صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الفقه - فقه
------------------------------------------
العنوان: النكاح صحة وفسادا وآثارا في المذهب الإباضي مقارنة بالمذاهب الإسلامية والقوانين الوضعية
المؤلف: مصطفى بن حمو أرشوم
إشراف: الهادي أحمد الهادي
تقديم: أحمد بن حمد الخليلي
كلمة: محمد الشيخ بلحاج
الناشر: المؤلف
مكان النشر: غرداية - الجزائر
تاريخ النشر: 1422ه/ 2002م
الطبعة: 1
أصله: رسالة ماجستير
الإيداع القانوني: 2001/19
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=1488&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/651
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 03 ذو الحجة 1446ه/ 30 - شهر 05 - 2025م. النكاح
صحة وفساداً وآثاراً في المذهب الإباضي
مقارنة بالمذاهب الإسلامية والقوانين الوضعية
تأليف
أ. مصطفى بن حمو أرشوم
تقديم سماحة الشيخ
أحمد بن حمد الخليلي
بإشراف أ. د/ الهادي أحمد الهادي
أستاذ الفقه المقارن بمعهد العلوم الشرعية
الطبعة الأولى 1422 ه/ 2002 م (1/1)
صفحة 2
[صفحة فارغة] (1/2)
صفحة 3
النكاح
صحة وفساداً وآثاراً في المذهب الإباضي
مقارنة بالمذاهب الإسلامية والقوانين الوضعية
تأليف
أ. مصطفى بن حمو أرشوم
تقديم سماحة الشيخ
أحمد بن حمد الخليلي
مفتي عام سلطنة عُمان
تمت مراجعته وتنقيحه وإخراجه
بإشراف أ. د / الهادي أحمد الهادي
أستاذ الفقه المقارن بمعهد العلوم الشرعية
بسلطنة عمان
1442 هـ - 2002 م (1/3)
صفحة 4
أصل الكتاب: رسالة ماجستير في الشريعة والقانون نوقشت في جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بكلية أصول الدين والشريعة والحضارة الإسلامية، قسم الفقه وأصوله قسنطينة، الجمهورية الجزائرية في يوليو (جويله 2000) نال بها درجة الماجستير بتقدير مشرف جداً.
جميع حقوق التأليف والطبع والنشر والتوزيع
محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى 1422 هـ / 2002 م
تنفيذ وإخراج وجمع كمبيوتر / محمد بركات
طبع بمطابع النهضة بسلطنة عُمان
ت: 563104/ 563755 (1/4)
صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم (1/5)
صفحة 6
شكر وتقدير
لا شك أن كل عمل يقوم به الإنسان بإخلاص وتفان لابد أن يجني ثماره، ونحن والحمد لله وقد وفقنا إلى جني ثمرة الجهد المضني بعد أن نضجت واكتملت، وبعد أن انتظمت السطور أبوابا وفصولا لتؤلف هذا الكتاب فلا يسعنا إلا أن نذكر الفضل لأهله
برا ووفاء واعترافا بالجميل.
فهذه السطور ثمرة جهود كوكبة من الرجال المخلصين في مختلف مواقع الحياة يستوجب منا أن نرد لهم بعض صنيعهم بكلمة طيبة وبالدعاء وهو أقل القليل، فإلى كل من مد لي يد المساعدة بإعارة كتاب أو تقديم اقتراح أو توجيه أو إسداء نصح أو انتقاد بناء، أقدم لهم جزيل الشكر والثناء والعرفان، وأدعو الله لهم بالقبول والرضوان؛ وأخص بالذكر أستاذي الفاضل: د. سليمان نصر، الذي قبل الإشراف على هذا البحث مشكورا قبل أن يتعرف علي وهذا أعتبره تشجيعا منه على مواصلة البحث وإنقاذا لي من دوامة اليأس بعد أن فقدت الأمل في العثور على مشرف جديد، وكذلك أشكر أستاذي الفاضل: د. الهادي أحمد الهادي أستاذ محاضر في معهد العلوم الشرعية بسلطنة عمان فقد تابع مسيرة هذا البحث من أول لقاء جمع بيننا فكان يراعي هذا البحث بروح الأبوة الرحيمة والأستاذية الرشيدة ومنحني من توجيهاته وثقته ووقته الثمين ما هون علي متاعب الطريق وسأذكر يوما أنني حظيت بأستاذ جمع إلى العلم الجليل سعة الصدر والتواضع والخلق النبيل.
ولا يفوتنا في هذه المناسبة أن نتوجه بالشكر الجزيل والتقدير الكبير إلى فضيلة شيخنا الجليل العلامة أحمد بن حمد الخليلي - حفظه الله ورعاه – الذي تفضل مشكوراً بمراجعة هذا الكتاب وزكّاه بمقدمة قيمة زادته مكانة رفيعة، وكانت دعماً معنوياً للباحث للمضي قدماً في طريق البحث ولا ننسى كذلك أن نخص بالشكر والثناء صاحب الفضل والكرم معالي المقدم سعيد بن سالم الوهيبي - أدام الله بقاءه - على ما بذله من جهود مباركة في خدمة العلم وتشجيع أهله، ولولاه لما أبصر هذا الكتاب النور وكان له ذكر حسن عند القراء. فجزاهم الله عنا كل خير وجعل إحسانهم في ميزان حسناتهم ودخراً لهم يوم
الجزاء، إنه سميع مجيب الدعاء، والحمد لله الدعاء، والحمد لله رب العالمين. (1/6)
صفحة 7
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة سماحة
الشيخ أحمد بن حمد الخليلي - مفتي عام السلطنة -
الحمد لله حق حمده والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه
وبعد .. فإن النكاح سنة فطرية اقتضتها نواميس الحياة وعززها الوحي الإلهي، وهو منشأ الارتباط الأسري وتحصين الذرية التي تمتد بها الحياة وتعمر بها الأرض ويكون بها التواصل بين الأجيال، كما جعله الله سكنا للنفس وراحة للبال ومتعة طيبة للزوجين، لذلك أمتن الله به على عباده حيث قال "والله" جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين "وحفدة وقال ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون".
وهو كغيره من نظم الحياة ومعاملات البشر لم يرخ فيه للإنسان العنان بل قيد بضوابط شرعية وآداب أخلاقية تكريما للإنسان وتقديسا لهذه العلاقة أن تلطخ بدنس أو تشاب بكدر، ومن ثم كان كسائر المعاملات البشرية تعتريه أحكام الصحة والبطلان، فالصحيح ما استوفى أركانه وشروطه وكان في الإطار الشرعي الذي جاء به الكتاب والسنة والباطل ما كان بخلافه.
وقد عنى المسلمون على اختلاف مذاهبهم الفقهية ببحث أحكامه وتتبع جزئياتها ودقائقها، لذلك كان فقه الأسرة في الإسلام في غاية الدقة والأحكام، ومسائله منها المتفق عليه ومنها المختلف فيه، وقد سلك فيها أصحابنا - الأباضية - دروب الاحتياط وإتقاء الشبهات مراعاة لقدسية هذه الرابطة إذ ليست هي رابطة موقوتة أو مبتورة العواقب والآثار أو أمرا سطحيا طافيا على هامش الحياة وإنما هي رابطة تجمع بين مصيرين وتنتظم الأفراد والأسر وتؤلف بين القلوب والأرواح وتجمع بين الأنفس والأجساد وإن من آثارها الذرية التي هي امتداد للحياة وثمار للقلوب وأفلاذ للأكباد ولا ريب أن رابطة هذا شأنها يجب أن تصان أيما صون وتوقي كل ما من شأنه أن يزلزل بنيانها أو يوهن أساسها.
هذا وقد حرص الأستاذ الفاضل الابن الكريم مصطفى بن حمو رشوم - في أطروحته التي تقدم بها إلى جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بعنوان "الأنكحة الفاسدة في المذهب الأباضي مقارنة بالمذهب المالكي وقانون الأسرة الجزائري" لنيل درجة الماجستير. وحرص على استيفاء مباحث هذا النوع من الأنكحة لأجل توقيها وتجنيب الأسر عواقب شرورها وقد جاد - وفقه الله - في اقتناص شوادها وبحث أدلتها، فكانت رسالته هذه بحق جديرة بأن يعتني بها طلاب هذا الفن وأن يعول عليها في هذا الباب وإن مما يزيد رونقها صفاء وبهجتها نضارة ودقة أسلوبها وحسن تعبيرها. زاده الله علما ووفقه للمزيد من العطاء ونفع الله العباد بما كتب وما يكتب.
مسقط
أحمد بن حمد الخليلي
/ ربيع الأول / 1422 هـ
المعنى العلة السلطنة (1/7)
صفحة 8
بسم
الله الرحمن الرحيم
كلمة فضيلة الشيخ محمد الشيخ بلحاج عضو المجلس الإسلامي الأعلى
بالجمهورية الجزائرية
الحمد لله رب العالمين تعالت ذاته وتقدست أسماؤهم، وجلت نعمه، وأسبغها علينا ظاهرة وباطنة وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها)، ولعل من أجلها وأعظمها وأكملها وأشملها على كافة مخلوقاته نعمة التزاوج و فسبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون (2)، وقد قال عزل وجل: ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلهم تذكرون)، وأشرف تلك الأزواج كلها زوج الإنسان - ذكوراً وإناثاً - إذ خلق الإنسان الأول من تراب وخلق منه زوجه ليسكن إليها وجعل بينهما مودة ورحمة وبث منهما رجالاً كثيراص ونساء، وأوصل وأوثق بينهما بوشائج المودة والرحمة - نسباً وصهراً ورحماً - وشرع لذلك أسبابا وعلائق وصلات، ورتب عليها حقوقا وواجبات وتكاليف ومسؤوليات ووزعها وفق مؤهلات وخصائص الذكر والأنثي وخص الذكر - كزوج وأب - بكل ما تقضيه الأبوة من القوامة والسيادة والكد والسعي والجد لتوفير ضرورات حياة الأسرة – مادياً – والذود عنها وصيانتها تربية وترشيداً، وخص الأنثي – كزوجة وأم – بكل ما تقتضيه الأمومة من الرحمة والحنان بدءًا من - كن الرحم - والمحافظة على ما فيه، إلى عطف وحنو وحنان بوليدها ورضيعها وما يتطلب من حضانة في حجرها وهو يمتص ويستنزف ثديها - مطعماً ومشرباً - فتجود له بذلك عن حب ورضي والتذاذ روحي وشعور بالسعادة، وتحضنه في مهده وهو يناغي في لعبه وهو يحبو أو يدرج معها ويتسلي ويلهو بها، ضاحاكاً صارخاً صرخات الطفولة الطاهرة مع ابتسامات
1 - إبراهيم: 34.
2 - يس: 36.
3 - الذاريات: 49. (1/8)
صفحة 9
وضحكات عالية أحيانا، حتى تنتهي معه وينهي معها طفولته الباكرة تحت رقابتها ورعايتها إياه في البيت والشارع أمام الدار تحت نافذة البيت ومع أطفال الجيران في مثل حاله من الطهر، وأحيانا تسليه ويسعدها أن تبعث به إلى بعض الأقارب وذوي الأرحام للتسلية أو لمآرب أخرى، حتى إذا بلغ السعي أو كاد تعاون على تربيته عقليا وفكريا وبدنيا، وخلقيا، وعقدياً كل من الأب والأم والأخ والأخت والجد والجدة والجار ذي القربي والشارع والمعلم في المدرسة والمسجد، وكل من يحيط ويتصل به من أفراد المجتمع الطاهر الذي نشأ مثل تلك النشأة، وارتبط أفراده بمثل تلك الروابط الأسرية التي تمثل الخلية الأولي للمجتمع.
ومتي كانت كل خلايا المجتمع على ذلك النمط تكوّن المجتمع الفاضل الذي تغنّى به وتمناه كثير من رجال الفكر البشري - قديماً وحديثاً وحاولوا وما زالوا يحالون رسم منهج حياة لذلك، ولما يصلوا، ولن يصلوا إلى ذلك إلا بالرجوع إلى المنهج الذي رسمه خالق الذكر والأنثي الله رب العالمين ونبيه الرسول الرحمة المهداة للعالمين، سيد المرسلين وخاتم النبيين والله عز وجل أدرى من كل من سواه بما يصلح هذا الخلق العجيب (الإنسان) الذي كرّمه على معظم مخلوقاته وارتضاه خليفة له في أرضه، وأسجد له ملائكته أجمعين، وعلمه ما لم يُعلمهم، فكان
فضل الله عليه عظيما.
هذه هي
الغاية أو الخلاصة التي توخاه الابن الكريم الأستاذ / مصطفى بن حمو أرشوم من هذه الدراسة الخاصة المركزة، على أنماط الزواج (النكاح) التي رسمها المشرع الحكيم - الله عز وجل ورسوله الله في التشريع أو الفقه الإسلامي، مما من شأنه أن يودي إلى تحقيق هذه الحسنة والسعادة الدنيوية وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الدينا متاع وخير متاعها الزوجة الصالحة وبالتبع الزوج الصالح، كما بين أيضاً بعض أنماط وأنواع الأنكحة الفاسدة التي تحوّل العلاقات الناجمة عنها إلى جحيم وعذاب أليم في الدنيا - ما وراءه عذاب - ولعذاب الآخرة أشد وأبقي، كما أن نعيمها خير وأبقي إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسي (1). وإنني إذ أكتب هذه الكلمات أو هذه الأسطر ولي الشرف أن اطلعت على الرسالة،
(1) الأعلى: 18 - 19. (1/9)
صفحة 10
وأنا بصدد عمل علمي في مجال الفقه الإسلامي وتقنينه تقنيناً معاصراً على نمط القوانين الوضعية، وهو الشغل الشاغل لمعظم مفكري العالم الإسلامي في هذا العصر - عصر النهضة والإنبعاث - وأنا أفكر وأتساءل عن إمكانية ذلك، وهل في أبنائنا الناشئين ذوو كفاءات واستعداد لذلك، ولما اطلعت على هذه الرسالة وهذه الدراسة المقارنة القيمة مع بعض دراسات أخرى لأبنائنا الآخرين اطمأننت أن في أبنائنا - خلف هذه الأمة - خير كثير، إن شاء الله لتحقيق طموحاتها وطموحاتنا وطموحاتهم إن هم التزموا ما التزم به أسلافهم من العض بالنواجد على ما تركه لنا نبينا الرؤوف الرحيم بنا، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً كتاب الله وسنتي» وهو الصراط المستقيم و صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض)، وقد قال عز وجل: وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون)، وقوله: وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون".
کتر
كتبه الشيخ / محمد الشيخ بلحاج
أستاذ الشريعة بمعهد الحياة
القرارة ولاية غرادية وادي ميزاب الجزائر
وعضو المجلس الإسلامي الأعلى بالجمهورية الجزائرية
1) الشوري: 53. 2) الأنعام: 153.
(3) التوبة: 105
مسقط
يوم
20 ذو القعد 1422 هـ الموافق 2002/ 2/3 م (1/10)
صفحة 11
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله فاطر السماوات والأرض خالق الأزواج كلها مما نعلم ومما لا نعلم القائل في محكم كتابه ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون).
أحمده سبحانه حمدا طيبا بما هو أهل له على ما أسبغ علينا من جزيل نعمائه وآلائه، وما امتن به على البشر من بالغ فضله وإحسانه إذ جعلهم ذكرانا وإناثا، وشرع لهم الزواج سبيلا طاهرا، وحرم عليهم السفاح سبيلا فاسدا وأصلي وأسلم على رسوله الأمين خاتم الأنبياء والمرسلين القائل: «أتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» "
- لقد اهتمت الشريعة الإسلامية بالزواج أبلغ اهتمام وعنيت به أعظم عناية لما يحتله من مكانة هامة في حياة الأفراد والجماعات كما حرص الإسلام كل الحرص على بناء الأسرة على أسس ثابتة وقواعد محكمة، فسن لها من الأحكام ما يحفظ لها كرامتها ويصون لها حرمتها، وكل ما من شأنه أن يؤدي إلى الترابط بين أفراد الأسرة لما لذلك من انعكاس على وحدة المجتمع وتماسكه.
فالإسلام باعتباره تشريعا ربانيا قد جعل العلاقة الزوجية قائمة على عقد
1 - الروم 21. 2 - أخرجه مسلم عن أنس، كتاب النكاح، حديث رقم (1401)، صحيح مسلم شرح النووي، ج 5 / ص 35.186 دار الحديث القاهرة 1419 هـ / 1998 م. والنسائي في السنن، كتاب النكاح، حديث رقم (3217) ج 6 / ص 368 - 45.369 دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع بيروت 1418 هـ / 1997 م. وأخرجه ابن ماجه في السنن عن عائشة قالت قال رسول الله: «النكاح من سنتي فمن لم يعمل بسنتي فليس مني كتاب النكاح، حديث رقم (1846) ط دار الحديث القاهرة 1419 هـ / 1998 م. قال البوصيري في الزوائد إسناده ضعيف لاتفاقهم على ضعف عيسى بن ميمون المديني أحد رواة هذا الحديث بهذا السند وقال أيضا: لكن له شاهد ج 2 / ص 152 - 153.
صحيح، (1/11)
صفحة 12
الزواج القائم على أساس القرآن الكريم والسنة النبوية، وأوسع من دائرة التحريم في النكاح، ووضع شروطا وقيودا لتقوى بذلك دائرة الود والرحمة والمحبة بين الناس وتنمو روابط المودة والالتحام والتقارب بين العباد
كما تعرض التشريع الإسلامي إلى تبيان الأنكحة الفاسدة المنهي عنها لتتضح كلمة الإسلام في التمييز الدقيق الذي لا يحتمل اللين والتساهل بين الزواج الصحيح المشروع، وبين الزواج الفاسد المحظور، حيث إنه يوجب التزاوج على أساس من الصحة وعلى قواعد ثابتة من الشرعية لتكون المفاصلة واضحة بين الحلال والحرام وبين الصحة والباطل، وليصير الناس بذلك في جانب السلامة والتحقيق، وفي طريق التثبت واليقين فلا تخالطهم ظواهر الريبة والظنون.
وقد عني الإسلام بالزواج أبلغ عناية لأنه يقدر مدى العلاقة الوثيقة التي تربط الزواج بالأنساب والنسل وهذان أمران خطيران يحسب لهما الإسلام حسابا كبيرا كما أن هذا العقد تترتب عليه آثار وأحكام شرعية منها ما يتعلق بالزوجين كالحقوق والواجبات الزوجية، ومنها ما يتعلق بغيرها، ومن ثم فلا سبيل إلى صون الفرد والأسرة والمجتمع من عوامل التخلخل والظن والاضطراب والضياع غير المنهج الذي أقره الإسلام وارتضاه لنا وذلك بجعل الزواج هو السبيل الوحيد لإنشاء العلاقة بين الرجل والمرأة حتى يميز بين النكاح الصحيح والنكاح الفاسد.
-
- بالإضافة إلى ما سبق فإن المجتمع الإسلامي لاشك أنه قد ابتعد عن تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في مختلف المجالات وذلك لجهل الكثير من أحكامه ومدى صلاحيتها للتطبيق فأدى ذلك الابتعاد إلى الفوضى والاضطراب في علاقاته الاجتماعية والاستعانة بالقوانين الوضعية المستوردة لحل المشاكل الاجتماعية وأشد ما يبغض الإسلام أن تأتي الأجيال الصاعدة وهي مغمورة في وسط من الخلط والغبن والتدليس لتضيع بذلك الأنساب في غمرة الفوضى الجنسية ومن خلال الأنكحة الفاسدة والمحظورة.
وقد كنت أرغب في القيام بعمل علمي منذ زمن بعيد أبرز فيه آراء المذهب الإباضي في مجال الحضارة الإنسانية لما لاحظته من تهميش في الواقع العملي
4 (1/12)
صفحة 13
وإغفال لدوره الحضاري رغم توفر مصادره وغزارتها، فاخترت هذا الموضوع للدراسة من وجهة نظر إباضية مع المقارنة، وآمل أن يكون هذا العمل خطوة في طريق التقريب بين المذاهب الفقهية المختلفة.
- ولعل من الأسباب والدوافع المحفزة لاختيار هذا الموضوع ودراسته بصفة متخصصة، هو محاولتي إبراز آراء المدرسة الفقهية الإباضية في مجال الأسرة وما يتعلق بها من أحكام حتى يطلع الباحثون والدارسون على التجربة الإباضية في بناء الأسرة المسلمة ومدى مسايرتها لتطورات العصر على ضوء القرآن والسنة واجتهادات فقهائهم لحل المشكلات الاجتماعية التي تعاني منها الأسرة المسلمة
المعاصرة.
لأجل ذلك فإنني أهدف من خلال هذه الدراسة الموضوعية المتأصلة أن أظهر عظمة التشريع الإسلامي أمام التشريعات الأخرى وأدرأ عنه الشبهات والافتراءات التي تثار حوله خاصة في مجال الأسرة. (1/13)
صفحة 14
إطار البحث
لما كان الغرض الذي أرمي إليه من خلال هذه الدراسة واجتهد في التركيز عليه، هو إبراز الفقه الإباضي ووضعه في الميزان مع المذاهب الفقهية الأخرى والقانون ودفع الشبهات عنه
فإن إطار البحث يتحدد في دراسة الأنكحة الفاسد في المذهب الإباضي وعرض آراء فقهائه من خلال مصادره الأساسية والفرعية، وبيان أصوله الاستدلالية وعقد مقارنة مع آراء فقهاء المذهب المالكي من خلال مصادرهم الأساسية ومع قانون الأسرة الجزائري لبيان أوجه الاتفاق والاختلاف بينهم.
ولذلك اقتضت خطة البحث تقسيمه إلى ثلاثة أبواب مع مقدمة ومدخل البحث
وخاتمة.
وقد خصصنا الباب الأول لبيان مكونات عقد النكاح وتحديد مفهوم الصحة والفساد والبطلان عند الفقهاء والأصوليين، وجعلناه في فصلين: الفصل الأول: عن عناصر عقد النكاح وذلك بتعريف عقد النكاح وبيان دليل مشروعيته، وتحديد أركان النكاح وشروطه.
والفصل الثاني: حول مفهوم الصحة والفساد والبطلان عند الفقهاء والأصوليين مع بيان الأثر المترتب عليه في مجال العبادات والمعاملات، ومنشأ الخلاف بين الفقهاء في تحديد الفرق بين الفساد والبطلان.
هذا عن الباب الأول، أما الباب الثاني فخصصناه لعرض أنواع الأنكحة الفاسدة وأحكامها في المذهب الإباضي مقارنة بالمذهب المالكي وبعض المذاهب الأخرى
والقانون.
وجعلت هذا الباب في أربعة فصول:
الفصل الأول: في الأنكحة المتفق على فسادها على سبيل التأبيد، وأظهرنا
6 (1/14)
صفحة 15
سبب الفساد والتحريم وهو إما القرابة النسبية أو المصاهرة أو الرضاع أو اللعان وكلها موانع للنكاح مؤبدة.
والفصل الثاني: الأنكحة المتفق على فسادها على سبيل التأقيت، وبينا أن أسباب الفساد هنا مؤقتة يمكن أن تزول، وإذا زالت جاز النكاح وهذه الموانع إما أن تكون بسبب الجمع أو العدد أو الزوجية أو العدة أو الطلاق الثلاث أو الكفر.
والفصل الثالث: عن الأنكحة المختلف حول فسادها على سبيل التأبيد، وذكرنا أن سبب الفساد هو وجود موانع تمنع من عقد النكاح وتستوجب فسخه وإبطاله إن وجد وهي إما خلو العقد من الصداق وهو الشغار أو تأقيت العقد كنكاح المتعة والمؤقت، وإما النكاح بقصد التحليل وإما يكون الزنى وجميع هذه الموانع محل خلاف بين الفقهاء.
والفصل الرابع عن الأنكحة المختلف في فسادها على سبيل التأقيت، وحددنا فيه الموانع الشرعية التي قد تزول ويصح النكاح بعدها، وهي محل خلاف وتمثلت في نكاح الكتابية في بعض صوره والإحرام والمرض.
هذا عن الباب الثاني، أما الباب الثالث، فخصصناه لبيان الآثار المترتبة على الأنكحة الفاسدة، واقتضى ذلك تقسيمه إلى ثلاثة فصول:
الفصل الأول: عن الآثار العقابية وتناولنا فيه العقوبات الأدبية والمادية التي
تقع على كل من له علاقة بإنشاء العقد الفاسد كالزوجين والولي والشاهدين. والفصل الثاني: عن الآثار المالية وبحثنا فيه عن حالات ثبوت الصداق والنفقة والميراث وعدمها حسب الأنكحة وختمنا هذا الفصل بمبحث عن آثار مالية لبعض الأنكحة الفاسدة لعدم تمكننا من إدراجها ضمن القواعد العامة لما لها من خصوصية تمنع من ذلك.
والفصل الثالث: عن الآثار المتعلقة بالغير، فمنها ما يتعلق بالأولاد، كالنسب، ومنها ما يتعلق بالزوجة كالعدة والاستبراء ومنها ما يتعلق بالمصاهرة.
