صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: فقه
------------------------------------------
العنوان: المعتمد في فقه النكاح دليلك الموثق وكتابك المنهجي على آراء الشيخين الجليلين أحمد بن حمد الخليلي وسعيد بن مبروك القنوبي
المؤلف: المعتصم بن سعيد المعولي
مراجعة: سعيد بن مبروك بن حمود القنوبي
تقديم: مبارك بن عبد الله بن حامد الراشدي
الناشر: د.ن
مكان النشر: بيروت - لبنان
تاريخ النشر: 1433ه/ 2012م
الطبعة: 1
سلسلة المعتمد (4)
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=3471&id_ty=1
------------------------------------------
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 02 رمضان 1446ه/ 02 - شهر 03 - 2025م. المعتمد في فقه النكاح
دليلك الموثق وكتابك المنهجي على آراء الشيخين الجليلين:
أحمد بن حمد الخليلي وسعيد بن مبروك القنوبي
حفظهم الله تعالى
المعتمد
"الراجح والصحيح"
في أبواب وفصول
نظم ونثر
فوائد وفرائد
لطائف وحكم
مسائل وفتاوى
شارك في المراجعة الشيخ المحقق:
سعيد بن مبروك بن حمود القنوبي
المستشار العلمي بمكتب الإفتاء
باحثون بمكتب المفتي العام للسلطنة
أكاديميون بجامعة السلطان قابوس
كتبه:
المعتصم بن سعيد المعولي
جامعة السلطان قابوس (1/1)
صفحة 2
المعلم
بالمعتصم في في فقه النكاح
و"
و كل قول مخالف الكتاب والسنة
فهو من دود و إن جل قائله، وما وافتهما هُوَ الْمُعْتَصَ
الإمام الخليلي
"وَمَا دَلَ عَلَيْه الكتاب أو السنة
فَهوَ القَولُ الصَّحِيحُ الرَّاحِحُ الذِي يَنبَغِي لِلإِنْسَانِ أَلا يَجِيلَ عَنْهُ أَبَدًا"
إمام السنة والأصول
اهداء
إِلى كُلِّ زَوْجَينِ يَنْشُدَانِ السَّعَادَةَ عَلَى هِدَايَةِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ... إلى وَالدَيَّ العَزِيزَيْنِ اللَّذِيْنِ رَبَّيَانِي صَغِيرًا ... إِلى قُرَّةِ العَينِ، وَسُرُوْرِ القَلْبِ، وَزِيْنَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، أَبْنَائِي أَحمدَ، وأَوَّاب ...
إِلى شَرِيْكِ العُمُرِ، وَرَفِيْقِ الدَّرْبِ، وَمُرَبِّيَةِ الأَجْيَال أُمِّ أَحمدَ
* حين أكتب هذا الإهداء المتواضع أتمثل حال الهدهدة ومقالها إذ:
جاءت سليمان يوم العرض هدهدة
وأنشدت بلسان الحال قائلة:
لو كان يُهدى إلى الإنسان قيمته
***
***
***
تهدي إليه جرادًا كان في فيها "إن الهدايا على مقدار مهديها لكان يُهدى لك الدنيا وما فيها" (1/2)
صفحة 3
[صفحة فارغة] (1/3)
صفحة 4
المعتصم في فقه النكات بنات
تَقْدِيْمٌ
الله الرحمن الرحيم
الحمد سه وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى اله وصحبه الذين جددوا عهده وبعد
فقد عرض على الشيخ المعتصم المعولي الجزء الثالث من كتا؟ المعتمد من فتوى الشيخين الخليلى والقنوبي الخاص بإحكام الزواج في الشريعة الاسلامية فاعجبنى ايما اعجاب بحسن ترتيبه وتبويبه وسلاسة أسلوبه لقد بذل المعتصم فيها جهدا حسنا وألف فيه بين الفتوى والدليل وسؤال الأهل الذكر المنشور والفتوى المتجانسه ويضيف عليها ما تبغى اضافته من المراجع العلمية حتى خرج الكتاب رصينا متجانس حوى الكثير من المسائل التي يحتاج إليها الطالب والفقيه فجزاه است خير الجز عما عمل فراتا به في الآخرة عما صنع فبارك الله فيه وكر من امثاله من الساعين إلى نشر العلم وابلاغة من السلف.
ا
إلى الخلف
اسال الله الكريم أن ينقع بالكتاب وان يواصل المعيقم مسيرته العلمية وتم باقي الكتاب إنه علمات قدير
حراني غره صفر 1433 هـ
ديبارك بن عبد السه خامه الراشد رئيس قسم العلوم الاسلامية جامن السلطان
قابوس
4 (1/4)
صفحة 5
المعتصم
ا المعتصم و فقه النكاح
مقدمة
الحَمْدُ لله، أحلَّ النِّكَاحَ بمئته وفَضله، وحرَّمَ السِّفاحَ بحكمَتِهِ وعَدْلِه، والصَّلاةُ والسَّلامُ الأَثَمانِ الأَكْمَلانِ عَلَى المبعُوث رحمة للعالمينَ، خَيْرِ النَّاسِ خَيرِيَّتِهِ لأَهْلِهِ، سَيِّدِنَا الْمُقْتَدَى ونُورِ العَينِ الْمُهْتَدَى مَحَمَّد لله وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ هُدَاةِ الْخَلْقِ إِلى الحَقَّ، وَعَلَى تَابِعِيْهِمْ بِإِحْسَانِ إِلَى يَوْمِ الْحَشْرِ، وَبَعْدُ:
روحي
فاعلم أيها الزَّوجُ الفَاضِلُ، أيتُها الزَّوجةُ الفاضلة- أنَّ الحياة الزوجية هي بناء مقدَّس، وصرح مشيد مؤسَّس، أساسه المعاملة الحسنة، ولبناته الاحترام المتبادل، وسماؤه الإخلاص في السر والعلانية ووقوده المودة والرحمة، وثمراته المحبة والألفة بين الزوجين فينبغي لكل واحد من الزوجين أن يرعى حق الآخر، وأن يجعله قرَّةَ لعينه، وسكنا لنفسه، ولباسا لروحه، وكيف لا يكون ذلك وكلُّ واحد منهما بَعْضُ للآخر وجزء منه يشكل مجموعهما حقيقةً واحدةً متكاملة؛ كما يدل على ذلك قوله: وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ (النساء: 21، ومما يؤكد ذلك تسميتهما "زوجان"، وما الزوجان إلا شيئان من جنس واحد يُكمل كل شطر منهما الآخر، فلذا كان من الواجب على كل واحد منهما أن ينظر للآخر على أنه يمين والآخر يسار ولا خير في يُمنى بغير يسار". (1/5)
صفحة 6
Maatral
المعتصم في فقه المكان الالم
ولأنَّ "فقة الحب" في الإسلام فقة أصيل كما يصفه شيخنا الخليلي -حفظه الله تعالى (1) لا يقل أهمية عن سائر أبواب الفقه الأخرى فقد كَانَ هَذَا هُوَ الْجُزْء الرَّابِعَ من سلسلة "المُعْتَمَ" الفقهيَّة عَلَى آرَاءِ عَالَمي العَصْرِ والغُرَّتَين في جَبين الدَّهْرِ الشَّيْخَينِ الْجَليلين: أَحمدَ بن حمد الخَليْليِّ وسَعِيدِ بْنِ مَبْرُوكِ القَنُّوبي حَفِظَهُمُ اللهُ تَعَالى-، أَسْمَيْتُهُ "المُعْتَصَ فِي فِقْهِ النِّكَاحِ، سَلَكْتُ فِيهِ مَا سَلَكْتُ في حلقات هذه السلسلة السابقة مِنْ عَرْضِ لِمَسَائِلَ قَيِّمَةِ وبَيَانِ لَتَنْبِيهَاتٍ مُهِمَّةٍ مِنْ غَيْرِ تَطْوِيلٍ مُمِلٌ وَلا تَقْصِيرٍ مُخلّ ليَكُونَ أَذَن قِطَافًا للزوجين، وأهدى سبيلا للقرينين، وأروى غليلا للخليلين، وأير مَرْجِعًا ومرشدا لمبتغي النكاح.
فَصَّلْتُ فِيهِ الحَدِيثَ حَوْلَ مَا يَتَعَلَّقُ بِفِقْهِ النكاح، وما يتعلق به من مقدمات مهمة، وشروط لازمة، وأركان ثابتة وحقوق مستحقة لجميع أطراف الحياة الأسرية من أزواج وزوجات، وآباء وأبناء.
وقَدْ حَرَصْتُ فِي هَذَا السِّفْرِ عَلَى ذكر كل ما يهم الزوجين مما يكون سبيلا لسعادتهما وسعادة أبنائهما ليعيشا عيشة هانئة مطمئنة على ضوء الكتاب والسنة تقوم على معاني الاحترام والتعاون والتسامح، فركزت على ما يتعلق بينهما من حقوق مشتركة تجب على كل واحد للآخر أو حقوق خاصة تجب لأحدهما تجاه الآخر. كما حرصت على ذكر ما يهم الزوجين ومن يحيط بهما من تنبيهات فقهية قد يغفل عنها البعض، وأخطاء اجتماعية قد يرتكبها بعض أفراده.
وقدْ حَرَصْتُ فِيهِ عَلَى تَوْثِيقِ المعلُومَةِ قَدر الإمكان ولو تعدَّدَ مَصْدَرُها أو تكرر، لا سيَّمَا وَأَنَّهُ قد يُذكر في مَصْدَرِ ما يُكمِّلُهُ في الآخرِ وهَكَذَا، بَلْ إِنَّ الفَتَاوى غَالِبًا مَا تَأْتِي إِجَابَاتُهَا عَلَى قَدْرِ أَسْئِلَةِ السَّائِلِينَ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ وتَفْصِيْلِ أَو تَقْعِيْد وتَأْصِيْلِ، وَهَذَا مَا
(1) - الخليليُّ، أَحَمَدُ بنُ حَمَد. لقاءات في الفكر والدعوة ص 111. (1/6)
صفحة 7
المعلمين
الات المعتصم في فقه الشكارة
ضَاعَفَ الجُهْدَ فِي اسْتَقْرَاءِ وتَتَّعِ آلافِ الأَجْوَبَةِ والفَتَاوَى مُسْتَفْرِعًا الوُسْعَ فِي البَحْثِ والتقصي في الفَتاوَى المخطُوطَة والمطبوعة، والأَشرطة المرئية والمسموعة ..
أَمَّا مَا أَغْبَى الذهنَ فهمُهُ أو تعددت فيه الفتوى واختلَفَتْ فقَدْ كَانَ المُرْجِعُ فيه اللقاء المباشر والسُّؤالَ الشَّفهي لجنَاب الشَّيخَينِ - متعنَا اللهُ بحياتهمْ- حَتى أَخْلُص إلى الرَّأيِ الْمُعْتَصَطِ والقَول الأَسَدِّ.
كما تخلل أبواب الكتاب بعضُ الفوائدِ والفرائد واللطائف والحكم؛ ليطول استمتاعُ القَارِئ بالقراءة، ويندَفِعَ عنه المللُ والسَّامَةُ، كَمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كرَّم الله وجهَهُ - قَالَ: "إِنَّ الْقُلُوبَ تَمَلُّ كَمَا تَمَلُّ الْأَبْدَانُ، فَاهْدُوا إِلَيْهَا طَرَائِفَ الْحِكْمَة"؛ ومَا ذَلكَ إلا لأنَّ الْقُلُوبَ في العادة تَرْتَاحُ إِلَى الْقُنُونِ الْمُخْتَلِفَةِ وَتَسْأَمُ مِنْ
الْفَنِّ الواحد. هذا، وقبل البداية فَإني أُحِبُّ أنْ أؤكد في هذه المقدِّمَةِ عَلَى بَعضِ الْأُمُورِ التِي سَبَقَ
التَّاكِيدُ عَلَيْهَا فِي الأَجزَاءِ السابقة مما تشترك فيه جميعًا، فَأَقولُ باللَّهِ مُستَعِينًا:
" .. وقد كتبته مُبتعدا عن الفقهية البحتة، والعلمية الجافة عملاً بما رَسَخَ في ذهني مِنْ قَوْلِ شَيخِنَا القُنُّويِّ حَفِظَهُ اللَّهُ - مُوجِّهَا: "لا يَنْبَنِي أَنْ يَكُونَ التأليف فقها - بحتا (1)، والذي هُوَ أَسْلُوْبٌ نَابِعٌ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيم نَفْسِهِ " كَمَا يَقُولُ شَيخنا الخَلِيْلِيُّ عَافَاهُ الله (2)، ولعلَّكَ سَتَلْحَظُ ذَلِكَ فِي ثَنَايَا الكِتَابِ.
-
ولَسْتُ أزعُمُ أَنَّني - في هَذَا الكتاب - جئْتُ بدعًا مِنَ القَول في المسائل، أو أنني ربَّحْتُ بينَ الآرَاءِ، وَإِنما هُوَ جمعٌ وبَيَانٌ لرَأْي المشايخ - حَفِظَهُمُ اللَّهُ - فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ، تَسْهِيلاً للعَامَّةِ وطَلَبَةِ العِلْمِ لِلقِيَامِ بِوَاجِبِ اتَّبَاعِ عَالِمِ الْعَصْرِ.
(1) - القنوبي، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك. دروس صيف 1425 هـ، 2004 م، "مذكرة خاصة / شرح أبواب من الإيضاح"،ص 23. (2) - الخَلِيلِيُّ، أَحَمَدُ بنُ حمد "الجانب الفقهي والاجتهادي في سيرة أبي نبهان"، ندوة: "قراءات في فكر أبي نبهان"ص 142. (1/7)
صفحة 8
المعتصم 3
المعلمين
وَلِذَا لَا يُنكَرُ عَلَيَّ أنني لم أذكر الآرَاءَ الأَحْرَى مَعَ وُجُود أدلة معتبرة لها؛ لأنني لم أَلْتَزِمْ ذَلِكَ، فَتِلْكَ هَا كُتُبٌ ومُصَنَّفَاتٌ كَثِيرةٌ لِمَنْ شَاءَ الاسْتِزَادَةَ والرُّجُوعَ إِلَيْهَا، كَانَ اهْتِمَامُنَا مِنَ البَدَايَةِ بالكَيْفِ لا بِالْكَم وإلا لطَالَ الكِتَابُ، فَهَذِهِ طَرِيقَةٌ في الكتابة والتأليف ولكل وِجْهَهُ هُوَ مُوَلّيها البقرة: 0148
ثم إلتي أقُولُ: أبى الله أنْ تَكُونَ العِصْمَةُ لكتاب إِلَّا لِكتَابِهِ، وَمَا عَدَاهُ فَفِيهِ النَّقْصُ
واخْلَلُ بَلِ العَيْبُ والزَّلَلُ
تريد ميراً لا غَيْبَ فِيهِ
ولكن ...
فإن تجد عَيْبًا فَدَّ الخَلَلا
***
***
وَهَلْ عُوْدُ يَفُوحُ بِلا دُخَانِ
فَجَلَّ مَنْ لا عَيْبَ فِيْهِ وَعَلا
11
وما حَالُ الكتاب وصاحبه إِلا كَمَا قَالَ عِمَادُ الدِّينِ الأَصفهاني: " .. أني رَأَيْتُ الهُ لا يَكتُبُ إِنْسَانُ كِتَابًا فِي يَوْمِهِ إِلَّا قَالَ فِي غَدِهِ لَوْ غُيِّرَ هَذَا لَكَانَ أَحْسَنَ، وَلَوْ زِيْدَ لَكَانَ يُسْتَحْسَنُ، وَلَوْ قُدَّمَ هَذَا لَكَانَ أَفْضَلَ، وَلَوْ تُرِكَ هَذَا لَكَانَ أَجَمَلَ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ العِبَرِ، وهوَ دَلِيْلٌ عَلَى اسْتِيْلاءِ النَّقْصِ عَلَى جُمْلَةِ البَشَرِ".
وقَبْلَ البِدَايَةِ
هَذه نقاط أَضَعُها بَينَ يَدَيكَ أَيُّها القارئُ العَزيزُ - حَولَ هَذَا الكتاب ومنْهَجيَّته: حَاولتُ أَنْ أَذْكُرَ الرَّاجِحَ الْمُعْتَصَ عِنْدَ الشَّيخين - حَفَظَهُمُ اللَّهُ - مَعَ دَلِيلِهِمَا
الشَّرْعِيِّ مَهْمَا وَجَدْتُ إِلى ذَلِكَ سَبِيلاً، وإِلا اكْتَفَيْتُ بِذِكْرِ التَّرجِيْحِ فَقَط. الكتاب بحمد الله تعالى- تمت مراجعه كثير من مسائلهِ مِنْ قِبَلِ شَيْخِنا القنوي -حفظه الله - لا سيما تلك المسائل المتعلقة بترجيحاته وتصحيحاته، فأضاف إلى الكتاب الكثير من تصحيحاته ومقترحاته .. (1/8)
صفحة 9
المعلمين
في فقه النكاح
لَيْسَ للشَّيخَينِ حَفِظَهُمُ اللهُ - مِنَ الآرَاءِ والأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي هَذَا الكِتَابِ إِلا مَا نَصَصْتُ فِيْهِ عَلَى التَّرْجِيْحِ أوِ التَّصْحِيحِ مَعَ النِّسْبَةِ إِلَيْهِمَا، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَهُوَ زيَادَةٌ مما عَلَيهِ العَمَلُ حَتى تَكْتَملَ مَنْهَجِيَّةُ الكتاب، فَلْيُنتَبَة لذلك.
الكتابُ في جملته يَتَحَدَّثُ عَنْ قَضَايَا الرَّأْي الاجتهاديَّة لَا عَنْ قَضَايَا الدِّينِ الَّتِي لا يَسَعُ الخِلافُ فِيْهَا مِنْ قِبَلِ أَهْلِ الاجْتِهَادِ، أَمَّا عَامَّةُ النَّاسِ والذِينَ لَمْ يَصِلُوا لِدَرَجَةِ الاجْتِهَادِ مِنْ أمثالنا فَالوَاجِبُ عَلَيْهِمُ اتَّبَاعُ عَالمِ العَصْرِ الْحَاضِرِ تَوْحِيْدًا لِلْكَلِمَةِ وامْثَالاً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ
النساء: 083
الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ حَرَصْتُ عَلَى التَّنْوِيْعِ فِي أَلْقَابِ الشَّيْخَينِ حَفِظَهُمُ اللَّهُ - لِلتَّعْرِيْفَ بمَا لَنْ لا يَعْرِفُهَا، ثم لبيان قدْر العُلَماء والزاهُمْ مَنَازِهُمْ، وَحَتْ النَّاسِ عَلَى احترام وتوقير أُوْلِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ، وَلَا قَدَاسَةَ إِلَّا اللَّه
حَرَصْتُ بِاحْتِصَارٍ - عَلَى ذَكْرِ كُلِّ مَا يَهُمُ القَارِئَ الْمُبْتَدِئَ وَالْمُتَوَسِّطَ والمتخصص في تَنْبِيهَاتٍ وفَوَائِدَ ولَطَائِفَ ... ومَا ضَاقَ بِهِ الْمَتَنُ فَإِنِي وَجَدْتُ لَهُ فِي الْحَاشِيَةِ
مُتَنَفْسًا وسَعَةً.
حَرَصتُ عَلَى عَدَمِ رِوَايَةِ الحَدِيْثِ بِالمعنى، وإِنما الْأَخْذُ مِنْ مَصَادِرِهِ الْأَصْلِيَّةِ -
فَالأَحَادِيثُ لا تُؤْخَذُ مِنْ كُتب الفِقْهِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ، ثُمَّ اقْتَصَرْتُ فِي التَّحْرِيحِ عَلَى الأَصَحُ والأَشهَر قَدْرَ الإِمْكَان. (1/9)
صفحة 10
المعتصم في فقه النكاة إلا
وَخِتَامًا
المعلمين
ففِي نَهَايَةِ هَذِهِ الرِّحْلَةِ السَّعِيدَةِ المُمْتِعَةِ، التي قَضَيْتُهَا بَينَ ثَمَائِلِ الكُتُبِ، والتَّطْواف الْمُمْتِعِ بَينَ هَاتِيْكَ الرِّيَاضِ الغَنَّاءِ، ومجالَسَةِ أُولئِكَ الأَعْلامِ الأَفْدَاذِ، والفَطَاحِل المجتهدين، ومُثَاقَفَة تِلْكَ المؤلَّفَاتِ، مِنْ فِقَهِ، وَأَصُول، وحَدِيْثَ وَتَفْسِير، ولُغَةِ ومَعَاجِمَ،
فَقَدْ كَمَلَ هَذَا الكِتَابُ، ونَجَزَتْ هَذه الرِّسَالَةُ، وَقَدْ مَضَتْ بَمَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا .. غَيْرَ أَنَّهُ لا يَفُوتُني في خِتَامٍ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ أَنْ أَقُولَ كَلِمَةَ حَقٌّ وَشَكْرٍ لِكُلِّ تِلْكَ الأَنَامِلِ الْمُبَارَكَةِ وَالأَنْفُسِ الزَّكَيَّةِ المُتَقَفَةِ الَّتِي كَانَ هَا عَلَيَّ الْفَضْلُ الكَبِيرُ بَعْدَ فَضَل الله تَعَالى في إِخْرَاجِ هَذَا العَمَلِ هَذِهِ الحَلَّةِ القَشِيبَةِ والصُّورَةِ النِّهَائِيَّةِ الرَّتِيبَةِ، وإِنْ كُنْتُ لا أُحْصِي ذِكْرَهُمْ عَدَدًا فَإِني أَخَصُّ بالذَّكَرِ مِنْهُمَّ تلك الفئةَ المؤمنةَ مِن مكتب الإفتاء وعلى رأسهمُ الشَّيخُ المحقِّقُ سَعِيدُ بْنُ مَبْرُوكَ القَنُّوبِيُّ على إعطائه لنا ولتساؤلاتنا بَعْضًا مِنْ وَقْتِهِ الثّمِينِ. وكذا أشكرُ والشَّيحَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ نَاصِرِ الصَّوَّافِي، والشَّيحَ: أَفْلَحَ بْنَ أَحَمَدَ بْنَ حَمدِ الخَلِيْلِيِّ عَلَى تَفَضُّلِهِمْ بِمرَاجَعَةِ الكِتَابِ، وَجَميعَ مَنْ أَبْدَى لي مَا اسْتَقَدْتُ بِهِ مِنْ مُلاحَظَات ومُقتَرَحَاتِ قَيِّمَة. وأَخِيرًا أَتَوَجَّهُ إِلى اللهِ تعالى في هَذَا اليَوْمِ الْمُبَارَكِ مُتَضَرِّعًا إِلَيْهِ وَ أَنْ يَقبَلَ هذا العَمَلَ خَالِصًا لوَجْهِهِ الكَرِيمِ، وأنْ يجعَلَهُ شَاهِدًا وشَافِعًا لَكَاتِبِهِ يَوْمَ الدِّينِ؛ إِنَّهُ أَكْرَمُ مَسْؤُولِ وَأَرْجَى مَامُولِ، وَلا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ العَظِيْمِ.
او مانع عندي و طبع هذا الكتاب
أبو أحمد المعولي
منطقة الخوض السادسة
7 صفر 1433 هـ
1/ 1 / 2012 م (1/10)
صفحة 11
الم المعاصر
في فقه القدر 3
عَالِمُ العَصْرِ
قبلَ الحَدِيثِ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ترجمةِ عُلماءِ عَصْرِنا الشيخين الخليلي والقنوبي - يحفظُهُمُ الله - أحببتُ ذكرَ نُبذة يسيرة فيما قالهُ أهلُ العلم في ضرورة اتباعِ عالمِ العَصرِ من حكم وأدلّة، فإلَيْكُمُوها مختصرَةً مُفيدة ..
القولُ بوُجُوبِ الأَخْذِ فِي العَمَلِ برأي عَالمِ العَصْرِ المجتهد هو الذي دلَّ عَلَيهِ الكتاب العزيز في قوله تَعَالَى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ
الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُم
النساء: 83،
و قوله: فَسْتَلُوا أَهْلَ الذِكرِ إِن كُنتُمْ لَا
تعْلَمُونَ النحل: 43، الأنبياء 7
وأترك تعليلَ ذلكَ لشَيخِ المفَسِّرِينَ - وأنقلُ لكَ كلامه بفصه ونصه لما فيه من فوائد جمة - حيثُ يَقُولُ -حفظه الله - في جَواهِرٍ تَفْسِيره: ". إِذْ لَو لَزِمَ كُلَّ أَحد أَنْ يستقل بفهم الدِّينِ لَلَزِمَ جميعَ النَّاسِ بلوغ درجة الاجتهاد في الفقه، فإن استنباط الأحكام الشرعية وترجيح الراجح من أدلتها يستوجب أن يجمع الإنسان فنونا من
العلم تمكنه من فهم أدلَّةِ الشَّرع ومقاصد التشريع بعد التمحيص وإمعان الفكر. وإطلاق لزوم الاجتهاد أو إباحته لمن لم يستجمع آلاته الضرورية أمر يترتب عليه الخوض في أحكام الله بدون علم، وهوَ منْ أكبر الكبائر، ولذلك قرنه الله تعالى بالشرك في قوله: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظهر منها وما بطن والاثم والبَغَى بغيرِ الْحَقِّ وأن
تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِلْ بِهِ سُلْطَنَا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) الأعراف: 33. وإطلاق مثل هذا القول جرَّاً جهلة الناس في زماننا عَلَى القَول بدون علم في دِينِ الله، والتطاولِ عَلَى فُقهاءِ الإِسْلامِ الذِينَ رَسَخَتْ في الفقه أقدامُهُمْ، ودقت في مسائله (1/11)
صفحة 12
وافقة النكات العالقة
أنظارُهُمْ، بحيثُ أصبح كثير من الجهلة يعملُ ويُفتي بحسب ما يملي عَلَيه هواه، استنادًا إلى الاجتهاد المزعوم، حتى بلغ التنطعُ بكثير منهُمْ إلى ردّ ما استقر عليه إجماع الأمة،
وأطبق عليه السَّلفُ والخَلَفُ .. (1).
وَالحَقُّ فِي مَسَائل الخلاف
لَكِنَّهُ لَيْسَ يجوز أَبَدا
وَإِنَّمَا يُرَبِّحُ الأَقْوَالا
***
***
***
عِنْدَ جَمِيعِ القَائِلِينَ وَافِ
لِغَيْرِ عَالِم بما يجتهدا
مَنْ عَلِمَ الحُجَّةَ فِيْمَا قَالا (2)
ولِهذِهِ الخُطُورةِ البَالِغَةِ وَالمفسَدَةِ الظَّاهرة نصَّ عَلَى ضَرورة اتباعِ عالمِ العَصرِ من
-
قبل المقلد والضعيف غير المجتهد كثيرٌ منَ العلماء منهمُ الإمامُ السَّالمي وقطبُ الأئمة – رحمهم الله - والشيخ الخليلي -حفظه الله -، يقولُ الشَّيخُ السَّالمي الله بعدَ أَنْ ذَكرَ هذا الرأي: "أَقُولُ: وَهَذَا المُذهَبُ أَقْوَى دَليلاً وَأَقْوَمُ سَبيلاً منَ الذي قَبْلَهُ هذه الأدلة"، ويَقُولُ الله عند ذكره لشروط المجتهد: ". فمَنْ لم تحصلْ مَعَهُ تلكَ الشروط فَلا يَحِلُّ لهُ القَولُ في الأحكام الشرعيَّةِ عَنْ نَظَرِ نفسه، بلْ يُقلِّدُ غيرَهُ في ذلك، وذلكَ حكمُ اللهِ فيه؛ لقوله تَعَالَى: فَسَتَلُوا أَهْلَ الذِكرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ النحل: 143
وَواحِبٌ تَقْلِيدُ غَيرِ المجتهد *** إِنْ شَاءَ فَعْلاً لفَقِيهِ مُجْتَهِد (3)
(1) - الخَلِيْلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. جواهر التفسير ج 2 ص 44، 45.
ويقول -حفظه الله - أيضا في فتاواه المتلفزة: ". . أما غير القادر أي على الاجتهاد فإنه يرجع في ذلك إلى مَنْ يملك القدرة على بيان الدليل الشرعي من العلماء المعاصرين".
الخليلي، برنامج "سؤال أهل الذكر" حلقة: 26 ربيع الأول 1425 هـ، يوافقه 2004/ 5/16 م.
المعمري، عبد الله بن سعيد. الاجتهاد والتقليد، سلسلة دروس صوتية"، إنتاج مكتبة الطلائع.
(2) - السالمي عبد الله بن حميد جوهر النظام ج 1 ص 33.
(3) - يُنظر:
السالمي، بحجة الأنوار ص 47 - 48.
السالمي، مشارق أنوار العقول ص 122.
السالمي، طلعة الشمس ج 2 ص 418، 446. طبعة: مكتبة الإمام نور الدين السالمي. (1/12)
صفحة 13
ة المعلم في عقد النكاح
كما ذكَرَ هَذه المسألةَ أيضًا الشيخ القنوبي -أبقاه الله في بعض أجوبته المسجلة (شريط فتاوى سناو (1)، وبيَّنَ هناك أنَّ الرَّاجِحَ وجوبُ اتباعِ عالمِ العَصرِ فيمَا عَلِمَ العامل (1).
كَمَا
فالعَالِمُ في عَصْرِهِ كَالطَّبيب لمريضِهِ، فَقَدْ يُفتي شخصا بحكم يختلف عن الشخص الآخرِ مُراعَاةً لظُرُوفِهِ واعتِبَارًا لأَحْوَالِهِ الَّتِيْ قَدْ تَخَتَلِفُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْمُسْتَفْتِينَ ففَتْوى التائب مثلاً تختلفُ فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ عَنْ فتوى المتحايل والمتلاعب)، يَصِفُ الطَّبيبُ دواءً لمريض لا يَصِفُهُ لمريض آخَرَ مُصَابٍ بَنَفْسِ المَرَضِ) وَالقَولُ بوجُوبِ الأَخذ برأي عَالِمِ العَصْرِ المجتهدِ يَظهرُ أكثر جلاء ووضوحا في تلك المسائل التي يمكنُ أنْ يؤدِّيَ اختلافُ العَمل فيهَا وتعدُّدُ الآراء بها إلى شَيْءٍ مِنَ البلبلة والاضطراب والاختلاف بينَ النَّاسِ فَلا محيص عنِ القول بوجوب الأخذ برأي عالم العَصرِ توحيدًا للكلمة وسدًّا لمداخلِ الفُرقةِ والخلاف.
وفي هذا السياق يَقولُ الشيخ القنوبي عن الشيخ الخليلي -حفظهم الله -: وَخُلاصَةُ الكَلامِ أَنْ شَيْخنَا - حَفِظَهُ الله - هُوَ عَالِمُ العَصْرِ وَالْجْتَهِدُ المُطْلَقُ، وَعَلَى غَيْرِهِ أَنْ يُقَلِّدُوهُ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ وَغَيرهَا كَمَا هُوَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي كُتب الأصول .. (3).
القطب، شامل الأصل والفرع ج 1 ص 12.
(1) - أما فيما لا يعلم، فهلْ يُلزَمُ بالسُّؤال أم لا؟ فيه خلاف، والصحيح عنده أنه لا يُلزم؛ لأنَّ ذلك يعسر على المفتي والمستفتي، وبالله التوفيق. يُنظر:
القنوبي، "جواب" مطوّل: مطبوع ومتداول" لدى الكاتب نسخة منه ص 9 - 14، 106.
القنوبي
"فتاوى" سناو 1 مادة سمعية اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية، أو مكتبة مسجد جامعة السلطان
قابوس
(2) - يُنظر: الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْل الذِّكْر"، حلقة: 18 رمضان 1426 هـ، يوافقه 2005/ 10/22 م. القنوبي، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" حلقة: 24 رمضان 1427 هـ، يوافقه 2006/ 10/18 م.
،
(3) - القنوبِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك. فتاوى إمام السنة والأصول ص 52. (1/13)
صفحة 14
14
المعتصم 3
دمة الكاملة
فهَلُمَّ - أخي، طالب العلمِ والعَمَلِ - إلى معرفة شَيْءٍ مِنْ سِيرة أولئكَ الرّجال الذينَ جَعَلَهُمُ الله تعالى بما آتاهمْ مِن عِلْمِهِ- ورثة لأنبيائه، وحجةً على خلقه في هذا
العَصْرِ والمِصْرِ، يقولُ النُّورُ السَّالميُّ الله
وقَدْ تَقُومُ حُجَّةُ العِلْمِ لما
لَوْ كَانَ وَاحِدًا لَهُ الْفَضْلُ عَلا
وَرَبَّحَ الأَوَّلَ أَنَّ العُلَمَا
***
***
***
قَدْ وَسِعَ الجَهْلُ بِقَوْلِ العُلَما وَقِيلَ مَا لَمْ تُبْصر الحي فَلا كَالأَلِهَا مَقَالُهُمْ قَدْ أَرْمَا
(1)
- السالمي، عبد الله بن حميد. بهجة الأنوار ص 6.
(2) - تَنْبية مُهم: الله تعالى لم يتعبدنا إلا بما جاء في كتابه أو على لسان رسوله، وما عداهما فهو راجع إليهما، ولم يأمر لا اله الضعيف باتباع عالم العصر إلا لكون العلماء هم ورثة الأنبياء بعد انقطاع الوحي السماوي، فهم الذين يكشفون للناس الدليل، ويبينون لهم الحجة، وهم وحدهم القادرون بما جمعوا من آلات الاجتهاد على انتزاع الأحكام الدقيقة بالاستنباط والنظر من أدلتها الشرعية، وإلا فإن أقوال العلماء وحدها لا تعدو أن تكون دعاوى تعوزها البينات، فإذن الحجة ليست في نفس قول العالم وإنما في الدليل الذي اعتمده سواء أظهره أو لم يظهره، فلينتبه لذلك،
والله الموفق. (1/14)
صفحة 15
N
سماحة الشيخ الخليليِّ - حَفِظَهُ اللهُ فِي سُطُور:
1
—
1
—
—
—
هو الشَّيْخُ العلامةُ المجتَهِدُ أَحْمَدُ بنُ حَمَدِ بنِ سُلَيْمَانَ بنِ نَاصِرِ الخليلي. وُلِدَ صَباحَ الثانِيَ عَشَرَ مِنْ رجب لعام 1361 هـ/ 27 يوليو 1942 م، وكان مولده بجزيرة زنجبار بشرق إفريقيًا.
-
اشتغل بِمُساعدةِ والدِهِ فِي الأَعْمَالِ اليَوميَّةِ كالتجارةِ والزِّراعةِ والرَّعْي. أَتَمَّ حَفْظَ القُرآنِ عن ظهر قلب في التاسِعَةِ مِنْ عُمرِهِ. الله ذاكرةً وقادةً، وحافظةً قويةً، وفهما ثاقبًا؛ إِذْ حَفِظَ فِي بَعضٍ جَلسَاتِهِ 800 بيت مِنْ كتاب "جَوْهَرُ النِّظَامِ". نشأ نشأةً عِصَامِيَّةً - في غالب طَلبه للعلم - حيثُ انكب على مُطالعة الكتـ الكتب مُنذُ صغَرِه فقرأ في الحديث والتفسير والفقه وأصوله وعلوم اللغة وغيرها. مِنْ أَبْرَزِ المشايخ الذينَ أَخَذَ عنهم في المهجر العماني (زنجبار) العلامة الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش الجزائري نزيلُ مِصْرَ (ت 1385 هـ). رجع إلى موطنه الأوَّلِ عمان عامَ 1384 هـ / 1964 م، والتقى بمشايخ العِلْمِ وعَلَى رأسِهِمْ مُفتي عُمَانَ السَّابِقُ: الشيخ إبراهيم بن سعيد العبْرِيُّ ت 1395 هـ).
- في عام 1393 هـ / 1974 م عُيِّنَ مُديرًا للشؤون الإسلامية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية (سابقا)، وفي عام 1395 هـ / 1975 م عُيِّنَ بأوامر سامية مُفتيًا عاما للسلطنة حَلَفًا لشيخه العبري، فقام بواجبه تجاهَ أُمَّته ووطنه فحازَ ثقة الجميعِ فرُقْي لدرجةِ وزيرٍ عامَ 1986 م، وما زال في منصبه إلى اليوم -حفظه الله وأمدَّ في عُمُرِهِ. (1/15)
صفحة 16
-
—
المعتصم في في فقه النكا
المعتمم
من مؤلفاته: الحقُّ الدَّامِعُ، جواهرُ التَّفسِيرِ، شَرْحُ مَنْظُومَةٍ غايةِ الْمُرَادِ، العقلُ بين جماحِ الطَّبع وترويض الشَّرعِ مجموعة كتب الفتاوى وغيرها كثير ... ومن أبرز محاضراته: دروسُ التَّفسِيرِ بجامعِ رُوِي، ودروسُ العقيدة والفكـ بجامعة السلطان قابوس وغيرها كثير .. وجملة القول: إِنَّ سيرةَ هَذَا العَالِمِ قدْ كُتبَ فِيهَا الكُتُبُ وصُنِّفَ فيها المصنفاتُ لا مُجرَّدُ هذه الأسطر القصيرات، وبما أنهُ لا يَعرفُ الفضل لأهل الفضل إلا ذوو الفضلِ فَحَسْبي أنْ أختِمَ كلامي فيه بشهادة العلامة القنوبي -حفظه الله - له حيث يقولُ: " إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ العلم والفَضْلِ الذِينَ رَفَعَ اللَّهَ بهِمْ مَنارَ الإِسْلامِ، وجَلَّى بهمْ ظُلُمَاتِ الجَهْلِ، وَأَذْكَى هِمْ حَرَارَةَ التَّقْوَى، وَأَوْقَدَ هِم جَزْوَةَ الإيمان، الشَّيْخُ العَلامَةُ والبَحْرُ الخَبْرُ الفَهَامَةُ، شيخنا التَّقِيُّ الوَلِيُّ بَدْرُ الدِّينِ الخليلِيُّ حَفَظَهُ الله تَعَالى وعافاه "، ويقولُ أيضًا: " .. وَشَيْخنَا الفَرِيْدُ الحَجَّةُ، جَامِعُ شَتَاتِ الفَضَائِلِ، وَوَارِثُ عُلُومِ الأوائل، حُجَّةُ المتَكَلَّمينَ، وَسَيْفُ المَناظِرِينَ،
وإِمَامُ الفُقَهَاءِ وَالْمُفَسِّرِينَ، شَيْخُ الإِسْلَامِ الخَلِيْلِيُّ - حَفِظَهُ اللهُ تَعَالى وَعَافَاهُ"، ويقول ثالثة: ". . شَيْخنَا العَلامَةُ الحَقِّقُ المجتَهِدُ المطلق الفريد الحجةُ إمَامُ الْمَتَاخَرِينَ وَحُجَّةُ المُتَكَلِّمِينَ وَسَيْفُ المَناظِرِينَ شيخ الإسلام وَالْمُسْلِمينَ بَدْرُ الدِّينِ الخَلِيْلِيُّ - حَفَظَهُ اللهُ وَعَافَاهُ وَبَلْغَهُ مُرَادَهُ فِي دُنْيَاهُ وَأَحْرَاهُ (1).
وَإِذَا كَانَتِ النُّفُوسُ كِبَارًا
(1) - يُنظر:
القنوبي، قرة العينين ص 55.
***
تَعِبَتْ فِي مُرَادِهَا الْأَجْسَامُ (2)
القنوبي، "جواب مطوّل: مطبوع ومتداول لدى الكاتب نسخة منه ص 16.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى- القسم الثاني ص 24.
- لطيفة: عندما سمعت هذا البيت الشعري لأول مرة تذكرت شيخنا القدوة الخليلي مباشرة، فسألت صاحبي بمن يذكرك هذا البيت؟ فنظر إليه وأجاب بداهة: بسماحة الشيخ الخليلي، ولذا أوردته هنا، فالحمد الله الذي جعل السنة
الخَلْقِ شُهُودَ الحَقِّ. (1/16)
صفحة 17
17
72191
فَضِيلَةُ الشَّيْخِ القَنُّوبِيِّ - حَفِظَهُ اللهُ في سُطُونَ
هوَ الشَّيْخ العَلامَةُ الحقِّقُ المحدث سعيد بن مبروك بن حمود القنوي. ولد في بلدةِ الشَّارِقِ، مِنْ أعمَالِ ولاية المضيبي، عام 1384 هـ/ 1964 م على وجه التقدير - فَهُوَ حاليًا في الأربعينيات مِن عُمُرِهِ أَطالَ اللهُ حِياتَهُ. - درس الابتدائية في بلدة الأفلاج القريبة من مكان مولده، وأظهر نبوعًا لافت النظر في سنيه الأولى.
-
التقى بعدها بالشيخ حمود بن حميد الصوافي الذي يُكن له كل الاحترام والتقدير - فكان نقطة تحول في حياته؛ إذ استفاد منه علمًا وأتاح له فرصةً الحصول على مجموعة كبيرة من الكتب بعدَ أنْ كانَ لا يملك منها إلا ثلاثة: تلقينُ الصبيان، وتحفة الأعيان، ورياض الصالحين)، وهيَ الكُتُبُ التي يحبها
الشَّيخُ حبًّا وافرًا؛ لأنها كانت بدايته في سلوك مدارج العلم.
- ثم درس بعد ذلك في معهد القضاء والوعظ والإرشاد (معهد العلومِ الشَّرعيَّةِ حاليا) حيث التقى بجملة من علماء عمانَ وعَلَى رأسهم الشيخ أحمدُ بنُ حمـ
الخليلي
-حفظه الله-.
- عُرف عنِ الشَّيخِ حِفْظُهُ الشَّديد وذكاؤُهُ النَّادِرُ واجتهاده في طلب العلم، ورحلاته في البحث عن الكتب والسؤال عنها، ولذا فهو اليوم يملك مكتبةً
يندر وجود مثلها في عُمانَ لما تحويه من أمهات كتب الشريعة والعربية.
تفوق في علوم الحديث والأصول والفقه حتى صار فيها بحرًا واسعًا. ألف الكثير من الكتب والرَّسائلِ والرُّدودِ منها المخطوط ومنها المطبوع، فمِنَ المطبوع: الإمامُ الربيع بن حبيب: مكانته ومسنده، تحفة الأبرار، قُرَّةُ العَينينِ، الرأي المعتبرُ، السيفُ الحاد، الطوفان الجارفُ، وغيرها .. ). (1/17)
صفحة 18
18
المعتصم في رفقة النكاح
المعلمين
- يعمل حاليا - مستشارًا علميًّا بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ويُطل علينا في بعض حلقات برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ الذِي يُبَثَّ فِي تلفزيون سلطنة
عُمان.
وجملة القول أن أختم كلامي فيه بشهادة العلامة الخليلي -حفظه الله - حيث يقولُ: ". وَعَلَيْهِ فِي عَصْرِنَا إِمَامُ المَعْقُولِ وَالمُنقُولِ القَوبِيُّ - حفِظَهُ الله "، ويقولُ أيضًا: " .. ويُلمَحُ مِنْ كَلامِ الْحَافِظ الحَجَّةِ العَلامَةِ القَنُوبِيِّ - حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى "، ويقولُ فِي موضع ثالث: " كَمَا هُوَ مَبْسُوطَ فِي السَّيْفُ الْحَاةُ) وَ (الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ مَكَانَتُهُ وَمُسْنَدُهُ) لَحدِّث العَصْرِ العَلامَةِ القَنُوبِي حَفِظَهُ الله "، ويقولُ كذلك: ". وَقَدْ تَوَلَّى مُناقَشَةَ أَكْثَرِهَا فِي وَقْتِنَا هَذَا العَلامَةُ الحَدِّثُ الكَبِيرُ الحَافِظُ الحَجَّةُ الشَّيْخُ القَنُّويُّ - جَزَاهُ الله تَعَالى خَيْرًا، وَأَطَالَ في عُمُرِهِ"، ويقول عافاه الله: ". فَقَدْ طَلَبْتُ الإِجَابَةَ عَلَيْهَا مِنْ عَلامَتِنَا النَّحْرِيرِ الشَّيْخ سَعِيدِ بْنِ مَبْرُوكَ القَنوْبِي، وَهُوَ شَابٌ فَتَحَ اللهُ بَصِيرَتَهُ
(1)
وَأَفَاضَ عَلَيْهِ مِنْ مَوَاهِبِهِ فَبَلَغَ فِي عُلُوْمِ الشَّرِيعَةِ مَرْتَبَةٌ لا يُزَاحِمُهُ فِيهَا مُزَاحِمٌ .. (1).
(1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى المعاملات ص 177.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 158، 256.
الخليلِيُّ، وسقط القناع ص 146.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى- القسم الرابع ص 27. (1/18)
صفحة 19
المعتمد
في فقد الشكا
قَالَ تَعَالَى:
وَمِنْ آيَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}
الروم: 21
21
عتمد
يا بالي
في فقه النكاح (1/19)
صفحة 20
20
Maled
المعتصم في فقه النكاح اليا
البَابُ الأَوَّلُ: فِي النِّكَاح
قَالَ تَعَالَى: {وَمِنْ آيَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا
وَجَعَلَ يَبْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) الروم 21
فَصْلٌ فِي تَعْرِيفِ الزَّوَاجِ وَالنِّكَاحِ
21.
تعلم أخي كتب الله لك سعادة الدارين - أن لكلمتي الزواج والنكاح معنى اصطلاحيا شرعيا مترادفا وهذا الترادف الشرعي مسبوق بمعنى لغوي يخص كل
واحد منهما كالآتي:
أولاً المعنى اللُّغَوِيُّ:
أ- الزواج: مصدر مشتق من الفعل زوج يزوج زواجًا، وزَاوَج يزاوج زواجا ()، والزواج هو الاقتران بين شيئين، ومنه قوله جل شأنه: {وَإِذَا النُّفُوسُ
زوجت التكوير: 7، التكوير: 7، أي قرنت بأجسادها أو بأعمالها (2).
(1) - فَائِدَةٌ عَرَبِيَّةُ: الزَّواجُ والزَّواجُ بفتح الزاي وكسرها وجهان جائزان في اللغة العربية، فكل منهما مصدر لفعل ماض، فتقول: زوَّج يزوّج زَواجًا كسلّم يسلّم سلاما، وكلّم يكلم كلامًا، وتقول: زَاوَج يزاوج زواجًا كراهن يُراهن رهانا، وبهذا تدرك أن "الزَّواج" بالفتح مصدر عربي صحيح خلافا لمن توهم أنه خطأ شائع. يُنظر:
الفيومي، المصباح المنير، مادة: (زوج).
الهنائي، زاهر بن محمد. رسالة بعنوان: "زواج أم زواج، مطبوعة لدى الكاتب نسخة منها.
الكندي، إبراهيم بن أحمد مشكلات الزواج في العصر الحديث ص 3.
(2) - اطفيش محمد بن يوسف هميان الزاد ج 15 ص 191. (1/20)
صفحة 21
المعتمد
المعتصم في فقها
إستنا
21
والأَصلُ فِي الزَّوْجِ الصِّنْفُ والنَّوْعُ من كُلِّ شَيءٍ، وكلُّ شَيْئِينِ مُقْتَرِنَيْنِ: فهما زوجان، وكلّ واحدٍ منهما يصدق عليه أنه زَوْجٌ، فيقال للرجل زوج ولقرينته من النساء زوج)، قَالَ تَعَالَى: {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)
الذاريات: 49 (2)
(1)
النِّكَاحُ هو أيضا مصدر مشتق من الفعل نكح ينكح، فالنكاح كالزواج
تَنَاكَحَت
وزنا ومعنى، وهو في أصله اللغوي يشير إلى التداخل والاختلاط، مأخوذ من الأَشْجَارُ إِذَا انْضَمَّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، أَوْ مِنْ نَكَحَ الْمَطَرُ الْأَرْضَ إِذَا اخْتَلَطَ بِشَرَاهَا
وترابها (3)
(1) - هذه هي اللغة العالية وهي التي جاء بها القرآن الكريم؛ قَالَ تَعَالَى: اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ له البقرة: 35، وقال في صدر سورة النساء: يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كثيرا ونساء النساء: 1، واستعمال لفظ "الزوجة" للمرأة لغة ضعيفة، إلا أن الفقهاء اضطروا إلى استعمالها للتمييز بين الذكر والأنثى خشية وقوع الالتباس على الناس، إذ لو ذكر في مسألة: زَوْجٌ وابن مثلا لم يُعلم أذلك الزوج ذكر أم
أُنثى. يُنظر:
الخليلي، أخطاء شائعة في اللغة العربية مادة سمعية، إنتاج مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية.
الخليلي
سلسلة
دروس
التفسير تفسير الآية رقم 23 من سورة النساء آية المحرمات / الدرس الثاني. "مادة سمعية"،
اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية.
(2) - يُنظر:
الفيومي، المصباح المنير، مادة (زوج).
الزبيدي، تاج العروس، مادة (زوج).
(3) - يُنظر:
الخليلي، سلسلة دروس التفسير تفسير الآية رقم 221 من سورة البقرة/ الدرس الأول. "مادة سمعية"، اللجنة
الثقافية بمعهد العلوم الشرعية. الفيومي، المصباح المنير، مادة: (نكح).
الخليلي، سلسلة دروس التفسير، تفسير الآية رقم 221 من سورة البقرة/ الدرس الأول. "مادة سمعية"، اللجنة
الثقافية بمعهد العلوم الشرعية. (1/21)
صفحة 22
22
المعتصم في فقه النكات بنات
ثانيا المعنى الاصطلاحي:
كل من الزَّواج والنِّكَاحِ جاءَ على معنى واحد في اللسان الشرعي، فهما بإيجاز: عقد وضعه الشَّارِعُ يفيدُ حِلَّ استمتَاعِ كلِّ منَ الزَّوجَينِ [الرَّجُلِ والمرأةِ بِالْآخَرِ عَلَى الوجه المشروع، ويُرتِّبُ عَلى كُلِّ منهما حُقوقًا وواجبات (1).
وقد سُمِّي عقد الزواج وَالنّكاح بذلك لأنه يحقق معنى الاقتران والتداخل والاختلاط حسيًّا ومعنويا (2).
عند
وتعريف الزواج والنكاح في الشرع بأنهما "عقد" جرى على الرأي المشهور منهما عند الإطلاق" هو "حقيقة" في العقد، ولا يطلق على الوطء
الجمهور من أن كُلاً
إلا مجازا؛ كما يدل على ذلك قول الحق تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ طَلَقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُ (الاحزاب: 49 (3).
فَصَلَّ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الزَّوَاج
لا يخفى على أي مسلم مؤمن أن عقد الزواج والنكاح هو من العقود المشروعة في دين الله الإسلام، وذلك معلوم بالضرورة لكل من تلا الكتاب وقرأ سنة الأواب
واطلع على إجماع الأمة المحمدية ..
(1) - يُنظر:
(T)
أبو زهرة، الأحوال الشخصية ص 19.
الكندي، مشكلات الزواج في العصر الحديث ص 11.
الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. سلسلة دروس التفسير تفسير الآية رقم 221 من سورة البقرة/ الدرس الأول. "مادة
سمعية"، اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية.
(3) - يُنظر:
،
الخليلي، سلسلة دروس التفسير، تفسير الآية رقم 221 من سورة البقرة / الدرس الأول. "مادة سمعية"، اللجنة
الثقافية بمعهد العلوم الشرعية.
أرشوم مصطفى النكاح صحة وفسادا وآثارا ص 34. (1/22)
صفحة 23
إستعمال المعتصم في الفكرة
أما الكتابُ: فذكرُ النكاح فيه كثير وشائع، فمن ذلك قوله: فَانكِحُوا مَا
طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء (النساء: 3، وقوله: {وَأَنكِحُوا الْأَيْنَمَى مِنكُمْ وَالصَّلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَابِكُمْ ك النور: 32، وقوله: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدُ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَجْنَاكَهَا الأحزاب: ويلحظ التالي لكتاب الله العزيز أنّ ذكر لفظ النكاح في القرآن الكريم أكثر
37
شيوعا من ذكر لفظ الزواج، والكل بمعنى واحد.
وأما السُّنَّةُ: فكقول المبلغ ما أنزل إليه من ربه في الحديث الصحيح (1): "يا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وجَاء (2)، وقوله عليه الصلاة والسلام: "تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ (3).
"
وأما الإجتماع: فلأنه لم ينقل عن أحد من أهل العلم والإيمان بالسنة والقرآن القول بخلافهما، ولا يتصور ذلك وإلا لم يكن منهم
(4)
وفي تأكيد هذا يقول العلامة الشيخ القنوبي يحفظه الله -: " من المعلوم أن النكاح أمر مشروع بنص كتاب الله تبارك وتعالى وسنة رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم - وإجماع الأُمَّة الإسلامية عليه، والجبلة البشرية تقتضيه؛ فهو مشروع بالأدلة الواضحة الجلية (5)
(1) - القَنُّوْبِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبرُوك. جلسة إفتاء (1) بسكن معهد العلوم الشرعية.
(2) - البخاري، باب: مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْبَاءَةَ فَلْيَصُمْ، رقم الحديث 4678.
(3) - النسائي، باب: كَرَاهِيَة تزويج الْعَقيم، رقم الحديث 3175.
(4)
(0)
- ابن المنذر الإجماع ص 39.
القنونِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبرُوك. برنامج: سؤالُ أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 7 صفر 1428 هـ
يوافقه 2007/ 02/25 م. (1/23)
صفحة 24
المعتم في فقها افقه النكا
Malea
هذا، ولم تخل شريعة من الشرائع السماوية من الإذن به وتنظيمه من يوم أن أرسل الله الرسل مبشرين ومنذرين، بل كان من سنن المرسلين عليهم الصلاة
والسلام، حيث يقول جل شأنه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا
وذرية الرعد: 38.
ولكن المولى سبحانه الذي كرم بني آدم وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلا- لم يتركهم إلى ما تمليه عليهم طبيعتهم الجبلية في أمر التزاوج والتناسل كبقية المخلوقات الأخرى من الحيوانات والطيور، بل سَن لهم طريقة خاصة ومتنفسا فطريا سليما يتوافق ومنزلتهم المكرمة بين سائر المخلوقات.
فشَرَعَ عقد الزواج الذي يختص فيه الرجل بالأنثى لا يشاركه فيها غيره؛ ليُسلّم العالم من شر الإباحية التي يترتب عليها التزاحم والتنازع بل والتقاتل أحيانًا كثيرة، ويسلمهم من طغيان الشهوات التي تجعل من الإنسان حيوانًا سفاحًا لا يعرف رباط العائلة، ولا يفقه معنى الرحمة ولا يفطن لسر المودة فيضيع النسل حيث لا رابط يربط
الأبناء بآبائهم
ولقد أولت الشريعة الخاتمة على صاحبها أزكى الصلاة والتسليم هذا العقد عناية خاصة، وأضفت عليه قدسية تجعله فريدا بين سائر عقود المعاملات الأخرى، وتولته بالرعاية من حين ابتداء التفكير فيه .. ؟ وما ذلك إلا لما يترتب عليه من آثار خطيرة لا تقتصر على عاقديه، ولا على الأسرة التي توجد بوجوده فحسب، بل يمتد أثره صلاحا وفسادا إلى المجتمع كله؛ فهو بذا أهم علاقة ينشئها الإنسان في حياته
كلها.
(1) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمد برنامج "سؤالُ أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عمان حلقه: 22 رمضان 1432 هـ،
يوافقه 2011/ 8/22 م. (1/24)
صفحة 25
المعلمم
المعتصم
فَصْلٌ فِي نِكَاحِ أَهْلِ الجَاهِلِيَّةِ
M
25
لقد تسلسلت مشروعية الزواج في الشرائع السماوية عبر الأحقاب والأعقاب الضاربة في عمق الزمن، ولم تجد المناهج الوضعية الجاهلية بدا من أن تتأثر بها، ولكنها أبت إلا أن تخلط هذا الزين بما قد شان مما أملته عليهم شياطينهم ودفعتهم إليه شهواتهم ..
ولذا عندما بزغت شمس الإسلام على العرب وجدتهم في أمر النكاح على أربع صور، كما تحكي لنا ذلك عائشة بنت الصديق قائلة:
"إِنَّ النِّكَاحَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءِ:
فَنِكَاحٌ مِنْهَا نَكَاحُ النَّاسِ الْيَوْمَ يَخطُبُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ وَلَيْتَهُ أَوْ ابْنَتَهُ فَيُصْدِقُهَا
لم ينكحها. وَنِكَاحَ آخَرُ كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لامْرَأَتِهِ إِذَا طَهُرَتْ مِنْ طَمْئِهَا أَرْسِلِي إِلَى فُلانٍ
ليا
فَاسْتَبْضِعِي مِنْهُ، وَيَعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا وَلَا يَمَسُّهَا أَبَدًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الذي تستضعُ مِنْهُ، فَإِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا إِذَا أَحَبٌ؛ وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلكَ رَغْبَةً فِي نَجَابَةِ الْوَلَدِ، فَكَانَ هَذَا النِّكَاحُ نِكَاحَ الاسْتِبْضَا
وَنِكَاحَ آخَرُ يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ، فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَة كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا، فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ وَمَرَّ عَلَيْهَا لَيَالِ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَمْتَنعَ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا، تَقُولُ لَهُمْ: قَدْ عَرَفْتُمْ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِكُمْ وَقَدْ وَلَدْتُ فَهُوَ ابْنُكَ يَا فُلانُ تُسَمِّي مَنْ أَحَبَّتْ بِاسْمِهِ، فَيَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْتَنِعَ بِهِ الرَّجُلُ.
وَنِكَاحُ الرَّابِعِ يَجْتَمِعُ النَّاسُ الْكَثِيرُ، فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ لَا تَمْتَنِعُ مِمَّنْ جَاءَهَا، وَهُنَّ الْبَغَايَا كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ رَايَات تَكُونُ عَلَمًا، فَمَنْ أَرَادَهُنَّ دَخَلَ عَلَيْهِنَّ، (1/25)
صفحة 26
26
فقها
معتهم
Maatrall
فَإِذَا حَمَلَتْ إِحْدَاهُنَّ وَوَضَعَتْ حَمْلَهَا جُمَعُوا لَهَا، وَدَعَوْا لَهُمْ الْقَافَةَ، ثُمَّ أَلْحَقُوا وَلَدَهَا بالَّذِي يَرَوْنَ، فَالْتَاطَ بِهِ وَدْعِيَ ابْنَهُ، لَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ.
فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ لا بِالْحَقِّ هَدَمَ نِكَاحَ الْجَاهِلِيَّةِ كُلَّهُ إِلا نِكَاحَ النَّاسِ الْيَوْمَ).
فسقط الدور الذي قد ذُكرا
***
وثبت الحق الذي قد بهرا (2)
فَصْلٌ فِي حُكم الزواج
ليس خفيا على طالب العلم حث الإسلام الكبير على الزواج من حيث العموم، لما فيه من المصالح الدينية والدنيوية، وموافقته للفطر الطبيعية السوية، ولكنه مع ذلك تدور عليه الأحكام الشرعية التكليفية الخمسة، فيكون (3):
- i
واجبًا في حق من كان قادرا على تكاليفه، ويخشى على نفسه الفتنة أو الوقوع في الفحشاء أو ما يسبقها من مقدمات؛ لأن حفظ العرض والنسل أمور، واجبة كما أن صيانة النفس عن كل محرم أمر واجب أيضا، وكل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب أيضا.
ب مَنْدُوبًا في حق القادر عليه أيضا مع رغبة النفس فيه واشتياقها إليه، إلا أنه مع ذلك صائن لنفسه ضابط لغريزته، ولا يخشى
الوقوع في العنت.
(1) - البخاري، بَاب: مَنْ قَالَ لا نِكَاحَ إِلا بِوَلِيٍّ، رقم الحديث 4732.
(2) - السالمي، عبد الله بن حميد. مدارج الكمال ص 6.
(3) - يُنظر:
الخليلي، سلسلة دروس التفسير تفسير الآية رقم 3 من سورة النساء / الدرس الأول. "مادة سمعية"، اللجنة الثقافية
بمعهد العلوم الشرعية.
الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذكر"، حلقه: 17 جمادى الأولى 1423 هـ، يوافقه 2002/ 7/28 م.
الجناوني، كتاب النكاح ص 11 (تعليق). (1/26)
صفحة 27
المعلمة
سة بالمعتصب في فقد الك
ج-
مَكْرُوهًا: عندما يخشى منه وقوع التقصير في حق الزوجة.
27
محرَّمًا في حق غير القادر على التكاليف، أو كان قادرا عليها لكنه يظن ظنا قويا غالبا بأنه سيظلم زوجته إذا تزوج سواء كان ظلمها بالإيذاء أو بعدم القدرة على المخالطة الجنسية، وذلك لأن الظلم حرام، وكل ما يؤدى إلى الحرام فهو حرام.
مُبَاحًا: عندما لا تكون لديه الرغبة القوية فيه، واستوت عنده الأمور من غير أن تترجح لديه إحدى الاعتبارات السابقة، وقيل بأنه في هذه الحالة مندوب إليه أيضا؛ لأنه الأصل في النكاح لحث الشارع عليه من حيث العموم، ولما فيه من مصالح دينية
ودنيوية (1).
فائدة: يجوز لمن وجب شرعا في حقه الزواج بحيث يخشى على نفه العنت، ولا يُطيق صبرًا للشدة التي يُكابدها من عدم معاشرة النساء، ويخشى من نفسه أن يقع في الزنى والعياذ بالله، مع إعساره وعدم مقدرته على كلفة الزواج المادية يجوز له في هذه الحالة أن يسأل الناس، ويأخذ من مال الزكاة ليحصن نفسه ويحفظ فرجه، فالحمد الله ميسر السبل (2).
وكم من شاب يبلغ به الحال هذا المبلغ ولا غرابة يقول سماحة المفتي العام للسلطنة العمانية -حفظه الله -: "ينبغى أن تُرَاعَى الأحوال، فمن الناس مَن يَشَتَدَّ عليه
(1) - الجناوني، يحيى بن الخير، كتاب النكاح ص 11 (حاشية).
(2) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 46.
الخليلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 11 محرم 1426 هـ، يوافقه 2005/ 2/20 م. (1/27)
صفحة 28
28
الأمر حتى
في فقه النكات الم
matrall
أَنَّه رُبَّما يَتَأثرُ صحيا أو عقليا إِن لَم يَتَزَوَّج، فضلاً عَمَّا يُحْشَى عليه من
التأثر في دينه " (1)، وفي مثل هذا قيل قديما:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده
***
ولا الصبابة إلا من يعانيها (2)
وكذا إن استغنى الفقراء في بلد ما فلولي أمر المسلمين أن يزوج بهذه الأموال - أموال الزكاة عزابهم كما فعل ذلك عمر بن عبد العزيز له حتى قالُوا لَه بعد ذلك: " إنَّهم تزوجوا" فأَمَرَ بِأن تُبْنَى مَساكِن لِمَن لا مَساكن لهم، والله أعلم وأحكم (3). فَصْلٌ فِي حِكْمَةِ الزَّوَاجِ
اعلم - آتاك الله الحكمة وفصل الخطاب - أن حكمة الله لا من الزواج حكمة سامية عالية؛ ذلك لأن الله الله كما جعل لكل حادثة حُكْمًا فقد جعل لها حكمًا أيضا، فقد فطر الله ع الناس وطبعهم على حب البقاء بحكم بشريتهم، ويكون هذا البقاء باستمرار النسل والذرية المتعاقبة من بعده، فالإنسان يرى حياته تستمر وشبابه يتجدد في بنيه وبناته (4)، كما قال الشاعر:
وقلت: شباب ابني شبابي وإنما
***
تحول شطر العمر مني إلى شطر (5)
- الخليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقةُ: 20 شوال 1421 هـ، يوافقه 2001/ 1/15 م.
(2) - البيت للشاعر المعروف بـ"الأبله "البغدادي صاحب ديوان شعري متداول. يُنظر:
ابن خلكان، وفيات الأعيان ترجمة الأبله الشاعر ج 4 ص 463 - 464.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الثاني ص 25.
الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 6 رمضان 1421 هـ، يوافقه 2000/ 12/2 م. الخَلِيلِيُّ، أَحَمَدُ بنُ حَمَدٍ. برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقة: 27 رمضان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 12/3 م. قصيدة لأبي الحسن علي بن محمد التهامي في رثائه لابنه الصغير، الذي رثاه أيضا بقصيدة رائعة أخرى هي التي عارضها شاعر العلماء وعالم الشعراء نزيل زنجبار أبو مسلم - رحمه الله - في رثائه للإمام السالمي -رحمه الله -، ومطلع قصيدة أبي الحسن الأخرى هي:
(9)
- من (1/28)
صفحة 29
29
وقد اقتضت حكمة الحكيم -جلّ جلاله أن يجعل التكاثر بين المخلوقات من حيوانات ونباتات يحصل من خلال سنة التزاوج بين جنسَي المخلوقات الذكور والإناث.
وعلى هذا فقد جاءت هذه الشريعة الربانية بما يتوافق مع الفطر البشرية السوية والأخلاق الإنسانية الرفيعة ويهذب هذه الشهوة الغريزية ولا يصطدم معها، بل ويصرفها فيما يحقق له منفعتها ويدفع عنه مضرتها، وذلك من خلال شريعة التزاوج بين الرجل والمرأة والذي كان موجودا من عهد أب البشرية سيدنا آدم، وقررته جميع الشرائع المتلاحقة تترا حتى تُوِّج كلُّ ذلك بتفصيل أحكامه وحكمه في الشريعة المحمدية الخاتمة؛ لأنه بتحققه على أكمل وجه يتمخض عن سعادة المجتمع وصفاء الحياة وتقدم البشرية، واستمرار الحياة المدنية (1).
كما يُجنب تفريغ الشهوة الفطرية عن طريق الزواج الأفراد والمجتمعات ويلات الفساد الأخلاقى والأمراض العصرية الفتاكة كمرض نقص المناعة المكتسب "الإيدز" الذي لا يُبقى لضحيته أملا في حياة هانئة سعيدة.
حكم المنية في البرية جاري
بينا يرى الإنسان فيها مخبرا
يُنظر:
التهامي، ديوان أبي الحسن التهامي.
الهاشمي، جواهر الأدب 442.
***
***
ما هذه الدنيا بدار قرار
حتى يرى خبرا من الأخبار
الخليليُّ، حقوق الأولاد في الإسلام، مادة سمعية مكتبة مسجد جامعة السلطان قابوس.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" حلقة: 16 جمادى الأولى 1433 هـ، يوافقه 2012/ 4/8 م. (1) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد الطالب الجامعي والتحديات المعاصرة - محاضرة بالقاعة الكبرى بجامعة السلطان قابوس، ليلة الثلاثاء 4 ذو القعدة 1432 هـ، يوافقه 4/ 10 / 2011 م.
(2)
- الخليلي، أحمدُ بنُ حمد. سلسلة دروس التفسير، تفسير الآية رقم 27 من سورة النساء. "مادة سمعية"، اللجنة
الثقافية بمعهد العلوم الشرعية. (1/29)
صفحة 30
Maleall
30
وعموما فإن للزواج كثيرا من الحكم والمنافع منها ما يعود على الزوجين بالسعادة، ومنها ما يعود على المجتمع بالأمن والرخاء ..
فمن تلك الحكم والمنافع أنه:
يحفظ النوع الإنساني: ويحقق بقاءه واستمراره إلى أن يرث الأرض
وارثها.
يحقق الأنس والراحة بين الزوجين فتستقر الحياة وتمدأ النفوس ويسعد المجتمع بسعادة لبناته.
يحقق السكن النفسي والأمن الداخلي والاطمئنان العاطفي للإنسان؛ وهو ما أشار إليه المولى بقوله: لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا الروم: 21)
وقوله: لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا من الأعراف: 189 (1).
4 أحسن وسيلة لإنجاب النسل وتكثير الأولاد: مع المحافظة على الأنساب، وكل ذلك أمور معتبرة لقيام الأمم وسلامة أفرادها، ولذا
امتن المولى علينا وعلى غيرنا بالكثرة بعد القلة فقال: {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ لام الأعراف: 86، وقال: {وَاذْكُرُوا
إذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَفَكُمُ النَّاسُ فَتَاوَنكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْره. ورَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ الأنفال: 26؛ ولأجل هذه الغاية فقد دأبت كثير من الدول المتقدمة على تشجيع أفرادها على الزواج والإكثار من النسل تحت
(1) - الكندي، إبراهيم بن أحمد مشكلات الزواج في العصر الحديث ص 12. (1/30)
صفحة 31
(1)
المعلم
ين المعتصم في فقد الم
کاج
31
مظلة الأسرة الواحدة حتى عرضت تلك الدول من أجل ذلك الحوافز
والمكافآت وكرمت الأمهات اللواتي أكثرن من الإنجاب (1).
ه يحصن النفس بقضاء الحاجة الجنسية من خلال طريق سليم لا يترتب عليه فساد جسوم ولا زيغ عقول.
يحفظ كرامة الإنسان بجعل ذلك اللقاء منضبطا بالقيود الأخلاقية مترفعا عن الهمجية البهيمية التي لا تقف عند حد إلا بسفح ماء شهوتها بأي طريقة كانت (2).
V
A
الزواج وقاية للإنسان من الأمراض البدنية والخُلُقية: قَالَ تَعَالَى:
هُنَّ لِبَاسُ لَكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} البقرة: 0187
بالزواج يكون المرء في موقع المسؤولية: فيتحمل أعباء الحياة ويجاهد نفسه ويروضها بالرعاية والولاية والقيام بحقوق الأهل من أزواج وأولاد، والصبر على أخلاقهم وتلبية مطالبهم واحتياجاتهم، وكل ذلك يدعوه إلى الضرب في الأرض والمشي في مناكبها واستخراج خيراتها واستغلال الممكنات المتاحة من حوله ابتغاء طلب الرزق وتحصيل المال من أجل سد حاجة مَن ينتظره من الأهل والعيال، وبذا يتحقق بين الناس تبادل المصالح ويخدم بعضهم بعضا فتستمر عجلة الحياة وتتقدم
- يقول الأعشى في إحدى قصائده: "إنما العزة للكاثر"، وفي بعض الأمثال العمانية: "الكثرة تغلب الشجعان". الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقه: 27 رمضان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 12/3 م. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقه: 9 جمادى الأولى 1425 هـ، يوافقه 2004/ 6/27 م.
(2) - يُنظر:
الخليلي، وقفات حول الزواج المعاصر. "مادة سمعية"، إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية. الخَلِيْلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ " حلقة: 27 رمضان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 12/3 م. (1/31)
صفحة 32
المعتصم في في فقه النكاحوال
فرقة الشكاة
الدول وتقوم على ذلك الحضارات؛ إذ الإنسان مدني بطبعه اجتماعي
بفطرته .. (1)
الناس للناس من بدو وحاضرة
***
بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم
8 هو السبب الوحيد المشروع لتكوين الأسرة: التي هي اللبنة الأولى من لبنات المجتمع المدني، كما أنه يثمر التقارب بين فئات المجتمع المختلفة ويقوي أواصر المحبة بين العائلات المتزاوجة (2).
فَصْلٌ فِي فَضَائِلِ الزَّوَاجِ
لقد أولى الإسلام الزواج عناية خاصة لما يحصل بسببه من منافع، ويندفع بوجوده من مضار، فجعله رابطة مقدسة، وعده ميثاقا غليظا بين الزوجين، ولذا كانت له فضائل كثيرة ومزايا عديدة جعلت الشارع يحض عليه ويرغب فيه كما أبانت ذلك النصوص الشرعية الكثيرة، فمن فضائل الزواج المرغبة فيه: أنه من سنن الأنبياء والمرسلين الذين هداهم الله، ثم أمرنا بالاقتداء بهم؛ قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً)
—
الرعد: 38
أن الله ل امتن به على عباده وجعله سببا للذرية المتتابعة وحصول القوة البشرية النافعة؛ يقول تَعَالَى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً له النحل: 072
(1) - الخَلِيلِيُّ، أَحَمَدُ بنُ حَمَد. وقفات حول الزواج المعاصر. مادة سمعية، إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية. (2) - الكندي، إبراهيم بن أحمد مشكلات الزواج في العصر الحديث ص 13. (1/32)
صفحة 33
المعلممم
معتصم
و فقه الـ
33
أنه من آيات الله العظيمة في الخلق والتي يحصل بها سكون النفس وتنشأ بسببه بين الزوجين المودة والرحمة؛ يقول الله تَعَالَى: {وَمِنْ آيَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً
وَرَحْمَةُ إنَّ فِي ذَلِكَ لايت لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) الروم 21
أن الله ل كتب العون لمن ابتغى به العفة والفضيلة: فقال عليه الصلاة والسلام: "ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّه عَوْلَهُمْ الْمُجَاهِدُ في سَبيل الله،
وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الأَدَاء، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ (1)
أن النبي للحث عليه الشباب وأهاب القادر منهم على المبادرة إليه لما له من ثمار طيبة على استقرار نفسية الشاب وطرح البديل لمن لم يستطع عليه (2)، فقال حاثا ومرغبا فيه كما في الحديث الثابت الصحيح: "يا
(1) - الترمذي، باب: مَا جَاءَ فِي الْمُجَاهِدِ وَالنَّاكِحِ وَالْمُكَاتَبِ وَعَوْنِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ، رقم الحديث 1579. حديث قال عنه شيخنا المحدث أبو عبد الرحمن القنوبي عافاه الله -: "حسن". يُنظر:
4.4
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى/ القسم الثالث ص 24.
-
) - تنبية مُهم: الاستمناء -اي اسْتِدْعَاءُ خُرُوج المني عَنْ طَرِيقِ العَبَثِ أو التَّشَهي والتَفَكَّرِ، وَيُسَمَّى "العَادَةَ السِّرِّيَّة" - غير جائز بحال من الأحوال، وليس بديلا عن الزواج الشرعي، ومن فعله فهو معتد ومتعد؛ قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ هُوَ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ) إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاهُ ذَلِكَ فَأُولَيْكَ هُمُ الْعَادُونَ * المعارج: 29 - 31، والاستمناء شيء غير الزوجة وملك اليمين فمن فعله استحق أن يوصف بأنه غير حافظ لفرجه، وأنه ملوم بفعله، ومعتد لأمر ربه.
وقد أبعد عن الصواب من أجاز الاستمناء لأجل كسر الشهوة خوفا من الفتنة؛ فهذا إرشاد دون إرشاد النبوة وهدي بخلاف هدي محمد الهلال؛ ففي حديث جليل يرويه ابن مسعود ه يرشد فيه النبي له معشر الشباب بقوله: "يا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجُ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وجَاء"، ولم يرشد من كان في ميعة الشباب وقوة الفتوة وقد خاف على نفسه الفساد أن يلجأ إلى الاستمناء بل أرشدهم إلى ما يكسر هذه الشهوة (1/33)
صفحة 34
34
المعتصب في حقه
مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجُ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ للْفَرْج وَمَنْ لَمْ يَسْتَطعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وجَاء (1)
أنه سنة نبوية حَرَصَ عليها النبي عليه الصلاة والسلام-: وجعل من رغب عنها وأعرض عن الإقدام عليها ليس منه ولا مهتديا بهديه، وهو عبادة اجتماعية لا يعوضها كثرة صيام، ولا يقوم مقامها طولُ قيام؛ وذلك ما جاء صريحا في خبر النفر الثلاثة الذين جاؤوا إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَة النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا أُخبِرُوا عَنْهَا كَأَنَّهُمْ تَقَالُوهَا فَقَالُوا:
وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَا!!
قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا،
وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطَرُ،
وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا،
فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِمْ فَقَالَ: "أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟! أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ إني لأخشاكم لله والقَاكُمْ لَهُ لكني أصُومُ وأفطر، وَأَصَلِّي وَارْقَدُ، وَأَنزَوْجُ النِّسَاء فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي
(2)
وهو الزواج أو الصيام، أضف إلى هذا ما يحدثه الاستمناء من أمراض نفسية وعقلية وجسدية قد اتفق عليها الأطباء
المختلفون، والله المستعان. يُنظر:
(1) - يُنظر:
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقه 23 رمضان 1422 هـ، يوافقه 2001/ 12/9 م. الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقه 10 رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 10/25 م. القتُوْبِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقةُ: 14 رمضان 1422 هـ، يوافقه 2001/ 11/30 م. القنوبي، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقه: 23 شعبان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 10/19 م.
القنوبِي سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك. جلسة إفتاء (1) بسكن معهد العلوم الشرعية.
البخاري بَاب مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْبَاءَةَ فَلْيَصُمْ، رقم الحديث 4678.
(2) - البخاري، باب: التَّرْغِيبِ فِي النِّكَاحِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء (النساء: 3، رقم الحديث
4675 (1/34)
صفحة 35
35
المرأة الصالحة والزوجة التقية هي خير متاع الحياة الدنيا (1): ومصداق ذلك في قول النبي عليه الصلاة والسلام: " الدُّنْيا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ ((2).
الزواج هو نصف الدين: لأن الرجل باقترانه بالمرأة الصالحة يحصل بينهما العفاف وكف داعى الغريزة، فيتفرغان لطاعة الله ويشتغلان بعبادته، ويحصل منهما لبعضهما التعاون على طاعة الله والتواصي بالحق والصبر؛ فعن أنس بن مالك له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه، فليتق الله في الشطر الثاني " (3).
الزواج سبب لحصول الغنى والبركة في المال: قَالَ الله تَعَالَى: وأنكِحُوا الأَيْمَى مِنكُرُ والصَّلِمِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَا بِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقراة
32
يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (2) النور: 32، وما ذلك إلا لأن كل ما ينفقه الزوج من مال من أجله ومن أجل حاجة أهله فإنما هو صدقة لا تنقص في حقيقتها عند الله تعالى بل تزيد؛ فعند الربيع عن ابن
—
(1)
-
(2)
- الخليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. الزواج بين السنة والبدعة، محاضرة مطبوعة لدى الكاتب نسخة منها ص 2. مسلم، باب: خَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، رقم الحديث 2668.
أما
حديث: " مَا اسْتَفَادَ الْمُسْلِمُ فَائِدَةً بَعْدَ تَقْوَى الله تَعَالَى خَيْرًا لَهُ مِنْ زَوْجَة صَالحَة، إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِنْ نَظَرَ إلَيْهَا سَرتُهُ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتُهُ في نَفْسِهَا " فحديث رواه الطبراني في المعجم الكبير إلا أنه مضعف عند البعض من أهل الحديث ومنهم شيخنا القنوبي عافاه الرحمن، وهذا لا ينفي ما تردد ذكره من أن ضعف
الإسناد لا يعني فساد المعنى الثابت بأدلة أخرى، والله أعلم. يُنظر:
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الثالث ص 24.
الطبراني، المعجم الكبير، رقم الحديث 7801.
(3) - الحاكم، المستدرك، كتاب النكاح، رقم الحديث 2632. (1/35)
صفحة 36
مَسْعُودِ الأَنْصَارِيِّ له قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله: "لفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْله
صدقة
(1)
اقْرَأْ وَاحْفَظُ
ما ينظمه لك الإمام السالمي الله في أرجوزته "جوهر النظام في علمى الأديان
ثم النكاح سنة المختار
إن كنت من إخواننا تزوج إن النكاح يكسرن النظرا
وشهوة الجماع أقوى شهوة
وفتنة الناس على الأزمان فكم صريع للغواني قتلا
تقوده شهوته فيطمع يا عجبا من هذه الأحوال
الله ما أكرم هذا الشرعا
أرشدنا لأحسن المراشد
والأحكام"
***
***
***
***
***
***
***
***
***
***
والمرسلين صفوة الأبرار لتحرز الدين من دين من التعوج ويحفظن الفرج عما حُجرا وكسرها يحتاج أعلى قوة أكثرها من شهوة النسوان وكان بالنفس شحيحا أبخلا في امرأة وهو عليها يُصرع أين العقول معشر الرجال ما أتمه علينا نفعا
و دلنا الأسلم المقاص د (2)
(1) - الربيع، باب: في الصَّدَقَةِ، رقم الحديث 346.
(2)
- السالمي، عبد الله
بن حميد. جوهر النظام ج 2 ص 239. (1/36)
صفحة 37
المعتمد
بالمعصب في فقه الشكارة
37
البَابُ الثَّانِي: في أسس اختيار شريك الحَيَاةِ
قَالَ تَعَالَى: يَتأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَابِلَ
لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَلَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
الحجرات: 13.
اعلم يا رعاك الله - أن عقد الزواج في الإسلام له أهميته الكبيرة؛ وذلك لما يتصف به من الدوام والاستمرار طوال الحياة، ولذا كان من أهم الأمور التي يتخذ فيها المرء قراره، ومن أجل ذلك فقد شرع الإسلام لعقد الزواج من المقدمات ما يكون سببا لاستمراره ونجاحه بعد ذلك. فأرسى الإسلام أسسا متينة ومعايير ثابتة لاختيار شريك الحياة، كما أنه راعى الكفاءة بين كلا المتعاقدين، ثم شرع الخطبة بعد ذلك تمهيدا لإتمام العقد وحتى يكون مهلة يتأنى فيها الطرفان ويتدبر خلالها كل واحد من الطرفين عواقب أمره،
جانب
ويتخذ في هذه القضية قراره المصيري بعد أن يستشير صحبه ويستخير ربه.
ولذا كان حق اختيار الطرف الآخر مكفولا لكلا الزوجين؛ لأن النجاح في الاختيار بينهما بناء على أسس الاختيار السليمة يترتب عليه نجاح الحياة الزوجية واستقرارها كما يأتيك بيانه ...
فَصْلٌ فِي أُسُسِ اخْتِيَارِ الزَّوْجَةِ
جاءت روايات عدة عن المصطفى المختار الله تبين الأسس المعتبرة شرعا في اختيار الزوجة، والتي منها ما ينبغي أن يجعلها مريد الزواج نصب عينيه عند اختياره للزوجة شريكة حياته ورفيقة دربه، فمن تلك الأسس الأسس الأربعةُ التي نص عليها حديث أبي هريرة عَنِ النَّبِيِّ له حيث قَالَ: "تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ الأَرْبَعِ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا (1/37)
صفحة 38
38
أ معتصب في فقه المشكاة الاتية
وَلدينهَا فَاظْفَرْ بذَاتِ الدِّين تَربَتْ يَدَاكَ (1)، إضافة إلى أسس واعتبارات أخرى جاءت
بما أحاديث أخرى، وذلك كالآتي:
الأَسَاسُ الأَوَّلُ الْمَالُ:
جبلت النفوسُ البشرية والطبائع الإنسانية السوية عموما على حب المال بجميع أشكاله وألوانه؛ وذلك ليس بغريب على تالي الكتاب العزيز؛ يقول تعالى: {زُيِّنَ
لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ آل عمران: 14، وليس ذلك بمعيب فقد أكد صدقه الخالق حينما قال مخبرا: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدُ * {
العاديات: 8، وقوله مخاطبا: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُمَّا جَمَّا - الفجر: 20. ومن منطلق هذه الدوافع يرغب بعضُ المقدمين على الزواج في الاقتران بالمرأة ذات المال؛ لأن المرأة إن كانت ذات بسطة في المال وسخاء في النفس أغنت زوجها عن تحمل كثير من المغارم المترتبة على اقتنائها الكثير من كمالات الحياة.
وإذا تحقق مطلب الدِّين في المرأة فلا مانع من أن يجتمع معه المال، مع الأخذ في الاعتبار أن المرأة لها ملكيتها المالية الخاصة والمستقلة ف لِلرِّجَالِ نَصِيبُ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبُ مِمَّا اكْنَبْنَ النساء: 32، ولكن لا مانع من أن ينتفع الرجل أو يستمتع بمال امرأته إن طابت بذلك نفسها من غير إكراه ولا استحياء وبقدر ما تأذن به وتسخو عليه فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِتَا قَرِينَا
النساء: 4 (2)
(1) - البخاري، باب: الأَكْفَاء فِي الدِّينِ، رقم الحديث 4700.
(2) - يُنظر: (1/38)
صفحة 39
المعتوب في فقه النكا
39
الأَسَاسُ الثَّانِي الحَسَبُ:
الحسب هو الشرف الناتج من النسب الرفيع ذي الأصل الكرت، وأصل كلمة الحسب مأخوذة من الحساب؛ لأنه كان من عادة العرب في الجاهلية أهم يفخرون
بالآباء والأجداد ويعددون ما لهم من مناقب ويحسبون ما فيهم من محاسن.
وقد جاء الإسلام مقرا كل ما يدعو النسل إلى التمسك بال ضائل والترفع عن الرذائل فوصى بحسن الاختيار من جهة الأنساب فقال صلى الله عليه وسلم -كما في زوائد المسند:
(1)
خَيَّرُوا الإِمَامَتِكُمْ، وَتَخَيَّرُوا لِنَطَفَكُمْ)، وفي رواية ابن ماجه: "تَخَيرُوا لِطَفَكُمْ وانكحُوا الأَكْفَاءَ وَأَنْكَحُوا إِلَيْهِمُ (2).
وما ذلك إلا لأن العرق دساس (3) فالأبناء يتأثرون بشرف الآباء لا سيما الأمهات الشريفات اللائي يرضعنهم مكارم الأخلاق ومعالي الصفات، واللائي يربأن كيم عن دنايا الأمور وسفاسف الأخلاق التي تشين زين النسب وكرم المحتد الأصيل (4)، ولذا امتن الشاعر العربي قديما على أبنائه بانتقائه لهم أمهم من الأعراق الماجدة حينما قال مخاطبا إياهم:
الخليلي، سلسلة دروس التفس الآية رقم 4 من سورة النساء / الدرس الثاني. "مادة سمعية"، اللجنة الثقافية
لمعهد العلوم الشرعية.
الفنون برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقه: 16 رمضان 1426 هـ، يوافقه 2005/ 10/20 م. - الربيع، بَابُ: الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ لَا يَرَى الصَّلاةَ عَلَى مَوْتَى أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَلَا يَرَى الصَّلَاةَ خَلْفَ كُلِّ بَارٍ وَفَاجِرٍ، رقم
الحديث 0784
(2)
2 - ابن ماجه، باب: الأكفاء، رقم الحديث 1958.
(23 - العرق دساس" مقولة مشهورة معروفة صحيحة المعنى، إلا أنها لا تثبت مرفوعة عن النبي صلى الله عليه وسلم من حيث الإسناد، كما نص على ذلك طائفة من أهل العلم والتحقيق في المنسوب إلى النبي، ومنهم العجلوني في كتابه "كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على السنة الناس". يُنظر:
(2)
العجلوني، كشف الخفاء، حرف المثناة الفوقية، رقم 960. - الجهضمي، من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد بـ
حمد الخليلي ج 1 ص 253 - 254. (1/39)
صفحة 40
40
المعتصب في فقه الـ
المعتمد
***
وأول إحساني إليكم تخيري
لماجدة الأعراق باد عفافها (1)
وَرُوِيَ أَنَّ أَكْثَمَ بْنَ صَيْفِيِّ - وهو من حكماء العرب- قَالَ لِوَلَدِهِ موصيا إياهم: يَا بَنِيَّ لَا يَحْمِلَتَكُمْ جَمَالُ النِّسَاءِ عَنْ صَرَاحَةِ النَّسَبِ، فَإِنَّ الْمَنَاكِحَ الْكَرِيمَةَ مَدْرَجَةٌ
للشرف (2).
وَقَالَ أَبو الأسود الدولي لبنيه: قَدْ أَحْسَنَت إِلَيْكُمْ صِغَارًا وَكَبَارًا وَقَبْلَ أَنْ تُولَدُوا، قَالُوا: وَكَيْفَ أَحْسَنْتَ إِلَيْنَا قَبْلَ أَنْ تُولَدَ؟؟ قَالَ: اخْتَرْتُ لَكُمْ مِنَ الْأُمَّهَاتِ مَنْ لا لسبُونَ بها (3).
تنبيه: ولا يعني ما تقدم أن حسن النسب مقصور على العرب، ومن عداهم وضيعون من حيث النسب؛ فإن الله تعالى قد خلق الناس شعوبا وقبائل، وفضل بعضهم على بعض بالتقوى، وقد تزوج النبي صفية بنت حيي بن أخطب الإسرائيلية وتسرى مارية القبطية وأولدها ابنَه إبراهيم الذي دمعت عينه وحزن قلبه
لوفاته (4).
(1) - قائل هذا البيت هو "الرياشي" كما نصت على ذلك كتب الأدب، ولعله هو أبو الفضل العباس بن الفرج
الرياشي صاحب الديوان.
(2) - الميداني،
أحمد
بن محمد. مجمع الأمثال ج 2 ص 289.
د)
(3) - يُنظر:
الماوردي، أدب الدنيا والدين ص 196 (الموسوعة).
البيهقي، شعب الإيمان، باب في حقوق الأولاد والأهلين، رقم الحديث 8451.
(4) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 48.
الجهضمي، من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد بن حمد الخليلي ج 1 ص 257. (1/40)
صفحة 41
المعلمم
المعتمم
الأَسَاسُ الثَّالِثُ الجَمَالُ:
41
الجَمَالُ أَيْضًا هُوَ إحْدَى الاعتبارات التي لم يهملها الشرع بل نظر إليها وحث ضمنا على مراعاتها من قبل مريد الزواج؛ وذلك بحث الخاطب على النظر إلى المرأة التي يريد نكاحها، وذلك لأن الاقتناع الظاهري والجمالي بالطرف الآخر أدعى إلى توثيق عرى المودة والرحمة وحصول الألفة والعفة، والتجانس والتوافق بين الزوجين
مدة حياتهم.
ففي
الكتاب العزيز الإشارة إلى مراعاة هذا الاعتبار من حيث الأصل كما في
قول الله تعالى مخاطبا نبيه الكريم: وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْبُهُنَّ الأحزاب: 52، وفي حديث عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً جَاءَ إِلى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهُ
عليه الصلاة والسلام: " اذْهَبْ فَانظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤدَمَ بَيْنَكُمَا (1). وفي حديث جابر بن عبد الله قال: قَالَ رَسُولُ الله: " إِذَا خَطَبَ:
أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ (2).
هذا، وإن من حكمة الله بالعباد أنه جعل الحكم بالجمال وعدمه نسبيا بين الأشخاص، فقد ينظر رجل إلى امرأة ويراها جميلة فيتشجع للإقدام على خطبتها ثم نكاحها، بينما ينظر إليها آخر ولا يراها كذلك بالنسبة له ولذا فإن من الجمال ما لا يمكن أن يوصف أو يعبر عنه للآخر؛ لأن تقديره يختلف باختلاف الرائي، وهذا من ورحمته بعباده؛ إذ لو كان للجمال معيار واحد متفق عليه بين جميع الناس لاقتتلوا في سبيل الوصول إلى من تحقق فيهن ذلك المعيار، ولبذلوا من أجل ذلك النفس والنفيس، ووقع الناس من ذلك في حرج عظيم، وفي المقابل يرغبون عن غير
لطف الله
(1)
ابن ماجه، بَاب: النَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، رقم الحديث 1855.
) - أبو داود، بَاب فِي الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى الْمَرْأَةِ وَهُوَ يُرِيدُ تَزْوِيجَهَا، رقم الحديث 1783. (1/41)
صفحة 42
42
المعتصم في فقه النكارة
المعلم
الجميلات اللائي لا ينطبق عليهن ذلك المعيار حتى لا يرغب فيهن أحد فتقع فتنة في
الأرض وفساد كبير.
إلا أن النبي الحذر من أن يجعل الخاطب كل همه في الاقتران بمن هذه صفتها من غير نظر في خلق أو دين؛ لأن عواقب ذلك وخيمة كما سيأتي قريبا بإذن الله فإن تلك المظاهر كالفجر الكاذب لا تلبث أن تزول أو كَسَرَابِ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْانُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا. النور: 139)، وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام-: " إياكم وخضراء الدِّمَنِ"، فقيل: يا رسول الله، وما خضراء الدمن؟ قال: " المرأة الحسناء في المنبت السوء (2).
1
وسيأتي في الباب القادم بإذن الله تعالى ما يتعلق بمقدار ما ينظر إليه الخاطب
من المخطوبة عند الحديث عن الخطبة تفصيلا، فترقبه ثُمَّ، وكل ما هو آت قريب وبالله التوفيق (3).
الأَساسُ الرَّابِعُ الدِّينُ:
عليه
لَمَّا كان الدين هو مصدر السعادة ومنبع الخير والفضيلة، ومدرسة الأخلاق الكريمة، والصفات الزكية الحسنة، بل هو أغلى شيء يتمسك به المرء في حياته ويعيش من أجله، وأعظم خير يعين عليه غيره، ويعينه عليه غيره، وهو أنفس ما يربي الأبُ أبناءه، وأكبر إرث يخلّفه لورثته فقد جعل الشارع الأساس المتين الذي ينبني الاختيار السليم من قبل الرجل والمرأة هو وفرة الدين والتمسك به والاستقامة عليه
عليه
(1) - يُنظر:
الخليلي، الزواج بين السنة والبدعة، محاضرة مطبوعة لدى الكاتب نسخة منها ص 2 - 3. الجهضمي، من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد بن حمد الخليلي ج 1 ص 256.
(2) ـ القضاعي،
مسند الشهاب، باب إياكم وخضراء الدمن، رقم الحديث 890.
(3) - يُنظر: البَابُ الثَّالِثُ: في الخِطْبَةِ فَصْلٌ فِي النَّظَرِ إِلَى الْمَخْطُوبَةِ. (1/42)
صفحة 43
المعتصم في فقد التي
43
والعض على نواجذه)، ولذا خصه النبي بالوصية فقال في جانب المرأة كما في حديث أبي هريرة له السابق: " .. فَاظْهَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرَبَتْ يَدَاكَ (2).
وفي جانب الرَّجل شدد المصطفى المختار -عليه الصلاة والسلام على هذا
الأساس في الاختيار والقبول حتى كرر ذلك ثلاث مرات، ففي الحديث الآخر عنه أنه قال: إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلْقَهُ فَأَنْكِحُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ؟ قَالَ: " إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكَحُوهُ - ثَلَاثَ مَرَّات (3).
ومع اعتبار الدين أهم المقومات والأسس التي ينبغي مراعاتها عند اختيار شريك الحياة إلا أن ذلك لا يعني الإلغاء الشرعي لما تقدم من الاعتبارات السابقة كالمال والجمال والحسب، بل المراد ألاً يكون الجمال أو المال أو النسب هدفا مجردا عن
- الخليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. برنامج: "سؤالُ أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 22 رمضان 1432 هـ، يوافقه 2011/ 8/22 م.
(2)
) - البخاري، باب: الأَكْفَاءِ فِي الدِّينِ، وَقَوْلُهُ: وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهر الفرقان: 54،
رقم الحديث 4700.
"تَربَتْ يَدَاكَ" أي التصقت بالتراب من شدة الفقر، وقد اختلف شراح الحديث في تأويل هذا اللفظ في هذا الحديث مع اتفاقهم على أنه لا يراد به حقيقته الظاهرة وهو الدعاء على من ظفر بذات الدين، فمن تلك التأويلات ما قيل: إن هذا تركيب مستعمل عند العرب لا يراد به ظاهره كما يقال: "ما أشعره قاتله الله" لا يراد به الدعاء عليه بالقتل، و"أفلح وأبيه" لا يراد منه القسم بالأب وإنما هو للتوكيد فحسب كما حرره العلامة القنوبي -حفظه الله -، يقول النور السالمي في شرحه على الجامع الصحيح " ويجوز أن يكون من الألفاظ التي تجري على ألسنة العرب ولا يراد بها الدعاء كقولهم: تربت يداك، وقاتلك الله".
(3)
وقيل: إن في السياق حذفا تقديره هكذا فاظفر بذات الدين فإن تركتها تربت يداك". يُنظر:
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الثالث ص 13 - 14.
السالمي، شرح الجامع الصحيح ج 1 ص 410.
ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري. شرح باب الأكفاء.
- الترمذي، باب مَا جَاءَ إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ فَزَوِّجُوهُ، رقم الحديث 1005. (1/43)
صفحة 44
الدين والأخلاق، وأن الأساس الأول الذي ينبغي أن ينطلق منه الرجل في الاختيار
لشريكة الحياة ومحضن الأبناء هو الدين وما بعده فزيادة من خير وبركة، يقول الإمام
برحمته-:
أبو محمد السالمي -تغمده الله وتنكح المرأة للجمال
نور على نور إذا ما كانا
وإن ظفرت بذوات الدِّينِ
***
***
***
ودينها أو حسب أو مال دين ومال وجمال بانا
فإنها بركة الـ
وإذا كان المرء حريصًا على المحافظة على استقامته ودينه، وعلى أخلاق أبنائه وحسن سلوكهم فلا ينبغي له أن يفرط في الزوجة الناصحة له والأم الصالحة لأبنائه (2)، فإن الكسر في الدين لا يجبره شيء بينما كمال الدين يتمم كل نقص، ويجبر
کل کسر، وما أروع قول القائل:
وكلُّ كسر فإن الدين يجبره
***
وما لكسر قناة الدين جبران (3)
وهذا ما يؤكد ضرورة وجود أساس الدين في المرأة على أي حال؛ لأنه إذا تزوجها لاعتبارات مادية أو شكلية مع كونها خالية من الاستقامة والدين لم يأمن أن تزول تلك الاعتبارات فالمال ذاهب والجمال زائل والعز قد يستحيل ذلا، فعندها
(1) ـ السالمي، عبد الله بن حميد. جوهر النظام ج 2 ص 240.
(2) - يُنظر:
الخليلي، وقفات حول الزواج المعاصر. مادة سمعية"، إنتاج مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية. الخليلي، برنامج "سؤالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقةُ: 6 شعبان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 10/13 م.
هذا البيت لأبي الفتح البسي، الشاعر الأندلسي المشهور، وهو آخر بيت من قصيدته النونية المشهورة التي صدرت
بقوله:
زيادة المرء في دنياه نقصان
يُنظر:
الهاشمي، جواهر الأدب ص 478.
***
وربحه غير محض الخير خسران (1/44)
صفحة 45
المعلمين
ال
بالمعتصم في فقه النكاح
لا يبقى له في نفسه ما يتمسك لأجله بتلك المرأة، فتفتر جذوة الحب وتخبو بينهما المودة حتى تكون كرها، والرحمة حتى تكون نقمة وعذابا.
وقد تبقى كل تلك المظاهر الفرعية إلا أنها تكون مصدر شقاء بدل أن تكون مصدر سعادة؛ لأنه لا يؤمن من تلك المرأة -وهي مُقلة في الدِّين- أن تشهر ما تتميز به سلاحا في وجه زوجها؛ فتمتن عليه في بيته بمالها إن كانت ذات مال أو تختال خارجه بحسنها وفاتن جمالها إن كانت ذات جمال، وتزهو وتفخر في كل ذلك بأصالة حسبها وعراقة نسبها إن كان فيها ما تقول .. وهذا ما يصيب الرجل في مقاتله ويطعنه في صميم كبريائه ويجعله يفرط فيها أو يفارقها، وعن هذه العاقبة الوخيمة جاء الهدي النبوي محذرا ومرهبا فقال عليه الصلاة والسلام: " لا تَزَوَّجُوا النِّسَاء لِحُسْنهِنَّ فَعَسَى حُسْنُهُنَّ أَنْ يُرْدِيَهُنَّ، وَلا تَزَوَّجُوهُنَّ لأَمْوَالِهِنَّ فَعَسَى أَمْوَالُهُنَّ أَنْ تُطْعَيَهُنَّ، وَلَكنْ تَزَوَّجُوهُنَّ عَلَى الدِّينِ؛ وَلَأَمَةٌ خَرْمَاء سَوْدَاء ذَاتُ دين أَفْضَلُ)
وعن أنس بن مالك الا الله قال: سمعتُ النبي يقول: "من تزوج امرأة لعزها لم يزده الله إلا ذلا، ومن تزوجها لمالها لم يزده الله إلا فقرا ومن تزوجها لحسبها لم يزده الله إلا دناءة، ومن تزوج امرأة لم يتزوجها إلا ليغض بصره أو ليحصن فرجه، أو يصل رحمه بارك الله له فيها، وبارك لها فيه ((2).
تنبية: لا يخفى عليك أيها الأخ النبيه، وفقك الرحمن أن ما تقدم من بسط في الحث على الظفر بذات الدِّين لا يعني أن التدين شرط لصحة الزواج وتمامه وانعقاده لكنه هو الأساس الأول الذي لا ينبغي الحريص على دينه أن يقصر دونه؛
(1) - يُنظر:
ابن ماجه، باب: تَزْوِيجِ ذَوَاتِ الدِّينِ، رقم الحديث 1849.
الجيطالي، قواعد الإسلام ج 2 ص 209.
(2) - الطبراني، المعجم الأوسط، باب من اسمه إبراهيم رقم الحديث 2432 (1/45)
صفحة 46
ب في فقه النكات!
لأن فيه سببا لسعادة الدارين، فالمرأة المتدينة الصالحة هي خير ما يتزود به ما يتزود به المره من متاع هذه الحياة الدنيا؛ كما أخبر عن ذلك المعصوم في قوله: " إِنَّمَا الدُّنْيَا مَتَاع وَلَيْسَ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا شَيْء أَفْضَلَ مِنْ الْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ (1).
ولذا فمع كون الدين ليس شرطا لصحة النكاح وانعقاده لا يمنع الشاب العاصي من أن يتزوج أو يقترن بامرأة من جنسه، وكذا لا تحرم من لم يكن للتدين عندها كبير وزن من الفتيات أن تتزوج بمن تقدم على شاكلتها، بل إن تحصين كل واحد منهما وتزويجه مطلب شرعي ضروري والطيور على أشكالها تقع، وقد قال الله تَعَالَى: الخَبِيثَتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَتِ وَالطَّيِّبَتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ للطيبات أوليك مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) الدورة 206.
(2)
يقول شيخنا القنوبي -حفظه الله -: " ونحن لا نقول أيضا- بالمنع حتى لو كانت المرأة] من أهل الطلاح، ولكن نقول إن الإنسان ينبغي له أن يَتَحَرَّى عندما يُريدُ أن يَتَزَوَّج امرأة، فيختار امرأة صالحة حتى تعينه على طاعة الله تعالى، وتربي أولاده على تطبيق شرع الله تعالى (3).
(1)
- ابن ماجه، باب: أَفْضَلِ النِّسَاءِ، رقم الحديث 1845.
(2) - يُنظر: الخليلي، فتاوى النكاح ص 13.
ابن عاشور التحرير والتنوير/ تفسير الآية الكريمة.
(3) - يُنظر:.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي
ص
82
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة: 7 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/2 م. (1/46)
صفحة 47
ي
النكاح
المعتصم في فقه الله
الأَسَاسِ الْخَامِسُ التَّوَافُقُ بَينَ الطَّرَفَينِ:
47
من المعلوم أنه لا بد لتحقق كمال الانسجام وتمام الاستقرار في الحياة الزوجية من التوافق في المبادئ والقيم، والاتجاهات والأفكار، والطبيعة والمزاج، والمول والرغبات، والأعراف والعادات، وفي النظر إلى الحياة بوجه عام؛ لأن الحياة الزوجية تنال نصيبها من السعادة والهناءة والألفة بقدر ما يكون بين الزوجين من تكافؤ واتساق في فروع الحياة اليومية؛ وقد قال نبينا المجتبى كما في الحديث الصحيح (1): الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا اخْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ (2).
لذا فإن كثيرا من المفارقات والصدامات التي تقع بين الزوجين ما هي إلا نتيجة نجمت عن سوء الاختيار وعدم التوافق بين الطرفين من الأساس؛ فعندما تكون المبادئ مختلفة والمعايير متباينة والموازين غير متكافئة بين الزوجين فإن ذلك كثيرا ما يكون السبب الأول والرئيسي في وقوع الصدام في فروع الحياة؛ نظرا لاختلاف القناعات وقواعد المنطلقات التي يستند عليها كل واحد في رأيه حتى ولو كانا متدينين، فقد ترى الزوجة -مثلا- شيئا ما من الأمور الضرورية بينما يراه الزوج من الأمور الكمالية التي يمكن أن تُرجَاً أو يُستغنى عنها تماما وفي العكس العكس.
ولأهمية النظر في هذا الجانب والتحري بشأنه والسؤال عنه من قبل كلا الطرفين الرجل والمرأة قبل الإقدام على عقد النكاح فإننا نحذر من مغبة عدم النظر فيه ونقول إن الكثير من هذه الخلافات عندما تتعمق وتستفحل تؤدي وللأسف الشديد - إلى زعزعة صرح الحياة الزوجية تماما حيث لا يمكن معه بناء ذلك الصرح أو استمرار بنائه، وهنا يصدق أن نقول:
(1) - القتُويُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك. مجلة المعالم.
دة، رقم الحديث 4773، 4774. (2) - مسلم، باب: الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، (1/47)
صفحة 48
?
المعتصم في فقه النكارة في فقه الكاة إست
ومن لم يفكر في عواقب أمره
ومن
***
مدي دهره كانت عقابا عواقبه (1)
تلك الخلافات ما يُحدث بعض التصدع في جدار الحياة الزوجية، فينتج عنه بعض التراع وسوء الفهم، ولكن سرعان ما يمكن رأبه وجبره وتناسيه أو تجاهله على مر الأيام. ومنها ما يمكن ستره بفضل الله تعالى - مباشرة لما يتحلى به الشريكان أحدهما أو كلاهما من حكمة وتسامح نابعين عن كرم خلق وسعة صدر وعظم حلم ورجاحة عقل، وصبر واحتساب الله تعالى، وذلك ما يدعو إليه التدين، ويكون في صاحب الدين القويم؛ قَالَ تَعَالَى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن النساء: 19، وقال الرسول:
19
تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا.
لا يَفْرَكَ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةٌ إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ
(1)
من قصيدة رائعة للإمام الشاري راشد بن سعيد اليحمدي الذي بويع له بالإمامة بعد خلفه الإمام الخليل بن
شاذان سنة 425 هـ.
قلت: وبعد أن كتبت هذه الترجمة المختصرة اعتمادا على ما ورد في "تحفة الأعيان" علق شيخنا القنوبي -حفظه الله - في مذكرة المراجعة بقوله: الصحيح أن إمامة راشد بن سعيد كانت قبل إمامة الخليل بن شاذان - رحمهما الله تعالى؛ فقد كانت وفاة الإمام راشد سنة 445 هـ، ووفاة الإمام الخليل - رحمه الله - سنة 474 هـ، ومن قال بخلاف ذلك فقد أخطأ خطأ بينا، وليس هذا موضع بيان ذلك".
ثم بين الشيخ حفظه الله - في جلسة المراجعة أن ما ورد في التحفة خطأ واضح كما نبه عليه الشيخ البطاشي في إتحاف الأعيان، وبعد الرجوع إلى إتحاف الأعيان وجدتُ تصويب شيخنا الخليلي لتحقيق الشيخ البطاشي في القضية حيث يقول هناك: ". . وكل ما ذكره الشيخ وجدته صحيحا، وقد كان في نفسي من بعض ذلك، من قبل أن أطلع على هذا التحرير، فالحمد لله على توارد الخواطر وهو تعالى ولي التوفيق، حرره العبد أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي بيده، الله بتاريخ 17 ربيع الا الآخر 1417 هـ "، والعلم عند الله تعالى. يُنظر:
القنوبي، جلسة المراجعة بمنزل فضيلته - ليلة الأربعاء 28 ذو القعدة 1432 هـ، الموافق 26/ 2011/10 م.
السالمي،
تحفة الأعيان ج 1 ص 306.
البطاشي، إتحاف الأعيان ج 1 ص 551 - 566.
اليحمدي بدر بن هلال مقدمة تحقيق ديوان الإمام الحضرمي ص 29 - 32.
(2) ـ قال النووي في شرحه للحديث: "يَفْرَك بِفَتْحِ الْيَاء وَالرَّاءِ وَإِسْكَانَ الْفَاء بَيْنهمَا قَالَ أَهْلَ اللَّغَةِ فَرِكَهُ بِكَسْرِ الرَّاء
يَفْرُكُهُ إِذَا أَبْغَضه (وَالْفَرْك) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَإِسْكَانَ الرَّاءِ الْبُغْضَ". (1/48)
صفحة 49
المعلممن
لمعتصم في عيد الم
کاج
49
الأَسَاسُ السَّادِسُ البكارَةُ:
1
حث الشرع الإسلامي استحبابا وندبا لمريد الزواج لا سيما ممن لم يسبق له أن تزوج من قبل أن يقترن بالأبكار من الفتيات وهن اللاتي لم يسبق لهن الزواج أيضا -؛ ذلك لأن الزواج بالفتاة البكر التي ليس لها عهد بالرجال ولا بمعافسة الأزواج والعيال أدعى إلى طاعة الزوجة لزوجها، وإلى تقوية المودة والمحبة بين الطرفين؛ ف "لكل جديد لذة (1). "
بالإضافة إلى أن الخصوبة الجنسية والرغبة في الملاطفة والمداعبة الزوجية بحسن القول والفعل تكون أكثر عند الفتاة البكر منها عند الثيب؛ فقد قال جابر بن عبد الله الرسول الله يومًا: "إِنِّي حَدِيثُ عَهْدِ بعُرْسِ، قَالَ: أَتَزَوَّجْتَ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ:
أَبِكْرًا أَمْ ثَيِّبا؟ قَالَ قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبًا، قَالَ: فَهَلاً بِكْرًا تُلاعِبُهَا وَتُلاعْبُكَ (2).
وفي حديث آخر عنه عليه أزكى الصلاة والتسليم- أنه قال: "تَزَوَّجُوا الأَبْكَارَ، فَإِنَّهُنَّ أَعَذَبُ أَفْوَاهَا، وَأَنْتَقُ أَرْحَامًا، وَأَرْضَى بِالْيَسِير "
مسلم، باب: الْوَصيَّة بالنِّسَاءِ، رقم الحديث 2672.
(1)
- اقتباس جرى مجرى المثل من بيت أبي العلاء المعري: لِكُلِّ جَدِيد لةٌ غَيْر الى
***
رَأَيْتُ جَدِيدَ المَوْتِ غَيْرَ لَذِيذ
الجدير بالذكر أن المعري هذا قد اتهم في عقيدته بـ"البرهمية" الهندية؛ لأنه لم يكن يأكل ذوات الأرواح، وحرم على نفسه الزواج وعده جناية من الآباء على من يُخلّفون من الأبناء!! حتى أمر أن يكتب على قبره عند دفنه:
(2)
هذا ما جناه أبي علي
***
يت علـ
درويش، الأدب والنصوص: منهج الصف الثاني الثانوي معاهد العلوم الإسلامية ص 42.
- البخاري بَاب: تَسْتَحدُّ الْمُغيبَةُ وَتَمْتَشطُ الشَّعَثَةُ، رقم الحديث 4846.
(3) - الطبراني، المعجم الكبير، رقم الحديث 10096. (1/49)
صفحة 50
المعتصم في فقه النكاح.
المعلممم
إلا أن ذلك كله لا يعني العزوف عن الثيبات لا سيما إن كان ذلك لتغليب كأن يتزوج الرجلُ الثيب من أجل أن يكفلها بنفسها، أو يكفل
مصلحة راجحة
ويؤوي أولادها الأيتام خشية أن يضيعوا مثلا، أو من أجل أن تقوم هي بشؤون أبنائه
من
وبناته الذين فقدوا أمهم أو أخواته اللاتي فقدن المعيل والراعي لهن كما كان ذلك جابر له حيث أجاب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "يَا رَسُولَ اللَّهِ تُوُفِّيَ وَالِدِي أَوْ اسْتُشْهِدَ وَلِي أَخَوَاتٌ صِغَارٌ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ مِثْلَهُنَّ فَلا تُؤَدِّبُهُنَّ وَلَا تَقُومُ عَلَيْهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا لِتَقُومَ عَلَيْهِنَّ وَتُؤَدِّبَهُنَّ (1)، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على قوله وصنيعه هذا (2).
لطيفة: يروى أن رجلا من السلف استشار قوما في نكاح امرأة بكر، أو ثيب، أو ذات ربائب؟؟ فدلوه على غلام بين أيديهم كان يلعب بين الغلمان، فأتاه فأخبره مستشيرا له، فقال له الغلام ما أحببت وما أحبت، وما أحبوا، ثم ولى الغلام عنه وتركه .. فرجع الرجل إلى القوم وهو يظن أنهم مستهزئون به.
فقال لهم أرسلتموني إلى غلام صغير، يلعب بين الغلمان!! فسألوه عما أجابه الغلام، فأخبرهم بجوابه.
فقالوا له: والله لذلك أرسلناك إليه والذي أجابك: به ما أحببت وما أحبت وما أحبوا أراد بذلك: إن تزوجت البكر فالذي أحببت هي فاعلته، وإن تزوجت الثيب فالذي أحبت هي فاعلته، وإن تزوجت ذات الربائب فالذي أحبوه هي فاعلته،
والله أعلم (3).
(1) ـ البخاري بَاب: اسْتَكْذَانِ الرَّجُلِ الإِمَامَ لِقَوْلِهِ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جامع لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَذِنُوه الدور: 62 إلى آخر الآية، رقم الحديث 2745.
(2)
(2) - يُنظر:
(5)
علوان، تربية الأولاد في الإسلام ج 1 ص 35. . الخطيب، وآخرون نظام الأسرة في الإسلام ص 71.
2 - الجناوني، يحيى بن الخير. كتاب النكاح ص 21. (1/50)
صفحة 51
المعتصم في فقه النكاح
(1)
الأَساسُ السَّابِعُ النَّسْلُ وَالإِنْجَابُ):
اعلم أخي، أوزعك الله شكر نعمته أن
1
51
من مقاصد الإسلام الأصلية من
شريعة الزواج التناسل وتحصيل الذرية الصالحة التي تقوم بواجب الاستخلاف في الأرض، وتحمل أمانة هذا الدين لتبلغها للعالمين؛ ولذا جاء التصريح بهذا المقصد الأصلي في أكثر من نص شرعي تعرض لذكر الزواج؛ ففي الحديث السابق علل النبي أمره بتزوج الأبكار بأنَّهُنَّ أَعَذَبُ أَفْوَاهَا، وَأَنْتَ أَرْحَامًا "، ومعنى كونهن انتق أرحاما " أنهن أكثر استعدادا للنسل والولادة.
(2)
وفي الحديث الآخر عنه عليه الصلاة والسلام- الإشارة إلى الغاية من هذا المقصد الأصلي بعد الأمر به بقوله: "تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ (2). ومن أجل ذلك كله يستحب في الزوجة أن تكون ولادة غير عقيم، وهذا ما
يعرف بسلامة بدنها، والنظر في حال قريباتها من أم وأخوات وعمات وخالات. فائدة:: وقد استحبت العرب منذ القديم حرصا منها على نجابة الأبناء وتحصيل الذكاء وقوة النسل وحسن القدوة أن ينظر مريد الزواج في أقارب المرأة من الرجال أيضا- كأبيها الذي سيكون جد أبنائه، وإخوتها الذين سيكونون أخوال أبنائه؛ ذلك لأن الابن في الغالب - يترع في الشبه إلى الأخوال أكثر منه إلى الأعمام، ولذلك ضربوا الأمثال في عرق" "الخال" فقالوا: "عرق الحال لا ينام".
من
(1) - يقال: "أنجب الرجل" إذا جاء بولد نجيب، هكذا نصت معاجم العربية، ولذا لم يـ يصب خطأ هذا الاستعمال العربي الشهير بحجة أن الفعل "أنجب" فعل لازم بمعنى صار نجيبا، والله أعلم. يُنظر:
(2)
ابن منظور، لسان العرب مادة (نجب).
- النسائي، باب: كَرَاهِيَةً تَزْوِيجِ الْعَقِيمِ، رقم الحديث 3175.
حديث قال عنه شيخنا المحدث أبو عبد الرحمن القنوبي عافاه الله -: "حسن". يُنظر: • القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الثالث ص 24.
الخليلي، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" حلقة: 27 رمضان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 12/3 م. (1/51)
صفحة 52
52
المعتمري
المة
المعلمين
يقول الثعالبي في كتابه الرائع والقيم تمار" القلوب في المضاف والمنسوب" والأم والخال عند العرب أنزع وأشد جذبًا للولد؛ لأن الأم والأب قد يستويان في وجوه، ثم تفضل الأم الأب في وجوه بعد ذلك؛ لأن الولد ليس يخلق من ماء الأب دون ماء الأم، قال الله سبحانه وتعالى: خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ والترايب الطارق: 6 - 7، والأب إنما يقذف مثل المخطة أو البصقة ثم يعتزل أو يغيب أو يموت أو يكون حاضرا والأم منها الرحم، وهو القالب الذي ينطبع عليه الولد، وتفرغ فيه النطفة كما يفرغ الرصاص المذاب في القالب، فإذا وقع ماء الرجل وماء المرأة في القالب وفي قرار الرحم فامتزجا تشعب خلق الولد على قدر تشعب الرحم، ثم لا يغتذي إلا من دم الأم، ولا يمتص إلا من قواها، ولا يجذب إلا من الأجزاء التي فيها لطائف الأغذية، فله ذلك ما دام في جوفها، فإذا ظهر غذته بلبنها؛ ولا يشك الأطباء أن اللبن دمّ استحال عند خروجه، فهي تغذوه بدمها مرتين، وتزيد في خلقه من أجزائها دفعتين ولذلك صار حب النساء للأولاد أشد من حب الرجال .. وأنشد الأصمعي لبعض الشعراء:
سرى عرقه في القوم حتى أصابهم
***
وللخال عرق لا ينام ولا يكدي (1)
قال: ورأينا الناس يتباهون بأخوالهم (2)؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أخذ بيد سعد بن أبي وقاص: "هذا خالي، فليأت كل امرئ بخاله (3).
(1) - لا يكدي: أي لا يصادف كدية فيقف أو يتعثر.
ابن منظور، لسان العرب مادة (كدا).
(2) - الثعالبي، أبو منصور. ثمار القلوب في المضاف والمنسوب ص 281 - 283. - الترمذي، بَاب مَنَاقِبِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، رقم الحديث 3685. (1/52)
صفحة 53
المعلم
امة المعلب في عقد النكاح
فَصْلٌ فِي أُسُس اختيار الزوج
53
تعلم أخي المسلم أختي المسلمة قضى الله لك كل خير أن من حق المرأة -
1
أيضا أن يكون لها دور إيجابي في اختيار شريك حياتها، ورفيق دربها، والزوج الحاني عليها، والوالد المربي لأبنائها ..
فلها أن تراعي ما تقدم من الأسس والاعتبارات لا سيما "أساس الدين" ومدى الالتزام به والاستقامة عليه، ولا شك أن هذا الأساس هو الذي يثمر للزوجين معا سعادة الأولى والأخرى ويَجْبُرُ كماله ما يعرو الاعتبارات والأسس الأخرى من نقص وخلل، ولا كمال إلا الله وفيما أمر به ووصى عليه؛ قَالَ تَعَالَى: مَن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (النساء: 34 (1). ولذا فعلى المرأة الصالحة أن تتحرى صاحب الدين والخلق اللبيب وأن تتجنب كل التجنب الاقتران بمن يبارز الله، معصيته ويترك أمره وينتهك نهيه، فهذا لا خلاق له في الآخرة؛ يقول شيخنا الخليلي أبقاه الله -: " وما كان لامرأة مؤمنة بالله ورسوله مقيمة للصلاة مؤدية للزكاة أن تتزوج مثل هذا الزوج الذي هو أشبه بالثعبان، فاني للمرأة المسلمة أن ترضى لنفسها أن تُضاجع ثعبانا من ثعابين جهنم، والعياذ بالله (2).
(1) - يُنظر:
(2) - يُنظر:
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 41.
الخليلي، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 6 شعبان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 10/13 م.
الخليلى المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 52، 98.
الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" حلقة: 21 رمضان 1432 هـ، يوافقه 2011/ 8/21 م. الخليلي، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 4 رمضان 1422 هـ، يوافقه 2001/ 11/20 م. (1/53)
صفحة 54
54
المعتصم في فقه النكاح
المعلمين
وللمرأة كذلك أن تنظر إلى من تقدم لخطبتها والاقتران بها؛ فإنه يعجبها منه ما
يعجبه منها.
وعلى الولي أيضا أن لا يتردد في أن يرضى لمن هي تحت ولايته من بنت أو أخت من رضيته ممن تقدم لها من الصلحاء الأخيار الذي إن أحبها أمسكها بمعروف، وإن كرهها سرحها بإحسان؛ فقد قال النبي: إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلْقَهُ فَأَنْكِحُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ؟! قَالَ: إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ - ثَلَاثَ مَرَّات (1).
وفي المقابل فإن الاحتراز عند الاختيار والرضا والقبول في حق الزوجة أشد؛ لأن جانب المرأة بعد الاقتران ضعيف فيصعب عليها الخلاص، أما الزوج فيإمكانه التخلص منها وحل عقدة النكاح متى ما أراد عن طريق الطلاق (2).
ومَن غَض الطرف من الأولياء عن جانب الدِّين، وراعى حاجات أخرى في نفسه فزوج موليته رجلا فاسقا أو شارب خمر سكيرا أو مدمن مخدرات أو قاتل نفس - مثلا فقد أساء إليها وعقها وظلمها حقها، وقطع حق الرحم الذي بينهما، وضيع الأمانة التي حملها، وعرَّض نفسه لسخط الله سبحانه وعقابه (3).
(1) ـ الترمذي، بَاب مَا جَاءَ إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ فَزَوِّجُوهُ، رقم الحديث 1005.
(2) - لا تجد المرأة من الزوج خلاصا إلا عن طريق الافتداء - في أحوال استثنائية خاصة - أو رفع الضرر إلى الحاكم الشرعي، وكلها أمور عسيرة غير يسيرة وحسبك من أمرين أحلاهما مُرُّ، وفي الاحتياط بالسؤال سلفا مندوحة عن الدخول في مثل هذه المضائق، وأما التفريط والتقصير فقد يؤدي إلى سوء الاختيار وحينها لا تنفع الملامة إلا أن يقال للمرأة: "الصيف ضيعت اللبن". يُنظر:
(3) - يُنظر:
الجهضمي، من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد بن حمد الخليلي ج 1 ص 258.
البراشدي، صالح بن خلفان. التفكك الأسري ص 21 - 22.
الميداني، مجمع الأمثال ج 2 ص 68.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 99. (1/54)
صفحة 55
ات بالمعتصم في فقه النكاح
55
ولهذا فإن من انقلاب الموازين الشرعية وتجاهل الوصايا الإلهية وتبدل السئن النبوية عند كثير من الناس أنهم إذا جاءهم الخاطب يطلب يد كريمتهم فإنهم لا يراعون للدين جانبا، ولا يضعون له اعتبارا، بل يجعلون الدين آخر ما يُسأل عنه - إن سُئل عنه أصلا، وإنما يكون أول ما يُسأل عنه الخاطب عندهم هو مقدار المال الذي لديه والراتب الشهري الذي يستلمه، أو ما يحتله من منصب وجاه، أو ما يعرف عنه من حسب ونسب، ويعدون العيب في هذه الأمور عيبا فاحشا يوجب رد الخاطب وعضل المخطوبة عن الزواج، وإن تقدم بها العمر أو تطاول من غير نظر فيما يتحلى به كمال التدين واستقامة الأخلاق، وقد نسوا أو تناسوا أن الله تعالى أولى بأرزاق عباده من غيره، وقد أعطى كل أحد نصيبه الذي فيه الخيرة له، ولم يبخس
الخاطب من
أحدا حقه إِن يَكُن غَنِيَّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا لا النساء: 135 (1).
وفي الجانب المقابل نجد أولئك الأولياء مع توفر تلك الأمور التي تنصب في دائرة التفاخر والتكاثر في الأموال والأولاد فإن الخاطب يستحق أن يزوج ويقرب ولو فقد شرط التدين أساسا، فالعجب كيف أن الخلل في المال والجاه والنسب عند هؤلاء غيرُ مغتفر، وأما الخلل في الدين فيتجاوز ويغتفر فيا حسرة على العباد (2)!!
6
تفانى الناس في الفاني ضلالا
***
وما خلقوا له ولوه ظهر (3)
(T)
الجناوني، يحيى بن الخير. كتاب النكاح ص 70.
- الخليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. وقفات حول الزواج المعاصر. "مادة سمعية"، إنتاج مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية.
- الجهضمي، من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد بن حمد الخليلي ج 1 ص 255.
(3) - يُنظر: الخليلي، فتاوى النكاح ص 384. (1/55)
صفحة 56
56
المعتصم
فريدة: إن المطالع في صفحات التاريخ الإسلامي المشرقة ليقف على نماذج فريدة من التضحيات النادرة التي قام بها السلف الصالح في مضمار النكاح ومراعاة
الأسس الشرعية في الإنكاح ..
منها ذلك النموذج الرائع للتابعي الكبير سعيد بن الكبير سعيد بن المسيب القرشي أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، أتته رسل عبد الملك بن مروان الملك الأموي الخطبة ابنته للوليد ابن عبد الملك لما جعله وليا لعهده، فأغروه بالمال والعطايا الجزيلة وعرضوا عليه أن يدفعوا مهرها زنتها ذهبًا وجوهرًا، فأبى عليهم ورفض كل عروضهم وإغراء اكم، فهو
يريد تزويج ابنته من الكفء صاحب الخلق والدين لا الفجور وشرب الخمور. وهنا يقول تلميذه أبو وداعة كنت أجالس سعيد بن المسيب ففقدني أياما فلما جئته قال: أين كنت؟ قلت: توفيت أهلي فاشتغلت بها، فقال هلا أخبرتنا، فشهدناها؟ قال ثم أردت أن أقوم فقال: هل أحدثت امرأة غيرها؟ فقلت: يرحمك الله ومن يزوجني؟! وما أملك إلا در همين أو ثلاثة فقال: إن أنا فعلتُ تفعل؟ قلت: نعم، ثم حمد الله تعالى، وصلى على نبيه وزوجه علي درهمين، أو قال على ثلاثة.
:قال فقمت وما أدري ما أصنع من الفرح فصرت إلى منزلي، وجعلت أفكر فيما آخذ وأستدين وصليت المغرب، وكنت صائما فقدمت عشائي لأفطر، وكان خبزًا أو زيتًا، وإذا بالباب يقرع فقلت: من هذا؟ قال سعيد، ففكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب؛ لأنه لم ير منذ أربعين سنة إلا ما بين بيته والمسجد، فقمت وخرجت وإذا بسعيد بن المسيب، فظننت أنه قد بدا له أمر، فقلت: يا أبا محمد هلا أرسلت إلى فاتيك؟ قال: لا أنت أحق أن تؤتى، قلت: فما تأمرني؟ قال: رأيتك رجلاً عزبًا قد تزوجت فكرهت أن تبيت الليلة وحدك، وهذه امرأتك.
فإذا هي
قائمة خلفه في طوله، ثم دفعها في الباب فسقطت المرأة من الحياء
فاستوثقت من الباب، ثم صعدت إلى السطح فناديت الجيران، فجاءوني وقالوا: ما
( (1/56)
صفحة 57
ية المعتصم في فقد ال فيفة
سکاج
Ov
شأنك؟ فقلت زوجني سعيد بن المسيب اليوم ابنته وقد جاء بها على غفلة، وها هي في الدار، فتزلوا إليها، وقد بلغ أمي فجاءت وقالت وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها لك ثلاثة أيام، فأقمت ثلاثا، ثم دخلت بها، فإذا هي من أجمل النساء وأحفظهن لكتاب الله تعالى وأعلمهن بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعرفهن بحق الزوج. قال: فمكثت شهرا لا يأتيني ولا، آتيه ثم أتيته بعد شهر، وهو في حلقته، فسلمت عليه فرد علي ولم يكلمني حتى انصرف من في المسجد، ولم يبق غيري قال: ما حال ذلك الإنسان؟ قلت خيرًا يا أبا محمد على ما يحب الصديق ويكره العدو، قال: إن رابك شيء فالعصا فانصرفت إلى مترلي".
فَصْلٌ فِي الكَفَاءَةِ
اعرف أيها العزيز، جعلك الله كفوا لكل خير - أن الكفاءة هي المساواة والمماثلة بين الرجل والمرأة من بعض الجوانب، بحيث يكون كل واحد منهما أهلا للاقتران بالآخر، وتعد الكفاءة شرطا للزوم عقد الزواج لا لصحته، بمعنى أن نكاح غير الكفء ليس حراما في ذاته فيرد به النكاح، وإنما هو تقصير بالمرأة والأولياء، فيكون موقوفا على إجازتهم ورضاهم، فلو اكتشفت المرأة -مثلا- أنها زوجت برجل غير كفء لها فيحق لها في هذه الحالة أن تطلب فسخ عقد النكاح ولا يلزمها إتمامه، وكذا لا يلزم الأولياء إتمامُ النكاح إن زوجت موليتهم بغير الكفء، فإن رضوا فهو حق لهم تنازلوا عنه وتركوه (1).
وفي مقابل هذا كله فقد نهى النبي الأولياء عن أن يكونوا حجر عثرة بين من تقدم من الأكفاء وبين مولياتهم، وبين الحكمة من مخالفة ذلك بقوله: " فَتَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ
(1) - الغاربي، محمد بن راشد وآخرون. أشعة من الفقه الإسلامي، ص 220.
(1) (1/57)
صفحة 58
58
المعتصم في فقه النكاح
Maleal
بَوَارِ الْبَنَات (1)، وقوله: " ... إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيض (2)، والمعنى أن رد الأكفاء إما أن يؤدي إلى كبت الغريزة الجنسية ووقوع الأمراض النفسية عند
كل طرف، أو يؤدي إلى انفجار عظيم يفتح باب الفتن على مصراعيه فيحطم الفضيلة
وينشر الرذيلة ..
فتشتهي الزجال وهي لم تجد
فتحمل الشهوة في الصنفين
***
***
ويشتهي
النساء وهو لم يجد
على ارتكاب مفضح وشين (3)
هذا، وقد اتفق جمهور الفقهاء على اعتبار الكفاءة من قبل الزوج من حيث العموم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ كُفْقٌ فَلَا تَرُدُّوهُ، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ بَوَارِ
الْبَنَات (4).
كما اتفقوا -أيضا على ضرورة اعتبار الكفاءة في الدين، وأن المشرك ليس كفئًا للمسلمة بأي حال من الأحوال؛ لقوله: وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِن وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن تُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدُ مُؤْمِن خَيْرٌ مِّن تُشْرِكَ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أَوْلَيْكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ} البقرة: 221. كما أن الفاسق والفاجر والمحدود (1) ليس كفنًا للمرأة التقية الصالحة، قال تعالى: لخبيثَتُ لِلْخَبِيثِينَ والخَبِيثُونَ الخَبِيثَةِ والطَّيِّبَتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيبُونَ لِلطَّيِّبَت
(1) - الربيع، باب: في الأولياء، رقم الحديث 513.
(2) - الترمذي، باب: مَا جَاءَ إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ فَزَوِّجُوهُ، رقم الحديث 1004.
(3) ـ السالمي، عبد الله بن حميد. جوهر النظام ج 2 ص 263.
(4) ـ الربيع، باب: فِي الأَوْلِيَاءِ، رقم الحديث 513. (1/58)
صفحة 59
المعلم
است و المعتوب في فقه المراة
59
لِلطَّيِّبَت أَوَلَيكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيرٌ) الدورة. 26 (2).
منها:
وبعد هذا الاتفاق على الكفاءة الدينية اختلفوا في اعتبار الكفاءة في أمور عدة،
1 - الكَفَاءَةُ مِنْ حَيْثُ النَّسَبُ: ومعناه أن يكون الزوج على درجة واحدة من النسب والحسب مع الزوجة أو أعلى منها، فإن كان أقل منها في النسب عُرفًا لم يكن كفوا لها على رأي من ذهب إلى اعتبارها وهم الجمهور من أصحابنا؛ استدلالا بما جاء في مسند الربيع معلقا: الأَحْرَارُ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيد كُلُّهُمْ أَكْفَاء إِلَّا أَرْبَعَةُ: الْمَوْلَى، و الحجام، والنساج، والبقال (3).
قلتُ: وقدْ أضَافَ شَيخنا القَنُّونِيُّ - حَفَظَهُ اللهُ - عِنْدَ الْمُرَاجَعَة بخط قلمه قَولَهُ:
"وهو رأي طائفة أخرى من أهل العلم من غيرهم".
وذهب الأقل من الأصحاب إلى اعتبار الكفاءة الشرعية في الدين فقط، ولم يعتبروا الكفاءة في النسب، يقول شارح المسند الصحيح الشيخ النور السالمي -رحمة
(1) - المحدود: هو الذي أقيم عليه الحد الشرعي؛ ودليل عدم كفاءته للمرأة العفيفة قوله: (الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أو مشركة النور: 3، مع العلم أن جواز نكاح المشركات منسوخ بقوله سبحانه تعالى: (وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَتِ حَتَّى
يومن
(2) - يُنظر:
البقرة: 221. يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 158.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 149.
المنتدى الأدبي قراءات في فكر ابن بركة البهلوي، محاضرة لسماحة المفتي بعنوان: " ابن بركة والبحث العلمي "ص 26.
الخليلي، الزواج بين السنة والبدعة، محاضرة مطبوعة لدى الكاتب نسخة منها ص 10. الخليلِيُّ، برنامج: "سؤالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" حلقة: 21 رمضان 1427 هـ، يوافقه 2006/ 10/15 م.
ابن عاشور التحرير والتنوير/ تفسير الآية الكريمة.
(2) - يُنظر: الربيع، باب: في الأَوْلِيَاء، رقم الحديث 513. (1/59)
صفحة 60
60
المعتصم
المعلم
الله تعالى عليه -: "وقد اعتبر قوم الكفاءة في الدين فقط، ونقل ذلك عن عمر وابن
مسعود ومحمد بن سيرين وعمر بن عبد العزيز "
وإلى هذا الرأي أيضا ذهب الشيخان المحققان الخليلي والقنوبي -أبقاها الله
وقد سمعت شيخنا أبا عبد الرحمن القنوبي ينسب هذا الرأي -أيضا إلى أبي معاوية
عزان بن الصقر رحم الله
هي
من
أصحابنا المتقدمين (2).
يقول المحقق القنوبي: " .. والذي يظهر لي - والله تعالى أعلم- أن الكفاءة المعتبرة كفاءة الدين؛ وذلك للآيات القرآنية الكثيرة والأحاديث النبوية الوفيرة الدالة على أنه لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بتقوى الله سبحانه .. ولم يات دليل صحيح يدل على خلاف ذلك، وما روي عنه من اعتبار الكفاءة النسبية لم يثبت من طريق تقوم بها حجة؛ وذلك لأن بعضها منقطع الإسناد وبعضها ضعيف الرجال، والله تعالى أعلم "
قلتُ: وقدْ أَضَافَ شَيخنا القَنُّونِيُّ - حَفَظَهُ الله - عنْدَ الْمُرَاجَعَة بخط قلمه قَولَهُ: "وقد ثبت ثبوتا لا ريب فيه أن بعض الموالي من الصحابة قد تزوج من غير الموالي بأمر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم، وأقر بعض الصحابة على ذلك".
وعلى كل حال فقد أيد النافون لاشتراط كفاءة النسب رأيهم هذا بأمور عدة:
(1) - السالمي عبد الله بن حميد. شرح الجامع الصحيح ج 3 ص 12.
(2)
(2) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح / بحث: من قضايا الزواج ص 417.
الخليلي، وقفات حول الزواج المعاصر. مادة سمعية، إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية. القنوبي، دروس صيف 1423 هـ، 2002 م، "مذكرة خاصة "ص 76.
القنوبي، دروس صيف 1424 هـ، 2003 م، "مذكرة خاصة" ص 48. القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقه: 7 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/2 م.
(3) - القنوبِي سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك. بحوث ورسائل وفتاوى القسم الأول ص 52. (1/60)
صفحة 61
المعلمين
بالمعتصم في في فقه النكاح
Imp-
D
أولاً: أن ميزان التفاضل والكرامة عند الله تعالى بين الناس المختلفين في أجناسهم وشعوبهم وقبائلهم لا يكون إلا بالتقوى وحدها وإلا فهم فيما عدا ذلك متساوون كأسنان المشط الواحد لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، وكلهم لآدم وآدم من تراب يقول شيخنا المفتي -يحفظه الله - في هذا المقام: ". فإن العبرة بالاستقامة على التقوى لا بالأنساب والأحساب؛ فالله تعالى يقول: ياتها النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَابِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ القنكُم الحجرات: 13 (1)، ومن روائع الإمام السالمي –غفر الله له في "جوهر النظام"
قوله:
أكرمكم بالنص أتقاكم فلا
(1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 47 - 49.
