلَّوْا فَرِيضَةَ الْفَجْرَ (4).
تنبية ثان): لقد عَلمْتَ منْ شأن السُّنن والرَّواتب أنَّ الأولى فيها أن تُؤدَّى في البيوت حتى لا تكون قبورًا، فمَنْ دَخَلَ المسجد بعدَ أنْ أدى سُنةَ الفجر في منزله فلا له أن يجلس إلا بعد أن يصلي ركعتين هما "تحية المسجد" كما سأنبيك عن
ينبغي
تفصيلها ببيان ..
(1)
- (الشيخ ابن يوسف) هو اصطلاح لقطب الأئمة محمد بن يوسف اطفيش –رحمه الله تعالى-، وقد أحببت استخدام هذه التسمية ثم التنبيه عليها لئلا يُشكل على الطالب عندما يجد هذه التسمية عن بعض علمائنا، فقد سمعت شيخنا سيف بن راشد المعولي -رحمه الله - يستخدم هذا الاصطلاح، ولعل ذلك أخذا عن شيخه الإمام ا كما تجده واضحا في أجوبته القيمة المسماة بـ"الفتح الجليل من أجوبة الإمام أبي خليل"، وبالله التوفيق.
(2) - يُنظر: الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 178.
القنوبي، "جواب مطوَّلٌ: مطبوع ومتداول" لدى الكاتب نسخة منه ص 52.
القنوبي، دروس صيف 2002 م / 1423 هـ (مذكرة خاصة ص 4).
القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 13 رمضان 1425 هـ يوافقه 2004/ 10/28 م. (3) - القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 2003 م / 1424 هـ (مذكرة خاصة ص 54). 4) – أبو داود بَاب: فِي مَنْ نَامَ عَنْ الصَّلَاةِ أَوْ نَسِيَهَا، رقم الحديث 372. (1/385)
صفحة 386
فَصْلٌ فِي تَحِيَّةِ المَسْجِدِ
تعلم طالب العلم، أدخلَكَ اللهُ الجُنَانَ - أَنَّه لا ينبغي لمن دخل بيتًا من بيوت الله أن يجلس قبل أن يصلي ركعتين، هما سُنةُ تحية المسجد، وهاتان الركعتان من السننِ المؤكدة على المعتصم عندَ الشَّيحَين - حفظهما الله - (1)
وقد دل على تأكيد هاتين الركعتين ما ورد في حديث الرسول من الأمر بهما والنهي عن تركهما، من ذلك قوله: " إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس (2)، ")، وقوله: " فَلا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْن (3)، ولذا يقولُ شيخنا بدرُ الدين الخليلي - أبقاه الله -: "وأقل ما أرى أن يُقال فيها إنها مؤكدة (4).
تنبية: ركعتا تحية المسجد من الصلوات السببية كصلاة الجنازة)، والكسوف (6)، والاستخارة، وركعتي الطواف ()، وقد تقدَّمَ لديك - سلفًا (8) - أَنَّهُ قَدْ -
(1) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 168.
القنوبي، تحفة الأبرار ص 135 (تعليق).
القنوبي، جلسة إفتاء "مادة سمعية، إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 3
130،63
- الربيع، باب: في سبحة الضحى وتبردة الصلاة، رقم الحديث 204.
(3) - البخاري، بَاب مَا جَاءَ فِي التَّطَوُّعِ مَثْنَى مَثْنَى، رقم الحديث 1097.
(4) ـ الخليلي، أحمد بن حمد. الفتاوى ج 1 16
(5) - القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج: سؤال أهل الذكر - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 11 رمضان 1424 هـ،
يوافقه 2003/ 11/5 م.
(1)
القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج: "سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 12 ربيع الأول
1425 هـ، يوافقه 2/ 5 / 2004 م.
() - القنوبي، سعيد بن مبروك. "جواب مطوَّلٌ: مطبوع ومتداول" لدى الكاتب نسخة منه ص 52.
(8) – الباب الثالث في شروط الصلاة- فصل في شرط الوقت/ الأوقات المكروهة. (1/386)
صفحة 387
ثبتت مشروعية الصلوات السببية في الأوقات التي تكره فيها الصلاة دون أوقات
التحريم الثلاثة (الطلوع، والغروب، والاستواء) (1).
ومن تطبيقات هذه المسألة أنَّ مَن دخل المسجد بعد أن صلى العصر فلا يجلس حتى يصلي التحية إلا أن تصفرَّ الشمس وتدنو منَ الغروب (2) فلا يُصَلِّ حينها، والله
أعلم.
تنبية ثان): مَن دخل المسجد وقت خُطبة الجمعة فعليه أن يأتي بركعتي التحية ويتجوز فيهما (3)،، ولا تلفت إلى قول مَنْ قَالَ بترك هذه السنة؛ إذ لم يستدل إلا بمجرد القيل والقال الذي لا يقامُ له وزن في سوق المناظرة والجدال، بعد أن علمت وثبت لديك وتقرر عندك أنَّ النبي قطع خطبته من أجل أن يأمرَ الرجل الذي دخل المسجد وجلس- أن يُصلى الركعتين قبل أن يجلس
(1)
1) - يُنظر:
الخليلي، برنامج " سؤال أهل الذكر، حلقة: 28 ربيع الثاني 1424 هـ، يوافقه 29/ 6 / 2003 م.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ص 72.
وقد أضاف شيخنا القنوبي -حفظه الله - في جلسة المراجعة الثانية مترل فضيلته بتاريخ: 1429/ 11/28 2008/ 11/27 م) أنه مع كون صلاة الاستخارة صلاةً سببيةً إلا أنه ينبغي للمستخير إن عرض له ما يدعو للاستخارة في الوقت المكروه أن يؤخر صلاة الاستخارة إلى ما بعد وقت الكراهة، وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَختار القصص: 68.
(2) - وذلك يقدر بخمس عشرة دقيقةً تقريبا؛ بناءً على ما تقدَّم لديك - أيها الطالب النجيب - أنَّ النهي وقت الغروب لا يبدأ من غروب الشمس نفسها، وإنما يبدأ قبل ذلك باصفرار الشمس على المعتمد. عند المحقق الخليلي عافاه الله-،
يُراجع: الباب الثالث في شروط الصلاة فصل في شرط الوقت- الأوقات المحرمة.
(3)
3 - أي يخفف القراءة ولا يطيل فيهما.
(4)
- مسلم، باب: التَّحِيَّةُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، رقم الحديث 1449. (1/387)
صفحة 388
يقولُ الإمام أبو سعيد الكُدَمِيُّ - رَحِمَهُ الله -: " إِنْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ الرَّجُلَ وَثَبَتَ فَهُوَ أَوْلى (1)، وقد انتصر لهذا الرأي عالما العصر العلامتان الخليلي والقنوبي – يرعاهم الله تعالى (2).
فَائِدَة: صلاة تحية المسجد ليست من السنن المقصودة لذاتها، وإنَّما يُتوصل بها
إلى الجلوس في المسجد بعد ركعتين؛ لقوله: "فلير كَعْ ركعتين قبلَ أنْ يجلس " ولذا يُجزي عنها أي ركعتين أو ما زادَ كصَلاة الوتر -إنْ صَلاها أكثر من ركعة (4)، أو سُنةِ الفَجْرِ أو سُنَّةِ الضُّحى أو سُنَّةِ الوضوء، أو أيُّ فريضة حاضرة؛ قالَ: " إِذَا أُقيمت الصَّلاةُ فَلا صَلاةَ إِلا الْمَكْتُوبَةُ (5). " (5).
(1)
المنتدى الأدبي، قراءات في فكر أبي سعيد الكدمي، محاضرة لسماحة المفتي بعنوان: "التأصيل الفقهي عند الإمام أبي
سعيد الكدمي" صهه.
(2) - يُنظر:
(3)
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 123، وأيضا إجابة موسعة ص 135 - 142. القنوبي، "فتاوى بقرية لزق بعُمان 1423 هـ"، سه، "مادة سمعية". القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 63.
القنوبي، دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية سابقا، بروي)، صيف 1421 هـ / 2000 م، (مذكرة رقم 1 ص 8).
- الربيع، باب: في سبحة الضحى وتبردة الصلاة، رقم الحديث 204.
(4) - نعم تجزي صلاة الوتر لمن دخل المسجد عن تحية المسجد بشرط أن يصليها ثلاثا أو أكثر؛ لأن الحديث في أمره ونهيه نص على الركعتين فالاقتصار على الركعة الواحدة اقتصار عن المأمور وارتكاب للمنهي.
وبذا تدرك أيها الفطن أنه لا يجزي عن التحية أيضا- أن يأتي الداخل بالباقيات الصالحات أو يسجد سجدتين
ثم يجلس؛ لأن كل ذلك لا يصدق عليه شرعا ولا عرفا أنه ركع ركعتين. ينظر: القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الخامس ص 12.
(5)
القنوبي، برنامج: سؤال أهل الذكر، حلقة: 25 رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 11/9 م.
25 - مسلم، باب: كَرَاهَةِ الشُّرُوعِ فِي نَافِلَةٍ بَعْدَ شُرُوعِ الْمُؤَذِّنِ، رقم الحديث 1160. (1/388)
صفحة 389
ولذا عندما سُئل شيخنا القنوبي -حفظه الله - عمَّن دخل المسجد وقت الضحى وأراد أن يصلي ركعتين قبل الجلوس أيهما الأفضلُ أن يُصلي التحية أو الصحي؟ فأجاب: يصلي ركعتين وتجزيه عن تحيَّة المسجد وعن الضُّحى (1).
قلت: وقد كنتُ مع شيخنا الغاربي - عافاه الله - فسأله أحد طلبة العلم عن المسألة نفسها، فأجاب بأنَّ الأولى أن يصلي التحية؛ لأنها سنة مؤكدةً وتلك مُستحبةٌ وَلِكُلِّ
وجْهَهُ هُوَ مُوَلِهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ.
نتهمُ العُقُولَ فِيْمَا أشكلا
***
ونترك الأمر لأرباب العُلا
(1)
ب، سعيد بن مبروك. دروس صيف 2002 م / 1423 هـ (مذكرة خاصة ص 50).
1) - القنوبي، (1/389)
صفحة 390
فَصْلٌ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ
اعلم -حفظك الله من تقلبات الزَّمان، وآمنك طوارق الليل وحادثات النهار أنَّ الله تعالى جَعَلَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةٌ لِمَنْ أَرَادَ أَن يَنَّكَرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً * الفرقان: 12 وجعل الشمس والقمر آيتين من آيات الله العظمى، ودلائله الكُبرى على عظيم قدرته وبالغ تصرفه في هذا الكون. ومن ذلك كسوف الشمس واختفاء نورها، وخسوف القمر وامتحاء نوره ليكون كل ذلك عظةً وذكرى يفزع بها
الناسُ إلى خالقهم بالذكر والتوبة إليه)، فشرع من أجل ذلك صلاة الكسوف نصا، وصلاة الخسوف قياسًا عليها
(1) ـ كسوف الشمس وخسوف القمر ظواهر كونية تحدث نتيجة جريان هذه الأجرام وسيرها حسب سن الله وعل وإرادته النافذة في هذا الوجود، فالكسوف: هو أن يقع القمر بين كوكب الأرض والشمس بحيث يحجب نور الشمس عن الأرض، أما الخسوف فهو أن تقع الأرض بين الشمس والقمر بحيث تحجب الأرضُ نور الشمس عن القمر فيدو
مظلمًا معتماً.
هم
ومعرفة التفسير العلمي لهذه الظواهر الكونية لا ينبغي أن يَشغلَ النَّاسَ عن ما مأمورون به من الدعاء بالرحمة واللطف والستر، وكذا الذكر والتضرع لله، والمسارعة بالتصدق وبذل المال لمحتاجيه، والتو? جه للصلاة إليه الا الله امتثالا لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم القائل "فافزعوا إلى الصلاة"، كما خرج النبي فزعا مرعوبا وصلى بالناس ركعتين أطال فيهما القراءة والتسبيح والتعظيم ثم خطب الناس بعدها، وكان من جملة ما قاله: "يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا " (الربيع /198).
فما يُدري الإنسان أنَّ هذه الظواهر وأمثالها من الزلازل والبراكين والصواعق والأعاصير، وتلك اللحظات المضطربة هي بقية حياته، واقتراب أجله، بل ما يدريه أنَّ تلك التقلبات حين يختلُ نظام الكون، وتكور شمسه، ويخسف قمره، وتنكدر نجومه، وتتهاوى أجرامه هي مقدمات يوم القيامة، وكلُّ ذلك من مظاهر هذا اليوم العظيم، وقد أخبرنا الله تعالى عنه بأنه قريب، ولا شك، قَالَ تَعَالَى: {أَقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ من رَّبِّهِم تُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ) الأنباء:
(2) – القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج "سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 12 ربيع الأول 1425 هـ، يوافقه 2004/ 5/2 م. (1/390)
صفحة 391
فائدة
يجوز إطلاق لفظ الكسوف والخسوف كلِّ منهما على الآخر، أي يجوزُ أَنْ يُقالَ: خسوف الشمس وكسوف القمر، ولكنَّ الأكثر في الاستعمال، والأسهل للتمييز لا سيما عند الإطلاق هو استعمالُ "الكسوف" للشَّمس، و"الخسوف" للقمر).
حكم صلاة الكسوف
صلاة الكسوف سُنَّة مؤكّدةً في حقٌّ كُلِّ أَحَد؛ وذلك لمسارعة النبي صلى الله عليه وسلم إليها وأمره بها، وقد جاءت مشروعيتها عَن أكثر من عشرينَ صحابيًّا من صحابة رسول الله (2)، فلا يبعد أن يُقال فيها بالوجوب الكفائي بالنظر إلى مجموع الأمة
ويُقاس على كسوف الشمس خسوف القمر في مشروعية الصلاة (4)، وكذا يُقاسُ عليه - على المعتصم عند العلامة القنوبي - كلُّ نازلة تداهم الخلق كالزلزلة والصواعق والبراكين، سلَّمَنا الله وجميع المسلمين منها (5).
(1) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك برنامج "سؤال أهل الذكر" - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 6 رمضان 1429 هـ
يوافقه 2008/ 9/7 م.
(2)
- القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج: "سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 14 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/9 م.
(3)
القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج "سؤال أهل الذكر تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 12 ربيع الأول 1425 هـ، يوافقه 2/ 5 / 2004 م.
(E)
4) - قيل إن مشروعية الصلاة لخسوف القمر هي من باب النص أيضا؛ للفظ الرواية عند أبي داود: " إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ بَشَرٍ فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَصَلُّوا"، والنتيجة واحدة. (أبو داود، باب: مَنْ قَالَ أَرْبَعُ رَكَعَاتِ، رقم الحديث 996)
(5) - يُنظر: القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر " حلقة: 15 رمضان 1429 هـ، يوافقه 9/ 16 /2008 م. القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 14 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/9 م. (1/391)
صفحة 392
صفة صلاة الكسوف
اعلم أخي، جعلك الله ممن يستمعون القول فيتبعونَ أَحْسَنَهُ أَنَّه يُشرعُ حَالَ كسوف الشمس أن يُنادَى في الناس بـ "الصلاة جامعةً" أو "إن الصلاة جامعة (1).
فإذا اجتمع الناسُ في المسجد قام الإمامُ وصلى بهم صلاة الكسوف، وهي: ركعتان جهريتان، في كل ركعة ركوعان وقيامان، كما هو الراجحُ الْمُعْتَصَصُ عندَ الشَّيخَينِ الخليلي والقنوبي -حفظهما الله، و هو الذي اختاره النور السالميُّ - رَحمَهُ الله - (2). وعليه فصفةُ هذه الصَّلاةِ باختصار هي أنْ يقرأ الإمامُ فاتحة الكتاب وسورةً يطيلُ فيها القراءة، ثم يركع ركوعًا يطيلُ فيه التعظيم، ثم يقوم ويقرأ قراءةً طويلةً هي دونَ القراءة الأولى (3)، ثم يركع ركوعًا طويلاً هو دونَ الركوع الأول، ثم يقوم ثم يسجد
(1)
- "الصلاة": منصوبة على الإغراء، أي بتقدير فعل محذوف كـ" الزموا"، و"جامعة": حال منصوب. الآخر فمحله الإعرابي ظاهر جلي. (البخاري، باب: النِّدَاء
ہے
الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ فِي الْكُسُوفِ، رقم الحديث 987)
وأما اللفظ
(2) - وردت روايات كثيرة في صفة صلاة الكسوف، منها يُثبت في كل ركعة ركوعا واحدا، وبعضها ثلاثة، وبعضها أربعة وخمسة، حتى قال بعض العلماء بالتخيير بين هذه الأوجه، ولكن نظرا إلى أن هذه الحادثة وقعت مرة واحدة في حياة الرسول فإنه لم يصلها إلا مرة واحدة، بكيفية واحدة، فإذن يُؤخذ من هذه الروايات بالصحيح ا الثابت (الركوعان في كل ركعة)، ويُطرح ما عداه؛ لأنه شاذ معدود من خطأ الروايات، أو أخطاء الرواة، والله أعلم. يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 175، 177.
القنوبي،
السيف الحاد ص 110 - 112.
القنوبي، الإمام الربيع بن حبيب: مكانته ومسنده ص 122.
القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 6 رمضان 1429 هـ، يوافقه 2008/ 9/7 م.
القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 24 رمضان 1422 هـ، يوافقه 2001/ 12/10 م. السالمي، شرح الجامع الصحيح ج 1 ص 284.
(3) اختلف الفقهاء في مشروعية قراءة الفاتحة في القيام الثاني من كل ركعة، والذي يظهر من كلام إمام السن والأصول -حفظه الله - في آخر أجوبته الميل إلى قراءتها، وهذا نص كلامه: " .. ليس هنالك نَص واضح في السنة
أبدا"، ثم يقول: "لكن الذي نعمل به الإتيان بالفاتحة". يُنظر:
القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 7 رمضان 1429 هـ، يوافقه 8/ 9/ 2008 م. (1/392)
صفحة 393
سجدتين يطيلُ فيهما التسبيح، ثم يقوم للركعة الثانية ويفعل فيها ما فعل في الركعة الأولى غير أنَّ القراءة والتعظيم والتسبيحَ فيها أقصر قليلاً من الركعة الأولى.
تنبية: شاع عند بعض النَّاسِ في بعض المجتمعات رفع الأذانات عند وقوع الكسوف أو الخسوف، وهذا عمل بخلاف السنة، بل ولما أجمعت عليه الأمة، وإنما المشروع كما تقدَّمَ - أَنْ يُقالَ: "الصلاةَ جامعةً"، ولا مانع من تكرار هذا اللفظ مرتين أو ثلاثا لدعوة الناس وتنبيههم على الصلاة (1).
وأقبح منه ما سمعنا عَنِ البعض أنهم يقومون بضرب الطبول، وإثارة البهائم لظنهم أنَّ الشمس لم تُكسف إلا لأنها ارتكبت ذنبًا أوْ أَنَّ التنين العملاق قد أكلها، والله
المستعان.
خُطبةُ الكُسُوفِ
اعلم أيُّها الداعية، رُزقت القول السديدَ والعمل الرشيد - أَنَّه يُندبُ لمن أمَّ النَّاسَ في هذه الصلاة أن يقوم فيهم بعدها خطيبًا، يخطب خطبةً واحدةً مختصرة (2)، يحمد الله تعالى ويثني عليه أولاً، ثُم يدعوهم للعظة والاعتبار، يخوِّفُهم عقاب الله ويرغبهم في ثوابه، ويحثهم على ذكر الله والإكثار من الصلاة والصدقة ويأمرهم باتباع السننِ وينهاهم عن مقاربة البدع.
(1) - يُنظر:
القنوبي، برنامج: سؤال أهل الذكر، حلقة: 12 ربيع الأول 1425 هـ، يوافقه 2/ 5 / 2004 م.
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 47.
القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر"، حلقة: 6 رمضان 1429 هـ، يوافقه 2008/ 9/7 م.
(2) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج: "سؤال أهل الذكر"- تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 7 رمضان 1429 هـ
يوافقه 8/ 9 / 008
200 م. (1/393)
صفحة 394
كما فعل الرسولُ حينما كُسفت الشمسُ في اليوم الذي مات فيه ابنه
إبراهيم (1) -عليهما الصلاةُ والسَّلامُ فظنَّ بعض النَّاسِ أَنَّها كُسفت لموته، فقامَ فيهم خطيبًا، وكان مما قالَ: " إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَان منْ آيات الله لا يخسفان لموت بَشَرٍ ولا لحياتِه، وَإِذَا رَأَيْتُمْ ذلكَ فَادْعُوا اللَّهَ وكَبِّرُوهُ وَتَضَرَّعُوا وَتَصَدَّقُوا"، ثم قال: " يَا أُمَّةَ مُحَمَّد وَالله لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَليلا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا". قالت عائشة: وأمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر (2).
(2)
فائدة: الكسوف لا يقعُ إلا في نهاية الشهر الهجري (في حال استشرار القمر)،
والخسوفُ لا يقعُ إلا في وسطه (في حال ابتدار القمر) (3).
فائدة أخرى: إِذا مَنَعَ مَانِعٌ مِن رُؤْيَة الكُسُوفِ أَو الخُسُوفِ كغيمٍ أَو غُبارِ فلا تشرعُ الصلاةُ ولو قال أهْلُ الفَلَك بأَنَّهُ يَقعُ في تلك الساعة، وكذا إن وقع في بلدة أو بلد آخر؛ لأنَّه أَمْرٌ مُعَلِّق بالرؤية كما تقدَّمَ "وإذا رأيتُم ذلك " (4)
تذكير: يُشرع في حقك - أيُّها الجَوادُ - التصدُّق عندَ رُؤية الكُسُوف أو الخُسُوف لدَلالَة الحَديث السابق: "وَإِذَا رَأَيْتُمْ ذلكَ فادْعُوا الله وكَبْرُوهُ وتَضَرَّعُوا
وتَصَدَّقُوا (5).