Y (1/15)
صفحة 16
منهج البحث
أما منهج البحث المعتمد في هذه الدراسة فقد دعت طبيعة الموضوع إلى اتباع مناهج ثلاثة:
:
أ- المنهج التحليلي الذي اعتمدته في عرض آراء المذهب الإباضي والمالكي وغيرهما من المذاهب، وقد حاولت جاهدا أن أعرض الرأي بصورة أمينة وموضوعية من مصادرها الأساسية مدعما بحججه الضرورية دون إسراف أو تقصير مكتفيا من الأدلة بالقدر الذي يبين الموقف ويعين على توضيح وجهة نظر كل فريق، وغالبا ما أكتفي بإيراد رأي جمهور فقهاء الإباضية أولاً بإبراز ما اتفقوا فيه فيما بينهم وما اختلفوا فيه، ثم أنقل رأي جمهور المالكية ثانيا مع إبراز ما اتفقوا فيه فيما بينهم وما اختلفوا فيه، إذ هما الأساس في البحث وأحيانا أسوق آراء العلماء والمذاهب المخالفة أو الموافقة للمذهبين ابتغاء وضع رأي الإباضية والمالكية في مكانهما المناسب بين هذه الأقوال والمذاهب المختلفة، وتلك ضرورة أحسبها لازمة لتجلية
موقف المذهبين في كثير من المسائل الفقهية التي عرضتها خلال هذا البحث. ب- المنهج المقارن: وهو من أولى مهام هذا البحث لعقد موازنات بين الآراء الفقهية المتعددة في المسائل الخلافية بين المذهبين وغيرهما من المذاهب، سواء في بيان مواقفهم أم في طريقة استدلالهم على تلك المواقف أم في مناقشاتهم وردودهم، وقد سعيت إلى توضيح مواطن الاتفاق والاختلاف بينهما، ومنشأ الخلاف في القضايا المعروضة مع ذكر الآثار المترتبة عليه.
وحاولت عرض رأي القانون في معظم المسائل المتعلقة بالبحث ومقارنته مع آراء الفقهاء في المذهبين وأشرت إلى أوجه الاتفاق والاختلاف معها بقدر الإمكان. ج المنهج النقدي: بعد عرض آراء الفقهاء مع المقارنة عمدت بعدها إلى نقدها من حيث استنادها إلى النصوص الشرعية الثابتة واعتمادها على الاستدلال العقلي والواقع وحاولت التوفيق بينها إن أمكن، فإن تعذر ذلك التجأت إلى الترجيح بين الأقوال وذلك لإبراز ما ارتأيته صوابا سواء أكان رأي الإباضية أو رأي المالكية (1/16)
صفحة 17
وقد أميل أحيانا إلى ما ذهب إليه غيرهما من الفقهاء ساعيا جهدي لاتباع ما اعتضد بالدليل الراجح، أو يتماشى مع مقاصد الشريعة وفيه يسر لرفع الحرج والمشقة عن الناس ليتسنى لهم الأخذ به، لأن الحق لا يعرف بالرجال، ولكن يعرف الرجال بمدى تمسكهم بالحق، فالحكمة ضالة المسلم أينما وجدها أخذها وأحيانا أقف عاجزا عن التوفيق بين الآراء أو ترجيح أحدهما لتساوي الأدلة وتباين المواقف فأترك المسألة معروضة أمام القارئ ليختار أي الرأيين يطمئن إليه.
هذا ولعل ما تميزت به هذه الدراسة عن سابقتها أنني اعتنيت بإظهار وإبراز الحكمة من مشروعية بعض الأنكحة أو ما ترتب عنها أو بيان الحكمة من تحريم الأنكحة الفاسدة وما ترتب عنها من أحكام، فقد لاحظت إغفالا عنها عند الفقهاء القدامى وغالبا يأتي ذلك عرضا، لأن في إظهار حكمة الشارع في التحليل والتحريم زيادة في اطمئنان المسلم للحكم وترغيبا له في التمسك به إن كان مشروعا أو البعد عنه إن كان حراما.
مسألة
وباتباع هذه المناهج الثلاثة يمكن أن نقدم في هذا البحث صورة واضحة لكل وموقف كل مذهب وذلك بوضعه في الميزان حتى يسهل الحكم على الآراء المختلفة من خلال مواقفهم وأدلتهم ومناهجهم. (1/17)
صفحة 18
عرض أهم المصادر
نظرا لأهمية نقد المصادر في مجال البحث العلمي لتوثيق معلومات البحث والاطمئنان إلى مظانها فإن بحثنا هذا قد يحتاج إلى التعريف ببعض المصادر المعتمدة خاصة المصادر الإباضية حيث يجهلها كثير من الباحثين لندرتها أحيانا ولكون أغلبها مخطوطا ولم يطبع منها إلا القليل.
أ- وأهم المصادر الفقهية الإباضية التي اعتمدت عليها في هذه الدراسة: -1 - كتاب النكاح: لأبي زكرياء يحي بن الخير بن أبي الخير الجناوني، من علماء القرن الخامس الهجري نشأ في بلدة «جناون» في ليبيا وهو كتاب قيم في مجلد واحد يبسط فيه المؤلف ما يتصل بموضوع النكاح والطلاق وما يتعلق بهما من أحكام في عبارة سلسة واضحة، وقد عمد فيه إلى التقصي مع الاستشهاد والتدليل واقتصر على آراء المذهب الإباضي دون غيرها، ويعتبر هذا الكتاب من المصادر الهامة في مسائل الأحوال الشخصية من الفقه الإباضي، وعليه اعتمد أكثر المؤلفين من بعده ومنهم صاحب النيل وشفاء العليل عبد العزيز الثميني وشارحه
2 - شرح كتاب النيل وشفاء العليل: لقطب الأئمة امحمد بن يوسف اطفيش، حيث اعتمد في شرحه على كتاب النكاح المذكور وكثيرا ما تعثر فيه على عبارة أبي زكرياء بنصها ويضم هذا المصنف سبعة عشر جزءا في مختلف أبواب الفقه، وقد أضيف إليه الجزء الثامن عشر وهو عبارة عن فهارس للكتاب أخرجه بعض الباحثين المعاصرين، وقد اقتصرت على الجزء السادس والسابع اللذين يتعلقان بموضوع البحث، والذي نلاحظه في هذا الكتاب أنه قوي العبارة، وكثيرا ما يغرق القطب في الألفاظ والاستطرادات التي تجعلنا نقرأ صفحات عديدة حتى نصل إلى المعلومة المطلوبة لجمعها، وسلك فيه المنهج المقارن وذلك بعرض آراء فقهاء الإباضية مع أدلتهم أحيانا ويقارنها بغيرها من آراء المذاهب الأخرى، وينقدها ثم يرجح الرأي الذي يرتضيه. - وهناك مصادر أخرى استفدنا منها كثيرا مثل منهج الطالبين وبلاغ الراغبين
شرح (1/18)
صفحة 19
لخميس الشقصي الرستاقي العماني في عشرين جزءا، وكذا بيان الشرع لمحمد بن إبراهيم الكندي في ثلاثة وسبعين مجلدا واعتمد فيه أسلوب السؤال والجواب، ويلاحظ عليه أنه يورد الأقوال العديدة في المسألة دون ترجيح، وغيرها من المصادر.
ب- أما مصادر الفقه المالكي:
فقد اعتمدت فيها على المدونة الكبرى للإمام مالك بن أنس، وتقع في أربعة مجلدات والجزء الخامس ملحق المدونة لابن رشد، وكذلك اعتمدت على بداية المجتهد ونهاية المقتصد لأبي الوليد أحمد بن رشد القرطبي في ثلاثة مجلدات وكذلك على كتاب الكافي في فقه أهل المدينة المالكي لابن عبد البر النمري القرطبي في مجلد
واحد، وغيرها.
ورغم توفر المصادر الفقهية الإباضية والمالكية إلا أنها أُلفت بالطريقة القديمة التي لا تراعي توثيق المعلومات وإحالتها إلى مصادرها الأصلية، وغالبا ما تذكر الأحاديث بالمعنى فيصعب استخراجها من مظانها، وعموما فإنها تحتاج إلى صياغة جديدة تعتمد على المنهجية العلمية في التأليف حتى تسهل على القارئ الكريم الوصول إلى المعلومة المطلوبة بأيسر السبل للاستفادة منها وتشجعه على البحث والدراسة.
ولذلك كثيرا ما نعود إلى المراجع الحديثة التي تناولت موضوع دراستنا فنأخذ منها المنهج والأسلوب ونستعين بها في فهم الموضوع واستيعابه، لأن أصحابها استفادوا من الدراسات القانونية التي لا تغرق في الافتراضات والأقوال والشروح، بل تورد المعلومة بأقصر طريق وبعبارة مفهومة ودقيقة وهذا ما حاولت نهجه في دراستي المتواضعة.
ج- أما في مجال القانون
فقد اعتمدت على نصوص قانون الأسرة الجزائري الصادر في رمضان عام 1404 هـ، الموافق يونيو 1984 م، ومعظم مواده واضحة العبارة إلا أنها أحيانا يشوبها بعض الغموض فأضطر إلى الرجوع إلى أحد شروح هذا القانون ومنها: كتاب الزواج والطلاق في قانون الأسرة الجزائري، للقاضي: عبد العزيز سعد.
11 (1/19)
صفحة 20
صعوبات العمل
إن من شأن كل باحث مثلي مبتدئ يجد في بداية عمله العلمي عقبات وعثرات وما من شك أنه اعترضتني أثناء البحث بعض المشاكل في طريق إنجاز هذا العمل بعضها يتعلق بالمصادر وأخرى بالإشراف العلمي فبرغم توفر المصادر والمراجع وتنوعها في المذهب الإباضي والمالكي، إلا أنها لا توجد في كل مكان بكميات كافية، ولولا إقامتي في وادي ميزاب وسلطنة عُمان لازدادت المشكلة تعقيدا، لأن أغلب المصادر الإباضية خاصة المخطوطة منها لا تتوفر إلا في تلك المناطق، فلا بد من السفر إليها والتعرف على أصحاب المكتبات الخاصة والعامة لاستعارتها أحيانا أو أخذ المعلومة من عين المكان لصعوبة انتقال المخطوط من المكتبة.
ولتذليل هذه العقبة فقد سافرت إلى سلطنة عُمان لأجل البحث والعمل فاقتنيت معظم مصادر بحثي من معارض الكتب، فوفرت لنفسي عناء البحث والتنقل رغم ارتفاع أسعارها، ويقتضي هذا المقام الوفاء والاعتراف بالفضل لكل القائمين على المكتبات الفنية لما قدموا إلى من مساعدة وتسهيلات وأخص بالذكر الأخ سعود بن عبد الله الوهيبي العُماني، الذي وفرت لي مكتبته الثرية كتبا متخصصة في تخريج الأحاديث، فوفرت لي الجهد والوقت والأسفار ما لا يقدر بثمن.
وأما العقبة الثانية التي اعترضت طريقي وعانيت منها طوال مدة البحث هي بعدي عن الجامعة وعن المشرف لظروف العمل خارج الوطن فصعب علي مهمة الاتصال عن قرب بالمشرف، ولولا مساعدة بعض الإخوان المخلصين وبالأخص الأخ الفاضل مصطفى صالح باجو المحاضر في جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة، حيث كان لي نعم المعين في تذليل هذه العقبة وربط الاتصال بيني وبين المشرف وإدارة الجامعة لتَحتَّم علي أن أسير بخطى متعثرة حتى أصل إلى إنجاز هذا العمل، فإن كان لهذا البحث من أثر حميد وفائدة مرجوة فبفضل الله وأيديهم ورأيهم السديد، وإن كانت الأخرى فبقصوري وتقصيري والكمال لله وحده
والله المستعان
المؤلف: مصطفى بن حمو أرشوم
مسقط: 29 رمضان 1420 هـ
6 يناير 2000 م
12 (1/20)
صفحة 21
مدخل البحث
لقد ارتأينا ونحن نقوم بدراسة علمية في الفقه المقارن ندرس فيها أحكام الأنكحة الفاسدة وآثارها من وجهة نظر الإباضية والمالكية والقانون، أن تسبق هذه الدراسة بتعريف مختصر لكل من المذهبين الإباضي والمالكي وقانون الأسرة الجزائري، ومصادر استنباطهم للأحكام الشرعية والقانونية.
ونحاول أن نجيب عن بعض التساؤلات التي يمكن أن تكون الإجابة عنها وسيلة للكشف عن بعض الحقائق الهامة التي كانت غير معروفة عند الدارسين والباحثين ونبين حقيقة المذهبين من حيث نسبتهما وتاريخ ظهورهما، ومنهج فقهائهما في الاجتهاد، وأوجه الاتفاق والاختلاف بينهما، وأهم الكتب والمؤلفات المعتمدة لدى المذهبين حتى نصل في النهاية إلى تقديم صورة واضحة عن أصالة المدرستين ودورهما في بناء الحضارة الإسلامية.
أولا: التعريف بالمذهب الإباضي ومصادر استدلاله:
أ- نشأته ومؤسسه
يرجع المذهب الإباضي في نشأته وتأسيسه إلى عصر التابعين، فمؤسسه الحقيقي الذي أرسى قواعد الفقه الإباضي وأصوله هو التابعي الشهير أبي الشعثاء جابر بن زيد الأزدي العماني، فهو إمام محدث وفقيه، برع في التفسير والحديث والفقه، وكان ذا مذهب خاص به في الفقه، ولد بعمان سنة إحدى وعشرين للهجرة على أرجح الروايات، وكان أكثر استقراره بالبصرة، وبها توفي سنة ثلاث وتسعين (93) هجرية (1).
ب شيوخه:
وقد تتلمذ جابر بن زيد على أيدي كثير من الصحابة والتابعين، وأخذ عنهم
1 - يحي بكوش: فقه الإمام جابر بن زيد، ص 11، ط 1 دار الغرب الإسلامي بيروت لبنان 1407 هـ / 1986 م مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب، ص 147، ط 10، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة. 1414 هـ / 1994 م.
13 (1/21)
صفحة 22
مختلف العلوم التأسيسية في الشريعة واللغة، وكان يقول: «أدركت سبعين بدريا فحويت ما عندهم من العلم إلا البحر»، ويعني به عبد الله بن عباس الأمة بحر وترجمان القرآن، فقد كان أبو الشعثاء يستمد علمه بالشريعة الإسلامية من مصادرها الأصلية وينهل من منابعها الصافية، ويكفي أنه تعلم على يد عائشة أم المؤمنين زوج الرسول صلى الله عليه وسلم فقد كان يسألها عن كل شيء وخاصة ما يتعلق بفقه النساء والعلاقات الزوجية، وعبد الله بن عباس أحد المكثرين من رواية الحديث، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك، وهم يعدون من كبار الصحابة، ومن أقرب المقربين إلى الرسول، وهذا الاقتراب من الرسول يجعلنا على ثقة كاملة من المعلومات التي وصلتنا عن طريق الإمام جابر بن زيد، سواء تعلق ذلك بالأصول أم
بالفروع.
وقد أجمعت الأمة على ورعه وتقواه وسعة تبحره في العلم، ويكفيه فخرا وشرفا له شهادة بحر الأمة عبد الله بن عباس حيث قال عنه – وقد كان جابر من أنجب تلامذته: «لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لوسعهم علما عما في كتاب الله» وكان يحيل سائليه على تلميذه جابر، ويقول: «اسألوا جابر بن زيد، لو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه وعندما يسأله أناس من أهل البصرة كان يرد عليهم بقوله: «كيف تسألونني وفيكم (جابر» (1).
وقد وصفه عبد الله بن عمر بن الخطاب بأنه من فقهاء أهل البصرة البارزين، وقال له: «بلغني يا أبا الشعثاء أنك من فقهاء البصرة وأنك تستفتى فلا تفتين إلا بقرآن ناطق وسنة ماضية، فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت (3).
وشهادات الصحابة في جابر بالحفظ والعلم والتثبت والورع كثيرة يمكن
- الدرجيني أبو العباس بن سعيد (ت: 670 هـ): طبقات المشايخ بالمغرب، تحقيق إبراهيم طلاي، ج 2 / ص 205 مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، عمان (دت). 2 - مهني بن عمر التيواجني: أشعة من الفقه الإسلامي، ص 65، ط 1 مطابع النهضة روي سلطنة عمان
1417 هـ / 1996 م
14 (1/22)
صفحة 23
الرجوع إليها في مصادرها (1)
وبتلقيه العلم عن هؤلاء الصحابة وغيرهم جعله يتبوأ مكانة عالية بين أعلام الحديث، ويعتبر من أئمة السنة في البصرة بلا منازع، فقد وثقه جميع نقاد الحديث وأجمعوا على عدالته، بل اعتبر من رجال أصح الأسانيد.
وقد جاء فقهه جامعا بين الأثر والرأي لأنه كان فقيه نقل ودراية حيث طبع فقهه بالآثار التي رواها عن أساتذته في الحجاز، وتأثر بمدرسة الرأي في العراق، فقد نقل أنه ممن يقول بالرأي وأنه قائس على الأصول ما لم يجد فيه نصا. وكل هذه العوامل هيأته ليصبح إماما لمذهب مستقل عرف فيما بعد بالمذهب الإباضي) ج- أصحاب جابر وتلامذته
(2)
أما أصحابه وتلامذته؛ فقد استطاع الإمام جابر بن زيد لعلمه الواسع أن يجمع حوله الطلاب والمؤيدين والمعجبين، وأصبحت له مجالس العلم والفتوى يجلس حولها طلاب أذكياء منهم من يأخذ عنه وعن غيره، كقتادة وأيوب السختياني، وعمرو بن دينار، وحيان الأعرج، وأبي المنذر تميم بن حويص، ومنهم من يأخذ عنه أكثر مما يأخذ عن غيره أو يكاد يختص بمجلسه كأبي عبيدة مسلم، وضمام بن
السائب، وأبي نوح صالح الدهان، والربيع بن حبيب، وعبد الله بن إباض (3). وقد اكتملت صورة المذهب الإباضي وتم تحرير أقواله وآرائه في صورتها النهائية في أواخر أيام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، الذي خلف جابرا على إمامة أشياخ المذهب في البصرة، وهي مركز التجمع الأساسي لعلماء الإباضية حتى قرابة نهاية القرن الثالث الهجري.
1 - أنظر البخاري: التاريخ الكبير، ج 1 / ص 204. دار الكتب العلمية بيروت (1986/ 51407 م)، ابن حجر العسقلاني تهذيب التهذيب، ج 2/ ص 11 ط 1، دار إحياء التراث العربي، بيروت (1412 هـ / 1991 م) الذهبي: تذكرة الحفاظ، ج 1 ص 72,68. دار إحياء التراث العربي بيروت 1374 هـ، الشماخي أبو العباس أحمد بن سعيد بن عبد الواحد (ت: 928) كتاب السير، ج 2/ ص 96 ط 2 نشر وزارة التراث القومي والثقافة مسقط سلطنة عمان الكاساني علاء الدين: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، المقدمة من وضع أحمد مختار عثمان، ص 67 نشر زكرياء علي يوسف، مطبعة الإمام، القاهرة (د. ت). 2 – التيواجني أشعة الفقه، ص 62 - 65.
- محمد ناصر منهج الدعوة عند الإباضية، ص 40، ط 1، نشر مكتبة الاستقامة. مسقط عمان
1418 هـ / 1997 م.
10 (1/23)
صفحة 24
وقد حمل الذين وفدوا على أبي عبيدة من المغرب والمشرق عنه المذهب إلى بلدانهم التي أضحت - من بعد - مراكز لدول إباضية هامة لعبت دورا أساسيا
كبيرا.
د أماكن انتشار المذهب الإباضي
وأهم المناطق التي انتشر فيها المذهب الإباضي بفضل هؤلاء الأتباع وغيرهم الكوفة وحضرموت والحجاز وعُمان وخراسان وبلاد السند والأندلس، وفي إفريقيا كمصر والجزائر وتونس وليبيا وتنزانيا وغانا وبفعل الحروب والتعصب المذهبي انحصر المذهب إلى مناطق محدودة وما يزال أتباعه يحافظون عليه ويعملون على نشره وتعليمه كسلطنة عمان، ووادي ميزاب بالجنوب الجزائري، وجزيرة جربة بالجنوب التونسي، وجبال نفوسة بليبيا وأقلية في زنجبار بتنزانيا وفي غانا.
هـ - أصل تسمية المذهب الإباضي
أما نسبة المذهب الإباضي إلى عبد الله بن أباض المري التميمي (")؛ وهو تابعي من أهل العراق عاصر معاوية بن أبي سفيان (ق 1 هـ) وتوفي في أواخر أيام عبد الملك بن مروان (ق 1 هـ)، فهي نسبة عرَضَية كان سببها بعض المواقف الكلامية والسياسية التي اشتهر بها ابن إباض، وتميز بها فنسب المذهب الإباضي إليه ولم يستعمل الإباضية في تاريخهم المبكر هذه التسمية، فكانوا يستعملون عبارة جماعة المسلمين أو أهل الدعوة والاستقامة وأول ما ظهر استعمالهم لكلمة الإباضية كان في أواخر القرن الثالث الهجري.
ولعل الذين عمموها في المصادر غير الإباضية هم بنو أمية لعلاقتهم الظاهرة بابن إباض، فإن المتتبع للمصادر المشرقية بخاصة يلحظ غياب هذه النسبة عند الحديث عن المذهب ولم تظهر إلا في القرن الثالث عشر الهجري (3).
(3)
- النامي عمرو خليفة (الدكتور): المقدمة على كتاب أجوبة ابن خلفون المزاتي، ص 11، ط 1 دار الفتح بيروت
1394 هـ / 1974 م.
2 - يطلق على ابن إباض أحيانا أباض وتارة إباض وكلها تسميات صحيحة.
النامي: المقدمة على أجوبة ابن خلفون، ص 9.
16 (1/24)
صفحة 25
قال السيابي في معرض حديثه عن نشأة المذهب الإباضي ونسبته: «كان
الإمام أبو الشعثاء وأبو عبيدة وأبو عمرو والعلامة صحار بن عباس، وضمام بن السائب ومن انضم إليهم من رجالات العلم والعمل، وعبد الله بن إباض الركن الأكبر لهؤلاء، وعليه أطلق عليهم اسم الإباضية لكون عبد الله صار لهم بمنزلة الزعيم، لا أنه عالمهم الذي يرجعون إليه في مهامهم ويصدرون عن فتاويه فيما يعينهم من أمر دينهم كبقية رجال العلم الذين صاروا لأتباعهم مرجعا، ولإخوانهم مصدرا علميا قلدوهم عليه واعتمدوا أقوالهم فيه، كأبي حنيفة والشافعي ومالك وابن حنبل ومن في معناهم من رجال العلم الذين اشتهروا في أيامهم ... ».
ثم أضاف قائلا: «ولما رأوا منا موافقة عبد الله بن إباض في إنكاره على من يسمونهم أمير المؤمنين أضافونًا إليه وأطلقوا علينا اسم الإباضية نسبة لأبيه إباض لأن عبد الله كان على وتيرة أبيه وكان أبوه أشهر منه فلذلك سموا هذه الأمة بذلك). ويفهم من هذا النص أن الإباضية لم يطلقوا على مذهبهم هذه التسمية بل جاءتهم من مخالفيهم فارتضوها وتقبلوها بدون اعتراض؛ لأنها ارتبطت بزعيمهم السياسي الأول عبد الله بن إباض، وفي ذلك يقول الشماخي: «ولعل ظهور ابن إباض في الساحة السياسية دون شيخه جابر يرجع إلى السبب الآتي؛ فإن اشتغال الإمام جابر بالتكوين العلمي وإرساء قواعد المذهب على أسس علمية دينية ثابتة هو الذي منعه من الاشتغال بالسياسة، فكان أن كلف بها أحد تلامذته مثل عبد الله بن إباض أو أحد زملائه وأصحابه مثل مرداس بن حدير (). وأما تسمية مذهبنا بالإباضية
(2)
فلكون عبد الله بن إباض - رضي الله عنه - كان المجاهد علنا والمناضل في سبيل تحقيق الحقائق وتصحيح قضايا العقول فيما أحدثه أهل المقالات والبدع من الزور والافتراء في شريعة ربنا. (3) وقد كان ابن إباض يرجع في وقد كان ابن إباض يرجع في أفكاره ومصدر أقواله إلى الإمام جابر بن زيد العماني (4).
(د)
(4)
1 - السيابي سالم بن حمود بن شامس: إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء تحقيق وشرح د/ سيدة إسماعيل کاشف ص 68,50. ط 1 مطابع سجل العرب، القاهرة، 1979 م.
2 - د. محمد ناصر: منهج الدعوة، ص 99. السيابي: إزالة الوعثاء، ص 50.
-
الحارثي سالم بن حمد بن سليمان المسالك النقية إلى الشريعة المحمدية، ج 1 ص 6 - 8. ط 1، مطابع
النهضة
، مسقط عمان. 1419 هـ / 1999 م.