***
تنظر إلى تعظيمهم للسفَلا (2)
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقة: 17 ذو الحجة 1427 هـ، يوافقه 2007/ 01/07 م.
(2) - لطائف: قال الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري أحد المعلقين على كتاب جوهر النظام: "قوله (للسُّفَلا) جمع سافل وهو الرجل الخسيس الدين، وقد حضرت مجلسا حافلا ببلدنا الحمراء أيام زارها نور الدين العلامة المصنف، وأنا صبي لم أبلغ الحلم، فاستدعى أن يُحضر له قاموس اللغة لمطالعة هذا الجمع وهو يقرأ هذا البيت فحفظته من لسانه، فوجد له وجها فحمد الله، وذلك في سنة 1330 هـ". يُنظر: السالمي عبد الله بن حميد. جوهر النظام ج 1 ص 215.
قلت: وكنت في مسودة المراجعة لهذا الكتاب قد وصفت في هذه الحاشية أرجوزة جوهر النظام بـ"قرآن الأثر"، فالتقى بي يوما سماحة الشيخ العلامة الخليلي وكان قد زارنا ولاية وادي المعاول وبصحبته الشيخ فرحات الجعبيري لافتتاح جامع الشيخ سيف بن راشد المعولي فالتفت إلي وقال: هناك عبارة في كتابك أتمنى أن تقوم بحذفها، وذكر هذا الوصف قرآن" الأثر"، وقال بأنه لا يمكن أن يوصف كلام أي أحد من الخلق بأنه قرآن حتى كلام النبي المعصوم، فاعتذرت لنفسي عنده بمتابعة بعض العلماء المتقدمين في إطلاق هذا الوصف على بعض كتب الأصحاب كجامع ابن جعفر كما فعل ذلك الشيخ البطاشي في "إتحاف الأعيان"، فقال: "لعل ذلك تجوز، وليس كل أحد يفهم التجوز، وكتابك هذا يقرؤه العالم والجاهل والموافق والمخالف"، فوجب الحذر. (1/61)
صفحة 62
62
المعتصم
anted!
ثانيًا: أن الله جعل جواز نكاح المشركات وإنكاح المشركين مقيدا بغاية الإيمان دون اعتبار أي قيد آخر من جنس أو لون فتدخل بذلك جميع الأجناس تحت مظلة المساواة والمكافأة؛ قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنُ وَلَامَهُ
مؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا)
221
البقرة:
ثالثًا: أن حديث الأكفاء الوارد عند الربيع معلق، أي أن الربيع -عفا الله تعالى عنه - رفعه إلى النبي من غير إسناد، والمعلق من باب الضعيف كما هو مقرر عند أهل الحديث؛ لفقده أحد شروط الصحة وهو اتصال السند، إضافة إلى أن هذا الحديث لم يرد متصلا من طرق أخرى، بل الظاهر أنه لم يرو حتى عند غير الربيع؛ فهو مما تفرد به الله من الأحاديث، يقول الإمام السالمي الله في شرحه الحافل على المسند: " الحديث أيضا مرسل عند المُصنّف ولم أجده عند غيره، فكأنه مما تفرد صل الله (1)، وقد أبى الله العصمة لكتاب إلا لكتابه ولشخص إلا لرسوله).
به" (1)،
التوفيق.
هذا، وقد طلب مني بعض أساتذتي الأعزاء ذكر هذا الحوار، لاسيما ما ورد في آخره، وقال: حسبها شهادة، وبالله
قلت: ولم يفت هذا النظر البعيد أيضا شيخنا القنوبي -حفظه الله -، فقد طلب مني أثناء المراجعة حذفها أيضا، كما اتفق معهم في هذا النظر الشيخ الدكتور كهلان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة؛ قطعا لشأفة الفساد وسدا لذرائعه، وتلك رؤية قلوب العارفين، والحمد الله يُنظر:
(1)
الخليلي، لقاء المؤلف بسماحته في زيارة له لولاية وادي المعاول بمناسبة افتتاح جامع الشيخ سيف بن راشد المعولي، بتاريخ: 16 ذو القعدة 1432 هـ، الموافق له 14 أكتوبر 2011 م.
الفنوبي، جلسة المراجعة بمترل فضيلته - ليلة الأربعاء 28 ذو القعدة 1432 هـ، الموافق 26/ 2011/10 م. الخروصي، إجابة على أسئلة شفهية. الأحد 10 ذو الحجة 1432 هـ، يوافقه 6/ 11 / 2011 م. . البطاشي، إتحاف الأعيان ج 1 ص 271.
- السالمي عبد الله بن حميد. شرح الجامع الصحيح ج 3 ص 11.
(2) - يُنظر: (1/62)
صفحة 63
المعلممر
است بالمعتصم في فقه النكا
63
قلتُ: وقدْ أَضَافَ شَيخنا القَنُّوبُيُّ -حَفظَهُ الله - عندَ المُرَاجَعَة بخط قلمه قَولَهُ:
الصحيح أنه معلق، ويمكن أن يعد منقطعا؛ لأنه سقط منه ثلاثة رواة".
رابعًا: أن حديث الأكفاء هذا معارض بصحيح السنة القولية والعملية والتقريرية
التي أثبتت الكفاءة في الدين ولم تنظر للكفاءة فيما عداه كالنسب)
فأما السُّنةُ القولية: فهي النص على جعل الدين والخلق فقط هما المعيار في القبول والرفض؛ فقد قال عليه أزكى الصلاة والتسليم للشبان: " .. فَاطْفَرْ بذَاتِ
الدِّينِ تَربَتْ يَدَاكَ (2)، وقال مخاطبا أولياء النساء: " إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْ رْضَوْنَ دِينَهُ وَحُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ (3)، يقول العلامة
المحقق الخليلي - يحفظه الرحمن - معلقا على هذا الحديث: " ومعنى ذلك أن الزواج
(4)
مرهون بارتضاء الدِّين والخلق" ا، ومن ذلك أيضا- أمر النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس القرشية بعد أن حلت من طلاق زوجها السابق بقوله: "الكحي أُسَامَةَ بْنَ زَيْد " مرتين، وكان أسامة مولى للنبي، قَالَتْ فاطمة: فَنَكَحْتُهُ فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا فَاغْتَبَطْتُ
به (ه)
(1) - القنوبي
القنوبي، دروس في أصول الفقه / صيف 2002 م الموافق 1423 هـ. (مذكرة خاصة ص 100).
القنوبي، دروس صيف 1423 هـ، 2002 م، "مذكرة خاصة" ص 76.
القنوبي، دروس صيف 1424 هـ، 2003 م، "مذكرة خاصة" ص 48.
سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك. دروس صيف 1425 هـ، 2004 م، "مذكرة خاصة" ص 9.
البخاري، باب: الأَكْفَاءِ فِي الدِّينِ، وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهرا له الفرقان: 54،
رقم الحديث 4700.
الترمذي، باب مَا جَاءَ إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ فَزَوِّجُوهُ، رقم الحديث 1004.
(4) - يُنظر:
(3)
،
الخليلي، في الخطبة والزواج. " محاضرة مطبوعة لدى الكاتب نسخة منها ص 3. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذكر" حلقة: 27 جمادى الثانية 1430 هـ، يوافقه 2009/ 6/21 م.
،
2 - الربيع، بَابٌ فِي الْخُلْعِ والنَّفَقَة، رقم الحديث 532. (1/63)
صفحة 64
64
في فقه المكان است.
المعتصم في
وأما السنة الفعلية: فهي أن رسول الله قد زوج ابنة عمته زينب بت جحش القرشية بزيد بن حارثة بعد أن امتنعت وامتنع أخوها من تزويجها لنسبها القرشي، وكان زيد بن حارثة مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا، وكفى شاهدا على هذا الزواج وتقرير صحته ما أنزله الله تعالى فيهم من قوله في سورة الأحزاب: {وَمَا كَانَ لمُؤْمِنِ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينا (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكَ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ الله الأحزاب: 36 - 37.
وأما التقرير من السنة النبوية: فهو أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة من أشراف قريش وساداتها زوج مولاه سالما بابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة (1) كما تزوج مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلال بن رباح الحبشي أخت عبد الرحمن بن عوف (2)، وتزوج المقداد بن الأسود ابنة عم النبي ضباعة ابنة الزبير بن عبد المطلب الهاشمية القرشية أجمعين (3)، وكان ذلك في عصر الرسالة
وهو دونها في النسب -رضي
الله
عنهم
الزاهرة، ومن غير نكير من المصطفى؛ فكان إقرارا (4).
(1) – البخاري، باب: الأَكْفَاء فِي الدِّينِ وَقَوْلُهُ: {وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرَا الفرقان: 454
رقم الحديث 4698.
(2) - الدارقطني، السنن، باب: المهر، رقم الحديث 3841.
(3) - البخاري بَاب الأَكْفَاءِ فِي الدِّينِ وَقَوْلُهُ: وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهر الفرقان: 454
رقم الحديث 4698.
(4) - القنوبِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبرُوك. دروس صيف 1423 هـ، 2002 م، "مذكرة خاصة"ص 76. (1/64)
صفحة 65
المعلم
من المعتصم في فيه الفكرة
70
يقول شيخنا المحدث القنوبي رعاه الله -: "ولم يأت دليل صحيح على خلاف
ذلك، وما روي عنه من اعتبار الكفاءة النسبية لم يثبت من طريق تقوم بها حجة؛ لأن بعضها منقطع الأسباب وبعضها ضعيف الرجال (1).
إذ ليس للأنساب ها هنا محل
***
بل حالة التقوى تراعى أن تحل (2)
2 - الكَفَاءَةُ مِنْ حَيْثُ المهْنَةُ:
ويقال فيها ما قيل فيما تقدم من اعتبار الكفاءة الدينية فحسب، فلا يمنع أن يتزوج بقال أو نساج أو حجام أو حطاب أو صاحب أي حرفة مباحة شرعا بامرأة شريفة ما دام مستقيما على أمر دينه يكسب ماله من العمل الحلال وينفقه في الموضع الحلال، فقد روى أبو هريرة الله أَنْ أَبَا هِنْد حَجَمَ النَّبِيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ: " يَا بَنِي بياضة الكحُوا أَبَا هند وأَنْكَحُوا إِلَيْهِ (3)، وكان أبو هند مولى وحجاما.
3 - الكَفَاءَةُ مِنْ حَيْثُ المُسْتَوَى التَّعْلِيمِيُّ:
ينادي كثير من الناس بوجوب أن يكون الزوجان متوافقين من حيث المستوى التعليمي أو الشهادة الدراسية؛ إلا أن هذا الأمر ليس له مستند من الشرع يؤدي إلى فسخ النكاح في حال عدم تحققه ما لم يكن هنالك تغرير أو تزوير ..
وإنما هو من الأمور التي تدخل ضمن الرغبات الشخصية لكل طرف، فربما يرغب رجل في الاقتران -مثلا- بالمرأة متوسطة الثقافة التي يكتفي منها أن تربي أبناءه
(1) - القنوبِي، سَعِيدُ بنُ مَبرُوك. فتوى خطية مكتوبة.
الله (2) - السالمي، عبد
-
بن حميد. جوهر النظام ج 3 ص 190.
جاء في "عون المعبود على سنن أبي داود" شرحا للحديث: (أَنْكِحُوا أبا هند: أَيْ زَوِّجُوهُ بَنَاتِكُمْ، (وَأَنْكِحُوا
إِلَيْهِ) أَيْ أخطُبُوا إِلَيْهِ بَنَاتِه، وَلَا تُخْرِجُوهُ مِنْكُمْ لِلْحِجَامَةِ.
أبو داود، باب: في الأكفاء، رقم الحديث 1798. (1/65)
صفحة 66
77
المعتصم في عقد النكات الية
تحمل
وتدير شؤون منزله حسب ما يريد بينما يرغب آخر في المرأة عالية الثقافة التي ت الشهادات الجامعية العليا؛ لأنها الأقدر حسب نظره على فهمه وعلى التكيف مع
مستجدات العصر، والأخبر بوسائل التربية والتعليم الحديثة ..
وبالجملة فإن هذا -كما قلنا- لا يدخل في مسألة الكفاءة الشرعية على المعتصم عند شيخنا مفخرة العصر الخليلي -حفظه الله-، وبذا فالأمي يكون كفا للعالم، والعالم كفء للأمي أيضا، ولذلك شواهد من التاريخ الإسلامي، فكم من عالم اقترن بامرأة أمية صارا مثلا للنجاح في حياتهما وفي إخراج الأبناء الصالحين والقادة المصلحين .. (1)
4 - الكَفَاءَةُ مِنْ حَيْثُ السِّنُ:
ويقال فيها أيضا ما قيل من أن الأصل في الكفاءة شرعا هو اعتبار الكفاءة الدينية، فلا يشترط للنكاح اتحاد السن أو تقاربه بين الزوجين الذكر والأنثى، بل الدليل الشرعي دل على خلاف ذلك، وهو زواج النبي بالسيدة خديجة بنت خويلد وهي أسن منه، فقد كان عمره -عليه الصلاة والسلام- -عليه الصلاة والسلام- خمسة وعشرين عاما وكان عمرها أربعين عامًا كما قيل، ومع ذلك لم يؤثر هذا الفارق العمري بينهما شيئا، بل كانت أحظى نسائه وأحبهن إليه وظلت في قلبه إلى أن فارق الحياة ولحق بالرفيق الأعلى -صلوات الله وسلامه عليه، ولم يبدله الله خيرا منها، يقول سماحته - حفظه الله -: " هذا دليل على أن الفارق في السن لا يكون سببًا لمشكلة بين
الزوجين "
(1) - يُنظر:
(2)
الخليلي، في الخطبة والزواج. " محاضرة مطبوعة، لدى الكاتب نسخة منها ص 16. الخليلي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقه 23 رمضان 1432 هـ، يوافقه 2011/ 8/23 م.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 49.
الخليلى، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 31، 49.
(2) - يُنظر: (1/66)
صفحة 67
المعلمين
فيقة الشبكة
المعتصم في فقه النكاح
67
إلا أن الفارق السني بينهما إن كان شاسعا جدا، بحيث تكون الفتاة لم تصل العشرين بعد مثلا، وهو قد جاوز الخمسين أو الستين فهاهنا ينبغي المراعاة من حيث السن؛ لأنه قد يكون في تزويجها بهذا الرجل ظلما لها وتفويتا لكثير من الحقوق المشروعة لها (1).
ولهذا نجد في حكم العرب قولهم: " إِذَا بَلَغَ الرَّجُلُ السِّيِّينَ، فَإِيَّاهُ وَإِيَّا الشَّوَاب (2)، وليس للكفاءة والاعتبار هنا تحديد بسن معين، ولكن الرجل الحكيم والولي الناصح يدركه بحكمته عندما ينظر في حال المتقدم، والله ولي التوفيق.
-5 - الكَفَاءَةُ مِنْ حَيْثُ الصَّحَةُ:
ليس للكفاءة
من حيث الصحة والمرض اعتبار في صحة عقد الزواج، فللرجل
أن يتزوج المرأة المعُوْقَة (3) أو المكفوفة أو المريضة أو حتى المجنونة إن رضيها له زوجة
(1) - يُنظر:
الأصبهاني، أبو نعيم. معرفة الصحابة، ترجمة: خديجة بنت خويلد بن أسد. الخليلي، في الخطبة والزواج. " محاضرة مطبوعة، لدى الكاتب نسخة منها ص 4.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 49.
الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 28 ربيع الثاني 1424 هـ، يوافقه 2003/ 6/5 م.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 141.
السباعي، المرأة بين الفقه والقانون ص 54.
ابن منظور، لسان العرب مادة (أيا).
(3) - فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: يجوز في هذا اللفظ أن يقال "المعوق" بتخفيف الواو من الفعل "عاقه" المتعدي بذاته، ويجوز أن يقال "المعوق" بتشديد الواو من الفعل "عوقه" المتعدي بالتضعيف، أما "معاق" فليس له أصل في لغة العرب؛ لأنه لم يرد الفعل متعديا بهمزة التعدية، فلا يقال "أعاقه". يُنظر:
الخليلي، أنت تسأل والمفتي يجيب / الشريط الأول. إنتاج مكتبة وتسجيلات مشارق الأنوار.
الفراهيدي العين باب العين والقاف، مادة (ع و ق).
الفيومي، المصباح المنير، مادة (ع و ق). (1/67)
صفحة 68
68
التـ
المعتصم في فقه ال
adikal
وحليلة (1)، كما أن للمرأة أن تتزوج الرجل المعوق أو المكفوف أو المريض أو الأعرج الله إن كانت تعلم بما ابتلاه من عاهة ومرض ورضيته لها زوجا، فالمريض والمعوق كفؤ لغير المريضة، بل لها عظيم الأجر والثواب عند الله إن كانت محتسبة إعانته ومداواته والقيام بشؤونه، وهكذا الشأن بالنسبة للرجل.
التي هي
يقول شيخنا العلامة القدوة الخليلي -حفظه الله تعالى-: " .. فالذي يتزوج المرأة فاقدة البصر لا ريب أنه يجمع بين أجر الزواج لإعفاف نفسه وأجر الإحسان إلى تلك المرأة التي يرعاها ويقضي مصالحها ويلبي حاجاتها ويشبع غريزتها ويروي عاطفتها (2)
نعم يمكن مراعاة جانب الصحة عند الاختيار في حال تلبس أحد الخطيبين بشيء من الأمراض المعدية، أو الأمراض التي يمكن أن تنتقل إلى الذرية، كما تكشفه الفحوصات الطبية قبل عقد الزواج.
فتوى
السؤال/ بعض الأُسَر ترفُضُ أنْ تُزوّج المَعُوق نظرا إلى أنَّه رَبَّما يُشكّل مشكلة بالنسبة للبنت في المستقبل دون استشارتها، وهو على أي حال يطلب منكم
النصيحة.
الجَوَابُ على أي حال؛ نَحن ندعو النَّاس إلى أنْ لا يَجْعَلُوا من هذه الإصابات التي يَبْتَلِي بِها الله -تعالى- مَن يَشَاء من عباده عائقا ومانعا دون تزويجهم، فالعمياء يَتَزَوَّجُها البصير، والأَعْمَى يتزوَّج البَصيرة وهكذا .. إنَّما يُعتبر التَّقوى قبل كل شيء،
الخَلِيلِيُّ، أَحَمَدُ بنُ حَمَدٍ. برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ " - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 2002/ 5/12 م. (2) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَدٍ. برنامج: سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ " تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 23 رمضان 1429 هـ،
يوافقه 2008/ 9/24 م. (1/68)
صفحة 69
adid
الله
بالمعتصم في فقه التكار
54
ثم بجانب هذا أيضا لا بد من مُراعاة شُعُور المرأة فلا تكلف أن تتزوج من لا
تُريده إنَّما تَتزوج مَن تُرِيدُه؛ والله -تعالى- أعلم).
تنبيه مهم: بعد هذا الحديث المفصل حول أسس اختيار الزوج والزوجة والكفاءة المعتبرة في الشرع فإننا نقرر هنا اشتراط الرضا من كل طرف بالطرف الآخر، فقد يتقدم للمرأة الرجل المتدين الذي اجتمعت فيه محاس الأسس والكفاءة بجميع اعتباراتها إلا أن نفس المرأة لا ترغب فيه، فلا تجبر على الزواج به من قبل وليها أو أمها أو أي أحد من أقاربها.
وكذا بالنسبة للشاب لا ينبغي لأبويه أو من يحيط به أن يلزمه الزواج بامرأة رغبت عنها نفسه؛ وما ذلك إلا لأن الله الخالق الله قد جعل الناس طبائع وأذواقا، فقد يستحسن المرء رجلا أو امرأة - شيئا لا يستحسنه، غيره، كما قد لا يروق لنفسه شيء يستحسنه كل أترابه، وهذا من حكمة الله في الخلق {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ له مود: 118 (2).
وفي الجانب المقابل فإننا وإن قلنا بأن الكفاءة المعتبرة شرعا هي في الدين
يعتبر
ما
والاستقامة والتقوى، فإن للمرء رجلا أو امرأة مع تحقق الكفاءة الدينية أن شاء من الأسس الأخرى ويغض الطرف عما شاء أيضا لحاجة في نفسه أو مراعاة الأعراف مجتمعه وما رآه المسلمون حسنًا فهو عندَ الله حسن. والحاصل من كل ذلك أن صرح الحياة يبدأ تشييد بنيانه ورفع قواعده باجتماع الاستحسان الكامل والاقتناع التام من قبل كل طرف بالطرف الآخر حتى يحصل السكن وتعظم المودة والرحمة بينهما؛ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ لا الروم:
(1) - 2 - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. برنامج: "سُؤَالُ أَهْل الذِّكْرِ" - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 2002/ 5/12 م. - الخَلِيلِيُّ، أَحَمدُ بنُ حَمَد. المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 27.
(2) (1/69)
صفحة 70
المعتصم في فقه النكاة النامي
فَتْوَى
السُّؤَالُ/ هل هنالك فروق اجتماعية معتبرة شرعا في الزواج أم أنّ الأمر يعتمد فقط على حصول التقوى من الطرفين؟
الجَوَابُ على كل حال؛ الميزان الذي يتفاضل به الناس تقوى الله سبحانه .. الله -تبارك وتعالى- يقول مبينا فضل التقوى على غيره: يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَهُ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْتَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ الحجرات: 13، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: " إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ (1)، ويقول: " .. فَاظْهَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَربَتْ يَدَاكَ " (2)، أما بقية الأمور فهذه أمور تعود إلى الأعراف الاجتماعية، ليست هي من صميم الدين، وإنما هي من
13
الأعراف الاجتماعية، والله أعلم (3).
(1) - ابن ماجه، باب: الأكفاء، رقم الحديث 1957.
(2) - البخاري بَاب الأَكْفَاءِ فِي الدِّينِ، وَقَوْلُهُ: {وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهر الفرقان: 154
رقم الحديث 4700.
- الخليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد برنامج: "سؤال أهل الذكر"، حلقة: 27 جمادى الأولى 1424 هـ، يوافقه 2003/ 7/27 م. (1/70)
صفحة 71
ي المعتصم في فقه الفكرة
71
البَابُ الثَّالِثُ: في الخِطْبَةِ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لله عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:
تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَع: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا؛ فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرَبَتْ
يداك (1)
لَمَّا كان عقد الزواج من أخطر العقود لأنه ربط مصير بمصير؛ فهو عقد على الحياة، فيه من التكاليف والالتزامات ما ليس في غيره وتترتب عليه الآثار العديدة والكثيرة، كثبوت النسب وحرمة المصاهرة وغير ذلك زادت عناية الشارع به، فجعل له مقدمة نظمها وبين أحكامها تسمى بـ "الخطبة" ليكون كل طرف على بينة تامة الطرف الآخر من الناحيتين الخَلْقية والخُلُقية، ويتحقق لهما بتمام هذه الخطبة وتمام هذا العقد الراحة البيتية والسعادة الأسرية.
هي
فَصْلٌ فِي تَعْرِيفِ الخِطْبَةِ
من
تعلم أيها القارئ العربي المبين، علمك الله البيان أن "الخطبة" بالكسر في اللغة
مصدر للفعل الثلاثي: خطب، يخطب، خطبةً،
وهذه هي مقدمة الزواج. وأما الخطبة -بالضم - فهي أيضا مصدر للفعل خطب، يخطب، خطبة
إلقاء الكلام، عموما، سواء عند عقد النكاح، أو عند المواعظ على أعواد المنابر كخطب الجمعة والعيدين وغيرها (2).
(1) - البخاري، باب: الأَكْفَاءِ فِي الدِّينِ، وَقَوْلُهُ: {وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِها الفرقان: 4 5،
رقم الحديث 4700.
(2)
- النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج ج 9 ص 198. (1/71)
صفحة 72
72
المعلممر
والخطبة في الاصطلاح الشرعي هي: طلب الرجل التزوج بامرأة معينة خالية من
الموانع الشرعية (1).
وأما
وسيأتي ما يتعلق بالموانع الشرعية للزواج في الأبواب القادمة بعون الله، قولنا قبل ذلك بأن الخطبة هي: "طلب الرجل التزوج بامرأة" فلنا فيه هذا التنبيه المهم،
فتفطن ..
تنبية مهم: قولنا في تعريف الخطبة بأنها هي طلب الرجل التزوج بامرأة" جرى مجرى الأغلب المعتاد من أحوال الناس وهو أن المبادرة بطلب النكاح تكون من جهة الرجل أوَّلاً؛ لكونه هو صاحب القوامة والمتحمل لكل التكاليف، ولكن هذا لا ينفي جواز العكس شرعا ..
فلا بأس أن يسعى ولي المرأة في البحث عن الرجل الصالح لمن هي تحت ولايته كابنته أو أخته مثلا فيعرضها عليه ويخطبه لها ويذكر له من محاسنها الدينية والدنيوية ما يرغبه فيها، والدليل على جواز ذلك ومشروعيته إقرار النبي صلى الله عليه وسلم فعل عمر حينما تأيمت ابنته حفصة بعد وفاة زوجها، حيث يقول عمر: فَأَتَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَفْصَةَ، فَقَالَ: سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي، فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ ثُمَّ لَقِيَنِي فَقَالَ: قَدْ بَدَا لِي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذَا، قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ، فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ زَوَّجْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، فَصَمَتَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا .. فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ ثُمَّ خَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ (2).
بل لا بأس على المرأة شرعا من أن تعرض نفسها لمن تراه كفئًا لها من الرجال خلال ولي تُعرض عنده أو رسول تبعثه لمن تريده، كما حكى الله عل الصالحين من
(1) - الغندور، الأحوال الشخصية في التشريع الإسلامي ص 45.
(1) - البخاري، باب: عَرْضِ الإِنْسَانِ ابْنَتَهُ أَوْ أَخْتَهُ عَلَى أَهْلِ الْخَيْرِ، رقم الحديث 4728. (1/72)
صفحة 73
73
عن إحدى ابنتي الرجل الصالح عليه السلام- أنها قالت لأبيها معرضة برغبتها في سيدنا موسى عليه السلام - لَمَّا أن رأت من قوته البدنية وأمانته الدينية ما رأت:
يَتَأَبَتِ اسْتَعْجِرْةُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَعْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ - القصص: 26 ففهم أبوها مرادها فخطب لها موسي قائلا له: إنّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَى هَدَتَيْنِ
ملے
عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَنى حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشْقَ
عَلَيْكَ سَتَجِدُنى إن شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّلِحِينَ ال القصص: 27، فقبل موسى
27
عليه السلام العرض، وقام بالمطلوب خير قيام، وتم بينهما عقد الزواج
—
ومن الدليل المشرّع لذلك أيضا إقرار النبي عليه الصلاة والسلام- فعل
الواهبة نفسها حينما عرضت نفسها للنبي)، وكذا عرض السيدة خديجة بنت خويلد نفسها للنبي بعد مقدمه من الشام في تجارتها التي جاءها بضعف ما كانت تكسبه في سابق رحلاتها من الأرباح مع ما حدثها به غلامُها مَيْسَرَةُ رفيق رسول الله لي في هذه الرحلة عن أمانته ودماثة خلقه وتيسير جميع الأمور وتذليل الصعاب لهم فعرضت عليه نفسها ليقترن بها ويخطبها فوافقها -عليه الصلاة والسلام- فتم لها ما كانت أحب نساء رسول الله إليه (3).
أرادت حتى
(1)
- يُنظر:
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 10.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقه: 23 ربيع الأول 1424 هـ، يوافقه 2003/ 5/25 م. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذكر، حلقه: 22 ربيع الأول 1429 هـ، يوافقه 2008/ 03/30 م.
(2) - النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج ج 9 ص 214.
(3) - يُنظر: الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 12. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْل الذِّكْر"، حلقه: 27 رمضان 1432 هـ، يوافقه 27/ 2011/8 م. الخليلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 23 ربيع الأول 1424 هـ، يوافقه 2003/ 5/25 م. (1/73)
صفحة 74
74
المعلمين
المعتصم في فقه النكات انتا
فلا حرج إذن في شرع الله الكامل من خطبة المرأة أو وليها للرجل الصالح بشرط ألا يترتب على ذلك شيء من الأذى أو الإضرار بأي من الطرفين، وأن تلتزم فيه المرأة طريق العرض أو التعريض المقترن بكامل الحياء وحفظ ما يطلبه الشرع لها من كرامة وإعزاز.
ولذا فلا معنى بعد ذلك كله من ترفع بعض الأولياء عن هذا الفعل وهم يرون قطار الأيام يسابق بناتهم؛ لما يرون في الإقدام عليه من إخلال بمكانتهم الاجتماعية؛ كيف لا وقد فعله أولئك الكرام ولم يخفض من شرفهم شيئا، وهم لنا القدوة أكرم
هم.
فَصْلٌ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الخِطْبَةِ
اعلم أيها الخاطب النبيه وفقك الله - أن خطبة النكاح مشروعة بنص كتاب الله تبارك وتعالى، وبنص سنة نبيه، وبالإجماع العملي القطعي من أمة محمد لدن صحابة الرسول وإلى يومنا هذا. من
ففي كتاب الله المجيد قوله: وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النساء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرا إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلَا مَعْرُوفًا - البقرة: 135، فقد نفى الله عن المؤمنين الإثم والجناح في التعريض بالخطبة حال عدة الوفاة، ويستفاد منه جواز التصريح بها ومشروعيتها بعد زوال هذا المانع الشرعي
(1)
البيهقي، دلائل النبوة، باب ما كان يشتغل رسول الله الله به قبل أن يتزوج خديجة، رقم الحديث 398. (1) - الخَلِيْلِيُّ، أَحمَدُ بنُ حمد. سلسلة دروس التفسير تفسير الآية رقم 235 من سورة البقرة - الدرس الأول. "مادة
سمعية"، اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية. (1/74)
صفحة 75
Maed
المعتصم في فقه التكا
سکاج
Yo
وفي السنة المطهرة قوله: "إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ كُفْر فَلَا تَرُدُّوهُ، فَتَعُوذُ بِالله مِنْ بَوَارِ الْبَنَات (1)، وقوله عليه الصلاة والسلام: " إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخَلَقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيض (2).
وأما الإجماع العملي من لدن الصحابة فله شواهده الكثيرة والوفيرة في تاريخ الإسلام والمسلمين فمنها ما تقدم ذكره من عرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان بعدما تأيمت من زوجها السابق ولم ينكروا عليه فعله هذا، ولا أنكر الخطبة أحد من السلف ولا من الخلف بل أجمعوا على القول والعمل بها (3).
فَصْلٌ فِي النَّظَرِ إِلَى الْمَخْطُوبَةِ
لما كانت الخطبة وسيلة مشروعة للتعرف على الخاطب والمخطوبة قبل الإقدام على عقد الزواج الخطير فقد حث الشارعُ الحكيمُ الخاطب أن ينظر إلى المرأة المخطوبة التي عزم على الاقتران بها جديًّا، وكذا الشأن بالنسبة لجانب المرأة شرع لها أن تنظر إلى الخاطب المتقدم لطلب الاقتران بها؛ وما ذلك إلا لأن الإسلام الذي ارتضاه دينا هو - أيضا - شريعة حياة تقوم على الصراحة والوضوح، ورفع الغرر والغش ونفي التلبيس والتدليس، والمعرفة التامة من قبل كلا طرفي العقد ..
الله لنا
ولأن النظر إلى المخطوبة أدعى إلى الإعجاب بحسنها وقبولها، وحصول الألفة بينهما؛ ويدل عليه حديث المغيرة بن شعبة أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ " اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُوْدَمَ بَيْنَكُمَا (5)، أي أجدر وأدعى أن يحصل بينكما
الوفاق والملاءمة.
()
()
- الربيع، بَابٌ: فِي الأَوْلِيَاء، رقم الحديث 513.
الترمذي، باب: مَا حَاءَ إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ فَزَوِّجُوهُ، رقم الحديث 1004. (2) - البخاري، باب: عَرْضِ الإِنْسَانِ ابْنَتَهُ أَوْ أَحْتَهُ عَلَى أَهْلِ الْخَيْرِ، رقم الحديث 4728. (4) - الخليليُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 8. (2) ـ ابن ماجه، باب: النَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَة إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، رقم الحديث 1855. (1/75)
صفحة 76
76
وافقة النّسبة المعتصم 3
المعلمين
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كُنتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: أَنظَرْتَ إِلَيْهَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَاذْهَبْ فَالقَرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الأَنْصَارِ شَيْئًا (1).
(1) ,
ويروي لنا جابر بن عبد الله بن حرام قائلا: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ الْمَرْأَةَ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ (2). والحكمة من النظر إلى المخطوبة - أيضا - هو ما تقدم الحديث حوله في الباب السابق (3) عند ذكر الأساس الثالث: "الجمال"، وهو أن الخالق الخبير جعل أن الخالق الخبير جعل الحم بالجمال وعدمه نسبيًا بين الأشخاص، فقد ينظر رجل إلى امرأة ويراها جميلة فتعجبه؛ فيتشجع للإقدام على خطبتها ثم نكاحها مهما خالفه من حوله في جمالها، وقد ينظر هو نفسه إلى امرأة أخرى ولا يراها جميلة بالنسبة له، بينما ينظر إليها الآخرون على أنها فائقة الجمال، فالناس طبائع وأذواق ..
جميع
وهذا من
أجله
لطف الله ورحمته بعباده إذ لو كان للجمال معيار واحد متفق عليه بين الناس لاقتتلوا في سبيل الوصول إلى من تحقق فيهن ذلك المعيار، ولبذلوا من النفس والنفيس، ووقع الناس من ذلك في حرج عظيم، وفي المقابل يرغبون عن غير ذلك المعيار - حتى لا يطمع فيهن أحد فتقع فتنة في الأرض وفساد الجميلات -حسب
كبير
(1)
- مسلم، باب: نَدْبِ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِ الْمَرْأَةِ وَكَفَّيْهَا لِمَنْ يُرِيدُ تَزَوَّجَهَا، 2552. قال ابن حجر عند تعرضه لذكر الحديث " في فتح الباري": " أختلف فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ شَيْئًا، فَقِيلَ: عَمَشِ، وَقِيلَ: صغر، قُلْت الثَّانِي وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة فِي مُسْتَخْرَجه فَهُوَ الْمُعْتَمَمْ". يُنظر:
ابن حجر، فتح الباري، قوله: (باب: النَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَة قَبْلَ التَّزْوِيج).
(2) ــ أبو داود، باب: فِي الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى الْمَرْأَةِ وَهُوَ يُرِيدُ تَزْوِيجَهَا، رقم الحديث 1783. (3) - يُنظر: البَابُ الثَّانِي: في أُسُسِ اخْتِيَارِ شَرِيْك الحَيَاةِ فَصْلٌ فِي أُسُسِ اخْتِيَارِ الزَّوْجَةِ. (1/76)
صفحة 77
pantant
ت
المعلم في فيه النكاح
ولنا في هذا الفصل عدة تنبيهات مهمات:
VV
التقبية الأوّل: النظر إلى المخطوبة سنة ثابتة لا شك فيها لدى طالب السنن؛ لما يكون لهذا النظر من العواقب في المستقبل؛ فإن النظر أمر له ما بعده، ولأجل ذلك فلا ينبغي للولي أن يستنكف أو يتحرج من تمكين الخاطب من حقه في النظر، وعليه أن لا يرى في هذا الأمر غضاضة، فإنه دين وعبادة، وحسبه إيمانا بقوله تعالى: {وَمَا والنكُمُ الرَّسُولُ فَخُدُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا من المدن بالا). الحشرة
التنبيه الثاني: كما يباح للخاطب أن ينظر إلى مخطوبته كذلك يباح لها هي أن تنظر إلى من جاء خاطبًا لها طالبًا ليدها لتوافق على خطبته عن رغبة ورضا؛ فإنه يعجبها منه ما يعجبه منها، والله الموفق.
التنبيه الثالث: نظر الخاطب إلى المخطوبة والعكس يمكن أن يكون مباشرة ويمكن أن يكون عن طريق الصورة الضوئية، ويشترط وجود المحرم لها إن كان هذا النظر يؤدي إلى الخلوة؛ لأن المخطوبة أجنبية منه فلا يجوز له أن يختلي بها، كما أنه لا يمكن لذلك أن يُعطى صورتها ويحتفظ بها لما لا يخفى من المفاسد الكثيرة التي يمكن أن تترتب على ذلك الصنيع.
التنبيه الرَّابع: على الرجل عندما يريد أن ينظر إلى المرأة التي تقدم لخطبتها أن يكون جادا في تقدمه، وأن يكون قاصدًا الاقترانَ بهَا فعلاً، لا أن يَكُون مُتَمعًا
بنَظَرِه إِلى مَحَاسِن النساء فَحَسب.
(1)
) - يُنظر:
الخليلي، في الخطبة والزواج. " محاضرة مطبوعة"، لدى الكاتب نسخة منها ص 8.
أبو زهرة، الأحوال الشخصية ص 209. (1/77)
صفحة 78
VA
الالمعتصم
وافقه السند
المعتصموج
ويجب أن يكون هذا النظر بمقدار الحاجة الداعية أي بقصد التعرف المشروع، لا أن يكون نظرا بشهوة أو بتلذذ أبدا، والله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور). التَّنْبيه الخامس: اختلف العلماء في مقدار ما يجوز أن ينظر إليه الخاطب من مخطوبته، فمنهم الموسع ومنهم المضيق، والمعتمد عند الشيخين الخليلي والقنوبي - حفظهما الله تعالى أنه يجوز له أن ينظر منها إلى الوجه والكفين فقط.
وهذا هو القدر المجمع على جواز النظر إليه بين العلماء، ويبقى ما عدا ذلك على أصل المنع؛ قال الله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا السورة 31، و"ما ظهر منها هو الوجه والكفان، فلا يباح للخاطب النظر إلى ما عدا ذلك مما هو عورة يجب عليها ستره عن الأجانب، والخاطب هو لا يزال في حقيقة الواقع رجلا أجنبيًا عن المرأة المخطوبة (2)، فيحمل عموم النظر المرغب فيه في أحاديث نظر الخاطب إلى المخطوبة على ما يجوز النظر إليه ويبقى ما عداه على أصل المنع، يقول الإمام السالمي الله في المعارج: "والْمُرَاد بالنظر في هَذَا كُلَّه النظرُ إِلَى مَا يُباح النظر إليه منها دون ما عدا ذلك، ودون النظر بشهوة (3)
(1) - يُنظر:
(2)
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 5 رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 10/20 م. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقةُ: 15 رمضان 1427 هـ، يوافقه 2006/ 10/9 م. القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة: 7 صفر 1428 هـ، يوافقه 2007/ 02/25 م.
) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 12.
11
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 7 ربيع الثاني 1424 هـ، يوافقه 2003/ 6/8 م. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذكر، حلقه: 21 جمادى الأولى 1427 هـ، يوافقه 2006/ 6/18 م. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقه: 15 رمضان 1427 هـ، يوافقه 2006/ 10/9 م.
(3) - السالمي عبد الله بن حميد. معارج الآمال ج 1 ص 309. (1/78)
صفحة 79
adid
المعتصم في فقه النكاح
79
فيجزيه النظر إلى الوجه والكفين فحسب، وكفى؛ لأنه يحصل لديه بالنظر إلى الوجه معرفة حسن المرأة وجمالها وما ينطبع في تقاسيم وجه المرأة من صحة نفسية بداخلها، كما يحصل له بالنظر إلى الكفين معرفة خصوبة الجسم ومدى امتلائه أو
نحالته.
تنبية أخير: تغطية المرأة لرأسها وعدم جواز إبداء أي شيء من شعرها وكونه عورةً أمرٌ مُجْمَعٌ عليه من حيث العموم، فلا يحلّ للمرأة إظهار أي شيء من رأسها أو شعرها أمام رجلٍ أجنبي في حال الاختيار أبدًا لا لخاطب ولا لغيره إلا ما اضطررت إليه كعلاج مثلا مع عدم وجود من يقوم بذلك من النساء.
والخلاف بينَ أهلِ العلمِ وقع في وجه المرأة هل هو عورة أو غير عورة لا في شعرها ورأسها مع اتفاق الجميع على جواز النظر إلى الوجه والكفين في حال الخطبة، وليس الاتفاق الواقع هنا كما ترى على جواز رؤية الرأس والشعر، كما حاولت تلك المدلّسةُ الداعيةُ للسُّفور المفضي إلى الفجور مستغلة هذا الخلاف في الوجه والإجماع کشفه حال الخطبة لتسقطَهُ على كشف شعر الرأس والدعوة للفور
على جواز تضليلاً، إذ تقول:
سيري كسير السحب لا
لا تكسحي أرض الشوا
الفور فحكمه
هب الأئمة فيه
***
***
***
***
تأني ولا تتعجل
رع بالإزار
في الشرع ليس بمعضل
بين محرم ومحلل
ـوز بالإجمـ
***
عند قصد تأهل (1/79)
صفحة 80
المعتصم
السنة
الجدير بالذكر أنَّ الأصح في و وجه المرأة عند الشيخين الخليلي والقنوبي - حفظهم الله - أنَّه ليس بعورة؛ إذ لا تُتعبدُ المرأة في عبادة من العبادات كالإحرام بالحج أو العمرة بكشف عورة من عوراتها، فيجوز لها - من حيثُ الحكم الأصلي - كشفه.
وهذا كله إن لم تخشَ الفتنة، وأمَّا عندَ عدمِ أمْنِ الفتنة وخشيتها فيجب عليها ستره، ومن منا رجلاً كان أو امرأةً يزعم أنه الفتنة بمأمن؟!، يقول سماحة شيخنا عن " نحن وإن كنا نرجح أن وجه المرأة غير عورة، ولكننا مع ذلك المفتي -حفظه ربي - نقول إن من الستر والصون لها أن ترخي غشاء على وجهها حتى تتقى نظر الرجال إليها، وإن كان هنالك ما يُحذر من الفتنة فعندئذ يتعين عليها ذلك، والفتنة قائمة إذ كثير من الرجال لا يؤمن من قبلهم الشر، لا يؤمن منهم أن تمتد أنظارهم إلى محاسن خلال تأملهم في وجوههن، وهم يمنون أنفسهم بكثير من الأماني الفاسدة
النساء من
من خلال هذا النظر".
،
ويقول سماحته -أبقاه الله - أيضا كما في "فتاوى الزينة": " مع خوف الفتنة ستر
الوجه واجبٌ، ومَن التي لا تخشى الفتنة الآن في خضم فساد الرجال وعدم استقامتهم،
"
وعدم تترههم عن مد أبصارهم إلى النِّساء؟!! (1).
(1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى الزينة والأعراس ص 118 - 120.
الخليلى، الفتاوى فتاوى المعاملات ص 441 - 442.
الخليلي، الفتاوى فتاوى النكاح ص 387.
الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" حلقة: 7 ربيع الثاني 1424 هـ، يوافقه 2003/ 6/8 م.
،
الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 10 رجب 1424 هـ، يوافقه 2003/ 9/7 م. الخليلية خالصة بنت أحمد ماذا أعددت لليلة الزفاف ص 23. (1/80)
صفحة 81
علهم
معتصب في فقه النكاح
81
فَصَلَّ فِي الإِرْسَالَ إلى المَخطُوبَةِ
اعلم عبد الله اعلمي أمة الله أن من الطرق المشروعة للتعرف على المرأة المخطوبة في الإسلام أن يسأل عنها بعض من كان حولها من جيران أو أقارب ليتعرف على دينها وخلقها وخُلُقها، وكذا أن يرسل مريد الخطبة من محارمه أو من النساء الأمينات امرأةً ثقةً خبيرةً بأحوال النساء وطبائعهن لتتعرف على صفات المرأة الخلقية والخُلقية، وتجيب الخاطب عما يود أن يعرفه عن خطيبته التي يريد أن يتقدم لها حتى يكون إقدامه لها على بينة من الأمر، فعَنْ أَنس بن مالك أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَرْسَلَ أَمْ سُلَيْمٍ تَنْظُرُ إِلَى جَارِيَةٍ فَقَالَ: " شُمِّي عَوَارِضَهَا وَانْظُرِي إِلَى عُرْقُوبَيهَا (1
فائدة: التوسط في خطبة النساء وتحمل أمانة تبليغ صفات المرأة الخلقية والخلقية وما تتحلى به من صحة أو مرض إلى مريد الخطبة من التعاون على البر والتقوى الذي أمر الله به عباده، ومن التآمر بالمعروف الذي امتدح الله به المؤمنين والمؤمنات في آياته ..
وحرصًا على أمانة النقل وصدقه للمنقول إليه، وتخليصه من أي مطمع دنيوي إلا الثواب الأخروي عند الله تعالى لم يستحب بعض أهل العلم أخذ الأجرة على
(1) - الحاكم، المستدرك كتاب النكاح، رقم الحديث 2648.
صححه ابن النحوي المشهور بابن الملقن والعوارض: الأسنان التي في عرض الفم، وهي ما بين الثنايا والأضراس واحدتها عارض والمراد اختبار الرائحة والنكهة.
العرقوب: هو مفصل الساق والقدم.
فائدة: من الأحاديث التي تعقبها شيخنا إمام السنة والأصول القنوبي -حفظه الله - على السيوطي ما رواه هذا الأخير في ديباجة كتابه "الجامع الصغير" من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اذا خطب أحدكم المرأة فليسأل عن شعرها كما يسأل عن جمالها فإن الشعر أحد الجمالين"، حيث يقول عافاه الله قبل سرد: هذه الأحاديث: " ولا بأس أن أسمعك ستة وستين حديثا موضوعا أخرى من غير أن أذكر المتهم بها؛ لأن أمرها من أوضح الواضحات، وما كان كذلك
فالاشتغال ببيان المتهم بوضعه شغل من لا شغل له ".
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى/ القسم الثاني ص 38، 40. (1/81)
صفحة 82
82
المعتصم
هذه العبادة، يقول الشيخ أبو زكريا الجناوني: ولا يُستحب للخاطب الذي يخطب للناس أخذ شيء من المال عليها إذا كان يبتغي ما عند الله، فإن فعل فلا باس عليه (1)، وما ذلك كله إلا لأنه من الصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس الذي الله فاعله ابتغاء مرضاته وثوابه بقوله: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ
امتدح
114
فَسَوْفَ نُؤْلِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ان الساعة 0114
التنبية
حوْلَ الفَحْصِ الطَّبِيُّ قَبْلَ الزَّوَاجِ
تفقه أيها الخاطب متعك الله بالصحة والعافية أن مما يدخل في السؤال عن الطرف الآخر ما يعرف اليوم بالفحص الطبي قبل الزواج، إذ توجد عيادات خاصة وأخرى تابعة تقوم بإجراء بعض الفحوصات الطبية لكلا الخطيبين للتعرف على الوبائيات والأمراض المعدية التي يمكن أن توجد في أحد الطرفين وتنتقل إلى الطرف الآخر نتيجة الاتصال الجنسي فتؤدي إلى إيقاع الضرر به.
كما أن هذه الفحوصات الطبية تكشف عما إذا كان الخطيبان أحدهما أو كلاهما حاملا لمرض وراثي يمكن أن يصيب الأبناء ويتسلسل في الذرية والأعقاب فيوقع بهم إعاقة جسدية لازمة أو تخلفا عقليا مزمنا، مما يجعل الصورة واضحة لدى الخطيبين ويجعل بيدهما قرار إمضاء هذا الزواج أو الإحجام عنه من البداية.
وبهذا تدرك أيها الفقيه الحكيم أن الفحص الطبي قبل الزواج بهذه الغايات السامية والأهداف النبيلة يدخل ضمن المقاصد الشرعية والمصالح المرسلة التي اعتبرتها الشريعة وراعت تحققها في أشخاص المكلفين خصوصا والمجتمعات الإسلامية عموما؛ إذ
(1) - الجناوني، يحيى بن الخير. كتاب النكاح ص 48. (1/82)
صفحة 83
من المعتصم في فقه المشكاة
83
القاعدة الشرعية تنص على أنه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، وهي من باب: "الوقاية خير من العلاج " (1).
كما أن هذه الفحوصات الطبية لا تنافي التوكل على الله، بل هي من باب الأخذ بالأسباب ومراعاة المسببات التي جعلها الله تعالى من سنن هذه الحياة، والأخذ بالأسباب هو جزء من التوكل عليه (2).
غير
أنه لا يمكن أن يرقى استحسان الفحص الطبي قبل الزواج إلى درجة الوجوب أو الشرطية لصحة النكاح؛ لأن الزواج عبادة لا يجوز الزيادة فيها بدون دليل شرعي، ولكنه من المباحات التي يحسن أن يتفق عليها الزوجان؛ صيانة لسلامتهما وسلامة أبنائهما من الأمراض والأوبئة؛ إذ المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن
الضعيف، وفي كُلِّ.
(3)
فَتْوَى
السُّؤَالُ/ سماحة الشيخ ما قولكم في الفحص الطبي قبل الزواج؟
الجَوَابُ الفحص الطبي قبل الزواج لا حرج فيه ولا مضرة منه، خصوصا مع انتشار العدوى ومع كثرة الأمراض الوراثية التي ربما كان سببها أن تكون الأم حاملة لهذا المرض وأن يكون الأب أيضًا - حاملاً لهذا المرض؛ فتكون المصيبة في المولود،
(1) - الخَليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. الأخلاقيات الطبية وتحدياتها للطبيب والمريض والمجتمع - محاضرة بالقاعة الكبرى بجامعة السلطان قابوس ليلة الثلاثاء: 21 من المحرم 1433 هـ، يوافقه 12/ 17/ 2011 م.
(2) - يُنظر: -
الخليلي، الفتاوى الطبية ص 26.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقه: 11 شعبان 1425 هـ، يرافقه 2004/ 9/26 م. الخليلي، برنامج: سؤالُ أهْلِ الذِّكْرِ، حلقة: 1 ربيع الأول 1426 هـ، يوافقه 2005/ 4/10 م.
(3) ـ الحراصي،
سلطان
بن
محمد تأملات حول الفحص الطبي قبل الزواج ص 23، 25. (1/83)
صفحة 84
84
الالمعلممن
هذا مما ظهر كثيرًا؛ فبناء على هذا لا مانع من الفحص حتى يكون الجميع على بينة من أمرهم بأن لا يعرّضوا أولادهم للمرض في المستقبل، والله أعلم).
تنبية: تتأكد ضرورة الفحص الطبي قبل الزواج عند وجود الرغبة في الزواج بين الأقارب كأبناء العم والعمة، وأبناء الخال والخالة؛ لأن الزواج بين الأقارب مظنة لتسلسل بعض الأمراض الوراثية عبر الآباء الحاملين للمرض وإصابة جرثومته للأبناء
(2)
وأبنائهم (2).
ولذا جاء عند العرب الكثير من المعاني المرغبة في نكاح الغرائب من حكم وأمثال وأشعار، فمن الأول قولهم: اغتربُوا" لا تُضوُوا، أي لا يتزوج الرجل القرابة القريبة، فيجيء ولده ضاويًا، أي ناحلاً، وقد رُوي مثل هذا عن عمر بن الخطاب له حينما قال لآل السائب: "يا بني السائب، إنكم قد أضويتم فانكحوا في النوابغ"، أي تزوجوا الغرائب (3).
- الخليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ " - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 25 محرم 1426 هه
يوافقه 2005/ 3/6 م.
(2)
(3)
- يُنظر:
الحراصي تأملات حول الفحص الطبي قبل الزواج ص 23.
علوان، تربية الأولاد في الإسلام ج 1 ص 34.
23 - ابن عبد ربه. عقد الفريد، باب الطلاق.
تنبية: لقد روي مثل هذا الكلام منسوبا إلى النبي عليه الصلاة والسلام - إلا أن لشيخينا الخليلي والقنوبي ميلا
راجحا إلى عدم ثبوتها عنه، والله أعلم.
الخليلي، الأخلاقيات الطبية وتحدياتها للطبيب والمريض والمجتمع - محاضرة بالقاعة الكبرى بجامعة السلطان
قابوس ليلة الثلاثاء: 21 من المحرم 1433 هـ، يوافقه 12/ 17/ 2011 م.
القنوبي، دروس صيف 1425 هـ، 2004 م، "مذكرة خاصة "ص 26. (1/84)
صفحة 85
إشكل
ومن
الأمثال قولهم: "الغرائب لا القرائب"، بنصب "الغرائب" على تقدير
تزوجوا "الغرائب"، ولا تزوجوا "القرائب (1).
ومن أشعار العرب الواردة في بيان هذا المعنى واستقرار نتائج التجارب عليه
الشيء الكثير، ومن ذلك قول قائلهم:
تجاوزت بنت العم وهي حبيبة
وقال الآخر:
تخيرتها للنسل وهي غريبة
وقول الشاعر الثالث:
فتى لم تلده بنت عم قريبة
هو ابن غريبات النساء وإنما
***
***
***
مخافة أن يضوى علي سليلها
فجاءت به كالبدر خرقًا مُعمما (2)
فيضوى، وقد يضوى وليد الأقارب
ذوو الشأن أبناء النساء الغرائب (3)
إلا أنه لا يلزم من زواج الأقارب من بنات عم أو خال أو غيرهما .. أن يأتي الولد ضاويا ناحلا، لا سيما إن أبان الفحص الطبي عدم وجود أي مرض وراثي يمكن انتقاله إلى الأبناء، بل ربما يقال هنا إن الأقرب أولى بالمعروف وبتقوية الصلة بدون أي كراهة.
وكيف تكون كراهة والمسلمون مجمعون على جواز نكاح هؤلاء القريبات من النساء، والله تعالى قد امتن بإباحتهن وإحلالهن لنبيه الكريم بقوله: {يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ الَّتِي عَاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ
(1) - الميداني، أحمد بن محمد مجمع الأمثال.
(7)
2 ص 343.
- البيت لرجل من كنانة يكنى أبا اليقظان يذكر امرأته وولده، و"الخرق" هو السيد الكريم. يُنظر:
الثعالي،
عبد الملك بن محمد ثمار القلوب في المضاف والمنسوب ص 282.
(3) - العسكري، أبو هلال جمهرة الأمثال. (1/85)
صفحة 86
86
المعلممر 3
المعلمم
عليكَ وَبَنَاتِ عَمِكَ وَبَنَاتِ عَمَّتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَلَيكَ الأحزاب: 50، بل إن الله قد زوج نبيه محمدا بإحدى قريباته وهي ابنة عمته زينب بنت جحش
قلت: وقدْ أَضَافَ شَيخُنا القَنُّويُّ - حَفِظَهُ اللَّهُ - عِنْدَ الْمُرَاجَعَةِ بخط قلمه قَولَهُ: "وقد زوج النبي صلى الله عليه وسلم ابنته السيدة فاطمة رضي الله تعالى عنها ابن عمه علي بن أبي
طالب".
فَصْلٌ فِي أَنْوَاعِ الخِطْبَةِ
تنقسم الخطبة من حيث لفظها إلى صريحة وكنائية أو الخطبة بالتصريح والخطبة
بالتعريض: فالخطبة بالتصريح يكون فيها لفظ الرغبة في الاقتران صريحا وواضحا، ومستعملا فيها حقيقة، كأن يقول الخاطب لولي المرأة -مثلا- إني أرغب في التزوج
بفلانة، أو جئت أطلب يد ابنتكم فلانة، أو يقول للمرأة: أريد أن أتقدم لخطبتك. الحكم: الخطبة بالتصريح جائزة في كل امرأة انتفت عنها موانع الزواج سواء كانت موانع مؤقتة أو موانع مؤبدة (2).
وأما الخطبة بالتعريض فهي التي يُفهم منها الرغبة في النكاح بلفظ غير صريح كأن يثني الرجل على عراقة نسبه وحسبه عند المرأة، أو يقول لها -مثلا-: إن الله
(1) - يُنظر:
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 5، 31. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقة: 2002/ 5/12 م.
(2) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَدٍ. فتاوى النكاح ص 12. (1/86)
صفحة 87
المعلم
المعتصم في فقه النكاح
87
لك خيرا، أو إنك امرأة صالحة، أو ليتني أجد امرأة مثلك، أو يقول لوليها ما سائق يفهم منه ذلك تعريضا وتلميحا لا إباحة وتصريحا (1) ..
الحكم الخطبة بالتعريض تجوز فيما يجوز فيه التصريح بالخطبة من كل امرأة انتفت عنها الموانع الشرعية وتزيد على الخطبة الصريحة بجوازها للمرأة المعتدة من الوفاة باتفاق العلماء للنص القاطع في متنه ودلالته؟ وهو قوله تعالى: {وَلَا جُنَاحَ
عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ ستذكرُونَهُنَّ وَلَكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَبُ أَجَلَهُ} البقرة: 235 (2)، والسر في إباحة التعريض هنا أن العلاقة الزوجية قد انقطعت حبالها بالوفاة، ولا أمل في عودتها بينهما؛ فليس هنالك زوج يتضرر من هذا التعريض، وقد يكون في ذلك عزاء لهذه المرأة التي فقدت عائلها فلا ينقطع أملها في حياة كريمة في ظل زوج كريم.
الآتي:
قائدة
في أحوال الخطبة بالنسبة للْمُعْتَدَّة
هذا، وللخطبة أثناء عدة المرأة أحوال عدَّة حسب نوع الخطبة، حسب البيان
أ- عدة الوفاة: تجوز بالتعريض دون التصريح كما تقدم قريبا.
(1) - يُنظر:
الجناوني، كتاب النكاح ص 49 - 50.
أبو زهرة، الأحوال الشخصية ص 31.
(2) - القنونِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبرُوك. برنامج: "سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 13 جمادى الأولى
1424 هـ، يوافقه 2003/ 7/13 م. (1/87)
صفحة 88
88
المعتصب في حقه الـ
المعلمين
ب عدة الطلاق الرجعي لا تجوز تعريضا ولا تصريحا، أما المطلق نفسه فله مراجعتها ما دامت في العدة بحكم الزواج السابق.
ج-
عدة الطلاق البائن بينونة صغرى لا تجوز تعريضا ولا تصريحا، إلا
من المطلق نفسه؛ فتجوز له الخطبة بشروط النكاح الجديد.
د عدة الطلاق البائن بينونة كبرى تجوز تعريضا لا تصريحا قياسا على المعتدة من الوفاة بحيث لا يكون لها رجعة لزوجها إلا بعد أن تتزوج زوجا آخر زواجا صحيحا لا شبهة فيه ولا تدليس، فأجاز بعض العلماء التعريض بخطبتها في عدتها البائنة هذه؛ لأنه لا يلحقها زوجها في هذه العدة، ولا شك أن الاحتياط هو في الاقتصار على المنصوص عليه، عليه، وعدم الخطبة مطلقا، والله أعلم).
فصل في الخِطْبَةِ عَلَى خِطْبَةِ الأَخ
لا يخفى عليك أيها الأخ المؤمن أن الله -عز وجل- أراد لشريعته التمام والكمال، ومن تمام هذا الكمال أنَّ الله جل شأنه لم يرض فيها إلا ما يحقق بين أتباعه الألفة والمحبة ويدفع عنهم كلَّ ما يؤدي إلى النفرة والعداوة، ومن الخطبة على خطبة الأخ (2)؛ فقال رسول الهدى والسلام عليه الصلاة والسلام- كما
ذلك أنه
حرم
(1) - يُنظر:
سلسلة الخليلي
دروس
التفسير تفسير الآية رقم 235 من سورة البقرة - الدرس الأول والثاني. "مادة سمعية"،
اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية.
القنوبي، برنامج: "سؤالُ أهل الذكر"، حلقة: 13 جمادى الأولى 1424 هـ، يوافقه 2003/ 7/13 م.
أبو زهرة، الأحوال الشخصية ص 32.
(2) - الخَليْلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد. فتاوى النكاح ص 13. (1/88)
صفحة 89
لمعلم
بالمعتصب في فقه النكاح
89
يرويه لنا الإمام الربيع بإسناده العالي الرفيع: "لا يَحْطُبَنَّ أَحَدُكُمْ عَلَى خطبة أخيه،
(1)
وَلَا يُسَاوِمُ عَلَى سَوْمٍ أَخيه (1).
عن
وفي حكم الخطبة على خطبة الأخ تفصيل حسب الأحوال الآتية:
ذلك
الحَالَةُ الأولى: حالة الركون إلى الخاطب والموافقة عليه وإعلامه بذلك، وما ينتج التحضير لعقد الزواج، ففي هذه الحالة تكون خطبة هذه المرأة من قبل من الآخرين أمرا محرما باتفاق العلماء؛ للنص النبوي الناهي عن ذلك؛ والأصل في النهي أنه للتحريم؛ كما أن في الخطبة في هذه الحالة اعتداء صريحا وسافرا على حق الغير، وما يترتب على هذا الاعتداء من تولد العداوة والبغضاء بين لبنات المجتمع المسلم، وهذا ما يتعارض ومقاصد دين الوحدة والتوحيد، والله لا يحب المعتدين.
الحَالَةُ الثَّانِيَةُ: حالة الرد على الخاطب بالرفض وإعلامه بعدم القبول، ففي هذه الحالة لا حرج ولا جناح في التقدم للخطبة باتفاق؛ لأن المرأة بالرد أضحت خلية من
الخطاب.
الحَالَةُ الثَّالثَةُ: حالة البحث والتحري والسؤال عن الخاطب وأحواله مع عدم إعلامه بما يدل على الرضا والموافقة بعد، فقيل: تجوز الخطبة في هذه الحالة من قبل الأفضل؛ واستدلوا له بخبر فاطمة بنت قيس حينما أتت النبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا حَلَّتْ من عدة طلاق زواجها، فَذَكَرَتْ لَهُ أَنْ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمِ بْنَ هِشَامٍ قَد خَطَبَاهَا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ الله: " أَمَّا أَبو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ (يَعْني أَنهُ كَثِيرُ السفر، أو كثير الضرْب للنِّسَاءِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، وَلَكِنْ الكحي أَسَامَةَ بْنَ زَيْدِ قَالَتْ فَكَرِهْتُهُ، ثُمَّ قَالَ لَهَا الْكَحِي أَسَامَةَ بْنَ زَيْدِ" قَالَتْ: فَنَكَحْتُهُ
11
فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا فَاغْتَبَطْتُ بِهِ.
(1) - الربيع، بَابُ: مَا يَجُوزُ مِنَ النِّكَاحِ وَمَا لا يَجُوزُ، رقم الحديث 516.
2 - الربيع، باب: مَا جَاءَ فِي نَفَقَةِ الْمُطَلَّقَة، رقم الحديث 1064. (1/89)
صفحة 90
90
المعتصم
المعلممر
هذا الحديث خطب النبي ففي فاطمة بنت قيس لمولاه أسامة بن زيد على الرغم من أنها أخبرت رسول الله أن معاوية وأبا جهم قد خطباها، ولا شك أن أسامة بن زيد حب رسول الله له وابن حبه أفضل من معاوية وأبي جهم بن هشام،
فيقصر الجواز هنا على القول به على خطبة الأفضل على المفضول عليه.
وذهب الأكثر من أصحابنا إلى بقاء المنع مطلقا للروايات التي فيها بعد زيادة "حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ" أو "حَتى يَدَرَ" أو "إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ" كما جاء ذلك في عند الإمام البخاري ومسلم)، ولا شك أن هذا الرأي أحوط وفيه سد لذريعة فساد الصلات وتقطع العلاقات بين الناس، ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا
الروايات
هنه (2)
(1)
يقول الشيخ علي يحيى معمر الله في حاشيته على "كتاب النكاح": "اختلف علماء الأمة في الخطبة متى تعتبر قائمة ولا يجوز التقدم عليها على عدة أقوال، أقْرَبها إلى رأي أصحابنا أنه ما دامت المفاوضة والتردد جاريين بين الخاطب والمخطوبة فإن قائمة، ولا يجوز التدخل عليها حتى يتم الرفض أو الرد، أو الترك
الخطبة تعتبر والإعراض " (3).
(1) - يُنظر:
البخاري، باب: لا يَخْطُبُ عَلَى خِطبة أَخِيهِ حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَدَعَ، رقم الحديث 4747. مسلم، باب: تَحْرِيمِ الْخِطبة عَلَى خطبة أَخِيهِ حَتَّى يَأْذَنَ أَوْ يَتْرُكَ، رقم الحديث 2536.
) - هذا معنى حديث جاء عند الإمام أحمد أن رجلا من أهل البادية سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلٌ - إلا بدَّلَكَ الله به مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ منْهُ"، وهذا الأثر حري بأن يجعله كل مسلم من قواعده السائرة في الحياة حتى يُصلح ما بينه وبين الناس؛ فيصلح ما بينه وبين الله، وقد صدق المولى حينما قال: {مَن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (النساء: 134. يُنظر:
(134
أحمد، المسند، أحاديث رجال من أصحاب النبي، رقم الحديث 21996.
السالمي، جوهر النظام ج 2 ص 244 - 245.
(3) - يُنظر: (1/90)
صفحة 91
المعتصم في فقه النكاح
91
النهي
مَسْأَلَة: اختلف أهل العلم من الفقهاء والمحدثين فيما إذا وقع الخاطب في النبوي بالخطبة على خطبة الأخ حتى تم عقد الزواج بينه وبين المخطوبة هل
هذا العقد ويكون تاما، أو يكون غير صحيح من أول الأمر ويجب تجديده؟ يصح والذي عليه الجمهور أن العقد صحيح والزواج تام (1)؛ لأن النهي في هذا الحال متوجه نحو الخطبة لا العقد، والخطبة نفسها ليست شرطا لصحة النكاح؛ والصحيح في أنه لا يدل على فساد المنهي عنه إلا إن كان متوجها لذات الشيء أو لشيء
النهي
لازم له (2)
لكن الخاطب بفعله هذا وتعديه على غيره يكون عاصيا لربه، فيجب عليه التوبة بعد الاعتذار من الخاطب الأول، والله أعلم (3).
الجناوني، كتاب النكاح تعليق علي يحيى معمر، ص 44 (الحاشية).
الغاربي، محمد بن راشد و آخرون. أشعة
من
الفقه الإسلامي، ص 201.
(1) - السالمي عبد الله بن حميد. شرح الجامع الصحيح ج 3 ص 21.
(2)
(3)
- القنوبي، سعيدُ بنُ مَبْرُوك. جلسة إفتاء (2) بسكن معهد العلوم الشرعية، بتاريخ: 3/ 5 / 2010 م.
- نعم يشترط لصحة توبته أن يعتذر لصاحبه إن كان صاحبه عالما بأنه هو كان السبب في رفضه؛ لأن الذنب هنا تعلق بحق الغير، وقد قال: الذُّنُوبُ عَلَى وَجْهَيْنِ: ذَنْبٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ، وَذَبٌ بَينَ الْعَبْدِ وَصَاحِبِهِ، فَالذَّنْبُ الذِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ إِذَا تَابَ مِنْهُ كَانَ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، وَأَمَّا الذَّنْبُ الذِي بَيْنَهُ وَبَينَ صَاحِبِهِ فَلَا تَوْبَةَ لَهُ حَتَّى يَرُدُّ الْمَظَالِمَ إِلَى أهْلِهَا"، فهذا الحديث قاعدة مهمة في التوبة، وقد أخذ أصحابنا من الحديث اشتراط رد المظالم لصحة التوبة، فاشدد
يدا. يُنظر:
الربيع، بَابٌ: فِي الْوَعِيدِ وَالأَمْوَالِ، رقم الحديث 691. السالمي، شرح الجامع الصحيح ج 3 ص 497 - 498. (1/91)
صفحة 92
92
المعتمير
د معتمم
فَصْلٌ فِي العُدُولِ عَنِ الخِطْبَةِ
تعرف أيها الفقيه المسلم، زادك الله خيرا أن الخطبة هي مجرد مقدمة لعقد الزواج وليست بعقد لازم قضاء)، فهي فترة يتحرى فيها كل طرف عن الطرف الآخر ويكثر فيها من السؤال عن دينه وخلقه وما يتعلق بفكره ومزاجه وحالته الصحية والنفسية ..
وهي بعد تمامها وركون كل طرف إلى الآخر مجرد وعد من الطرفين بإتمام عقد الزواج، ولذا لا يترتب عليها أي أثر شرعي من آثار الزواج كالمهر والنفقة والعدة وغيرها، لأن عقد الزواج لم يوجد بعد، ولا يُلزم به الطرفان قضاء في حالة رغبة أحد الطرفين في العدول عنه، وهذا شأن جميع الوعود (2).
أما
من حيث الديانة فإن الوعد يجب الوفاء به ولا يليق بالمسلم الوفي ما دام أنه لم يحدث أي تغير أو تغيير من قبل الطرف الآخر - أن يخلف وعده وأن ينكث عهده؛ لأنَّ الله أمر بإيفاء العهود في قوله سبحانه: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا المفاسد أو الإضرار بسمعته
34
الإسراء: 34؛ إضافةً لما يترتب على العدول من المفاسد أو الإضر
وسمعة الطرف الآخر.
لكن قد تلجئ الخاطب أو المخطوبة ضرورة لا محيص عنها فيعدل عن الخطبة ويُضطر إلى التراجع عن الإقدام على الزواج بعد الوعد بإتمامه، ففي هذه الحالة يجب على المرأة رد ما قدمه لها الخاطبُ من المهر قليلاً كان أو كثيرا، سواء كان العدول منها أو من غيرها؛ لأن المهر يجب بتحقق عقد الزواج، فهو حكم من أحكامه وأثر من
(1) - أي حال الترافع عند القضاء.
(2) - يُنظر:
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 11.
أبو زهرة، الأحوال الشخصية ص 36 - 37. (1/92)
صفحة 93
الناقل المعتصم المعتصم في فقه النكاح
93
آثاره، وما دام الزواج لم يوجد فلا حق لها في أخذ المهر أو شيء منه إلا إن طابت
الخاطب بما دفعه، فلها أن تأكله هنيئا مريئا نفس
وأما بالنسبة للهدايا فإن العادل عن الزواج لا يدرك الرجوع فيما أهداه للطرف الآخر؛ لأن العائد في هبته كما جاء في الحديث - كالكلب العائد في قيئه)، والهدية بالقبض تصير ملكا للطرف المهدى له (2).
وفي المقابل يجب على من عدل عن الزواج رَجْعُ ما أخذه من الهدايا من أجل الزواج وإتمامه، والرد في الهدية يكون لعينها إن كانت قائمة العين، أو مثلها إن كان لها مثل، أو قيمتها إن لم يكن لها مثل.
وإن لحق بالطرف الآخر أيا كان ضرر مادي بسبب هذا العدول الذي لم يكن له فيه يد فإن "الضرر يزال، و لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" فعلى من عدل في هذه الحالة قضاء أن يعوض الطرف الآخر بسبب ما أصابه من ضرر تسبب فيه،
والله يعوض الجميع خيرا (3).
(1) - الربيع، باب: فِي الْخَيْلِ، رقم الحديث 462.
(2) - الخليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد. فتاوى المعاملات ص 295، 306، 308، 471 - 473.
(3) - للمزيد من التفصيل / يُنظر:
الخليلى، فتاوى النكاح ص 15.
الجناوني، يحيى بن الخير، كتاب النكاح ص 53 - 55
أبو زهرة، الأحوال الشخصية ص 40. (1/93)
صفحة 94
94
عة التي
فَصْلٌ
NEXGENC
في مَسَائِلَ وَتَنْبِيهَاتٍ مُهمَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِالخِطْبَةِ
التنبيه الأَوَّل: المخطوبة قبل عقد الزواج تبقى أجنبية من الخاطب في جميع الأحكام، فلا يجوز له الاختلاء بها من غير وجود ذي محرم منها وإلا كان الشيطان ثالثهما (1)؛ لحديث النبي: " لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةِ إِلَّا كَانَ ثَالثَهُمَا الشَّيْطَانُ (2) وكذا لا تخرج المخطوبة مع خاطبها أو تسافر أي سفر قريبا كان أو بعيدا؛ فقد أكد النبي فيه عن ذلك بقوله: " وَلا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ (3).
ولخطورة هذا الأمر فقد وقع الكثير ممن خالف النواهي النبوية فاختلى بالمخطوبة أو خرجت معه في الكثير من المحظورات بل منها ما أدى إلى تحريم الخطيبة على خاطبها، تطبيقا للقاعدة الشرعية من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه (4).
يقول سماحة المفتي العام للسلطنة الخليلي -حفظه الله - مبينا عاقبة التفريط في هذا الأمر: " .. فإذن هذا مما يؤدي بهما إلى الوقوع في الفحشاء، وقد وقع ذلك كثيرا كثيرا، على أن هناك كثيرا من الشباب من لا يبالون بانتهاك أعراض الفتيات
(1) - يُنظر:
(2)
الخليلي، فتاوى النكاح ص 14.
الخليلي، فتاوى النكاح / بحث: من قضايا الزواج ص 431.
الخليلى، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 6 - 7.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الرابع ص 89.
- الترمذي، باب: مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الدُّخُولِ عَلَى الْمُغِيبَاتِ، رقم الحديث 1091.
(3) ـ البخاري، باب: مَنْ اكْتِبَ فِي جَيْشِ فَخَرَجَتْ امْرَأَتُهُ حَاجَةً أَوْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ هَلْ يُؤذِّنُ لَهُ، رقم الحديث 2784.
(4) - يُنظر: الخليلي، فتاوى النكاح ص 50.
الخليلِيُّ، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقه 23 رمضان 1432 هـ، يوافقه 2011/ 8/23 م. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقة: 10 جمادى الأولى 1423 هـ، يوافقه 2002/ 7/21 م. (1/94)
صفحة 95
معتمم
في فقه النكارة
95
فيضحكون على عقولهن .. كل واحد منهم يحاول أن يُرسخ في وجدان الفتاة التي يلعب على عقلها بأنه هو فارس أحلامها، وأنه سيكون شريك حياتها، حتى إذا ما رزأها في عفتها وفي طهارتها وفي أعز ما تملك رَفَسَها برجله، وأخذ يبحث عن فريسة
أخرى
(1)
وقد يزين الشيطان للإنسان سوء عمله فيقول له: إن الخلوة بالخطيبة والخروج معها هو أفضل وسيلة وأنجح طريقة للتعرف عليها، وأن هذه هي فترة التعارف بينكما، ولا بد أن يكون هنالك حب قبل الزواج حتى ينجح هذا الزواج ... وهذا كله من تلبيس إبليس ليوقع الناس في المحظور، وإلا فالغاية المشروعة في الإسلام لا تبرر الوسائل الممنوعة، وماذا تكون عاقبة اختلاء الذئب بالنعجة إلا الافتراس
(2)
على أنه لو أبيح للخاطب الاختلاء بمخطوبته لم تحصل له تلك الغاية المزعومة التي يتذرع بها بعض الخاطبين؛ ذلك لأن كلا منهما سيحرص في هذه الفترة أن يتصنع للآخر ويتكلف له، وسيحرص أن يُظهر له أحسن ما يستطيعه، ويتطبع بما ليس من طبعه حتى يظهر بالمظهر الذي يعجبه، فتُزَوَّر الحقائق ويكون الإقدام مبنيا على الزيف والتزوير فتنعكس الغاية ويبطل المطلوب (3)، وبعد الاقتران يرجع الشاب إلى حقيقته، وتعود حليمة إلى عادتها القديمة" وقد قيل قديما:
-
خَلَيْلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَدٍ. برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقة: 23 ذو القعدة 1423 هـ، يوافقه
2003/ 1/26 م.
(2) - الراشدي، جابر بن سعيد معوقات الزواج. مادة سمعية، موقع واحة الإيمان) - الكندي، إبراهيم بن أحمد مشكلات الزواج في العصر الحديث ص 63. (1/95)
صفحة 96
ومهما تكن عند امرئ من خليقة
***
وإن خالها تخفى على الناس تعلم (1)
التنبيه الثاني: يسأل الكثير من الفتيان والفتيات عن حكم الاتصالات الهاتفية والمحادثات المتكررة التي تكون بين الخطيبين، والجواب على المسألة أن يقال فيها بأن الأصل في هذا الحديث عندما يكون بريئا وجديا غير عاطفي أنه جائز، كما قد يقع ذلك بين أي رجل وامرأة أجنبية لأجل مصلحة ما ومن غير إلانة ولا خضوع بالقول؛ لأن الرأي الصحيح في صوت المرأة أنه ليس بعورة في حد ذاته؛ لقوله:
فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ الأحزاب: 32
(2)
ولكن مبدأ سد الذريعة يقتضي التشديد في هذه القضية إلا في حالة الضرورة للسؤال عن بعض الأمور المهمة ومع وجود المحرم بجوار المرأة؛ لأن كلا من الطرفين –
(1)
1 - من قصيدة حكيمة للشاعر زهير بن أبي سلمى، وهي ملأى بالحكم وحُبلى بتجارب الحياة التي اكتسبها في سنوات عمره الثمانين ومما جاء في هذه القصيدة الحولية للفائدة واقتناص الحكمة قوله:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش رأيت المنايا خبط عشواء من تُصب ومن لا يدد عن حوضه بسلاحه ومهما تكُن عند امرئ من خليقة ومن لا يصانع في أمور كثيرة ومن يغترب يحسب عدواً صديقه
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده وأعلم علم اليوم والأمس قبله ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله ومن هاب أسباب المنايا ينلنه
***
***
***
***
***
***
***
***
***
***
ثمانين حولاً - لا أبا لك- يَسْأمِ تمه ومن تُخطئ يُعمّر فيهرم يُهدم ومن لا يظلم وإِنْ خالَهَا تَخفى على الناس يرس بأنياب ويُوط
ن لا يُكرم نفسه لا يكـ يق إلا صورة اللحم والـ
ول
عن علم ما في غد عمي مِهِ يُستغن عنهُ ويُدَمَم أسباب السَّماء بلم رام
(2) - الخَيْلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمد برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذكر " - تلفزيون سلطنة عمان، حلقه: 20 شعبان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 10/27 م. (1/96)
صفحة 97
الانتقال المعتدي
منهما
97
الفتى والفتاة عندما يكونان آمنين عن أي عين تراهما أو أذن تسمع حديثهما لا يؤمن أن يلين بينهما الحديث، ويخضع كل طرف للآخر بالقول، حتى يكون حديثا عاطفيا مشوبا بالابتسامات والضحك .. حتى يجرهما إلى ذكر الحب والمحبة، والصبا والصبابة، والشوق والاشتياق للطرف الآخر، وهذا ما يحرم ولا يجوز أن يقع بين الخطيبين بل وقع فعلا وكثيرا؛ وكونهما خطيبين يرومان الزواج لا يشفع لهما؛ لأنهما لا يز الا أجنبيين في هذه المرحلة، ومن يدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا فلا عقد يتم الزواج بينهما ...
هذا فضلا عن يتعدى الأمر تلك الابتسامات والمضاحكات إلى المواعدة واللقيا ثم أمور وهموم لا تطاق، والمرأة بطبعها سهلة الخداع والانجذاب؛ لأنها حينما تستدرج بمعسول الكلام ولينه تغطي عاطفتها على فكرها، فلا يبقى في عقلها مسكة من تفكير أو تعقل) ... فيكون الحال كما قال أمير الشعراء أحمد شوقي:
(1)
***
خدَعوها بقولهم حَسناء
نظرة فابتسامة فلام
فَاتَّقوا اللهَ فِي قُلوب العذارى
(1) - يُنظر:
***
***
وَالغَوانِي يَغُرُّهُنَّ الشَاءُ فكلام فموعد فلقاء فَالعَذارى قُلوبُهُنَّ هَواءُ
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 8.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقه 15 رمضان 1432 هـ، يوافقه 20011/ 8/15 م. الخليلي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة: 22 رمضان 1432 هـ، يوافقه 2011/ 8/22 م.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقه 20 شعبان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 10/27 م. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" حلقة: 23 ذو القعدة 1423 هـ، يوافقه 2003/ 1/26 م. الخليلي، برنامج: "سُوَالُ أَهْل الذكر، حلقه: 7 ربيع الثاني 1424 هـ، يوافقه 2003/ 6/8 م. الخليلي، برنامج: "سؤالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 5 رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 10/20 م. القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى/ القسم الرابع ص 89. الفنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر" حلقة: 13 جمادى الأولى 1424 هـ، يوافقه 2003/ 7/13 م. (1/97)
صفحة 98
98
المعتمم
التنبيه الثالث: لقد وجد في بعض المجتمعات التي عشش فيها الجهل وفرخ عادات جاهلية لا تمت إلى الإسلام، بصلة إلا التشبه بأعداء الدين من غير المسلمين كإحضار الكعكة وقصّها بحضرة الخطيبين ثم قيام الخطيب بالقام خطيبته وقيامها هي
بالقامه .. (1)
ومن تلك العادات أيضا- ما يعرف بـ"دبلة الخطوبة"، وفيها يقوم الخطيب قبل عقد القران بتلبيس خطيبته خاتما في أصبع يدها، وتقوم هي بتلبيسه كذلك!! وهذا أمر لا يخفى على الحصيف حرمته وخطورته؛ فإن المخطوبة –كما تكرر لا تزال أجنبية من الخاطب، فيقال فيهما ما يقال في الأجنبيين، فلا يجوز له مسها ولا مصافحتها أو تلبيسها شيئا من هذه الخواتم أو الأساور، وقد جاء الوعيد الشديد في قال الرسول: لأَنْ يُطْعَنَ فِي رَأْسِ أَحَدِكُمْ بِمخيط مس الأجنبيات من النساء حتى منْ حَدِيد خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لا تَحلُّ لَهُ (2)، يقول شيخنا المحدث القنوبي - يحفظه الله -: " .. وإذا كان هذا الحديث صحيحا كما رأيتم فلا يجوز لأحد أن يخالف السنة الثابتة، وقد علمتم العقوبة، وهذه العقوبة لا تكون إلا على كبيرة من كبائر
الذنوب
(3)
الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. في الخطبة والزواج. " محاضرة مطبوعة"، لدى الكاتب نسخة منها ص 8.
(2) - الطبراني، المعجم الكبير، رقم الحديث 16880.
(3)
- وإذا كان هذا الحكم في المصافحة والمس بالأيدي فإن ما عداه من أنواع المس أشد منه، ففي جواب آخر لفضيلته عن سؤال حول إجبار بعض الآباء من الأعراب بناتهم على المصافحة و [المخاشمة] مع أبناء العم والخال بحجة ما وجدوا عليه الآباء والأجداد منذ زمن بعيد يقول فضيلته: "هذا الفعل حرام لا يجوز لنهي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - عن المصافحة بين الرجل والمرأة؛ كما جاء ذلك في غير ما حديث، فكيف بما هو أشد من المصافحة بالأيدي!! هذا ولا طاعة للوالدين ولا لغيرهما في معصية الله تعالى؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق سبحانه وتعالى، والله أعلم ". يُنظر:
الفتوى فتاوى إمام السنة والأصول ص 112. القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى/ القسم الرابع ص 87. (1/98)
صفحة 99
madicall
معته في فقه الى كامج
44
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فقد كان لنا في رسول الله أسوة حسنة؛
إذ صعدت روحه الطاهرة إلى بارئها ولم يصافح امرأة قط؛ كما أخبر عن نفسه بقوله: إنِّي (1)، لا أَصَافِحُ النِّسَاءَ، وكما أخبرت عنه حليلته عائشة حيث قالت واصفة حاله: وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَدَ امْرَأَة قَطَّ غَيْرَ أَنَّهُ يُبَايِعُهُنَّ بِالْكَلَامِ، وَمَا مست كَفَّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَفَّ امْرَأَةٍ قَط (2).
وفي هذا السياق يؤكد محدث العصر القنوبي صحة دلالة السنة العملية على حرمة مصافحة المرأة الأجنبية ومنكرا في الوقت نفسه على من أنكرها أو نسب إليها خلافها فيقول: "وقد ثبت في السنة الصحيحة الثابتة ثبوثا أوضح من شمس الظهيرة أن النبي لم يُصافح امرأة في حياته أبدًا، وأن مَن رَوَى عنه الله صافح أو أمر غيره بالمصافحة فقد كَذب عليه كذبًا صَرِيحًا (3)
هذا
(3).
من جهة، ومن جهة أخرى فإن لهذه العادة المنكرة أصلا جاهليا رومانيا،
أترك لشيخنا بدر الدين الخليلي -حفظه الله - المقام ليدلنا على أصلها حيث يقول:
وهل أدلكم على أصل الدبلة؟!!
إن أصلها خرافة رومانية ساذجة، فقد كان الرومان يعتقدون أن إلباس الرجل
المرأة والعكس إبان الخطبة خاتم حديد في البنصر اليسرى له أثر في حفظ المودة بينهما؛ بين البنصر اليسرى والقلب، فكأنهما بذلك يأسر كل منهما
الصلة لما يعتقدون من قلب صاحبه، ثم تطورت هذه العادة في أوروبا فأصبح الذهب بدلا من الحديد، وقد
(1) - مالك، الموطأ، باب: مَا جَاءَ فِي الْبَيْعَةِ، رقم الحديث 16880.
(2)
- مسلم، باب: كيفيَّة بَيْعَةِ النِّسَاءِ، رقم الحديث 3470.
(3) - يُنظر:
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 183.
• القنوي برنامج: "سؤالُ أهل الذكر"، حلقه: 27 رمضان 1428 هـ، يوافقه 2007/ 10/09 م. (1/99)
صفحة 100
100
المعتمر
فتن بها كثير من مرضى القلوب في بلاد الإسلام، وتعظم في عين الصغير صغارها ... وأصبحت من عناوين التقدم وشارات الرقي، وما هي لعمري إلا من دلائل التاخر
وشواهد الانحطاط (1)
ويستطرد العلامة الخليلي -حفظه الله - في التدليل على بطلان هذه الخرافة
بالواقع الذي ما له من دافع، فيقول:
" .. وقد أثبت الواقع بطلانها، فكم من زواج كان معه تبادل الدبلة بين الزوجين حال الخطبة وانقلب إلى مصدر شقاء لهما، وظلا يصطليان حر مشاكل لا تنتهي وشقاق لا يطاق، وما أكثر السعادة التي صاحبت حياة كثير من الأزواج مع عدم اتباع هذه العادة الجاهلية ..
ليت شعري إلى متى يظل المحسوبون على الإسلام أذنابا للآخرين يقلدونهم في
جميع توافه العادات وسفاسف الأمور؟! (2).
ويمكن لي أخي العفيف، أختي العفيفة - أن أجمل لكما المخالفات التي تقع في
بدعة "لبس الدبلة" حال الخطبة في النقاط الآتية:
التشبه من الرجال بالنساء بلبس هذه الدبلات؛ وقد قال ابن عباس لَعَنَ رَسُولُ اللهِ الْمُنتَهِينَ مِنَ الرِّجال بالنِّسَاءِ وَالْمُتَشبُهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ
بالرجال (3).
(1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 11 - 12.
في الخطبة والزواج. " محاضرة مطبوعة"، لدى الكاتب نسخة منها ص 7.
(2) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى الزينة والأعراس ص 17 - 19.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 12.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 5 - 6.
الجهضمي، من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد
بن حمد الخليلي ج 1 ص 258.
(3) - البخاري، باب: الْمُتَشَبِّهُونَ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتُ بالرِّجَالِ، رقم الحديث 5435. (1/100)
صفحة 101
الملكي المعتصم
الخروج عن الفطرة السليمة، فإن شهامة الرجولة وخشونة الذكورة تابى عليه أن يتحلى بما تتحلى به الإناث اللائي وصفهن الله بقوله: {أَوَمَن
يُنَشِّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِين ((الر حرف: 18 (1)
18
المخالفة الصريحة للنهي النبوي القاضي بمنع الرجال من التختم بالذهب (2) فعند الربيع من طريق عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبِ الَ: "نَهَانِي رَسُولُ الله عَنْ أَبْسِ الفَسِّيِّ، وَعَنْ أَبْسِ الْمُعَصْفَرِ، وَعَنْ لُبْس خاتم الذهب، وَعَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآن في الركوع والسجود (3).
التقليد الصريح للمشركين والتأسي بهم في اتباع هذه العادة الذميمة، وقد حرص الإسلام على استقلالية الشخصية المسلمة في المظهر والمخبر، حتى جعل الرسول المتشبه من أولئك القوم الذين تشبه بهم فقال: "مَنْ تَشَبةَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ (4)، بل روي عنه - عليه الصلاة والسلام- أنه نفى المتشبه بالغير من أن يكون وليا للمسلمين، وحذر في موضع آخر من التشبه باليهود والنصارى فقال: لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا، لَا تَشَبُهُوا بِالْيَهُودِ وَلَا
بِالنَّصَارَى)
(0) 11
1
(1) - اطفيش تيسير التفسير ج 12 ص 17.
(2) - الخليلي، فتاوى الزينة والأعراس ص 121 - 122.
(3)
(4)
(3)
- الربيع، بَابٌ: فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَمَا يُفْعَلُ فِيهِمَا، رقم الحديث 231.
- قال عنه العراقي في تخريجاته على الإحياء رواه أبو داود من حديث ابن عمر بسند صحيح. يُنظر: أبو داود، باب: في لبس الشهرة، رقم الحديث 3512.
- الطبراني، المعجم الأوسط، باب الميم - من اسمه محمد، رقم الحديث 7593. (1/101)
صفحة 102
المعتصم
N
اتباع الأوهام والخرافات التي لا تستند إلى الحقائق وتخالف الوقائع، وقد أمر المسلم بالتبين والتثبت وأخذ الحذر وأن لا يتبع الأوهام والظنون
ولكل ذلك شواهد ودلائل لا تخفى على تالي الكتاب العزيز.
أن في هذه البدعة أيضا مخالفة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم في موضع التختم؛ إذ إنهم يتختمون في البنصر، وهدي النبي التختم في الخنصر اليسرى؛ فعن أنس ابن مالك له قَالَ: "كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي هَذِهِ وَأَشَارَ إِلَى الْخِنْصِرِ مِن يَده الْيُسْرَى (1).
فائدة: ثبت أن النبي لا لبس الخاتم، وكان نقش خاتمه (محمَّدٌ رسولُ الله، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "أَتَّخَذَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ، ثُمَّ نَقَشَ فِيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله، فَقَالَ: لا يَنْقُش أَحَدٌ عَلَى نَفْش خَاتَمِي هَذَا (2).
إلا أنَّ لبس الخاتم لا يمكنُ أنْ يُعدَّ سنةً من السنن التي يطلب من الناس أد يطبقوها؛ لأنَّ النبي لم يلبس الخاتم إلا لحاجة، وهي ختم الرسائل الموجهة إلى الملوك؛ ولذا لم يلبسه الكثيرُ من السَّلفِ والخلف من أهل العلم والفضل، كما أجابَ الإمام الخليلي الله، والعلامةُ القنوبي -حفظه الله - (3)
والتنبيه الرَّابع: إذا رغب امرؤ في نكاح امرأة وتعلق قلبه بها وتقدم لخطبتها لكنها رغبت عنه وصدت عنه، صدودا، فعليه أن يلجأ إلى الدعاء والتضرع إلى الله؛
(1) - مسلم بَاب فِي لُبْسِ الْخَاتَمِ فِي الْخِنْصِرِ مِنْ الْيَدِ، رقم الحديث 3909.
(2) - مسلم، باب: لُبْسِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، رقم الحديث 3900.
(3) - يُنظر:
ابن ماجه، باب: نَقشِ الْخَاتَمِ، رقم الحديث 3629.
القنوبي، دروس صيف 1422 هـ / 2001 م، "مذكرة خاصة" ص 29.
القنوبي، دروس صيف 1423 هـ / 2002 م، (مذكرة خاصة "أ" ص 73).
القنوي، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" حلقة: 20 ربيع الأول 1428 هـ، يوافقه 2007/ 04/08 م. (1/102)
صفحة 103
المعلم
با معتصب في فقها
فإن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها ويصرفها كيف يشاء)، عليه أن يوقن بخيرة ما اختاره الله له وكتبه وأن يستحضر في نفسه قرن الحق تعالى:
وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ
(216
يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (الفرقة 216، وأن الله تعالى مع تقراه حق تقاته جاعل له مخرجا ومعوضه زوجة من حيث لا يحتسب؛ كما قال سبحانه: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ل يجعل له مخرجا وَيَرْزُقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بلغ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا
الطلاق:
- - -.
وعليه بعد أن يكل أمره إلى الله ويتوكل عليه حق توكله أن يُعرض عما نهى الله تعالى عنه في هذا الباب من الوسائل التي يزعم أصحابها أنها تستجلب القلوب وتستميلها كالكتابات التي شاعت في بعض الأزمنة لا سيما ما كان منها طلاسم وحروزا، وهذا كما يقال في الرجل يقال في حق المرأة أيضا (2)، وقد أنكر هذه البدعة أشد الإنكار الإمام القدوة نور الدين السالمي -رحمة الله عليه- في "أجوبته"، وكما في قوله في "جوهره":
ثم الكتابة التي قد ذكرت
***
حادثة في جمعنا المعهود
والله قد أغنى العباد عنها
وحيثما قل اليقين في الورى
***
***
***
لا أعرف الوجه بها لو شهرت وأصلها قد كان في اليهود بأدعيات يستجاب منها قاموا لزخرف لهم قد سُطّرا (3)
(1) ـ جزء من حديث رواه مسلم، باب: تَصْرِيفِ اللَّهِ تَعَالَى الْقُلُوبَ كَيْفَ شَاءَ، رقم الحديث 4798.
(2) - يُنظر:
(3) - ينظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 15.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 24. (1/103)
صفحة 104
104
maigall
خَاتِمَةٌ
اِقْرَأْ وَتَدَبَّر
يقول الإمام محمد بن إدريس الشافعي في ديوانه المليء بالحكم والمواعظ:
إذا المرء لا يرعالة إلا تكلفا
***
فدعه ولا تكثر عليه التأشفا
***
فَفِي النَّاسِ أَبْدَالُ وَفِي التَرْكَ رَاحِةٌ وفي القلب صبر للحبيب ولو جفا فَمَا كُلِّ مَنْ تَهْوَاهُ بهواك قلبه وَلَا كُلٌّ مَنْ صَافَيْتَه لَكَ قَدْ صَفًا
***
إذا لم يكن صفو الوداد طبيعةً
السالمي جوابات الإمام السالمي ج 2 ص 489 - 490.
السالمي، جوهر النظام ج 2 ص 248.
(1) - الشافعي، محمد بن إدريس الديوان ص 99.
***
فلا خير في ود يجيء تكلف) (1/104)
صفحة 105
المعلمة
ات المعتصم في فقه النكاح
105
الْبَابُ الرَّابِعُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ عَلَى التَّأْبِيْدِ
(النَّسَبُ المُصَاهَرَةُ الرَّضَاعُ)
قَالَ تَعَالَى: وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَعَ مَابَاؤُكُم مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ
إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلا (3) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ
22
وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّتُكُمْ وَخَلَتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآبِكُمْ
وربيبكُمُ الَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَا بِكُمُ الَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَعَلَيلُ أَبنَا بِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَيكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ كِتَبَ اللَّهِ
ج
عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاة ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم تُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَنفِحِينَ)
النساء: 22 - 024
لقد تقدم لديك أخي القارئ العزيز أختي القارئة العزيزة ما يتعلق بالخطبة تفصيلا، وقد جاء في تعريفها بأنها هي: طلب الرجل التزوج بامرأة معينة خالية من الموانع الشرعية"، وقد وعدنا هناك بأن نرجئ الحديث حول الموانع الشرعية التي تمنع الخطبة والزواج إلى الأبواب الآتية، وها نحن هنا نفي بالوعد، فنقول على الله من
متوكلين: (1/105)
صفحة 106
106
المعتصمي
لقد اقتضت الحكمة الربانية والرحمة الإلهية الواسعة بالعباد أن يبين لهم موانع النكاح عموما والمحرمات من النساء خصوصا ليجتنبوا نكاحهن، ويكون من عداهن
حلالا مباحا يجوز للرجل الاقتران بهن تحت دوحة الشريعة الظليلة؛ فقد قال المولى خاتما الحديث بعد ذكر المحرمات من النساء -: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ تُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ. . النساء: 24، وأحكام هذه النساء المحرمات الواردة في "آية المحرمات" والآية التي قبلها والآية التي بعدها من الأحكام الثابتة التي لا تقبل التغيير والتبديل على اختلاف الأمكنة وتعاقب الأزمنة.
وإجمالا فالموانع التي تمنع الاقتران بالمرأة تنقسم إلى قسمين:
أ-
موانع على التأبيد.
ب موانع على التوقيت.
فالموانع المؤبدة تحرّم نكاح المرأة حرمة مؤبدة في الحال وفي المستقبل، بل لا يمكن أن يرتفع هذا المانع من النكاح في يوم من الأيام، وتنقسم المحرمات على التأبيد إلى ثلاثة أقسام رئيسة: (محرمات بالنسب ومحرمات بالمصاهرة، ومحرمات بالرضاع (1) كما بينتها آية المحرمات التي تلوتها في صدر هذا الباب، وسيأتي تفصيلها فيه إن شاء
الله تعالى.
وهناك نساء محرمات على التأبيد أيضا، لكن تحريمها هذا بأسباب أخرى سيأتي بيانها في الباب القادم بإذن الله، وهي الزنى واللعان، وسيأتيك التفصيل في أقسام وفصول، فترقبه قريبا ..
(1) ـ القرابة بالنسب: هي التي نشأت بسبب الولادة، وأما المصاهرة فهي القرابة الناشئة بسبب الزواج، والرضاع:
هي التي نشأت بسبب تحقق الرضاع. (1/106)
صفحة 107
المعلمين
المعتصم في فقه النكاح
فائدة مهمة
107
التحريم المؤبد بسبب النسب أو المصاهرة أو الرضاع هو الذي ينتج عنه علاقة محارم بين الرجل والمرأة؛ فمَحْرَمُ المرأة: هو الرجل الذي يحرم عليه نكاح المرأة حرمة مؤبدة بسبب نسب أو رضاع أو مصاهرة (1)، ومن الأحكام المهمة الأخرى لمحرم المرأة
ما يأتي:
جواز مصافحتها.
—
جواز الاختلاء بها.
جواز السفر معها.
وابن
جواز إبداء المرأة زينتها عنده.
وما عدا محرم المرأة فهو رجل أجنبي منها كابن العم وابن العمة، وابن الخال الخالة، وهي امرأة أجنبية منه صغيرة كانت أو كبيرة ما دام أنها بالغة، فلا يجوز أن يقع بينهما كل ما تقدم من المصافحة والخلوة والسفر وإبداء الزينة، وإن كان هذا الرجل قريبا لها كما رأيت، أو قريبا لزوجها كأخ الزوج مثلا (2)؛ كما حذر من ذلك الرسول عليه الصلاة والسلام- أشدَّ تحذير بقوله: إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى
(1)
- الخليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 128.
(2) - يُنظر:
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 183.
الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقه: 22 رجب 1423 هـ، يوافقه 2002/ 9/29 م. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذكر، حلقةُ: 24 ربيع الثاني 1425 هـ، يوافقه 2004/ 6/13 م. الخليلي، برنامج: "سُؤَالُ أَهْل الذِّكْرِ، حلقه 7 رمضان 1427 هـ، يوافقه 2006/ 10/1 م. القنوبي، دروس صيف 1425 هـ، 2004 م، "مذكرة خاصة" ص 15.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ص 355، 383. القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقه: 6 رمضان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 11/12 م. الفنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة: 17 شوال 1423 هـ، يوافقه 2002/ 12/22 م. القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة: 21 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/16 م. (1/107)
صفحة 108
108
المعتصم 3
ههه ال
النِّسَاءِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قَالَ: الْحَمْرُ
الْمَوْتُ (1).
(1) - حمو المرأة: هو أخو زوجها.
تنبية: يخلط بعض الناس في الأمور فيخطئ حينما يصف الزوج بأنه محرم" للمرأة، وهذا خطأ واضح؛ إذ الزوج ليس بمحرم لزوجته، لأنه لو كان محرمًا لها لَمَا جَاز له أن يتزوجها، ولَمَا جَاز له أن يستمتع بها، وإنَّما هي حليلته، وهو أقرب الناس إليها وهي أقرب الناس إليه، ولعل التخليط في التعبير سرى لهؤلاء في مقام الحديث عن الخلوة وحرمة سفر المرأة وحدها فقالوا: لا بد لها من محرم وأدخلوا الزوج ضمن المحارم والحق أن الزوج ليس بمحرم كما رأيت بل هو
أقرب. يُنظر: البخاري، بَاب: لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةِ إِلا ذُو مَحْرَمِ وَالدُّخُولُ عَلَى الْمُغِيبَةِ، رقم الحديث 4831. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقةُ: 29 رجب 1423 هـ، يوافقه 2002/ 10/6 م. الخَلِيلِيُّ، برنامج "سؤالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقةُ: 9 رمضان 1430 هـ، يوافقه 2009/ 8/30 م. (1/108)
صفحة 109
المعلمين
109
القِسمُ الأَوَّلُ فِي التَّحْرِيمِ بِالنَّسَبِ:
اعرف أيها المتعلم جعل الله بينك وبين أهل العلم معرفة ونسبا أن النسب وهو القرابة- أقوى وأشد موانع النكاح على الإطلاق، وقد أجمعت الشرائع السماوية كلها على جعله سببا محرما للزواج، وإن اختلفت دائرة التحريم بالنسب بين شريعة وأخرى)، والفصل الآتي سيكشف لك بعون الله- دائرة التحريم بالنسب في شريعة الإسلام ..
فَصْلٌ فِي الْمُحَرَّمَاتِ بِالنَّسَبِ
لقد لخص لنا الكتاب العزيز أسباب التحريم بالنسب في أربعة أصناف، وجاءت سنة النبي صلى الله عليه وسلم القولية والعملية مترجمة دلالات الكتاب الجلية والواضحة، وأكد مدلولها الإجماع القولي والعملي من أتباع أمة الإجابة)، وعليه فالنساء المحرمات بالنسب هنَّ
كالآتي:
أولاً الأَصلُ وَإِنْ عَلا:
فيشمل الأم، وأم الأم وإن علت كأم الجدة سواء كانت جدة من أب أو من أم، وأم الأب وإن علت كأم الجد سواء كان الجد من أب أو من أم؛ والدليل على تحريم هؤلاء قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ) النساء: 23، فكما تطلق الأم على الأم المباشرة فكذا تطلق على الجدات؛ لأن الأم في اللغة "الأصل" فيشمل الأصل
(1) ـ أبو زهرة، الأحوال الشخصية ص 65.
(2) - ابن المنذر الإجماع ص 40.
فائدة: أُمَّة النبي
تنقسم إلى قسمين: أمة الدعوة وأمة الإجابة، فأمة الدعوة هم جميع من شملتهم دعوته من
العالمين من غير حد بزمان ولا مكان إلى قيام الساعة سواء آمنوا به أم لم يؤمنوا، وأما أمة الإجابة فهم الذين أجابوا
دعوته و آمنوا به واهتدوا بمديه واتبعوا سنته. (1/109)
صفحة 110
المعتمد
القريب والأصل البعيد كما أن الحرمة هنا إنما هي من أجل النسب، فلما حرمت الآية بمنطوقها من هو أبعد نسبا وهن العمات والخالات بنات الجدات كان المفهوم الموافق أن الأقرب أولى بالتحريم وهن أمهات أولئك المحرمات الأبعد نسبا و
الإجماع على حرمة الجدات.
ثانيا الفَرْعُ وَإِنْ نَزَلَ:
وهن
وقد انعقد
البنات وبنات البنات وبنات الأبناء وبناتهن وإن سفلن، فيشمل التحريم
جميع الحفيدات في عمود النسب؛ والدليل على التحريم قوله: وَبَنَاتُكُمْ}
النساء: 23.
فقد نصت الآية الكريمة على تحريم البنات عطفا على الأمهات، فيدخل في التحريم البنات المباشرات نصَّا، كما يدخل فيه أيضا بنات البنات وبنات الأبناء بالمجاز الذي أكده الإجماع القطعي. ولأن السبب في التحريم هنا هو النسب فتحرم بنت البنت وبنت الابن من جهة أخرى؛ لأن الآية ذكرت بعدها تحريم بنات الأخ وبنات الأخت وهن أبعد نسبا فحرم الأقرب من باب أولى، فحرمت بنات البنات والأبناء بالنص والإجماع والقياس.
ثالثًا فُرُوعُ الأبوين، أوْ أَحدهما وإنْ تَزَلُوا:
وهن الأخوات سواء كن شقيقات أو من أب أو من أم، يحرم نكاحهن؛ لأن الأخت هي التي تجتمع مع غيرها في صلب أو في رحم أو في كليهما).
(1)
- فَائِدَةٌ أُخْرَى: أبيحت الأخوات في عهد سيدنا آدم الا للضرورة، لما لم يكن في الأرض من الذرية إلا أبناؤه وبناته، ولكن هذه الإباحة لم تكن على إطلاقها، فقد أبيح من أبناء آدم الزواج بأخواتهم من بنات آدم اللائي لم يولدن مع ذلك الأخ في بطن واحد، وذلك أن السيدة حواء عليها السلام كانت تلد في كل بطن ذكرا وأنثى، ثم ارتفعت هذه الإباحة بارتفاع الضرورة، والله أعلم. يُنظر:
الخليلي، سلسلة دروس
التفسير. "مادة سمعية، اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية. (1/110)
صفحة 111
المعلمم
المعتصم في فقه النكاح
وكذا يحرم نكاح فروع الأخوات وإن نزلن كبنت الأخت وبنتها وإن نزلت، وبنت الأخ وإن نزلت وبنت ابن الأخ وإن نزل الابن أو نزلت البنت.
والدليل على تحريم الأخوات قوله -عز وجل-: وَأَخَوَاتُكُمْ، وعلى
تحريم جميع فروعهن قوله جل شأنه: {وَبَنَاتُ الْأَخَ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ
رابعا الطَّبَقَةُ الأولى مِنْ فُرُوعِ الأَجْدَادِ، وَإِنْ عَلَوْا:
وهن
النساء: 23.
العمات والخالات وإن علا الآباء والأجداد كعمات الأب وخالاته وعمات الجد وخالاته سواء كان هذا الجد أو الجدة من جهة الأب أو من جهة الأم، والدليل المحرم للطبقة الأولى من فروع الأجداد والجدات هو قوله تعالى في آية المحرمات: وَعَمَّتُكُمْ وَخَلَتُكُمْ} النساء: 033
وتباح فروع هؤلاء من النساء وإن سفلن كبنات العم والخال وبناتهن، وكذا بنات العمة والخالة، وبناتهن؛ لأنهن لم يُذكرن ضمن المحرمات فيدخلن في عموم قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَالِكُمْ} النساء: 24، بل التصريح بالإباحة والتحليل وارد في قوله: يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ الَّتِي وَاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِكَ وَبَنَاتِ عَمَّتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ
خَلَيْكَ الأحزاب: 50، والأصل أن ما أحل للرسول صلى الله عليه وسلم فهو حلال لسائر أمته، إلا
60.
ما خصه به الدليل الشرعي ولا دليل هنا على التخصيص. (1/111)
صفحة 112
معنا
فَصْلٌ فِي الحِكْمَةِ مِنَ التَّحْرِيْمِ بِالنَّسَبِ
اعلم أيها المؤمن المتفقه الحكيم - أن الله لم يشرع لعباده إيجابا ولا تحريما إلا بالعدل والحكمة والحق والرحمة ومن هنا كان لتحريم شريعة الإسلام الكاملة الزواج الأقارب من جهة الأنساب حكم بالغة، يمكن أن ألخص لك بعض ما ظهر منها في
من
الآتي:
النساء القريبات كالأم
تسير
أن ضرورة الحياة تقتضي وجود الاختلاط مع والأخت والعمة، والخالة فكان تحريم الزواج بهن من أجل أن الحياة بسهولة ويسر في طريقها السليم، وتبقى العلاقة مع القريبات علاقة طاهرة نقية عن أي مطامع جنسية في الطرف الآخر، ولو أبيح الزواج بهؤلاء القريبات لم يحصل ذلك الاستقرار الأسري، ولعسرت الحياة ووقع الناس في المشقة والعنت، أو لوقع المحظور في البيت الواحد، وإِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ.
أن الزواج بالأقارب كما يقول بعض أهل الاختصاص- قد يؤدي إلى إضعاف النسل ووجود الأسقام والعلل في الذرية، ولذا حرم الإسلام الزواج من تلك القريبات جدا مع جواز الاقتران بمن عداهن من القريبات، وإن حَبَّب الكثيرُ الإبعاد في النكاح من أجل جودة
النسل كما تقدم (1).
(1) - أبو زهرة، الأحوال الشخصية ص 65. (1/112)
صفحة 113
إنتقل المعتصم 3 في فق
القِسْمُ الثَّانِي فِي التَّحْرِيمِ بِالْمُصَاهَرَةِ
ة النكاح
-
تعلم أيها الطالب جعل الله لك في كل خير سببا وصهرا أن المصاهرة هي الصلة السببية التي تنشأ بسبب زواج الرجل بالمرأة، والصلة بالمصاهرة وما يترتب عليها من التحريم تنشأ بمجرد عقد الزواج ولو لم يقع الدخول بين الزوجين، إلا ما
سيأتي استثناؤه من الأم فإنه لا بد من الدخول بها حتى يحرم زوجها على ابنتها، ولكل حادثة حديث، ولكل نبأ مستقر
(1)
فَصْلٌ فِي الْمُحَرَّمَاتِ بِالْمُصَاهَرَةِ
إن آيات المحرمات السابقة كما جاءت بذكر المحرمات من النسب والولادة جاءت كذلك بذكر المحرمات بسبب المصاهرة والتزاوج وهن أيضا على أربعة
أصناف كالآتي: أولاً أُصُولُ الزَّوْجَة:
فتحرم أم الزوجة وجميع جدات الزوجة وإن علت هذه الجدات، سواء كانت
الجدات من جهة الأم أم من جهة الأب، وسواء دخل بالزوجة أو لم يدخل.
والدليل على تحريم هذا الصنف من النساء قوله تعالى: وَأُمَّهَاتُ نِسَآبِكُمْ النساء: 23 عطفا على قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ) النساء: 23، وكلمة الأمهات هنا تشمل "الأم" المباشرة وتشمل الجدات كما سبق بيانه، والآية لم تقيد التحريم بالدخول فيبقى على إطلاقه، وعليه فتحرم أم الزوجة وجدات الزوجة بمجرد العقد على تلك الزوجة ولو لم يدخل بها الزوج.
(1) - يُنظر:
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" حلقة: 11 ربيع الثاني 1428 هـ، يوافقه 2007/ 04/29 م.
ابن المنذر الإجماع ص 40. (1/113)
صفحة 114
114
المعلم
ثانيا/ فروع الزوجة:
فتحرم بنت الزوجة من غير ذلك الزوج أي ربيبته، وبنت بنتها، وبنت ابنها وإن نزلن، بشرط أن يكون قد دخل بهذه الزوجة أما إذا لم يدخل فلا تحرم عليه
فروعها.
والدليل على التحريم قوله جل شاله: {وَرَبِّبُكُمُ
النساء: 23 - 24،
والربيبة هي بنت الزوجة سواء وُلِدَتْ قبل زواجه بأمها أو بعد زواجه بها، ويسري هذا الحكم على الربيبة المباشرة وكذا بنتها وبنت الابن الربيب) وإن نزلوا، إلا أن هذا التحريم مقيد بشرط الدخول على هذه الزوجة، فإن لم يكن دخول وإنما مجرد
عقد
جاز
نكاح فروع الزوجة وهذا ما نصت عليه الآية المحكمة الواضحة من نِّسَا بِكُمُ الَّتى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}
النساء: 23 - 24.
قاعدة: ولأجل ضبط هذا التقييد فقد اشتق العلماء قاعدة مهمة في باب النكاح، وهي أن "العقد على البنات يحرم الأمهات والدخول بالأمهات يحرم
البنات (1).
وقد ذكر بعض
العلماء في الحكمة من التفريق بين الأمهات والبنات أن في ذلك
إتاحة أكبر لفرصة الزواج أمام البنات وهن المقبلات على الحياة أكثر من الأمهات
اللاتي نلن نصيبهن من الحياة الزوجية.
(1) - يُنظر:
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْر، حلقه: 11 ربيع الثاني 1428 هـ، يوافقه 2007/ 04/29 م.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ص 496.
القنوي، برنامج: "سؤال أهل الذكر " حلقة: 7 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/2 م.
ابن المنذر الإجماع ص 40. (1/114)
صفحة 115
المعلممرا
المعتمم
و فقها
115
كما أن الأم بطبيعتها السليمة تؤثر في العادة ابنتها بالزواج على نفسها، فما دام أن الزوج لم يدخل بها فإن نفسها تطيب أن تراه مع ابنتها، لأنها ترى في سعادة ابنتها سعادة لها، بل إنها تستعذب الشقاء من أجل أن تسعد بناتها.
وأما بعد الدخول فيبعد ذلك؛ لأنها بعد أن استوفت حظوظ الزواج وذاق كل
منهما عسيلة الآخر فلا تطيب نفسها أن ترى من كان حليلا لها مع ابنتها.
وهذا كله بخلاف البنت؛ فإنه ليس من طبعها أن تؤثر أمها على نفسها، فإذا عقد عليها ثم طلقها وتزوج أمها حقدت على أمها التي سعدت بهذا الزوج الذي كان سيا في شقائها، إضافة لذلك فإن من طبع البنات عموما عدم الرضا بزواج أمها بغير أبيها، والله أعلم وأحكم.
تنبيه مهم: وصف الآية للربائب المحرَّمات بأنهن في الحجور) وَرَبيبه وَرَبَبُكُمُ الَّتِي فِي حُجُورِكُم) النساء: 23 لا مفهوم له أي لا يُقيَّد حكم المنع بها عندما تكون هذه الربائب في الحجور فقط؛ لأن منطوق الآية جرى مجرى الأغلب المعتاد وإذا جرى المنطوق المذكور مجرى الأغلب المعتاد فإنه لا يعتد في هذه الحالة بمفهومه المخالف كما يقول النور السالمي -رحمة الله عليه:
***
وَذَاكَ مِنْلُ عَادَة لِلْعَرَبِ فِي نَحْوِ أَنْ يَجْرِيَ مَجْرَى الأَغْلَب (1)
بيان ذلك أن الربيبة في العادة تتربى في بيت زوج أمها الذي يرعاها ويقوم بشؤونها، وعلى ذلك فلو قدر أن بنت الزوجة تربت في غير بيت زوج أمها لم يكن
(1) - السالمي، طلعة الشمس شرح شمس الأصول ج 1 ص 520.
(1) (1/115)
صفحة 116
116
المعتصم
ذلك محلا لها، ولم تكن حلالا لزوج أمها، ولو ولدت بعد فراقه لهذه الزوجة أم و مذهب الجمهور وعليه المعول والمعتمد، والله الحمد وبه التوفيق (1)
البنت، هذا هو
ثَالثًا زَوْجَاتُ الأُصول:
كزوجة الأب وزوجة الجد وإن علا، سواء كان الجد من جهة الأب أو من جهة
الأم، وسواء وُجد دخول بالزوجات أو لا.
والدليل على تحريم هذا الصنف قول الحق تبارك وتعالى- في الآية التي تسبق آية المحرمات: {وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ مَابَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (النساء: 22، فتدخل زوجة الأب دخولا أوليا في هذا النهي للعبارة الصريحة الدالة على ذلك "ما نكح آباؤكم" ولو لم تكن هي الأم، كما تدخل أيضا زوجة الجد ولو لم تكن هي الجدة؛ لأن "الأب" في اللغة يطلق على الأصل المذكر وإن علا أي سواء كان مباشرا أو غير مباشر، وقد انعقد الإجماع على تحريم زوجات الآباء والأجداد؛ إذ لم يعلم عن أحد من أهل العلم القول بغير هذا، ولا يتصور.
فائدة: مما كان شائعا في الجاهلية من الأنكحة الفاسدة زواج الابن بزوجة أبيه إن لم تكن أُمَّه التي ولدته، فإذا توفي الأب كان الابن الأكبر أو أوَّلُ مَن يأتي من أبنائه ويلقي عليها رداء أحق بها دون إخوته فيرثها كما يرث سائر المتاع، فإن شاء
(1) - يُنظر:
@
القنوبي، دروس صيف 1422 هـ / 2001 م، "مذكرة خاصة" ص 15.
المنتدى الأدبي، قراءات في فكر أبي نبهان محاضرة لسماحة المفتي بعنوان: "الجانب الفقهي والاجتهادي في سيرة أبي
نبهان" ص 137، 138.
الغاربي محمد بن راشد برنامج سؤال أهل الذكر " حلقة: 24 رجب 1424 هـ، يوافقه 21/ 2003/9 م.
، (1/116)
صفحة 117
ات المعتصم
لمعتصم في فقه النكاح
117
نكحها بنفسه، وإن شاء أنكحها غيره، وإن شاء عضلها، فمنعها من النكاح ولم يزوجها حتى تفتدي بكل ما تملك، أو تموت هما وغما (1).
ونكاح الابن من زوجة أبيه هو الذي كان يعرف عندهم بـ"نكاح المقت"، والابن الناتج من هذا النكاح يسمى "المقتي"؛ فحرم الله ذلك بقوله تَعَالَى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْها من النساء: 19، 19، وقوله: {وَلَا
تنكِحُوا مَا نَكَحَ وَابَارُكُم مِن النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (النساء: 22 (2).
(2)
مصيبة: أتي عبد الملك بن مروان ذات يوم برجل تزوج امرأة أبيه، فقال له عبد الملك: لم نكحت أمك؟!! فقال الرجل: إنها ليست أمي، وإنما هي امرأة أبي، فضرب عبد الملك عنقه بعد أن أجابه بقوله: "لا" جهل ولا تجاهل في الإسلام"، فبلغ ذلك جابرا فقال: "أحسن عبد الملك وأجاد (3).
(1) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد سلسلة دروس التفسير، تفسير الآية رقم 7 من سورة النساء/ الدرس الأول. "مادة
سمعية"، اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية.
(2) - يُنظر:
(3) - ينظر:
الخليلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 27 محرم 1427 هـ، يوافقه 2006/ 2/26 م.
سابق، فقه السنة ج 2 ص 73.
الجناوني، كتاب النكاح ص 31 - 32.
الخليلي، برنامج: "سؤالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقه: 19 ربيع الثاني 1423 هـ، يوافقه 2002/ 6/30 م. (1/117)
صفحة 118
118
المعتمب
وافقة النصب
وهذا الحكم -وهو القتل حدا هو حكم كل من نكح ذات محرم منه متعمدا سواء كان بكرا أم محصنا، وإن ادعى الجهل بالتحريم؛ لأنه في الحقيقة "زين بالمحارم"،
والعياذ بالله).
أما إن كان جاهلا بالعلاقة التي بينهما، بحيث لم يعلم كل واحد منهما الصلة والقرابة المحرمة التي بينهما عُذرا من الإثم والحد مع وجوب التفريق، وثبوت النـ لشبهة النكاح الفاسد، والله أعلم (2).
رَابعًا زَوْجَاتُ الفُرُوعِ:
أي زوجة الابن وزوجة ابن الابن وزوجة ابن البنت وإن نزلوا، سواء دخل الابن بالزوجة أو لم يدخل.
(1) - القتل حدا لمن وقع على ذات محرم منه حكم شرعي لا ريب فيه ولا شك، وقد اتفقت عليه العلماء، ولا يضره ضعف أسانيد بعض الأحاديث التي وردت في هذا الجانب كرواية: "من وقع على ذات محرم فاقتلوه"، فإنها وإن كانت سليمة المعنى إلا أنها ضعيفة الإسناد كما أبان المحدث القنوبي، وكرواية أبي بردة: "بعَثْنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةَ أَبِيهِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ"، فإن فيها "السدي" الذي يقول فيه شيخنا أبو عبد الرحمن: " .. وبسببه لا يمكن أن يصحح حديثه"، وللمزيد من التفصيل انظر القسم الثاني من أجوبة المحدث القنوبي المخطوطة. يُنظر: الخليلي، فتاوى النكاح ص 164.
(2) - يُنظر:
الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" حلقة: 19 ربيع الثاني 1423 هـ، يوافقه 2002/ 6/30 م.
الخليلي، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقة: 21 جمادى الأولى 1427 هـ، يوافقه 2006/ 6/18 م.
القنوى، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الثاني ص 7 - 8.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الخامس ص 37.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 24، 53، 207.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 148.
الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذكر، حلقه: 29 رجب 1423 هـ، يوافقه 2002/ 10/6 م. الخَلِيْلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقةُ: 21 رمضان 1427 هـ، يوافقه 2006/ 10/15 م. السالمي جوابات الإمام السالمي ج 2 ص 504. (1/118)
صفحة 119
المعتوب في فقه النكاح
الات رفقة
119
والدليل على هذا الحكم قول الله تعالى في سياق ذكر المحرمات: {وَحَلَبِلُ
أَنَا بِكُمُ وأبناء البنات (1)
النساء: 23 وحليلة الابن هي زوجته ولفظ الابن يشمل أبناء الأبناء
تنبية: تقييد الأبناء بكونهم من الأصلاب وَحَلَبِلُ أَبْنَابِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَيكُمْ) النساء: 23، يراد منه إخراج الأدعياء الذين كانوا يُدْعَوْن إلى غير آبائهم على طريقة التبني التي كانت فاشية في الجاهلية وصدر الإسلام، فيجوز نكاح حليلة المتبنى كما فهمه علماء السلف من تفسير هذه الآية، يقول شيخ المفسرين منتصرا لهم: "وهذا نأخذ، وعليه نعول (2).
وقد أراد الله تعالى أن يبطل هذا الادعاء والافتراء ويقتلع هذه العادة من النفوس بتزويج نبيه الكريم بحليلة من كان متبنى له كما صرح بذلك المولى في سورة
411
الأحزاب في فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَيَّحْتَكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَج
في أَزْوَجُ أَدْعِيَا بِهِمْ إِذَا فَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) الأحزاب: 37
37
وما ذلك الاهتمام الإلهي بهذه القضية إلا لأن "المتبنى" ليس ابنا في الحقيقة، وإنما هو مجرد ادعاء كما وصفه الله تعالى بقوله: وصفه الله تعالى بقوله: وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَالِ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ ادْعُوهُمْ لِآبَابِهِمْ هُوَ
21 - الخَلَيْلِيُّ، أَحَمَدُ بنُ حَمَد. فتاوى النكاح ج 1 ص 122.) - الخليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد. سلسلة دروس التفسير تفسير الآية رقم 23 من سورة النساء "آية المحرمات"/ الدرس
الخامس. "مادة سمعية اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية. (1/119)
صفحة 120
120
المعتمد
أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَنُكُمْ فِي الدِّين ومؤليكم الأحابية)
ولذا فإنك تدرك أيها الخبير - أنه لا يخرج من هذا التقييد أبناء الأبناء؛ لأن لفظ الأبناء في لغة العرب يشمل أبناءهم، إذ يراد بـ"الأبناء" كل من يتصل بالشخص بصلة الولادة، والتقييد إنما هو لإخراج حلائل الأبناء بالتبني كما رأيت.
وكذا الأبناء من الرضاع، سيأتي أنهم داخلون في هذا الحكم وليسوا هم المقصودين بالإخراج من خلال هذا القيد؛ إذ يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب - كما سيأتي قريبا بإذن الله تعالى (2).
تنبية أخير: الحكم المذكور هنا وهو التحريم - مقصور على "زوجات الفروع" دون أصولهن وفروعهن وحواشيهن، وعليه فيجوز للرجل أن يتزوج أم حليلة ابنه، كما يجوز له أن يتزوج ابنتها وأختها، وبعبارة أخرى يجوز للأب أن يتزوج امرأة قد تزوج ابنه ابنتها أو أمها أو أختها ..
كما يجوز العكس أيضا، أي أن تحريم زوجات" الأصول" مقصور عليهن دون أصولهن وفروعهن وحواشيهن، فيتزوج الابن ابنة زوجة أبيه (ربيبة أبيه) أو أم زوجة
(1) - يُنظر:
(2)
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقه: 13 ذو القعدة 1425 هـ، يوافقه 2004/ 12/26 م. الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقه: 11 محرم 1426 هـ، يوافقه 2005/ 2/20 م. القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الرابع ص 89.
الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَدٍ. برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ - تلفزيون سلطنة عمان، حلقه: 11 محرم 1426 هـ
يوافقه 2005/ 2/20 م. (1/120)
صفحة 121
عامين
المعتصم
وفقه النكاح
أبيه هذه أو أختها، وقد تزوج محمد بن الحنفية (ابن الإمام علي كرم الله وجهه) امرأة وزوج ابنه ابنتها (1).
يقول سماحته - يرعاه الله -: "والربيب لا حُرْمَة بينه وبين أولاد زوج الأم، فإن كان هذا الربيب ذكرًا فيحل له أن يتزوج من بنات زوج أمه، وإن كانت أنثى يحل لها أن تتزوج بأبناء زوج أمها إذ هم منها أجانب (2).
وكما يجوز الزواج بأصول زوجة الأب وفروعها فكذا يجوز الزواج بأخواتها من
باب أولى، فتفطن لكل ذلك، والله يوفقك (3).
فَصْلٌ فِي الحِكْمَةِ مِنَ التَّحْرِيمِ بِالمُصَاهَرَةِ
لقد جاءت الشرائع السماوية معتبرةً المصاهرة سببا
من أسباب التحريم المؤبدة؛
لأنها جميعا جاءت من مشكاة واحدة وترد من مصدر واحد وهو دين الله العالم بمن خلق وما خلق والذي أنعم علينا بشرع كامل يتوافق مع الفطرة الإنسانية السوية
وينبذ كل ما خالفها.
(1) - يُنظر:
(2) - يُنظر:
(")
الجناوني، كتاب النكاح ص 26.
أرشوم، النكاح صحة وفسادا وآثارا ص 112، 113.
الخَلِيْلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" حلقة: 13 ذو القعدة 1425 هـ، يوافقه 2004/ 12/26 م.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 121، 127، 149 (حاشية). الخليلي، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقة: 13 ذو القعدة 1425 هـ، يوافقه 2004/ 12/26 م. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 23 رمضان 1427 هـ، يوافقه 2006/ 10/17 م. السالمي، جوابات الإمام السالمي ج 2 ص 519 - 520.
- الخليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَدٍ. برنامج: "سُؤالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 5 ربيع الأول 1425 هـ،
يوافقه 2004/ 4/25 م. (1/121)
صفحة 122
122
هو
المعتمم
وإن من مسلمات الفطر السليمة أن المرأة إذا اقترنت برجل صارت هي قطعة قطعة منها؛ والذي يعضد هذا المعنى قوله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ منه وصار هو لِبَاسٌ لَّهُنَّ البقرة: 187، وصارت هي بعضا منه وهو بعضا منها؛ ومصداق ذلك في قوله: وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ (النساء: 21) النساء: 21، وإذا صارت الزوجة قطعة من الزوج وبعضا منه كان من منطلق الفطرة السوية أن تكون أمها كأمه وابنتها كابنته، فتحرم عليه أمها كما تحرم عليه أمه وتحرم عليه ابنتها كما تحرم عليه ابنته وتحرم هي على أبيه وابنه كما يحرم عليها أبوها وابنها.
زوجته
وهكذا فإن المرأة إذا تزوجت من رجل أصبحت فردا من أفراد أسرته، فيكون أبوه كأبيها وابنه كابنها، وكذا الشأن في جانب الرجل، فبزواجه بالمرأة تصبح أم كأمه، وجدتها كجدته، وابنة زوجته كابنته وحفيدتها كحفيدته، وهذا ما يقتضيه عرف الناس وواقع تعاملهم في حياتهم إذ الخلطة بين هؤلاء المتصاهرين تصبح أمرا ضروريا لا مناص عنه، فالابن لا يجد بدا من مخالطة زوجة أبيه، وأم الزوجة كذلك لا تجد بدا من مخالطة زوج ابنتها وهكذا ..
كما أن الفطرة السليمة والذوق الإنساني الرفيع يقتضي أن تقتصر العلاقة مع المحرمات من المصاهرة على تبادل الاحترام والتقدير ولا يتعدى ذلك إلى الاستمتاع بالطرف الآخر؛ فإن ذلك مما تنبو عنه الطباع وتنفر منه الفطر السليمة، فلا يستسيغ المرء أن يستمتع بأم زوجته أو ابنتها، كما أن المرأة تشمئز نفسها من مقاربة أبي الزوج أو ابنه لها.
ولو أبيح للرجل أن يتزوج أم زوجته وابنتها وللمرأة أن تتزوج أبا زوجها وابنه؛ لأدى ذلك إلى انقطاع الرجل عن أهله والمرأة عن أهلها فيعيش كلاهما في (1/122)
صفحة 123
معلم
123
وحشة، لا يجد من يهتم به أو يقف بجواره ويعاونه ولأوجس الأصل خيفة من فرعه وأوجس الفرع خيفة من أصله وما بمثل ذلك تقام دعائم الأسر.
فكان في التحريم بالمصاهرة حكمة بالغة ونعمة عظيمة ظاهرة من الله؛ وذلك حتى تسير عجلة الحياة بيسر وسهولة وترتفع عن الناس الكلفة والمشقة ولا تقع في خلجات الشر وهواجس الشيطان، فيعم الأمن والأمان والراحة والاطمئنان في البيت المسلم، وتكون بينهم المودة والرحمة والإحسان، والحمد لله رب العالمين (1). فَصْلٌ
نفوسهم
في تنبيهات مُهمَّةٍ تَتَعَلِّقُ بِالْمُصَاهَرَةِ
التنبيه الأَوَّلُ: الوطء المحرَّمُ بزنى، أو عقد باطل، أو نكاح شبهة كالوطء المحلل من حيث وقوع التحريم المؤبد به فمن وطئ امرأة حراما حرم عليه تحريما مؤبدا أصولها وفروعها، وكذا بالنسبة لها يحرم عليها بسبب هذا الوطء جميع أصوله وفروعه باتفاق أصحابنا (2).
وأما بالنسبة للأبناء فحرمة موطوءة أبيهم عليهم هي دون أصولها وفروعها كما تقدم مثله في الوطء المحلل إلا تلك التي تولدت من ماء أبيهم نتيجة ذلك الوطء الآثم فلا يجوز نكاحها؛ لأنها كالأخت في التحريم.
(1) - يُنظر:
الخليلي، الوطء المحرم صه.
التيواجني، فقه الأسرة ص 37.
أرشوم النكاح صحة وفسادا و آثارا ص 117 - 118.
(2) - يُنظر:
الخليلي، الوطء المحرم ص 18، 92.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 171.
الخليلي، سلسلة دروس التفسير تفسير الآية رقم 23 من سورة النساء آية المحرمات". "مادة سمعية". (1/123)
صفحة 124
124
المعتصم
إلا أن الوطء المحرم يفترق عن الوطء المحلل في أن أولئك الذين شملتهم دائرة التحريم بالوطء المحرم مع حرمتهم على التأبيد ليسوا محارم لبعضهم البعض، فلا يصافحون ولا يخلو بعضهم ببعض .. فتنبه لذلك؛ فإنه من ذخائر العلم الدقيقة، يقول
المحقق السالمي رحمة الله:
ومن زنى بها عليه يحرم
***
وهكذا بناتها قياسا
وهكذا التي زنى أبوه
قيل ولو زنى بما من بعد
ذلك الزناء
***
***
***
***
نكاحها، والأمات تحرم
على ربائب له قد قاسا
بها أو ابن
ه فجنبوه
تزوج بالأب أو بالولد
حرم على الآباء والأبناء (1)
فإنه
التنبيه الثاني: ومثل الوطء المحرم بأنثى في انتشار التحريم بالمصاهرة الوطء الواقع بسبب الشذوذ الجنسي بين الذكرين والعياذ بالله، وهو المعبر عنه بعمل قوم لوط، يقول سماحته في رسالته الموسعة "الوطء المحرم": " والمعول عليه عندنا في المذهب انتشار الحرمة بوطء الذكر كالأنثى .. فإن أتى الرجل رجلا كان ذلك سببا في انتشار حرمة النكاح أيضا - بين كل منهما ومن ولد الآخر أو ولده، فلا يجوز لأيهما أن يتزوج بنت الآخر أو أمه؛ إذ لا معنى للتفريق بين أن يكون المأتي ذكرا أو أنثى ما دام مدار الحكم على صون الأعراض (2)، ويقول -حفظه الله - في دروسه التفسيرية القيمة معلقا على هذا القول: " .. وبهذا نأخذ " والله المستعان (3).
(1) - السالمي عبد الله بن حميد. جوهر النظام ج 2 ص 242 - 243. (2) - الخليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد. الوطء المحرم وأثره في نشر حرمة النكاح ص 34، 102.
(3) - يُنظر:
الخليلي، الخليلِيُّ، سلسلة دروس التفسير تفسير الآية رقم 23 من سورة النساء آية المحرمات"/ الدرس الخامس. "مادة
سمعية"، اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية.
ابن خلفون أجوبة ابن خلفون ص 53. (1/124)
صفحة 125
المعتصم
ساسي المعاصب في فقه الفكرة
125
التنبيه الثالثُ: قلتُ: وقدْ أضَافَ شَيخنا القَنُّوبُيُّ - حَفَظَهُ اللَّهُ - عِنْدَ الْمُرَاجَعَة بخط قلمه هذا التنبيه المهم: "لا ينبغي أن يعبر عن هذه الجريمة بـ"اللواط" كما هو الشائع على ألسنة كثير من الناس، بل يقال جريمة قوم لوط - عليه السلام- أو نو
ذلك (1)
(1) - يُنظر أيضا: الخليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمد برنامج: سؤالُ أهل الذكر - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 16 محرم
1433 هـ، يوافقه 2011/ 12/11 م. (1/125)
صفحة 126
126
المعتمد
القِسْمُ الثَّالِثُ فِي التَّحْرِيمِ بِالرَّضَاعِ
اعلم أخي طالب العلم والمعرفة، سهل الله لك دروبها - أن ثالث الأسباب و ما ينشأ بسبب الرضاع والمراد بالرضاع المحرم: هو مص الطفل
المحرمة للنساء هو
الرضيع اللبن من ثدي المرأة في مدة الإرضاع، وهي الحولان.
فَصْلٌ فِي الْمُحَرَّمَاتِ بِالرُّضَاع
لقد أشار الكتاب العزيز إلى التحريم بسبب علاقة الرضاع في آية المحرمات الآنفة بقوله: {وَأَمْهَتُكُمُ الَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَعَةِ}
النساء: 23
والمحرمات من الرضاع من ثمانية أصناف: الأربعة المحرمات بسبب النسب بلا خلاف (1)، والأربعة المحرمات بسبب المصاهرة على رأي الجمهور، وهو المعتقد، وإذا ضبطت ما سبق فيمكن لك معرفة هؤلاء المحرمات بسهولة، وهن كالآتي:
أَوَّلاً الأصولُ مِنَ الرَّضَاع:
وهُنَّ أمه التي أرضعته وأم أمه وأم أبيه من الرضاع مهما علت درجتهن، فإذا رضع طفل من امرأة حرم عليه الزواج بها؛ لأنها صارت أمَّا له، وكذلك بأم أمه هذه وإن علت، وأم أبيه رضاعا مهما علت درجتها؛ لأنهن صرن جدات له من الرضاع يحرم عليه نكاحهن كما يحرم عليه ذلك من جهة النسب.
(1)
1 - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَدٍ. برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ " - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 19 ربيع الثاني 1423 هـ،
يوافقه 2002/ 6/30 م. (1/126)
صفحة 127
المعتصم
ى المعتصم في فقه معتصم في فقه النكاح
127
ثَانِيَا الفُرُوعُ مِنَ الرَّضَاعِ:
وهُنَّ ابنته من الرضاع، وبنت ابنته وبنت ابنه من الرضاع وإن نزلن، فإذا رضعت طفلة من امرأة صارت ابنة لزوج المرضعة الذي كان سببا في إدرار لبنها؛ لأن اللبن للفحل فيحرم على ذلك الرجل التزوج بهذه البنت وفروعها، ولو كان الرضيع ابنا حرم عليه التزوج ببنات هذا الرجل لأنهن أخواته الرضاع، وكذا بنات بناته وبنات أبنائه لأنهن بنات أخواته وبنات إخوته مهما نزلت درجتهن كما يحرم ذلك من جهة النسب (1).