(1) - فَائِدَةٌ نَفيْسَةٌ: أفاد شيخنا القنوبي -حفظه الله- بأن كسوف الشمس وقع في الساعة الثامنة والنصف (8:30 ص) من اليوم التاسع والعشرين من شوال من السنة العاشرة للهجرة (10/ 10/29 هـ)، والذي يوافقه السابع
والعشرون من شهر يناير من عام ستمئة واثنين وثلاثين للميلاد (27/ 632/1 م). (القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 6 رمضان 1429 هـ، يوافقه 7/ 9 / 2008 م). 2) – الربيع، باب: في صلاة الكسوف، رقم الحديث 198.
(3)
سعيد بن مبروك. برنامج: سؤال أهل الذكر "، حلقة: 6 رمضان 1429 هـ، يوافقه 7/ 9 / 2008 م.
2) - القنوبي، (4) - يُنظر: القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر"، حلقة: 7 رمضان 1429 هـ، يوافقه 8/ 9 / 0008 2 م. القنوبي برنامج: سؤال أهل الذكر "، حلقة: 12 ربيع الأول 1425 هـ، يوافقه 2/ 5 2004 م.
(5)
"
- الربيع باب في صلاة الكسوف، رقم الحديث 198. (1/394)
صفحة 395
عَنْ أَنَسِ هِ قَالَ:
البَابُ الخَامِسَ عَشَرَ فِي صَلَاةِ العِيْدِ
"كَانَ لأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ يَوْمَان فِي كُلِّ سَنَة يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ قَالَ: كَانَ لَكُمْ يَوْمَان تَلْعَبُونَ فِيهِمَا، وَقَدْ أَبْدَلَكُمُ اللَّهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْفِطْرِ، وَيَوْمَ الأَضْحَى (1).
(1).
فَصْلٌ في حكم صَلَاةِ العِيدِ وَوَقَتِهَا
اعلم أيُّها السَّعِيدُ، أعادَ الله عليكَ فَرحة العيد عيدًا بعد عيد - أنَّ الله من شرع لنا صَلاةَ العيدين في السَّنَة الثانية من الهجرة بعدَما شَرَعَ صِيَامَ شَهْرٍ رَمَضَانَ؛ ولذا فَهِيَ
مِنْ أعظم شعائر الإسلام، وقدْ أمر بها القُرآنُ الكَريمُ، أمَّا صَلاةُ الفِطْرِ فبقوله تَعَالَى: الأعلى: 14 - 15، 15، وأما صَلاةُ الأَضْحَى
قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ، فَصَلَّى) الأعلى: (
14
10
فبقوله تَعَالَى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر - الكوثر: 3.
وقد واظب عليها النَّبيُّ، وأمر بالخروج إليها حتى أنَّهُ أَمَرَ النِّسَاءَ الحَيَّضَ أَنْ
(3)
يَخْرُجْنَ مِنْ بُيُوتِهِنَّ لِيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ (2)، وَتَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى (3).
(1)
- النسائي، كتاب: صَلاةِ الْعِيدَيْنِ، رقم الحديث 1538.
(2) - يُنظر:
الخليلي، برنامج: سؤال أهل الذكر، حلقة: 27 رمضان 1427 هـ، يوافقه 2006/ 10/21 م.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى – القسم الثالث ص 35.
القنوبي برنامج: "سؤال أهل الذكر"، حلقة: 28 رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 11/12 م ..
(3) – البخاري، بَاب: شُهُودِ الْحَائِضِ الْعِيدَيْنِ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ وَيَعْتَزِلْنَ الْمُصَلَّى، رقم الحديث 313. (1/395)
صفحة 396
ولذا فأقل ما يُقالُ في حُكْمِها إِنَّها سُنَّةٌ مُؤكّدةً إن لم تكن واجبةً عينيَّةً-كما
(2)
استظْهَرَهُ البَدْرانِ الخليلِيُّ (1) والقنوبِيُّ (2).
فَائِدَة: العِيدُ مَأخوذُ مِنَ العَوْدِ، لأنَّ العيدَ مُناسَبَةٌ تَعُودُ وَتَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ حَولٍ بِالفَرْحَةِ والسُّرُور (3).
وقتها): وقت صلاة العيد هو وقت صلاة الضُّحَى، أي من ارتفاع الشَّمس قدْرَ رُمْحِ وهوَ ما يُقدَّرُ بِاثْنتي عشرة دقيقةً تقريبا، إلى ما قبل استوائها في كبد السَّماء)، ويُفضَّلُ أنْ تُوَخَّرَ في الفطر حتَّى يتمَكِّنَ المسلمُونَ مِنْ أَدَاءِ زَكَاةِ الأَبْدَانِ قَبلَ الصَّلاةِ، وتُقدَّمَ في الأَضْحَى حَتَّى يَتَمَكَّنوا مِنْ ذَبح أَصَاحِيهِمْ بعدَ الصَّلاةِ.
(1) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 170.
(2) يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 168.
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة 28 رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 11/12 م. القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 24 رمضان 1425 هـ يوافقه 2004/ 11/8 م.
(3) ـ ابن منظور، لسان العرب، مادة: عود.
(4) - يُنظر: الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 209.
القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 28 رمضان 1425 هـ، يوافقه 11/ 12/ 2004 م. (1/396)
صفحة 397
فَصْلٌ في صفتِها
تَعَلَّمْ أيُّها المُتَعَلِّمُ، أَلْبَسَكَ اللهُ حُلَلَ الفَرحَة وَالسَّعادَة أَنَّ صَلاةَ العيد رَكْعَان باتِّفَاق، ولا أَذَانَ لها وَلا إقامةَ ولا أَيَّ ِندَاء آخَرَ (1)، إلا أنَّهُ يُشْرَعُ فِيهَا التَّكَابِيرُ بِاتِّفَاقِ العُلَماء، وإن اختَلَفُوا فِي هَيْئَاتها ومواضعها، إلا أنَّها كُلَّهَا جَائِزَةٌ وَصَحِيحَةٌ بِإِذْنِ الله تَعالى (2)، فَمَنْ تلك الهيئات المُعْتَصَل:
الهيئة الأولى: ثَلاثَ عَشْرَةَ تَكبيرةً، يُكبِّرُ الإِمَامُ وَيُتابعُهُ المأمومونَ طبعًا - بَعدَ تكبيرة الإحرام خَمَسًا، وَبَعدَ القِرَاءةِ مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيةِ خَمْسًا، وَبَعدَ القِيامِ مِنَ الرُّكُوعِ الثاني ثَلاثًا، وَهَذهِ هِيَ أَشْهَرُ الهيئات وأكثرُها عَمَلاً عندَنَا (3).
الهيئةُ الثَّانِيَةُ: ثَلاثَ عَشَرَةَ تَكبيرةً، يَكبِّرُ الإِمَامُ بَعدَ الإحرام سنا، وبعد القراءة الثانية سَبْعًا، يَقولُ سَماحة المفتي عَافَاهُ الله - في (الفَتَاوَى): "وَهَذَا الَّذِي أَعْمَلُ به (4). الهيئة الثالثَةُ: اثْنَتَا عَشْرَةَ تَكبيرَةً، سَبعٌ بَعدَ تَكبيرة الإحرام مُباشَرَةً، وَخَمس بعد القيامِ مِنَ الركعة الأولى وقَبلَ القراءة منَ الركعة الثانية، يَقولُ صَاحِبُ (قاموس الصَّلاة): "وَهوَ مذهب شيخنا العلامة المحدث سعيد بن مبروك القنوبي -حفظه الله
تعالى (5).
(1) - يُنظر:
(2) - يُنظر:
(3)
القنوبي، برنامج: سؤال أهل الذكر " حلقة: 7 رمضان 1429 هـ، يوافقه 8/ 9 / 2008 م. القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 24 رمضان 1422 هـ، يوافقه 2001/ 12/10 م.
الخليلي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 28 رمضان 1429 هـ، يوافقه 29/ 9/ 2008 م. القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 26 رمضان 1427 هـ، يوافقه 2006/ 10/20 م. بن حميد. تلقين الصبيان ص 47 - 48 طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الدينية دائرة الوعظ.
الله
حمد. الفتاوى ج 1 ص 171.
- السالمي،
عبد
(4) ـ الخليلي،
أحمد بن
(5) ـ الطيواني،
خلفان
بن سليمان. قاموس الصلاة ص 151. (1/397)
صفحة 398
ومِنْ هَديه الثابت في سُنَّتِهِ أَنَّهُ كانَ يَقرأُ في الرَّكعةِ الأُولى مِنَ العِيدَيْنِ بِسُورةِ
سيح، وفي الثانية بسُورة الْغَشِيَةِ).
فَصْلٌ فِي خُطْبَةِ العِيدِ
اعلمْ سَدَّدَ اللَّهُ مَنطَقَكَ - أَنَّهُ يُشرَعُ بَعْدَ انتهاء الإِمَام مِنْ صَلاة العيد أَنْ يَقُومَ فيهمْ خَطيبًا خُطبة العيد، وَهِيَ خُطبَةٌ وَاحِدَةٌ (2) يَفتَتِحُها بالتحميد (3)، وَيُكثرُ فِيهَا مِنَ التكبير، وَيَستَقبلُ فيها جُمُوعَ المصَلِّينَ، ثُمَّ يَأْمُرُهُمْ وينهاهمْ، وَيَعظُهمْ ويُذكِّرُهُمْ، في دينهم وما يلزَمُهم في يومِهمْ مِنْ زَكاة الفطرِ، أَوْ ذَبح الأضاحي.
مسألة
إِذَا فَاتَتْ صَلاةُ العِيدِ عُمُومَ المسلمينَ بِسَبَبٍ تَأخُرِ الْخَبَرِ، كَانْ يأتي العُدُولُ يَشْهَدُونَ بَعدَ زَوالِ شمس ذَلكَ اليوم مثلاً فَعَلى وَلي أَمرِ المسلمينَ أَنْ يَأْمُرَهم بالغُدو إلى مُصلَّى البلد من يوم الغد لأداء صلاة العيد في وقتها المعْلُومِ، هَذا هو الصحيحُ عِندَ إمام السنة)؛ لدلالة السُّنَةِ الصَّحيحة عليه (5)
(1) - يُنظر
القنوبي،
، أحاديث صحيحة. مجلة المعالم / العدد الثاني (1421 هـ / 2000 م) ص 50.
القنوبي، برنامج: سؤال أهل الذكر - حلقة: 24 رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 11/8 م.
(2) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج "سؤال أهل الذكر تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 14 رمضان 1424 هـ،
يوافقه 2003/ 11/9 م.
(160
(3) - وقيل بالتكبير، والذي أثبتناه أعلاه هو ما نقله صاحب قاموس الصلاة عن الشيخ القنوبي -حفظه الله – أنه قال في لقاء خاص به مكتب الإفتاء: " أَمَّا نحنُ فَنَبْدَأُ بالتخميد". (الطيواني، قاموس الصلاة ص (4) - القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج "سؤال أهل الذكر تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 13 رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 10/28 م.
(ه) - وهو ما ثبت عَنْ جماعة من أَصْحَابِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَنْ رَكْبًا جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ رَأَوْا الْهِلَالَ صلى الله عليه وسلم بِالْأَمْسِ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا وَإِذَا أَصْبَحُوا أَنْ يَعْدُوا إِلَى مُصَلاهُمْ.
(أبو داود، باب: إِذَا لَمْ يَخْرُجُ الْإِمَامُ لِلْعِيدِ مِنْ يَوْمِهِ يَخْرُجُ مِنْ الْغَدِ، رقم الحديث 977). (1/398)
صفحة 399
فَصْلٌ فِي سُنَن العِيْدِ وَآدَابِهِ
اعلم أخي، لا حَرَمكَ اللهُ اتَّبَاعَ حُطَى المصطَفَى - أنَّ للعيد سُنَنَا وَآدَابًا لا ينبغي التفريط فيها، أو الاستهانة بفعلها، وَمِنْ هَذِهِ السُّنَنِ والآداب:
1. إخراجُ صَدقة الفطرِ الوَاجِبَة (1) قَبلَ الخرُوج لصلاة الفِطْرِ طُهرة للصائم، وإغناء للفقراء عَنِ السُّؤال في هذا اليوم. وكذا إرَاقَةُ الدَّم (الأضحيةُ) سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ يَومَ النَّحر الذي هو يوم العيد الأكبر؛ اقتداءً بأبي الأنبياء إبراهيم الله الذي ضحى في هذا اليَوْمِ، وَكانت أُضْحِيَّتُهُ فِدَاءً لَوَلَده إسماعيل في الرُّؤْيا التي امتحنَهُ الله بها (2).
العلامة القنوبي - حفظه الله - في غير
(1) - زكاة الفطر فريضة واجبة كما صرح بتصحيحه أجوبته؛ استدلالا بصريح قول ابن عمر: فَرَضَ رَسُولُ الله زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرِ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرِ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنثَى، وَالصَّغير والكبير من المُسْلِمينَ وَأَمَرَ بهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاة". (البخاري، رقم
الحديث 1407)
11
أما قول السيدة عائشة. سن رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر .. "، (الربيع/ 337) فلا يراد بالسنة هنا معناها الفقهي الذي يقابل الواجب، وإنما السنة هنا هي مطلق ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وجرى العمل به في عهده.
هي
وكذا لا يراد بالزكاة في قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى (وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ، فَصَلَّى) الأعلى: 14 - 15 زكاة الفطر، وإنما في تزكية النفس على المعتمد عند شيخنا القنوبي -حفظه الله - على حد قوله تَعَالَى: قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَنَهَا)
الشمس: 9. يُنظر:
القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 23 رمضان 1428 هـ، يوافقه 2007/ 10/06 م. القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 25 رمضان 1427 هـ، يوافقه 2006/ 10/19 م.
(2) - يُنظر: الخليلي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 27 ذو القعدة 1425 هـ، يوافقه 2005/ 1/9 م. الخليلي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 22 رمضان 1427 هـ، يوافقه 2006/ 10/16 م. (1/399)
صفحة 400
2. الاعْتسَالُ والتَّزَيُّنُ وَالتَّطيب والاستياكُ: وَفي هذا إظهار لشَعارِ الإسلام، وتعظيم لشعَائِرِ اللهِ، وَتَحدث بنعمته له على العباد كَمَا كَانَ يفعلُ ذَلكَ صَحابةُ
الرسول
الأكلُ قَبلَ الخروج لصلاة الفطر على تمرات وترًا، وتأخيره حتى الرجوع يومَ الأَصْحَى): فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ، وَلا يَطْعَمُ يَوْمَ الأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ
(3)
4. الذهاب للمُصلَّى مَاشيًا مَعَ مُخَالَفَة الطَّرِيقِ في الذهاب والإياب (4): وَكُلُّ ذَلِكَ حسب الإمكان؛ لِمَا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَأْتِي الْعِيدَ مَاشِيَا، وَيَرْجِعُ فِي غَيْرِ الطَّرِيقِ
الَّذِي ابْتَدَأَ فيه (5).
(1)
- يقول شيخنا القنوبي يحفظه الله - في أجوبته المتلفزة القيمة: "والحاصل أَنَّ كُلَّ ما يُشْرَعُ لصلاة الجمعة فإنه يُشرع لصلاة العيد، هذا ما نَصَّت عليه طائفة من أهل التحقيق من أهل العلم، وهو كلام واضح لا غُبَارَ عليه بمشيئة الله تبارك وتعالى". يُنظر:
(2)
الخليلي، برنامج: "سؤال أهل الذكر حلقة: 28 رمضان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 12/4 م. القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 28 رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 11/12 م.
أحمد - الخليلي، يوافقه 2003/ 2/9 م.
(3)
بن
حمد. برنامج: سؤال أهل الذكر تلفزيون سلطنة عُمان حلقة: 8 ذو الحجة 1429 هـ
الترمذي، باب: مَا جَاءَ فِي الأَكْلِ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الْخُرُوجِ، رقم الحديث 497.
(4) – القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج: "سؤال أهل الذكر"- تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 28 رمضان 1425 هـ،
يوافقه 2004/ 11/12 م.
(5) - يُنظر:
البخاري، بَاب: مَنْ خَالَفَ الطَّرِيقَ إِذَا رَجَعَ يَوْمَ الْعِيدِ، رقم الحديث 933.
ابن ماجه، باب: مَا جَاءَ فِي الْخُرُوجِ يَوْمَ الْعِيدِ مِنْ طَرِيقِ وَالرُّجُوعِ مِنْ غَيْرِهِ، رقم الحديث 1290. (1/400)
صفحة 401
ه. تأديةُ هَذِهِ الصَّلاةِ خَارِجَ البَلَدِ في المصلَّى الجامع): رجالاً ونساءً، صغارًا
وكبارًا، شيبًا وشبابًا، إلا أنَّ النِّساء ينبغي بَل يجبُ عَليهِنَّ الخروجُ فِي حِشْمَةٍ وَسِتْرِ،
بعيدًا عن الفتنة أو الاختلاط بالرجال، وَإِلا فَدَرْءُ المفسدة مُقدَّم على جَلب المصلحة. 6. التكبير عند الخروج للصلاة في كلا العيدين أمَّا الفطر فقد قَالَ تَعَالَى: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ البقرة: 185، ويبدأُ هذا التكبيرُ من خروج النَّاس إلى المصلّى إلى قيامهم للصَّلاة (2).
وأَمَّا الأَضْحَى فلقولِهِ جَلَّ وَعَلا: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ البقرة: 203، وَيَبْتَدِئُ هَذا التَّكبيرُ في هذا اليومِ مِنْ خُروج النَّاسِ إِلى المصَلَّى إلى قيامهم للصَّلاة، ثُمَّ بَعدَ التَّسْلِيم منَ الفَرَائِضِ إِلى مَا بَعدَ التَّسلِيمِ مِنْ صَلاةِ العَصرِ آخر أيامٍ التشريق (3).
تَبَادُلُ التَّهَانِي بِقَبولِ العَمَلِ وَمَقدَمِ العِيْدِ: كَما كَانَ أَصحابُ رَسولِ اللَّهِ يَفْعَلُونَ وَيُهنَّمُونَ بَعضَهُمُ البعض (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ
مِّمَّا يَجْمَعُونَ، يونس: 058
(1) – القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج: سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 25 رمضان 1425 هـ
يوافقه 2004/ 11/9 م.
(2) - يُنظر:
الخليلي، برنامج سؤال أهل الذكر حلقة: 10 شوال 1426 هـ، يوافقه 2005/ 11/13 م. القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 28 رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 11/12 م.
(3) ـ الخليلي،
أحمد
بن
حمد. الفتاوى ج 1 ص 230.
(4) - يُنظر: الخليلي، برنامج: سؤال أهل الذكر، حلقة: 27 رمضان 1427 هـ، يوافقه 2006/ 10/21 م. القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر " حلقة: 28 رمضان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 12/4 م. (1/401)
صفحة 402
فَفَي الفِطرِ يُهَنِّتُونَ بَعضَهُم بِاتمامِ الصَّيامِ، وَشُهُودِهِمْ يَومَ الجائِزَةِ، وَفِي الأضـ الأَضْحَى بصيامِ عَشْرِ ذِي الحجَّةِ ويومِ عَرَفة، وبالنَّحرِ يومَ الحج الأكبر؛ مشار عَرَفةَ، وبالنَّحرِ يومَ الحج الأكبر؛ مشاركةً لِحُجَّاجِ بَيتِ الله الحرام مناسكهم.
زِيَارَةُ الأهْلِ والأَرْحَامِ: يُسَنُّ في هذَا اليَوم أَنْ يَزُورَ الإِنسَانُ أَرْحَامَهُ، وَيَصْلَ
أَهْلَهُ وَجِيرَانَهُ، وَأَنْ يُوسِّعَ عَلَيهِمْ، وَأَنْ يَجُودَ بالمعرُوفِ بِقَدْرِ مَا يُمْكِنُهُ (1).
9. بَذْلُ الصَّدَقَاتِ لِكَفِّ أَهلِ الفَقْرِ والمَسْغَبَةِ عَنِ السُّوَالِ فِي هَذا اليومِ، وَمِنهُ أيضًا تَفرِيحُ الصَّغَارِ وَإِدْحَالُ السُّرُورِ عَلَى قُلُوبِهِمْ بِأَعطَائِهِمْ مَا يُحِبُّونَ (2)، وَكَذَا اللَّعِبُ اليسيرُ، وَالإِنشَادُ المُبَاحُ كَمَا أَنشَدَتِ الْجَارِيتَان يَومَ العيد (3).
، أحمد
(1) ـ الخليلي، بن حمد. برنامج: سؤال أهل الذكر " حلقة: 8 ذو الحجة 1429 هـ، يوافقه 2003/ 2/9 م.
(2) ـ الخليلي، أحمد بن حمد. برنامج "سؤال أهل الذكر"، حلقة: 28 رمضان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 12/4 م. (3) - تَنْبِيَّةٌ مُهم: اعلم أيها الفَطِنُ - لا حرمك الله التوفيق- أنه قد جاء عند بعض المحدثين عن أم المؤمنين عائشة قالت: "دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الْأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتْ بِهِ الْأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ، قَالَتْ: وَلَيْسَنَا بِمُغنيتَيْنِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَبِمَرْمُورِ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللهِ؟! - وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيد - فَقَالَ رَسُولُ اللهِ "يا أبا بَكْرٍ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا".
والحديث ليس فيه دليل لمن استدل على إباحة الغناء ومزامير الشيطان، فلا ينبغي استغلال مثل هذه الروايات في تحليل المحرمات، فالجاريتان هما فتاتان صغيرتان، تعبران عن فرحتهما بالعيد، وليستا بمغنيتين كما قيدت ذلك السيدة
عائشة
بصريح العبارة، وهذا الْغِنَاء كانَ إنشادًا لبعض أشعار العرب في الشَّجَاعَة والحماسة والقتال وَنَحْو ذَلكَ، ممَّا لا مَفْسَدَة فيه، بخلاف الْغَنَاءِ الْمُشْتَمِل عَلَى مَا يُهيج النُّفُوسِ عَلَى الشَّرِّ، ويدعو للميوعة والانحلال، ويثير كوامن الغرائز لدى الشباب، ولذا صدق ما قيل: "الغناء رقية الزناء"، ويقول ابْنُ مَسْعُود الله: " الْغَنَاءِ يُنْبت النِّفَاقِ فِي الْقَلْ كَمَا يُثبت الْمَاءُ الزَّرْع، والذكر يُنبتُ الإيمان فى الْقَلْب كَمَا يُنبت الْمَاءِ الزَّرْع".