17 (1/25)
صفحة 26
-
ورغم هذه الحقائق الساطعة فلا يزال كثير من الباحثين المعاصرين من غير الإباضية يعتقدون أن زعيم الإباضية إنما هو عبد الله بن إباض ولا يتصورون بسبب التسمية طبعا أنه التابعي أبو الشعثاء جابر بن زيد الذي أقر له الإباضية
بالزعامة الفكرية والروحية، بل لم يفكر أحدهم في غير ذلك
هذا
وقد قام بعض الباحثين المعاصرين من الإباضية وغيرهم بتحقيق في الموضوع وأثبتوا صحة وجهة نظر الإباضية، وبينوا الأسباب التي أدت إلى هذا
الاضطراب والتي هي أسباب سياسية حركية من جانب الإباضية، ونفسية من جانب مخالفيهم إذ لا يستقيم في نظر هؤلاء أن يكون جابر بن زيد المشهود له بالثقة والعلم والورع إماما لفرقة خارجية حسب رأيهم، إلا أن ابن حزم الظاهري (ق 4 هـ) أشار إلى الحقيقة الثابتة وذكر أننا لا نخرج من جملة العلماء من ثبتت عدالته وبحثه عن حدود الفتيا وإن كان مخالفا لنحلتنا، بل نعتقد بخلافه كسائر العلماء ولا فرق، كعمرو بن عبيد، ومحمد بن إسحاق وقتادة بن دعامة السدوسي وشبابة بن سوار والحسن بن حي، وجابر بن زيد، ونظرائهم، وإن كان فيهم القدري والشيعي والإباضي والمرجيء، لأنهم كانوا أهل علم وفضل وخير واجتهاد رحمهم الله .. . (1)
و- مصادر التشريع والاستدلال عند الإباضية يعتمد الإباضية في استنباطهم للأحكام الفقهية على مصادر شرعية أساسية وفرعية كبقية المذاهب الفقهية وتتمثل هذه المصادر فيما يلي
:
القرآن والسنة والإجماع والقياس والاستدلال ويدخل تحت الاستدلال: الاستصحاب والاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع وشرع من قبلنا والعرف وقول الصحابي، وعرفت بالأدلة المختلف فيها أو المصادر التبعية. وقد يطلقون على الإجماع والقياس والاستدلال كلمة «الرأي» فيقولون عندما يتحدثون عن مصادر التشريع وهي الكتاب والسنة والرأي، لذلك أخطأ بعض من كتب عنهم، فظن أنهم ينكرون الإجماع (3).
1 - مهني التيواجني: ص 61 - 62. خليفات د عوض محمد نشأة الحركة الإباضية، ص 98. مطابع دار الشعب عمان الأردن 1978 م.
- علي يحي معمر الإباضية مذهب إسلامي معتدل، تعليق أحمد بن سعود السيابي، ص 30، ط 3 مطبعة الألوان الحديثة. مسقط سلطنة عمان 1988 مصطفي صالح باجو: أبو يعقوب الوارجلاني وفكره الأصولي مقارنة بأبي حامد الغزالي، ص 317.222 وما بعدها. ط 1، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان 1415 هـ / 1995 م. الحارثي: المسالك النقية، ج 1 / ص 48.
18 (1/26)
صفحة 27
- أما المصدر الأول: وهو القرآن فيعتبره الإباضية المصدر الأساسي للدين الإسلامي في عقائده وعباداته ومعاملاته وأخلاقه ومن أنكر شيئا منه: سورة أو آية أو حرفا، فهو مشرك أو مرتد.
- أما المصدر الثاني للتشريع الإسلامي: فهو السنة الصحيحة وهي على درجات ومنها المتواتر قطعي الدلالة يفيد العلم ويوجب العمل ومنكره كالمنكر للقرآن، والمشهور من السنة أو المستفيض هو أضعف من المتواتر وأقوى من الأحادي وهو يوجب العمل، واختلفوا في حجيته قطعية أم ظنية على قولين، والآحادي من السنة ظني الدلالة يوجب العمل والمرسل وإن كان أضعف من الأحادي إلا أنه يوجب العمل إذا كان لصحابي أو تابعي.
- ويرون أن المصدر الثالث هو الإجماع إذا استوفى الشروط المعروفة عند الأصوليين والخروج منه فسق وحجيته قطعية، ويرون أنه وقع إجماع بقسميه القولي والسكوتي وأنه من الممكن أن يقع في كل عصر وينقل إلى الناس بالشروط
المعتبرة.
- أما المصدر الرابع: وهو القياس على الأسس المعروفة في كتب الأصول. - ويرون أن المصدر الخامس: هو الاستدلال بأنواعه المختلفة، ويهتمون بالمصالح المرسلة اهتماما خاصا، وربما يكون الإباضية على اعتبار المصالح المرسلة في الدرجة الثانية بعد المالكية (1).
وإليك رأي الإباضية في بعض مسائل أصول الفقه التي قد يختلف فيها مع بعض المذاهب الفقهية
1 - شرع من كان قبلنا شرع لنا إذا لم ينسخ، ونصه الله تبارك وتعالى أو رسوله علينا على جهة التشريع.
- الإجماع القولي حجة قطعية، والإجماع السكوتي حجة ظنية. الحديث الاحادي يفيد العمل ولا يفيد العلم فلا يحتج به في العقائد
1 - علي يحي معمر: الإباضية مذهب إسلامي معتدل، ص 30 - 31.
19 (1/27)
صفحة 28
4 - عمل أهل المدينة أو إجماعهم ليس حجة على غيرهم خلافا للمالكية.
5 - مذهب الصحابي ليس حجة على غيره خلافا للجمهور.
6 - إذا تعارض قول الرسول الله وعمله ولم يمكن الجمع بينهما؛ فالقول أقوى ويقدم على فعله، لأنه أساسا موجه إلى الأمة، أما العمل فيحتمل الخصوصية. ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (1).
ويلاحظ بعد عرض مصادر التشريع عند الإباضية أنهم يتفقون مع الجمهور في معظم أصولهم، مع ملاحظة أنهم توسعوا في اعتماد الأدلة التبعية وهو ما ذهب إليه المالكية أيضاً (2).
فالمذهب الأباضي من حيث نشأته يُعَدُّ أقدم المذاهب الفقهية وقد تأثر بمدرسة الرأي نظرا لنشأته ببيئة العراق والبصرة وقد استخدم علماؤه الرأي والقياس، غير أن تأسيسه على يد جابر بن زيد - وهو مُحدِّث صاحب آثار - طبعه أيضا بطابع مدرسة الحديث وحد من تأثير مدرسة الرأي عليه
(r)
ز أشهر المؤلفات الفقهية عند الإباضية:
لكل مذهب من المذاهب الفقهية كتب ومصنفات دون فيها أصوله وفروعه واجتهادات فقهائه، ويعتبر المذهب الإباضي من أقدم المذاهب الإسلامية تأليفا في الفقه والأصول، وأول من ألف فيه جابر بن زيد في القرن الأول الهجري، فقد ألف ديوانا شاملا للحديث والتفسير والاستنباطات الفقهية، وأقوال الصحابة والتابعين، ولكن مع الأسف قد ضاع مع عوادي الزمن ولم يبق من ثراته إلا بعض الجوابات والرسائل كرسالتيه في النكاح والصلاة وبعض الأقوال المتناثرة في المصادر الإباضية وغير الإباضية، وألف تلميذه أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي كتابا في الزكاة وترك تلميذه الربيع بن حبيب الفراهيدي مسندا في الحديث يُسمى بالجامع الصحيح وهو معتمد الإباضية في الحديث، كما جمع تلميذ الربيع أبو غانم الخراساني
المدونة الكبرى
1 - المرجع نفسه.
2 - علي يحي معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص 409. 3 - النامي: المقدمة على أجوبة ابن خلفون، ص 10.
20 (1/28)
صفحة 29
وتتنوع المؤلفات الفقهية الإباضية، فمنها الموسوعات كموسوعة بيان الشرع في ثلاثة وسبعين مجلدا لمحمد بن إبراهيم الكندي (ق 5 هـ) وقاموس الشريعة لجميل بن خميس السعدي في تسعين مجلدا ومنهج الطالبين وبلاغ الراغبين في عشرين مجلدا لخميس بن سعيد الشقصي (ق 11 هـ) وشرح كتاب النيل وشفاء العليل في سبعة عشر مجلدا لمحمد بن يوسف اطفيش.
وديوان المشايخ وهو تأليف جماعي ألفه سبعة من الفقهاء الإباضية في اثني
عشر جزءا في العبادات والأحوال الشخصية والمعاملات والقضاء والأحكام. أما المؤلفات المختصرة فكثيرة منها كتاب النيل وشفاء العليل لعبد العزيز
الثميني وكتب أبي زكرياء يحي الجناوني في النكاح والصوم، وكتاب الوضع. وفي أصول الفقه كتاب العدل والإنصاف في أصول الاختلاف لأبي يعقوب الوارجلاني (ت: 570 هـ) وطلعة الشمس لنور الدين السالمي (1276 هـ - 1332 هـ)
وغيرها.
ونكتفى بهذا القدر ولا يمكن تعداد كل المؤلفات الإباضية لكثرتها وتنوعها وإنما أوردنا بعضها من باب التمثيل لا الحصر.
وخلاصة القول:
إن ما قدمناه من تعريف للمذهب الإباضي ومصادره وعلمائه ومؤلفاته نرى أنه يكفي لإبراز الصورة الحقيقية لهذه المدرسة الفقهية الأصيلة، وربما يكون دافعا للباحثين والدارسين لدراسة تراثها الفقهي الغزير ووضعه في مكانه الصحيح مع بقية المذاهب الفقهية المشهورة، لأن ذلك يُقوِّي دعائم الجماعة الإسلامية ويوحد صفوفها، ويلم شعث المسلمين في عصر هُمْ أحوج ما يكونون فيه إلى وحدة صفوفهم
ورصد قوتهم لصد هجمات الأعداء المتربصين بهم في الداخل والخارج.
ثانيا: التعريف بالمذهب المالكي ومصادر استدلاله:
-أ- ترجع نسبة المذهب المالكي
إلى مؤسسه أبي عبد الله مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي إمام دار الهجرة، ولد بالمدينة المنورة سنة ثلاث وتسعين للهجرة (93 هـ) واستقر فيها طوال حياته حتى توفي سنة مائة وتسع وسبعين للهجرة (179 هـ) ودفن في البقيع.
21 (1/29)
صفحة 30
نشأ الإمام مالك في رحاب العلم مخلصا له منقطعا إليه شأن كل إمام جليل حيث أغرق نفسه في بحر العلم منذ نعومة أظفاره، وليس ذلك غريبا عن أسرته، فقد كان أبوه وأعمامه وجده من أصحاب العلم وأرباب الفضل، لهم مع العلم صلات ووشائج ومع الفضل روابط وأسباب، وقد ترعرع في المدينة المنورة ورأى آثار الصحابة والتابعين، كما رأى وعاين قبر النبي صلى الله عليه وسلم والمشاهد العظام وفتح عينه بنور العلم فأثر ذلك كله في شخصيته العلمية).
ب شيوخ مالك:
لقد تتلمذ مالك بن أنس على عدد كبير من أعلام عصره في المدينة المنورة، وأول من جلس إليهم من فقهاء المدينة ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ المدني (ت: 130 هـ) المشهور بربيعة الرأي، فأخذ عنه الفقه والحديث والأدب، وكان لسلوك ربيعة وأناقته أثر في سلوك مالك وأناقته، واقتبس من طريقة تفكيره، فكان ربيعة يأخذ برأي أهل المدينة إذا وجدهم اتفقوا على أمر من الأمور، وظهر ذلك في فقه مالك واجتهاداته وكان أستاذه الثاني عبد الله بن هرمز (ت:148 هـ)، وقد لزم مالك صحبته سبع سنين أو ثمان لزوما متصلا لا يختلط بغيره، فتأثر به في علمه وفقهه وورعه. ومن شيوخه كذلك، نافع بن سرجس الديلمي مولى بن عمر (ت: 117 هـ) فنقل عنه فقه عبد الله بن عمر وأحاديثه، وكذلك أبو بكر محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (ت: 124 هـ). وجعفر الصادق بن محمد بن علي بن الحسين، وكان رأس آل البيت في المدينة (ت:148 هـ) وغيرهم (3). وقد أصاب مالك من هؤلاء الشيوخ علما كثيرا وأصبح أستاذا لكبار الأئمة الذين عاصروه مثل الأوزاعي أو جاؤوا بعده بقليل كالشافعي ويحي بن سعيد، بل إن بعض شيوخه من العلماء الكبار مثل يحي الأنصاري ومحمد بن مسلم الزهري ونافع قد جلسوا إليه وترددوا على ندوته العلمية وسمعوا منه حديث رسول الله.
(2)
1 - أبو زهرة محمد مالك حياته وعصره آراؤه وفقهه ص 18 دار الفكر العربي مصر (د. ت) .. مصطفى الشكعة: الإمام مالك بن أنس، ص 3، 1 نشر دار الكتاب اللبناني بيروت 1413 هـ/ 1983 م.
- أبو زهرة: المرجع نفسه، ص 89. الشكعة: المرجع نفسه، ص 27 - 29.
22 (1/30)
صفحة 31
وكان مالك يضع نفسه في مكانها الصحيح من الناحية العلمية رغم شهرته وكثرة تلامذته فيقول: «لا خير فيمن يرى نفسه في حالة لا يراه الناس أهلا لها»، ثم يقول في مناسبة جلوسه للإفتاء: «ليس كل من أحب أن يجلس في المسجد للحديث والفتيا جلس حتى شاور فيه أهل الصلاح والفضل والجهة من المسجد، فإن رأوه لذلك أهلا جلس وما جلست حتى شهد لي سبعون شيخا من أهل العلم أني موضع
لذلك.» (1).
ورغم هذه المكانة الرفيعة في العلم؛ فقد كان مالك مشهورا بالتثبت والتحري يتحرى فيمن يأخذ عنه وفيما يرويه من الأحاديث، ويتحرى في الفتيا ولا يبالي أن يقول: «لا أدري» (2)
- أصحاب مالك وتلامذته:
يرجع
الفضل في انتشار المذهب المالكي في ربوع كثيرة وبقائه حتى اليوم إلى أصحاب مالك وتلامذته، فقد كان عددهم كبيرا، وتفرقوا في الأمصار شرقا وغرباء فضلا عمن آثر البقاء منهم في المدينة، أو طوّف في الأقطار ثم ما لبث أن عاد إلى قواعده، وكل منهم حامل لفقه مالك يعلمه ويرويه، ويعمل على نشره.
عبد
ومن أشهر تلامذة مالك وأبرزهم فريق من المصريين منهم: أبو عبد الله الرحمن بن القاسم (ت: 191 هـ) وأبو محمد عبد الله بن وهب بن مسلم (125 هـ - 197 هـ) وأشهب بن عبد العزيز القيسي (150 هـ - 204 هـ).
ومن تلامذته المغاربة أبو الحسن علي بن زياد التونسي (ت:183 هـ) وأبو عبد الله زياد بن عبد الرحمن القرطبي (ت: 193 هـ) وأسد بن الفرات بن سنان التونسي (145 هـ - 213 هـ) وسحنون عبد السلام بن سعيد التنوخي (ت: 240 هـ).
ومن تلامذته الذين نشروا مذهبه في الحجاز والعراق: أبو مروان عبد الملك بن أبي سلمة الماجشون (212 هـ) وأبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق (282 هـ) (3).
1 - ابن حجر العسقلاني تهذيب التهذيب، ج 10 / ص 5. ابن خلكان وفيات الأعيان، ج 1 ص 439. دار الثقافة بيروت (دت)
-2 - القاضي عياض: المدارك، ج 1 ص 127، دار مكتبة الفكر طرابلس ليبيا (دت). مصطفى الشكعة: الإمام مالك، ص 144,135. وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته ط 2 ج 1 ص 31 - 33 دار الفکر سوريا 1405 هـ / 1985 م.
23 (1/31)
صفحة 32
د مناطق انتشار المذهب المالكي
ليس من شك في أن كثرة تلامذة مالك وانتشارهم في الأصقاع الإسلامية، كان سببا رئيسيا في انتشار المذهب المالكي وغلبته على مذاهب أخرى، وقد أشار إلى ذلك القاضي عياض في مداركه فقال: «غلب مذهب مالك على الحجاز والبصرة ومصر وما والاها من بلاد إفريقية والأندلس وصقلية والمغرب الأقصى إلى بلاد من أسلم من السودان إلى وقتنا هذا، وظهر ببغداد ظهورا كثيرا وضعف بها بعد أربعمائة سنة وظهر بنيسابور وكان بها وبغيرها أئمة ومدرسون»
(1)
وشأن كل مذهب يمر بفترة ازدهار وركود، ولذلك وجدنا المذهب المالكي حاليا قد انحصر من بعض الأمصار لأسباب سياسية، وغيرها، كالأندلس وبغداد، ولا يزال سائدا في شمال إفريقية وجنوب الصحراء الكبرى من إفريقيا وبعض دول الخليج
العربي.
هـ- مصادر الإستدلال عند المالكية:
لم يدون مالك أصوله التي بنى عليها مذهبه واستخرج على أساسها أحكام الفروع التي استنبطها والتي قيد نفسه في الاستنباط بقيودها.
ولكن فقهاء المالكية عمدوا إلى الفروع وتتبعوها واستخرجوا منها ما يصح أن يكون أصولا قام عليها الاستدلال في ذلك المذهب ودونوا تلك الأصول، وأشهر المصادر التي أسسوا عليها الأحكام هي:
1 - القرآن الكريم بنصه وظاهره (وهو العموم)، ودليله) وهو مفهوم المخالفة) ومفهومه (وهو) مفهوم الموافقة) وتنبيهه (وهو التنبيه على العلة) كقوله
(2)
تعالى: فإنه رجس أو فسقانه (1).
2 - السنة النبوية متواترها ومشهورها وآحادها.
3 - الإجماع.
1 - القاضي عياض: المدارك، ص 57. أبو زهرة: مالك، ص 382.
2 - الأنعام: 145.
24 (1/32)
صفحة 33
- القياس بشروطه وضوابطه المعروفة عند علماء الأصول. وفضلا عن هذه الأدلة المتفق عليها عند جمهور الفقهاء فإن من أدلتهم أيضا:
ه - عمل أهل المدينة، إذ هو بمثابة أهلها عن الرسول لا اله الا الله حيث لا يعقل أن يعملوا بخلاف ما شهدوه عنه أو شهده آباؤهم مع ما هو معروف عنهم من اقتدائهم به. 6 - قول الصحابة، وذلك لقربهم من الرسول صلى الله عليه وسلم ومشاهدتهم لسنته وفهمهم
لأسرار التشريع.
7 - المصالح المرسلة، ويعتبر المذهب المالكي أكثر المذاهب عملا بها.
- الاستحسان.
9 - العرف.
10 - سد الذرائع.
11 - الاستصحاب.
12 - وشرع من قبلنا.
13 - ومراعاة الخلاف أحيانا (1)
و- أهم المؤلفات الفقهية عند المالكية
من أهم المؤلفات الفقهية في المذهب المالكي: كتاب الموطأ للإمام مالك، ومدونة أشهب والأسدية لأسد بن الفرات والمدونة الكبرى لسحنون، والواضحة لعبد الملك بن حبيب الأندلسي، والعتبية لمحمد بن أحمد بن عبد العزيز العتبي الأندلسي، ثم الموازية للمواز، ومختصر خليل لخليل بن إسحاق، وقد كتبت عليه شروح عديدة منها الشرح الكبير والصغير لأحمد الدردير وشرح الحطاب، والخرشي وغيرها، ومن الكتب المشهورة كذلك بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد القرطبي، والكافي في فقه أهل المدينة المالكي لابن عبد البر، النمري وغيرها من المصادر الفقهية التي لا
1 - أبو بكر حسن الكشناوي: أسهل المدارك شرح إرشاد السالك في فقه إمام الأئمة مالك، ج 1 ص 7 ط دار الفكر بيروت (د. ت). أبو زهرة: مالك، ص 217. مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب، ص 432,431، ط 10، الدار المصرية اللبنانية القاهرة، 1414 هـ / 1994 م. محمد السايس تاريخ الفقه الإسلامي، ص 1.105 دار الكتب العلمية بيروت 1410 هـ / 1990 م.
25 (1/33)
صفحة 34
يمكن حصرها في هذا المجال، وقد اعتمدنا بعضها في هذه الدراسة (1)
ثالثاً: التعريف بقانون الأسرة الجزائري:
لم تشهد الدولة الجزائرية الحديثة بعد استقلالها عام 1962 م صدور قانون يتعلق بالأحوال الشخصية ينظم علاقة الأفراد والأسر فيما يتعلق بقضايا الزواج والطلاق وآثارهما، حتى جاء قانون الأسرة الجزائري الصادر من الهيئة التشريعية الممثلة في المجلس الشعبي الوطني، وذلك في 9 رمضان عام 1405 هـ الموافق 9 يونيو 1984 م.
لقد أتى هذا القانون في وقت كان المجتمع الجزائري ينتظر صدور تشريع جديد ينظم العلاقات القانونية بين أفراد الأسرة التي هي الحجر الأساسي لبناء المجتمع
والدولة.
وقد مر مشروع هذا القانون بظروف عصيبة ومناقشات شاحنة بين دعاة تحرير المرأة والمحافظين ودامت فترة دراسته عشرين سنة، مر بها خلال فترات متعددة من القاعدة إلى القمة، ومن القمة إلى القاعدة في قنوات عديدة. ويعتبر ميلاد قانون الأسرة الجزائري بعد هذا المخاض العسير انتصارا للمشروع، حيث جاء في وقته بعد أن اشتدت الحاجة إليه.
ورغم ما لقيه من معارضة داخلية من طرف بعض الجمعيات النسوية المتحررة
وما اعتراه من نقص في أحكامه، فإنه قد سد فراغا كبيرا في مجال الأسرة. ومع أنه لم يحقق كل ما هو منتظر منه، فيكفي أنه قد قضى على فوضى الأحكام المتضاربة، والأفكار المتناقضة التي عاشها القضاء الجزائري زمنا طويلا في مجال أحكام الأحوال الشخصية كان خلاله مقيدا بنماذج لأحكام موروثة من عهد القضاء التركي حيث كانت الدولة العثمانية تحكم الجزائر قبل الاستعمار الفرنسي في القرن التاسع عشر الميلادي وكانت هذه الأحكام خاضعة لتعابير وأساليب جامدة بعيدة
عن التعابير القانونية وعن اللغة العربية.
ويكفيه اليوم شرفا أن نقول: إن قانون الأسرة قد وحد المصدر والمرجع، وترك
1 - أبو زهرة: مالك، ص 194. الشكعة الإمام مالك، ص 147.
26 (1/34)
صفحة 35
للقضاء توحيد الفهم لنصوصه وأسلوب تطبيقه (1).
وقد استمد هذا القانون أحكامه وتشريعاته من الشريعة الإسلامية عامة وخاصة من آراء فقهاء المالكية والإباضية في مجال الأسرة ومن العرف والعادات
والتجارب السائدة في المجتمع الجزائري التي لا تتصادم مع النصوص الشرعية. وحتى ندرك أهمية هذا القانون ونتصور مضمونه لا بأس أن نستعرض محتوياته بصفة إجمالية ليتسنى لنا مقارنته بالفقه الإسلامي فتظهر أوجه الاتفاق والاختلاف بينهما.
يشمل قانون الأسرة على مائتين وأربع وعشرين مادة (224) موزعة في مائة وست صفحات (106).
ويحتوي في بدايته على مدخل لأحكام عامة تتعلق بتعريف الأسرة ودورها في
المجتمع.
ثم انقسم إلى أربعة كتب:
الكتاب الأول: وتناول فيه الزواج وانحلاله:
الكتاب الثاني: وتناول فيه النيابة الشرعية.
الكتاب الثالث: وخصص للميراث.
هذا وتجدر الإشارة إلى أن قانون الأسرة حرر باللغتين العربية والفرنسية مراعاة للثقافة السائدة في المجتمع، ولأجل الرفع من مستوى القانون وتلافيا للنقص والخلل الذي اعتراه في بعض مواده أو ظهرت بعد تطبيقه، فقد تقدمت الحكومة الجزائرية الحالية (3) بمشروع لمراجعة القانون وإثرائه تماشيا مع القضايا المستجدة في المجتمع حيث تقتضي الحاجة دوما إلى تشريع أحكام قانونية جديدة تقدم حلولا للمشكلات الطارئة وتنظمها في إطار القانون.
2
-1
عبد العزيز سعد:: الزواج والطلاق في قانون الأسرة الجزائري ص 12 - 13، 2 طبع ونشر دار البعث، قسنطينة، الجزائر، 1989 م كل هذه المواد أخذت من نص قانون الأسرة الجزائري الصادر عام 1984 م، وما يزال يطبق في محاكم
الجزائر عام 1999.
27 (1/35)
صفحة 36
وما يزال هذا المشروع قيد الدراسة والبحث ينتظر المناقشة من نواب المجلس الشعبي الوطني للتصديق عليه، حتى يصبح ساري المفعول وجاهزا للتطبيق.
28 (1/36)
صفحة 37
الباب الأول
مكونات عقد النكاح
وبيان مفهوم الصحة والبطلان
عند الفقهاء والأصوليين (1/37)
صفحة 38
[صفحة فارغة] (1/38)
صفحة 39
الفصل الأول
التعريف بعقد النكاح
وبيان مكوناته وشروطه (1/39)
صفحة 40
[صفحة فارغة] (1/40)
صفحة 41
المبحث الأول
تعريف عقد النكاح، وبيان مشروعيته
أولا: تعريف النكاح
في
اللغة: كلمة النكاح تعني في اللغة الضم والتداخل والجمع؛ يقال: تناكحت الأشجار إذا تمايلت وانضم بعضها إلى بعض، وتداخلت أغصان بعضها في بعض. وتستعمل كذلك للوطء، وللعقد.
قال الفارسي: «إذا نكح فلانة، أو بنت فلان فالمراد العقد، وإذا قالوا نكح زوجته؛ فالمراد الوطء».
وقال الأزهري: «النكاح الوطء، وقد يكون العقد، تقول: نكحتها، ونكحت؛ أي
تزوجت وهي ناكح في بني فلان؛ أي ذات زوج منهم».
كما يراد بالنكاح البضع، والجماع، ويُراد به التزويج.