ثَالثًا فُرُوعُ أَبَوَيْهِ مِنَ الرَّضَاعِ:
وهُنَّ أخواته من الرضاع، وبناتهن، وبنات إخوته من الرضاع، مهما نزلت درجتهن، وتكون أختا له من الرضاع من جهة الأم جميع بنات هذه الأم المرضعة سواء التي رضع معها أو من لم يرضع منهن معه من هذه البنات وسواء من ولدت معه أو قبله ولو بعشرات السنين أو ولدت بعده ولو بعشرات السنين، وسواء كن من ذلك الزوج صاحب اللبن أو من زوج آخر سابق أو لاحق.
وكذا جميع بنات هذا الزوج صاحب اللبن من أخوات له سواء التي رضع معها، أو غيرها من بنات هذا الزوج اللائي جئن قبله أو بعده ولو فصلت بينهم عقود من السنين طويلة، وسواء كن بنات للمرأة المرضعة أو بنات لهذا الزوج من غيرها من
النساء. (2)
(1) - الخَيْلِيُّ، أَحَمَدُ بنُ حَمد. فتاوى النكاح 126، 131.
(2) - يُنظر:
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 139.
الخَلِيْلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقةُ: 7 ربيع الثاني 1424 هـ، يوافقه 2003/ 6/8 م. الخليلِيُّ، برنامج: "سؤالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقة: 24 ربيع الثاني 1425 هـ، يوافقه 2004/ 6/13 م. (1/127)
صفحة 128
128
رابعا / الطَّبَقَةُ الأُوْلَى مِنْ فُرُوعِ الْأَجْدَادِ مِنَ الرَّضَاعِ:
وهُنَّ عماته وخالاته من الرضاع لانه برضاعه صارت أخوات المرضعة خالات له، وأخوات زوجها عمات له فيحرم عليه التزوج بواحدة منهن كما يحرم ذلك
من
جهة النسب وأما بناهن فهن حلال له كما في بنات الخالات والعمات من جهة
النسب أيضا.
خامسًا أُصُولُ الزَّوْجَةِ مِنَ الرَّضَاع:
وهُنَّ: أم الزوجة التي أرضعتها وجدات هذه الزوجة الرضاعيات من جهة الأب أو من جهة الأم، فيحرم على الزوج التزوج بواحدة منهن بمجرد العقد عليها سواء دخل بها أو لم يدخل كما يحرم ذلك من جهة النسب.
سَادسًا فُرُوعُ الزَّوْجَةِ مِنَ الرَّضَاعِ:
وهُنَّ: بناتها اللاتي قامت الزوجة بإرضاعهن، وبنات أبنائها وبنات بناتها من الرضاع وإن نزلت درجتهن، فإذا تزوج رجل امرأة كانت متزوجة قبله بآخر وأرضعت طفلة فإن هذه الطفلة تكون ابنتها من الرضاع وتصير بالنسبة له بنت زوجته فتحرم عليه إذا دخل بأمها كما يحرم عليه التزوج بإحدى فروعها من الإناث النسبيات، وهنا يقال أيضا بعموم قاعدة: "العقد على البنات يحرم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرم البنات".
سابعًا زَوْجَةُ الأَصْلِ مِنَ الرَّضَاعِ:
وهُنَّ زوجات أبيه وجده من الرضاع وإن علوا، سواء دخل بها الأب أو الجد أم لم يدخل، فلو رضع طفل من امرأة متزوجة صار زوجها أبا له من الرضاع، وأبو الزوج جدًا له، كذلك فإن كان للزوج زوجة أخرى غير من أرضعته حرم على الرضيع التزوج بها؛ لأنها زوجة أبيه من الرضاع، كما يحرم عليه التزوج بامرأة أبيه من النسب، وهكذا يقال في زوجات سائر الأجداد الرضاعيين. (1/128)
صفحة 129
المعتصم في فقه النكاح
129
قامنا زَوْجَةُ الفُرُوع مِنَ الرَّضَاع:
أي زوجة ابنه الذي رضع من اللبن الذي كان هو سببا في دره، وكذا زوجة ابن ابنه وابن ابنته من الرضاع وإن نزل سواء دخل الفرع بزوجته أم لم يدخل.
قاعدَةٌ مُهمَّةٌ لمَعْرِفَةِ المُحَرَّمَات منَ الرَّضَاع:
إن أسهل طريقة لمعرفة المحرمات من الرضاع هي أن نأخذ الطفل المرضع وحده دون غيره من أفراد عائلته فنجعله في عائلة المرأة المرضعة فما يحرم على إخوته من الرضاع بسبب النسب أو المصاهرة يحرم عليه هو أيضا بسبب الرضاع، وما يحل لإخوته الرَّضاعيين يحل له (1).
فإذا رضع طفل من امرأة كانت المرأة أمه من الرضاعة، فيحرم عليه من قبلها ما
يحرم عليه من قبل أمه من النسب، فيحرم عليه -مثلا-:
—
—
-
-
—
بناتها؛ لأنهن أخواته من الرضاعة.
وبنات بناتها؛ لأنهن بنات أخواته من الرضاعة.
وبنات أبنائها؛ لأنهن بنات إخوته من الرضاعة.
وأمها؛ لأنها جدته من الرضاعة.
وجدتها من قبل أمها أو أبيها؛ لأنها جدة أمه من الرضاعة.
وأخواتها؛ لأنهن خالاته من الرضاعة.
وخالاتها؛ لأنهن خالات أمه من الرضاعة.
وعماتها؛ لأنهن عمات أمه من الرضاعة.
(1) - ينظر:
الخليلي، أنت تسأل والمفتي يجيب / الشريط الثاني. إنتاج: مكتبة وتسجيلات مشارق الأنوار. القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر" حلقة: 20 ربيع الثاني 1426 هـ، يوافقه 2005/ 5/29 م.
، (1/129)
صفحة 130
130
المعتمري
كما أن هذا الطفل عندما رضع من تلك المرأة أصبح زوجها -صاحب اللبن أبا له من الرضاعة فيحرم عليه من قبله ما يحرم عليه من قبل أبيه من النسب، فيحرم
عليه -مثلا-:
—
—
1
—
—
هذه المرأة أو من غيرها؛ لأنهن أخواته من الرضاعة. بناته سواء من
وبنات بناته؛ لأنهن بنات أخواته من الرضاعة.
وبنات أبنائه؛ لأنهن بنات إخوته من الرضاعة.
وأمه؛ لأنها جدته من الرضاعة.
وأخواته؛ لأنهن عماته من الرضاعة.
وعماته؛ لأنهن عمات أبيه من الرضاعة.
وخالاته؛ لأنهن خالات أبيه من الرضاعة.
ومع هذه الصلة الوثيقة والاندماج الكبير للطفل الرضيع في أسرته الرضاعية فإنه في المقابل لا صلة لأسرة هذا الطفل النسبية بأفراد هذه الأسرة الرضاعية بسبب ذلك الرضاع، ولذا فلا أثر في تحليل ولا تحريم بينهما من هذه الجهة، والمعنى أنه يجوز لإخوته الذين لم يرضعوا من تلك المرأة أن يتزوجوا من محارمه الرضاعيات كأمه من الرضاعة وعماته وخالاته الرضاعيات، كما يجوز لأبنائها أن يتزوجوا محارم هذا الراضع من النسب، والله أعلم.
فَائِدَةً قَيِّمَةٌ: مصطلح "أم الأم أو الجدة من الرضاع" يصدق على الآتيات:
أ-
الأم المرضعة للأم النسبية.
ب الأم النسبية للأم المرضعة.
ج الأم المرضعة للأم المرضعة. (1/130)
صفحة 131
معتصم في فقه النكاح
اس بالمعتصم 3
كما أن مصطلح " أب الأب أو الجد من الرضاع" يصدق على:
أ-
الأب الرضاعي للأب النسبي.
ب الأب النسبي للأب الرضاعي.
ج الأب الرضاعي للأب الرضاعي.
ومثل ذا يقال في "ابن الابن أو الحفيد من الرضاع" يصدق على:
أ-
الابن الرضاعي من الابن النسبي.
الابن النسبي من الابن الرضاعي.
ج الابن الرضاعي من الابن الرضاعي.
131
فتنبه لذلك أخي القارئ أختي القارئة وعلى هذا فقس سائر العلاقات الرضاعية المركبة فإن لها أوجها متعددة يمكن التخريج عليها كالعمات والخالات ..
والله ولي التوفيق (1). تنبيةٌ مُهم: الحرمة في الرضاع كما رأيت- تقتصر على الطفل المرضع ولا تسري على بقية إخوته وأخواته الذين لم يرضعوا من تلك المرأة في أي وقت من الأوقات، ولذا فلا يُعد إخوةُ الراضع محارم لتلك المرأة المرضعة ولا بناتها ولا سائر قريباتها، فيجوز لهؤلاء الإخوة نكاح قريبات أخيهم من الرضاعة، ما لم يكن ثمة مانع
آخر، فكن لذا فاطنا (2).
(1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 146.د
الخَلِيْلِيُّ، أنت تسأل والمفتي يجيب / الشريط الخامس. إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية.
(2) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 126 - 127، 132. (1/131)
صفحة 132
132
وفي المقابل فإنك تدرك مما تقدم أيها الأريب - أن حرمة الرضاع في الأسرة. الرضاعية لا تقتصر على الرضيع مع المرضع معه فقط - أي الطفلين المتعاصرين في الرضاعة فحسب كما يظن بعض الناس بل تسري إلى جميع أقارب المرضع معه من قبل أبيه ومن قبل أمه كما رأيت قريبا، والحمد لله موضح السبل
فَتْوَى
(1)
السُّؤَالُ فضيلة الشيخ: أنا رَضَعْتُ مِن عمَّتِي، فهل أبناء عمَّتِي جَميعًا إخواني؟ وهل إخواني الأشقاء إخوان لأولاد عمتي أم لا؟
الجَوَابُ / نعم أبناء عمَّتِها هم إخوان لَها جَميعًا، بل أبناء زوجها الذي كان زوجًا لَها في وقت الرَّضاع ولو كانُوا مِن زوجة أخرى هم إخوان لها، أما بالنسبة إلى إخوانها فهم ليسوا إخوانًا لأولاد تلك المرأة التي رضعت منها إن كانوا لَم يرضَعُوا هم منها؛ والله تبارك وتعالى أعلم (2).
فَصَلَّ فِي الأَدلّةِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى التَّحْرِيمِ بالرِّضَاعِ
أجمع علماء الملة على وقوع التحريم لبعض النساء من جهة الرضاع؛ للنص الصريح من الكتاب العزيز في آية المحرمات وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَعَةِ (النساء: 23، إلا أن هذا التحريم غير مقصور على المذكور، فهو يشمل الأربع المحرمات من النسب إذ يحرم" من الرضاع ما يحرم من النسب" بالإجماع (3)، كما يشمل الأربع المحرمات بالمصاهرة فيحرم من الرضاع ما
الخَلِيلِيُّ، أنت تسأل والمفتي يجيب / الشريط الخامس إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية.
(1) - الخليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 133.
(2) - القنونِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك. برنامج: سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 15 محرم 1428 هـ
يوافقه 2007/ 02/4 م.
- يُنظر:
(3) (1/132)
صفحة 133
الات المعتصم في عقد المع
يحرم من المصاهرة" على المعتمد؛ وذلك للأدلة الآتية من الوحيين الشريفين، والذي دعم الاستدلال بهما الفهم السديد من وحي العقل السليم ..
أوَّلاً/ أَدلَّةُ تحريمِ الرَّضَاعِ كَالنَّسَبِ:
أ من القرآن الكريم:
إن المحرمات بالنسب تنحصر في جهتين وهما عمود النسب الأمهات والبنات والحواشي (الأخوات والعمات والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت)، وقد أشارت الآية الكريمة السابقة (وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَعَةِ لا النساء: 23 إلى شمول التحريم بالرضاع لجميع أفراد عمود النسب بذكر الأمهات من الرضاعة كما أشارت إلى شمول الرضاع لجميع أفراد الحواشي بذكر الأخوات من الرضاعة فنبه بهذا على أن الحال في باب الرضاع كالحال في باب النسب.
كما أن التصريح بتحريم الأمهات والأخوات يشير إلى تحريم الأصناف الرضاعية الأخرى؛ لأنها أطلقت على التي أرضعت أنها "أم" وعلى ابنتها أنها "أخت" فدل هذا على أن الرضاع يصل الرضيع بأقارب من أرضعته عن طريق هذه الأم صلة الفرع بالأصل كما تصل هذه العلاقة عن طريق الولادة فتكون التي أرضعت كالتي ولدت فدل هذا أيضا على أن الرضاع كالنسب. ب من السنة النبوية:
جاء البيان النبوي الصريح والمتكرر على أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب وذلك في روايات كثيرة صحيحة؛ كما يقول المحدث القنوبي -أبقاه
ابن المنذر، الإجماع ص 41.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الرابع ص 99. (1/133)
صفحة 134
134
معنى
الله - ردا على بعض المتنطعين في هذا الشأن: " .. مع أن السنة النبوية تنادي بأعلى صوت وتصرخ بأقوى حجة بأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" وقد تقدم حكاية إجماع علماء الأمة على ذلك، بل لم تكتف السنة بتقرير هذا الحكم وتكريره حتى ذكرت له أمثلة تزيد على ما ذكر في القرآن الكريم)
نكتفي من أمثلتها بإيراد ما رواه الإمام الربيع في مسنده الـ أيضا، من طريق عائشة قالت:
31
الصحيح -وغيره
إِنْ أَفْلَحَ أَحَا أَبِي الْقُعَيْسِ، وَهُوَ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ وَذَلكَ بَعْدَ أَنْ نَزَلَ الْحِجَابُ، فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّه فَأَخبرتُهُ، فَقَالَ: «الذي لَهُ فَإِنَّ الرَّضَاعَ مِثْلُ النَّسَب» (؟)
كُنْتُ قَاعِدَةً أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ سَمِعْتُ صَوْتَ إِنْسَانِ يَسْتَأْذِنُ حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله هَذَا رَجُلٌ يَستأذن في بيتك يَسْتَأْذِنُ بَيْتِكَ، فَقَالَ: «أَرَاهُ فَلانَا» لَعَمّ حَفْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله لَوْ كَانَ عَمِّي فَلَانٌ حَيًّا دَخَلَ عَلَيَّ – لِعَمِّ لَهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ – قَالَ: نَعَمْ، يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (3)، وفي رواية أخرى عنه يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلادَةِ» (4) وفي هذا يقول الشيخ الإمام نور الدين عبد الله بن حميد السالمي
(1) - يُنظر:
الخليلي، وقفات حول الزواج المعاصر. مادة سمعية، إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سؤالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقة: 14 رمضان 1428 هـ، يوافقه 2007/ 09/26 م. القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر "، حلقةُ: 6 ربيع الثاني 1429 هـ، يوافقه 2008/ 4/13 م.
(2) - الربيع، باب: فِي الرَّضَاعِ، رقم الحديث 523.
(3) - الربيع، باب: فِي الرَّضَاعِ، رقم الحديث 524. 2 - النسائي، بَاب مَا يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ، رقم الحديث 3251.
(4) (1/134)
صفحة 135
بالمعلمين
المعتصم في فقه النكاح
إن الرضاع مُلحق بالنسب
***
135
في حكمه قد صح من قولِ النَّبي)
ج- من وحي العقل السليم:
من المعلوم أن الطفل يتغذى وينمو جسمه من دم أمه مرتين مرة في رحمها بدمها، ومرة في حجرها بدمها الذي استحال لبنا خالصا بفضل اله ورحمته والكل منهما منبت للحم ومنشز للعظم، فإذا شاركت امرأة في غذاء هذا الطفل في المرحلة الثانية كانت أما أيضا كالتي غذته في مرحلته الأولى، وإذا ثبت للأم الأولى التحريم بالنسب لها ولقريباتها ثبت للثانية أيضا التحريم بالرضاع لها ولقريباتها (2).
"لبنُ الفَحْل":
لبن الفحل هو اللبن المنسوب إلى الفحل، وهو الزوج؛ باعتبار أن وطأه للمرأة كان سببا لإدرار هذا اللبن الذي أرضعت المرأةُ منه ذلك الطفل الرضيع، سواء كانت العلاقة الزوجية قائمة بين الرجل والمرأة، أو مات عنها أو طلقها (3).
ولبن الفحل ينشر الحرمة النسبية من جهة الأب كما ينشرها من جهة الأم على القول الصحيح المعتصص، وهو المشهور المنصور لدى الجمهور؛ وقد دل على هذا الحكم صريح الأحاديث الصحيحة ومنطق العقول السليمة ..
أما الأحاديث: فما تقدم قريبا في أحاديث السيدتين عائشة وحفصة -رضي الله عنهن من إثبات النبي الصلة العمومة والمحرمية لإخوة صاحب اللبن؛ فدل ذلك
(1)
- السالمي، عبد الله بن حميد. جوهر النظام ج 2 ص 242.
(2) - الكندي، إبراهيم بن أحمد مشكلات الزواج في العصر الحديث ص 104. (3) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. في الخطبة والزواج. " محاضرة مطبوعة"، لدى الكاتب نسخة منها ص 13. (1/135)
صفحة 136
136
المعتصم
على أن لبن الفحل المنسوب للأب الرضاعي ينشر الحرمة بين أقاربه كما ينشرها الأب
النسبي.
وأما منطق العقل السليم: فإن سبب نزول اللبن الذي رضع منه الطفل هو ماء الرجل والمرأة معا؛ لأن الحمل الذي نتج عنه اللبن كان بسبب التقاء ماء الرجل مع ببيضة المرأة)، فهذا اللبن مشترك بين المرأة وبين من كان سببا فيه وهو الرجل ولولاه بعد مشيئة الله تعالى وفضله لما كان هنالك لبن، وإذا تقرر هذا فإنك تدرك أنه إذا ثبت لأحد الشريكين انتشار المحرمية له ولأقاربه بسبب هذا الرضاع ثبت هذا الحق أيضا لشريكه الآخر، فينسب الطفل إليهما معًا، وتنتشر الحرمة في أقاربهما كما سبق التمثيل على كل ذلك، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل (2).
ثانيا / أدلة تحريم الرضاع كالمصاهرة: لما اعتبر الشارع المرضعة أما للرضيع كأمه النسب، واعتبر الرضيع ابنا من للمرضعة كابنها من النسب كانت أم زوجة الرجل رضاعا مثل أمها من النسب، وابنتها من الرضاع كابنتها من النسب، ولَمَّا اعتبر الشارع زوج المرضعة أبًا للرضيع والرضيعُ ابنا له، وأخوه عما له كانت زوجة الأب الرضاعي كزوجة الأب النسبي، وزوجة الابن الرضاعي كزوجة الابن النسبي.
(1)
- تَنْبية لُغَوِي: من الأخطاء الشائعة أن يقال: بويضة المرأة، والصواب "بيضة المرأة" بالياء؛ لأن بيضة تصغير
لكلمة "بيضة"، فعين الكلمة ياء لا واو، فتفطن.
(2) - يُنظر:
الخليلي، في الخطبة والزواج. " محاضرة مطبوعة، لدى الكاتب نسخة منها ص 12 - 13.
الخليلي، فتاوى النكاح 126، 131.
الخليلي، أنت تسأل والمفتي يجيب / الشريط الخامس إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية.
السالمي، شرح الجامع الصحيح ج 3 ص 44.
الكندي، مشكلات الزواج في العصر الحديث ص 100 - 101. (1/136)
صفحة 137
ونقل المعتصم
137
ولهذا ذهب الشيخان بدر الدين الخليلي ومحدث العصر القنوبي -حفظهم الله - إلى أنه "يحرم بالرضاع ما يحرم بالمصاهرة، وهذا الرأي هو الذي عليه جمهور أهل، ولذا فمما يندرج تحت هذه القاعدة من المحرمات: العلم، وا
(1)
- أم الزوجة وأم أمها من الرضاع. - بنت الزوجة وبنت بنتها من الرضاع. - زوجة الأب وأب الأب من الرضاع.
زوجة الابن وابن الابن من الرضاع.
فَصْلٌ فِي شُرُوطِ الرَّضَاعِ الْمُحَرِّمِ
لا يخفى عليك أيها التلميذ الفطن الألمعي - أن هناك شروطا خاصة حدها
الشارع في الرضاع حتى يكون سببا للتحريم سواء من جهة النسب أو من جهة
المصاهرة، وشروطه هي: 1 - أنْ تَكُونَ المرضعة آدميَّةً:
(1)
بالاتفاق فلا يحرم الرضاع من غير الآدمية كالحيوانات الثديات؛ لأن لبنها لا يحقق العلاقة المحرمة، فلو رضع طفلان من ثدي حيوان غير آدمي أو شربا من لبنه لم يتحقق بهذا الرضاع أمومة ولا يثبت به ما يتفرع عن الرضاع من الأخوة وغيرها (2).
1) - يُنظر:
الخليلي، سلسلة دروس التفسير تفسير الآية رقم 23 من سورة النساء آية المحرمات"/ الدرس الخامس. "مادة
سمعية"، اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية.
القنوبي، قرة العينين ص 97.
السالمي شرح الجامع الصحيح ج 3 ص 47 - 48. الكندي، مشكلات الزواج في العصر الحديث ص 101. أرشوم، النكاح صحة وفسادا وآثارا ص 126. (2) - ابن المنذر، الإجماع ص 41. (1/137)
صفحة 138
المعتصم في دمه الفد
2 - أن يتحقق وصولُ اللَّبنِ إِلى جَوفِ الرَّضِيعِ:
عن
بأي طريقة كانت سواء عن طريق الفم أو الأنف أو غيرهما، وسواء كان طريق الامتصاص من الثدي أو الشرب من كوب أو عن طريق أنبوبة خاصة
مثلا، فإن لم يتحقق ذلك بأن التقم الطفل ثدي المرأة ولم يعلم أرضع أم لم يرضع لا يثبت التحريم لأن الحل هو الأصل ولا يعدل عن
بيقين ..
هذا الأصل إلا
إلا أن بعض الفقهاء ركن إلى الاحتياط في هذه المسألة، وعدها من باب "رضاع الشُّبهة" التي تحرّم المصافحة وتمنع المناكحة، فتعامل من حيث المصافحة معاملة الأجنبية، ومن حيث المناكحة معاملة المحرم القريبة (1).
3 - ألا يُخلط اللبن بعنصر آخر يغلب علَيه:
كالماء أو الدواء أو لبن حيوان آخر فإن غلب اللبنُ كان محرَّمًا، وإن غلب الغيرُ وكانت غلبته غلبةً قاضية على اللبن بحيث أذهبت عينه فلا يقع به التحريم (2)، يقول الإمام السالمي -رحمة الله عليه:
مِنَ القَوَاعِدِ الَّتِي فِي المَذْهَبِ
(1) - يُنظر:
***
إن الأُمُورَ حُكْمُهَا لِلأَغْلَب (3)
(2) - يُنظر:
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 143.
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر"، حلقة: 20 ربيع الثاني 1426 هـ، يوافقه 2005/ 5/29 م.
أرشوم، النكاح صحة وفسادا وآثارا ص 130.
الجناوني، كتاب النكاح ص 216.
الخليلي، لقاء مُسَجَّل للكاتب بسماحة المفتي -حفظه الله - بمكتب سماحته، ضحوة السبت، بتاريخ 14 من المحرم
1433 هـ، الموافق: 12/ 10/ 2011 م.
السيد سابق، فقه السنة ص 77.
(3) - السالمي، عبد هم بن حميد. جوهر النظام ج 1 ص 35. (1/138)
صفحة 139
المعلمه
بالمعتصم في فقه النكاح
الات
4 - أن يكُونَ فِي مُدَّةِ الرَّضَاعِ الشَّرعيَّةِ:
139
والمدة المعتبرة لتأثير الرضاع شرعا هي الحولان كحد أقصى على المعتمد في المذهب، وهو الأسعد بقوله تعالى: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتمَ الرَّضَاعَةُ) البقرة: 133، وقوله: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ
(1)
لقمان: 14 - ومعنى الفصال هو الفطام، وعلى هذا فإن حصل الرضاع أثناء هذه المدة الحولين ولو بعد الفطام وقع به التحريم، وإن وقع الرضاع بعد الحولين لم يكن له أي أثر من حيث التحريم؛ لأنه لم يصادف محلا (2).
ويستثنى من ذلك ما إذا كان الطفل ضعيفا جدا لا يستطيع أكل الطعام وإنما يعيش على الحليب فقط، فهنا يمكن أن يقال بتأثيره بعد الحولين على رأي بعض أهل العلم، وهو الذي يميل إليه العلامة القنوبي يحفظه الله- والله أعلم (3).
(1) - يُنظر:
(2) - يُنظر:
(3)
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر "، حلقه: 21 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/16 م. الفنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر"، حلقة: 20 ربيع الثاني 1426 هـ، يوافقه 2005/ 5/29 م. القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر"، حلقة: 24 ذو القعدة 1429 هـ، يوافقه 2008/ 11/23 م.
الخَليلي، فتاوى النكاح ص 138.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 139، 140.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقةُ: 1 رجب 1423 هـ، يوافقه 2002/ 9/8 م. الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْل الذِّكْر"، حلقه: 17 ذو الحجة 1432 هـ، يوافقه 13/ 11 / 2011 م.
- يُنظر:
اطفيش، تيسير التفسير ج 2 ص 79.
أرشوم النكاح صحة وفسادا وآثارا ص 131 - 132.
القنوبي، جلسة المراجعة بمنزل فضيلته - ليلة الأحد 29 المحرم 1433 هـ، الموافق 25/ 12/ 2011 م.
السالمي، جوابات الإمام السالمي ج 2 ص 8. (1/139)
صفحة 140
140
المعتمـ
فتوى
السُّؤَالُ فضيلة الشيخ: هل للرجل أن يشرب من حليب زوجته؟
الجَوَابُ الذي ذهب إليه جمهور العلماء أن ذلك لا مانع منه؛ وشدد بعضهم؛
ولا دليل على التشديد، والله أعلم (1).
فَصْلٌ فِي الحِكْمَةِ مِنَ التَّحْرِيْمِ بِالرَّضَاعِ
إن حكم الله تعالى من وراء أحكام شرعه هي أكثر من أن يحصيها عد العادين، حِكَمَ أو يدركها فهم العقلاء والمفكرين، أو يدرك غايتها الفقهاء والعالمون، وهم وإن بدا لهم شيء من الحكم فهو غيض من فيض وما خفي كان أعظم؛ ولذا تسجد العقول الله
تسليما، وتلهج الألسن بذكره إعجابا وتمجيدا وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
المائدة: 50،
فمن حكم الإسلام الظاهرة في الرضاع:
أن التشجيع على الرضاع تشجيع على الحياة والإحياء؛ إذ إن المرضعات عندما تعلم أنها عندما تسارع إلى رضاع الأطفال المحتاجين والفاقدين لأمهاتهم تكون في اعتبار الشريعة أمهات، لها ما للأم التي ولدت من التقدير والإجلال والاحترام والحرمة، فإنهن يسار عن إلى الإرضاع من غير تلكؤ أو غضاضة (2).
(1) - هذا إن كان الزوج جاوز العامين، فإن كان دون العامين حرمت عليه بشربه منها. يُنظر: القنوبي، جلسة المراجعة بمنزل فضيلته - ليلة الأحد 29 المحرم 1433 هـ، الموافق 25/ 12 / 2011 م. القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الرابع ص 97.
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة: 7 رمضان 1422 هـ، يوافقه 2001/ 11/23 م.
القنوبي، دروس صيف 1425 هـ، 2004 م، "مذكرة خاصة" ص 8.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 101، 103.
(2) - كان الرضاع منتشرا في الجاهلية بقصد نجابة الولد مقابل أجرة تعطاها بعض المرضعات، أما الحرائر من النساء فقد كانت ترى في هذا العمل خدمة إنسانية جليلة فتمتنع عن أخذ الأجرة عليه وإن كانت محتاجة إليها، حتى قالوا في (1/140)
صفحة 141
المسالك المعتصم في فقه لمعتصم في فقه النكاح
141
أن الطفل المرضع يندمج في أسرة أمه المرضعة، بل يكون أحد أفراد هذه الأسرة، يربطه بهم ما يربط سائر أبناء هذه المرضعة من صلات وتقارب وتراحم، وكذا الأم المرضعة تنال من أفراد أسرة الرضيع كل الاحترام والتقدير والإكرام والإجلال، فتتقارب فئات المجتمع وتتماسك لبناته تحت ظلال شرع الله و الوارفة وأحكامه وحكمه
الدانية (1).
فَصْلٌ
في مَسَائِلَ وتَنْبِيْهَاتٍ مُهمَّةٍ تَتَعَلِّقُ بِالرِّضَاع
المَسْأَلَةُ الأولى»: ذكر "اللبن" في مسائل الرضاع جرى مجرى الأغلب المعتاد، وإلا لو أرضعت الشيب الطفل من ثديها ماء أو ما يشبهه وقع به التحريم كما نص على ذلك شيخنا المفتي -حفظه الله ورعاه، أما البكر فلا يقع بمائها تحريم (2).
أمثالهم: "تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها"، فشحع الإسلام على الرضاع، والإرضاع وجعل للمرضعة مكانة وشرفا كبيرا، وأباح أخذ الأجرة عليه حتى من قبل الأم التي انفصلت عن أب الطفل كما قال تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكسوتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) البقرة: 233، وكما قال في سورة النساء الصغرى: فإن أَرْضَعْنَ لَكُمْ نَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) الطلاق:، والله أعلم. يُنظر:
الخليلي، سلسلة دروس التفسير، تفسير الآية رقم 233 من سورة البقرة/ الدرس الأول. "مادة سمعية"، اللجنة الثقافية
بمعهد العلوم الشرعية.
الميداني، مجمع الأمثال ج 1 ص 122.
(1) - أبو زهرة، محمد الأحوال الشخصية ص 83.
(2) - يُنظر:
الخَلِيلِيُّ، لقاء مُسَجَّل للكاتب بسماحة المفتي - حفظه الله - بمكتب سماحته، ضحوة السبت، بتاريخ: 14 من المحرم
1433 هـ، الموافق: 12/ 10/ 2011 م.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 126، 137.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 131. (1/141)
صفحة 142
142
المعند
المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اختلفت مذاهب المسلمين في مقدار الرضاع الذي يقع به التحريم إن أساغه الطفل إلى جوفه والمعتم في المذهب الإباضي، والذي صححه الشيخان الخليلي والقنوبي سلمهم الرحمن - أنه لا يشترط لذلك مقدار أو عـ من الرضعات، بل القليل منه والكثير سواء يقع به التحريم ولو مصة واحدة، ما دام أنه
وقع في مدته المعلومة (1).
عدد معين
والدليل على ذلك الإطلاق في الآية الكريمة وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَعَةِ. النساء: 23، والحديث الشريف " يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاع مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ (2) فهذه النصوص الشرعية المتفق عليها أطلقت المقدار ولم يأت دليل معتبر سالم من الاعتراض في تقييده برضاعات معينة، والأصل أن يؤخذ بالمطلق على إطلاقه، كما أن إنبات اللحم وإنشاز العظم يحصل بقليل الرضاع وكثيره، فظهر أنه لا فرق بينهما في الحكم (3)
يقول البدر الخليلي عافاه الله - في الفتاوى المكتوبة: "قليل الرضاع وكثيره يُحرِّمُ الزواج على الصحيح، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور، كما أفاده العلامة العيني
في (عمدة القاري شرح صحيح البخاري (4).
(1) - الكندي، إبراهيم بن أحمد مشكلات الزواج في العصر الحديث ص 102 - 103.
(2) - الربيع، باب: في الرضاع، رقم الحديث 524.
(3) - يُنظر:
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ص 353.
سابق، فقه السنة ص 75 - 76.
(4) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 128، 130، 134.
الخليلى، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 137. (1/142)
صفحة 143
وفقه فقة النة
143
القول
وقد أطال شيخنا المحدث أبو عبد الرحمن القنوبي حرسه المولى في كتابه "الطوفان الجارف" في نقل نصوص العلماء الذين انتقدوا حديث الرضعات الخمس وإن رواه مسلم، وقال حفظه الله - في بعض المواضع: " والذي ذهب إليه الجمهور بان الرضاع سواء كان قليلا أو كثيرا تثبت به الحرمة؛ وهذا القول هو الصحيح .. والحديث الذي أشار إليه السائل وكذلك حديث آخر استدل به من يقول بالتفريق بين الرضعة والثلاث أو بين الرضعة والخمس حديثان ضعيفان باطلان، وقد ذكرتُ نصوص العلماء الذين حكموا ببطلانهما وضعفهما في الثالث من (الطوفان) " (1).
المَسْأَلَةُ الثَّالثة: على المسلم الحريص أن يتفقه في أمر دينه ويتبصر ويتحرى جيدا فيما يأتيه ويقدم عليه، فإن الجهل عواقبه وخيمة لا سيما في أبواب الرضاع من النكاح، وقد أدى الجهل بالرضاع وأحكامه ومسائله إلى وقوع البعض في نكاح المحارم -والعياذ بالله- كالأخت من الرضاع مثلا، وكثيرا ما يُكتشف الأمر وترفع القضية إلى أهل العلم بعد أن وقع الفأس على الرأس ودخل الرجل بالمرأة، بل وأنجبوا من جراء هذا النكاح الفاسد الأبناء والذرية الذين ينتهي بهم الحال إلى الفرقة والتشتت (2).
(1) - يُنظر:
القنوبي، الطوفان الجارف ج 3 ق 2 ص 403 - 414.
(2) - يُنظر:
القنوبي، دروس صيف 1425 هـ، 2004 م، "مذكرة خاصة" ص 15.
القَنُّوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر " حلقة: 16 رمضان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 11/22 م. الفنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقه: 20 ربيع الثاني 1426 هـ، يوافقه 2005/ 5/29 م.
الخليلي، الزواج بين السنة والبدعة، محاضرة مطبوعة لدى الكاتب نسخة منها ص 4. الخليلي، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقه: 10 جمادى الأولى 1423 هـ، يوافقه 2002/ 7/21 م. (1/143)
صفحة 144
144
والحق أن المرء غير معذور بجهله المحرمات وإن عُذر لمدة من الزمن لعدم قيام الحجة عليه بمعرفته فإن الجهل به يضيق بارتكابه؛ للقاعدة الشرعية: "يَسَعُ النَّاسَ جَها مَا دَانُوا بِتَحْرِيْمِهِ مَا لَمْ يَرْكَبُوهُ .. "، وَقَدْ أَصْبَحَتْ هَذِهِ القُولَةُ الشَّهِيرَةُ والمنسوبة إلى الإمام جابر بن زيد الله أثرًا مُتَفَقا عَلَيْه عنْدَ العُلَمَاء ()؛ فالجهل ها هنا ليس بحجة ولا يشفع لهم في البقاء على فراش الزوجية بعد العلم بالعلاقة المحرمة، وكذا لا يشفع لهم أنه قد تولد من هذا النكاح الفاسد ذرية مهما كثروا.
يقول الشيخ الخليلي - كلأه المولى بعين رعايته في شأن نكاح الرضاع النحرم: "وبالجملة فبما أنّ هناك أحاديث صحيحة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم تَدل على عدم صحة هذا الزواج فإنَّه زواج باطل مَهْمَا كانت الحالة، ولو تَرتَّبَ عَلَيه أن يُولَدَ للزوجين أولاد، فإنّ ذلك الزواج لا يُعْتَدُّ به، وعليه أن يُخَلِّيَ سَبِيلَهَا (2)، وَيَقُولُ قبله المحقِّقُ الخَلِيْل
وَلَوْ سَقَطَ التَّكْلِيْفُ عَنْ كُلِّ جَاهِلِ
(1) - يُنظر:
***
لَكَانَ اقْتَنَاءُ الْجَهْلِ لِلنَّفْعِ أَعْوَدا (3)
(2)
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 133.
الخليلي، برنامج: "سؤال أهل الذكر " حلقة: 14 رمضان 1428 هـ، يوافقه 2007/ 09/26 م.
- الخليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَدٍ. برنامج: سُؤَالُ أَهْلِ الذكر تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 22 ذو الحجة 1423 هـ
يوافقه 2003/ 2/23 م.
(3) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى جه ص 432.
السالمي، عبد
الله
الراشدي، مبارك
بن حميد. بهجة الأنوار ص 50.
الله. قراءات في فكر الخليلي / المنتدى الأدبي، بحث بعنوان: "الشيخ سعيد
خلفان
بن
عبد بن
وفكره"، ص 183 - 184. (1/144)
صفحة 145
انات
المعتصم في فقه النكاح
145
المَسْأَلَةُ الرَّابعةُ: الأبناء الذين يولدون ضحية الجهل بالمحرمات من الرضاع
يُلحقون في النسب بالزوج للشبهة الواقعة، إذ كل نكاح فاسد ينتهى بإبطال العقد والتفريق بين الزوجين يترتب عليه إلحاق الأبناء بأبيهم في النسب تغليبا لمصلحتهم
(1)
المَسْأَلَةُ الخامسة: ولخطورة إرضاع أطفال الغير وعظم خطر الآثار المترتبة عليه كما رأيت- فقد شدد العلماء في الإقدام عليه أيما تشديد فاشترطوا له:
—
—
إذن أولياء الطفل الرضيع.
إذن الزوج صاحب اللبن.
الإشهاد على هذا الرضاع (2).
حتى قالوا مبالغين في التشديد والتحذير من التسرع في الإقدام على إرضاع أطفال الغير من غير ضرورة ولا استئذان ولا إشهاد: "الأنْ تلقم المرأة ثديها ثعبانا خير
من أن تلقمه طفلا (3)
(1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 53، 128، 133.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سؤالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 29 رجب 1423 هـ، يوافقه 2002/ 10/6 م. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذكر، حلقه: 21 رمضان 1427 هـ، يوافقه 2006/ 10/15 م.
السالمي جوابات الإمام السالمي ج 3 ص 339.
ابن خلفون، أجربة ابن خلفون ص 23.
ابن المنذر الإجماع ص 40.
) - الفنوبي، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك. برنامج: "سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 19 ربيع الثاني
1428 هـ، يوافقه 2007/ 05/06 م.
(2) - يُنظر:
الخليلي، في الخطبة والزواج. " محاضرة مطبوعة"، لدى الكاتب نسخة منها ص 12.
الجناوني، كتاب النكاح ص 215 - 216. (1/145)
صفحة 146
146
الصعد
أما إن كانت هنالك ضرورة ملجئة تؤدي إلى هلاك الطفل وموته إن لم يرضع فعليها أن تنقذه من الهلاك وليس لها أن تتركه يموت أمامها مهما كان الأمر، بل قال العلماء: إن الحال إذا وصل بالرجل الأجنبي إلى حد الموت بسبب الجوع أو العطش ولا يوجد أحد غير تلك المرضعة ولا طعام لديها ولا ماء فيجب عليها أن تنقذه ولو بأن تلقمه ثديها وترضعه بقدر ما يحيا، والله أعلم (1).
من قال من
المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: لَمَّا رأيت أيها التلميذ اللبيب- خطورة قضية الرضاع وما يترتب عليها من آثار شرعية جسيمة قد تؤدي إلى ضياع أبناء وتفريق أسر تكونت بسبب وجود علاقات رضاعية محرمة بين الزوجين .. فإن تدرك بداهة خطورة ما يعرف في بعض البلدان بـ" بنوك الألبان"، والتي تقوم بجمع الألبان التي تبيعها النساء أو تتبرع بما مما فضل عن حاجة أطفالهن لتصرف إلى الأطفال المحتاجين.
ويكمن موضع الخطر في هذه البنوك اللبنية أن الأم المرضعة لا تعرف إلى من صرف لبنها، ولا الطفل المرضع يدري مَن أمهاته اللواتي رضع منهن، وشرب لبنهن وبالتالي لا يعرف قريباته اللواتي يحرم عليه نكاحهن من جهة الرضاع، فتضيع بذلك الصَّلات الرضاعية، ويؤدي ذلك إلى نكاح القريبات من الرضاع، فيجب الحيطة والحذر في قضية الرضاع إلا حسب ما تقدم من ضوابط وشروط (2)، يقول الشيخ
السالمي الله في جوهره:
(1) - ينظر:
(2) - يُنظر:
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 82.
الخليلي برنامج: "سُؤَالُ أَهْل الذِّكْرِ " حلقة: 28 ربيع الثاني 1424 هـ، يوافقه 2003/ 6/5 م. القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر"، حلقة: 19 ربيع الثاني 1428 هـ، يوافقه 2007/ 05/06 م.
الخليلي، برنامج: "سؤالُ أَهْل الذكر، حلقة: 24 ذو الحجة 1424 هـ، يوافقه 2004/ 2/15 م. الفنوبي، جلسة المراجعة بمنزل فضيلته - ليلة الأحد 29 المحرم 1433 هـ، الموافق 25/ 12 / 2011 م. (1/146)
صفحة 147
فقه النكاح
ب المعتمرني
ولا ياع لن الناء
إذ يجهلون الأم من سواها وجائز للأم أن تبيعه
إذ هاهنا الفساد عنها ارتفعا
***
***
***
***
147
في السوق خوف شركة الأبناء
وهاهنا الفساد قد تناهي
إن علمت بذلكم رضيعه
لصحة العلم بمن قد رضعا (1)
المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: لا يخفى عليك مما تقدم أخي العزيز - قوة القرابة من جهة الرضاع وعظم الآثار المترتبة عليها إلا أن رابطة الرضاع هذه لا تتساوى مع رابطة النسب في كل جوانبها، لذلك أخذت من أحكام النسب بعضها كالتحريم ووجوب الصلة وجواز الخلوة والمصافحة، وفارقتها في البعض الآخر كالنفقة الواجبة ورد الشهادة، والعاقلة، واستحقاق الميراث الذي فرضه الله تعالى في كتابه، وقد عدل الله
وصدق حينما قال: {وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللَّهِ الأنفال: 5 (2). المَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: أخ الأخ من الرضاع ليس بمحرم من المرأة؛ فيجوز الزواج بين هذه المرأة وبين أخي أخيها من الرضاع إن لم يكن هو أخا لها بنفسه؛ لأن حرمة الرضاع فرع عن حرمة النسب، وكما يجوز نكاح أخي الأخ من النسب فكذا يجوز من الرضاع، وكما لا يتعدى الفرع الأصل فكذا لا تتعدى حرمة الرضاع حرمة النسب، ومثله يقال في أخت الأخ وأخت الأخت من الرضاع .. يقول الشيخ الخليلي
(1) - السالمي عبد الله بن حميد جوهر النظام ج 2 ص 288
(1) - ينظر:
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 138، 144.
الخليلي، برنامج: "سؤالُ أَهْلِ الذكر، حلقه: 1 رجب 1423 هـ، يوافقه 2002/ 9/8 م. الخليلي برنامج: "سُؤَالُ أَهْل الذكر"، حلقه: 29 رجب 1423 هـ، يوافقه 2002/ 10/6 م. الجناوبي، كتاب النكاح ص 25 (حاشية). (1/147)
صفحة 148
148
المعـ
-حفظه الله -: " .. وللرجل أن يتزوج أخت أخيه من النسب إن لم تكن أختا له، فكذا
من الرضاع (1).
وبالمثال يتضح المقال وينجلي الإشكال:
قد يكون لرجل أخوان: أحدهما أخ من أب والأخرى أخت من أم، فيجوز النكاح بين أخويه هذين؛ لأنهما وإن كانا أخوين بالنسبة له فهما ليسا بأخوين من بعضهما البعض، وإنما غاية ما في الأمر أن كل واحد منهما هو أخ لأخ الآخر، والله
أعلم.
المسألة التاسعة: ذكر كثير من العلماء أنه يستثنى من قاعدة "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" بعض الصور، وهي: "أم الأخ"، و"أخت الابن"، فتحرمان من جهة النسب ولكنهما لا تحرمان من جهة الرضاع؛ لأن "أم الأخ" من النسب لا تخلو إما أن تكون أما، وإما أن تكون زوجة للأب، فهي حرام بكلا الاعتبارين وليست هي كذلك من الرضاع أي لا يلزم أن تكون أما أو حليلة للأب، وكذا الشأن في "أخت الابن" إما أن تكون بنتا وإما أن تكون ربيبة، فهي – أيضا - حرام بكلا الاعتبارين لكنه لا يلزم أن تكون كذلك من جهة الرضاع فلا
تحرم".
وقد نظم ذكر هاتين الصورتين العلامة إبراهيم بن سعيد العبري المفتي السابق
للسلطنة فقال:
(1)
1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 127، 129، 131، 134.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سؤالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" حلقة: 7 رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 10/22 م.
(2) - يُنظر: القنوبي، قرة العينين ص 97.
،
الجناوني، كتاب النكاح ص 25 (حاشية). (1/148)
صفحة 149
واستثن من حكم "الرَّضاع كالنَّسب" ام اخ واخت ابن ذي حَسَبْ
أمُّ أخيهِ أُمُّهُ في النـ
وأخت ابنه فإما ابنت
***
***
***
أَوْلا فإنها حليلة الأب
بنفسه، أو أنها ربيبتة
***
من ثَمَّ تَحْرُمَان بالإجْاعِ من جهة الأنساب لا الرَّضَاعِ)
والواقع أن هاتين الصورتين ما هما إلا مثالان من أمثلة المستثنيات من القاعدة، وإلا فهناك أمثلة كثيرة أخرى أوصلها شيخنا الخليلي أبقاه الحي الباقي إلى مئة مسألة بل تزيد (3)، والضابط الكلي الذي تندرج تحته جميع تلك الأمثلة الخارجة من قاعدة "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" أن يقال هو أنه: يخرج من تلك القاعدة ما كان تحريمه في النَّسب منوطًا بما لا وُجودَ لَهُ في الرَّضاع، والله أعلمُ (3).
خَاتِمَةٌ
في أبيات رائقة للإمام أبي محمد السالمي - أسكنه الله فسيح جناته، فكن لما يقول حافظا:
وحرمة الرضاع مثل النسب
***
****
من جهة الأم و من نحو الأب
وصفة الرضاع أن يدخل في حلق الصبي لبن كما يفي من موضع ليست ببكر لم تمت ومدة الرضاع بعد لم تفت (4)
***
(24) - الخَلِيلِيُّ، أَحَمَدُ بنُ حَمَد. فتاوى النكاح ص 142.
(1)
(2) - يُنظر:
الخليلي، أنت تسأل والمفتي يجيب / الشريط الخامس إنتاج مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية. الخليلي، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 20 محرم 1427 هـ، يوافقه 2006/ 2/19 م.
(3) - الخَليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد. فتاوى النكاح ص 149.
(4) - السالمي عبد الله بن حميد مدارج الكمال ص 123. (1/149)
صفحة 150
150
الْبَابُ الخَامِسَ فِي الْمُحَرَّمَاتِ عَلَى التَّأْبِيْدِ (الزِّنَى اللَّعَانُ)
و الله الرحمن الرحيم
سُورَةُ أَنزلتها وفَرَضْنَها وَأَنزَلْنَا فِيهَا انتم بنتِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) الزَّانِيَةُ والزَّانِي فَاجْلِدُوا كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذَكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ) الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَايَةُ لَا
يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكُ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) النور: 1 - 3.
لقد علمت أخي المؤمن العفيف أختي المؤمنة العفيفة - أن من المحرمات على التأبيد ما كان سبب التحريم فيه هو الزنى واللعان ...
ومن الأحكام المشتركة بينهما أنَّ الحرمة المؤبَّدَةَ بسببهما لا تُنشئ علاقة محارم بين الرجل والمرأة، بحيث تحل بينهم الخلوة والمصافحة .. ، ولا تنشئ علاقة محارم مع أقارب المزني بها من أصول وفروع، فإن جميع أولئك المحرَّمين عليه من هذه الجهة يعدون أجانب منه، بخلاف ما كان سبب تأبيد تحريم النكاح فيه النسب أو المصاهرة أو الرضاع كما تقدم. (1/150)
صفحة 151
المعتصمي
151
القِسْمُ الأَوَّلُ فِي الزِّنَى:
فَصْلٌ فِي تَعْرِيفِ الزِّنَى
تعلم لا عدمت السداد وقول الصواب وفعل الرشاد- أن لكلمة "الزنى (1) " أصلين: أحدهما لغوي والآخر اصطلاحي ..
أ- لغة جاء في "لسان العرب": "الزنا يمد ويقصر، زَنَى الرجلُ يَزْنِي زِنى مقصور وزناء ممدود، فالزنى مقصور لغةُ أَهل الحجاز؛ قال الله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِنَى
الإسراء: 32 بالقصر، والزناء ممدود لغة بني تميم، قال الفرزدق:
***
أَبا حَاضِرٍ مَنْ يَزْنِ يُعْرَفْ زِناؤُهُ ومَنْ يَشْرَب الخُرْطُومَ يُصْبحْ مُسَكْرا
ومثله قول الآخر:
كانت فريضةً ما تقول كما
***
كان الزناء فريضة الرجم)
ب اصطلاحًا عُرف الزنى بأنه هو: إدخال الرجل ذكره عمدا في فرج امرأة
أجنبية من غير عقد ولا شبهة نكاح ولا ملك، طوعا دون إكراه".
وعرفه بعض أهل العلم بأنه: "إدخال فرج في فرج مشتهى طبعا، محرم شرعا،
فإن كان كذلك
الحد (3) وجب
(1) - فَائِدَةً لُغَوِيَّةٌ: يجوز في كلمة "الزنى" كتابتها بالألف المقصورة "الزنى" والألف الطويلة "الزنا"، واخترنا في هذا الكتاب استعمال الوجه الأوّل جريا على القاعدة المشهورة في أن ما كان أصل ألفه "ياء" كتب بالألف المقصورة، كما
يتبين ذلك من مضارع الكلمة (زنى، يزني).
(2)
- ابن منظور، لسان العرب مادة: (زنى).
(3) - أرشوم النكاح صحة وفسادا وآثارا ص 359. (1/151)
صفحة 152
Haigal
152
(فائدة: حد الوطء المحرَّم الذي تترتب عليه أحكامه الشرعية هو غياب الحشفة)، أو ما يقوم مقامها - من مقطوعها في الفرج أو في الدبر، ولا فرق في هذا بين أن يكون الوطء بحائل أو بدون حائل (2).
وهذا الوطء هو الذي يوجب الغسل ويجب به العقر أو العقر، كما في القاعدة الكلية الشرعية: "كل وطء لا يخلو من عقر أو عُقر"، و"العقر" بالفتح هو
وبالضم هو الصداق (3)، والقاعدة الأخرى التى تؤكد هذا المعنى هي!
وجب المهر (4)
فَصْلٌ فِي حُرْمَةِ الزِّنَى
الحد
أنه "إذا سقط الحد
إن الفطرة البشرية السوية التي فطر الله الناس عليها تترفع ببني آدم من الوقوع في الزنى وأوحاله والتلطخ بدنسه وأدرانه؛ ولذا ترفع عنه عقلاء العرب وأحرارهم من
(1) - الحَشَفَةُ: هي رأس الذكر.
1 - تنبية: الوطء في دبر امرأة أو رجل هو أشد حرمة وأعظم جرما من الوطء المحرم في القبل، يقول ابن خلفون في أجوبته: "لأن الدير عضو وحرمته أدهى، وهو أعظم جرما من الفعل في القبل عند الجمهور الأعظم من أهل العلم" وقد سمعت تأكيد هذا المعنى من شيخنا القنوبي -حفظه الله تعالى؛ وذلك لأن القبل قد يباح بالنكاح وملك اليمين، أما الدبر فلا يباح بحال من الأحوال لا من امرأة ولا من، رجل، بل حَدُّ هذا الأخير عندما يكون في رجل أن يُقتل الفاعل والمفعول به حدا سواء كان بكرًا أم محصنًا كما هو الصحيح عند الشيخ الخليلي -حفظه الله-، والله المستعان.
ينظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 154، 168، 175.
القنوبي، دروس صيف 1422 هـ، 2001 م، "مذكرة خاصة "ص 18.
ابن خلفون أجوبة ابن خلفون ص 52 53، 56.
الجناوني، كتاب النكاح ص 34 - 35.
(3) - فَائِدَةٌ مُهِمَّةٌ: العُقْرُ إن كان بسبب وطء صبية لم تبلغ، أو مجنونة لا تعقل، أو أمة عانية، أو مكرهة لا حيلة لها هو عُشر ديتها إن كانت بكرا، ونصف عشر ديتها إن كانت ثيبا، أما الحرة البالغة العاقلة المختارة فلا عُقر لها بل عليها
العقر، والله المستعان. يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 176.
(4) - أرشوم، مصطفى بن حمو النكاح صحة وفسادا ص 383. (1/152)
صفحة 153
المعلم
بالمعتصم في فقه النكاح
153
الرجال والنساء بفطرتهم السوية قبل بلوغ نور الإسلام إليهم، فعندما سئل عمر بن الخطاب عن سبب ترفعه عن الزنى في الجاهلية؟ فقال: خفت أن أفعل باللئيمة فيفعل بالكريمة، وَلِهَذَا أيضا استغربت هِنْدُ بنتُ عتبة عند قول النبي صلى الله عليه وسلم للنساء حال المبايعة "ولا تزنين" فقالت: "أَوْ تَزْنِي الْحُرَةُ يا رسول الله؟!!).
لم إن شريعة الله تعالى الكاملة على مر الرسالات وتعاقب الشرائع والنبوات جاءت مؤكدة لمقتضيات الفطرة الإلهية التي فطر الله الناس عليها، فأبت إلا وأن تسلك بأتباعها سبيل الطهر والنقاء والحشمة والعفاف فحرمت من أجل صون الأعراض وحفظ الأنساب فاحشة الزنى.
ولعظم خطر هذه الفاحشة وفتكها بالأفراد والمجتمعات حرمت الشريعة - أيضا - كل سبيل موصل لها وكل ذريعة مفضية إليها، فحرمت -مثلا- مصافحة المرأة الأجنبية، والخلوة بها، وأمرت بغض البصر عن النظر إليها .. وما ذلك إلا لعظم حرمة هذه الفاحشة وعدّها جريمة في حق الإنسانية كلها.
وقد تكاثرت النصوص الشريفة التي دلت على حرمة الزنى، وسوء سبيل فاعله، وشدة عقاب مجترحه، فمن الكتاب العزيز:
قول الحق: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا الإسراء: 32، فهذه الآية الكريمة لم تكتف بالتحذير من الزنى نفسه
بل حذرت حتى من الاقتراب منه وحرَّمت كل سبيل يمكن أن يقرب منه أو يوصل ويؤدي إليه، فلم يقل الله سبحانه: "ولا تزنوا"، وإنما قال:
وَلَا تَقْرَبُوا الزنى (2).
(1) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد. سلسلة دروس التفسير، تفسير الآية رقم 24 من سورة النساء/ الدرس الأول. "مادة
سمعية"، اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية.
(2)
2 - الخَلِيلِيُّ، أَحَمَدُ بنُ حَمَد. القيم الإسلامية ودورها في تقديم الحلول للمشكلات البيئية العالمية ص 41 - 42. (1/153)
صفحة 154
154
المعتمر
الجدير بالذكر أن النهي عن قربان الزنى في هذه الآية جاء بين نهيين عن القتل، الأول النهي عن قتل الأولاد: وَلَا تَقْتُلُوا أَوَلَدَكُمْ) الإسراء: (ا) والثاني النهي عن قتل الأنفس وَلَا نَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ الإس كما جاء مثل ذلك أيضا في نظيرة هذه الآية من سورة الأنعام حيث يقول تَعَالَى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَّ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتي
حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ الأنعام: 0151
وقد استظهر شيخ المفسرين الخليلي –أمد الله في عمره- أن ذلك لم يكن إلا لأن الزنى في الحقيقة يعد قتلا للأفراد وإبادة للشعوب، وخرابا للأسرة والمجتمع (1).
وقوله علة: الزانية والزراني فاجلِدُوا كُل وسير بينهما مِائَةَ جادو ولا تأخذكر بهما رأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ
الْمُؤْمِنِينَ - الدور: 2 النور: 2، في هذه الآية ذكر بعض العقوبات الدنيوية التي
تلحق الزاني في حياته فأولها العقوبة المادية الحسية: الجلد مئة
وهي
جلدة بلا رأفة على المجلود، والثانية هي العقوبة المعنوية الأدبية وهي الإشهاد على هذا الجلد وإقامة الحد
من قبل طائفة من
المؤمنين.
هذا إضافةً إلى ما امتحن الله به الزناة في حياتهم من أمراض العصر المستعصية والفتاكة كالإيدز والزُّهَري والسيلان وغيرها (2)؛ تصديقا لقول
(1) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. القيم الإسلامية ودورها في تقديم الحلول للمشكلات البيئية العالمية ص 169 - 174. (2) - الغاربي، محمد بن راشد وآخرون. أشعة من الفقه الإسلامي ج 2 ص 186. (1/154)
صفحة 155
الشكل المغتصب
155
النبي: لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِمُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ التِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ في أَسلافهمُ الَّذِينَ مَضَوا (1). . قوله تَعَالَى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَيْهَا مَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْس الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَتَاما ال
الفرقان: 68
يضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ، مُهَانًا) 69، كما ذكرت الآية السابقة العقوبات الدنيوية فهذه ذكرت العقوبات الأخروية وهي مضاعفة العذاب على الزاني لشدة جرمه، مع الخلود في نار جهنم، والعياذ بالله.
وقال في بيعة النساء للنبي صلى الله عليه وسلم: وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ
أَوْلَدَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَن يَفْتَرِينَهُ، بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ
الممتحنة: 412
ففي الآية الكريمة ذكر بنود البيعة التي عاهدت عليها النساء رسول الله
، ولولا خطورة الزنى لم يكن منصوصا عليه فيها.
وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء التحذير القولي والتطبيق العملي الرادع لكل من تسول له نفسه مقارفة هذه الخطيئة، فمن ذلك:
(1)
إباحة الرسول دم المحصن الزاني ليقيم عليه الحاكم المسلم الحد الشرعي؛ فقد قال: " لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله إلا بإحْدَى ثَلاث: رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَان فَإِنَّهُ يُرْجَمُ، وَرَجُلٌ خَرَجَ مُحَارِبًا لِّلَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ أَوْ يُصْلَبُ أَوْ يُنفى من الأَرْضِ، أَوْ يَقْتُلُ نَفْسًا فيقتل بها (2).
ابن ماجه، باب: الْعُقُوبَات، رقم الحديث 4009.
) - أبو داود، باب: الْحُكْمِ فِيمَنْ ارْتَدَّ، رقم الحديث 3789. (1/155)
صفحة 156
156
المعتمري
N 2626
نفي الإيمان عن الزاني حال: زناه بقوله -عليه أزكى الصلاة
والسلام-: "لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ"
(1) 11
ولعظم خطورة هذه المعصية وضررها على الفرد والمجتمع فقد خصت الشريعة الإسلامية من المهم الآخرين بها وقذفهم بارتكابها بحد خاص وعقوبة شديدة أليمة في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فالجلد ثمانين جلدة وعدم قبول الشهادة؛ قَالَ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ ثُمَّ لَوْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُ وهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَدَةٌ
أبداً وَأَوْلَيكَ هُمُ الْفَنسِقُونَ) الدورة (2).
وأما في الآخرة -مع
الدنيا- فحلول اللعنة والطرد من رحمة الله، واصطلاء نار
العذاب العظيم؛ قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي
الدُّنْيَا وَالآخِرَة وَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (النور: 23.
والحديث حول الزنى وأثره قبل وأثناء العلاقة الزوجية يمكن أن نقسمه إلى
المسائل الرئيسة الآتية:
- i
حكم زواج العفيف بالزاني.
ب حكم زواج الزاني بمزنية غيره.
ج حكم زواج الزاني بمزنيته.
أثر الزنى على بقاء العلاقة الزوجية.
(1) - البخاري، باب: إنهم الزناة، رقم الحديث 6312.
(2) ـ المنتدى الأدبي، قراءات في فكر السالمي، محاضرة لسماحة المفتي بعنوان: "منهج السالمي في مؤلفاته الفقهية" -
ص 22. (1/156)
صفحة 157
المعلمم
المعتصم
موافقة النكاح
157
فَصْلٌ في حُكْمِ زَوَاجِ العَفِيْفِ بِالزَّانِي
تعرف أيها الطاهر، حبب الله إليك الإيمان وزينه في قلبك، وكره إليك الكفر والفسوق والعصيان أن أكثر أصحابنا الإباضيين قد ذهبوا إلى عدم جواز نكاح الرجل العفيف بالمرأة التي ثبت أنها ارتكبت فاحشة الزنى (1)، سواء تابت من فجورها وآبت إلى رشدها وأصلحت ما كان من أمرها أم لم تفعل.
وكذا ذهبوا -أيضا إلى تحريم نكاح العفيفة بالرجل الذي ثبت زناه، سواء تاب أم لم يتب.
والدليل على هذا الحكم هو قول الله: الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً والزانية لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكُ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) النور: 3 فذيل هذه الآية الكريمة - وهو قوله تعالى: وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (النور: 3 - النور: 3 - هو مستند أصحابنا من من کتاب العزيز في تحريم نكاح المؤمن العفيف رجلا أو امرأة -
الله
بالذي ثبت زناه، سواء باعتبار أن المشار إليه باسم الإشارة "ذلك" في قوله تعالى:
وَحُرِّمَ ذَلِكَ. عائد إلى النكاح نفسه، أو أنه عائد إلى الزني.
فهو يدل بكلا الاعتبارين على أن كل واحد من الجنسين لا يكون كفا للعفيف إذا تلبس بجريمة الزنى، أما بالاعتبار الأول فواضح ويؤكده حديث: " لا يَنكِحُ الزَّانِي الْمَجْلُودُ إِلَّا مثْلَهُ (2)، وأما بالثاني؛ فلأن وصف الإيمان قد ارتفع عن الزاني
(3)
بارتكابه فاحشة الزنى؛ لقول النبي: "لا يَزْنِي الزَّانِي حينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وإذا
(1) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد. فتاوى النكاح ص 158.
) - أبو داود، باب: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةٌ، رقم الحديث 1756.
(3) - البخاري بَاب: إِثْمِ الزُّنَاةِ، رقم الحديث 6312. (1/157)
صفحة 158
158
المعتمم
ارتفع وصف الإيمان عن الزاني لم يكن أهلا لنكاح المؤمن العفيف، وفي بعض أجوبة شيخنا المفتي يحفظه الله - تأكيد هذا المعنى بقوله: ". . وإنما يعني ان المحدود على الزنى
ليس كفئًا لغير المحدود (1).
كما استدل أصحابنا -رضوان الله عليهم - على حرمة نكاح العفيف بالزاني بقول الله تعالى في سورة المائدة –وهي من آخر القرآن نزولا -: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِل لَم وَالمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ العيد
المائدة:
الن ساء 25
ه، وقوله -سبحانه- في سورة النساء: فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَلَتٍ غَيْرَ مُسَفِحَتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ. فقالوا: إن محصنات في الآيتين بمعنى عفيفات يقصدن الإحصان والعفاف لا سفح ماء الحياة، ولا اتخاذ الأخدان الذين يمارسون معهن البغاء في السر، والمفهوم منها أنه لا يجوز نكاح غير العفيفات الطاهرات (2).
يقول الشيخ بيوض في فتاواه العصرية: "لا يحسن بالمسلم أن يدنس شرفه أو يسقط كرامته بالاقتران ببغي لا يأمن أن تحن إلى سالف عهدها فتخونه" (3).
(1) - يُنظر:
(2) - يُنظر:
الخليلي، فتوى خطية، مؤرخة بتاريخ: 1419 هـ / 1998 م.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 154.
الخليلي
برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقةُ: 29 رجب 1423 هـ، يوافقه 2002/ 10/6 م.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقةُ: 21 رمضان 1427 هـ، يوافقه 2006/ 10/15 م.
الخليلي، سلسلة دروس التفسير، تفسير الآية رقم 24 من سورة النساء. "مادة سمعية". المنتدى الأدبي، قراءات في فكر ابن بركة البهلوي، محاضرة لسماحة المفتي بعنوان: " ابن بركة والبحث العلمي "ص 26.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 158.
الخَلِيْلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ "، حلقه: 29 رجب 1423 هـ، يوافقه 2002/ 10/6 م. الخليلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْل الذكر"، حلقة: 6 جمادى الأولى 1424 هـ، يوافقه 2003/ 7/6 م.
(3) - بيوض، إبراهيم بن عمر. فتاوى الشيخ بيوض ص 356. (1/158)
صفحة 159
القلب المعنصري
القول الْمُعْتَصَبُ:
159
لقد تقدم قريبا أن الرأي الذي ذهب إليه أكثر أصحابنا هو حرمة نكاح الزاني أو الزانية مطلقا؛ لما تقدم هناك من الأدلة والدلالات، إلا أن بعض أصحابنا من محقي المتأخرين استثنوا من أولئك المجترحين من لم يصروا على ما فعلوا، بل تابوا وأنابوا وأصلحوا ما أفسدوا حتى اشتهروا بالهداية والرشاد، فرأوا أنهم بتوبتهم هذه قد إليهم وصف الإيمان والعفة والإحصان الذي كان قد ارتفع عنهم بسبب ارتكاب جريرة الزنى، وفي هذا يقول صاحب كتاب "النكاح: صحة وفسادا":
رجع
" ومن أبرز فقهاء الإباضية المتأخرين القائلين بهذا الرأي الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، والشيخ سعيد بن خلف الخروصي وغيرهما، وقد خالفوا بذلك رأي فقهاء المتقدمين، وذلك لرفع الحرج والتيسير على الناس والحفاظ على الأعراض والأنساب، وإنقاذ الزناة من وحل الرذيلة، وهذا ما يتماشى مع مقاصد الشريعة" (1).
وهذا ما صرح به سماحة الشيخ في فتاواه إذ يقول سلمه الله -: " أما إن تابت توبة نصوحا؛ فما عليك في الاستمساك بهما، فإن التوبة طهارة من الذنب (2)، ويقول الشيخ بيوض في فتاواه أيضا: "وعلى كل حال فإن الزانية إذا تابت توبة نصوحا وندمت على ما فَرَطَ منها وأرادت بالنكاح الإحصان والتعفف فما نرى من نكاحها من بأس إن شاء الله (3).
(1) - قال المؤلف في توثيقه لهذ النقل: "أخذتُ هذه الفتوى من الشيخين في لقاء خاص بتاريخ 16/ 12 / 2001 م
غرة شوال 1422 هـ". يُنظر:
أرشوم، النكاح صحة وفسادا وآثارا ص 257.
11
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقةُ: 21 رمضان 1427 هـ، يوافقه 2006/ 10/15 م.
(2) - الخليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. فتاوى النكاح ص 167، 156، 157.
(3) - بيوض، إبراهيم بن عمر. فتاوى الشيخ بيوض ص 356. (1/159)
صفحة 160
160
المعتمري
NEL
إلا أنه يجب على من سبق له اقتراف الزنى في جاهليته أن يستر نفسه ويقترن بالعفيف أو العفيفة ولا يبدي له ما كان من أمره، بل ولا يكشف ما
ستره الله
الله عليه
عند أي أحد من خلق الله)؛ فقد جاء في الحديث الذي رواه الإمام مالك في الموطأ أن نبي الله: "مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كتَابَ الله (2). وقد أكد هذا المعنى واستؤنس لصحته بما روي أن رجلا في زمان الخليفة عمر بن الخطاب له جاء إليه يستفتيه، فذكر له أن ابنتًا عنده أصابت حدا من حدود الله وأرادت أن تقتل نفسها، فأدركها قبل أن تفعل ذلك، فتابت ونسكت وحن إسلامها، ثم إنها خُطبَتْ من عنده، فهل يذكر للخاطب ما كان منها من الزين أم يسترها، فغضب عمر حتى أجابه عمر بقوله: "أنكحها كما تنكح العفيفة، وإلا جعلتك نكالا لأهل الأمصار "
(3)
فَتْوَى
السُّؤال هل يجوز لمن ثبت عليه الزنى أن يتزوج بالمرأة العفيفة؟ وما معنى الآية:
الزاني لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةٌ أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكُ: النور: 3
؟
الجَوَابُ إن اعترف اعترافًا صريحًا، أو قامت البيئة العادلة، وهي شهادة أربعة شهود عدول أنهم رأوه يزني بحيث رأوا الآلة في الآلة، أي أن تقوم الحجة عليه بما
(1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 155، 156، 163.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذكر، حلقة: 6 جمادى الأولى 1424 هـ، يوافقه 2003/ 7/6 م.
(2) - مالك، الموطأ، بَاب مَا جَاءَ فِيمَنْ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسه بالزنى، رقم الحديث 1299.
(3) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 170.
عبد الرزاق، المصنف: باب ما رد من النكاح، رقم الحديث 10690. (1/160)
صفحة 161
المعلمين
يوجب
المعتصم في فقه النكا
221
161
الحد الشرعي، فلا تحل له عفيفة، اللهم إلا إن تاب إلى الله، وثبتت توبته
وذلك المراد من الآية الكريمة، والله أعلم (1).
فَصْلٌ فِي زَوَاجِ الزَّانِي بِمَزْنِيَّةِ غَيْرِهِ
اعلم أيها الأخ الحبيب - أن علماء الأمة وفقهاء الأمصار على مر الدهور والأعصار قد أجازوا للزاني - رجلاً كان أو امرأةً - أن يتزوج بمثله من غير العفيفين الذين أقيم عليهم الحد الشرعي، شريطة أن لا يكون قد وقع بينهما زنى، أو شهد أحدهما بزنى الآخر معاينة، أو ثبت زناه لديه بإقرار.
وهذا الحكم وهو جواز نكاح الزاني بمثله من الزناة متفق عليه؛ لأنه منصوص عليه في قوله تعالى: {الزَّانِ لا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّايَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا
(2)
زَانٍ أَوْ مُشْرِكُ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) الدور: ((2)، يقول سماحته -حفظه الله -
"زواج الزانية بمن كان زانيا مثلها لا حرج فيه بنص القرآن الكريم (3)
(1) - الخَلِيْلِيُّ، أَحَمَدُ بنُ حمد. فتاوى النكاح ص 169.
(2)
تنبية مُهم: أما جواز نكاح الزاني للمشركة والزانية للمشرك فغير باق حكمه، وإنما هو منسوخ بالآيات القرآنية كقوله تعالى في "البقرة": وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا من البقرة: 221، وقوله في "الممتحنة": فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ مل لهم وَلَا هُمْ يَحلُّونَ لمن كم المتحدة: 10، وبما أن المنسوخ إنما هو ذلك الجزء من آية النور فقط، فإن ما عداه باقي على
أصله. يُنظر:
(3) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 176.
الخليلي، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 6 جمادى الأولى 1424 هـ، يوافقه 2003/ 7/6 م.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 172.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 8 رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 10/23 م. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْر، حلقه: 21 رمضان 1427 هـ، يوافقه 2006/ 10/15 م.
11 (1/161)
صفحة 162
162
معلم
خلاف بينهم
فَصْلٌ فِي زَوَاجِ الزَّانِي بِمَزْنِيَّتِهِ
تعرف أيها الأخ الحبيب، أغناك الله بحلاله عن حرامه- أن لأصحابنا أهل الحق والاستقامة في الدين كلمة سواء في مسألة زواج الزاني بمزنيته، فقد اتفقوا من غير م على حرمة نكاح الزاني بالمرأة التي زنى بها حرمة مؤبدة)، وهذا الحكم عندهم مطلق من غير أي تقييد، سواء أكانا قد تابا أم لم يتوبا، أو تاب أحدهما ولم يتب الآخر، وسواء كان الزنى بمطاوعة المرأة أو بدونها، وكذلك سواء كانا بالغين أو أحدهما بالغا والآخر طفلا، أو كان أحدهما عاقلا والآخر مجنونا، فلا يجوز له تزوجها ولا تزوج شيء من أصولها أو فروعها (2).
يقول شيخنا أبو عبد الرحمن القنوبي سلمه الله -: الكاح الزاني بمزنيته ممنوع عند أصحابنا -رضوان الله تعالى عليهم - فلا يجوز .. ا، ويقول -حفظه الله - في أجوبته المخطوطة: " .. هذا ومن الجدير بالذكر أن القول بالتحريم في
القسم
الثالث من
هذه القضية هو القول الراجح لأدلة مبسوطة في غير هذا الموضع "
(4)، كما أن هذا القول مروي عن طائفة من الصحابة والتابعين فمن الصحابة: أم المؤمنين عائشة وعلي
(1) - يُنظر:
الخليلي، وقفات حول الزواج المعاصر. "مادة سمعية، إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 57 - 58، 156.
الخليلِيُّ، فتاوى النكاح بحث من قضايا الزواج ص 429.
الخَلِيْلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقةُ: 13 رمضان 1427 هـ، يوافقه 2006/ 10/7 م. القنوبي، دروس صيف 1424 هـ، 2003 م، "مذكرة خاصة" ص 55.
بيوض، فتاوى الشيخ بيوض ص 357، 362.
الشقصي، منهج الطالبين ج 15 ص 168.
(2) - أما إن كانا جميعًا، صبيين، أو، مجنونين، أو مشركين حال الزنى جاز نكاحهما بعد ذلك، والله أعلم.
الجناوني، كتاب النكاح ص 42.
(3) - القتُولِيُّ، سَعيدُ بنُ مَبْرُوك. فتاوى إمام السنة والأصول ص 113.
(4) - القَنُّوْبِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك. بحوث ورسائل وفتاوى القسم الثالث ص 20. (1/162)
صفحة 163
NEXGE 1
163
ابن أبي طالب وابن مسعود والبراء بن عازب، ومن التابعين جابر بن زيد والحن
البصري ..
(2)
وكما أن نكاح الزاني بالمرأة التي زنى بها ممنوع ابتداء، فكذا يفرق بينهما إن وقع، ولا يُقران عليه ولو نتج من هذا النكاح الأولاد، ومن فرّ من الحق رد إليه (1)، وفي القاعدة النبوية الصريحة: "مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَةٌ (2). ولهؤلاء في الاستدلال على حرمة نكاح الزاني بمزنيته دلالات من الكتاب، ومن سنة النبي الأواب، ومن القياس الجلي، ومن مقاصد الشريعة، ومن سد ذرائـ
الفساد ..
أولا من الكتاب:
قوله تعالى: {الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكُ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) النور: النور: 3، فقد فسرت السيدة عائشة قوله سبحانه: {وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ "أنه نكاح الزاني بالتي زني بها (3)، وهذا ما يؤكده سبـ
(1) - يُنظر:
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 157.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقه: 5 ربيع الأول 1425 هـ، يوافقه 2004/ 4/25 م.
السالمي، جوابات الإمام السالمي ج 2 ص 452.
(2) - الربيع، بَابٌ: فِي الْوِلايَةِ وَالإِمَارَةِ، رقم الحديث 49.
(3)
1 - يقول القطب معقبا على قولها هذا وحكم" كلامها -رحمها الله - حكم الحديث المرفوع إلى النبي، وفي ذلك رد لقول من قال من المخالفين بتحليل نكاح الزاني بمزنيته مطلقا، ولقول من قال منهم بتحليله بشرط الإصلاح
والتوبة". يُنظر:
اطفيش محمد بن يوسف. شرح كتاب النيل ج 6 ص 48. (1/163)
صفحة 164
164
المعتصم
نزول هذه الآية، وهو أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي سأل رسول الله في نكاحه بامرأة كانت خليلة له في الجاهلية فسكت النبي حتى نزلت هذه الآية، قال مرثد: "فَدَعَانِي فَقَرَأَهَا عَلَيَّ، وَقَالَ: لا تنكحها (1).
كما أن تفسير عائشة المتقدم آنفا قد اعتضد بنصوص ثابتة من قول من تقدم ذكرهم من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم كعلي وابن مسعود والبراء، فقد قالوا جميعا من زنى بامرأة ثم تزوجها فهما زانيان أبدا، أو زانيان إلى يوم القيامة"، وسئل صحابي عن رجل زنى بامرأة ثم تزوجها فقال: "تزوُّجُها شرٌّ من زناه، وقال أبو الشعثاء جابر بن زيد: "من زنى بامرأة فلا يتزوجها، وليجعل بينهما البحر الأخضر، وإن قدر أن لا ينظر إليها فليفعل" (2).
وكذا استدلوا بالآيات القرآنية التي تحرم نكاح الزانية عموما، وتشترط في المرأة الإحصان والعفة وقد سبق ذكرها في تحريم زواج
الزانية، كقوله تَعَالَى: وَالمُحْصَنَتُ مِنَ المُؤمِنَت المائدة: ه، وقوله: مُحْصَنَتٍ غَيْرَ مُسَفِحَةٍ، النساء: 25، وإذا كان التزوج بالزانية غير المحصنة حراما فما ظنك بالتزوج بمن زنى بها بنفسه "إنها الأشد حرمة"، كما يصفها الإمام السالمي
(1) - النسائي، باب: تَزْوِيجُ الزَّانِيَةِ، رقم الحديث 3176.
(2) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 151.
بيوض، فتاوى الشيخ بيوض ص 357.
(3) - السالمي عبد الله بن حميد جوابات الإمام السالمي ج 2 ص 538. (1/164)
صفحة 165
المعتمري
215 21
170
بل يصرح أحد فقهاء الإباضية المتقدمين وهو ابن خلفون الله (1) كما في أجوبته المغربية بدخول المزني بها في دلالة الآيتين الكريمتين فيقول: ". . فكل زانية داخلة تحت حكم الآية (2)، والله
أعلم.
ثانيا / السنة النبوية:
استدل بعض أصحابنا الله على تحريم نكاح الرجل بالمرأة التي زنى بها من السنة النبوية) بما رواه الإمام الربيع الله من طريق أبي عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ
عَبَّاسِ عَنِ النّي أَنَّهُ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَعِي، وَحُلْوَانِ الْكَاهن).
(1) ـ ابن خلفون هو الشيخ العلامة أبو يعقوب يوسف بن خلفون المزاتي، من أشهر علماء قبيلة مزاتة البربرية، وأحد علماء القرن السادس الهجري، نشأ وعاش في إحدى القرى المجاورة لمدينة "وارجلان" من الجنوب الجزائري، كان واسع الاطلاع والمعرفة بالفقه الإسلامي على مذاهبه المتعددة، وصفه المؤرخ الدرجيني صاحب الطبقات بقوله: "المحقق الوصول إلى الغاية في علم الفروع والأصول، إن درّس فلقن أحسن تلقين، وإن أفتى فمغترف من أعذب معين، لا منه تعسف، ولا يدرك ألفاظه تكلف .. ". يُنظر:
يُخشى.
(2) - يُنظر:
ابن خلفون، أجوبة ابن خلفون، مقدمة تحقيق الدكتور النامي -رحمه الله - ص 13 - 14. الدرجيني، طبقات المشايخ بالمغرب ص 495 - 499.
الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذكر، حلقه: 29 رجب 1423 هـ، يوافقه 10/ 6//2002 م.
ابن خلفون أجوبة ابن خلفون ص 39.
العبري، سعيد بن عبد الله. فقه الإمام أبي عبيدة ص 177.
(2) - تنبية: هناك روايات أخرى ترفع إلى النبي استدل بما بعض أصحابنا رضوان الله تعالى عليهم- على حرمة نكاح الزاني بمزنيته كرواية: "أيما رجل زنى بامرأة ثم تزوجها فهما زانيان إلى يوم القيامة"، ورواية: "لا نكاح بعد سفاح"، ولا شك أن مثل هذه النصوص صريحة من حيث دلالتها على حرمة نكاح الزاني بمزنيته، وهي قاطعة لشأفة كل نزاع عندما تصح مرفوعة إلى حضرة النبي، إلا أن هذه الروايات لم نجد لها ذكرا في كتب الحديث الأصلية التي ترفع الأخبار بأسانيد متصلة إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما ذكرها من ذكرها من أصحابنا عفا الله عنهم- في مدوناتهم الفقهية ظنا منهم بثبوتها، ومن المعلوم أن الأحاديث لا تؤخذ من الكتب الفقهية وإنما تؤخذ من مصادرها الأصلية، فلذا لا يمكن أن يُعترض بمثل هذه الأخبار في ميدان النقاش العلمي، فيحتمل أنه التبس على رواتها بسبب أنا (1/165)
صفحة 166
177
و حقه و السفن المعتصم
يقول شيخنا العبري الدكتور سعيد بن عبد الله -حفظه الله - في رسالته القيمة "فقه الإمام أبي عبيدة" مبينا وجه الاستدلال بالحديث: "أنه لا يُسمى في الديانة ولا في
اللغة أجرة الزنى مهرا، إنما المهر في الزواج، وإذا حرَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهرها فقد زواجها، إذ لا بد في الزواج من مهر ضرورة" (2).
ثالثا القياس الجلي:
حرم
وأما القياس فهو القياس الواضح على أمرين أحدهما فعل النبي، والآخر صنيع عمر بن الخطاب له الذي أجمع عليه الصحابة في عصره، وبيان ذلك كالآتي:
أ-
القياس على فعل النبي: وهو أنه عليه الصلاة والسلام- قد حكم بين الزوجين المتلاعنين بالفرقة وأنهما "لا يجتمعان أبدا (3)، فإذا كان مجرَّدُ اتهام الرجل الملاعن زوجته بالزنى مع إنكارها له ونفيها ما نُسب إليها من الفحشاء، ورغم أنه كان يربط بينهما عقد صحيح متيقن منه - يجعلها حراما عليه حرمة
قد ثبتت موقوفة على بعض الصحابة فظنوا أنها مرفوعة كما يلمح هذا المعنى من كلام شيخنا محدث العصر القنوبي - يرعاه الله، ويحتمل أن الصحابة قد أخذوا تلك المعاني وفهموها من رسول الله فقالوا بها ولو لم يرفعوها إليه، وعلى كل فقد اكتفينا في الاستدلال على التحريم هنا بدلالات الكتاب والحديث الصحيح والقياس الجلي ومقاصد التشريع الرباني وسد ذرائع الفساد، والله أعلم ..
فعل عندهم سوى ما عندي
يُنظر:
***
القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول ص 113.
القنوبي، قرة العينين ص 118.
السالمي جوابات الإمام السالمي ج 2 ص 450.
(1) - الربيع، بَابٌ: فِي الْمُحَرَّمَاتِ، رقم الحديث 633.
(2) - العبري، سعيد بن عبد الله فقه الإمام أبي عبيدة ص 178.
(3) ـ أبو داود، باب: في اللعان، رقم الحديث 1918.
ولم أجده فأنا في حدي (1/166)
صفحة 167
الانتقى المعصب في فقه النكاح
167
مؤبدة، فإن نكاح المزني بها المبني على اتصال جنسي غير شرعي لا شك فيه ومتيقن منه بالفعل المعلوم لدى الطرفين، وليس مجرد اتمام بالقول، لا شك أن قياسها على الملاعنة في تأبيد التحريم من باب القياس الأولى، فأحرى أن تحرم عليه المرأة التي مارست معه الزنى تحريما مؤبدا؛ وليس لخبر كالعيان (1).
ب القياس على فعل عمر بن الخطاب المجمع عليه: وهو أنه حكم في الرجل والمرأة التي تزوجها في حال عدتها بالفرقة المؤبدة، ففي موطأ الإمام مالك أن عمر فرق بين رجل وامرأة تزوجها قبل انسلاخ عدتها وقال: "لا يَجْتَمعَان أَبَدًا (2).
وقد ذكر أبو الوليد الباجي في شرحه "المنتقى على موطأ مالك" أن القول بتأبيد تحريم المدخول بها في العدة على الداخل بها قاله أيضا أحمد ابن حنبل، وقد استدل له الباجي بحكم عمر ه وأتبع ذلك قوله مؤكدا إجماع الصحابة عليه: "وكانت" قضاياه تسير وتنتشر وتنقل في الأمصار، ولم يُعلم له مخالف؛ فثبت أنه إجماع .. وقد روي مثل ذلك علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ولا مخالف لهما مع شهرة ذلك وانتشاره، وهذا حكم الإجماع" (3).
عن
(1) - يُنظر:
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقه: 10 جمادى الأولى 1423 هـ، يوافقه 2002/ 7/21 م.
ابن خلفون أجوبة ابن خلفون ص 40.
العبري، فقه الإمام أبي عبيدة ص 179.
(2) - مالك الموطأ، بَاب جَامِعٍ مَا لا يَجُوزُ مِنْ النِّكَاحِ، رقم الحديث 983.
(3) - الباجي، أبو الوليد المنتقى شرح موطأ الإمام مالك ج 3 ص 213. (1/167)
صفحة 168
168
المعتصم في فقه النكاح
المعلم
فإذا كان هذا الحكم وهو الحرمة الأبدية لوطء بُني على عقد فيه إيجاب وقبول وولي وشهود وإن كان عقدا فاسدا لمصادفته مانعا مؤقتا، فما بالك بالوطء بالزنى الصريح، فإنه أحق بالحرمة الأبدية مع لزوم الحد الشرعي به؛ ولذا فإن عمر انه لم يقم الحد الشرعي على الذين فرق بينهما فرقة أبدية لتزاوجهما أثناء العدة، بل اكتفى بتعزير هما الشبهة العقد الحاصلة، بخلاف الزنى ففيه الحد، جلدا للبكر ورجما
للثيب. (1).
رابعا / مقاصد الشريعة
إن من مقاصد الشرع الحكيم من خلال تشريع الزواج تحقيق السكن والاطمئنان لنفس الإنسان، وتحصيل المودة والرحمة بين الزوجين؛ كما جاء ذلك صريحا في كتاب الله؛ فالله تعالى يقول: {وَمِنْ آيَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً الله الروم: 21، ومما يجب أن لا يعزب عن
البال وأن يجعل في الحسبان أن الرابطة الزوجية رابطة مقدسة وقد جعلها الله عل فيجب أن لا يحوم حولها أي دنس أو رجس، وأن لا مِّيتَقًا غَلِيظًا من النساء: 21، تلتصق بها أي ريبة أو شك ..
وزواج الزاني بالمرأة التي زنى بها لا يحقق مقصد الزواج الشرعي هذا، بل ينافيه ويناقضه ويعاديه ويعاكسه فأنى يسكن قلب رجل أو امرأة إلى من بلاه بنفسه وامتحنه أمانته، واختبره في شرفه وكرامته وانكشف له من عرضه خيانته؟ أتعزب عن في
(1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 153.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 153 - 154. (1/168)
صفحة 169
استعفى المعتدى
169
أحدهما تلك الساعات الماجنة التي انغمسا فيها جميعًا في حماة الرذيلة، وتعاطيا فيها كؤوس الهوى استجابة لنداء الشيطان؟ أو لا يمكن أن تكون بين أحدهما وبين آخر تلك العلاقة الشهوانية التي كانت بينهما من قبل يوم كانوا طلقاء؟ أو لا تنتاب كلا منهما تلك الوساوس والهواجس؟! فتقض عليه مضجع جنبه، وتؤرق منام ليله وتشغل بال نهاره؟
نفس
كيف لهما بالاطمئنان النفسي والاستقرار الأسري والشكوك تحيط بهم من كل جانب، والخواطر تعترضهم من بين أيديهم ومن خلفهم "ألا يمكن أن يفعل مع غيري مثل ما كان فعل معي؟! " وفي الأمثال والحكمة: "كما تدين تدان"، و"من خان لك خان بك" (1).
خامسا سد الذريعة
من المعلوم أن باب سد الذرائع" يعد من أوسع أبواب الفقه التي دل عليها القرآن الكريم، وأكدتها السنة النبوية الشريفة وولج من خلاله كثير من فقهاء الإسلام المحققين منذ الصدر الأول وإلى يومنا هذا، فأصدروا أحكامهم الشرعية لسد جميع أبواب الشر وقطع دابر الفساد والانحلال.
وإنَّ القول والعمل بمبدأ سد ذريعة الفساد يحتم القول بتحريم نكاح الزاني بمن زنى بها مطلقا؛ فإن إباحة التزاوج بين الزانيين يفتح باب الفحشاء على مصراعيه عند عباد الشهوات ما دام الأمر ميسورًا إلى هذا القدر، بحيث يمكن للشاب والفتاة أن يلتقيا في ظل الفحشاء، وعلى بساط الشهوات، فيستمتعا ما شاءا، ليختتما صفحتهما
(1) - يُنظر:
الخليلي، وقفات حول الزواج المعاصر. مادة سمعية، إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية. الخليلي، فتاوى النكاح ص 160. الخليلي، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 16 رمضان 1422 هـ، يوافقه 2001/ 12/2 م. (1/169)
صفحة 170
170
المعتصم
بالزواج الذي يأتي على جميع ما سبق فيستره كما يزعمان- وما هي إلا لحظات لذة عابرة حتى يُلقي بها متبرئًا منها!!
فكم من ذئب من ذئاب البشر افترس العديد من الفتيات بمخالب هذا الأمل الفاتن والسراب الخادع، فرزاهن في أغلى شيء في حياتمن، ثم رفسهن برجله باحا عن فرائس أخريات، بعدما كانت كل واحدة منهن تأمل أن يكون في يوم من الأيام شريك حياتها وفارس أحلامها، فإذا بهذا الأمل الحلو الذي كان يداعب خيالها باستمرار يتحول إلى ألمٍ مُرّ، وهم يملأ جوانب الصدر، ليقض عليها ليلها، بعد أن رزأها في كرامتها، وخلَّفَ في أحشائها جنينًا يؤرق ليلها ويطمس نور نمارها، حتى ينتهي به الحال إما أن يواجه الدنيا منبوذا هجينًا، وإما أن تكون نهايته الواد في مصحات
الإجهاض ..
(1)
أضف إلى هذا أنه لو قيل بإباحة نكاح الزاني بمزنيته لأصبح كل من أراد الزواج بامرأة يرغب فيها ومُنع منها لأي سبب كان فإنه سيلجأ إلى ارتكاب فاحشة الزنى معها كوسيلة لتحقيق غرضه والوصول إلى عشيقته وإجبار أهلها على القبول به وتزويجه منها خوفا من الفضيحة، والعار ونكون بهذا القول قد شجعنا الناس على ارتكاب الفاحشة للوصول إلى مبتغاهم ما دام أن الحرام لا يحرم
الحلال.
فإذن أوليس ذلك القول الصارم والرأي الحازم بتحريم النكاح بين المتزانيين هو الترياق النافع لمثل هذا التلاعب بالأعراض والتغرير بأمثال تلك الفتيات الأغمار خصوصا في هذا العصر الذي استشرى فيه داء الفساد ففتك بالفضيلة وأمات
الأخلاق والقيم؟
(1) - الخليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. الزواج بين السنة والبدعة محاضرة مطبوعة لدى الكاتب نسخة منها ص 10. (1/170)
صفحة 171
والمعتمـ
171
اتصالا محرما فإنهم
ولذا فإن الشاب والفتاة متى ما علما أنهم إذا اتصلوا ببعضهم سيفوتون على أنفسهم فرصة الزواج كان ذلك باعثا لهما على العفة، ورادعا لهما عن الفساد، وزاجرا لغيرهما عن مقاربة الفحشاء، وحافظا للأعراض والأنساب، ولم يستطع غر أن يغرر بفتاة ليلتقي بها أو يتواعد معها بحجة أنه يريد الزواج بها بعد ذلك، وهنا تطبق القاعدة الشرعية: "من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه"، والله أعلم). فَتْوَى
السُّؤَالُ فضيلة الشيخ: ما حكم نكاح الزاني بمزنيته؟
الجواب نكاح الزاني بمزنيته ممنوع عند أصحابنا -رضوان الله تعالى عليهم- فلا يجوز، ورويت هناك أحاديث ولكنها موقوفة، ولكن على كل حال لا يطمئن الإنسان إلى امرأة قد زن بها ولا تطمئن هي إليه، فإنها لو غابت عنه -مثلا- أو ذهبت عن البيت فإنه لا يطمئن إليها البتة من أن يفعل بها شخص آخر كما فعل بها هو، كما أنها لا تطمئن إلى زوجها هذا أن يفعل بغيرها كما فعل بها، ومن المعلوم أن المقصود من الزواج الاطمئنان؛ ولأجل هذه العلة ولوجود تلك الأحاديث وإن كانت موقوفة ذهب أصحابنا -رضوان الله تعالى عليهم - إلى المنع من ذلك، والله أعلم (2).
شي
ينظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 152.
خليلي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة: 23 رمضان 1432 هـ، يوافقه 2011/ 8/23 م.
العبري فقه الإمام أبي عبيدة ص 186.
أرشوم، النكاح: صحة وفسادا ص 269.
(2) - القنوبِي، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك. فتاوى إمام السنة والأصول ص 113. (1/171)
صفحة 172
172
المعتمم
مَسْأَلَة: اختلف علماؤنا -رحمهم الله تعالى- فيمن اختلى بامرأة أجنبية وأتى معها بمقدمات الجماع حتى وصل به الحال إلى لَمْسِ فرجها والنظر إليه بشهوة دون وطئه، هل لهذه الأعمال حكم الزنى في تحريم هذه المرأة عليه، وكذا أصولها وفروعها التي تحرم بسبب الزنى أم لا؟
ذهب إلى الأول جمهور أصحابنا الله، فأعطوا اللمس والنظر إلى الفرج بشهوة حكم الوطء)، وذهب بعض محققيهم من المتقدمين والمتأخرين إلى أن ذلك الفعل المشين لا يصل بالمجترح إلى حد تحريم المرأة عليه كما يحرمه عليها الزنى الصريح بالمواقعة في الفرج، ومن هؤلاء القائلين بهذا الرأي الإمام محمد بن محبوب والأزهر بن علي (2) والإمام نور الدين السالمي -رحمهم الله - (3)، وإليه ذهب الشيخان الخليلي في بعض فتاواه، والقنوبي في بعض كتاباته (4)، وإن كان الجميع يقول بأن الاحتياط بترك
(3)
نكاحها في هذه الحالة أفضل، والتتره عنها أولى، وأخير، وفيه سد لدواعي الفساد
(5)
وقد استدل شيخنا العلامة الخليلي لهذا الرأي بما رواه الربيع بن حبيب أن النبي قال: " الْعَيْنَانِ تَزْنَيَانِ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَان وَالرِّجْلاَن تَزنَيَانِ، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُهُ
(1) ـ ابن خلفون، يوسف بن خلفون أجوبة ابن خلفون ص 48 - 52.
الهجري.
الأزهر ابن العالم الجليل علي بن عزرة أخو موسى بن علي عالم فقيه مشهور، عاش في القرن الثالث
البطاشي، إتحاف الأعيان ج 1 ص 523.
(3) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد الوطء المحرم وأثره في نشر الحرمة ص 119 - 120.
(4) - يُنظر:
(9)
الخليلي، فتاوى النكاح / بحث من قضايا الزواج ص 431 - 432.
الخليل، فتاوى النكاح ص 155، 161، 161، 172، 242. الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 96، 152، 155. القنوبي، قرة العينين ص 32 - 33.
- الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد الوطء المحرم وأثره في نشر الحرمة ص 144 - 145. (1/172)
صفحة 173
ى
المعتصم
وافقة النكاح
173
الفرج (1)، يقول سماحته: " .. وإن كانت ملامسة فقط من غير ولوج للحشفة؛ فلا يصل الأمر إلى حد الحرمة، أي حرمة الزواج بينهما- وإن كان فعلهما الذي ارتكباه حراما، وأي حرام (2)، وفي هذا يقول الشيخ السالمي الله:
ويوجبان في الحرام كل ما
وذهب الأزهر ألا يحرم
وهو الصحيح فاتركنَّ الأَوَّلا
***
***
***
يوجبه الوطء الحرام فاعلما
بذين ما الزنى به يحرم
وإن عليه من مضى قد عولا (3)
وتعليقا على هذه الأبيات يعقب شيخنا القنوبي يحفظه الله- عليها بقوله في "قرة العينين": " قلت: وما رجحه الشيخ - رحمه الله تعالى- هو الرأي الراجح عندي، وهو مذهب العلامة أبي نبهان -رحمه الله تعالى (4).
فَصْلٌ فِي أَثَرِ الزِّنَى عَلَى بَقَاءِ العَلاقَةِ الزَّوْجِيَّةِ
تعلم يا سلمك الرحمن - أن العلاقة الزوجية هي علاقة ذات مودة ورحمة وسكن واطمئنان وثقة متبادلة من كل زوج وإخلاص من كل شريك لشريكه وحرص على طهارة الحياة الزوجية ونظافتها، ولذا فإن أخطر ما يمكن أن يهد كيان البيت الأسري والعش الزوجي ما يمكن أن يقع ممن ضَعُف الوازع في نفسه والرقيب
على عمله من "الخيانة الزوجية" للطرف الآخر ..
(1) - الربيع، باب في المحرمات، رقم الحديث 635.
(2) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 166، 174.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْل الذكر، حلقه 29 رجب 1423 هـ، يوافقه 2002/ 10/6 م. الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقة 7 ربيع الثاني 1424 هـ، يوافقه 2003/ 6/8 م.
(3) - السالمي عبد الله بن حميد مدارج الكمال ص 120 (4) - القنونِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك. قرة العينين ص 32 - 33. (1/173)
صفحة 174
174
من
وقد اختلف علماء الملة في حكم هذه الرابطة الروحية المقدسة حين وجود خيانة أحد طرفيها، والمشهور عند أصحابنا -رضي الله عنهم- أنه لو زنى أحد الزوجين بـ"أجنبي" من الآخر، وعلم الآخر بهذه الخيانة وثبت لديه ذلك بإحدى طرق الإثبات الشرعية في هذا الباب -كما سيأتي ذكرها - فقد حرمت على الرجل زوجته وحرم هو عليها، وانحلت بينهما الرابطة الزوجية، وانفسخت عقدة النكاح التي كانت تجمعهما (1).
أحد الطرفين ولم يعلم الطرف الآخر بها فإن عقدة النكاح وإن وقعت الخيانة من تبقى قائمة بينهما، ولا بأس باستمرار الحياة الزوجية مع ضرورة التوبة بينه وبين الله
والحرص على العفاف والستر وعدم العودة، العودة، وعدم کشف ما ستره الله ل من
سوء صنيعه
(2)
والدليل على هذا الحكم هو ما سبق من الأدلة الدالة على تحريم نكاح غير العفيف واشتراط الإحصان له وجوازه مع عدم علم الطرف الآخر، فإن اعتراف أي أحد من الزوجين بالزنى أمام الطرف الآخر يُسقط عنه صفة الإحصان، وعندما تسقط عنه صفة الإحصان يكون في هذه الحالة غير حري بأن يتزوج عفيفا، وتحرم عليه ابتداءً عقد النكاح يمنع الاستمرار والبناء عليه، وقد أيدوا رأيهم هذا بما رُوي أن عليًّا كرم الله وجهه - قضى في رجل عقد على امرأة ثم زنى بغيرها قبل الدخول ففرق بينهما، وأقام الحد الشرعي على الزانيين (3).
امرأته، وما يمنع
(1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 163.
الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" حلقة: 11 ربيع الثاني 1428 هـ، يوافقه 2007/ 04/29 م.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الرابع ص 72.
القنوبي، دروس صيف 1424 هـ، 2003 م، "مذكرة خاصة" ص 68.
(2) - الخَلِيلِيُّ، أَحَمَدُ بْنُ حَمَد. فتاوى النكاح ص 155، 156.
(T)
) - يُنظر: (1/174)
صفحة 175
ى
المعتصم
175
رخصة: لا شك أن العلاقة الزوجية علاقة مقدسة طاهرة لا ينبغي أن يكدر صفو حياتها، وينغص سرور عيشها باعتراف أحد الطرفين أمام الآخر بأخطاء الماضي
لأي سبب
كان، ولكن الجهل بالهدي النبوي السليم على صاحبه أفضل الصلاة وأزكى التسليم - قد يؤدي بأحد الزوجين إلى ركوب الأحموقات، فيعترف أمام صاحبه مما كان منه في سالف عهده، وخالي أيامه من خيانة زوجية، وقد تقدم أن الرأي المشتهر المسالة عندنا أن الزوجة تحرم بالاعتراف الذي يقابله التصديق ..
في
ولكن رخص بعض العلماء في بقاء العلاقة الزوجية إن وقع من أحد الزوجين اعتراف بالزنى عند الطرف الآخر على سبيل التندم والتحسر وإبداء التوبة النصوح لأنه مما مضى؛ بتوبته عاد إلى صفة الإيمان والإحصان وارتفع عنه وصف الزنى "وهو رأي وجية، ودلالته ظاهرة"، كما يصفه شيخنا بدر الدين -وفقه الله (1).
هذا كله إذا كان ذلك الزنى قد وقع مع طرف أجنبي من الزوج الآخر. أما إن وقع الزنى والعياذ بالله - مع أحد محارم الطرف الآخر من أصول أو فروع، كأن يكون قد وقع من الزوج مع أمّ الزوجة أو ابنتها، أو وقع من الزوجة مع أبي الزوج أو ابنه فإن رابطة الزوجية في هذه الحالة تنحل، وتحرم عليه زوجته، ولا يحل لهما البقاء أو الاستمرار على فراش الزوجية سواء عَلمَ الطرف الآخر بهذه الخيانة الكبيرة أو لم يعلم وعلى الخائن في هذه الحالة أن يحتال على الفرقة والابتعاد عن الطرف الآخر بكل غال ونفيس مهما كلفه ذلك من ثمن مع حرصه على ستر نفسه
الخليلي، فتاوى النكاح ص 158، 159.
الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 29 رجب 1423 هـ، يوافقه 2002/ 10/6 م.
(1) - الخَليْلِيُّ، أَحَمَدُ بنُ حمد. فتاوى النكاح ص 177. (1/175)
صفحة 176
176
المعتصم
المعتصم
أمام زوجه، وأمام الناس وأمام القضاء الشرعي، فإن انكشف أمره أمام القضاء فحده القتل بالسيف؛ لأنه زنى بذات محرم (1).
الشرعي
ومستند هذا الحكم هو أن الوطء المحرَّم كالوطء المحلل يُثبت التحريم بالمصاهرة كما يثبته الوطء المحلل باتفاق أصحابنا -رحمهم الله -، فتصبح الزوجة بزين زوجها بأمها كالربيبة المحرمة، ويصبح هو بزنى زوجته بأبيه كالربيب المحرم عليها، والله
المستعان (2)
فَتْوَى
السُّوَالُ/ فضيلة الشيخ رجل أتى ذات محرم منه والعياذ بالله- وهي صبية ثم تاب إلى الله تعالى من ذلك، فماذا عليه؟
الجَوَابُ من أتى ذات محرم فحده أن يقتل بالسيف، هذا إذا بلغ الحاكم أمره. وإن لم تقم عليه البينة فليستتر بستر الله، ويتوب إلى ربه تعالى توبة صادقة بشروطها كاملة ويدفع الصداق إلى تلك الصبية التي زنى بها من غير أن يُعلم بذلك
أحدا، والله أعلم.
(1) - يُنظر:
(2) - ينظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 164، 175.
الخليلي، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذُّكْرِ"، حلقه: 19 ربيع الثاني 1423 هـ، يوافقه 2002/ 6/30 م. الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقه: 21 جمادى الأولى 1427 هـ، يوافقه 2006/ 6/18 م. القنوبي، دروس صيف 1424 هـ، 2003 م، "مذكرة خاصة" ص 26.
الجناوني، كتاب النكاح ص 31، 193 (تعليق).
الخليلي، الوطء المحرم ص 18
الخليلي، فتاوى النكاح ص 164.
(3) - القنونِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك. بحوث ورسائل وفتاوى القسم الخامس ص 37. (1/176)
صفحة 177
المعتصم في فقه النكاح
177
مَسْأَلَة: اختلف العلماء فيما إذا وقع الزنى بين الرجل وأخت زوجته والعياذ بالله، هل تحرم عليه زوجته بهذا المنكر من الفعل فيما إذا لم تعلم الزوجة بذاك الزنى، أو لا تحرم؟
فذهب الأكثرون من الإباضيين إلى أن أخت الزوجة هي أجنبية من الزوج، وليست بمحرم منه؛ إذ يجوز للزوج نكاحها إن خرجت أختها عن عصمته، فحكمها حكم الأجنبيات في عدم وقوع تحريم الزوجة بمجرد ذلك الوطء الآثم ما دام أن الزوجة لم تعلم بذلك، ومِمَّن ذهب إلى هذا الرأي الإمام نور الدين السالمي والعلامة الخليلي والعلامة القنوبي -حفظهما الله، فهو المُعْتَصَد (1).
(1)
وقيل بل تحرم عليه زوجته، وبه قال إمام المذهب أبو الشعثاء جابر بن زيد، وهو قول الشيخ المحتسب صالح بن علي الحارثي -رحمهم الله؛ لأنهم رأوا أنه جمع في وطئه الأختين، وقد حرم الله ذلك (2)
بين
تنبية: يؤمر كلّ من الرجل والمرأة إن وقعا في شيء من هذه القاذورات أن يستترا بستر الله لا سيما الأزواج، فإن زلت بأحد الزوجين لسانه فأباح لقرينه ما خفي من فعله، فعليه أن يسارع لتكذيب نفسه ونفي مقاله فورا، كما أن على الطرف الآخر أن لا يسارع في تصديقه ويكذبه إن أمكنه؛ إبقاء على عصمة النكاح، وحفاظا
(1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 171، 173.
(2) - يُنظر:
الخليلى، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 95.
القنوبي، دروس صيف 1424 هـ، 2003 م، "مذكرة خاصة" ص 26.
السالمي جوابات الإمام السالمي ج 2 ص 419، 446 - 448.
القنوبي، دروس صيف 1424 هـ، 2003 م، "مذكرة خاصة" ص 18. أرشوم، النكاح صحة وفسادا ص 258. (1/177)
صفحة 178
178
626
des 3 maisall
المعتممم
على البيوت ومن فيها، فإن إصرار المجترح على الاعتراف بالفاحشة من غير تندم ولا اطمئنان الآخر على صدق اعترافه يؤدي إلى حرمة كل منهما على الآخر (1)
تحسر مع
،
فعلى المجترح أن يتوب بينه وبين ربه؛ إذ توبة السر بالسر ولا يشترط لصحتها طلب العفو والمسامحة، أو إظهار الندم وعدم العودة إلى ما فات أمام الشريك الآخر، فليتب بينه وبين ربه والله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات (2).
قلت: وقدْ أَضَافَ شَيخنا القَنُّوبُيُّ - حَفِظَهُ اللهُ - عِنْدَ الْمُرَاجَعَةِ بَخطّ قلمه مُنَبِّها ومحذرا: "ومما ينبغي أن يُنبه عليه هنا أنه لا ينبغي لأحد الزوجين أن يسأل الآخر هل زنى أو لا؟ ولا أن يعترف له الآخر بذلك إن كان قد وقع فيه، وإنما على من وقع في ذلك أن يتوب توبة نصوحا إلى الله تعالى، وأن يستتر بستر الله".
تنبية مهم جدا: الطرق الشرعية لثبوت الزنى من قبل أحد الزوجين عند
الزوج الآخر، هي:
—
—
- الإقرار بالزنى أمام الطرف الآخر وعدم التراجع عن هذا الإقرار وعدم
تكذيب نفسه مع تصديق الطرف الآخر له وعدم تكذيبه أيضا. المعاينة والمشاهدة المباشرة لعملية زنى الطرف الآخر مشاهدة لا لبس
فيها ولا غموض.
الشهادة من قبل أربعة شهود عدول أنهم رأوا الآلة في الآلة كما يرون الميل في المكحلة (3).
(1) - يُنظر:
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 158.
القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول ص 113.
(2) - يُنظر:
الخليلى، فتاوى النكاح ص 160.
الخليلي، برنامج: "سؤال أهل الذكر"، حلقه: 22 رمضان 1432 هـ، يوافقه 2011/ 8/22 م.
(3) - الميل: هو المكحال أو المروَدُ الذي تكحل به العين من المُكْحُلَةِ. يُنظر: (1/178)
صفحة 179
التكافل المعتدي
المعتصم في فقه النكاح
179
وما عدا هذه الطرق الشرعية كالظن السيء، والاستماع إلى كلام الآخرين، أو النظر في لون البشرة ... - فغير معتد به شرعا، فهو تخريص وتخمين، وإن تكلم بها أحدهم فقذف وبهتان لا يترتب عليه أي حكم: فالعلاقة الزوجية قائمة، والن ثابت والحد على المفتري منهما واجب والله المستعان (1).
فَتْوَى
والنسب
السُّؤَالُ فضيلة الشيخ رجل تزوج بامرأه وأنجب منها أطفالا، وشك في طفل منهم أن يكون منه وهو الطفل الأول؛ وذلك لاختلاف لون بشرته عن لون بشرة الأب والأم ماذا يفعل هذا الأب الحائر الذى يعيش في قلق واضطراب يومي، علما بأنه يشك في سلوك زوجته؟
الجَوَابُ قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: " الولد للفراش وللعاهر الحجر (2)، فهذا الحديث يدل دلالة واضحه على أن الولد تابع للزوج ولو ثبت زنى المرأة إلا إذا لاعنها الزوج، فكيف ولم يثبت هنا الزنى، وإنما هو مجرد شك!! ومن
ابن منظور، لسان العرب مادة: (رود).
(1) - يُنظر:
الخليلي، في الخطبة والزواج. " محاضرة مطبوعة، لدى الكاتب نسخة منها ص 15.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 158، 165.
الخليلى، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 95.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقه: 11 ربيع الثاني 1428 هـ، يوافقه 2007/ 04/29 م.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الأول ص 47.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى/ القسم الرابع ص 72.
القنوبي، دروس صيف 1424 هـ، 2003 م، "مذكرة خاصة" ص 68.
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر" حلقة: 13 جمادى الأولى 1424 هـ، يوافقه 2003/ 7/13 م.
6
السالمي، شرح الجامع الصحيح ج 3 ص 307.
2 - الربيع، بَابٌ: فِي الرَّحْمِ وَالْحُدُودِ، رقم الحديث 609. (1/179)
صفحة 180
180
المعتصم 3 فقه ال
المعلوم أن اختلاف الألوان لا يمكن الاستناد إليه فى مثل هذه الأمور، فعلى هذا الزوج أن يستغفر ربه ويندم على ما كان منه ويمسك بزوجه، والله أعلم).
قلت: وقد أَضَافَ شَيخنا القَتُولِيُّ - حَفِظَهُ اللهُ - عِنْدَ الْمُرَاجَعَةِ بخط قلمه مضيفا على هذا الجواب: "ويعزم على عدم الرجوع إلى مثل ذلك مرة أخرى، وأن يكون في
ذلك كله مخلصا الله تعالى.
هذا، وإذا كانت هناك شكوك مبنية على أصل قوي، وليس مجرد ظنون وأوهام،
ولم ترجع عن ذلك فليفارقها وليتخلص من شرها ".
فَصْلٌ
في أحكامٍ وَتَنْبِيهَاتٍ عَامَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِجَرِيمَةِ الزِّنَى
التنبيه الأَوَّلُ: زنى المحارم يوجب القتل حدا، سواء كانا بكرين أم محصنين،
وقد تقدمت قصة عبد الملك بن مروان في ذلك، واستحسان أبي الشعثاء جابر بن زيد
لصنيعه (2).
فَتْوَى
السُّؤَالُ / رجل زين بابنته؛ فهل تحرم عليه أمها؟ وماذا يلزمه؟
الجَوَابُ بئس ما فعل، وتحرم عليه أمها، وعليه التوبة إلى الله مع العُقر لابنته إن كان اغتصبها، وهو عشر ديتها إن كانت بكرًا، ونصفه إن كانت ثيبا، أو صداق مثيلاتها، وعقوبته إن انكشف أمره القتل بالسيف، والله أعلم (3).
- يُنظر:
(2) - يُنظر:
(3)
القَنُّوبي، فتاوى على أسئلة من الشرق الإفريقي ص 17.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الأول ص 47.
الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقه: 21 جمادى الأولى 1427 هـ، يوافقه 2006/ 6/18 م.
الجناوني، كتاب النكاح ص 31.
1 - الخَلِيْلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. فتاوى النكاح ص 164، 175. (1/180)
صفحة 181
العلي المعتصم في فقه التي وفقه النكاح
181
التحريم
يحرم
التنبيه الثاني: الوطء بالزنى يوجب ما يوجبه الوطء بالعقد الشرعي من للأصول والفروع، فيحرم على الزاني نكاح أصول المزني بها وفروعها، كما على المزني بها نكاح أصول الزاني أو فروعه، إلا أن هؤلاء الذين حرموا بسبب ذلك الزنى لا يكونون محارم لأولئك الزناة، فلا تجوز معهم خلوة ولا مصافحة .. (1). التنبيه الثالث: اتفق العلماء على جواز نكاح ابن الزاني ببنات مزنية أبيه اللواتي ولدن قبل ذلك الزمن، واختلفوا في جواز نكاح ابن الزاني بمن ولد منهن بعد
الزنى ..
فشدد في ذلك بعض علمائنا
-رضي
الله عنهم حتى قال كثير منهم بمنع ذلك وإن تطاول العهد وتواتر البنون والبنات ولكن هذا التشديد ليس على إطلاقه عند شيخنا مفخرة العصر الخليلي أبقاه الله، وأمد في عمره، وبارك في حياته، فلا يمنع ابن الزاني من الزواج ببنات مزنية أبيه إلا تلك البنت التي تولدت من ماء أبيه نتيجة ذلك الزنى الآثم فقط، وأحل له ما وراء ذلك من بقية بناتها اللاتي لا يمكن أن يكُنَّ قد تولدن من ماء أبيه، وإنما الترك أولى من باب التنزه والاحتياط فحسب (2).
(1) - يُنظر:
(2) - يُنظر:
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ج 2 ص 103.
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقه: 17 شوال 1423 هـ، يوافقه 2002/ 12/22 م.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 164، 169.
الخليلي، برنامج "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقه: 20 شوال 1421 هـ، يوافقه 2001/ 1/15 م.
السالمي جوابات الإمام السالمي ج 2 ص 536، 546. (1/181)
صفحة 182
182
المعتصم
يقول شيخنا المفتي العام للسلطنة -حفظه الله -: " فالأصح الجواز لعموم قول الله تعالى: وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ، النساء: 24، النساء: 24، فإن لم تكن تولدت من نفـ ذلك الزنى فالحل فيها ظاهر، والله أعلم "
(1) "
نفس
قلت: وقدْ أضَافَ شَيخنا القَنُّوبُيُّ - حَفِظَهُ اللهُ - عِنْدَ الْمُرَاجَعَة بخطّ قلمه قائلاً: الو ينبغي لأحد أن يقول بوجوب شيء أو حرمته أو ندبه أو كراهته إلا بدليل شرعي، ولا يوجد دليل شرعي يدل على حرمة أو كراهة زواج أولاد الزاني من أولاد من زين بها إلا الولد المتولد من ماء ذلك الزاني.
على أن الدليل الشرعي قد دل على جواز ذلك كما في عموم قوله تعالى:
وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُم (النساء: 24، ومن ادعى تخصيص ذلك في هذه القضية فليأت بالدليل المخصص، ولا سبيل إليه".
التنبيه الرابع: زنى الطفلين حال الصغر لا يحرم عليهما النكاح بعد البلوغ كما نص عليه غير واحد من أهل العلم منهم الجناوني في كتاب النكاح بقوله: "وإن كان المسيس بين الطفل والطفلة في طفولتهما فجائز لهما أن يتناكحا بعد بلوغهما، ولكل واحد منهما أن يتزوج ما ولد الآخر وما ولده " (2).
والتنبيه الخامس: زنى المشرك والمشركة حال شركهما لا يحرم عليهما النكاح بعد الإسلام؛ لأن الإسلام جب لما قبله، يقول شيخنا المحدث القنوبي عافاه
(1)
2 - الخَليْلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. فتاوى النكاح ص 171 - 172.
(2) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 172.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" حلقة: 4 ربيع الأول 1430 هـ، يوافقه 2009/ 3/1 م.
،
الجناوني، كتاب النكاح ص 33 - 34. (1/182)
صفحة 183
المعتمهم
کاج
183
الرحمن -: "إذا كانا جميعا على الكفر حال الزين فلا بأس من تناكحهما " (1)، وبهذا يُؤوّل ما روي عن ابن عباس أنه قال: "أوله سفاح وآخره نكاح" (2)، إن ثبت
ذلك عنه رضوان الله تعالى عليه (3)
التنبيه السَّادِسُ: رؤية أحد الجنسين للطرف الآخر يرتكب الفاحشة -سواء كان في قبل أو دُبُر، بذكر أو أنثى، بإنسان أو حيوان، عياذا بالله هذه الرؤية تحرم عليه نكاحه إن كان أجنبيا عنه، وتحرم استمرار العلاقة بينهما إن كان زوجا له (4). التنبيه السابع: الزنى لا يثبت شرعا إلا بالإقرار على النفس، أو شهادة شاهدين عدلين على الإقرار أو البينة وهي الشهود العدول الأربعة، ولا يثبت شرعا بغير هاتين الطريقتين وإلا كان قذفا يوجب على صاحبه الحد ثمانين جلدة.
ولذا لا يصح بأي حال من الأحوال أن يتكلم المؤمن في عرض إنسان آخر، فيتهمه بالزنى والفجور مع عدم ثبوته بما أثبته الشرع، وذلك لمجرد نظره في بعض الأمور التي ألغاها الشرع في هذا الباب ولم يجعل لها أي اعتبار، وذلك كأن ينظر في
(1) -
- الفنوبي، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك. برنامج: سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 20 جمادى الأولى
1424 هـ، يوافقه 2003/ 7/20 م.
(2) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 154، 171.
الخليلى، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 150.
الجناوني، كتاب النكاح ص 39، 41.
(3) - القنوبِي سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك. جلسة المراجعة بمترل فضيلته - ليلة الأربعاء 28 ذو القعدة 1432 هـ، الموافق 26/
2011/ 10 م. (4) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 168، 172، 173، 175. السالمي جوابات الإمام السالمي ج 2 ص 451 - 452. (1/183)
صفحة 184
184
المعتمم
N
الشبه أو لون البشرة أو لمجرد ابتلاء أحد بمرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز)، أو عن طريق بعض الفحوصات الطبية أو الصور الفوتوغرافية أو مقاطع الفيديو ... إلخ، وإلا عُدَّ في جميع هذه الأحوال باتمامه هذا قاذفا فعليه البينة الشرعية وإلا حَدَّ في الظهر ويستثنى من ذلك الزوج الذي شرع له اللعان كما سيأتيك قريبا بإذن الله. . (1)
اقْرَأْ وَتَعَلَّمْ
يقول الشيخ المجدد نور الدين أبو محمد السالمي الله في "فصل حد الزاني" من أرجوزته الرائعة جوهر" النظام في علمي الأديان والأحكام":
والحد في الزنى على أصناف
فالجلد في البكر بنص الذكر
إن كان محصنا وذاك إن نكح
ومن زنى بمحرم بالسيف
في البكر والمحصن هذا عما
ولا يموت ذو الزنى حتى يرى
ولعذاب الله في الأخرى أشد
***
***
***
***
***
***
***
بالجلد والرجم وبالأسياف والرجم بالسنة في ذا الحر ثم زنى فرجمه هنا اتضح يقتل حده بدون حيف يروى عن المختار فيه حكما بعينه الفقر جزاء حضرا إلا إذا تاب سريعا ورشد (2)
(1)
1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 164.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 151.
(2) ـ السالمي، عبد الله بن حميد. جوهر النظام ج 3 ص 209، 210، 215. (1/184)
صفحة 185
المعتممر
معتصب في فقه النكاح
القِسْمُ الثَّانِي فِي اللَّعَان:
185
قالَ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّمْ شُهَدَاهُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَدَةً أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهدَتِ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِقِينَ وَالْخَمْسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَذِبِينَ ودروا عنها العَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَدَاتِ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَذِبِينَ (وَالْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّدِقِينَ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابُ
النور: 6 - 10.
لقد تقدم لديك عزيزي القارئ النبيه - فيما سبق من الصفحات أن الزين واللعان من الأسباب التي توجب الحرمة المؤبدة بين الرجل والمرأة فتمنع استمرار العلاقة الزوجية بينهما إن وقع ذلك بينهما، وتؤبد التحريم، لكنه لا عنها علاقة ينتج محارم تبيح الخلوة والمصافحة .. (1)
وكما تقدم أن جريمة الزنى من الفواحش التي حرمها الله تعالى تحريما قاطعا في الكتاب والسنة، ومن خطورة هذه الفاحشة وضررها على الأفراد والمجتمعات أن حرم قذف الآخرين بها، بل وألزم كل من اتهم غيره بها أن يأتي بأربعة شهداء عاينوا المنكر بتفاصيله، ورأوا الآلة في الآلة كالميل في المكحلة -كما يعبر الفقهاء-
فإن لم يأت بالشهداء، أو أتى بهم ليشهدوا لكنهم لم يتفقوا في جميع التفاصيل فقد استحقوا جميعا حد القذف، وهو الجلد ثمانين جلدة بحكم قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ
(1)
- القنوبي، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك. برنامج: "سؤال أهل الذكر" - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 17 شوال 1423 هه
يوافقه 2002/ 12/22 م. (1/185)
صفحة 186
186
المعتمري
يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَأَجَلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَا نَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَدَةً أَبَداً وَأَوْلَيْكَ هُمُ الْفَسِقُونَ (النور: 4، وما كان ذلك إلا زجرا له ولأمثاله عن انتهاك
أعراض المحصنين والمحصنات.
وقد كان هذا هو الواجب في قذف كل محصنة ولو كانت زوجة له؛ كما في سؤال سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ لَرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حينما قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلاً أُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ؟! فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: نَعَمْ» (1).:
ولكن الله تعالى لم يزل بعباده لطيفا وبأحوالهم خبيرا، فخفف بعد ذلك عن الأزواج ورفع الحرج عنهم بشرع "اللعان" في حق من قذف زوجته بالزين ولم يجد أربعة شهود يشهدون بما رأى حتى لا يضيق الحال بالزوج وقد رأى بأم عينه أن فراشه قد أبيح، وأن الولد لاحق به لا محالة، فإن قتل الجاني قتل، وإن تكلَّم جُلد، وإن سكت سكت على غيظ، فأنزل الله تعالى آيات اللعان .. (2)
فَصْلٌ فِي سَبَبِ نُزُولُ آيَاتِ اللعَان
لقد كان سبب نزول آيات اللعان المتقدمة أنَّ هلالَ بْنَ أُمَيَّةَ هِ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِشَرِيكَ ابْنِ سَحْمَاءَ فَقَالَ النَّبِيُّ: الْبَيِّنَةَ، أَوْ حَدٌ فِي ظَهْرِكَ "، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلاً يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ؟! فَجَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: الْبَيِّنَةَ، وَإِلا حَدٌ فِي ظَهْرِكَ، فَقَالَ هِلالٌ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لَصَادِقٌ، فَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الْحَدِّ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَأَنْزَلَ آيات اللعان.
فَالصَرَفَ النَّبِيُّ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَجَاءَ هلال فَشَهِدَ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ أَنْ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ "، ثُمَّ قَامَتْ فَشَهَدَتْ، فَلَمَّا كَانَتْ عِنْدَ
الربيع، بَابٌ: فِي الرَّحْمِ وَالْحُدُودِ، رقم الحديث 605.
(2) - الخليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد. فتاوى النكاح ص 364. (1/186)
صفحة 187
187
الْخَامِسَةِ وَقْفُوهَا وَقَالُوا إِنَّهَا مُوجِبَةٌ قَالَ ابْنُ عَبَّاس فَتَلَكَّاتْ وَلَكَصَتْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا تَرْجِعَ، ثُمَّ قَالَتْ: لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ فَمَضَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَبْصِرُوهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ سَابِعَ الأَلْيَتَيْنِ خَدَلْجَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِشَرِيكَ ابْنِ سَحْمَاءَ، فَجَاءَتْ به كَذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ: لَوْلا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا
شان (1)
فظهر أن مشروعيته ثابتة بكتاب الله وسنة رسوله وإجماع أهل الملة الإسلامية، كما أن الحكمة منه ظاهرة من نصوص تشريعه، ويمكن لنا أن نلخصها لك
في الآتي:
أ- نفى
نسب الولد عن الزوج.
ب نفي حد القذف عن الزوج، وحد الزنى عن المرأة.
ج- صيانة عرض الزوج، وتنقية فراشه من العهر.
د صيانة عرض الزوجة، وتنقية عرضها من التهمة.
فَصْلٌ فِي تَعْرِيْفِ اللَّعَانِ
اللعان في اللُّغة: هو مصدر لاعن من اللعن، وهو من الله الطرد والإبعاد من
،رحمته ومن الخلق الدعاء بالشر.
وفي الاصطلاح هو يمين الزوج على زوجته وشهادته لها بارتكاب الزن، أو نفي نسب الولد عنه، ويمين الزوجة على تكذيبه (2).
(1)
- وهناك رواية أخرى في سبب نزول آية اللعان رواها الإمام الربيع -رحمه الله - في مسنده، ولا مانع من تعدد الأسباب لتزول الآيات. يُنظر: الربيع، باب: فِي الرَّحْم وَالْحُدُودِ، رقم الحديث 606.
ه البخاري، باب: {وَيَدَرُوا عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَربَعَ شَهَدَتِ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَذِبِينَ (النور: 8، رقم الحديث 4378.
(2) - يُنظر: (1/187)
صفحة 188
188
المعتمر
ولا بد للملاعنة من دعوى الزوج أنه شاهد بعينه زوجته وهي ترتكب فاحشة الزنى مع رجل آخر وعلى هذا فلا يجوز له أن يقذف زوجته بالزني، إن لم يشهد زناها بأم عينيه، بل يعتبر بإقراره عدم الرؤية قاذفا و كاذبا في دعواه، ويجلد حد القذف ويمكن أن يكون اللعان من أجل التخلص من نسب الولد إليه فحسب، من غير قذف لها أو شهادة عليها بالزنى؛ لعدم معاينته لشيء من ذلك مع إمكانه ويقينه بأن ذلك الولد ليس منه، والله أعلم (1).
فتوى
السُّؤَالُ فيمن حُكم عليه بالسجن مدة سنة كاملة، ولما خرج وجد امرأته حاملا في شهرها الرابع فهل هذا الحمل يلحق الزوج المسجون وهو في سجنه في هذه
المدة المذكورة؟
الجَوَابُ "الولد للفراش وللعاهر الحجر (2)، فالولد ولده حكمًا ما ما لم يتخلص منه بلعان ولو تكون من رجل آخر؛ لأن المرأة فراشه، والله أعلم (3).
الخليلي، فتاوى النكاح ص 364.
(1) - يُنظر:
اطفيش، شرح النيل ج 7 ص 356.
التيواجني، فقه الأسرة ص 281.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 235 - 236.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 251.
ابن خلفون أجوبة ابن خلفون ص 28.
(2) - الربيع، بَابٌ: فِي الرَّحِمِ وَالْحُدُودِ، رقم الحديث 609.
(r)
13 - الخَلِيلِيُّ، أَحَمَدُ بنُ حَمَد. المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 188. (1/188)
صفحة 189
ال المعلمين
فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ اللعَانِ
189
وكيفية اللعان وطريقته هي أن يرفع الزوج أولاً دعوى زنى الزوجة أو نفي ولدها عنه إلى القاضي بسبب مشاهدته لها وهي تخونه في عرضه، أو تيقنهمن عدم
نسبة الولد إليه.
أو أن ترفع الزوجة قذف زوجها لها بالزنى إلى القاضي لتبرأ نفسها مما قذفها به، فيعظ القاضي حينئذ الزوجين ويبين لهما أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فإن
تراجع الزوج جلد حد القذف، وإن تراجعت الزوجة رجمت حد الزنى (1).
فإن أصرا على موقفهما أمر القاضي الزوج حينها بملاعنتها أخذا من صيغة اللعان التي دل عليها القرآن فيقول: أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميت به فلانة فلان من الزنى أو نفي الولد مني، أو هما معا حسب ما جاء في دعواه)، ويكرر ذلك أربع مرات، وفي الخامسة يقول: لعنة الله عليَّ إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به من الزنى أو نفى الولد مني).
بنت
فإذا انتهى الزوج أمر القاضي الزوجة بملاعنته فتقول: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنى أو نفي الولد منه، وتكرر ذلك أربع مرات، ثم تقول في الخامسة: إن غضب الله عليَّ إن كان من الصادقين فيما رماني به، ويكون ذلك كله بمحضر طائفة من المؤمنين أقلهم أربعة؛ لأنه بينة على الزنى.
وقد وجب الابتداء بالرجل لأنه المدعي فشهادته بينة إثبات، وأما شهادتها فيمين إنكار لأنها منكرة لقوله؛ حسب القاعدة النبوية: "البينَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى، وَالْيَمِينُ عَلَى
(2)
من الكَر (2)
('')
الخطيب محمد عجاج. نظام الأسرة في الإسلام ص 275.
- الربيع، كتاب الأحكام، رقم الحديث 592. (1/189)
صفحة 190
maigal
190
وإنما كانت أربع شهادات لأن الزنى لا يثبت إلا إذا شهد عليه أربعة من الرجال أو أقر به صاحبه أربع مرات، فكانت هذه الشهادات منه قائمة مقام شهادة الشهود
الأربعة.
فإذا فَعَلا ذلك فقد تم اللعان وسقط عن الزوج حد القذف وانتفى منه الولد وإذا عارضته المرأة بشهاداتها سقط عنها حد الزنى وثبت نسب الولد إليها مع تبرئتها
من التهمة (1).
فصل في الآثَارِ الْمُتَرَتْبَةِ عَلَى اللَّعَانِ
اعلم يا بارك الله فيك - أنه إذا أتى الزوجان بما تقدم من الشهادات المؤكدات فقد تم بينهما اللعان، وترتب على تمامه جملة من الآثار الشرعية الخطيرة، منها: أ- سقوط حد القذف عن الزوج: وهو الجلد ثمانون جلدة.
ب سقوط حد الزنى عن الزوجة: وهو الرجم؛ لأنها محصنة، وبسقوط الحد عنها بالملاعنة أصبحت بريئة في حكم الظاهر، فلا يحل قذفها ولا قذف قذف واحدا منهما فعليه الحد؛ لأن لعانها نفى عنها صحة ما
ولدها، ومن
رميت به.
ج انتفاء نسبة الولد عن الزوج، وثبوته للمرأة: لأن النبي ألحق الولد
بالمرأة (2).
) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَدٍ. برنامج "سؤالُ أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 2 جمادى الثانية
1423 هـ، يوافقه 2002/ 8/11 م.
(2) - يُنظر:
الخليلي، برنامج: "سؤال أهل الذكر"، حلقة: 1 رجب 1423 هـ، يوافقه 2002/ 9/8 م. الخليلي برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقه: 9 صفر 1429 هـ، يوافقه 2008/ 02/17 م.
الربيع، باب: في الرَّحْم وَالْحُدُودِ، رقم الحديث 608.
السالمي، شرح الجامع الصحيح ج 3 ص 302 - 303. (1/190)
صفحة 191
الكتاب المعتصم
191
د - الفرقة بين الزوجين: وهذه الفرقة فرقة أبدية على المعتصم في المذهب (1)، قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: "لاَ تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا، وَإِنْ نَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ فَمَاتَ عَنْهَا أَوْ طَلَّقَهَا (2)، وعلى هذا الرأي عالما زمانهما شيخا العصر والمصر بدر الدين أحمد بن حمد الخليلي، وإمام المحدثين سعيد بن مبروك القنوبي نفع الله بهما الإسلام والمسلمين (4).
(3)
منهما
فإذا تم اللعانُ "انفسخَ" عقد النكاح بينهما)، وحرم كلُّ واحد على الآخر حرمةً مؤبدة، لا يملكان فيها رجعة، ولو تراجع أحدهما عن شهادته وكذَّب نفسه؛ فلا تحل المرأة الملاعنة على من لاعنها ولو نكحت هذه المرأة زوجا غيره ثم بانت منه بطلاق أو وفاة أو غيرهما؛ ذلك لأن النبي فرق بين المتلاعنين وقال للرجل: " لا سَبيلَ لَكَ عَلَيْهَا (6)، وقال في شأنهما أيضا: " لا يجتمعان أبدا (Y) ، كما أكد استقرار العمل بهذا الحكم
ابن خلفون أجوبة ابن خلفون ص 28.
البخاري بَاب قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَدَهُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِقِين من النور: 6، رقم الحديث 4376.
(1) - السالمي عبد الله بن حميد. جوابات الإمام السالمي ج 2 ص 506، ج 3 ص 198.
(2)
،
- الربيع، بَابٌ: فِي الرَّحْمِ وَالْحُدُودِ، رقم الحديث 606.
(3) - الخَلِيْلِيُّ، أَحَمَدُ بنُ حَمَد. فتاوى النكاح ص 154، 200.
(4) - يُنظر:
(2)
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ص 356.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ج 2 ص 103.
القنوبي، برنامج: "سؤالُ أهل الذكر "، حلقة: 17 شوال 1423 هـ، يوافقه 2002/ 12/22 م.
- الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد. فتاوى النكاح ص 364.
(2) - البخاري، باب: قَوْلِ الإِمَامِ لِلْمُتَلاعِنَيْنِ إِنْ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ، رقم الحديث 4900.
(Y)
2 - الدارقطني، باب: المهر، رقم الحديث 3748، وحديث رقم 3749. (1/191)
صفحة 192
192
المعتصم
المعلمم
قول سهل بن سعد الله الذي شهد تفريق النبي بين المتلاعنين، فقال: حَضَرْتُ هَذَا -أي اللعان عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَمَضَتْ السُّنَّةُ بَعْدُ فِي الْمُتَلاعِنَيْنِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ لَا يَجْتَمَعَانِ أَبَدًا (1).
-
والقول بالتفريق الأبدي بين المتلاعنين هو الذي يتمشى وروح القرآن الكريم الذي أفصح عن الحكمة من الزواج بقوله: لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً - الروم 21، فبعد قذف الزوج زوجته بالمسافحة مع الغير ونفي نسب ولدها عنه ووصول ذلك إلى القضاء الشرعي وملاعنة كل منهما للآخر فإنه لا يبقى بعد ذلك مجال لحصول السكن إلى الآخر ولا لبقاء المودة والرحمة بينهما، فالثقة قد انهارت والطمأنينة قد فُقدت، وقد حلّ محلّها النفورُ والجفوة والوحشة الحاصلة من هذه الملاعنة، ولا يمكن أن يقوم زواج يحقق المقاصد الشرعية منه ويثمر الحياة السعيدة وهو مفتقد لأدنى دعامات البيت السعيد من ثقة واطمئنان وسكن ومودة ورحمة (2).
فَصْلٌ
في مَسَائِلَ مُهِمَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِاللَّعَانِ بَينَ الزَّوْجَينِ
المَسْأَلَةُ الأُولى: اختلف العلماء فيما إذا قذف الرجل زوجته بفاحشة الزنى
مع إنكارها لقوله وعدم تصديقها له هل تحرم عليه زوجته بمجرد هذا القذف، أم لا
تحرم عليه إلا بملاعنتها؟ فأما الجمهور من أهل العلم فيرون أن التفرقة تتوقف على الملاعنة، فإن لم تقع ملاعنة فالعلاقة باقية، بينما ذهب أبو المؤثر الصلت بن خميس رحم الله إلى أنها تبين منه
(1)
- أبو داود، باب: في اللعان رقم الحديث 1918. (2) - أرشوم، النكاح صحة وفسادا وآثارا ص 148. (1/192)
صفحة 193
المعتمر
193
بمجرد وقوع القذف منه، يقول شيخنا الخليلي -حفظه الله -: "والاعتصام على القول
الأول، شريطة أن يتوب إلى الله
من قذفه إياها ويصلح ما بينه وبينها (1).
المَسْأَلَةُ الثَّانية: إذا نكل الزوج عن قذفه لزوجته وتراجع عن قوله بعد أن وصل الأمر إلى القاضي سواء كان قبل اللعان أو عنده أو بعده استحق حد القاذف بما قذف به زوجته، وهو أن يجلد ثمانين جلدة، ولا تقبل له شهادة، ويترتب
على نكوله هذا ثبوت نسب الولد إليه ووجوب النفقة عليه (2).
وإن نكلت هي -
عن
الشهادة بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماها به، وصدقت قوله
فإنها ترجم حد الزاني المحصن، وينتفي عنه نسب الولد، ولا تجب نفقته عليه، والله
المستعان (3).