فإذن هذا الحديث لا دلالة فيه على ذاك الاستدلال، بل الأدلة من الكتاب والسنة على خلاف ذلك، ومنها:
1 - قوله تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوا أَوْلَيْكَ هُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ * لقمان: 6، سئل ابن مسعود له عن الآية فقال: "والله الذي لا إله إلا هو، والله الذي لا إله إلا هو، والله الذي لا إله إلا هو إنما هو الغناء" (صفوة التفاسير 922/ 2). (1/402)
صفحة 403
2 - قوله: " صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة، صوت مزمار عند نعمة، وصوت مرنة عند مصيبة"، وفسر الربيع - رَحِمَهُ الله - صوت المزمار بصوت المغنية. (الربيع/ 636)، ومن المعلوم لديك أن اللعن لا يكون إلا على كبيرة من كبائر الذنوب فضلا عن كونه معصية الله عز وجل.
قوله: اليَكُونَنَّ من أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحلُونَ الْحَرَ وَالْحَرِيرَ وَالْحَمْر وَالْمَعَازف .. ". (البخاري معلقا).
عن
إلى غير ذلك من الأدلة التي تركناها اختصارا، يقول العلامة محدِّثُ العصر في هذا الشأن: " .. فالأحاديث المحرمة للغناء رويت من طرق متعددة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم منها الصحيح ومنها الحسن ومنها الضعيف الذي يشده الصحيحُ أو الحسن، وقد رُويت من طرق متعددة منها عن علي ابن أبي طالب وعن السيدة عائشة - رضى الله تعالى عنها - وعن ابن عباس وعبد الله بن عمر وابن العاص وأبي أمامة الباهلي وسهل بن سعد الساعدي وغيرهم من صحابة رسول الله.
وأقوى تلك الأحاديث حديث أبي مالك الأشعري –رضي الله تعالى عنه- الذي رواه الإمام البخاري جازماً بصحته ورواه الطبراني وأبو داود وابن ماجه بلفظ: (ليأتين رجال من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف)، هذا أقرب شيء إلى لفظ أبي داود، وقد أطال العلامة ابن القيم في عدة كتب من كتبه في الانتصار لهذا المذهب وبيان صحة الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع، كما أطال في ذلك العلامة الحافظ ابن حجر في " فتح الباري شرحه على صحب البخاري.
ولم يأت من قال بحلية استماع الأغاني كالغزالي [المتأخر] بشيء يستحق المناقشة، وقوله بأن تلك الأحاديث
لم تثبت، فقد ثبتت عند من هو أكثر منزلة منه، وعلى كل فالعالم له هفوات فقد يخطئ وقد يصيب، والله سبحانه وتعالى قد أمرنا بطاعته وطاعة رسوله الله و لم يأمرنا بطاعة أحد من الناس، والله سبحانه وتعالى أعلم".
وقبل ذلك بقليل قال حفظه الله -: "ذكر ذلك أي تضعيف أحاديث تحريم الغناء الغزالي في كتابه مؤخرا، وقد رد عليه طائفة من العلماء، والغزالي ليس من أئمة الحديث حتى يصحح أو يضعف، والعجب بأن هذا الزمان قد ابتُلي بجماعة من الناس الذين لم يدرسوا مصطلح الحديث ولم يتعبوا أنفسهم بقراءة كتب الصحاح والسنن ثم بعد ذلك أخذوا يصححون ويضعفون على حسب ما تمليه عليهم عقولهم القاصرة، أو أنهم يقلدون بعض من لم يتعمق في هذه العلوم، والغزالي مقلد في هذا لابن حزم، وابن حزم عنده قصور في النظر والمتابعات والشواهد، مع تعنته في الجرح، وإنما ينظر في إسناد الحديث ويضعفه لأدنى علة، وليس هذا موضع بيان ذلك".
ومن فتاوى سماحة الشيخ أبقاه الله -: "هل يجوز الغناء في رمضان؟
الجواب: الغناء في رمضان وغيره حرام؛ لأنه رقية الزنا ومزمار الشيطان، والله أعلم". وقد أجاب سماحة ا
بجواب مفصل حول هذه القضية فليرجع إليه من شاء.
هذا .. وأختم كلامي ببعض ما وجدته عن أحد العارفين قال: "وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْغَنَاءِ حَوَاصَ، فَمِنْهَا أَنَّهُ يُلْهِي الْقَلْ وَيَصُدَّهُ عَنْ فَهْمِ الْقُرْآن وَتَدَبَّره وَالْعَمَل بِمَا فِيهِ، فَإِنَّ الْقُرْآنِ وَالْغِنَاء لا يَجْتَمِعَانِ فِي الْقَلْبِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّضَاد، (1/403)
صفحة 404
صِفَةُ التَّكْبِيرِ
أَلْفَاظاً
اعلم أيُّهَا الطالبُ أَهمَكَ اللهُ دَوامَ ذكره - أن للتكبير في العيدين - وَصفَات مُتَعَدِّدَةً، وَكُلُّهَا جَائِزَةٌ بحَمْد الله تَعَالى وَمَنْ أَلفَاظه المختَارَة أَنْ يُرَدِّدَ المُكَبِّرُ
حَالَ خُرُوجه إلى مُصَلَّى العيد: "اللهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لا إلهَ إِلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلله الحمد (1). وَكَذَا يُمكنُ أَنْ يُقَالَ أَدْبارَ الصَّلَوَات يَومَ النَّحْرِ وَالثَلاثَ بَعْدَهُ: "اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ اللهُ أَكْبَرُ، لا إلهَ إلا الله، وَاللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا. اللهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلا الله، وَاللهُ أَكْبَرُ تَكْبِيرًا. اللهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، الله أكبر، لا إلهَ إلا الله، والحمدُ لله كَثِيرًا، وَسُبحانَ اللهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً، الحمدُ لله عَلى ما هَدانا، الحمد الله عَلَى مَا أَنعَمَ بِهِ عَلَيْنا
أَكْبَرُ،
وَأَوْلانا، وَصَلى اللهُ وَسَلَّمَ عَلى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلى آله وَصَحْبه أجمعينَ (2).
فَالْقُرْآن يَنْهَى عَنِ اتَّبَاعِ الْهَوَى، وَيَأْمُرُ بِالْعِفَّةِ وَمُجَانَبَة الشَّهَوَات وَأَسْبَاب الْغَيِّ، وَالْغِنَاء يَأْمُر بِضِدٌ ذَلِكَ وَيُحَسِّنهُ وَيُهَـ النُّفُوسِ إِلَى شَهَوَاتِ الْغَيِّ.
وَسِرُّ الْمَسْأَلَة أَنَّ الْغِنَاء قُرْآن الشَّيْطَان فَلا يَجتمع هُوَ وَقُرْآن الرَّحْمَن فِي قَلْب، وَهَذَا مَعْنَى النِّفَاق. وَأَيْضًا فَمِنْ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ قِلَّهُ ذِكْرِ الله وَالْكَسَلُ عِنْد الْقِيَامَ إِلَى الصَّلاةَ وَنَقْرِ الصَّلاةَ، وَهَذِهِ صِفَةُ الْمَفْتُونِينَ
بالْغَنَاء". وجملةُ القَوْل: إن الغناء شعر وإنشاد وكلام فحلاله حلال وحرامه، حرام إلا إن اقترن بآلة محرمة أو حمل مع باطلا، والله أعلم. يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 337. فتاوى النكاح ص 402.
الخليلي، جواب مفصل حول اللحية والغناء. القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول، ص 118.
القنوبي، دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية (سابقا)، صيف 1421 هـ /،20 م، مذكرة رقم 6 ص 17.
القنوبي، "فتاوى" بمعهد القضاء الشرعي (سابقا). اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية.
،'
القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر " حلقة: 19 ربيع الأول 1425 هـ، يوافقه 2004/ 5/9 م.
صلاح ا
الدين السعيد حكم الموسيقى والغناء ص 7 - 21.
أحمد المسند، حديث: السيدة عائشة، رقم الحديث 23161.
(1) القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج "سؤال أهل الذكر"، حلقة: 28 رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 11/12 م. (2) - يُنظر: الخليلي برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة: 28 رمضان 1429 هـ، يوافقه 2008/ 9/29 م (بتصرف).
(2) (1/404)
صفحة 405
فصل
في بَعضٍ أَحكَامِ العِيدِ وَصَلَاتِهِ
وبعدَ أَنْ عَلمت ما عَلِمتَ - يا رَعَاكَ اللهُ - فَاعْلَمْ أَنْ هُنَاكَ أَحكَامًا كَثِيرَةً قَدْ بقيت تتعلق بالعيد وصلاته تذكُرُ منها ما يأتي:
1 - يحرُمُ صِيامُ العِيدَين بإجماع الأُمَّةِ الإِسْلاميَّة (1)؛ لأَنَّهُما يُومُ ضِيافَة مِنَ الله لعباده، فَيجبُ قَبول ضيافته (2)، فَقَدْ صَلَّى عُمَرُ بالنَّاسِ صَلاةَ العيد ثُمَّ خَطَبَهُمْ فَقالَ: هَذَيْن يَوْمَان نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ صَيَامِهِمَا: يَوْمُ فَطْرَكُمْ مِنْ صَيَامِكُمْ، وَيَوْمُ تَأْكُلُونَ فيه منْ نُسُككُمْ"
إِنَّ
2 - لا تُشْرَعُ الصَّلاةُ قَبلَ صَلاة العيد أو بَعدَهُ عَلَى الْمُعْتَمَم عندَ الشَّيخين؛ لِعَدَمِ ثُبُوتِ ذَلِكَ عن نَبِيِّ اللهِ، اللهُمَّ إِلا إِنْ صُلِّيت صَلاةُ العِيدِ في المسجدِ فَحِينَها يُشرَعُ للدَّاخِلِ أنْ يُصَلِّيَ تحيةَ المسجد
(1)
- مطلقا أي سواء كان هذا الصيام نفلا أو واجبا.
(2) - يُنظر:
(3)
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 161.
الخليلي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 7 جمادى الأولى 1427 هـ، يوافقه 2006/ 6/4 م. القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 28 رمضان 1423 هـ، يوافقه 12/ 4/ 2002 م.
الربيع، باب: النهي عن الصيام يوم العيدين ويوم الشك، رقم الحديث 329.
(4) - يُنظر: الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 173.
الخليلي، برنامج: سؤال أهل الذكر، حلقة: 18 ذو القعدة 1427 هـ، يوافقه 2006/ 12/10 م. القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر" حلقة: 25 رمضان 1425 هـ يوافقه 11/ 9/ 2004 م. (1/405)
صفحة 406
3 - يَنبغي
أنْ تَكُونَ المصافَحَةُ بَعدَ تمام الصَّلاة لا قَبْلَهَا؛ لأنَّ الفَرحَةَ عندئذ
تَتَجَدَّدُ بسَبب ما وُفِّقُوا لَهُ مِنْ ذكر الله
4 - مُصَلَّى العِيدِ لَهُ حُكْمُ المسجد، فَلا يُجُوزُ لغَيرِ الطَّاهِرِ دُخُولُهُ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُحَوَّلَ لغَيره إلا إلى مَسجد؛ لأَنَّهُ مَسجِدٌ إلى يوم القيامة (2).
د برنامج: سؤال أهل الذكر تلفزيون سلطنة عُمان حلقة: 28 رمضان 1424 هـ
(1) ـ الخليلي، أحمد بن حمد. يوافقه 2003/ 11/23 م.
(2) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى المعاملات ص 379
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 187. (1/406)
صفحة 407
البابُ السَّادِسُ عَشَرَ فِي السُّنَنِ غَير المؤَكَدَةِ
(الراتبة وغير الراتبة)
قَالَ تَعَالَى: أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ
قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَدْ بِهِ نَافِلَةٌ لَكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ
رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا ال
اثنين:
79
الإسراء: 78 - 79
***
إنَّ الصَّلاةَ كلُّها خيرٌ ظَهَرْ مَنْ شَاءَ فَلْيُكْثِرْ وَمَنْ شَاءَ اقْتَصَرْ
اعْلَمْ أَيُّها القَانتُ الأَوَّابُ أَنّ السَّنَ المُسْتحَبَّةَ (غير المؤكدة) تنقسم إلى قسمين
أولاً: السُّنُ الراتبةُ: هي التي كان النبي يصليها قبل الفرائض أو بعدَهَا. ثانيا: السُّننُ غيرُ الراتبة: هى السُّنُ المطلَقَةُ التي ورَدَ الحث عليها، والترغيب فيها منْ غَير أن ترتبط في وقتها بفريضة منَ الفَرائض (1). وأخيرًا القِسْمُ الثالثُ: الصَّلواتُ السَّبيَّةُ: التي هي مشروعة لأسباب، ومترتبة على أعمال أو حصول أحداث.
(1) – القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج: "سؤال أهل الذكر "- تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 12 رمضان 1425 هـ،
يوافقه 2004/ 10/27 م. (1/407)
صفحة 408
القسم الأول: السُّنُ الرَّاتبةُ:
الظهر
السنن الراتبةُ: هي التي كان النبي يصلّيها قبل الفرائض أو بعدها، ومنها: سُنةُ القَبْلِيَّةُ والبَعْديَّةُ، وسنةُ المغرب، وسنَّةُ العشاء، وسنةُ الجمعة.
فصل في بعض أحكامِ السُّنَنِ الرَّاتبةِ
1 - الأصلُ فيها أن تُصَلَّى في البيت (1).
-2
تسْقُطُ حالَ الجمع بينَ الصَّلاتَينِ على الْمُعْتَمَ
جوازها علَى الرَّاحلة حالَ السَّفر
4 - يُشرَعُ قضاؤُها لَمَنْ فاتَهُ وقتها على الْمُعْتَصَب (4)، لَمَا ثبت أن النبيُّ صلى الله عليه وسلم قضى سنة الظهر بعد صلاة العصر حينما شغلَهُ وفد عبد القيس)، يقولُ العلامة القنوئي عافاه الله -: "القولُ بقضاء كل السنن الراتبة قول
قوي "
(6)
(1) – القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج: سؤال أهل الذكر"، حلقة: 24 رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 11/8 م.
(2) - يُنظر: الخليلي، الفتاوى ج 1 ص.
158
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 43.
القنوبي، برنامج: سؤال أهل الذكر، حلقة: 24 رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 11/8 م.
(3) - القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس حول "سجود التلاوة" بجامع الإمام الجيطالي بالموالح الشمالية/ صيف 2006 م.
(4) - يُنظر:
القنوبي، "جواب مطوَّلٌ: مطبوع ومتداول" لدى الكاتب نسخة منه ص 52.
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة: 13 رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 10/28 م.
(5) ـ أبو داود، باب الصلاة بعد العصر، رقم الحديث 1081.
(7)
) - القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج "سؤال أهل الذكر تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 13 رمضان 1425 هـ،
يوافقه 2004/ 10/28 م. (1/408)
صفحة 409
القنوبي
الأَصْلُ فيها ما جَاءَ في حديث أبي سعيد الخُدْرِيِّ له أَنَّهُ قالَ: "كَانَ رَسولُ الله يصلي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين، وبعد صلاة العشاء ركعتين، وكانَ لا يصلّي بعد الجمعة حتى ينصرف النَّاسُ ويصلي ركعتين (1).
فَصْلٌ فِي سُنَّةِ المغرب
سنَّةُ المغرب ركعتان بعد صلاتها وهي سنة راتبةً على المعتمم عند شيخنا بي (2) - أبقاه الله؛ لأنها تَسْقُطُ حالَ الجمع بينَ الصَّلاتَينِ كغيرها مِنَ الرَّوات وهي آكد الرواتب، بل قيل بتأكيدها (3). تنبية: يجوز أن تُصلَّى سُنَّةُ الظهر و سُنَّةُ المغرب خلف المسافر الذي يصلّي فريضةً العصر أو العشاء جمع تقديم، ولكنَّ الأولى أنْ تُصَلَّى فرادَى؛ لأَنَّ الإِفرادَ هَوَ الأصل في السنن والنوافل، ولأنَّ الأصل مشروعية القراءة بعد الفاتحة في سُنَّة الظهر،
وهذا ما يَسْقُطُ في هذا الحال.
(1) الربيع، باب: في سبحة الضحى وتبردة الصلاة، رقم الحديث 201.
(2) القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج "سؤال أهل الذكر" حلقة: 24 رمضان 1425 هـ
2004/ 11/8 م.
(3) – أي قيل بأنها سنة مؤكدة. يُنظر: الخليلي، أحمد بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 179.
(4) ـ الخليلي،، أحمد بن
حمد. برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 4 محرم 1426 هـ، يوافقه 2005/ 2/13 م. (1/409)
صفحة 410
فصل في سنة العشاء
لم يَثْبُت في سنة رسول الله قبل صلاة العشاء سنةٌ قَبْلِيَّةٌ مخصوصة إلا محض
التنفل (1)، وعموم قوله في الحديث الصحيح (2): "بيْنَ كُلِّ أَذَاتَيْن صَلَاةٌ " (3). وأمَّا سُنَّةُ العشاء بعدَ فريضته فهي ركعتان را تبتان ثابتتان من قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله (4)، وهما كركعتي المغرب بعد الفريضة مباشرةً، وتسقطان حال الجمع بين الصلاتين، وبالله التوفيق.
فصل في سنَّةِ الظهر
اعلم أيها العابد - أنه ثبت عن الأسوة الحسنة للظهر سنتان راتبتان (5): الأُولى قَبْليَةٌ والثانيةُ بَعْديّةٌ.
أما القَبْلِيَّةُ فثبت أنه صلاها ركعتين كما في الحديث المتقدم، وثبت أيضًا أنه صلاها أربعًا، وهذا أَوْلى عنْدَ السَّعَة والإمكان وإلا اكتفى بالركعتين (6)؛ فعن أبي أيوب الأنصاري أنهُ كانَ يُصلّي قبل الظهرِ أربعًا، فقيل له: ما هذه الصلاةُ؟ فقال: رأيتُ
(1) - كقوله: "مَا أَذنَ اللهُ لِعَبْدِ فِي شَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ يُصَلِّيهِمَا". (الترمذي، باب: مَا جَاءَ فِيمَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ الْقُرْآنِ مَالَهُ مِنْ الْأَجْرِ، رقم الحديث 2836).
(2) – القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج: سؤال أهل الذكر"، حلقة: 13 رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 10/28 م.) - البخاري بَاب: بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ لِمَنْ شَاءَ، رقم الحديث 591.
(3)
(4) القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج: "سؤال أهل الذكر " حلقة: 13 رمضان 1425 هـ، يوا
2004/ 10/28 م.
ه) – القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج "سؤال أهل الذكر حلقة: 13 رمضان 1425 هـ، يوافقه
(o)
2004/10/28 م.
(1) - القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج "سؤال أهل الذك حلقة: 13 رمضان 1425 هـ، يوافقه
2004/ 10/28 م. (1/410)
صفحة 411
رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصَلِّيْهَا فسألته فقال: إنها ساعة تفتَحُ فيها أبواب السَّماء فأحبُّ أَنْ يُرفع لي فيها عَمَلٌ صَالح (1).
فائدة: اصطلَحَ بعض أهل العلم على تسمية هذه الراتبة بـ"سنة الزوال (2)؛ نظرًا لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يصليها بُعَيْدَ زَوالِ الشَّمس، ولا مشاحة في الاصطلاح (3). وأمّا البَعْديّةُ فهي ركعتان يُقرأُ فيهما بفاتحة الكتاب وما تيسر من القُرآن-كسائر السنن، وقد ثبت أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَضاها بعدَ صَلاةِ العَصرِ حينما شغلَهُ عَنْها وفد عبد القَيْس (4).
فَصْلٌ فِي سُنَّةِ الجُمُعَةِ
تقدَّمَ معك سلفًا أنه لم يثبت قبل صلاة الجمعة سنة مخصوصة إلا مطلق التنفل في هذه الغداة سواء في البيت أو في المسجد، أمَّا بعد الجمعة فالصحيح الثابت ركعتان
فقط (ه) 25، وبما أنهما أي الركعتان - بعد صلاة الجمعة فهما سنةٌ للجمعة لا للظهر (6).
1) - الربيع، باب: في سبحة الضحى وتبردة الصلاة، رقم الحديث 204.
(1)
أحمد
(2) ـ الخليلي، بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 177.
(3)
القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 2001 م / 1422 هـ (مذكرة خاصة ص 35).
(4) ـ أبو داود باب الصلاة بعد العصر، رقم الحديث 1081.
(5) – القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج: سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 14 رمضان 1425 هـ
يوافقه 2004/ 10/29 م.
(6) ـ الخليلي،
، أحمد
بن
حمد. الفتاوى ج 1 ص 131. (1/411)
صفحة 412
تنبية
لم يثبت لصلاة العصر سنة راتبة قبلية كصلاة العشاء- إلا محض التنفل وعموم قوله في الحديث الصحيح (2): "بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ (3)
أمَّا مَا جَاءَ رَحِمَ اللهُ امْرَأَ صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا (4) فمختلف فيه، ورأى المحدِّثُ القنوئي -يحفظه الله - أنّ هذا الحديث لا يرقى إلى درجة الحسن حتى بمجموع طرقه
وقد علمت أنَّ الوقت بعد صلاة العصر وقت يُنهى عن الصلاة فيه، فلا راتبة بعدها بالضرورة، والعلم عند الله.
(1) - القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج "سؤال أهل الذكر تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 13 رمضان 1425 هـ،
يوافقه 2004/ 10/28 م.
(2) – القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج: سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 13 رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 10/28 م.
(3) – البخاري، بَاب بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْن صَلاةٌ لِمَنْ شَاءَ، رقم الحديث 591.
(4) ـ أبو داود باب الصلاة بعد العصر، رقم الحديث 1079.
(ه) - يُنظر:
القنوبي، دروس صيف 2003 م / 1424 هـ (مذكرة خاصة ص 59).
القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 13 رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 10/28 م. (1/412)
صفحة 413
القسْمُ الثَّاني: السُّننُ غيرُ الرَّاتبة (المطلَقةُ):
السُّنُ غَيْرُ الرَّاتبة: هيَ السّننُ المطلقة التي وردَ الحث عليها، والترغيب فيها من أن ترتبط في وقتها بفريضة من الفرائض (1)، ومنها: صلاة الضحى، وصلاة الاستسقاء، وصلاة قيام الليل، والتراويح في رمضان المبارك.
غير
فصل في بعض أحكامِ السُّننِ المطلقة
1 - الأصْلُ فيها أنْ تُصلَّى فُرادَى في البيت خلا صلاة (2) التراويح (3).
-2
لا مانع من الدعاء في السجود ولا بينَ السجدتين (4).
جوازها جلوسًا معَ القُدرة على القيام (5).
(1) - القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج: "سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 12 رمضان 1425 هـ،
يوافقه 2004/ 10/27 م.
(2) - فائدة نحويَّة: "خلا، وعدا، وحاشا" من أدوات الاستثناء المترددة بين الفعلية والحرفية، وعليه فيجوز نصب ما بعدها على المفعولية باعتبارها فعلا، أو جرُّهُ باعتبارها حرفا للجر كما أثبتنا الوجهين أعلاه، ولكن يتعين نصب المستثنى بعدها على المفعولية إذا سبقت بـ"ما" المصدرية؛ لكونها لا تدخل إلا على الأفعال، فتنبه لذلك، والله يرزقك سديد القول.
(3) - يُنظر:
(4)
القنوبي، دروس صيف 2000 م 1421 هـ (مذكرة خاصة ص 9).
القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 24 رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 11/8 م.
- يقول سماحة الشيخ -حفظه الله- في جواب له ببرنامج: "سؤال أهل الذكر ": " ... وإنما ترخص في النوافل في الدعاء في السجود وفي غيره ما لم يترخص في الفرائض، والله تعالى أعلم"، ويقول محدث العصر –متعه الله بالصحة والعافية في أجوبته الإفريقية: "ولا مانع من الدعاء في صلاة النفل، وأما في الفرض فلا إلا بعد قراءة التشهد وقبل السلام". يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 69، 70، 178.
الخليلي برنامج "سؤال أهل الذكر"، حلقة: 13 من شوال 1424 هـ، 2003/ 12/7 م.
القنوبي، فتاوى على أسئلة من الشرق الإفريقي ص 38.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ص 170.
(ه) - ولكن كما جاء في الحديث: "صلاة أحدكم قاعدًا نصفُ صلاته قائما ". يُنظر: (1/413)
صفحة 414
جوازها على الرَّاحلة حالَ السَّفر
أقل النفل ركعتان اثنتان على الْمُعْتَصَد عندَ الشَّيخين (2)
6 - الأفضل على الصحيح عندَ الشَّيخين - إطالة القراءة فيها بدلاً من تكثير الركعات لا سيما في صلوات الليل (3).
- V
المشروع في نوافلِ اللَّيلِ الفصلُ بالسَّلام بعد كلّ ركعتين، وللمصلّي الخيار
في تطوعات النهار (4).
الربيع، باب: في القعود في الصلاة، والتحيات، رقم الحديث 238.
الخليلي،
أحمد بن حمد الفتاوى ج 1 ص 169، 178.
(1) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس حول "سجود التلاوة" بجامع الإمام الجيطالي بالموالح الشمالية/ صيف 6
(2) - يُنظر:
(3) - يُنظر:
(4)
الخليلي، لقاء بسماحته في مجلس متزله عام 2000 م.
القنوبي، دروس صيف 2002 م / 1423 هـ (مذكرة خاصة ص 54).
الخليلي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 4 رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 10/19 م. القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 14 رمضان 1425 هـ يوافقه 2004/ 10/29 م.
- يقول الحافظ القنوبي -وفقه الله -: "حديث (صلاة الليل والنهار) مثنى مثنى بالزيادة التي جاءت فيه: "والنهار"
هذه الرواية شاذة عندي". يُنظر:
الخليلي،
أحمد
بن. حمد. الفتاوى ج 1 ص 170، 173.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 156
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة 24 رمضان 1425 هـ، يوافقه 8 نوفمبر 2004 م.
فَائِدَة: يفرق بعضُهم بين التنفل والتطوع أو بين النافلة والطاعة، فيطلقون النافلة على صلاة الليل، والطاعة عل صلاة النهار، ولا مشاحة في الاصطلاح. (1/414)
صفحة 415
فَصْلٌ فِي صَلَاةِ الضُّحى
اعلم - وفقك الله لما يحب ويرضى - أنّ سنةَ الضُّحى من نوافل النهار التي ثبتـ من قول النبي وفعله)، فعن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها قالت: "صلى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَيْتِي صَلاةَ الضُّحى ثمانِيَ ركعاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثُوبِ واحد (2). إلا أن النبي قد تركها في كثير من الأحيان خشية أنْ تُفرَضَ على أُمَّته كما سيأتي قريبًا مثلُهُ في صَلاة التراويح بإذن الله تعالى (3).
عَدَدُ رِكَعَاتِها
تصح صلاةُ الضُّحى بركعتين اثنتين، وهذا هو أقلها، وتجوزُ الزيادة عليها إلى ثمان ركعات بل إلى أكثر من ذلك على المعتمد عندَ إمَامِ السُّنة والأصول يحفَظُهُ الله -. وإنَّ صلاها أربعًا أو أكثرَ جازَ فيها الوصلُ والفَصلُ كما رأيت في نوافل النَّهارِ
وَقْتُهَا
يبدأُ وقتُ صَلاة الضُّحى بارتفاع الشمس قيد ويُقَدَّرُ باثنتي عشرة دقيقةً
تقريبًا (5) ?
رمح
وينتهي وقتها باستواء الشمس في كبد السماء على الرأي المعتمد (6).
(1) – القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 15 رمضان 1429 هـ، يوافقه 9/ 16 /2008 م. (2) – الربيع، باب: في سبحة الضحى وتبردة الصلاة، رقم الحديث 200.
(3) - يُنظر:
الخليلي، جواهر التفسير ج 3 ص 213.
الربيع، باب: في سبحة الضحى وتبردة الصلاة، رقم الحديث 199.
(4) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 171.
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر حلقة 18 رمضان 1424 هـ،:
6
يوافقه 2003/ 11/13 م.
(5) - القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج: سؤال أهل الذكر " حلقة: 7 رمضان 1429 هـ، يوافقه 8/ 9/ 2008 م.
(6) - يُنظر:
القنوبي، دروس صيف 2003 م / 1424 هـ (مذكرة خاصة ص 49). (1/415)
صفحة 416
وكُلَّمَا تَأخَّرَ وقتها كانَ ذلك أفضل وأسعدَ؛ لأنها صلاةُ الأَوَّابِينَ؛ كما جاءَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ خَرَجَ عَلَى أَهْلِ قُبَاءَ وَهُمْ يُصَلُّونَ الصَّحِي فَقَالَ: "صَلاةُ الأَوَّابِينَ إِذَا رَمضَت الْفِصَالُ (1)، وكفى بها شرفًا وفضلاً.
وَوَرَدَ في فضلِها - أيضا - قوله: "يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى أَي مِفْصَل - مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبيحَة صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَة صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَة صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تكبيرَة صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْي عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَان يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى (2)
فائدةٌ: صَلاةُ الشروق هيَ سُنَّةُ الضُّحى، وإنَّما إذا قدَّمَها الإِنسانُ عُقِيبَ طلوعِ الشَّمس سُمِّيت بالسُّرُوق، وإذا أَخَرَها سُمِّيت بصَلاة الضُّحى، والأفضلُ التأخيرُ (3).
(2)
القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 24 رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 11/8 م.
- أي يجد الفصيل -وهو ولد الناقة- حر الشمس.
(مسلم، باب: صَلَاةِ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ، رقم الحديث 1238).
- مسلم، باب: اسْتِحْبَاب صَلَاةِ الضُّحَى وَأَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانِ، رقم الحديث 1181.
(3) - يُنظر:
القنوبي، دروس صيف 2002 م / 1423 هـ (مذكرة خاصة ص 57). القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 15 رمضان 1429 هـ، يوافقه 9/ 16 /2008 م. القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر حلقة: 24 رمضان 1425 هـ يوافقه 2004/ 11/8 م. (1/416)
صفحة 417
فصل في صلاة الاستسقاء
تَعَلَّمْ أخي، جعل الله حياتك ربيعًا مُخضَرًا - أنهُ ثبت عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ خرج إلى الفَلاة لطلب السُّقيا من ربِّه بعد أن أمسكت السَّماءُ، واغبرت الأرض، وغارت
المياه.
صفتها
وصفتها كما فعلها النبيُّ الله أن يجتمع الناسُ في مصلَّى واحد خارج البلد، فيتقدمُ بهم إمامُهم من غير نداء ولا أذان ولا إقامة، فيصلى بأصحابه ركعتين يجهر فيهما بقراءة فاتحة الكتاب وما تيسَّرَ مِنَ القرآن، ثُمَّ يقومُ بعد سلامه مُستقبلاً المأمومين ليخطب فيهم خطبةً واحدةً -علَى الْمُعْتَمَص (2) - يختمها بالتوجه نحو القبلة، وقَلْبِ الرِّداءِ (3)، ورفع اليدين)، ثم الاستغفار) وإظهار التذلُّلِ والتضرع في الدُّعاءِ وسؤال المغيث الغيث والرَّحمةَ بالبلاد والعباد.
(1) - يُنظر:
القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 7 رمضان 1429 هـ، يوافقه 8/ 9/ 2008 م. القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 24 رمضان 1422 هـ، يوافقه 2001/ 12/10 م. (2) – القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج: "سؤال أهل الذكر"، حلقة: 14 رمضان 1424 هـ،
2003/ 11/9 م. (3) - قَلْبُ الرِّدَاء: هو تحويله من جهة لأخرى بحيث يجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن؛ وفي هذا تفاؤل بانقلاب الحالة. من الشدة إلى الرخاء، ومن العسر إلى اليسر، ومن الجدب إلى الخصب. (الخليلي، برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 25 محرم 1426 هـ، يوافقه 2005/ 3/6 م).
(4)
نعم ثبت عن النبي أنه رفع يديه داعيًا في الاستسقاء، حتى في خطبة الجمعة عندما استسقى رفع يديه الكريمتين عليه الصلاة والسلام؛ فلذا يُستحب لخطيب الجمعة أن يرفع يديه حال الدعاء بالسقيا ونزول الغيث. يُنظر: الخليلي برنامج: سؤال أهل الذكر "، حلقة: 25 محرم 1426 هـ، يوافقه 2005/ 3/6 م. القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 29 شوال 1425 هـ، يوافقه 2004/ 12/12 م.
(5) - قَالَ تَعَالى حكايةً عن نوح عليه السلام مخاطبا قومه: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مدرارا نوح: 10 - 11، وقال عن هود عليه السلام مخاطبا قومه - أيضا -: {وَيَقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا. هود: 52. (1/417)
صفحة 418
وقتها
ووقت هذهِ الصَّلاةِ هوَ وقتُ صَلاةِ العِيدِ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ-كما مر معك؛ وذلك لفعل المشرع صلى الله عليه وسلم إذ لم يثبت أنه صلاها في غير هذا الوقت (1).
كما يُستحبُّ الإكثار من الاستغفار والصَّدقة، ثُمَّ الصَّيامُ طلبًا للرَّحمةِ، فَإِنْ مُطرَ الناسُ اسْتَحَبَّ بعضهم للناس أنْ يَبْرُزُوا أَوَّلَ المطَر فرحًا بنعمة الله، وإلا كرَّروا الصَّلاةَ والخروج للاستسقاء يوما بعد يومٍ ما لم يُعْثِ النَّاسُ وَيُمطَرُوا (2).
وَمَنْ حَفِظَ المتون حَازَ القُنُونَ
سُنَّ لنا استسقا إذا مَا أَمْسَكَتْ
تلك النَّباتات فَتَخْرُجُ البَلَدُ بركعتين
يؤمُّهُمْ
خَيْرُهُمْ
***
***
***
هذي السَّمَاءُ غيثَها وهَلَكَتْ
إلى الصحاري والدٌ وَمَا وَلَدْ وخطبة هُنَاكَ يُرجَى خَيرُهُمْ (3)
فَصْلٌ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ
قيامُ اللَّيْل هوَ أَفْضَلُ النوافل على الإطلاق بعدَ الفَرائض، يقولُ شيخنا بدْرُ الدِّين -حفظه الله -: "وَلَا يَنْبَغِي لِعَاقِلِ أَنْ يُفوِّتَ قِيامَ اللَّيلِ (4)، وأفضله ما كانَ في الثلث الأخير مِنَ اللَّيل؛ لأنَّ قراءَتَهُ محضورة ()، ودعاءَهُ أقرب (6)، أَمَّا نصفُ اللَّيلِ فَهُوَ جَوفُهُ
(1) - القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج: "سؤال أهل الذكر "- حلقة: 29 شوال 1425 هـ، يوافقه 2004/ 12/12 م.
2 - الخليلي، أحمد بن حمد. برنامج "سؤال أهل الذكر " حلقة: 25 محرم 1426 هـ، يوافقه 2005/ 3/6 م.
(2)
(3) - السالمي، عبد الله بن حميد مفتاح السعادة إلى صحيح العبادة ص 67.
(4) ـ الخليلي، أحمد بن حمد. برنامج: سؤال أهل الذكر " - حلقة: 15 جمادى الأولى 1430 هـ، يوافقه 10/ 5 /2009 م.
(5) - أي: تحضرها الملائكة (مسلم، باب: مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، رقم الحديث 1256).
(6) ـ أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن أبي هريرة الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يقول ربنا تبارك وتعالى حين يبقى ثلث الليل الآخر: من يدعوني فاستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ ". (1/418)
صفحة 419
العابر
ويبدأ وقتُ قيام الليل من بعد صلاة العشاء وينتهي ببزوغ الفجر الصادق (2). وهو ركعتان ركعتان كما ثبت من فعل النبي، ومن قوله: "صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى (3)، أي: يفصلُ المصلّي بعد كل ركعتين بالتشهد والسلام.
اقْرأْ وتَفَكَّرْ
قَالَ تَعَالَى: أَمَنْ هُوَ قَنِتُ آنَاءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَابِمَا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبَبِ) الزمر). تنبية: وبما أنَّ صلاة الليل بما فيها التراويح كما سيأتي قريبًا- مَثْنَى مَثْنَى يُفصل بينها بالسَّلام، فكلُّ ركعتين تعدُّ صلاةً مستقلة بنفسها، من حيث النية، والاستعاذة، والاستدراك، وسجود السهو (4).
أمَّا التَّوْحِيْهُ: فَإِنَّ مصلّي القيامِ مُخَيَّرٌ بينَ أَنْ يُوَجِّهَ قبل كل تكبيرة إحرام، أو أنْ يقتصر على التوجيه الأول في أوَّل ركعتين (5).
(الربيع، باب: أدب الدعاء وفضيلته، رقم الحديث 500).
(1) - عن أبي ذَرِّ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ الله أَيُّ قيام اللَّيْلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: "حَوْفُ اللَّيْلِ الْغَابِرِ أَوْ نِصْفُ اللَّيْلِ وَقَلِيلٌ فاعله" (أحمد المسند حديث أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه، رقم الحديث 20575).
أحمد (2) ـ الخليلي، بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 176.
(3) – البخاري، باب: مَا جَاءَ فِي الْوِثْرِ، رقم الحديث 936.
(4) - يُنظر:
لخليلي، برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 1 رمضان 1427 هـ، يوافقه 2006/ 9/25 م. الخليلي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 4 رمضان 1428 هـ، يوافقه 9/ 16/ 2007 م. القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر حلقة: 7 رمضان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 11/13 م.
(5) - يُنظر: (1/419)
صفحة 420
فائدة
اختص الله تعالى حَبيبَة محمَّدًا ببعض الخصائص عَنْ أمته، منها
جوازُ الزِّيادة على أربعَةِ أزواج).
هبة المرأة نفسها للنبي منْ غير مَهْرِ)
أن
عينيه تنامان، ولا ينام قلبه (4).
أَنَّهُ يَرَى من خلفه (5).
خَاتَمُ النُّبُوَّة بين كتفيه (6).
ومِنْ ذلكَ وُجُوبُ قِيَامِ اللَّيْلِ؛ لأمره ل رسولهِ بِهِ فِي قوله تَعَالَى: {يَأَيُّهَا الْمُزَمَلُ فِي اليل إلا قليلا لا المزمل: 1 - 2، وقوله: وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ
نَافِلَة لَكَ - الإسراء: 079
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 176.
الخليلي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 30 شعبان 1427 هـ، يوافقه 2006/ 9/24 م.
(1) للمزيد من المميزات والخصائص الربانية والتشريعية التي اختص بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم دون غيره من سائر الأنبياء
يُنظر: شرح غاية المراد لشيخنا القدوة الخليلي ص 154.
إحدى عشرة امرأة، توفيت في حياته منهن خديجة بنت خويلد وأم المساكين زينب بنت خزيمة –
(2) – تزوج
الله
رضي
النبي: جميعا .. عنهن
*-*-*
فمات عن تع وحث أمة على الزواج كَيْ يُصِيبُوا سُنته قَالَ تَعَالَى: وَامْرَأَةٌ مُؤْمِنَةٌ إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِي إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ م الأحزاب: 50 (4) ـ قالت عائشة: قلت لرسول الله: أتنام قبل أن توتر؟ فقال: "يا عائشة إن عيني ينامان ولا ينام قلبي".
(5)
(الربيع باب الإمامة في النوافل، رقم الحديث 208).
) - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل ترون قبلتي هاهنا فو الله ما يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم وإني
الأراكم من وراء ظهري".
(6)
(الربيع، باب: في فضل الصلاة و خشوعها، رقم الحديث 289).
) - البخاري، باب: اسْتِعْمَالِ فَضْلِ وَضُوءِ النَّاسِ، رقم الحديث 183. (1/420)
صفحة 421
فَصْلٌ فِي التَّرَاوِيْحِ
تفقة - أخي، رُزقت راحة الدارين - أنَّ صلاة التراويح هي جزء من قيام رمضان،
سُنَّةٌ
والتراويحُ من السنن التي ثبتت عن النبي (1)، وقد جمع الناس لها عمرُ بنُ الخطاب له، وأجمع المسلمون على استحسان صنيعه هذا، وقالوا في تاركه بأنه خسيس الحال)
عليهم
ولم يتركها النبي جماعةً بعد أن صلى بأصحابه عدَةَ ليال إلا خشية أن تُفرض (3)، فأخذَ النَّاسُ يصلُّونَ بأنفسهم أوزاعًا متفرّقينَ، حتى جمعَهُمْ عمر بن الخطابِ على قارئ واحد، وهو أَبَيُّ بنُ كعب، فلمَّا رآهُمْ يصلُّونَ مجتمعينَ قالَ: تَعْمَ الْبِدْعَةُ هَذهِ، وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي يَقُومُونَ"، يُرِيدُ آخرَ اللَّيْلِ
فائدة: صَلاة التراويح تُصلَّى بعدَ فريضة العشاء وسنته مباشرةً، وتمتد إلى منتصف الليل، ثم تبدأُ صَلاةُ التَّهَجُدِ مِنْ منتصف الليل حتى الثلث الأخير مِنْهُ، وتُسَمَّى بعد ذلكَ صَلاةَ السَّحَر من ثلث الليل الأخير إلى طلوع الفجر ()، ولكن حبَّذا إذا جمع المجدُّونَ والمشمرونَ بينَها جميعًا؛ فالكل قيامُ رمضانَ قَالَ: "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا
(1)
أحمد - الخليلي، بن حمد. برنامج "سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 11 رمضان 1422 هـ يوافقه 2001/ 11/27 م.
(2) ـ لذا ذهب بعض أهل العلم إلى أن صلاة التراويح سنة مؤكدة؛ نظرا إلى أن النبي لم يتركها مطلقا، وإنما تركها في الجماعة فقط، والله أعلم. يُنظر: الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 179.
(3)
الخليلي، برنامج سؤال أهل الذكر"، حلقة: 11 رمضان 1422 هـ، يوافقه 01/ 11/27 الخليلي، برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 4 شعبان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 9/19 م.
- الربيع، باب: الإمامة في النوافل، رقم الحديث 204. (4) - البخاري، بَاب: مَا جَاءَ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، رقم الحديث 231.
(o)
ه) – الخليلي، أحمد
بن
يوافقه 2002/ 11/30 م.
حمد. برنامج: "سؤال أهل الذكر"- تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 24 رمضان 1423 هـ (1/421)
صفحة 422
وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ (1)، لا سيَّما قيام العشر الأواخر منه؛ لأنَّ بها ليلة
6
القدْرِ قَالَ: " مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ (2).
وحبَّذا إذا جمعت الكُلاً
***
ونلْتَ مِنْ أَقْدَاحه المعلا (3)
صفَةُ صَلَاةِ التَّراويح
صَلاة التراويح ثماني ركعات كما صلاها النَّبيُّ، يَفْصِلُ بينَ كلّ ركعتين بتشهد يعقبُهُ سَلامٌ، وكذا السَّانُ في جميع نافلة الليلِ، قَالَ: "صَلاةُ اللَّيْل مَن
(1) ـ البخاري، بَاب: تَطَوُّعُ قِيَامِ رَمَضَانَ مِنَ الْإِيمَانِ، رقم الحديث 36.
(2)
2 - البخاري، باب: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَنَيَّةً، رقم الحديث 1768. - السالمي، عبد الله بن حميد. مدارج الكمال ص 167.
(3)
(4) - صلى النبي بأصحابه التراويح ثماني ركعات، وزاد عليها الخليفتان أبو بكر وعمر وهو دليل جواز الزيادة فيها كما مضى عليه بعض ممن سلف من أصحابنا -رضوان الله عليهم-، حتى ردَّهم الإمامُ الخليلي –رَحِمَهُ اللهُ - إلى السنة الصحيحة الثابتة عن النبي، فكان يُروحُ بثمان ركعات اقتداء بفعله، وعليه جرى العمل بعد ذلك، يقول – رَحِمَهُ الله- كما في الفتح الجليل: "فينبغي أَنْ يُقتصَرَ عَلَى الثمان ". قلت: وهو مذهب شيخنا بدر الدين الخليلي -حفظه الله - قولا وعملا، وإن كان يجوز الزيادة، ولا يقول بحصريتها في هذه الركعات إلا أنَّ العمل بما ثبت عن النبي الأولى عند الإمكان، يقول سماحته: "والاقتصار على ما صلاه مع الخشوع، أولى من الزيادة التي تصحبها سرعة لا يبقى معها الخشوع".