وذهب البعض بأن أصل النكاح؛ لزوم شيء لشيء مستعليا عليه، ويكون ذلك في الحسيات؛ كالوطء. يُقال: نكح المطر الأرض، إذا اعتمد عليها، ويكون في المعاني؛ كنكاح النعاس العين، إذا غلب عليها
(1)
الزواج: أما كلمة الزواج فقد استعملته العرب في اقتران أحد الشيئين بالآخر، وارتباط كل واحد بالآخر، بعد أن كانا منفصلين، ومن ذلك قوله تعالى: {وزوجناهم
، (3)
بحور عين)؛ أي قرناهم بهن، وقوله سبحانه و إذا النفوس زوجت (؟)؛ أي قرنت
بأبدانها، أو بأعمالها.
1 - ابن منظور: لسان العرب ج 14 ص 279، 280، تح: أمين عبد الوهاب محمد الصادق العبيدي ط 1، دار إحياء التراث العربي، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت، لبنان: 1416 هـ / 1995 م.
2 - الطور: 20.
3 - التكوير: 7.
33 (1/41)
صفحة 42
ثم شاع استعمال لفظ الزواج في اقتران الرجل بالمرأة على سبيل الدوام،
والاستمرار لتكوين أسرة، فصار عند الإطلاق لا يراد منه إلا ذلك (1)
في الشرع:
اختلف الفقهاء في حقيقة النكاح في الشرع، فقال بعضهم هو الجماع نفسه، وقال بعضهم هو العقد؛ لأن العرب تسمى العقد نكاحا، لأنه يبيح الوطء فسمي
السبب باسم المسبب له.
الفريق الأول:
ذهب جمهور فقهاء الإباضية، وآخرون إلى أن النكاح حقيقة في العقد مجاز في الوطء؛ لأنه المشهور في القرآن والسنة (2)
(د)
ووافق المالكية رأي الإباضية، فقالوا: النكاح حقيقة التداخل، ويُطلق في الشرع على العقد والوطء، وأكثر استعماله في العقد، والصحيح أنه لا يطلق على الصداق، وقيل ورد بمعنى الصداق في قولة تعالى: وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا (3) ولا خلاف في أنه حقيقة في الوطء عند أهل اللغة، وأما إطلاقه عند العقد فقيل حقيقة، والصحيح أنه مجاز، وعلله فقيل: مجاز مساو، وقيل راجح، وهو الصحيح).
(4)
أي أن النكاح في مفهوم الشارع على الصحيح في مفهوم المالكية عند إطلاقه يراد به العقد، فهو حقيقة فيه، وإطلاقه على الوطء، إطلاق مجازي بعكس مفهومه في اللغة، وفي رأي لبعض المالكية أن النكاح مشترك بين كل من العقد والوطء، وإن كان أكثر استعماله في العقد (ه).
1 - بدران أبو العينين بدران: الفقه المقارن للأحوال الشخصية (ج 1 / ص 9، دار النهضة العربية للطباعة والنشر بيروت لبنان: 1386 هـ / 1967 م. عبد العزيز عامر: الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية ج 1 ص 9 طا، دار الفكر العربي القاهرة: 1404 هـ / 1984 - اطفيش شرح النيل ج 6 / ص 5. ط 3 مكتبة الإرشاد، جدة، المملكة العربية السعودية 05 1405 هـ / 1985 م. 3 - النور: 33.
م.
- الحطاب مواهب الجليل شرح مختصر الخليل، ج 3 ص 3 - 4. ط دار الفكر 1413 هـ / 1993 م
ه - أحمد الحصري: النكاح والقضايا المتعلقة به ص 8، 15 دار ابن زيدون للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت 1406 هـ / 1986 م ..
34 (1/42)
صفحة 43
وقد استدل جمهور الإباضية والمالكية على رأيهم بأدلة من القرآن والسنة
(أ) من القرآن الكريم:
1 - قال الله تعالى فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره). وجه الاستدلال: أي حتى تتزوج، ويعقد، ومفهومه أن هذا كاف بمجرده، لكن بينت السنة أنه لا عبرة بمفهوم الغاية، وأنه لا بد بعد العقد من تذوق عسيلتها؛ لأن شرط الوطء في تحليل الزوجة إنما ثبت بالسنة، والعقد لا بد منه.
فالمراد العقد، والوطء مستفادا من هذا الخبر
(2)
2 - وقال الله تعالى: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد
وجه الاستدلال: أن النكاح هنا يراد به التزويج؛ وهو عقدة النكاح، فقد حرم الله على المسلمين أن يتزوجوا ما تزوج آباؤهم، فكان التحريم هنا تحريم عقد النكاح، وليس الوطء والجماع
-3 - قالوا لو كان إطلاق النكاح على الوطء من قبيل الإطلاق الحقيقي لما صح نفي هذا المعنى عنه، لكن ورد في النصوص الشرعية، وفي التراكيب العربية ما يفيد وقوع ذلك، فقد نفي معنى الوطء عن النكاح وذلك كما في قول الرسول ولدت من نكاح لا من سفاح» (4).
4 - النكاح ينعقد بصيغة أنكحتُ، وزوجت؛ أي أن النكاح أحد اللفظين اللذين ينعقد بهما هذا العقد عند إطلاقه بمعنى العقد، استعمال حقيقي كاستعمال زوجتُ بمعنى عقدت الزواج (0).
1 - البقرة: 230. 2 - صالح الأزهري: جواهر الإكليل شرح مختصر الخليل، ص 274 - 275. أبو سعيد الكدمي: الاستقامة، ج 3 ص 196 وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته، ج 7 ص 3.
- النساء: 22.
- السيوطي الجامع الصغير جـ 3 حديث رقم 3091 بلفظ (خرجت من نكاح (وأنظر العجلوني، كشف الخفاء حديث رقم 1206) بلفظ ولم أخرج من سفاح) وانظر المتقي الهندي: كنز العمال حديث رقم 31867 ..
ه - أحمد الحصري: ص 11.
35 (1/43)
صفحة 44
8
(ب) من السنة النبوية
عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها، باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له).
وجه الدلالة أن المراد بالنكاح هنا عقد النكاح، وليس الوطء؛ لأن الحديث يراد به الأطراف التي تحضر مجلس عقد النكاح حتى يتم ويكون صحيحا (3).
الفريق الثاني:
ذهب الحنفية، وأهل الأصول، واللغة إلى أن النكاح حقيقة في الوطء مجاز في العقد، فحيث جاء في الكتاب أو السنة مجردا من القرائن، يراد به الوطء كما في قوله
تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف (3)
وجه استدلال الآية أنه لا يجوز نكاح من وطئهن آباؤكم من النساء. كما استدلوا بقوله تعالى: فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا يره) أي حتى يطأها زوج غير المطلق.
غيره
قال الزمخشري في تقرير هذه الحقيقة ليس في الكتاب لفظ النكاح بمعنى الوطء إلا قوله تعالى حتى تنكح زوجا غيره لخبر الصحيحين حتى تذوقي عسيلته).
ويترتب على هذا الرأي الأحكام التالية:
أ تحريم مزنيَّة الأب على الابن؛ أي على فروعه، وتكون حرمتها على الفروع ثابتة بنص القرآن، أما حرمة التي عقد عليها عقدا صحيحا على الفروع فحرمتها
ثابتة بالإجماع.
1 - رواه الخمسة إلا النسائي. انظر الشوكاني نيل الأوطار، ج 6/ ص 134.
0 -
- أبو غانم الخرساني: المدونة، ج 2 ص 2. ط 1 دار اليقظة العربية للتأليف والترجمة والنشر. سوريا ولبنان
1394 هـ / 1974 م
- النساء: 22.
4 - البقرة: 230.
-- رواه الجماعة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العسيلة هي الجماع». محمد بن علي الشوكاني: نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار ج 1 / ص 285، دار إحياء التراث العربي، بيروت لبنان.
36 (1/44)
صفحة 45
ب لو قال الزوج لزوجته: إن نكحتك فأنتِ طالق تعلق الشرط بالوطء، وكذا لو أبانها قبل الوطء ثم تزوجها، تطلق بالوطء لا بالعقد.
أما نكاح المرأة الأجنبية فيراد به العقد؛ لأن وطأها لما حرم عليه شرعا كانت الحقيقة مهجورة فتعين المجاز وهو العقد ().
واستدل الفريق الثاني أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم: «يحل للرجل من امرأته الحائض كل شيء إلا النكاح (0) (2).
فهذا الحديث وغيره يُشير إلى أن لفظ النكاح عند إطلاقه إنما يطلق على الوطء، ولا يفهم منه العقد عند استعماله إلا بقرينة كما في قوله تعالى: فانكحوهن بإذن أهلهن (3) فقد أريد هنا من النكاح العقد عليهن لا وطؤهن؛ لأن الوطء لا يتوقف على إذن الأهل، وكذلك كان لفظ (انكحوا) مرادا به العقد في قوله تعالى: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) لقرينة صارفة عن المعنى الحقيقي، وهي ذكر العدد حيث يختص العقد بالعدد، ولا يختص به الوطء. وقد كثر استعمال العرب للفظ نكاح بمعنى الوطء فمن ذلك قول الأعشى:
(4)
ومنكوحة غير ممهورة
وأخرى يقال لها فادها.
يعني ومسبية موطوءة بغير عقد ولا مهر.
مجمل القول:
يتضح مما سبق ذكره أنه إذا ورد لفظ النكاح في كتاب الله أو سنة نبيه مجردا عن القرينة يُراد به الوطء عند الحنفية، ويراد به عقد الزواج عند الجمهور.
1 - الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته، ج 7/ص 30.
-- كلمة النكاح هنا تعني الوطء حتى عند الفريق الآخر إذ القرينة - وهي كونه متزوجاً لها – تدل على أنه أراد
بنكحتك وطئتك.
2 - علاء الدين السمرقندي: تحفة الفقهاء، ج 2 / ص 175. ط 1 مطبعة جامعة دمشق 377 - 1378 هـ / 1958 -
1959 م
النساء: 25.
37
- النساء: 3. (1/45)
صفحة 46
ولعل ما ذهب إليه أبو محمد) (رحمه الله يجمع بين الرأيين، ويقرب بينهما
دون تعارض حيث قال: «النكاح: اسم يقع على التزويج دون الوطء وبعد العقد يقع على الجماع» (2).
تعريف عقد النكاح:
لقد اختلفت عبارات الفقهاء في تعريف عقد النكاح، ولكن معظمها متقاربة في المعنى من ذلك:
ما عرفه بعضهم بأنه: «عقد يتضمن إباحة الاستمتاع بالمرأة بالوطء، والمباشرة والتقبيل والضم وغير ذلك، إذا كانت المرأة غير محرم بنسب أو رضاع أو
صهر».
وعرفه آخر بأنه: «عقد وضعه الشارع ليفيد ملك استماع الرجل بالمرأة، وحل استمتاع المرأة بالرجل (3).
وقال ابن عرفة المالكي: «النكاح عقد على مجرد متعة التلذذ بآدمية غير موجب قيمتها ببينة قبله، غير عالم عاقده حرمتها، وإن حرمها الكتاب على المشهور أو الإجماع على الآخر).
•
ويتضمن التعريف الأخير المعاني التالية:
إن النكاح هو ارتباط ناشئ عن إيجاب وقبول موافق لهذا الإيجاب قصد بهما إباحة المتعة المجردة بالآدمية، على أن تسبق هذه المتعة إعلام و شهود.
وتخرج بقيود التعريف ما يلي:
أ- البيع و الكراء، إذ يخرجهما قيد على متعة التلذذ.
1 - هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة السليمي البهلوي، موطنه بهلا قرب نزوى في سلطنة عمان، وهو من علماء القرن الرابع الهجري، ومن أشهر مؤلفاته: كتاب الجامع في الفقه والأصول، تحقيق عيسى الباروني،
راجع ترجمته في مقدمة كتاب الجامع لإبراهيم بن سعيد العبري، ج 2/ ص 1 - 3. 2 - خميس الشقصي: ج 15/ ص 27.
الزحيلي: ج 7 ص 30
- الحطاب: ج 3 ص 403.
38 (1/46)
صفحة 47
آدمية.
ب الزواج بجنية، والتعاقد على الطعام والشراب، وهذه العقود خرجت بقيد
ج - إعارة رجل أمته لمن يتلذذ بها، فهذا العقد خرج بقيد غير موجب قيمتها،
وإن وقع ببينة.
-- وأفاد قيد ببينة قبله؛ أنه لا بد من البينة قبل التلذذ فيخرج به صور الزنا. م - العقد على المرأة المحرمة بالكتاب لا يُعتبر نكاحا، وأما لو كانت محرمة بالإجماع فالمشهور أنه يُعتبر نكاحا فاسدا، وهناك رأي يقول: إن نكاح المحرمة بالإجماع ليس بنكاح).
ومما يجب الإشارة إليه في هذا الصدد أن العقد المذكور في التعريفات السابقة كما يطلق عليه لفظ النكاح، يُطلق عليه لفظ الزواج في المعنى الشرعي؛ إلا أن القرآن والفقهاء أكثروا من استعمال لفظ النكاح عن لفظ الزواج، وعلى ذلك يكون مدلول لفظي النكاح والزواج في لسان الفقهاء واحدا فلا مشاحة في الاصطلاح، وسوف نستعمل في دراستنا اللفظين معا إن شاء الله.
ومما سبق بيانه يمكن أن نستنتج من التعريفات السابقة ما يلي 1 - إن عقد النكاح بالنسبة للرجل يفيده الملك الخاص به فلا يحل لأحد غيره. إذ لا يجوز للمرأة أن تتزوج بغيره.
2 - إن هذا العقد يفيد بالنسبة للمرأة حل الاستمتاع لا الملك الخاص بها؛ لأنه يجوز للرجل أن يُعدد الزوجات، فيصبح الملك حقا مشتركا بينهن، ولا يجوز للمرأة أن تعدد الأزواج.
- إن القصد من عقد النكاح هو ملك المتعة، أو حلها وهذا يشير إلى أن هذا هو مقصده عند الناس، وعند الشارع أيضا (2).
وقد عرف قانون الأسرة الجزائري عقد النكاح في المادة الرابعة:
فقال: «الزواج هو عقد يتم بين رجل وامرأة على الوجه الشرعي، ومن أهدافه
1 - أحمد الحصري، ص 13 - 14.
2 - أبو زهرة: محاضرات في عقد النكاح وآثاره، ج 43.
39 (1/47)
صفحة 48
تكوين أسرة أساسها المودة والرحمة والتعاون، وإحصان الزوجين، والمحافظة على الأنساب»).
ويلاحظ في هذا التعريف أنه حدد مدلول الزواج وغايته، فهو يتفق في جملته مع تعاريف الفقهاء للزواج؛ لأنه مستمد من الفقه الإسلامي إلا أنه لم يتعرض للتفصيلات التي وردت في تعريفات الفقهاء.
ثانيا حكمة مشروعية النكاح
الإنسان مطبوع على حب البقاء بحكم أنه بشر، ويتم هذا البقاء بطريق النسل المنسوب إليه من الأبناء و الحفدة، ومن هنا كان تنظيم الفطرة البشرية عن طريق
الزواج.
وقد اهتمت الشرائع السماوية - منذ وُجدت - بتنظيم النكاح فهو شريعة قديمة شرع منذ آدم عليه السلام ويستمر إلى يوم القيامة.
كما اهتمت الشريعة المحمدية بتنظيم النكاح بما يتفق والحكمة من تشريعه؛ لأن فيه سعادة المجتمع، وصفاء الحياة وتقدم البشرية، وقد أعطته أوصافا متعددة حسب الأحوال والظروف الشخصية؛ فمرة ترى لزومه وتحتمه، ومرة ترى منعه؛ لأنه لن يُحقق الثمرة المرجوة منه في ظل ظروف معينة، ومرة ثالثة تجعله مندوبا ورابعة تجعله مستحبا، وحرْصُ الإسلام على سعادة البشرية هو الذي جعله يتطور بهذا العقد فيجعل له مراتب مختلفة حسب الظروف والملابسات وهذا دليل على صلاحية التشريع الإسلامي، ومناسبته لكل زمان ومكان.
فبالنكاح بقاء النوع الإنساني، وتنظيم الشهوة حتى لا تكون النعمة نقمة، وبه يكون تدبير المنزل، وكثرة النسل، ومجاهدة النفس ورياضتها بالرعاية والولاية والقيام بحقوق الأهل، والصبر على أخلاق الزوجات، والسعي في تكوين أسرة
ومجتمع سليم.
ثالثاً: أدلة مشروعية الزواج
وقد ثبتت مشروعية النكاح بالقرآن والسنة والإجماع.
1 - المشرع الجزائري الممثل في نواب المجلس الشعبي الوطني: قانون الأسرة الكتاب الأول: الزواج وانحلاله الباب الأول، الزواج، ص 6. ط 1 نشر وزارة العدل، الجزائر صدر في 9 رمضان 1404 هـ / 1984 م.
40 (1/48)
صفحة 49
1 من القرآن الكريم أ- قال الله تعالى: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع). وجه استدلال الآية: إنه يحل نكاح الواحدة، والاثنتين، والثلاثة، والأربعة، ولا يحل ما فوق ذلك أن يجمع.
والأمر هنا في الآية للإباحة، وليس للإيجاب، فمن شاء نكح ومن شاء ترك (2). ب وقال تعالى: وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم (3). وجه استدلال الآية: أن لفظ أنكحوا إطلاق، وأمر تعريف وترغيب، ودلالة على ما أباح لكم نكاحه، وليس ذلك الأمر فرضا؛ لأن الفرض واجب.
وقيل الأمر بالنكاح في الآية موجه إلى الأولياء أن يزوجوا من يلون تزويجه من النساء؛ لأن ألف وأنكحوا الأيامى ألف قطع، وألف فانكحوا ما طاب لكم من النساء، ألف وصل، والأيامى النساء اللاتي لا أزواج لهن كن ثيبات أو أبكارا والصالحين من عبادكم يخرج معنى الإعفاء عن الحرام من العبيد والإماء، فأوجب النكاح على من تاقت نفسه إليه واشتهاه، ووجد إليه السبيل، والمرأة والرجل في ذلك سواء إلا أن الرجل يُشترط عليه وجود المال للمهر، والنفقة والكسوة).
- من السنة النبوية
أ عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه - قال: قال رسول الله: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (ه).
ا - النساء: 3.
- أبو زكرياء الجناوني: كتاب النكاح، ص 11. أعده سليمان أحمد عون الله، ومحمد ساسي زعرود، علق عليه: علي يحي معمر،، ط 2، المطابع العالمية، روي سلطنة عمان، 1988 م.
3 - النور: 32. 4 - خميس الشقصي: ج 15/ص 15.
ه - رواه الجماعة الشوكاني نيل الأوطار، ج 6 / ص 113. الصنعاني: سُبل السلام، ج 3 ص 109. ط 8 نشر دار
الكتب العربي. بيروت، لبنان. 1416 هـ / 1995.
41 (1/49)
صفحة 50
وجه استدلال هذا الحديث أن الرسول الله يرغب الشباب للزواج إذا كان قادرا على تكاليفه المادية والمعنوية، وعبر عنها بالباءة، والوجاء مأخوذ من وجأ بمعنى قطع؛ أي أن الصوم قاطع للشهوة عند من لم يقدر على الزواج؛ لأن الصوم يلقي في النفس روحانية، ويُقوي الإرادة، وفي ذلك كف للنفس عن الحرام).
ب عن معقل بن يسار قال بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة (3).
ج - حديث الرهط الثلاثة الذين عزموا على أمور:
الأول: أن يُصلي الليل أبدا، والثاني: أن يصوم الدهر أبدا، والثالث: أن يعتزل النساء فلا يتزوج أبدا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (3).
من الإجماع:
أجمعت الأمة الإسلامية من بعد وفاة الرسول ل لا لا لا لا لا نعلم خلافا عن ذلك إلى يومنا هذا على مشروعية النكاح لكل من قدر على تكاليفه ومستلزماته الضرورية، وقد اقتدى سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين بالرسول الله فتزوجوا النساء وداموا عليه، ولم يُنقل عن أحدهم مخالفة هذه السنة في الزواج والمداومة والمتابعة دليل
على المشروعية (4)
خلاصة القول:
إن مجموع ما أوردناه من أدلة من القرآن والسنة والإجماع قد تظافرت كلها لتؤكد لنا بأن النكاح مشروع في الإسلام، وأن الله تعالى ورسوله قد حثا عليه.
1 - أبو زهرة محاضرات في عقد الزواج وآثاره، ص 48، دار الفكر العربي القاهرة، 1971 م. 2 - رواه أبو داود والنسائي، وصححه الحاكم الشوكاني: ج 6 / ص 118.
- متفق عليه، عن أنس بن مالك انظر: الشوكاني، ج 6/ ص 113.
4 - الزحيلي: ج 7 ص 33.
42 (1/50)
صفحة 51
المبحث الثاني
أركان عقد النكاح
اختلف الفقهاء والأصوليون في تحديد مدلول الركن والشرط، ونتيجة لهذا الاختلاف فقد انعكس ذلك في تحديد عناصر عقد النكاح.
1 - فقد عرف الجمهور الركن بأنه ما به قوام الشيء ووجوده، فلا يتحقق ماهيته إلا به، سواء كان جزءا منه أو خارجا عنه.
أما الشرط فهو ما يتوقف عليه وجود الشيء، وليس جزءا منه، فمثلا: صيغة عقد النكاح تتكون من الإيجاب والقبول، وهي ركن العقد؛ لأن بها قوام العقد ووجوده، في حين يُعتبر الرضا شرطا في صحة العقد، فلا يُعد أساسا لتحقق العقد ونشأته، وإنما يتوقف عليه صحته ومشروعيته (1).
2 - أما الحنفية فقد عرفوا الركن بأنه ما يتوقف عليه وجود الشيء، ويكون جزءا داخلا في حقيقته؛ كالركوع والسجود في الصلاة.
أما
الشرط: فهو ما يتوقف عليه وجوده الشرعي وصحته، وليس داخلا في
حقيقته؛ كالوضوء بالنسبة للصلاة (2).
من هذه التعريفات للركن والشرط يتضح لنا أن الفقهاء ليسوا على اتفاق في تحديد أركان عقد النكاح وشروط صحته، فما اعتبره بعضهم ركنا للعقد، عده الآخر شرطا له، غير أن هذا الاختلاف لا يترتب عليه أثر من حيث صحة النكاح ومشروعيته، إذ الخلل في الركن يجعل العقد باطلا لا وجود له والخلل في الشرط يجعله فاسدا غير مشروع.
ولبيان هذا الاختلاف في الأركان والشروط نستعرض آراء الفقهاء في تحديد عناصر عقد النكاح ونحاول التوفيق بينها إن أمكن ذلك.
1 - الزحيلي: ج 7/ ص 36.
2 - المرجع نفسه.
43 (1/51)
صفحة 52
أولا عناصر عقد النكاح عند الإباضية
يرى جمهور فقهاء الإباضية أن عقد النكاح لا يتم إلا بأربعة عناصر وهي: الولي، والناكح؛ (وهو الزوج) والشهود، ورضا المرأة، وكل عقد اختل فيه أحد هذه العناصر فهو باطل مردود لا ينعقد، وجاهل من عقده (1).
قال أبو إسحاق الحضرمي: «ولا يتم النكاح إلا بأربع خصال، أحدهما: الولي، الثاني: رضا المرأة، الثالث: قبول الزوج الرابع: حضور الشاهدين (3).
بينما نجد بعض الإباضية يكتفي بذكر ولي المرأة والزوج والشاهدين، ولم يذكر رضا المرأة، ولعله اعتبر رضى ولي المرأة يقوم مقامها؛ لأن المرأة لا تحضر مجلس
العقد.
قال صاحب بيان الشرع: «بلغنا أن كل نكاح لم يحضره أربعة: ولي، وخاطب، وشاهدان، فهو باطل مردود وسفيه من صنعه (3).
وقد نقل الجناوني عن بعض فقهاء الإباضية أنهم اعتبروا الصداق من أركان عقد
النكاح فقال: «إنه إنما يتم النكاح بالولي، والشهود والرضى، والصداق» (4). وقد علق على هذا القول علي يحي معمر قائلا: «مفهوم هذه العبارة أن أركان النكاح، هي: الولي، والشهود والرضا والصداق، فإذا تخلف واحد منها لم يتم النكاح، والمعمول به عند أصحابنا (الإباضية)، أنه لو تخلف الولي أو الشهود عن العقد لم يتم أما الرضى فإن وقع قبل المس و لو بعد العقد فالنكاح صحيح، أما إذا وقع بعد المس، فإن كان مغالبة فإن الزوج، عاص، وتحرم المرأة على ما رجحه القطب) وبكلي) ويثبت الصداق والنسب» ()
1 - خميس الشقصي: منهج الطالبين، ج 15 / ص 78 سلمة العوتبي: الضياء، ج 8/ ص 345.
2 - الحضرمي: مختصر الخصال، ج 2 ص 157. ط 1 نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان 1403 هـ / 1983 م.
- محمد بن ابراهيم الكندي: بيان الشرع، ج 47/ص 18.
- الجناوني: كتاب النكاح، ص 84. ط 2 المطابع العالمية، روي، سلطنة عمان 1988 م
- القطب: يطلق على امحمد بن يوسف اطفيش،. بكلي عبد الرحمن محقق كتاب النيل لعبد العزيز الثميني. ه - على يحيي معمر الحاشية على كتاب النكاح للجناوني: كتاب النكاح، ص 84.
44 (1/52)
صفحة 53
ومما استدل به جمهور الأباضية على مذهبهم ما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم «أن كل نكاح لم يحضره أربعة، أو لم يكن بأربعة فهو سفاح؛ ولي وشاهدين ومتزوج أو قال: زوج.» (1).