فَتْوَى
السُّؤَالُ
ما حكم النكول عن اللعان؟
الجَوَابُ إن نكل الزوج بعدما قذفها؛ فعليه حد القذف، وإن لاعنها الزوج؛ فعليها حد الزنى على الصحيح، والله أعلم (4).
نکلت
هي بعدما
(1)
(2)
- وهو الصحيح أيضا عند الإمام نور الدين السالمي - رحمه الله - كما في "الجوابات". يُنظر: الخليلي، فتاوى النكاح ص 365.
- يُنظر:
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سؤالُ أهل الذكر، حلقة: 2 جمادى الثانية 1423 هـ، يوافقه 2002/ 8/11 م. السالمي، جوابات الإمام السالمي ج 2 ص 459، ج 3 ص 98.
السالمي، جوهر النظام ج 3 ص 248.
• المنتدى الأدبي، قراءات في فكر السالمي محاضرة لسماحة المفتي بعنوان: "منهج السالمي في مؤلفاته الفقهية" ص 22.
(3) - الخَلِيلِيُّ، أَحَمَدُ بنُ حمد. فتاوى النكاح ص 364.
(3)
(4) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد. فتاوى النكاح ص 364. (1/193)
صفحة 194
فَتْوَى أُخْرَى
السُّؤَالُ / هل للزوج أن يلاعن إذا أقام الشهود على الزنى؟
الجَوَابُ لا داعي للعان، ولا معنى له، إن كانت الشهادة مستوفية لجميع / شرائطها، والله أعلم (1).
اقرأ وَتَدَبَّر
يقول الشيخ المجدِّدُ نورُ الدِّينِ عبد الله بن حميد السالمي -تغمده الله بشآبيب
رحمته، وأسكنه فسيح جناته:
وللعان سبب قد بينا
ولا شهود معه فيذهب يشهد بالله مرارا أربعا
واللعن في خامسها إن كانا
ويدرأ العذاب عنها بالأدب
وخامسا عليها ربها غـ
بأنها عليه حرمة الأبد
2 - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد. فتاوى النكاح ص 364.
(2) - السالمي، عبد الله
بن حميد. مدارج الكمال ص 131.
***
***
***
***
***
***
***
أن يرمي
البالغ زوجا بالزين
إلى الإمام أو لمن يحتسب
أي أنه لصادق فيما ادعى
من الذين كذبوا و خانا
أن تشهد الأربع أنه كذب إن كان صادقا فيقضي المحتسب وأنه لها إذا كان ولد (2) (1/194)
صفحة 195
المعنية
عنهم في فقه
الْبَابُ السَّادِسُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ عَلَى التَّوْقِيتِ
195
قالَ تَعَالَى: ... وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ
كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ
كتَبَ اللهِ عَلَيْكُمْ
النساء: 22 - 024
لقد تقدم في الأبوب السابقة ذكرُ المحرمات من النساء على التأبيد، وقد عرفت أن المحرمات من النساء على التأبيد ينقسمن إلى قسمين القسم الأول "المحارم"، وهنَّ ما كان سبب تأبيد تحريمهن نسب أو رضاع أو مصاهرة والقسم الثاني: "الأجنبيات"، وهن ما كان سبب تأبيد تحريمهن زنى أو لعان.
ومن الأجنبيات أيضا ما كان سبب تحريمهن عارضا ومؤقتا، فإذا زال المانع جاز الممنوع وحل النكاح (1)، وقد أشارت آيات المحرمات إلى بعض المحرمات على التوقيت
كما تلوته أعلاه، وإجمالا فالمحرمات على التوقيت هن:
أ- زوجة الغير.
31
معتدة الغير.
ج الجمع بين محرمين.
د المطلقة ثلاثا.
المرأة الخامسة.
و - المحرمة بالحج أو العمرة.
(1) - الخليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمد برنامج: "سؤالُ أهل الذكر - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 24 ربيع الثاني 1425 هـ،
يوافقه 2004/ 6/13 م. (1/195)
صفحة 196
(2)
196
المعتصمي 3
ز المشركة.
ح-
الأمَةُ لَمَن وجد الطول للحرة.
وهذا الإجمال سأنبيك عن تفصيله ببيان:
فقه السا
فَصْلٌ فِي زَوْجَةِ الغَيْرِ
اعلم أيها المؤمن التقي أكرمك الرحمن - أنه يحرم على المسلم التزوج بزوجة غيره ما دامت في عصمة ذلك الغير، أو حتى التقدم لخطبتها بإجماع الأمة الإسلامية؛ لأن الله عدها من المحرمات في قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أَمَهَتُكُمْ) النساء: 24، ولفظ المحصنات هنا جاء بمعنى إلى قوله: وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ المتزوجات بالاتفاق (1).
وهذا اللفظ عام يشمل كل متزوجة مسلمة كانت أو غير مسلمة، ولم يستثن النص من المحصنات إلا الزوجة التي سُبيت بطريقة مشروعة في حرب مقدسة ودخلت
بملك اليمين؛ لأن القرآن استثنى من المحصنات ما ملكت الأيمان؛ قَالَ تَعَالَى:
وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ) (النساء: 24، فإذا وقعت حرب الـ مشروعة بين المسلمين وبين أعدائهم الكافرين وسبيت بعض نساء محاربيهم وقعت الفرقة بينهن وبين أزواجهن وجاز وطؤهن بملك اليمين بعد استبراء الرحم؛ وفي ذلك قال رسول الله: " لا تُوطَأَ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلاَ حَائِلٌ حَتَّى تَحيض (2).
(1) - القنوبِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوكِ. برنامج: سؤالُ أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 13 جمادى الأولى 1424 هـ، يوافقه 2003/ 7/13 م.
- الخَائِلُ:
آيسا كبيرة.
هي المرأة التي تحيض، أي يأتيها دم الحيض حالا بعد حال، فهي ليست حاملا، ولا صبية صغيرة ولا
الربيع، باب: فِي الْحَيْضِ، رقم الحديث 544. (1/196)
صفحة 197
المعتمير
197
وإنما كانت المحصنات من المحرمات على التوقيت بالإجماع؛ لأنه يجوز للمرء أن يتزوج المرأة المحصنة المتزوجة إذا بانت عن زوجها بوجه من وجوه الفراق ولم يتعلق
له حق شرعي عليها كحق العدة (1).
وقد كان تحريم نكاح زوجة الغير أمرا ضروريا اجتماع با وفطريا جبليا لأن في إباحته اعتداءا صريحا وسافرا على حقوق الزوج، وحياضه المصوت، ولكل ملك حمى،
وفي أشعار العرب وأمثالهم:
كل امرئ مقاتل عن طوقه
***
" والثور يحمي أنفه بِرَوْقِه" (2)
فَائِدَةً نَفَيْسَةٌ: أحببتُ أن أنقلها لك أخي طالب العلم والمعرفة بنص حروفها من يراع شيخنا المفتي -حفظه الله - لما فيها من الفوائد القيمة، والردود السديدة على المغرضين والمشككين في صفاء شريعة الإسلام، فإليكها:
" .. على أن السببي إنما هو إجراء عسكري، ولا يلزم أن يترتب عليه الاسترقاق وإنما كان ما كان من اتباع هذا الإجراء لأجل ضرورة المعاملة بالمثل، لئلا يُكال الشر لأمة الإسلام وهي مكتوفة الأيدي عن الرد بمثله، مع ما فيه من الأسباب لاهتداء السبايا إلى الإسلام وإنقاذهم من الشرك وضلاله، وإلا فإن كانت مصلحة الإسلام والأمة في عدم الاسترقاق فإن ذلك هو الذي يؤخذ به.
و مما يدل عليه قوله تعالى: حَتَّى إِذَا أَعْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءٌ حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا محمد؛؛ إذ لم يذكر هنا اله إلا طريقين في معاملة الأسرى وهما: المن عليهم بإطلاق سراحهم، ومفاداة أسرى المسلمين بم؛ إذ الأصل في الإنسان الحرية، والرق عارض له.
ولذلك أبطل الإسلام جميع وسائله إلا هذه الوسيلة الواحدة التي اقتضتها ضرورة التعامل بالمثل؛ لئلا يقف المسلمون موقف الذل والضعف أمام أعدائهم، ومع قيام المعاهدات بينهم وبين غيرهم على عدم استرقاق أسرى الحرب والتزام ذلك من قبل الغير لا تبقى ضرورة داعية إليه وليس تقديم المن على الفداء في الآية الكريمة إلا دليلا على سماحة الإسلام وعظمته واعتداله، ورفقه وذلك بخلاف ما يروجه خصومه ويحاولون إلصاقه به مما ه براء". يُنظر: هو الخليلي، شرح غاية المراد ص 162.
منه
(1) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد برنامج: سؤال أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 24 ربيع الثاني 1425 هـ،
يوافقه 2004/ 6/13 م.
أنفه بروقه" مثل عربي قديم يضرب في الحث على حفظ الحريم وصيانة العرض والشرف، والطوق:
(2) - " والثور يحمي هو كل شيء مستدير، والمراد به هنا الحمى والحياض، والرَّوقُ: القرن. يُنظر:
الميداني، مجمع الأمثال ج 1 ص 10. (1/197)
صفحة 198
198
معتهم
فَائِدَةً: أفاد شيخنا بدر الدين أحمد بن حمد الخليلي -حفظه الله- في دروس تفسيره القيمة لكتاب الله العزيز أنوار" من بيان "التنزيل" أن لفظ الإحصان والمحصنات يأتي على عدة معان كما نص عليه كثير من المفسرين
هي:
(1)، وهذه المعاني
الإسلامُ: قَالَ تَعَالَى: {فَإِذَا أَحْصِنَ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا
عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ النساء: 25، أَي أَسْلَمْن.
الزَّوَاجُ: ومنه قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ النساء: 24، أي
المتزوجات.
العفة: ومنه قوله تعالى في سورة المائدة: وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ ج-
د-
المائدة: ه، أي العفيفات.
الحريَّةُ: ومنه قوله تعالى في سورة المائدة أيضا: {وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ
أُوتُوا الْكِتَبَ المادة: ه، وقوله: وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن
يَنكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ النساء: 25، أي الحرائر.
کھے
فَصْلٌ فِي الْمُعْتَدَّةِ
كما يحرم في الإسلام أن ينكح الرجل زوجة غيره فكذا يحرم عليه نكاح معتدة الغير التي تتربص بعده أشهرا كعدة الوفاة التي قال الله فيها: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ
(1) - يُنظر:
الخليلي، سلسلة التفسير، تفسير الآية رقم 24 من سورة النساء / الدرس الأول. "مادة سمعية"، اللجنة
دروس
الثقافية بمعهد العلوم الشرعية.
التفسير، تفسير الآية رقم 25 من سورة النساء/ الدرس الثالث. "مادة سمعية"، اللجنة
الخليلي، سلسلة دروس) الثقافية بمعهد العلوم الشرعية. (1/198)
صفحة 199
المعتصم
وافقه التكاع
149
وَيَدْرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشر القرة 134، أو تلك المعتدة التي تتربص بعده القراء كعدة المطلقة سواء كان الطلاق بائنا أو كان رجعيا وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصَانَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُروم الصرفة 118)
(1).
فلا يجوز للرجل أن ينكح امرأة ما زالت في العدة حتى تنقضي أيام عدتها كلها؛ قال: وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبلُغَ الْكِتَبُ أَجَلَهُ البقرة: 135، ولذا فقد نص الفقهاء على أن الرجل إن عقد على المرأة في عدتها عالما ومتعمدا فإن عقد النكاح يُفسخ ولا يُقرّان عليه، وليس لهما الحق في إنشائه مرة أخرى بعد خروج هذه المرأة من عدتها وأشد من ذلك إن وقع دخول بالمرأة المعتدة بعد العقد عليها فإنها تحرم على هذا العاقد حرمة مؤبدة على مذهب أصحابنا -رحمهم الله - (2)
وقد اعتمد الأصحاب في حكمهم بتأبيد التحريم على الموطوءة بعد العقد عليها في العدة بفعل عمر بن الخطاب الله له المجمع عليه، وذلك أنه حكم في الرجل والمرأة المعتدة التي تزوجها في عدتها بالفرقة المؤبدة، ففي موطأ الإمام مالك أن عمر فرق بين رجل وامرأة تزوجها قبل انسلاخ عدتها، وقال: "لا يجتمعان أَبَدًا (3).
(1) - القنوبِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك. برنامج: سؤالُ" أهل الذكر" تافزيون سلطنة عمان، حلقة: 13 جمادى الأولى
1424 هـ، يوافقه 2003/ 7/13 م.
(2)
-
بل شدد أكثر الأصحاب في المسألة حتى عد الخطبة في العدة موجبة للتحريم الأبدي؛ بناء على قاعدة: من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، وقال الأقل منهم: لا تحرم بمجرد الخطبة ما دام العقد بعد انسلاخ العدة، مع اتفاق الجميع على أن الخطبة في العدة حرام، والله أعلم. يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 12.
الخليلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْل الذِّكر"، حلقه: 10 جمادى الأولى 1423 هـ، يوافقه 2002/ 7/21 م. القنوبي برنامج: "سؤال أهل الذكر"، حلقه: 13 جمادى الأولى 1424 هـ، يوافقه 2003/ 7/13 م. الغاربي، وآخرون أشعة من الفقه الإسلامي ج 2 ص 188.
الجناوني، كتاب النكاح ص 46.
مالك الموطأ، بَاب: جامع مَا لا يَجُوزُ مِنْ النِّكَاح، رقم الحديث 983. (1/199)
صفحة 200
المعتمد
200
المعتصم
تكم: لقد كان تحريم نكاح المرأة المعتدة لأن في العدة حقا للزوج السابق سواء أكانت هذه العدة عدة وفاة أم كانت عدة طلاق؛ فإن آثار الزواج السابق لا تزال قائمة أثناء العدة، ومراعاة المشاعر الزوجية السابقة وآلام الفراق لا بد منها، بل قد تؤدي الخطبة أثناء العدة فضلا عن الزواج إلى توليد العداوة والبغضاء والشحناء وربما كيل الاتهامات ضد شخص الخاطب أو المتزوج بأنه كان اليد المدبرة في الفرقة الواقعة بينه وبين حليلته.
ومن حكم العدة الجلية استبراء رحم المرأة، وصونه عن اختلاط المياه فيه، أي اختلاط ماء بعلها السابق بماء غيره من الرجال؛ فإن ذلك مُفض ولا شك إلى اختلاط الأنساب، وضياع الأولاد.
فائدة: لقد اكتشف حديثا أنَّ اختلاط المياه في الرحم الواحد يؤدي إلى مرض نقص المناعة المكتسب المعروف بمرض "الإيدز"، ولهذا كان الزناة والمسافحون أكثر خلق الله إصابة بهذا الداء العضال، وهذا من حكم الإسلام في مشروعية
هم
ومن
حكمه في تحريم نكاح المرأة المتزوجة والمرأة المعتدة فترة عدتها. العدة، تأكيد: النهي عن خطبة ونكاح المرأة المعتدة إنما هو نهي عن معتدة الغير دون معتدة الشخص نفسه، والمعنى أنه يجوز لمن اعتدت منه امرأته أن يراجعها في عدتها ومن غير حاجة إلى ولي وصداق ورضا المرأة إذا كانت هذه العدة من رجعي، و وإنما يُشهد على هذه الرجعة فحسب.
بدون عقد
طلاق
من
ويرجعها بعقد جديد مستوف لجميع الشروط ومهر جديد إذا كانت هذه العدة طلاق بائن بينونة صغرى، وأما في البينونة الكبرى فلا تحل لمطلقها إلا بعد أن (1/200)
صفحة 201
المعتمير
تتزوج بآخر ويدخل بها هذا الزوج الأخير دخولا حقيقيا، ثم تبين منه بطلاق أو وفاة وتنقضي عدتها من
هذا الأخير أيضا، فحينئذ حلَّ نكاحُها، وبالله التوفيق (1).
: مصيبة: حدثني بعض من أثق بصدق نقله وصحة كلامه عن رجل من أقاربهم أنه تزوج امرأة، وبعد أشهر قليلة من هذا الزواج لم يرع الزوج إلا والدا الفتاة جاءا يطلبان من الزوج أن يطلق ابنتهم بحجة أن ابن خالها قد خطبها!!!
وبعد اقتراح الزوج الاحتكام إلى رأي الزوجة تبين أنها لا تعيب على الزوج شيئا، وأنها لا تريد الفراق منه لكن لم يزل الأبوان الجاهلان أو المتجاهلان بالزوج الجاهل حتى طلق ابنتهم ثم ما لبثت ابنتهم بعد أربعة أيام من تطليقها حتى عُقد قرانها على ابن خالها، قلت: هذا هو الخذلان بعينه، والجهل أو التجاهل في أقبح صُوره .. إن كنت لا تدري فتلك مصيبة أو كنت تدري فالمصيبة أعظ
***
فَصْلٌ فِي الجَمْعِ بَينَ مَحْرَمَينِ
تعلم عزيزي المتعلم أن الأصل الشرعي لتحريم الجمع بين المحرمين من النساء هو قوله: وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ النساء: 23، ومنطوق الآية يفيد أنه يحرم على الرجل أن يتزوج أخت زوجته ما دامت أختها معه زوجةً له في عصمته، وهذا الحكم لا اختلاف فيه للنص الصريح)، فإن بانت منه بوفاة ارتفع التحريم وجاز له أن يتزوج أختها مباشرة؛ لأنه ليس هنالك عدة مانعة.
أما إن بانت منه بطلاق رجعي فلا تحل له أختها ما دامت أيام عدة الزوجة لم تنقض بعد؛ لأنها لا تزال في عصمته، فإن انتهت العدة جاز له أن يتزوج أختها؛ لأن
القنوبِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك. بحوث ورسائل وفتاوى/ القسم الرابع ص 9.
(2) - ابن المنذر الإجماع ص 40. (1/201)
صفحة 202
المعتصم
النهى القرآني منصب على الجمع بينهما في وقت واحد فإذا بانت إحداهما وخرجت
من عصمته جاز له نكاح الأخت الأخرى (1).
ومما جاء زائدا في السنة النبوية مما لم يذكر في الكتاب العزيز تحريم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها فمن كان عنده امرأة فلا يجوز له أن يتزوج عمتها ولا بنت أخيها، ولا خالتها ولا بنت أختها كما حكى اتفاق العلماء على ذلك؛ كما في الحديث الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا (3)، وفي حديث "متلفز " يصف شيخنا العلامة المحدث القنوبي - حفظه الله - صحة هذا الحديث بقوله: " إن الحديث قد ثبت عن النبي بتحريم ذلك ثبوتا أوضح من شمس الظهيرة (4).
الضابط العام والضابط العام في حرمة الجمع بين المحرمين: هو أنه "لا يجوز الجمع بالزواج في عصمة رجل واحد بين امرأتين في حال لو قُدِّرَت أيةً واحدة منهما
(1)
- الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَدٍ. برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ " - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 24 ربيع الثاني 1425 هـ،
يوافقه 2004/ 6/13 م.
(2) - يُنظر:
(3) - يُنظر:
الخليلي، الزواج بين السنة والبدعة، محاضرة مطبوعة لدى الكاتب نسخة منها ص 3. الخليلي، وقفات حول الزواج المعاصر. "مادة سمعية، إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية.
الفنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الرابع ص 72.
ابن المنذر الإجتماع ص 41.
الربيع، بَابُ: مَا يَجُوزُ مِنَ النِّكَاحِ وَمَا لَا يَجُوزُ، رقم الحديث 517.
القَنُّوبي، الإمام الربيع بن حبيب: مكانته ومسنده ص 211.
(4) - يُنظر:
الخليلي برنامج: "سؤال أهل الذكر"، حلقة: 16 شعبان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 10/12 م. القنوي، برنامج: "سؤال أهل الذكر" حلقة: 6 ربيع الثاني 1429 هـ، يوافقه 2008/ 4/13 م. (1/202)
صفحة 203
اب
المعتصم في فقه النكاح
203
ذكرا لم يجز له التزوج بالأخرى" (1)؛ بسبب أنها ستكون إحدى محارمه، وهذا ما يكاد ينحصر في الجمع بين الأختين، والجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وبالمثال يضح
المقال:
-
-
-
لا يجوز الجمع بين الأختين؛ لأنه لو قدرت إحداهما ذكرا لم يجز له نكاح الأخرى؛ لأنها ستكون أخته.
لا يجوز الجمع بين المرأة وعمتها؛ لأنه لو قدرت العمة ذكرا لم يجز له نكاح الأخرى؛ لأنها بنت أخيه وهو عمها، ولو قدرت بنت الأخ ذكرا لم يجز له نكاح عمته.
لا يجوز الجمع بين المرأة وخالتها؛ لأنه لو قدرت الخالة ذكرا لم يجز له نكاح الأخرى؛ لأنها بنت أخته وهو خالها، ولو قدرت بنت الأخت ذكرا لم يجز له نكاح خالته.
الرَّضاع كالنَّسب: ولَمَّا كان حكم الرضاع حكم النسب لحديث: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَب (2) عمَّم الفقهاء الضابط العام فجعلوه شاملا للجمع بين المرأتين اللتين تربطهما رابطة محرّمة بسبب النسب أو بسبب الرضاع، فكما يحرم الجمع بين الأختين نسبًا يحرم الجمع بين الأختين، رضاعًا، وكما يحرم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها من جهة النسب يحرم الجمع بينها وبين عمتها أو خالتها من جهة
الرضاع (3).
(1) - ينظر:
(2)
(T)
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 128.
الخليلي، سلسلة التفسير، تفسير الآية رقم 24 من سورة النساء/ الدرس الأول. "مادة سمعية"، اللجنة
دروس
الثقافية بمعهد العلوم الشرعية.
- الربيع، باب في الرَّضَاع، رقم الحديث 524
2 - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 127. (1/203)
صفحة 204
204
معته
تنبية: لفظ العمة والخالة في حديث النهى يشمل عمة أبيها وخالة أبيها، وإن
علون، فالتحريم شامل للجمع بين عمتها القريبة أو البعيدة إجماعًا.
أما الجمع بين المرأة وربيبتها فالأصح عند سماحته -حفظه الله ـ أنه مكوه كراهة تنزيه لا تحريم لأنه وإن أطلق على زوجة الأب لفظ "العمة" في بعض الأعراف إلا أنها في الشرع لا تُعطى حكمها من جميع الأوجه، كما أن زوجة الأب لا تدخل في الضابط العام السابق؛ لأنه وإن أمكن تقدير الربيبة ذكرا فإنه يتعذر تقدير زوجة الأب ذكرا.
ولذا فقد جمع عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بين زوجة عمه علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وبين ربيبتها أي ابنته من غيرها وهي أم كلثوم بنت السيد فاطمة، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، والله أعلم (1).
قلت: وقد أضاف شَيخنا القَنُّوبُيُّ - حَفَظَهُ اللهُ - عِنْدَ المُرَاجَعَة بخط قلمه قَولَهُ: الصحيح عندي أنه مباح؛ إذ ليس هناك دليل يدل على التحريم أو الكراهة، وكل واحد من التحريم والكراهة حكم شرعي لابد له من دليل يدل عليه، وأما الإباحة فإنها وإن كانت حكما شرعيا إلا أنها الأصل في مثل هذه المسألة،
مي
يطالب من قال به بدليل من الكتاب أو السنة.
على
م
وما
كان كذلك فلا
أن الدليل الشرعي قد قام على جواز ذلك؛ كما يدل على ذلك قول الله
وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاة ذَلِكُمْ كل النساء: 24، ولا يستثنى من ذلك إلا ما ورد تحريمه
في السنة النبوية ".
- يُنظر:
الخليلي المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 127، 128.
السالمي، شرح الجامع الصحيح ج 3 ص 24.
السالمي جوابات الإمام السالمي ج 2 ص 511. أرشوم، النكاح صحة وفسادا وآثارا ص 161. (1/204)
صفحة 205
الفكري
المعتصم في فقه النكاح
205
العلة من النهي والعلة من النهي عن الجمع بين القريبات من المحارم هي دفع ما جبلت عليه الضرائر عادةً من التنافس بينهن لنيل الحظوة والزلفى لدى الزوج، وما قد يقع مع ذلك التنافس من نزاع وشجار بل كيد وخصام لبعضهن البعض بسبب الغيرة التي تتأجج في نفوس الضرائر، ولذا كان تحريم الجمع بين المرأة وإحدى محارمها من النساء سدا لذريعة قطع الأرحام، والتصريح بهذه العلة من النهي جاء في رواية أخرى، وهي قوله عليه الصلاة والسلام -:" .. إِنَّكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَطَعْتُمْ أَرْحَامَكُمْ (1) والمحافظة على الصلات بين الأرحام مقصد شرعي وضرورة دينية اجتماعية، جاء في القرآن الكريم شديد الإنكار على من سعى لقطعها؛ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِعُوا أَرْحَامَكُمْ أَوَلَيْكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَتَهُمْ وَأَعْمَى
أَبْصَرَهُمْ
در
—
واعتبارا لهذه العلة - أيضا - ومراعاةً لتلك المقاصد الشرعية التي تنشد الوفاق وتدفع أسباب الشقاق فقد كره الإمام جابر -رحمه الله تعالى الجمع بين المرأة وابنة عمها، والمرأة وابنة خالها، وكذا الجمع بين المرأة وابنة عمتها، والمرأة وابنة خالتها، إلا أن هذه الكراهة هي كراهة تنزيه لا، تحريم، أما عامة أهل العلم فيرون الجواز مطلقا من غير تكريه، وعلى كل حال فالجميع متفقون على الجواز وعدم الإثم الشرعي لدخولها في عموم قوله سبحانه: وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ما النساء: 4 2 (2).
(1) - الطبراني، المعجم الكبير، رقم الحديث 11763.
(2)
(1) - ينظر:
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 127، 129.
الخليلِيُّ، برنامج "سؤالُ أهْل الذِّكْر"، حلقه: 1 رجب 1423 هـ، يوافقه 2002/ 9/8 م. الخليلي برنامج: "سؤال أهل الذكر" حلقة: 23 ربيع الأول 1424 هـ، يوافقه 2003/ 5/25 م. السالمي، شرح الجامع الصحيح ج 3 ص 25. (1/205)
صفحة 206
206
المعتصم
كما أن العلاقة بين بنات العم ومن في منزلتهن هي دون العلاقة التي تكون مع
العمات والخالات يقول الشيخ الإمام عبد الله
عليه في نظام جوهره:
والجمع ما بين بنات العم
بن حميد السالمي -رحمة الله وبركاته
فيه خلاف عندهم في الحكم
والقول بالجواز للجمهور
بل جابر يكرهه تخوفا
***
??
والمنع لا يفضي إلى المحجور
من القطيعة التي قد وصفا)
قلت: وقدْ أَضَافَ شَيخنا القَنُّويُّ - حَفِظَهُ اللَّهُ - عِنْدَ الْمُرَاجَعَةِ بَخطّ قلمه قَولُهُ:
الصحيح أن ذلك غير مكروه كما مرَّ في المسألة السابقة".
فَضْلَّ فِي المطلقَةِ ثَلَاثًا
اعلم أيها المرتل للقرآن ترتيلا أن تحريم المطلقة ثلاثا على مطلقها مما جاء النص عليه في كتاب الله المجيد؛ فالله تعالى يقول: الطَّلَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تشريح بِإِحْسَن - إلى أن قال - فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غيرة فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يتراجعا - المفسرة: 319 - 230، وقد أكد هذا التحريم غيرَهُ مرويات عن النبي، كما أكد صحة دلالات النصوص الشرعية إجماع أفهام أهل العلم عليه.
ومعنى ذلك أن تحريم المطلقة ثلاثا على مطلّقها هو تحريم موقوت، فقد يرتفع هذا التحريم فيما إذا تزوجت زوجا آخر ثم بانت منه بوجه من وجوه الفرقة الزوجية حتى
خرجت من العدة.
(1)
- السالمي عبد الله بن حميد جوهر النظام ج 2 ص 243. (1/206)
صفحة 207
المعتمم
Te
المعتصم في فقه النكاح
شروط حل المطلقَة ثَلاثًا لمطلقها:
لقد ذكر أهل الفقه في الدين شروطا عدّة لحل المطلقة ثلاثا لمطلقها، نجمل أهمها في الآتي إجمالا:
1. أن تنكح زوجا غيره: لقول الله: حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَة - البقرة: 0230. أن يكون هذا النكاح صحيحا: لا شبهة فيه ولا تدليس، أي يقصد الزوج الثاني به تأبيد العلاقة بينهما، لا أن يقصد بنكاحه هذا مجرد تحليل المرأة لزوجها الأول، فإن كان في نية أحد الزوجين التحليل لم تحل بهذا الزواج، ولم يَعْدُ ذلك الزوج أن يكون تيسا مستعار (1)، كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم ولعنه والكل في قوله عليه الصلاة والسلام: "ألا أُخْبِرُكُمْ بِالتَيْسِ الْمُسْتَعَار؟! قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَالَ: هُوَ الْمُحَلّلُ، لَعَنَ اللهُ الْمُحَلَّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ (2).
(1)
(2)
3. أن يدخل بها الزوج الثاني دخولا حقيقيا ويحصل الدخول الحقيقي بالوطء في الفرج؛ والدليل عليه حديث امْرَأَةِ رِفاعَةَ الْقُرَطِيِّ حيث جاءت إلى النَّبِيَّ فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ َرفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَأَبَتْ طَلاقِي، فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزبير، فَذَكَرَتْ لَهُ أَنَّهُ لا يَأْتِيهَا، وَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إِلا مِثْلُ هُدْبَة التَّوْبِ، فَتبـ رسول الله، وقَالَ: "لعلك تريدين أن ترجعي إِلَى رَفَاعَةَ؟ لا حتى تذوقي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَك (3)
- القنوبِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك. برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقه: 27 رمضان 1422 هـ، يوافقه 2001/ 12/13 م.
(2) - يُنظر:
(3) - يُنظر:
أبو داود، باب: في التحليل، رقم الحديث 1778. ابن ماجه، بَاب الْمُحَلِّل وَالْمُحَلَّل لَهُ، رقم الحديث 1926.
القنوبي، جلسة المراجعة بمنزل فضيلته - ليلة الأربعاء 28 ذو القعدة 1432 هـ، الموافق 26/ 10 / 2011 م.
البخاري، باب: التَّبَتُّمِ وَالضَّحِكَ، رقم الحديث 5620. (1/207)
صفحة 208
208
المعتمري
الحكمة من النهي:
إن حكم الشرع من وراء تشريعاته وأحكامه لا يمكن أن يحصيها أحد أو يزعم خبير عليم أنه قد أحاط بها، علما أو أدركها معرفة وفهما، وقد استنبط العلماء، تحريم الشارع الحكيم للمطلقة ثلاثا على مطلقها حتى تنكح زوجا غيره عدة حكـ حکم،
منها:
من
1. أن الزوج إذا علم أن حليلته ستبين منه إن طلقها الطلقة الثالثة ولا يملك لها رجعة إلا بأن تنكح فحلا غيره فإنه سيتروى في إيقاع الطلاق والتلاعب بألفاظه، وسيتفكر في عواقبه ويتدبر في نتائجه ولا يتسرع إليه ما لم تلجئه إليه ضرورة قاهرة لا محيص عنها؛ لأنه يخشى أن تبين منه امرأته ثم يُحال بينه وبين ما يشتهي من رجوعها؛ فيكون هذا أكبر رادع له للكف عن التلاعب بالطلاق، وإتباع الطلاق بعد الطلاق، لأن حال أكثر الناس كما يصفه العلامة أبو محمد السالمي الله بقوله:
لأن غالب الورى يخشونا
***
فراقها، والرب لا يخشونا (1)
أن الزوجة إذا علمت أنها إن طلقت الثالثة فستبين عن زوجها بينونة كبرى حرصت على التمسك به والتودد إليه وحسن العشرة معه، وغض الطرف عن بعض أخطائه فتطيب حينها الحياة، وتزكو ويكون ما وقع في الماضي من الطلقات درسا للمستقبل؛ إذ ما يدريها لعلها تطلق فلا يرغب فيها أحد،
،
فتعيش أيما في مجتمعها يزهد فيها المجتمع وتقتحمها أعين الخاطبين. . وكذا فإن هذه الزوجة إن قدر أنها رجعت إلى زوجها الأول بعد أن عاشرت الزوج الثاني وتبين من ثانيهما من العشرة ما يدعوها إلى التمسك
البخاري، باب: إِذَا طَلَّقَهَا ثَلاثًا ثُمَّ تَزَوَّحَتْ بَعْدَ الْعِدَّةِ زَوْجًا غَيْرَهُ فَلَمْ يَمَسَّها، رقم الحديث 4905.
(1) - السالمي عبد الله بن حميد جوهر النظام ج 2 ص 362. (1/208)
صفحة 209
المعتمم
ات المعتصم في فقه النكاح
209
بأولهما فإنها ستكون حريصة على عدم الرجوع لتجربتها السابقة بل تعاشر
بالمعروف (1)، ولسان حالها يقول:
- عتبت على سلم فلما فقدته
***
وجربت أقواما بكيت على سلم
***
- رُب دهر بكت فلما صرت في غيره بكيت عليه
فَصْلٌ فِي الزَّوْجَةِ الخَامِسَةِ
لقد أباح المولى في كتابه العزيز أن يجمع الرجل في عصمته بالزواج بين أربع نسوة فقال سبحانه: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً النساء، فالآية أباحت بمنطوقها نكاح أربع زوجات، وحرمت بمفهومها الزيادة على هذا العدد أي نكاحَ المرأة الخامسة لمن كان في عصمته أربعُ
نسوة.
وهذا التحريم تحريم مؤقت غير مؤبد كما رأيت؛ لأنه يجوز نكاح المرأة الخامسة إن طلق إحدى الزوجات الأربع حتى خرجت من عصمته وبانت منه بوفاة أو بطلاق انتهت عدته لأنها في الحقيقة امرأة رابعة لا خامسة.
وقد أكد هذا التحريم التطبيق العملي من حامل راية الإسلام محمد بن عبد الله، فكان العربي إذا أسلم مع زوجاته اللاتي تزيد على الأربع أمره رسول الله عليه أزكى الصلاة والسلام- أن يمسك أربعًا منهن بمعروف ويفارق الباقي منهن بإحسان؛ فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ غَيْلَانَ الثَّقَفِي أَسْلَمَ وَلَهُ عَشْرُ نِسْوَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ أَن يَتَخَيرَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا).
(1)
(2)
- الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد. بعض أخطاء الزواج. "مادة سمعية"، موقع: واحة الإيمان. - الترمذي، بَاب مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يُسْلِمُ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسوة، رقم الحديث 1047. (1/209)
صفحة 210
210
معنا
وقد سار على هذا التحديد أعلام الإسلام والمسلمين في عهد الصحابة والتابعين أنه أجاز الزيادة على الأربع لا في خاصة نفسه ولا في فتواه
أحد ولم يؤثر عن منهم
لغيره، وهم أولى بالاتباع؛ لأنهم أروى هديا من معينه الصافي (1).
مَسْأَلَة: لقد رأيت أيها المتعلم الحصيف - أن من المحرمات على التوقيت أخت الزوجة فلا يجوز نكاحها ما دامت أختها في عصمته ولو في عدة طلاق رجعي وكذا لا يجوز نكاح المرأة الخامسة إن كان في عصمته أربع نسوة ولو كانت كلهن أو إحداهن في عدة طلاق رجعي باتفاق (2)
طلاق بائن، هل للرجل أن يتزوج أخت معتدته واختلفوا إن كانت العدة من المبتوتة أو قريبتها من المحارم، وكذا هل له أن يتزوج الخامسة إن كانت عنده أربع نسوة قد بت طلاقهن أو إحداهن ولم تنقض هذه العدة؟
فقيل بالمنع، وقيل بالجواز، وهذا الأخير هو الذي يظهر أنه المعتمد عند شيخنا العلامة الخليلي متعنا الله بحياته، وعند شيخنا إمام السنة والأصول سعيد بن مبروك القنوبي يحفظه الله -؛ ذلك لأن المرأة بتطليقها ثلاث مرات قد انتهت بينها وبين مطلقها العلاقة الزوجية، وخرجت عن عصمة، الزوج، وصارت كالأجنبية بالنسبة له فلا يلزمه لها نفقة ولا سكنى كما لا يلحقها، طلاقه ولا يدرك رجعتها ولو كانت في العدة إلا أن تنكح زوجا آخر بعد انتهاء عدتها منه - نكاحا صحيحا لا شبهة فيه ولا عدتها (3). تدليس ثم تخرج من عصمته بطلاق أو وفاة وتنتهي
(1)
) - أرشوم، مصطفى حمو النكاح: صحة وفسادا ص 165.
(2) - ابن المنذر الإجماع ص 41.
(3)
- يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 56.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 126. (1/210)
صفحة 211
المعتمر 3
فَصْلٌ فِي المُحْرمَةِ بالحَج أَو العُمْرَةِ
تعلم أيها الطالب لعلم الشرع سهل الله لك طريق الجنة أن الروايات المسندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا قد اختلفت في جواز نكاح المحرم وإنكاحه، فقد روى ابن أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد تَزَوَّجَ بِحَالَتِهِ – أي خالة ابن عباس- مَيْمُونَة بنتِ الْحَارِثِ وَهُوَ مُحْرِمٌ)، كما روى ذو النورين أن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- قال: " لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ، وَلَا يَخْطُبُ (2).
عباس
ومع
اختلاف هذه الروايات اختلفت آراء الفقهاء والمحدثين في الترجيح بينها للوصول للقول المعتصم والرأي الأسد، والذي عليه عالما عصرنا الشيخان الخليلي والقنوبي -حفظهم الله - هو تقديم حديث عثمان، والأخذ بالقول القائل بتحريم المرأة المحرمة بحج أو بعمرة تحريما مؤقتا إلى أن تتحلل من إحرامها ذاك، فإن أحلت فقد حلت (3).
القنوبي، دروس صيف 1424 هـ، 2003 م، "مذكرة خاصة" ص 18.
القنوي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ص 355. القنوي، برنامج: "سؤال أهل الذكر"، حلقة: 15 رجب 1423 هـ، يوافقه 2002/ 9/22 م.
أرشوم، النكاح صحة وفسادا ص 155.
أبو زهرة، الأحوال الشخصية ص 89
(1) - الربيع، بَابُ: مَا يَجُوزُ مِنَ النِّكَاحِ وَمَا لَا يَجُوزُ، رقم الحديث 520.
(2)
- الربيع، بَابُ: مَا يَجُوزُ مِنَ النِّكَاحِ وَمَا لَا يَجُوزُ، رقم الحديث 519.
(3) - يُنظر:
الخَليلي، لقاء مُسَجَّل للكاتب بسماحة المفتي - حفظه الله - يمكتب سماحته، ضحوة السبت، بتاريخ: 14 من المحرم
1433 هـ، الموافق: 10/ 12 / 2011 م.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 14.
القنوبي، "دروس في أصول الفقه" صيف 1423 هـ، 2002 م، "مذكرة خاصة" ص 86.
القنوبي، قرة العينين ص 48، 078
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة: 7 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/2 م. (1/211)
صفحة 212
212
المعتصم في حقه الـ
? (1)
ومن حواشي كتاب: "المُعْتَمَدَ فِي فِقْهِ الحَجِّ والعُمْرَةِ (1):
المعلمين
"اختلف فقهاء اللَّةِ الإسلامية في حكم النّكاح في حق المحرم؛ وسبب الخلاف
هو تعارض الآثار في المسألة، فأباحه قوم احتجاجا بما ثبت نقله عنِ ابنِ عباسٍ أَنَّ النَّبِيَّ تَزَوَّجَ بِخَالَتِهِ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ وَهُوَ مُحْرِم، وقد ذهب إلى هذا الرأي كثير
الفقهاء المتقدمين.
من
والجمهور على منْعِ المُحرِم منَ النّكاح والإنكاح إطلاقًا، وهو الرأي الصحيح الذي عليه المعتصم عند جمهور الأمة؛ لصريح قول المصطفى صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عثمان: لا يَنكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ، وَلَا يَحْطُبُ (2)، يقول صاحب كتاب "النكاح" الأستاذ مصطفى أرشوم: "وحديث عثمان صحيح في منع نكاح المحرم فهو المعتمد، ويترجح حديث عثمان بأنه تقعيد، قاعدة وحديث ابن عباس على تقدير صحته] واقعة عين تحتمل أنواعا من الاحتمالات (3).
ولذا فقد قدَّم الجمهور حديث عثمان على حديث ابن عباس للاحتمالات
والاعتبارات الآتية:
-
حديث عثمان قولي وحديث ابن عباس فعلي، والقولُ مُقَدَّم على الفعل -
كما هو رأي جمهور الأُصوليين.
-
حديث عثمان قاعدة عامة لجميع المكلفين، وحديث ابن عباس واقعةً تحتملُ
الخصوصية بالنبي.
1) - يُنظر: المُعْتَمَدُ فِي فِقْهِ الحَجِّ والعُمْرَةِ ص 225 - 226. (1) - الربيع بَابُ: مَا يَجُوزُ مِنَ النِّكَاحِ وَمَا لَا يَجُوزُ، رقم الحديث 519. (3) - أرشوم، مصطفى بن حمو النكاح صحة وفسادا و آثارا ص 302 - 313 (1/212)
صفحة 213
قه النكاح
213
حديث عثمان جلي حكمه لا يحتمل التأويل، وحديث ابن عباس يحتمل أنَّ المراد بـ "مُحْرِم " أَنَّهُ نكحها في الأشهر الحرمِ لا فِي بقيةِ الأَشْهُرِ، أَو أَنَّ ذلكَ كَانَ مِنهُ في الحَرَم لا فِي الحِلِّ، وكلٌّ مَنْ دخلَ الحرمَ يقال عنه: أحرم، فهو مُحْرِم، كما يُقالُ في مَنْ دخلَ عُمانَ: أعمنَ، وَمَنْ دخل اليمن: أيمن.
حديث عثمان مؤكد برواية صاحبة القصة وهي ميمونة، ورسول الرسول إليها وهو رافع مولى رسول الله له وكلهم صرَّحوا بأنه تزوجها حلالاً لا حراما، بينما ابن عباس لم يشهد الحادثة فاحتمال الخطأ والذهول منه وارد بخلاف صاحب
القصة والرسول فيها.
إضافةً إلى أنَّ احتمال الوهم من الفَرْدِ ابنِ عباس) أقرب منه إلى الجماعة
(ميمونة، ورافع).
يقول شيخنا القنوبي يحفظه الله -: "وما جاء من أنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد تزوج ميمونة وهو محرم فهو خطأ، والصحيح أنه تزوجها وهو مُحلّ"، ويقول في "السَّيْفُ الحَادٌ": " فإنّ الأصحَ أنه تزوجها وهو حلال (1).ا. هـ.
(1) - يُنظر:
القنوبي، قرة العينين ص 48، 78.
القنوبي، السيف الحاد ص 105، 119 - 120.
القنوبي، "دروس في أصول الفقه صيف 1423 هـ، 2002 م، "مذكرة خاصة" ص 86.
القنوبي،
دروس صيف 1424 هـ، 2003 م، "مذكرة خاصة" ص 54. القنوبي، "دروس وفتاوى في الحَجّ والعُمْرَة تنبيهات وفتاوى في الحَجّ والعُمْرَة رقم (2) لعام 1419 هـ، ص 21.
الفنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر" حلقة: 7 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/2 م.
السالمي، شرح الجامع الصحيح ج 3 ص 31 - 32. (1/213)
صفحة 214
214
فَصْلٌ فِي نِكَاحِ الْمُشْرِكَةِ
اعلم أخي، عصمك الله من الظلم العظيم الذي هو الشرك- أن الأصل في حرمة نكاح المرأة المشركة هو عموم قوله تعالى: {وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنُ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} البقرة: 121، والغاية في قوله تعالى: حَتَّى يُؤْمِنَّ دليل على أن هذه الحرمة حرمة موقوتة ترتفع بإسلام وإيمان هذه
المشركة.
هي
والأصل في المشركة أنها غير المسلمة مطلقا أي هي كل من كانت على غير ملة الإسلام)، إلا أن المراد بالمشركة هاهنا كل من لا تؤمن بكتاب سماوي أنزل على رسول من رسل الله، كالتوراة المنزلة على موسى القلب، والإنجيل المنزل على عيسى ال، وهؤلاء المشركون هم الذين يعبدون غير الله تعالى من الأصنام والأوثان والشمس والقمر والنجوم والحيوان وغير ذلك، ومنهم: المجوس عبدة النيران)، والصابئون عبدة الكواكب والبوذيون الوثنيون، والملاحدة الذين لا يدينون بدين مطلقا ويحاربون الأديان كلها، ويعدون الدين أفيون الشعوب؛ فلا يجوز نكاح نساء هؤلاء باتفاق العلماء (3).
(1) - الخليلِيُّ، أَحمدُ بن حمد سلسلة دروس التفسير، تفسير الآية رقم 221 من سورة البقرة/ الدرس الأول. "مادة
سمعية"، اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية.
(2)
يقول سماحة الشيخ الخليلي في بعض دروسه القيمة عند بيان بعض أحكام النكاح ومن يحرم نكاحهن:" وكذلك
المجوسية في القول الصحيح المعتمد عليه عند أكثر علماء الأمة، وهو الذي أطبق عليه علماء المذهب". يُنظر: الخليلي، سلسلة دروس العقيدة (درس رقم (46) الملل الست وأحكامها مادة سمعية مكتبة مسجد جامعة السلطان قابوس.
(3) - يُنظر:
الخليلي، جواهر التفسير ج 3 ص 407 - 412. الخليلي، شرح غاية المراد ص 155 - 157. (1/214)
صفحة 215
الا
215
مَسْأَلَة: كما لا يجوز الزواج بالمشركات ابتداء فلا يجوز البقاء معهن إن طرأ الشرك عليهن أيضا، وذلك فيما لو ارتدت الزوجة عن الإسلام إلى الشرك فإن عقدة النكاح بينها وبين زوجها تكون موقوفة إلى أن ترجع الزوجة تائبة فتستمر عقدة النكاح، أو تنكح المرأة زوجا غيره فتنحل العقدة تماما.
وكذا إذا أسلم واحد من هؤلاء المشركين وكان له زوج على ملته السابقة يشاركه في معتقده ولم يدخل معه في الإسلام، فإنه يعرض على غير المسلم منهما الإسلام فإن أسلم فبها ونعمت وبقيا زوجين بالعقد السابق، وإن أبى المشرك منهما الدخول في الإسلام كان زواجهما موقوفا على المعتصم الصحيح عند شيخينا الخليلي والقنوبي يحفظهم الله - إلى أن يسلم المشرك منهما أو تتزوج المرأة بعد العدة، ولا
يحل للمسلم التمسك بعقد النكاح مع كفر صاحبه؛ بدليل قول الله: لَا هُنَّ حِلٌّ، وقوله: وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ.
الممتحنة:
الممتحنة 10
(1) ,
يقول سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مقرّرًا ومدلّلاً للقول الراجح السديد: .. ولكن إذا أسلم [أي الزوج] فإن القول المعتصم عليه عندنا أن تبقى بينهما العلاقة السابقة، بحيث يدركها بالعقد السابق ولا يحتاج إلى تجديد عقد؛ لأن النبي رد ابنته زينب إلى زوجها أبي العاص وقد أسلمت قبله ولم يجدد لها نكاحا (2)، وكذلك النبي
(1) - يُنظر:
القنوبي، جلسة المراجعة بمترل فضيلته - ليلة الأربعاء 28 ذو القعدة 1432 هـ، الموافق 26/ 2011/10 م.
السالمي، مشارق أنوار العقول ص 516 - 517.
السالمي جوابات الإمام السالمي ج 2 ص 564.
أبو زهرة، الأحوال الشخصية ص 268.
(2) - أبو داود، باب: إِلَى مَتَى تُرَدُّ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَهَا، رقم الحديث 1913. (1/215)
صفحة 216
216
المعتصم
2126
رد زوجة عكرمة بن أبي جهل إليه بالعقد السابق ولم يجدد لهما نكاحا (1)، وفي هذا ما يدل على أن العصمة السابقة تعتبر عصمة باقية، وإنما إن أسلمت هي ولم يسلم وانتهت عدة قروئها فلها أن تتزوج في هذه الحالة؛ لأن عدم إسلامه إلى هذه الفترة يجعل الزواج لها مباحا، بخلاف ما إذا أسلم وقد أدركها ولم تتزوج (2).
تنبية مُهم: أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين يؤمنون برسول ويعترفون بكتاب هم بعد بعثة النبي وبلوغ دعوته إليهم على الصحيح الراجح داخلون في لفظ المشركين أيضا كما تقدم فهم مشركون، وكفى في شركهم أن اليهود قالت: عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله، الله، وقولهم: إن الله هو
المسيح ابن مريم (3).
(1) - مالك، الموطأ، بَاب نِكَاحِ الْمُشْرِكِ إِذَا أَسْلَمَتْ زَوْجَتُهُ قَبْلَهُ، رقم الحديث 998.
(2) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد. سلسلة دروس العقيدة (درس رقم (46)، الملل الست وأحكامها، "مادة سمعية". مكتبة
مسجد جامعة السلطان قابوس.
(3) - فَائِدَةٌ: ربَّحَ شيخنا الخليلي - حفظه الله - أن لفظ المشرِكِ غير مقصور على الوثني بل هو شامل للكتابي، وهذا الرأي منسوب لأكثر أهل التفسير، بل هو مذهب المتقدمين منهم؛ وذلك لأدلة كثيرة من الكتاب، منها:
1 - قوله تعالى: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ عَامِنُوا بِمَا نَزَلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهَا فَتَرُدَّهَا عَلَى
أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ (النساء: 47 - 48. 2 - قوله تَعَالَى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَنبَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) المائدة:
3 - قوله تَعَالَى: {أَتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهَا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) التوبة: 31. 31. يُنظر: الخليلي، شرح منظومة غاية المراد ص 114، 157، 158.
الخليلي، سلسلة دروس التفسير تفسير الآية رقم 221 من سورة البقرة/ الدرس الأول. "مادة سمعية"، اللجنة
الثقافية بمعهد العلوم الشرعية. الخليلي، فتاوى النكاح ص 188. (1/216)
صفحة 217
3
الالمعتمد
إلى المعتصم 3
وافقة النكاح
217
إلا أن عموم النهي السابق عن نكاح المشركات قد استثني منه المشركات الكتابيات يهوديات أو نصرانيات، فيجوز نكاح الحرائر منهن بنص قول الله:
الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ
المائدة: ه
(1)
وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وعلى هذا فالأصل جواز نكاح الحرائر من نساء أهل الكتاب عندما يكونون أهل ذمة يعيشون تحت مظلة دولة الإسلام وسلطانها النافذ، إلا أن إعمال المقاصد الشرعية وسد ذرائع الفساد يقتضي في بعض الأحيان منع ما كان مباحا في الأصل خشية حدوث بعض المفاسد ولو كان ذلك في زمن القوة ونفوذ دولة المسلمين، وهذا ما استشفه الخليفة الملهم عمر بن الخطاب له إذ منع ببصيرته الثاقبة وبعد نظره بعض الصحابة من نكاح الكتابيات خشية أن يتسارع المسلمون في أيامه إلى محاسن الكتابيات ويتركوا بنات المسلمين أيامي
ومن
ذلك ما جاء أن حذيفة بن اليمان الله تزوج يهودية بالمدائن، فكتب إليه عمر: أن خل سبيلها، فكتب إليه أحرام هي يا أمير المؤمنين؟!! فكتب إليه عمر: أعزم عليك أن لا تضع كتابي هذا حتى تخلي سبيلها، فإني أخاف أن يقتدي بك المسلمون – وهو أمين سر سر رسول الله - فيختاروا نساء أهل الذمة لجمالهن، وكفى بذلك فتنة ومصيبة على نساء المسلمين، فطلقها حذيفة قبل أن يضع الكتاب 2
(1)
المنتدى الأدبي، قراءات في فكر الشقصي محاضرة لسماحة المفتي بعنوان: مكانة الشيخ العلامة الشقصي العلمية"
ص 71 - 72.
- إضافةً: منع بعض متقدمي السلف نكاح نساء أهل الكتاب إطلاقا احتجاجا بأن المراد بالكتابيات في الآية من كن كتابيات في السابق ثم اعتنقن الإسلام فهؤلاء لا حرج في الاقتران بهن، ومنع بعضهم نكاح الكتابيات أيضا- لزعمه أن هذه الآية منسوخة ولا دليل لكل ذلك، فظاهر منطوق الآية ينفي الأول، كما أن النسخ لا يقال بمجرد الاحتمال؛ ولذا يقول العلامة القنوبي أبقاه الله -: "دعوى من ادعى النسخ في نكاح الكتابية دعوى باطلة". يُنظر: القنوبي، دروس صيف 1425 هـ، 2004 م، "مذكرة خاصة" ص 8.
(2) - يُنظر: (1/217)
صفحة 218
218
المعتصم
شروط نكاح الكتابية:
لقد رأيت أيها الطالب الأريب أن المرأة الكتابية التي يجوز نكاحها حال عدم وجود أي مفسدة - هي التي تكون تحت ذمة المسلمين، وسلطان الدولة الإسلامية وتوجيهها؛ لأن الآية الكريمة التي أباحت نكاح نساء أهل الكتاب نزلت عندما كانت سيطرة المسلمين تميمن على الجزيرة العربية من أقصى مشرقها إلى أقصى
مغربها (1).
وقد أوجب بعض فقهائنا -رحمهم الله - لجواز نكاح الكتابية شروطا أخرى منها: أن لا تشرب الخمر، ولا تأكل الخترير ولا تعلق الصليب، وأن تحلق العانة، وأن تغتسل من الجنابة، والحيض فإن امتنعت من الالتزام بها فلا ينبغي له أن يتزوجها (2). أَدلَّةً حُرْمَة الكتابية المحاربة:
لما تقدم من اشتراط كون الكتابية ذمية تحت دولة الإسلام لحل نكاحها فإنك تدرك أنه لا يجوز على القول المعتصم نكاح غير الذمية أو المحاربة للإسلام والمسلمين
من الكتابيات؛ نظرا لعدة أسباب:
الخليلي، فتاوى النكاح / بحث: من قضايا الزواج ص 424.
الجناوني، كتاب النكاح ص 30.
(1) - يُنظر:
(2) - يُنظر:
الخليلي، شرح غاية المراد ص 159.
الخَلِيلِيُّ، فتاوى النكاح بحث من قضايا الزواج ص 423.
الخليلي، وقفات حول الزواج المعاصر. مادة سمعية، إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية.
الغاربي، وآخرون أشعة من الفقه الإسلامي ج 2 ص 193 - 195.
السالمي، معارج الآمال ج 1 ص 451.
السالمي جوهر النظام ج 2 ص 243. (1/218)
صفحة 219
العقل المعتدب
219
- أن الأصل في المشركات عدم الجواز، واستثنت الآية مشركات أهل الكتاب، عندما يكُنَّ ذِمِّيَّات تحت سلطة دولة المسلمين كما هو الشأن عندما نزلت الآية، وأنت خبير أن ما كان خلاف الأصل يقتصر به على مورد النص المستثني.
-
-
أن الكتابية عندما تكون حربية يكون سبيها مشروعا، ولا يمكن مع إباحة
سبيها وإمكان استحلالها أن تكون امرأة لرجل مسلم (1).
أنه لا يؤمن من الكتابية حال الحرب أن تكون عينا لأهل ملتها تدلهم على ثغرات المسلمين، وتتصيد لهم الأسرار (2).
أن الكتابيات في الغالب لا سيما عندما تكون بلدانهن قوية يكن حريصات على الاستئثار بأبنائهن وتربيتهم حسب معتقدهن لا حسب معتقد الزوج المسلم، ولهذا أمثلة تمود وتنصر بسببها أبناء المسلمين من أمهات غير مسلمات سواءً كان الأب حيا أو ميتا، والله المستعان (3)
به عند
جميع القائلين بحلية نكاح الحربيات؛
(1) - تنبية: أفاد شيخنا القنوبي -حفظه الله - أن هذا السبب ليس مسلما بعضهم يشترط الحليتها من البداية أن لا تكون زوجة المسلم، والله أعلم. يُنظر:
لأن
الخليلي، شرح غاية المراد ص 160.
القنوبي، جلسة المراجعة بمترل فضيلته - ليلة الأربعاء 28 ذو القعدة 1432 هـ، الموافق 26/ 10 / 2011 م.
السالمي، جوهر النظام ج 2 ص 243.
(2) - الخَليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. شرح غاية المراد ص 162.
(3) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 185 - 186.
الخليلي، وقفات حول الزواج المعاصر. "مادة سمعية"، إنتاج مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية.
الجناوني، كتاب النكاح ص 30.
أرشوم، النكاح صحة وفسادا ص 287. (1/219)
صفحة 220
220
المعتمري
2626
ومن أجل هذه الأسباب كلها رأى الشيخان الخليلي والقنوبي -حفظهم الله - أنه ينبغي أن يشدد في نكاح الكتابيات في هذه الأيام التى علت فيها راية المشركين بل
أصبح الشرك كله ملة واحدة يرمي الإسلام عن قوس واحد.
ويؤكد هذا التشديد ويعززه ما في وقائع الأحوال من عبر وعظات ضاع فيها الأبناء وتمودوا أو تنصروا بسبب التفريط والإهمال وعدم المبالاة في السعي من أجل إرواء سعار الشهوات بالاقتران ممن يزعمون أنهن كتابيات، وقليل ما هم؛ إذ تفشى في أولئك القوم الإلحاد وانتشر حتى أن أمثلهم طريقة وأهداهم سبيلا قد لا يعرف من كتابيته إلا الاسم، والله المستعان وعليه التكلان (1).
الحكمة منَ النَّهْي عَنْ نكاح المشركة:
لقد أشار القرآن الكريم إلى الحكمة من النهي عن نكاح النساء المشركات وذلك حينما ذيل النهي بقوله سبحانه: أَوَلَيْكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ عَايَتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) البقرة: 221، فإنه من المعلوم أن للمرأة سلطانا على الزوج وأي سلطان؛ إذ من شأن الحبيب أن يسارع في هوى محبوبه ويتقرب إليه بما يحبه ويرضاه فيستحسن من أجله القبيح، ويستقبح الحسن، فلا يبعد أن تزهده تلك المشركةُ الوثنية بعد أن تسبي عقله وتأسر قلبه في الدين وتزين له القبيح المشين، فيبدأ بالتهاون بسنن الدين وفرائضه ثم أركانه وعقائده حتى ينسلخ منه، ويخرج منه صفر اليدين.
(1) - يُنظر:
الخليلي، شرح غاية المراد ص 159.
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 186، 188.
الخليلى المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 21.
القنوبي، قرة العينين ص 34، 101.
القنوبي، دروس صيف 1425 هـ، 2004 م، "مذكرة خاصة" ص 8. (1/220)
صفحة 221
المعتمم
المعتمري
221
وهكذا لا يقل سلطان الأم على أبنائها من سلطانها على زوجها بل يزيد، فلا يؤمن منها أن تنشئهم تنشئتها التي تريد فتهودهم أو تنصرهم أو تمجسهم فينشأون نشأة بعيدة عن الدين والسلوك السوي المستقيم.
على أنه لو أبيح الزواج بالمشركة الوثنية أو الكتابية المحاربة لذهبت المقاصد الشرعية المرادة من الزواج، ولن يكمل للزوج مع زوجته هذه تمام المودة والرحمة وكمال السكن والاطمئنان، ولن يأمنها في حال غيبته على نفسها وماله وعرضه وأولاده، كيف لا؟! وهي تناقضه المعتقد وتباينه الفكر وتخالفه السلوك، ولا رادع لها من إيمان وتقوى ويقين يأمرها بصيانة العرض والمحافظة على الشرف، وينهاها عن المنكرات وينهنها عن مقاربة الخبائث؛ فسبحان من أبان فأوجز: {أَوَلَيْكَ يَدْعُونَ إِلَى
النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ دَايَتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)
البقرة: 221.
C
(221)
وهذا كله خلافا للكتابية الذمية التي تؤمن بنبي مرسل وتعترف بكتاب متزل وتتشبث بهدي سابق وتدين لسلطان دولة الإسلام والمسلمين فإن جانبها أقرب إلى الأمان والاطمئنان في كل ذلك منه إلى الخوف وعدم الاطمئنان، وبالله التوفيق.
فَصْلٌ
في مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِنِكَاحِ الْمُشْرِكِينَ
المَسْأَلَةُ الأُولى: أجمعت الأمة الإسلامية على عدم جواز إنكاح المرأة
المسلمة غير المسلم ولو كان كتابيا؛ إذ لم يات ما ينسخ أو يخصص قوله تعالى: {وَلَا (1/221)
صفحة 222
222
المعتمري
تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدُ مُؤْمِنُ خَيْرٌ مِن مُشْرِك وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ {هَنَّ ولا قوله: لَا هُنَّ مِلٌ لهم وَلَا هُمْ يَحلُونَ من المنحلة: ((1)
المعلمين
البقرة: 221،
والذي يؤكد هذا التحريم من القرآن الكريم قول الله تعالى: {وَلَن يَجْعَلَ اللهُ
لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا)
(141
النساء: 141، فكما أن للزوجة سلطة روحية على
الزوج، فلا شك أن في الزواج - أيضا - سلطة وقوامة فطرية على الزوجة من جهة، كما أن فيه وجوبا للطاعة من الزوجة لأوامر الزوج من جهة أخرى.
إضافة إلى أن الأبناء فلذات الأكباد وثمرات الفؤاد كثيرا ما يتبعون الآباء في دينهم، فيهودونهم أو ينصرونهم أو يمجسونهم فلذا كان تحريم نكاح المسلمة من قبل
المشرك تحريما لا استثناء فيه ولا استئناف (2).
المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اتفقت العلماء (3) على أنه إذا أسلم أحد الزوجين فإن عقدة النكاح بينهما لا تستمر على حالها السابق للدلالات القرآنية الواضحة على ذلك؛
(1) - أبو زهرة، الأحوال الشخصية ص 101 - 102.
(2) - يُنظر:
الخليلي، شرح غاية المراد ص 158 - 160.
الخليلي، وقفات حول الزواج المعاصر. مادة سمعية"، إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 205.
الغاربي وآخرون أشعة من الفقه الإسلامي ج 2 ص 195 - 196.
الجناوني، كتاب النكاح ص 72.
(3) - فائدة لغوية: يجوز مع جمع التكسير حينما يقع فاعلا أن يذكر الفعل أو يؤنث ولو خالف جنس الفاعل، فلك أن تؤنث الفعل مع جمع التكسير المذكر كقوله تعالى في سورة الحجرات: قالَتِ الْأَعْرَابُ. الحجرات: 14، وتذكره
مع جمع التكسير المؤنث كقوله سبحانه في سورة يوسف: وَقَالَ نِسْوَةٌ * يوسف: 30. يُنظر:
ابن هشام شرح قطر الندى ص 206. (1/222)
صفحة 223
بقة السفر
كقوله تعالى: لَا هُنَّ حِلُّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ من المستحة: 10، وقوله: وَلَا تُمْسِكُوا بعصَمِ الكَوافِي كل الممتحنة: 10.
ولكنهم اختلفوا فيما إذا أسلم الطرف الآخر بعد فترة من الزمن ولم تكن المرأة قد تزوجت بعد، وأرادا الرجوع لعش الزوجية، هل يجدد عقد الزواج مرة أخرى أم يبقيان على العقد السابق؟ وهذا الأخير هو القول المعتم عند الشيخين الخليلي والقنوبي -يحفظهم الله-.
يقول سماحته في "فتاوى النكاح": " وقيل: يبقى معها بالعقد السابق، وهو الراجح المأخوذ به عندنا في المذهب؛ لأن النبي أبقى ابنته بعدما أسلم زوجها بعد زمن غير قصير - أبقاها معه بنفس العقد السابق (1)، فيؤخذ بهذا الرأي، وإن كان تجديد العقد أحوط (2).
المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إذا وقع أن ارتد أحد الزوجين -والعياذ بالله- عن دين
الله
ل بأن كفر بالله أو أحد رسله أو أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة أو قدم القرابين لغير الله الله معتقدا فيها جلب النفع أو دفع الضر فإن الرابطة الزوجية بينهما تكون موقوفة على رجوع المرتد إلى الدين، أو زواج المرأة بعد مضي مدة العدة كما
تقدم. وهنا يطبق على المرتد منهما حد الردة إن أصر ولم يرجع إلى الإسلام الذي خرج منه، ولو كانت ردته إلى دين سماوي كاليهودية والنصرانية، ولا فرق في ذا
- أبو داود، باب: إِلَى مَتَى تُرَدُّ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَهَا، رقم الحديث 1913.
(2) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 187، 188، 241. الخَلِيْلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقه 8 محرم 1425 هـ، يوافقه 2004/ 2/29 م. الخليلي، برنامج: سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقةُ: 3 رجب 1432 هـ، يوافقه 5/ 2011/6 م. (1/223)
صفحة 224
224
المعتصم 3
وافقه النِّكَاح
المعلم
الحكم بين رجل أو امرأة على الصحيح الراجح عند الإمامين السالمي رام الله، والقنوبي
حفظه الله-:
وعدم الفرق هو الجلي
***
إن صح قتل وهو المرضي (1)
فَصْلٌ فِي نِكَاحَ الإِمَاءِ
تَوْطة: إن الناظر في سياسة الإسلام الربانية نحو "قضية الرق" يجد أنه يحرص كل الحرص على أن يمنح الحرية لكل شخص حتى يعيش كريما طلقا، لا عبودية عنده إلا الله، أجل ذلك جعل الإسلام الحرية هي الأصل في العباد، وفي المقابل فتح ومن الإسلام باب العتق على مصراعيه وشجع على تحرير العبيد وفك الرقاب، وجعله من أجل القربات له، فجعل من صفات أَصْحَبُ الميمنة أنهم يفكون الرقاب من
عل.
البلد: 13؛ حتى تكون عبوديتهم خالصة لله. أغلال العبوديات ف رقبة ال
تَوسِيع ومن أجل تحقيق هذه الغاية أيضا- فتحت الشريعة المجال "لعتق الرقاب" في أبواب الصدقات وأبواب تكفير السيئات؛ إذ قلما تخلو كفارة من الكفارات مرسلةً كانت أو مغلظة إلا والعتق أول بنودها التي تكفر الخطيئة وتستر السوءة.
تضييق: وفي مقابل فتح الشريعة الأبواب أمام عتق الرقاب وتشجيعها عليه فقد ضيقت أبواب الدخول في الرق والعبودية ابتداءً حتى حصرتها في باب واحد، وهو
(1) - يُنظر:
السالمي، مدارج الكمال ص 35.
القنوبي، سلسلة دروس شرح مدارج الكمال مادة سمعية ج 2. مكتبة مسجد جامعة السلطان قابوس. القنوبي، جلسة المراجعة بمترل فضيلته - ليلة الأربعاء 6 ذو الحجة 1432 هـ، الموافق 11/ 2/ 2011 م. (1/224)
صفحة 225
المعلمين
معتصم في فقه النكاح
225
"السبي" المشروع لغير المسلم في حرب مقدسة مشروعة بين المسلمين وأعدائهم
الكافرين (1).
تطبيق: وفي سياق هذه السياسة الإسلامية للتضييق على الرق حرم الإسلام على الرجل الحر أن ينكح الأمة المملوكة لغيره؛ لأن الأولاد في هذه الحالة يكونون تبعا لأمهاتهم في الرق فيكون الولد ملكا لسيد أمه؛ فعندما تكون الزوجة مملوكة ومالاً لأحد يكون أبناؤها مماليك وأرقاء له أيضا (2)، ولذا قال العلماء الفطناء: "أيما حرّ نكح
(1) - وقد كان سبي الآخرين هنا ليس من أجل الاسترقاق والاستكثار من العبيد والإماء، وإنما من أجل ردع الآخرين عن حرب المسلمين؛ لأن مقاتلهم إذا علم أنه بإقدامه على هذه المعركة سيعرض أزواجه وبناته للاسترقاق وذل العبودية تأنى في حربه، وتدبر في عواقب أمره وأحجم عن مقاتلة المسلمين.
كما أن الاسترقاق هنا كان من أجل ضرورة معاملة الآخرين بالمثل حينما يسترقون المسلمين في غزواتهم
وحروبهم، والإسلام لا يرضى لأتباعه الذل والهوان وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ لا المنافقون: 08 والإسلام من وراء إباحته الرق في مثل هذه الحروب المشروعة يريد الخير لأولئك الأسارى والأرقاء؛ فإنه مع حظه على حسن معاملة الأسرى والأرقاء وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينَا وَيَتِيماً وَأَسِيرًا. الإنسان: 8 يرجو أن يكون هذا الاسترقاق سببًا لإنقاذهم من النار وهدايتهم إلى الإسلام؛ لما يرونه من حسن معاملة ونقاء عقيدة وصفاء شريعة في هذا الدين العظيم. يُنظر:
الخليلي، شرح غاية المراد ص 162.
الخليلي، سلسلة دروس التفسير تفسير الآية رقم 24 من سورة النساء / الدرس الأول. "مادة سمعية"، اللجنة الثقافية
بمعهد العلوم الشرعية.
(2) - يُنظر:
الخليلي، شرح غاية المراد ص 163.
11
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقه 30 شوال 1428 هـ، يوافقه 2007/ 11/11 م.
الخليلي، سلسلة
الشرعية.
دروس
التفسير، تفسير الآية رقم 27 من سورة النساء. مادة سمعية، اللجنة الثقافية بمعهد العلوم (1/225)
صفحة 226
226
المعتصم في فقه التك
المعتمم
أمة فكأنما أرق نصفه .. (1)، وهذا ما يسعى الإسلام في واقع تشريعاته لإبادته والقضاء
عليه.
ترخيص: ولكن شريعة الإسلام الخالدة التي هي شريعة السماحة واليسر كان شأنها الاستجابة لضرورات البشر، ووضع الحلول السليمة لجميع مشكلاتهم التي من قد تعترضهم في هذه الحياة، ومن تلك الحلول أن القرآن الكريم لم يجعل تحريم نكاح الإماء تحريما مطلقا مؤبدا وإنما جعله تحريما مقيدا مؤقتا، أي أنه يباح مع الضرورة، وذلك عند تحقق شرطين اثنين:
الشرط الأول / عدم وجود الطَّول لنكاح الحرة لصريح الآية الكريمة وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ
أَيْمَنَكُم مِّن فَنَيَتِكُمُ الْمُؤْمِنَتِ النساء: 25، ومعنى المحصنات -هنا- الحرائر. وقد اختلف أهل الفقه والتفسير فيما بينهم اختلافا كثيرا في بيان معنى كلمة "الطُّول" الذي يبيح فقدانه نكاح الإماء، والذي رجحه شيخ المفسرين الخليلي أبقاه أن كلمة الطول تعني القدرة مطلقا فهي تشمل القدرة المادية والمعنوية هو ذلك أن المرء قد يجد القدرة المادية ولكنه لا يجد الحرائر لنفورهن منه بسبب ومعنى عيب خَلْقي أو خُلُقي فيه، وقد يكون غير معيب في شيء لكنه صفر اليدين لا ترضاه حرَّة لنفسها، ولا يقدر على صداقها ونفقاتها (2).
الله -
(1) - هذه المقولة مروية عن سيدنا عمر بن الخطاب، وتمامها: " .. وأيما عبد نكح حرة فكأنما أعتق نصفه"، وهناك رواية ترفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيها أنه قال: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ ظَاهِرًا مُطَهَّرًا فَلْيَتَزَوَّجُ الْحَرَائِرَ، لكنها رواية ضعيفة الإسناد فلا
يحتج بما يُنظر:
الخليلي، سلسلة دروس التفسير تفسير الآية رقم 4 من سورة النساء/ الدرس الثاني. "مادة سمعية". الخليلي، سلسلة دروس التفسير تفسير الآية رقم 25 من سورة النساء/ الدرس الأول. "مادة سمعية". ابن ماجه، بَاب: تَزْوِيجِ الْحَرَائِرِ وَالْوَلُودِ، رقم الحديث 1852.
(T)
) - يُنظر: (1/226)
صفحة 227
227
الشرط الثاني / خشية العَنَتِ: لقوله تعالى قبل ختام الآية: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ المنتَ مِنكُم، النساء: 25، وقد اختلفوا -أيضا- النساء: 25، وقد اختلفوا -أيضا- في بيان مدلول كلمة "العنت"، فقيل: بأنه هو الزين، ولكن الأسمح من الآراء إلى يسر الشريعة الغراء أن يقال في العنت بأنه هو الزنى أو ما دونه من المشقة والجهد الحاصلان من كبت الغريزة ومعاكسة الفطرة، إذ لم يدل دليل على تخصيص هذه الكلمة بالزنى فقط، بل العموم الأقرب إلى دلالة الكلمة اللغوية (1).
يقول شيخنا الخليلي أمد الله في عمره وبارك في عطائه-: "وباعتبار هذين الشرطين يتبين ترجيح قول من قال إن من كان تحته حرة أو كان قادرا عليها بالوسائل المادية والمعنوية ليس له أن ينكح أمَةً بحال (2).
مَسْأَلَةٌ: لقد بدا لك جليا وواضحا يا طالب الأصول والفقه أن إباحة نكاح الأمة بتلك الشروط استثناء من القاعدة -وهي وجوب اقتصار الأحرار على نكاح الحرائر المؤمنات وعدم جواز نكاح الإماء، وما كان استثناء من وخروجا عن الأصل وإباحة لضرورة فيقتصر به على مورد النص ولا يتجاوز، فيقتصر
هنا على الآتي:
القاعدة
نكاح الأمة الواحدة: فلا ينكح منهن مثنى وثلاث ورباع؛ إذ من
المعلوم المتقرر آنفا أن نكاح الإماء إنما يسوغ في حال الاضطرار
الخليلي، فتاوى النكاح ص 197.
الخليلي، سلسلة دروس التفسير تفسير الآية رقم 25 من سورة النساء/ الدرس الأول. "مادة سمعية"، اللجنة الثقافية
لمعهد العلوم الشرعية.
،
(1) - الخليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمد. فتاوى النكاح ص 195.
(2) - يُنظر:
الخليلي، شرح غاية المراد ص 163.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 201. (1/227)
صفحة 228
228
المعتمر
المعتصم
لا في حال الاختيار، وما كان كذلك؛ فلا يجوز أكثر مما تندفع به
ضرورة المضطر (1).
ب نكاح الأمة المؤمنة للنص على شرط الإيمان في الآية المتقدمة (: فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنَكُم مِّن فَنَيَتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ)
النساء 25
وبناء عليه لا يجوز نكاح الأمة غير المؤمنة ولو كانت كتابية لهذا النص؛ ولما جاء في سورة المائدة من اشتراط الحرية لنكاح نساء أهل الكتاب وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ المائدة: ه، فإن المراد بالمحصنات هنا الحرائر على مذهب أكثر أهل التفسير. كما أن مقاصد الشريعة تأبى إلا أن تحافظ على سلامة كيان الأسرة المسلمة، وتمنع كل ما يضرها ويصدع بنيانها المرصوص، فكما يحرم نكاح الأمة الكتابية كذلك يحرم نكاح الإماء المملوكة لأهل الكتاب؛ لأن الآية الكريمة أضافت الفتيات المملوكات إلى
المخاطبين من المؤمنين فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنَكُم مِّن فَنَيَتِكُمْ
النساء: 25.
ولهذا كله يجب على المسلم المعتز بإسلامه المعتد بإيمانه- أن يحافظ على أفلاذ كبده عن سيطرة الكتابيين عليهم بحيث يكونون
أرقاء لهم؛ إذ أولاد الأمة كأمهم تبع لسيدها؛ وقد قال تعالى: {
وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (النساء: 141)
141
(1)
1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 202.
الجناوني، كتاب النكاح ص 33. (1/228)
صفحة 229
المعلمين
يا المعتصم صص في فقه الفك
229
يقول سماحته -حفظه الله -: وبناء على رعاية هذا الشرط يمنع من نكاح الإماء الكتابيات منعا باتا لا هوادة فيه، وهو قول أصحابنا - رحمهم الله - (1).
فائدة: اشتراط عقد النكاح لوطء المملوكة هو فيما إذا كانت تلك المملوكة مملوكة للغير، أما ما يملكه المرء بنفسه من الإماء فلا يُشترط لحلّية وطنها العقد، يقول العلامة الخليلي - يحفظه الله -: والواقع أن عقد النكاح لا يكون بين الرجل وأَمَته (2)، وإنما هي سريته له وطؤها من غير عقد ما دامت مسلمة مؤمنة، وحكم أبنائها في هذه الحالة أنهم أحرار غير مماليك (3).
ولا يحدد التسري بعدد معين من السراري كما يقول إمامنا السالمي أسكنه
الله فسيح جناته:
وحَل أربع من الأحرار
(1) - يُنظر:
الخليلي، شرح غاية المراد ص 162.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 203.
(2) - يُنظر:
(3) - يُنظر:
***
مع مئتي
ألف من السراري (4)
الخليلي، سلسلة دروس التفسير تفسير الآية رقم 25 من سورة النساء / الدرس الأول. "مادة سمعية"، اللجنة الثقافية
بمعهد العلوم الشرعية.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 208.
الخليلي، سلسلة دروس التفسير، تفسير الآية رقم 5 من سورة النساء/ الدرس الأول. "مادة سمعية"، اللجنة الثقافية
بمعهد العلوم الشرعية.
السالمي، شرح الجامع الصحيح ج 3 ص 59 - 60.
السالمي جوابات الإمام السالمي ج 3 ص 155 - 156. النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج ج 9 ص 192.
(4) - السالمي، عبد الله
بن حميد مدارج الكمال ص 120. (1/229)
صفحة 230
230
المعتصم
معتصب فى حقه الـ
إلا أن المالك يجب عليه أن يستبرئ مملوكته بعد دخولها في ملكه وقبل وطئها بحيضة واحدة على الصحيح- إن كانت ممن يحضن، أو بوضع حملها وخروجها من عدة النفاس إن كانت حاملا)؛ لقول المصطفى في شأن السبايا: لا توطأ حامل حَتَّى تَضَعَ وَلَا حَائِلٌ حَتى تحيض، قَالَ الرَّبيع راوي الحديث: مَعْنَى الْحَدِيث في
الإِمَاءِ، أَيْ لَا يَطْرُهُنَّ أَحَدٌ مِنْ سَادَاتِهِنَّ حَتَّى يُستَبْرَينَ (").
(1) - يُنظر:
القنوبي، دروس صيف 1424 هـ، 2003 م، "مذكرة خاصة" ص 32.
السالمي، شرح الجامع الصحيح ج 3 ص 54، 55.
- الخَائِلُ: هي المرأة التي تحيض، أي يأتيها دم الحيض حالا بعد حال، فهي ليست حاملا، ولا صبية صغيرة ولا آيسا
كبيرة.
الربيع، باب: في الحيض، رقم الحديث 544. (1/230)
صفحة 231
المعتمد
ي المعتصم في فقه النكاح
Joes
231
البَابُ السَّابِعُ فِي شُرُوطِ عَقْدِ النِّكَاح
(الرضا، والوَلِيُّ)
قَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا طَلَقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إذا ترضوا بينهم بالمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ، مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر ذَلِكُمْ
أَزْكَى لَكُمْ وَأَظْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) البقرة: 232.
من
11
لقد فقهت أيها الأخ القارئ العزيز، أيتها الأخت القارئة العزيزة- فيما تقدم سلسلة "المعتمد" الفرق بين الشروط والأركان (1)، وسيأتي إن شاء الله تعالى في الباب التاسع من هذا الكتاب ما يتعلق بأركان النكاح، فترقبه ثُمَّ فلكل أجل كتاب. أما الآن فاجمع الهمة واعقد العزم على إدراك الشروط .. فنقول لك بالله مستعينين وعليه متوكلين
1
تعلم أيها الطالب الراغب - بلغك الله المنى ونلت منها القصب المعلى أنه قد جاءت النصوص الشرعية من إشارة الكتاب كما في الآية أعلاه- وصراحة السنة
(1) - فَائِدَةٌ مُهمَّةٌ في الفَرق بينَ الشَّرط والرُّكنِ: تقدم سابقا تعريف الشرط بأنه ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، وهذا الكلام ينطبق على الركن أيضًا، إلا أن الفارق الجوهري بينهما أن الشرط يكونُ خارج ماهية العبادة، والركن يكون داخلاً في ماهيتها، فمثلا: الولي شرط لصحة عقد النكاح؛ لأنه يقع خارج ماهية الزواج، أما العاقد والمعقود عليه فهما ركن لأنه لا يتصور عقد النكاح بدونهما. يُنظر:
التنوي، دروس صيفية مفرَّغة بمبنى معهد العلوم الشرعية بروي (سابقا)، صيف 1421 هـ / 2000 م مذكرة رقم 8
حس 2 - 4.
المُعتمب - معلم في فقه الصِّيَام وَالزَّكَاةِ ص 71 (حاشية). (1/231)
صفحة 232
المعتصم في في فقه الند
يذكر شروط النكاح، وأجمع تلك النصوص للشروط هو ما رواه الربيع من طريق أبي عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ قَالَ: " لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَصَدَاقٌ
وبينة)
وعلى هذا فشروط النكاح أربعة، وهي:
رضا المرأة، والولي، والصداق، والبيئة، ولكل إجمال بيان، فدونك إياه مرتبا ..
الشَّرْطُ الأَوَّلُ رضا المرأة".
الله اعلمي
اعلمي أمة الله أنه لا بد لصحة عقد النكاح من رضا المرأة اعلم عبد
البالغة بالرجل الذي يريد الاقتران بما ووصل نسبه بنسبها حتى تعيش هي وهو في عيشة راضية ويسكن الرجل لمن اختاره والمرأة لمن ارتضته.
فالرضا الحقيقي باختصار - هو قبول المرأة الاقتران بالرجل الذي تقدم لها قبولا نابعا من كامل رغبتها من غير ضغط عليها ولا إكراه لها ولا إصرار، فإن لم يكن كذلك لم يكن له اعتبار في الشرع وكان رضا صوريا غير حقيقي.
(1) - الربيع، باب: فِي الْأَوْلِيَاء، رقم الحديث 510.
(2) - ينظر:
3
الخليلي، فتاوى النكاح ص 181، 246، 337،350.
الخليلِيُّ، الزواج بين السنة والبدعة، محاضرة مطبوعة لدى الكاتب نسخة منها صه.
الخليلي، فتوى خطية حول الزواج عن طريق الإنترنت معتمدة من مكتب الإفتاء، بتاريخ: 30 شوال 1428 هـ. القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الرابع ص 91.
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة: 7 صفر 1428 هـ، يوافقه 2007/ 02/25 م.
فَائِدَةٌ لُغَوِيَّة: يجوز في كلمة "الرضا" كتابتها بالألف الطويلة "الرضا"، والألف المقصورة "الرضى"، واخترنا في هذا الكتاب استعمال الوجه الأول جريا على القاعدة المشهورة في أن أصل هذه الألف "واو"، كما اخترنا سابقا في كلمة "الزنى" كتابتها بالألف المقصورة؛ لأن أصلها "ياء". (1/232)
صفحة 233
المعتصم في فقه النكاح
فَصَلَّ فِي أَدِلَّةِ اشْتِرَاطِ الرِّضَا
والدليل على هذا الاشتراط أن الله تعالى في كتابه قد جعل لرضا المرأة اعتبارا وأي اعتبار حينما قال تعالى: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ إِذَا تَرْضَوْا بَيْنَهُم بالمعروف) البقرة: 232، ومن المعلوم أن التراضي صيغة مفاعلة بين طرفين، وهما هنا الرجل والمرأة).
إضافة لذلك فقد جاءت السنة القولية والعملية مؤكدة هذا الاشتراط؛ فمن الأولى قوله عليه الصلاة والسلام -: " الأَيمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلَيْهَا، وَالْبَكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنْهَا صُماتها (2)، ومن الثانية ما صح عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَتْ خَنْساءُ بِنْتُ خِدَامِ الْأَنْصَارِيَّةُ زَوَّجَهَا أَبُوهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَتَتْ إِلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَتْهُ فَرَدَّ نَكَاحَهَا (3).
- يُنظر:
بلى، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 27.
الخَيْلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْر"، حلقه: 10 جمادى الأولى 1423 هـ، يوافقه 2002/ 7/21 م. برنامج: "سؤال أهل الذكر "، حلقة: 22 جمادى الثانية 1428 هـ، يوافقه 2007/ 7/8 م.
القنوبي،
السالمي، إيضاح البيان في أحكام نكاح الصبيان ص 30.
- الأيم: هي التي لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا، والمراد بما في هذا الحديث "الشيب"؛ لأنها ذكرت في مقابل
البكر، ولأنه جاء التصريح بما في رواية أخرى. يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 30.
الفنوبي، السيف الحاد ص 127 - 128.
الغاربي، برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 24 رجب 1424 هـ، يوافقه 21/ 2003/9 م.
الربيع، باب في الأولياء، رقم الحديث 511.
النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج ج 9 ص 202 - 203.
الربيع، باب: في الأولياء، رقم الحديث 512. (1/233)
صفحة 234
المعتصم
234
فَصْلٌ في اشتِرَاطِ الرِّضَا لِلْبكْر وَالتَّيِّبِ
التي
لا يخفى عليك أيها الطالب الفقيه -حفظك الرحمن - أن المرأة الثيب هي " زالت بكارتها بسبب دخول الزوج بها، ثم وفاته عنها أو تطليقه لها، أما الفتاة البكر فهي من لم يزل غشاء بكارتها، أو زال بسبب آخر غير الوطء كالقفز أو الركوب
الطويل (1).
ولا فرق في اشتراط الرضا لصحة النكاح من قبل النساء ثيبات وأبكارا، فهو كما يشترط في الثيب يشترط كذلك في البكر أيضا على الصحيح المعتمد عند شيخي العصر والغرتين في جبين الدهر، وعلى هذا أكثر الأصحاب؛ لأن الزواج في كلتيهما عقد شرعي ولا بد في العقود من الرضا بين جميع أطرافه، كما أن الزواج هو ربط مصير بمصير وحياة بحياة، فلا بد لنجاحه من انسجام المشاعر بين الجانبين، وذلك ما يتعذر حال الإكراه وعدم الرضا من قبل أي طرف من أطرافه، ويستوي في هذا الأمر البكر والثيب، ولَمَّا لم يكن بينهما فرق في العلة لم يكن هنالك فرق في الحكم؛ إذ غاية المراد واحدة (2).
تحذير: ولأن رضا المرأة الراشدة شرط لصحة النكاح فلا يجوز للرجل أن يُقدم على عقد الزواج بامرأة يعلم أنها غير راضية به زوجا من أول الأمر، كما أنه لا يجوز له أن يعاشرها بعد علمه بعدم رغبتها فيه، وإلا كانت معاشرته لها زني واغتصابا يستحق عليها العقوبة التي يقدرها نظر الحاكم الشرعي، ففي بعض فتاوى
(1) - الخليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَدٍ. برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ " - تلفزيون سلطنة عمان، حلقه: 3 رمضان 1428 هـ
يوافقه 2007/ 9/15 م.
(2) - يُنظر:
القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول ص 113.
الغاربي، أشعة
من
الفقه الإسلامي ج 2 ص 203.
• ابن خلفون أجوبة ابن خلفون ص 73. (1/234)
صفحة 235
المعتمد
اسفل المعتدى وفقة ا
14222
كا
NO
235
النكاح لسماحة المفتي -حفظه الله -: "رضا المَرْأَةِ شرط من شروط صحته .. إن كانت المرأة غير راضية بالزواج فالزواج من أساسه غير ثابت، وإن دخل بها الزوج مع عدم رضاها وعلمه بذلك فهو زان"، والعياذ بالله (1).
فَائِدَة: تعلم أيها الأخ الحبيب -حفظك الله - أن رضا المرأة وسائر شروط النكاح الآتية من ولي وصداق وبينة تجب وقت عقد النكاح، فإذا اختل واحد منها لم يصح النكاح (2).
لكن هذا الإخلال إن كان حين العقد فهو قابل للجبر إن وقع تلافيه قبل الدخول فيصح بذلك عقد النكاح (3)، وإذا لم يتم تلافيه حتى وقع الدخول بالمرأة فهو في حكم الزنى من حيث حرمة المرأة على الداخل بها، ولا يفيدهم محاولة تصحيحه بعد ذلك الدخول والوطء، يقول الشيخ علي يحيى معمر في تعليقاته القيمة على "كتاب
النكاح": "هذا هو القول المعتمد الصحيح (4).
(1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 20، 22.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 17، 30.
الخَلِيْلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقةُ: 11 رمضان 1422 هـ، يوافقه 2001/ 11/27 م. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقه 10 جمادى الأولى 1423 هـ، يوافقه 2002/ 7/21 م. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 9 صفر 1426 هـ، يوافقه 2005/ 3/20 م. (2) - إلا الصداق فإنه مع وجوبه واشتراطه لا بأس بتأخير ذكره وتحديد مقداره عند العقد إلى ما بعده؛ كما يفيد ذلك قول الله تعالى: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَقَمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) البقرة: 236، وسيأتي تفصيله في الباب اللاحق بعون الله. يُنظر: القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة: 9 شعبان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 10/5 م.
(3) - لكن الأولى والأحوط لدين الإنسان أن يجدد العقد مرة أخرى خروجا من عهدة الخلاف لا سيما في مسائل
الفروج، كما حث على ذلك شيخنا الخليلي في "فتاوى المرأة". يُنظر:
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 30.
(4) - الجناوني، يحيى بن الخير. كتاب النكاح ص 56. (1/235)
صفحة 236
236
المعتمد
فَصْلٌ في طُرُق تَعْبِيرِ الْمَرَاةِ عَنِ الرِّضَا
تعلم أيها الإنسان أكرمك الرحمن أن البيان نعمة جلى من نعم المولى سبحانه وتعالى، ومن كمال نعمته هذه أن عدد جل جلاله طرق البيان والتعبير فلم يجعل له سبيلا واحدا يُحرم من فقده، أو يُحرج من لم يقدر عليه، بل ربما كان الصمت أبلغ، ولربما كان السكوت عن الجواب جوابا ..
ومن هنا فقد اختلفت الطرق التي يمكن الاجتزاء بها في التعبير عن الرضا، فالمرأة التي سبق لها الزواج وخبرت الحياة وذاقت من كأسها حلوها ومرها لا يُجتزى في التعبير عن رضاها إلا بصريح نطق اللسان، إذ هو الأقوى في التعبير، ولا مانع منه في
حق الثيب.
أما البكر فإنه يراعى معها غلبة جانب الحياء ومقصد المحافظة عليه وتمام صيانته؛ ولأن في التصريح بالقبول في حق البكر نوع إحراج لها، فيجتزى منها لمعرفة الرضا بالسكوت وعدم الرد وكفى؛ ولأنها لو كانت غير راضية ولا راغبة في شخص المتقدم لم يمنعها أن ترفع عقيرتها وتقول "لا أريده" بملء فيها.
وهذا هو
من الإرشاد النبوي للمربي الأول حينما قال: " الأَيْمُ أَحَقُّ المستفاد بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبَكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا (1).
ومن هاهنا قال الفقهاء وشراح السنن بأنه يستحب إعلام البكر أن الصمت والسكوت في حقها علامة الرضا والقبول إن كانت لا تعلم ذلك (2) .. ومن بدائع النقول من جميل المقول عن شيخ الشيوخ السالمي الله قوله في "مدارج الكمال":
وتفصح الثيب بالمقال
***
(1) - الربيع، باب: في الأولياء، رقم الحديث 511.
(2) - السالمي عبد الله بن حميد. شرح الجامع الصحيح ج 3 ص 8.
عن حبها والبكر بالأحوال (1/236)
صفحة 237
المعنى
فصمتها وضحكها دليل
أنه يمكنها أن تنكرا
***
***
237
S
على رضاها وكذا العويل
إن لم تكن تريده و تظهر (1)
ومن جميل ما قاله الله في "جوهر النظام":
وتفصح الثيب عن هواها
***
وسكتة العذراء من رضاها (2)
كما أن الرضا مشروط لصحة نكاح المرأة بكرا كانت أم ثيبا، فكذا الرجل لابد من كامل رضاه بلا خلاف (3)، وإنما كان تركيز الفقهاء على ذكر اشتراط الرضا من قبل المرأة؛ لأن المرأة قبل الزواج عانية (4) بيد وليها، ولأن الكثير من الأولياء على النساء قد أساؤوا استعمال حق الولاية على المرأة، فكان وقوع الظلم في جانب النساء أكثر منه في جانب الرجال.
وقد أشار القرآن الكريم إلى اشتراط الرضا من الجانبين في قوله سبحانه: إذا تراضوا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ) البقرة: 232.
ولذا فكما لا يصح إكراه المرأة على الزواج بمن لا ترتضيه كذلك لا يجوز إكراه الشاب على الزواج بمن لا ترغب فيها نفسه لا من قبل أب حنون ولا من قبل أم رؤوم، بل يترك ليخطب ويتقدم لمن اختارها قلبه، وسكنت إليها نفسه؛ فإنه أحرى أن يؤدم بينهما، وأجدر أن لا يُضيع شيئًا من حقوقها .. يقول الشيخ
أدخله الله في رحمة منه ورضوان
بن حميد. مدارج الكمال ص 121.
الله (1) - السالمي،
(2)
(1)
عبد
- السالمي عبد الله بن حميد. جوهر النظام ج 2 ص 247.
- الغاربي، محمد بن راشد وآخرون. أشعة من الفقه الإسلامي ج 2 ص 203
(4) - عانية: أي أسيرة.
(5) - يُنظر: (1/237)
صفحة 238
238
المعتصم
وشرطه الرضا من الزوجين
***
والمهر لو کان بدر همين (1)
تنبية ثان: لا يلزم العاقد الذي وكله الولي بعقد نكاح موليَّته البالغة وأعلمه برضاها وموافقتها على هذا النكاح أن يسأل المرأة نفسها عن الرضا، ما دام أن الولي أمين، ورضا هذه المرأة غير مستراب، هذا من حيث الأصل.
ولكن قد تقع الريبة في رضا المرأة بالرجل المتقدم أو لا تتحقق الأمانة في الولي، فيؤمر العاقد حينئذ بالتحقق من رضا المرأة سواءً بالسؤال المباشر للمرأة نفسها من ثيب عزباء أو من بكر، أو إرسال الأمين إليها لئلا يشارك في الإثم والعدوان أو يعرو عقده النقض والبطلان (2)، كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما رد نکاح خنساء بنت خدام
الأنصارية
فَصْلٌ فِي رِضَا الصَّبِيَّةِ
إن كل ما سبق لديك أخي العزيز - من اشتراط رضا المرأة لصحة عقد الزواج إنما هو في حق البالغة دون الصبية، أما الصبية التي لم تحض بعد ولم تبلغ سن الرشد فقد جعل الشرع أمر نكاحها كله بيد، وليها حسب ما يراه من مصلحتها من غير إفراط
الخليلي، بعض أخطاء الزواج، "مادة سمعية"، موقع: واحة الإيمان. الخليلي برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقه: 10 جمادى الأولى 1423 هـ، يوافقه 2002/ 7/21 م. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: رمضان 1421 هـ، يوافقه /2000/ 12 م. الجهضمي، من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد بن حمد الخليلي ج 1 ص 283 - 284.
(1) ـ السالمي، عبد
(2) - يُنظر:
الله
بن حميد. جوهر النظام ج 2 ص 247.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 21، 23.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 53.
القنوبي، برنامج: "سؤالُ أهل الذكر"، حلقة: 22 جمادى الثانية 1428 هـ، يوافقه 2007/ 7/8 م.
(3) - الربيع، باب: في الأولياء، رقم الحديث 512. (1/238)
صفحة 239
المعلمه
اسات
المعتصم في فقه النكاح
239
الولي الأمين المصلحة متعينة في تزويجها (1). ولا تفريط؛ ذلك لأن الصبية قبل البلوغ لا رأي لها ولا يعتد برضاها أو عدمه إن رأى
تزويجها (1).
يقول شيخنا الوالد أحمد بن حمد الخليلي أبقاه الله -: الصغيرة لا رَأْيَ لَهَا؛ لأن الرأي المعتبر إنَّما هو لِمَن بَلغ الحلم لا لمن لم يبلغ الحلم، فَإِنَّ مَن لَم يبلغ الحلم لا تناط به الأحكام التكليفية على اختلاف أنواعها، ولذلك كان أيضا- رأيه غير مُعتبر فيما إذا أَقرَّ شيئًا أو لم يُقرَّه، وبسبب ذلك في هذه الحالة جُعِلَ لِوَليّها الحق في أن يَرْعَى مَصْلَحَتها فإنْ كانت مصلحتها مُتعيِّنة في تزويجها كان ذلك خيرا (2). الغَيرُ: إلا أنَّ شرع الله الحكيم مع عدم اشتراطه الرضا من قبل الصبية حال صباها أعطاها الحق في "الغَير" أي الخيار في مواصلة هذا الزواج أو نقضه عند بلوغها، فإن بلغت الصبية ولم ترض بهذا الزواج فلها الحق في فسخه ويثبت لها في هذا الحال حق اشتراط الرضا، ولها المهر بما أصاب منها البعل من قبل، إلا أنها إن كانت تريد فسخه فعليها أن تبدي عدم قبوله بعد بلوغها فورا - وهذا هو الأحوط، وقيل: ما لم تغتسل من الحيضة الأولى، وقيل: ما لم تمكنه أو تعلمه أنها راضية به (3).
(1) - السالمي عبد الله بن حميد شرح الجامع الصحيح ج 3 صه.
(2) - يُنظر:
(3) - يُنظر:
الخليلى، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 19.
الخليلي، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 10 جمادى الأولى 1423 هـ، يوافقه 2002/ 7/21 م.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 21، 23.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 19.
المنتدى الأدبي، قراءات في فكر ابن بركة البهلوي، محاضرة لسماحة المفتي بعنوان: " ابن بركة والبحث العلمي"
ص 24.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذكر، حلقه: 19 ربيع الثاني 1423 هـ، يوافقه 2002/ 6/30 م. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤالُ أَهْل الذكر، حلقه: 9 صفر 1426 هـ، يوافقه 2005/ 3/20 م. القنوي، فتاوى إمام السنة والأصول ص 113. (1/239)
صفحة 240
240
المعتم
المعلمم
فإن بلغت ولم تنكره حتى مضت مدة الفسخ -حسب الخلاف- سقط عنها حق الغير، ولم يكن لها الحق في فسخ الزواج بعد ذلك، والله أعلم).
فَائِدَةٌ فِقهية
في حُكْمِ تَزَوُّحِ الصَّبِيَّةِ والصَّبِيِّ
تعلم أيها الطالب المجد في طلب العلوم الشرعية- أن العلماء قد اختلفوا كثيرا في حكم تَزَوُّج الصَّبِيَّةِ والصَّبِيِّ، فقيل: بعدم صحته ابتداء، وهو المروي عن إمام مذهبنا الإباضي جابر بن زيد الله، وقيل بوقفه إلى بلوغ الفتاة ومعرفة رضاها من سخطها، وعلى هذا القول أكثر متقدمي أصحابه، وثالث الأقوال هو القول بصحة تزويج الصبيان، وتمامه وهو الذي عليه الأكثر من متأخري الإباضية حتى انتصر له الإمام السالمي الله في رسالة خاصة بعنوان "إيضاح البيان في أحكام نكاح الصبيان (2).
é
وأقوى ما اعتضد به القائلون بهذا المقال الأخير هو زواج النبي من الصديقة عائشة بنت الصديق فقد تَزَوَّجَهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَهِيَ بَنْتُ ست سنينَ، وَابْتَنَى بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ (3)، كما أكد عموم هذا الرأي المعتبر عمل كبار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ذلك زواج ثاني خلفائه عمر له ببنت رابعهم علي -كرم الله وجهه، وهي أم كلثوم بنت فاطمة الزهراء، تزوجها عمرُ وهي في سن الصّبا.
(1) - يُنظر:
(2)
،
الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" حلقة: 10 جمادى الأولى 1423 هـ، يوافقه 2002/ 7/21 م. المنتدى الأدبي، قراءات في فكر الشقصي محاضرة لسماحة المفتي بعنوان مكانة الشيخ العلامة الشقصي العلمية"ص 76.
2) - يُنظر:
(3)
الخليلي، "الجانب الفقهي والاجتهادي في سيرة أبي نبهان"، مشاركة في ندوة "قراءات في فكر أبي نبهان" ص 136 -
0137
السالمي، إيضاح البيان في أحكام نكاح الصبيان ص 28 - 50.
- الربيع، بَابُ: مَا يَجُوزُ مِنَ النِّكَاحِ وَمَا لَا يَجُوزُ، رقم الحديث 522. (1/240)
صفحة 241
معلممن
المعتصم في فقه النكاح فقه
241
وقيس على المنصوص عليه من نكاح الصبية في الجواز نكاح الصبي المميز الذي يعقل التزويج، ولم يروا بينهما فرقا، وأثبتوا له الغير الفوري بمجرد البلوغ كما أثبتوا ذلك للصبية بمجرد بلوغها؛ تحقيقا لشرط الرضا من كلا الزوجين.
وأما الصداق الذي دفعه الزوج قبل البلوغ فلا يسترد منه شيء وإن اختار الزوجان أو أحدهما الغير وفسخ النكاح، وذلك بما أصاب الزوج من وطئها، وأما إن لم يكن وطء قبل الفسخ فلا مهر، والله العلم).
تنبية:
ومع صحة القول القائل بجواز زواج الصبيان من حيث الأدلة ودلائلها فإنه ينبغي للأولياء الأمناء أن لا يتسرعوا في تزويج من هم تحت ولايتهم قبل سن النضج، وقبل التهيؤ للمعاشرة الزوجية، ومعرفة كيف يتحمل كل من الصبي والصبية تبعات هذه الحياة الزوجية وماذا على كل منهما إلا لضرورة ملحة ومصلحة قوية راجحة، فإن العجلة في بعض الأحيان تؤدي إلى الندامة، وإن الجهل بالشيء وعدم التهيؤ له من البداية يؤدي إلى مقته ومعاداته في النهاية فتكون عاقبة مثل هذا الزواج على الجميع خسرا (2) .. وفي حق أمثال هؤلاء الأولياء أولى أن يقال كما قال أمير
الشعراء أحمد شوقي:
ولو تأنى نال ما تمنى
لكلّ شيء في الحياة وقته
***
***
وعاش طول عمره مُهنَّا
وغاية المستعجلين فوته
(1) - يُنظر:
(2)
(2) - يُنظر:
:
الخليلي، سلسلة دروس التفسير، تفسير الآية رقم 3 من سورة النساء/ الدرس الأول. "مادة سمعية". الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذكر، حلقه: 19 ربيع الثاني 1423 هـ، يوافقه 2002/ 6/30 م. الجناوني، كتاب النكاح ص 187 (تعليق).
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذكر"، حلقة: 17 جمادى الأولى 1423 هـ، يوافقه 2002/ 7/28 م. السالمي، إيضاح البيان في أحكام نكاح الصبيان ص 51 - 55 (1/241)
صفحة 242
Laie
242
المعلمم
حمد ال
الشَّرْطُ الثَّانِي الوَلِيُّ:
لقد جاءت الملة الإسلامية مقدسة لعقدة النكاح، فجعلتها أخطر العقود الشرعية؛ لأنها عقد على الحياة، ترتبط فيه حياة بحياة، ومصير بمصير؛ ومن أجل ذلك فقد صانته الشريعة الإسلامية بسياج من الشروط التي تكفل نجاحه وبقاءه بتوفيق الله
تعالى.
فَصْلٌ فِي الحِكْمَةِ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ الوَلِيِّ
ومن ذلك أن شرع الإسلام "الولي" في عقدة النكاح، وهو قريب المرأة من
عصبتها الرجال الذي يتولى مباشرة عقد الزواج لمن هي تحت ولايته.
وقد شرعت الولاية في عقد الزواج على النساء؛ لأن المرأة بطبيعتها التي فطرت عليها ذات عاطفة جياشة، إن شبت هذه العاطفة وجاشت في نفسها فإنه لا يؤمن منها أن تربط مصيرها بمن لا يؤمن جانبه من الرجال، كما أنه من اليسير في هذه الحالة انخداعها بمعسول الكلام وانجرافها بعاطفتها المتقدة التي تعمي وتصم إلى ما لا تحمد عقباه كما وقع ذلك فعلاً بل وكثيرا .. (1)
وقد شهد شاهد من أهلها حيث توصلت إحدى الباحثات الفرنسيات إلى أن المرأة إن ثارت عاطفتها غطت هذه العاطفة كلا جانبي دماغها، فلم يبق معها مجال لاستعمال عقلها أو تحكيم منطق التفكير السليم لديها، أما الرجل فإنه وإن ثارت عاطفته فإن هذه العاطفة لا تعدو أن تغطى شطرا من دماغه فقط، ويبقي الشطر الآخر صالحا للتفكير به (2).
(2) - يُنظر:
الخليلي، حوار صريح في الحب، مادة سمعية"، إنتاج: مكتبة وتسجيلات مشارق الأنوار. الخليلي، الزواج بين السنة والبدعة، محاضرة مطبوعة لدى الكاتب نسخة منها صه. (1/242)
صفحة 243
فمن أجل ذلك كله كان لا بد هنالك من وجود ولي من عصبتها الرجال يعرف أحوال الرجال وطبائعهم، وما ينطوون عليه من خير، وشر فيرعى حق مصلحتها ويقوم بشأنها، ويباشر عقد نكاحها بعد أخذ إذنها ورضاها، مجنبا إياها التبذل أمام الرجال؛ حفظا لكرامتها، وإبقاء لحيائها، وصونا لعفتها، والله في كل حكم حكمة (1). فَصْلٌ فِي حُكْمِ مَشْرُوعِيَّةِ الوَلِيِّ
اعلم أيها الحريص على أمر الدين، زادك الله حرصا على حرص أن العلماء بفقه الأحوال الشخصية قد اختلفت أقاويلهم ولم تتفق في اشتراط الولي لصحة نكاح المرأة، فاشترطه الأكثرون من الإباضية وغيرهم من أهل الإسلام، وهو المعتق عند المشايخ الأجلاء الخليلي والقنوبي والغاربي -حفظهم الله -، يقول المفتي العام للسلطنة: والقول" الذي لا غبار عليه قول الجمهور "
(1)
1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 31، 81، 190،82.
(2)
الخليلي، فتاوى النكاح بحث من قضايا الزواج ص 417.
11
الخليلِيُّ، وقفات حول الزواج المعاصر. "مادة سمعية"، إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقةُ: 8 رمضان 1422 هـ، يوافقه 2001/ 11/24 م. الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقه: 20 شعبان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 10/27 م.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقة: 10 جمادى الأولى 1423 هـ، يوافقه 2002/ 7/21 م. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقه 8 محرم 1428 هـ، يوافقه 2007/ 01/28 م. محمد بن راشد برنامج سؤال أهل الذكر " حلقة: 24 رجب 1424 هـ، يوافقه 21/ 2003/9 م.
الغاربي:
،
(2) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 29 - 32.
الخليلي
سلسلة دروس
التفسير تفسير الآية رقم 232 من سورة البقرة مادة سمعية اللجنة الثقافية بمعهد العلوم
،
الشرعية.
الخليلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذكر "، حلقه: 10 جمادى الأولى 1423 هـ، يوافقه 2002/ 7/21 م. الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقه 30 رجب 1426 هـ، يوافقه 2005/ 9/4 م. القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الرابع ص 91. القنوي برنامج "سؤال أهل الذكر"، حلقة: 20 جمادى الأولى 1424 هـ، يوافقه 2003/ 7/20 م. (1/243)
صفحة 244
244
المعلممون معتصب في فقه النقل
وقد شدد العلامة الجناوني -وهو من فقهاء الإباضية المتقدمين في الزواج بغير ولي حتى قال في "كتاب النكاح": "ولا يجوز للشهود أن يشهدوا على نكاح امرأة تزوجت بغير إذن وليها" (1)، وقد أضاف شيخنا القَنُويُّ - حَفِظَهُ اللَّهُ - عِنْدَ الْمُرَاجَعَة بخط قلمه قوله: "وهذا هو الصحيح الذي لا مرية فيه"؛ وما ذلك إلا لأن هذا الرأي هو الذي يوجبه النظر ويقتضيه الأثر، ويسنده عمل الصحابة المعتبر ..
أما النظر فما تقدم قريبا من حكم اشتراط الولي للمرأة، وأما الأثر فآيات قرآنية وأحاديث نبوية كثيرة، فمن الكتاب:
(1) - يُنظر:
(2) - يُنظر:
- i
قوله تعالى: {وَإِذَا طَلَقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} البقرة: 232، والشاهد لذلك أن الله ل خاطب الأولياء ونهاهم عن عضل من هن تحت ولايتهم، ولو لم يكن للولي سلطان في أمر النكاح لم يكن لنهيه عن العضل معنى، ولأمكن المرأة أن تزوج نفسها من غير ولي (2).
قوله: وَأَنكِحُوا الْأَيْنَمَى مِنكُر النور: 33، فجعل أمر الإنكاح بيد الأولياء حينما وجه الخطاب إليهم، ولو لم تكن
،
الغاربي، برنامج سؤال أهل الذكر حلقة: 24 رجب 1424 هـ، يوافقه 21/ 2003/9 م. المنتدى الأدبي، قراءات في فكر ابن بركة البهلوي، محاضرة لسماحة المفتي بعنوان: " ابن بركة والبحث العلمي "ص 31.
الجناوني، كتاب النكاح ص 68.
ابن خلفون أجوبة ابن خلفون ص 66.
السالمي جوابات الإمام السالمي ج 2 ص 565.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 17 - 18.
الخليلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذكر"، حلقه: 10 جمادى الأولى 1423 هـ، يوافقه 2002/ 7/21 م. محمد بن راشد برنامج سؤال أهل الذكر حلقة: 24 رجب 1424 هـ، يوافقه 21/ 2003/9 م.
الغاربي (1/244)
صفحة 245
النكاح
ات المعتصم في فقه المـ
ج-
245
بيدهم ولاية على النساء لم يكن لأمرهم وخطابهم بالإنكاح أي
معنى.
قوله جل في علاه: {وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا) البقرة: 221، فقد نهى الأولياء عن إنكاح المشركين بناتهم، وهو دليل
الولاية عليهن في أمر نكاحهن (1).
وهناك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أدلة صحيحة صريحة تشترط وجود الولي ليصح
نكاح المرأة، ومن تلك الأدلة:
- i
قوله: " لاَ نَكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَصَدَاقٍ وَبَيِّنَة (2)
ب قوله: " أَيمَا امْرَأَة نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلَيْهَا فَنَكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنَكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ (3).
ج قوله عليه الصلاة والسلام: " لا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَلا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، فَإِنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ الَّتِي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا (4).
(1) - تنبيه: أضاف بعض العلماء من أصحابنا وغيرهم إلى أدلة القرآن الكريم المؤيدة لاشتراط الولي قوله حالة:
فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ (النساء: 25، ولكن في الاستدلال بهذه الآية نظر عند شيخ أهل الفقه والتفسير الخليلي – حفظه الله؛ ذلك لأن الآية في الإماء كما هو صريح سياقها، والمراد بـ"أهلهن" في الآية "سادتمن" أي لا ينكحن إلا بإذن سادتهن، واستعمال "الأهل" بمعنى السادة والموالي شائع في استعمال النصوص الشرعية كما في حديث بريرة عند الربيع "إِنَّ أَهْلِي كَاتُبُونِي فَأَعِينُونِي بِشَيْءٍ". يُنظر:
الخليلي، سلسلة التفسير تفسير الآية رقم 221 من سورة البقرة/ الدرس الثالث. "مادة سمعية".
دروس
الخليلي، سلسلة دروس التفسير تفسير الآية رقم 25 من سورة النساء/ الدرس الأول. "مادة سمعية".
الربيع، بَابٌ: فِي الْخُلْعِ وَالنَّفَقَةِ، رقم الحديث 535. أرشوم، مصطفى بن حمو النكاح: صحة وفسادا ص 55.
(2) - - الربيع، باب: في الأولياء، رقم الحديث 510.
(3)
(4) -
- الترمذي، بَاب مَا جَاءً لا نكَاحَ إلا بولي، رقم الحديث 1021.
ابن ماجه، باب: لا نكَاحَ إِلا بولي، رقم الحديث 1872. (1/245)
صفحة 246
246
المعتصم
N 2624
الالمعلم
وهذه الأدلة في دلالتها على اشتراط الولي لصحة النكاح وبطلانه بعدمه غنية
عن الإيضاح والبيان (1).
،
وأما عمل الصحابة المتفق عليه فلأنه قد بلغ عمر بن الخطاب له أن امرأة زوجت نفسها من غير ولي، فرد عمر نكاحها وأبطله، وجَلَدَ النَّاكِحَ وَالْمُنْكِحَ (2)، ولم حتى حُكيَ إجماعهم عليه كما نُقل
ينكر على عمر
فعله هذا أحدٌ الصحابة و حتى من
عن
ابن المنذر قوله: "إنه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك"، والله يقول الحق،
وهو يهدي السبيل (3).
مَسْأَلَة: إن وقع دخول بالمرأة بعد نكاحها من غير ولي فالصحيح عند عن هذا النكاح
شيخنا بدر الدين الخليلي يرعاه الله - أنه يفرق بينهما ولا يسكت الذي حكم فيه النبي بقوله: "باطل" ثلاث مرات وإن قال بالسكوت عنه بعد الدخول من قال؛ إذ لا حظ للنظر مع ثبوت الأثر عن سيد البشر).
(1) يُنظر:
الخليلي، سلسلة التفسير، تفسير الآية رقم 221 من سورة البقرة/ الدرس الثالث مادة سمعية"، اللجنة الثقافية
دروس
بمعهد العلوم الشرعية.
القنوبي، السيف الحاد ص 157.
(2) - الدارقطني، السنن، رقم الحديث 3576.
(3) ـ لعل الخلاف المحكي والموجود في اشتراط الولي متأخر عن عهد الصحابة، وقد حكي إجماعهم لعدم الإنكار على صنيع عمر، وفيهم أكابر الصحابة من المهاجرين والأنصار. يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 24،30.
الخليْلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقة: 10 جمادى الأولى 1423 هـ، يوافقه 2002/ 7/21 م.
السالمي، شرح الجامع الصحيح ج 3 ص 6.
(4) - قال بالسكوت عن النكاح الواقع بلا ولي بعد الدخول على الزوجة أبو على موسى بن علي بن عزرة -رحمه الله - من متقدمي الأصحاب، حيث روي عنه قوله: "النكاح بلا ولي لا يصح، ولكن إن وقع الدخول لم أفرق بينهما"، وقد أوَّل العلماء عدم تفريقه بينهما مراعاةً منه لقول الحنفية الذين لا يشترطون الولي لصحة النكاح مع نظره وحرصه (1/246)
صفحة 247
قلت: وقدْ أضَافَ شَيخُنا القَنُّونِيُّ - حَفَظَهُ الله - عنْدَ الْمُرَاجَعَة بخط قلمه قَولَهُ: "وهذا هو الصواب ".
على إبقاء العلاقة الزوجية بينهما ما دامت هنالك شبهة لمتمسك، ولكن أنى ذلك وقد سبق الأثر النظر، والحكم الحكمة، والدليل الواقعة ..
تَنْبيَّةٌ مُهِمّ: احترزنا بتقييد الأثر في المتن أعلاه بقولنا: "عنْ سَيِّدِ البَشر"؛ لأن "الأثر" يُطلق في اصطلاح العلماء على معنيين فيراد به أحيانا ما نسب إلى النبي، ويراد به أحيانا أخرى ما ورد عن السلف الصالح الله كمقولة موسى بن علي -رحمه الله، إلا أن المراد بالأثر في قولهم: "لاحظ للنَّظَرِ عندَ وُرُودِ الأثر" هو الأثر المرفوع إلى النبي لأنه هو الذي يرفع النظر ويقطع الخلاف في المسائل، فقوله لا وحي يوحى وليس نطقا بالرأي أو الهوى، وكل يؤخذ من قوله ويرد حاشا صاحب الروضة الشريفة الا الله ولذا فلا يُمنع النظر فيما ورد من آثار العلماء السابقين إن عرت هذه الآثار من الحجج والبينات، فكيف إن خالفتها الحجج والبينات كما في هذه المسألة، فافهم كلامي واستمع مقال الإمام السالمي -رحمه الله -:
والأثر المانع ما قد وردا ولهم: عندَ وُرُودِ الأَثر فقولهم معناه ما أتى عن المختار وباختلاف الاصطلاح في الأثر ما كل قول سطروه يمنع
لو كان ذاك انسد باب العلم
التقليد يمنعونا
حثوا على استعمال فكر الناظر
***
***
***
***
***
****
***
***
عن النبي المصطفى مؤكدا حَظَّ فِيهِ أَبَدًا للنظ يني خلافه عن الأنظار قد اختفى المعنى على من قد نظـ ذاك، ولا الخلاف طُرَّاً يُـ ولزم التقليـ ـد عنـ د الفهـ
لأنهم للحق يتبعون
ورفعوه للمقـ سام الشاهر
يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 26، 31 - 32.
الخليلي، إزكي ومكانتها العلمية في التاريخ "مادة سمعية". إنتاج: تسجيلات مشارق الأنوار.
الخليلي، سلسلة دروس التفسير، تفسير الآية رقم 232 من سورة البقرة. مادة سمعية"، اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقه: 30 رجب 1426 هـ، يوافقه 2005/ 9/4 م.
القنوبي، الإمام الربيع بن حبيب: مكانته و مسنده ص 8 - 9.
القنوبي، "جواب مطوّل: مطبوع ومتداول" لدى الكاتب نسخة منه ص 103.
السالمي، جوهر النظام ج 3 ص 152.
السالمي جوابات الإمام السالمي ج 2 ص 473. (1/247)
صفحة 248
248
المعتمـ
في فقه النظ
فَصَلَّ فِي شُرُوطِ الوَلِيِّ
-
تبصر يا أخى الفقيه أن العلماء قد استنبطوا من استقرائهم للنصوص الشرعية شروطا عدة لولي عقد النكاح سيأتي ذكر بعضها -بإذن الله في الباب المضروب لعقد النكاح عند ذكر "شروط العاقدين (1)؛ وذلك باعتبار أن الولي أحل العاقدين، وشروط الولي إجمالاً - هي:
أ- الإِسْلامُ: فلا يصح إنكاح الولي غير مسلم للمرأة المسلمة،
يقول ابن المنذر في كتابه "الإجماع": "وأجمعوا أن الكافر لا
يكون وليا لابنته المسلمة (2).
العَقْلُ: فلا يصح
كذلك إنكاح الولي إن كان غير مكتمل
العقل والتمييز، أما الصبي المميز فقيل بأنه يعتد به في نكاح
البالغة دون الصبية.
قلتُ: وقدْ أضَافَ شَيخنا القَتُولِيُّ -حَفَظَهُ الله - عندَ الْمُرَاجَعَة بخط قلمه قَولَهُ:
وذهب بعض العلماء إلى أنه لابد أن يكون بالغا، وهو الذي اختاره أبو محمد، وهو
الظاهر عندي".
ج العِلْمُ: بأن يعلم الولي ما صدر من العاقد الآخر من إيجاب أو
د-
قبول.
الذُّكُورَةُ: إذ المرأة الضعيفة لا تملك أن تزوج نفسها فتباشر
عقد نكاحها بنفسها، كما أنها لا تملك أن تكون ولية تقوم بتزويج غيرها، فإن فعلت شيئا من ذلك بطل نكاحها وإنكاحها
(1) - يُنظر: الْبَابُ التَّاسِعُ: فِي أَرْكَان عَقْدِ النِّكَاح، ومُتَمِّمَاتِهِ الرُّكُنُ الْأَوَّلُ العَاقِدَانِ.
(2) - ابن المنذر الإجماع ص 39. (1/248)
صفحة 249
المعتمد
ان المعتصم في فقد النكا
249
ولم يترتب عليه أي أثر شرعي)؛ وذلك للحكم المتقدمة في اشتراط الولي العاصب وللنصوص المتقدمة -أيضا- كحديث: • لا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَلا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، فَإِنَّ الزَّانِيَةَ
(2)
هي التي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا (2).
فَصْلٌ فِي مَرَاتِبِ الْأَوْلِيَاءِ
صاحب ولاية تزويج المرأة هو أحد عصبتها من الرجال الذين لا يفصل بينهم وبينها أنثى فقط، والمستحقون لولاية التزويج مرتبون شرعا على النحو الآتي: أ- الأب، وهو أولى الأولياء.
ب الجد لأب، الأقرب فالأقرب.
ج-
الابن.
د الأخ الشقيق فالأبوي.
ه ابن الأخ الشقيق فالأبوي.
و العم الشقيق فالأبوي.
ز - ابن العم الشقيق فالأبوي.
ويلي من هؤلاء الأولياء تزويج المرأة حسب هذا الترتيب، فإنْ عُدمَ الأول أو تعذر الوصول إليه فالذي يليه، فيعقد الولي الحاضر الأبعد مع غياب الولي الأقرب، فإن كانت هنالك امرأة ليس معها أولياء تولى تزويجها الحاكم أو من يوليه؛ إذ السلطان ولي من لا ولي له، فإن عُدم الحاكم المسلم زوجها جماعة المسلمين (3).
- الخليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 23.
(2) - ابن ماجه، باب: لا نكَاحَ إِلا بولي، رقم الحديث 1872.
(3) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 24، 25، 27، 28، 33، 35. (1/249)
صفحة 250
250
المعتصم في فقه النكاة الات
مَسْأَلَة: إذا كان للمرأة أكثر من ولي في نفس الدرجة كالأبناء والإخوة مثلا - فأيهم عقد نكاحها وأذن به فهو جائز، ولا يلزم إذن الجميع ما داموا في القرب منها سواء، والله الحمد والفضل (1).
تنبيه: يشترط بعض الكاتبين عند الحديث حول ولي المرأة في عقد الزواج "التعدد"، أي أنه لا بد فيه من عاقدين اثنين يصدر من أحدهما الإيجاب ومن الآخر القبول، لكن الظاهر أن هذا الاشتراط غير مسلّم به عند الجميع، بل هو اشتراط غير مأخوذ به في الفتوى عند شيخنا المفتي كما ستقرأه قريبا بإذن الله، فيمكن أن يكون الشخص وليا يزوج وليَّته لنفسه مع استكمال عقد النكاح بقية الأركان والشروط؛ إذ قد يكون الولي - في بعض الأحيان غير محرم للمرأة كابن العم -مثلا- فيمكن له هنا أن يزوجها نفسه.
قلتُ: وقدْ أضَافَ شَيخنا القَنُّوبُيُّ -حَفَظَهُ اللهُ - عِنْدَ المُرَاجَعَة بخط قلمه قَولَهُ:
"هذا هو هو الصحيح". بل يمكن للولي أن يوكل الرجل الخاطب في تزويج نفسه بمن هي تحت ولايته فيجتمع في هذا الرجل وصف العاقدين، وهناك صور أخرى غير ما ذكر هنا، والحمد
الله على التيسير
(2)
(1) - يُنظر:
(2) - يُنظر:
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقة: 4 جمادى الأولى 1428 هـ، يوافقه 2007/ 05/20 م.
الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقة: 10 جمادى الأولى 1423 هـ، يوافقه 2002/ 7/21 م.
الجناوني، كتاب النكاح ص 63.
الخَلِيلِيُّ، فتاوى النكاح ص 27، 37. أبو زهرة، الأحوال الشخصية ص 49. (1/250)
صفحة 251
عتصم
بالمعتصم في فقه النكاح
ستكمل
فتْوَى
251
السُّوَالُ/ وجدت في باب النكاح من كتاب "تلقين الصبيان": أنه يجوز للرجل نفسه من امرأة متى استكمل وفهم الشروط والأركان المطلوبة شرعا، فهل هذا الحكم ينطبق على الثيبات والأبكار من النساء أم لا؟
أن يزوج
الجَوَابُ إن كان وليًّا للمرأة فلا مانع أن يزوج بها نفسه برضاها، سواء كانت ثيبا أم بكرا، وإن كان وليها غيره وأذن له أن يزوج بها نفسه فلا حرج في ذلك، والله
أعلم).
وفي فتوى لسؤال مماثل:
"إن كان هو وَلِيَّ المرأة فله أن يُزوِّج نفسه بنفسه، وإن كان هو غير ولي وأذن له الولي أن يُزَوِّج نفسه بنفسه فكذلك (2).
مَسْأَلَة: لا يلي ذوو الأرحام كالخال- والأخ لأم والجد لأم أمر النكاح لأنهم ليسوا بعصبة للمرأة (3)، وعليه فإن الذي يأمر بعقد نكاح المرأة هو قريبها العاصب ولو بَعُدَ كابن العم -مثلا- بشرط أن يكون بالغا على الصحيح عند شيخنا أبي عبد الرحمن القنوبي متعه الله بالصحة والعافية.
فإن لم يكن لها ولي عاصب رفعت أمرها إلى القضاء الشرعي ليتولى أمر نكاحها، فإن لم يكن زوجها جماعة المسلمين الثقات، وبالله التوفيق والسداد (4).
2 - الخَلِيلِيُّ، أَحَمَدُ بنُ حمد. فتاوى النكاح ص 51.
(2) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 6 ربيع الأول 1428 هـ،
يوافقه 2007/ 03/25 م.
(3) - العَصَبَةُ: جَمْعُ عَاصِبٍ مِثْلُ كَفَرَةٍ جَمْعُ كَافِرِ، وهم القرابة الذكور من جهة الأب. يُنظر:
الفيومى المصباح المنير، مادة (ع ص ب).
(4) - الخَليْلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد. فتاوى النكاح ص 29. (1/251)
صفحة 252
252
الحي افقه
المعتصب
N 9526 526
فَصْلٌ فِي العَصْل
المعلم
تعلم أيها الفتى المؤمن، أيتها الفتاة المؤمنة أن العضل هو امتناع الولي من تحت ولايته مطلقا، أو امتناعه من تزويجها بالكفء الذي ترغب فيه تزويج من هي ويرغب فيها من غير مبرر شرعي إلا الأطماع المادية، أو إكمال الدراسات العالية، أو لبعض النعرات القبلية، أو انتصارا للثأر القديم، أو إصرارا منه للبقاء في عائلته أو قبيلته، أو تعجيز الخاطبين بالمغالاة في المهور .. (1)
ومهما تكن تلك المبررات الواهية فقد جاء إنكار العضل في كتاب الله تعالى بالنهي الصريح الموجه للأولياء؛ وذلك في قول الله سبحانه: فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَضَوا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ) البقرة: 232؛ نظرا لما يؤدي إليه العضل من عنوس الفتيات وتفويت قطار الزواج عليهن، وما يفضي إليه ذلك من أمراض نفسية وعصبية إن هن تعفَّفْنَ وقُمْنَ بكبت الفطرة، أو يؤدي إلى انفجار عظيم تتحطم معه الأخلاق والقيم وتستباح معه الفواحش والحرم إن هنَّ أقدمن على إرواء هذه الفطرة خارج إطار العلاقة الزوجية، وللولي الجزاء الأوفى من الإثم والوزر الذي تصيبه الفتاة بسبب عضله إياها (2).
ولذا فقد شدد الكتاب العزيز في مسألة عضل الفتيات أيما تشديد، وفي المقابل جعل المولى قيام الولي بواجبه في تزويج المرأة بمن ارتضته من الأكفاء والصلحاء الأخيار من دلائل الإيمان بالله واليوم الآخر، ومما يؤثر في النفوس والمجتمعات الزكاة
(1) - يُنظر:
الجهضمي، من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد بن حمد الخليلي ج 1 ص 282 - 283. الخليلي، وقفات حول الزواج المعاصر. مادة سمعية، إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية. الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 29، 35.
الغاربي، محمد بن راشد برنامج سؤال أهل الذكر"، حلقة: 24 رجب 1424 هـ، يوافقه 21/ 2003/9 م.
(2) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمَد. فتاوى النكاح / بحث: من قضايا الزواج ص 419. (1/252)
صفحة 253
المعتصم
سات المعتصم في فقدال فقد النكاح
253
والطهر، ويجنبها الفساد والرذيلة والعهر؛ فإن الله تعالى العالم بمن خلق يعلم مكامن الخير والشر، ومواقع النفع والضر: {ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) البقرة: 1932).
JAJ
232 (1)
سبب النزول: وقد أكد دلالة هذه الآية سبب نزولها؛ إذ إنها نزلت في الصحابي الجليل مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ له الذي يروي لنا الحادثة بنفسه قائلا: زَوَّجْتُ أُختَا لِي مِن رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَحْطُبُهَا، فَقُلْتُ لَهُ: "زَوَّجْتُكَ وَفَرَشْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ فَطَلَّقْتَهَا ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا لا وَالله لا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا، وَكَانَ رَجُلاً لا بَأْسَ بهِ وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذهِ الآيَةَ، فَقُلْتُ: "الآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهُ، فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ (2).
وقد جاء البيان النبوي مؤكدا للمعنى القرآني في قوله: " إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلْقَهُ فَأَتَكحُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فتنة في الأَرْضِ وَفَسَادٌ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ؟ قَالَ: " إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلْقَهُ فَأَنْكِحُوهُ - ثَلاثَ
(3)
مَرَّات " (3)، وكفى بهذا موعظة للعاضلين.
(1) - يُنظر:
(2) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 28، 31.
الخليلِيُّ، فتاوى النكاح بحث: من قضايا الزواج ص 415.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقةُ: 7 صفر 1433 هـ، يوافقه 1/ 2012/1 م. القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ص 82.
البخاري، بَاب: مَنْ قَالَ لا نِكَاحَ إِلا بِوَلِيٍّ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ، رقم الحديث 4735. الخليلي، التغلب على مشاكل الزواج ص 2.
الخليلي، برنامج: سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 10 رجب 1424 هـ، يوافقه 2003/ 9/7 م.
) - الترمذي، باب: مَا جَاءَ إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ فَزَوِّجُوهُ، رقم الحديث 1005. (1/253)
صفحة 254
254
المعتمر
وافقه المال
لطيفة: قيل إنَّه أصاب الناسُ مولودا - لقيطا- في أرض القيروان في بعض جَبَّاناتها)، ومعه صرَّة فيها مئة دينار، ومعه رقعة مكتوب فيها: "هذا ابن غني وابن
غنية من
(2)
كان في الدنيا فلا يأمن، بليَّة، من خطبت إليه ابنته بكرة فليزوجها عشيَّة (2).
لا يخفى على متدبر لمقاصد الشريعة وتال لنصوص الكتاب الحكم الشرعي: والسنن أن حكم عضل النساء عن الزواج بالأكفاء إذا تراضوا بينهم بالمعروف هو التحريم؛ لأنه ولا شك ظلم عظيم؛ ولأن الأصل في النهي الوارد في نصوص الشارع التحريم كما أن المضار الواقعة على الغير مرفوعة والمفاسد المترتبة عليها مدفوعة في شريعة الله الإسلام.
-
فإذا امتنع الولي من الإنكاح وتعنت في العناد فإن للمرأة حقا مشروعا متفقا عليه أن ترفع أمرها إلى القضاء الشرعي ليرفع ظلم وليها عنها، ويزيل إضراره بها، فيجبره على تزويجها بكفئها الصالح، أو يخول وليا أبعد ليقوم بتزويجها، أو يقوم هو بتزويجها، وفي مثل ذا قيل قديما: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن (3).
(1) - الجَبَّانُ والجَبَّانَةُ بالتشديد الصحراء، وقيل: هي ما استوى من الأرض في ارتفاع. يُنظر:
ابن منظور، لسان العرب مادة (جبن).
(2) - يُنظر:
(3) - يُنظر:
السالمي، شرح الجامع الصحيح ج 3 ص 11.
الجناوني، كتاب النكاح ص 45.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 25.
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر"، حلقه: 19 ربيع الأول 1425 هـ، يوافقه 2004/ 5/9 م.
الغاربي،
محمد بن
راشد. برنامج "سؤال" أهل الذكر حلقة 24 رجب 1424 هـ، يوافقه 21/ 2003/9 م.
الجناوني، كتاب النكاح ص 68 - 69.
ابن المنذر الإجماع ص 39. (1/254)
صفحة 255
المعلم
لات و المعتم بالمعتصم في فقه النكاح
255
ولتعلم المرأة وجميع من حولها أن المطالبة بالحق حق، وليس في ذلك عقوق منها لوليها ولو كان أبا لها، بل هو من نصرها له بكف يده عن الظلم، وذلك بعد أن تستفرغ المرأة وسعها في إقناع وليها بالحكمة والموعظة الحسنة، ثم توسيط العقلاء إليه، ومن يُكن له كل التقدير والاحترام في قلبه، والثقة برأيه، والله الموفق (1).
مِنْ كَلِمَاتِ المَصْلِحِ الاجْتِمَاعِي
وحول قضية العضل الخطيرة وقف شيخنا المصلح الخليلي -حفظه الله- في منابر عديدة يحذر وينفر من جريمة عضل الأولياء للبنات عن الزواج، وبيان عواقبها
الوخيمة، فيقول في موضع سدد الله منطقه-:
" هذه مُعْضَلَةٌ من المُعْضلات الاجتماعية، والأمر ليس بالهين .. فإنَّ الزواج مطلبٌ فطرِيٌّ يَدعُو كلّ واحد من الرجل والمرأة إلى الاستجابة له، ومعاكة هذا المطلب يؤدّي إما إلى انفجار مُدَمِّر بحيث تتحطَّم الأخلاق وتتلاشى، وتحلُّ الرذيلة مَحَلَّ الفضيلة، وإما أن يُؤدّي إلى أمراض نفسيَّة وعَصَبِيَّة بِمُكَابَرَة هذه الفِطْرَة وثَوَرانها في النفس .. ونحن شاهَدنَا أنَّ كثيرًا من الآباء بسبب هذا العضل دفعوا ببناتهم إلى ارتكاب الفَحْشاء، فكم من واحدة ارتكبت فحشاء، وبين لحظة وأخرى تبين أنها حامل ووقعت في المحظور! أو أنَّه فَرَّ بها مَن كَان يُريد أن يتزوجها! وأَدَّى ذلك إلى عيشهما على بساط الدَّعَارة .. الفُجُور ..
فإذن القضية قضية في منتهى الخطورة، فعلى هؤلاء أن يتَّقُوا الله، وعلى المجتمع أن يكون مجتمعًا صَلْبًا تجاه هذا الأمر بحيث يُقاطع المجتمعُ كُلَّ واحدٍ عُرف
(1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 25، 28 - 29، 36.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 18، 28، 29، 34، 35.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذكر، حلقه: 27 جمادى الثانية 1430 هـ، يوافقه 2009/ 6/21 م. القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقه 12 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/6 م. (1/255)
صفحة 256
256
المعتصم في فقه النكاح
المعتصم
مثل هذا حتى يتأدب ويتراجع عن مثل هذه التصرُّفات الشائنة، كذلك على القائمين على شؤون الأحكام والقضاء بأنْ يُواجهوا هؤلاء بما يستحقُونَه مِن العُقُوبَات تفاديا
-
للمشكلات والله تعالى أعلم (1).
ومن رادة الإصلاح الاجتماعي المتقدمين الشيخ أبو زكريا يحيى بن الخير بن أبي الخير الجناوني حيث يقول في "كتاب" "النكاح": "وإذا منع الولي وليته من النكاح فلا يجوز له ذلك، وقيل بأن الولي إذا منع وليته من النكاح فأصابت فاحشة حراما فهو شريكها فيما أصابت من الإثم والله أعلم
(2)
التنبية و مما يعطى حكم العضل في التحريم ديانةً والفصل قضاء إجبار الولي من هي تحت ولايته بالزواج ممن لا ترغب فيه ولو كان قريبا؛ إذ الزواج لابد فيه من تحقق الرضا التام من الطرفين كما تقدم، والضرر يزال ولو باللجوء إلى قضاء الشارع كما فعلت خنساء بنت خدام الأنصارية والله الموفق (3).
(1) - يُنظر:
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 10 جمادى الأولى 1423 هـ، يوافقه 2002/ 7/21 م.
الجهضمي، من معالم الفكر التربوي عند الشيخ
(2) - الجناوني، يحيى بن الخير. كتاب النكاح ص 68.
(3) - يُنظر:
الربيع، باب: في الأَوْلِيَاء، رقم الحديث 512.
أحمد
بن حمد الخليلي ج 1 ص 281 - 282.
الخليلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقة: 7 صفر 1433 هـ، يوافقه 1/ 2012/1 م. (1/256)
صفحة 257
معلم
المعتصم المعتصم في فقه النكاح
البَابُ الثَّامِنُ فِي سُرُوطٍ عَقْدِ النِّكَاح (الصَّدَاقُ، وَالبَيِّنَةُ)
257
قالَ تَعَالَى: {وَمَا تُوا النِّسَاءَ صَدُقَتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَق و نهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ
هنتنا مرينا النساء: 4.
لقد رأيت أيها التلميذ الأريب عافاك الرحمن - أن شروط عقد النكاح أربعة، وقد تقدم منها في الباب السابق شرطا الرضا والولي، وهنا أزف لك ثالث الشروط وهو الصداق، ثم أثني برابعها وهو البينة أو الشهود، حسب ما جاء مرتبا في حديث: الا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَصَدَاقٍ وَبَيِّنَة (1)، فاستمتع بقراءة ما ورد من تفصيل وتوكل على
الحي القيوم ..
3
4
الشَّرْطُ الثَّالِثُ الصَّدَاقُ:
الصداق في الشريعة هو ما يبذله الرجل للمرأة من المال نظير العقد عليها، ويسمى "مهرا" أحيانا كما يسمى "صَدُقَةً" و"نحْلَة" و"أجرا" أحيانا أخرى (2).
وتفصيل القول فيه يكون حسب الفصول الآتية:
(1)
- الربيع، بَابٌ: في الأولياء، رقم الحديث 510.
(2) - يُنظر:
الخليلي، سلسلة دروس التفسير تفسير الآية رقم 25 من سورة النساء/ الدرس الثاني. "مادة سمعية"، اللجنة
الثقافية بمعهد العلوم الشرعية
أرشوم، مصطفى بن حمو النكاح: صحة وفسادا ص 380. (1/257)
صفحة 258
258
المعتمر 3
في فقه النّد
المعلممر
فصل في حُكم الصَّدَاقِ وَمَشرُوعِيتِهِ
لقد تقرر لذيك مرارا أن الصداق هو أحد شروط عقد النكاح التي لا يصح عقد النكاح بدونها فيثبت بتمام عقد الزواج باعتباره أثرا من آثاره المترتبة عليه وإن لم يذكر به، أما لو قدر أن الزوجين اتفقا على أن يكون نكاحهما خاليا من المهر لم يصح النكاح أصلا؛ لأنه شرط على نقيض الشرع (1)، وقد قال الرسول الكريم عليه
(2)
أفضل الصلاة وأزكى التسليم -: "مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَةٌ (2).
وأدلة وجوب الصداق التي تُثبت مشروعيته تظافرت عليها نصوص الكتا والسنة وأطبقت عليها كلمة الأمة ..
فمن الكتاب قول الله: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَيْهِنَّ نِحْلَةً النساء: 4، فقد أمر الله تعالى بإيتاء النساء المهور، والأمر هنا للوجوب؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب ما لم تصرفه قرينة، ولا قرينة صارفة هنا.
كما يقول تعالى: وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَدُوا بِأَمْوَالِكُمْ تُحْصِنِينَ غَيْر مُسَيفِحِين النساء: 24، فقد أحل الله لك الأبضاع بدفع الأموال بغرض الإحصان، ومعنى ذلك أن تلك الأبضاع لا تحل بلا دفع لهذه الأموال "المهور"، فدل ذلك على
وجوبها.
(1) - يُنظر:
الخليلي، سلسلة دروس
بمعهد العلوم الشرعية
التفسير، تفسير الآية رقم 25 من سورة النساء / الدرس الثاني. "مادة سمعية"، اللجنة الثقافية
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الرابع ص 91.
القنوبي، برنامج: "سؤالُ أهل الذكر" حلقة: 7 صفر 1428 هـ، يوافقه 2007/ 02/25 م.
السالمي، جوهر النظام ج 2 ص 247.
،
السالمي، شرح الجامع الصحيح ج 3 ص 35. السالمي جوابات الإمام السالمي ج 2 ص 522. (2) - الربيع، باب: في الولايَةِ وَالإِمَارَةِ، رقم الحديث 49. (1/258)
صفحة 259
المعلمين
ب المعتصم في فقه النكاح
الشكل
وأما من
259
السنة النبوية فقد نفى النبي صحة النكاح الخالي من الصداق كما
في الحديث المتكرر في الباب " لا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِي وَصَدَاقٍ وَبَيِّنَة" (1)، فقوله: "لا نكاح" أي لا نكاح صحيح.
كما أن النبي لم يُخل نكاح امرأة من صداق، فلم يتزوج امرأة إلا وأصدقها (2)، كما أنه لم يزوج ابنة من بناته إلا وفرض لها مهرا، وهذا دليل الوجوب؛ إذ ملازمة النبي على أمر تدل على وجوبه ولو لم يكن واجبا لتركه النبي ولو لمرة واحدة أو لأفصح عن ذلك بلسانه ولم يقع أي من ذلك فثبت الوجوب
والإيجاب.
وأما الإجماع فلأن الأمة الإسلامية أطبقت على القول بإيجاب الصداق، والعمل بإيتائه النساء، فلم يُزوّج أحدٌ من الصحابة ولا من بعدهم من أهل الإسلام الموفين به بناته من غير أن يفرض لها صداقا، كما أنه لم يتزوج إلا وأعطى صداقا؛ فكان إجماعا (3).
فَصْلٌ فِي الحِكْمَةِ مِنَ الصَّدَاقِ
لقد جعل الله لبذل الصداق للمرأة إظهارا لأهمية عقد الزواج وقداسته في الإسلام وليرمز - أيضا - إلى القوامة من قبل الرجل، وتحمله بجدية لجميع مسؤوليات وأعباء الحياة مع ما فيها من تكاليف ترهق النفس والمال فالرجل هو ربان سفينة الحياة الزوجية وهو القائم بشؤون الأسرة المادية، وعليه تتكل المرأة وتعتمد بعد الله تعالى.
(1) - الربيع، بَابٌ: فِي الأَوْلِيَاء، رقم الحديث 510.
(2) - يُنظر:
(3)
الخليلي، سلسلة دروس
بمعهد العلوم الشرعية.
التفسير، تفسير الآية رقم 4 من سورة النساء/ الدرس الثاني. مادة سمعية"، اللجنة الثقافية
الخَلِيْلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 11 محرم 1426 هـ، يوافقه 2005/ 2/20 م.
- ابن المنذر الإجماع ص 39. (1/259)
صفحة 260
260
المعتمم
وافقه السنة
وفي فرض الصدقات للنساء نوع من التكريم للمرأة، ورفع من قيمتها، وإعلاء لمتزلتها في الحياة الأسرية، فهو عنوان رغبته فيها، وشدة تعلقه بها، وكل ذلك يشعرها بأن لها مكانة وقيمة، وقدرا واحتراما عند زوجها وأنها غير محتقرة بل مكرمة معززة؛ فتبسق بذا شجرة الحب بين الزوجين وتتقد شمعة الود بينهما، وتشع جذوة العلاقة الزوجية مودة ورحمة فيتبادلان الاحترام والتقدير، فتسعد بذلك الأسرة وتتماسك، وتبتعد عن الابتذال والامتهان ويستحيل في قاموس حياتها أي معنى
للانفصال.
وفي تقديم الصداق وإيتائه النساء تمييز بين الحلال والحرام وبين النكاح والسفاح؛ لأن في السفاح امتهانا للمرأة، فهو اعتداء بهيمي سافر لا مراعاة فيه لأي حق من حقوق للمرأة (1).
فَصْلٌ فِيمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ المهر
لا يخفى عليك أخي، قرين الصلاح والخير - أن المهر يجب من جانب الرجل للمرأة؛ لما تقدم ما فيه من الدلالة على القوامة، ولا يجوز أن يكون من النساء للرجال؛ لأن دفعه من قبل الرجل هو مقتضى الفطرة الإلهية والحكمة الربانية، فالله تعالى قد منح الرجل قدرة بدنية قوية للكسب ينفق به على المرأة في مقابل ما منح الله تعالى المرأة من صبر وتحمل وشدة رعاية وحنان على القيام بشؤون المترل وتربية الأبناء. نعم، يجوز للمرأة شرعا أن تُقرض الرجل من مالها؛ لأجل إعانته في دفع صداقها، بل لها أن تهديه مالا خالصًا ليتمكن من أن يصدقها منه، والله الفضل والمنة (2).
(1) - يُنظر: الخليلي، بيع النساء. "مادة سمعية"، إنتاج مكتبة وتسجيلات مشارق الأنوار.
(2) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح / بحث: من قضايا الزواج ص 419.
الخليلي، في الخطبة والزواج. " محاضرة مطبوعة"، لدى الكاتب نسخة منها ص 3.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْل الذِّكْرِ"، حلقةُ: 27 جمادى الأولى 1424 هـ، يوافقه 2003/ 7/27 م. الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذكر " حلقة: 9 صفر 1429 هـ، يوافقه 2008/ 02/17 م. (1/260)
صفحة 261
المعلممر
المعتصب في فقه النكاح
فَصْلٌ فِيْمَنْ يَجِبُ لَهُ المَهْرُ
261
يجب المهر للمرأة خالصا لها من دون غيرها من الأولياء والأقرباء. لأن الله تعالى
فرضه لها بنص كتابه نحلة نحلة وعطية؛ قَالَ تَعَالَى: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَيْهِنَّ نِحْلَةً. فمن تكريم الإسلام للمرأة أن أعطاها كامل الأهلية في امتلاك المال وأخذه والتصرف فيه، فلم يفرض عليها من هذه الناحية وليا أو وصيا؛ وإنما كما قال: وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبُ مِّمَّا اكْتَسَبُوا
وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَا اكْنَسَيْنَ وَسَتَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ
النساء: 32.
عَلِيمًا للام ولذا لا يحقُ لأحد أيا كان أن يحجر عليها في تصرفها، وكذا لا يجوز لأي ولي كان أبا أو جدا أو غيرهما أن يأخذ دانقا من مالها (1) أو يأكل درهما من مهرها، ولو قضيبا من أراك إلا ما طابت به الأنفس وجادت به الأكف من غير إكراه ولا استحياء؛ وليس بعد بيان الله من بيان فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَيْتَنَا
مرينا
النساء: 4
الخليلي، فتاوى النكاح ص 42، 45، 46.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 41.
الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْل الذِّكْر حلقة 9 صفر 1429 هـ، يوافقه 2008/ 02/17 م.
(1) - فائدة الدائق هو سدس، الدرهم ويضرب به المثل في الشيء اليسير، كما جاء في كلام الإمام النور السالمي -
رحمه الله - في الجوهر: -
ومنفق الأموال في البر فلا
وإنم
ا التبذير في المعاص
***
يدعى مبذرا إذا لم يحظلا من أنفق "الدائق" فيها عاصي
ينظر:
السالمي، جوهر النظام ج 4 ص 365.
(2) - يُنظر: (1/261)
صفحة 262
262
المعتمـ
وفي فتاوى سماحته -حفظه الله - قوله: " فالله تبارك وتعالى- يقول: {وَمَاتُوا النساء: 4، ولم يَقُل: "وآتوا أولياء النساء صدقاتهمن نحلة"، فان النِّسَاءَ صَدُقَيْهِنَّ نِحْلَةً
الصداق إنما هو للمرأة، وليس للولي منه نصيب .. وعلى الناس أن يتقوا الله -تعالى-
في هذا الأمر، وأن يدركوا أن الصداق ليس للأب فيه حق ونصيب
(1)
قلت: وأكل مهر المرأة كان عادة جاهلية عند بعض العرب، فهو وإن كان بعضهم يتشاؤم بولادة الأنثى، فإن بعضهم الآخر كان يتفاءل به ويهنئ أبا الفتاة بولادتها ومقدمها، ولكن ليس ذلك من أجل سواد عينيها، أو تكريما لها، وإنما من أجل أكل مهرها عندما يزوجها أبوها، فكان من تهنئتهم عندما يبشر أحدهم بالأنثى: "هنيئا لك النافجة"، أي المَعْظمة لمالك؛ لأنك تأخذ مهرها فتضمه إلى مالك فينتفج، أي يعظم ويزيد، وبهذا تدرك أن شريعة الجاهلية الأولى هامت في علاقتها بالمرأة بين الإفراط والتفريط، والله المستعان (2).
(1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 39، 42، 45.
الخليليُّ، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 40.
الخليلي، وقفات حول الزواج المعاصر. "مادة سمعية، إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية.
الخليلي
سلسلة دروس بمعهد العلوم الشرعية.
التفسير، تفسير الآية رقم 4 من سورة النساء / الدرس الثاني مادة سمعية"، اللجنة الثقافية
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر"، حلقة: 16 رمضان 1426 هـ، يوافقه 2005/ 10/20 م.
الخليلي، الزواج بين السنة والبدعة، محاضرة مطبوعة لدى الكاتب نسخة منها ص 4 - 5. الخليلي، فتاوى النكاح / بحث من قضايا الزواج ص 420.
الخليلي، في الخطبة والزواج. " محاضرة مطبوعة لدى الكاتب نسخة منها ص 3. الخليلي، وقفات حول الزواج المعاصر. "مادة سمعية، إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية. الخليلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقه: 23 ربيع الأول 1424 هـ، يوافقه 2003/ 5/25 م. القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقه: 19 ربيع الأول 1425 هـ، يوافقه 2004/ 5/9 م.
(2) - الميداني أحمد بن محمد مجمع الأمثال ج 2 ص 405. (1/262)
صفحة 263
المعلمم
المعتصم في فقه النكاح
263
وفي هذا الفصل تنبيهان هما حريَّان بالاهتمام، فاسمع مقالي:
التنبيه الأَوَّلُ: كما لا يصح للأب أن يأخذ شيئا من مهر سلمته بغير رضاها فكذا لا يجوز له أن يفرض لنفسه على خاطب ابنته جزءا من المال غير المهر سواء كان هذا الجزء مالا عينيا أو نقديا، فإن ذلك سحت وغلول، إلا ما بادر به الرجل بمحض إرادته وكامل رغبته تكريما لأبي الحليلة ولا عجب في أن يقع مثل ذلك فإنه قد قيل قديما: "من أجل عين ألف عين تكرم".
التنبيه الثاني: مع وجوب المهر من الزوج للزوجة شرطا لازما لصحة النكاح ابتداء وعدم جواز إسقاطه من أول الأمر سواء منها أو من وليها، فإنه يجوز لها بعد أن يستقر المهر دينا في ذمة الزوج أن تمنحه من هذا المهر، بعضه، أو أن تتنازل عنه كله طيب نفس منها لزوجها الوفي، كما أن للزوج أن يأكل هنيئا مريئا ما طابت به نفس حليلته له من غير إكراه لها ولا استحياء منها، يقول فضيلة الشيخ القنوبي - حفظه الرحمن -: " ومن المعلوم أن ما يُدفع على وجه الاستحياء فهو كالذي يُؤخذ على وجه الغصب فلا ذلك أبدا (1) يصح
عن
وهذا الحكم كله في الزوجة البالغة، أما الصبية فلا يحل للزوج أن يأخذ شيئا من صداقها أو سائر مالها ولو بادرت هي برضاها وأعلنت قبولها؛ لأن رضا الصبية قبل
البلوغ فيما يعود عليها بالضرر غير معتبر، والله أعلم (2).
(1) - القنوبِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك. برنامج: "سؤالُ أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 16 رمضان 1426 هـ،
يوافقه 2005/ 10/20 م.
(2) - يُنظر:
الخليلي، سلسلة دروس التفسير، تفسير الآية رقم 4 من سورة النساء / الدرس الثاني. "مادة سمعية"، اللجنة الثقافية
بمعهد العلوم الشرعية.
الكندي، مشكلات الزواج في العصر الحديث ص 35. (1/263)
صفحة 264
264
المعتمري
فَصْلٌ فِي سَبَبٍ وُجُوبِ الصَّدَاقِ
تعرف أخي المسلم، لا عدمت باءة النكاح - أن الصداق للمرأة يجب بأحد
أمرين اثنين: أَوَّلاً عَقْدُ النِّكَاح الصحيح: يجب المهر للمرأة بمجرد تمام عقد النكاح صحيحا مكتمل الأركان والشروط؛ لأن الصداق يجب بالعقد الصحيح، وعليه فلا صداق ولا أي أثر لمجرد العقد الفاسد في جميع الأحكام للقاعدة الفقهية الكلية: "كل نكاح فاسد فسخ قبل الدخول فلا شيء فيه " (1).
لكن وجوب المهر بتمام هذا العقد الصحيح عُرضة لئن يسقط كلُّه، وذلك إذا جاءت الفرقة بسبب من قبل المرأة كالردة أو قتل الزوج، أو افتدت من الزوج بكل ما دفع لها كما في قوله تَعَالَى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا أَفتَدَتْ بِهِ} البقرة: 229، أو يسقط نصفه إن طلقها الزوج قبل الدخول؛ لقوله تَعَالَى: وَإِن طَلَقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَيَصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوا الَّذِي بيَدِهِ، عُقدَةُ النكاح البقرة: 237.
ثانيًا / الدُّخُولُ الحقيقي: يكون الدخول الحقيقي سببا للمهر ومؤكدا لوجوبه في
الأحوال الآتية:
2 - وفي هذا يقول شيخنا القنوبي -حفظه الله -: "هذا، وما ذكرناه من أحكام الصداق فهو فيما إذا كان النكاح صحيحا وإلا فلا شيء لها أي إذا كان النكاح فاسدا؛ إذ وجود هذا العقد كعدمه، اللهم إلا إذا دخل بها ولم تكن عالمة بفساد هذا النكاح، أو كانت عالمة بذلك ولكنها عبدة أو مجنونة أو صبية أو مجبرة على ذلك فإن لها في هذه الحالات الصداق مقابل ما أصاب منها ". يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 53.
القتُوْبي، فتاوى على أسئلة من الشرق الإفريقي ص 16.
أرشوم، مصطفى بن حمو. النكاح صحة وفسادا ص 380 - 381. (1/264)
صفحة 265
ا المعتصب في فقه النكاح
265
أ في العقد الصحيح يجب به المهر المسمى كاملا إن كان قد سُمِّي، وإلا
فمهر المثل إن لم يسم
(1) =
ب في الزواج الفاسد الذي فقد أحد أركانه أو شروطه يثبت به مهر المثل (2).
ج في الوطء بشبهة كأن يكون قد دخل على امرأة يظنها زوجته وهي ليست بزوجته، أو زفت إليه غير امرأته خطأ حتى وطئها من غير علم منهما، فهاهنا يثبت لها مهر مثيلاتها، بناء على أن لكل موطوءة صداقا (3)؛ لحديث: "ذَلكَ بَمَا أَصَبْتَ مِنْ فَرْجِهَا (4).
(1) - فائدةٌ: المهر المسمى هو المهر المتفق على تسمية مقداره عند العقد أو قبله، بحيث اتفقوا على تحديد مقداره، أما مهر المثل فهو ما يفرض عادة لقريبات المرأة من أبيها ممن تتقارب صفاتهن وأحوالهن مع صفات هذه المرأة وأحوالها الشخصية والاجتماعية كصفات السن والمال والجمال والعقل والدين والبكارة أو الثيوبة .. يُنظر:
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" حلقة: 6 ربيع الأول 1428 هـ، يوافقه 2007/ 03/25 م.
القنوبي، فتاوى على أسئلة من الشرق الإفريقي ص 15.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى/ القسم الأول ص 51.
أبو زهرة، الأحوال الشخصية ص 183.
(2) - أرشوم، مصطفى بن حمو النكاح صحة وفسادا ص 385، 387
(3) - يُنظر:
(4) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 57، 104.
القنوبي، فتاوى على أسئلة من الشرق الإفريقي ص 16.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ "، حلقةُ: 9 رمضان 1425 هـ، يوافقه 2004/ 10/24 م.
السالمي، شرح الجامع الصحيح ج 3 ص 302.
أبو عوانة، المستخرج، باب: الخبر الموجب التفريق بين المتلاعنين، وإلحاق الولد بأمه ووجوب صداقها على زوجها،
رقم الحديث 3800. (1/265)
صفحة 266
266
المعتمر
فائدة: استخرج
N 2126
علماء الفقه وقواعده من الحديث السابق ومن استقراء
القاعدة الكلية الشرعية الآتية، وهي: "كلُّ وطء في الإسلام لا نصوص الشارع يخلو من عقر أو عُقر "، و "العقر " بالفتح هو الحد، وبالضم هو الصداق ويتفرع عن هذه القاعدة قاعدة أخرى وهي: "إذا سقط الحد وجب المهر"
، (1)
(2)
فإذا وجب المهر بتحقق أسبابه هذه أصبح دينا في رقبة الزوج لا تبرأ ذمته إلا بالأداء من قبله، أو الإبراء من قبل المرأة.
فَائِدَةٌ مُهمَّةٌ: يثبت للمرأة نصف المهر بمجرد تمام عقد النكاح الصحيح، ويثبت لها النصف الآخر بتحقق الدخول بها (3).
فإن اختلف الزوجان في الدخول فادعته المرأة وأنكره الزوج، فالقول قولها إن كان قد أرخى عليها سترا، وإلا فالقول قوله أنه لم يدخل بها)، يقول الشيخ أبو محمد
السالمي -رحمة الله عليه-:
(1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 176.
الزركشي، المنثور في القواعد
(2) - أرشوم، مصطفى بن حمو النكاح صحة وفسادا ص 383، 439.
(3) - يُنظر:
القَنُّوْبِيُّ، فتاوى على أسئلة من الشرق الإفريقي ص 15.
الجناوني، كتاب النكاح ص 187 (تعليق).
(4) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 42.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الأول ص 52.
القَنُّوْبِيُّ، برنامج: "سؤالُ أهلِ الذّكر"، حلقة: 26 ربيع الثاني 1428 هـ، يوافقه 2007/ 05/13 م.
،
الغاربي، محمد بن راشد. برنامج سؤال أهل الذكر " حلقة: 24 رجب 1424 هـ، يوافقه 21/ 2003/9 م. السالمي جوابات الإمام السالمي ج 2 ص 526. (1/266)
صفحة 267
وذاك نصف المهر، والنصف يجب
عليه بالدخول حين يقترب
وبعدما أرخى الحجاب إن جحد
فقولها يكون هو المعمر)
فصل في أحوال المهر بِالفُرْقَةِ قَبْلَ الدُّخُول
اعلم أخي، جمع الله بينك وبين زوجك في طاعة الله أن لاستحقاق المرأة المهر أحوالا عدة إذا وقعت الفرقة بينها وبين الرجل بعد العقد عليها وقبل الدخول الماء حسب نوع الفرقة وحالها، وذلك حسب البيان الآتي:
-1
(1) - السالمي،
(2) - يُنظر:
لها المهر كاملا إن كانت الفرقة بسبب وفاة أحد الزوجين وكان المهر مسمى؛ لأن للوفاة حكم الدخول على الصحيح عند الشيخين الخليلي والقنوبي - متعنا الله بحياتهم وعليه المذهب، فلو مات الزوج أخذت المهر كاملا، أو المتبقي منه إن كان دفع إليها بعضا، وكذا إن ماتت الزوجة أخذ ورثتها المهر كاملا إن لم يدفع شيئا أو المتبقي إن
كان قد دفع، والزوج من ورثتها في هذه الحالة فيأخذ نصيبه من تركتها، ومنه المهر المقدم والمؤخر ()
لها
مهر
(2)
مثيلاتها: إن كانت الفرقة بسبب وفاة أحد الزوجين وكان
المهر غير مسمى؛ والدليل على أن المميتة التي لم لها صداقا لها لم يسم
مهر مثيلاتها
من
النساء على الأصح عند شيخنا المفتي العام
عبد الله بن
حميد. جوهر النظام ج 2 ص 260.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 41.
القنوبي، فتاوى على أسئلة من الشرق الإفريقي ص 15.
الفنوبي، برنامج: "سؤال اهل الذكر " حلقة: 26 ربيع الثاني 1428 هـ، يوافقه 2007/ 05/13 م.
محمد بن!
راشد. برنامج سؤال أهل الذكر، حلقة: 24 رجب 1424 هـ، يوافقه 21/ 2003/9 م.
الغاربي، السالمي جوابات الإمام السالمي ج 2 ص 468، 495. (1/267)
صفحة 268
268
ج-
المعتمري
(1) ?
للسلطنة هو حديثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنه أَتِيَ فِي رَجُل تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَمَاتَ عَنْهَا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَلَمْ يَفْرِضٌ لَهَا الصَّداق فَاخْتَلَفُوا إِلَيْهِ شَهْرًا، فَقَالَ: "فَإِنِّي أَقُولُ فِيهَا إِنَّ لَهَا صَدَاقًا كَصَدَاقٍ نِسَائِهَا، لَا وَكُسَ وَلَا شَطَطَ وَإِنَّ لَهَا الْمِيرَاثَ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، فَإِنَّ يَكُ صَوَابًا فَمِنْ اللَّهِ، وَإِنْ يَكُنْ خَطَأَ فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانَ، فَقَامَ نَاسٌ مِنْ أَشْجَعَ فَقَالُوا يَا ابْنَ مَسْعُودٍ: "نَحْنُ نَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَضَاهَا فِينَا فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ كَمَا قضَيْتَ، قَالَ: فَفَرِحَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَرَحًا شَدِيدًا حِينَ وَافَقَ قَضَاؤُهُ قَضَاءَ رَسُول الله (2).
لها المتعة: إن كان الزوج قد طلقها قبل الدخول ولم يفرض لها صداقا مسئى لقول الله: لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ
تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتعُوهُنَّ عَلَى الْوُسِع قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ
قَدَرُهُ مَتَنَعَا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ)
m
البقرة:
(136) 3:
(1)
- الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَدٍ. برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 6 ربيع الأول 1428 هـ،
يوافقه 2007/ 03/25 م.
(2) - حديث "بروع بنت واشق" قال عنه شيخنا المحدث أبو عبد الرحمن القنوبي عافاه الله - بعد الاحتجاج بحكمه: "وهو صحيح ثابت، وما أُعل به من الاضطراب لا وجه له كما يعلم ذلك من له معرفة بفن الحديث". يُنظر: القنوبي، فتاوى على أسئلة من الشرق الإفريقي ص 16.
أبو داود، باب: فِيمَنْ تَزَوَّجَ وَلَمْ يُسَمِّ صَدَاقًا حَتَّى مَات، رقم الحديث 1807.
(3) - فائدة: متعة الطلاق هي جزء من المال يعطيه الزوج لامرأته المطلقة بعد طلاقها، وهو مال مقطوع يمكن
الاستمتاع به من غير تحديد له بمقدار معين. يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 107.
الخَلِيْلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذكر، حلقةُ: 6 ربيع الأول 1428 هـ، يوافقه 2007/ 03/25 م.
القنوبي، فتاوى على أسئلة من الشرق الإفريقي ص 15. (1/268)
صفحة 269
د-
269
لها نصف المهر: من عاجله وآجله إن كانت الفرقة بسبب طلاق الزوج لزوجته قبل الدخول؛ لقوله: وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَيَصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن
(1)
يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوا الَّذِي بِيَدِو، عُقدَةُ النكاح (البقرة: 37 (1).
لا
مهر
لها إن كانت الفرقة بسبب الزوجة كالارتداد عن
الإسلام (2)، أو افتدائها منه بما دفع لها؛ يقول جل شأنه: {وَلَا يَحِلُّ
(1) - فَائِدَةٌ أُخْرَى: اختلف العلماء في المراد بـ الَّذِي بِيَدِهِ، عُقدَةُ النِّكَاح) البقرة: 237، فقيل: هو ولي المرأة عندما تكون المرأة قاصرة وغير مالكة لأمرها كالصبية والمجنونة، فله أن يعفو حينها عن النصف الذي استحقته وليته بسبب الطلاق قبل الدخول، وقيل: هو الزوج، وعفوه إتمام ما سمى من الصداق، يقول شيخنا المفتي - أبقاه الله -: "وهو قول الأكثر، وعليه العمل". يُنظر:
(2)
الخليلي، فتاوى النكاح ص 39، 40، 42، 44.
الخليلى، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 41.
الخَلِيْلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 6 ربيع الأول 1428 هـ، يوافقه 2007/ 03/25 م.
القنوبي، فتاوى على أسئلة من الشرق الإفريقي ص 15.
السالمي، جوهر النظام ج 2 ص 259.
(2) - أو فعلها ما يؤدي إلى تحريمها عليه كالزنى الذي تحقق عنده بمعاينة أو إقرار على قول، يقول سماحته -حفظه الله - في فتاوى النكاح: " فقيل: يبطل صداقها، بزناها وقيل لا، وهو الذي يدل عليه الحديث".
ولعل الإشارة هنا إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم " فَهُوَ بِمَا اسْتَخَلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا"، وفي رواية "ذلِكَ بَمَا أَصَبْتَ مِنْ فَرْجِهَا" حين سأل العجلاني رسول الله الله عما أصدقه امرأته بعد أن فرق بينهما عليه الصلاة والسلام بالملاعنة بسبب
إياها بالزني. يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 41، 57.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقه: 19 ربيع الثاني 1423 هـ، يوافقه 2002/ 6/30 م.
السالمي شرح الجامع الصحيح ج 3 ص 302.
الجناوني، كتاب النكاح ص 187 (تعليق).
البخاري، باب: قَوْلِ الإِمَامِ لِلْمُتَلاعِنَيْنِ إِنْ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ، رقم الحديث 4900.
قذفه (1/269)
صفحة 270
270
لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا اتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَانَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ
اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ
فَتْوَى
السؤالُ / توفيت زوجتي قبل أن أدخل بها، فماذا يلزمني لها، وماذا لي بها؟
البقرة:
الجَوَابُ عليك أن تؤدي لها ما اتفقتما عليه من الصداق العاجل والآجل، ولك الميراث وهو نصف التركة التي خلفتها حتى الصداق الذي أصدقتها إياه إن كانت لم تستهلكه، والله أعلم).
فَصْلٌ في جنسِ الصَّدَاقِ
تعلم أيها المؤمن التقي، جعلك الله من الصادقين أنه يشترط فيما يدفع صدقات ومهورا للنساء أن يكون من الأعيان التي اعتبرها الشارع وجعل لها قيمة شرعية، سواء أكانت نقدا كالذهب والفضة والنقود الورقية، أم كانت عقارا كمترل أو أرض أو مزرعة أو منقولا كأثاث أو سيارة وبالجملة فكل ما يصلح أن يكون عوضا في البيع يصلح أن يكون مهرا في النكاح.
ولذا لا يصح أن يُصدق الرجلُ امرأته شيئا ألغاه الشرع ولم يجعل له قيمة كلحم
ختريرٍ أو دَنْ خمرٍ أو شيء من المحرمات الأخرى، والله يتولى الصالحين.
مَسْأَلَة: بعد اتفاق الفقهاء على صلاحية كون الأعيان المتقومة صداقا للنساء
اختلفوا في المنافع هل تصلح أن تكون صداقا أو لا؟
أبو عوانة، المستخرج، باب: الخبر الموجب التفريق بين المتلاعنين، وإلحاق الولد بأمه ووجوب صداقها على زوجها،
رقم الحديث 3800.
(1) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد. فتاوى النكاح ص 46. (1/270)
صفحة 271
271
Kas & maigall
المعلمين
فذهب بعضهم إلى جواز النكاح بالمنافع التي جعل لها الشرع قيمة ويمكن أن تقدر بالمال؛ لأن المنفعة في الحقيقة مال كما هو رأي الجمهور، فيمكن أن تقوم بالأثمان أو تكون دينا في الذمة، وذلك كأن تتزوج المرأة مقابل أن يُسكن الزوج قريبا لها دارا لمدة معينة، أو يقوم بخدمة لها أو لأحد أقاربها .. (1)
والاستدلال على هذا الرأي قائم من كتاب الله ومن سنة رسوله، أما الكتاب فما حكاه الله جل شأنه من قول الرجل الصالح لسيدنا موسى عليه السلام: فى إلى أُرِيدُ أنْ أُنكِحَكَ إحْدَى ابْنَى هَدَتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَنِي حِجَجٌ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ. القصص: 27، فواضح من الآية أن النكاح هنا كان مقابل منفعة يؤديها سيدنا موسى لحجج (سنوات) معلومة.
ومن
السنة ما ثبت في حديث الواهبة نفسها أن الرسول صلى الله عليه وسلم أنكح الرجل المرأةَ بما معه من القرآن يعلمها إياه، حيث يقول عليه الصلاة والسلام- للرجل: " هَلْ عنْدَكَ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ؟ " فَقَالَ الرجل: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا لِسُوَرٍ سَمَّاهَا - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: زَوَّجْتُهَا لَكَ بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ (2).
فَصْلٌ فِي أَكْثَرِ الصَّدَاقِ
اعلم يا رعاك الله - أنه لم يرد في الشرع دليل صحيح يدل على تحديد صدقات - النساء بقدر معين قلةً أو كثرةً، ولهذا اتفق العلماء على أنه لا حد لأكثر الصداق؛ فأمْرُ التوسع فيه متروك إلى اتفاق الزوجين ما لم يؤد إلى محظور كالإسراف والتباهي والمخيلة، إلا إنْ رأى ولي أمر المسلمين المصلحة في تحديده بقدر معين وسقف أعلى فله ذلك ولا ينبغي حينها تجاوزه وتعديه لأن لولي أمر المسلمين أن يمنع ما كان مباحا في
(1) - أبو زهرة محمد الأحوال الشخصية ص 176 - 177.
الربيع، باب: في الأولياء، رقم الحديث 515. (1/271)
صفحة 272
272
المعتمـ
الأصل إذا خشي المفسدة من أجل جلب المصالح ودفع المفاسد اعتمادًا على قاعدة سد
الذرائع (1).
واستدل أهل العلم على أن الصداق ليس محدودا في الكثرة بقوله تعالى: {وَإنّ أَردتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوجِ وَاتَيْتُمْ إِحْدَتْهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ النساء: 20، فقد مثل الله تعالى للصداق بالقنطار، وهو دليل جواز الكثرة؛ لأن
شيئًا
القنطار مقدار كبير من المال (2)، والله لا يمثل إلا بما هو جائز وممكن في الشرع. فَصْلٌ فِي أَقَلَّ الصَّدَاقِ
اعلم يا طالبا لعلم الشرع، جملك الله به أنه قد وقع بين العلماء الاختلاف في أقل ما يمكن أن تُمهَر به النساء، ويصدق عليه اسم الصداق الخلاف أنه لم وسبب يرد نص صحيح صريح بتحديده والأقرب للصواب أنه لا تحديد لأقله كما صححه
العلامتان الخليلي والقنوبي -حفظهما الله، وقطب الأئمة الله، وهو الذي يفهم
(1) - يُنظر:
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 40.
الخليلي بمعهد العلوم الشرعية.
سلسلة دروس
التفسير، تفسير الآية رقم 3 من سورة النساء/ الدرس الثاني. مادة سمعية"، اللجنة الثقافية
الخليلي، سلسلة دروس التفسير تفسير الآية رقم 21 من سورة النساء. "مادة سمعية"، اللجنة الثقافية بمعهد العلوم
الشرعية.
السباعي، المرأة بين الفقه والقانون ص 55.
(2) - القنطَارُ: هو ملء جلد الثور ذهبا. يُنظر:
الخليلي، الزواج بين السنة والبدعة، محاضرة مطبوعة لدى الكاتب نسخة منها ص 8.
القطب، هميان الزاد ج 2 ص 259.
السالمي، جوهر النظام ج 2 ص 264. (1/272)
صفحة 273
المعتصم
بالمعتصم في فقه النكاح
إلا
273
من كلام الإمام السالمي في ترجمته لحديث الواهبة نفسها بقوله: "ما جاء في أقل
الصداق، وأنه يصح ولو على خاتم من حديد
(1)
وعلى هذا فكل ما يمكن أن يُملك يصح أن يكون مهرا، وكل ما يصلح أن يكون ثمنا في البيع يصح أن يكون مهرا في الزواج، وكل ما يمكن أن يسمى مالا جاز أن يكون مهرا ولو درهما أو دراهم معدودة فالعبرة بما تراضيا عليه ولو بريال واحد أو قضيبا من أراك (2).
يقول شيخنا القنوبي في المسألة: " اختلف العلماء في ذلك على عدة مذاهب، والحق أن أقله ما يصدق عليه اسم المال (3).
والدليل على هذا الرأي إطلاق النصوص الشرعية وعدم تقييدها للمهور بحد
معين أو سقف أدن؛ كما في قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَالِكُمْ أَن تَبْتَغُوا
ج
بِأَمْوَالِكُمْ تُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ} النساء: 24، فهذه الآية شرطت أن يكون الزواج بالمال ولم تحدد مقدارًا معينًا منه، فدل ذلك أن كل ما يسمى مالاً في عرف الناس يصح تسميته مهرا، والأصل أن يؤخذ بالمطلق على إطلاقه فيجزي منه أقل ما يصدق عليه
أنه مال.
(1) - السالمي، عبد عبد الله بن حميد. شرح الجامع الصحيح ج 3 ص 15، 19، 35.
(2) - يُنظر:
(3)
) - يُنظر:
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 39. الكندي، مشكلات الزواج في العصر الحديث ص 34.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الأول ص 51.
القنوبي، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقه: 22 جمادى الثانية 1428 هـ، يوافقه 2007/ 7/8 م. (1/273)
صفحة 274
274
المعتصم في فقه المجلة
المعلمم
ويؤكد هذا المعنى قوله في حديث الواهبة نفسها لمن أراد أن يتزوجها: الْتَمسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَديد " (1)، فإنه عليه أزكى الصلاة والسلام- اكتفى من الرجل أن يصدقها أقل القليل ولو خاتما من حديد، بل زوجه على أن يُعلّمها ما معه من القرآن (2).
ومن جهة النظر فإن المهر حق خالص للمرأة فيكفي فيه ما ترضى به عن طيب
نفس منها؛ إكراما وتقديرا ومراعاة لمن جاء طالبا الاقتران بها (3).
فَائِدَةً فقهيَّةٌ: استدل بحديث الواهبة نفسها وقوله صلى الله عليه وسلم فيه: " زَوَّجْتُهَا لَكَ بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآن (4) على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن وسائر العبادات، يقول الشيخ السالمي الله: وبه قال الجمهور (5).
فَصْلٌ في الحَقِّ عَلَى تَيْسِيْرِ الصَّدَاقِ
لقد رأيت أخي أيها القارئ اللبيب - أن أمر المهور لم يرد فيه تحديد شرعي بأكثر ولا أقل وإنما هو أمر متروك في الشرع لاتفاق الطرفين حسب ما تراه الزوجة لنفسها من غير مغالاة ولا إسراف ..
ومع هذا الجواز الشرعي وعدم التحديد لأكثر الصداق فقد جاءت السنة النبوية حاثةً على التقليل والتيسير في أمر الصداق حتى رتب الشارع على تيسير
(1)
- الربيع، بَابٌ: في الأولياء، رقم الحديث 515.
(2) - يُنظر:
الفتُويُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذكر، حلقه 22 جمادى الثانية 1428 هـ، يوافقه 2007/ 7/8 م. النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج ج 9 ص 215.
(3) - اطفيش، محمد بن يوسف شرح كتاب النيل ج 6 ص 165.
(3)
(د)
- الربيع، باب: في الأولياء، رقم الحديث 515.
24 - السالمي عبد الله بن حميد. شرح الجامع الصحيح ج 3 ص 20. (1/274)
صفحة 275
معتهم
في فقه النكاح
ب المعتصم في فقه الـ
275
الزواج بتقليل صداقه خيريَّة النكاح، وعظَمَ بركة النساء؛ فقال: خَيْرُ النِّكَاحِ أَيْسَرُهُ (1)، وفي رواية أخرى: "خَيْرُ الصَّدَاقَ أَيْسَرُهُ ((2).
وفي حديث ثالث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أعظم النساء بركة أيسرهن صداقا (3)،
ومثله ما جاء في حديث رابع عنه عليه الصلاة والسلام- أنه قال: " إِنَّ مِنْ يُمْن الْمَرأَة تيسير خطبَتهَا وَتَيْسيرَ صَدَاقهَا "
(4)
ولهذا فقد فهي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب له عن المغالاة في الصداق فقال: "لا تُغَالُوا صَدَاقَ النِّسَاءِ؛ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ كَانَ أَوْلاكُمْ وَأَحَقَّكُمْ بهَا مُحَمَّدٌ مَا أَصْدَقَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ وَلَا أُصْدَقَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ التقى عشرة أوقية، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُنَقَّلُ صَدَقَةَ امْرَأَته حَتَّى يَكُونَ لَهَا عَدَاوَةٌ في
نفسه (5).
-: (1) - أبو داود، باب فيمَنْ تَزَوَّجَ وَلَمْ يُسَمِّ صَدَاقًا حَتَّى مَات، رقم الحديث 1808.
(1) - الحاكم، المستدرك، رقم الحديث 2692.
(3) - الحاكم، المستدرك، رقم الحديث 2682
(4) - أحمد، المسند. حديث السيدة عائشة -رضي الله عنها-، رقم الحديث 23338.
(0) - ابن ماجه: بَاب صَدَاق النِّسَاء، رقم الحديث 1877 تنبية: وأما ما روي عن عمر له له له أنه قام في الناس خطيبا فنهى عن المغالاة في الصداق وأراد أن يحدد الصداق بما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقامت إليه امرأة على مشهد من الصحابة، وقالت له: وأين عنك يا عمر قول الله تعالى: وَاتَيْتُمْ إِحْدَتهُنَّ قِنطَارًا (النساء: 1920 فتراجع عمر عن قوله وقال: أصابت امرأة وأخطأ عمر .. فهي رواية لا تصح لا من حيث سندها ولا من حيث متنها: فأما السند، فقد أظهر نقاد الحديث ضعفه؛ لأن جميع طرقه لم تسلم من العلة القادحة، ففي بعض طرقه ضعف، وفي بعضها انقطا. ناع
وأما المتن، فلأن التغالي في طلب المهور أمر محرم؛ لما يترتب عليه من المفاسد المعلومة، وقد أراد عمر -وهو الخليفة الألمعي الملهم - رد الناس إلى الطريق السليم والجادة القويمة، واتباع التوجيه النبوي المستوحى من سنته الفعلية والقولية (1/275)
صفحة 276
276
المعتصم
يقول سماحته -متعنا الله بحياته في إحدى محاضراته القيمة: " فما يسره الله سبحانه يجب أن يبقى على يسره .. فلم يكن هذا الصداق رمزًا لمقدار قيمة هذه النساء، وإنما كان رمزا للتفريق بين الحق والباطل، فلو كان رمزًا لقيمة النساء لكانت أولى بذلك بنات رسول الله ... ولكن الأمر لم يكن أمرا معقدًا فلم يأمر النبي أزواج بناته أن يدفعوا إليهن الصدقات العالية، فعندما زوج النبي صلى الله عليه وسلم قرة عينه السيدة فاطمة لابن عمه الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه- قال: أعطها شيئا، قال: ليس عندي، قال: وأين درعك الحطمية؟ (1).
ومن أجل هذا فعلى النساء وأوليائهن جميعا أن يحرصوا على تيسير المهور وعدم المغالاة في الصداق فإن المرأة ليست بسلعة يساوم عليها أو يزايد في قيمتها في سوق النّخاسة (2)، ليُتوحى من ورائها الربح العظيم والمكسب الكبير، فيجني ضرر كلِّ ذلك الفتيان والفتيات. وإنما الفتاة عهدة وأمانة في رقبة الولي، فالواجب عليه أداء هذه الأمانة ورد هذه الوديعة لكفئها المستقيم بأيسر صداق وأقل تعقيد حتى يُحصن جميع الفتيان، ويُقضى نهائيا على عنوس الفتيات ويكون الزواج في متناول جميع راغبيه وطالبيه، وبذا تطهر
أما الآية المستشهد بما في الرواية فإن المراد منها المبالغة في النهي عن أن يأخذ الزوج شيئا مما أعطاه امرأته دون طيب نفس منها بعد أن أفضى إليها ولو دفع إليها ما دفع على أن الآية خاصة في تطوع الزوج نفسه بما دفع إلى زوجته قنطارا كان أم قناطير، أما أن تطلب الزوجة ذلك أو وليها فأمر تأباه محاسن الشريعة ومكارم الأخلاق، فهل يعقل أن تعترض هذه المرأة على الخليفة الراشد وأن يسكت عن الرد عليها هو وجميع الصحابة الفضلاء، فضلا عن أن يقول: أصابت امرأة وأخطأ عمر، فاعتبروا يا أولي الأبصار.
الكندي، مشكلات الزواج في العصر الحديث ص 40 - 42.
(1) - يُنظر:
الخليلي، بيع النساء. "مادة سمعية"، إنتاج: مكتبة وتسجيلات مشارق الأنوار. الطبراني، المعجم الوسط: باب من اسمه إبراهيم، رقم الحديث 2980
(2) - أسواق النخاسة هى الأسواق التي كان العرب يتبايعون فيها الرقيق. (1/276)
صفحة 277
لى المعنهم العنهم يفقه النكاح
277
المجتمعات، وتسكن النفوس وتعف الشبيبةُ، وتخمد نيران الفتن ما ظهر منا وما بطن)، يقول الشيخ السالمي الله حانا على تيسير أمر المهر:
نبينا وهو منار الاهتدا
بركة جالبة الخيرات بين الورى هو غلا المهور ويشتهي النساء وهو لم يجد على ارتكاب مفضح وشين (2)
***
***
***
***
***
وقلة المهر عليه أرشدا
وقلة المهور في الزوجات
من جملة الأسباب للفجور
فتشتهي الرجال وهي لم تجد
فتحمل الشهوة في الصنفين
فَصْلٌ فِي وَقْتِ دَفْعِ المُهْر
لما كان المهر كما تقرر لديك أخي الباحث حكما من أحكام العقد الصحيح وأثرا من آثاره فإنه يجب بتمام العقد دينًا في ذمة الزوج، فيجب أداؤه إلى الزوجة عند طلبها، ولها أن تمتنع عن الانتقال إليه وتمكينه من الدخول بها إذا لم يؤدّه إليها بعد طلبها منه، وإذا كان وجوب أدائه متوقفًا على طلب الزوجة فلا يلزم أن يكون حالاً كله وقت العقد، بل يجوز تأجيله كله أو بعضه إذا اتفق الزوجان على ذلك. فإذا اتفق الزوجان على شيء من ذلك عُملَ به وأخذ بمقتضاه وإن كان هنالك عرف يخالفه؛ لأن الاتفاق من قبيل الشرط الصريح، والعرف من قبيل الدلالة والشرط مقدم على العرف؛ لأنه أقوى منه من حيث كونه نصا في القضية، وفي الأثر: أحَقُّ الشروط أن تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ (3).
(1) - يُنظر:
(2)
الخليلي، وقفات حول الزواج المعاصر. "مادة سمعية"، إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 23 صفر 1426 هـ، يوافقه 2005/ 4/3 م. الكندي، إبراهيم بن أحمد. مشكلات الزواج في العصر الحديث ص 35 - 36.
2) - السالمي،
عبد الله
بن حميد. جوهر النظام ج 2 ص 263.
(1) - البخاري، بَاب الشَّرُوطِ فِي الْمَهْرِ عِنْدَ عُقْدَةِ النِّكَاحِ، رقم الحديث 2520. (1/277)
صفحة 278
278
المعتمري
فإذا تعارض الصريح والدلالة قدم الصريح على أن من شروط العمل بالعرف
ألا يكون تصريح بخلافه كما في الاتفاق بين الزوجين (1).
وإذا لم يوجد اتفاق بينهما على شيء من التعجيل والتأجيل فهنا يحكم عرف البلدة التي جرى فيها العقد، وإن لم يكن عرف وجب تقديم المهر كله؛ لأن الأصل في المهر أنه يجب بتمام العقد ولا يؤجل إلا بشرط صريح أو عرف قائم، فإذا قبضت الزوجة عاجل مهرها وجب عليها الانتقال إلى بيت الزوج والدخول في طاعته بمجرد طلبه، ولم يجز لها أن تمنع نفسها منه
(2)
والحاصل مما تقدم في المهر أنه لا يلزم أن يكون حاضرا أو مدفوعا عند العقد فيجوز تعجيله كله ويجوز تأجيله كله كما يجوز تعجيل البعض وتأجيل البعض الآخر حسب ما يتفقان عليه؛ إذ الاتفاق شرعة المتعاقدين ما دام في حدود الشرع، وتأجيل دفع كل المهر أو بعضه مما لا خلاف فيه بين الفقهاء (3).
فَائِدَةٌ مُهمَّةٌ: "حقُ الغائب"، أو الصداق الآجل المتعارف عليه عندنا: هو جزء من المهر الآجل، الذي يبقى دينًا مؤجلاً في ذمة الزوج، وتَستَحِقُّ الزوجة استلامه ويحلُّ أجله عندما تبين عن زوجها بوجه من وجوه الفراق كالطلاق الواقع من قبل الزوج، أو مصيبة الموت التي أصابت أحد الطرفين.
وحق الغائب هو من الشروط الجائزة في عَقْدِ النكاح، والمؤمنون على شروطهم، وقد تعارف عليه غالب أهل عمان استحسانًا منهم؛ من أجل تقوية الرابطة بين
(1) - الخَلِيْلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَدٍ. المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 40.
(2) - الخليليُّ، أَحمدُ بنُ حمد. فتاوى النكاح ص 63.
(3) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 38، 39.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقه: 13 رجب 1425 هـ، يوافقه 2004/ 8/29 م. (1/278)
صفحة 279
المعتمد
استمال
المعتصم في فقه النكاح
279
أن توفاه المرأة حال الفرقة ولا يُبخس منه شيء الزوجين والمحافظة عليها ببقاء حق لها عليه إن بانت، عنه والعرف معتبر؛ فهو مما ينبغي
(1).
على أن هذا الأمر لو اتفق الزوجان على تركه لم يكن عليهم في تركه جناح ولا في عقدهم فساد؛ لأنه لم يكن معهودًا في العهد النبوي الزاهر ولا عند الصحابة – رضوان الله تعالى عليهم، ومعنى ذلك أن النكاح يصح بدون اشتراطه، لا كما قد البعض من أنه لا بد منه لصحة العقد، حتى أن بعضهم يمتنع عن دفع المرأة لزوجها ليلة زفافها إلا بإحضار "ورقة الغائب" .. ، ومن كانت حجته أولئك فكفى بهم حُجَّةً ودليلا، وبالله التوفيق (2).
يتوهم
فتوى
السُّؤَالُ كيف السنة في تقديم المهر (الصداق)، وهل المعمول به الآن في تقديم
المهر العاجل والآجل من السنة عنه عليه الصلاة والسلام؟
الجَوَابُ لم أجد سنة في ذلك، وإنما الثابت وجوب الصداق للزوجة سواء عجل أم أجل، أو عجل بعضه وأجل بعضا، وهذا هو الذي جرى عليه العمل واستحسنه الناس؛ لتقوية الرابطة بين الزوجين ببقاء حق لها عليه، والله أعلم (3).
- الخَلِيْلِيُّ، أَحَمَدُ بنُ حَمَد. الزواج بين السنة والبدعة، محاضرة مطبوعة لدى الكاتب نسخة منها ص 8. (2) - لطيفة: ومِمَّن أخبرني أنه لم يعمل به ولم يُطلب منه قبل العقد ولا بعده شيخنا القنوبي -حفظه الله -. يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 38، 46.
القنوبي
جلسة المراجعة بمترل فضيلته - ليلة الأربعاء 28 ذو القعدة 1432 هـ، الموافق 26/ 2011/10 م.
(3) - الخليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد. فتاوى النكاح ص 38. (1/279)
صفحة 280
280
المعتصم
فَصْلٌ
في مَسَائِلَ وَتَنْبِيْهَاتٍ تَتَعَلُقُ بِالصَّدَاقِ
التنبيه الأَوَّلُ: إذا دفع الخاطب شيئا من الصداق لتأكيد نية الزواج، ثم لم يتم أمر الزواج بينهم فله استرداد ما دفع من المهر، وعلى المرأة وأوليائها رد ما
أخذوا؛ لأن المهر بالنكاح، ولم يتحقق شيء منه.
وإن كان النكوص من أحد الطرفين قد أوقع ضررا أو خسارة بالطرف الآخر
فعليه ضمانه والقاضي يحدد مقدار هذا الضرر إن لم يتفقوا على تحديده؛ إذ الضرر يزال، ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام (1).
التنبيه الثاني: لقد تقرر لديك أيها المتفقه في الدين- أن الصداق بلا ريب ولا شك هو شرط من شروط صحة عقد النكاح اللازمة، إلا أن هذا الاشتراط لا يستلزم ذكره أو تحديد قدره عند العقد بل يثبت المهر دينًا في ذمه الزوج بمجرد العقد الصحيح النافذ باعتباره حُكمًا من أحكامه وأثرًا من آثاره، والدليل على صحته مع عدم تسمية المهر قوله تَعَالَى: لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَقْمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَقْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةٌ وَمَنْعُوهُنَّ عَلَى الْوُسع قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقَتِرِ قَدَرُهُ مَتَنَعَا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى المحسنين - البقرة: 236 البقرة: 236 فهذه الآية تدل على نفي الجناح عن المطلقين قبل الدخول وقبل فرض المهر، والطلاق لا يكون إلا بعد قيام الزوجية الصحيحة "لا طَلَاقَ إِلَّا بَعْدَ نكاح (2)، (2)، ولو كانت تسمية المهر عند العقد شرطا لصحة الزواج لما
3
وبالتالي لم يكن طلاق مباح لا جناح فيه.
صح
العقد
(1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 38، 42، 43.
الفنوبي برنامج "سؤال أهل الذكر"، حلقة: 26 ربيع الثاني 1428 هـ، يوافقه 2007/ 05/13 م.
(2) - الربيع، باب: في الأولياء، رقم الحديث 510. (1/280)
صفحة 281
بالمعتصم المعتصم في فقه النكاح
281
ال التنبيه الثالث: مع عدم اشتراط دفع شيء من المهر عند العقد باتفاق فإن للمرأة أو وليها أن يمنعا الرجل من الدخول أو الزفاف ما لم يؤد إليها معجل صداقها المتفق عليه كما فعل الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام- مع الإمام علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه - عندما زوجه بابنته فاطمة؛ إذ لم يتركه يدخل
آتاها صداقها نحلة لها (1). عليها حتى
التنبية الرابع: لا مانع من أن يقوم الزوج بدفع الصداق الآجل لامرأته في حياتهما وحال قيام العلاقة الزوجية بينهما، لكنَّ الواجب مع ذلك توثيق هذا السداد درءاً لاحتمال النزاع في الحياة أو بعد الممات ذَالِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ
لِلشُّهَدَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا البقرة: 283 (2).
(1) - يُنظر:
(2)
الخليلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذكر، حلقة: 26 ربيع الأول 1425 هـ، يوافقه 2004/ 5/16 م.
ابن المنذر، الإجماع ص 39.
ابن حبان باب ذكر ما أعطى علي رضي الله عنه في صداق فاطمة، رقم الحديث 7071.
(2) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بن حمد. فتاوى النكاح ص 40. (1/281)
صفحة 282
282
المعتمم
المعتمم
الشَّرْط الرابع البَيِّنَةُ:
يراد بالبينة في باب النكاح الشهود الذين يقومون بالشهادة على عقد ناح الرجل بالمرأة في مجلس عقد النكاح، وأقل الشهود رجلان أو رجل وامرأتان.
فَصْلٌ فِي اشْتِرَاطِ الشَّهُودِ
تعرف أيها الراغب فيما عند الله أن جمهور فقهاء الإسلام والخيرة من الأنام نصوا على أن الشهادة شرط لازم في عقد الزواج، فلا يعتبر صحيحًا بدونها، فلو تزوج رجل بامرأة من غير شهادة ولا شهود بطل عقد النكاح ووجب التفريق (1) وهذا القول هو بلا شك القول المعتقد والركن الأشد عند شيخي عصرنا بدر الدين الخليلي وإمام السنة والأصول القنوبي سلمهم الله (2)؛ لأن هذا القول هو
الذي وردت به النصوص من القرآن العظيم والسنة المطهرة تلميحا وتصريحا ...
2
أما الكتاب العظيم فقوله جل شأنه: فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا دَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ الطلاق، ففي الآية الكريمة أمر الله تعالى بالإشهاد على الرجعة في عدة الطلاق الرجعي أمرا واجبا فإذا كان الإشهاد على الرجعة واجبا فإن الإشهاد على النكاح ابتداء أوجب؛ لأن الرجعة هي فرع من الزواج، والزوجة المطلقة في عدة الطلاق الرجعي ما زالت في
(1) - السالمي عبد الله بن حميد. شرح الجامع الصحيح ج 3 صه.
(2) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 181، 246، 337،350.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 11.
الخليلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذكر"، حلقه 10 شوال 1426 هـ، يوافقه 2005/ 11/13 م. القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقه: 9 شعبان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 10/5 م. القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر " حلقة: 7 صفر 1428 هـ، يوافقه 2007/ 02/25 م.
، (1/282)
صفحة 283
المعتصم
إن المعتصم
المعتصم في فقه النكاح
ومن
283
عصمة الزوج لم تبن منه، ولم تنحل عقدة الزوجية بينهما بعد، فالأمر في الزواج ابتداء من رجل بامرأة أجنبية منه لتكون حليلته أحرى أن يستوثق منه وأحق أن يحتاط له. السنة المطهرة ما ثبت عند الربيع وغيره من طريق ابن عباس أن رَسُولَ قَالَ: "لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِي وَصَدَاقٍ وَبَيِّنَة (1) ووجه الدلالة من الحديث أن النبي نفى صحة النكاح مع خلوه من البينة والمراد بالبينة في الحديث الشهود- فتقديره لا نكاح صحيح، فدل ذلك على أن النكاح باطل بدون هذه البينة وأن وجودها شرط لصحته؛ إذ كل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وكذا جاء عنه أنه قَالَ: " لا نكَاحَ إِلا بِوَلِيٍّ، وَشَاهِدَيْ عَدَل (2)، ويقال فيه
ما قيل في الأول من حيث وجه الدلالة على الاشتراط.
وفي الأثر عَنِ ابْنِ عَبَّاس: " قَالَ الْبَغَايَا اللَّاتِي يُنْكَحْنَ أَنْفُسَهُنَّ بِغَيْرِ بَيْنَة) والدلالة على اشتراط البينة والشهود لصحة النكاح واضحة من وصف النبي اللائي ينكحن أنفسهن من غير بينة بأنهن بغايا، والعياذ بالله.
الأمة
ويؤكد هذه الدلالات على اشتراط الشهادة لعقد النكاح ما استقر عليه العمل والحال عند صحابة الرسول الله وهم الرعيل الأول والقرن الأخير من سلف هذه حتى قال فاروقها الكبير أبو حفص عمر بن الخطاب عندما أُتِيَ بِنكَاحٍ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ إِلا رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ - قَالَ: هَذَا نَكَاحُ السِّرِّ وَلا أُجِيزُهُ، وَلَوْ كُنْتُ تَقَدَّمْتُ فِيه لَرَجَمْتُ (4)، فيستأنس من قوله هذا أن اشتراط الشهود أمر مستقر لديهم فكان ذلك
كالإجماع لعدم الإنكار والنكير على قوله هذا.
(1) - الربيع، باب: فِي الأَوْلِيَاء، رقم الحديث 510.
(2) ـ ابن حبان، الصحيح، باب: الهدي، رقم الحديث 4151.
(3)
- حديث مختلف في رفعه إلى النبي الله أو وقفه على ابن عباس، ونص ابن الجوزي على ثبوت رفعه، والله
أعلم. الترمذي، بَاب مَا جَاءَ لا نِكَاحَ إِلا بَيِّنَة، رقم الحديث 1022.
(4) - مالك، الموطأ، بَاب: جامع ما لا يَجُوزُ مِنْ النِّكَاح، رقم الحديث 982. (1/283)
صفحة 284
284
المعتصم
المعلمين
فَصْلٌ فِي الحِكْمَةِ مِنَ الْإِشْهَادِ
لقد رفع الله عز وجل من شأن عقد الزواج وجعله من أخطر العقود وأقدسها على الإطلاق، فاشترط توثيقه وحفظه بإشهاد الشهود عليه لما يترتب عليه من اثار خطيرة، فبه تتكون الأسر، وتُشاد البيوت، ويحصل النسل، وتنشأ الروابط، وتتبادل الحقوق والواجبات، وتتحقق صلة المصاهرة التي هي لُحْمَة كلُحمة النسب ..
فعقد هذا شأنه حري بأن يوثق ويشهد عليه العدول من الشهود لكي يخرج من مضيق السر والكتمان إلى فسيح الجهر والإعلان حتى لا يُشكك في العلاقة الزوجية من قبل مغرض قاذف، أو تُجحَد هذه العلاقة الثابتة من قبل زوج خائن، فتضيع الحقوق اللازمة، ويُتبرأ من الذرية المتتابعة فتُهدم بذلك البيوت الأسرية .. فلله كم في أحكام الله من حكم لو يعقلها الناس أو يتدبرونها!
الله ما أكرم هذا الشرعا
****
وما أتمه علينا نفعا
أرشدنا لأحسن المراشد
***
ودلنا لأسلم المقاصد (1)
خلاف وثمرة
الخلاف اختلف الناس في المراد من الشهادة في عقد النكاح هل هو مجرد الإعلان له ونفي الكتمان عنه، أو المراد منه توثيق الحقوق خشية وقوع التراع والرجوع إليها للفصل في الأحكام؟
وثَرَةُ الخلاف: من قال بأن المراد من الشهادة مجرد الإعلان والإشهار لم يشترط في الشهود العدالة الدينية، فأجاز شهادة الفاسقين؛ لأن الإشهار والإعلان يحصل عندهم وبهم بمجرد شهودهم العقد (2)، أما من قال بأن المراد من الإشهاد توثيق
(1) - السالمي، عبد الله بن حميد. جوهر النظام ج 2 ص 240.
(2) ـ ابن بركة، الجامع ج 2 ص 137. (1/284)
صفحة 285
تعليم
المعتصم في حقه الف
285
الحقوق والرجوع إليهم عند التراع فقد اشترط فيهم العدالة؛ لأنه لا يُقبل في إثبات الحقوق عند القضاء إلا العدول فهي تُلزِمُ المشهود عليه بالمشهود به حيث ينبني عليها القضاء الشرعي (1)، وعند الله تجتمع الخصوم (2).
فَصْلٌ فِي أَقَلِّ السُّهُودِ
تعلم أيها القرين الصالح - أن الشارع ندب إلى إعلان عقد الزواج وحث على إشهاره والإكثار من شهوده ودعوة الناس إلى وليمته حتى أباح ضرب الدفوف عند عقده لتمام الإعلان به ولإظهار شرف عقد النكاح وليكون هذا الإعلان فصلا بين الحلال الظاهر الشاهر والحرام الخبيث المخبوء؛ قال الحبيب المصطفى -عليه الصلاة والسلام: " فَضْلُ مَا بَيْنَ الْحَلالِ وَالْحَرَامِ الدُّفُ وَالصَّوْتُ فِي النِّكَاح (3).
ومع الدعوة الشرعية لإعلان عقد النكاح بتكثير شهوده فإن أقل ما يصح به هذا العقد ويُجزي من الشهود رجلان أو رجل وامرأتان، ولا يصح أقل من هذا العدد الذي جعله الشارع نصابا للشهادة؛ ذلك لأن الله تعالى أمر به في الإشهاد على الرجعة وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ) الطلاق: 2، فلا يكون ابتداء النكاح أقل من
(جعته (4)
(1) - أرشوم، مصطفى بن حمو النكاح: صحة وفسادا ص 63.
(T)
- عجز بيت شعري سائر ومشهور من قول أبي العتاهية، وكماله كالآتي: إلى الديان يوم الدين نم
***
"وعن
ـد الله تجتمع ا
الخصوم"
- المراد بقوله: "وَالصَّوْتُ في النِّكَاح إعلان النكاح والغناء المهذب الأصيل والإنشاد المباح الجميل، واضطراب
الأصوات فيه بانتشار الذكر عنه بين الناس. يُنظر:
النسائي، باب: إِعْلانُ النِّكَاحِ بِالصَّوْتِ وَضَرْبِ الدُّفُ، رقم الحديث 3316.
الخليلي، فتاوى الزينة والأعراس ص 37.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 57.
(5)
- يُنظر: (1/285)
صفحة 286
286
المعتممر
المعلم
كما أن الشارع الحكيم قد جعل هذا العدد -أيضا- هو أقل ما يجزي في توثيق العقود المالية وإثبات الحقوق المادية كما في قول الحق تبارك وتعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا
شهيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ
الشهداء البقرة: 282، وعقد النكاح هو أخطر عقود الشريعة وأعظمها آثارا فلا يسوغ أن يكون دونه في عدد الشهود (1).
كما لا يصح أن تنفرد بالشهادة في عقد النكاح النساء وحدهنَّ ولو كثُرْن؛ لأنه لا يتحقق بذلك تمام الإعلان لاقتصارهن على مجالس النساء وعدم جواز غشيانهن مجالس الرجال شرعا (2).
فَائِدَة: أجاز العلماء شهادة أقارب الرجل كالوالدين والأبناء في عقد النكاح والاجتزاء بهم في الإشهاد استثناء من القاعدة الشرعية التي تمنع الشهادة بين الأصول والفروع في الحقوق والمعاملات المالية للتهمة الحاصلة في هذه الأخيرة، والله أعلم (3).
فَصْلٌ فِي وَقْتِ الإِنهَادِ
اعلم يا رعاك الله وسدد في الخير خطاك - أن الإشهاد مطلوب عند عقد النكاح وتلاوة إيجابه وقبوله من كلا المتعاقدين، وهذا هو الأصل في الشهادة، فإن أشهد في هذا الموضع وقع النكاح صحيحا.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذكر، حلقة: 24 ذو الحجة 1424 هـ، يوافقه 2004/ 2/15 م. القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقه: 9 شعبان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 10/5 م.
أبو زهرة، الأحوال الشخصية ص 54.
(1) - الجناوني، يحيى بن الخير. كتاب النكاح ص 60.
(2) - الجناوني، يحيى بن الخير. كتاب النكاح ص 57.
(3)
- ابن بركة الجامع ج 2 ص 122 - 123. (1/286)
صفحة 287
المعتمصر
الات على بالمعتصم في فقه النكاح
وإن لم يُشهد
287
عند عقد النكاح وجب استدراكه بالإشهاد عليه قبل الدخول بالمرأة والبناء بها، فإن وقع دخول متعمد بالمرأة من غير إشهاد لا عند العقد ولا عند الدخول كان معصية الله له وكان الدخول بها حراما والعياذ بالله؛ لأنه نكاح السر المحرم، وحينها يفرق بينهما فرقة أبدية، فتحرم عليه حرمة لا يجتمعان بعدها، والله المعين (1).
فَصْلٌ فِي شُرُوطِ الشَّاهِدَيْنِ
لقد جعلت الشريعة الإسلامية للقائمين على الشهادة في عقود الأنكحة شروطا لا غنى عنها حتى تثمر الشهادة جناها، وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، فمن شروط الشهادة والشهود التي لا بد منها لتحقق الهدف المنشود من وراء تشريعها:
أ - العَدَالة: وقد تقدم الحديث فيها.
ب العَدَدُ: وقد تقدم الحديث فيه.
ج الإِسْلامُ فلا تقبل شهادة المشرك على المسلم؛ ولأن من أغراض الشهادة على هذا العقد إعلانه، وتكريمه وشهادة غير المسلمين على زواج المسلمين لا تكريم فيها، ولا يتحقق بشهادتهم إشهار وإعلان بين المسلمين.
كما أن الشهادة هي من باب الولاية على الغير، ولا ولاية لغير المسلم على المسلم؛ لقوله تعالى: وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (النساء:
(
() , 141
والقاعدة الشرعية تقول: من جاز أن يكون وليا جاز أن يكون شاهدا"،
وهذا يعني أنه يشترط في الشاهدين أيضًا:
(1) - الجناوني، يحيى بن الخير. كتاب النكاح ص 56 (حاشية)، ص 59.
(2) - الجناوني، يحيى بن الخير. كتاب النكاح ص 60. (1/287)
صفحة 288
288
المعتصم في فقه ال
المعلم
د العَقْلُ: فلا يصح إشهاد المجانين والمعتوهين ومن في حكمهم؛ لأنهم لا - يدركون معنى الشهادة كما أنهم لا يدركون معاني ما يتلى ويقال، فلا يستطيعون تحملها ويكون وجودهم كعدمهم؛ فلا تتحقق الغاية من الشهادة ولا المعاني المقصودة من وراء تشريعها.
- البُلُوغُ: فيشترط في الشهود تحقق البلوغ؛ لأن الصبيان وإن كانوا مميزين فإنهم فاقدون لأهلية الزواج، فلا يملكون تزويج أنفسهم، ولذا لا يملكون الشهادة على زواج غيرهم؛ إذ فاقد الشيء لا يعطيه.
و - الحريَّةُ: فلا يُكتفى في الشهادة بحضور الأرقاء والعبيد؛ لأنهم كالقاصرين من الصبيان وغيرهم في عدم ولايتهم على أنفسهم، فلا يعطون ولاية على غيرهم؛ قَالَ الله تعَالَى: ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّعْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْ ءٍ وَمَن رَزَقْنَهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ مِرًا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُانَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا
يعْلَمُونَ) النحل:
-
ز - الاسْتِمَاعُ لِكَلامِ الْمُتَعَاقِدَينِ، وفَهْمُ الْمُرَادِ مِنْهُ: لا بد لصحة اعتبار الشهادة في النكاح من استماع الشهود لكلام العاقدين والإنصات لحديثهما وفهم المراد منه، فلو كان الشاهدُ أصمَّ لم تتحقق شهادته لعدم سماعه كلام المتعاقدين، وكذا إن كان الشاهد أعجميا لا يفقه ما يسمعه من مقول العاقدين لم يُعْتَدَّ بحضوره - أيضا -، ولم يحصل المراد من وجوده في مجلس عقد النكاح، وكان حضور هؤلاء كعدمهم فلا يعتد بشهادة الشهود حتى يعلموا ما يقول العاقدان. (1/288)
صفحة 289
خَاتِمَةٌ
في بَعْض أَحكام الشَّهَادَةِ
يقول الإمام أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي -تغمده المولى بواسع رحمته-:
وباطل بدون هذا الحد
وقيل بالدف عليه يُضرب
لما عليه من أمور تكره
ولو بشاة عنده سليمة في العقلا ليس بهم جنون فلا يجوز العبد في الأحكام شهادة الجميع ليس تسلك لا تقبلن قط في الأعيان لكي يصيبوا طرفا من خيرهم يجوز مثل ما مضى في العقد (1)
***
***
***
***
***
***
***
***
***
***
و شاهدان لازم في العقد
فشهرة النكاح قطعا تطلب
إخفاؤه لو بالشهود يُكره
ومن هنا حثوا على الوليمة
وصفة الشهود أن يكونوا
بلغ أحرار ذوو إسلام ولا الصبي وكذاك المشرك
وهكذا شهادة العميان
وجائز أن يحضروا مع غيرهم
وهكذا حضورهم في الرد
- السالمي عبد الله بن حميد جوهر النظام ج 2 ص 249.
(1) (1/289)
صفحة 290
290
المعتصم في فقه النكات إنساني
الْبَابُ التَّاسِعُ: فِي أَرْكَان عَقْدِ النِّكَاح، ومُتَمِّمَاتِهِ
قَالَ تَعَالَى: مبتأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ التي ماتيت أجُورَهُ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِكَ وَبَنَاتِ عَمَّتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَلَيكَ الَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةٌ مُؤْمِنَةٌ إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِي إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يستنكحها خَالِصَةً لَكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَجهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا
رَّحِيمًا
القِسْمُ الأَوَّلُ فِي أَرْكَانِ عَقْدِ النِّكَاحِ
مما يدركه طالب العلم والمعرفة سهل الله له الدروب، وكشف عنه الكروب أن كل عقد مشروع في الإسلام لا بد له من أركان يقوم عليها بنيانه، ومن أخطر عقود الشريعة التي حرص الإسلام على قوة بنيانها وتماسك لبناتها "عقد الزواج"، إذ شاد بنيانه الإسلام على جملة، أركان لا يتم عقد الزواج مع فقدان أي واحد منها؛ وهي جزء من ماهيته وحقيقته، وأركان عقد الزواج إجمالا هي: العاقدان، والمعقود عليه، والصيغة ... وهي تفصيلا كالآتي:
الرُّكُنُ الْأَوَّلُ العَاقِدَانِ:
الأصل أنه لا بد في كل عقد شرعي من عاقدين هما طرفا العقد اللذان يقومان الغير،
بمباشرة، إنشائه ثم إتمامه وعقده، سواء بالأصالة عن النفس أو بالنيابة عن (1/290)
صفحة 291
المعتص
ا المعتصم في فقه النكاح
اول
291
والعاقدان في عقد الزواج هما: ولي المرأة أو من يوكله، والزوج أو من يوكله (1)،
ويشترط في العاقدين لصحة تصرفهم ما يأتي:
أولاً الإسلام
أي أن يكون العاقدان الولي والزوج مسلمين فلا يصلح أن يكون ولي المرأة المسلمة غير مسلم ولو كان ذميا؛ لأنه كافر، وقد قَالَ تَعَالَى: {وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ
لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) المرأة المسلمة اتفاقا (2).
النساء: 141، وكذا لا يصح عقد غير المسلم على
أما إن كانت المرأة كتابية فلا يشترط في وليها الإسلام بل يكفي منه أن يكون
على ملتها، والله أعلم.
ثانيا / العَقْلُ:
فيخرج من هذا الاشتراط الولي إذا كان مجنونا أو معتوها، كما يخرج منه الصبي؛ لأن العقود تبنى على الإرادة التامة والرضا الكامل من قبل كل طرف، وهذا ما لا يتحقق شرعا مع غير كامل التمييز والتفكير.
أما إن كان جنون هذا الولي غير مطبق بحيث يفيق من جنونه أحيانا فيعتد حينئذ بألفاظه وتصرفاته التي يأتي بها حال إفاقته؛ لقول الشارع: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَة: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَن الصَّغير حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقَلَ أَوْ
يفيق (3).
(1) - الخليلِيُّ، أَحَمدُ بنُ حَمَد. فتاوى النكاح ص 51، 52.
(2) - ينظر:
الخليلي، وقفات حول الزواج المعاصر. مادة سمعية"، إنتاج مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 205.
ابن ماجه بَاب طَلاقِ الْمَعْتُوهِ وَالصَّغِيرِ وَالنَّائِمِ، رقم الحديث 2031. (1/291)
صفحة 292
292
المعتصم في فقه النكات المنا اعمال
وكذا إن كان الصبى مميزا على قول شيخنا الخليلي -حفظه الله، بحيث جاوز السابعة وميز بين الخير والشر والنفع والضر واليمين والشمال، والسماء والأرض، وفهم الخطاب وأحسن له الجواب؛ فيعتد حينئذ بعبارته في إنشاء عقد النكاح وإتمامه لوليته البالغة (1).
وكذا يخرج من هذا الاشتراط الزوج إن كان قاصرا بسبب صبا أو جنون، لكن إن رأى وليه المصلحة في تزويجه فعلى هذا الولي أن يقوم بمباشرة العقد نيابة عنه بذلك عقده، والحمد الله. ويصح
تنبيه: إذا كانت المرأة المعقود عليها دون سن البلوغ فيشترط في وليها البلوغ ولا يكفي فيه مجرد التمييز؛ وذلك لأن أمر الصبية في النكاح إلى وليها، وإذا كان الولي لا يملك أمر تزويج نفسه فهو لا يملك تزويج غيره؛ إذ فاقد الشيء لا
يعطيه.
أما إن كانت المرأة بالغة فلا يشترط في وليها البلوغ ما دام أنه مميز على قول شيخنا الخليلي، خلافا لشيخنا القنوبي -كما تقدم- فإنه يشترط في الولي البلوغ مطلقا سواء كانت المرأة بالغة أو غير بالغة، ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات (2).
ثالثًا العلم:
وذلك أن يعلم كل واحد من العاقدين ما صدر من العاقد الآخر، بأن يسمع كلامه أو يرى إشارته ويعرف مراده من ذلك، أي أن هذه العبارة أو تلك الإشارة
يقصد بها إنشاء عقد الزواج.
(1)
2 - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد. فتاوى النكاح ص 26.
(2) - يُنظر: البَابُ السَّابِعُ: فِي شُرُوطِ عَقْدِ النِّكَاحِ فَصْلٌ فِي شُرُوطِ الوَلِي. (1/292)
صفحة 293
المعتصم
ولهذا فلا
المعتصم في فقه النكاح
يتم
293
عقد الزواج باللفظ في حق الأصم الذي لا يسمع شيئا، وإنما
يكفي منه الإشارة المفهمة للإيجاب أو القبول، وكذا الشأن بالنسبة للأعجمي الذي لا يفقه العربية حين العقد باللغة العربية، إلا إن فهم أن المراد من تلك الكلمات إنشاء عقد الزواج فيؤخذ حينئذ بقبوله (1).
تذكير: لقد تقدم في الباب السابع من هذا الكتاب أن اشتراط "التَّعَدُّد" في العاقدين غير مأخوذ به في الفتوى عند الشيخين أبي عبد الرحمن القنوبي وأبي سليمان الخليلي -حفظهم الله، بل المأخوذ به عندهما خلافه، فيمكن أن يقع عقد النكاح إيجابا وقبولا من طرف واحد فيزوج الولي نفسه إن انتفت الموانع عن المرأة التي هي تحت ولايته، وكانت أجنبية منه كما يمكن للولي أن يوكل الرجل المتقدم في تزويج نفسه، بوليته، فيجتمع فيه وصف العاقدين، وتقوم عبارته مقام الإيجاب والقبول (2) يقول الإمام السالمي الله كما في "المدارج":
وللولي عقده لنفسه
وجاز أن يعقد من قد وكله
***
***
ولابنه الصبي قبل أنس كلاهما، و تم حين قبله (3)
(1) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. فتاوى النكاح صه
(2) - يُنظر:
البَابُ السَّابِعُ: فِي شُرُوطِ عَقْدِ النِّكَاحِ الشَّرْطُ الثَّانِي الوَلِيُّ.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 27، 37، 51.
الخليلى، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 18.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" حلقة: 6 ربيع الأول 1428 هـ، يوافقه 2007/ 03/25 م.
،
(3) - السالمي، عبد الله بن حميد. مدارج الكمال ص 122. (1/293)
صفحة 294
294
المعتصم في فقه المشكاة ال
الرُّكَنُ الثَّانِي الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ:
الزوجة هي المعقود عليه في عقد النكاح، وتسمى أيضا- "محل العقد"،
ويشترط في الزوجة المعقود عليها ما يأتي:
أَوَّلاً أَنْ تَكُونَ أُنْثَى مَحَقَّقَةَ الْأُنُوثَة:
فإن كانت خنثى مشكلا لم تكن محلا للعقد للإشكال الواقع في جنسها، فلا عقد النكاح عليها، إلا إن انجلى الإشكال وزال بأن غلبت على هذه الخنثى يصح
علامات النساء صح حينئذ العقد وجاز.
ثانيًا / أَنْ تَكُونَ محلا للعَقْد:
فإن كانت غير محل للعقد بأن كانت المرأة محرَّمة على الرجل بأي سبب أسباب التحريم لم ينعقد نكاحه بها، سواء كان التحريم تحريما مؤبدا كالأم والأخت وبنت الأخ وبنت الأخت والعمة والخالة، أو كان تحريما مؤقتا كزوجة الغير أو معتدته وكذا المحرمة والوثنية والمطلقة ثلاثا والمرأة الخامسة لمن في عصمته أربع نسوة. وكما يمنع ابتداء هذا النكاح فيمنع استمراره إن أنشئ على جهل من الطرفين، حسب ما تقدم تفصيل كل ذلك في الأبواب السابقة، والحمد لله (1).
ثالثًا أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً:
أي أن تكون معروفة معرفة تامة لدى الزوج العاقد بعينها، فإن اكتنفتها جهالة لديه لم يصح العقد، كأن يقول له الولي زوجتك إحدى بناتي من غير أن يعينها له باسم أو بوصف، إلا إن كانت جميع بناته متزوجات ما خلا واحدةً فإن العقد ينصرف مباشرة لغير المتزوجة، ومع ذلك فيجب تعيين المعقود عليها بالاسم ولو كانت واحدة؛
(1) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَدٍ. برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 10 جمادى الأولى
1423 هـ، يوافقه 2002/ 7/21 م. (1/294)
صفحة 295
المعلمين
المعتصم في فقه النكاح
295
دفعا لأي لبس محتمل الخطورة هذا العقد؛ إذ الزواج كما هو معلوم- ربط مصير
بمصير
(1)
رابعا / الولي:
وهذا في حق المرأة المعقود عليها لا الرجل؛ لأن الرجل الكامل الأهلية هو ولي نفسه، أما المرأة فليس لها أن تباشر عقد النكاح بنفسها صغيرة كانت أم كبيرة، بكرا كانت أم ثيبا، وإنما يكفيها كلَّ ذلك وليها إيجابا وقبولا، فإن عدم الولي فالسلطان ولي من لا ولي له؛ وقد سبق ذكر أدلة اشتراط الولي وأحكامه في الباب السابع بحمد الله. وأما الرجل البالغ الراشد فلا يحتاج إلى ولي؛ لأنه هو ولي نفسه، فيكون أحد العاقدين في الإيجاب أو القبول (2).
فَائِدَة: لا يشترط لصحة نكاح المرأة المعقود عليها طهرها من الحدث الأكبر بله (3) الأصغر، وعليه فلا مانع من إجراء عقد النكاح وإتمامه حال تلبسها بالحدث الأكبر سواء كان حيضا أو كان نفاسا، إلا أن على الزوج أن يعتزلها عند الدخول
حتى تطهر فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} البقرة: 222.
أما المرأة الحامل فلا يجوز العقد عليها باتفاق أصحابنا؛ لأنها لا تخلو من أن تكون زوجة للغير أو معتدة، ولا يحل لامرئ مسلم أن يسقي بمائه زرع غيره)، وفي "الجوهر" نَظَمَ الشيخ السالمي الله قائلا:
(1) - القطب، محمد بن يوسف شرح النيل ج 6 ص 261. (2) - الخليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 14.
(3) - بلة: اسم فعل أمر بمعنى دغ، كصة: بمعنى اسكت، ومه: بمعنى اكفف. يُنظر:
ابن عقيل، شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك ج 3 ص 304.
(4) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 50، 234. (1/295)
صفحة 296
وفي المحيض والنفاس يعقد
لأنها في عدة لا تخرج
وينظر العاقد في الدمين
وجائز تقبيله و شه
***
***
***
***
والحمل فيه باطل لا يعقد
إلا بوضع الحمل حين يخرج
بوطئه الطهر من الحالين
ونومه معها كذاك ضمه (1)
مَسْأَلَة: لقد رأيت آنفا أن عقد النكاح على المرأة الحامل باطل باتفاق، ولكن مع هذا الاتفاق اختلفوا في جواز عقد الرجل عليها مرة أخرى بعد أن تضع حملها، فمنع من ذلك قوم منعا باتا؛ لأنهم جعلوا عقده السابق عليها في الحمل من باب الزين، وأجازه آخرون بشروط أربعة، وهي:
-1 - أن لا يكون الرجل عالما بالحمل عند العقد.
2 - أن لا تكون المرأة عالمة بالحمل عند العقد.
- E
أن لا يحصل وطء بعد العلم بالحمل.
أن يكون الحمل تابعا لنكاح سابق لا لسفاح.
وهذا القول يعلق عليه شيخنا بدر الدين مائلا إليه بقوله: " .. وهو الذي يقتضيه الدليل؛ فإن تحريم الزانية على من زنى بها إنما هو عقاب إجرامهما، ولا إجرام إن كانا غير عالمين بالحمل، ولا ارتكبا أي محظور بعد علمهما، والأصل في النكاح الإباحة"،
وبالله التوفيق (2).
القنوبي، دروس صيف 1424 هـ، 2003 م، "مذكرة خاصة" ص 53.
(1) - السالمي عبد الله بن حميد جوهر النظام ج 2 ص 245.
(2) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص.
585750، 238، 242
السالمي جوابات الإمام السالمي ج 3 ص 79. (1/296)
صفحة 297
المعتصم
تدي المعتوب في فقه النكاح
الرُّكْنُ الثَّالِثُ الصَّيْغَةُ:
صيغة العقد
297
هي إحدى أركان العقود التي تثمر آثارا معتبرة شرعا، وتتكون
صيغة أي عقد من إرادتين:
الأولى الإيجاب: ويراد به ما يصدر أولاً من أحد العاقدين تعبيرا عن الرغبة في
إنشاء عقد الزواج.
والثانية / القَبُولُ: ويراد به ما يصدر ثانيا من العاقد الآخر تعبيرا عن الرغبة في
إتمام عقد الزواج.
ولا يخص الإيجاب بأحد العاقدين دون الآخر، فمن ابتدر الحديث بالرغبة في النكاح أو الإنكاح فهو الموجب، ومن أتمها فهو القابل، فلو قال الرجل -مثلا- لولي المرأة زوِّجني ابنتك فلانة كان قوله هذا إيجابا، وكان هو موجبا، فإن قال له الولي: زوجتك أو قبلت كان قوله هذا قبولا، وكان هو قابلا.
القابل.
وإن ابتدر الوليُّ الزوج بالرغبة في الإنكاح كان هو الموجب، فإن أتمه الزوج فهو
والأصل في تحقق الإيجاب والقبول في عقد الزواج أن يكون بالعبارة الواضحة المفهمة للمراد كلفظي: "الزواج" و "النكاح"، فإنها الأكثر ورودا واستعمالا في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: فَلَمَّا قَضَى زَيدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَحْنَكَها - الأحزاب: 37، وقوله: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ (النساء: 3، ولذا فلا خلاف في إجزاء هذه الألفاظ، وكونها نصا في الموضوع.
وتوسع البعض فأجاز العقد بكل لفظ يفيد التزوج في عرف الناس كلفظ:
" أملكت"، و"أخطبت" .. (1)
(1) - السالمي، عبد الله بن حميد. جوهر النظام ج 2 ص 245. (1/297)
صفحة 298
298
فقه النسكار
المعتصم في فقه الـ
المعلمين
وفي الجانب المقابل اتفقوا على عدم انعقاد الزواج بألفاظ غير مستعملة فيه لا لغة ولا عرفا ولا شرعا كالإجارة والوصية؛ لأن لها دلالات لا تتوافق مع عقد النكاح
وشروطه.
مع
واختلفوا في بعض الألفاظ الأخرى التي يُفهم منها معنى الزواج مع القرينة الواضحة على ذلك المعنى، كلفظ "الهبة"، فأجاز بعض العلماء استعمال هذا اللفظ ذكر القرينة الدالة عليه، وذلك كأن تقول المرأة للرجل: وهبت لك نفسي بمهر قدره كذا وكذا، واستدل المجيزون لهذا اللفظ في إنشاء عقود الزواج بورود استعماله في كتاب الله المجيد، وذلك في قوله تعالى من سورة الأحزاب: وَأَمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ والعلم عند الله تعالى (1). نَفْسَهَا لِلنَّبِي إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَها (الأحزاب: 50، وا
شُرُوطُ الصَّيفَةِ (الإيجاب والقبولُ):
ولثالث أركان عقد الزواج الصيغة - شروط لازمة لصحته كما كان ذلك
لأولها وثانيها، وشروطه هي:
أولاً اتحاد مجلس الإيجاب والقبول:
وذلك أن يأتي القبول بعد الإيجاب في نفس المجلس، فإن أوجب المبتدئ مُبديًا رغبته في النكاح أو الإنكاح، ثم قام الثاني من مجلس العقد، بطل الإيجاب وعُد مَلغيًّا لا عبرة به، ولو صرح الطرف الآخر بالقبول بعد ذلك المجلس.
(1) - تَنْبية: أما الخصوصية التي تُذكر النبي الله في هذا المقام فهي في إباحة الواهبة نفسها للنبي من غير مهر، وإن كان قبول ذلك لم يقع من النبي عليه الصلاة والسلام، أي أن النبي الله أمهر جميع أزواجه اللائي شرفن بالاقتران به أما استعمال لفظ الهبة في النكاح والإنكاح مع تحقق سائر الشروط من مهر وغيره فهو عام لكل مؤمن ومؤمنة، فضلا من الله ونعمة. يُنظر: الخليلي، فتاوى النكاح ص 53. (1/298)
صفحة 299
السعي المعتصب في فقه النكاح
ثانيًا / ألا يُفصَل بَينَ الإِيجَابِ وَالقَبُولِ بِفَاصل:
299
ومقتضاه أن يصدر القبول بعد الإيجاب من غير فاصل، أو بفاصل متعلق بعقد الزواج، فإن أراد الطرف الآخر الإتمام فعليه أن لا يشتغل بعد إيجاب الأول بعمل آخر لا علاقة له بموضوع عقد الزواج، فإن اشتغل بأمر آخر بطل الإيجاب، ولم يصادف القبول بعده محلا.
ثالثًا أَنْ لا يَرْجِعَ الْمُوجِبُ عَنْ إِيجَابِهِ وَعَرْضِهِ:
فإن تراجع عن إيجابه بلفظه الصريح كقوله رجعت عن إيجابي وتزوجي أو تزويجي، أو بفعله المفهم لهذا الرجوع كقيامه من مجلس العقد قبل الرد بالقبول بطل الإيجاب، فإن وقع قبول وردُّ بعد ذلك فإنه يعد ملغيا؛ لأنه لم يصادف محلاً.
رَابعًا مُوَافَقَةُ القَبُول للإِيجَابِ:
بحيث يتحقق بالقبول اتفاق الإرادتين، فإذا تخالفت الإرادتان مخالفة كلية أو جزئية فلا ينعقد الزواج، كأن يختلفا في المعقود عليها أو في مقدار المهر، إلا في حالة ما إذا كانت المخالفة إلى خير للموجب فإنه ينعقد، لأن التوافق قد حصل ضمنا وإن لم يكن صريحا ومثال هذا الأخير أن يقول شخص للآخر زوجني ابنتك فلانة بألف ريال، فيقول الآخر: زوجتكها بخمسمئة ريال.
خامسًا / أَنْ تَكُونَ الصِّيغَةُ مُنَجِّزَةً:
أي أنها تدل على تمام العقد وانعقاده في الحال مثل "زوجتك" و"قبلت" من غير إضافتها لزمن في المستقبل، كأن يقول الرجل زوجني وليَّتك فلانة، فيقول الولي قبلت بعد غد، وكذا لا يصلح تعليقه على شرط غير موجود في الحال سواء كان معلوما أو مجهولا فضلا عن أن يكون مستحيلا أو معدوما، كأن يعلقه أحد العاقدين على مجيء زيد من الناس، أو على نزول المطر، أو على رجوع عمرو للحياة بعد
مماته .. (1/299)
صفحة 300
300
ومع
ودقة
المعتمري
من
هذا فلا يُمنَع أن تكون ألفاظ عقد النكاح بأي صيغة زمانية كانت ماض أو مضارع أو أمر، كزوجتك، وأزوجك، وزوجني .. إلا أن أفضلها على الإطلاق هي الصيغة الماضية؛ لأنها الصيغة التي تدل على الجزم بالمطلوب وتحقق الوقوع في الحال، وتُبعد احتمال المساومة والوعد والأخذ والرد أو التعليق والإضافة، فعقد النكاح لا بد فيه من الجزم في الحال حتى تترتب عليه الآثار من غير تراخ أو انتظار. سادسًا أَنْ تَكُونَ الصِّيغَةُ مُؤَبَّدَةً:
أي أن يكون عقد النكاح قائما على استمرار وتأبيد العلاقة الزوجية بين الزوجين مدى الحياة، فلا يصح توقيتها بزمان، أو تحديدها بمدة معينة، معلومةً كانت أو مجهولة، ولهذا لا يجوز النكاح المؤقت، ونكاح المتعة، والنكاح بنية الطلاق؛ لفقدانها جميعا شرط التأبيد، يقول سماحته -حفظه الله -: " .. والأصل في الزواج أن لا يبنى على التوقيت، وتحديده بفترة زمنية يبطله (1).
فإذن المقصود من الزواج هو دوام العشرة بين الزوجين، وتكوين الأسرة الصالحة، وبناء عش الذرية لا مجرد سفح ماء الشهوة، وفتح باب الذواقة بين
الطرفين.
وبتحقق شرط التأبيد في الزواج يؤتي الزواج ثماره اليانعة، فيحصل به السكن الروحي والاستقرار النفسي والاجتماعي لكلا الطرفين، فتعظم من خلاله المودة والرحمة بينهما، فيهنا المجتمع بلبناته المتماسكة القوية وينعم بالسعادة والحبور، والله ولي التوفيق (2).
- الخَليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. فتاوى النكاح ص 191.
(2) - يُنظر:
الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقه: 10 جمادى الأولى 1423 هـ، يوافقه 2002/ 7/21 م.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الأول ص 71. (1/300)
صفحة 301
لمعلمين
موافقة النكاح
301
فَصْلٌ
فِي مَسَائِلَ وتَنْبِيْهَاتٍ مُهِمَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِأَرْكَانِ عَقْدِ النِّكَاحِ التنبيه الأَوَّل: الأصل أن التعبير عن الإرادات في العقود الشرعية يكون
بالعبارة اللسانية الملفوظة؛ إذ هي الأقوى والأجلى في بيان مكنونات القلوب، على
حد ما قيل:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما
***
جعل اللسان على الفؤاد دليلا (1)
إلا أنه قد يصعب التعبير أحيانا أو يتعذر فيستعاض عن المنطق -مثلا- بالكتابة في حق من كان غائبا أو بعيدا لا يستطيع شهود مجلس العقد؛ إذ "القلم أحد اللسانين" كما يقال، فيُرسل مريد الزواج كتابا إلى ولي أمر المرأة أو وكيله يبين له فيه رغبته في الاقتران بتلك المرأة فيقرأ الولي أو الوكيل الكتاب أمام الشهود ثم يُتبعه بالقبول، فيتم بذلك عقد القران.
وقد يستعاض عن العبارة أحيانا بالفعل أو الإشارة المفهمة لمعنى الإيجاب أو القبول كما يكون ذلك من الأبكم الذي لا يحسن التعبير والتكلم، وقد أصبح
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى/ القسم الخامس ص 37.
القنوبي، فتاوى على أسئلة من الشرق الإفريقي ص 13 - 16.
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة: 7 صفر 1428 هـ، يوافقه 2007/ 02/25 م. القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقه 13 ربيع الأول 1428 هـ، يوافقه 2007/ 04/01 م.
(1) - هذا الشعر السائر من قول الأخطل التغلبي، والبيت الذي قبله:
ينظر:
لا يعجبنك من خطيب خطبة
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما
الخليلي، الحق الدامغ ص 109.
الفيومي، المصباح المنير، مادة (ك ل م).
***
***
حتى يكون مع الكلام أصيلا جعل اللسان على الفؤاد دليلا (1/301)
صفحة 302
302
المعتمري
"للإشارة" اليوم لغة لا تقل بيانا وفصاحة عند من أحاط بها خبرا عن لغة العبارة والقاعدة الشرعية تقرر وتقول: إن العبرة بالمقاصد والمعاني، لا بالألفاظ والمباني"، وفي شمس الأصول" لناظم سلك دررها السالمي -رحمه الرحمن الرحيم-: بالقول والفعل وبالإشارة إن فهمت، وقد تجي العبارة)
***
التنبيه الثاني: ولأن "العبرة بالمقاصد والمعاني، لا بالألفاظ والمباني" فيصح الزواج وينعقد بأي لغة كانت ولا يشترط له اللغة العربية، لأن كثيرا من الناس لا يفقهون العربية ولا يدركون معاني ألفاظها، فاللغة آلة ووسيلة، والمقصد هو المعنى؛ قال
تَعَالَى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ:: التنبيه الثالث: لقد تقدم أن عقد النكاح من أخطر العقود في الشريعة الإسلامية، ولذا لا يصلح فيه التلاعب أو الهزل، فينعقد فورا بتوافق إيجابه وقبوله وتحقق سائر أركانه وشروطه، ولا يشفع للعاقدين أنهما لم يقصداه أو أنهما كانا هازلين، -مثلا- نريد ابنتك فلانة لابننا فلان فيرد ولي الفتاة بقوله: هي
فقد يقول ولي صبي لكم، وما أشبه ذلك من التلاعب ..
وشأن النكاح في هذا شأن الطلاق والرجعة)، وقد جاء في الكلِّ قول النبي - عليه أفضل صلاة وأزكى تسليم - حينما قال محذرا: "ثَلَاثَ جَدُّهُنَّ جَدٌ وَهَزَلُهُنَّ جَدٌ:
النكاح والطلاق، والرَّجْعَةُ (3).
الله
(1) ـ السالمي، عبد بن حميد طلعة الشمس ج 1 ص 124.
2 - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمد برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ " - تلفزيون سلطنة عمان، حلقه: 8 رمضان 1422 هـ يوافقه 2001/ 11/24 م.
(2) - يقول الشيخ المحدث القنوبي متعه الله بالصحة والعافية في الجزء الأول من جواباته المخطوطة بعد نقاش في الأسانيد والرجال: " .. والذي يظهر أن هذا الحديث بجميع طرقه وشواهده يرقى إلى درجة الحسن؛ فإنما وإن كانت (1/302)
صفحة 303
المعتمد
إن
المعتصم في فقه النكاح
303
(التنبيه الرَّابع: لقد وجدنا في بعض مجتمعاتنا وللأسف الشديد- مما يتعلق
بالنكاح بعض المظاهر التي لا تمت إلى الإسلام بصلة، ومن ذلك تشاؤم البعض من النكاح في شهر صفر، وتشاؤم الآخرين من عقده فيما بين العيدين
!! (!)
عقد
يقول سماحته نفعنا الله بعلمه - مغلظا الإنكار على هؤلاء وهؤلاء: "بئس ما يقول هؤلاء الذين يقولون على الله ما لا يعلمون، فيصادمون أحكامه، ويناقضون شرعه، ويفترون على الله الكذب!!
أما صفر فالتشاؤم به من عادات المشركين أهل الجاهلية، وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم
بنسف عاداتهم وعقائدهم، فقد قال: "لا هامة ولا عدوى ولا صفر" (2).
وكذلك الزواج بين الفطر والأضحى؛ فإن أهل الجاهلية كانوا يتشاءمون من
الزواج في شهر شوال، وقد خالفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتزوج أم المؤمنين عائشة شوال وبني بها في شوال، وكانت أحظى نسائه عنده، فمن تشاءم من الزواج بين العيدين فقد اقتدى بأهل الجاهلية وترك الاقتداء برسول الله وكفى بذلك إثما مبينا؛ فإن كل أحد يحشر مع إمامه والله المستعان (3).
جميعا لا تخلو من الضعف، لكن يشد بعضها بعضا .. قال الترمذي عقب الحديث المذكور والعمل بهذا عند *
من أصحاب النبي وغيرهم". يُنظر:
(1)
1) - يُنظر:
(2)
(T)
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الأول ص 37 - 38.
أبو داود، باب: فِي الطَّلاقِ عَلَى الْهَزْلِ، رقم الحديث 1875.
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة: 7 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/2 م.
النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج ج 9 ص 208 - 209.
- الربيع، بَابٌ: فِي الْقَدَرِ وَالْحَذَرِ وَالتَّطيرِ، رقم الحديث 73.
أهل العلم
- تنبية آخَرُ: ومما لم يرد فيه النهي عن عقد النكاح ولا الزفاف من أيام العام شهر رمضان المبارك، فالنكاح فيه جائز وصحيح، إلا أن على المرء إن كان غير مالك لإربه ويخشى على نفسه من أن تفرط عليه أو أن تطغى أن يتجنب (1/303)
صفحة 304
304
الالمعلم
كما أن هناك طائفة ثالثة تنظر عند الرغبة في الزواج إلى الأبراج السماوية والنجوم العلوية والمنازل الخرافية وبناء عليها يقدمون على هذا الزواج أو يحجمون، وقد أعرضوا عن استخارة الرب واستشارة الصحب، وهؤلاء أيضا لم يفت شيخنا -
-
حفظه الله - أن يقول فيهم: "على أن النظر في المنزلة من أجل الزواج ليس من شأن المسلمين، وإنما ذلك عادات المجوس"، والله أعلم (1).
من
التنبيه الخامس: درج أكثر الناس في أيامنا هذه على قراءة سورة الفاتحة قبل تلاوة عقد النكاح من باب الاستفتاح والتبرك بها، وهذا الفعل مجرد استحسان طارئ لم يجد له العلماء المحققون أصلا معتمدا ولا سندا متصلا إلى حضرة الرسول المقتدى، فمن فعله من غير أن يعتقد أن يعتقد فيه أنه سنة ثابتة فلا حرج عليه بإذن الله، وإن تركه فلا حرج، بل هو الأولى لشرف الاقتداء بالنبي الكريم عليه أتم الصلاة وأكمل
التسليم (2).
النكاح أو الزفاف في هذا الشهر حيطة لسلامة هذا الركن العظيم من أركان الدين سدا لذريعة فساده، والله أعلم.
يُنظر:
(1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 58، 59.
الخليلي، فتاوى الزينة والأعراس ص 73 75.
الخليلى، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 56.
11
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقةُ: 7 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/2 م.
الجهضمي، من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد بن حمد الخليلي ج 1 ص 260، 261.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 59.
الخليلي، فتاوى الزينة والأعراس ص 79 - 80.
الجهضمي، من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد بن حمد الخليلي ج 1 ص 260.
(2) - ولا يفوت شيخنا العلامة القنوبي يحفظه الله - أن ينبه على هذه المسألة ويتبعها تنبيها على تنبيه فيقول: "يذهب بعض العوام في ليلة العقد أو بعدها بقليل إلى زوجته فيضع يده على رأسها ورجله على رجلها، ويقرأ فاتحة الكتاب، ولا أصل لذلك في سنة النبي الا الله، وكذا لا أصل لقراءة سورة "يس" أو غيرها من القرآن في البيت أو على الزوجة ليلة الدخول عليها ولا لقراءة الفاتحة قبل خطبة النكاح، وإن اشتهر ذلك عند كثير من الناس، وخير الهدي هدي محمد، والله تعالى أعلم". يُنظر: (1/304)
صفحة 305
المعلمين
إستكمل المعتصم في رفقة المين
في فقه النكاح
305
قلت: وقدْ أضَافَ شَيخنا القَنُّوبِيُّ - حَفَظَهُ اللهُ - عِنْدَ الْمُرَاجَعَة بخط قلمه قَولَهُ:
بل لا ينبغي ذلك؛ لأنه لم يرد في السنة النبوية على صاحبها وآله أفضل الصلاة
والسلام".
التنبيه السَّادس: بتمام عقد النكاح صحيحا مستوفيا لجميع الأركان والشروط تترتب عليه آثاره الشرعية فورا فيكون لكل منهما حقوق، وعليه واجبات، ويصبح الرجل حليلا للمرأة وتصبح المرأة حليلة للرجل يحل له منها كلُّ ما يَحلُّ للرَّجُل من امرأته، ومن تلك الحقوق الشرعية المشتركة بينهما حق الاستمتاع
إلا أن للمرأة الحق في أن تَمْتَنع عن الرَّجل ما لَمْ يُؤد إليها معجَّلَ صَدَاقَهَا بعد مطالبتها به؛ كما فعل ذلك الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام- مع الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه - عندما زوجه بابنته فاطمة؛ إذ لم يتركه يدخل عليها حتى أمْهَرَهَا دِرْعَه التي كانت عليه، وهذا حكم متفق عليه)، يقول ابن
1) - يُنظر:
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" حلقة: 6 ربيع الأول 1428 هـ، يوافقه 2007/ 03/25 م.
لقوى، تحفة الأبرار ص 257.
القنوبي
القنوبي، دروس صيف 1425 هـ، 2004 م، "مذكرة خاصة"ص 16.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 54.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 26 ربيع الثاني 1423 هـ، يوافقه 2002/ 7/7 م. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 29 رجب 1423 هـ، يوافقه 2002/ 10/6 م.
الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقه 26 ربيع الأول 1425 هـ، يوافقه 2004/ 5/16 م.
الجناوني، كتاب النكاح ص 96 (حاشية).
السالمي، جوهر النظام ج 2 ص 260، 267.
ابن المنذر، الإجماع ص 39.
ابن حبان باب ذكر ما أعطى علي رضي الله عنه في صداق فاطمة، رقم الحديث 7071.
(2) - يُنظر: (1/305)
صفحة 306
المعتمري
Maleally
المنذر في "الإجماع": "وأجمعوا" أن للمرأة أن تمتنع من دخول الزوج عليها حتى يعطيها
مهرها (1)
كما أن للناس أعرافا معتبرة وعادات محكمة لا ينبغى مخالفتها لا سيما إن كانت المخالفة تفضي إلى ما لا يحمد عقباه، فيمكن أن يقال بعدم دخول الرجل على زوجته بعد العقد وقبل زفافها إليه؛ مراعاة للاعتبارات الآتية:
أنها يمكن أن تحمل من ذلك الدخول في هذه الفترة فتتهم في دينها وعرضها
بألسنة حداد.
أنه قد يحول القدر بينهما فتحصل بينهما الفرقة قبل الزفاف، فيقع الإشكال فيما تستحقه هذه المرأة من مهرها؛ إذ الأصل أنها بالدخول تستحق جميعه، وهذا ما لا تستطيع الإفصاح به في كثير من الأحيان فيضيع بذلك حقها (2).
أنه قد يقع الإشكال أيضا عند تقدم الخطاب إليها وهم يظنون أنها بكر، والحقيقة المرة أن بكارتها قد زالت وعذرتها قد افتضت بفعل العاقد السابق، وقد يؤدي اكتشاف العاقد الثاني لهذا الأمر عند الدخول إلى اتهامها بالزنى العفة، أو لا أقل من التغرير به والتدليس عليه؛ فلذا كان من سد وعدم ذرائع الفساد أن يقال بعدم دخول الرجل على امرأته قبل الزفاف، والله
أعلم وأحكم (3).
(1)
ابن المنذر، الإجماع ص 39.
1 - الخَلِيْلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَدٍ. برنامج: سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 7 ربيع الثاني 1424 هـ
يوافقه 2003/ 6/8 م.
(3) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى الزينة والأعراس ص 10، 11.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 53.
القنوبي، برنامج: "سؤالُ أهل الذكر"، حلقة: 22 جمادى الثانية 1428 هـ، يوافقه 2007/ 7/8 م. (1/306)
صفحة 307
العقل المعتمد ونه
307
فَتْوَى
السُّؤَالُ/ ماذا يحل للرجل من زوجته بعد عقد قرانه بها؟
الجَوَابُ عقد القران هو الذي يُحلُّها له، فبمجرد ما يعقد قرانه عليها حل له منها كل ما يحل للرجل من امرأته لأنها أصبحت امرأته وإنما ينبغي مراعاة الظروف الاجتماعية والعادات المتبعة التي لا تخالف الشرع لئلا تحمل منه وهي في بيت أهلها؛ لئلا تساء بها الظنون، والله أعلم (1)
اِقْرَأْ وَاسْتَمْتِعْ
يقول الشيخ الفقيه الأديب الضرير البصير، نور الهدى والدين السالمي
وما رآه المسلمون حسنا
فضلا من الله لهذي الأمة
وأنه لم يك بعد أحمدا
لم نجتمع قط على ضلال
***
***
***
***
فهو يكون دائما مستحسنا لأنهم أهل الهدى والفطنة قط ني فرزقنا ذا الهدى فالحمد لله على ذا الحال (2)
(1) - الخَلِيلِيُّ، أَحَمَدُ بنُ حَمَد. فتاوى النكاح ص 101، 104.
(2)
(2) - السالمي، عبد
الله
بن حميد. جوهر النظام ج 2 ص 244. (1/307)
صفحة 308
308
المعتصم
القِسْمُ الثَّانِي فِي مُتَمِّمَاتِ عَقدِ الزَّوَاجِ
لقد تنورت أيها العروس (1)، جعل الله لك نورا تمشي به في الناس- أنه بتوافق الإيجاب والقبول وإنعام الرجل على المرأة بالموافقة فقد تم عقد الزواج وأصبح كل منهما زوجا للآخر وحليلا له إلا أنه يتعلق بتمام عقد النكاح جملة متممات مستحبات غير واجبات لا يؤثر تركها في تمام العقد بعد إبرامه، إلا أنه قد ثبت بعضها في السنة النبوية، واستحسن البعض أعلام الأمة المحمدية مراعاة للأعراف المعتبرة واستلهاما من مقاصد الشريعة ..
فمما يتعلق بعقد النكاح من متممات ما ستنبيك عنه الفصول الآتيات:
فَصْلٌ فِي خُطْبَةِ النِّكَاح
لقد أدركت أخي القارئ اللبيب - مما تقدم معك في هذا الباب (2) أنه ليس هنالك صيغة معينة لعقد النكاح يجب الالتزام بها لثبوتها في القرآن العظيم أو في سنة
(1) - فَائِدَةً عَرَبيَّةٌ: لفظة "عروس" تطلق على الرجل والمرأة؛ لأن صيغة "فَعُول" في العربية يستوي فيها المذكر والمؤنث، ومن أمثلتها أيضا صبور وشكور قلتُ ومنه المثل العربي: "لا عطر بعد "عروس" فالمراد بالعروس في مناسبة
هذا المثل هو الرجل لا المرأة؛ إذ القائل له هنا هي المرأة كما ذكر ذلك الميداني في موسوعته القيمة مجمع الأمثال. وبذا تدرك أن إطلاق لفظة "عريس" على الرجل خطأ؛ لأنها لم ترد في معاجم العربية، بل الوارد "عروس" للرجل والمرأة كما رأيت والحمد لله على حسن المقال. يُنظر:
الخليلي، فتاوى الزينة والأعراس ص 23. الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 74.
الخليلي، لقاء المؤلّف بسماحته في زيارة له لولاية وادي المعاول بمناسبة افتتاح جامع الشيخ سيف بن راشد المعولي بتاريخ: 16 ذو القعدة 1432 هـ، الموافق له 14 أكتوبر 2011 م.
الميداني، مجمع الأمثال، عند الأمثال: "لا مخبأ لعطر بعد "عروس"، و كاد العروس يكون ملكا" ج 2 ص 158،
0211
(2) - يُنظر: الْبَابُ التَّاسِعُ: فِي أَرْكَانِ عَقدِ النِّكَاح، ومُتَمِّمَاتِهِ الرُّكْنُ الثَّالِثُ الصَّيْغَةُ. (1/308)
صفحة 309
النبي
المعتصم
309
الكريم؛ فلو قال الولي أو وكيله: "زوجتك"، فقال الرجل أو وكيله: "قبلت" تم العقد وحصل الإيجاب والقبول مع استيفائه لبقية الشروط)، إلا أن هناك خطبا متعددة لعقد النكاح درج الناس على تلاوتها، وتعارفوا على استحسان قراءتا؛ مستأنسين بما ورد في الوحيين الشريفين: الكتاب والسنة ..
وتتميما للفائدة، وحبًّا مني أخي الحبيب في قيامك بالواجب الذي يفرضه عليك مجتمعك، أورد لك هذه الصيغة المشهورة في عقد النكاح، فكن لها حافظا: "إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتٍ أَعْمَالَنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ
إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ)
يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَانِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) الى
:عمران 102.
(1) - فَائِدَةٌ أَدَبَيَّةٌ من الأمثال العربية القديمة التي تدل على سهولة النكاح وسرعة وقوعه عندهم بمجرد تحقق إيجابه وقبوله قولهم: "أَسْرَعُ مِنْ نِكاح أُمِّ خَارِجَةَ، حتى أصبح قولهم هذا مثلا سائرا يضرب في سرعة وقوع الشيء، وذلك أن هذه المرأة واسمها عَمْرَةُ بنت سعد - كان يأتيها الخاطب فيقول: "خطب" فتقول: "نكح"، قال المبرد: أم خارجة قد ولدت في العرب في نيف وعشرين حياً من آباء متفرقين، والسبب في ذلك أنها كانت إذا تزوجت رجلا وأصبحت عنده كان أمرها إليها إن شاءت أقامت وإن شاءت ذهبت ويكون علامة ارتضائها للزوج أن تعالج -تصنع له طعاما
إذا أصبح. يُنظر:
الميداني، مجمع الأمثال ج 1 ص 348.
الثعالبي، ثمار القلوب في المضاف والمنسوب ص 255 - 256.
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقه: 9 شعبان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 10/5 م.
(2) - يُنظر: القنوبي، تحفة الأبرار ص 251 - 253.
- (1/309)
صفحة 310
310
يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رجالًا كَثِيرًا وَنَسَاء وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ، وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)
النساء: 1.
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ
الأحزاب: 70 -
وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا). الان
71. أَمَّا بَعْدُ:
071
فإني أشهدكم أيتها الجماعة الحاضرون هنا فاشهدوا علي بأني قد زوجت
فلان بن فلان بن فلان الفلاني هذا بفلانة بنت فلان بن فلان الفلانية}. زوجته إياها على حكم كتاب الله المنزل وسنة نبيه المرسل، وعلى حن
العشرة عندها وجميل الصحبة لها، وأداء الواجب واللازم لها، ورفع الإساءة عنها، وعلى إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وعلى ما اتفقا عليه من الصداق عاجله وآجله، فالعاجل منهما يؤديه إليها أو إلى من يقوم مقامها بإذنها ورضاها، والآجلُ
منهما دينٌ مُنساً عليه لها إلى أن تبين منه عن حكم الزوجية بوجه من وجوه الحق. زوجته إياها وأملكته عصمة نكاحها بإذنها ورضاها وإذن وليها صلة القرابة فلان الفلاني، فإن قبلها زوجة له على هذه الشروط المذكورة، والصداق فلان المذكور، وقبل لها على نفسه بجميع ذلك فكونوا عليه من الشاهدين.
بن
أكذا نشهد عليك يا فلان بن فلان بن فلان الفلاني} أنا والجماعة الحاضرون بأنك قد قبلت {فلانة بنت فلان بن فلان الفلانية زوجة لك على هذه الشروط المذكورة والصداق المذكور وقبلت لها على نفسك بجميع ذلك؟ (1/310)
صفحة 311
المعلم
المعتصم في فقه النكاح
قل: نعم، قد قبلتُ فلانة بنت فلان بن فلان الفلانية زوجة لي على هذه الشروط المذكورة والصداق المذكور، وقبلتُ لها على نفسي بجميع ذلك، نعم نعم
نعم
بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير".
فَصْلٌ فِي التَّهْنِئَةِ وَالدُّعَاءِ لِلزَّوْجَينِ
تعلم يا طالب السنن، هداك الله لأقوم السبل أنه مما يستحب بعد تمام عقد
1
النكاح ما ثبت في سنة الرسول عليه الصلاة والسلام من التهنئة والدعاء للزوجين من قبل حاضري مجلس العقد، فقد كان الرجل إذا تزوج في حضرة النبي دعا له بقوله: " بَارَكَ اللهُ لَكَ، وَبَارَكَ عَلَيْكَ، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي حير
(1)
كما أن على العاقد أن يتأسى بالنبي في الدعاء لنفسه ولزوجه بعد تمام العقد فيقول: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَمِنْ شَرِّ
مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْه "
(1)
) - يُنظر:
(2)
القنوبي، تحفة الأبرار ص 251 - 252.
أبو داود، باب: مَا يُقَالُ لِلْمُتَرَوِّج، رقم الحديث 1819.
2 - أبو داود، بَاب: فِي جَامِعِ النِّكَاحِ، رقم الحديث 1845. تنبية: يقول شيخ المحدثين القنوبي عافاه الله في تحفة الأبرار: الذهب بعض العلماء إلى أنه ينبغي للزوج أن يجهر بهذا الدعاء إن كانت المرأة تعرف أن هذا الدعاء مشروع، وأما إن كانت جاهلة بذلك، وخشي أنه إن جهر بذلك أنها ربما تنفر منه فإن الأفضل أن يُسر به، وهو حسن؛ إذ إن كثيرا من النساء الجاهلات عندما يسمعن " وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَمِنْ شَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ" ينفرن من ذلك أشد ما يكون وقد تحصل بينها وبين زوجها مشادة كبيرة، وقد يؤدي ذلك إلى الطلاق، فينبغي للزوج أن يراعي هذا الأمر؛ إذ إن لكل مقام مقالا".
وأما ما يفعله البعض من قراءة سورة "يس" على الزوجة ليلة الدخول فأمر محدث لم يثبت عن النبي كما تقدم، أن تشريع مثل هذه الأمور تفتقر إلى التوقيف من الشارع، ولا يوجد شيء من ذلك في هذه القضية. يُنظر:
وأنت
خبير
القنوبي، تحفة الأبرار ص 256 - 257.
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقه: 19 ربيع الثاني 1428 هـ، يوافقه 2007/ 05/06 م. (1/311)
صفحة 312
الالمعلم
المعتصم في فقه ال في فقه التكاة الناس
تنبية) كانت تهنئة أهل الجاهلية للمتزوج أن يقولوا له: "بالرِّفَاءِ والبَنِينَ"،
فلما بلغ ذلك النبي أبدلهم بتهنئة خير منها وهي الدعاء للزوجين بالخير والبركة كما رأيت قريبا (1).
فَصْلٌ فِي تَوْثِيْقِ عَقْدِ النِّكَاح
لقد رأيت أيها العاقد الحصيف - أن عقد النكاح الشرعي يتم وتترتب عليه آثاره الشرعية فورا بتوافق الإيجاب والقبول في مجلس التعاقد ولو لم يكن بينهم أي تكاتب، ما دام أنه قد أُشهد عليه الشهود.
ولكن كان مما ارتآه العلماء المتأخرون واقتضته المصالح المرسلة التي أفرزتها ضرورات الحضارة المعاصرة أن توثق عقود الزواج" بـ"الكتابة" في المؤسسات الرسمية، درءا لأي نزاع أو خلاف لاحق بين الزوجين أو مع أي أحد من ورثتهم.
وكذا نظرا لما تتطلبه بعض المعاملات الرسمية العصرية من تقديم شهادة معتمدة في إثبات العلاقة الزوجية بين الطرفين كما يكون ذلك عند تسجيل المواليد وتوثيق
نسبهم، وتتطلبه بعض الأسفار (2) ..
(1) ـ أحمد، المسند. حَدِيثُ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، رقم الحديث 1647.
فائدة:
معنى قولهم: "بالرِّفاء" أي بالالتتَامِ وجَمْعِ الشَّمْلِ، ولعل المصطفى المختار -عليه الصلاة والسلام- نهى عن هذه التهنئة رغبة منه في استقلال المسلمين بتحيتهم وتهنئتهم كما هي عادة الشرع الشريف وإحدى مقاصده الشرعية، كما أنه يحتمل النهي عنها لما علمه النبي له مما في هذه المقولة من التشاؤم بالبنات والدعاء للمتزوج بالبنين دون
البنات، والله أعلم. يُنظر:
الخليلي، مجلة المعالم العدد العاشر ص 23. الخليلي، فتاوى الزينة والأعراس ص 65.
الميداني، مجمع الأمثال
ج 1 ص 100 - 101.
(2) – تطلب بعض الفنادق -مثلا- شهادة الزواج عند رغبة الرجل والمرأة في المبيت بما حال عدم اصطحابهم للأطفال، الذين هم قرينة العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة، كما تطلب ذلك بعض شركات الطيران عند تقديم عروض
وتخفيضات لسفر الأزواج معا. (1/312)
صفحة 313
المعلممن
المعتصم في فقه النكاح
313
وهذا إجراء تنظيمي إداري طارئ لا تتوقف عليه صحة عقد الزواج أو سريان أي أثر من آثاره .. وأول من استحسن هذا الأمر وفتح الباب إليه في أوائل القن
الميلادي المنصرم الإمام محمد عبده، ثم شاع العمل به في دنيا الناس اليوم).
(1)
- الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 6 ربيع الأول 1428 هـ،
يوافقه 2007/ 03/25 م. (1/313)
صفحة 314
314
المعلم
المعلم
في فقه المكانة الساسة
الْبَابُ العَاشِرُ: فِي الزِّفَافِ
قَالَ تَعَالَى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْتُ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِمُوا لِأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ
وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)
(223)
البقرة: 223
لقد علمت أيها الطالب الراغب فيما أباح الله - أنه باستلام الزوجة مُعجل صداقها يجب عليها أن تلبي دعوة زوجها إلى عش الزوجية متى ما أراد عند العقد أو بعده)، إذ إنه لا مانع في الشرع من أن يكون زفاف المرأة" إلى زوجها ليلة عقدها، كما أنه لا مانع من أن يتأخر زفاف المرأة إلى زوجها عن يوم عقد النكاح؛ ليكون الاحتفال بـ"ليلة العمر" في مناسبة أخرى تتجدد بها فرحة النكاح عند الزوجين والأهل كما جرت به العادة عند كثير من الناس وكما هو صنيع النبي في زواجه بالسيدة عائشة فقد تزوَّجَهَا رَسُولُ الله فقد تزوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهِيَ بِنْتُ سِتٌ سِنِينَ، وَابْتَنَى بِهَا
وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ
(2)
فَصْلٌ فِي جَهَازِ بَيْتِ الزَّوْجِيَّةِ
تعلم أيها الرجل القوام، أعانك الرحمن - أنه مما يجب على الرجل حقا للمرأة قبل زفافها أن يهيء لها المسكن الملائم والمأوى الكريم الذي يكفل لها راحتها واستقرارها كما يضمن لها القيام بواجباتها المنزلية في بيت الزوجية حتى يتجسد
(1) - يُنظر:
(2)
الخليلي، فتاوى الزينة والأعراس ص 23.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 63.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 55.
(1) - الربيع، بَابُ: مَا يَجُوزُ مِنَ النِّكَاحِ وَمَا لاَ يَجُوزُ، رقم الحديث 522، 741. (1/314)
صفحة 315
315
بالمعتصم في فقه النكاح
mairal
تلك البيوت مُراد الله تعالى منها كما في قوله: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ بُيُوتِكُمْ
سكنا النحل: 080 ومن إعداد المسكن الملائم قبل زفاف الزوجة إلى زوجها وقبل أن يطلب الرجل من المرأة الدخول في طاعته والإيواء إلى كنفه والقرار في بيته تهيئة ذلك المنزل بجهاز بيت الزوجية، وهو ما يُعد به بيت الزوجية من أثاث وفُرش وأدوات منزلية وجميع مستلزمات الحياة الأسرية.
وتهيئة البيت بجهازه وتأسيسه بكل ما يحتاج إليه هو جزء من النفقة الواجبة على الزوج والتي تتقدم زفاف المرأة إلى زوجها (1).
فَصْلٌ فِي جَهَازِ الزَّوْجَةِ
وإذا علمت يا بارك الله فيك وفي مساعيك أن جهاز متاع بيت الزوجية مما يجب على الرجل فاعلم أن أعراف الناس قد اختلفت في جهاز المرأة العروس نفسها من لباس وحلي وغيرها ..
(2)، غير
فجرى العرف عند أقوام أن يكون ذلك على المرأة مما تمهر به من قبل الزوج، بينما جرى العرف عند آخرين أن يكون ذلك على الزوج، والعرف معتبر والعادة مُحكمة، لكن إن كان هنالك اتفاق على شيء ما فالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ) أن كل ذلك ينبغي أن يكون في حدود القصد والاعتدال وعدم الإسراف والمباهاة فإن كان شيء من هذا الأخير فهو حرام لنهي الله عن الإسراف بقوله: عن الإسراف بقوله: {وَلَا تُرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) الأعراف: 31، ولنهيه عن التبذير بقوله: {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا 31،
(1) - الخليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَدٍ. برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 4 جمادى الأولى 1428 هـ، يوافقه 2007/ 05/20 م.
(2) - أبو داود، باب: مَا ذُكِرَ عَنْ رَسُولِ اللهِ الله فِي الصُّلْحِ بَيْنَ النَّاسِ، رقم الحديث 1272. (1/315)
صفحة 316
316
المعتصم
و فقه النصر ه
المعلممن
إِنَّ الْمُبَذِينَ كَانُوا إِخْوَنَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا السلام
26 - 027
الإسراء:
فائدة: ثبت النهي في سنة المختار عن التأني بالذهب والفضة، أي استعمال الأواني المصنوعة من الذهب والفضة في أي نوع من أنواع الاستعمال المنزلية، ويستوي في هذا النهي الرجل والمرأة، وإن أبيح للمرأة التحلي بالذهب دون شقيقها الرجل (1).
ذلك لأن في التأني بهما واستعمال الأواني المصنوعة منهما أو المطلية بهما كالملاعق والصحون نوع، إسراف، بل هو إسراف وتبذير كبير، فعلى العروسين -بارك الله لهما - أن يحترسا ويتجنبا جعل شيء منها في قائمة مشتريات الزوجة الخاصة أو أواني بيت الزوجية حال الجهاز (2).
(1)
- أبيح للمرأة التحلي بالذهب لأنه الأوفق بطبيعتها والأنسب لأنوثتها التي فطرها الله عليها؛ أما الرجل فإن فطرته تأبى عليه التغنج بحلية ذوات الخدور التي وصفها الله تعالى بقوله: {أَوَمَن يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ الزخرف: 18، وقد ورد التشديد في تحلّي الرجال بالذهب، فقد جاء في الحديث عنه وصف الذهب والحرير بأنهما " مُحَرَّمَانِ عَلَى رِجَالٍ أُمَّتِي، وَمُحَلَّانِ لِنسَائِهَا ". فحلية الرجال معنى الأدب
JA
***
وحلية النساء لبس الذهب
وقد صح في السنة - أيضا - إجازة النبي الا الله لأحد أصحابه اتخاذ أنف من ذهب حينما اضطر إليها بعد أن أنتنت
أنفه، والضرورات تبيح المحظورات كما أن الضرورة تقدر بقدرها. يُنظر:
الخليلى، فتاوى الزينة والأعراس ص 154، 164.
القنوبي، دروس صيف 1425 هـ، 2004 م، "مذكرة خاصة "ص 25.
السالمي، جوهر النظام ج 4 ص 355.
الربيع، بَابُ الْكَفَنِ وَالغَسْلِ، رقم الحديث 471.
أبو داود بَاب مَا جَاءَ فِي رَبِّطِ الأَسْنَانِ بِالذَّهَبِ رقم الحديث 3696.
(2) - القنوبِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبرُوك. دروس صيف 1422 هـ، 2001 م، "مذكرة خاصة"ص 17. (1/316)
صفحة 317
سي المعتصم في فقه النكاح
317
وفي شأن الأفراح وما ينتج عنها من مظاهر الإسراف يكرر العلامة بدر الدين الخليلي -متعنا الله بحياته التحذير من الترف فيها، والربط بين الترف والتلف، ومن ذلك قوله: " فإن ذلك مما يدخل في الترف والترف والتلف كلمتان متقاربتان من حيث حروفهما وهما مترابطتان من حيث السببية؛ فالترف مؤد إلى التلف .. "، ويقول -حفظه الله - في موضع: " والتَّرَفُ مَسَّنَّةٌ للتَّلَف، فإنّ تَقارُبَ لَفْظَتَيْ " التَّرَف" و"التَّلف" والتشابه الذي بين حروف الكلمتين ممّا يُوحي بما بينهما من الترابط السببي والتآخي المعنوي، فكلُّ تَرَف يُؤدّي إلى التَّلَف (1).
فَصْلٌ فِي وَقْتِ حَفْلِ الزَّفَافِ
لا يخفى عليك أخي الحاذق النبيه - أن جميع أيام العام وشهوره موسم يمكن أن يقيم فيه الزوجان حفل زفافهما، وكذا يقال أيضا في أيام الأسبوع، يجوز زفاف المرأة إلى زوجها في أي يوم من أيامه السبعة، وأما ما اعتاده الناس من إقامة فرحة الزفاف ليلة الجمعة فاستحسان منهم تبركا بهذا اليوم والمناسبته ظروف الأكثر من الناس، وليس في شيء من ذلك توقيف من الشارع، والله أعلم (2)
قلت: ومن أجل رفع توهم أن الزفاف وإقامة حفلة العرس ليلة الجمعة مندوب إليه شرعا فقد أقام شيخنا أبو عبد الرحمن القنوبي -حفظه الله - حفل زواجه بكريمته أم عبد الرحمن ليلة الأحد كما سمعت منه ذلك مشافهة، وبالله التوفيق (3).
(1) - يُنظر:
الخليلي، بيع النساء. مادة سمعية، إنتاج مكتبة وتسجيلات مشارق الأنوار.
الخليلي، في الخطبة والزواج. " محاضرة مطبوعة"، لدى الكاتب نسخة منها ص 3، 5. الخليلي، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقه: 9 شعبان 1427 هـ، يوافقه 2006/ 9/3 م. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" حلقة: 13 جمادى الثانية 1430 هـ، يوافقه 2009/ 6/7 م.
،
(2) - الخَلِيْلى أَحمدُ بنُ حَمَد. فتاوى الزينة والأعراس ص 80.
(3) - ومما يؤكد هذه المعاني ما نقله الإمام نور الدين السالمي - رحمه الله - في كتابه: "إيضاح البيان في أحكام نكاح الصبيان" من أن النبي "ابنى بالسيدة عائشة ضحى يوم الأربعاء في منزل أبي بكر، فلئن صح ذلك وثبت دل على (1/317)
صفحة 318
318
المعتصم
أنه كان فَائِدَةٌ أُوْلى: يروى من عادة العرب الحسنة قبل الإسلام والتي أن تعاد وتجدد - أن يدخل الأب على ابنته قبل زفافها فيزودها بالنصائح التي تحببها إلى زوجها وأهله ثم تدخل الأم وتسدي إليها نصائحها من تجارب أيامها، ومن تلك النصائح التي ذكرتها كتب الأدب قول أسماء بنت خارجة الفزارية لابنتها وهم
ينبغي
تعظها ليلة زفافها:
" .. إِنَّكَ خَرَجْتِ مِنَ الْعُشَ الَّذِي مِنْهُ دَرَجْت وَصِرْت إِلَى فِرَاشٍ لَمْ تَعْرِفِيهِ، وَقَرِينِ تألفيه، فَكُونِي لَهُ أَرْضًا يَكُنْ لَكِ سَمَاءً، وَكُونِي لَهُ مِهَادًا يَكُنْ لَكَ عِمَادًا، وَكُونِي لَهُ أَمَةً يَكُنْ لَكَ عَبْدًا، لا تُلْحِفِي بِهِ فَيَقْلاكِ، وَلَا تُبَاعِدِي عَنْهُ فَيَنْسَاكَ، إِنْ دَنَا فَاقْرُبِي مِنْهُ، وَإِنْ نَأَى فَابْعُدِي عَنْهُ، وَاحْفَظَي أَنْفَهُ وَسَمْعَهُ وَعَيْنَهُ: لَا يَشُمُّ مِنْكَ إِلَّا طَيِّبًا، وَلَا عُ إِلا حَسَنًا، وَلا يَنْظُرُ إِلا جَميل () () () ().
فَائِدَةٌ أُخْرَى: من المعلوم لديك أخي طالب العلم، أختي طالبة العلم أن المرأة تتبع زوجها في قصر الصلاة وإتمامها إلا أن هذه التبعية لا تكون بمجرد عقد النكاح، وإنما بانفصالها عن بيت وليها وانتقالها إلى عش الزوجية الجديد، والله أعلم (2).
أن البناء في أي يوم من أيام الأسبوع جائز ومشروع، وأنه غير مقصور على الليل بل يمكن أن يكون في النهار، كما يمكن أن يكون في بيت أهل المرأة، والله أعلم. يُنظر:
السالمي، إيضاح البيان في أحكام نكاح الصبيان ص 39
البخاري بَاب الْبَنَاءِ بِالنَّهَارِ بِغَيْرِ مَرْكَب ولا نيران، رقم الحديث 4763.
(1) - الغزالي، أبو حامد إحياء علوم الدين القسم الثاني / باب النظر في حقوق الزوج عليها ج 2 ص 71.
(2) - يُنظر:
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 54 - 55.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 92.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقه: 23 ربيع الأول 1424 هـ، يوافقه 2003/ 5/25 م.
الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقه: 11 رمضان 1428 هـ، يوافقه 2007/ 09/23 م. القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الخامس ص 14. القنوبي، دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية بروي (سابقا)، صيف 1421 هـ / 2000 م مذكرة رقم 1 ص 7. (1/318)
صفحة 319
المعتممنا
بالمعتصم في فقه النكاح
319
فَصْلٌ فِيمَا يُبَاحُ مِنَ اللَّهُو لَيْلَةِ الزِّفَافِ
يباح في حفل زفاف الزوجين اللهو البريء واللعب المباح وضرب الدف بالنسبة للنساء والإنشاد العفيف بشرط أن لا يصحب ذلك شيء من المنكرات الشرعية كاستعمال الآلات الموسيقية المحرمة أو اختلاط الرجال بالنساء؛ فَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا زَفَّتْ امْرَأَةً إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " يَا عَائِشَةُ مَا كَانَ مَعَكُمْ لَهْوٌ فَإِنَّ
الأَنْصَارَ يُعْجِبُهُمْ اللَّهْمُ (1).
تمام
يباح ضرب الدف للرجال والاستماع إلى الأناشيد المصحوبة به بعد
فائدة: يباح ضرب
عقد النكاح للإشهار به كما يباح ذلك للنساء بينهن عند الزفاف بشرط أن لا يصل شيء من أصواتهن إلى أسماع الرجال الأجانب (2).
(1) - البخاري، باب: النِّسْوَةِ اللتِي يَهْدِينَ الْمَرْأَةَ إِلَى زَوْجِهَا وَدُعَائِهِنَّ بِالْبَرَكَةِ، رقم الحديث 4765. (2) - فائدة: الفرق بين الدف والطبل أن الدف يكون مفتوحا من أحد جانبيه بينما الطبل الممنوع شرعا يكون مغلقا من كلا الجانبين، ولا يؤثر في الحكم المذكور أعلاه بعض ما روي في هذا الجانب كحديث الترمذي الذي ضعفه شيخنا القنوبي ووصفه بقوله: "ضعيف"، ونصه عنده "أَعْلِنُوا هَذَا النَّكَاحَ وَاجْعَلُوهُ فِي الْمَسَاجِدِ وَاضْرِبُوا عَلَيْه بالدُّفُوف"، وذلك لأن ضرب الدف في هذا الموطن قد أبيح بأدلة أخرى. الجدير بالذكر أنه ينبغي تتريه المساجد عن مناسبات الزواج، وجَعْلُ ذلك في مجالس خاصة؛ نظرا لما يحدث في هذه المناسبات عند اجتماع الناس من لغط في القول، وخوض في الأمور الدنيوية، وتلويث للمساجد بما يُترك فيه الأطعمة وما يتساقط على فُرشه من أيدي الناس، وما يخلفه كل ذلك من روائح سيئة كريهة تتنافى وحرمة بيوت ت الله
عز وجل يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 62، 64.
الخليلي، فتاوى الزينة والأعراس ص 39.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 57، 63.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقةُ: 6 جمادى الأولى 1424 هـ، يوافقه 2003/ 7/6 م. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 5 ربيع الأول 1425 هـ، يوافقه 2004/ 4/25 م.
،
الخَلِيْلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذكر " حلقة: 19 ربيع الآخر 1433 هـ، يوافقه 2012/ 3/11 م. القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى/ القسم الثالث ص 24.
القنوبي، دروس صيف 1423 هـ، 2002 م، "مذكرة خاصة"ص 56، 59، 70.
من
مخلفات
- (1/319)
صفحة 320
320
المعتصم في فقه التي حقة
الالمعلمين
فَصْلٌ فِي وَلِيْمَةِ العُرْسِ
وليمة العرس هي ما يقدم من طعام للمهنئين بمناسبة الزواج بعد الزفاف وحصول الدخول بالزوجة)، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بها قولا والإتيان بما فعلا (2) فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكَ له قَالَ: جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَة، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا بِكَ»؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَزَوَّجْتْ امْرَأَةٌ منَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: «كُمْ سُفْتَ إِلَيْهَا؟» قَالَ: تَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ رَسُولُ الله: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاة» (3).
فَائِدَها وفائدتها إشهار النكاح والإعلام بحصول الدخول؛ لما يتعلق بالدخول من الحقوق والواجبات والآثار الشرعية، وكذا ففي وليمة العرس تفريق بين النكاح والسفاح، وشكر لنعمة الله عل.