النبي
هو
وقد أكد هذا المعنى حديث أم المؤمنين عائشة قالت: "مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى
عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا " (النسائي/1679). أما ما جاء عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في شهر رمضان عشرين ركعة والوترابن أبي شيبة 13/ 227) فضعيف لا يثبت مرفوعا إلى النبي، وإنما هو من فعل عمر، والتأسي بالمصطفى كما أُمرنا به أولى. تنبية: قد تجد أيُّها الطالب المطَّلِعُ- في بعض الروايات أن النبي: كان يصلي في قيامه ثلاث عشرة ركعة، ولا تعارض بين هذه الروايات، ورواية الإحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً)؛ ذلك لأن النبي كان يفتتح قيام ا بركعتين خفيفتين، ثم يصلي إحدى عشرة ركعة، فمن عدَّ الركعتين اعتبر قيامه ثلاث عشرة ركعة، ومن لم يعدها اعتبر قيامه (1/422)
صفحة 423
مَثْنَى)، ثم يختم تراويحه بالوتر ثلاث ركعات، ويمكنُ للمصلّي أن يروح بالدعاء أو بالباقيات الصالحات بعد كلّ أربع ركعات، وحينئذ تُسَمَّى كُلُّ أربع "قيامًا".
فَائِدَةٌ: من شعار هذه الصَّلاة الجماعةُ فلا ينبغي أن تُصلَّى فرادَى، وقد زالتِ العلة التي ترك النبيُّ من أجلها الجماعة، وهي الرأفة بأمته خشيةَ أَنْ تُفْرَضَ عليهِمْ، وكذا كانَ في كلّ شؤونه، رحيمًا بأمته، مُشفقًا عليها حتى يجيء يوم القيامة وهو
يقولُ ويردِّدُ: "أُمَّتِي أُمَّتِي (2)، وقدْ صَدَقَ فيه قولُهُ تَعَالَى: لَقَدْ جَاءَكُمْ {زُ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ
رَسُوك
رَءُوفٌ رَّحِيمُ (التوبة: 128.
عَزِيزٌ
إحدى عشرة ركعة، وبذا يزول الإشكال، ويبين هذا الإجمال، والحمد لله ذي المجد والجلال، أفادَهُ مُحدِّثُ العصر –
حفظه
الله -. يُنظر:
الخليلي، الإمام محمد بن عبد الله. الفتح الجليل من أجوبة الإمام أبي خليل ص 210.
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 180، 181.
الخليلي، رد مطوّل على أحد المغرضين - مخطوط بحوزة الكاتب نسخة منها، ص 52. القنوبي، قُرة العينين ص 43.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي ص 135، 153.
القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 18 رمضان 1427 هـ، يوافقه 2006/ 10/12 م.
(1) – البخاري، باب: مَا جَاءَ فِي الْوِتْرِ، رقم الحديث 936.
(1)
2) مسلم، بَاب أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا، رقم الحديث 286. (1/423)
صفحة 424
فَتْوَى
السُّوَالُ ما قولُكُمْ سماحة الشيخ في الأدعية التي تُقَالُ بعد كل أربع ركعات من
صلاة التراويح؟
الجواب الأدعية التي تردَّدُ في التراويح عندنا ليست واجبةً، وليست جزءًا مِنَ الصلاة، وإنما يُستحسنُ للإِنسَانِ أنْ يدعو الله بعد كل صلاة لقولِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ) وَإِلَى رَبِّكَ فَأَرْغَب) الشرح: 7 - 8، وقدْ دَرَجَ النَّاسُ عندنا على استعمال الدعاء بعد أربع ركعات مِنَ التراويح، أو الإتيان بالباقيات الصالحات، وليس ذلكَ مِنَ الوجوب في شَيْءٍ، كَمَا أَنه لا توقيف في ذلكَ على شَيْءٍ بِعَينِهِ، والله أعلمُ).
(1)
أحمد
1) ـ الخليلي، بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 180. (1/424)
صفحة 425
القسم الثالث: الصَّلواتُ السَّببيَّةُ:
تَعَلَّمْ - يَا وفَقَكَ الله - أنّ مِنَ الصَّلوات غير الواجبة ما هي مقصودة لذاتها كصلاة الضُّحى، وقيام الليل، والوتر وقد تقدَّمت لديك.
ومنها ما هي مشروعة لأسباب ومترتبة على أعمال وأحداث، وهذه هي "الصَّلَوَاتُ السَّبِيَّةُ" كصلاة الجنازة، وتحية المسجد، والكسوفين – وقد تقدم الحديث حولها، وكذا مِنَ الصَّلواتِ السَّبية: سنةُ الطَّواف (1)، وسنةُ الاستخارة (2)، وركعتا الوضوء (3)، وركعتا الرجوع مِنَ السَّفَر (4)، وصلاة التوبة).
6
تذكير: تقدَمَ لديكَ - أيُّها الحافظ الواعي (6) - أنه قد ثبتت مشروعية الصلوات
السببية في الأوقات التي تُكْرَهُ فيها الصَّلواتُ بعد صلاة الفجر، وبعد صلاة العصر،
28
وأيضا بعدَ الوتر دون التي تَحْرُمُ (أوقات الطلوع، الغروب، الاستواء)، فهيَ مُسْتَثناة مِنْ عُموم النهي عنِ الصَّلاة في هذه الأوقات المكروهة).
(1) ـ الخليلي، أحمد بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 367.
(2) – القنوبي، سعيد بن مبروك. "جواب" مطوَّلٌ: مطبوع ومتداول" لدى الكاتب نسخة منه ص
(3) - القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 2003 م / 1424 هـ (مذكرة خاصة ص 49). (4) - القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 2004 م / 1425 هـ (مذكرة خاصة ص 21). (5) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج "سؤال أهل الذكر تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 25 رمضان 1425 هـ يوافقه
2004/ 11/9 م.
بعد مراجعة الشيخ القنوبي -حفظه الله - في هذه الصلوات ذكر أن بعضها يحتاج إلى إعادة نظر في إسنادها
كصلاة التوبة، أو في مشروعيتها كركعتي الرجوع من السفر.
(1) ـ أخذا من قول الشاعر:
(7) - يُنظر:
إذَا لَمْ تَكُنْ حَافِظًا وَاعْيا"
***
***
وَعِلْمُكَ فِي البَيْـ
لا يَنْفَعُ مُسْتَوْدَعُ (1/425)
صفحة 426
فَصْلٌ فِي سُنَّةِ الطُّوافِ
صلاةُ الطَّواف سُنَّةٌ على الصحيح (1)، وهي ركعتان يركعُهُمَا الإِنسَانُ بعد طوافه
ست
بالبيت العتيق سبعًا، ويُستحب لهُ أنْ يؤديها خلف مقام إبراهيم ال بدليل
قوله: وَاتَّخِذُوا مِن مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى - البقرة: 125.
مَسْأَلَةٌ: مَنْ لم يستطعْ أداء ركعتي الطواف خلف المقامِ بسبب الزِّحامِ فليصلِّهِمَا في أي مكان من المسجد - ولا يُزَاحِمُ ويؤذي عبادَ الله تعالى، بَلْ ويجوز للمصلّي أَنْ يؤديها خارج المسجدِ الحرامِ لا سيما أوقات شدة الزحام (2) يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ لي البقرة: 185.
مَسْأَلَةٌ أُخْرَى»: لا يجزي عنْ رَكْعَتِي الطَّواف أيُّ صلاة أخرى فرضا كانت أو
نافلة على الصحيح الراجح عند شيخنا أبي عبد الرحمن القنوبي -حفظه الله (3). تنبية)): يُقْرَأُ فِي صَلاة الطواف بالفاتحة وما تيسَّرَ منَ القرآن، مِنْ غَير ضَرُورة تخصيص سُورٍ معينة، أمَّا ما يُذْكَرُ مِنْ أَنَّهُ يُستحَبُّ أَنْ يَقْرَأُ المصلِّي في الركعة الأولى - الفاتحة بسُورة الكافرون، وفي الركعة الثانية بسورة الإخلاص؛ ففي إسناده
نَظَر (4).
الخليلي، برنامج: سؤال أهل الذكر " حلقة 28 ربيع الثاني 1424 هـ، يوافقه 29/ 6/ 2003 م.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي
ص
72
القنوبي، دروس صيف 2003 م / 1424 هـ (مذكرة خاصة ص 37).
(1) - القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 7 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/2 م.
(2) - القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 2003 م / 1424 هـ (مذكرة خاصة ص 68).
(3) - يُنظر:
(E)
القنوبي، دروس صيف 2002 م / 1423 هـ (مذكرة خاصة ص 52).
القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر" حلقة: 9 رمضان 1426 هـ، يوافقه 2005/ 10/13 م.
4) ـ القنوبي،
6
سعيد بن مبروك. برنامج: سؤال أهل الذكر، حلقة: 24 رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 11/8 م. (1/426)
صفحة 427
تنبية ثان: ما يُذكَرُ أنَّ "تحيةَ المسجد الحرام الطَّواف (1) لا يُسقط ركعتي الطَّواف بعدَهُ، فَمَنْ أمْكَنَهُ الطَّوافُ عندَ دُخول المسجد ثم أداء ركعتي الطواف فذلك هو الأفضلُ والأَكمَلُ، وإلا صلَّى سنة تحية المسجد ثم جلس.
فَصِّلُ في صَلَاةِ الاستخارة
اعلم أيُّها القاصدُ للخيرات، جعلَ الله عواقِبَكَ رُشدًا- أَنَّ مِنْ سننِ الإِسلام التي نَدَبَ إليها الشَّرع (2)، وسنَّها نبي الإسلام " صَلاةَ الاسْتِحَارة"، وَهِيَ رَكْعَتَانِ تَقْرَأُ فاتحة الكتاب وما تيسَّرَ منَ القرآن، ثُمَّ تَدْعُو الله من بعدَهَما (3).
فِيهِمَا
فيما تكونُ فِيْهِ الاسْتِحَارَةُ
تكون الاستخارة في الأمور المباحة التي تُشكلُ على المقدم عواقبها، وتخفى عليه نتائجها، ولا يعلم خيرها من شرها ..
وبذَا تُدْرِكُ أَيُّها الفَطِنُ - أَنها لا تكونُ في فعل واجب أو مندوب أمرَ بهِ الشَّرعُ، ولا في ترك محرَّم أو مكروه نهى عنه (؟)؛ لأنَّ ذلك كما قَالَ رَبُّكَ: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنِ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} الأحزاب: 36.)
(1) - اليحمدي حمد بن هلال. فقه العبادات ص 218.
(2) – القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج: "سؤال أهل الذكر" - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 22 ربيع 1427 هـ، يوافقه 2006/ 5/21 م.
(3) - يُنظر:
الخليلي، برنامج سؤال أهل الذكر"، حلقة: 21 صفر 1425 هـ، يوافقه 2004/ 4/11 م.
القنوبي، دروس صيف 2003 م / 1424 هـ (مذكرة خاصة ص 37).
(4)
يُنظر:
القنوبي، دروس صيف 2002 م / 1423 هـ (مذكرة خاصة ص 62).
القنوبي، برنامج: سؤال أهل الذكر حلقة: 22 ربيع الثاني 1427 هـ، يوافقه 2006/ 5/21 م. (1/427)
صفحة 428
تنبية: الاستخارة كما تقدَّمَ - تكونُ في الأمور التي تُشكل على الإنان ويتردَّدُ فِيهَا، أمّا مَا عَقَدَ عَلَيْه العزم، ورأى نفسَهُ أَنَّهُ لنْ يرجع عنه فلا استخارة فيه؛ لأنَّ مُقْتَضَى الاستخارة هُوَ السُّؤالُ عنْ عاقبة الأمر لكي يُقدِمَ عليهِ أو يُحْجِمَ عنه)، والله أَعْلَمُ وأَحْكَمُ.
صِفَتُهَا
ثبت في الصحيح (2) عَنْ جَابر بن عَبْد اللَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُعَلِّمُنَا الاسْتِحَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلَّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ يَقُولُ: إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لْيَقُلْ:
دعاء الاستخارة
"اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخيرُكَ بعلْمكَ وَأَسْتَقْدرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ - وَيُسَمِّيه باسمه - خَيْرٌ لي في ديني وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لي ثُمَّ بَارك لي فيه، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ أَرْضى (3). تنبيه: جاءَ في الحديث فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْر الْفَريضَة"، ومعنى ذلك أنَّ دعاء الاستخارة لا يكونُ بعد فريضة، وإنَّما يمكنُ أنْ يصلّي المستخير ركعتين خاصتين للاستخارة، أو يستحضر الاستخارة عند قيامه لأي ركعتين من السنن المعروفة
كركعتي الفجر، وتحية المسجد، ثم يأتي بعدَهَا بدعاء الاستخارة)، والله يوفقك.
(1) ـ القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج "سؤال أهل الذكر"، حلقة: 22 ربيع الثاني 1427 هـ، يوافقه 2006/ 5/21 م. (2) - القنوبي، سعيد بن مبروك. تحفة الأبرار ص 152 - 154.
(3) ـ البخاري، باب: مَا جَاءَ فِي التَّطَوُّعِ مَثْنَى مَثْنَى، رقم الحديث 1096.
(4) - لأن صلاة الاستخارة من الصلوات السببية كما تقدم في تحية المسجد، فهي ليست مقصودة لذاتها، وإنما المراد أن يصلي الإنسان ركعتين قبل أن يدعو، كما يصلي الداخل للمسجد ركعتين قبل أن يجلس، ويجزي عنهما أيُّ (1/428)
صفحة 429
تنبية ثان: يعتقد كثيرٌ منَ النَّاس أنهُ لابُدَّ للمُسْتَخير منْ أنْ يَرى رؤيا، وهذا لا دليل عليه، فالعبرة عندَ الشيخين - باطمئنان النفس والشراح الصَّدْرِ لأحد الأمرَينِ سواء رأى المستخير في منامه شيئًا أو لم يرَ (1)، قُلْتُ:
يرَ،
لطيفة
وقد وقع لي بعد أن تخرجتُ منَ المرحلة الثانوية بالمعاهد الإسلامية حيرة في البرنامج الذي التحق بهِ في جَامِعَة السُّلطان قابوس التربية الإسلامية، أو اللغة الإنجليزية)، فاستخرْتُ الله ل في أمري فكانَ أن الشرحَ صَدرِي والمالت نفي لدراسة العلوم الشرعيَّةِ بينما كنتُ لا أنام نومًا بعد الاستخارة إلا وَأَرَى أَني أتحدَّثُ بتلك اللغة الإنجليزية).
فجلَسْتُ على الفرادِ معَ شيخنا إمَامِ السُّنةِ - مَّتَّعَنَا اللَّهُ بِحَياتِهِ- أَسْتَشيرُهُ فِيمَا أَلَّم بي وأستهديه فيمَا أَعْمَلُ به، فأشَارَ عليَّ بأنْ آخَذَ بما اطْمَأَنَّ إليه قلبي فعزمت عليه فجعل لي فيه خيرًا كثيرًا، والحمد الله مدبّر العواقب. اقْرَأْ وَاحْفَظُ
الله
مَا خَابَ قد قيل من استخارا
***
كلا ولم يندم من استشارا (2)
ركعتين، إلا أنَّ الركعتين في الاستخارة لا بد أن تكون من غير الفريضة كما خصها الحديث بخلاف التحية، والله أعلم
فانظر فيه ولا تأخذ إلا بعدله.
(1)
(القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر " حلقة: 17 شوال 1423 هـ، يوافقه 2002/ 12/22 م).
- يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 172.
الخليلي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 17 ذو الحجة 1427 هـ، يوافقه 2007/ 01/07 م. القنوبي، دروس صيف 2002 م / 1423 هـ (مذكرة خاصة ص 54). القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 22 رمضان 1429 هـ، يوافقه 2008/ 9/23 م.
(2) ـ السالمي، عبد الله بن. بن حميد. جوهر النظام ج 4 ص 358. (1/429)
صفحة 430
فَائِدَة: الاستخارة أو الاستفْتَاحُ بالقُرآن الكريم - وهوَ أَنْ يَفتَحَ الإِنْسانُ المصحَفَ ويَنظُرَ مَا يَقَعُ عليه أوَّلُ بَصَرِه مِنَ الآيات ليأخُذَ مِنْ ذلك دليلاً عَلَى صحة ما يُرِيدُ أَنْ يُقدِمَ عليهِ أَوْ عَدَمِ صحتِهِ - فَذَلكَ كَما لَمْ يَشِبَتْ عَنِ النَّبِيِّ، بَلْ وَلَا أَصْلَ لَهُ فِي شرع الله ع (1).
فَصْلٌ في ركعتي الوُضُوءِ
تَفَقَّة - أخي لا زَمَتْكَ الطهارة والعبادة - أنهُ يُشرَعُ لِمَنْ أحدث وضوء أن يركع ركوعين بعد وضوئه ذاك، فإنَّهُ موصل للجنة (3).
وأَوَّلُ مَنْ صلاها هوَ سَيِّدُنا بلال، وأقرَّهُ عليها نبينا، فَمَنْ دخل المسجد بعد وضوءه جازَ لهُ أنْ يصلّي التحية أو ركعتي الوضوء.
والدليل عليها ما ثبت أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لسيدنا بلال: "يَا بِلالُ حَدَّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلِ عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلامِ فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلاً أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طَهُورًا فِي سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّي (4).
قَالَ أَبُو عَبْد الله - أي البخاري- دَفَّ نَعْلَيْكَ يَعْنِي تَحْرِيكَهُمَا.
بلالاً (ه).
فَائِدَةُ: قَالَ عُمَرُ بنُ الخطاب يوما: "أَبُو بَكْرِ سَيِّدُنَا، وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا يَعْنِي
(1) ـ الخليلي، أحمد
بن
حمد. برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 11 محرم 1426 هـ، يوافقه 2005/ 2/20 م.
(2) - القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 2003 م / 1424 هـ (مذكرة خاصة ص 49).
(3) يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 207.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ص 298.
القنوبي، دروس صيف 2003 م / 1424 هـ (مذكرة خاصة ص 49).
(4) ـ البخاري، باب: فَضْلِ الطُّهُورِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَفَضْلِ الصَّلاةِ بَعْدَ الْوُضُوءِ باللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، رقم الحديث 1081. (ه) - الطبراني، المعجم الكبير، بَابُ: الْبَاء، رقم الحديث 1008. (1/430)
صفحة 431
فصل في صَلَاةِ العَوْدَةِ مِنَ السَّفَرِ
تَعَلَّمْ يا أخي، رَجَعَكَ اللَّهُ لِأَهْلِكَ سَالَّا عَالَما أَنْهُ يُشْرَعُ مِنَ رَجَعَ مِنْ سَفَرٍ قَاصدِ عملاً بالسنَّة العملية (1) - أن يصلي ركعتين في مسجد بلدته قبل دخول منزله، وهُمَا ركعتان كركعتي الوضوء وركعتي سُنة تحية المسجد لا فرق بينها إلا في النِّية.
فَصْلٌ فِي صَلَاةِ التَّوبِةِ
-
اعلم يا أخي، عَصَمَكَ اللهُ مِنَ الذَّنْب والمعصية - أنَّ صَلاةَ التَّوبة وتُسمَّى صلاةَ الاستغفار (2) - ركعتان كسائرِ السُّننِ المعهودة، يُؤدِّيهما المرء في ليله أو نهاره بعد أنْ اقترف إثْما أو أحدثَ ذنبًا، ويستغفرُ الله عقبَهُمَا (3)، والأصل في هذه الصَّلاة ما ثبت عن أبي بكر الصديق أنهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: مَا مِنْ عَبْدِ يُذْنِبُ ذَبًا فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِلَّا غَفَرَ اللهُ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ هَذه الآيةَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} آل عمران: 135 (4)، وبالله التوفيق.
(1) - القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 2004 م 1425 هـ (مذكرة خاصة ص
(2) – الجيطالي، إسماعيل بن موسى ج 1 ص 358.
(3)
(3) - تَنْبيَّة صَلاةُ التَّوْبَة: ركعتان كركعتي تحية المسجد، وليس لها صفة تختص بها دون غيرها من سائر السنن والنوافل، وما يُذكر من أنها بكيفية مخالفة لسائر السنن فباطل لا يصح ولا يثبت عن نبي الرحمة الذي هو لنا القدوة والأسوة.
(القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 25 رمضان 1425 هـ يوافقه 2004/ 11/9 م).
(4) – أبو داود، باب: فِي الاسْتِغْفَارِ، رقم الحديث 1300. (1/431)
صفحة 432
خاتمة
في ذِكْرِ صَلَوَاتِ لم تثبُتْ عَنِ المختار
تَعَلَّمْ - أَرشَدَني الله وإياك - أنَّ من أهل الفقه مَنْ أوصل أنواع الصلوا المستحبات إلى سبعين نوعًا، ولكنَّ أكثر تلك الصلوات لم تثبت عن المختارِ، بَلْ إِنَّ بعضها مخترعة مبتدعة - كما بَيَّنَ ذلك أهلُ الشَّأن والتَّمكين، وقد تقرر لديكَ أنَّ "مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدُّ (1).
وهاكَ سَرْدًا مُوجَزًا - طلبًا للاختصار - لبعض الصَّلوات التي لم تثبت عنه عليه الصلاة والسَّلامُ أمَّا التفصيلُ فيحتاجُ إلى إطالة لا تَتَّسِعُ لها هذه العُجَالةُ (2):
صَلاةُ الحاجة (3).
2 - صَلاةُ الشكر صَلاةُ التَّسَابِيح).
(1) ـ الربيع، باب: في الولاية والإمارة، رقم الحديث 49.