ومن الأحاديث التي تؤكد ذلك ما رواه ابن العباس أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لا طلاق إلا بعد نكاح ولا ظهار إلا بعد نكاح ولا عتاق إلا بعد ملك ولا نكاح إلا بولي وبينة". ويلاحظ مما سبق ذكره أن النقول الواردة عند الإباضية لا تجزم قطعا أن هذه العناصر الأربعة التي ذكرت تعد أركانا لعقد النكاح لا شروطا لصحته؛ لأن أي من هذه النقول لم تأت بتسمية ركن بل استعملوا عبارات قريبة من ذلك كالقواعد، والخصال والشروط كما يتضح ذلك من عبارة صاحب كتاب النكاح لما كان في صدد الحديث عن حكم عقد النكاح سِرا دون إعلانه فقال: «ويجوز عقده سرا وعلانية إذا كان تاما شروطه من الولي والصداق والشهود والرضا (3).
وقد جرى على ذلك صاحب شرح كتاب النيل فقال: «وإن صح بشروطه كولي، وشهود، وصداق، وقبول زوج، ورضى امرأة» (4)
فهذه عبارات فقهاء الإباضية المتقدمين، أما فقهاؤهم المتأخرين فقد اضطربت عباراتهم في التمييز بين أركان النكاح وشروطه؛ فمنهم من اختار لفظ الأركان في تحديد عناصر هذا العقد، حيث قال المحقق علي يحي معمر: «إذا كان رضا المرأة، وموافقة الولي ركنين من أركان الزواج فإن إقدام الزوج على المس بالقوة والتغلب مع إنكار المرأة للزوج عمل لا يجوز بل هو كبيرة» (9).
بينما نجد آخرين أطلقوا على هذه العناصر شروط صحة النكاح، ومن ذلك ما
1 - لم نعثر عليه بهذا اللفظ ولعله قول مأثور، أنظر الشقصي: منهج الطالبين، ج 15 / ص 21. الكندي: بيان الشرع، ج 47/ص 18.
2 - الربيع بن حبيب الجامع الصحيح، كتاب النكاح)، باب في الأولياء، حديث رقم (510) ج 2 / ص 206، ط 1 مطبعة دار الحكمة بيروت لبنان، دمشق سوريا. ورواه الحاكم وقال: هذا الحديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقال: أنا متعجب من الشيخين الإمامين كيف أهملا هذا الحديث ولم يخرجاه في الصحيحين فقد صح على شرطيهما، حديث بن عمر وعائشة وعبد الله بن عباس ومعاذ بن جبل وجابر بن عبد الله -رضي الله عنهم، أنظر المستدرك، ج 2 ص 419.
10
- الجناوني: ص 126. - امحمد اطفيش شرح كتاب النيل، ج 6/ ص 255. - الجناوني: ص 126.
45 (1/53)
صفحة 54
ذكره المحقق عبد الرحمن بكلي في معرض حديثه عن حكم مس المرأة من قبل زوجها قبل رضاها أو رضى وليها، هل تحرم عليه بذلك المس أم لا؟، فقال: «إن كل ما سبق موافقة الولي هو زنى، وهو سبب كاف في تحريم المرأة عليه ( .. )، واشتراط موافقة المرأة المسبقة لصحة النكاح كاشتراط موافقة الولي أيضا، وبطلان النكاح بل تحريمها عليه إذا وقع المس قبل الموافقة وقد صرح عبد الرحمن بكلي في تعاليقه على كتاب النيل بشروط النكاح لما كان في صدد الحديث عن حكم المرأة التي تزوجت بدون ولي ووقع الدخول، فقال: «إن النكاح لا يصح ولا ينعقد إلا إذا استوفى شروطه، من ولي، وشهود، وصداق، ورضى المرأة، وإلا كان غير صحيح، فكان بذلك زني تحرم بمقتضاه المرأة ولا تؤثر في الإجازة بعد ذلك (2).
ثانيا: أركان عقد النكاح عند المالكية
يرى جمهور فقهاء المالكية أن أركان عقد النكاح أربعة وهي: الولي، والصداق، ومحل العقد، (وهو الزوج والزوجة)، والصيغة وهي: الإيجاب والقبول، ويؤكد هذا ما جاء في متن خليل قوله: «وركنه ولي وصداق، ومحل () وصيغة؛ بأنكحت وزوجت» (3).
مقارنة بين الإباضية والمالكية في تحديد عناصر عقد النكاح مما سبق بيانه نلاحظ أن الإباضية لم يحددوا أركان النكاح حسب عبارتهم بشكل صريح وبيّن، خاصة عند المتقدمين منهم، ومن ثم فلا يمكن الجزم بأن تلك العناصر الأربعة التي ذكروها هي أركان العقد، وعلى فرض أنها أركان، كما وصفها المتأخرون منهم، فيحصل لدينا اختلاف في بعضها مع المالكية.
وعليه فبالمقارنة بين المذهبين نجد الإباضية وافقوا المالكية في اعتبار الولي
1 - (الجناوني: ص 76 - 77. - المرجع نفسه ص 69.
(.) وقد أشار الشيخ الدسوقي المالكي في شرحه لما جاء في مختصر خليل إلي أن المحل يُرَادُ به الزوج والزوجة انظر الدسوقي: الحاشية على الشرح الكبير للدردير، ج 2/ ص 22. دار الفكر للطباعة والنشر بيروت (دت) 3 - صالح الأزهري: جواهر الإكليل شرح مختصر الخليل، ص 277، دار إحياء الكتب العربية القاهرة (دت). ابن عبد البر النمري القرطبي: الكافي في فقه أهل المدينة المالكي، ص 229، 2، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان 1413 هـ / 1992 م.
46 (1/54)
صفحة 55
والزوج من عناصر العقد، واختلفوا معهم في بقية العناصر وهي الصيغة ورضى المرأة والشهود والصداق.
فالإباضية يعتبرون رضى المرأة من عناصر العقد الأساسية فهي في درجة الأركان التي بإختلالها بطل العقد بينما يعتبرها المالكية من شروط صحة العقد. أما الشهادة فيعتبرها الإباضية من أركان العقد بينما يعتبرها المالكية شرطا في تمام العقد يُؤمر به عند الدخول، ولذلك لولم يحضر العقد الشاهدان فالعقد صحيح ما دام قد أعلن بالنكاح، كما أنه يُلاحظ أن جمهور المالكية يعتبرون الصداق من أركان عقد النكاح في حين نجد الإباضية يجعلونه من شروط كمال العقد؛ بحيث يمكن أن يتم إنشاء العقد بدون تسمية الصداق، وذكره في بنود العقد، وهو ما يسمى بنكاح التفويض، ولكن يجب بالدخول ويذهب بعض الأباضية إلي أنه شرط صحة.
قال صاحب شرح كتاب النيل في معرض بيان علة وجوب الصداق في عقد النكاح: «والذي عندي أن الصداق للجماع» لقوله صلى الله عليه وسلم: «استحلوا فروج النساء بأطيب
أموالكم» (1).
وهو شرط كمال عند الإباضية وصح العقد بدونه، وترجع إلى صداق المثل، وقيل: شرط صحة من حيث الدخول، لا يجوز حتى يفرض فيجبر على الفرض، وصح العقد اتفاقا، وذكر بعض أن بعضا قال: لا يصح، وعنه: «لا طلاق إلا بعد نكاح، ولا ظهار إلا بعد نكاح، ولا عتاق إلا بعد ملك، ولا نكاح إلا بولي وصداق وبينة» (3) فقيل في مثله: معناه أنه لا يصح عقد النكاح إلا إن ذكر الصداق وفرض فيه، وقيل: يصح بدون ذكره ما لم يعقدا على أنه لا صداق، لكن يفرض بعد ذلك، وإن مس قبل فرضه فصداق المثل أو العُقر (3) ونهيه لا عن الشغار ما يتضمن تحريم النكاح على أن لا صداق (4).
(د)
1 - السيوطي: الجامع الصغير ج 1 حديث رقم 970 - المتقي الهندي كنز العمال ج 16 حديث رقم 471، رواه أبو داود في مراسله
2 - سبق تخريجه
- العقر بالضم ما تعاطاه المرأة على وطء الشبهة، وأصله أن واطئ البكر يعقرها إذا افتضها، فسمي ما تعطاه للعقر عقرا، ثم صار عاماً لها، وللثيب وجمعه الأعقار، وقال أحمد بن حنبل العقر المهر، وقال ابن المظفر: عقر المرأة دية فرجها إذا غصبت فرجها و قال الجوهري: هو مهر المرأة إذا وطئت على شبهة فسماه مهرا. ابن منظور لسان العرب، ج 9 / ص 315
- أمحمد اطفيش ج 1 / ص 141 - 142.
?? (1/55)
صفحة 56
أنه شرط
وقد وافق ابن رشد المالكي رأي الإباضية باعتبار أن الصداق شرط وليس ركنا، وذكر أن ذلك متفق عليه عند جمهور الفقهاء، فقال: أما حكمه فإنهم على من شروط الصحة، وأنه لا يجوز التواطؤ على تركه لقوله تعالى: {وءاتوا النساء صدقاتهن نحلة) وقوله تعالى: فانكحوهن بإذن أهلهن واتوهن أجورهن (3).
بل نجد بعض المالكية يعتبرونه شرطا في صحة الدخول لا في صحة العقد فقد جاء في متن الرسالة للقيرواني: «وَعَدَّ الناظم المهر ركنا تبعا لقول صاحب الرسالة، ولا نكاح إلا بولي وصداق، وشاهدي عدل والراجح أنه شرط صحة الدخول فقط لا
في صحة العقد (3).
خلاصة القول:
بعد عرض وجهة نظر المذهبين في هذه المسألة يمكن أن نستنتج أن فقهاء الإباضية، والمالكية رغم اتفاقهم في تحديد مدلولي الركن والشرط إلا أنهم اختلفوا في تطبيق ذلك حيث اختلفت عباراتهم في تحديد الأركان والشروط، والتمييز بينهما، ولقد حاولنا مُناقشة كل من الفريقين، وبينا أن ما اعتبروه أركانا قد يكون شروطا
عند التحقيق كالصداق والشهود، لأنهما لا علاقة لهما بنشوء العقد ووجوده. وهكذا نخلص إلى القول بأننا لو تقيدنا بتعريف الفقهاء للركن فلا يندرج ضمن أركان عقد النكاح إلا ما يكون سببا لوجوده، وإنشائه، وهذا العقد كغيره من العقود لابد له من عاقدين وصيغة ومعقود عليه؛ فالعاقد هو مَنْ يُباشر العقد لنفسه كالزوج، أو لغيره كالولي و الوكيل والصيغة وهي الإيجاب والقبول الصادر من الزوج والزوجة أو من وليها التي تعبر عن رضاهما، والمعقود عليه هي الزوجة الخالية من موانع النكاح).
-
1 - النساء: 4. النساء 25
3 - عثمان الجعلي: سراج السالك، ج 2/ ص 41. دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت، 1402 هـ / 1982 م - بدران أبو العينين بدران الفقه المقارن للأحوال الشخصية، ص 135.
48 (1/56)
صفحة 57
رأي القانون:
وقد نص قانون الأسرة الجزائري على أركان الزواج في المادة التاسعة بقوله:
يتم عقد الزواج برضا الزوجين، وبولي وشاهدين، وصداق» (1).
ويلاحظ أن المشرع الجزائري قد أخذ في تحديده لأركان العقد بشكل عام مما
جاء في المذهبين الإباضي والمالكي.
فالولي نص عليه القانون ونص عليه فقهاء المذهبين والرضا الذي نص عليه القانون وفقهاء المذهب الإباضي هو في تقديري ما عناه المالكية بالصيغة؛ لأن هي التعبير الخارجي المعبر عن الرضا، أما بقية العناصر فهي على التوالي:
الصيغة هي
1 - الشهود: وافقت المادة القانونية الإباضية الذين جعلوا الشهود من أركان العقد بينما نجد المالكية لم يشترطوا الشاهدين للعقد وجعلوها شرطا للدخول فقط. 2 - الصداق واتفقت المادة مع المذهب المالكي في اعتبار الصداق ركنا، وأما الإباضية فغالب أقوالهم أنه شرط كمال.
الزوجان اتفقت المادة القانونية مع المالكية الذين جعلوا الزوجين ركنا بينما يذهب الإباضية إلى أن الركن هو الناكح (الزوج) فقط.
1 - المشرع الجزائري: قانون الأسرة، ص 10.
49 (1/57)
صفحة 58
المبحث الثالث
شروط عقد النكاح
(1)
يشترط الفقهاء شروطاً عديدة (1) بوجودها جميعا يكون العقد صحيحاً ولازما
ونافذا، ويتميز منهج الحنفية بمنهج أكثر دقة وتفصيلاً في تقسيم هذه الشروط حيث يقسمونها إلى شروط انعقاد وصحة ولزوم ونفاذ، وشرط الانعقاد هو ما لا
غير صيحيح
أما
ينعقد العقد أصلاً بتخلفه، بينما تخلف شرط الصحة ينتج عنه انعقاد: العقد فاسدا شرط اللزوم فهو ما يشترط للزوم العقد وعدم قبوله للفسخ من جانب أحد العاقدين، وأما شرط النفاذ فإن تخلفه ينتج عنه توقف آثار العقد وعدم نفاذه، وسنسير في دراستنا وفق هذا المنهج إلا أننا لن نتعرض لشرط الانعقاد؛ لأن جمهور العلماء ومنهم الإباضية والمالكية لا يأخذون بهذا التفريق الذي جرى عليه الحنفية بين شرط الانعقاد وشرط الصحة فتخلف شرط الصحة يَنْبَني عليه عندهم بطلان العقد
•
وسنحاول بعون الله توضيح وتفصيل هذه الشروط بمزيد من البيان.
6
أولا: شروط الصحة:
تتنوع شروط صحة النكاح إلى عدة أنواع تتعلق بعناصر العقد المختلفة
أ - شروط صيغة العقد):
الشرط الأول: أن تكون بألفاظ واضحة في الدلالة على النكاح.
وهي:
1 - هذه الشروط تختلف عن الشروط الجعلية وهي الشروط التي يشترطها المتعاقدان. أثناء العقد: مثل: اشتراط الزوجة ألا يتزوج عليها ولا ينقلها من بلدها واشتراط الزوج ألا تلد زوجته، وألا تزور أهلها. (.) وتعنى بصيغة العقد الايجاب والقبول ويذهب بعض العلماء إلى أن الإيجاب يصدر من الطرف المملك، والقبول يصدر من المتملك، بينما يذهب البعض إلى أن الايجاب يصدر أولا من أحد العاقدين سواء كان صدوره من الزوج أو من يقوم مقامه أم كان صدوره من الطرف الأخر أو من يقوم مقامه أما القبول وهو ما يصدر ثانيا للدلالة على الموافقة والرضا أوجبه الأول ويتكون من مجموع الايجاب والقبول العقد، فهو عبارة عن الايجاب والقبول على وجه ينشأ عنه الزواج. (1/58)
صفحة 59
أجمع الفقهاء من الإباضية والمالكية وغيرهم على أنه يتحقق الإيجاب والقبول بلفظي الزواج أو النكاح، وكل ما هو مشتق منهما، وكذلك يجوز عند البعض أن يقول المزوج: ملكتك، أو أخطبتك، ويؤكد هذا ما ذهب إليه أبو عبد الله حيث قال: «إن قال
المزوج للمرأة قد زوجتك أو ملكتك أو خطبتك، أو أنكحتك ولك ذلك (جاز).
ولفظ النكاح ورد في مواضع عديدة منها قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها (3).
أما لفظ التزويج فنجده مثلا في قوله تعالى و امسك عليك زوجك .. (3)، وقوله عز وجل: تبتغي مرضاة أزواجك (4).
(4)
فكل هذه الآيات القرآنية جاءت تؤكد أن هذه الألفاظ السابق ذكرها تفيد معنى
التزويج (ه).
وقد توسع البعض منهم صاحب كتاب أبي مسألة في صيغة النكاح فلم يشترط ألفاظا معينة، بل جعل كل لفظ يفيد التزويج في عُرف الناس يجوز العقد به، يقول أبو مسألة: «ويصح للنكاح بلغة الناكح كائنة ما كانت في جميع ما جرت عليه العادة في كلامهم، مما يكون عندهم معنى التزويج ما لم يوافقوا في ذلك محرما لهم في الكلام والمعنى، وكذلك قبول الزوج على هذا الحال، ويأمر الزوج من يقبل أو يرضى له حاضرا أو غائبا» (6).
ولعل سبب توسعة هذا الفقيه وغيره في ألفاظ النكاح وجعلها دون تحديد، تتماشى مع ما جرت به العادة أنه يقصد بذلك الناس الذين لا يفقهون اللغة العربية
1 - الكندي: بيان الشرع)، ج 47 / ص 41 وما بعدها سلمة العوتبي: (الضياء)، ج 8/ ص 347 وما بعدها.
2 - الأحزاب: 49.
3 - الأحزاب: 37
4 - التحريم: 1.
5 - خميس الشقصي: (منهج الطالبين)، ج 15/ ص 77 وما بعدها. ابن النظر: شرح الدعائم، ص 88,87 ط 1، وزارة التراث القومي والثقافة، 1982 م 6 - أبو العباس أحمد بن أبي بكر: كتاب أبي مسألة، ص 151 ط 1، دار البعث للطباعة والنشر قسنطينة الجزائر 1404 هـ / 1984 م. اطفيش: كتاب شرح النيل، ج 6 / ص 256 وما بعدها. (1/59)
صفحة 60
ويتحدثون بلغات أخرى؛ كالبربرية والفارسية وغيرها فضلا عن كون العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني.
أما فقهاء المالكية فقد قسموا الألفاظ التي ينعقد بها الزواج إلى أربعة أقسام: 1 - ما ينعقد به الزواج مطلقا سواء أسمي صداقا أم لم يسم؛ وهو ما اشتق من مادتي النكاح والزواج.
وهبت.
ينعقد.
2 - ما ينعقد به الزواج إن سَمَّى صداقا، وإن لم يُسمّ فلا ينعقد الزواج وهو
كل لفظ يقتضي البقاء والدوام كبعت وأعطيت، وأحللت، فقيل ينعقد وقيل لا
مالا ينعقد به مطلقا وهو كل لفظ لا يقتضي البقاء والدوام كالإجارة
والعارية).
ولم يجز الإباضية لفظ الهبة لإثبات النكاح؛ لأنه خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين (1) ويترتب عليه أن من وهب ابنته لرجل وأشهد على ذلك، ودخل عليها، يُفرق بينهما ولا تحل له أبدا؛ لأن الفروج لا توهب كما جاء في عبارة صاحب منهج الطالبين حيث قال: «ومن وهب لرجل ابنته أو امرأة هو وليها، ويكي تزويجها فقبل الرجل المرأة ودخل بها فليس هذا بنكاح، ولو شهد الشهود على الهبة فالفروج لا توهب، ويفرق بينهما ولا تحل له أبدا، وإن دخل بها فلها مثل صدقات نسائها، وإنما كانت الهبة للنبي الله وذلك مما خصه الله به دون أمته» (3).
الشرط الثاني:
أن تكون صيغة العقد منجزة غير مضافة لزمن المستقبل، ولا معلقة على شرط
1 - الدسوقي: حاشيته على الشرح الكبير لأحمد الدردير، ج 2 / ص 258.
2 - الأحزاب: 50.
3 - خميس الشقصي: ج 15 / ص 77، العوتبي: ج 8/ص 347 وما بعدها.
52 (1/60)
صفحة 61
غير موجود وقت العقد لأن النكاح من عقود التمليك في الحال
ويقصد بالصيغة المنجزة ما ينعقد بها الزواج بحيث تترتب عليه آثاره في الحال، كأن يقول الرجل للمرأة تزوجتك»، فتقول المرأة: قبلت، فينعقد في الحال
بمجرد
التلفظ.
أما الصيغة المضافة للزمن المستقبل فتُبطل العقد؛ لأنها مانعة من انعقاده في الحال، مثل: أن يقول الرجل للمرأة تزوجتك بعد ثلاثة أيام فتقول: قبلت؛ فهذا لا
يصح.
أما تعليق العقد على أمر قد يتحقق وقد لا يتحقق، فلا يصح معه العقد وكذا لا يصح إذا علق النكاح على أمر يستحيل حدوثه، ومن التعليق أن يقول لها تزوجتك إن حضر فلان من السفر (1)
الشرط الثالث:
أن تكون الصيغة مفيدة الدوام والاستمرار فلا ينعقد النكاح المؤقت مثلاً كما لا ينعقد نكاح المتعة عند الجمهور.
الشرط الرابع
أن تكون الصيغة باللفظ الصريح، فلا يكفي الإشارة ولا الكتابة مع القدرة على النطق، قال صاحب سراج السالك: الركن الرابع من أركان النكاح الصيغة التي يتم بها العقد لاشتمالها على الإيجاب والقبول (بالإفصاح)؛ أي باللفظ الصريح فلا تكفي الإشارة ولا الكتابة مع القدرة على النطق (2)
وقد نص قانون الأسرة على صيغة العقد التي تتضمن الإيجاب والقبول في المادة العاشرة، فقال: «يكون الرضا بإيجاب من أحد الطرفين، وقبول من الطرف الآخر بكل لفظ يُفيد النكاح شرعا، ويصح الإيجاب والقبول من العاجز بكل ما يفيد معنى النكاح لغة أو عرفا؛ كالكتابة والإشارة» (3)
1 - بدران أبو العينين – ص 49 – 50
- قانون الأسرة: ص 8.
عثمان الجعلي: ج 1 / ص 42.
53 (1/61)
صفحة 62
ويلاحظ من هذه العبارات أن القانون وافق التشريع الإسلامي في تحديد صيغة
العقد وشروطها.
الشرط الخامس:
أن تكون صيغة العقد مؤبدة خالية من التوقيت بمدة معينة أو غير معينة، فإن دلت على التأقيت كان العقد باطلا عند جمهور الفقهاء.
ومثال التأقيت: أن يقول رجل لامرأة تزوجتك سنة أو شهرا، أو يقول لها: تزوجتك
-
مدة إقامتي في هذا البلد - وهو غريب عنها – وقبلت المرأة منه ذلك. ومما يشبه التأقيت كذلك نكاح المتعة) وهو أن يعقد الرجل عقدا من المرأة بلفظ المتعة، فيقول لها: أتمتع بك مدة عشرة أيام، أو شهرا أو شهرين، أو مدة إقامتي في هذا البلد – وهو غريب عنه مقابل كذا من المال، فتقول المرأة: قبلت، فإذا انتهت المدة أو انقضت الإقامة ترك الزوج زوجته، وبطل العقد، وهذا النكاح باطل شرعا. وقد يتساءل البعض لماذا اعتبر الزواج غير صحيح مع التأقيت بمدة معينة؟ فالجواب عنه أن الصيغة فيه صالحة لإنشاء عقد النكاح على سبيل التأبيد؛ لأنه يشترط فيه الديمومة والاستمرارية، وفي التأقيت تفويت للمقصود الأصلي من الزواج وهو دوام العشرة بين الزوجين).
ب شروط العاقد:
الشرط الأول: يشترط الفقهاء في العاقد أن يكون أهلا لصدور اللفظ منه، وذلك بأن يكون عاقلا مميزا وقيل بالغا فالمجنون والمعتوه لا ينعقد النكاح بألفاظهم لعدم العقل أو ضعفه، والصبي غير المميز الذي لم يبلغ سن السابعة لا ينعقد النكاح بعبارته؛ لأن العقد يعتمد أساسا على الإرادة والقصد والرضا من العاقد، وهذا غير متحقق في الشخص غير المميز (3).
الشرط الثاني: أن يتولى عقد النكاح الولي نيابة عن الزوجة سواء كانت كبيرة
(ه) سوف نتحدث عن النكاح المؤقت والمتعه في الباب الثاني إن شاء الله مع شئ من التفصيل والتحليل. 1 - العوتبي: الضياء ج 8 / ص 219 - الحواري: جامع أبي الحواري ج 3 / ص 135، 136 ط 1 نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان 1405/ 1985 - البسيوي ج 3 / ص 38،37، الشقصي منهج الطالبين ج 15 / ص 384 - عثمان الجعلي: سراج السالك ج 1 / ص 47. بدران: ص 47.
54 (1/62)
صفحة 63
أو صغيرة، عاقلة أو غير عاقلة، فإن تولته هي أو وكيلها دون رضى الولي كان العقد باطلا عند الإباضية والمالكية، وهو قول الجمهور من العلماء).
وقد استدل الإباضية والمالكية وغيرهم على اشتراط الولي في العقد بأدلة من
القرآن والسنة.
أ من القرآن الكريم:
قال الله تعالى: وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف (3)
وجه الاستدلال: أن الآية الكريمة تنهى الأولياء عن عضل النساء، ومنعهن من الزواج؛ مما يدل على أن ولاية عقد الزواج بيد الرجال وحدهم (3).
(4)
وقال تعالى: فانكحوهن بإذن أهلهن (4)
وجه استدلال الآية أن الله قد جعل النكاح مشروطا بإذن الأولياء.
ب من السنة النبوية
قد وردت عن الرسول و الله أحاديث كثيرة تشترط الولي في عقد النكاح، وتجعل النكاح بدون ولي باطلا من ذلك:
1 - عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه (رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بولي.» (5).
- وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها، باطل فنكاحها، باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من
1 - اطفيش: شرح النيل، ج 6/ ص 101. 2 - البقرة: 232.