(1) - يُنظر:
الخليلى، فتاوى الزينة والأعراس ص 62.
السالمي، شرح الجامع الصحيح ج 2 ص 105، ج 3 ص 36.
(2) - القنوبِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك. برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 22 جمادى الثانية
1428 هـ، يوافقه 2007/ 7/8 م.
(3)
الربيع بَابُ: مَا يَجُوزُ مِنَ النِّكَاحِ وَمَا لَا يَجُوزُ، رقم الحديث 521. (1/320)
صفحة 321
بالمعتصم في فقه الشكارة
إن
3210
حُكْمُهَا: اتفق العلماء على مشروعية الإيلام للعرس إجمالا، واختلفوا في حكمها
تبعا لاختلافهم في دلالة أمر النبي بالوليمة، فقيل: بالوجوب كما هو الأصل في الأمر، وقيل: بالندب الذي لا ينبغي تركه، والله أعلم).
إجَابَةُ دَعْوَها: ذهب أكثر أهل العلم إلى وجوب إجابة الداعي إلى وليمة العرس؛ للأمر بإجابتها والإتيان إليها في قوله: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فليأتها (2)، والأصل في الأمر الوجوب؛ للوعيد المرتب على مخالفة أمره بقوله: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ *
النور:
(3)
شَرْطُ وُجُوبها: يبين الإمام السالميه شروط وجوب إجابة الدعوة إلى وليمة العرس فيقول: "وشرط وجوبها: أن يكون الداعي مكلفا حرا رشيدا، غير ظالم، ولا صاحب ريبة، ولا فاسق، أو مبتدع، أو شرير، ولا متكلّف فإنَّه لا تجب إجابة
هؤلاء، بل يستحب تركها " (4).
(1)
) - يُنظر:
السالمي، شرح الجامع الصحيح ج 3 ص 36.
النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج ج 9 ص 218.
(2) - الربيع، بَابُ: جَامِعِ الصَّدَقَةِ وَالطَّعَامِ، رقم الحديث 362.
(3) - يُنظر:
(4) - يُنظر:
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقه: 10 جمادى الأولى 1423 هـ، يوافقه 2002/ 7/21 م.
السالمي، شرح الجامع الصحيح ج 2 ص 105، ج 3 ص 36. النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج ج 9 ص 234.
السالمي، شرح الجامع الصحيح ج 2 ص 106.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 63، 64، 66، 74.
الغاربي وآخرون. أشعة من الفقه الإسلامي (2) ص 216. (1/321)
صفحة 322
المعتممر
ويقول سماحته في سؤال أهل الذكر: " ولكن إن وُجدت هنالك منكرات فإن المنكرات تقى، ودفع المفسدة مُقدَّم على جلب المصلحة، فإن كانت هذه المفلة قائمة فعلى الإنسان أن يتجنبها ولا يُلبي الوليمة التي يرى فيها منكرات لا يستطيع
تغييرها (1)
6
آدَابُ الإِجَابَة: فإن أجبت يا أخي من هو حقيق بالإجابة فعليك بالتحلي بآداب المجلس، وآداب الطعام إن حضر فلا تقابل بيت الناس مستشرفا ما بداخله، وغُض بصرك عن النظر إلى النساء، وقل:
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي
C
حتى يواري جارتي مأواها (2)
ولا تكثر الالتفات إلى هنا وهناك، ولا تتطلع مجيء الطعام بشره ولهم .. بل قل:
وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن
???
بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل (3)
فإن جاء الزاد وحضر الطعام قسم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك، ولا تعب
طعام الداعين، فإذا طعمت فانتشر ولا تكن عليهم ضيفا ثقيلا، وإن رأيت في الدار
منكرًا فائة عنه وأمر بالمعروف.
اِقْرَأْ وَتَدَبَّرْ
قال تعالى: ياها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِي إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غير نظيرينَ إِنه وَلَكِن إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَنتَشِرُوا وَلَا مُسْتَغْنِسِينَ
(1)
1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى الزينة والأعراس ص 61.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْر"، حلقة: 10 جمادى الأولى 1423 هـ، يوافقه 2002/ 7/21 م.
(2) - من قول عنترة بن شداد العبسي، وهو من شعراء الجاهلية قبل الإسلام.
(3) - من لامية العرب للشنفرى. (1/322)
صفحة 323
المعلم
323
لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَخِي، مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِ مِنَ الْحَقِّ
فَصْلٌ فِي آدَابِ لَيْلَةِ الدُّخُولِ
تَعَلَّمْ أخي، جعل الله حياتك ربيعًا مُخضرًا - أن شريعة الله الإسلام جاءت – ولو على سبيل الإجمال - بتفاصيل الأحكام فلم تغادر منها صغيرة ولا كبيرة إلا أحصتها، ولم تفرط في الكتاب من شيء، فطهرت الأبدان، وزكت الأرواح، وأدبت النفوس، ونظمت العلاقات ..
ومن تلك العلاقات التي نظمتها والآداب التي رعتها والوصايا التي أرشدت إليها ما يتعلق بخصوصية اللقاء الأول بين الزوجين في "ليلة العمر"، أو ما يمكن لنا أن نسميه بـ "آداب ليلة الدخول (1)، فمن تلك الآداب النبوية والأمور المرعية التي ينبغي أن يقدمها الزوج لنفسه وزوجه امتثالا لقوله: (وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم) البقرة: 223 ما يلخصه لنا جواب شيخنا إمام السنة القنوبي عافاه الله - جوابا عن السؤال
الآتي:
فَتْوَى
السؤال/ فضيلة الشيخ: ما هي الأمور المتبعة في آداب الدخول على الزوجة،
والتي دلت عليها السنة المشرفة؟
الجَوَابُ في ذلك آداب كثيرة، أهمها الآتي:
(1) - يُنظر أيضا:
الخليلي، فتاوى الزينة والأعراس ص 21 - 22. الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 73 - 74. (1/323)
صفحة 324
324
معتهم
1 - أن يتسوك قبل أن يأتيها لحديث عائشة أن النبي - صلى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ بَدَأَ بالسَّوَاكِ (1)، رواه مسلم وأبو عوانة والنسائي وأبو داود وابن ماجه وأحمد وابن خزيمة وآخرون.
2 - أن يلاطفها: كأن يقدم لها شيئا من الشراب ونحو ذلك؛ لحديث أسماء بنت يزيد قالت: "إِنِّي قَيَّنْتُ (2) عَائِشَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ، ثُمَّ جِئْتُهُ فَدَعَوْتُهُ لحِلْوَتِهَا (3)، فَجَاءَ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِهَا، فَأَتِيَ بِعُسٌ لَبَن قدح لبن فشرب فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَخَفَضَتْ رَأْسَهَا، وَاسْتَحْيَا، قَالَتْ أَسْمَاءُ: فَانْتَهَرْتُهَا
وَقُلْتُ لَهَا: خُذِي مِنْ يَدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: فَأَخَذَتْ فَشَرِبَتْ شَيْئًا ... إلخ.
رواه أحمد والحميدي بإسناد صحيح
أن
(4)
يضع يده على رأسها ويدعو لقول رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم - " إِذَا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً أَوْ اشْتَرَى خَادِمًا فَليَأْخُذْ بِنَاصِيَتِهَا وَلْيَدْعُ بِالْبَرَكَةِ، ولْيَقُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْه، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَمِنْ شَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ (5)، رواه أبو داود وابن
(1)
- مسلم، باب: السواك، رقم الحديث 372.
(2) - قينتُ: أي زينت والتَّقَيُّنُ: التزين بألوان الزينة. يُنظر:
الفراهيدي العين، مادة (ق. و. ن).
(1) - جاء في "جمهرة اللغة" لابن دريد: جلوت العروس أجلوها جلاء فهي محلوة، إذا أبرزتها .. اء فهي محلوة، إذا أبرزتما .. وأعط العروس جلوتها، أي الذي يعطيها زوجها عند الجلاء، وجلّى لي فلان الخير جلاء، إذا أوضحه". يُنظر:
ابن دريد، جمهرة اللغة مادة: (ج. ل. و).
(4) - يُنظر:
أحمد، المسند، حَدِيث: أَسْمَاءَ ابْنَةِ يَزِيدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، رقم الحديث 026309
الحميدي، المسند، مسند أسماء بنت يزيد الأشهلية، رقم الحديث 392.
(5) - أبو داود، باب: في جامع النكاح، رقم الحديث 1845. (1/324)
صفحة 325
المعلم
انت لي المعتصم في فقه النكاح
-?
325
ماجه والبخاري - في خلق الأفعال وابن أبي عاصم والحاكم وآخرون،
وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
أن
يسمي الله تعالى ويستعيذ من شر الشيطان عند إتيانها: وصفة ذلك أن يقول: " بِاسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا رزقتنا (1)، رواه البخاري ومسلم والحميدي والنسائي - في العشرة
والطحاوي وابن أبي الجعد وابن أبي حاتم والبيهقي وآخرون (2).
أن يصليا معا ركعتين كما استحبه بعض العلماء؛ لما روي عن ابن مسعود رضوان الله تعالى عليه، وقد روي ذلك مرفوعا إلى النبي، ولكنه لا يثبت عنه صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، وأنا متوقف في مشروعية هذه الصلاة في هذا الوقت؛ إذ لم أجد سنة قولية ولا فعلية ولا تقريرية تدل على ذلك، ومن المعلوم أن رأي الصحابي أو فعله فيما هو من مسائل الرأي ليس بحجة على الصحيح.
مخلصكم الداعي لكم بالخير
معدية
مخلصكم الداعي لكم بالخير
(3)
ونص الحديث كاملا: "أَمَا لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَقُولُ حِينَ يَأْتِي أَهْلَهُ بِاسْمِ الله، اللهُمَّ شَّيْطَانَ وَجَنب
الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، ثُمَّ قُدْرَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ أَوْ قُضِيَ وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا"، رواه:
(2)
البخاري، باب: مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ، رقم الحديث 4767.
- يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 102.
القنوبي، تحفة الأبرار ص 258.
(2) - القَنُّوْبِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك. بحوث ورسائل وفتاوى/ القسم الثالث ص 23. (1/325)
صفحة 326
326
المعتمد
المعلممر
حتى
فائدة: لقد حرص صحابة رسول الله وأمهات المؤمنين والتابعونا على نقل سنة النبي للأجيال اللاحقة أتم الحرص وذلك لضرورة الاقتداء به نقلوا عنه عليه الصلاة والسلام ما يتعلق بالسنن المطلوبة عند المباشرة الزوجية واللقاء الأول بين الزوجين؛ لأن هذا العمل دين وعبادة، وصدقة يجدها العبد عند الله القيامة (1)؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: "وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ ((2). يوم
الحرص
ومن المعلوم المتقرر لدى كل مسلم أنه لا حياء في أمر الدين، وكان
من
ذلك
الشديد حرص إمام المذهب جَابِرِ بْن زَيْدِ على سؤال السيدة عائشة عما يتعلق بمقدمات جماع النبي، فعن أبي سُفْيَانَ محبوب بن الرحيل قَالَ: دَخَلَ جَابِرُ بْنُ زَيْدِ عَلَى عَائِشَةَ: فَأَقْبَلَ يَسْأَلُهَا عَنْ مَسَائِلَ لَمْ يَسْأَلْهَا عَنْهَا أَحَدٌ مِنْ قَبْلُ، حَى سَأَلَهَا عَنْ جِمَاعِ النبي صلى الله عليه وسلم كَيْفَ كَانَ يَفْعَلُ، وَإِنَّ جَبينَهَا يَتَصَبَّبُ عَرَقًا وَتَقُولُ: سَلْ يَا يُني، ثُمَّ قَالَتْ لَهُ ممَّنْ أَنتَ؟ قَالَ: من أهل المشرق، مِنْ بَلَد يُقَالُ لَهَا عُمَانُ (3).
(1) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد. فتاوى النكاح ص 90.
(2) - مسلم، باب: بَيَانِ أَنَّ اسْمَ الصَّدَقَةِ يَقَعُ عَلَى كُلِّ نَوْعِ مِنْ الْمَعْرُوفِ، رقم الحديث 1674.
(3) - تنبية: يقول العلامة أبو إسحاق اطفيش في تعليقاته على المسند للإمام الربيع - رحمه الله -: " قوله: عن جماع النبي ... الخ أي عن مقدمات الجماع؛ لأنها من آداب الجماع التي يجوز السؤال عنها والإخبار بما كما دونها العلماء في مؤلفاتهم .. وإنما هذا من حرصه -رحمه الله - على تتبع دقائق السنة حتّى ينقل إلى الأمة ما استطاع من جليلها ودقيقها، ولا غرو وَقَدْ جمع ديوانه العظيم الذي هو أوّل ما جمع في الحديث على الإطلاق ويبلغ نحو عشر مجلدات ضخمة"، ويقول العلامة القنوبي في أجوبته الإفريقية: "إن ذلك عنه فمعنى ذلك أنه سألها مقدمات الجماع لا عن الجماع ذاته، ولا مانع من ذلك، والله أعلم". يُنظر:
صح
عن
الربيع، الْجُزْءُ الرَّابِعُ، رِوَايَةُ أَبِي سُفْيَانَ مَحْبُوبِ بْنِ الرَّحِيلِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ حَبيب، رقم الحديث 898. الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" حلقة: 13 رجب 1425 هـ، يوافقه 2004/ 8/29 م.
،
القنوبي، فتاوى على أسئلة من الشرق الإفريقي ص 38. (1/326)
صفحة 327
المعلمين
المعتوه في فقه النكاح
فَصْلٌ
في تَنْبِيْهَاتٍ مُهمَّةٍ تَتَعَلِّقُ بِمُنْكَرَاتِ الْأَعْرَاسِ
327
الله
اعلم أيها الأخ الحبيب، أحبك الله فيما أحببتنا فيه أن الزواج نعمة من، ومنة منه سبحانه وتعالى على العباد؛ ولذا وجب شكرها لا كفرها، ومن كفران هذه النعمة ونكرانها عند تحققها أن يعمد المرء إلى صنوف من حرمات الله ومحارمه فيستحلها، وإلى حماه المصون فيستبيحه فيقابل الإحسان بالإساءة، ويبدل نعمة الله كفرا؛ كما قال الله تعالى في كتابه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا
28
قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ له إبراهيم: 28 - 29،
29
ومن منكرات الأعراس التي وجب التنبه لها وتنبيه الناس على اجتنابها ما يأتي:
التنبيه الأَوَّلُ: إقامة الحفلات الموسيقية وإحضار الفرق الغنائية ليلة العرس أو لياليه، وكم في هذا المنكر نفسه من محظورات ومفاسد منكرات لا تعد ولا تحصى،
ومنها:
استعمال الآلات الموسيقية المحرمة وناهيك تحذيرا منها وتشديدا فيها ما رواه الإمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب -رحمه هم - بإسناده إلى حَبْرِ الأُمَّة مة وترجمان القرآن ابن عباس النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة صوت مزمار عند نعمة وصوت مرنة عند مصيبة"، وقد فسَّرَ الربيع الله صوت المزمار بصوت المغنية، وعززت روايته هذه روايات شتى جاءت من طرق متعددة عن اثني عشر صحابيا (1)، منها حديث أبي مالك الأشعري عند البخاري: وهم ما كَذَبَنِي سمع النبي
(1) - الخليلي
أَحمدُ بنُ حَمَد. الزواج بين السنة والبدعة، محاضرة مطبوعة لدى الكاتب نسخة منها ص 5 - 6. (1/327)
صفحة 328
328
المعتصم
فقة النص
المعلم
يقول: لَيَكُونَنَّ مِن أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْحَمْة
وَالْمَعَازِفَ ... إلخ " (1).
تنبية مُهِم: درج كثير من الناس في هذه الأيام -والحمد لله على استبدال الذي هو خير بالذي هو أدبى (2)، فاستعملوا أناشيد الأفراح الدينية بدلا عن المزامير الشيطانية وآلات اللهو والطرب المحرمة، ثم أضافوا لها بعض المؤثرات البشرية البينة وهذا أمر محمود ولا إشكال فيه أيضا ..
إلا أنه مع تقدم الأيام تطوَّر الأمر إلى تحويل تلك الأصوات والمؤثرات البشرية إلى إيقاعات صوتية تمت معالجتها كلِّيَّةً بطريقة إلكترونية حاسوبية حتى حاكت أداء الآلات الموسيقية من حيث النتيجة النهائية، حتى إنه ليصعب التمييز أو يتعذر بين ما هو "صوت بشري من حيث الأصل وبين ما هو إيقاع موسيقي ناتج عن تلك المعازف المحرمة؛ لأن النتيجة واحدة والمحصلة متحدة.
يقول سماحة المفتي -حفظه ربي - في جواب مُفرد لهذه القضية العصرية: " .. هذا وبعد الاطلاع على ما يعرف بالمؤثرات الصوتية والإيقاعات المعالجة إلكترونيا، المستخدمة في هذه الأناشيد، ظهر أن كثيرا منها لا يختلف في أصواته الناتجة عن المعازف المحرمة، ولا عبرة بكونها لم تدخل في تكوينها آلات موسيقية، فإن العبرة بما هذه الإيقاعات والمؤثرات من أصوات، وليس الكلام هنا عن الأصوات الطبيعية التي تُنقى من الشوائب لتظهر كما هو أصلها، كزقزة العصافير، وهديل الحمام، وحفيف الشجر، وخرير الماء، وهدير البحر، وما أشبهها، وإنما الكلام في
ينتج عن
(1) - البخاري بَاب مَا جَاءَ فِيمَنْ يَسْتَحِلُّ الْخَمْرَ وَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، (رواه معلقا).
(2) ـ أي عوضا عن الذي هو أدنى، فالباء للعوض؛ كما قال سبحانه منكرا على بني إسرائيل: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَ بِالَّذِي هُوَ خَير (البقرة: 061 (1/328)
صفحة 329
المعلمين
الإشكال ال بالمعتصم في فقه النكاح
329
الإيقاعات والمؤثرات الصوتية التي تُنتج أنغاما وألحانا هي أشبه ما تكون بالمعازف
والمزامير.
ولهذا فإنني أرى أن أقل ما يقال فيها أنها من الأمور المشتبهات التي يجب على المسلم أن يتجنبها بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ الْحَلالَ بَين وَإِنَّ الْحَرَامَ بَينَ، وَبَيْنَهُمَا مُسْتَبِهَاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْراً لدينه وَعرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشَّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشَكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلا وَإِنْ لِكُلِّ مَلِك حَمّى، أَلا وَإِنْ حَمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلَّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلَّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ) (1)، وقد قال رسول الله: (الْبِرُّ حُسْن الْخُلُقِ، وَالإِثْمِ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ، وَكَرِهْت أَنْ يَطْلِع عَلَيْهِ النَّاسِ) (2)، هذا والله تعالى أعلم. (3).
"
قلتُ: وقدْ أَضَافَ شَيخنا القَنُّوبُيُّ - حَفَظَهُ الله - عندَ الْمُرَاجَعَة بخط قلمه قَولَهُ: "وهذا هو الحق الذي لا ريب فيه؛ إذ الأحكام الشرعية لا تعلق بالأسماء، وليس هذا موضع بيان ذلك".
(1)
(T)
-
-
علو أصوات النساء بالغناء: ووصول أصواتهن الندية وكلمات من المشجية وعباراتهن المثيرة المطربة إلى مسامع الرجال الأجانب لا سيما عند استعمال مكبرات الأصوات، وكفى بهذا خضوعا في القول، وبعثا للفتنة الملعون من أيقظها (4).
مسلم بَاب أَخْذِ الْحَلالِ وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ، رقم الحديث 2996.
مسلم، باب: تَفْسِيرِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ، رقم الحديث 4633.
(3) - الخَلِيْلِيُّ، أَحَمَدُ بنُ حَمَد. فتوى خطية من مكتب الإفتاء، معتمدة بتاريخ: 27 ذي الحجة 1428 هـ. تَنْبية مُهِم: اعلم أيها الفَطنُ - لا حرمك الله التوفيق- أنه قد جاء عند بعض المحدثين عن أم المؤمنين عائشة قالت: "دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتْ بِهِ الْأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ، قَالَتْ: (1/329)
صفحة 330
330
المعتصم
وَلَيْسَنَا بِمُغَيِّيْنِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَبِمَزْمُورِ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟! - وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهَ يا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا ".
قلت: وقدْ أَضَافَ شَيخنا القُنُّويُّ -حَفِظَهُ اللَّهُ - عِنْدَ الْمُرَاجَعَةِ بخط قلمِهِ قَولَهُ: "وأنا في شك كبير من ثبوت هذه
الرواية ".
على أن هذه الرواية على تقدير صحتها - ليس فيه دليل لمن استدل على إباحة الغناء ومزامير الشيطان، فلا ينبغي استغلال مثل هذه الروايات في تحليل المحرمات، فالجاريتان أولاً- هما فتاتان صغيرتان، تعبران عن فرحتهما بالعبدة وليستا بمغنيتين –كما قيدت ذلك السيدة عائشة بصريح العبارة، وثانيا فإن هذا الغناء كانَ إنشادًا لبعض أشعار الشَّجَاعَة والحماسة والقتال ونَحْو ذَلِكَ، مِمَّا لا مَفْسَدَة فِيهِ بِخِلافِ الْغِنَاءِ الْمُشْتَمِل عَلَى مَا يُهيج النفوس العرب في على الشر، ويدعو للميوعة والانحلال، ويثير كوامن الغرائز لدى الشباب ولذا صدق ما قيل فيه: "الغناء رقية الزناء"، ويقول ابْنُ مَسْعُود: "الغناء يُنبت النِّفَاق فِي الْقَلْب كَمَا يُنْبِت الْمَاءُ الزَّرْع، والذِّكْرَ يُنْبِتُ الإِيمَان فِي الْقَلْبِ كَمَا يُنْبِت الْمَاءِ الزَّرْع".
فإذن هذا الحديث لا دلالة فيه على ذلك الاستدلال بل الأدلة من الكتاب والسنة على خلاف ذلك، ومنها: 1 - قولُه تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوا أَوْلَيْكَ هُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ التسال: 6، سئل ابن مسعود لاله عن الآية فقال: "والله الذي لا إله إلا هو، والله الذي لا إله إلا هو، والله الذي لا إله إلا هو إنما هو الغناء (صفوة التفاسير 922/ 2).
- قوله: " صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة صوت مزمار عند نعمة وصوت مرنة عند مصيبة"، وفسر الربيع - رحمه الله - صوت المزمار بصوت المغنية. (الربيع/ 636)، ومن المعلوم لديك أن اللعن لا يكون إلا على كبيرة من كبائر الذنوب فضلا عن كونه معصية الله عز وجل.
3 - قوله: لَيَكُونَنَّ مِن أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِف .. ". (البخاري معلقا).
إلى غير ذلك من الأدلة التي تركناها اختصارا، يقول العلامة محدِّثُ العصر في هذا الشأن: " .. فالأحاديث المحرمة للغناء رويت من طرق متعددة عن صحابة رسول الله له منها الصحيح ومنها الحسن ومنها الضعيف الذي الله يشده الصحيح أو الحسن، وقد رويت من طرق متعددة منها عن علي بن أبي طالب وعن السيدة عائشة - رضي تعالى عنها - وعن ابن عباس وعبد الله بن عمر وابن العاص وأبي أمامة الباهلي وسهل بن سعد الساعدي وغيرهم من صحابة رسول الله.
وأقوى تلك الأحاديث حديث أبي مالك الأشعري رضي الله تعالى عنه - الذي رواه الإمام البخاري جازما بصحته ورواه الطبراني وأبو داود وابن ماجه بلفظ: (ليأتين رجال من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف)، هذا أقرب شيء إلى لفظ أبي داود، وقد أطال العلامة ابن القيم في عدة كتب من كتبه في الانتصار لهذا المذهب وبيان صحة الأحاديث المروية عن رسول الله الله في هذا الموضع، كما أطال في ذلك العلامة الحافظ ابن حجر ر في " فتح
الباري شرحه على صحيح البخاري. (1/330)
صفحة 331
المعتصم
كل فية المعتصم في فقه النكاح
331
ولم يأت من قال بحلية استماع المزامير الشيطانية - الأغاني - كالغزالي [المتأخر] بشيء يستحق المناقشة، وقوله بأن تلك الأحاديث لم تثبت، فقد ثبتت عند من هو أكثر مترلة منه، وعلى كل فالعالم له هفوات فقد يخطي وقد والله سبحانه وتعالى قد أمرنا بطاعته وطاعة رسوله الا الله و لم يأمرنا بطاعة أحد من الناس، والله -سبحانه وتعالى أعلم".
يصيب،
وقبل ذلك بقليل قال -حفظه الله -: "ذكر ذلك -أي تضعيف أحاديث تحريم الغناء- الغزالي في كتابه مؤخرا، وقد رد عليه طائفة من العلماء والغزالي ليس من أئمة الحديث حتى يصحح أو يضعف والعجب بأن هذا الزمان قد ابتلي بجماعة من الناس الذين لم يدرسوا مصطلح الحديث ولم يتعبوا أنفسهم بقراءة كتب الصحاح والسنن ثم بعد ذلك أخذوا يصححون ويضعفون على حسب ما تمليه عليهم عقولهم القاصرة، أو أنهم يقلدون بعض من لم يتعمق في هذه العلوم، والغزالي مقلد في هذا لابن حزم، وابن حزم عنده قصور في النظر والمتابعات والشواهد، مع تعنته في الجرح، وإنما ينظر في إسناد الحديث ويضعفه لأدنى علة، وليس هذا موضع بيان ذلك".
ومن فتاوى سماحة الشيخ أبقاه الله -: "هل يجوز الغناء في رمضان؟
الجواب: الغناء في رمضان وغيره حرام؛ لأنه رقية الزنى ومزمار الشيطان والله أعلم. وقد أجاب سماحة الشيخ بجواب مفصل حول هذه القضية فليرجع إليه من شاء.
ويحسنه
هذا .. وأختم كلامي ببعض ما وجدته عن أحد العارفين حيث قال: "وَاعْلَمْ أَن لِلْعِنَاءِ حَوَاصِ، فَمِنْهَا أَنَّهُ يُلْهِي الْقَلْبَ وَيَصُدّهُ عَنْ فَهم الْقُرْآن وَتَدَبُّره وَالْعَمَل بما فيه، فَإِنَّ الْقُرْآن وَالْغَنَاء لا يَجْتَمَعَان فِي الْقَلْبِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّصَادِ، فَالْقُرْآن يَنْهَى عَنِ اتَّبَاعِ الْهَوَى، وَيَأْمُر بِالْعِفْةِ وَمُجَانَبَة الشَّهَوَات وَأَسْبَاب الْغَيِّ، وَالْغِنَاء يَأْمُر بِضِدٌ ذَلِكَ وَيُهَيِّعِ النُّفُوسِ إِلَى شَهَوَاتِ الْغَيِّ. وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْغَنَاء قُرْآن الشَّيْطَان فَلا يَجْتَمِع هُوَ وَقُرْآن الرَّحْمَن فِي قَلْبِ، وَهَذَا مَعْنَى النِّفَاقِ. وَأَيْضًا فَمِنْ عَلامَاتِ النِّفَاقِ قِلْهُ ذكر الله وَالْكَسَلُ عِنْد الْقِيَامِ إِلَى الصَّلاة وَنَقْرِ الصَّلاةَ، وَهَذِهِ صِفَةُ الْمَفْتُونِينَ
بالغناء". وجملةُ القَوْل: إن الغناء شعر وإنشاد وكلام فحلاله حلال وحرامه، حرام إلا إن اقترن بآلة محرمة أو حمل معنى باطلا، والله أعلم. يُنظر:
الخليلي، جواب مفصل حول مسألتي اللحية والغناء لدى الكاتب نسخة منه فيه شفاء العليل، ودواء السقيم بإذن الله
تعالى.
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 337.
الخليلي، فتاوى الزينة والأعراس ص 25.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 62، 64، 402. الخليلى، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 57 - 58.
القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول، ص 118. (1/331)
صفحة 332
332
المعتممرج
- الرقص الخليع الذي فيه إثارة، وميوعة وكذا تدريب الفتيات الصغار على الرقص هو تدريب لهن على الفساد أيضا؛ إذ لا يؤمن أن يكون
الرقص بعد ذلك هواية لهن، فيجب منع ذلك سدا لذرائع الفساد كما، والله المستعان على مكافحة الفساد
الله-،
يقول شيخنا الخليلي -حفظه الله
بأشكاله (1).
أما الرقص البريء الذي لا يعدو أن يكون مجرد حركات مباحة من غير خلاعة ولا إثارة وبين النساء فقط فلا يؤدي ذلك إلى القول بمنعه
وحرمته (2)
الاختلاط بين الرجال والنساء وما يحدث بجانب ذلك من تصافح، وتعارف وتحادث وتضاحك .. ولا يخفى على شريف ما في ذلك من مفاسد (3)، وإقرار ذلك من الدياثة وقد حرم النبي دخول الجنة على
القنوبي، دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية بروي (سابقا)، صيف 1421 هـ / 2000 م، مذكرة رقم 6
ص 17.
القنوبي، "فتاوى" بمعهد القضاء الشرعي (سابقا). اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية. القنوبي، برنامج سؤال أهل الذكر " حلقة: 19 ربيع الأول 1425 هـ، يوافقه 2004/ 5/9 م.
صلاح الدين السعيد حكم الموسيقى والغناء ص 7 - 21.
أحمد المسند، حديث: السيدة عائشة، رقم الحديث 23161.
(1) - الخليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. برنامج: سؤالُ أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 22 المحرم 1433 هـ،
يوافقه 2011/ 12/18 م.
(2)
يُنظر:
الخليلي، مجلة المعالم العدد العاشر ص 22.
الخَليلي، الفتاوى ج 1 ص 63.
الخليلى، فتاوى الزينة والأعراس ص 29 - 32.
الخليلي، أنت تسأل والمفتي يجيب / الشريط الخامس إنتاج مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 62.
(3) - يُنظر: (1/332)
صفحة 333
المعلم
استا المعلب في فقه النكاح
333
الديوث، كما أن إقرار المنكر في الأهل من أزواج وبنات وأخوات وعدم الغيرة عليهن مناف للفطرة السليمة كما يقول سماحته -حفظه الله-: " .. فالغيرة إذن مطلب فطري، أما من لا يغار فهو منسوخ الفطرة"، والعياذ بالله (1).
التصفير والتصفيق هو حرام أيضا؛ لأن الله تعالى أنكره على المشركين في كتابه حينما قال: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً، الأنفال: 35، فالمكاء التصفير، والتصدية التصفيق، وكفى به دليلا على حرمته، يقول الشيخ القنوبي سلمه الله-: "التصفيق لا يصح في الأعراس ولا في غيرها (2).
إيذاء المؤمنين والمؤمنات من جيران أهل العرس عندما يستمر تعالي المنكر وارتفاع الأصوات بالطرب والغناء مدعوما بالآلات الموسيقية والمكبرات الصوتية إلى منتصف الليل أو يزيد؛ وقد توعد الله لا هؤلاء وأمثالهم بقوله: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَنَا وَإِنْعا مبينا) الأحزاب: 358) مُّبِينًا
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 64.
الخليلي، فتاوى الزينة والأعراس ص 25.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 56.
58
(1) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَدٍ. برنامج: سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ " - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 5 صفر 1430 هـ، يوافقه
2009/ 2/1 م.
(2)
- يُنظر:
الخليلى، الفتاوى ج 1 ص 63.
القنوبي، دروس صيف 1422 هـ، 2001 م، "مذكرة خاصة" ص 22.
(3) - الخليليُّ، أَحَمَدُ بنُ حمد. فتاوى النكاح ص 62. (1/333)
صفحة 334
334
معنه
Haiga
التنبيه الثاني: يسيء بعض الأزواج تطبيق سنة "وليمة العرس"، فيتكلفون فيها ويبالغون بها ويكثرون من طعامها ومن دعوة طوائف الناس إليها بإسراف وتبذير
فوق الوسع والطاقة مع ضيق ذات اليد وقلة ما في الجيب ..
وكثيرا ما يكون تبرير ذلك
، بحجج واهية أو بضغوط اجتماعية متصاعدة من قبل أهل الزوج أو من قبل أهل الزوجة حتى تُلجئه تلك الولائم إلى الديون والمغارم التي كثيرا ما تكون محرمة وغير مشروعة، بل هي ربا يؤذن صاحبها بحرب من الله ورسوله،
والعياذ بالله.
النبي
وإذا جئنا نستهدي المسلك الصحيح ونسترشد الطريق القويم فإننا نجد أن أرشد عبد الرحمن بن عوف -وهو من كبار تجار المدينة وأغنى أغنيائها إلى
الوليمة بالشيء اليسير، ولو بأقل ما يصدق عليه أنه شاة، علمه بيسره وغناه (1). مع وهكذا كان هديه في فعله يقول محدث العصر أبو عبد الرحمن القنوبي - حفظه الله تعالى-: "وهكذا في فعله - صلوات الله وسلامه عليه - فَإنَّه وإن كان يُولم لكنَّه ما كان يَصْنَعُ كَثِيرًا، إنما يصنَعُ بقدر الحاجة .. فصلوات الله وسلامه عليه أَوْلَمَ في بعض الأحيان حتى من غَير أن يذبَحَ ذَبيحة، فيمكن لِمَن يريد عُرسا أن يُولِمُ بِشَاة واحدة، ويُمكن أن يُصنَعَ طعامًا عاديًا من غَير أن يذبح ذبيحة، فيصنَعُ شيئًا من الأرز والسمك أو يذبح شيئًا من الدَّجاج أو ما شابه ذلك (2)، وفي حواشي المسند يقول الإمام السالمي الله: " ولا خلاف أنه لا حد لها، وهي بقدر حال الرجل (3).
- الربيع، بَابُ: مَا يَجُوزُ مِنَ النِّكَاحِ وَمَا لَا يَجُوزُ، رقم الحديث 521.
(2) - القنوبِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك. برنامج: سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ - تلفزيون سلطنة عمان، حلقه: 22 جمادى الثانية
1428 هـ، يوافقه 2007/ 7/8 م.
(3)
- السالمي عبد الله بن حميد. شرح الجامع الصحيح ج 3 ص 36. (1/334)
صفحة 335
المعلمين
ي المعتصم في فقه النكاح
الاكل
335
التنبيه الثالث: تقع بعض العرائس - هدانا الله وإياهن في بعض مخالفات اللباس الشرعي من حيث يشعرن أو لا يشعرن، وهذا الأمر لا يقتصر التنبيه عليه ليلةَ العرس، وإنما هو في جميع أحوال المرأة المسلمة، إلا أن التنبيه عليه في هذه الليلة آكد المخالفات فيها وكثرتها فمن مخالفات العرائس في اللباس:
لاجتماع
(1)
1
الإسبال: قد يظن البعض أن حرمة الإسبال وما ورد فيه من وعيد وتشديد مقصورة على الرجال دون النساء، وهذا فهم خاطئ، وهو خلاف فهم أم سلمة السليم، والذي أقرها عليه خليلها المختار عندما ذَكَرَ الإِزَارَ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَالْمَرْأَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «تَرْخِي شرًا»، قَالَتْ: إِذَنْ يَنْكَشِفُ عَنْهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «فَذَرَاعًا لَا تَزِيدُ
عَلَيْه» (1).
والواضح من الحديث - أيضا - أن صفة إسبال ثوب المرأة يختلف عن صفة إسبال ثوب الرجل، ذلك أن إسبال الرجل العروس وغيره- يكون بتغطية الثوب للكعبين وهما العظمان الناتئان من من جانبي الرّجل أو مجاوزته لحدهما الأعلى؛ لحديث أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، وَلَا
011
جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ، وَمَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ (2)
وأما إسبال المرأة ثوبها فيكون بالزيادة على هذا الحد الذي يمنع منه الرَّجُل -الكعبين بمقدار ذراع أو أكثر من أي جانب كان، كما جرت به العادة وللأسف الشديد - عند كثير من العرائس إذ يلبسن فساتين حتى تحمل في بعض الأحيان من فرط طولها!!
طويلة الذيل من الخلف حتى
- الربيع، بَابٌ: فِي الشَّيَابِ وَالصَّلَاةِ فِيهَا وَمَا يُسْتَحَبُّ مِنْ ذَلِكَ، رقم الحديث 273. (2) - الربيع، باب: فِي الشَّيَابِ وَالصَّلاَةِ فِيهَا وَمَا يُسْتَحَبُّ مِنْ ذَلِكَ، رقم الحديث 272. (1/335)
صفحة 336
336
—
المعلمم
3
و فقها
الالمعلمين
فليحذر العروسان السعيدان من الإسبال ليلة فرحهما وجميع أيام عمرهما ليكملا حياة السعادة في أولاهما وأخراهما (1).
التشبه في اللباس: تقوم بعض النساء - هدانا الله وإياهن- باستئجار فساتين بيضاء ضيقة الأعلى مفترشة الأسفل، وهذا تصرف لا ينبغي أن
يصدر من المسلمة المعتزة بإسلامها؛ لأن فيه تشبها من ناحيتين:
أ الأولى من حيث اللون؛ ذلك أن اللباس الأبيض هو لباس الرجال لا النساء، كما قال عليه الصلاة والسلام- لأصحابه: " عَلَيْكُمْ بهَذهِ الشَّيَابِ الْبيض، أَلْبَسُوهَا أَحْيَاءَكُمْ وَكَفْنُوا فِيهَا موتاكم (2)
ب الثانية من حيث الهيئة؛ ذلك أن هذا اللباس ليس من لباس المسلمين، وإنما هو من لباس الإفرنج الذي وفد إلينا من شاشات
الأفلام والمسلسلات وحب تقليد الآخرين، وفي الحديث: "من
تَشَبَّةَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ).
(1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى الزينة والأعراس ص 115.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 64.
الخليلية خالصة بنت أحمد ماذا أعددت لليلة الزفاف ص 15 - 16.
(2) - الربيع، بَابُ: الْكَفَنِ وَالغَسْلِ، رقم الحديث 471.
(3) - يُنظر:
أبو داود، باب: في لبس الشُّهْرَةِ، رقم الحديث 3512.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذكر" حلقة: 19 ربيع الآخر 1433 هـ، يوافقه 2012/ 3/11 م. (1/336)
صفحة 337
المعتمم
بالمعتصم في فقه النكاح
337
- الإسراف في اللباس: لأن بعض هذه الفساتين تستأجر لتلك الليلة بمئات الريالات العمانية، كما أن بعضها يُشترى بما يزيد على ألف ريال عماني، والكل إسراف منهي عنه (1).
اللباس العاري الذي تبدو منه الصدور والنحور والظهور، إضافة إلى عري الأيادي من اللباس وانكشاف شعر الرأس وعدم وجود ما يغطيه ويستره، وكذا اللباس الضيق المجسد لتفاصيل الجسم المبدي لمفاتنه، والشفاف الذي يَصفُ ويَشفُ عمَّا تحته ..
ولا شك أن في هذا الأمر كله أخطارا كبيرة ومغامرة بالغة ينبغي للعروس - من أجلها - فضلاً عن غيرها تجنب فعله وعدم الإقدام عليه، وهي: الخطر الأول: أنه لا يخلو مكان إقامة الفرح من النساء المشركات غير المسلمات، كعاملات القاعة أو الفندق مثلا، أو عاملات المنازل اللائي جئن برفقة ربات البيوت؛ وهؤلاء كلهن لا يحل إبداء الزينة أمامهن؛ للنهي الصريح في الكتاب العزيز عن ذلك حينما قال: وَلَا يبدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ .. إلى أن قال .. أَوْ نِسَآبِهِنَّ الصورة 31، ومما يخرج أيضا بقوله: أَوْ نِسَآبِهِنَّ النساء الفاسقات غير المؤتمنات حتى ولو كُنَّ من المسلمات أنفسهن؛ لأن الفاسقة غير مأمونة أن تصف محاسن النساء التي تراها لزوجها أو لغيره من الرجال
من
(1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى الزينة والأعراس ص 115، 116.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 64.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 60.
الخليلية خالصة بنت أحمد. ماذا أعددت لليلة الزفاف ص 35. (1/337)
صفحة 338
(1)
-
الأجانب، وفي هذا مفسدة وأي مفسدة، وقد جاء التحذير من ذلك في
سنة النبي).
الخطر الثاني: أنه لا يخلو مكان إقامة حفلة العرس -سواء كان بيتا أو قاعة للأفراح من وجود كاميرات المراقبة أو كاميرات الفيديو التي تصور الحفل أو كاميرات الهواتف النقالة التي لا يكاد يخلو منها هاتف في هذه الأيام، ولا تقولنَّ امرأة أن هذه الصور والمقاطع ستحفظ في مكان أمين أو أنها ستحذف؛ فإن المحفوظ قد يكشف والمحذوف من الأجهزة يمكن استرجاعه واستعادته، ولا شك أن في ذاكرتك -أخي القارئ، أختي القارئة من هذا الإهمال والتفريط قصصًا وعبرا، نضرب عن ذكرها صفحا خشية الإطالة.
الخطر الثالث: أن ذلك اللباس العاري الشفاف والوصاف يخدش جلباب الحياء الذي تطالب المرأة أن تتدثر به أشد من الرجل؛ فإن الْحَيَاء مِنَ الإِيمَانِ، وَالإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ ((2) كما قال نبي الله، وإن (2)
الحياء لعمر الحق هو أفضل ثوب تتزين به المرأة وتتجمل (3).
وذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: الاتباشِرُ الْمَرْأَةُ المَرأَة فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا " (البخاري / 4839)،
فليحذر من ذلك. يُنظر:
(T)
الخليلي، فتاوى الزينة والأعراس ص 24 - 25، 151.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 59 - 60.
الخليلي، أنت تسأل والمفتي يجيب / الشريط الأول. إنتاج مكتبة وتسجيلات مشارق الأنوار. القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول ص 113.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ص 387. . الخليلية خالصة بنت أحمد من فقه الجمال ص 3.
(2) - الترمذي، بَاب مَا جَاءَ فِي الْحَيَاء، رقم الحديث 1932.
(2) - يُنظر: (1/338)
صفحة 339
اب المعتصم في فقه فقه النِّي
کاج
النقل
339
الخطر الرابع: أن ذلك اللباس بكل ما ورد فيه من تفاصيل من حيث كونه عاريًا وضيقا وشفافًا لا يجوز شرعا؛ لأنه يُدخل صاحبته في الوعيد الإلهي الذي جاء على لسان النبي صلى الله عليه وسلم: " صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سَيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاء كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاتٌ مَائِلاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْمَةِ الْبَحْتِ الْمَائِلَةِ لَا يَدْخُلْنَ
الْجَنَّةَ وَلا يجدن ريحها (1)، وكفى هذا موعظة وذكرى للذاكرين (2).
التنبيه الرَّابع: تشترط بعض أمهات النساء أو أوليائهن على الزوج المعر لليلة الزفاف شروطا وتكاليف ما أنزل الله بها من سلطان، كأن تكون حفلة الزفاف في قاعة كبرى أو فندق راق ذي نجوم كثيرة، وأن تكون الدعوة لوليمة العرس كبيرة، فوق الطاقة والإمكان يُدعى إليها القاصي قبل الداني والغني قبل الفقير .. وكل ذلك بدافع حب السمعة والظهور، وحب تقليد الآخرين من الأغنياء والميسورين، فيندفع ذلك الزوج إلى الاستدانة والاقتراض، ولو بطريق الربا المحرم ..
مع العلم أن الإسلام السمحَ حث على تيسير كل ما يتعلق بالزواج وتكاليفه وأمر بأن يُنفق كل ذي سعة من سعته، بل أبعد بعض العلماء النظر وقال بأنه ينبغي تيسير أمر الزواج حتى من قبل الأغنياء أنفسهم؛ لئلا يحمل ذلك من دونهم من الفقراء
(1)
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 65 - 66.
الخليلية، ماذا أعددت لليلة الزفاف ص 16 - 26.
- مسلم، باب: النِّسَاءِ الْكَاسِيَاتِ الْعَارِيَاتِ الْمَائِلاتِ الْمُمِيلات، رقم الحديث 3971.
(2) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 64.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 60.
الخَليْلِيُّ، فتوى خطية معتمدة من. مكتب الإفتاء بتاريح: 11 ربيع الأول 1430 هـ، لدى الكاتب نسخة منها.
القنوبي، الإمام الربيع مكانته ومسنده ص 170. (1/339)
صفحة 340
340
معنا
وغيرهم إلى تقليدهم والاقتداء بهم في تحمل التكاليف الباهضة، فينبغي للغني أن يكون
أسوة للفقير، وأن يراعي تفاوت أحوال الناس (1).
وفي الجانب المقابل يقول بدر الدين الخليلي أبقاه الله - موجها ومرشدا: ". فإنّ الإنسان مطالب بأن ينظر في أمر الدين إلى من هو أعلاه، وفي أمر الدنيا إلى من هو أدنى منه، كما يطالب الإنسان بأن يرغب في القناعة؛ فإن القناعة كثر لا يفنى"، والله
أعلم). لطيفة): يُذكر عن الإمام الرضي محمد بن عبد الله الخليلي الله أنه عندما كان يذهب لزيارة أقاربه ومعارفه بوادي بني رواحة يأمر أهله بترع ما في أيديهم من حلي؛ لئلا تتطلع إليها نفوس نساء الوادي؛ مع ما يعلم من فقرهن وعدم اقتدارهن على الحلي، فلله دره ما أبعده من نظر، وما أثقبه من فكر.
***
قُلوبُ العَارِفِينَ لَهَا عُيُونُ ترَى مَا لا يَراهُ النَّاظرونَا
وأَجْنِحَةٌ تَطِيرُ بغَيرِ رِيْشٍ
***
إلى رضوان ربِّ العالمينا
التَّنْبيه الخامس: سمعنا من بعض من أدركنا من آباء من بدع الأعراس ومنكرات الأفراح ما تقشعر منه الجلود وتَقُفُ منه شعور الرؤوس كمطالبة الزوج من قبل أهل العروسين بإظهار خرقة دم البكارة، التي بها الدَّم الناتج من فض غشاء بكارة
المرأة؛ لإظهار عفتها كما يزعمون!!
(1) - الكندي، إبراهيم بن أحمد. مشكلات الزواج في العصر الحديث ص 47 - 51.
(2) - الخَليلَيُّ، أَحَمَدُ بنُ حمد. المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 46 - 47.
(3) - يُنظر:
الخليلية خالصة بنت أحمد. ماذا أعددت لليلة الزفاف ص 36.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقه: 19 ربيع الآخر 1433 هـ، يوافقه 2012/ 3/11 م. (1/340)
صفحة 341
341
والحق أن هذا أمر لا ينبغي أن يكون بحال أبدا؛ بل هو من أسرار البيوت وخصوصيات العلاقة الزوجية التي لا ينبغي أن تخرج من محيطها، على أنه لا يلزم أن يكون البناء بالزوجة في ليلة العرس نفسها، بل قد يؤجل ذلك لبعض الظروف، ويفضل تأجيله في بعض الأحيان (1).
على أن غشاء البكارة نفسه قد يَزُول قبل الزواج أو قبل الدخول بسبب من الأسباب الأخرى غير الوطء، كالركوب الطويل على الدابة أو القفز من مكان مرتفع أو بسبب عارض من العوَارِضِ الأخرى التي تعرِضُ على المرأة، فلا ينبغي للرَّجُل بل لا يجوز له ولا للأهل أن يُسيؤوا الظنون بالمرأة إذا وُجد أن بكارتها قد زالت، والحمد الله على اختفاء الكثير من هذه المظاهر، والله ولي التوفيق (2).
مصيبة: حدثني بعض من أثق بصحة حديثه وصدق كلامه أنه وقع في قريتهم أن شابا دخل على امرأته ليلة زفافها لكنه لم يبن بعرسه تلك الليلة لأنه لم يُظهر لأهله "خرقة البكارة حسب العرف الفاسد لديهم، فقالت له أخواته السبع إنك لا تعرف الطريقة لفض البكارة، فدخلن معه جميعا حتى افتضضن بكارة العروس وأخرجن "دم العفة" منها!! قاتل الله الجهل وناصره، لا أعاد له عاملا أبدا.
(1) - يُنظر:
الخليلي، مجلة المعالم العدد العاشر ص 23.
الخليلي، فتاوى الزينة والأعراس ص 24.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 64.
عبد الظاهر، الأسرار الخفية للمعاشرة الزوجية ص 200.
2 - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. برنامج: سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ " - تلفزيون سلطنة عمان، حلقه: 3 رمضان 1428 هـ
يوافقه 2007/ 9/15 م. (1/341)
صفحة 342
342
المعتمد
N 26267
هذا، وبالجملة فإن للأعراس بدعا ومنكرات كثيرة لا يمكن أن تدخل تحت عد أو إحصاء، ولا يمكن أن نحيط بها، فضلا عن أن نفصل القول فيها، وهنا أسرد لك
بعضها بإيجاز واختصار
JC
التشاؤم من زفاف الأخوين في نفس الليلة.
قيادة السيارة التي تزف المرأة العروس من قبل رجل أجنبي منها كاخ الزوج، مع العلم أن العروس تكون في تلك الحالة متعطرة متبخرة. جلوس العروسين على كرسي في منصة أمام النساء فيما يعرف عند البعض بـ"الكوشة"، تنظر الأجنبيات إلى الرجل فارس الليلة وهو بكامل وسامته وحليته، وينظر هو إليهن وهن بكامل زينتهن وظهور محاسنهن قلت: وقد سألت شيخنا الخليلي -حفظه الله- عن حكم هذه العادة، فأجاب بأنها "بدعة " (1).
التأخر في زفاف المرأة العروس وإدخالها على زوجها إلى ما بعد منتصف الليل أو قبيل الفجر، وما يترتب على ذلك من فوات صلاة الفجر المفروضة في الجماعة.
وقوف "الزفافة" على الباب ومنعها الزوج من الدخول على المرأة إلا
بإعطائها مبلغا
من
المال.
تمنع المرأة من مس الزوج لها إلا بإعطائها مبلغا من
وضع المصحف على رأس المرأة العروس.
المال.
2 - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمَد. لقاء المؤلف بسماحته مساء يوم الجمعة 16 ذو القعدة 1432 هـ، الموافق له 14 أكتوبر
-
2011 م. (1/342)
صفحة 343
المعتمد
س اب
x
المعتصم في فقه النكاح
343
"قراءة العاشر"، وهي قراءة رجل أجنبي الآيات العشر الأوائل من سورة
النور على الزوجين عند زفافهما.
وضع الرجل رجله على رجل المرأة العروس، ويده على رأسها، ويقرأ عليها سورة الفاتحة.
ذبح الشاة عند رجل العروسين عند الزفاف ليصيبهما دم الذبيحة، لا سيما إن كان للرجل زوجة سابقة قد توفيت عنه.
إطلاق نيران البنادق في الهواء عند اشتداد الريح ليلة الزفاف؛ بهدف
إيقافها!!
التلف
فقم أخي الداعية، بارك الله فيك - بواجب العلم والعمل مرشدًا وموجها وناصحا آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر؛ حرصا على سلامة مجتمعك من والفساد، وامتثالا لقول نبيك: بلغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً"، وقوله: " نَضَرَ اللهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، ثُمَّ بَلْغَهَا عَنِّي، فَرُبِّ حَامِلِ فِقْهِ غَيْرِ فَقِيهِ، وَرُبَّ حَامِل فِقْهِ إِلَى
مِنْهُ (1)
مَنْ هُوَ أَفْقَهُ منه (1)، رَبَّنَا مَالِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَبْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا:
الكهف: 10.
10
(1) - ابن ماجه، بَاب: مَنْ بَلْغَ عِلْمًا، رقم الحديث 232. (1/343)
صفحة 344
344
المعتمد
البَابُ الحَادِيَ عَشرَ فِي بَعْضِ الأَنْكِحَةِ غَيرِ المَشرُوعَةِ
قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ هُوَ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْنَ)
فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاة ذَلِكَ فَأُولَيكَ هُمُ الْعَادُونَ) ا (1)
المعارج: 29
-
أَيْمَنْهُمْ
تنبه - أيها النبيه - أن الإسلام العظيم قد شرع الزواج، وجعله ميثاقا غليظا ورابطة مقدسة تتحقق به معاني المودة والرحمة بين الزوجين، وتدور باجتماع قطبيه عجلة الحياة وتنتظم باستمراره مسيرة البشرية جمعاء، ومن أجل ذلك كله فقد أولاه الإسلام أيما عناية، وأعطاه أيما اهتمام فرفع دعامته بأعمدة من الأركان الواجبة، وأحاطه بسور من الشروط اللازمة، ولذا كان الخروج عن تلك الشروط والأركان سببا للفساد والبطلان، ومن ثَمَّ كانت هنالك بعض من أنواع النكاح الباطلة غير المشروعة اختلت فيها الشروط أو الأركان منها ما كان موجودا من عهد الجاهلية الأولى، ومنها ما أنتجته الحضارة المعاصرة بجاهليتها الحديثة ..
فمن أنواع الأنكحة الباطلة غير المشروعة: (1/344)
صفحة 345
المعلمة
إستعمل المعتصب في فقه التي ية التك
النَّوْعُ الأَوَّلُ نِكَاحُ الشَّغَارِ:
345
لقد رأيت أخي البصير لا برحت اقتفاء سنة البشير النذير- ما تقدم من أدلة على وجوب الصداق وكونه شرطا لصحة النكاح، وأنه يشترط في جنسه أن يكون مما جعل له الشرع قيمة مادية سواء كان عينا قائمة أو منفعة مشروعة، ولذا فإنك تدرك بطلان ما كان عليه أهل الجاهلية من نكاح الشغار"، الذي ينعدم فيه الصداق وتكون فيه الأبضاع صداقا للأبضاع (1)، إذ كان أحدهم يقول لصاحبه: زوجني ابنتك على أن أزوجك ابنتي .. وهذا ما يصرح بحرمته وعدم جوازه العلامة المفتي في فتاوى "المرأة تسأل والمفتي يجيب" حيث يقول -حفظه الله -: " .. و لا يجوز أن يكون بضع صداقًا
لبضع "
(2)
فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَعْنَى الشَّفَارِ
الشغار في اللغة مأخوذ من الشغور وهو الخلو والرفع، يقال شغر المكان، أي خلا وفرغ من الناس ووظيفة شاغرة أي خالية من عاملها، والشغار في الاصطلاح هُوَ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ لِرَجُلٍ آخَرَ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَ لَهُ الْآخَرُ ابْنَتَهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ، وَكَذَلكَ الأُخْتُ بالأُخت والقريبة بالقريبة، يقول النووي في شرحه على "صحيح مسلم: " وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ غَيْر الْبَنَات مِنَ الأَخَوَاتِ، وَبَنَات الأَخ، وَالْعَمَّات، وَبَنَات الأَعْمَامِ، وَالإِمَاء كَالْبَنَاتِ فِي هَذَا (3).
(1)
- الأَبْضَاعُ: جمعُ بُضْعِ بِضَمِّ البَاءِ: مثل قُفْلٍ وَأَقْفَالٍ، والبضعُ يُطْلَقُ عَلَى الْفَرْجِ، وَالْحِمَاعِ، وَيُطْلَقُ عَلَى التَّزْوِيج
أيضًا. يُنظر: الفيومي، المصباح المنير، مادة: (ب، ض، ع).
(2) - يُنظر:
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 39.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 181، 182.
(3) - النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج ج 9 ص 200. (1/345)
صفحة 346
346
النّ
المعتصم في فقه الـ
فَصْلٌ فِي سَبَبِ تَسْمِيَةِ نِكَاحِ الشَّغَارِ
المعلمه
سُمي "نكاح الشغار" بهذا الاسم لأن هذا النوع من النكاح خال وفارغ من الصداق الشرعي بسبب رَفْعِ المتشاغرين له، فكأنهما رفعا المهر معا وأخلى كل واحد منهما بضع قريبته للآخر، فيكون زواج كل واحدة منهما مشروطا بتزويج الأخرى (1).
أما إن كان الزواج من غير تشارط بين الطرفين، وإنما بكامل رضا كلتا المرأتين مع المهر الخالص المرضي لكل واحدة منهما فهو نكاح شرعي جائز، وليس من الشغار في شيء، والله أعلم (2).
فَصْلٌ فِي حُكْمِ نِكَاحِ الشَّغَارِ دِيْنًا
نكاح الشغار حرام في دين الله (3)؛ لأنه نكاح لم تتحقق فيه شروط صحته، لخلوه من المهر، أو لأن المهر المشروط فيه - وهو البضع - غير صالح لأن يكون مهرا شرعا، ولذا صرحت السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام- بالنهي عنه، فعن أبِي عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدِ عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ نَ عَنِ الشَّغَارِ، وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهَ لِرَجُلٍ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَ لَهُ الْآخَرُ ابْنَتَهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٍ، وَكَذَلِكَ الْأُحْتُ بِالْأُخْتِ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لا
شعار في الإسلام).
نَهَى
(1) - يُنظر:
الفيومي المصباح المنير، مادة (ش غ ر).
ابن منظور، لسان العرب، (شعر).
(2) - الخَليْلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد. فتاوى النكاح ص 181. (2) - الجناوني، يحيى بن الخير. كتاب النكاح ص 148.
(4) - يُنظر:
الربيع، باب: في الأَوْلِيَاء، رقم الحديث 514.
مسلم بَاب تَحْرِيمِ نِكَاحِ الشَّغَارِ وبطلانه، رقم الحديث 2539. (1/346)
صفحة 347
المعتصم
المعتصم في فقه النكاح
347
فهذه الصورة من نكاح الشغار الخالية من الصداق حرام بالإجماع، وإن كان هناك صداق صوري متماثل أو يسير يدفعه كل ولي إلى قريبته فهو محرم أيضا؛ لأن اشتراط تزويج كل واحدة منهما لزواج الأخرى كاف لإبطاله؛ إذ يجعل هذا الاشتراط بضع كل واحدة منهما صداقا للأخرى، وهذا ما لا يجوز بحال، كما أن خلق الكرام يأباه ولا يقبله (1).
وتتأكد حرمة نكاح الشغار بجميع صوره وتتقرر لأجل سد ذريعة الفرقة والشتات؛ لأن افتراق إحدى الزيجتين ووقوع الخلاف بينهما يؤدي في كثير من الأحيان إلى افتراق الزيجة الأخرى بفعل الضغط العائلي والاشتراط المتقدم؛ إذ يُجبَر الزوج من قبل أهله على فراق زوجته- قريبة الآخر الذي فارق قريبتهم أيضا، والله المستعان (2).
فَصْلٌ فِي حُكْمِ نِكَاحِ الشَّغَارِ قَضَاءً
كما أن نكاح الشغار حرام دينًا، فهو على الصحيح باطل قضاء (3)، فإن وقع فعلاً وجب التفريق بين الزوجين ولا يُقرَّان على ما هما عليه من النكاح الباطل
فَائِدَةُ: اختلف المحدثون في تفسير الشغار الوارد في ذيل هذه الرواية "وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهَ لِرَجُلٍ عَلَى أَنْ
يُزَوِّجَ لَهُ الآخرُ ابْنَتَهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ، وَكَذَلكَ الأُخْتُ بالأُخت"، هل هو من قول النبي، أو أنه مدرج من كلام الراوي للإيضاح والبيان؟ والأول أظهر كما يقول العلامة القنوبي - سلمه الله -: " الظاهر أن تفسير الشغار من كلام النبي لاتفاق غالب الروايات عليه. يُنظر: القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الأول ص 51.
(1)
) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح بحث من قضايا الزواج ص 430 - 431.
الخليلي، سلسلة دروس التفسير، تفسير الآية رقم 4 من سورة النساء / الدرس الأول. "مادة سمعية"، اللجنة الثقافية
بمعهد العلوم الشرعية.
السالمي جوهر النظام ج 2 ص 247.
الغندور، الأحوال الشخصية في التشريع الإسلامي ص 78.
(2) - الخَلِيلِيُّ، أَحَمَدُ بنُ حَمَد. فتاوى النكاح ص 181، 431.
(3) - القنوبي، سعيد بن مبروك. بحوث ورسائل وفتاوى القسم الثالث ص 22. (1/347)
صفحة 348
348
المعتصم
المعلم
العاطل، إذ من فرَّ من الحق رُدَّ إليه، وفي الحديث المسند الصحيح: " مَنْ عَمِلَ عَمَاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدُّ (1).
فيفرق بين المتشاغرين وزوجتيهما بمجرد وقوع عقد النكاح بينهم، فإن وقع دخول بسبب هذا النكاح المزعوم حرمت الزوجتان ولا يجتمع كل متشاغر بزوجته أبدا، أي أنه يفرق بينهما فرقة أبدية لا رجعية (2).
فَصْلٌ فِي آثَارِ الفُرْقَةِ مِنْ نِكَاحَ الشَّفَارِ
إن وقع نكاح الشغار وتم التفريق بين الزوجين قبل الدخول فلا يترتب عليه أي أثر شرعي من صداق أو نفقة أو نسب أو إرث .. إلخ؛ بناءً على القاعدة الكلية الشرعية إن كل عقد باطل وقعت الفرقة فيه قبل الدخول لم يترتب عليه أي أثر (3)،
فإن وقع دخول ترتب عليه الآتي:
-
الحرمة المؤبدة بين الزوجين.
الصداق للمرأة بما استحله كل زوج من وطئه للمزوجة شغارا (4).
ثبوت نسب الأبناء؛ مراعاة لمصلحة الأبناء، كما
الشبهة (5).
هي القاعدة في وطء
(1)
- الربيع، بَابٌ في الوِلايَةِ وَالإِمَارَةِ، رقم الحديث 49.
(2) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 181.
الجناوني، كتاب النكاح ص 148 (حاشية).
أرشوم النكاح: صحة وفسادا ص 194.
(3) - أرشوم، مصطفى بن حمو النكاح: صحة وفسادا ص 331.
(4) - القنوبي، سعيدُ بنُ مَبْرُوك. فتاوى على أسئلة من الشرق الإفريقي ص 16.
(0) - التيواجني مهني، عمر، وعزيز عبد الكريم. فقه الأسرة ص 106. (1/348)
صفحة 349
المعلمم
يات بالمعتصم في فقه النكاح
فَتْوَى
349
السُّؤَالُ/ هل يجوز للرجل أن يزوج ابنته لولد أخته، وابنة أخته يزوجها ابنه؟
الجَوَابُ إن لم يكن ذلك مشروطًا في الزواج، وكانت كل واحدة راضية بالزوج، ولكل واحدة صداقها يدفع إليها؛ فلا حرج، والله أعلم).
فتوى أخرى
السؤال/ تزوجت ابنة عمي بالمقايضة حيث تزوج أخوها من أختي، وقد حدثت مشاكل بين أختي وزوجها مما جعله يطلقها بالثلاث وبسبب ذلك أجبرني الأهل بأن أطلق أنا أيضًا أخته بالثلاث وقد وقع ذلك رغمًا مني، فما الحكم في ذلك؟
الجَوَابُ بئس الزواج، وبئس الطلاق، إذ المقايضة ليست زواجا، وإنما هي عين الزنى، ولم تشرع المقايضة في النساء، وإنما هي في المتاع والبهائم، وأما الطلاق الصادر من كل منكما؛ فهو طلاق بدعة لا يصدر ممن يخشى الله، ويتقيه، فدع هذه المرأة عنك، وتزوج غيرها زواجًا شرعيا لا شبهة فيه، والله أعلم.
اِقْرَأْ وَتَدَبَّرْ
يقول الشيخ الإمام نور الدين عبد الله السالمي الله في جوهر النظام:
وقد نهى عن الشغار المصطفى
وذاك إن كان بلا صداق
وإن يكن عند صداق عينوا
وخلق الكرام لا يقبله
***
***
***
***
وهو القياض بالنساء فاعرفا
فالن
هى للتحريم باتفاق فذلك التنزيه فيه بين
لما به من حالة ترذله (3)
(1) - الخليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد. فتاوى النكاح ص 181. (2) - الخَليلَيُّ، أَحَمَدُ بنُ حَمَد. فتاوى النكاح ص 181. - السالمي، عبد الله بن حميد جوهر النظام ج 2 ص 247.
(3) (1/349)
صفحة 350
350
المعتصم
النَّوْعُ الثَّانِي / النِّكَاحُ الْمُؤَقَّتُ:
لقد مر
و معك أخي القارئ في الباب التاسع من أبواب هذا الكتاب (1) أن الغاية المرادة من عقد النكاح هي حصول السكن الروحي والاستقرار النفسي لكلا الزوجين مع تكوين العش الأسري الصالح، وذلك ما لا يكون إلا باستمرار هذا العقد وتأبيده من البداية، فإن توقيته بمدة زمانية معلومةً كانت أو مجهولة، طويلةً كانت أو قصيرةً لا يحقق ذلك الاستقرار والسكن ولا يقيم بناء المجتمع السعيد، ولذا كان من شرط عقد النكاح أن تكون صيغته مؤبدة مستمرة لا مؤقتة منقطعة ..
فيخرج بهذا الاشتراط بعض صور النكاح غير المشروعة، والتي منها:
أولاً نِكَاحُ المُمتعة
فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَعْنَى نِكَاحِ الْمُتْعَةِ
تعلم أخي الصالح -متعك الله بالطيبات المشروعة، وجنبك الخبائث المحظورة أن نكاح المتعة هو أن يتزوج الرجل المرأة بشروط النكاح الأربعة من صداق وولي ورضا وشهود ولكنه يوقت إلى أجل معلوم، فإذا تم الأجل أعطاها صداقها الذي فرضه لها، فإن أحب أن تزيده في الأيام قال لها: أزيدك في الأجرة وتزيدينني في الأيام؟ فإن شاءت المرأة فعلت وإن لم تشأ انحلت رابطة النكاح وخرجت المرأة من عصمته بلا طلاق، وكذا ليس في نكاح المتعة إرث ولا عدة ولا نفقة ولا كسوة ولا سكنى (2).
(1) - يُنظر: الْبَابُ التَّاسِعُ: في أَرْكَانِ عَقْدِ النِّكَاحِ، ومُتَمِّمَاتِهِ- الركن الثالث الصيغة.
(2) - يُنظر:
السالمي، شرح الجامع الصحيح ج 3 ص 26.
الجناوني، كتاب النكاح ص 147. (1/350)
صفحة 351
المعتمد
النكاح
النقل المعتصم في فقه التي
فَصْلٌ فِي مَشْرُوعِيَّةِ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ
351
لم يختلف فقهاء الإسلام على مر السنين والأعوام في أن نكاح المتعة كان مشروعا في أول الأمر بعد أن كان معروفا في الجاهلية، فقد أباحه النبي لأصحابه في بعض غزواته -عليه الصلاة والسلام - الحاجة داعية حينما اشتدت عليهم الميعة، وشقت عليهم العزوبة، وطالت بهم الغربة في الجهاد في سبيل الله، فعند مسلم أن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَخَّصَ عَامَ أَوْطَاسِ فِي الْمُتْعَةِ ثَلَاثًا ثُمَّ نَهَى عَنْهَا (1).
والمعنى أن هذا الحكم كان مباحًا مشروعًا في صدر الإسلام، وإنما أباحه النبي صلى الله عليه وسلم لهم لما وقعوا فيه من شدة العزوبة عندما طال بهم الخروج فاتحين في سبيل الله، فتلك الإباحة كانت في أسفارهم مع عدم إمكان اصطحاب نسائهم، ولم يأت أن النبي صلى الله عليه وسلم أباحه لهم وهم في بيوتهم مع أزواجهم، ولهذا أباحه لهم غير مرة في أوقات مختلفة من غزواتهم الطويلة وأسفارهم القاصدة حتى حرمه عليهم في آخر أيامه تحريما مؤبدا إلى يوم القيامة (2).
فَصْلٌ فِي حُكُم نِكَاحَ الْمُتْعَةِ
اختلف المسلمون في حكم نكاح المتعة واستمرار بقاء مشروعيته من عدمها، بعد اتفاقهم على إباحته أولا فذهب الجمهور الأعظم منهم إلى أن إباحته الأولى منسوخة، وأن حكمه الشرعي الآن هو الحرمة والتحريم، وحكمه القضائي هو التفريق وعدم الإقرار، فإن وقع فُرّق بين طرفيه، وهذا هو المروي عن أكثر السلف من الصحابة يقول العلامة المفتي -حفظه الله - في فتاواه القيمة: الذي نذهب إليه
والتابعين
(1) - مسلم، باب: نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَبَيَانِ أَنَّهُ أَبِيحَ ثُمَّ نُسِخَ ثُمَّ أُبِيحَ ثُمَّ نُسِخَ، رقم الحديث 2499.
(2) - يُنظر:
أرشوم، النكاح صحة وفسادا ص 221.
النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج ج 9 ص 184.
(3) - القَنُّوْبِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك. بحوث ورسائل وفتاوى/ القسم الخامس ص 17. (1/351)
صفحة 352
352
المعتصمي
المعتمه
وتعتمل أن نكاح المتعة قد نسخ (1)، ويقول في موضع آخر: "هذا، وأما نكاح المتعة الأمة الإسلامية أنه منسوخ وهو بعد نسخه لا يملك أحد من البشر
فنحن مع جمهور إباحته (2)
ذلك
ويقول شيخ المحدثين القنوبي يحفظه الله -: " نكاح المتعة منسوخ بظاهر القرآن وبنص السنة الصحيحة الثابتة ثبوتا أوضح من شمس النهار .. وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء، وهو الحق الذي لا محيص عنه، ولا عبرة بخلاف من خالف إذا صح عنه؛ إذ كل أحد يؤخذ من قوله ويُرد خلا أنبياء الله ورسله عليهم صلوات الله وسلامه .. ولا حظ للنظر مع ثبوت الأثر عن خير البشر -صلى الله عليه وآله وسلم- وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل (3).
وقد استدل الجمهور على نسخ نكاح المتعة وعدم بقاء حكمه بعدة أدلة
ودلالات، منها ما يأتي:
أولا من الكتاب:
1 - قوله: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاة ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ تُحْصِنِينَ غَيْرَ
النساء: 024
مُسَفِحِين ووجه الدلالة من الآية أن الله تعالى أحل من النكاح ما ابتغي! والإحصان، لا مجرد سفح الماء كما هو الشأن والغاية من نكاح المتعة (4).
(1) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد. فتاوى النكاح ص 189.
- الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد. فتاوى النكاح ص 190.
(3) - يُنظر:
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الأول ص 51 - 52.
القنوبي، فتاوى على أسئلة من الشرق الإفريقي ص 13 - 15.
به العفة
(4) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 189، 190. (1/352)
صفحة 353
فعل المعتصم في رفقة الشكارة
353
2 - قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُوَ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ
أَيْنَهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَبِكَ هُمُ الْعَادُونَ) - -
ووجه
المعارج: 29 – 031
الاستدلال من الآية أن الله تعالى حصر جواز الاستمتاع بالزوجة وملك
أن اليمين، وبين من ابتغى وراء ذلك فإنه عاد ومتعد ومعتد، والموطوءة في "نكاح المتعة" ليست زوجة في الحقيقة؛ لأنها لا ترث ولا تورث ولا تجب لها النفقة، ولا يقع فيها الطلاق، وكذا فهي ليست بملك يمين؛ لأنها حرة كاملة الحرية، فلما لم تكن زوجة ولا أمة مملوكة حرم الاستمتاع بها بدلالة هذه الآية الكريمة (1).
-3 - قوله تَعَالَى: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنَكُم مِّن فَنَيَتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ - إلى قوله - ذَالِكَ لِمَنْ
ده
النساء: 25.
خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمُ) من هذا النص القرآني أن الآية الكريمة اقتصرت على ذكر نكاح
ووجه الدلالة
الإماء عند العجز عن تزوج الحرة وخوفى العنت والوقوع في الإثم، وقررت أن الصبر على مجاهدة النفس ومغالبة الشهوة خير من نكاح الإماء، ولو كان نكاح المتعة جائزا لأرشدت إليه الآية طريقا ميسرا لا تبعة فيه، ولا يترتب عليه ما يترتب على نكاح الأمة من مفسدة استرقاق الولد للغير، فعدم ذكره في هذا المقام دليل على وعدم جواز اللجوء إليه، ولو مع المشقة والعنت ومغالبة الشهوة (2).
(1) - يُنظر:
(2) - يُنظر:
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقه 10 جمادى الأولى 1423 هـ، يوافقه 2002/ 7/21 م. أبو زهرة، الأحوال الشخصية ص 47 - 48.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 190.
أبو زهرة، الأحوال الشخصية ص 48.
الغندور، الأحوال الشخصية ص 88 - 89
حرمته (1/353)
صفحة 354
354
ثانيا من السنة:
ثبت في سنة النبي أنه أذن في متعة النساء في بعض غزواته التي غزاها بعد أن اشتدت عليهم العزوبة، ثم ثبت ثبوتا قاطعا أن النبي صلى الله عليه وسلم فهي عنها ونسخ تلك الإباحة المتقدمة، وقد بلغت الأخبار الناهية عن المتعة مبلغ التواتر القطعي، حيث تواتر معنى الروايات على تحريم نكاح المتعة وإن اختلفت الألفاظ وتنوعت بتنوع المشاهد والمواقف)، نكتفي منها بالنصوص الآتية:
(1) ,
1. ما رواه الحافظ الحجة الإمام الربيع بن حبيب الله من طريق أبي عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدِ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِب قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ
الإنسية (2).
. ما رواه الإمام مسلم من طريق الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ كُنْتُ أَذَنْتُ لَكُمْ فِي الاسْتِمْتَاعِ مِنَ النِّسَاءِ، وَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيْءٍ فَلْيُحَلِّ سَبيلَهُ، وَلَا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا (3).
(1)
الخليلي، سلسلة دروس التفسير، تفسير الآية رقم 27 من سورة النساء. مادة سمعية"، اللجنة الثقافية بمعهد العلوم
الشرعية.
أرشوم، النكاح صحة وفسادا وآثارا ص 207.
(1) - اطفيش محمد بن يوسف شرح النيل ج 6 ص 318 - 319.
(2) - الربيع، بَابُ: مَا يَجُوزُ مِنَ النِّكَاح وَمَا لا يَجُوزُ، رقم الحديث 518.
(3) - مسلم، باب: نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَبَيَانِ أَنَّهُ أَبِيحَ ثُمَّ نُسِخَ ثُمَّ أَبِيحَ ثُمَّ نُسِخَ وَاسْتَقَرَّ تَحْرِيمُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، رقم الحديث
2502 (1/354)
صفحة 355
المعلم
ان المعتصم
الدقة الناج
355
وفي رواية عنه أيضا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ، وَقَالَ: ألا إِلَهَا حَرَامٌ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كَانَ أَعْطَى شَيْئًا
(1) n
فلا تأخذه (1)
فيستبين من خلال هذه النصوص الشرعية وغيرها الكثير مما لم يذكر أن نكاح
المتعة قد نسخ بعد أن كان حلالا، مباحا واستقر الأمر على نسخه وتحريمه إلى يوم القيامة كما صرحت بذلك الرواية، وبالله التوفيق.
لطيفة: كان ابن عباس يقول ويفتي بإباحة نكاح المتعة حتى رجع عـ
عن
هذا القول وانضم إلى سائر الصحابة في القول بتحريم المتعة عندما علم أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عنها نهيا مؤبدا، فقد جاءه سعيد بن جبير يوما فقال له ما تقول في المتعة؟! فقد أكثر فيها الناس وسارت بفتياك الركبان وقالت فيها الشعراء، قال: وما قالوا، قال: قد قلت للشيخ لما طال محبسه يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس وهل ترى رخصة الأطراف آنسة تكون مثواك حتى مصدر الناس
***
***
فقال: أو قد قال فيها الشاعر؟ قال: نعم، قال: فنهى عنها (2).
(1)
- مسلم، باب: نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَبَيَانِ أَنَّهُ أَبِيحَ ثُمَّ نُسِخَ ثُمَّ أَبِيحَ ثُمَّ نُسِخَ وَاسْتَقَرَّ تَحْرِيمُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، رقم الحديث
2509
(2) - السالمي عبد الله بن حميد شرح الجامع الصحيح ج 3 ص 27 - 28. (1/355)
صفحة 356
356
المعتصم
داهمة الشر
ثَانِيَا نِكَاحُ التَّحْلِيل:
لقد علمت فيما سبق سلمك الرحمن - أن من النساء المحرمات على التوقيت المرأة المطلقة ثلاثا، فتبين عن مطلقها بينونة كبرى، فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره نكاحا صحيحا لاشبهة فيه ولا تدليس، ويدخل بها هذا الأخير دخولا حقيقيا، ثم تحصل الفرقة بينهما بطلاق أو وفاة أو غيرهما، وتنقضي عدتها، فحينها تحل لمطلقها الأول؛ لأن القرآن الكريم جعل زواجها بغيره ثم فراقها منه غاية حتى تحل له؛ قَالَ تَعَالَى: فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أن يتراجعاة البقرة: 230
وجاءت السنة وبينت المراد من النكاح هنا وهو أنه ليس مجرد العقد فقط، بل هو العقد الذي يتبعه دخول حقيقي، فعن عائشة قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَأَبَتَ طَلاقِي، فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ، فَذَكَرَتْ لَهُ أَنَّهُ لا يَأْتِيهَا، وَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إِلَّا مِثْلُ هُدْبَةِ التَّوْبِ، فَتبسم رسول الله، وقَالَ: لَعَلَّكَ تُريدين أن ترجعي إلى رفاعَةَ؟ لا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَك (2).
(1) - القنوبِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك. برنامج: "سؤالُ أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 27 رمضان
1422 هـ، يوافقه 2001/ 12/13 م.
(T)
2) - يُنظر:
البخاري، باب: التَّبَسُمِ والضَّحِكَ، رقم الحديث 5620.
البخاري، باب: إِذَا طَلَّقَهَا ثَلاثًا ثُمَّ تَزَوَّحَتْ بَعْدَ الْعِدَّةِ زَوْجًا غَيْرَهُ فَلَمْ يَمَسَّهَا، رقم الحديث 4905. (1/356)
صفحة 357
الشات المعتصب في فقه النكاح
357
هذا، وإذا كان الشارع شرط في الحل النكاح فلا يكون إلا النكاح الصحيح، فإذا كان العقد فاسدًا فلا تحل به المرأة ولو كان بعده دخول، وكذلك إذا كان العقد
صحيحًا ولم يكن معه دخول فلا تحل به المرأة، حتى ولو كان معه خلوة صحيحة (1). والأصل في الزواج الصحيح أن يكون قائمًا على الرغبة من الجانبين للعيش الدائم وتكوين الأسرة؛ فلو قيد بوقت معين كان فاسدًا، فلو جاء رجل وقام بتزوج هذه المرأة من غير قصد دوام العشرة ولا تكوين الأسرة وإنما بغرض تحليلها لزوجها الأول فهذا الشخص يسمى "المحلل"، وهذا النكاح يسمى "نكاح التحليل"
فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَعْنَى نِكَاحِ التَّحْلِيْلِ
تعرف أخي، كفاك مولاك بالطيبات وجنبك الخبيثات أن نكاح التحليل هو أن يعمد الرجل إلى نكاح امرأة كانت قد طلقت ثلاثا بقصد تحليلها لمطلقها، أي أن هذا الرجل المحلل لم يقصد من هذا الزواج الدوام والاستمرار، وإنما قصد به تحليلها لمطلقها الأول، واتخذ زواجه المؤقت بها ذريعة إلى ذلك التحليل (3)
ويسمى الزوج الأول المطلق في هذه الحالة بـ " المحلل له"، كما يسمى الزوج الثاني بـ"المحلل" ويسمى "التيس المستعار" كما جاء كل ذلك في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق عقبة بن عامر، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَلا أُخبِرُكُمْ بِالتَيْسِ الْمُسْتَعَارِ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَالَ: هُوَ الْمُحَدِّلُ، لَعَنَ اللهُ الْمُحَلَّلَ وَالْمُحلل
له (4)
النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج ج 10 ص 7. - الخليلي، أحمد بن حمد. فتاوى النكاح ص 191. (3) - الغندور، الأحوال الشخصية في التشريع الإسلامي ص 92. - ابن ماجه، بَاب الْمُحَلِّلِ وَالْمُحَلَّلِ لَهُ، رقم الحديث 1926. (1/357)
صفحة 358
358
المعتصم 3
فَصْلٌ فِي حُكُم نِكَاحَ التَّحْلِيْلِ دِيَانَةً
لا يرتاب مسلم صادق ثبتت عنده النصوص الشرعية من السنة النبوية أن النكاح المسمى بـ"نكاح التحليل حرام حرمة قاطعة لا مرية فيها ولا شك، بل هو كبيرة من كبائر الذنوب؛ للنص على لعن فاعله كما في الحديث سابق الذكر، واللعن لا يكون أبدا إلا على كبيرة، كما يقول الإمام السالمي الله في رائعته "أنوار
العقول":
والذنب قسمان: كبير وجبا
فأوجب اللغن عليه، أو سخط
***
***
حد به والباري منه غضبا
أو قبح الرسولُ من به سقط (1)
فلا يجوز للرجل أن يدفع بأحد ليتزوج مطلقته من أجل أن يُحلّلها له، بل إن الرجل "المحلل" والمرأة إن بيتا نية التحليل عند العقد ولم يريدا بهذا الزواج الصوري الاستمرار فهما زانيان بفعلهما هذا، وهكذا الزوج الأول "المحلل له" يكون بزواجه ووطئه للمرأة مرة أخرى بعد ذلك "التحليل" زانيا أيضا، وهذا ما فهمه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وساروا عليه فقد روي عن أمير المؤمنين الخليفة الراشد عمر بن الخطاب أنه كان يقول: "لا" أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما (2)، والرجم لا يكون إلا على الزنى.
على أن المرأة لا يحلها لمطلقها في حقيقة الواقع إلا زواج شرعي مقرون بدخول حقيقي لا وطء زان آثم (3).
(1) - السالمي عبد الله بن حميد بهجة الأنوار ص 16، 142 - 143.
(2) - عبد الرزاق، المصنف، باب التحليل، رقم الحديث 10777.
(3) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 184.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقه 20 رجب 1425 هـ، يوافقه 2004/ 9/5 م. (1/358)
صفحة 359
المعلم
لى المعتصم في فقه النكاح
359
ويعضد هذا الحُكْمَ الحِكَمُ الدّينية من مشروعية الزواج ومقاصده الأساسية في الإسلام التي تروم بناء الأسر المستقرة الهانئة، وتتجافى عن فتح باب الذواقة لدى
الشهوانيين والتلاعب بالأعراض والتحايل على الأحكام وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ
وَمَا يَشْعُرُونَ
البقرة: (1)
فَصْلٌ فِي حُكْمِ نِكَاحِ التَّحْلِيْلِ قَضَاءً
كلا
بعد أن علمت حرمة نكاح التحليل ديانة فاعلم أن القول المعتصم فيه قضاء هو البطلان والفساد، فيُفسخ مثل هذا النكاح إن وقع سواء قبل الدخول أو بعده، وسواء كان التحليل مشروطا فيه صراحة أو منويا ضمنا، وسواء كانت هذه النية من طرفيه أو من أحدهما، ويأثم الولي والشهود إن علموا بهذه النية الفاسدة. وتحرم المرأة بفسخ هذا النكاح على المحلّل والمحلل له حرمة أبدية، فلا يمكن أن ترجع إلى زوجها الأول إن كان عالما بالمقصد من هذا النكاح، ومن تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، وكذا من فرَّ من الحق رُدَّ إِليه (2).
فتوى
السُّؤَالُ طلقت زوجتي بالثلاث فهل يجوز لي أن أتفق مع رجل على أن يتزوجها على سنة الله ورسوله، ثم يطلقها، ثم أتزوجها بعد ذلك بعد انتهاء عدتها؟
الجَوَابُ بئس ما قصدت، فإن ذلك اشتراك في الزنى، فإن فعلتموه كان كل منكم زانيا، فالرجل الذي تدعوه إلى ذلك يكون زانيًا، إذ ليس ذلك نكاحا شرعيًا
(1) - الخليليُّ، أَحَمدُ بنُ حَمد. فتاوى النكاح ص 183.
(2) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 183، 184.
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقه: 27 رمضان 1422 هـ، يوافقه 2001/ 12/13 م. (1/359)
صفحة 360
360
المعتصم في فقه افقة النسكار
المعلم
على سنة الله ورسوله كما تزعم فإن الزواج الشرعي هو إحصان، وليس ذواقة بين
المرأة والرجل؛ قَالَ تَعَالَى: مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ {
المائدة: ه، والمرأة تكون زانية
مع كل منكما، وأنت كذلك، بل تكون بدعوتك إلى هذا الأمر شر الثلاثة، فاتق الله ودع عنك ما حرَّمه، والله أعلم (1).
(1) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَدٍ. فتاوى النكاح ص 183. (1/360)
صفحة 361
المعتمد
ات المعتوب في فقه النكا
ثَالِيًّا الزَّوَاجُ بِنِيَّةِ الطَّلاق:
361
من الأنكحة التي تخالف النكاح الصحيح من حيث كون صيغته مؤقتة غير مؤبدة "النكاح بنية الطلاق"، إذ يعمد بعض المغتربين عن بلدانهم والمسافرين عن أوطانهم بغرض الدراسة أو العمل أو نحوهما إلى الزواج في ديار الغربة بنية الطلاق عند العودة، وخاصة عند من ابتلي بالهجرة إلى بلاد الكفرة، ومشاهدة الفتن بقصد اجتنابها، إلا أن هذه الغاية في الحقيقة - لا تبرر الوسيلة؛ إذ الغاية المشروعة في الإسلام لا تبرر الوسيلة غير المشروعة؛ فإن الزواج إحصان لا مجرد سفح لماء الشهوة، لا سيما إن صاحب ذلك تغرير بالمرأة بإضمار الطلاق عند الرغبة في العودة، فهذا غش وتدليس لا ترضاه امرأة تطلب الإحصان والعفاف، فمن شرط الزواج التأبيد لا التوقيت، يقول سماحته -حفظه الله -: "وهذا القول هو الذي ينبغي أن يُعتمد عليه، ولا يلتفت إلى غيره (1)
ويمكن للمرء أن يعف نفسه بالزواج المشروع في بلده ثم ينقل عرسه لتعينه على فتن الغربة أو أن ينكح هناك بنية التأبيد لا التأقيت أو يستعين بالصبر والصيام بدلا عن الطرق الملتوية، المحظورة والشأن كما قيل قديما: لو صح منك الهوى لم تُعيك الحيل (2).
فَتْوَى
السُّوَالُ / الزواج بنيَّة، الطلاق، ما حكمه فيما لو ذَهَب شاب إلى بلد تَكثُر فيها مفاتن فأراد أن يتزوَّج بِنِيَّة أن يُطلِّقَها حَالَمَا انْتَهَتِ دِرَاسَتِه أَو مُهِمَّته؟
الخليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. سلسلة دروس التفسير تفسير الآية رقم 24 من سورة النساء. "مادة سمعية"، اللجنة
الثقافية بمعهد العلوم الشرعية.
(2) - الخليليُّ، أَحَمَدُ بنُ حمد. فتاوى النكاح ص 193. (1/361)
صفحة 362
المعتصم 3
N 26262
المعتمد
362
الجَوَابُ لا، بل ليَتَزَوَّج على نِيَّة الاستمساك؛ لأن الزواج رَبَّطُ مَصير بمصير أنَّ هذه المرأة لو كانت تعلم أنَّ هذا الزواج من أجل طلاقها رُبَّما كانت لا على تَرْضَى بذلك ففي هذا تدليس عليها، ثم من ناحية أخرى نحن نرى في القرآن الكريم ما يدلُّ على أنَّ الزواج إنَّما هو إِحْصَان، وليس هو من أجل سَفْحِ الماء فالله - تبارك وتعالى - يقول: مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ. فلا يجوز أن يكون الزواج بهذه الحالة التي فيها التَّغْرِير والتدليس؛ والله -تعالى-
المائدة: 5
أعلم).
(1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 193.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقة: 10 جمادى الأولى 1423 هـ، يوافقه 2002/ 7/21 م. (1/362)
صفحة 363
mala
بالمعتصم في فقه النكاح
النَّوْعُ الثَّالِثُ النِّكَاحُ العُرْفِي:
فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَعْنَى النِّكَاحَ العُرْ
1
363
تعرف أيها الأخ الحبيب، رزقك الله العلم والمعرفة أن النكاح العرفي هو أن يكتب الرجل بينه وبين المرأة ورقة يُقر فيها أنها زوجته برضاها، ويقوم اثنان بالشهادة عليها من غير إذن ولي، وتكون من نسختين واحدة للرجل وواحدة للمرأة، ويعطيها
شيئًا
المال صداقا لها. من
وسمي عُرفيا اشتقاقا
من "العُرف" الذي يكون بين الرجل والمرأة، وبحضور
الشاهدين في بعض الأحيان، ولا يكون له توثيق في الجهات الرسمية، وهذا الزواج
في الحقيقة أقرب إلى السري منه إلى العرفي والله المستعان (1)
فَصَلِّ فِي حُكْمِ النِّكَاحِ العُرْفِي
لا يخفى عليك أيها الطالب الحافظ - مما تقدم أن النكاح العرفي هو نكاح باطل غير مشروع؛ لافتقاره إلى شرط أساسي من شروطه، وهو الولي، يقول مفتي العصر الخليلي عافاه المعافي -: " والزواج العرفي هو عقد يفتقر إلى الولي، فهو بدون ذلك زواج فاسد (2)
وقد تقدم ذكر الأدلة على اشتراط الولي لصحة النكاح من الكتاب والسنة (3)، ومن أصرح تلك الأدلة ما رواه الإمام الربيع بن حبيـ م الله وغيره من طريق ابن
(1) - موقع صيد الفوائد:
htmv http://www.saaid.net/Warathah/Alkharashy/m/
(2) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد. فتاوى النكاح ص 190.
- يُنظر: البَاب السَّابِعُ: فِي سُرُوطٍ عَقْدِ النِّكَاح الشرط الثاني/ الولي. (1/363)
صفحة 364
عباس
364
وبينة (1)
المعتصم
أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- قال: "لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَصَدَاقِ
إضافة إلى ما يعضد ذلك
مقاصد الشريعة السمحة التي شرعها اللطيف من الخبير الذي يعلم من خلق وما خلق؛ فقد شرعت الولاية في عقد الزواج على النساء لأن المرأة بطبيعتها التي فطرت عليها ذات عاطفة جياشة إن شبت هذه العاطفة وجاشت في نفسها فإنه لا يؤمن منها أن تربط مصيرها بمن لا يؤمن جانبه من الرجال، كما أنه من اليسير في هذه الحالة انخداعها بمعسول الكلام وانجرافها بعاطفتها المتقدة التي تعمي وتصم إلى ما لا تحمد عقباه، فكان لا بد من ولي بجانبها يُنهنه عاطفتها ويعرفها بمكائد الرجال، ويميز لها معادنهم وفي هذا حفاظ للمرأة ورعاية لمصالحها وتأمين لمستقبلها ..
والواقع خير شاهد على ما نكتب ونقول إذ باءت أكثر هذه الزيجات التي ارتبطت عن طريق ما يسمى بالزواج العرفي لاسيما بين طلبة وطالبات الجامعات
بالفشل الذريع، وآلت إلى الانفصال السريع، وقد صدق الله القائل في كتابه: ألا
يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
14
الملك: 14
(7) ,
(1) - الربيع، باب: في الأَوْلِيَاء، رقم الحديث 510.
(2) - الخليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. الزواج بين السنة والبدعة محاضرة مطبوعة لدى الكاتب نسخة منها صه. (1/364)
صفحة 365
بالمعتصم
المعتصب في فقه النت
النَّوعُ الرَّابِعُ نِكَاحُ المسيار
فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَعْنَى نِكَاحَ المِسْيَارِ
365
تفقه أخي الحبيب، يسر الله لك كل عسير - أن مما استحدث من أنواع الأنكحة مؤخرا ما يعرف بنكاح المسيار، هو زواج صحيح من حيث الظاهر لأنه مستوف لجميع الشروط والأركان ولكن الزوجة فيه تتنازل عن بعض حقوقها الشرعية باختيارها ورضاها مثل النفقة والمسكن والمبيت وكذا النفقة لها ولأولادها بعد الطلاق إذا أنجبت أولادا.
فَصْلٌ فِي سَبَبٍ تَسْمِيَتِهِ بِـ " السَّيَارِ
سمي هذا النوع من النكاح بالمسيار؛ ليسره من جهة الزوج، إذ تتنازل فيه المرأة والتي غالبا ما تكون مطلقة أو أرملة عن جميع حقوقها المادية برضاها، فتكون للزوج الحرية واليسر في هذا الجانب، وقيل سمي بهذا الاسم لأن الرجل في هذا الزواج "يسير" إلى زوجته في أوقات متفرقة في أي وقت شاء من ليل أو نهار من غير أن يستقر عندها (1).
فَصْلٌ فِي حُكُم نِكَاح المسنيار
اختلف فقهاء الإسلام المعاصرون في حكم هذا النوع من النكاح، فنظر بعضهم إلى صورته الظاهرة واكتمال أركانه وشروطه فقال بجوازه وإباحته، وأحقية المرأة في التنازل عن بعض حقوقها، مع تنبيهه على أنه ليس هو الصورة المثلى للزواج في
الإسلام.
وأطال آخرون النظر في الأدلة وأجالوا الفكر في المقاصد فقالوا بمنع هذا النوع من النكاح تحقيقا لمقاصد الزواج المنشودة وسدا لذرائع الفساد المنبوذة؛ إذ الله ل في
(1) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد. فتاوى النكاح ص 192. (1/365)
صفحة 366
366
المعتصم
ـة الـ
المعلمين
كتابه يبين أن الزواج في الإسلام شرع ليكون سببا للسكن والاطمئنان لكل من الرجل والمرأة، وذريعة لتحقيق المودة والرحمة بينهما وعروة يرتبط فيها مصير الرجل بمصير المرأة، ومصير المرأة بمصير الرجل، وجعل ذلك آية من آياته العظيمة في الخلق فقال تعالى: لم وَمِنْ ايْنيهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ
ينتكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَا يَنتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)) الروم: 21
وبذا يترفع الإسلام في تشريعه للزواج عن أن يكون مجرد علاقة شبه ببيمية ويكون مجرد وسيلة لسفح الماء وإرواء الشهوة، بل هو تحقيق لمعاني الإحصان والعفاف، وهذا ما أشار إليه الحق بيانا لغاية الزواج حينما قال في حق الرجال: وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاة ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ تُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ) الساعة
24
وقال في حق النساء: مُحْصَنَتٍ غَيْرَ مُسَفِحَتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ه، والشاهد من ذلك أن على الفقيه في تشريعه أن ينظر في باطن النص وروحه كما ينظر إلى ظاهره ولفظه وأن ينظر في حكمة التشريع ومقصده كما ينظر إلى أركانه وشروطه، فيكون جامعا بين الشكل والجوهر، وهذا ما أخذ به أعلام الإسلام على مر
الأزمان كما في جوهر النظام أنأخذ القشر ونلقي البا
***
ونرتضيه ما رزقنا قلبا! (1)
ولأن التجربة خير برهان فإنها في هذا المقام خير شفيع أيضا؛ إذ كشفت التجارب والاستطلاعات عند الكثير عن تفكك هذا النوع من النكاح المستحدث، وختامه بالانفصال، أو بالفصل في جلسات المحاكم نتيجة الخلاف وعدم التفاهم سوء بين الزوجين، ويمكن لنا أن نلخص بعض المضار التي تمخضت عن هذا النوع من النكاح في الآتي:
(1) - السالمي عبد الله بن حميد جوهر النظام ج 2 ص 246. (1/366)
صفحة 367
المعلممر
الإستعمل
المعتصم في فقه النكاح
367
أ- الإخلالُ بالمفهوم الصحيح للأسرة في الإسلام: من حيث السكن
الكامل، والمودة والرحمة بين الزوجين.
- عدم شعور المرأة فيه بقوامة الرجل عليها: مما يؤدي إلى سلوكها سلوكيات سيئة تضر بنفسها وبالمجتمع.
ج- عدم إحكام تربية الأولاد وتنشئتهم تنشئة سوية متكاملة: نتيجة بعد الأب وضعف الأم، مما يؤثر سلبًا على تكوين شخصيتهم، ومن المعلوم أن كُلاً من الأب والأم راع وكلهم مسؤول عن رعيته. إمكانية تحول الزواج بهذه الصورة إلى سوق للمتعة واللذة: ينتقل
د-
فيه الرجل من امرأة إلى أخرى وكذلك المرأة تنتقل من رجل لآخر. فلأجل هذه الأسباب وغيرها كان القول بمنع هذا النكاح وتحريمه هو الأوفق بمقاصد الشرع، والأقرب لسد ذرائع الفساد، إذ كم من أمر مباح في الأصل يمنع لما
يفضي إليه من المحظور، والضرر والعبث في أمر الدين والعرض!
ومن المعلوم المتقرر المجزوم أن كل ما أدى إلى الممنوع فهو ممنوع، ولذلك شواهد عدة من الكتاب العزيز والسنة .. يقول سماحة الشيخ المفتي متعه الله بالصحة والعافية -: ". . ولأجل كل هذه الاعتبارات نرى سد هذا الباب، والمحافظة على قدسية الزواج وأهدافه وغاياته، والله تعالى أعلم (1)، وما أجمل قول قول الإمام السالمي
(1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 192.
الخليلي، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقه: 15 رمضان 1427 هـ، يوافقه 2006/ 10/9 م. (1/367)
صفحة 368
368
المعتصم
AA
***
وقد تعالى الشرع عن كل عبث فاتَّبع الأصل، ودع ما قد حدث (1)
(1)
2 - السالمي عبد الله بن حميد جوهر النظام ج 2 ص 272. (1/368)
صفحة 369
المعلممن
المعتصم في فقه النكاح
369
البَابُ الثَّانِي عَشَرَ: في الحقوقِ الْمُشْتَرَكَةِ بَينَ الزَّوْجَين
قال تعالى: وَيَسْعَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ
مل
ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْلَكُمْ أَنَّى شِفتُم وَقَدِمُوا لأنفسكن
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) البقرة: 222 - 223.
222
لقد تقدم أيها النبيه الحصيف أن عقد النكاح الصحيح تترتب عليه آثار شرعية لكلا الزوجين بمجرد حصول العقد، أما العقد الفاسد فلا يترتب عليه أي أثر شرعي إن تم تداركه وفسخه قبل الدخول.
ويمكن تقسيم الآثار الشرعية التي تترتب بتمام عقد النكاح الصحيح من حيث الحقوق إلى الأقسام الآتية: أ- حقوق مشتركة بين الزوجين كحل الاستمتاع، والنسل، وحسن
المعاشرة، والحرمة بالمصاهرة، وثبوت التوارث
ب حقوق للزوج خاصة كالقوامة والطاعة، والقرار في البيت
والتأديب.
ج حقوق للزوجة خاصة كالمهر، والنفقة والسكني، وعدم الإضرار والعدل عند تعدد الزوجات.
وسيكون حديث هذا الباب -بإذن الله الملك الوهاب- منصبا حول القسم
الأول من هذه الحقوق، وهي الحقوق التي يشترك فيها الزوجان بحيث تكون حقا لكل (1/369)
صفحة 370
370
المعتصب في حقه الله
واحد منهما وواجبا شرعيا عليه في الوقت نفسه؛ كما يقول الله تَعَالَى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ
الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ البقرة: 228
(1)
والحقوق المشتركة بين الزوجين هي:
الحَقُّ الأَوَّلُ الاسْتِمْتَاعُ:
لقد اقتضت حكمة الحكيم أن يخلق الناس زوجين ذكرا وأنثى، كما اقتضت الحكمة الإلهية لاستمرار الحياة البشرية وتحقيق الخلافة الأرضية أن يجعل في كل منهما ما يجذبه إلى الطرف الآخر، فيميل الذكر إلى الأنثى، وتميل الأنثى إلى الذكر؛ رغبة منهما في الاستمتاع بالجنس الآخر وإرواء عطش الغريزة الجنسية التي تأزهم إلى اللقاء
أَنَّا.
وقد جعل الخالق الخبير حالة الطريق الوحيد والسبيل المشروع لاستمتاع بعضهما ببعض هو الزواج الشرعي، وحرَّم ما عدا ذلك من الوسائل الشاذة عن الفطرة والمضرة بالنفس والجسم؛ وإلا كان ملوما وعاديا كما قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَتُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِين فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَيكَ هُمُ الْعَادُونَ المؤمنون: - -، والمعنى أن كل طريق للاستمتاع وصب ماء الشهوة هو حرام إلا عن طريق الزواج الشرعي (2).
(1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 80 - 81.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقة: 27 جمادى الأولى 1424 هـ، يوافقه 2003/ 7/27 م.
الخَلِيْلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقةُ: 6 رمضان 1427 هـ، يوافقه 2006/ 9/30 م.
(2) - الخَلِيلِيُّ، أَحَمَدُ بنُ حَمَد برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذكر " - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 8 محرم 1425 هـ، يوافقه
2004/ 2/29 م. (1/370)
صفحة 371
المعلمين
الاستعال
بالمعشب في فقه النكاح
فَصْلٌ فِي بَيَانِ أَهَمِّيَّةِ حَقٌّ الاسْتِمْتَاع
من المعلوم أن الغريزة الجنسية والرغبة في إرواء عطشها هي شها هي الدافع الأول والرئيس للزواج عند أكثر الناس وإهمال المسارعة لتلبية هذا المطلب من قبل أحد الزوجين تجاه الآخر يؤدي إلى اختلال عنصر السعادة وذبول زهرة المحبة في الحياة الزوجية، ومن أجل ذلك جعل الإسلام "حق" "الاستمتاع من أهم الحقوق المشتركة التي تجب شرعا لكل واحد من الزوجين.
فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَعْنَى حَقِّ الاسْتِمْتَاعِ وَوُجُوبِهِ
تبين أيها اللغوي العالم بالبيان والمعاني أن معنى "حق الاستمتاع" هو أن يحل لكل واحد من الزوجين أن يتمتع بالآخر في الحدود التي رسمها الشارع.
فإذا تم عقد الزواج بينهما أصبح الرجل حليلا للمرأة، وأصبحت المرأة حليلة للرجل، فيجب على كل حليل أن يجيب داعي الفطرة في نفسه أولا، ثم رغبة قرينه الآخر ثانيا، وأن لا يمتنع منه بغير عذر بعد دفع معجل الصداق كما تقدم؛ لما يُلحقه ذلك بالطرف الآخر من الأذى النفسي والعاطفي.
فعلى المرأة أن تجيب دعوة زوجها إذا دعاها إلى فراشه، بل عليها أن تبادر لعرض نفسها عليه وليس لها أن تمتنع إذا دعاها من غير عذر يسوغ لها ذلك)، ففي الحديث الشريف عَنِ المصطفى المختار الله أنه قَالَ: "إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيء لَعَنَتْهَا الْمَلائِكَةُ حَتَّى تُصْبحَ (2)، وفي حديث آخر عنه عليه الصلاة
"
(1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 72.
الخليلى، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 81.
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ص 360.
(2) - البخاري بَاب: إِذَا بَاتَتْ الْمَرْأَةُ مُهَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا، رقم الحديث 4794. (1/371)
صفحة 372
1493 maigall
372
الصلاة والسلام- أنه قال: ". وَلَوْ سَأَلَهَا نَفْسَهَا وَهِيَ عَلَى قَب - أي جمللَمْ
تمنعه
(1)
بعة (1)، ونظما هذا المعنى يقول الإمام السالمي لو أنها فوق الجمال راكبة
ليس لها تمنعه مطالبه (2)
كما أنه يجب على الرجل ديانة أن يعف امرأته عن الحرام، ويحقق لها ما تتطلع إليه من المعاشرة والمتعة باتفاق العلماء؛ فإنه يعجبها منه ما يعجبه منها، وتريد منه ما يريد منها، فإنها في هذا الحق شريكة له، فهو حق مشترك بينهما، ومستحق لهما فلا يستأثر به دونها، كيف لا والفطرة تشهد به وتجار (3).
ومن أجل مراعاة هذا الحق فقد شدد النبي على عبد الله بن عمرو بن العاص الذي لم يشغله عن إمتاع زوجته الشاكية إلا صيام النهار وقيام الليل، فقال ناهيا له: فَلا تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطرْ، وَقُمْ وَلَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنكَ عَلَيْكَ حَقًّا،
وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا (4)، ومن شعر الإمام ابن حزم الظاهري:
خلق الفحل بلا شك لهن
لا تكن عن أحد تنفي الظنن
???
??
خُلقَ النّسوان للفحل كما
كل شكل يشهى شكله
(1) - يُنظر:
ابن ماجه، باب: حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى الْمَرْأَةِ، رقم الحديث 1843.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 81.
(2) ـ السالمي، عبد الله بن حميد. جوهر النظام ج 2 ص 267.
(3) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 73، 74.
العبري، خميس بن راشد. شفاء القلوب من داء الكروب ص 87.
الغندور، الأحوال الشخصية ص 279.
الجناوني، كتاب النكاح ص 198.
ا
(4) - البخاري بَاب: لزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقٌّ، رقم الحديث 4800. (1/372)
صفحة 373
المعلممن
المعتصم في رفقة الف
فَصْلٌ فِي فَضْلِ إِيْفَاءِ حَقٌّ الاسْتِمْتَاعِ
الجلال.
واعلم أيها الزوج الصالح، أيتها الزوجة الصالحة- أن في سعي كل واحد من الزوجين لإعفاف نفسه وزوجه وتحقيق ذلك المطلب الفطري وإرواء تلك الغريزة الجنسية فضلا وأجرا وثوابا، بل هو صدقة عند الله (1)؛ كما أبان عن ذلك رسول المودة والرحمة حينما قال: " .. وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟! قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ (2)، والحمد الله ذي كما أن على كل واحد من الزوجين أن يستعد لإعفاف قرينه ويتهيأ لذلك، له ويتجمل، وهذا أمر لا تختص به المرأة دون الرجل فالرجل مطالب به أيضا، ويتزين ذلك وإن كانت زينة الذكورة تختلف في طبيعتها عن زينة الأنوثة كما هو معلوم، ومن أن يتعاهد الرجل نفسه بإزالة الشعر من مواضعه وأن ينتف إبطيه ويحف شاربه، وأن يستحم ويستاك وينفي عنه الأذى والقذى، وأن يكون ذا ثياب نقية، ورائحة حسنة طيبة؛ وهذا ما فهمه ترجمان القرآن ابن عباس وعمل به كما في قوله: "إني لأحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين لي؛ لأن الله يقول: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ
البقرة: 228 (3).
(1) - يُنظر:
الخليلى، فتاوى النكاح ص 90.
(T)
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 87.
- مسلم، باب: بَيَانِ أَنَّ اسْمَ الصَّدَقَةِ يَقَعُ عَلَى كُلِّ نَوْعٍ مِنْ الْمَعْرُوفِ، رقم الحديث 1674.
3) - يُنظر:
العبري، خميس بن راشد. شفاء القلوب من داء الكروب ص 85.
البيهقي، السنن الكبرى: باب: حق المرأة على الرجل. (1/373)
صفحة 374
ما المعتمة
ه القدر
المعلمم
فَصْلٌ فِيْمَا يَحِلُّ بَينَ الزَّوْجَينِ مِنَ الاسْتِمْتَاعِ
تفقه أيها البعل الصالح، أيتها البعلة الصالحة أنه يل بين الزوجين في الاستمتاع كل ما يؤدي إلى إشباع رغبتهما وإرواء غريزهما وبَلٌ صَدَاهما (1) الجماع وما يقدمونه لأنفسهم بين يديه من الكلمة الشائقة، واللمسة الحانية، والقبلة
من
الهادئة، والضمة الدافئة، والعضة القارصة امتثالا لأمر الخالق تعالى: {وَقَدِّمُوا لأنفسكن البقرة: 0223
وحل استمتاع كل حليل بالآخر إنما هو لجميع الجسد من أطراف الشعر إلى أخمص القدمين إلا ما يأتي استثناؤه قريبا؛ وذلك لأن إحلال الوطء في الفرج إحلال لما عداه من المس والنظر وغيرهما بطريق أولى (2).
بل إن التنويع في طرق المداعبة والتجديد في وسائل الإشباع، وطرق الإمتاع، وأوضاع الجماع أنى شاؤوا مما يُطلب منهما ويحبَّب في حقهما؛ لما يؤدي إليه كل ذلك من الإثارة التي هي سبيل الإشباع الجنسي المؤدي إلى السكون النفسي والهدوء
(1) - الصَّدَى هو العطش، ومنه كتاب ابن هشام المشهور" "قطر الندى وبل الصدى". (2) - مسألة: اختلف العلماء في حكم نظر الزوج إلى فرج زوجته والعكس، فرأى بعضهم كراهته لحديث يروى عن وبعضهم رأى ضعف ذلك الحديث فرجع إلى أصل الحل والإباحة وهو مذهب شيخنا القنوبي - يحفظه الله - حيث يقول: " وما جاء من أنّ النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى الرجل عن النظر إلى فرج زوجته فإنّ ذلك لم يثبت؛ لأنه جاء من طريق متروك أو وضاع على رأي بعض العلماء".
السيدة عائشة
C
ويقول -حفظه الله - في موضع آخر: اما ما جاء عن بعضهم من كَرَاهَة النظر، وأنهم استدلوا على ذلك بحديث يُروى عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فإنّ ذلك الحديث باطل لا يصح ثُم هو مُخالف للسنة الصحيحة من جَوَاز النظر من غير كَرَاهة، فَإِذَن للزوجة أن تنظر إلى عورة زوجها، وهَكَذَا بالنسبة إلى الرَّجُل له أن ينظر إلى
عورة زوجته، وهكذا بالنسبة إلى السرية فإنَّه للزوج أن ينظر إلى عورتها وهكذا هي بالنسبة إليه ". يُنظر: النُّوْبِيُّ، برنامج "سؤالُ أهل الذكر"، حلقة: 12 رمضان 1422 هـ، يوافقه 2001/ 11/28 م.
القنوبي، برنامج: "سؤالُ أهل الذكر"، حلقة: 8 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/3 م.
أرشوم، النكاح صحة وفسادا وآثارا ص 339. (1/374)
صفحة 375
الالمعلممم
بات المعتدى
المعتمد في فقه النكاح
370
العاطفي والاستقرار الأسري واكتمال المودة والرحمة في يوميات حياة القرينين، وإلى
هذا كله الإشارة في قوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شتتم المفسرة:
223، {، ومعنى قوله: أَنَّى شِتْتُمْ} أي كيفما شئتم (1)
(1)
شئتم (!).
ولذا فلا يمنع في الاستمتاع بين الزوجين إلا ما يأتي:
x
x
القُبل حال الحيض نصَّا، والنفاس قياسا: لما تقدم من قول الله تعالى: فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ (البقرة: 222 (2).
الدبر مطلقا لأنه موضع الفرث لا الحرث، ومن فعل ذلك فهو ملوم بفعله، ومتعد باجترائه على إلقاء بذور الحياة في أرض عقيم غير صالحة للنبات (3)، إضافة إلى ما في هذا الفعل المشين والذي قبله من المضار النفسية والجسدية لا سيما على المرأة؛ ففي الحديث المروي عن النبي أنه قال: "مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّد (4).
- سبب نزول هذه الآية أَنَّ الْيَهُودَ كَانَتْ تَقُولُ: إِذَا أَتَى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا كَانَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ فَتَزَلَتْ:
نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِمُوا لِأَنفُسِكُم} البقرة: 223. يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 103.
العبري، خميس بن راشد شفاء القلوب من داء الكروب ص 86.
مسلم، باب: جَوَازِ جِمَاعِهِ امْرَأَتَهُ فِي قُبُلِهَا مِنْ قُدَّامِهَا وَمِنْ وَرَاءِهَا مِنْ غَيْرِ تَعَرُّض لِلدُّبُرِ، رقم الحديث 2592.
(2) - الخليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 8 رمضان 1422 ه
يوافقه 2001/ 11/24 م.
(3)
- يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 116، 117.
الخليلي، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 25 مُحرَّم 1429 هـ، يوافقه 2008/ 02/03 م.
(4) - ابن ماجه بَاب النَّهْيِ عَنْ إِنِّيَانِ الْحَائِضِ، رقم الحديث 631. (1/375)
صفحة 376
626
376
ذلك على
مباشرة مواضع النجاسة من الفرجين بالفم لأنها مظنة وجود النجاسة والفم موضع الكلم الطيب وذكر الله تعالى كما أنه سبيل ما يلج للجوف من طعام وشراب، فينبغي أن يكون نظيفا طاهرا، ودخول شيء من تلك النجاسات إلى الفم مضر بالجسم ومؤد للسقم كما أنه انحطاط بهيمي يزري بابن آدم الذي كرمه الله تعالى، فلا يجوز فعل شيء من المعتمد عند شيخينا أبي سليمان الخليلي وأبي عبد الرحمن القنوبي -حفظهم الله، وفي هذا يقول الإمام السالمي الله: "ولا أظن أن متقيا يفعله" (1). تحذير: لا يجوز لأحد الزوجين أن يفضي إلى حليله ويكون بينهما ما يكون المداعبة والملاعبة والملاطفة والمواقعة بالأقوال والأفعال ثم يخرج يتحدث ويتفكه بما من كان بينهما عند الآخرين، وهذا ما حذر منه النبي بل شبه فاعل ذلك بمل شَيْطَانَة لَقِيَتْ شَيْطَانًا فِي السِّكَةِ، فَقَضَى مِنْهَا حَاجَتَهُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ (2)، والعياذ
بالله (3)
(1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 101، 102، 103.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الخامس ص 14.
القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقه: 14 رمضان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 11/20 م.
السالمي جوابات الإمام السالمي ج 2 ص 518
الجناوني، كتاب النكاح ص 191.
(2) - وهناك حديث آخر في التحذير من كشف الأسرار الزوجية، وهو: الإنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
الرَّجُلَ يُفضي إلَى امْرَأَته وتفضي إلَيْهِ ثُمَّ يَنشُرُ سُرِّهَا "، ولكنه حديث ضعيف لا يحتج به. يُنظر:
القنوبي، السيف الحاد ص 178.
القنوبي، الطوفان الجارف ج 3 ق 2 ص 503 - 505.
القنوبي، جلسة المراجعة بمترل فضيلته - ليلة الأحد 29 المحرم 1433 هـ، الموافق 25/ 12 / 2011 م. . مسلم، باب: تَحْرِيمِ إِفْشَاءِ سِرِّ الْمَرْأَةِ، رقم الحديث 2597.
أبو داود، باب: ما يُكْرَهُ مِنْ ذِكْرِ الرَّجُلِ مَا يَكُونُ مِنْ إِصابته أَهْلَهُ، رقم الحديث 1859.
(3) - يُنظر: (1/376)
صفحة 377
في المعتصب في فقه النكاح
377
تنبيه: يجب بالجماع وتحقق الوطء بين الزوجين "الاغتسال" على كلا الزوجين ولو لم يحصل إنزال من قبل الرجل أو من قبل المرأة)، لحديث جَابِرِ بْنِ زَيْدِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ هَلْ كَانَ يَغْتَسِلُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ جِمَاعٍ وَلَمْ يُنْزِلْ؟ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ بِنَا ذَلِكَ وَيَغْتَسِلُ وَيَأْمُرُنَا بِالْغُسْلِ، وَيَقُولُ: «الْعُسْلُ وَاجِبٌ إِذَا الْتَقَى الْختانان» (2).
وحد الجماع الموجب للاغتسال هُوَ التقاء الختانين أي غيابُ الحَشَفَة أو مقْدَارِهَا إِنْ كَانَتْ مَقْطُوعَةً - في الفَرْجِ سَوَاءً كَانَ ذلك الوطء بحائل أو بدون حائل، في حَلالٍ أَو فِي حَرَامٍ، مَعَاذَ اللَّهُ (3).
فَصْلٌ فِي مَوَانِعِ الاسْتِمْتَاعِ
لقد رأيت عزيزي، متعك الله بسمعك وبصرك وقوتك أن الاستمتاع كما أنه حق على كل زوج فهو واجب عليه للطرف الآخر أيضًا، إلا أن التكليف بما يطاق، فيرتفع ذلك التكليف الشرعي بوجود العذر أو المانع، سواء كان مانعا شرعيًّا كالصيام والاعتكاف والإحرام، أو طبيعيًّا كالحيض والنفاس، أو صحيا كالمرض
لخَلِيلِيُّ، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 84.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى/ القسم الثالث ص 24.
الجيطالي، قواعد الإسلام ج 2 ص 209.
(1) - القَنُّوْبِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك. برنامج: سؤال أهل الذكر" حلقة: 8 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/3 م. (2) - الربيع، بَابٌ: فِيمَا يَكُونُ مِنْهُ غُسْلُ الْجَنَابَةِ، رقم الحديث 133.
(T)
- يُنظر:
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذكر، حلقة: 23 جمادى الثانية 1423 هـ، يوافقه 2002/ 9/1 م. المنتدى الأدبي، قراءات في فكر أبي سعيد الكدمي محاضرة لسماحة المفتي بعنوان: "التأصيل الفقهي عند الإمام أبي
سعيد الكدمي" ص 53.
القنوبي، دروس صيف 1422 هـ، 2001 م، "مذكرة خاصة "ص 18.
الصوافي، إبراهيم بن ناصر. كل ما يهمك عن رمضان. "مادة سمعية مطبوعة" ص 18.
السالمي جوابات الإمام السالمي ج 2 ص 548. (1/377)
صفحة 378
378
المعتمر 3
المعتمد
والتعب الشديد، أو عُرفيًّا كعدم زفاف المرأة لزوجها بعد، فحينها لا يُلزم المعذور بالمعاشرة، بل قد يمنعون منها شرعا، ويحال بينهم وبين ما يشتهون، وموانع الاستمتاع بين الزوجين تفصيلا- هي:
أولاً الصَّيَامُ: لمفهوم قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ القِيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَا بِكُمْ ايكم البقرة: 187، فمنطوق الآية يحل الرفث وهو الجماع ليلة الصيام، ومفهومها يحرمه، نهاره، وهذا الحكم لا خلاف فيه بين علماء الأمة، وقد دلت عليه
السنة (1).
تنبيه: من وطئ امرأته في نهار رمضان فقد أفسد صيامه بالإجماع، فعليه أولا
مع
ذلك
المبادرة بالتوبة إلى الله تعالى ثم قضاء ذلك اليوم الذي انتهك حرمته، وعليه كفارة مغلظة، وهي: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا (2).
ثَانِيًا / الاعْتِكَافُ: للنهي الصريح في قوله تعالى: وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ البقرة: 187، فيحرم الجماع وجميع أشكال الاستمتاع بين الزوجين حال الاعتكاف ولو ليلا وبالجماع ينتقض الاعتكاف ويفسد؛ فإن الانحباس للطَّاعَةِ والتَّفَرُّغَ للْعِبَادَة يَتنافى ومَقَارَبَةَ الشَّهْوة فضلاً عَنْ مُواقَعَتِهَا (3)، يَقُولُ الحَافِظُ
(1)
- يُنظر: المُعْتَصَمَ فِي فِقْهِ الصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ الْبَابُ السَّادِسُ فِي الْأَفْعَالِ الخَارِجَةِ عَنِ الصَّيَامِ القِسْمُ الثَّالِثُ فِي مُفْسِدَاتِ الصِّيَامِ القَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ الحِمَاعُ.
(2)
- للتفصيل / يُنظر: المُعْتَصَم في فقه الكفَّارَاتِ ط 2 ص 49 - 05.
(3) - يُنظر:
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقه: 20 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/15 م. الْمُعْتَمَ فِي فِقْهِ الصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ الْبَابُ العَاشِرُ: فِي الاعْتِكَافِ فَصْلٌ فِي سُرُوطِ الْاعْتِكَافِ (1/378)
صفحة 379
المعتصم
ا على المعتصب في فقه النكاح
379
القَنُّوبي: "وَأَمَّا الوَطْء فهوَ مِنَ المَحْظُورات المُتَفَقِ عَلَيْهَا، وَهُوَ مِنَ الْأُمُورِ التي تَتَنَافَى مَعَ الاعتكاف جُمْلَةٌ وتَفْصيلاً (1).
ثَالثًا الإِحْرَامُ بأي نسك حجا أو عمرة، يحرم به الاستمتاع بين الزوجين، ويشمل ذلك الجمَاعَ ومُقَدِّمَاتِهِ وكلَّ ما يَدعو إليهِ مِنْ قُولِ الغَزَلِ، وَغَمْزِ العِينِ، وَلَمْسِ اليد، ونَظَرِ الشَّهوة؛ قَالَ تَعَالَى: فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَتْ} البقرة: 197، والرَّفَثُ هنا: هَوَ الجماعُ ومُقدِّماتُه (2).
ويفسد الإحرام بالجماع الذي هو التقاء الختانين ختان الرَّجُلِ وختَان المرأةِ، سَوَاءً
كَانَ بِإِنْزَالَ أَوْ بِغَيرِ إِنْزَالَ، بَخَائِلٍ أَوْ بِغَيْرِ حَائِلٍ.
والحِمَاعُ هُوَ المحفُورُ الوَحِيدُ النَّاقِصُ لِنُسُكِ الحَجِّ وَالْعُمْرَةِ كُلِّيَّةً، وَاللَّهُ
المُسْتَعَانُ (3).
(1) - يُنظر:
الخَلِيْلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقه: 19 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/14 م.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 27 محرم 1427 هـ، يوافقه 2006/ 2/26 م. القنوبي، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذكر، حلقه: 18 رمضان 1427 هـ، يوافقه 2006/ 10/12 م. القنوبِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقه: 20 رمضان 1430 هـ، يوافقه 10/ 9/ 2009 م.
التفسير، تفسير الآية رقم 197 من سورة البقرة/ الدرس الأول. "مادة سمعية"، اللجنة
2) - يُنظر: الخليلي، سلسلة دروس الثقافية بمعهد العلوم الشرعية، التصنيف (ت/ 72).
(3) - يُنظر:
القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ص 360.
،
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر " حلقة: 29 شوال 1425 هـ، يوافقه 2004/ 12/12 م. القنوبي، "دروس وفتاوى في الحَجَ والعُمْرَة تنبيهات وفتاوى في الحَجّ والعُمْرَة رقم (2) لعام 1419 هـ، ص 21.
الْمُعْتَصَصُ فِي فِقْهِ الحَجِّ والعُمْرَةِ / البَابُ التَّاسِعُ: فِي الإِحْرَامِ الْمُبَاحَاتُ وَالمَحْظُورَاتُ القِسْمُ الثَّانِي:
في مَحْظُورَاتِ الإِحْرَامِ.
الخليلي، الفتاوى ج 1 ص 396. (1/379)
صفحة 380
380
في فقه النِّكَاح المعتصم في فقه الم
المعلمين
رَابعًا الخَيْضُ: بنص قوله تعالى: {فَأَعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ
حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المتطهرين (البقرة: 222، وحرمة إتيان الحائض حال حيضها حكم مجمع عليه لا خلاف فيه، يقول إمام السنة والأصول وعلامة المعقول والمنقول القنوبي -حفظه الله-: " .. والحاصل أنه معصية باتفاق الأمة الإسلامية قاطبة (1)، ويقول في إحدى دروسه
الصيفية: " .. وتحريم الوطء في الحيض والنفاس والبراءة من فاعله متفق عليه (2).
خامسًا / النّفَاسُ: لأنه مقيس على الحيض في كثير من الأحكام، ومنها حكم تحريم المباشرة بين الزوجين (3)؛ لأن النفاس كما يقول الفقهاء: حَيضُ طَالَتْ أَيَّامُهُ (4)، يقُولُ شَيخ الفقه والأَدَب السَّالمي
(1) - يُنظر:
(2) - يُنظر:
(3)
- يُنظر:
الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 22 ذو الحجة 1423 هـ، يوافقه 2003/ 2/23 م. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقةُ: 20 شوال 1427 هـ، يوافقه 2006/ 11/12 م. الجيطالي، قواعد الإسلام ج 2 ص 149 - 150.
الكندي، ماجد محمد. دروس في فقه العبادات صيف 1423 هـ / يوافقه 2002 م. (مذكرة خاصة ص 38).
بن
الخليلي، فتاوى النكاح ص 72.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقةُ: 25 مُحرَّم 1429 هـ، يوافقه 2008/ 02/03 م.
القنوبي، قرة العينين ص 95 - 96.
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر " حلقة: 14 رمضان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 11/20 م.
،
السالمي، معارج الآمال ج 2 ص 206 - 207.
القنوبي، "جواب مطوّل: مطبوع ومتداول" لدى الكاتب نسخة منه ص 62 د. القنوبي سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك. دروس صيف 1422 هـ، 2001 م، "مذكرة خاصة "ص 18.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 72.
الخليلي، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 2 رمضان 1421 هـ، يوافقه 2000/ 12/16 م.
(4) - يُنظر: (1/380)
صفحة 381
في المعتصم في فقه الـ فقه النكاح
381
وفي النِّفَاسِ قَالَتِ الأَعْلامُ
***
حَيْضُ وَلَكِنْ زَادَت الأَيامُ (1)
تنبية أَوَّلُ: الممنوع من قربان المرأة حال حيضها هو الجماع في القُبل فحسب، وأما ما عداه من الاستمتاع بسائر جسد الحليلة فحلال مباح، ولو أفضى الأمر بالرجل إلى الإنزال بل إن ذلك مما يطلب تسلية للرجل لا سيما حال النفاس لطول مدته أو عندما تطول بالمرأة فترة المحيض (2).
تنبية ثان يختلف حدث الاستحاضة عن حدث الحيض في الحكم والأثر الشرعي؛ إذ حدث الحيض حدث أكبر يمنع المباشرة ويوجب اعتزال النساء في المحيض، أما الاستحاضة فإنها حدث أصغر لا تمنع المباشرة بين الزوجين (3).
تنبيه يْهُ ثَالث: إذا احتاجت المرأة إلى استعمال شيء من عقاقير منع الحيض سواء قبل نزول دم الحيض أو بعد نزوله فانقطع الحيض أو لم ينزل أصلا، فإنها تكون بذلك طاهرة على الراجح، وتعطى جميع أحكام المرأة الطاهرة من حيث العبادات كالصلاة والصيام والحج، ومن حيث المباشرة الزوجية مع حليلها الرجل (4).
الخليلى، الأساس في أحكام الحيض والنفاس ص 48.
القنوبي، جلسة إفتاء (2) " مادة سمعية، إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية.
"
المعمري من فقه الصيام ج 2 مادة سمعية، إنتاج: تسجيلات مشارق الأنوار.
(1) ـ السالمي، عبد
) - يُنظر:
(2)
الله
بن حميد. جوهر النظام ج 2 ص 367.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 102، 103، 104. القنوبي، برنامج: "سؤالُ أهل الذكر، حلقةُ: 14 رمضان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 11/20 م.
السالمي، معارج الآمال ج 2 ص 209.
العبري، خميس بن راشد شفاء القلوب من داء الكروب ص 90.
(3) - القَنَّوْبِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبرُوك. بحوث ورسائل وفتاوى القسم الرابع ص 59، 81.
(4)
القنوبِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك. برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 6 ذو القعدة
1425 هـ، يوافقه 2004/ 12/19 م. (1/381)
صفحة 382
382
المعلممر
المعتصم
وافقة النّد
تنبية رابع من زلت به القدم وسارع إلى الندم بسبب ما عليه أقدم من الوطء حال الحيض فإنه ينبغي له أن يتوب إلى ربه ويكفر عن زلته بدفع ما يعرف بـ"دينار الفراش" أو قيمته إلى فقراء المسلمين)، ومن كتاب "المُعْتَمَدُ في فقه الكفَّارَاتِ (2):
"فَقَد جَاءَت رِوَايَاتٌ مَرْفُوعَةٌ إِلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسُدُّ بَعضُهَا بَعضًا - كَمَا يَصِفُهَا شَيْخُنَا الخَلِيلِيُّ (3) - فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفَ دِينَارٍ). فَعَلى مَن زَلَّت به القَدَمُ وَوَقَعَ فِي هذه الكبيرة أَن يَتُوبَ إِلَى المولى صلى الله عليه وسلم وَيَحْتَاطَ
لدينِهِ فَيُخرِجَ هَذهِ الكَفَّارةَ، فَيَتَصدَّقَ بِدينارٍ أَو نِصفِهِ عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسلِمِينَ. وَيُمْكِنُ لِلمُكَفِّرِ أَنْ يَدفعَ قِيمةَ الدِّينارِ الذِي يَزِنُ أَربَعَةَ حِرامَاتٍ وَرُبعَ الحِرَامِ مِنَ الذَّهَبِ) أو نصفه بحسب سعره في يوم التَّكفيرِ، وَذَلِكَ عَن طَرِيقِ العَمَلِيَّةِ الحِسَابِيَّةِ
الآتية:
(1) - يُنظر:
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الأول ص 41، 42.
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقه: 14 رمضان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 11/20 م.
(2) - يُنظر: المُعْتَصَمُ فِي فِقْهِ الكِفَّارَاتِ 25 ص 64.
(3) - الخليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد. فتاوى النكاح ص 114.
2 - أبو داود، باب: في إتيانِ الْحَائِضِ، رقم الحديث 230.
وقيس على الوطء في الحيض الوطء في الدبر عند بعض العلماء بجامع الحرمة بينهما فيكفر من أتى هذه المعصبة
كفارة الفراش، يقول المحقق القنوبي حفظه الله -: "ولا أرى ذلك".
القنوبي، جلسة المراجعة مع فضيلته بمكتب الإفتاء 28) ذي الحجة 1429 هـ - 27/ 12 / 2008 م).
قلت: وقد أَضَافَ شَيخنا القتُولِيُّ - حَفَظَهُ اللهُ - عندَ المُرَاجَعَة بخط قلمه: "وهذا كله على رأي من يقول بوجوب الدينار أو نصفه على من جامع في الحيض؛ بناء على ثبوت الحديث الوارد في ذلك، والذي يظهر لي الآن أن الحديث ضعيف، وهو الذي ذهبت إليه طائفة كبيرة من المحدثين".
القنوبي، جلسة المراجعة بمترل فضيلته - ليلة الأربعاء 6 ذو الحجة 1432 هـ، الموافق 2/ 2011/11 م. (1/382)
صفحة 383
المعلمم
ات
المعتصم في فقه النكاح
دينار الفراش = قيمة الجرام الواحد في السُّوق × 4,25 (1).
تنبيه مهم.
383
قَدْ يَفهَمُ بَعْضُ النَّاسِ خَطَأَ مُحْضًا عِنْدَ ذِكْرِنَا لِلكَفَّارَاتِ عُمُومًا، وَكَفَّارَةِ دِينَارٍ الفرَاشِ خُصُوصًا أَنَّ الفِعْلَ المحرَّمَ المحظُورَ الذِي يُوجِبُ الكَفَّارَةَ يمكنُ ارْتَكَابُهُ وَاسْتحْلالُهُ بِالتَّكْفِيرِ بَعْدَهُ!!
وَهَذَا أَمْرٌ لا يُقِرُّهُ شَرْعٌ سَمَاوِيٌّ وَلَا عَقْلٌ سَوِيٌّ؛ فَإِنَّ الْحَرَامَ فِي شَرْعِ اللَّهِ يَبقَى حَرَامًا، ولا تُحيلُهُ التَّوْبَةُ بَعْدَهُ حَلالاً، وإِنما الكَفَّارَةُ هِيَ عُقُوبَةٌ عَلَى الذَّنْبِ وَلِيسَتْ تَبرِيرًا لَهُ، فَتَتَبَّهُ لِمَزَلَاتِ الأَفْهَامِ، وبالله السَّمَامُ (2) (3).
سَادسًا / المَرَضُ: وهو المرض الذي يفوِّت اللذة ويجلب الألم للطرف المريض، فحينئذ لا يجبر على المعاشرة، على أن المودة والرحمة الكائنة بين الزوجين تقتضي أن واحد منهما ظروف الآخر وحالته النفسية والجسدية، لا سيما أن تمام المتعة
يراعي
کل
والاستمتاع يتحقق عندما يكون الاستمتاع متبادلا بين الطرفين، وهذا ما لا يكون حالة المرض وعدم الصحة (4).
(1) - للمزيد يُنظر:
(2) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 114، 118، 120.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقةُ: 25 مُحرَّم 1429 هـ، يوافقه 2008/ 02/03 م. القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة: 14 رمضان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 11/20 م.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 114، 115، 120.
القنوبي، "جواب مطوَّلٌ: مطبوع ومتداول" لدى الكاتب نسخة منه ص 63.
السالمي، جوهر النظام ج 2 ص 361 - 362.
(3) - يُنظر:
المعتمد في فقه الكفَّارَاتِ 25 ص 65.
(4) - الخليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد. فتاوى النكاح ص 72. (1/383)
صفحة 384
384
المعلممر
هقه
سَابعًا / التَّعَبُ الشَّدِيدُ والإعياء الكبير؛ لأن فيه إضرارا بالشخص المرهق المتعب، وعدم حصول الاستمتاع لديه، وتفويتا للذة الجماع كما تفوت بالمرض (1). ثَامَنَّا عَدَمُ الزَّفَاف: مع أن الأصل في المرأة أنها بالعقد تكون زوجة وحليلة للرجل إلا أن العرف المعتبر لدى الأكثر - وسد ذرائع الفساد يقتضي القول بعدم دخول الزوج على زوجته في هذه الفترة، وما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله وذلك لما تقدم من المفاسد الكثيرة التي تترتب على الدخول قبل الزفاف، والله
المستعان (2)
حسن؛
تاسعًا السُّكْرُ: فالمرأة المؤمنة لا يجب عليها بل ليس لها أن تجيب دعوة زوجها إلى المعاشرة في حال سكره وعدم إفاقته لأنه في هذه الحالة لا يفرق بين الحلال والحرام، ولا بين النكاح والسفاح ولا بين الحليلة، والخليلة فإن حاول جبرها على المعاشرة فلترفع أمرها إلى قضاء الشرع وكفى به فاصلا وحاميا لها عن هذا الثعبان الجهنمي، يقول شيخنا الخليلي متعنا الله بحياته -: ". فانى للمرأة المسلمة أن ترضى لنفسها أن تُضاجع ثعبانا من ثعابين جهنم والعياذ بالله (3)، ويقول المحدث القنوبي – وفقه الله -: " لا طاعة للزوج السكران إذا دعا زوجته إلى فراشه"، ويقول في موضع
(1) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَدٍ. برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 5 رمضان 1425 هـ يوافقه 2004/ 10/20 م.
(2) - يُنظر: الْبَابُ التَّاسِعُ: فِي أَرْكَانِ عَقْدِ النِّكَاحِ، وَمُتَمِّمَاتِهِ فَصْلٌ في مسائل وتنبيهات مهمة تتعلق بأركان عقد النكاح التنبيه السَّادس.
(3) - يُنظر:
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 52، 98. الخليلي، فتاوى النكاح ص 74.
الخليلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ " حلقة: 21 رمضان 1432 هـ، يوافقه 2011/ 8/21 م. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقه 4 رمضان 1422 هـ، يوافقه 2001/ 11/20 م. (1/384)
صفحة 385
ا على المعتصم في فقه النكاح
385
آخر من سلسلة بحوثه ورسائله: "هذا، وليس للمرأة أن تمكن زوجها من وطنها وهو في حالة السكر (1).
(1)
قلت: وقدْ أضَافَ شَيخنا القَنُويُّ - حَفِظَهُ اللهُ - عِنْدَ المُرَاجَعَة بخط قلمه قَولَهُ: "بل تؤمر بأن تأمره بالتوبة النصوح إلى الله تعالى؛ فإن أبى فالأفضل لها أن تطلب
الطلاق منه ".
أم لا؟
فَتْوَى
السؤال هل يحل مباشرة الزوج لزوجته النفساء إذا رأت الطهر قبل الأربعين،
الجَوَابُ يُمنع من ذلك، إلا إن استقرت لها عادة أن تطهر قبل الأربعين فلا
مانع عندئذ، والله أعلم (2).
(1) - يُنظر:
(2) - يُنظر:
القنوي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الرابع ص 57.