(2)
-
بعض تلك الصلوات التي لم تثبت عن النبي لم نذكرها هنا لتقدم الحديث حولها سلفا، وذلك كالركعتين قبل الجمعة والعصر، والله الهادي إلى سواء السبيل.
(3) - يُنظر:
الخليلي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة: 18 جمادى الثانية 1424 هـ، يوافقه 2003/ 8/17 م. الخليلي، برنامج: سؤال أهل الذكر حلقة: 5 ربيع الأول 1425 هـ، يوافقه 2004/ 4/25 م.
(4) ـ أما سجود
(°)
رد الشكر فعلى القول بمشروعيته هو سجدة واحدة. يُنظر:
القنوبي، دروس صيف 2003 م / 1424 هـ (مذكرة خاصة ص 50).
القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر " حلقة: 25 رمضان 1425 هـ يوافقه 2004/ 11/9 م.
(ه) - صلاة التسابيح يكثر فيها التسييح بصفة معلومة، كما هو موجود في بعض كتب الفقه، وقد قال عن أحاديثها إمام السنة عافاه الله -: " أحاديث صلاة التسابيح ضعيفة سندا شاذة متنا".
القنوبي، دروس صيف 2001 م / 1422 هـ"مذكرة خاصة ص 41 ".
القنوبي، برنامج: "سؤالُ أهل الذكر"، حلقة: 4 رمضان 1430 هـ، يوافقه 25/ 8/ 2009 م. (1/432)
صفحة 433
صَلاةُ الرَّغَائب (1). الصَّلاةُ النَّارِيَّةُ (2). الصَّلاةُ الألْفِيَّةُ
صَلاةُ ودَاع المنزِل (4).
صَلاةُ ركعتي الإِحْرامِ.
صلاة ركعتين بعدَ السَّعي (6).
(1) - صَلاةُ الرَّغَائِب عند مَن قال بها - تكون في أَوَّل جُمعة من شهر رجب، والصحيح عدم مشروعيتها. (القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر " حلقة: 22 جمادى الثانية 1428 هـ، يوافقه 2007/ 7/8 م).
(2) – القنوبي، سعيد بن مبروك. بحوث ورسائل وفتاوى- القسم الرابع ص 73.
(3) - وهي أن يقوم الشخص في ليلة النصف من شعبان فيُصلّي مئة ركعة يقرأُ فيها سورة الإخلاص ألف مرة .. إلخ، وهو حديث ضعيف وباطل لا يثبت عن النبي. يُنظر:
القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 7 شعبان 1426 هـ، يوافقه 2005/ 9/11 م.
(4) – يقول شيخنا أبو عبد الرحمن القنوبي -حفظه الله - في هذه الروايات الواردة في هذه الصلاة: " قيل إنها بمجموعها
تصل إلى درجة الحسن، وإلى الآن لم تطمئن نفسي لهذا القول". يُنظر:
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الثالث ص 51.
القنوبي، جلسة إفتاء بمجلس متزله - ليلة الأربعاء 29/ 4 / 2008 م.
القنوبي، دروس صيف 2004 م / 1425 هـ"مذكرة خاصة ص 21".
القنوبي، برنامج: سؤال أهل الذكر، حلقة: 7 صفر 1428 هـ، يوافقه 2007/ 02/25 م.
(5) - الثابت عن النبي أنه أحرم بعد صلاة مفروضة في جميع مناسكه، و لم يصل ركعتين خاصتين للإحرام، لذلك اختلف العلماء في إثبات مشروعية ركعتين للإحرام لمن لم يصادف فريضةً، فالجمهور على إثباتها وعليه فتوى شيخنا العلامة الخليلي -حفظه الله، أما شيخنا القنوبي عافاه الله - فلم ير مشروعيتها، والله أعلم. يُنظر:
- (1)
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 172.
القنوبي، دُرُوسُ الحَجِّ بجامع التوبة عام 2004 م.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ص 298.
القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر حلقة: 3 رمضان 1426 هـ، يوافقه 2005/ 10/7
القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 2003 م / 1424 هـ (مذكرة خاصة ص 69). (1/433)
صفحة 434
1 - قيام ليلة النصف من شعبان (1).
11 - ست ركعات بعد المغرب، وعشرون قبل العشاء (2).
(1) ـ القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر - تلفزيون سلطنة عُمان حلقة: 25 رمضان 1427 هـ،
يوافقه
2006/ 10/19 م.
(2) – القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 2004 م / 1425 هـ " مذكرة خاصة ص 20 - 21". (1/434)
صفحة 435
البَابُ السَّابع عشر: في أحكام المسَاجِدِ
قَالَ تَعَالَى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا
بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) رِجَالُ لا تُلْهِيهِمْ تِجَرَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوَةِ وَإِينَاءِ
37
الزَّكَوةِ يَخَافُونَ يَوْمًا نَتَقَلَبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ (3)
فَصْلٌ فِي فَضْلِ المَسَاجِدِ
الله
النور: 36 - 37
اعلم -أيها القانتُ في محراب الخشوع - أنَّ الله فَضَّلَ بعض الأمكنة على
بعض، ومما فَضَّلَ مِنَ البقاع في البلاد مَسَاجدَها، فقالَ: " أَحَبُّ الْبلاد إلى الله
مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبلاد إلى الله أَسْوَاقُهَا (1).
فالمسجد هو بيتُ الله، وهو مكانٌ مُخَصَّص للصَّلاة والعبادة في الإسلام، وكذا تُدرس فيه شؤُونُ الأُمَّةِ، فهوَ جامع وجامعة؛ ولذا كانَ أوَّلَ عَمَل ابتدأ به عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في تأسيس دولة الإسلامِ حينَ نزلَ المدينة المنورة هوَ بَنَاءُ مسجدِه الشريف
وقد رتَّبَ الشارِعُ الأجر العظيمَ على بناء بيوت الله في أرضه، فقالَ: "مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ أَوْ أَصْغَرَ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ " ().
(1)
مسلم، باب: فَضْلِ الْجُلُوسِ فِي مُصَلاهُ بَعْدَ الصُّبْحِ وَفَضْلِ الْمَسَاجِدِ، رقم الحديث 1076. (2) ـ ابن ماجه، بَاب مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا، رقم الحديث 730. مَفْحَص: كمَقْعَد وزنًا، ومَفحص القطاة: البقعة التي تُفَرِّخ فيها من الأرض، ويضرب مثلا في القلة.
(ابن منظور، لسان العرب، مادة: فحص). (1/435)
صفحة 436
بل إنَّ المولى جل وعلا - قَصَرَ عُمَّار بيوته على مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزَّكاةَ وكفى بها شهادةً خالدةً حينما قَالَ: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ
اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَآتَى الزَّكَوةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَيْكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ له التوبة: 18 هذا .. وهناك للمساجد فضائلُ كثيرةً أَمْسكتُ اليراع عن ذكرها أو حتى اتكاء على معرفتك وبحثك يا فقهك الله - فالكلام عليها يحتاج إلى إطالة لا
سردها
تكفي لها هذه العجالة، فارجع إليها في مظافها.
أَفْضَلُ المَسَاجِدِ
تعرف أيها التلميذُ رزقني الله وإياك نيل الفضل- أنَّ أفضل المساجد هي المساجد الثلاثَةُ المخصُوصَةُ بالقَصد عن غيرها من بيوت الله، وهي المسجد الحرام ومسجد رسول الله، والمسجد الأقصى ... قالَ: " لَا تُشَدُّ الرِّجَالُ إِلا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِد الْحَرَامِ، وَمَسْجدي هَذَا، وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى .. (1).
فَصْلٌ في المسجدِ الحَرَامِ
وهو أفضلُ المساجد على الإطلاق؛ لأنَّه يوجد في أطهر بقعة في العالم، وهيَ المكرمة، مهبط الوحي، ومَشْرقُ النُّور، وسُرَّةُ الأرض ووسطها فهي أم القرى، وبالمسجد الحرام الكعبة المشرفة، فهو قبلة المسلمين بالإجماع فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} البقرة: 150 البقرة: 150 (2)، وأَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ آل عمران: 96، والصلاة فيه تَعْدلُ مئة ألف صلاة فيما سواهُ مِنَ المساجد؛ ففي الحديث: " .. وَصَلَاةٌ فِي
(1) – أبو داود، باب: في إِثْيَانِ الْمَدِينَةِ، رقم الحديث 1738.
(2)
، أحمد 2) ـ الخليلي، بن حمد. برنامج: "سؤال أهل الذكر تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة 9 رمضان 1427 هـ، يوافقه 2006/ 10/3 م.
6 (1/436)
صفحة 437
فيه تَعْدِلُ مئة ألف صلاة فيما سواه مِنَ المساجد؛ ففي الحديث: " .. وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مَئَة أَلْفَ صَلاة فيمَا سِوَاهُ (1)، وهذا يعني أَنَّ مَنْ صلَّى في المسجد الحرام صلاة صلاةً واحدةً مقبولةً فكأنما صلَّى في غيره خمسا وخمسين سنةً وستة أشهر وخمس
عشرة ليلةً بلْ أفضل من ذلك (2).
تنبية: كما أنَّ الثوابَ يُضَاعَفُ في المسجد الحرام وفي كلّ فاضل على
غيره - فكذا الإثم والعقاب يُضاعَفُ فِيْهِ "فالغُنْمُ بالغُرْمِ (3) قَالَ تَعَالَى: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ
بإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ
25
الحج: 25
(1)
ابن ماجه، بَاب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ النَّبِيِّ، رقم الحديث 1396. تَنْبِيَّة مُهم: الحديث يدلُّ على فَضْلِ الصَّلاة في هذا المكان المبارك من حيث الأجر، لا على أنَّها تُجزِي عَن هذا المقدار من الصلوات لمن ضيع صلواته في حياته أو قصر فيها، فهناك فرق شاسع بين الأمرين، فمن ترك صلاة لابد أن يَقْضِيَ صلاة واحدة، ومن ترك صلاتين اثنتين فيقضي صلاتين وهكذا.
أما ما جاء "مَن قَضَى صَلَاةٌ مِنَ الفَرائِضِ فِي آخِرِ جُمعَةٍ مِنْ رَمَضَانَ كَانَ ذلكَ جَابِرًا لِكُلِّ صَلَاةٍ فَاتَتَةٍ مِنْ عُمُرِهِ" فهو كذب موضوع، وباطل مخترع مصنوع على صاح الرسالة كما نص على ذلك المحققان الخليلي والقنوبي. متعنا الله بحياتهم-. يُنظر:
الخليلي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 23 رمضان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 11/29 م. القنوبي، دروس صيف 2001 م الموافق 1422 هـ. (مذكرة خاصة ص 22). القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة 23 رمضان 1426 هـ، يوافقه 2005/ 10/27 م. الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة ج 1 ص 84.
(2) - هذا العدد يمكن أن تتوصل إليه يا عبقري الرياضيات - عن طريق العملية الحسابية التالية (5:100,000: 30:12= 55,55 سنة)، وبنفس العملية يقال في المسجد النبوي الشريف الذي يفضل ألف صلاة عما سواه من المساجد، فأترك لك حسابها فأنت بها خبير وللأهمية انظر التنبيه السابق.
(3) – القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج: "سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 23 رمضان 1426 هـ، يوافقه 2005/ 10/27 م. (1/437)
صفحة 438
تنبية ثان: استثنى بعض العلماء منْ مَنع المرور بين يدي المصلّي المسجد الحرام؛ وعدُّوا ذلك مما تعم به البلوى، وفي تجنب المرور احتياط، وهو الأولى عند الإمكان (1).
تنبية ثالث: من الأخطاء الشائعة عند الكثير من الناس قَصْرُ إطلاق لفظ الحَرَمِ على المسجد الحرام، فيقولونَ كنَّا في الحرم ونصلّي في الحرم وذاهبونَ للحرم ... ويقصدون بذلك المسجد الحرام فقط، وَالصَّوابُ أَنَّ المسجد الحرام جزء مِنَ الحرم الذي يقابله الحلُّ، فالحرمُ هو تلك البقعةُ الواسعةُ منَ الأرض التي حدَّدَها النبيُّ بحيثُ لا تَحلُّ لقطتُها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفّرُ صِيدُها، ولا يُختلى خَلاهَا (2)، وكذا لا يجوز أن يُسفَكَ فِيها دَمٌ إلا إنْ كانَ ردًّا لعُدوان معتد فقط (3). فائدة: المسجد الحرام له أربع استعمالات أو دلالات، والكل دل عليه
القُرآن (4)، وهي:
أ - الكَعْبَةُ: قَالَ تَعَالَى: فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) البقرة: 150. ب الكعبة وما حولها من المسجد: وهو الغالب في الاستعمال قَالَ تَعَالَى: سُبْحَنَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ - الإسراء: 1.
(1) - يُنظر:
الخليلي، الإمام محمد بن عبد الله. الفتح الجليل من أجوبة الإمام أبي خليل ص 193.
القنوبي، دروس صيف 2002 م الموافق 1423 هـ. (مذكرة خاصة ص 63).
(2) ـ "ولا يختلى خلالها أو خلاها" بمعنى لا يجز حشيشها. يُنظر: السالمي، شرح الجامع الصحيح ج 2 ص 164.
(3) - يُنظر:
الخليلي، برنامج: "سؤال أهل الذكر حلقة 20 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/15 م.
القنوبي، دروس صيف 2004 م الموافق 1425 هـ. (مذكرة خاصة ص 14).
(4)
- عبد الغني، تاريخ مكة المكرمة قديما وحديثا ص 14. (1/438)
صفحة 439
ج- جميع مكة: قَالَ تَعَالَى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ عَامِنِينَ *
الفتح: 27.
د جميعُ الحرمِ: قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ
الحرام التوبة: 8
28.
مَسْأَلَةٌ
إذا حاضت المرأة بعد أن أكملت طوافها بالبيت فلها أن تسعى بين الصفا والمروة؛ ذلك لأنَّ المسعى ليس من المسجد على ما اعتمده العلامة القنوبي -وفقه الله حيث يقولُ: " .. لأنَّ المسعى على الصحيح ليس من البيت وإنْ كانَ يظهرُ لأَوَّل وهلة بأَنَّهُ مِنَ البيت ولكنَّه لم يُبْنَ مِنَ البيت والعبرة بالتأسيس " (1)، والله أعلم.
فَصْلٌ في المسجدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ
يوجد هذا المسجد في مهجر الرسول طيبة الطيبة، المدينة المنورة (2)، وقد باشر النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بناءَهُ بنفسه مع ثُلَّة من أصحابه وهم يرتجزونَ:
اللَّهُمَّ
اللهم لا خَيْرَ إِلا خَيْرُ الآخِرَةً
***
فَانْصُرِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةُ (3)
فأصبح هذا المسجد المبارك مقر القيادة الإسلامية في عهده عليه أفضل الصلاة
وأتم التسليم، إضافةً إلى أنَّ هذا المسجد الشريف يتميز عن غيره بعدة مزايا، منها
أن
(1) ـ القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر " حلقة: 26 جمادى الأولى 1426 هـ، يوافقه 2005/ 7/3 م. (2) – لا مانع على الصحيح عند عالمي العصر والمصر - من وصف المدينة بـ"المنوَّرة" خلافا لمن أنكر وتشدد، وأبين شاهد على ذلك أنهم لا يكادون يذكرون المدينة قولا أو كتابة إلا ويصفونها بالمنورة.
(3) – أبو داود، باب: في بناء المساجد، رقم الحديث 383. (1/439)
صفحة 440
1 - الصلاة فيه أفضلُ عن ألف صلاة في غيره من عموم المساجد، قال: "صلاة أحدكُم في مسجدي هذا يعني مسجد المدينة خير من صلاة -
فيما سواه من المساجد بألف صلاة إلا المسجد الحرام ..
2 - به الروضة الشريفة المباركة: قال في الحديث المتفق عليه: " مَا بَيْنَ بَيْتي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ (2).
3 - به حجراته الشريفة: وقد سُمِّيت باسمها سورة من القرآن، ونَزَلَت فيها آيات تُثلى إلى يوم القيامِ قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ
—
الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) الحجرات:
4
- وكذلك فهوَ يَضُمُّ الثّرى الطَّاهر له ولصاحبيه الصدِّيقَينِ أبي بكرٍ
وعمرة
(1)
) – الربيع، باب: في المساجد وفضل مسجد رسول الله، رقم الحديث 257.
(2) ـ البخاري، بَاب: فَضْلِ مَا بَيْنَ الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ، رقم الحديث 1120.
تنبية: جاءت بعض روايات هذا الحديث بلفظ "قبري ومنبري" بدل "بيتي ومنبري" إلا أن هذه الرواية بهذا اللفظ "قبري" ضعيفة لم ترد في كتب الحديث الجامعة للحديث الصحيح، ولم يكن في ذلك الزمان قبر للنبي صلى الله عليه وسلم ولا علم بمكان وفاته في حياته المباركة، ولو كان هذا اللفظ صحيحا ثابتا من قول النبي الله لكان دليلا واضحا وحجة قاطعة في محل دفنه بعد وفاته، ولما اختلف أصحاب النبي في ذلك إلى أن جاء الصديق الله وقطع قول كل خطيب حينما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَا دُفنَ نَبِيُّ قَطُّ إِلَّا في مكانه الذي تُوُفِّى فيه"، فجمع الله ببركة الكلمة، وأزاح به عنهم شبح الفرقة. يُنظر:
صحبته
أحمد، المسند، مسند أبي سعيد الخدري له، رقم الحديث 11185.
مالك، الموطأ، باب: بَاب مَا جَاءَ فِي دَفْنِ الْمَيِّتِ (معلقا).
(3) - يُنظر:
عبد الغني، تاريخ المسجد النبوي الشريف ص 158. عبد الغني، تاريخ المدينة المنورة المصور ص 32 - 39. (1/440)
صفحة 441
في زيارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلام عليه وعلى صاحبيه فضل
كبير لا يخفى فلا ينبغي التفريط فيه، إلا أنَّ ذلك لا يُعدُّ من أعمال الحج والعمرة ولا من مناسكهما، أما رواية: "مَنْ حَجَّ ولم يزرني فقد جفاني" (1) فهي رواية لا تصح باتفاق المُحَدِّثِينَ (2).
فَصْلٌ فِي المَسْجِدِ الْأَقْصَى
تعلم أيُّها الظافر في الدارين، أقَرَّ الله مني ومنك العينين بتحرير أولى القبلتين ومسرى سيد الثقلين أنَّ هذا المسجد المقدس طهَّره الله من دنس اليهود- يوجد في - أرض الإسراء المباركة "القدس الشريفةِ، قَالَ تَعَالَى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِي بَرَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَنينا - الإسراء: 1. وقد كان بيت المقدس قبلةً للمسلمين يتجهون إليه في صلواتهم، وقد أكرم الله تعالى فيه المرسلين باقتدائهم بإمام المرسلين سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلةَ أُسري به إلى هناك. ولهذا كلّه فقد اختص هذا المسجد العتيق بأن كانت الصلاة الواحدة فيه تعدلُ خمسمئة صلاة فيما سواه من عامة المساجد (3)، والله أَعْلَمُ.
"1
تنبية مهم: تنبه أخي الحبيب أن أعداء الإسلام يحاولونَ عن طريق وسائل الإعلامِ صرف المسلمينَ عنِ المسجد الأقصى المقدَّس، وذلك عن طريق عرض مسجدِ اقبة الصَّحْرَة" عند ذكر المسجد الأقصى، وللأسف فقد تأثرت بذلك كثير من وسائل الإعلام العربية والإسلامية حتى ظَنَّ الكثيرُ أنَّ ذلك البناء هو المسجد الأقصى.
(1) - يُنظر: السخاوي، المقاصد الحسنة، باب: حرف الميم.
_ (5)
أحمد - الخليلي، بن حمد برنامج: "سؤال أهل الذكر تلفزيون سلطنة عُمان حلقة: 21 جمادى الأولى
1427 هـ، يوافقه 2006/ 6/18 م.
(3) - الطحاوي، مشكل الآثار، باب: بيان مشكل ما روي عنه عليه السلام في المساجد التي لا تشد الرحال إلا إليها، رقم الحديث 500، وفي الرواية نظر عند بعضهم كما أطلعني الشيخ المراجع ماجد الكندي، فالله أعلم بصحتها. (1/441)
صفحة 442
ومسجد قبة الصخرة" هو ذلك البناءُ الثَّمَانِيُّ الذي تعلوه تلك القبةُ الدائرية المذهبَةُ، وقد بُني في عهد عبد الملك بن مروان فوق الصخرة التي قيل إنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم عُرِجَ به إلى السموات العُلَى)، والعلم عند الله.
تتمة
لقدْ أكرم الله تعالى مَسْجِدَ قُبَاء وأهلَهُ بآيات ثابتة في الألواح والصدور إلى يوم شورٍ قَالَ تَعَالَى: لَمَسْجِدُ أُسَسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ
يُحِبُّونَ أَن يَنطَهَرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَهِّرِينَ) التوبة:. التوبة: 108. وثبت في سنة الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم أَنَّه كانَ يَزُورُ مَسجِدَ قُبَاء كُلَّ سبت رَاكِبًا وَمَاشيًا، ويقول: "مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاءِ فَصَلَّى فِيهِ صَلَاةٌ كَانَ لَهُ كَأَجْرِ عُمْرَة (2).
فَضْلُ في آدابِ المَسْجِدِ وَسُنَنِهِ
تعرَّف يا أخي، جعلكَ الله ممن تعلَّق قلبُهُ بالمساجد - أن قاصد المسجد قاصد لبيت من بيوت الله،، فعلى الضيف أن يُحسن الأدب والسلوك في بيت مُضيفه، فحذار حذار من الإخلال أو التقصير في بيت الله، ومِنْ آداب المسجد:
(1)
- ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ذكر: السنة السابعة من ولاية عبد العزيز بن مروان
على مصر.
(2) - سألتُ شيخنا القنوبي -حفظه الله - عما ورد في فضل الصلاة في مسجد قباء فأجاب بثبوت شيء من
النبي
من
غير أن يحدد لي حديثا بعينه، والله أعلم. يُنظر: البخاري، باب: مسجد قباء، رقم الحديث 1117. ابن ماجه بَاب مَا ء في الصلاة في
مسجد قباء، رقم الحديث 1402.