ابن بركة الجامع، ج 2/ ص 127، 1 دار الفتح بيروت 1393 هـ / 1973 م. البسيوي: الجامع، ج 3 ص 7، طا وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان 1404 هـ / 1984 م. ابن خلفون: الأجوبة، ص 66. العوتبي: الضياء، ج 8/ ص 295 .. الدسوقي: الحاشية، ج 2 ص 221. ابن: وصاف شرح الدعائم، ج 2 ص 67. الخرساني: المدونة الكبرى، ج 2/ ص 2.
- النساء: 25.
ه رواه أحمد والأربعة، وصححه ابن المديني والترمذي وابن حبان وأعل بالإرسال، ينظر الصنعاني سبل
السلام، ج 3 ص 249.
55 (1/63)
صفحة 64
فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله: لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج
المرأة نفسها، فإن الزانية هي تزوج نفسها (3).
وواضح من هذه الأحاديث المذكورة أنها صريحة في اشتراط الولى لصحة النكاح. غير أن الحنفية خالفوا الجمهور في اشتراط الولي في عقد النكاح؛ حيث أنهم يعتبرون الولي ليس شرطا في زواج المرأة الكبيرة العاقلة، ويجوز لها أن تزوج نفسها دون الحاجة إلى ولي يتولى أمر زواجها.
وقد استدلوا على وجهة نظرهم بأدلة من القرآن والسنة
من القرآن الكريم:
قال الله تعالى وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين (3).
(د)
فهذه الآية الكريمة نص في جواز انعقاد النكاح بعبارة المرأة، وبلفظ الهبة. ومنها قوله تعالى: فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره (4).
من السنة النبوية
وردت أحاديث عديدة عن الرسول لا تعطي للمرأة حق اتخاذ قرار الزواج بنفسها
دون حاجة لوليها من ذلك:
- ما رواه ابن عباس قال: قال رسول الله: «الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها (ه).
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله: «ليس للولي مع الثيب أمر، واليتيمة
تستأمر، وصماتها إقرارها (6)
1 - رواه الخمسة إلا النسائي انظر الشوكاني نيل الأوطار ج 6 / ص 134.
2 - رواه ابن ماجه والدار قطني في كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي، حديث رقم (1882) ج 1 ص 606,605
ورجاله ثقات، راجع الشوكاني المرجع نفسه ج 1 / ص 134 - 135.
3 - الأحزاب: 50.
4 - البقرة 230.
5 - رواه الجماعة إلا البخاري راجع الشوكاني نيل الأوطار، ج 6 / ص 137. -6 - رواه أبو داود والنسائي راجع: نيل الأوطار، ج 6 / ص 137. (1/64)
صفحة 65
وقد وافق ابن بركة البهلوي الإباضي رأي الحنفية في عدم اشتراط الولي في عقد
النكاح، وقال إذا زوجت المرأة نفسها من رجل كفء، وقد عضلها وليها، فيجوز لها أن تتولى عقد زواجها بنفسها، ولكنه استثنى من ذلك المرأة البكر ولو كانت بالغة، وهذا نص عبارته يقول: «والنظر يوجب عندي أن يكون للمرأة أن تزوج نفسها إذا وضعت نفسها في كفء؛ لأن نهي الله عز وجل للأولياء عن العضل يوجب أن الحق لهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف، فإذا وضعت نفسها في غير كفء، فحينئذ يكون للأولياء فسخ النكاح؛ لأنه تراض على غير معروف).
ثم استدرك قائلا واستثنى من هذا الحكم البكر فقال: «إلا أني ناظر في تزويج البكر بغير رأي وليها، وأنا أطلب الحجة في إجازة ذلك أو حظره من السنة، والشائق
إلى نفسي ألا يجوز (3).
ومجمل القول:
إن جمهور الفقهاء يذهب إلى اشتراط الولى مطلقا، بينما يشرطه الحنفية في الصغيرة وغير العاقلة وذهب ابن بركة إلى عدم اشراطه في حالة العاقلة والثيب. ويبدو لي وبالنظر إلى طبيعة المرأة التي تفتقر إلى معرفة الرجال وأحوالهم، فأنه لا بد لها من ولي يتولى أمرها ويرعى مصالحها حتى لا يغرر بها وتضيع حقوقها
الزوجية المالية.
الشرط الثالث:
أن يكون العاقد مسلما إذا كان الزوج مسلما، فإذا عقد غير المسلم على مسلمة بطل العقد (3).
وقد نص قانون الأسرة في المادة الحادية عشر على شروط الولي ودرجته، فقال: يتولى زواج المرأة وليها وهو أبوها فأحد أقاربها الأوليين، والقاضي ولي من لا ولي
له (4)
1 - ابن بركة البهلوي: كتاب الجامع، ج 2/ ص 118 وما بعدها.
2 - المرجع نفسه
- بدران: ص 48.
- قانون الأسرة: ص 85.
57 (1/65)
صفحة 66
وهنا نلاحظ أن القانون قد وافق رأي الفقهاء في اشتراط الولي في عقد النكاح
وبيان مراتبه.
أما في المادة الثانية عشر من هذا القانون فقد نصت على منع الأولياء من عضل المرأة ومنعها من حقها في الزواج إذا تقدم لها زوج مناسب لمكانتها فللقاضي الحق في تزويجها، فقال: «لا يجوز للولي أن يمنع من في ولايته من الزواج إذا رغبت فيه، وكان أصلح لها، وإذا وقع المنع فللقاضي أن يأذن به ... ).
ويلاحظ من هذه المادة أن المشرع الجزائري اعتمد رأي الجمهور في هذه المسألة وجعل الولي شرطا أساسيا في عقد النكاح فإذا تعسف الأولياء في استعمال حقهم فللقاضي الحق في منعهم وتوليه نكاح المرأة عوضا عنهم محافظة لحق المرأة في النكاح.
ج - شروط المعقود عليه
الشرط الأول: أن تكون الزوجة أنثى محققة الأنوثة، فإن كانت خنثى مشكلا
لا ينعقد زواجها.
الشرط الثاني: أن تكون الزوجة محلا للعقد عليها؛ بحيث لا تكون محرمة على الرجل تحريما مؤبدا أو مؤقتا كأن تكون أخته من الرضاع أو بنته أو زوجة غيره أو معتدة من طلاق أو وفاة، ومن تزوج امرأة يعلم أنها محرمة عليه لا ينعقد نكاحه أصلا، ولا يترتب على هذا العقد أي حكم من أحكامه.
قال صاحب السراج: «الركن الثالث من أركان النكاح (امرأة خلية)؛ أي المرأة الخلية من عصمة زوج؛ لأن العقد على امرأة لها زوج لا أثر له أصلا (عرت عن الموانع الشرعية)؛ أي يشترط في صحة العقد على الأنثى إذا كانت خالية من زوج، أن تكون عارية من جميع الموانع التي تقتضي تحريمها بنسب أو رضاع أو مصاهرة، وألا تكون معتدة أو مستبرأة من ملاعنة .. ().
-
1 قانون الأسرة ص 85
2 - عثمان بن حسنين بري الجعلي المالكي: سراج السالك، ج 1 ص 42.
58 (1/66)
صفحة 67
«يجب
وقد نص قانون الأسرة على هذا الشرط في المادة الثالثة والعشرين منه فقال:
ـب أن يكون كل من الزوجين خلوا من الموانع الشرعية المؤبدة، والمؤقتة). الشرط الثالث: أن تكون المرأة المعقود عليها معلومة عند الزوج غير مجهولة، فلو زوج الولي بنته لرجل من غير أن يعينها باسمها لا يصح العقد، خاصة إذا كان له بنتان فيجب أن يذكرها باسمها في العقد (3).
قال القطب: ويجب تعيين المنكوحة باسمها ولو واحدة، فلو قال: زوجتك بنتي أو أمتي وعنده بنت واحدة أو أمة واحدة لم يجز، وقيل: جائز فيما بينهم وبين الله ولا يشهد به، قلت: هو جائز في الحكم أيضا عندي إن عُرفت بذلك فيشهد به ( .. ) وإن زوجها بغير اسمها فُرِّقا ولو مست، وقيل: يجوز عند الله إذا أرادها والشهود والزوج .. » (3).
د شروط الشاهدين
يلزم لصحة عقد النكاح حضور شاهدين مستكملين لشروط الشهادة؛ لأن عقد النكاح له خطره وشأنه العظيم في نظر الإسلام، لما يترتب عليه من مصالح دينية ودنيوية، فكان من الواجب إعلانه للناس وإخراجه عن حدود الكتمان، ولا يكون ذلك إلا بالشهادة عليه، وقد دعا الرسول لا اله الا الله إلى ذلك في أحاديث عديدة منها: صلى الله عليه وسلم 1 - عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا نكاح إلا بولي، وشاهدي
عدل» (4)
2 - وقال أبو بكر الصديق: «لا يجوز نكاح السر حتى يعلن ويشهد عليه» (ه).
وقد انقسم رأي الفقهاء في لزوم الشهادة في عقد النكاح إلى فريقين:
الفريق الأول: ويمثله جمهور الفقهاء من الإباضية والحنفية والشافعية
1 - قانون الأسرة: ص 14. 2 - بدران: ص 49.
- امحمد اطفيش: شرح النيل، ج 6/ص 261.
ذكره أحمد بن حنبل في رواية عن ابنه عبد الله ينظر: الشوكاني نيل الأوطار، ج 6 / ص 143،142.
ه بدران: ص 61.
59 (1/67)
صفحة 68
والحنابلة حيث ذهبوا إلى أنه لا يصح عقد النكاح بدون حضور شاهدين للأدلة السابقة، وخطورة عقد النكاح؛ لأن الشارع طلب إعلان الزواج لإظهار قدره وإشهاره بين الناس ليتبين الفرق الواضح بين الحلال والحرام، وبين النكاح والسفاح فتنقطع ألسنة السوء وتغلق الباب أمام كل من يحاول إنكار عقد الزواج.
كما أن الشارع باشتراطه الشهادة في النكاح قد رسم طريق الإعلان ولم يترك أمره من غير حدود ورسوم، بل حده وعينه بالشهادة، فكانت هي الحد المرسوم، وبحضور الشاهدين مع العاقدين يتحقق معنى الجهر والإعلان ولو تواصوا بالكتمان؛ لأن السر لا يكون بين أربعة بل هو الجهر، وإن نفي النبي صلى الله عليه وسلم النكاح من غير شهود دليل على أن الشهادة أمر لا بد منه وإنها كافية للإعلان (2)
الفريق الآخر:
وهو مشهور مذهب مالك حيث يرى أن الشهادة ليست شرطا لإنشاء العقد بل الشرط هو الإعلان فلا تكفي الشهادة للإعلان، فلو اتفق الزوجان مع الشاهدين على كتمان العقد وعدم إذاعته يكون العقد باطلا ويجب فسخه قبل الدخول، كما يفسخ بعده فإذا طال الوقت بعد الدخول فيصح العقد، ويعاقب الزوجان والشهود؛ لأنه يعتبر نكاحا في سر
(r)
قال ابن عبد البر المالكي: «وينعقد النكاح بغير شهود عند مالك كما ينعقد البيع إذا رضي الزوج والمرأة ثم قال بعد ذلك: وقال مالك لو شهد على النكاح رجلان واستكتما ذلك فكتماه كان نكاح سر، ونكاح السر لا يجوز، ويفسخ قبل الدخول وبعده إذا وقع إلا أن يعلن قبل أن يعثر عليه؛ لأن من فَرْض النكاح عند مالك إعلانه لحفظ النسب»، وروى عن أبي القاسم صاحب مالك أنه قال: «من تزوج بغير بينة إن النكاح جائز مالم يكن سرًا، وشهر ذلك في المستقبل قبل أن يدخل بها).
1 - ابن بركة الجامع، ج 2/ ص 122 - 123، 136 - 1337 / أبو العباس، كتاب أبي مسألة، ص 150 - 151. ابن خلفون: الأجوبة، ص 65 - 66.
2 - أبو زهرة محاضرات في عقد النكاح وآثاره، ص 92. 3 - الدسوقي: الحاشية، ج 2/ ص 216، 117. الأزهري: جواهر الإكليل، ص 275. ابن رشد: بداية المجتهد، ج 2 ص 14، ط 1 دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان 1416 هـ / 1995 م الكشناوي:
أسهل المدارك، ج 2/ ص 88 ابن عبد البر: الكافي، ص 229 (1/68)
صفحة 69
وروي عن ابن شهاب الزهري أنه من أنكح سرا وأشهد رجلين قال: «إن مسها فرّق
بينهما وعوقب الشاهدان (1)
واحتج المالكية لتأكيد صحة ما ذهبوا إليه بأدلة عديدة منها:
1 - ما روي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف
(2)
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح» (2)
(3)
وعن أبي الزبير المكي أن عمر بن الخطاب أتي بنكاح لم يشهد عليه إلا رجل
وامرأة فقال هذا نكاح السر ولا أجيزه ولو كنت تقدمت فيه لرجمت). - واحتجوا أيضا، بان الله ذكر النكاح في القرآن في أكثر من موضع ولم يأمر بالإشهاد عليه، في حين نجده يأمرنا بالإشهاد على الدين، والرجعة من الطلاق، ودفع مال اليتيم إليه؛ وإذا خاطب القرآن مجيزاً النكاح بغير الإشهاد عليه فالواجب إجازة الخطاب على إطلاقه وظاهره (9).
ه - وقد حملوا الأخبار في النهي عن نكاح السر على التحريم، وممن روى عنه أنه نهى عن نكاح السر عمر بن الخطاب، وعروة بن الزبير، والشعبي ونافع مولى ابن عمر، وقال عبد الله بن عتبة بن مسعود: شر النكاح نكاح السر). 6 - وزعموا أن الأحاديث الواردة في شأن الإشهاد في النكاح مضطربة لا تصلح للاحتجاج بها لأنها ليست صريحة في الالتزام بها وحدها.
1 - ابن بركة: الجامع، ج 2/ ص 136، 137. امحمد اطفيش: شرح النيل، ج 6 / ص 251. 2 - رواه الترمذي: سنن، كتاب النكاح، باب ماجاء في إعلان النكاح، قال غريب حسن، حديث رقم (1089)
ص 399398.
3 - أخرجه أحمد بن حنبل: مسند ج 3 ص 418، ط 4 المكتب الإسلامي بيروت لبنان 1403 هـ / 1983 م ابن ماجه: سنن، ج 1 ص 611. النسائي: سنن، ج 6/ص 127.
4 - مالك: الموطأ، كتاب النكاح، باب جامع ما لا يجوز من النكاح، حديث رقم 26 / ص 423. ط 2 دار الحديث،
-
القاهرة، مصر. 1413 هـ / 1993 م.
ابن بركة الجامع، ج 2 / ص 136.
6 - ابن خلفون: الأجوبة، ص 66.
“? (1/69)
صفحة 70
قال يزيد بن هارون المالكي مؤكدا موقف المالكية من هذه المسألة: «أمر الله
سبحانه وتعالى بالإشهاد على البيع دون النكاح، فاشترط أصحاب الرأي الشهادة للنكاح، ولم يشترطوها للبيع، و أما الشهادة فلورود النصوص بها اشترطت لترتيب الآثار للانعقاد وليست صريحة في طلبها للانعقاد فكانت شرطا لترتيب الآثار
(1)
فقط.
مناقشة الأقوال وبيان منشأ الخلاف:
لو لاحظنا أهمية الشهادة في إنشاء العقد، وخطورة التلاعب بعقد الزواج الذي قال الله تعالى في شأنه وأخذن منهم ميثاقا غليظان)، لأدركنا علة اشتراط الإسلام حضور الشهود في مجلس عقد النكاح استنادا للأدلة الثابتة الصحيحة. كما أن المالكية استحبوا الشهادة عند العقد إلا أنهم لم يكتفوا بها لوحدها في إعلان النكاح بل اشترطوا أن يُشهر الزواج زيادة على الشهود.
وعليه فإذا لم يكن الشهود عند العقد كان واجبا عند الدخول، فإذا وجدت الشهادة أثناء العقد أو بعد الدخول كان الزواج صحيحا، وإذا لم توجد في إحدى الحالتين كان الزواج غير صحيح، وإذا دخل الزوج بدون إشهاد عليه يُفسخ العقد بطلقة بائنة برضاهما، وإلا فجبرا من الحاكم، فقد ورد في مدونة الإمام مالك ما نصه: «قلت أرأيت إن زوج رجل بغير بينة وأقر المزوج أيجوز أن يشهدا في المستقبل، وتكون العقدة صحيحة في قول مالك؟ قال نعم كذلك قال مالك» (3).
ولعل سبب اختلاف الفقهاء في هذه المسألة يعود إلى اختلافهم في تفسير النصوص الواردة في القرآن والسنة؛ هل الأمر بالشهادة يدل على الوجوب أم لا؟ وهل النهي عن نكاح السر وكتمانه يدل على التحريم والفساد أم لا؟ وهل الإعلان يراد به حضور الشهود أم إشهاره أمام الناس دون الشهود؟
وللجمع بين الرأيين، فنقول لأهمية عقد النكاح ينبغي ألا يخلو العقد من الشهود
1 - ابن رشد: ج 3 ص 964.
2 - النساء: 21.
- الإمام مالك: المدونة الكبرى، ج 3 / ص 11. 1 دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان 1415 هـ / 1994 م.
62 (1/70)
صفحة 71
مع إعلان النكاح فإن لم يتمكن من إعلانه وإشهاره أثناء العقد فلا بد من إعلانه قبل الدخول حتى لا تكون هناك شبهة قد تبطل العقد؛ لأن الإباضية كرهوا نكاح السر، وإن كان الشهود في الملا من الناس إن استكتموهم أو طلبوا منهم كتمانه، ورغم أن جملة قول الإباضية والجمهور جواز العقد إذا كان بشهود وولي مع كراهتهم له؛ لأنهم حملوا ذلك النهي على الكراهة، ويفهم من هذا أنهم لا يقولون بفساد نكاح السر والتفريق بينهما؛ لأنه يمكن أن يراد بوجوب الإعلان التأكيد مجرد نفي السر بدون أن
يعتبر هنالك غيره.
وقد رجح ابن بركة والقطب وجوب الإعلان مع الإشهاد في عقد النكاح (1).
ولا يكون هذا الإعلان إلا بالشهود والإشهار.
وبعد هذا فقد اشترط الفقهاء في قبول شهادة الشهود شروطا كثيرة لتكون شهادتهم صحيحة ومعتمدة كالإسلام، وحرية الشاهدين وبلوغهما، وعقلهما وسماعهما معا في العقد، فلو كان الشاهدان أو أحدهما عبدا أو صبيا أو مجنونا أو أصما أو سكرانا لا يعي ما يقول، أو نائما وقت العقد لم يصح العقد، ولم يشترطوا عدالة الشاهدين بل تقبل شهادة فاسقين؛ لأن المقصود بالشهادة الإعلان فقط (2)
قال ابن بركة: «ويجوز في عقد النكاح رجلان من أهل الإسلام، وإن كانا غير عدلين لإجماع الجميع على إجازة شهادة والديها وولديها ووكيلها، فهذا يدل من إجماعهم على صحة ما قلناه ومن جواز شهادة غير العدول في النكاح؛ لأن من ذكرنا جواز شهادته لها في النكاح لا تجوز شهادته لها في الحقوق، وكذلك شهادة الرد في الطلاق فجوز بغير عدلين من البينة، وإن كانت آية الرد مذكورا فيها العدلان. وقد علل ذلك بقوله: «الدليل على جواز شهادة غير العدول في النكاح والرد من الطلاق أنها شهادة حضور ليست شهادة إخبار».
وقد علل ابن بركة عدم اشتراط العدالة في الشهود بتعليلات متعددة منها: أن
1 - ابن بركة: ج 2 ص 137. امحمد: اطفيش: شرح النيل، ج 6 / ص 252. 2 - الكندي: بيان الشرع، ج 47 / ص 64. خميس الشقصي: منهج الطالبين، ج 15 / ص 85. أبو العباس أحمد: كتاب أبي مسألة، ص 150، 151 السالمي: العقد الثمين، ج 3 ص 27، 128، نشر محمد الدهان، دار الشعب القاهرة 1394 هـ اطفيش: شرح النيل، ج 6 / ص 87. أبو زهرة: محاضرات في عقد النكاح، ص 93.
63 (1/71)
صفحة 72
الشهادة في الزواج هي شهادة حضور لا شهادة إخبار، ومنها أن النكاح لا يطلب فيه
من الأولياء والزوجين العدالة فجاز ألا تطلب العدالة في الشهود (1).
ثانياً: شروط نفاذ عقد النكاح:
يشترط جمهور الفقهاء لنفاذ عقد النكاح الذي تترتب عليه آثاره الشرعية بالفعل، كوجوب المهر، وحل الدخول ما يلي:
أن يكون الذي تولى إنشاء العقد له ولاية إنشائه، فإذا كان الذي تولى عقد النكاح كامل الأهلية وعقد لنفسه فعقده صحيح نافذ، وكذلك إذا عقد لمن هو في ولايته، أو من وكله في إنشاء العقد بالأصالة في الأول وبالولاية الشرعية في الثاني وبالوكالة في الثالث، فإذا لم يكن للعاقد ولاية الإنشاء إما لأنه ليس كامل الأهلية بأن كان صبيا مميزا أو معتوها، أو لأنه كامل الأهلية، ولكن عقد لغيره من غير إنابة له بحكم الشارع، أو بتوكيل صاحب الشأن، بأن كان فضوليا، ففي هذه الحالات لا يكون العقد نافذا بل يكون موقوفا على إجازة صاحب الشأن، ولذلك يشترط في نفاذ عقد النكاح أن يكون العاقد بالغا عاقلا حرا يعقد لنفسه، أو لمن هو في ولايته، أو لمن وكله، فإن كان العاقد ناقص الأهلية فعقده موقوف، وكذلك إذا عقد كامل الأهلية عن غيره بغير إنابة، يكون فضوليا وعقده موقوف على إجازة غيره)، فإذا توفرت في العاقدين صفة شرعية في مباشرة عقد النكاح بأن يكون وليا أو وكيلا في الزواج فلا يكون العاقد وليا أبعد مع وجود الولي الأقرب المقدم عليه، كما إذا زوج الأخ أخته الصغيرة مع وجود أبيها المستكمل لشروط الولاية، وإلا يكون وكيلا مخالفا أمر موكله فيما وكله به، كما إذا وكل شخص غيره في أن يزوجه من فتاة معينة أو بمهر معين فزوجه فتاة غيرها أو زوجه بمهر أكثر.
لكن إذا أجاز الولي الأقرب في الصورة الأولى، أو الموكل في الصورة الثانية نفذ العقد، وإن لم يجزه بطل العقد (3).
1 - ابن بركة ص 122، 123.
2 - العوتبي: الضياء، ج 8 / ص 219. الحواري جامع أبي الحواري، ج 3 ص 135، 136 ط 1 نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان 1405 هـ / 1985 م. البسيوي: جامع البسيوي، ج 3 ص 37، 38 الشقصي: منهج الطالبين، ج 15 / ص 384. عثمان الجعلي سراج السالك، ج 1 ص 47.
بدران: ص 69.
64 (1/72)
صفحة 73
ثالثاً: شروط لزوم العقد:
ونعني بلزوم عقد النكاح، أن لا يكون لأحد العاقدين أو غيرهما من أطراف العقد
حق الفسخ.
ويشترط للزوم العقد ما يلي:
1 - أن يكون المزوّج لفاقد الأهلية أو ناقصها أبا أو جدا (أب الأب) لأنهما أشد الأولياء شفقة وأرعاهم لمصالح من لهما الولاية عليهم، وأكثرهم فحصا عن الأسباب التي تجلب الخير والنفع لهم فلا تتوجه التهمة إليهم في شيء، ولهذا منحتهم الشريعة الغراء ولاية الإجبار، ولم تجعل لأبنائهما الحق في الاعتراض عليهما لا قبل البلوغ ولا بعده.
أما إن كان الولي غير الأب والجد - ولا يكون ذلك إلا عند فقدانهما كان لمن قام الولي بتزويجه الاعتراض على هذا العقد والمطالبة بفسخه عندما يزول سبب الولاية عليه، فلو زوج الصغير أو الصغيرة أخ أو عم لهما لا يكون العقد لازما، ولو كان الزواج تم طبقا لمواصفات الكفاءة، وبمهر المثل، ومع ذلك فإنه يثبت للصغيرين خيار الفسخ عند البلوغ.
وكذلك بالنسبة للمجنون والمجنونة والمعتوه والمعتوهة إذا زوجها غير الأب أو
الجد، كان لهما حق الفسخ عند الإفاقة).
2 - ألا يكون بالزوج عيب مستحكم كأن يكون مجنونا أو عنينا أو خصيا أو أجدم أو مجنونا، ولا يمكن أن تعيش معه الزوجة إلا بضرر، فإذا وجدت ذلك فإن زواجها يكون غير لازم، ولها الحق في طلب فسخه، سواء أكان العيب قبل الزواج ولم تعلم به، أو حدث بعده ولم ترض به، وإذا وجدت مثل هذه العيوب في المرأة فبعض الفقهاء قالوا ليس للزوج حق الفسخ لأنه يملك طلاقها، وبعضهم يرى له حق الفسخ ما دامت بعض هذه العيوب مسوّغة للفسخ؛ لأن الطلاق يكون بعد عقد نكاح مستوف لكامل الأركان و شروط اللزوم، فيمكن فسخه بمجرد العلم بهذه العيوب (2)
1 - الغندور: ص 96. محي الدين الأحوال الشخصية، ص 29. اطفيش: شرح النيل، ج 6/ ص 265 وما بعدها. 2 - الغندور: ص 96. اطفيش: ج 6 / ص 386 وما بعدها. محمد بن وصاف شرح دعائم ابن النظر ج 2 / ص 90. (1/73)
صفحة 74
ومن العيوب التي تجوز فسخ العقد الجنون، والبرص، الفاحش، والنخش (1)،
من
والعقل)، والجذام) 3 - أن يكون عقد الزواج خاليا من التغرير، فمن انتسب إلى قبيلة وظهر أنه قبيلة دونها أو ادعى أنه يشغل منصبا رفيعا في إحدى الوزارات مثلا، وغرر بالمرأة أو أوليائها، ثم بعد أن تزوج اتضح أنه ليس كما انتسب أو كما ادعى، فيكون للزوجة أو أوليائها الحق في طلب فسخ العقد؛ لأنه لم يكن الرضا على أساس صحيح. أما تغرير المرأة بالرجل فلا يمنع من لزوم العقد لأنه يملك الزوج الخلاص
بالطلاق.