القنوبي، دروس صيف 1424 هـ، 2003 م، "مذكرة خاصة "ص 36.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 119.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤالُ أَهْلِ الذكر، حلقه 8 جمادى الثانية 1428 هـ، يوافقه 2007/ 6/24 م.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الرابع ص 97. (1/385)
صفحة 386
اقْرَأْ واحفَظ
يقول الشيخ الإمام السالمي - رحمه الله تعالى- في "باب أحكام الحيض"
جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام:
ويُمنع الوطء فإن وطاها
وليس في هذا اختلاف أبدا
مستندا على معاني الآية
يُبرأ من فاعله إن لم يتب
هيهات ليس ذا المقال حقا
***
***
***
***
***
کتابه
فقد أتى الكبير إذ أتاها
بل فيه للأمة إجماع غدا
وما أتى في ذاك من رواية
والوقف عنه من أغاليط الكتب
بل حقه ورا البحور يُلقى (1)
فَصْلٌ
فِي مَسَائِلَ وَتَنْبِيْهَاتٍ مُهمَّةٍ تَتَعَلَّقُ بـ"حَقِّ الاسْتِمْتَاع
التنبيه الأَوَّلُ: لما كان حق الاستمتاع بين الزوجين من الحقوق المقصودة أساسا في عقد النكاح؛ تلبيةً لداعي الفطرة فقد أولى الإسلام تحقيقه أيما عناية حتى قدمه على كثير من العبادات المستحبات، ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم فهي المرأة عن صيام النفل حال وجود الزوج معها إلا بإذنه.
كما أنه ينبغي للمرأة استشارة بعلها في وقت قضاء ما عليها من واجب الصيام؛ وذلك لما يؤدي إليه الصيام من تفويت حق الاستمتاع على الزوج (2)؛ قال -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الصحيح: "لا تَصُومُ الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إِلا بإذنه " (3).
(1) - السالمي، عبد الله بن حميد. جوهر النظام ج 2 ص 360 - 361.
(2) - يُنظر:
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" حلقة: 20 رمضان 1426 هـ، يوافقه 2005/ 10/24 م. القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ص 207.
القنوبي، برنامج: سُؤَالُ أَهل الذكر، حلقه: 3 رمضان 1426 هـ، يوافقه 2005/ 10/7 م.
(2) - البخاري بَاب: صَوْمِ الْمَرْأَةِ بِإِذْنِ زَوْجِهَا تَطَوُّعًا، رقم الحديث 4793. (1/386)
صفحة 387
المعتصم في فقه النكاح
ومثل الصيام في القياس الاعتكاف لاتحاد العلة، وهو تنافي هذه العبادة مع الاستمتاع المستحق للزوج؛ كما يقول الله تَعَالَى: {وَلَا تُبَشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَلَكِفُونَ
في المسجد البقرة: 187، فلا تقدم عليه المرأة إلا بإذن البعل، والله أعلم). التنبيه الثاني: الاستمتاع حق مشترك بين الزوجين كما تقدم وتقرر، فيجب للمرأة كما يجب للرجل على القول المعتقد، خلافًا لبعض الفقهاء المتقدمين القائلين بأنه حق للرجل دونها؛ فإن هذا القول عار عن الدليل، بل الأدلة تضاده، والفطرة تناقضه، فالله تعالى يقول: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ البقرة: 228، وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص المتقدم خير، شاهد، يقول العلامة بدر الدين الخليلي أبقاه الله -: "والقول الحق في ذلك هو أن لها حقا فيه (2).
قلتُ: وقدْ أضَافَ شَيخنا القَنُّوبِيُّ - حَفَظَهُ الله - عنْدَ الْمُرَاجَعَة بخط قلمه قَولَهُ:
"وهذا هو الحق الذي لا ريب فيه ".
كما أن في امتناع الحليل عن غشيان حليلته إضرارا بها وأي إضرار، وفي إمساكه لها مع عدم توفيتها هذا الحق تعذيب نفسي وجسدي لها، وكيف لا يكون الاستمتاع حقا لها والفطرة تشهد به ويا تُرى ما الذي دعاها وأخرجها من كنف أبوين رؤومين رؤوفين درجت في عشهما معزّزة مكرمة وتربت بين أحضانهما مدللة محببة، إلى رجل ليس لها به سابق عهد ولا معرفة إلا الرغبة في ما يرغب فيه نظيرها الرجل!!
(1) - يُنظر:
(2)
- يُنظر:
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقةُ: 20 رمضان 1426 هـ، يوافقه 2005/ 10/24 م. القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقه: 18 رمضان 1427 هـ، يوافقه 2006/ 10/12 م.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 78.
الخليلى، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 90.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذكر، حلقة: 27 جمادى الأولى 1432 هـ، يوافقه 1/ 5 / 2011 م. (1/387)
صفحة 388
388
المعتصم
ولهذا فإن الإسلام في تشريعاته العادلة راعى هذا الجانب وأنصف المرأة بل جعل لها الحق في رفع أمرها إلى القضاء الشرعي عند نشوز الزوج ورغبته عنها، وامتناعه عن إعطائها هذا الحق المشروع لها، فإما أن يمسك بمعروف وإما أن يسرح بإحسان كما أمر الله تعالى، وكما قيل قديما في تواقيع العرب قد كثر شاكوك وباكوك؛ فإما اعتدلت وإمَّا اعتزلت (1).
بل إن الزوج إذا تعنت في حرمان المرأة حقها بطريق الإيلاء أو الظهار ولم يرجع عن يمينه، ولم يعد عن منكر قوله وزوره حتى مضت أربعة أشهر فإن المرأة تبين عن عصمته بحكم الله في كتابه المجيد من غير حاجة للرجوع إلى فصل القضاء؛ قَالَ تَعَالَى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَابِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَاهُو فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) وَإِنْ عَزَمُوا
الطَّلَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (البقرة: 226 - 227 (2).
رد
فائدة: اختلف الفقهاء والمفسرون في المراد بـ " الميثاق الغليظ" المنصوص عليه في قوله تعالى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ، وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيتَقًا غَلِيظًا النساء: 21، فقيل بأنه الحق المشار إليه في قوله تعالى: فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَنِ} البقرة: 229.
(1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 72، 78 - 79.
الثعالبي، التمثيل والمحاضرة، فصل من كلام بلغاء أهل العصر في ذكر السلطان.
(2) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 91.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 88.
الخليلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقه: 8 محرم 1425 هـ، يوافقه 2004/ 2/29 م. (1/388)
صفحة 389
المعلم
انت على المعتصم في فقه النكاح
389
ورجح شيخ المفسرين الخليلي -وفقه المولى أن المراد من الميثاق الغليظ هو "الميثاق الفطري" الذي يجذب المرأة إلى الرجل ويجعلها تستسلم وتسدن له قيادها، فتجد في ذلك راحة بالها، وطمأنينة نفسها، واستقرار عاطفتها، وإشباع رغبتها، يقول سماحته كما في "سؤال أهل الذكر ": " بل الميثاق هنا هو الميثاق الفطري، وهذا القول أقوى وأبين (1).
فتجدها تؤثر أن تخرج من بيت أبويها وهما أبر بها وألطف لها وأرحم وَأَرْام لتنتقل إلى كنف رجل لا تعرفه ولا يعرفها من قبل، وقد يكون من بلدة بعيدة وأسرة غريبة لا صلة بينها وبين أسرتها، فتضحي من أجل الخروج إليه، وربما تحملت المتاعب، وكابدت المشاق وذاقت الأمرين .. كلُّ ذلك ليس إلا من أجل تلك الترعة
الفطرية و الميثاق "الغليظ الذي أخذته المرأة من الرجل، والله عليم حكيم)
من
أجله
التَنْبيه الثالثُ: بناء على أن المتعة الجنسية مطلب فطري ومقصد أساسي وحق شرعي عند كل امرأة كما هو مطلب كل سوي سليم من الرجال فإنه يترتب على وجوب هذا الحق للمرأة المسائل الآتية:
المَسْأَلَةُ الأُوْلى: ليس للرجل الذي يعلم من نفسه عدم القدرة على معاشرة النساء لأي سبب كان أن يقدم على الزواج وأن يغرر بالمرأة المسكينة، إلا أن يُعلمها بحاله عند الخطبة، وتقبل هي عندها بالتنازل عن هذا الحق الشرعي لها قبل عقد الزواج
بينهما، فحينها حلَّ له النكاح (3).
(1) - يُنظر:
(2)
(2) - يُنظر:
الخليلي، لقاءات في الفكر والدعوة ص 109.
الخليلي، برنامج: "سُؤَالُ أَهْل الذكر" حلقة 7 ذو الحجة 1426 هـ، يوافقه 2006/ 1/8 م.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 85 - 86.
،
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقة: 18 ذو الحجة 1430 هـ، يوافقه 6/ 2009/12 م.
(3) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. فتاوى النكاح ص 76 - 77. (1/389)
صفحة 390
3 maigall
فقه النصر
المعتمم
390
المَسْأَلَة الثانية: إن اقترنت المرأة برجل وتبين أنه غير قادر على معاشرة النساء، أو طرأ عليه العجز بعد العقد فلها أن ترفع أمرها للقضاء لتطلب فسخ النكاح، وحينها يمهل الزوج للعلاج عاما كاملا، فإن عالج نفسه وقدر على المعاشرة فيها ونِعْمَت ونَعِمَت، وإلا فسخ العقد، وفي كل غَير خير بإذن الله تعالى، وفي هذا يقول سماحة الشيخ مجيبا بعض سائليه: لسبق السيف العذل، وقد كان الأولى بك أن تعالج نفسك قبل الزواج، حتى لا تدخل الهيجاء بغير سلاح
المَسْأَلَةُ الثَّالثَةُ: إن عرض على الزوج ضعف جنسي يؤدي به إلى التقصير في حق المرأة وعدم إشباع رغبتها منه فعليه في هذه الحالة شرعا أن يلجأ بإشراف الأطباء المختصين - إلى العقاقير المقوية للرغبة الجنسية لديه، وهي معروفة ومتوفرة في مظانها بحمد الله، يقول سماحته -حفظه الله -: " .. فإنّ في الأدوية المستعملة في علاج هذا الضعف ما يحوّل الضعف إلى قوَّة، ويجعلُ منَ الرِّعديد مقْدَامًا (2).
المَسْأَلَةُ الرَّابعَةُ: إن طرأ على الرجل سفر طويل قاصد، أو حبس منيع حائل، يفوت على المرأة حقها الشرعي في الاستمتاع ويضر بها كثيرا فعليه في هذه الحالة أن يخيرها في أمرها بين الصبر على بعد الحبيب والنوى أو الطلاق والفراق، عسى ربها أن يبدلها خيرا منه (3)
(1) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد. فتاوى النكاح ص 320.
(2) - يُنظر:
(3) - يُنظر:
الخليلى، فتاوى النكاح ص 67.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 89.
الخليلي، مجلة المعالم العدد الحادي عشر ص 23.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 92، 94.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ "، حلقةُ: 8 محرم 1425 هـ، يوافقه 2004/ 2/29 م. (1/390)
صفحة 391
المعلمين
ة
ي المعتصم في فقه السكة.
391
المسألة الخامسة: إذا رجع الرجل من سفر طويل فلا ينبغي له أن يطرق
أهله ليلا من غير أن يعلمهم بمجيئه؛ وذلك حتى تستعد المرأة للقائه وتتميأ لاستقباله ولا تفاجأ بوصوله، فتستطيع أن توفي الرجل حقه وتستوفي هي حقها، وقد كان ذلك الإرشاد من هدي النبي صلى الله عليه وسلم وإرشاده الحكيم، فقد قال عليه الصلاة والسلام: " إذا قَدَمَ أَحَدُكُمْ لَيْلا فَلَا يَأْتِيَنَّ أَهْلَهُ طُرُوقًا حَتَّى تَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ وَتَمْتَد - الشَّعَثَةُ (1). ووسائل الاتصال والتواصل الآن سهلة وميسرة بحمد الله، فإن رأى الرجل بأنه سيصل في وقت متأخر من الليل مثلا فيمكنه الاتصال بأهله وإخبارهم بوقت وصوله تحديدا، يقول الشيخ محمد بن سعيد المعمري -وفقه الله -: "وقد سألت العلامة القنوبي عن هذا الأمر فقال: "إذا كان أخبرهم من قبل بأنه سيتأخر أو بأنه
-حفظه الله -
سيصل في كذا كذا من الوقت من الليل فإنه لا يكون داخلا في النهي
(2)
المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: من المعلوم لدى الأزواج أن طبيعة الرجل تختلف عن طبيعة المرأة فيما يتصل بالمتعة والاستمتاع من حيث العموم، فالرجل سريع الانفعال، فقد تثور شهوته ويتهيأ للإنزال في فترة قصيرة، بينما المرأة بطبيعتها تحتاج للتهيئة الطويلة حتى ترغب، ثم حتى تصل إلى مرحلة الذروة ..
وهنا يجب على الرجل الحكيم أن ينظر شريكته ولا يعجلها في أمر الوقاع أولا، بل ينبغي له أن يقدم ويلاطف ويداعب ويلاعب ويجعل بينهما الرسل والسفراء حتى يذكي جذوة رغبتها وتريد منه ما يريد منها، ثم بعدها عليه أن لا يتعجل الإنزال، بل ينتظرها ويمهلها حتى تبلغ هي الذروة وتكتمل عندها النشوة، وكلما أطالا الاستمتاع
كان ذلك أحرى أن يؤدم بينهما.
212 - الطُّرُوق: هُوَ الدُّخُولُ لَيْلاً من غَيرِ عِلْمٍ. يُنظر:
مسلم، باب: كَرَاهَةِ الطُّرُوقِ وَهُوَ الدُّخُولُ لَيْلا لِمَنْ وَرَدَ مِنْ سَفَرٍ، رقم الحديث 3557.
(2) - المعمري، محمد بن سعيد. هكذا أدبني ربي مادة سمعية، الشريط الرابع / آداب السفر والرحلة إنتاج:
تسجيلات مشارق الأنوار.
0 (1/391)
صفحة 392
392
المعتصم في
المعلم
وما ذاك إلا لأن معاجلة المرأة قبل قضاء وطرها يضُرُّ بما ويؤذيها نفسيا، ولذلك فإن السعادة والراحة المتبادلة على فراش الزوجية ينعكس أثرها على السعادة الأسرية في المنزل، والاجتماعية والعملية خارجه، والعكس صحيح فإن كثيرا من مشكلات الحياة ووقائع الانفصال ما هي إلا انعكاس لعدم سعادة الأزواج على فراش الزواج،
والله الموفق).
لطيفة
رَوَى عبد الله بن عمر عن أبيه الخليفة العادل عمر بن الخطاب أنه خرج ذات ليلة يجوس (2) خلال المدينة، فمر بامرأة في بيتها، وهي تقول:
وأَرْقَني ألا خليل أداعبة
لَزُعْزِعَ مِن هَذَا السَّرِيرِ جَوَائِبُهُ
وإكرام بعلى أن تنال مراكبة
بأنفسنا لا يفتر الدهر كاتبة
***
***
***
***
الا طالَ هَذَا الليل واسود جانبة
قو الله لولا الله لا رَبِّ غيره
مخافة ربي والحياء يعفني
ولكنني أخشى رقيبا مو كلا
فسأل عمر عنها، فقيل له: إنها فلانة غاب زوجها عنها غازيا في سبيل الله، فبعث عمر إليه، فأقفله ثم دخل على حفصة فسألها كم تصبر المرأة عن الرجل؟ فقالت: شهرين، وفي الثالث يقل الصبر، وفي الرابع ينفد، فكتب عمر عمر إلى أمراء الأجناد: أن لا تحبسوا رجلاً عن امرأته أكثر من أربعة أشهر (3).
- روى أبو يعلى الموصلي في مسنده مرفوعا إلى النبي هو أنه قال: " إذا جامع أحدكم أهله فليصدقها، ثم إذا قضى حاجته قبل أن تقضي حاجتها فلا يعجلها حتى تقضي حاجتها"، ولكن هذه الرواية من حيث السند فيها ضعف عند بعض المحدثين. يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 90.
أبو يعلى الموصلي، المسند، حديث: أنس بن مالك له، رقم الحديث 4091.
(2) - يجوس: من الجوس وهو طلب الشيء باستقصاء، ومنه قوله تعالى: فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيار الإسراء: ه، ويقال: يجوس الرَّجُلُ الأخبار أي يطلبها. يُنظر: الجوهري، الصحاح، مادة (جوس).
- يُنظر:
(3) (1/392)
صفحة 393
لطيفَةٌ أُخْرَى
مَعَ كَعْبِ بْنِ سُورِ العُماني
قيل إن امرة أتت إلى عمر بن الخطاب له فقالت: يا أمير المؤمنين إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل وما أحب أن أشكوه وهو في طاعة الله، فلم يفهم عمر مرادها، وقال لها: جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا مِنْ مُثْنِيَة عَلَى زَوْجِهَا، فَجَعَلَتْ تُكَوِّرُ عَلَيْهِ الْقَوْلَ وَهُوَ يُكَرِّرُ عَلَيْهَا الْجَوَابَ، وكان قد حضر في مجلسه كعب بن سور العماني، فقال: يا أمير المؤمنين إِنَّهَا تَشْكُو مُبَاعَدَةَ زَوْجِهَا عَنْ فَرَاشِهِ وَتَطْلُبُ حَقَّهَا فِي ذَلكَ!
فقال له عمر: قد فهمت قصتها فاحكم بينهما، فأمر كعب بالرجل فأتي به،
فجلس للحكم بينهما، وقد حضرا بين يديه، فتكلمت المرأة وقالت:
يَا أَيُّهَا الْقَاضِي الْحَكِيمُ رُشْدُهُ
زَهَّدَهُ فِي مَسْجِعِي تَعَبدُهُ
مفتر شا جبين ه يکده
فَلَسْتُ فِي أَمْرِ النِّسَاءِ أَحْمَدُهُ
***
***
***
***
أَلْهَى خَلِيلِي عَنْ فَرَاشِي مَسْجِدُهُ
وخوف رب باليقين يعبده
نَهَارَهُ وَلَيْلَهُ مَا يَرْقُدُهُ
فَاقْضِ الْقَضَا يَا كَعْبُ لَا تُرَدِّدُهُ
فقال كعب للزوج وما تقول أنت؟ فقال:
***
زَهَّدَنِي فِي فَرْشِهَا وَفِي الْحَجَلْ (1) أَنِّي امْرُؤٌ أَذْهَلَنِي مَا قَدْ نَزَلْ فِي سُوْرَةِ النُّورِ وَفِي السَّبْعِ الطُّوَل (2) وَفِي كِتَاب الله تَحْوِيفٌ جَلَلْ
***
الخليلي، فتاوى النكاح ص 91 - 92.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 88 - 89، 90.
البيهقي، السنن الكبرى باب من استأجر إنسانا للخدمة في الغزو.
(1) - الحجل: جمع حَجَلة بفتحتين، وهي بيت يزين للعروس بالثياب والأسرة والستور.
(2) - السبع الطول من سور القرآن هي: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام، والأعراف، واختلفوا
(2)
في السابعة فنهم من قال براءة والأنفال عدهما سورة، واحدة ومنهم من جعلها سورة يونس، والله أعلم. (1/393)
صفحة 394
فحثها يا ذا على خير العمل
***
من طاعة الله ومن بر البعل
ففي القُرآن واعظ لمن عقل
فحكم بينهما كعب وقال:
***
إِنَّ لَهَا عَلَيْكَ حَقًّا يَا رَجُلْ فِي لَيْلَةٍ مِن أَرْبَعٍ لِمَنْ عَقَلْ
***
فَأَعْطِهَا ذَاكَ وَدَعْ عَنْكَ الْعَلَلْ
إذا فصُمْهُنَّ وَقُمْهَنَّ وصَلْ
***
وأنتَ مِنْ أَمْرِ الثَّلاثِ فِي مَهَلْ لا ينفعُ القول وتضييع العمل
ثم التفت كعب إلى عمر وقال: يا أمير المؤمنين إن الله قد أحل من النساء مثنى
وثلاث ورباع، فله ثلاث أيام ولياليهن يعبد فيهن ربه، ولها يوم وليلة.
فقال عمر: والله لا أدرى من أي أمريك أعجب، أَمِنْ فَهْمِكَ أَمْرَهُمَا أَمْ مِنْ حُكْمكَ بَيْنَهُمَا؟ اذْهَبْ فَقَدْ وَلَّيْتُكَ قَضَاءَ الْبَصْرَة (1)، وهذه القصة ينظمها لنا الإمام
السالمي الله بقوله في جوهره:
وإن تكن قد طلبت إياه
في أربع الأيام قيل مرة
وهو العماني على التحقيق
فاستحسن الفاروق ذاك النظرا
***
***
***
يلزمه إن شاء أو أباه أخرج هذا القول قاضي البصرة
قضى به في حضرة الفاروق ومن هناك صار قاضي عمر (2)
(1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 79 - 80.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 91. الشقصي، منهج الطالبين وبلاغ الراغبين ج 9 ص 25 - 26.
البطاشي، إتحاف الأعيان ج 1 ص 52 - 54.
(2) - السالمي، عبد الله بن حميد. جوهر النظام ج 2 ص 269. (1/394)
صفحة 395
است و المعتصم في فقه النكاح
395
الحَقُّ الثَّانِي النَّسْلُ:
لقد فطر الله بني البشر رجالهم ونساءهم على حب الأبناء والذرية حُبا جَما لا ينكره أحد؛ ولذا امتن الله تعالى على عباده بأن ركب فيهم غريزة حب الأبوة للرجال وحب الأمومة للنساء، وقدمها على شهوة المال بمختلف أصنافه وألوانه؛ فقال
في محكم كتابه المجيد: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَمِ وَالْحَرْثِ)
عمران 14.
حتى
آل
كان النسل أحد المقاصد الأساسية من وراء سعي الجنسين إلى الاقتران والتزاوج؛ لأن كل واحد منهما يرى في حياة أبنائه امتدادا لحياته، وفي شبابهم تجددا الشبابه، وفي دعائهم له اتصالا للرحمة بعد مماته، ولذا فإنا نجد الامتنان الإلهي بنعمة البنين والأحفاد قرين الامتنان بنعمة الأزواج فوجب شكرها لا كفرها؛ يقول الحق تبارك وتعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَجكُم بنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَهَا الْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ}
النحل: 72 (1)
ومن هنا أصبح التناسل وطلب الولد حقا مشتركا لكلا الزوجين، فلا يجوز لأي واحد منهما أن يتسبب في تحديده أو تنظيمه ويحرم الآخر حقه من غير موافقته ورضاه، ومن فعل ذلك من غير علم قرينه أو رضاه فقد عقه وظلمه وبخسه حقه (2).
(1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح / بحث: من قضايا الزواج ص 414.
الخليلي، في الخطبة والزواج. " محاضرة مطبوعة"، لدى الكاتب نسخة منها ص 4.
(2) - يُنظر: (1/395)
صفحة 396
396
المعتمري
فَصَلِّ فِي الحَقِّ عَلَى تَكْثِيْرِ النَّسَلِ
تفقه -أيها المجتهد في أمر الدين أن دعوة الإسلام جاءت بالحث على تكثير النسل وزيادة عدد أفراد الأمة؛ لأن الاستثمار في المورد البشري هو أفضل الاستثمار، والقوة به أعلى القوة؛ كما امتن بذلك رب العزة في قوله: {وَاذْكُرُوا إِذْ راف: 86، وجعله سببا للنصر والتمكين ومدعاة ككُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ الله الأعراف: للذكر والشكر؛ كما في قوله: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَتَاوَنكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْره، وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَتِ
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) الأنفال: 026
وجاء عن نبي الله الكريم عليه أزكى الصلاة وأتم التسليم- دعوة أتباع أمة الإجابة إليه بقوله: "تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ (1).
فَصْلٌ فِي قَضِيَّةِ تَنْظِيمِ النَّسْلِ"
لا يخفى عليك أيها الزوج الحكيم أن الحاجة الداعية قد تدعو إلى تنظيم النسل والضرورة الملجئة قد تحتم تأخير الحمل أحيانا، ومن الطرق التقليدية لتنظ النسل والمباعدة بين الولادات "العزل" ..
ومعنى العزل أن يجامع الرجل المرأة في الفرج فإذا قارب الإنزال نزع وصب المني خارجه، وقد كان تنظيم النسل بهذه الطريقة أمرا معروفا ومستعملا لدى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال حابر بن عبد الله: "كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْـ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ (2).
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقة: 2002/ 5/12 م.
بيوض، فتاوى الإمام بيوض ص 392، 394، 404.
(1) - النسائي، بَاب كَرَاهِيَةُ تَزويج الْعَقيم، رقم الحديث 3175.
(2)
- البخاري، باب: الْعَزل، رقم الحديث 4808. (1/396)
صفحة 397
على المعلمين
397
ولذا ذهب جمهور علماء الأمة إلى جوازه حتى حكي عليه الاتفاق مع كراهة له عند بعضهم، يقول الشيخ بيوض في فتاواه وهو أمر معروف في عهد الصحابة
- رضي الله عنهم، ولا نعلم بين علماء المسلمين من الخلف والسلف خلافا في
جوازه (1)
ومثل العزل في الجواز من الطرق الطبيعية المؤقتة لتنظيم النسل: الرضاع الطبيعي، والجماع في غير فترات الإخصاب (2)، ويقاس على العزل في الجواز سائر الطرق الصحية والمأمونة لتنظيم النسل وتجنب الحمل أو تأخيره لفترة مؤقتة؛ بل إن هذه الوسائل لا تفوت المتعة كما تفوت بالعزل (3).
(1) - تنبية: جاءت رواية ترفع إلى النبي الله فيها أن الصحابة سألوا النبي الله عن العزل فأجابهم بقوله: " ذلكَ الْوَأدُ الخفي"، إلا أن هذه الرواية مضعفة من قبل كثير من العلماء لمعارضتها بالروايات الكثيرة التي فيها إباحة العزل، وأن الصحابة كانوا يستعملونه زمن النبي الله والقرآن يتزل عليه ولم ينهوا عنه، ويرى شيخنا محدث العصر القنوبي -أبقاه الله أن هذه الرواية على تقدير ثبوتها يمكن أن يجمع بينها وبين الروايات الأخرى بما لا يتعارض معها، ولا يؤثر في الحكم الشرعي شيئا. يُنظر:
(2)
القنوبي، الطوفان الجارف ج 3 ق 2 ص 400.
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقه: 29 ربيع الثاني 1427 هـ، يوافقه 2006/ 5/28 م.
بيوض، فتاوى الإمام بيوض ص 392.
مسلم، باب: جَوَازِ الْغِيلَةِ وَهِيَ وَطْءُ الْمُرْضِعِ وَكَرَاهَةِ الْعَزْلِ، رقم الحديث 2613.
- فترة الإخصاب هي: الأيام الخمسة التي تتوسط الحيضتين، وتُحَدُّ فيما بين اليومين 11 و 16 اللذين يسبقان الحيض التالي، حيث تنزل البيضة خلال هذا الأسبوع، ويكون هذا الزمن زمن الإخصاب والحمل، وما قبله من اليوم (1) إلى اليوم (10) هي فترة عقم طبيعي، وكذا ما بعده من اليوم (18) إلى اليوم (28) هي فترة عقم طبيعي، وذلك
مع افتراض انتظام الدورة الشهرية عند المرأة. يُنظر:
(T)
الشقصية الأساس في أحكام الحيض والنفاس
الخليلي، الفتاوى الطبية ص 174 - 176.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقه: 13 محرم 1424 هـ، يوافقه 2003/ 3/16 م.
- بيوض، إبراهيم بن عمر. فتاوى الإمام بيوض ص 392. (1/397)
صفحة 398
398
المعتمري
في فقه المشكاة
فصل في شُرُوطِ جَوَازِ تَنْظِيمِ النَّسْلِ
اعلم يا رعاك الله - أن إباحة تنظيم النسل واستعمال وسائله وطرقه ليس على
إطلاقه، وإنما هو مشروط ببعض الشرائط، وهي:
أولا أن يكون باتفاق الزوجين:
لأنه من الحقوق التي يشترك فيها الزوجان ويبتغيها كل من الرجل والمرأة من
وراء النكاح كما رأيت (1).
/ثانيا أن لا يكون الدافع إليه خشية الفقر:
لأن الله هو الرزاق ذو القوة المتين قد تكفل بأرزاق العباد ومعايشهم؛ بل إنه أخبر في كتابه أنه ما مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) هود: 6، وفي هذا الصنيع المقرون بهذه النية السيئة تشبة بالكفار أهل الجاهلية الأولى الذين يقتلون أولادهم خشية الفقر المتوقع؛ كما أخبر عنهم المولى تعالى بقوله: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقٌ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَبْلَهُمْ كَانَ خِطْنَا كَبِيرًا له الإسراء: 31، أو خشية الفقر الواقع؛ كما أخبر عنهم الله بقوله: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَقٍ
نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ (الأنعام: ـ
(1) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى الطبية ص 173.
الخليلى، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 85.
الجناوني، كتاب النكاح ص 198.
الخليلي، الفتاوى الطبية ص 176.
(2) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 95.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 86.
بيوض، فتاوى الإمام بيوض ص 394، 399. (1/398)
صفحة 399
المعلمم
تعمل المعتوه في فقها معتصب في فقه النكاح
399
وفي هذا الصنيع أيضا - تشبه بأهل الجاهلية الحديثة الذين ينفخون أبواق
التحذير ويدقون طبول الخطر من انفجار سكاني عظيم لا يبقي لأهل الأرض شربة ماء ولا لقمة عيش، والله المستعان (1).
ثالثا أن يكون ذلك لضرورة أو حاجة داعية:
كأن يكون ذلك بسبب مرض المرأة، أو ضعفها بتتابع الحمل، وعسر الولادات، أو لفساد لبن الرضيع نتيجة الحمل في الحولين .. فإن لم تكن هنالك ضرورة فلا ينبغي منعه لما فيه من تفويت المقاصد الشرعية الداعية إلى تكثير سواد الأمة كما تقدم"). ولما تسببه موانع الحمل الصناعية عند الكثير من النساء من اختلال في الدورة الشهرية التي تناط بها الكثير من العبادات كترك الصلاة والصيام، فتلتبس عندها أيام طهرها من أيام حيضها وتكون بذلك في حيرة من أمرها، والله المعين (3).
(1) - يُنظر:
الخليلي، أنت تسأل والمفتي يجيب / الشريط الأول. إنتاج مكتبة وتسجيلات مشارق الأنوار.
الخليلي سلسلة دروس الشرعية.
التفسير، تفسير الآية رقم 27 من سورة النساء. مادة سمعية، اللجنة الثقافية بمعهد العلوم
(2) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى الطبية ص 170 - 172.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقةُ: 27 رمضان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 12/3 م. الخليلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْر "، حلقه: 9 جمادى الأولى 1425 هـ، يوافقه 2004/ 6/27 م. القنوبي، برنامج: "سؤالُ أهل الذكر، حلقه: 29 ربيع الثاني 1427 هـ، يوافقه 2006/ 5/28 م.
بيوض، فتاوى الإمام بيوض ص 397، 401.
(3) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 95.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 84، 85.
الخليلي، برنامج: "سؤال أهل الذكر"، حلقه: 13 ذو القعدة 1425 هـ، يوافقه 2004/ 12/26 م. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سؤال أهل الذكر"، حلقه: 5 جمادى الأولى 1426 هـ، يوافقه 2005/ 6/12 م. القنوي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقه: 16 رمضان 1426 هـ، يوافقه 2005/ 10/20 م. (1/399)
صفحة 400
400
رابعا أن يكون استعمال الموانع قبل العلوق
فإن علقت النطفة بالرحم أو أحست المرأة بالحمل لتأخر الحيض -مثلا- حرم إسقاطه ولو باتفاق الزوجين كليهما؛ لأنه قد أصبح لهذه النطفة أو العلقة حياة نمو وتكون، وصار لها حرمة إنسانية، وعُدَّ إسقاطها وإجهاضها في أي طور من أطوارها ولأي سبب كان من القتل المحرم، وهو المسمى بـ"الوأد الأصغر"، ولو لم تنفخ فيها
الروح بعد.
فإن نفخت الروح في الجنين أصبحت له حياة إحساس وشعور بجانب حياة النمو والتكون، وكان تعمد إسقاطه أو التسبب فيه جريمة أكبر توجب كفارة القتل، ودفع دية إسقاط الجنين، وهي "غُرَّة"، أي عبد أو أمة)، كما قضى بذلك رسول الرحمة والسلام عليه الصلاة والسلام (2).
(1) - يُنظر:
الخليلي، مجلة المعالم العدد الحادي عشر ص 23.
الخليلى، الفتاوى الطبية ص 181 - 186.
(2) - يُنظر:
الخليلى، فتاوى النكاح ص 235.
الخَلِيلِيُّ، برنامج "سؤالُ أهل الذكر"، حلقه: 28 جمادى الثانية 1425 هـ، يوافقه 2004/ 8/15 م. الخليلي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقه: 1 ربيع الأول 1426 هـ، يوافقه 2005/ 4/10 م. الخليلي، برنامج: "سؤال أهل الذكر" حلقة: 13 ربيع الثاني 1426 هـ، يوافقه 2005/ 5/22 م. القتُوْبِيُّ، برنامج: "سؤالُ أهل الذكر" حلقة: 27 رمضان 1422 هـ، يوافقه 2001/ 12/13 م. بيوض، فتاوى الإمام بيوض ص 392 - 393، 396، 400، 401، 403.
الربيع، بَابٌ: فِي الدِّيَاتِ وَالْعَقْلِ، رقم الحديث 665.
الخليلي برنامج: "سُوَالَ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقة: 2002/ 5/12 م.
الخليلي برنامج: "سُؤالُ أَهْل الذكر" حلقة: 26 ربيع الثاني 1423 هـ، يوافقه 2002/ 7/7 م.
L
السالمي، شرح الجامع الصحيح ج 3 ص 437 - 438. (1/400)
صفحة 401
المس العاهل المعنصرية وافقة النسكات
وفي
401
هَذَا المقام المَعلُومِ جُمْلَةُ مَسَائِلَ وَتَنبيهات إضافيَّاتِ فَأَوْقَدْ لَهَا الفَكْرَ وَاشْحَذْ لَهَا الذَّهْنَ الحَدِيدَ ..
المسألة الأولى)): كل ما تقدم ذكره هنا هو فيما يتعلق بتنظيم النسل ومجرد تأخير الحمل، أما قطع النسل إطلاقا عن طريق ما يسمى بعملية "ربط عنق الرحم" فهو غير جائز، إلا إن كانت هنالك ضرورة قاهرة مطلقة، ومشكلة مستعصية غير آنية؛ بحيث قرر الأطباء الأمناء أنه لا يمكن لها أن تحمل في الحال ولا في المستقبل فعندئذ لا مانع من ربط عنق الرحم (1).
المَسْأَلَةُ الثانية: لا يجوز إسقاط الجنين وإجهاضه بعد علوقه بجدار الرحم سواء تفخت فيه الحياة أو لم تنفخ؛ لما تقدم من حرمة حياته الإنسانية، ولا يشفع لذلك وجود تقارير طبية توضح أن الجنين سيولد مشوها أو معوقا، فإن حياته وخلقه ورزقه
على الله تعالى (2). المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ): يستثنى من حكم المسألة السابقة "عدم جواز إسقاط الجنين" ما إذا ثبت من طريق لا شك فيها بشهادة الأطباء الأمناء وسؤال أهل التجربة الخبراء أن وجود الجنين يؤدي إلى هلاك الأم المحقق ويهدد حياتها بالفناء فإنه يجوز في هذه الحالة إجهاض الجنين وإسقاطه بعد علوقه أو تكونه؛ وذلك لأن هلاك الأم التي أصبح لها حياة مستقلة ملتزمة بتكاليف وحقوق وواجبات - ضرر أكبر، وهلاك الجنين الذي لم تكن له أي حياة ولا التزامات ضرر أخف فيدفع الضرر الأكبر بارتكاب الضرر الأخف كما تنص على ذلك القواعد الفقهية.
(1)
- الخليليُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. الفتاوى الطبية ص 161، 178 - 180.
(2) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى الطبية ص 181 - 186.
الخليلي، الأخلاقيات الطبية وتحدياتها للطبيب والمريض والمجتمع - محاضرة بالقاعة الكبرى بجامعة السلطان قابوس، ليلة الثلاثاء: 21 من المحرم 1433 هـ، يوافقه 12/ 17/ 2011 م. (1/401)
صفحة 402
402
المعتمم
هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن حياة الأم حياة واقعة متيقنة، بينما حياة الجنين حياة متوقعة غير متيقنة واليقين لا يزول بالشك، ثم إن الأم هي الأصل والجنين هو الفرع، فلا يقضى على الأصل من أجل فرعه (1).
المَسْأَلَةُ الرَّابعَةُ: اختلف العلماء فيما إذا توفيت امرأة وفي أحشائها جنين يتحرك وينبض بالحياة، وهو في عمر يمكن أن يعيش بعد أن ينفصل عن أمه حيا كما جرت به العادة وكما يقرره الأطباء العارفون الأمينون، فهل يشق بطن الأم ويخرج
الجنين في هذه الحالة أم لا؟؟ ذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه لا يُخرج في هذه الحالة وإنما يُترك حتى تسكن حركته وتتيقن وفاته ثم يدفن مع أمه، وقالوا بذلك مراعاة لحرمة الأم التي هـ في عالم الشهادة والابن في عالم الغيب.
هي
وذهبت طائفة أخرى من العلماء إلى وجوب إخراج الجنين عن طريق شق البطن بالعملية القيصرية التي غدَتْ الآن سهلةً وميسورةً لا سيما مع تقدم علم الطب في هذه الأزمان (2) ما دام أن حياة الجنين واحتمال عيشه هو الغالب؛ نظرا لأن حرمة الحي
(1) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى الطبية ص 186 - 188.
الخليلي، برنامج: "سؤال أهل الذكر"، حلقة: 28 جمادى الثانية 1425 هـ، يوافقه 2004/ 8/15 م. الخليلي، برنامج: "سؤال أهل الذكر" حلقة: 13 ذو القعدة 1425 هـ، يوافقه 2004/ 12/26 م. القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر"، حلقه: 16 رمضان 1426 هـ، يوافقه 2005/ 10/20 م.
،
بيوض، فتاوى الإمام بيوض ص 395، 399.
- لطيفةٌ: في سبب تسمية عملية شق البطن بـ "القيصرية"، هذه الكلمة تعود نسبتها إلى قيصر أول ملوك الروم، يقول ابن خلكان في وفيات الأعيان وقيصر كلمة فرنجية تفسيرها بالعربية شق" عنه، وسببه أن أمه ماتت في المخاض
فشق بطنها وأخرج، فسمي قيصر، وكان يفتخر بذلك على غيره من الملوك، لأنه لم يخرج من الرحم". يُنظر:. ابن خلكان وفيات الأعيان ج 5 ص 58.
الخليلي، الأخلاقيات الطبية وتحدياتها للطبيب والمريض والمجتمع - محاضرة بالقاعة الكبرى بجامعة السلطان قابوس،
ليلة الثلاثاء: 21 من المحرم 1433 هـ، يوافقه 2011/ 12/17 م. (1/402)
صفحة 403
لى المعنهم
المعتصم في فقه النكاح
403
أعظم وأكبر عند الله من حرمة الميت وفي كل حُرمة؛ فيرتكب أخف الضررين لأجل دفع أشدّهما وأعظمهما، وذلك بشق بطن الأم وإخراج الجنين ثم خياطته مرة
أخرى ودفنها بعد ذلك.
على أن الأم نفسها لو كانت تعلم أنها ستموت وفي أحشائها جنين ينبض بالحياة فإنها ولا شك ستوصي بأن يشق بطنها ويخرج طفلها ولا يترك حتى يموت في ظلمات الأحشاء والمقابر، إضافة لذلك فإن الشريعة الإسلامية قد رتبت للابن وهو في عالم الأرحام أحكاما شرعية فأثبت له الميراث حال وفاة أحد مورثيه، كما أوجبت على من أسقطه الدية، وهي الغرة.
وهذا الرأي الظافر هو الذي ذهب إليه عامة أصحابنا من أهل المغرب، ومنهم الإمام القطب الله، والشيخ أبو إسحاق اطفيش الذي أوجب الدية على من دفنه حيا، وذهب إليه من المشارقة الشيخ خلفان بن جميل السيابي الذي يقول في سلك
درره
وهي وإن كان لها احترام
***
فذاك أيضا قتله حرام (1)
وهذا الرأي هو المُعتصَط أيضا عند الشيخين الخليلي القنوبي -حفظهما الله-، حيث استدل له سماحته إضافةً لما سبق من الأدلة- بقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا المائدة 32 يقول سماحته معقبا الاستدلال بالآية " ولا ريب أنَّ في شق بطنها وإخراج هذا الجنين إحياءً لنفس، ومن أحيا هذه النفس فكأنما أحيا الناس جميعًا، وكفى بذلك دليلاً على أنَّ هذا القول هو القول الراجح .. هذا الذي تبين لي وعليه أعتمد (2).
(2)
(1) - السيابي خلفان بن جميل. سلك الدرر الحاوي غرر الأثر.
(2) - ينظر: (1/403)
صفحة 404
معند
Maigall
404
الخليلي، فتاوى الجنائز ج 1 مادة سمعية إنتاج: مكتبة وتسجيلات مشارق الأنوار.
الخليلي، الأخلاقيات الطبية وتحدياتها للطبيب والمريض والمجتمع - محاضرة بالقاعة الكبرى بجامعة السلطان قابوس، ليلة الثلاثاء: 21 من المحرم 1433 هـ، يوافقه 12/ 17/ 2011 م.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سؤالُ أهل الذكر"، حلقه: 13 ربيع الثاني 1426 هـ، يوافقه 2005/ 5/22 م. القنوبي، جلسة المراجعة بمنزل فضيلته ليلة الأحد 29 المحرم 1433 هـ، الموافق 25/ 12 / 2011 م. (1/404)
صفحة 405
405
الحَقُّ الثَّالِثُ حُسْنُ الْمَعَاشِرَةِ:
حسن
المعاشرة بين الزوجين حقٌّ مشترك وواجب على كل واحد منهما تجاه الآخر، ومعناه المعاملة الحسنة بين الزوجين، وأن يسعى كل واحد منهما إلى ما يُرضي الآخر من حسن المخاطبة واحترام الرأي والتسامح والتعاون على الخير ودفع الأذى
والبعد عما يجلب الشقاق ..
فإن البيوت تُبنى على التفاهم والتسامح وتقديم التنازلات بين الزوجين و تشاد على قاعدة: حسن العشرة والمحبة من كل زوج للآخر، فيرعاه في حضوره، ويحفظه في غيابه، ويخفف عنه ما أهمه، ويدخل السرور على قلبه، ويقدر عمله ويشكر له سعيه، ويعفو عن خطئه، ويغض الطرف عن زلله، ولا ينسى الفضل والجميل الذي بينهما وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُم البقرة: 237 (1)، ولسان حال كل
واحد منهما يناجي الآخر بقوله:
وإذَا الحبيب أتى بذنب واحد
***
جاءتْ مَحَاسَنُهُ بِأَلْفِ شَفيعِ وليعلم الزوجان أن الحياة جبلت على كدر فلا بد فيها من وقوع الخطأ من قبل الطرفين تجاه الآخر، وتلك طبيعة البيوت، ولكن الذي يستر ذلك ويغطي عليه هو ما يتحلى به الزوجان من حب عميق صادق، يقول شيخنا القدوة الخليلي -حفظه الله-: " والخلاف ما بين الزوجين يقع حتى في أطهر البيوت .. في بيت النبوة .. فالنبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام كان أحيانًا يقع خلاف بينه وبين فلا حتى أنه خير نساءه لمدة شهر؛ وما ذلك إلا بسبب ما يقع من خلاف فيما بينهم، يُعد هذا أمرًا خارجًا عن الطبيعة، وخارجًا عن المألوف (2).
) - القنوبِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك. فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ص 208.
(2) - يُنظر:
أهله، (1/405)
صفحة 406
406
المعتممى
فَصْلٌ فِي أَهَمِّيَّةِ حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ
في قمة المشكاة
هي بناء روحي
إن الحياة الزوجية - أيها الزوج الفاضل، أيتها الزوجة الفاضلة مقدَّس، وصرح مشيد مؤسس أساسه المعاملة الحسنة ولبناته الاحترام المتبادل وسماؤه الإخلاص في السر والعلانية، وثمراته المودة والرحمة بين الزوجين، فينبغي لكل واحد من الزوجين أن يرعى حق الآخر، وأن يجعله قرة لعينه، وسكنا لنفسه، ولباسا لروحه، وكيف لا يكون ذلك وكل واحد منهما بَعْض للآخر وجزء منه يشكل مجموعهما حقيقة واحدة متكاملة؛ كما يدل على ذلك قوله: وَقَدْ أَفْضَى
النساء: 21)
من
بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ) 21، ومما يؤكد ذلك تسميتهما "زوجان"، وما الزوجان إلا شَيئان من جنس واحد يُكمّل كل شطر منهما الآخر، فلذا كان الواجب على كل واحد منهما أن ينظر للآخر على أنه يمين والآخر يسار "ولا خير في يمنى بغير يسار (1).
فَصْلٌ في حُسنِ مُعَاشَرَةِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ
فمن حسن المعاشرة من قبل الرجل أن يتلطف بامرأته ويتجمل، فيحسن الحديث معها إذا تحدث، ويصغي لقولها إذا تكلمت ويقدر ظروفها إذا اشتكت، ويُراعي ما تمر عليه من أحوال الضعف التي قدرها الله على بنات حواء كالحيض والحمل والوضع والرضاع .. فإن المرأة في هذه الحالة قد يتعكر مزاجها، ويتكدر صفوها، وتغلب عليها عاطفتها، وتشتعل عندها العاطفة وتتَّقدُ حتى تغطي على جميع عقلها، فلربما تنبو منها -
11
الخليلي، الزواج بين السنة والبدعة محاضرة مطبوعة لدى الكاتب نسخة منها ص 7. الخليلي، برنامج: "سؤالُ أهل الذكر، حلقه 1 رجب 1423 هـ، يوافقه 2002/ 9/8 م. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقةُ: 6 شعبان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 10/13 م.
(1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 80.
الخليلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" حلقة: 20 رجب 1425 هـ، يوافقه 2004/ 9/5 م.
، (1/406)
صفحة 407
اساتقى المعتدى
407
والحالة هذه بعض الكلمات من غير قصد منها، ولا رغبة فيها، فما على الرجل القوام إلا أن يصبر على ما يصدر منها، ويتسع صدره لها، ويعظم حلمه تجاهها، ولا
ينسي
فضلها عليه وعلى بنيه؛ فإنَّ لها عليه أيادي سابغة)، كما قال تعالى: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خيرا كثيرا (النساء: 19، وإلى هذا الإشارة والتأكيد في حديث الأسوة الحسنة: " لا يَفْرَكَ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةٌ؛ إِنْ كَرهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضيَ مِنْهَا آخَرَ (2).
يقول الشيخ المفتي أبقاه الله -: " يُؤمَر الرجل أن يُعاشر المرأة عشرة حسنة، هذه العشرة الحسنة تعني أن يصبر على بعض ما يصدر منها؛ لأن طبيعة المرأة طبيعة طبيعة الرجل، فالمرأة سُرْعَان ما تتأثر؛ لأن عاطفة المرأة عاطفة تشتعل
تختلف عن
بسرعة وتؤثر على دماغها حتى لا يبقى صالحا للتفكير عندما تشب وتشتعل " (3). ومن حسن معاشرة الرجل لامرأته وجميل صحبته معها أن لا يبخل عليها بإظهار كلمات الود والحب، وإبداء مشاعر الرغبة في الوصل والقرب، والثناء والتعزيز والإطراء والمديح على كل عمل تقوم به وجهد تشكر عليه؛ فإن "حب الثناء طبيعة الإنسان" عموما، والنساء خصوصا فـ" الغواني يغرهن "الثناء"، وقد تجاوز إظهار حب
(1) - يُنظر:
الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْل الذكر، حلقة: 8 رمضان 1422 هـ، يوافقه 2001/ 11/24 م. الخليلي، برنامج: "سؤالُ أهْل الذكر، حلقه 13 محرم 1424 هـ، يوافقه 2003/ 3/16 م. الخليلي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقه 14 رمضان 1429 هـ، يوافقه 2008/ 9/15 م. الفنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر"، حلقه: 13 جمادى الأولى 1424 هـ، يوافقه 2003/ 7/13 م.
2 - لا يَفْرَك أي لا يبغض أو يكره من الفرك وهو البُغْضُ. يُنظر:
مسلم، باب: الْوَصيَّة بالنّساء، رقم الحديث 2672.
الجوهري، الصحاح مادة (فرك).
(3) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَدٍ. برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة: 8 رمضان 1422 هـ، يوافقه 2001/ 11/24 م. (1/407)
صفحة 408
408
المعتمد
النبي لأزواجه محيط أسرته حتى أبداه لأصحابه، فعندما سأل عَمْرُو بنُ العاص رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا له: "يا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْكَ؟؟ لم يتردد النبيُّ صلى الله عليه وسلم أَن
يجيبه بقوله: "عائشة (1)
لا أكتم
وعندما سأل أحد الإعلاميين شيخنا القدوة الخليلي -متعنا الله بحياته عما إذا كان سماحته شخصيا يطبق هذا المنهج في بيته فأجابه بقوله: "أنا إنسان لا مشاعري، وما دمتُ إنسانًا فلا بدَّ أن أعبر عن مشاعري في أي وقت ودون تقيير نعم لا بد أن أعبر عن مشاعري، فأنا لستُ صخرةً (2).
وبهذا المنهج السليم الذي يراعي في سلوكه فطرة المرأة ويفهم طبيعتها ويعرف مرادها ويعتبر ظروفها يرتاح ضمير الرجل ويهنأ في العيشة معها ويمسكها بالمعروف؛ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ - كما جاء في الأحاديث - خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعِ أَعوج وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضّلَعِ أَعْلاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرَتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ (3).
فَصْلٌ فِي بَيَان أَهَمِّيَّةِ حُسن مُعَاشَرَةِ النِّسَاءِ
ولأهمية حسن المعاشرة من جهة الرجال فقد وصَّى النبي في مواقفه العظيمة المشهودة بالنساء خيرا، ومن ذلك قوله في الخطبة التي ودع فيها أمته على صعيد
(1)
- الترمذي، بَاب مِنْ فَضْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، رقم الحديث 3821.
(2) - الخَلِيْلِيُّ، أَحَمَدُ بنُ حَمَدٍ. لقاءات في الفكر والدعوة ص 111.
(3) - يُنظر:
البخاري، باب: الْوَصاةِ بِالنِّسَاءِ، رقم الحديث 4787.
مسلم، باب: الْوَصيَّة بالنِّسَاء، رقم الحديث 2669.
الخليلي، برنامج: "سؤالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" حلقة: 8 رمضان 1422 هـ، يوافقه 2001/ 11/24 م. القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة 9 رمضان 1426 هـ، يوافقه 2005/ 10/13 م. العلوي، سالم بن حمد. من فقه الزواج ص 10. (1/408)
صفحة 409
معتمص
اسلامي
المعتصم في فقه النكاح
409
عرفة الطاهر، إذ قال بعد حمد الله والثناء عليه: ". أَلا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّمَا
(1)
هُنَّ عَوَانٌ عندَكُمْ (1).
والنبي مع حثه القولي على حسن العشرة تخبر عنه السيدة عائشة عندما سئلت عن خلقه بقولها: "كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ (2)، أي أنه كان قرآنا يمشي على الأرض، يترجم بفعله ما يتلوه في الكتاب ويبادر بعمله ما يأمر به الأصحاب، ومن ذلك ما يتعلق بجميل معاشرة النساء؛ فقد كان يَضرِبُ المَثَل الأروع لأُمَّتِه فِي حُسن المعاشرة وجميل الصحبة؛ كما في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام- أنه قال:
لأَهْله، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي"
(3)،
ومعنى ذلك أَنَّ خَيْرِيَّةَ الرَّجُلِ تُاس
خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ يُرُكُمْ بِخَيْرِيَّتِهِ فِي مُعَاشَرَته لأهله كما يقُول سماحته -رعاه الله (4).
"
فيجب عليه أن يعاملها بالحسنى ويقول لها قولا حَسَنًا، فلا يُسمعها ما يجرح مشاعرها، أو يخدش كرامتها، أو يحط من قدرها ولا يعاملها بقسوة، أو يخاطبها بجفاء وغلظة، بل الواجب عكس ذلك كله، فيلين حديثه معها، ويبسط وجهه لها، ويخفض
لها جناح المودة والرحمة، والله ولي المؤمنين (5).
(1)
2 - عَوَانٌ: أي أسيرات ضعيفات لا حيلة لهن. يُنظر:
الترمذي، بَاب: مَا جَاءَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا، رقم الحديث 1083
الجيطالي، قواعد الإسلام ج 2 ص 208.
(2) - أحمد، المسند، حديث: السيدة عائشة رضي الله عنها، رقم الحديث 23460. - الترمذي، باب: فَضلِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رقم الحديث 3830.
(^)
(3) - يُنظر:
(3) - ينظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 69، 72، 82.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقةُ: 8 رمضان 1422 هـ، يوافقه 2001/ 11/24 م.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى/ القسم الرابع ص 57. الجيطالي، إسماعيل بن موسى قواعد الإسلام ج 2 ص 209. (1/409)
صفحة 410
410
المعلم
فَصْلٌ فِي حُسْنِ مُعَاشَرَةِ الْمَرْأَةِ لِلرَّجُل
كما أن على المرأة من قبلها أيضًا أن تحسن عشرة زوجها فتره وتخن صُحْتَه وتَحْفَظ مَوَدَّتَه وتَرْعَى كرامته ولا تكدر خاطره، وتشكر جميله وإحسانه إذا أحسن إليها ولا تكفره، وتوفر له احتياجاته، وتحرص على سعادته، وترعى أوقات راحته، وتحسن تربية أبنائه، ولا تَتَصَرَّف أي تَصَرُّف فيما يتعلَّق بحياتهما الزوجية إلا عن تراض منهما وتشاور؛ فإن أعظم حق واجب على المرأة بعد حق الله تعالى- هو حق بعلها، فحقه أعظم من حق أي أحد آخر (1)، ففي الحديث الصحيح الثابت: "لو كُنتُ آمَرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّد بَيَدِهِ لا تُؤَدِّي الْمَرْأَةُ حَقَّ رَبِّهَا حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقَّ زَوْجِهَا (2)
كما أن من حسن عشرة المرأة لزوجها ووفائها له أن تصبر على ما يمكن أن يقع منه من إساءة أو تقصير في حقها، فإن صبرها على ذلك يَرتَفعُ بها إلى مقامات
الصابرين، والله تعالى يقول: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ
(3)
) - يُنظر:
لي، فتاوى النكاح ص 66.
خَليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 78.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقة: 7 ذو الحجة 1426 هـ، يوافقه 2006/ 1/8 م.
(2) - حديث قال عنه شيخنا المحدث أبو عبد الرحمن القنوبي عافاه الله -: "صحيح". يُنظر: القنوي، بحوث ورسائل وفتاوى/ القسم الثالث ص 24.
القنوبي، دروس صيف 1425 هـ، 2004 م، "مذكرة خاصة "ص 25.
الفنوني، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة: 7 صفر 1428 هـ، يوافقه 25/ 2007/2 م. الفنوني، برنامج: "سؤال أهل الذكر"، حلقه: 16 شوال 1428 هـ، يوافقه 2007/ 10/28 م.
الترمذي، ياب: مَا جَاءَ فِي حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى الْمَرْأَةِ، رقم الحديث 1079.
ابن ماجه، باب: حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى الْمَرْأَةِ، رقم الحديث 1843.
(3) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بن حمد برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذكر " - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: رمضان 1421 هـ، يوافقه
/2000/ 12 م (1/410)
صفحة 411
المعته مري
411
تحذير كما أن على الرجل أن يراعي طبيعة المرأة الانفعالية كما قلنا فيما تقدم فعلى المرأة قبل ذلك أن تراعي طبيعتها هذه بنفسها، فلا يحملها تأجج عاطفتها والنظر إلى تقصير زوجها إلى جحود إحسانه كلية، أو إنكار فضله عليها مطلقا؛ فإن ذلك أمر خطير جدا له ما بعده، فقد جاء الإرشاد النبوي محذرا النساء من ذلك؛ كما الحديث الصحيح: "أُريتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ يَكْفُرْنَ، قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بالله؟! قَالَ: يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ (1).
في
تنبيه مهم: ينبغي أن تُبنى الحياة الزوجية بين الرجل والمرأة على التعاون والإحسان والبذل للطرف الآخر والمسارعة للسعي فيما يُرضيه بغَضَ النَّظَرِ عَن الحكم الشرعي لذلك، فلا ينبغي أن يتقيد الزوجان في تعاملهما بقضية الوجوب، أو يقتصرا على حدود الحقوق والواجبات ..
بل يكون بينهما الإحسان والإفضال، والبذل والعطاء، والتواد والتراحم، والتسامح والتناصح، والتعاون في جميع نواحي الحياة (2)، يقول شيخنا القنوبي عافاه الله -: " وممَّا يَنبغي أن يُنتَبَه له أن كثيرًا من الأمور التي تكون بين الزوجين لا ينبغي أن يتقيد فيها بالوجوب وعدمه، بل هنالك حُسن العشرة، فلابد من مراعاة هذا الأمر .. فإن التعاون بين الزوجين مطلوبٌ مُرَغب فيه " (3).
(1) - يُنظر:
القنوبي، الإمام الربيع بن حبيب: مكانته و مسنده ص 181.
القنوبي، السيف الحاد ص 49.
البخاري، باب: كُفْرَانِ الْعَشِيرِ وَكُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ، رقم الحديث 28.
(2) - البراشدي، صالح بن خلفان التفكك الأسري ص 27.
(3) - يُنظر:
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقه 20 رمضان 1422 هـ، يوافقه 2001/ 12/6 م. (1/411)
صفحة 412
412
المعلمموت
وهذا الإرشاد الأسري مستفاد من الهدي النبوي، فلم يكن المعلم الأول والأسوة الحسنة -عليه الصلاة والسلام- يستنكف أن يقوم في بيته بشؤونه وشؤون أزواجه بنفسه، بل لم يكن يحجزه عن فعل ذلك إلا الصلاة المكتوبة، فقد أخبرت عائشة عن حاله في بيته بأنه كَانَ يَخِيطُ ثَوْبَهُ وَيَحْصِفُ نَعْلَهُ وَيَخْلُبُ شَاتَهُ وَيَحْدُمُ نَفْسَهُ ويكون فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلاةُ قَامَ إِلَى الصَّلاة (1).
(1) - يُنظر:
القَنُّوْبِيُّ، برنامج: "سؤالُ أهل الذكر"، حلقه: 19 ربيع الثاني 1428 هـ، يوافقه 2007/ 5/6 م.
البخاري، باب: كَيْفَ يَكُونُ الرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ، رقم الحديث 5579.
أحمد، المسند، رقم الحديث 24176، 24998. (1/412)
صفحة 413
اسب
المعتصم في فقة النكاح
413
الحَقُّ الرَّابِعُ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ:
أي أنه يحرم على الزوج التزوج بأصول زوجته كأمها وجدتها، بمجرد عقد النكاح على الزوجة ولو لم يدخل بها، كما يحرم عليه التزوج بفروع الزوجة كابنتها وابنة ابنتها بشرط أن يكون قد دخل بالزوجة، فإن لم يكن دخل فلا تحرم فروعها، بناءً على القاعدة الشرعية "العقد على البنات يحرم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرم البنات (1)، كما يحرم على المرأة بعد انفصالها عن الزوج ولو بمجرد العقد التزوج بأصوله وفروعه، وحرمة الزواج بهؤلاء الأصول والفروع من كلا الجهتين حرمة مؤبدة غير موقوتة بزمان.
كما يحرم على الرجل توقيتًا بسبب هذا الزواج الجمع بين المرأة وأختها، وبين المرأة وعمتها وبين المرأة، وخالتها وبين المرأة وابنة أختها وبين المرأة وابنة أخيها، وقد تقدم شرح كل ذلك وتفصيله فيما سلف من الأبواب والحمد الله تعالى (2).
(1) - يُنظر:
الخليلي، برنامج: "سؤالُ أَهْل الذِّكْر، حلقه: 11 ربيع الثاني 1428 هـ، يوافقه 2007/ 04/29 م. القنوبي، فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ص 496.
(2) - يُنظر:
الفنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة: 7 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/2 م.
ابن المنذر الإجماع ص 40.
الباب الرابع في المحرمات على الثانية. الباب السادس: في المحرمات على المواقيت. (1/413)
صفحة 414
414
المعتمد
الحق الخَامِس ثُبُوتُ التَّوَارَتِ:
بأن يرث كل من الزوجين الآخر بعد وفاته ولو كانت الوفاة قبل الدخول، ما لم يوجد مانع يمنع منه كقتل أو رق أو اختلاف دين؛ وذلك لأن عقد الزواج الصحيح لَمَّا أحل المتعة والعشرة بينهما أوجد صلة تربط بينهما كصلة القرابة بل أشد فتبع ذلك ثبوت التوارث حال قيام هذه الصلة حقيقة أو حكما.
زوجها
أما المعتدة من
والمراد بقيام العلاقة الزوجية حكمًا أن تكون المرأة في عدة طلاق رجعي من طلاق بائن فلا عدة للوفاة عليها حال وفاة الزوج، ولا توارث بينهما حال وفاة أحدهما لخروج المرأة عن عصمة الزوج، وانقطاع الصلة الزوجيا
بينهما (1)
وقد أبان الله على هذا الحق المشترك بينهما بيانا شافيا في قوله: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن أَمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الربع مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ النُّمُنُ مِمَّا تَرَكُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَو دين كه النساء: 12، وتفصيل فرائض الإرث وأحواله تجده أيها الطالب - في "علم" "الفرائض" فيمم شطر بحره ه، والله
يوفقك.
(1) - الخروصي كهلان بن نبهان إجابة على أسئلة شفهية. الأحد 10 ذو الحجة 1432 هـ، يوافقه 6/ 11 /
2011 م. (1/414)
صفحة 415
المعلممرا
ا على المعتصم في فقه النكاح
415
البَابُ الثَّالِثَ عَشَرَ فِي حُقُوقِ الزَّوْجِ عَلَى الزَّوْجَةِ
قال تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّلِحَتُ قَيْلَتُ حَفِظَتُ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ والتي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا الي الساعة
34
لقد تقدم لدى أخينا الفقيه الرشيد أن الحقوق الزوجية على ثلاثة أضرب، منها ما هو مشترك بين الزوجين، وقد تقدم الحديث فيه، ومنها ما يجب للزوج على زوجته وهو موضوع حديث هذا الباب -إن شاء الله تعالى، وأما القسم الثالث - وهو ما يجب للزوجة على زوجها - فمحله الباب الآتي بإذن الله المتعالي.
ومما لا شك فيه ولا ريب أن الله تعالى مع تشريعه لهذه الحقوق قد أوجب على كل زوج أن يوفي حقوق شريكه الآخر، فلا بد أن يؤدي كل واحد من الزوجين الحق الذي عليه ليستوفي في المقابل ما له من الحقوق، وفي ذلك يقول المحدث القنوبي -أبقاه
7
الله -: ". . فلابد من أن يأتي كل واحد من الزوجين بالحق الذي عليه، أما أن يُطالبها بالحق الذي له ولا يُوَفي بالحق الذي عليه فهذا لا يُصحُ "
(1)
(1)
القنوبِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك. برنامج: "سؤالُ أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 7 صفر 1428 هـ
يوافقه 2007/ 02/25 م. (1/415)
صفحة 416
416
المعتصم
في فقه النَّسَنَد
فَصْلٌ فِي بَيَانِ أَهَمِّيَّةِ حُقُوقِ الزَّوْجِ عَلَى الزَّوْجَةِ
وفي تأكيد الحقوق الخاصة للزوج على زوجته التي هي موضوع حديث هذا الباب- وبيان أهميتها في شريعة الله الإسلام جاء عن رسول الأنام قوله: "والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لا تُؤَدِّي الْمَرْأَةُ حَقَّ رَبِّهَا حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقَّ زَوْجِهَا (1)؛ ولأنَّ الغنم بالغرمِ والخراج بالضمان فقد رتب الشارع على وفاء المرأة بحقوق زوجها التي عليها ورضاه عنها أكبر ثواب وأعظم جزاء، وهو دخول الجنة من أوسع أبوابها؛ فعن أُمّ المؤمنين أم سَلَمَةَ قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: أَيمَا امْرَأَة مَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَنْهَا رَاضِ دَخَلَتِ الْجَنَّةَ (2)، وعنه أنه قال: " إِذَا صَلَّتْ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفَظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ
الْجَنَّة شبت (3).
وحقوق الزوج على الزوجة - إجمالا - هي حق القوامة، والطاعة، والقرار في
البيت، والتأديب، وهي تفصيلا- كالآتي:
(1) - يُنظر:
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى/ القسم الثالث ص 24.
القنوبي، دروس صيف 1425 هـ، 2004 م، "مذكرة خاصة"ص 25.
،
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر " حلقة: 7 صفر 1428 هـ، يوافقه 25/ 2007/2 م. القنوبي، برنامج: "سؤالُ أهل الذكر، حلقةُ: 16 شوال 1428 هـ، يوافقه 2007/ 10/28 م.
الترمذي، بَاب مَا جَاءَ فِي حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى الْمَرْأَةِ، رقم الحديث 1079.
ابن ماجه، باب: حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى الْمَرْأَةِ، رقم الحديث 1843.
(2) - ابن ماجه بَاب حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى الْمَرْأَةِ، رقم الحديث 1844.
(3) - أحمد، المسند، حديث: عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْف، رقم الحديث 1573. (1/416)
صفحة 417
المعتمم
يات بالمعتصم في فقه النكاح
إلى
الحَقُّ الأَوَّلُ القِوَامَةُ:
417
اعلم أيها القوام الله بالقسط، عصمك المولى من اتباع الهوى- أن من حقوق الزوج العظيمة على الزوجة حق القوامة، وقد دل على هذا الحق القرآن بتصريحه وتلميحه، فأما التصريح فبقوله سبحانه: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ
النساء: 34،
وأما التلميح فيقوله جل شأنه: (وَهنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ درجة البقرة: 228، أي درجة القوامة (1).
فَصْلٌ فِي مَعْنَى القِوَامَةِ
تعرف أيها الطالب هداك مولاك لأهدى سبيل وأقوم قيل أنه يراد بمصطلح "القوامة" الرئاسة البيتية التي يتحمل فيها القائم على بيته والراعي لأسرته مسؤلية أفراد بيته واحتياجات أسرته من مطالب مادية ورعاية اجتماعية.
وبذا يظهر أن "القوامة" المستحقة للرجال على النساء إنما هي تكليف لا تشريف اقتضتها ضرورة تنظيم سير الحياة؛ إذ من المعلوم أن الإنسان مدني بطبعه اجتماعي بفطرته فهو يحتاج إلى الاجتماع مع أفراد جنسه والالتفاف حولهم ليشكل الأسرة التي هي نواة المجتمع، وبصلاح هذه الأسرة واستقامة شؤونها يستقيم المجتمع ويصلح وينعم بالسعادة والاستقرار، ولا تستقيم حياة الأسرة التي هي اللبنة الأولى للمجتمع إلا إذا كان لها رئيس يدير شؤونها، وقائم على أعمالها، وحافظ لكيانها، ومرجع لأفرادها، كما يقول الشاعر الجاهلي:
(1) - يُنظر:
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذكر، حلقه 13 محرم 1424 هـ، يوافقه 2003/ 3/16 م. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 7 ذو الحجة 1426 هـ، يوافقه 2006/ 1/8 م. (1/417)
صفحة 418
418
المعتصم 3
***
والبيت لا يُبتني إلا لهُ عُمدٌ ولا عماد إذا لم تُرسَ أوتاد
فإن تجمع أوتاد وأعمدة
"لا يصلح الناس فوضى لا سَراة لهم"
***
***
وساكن بلغوا الأمر الذي كادوا
ولا سراة اذا جُهَّالهم سادوا (1)
فَصْلٌ فِي الحِكْمَةِ مِنْ قِوَامَةِ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ
اعلم أيها الأخ الحكيم، آتاك الله الحكمة وفصل الخطاب أن حكمة الخالق اقتضت أن يخلق الناس زوجين ذكرا وأنثى، كما اقتضت حكمته أن يهيئ كل جنس منهما لأداء وظيفة معينة تتناسب وخلقته، وتتواءم وفطرته، فهيأ المرأة للحمل والولادة والرضاعة وتربية الأبناء والعناية بشؤون البيت والاهتمام بسعادة الزوج،
ومنحها من القدرة البدنية والقوة العاطفية ما يتناسب وهذه الوظيفة الجليلة.
وفي المقابل أعطت الحكمة الإلهية الرجلَ من القوة البدنية والقدرة العقلية ما يجعله قادرا على تحمل الصعاب ومعالجة الشدائد وضبط الانفعالات؛ ليقوم هو الآخر بأداء وظيفته الجليلة في الحياة، فيسعى في جلب قُوته وقوت من تحت ولايته من زوجة وأبناء، فيتردد على الأسواق، ويعافس أبناء جنسه في معترك الحياة.
ولذا أعطى الإسلام الرجل حق "القوامة" التي هي تكليف من الخالق ل نظير تكوينه الخلقي والفطري أولا، ونظير مسؤولياته الكبيرة تجاه الأسرة وأفرادها ثانيا، ومن ذلك إنفاق المال الذي جعله الله رمزا للقوامة؛ وإلى هذه الحكم والأسباب
الإشارة بقوله تَعَالَى الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} النساء: 34
(2)
(24) 2
(1) - الأبيات من قصيدة الشاعر يماني جاهلي يكنى أبا ربيعة، ويلقب بالأفوه الأودي؛ لأنه كان غليظ الشفتين، ظاهر
الأسنان. يُنظر:
الزركلي، الأعلام ج 3 ص 206 - 207.
(2) - يُنظر: (1/418)
صفحة 419
ال
المعتصم في فقه النكاح
419
فالرجل هو الأقدر على تسيير أمور البيت، وهو الأقوى على تحمل تبعات الحياة من حيث الكسب والاضطلاع بالواجبات المالية، وهو الأضبط لانفعالاته، والأحكم في اتخاذ قراراته فإن المرأة إن أعطيت كلمة الفصل واتخاذ القرار لم تلبث عندما تبدأ عاطفتها بالاشتعال أن تجني على نفسها وعلى أهل بيتها، فلذلك كانت المرأة أمانة في يد الرجل، وكان الرجل هو القوام عليها (1)
وهذا هو الواقع الذي سارت عليه البشرية منذ فجر التاريخ، وهو الذي أحبته المرأة، وارتضته منهجا لحياتها، فكان من الطبيعي عندها ألا تحس بالأمن والأمان إلا في
ظل رجل قوام بأمورها، ولا تهدأ مشاعرها ولا يستقيم كيانها إلا في حماه (2).
تنبية: لقد رأيت أخي المسلم أختي المسلمة أن القوامة هي تكليف قبل أن تكون تشريفا وما أعطى الرجل حق القوامة ليتسلط على المرأة أو يستبد برأيه دونها، وإنما أُعطيها المقومات فطرية عنده، وتكاليف وظيفية أوكلت إليه، وليكون
القائد لمسيرة الحياة، والرُّبان لسفينة الأسرة إلى بر النجاة، وصاحب الرأي والكلمة الأخيرة في اتخاذ القرار.
(1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح بحث: من قضايا الزواج ص 419.
الخَلِيْلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" حلقة: 27 جمادى الأولى 1424 هـ، يوافقه 2003/ 7/27 م. الخليلي، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 6 رمضان 1427 هـ، يوافقه 2006/ 9/30 م. الخليلي، برنامج: "سُؤَالُ أَهْل الذِّكْرِ، حلقةُ: 9 صفر 1429 هـ، يوافقه 2008/ 02/17 م.
الخليلي، لقاءات في الفكر والدعوة ص 109. الخليلي، فتاوى النكاح ص 65.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 9 صفر 1429 هـ، يوافقه 2008/ 02/17 م.
(2) ـ التيواجني، وعزيز عبد الكريم. فقه الأسرة ص 163.
(3) - يُنظر:
الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْل الذكر، حلقة: 7 ذو الحجة 1426 هـ، يوافقه 2006/ 1/8 م. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذكر، حلقةُ: 14 رمضان 1429 هـ، يوافقه 2008/ 9/15 م. (1/419)
صفحة 420
420
المعتصموي
وإلا فإنَّ لكل واحد من الزوجين حقله الذي يشتغل به، وفلكه الذي يسبح فيه ومسؤوليته التي كلف بها والتي يُسأل عنها يوم القيامة؛ كما أبان ذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم في حديثه الذي يقول فيه: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ: فَالإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ (1).
(1) - البخاري، بَاب الْعَبْدُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ، رقم الحديث 2371. (1/420)
صفحة 421
المعلمين
المعتصم في فقه النكاح
الحَقُّ الثَّانِي الطَّاعَةُ:
421
لقد تقرر أن الله تعالى جعل الرجال قوامين على النساء؛ بسبب ما يتحلون به من خصائص فطرية عقلية، ومزايا جسمية جسدية تفتقر لها النساء، وبسبب ما كلفهم الله تعالى من القيام بشؤون البيت وتوفير احتياجاته، ولذا كان للرجال في مقابل تكليفهم بأمر "القوامة" ثمار وحقوق لهم على النساء تتفرع عن هذا الحق العظيم، ولا تستقيم القوامة بدون تسليم الزوجة لها، ومن هذه الحقوق حق الطاعة ..
فَصْلٌ فِي مَعْنَى حَقِّ الطَّاعَةِ
يراد بحق الطاعة أن تمتثل الزوجة أوامر زوجها وتستجيب لتوجيهاته وتستمع لنصحه وإرشاده في غير معصية الله تعالى؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ومقتضى وجوب الطاعة المستحقة للزوج: أن المباح يصير بأمر الزوج واجبا شرعا، وبنهيه يصير محرما شرعا (1).
(2)
ومما يندرج تحت مفهوم الطاعة أن تجيب الزوجة دعوة زوجها لفراشه، فلا تمتنع عنه إلا من عذر)؛ لما في العصيان هنا من الوعيد الشديد؛ كما في الحديث الصحيح: إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيء لَعَنَتْهَا الْمَلائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ (3).
(1) - يُنظر:
الخليلي، سلسلة دروس التفسير. "مادة سمعية"، اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 78. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقةُ: 13 محرم 1424 هـ، يوافقه 2003/ 3/16 م. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" حلقة: 7 ذو الحجة 1426 هـ، يوافقه 2006/ 1/8 م. القنوبِيُّ، برنامج: "سؤالُ أهل الذكر، حلقة: 7 صفر 1428 هـ، يوافقه 25
2007/ 02/25 م.
(2) - أرشوم، مصطفى بن حمو النكاح صحة وفسادا و آثارا ص 328 - البخاري، باب: إِذَا بَاتَتْ الْمَرْأَةُ مُهَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا، رقم الحديث 4794.
(T) (1/421)
صفحة 422
422
في فقه النكا
المعتصم 3
maika
وكذا فمن الطاعة الواجبة أن تحفظ المرأة زوجها في نفسها فلا يرى منها إلا ما
يسره، ولا يسمع منها إلا ما يحبه ولا يشم منها إلا ما يعجبه؛
كما روي أن المصطفى المختار -عليه الصلاة والسلام- قال يوما لعمر بن الخطاب: " أَلا أُخْبِرُكَ بِخَيْر مَا يَكْبَرُ الْمَرْءُ؟! الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ: إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِذَا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِذَا غَابَ عَنْهَا
حفظَتْهُ (1)
وتحفظه في عرضه فتصون نفسها وتحفظ شرفها وعفتها؛ فلا تبرز من البيت إلا بوقار واحتشام، ولا تعرض نفسها لقالة السوء والفحشاء ولا تتيح لهم في سمعتها وسمعته مجالا، ولا تُدخل بيته رجلا أجنبيا أو من يكره دخوله في حال غيابه؛ كما قال النبي الكريم عليه الصلاة والسلام-: " أَلا إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا، فَأَمَّا حَقَّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلا يُوطعْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلَا يَأْذَنَّ فِي يُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ (2).
(2)
وتحفظه في ماله فتصونه وتحافظ عليه ولا تنفقه إلا في المعروف من غير إسراف أو تبذير، وتحافظ على ما في البيت من ممتلكات وأدوات فلا تسيء استعمالها أو تعرضها
للتلف.
وتحفظه في أولاده فتقوم بالعناية بهم والقيام بتعليمهم، وتربيتهم التربية الحسنة
القائمة على الخلق والدين وبر الوالدين، واحترام الآخرين.
فَصْلٌ فِي بَعْضٍ مَظَاهِرِ الطَّاعَةِ الْأُخْرَى
اعلم عبد الله اعلمي أمة الله رعاكم الرحمن - أنَّ من مظاهر طاعة المرأة لزوجها وحسن تبعلها له أيضا - أن تشعره بالتكريم والتقدير، والمحبة والاحترام، وأن تبادله البذل والعطاء بالسماحة والصفاء، وأن تحول بينه وبين ما يكره، وتبتعد عما
(1) ـ قال ابن النحوي في البدر المنير: قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". أبو داود، باب: في حُقُوقِ الْمَالِ، رقم الحديث 1417.
(2) - الترمذي بَاب مَا جَاءَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا، رقم الحديث 1083. (1/422)
صفحة 423
ست المعتصم في فقه النكاح
423
يكدره منها، فلا تقف في وجهه صارخة، أو ترد رأيه معارضة، أو تهمينه وتحتقره، أو تشعره بالجحود والنكران.
وعلى الزوجة المطيعة أيضا أن تكون ذات رغبات معقولة، ومطالب مقبولة، وتطلعات مستساغة، فلا تصرُّ على رأيها، أو تلح في مطالبها، ولا تدفعها الغيرة من قريناتها، والرغبة في تقليدهن أو حب الظهور عليهن إلى إثقال كاهل الزوج، وتحميله ما لا يطيق، وإرهاقه من أمره، عسرا وحسبها من القلادة ما أحاط بالعنق، يقول شيخنا الوالد القدوة المربي أحمد بن حمد الخليلي - أبقاه الله - في هذا السياق عينه:. فإن الإنسان مطالب أن ينظر في أمر الدين إلى من هو أعلى منه، وأن ينظر في أمر
الدنيا إلى من هو أدنى منه، ويرغب كذلك في القناعة؛ فإن القناعة كثر لا يفنى". وعلى الزوجة كذلك أن تعلم أن طاعة زوجها - في المعروف من طاعة ربها، ومعصيته من معصيته، ولتعلم أن العصيان لا يُصلح شأنا، ولا يرفع عمادا، ولا يحقق
مصلحة، ولا تسعد معه الحياة.
بل على العكس من ذلك فإن طاعة المرأة لزوجها تشعره بدوره في البيت ومكانته في الأسرة، وأنه هو القوام عليها، فلا يقصر في واجبه تجاهها وتجاه بنيها، وبذا ينتظم عقد نظام الحياة ولا ينفرط وتستقيم شؤون الأسرة ولا تنحرف، ويُحكم بيده زمام أمورها ولا تنفلت.
وماذا يضير ربة البيت أن تطيع من يشقى لإسعادها، وتواتي من يتعب لراحتها، وتوافق من يكافح من أجل حياة كريمة لها ولبنيها .. إنه شريك حياتها ورفيق دربها ومؤنس وحشتها، فلأجل ذا عظم حقه ووجب في الشرع طاعته، وحرم في الدين
معصيته (1).
(1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 87.
الجيطالي، قواعد الإسلام ج 2 ص 210، 211. (1/423)
صفحة 424
424
المعتصم
1993
في فقه النّد
menical
فَصْلٌ فِي أَدِلَّةِ وُجُوبِ الطَّاعَةِ
تعلم أيها التلميذ المتعلم - أن لثبوت حق الطاعة للزوج ووجوبه على الزوجة
،
أدلةً من كتاب الله تعالى، ومن سنة نبيه، ومن نظر الذين أوتوا العلم والإيمان .. أ- فمن الكتاب قول الحق جل شأنه: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةُ البقرة: 228، فقد أوضحت الآية الكريمة أن للرجال على النساء درجة وهي درجة القوامة الواجبة للرجال والتي لا
تتحقق إلا بالطاعة للرجل القوام، فكانت الطاعة واجبة أيضا؛ إذ كل ما
واجب (1).
لا يتم الواجب إلا به فهو واجب
ب ومن السنة ما جاء أَنَّ امرأةً أَتت النبي صلى الله عليه وسلم فِي حَاجَةٍ فَفَرَغَت من حَاجَتِهَا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ: أَذَاتُ زَوْجِ أَنتِ؟ " قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: " كَيْفَ أَنْت لَهُ؟ " قَالَتْ: مَا آلُوهُ إِلا مَا عَجَزْتُ عَنْهُ، قَالَ: " فَانْظُرِي أَيْنَ
أنت منْهُ؛ فَإِنَّمَا هُوَ جَنَّتُك وَنَارُك ((2).
ج ومن النظر ما تقدم أن حياة أي جماعة من الجماعات لا تستقيم إلا إذا كان لها رئيس يدير شؤونها ويحافظ على كيانها ولا توجد هذه الرئاسة إلا إذا كان الرئيس مطاعًا متبعا وإلا كانت الرئاسة عبثا، والجماعة فوضى، وهذا ما تأباه مجتمعات الإسلام.
التيواجني، مهنى عمر. فقه الأسرة ص 159.
(1) - يُنظر:
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 13 محرم 1424 هـ، يوافقه 2003/ 3/16 م. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 7 ذو الحجة 1426 هـ، يوافقه 2006/ 1/8 م.
2 - أحمد، المسند، حَدِيثُ حُسَيْنِ بْنِ مِحْصَنٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، رقم الحديث 18233. (1/424)
صفحة 425
من
Male
معتمد في فقه النكاح
425
وبالجملة فإن معنى ما تقدم أن خروج المرأة عن طاعة الزوج فيما أمرها الله به الطاعة يعد نشوزا وإعراضا منها يؤدي إلى أمر خطير، وهو حرمانها من قبول الأعمال عند الله تعالى، يقول البدر الخليلي في "فتاوى المرأة": "عليها أن تتقي الله، وأن تطيع زوجها ولا تعصيه في شيء ما لم يأمرها بمعصية الله؛ فإنها إن لم تطعه كانت ناشزا والناشز لا تقبل منها فريضة ولا نافلة (1).
(1) - ينظر:
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 80، 84.
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقه: 16 شوال 14228 هـ، يوافقه 2007/ 10/28 م. (1/425)
صفحة 426
426
المعتصم
فقه السند
المعتممر
الحَقُّ الثَّالِثُ القَرَارُ فِي البَيْتِ:
إن من الحقوق الزوجية التي تتبع حق القوامة، وتتواءم مع الفطرة الإلهية والوظيفة الأسرية للمرأة حق القرار في بيت الزوجية، فإذا أعد الزوج لزوجته المسكن الشرعي، وأوفاها معجل صداقها، وكان أمينا عليها، حافظا لها وجب عليها أن تلبي دعوة زوجها إلى عش الزوجية وأن تقر فيه لتقوم بواجبها نحوه ونحو أبنائه .. (1) فَصْلٌ فِي مَعْنَى حَقٌّ القَرَارِ
يراد بحق القرار أن تمكث المرأة في بيت زوجها وأن تلازمه فلا تبرحه إلا إن أذن لها الزوج المطاع؛ وذلك لكي تستطيع القيام بما شرع له عقد الزواج من محبة ومودة، وإنجاب وذرية وتهيئة سبل الراحة لها ولزوجها فإن لم يأذن لها حرم عليها الخروج، ووجب عليها الرجوع وإلا كانت ناشزا (2).
يقول المفكر الإسلامي الكبير العلامة أحمد بن حمد الخليلي -حفظه الرحمن: " .. فالمرأة ملكة في بيتها ومحافظتها على مملكتها أهم شيء في حياتها، وتربية أولادها وإسعاد زوجها ومحافظتها على كل ما يتعلق ببيتها من المطالب الضرورية التي ينبغي أن
C
لا تغفل عنها أو تشتغل عنها بحال من الأحوال (3).
(1) - أرشوم مصطفى بن حمو النكاح صحة وفسادا وآثارا ص 329.
(2) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 65.
الخليلى، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 83.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 9 صفر 1429 هـ، يوافقه 2008/ 02/17 م.
القنوبي، برنامج: "سؤالُ أهل" الذكر، حلقه: 29 ذو الحجة 1423 هـ، يوافقه 2003/ 3/2 م.
- الخليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. برنامج "سؤالُ أهل الذكر " - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة 22 ربيع الأول 1429 هـ، يوافقه 2008/ 03/30 م. (1/426)
صفحة 427
المعتم
اليات فى المعتمري مرافقة النكاح
427
هذا ويستثنى من وجوب القرار في البيت خروج المرأة إلى ما لا بد منه ولا محيص عنه من أمر دنيا أو أخرى لم تجد من يكفيها إياه، وكذا إن كان بين الزوجين عرف ودلالة في خروجها إلى بيت أبيها أو أمها أو أحد أقاربها أو جيرانها القريبين من دارها أو مجلس علم لا يتجاوز حد السفر فلا تثريب عليها في هذا الخروج ما لم يؤد ذلك إلى تفويت حق من الحقوق البيتية الواجبة عليها لزوجها أو أبنائه (1).
فَصْلٌ فِي أَدِلّةِ وُجُوبِ القرار
إن الدليل يا أمة الله على وجوب حق القرار للزوج في البيت واضح وصريح في كتاب الله تعالى، فهو ل يقول لأمهات المؤمنين: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُن. الأحزاب: 33، والأصل في الأمر الوجوب، وإذا كان هذا الأمر الواجب موجها لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم اللواتي هن أمهات المؤمنين بنص القرآن فإنه يعم غيرهن من باب أولى؛ فقرارهن في بيوتهن أكد وأشد؛ لخشية الفتنة وسد ذرائع الفساد، وكما يقول شيخنا أبو سليمان الخليلي -حفظه الله -: " ومَن التي لا تخشى الفتنة الآن في خضم فسادِ الرجال وعدم استقامتهم؟!! (2).
(1) - يُنظر:
(2) - يُنظر:
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 80.
الخليلي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقه: 4 ربيع الأول 1430 هـ، يوافقه 2009/ 3/1 م.
الخليلي، فتاوى الزينة والأعراس ص 118 - 120.
الخليلي، فتاوى المعاملات ص 441 - 442. الخليلي، فتاوى النكاح ص 387.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقةُ: 7 ربيع الثاني 1424 هـ، يوافقه 2003/ 6/8 م. الخليلي، برنامج: "سؤالُ أهْل الذِّكْرِ"، حلقه: 10 رجب 1424 هـ، يوافقه 2003/ 9/7 م. الخليلية خالصة بنت أحمد. ماذا أعددت لليلة الزفاف ص 23. (1/427)
صفحة 428
428
المعتصم
كما يستدل على وجوب حق القرار للأزواج على الزوجات بقوله تعالى في شأن المعتدات الرجعيات: لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ
61
بِفَاحِشَةٍ من الطلاق: 1، فإذا كان خروج المعتدات من غير إذن ورضا- فاحشةً مبينة فأولى بذلك خروج المتزوجات (1).
على أن من طبع المرأة أنها إن أكثرت الخروج من الديار وخالطت الرجال استشرفها الشيطان، وكان ذلك مئنة لفساد دينها وإفساد غيرها؛ لما فطرت عليه من حب التجمل والرغبة في لفت انتباه الآخرين إليها .. ففي الحديث عن النبي المجتبى: "إِنَّ الْمَرْأَةَ عَوْرَةٌ، وَإِنَّهَا إِذَا خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهَا اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ فَتَقُولُ: مَا رَأَىنِي أَحَدٌ إِلا أَعْجَبْتُهُ، وَأَقْرَبُ مَا تَكُونُ إِلَى اللهِ إِذَا كَانَتْ في قَعْرِ بَيْتِهَا (2)، وكفى بهذا الأثر والنظر دليلا قاطعا لسد ذريعة الفساد، وموجبا لحق القرار في البيوت. وتتعلق بحق القرار في البيت جملة من المسائل والتنبيهات المهمة، فأجمع لها العزم
واشدد لها الهمة
المَسْأَلَةُ الأُولَى»: خروج المرأة من بيت أبيها أو وليها بعد العقد وقبل الانتقال إلى بيت الزوج لا بد أن يكون بإذن من الولي، وأما استئذان الزوج في هذه الحالة فيكون بحسب المعروف بينهم، فليس لها أن تخرج إلى حيث يكره الزوج خروجها وإن أذن لها الولي، كما أنه ليس لها أن تسافر إلى بلد ناء من غير إذنه ومشاورته، والله
أعلم).
(1) ـ أبو زهرة، الأحوال الشخصية ص 164.
(2) - يُنظر:
الترمذي، باب: مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الدُّخُولِ عَلَى الْمُغِيبَاتِ، رقم الحديث 1093.
الطبراني، المعجم الكبير، رقم الحديث 9368.
(3) - يُنظر: (1/428)
صفحة 429
بالمعتصم في فقه النكاح
استك
429
المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إذا منع الرجل امرأته من الخروج للقيام بواجب شرعي كالخروج لزيارة أبوين عليلين، أو لأداء فريضة الحج مع وجود المحرم وتحقق شروط الاستطاعة إليه فليس لها أن تطيعه في هذه الحالة ولو لم يأذن لها، فإن الطاعة في المعروف لا في المنكر، والقرار هنا معصية منكرة، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق
يقول شيخنا أبو عبد الرحمن أكرمه المنان-: " أما إذا مَنَعَهَا عن فريضة الحج وكانت تريد أن تذهب مع مَحْرَم لَها فلا طاعة له ولا كرامة، لأنه يَمْنَعُها عن أمر وَاجِب مُتَحَتَّم عَلَيْها (1).
المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اختلف العلماء في وجوب خدمة المرأة لبيت الزوجية من طهي وطبخ وغسل وتنظيف وغير ذلك من شؤون المنزل الداخلية .. فقيل: إنه لا يجب عليها شيء من ذلك، وإنما حسبها أن تشتغل بشؤون نفسها، وعلى زوجها أن يقوم بالخدمة البيتية بنفسه أيضا، أو أن يحضر لها خادما، وإلى هذا الرأي ذهب كثير الفقهاء المتقدمين.
وقيل: إن خدمة المرأة لبيت زوجها حق واجب عليها له، وهذا هو القول المعتمد عليه في الإفتاء والعمل عند الشيخين الجليلين الخليلي والقنوبي -حفظهم الله- (2)، لأنه هو الذي دلت عليه السنة، وكان عليه الواقع في بيت النبوة، وهو الذي
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 55.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 92.
(1) - القنوبي، سعيد بن مَبْرُوك. فتاوى فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ص 380
(2) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 93 - 94.
القنوبي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقه: 3 رمضان 1430 هـ، يوافقه 2009/ 8/24 م. (1/429)
صفحة 430
430
المعتمري
عليه هَدْيُ السَّلف الصالح، وقد تعارف عليه الناس جيلا بعد جيل؛ لأنه مضى الذي تقتضيه ضرورة تنظيم الحياة وتوزيع المهام ..
هو
فقد انتظمت حياة الرعيل الأول محمد رسول الله والذين معه على اقتسام المرأة والرجل خدمة بيتهما، فكان الرجل مسؤولا عن أعمال المنزل الخارجية، والمرأة مسؤولة عن أعماله الداخلية، ولم تشذ عن هذا النهج حتى ابنة خير الخلق فاطمة الزهراء والتي هي بضعة من النبي يؤذيه ما يؤذيها، حينما طلبت من أبيها - عليه الصلاة والسلام - خادما يعينها على خدمة البيت بعد أن أثر الحبل في يدها بسبب حمل قربة الماء، فأحالها إلى ما هو خير لهما من خادم، وهو ذكر الله) وتلك ابنة خليفته الأول وصاحبه في الغار أسماء بنت أبي بكر تقول وكانت تحت الزبير بن العوام -: "كُنتُ أَحْدُمُ الزُّبَيْرَ خِدْمَةَ الْبَيْتِ، وَكَانَ لَهُ فَرَسٌ وَكُنْتُ أَسُوسُهُ .. وكُنْتُ أَحْتَشُ لَهُ وَأَقُومُ عَلَيْه (2).
ولذا يقول شيخنا مفتي السلطنة العمانية -حفظه الرحمن الرحيم-: "وهذا القول هو الذي أراه وأعتمد عليه، والله أعلم
قلتُ: وقدْ أضَافَ شَيخنا القَنُّوبِيُّ حَفَظَهُ الله - عندَ المُرَاجَعَة بخط قلمه مضيفا:
"وهو القول الراجح، وقد ذهب إليه غير واحد من المحققين".
كما أنه ليس من المعقول شرعا ولا المقبول طبعا أن يكلف الرجل بالخدمة خارج المنزل ثم يأتي لمواصلة كلال عمله خارج البيت بكلال عمله داخله، والمرأة صافة
(1) ـ البخاري بَاب: عَمَلِ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا، رقم الحديث 4942. (2) - مسلم، باب: جَوَازِ إِرْدَافِ الْمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ إِذَا أَعْيَتْ فِي الطَّرِيقِ، رقم الحديث 4051.
(3) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 75.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقة: 24 ذو الحجة 1424 هـ، يوافقه 2004/ 2/15 م. (1/430)
صفحة 431
رجليها بحجة أن الخدمة البيتية لا تلزمها فإما أن تخدمني أو تأتيني بخادم!! فاعتبروا يا أولي الأبصار.
على أن هذا القول المعتمد السديد يتمشى وطبيعة كل من الرجل والمرأة، فالرجل يقوم بالأعمال الشاقة خارج المنزل، والمرأة تقوم بما يتعلق بالبيت والعناية به وترتيبه، وتربية الأبناء، وهذا ما يجعل الحياة تسير على نسق متوازن من التعاون والتكافل، وهو ما يحض عليه الشرع الشريف، ويقيم دولة الأسرة في البيت الصغير (1)، يقول شيخ الفقه والأدب السالمي الله منتصرا لهذا الرأي المعتبر:
وخدمة البيت يقال ساعة
أفضل من ألف من الأعوام
وأنت إن نظرت سيرة السلف
مضى زمان الفضل فيه الرجل
والشرع قد حرّض كل واحد ولم يفصل بين ما يلزمها
ولم يقل عليه أن يخدمها
وفي الكتاب الأمر بالتعاون
وقد أخذنا من جميع ما وصف
***
***
***
***
***
***
***
***
***
منها لق صد بره والطاعة تعبد فيها خالق الأنام رأيته من اللزوم مزدلف (2) وزوجه والكل منهم يعمل على القيام وعلى التعاضد من خدمة البيت ولا يلزمها أو يطبخن عنها لكي يكرمها في البر والتقوى على المعاون بأن ذاك بالوجوب متصف (3)
(1)
1) - يُنظر:
(2)
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 77 - 78.
أبو زهرة، الأحوال الشخصية ص 166.
2) - مزدلف: أي مقترب.
(3) - السالمي عبد الله بن حميد جوهر النظام ج 2 ص 268. (1/431)
صفحة 432
معتبر
432
المعتصم
المَسْأَلَةُ الرَّابعةُ: إن خرجت المرأة من بيت زوجها بإذن صريح أو عرف أو ضرورة قاهرة فعليها أن تلتزم في خروجها كامل الخلق والدين، والحشمة والعفة، والوقار والاحترام، عزيزةً بكل فضيلة، رفيعةً عن كل دنيئة، فلا تتبرج ولا تبدي زينتها للناس أو تلبس الضيق والشفاف، فإن كيد الشيطان يغالب طبع الحياء في المرأة، فيُزين لها حب الظهور ومحاولة لفت الأنظار وجلب الانتباه عند خروجها أمام الآخرين (1)؛ وتصديق ذلك فيما جاء في الحديث عن النبي المجتبى أنه قال: " إِنَّ الْمَرْأَةَ عَوْرَةٌ، وَإِنَّهَا إِذَا خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهَا اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ فَتَقُولُ: مَا رَأَىنِي أَحَدٌ إِلَّا أَعْجَبْتُهُ، وَأَقْرَبُ مَا تَكُونُ إِلَى اللهِ إِذَا كَانَتْ فِي قَعْرِ بَيْتِهَا (2).
وكذا على المرأة أن تتجنب الطيب عند خروجها من بيتها؛ لئلا يشم منها رائحته فتقع بذلك الفتنة والعياذ بالله؛ ففي الحديث عن النبي أنه قال: "أيما امْرَأَةِ اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجدُوا مِنْ ريحهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ " (3)
كما أن على المرأة المضيفة صاحبة الدار أن لا تتعمد إحضار الطيب والبخور لصاحبتها التي نزلت لزيارتها إلا بعد أن تتيقن من زائرتها أنها سترجع إلى بيتها مباشرة، ولا تمر على أحد من الرجال الأجانب؛ لئلا تشاركها في المعصية، وتتعاون معها على الإثم والعدوان.
وعلى المرأة أن لا تخضع بالقول إذا تكلمت ولا تتغنج بالحديث إذا تحدثت، ولا تضرب برجلها ليُعلم ما تخفي من زينتها إذا مشت، وليُسمعَ جرس ما تخفي من حليها
(1) - الجيطالي إسماعيل بن موسى قواعد الإسلام ج 2 ص 209.
(2) - يُنظر:
الترمذي، باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الدُّخُولِ عَلَى الْمُغِيبَاتِ، رقم الحديث 1093.
• الطبراني، المعجم الكبير، رقم الحديث 9368
(3) - النسائي، باب: مَا يُكْرَهُ للنِّسَاء مِنْ الطيب، رقم الحديث 5036. (1/432)
صفحة 433
إذا
معلم
433
تحلت، فيطمع الذي في قلبه مرض فإن النفوس ضعيفة، والأذن تعشق قبل العين
أحيانا.
وبالجملة فإن المرأة سلاح خطير ذو حدين، فبصلاحها يصلح المجتمع ويستقيم، وبفسادها يفسد المجتمع ويضيع فإذا ما أغواها الشيطان واستحكمت في نفسها الغواية وسارت على الدرب، تضاءل كيد الشيطان الضعيف أمام كيد النساء العظيم، وصنعت ما تشاء بعد أن ذهب الحياء، وصار إبليس تابعا لها بعد أن كان متبوعا من
قبلها على حد قول الشاعر:
وكنتُ امرءا من جند إبليس فارتقى
فإن مات قبلي كنت أحسن بعده
والله المستعان.
***
***
بي الحال حتى صار إبليس من جندي طرائق فسق ليس يحسنها بعدي (1)
فَائِدَةٌ لَطيفة: قال بعض المتقدمين في وصف كيد النساء: "وشيء أصفه لك تراه عيانًا وهو أني ما رأيت قط امرأة في مكان تحس أن رجلاً يراها أو يسمع حسها إلا وأحدثت حركة فاضلة كانت عنها بمعزل، وأتت بكلام زائد كانت عنه في غُنية، مخالفين لكلامها وحركتها قبل ذلك؛ ورأيت التهمم [أي العناية والاهتمام] لمخارج لفظها وهيئة تقلبها لائحا فيها ظاهرا عليها لا خفاء به ...
وأما إظهار الزينة وترتيب المشي وإيقاع المزاح عند خطور المرأة بالرجل واجتياز الرجل بالمرأة فهذا أشهر من الشمس في كلّ مكان، والله ل يقول: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ (النور: 31، فلولا علم الله و برقة
(1)
) - يُنظر:
الخَليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد الطالب الجامعي والتحديات المعاصرة - محاضرة بالقاعة الكبرى بجامعة السلطان قابوس،
ليلة الثلاثاء: 4 ذو القعدة 1432 هـ، يوافقه 2011/ 10/4 م. (1/433)
صفحة 434
434
المعتصم
إغماضهن في السعي لإيصال حبهن إلى القلوب ولطف كيدهن في التحيل لاستجلاب
الهوى، لما كشف الله عن
هذا المعنى البعيد الغامض الذي ليس وراءه مرمى.
معتقد الرجال والنساء في هذا على أمر عظيم، وأصل ذلك و لقد اطلعت من سر أني لم أحسن قط بأحد ظنًا في هذا الشأن، مع غيرة شديدة ركبت بي .. ولولا أن أكون منبها على عوارت يستعاذ بالله منها لأوردت من تنبههن في الشر ومكرهن فيه عجائب تذهل الألباب، وإني لأعرف هذا وأتيقنه" (1).
(1) - هذا الكلام ينسب لابن حزم الظاهري الأندلسي من الكتاب المنسوب إليه والمعروف بـ"طوق الحمامة في الألفة
والألاف".
الجدير بالتنبيه عليه هنا أن بعض العلماء قد شكك في صحة نسبة هذا الكتاب إليه؛ لما يحويه من قصص وأوصاف لا تليق بمقام ابن حزم في علمه وورعه، ومن هؤلاء شيخنا المحقق القنوبي - متعنا الله بحياته - حيث وصفه بأنه كتاب تالف لا ينبغي أن يُرشد إليه، والذي استظهره بعض محققي الكتاب أن هذا الكتاب قد نالته أيدي التحريف والحذف والإضافة مما لا يرضاه ابن حزم نفسه، ومن المعلوم أن ابن حزم قد لقي في حياته من خصومه ألوانا من الإيذاء تجاوزت الإيذاء الجسدي إلى تمزيق كتبه وحرقها وتحريفها وتشويه ما فيها ... والله أعلم. يُنظر:
الخليلي، لقاءات في الفكر والدعوة ص 111.
القنوبي، جلسة المراجعة بمنزل فضيلته ليلة الأربعاء 6 ذو الحجة 1432 هـ، الموافق 2/ 11 / 2011 م.
طوق الحمامة ص 30، 209 - 210. (1/434)
صفحة 435
ال فعل المعتدى
معتصم قيمة النكاح
435
الحَقُّ الرَّابعُ التَّأْدِيبُ:
لقد تقدم فيما سلف أنه متى ما أوفى الزوج زوجته حقوقها الواجبة عليه تجاهها بأن دفع إليها مهرها أو مقدار ما اتفقا على تعجيله منه، وأعد لها المسكن اللائق با، وكان أمينًا عليها وجب عليها الدخول في طاعته، فتقيم معه حيث يقيم، وتسكن معه حيث يعيش، وتمكنه من نفسها متى ما رغب، فإن فعلت ذلك كانت من القانتات اللائي ليس للأزواج عليهن سبيل من جهة التأديب.
الصالحات
وإن امتنعت عن الدخول في طاعته أو القرار في بيته أو أداء حقوقه بعد إيفاء الزوج لها جميع حقوقها كاملة غير منقوصة كانت بذلك التصرف ناشزةً عن زوجها، خارجةً عن طاعة ربها، ولذا ثبت لزوجها عليها حق التأديب ... (1)
فَصْلٌ فِي مَعْنَى حَقٌّ التَّأْدِيبِ
إن حق التأديب أو ما يعرف أيضا بـ"ولاية التأديب" هو حق أعطاه الله تعالى للرجل من أجل التعامل مع زوجه الناشز عن طاعته في ما أمر الله تعالى وشرع.
ومعنى النشوز هو عصيان الزوجة لزوجها فيما أوجبه الله تعالى عليها
من
طاعته
1
أو خروجها من بيته أو سفرها عنه من غير إذنه (2)، وعن حكم النشوز يقول سماحته – حفظه الله -: ". . إذ النشوز محرم بنصوص القرآن الكريم، ونصوص السنة النبوية " (3). وقد شرع هذا الحق بكتاب الله تعالى؛ فالله يقول في سورة النساء الكبرى: وَالَّتي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ
- الخليلي، أحمد بن حمد. فتاوى النكاح ص 77.
(2) - الخليلي، أحمدُ بنُ حمد المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 80، 84.
(2) - الخَلِيلِيُّ، أَحَمَدُ بنُ حَمَدٍ. برنامج: سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" حلقة: 19 رمضان 1428 هـ، يوافقه 2007/ 10/01 م. (1/435)
صفحة 436
436
المعتصم
34
أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)
فَصْلٌ في الحِكْمَةِ مِنْ حَقِّ التَّأْدِيبِ
اعلم أيها المؤمن الصادق، اعلمي أيتها المؤمنة الحكيمة الصادقة- أن الله - جلت حكمته، وتعالت عظمته لم يشرع هذا الحق بيد الرجل من أجل أن يُعمل عصاه في امرأته حتى لا يضعها عن عاتقه، وإنما شرعه من أجل مصلحة كلا قطبي الحياة الزوجية الرجل والمرأة كحل أولي، وجُنَّة مبدئية من أجل تجنب وقوع الطلاق أو المسارعة فيه فيندم الجميع ولات ساعة مندم.
كما شرعت ولاية التأديب من أجل كسر كبرياء المرأة حال معصيتها، ونمنهةً لها عن غيها، ورادعا لها عن نشوزها حينما تغلب عليها عاطفتها الجياشة فتتهور بخروجها عن طاعة صاحب القوامة عليها، وربَّان سفينة الحياة الزوجية (1).
فَصْلٌ فِي مَرَاحِلِ التَّأْدِيْبِ
تعلم أخي الكريم - أن الأصل في الزوجة طبعًا وشرعًا هو طاعة الزوج، وما وقوع النشوز أو العصيان منها إلا خروج عن فطرتها، ونشوز عن طبيعتها، وعصيان لخالقها الحكيم، ولذا وجب تقويم المعوج من سلوكها، وحملها على الطريق المستقيم، والجادة القويمة، ومن أجل هذه الغاية تدرج الكتاب العزيز في وسائل العلاج فجعله في مراحل ثلاث على الترتيب فَعِظُوهُ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ النساء: 34، فلا يلجأ إلى التالي إلا بعد فشل السابق، ولا يُرتكب الضرر الأكبر إلا بعد تعذر الأخف، فإن طبائع النساء في هذا المقام تختلف، فمن
(1) - الخليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمد برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذكر " - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: رمضان 1421 هـ، يوافقه
/2000/ 12 م. (1/436)
صفحة 437
المعتم
بالمعتصم في فقه النكاح
ات
437
النساء من تكفيها الإشارة، ومنهن من لابد معها من استعمال وسائل التأديب مع الاختلاف والتدرج في ذلك، ولذا كانت مراحل تأديب المرأة على النحو الآتي: المَرْحَلَةُ الأُولى الوَعْظُ:
أي توجيه النصح والإرشاد للمرأة، ودعوتها للرجوع إلى طاعة الزوج بالحكمة والموعظة الحسنة، وبيان أن النشوز لا يُصلح حالاً في الحال، ولا يُشيد بنيانا في المال، بل يُفسد ويهدم وتذكيرها أن طاعة الزوج فيما أباحه الله من طاعة الله، ورضاه
من رضاه.
- -
فإن تذكرت وأبصرت، ولم تصرَّ على ما فعلت فيها ونعمت، وإن لم يُجدِ النصحُ والإرشاد فيها شيئا توجه بعدها إلى اللوم والتقريع والتحذير والتخويف من عقوبة
الجبار يوم القيامة، وإلا انتقل إلى المرحلة الثانية ..
المَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ الهَجْرُ فِي المَصْحِعِ: قد لا يجدي بذلُ النصح ومحض النصيحة وتقديم الموعظة في المرأة للرجوع عن
نشوزها شيئا، فينتقل الزوج بعدها إلى العلاج الآخر وهو الهجر في المضجع، وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا
النساء: 66.
ويكون الهجر في المضجع بأن يتجافى الزوج عن مضاجعتها في الفراش، ويدير لها ظهره، فلا يُقبل عليها بوجهه، ولا يستمتع بها في ساعة من ليل أو نهار.
فإن أجدى هذا الحد من الهجر كان هو الغاية المرادة، وإلا فيمكن أن يزيد الزوج في هجره للمضجع فيترك المبيت معها في غرفة الزوجية إلى غرفة أخرى من المنزل، وفي كل ذلك إظهار لاستغنائه عنها وعدم حاجته إليها؛ وأنه لا سلطان لها عليه؛ لعل نفسها الأبية تؤوب وترجع (1).
(1) - الخَيْلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَدٍ. برنامج: سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقه 8 رمضان 1422 هـ، يوافقه 2001/ 11/24 م. (1/437)
صفحة 438
438
المعتصم
المَرْحَلَةُ الثَّالِثَةُ الضَّرْبُ:
إن المرأة السوية إذا مسها طائف من الشيطان فوقعت في التفريط والعصيان بادرت إلى التوبة والندم والاعتذار لبعلها والاستغفار لربما مما وقعت فيه من زلل،
وكفاها ما تقدم معها من مراحل التأديب، ووعظت نفسها بقولها:
يا من عدا ثم اعتدى ثم اقترف
أبشر بقول الله في آياته
***
***
ثم ارعوى ثم انتهى ثم اعترف
إن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ
ولكن قد يغلب على بعض النساء الشرسات طبعهن، فلا ينفع معهن وعظ
ونصح، ولا يجدي فيهن هجر وبعد، وحينها يكون لابد من الكي في آخر العلاج، فللزوج عندها أن ينتقل إلى المرحلة الثالثة "الضرب". التأديب وهي
من
وهنا ندرك أن القرآن الكريم عالج انحراف المرأة من القمة، فبدأ بالعلاج من "طريق العقل" أولاً، ثم انتقل إلى "طريق العاطفة" ثانيًا، أما من لا يستجيب بعقله ولا يتأثر بعاطفته فإنه يُنزل بنفسه إلى مرتبة الحيوان الأعجم، فلم يبق لنفسه بعد ذلك طريقا لعلاجه إلا "طريق الجسد" بالضرب.
تنبيه مهم: على أنه من الجدير بالتنبه والتنبيه عليه أنه لا يراد بالضرب هاهنا الضرب المبرح الذي يخلف في المضروب ألَمًا شديدًا، أو وجعا لازمًا)، كما جاء النهي عن كل ذلك في حديث النبي: " وَلا تَضرب الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ وَلَا تَهْجُرْ إلا في البيت (2)، بل النهي عن ذلك الفعل المشين جاء أيضا في خطبة الوداع حيث قال بعدما أوصى بالنساء خيرا: ". فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً (3).
(1) - الخَلِيلِيُّ، أَحَمَدُ بنُ حَمد. فتاوى النكاح ص 65.
(2) - أبو داود، بَاب: فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا، رقم الحديث 1830. (3) - الترمذي، بَاب مَا جَاءَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا، رقم الحديث 1083. (1/438)
صفحة 439
المعتصم
في فقه النكاح
439
فالمراد المبتغى من وراء هذا الضرب الإيلامُ المعنوي أكثر من إيلامه الحسي، فيضرب ضرب رأفة ورحمة غير مؤذ للبدن، ولا متشفّ للنفس أو منتقم لها، وإنما يكون حاله في التأديب كحال الطبيب عندما يعطي مريضه الدواء وهو كارة له غير راغب فيه يرجو منه نفعه ويتحاشى ضره.
وعليه مع
ذلك أن
يتجنب في الضرب الوجه والرقبة وجميع أماكن الجد
الحساسة، حفظا لكرامة المرأة واعتبارا لإنسانيتها، ويكون ضربه هذا ضربا متوسطا، غير خفيف يزيد المرأة تهكما به وسخرية له ولا شديد يؤثر في الجسم فيدميه، أو في العظم فيكسره، وإنما خير الأمور الوسط (1).
وبالجملة فإن ضرب المرأة الناشز علاج مرُّ المذاق، يتحاشاه الزوج الكريم ويترفع عنه قدر الإمكان، ولكن قد تُلجئ إليه الضرورة القاهرة، وعندها لا حيلة للمضطر إلا ركوبها، إلا أن الضرورة تقدر بقدرها خفة وقسوة، ومن يك راحما فليقس
أحيانا على من يرحم.
إلا أن الزوج إن جاوز الحد في التأديب وأوقع بالمرأة الضرر الشديد فلها رفع أمرها إلى قضاء الشارع، ليأخذ منه حقها، وكفى به فاصلا وناصرا.
(1)
) - يُنظر:
الخليلى المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 91 - 92.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقه: رمضان 1421 هـ، يوافقه /2000/ 12 م.
الجيطالي، قواعد الإسلام ج 2 ص 209. (1/439)
صفحة 440
440
المعتصب في حقه
المعلمين
شُبْهَةٌ وَرَدُّام
لا يخفى عليك أخي الداعية تبتك الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ما يدعيه بعض أعداء المسلمين والحاقدين على صفاء هذا الدين من أن ما أتت به الشريعة الغراء من مشروعية التأديب للمرأة الناشز لا سيما الضرب- إنما هو علاج صحراوي جاف، يتنافى مع الحضارة المعاصرة، والمدنية الحديثة، ويتجافي بعيدا عن تكريم المرأة في زمن تُنفخ فيه الأبواق وتُدق فيه الطبول من أجل ارتجاع حرية المرأة المسلوبة وكرامتها المنهوبة ..
وطغيان،
وهذه في الحقيقة كلمة حق أريد بها باطل، ومقولة صدق أريد بها فساد نعم إن المرأة بحاجة لرجع حريتها المسلوبة ورفع كرامتها المنهوبة، إلا أن إهانة المرأة في الحقيقة ليس في تقويم داء اعوجاجها بالدواء الشافي الذي علمه الخالق الحكيم العليم من طبيعتها والذي يثمر سعادتها وسعادة بيتها والمجتمع من ورائها، وإنما الإهانة الحقيقية لها والحرية المسلوبة منها إنما هي عندما تصبح أمَةً رقيقة لعباد الشهوات، وسلعةً رابحة لأرباب التجارات وصفحةً لامعة في الإعلانات المبوبة وسائر الدعايات ..
على أن ضرب المرأة المضبوط والمقنَّنَ في الشريعة ليس هو العلاج الوحيد في علاج نشوز الزوجة، بل هو آخر وسيلة يلجأ إليها الزوج أو يُلجأ إليها في علاج ذلك النشوز المستحكم بعد أن تستنفذ الحلول الأخرى، ولا يُنكر في الأعراف والشرائع جميعا أن تعالج العلة بالدواء المر، أو أن يكون آخر العلاج الكي.
كما أن العقاب والتعزير بالضرب في حق أصحاب الشذوذ والانحراف الذين لا تنفع معهم المواعظ ولا تجدي فيهم النذر ليس مقصورا على الزوجات، وإنما هو واقع ضروري لا يكاد يخلو منه تشريع جزائي جنائي أو عرف اجتماعي فطري، فقد سنته الشرائع لأولي الأمر وأصحاب القضاء، وأوكلته الطبيعة للآباء على الأبناء، وليس في ذلك إنكار، بل إطباق عليه قولا وعملا. (1/440)
صفحة 441
ي
المعتصم في فقه النكاح
ثم إن الضرب مقارنة بما بعده من الحلول يعد أخف الضررين، وأهون الأمرين؛ فكم من امرأة مشاكسة ركبت الأحموقة ففارقها الزوج وانفصلت عنه تتمنى أنها لو قرعت يومها بالعصا، وظلت مكرمة معززة مرفوعة الرأس بجوار زوج يواسيها إن تعبت ويسليها إن سئمت ويداويها إن مرضت.
ثم إن القرآن لم يقف بالعلاج عند هذه الوسائل الفردية الخاصة التي وكلها إلى الزوج، بل جعل للزوج إذا لم يصل إلى نتيجة وأفلت الزمام من يده أن يرفع الأمر إلى القاضي ليعالج المشكلة بوسيلة أخرى على مستوى الجماعة؛ لأن الحياة الزوجية ليست ملكا للزوجين خاصة، بل لها جانب اجتماعي من جهة أنهما عضوان في المجتمع الذي يسعد بسعادة أفراده ويشقى بشقائهم، فيبعث القاضي حكما من أهل الزوج وحكمًا من أهل الزوجة، ليتعرفا أسباب التراع ويقوما بالإصلاح بتوفيق الله كما قال سبحانه: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إصْلَاحًا يُوَفِّق اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (النساء: 25).
35 (1)
وبذا تدرك أن مثل ذلك القول المفترى لا يصدر إلا من مرضى النفوس، الذين ناصبوا الدين العداء، أو ممن كان ذيلا لأعدائه يتبع خطاهم، وينفخ بوق كلامهم، ولكنَّ الله أبى يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَفِرُونَ) التربية: 0032
فمن هناك تدري أن الأهوا
- يُنظر:
الخليلي، تحكيم الحكمين في الشقاق بين الزوجين.
***
الخليلي، لقاءات في الفكر والدعوة ص 110 - 111.
تقودهم لا الحق حين يروى (2)
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقه: 18 رمضان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 11/13 م.
(2) - السالمي عبد الله بن حميد. مفتاح السعادة إلى صحيح العبادة كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة ص 200.
(2) (1/441)
صفحة 442
المعلمم
المعتصم
خَاتِمَةٌ
يقول الإمام المجاهد أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي
أسكنه الله جنات النعيم، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين:
***
عقوبة الجبار ثم تُهجَرُ
ويقطعن في شأنها الكلاما
بسبب الهجران عند المضجع حتى تقول لست يوما ناشزا لدائها لا كاسرا أو صادعا ليس يزول كالذي قد حُجرا وما سواه للنشوز أبح وصادع للعظم حين يصدر (1)
***
***
***
***
***
***
***
442
وامرأة قد نشت تُذكَّرُ
يهجرها الزوج إذا ما ناما
لعلها ترك للترفع
فإن أبت فالضرب كان جائزا
يضربها ضربا يكون نافعا
ولا يؤثّرن فيها أثرا
وهو الذي يعرف بالمبرح
فيمنع الكاسر والمؤثر
- السالمي، عبد الله بن حميد جوهر النظام ج 2 ص 271 - 272.
(1) (1/442)
صفحة 443
المعتصم
المعتصم في فقه النكاح
443
البَابُ الرَّابِعَ عَشَرَ فِي حُقُوقِ الزَّوْجَةِ عَلَى الزَّوْجِ
قَالَ تَعَالَى: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا عَانَنهُ اللَّهُ
لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَنهَا سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرِ يُسْرًا.
الطلاق.
لقد تفقهت يا أخي عبد الله ويا أختي أمة الله - في الباب الآنف ما يلزم الزوجة من حقوق لزوجها، وما ورد في فضل أدائها لتلك الحقوق من أجر عظيم
وثواب جزيل، يتوج ذلك كله بإدخالها جنة الرحمن يوم يقوم الناس لرب العالمين ..
وفي مقابل تلك الحقوق الواجبة على الزوجة فإن لها أيضا- حقوقا مقدسة تجب على نظيرها الزوج (1)، وهذه الحقوق منها ما هو مالي: كالمهر والنفقة، ومنها ما
هو غير مالي: كرفع الضرر، والعدل لمن كان له أكثر من زوجة.
والآن نأتي إلى تفصيل الكلام في حقوق الزوجة على الزوج
- الخَلِيلِيُّ، برنامج: سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ أَحمدُ بنُ حَمَدٍ. برنامج: "سؤال أهل الذكر"- تلفزيون سلطنة عمان،
حلقة: 20 شوال 1421 هـ، يوافقه 2001/ 1/15 م. (1/443)
صفحة 444
444
المعتصم
في
افقه السيد
NE
الالمعلمين
الحَقُّ الأَوَّلُ المهر
المهر أو صداق المرأة من الحقوق المالية والآثار الزوجية التي تجب للمرأة بمجرد عقد النكاح الصحيح، أما العقد الفاسد فلا يترتب عليه أثر شرعي؛ لأنه لا اعتبار له في الشرع ما لم يكن هنالك دخول ووطء.
وقد تقدم الكلام على المهر بالبيان والتفصيل في "البَابُ الثَّامِنُ: فِي شُرُوطِ عَقْدِ النِّكَاح"، وقد تبين هناك بحمد الله وتوفيقه مشروعيته، وحكمه وحكمته، وأحواله وحالاته ومَن يجب عليه ومَن يجب له، وسبب هذا الوجوب، والأجناس المالية التي يمكن أن تدفع مهرا للمرأة، وما يتعلق بحد الصداق قلة وكثرة .. إلى آخر تلك الفصول المفصلة وما يتبعها من مسائل مؤصلة على ضوء الكتاب والسنة وما يرجع إليهما من نظر علماء الأمة، ففي الإحالة غنية عن الإعادة، وبالله التوفيق (1).
(1) - يُنظر: البَابُ الثَّامِنُ: فِي شُرُوط عقد النكاح الشَّرْطُ الثَّالِثُ الصَّدَاقُ. (1/444)
صفحة 445
المعلمم
سي
المعتصم
عقد النكاح
الحَقُّ الثَّانِي النَّفَقَةُ
فَصْلٌ فِي بَيَان مَعْنَى النَّفَقَةِ
445
تعلم أيها المنفق في الخيرات آجرك الله فيما أنفقت، وبارك لك فيما أبقيت أن النفقة في اللغة العربية مشتقة من الإنفاق وهو الإخراج مطلقا، سواء كان هذا الإخراج في خير أو في شرّ، وأما في الشرع الإسلامي فهي اسم لما يجب على الإنسان أن يخرجه للزوجة أو لمن يجب عليه عوله مما تحتاج إليه في معيشتها من مطعم ومشرب ومسكن وكسوة وكل ما يلزمها من نفقات ضرورية حسب حال الرجل وحسب ما تعارف عليه الناس وما تفرضه ضرورة الحياة.
فصل في حُكم النَّفَقَةِ
لقد جعل المولى تعالى في إنفاق المال من الرجال على الزوجات والعيال ثوابا عظيما وفضلا كبيرا حتى عد النبي ما ينفقه الرجل على من يعول صدقة يعود أجرها إليه؛ كما في الحديث الشريف عن ابْنِ مَسْعُودِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه نفقة الرَّجُل عَلَى أَهْلِه صَدَقَةٌ (1).
وقد أشار الكتاب الحكيم إلى أن إنفاق الرجل وبذله المال هو رمز لقوامته على المرأة الرّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ النساء: 34، بل جعل الله تعالى هذه النفقة أمرا واجبا وحقا لازما للمرأة
(1) - الربيع، باب: في الصَّدَقَة، رقم الحديث 346. (1/445)
صفحة 446
446
المعتصم
همة ال
المعلم
على الرجل)، والأدلة على هذا الحكم الشرعي "الوجوب" قائمة من كتاب الله المجيد، وسنة رسوله الأمين، وإجماع أهل العلم، ونظر ذوي العقول السليمة .. فمن الكتاب:
-
أ قوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) البقرة: 133) الآية إيجاب النفقة للوالدات وهن الزوجات على المولود لهم وهم الأزواج الذين ينسب إليهم الأبناء، بحسب المعروف، ومن غير تكليف، وصيغة "على" تدل على
الإيجاب وتفيد الإلزام.
ب قوله: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ، وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، فَلْيُنفِقْ مِمَّا
،
الله الله لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آنَنهَا سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُر متر الطلاق: 7 عُسْرِ يُسْرًا ففي الآية أمر، والأصل في الأمر أنه يدل على الوجوب، وإذا كان هذا الأمر بالإنفاق للمطلقات أثناء العدة، فالزوجات لا شك أولى وأحرى بوجوب النفقة لهن، يقول الشيخ المفتي -وفقه الله - تعليقا على الآية الكريمة: "لئن كان هذا حق المطلقة وبذا يظهر
في العدة فإنّ حقها قَبْلَ الطلاق عندما تَكونُ زوجة هو أكبر من هذا (2).
أن النفقة التي وجبت للمطلقات إنما هي
وهي في مظلة الحياة الزوجية (3).
6
وهي
النفقة امتداد وفرع عن التي وجبت للمرأة
(1)
1) - يُنظر:
الخليلي، برنامج "سؤال أهل الذكر، حلقه 23 ربيع الأول 1424 هـ، يوافقه 2003/ 5/25 م. القنوبي، برنامج: سؤال أهل الذكر، حلقه: 4 رمضان 1430 هـ، يوافقه 2009/ 8/25 م.
- الخليلِيُّ، أَحمَدُ بنُ حَمَد برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 14 ذو الحجة 1426 هـ،
يوافقه 2006/ 1/15 م.
(3) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. فتاوى النكاح ص 111 - 112. (1/446)
صفحة 447
المعتمم
اس المعتصم في فقه النكاح
447
ومن
السنة النبوية:
أ-
ب-
ما جاء أَنَّ رَجُلا سَأَلَ النَّبِيَّ: مَا حَقُّ الْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ؟ فَقَالَ عليه أفضل الصلاة والسلام: " أَنْ يُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمَ، وَأَنْ يَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَى (1).
ما جاء في نص خطبة الوداع من الإيصاء بالنساء ثم بيان حقوقهن بقوله: " فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاء فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَان الله وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَة الله .. وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ
بالْمَعْرُوف (2).
ما ثبت أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفيني وَوَلَدِي إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لا يَعْلَمُ فَقَالَ: الحُذِي مَا يَكْفِيكَ وَوَلَدَك بالْمَعْرُوف (3)، فلو لم تكن النفقة واجبة لم يبح لها رسول الهدى و أن تأخذ ما يكفيها ويكفي أولادها من ماله من غير إذنه وبغير علمه، يقول النور السالمي في الجزء الثالث من حواشي المسند: "والحديث يدل على وجوب نفقة الزوجة على زوجها وهو مجمع عليه (4)
ابن ماجه، باب: حَقِّ الْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْج، رقم الحديث 1840.
(2) - مسلم، باب: حَجَّة النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رقم الحديث 2137.
(3) - يُنظر:
الربيع، كتاب الأحكام، رقم الحديث 599.
البخاري بَاب إِذَا لَمْ يُنْفِقُ الرَّجُلُ فَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْخُذَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَهَا بِالْمَعْرُوفِ، رقم الحديث 4945.
(4) - السالمي عبد الله بن حميد. شرح الجامع الصحيح ج 3 ص 271. (1/447)
صفحة 448
448
المعلمين
المعتصم في فقه النكاح انا
وأما الإجماع:
فلأنه لم يختلف علماء المسلمين ولم يخالف أحد منهم في وجوب نفقة الزوجات على الأزواج، كما حكى ذلك عنهم الإمام نور الدين السالمي الله وسماحة الشيخ الخليلي -حفظه الله-، وما كان الله ليجمعهم على ضلال (1).
وأما النظر الفقهي
فلأن عقد الزواج الشرعي يوجب على الزوجة تخصيص نفسها واحتباسها لمنفعة زوجها، وتفرغها لمتطلبات الحياة الزوجية، فهي تقوم على البيت ورعايته وخدمة الزوج وتربية الأبناء، فهي محبوسة لمصلحة الزوج وخدمته، وهذا ما يمنعها من التصرف والاكتساب والذهاب والإياب، فمن هنا وجبت نفقتها عليه وصار الاحتباس سببا للوجوب؛ إذ من القواعد المتقررة في الشريعة: "أن من حبس نفسه لمصلحة غيره ومنفعته فنفقته واجبة على من احتبس لأجله (2).
فَصْلٌ فِي شُرُوطِ وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلزَّوْجَةِ
لا يغيب عليك أيها الأخ الفطن اللبيب، رزقك الله المغانم، ووقاك المغارم- أنه لَمَّا كان السبب الموجب للنفقة في النظر هو الاحتباس لمصلحة الزوج وخدمته وخدمة بيته وليس مجرد العقد خلافا للمهر - كان للنفقة شروط لابد من وجودها لوجوبها، وتأتي هذه الشروط ترجمة لذلك السبب الموجب للنفقة وهو "الاحتباس"، وشروط
النفقة
وجوب
هي:
(1) - يُنظر:
السالمي، شرح الجامع الصحيح ج 3 ص 271.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سؤالُ أَهْلِ الذكر، حلقه: 14 ذو الحجة 1426 هـ، يوافقه 2006/ 1/15 م.
2 - الغندور، أحمد الأحوال الشخصية في التشريع الإسلامي ص 244.
(2) (1/448)
صفحة 449
المعتصم
ال المعتصم المعتصم في فقه النكاح
أَوَّلاً/ العَقْدُ الصَّحِيحُ:
449
فلا تجب النفقة بسبب العقد الفاسد، ولا بسبب الوطء بشبهة ما لم يتولد منه حمل؛ لأن كل ذلك مُلغَى في الشرع، ولا يجوز للمرأة أن تحتبس لمصلحة الرجل في
هذه الحالة، بل يجب عليهما الافتراق وإلا فرق بينهما قضاء الشرع.
وكذا لا نفقة للمرأة التي انقطعت عنها حبال العلاقة الزوجية وخرجت مـ عصمة الرجل بإحدى الطرق الآتية:
بوفاة مُطْلَقًا ولو كانت في العدة أو كانت حاملا؛ لأن المال أصبح للوارثين، إلا إن طابت أنفسهم بشيء منه (1).
بطَلاق رَجْعِي خَرَجَتْ مِنْ عِدَّته بخلاف ما لو كانت في العدة فلها النفقة
كاملة (2)
بطلاق بائن: ولو في العدة "على القول الراجح عند أصحابنا .. وعليه العمل" كما يقول شيخنا الخليلي حفظه الله تعالى؛ بدليل حديث فاطمة بنت قيس حيث قال لها النبي حينما بت زوجها طلاقها: "ليس لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نَفَقَة (3)، ويستثنى من ذلك ما إذا كانت المبتوتة حاملا فلها
1
النفقة مدة الحمل، وأجرة الإرضاع بعده؛ لقوله تَعَالَى: {وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ
حمْلِ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَلَهُنَّ فَإِنْ أَنضَعْنَ لَكُمْ فَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ م
الطلاق: (4) 6
(1) - السالمي عبد الله بن حميد. جوابات الإمام السالمي ج 3 ص 61.
(2) - يُنظر:
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقة: 17 رمضان 1429 هـ، يوافقه 2008/ 9/18 م. القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر"، حلقة: 24 ذو القعدة 1429 هـ، يوافقه 2008/ 11/23 م. (2) - الربيع، باب: في الخلع والنفقة، رقم الحديث 532.
(4) - يُنظر: (1/449)
صفحة 450
450
المعلممر
ثَانِيَا احْتَبَاسُ الَمَرْأَةِ لِلزَّوْجِ:
وافقه النة
لأن الاحتباس للمصلحة الزوجية والخدمة البيتية هي السبب الموجب للنفقة كما في القواعد الفقهية، ومعنى ذلك أن المرأة إن امتنعت من قبلها عن طاعته، أو الإيواء إلى بيته، أو خرجت منه بعد دفع معجل صداقها كانت ناشزة؛ والناشز لا نفقة لها (1). أما إن كان الامتناع من قبل الزوج، أو من قبلها لكنه بمبرر شرعي فلها النفقة
الكاملة (2).
ثالثًا صَلاحِيَّةُ الزَّوْجَةَ لِلْمُعَاشَرَة الجُنْسِيَّة:
كان مقصد الاستمتاع والرغبة في قضاء الحاجة الجنسية وطلب الذرية من المقاصد الشرعية والمطالب الفطرية والأسباب الأساسية وراء عقد النكاح فإن عدم توفرها في المرأة وعدم صلاحيتها للمعاشرة الزوجية يجعل احتباسها في هذه الحالة كعدمه، فلا يتحقق للزوج الفائدة المرجوة التي توجب عليه النفقة.
الخلاصة: وخلاصة ما تقدم في شروط النفقة أن الزواج متى ما وقع صحيحا ولم يفت حق الزوج في احتباس زوجته والاستمتاع بها، أو فات ذلك بسبب من جهته هو، أو من جهتها لكن بمبرر شرعي فإن النفقة تجب لها.
أما إذا فات حقُّ الزوج في الاحتباس من غير جهته، ومن غير مبرر شرعي فلا
نفقة لها على الزوج، والله أعلم (3).
(1)
الخليلي، فتاوى النكاح ص 106، 107، 108، 110.
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقه 4 رمضان 1430 هـ، يوافقه 2009/ 8/25 م.
السالمي جوابات الإمام السالمي ج 3 ص 57.
C
- السالمي، عبد الله بن حميد. جوابات الإمام السالمي ج 3 ص 29.
(2) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 108، 110.
ابن المنذر الإجماع ص 42.
(3) - يُنظر: (1/450)
صفحة 451
المعلمي
451
فَصْلٌ فِي تَقْدِيْرِ النَّفَقَةِ
اعلم أخي، قدَّر الله إنك لمن الصالحين أن العادة الاجتماعية في البلاد الإسلامية قد جرت على أن تقيم المرأة في بيت زوجها، ويوفر لها الزوج جميع ما تحتاجه من نفقة، تأكل مما يأكل منه الزوج وأولاده وتشرب مما يشربون، كما يوفر لها الكسوة التي تناسبها والمسكن الذي يلائمها ويقدم لها ما فيه كفايتها مما تقتضيه ضرورات المعيشة في كل عصر
(1)
وما دام الزوج قائما بواجبه في هذه النفقة حسب الأصل فلا يلزمه فرض نفقة معينة لها لا بطريق التراضي ولا بطريق التقاضي.
أما إن فرط وقصر ولم يف بما وجب عليه لها فحينئذ لها أن تطالبه بحقها، فإن أبي وامتنع وأوقع بها الضرر كان لها الحق في أن تأخذ كفايتها من ماله من غير إذنه ولا علمه كما أذن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك لهند بنت عتبة (2)، إلا أن ذلك يكون في حدود المعروف وفي حال أمن المفسدة (3).
إن هي
فإن لم تستطع الأخذ بهذه الطريقة أو تعذر عليها فعله أو خشيت المفسدة المترتبة قامت بذلك فلها رفع دعواها إلى القضاء الشرعي، فيجبره القاضي على أن
الخليلي، فتاوى النكاح ص 108 ..
السالمي جوابات الإمام السالمي ج 3 ص 58.
الغندور، الأحوال الشخصية ص 249.
(1) - السالمي عبد الله
(2) - يُنظر:
(3)
،
بن حميد. جوابات الإمام السالمي ج 3 ص 46.
الربيع، كتاب الأحكام، رقم الحديث 599.
البخاري، باب: إِذَا لَمْ يُنْفِقُ الرَّجُلُ فَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْخُذَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَهَا بِالْمَعْرُوفِ، رقم الحديث 4945.
- يُنظر:
الخليلي، فتاوى المعاملات ص 185 - 186، 192.
السالمي، شرح الجامع الصحيح ج 3 ص 271. (1/451)
صفحة 452
N
المعتصم في حقه التي
452
يعطيها النفقة المستحقة لها حسب العرف، أو يقدر لها مالا معينا يكفيها للإنفاق على نفسها، فإما أن يمسك بمعروف وإما أن يسرح بإحسان كما قال تعالى: فَإِمْسَاكُ
بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَنِ} البقرة: 229) 229 (1)؛ ولحديث أبي هريرة له قال: قال رسول
(2)
الله: " وَابْدَأُ بِمَنْ تَعُولُ، تَقُولُ الْمَرْأَةُ: إِمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي وَإِمَّا أَنْ تُطَلَّقَني (2).
هذا، وينبغي أن يراعى عند تقدير النفقة أمران:
الأمر الأول حالة الزوج المادية سعة وضيقا فالرجل الموسر تقدر عليه نفقة الإيسار بالمعروف والمعسر تقدر عليه نفقة الإعسار بقدر استطاعته؛ لقول الله تعالى: لنفق ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ، وَمَن قَدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، فَلْيُنفِقُ مِمَّا عَالَهُ اللهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا
{
الطلاق: 6،
الطلاق، وقوله: أَسْكُنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنَتُم مِّن وُجْدِكُمْ إِلَّا مَا آتها وفي الحديث عن النبي أنه قال: "أَطْعِمُوهُنَّ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَاكْسُوهُنَّ مِمَّا تَكْتَسُونَ (3)، كما أن الزوجة لَمَّا تزوجت الرجل بعد أن علمت بحالة من حيث السعة والضيق فإنها تكون قد أقدمت على ذلك وهي راضية بما يقدر عليه من حال المعيشة
والنفقة.
وبهذا كله تدرك أن المراعى في النفقة على المعتصم حال الرجل لا المرأة، يقول بدر الدين الخليلي - يرعاه الله -: " .. ولذلك أميل إلى اعتبار حالتي اليسر والعسر في
الرجل (4)
(1) - الخليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمد برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 14 ذو الحجة 1426 هـ،
يوافقه 2006/ 1/15 م.
(2) - البخاري، باب: وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى الأَهْلِ وَالْعِيَالِ، رقم الحديث 4936.
(3) - أبو داود، باب: فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا، رقم الحديث 1832.