ذلك
عن (1/442)
صفحة 443
1 - السَّعي إلى المساجد والمرابطة فيها: قال: " ألا أخبرُكُمْ بما يمحو الله بـ الخطايا ويرفع به الدرجات: إسباغُ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكمُ الرِّباطُ " قالها ثلاثا (1).
2 - الدخولُ بالرجل اليمنى، والخروجُ بالرجل اليسرى: ومنَ السَّنة أن تقول عندَ الدخول: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وعند الخروج تقولُ: اللهم إني أسألُكَ مِنْ فضلك (2)، قَالَ: إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلْ: "اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلْ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلكَ (3).
3 - المبادرة لصلاة ركعتين قبل الجلوس: قالَ: " إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس"
(4) -
- المحافظة على المسجد وتنظيفه وصيانته: فقدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم بناء الْمَسَاجِد وَأَنْ تُطَيِّبَ وَتَنَظَّفَ)، وكذلك تكنس ويُزالَ عنها الأذى، فَفَاعلَ ذلكَ
خادم لبيت الله.
وَبَشِّرِ الكَاسِحَ بِالأُجُورِ
***
(1) – الربيع، باب: في فضائل الوضوء، رقم الحديث
100
(2) – القنوبي، سعيد بن مبروك. تحفة الأبرار ص 135، 138. مسلم، باب: مَا يَقُولُ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، رقم الحديث 1165.
(3)
(4)
- الربيع، باب: في سبحة الضحى وتبردة الصلاة، رقم الحديث 204. (5) ـ أبو داود، باب: اتَّخَاذِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ، رقم الحديث 384.
(1)
الله
) - السالمي،، عبد الكاسح: الكناس، وكسحه: أي كنسه.
بن حميد. جوهر النظام ج 1 ص 113.
إِذْ كَسْحُهُ قِيلَ مُهُورُ الْحُورِ (6) (1/443)
صفحة 444
فَصْلٌ فِي مَنْهَيَّاتِ المَسَاجِدِ
تعلم أيُّها الدَّارِسُ النَّبيه - أنَّ للمسجد حرمات وحمى يلزمُ الحذرُ
حولها خشية الوقوع فيها، ومن تلك الأمور المنهي عنها في المسجد: 1 - إنْشَادُ الصَّالة: وفي حكمها اللُّقطة وكذا التعريف بهما داخل المسجد؛ قالَ: "طهرت المساجد من ثلاث منْ أنْ يُنشد فيها بالصوال، أو يُتخذ فيها طريق، أو يكون فيها سوق"، قالَ ابنُ عباس: ولا بأس بإنشاد الصالة على أبواب المساجد (1).
أن
2 واتخاذه طريقًا للعبور: للحديث السابق.
-3 - البيع والشراء وجميع صور التجارة عموما كالإجارة والمساومة؛ وذلك للحديث السابق، ولقوله: " إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَسِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا لا أَرْبَحَ اللهُ تجَارَتَكَ (2).
تنبية: يقعُ الكثير من آمِّينَ البيت الحرام في المسألة من قبل أهل المسغبة والمتربة -حسب ما يتظاهرون - وذلك داخل المسجد الحرام، فيود صاحبنا بحسن نيته يعطيهم خمسة ريالات سعودية -مثلا-، ولا يكون عنده إلا عشرة، فيطلب من السائِلِ رجعَ الباقي له، والواقع أنَّ هذه المعاملة لا تجوز في المسجد؛ يقول المحدث القنوبي: " .. وهذا ممَّا لا يصح في المسجد؛ لأنه صَرْفُ والصَّرْفُ بَيع (3).
(1) الربيع، باب: في المساجد وفضل مسجد رسول الله، رقم الحديث 263.
2) – الترمذي، بَاب: النَّهْيِ عَنْ الْبَيْعِ فِي الْمَسْجِدِ، رقم الحديث 1242.
(2)
(3)
سعيد بن مبروك. برنامج "سؤال" أهل الذكر تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة 23 رمضان 1426 هـ،
3) - القنوبي، يوافقه 2005/ 10/27 م. (1/444)
صفحة 445
4 - الحديث الدُّنيويُّ ورفع الصوت في المسجد: فهوَ يأكلُ الحسنات ويشغلُ المصلينَ ويَصدُّ عَنْ ذكرِ اللهِ لا سيما إن اشتمل هذا الحديث على كلام محرم كغيبة أو غيمة؛ فَرَبُّ هذه البيوت لم يأذن فيها إلا بذكرِهِ؛ قَالَ تَعَالَى: {فِي بُيُوتِ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} النور: 36.
تنبية: الكلامُ بالهواتف في المسجد كغيره من الكلام: فحلاله حلال وحرامه حرام، ولا يعدُّ من قبل البيع والشراء، إلا أنَّ الإنسان -وهو في بيت الله- ينبغي له أنْ يُحسن الأدب مع الله ولا يلتفت لشيء سواه، فلا يجاوز عتبة باب المسجد حتى يقطع اتصاله بالخلق ويتصل بالخالق جل وعلا (1).
ويشتد الأمرُ بل ويحرمُ عندما تشتمل هذه الهواتف على نغمات موسيقية
تشغل المصلين وتصدُّهم عن ذكر الله، فهل أنتم منتهونَ (2).
(1) ـ الخليلي، أحمد بن حمد. فتاوى المعاملات ص 114.
(2) - يقول المحدث القنوبي –أبقاه الله -: "على كل حال؛ هذه انتشرت وشاعت وذاعت للأسف الشديد، وبعض تل النغمات نغمات موسيقية مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم النهي الشديد، وفي ذلك أحاديث متعددة عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ثم إنّ في كثير من ا النغمات وإن لم تكن من هذا الباب ففيها ما فيها من التشويش والأذية، فينبغي ترك هذه النغمات وإنما إذا كانت هنالك رسائل ضرورية فتكون في غير أوقات الصلوات-ثم تكون أيضا من الأمور التي لم يأت فيها فهي في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أما في أوقات الصلوات فلا، ثم إنّ الإنسان ينبغي له أن يغلق هاتفه عندما يدخل المسجد حتى في غير وقت تأدية الصلاة لأنه قد يكون هنالك بعض الناس الذين يقرؤون كتاب الله تبارك وتعالى-أو يقومون بتأدية بعض النوافل ولا شك بأن هذه النغمات تكون مشوشة على المصلين وعلى الذين يقرؤون كتاب الله -تبارك وتعالى- وأذية المؤمن لا تصح؛ والله -تبارك وتعالى-ولي التوفيق". يُنظر:
الخليلي، برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 6 محرم 1424 هـ، يوافقه 2003/ 3/9 م.
القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقة: 19 ربيع الأول 1425 هـ، يوافقه 2004/ 5/9 م. (1/445)
صفحة 446
تنبية آخَرُ: يُكرَهُ كراهة تتزيه كتابةُ القُرآن الكريم في الجدران، سواء في المساجد أو غيرها، وإن لم يكن من ذلك بد فالأولى كتابة قوله تَعَالَى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ
مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَن بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَآلَى الزَّكَوةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا الله فَعَسَى أَوَلَيْكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ التوبة: 18 وقولِهِ: وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ
صلے
18
فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}
الجن: 18
فَتْوَى
السؤال / لقدْ قرأتُ في بعض الكتب أنَّ زَحْرَفة المساجد هي من علامات الساعة، فهل يعني هذا عدم جواز زخرفة المساجد، بالرغم من أنها بيوت الله؟ الجواب نعم، الزخرفةُ في المساجد ممنوعةٌ، وأقل ما فيها الكراهة، وليس حسن مظهر المساجد بالزخرفة وإنما بدوام الذكر فيها، فقد كان مسجد النبي صلى الله عليه وسلم عريشا، وكانت سواريه من جذوعِ النَّخلِ، ومع ذلك أشرق منهُ النُّورُ الذي بدَّدَ الظلمات من أرجاء الأرض، والله أعلم (2).
(1) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 188.
القنوبي، دروس صيف 2001 م الموافق 1422 هـ. (مذكرة خاصة ص 17).
، أحمد
(2) ـ الخليلي، بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 203. وفي النهي عن زخرفة المساجد يقول الفاروق: "أَكِنَّ النَّاسَ مِنْ الْمَطَرِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ النَّاسَ، وَقَالَ أَنَسٌ: يَتَباهَوْنَ بِهَا ثُمَّ لا يَعْمُرُونَهَا إِلَّا قَلِيلًا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاس: لَتَرَحْرفُتْهَا كَمَا زَحْرَقَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. (البخاري، باب: بُنْيَانِ الْمَسْجِد "معلقا")
قلتُ: وقد سمعت شيخنا الخليلي أبقاه الله - ينهى عن الزخرفة في السجاد أيضا ويقول بأن الزخرفة على السجاد أشد فتنة على المصلي من الزخرفة على الجدران، والله أعلم. (1/446)
صفحة 447
فَصْلٌ فِي بَعْضٍ أَحْكَامِ المَسَاجِدِ
1. لا يجوز لصاحب الحدث الأكبر دخولُ المسجد: كالجنب والحائض
والنفساء سواءً كان هذا الدخولُ عبورًا أو مكنا فِيهِ، قَالَ تَعَالَى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا نَقُولُونَ وَلا جُنُ 43، ويُرخص في حال الخوف الشديد فقط (1).
2 المحرابُ منَ المسْجَد على المعتمد الصحيح عند الشيخين -أبقاهما الله - فحكمه حكم المسجد، فلا مانعَ منَ الصَّلاة فيه لا سيما في حالة الضرورة كضيق المسجد وامتلائه (2).
لطيفة): سألت شيخنا خاتمةَ الحُفَّاظ القَنُّوبي عافاه الله- عن رأيه في ما يُذكر في بعض كتب الفقه، وهو أنَّ الإنسان إذا لم يتمكن من قضاء حاجته إلا في المسجد لخوف أو لانغلاق الأبواب عليه فليقضها داخل المحراب لأنَّ فيه قولا آنه ليس من المسجد (3)، فأجاب: لا، إن اضطُرَّ لذلك فليختر زاوية بعيدةً أخف ضررًا؛ لأن المحراب من المسجد على الصحيح (4).
(1) - لا تقربوا الصلاة: أي مواضعها، يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 21.
القطب، تيسير التفسير ج 3 ص 229.
(2) - يُنظر:
(3)
الخليلي، الفتاوى ج 1 186. الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 90، 91.
القنوبي، دروس صيف 1425 هـ / 2004 م، "دروس في شرح أبواب من الإيضاح".
- الشماخي، عامر بن علي الإيضاح ج 1 ص 25 (الحاشية).
(4) ـ القنوبي،
سعيد بن مبروك. دروس صيف 1425 هـ / 2004 م، "دروس في شرح أبواب من الإيضاح". (1/447)
صفحة 448
3 المسجد له أرضه وسماؤه: أي أعلاه وأسفلُهُ، لذا يكون ما فوق المسجد وما تحتَهُ له حكم المسجد (1).
تنبية مهم: قد يعمد بعض من أهل الخير والصلاح أصلح هم لنا ولهم الشأن عند تجديدهم لبناء لبيوت هـ - عزَّ وجل - إلى بناء دورات مياه أو محلات تجارية في الطابق السفلي أو العُلوي من المبنى، أي تحت المسجد أو فوقه مباشرةً، بحيثُ يجعلونه من طابقين ثمَّ يجعلونَ الطابق السفلي مثلاً محلات تجارية، وهذا خطأ، وجهل بالفقه في دين الله؛ لأنَّ ما فوق المسجد وما تحتَهُ له حكم المسجد، فكأنَّ البيع والشراء وقضاء الحاجة كلُّ ذلك يكونُ في المسجد، والله المستعان.
أمَّا إِنْ أُسِّسَ المَسْجِدُ من طابقين من البداية بحيثُ كانَ أحدهما مسجدًا للصَّلاة والآخَرُ غير مسجد (كمَجْلِس للمنَاسَبَات) لم يُعْطَ كلُّه حكم المسجد، وإِنْ كَانَ من قَبْلُ مَسجدًا، ثُمَّ جُدِّدَ بهذه الطَّريقَة كانَ الجميعه حُكُمُ المسجد (2).
وبناءً على أنَّ الكعبة (بيت الله الأَوَّلَ) لها أرضُها وسماؤها فإنَّ
فائدة: وبناء على
الصَّلاة في الطابق الثاني وفي سَطْح المسجد الحرام جائزة على رأي شيخنا القنوبي ولَوْ لَمْ يَكنِ الْمُصَلِّي مُحَاذِيًا لشيء مِنْ بُنْيان الكعبة؛ لأنَّ ما فوقَ الكَعْبَةِ مَهمَا عَلا له حكم الكعبة وهكذا ما كانَ أسفل الكعبة، فلا يُشترط استقبالُ نفس البناء، والمطلُوبُ اسْتِقْبَالُ جِهَتِهَا لا عَيْنِها قَالَ تَعَالَى: {فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} البقرة:
(1) ـ الخليلي، أحمد
حمد، برنامج: سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة: 12 رمضان 1426 هـ، بن
يوافقه 2005/ 10/16 م.
(2) - يُنظر:
•
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 191.
القنوبي، دروس صيف 2004 م الموافق 1425 هـ. (مذكرة خاصة ص 14). القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة 21 رمضان 1424 هـ، يوافقه 16 نوفمبر 2003 م. (1/448)
صفحة 449
144
ولذلك صَحتْ صَلاةُ مَنْ يُصَلِّي في الطائرات وأعْلَى العَمَارَاتِ ومَنْ يُصَلِّي في
قيعان الآبار والمحيطات.
أمَّا الطَّوافُ فَلا بُدَّ فيه من استقبال عَين الكَعْبَة لا مجرَّدَ الجهة؛ قَالَ تَعَالَى:
وَلْيَطَوَفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)، وَلذَا فَيَصِحُ الطَّوافُ فِي الطَّابِقِ
،29:
الأَرضِيِّ رضِيِّ والطَّابقِ الأولِ مِنَ الْحَرمِ دُونَ الثَّانِي سَطْحِ الْحَرَمِ الَّذِي لَا يُحَاذِيْ شَيْئًا مِنْ (بُنيانها - على الْمُعْتَصَد عندَ العلامة الخليلي، وأفتى به العلامةُ القَنونِيُّ مِنْ بَاب الاحتياط
الذي ينبغي للجَمِيعِ التزَامُهُ)، وإلا فَإِنَّ الذي يَراهُ هُو الجَوَازُ (2)، وَالله أَعْلا وأَعلَمُ.
6
4. إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله مَنْ آمَنَ باللّه: فلا يَتَوَلى تشييد بيوت الله أو الاشتراك في تشييدهَا وَعِمَارَتها العمارَةَ الحسيَّةَ والمعنويَّةَ إِلا المَسْلَمُونَ، وَلَا يمكنُ الكُفَّارُ من ذلك، إلا أَنَّهُ لا يُفْضي إلى المنع منَ الصَّلاةِ فِيهَا (3)؛ قَالَ تَعَالَى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَعَالَى
الزَّكَوةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا الله له التوبة: 18.
(1) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 367، 368.
القنوبي، دروس صيف 2001 م الموافق 1422 هـ. "مذكرة خاصة ص 26".
القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر " حلقة: 11 رمضان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 11/17 م.
(2) القنوبي، سعيد بن مبروك. برنامج "سؤال أهل الذكر - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 26 رمضان 1428 هـ،
يوافقه 2007/ 10/8 م.
(3) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 205.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى- القسم الرابع ص 39. (1/449)
صفحة 450
ه. المسجد مسجد إلى يوم القيامة: لا يحلُّ تبديله أو تحويله واستخدام أرضه لأي غرض آخر، ولو عُوِّضَ بأرض ومكان آخرين
6. صَرْحَةُ المسجد من المسجد على القول المشهور؛ فلذا تُعطى جميع
أحكام المسجد في المأمورات والمنهيات كالأمر بالتحية والنهي عن البيع المصليات لها حُكُمُ المساجد في جميع المأمورات والمنهيات، إن كانت أُسست على أنها مسجد، أمَّا إِنْ أُسِّسَ على أنه مصلَّى مؤقت فلا يُعطَى حكم المسجد، فإذَن العبرة بالتأسيس (3).
مُصَلَّى النِّساء له حكم المسجد: فلا يجوز لصاحب الحدث الأكبر كالحائض والنفساء دخوله. ويجوز للمرأة أن تصلي فيه الفريضة والنافلة مع جماعة المسجد إذا كانَ المصلى خلف المسجد أو محاذيًا لصفوفه، إلا إن طالَ الفاصل بينَ المسجد والمصلى فلا تقتدي النِّساء بالإمام في الفريضة، أمَّا النوافل -كصلاة التراويح - فيُترخَّصُ فيها ما لا يُترخَّصُ في الفرائض (4).
9. يجوز للمرأة الصَّلاةُ في المسجد: فرضًا أو نفلا إلا أنَّ صلاتها في مملكتها أولى بها، قالت أمُّ المؤمنين عائشة: "لو أدرك رسولُ الله ما أحدث الله صلى الله عليه وسلم
(1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى المعاملات ص 379.
المنتدى الأدبي، قراءات في فكر الخليلي ص 198، 199.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى- القسم الرابع ص 69.
(2) – القنوبي، سعيد بن مبروك. دروس صيف 2004 م الموافق 1425 هـ. (مذكرة خاصة ص 14).
(3) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى المعاملات ص 379.
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 187.
، أحمد
(4) ـ الخليلي، بن حمد. الفتاوى ج 1 ص 147. (1/450)
صفحة 451
النساء
لمنعهنَّ المسجدَ كما مُنعت نساء بني إسرائيل"، قال الربيعُ: ذلك من أجل ما يعملْنَ منَ العطرِ والريح والطيب فيدخلْنَ به المسجد ويشغلْنَ بهِ النَّاسَ عنِ
الصلاة.
ويُستثنى من ذلك ما إذا كانت صلاتها في المسجد لمصلحة دينية أو دنيوية كحُضُورِ مجلس علم أو مرور بطريق بشرط التزام كامل السِّترِ والاحتشام).
(1) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 144.
الخليلي، برنامج "سؤال أهل الذكر" - حلقة: 25 محرم 1426 هـ، يوافقه 2005/ 3/6 م. (1/451)
صفحة 452
تم الجزء الأول بحمد الله
ويليه الجزء الثاني – إن شاء الله تعالى-
ويكون في:
" الزَّكَاةِ والصِّيَامِ" (1/452)
صفحة 453
أولاً: القرآن الكريم.
قَائِمَةُ المَرَاجِعِ وَالمُصَادِرِ
ثانيًا: كتبُ السُّنة النبوية.
ثالثًا: مراجع الشيخ الخليلي -حفظه الله -:
1 - الخليلي، أحمد بن حمد - حفظه هـ - إجابةٌ عَلَى أسئلة وجهها الكاتب لسماحته. تاريخ: غرة ذي الحجة 1429 هـ - الموافق: 11/ 30/ 2008 م.
2 - الخليلي، أحمد بن حمد -حفظه هـ - الجمع بين الصلاتين. وزارة الأوقاف والشؤون الدينية مكتب الإفتاء
3 - الخليلي، أحمد بن حمد -حفظه هـ - جواهر التفسير: أنوار من بيان التنريل. مكتبة الاستقامة. ط 1 - 1404 هـ / 1984 م.
- الخليلي، أحمد بن حمد -حفظه هـ -. حُكْمُ البَرَاءَةِ مِنْ مُرتَكِب ا وزارة الأوقاف والشؤون الدينية - مكتب الإفتاء. ط 1 - 2006 م.
ه- الخليلي، أحمد بن حمد -حفظه. هم -. شَرحُ غَاية المراد. مكتبة الجيل الواعد. ط 1 - 1424 هـ 2003 م.
6 - الخليلي، أحمد بن حمد -حفظه هـ -. العقْلُ بينَ جماح الطبع وترويض
الشرع.
مكتب الإفتاء. ط 1 - 1429 هـ / 008
20 م. (1/453)
صفحة 454
-7
الخليلي، أحمد بن حمد -حفظه هـ -. الفتاوى الكتاب الأول الأجيال
للتسويق. ط 2 - 1421 هـ / 2002 م.
- الخليلي، أحمد بن حمد - حفظه. همـ -. فتاوى الزينة والأعراس. مكتبة الجيل الواعد. ط 1 - 1424 هـ 2003 م.
9 - الخليلي، أحمد بن حمد -حفظه هـ - فتاوى المعاملات. الأجيال للتسويق.
9 -
ط 1 - 1423 هـ / 2003 م.
10 - الخليلي، أحمد بن حمد -حفظه ه -. فتاوى النكاح. الأجيال للتسويق.
2 - 1423 هـ / 2003 م.
11 - الخليلي، أحمد بن حمد -حفظه هـ - فتاوى الوقف والوصية. الأجيال للتسويق. ط 1 - 1424 هـ / 2004 م.
12 - الخليلي، أحمد بن حمد -حفظه هـ - فتاوى الأيمان والكفارات والنذور. الأجيال للتسويق. ط 1 - 1427 هـ / 2006 م.
13 - الخليلي، أحمد بن حمد -حفظه هر - محاضرة لسماحة المفتي بعنوان: " ابن بركة والبحث العلمي". قراءات في فكر ابن بركة البهلوي/ المنتدى الأدبي- ط 1، 1422 هـ / 2001 م.
14 - الخليلي، أحمد بن حمد -حفظه ه -. محاضرة لسماحة المفتي بعنوان: "البهلاني فقيها وأديبا". قراءات في فكر البهلاني الرواحي المنتدى الأدبي- ط 1، 1418 هـ / 1998 م. (1/454)
صفحة 455
15 - الخليلي، أحمد بن حمد -حفظه هـ - محاضرة لسماحة المفتي بعنوان: "التأصيل الفقهي عند الإمام أبي سعيد الكدمي. قراءات في فكر أبي سعيد الكدمي المنتدى الأدبي - ط 1، 1422 هـ / 2001 م.
16 - الخليلي، أحمد بن حمد -حفظه هـ - محاضرة لسماحة المفتي بعنوان: "الجانب الفقهي والاجتهادي في سيرة أبي نبهان". قراءات في فكر أبي نبهان المنتدى الأدبي - ط 1، 1421 هـ 2000 م.