مجمل القول:
لعله مما يُلاحظ هنا حرص الفقهاء الشديد على توضيح أركان النكاح وشروطه؛ وهذا يرجع إلى خطورة هذا العقد وما يترتب عليه من نتائج ومسؤولية على العاقدين، حيث اعتبر الرسول و عقد النكاح من الأمور التي لا تقبل الهزل ولا التلاعب، ويُحاسب عليها الهازل مثل الجاد، فقال: «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد؛ النكاح والطلاق، و الرجعة)، فليحذر كل من تسول له نفسه العبث بهذا الميثاق الغليظ، ولا يقترب منه إلا بعد التأكد من أركانه وشروطه، وما يترتب عليها من مسؤولية تجاه نفسه وغيره (1).
1 - النخشة: من فعل نخش الرجل إذا هزل وامرأة منخوشة لا لحم عليها، ابن منظور لسان العرب، ج 14 / ص 84. 2 - العقل: هو في شيء يبرز في قبل المرأة يشبه أدرة الرجل التي هي انتفاخ الخصيتين، ولا يخلو من رشح في الغالب، وقيل: رغوة تحدث عند الجماع، راجع عثمان الجعلي ج 6 / ص 57.
الجذام: مرض معروف يصيب جلد الإنسان بكامله، وهو البرص إذا تمكن من الجسم، راجع ابن وصاف (الدعائم) 2 ج / ص 90 وما بعدها ع - الغندور: ص 96. 5 - أخرجه الترمذي عن أبي هريرة وقال حديث حسن غريب والعمل على هذا عند أهل العلم، كتاب الطلاق حديث رقم 1184، ج 3 ص 49. وأبو داود: كتاب الطلاق حديث رقم 2194، ج 4 / ص 265، دار الكتب العلمية بيروت (د. ت). وابن ماجه: كتاب الطلاق حديث رقم 2039، ج 1 ص 657 - 658.
6 - الغندور: ص 96.
66 (1/74)
صفحة 75
رأي القانون: يلاحظ أن المشرع الجزائري تناول شروط العقد بصورة لم ترد فيها هذه التقسيمات والتسميات التي ذكرناها وإنما وردت هذه الشروط على أساس أنها
لازمة لصحة العقد وتمامه دون تفريق بين شروط الصحة واللزوم والنفاذ. أما الشروط الخارجة عن مقتضى العقد وغير المقترنة به؛ فقد أشار إليها في المادة السابعة عشر وأقرها ما دامت لا تتنافى مع القانون، فقال: «للزوجين أن يشترطا في عقد الزواج كل الشروط التي يريانها ما لم تتناف مع هذا القانون» (1) ونحن لم نتعرض لدراسة الشروط المقترنة بالعقد؛ لأنها خارجة عن موضوع الدراسة ولا تتناولها دراستنا خوفا من الإطالة والإطناب رغم أن الفقهاء توسعوا فيها توسعا كبيرا.
1 - قانون الأسرة: ص 12.
67 (1/75)
صفحة 76
[صفحة فارغة] (1/76)
صفحة 77
الفصل الثاني
مفهوم الصحة والفساد والبطلان
عند الفقهاء والأصوليين (1/77)
صفحة 78
[صفحة فارغة] (1/78)
صفحة 79
المبحث الأول
مفهوم الصحة عند الفقهاء والأصوليين، والأثر المترتب عليه
:أولا مفهوم الصحة في العبادات عند الفقهاء والأصوليين:
تعريف الصحة في اللغة:
تطلق الصحة مقابل السقم وهو المرض، فتقول فلان صحيح؛ أي ليس فيه مرض ولا علة، وأصح الرجل: زال ما كان به أو بما يتصل به من عاهة أو عيب، والصحة في البدن حالة طبيعية يجري أفعاله معها على المجرى الطبيعي، والصحيح السليم من العيوب والأمراض، والصحيح من الأقوال ما يُعتمد عليه (1)
تعريف الصحة في الشرع:
يختلف مدلول الصحة عند الفقهاء والأصوليين بحسب ورودها في العبادات والمعاملات، ولذلك سنبين مفهومها باعتبار هذين القسمين لنحدد مدلولها. أ- مفهوم الصحة في العبادات عند الأصوليين:
عرف الآمدي والغزالي والسالمي الصحة بأنها: «عبارة عن موافقة أمر الشارع، القضاء أو لم يجب إذ بموافقة أمر الشارع يحصل الثواب من فعل العبادات» (3).
وعرفها الإمام البيضاوي بأنها «استتباع الغاية (3).
وذكر بأن استتباع الغاية يختلف في العبادات عنه في المعاملات.
1 - إبراهيم مصطفى، وأحمد حسن الزيات وآخرون: المعجم الوسيط، دار الدعوة، استانبول، ترکيا، 1989 م. الأمدي: الإحكام في أصول الأحكام، ج 1 / ص 112. دار الكتب العلمية بيروت 1405 هـ / 1985 م. أبو حامد الغزالي المستصفى في علم الأصول، ج 1 ص 94، ط 2 دار إحياء التراث العربي، ومؤسسة التاريخ العربي بيروت، لبنان، 1414 هـ / 1993 م، نور الدين السالمي: طلعة الشمس، ج 2 / ص 215، ط 2 وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان 1405 هـ / 1985 م الأسنوي: نهاية السؤل شرح منهاج الأصول للبيضاوي، ج 1 ص 41، عالم الكتب بيروت 1982 م، نظام الدين الأنصاري فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت، ص 120 - 121، طبعة بولاق 1322 هـ.
71 (1/79)
صفحة 80
والغاية المقصودة هنا عند الأصوليين موافقة الأمر وإن وجب القضاء (). أما ابن السبكي فقد عرف الصحة بأنها «موافقة الفعل ذي الوجهين الشرع»).
وقد حلل محمد سلام مذكور هذا التعريف فقال: «والوجهان هما موافقة الشرع ومخالفته، أي أن الفعل الذي يقع تارة موافقا للشرع لاشتماله على ما يعتبر فيه شرعا من الشروط والأركان، ويقع تارة مخالفا له لعدم اشتماله على ما يُعتبر فيه شرعا سواء أكان عبادة كالصلاة أو عقدا كالبيع، فإن صحة هذا النوع أن يقع موافقا للشارع بأن يستجمع شرائطه، وما يلزم له في اعتبار الشارع من الأركان، فإن لم يكن على هذا الوجه فليس بصحيح.
ثم ذكر بأن السبكي قيد تعريف الصحة بذي الوجهين) حتى يخرج به ما لا يقع إلا موافقا للشرع كمعرفة الله والإيمان به؛ لأن الإيمان إذا وقع لم يقع إلا على وجه واحد وبدونه لا يكون إيمانا (2)
ب مفهوم الصحة في العبادات عند الفقهاء:
عرف الآمدي الصحة بأنها: «عبارة عما أجزأ وأسقط القضاء بالفعل (3).
وعرفها الغزالي بأنها: «عبارة عما أجزأ وأسقط القضاء».
وقد وافقه الإمام السالمي في تعريفه للصحة فقال: «وأما الصحة في العبادات وهي المعبر عنها بالإجزاء» ().
أما محمد مذكور فيرى بأنها تحقق موافقة أمر الشارع في العبادات عند الفقهاء بوقوعها مجزئة على وجه لا يجب معه قضاءها، وعند المتكلمين فإن موافقة
- أما عند الفقهاء كونه مسقطا لوجوب القضاء.
1 - السبكي: جمع الجوامع، ج 1 / ص 126، المطبعة السلفية القاهرة مصر 1345 هـ
2 - محمد سلام مذكور مباحث الحكم عند الأصوليين، ص 155، دار النهضة العربية، مطبعة لجنة البيان
-0
العربي. لبنان (دت)
الأمدي: الإحكام، ج 1 / ص 112، 113
الغزالي: المستصفى، ج 1 / ص 94. - السالمي: طلعة الشمس، ج 2 / ص 215.
72 (1/80)
صفحة 81
أمر الشارع يتحقق بوقوعها مسقطة للطالب وإن لزم القضاء).
ثانيا: أثر اختلاف الفقهاء والأصوليين في مفهوم الصحة في العبادات:
قضاءها
مما سبق بيانه يتضح لنا أنه في كل عبادة وافقت أمر الشارع، ووجب فإنها تكون عند الأصوليين صحيحة مجزئة، ويرتفع بها التكليف عن المكلف أما القضاء عندهم إنما يكون بناء على أمر جديد لا نفس الخطاب الأول. وجوب وأما الفقهاء فيقولون إنها غير صحيحة؛ لأن المكلف مأمور بالقضاء، وما دام كذلك فإن العبادة التي قام بها غير صحيحة، وغير مجزئة وذمته مازالت مشغولة حتى يُجددها مرة ثانية.
وحتى يؤكد هذا المعنى ويتضح جليا نورد بعض المسائل الفرعية التي استشهد بها الفقهاء والأصوليون للاحتجاج بها، وهي كما يلي:
1 - اختلف الفقهاء والأصوليون في حكم صلاة من ظن أنه متطهر، ثم تبين له بعد ذلك أنه غير طاهر، فإن صلاته موافقة لأمر الشارع اتفاقا، كما يجب عليه القضاء اتفاقا، لكن مناط الصحة عند الأصوليين هو موافقة الأمر فقط وجب القضاء
أم لا.
وعند الفقهاء فإن مناط الصحة الإجزاء وإبراء الذمة، وسقوط القضاء، وهو هنا
غير متحقق.
ونص الآمدي على هذه المسألة قائلا: «فمن صلى وهو يظن أنه متطهر وتبين أنه لم يكن متطهرا فصلاته صحيحة عند المتكلم لموافقة أمر الشارع بالصلاة على حسب حاله وغير صحيحة عند الفقهاء لكونها غير مسقطة للقضاء» (2).
كما أورد الغزالي هذه المسألة في مصنفه فقال: «إن صلاة من ظن أنه متطهر صحيحة في اصطلاح المتكلمين؛ لأنه وافق الأمر المتوجه عليه في الحال، وأما القضاء فوجوبه بأمر مجدد فلا يُشتق منه اسم الصحة، وهذه الصلاة فاسدة عند
الفقهاء؛ لأنها غير مجزئة» (3).
1 - محمد مذکور مباحث الحكم، ص 155 وما بعدها.
-2
الآمدي: ج 1 ص 113.
الغزالي المستصفى، ج 1 ص 94 - 95.
73 (1/81)
صفحة 82
-
واختلف الفقهاء والأصوليون في حكم صلاة فاقد الطهورين، وهما: الماء، والتراب أو من عجز عن استعمال الماء ولم يجد التراب للتيمم، فعلى أنه مأمور بالصلاة للتشبه بمن وجد الماء أو التراب ويقدر على استعمال الماء مع وجوب القضاء عند وجود أحد الطهورين، تكون صلاته صحيحة على تلك الحالة عند الأصوليين لموافقة الأمر بالصلاة، ولكنها غير صحيحة عند الفقهاء لوجوب القضاء.
- اختلف الفقهاء والأصوليون في حكم قطع صلاة مفروضة عليه كالظهر لأجل إنقاذ غريق توقف إنقاذه على قطع صلاته، فإن صلاته صحيحة عند الأصوليين، وباطلة عند الفقهاء؛ أما صحتها فلموافقة الأمر بالصلاة، والمصلي كذلك مأمور بإنقاذ الغريق إذا اقتضى حال إنقاذه على قطع صلاته، وما دام قد امتثل للأمر بالصلاة وشروعه فيها، وامتثل الأمر أيضا وقطع صلاته لهذه المفاجأة
فإنه يكون ممثلا للأمر مؤديا له، وهذا لا يتنافى أنه مأمور بقضاء الصلاة (1)
وخلاصة القول:
يظهر لنا من خلال هذه الآراء أن الخلاف بين الفقهاء والأصوليين في مفهوم الصحة في العبادات خلاف شكلي ولفظي، كما ذكره الغزالي حيث يرى أن تسمية الصلاة هنا بأنها صحيحة مجرد اصطلاح لا يترتب عليه شيء ما دام الأصوليون يوافقون الفقهاء في وجوب القضاء، وبهذا يكون الخلاف شكليا في الواقع ولا يترتب عليه أثر عملي، ولا بأس أن نورد عبارة الغزالي لتأكيد صحة ما ذهبنا إليه، يقول: وكذلك من قطع صلاته بإنقاذ غريق فصلاته صحيحة عند المتكلم، فاسدة عند الفقيه، وهذه الاصطلاحات وإن اختلفت فلا مشاحة في الاصطلاح؛ إذ المعنى متفق
عليه» (2).
ويؤكد ما توصلنا إليه من نتائج بعد هذا العرض ما ذكره الآمدي في أحكامه مبينا أن الخلاف بين الأصوليين والفقهاء في هذه المسألة إنما هو خلاف شكلي، ونزاع لفظي حيث يقول: «وإن صح فالنزاع لفظي ولا بأس بتفسير كون العبادة مجزية بكونها مسقطة لوجوب القضاء، وحيث لم تكن متصفة بكونها مجزية عن
1 - محمد مذكور: ص 157. الغزالي: ج 1 ص 95.
-2
?? (1/82)
صفحة 83
أدائها مع اختلاف شرطها، وسقوط القضاء بالموت إنما كان لأنه لم يسقط القضاء بفعلها بل الموت» (1).
وعليه فيمكن القول بأن الفقهاء والأصوليين متفقون في مفهوم الصحة في العبادات، أما الخلاف الذي دار بينهما إنما هو خلاف لفظي واصطلاحي فقط، ولا مشاحة في الاصطلاح ما دام هناك اتفاق في المقاصد والمعاني؛ لأن العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني.
ثالثا: مفهوم الصحة في المعاملات عند الفقهاء والأصوليين والأثر المترتب عليه: عرف الآمدي الصحة بقوله: «وأما عقود المعاملات فمعنى صحة العقد ترتب ثمرته المطلوبة منه عليه (2)
وإلى هذا المعنى ذهب السالمي في عبارته فقال: «فأما الصحيح فهو ما ترتب عليه ذلك المقصود» (3).
ويفسر السالمي معنى (المقصود) الوارد في تعريفه بقوله: «المراد (بمقصوده) الحكمة التي لأجله شرع الحكم، وهي حصول مصلحة للمكلفين أو دفع مفسدة عنهم، وهذا المقصود يكون تارة دنيويا؛ كالمنافع الدنيوية، ودفع المفاسد الدنيوية، ويكون أخرويا: كجلب الثواب، ودفع العقاب (4).
وقد شارك الغزالي الإمام السالمي في هذا المعنى فقال: «وأما إذا أطلق في العقود فكل سبب منصوب لحكم إذا أفاد حكمه المقصود منه، يقال: إنه صح وإن تخلف عنه مقصوده يقال إنه بطل» (ه).
وليتضح هذا المعنى المقصود أكثر نذكر بعض الأمثلة للتطبيق، فمثلا: البيع مشروع لقصد حل الانتفاع، وشرع التزويج لقصد حل الاستمتاع، فإذا كان العقد في البيع والتزويج يترتب عليه ذلك كان العقد صحيحا، وإن لم يترتب عليه ذلك فهو
فاسد.
الآمدي الإحكام، ج 1 / ص 113 الآمدي: الإحكام، ج 1 ص 397 3 - السالمي: طلعة الشمس، ج 2 ص 215. - السالمي: ج 2 / ص 215.
ه الغزالي: المستصفى، ج 1 ص 95
Vo (1/83)
صفحة 84
وقد ذهب بعض الأصوليين إلى القول بأن الصحة في المعاملات ما وافق أمر الشرع، والفاسد ما خالف أمر الشرع أو وافق نهيه، ويعلل ذلك بأنه إذا كان الفعل موافقا لأمر الشارع يحصل الثواب في العبادات ويصح الانتفاع من عقود
المعاملات.
ولا شك أن هذا المفهوم يُوافق مفهوم الصحة في العبادات، ولتأكيد ما قررناه
هنا نورد بعض الشواهد نقلا عن بعض علماء الأصول لتوضيح هذا المعنى. 1 - يقول السالمي: «إن الصحيح من العبادات والمعاملات هو ما وافق أمر الشارع إذ بموافقة أمر الشرع يحصل الثواب من فعل العبادات، ويصح الانتفاع في أشياء المعاملات).
وقد ذكر تعريفا آخرا يؤكد فيه ما ذهب إليه؛ فيقول: «إن الصحة في المعاملات ترتيب الأمر المطلوب منها عليها».
2 - وقد وافق البدر الشماخي رأي السالمي فقال: «وأبين من هذه العبارة ترتيب أثر الشيء، واعتباره سببا لحكم آخر كالملك فإنه أثر لعقدة البيع مثلا، وهو مرتب على العقدة، والعقدة سبب لإباحة التصرف فيه لموافقة العقدة أمر الشارع (3). وبالنظر إلى مضمون هذا التعريف نجده يتفق مع تعريف السالمي والآمدي للصحة في المعاملات. ا
3 - وذكر صاحب فواتح الرحموت أن للصحة في المعاملات معنى آخر؛ ذلك أن المعاملات إذا كانت تشتمل على أركانها وشروطها وعدم طلب الفسخ من الشارع فهي صحيحة.
ولا بأس أن نورد عبارته البليغة لتأكيد ما ذهب إليه، فيقول: «إن للصحة عندنا معنى آخر في المعاملات، هو كونها مشتملة على شرائطها وأركانها مع عدم مطلوبية الفسخ من الشارع، ويقابله الفساد، وإن شئت قلت المعاملة المشروعة
بأصله ووصفه (3).
1 - السالمي: ج 2 ص 215.
2 - أبو العباس أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي: كتاب مختصر العدل والإنصاف، ص 17، ط 1405/ 1 هـ 1984 م، مطابع سجل العرب مصر، نشر وزارة التراث القومي والثقافة – سلطنة عمان. نظام الدين فواتح الرحموت، ج 1 ص 122
-
76 (1/84)
صفحة 85
وقد أكد بعض الفقهاء المعاصرين هذا الرأي فقال: «إن الفعل الذي يقع تارة
موافقا للشرع لاشتماله على ما يعتبر فيه شرعا من الشروط والأركان، ويقع تارة مخالفا له لعدم اشتماله على ما يعتبر فيه شرعا سواء أكان عبادة كالصلاة أو عقدا كالبيع، فإن صحة هذا النوع أن يقع موافقا للشارع بأن يستجمع شرائطه وما يلزم له في اعتبار الشارع من الأركان فإن لم يكن على هذا الوجه فليس بصحيح).
المعاملات
ثم ذكر في نفس السياق أن هذه الموافقة كما تكون في العبادات تكون في المعاملات لترتب الآثار الشرعية عليها فيقول: «ويتحقق ذلك في بصلاحيتها لترتب آثارها عليه، والأثر في التعامل ما شرعت المعاملات من أجله وهو ما نسميه بحكم العقد، فأثر البيع نقل الملكية من البائع إلى المشتري، وعقد الإجارة أثر تملك منفعة العين المؤجرة في مدة العقد، وعقد الزواج حكمه حلّ ما كان محرما عليهما من الاتصال الجنسي، ووجوب المهر للزوجة، وحرمة المصاهرة، ووجوب النفقة للزوجة على الزوج والتوارث بينهما (2).
وقد اعترض الآمدي على الذين يقولون بأن صحة العقد هو إذن الشارع في الانتفاع بالمعقود عليه؛ لأنه يمكن أن يكون العقد صحيحا لاستكمال أركانه وبعض شروطه ولكن غير نافذ لاختلال بعض شروطه دون أركانه، فلا يصح الانتفاع بالمعقود عليه كبيع مال الربا مثلا حيث يقول: «ومن فسر صحة العقد بإذن الشارع في الانتفاع بالمعقود عليه فهو فاسد، فإن البيع بشرط الخيار صحيح بالإجماع وإن لم يتحقق إذن الشارع بالانتفاع بتقدير الفسخ قبل انقضاء المدة» (3).
ومجمل القول:
إن الفقهاء والأصوليين متفقون في مفهوم الصحة في المعاملات حيث أنه إذا وافق الفعل أمر الشارع فهو صحيح باتفاق الفريقين، كما أنهم اتفقوا على مفهوم الصحة في العبادات رغم اختلاف عباراتهم واصطلاحاتهم ولكنهم في المعنى
والمقصود متفقون
1 - محمد سلام مذکور، ص 155 وما بعدها.
2 - المرجع نفسه
•
الأمدي: ج 1 ص 113
VV (1/85)
صفحة 86
المبحث الثاني
مفهوم الباطل والفاسد عند الفقهاء والأصوليين والأثر المترتب عليه
أولا: مفهوم الباطل والفاسد عند الفقهاء والأصوليين 1 تعريف الباطل في اللغة:
الباطل ضد الحق، وجمعه أباطيل وفي حديثه بطالة هؤلاء، ورجل بطال، ذو باطل بين المبطول، وتبطلوا بينهم؛ داولوا الباطل، ورجل بطل بين البطالة، والبطولة شجاع، تبطل جراحته فلا يكترث لها، ويجمع على أبطال، والباطل نقيض الحق، والبطلان هو سقوط الشيء لفساده؛ بطل دم القتيل إذا ذهب هدرا والباطل ما لا ثبات له عند الفحص، وإبطال الشيء إفساده وإزالته، حقا كان الشيء في ذاته أو باطلا (1).
-2 - تعريف الفاسد في اللغة:
الفساد في اللغة من فسد فسادا وفسودا ضد صلح، والفساد أخذ المال ظلماء والجدب والمفسدة ضد المصلحة، وتفاسدوا قطعوا الأرحام، واستفسد ضد استصلح، فالفاسد ضد الصلاح، وتغير الشيء عن الحالة السليمة يقال: فسد الطعام، إذا أصبح غير صالح (2).
تعريف الباطل والفاسد في الاصطلاح
عرفهما الآمدي بقوله: (هو نقيض الصحة) (3).
وعرف الغزالي الباطل بقوله: «فالباطل هو الذي لا يثمر؛ لأن السبب مطلوب
لثمرته، والصحيح هو الذي أثمر).
1 - ابن منظور لسان العرب، ج 1 / ص 432 - 176.433
2 - ابن منظور: المرجع نفسه.
الأمدي، ج 1 / ص 113
الغزالي: ج 1 ص 95
78 (1/86)
صفحة 87
ويرى الغزالي أن كل سبب نصب لحكم فإذا أفاد المقصود منه وهي ثمرته يقال
إنه صح، وإن تخلف عنه مقصوده يقال إنه باطل وهذا على حد تعبيره.
وإلى هذا المعنى ذهب السالمي فقال: «فأما الصحيح فهو ما ترتب عليه ذلك المقصود، مثاله: البيع مشروع لقصد حل الانتفاع، وشرع التزويج لقصد حل الاستمتاع، فإذا كان العقد في البيع والتزويج يترتب عليه ذلك الغرض المقصود كان ذلك العقد صحيحا، وإن لم يترتب عليه ذلك فهو الفاسد، ويعلم ترتيبه ذلك وعدم ترتيبه بموافقة مقتضى الأوامر، فما كان موافقا لأمر الشارع تاركا لمناهيه فهو الصحيح، وما عداه فهو الفاسد والباطل» (1).
وقد ذكر السالمي تعريفا آخر يؤكد فيه المعنى السابق فيقول: «الفاسد من النوعين (يقصد العبادات والمعاملات ما خالف أمر الشارع أو وافق نهيه، إذ
بمخالفة الشرع يفوت الثواب الأخروي، والمنافع الدنيوية وتحصل المفسدة» (3).
وزاد البدر الشماخي توضيحا لهذا المعنى الذي ذكره الآمدي، والغزالي فقال: وأبين من هذه العبارة ترتيب أثر الشيء عليه واعتباره سببا لحكم آخر كالملك فإنه أثر لعقدة البيع مثلا، وهو مرتب على العقدة، والعقدة سبب لإباحة التصرف فيه الموافقة العقدة أمر الشارع، ويقابله الفساد والبطلان (3).
أما محمد مذكور فيرى أن الباطل هو عدم موافقة الفعل ذي الوجهين الشرع، وذلك بأن لا يترتب عليه أثره (4).
ثانيا: أثر اختلاف الفقهاء والأصوليين في تحديد مدلول الباطل والفاسد: اختلف الفقهاء والأصوليون في تحديد مدلول الباطل والفاسد في المعاملات؛ فمنهم من يطلق الباطل على الفاسد، ولا يفرق بينهما، ومنهم من يُفرق بينهما لاختلافهما في الأركان والشروط وما يترتب عليهما، في حين اتفقوا في مدلولهما
في العبادات فلا فرق بينهما.
-
السالمي: ج 2 ص 215
2 - المرجع نفسه.
الشماخي: كتاب مختصر العدل والإنصاف، ص 17.
- محمد مذكور: ص 155 وما بعدها.