(4) - الخَلِيْلِيُّ، أَحَمَدُ بنُ حَمَد. فتاوى النكاح ص 111. (1/452)
صفحة 453
المعتمد
انات في المعتصم في فقه النكاح
453
قلتُ: وقدْ أضَافَ شَيخنا القَنُّونِيُّ - حَفِظَهُ اللهُ - عِنْدَ المُرَاجَعَة بخط قلمه قَولَهُ:
"هذا هو الصواب ".
الأمر الثاني حالة الأسعار ارتفاعًا وانخفاضا: لأن ما يفرض للمرأة ما هو إلا ثمن لما يلزمها من احتياجات، فالحاكم أو المقدِّرُ عمومًا في هذه المسألة أحوج إلى نظره منه إلى أثره؛ لأن أسعار السوق إن لم تراع وقت الفرض والتقديم لحق الضرر بلا شك أحد الزوجين، وقد تقرر أن لا ضرر ولا ضرار في الإسلام).
فَصْلٌ فِي الْمَسْكَن
تعلم أخي في الله، أسكنك ربك جنات النعيم - أن حق المسكن الشرعي من الحقوق الواجبة للزوجة على زوجها والتي تدخل في عموم النفقة كالطعام والكساء. ويلزم في المسكن الشرعي أن يكون مشتملاً على كل ما يلزم للسكن من أثاث وفراش وآنية ومرافق وغيرها مما تحتاجه الأسرة، ويُراعى في ذلك حالة الزوج المالية من
يسار وإعسار
فللزوجة أن تطالب زوجها شرعا بالمسكن الملائم واللائق بها حسب ظروفه وأحواله بحيث تأمن فيه المرأة على نفسها ومالها وعيالها وترتاح في خدمة بيتها، وتربية أبنائها، لا يشاركها فيه غيرُها، ولا ينازعها في ذلك أحد.
ولا مانع من أن يُسكِنَ الرجل امرأته في المكان الملائم من بيت أهله في مقتبل حياتهما حسب ما جرى عليه العرف الغالب والعادة الجارية عند أكثر الناس، وذلك إلى أن يوفّر لها حقها من البيت المستقل الذي تنشده كل ربة بيت؛ بحيث تعيش في مأمن من أي أذى من أي أحد قريبا كان أو بعيدا؛ لأن النفوس في بيوتما تسكن
(1) - يُنظر:
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْل الذِّكْر" حلقة: 26 رمضان 1429 هـ، يوافقه 2008/ 9/27 م.
،
السالمي، جوابات الإمام السالمي ج 3 ص 46. (1/453)
صفحة 454
454
المعتصم
كما امتن بذلك الله على عباده حينما قال: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ وتستريح؛
(1)
بيُوتِكُمْ سَكَنَّا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الْأَنْعَامِ بيوتا كل النحل: 180).
فَصْلٌ فِي بَيَانِ وُجُوبِ حَقٌّ السُّكْنَى
من
طاعة
حق السكنى للمرأة ثابت لها على زوجها نظير ما تقوم به المرأة عادة وخدمة وتربية، والدليل الداعم لهذا النظر الموجب لحق السكنى مستفاد من الوحيين
الشريفين الكتاب والسنة ..
فمن الكتاب قول الله تعالى: أَسْكُنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنَتُم مِّن وُجْدِكُمْ
6، ووجه الدلالة
الآية أن فيها أمرا صريحا بالإسكان، وهو قوله: أَسكنُوهُنَّ، من والأمر في أصل وضعه يفيد الوجوب، وإذا كان هذا الوجوب في إسكان المطلقات رجعيا وقت عدتمن كما هو سياق الآيات - فإن الزوجات أولى بوجوب الإسكان على أن إيجاب السكنى للمطلقة وقت العدة ما هو إلا امتداد لوجوبه حال قيام العلاقة
الزوجية.
ومن
السنة قول النبي الله في الْمُطَلَّقَة ثَلاثًا: "لَيْسَ لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةٌ (2)، فقد أفاد الحديث بصريح منطوقه نفي حق السكنى للمطلقة ثلاثا، وأفاد بمفهومه وجوبه
للزوجة قبل الطلاق
ضمن
مَسْأَلَة: اختلف الفقهاء في الدِّين في نفقات علاج الزوجة" هل تدخل
النفقة الواجبة على الزوج، أو أنها مما لا يلزمه؟؟
(1) - الخليلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَدٍ. برنامج: سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 18 ذو الحجة 1430 هـ،
يوافقه 6/ 12 / 2011 م.
(2)
مسلم بَاب الْمُطَلَّقَة ثَلاثًا لا نَفَقَةً لَهَا، رقم الحديث 2717.
(3) - التيواجني مهني. عمر. فقه الأسرة ص 148. (1/454)
صفحة 455
ت المعتصم لمعتصم في فقه النكاح
455
والحقيقة أن الناظر بعين البصيرة الثاقبة للواقع المعاصر يجد أن العلاج وما يترتيب عليه من نفقات وبذل للأموال في كثير من الأحيان قد أصبح اليوم من ضرورات الحياة الحديثة والتي لابد منها؛ نظراً لأن كثيرا من المؤسسات الصحية في عالمنا المعاصر تقوم على الإيرادات المالية من قبل المراجعين، وبتقرير هذه الضرورة يظهر رجحان القول القائل بدخول العلاج ضمن النفقة الواجبة على الزوج، ولو أدت الضرورة إلى الاستعانة بالأموال الزكوية.
بأن هذا
غير
يقول مفتي الديار العمانية الخليلي - متعه الله بالصحة والعافية-: " والذي نختاره جملة ما يجب أن يقوم به من الإنفاق إن كان قادرا على ذلك، وإن كان
من
قادر على ذلك فإنهما يعانان على تحقيق هذه الرغبة في العلاج سواء كان ذلك من زكوات المسلمين أو من بيت المال أو من نفقات المسلمين الخيرية " (1).
(1)
- الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَدٍ. برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" - تلفزيون سلطنة عمان، حلقة: 7 رمضان 1430 هـ
يوافقه 2009/ 8/28 م. (1/455)
صفحة 456
456
المعتصب في فقد الك
المعتمد
الحقُّ الثَّالِثُ عَدَمُ الإِصْرَارِ
من حقوق الزوجة على زوجها معاشرتها بالحسنى والمحافظة على حقوقها، وعدم الإضرار بها أو إيذائها بقول أو فعل؛ فإن شرائع الإسلام تأبى وقوع الضرر والضرار (1) لا سيما بالزوجات العانيات؛ قَالَ تَعَالَى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرَحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ
ج
ج
وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ صِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} البقرة: 231.
وقد وجب التأكيد والتنبيه على عدم الإضرار" في حقوق الزوجة على زوجها مع أن المعاشرة الحسنة حق مشترك بينهما خشية أن يسيء الرجل استعمال ما له على المرأة من حق القوامة والرياسة البيتية وولاية التأديب، وأن يستغل ما على المرأة له من وجوب الطاعة، والقرار والخدمة في البيت؛ فكانت المرأة ضعيفة وأسيرة بيد الرجل الذي أمر أن يتقي الله فيها.
ومن أجل هذا جعل النبي الكريم مقياس خيرية الرجل بحسن معاملته لأهله (2) حينما قال عليه الصلاة والسلام -: " خَيْرُكُمْ يْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ
لأَهْلِي"
(3)
، وخصهن بالوصية في الخطبة الوداعية حينما رفع صوته حاثا ومحرضا بقوله: " أَلا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ (4)، ولهذا قيل: إن
(1) - فائدة: الضرر: هو ابتداء الغير بالإضرار والضرار: هو مقابلة الضرر بالضرر.
(2) - يُنظر:
(4)
الخليلي، فتاوى النكاح ص 69، 72، 82.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقه 8 رمضان 1422 هـ، يوافقه 2001/ 11/24 م.
الترمذي، باب: فَضْلِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رقم الحديث 3830.
- عَوَانٌ: أي أسيرات ضعيفات لا حيلة لهن. يُنظر:
الترمذي بَاب مَا جَاءَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا، رقم الحديث 1083
الجيطالي، قواعد الإسلام ج 2 ص 208.
حسن (1/456)
صفحة 457
المعتصم
457
معاملة الزوجة دليل على أصالة الزوج، ومتانة خلقه، وقصد إهانتها أمارة على سوء
طبعه ولؤمه (1).
وللمرأة حال تحقق الضرر بها أن ترفع قضيتها إلى القاضي الشرعي ليرفع عنها الضر، ويجبر الزوج على حسن العشرة، فإن الله ليزع (2) بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، فإما اعتدل وإلا اعتزل، والله المستعان.
(1) - الغندور، الأحوال الشخصية في التشريع الإسلامي ص 265. - يزع: فعل مضارع من الفعل وزع" أي كف ومنع. يُنظر: ابن منظور، لسان العرب مادة) وزع). (1/457)
صفحة 458
458
المعتصم
الحَقُّ الرَّابِعُ العَدْلُ بَينَ الزَّوْجَاتِ:
إذا كان للرجل أكثر من امرأة وجب عليه لكل واحدة منهن حقا مشروعا - ديانة وقضاء العدل والمساواة بينهن في المعاملة والنفقة والمبيت وكل ما يقدر عليه
بل جعل الأسلامُ القدرة على العدل والأمن من الجور شرطًا من شروط التعدد قبل
الإقدام عليه.
والإسلام عندما جاء وجد نظام تعدد الزوجات واقعا متبعا عند أهل الجاهلية بلا حد ولا عد، فلم يُلغ الإسلامُ هذا النظام كليَّةً كما أنه لم يقره مطلقا على ما وجد ذلك أن جعل لإباحته
عليه الجاهليين، وإنما قننه ونظمه ليحقق أهدافه المشروعة، ومن
والإقدام عليه شروطا أساسية، من أهمها شرط "العدل" ..
فَصْلٌ في شُرُوطِ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ
لقد كفل الإسلام حق المرأة على زوجها في حياة كريمة وعيشة هانئة سعيدة،
ذلك أن جعل الإسلام لجواز إقدام الرجل على تعدد الزوجات شروطا لازمة ومن
تحفظ حقوقهن وتضمن كرامتهن، وهي كالآتي:
الشَّرْطُ الأَوَّلُ أَنْ لا يَزِيْدَ عَلَى الأَرْبَعِ في الوقت الواحد؛ لقوله: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ، النساء: 3، ولما ورد في السنة القولية أدلة ثابتة على منع الزيادة على هذا العدد المحدد، وقد تقدم بعض ذلك بحمد من الله)، أما اختصاص النبي بالزيادة على أربع نسوة فلحكم ومقاصد سيأتي ذكر بعضها قريبا بعون الله تعالى
(1) - يُنظر: الْبَابُ السَّادِسُ: في المُحَرَّمَاتِ عَلَى التَّوْقِيْتِ فَصْلٌ فِي الزَّوْجَةِ الخَامِسَةِ. (1/458)
صفحة 459
معلم
459
الشَّرْطُ الثاني / القَدْرَةُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ زَوْجَة وتشمل هذه القدرة أوجها وجوانب عدة، فالقدرة المادية أوَّلاً شرط في إباحة أصل الزواج، وتبعا لكل زواج
حديد قال الله تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَامًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ النور: 33، ومن أوجه القدرة المطلوبة - أيضا - ما يتعلق بالقدرة العاطفية والجنسية على توفية جميع الزوجات حقهن الشرعي)، وهي من الباءة التي شرطها النبي عليه أزكى الصلاة والتسليم - للإقدام على الزواج بقوله: " مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ ه (2) فَلْيَتَزَوَّج " وفي سياق الحديث حول التعدد يبين سماحة المفتي الخليلي - نفع الله به الإسلام والمسلمين الأوجه التي تشملها هذه القدرة المشروطة للتعدد فيقول -حفظه الله-: التعدد إنما هُوَ بالنسبة إلى الشخص القادر، والقُدْرَة تَعنِي: القُدْرَةَ البدنية، والقدرة المالية على التعدُّد، والقدرة العاطفية "
الشَّرْطُ الثَّالثُ الثَّقَةُ بإقَامَة العَدْلِ: والأمن من الجور أو الظلم لإحدى الزوجات، فإن خيف الجور وعدم العدل حرم التعدد ووجب الاكتفاء بالواحدة، وهذا الحق الواجب والشرط اللازم منصوص عليه بقوله وان: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً لا النساء: (4)، وقد شدد النبي النكير على من أخل بشرط العدل حتى قال: "من كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَة وَشَقُهُ مَائل (1).
(1)
3
(1)
- الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 23 صفر 1426 هـ، يوافقه 2005/ 4/3 م. - البخاري بَاب: مَنْ لَمْ يَسْتَطعْ الْبَاءَةَ فَلْيَصُمْ، رقم الحديث 4678.
(3) - يُنظر:
(4) - يُنظر:
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقه 23 رمضان 1432 هـ، يوافقه 2011/ 8/23 م. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقه: 20 شوال 1421 هـ، يوافقه 2001/ 1/15 م.
الخليلي، في الخطبة والزواج. " محاضرة مطبوعة"، لدى الكاتب نسخة منها ص 4. (1/459)
صفحة 460
460
المعتصم
فَصْلٌ فِي بَيَانِ الْمُرَادِ مِنَ العَدْلِ
اعلم يا رعاك الله، جعلك الله حاكما بين الناس بالحق لا متبعا للهوى أن المراد بالعدل عند الحديث حول قضية تعدد الزوجات هو العدل الظاهري المادي سواء في المبيت ليلا أو في المكث نهارا، أو الإنفاق بأنواعه من مطعم وملبس ومسكن، أو غيرها من أوجه الإنفاق والمعاملة المقدور عليها.
أما الحبُّ الداخلي والميل النفسي والشعور العاطفي الزائد لإحدى الزوجات دون الأخريات فأمر لا يملك المرء ضبطه أو التحكم فيه؛ فلذا لم يكن المرء مطالبًا به فوق الطاقة ولا مؤاخذا عليه فيما لا يستطيعه باتفاق العلماء، وهذا النوع من العدل هو الذي نفاه الله سبحانه وتعالى عن عباده بقوله: وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ (النساء: 129،، ولكن الشأن مع ذلك كما قال سبحانه: فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ (النساء: (129 (2).
129
فَائِدَةً حَديثَيَّة: لقد تقدم أن المساواة في الأمور النفسية والعاطفية بين الزوجات مما ليس في مقدور البشر ولا يؤاخذ عليه الإنسان مع حرصه على العدل
الخليلي، فتاوى النكاح ص 100.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقةُ: 23 صفر 1426 هـ، يوافقه 2005/ 4/3 م.
(1) - قال عنه ابن النحوي: "صحيح".
أبو داود بَاب: فِي القَسْمِ بَيْنَ النِّسَاءِ، رقم الحديث 1821.
(2) - ينظر:
الخليلي، سلسلة التفسير، تفسير الآية رقم 3 من سورة النساء / الدرس الثاني. "مادة سمعية"، اللجنة الثقافية
دروس
بمعهد العلوم الشرعية.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 97، 200.
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر"، حلقه: 26 ربيع الثاني 1428 هـ، يوافقه 2007/ 05/13 م.
الكندي، مشكلات الزواج في العصر الحديث ص 125 - 128. (1/460)
صفحة 461
المعلمي
671
الظاهر، وقد جاء في تأكيد هذا المعنى رواية ترفع إلى النبي، وهي: "اللهم هذا فيمَا أَمْلِكُ فَلا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِك (1)، إلا أن هذه الرواية مع صحة معناها ووضوح دلالتها في ذاتها، فيها نظر عند بعض المحدثين كشيخنا المحدث القنوبي
قَسْمي
حفظه الله تعالى، حيث يرى ضعفها وعدم ثبوتها من حيث الصنعة الحديثية (2) لطيفة: جاء في تفسير الألوسي وغيره عن الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد - الله تعالى أنه قال: "إن لي امرأتين وإني لأعدل بينهما حتى أني أعد القُبَل (3).
رحمه
—
كَلِمَةٌ حَوْلَ تَشْرِيْعِ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ
لا يخفى عليك أخي، الداعي إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة- أنه قد كثر الخوض والجدل حول قضية "تعدد الزوجات" من قبل المتخرصين من رجال ونساء مسلمين وغير مسلمين ..
والحق أن هذه المسألة مسألة مفروغ منها عند من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ ولذا لم يختلف علماء المسلمين على مر الدهور وسير العصور في مشروعية تعدد الزوجات من حيث العموم، وأنى لهم أن يختلفوا وقد نصَّ على مشروعيته كتاب الله الحكيم والأخبار المتواترة عن رسوله الكريم، فالشأن هنا أن يقال: {وَمَا كَانَ
(1) - أبو داود، بَاب: فِي الْقَسْمِ بَيْنَ النِّسَاءِ، رقم الحديث 1822.
(2) - القنوي، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك. دروس صيف 1425 هـ، 2004 م، "مذكرة خاصة" ص 15.
(2)
(3) - يُنظر:
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 105.
الخليلي، سلسلة دروس التفسير، تفسير الآية رقم 3 من سورة النساء / الدرس الثاني. "مادة سمعية"، اللجنة الثقافية
بمعهد العلوم الشرعية.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْل الذِّكْر"، حلقة: 25 جمادى الثانية 1424 هـ، يوافقه 2003/ 8/24 م.
الألوسي، التفسير ج 4 ص 257. (1/461)
صفحة 462
462
المعتمري
لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخَيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِيناً الأحزاب: 136).
(36
فكما أنه يجب على النساء عدم الاعتراض على ما أباحه الله وأحله يجب على الرجال الاعتدال فيه والتقيد بشروطه حسب ما شرعه الحكيم العليم، العالم بمن خلق وما خلق، فلا بد فيه من القدرة والعدل فمن لم يكن قادرا عليه بدنيا وماليا وعاطفيا ليس له أن يعدد وكذا من خاف الجور وعدم العدل بين الزوجات حرم عليه
التعدد ووجب في حقه الاكتفاء بالواحدة، وإلى هذا الإيماء بقول الله: ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا النساء: 3 أي تجوروا، وقد أفضى التطبيق السيء لمبدأ التعدد، والإخلال تَعُولُوا: بمفهوم العدل، ووقوع الجور في حق الزوجات إلى تشويه الصورة وتغييب الحكم ونبذ الحكم ورفض كثير من المجتمعات لفكرة التعدد المشروعة إسلاميا، وهذا ما فتح الباب للمغرضين لمحاولة الطعن في صفاء هذا الدين ...
فَصْلٌ فِي حِكَمِ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ
لقد لاحظ المنصفون أن التعدد في الزوجات طبيعة خلقية في جميعة الكائنات؛ فهو موجود عند جميع المخلوقات كما أنه ضرورة اجتماعية ونزعة فطرية في جميع المجتمعات البشرية والشرائع السماوية والأرضية -وإن اختلفت بينهم مسارات
تطبيقها.
(2)
(1) ـ يقول شيخنا القنوبي مقررا شرعية التعدد بالكتاب والسنة والإجماع: " .. فتعدد الزوجات أمر مفروغ منه؛ لأنه منصوص عليه في كتاب الله -تعالى- ومنصوص عليه في سنة رسول الله الله، وأجمع العلماء الذين يُعتبر بوفاقهم و خلافهم على ذلك". يُنظر:
القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر"، حلقة: 26 ربيع الثاني 1428 هـ، يوافقه 2007/ 05/13 م.
(2) - يُنظر:
الكندي، مشكلات الزواج في العصر الحديث ص 115 - 117.
السباعي، المرأة بين الفقه والقانون ص 60 - 62، 67. (1/462)
صفحة 463
463
فقد أباحه الإسلام وشرعه منظما لأسباب كثيرة وحكم بالغة، تقتضيها مصلحة الأزواج والزوجات وظروفهم الخاصة، وتحتمها ضرورات شخصية، ومصالح اجتماعية وأخلاقية، يقول سماحته -حفظه الله في صدد الحديث عن التعدد: " إنّ الله -تبارك وتعالى هو العليم بأحوال عباده، ولم يَشرَع ما شَرَعَه إلا لمصلحة العباد، وعلينا أن تسلّم لحكمة الله -تعالى- البَالغَة ((1).
وقد أصبح التعدد في بعض الأوقات ضرورة إنسانية وحاجة بشرية تأوي إليه الدول والحكومات وتأرز إليها المنظمات والهيئات من أجل إنقاذ مجتمعاتها الفساد من والضياع واستفحال العنوس في الفتيات؛ كما صنعت ألمانيا الاتحادية بعد الحرب العالمية الثانية؛ إذ لجأت إلى "الأزهر الشريف" لتطبيق النظام الإسلامي في تعدد الزوجات حينما قل عدد رجالها وطالب نساؤها بالتعدد بسبب إبادة الرجال في تلك الحرب الحمراء حتى ارتفعت نسَبُ النساء على الرجال شيئا كثيرا (2).
وقد راعت شريعة السماء من وراء إباحة تعدد الزوجات ومشروعيته ودواعي عدة لتشريعه، منها:
-
حكَمًا
أن فترة الإخصاب والإنجاب عند الرجل أطول منها عند المرأة. أن نسبة مواليد الإناث في جميع المخلوقات بما فيها الإنسان أعلى من
نسبة الذكور.
(1)
) - يُنظر:
(2) - يُنظر:
الخليلي، في الخطبة والزواج. " محاضرة مطبوعة"، لدى الكاتب نسخة منها ص 4 - 5. الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ حلقةُ: 20 شوال 1421 هـ، يوافقه 20001/ 1/15 م.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 102.
الخليلي، برنامج: "سؤال أهل الذكر، حلقه: 23 رمضان 1432 هـ، يوافقه 2011/ 8/23 م.
الكندي، مشكلات الزواج في العصر الحديث ص 123.
الخطيب محمد عجاج نظام الأسرة في الإسلام ص 119. (1/463)
صفحة 464
464
1
المعتمري
أن الرجال هم أكثر عرضة للموت والمخاطر نتيجة الأعمال الشاقة تؤيم النساء، وتفقدهن العائل، وتزيد من أعدادهن.
قد تكون المرأة عقيما أو تكون مريضة ولا يريد الرجل مفارقتها
رغبته في امرأة تنجب له الذرية وتقوم بشؤون حياته (1).
التي
مع
فكان الحل الناجع والبلسم الشافي لجميع هذه المشكلات الاجتماعية هو الأخذ بمبدأ تعدد الزوجات، فلأن تكون المرأة مع زوج له امرأة أخرى في نظام يكفل لها كرامتها ويضمن لها حقوقها خير لها من أن تبقى أيمًا عانسا تقتحمها الأعين ويتقدم بما العمر، وليس معها زوج يؤنس وحشتها، ولا طفل يبهج حياتها (2).
(2)
(مصيبة: يحدثنا الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي – متعه الله بالصحة والعافية عن صاحب له سافر هو وزوجته إلى بعض الدول التي يمنع فيها تعدد الحليلات ويباح فيها تعدد الخليلات اتباعا لدول الغرب، فتحدثت فتاة عانس هناك إلى امرأة هذا الرجل وكان مما قالت لها: إنه بلغ بها من أمر العنوسة وشدة العزوبة والرغبة في إجابة داعي الفطرة الملح إلى أنها كلما رأت خشبة تخيلتها رجلا فاشتهتها وحنت إليها، كما أن أخرى منهن تخبر وتقول بأنها تريد أن تلقي بنفسها في حضن أي رجل تراه ليطفأ ما بها من سعار الشهوة .. فسبحان الله ما أحكم هذا الشرع! وواعجبا
ج
ممن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير!! أَفَحُكْمَ الْجَهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ
حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)
50
المائدة: 50
(1) - محمد بن
عبد
الله
ظلم المرأة ص 77.
(3)
(2) - يُنظر:
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 103.
أحمد
بن حمد الخليلي ج 1 ص 303، 304 305.
الجهضمي، من معالم الفكر التربوي عند الشيخ الخليلي، سلسلة دروس التفسير، تفسير الآية رقم 3 من سورة النساء / الدرس الثاني. "مادة سمعية".
(3) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. سلسلة دروس التفسير، تفسير الآية رقم 3 من سورة النساء/ الدرس الثاني. "مادة سمعية". (1/464)
صفحة 465
الذات فى المعتصم
فصل في حكم تَعَددِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ
270
إن لتشريع الإسلام نظام تعدد الزوجات حكمًا كثيرة جدا ومرامي سامية عليا، وقد أتيح للرسول صلى الله عليه وسلم أن يجسد الكثير منها عمليا وواقعيا في كل زوجة من أزواجه أمثلة تلك الحكم التي تخرس ألسنة المفترين وتكمم أفواه الحاقدين على شخص الرسول الكريم ما يأتي:
، ومن
(1)
بَيَانُ التشريع: لقد كانت كل زوجة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عالمة وفقيهة بسيرته، يذكرْنَ ويبلغنَ ويعلّمْنَ ما يتلى في بيوتن من آيات الله والحكمة، فقامت أمهات المؤمنين رضي الله عنهن- في حياته وبعد مماته بمهمة إبلاغ ذلك التشريع وبيانه للناس رجالا ونساء؛ فكانت منهن الراويات للأحاديث، و الناقلات للأخبار والمغازي والسير، ومنهن المعلمات للمؤمنين والمتفقهات في فروع الدِّين كعائشة وحفصة وأم
سلمة وميمونة -رضي
الله عنهن.
إِبْطَالُ بَعْض العادات الجاهلية: كزواجه بزينب بنت جحش الذي كان نقضا وإبطالا عمليا للعادة الجاهلية التي تمنع الزواج من حليلة المتبنى، وتجعل الابن المتبنى كالابن الصلبي حتى نسخ الإسلام التبني
رأسا (1).
تَكْرِيمُ بَعْضٍ أَصْحَابِهِ: فقد تزوج الرسول الأمين من عائشة بنت الصديق وحفصة بنت الفاروق رضي الله عنهن، ولا شك أن في ذلك تكريما لصاحبيه أبي بكر وعمر؛ لمكانتهما في الإسلام وخدمتهما للدين، وأي شرف وتكريم لهما أكبر من مصاهرة النبي
2 - القنوْيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك. بحوث ورسائل وفتاوى/ القسم الرابع ص 99. (1/465)
صفحة 466
?
466
المعتصم
تحقيقُ التَّكَافُلِ وَالمُوَاسَاةِ: فقد واسى النبي صلى الله عليه وسلم بزواجه بعض النساء بسبب فقدانهن أزواجهن وكفلهن هنَّ وأبناءهن كما كان ذلك في زواجه بكل من أم سلمة وأم حبيبة رملة بنت أبي سفيان وزينب
بنت خزيمة -رضي
الله عنهن.
تَأليْفُ القُلُوبِ إِلى الإِسْلامِ كما كان ذلك من زواج النبي -عليه أزكى الصلاة والسلام- بجويرية بنت الحارث المصطلقية التي أسلم قومها ببركة زواج النبي بها، وكما كان ذلك في زواجه بالسيدة صفية بنت حيي بن أخطب التي جعل النبي صداقها عتقها، وبذا أكرم قومها
وحببهم للإسلام بمصاهرته عليه الصلاة والسلام.
ولكلّ واحدة من هذه النسوة وغيرهن ممن لم يُذكرن هنا قصة في كفالة النبي لهن وتأليف قلوب أقوامهن، يمكن أن يُرجع إليها في مظانها من كتب السير والمغازي والحمد لله ذي الجلال والإكرام).
(1)
) - يُنظر:
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 17 جمادى الأولى 1423 هـ، يوافقه 2002/ 7/28 م. الخطيب، محمد عجاج. نظام الأسرة في الإسلام ص 122 - 124. (1/466)
صفحة 467
467
الْبَابُ الخَامِسَ عَشَرَ فِي حُقُوقِ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ
قالَ تَعَالَى اللهِ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنَنَا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أَن وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا) وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي
24
صغيرا - الإسراء: 23 - 24.
لا يخفى عليك أخي الصالح، رزقك الله برَّ الآباء والأبناء أن شريعة السماء الخالدة أولت العلاقة الزوجية وما يتولد عنها في بيتها السعيد من أصل ونَسْل عنايةً خاصة من خلال تحديد الحقوق المترتبة على أفرادها تجاه بعضهم البعض، ومن خلال تنظيم العلاقة بين أصولها وفروعها؛ وذلك كي تُصَان الأسرة ويُحفظ كيانها بصفتها اللبنة الأساسية في بناء المجتمع الصالح الذي ينشده الإسلام، ومما يدخل تحت مظلة الأسرة السعيدة من حقوق ما يأتي:
القِسْمُ الأَوَّلُ فِي حُقُوقِ الْآبَاءِ:
لما كان الأبوان الأم والأب) هما حجر الأساس في بناء الأسرة وتنشئة الجيل الجديد الواعد نجد القرآن الكريم يُصرِّح بعظَم مكانتهما، ووجوب الإحسان إليهما، والشكر لهما فهما سبب لوجود الإنسان، وهما منهل الرعاية والإحسان، وينبوع
العناية والاهتمام. (1/467)
صفحة 468
468
المعتصم في فة
المعلمين
فَصْلٌ فِي النَّظَرِ الْمُوجِبِ لبرِّ الوَالِدَيْنِ
لقد فطر الخالق البشر عموما على حب من أحسن إليهم؛ فالإنسان السوي أسير المحسن إليه، فكيف إذا كان هذا المحسن هو أصله الذي خرج من صلبه، أو تكون في أحشائه ..
فالأم وما أدراك ما الأم حملت صغيرها بين أحشائها، وغذته من دمها، وأرضعته من لبنها، وحنت عليه بفؤادها وناغته بأناشيد الحب والسرور في ليلها ونهارها، ولم تفتأ طيلة حياتها تحوطه بمشاعر الحب والرعاية وتراه روحها السارية في جسدها، وقلبها النابض في فؤادها، حتى استحلت من أجله المرَّ، واستعذبت في سبيله العذاب،
و حرمت عينيها لذيذ المنام من أجل نومه وراحته وقد صدق الشاعر في حقها:
نامت الأعينُ إِلا مُقلَا
***
تسكب الدمع وترعى مضجعك
والأب لأبنائه هو الحبيب المربّي، والمنفق العائل الذي يبذل جهده ووقته، ويَقفُ حياته وعمره ويؤثر على نفسه أبناءه؛ من أجل أن يوفرلهم العيش السعيد، والحياة الهانئة، فهو يرى في أبنائه وجودًا يمثل وجوده، وامتدادًا له في الحياة بعد موته، ولسان
حاله يقول: وإنما أولادنا بينن
لو هَبَّتِ الريحُ عَلى وَاحد
***
***
أكبادنا تمشي على الأرض
عيني عن الغمض لامتنعت عيني عن
(1) - يُنظر:
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 168.
الخليلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 27 رمضان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 12/3 م. (1/468)
صفحة 469
الافعى المعتمد
-
469
?24214 52
فَصْلٌ فِي حُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ
فمن أجل ما تقدم كلّه وجزاء بالإحسان إحسانا فقد فرض الله تعالى للوالدين على أبنائهما الكثير من الحقوق والواجبات ووصى بالإحسان إليهما كثيرا .. حتى قرن الإحسان إليهما بعبادته حينما قال في النساء: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا} النساء: 36، وقال في الإسراء: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَناً - الإسراء: 23.
وقرن شكرهما على رعايتهما وتربيتهما تلك بشكره لا حينما قال أيضا: وَوَضَيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ
لي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَى الْمَصِيرُ) لقمان: 014
14
وجعل بر الآباء في الحال سببا لبر الأبناء في المآل أما من زرع الشوك فلا يرجو
(1)
أن يجني منه العنب؛ ففي الحديث المروي عنه: " بَرُوا آبَاءَكُمْ تَبَرُّكُمْ أَبْنَاؤُكُمْ (1). بل عدَّ الربُّ الإحسان إليهما سببا سهلا للوصول إلى الجنة، وجعل عدم دخول الجنة بهما دليل الشقاء وشارة الحرمان معاذ الله؛ فعن أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ بن زَيْد قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: " مَنْ أَدْرَكَ وَالدَيْهِ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهِمَا الْجَنَّةَ فَلَا أَدْرَكَهُمَا (2).
وقد شهدت بالحقوق الواجبة للوالدين في حياتهما نصوص شرعية سماوية من كتاب الله ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، فمن تلك الحقوق:
الله
(1) - الحاكم المستدرك. كتاب البر والصلة، رقم الحديث 7368.
(T)
2 - الربيع، بَابُ: الآداب، رقم الحديث 725. (1/469)
صفحة 470
المعتمب في فقد في فقه النّك
الالمعلم
-1 - الإحسان إليهما والاهتمام بهما والقيام على شؤونهما وتلبية احتياجاتهما وعولهما إن كانا عاجزين بل إن كل ذلك دين حاضر عليه، وحق لازم في عنقه، جزاء ما لاقاه الأبوان من معاناة وتعب في تربيته وتنشئته؛ كما في قول الحق سبحانه: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَنا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَهُ الأحقاف:
(1) 10
15
2 - مصاحبتهما في الدنيا بالمعروف وإن لم يكونا على طاعة الله، وإن أمرا الابن بالمعصية بل وإن جاهداه على أكبر الكبائر وأعظم الظلـ وهو الإشراك بالله فعليه أن لا يطيعهما في المعصية مع مصاحبته لهما بالمعروف ومعاملته لهما بالحسنى ونظره إليهما نظر شفقة
ورحمة كما قَالَ تَعَالَى: {وَإِن جَهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ
15.
بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبَهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا له لقمان: 3 - عدم إيذائهما بما يكرهان من القول أو الفعل أو الإشارة وإن صدر منهما ما يكرهه لقلة علمهما أو كبر سنهما مثلا، وإنما يُسمعهما القول الطيب الكريم، ويريهما الفعل الحسن الجميل؛ فَلَا تَقُل لَهُمَا أُفٍ وَلَا نَهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) الإسراء: 023
الخليلي، برنامج: "سؤال أهل الذكر"، حلقة: 14 ذو الحجة 1426 هـ، يوافقه 2006/ 1/15 م. القنوبي، جلسة إفتاء (2) بسكن معهد العلوم الشرعية بتاريخ: 3/ 5 / 2010 م.
470
- يُنظر:
(1) (1/470)
صفحة 471
بالمعنه مري
471
هذا، ولم يقتصر بر الوالدين في الإسلام من قبل الأبناء فترة حياتهما فحسب، بل
أفسحت الشريعة الفرصة وفتحت المجال لبرهما بعد الممات ومن أحسن أحسَنَ لنفسه ومن صور هذا البر:
(1)
1 - المسارعة لقضاء ما عليهما من ديون الخلق في الحياة أو بعد الممات كأن يغرما دينا من أجل شراء قوتهما أو إكرام ضيفهما؛ فإن الإنفاق للوالدين من أفضل ما ينفقه المرء في حياته؛ يقول الله تعالى:
يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ
والأَقْرَبِينَ وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ
به عليم
25 البقرة: 315.
- الدعاء لهما بعد مماتهما: لقول القدوة المجتبى: إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةِ: مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، وَعِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَوَلَدِ
3 -
صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ (1)
24
ومن أفضل الدعاء أن يقول: رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَما
(2)
ربَّيَانِي صَغِيرًا) الإسراء: 24 (2).
الصدقة عنهما بعد مماتهما: فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ الله إن أمى توقيت، أَفَيَنفَعُهَا إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: "لَعَمْ" قَالَ: فَإِنَّ لِي مَحْرَفًا فَأُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا (3).
النسائي باب: فَضْلُ الصَّدَقَة عَنْ الْمَيِّت، رقم الحديث 3591.
(2) - تنبية: الدعاء للميت بالرحمة الأخروية هو فيما إذا كان الهالك متقيا صالحا في ولاية المسلمين، ولا يخرج من هذا
القيد الوالدان ولا غيرهما، فلينتبه لذلك، وبالله التوفيق. يُنظر:
الخليلي، حكم البراءة من مرتكب الكبيرة.
(2) - النسائي، باب: فَضْلُ الصَّدَقَة عَنْ الْمَيِّتِ، رقم الحديث 3595. (1/471)
صفحة 472
472
-4 - صلة أرحامهما وإكرام صديقهما بعد مماتهما: لما جاء أن رجلا قدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيْ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِه بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: "نَعَمُ الصَّلاةُ عَلَيْهِمَا (1)، وَالاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذَ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا، وَإِكْرَامُ
1
"
صديقهما (2)
المسارعة لقضاء ما عليهما من ديون للخالق: كأداء الكفارات الواجبة مثل كفارات الأيمان والنذور، وأداء الحج أو العمرة عنهما إن كانا لم يقوما بتأديتهما في الحياة؛ ففي حديث المرأة الخثعمية أنها قالت للرسول: "يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ فِي صلى الله عليه وسلم: الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَة أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: "أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ عَنْهُ، أَكُنْتَ قَاضِيَةً عَنْهُ؟ "، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: " فَذَاكَ ذَاك " (3)
كما جاء أَنَّ امْرَأَةً أَخْرَى مِنْ جُهَيْئَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُ عَنْهَا؟ قَالَ: " نَعَمْ حُرِّي عَنْهَا، أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَةً، اقْضُوا
(4)
الله فاللهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاء " (4).
(1) ـ أي الدعاء لهما.
(2) - يُنظر:
أبو داود، باب: في بر الْوَالِدَيْنِ، رقم الحديث 4476.
الخليلي، في الخطبة والزواج. " محاضرة مطبوعة، لدى الكاتب نسخة منها ص 10.
الجيطالي، قواعد الإسلام ج 2 ص 207.
(3) - الربيع، باب: فِي فَرْضِ الْحَجِّ، رقم الحديث 392.
(4)
2 - البخاري، بَاب الْحَجِّ وَالنُّذُورِ عَنْ الْمَيِّتِ وَالرَّجُلُ يَحُجُ عَنْ الْمَرْأَةِ، رقم الحديث 1720. (1/472)
صفحة 473
ا الكم بالمعتصم المعتصم في فقه النكاح
فَصْلٌ في بَيَانِ حُرْمَةِ عُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ
473
لا يغيب عليك أيها الابن البار - أن الشرائع السماوية كما جاءت من جهة
الترغيب بالحث على بر الوالدين والدعوة إلى الإحسان إليهما وخفض جناح الذل لهما وما في ذلك من ثواب، وما رتبت عليه من فلاح فقد جاءت من جهة الترهيب لتكمل التشريع بالتحذير من عقوقهما والإساءة إليهما والتقصير في سد خلتهما وعدم قضاء حاجتهما وتلبية ضروراتهما لما يفضي إليه ذلك من خيبة وخسار، وذلك في صور شتى من الترهيب، منها:
-1
-2
كما قرن الإحسان إليهما بعبادة الله فقد قرن عقوقهما بالإشراك به سبحانه: فقد قَالَ النَّبِيُّ لأصحابه يوما: " أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ قَاهَا ثَلاثًا، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوق الوالدين ... (1)
حرَّم التأفف عندهما بقوله سبحانه: {فَلَا تَقُل لَّهُمَا أَن وَلَا نهرهما) الإسراء: 23، وفي ذلك إشارة إلى تحريم ما فوق ذلك من
السب والشتم والضرب وغيرها من أنواع الإيذاء، والعياذ بالله.
حرم هجرهما وعد فاعل ذلك بهما أو بأحدهما من أهل النار عياذا بالله من غدو أو رواح إلى النار؛ فقد روي أنه عليه الصلاة والسلام - قال: " مَنْ هَاجَرَ أَحَدَ وَالدَيْهِ سَاعَةٌ مِنْ نَهَارِ كَانَ مِنْ أَهْلِ
(2)
النار إلا أن يتوب (2).
(1) - البخاري بَاب: عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ مِنْ الْكَبَائِرِ، رقم الحديث 5519.
(2)
- الربيع، بَابُ: الآداب، رقم الحديث 726. (1/473)
صفحة 474
474
- {
Matea
المعتصم في فقه الشكاة السلام
حرم سبهما وشتمهما: ولو بطريق غير مباشر، وذلك بأن يسب أبا الغير فيسب أباه، أو يسب أمه فيسب أمه (1)، وقد عد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك من كبائر الذنوب فقد قَالَ: " مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالدَيْهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟!! قَالَ: نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُ أَمَّهُ (2).
امة
حرم الجنةَ على العاق لوالديه وقرن العقوق بالْمَنِّ المحبط للعمل، وشرب الخمر الملعون فاعله حينما قال: " لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنَّانٌ
وَلا عَاقَ، وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ (3).
فَصْلٌ فِي بَيَانِ عِظَمِ حَقِّ الْأُمِّ خُصُوصًا
هذا ولا يخفى على ذي لب وبصيرة أن للأم القدح المعلى والنصيب الأوفى من الحقوق على الأبناء؛ فقد خصها القرآن الحكيم بالذكر والاهتمام أكثر من نظيرها الأب من أجل إعطائها مزيدا من الرعاية والإحسان؛ نظرا لما لحقها أثناء الحمل والوضع والرضاع من المعاناة الشديدة والمقاساة البالغة فقد كان بطنها له حواء، وثديها له سقاء، وحجرها له وقاء؛ قَالَ تَعَالَى: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ
في عامين لقمان: 14، وقال جل شأنه: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ
0
وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا من الأحقاف: 15)
(1)
(T)
(T)
(4)
) - السالمي، عبد الله بن حميد. تلقين الصبيان ص 67.
- مسلم، باب: بَيَانِ الْكَبَائِرِ وَأَكْبَرِهَا، رقم الحديث 130. - النسائي، بَاب: الرِّوَايَةُ فِي الْمُؤْمِنِينَ فِي الْخَمْرِ، رقم الحديث 5577.
(4) - يُنظر:
الخليلي، لقاءات في الفكر والدعوة ص 110.
الجيطالي، قواعد الإسلام ج 2 ص 206. (1/474)
صفحة 475
المعتمد
مال
المعتصب في فقه النكاح
475
ولذا فقد بينت السنة المطهرة أيضا على صاحبها أفضل الصلاة والسلام- أن حق الأم مقدم على حق شريكها الأب، مما يضاعف على الابن تجاه أمه بذل الحب العظيم والاحترام الكبير في النفس والقلب قبل اللسان والجوارح ما استطاع إلى ذلك سبيلا؛ فهي أحق الناس بحسن الصحبة مطلقا (1)؛ ففي الحديث الشريف أن رَجُلاً جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: "أُمُّكَ" قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "لَمُ أَمَكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أَمَكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "
ثم أبوك (2).
أتى
11
ولذا لم يكن غريبا أن جعل الشارع الجنة تحت أقدام الأمهات فقد روي أن رجلاً مستشيرا له فقال: إني أردت أن أغزو وجئت أستشيرك فقال: "ألك
النبي
والدة؟ " قال: نعم، قال: " اذهب فالزمها؛ فإن الجنة عند رجليها (3).
ومع ما للأم من فضل عظيم وحقّ كبير على الابن فإنه قد وقع وللأسف الشديد من بعض الأبناء الأشقياء من العقوق بهن من ضروب المآسي ما يذيب الصخر الراسي، ويفتت الحجر القاسي حتى تجاوزت عند بعضهم السباب والشتم إلى الضرب حتى القتل عياذا بالله، يقول سماحة الشيخ الخليلي متعه الله بالصحة
(1) - يُنظر:
(2)
الخليلى، التغلب على مشاكل الزواج صه.
الخليلي، سلسلة دروس التفسير، تفسير الآية رقم 233 من سورة البقرة / الدرس الثاني. "مادة سمعية"، اللجنة الثقافية
بمعهد العلوم الشرعية.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 170.
الخليلي، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 1 رجب 1423 هـ، يوافقه 2002/ 9/8 م. الخليلي برنامج: "سُؤالُ أَهْل الذِّكْرِ، حلقه 6 ربيع الأول 1428 هـ، يوافقه 2007/ 03/25 م.
مسلم بَاب بِرِّ الْوَالِدَيْن وَأَنَّهُمَا أَحَقُّ به، رقم الحديث 4621.
(3) - الحاكم، المستدرك، كتاب البر والصلة، رقم الحديث 7357. (1/475)
صفحة 476
476
المعتصم في فقه النكاح
المعلمين
والعافية -: "وما قصَّةُ الرَّجُلِ الذي قَتَلَ أُمَّهُ بِبَعِيد (1)، ولذا فإننا ننبه هنا على صور من العقوق محرمة قد يقع فيها الأبناء تجاه أمهاتهم، وهي:
1 رفع الصوت عندها، أو التأفف والتضجر من مطالبها، أو النظر إليها
-
بنظرة حادة.
عدم
م التحدث معها، أو قطيعة صلتها بحجة أنها أخطأت في حقه، أو أنه غير
راض عن تصرفاتها!!
- تقديم الزوجة وإرضاؤها على حساب الأم.
إقصاؤها عن المعيشة معه، أو وضعها في دور العجزة، والله المستعان (2).
(1) - الخليلي، أحمدُ بنُ حَمَد. فتاوى النكاح ص 74.
ص 74.
(2) - محمد بن عبد الله. ظلم المرأة ص 57 - 58. (1/476)
صفحة 477
المعتمد
المعتصم
وفقه النكاح
477
القِسْمُ الثَّانِي فِي حُقُوقِ الأَبْنَاء:
الذرية الطيبة هُم زهرة الحياة وثَمرة الزواج وخيرُ ما يَجْنيه المرء في حياته، ويدَّخره لما بعد مماته، فامتدادهم إنَّما هو امتداد لحياته، وسعادتهم جزء من سعادته، فهم عونه في الشدائد وأزره الشديد عند النوائب؛ فمن أجل هذا الغنم الظاهر أوجب الله تعالى على الآباء لأبنائهم حقوقا واجبة لا يمكن التفريط فيها بحال (1)، وهذه
الحقوق هي:
الحَقُّ الأَوَّلُ النَّسَبُ:
لقد أولى الإسلام قضية نسب الأبناء للآباء عناية بالغة، وجعله حقا ثابتا لهم، ولم يترك أمر إثبات النسب أو نفيه إلى أهواء الناس؛ لما يترتب على إثباته من استقرار، وما
يترتب على جحوده ونكراه من خزي وعار على جميع أفراد الأسرة والمجتمع (2). فيإثبات النسب ينال الوليد جميع حقوقه الأسرية، ويدفع عنه قالة السوء، ويحفظه من التشرد والضياع وبإثباته يحتفظ الأب بحقه في نسبة فلذة كبده إليه، ويحول دون نسبته لغيره، وبإثباته تحافظ الأم على شرفها، وتنأى بنفسها عن تهمة السوء في عرضها.
ولأجل هذه المنافع الأسرية والاجتماعية الجمة للنسب شددت نصوص الشريعة في أمره، فحرم القرآن التبني الذي فيه نسبة الأبناء إلى غير آبائهم، وعده ادعاءً وتقولاً
(1)
1) - يُنظر:
الخليلي، في الخطبة والزواج. " محاضرة مطبوعة، لدى الكاتب نسخة منها ص 4.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سؤالُ أهل الذكر"، حلقة: 8 جمادى الثانية 1428 هـ، يوافقه 2007/ 6/24 م.
(2) - السالمي، عبد
الله
بن حميد. جوابات الإمام السالمي ج 3 ص 74، 75. (1/477)
صفحة 478
478
ال المعتي
بالأفواه لا حقيقة له فقال تعالى: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بأفريكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ ادْعُوهُمْ لِآبَابِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ بِأَفْوَاهِكُمْ
(1)
عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَلِيكُمْ - الأحزاب: 4. وفي المقابل شددت النصوص على الأبناء من أن ينتسبوا إلى غير آبائهم؛ كما في
قول أبي القاسم: " مَنْ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ
(2)
حَرَامٌ (2).
فَصْلٌ في سَبَبِ تُبُوتِ النَّسَبِ لِلأُمِّ
تعرف أيها العبد الصالح أيتها الأمة الصالحة أن فقهاء الملة اتفقوا على أن سبب ثبوت نسب الولد من أمه "الولادة"، فمتى ما وضعت المرأة ولدا ذكرا أو أنثى
ثبت نسبه منها وكانت هى أُمَّا له، وكان هو ابنا لها شرعا.
ولا فرق في هذه الولادة بين أن تكون من نكاح صحيح، أو نكاح فاسد، أو وطء بشبهة، أو بزنى صريح فيثبت نسب الولد من المرأة التي ولدته مطلقا، وتُعد أما له، ويكون بينهما من العلاقة والصلة ما يكون بين الأبناء والأمهات في جميع الحقوق والواجبات الشرعية كالمحرمية والرضاع، والحضانة والتوارث، ووجوب البر
والإحسان .. (3)
- يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 239.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذكر، حلقه 13 ذو القعدة 1425 هـ، يوافقه 2004/ 12/26 م. الخَلِيْلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقةُ: 11 محرم 1426 هـ، يوافقه 2005/ 2/20 م.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الرابع ص 89، 99.
(2) - البخاري بَاب مَنْ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبيه، رقم الحديث 6269.
(3) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 236. (1/478)
صفحة 479
479
فَصْلٌ في سَبَبِ تُبُوتِ النَّسَبِ لِلأَبِ
كما علمت أيها النبيه - أن سبب ثبوت النسب للأم هو "الولادة"، فاعلم أن سبب ثبوته للأب هو "الفراش"، والمراد بالفراش هنا: هو الزوجية القائمة بين الرجل والمرأة عند ابتداء حملها بالولد، فإذا ولدت المرأة بعد زواجها، ثبت نسب المولود من ذلك الزوج دون حاجة إلى إقرار أو بينة من أحد.
والدليل على كون فراش الزوجية سببا لثبوت نسب الابن لأبيه ما تواتر عنه من قوله: " الْوَلَدُ الْفَرَاش (1).
الآتية:
وحتى تصح نسبة الولد للزوج بسبب فراش الزوجية لا بد من تحقق الشروط
أولاً / أنْ يكونَ الزَّوجُ قادرًا عَلى الإِنجَابِ: بأن يكون الزوج ممن يتأتى منه الحمل، أي يكون بالغًا سليم الأعضاء التناسلية، فلو كان الزوج صغيرًا دون البلوغ، أو كان مقطوع الذكر والأنثيين - مثلا - فلا تُعَدُّ زوجيته فراشا يثبت به النسب، لأنه لا يتصور أن تحمل منه منه زوجته (2).
• أرشوم النكاح صحة وفسادا وآثارا ص 431.
(1) - نقل الإمام السالمي -رحمه الله - في شرح الجامع نقلا عن ابن عبد البر قوله: " حديث " الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ" من أصح ما يروى عن النبي، جاء عن بضعة وعشرين نفسا من الصحابة".
هذا، وقد اختلف العلماء في معنى قول الرسول ا: " وَالْعَاهِرِ الْحَجَرُ"، فقيل: يعني أن حظ الزاني الرجم بالحجر، وقيل: المراد به أنه خائب من كل شيء؛ فلا نصيب له في الولد كَمَا يُقَالُ: "لَهُ الْتُرَابُ أَي الْحَيْبَةُ. يُنظر:
(2)
الربيع، بَابٌ: فِي الرَّحْمِ وَالْحُدُودِ، رقم الحديث 609.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 233.
السالمي، شرح الجامع الصحيح ج 3 ص 304.
22 - الأُنثيان: الخصيتان. يُنظر:
الفراهيدي، العين، مادة (أنث).
30
ابن خلفون أجوبة ابن خلفون ص 24، 30 (1/479)
صفحة 480
480
المعتصم في فقة النكاح
المعلمين
في عند الشكاة
ثانيا / إمكانية التقَاءِ الزَّوجين بعد العقد، وحدوث المعاشرة الجنسية بينهما: لأن العقد الشرعي يجعل المرأة فراشا للزوج أي مبيحا للاتصال الجنسي بينهما والذي هو سبب حقيقي للحمل، لكن لو انتفى إمكان التلاقي بين الزوجين بعد العقد لم يثبت نسب ابن الزوجة إلى زوجها، ولم يُلحق به بمجرد العقد على المعتمد في المذهب، وهو الذي صرح بترجيحه شيخنا أبو سليمان الخليلي -حفظه الله (1)
قلتُ: وقدْ أضَافَ شَيخنا القَنُّوبِيُّ - حَفَظَهُ اللهُ - عِنْدَ الْمُرَاجَعَة بخط قلمه قَولَهُ: وهوَ الحق الذي لا ريب فيه ".
ثالثًا مُضي أقلّ مُدَّة الحمْلِ، وهي ستَّةُ أشهر: فإن جاءت المرأة بمولود حي كامل الخلقة قبل مضي ستة أشهر من ستة أشهر من عقد الزواج لم يثبت نسبه إلى الزوج بإجماع الأمة، وكان مجيئه قبل الأشهر الستة حيًّا سليما دليلا على أن الحمل به سابق على الزواج، وإن أتت به بعد ستة أشهر من الزواج كان ولدا للزوج باتفاق، ولا يزيل نسبه إليه إلا اللعان (2).
والدليل على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر مستفاد من مجموع قول الله تعالى:
وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا، الأحقاف: 15، الأحقاف: 15، وقوله: وَفِصَلُهُ فِي عَامَيْنِ
(1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 238، 240. . العوتي، الضياء ج 10 ص 245.
السعدي، حاشية على مسند الإمام الربيع ص 253. • ابن خلفون أجوبة ابن خلفون ص 24، 30.
الجناوني، كتاب النكاح ص 183 - 184. (2) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 234، 237.
القنويُّ، برنامج: "سؤالُ أهل الذكر"، حلقه: 24 ذو القعدة 1429 هـ، يوافقه 2008/ 11/23 م.
ابن خلفون أجوبة ابن خلفون ص 24، 28.
?
لقمان: (1/480)
صفحة 481
المعلمين
162 25 14223
481
فقد دلت الآية الأولى أن مجموع مدة الحمل والفصال (الفطام) ثلاثون شهرا، ودلت الآية الثانية أن مدة الفصال وحدها عامان (أربعة وعشرون شهرا)، فيُطرح من الثلاثين شهرًا أربعة وعشرون شهرا والتي هي عاما الفصال؛ فتبقى ستة أشهر؛ فبان بذلك أن أقل مدة الحمل التي يمكن أن يتكون فيها الجنين ليولد بعدها حيا هي ستة أشهر باتفاق (1).
رابعًا أن لا تمضي أقصى مُدَّة الحمل ويعبر عنها فقهاء الأحوال الشخصية بـ"مدة اللحوق الشرعية، وهي عام كامل من انفصال المرأة عن الزوج بوفاة أو طلاق كأقصى حد كما يقرره الطب، فإن أتت به خلال هذه المدة ولم تكن قد تزوجت بعد، أو تزوجت ولم يمض على زواجها ستة أشهر - فإن الابن يُلحق بالزوج
السابق.
أما إن جاءت به بعد مضي العام الكامل من حين الفرقة والانفصال فالولد ولدها، ولا يثبت نسبه بالفراش السابق؛ لأنها حملت به بعد انتهاء الفراش يقينًا؛ إذ لا يمكن أن يجاوز الحمل عاما كاملا كما يقرره الطب الحديث.
وكذا إن جاءت به بعد مضي مدة اللحوق وقبل مضي ستة أشهر من زواجها الثاني فهو لها وحدها ولا يُلحق بأي واحد من الزوجين وإن أتت به بعد مضي الأشهر الستة من زواجها الثاني فهو للثاني منهما ولا يلحق الأول؛ لأنَّ اللحوق هنا ينقطع ولو لم تمض سنةٌ من انفصالها عن الأول، والله أعلم وأحكم).
(1) - يُنظر:
السالمي بهجة الأنوار ص 43.
• ابن خلفون أجوبة ابن خلفون ص 24.
(2) - يُنظر:
الخليلي، الفتاوى الطبية ص 292.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 179، 235، 236، 237. (1/481)
صفحة 482
482
المعتصم في فقه ال
المعتممر
خامسًا / أنْ لا يَنفِي الزَّوجُ نَسَبَ الوَلَدِ إليه: فإذا نفاه لم يثبت نسبه إليه بشرط أن يرفع دعوى نفي النسب عند القاضي ويلا عن امرأته أمامه بشروط اللعان المعروفة، فإذا فعل ذلك انتفى النسب عنه، وهذا بشرط أن لا يسبق إنكاره هذا إقرار بالمولود صراحة أو ضمنا، فإن سبق الإقرارُ لم يُعتَدَّ بالإنكار بعد ذلك، وثبت النسب إليه (1).
فَصْلٌ
في مَسَائِلَ وتَنبِيْهَاتٍ مُهمَّةٍ
وَهُنَا مَسَائِلُ وتَنْبيهَاتٌ يَحْسُنُ بكَ - أخي، طالب العلم والمعرفة- أنْ تُحيط بها
علْمًا بَعْدَ أَنْ تُوسِعَهَا مَعْرِفَةً وفَهْمًا:
التنبيه الأَوَّلُ: مما يُلحق بالعقد الصحيح في إثبات النسب إلى الرجل لأجل
مصلحة الولد ما يأتي:
أ- العقد الفاسد: كالولد الناتج من نكاح الشغار أو النكاح بدون ولي (2). ب الوطء بشبهة: كأن تزف امرأة إلى غير زوجها خطأ فيدخل بها ظنا أنها زوجته، فينتج من ذلك الدخول ولد.
والحاصل أنه إذا كان في الوطء شبهة عقد أو شبهة فعل كما تقدم فيثبت النسب للواطئ؛ للقاعدة الفقهية التي تنص على أنه "متى ما سقط الحد ثبت
السالمي جوابات الإمام السالمي ج 3 ص 75، 80.
- الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. برنامج "سؤالُ أهلِ الذكر " - تلفزيون سلطنة عمان، حلقه 1 رجب 1423 هـ
يوافقه 8 سبتمبر 2002 م.
(2) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 234، 238، 239.
ابن خلفون أجوبة ابن خلفون ص 23. (1/482)
صفحة 483
اتلي المعتصب في فقه المشكاة
483
النسب (1)، وقد جعل الشارع إثبات النسب عندما تكون هنالك شبهة في الوطء حفظا للولد من الضياع وصونًا للأعراض من الافتراء (2).
التنبيه الثاني: إذا علمت أن النسب يلحق الرجل بسبب فراش الزوجية وما يُلحق بالفراش من العقد الفاسد والوطء بشبهة، فإنك تدرك أن الشريعة الإسلامية أهدرت إثبات النسب بسبب الزنى وأبطلت ما كان عليه أهل الجاهلية من اعتباره سببا للنسب، فلا يثبت النسب بالزنى الصريح لصريح قول المصطفى: " الْوَلَدُ للفِرَاشِ، وَالْعَاهِرِ الْحَجَرُ (3)
ومعنى ذلك أنه لا يجوز شرعا أن يُنسب الابنُ المتولد عن الزنى إلى الزاني بحال من الأحوال أبدا، ولو عُلم أنه تكون من مائه، قطعا ولا يكون وليا له ولا يرث أحدهما الآخر، ولا حظ للزاني من وطئه الآثم إلا إقامة الحد عليه في الدنيا مع الخيبة والخسار في الأخرى إن لم يتب من حُوبه - كما حكم بذلك الرسول المختار بقوله: "وَللْعَاهر الْحَجَرُ ")
(E)
(1) - هذه القاعدة أغلبية غير مسلم بما عند الجميع؛ لاحتمال خروج بعض الحالات النادرة منها عند التقصي كوطء
المجنون الذي لا يلحقه حد ولا نسب. يُنظر:
الجناوني، كتاب النكاح ص 184 (تعليق).
• أرشوم، النكاح صحة وفسادا وآثارا ص 433.
(2) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 24، 53، 207.
خَليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 148.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقةُ: 29 رجب 1423 هـ، يوافقه 2002/ 10/6 م. الخليلِيُّ، برنامج: "سُوَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقه: 21 رمضان 1427 هـ، يوافقه 2006/ 10/15 م.
السالمي جوابات الإمام السالمي ج 2 ص 504
الجناوني، كتاب النكاح ص 184 (تعليق).
(3) - الربيع، بَابٌ: فِي الرَّحْم وَالْحُدُودِ، رقم الحديث 609.
(2)
- الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد. فتاوى النكاح ص 156 - 157، 233، 234، 236. (1/483)
صفحة 484
484
المعتصم في فقه ال و فقه النّ
هذا، وأما ولد الزنى "الزَّنيم" فحاله في النسب تبع لأحوال أمه، فإن كانت ألله
حال الزنى:
أ- فراشا لأحد وزوجةً له: كان الولد ولد هذا الزوج في جميع الأحكام الشرعية من نسب ونفقة وميراث وولاية .. ، ولو تكون من غير مائه يقينا ما دام أنه مضى على زواجه بالمرأة ستة أشهر فأكثر، فهو ولده حكما وشرعا وإن لم يتولد من مائه حقيقة وطبعا؛ لحكم الله صلى الله عليه وسلم في ذلك بقوله: " الْوَلَدُ الْفِرَاشِ، وَالْعَاهر الْحَجَرُ (1).
نبي
ولذا فلا حاجة لاستبراء رحم الزوجة إن علم الزوج بالوطء من قبل الغير على الصحيح عند العلامة الخليلي عافاه الله -؛ لحكم النبي في ذلك بقوله: " الْوَلَدُ للفراش"، ولا مخلص للزوج من الولد في هذه الحالة إلا بطريق اللعان المستوفي لشروطه (2).
قلتُ: وقدْ أَضَافَ شَيخنا القَنُّويُّ - حَفَظَهُ اللهُ - عِنْدَ المُرَاجَعَة بخط
قلمه قوله: "وهو الصحيح " (3).
(1) - الربيع، بَابٌ: فِي الرَّحْمِ وَالْحُدُودِ، رقم الحديث 609.
(2) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 177، 235.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 188. القنوبي، فتاوى على أسئلة من الشرق الإفريقي ص 17.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الأول ص 47.
السالمي جوابات الإمام السالمي ج 3 ص 75.
(3) - بشرط أن لا يكون هذا العلم بالوطء محرّما للزوجة عليه كأن يكون قد شهد به الشهود الأربعة العدول أو عاين
بنفسه الوطء كالميل في المكحلة، فإن كان ذلك وجب عليه اعتزالها وتركها.
القنوبي، جلسة المراجعة بمترل فضيلته - ليلة الأحد 29 المحرم 1433 هـ، الموافق 25/ 12 / 2011 م. (1/484)
صفحة 485
المعلم
المعتصم في فقه النكاح
485
ب في مدة اللحوق من زوج سابق توفي عنها أو بانت عنه، فالولد لاحق به ما دام أن مدة اللحوق لم تنقض، ولم تكن ذات بعل، أو
كانت ذات بعل لكنه لم يمض على زواجه بها ستة أشهر (1).
ج غير ذات بعل ولا في مدة اللحوق من بعل سابق: فالولد ولدها ولا يجوز أن يُنسب لأحد بعينه أبدا، وإنما يقال هو ابن أبيه، أو ابن عبد الله بن عبد الرحمن -مثلا- لا سيما عندما تقتضي ذلك ضرورة إثبات الشخصية في المعاملات الرسمية، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل (2).
مُصيبَةٌ: ولذا كان مما أنكره المسلمون على معاوية بن أبي سفيان أن أهدر حكم الإسلام وابتغى حكم الجاهلية في إلحاقه نسب زياد بن أبيه بنسبه، يقول سماحته عافاه الله -: " وقد أنكر المسلمون على معاوية استلحاقه زياد بن أبيه ونسبته إلى أبي سفيان بسبب الزنى، وعدوا ذلك من مخالفاته لأحكام الله، وأحكام رسوله عليه الصلاة والسلام"، ويقول المحدث القنوبي - أمد الله في عمره -: " .. والابن لأمه، وللعاهر الحجر هذا الذي حكم به رسول الله الله ل و حكم ابنُ هند معاوية بن أبي سفيان أنَّ زياد ابن سُمية ابن لأبي سفيان مخالفًا بذلك سنة رسول الله الله الثابتة ثبوتا أوضح من شمـ شمس النهار"، والله المستعان (3).
(1) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَدٍ. فتاوى النكاح ص 179، 235، 236، 237.
(2)
2) - يُنظر:
(3)
- يُنظر:
الخليلى، فتاوى النكاح ص 233.
القنوبي، بحوث ورسائل وفتاوى القسم الخامس ص 32.
القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول ص 116.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 233. (1/485)
صفحة 486
486
المعتصم في فقه النكات إنسان
التنبيه الثالث: اختلف العلماء في "مدة اللحوق"، فقيل: سنتان، كما عليه أكثر العلماء، وقيل: أربع سنوات، وقيل: غير ذلك من الأعوام .. وسبب الخلاف في المسألة اختلافهم في أقصى مدة الحمل، إضافة إلى بعض الآثار المروية في المسألة
بعض الصحابة.
عن
وقيل: إن مدة اللحوق سنة قمرية واحدة بناء على أن أقصى مدة الحمل لا يتجاوز سنة واحدة كما يقرره الطب الحديث وهو آخر قولي شيخنا الخليلي -حفظه الله ورعاه- حيث يقول: هذا الرأي ينبغي أن يعوّل عليه " (1).
وذهب الشيخ السالمي -رحمه الله تعالى- في "جوهر النظام" إلى أن اللحوق
العدة
ينتهي بتحقق استبراء الرحم وانتهاء العدة الشرعية، فإذا خرجت المرأة من الشرعية وثبت أنه لا ولد فيها فلا يلحق الزوج السابق ما أتت به بعد ذلك، وله في المسألة أبيات جميلة تجمع بين التحقيق العلمي الرصين والصياغة الأدبية الرائقة أحيلك
إلى قراءتها من سفره الثمين "جوهر النظام" (2).
القنوبي، فتاوى إمام السنة والأصول ص 116.
(1) - الخليلِيُّ، أَحَمَدُ بنُ حَمَد. الأخلاقيات الطبية وتحدياتها للطبيب والمريض والمجتمع - محاضرة بالقاعة الكبرى بجامعة السلطان قابوس ليلة الثلاثاء: 21 من المحرم 1433 هـ، يوافقه 12/ 17/ 2011 م.
(2) - مما جاء في هذه الأبيات قوله الله: (1/486)
صفحة 487
ولا لحوق بد الاستبراء
وهو خلاف ما عليه
ومدة العدة والاستبرا للحوق قط مستند
ن مقامة بطن الأم
من العادة حكم مستمد
سلمنها إذا لم يو.
وهاهنا عارضها مـ
فنثبت اللحوق إن لم ينقط
وتنفينه إذا ما انقطع
فبانقضاء ذاك نعلمنـ
فأين موضع اللحوق قل لي فإن تراه للصواب أهلا
وإن يكن ذاك المقال غلطا قصدنا إلا اتباع الرشد
***
***
***
***
***
***
***
صحة التزويج والإعاء
فعندهم يلحقه لو ينكر تقطع حكمها الذي قد مرا سوى الذي يعرف من حال الولد فيلحقونه بهذا الحكـ وهي من الظن على أقصى الأمد ـعارض لحكمها المؤيد عدة الحرة والاستبرا
حكم الزواج باعتداد قد شرع بذلك الوصف الذي قد شرعا بأن بطن ها له ما جنّا هذا مقالي متحرى العدل فهو من الله الكريم فضلا
فأطلب الرحمن غفران الخطا والغي ما كان أخي من قصدي
قال الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري معلقا على هذه الأبيات في حاشيته على الجوهر: "انظروا إلى هذا التحقيق الذي أبرزه هذا العلامة المحقق في هذه الصفحة، فلقد أتى في هذا المقام بما لم يُسبق إليه ولا يستطيع أن يرده من وقف عليه، ذلك الفضل من الله والله ذو الفضل العظيم جزاه الله عنا وعن المسلمين جزاء المحسنين"، وذكر في مقدمة "العقد الثمين" أن قوله بعدم لحوق الولد بعد العدة يعد من ميزاته -رحمه الله-.
ويقول الشيخ بكلي عبد الرحمن بن عمر معلقا على جواب للشيخ خلفان بن جميل السيابي في نثره لأجوبة هذا الأخير المنظومة: " لا تزال مسألة الراقد ضرب الجنين في البطن) موضع اعتبار من فقهائنا يفرعون عليها أحكامهم وإن نفاها العلم الحديث وأجمع الأطباء مؤمنهم وكافرهم على إلغائها؛ ذلك أن الجنين إما أن يكون موجودا سليما في الرحم فيترل عند انتهاء مدة الحمل، وقد أثبت الإحصاء والبحث الذي عمل في مستشفيات لندن على أن الجنين لا يستقر في البطن وهو حي أكثر من (305) أيام وفي مستشفيات برلين على أنه لا يستقر أكثر من (308) أيام، وإما أن يندثر فيخرج مع إفرازات الرحم، وإما أن تناله غيبوبة في البطن كما يعتقد) أو يبقى فيه وهو سليم ليولد بعد سنوات أنهاها بعض إلى سبع فلا ولا.
ولقد أزال العلم الحديث بوسائله العصرية وآلاته الكثيفة ما كان غامضا قبل وأصبح ما بالأرحام يُسمع - بفضل السماعة المستعملة - تنفسه منذ أربعة أشهر، وعشر، وتكون دقات القلب حينئذ (140) بينما دقات أمه (70). (1/487)
صفحة 488
قلتُ: وَقَدْ أَضَافَ شَيخنا القَنُّويُّ حَفِظَهُ اللَّهُ - عِنْدَ الْمُرَاجَعَةِ بِحَطَّ قلمِهِ قَولَهُ: "وهذا هو الصحيح".
اِقْرَأْ وَتَعَلَّمْ
يقول الشيخ الإمام عبد الله بن حميد السالمي في بيان اللحاق بالفراش
له الذي تلده ما عاشا
من غيره وذاك حكم ربه
نبينا والزاني يعطى الحجرا
أو أشبه الغير لدى تصويره
وللفراش حكم المختار
***
***
***
***
***
والعقد يجعل النسا فراشا
فهو له ابن وإن جاءت به
فالابن للفراش فيما أخبرا
وإن أقرت أنه لغيره
فكل ذاك ما به اعتبار
ويشاهد رأي العين بالأشعة الخارقة المستحدثة؛ فلم يبق محال لمكابرة المحسوس وإنكار ما أثبته العلم يقينا بتخمين وحدس، ولئن ساغ العمل على ما جرى عليه جمهور الفقهاء قبل لانتهاء علمهم إليه فلن يسوغ ذلك الآن بعد أن أسفر الصبح لذي عينين".
وقد أنكر الشيخ بكلي في تعليقاته على القواعد ما سماه بـ "أسطورة الراقد أو ضرب الجنين في البطن" ببقائه سنين في رحم المرأة أشد الإنكار، وعقب بذكر ما يفضي إليه التشبث بهذا القول من مضار، ووصف هذا المقال بأنه: لا يرتضيه الشرع ولا يقره، العلم ولا الواقع وأنه يجب" على المفتي وهو طبيب الأديان أن يقف موقفا حكيما لا يصادم نصا ثبت عن الشارع .. ما دام أن لدينا من الوسائل العلمية ما يكشف لنا عن الحقيقة، ويمكننا أن نجري أمرنا على طريقة علمية تطمئن إليها النفس ويثلج لها الصدر"، ولذا ختم كلامه مقررا أن العلم الصحيح ينفي بقاء الجنين في بطن الأم أكثر من سنة بيضاء بإجماع العلماء مؤمنهم وكافرهم" ... قلت: وقد أفادني شيخنا البدر أبو سليمان الخليلي -حفظه الله - أن الذي دعا العلماء إلى القول بمجاوزة مدة اللحوق لأقصى مدة الحمل المعتادة عند النساء هو الرغبة في ستر، المرأة، والمحافظة على صيانة الأعراض. يُنظر: الخليلِيُّ، لقاء مُسَجَّل للكاتب بسماحة المفتي -حفظه الله - بمكتب سماحته، ضحوة السبت، بتاريخ: 14 من المحرم 1433 هـ، الموافق: 12/ 10/ 2011 م.
السالمي، جوهر النظام ج 2 ص 280 - 281.
السالمي، العقد الثمين نماذج من فتاوى نور الدين ج 1 ص 9. القنوبي، قرة العينين ص 34.
السيابي، الأسئلة والأجوبة النثرية ص 44 - 45 / تعليق بكلي عبد الرحمن (نسخة إلكترونية).
• الجيطالي، قواعد الإسلام ج 1 ص 220 - 221 | تعليق: بكلي عبد الرحمن. (1/488)
صفحة 489
المعلمين
المعتصب في فقه النكاح
وإن تكن جاءت به من قبل
وكان حيا فهو قبل العقد
لأنها بنفسها غرت
وقيل بل لها الصداق يلزم والابن لاحق بها فقط
وبعد ستة الشهور يلحقه
وأول الستة منذ عقدا
***
***
***
***
***
***
***
489
ــــتة أشهر بتم الشكل تخرج منه قيل دون نقد
وهي على العمد لها أوطته لأجل ما استحل مما يحرم وأمره عن الفتى ينحط
حتى ولو ظن بأن لا يعلقه
وبعضهم
منذ الدخول حددا (1)
(1)
- السالمي، عبد
الله
بن حميد جوهر النظام ج 2 ص 278 - 279. (1/489)
صفحة 490
490
المعتصم
المعتصم في فقة ال
الحَقُّ الثَّانِي الرَّضَاعُ:
لقد جعل الرب الحكيم تبارك وتعالى- من حقوق الأبناء على الوالدين "الرضاع"، فأوجب الرضاع على الأم، كما أوجب على الأب أجرة هذا الرضاع إن طالبت الأم بالأجرة؛ فقال: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتمَ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) البقرة: 233، فالآية وإن كانت خبرية في اللفظ إلا أنها إنشائية في المعنى تحمل معنى الأمر للأمهات بإرضاع
الأبناء.
ولا شك أن لبن الأم أفضل غذاء للرضيع مما عداه؛ لأن جسمه يتلاءم مع جسمها الذي تغذى به دما وهو جنين في بطنها، ثم استحال هذا الدم لبنا خالصا سائغا لَمَّا أن أصبح في حجرها، وقد سخر الله هذا اللبن ليتطور في تكوينه مع تطور الجنين في مراحله المختلفة وفوق ذلك فإن الأم أقرب الناس إلى وليدها وأكثر شفقة له به ينبض قلبها بحبه وتراه بضعة منها.
ومع
ذلك كله
وحنانا
ومع أمر الأمهات بالإرضاع ديانة فإنه لا يتعين وجوبه عليهن
قضاء إلا بتحقق إحدى الحالات الآتية، وهي:
-
أن لا يوجد من تقبل إرضاعه.
أن لا يوجد من يقبلها مرضعة له.
أن لا يوجد عند الأب أو الابن مال لدفع أجرة الرضاع إن كان بأجرة. (1/490)
صفحة 491
491
فإن كان شيء من هذه الحالات الثلاث تعين على الأم إرضاع وليدها، فإذا رفضت أجبرت عليه قضاء إلا من عذر، وتبقى أجرة الرضاع دينا لها في ذمة الأب إن أرادت الأجرة (1).
هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن الرضاع كما أنه واجب على الأم فهو حق ثابت لها، فالأم أحق بالإرضاع من المرأة الأجنبية إن تمسكت بهذا الحق ولم تتنازل عنه، ولا يملك الأب منعها من إرضاع وليدها ما لم يكن هنالك ضرر محذور، كأن يلحق ابنه ضرر بسبب أن الأم مريضة -مثلا-، أو يلحقه هو ضرر بأن تكون قد طلبت من الأجرة للرضاع أكثر مما تطلبه سائر المرضعات؛ لأن القرآن الكريم كما نهي عن وقوع الإضرار من قبل الأب بسبب الولد فهى أن يكون ذلك الإضرار صادرا من قبل الأم تجاه الأب، فقال سبحانه: لَا تُضَارَ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ
البقرة: 233
(2)
(1) - يُنظر:
(2)
الخَلِيْلِيُّ، لقاء مُسَجَّل للكاتب بسماحة المفتي -حفظه الله - بمكتب سماحته، ضحوة السبت، بتاريخ: 14 من المحرم
1433 هـ، الموافق: 12/ 10/ 2011 م.
الخليلي، جواهر التفسير ج 2 ص 39، 44. اطفيش، تيسير التفسير ج 2 ص 78، 80. فقه الأسرة ص 184 - 185.
التيواجني،
) - يُنظر:
الخليلي، سلسلة دروس التفسير، تفسير الآية رقم 233 من سورة البقرة / الدرس الثاني. "مادة سمعية"، اللجنة الثقافية
بمعهد العلوم الشرعية.
• اطفيش تيسير التفسير ج 2 ص 86، 87. (1/491)
صفحة 492
492
المعتصم في فقة الحـ في فقه النكاح
الحَقُّ الثَّالِثُ الحَضَانَةُ:
تعلم أخي المسلم المربي، أختي المسلمة المربية - أن الحضانة في الشرع هي القيام
على تربية الطفل الصغير الذي لا يستقل بخدمة نفسه من حيث رعاية شؤونه، وتدبير مطعمه وملبسه ومنامه، وتنظيفه ووقايته عما يهلكه أو يضره.
فَصْلٌ فِي دَلِيل مَشْرُوعِيَّةِ الحَضَانَةِ وَوُجُوبِهَا
لقد أوجبت الشريعة حق الحضانة وجعلته حقا ثابتا للأم، وواجبا لازما للطفل، وقد دل على مشروعية حق الحضانة الأثر والنظر
أما الأثر: فما رواه عَمْرُو بْنُ شُعَيْبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَتَدْنِي لَهُ سِقَاءِ، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءٌ، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي وَأَرَادَ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنِّي، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " أَنْتِ أَحَقُّ
(1)
بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي وأما النظر: فلأن كلاً من الصغير والصغيرة يخرج إلى الحياة وهو عاجز عن كل شيء من شؤونه الضرورية، فيحتاج إلى من يقوم بأموره وخدمته كلها، فشرعت الحضانة من أجل رعاية مصالحه وعدم تضييعه وإهلاكه والقاعدة الشرعية تنص على أن "كل ما يؤدي إلى المحرم فهو محرم".
مكانته
(1) - فَائِدَةٌ حَديثَيَّةٌ: يقول شيخنا أبو عبد الرحمن القنوبي - يحفظه الله - في كتابه القيم "الإمام الربيع بن حبيب: ومسنده": "والصواب أن رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، متصلة، وأن روايته حسنة ثابتة، وأن المراد بجده جد شعيب، وهو عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد سمع منه شعيب على التحقيق، هذا هو الصحيح الذي عليه جمهور المحدثين من المتقدمين والمتأخرين". يُنظر:
القنوبي، الإمام الربيع بن حبيب مكانته ومسنده ص 200.
القنوبي، دروس صيفية مفرغة بمبنى معهد العلوم الشرعية بروي (سابقا)، صيف 1421 هـ / 2000 م مذكرة رقم 1 ص 2.
أبو داود بَاب مَنْ أَحَقُّ بالولد، رقم الحديث 1938. (1/492)
صفحة 493
استتم
امعلوم في فقه التكرار
493
كما أن الحضانة شرعت من أجل القيام بواجب الأمانة التي تحملها الأبوان من سياسة الصغير وحسن تربيته وتنشئته، وكل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (1). فَصْلٌ فِي أَحَقِّ النَّاسِ بِالحَضَانَةِ
لا شك لدى حصيف أريب أن فطرة الخالق قد ركبت في الأم تجاه أبنائها عاطفة الأمومة، وجعلتها عاطفة متقدة بالرأفة والرحمة فهي أشفق الناس بهم، وأرأم لمصالحهم، وألحظ لحاجاتهم، وأسرع لسد خلتهم ..
وهذا أمر لا يختلف عليه اثنان أبدا، ومن أجل هذا كانت الأم هي أحق الناس بحضانة ابنها عند انفصالها عن أبيه مع استحقاقها نفقة الحضانة المقدرة بالمعروف، ولا يجوز لأحد ولو كان أبا أن يرزأها صغيرها، فيسلبه من أحضانها، ويحرمه لبنها ولبانتها ما لم تتنازل هي عن حقها برضاها (2).
وقد أكد أسبقية الأم بحق الحضانة قوله عليه الصلاة والسلام-: "أنت أحق به مَا لَمْ تَنكحي (3)، وهو الذي أجمع عليه فقهاء الأمصار على مر الدهور والأعصار (4).
(1) - يُنظر:
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقةُ: 21 رمضان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 11/27 م. القنوبي، برنامج: "سؤال أهل الذكر"، حلقة: 24 ذو القعدة 1429 هـ، يوافقه 2008/ 11/23 م.
ـ (2) - السالمي، عبد الله
(3) - يُنظر:
(3)
بن حميد جوابات الإمام السالمي ج 3 ص 70.
أبو داود، باب: مَنْ أَحَقُّ بالولد، رقم الحديث 19.38.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقه: 29 رجب 1423 هـ، يوافقه 2002/ 10/6 م.:
- ابن المنذر، الإجماع ص 43. (1/493)
صفحة 494
494
المعتصم في فقة التي
الفنية
تستمر
فَصْلٌ فِي مُدَّةِ الحَضَانَةِ
حضانة الطفل الذكر عند أمه حتى يستطيع القيام بحاجاته الأولية من الأكل والشرب وغسل اليدين ولبس الثياب وحده، وبعبارة أخرى تستمر حضانة الطفل عند أمه حتى يستغني عن خدمة النساء.
ثم بعد ذلك يُنظر في مصلحة الطفل، فمن كان من الأبوين أحسن تربية له، ورعاية لمصالحه وتوجيهًا له في أمور دينه ودنياه كان أولى بأن يكون تحت رعايته، ولا تحدد مدة الحضانة بسن أو عمر معين على الراجح عند شيخنا أبي سليمان -حفظه الله، وإنما يكون عند من هو أجدر ليقوم بما يقتضيه الواجب تجاهه من تربية وتعليم وتأديب حتى البلوغ، وحيثما كانت المصلحة فثَمَّ شرع الله (1).
قلتُ: وقدْ أَضَافَ شَيخنا القَنُّويُّ - حَفَظَهُ الله - عنْدَ الْمُرَاجَعَة بخط قلمه قَولَهُ:
والقَولُ بعدم تحديد ذلك بسن معين هوَ الصَّحيحُ".
أما البنت فتمتد حضانة أمها لها ورعايتها وعنايتها بها حتى النكاح ولو بلغت سن الرشد؛ لأن الأم هي الأقرب لطبيعة البنت وما يعرض لها، والأصرح معها، والأصلح لتعليمها ما يتعلق بأحكام النساء كأحكام الطهارة من الحيض والنفاس والجنابة وغيرها من الأحكام التي قد يَشُقُ على الأب أن يُباشر ابنته بتعليمها إياها (2). وأحقية الأم بالحضانة في هذه الفترة مشروطة بشرطين اثنين:
(1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 229، 230.
الخليليُّ، في الخطبة والزواج. " محاضرة مطبوعة، لدى الكاتب نسخة منها ص 11
(2) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 231.
الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 16 شعبان 1424 هـ، يوافقه 12 أكتوبر 2003 م.
التيواجني، فقه الأسرة ص 195. (1/494)
صفحة 495
المعلمين
با معتصم في فقه النكا
495
الشرط الأول / أن لا تُستراب الأم في دينها أو في تربيتها: بحيث يخشى منها
أن تهمل تربية ابنها أو ابنتها أو تعلمهم سوءا أو ما فيه مضرة لهم في دينهم أو دنياهم، وكل ذلك مناف للحفظ والصيانة المقصودة
من
الحضانة.
الشرط الثاني أن لا تكون ذات زواج: فإن تزوجت سقط حقها في الحضانة على رأي جمهور أهل العلم؛ للحديث المتقدم "أنت أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنَكحي (1)، ولما يُخشى أن يتعرض له المحضون من التقصير والإهمال أو ضيق الحال نتيجة انشغال الأم بخدمة الزوج).
فَصْلٌ
في مَسَائِلَ وَتَنْبِيْهَاتٍ مُهمَّةٍ
المَسْأَلَةُ الأُولى: لقد رأيت قريبا أخي الطالب الفقيه- أن رأي الجمهور في مسألة حضانة الأم أنها تسقط بمجرد زواجها، وخالف في ذلك الحسن البصري فقال إن الأم أولى بالحضانة على كل حال فتبقى حضانتها ولو تزوجت (3)، وهذا الذي صوبه الإمام عبد الله بن حميد السالمي عليه من الله الرحمة والرضوان في "جوهر
النظام" (4) حيث قال:
إلا إذا تزوج ـت فإنما
وقال قوم أمه أولى به
***
***
أبوه أولى عند ذاك فاعلما في كل حال وهو من صوابه
(1) - أبو داود، باب: مَنْ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ، رقم الحديث 1938.
(2) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد برنامج: سؤالُ أهل الذكر، حلقه: 29 رجب 1423 هـ، يوافقه 6 أكتوبر 2002 م. (3) - الخليلِيُّ، أَحَمدُ بنُ حمد سلسلة دروس التفسير تفسير الآية رقم 233 من سورة البقرة/ الدرس الثاني. "مادة
سمعية"، اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية.
(4)
- السالمي عبد الله بن حميد جوهر النظام ج 2 ص 283.
، (1/495)
صفحة 496
496
المعتصم في فقد الدم
المعلمين
يقول سماحة الشيخ الخليلي -حفظه الله -: " ولم أجد قول الإمام السالمي لأحد من قبله من علماء المذهب، وإنما كان يذهب مذهبه من شيوخنا العلامة الجليل الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري حسب ما سمعت منه مشافهة (1).
هذا، ورأى سماحته في المسألة رأيا ثالثا، وسطا، وهو أنه عند زواج الأم ينبغي أن تراعي ما شرعت له الحضانة من تقديم مصلحة الطفل المحضون، فإن كان الأب أمينا على تربية أبنائه وحسن تنشئتهم وتعليمهم أمور دينهم كان هو الأحق بالحضانة دون الأم بنص السنة. وإن كان الأمر بخلاف ذلك، أي كانت الأم هي المثل الأعلى في الأخلاق والفضائل والاستمساك بأَهْدَاب الإسلام والحرص على التربية والتعليم فلا ريب أن بقاء الأولاد عندها أفضل وحضانتها أولى من الأب في هذه الحالة (2). قلتُ: وقدْ أَضَافَ شَيخنا القَنُّوبُيُّ - حَفَظَهُ الله - عندَ المُرَاجَعَة بخط قلمه قَولَهُ:
"وهذا الرأي هو الصحيح".
(1) - الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد. فتاوى النكاح ص 230.
(2) - يُنظر:
الخَلِيْلِيُّ، لقاء مُسَجَّل للكاتب بسماحة المفتي -حفظه الله - بمكتب سماحته، ضحوة السبت، بتاريخ: 14 من المحرم
1433 هـ، الموافق: 10/ 12 / 2011 م.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 228.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 185.
الخَلِيلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 21 رمضان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 11/27 م. (1/496)
صفحة 497
المعلمين
المعتب المعتصب في فقه النكاح
497
لطيفة: اختصم رجل وامرأة في العهود السابقة إلى أحد القضاة الحكماء في حضانة ولد لهما، فخير القاضي الولد بين الأم والأب فاختار الابن الأب، فقالت الأم للقاضي: اسأله لم اختار أباه، فسأله القاضي: لم اخترت أباك؟؟، فقال الابن: لأن أمي تحملني إلى الكتاب لأتعلم، وأبي يتركني ألعب فقال له: "إذا ارجع مع أمك فهي أولى بك من أبيك " (1).
المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ): لا يجوز للحاضن من الأبوين أيا كان أن يمنع الآخر من زيارة
الحاضنة
ولده له، فالزيارة حق ثابت لكل واحد من الأبوين، فالأم إن كانت هي ليس لها أن تمنع الأب من رؤية ابنه وزيارته، وكذا الأب إن كان هو الحاضن ليس له أن يحرم أم المحضون من رؤية ولدها وصلته والدليل على ذلك هو عموم قوله تعالى: لَا تُضَارَ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ) البقرة: 233، ومن قواعد الإسلام
أن "لا ضرر ولا ضرار " (2):
وَجَاءَ لا ضُرَّ ولا ضرارا
(1) - يُنظر:
***
قَاعِدَةٌ نَبْنِي بِا آنارا (3)
(2) - يُنظر:
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 185.
الخليلي، في الخطبة والزواج. " محاضرة مطبوعة، لدى الكاتب نسخة منها ص 11.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 185.
الخليلي، في الخطبة والزواج. " محاضرة مطبوعة"، لدى الكاتب نسخة منها ص 11.
الخليلي، سلسلة دروس التفسير، تفسير الآية رقم 233 من سورة البقرة/ الدرس الثاني. "مادة سمعية". الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْل الذِّكْر "، حلقه: 21 رمضان 1423 هـ، يوافقه 2002/ 11/27 م.
(3) - السالمي، عبد هم بن حميد، جوهر النظام ج 1 ص 113. (1/497)
صفحة 498
498
المعتصم
خلاف وثمرة
الخلافُ: اختلف الفقهاء في قوله: ". . مَا لَمْ تَنْكِحِي" هل هو غاية لانتهاء الله: ..
مدة الحضانة، أو علة لها؟
وثَمَرَةُ الخلاف ما إذا سقطت الحضانة عن الأم بسبب زواجها بزوج آخر ثم: انفصلت عنه بطلاق أو وفاة وأصبحت خلية من الأزواج، هل يرجع حقها في الحضانة أو لا يرجع بعد سقوطه؟؟ فمن قال: إنه غاية، قال: إن حقها في الحضانة لا يمكن أن يرجع بعد أن بلغ مداه وغايته بالنكاح، أما من قال: إن النكاح علة لسقوط الحضانة، أثبت لها الحق مرة أخرى عند انتفاء علة سقوطه، وأصبحت بذلك الأم الرؤوم أهلا للحضانة؛ للقاعدة الشرعية التي تنص على أنه إذا انتفت العلة انتفى المعلول، وهذا هو الراجح المُعتد عليه في الفتيا عند شيخي المفتي -حفظه ربي -؛ إذ مدار الشريعة مع مصالح العباد وجودا وعدما (1).
فتوى
السُّؤَالُ / امرأة مطلقة ولديها أولاد يريد مطلقها أن يخرجها من البيت، علما بأن الزوج يعيش في القسم الثاني من البيت، فما الحكم في ذلك؟
الجَوَابُ إن كان لها حق الحضانة فهي أولى أن تبقى مع أولادها وترعى مصالحهم، وإنما تحرم عليهما الخلوة، فلا يختلي بها ولا تختلي به، والله تعالى أعلم (2).
(1) - يُنظر:
الخليلي، فتاوى النكاح ص 228.
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 187.
الخليلي
سلسلة التفسير تفسير الآية رقم 233 من سورة البقرة/ الدرس الثاني. "مادة سمعية".
دروس
(T)
2) - يُنظر:
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 188. (1/498)
صفحة 499
499
اب المعتصم في فقه النكاح
Mainall
الخليلي في الخطبة والزواج. " محاضرة مطبوعة، لدى الكاتب نسخة منها ص 14. (1/499)
صفحة 500
في فقه النّ المعتصم في
الحق الرابع النَّفَقَةُ
NELE
المعلمين
اعلم أيها المنفق في سبيل الله الباذل ما أعطاه الله لله - أن من الحقوق المالية الواجبة على الأب لأبنائه "النفقة"، وقد تقدم عند الحديث حول "حقوق الزوجة" أن النفقة هي: اسم لما يجب على الإنسان أن يخرجه لمن يجب عليه عوله كالزوجة والأبناء- مما يحتاجون إليه في معيشتهم من مطعم ومشرب ومسكن وكسوة، وكل ما يتعرضون له من نفقات ضرورية حسب حال الرجل وحسب ما تعارف عليه الناس وما تقتضيه الحياة من ضرورات.
فَصْلٌ فِي حُكْمِ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَوْلادِ
أجمع الفقهاء جميعا على وجوب نفقة الأب على أبنائه، وأصل هذا الإجماع
مستند على ما جاء في كتاب الله العزيز، وما جاءت به السنة في أحاديث عديدة ..
أما دليل الكتاب فقوله تعالى: وَعَلَى الْوَلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ
ج
البقرة: 233، ووجه الدلالة أن الله تعالى لما أوجب النفقة للأمهات بسبب الأبناء وما يقمن به تجاههم من رضاع وحضانة وتربية مع أنهن أمهات لهؤلاء الأبناء أيضا ظهر أن وجوب هذه النفقة الضرورية للأبناء هو من باب أولى.
وأما دليل السنة فَقَوله هنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ: الحُذِي مَا يَكْفِيكَ وَوَلَدَكِ بالْمَعْرُوف (1)، فلو لم تكن النفقة واجبة عليه لأولاده لم يبح لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تأخذ ما يكفيها ويكفي " أولادها" من ماله من غير إذنه وبدون علمه.
(1) - يُنظر:
الربيع، كتاب الأحكام، رقم الحديث 599.
البخاري، باب: إِذَا لَمْ يُنْفِقُ الرَّجُلُ فَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْخُذُ بِغَيْرِ عِلْمِهِ مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَهَا بِالْمَعْرُوفِ، رقم الحديث 4945. (1/500)
صفحة 501
المعلممر
المعتصم في فقه النكاح
وأما النظر / فلأن الأبناء يخرجون من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا ولا يستطيعون حيلة ولا يقدرون كسبا ولا يهتدون سبيلا، فكان في ترك عولهم والحالة هذه قتلا وإهلاكا لهم تأباه الفطر السوية والعقول السليمة والشرائع السماوية، وفي الحديث عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ (1)
وأما الإجماع وعدم الخلاف في وجوب عول الأبناء فقد حكاه جماعة من العلماء، منهم المحقق الخليلي أحمد بن حمد - يحفظه الله ويرعاه، وعلى ذلك سار المجتمع الإسلامي في عصوره المختلفة ولم يختلفوا فيه قولا وعملا .. (2).
فصل في مِقْدَارِ النَّفَقَةِ الوَاجِبَةِ
(2)
لا يمكن أن تحدد النفقة الواجبة للأبناء بقدر معين من المال لاختلاف أسعار
السوق التي تزيد وتنقص من يوم لآخر، ولاختلاف متطلبات الحياة الضرورية من عصر لآخر أيضا ..
هي
وإنما يمكن أن يقال في مقدار النفقة الواجبة هنا أنها كل ما يحتاج إليه الابن من طعام يسد جوعته وكسوة تستر عورته ومسكن يقضي فيه حوائجه، وما يمكن أن يحتاج إليه من نفقة رضاع وحضانة وكل ما يحتاج إليه الابن مما يندرج ضمن ضرورات الحياة المعاصرة كنفقات العلاج والتعليم. وفي هذا يقول سماحة المفتي - أبقاه الله -: "والنفقة تختلف في المقدار باختلاف البيئة، ومتطلبات الإنفاق فيها (3).
- أبو داود، باب: في صلة الرحم، رقم الحديث 1442.
(2) - يُنظر:
(3) - يُنظر:
الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ" حلقة 3 جمادى الثانية 1426 هـ، يوافقه 2005/ 7/10 م.
الخليلي، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقةُ: 27 محرم 1427 هـ، يوافقه 2006/ 2/26 م.
ابن المنذر الإجماع ص 42.
الخليلي، فتاوى النكاح ص 229. (1/501)
صفحة 502
502
المعتصم في فقه الم
المعلمين
فصل في السِّنِّ الَّذِي تَجِبُ إِلَيْهِ النَّفَقَةُ
تجب النفقة للأبناء ذكورا وإناثا من قبل الميلاد عندما أوجب الإنفاق على
أمهاتهم الحوامل بهم ولو كن مطلقات؛ كما قال تعالى: {وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا
عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَأْتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ما الطلاق: 6، وأما انتهاء نفقة الأبناء على الآباء فتختلف من ذكر وأنثى حسب الآتي:
أ-
الذَّكَرُ: تجب له النفقة حتى البلوغ، فإن بلغ وكان قادرا على العمل وجب عليه أن يعمل وينفق على نفسه بنفسه، إلا إن كان مشغولا بأمر لا محيص عنه كطلب العلم.
الأُنثَى: تجب لها النفقة ولا تنتهي بالبلوغ وإنما تمتد حتى الزواج، ولا يجب عليها شرعا أن تعمل لتنفق على نفسها؛ فالمرأة في الإسلام
مكفولة من المهد إلى اللحد (1)
الخليلي، المرأة تسأل والمفتي يجيب ج 2 ص 186.
الخليلي، في الخطبة والزواج. " محاضرة مطبوعة"، لدى الكاتب نسخة منها ص 11. الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، حلقةُ: 26 رمضان 1429 هـ، يوافقه 2008/ 9/27 م.
(1) - ينظر: الخليلي، فتاوى النكاح ص 108.
الخليلِيُّ، برنامج: "سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ"، حلقه: 16 شعبان 1424 هـ، يوافقه 2003/ 10/12 م. (1/502)
صفحة 503
ي
المعتصم في فقه النكاح
503
الحَقُّ الخَامِسُ حُسَنُ التَّرْبِيَةِ:
ما ورَّث الآباء أبناءهم خيرا لهم من أدب حسن وتربية صالحة، فإن عاشوا كانوا لهم نعم الأبناء في البر والإحسان إلى الآباء، فسدوا خلتهم، وتضوا حاجتهم، وقاموا
بشانهم، وإن ماتوا قاموا لهم بحسن الاستغفار والدعاء، وجميل الصداقة والعطاء.
وحسن التربية والتزكية يسبق التعليم والمعرفة كما جاء بذلك الخطاب الإلهي في اكثر من موضع عند ذكر الامتنان بالمربي الأول محمد بن عبد الله كما في قول الله الى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ
ايَتِهِ، وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي
(164)
ضَلَالٍ مُّبِينٍ (ال عمران: 164.
ويبدأ حسن تربية الأب لابنه من اختياره للأم الصالحة له، ثم انتقاء الاسم الحسن له، وتسميته به في اليوم الأول أو السابع، ثم النسيكة في اليوم السابع، وحلق شعره، ثم التعاون على تنشئته على الخلق الكريم والأدب الرفيع والصدق في القول، وتعليمه يهمه من أمور دينه ودنياه وتحفيظه ما استيسر من كتاب ربه وسنة نبيه، وتزويجه إن كان الأب موسرا وقادرا على التزويج ورحم الله أبا أعان ولده على
ما
بره .. (1)
(1) - يُنظر:
الخليلي، بيع النساء. "مادة سمعية، إنتاج مكتبة وتسجيلات مشارق الأنوار.
الخليلي، التغلب على مشاكل الزواج ص 5 - 6.
السالمي، تلقين الصبيان ص 68.
الجيطالي، قواعد الإسلام ج 2 ص 207 - 208. (1/503)
صفحة 504
المعلم
2626
504
وبالجملة فإن باب التربية الحسنة باب عريض واسع له كتبه المتخصصة التي يُرجع إليها، ولا يمكن أن نحيط بشيء من تفاصيلها في هذا الموضع؛ لأنها تحتاج إلى لها هذه العجالة، وبالله التوفيق لحسن الختام.
إطالة لا تتسع
خَاتِمَةٌ
فِي ذِكْرِ حُقُوقِ الْأَوْلَادِ
يقول الشيخ الفقيه الأديب أبو محمد السالمي الله في مدارجه:
أبوهم خالا لهم مختارا
وأن يعوله إلى أن يدركا تأدب في خلق مستحسن عليه مع عد إذا العدُّ حُسبْ (1)
***
***
***
***
والحق للأولاد أن يختارا
وأن يُسمّيهم باسم من زكا
وأن يؤدبه بأخن
وأن يعلمنه ما سيجب
- السالمي، عبد الله بن حميد. مدارج الكمال ص 91 - 92.
(1) (1/504)
صفحة 505
المعتي
505
كَانَ الفَرَاغُ
تسويد آخر مَسَائِلِ هَذَا الكِتَابِ فِي غُرَّةَ صَفر لعَامِ 1433 مِنْ هِجْرَةِ النَّبيِّ المُصْطَفَى أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الكَرِيمِ، وَأَنْ يَنفَعَ بِهِ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ، مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالزَّوْجَاتِ، وَالآبَاءِ وَالأَبْنَاءِ، وأنْ يَكُونَ شَفِيعًا لَكَاتِبِهِ يَومَ الدِّينِ، مُتَضَرِّعًا إِلَيهِ وَ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ أَنْ يَكُونَ مِنَ العَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي يَحِبُّهُ اللَّهَ وَكَ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ وَأَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُكْتَبُ لَهُ القَبُولُ فِي الْأَرْضِ، كَمَا أُكَرِّرُ تَضَرُّعِيْ بِقَولِ شَيْخِنَا الْإِمَامِ
السالمي عم الله:
والله بالقبول فيها يَقْضِي وَمِنْهُ أَرْجُو أَنْ يَعْمُ تَفْعُهَا
***
***
أَرَاهَا فِي غَدٍ مِنْ قَرْضِي كُلِّ الوَرَى وَأَنْ يَتِمَّ صُنعُها
أبو أحمد المعولي
تم الجزء الرابع بحمد الله ويليه الجزء الخامس -بإذن الله تعالى
غرة صفر لعام 1433 هـ (1/505)
صفحة 506
506
في فقة النّـ المعتصم في
قَائِمَةُ المَرَاجِعِ وَالمُصَادِرِ
أولاً: القرآن الكريم.
المعتصم
ثانيًا: كتب السنة النبوية.
ثالثًا: مَرَاجِعُ الشَّيْخ الخليلي -حفظه الله -:
1. الخَليْلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد -حفظه هـ - لقاء المؤلف بسماحة الشيخ في زيارة له لولاية وادي المعاول بمناسبة افتتاح جامع الشيخ سيف بن راشد المعولي
بتاريخ 16 ذو القعدة 1432 هـ، الموافق له 14 أكتوبر 2011 م.
2. الخَليْلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمد -حفظه هـ -. لقاء مُسَجَّل للكاتب بسماحة المفتي بمكتب سماحته، ضحوة السبت، بتاريخ 14 من المحرم 1433 هـ، الموافق:
الخَليْلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد -حفظه هـ -. احذر يا طالب العلم. "مادة سمعية"، إنتاج: مكتبة وتسجيلات غاية المراد.
4 الخَليْلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمد -حفظه هـ -. أخطاء شائعة في اللغة العربية "مادة سمعية"، إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية. موقع واحة الإيمان
الرابط:
http://www.waleman.com/modules.php?name=Downloads&d op=vi
>b> اللغة_العربية b= أخطاء_شائعة_في_< ewdownloaddetails&lid=967&ttitle (1/506)
صفحة 507
ات والمعتدى في فقه النكاح
507
الخَليْليُّ، أَحمدُ بنُ حَمد -حفظه هـ - إزكي ومكانتها العلمية في التاريخ. "مادة سمعية". إنتاج: تسجيلات مشارق الأنوار، موقع واحة الإيمان الرابط:
http://www.waleman.com/modules.php?name=Downloads&d_op=viewdownl
>b> إزكيو مكانتها_العلمية_في_التاريخ oaddetails&lid=331&ttitle=
6 الخليليُّ، أَحمدُ بنُ حَمد -حفظه هـ - الأساس في أحكام الحيض والنفاسِ. جمع وترتيب: حليمة بنت حمد الشقصية مكتبة الندوة العامة. ط (بدون) 2002 م.
الخَليْلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمد -حفظه هم -. أنت تسأل والمفتي يجيب / الشريط
v
الخامس. إنتاج مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية.
الخليلي، أَحمدُ بنُ حَمد -حفظه هـ -. بعض أخطاء الزواج، "مادة سمعية"،
موقع واحة الإيمان الرابط
http://www.waleman.com/modules.php?name=Downloads&d op=view
>b> بعض_أخطاء_الزواج downloaddetails&lid=892&ttitle=
9. الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمد -حفظه هـ -. بيع النساء. "مادة سمعية"، إنتاج: مكتبة وتسجيلات مشارق الأنوار، موقع واحة الإيمان الرابط:
http://www.waleman.com/modules.php?name=Downloads&d_op=view
11
>b> بيع_النساء ttitle=
الخَليْلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمَد - حفظه هـ - تحكيم الحكمين في الشقاق
بين الزوجين وزارة الأوقاف والشؤون الدينية. مكتب الإفتاء. ط 1 -
2006 م.
الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمد -حفظه هـ -. التغلب على مشاكل الزواج.
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع. (1/507)
صفحة 508
508
12
13
16
15
المعتصم 3 وفقه الن
اخَلَيْلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمد حفظه ه-. الحق الدامغ. دار الحكمة
لندن. ط 2 - 2008 م
اخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمد -حفظه ه -. حقوق الأولاد في الإسلام،
مادة سمعية"، مكتبة: مسجد جامعة السلطان قابوس.
الخَلِيْلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمدٍ -حفظه ه-. حُكْمُ البَرَاءَةِ مِنْ مُرتَكب الكبيرة وزارة الأوقاف والشؤون الدينية مكتب الإفتاء. ط 1 - 2006 م. اخَلِيْلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمد -حفظه ه -. حوار صريح في الحب، "مادة
سمعية"، إنتاج: مكتبة وتسجيلات مشارق الأنوار.
16
الخَلِيْلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد -حفظه هـ -. جواهر التفسير: أنوار من بيان
التتريل. مكتبة الاستقامة. ط 1 - 1404 هـ / 1984 م.
17
اخَلَيْلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد -حفظه ه -. دروس سماحة الشيخ في تفسير القرآن الكريم بجامع روي. مواد سمعية"، اللجنة الثقافية بمعهد العلوم
الشرعية.
18
الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمد -حفظه هـ - الزواج بين السنة والبدعة،
"محاضرة مطبوعة" لدى الكاتب نسخة منها.
19
الخَلِيْلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمد -حفظه هـ -. شرح منظومة غاية المراد.
مكتبة الجيل الواعد. ط 1، 1424 هـ / 2003 م.
الخَلِيْلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمد -حفظه هـ -. الطالب الجامعي والتحديات
المعاصرة - محاضرة بالقاعة الكبرى بجامعة السلطان قابوس ليلة الثلاثاء 4 ذو
القعدة 1432 هـ، يوافقه 4/ 10 / 2011 م. (1/508)
صفحة 509
21.
الخَلِيْلِيُّ، أَحَمدُ بنُ حَمَدٍ -حفظه ه-. فتاوى الجنائز ج 1، "مادة
سمعية"، إنتاج: مكتبة وتسجيلات مشارق الأنوار. موقع: واحة الإيمان، الرابط:
http://www.waleman.com/modules.php?name=Downloads&d_op=view
22
الجزء الأول b> الجنائز b= أحكام_< downloaddetails&lid=38&ttitle
الخليلي، أَحَمدُ بنُ حَمد -حفظه هـ -. الفتاوى الطبية. إعداد
4
وترتيب: رقية الجشمية. مكتبة الجيل الواعد. ط 1 - 1431 هـ / 2010 م.
23
الخَليْلِيُّ، أَحَمدُ بنُ حَمد -حفظه هـ - الفتاوى الكتاب الأول:
24
"العبادات". الأجيال للتسويق. ط 2 - 1421 هـ / 2002 م.
الخَلِيْلِيُّ:
أَحمدُ بنُ حَمد -حفظه هـ -. الفتاوى الكتاب الثاني: "النكاح". الأجيال للتسويق. ط 2 - 1423 هـ / 2003 م.
25
26
27
الخَليْليُّ، أَحمدُ بنُ حَمد -حفظه هـ -. الفتاوى الكتاب الثالث:
"المعاملات". الأجيال للتسويق. ط 1 - 1423 هـ / 2003 م.
28
الخَليلي، أَحمدُ بنُ حَمد -حفظه هـ -. الفتاوى الكتاب الرابع: "الأيمان والكفارات والنذور الأجيال للتسويق. ط 1 -
29
1427 هـ / 2006 م.
الخليليُّ، أَحمدُ بنُ حَمد -حفظه هـ -. فتاوى الزينة والأعراس.
مكتبة الجيل الواعد. ط 1 - 1424 هـ / 2003 م.
الخَليْليُّ، أَحمدُ بنُ حَمد -حفظه. هـ - فتوى خطية حول الزواج عن
طريق الإنترنت معتمدة من مكتب الإفتاء بتاريخ 30 شوال 1428 هـ. الخَلِيلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمد -حفظه هـ -. القيم الإسلامية ودورها في
تقديم الحلول للمشكلات البيئية العالمية / بحث مقدم إلى المؤتمر العام الخامس (1/509)
صفحة 510
510
المعلمم
المعتصم في فقه النكات است.
عشر لأكاديمية آل البيت الملكية وزارة الأوقاف والشؤون الدينية. ط 1 -
1431 هـ / 2010 م.
30. الخَليْليُّ، أَحمدُ بنُ حَمد -حفظه هـ -. محاضرة لسماحة المفتي بعنوان: " ابن بركة والبحث العلمي". قراءات في فكر ابن بركة البهلوي/ المنتدى الأدبي-
ط 1، 1422 هـ / 2001 م.
31 الخَلِيْلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمد -حفظه هم - محاضرة لسماحة المفتي بعنوان: "التأصيل الفقهي عند الإمام أبي سعيد الكدمي". قراءات في فكر أبي سعيد الكدمي المنتدى الأدبي - ط 1، 1422 هـ / 2001 م.
32 الخَلِيْلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمد -حفظه هـ - محاضرة لسماحة المفتي بعنوان: "الخليلي فقيها ومحققاً". قراءات في فكر الخليلي/ المنتدى الأدبي- ط 1،
1414 هـ / 1994 م.
33 الخَلِيْلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمدِ -حفظه هه - محاضرة لسماحة المفتي بعنوان: "الجانب الفقهي والاجتهادي في سيرة أبي نبهان". قراءات في فكر أبي نبهان المنتدى الأدبي - ط 1، 1421 هـ / 2000 م.
34 الخَلِيْلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمد - حفظه ه -. محاضرة لسماحة المفتي بعنوان: "مكانة الشيخ العلامة الشقصي العلمية. قراءات في فكر الشقصي/ المنتدى الأدبي - ط 1، 1424 هـ / 2003 م. 35 الخَليْلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمد -حفظه هـ - لقاءات في الفكر والدعوة مع سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي. إعداد وترتيب فهد بن علي السعدي.
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية. 1432 هـ / 2011 م. (1/510)
صفحة 511
36
37
الخَليْلِيُّ، أَحَمدُ بنُ حَمَدٍ -حفظه هـ - المرأة تسأل والمفتي يُجيب. جمع وترتيب: بدرية بنت حمد الشقصية. مكتبة الجيل الواعد. ط 2 -
1431 هـ / 2010 م.
الخَليْلِيُّ، أَحمدُ بنُ حَمد -حفظه هـ -. مكانة إزكي التاريخية "مادة
سمعية" إنتاج: مكتبة وتسجيلات مشارق الأنوار، موقع واحة الإيمان/ الرابط:
http://www.waleman.com/modules.php?name=Downloads&d_op=view
38
>_ ومكانتها_العلمية_في_التاريخ b> إزكي downloaddetails&lid=331&ttitle=
الخَليلَيُّ، أَحمدُ بنُ حَمد -حفظه هـ -. الملل الست وأحكامها
سلسلة دروس العقيدة (درس رقم (46)، "مادة سمعية مكتبة مسجد جامعة السلطان قابوس.
39
2.
الخَلِيْلِيُّ، أَحمدُ بنُ حمد -حفظه هـ -. وحي المنابر. مكتبة الجيل الواعد. ط 1 - 1426 هـ / 2005 م.
الخَليْليُّ، أَحمدُ بنُ حَمد -حفظه هـ -. وقفات حول الزواج المعاصر.
"مادة سمعية"، إنتاج: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية، موقع نور
الاستقامة الرابط:
http://noor-alestiqamah.com/vb/t 2053.html
E 1
الخليلي،
أحمد
بن
حمد -حفظه ه -. وسقط القناع. مكتبة
42
الضامري للنشر والتوزيع ط 1 - 1418 هـ / 1998 م.
الخَليلَيُّ، أَحمدُ بنُ حمد -حفظه هـ -. الوطء المحرم وأثره في نشر
حرمة النكاح. وزارة الأوقاف والشؤون الدينية/ مكتب الإفتاء. ط 2 -
1429 هـ / 2008 م. (1/511)
صفحة 512
Maisal
المعتصم في فقه ال
512
ثالثًا: مَرَاجِعُ الشَّيْخ القَنُّوبِي حَفَظَهُ الله -:
43. القتُوْبِي، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك -حفظه هم - جلسة المراجعة بمنزل فضيلته (1) - ليلة الأربعاء 28 ذو القعدة 1432 هـ، الموافق 26/ 10/
2011 م.
44. القتُوْبِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك -حفظه هـ -. جلسة المراجعة بمنزل فضيلته (2) - ليلة الأربعاء 6 ذو الحجة 1432 هـ، الموافق 11/ 2/
2011 م.
45. القنُوْنِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبرُوك -حفظه هـ -. الإمام الربيع بن حبيب: مكانته ومسنده. مكتبة الضامري. ط 1، 1416 هـ 1995 م.
46 القَنُّوْبِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبرُوك -حفظه هر - بحوث ورسائل وفتاوى القسم
الأول.
47. القتُوْبِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك -حفظه هـ -. بحوث ورسائل وفتاوى القسم
الثاني.
48 القُنُّوْبِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبرُوك -حفظه هـ -. بحوث ورسائل وفتاوى القسم
الثالث.
49. القتُوْبِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبرُوك -حفظه هـ -. بحوث ورسائل وفتاوى- القسم
الرابع. (1/512)
صفحة 513
المعتصم
ذا المعتدي المعتصم في فقه النكاح
513
ه القنوبِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك - حفظه ه -. بحوث ورسائل وفتاوى- القسم
الخامس.
51 القويُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك -حفظه هه -. تحفَةُ الأَبْرَارِ فِي الأَذْكَارِ الوَاردَة ط في كتاب الله وسُنَّة نبيه المختار. 2، 1427 هـ. المطابع العالمية. أو موقع واحة الإيمان الرابط:
http://www.waleman.com/modules.php?name=Downloads&d_op=view
downloaddetails&lid=24&ttitle=
52. القنوبِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبرُوك -حفظه هـ - جلسة إفتاء (1) بسكن معهد
العلوم الشرعية.
53. القتُوْبِي سَعِيدُ بنُ مَبرُوك -حفظه. هـ - جلسة إفتاء (2) بسكن معهد
العلوم الشرعية، بتاريخ: 3/ 5/ 2010 م.
54 القَنُّوْيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبرُوك -حفظه هـ - جلسة إفتاء، بولاية المصنعة، بتاريخ: 17/ 5 / 2003 م.
55.
القنونِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبرُوك -حفظه هـ -. جلسة إفتاء، "مادة سمعية"، إنتاج:
مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية - 2002 م.
56. القنونِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك -حفظه هـ -. جلسة إفتاء (2)، "مادة سمعية"،
إنتاج مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية، أو موقع واحة الإيمان الرابط:
http://www.waleman.com/modules.php?name=Downloads&d op=vi
= جلسة_إفتاء_الجزء_الثاني ewdownloaddetails&lid=351&ttitle (1/513)
صفحة 514
514
المعتصم
AA
حقه التي
57. القُنُوْيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك -حفظه ه-. "جواب مطول مطبوع ومتداول" لدى الكاتب نسخة منه.
01
59
القنوبِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوكِ - حفظه ه-. حكم الإفرازات الخارجة
من قبل المرأة فتوى خطية معتمدة بحوزة الكاتب نسخة منها).
القتُوْيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبرُوكٍ - حفظه هـ - دروس وفتاوى في الحج
والعمرة. ملف إلكتروني غير منشور " مواصفات الملف عدد الصفحات:
335، نوع
الخط: Arial، حجم
الخط: 18
60. القتُوْيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوكٍ -حفظه هـ -. الرأي المعتبر في حكم صلاة السفر. 141935 هـ.
61. القتُوْنِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوكٍ -حفظه هـ -. السيف الحاد في الرد على من أخذ بحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد. ط 3، 1418 هـ.
62. القتُوْبِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك -حفظه هـ -. شرح منظومة مدارج الكمال "مادة سمعية"، اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية، أو مكتبة مسجد جامعة
السلطان قابوس
63. . القتُوْبُيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوكٍ -حفظه هـ -. الطوفان الجارف لكتائب البغي
والعدوان. ط 1 - 1420 هـ / 2000 م.
64 القنُوْيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبرُوكِ -حفظه هـ - قرة العينين في صلاة الجمعة
بخطبتين. ط 1 - 1417 هـ /1996 م. (1/514)
صفحة 515
المعلم
المعلم في فقه النكاح
515
65. القنوْيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك -حفظه هـ - فتاوى إمام السنّة والأصول،
أجوبة مطبوعة معظمها مفرَّغة من أشرطة، وبعضها بخط الشيخ نفسه. 66. القنوبي، سعيدُ بنُ مَبرُوك -حفظه هـ -. "فتاوى سناو 1"، مادة سمعية، اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية، أو مكتبة مسجد جامعة السلطان
قابوس.
67 الفنونِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك -حفظه هـ - فتاوى فضيلة الشيخ سعيد ملف وورد (Word) متداول معظم مادته العلمية من برنامج: سؤال
القنوبي،
أهل الذكر.
68. القَنُّوْبِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك -حفظه هـ -. فتاوى على أسئلة من الشرق
الإفريقي. أجوبة مطبوعة ومتداولة.
1
69. القتُويُّ، سَعِيدُ بنُ مَبرُوك -حفظه هـ -. سلسلة في ظلال السنة: فتاوى ج 1 "مادة سمعية"، إنتاج: تسجيلات مشارق الأنوار، أو موقع واحة الإيمان
الرابط:
http://www.waleman.corn/modules.php?name=Downloads&d op=vi
>b> القنوبي b= فتاوى_< ewdownloaddetails&lid=41&ttitle
70 القَنُّوْبِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبْرُوك -حفظه هـ -. "فتاوى ج 4 " بمعهد القضاء الشرعي (سابقا). "مادة سمعية اللجنة الثقافية بمعهد العلوم الشرعية، أو
مكتبة مسجد جامعة السلطان قابوس.
71. القتُوْفِيُّ، سَعِيدُ بنُ مَبرُوك -حفظه هـ -. مذكرة خاصة للدروس الصيفية: 2000 م / 1421 هـ - 2004 م/1425 هـ. (1/515)
صفحة 516
516
ا معتصب في فقه الف
النك
المعلمين
رابعا: المراجع الأخرى:
72
73
VE
أرشوم، مصطفى بن حمو النكاح صحة وفسادا وآثارا في المذهب
الإباضي مقارنة بالمذاهب الإسلامية والقوانين الوضعية طبع بمطابع النهضة.
1 - 1422 هـ / 2002 م.
اطفيش "قطب الأئمة" محمد بن يوسف تيسير
التفسير. وزارة التراث القومي والثقافة. ط (بدون) - 1407 هـ / 1987 م. المطبعة الشرقية ومكتبتها. ط 1 - 1425 هـ / 2004 م.
اطفيش "قطب الأئمة" محمد بن يوسف. شرح كتاب النيل وشفاء
العليل. مكتبة الإرشاد جُدَّةَ. ط 3، 1405 هـ / 1985 م.
Vo
VT
اطفيش، "قطب الأئمة" محمد بن يوسف. هميان الزاد إلى دار
المعاد، وزارة التراث القومي والثقافة، 1406 هـ / 1986 م.
الباجي، أبو الوليد المنتقى شرح موطأ الإمام مالك. دار الفكر
العربي. ط 1 - 1332 هـ.
77
بحاز، إبراهيم بن بكير. معجم أعلام الإباضية قسم المغرب العربي. دار الغرب الإسلامي. ط 1 - 1420 هـ / 1999 م.
78
ابن بركة، عبد الله بن محمد جامع ابن بركة. تحقيق: عيسى الباروني. وزارة التراث القومي والثقافة. (1/516)
صفحة 517
79
البطاشي، سيف بن حمود. إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء
عمان. مكتبة المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية. ط 2 -
1425 هـ / 2004 م.
A.
البهلاني، ناصر بن سالم ديوان أبي مسلم. وزارة التراث القومي
والثقافة، 1407 هـ / 1987 م.
A 1
البراشدي، صالح بن خلفان. التفكك الأسري وأثره في النحرافات
الشباب. وزارة الأوقاف والشؤون الدينية.
82
بيوض، إبراهيم بن عمر. فتاوى الإمام الشيخ بيوض مكتبة أبي
الشعثاء ط 2 - 1411 هـ 1990 م.
83
التيواجني، مهني عمر ود عزيز عبد الكريم. فقه الأسرة وزارة
الأوقاف والشؤون الدينية. ط (بدون) - 1419 هـ / 1998 م.
AE
الثعالبي، عبد الملك بن محمد ثمار القلوب في المضاف والمنسوب.
المكتبة العصرية. ط 1 - 1424 هـ / 003
85
الحارثي، سعيد بن حمد. نتائج الأقوال من معارج الآمال. مكتبة
الضامري للنشر والتوزيع ط (بدون).
47
87
88
ابن حجر، أحمد بن علي. فتح الباري شرح صحيح البخاري. ابن حزم علي بن أحمد طوق الحمامة في الألفة والألاف المكتبة العصرية. ط (بدون) - 1424 هـ / 2003 م.
الحراصي، سلطان بن محمد. تأملات حول الفحص الطبي قبل
الزواج. وزارة الأوقاف والشؤون الدينية. ط 1 - 1423 هـ / 2003 م. (1/517)
صفحة 518
الحضرمي، إبراهيم بن قيس. ديوان الإمام الحضرمي
سيف
النقاد). تحقيق: الدكتور بدر بن هلال اليحمدي. 1423 هـ / 2002 م. الخروصي كهلان بن نبهان إجابة على أسئلة شفهية. الأحد 10
ذو الحجة 1432 هـ، يوافقه 6/ 11 / 2011 م.
الخطيب وآخرون، نظام الأسرة في الإسلام. مكتبة الفلاح
الكويت. ط 2 - 1406 هـ 1986 م.
ابن خلفون، أبو يعقوب يوسف بن خلفون. أجوبة ابن خلفون. تحقيق د. عمرو خليفة النامي. دار الفتح للطباعة والنشر - بيروت. ط 1 - 1394 هـ / 1974 م.
ابن خلكان أحمد بن محمد وفيات الأعيان دار صادر طبدون).
الخليلي، الإمام محمد بن عبد الله - رحمه الله-. الفتح الجليل من أجوبة الإمام أبي خليل المطبعة العمومية بدمشق. 1385 هـ / 1965 م. الخليلية خالصة بنت أحمد ماذا أعددت لليلة الزفاف. مكتبة
الصحوة للإنتاج والتوزيع ط 1 - 1432 هـ / 2011 م.
والتوزيع. ط 1 - 1432 هـ / 2011 م.
الخليلية خالصة بنت أحمد من فقه الجمال. مكتبة الصحوة للإنتاج
الجناوني، يحيى بن الخير بن أبي الخير كتاب النكاح معهد العلوم
الشرعية. تعليق الشيخ علي يحيى معمر ط (بدون).
الجناوني، يحيى بن الخير بن أبي الخير، كتاب الوضع. مكتبة
الاستقامة. ط 6.
89
90
91
92
93
94
95
96
97
98 (1/518)
صفحة 519
99
أحمد بن
100
الجهضمي، زايد بن سليمان من معالم الفكر التربوي عند الشيخ
حمد الخليلي ج 1. ط 2 - 1424 هـ 2003 م.
الجيطالي، إسماعيل بن موسى قواعد الإسلام. مكتبة الاستقامة.
3 - 1416 هـ 1995 م.
101
الدرجيني، أحمد بن سعيد. طبقات المشايخ بالمغرب. تحقيق إبراهيم
طلاي. الناشر: المحقق. ط (بدون).
102
درويش، أ. د أحمد والقصابي خليفة بن أحمد الأدب والنصوص: منهج الصف الثاني الثانوي بمعاهد العلوم الإسلامية. ط 1 -
103
1419 هـ / 1998 م.
الراشدي، جابر بن سعيد. معوقات الزواج. "مادة سمعية". موقع:
واحة الإيمان الرابط:
http://www.waleman.com/modules.php?name=Downloads&d_op=view
104
105
>b> معوقات_الزواج b= خطبة_< downloaddetails&lid=1872&ttitle
الزركلي، خير الدين. الأعلام. دار العلم للملايين. ط 6 - 1984 م.
أبو زهرة، محمد الأحوال الشخصية. دار الفكر العربي. ط 3 -
1377 هـ / 1908 م.
106
السالمي عبد هم بن حميد إيضاح البيان في أحكام نكاح الصبيان.
مكتبة الإمام نور الدين السالمي. ط (بدون) - 1995 م.
1. V
السالمي عبد هم بن حميد بهجة الأنوار. مكتبة الاستقامة. ط 2 -
1411 هـ / 1991 م. (1/519)
صفحة 520
108
السالمي عبد هم بن حميد تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان. مكتبة
الاستقامة 1417 هـ / 1997 م.
109
السالمي، عبد هم بن حميد. تلقين الصبيان. مكتبة الضامري.
ط 15 - 1421 هـ / 2001
110
السالمي، عبد هم بن حميد. جوابات الإمام السالمي. مكتبة الإمام
111
السالمي، ط 2 - 1419 هـ / 1999 م.
السالمي عبد همه بن حميد. جوهرُ النّظام. مكتبة الإمام السالمي،
12 - 1413 هـ / 1993 م.
112 السَّالِمِيُّ، عبد هم بن حميد. شرح الجامع الصحيح. المطابع الذهبية،
113
1993 م.
السَّالميُّ، عبد همـ بن حميد. طلعة الشمس: شرح شمس الأصول.
سلطنة عمان - مكتبة الإمام نور الدين السالمي، ط 1 - 1429 هـ / 2008 م. 114 السَّالِمِيُّ، عبد هم بن حميد العقد الثمين نماذج من فتاوى نور
الدين. مكتبة الضامري للنشر والتوزيع. ط 1 - 1413 هـ / 1993 م. السالمي عبد هر بن حميد. كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة.
115
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع. ط 2.
117
117
السالمي عبد همـ بن حميد. مشارق أنوار العقول. دار الحكمة.
ط 1 - 1416 هـ 1995 م.
السالمي، عبد هم بن حميد. معارج الآمال على مدارج الكمال. مكتبة الإمام نور الدين السالمي، ط 2 - 1431 هـ / 2010 م. (1/520)
صفحة 521
118
السالمي، عبد هم بن حميد. منظومتا أنوار العقول، وكشف الحقيقة
لمن جهل الطريقة. مكتبة الضامري للنشر والتوزيع. ط 2 - 1411 هـ
1991 م.
119
السالمي، عبد هم بن حميد. مفتاح السعادة إلى صحيح العبادة/ منظومة كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة. مكتبة الإمام نور الدين السالمي.
ط 1 - 2003 م.
120
121
السباعي مصطفى. المرأة بين الفقه والقانون. دار الوراق للنشر
والتوزيع. 7 - 1420 هـ / 1999 م.
122
السعدي، فهد بن علي. حاشية على مسند الإمام الربيع. مكتبة
الأنفال. ط 1 - 1427 هـ / 2006 م.
السيابي، خلفان بن جميل. الأسئلة والأجوبة النثرية، تعليق بكلي عبد الرحمن بن عمر (نسخة إلكترونية بالمكتبة الشاملة).
123
1985 م.
124
125
السيد سابق، فقه السنة. دار الكتاب العربي، ط 7 - 1405 هـ
السيابي، خلفان بن جميل. سلك الدور الحاوي غرر الأثر. وزارة
التراث القومي والثقافة ط (بدون) - 1401 هـ / 1981 م. الشافعي، محمد بن إدريس ديوان الإمام الشافعي دار ومكتبة
الهلال بيروت. ط 1 - 2003.
126
127
الشقصي، خميس بن سعيد. منهج الطالبين وبلاغ الراغبين وزارة
التراث القومي والثقافة طبدون) - 1401 هـ / 1981 م. الشماخي، عامر بن علي الإيضاح مكتبة مسقط، طه -
1425 هـ / 2004 م. (1/521)
صفحة 522
السعيد، صلاح الدين محمود. حكم الموسيقى والغناء. دار الغد
128
الجديد. ط 1 - 1427 هـ / 2006 م.
129
الصوافي، إبراهيم بن ناصر كل ما يهمك عن رمضان. "مادة سمعية
مطبوعة". إصدار: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية.
130
131
صيد الفوائد، موقع إلكتروني:
http://www.saaid.net/Warathah/Alkharashy/m/74.htm
عبد الظاهر أحمد الأسرار الخفية للمعاشرة الزوجية مكتبة
الصحابة. ط 1 - 1425 هـ / 2004 م.
132
العبري، خميس بن راشد شفاء القلوب من داء الكروب. مكتبة
المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية. ط 1 -
1431 هـ / 2010 م
133
العبري، سعيد بن عبد الله. فقه الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي
كريمة. رسالة جامعية مقدمة لاستكمال درجة الماجستير في الفقه وأصوله بكلية الدراسات العليا في الجامعة الأردنية. 1411 هـ / 1991 م.
134
العجلوني، كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث
على ألسنة الناس.
135
ابن عقيل، شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك. مكتبة دار التراث.
1420 هـ / 1999 م.
136
الغندور، أحمد الأحوال الشخصية في التشريع الإسلامي، مع بيان
قانون الأحوال الشخصية للقضاء في محاكم الكويت مكتبة الفلاح للنشر والتوزيع.
ط 4 - 1422 هـ / 2001 م. (1/522)
صفحة 523
137
علوان، عبد الله ناصح تربية الأولاد في الإسلام. دار السلام
للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة. ط 31 - 1418 هـ / 1997 م.
138
العلوي، سالم بن حمد. من فقه الزواج. مكتب الإفتاء ط 1 -
1431 هـ / 2010 م.
139
الغاربي محمد بن راشد وآخرون. أشعة
ط 1 - 1414 هـ / 1994 م.
12.
الغاربي،
من
الفقه الإسلامي ج 2.
محمد بن راشد برنامج سؤال أهل الذكر " - تلفزيون
سلطنة عمان حلقة 24 رجب 1424 هـ، يوافقه 21/ 03/9
141
الغاربي، محمد بن راشد. "جلسة إفتاء" بتاريخ: 13 شعبان 1423 هـ لدى الكاتب نسخة منها).
142
الكندي، إبراهيم بن أحمد مشكلات الزواج في العصر الحديث. دار البيان للنشر والتوزيع. ط (بدون).
143 المحروقي، درويش بن جمعة. الدلائل في اللوازم والوسائل مكتبة الضامري للنشر والتوزيع. ط 1 - 1425 هـ / 2004 م.
144
المعالم للإعلام والنشر المملكة المتحدة. مجلة المعالم العدد العاشر والحادي عشر
145
المعمري، عبد الله بن سعيد. من فقه الصيام (ج 1، 2، 3. "مادة سمعية"، إنتاج: مكتبة وتسجيلات مشارق الأنوار.
167
المعمري، عبد الله بن سعيد. الاجتهاد والتقليد، "سلسلة دروس صوتية"، إنتاج مكتبة الطلائع.
147
المعمري، محمد بن سعيد سلسلة: هكذا أدبني ربي "مادة سمعية"، الشريط الرابع/ آداب السفر والرحلة إنتاج تسجيلات مشارق الأنوار. (1/523)
صفحة 524
524
المعتصم في فقه الثـ في فقه النكا
المعلمين
148
المعولي، المعتصم بن سعيد المعتمد في فقه الصلاة، ط 1 -
ط 4 - صفر
1430 هـ / 2009 م. ط 2 - رجب 1430 هـ يوليو 2009 م. ط 4 - /
1431 هـ / فبراير 2010 م.
149
المعولي، المعتصم بن سعيد المعتمد في فقه الكَفَّارَات. 15 -
1430 هـ / 2009 م. ط. 2 - 1431 هـ / 2010 م.
150
المعولي المعتصم بن سعيد. المختصر المفيد في الكفارات. جامعة السلطان قابوس ط 2، 1429 هـ / 2008 م.
151
الميداني، أحمد محمد مجمع الأمثال المكتبة العصرية. طبدون) بن
1424 هـ / 2003 م.
152
طه - الندوي، أحمد بن علي القواعد الفقهية دار القلم - دمشق. 1420 هـ / 2000 م.
153
النووي، يحيى بن شرف المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج.
154
النيسابوري، ابن المنذر. الإجماع. دار الكتب العلمية. ط 1 -
مؤسسة المختار للنشر والتوزيع. ط 1 - 2001 م.
1421 هـ / 2001 م.
155
الهاشمي، أحمد بن إبراهيم. جواهر الأدب. مؤسسة التاريخ العربي. ط 1 - 1419 هـ / 1999 م.
الهبدان، محمد بن عبد الله. ظلم المرأة. دار المحدث للنشر والتوزيع. ط - ذو القعدة 1425 هـ.
157
الهنائي زاهر بن محمد. رسالة بعنوان: "زواج أم زواج"، مطبوعة لدى الكاتب نسخة منها. (1/524)
صفحة 525
الدة بالمعتصم في فقه النكاح
في سن المحتويات
525
تقديم المقدمة
1. عَالِمُ العَصْرِ.
2. سماحةُ الشَّيخِ الخَليلي - حفظه اللهُ في سُطُورٍ:.3. فَضِيلَةُ الشَّيْخِ القَنُّوبِيِّ - حَفِظَهُ اللهُ فِي سُطُورٍ:
المعتمد في فقه النِّكَاح.
1. البَابُ الأَوَّلُ: فِي النِّكَاحِ
2. البَابُ الثَّاني: في أُسسِ اخْتِيَارِ شَرِيْكَ الحَيَاةِ.
3. البَابُ الثَّالِثُ فِي الخِطْبَةِ
4
11
18 .......
IV .....
19
37
71
4 الْبَابُ الرَّابِعُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ عَلَى التَّأْبِيْدِ النَّسَبُ الْمُصَاهَرَةُ، الرَّضَاعُ) 105
5. الْبَابُ الخَامِسُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ عَلَى التَّأْبِيْدِ (الزِّنَى، اللْعَانُ)
6 الْبَابُ السَّادِسُ: فِي الْمُحَرَّمَاتِ عَلَى التَّوْقِيْتِ.
7. البَابُ السَّابِعُ فِي شُرُوطِ عَقْدِ النِّكَاحِ (الرِّضَا، والوَلِيُّ)
150
195
231
البَابُ الثَّامِنُ: فِي شُرُوطِ عَقْدِ النِّكَاحِ الصَّدَاقُ، وَالبَيِّنَةُ ........... 257
الْبَابُ النَّاسِعُ فِي أَرْكَانِ عَقْدِ النِّكَاحِ، ومُتَمِّمَاتِهِ (1/525)
صفحة 526
526
المعتصم في فقه النكاح الية
10. الْبَابُ العَاشِرُ: فِي الزِّفَافِ
11. البَابُ الحَادِيَ عَشَرَ فِي بَعْضِ الأَنْكِحَةِ غَيرِ الْمَشْرُوعَةِ.
3140
34400
369
...
12. الْبَابُ الثَّانِيَ عَشَرَ فِي الحُقُوقِ الْمُشْتَرَكَةِ بَينَ الزَّوْجَينِ ......
12
13. الْبَابُ الثَّالِثَ عَشَرَ فِي حُقُوقِ الزَّوْجِ عَلَى الزَّوْجَةِ.
14. الْبَابُ الرَّابِعَ عَشَرَ فِي حُقُوقِ الزَّوْجَةِ عَلَى الزَّوْحِ
15. البَابُ الخَامِسَ عَشَرَ فِي حُقُوقِ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ
قَائِمَةُ المُرَاجِعِ وَالمُصَادِرِ
415
443
467
0.7 ....... (1/526)
صفحة 527
المعتمد
في فقه النكاح
خصم خاص
للوقف، والتوزيع الخيري، والأفراح الجماعية
99779938
عمرين
المعتمد
فرفقت الصلاة
قالوا عن الكتاب كتاب حَسَن رَائِقٌ، نَفَعَ اللهُ تَعَالى
به، وجزاك الله تَبَارَكَ وَتَعالى خَيرًا". الشيخ العلامة القنوبي
بَارَكَ اللَّهُ فِي عَلْمكَ وَعَمَلَكَ، وَنَفَعَ به الإِسْلامَ وَالْمُسْلِمِينَ، فَمَا زَلْتَ تُثلج صدورنا بالجديد في المجال الفقهي
بأسلوب جديد وَطَرْحِ إِبْدَاعِي مفيد
د. بدر بن هلال اليحمدي
فَأَعْجَبَنِي الكتابُ أَيمَا إِعْجَاب
ن عمر الخليلي و سميري بيرون بحسن ترتيبه وَتَبويْهِ وَسَلامَةً أسلوبه، حتى خرج رصينا متجانسا
المعتمد
احمرين عراقيني و سيرين بيرون الكناني
الكَثِير مِنَ المَسَائِلِ الَّتِي يُحْتَاجُ إِلَيْهَا گرين محمد اميني
المعتمر
الم وصال
2063
الطَّالبُ وَالفَقيه.
ك مبارك بن عبد الله الراشدي (1/527)