17 - الخليلي، أحمد بن حمد -حفظه هـ -. محاضرة لسماحة المفتي بعنوان: "الخليلي فقيها ومحققاً". قراءات في فكر الخليلي/ المنتدى الأدبي- ط 1، 1414 هـ / 1994 م.
18 - الخليلي، أحمد بن حمد -حفظه هر- محاضرة لسماحة المفتي بعنوان: "منهج السالمي في مؤلفاته الفقهية. قراءات في فكر السالمي المنتدى الأدبي- ط 1، 1423 هـ / 003
2 م.
19 - الخليلي، أحمد بن حمد -حفظه ه -. محاضرة لسماحة المفتي بعنوان: "مكانة الشيخ العلامة الشقصي العلمية. قراءات في فكر الشقصي/ المنتدى الأدبي - ط 1، 1424 هـ 003
20 م.
20 - الخليلي، أحمد بن حمد -حفظه هـ - المرأة تسأل والمفتي يُجيب. الجيل
الواعد. ط 1 - 1428 هـ / 2007 م.
21 - الخليلي، أحمد بن حمد -حفظه هر -. وَحْيُ السُّنة في خُطْبَي الجُمُعَة. وطبع ملحقا بكتاب الفتاوى ج 1. (1/455)
صفحة 456
22 - الخليلي، أحمد بن حمد -حفظه ه -. برنامج "سؤال أهل الذكر". الموقع
الخاص بسماحة المفتي: www.fatwaa.net
23 - الخليلي، الضامري للنشر والتوزيع. ط 1 - 1416 هـ / 1996 م.
أحمد بن حمد -حفظه هـ -. المعتدة بين البدعة والسنة. مكتبة
24 - الخليلي، أحمد بن حمد -حفظه هـ -. رد مطوّل على أحد المغرضين -
مخطوط بحوزة الكاتب نسخة منه. مسقط 12 ربيع الثاني 1412 هـ. 25 - الخليلي، أحمد بن حمد -حفظه هر -. 79 مسألة للنساء فقط. "مادة سمعية"، إنتاج: مكتبة وتسجيلات مشارق الأنوار.
26 - الخليلي، أحمد بن حمد -حفظه هـ -. مفسدات الصلاة، "مادة سمعية"، إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية أو موقع واحة الإيمان الرابط:
htt//www.wa eran.com mod ul es plp? name= Downloads &d
= مفسدات_الصلاة op=viewdownloaddetails&lid=7 4 &ttle_
27 - الخليلي، أحمد بن حمد -حفظه هـ -. أخطاء شائعة في اللغة العربية، "مادة سمعية"، إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية.
28 - الخليلي، أحمد بن حمد -حفظه هـ - فقه الهبة والهدية. "مادة سمعية"، إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية.
29 - الخليلي، أحمد بن حمد -حفظه هم -. فتاوى في أحكام الجنائز (جزءان) "مادة سمعية"، إنتاج: مكتبة وتسجيلات مشارق الأنوار. (1/456)
صفحة 457
30 - الخليلي، أحمد بن حمد -حفظه هـ -. "فتاوى لطلاب جامعة كندا"، 18
ربيع الثاني 1418 هـ مادة سمعية". اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية، أو موقع واحة الإيمان الرابط:
htt//www.wal eran.com mod ul es plp? name= Downloads&d_op =vi evdownload
ک ندا< b>_ فتاوي_لطلبة_في_جامعات details&lid=971 &ttle
31 - الخليلي، أحمد بن حمد -حفظه. هر - فتاوى نسائية ج 1. "مادة سمعية"، إنتاج: تسجيلات المناهل، أو موقع واحة الإيمان الرابط:
hft ://www.waleman.com/modules.php?name=Downloads&d_op=viewd
ownloaddetails&lid=4&ttitle
32 - الخليلي، أحمد بن حمد -حفظه هـ -. وسقط القناع. مكتبة الضامري للنشر والتوزيع. ط 1 - 1418 هـ 1998 م.
33 - الخليلي، أحمد بن حمد -حفظه هم -. يحسن الله عزاكم "مادة سمعية"، إنتاج: مكتبة وتسجيلات مشارق الأنوار (1/457)
صفحة 458
ثالثا: مراجع الشيخ القنوبي -حفظه الله -:
34 - القنوبي، سعيد بن مبروك حفظه هـ - الإمام الربيع بن حبيب: مكانته ومسنده. مكتبة الضامري ط 1، 1416 هـ /1995 م.
35 - القنوبي، سعيد بن مبروك -حفظه هـ -. بحوث ورسائل وفتاوى- القسم
الأول.
36 - القنوبي، سعيد بن مبروك - حفظه. هر - بحوث ورسائل وفتاوى القسم
الثاني.
37 - القنوبي، سعيد بن مبروك -حفظه ه -. بحوث ورسائل وفتاوى- القسم
الثالث.
38 - القنوبي، سعيد بن مبروك -حفظه ه -. بحوث ورسائل وفتاوى- القسم
الرابع.
39 - القنوبي، سعيد بن مبروك -حفظه هـ -. بحوث ورسائل وفتاوى- القسم
الخامس.
-
40 - القنوبي، سعيد بن مبروك -حفظه هـ -. تحفَةُ الأَبْرَارِ فِي الأَذْكَارِ الوَارِدَة في كتاب الله وسنة نبيه المختار. ط 2، 1427 هـ. المطابع العالمية. أو موقع واحة الإيمان الرابط:
hft ://www.waleman.com/modules.php?name=Downloads&d
=tttle_op=viewdownloaddetails&lid&= رياض_الأزهار_في_الثابت (1/458)
صفحة 459
—
41 - القنوبي، سعيد بن مبروك -حفظه هـ -. الرأي المعتبر في حكم صلاة السفر. ط 3 1419 هـ
42 - القنوبي، سعيد بن مبروك -حفظه هـ -. السيفُ الحاد في الرد على من أخذ بحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد. ط 3، 1418 هـ.
43 - القنوبي، سعيد بن مبروك -حفظه هـ -. شرح مدارج الكمال "مادة سمعية"، اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية، أو مكتبة مسجد جامعة
السلطان قابوس
44 - القنوبي، سعيد بن مبروك -حفظه هـ -. الطوفان الجارف لكتائب البغي والعدوان. ط 1 - 1420 هـ / 2000 م.
45 - القنوبي، سعيد بن مبروك -حفظه هـ - قرة العينين في صلاة الجمعة بخطبتين. ط 1 - 1417 هـ / 1996 م.
46 - القنوبي، سعيد بن مبروك -حفظه هـ - فتاوى إمام السُّنَّة والأصول، أجوبة مطبوعة معظمها مفرغة من أشرطة، وبعضها بخط الشيخ نفسه.
47 - القنوبي، سعيد بن مبروك -حفظه هه - فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي، "ملف وورد (Word) متداول معظم مادته العلمية من برنامج: سؤال أهل الذكر.
48 - القنوبي، سعيد بن مبروك - حفظه هـ -. مذكرة خاصة للدروس الصيفية: 2000 م / 1421 هـ - 2004 م / 1425 هـ.
49 - القنوبي، سعيد بن مبروك -حفظه هـ -. مقدمات في علم الحديث. مذكرة مخطوطة غير مطبوعة بحوزة الكاتب نسخة منها. (1/459)
صفحة 460
50 - القنوبي، سعيد بن مبروك -حفظه هر -. سلسلة في ظلال السنة: فتاوى
ج 1 "مادة سمعية"، إنتاج: تسجيلات مشارق الأنوار، أو موقع واحة الإيمان
الرابط:
hft ://www.waleman.com/modules.php?name=Downloads&d_
=41 op=viewdownloaddetails&lid ttle&= فتاوي_< b> القنوبي b>
51 - القنوبي، سعيد بن مبروك -حفظه ه -. جلسة إفتاء "مادة سمعية"، إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية - 2002 م.
52 - القنوبي، سعيد بن مبروك -حفظه هـ - جلسة إفتاء (2) "مادة سمعية"، إنتاج مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية، أو موقع واحة الإيمان الرابط:
hft ://www.waleman.com/modules.php?name=Downloads&d_
=351 op=viewdownloaddetails&lid ttle&= جلسة_إفتاء_الجزء_الثاني 53 - القنوبي، سعيد بن مبروك -حفظه ه -. "فتاوى الحج ج 1 "مادة سمعية"، إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية، أو موقع واحة الإيمان/ الرابط:
hft ://www.waleman.com/modules.php?name=Downloads&d
=ttle 271_op=viewdownloaddetails&lid&= فتاوى_الحج_الجزء_الأول 54 - القنوبي، سعيد بن مبروك -حفظه هـ -. "جلسة إفتاء" بولاية المصنعة، بتاريخ 2003/ 5/17 م.
5 5 - القنوبي، سعيد بن مبروك -حفظه ه -. "سجود السهو" مادة سمعية متداولة/ الجزء الأول والثاني. (1/460)
صفحة 461
56 - القنوبي، سعيد بن مبروك -حفظه هـ -. "سجود التلاوة" دروس بجامع
الإمام الجيطالي بالموالح الشمالية صيف 2006 م.
57 - القنوبي، سعيد بن مبروك حفظه هـ -. فتاوى" ج 4، ج 9" بمعهد القضاء الشرعي (سابقا)، "مادة سمعية اللجنة الثقافية بالمعهد، أو مكتبة مسجد جامعة السلطان قابوس. 58 - القنوبي، سعيد بن مبروك -حفظه هـ - فتاوى سناو (1) مادة سمعية"، اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية، أو مكتبة مسجد جامعة السلطان
قابوس.
59 - القنوبي، سعيد بن مبروك حفظه هـ - فتاوى بقرية لزق بعُمان 1423 هـ ". (مادة سمعية). اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية، أو موقع واحة الإيمان الرابط:
htt://www.waleman.com/slim/sounds/sq=fatawa-lazq= ?YYh.rm
60 - القنوبي، سعيد بن مبروك -حفظه هـ - فتاوى على أسئلة من الشرق الأفريقى. أجوبة مطبوعة ومتداولة- يوجد مخطوطا بالقسم الأول من بحوث
ورسائل وفتاوى.
61 - القنوبي، سعيد بن مبروك -حفظه هـ -. "جَوَابٌ مطوَّلٌ مطبوع ومتداول" كان الشيخ قد أسماه سابقا بـ"سهام "الحين" إلا أنه عدل عن هذه
التسمية بعد لقاءه بصاحب الرد على أمل أن تُخرج مسائله في كتاب آخر.
62 - القنوبي، سعيد بن مبروك -حفظه هـ -. حكم صلاة الجماعة. إصدار: مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، ط 1 - 1414 هـ / 1994 م. (1/461)
صفحة 462
رابعا: المراجع الأخرى:
-63
-97
إبراهيم مصطفي،و آخرون، المعجم الوسيط المكتبة الإسلامية
للطباعة والنشر.
- V
-94
اطفيش، "قطب الأئمة" محمد بن يوسف. تيسير التفسير. ط 1 -
1425 هـ / 2004 م.
اطفيش "قطب الأئمة" محمد بن يوسف كتاب الرسم وزارة
التراث القومي والثقافة - سابقا - 1404 هـ / 1984 م. اطفيش، "قطب الأئمة" محمد بن يوسف. هميان الزاد إلى دار المعاد،
وزارة التراث القومي والثقافة - سابقا، 1412 هـ / 1991 م.
بحاز إبراهيم بن بكير. معجم أعلام الإباضية قسم المغرب العربي. دار الغرب الإسلامي. ط 1 - 1420 هـ / 1999 م. البهلاني، ناصر بن سالم ديوان أبي مسلم. وزارة التراث القومي
والثقافة. 1407 هـ 1987 م.
البهلاني، ناصر بن سالم. نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر. مكتبة
مسقط. ط 1 - 1421 هـ / 2001 م.
- V.
-71
البوصيري، محمد بن سعيد. ديوان البوصيري. دار الرشاد الحديثة.
الدار البيضاء.
جامعة السلطان قابوس دليل أعلام عمان. مكتبة لبنان. ط 1 -
1412 هـ / 1991 م. (1/462)
صفحة 463
-72
الجامعية ميمونة بنت حميد الإنارة في أحكام الطهارة ط 1 -
1426 هـ 2005 م.
73 - ابن الجزري، أحمد بن محمد شرح طيبة النشر في القراءات العشر. دار الكتب العلمية ط 2 - 1420 هـ / 2000 م.
- VE
الجهضمي، زايد بن سليمان من معالم الفكر التربوي عند الشيخ
أحمد بن حمد الخليلي. ط 2 - 1424 هـ / 2003 م.
المكتبة الشاملة، موقع:
76 - الخليلي، سعيد بن خلفان ديوان الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي. مكتبة الضامري للنشر والتوزيع. ط 1 - 1424 هـ 2003 م.
77 - الخليلي، الإمام محمد بن عبد الله – رحمه الله - الفتح الجليل من أجوبة الإمام أبي خليل المطبعة العمومية بدمشق. 1385 هـ / 1965 م.
78 - الجناوني، يحيى بن الخير بن أبي الخير كتاب الوضع مكتبة الاستقامة. ط 6. 79 - الذهبي، محمد بن أحمد سير أعلام النبلاء. مؤسسة الرسالة. ط 7 - 1410 هـ / 1990 م.
80 - الجيطالي إسماعيل بن موسى. قواعد الإسلام. مكتبة الاستقامة ط 3
1416 هـ 1995 م. /
81 - الزحيلي، وهبة مصطفى. الفقه الإسلامي ومستجدات العصر. محاضرة مطبوعة قُدّمت بجامعة السلطان قابوس. 1429 هـ /2008 م. (1/463)
صفحة 464
-82
-83
-^2
1^0
الراشدي، سفيان بن محمد جواهرُ القواعد من بحر الفرائد. مكتبة
الاستقامة، ط 1 - 1425 هـ / 005
الراشدي، طالب بن علي. . أحسن ظنك بربك. "مادة سمعية". إنتاج:
مركز رياض الجنة للإنتاج والتوزيع.
الربيع بن حبيب. كتاب الترتيب ترتيب أبي يعقوب الوَرْجَلاني. مكتبة مسقط، ط 1، 1424 هـ / 2003 م.
العبري، خالد بن هلال أخطاء لغوية شائعة. مكتبة الجيل الواعد.
1 - 1427 هـ 006 20 م.
العبري، علي بن هلال الصَّلاةُ بالجداول والصور الملونة. مكتبة
مسقط. ط 1 - 2001 م.
- AV
الغاربي، محمد بن راشد. "جلسة إفتاء" بتاريخ: 13 شعبان
1423 هـ (لدى الكاتب نسخة منها).
-^^
الطيواني خلفان بن سليمان قاموس الصلاة. مكتبة الجزيرة
الخضراء. ط (بدون)، 1426 هـ 2005 م.
-19
الطيواني خلفان بن سليمان. قاموس الصوم. مكتبة الجزيرة
الخضراء. ط (بدون)، 1426 هـ / 2005 م.
90
السالمي، عبد هم بن حميد. بهجة الأنوار. مكتبة الاستقامة. ط 2 -
1411 هـ / 1991 م.
-91
السالمي عبد هم بن حميد. تلقين الصبيان. مكتبة الضامري.
ط 15، 1421 هـ / 2001 م. (1/464)
صفحة 465
-97
-98
-99
السالمي عبد هم بن حميد الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة.
مكتبة الإمام نور الدين السالمي، ط 1، 1417 هـ / 1996 م.
السالمي عبد هم بن حميد جوابات الإمام السالمي مكتبة الإمام
السالمي، ط 2 - 1419 هـ / 1999 م.
السالمي عبد هم بن حميد. جوهرُ النظام. مكتبة الإمام السالمي
ط 12 - 1413 هـ / 1993 م.
السالمي، عبد هم بن حميد شرح الجامع الصحيح. المطابع الذهبية،
1993 م.
السالمي عبد هم بن حميد طلعة الشمس. سلطنة عمان- وزارة
التراث القومي والثقافة.
السالمي عبد هم بن حميد طلعة الشمس. سلطنة عمان- مكتبة
الإمام نور الدين السالمي، ط 1 - 1429 هـ / 2008 م. السالمي عبد هم بن حميد. كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة. مكتبة الضامري للنشر والتوزيع. ط 2.
السالمي، عبد هم بن حميد مدارج الكمال. مكتبة الضامري. ط 2،
1423 هـ / 2003 م.
السالمي عبد هم بن حميد. معارج الآمال على مدارج الكمال.
وزارة التراث القومي والثقافة 1404 هـ / 1983 م.
-1.1
السالمي عبد هم بن حميد. معارج الآمال على مدارج الكمال. مكتبة الإمام نور الدين السالمي، ط 1 - 1429 هـ/ 2008 م. (1/465)
صفحة 466
السالمي عبد هـ بن حميد مشارق أنوار العقول. دار الحكمة.
ط 1، 1416 هـ / 1995 م.
-1.7
السالمي عبد همه بن حميد. مفتاح السعادة إلى صحيح مكتبة الإمام نور الدين السالمي. ط 1، 2003 م.
العبادة.
- 104
السالمي، محمد بن عبد الله. نهضة الأعيان. دار الجيل بيروت، ط 1 -
1419 هـ / 1998 م.
9110
- 106
السعيد، صلاح الدين محمود. حكم الموسيقى والغناء. دار الغد الجديد. ط 1 - 1427 هـ / 2006 م. السيابي، سالم بن حمود العُرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة. مذكرة مطبوعة غير منشورة).
-107
السيابي، سالم بن حمود القول المعتبر في أحكام صلاة السفر. وزارة
التراث القومى والثقافة.
الشماخي عامر بن على الإيضاح مكتبة مسقط طه
1425 هـ / 2004 م.
?1.9
الصابوني، محمد بن علي صفوة التفاسير المكتبة العصرية ط 1 -
1427 هـ / 2006 م.
-11.
الصوافي، إبراهيم بن ناصر. راقب صلاتك "مادة سمعية"، إنتاج:
مركز مشارق الأنوار للإنتاج الفني.
الصوافي، حمود بن حميد تعلم الصلاة، "مادة سمعية". إنتاج: مركز
مشارق الأنوار للإنتاج الفني. (1/466)
صفحة 467
- 112
الصوافي حمود بن حميد مسألتا الارتباط والاستخلاف في الصلاة. "مادة سمعية"، إنتاج: مكتبة وتسجيلات الطلائع الإسلامية.
-113
الصوافي حمود بن حميد فضائل الجمعة وتنبيهات أخرى. "مادة سمعية"، إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية.
-118
العيسري، عبد الله بن عامر أعمال الصلاة، "مادة سمعية"، إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية.
-110
عبد الغني، محمد إلياس. تاريخ المدينة المنورة المصوّر. مطابع الرشيد. ط 1 - 1424 هـ / 2003 م.
-117
عبد الغني، محمد إلياس. تاريخ المسجد النبوي الشريف. مطابع الرشيد طه - 1424 هـ 2003 م.
-117
عبد الغني، محمد إلياس. تاريخ مكة المكرمة قديما وحديثا. مطابع
الرشيد. ط 1 - 1422 هـ / 2001 م.
-114
الغوثاني يحيى بن عبد الرزاق. علم التجويد: أحكام نظرية
وملاحظات تطبيقية (المستوى الثاني). مكتبة دار الغوثاني، ط 4 -
1425 هـ / 2004 م.
الكندي، إبراهيم بن أحمد أصول الفقه والأدلة النصية مكتبة
الضامري للنشر والتوزيع ط 1، 1419 هـ / 1998 م.
-120
6
المعالم للإعلام والنشر المملكة المتحدة. مجلة المعالم:
- العدد الأول: 1421 هـ / 2000 م.
- العدد الثاني: 1421 هـ / 2000 م. (1/467)
صفحة 468
- العدد الخامس: 1422 هـ 2001 م. - العدد الثالث عشر: 1424 هـ 2003 م.
- 121
المحروقي، درويش بن جمعة الدلائل في اللوازم والوسائل. مكتبة
الضامري للنشر والتوزيع. ط 1 - 1425 هـ / 2004 م.
-122
المحروقي، سليمان بن محمد الاستدراك والاستخلاف في الصلاة.
مكتبة دار الكتاب الإسلامي. ط 1 - 1427 هـ / 2006 م.
-123
المعمري، عبد الله بن سعيد. من فقه الصيام ج 2 "مادة سمعية"، إنتاج: تسجيلات مشارق الأنوار.
-124
المعولي، المعتصم بن سعيد. المختصر المفيد في الكفارات. مطبعة جامعة السلطان قابوس. ط 2 - 1429 هـ / 2008 م.
- 125
المعولي، المعتصم بن سعيد المُعْتَمَصُ في فقه الكفَّارَات. مكتبة
وتسجيلات الهلال الإسلامية. 1 - 1430 هـ / 9
-126
المعولي المعتصم بن سعيد الوسواس القهري الأسباب المظاهر الحلول. مطوية من إنتاج مكتبة وتسجيلات أمجاد الإسلام. 1429 هـ
2008 م.
-127
المعولي المعتصم بن سعيد مسند الإمام الربيع بن حبيب/مقال بمجلة زلفى. جامعة السلطان قابوس. العدد الرابع - 1429 هـ / 2008 م.
-128
الملوشائي، أبو نصر فتح بن نوح. المنظومة الرائية في الصلاة. ملحقة بدعائم ابن النضر العماني وزارة التراث القومي والثقافة. ط 1 -
1400 هـ / 1980 م. (1/468)
صفحة 469
6
ابن منظور محمد بن مکرم. مختصر تاريخ دمشق. دار الفكر ط 1 -
-129
1409 هـ / 1989 م.
-17.
الندوي، أحمد بن علي القواعد الفقهية. دار القلم - دمشق. طه -
1420 هـ / 2000 م.
- 131
النووي، يحيى بن شرف المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج. مؤسسة المختار للنشر والتوزيع. ط 1 - 2001 م.
-132
النيسابوري، ابن المنذر. الإجماع. دار الكتب العلمية. ط 1 -
1421 هـ / 2001 م.
اليحمدي حمد بن هلال و آخرون فقه العبادات (1). وزارة
الأوقاف والشؤون الدينية. 1419 هـ / 1998 م.
Islam and Muslims, printed by Discover Islam Center- Al - 134 Bahrain. (1/469)