79 (1/87)
صفحة 88
ولزيادة البيان والتوضيح نستعرض رأي الفريقين في المسألة مع بيان أثر
اختلافهما على العقود والتصرفات الشرعية.
الفريق الأول:
يرى جمهور فقهاء الإباضية والمالكية والشافعية والحنابلة أن مدلول الباطل والفاسد واحد في الشرع لا فرق بينهما في العبادات والمعاملات سواء أكان عدم الصحة لاختلال ركن من الأركان أو لفقد شرط من الشروط، وسواء أكان الفعل عبادة أو تصرفا أو عقدا فهم يرون أن كل ما لا يترتب عليه أثره لخلل في أصله أو وصفه غير صحيح، ولا يفرقون بينهما في التعبير بلفظ باطل أو فاسد فهما لفظان مترادفان يُطلقان على شيء واحد، وهو غير صحيح.
ولتأكيد ما سبق نورد عبارة بعض الفقهاء زيادة في البيان، يقول الآمدي – وهو من فقهاء الشافعية -: «وأما الفاسد فمرادف للباطل عندنا) أي عند الشافعية. وأما الغزالي فيقول: «والفاسد مرادف للباطل في اصطلاح أصحاب الشافعي فالعقد إما صحيح وإما باطل، وكل باطل فاسد» (2). وقد بين السالمي - وهو من فقهاء الإباضية - أن الباطل مرادف للفاسد، فقال: والباطل مرادف للفاسد عندنا (3) أي عند الإباضية.
وقال ابن قدامة المقدسي - وهو من فقهاء الحنابلة -: «والفاسد مرادف الباطل؛ فهما اسمان لمسمى واحد» (4).
وهكذا نجد لغة الفقه الإسلامي واصطلاحاته أعطت للباطل والفاسد في عرف الفقهاء معنى علميا تشريعيا؛ فمعناها في العبادات عدم سقوط القضاء بالفعل، فلا تبرأ ذمة المكلف عن الواجب بل يبقى مكلفا بإعادته.
1 - الآمدي: ج 1 ص 113
الغزالي: ج 1 ص 95 السالمي: ج 2 / ص 216،215.
- موفق الدين عبد الله بن أحمد ابن قدامة المقدسي: روضة الناظر وجنة المناظر، ص 56، راجعه: سيف الدين الكاتب، ط 4، دار الكتاب العربي، بيروت لبنان 1414 هـ / 1994 م.
80 (1/88)
صفحة 89
فمثال الباطل في العبادات الصلاة بغير طهارة، فإن هذه الصلاة باطلة. معنى البطلان في عقود المعاملات تخلف الأحكام عنها وخروجها عن كونها أسبابا مفيدة للأحكام).
أما
فلا تترتب على العقد الباطل آثاره المقررة له شرعا بين الناس من امتلاك وانتفاع، وسائر الحقوق والثمرات و المصالح التي جعل ذلك التصرف سببا لها. وهكذا يمكن تعريف البطلان والفساد بصورة عامة في الاصطلاح الفقهي بأنه تجرد التصرف الشرعي عن اعتباره وآثاره في نظر الشارع).
وهذا هو البطلان نفسه بالمعنى القانوني وفي الاصطلاح الحقوقي الوضعي. وسبب البطلان أو الفساد هو مخالفة التصرف لنظامه الشرعي في ناحية جوهرية والمراد بالناحية الجوهرية: الأركان والشروط التي لابد من تحققها حتى يتكون قوام العقد بمقوماته الصحيحة.
فمثال الباطل في المعاملات بيع الملاقيح فإن هذا البيع غير مشروع باعتبار أصله لفقدان ركن من أركانه وهو المعقود عليه، ولكونه غير مقدور على تسليم المبيع فيه (3).
الفريق الثاني:
يمثله الحنفية حيث فرقوا بين مدلول الباطل والفاسد في العقود والمعاملات، أما في العبادات فقد وافقوا جمهور العلماء حيث اعتبروا الفاسد والباطل بمعنى واحد، وقالوا إن الباطل مالم يشرع بأصله ولا بوصفه، وبعبارة أخرى ما كان الخلل فيه راجع لأصل العقد، أي صيغته أو محله أو العاقد، وقالوا: إن ذلك هو الذي يترتب عليه
أثر شرعي.
1 - الشاطبي: الموافقات، ج 1/ص 292 - 296، نشر المكتبة التجارية الكبرى مصر (دت) مصطفى الزرقاء المدخل الفقهي، ص 426، ط 9 دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت،، لبنان (1967 م - 1968 م)
-2
- الحافظ العلائي تحقيق المراد إن النهي يقتضي الفساد،، ص 220، 221، تحقيق: إبراهيم. طا، دار الفکر، دمشق: 1402 هـ / 1982 م.
محمد
سلفيني
81 (1/89)
صفحة 90
وطبقا لهذا الرأي فإن بيع المجنون أو الصبي المميز، أو بيع الميتة، أو بيع المسلم للخمر، أو بيع المنافع العامة، أو المال المباح، أو البيع بصيغة غير معتبرة لخلل في الإيجاب أو القبول، أو لعدم تلاقي القبول مع الإيجاب في جميع جزئياته أو لعدم اتصال القبول بالإيجاب في المجلس على ما هو مفصل في كتب الفقه فكل هذا يعتبر من البيع الباطل.
أما ما كان الخلل فيه راجع إلى ما اتصف به بأن يكون العقد قد وجدت أركانه ومحله، وتحقق معناه، لكن اتصل به وصف منهي عنه شرعا فهذا ما خصوه بالفساد، وعرفوا الفاسد من العقود بأنه ما شرع بأصله دون وصفه، ومن هذا أن يوصف البيع بالتأقيت وأن يكون الثمن غير متقوم، أو أن يكون مجهولا جهالة فاحشة، أو كان العقد يفضي إلى الغرر وما أشبه ذلك، وهم يعتبرون العقد الفاسد منعقدا إلا أن الشارع لا يقره، ويلزم بفسخه ما لم يحدث في محل العقد ما يمنع الفسخ كأن يكون عقد بيع، وتصرف المشتري في المبيع بالبيع أو التغيير فيه، أو لفوات المحل كأن يكون المبيع دارا فهدمها أو ورقا فطبع عليه، أو دقيقا فخبزه، وهم يقولون إن العقد الفاسد لا يفيد الملك في المعقود عليه إلا بالقبض برضا صاحبه، وأنه مضمون على القابض إذا هلك في يده بمثله أو قيمته (1).
ومن هنا فإن الحنفية اعتبروا العقد الباطل هو العقد الذي ليس مشروعا
بأصله (2).
وهم يريدون من عدم مشروعية العقد بأصله أنه قد أجري مخالفا لناحية جوهرية من النظام الشرعي فيه.
وأما الفساد فالحنفية جعلوه قسما ثالثا مغايرا للصحيح والباطل، وهو ما كان مشرعا أصلا وصفا وهو الفاسد (3).
فاستعملوا الفساد للدلالة على حالة يعتبرون فيها العقد مختلا ببعض نواحيه الفرعية اختلالا يجعله في مرتبة بين الصحة والبطلان؛ لأن مخالفته لنظامه
ا - محمد سلام مذکور ص 157 وما بعدها.
2 - الكمال بن الهمام فتح القدير، ج 6 / ص 42، ط 1 المطبعة الأميرية 1315 هـ
العلائي: ص 221 - 224.
82 (1/90)
صفحة 91
الشرعي ليست في ناحية جوهرية، بخلاف الباطل فهو ما كان غير مشروع بأصله ولا بوصفه كما مر.
وهذه التفرقة بين الفاسد والباطل عند الحنفية محلها عقود المعاملات أما العبادات فإنهم لا يفرقون فيها بين الفاسد والباطل في المشهور من أقوالهم؛ لأن المقصود في العبادات هو الطاعة والامتثال وهذا لا يتحقق إلا بأدائها على الوجه الذي رسمه الشارع، والمنهي عنه غير مرسوم شرعا، فالذمة لا تبرأ بصلاة فاسدة كما لا تبرأ بصلاة باطلة، فلا وجه للتفرقة بين الفاسد والباطل في العبادة، ما دامت الذمة لا تبرأ بصلاة فاسدة كما لا تبراً بصلاة باطلة.
أما المعاملات: فإن المقصود منها مصلحة العباد، والمنهي عنه لذاته لا مصلحة فيه للعباد مطلقا، لفوات ركنه أو شرطه أو انعدام محليته فاستحق اسم البطلان. أما المنهي عنه لوصف ملازم فلا شك في تحقق مصلحة ما للعباد فيه لتوفر ركنه وشروطه ووقوعه في محله فتثبت عليه آثاره. غير أنه لما وقع فيه عيب، أنقص من قيمته، فاستحق اسم الفساد دون البطلان؛ أن البطلان عدم، والفساد نقص وخلل.
ومصالح العباد الدنيوية لا نقول بإلغائها إلغاء تاما، إلا إذا وصل الخلل إلى أركانها؛ لانتفاء حقيقتها الشرعية حينئذ.
والباطل من العقود هو العقد الذي لم يستوف أركانه أو شروطه المكملة للأركان. أما الفاسد فهو ما اعترى الخلل وصفه أي نقص منه بعض الشروط المكملة لحكمه، أو المرتبة لآثاره (1).
ويلاحظ من تعريف الحنفية للعقد الفاسد الذي هو العقد المشروع بأصله لا
بوصفه.
أنه لا يعطي صورة واضحة عن حقيقة معنى الفساد وإنما يكشف عن سببه فقط كما أن فيه غموضا يورث كثيرا من الاشتباه.
1 - العلائي: ص 223، 225.
83 (1/91)
صفحة 92
وبناء على ما ذكر سابقا نستطيع أن نعرف الفساد بما يلي: هو اختلال في العقد،
المخالف لنظامه الشرعي في ناحية فرعية متممة بجعله مستحقا للفسخ). وزيادة في الإيضاح والتوكيد ننقل بعض آراء الفقهاء في اختلافهم في تحديد
مدلول البطلان والفساد
يقول الغزالي: «وأبو حنيفة أثبت قسما آخر في العقود بين البطلان والصحة وجعل الفاسد عبارة عنه، وزعم أن الفاسد منعقد لإفادة الحكم لكن المعني بانعقاده أنه مشروع بأصله كعقد الربا فإنه مشروع من حيث أنه بيع و ممنوع من حيث أنه يشتمل على زيادة في العوض، فاقتضى هذا درجة بين الممنوع بأصله ووصفه جميعا، وبين المشروع بأصله ووصفه جميعا (3).
ولكن الغزالي لم يوافق أبا حنيفة فيما ذهب إليه واعترض عليه بقوله: «فلو صح له هذا القسم لم يناقش في التعبير ولكن ينازع فيه إذ كل ممنوع بوصفه فهو ممنوع بأصله كما سبق ذكره (3).
ويقول الآمدي في إحكامه في هذا الصدد: «وهو أي الفاسد) عند أبي حنيفة قسم ثالث مغاير للصحيح والباطل، وهو ما كان مشروعا بأصله ممنوعا بوصفه، كبيع مال الربا بجنسه متفاضلا ونحوه).
وقد تعرض السالمي لبيان هذه المسألة فقال: ذهبت الحنفية إلى التفرقة بينهما (يعني الباطل والفاسد) فزعموا أن الباطل ما لا يكون مشروعا بأصله ولا بوصفه، الأول كبيع الملاقيح والثاني كبيع الربا).
ولكن البدر الشماخي بين أن الحنفية رغم تفريقهم بين الفاسد والباطل، فإنهم لا يتركون العقد الفاسد على فساده بل يحاولون تصحيحه بإلغاء ما يبطله، ولذلك يرتبون عليه بعض الآثار الشرعية، وهذا نص عبارته يقول: «وعندهم (الحنفية) أن
1 - الغلاني: ص 227. الغزالي: ج 1 ص 95
-
الغزالي: المرجع نفسه. - الآمدي: ج 1/ص 113. ه السالمي: ج 2 / ص 215
84 (1/92)
صفحة 93
الربا إذا طرحت زيادته صحت عقدته، ولم يحتج إلى عقدة أُخْرَى). وكذلك عقد نكاح الشغار فيصححونه بفرض صداق المثل بعد الدخول.
ومجمل القول:
نجد أن الجمهور قد قسم العقود إلى قسمين: صحيح، وباطل، بينما قسمها لحنفية إلى ثلاثة أقسام: عقد صحيح، وعقد باطل، وعقد فاسد.
فالباطل كما عرفنا لا وجود له، ولا يرتب عليه الشارع أي حكم من الأحكام. أما العقد الفاسد فله وجود، ولكن لا يرتب الشارع على ذلك العقد شيئا بل يوجب
نسخه.
فإذا قبض المشتري المبيع في البيع الفاسد مثلا فإنه يملكه بهذا القبض، وتجب عليه قيمة المبيع لا ثمنه؛ ولكن تكون الملكية غير لازمة؛ بل يجب الفسخ، وإذا فسخ يجب شيء، وتستمر الملكية غير لازمة إلى أن يستهلك المبيع؛ أو يتصرف فيه لمشتري تصرفا يجعل للغير حقا متعلقا به.
وبهذا المثل يتقرر أن الحنفية وإن قرروا أن البيع الفاسد له وجود، ولكنه وجود اقص لا يُرتب أحكاما إلا حال القبض.
مع
كما أن العصيان والإثم ثابتان في كل الصور؛ فإن بيع درهم بدرهمين مشروع اعتبار ذاته، لكنه غير مشروع باعتبار ما اشتمل عليه من الوصف، وهو زيادة أحد العوضين من جنس واحد على الآخر بلا مقابل؛ لذا قالوا أن هذا البيع يفيد الملك لإثم؛ فإذا ألغيت الزيادة، فلا إثم، والفساد لا يجري إلا في العقود المالية التي تنشئ التزامات متقابلة، أو تنقل الملكية، فيدخل في ذلك عقود البيع، والإجارة والقرض الرهن والحوالة والصلح عن المال والقسمة والشركة والمزارعة، وأمثالها؛ لأنها نشئ التزامات متقابلة، ويدخل أيضا عقد الهبة لأنه ينقل الملكية فكل ذلك مما تميز فاسده عن باطله عند الحنفية، ويخرج عن هذا الضابط جميع التصرفات
أخرى وهي:
- السالمي: المرجع نفسه ج 2 / ص 215.
85 (1/93)
صفحة 94
1 - العبادات.
-
التصرفات القولية التي ليست من قبيل العقود، بل من تصرف الإرادة
المنفردة كالطلاق، والإعتاق، والوقف، والإبراء، والكفالة والإقراض.
3 - العقود غير المالية كالنكاح، والوكالة، والوصاية، والتحكيم.
4 - العقود المالية التي لا تنشئ التزامات مالية: كالإيداع، والإعارة. فكل هذه الأنواع من التصرفات التي تخرج عن ذلك الضابط لا يعتبر لها إلا مرتبتان وجود وعدم؛ أو بتعبير آخر صحة وبطلان وليس بينهما مرتبة فساد ثالثة، بل إن فسادها وبطلانها بمعنى واحد).
الفرق بين البطلان والانفساخ
والفرق بين البطلان والانفساخ أن الانفساخ إنما يكون بعد تمام الانعقاد الصحيح لسبب طارئ، يمتنع معه بقاء العقد بعد وجوده؛ كهلاك المبيع عند البائع بعد العقد قبل التسليم فالعقد هنا لا مخالفة فيه؛ وهلاك المبيع بعد ذلك، ليس مخالفة لنظام العقد؛ ولكنه حادث يتعذر معه تنفيذ العقد فينفسخ. وأيضا: إن البطلان يكون العقد معه معدوما من أصله أبدا فقد يرفع العقد من أصله، فيكون الانفساخ مستندا بأثر رجعي، كما في هلاك المبيع قبل التسليم، وقد يزول الارتباط التعاقدي من وقت الانفساخ، أما ما مضى فيبقى على حكم التعاقد كما في انفساخ الإجارة والشركة، ونحوهما من العقود المستمرة (2)
ثالثا أثر اختلاف الفقهاء في النكاح الفاسد والباطل
اختلف الفقهاء في تحديد مفهوم الفساد والبطلان في النكاح، فمنهم من يعتبرهما مترادفان لهما معنى واحد، مثل العبادات، ومنهم من يفرق بين النكاح الفاسد، والنكاح الباطل، ويظهر ذلك من خلال الآثار المترتبة على هذا النكاح، ولبيان هذا الخلاف نستعرض رأي الفقهاء في هذه المسألة حيث انقسموا إلى فريقين:
1 - العلائي: ص 226 - 227. 2 - العلاني: ص 221 222.
86 (1/94)
صفحة 95
الفريق الأول: مذهب الحنفية
ويصور
لم تتفق كلمة الحنفية في مسألة النكاح بل اضطربت أقوالهم وتباينت أحيانا، لنا أحد الفقهاء المعاصرين هذا الاضطراب والاختلاف، فيقول: «وفي الزواج اضطريت أقوالهم؛ فمنهم من يرى أن الباطل والفاسد بمعنى واحد؛ فالباطل: ما حصل خلل في ركن من أركانه، أو في أهلية العاقدين، أو فقد شرطا من شروط انعقاده، ولا يترتب عليه أثر شرعي، ويعتبر وجوده كعدمه.
والفاسد ما حصل خلل في وصف من أوصافه بأن كان في شرط خارج عن ماهيته وأركانه، كعدم حضور الشاهدين؛ وكما إذا لم تكن المرأة المعقود عليها محلا للزواج بأن كانت محرمة على من تزوجها، ويشترط عدم علم الزوجين وقت العقد أنها محرمة عليه.
ولعل الفرق بين النكاح الفاسد والباطل عند الحنفية يظهر عند الدخول بعد العقد؛ ولذلك قالوا: إنه لا فرق بين الزواج الفاسد والزواج الباطل قبل الدخول الحقيقي، حيث لا يترتب على العقد أي أثر من آثار الزواج الصحيح، فإذا اختلى الزوج بزوجته التي تزوجها بعقد فاسد أو باطل فلا مهر ولا نفقة ولا طاعة ولا توارث، ويُحرم على كل منهما أن يستمتع بالآخر، ويجب عليهما الافتراق، وإن لم يفترقا من تلقاء نفسيهما، فرق بينهما القضاء دفعا للمعصية، أما إذا دخل الزوج بمن تزوجها زواجا فاسدا؛ فإنه يترتب على هذا الدخول وجوب المهر وثبوت النسب، ووجوب العدة، وحرمة المصاهرة.
أما إذا وقع الدخول في النكاح الباطل؛ فإنه يُعتبر بمنزلة الزنى غير أن شبهة العقد تسقط الحد عند أبي حنيفة لقوله: «ادرءوا الحدود بالشبهات)، ومتى سقط
-
1 - أخرجه البيهقي عن علي -رضي الله عنه وتمامه: «ولا ينبغي للإمام أن يعطل الحدود» وفي لفظ عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ادروا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة أخرجه الترمذي في صحيحه: كتاب الحدود حديث رقم 1424، ج 4 / ص 25. والحاكم في المستدرك: ج 4 / ص 384. وفي لفظ لابن ماجه: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعا»، قال الصنعاني: أخرجه ابن ماجه بإسناد ضعيف، كتاب الحدود باب الستر عن المؤمن ودفع الحدود بالشبهات حديث رقم 2545، ج 2/ 850. قال البخاري في التلخيص: وفيه المختار بن نافع وهو منكر الحديث إلا أنه ساق المصنف عدة روايات موقوفة صحح وهي تعاضد المرفوع وتدل على أنه له أصلا في الجملة وفيه دليل على أنه يدفع الحد بالشبهة التي يجوز وقوعها كدعوى الإكراه. راجع الصنعاني سبل السلام، ج 4 / ص 28.
بعضها
87 (1/95)
صفحة 96
الحد
المهر، ويعاقب تعزيرا أشد العقاب لا حدا مقدرا، وتجب له العدة وحرمة وجب
المصاهرة والنسب في قول).
الفريق الثاني: مذهب الجمهور
وقد خالف جمهور الفقهاء مذهب الحنفية في هذه المسألة؛ حيث اعتبروا الباطل والفاسد في النكاح بمعنى واحد مثل عقود المعاوضات، فالزواج الفاسد والباطل: هو ما حصل خلل في ركن من أركانه أو شرط من شروط صحته، وهو ينقسم إلى قسمين:
1 - زواج متفق على فساده، وهو ما يكون فساده مؤبدا لا يتغير بتغير الأحول والأزمان، وهذا القسم يتفق على تحريمه جميع الفقهاء، كالزواج بإحدى المحرمات من النسب، أو المصاهرة، أو الرضاعة.
وزواج مختلف حول فساده: وهو ما يكون فساده مؤقتا، إذا زال المانع
أصبح صحيحا، ولذلك نجد بعض الفقهاء يعتبرونه صحيحا، وبعضهم يعتبره فاسدا، مثل: نكاح المحرم، ونكاح المريض.
•
فإذا وقع العقد الفاسد فلا يترتب عليه آثار النكاح الصحيح، أما إذا حدث دخول بعد هذا العقد، دون العلم بفساده وتحريمه فإنه يترتب عليه بعض الآثار المحدودة مثل حرمة المصاهرة وثبوت النسب.
غير أن هذه الآثار لا تترتب على الدخول في الزواج الفاسد، ويجب على الزوجين حد الزني إن كانا مكلفين عالمين بالتحريم، فلا يثبت بهذا الدخول عدة ولا نسب، ولا توارث ولا نفقة، ولا أي حق من الحقوق الزوجية وواجباتها ماعدا حرمة المصاهرة فإنها تثبت بهذا الدخول عند الإباضية خلافا للمالكية (2)
ومجمل القول:
وبعد التحقيق والنظر فيما ذهب إليه الحنفية وما ذهب إليه الجمهور في هذا الخصوص نجد أن دائرة الخلاف بينهم تضيق، ويؤكد هذا أحد الفقهاء المعاصرين
1 - محمد سلام مذكور ص 157 وما بعدها.
- الآمدي: ج 1 ص 411.
88 (1/96)
صفحة 97
فيقول: «أما عقد النكاح فإنه يشبه العبادات في بعض جوانبها، ولذلك ألحقه الحنفية بقسم العبادات، ولم يفرقوا بين فاسده وباطله، وقالوا إن باطل النكاح وفاسده سواء، لا ينعقد به عقد بخلاف الفاسد في عقود المعاوضات كالبيوع، فإن العقد فيه ينعقد، وإذا وجدت بعض الآثار في النكاح الفاسد كوجوب صداق المثل في نكاح الشغار،
فليس ذلك مترتبا على نفس العقد، وإنما هو مترتب على الدخول بشبهة).
وسوف نتناول
-
بإذن الله - الآثار المترتبة على النكاح الفاسد في الباب
الثالث بشيء من التفصيل والتحليل والدراسة زيادة في الإيضاح والبيان.
1 - محمد سلام مذكور: ص 157 وما بعدها.
89 (1/97)
صفحة 98
المبحث الثالث
منشأ الخلاف بين الفقهاء في تحديد الفرق بين الفساد والبطلان
يرجع أساس الخلاف بين الجمهور والحنفية في تحديد الفرق بين الفساد
والبطلان في العقود والمعاملات إلى ما يلي:
أ- رأي الجمهور:
إن الجمهور يرى أن النهي يقتضي عدم وجود العقد شرعا دون النظر إلى سبب النهي؛ لأن النهي عندهم يقتضي فساد المنهي عنه (1)
وطبقا لهذا الأساس فلو خالف شخص أمر الشارع وأقدم على عقد نهى عنه الشارع، فلا أثر لفعله، ولا وجود لعقده.
ومثلوا لذلك بأمثلة ورد فيها نهي شرعي؛ كالنهي عن نكاح المحارم، وبيع الميتة، وبيع الحر وبيع الأجنة في بطون أمهاتها وأمثال ذلك.
فهذه التصرفات مما نص الأصوليون والفقهاء على فسادها المرادف لبطلانها
باتفاق؛ لعدم قابلية المحل للتصرف الشرعي، فلا يترتب عليها أي أثر شرعي. فنكاح المحارم باطل غير منعقد، ولا يترتب عليه ثبوت نسب، وبيع الميتة، وبيع الأجنة: باطل غير منعقد لا يثبت به الملكية، ولا يترتب عليه التزام ما.
ومثله أن ينكح الرجل أخت زوجته أو يتزوج الخامسة مع وجود الأربع، أو أن ينكح المرأة مع عمتها أو خالتها، أو ينكح المرأة في عدتها، ومثله أيضا: نكاح المتعة
والشغار.
فكل نكاح من هذا القبيل غير صحيح؛ لأنه منهي عن عقده فهو باطل والفعل الباطل لا يكون سببا لحكمه.
- الآمدي: ج 1 ص 411. (1/98)
صفحة 99
والمنهي عنه لعينه إنما يدل على فساد المنهي عنه شرعا لا لغة؛ لأن فساد الشيء عبارة عن سلب أحكامه وثمراته المقصودة.
وقد استدل الجمهور على صحة مذهبهم وبطلان هذه التصرفات شرعا من السنة والإجماع والمعقول.
1 - من السنة النبوية
ما روته عائشة عن الرسول الله أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (1) وفي رواية أخرى: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد» (3) وفي رواية أخرى بلفظ: «من صنع أمرا على غير أمرنا فهو مردود» (3).
وجه الاستدلال: لا شك أن المنهي عنه على غير أمر الشرع يكون مردودا، والمردود ما ليس بصحيح ولا مقبول؛ لأن الرد إن أضيف إلى العبادات اقتضى عدم الاعتداد بها، وإن أضيف إلى العقود اقتضى فساده، فلا يكون المنهي عنه مشروعا، ولا يترتب عليه آثار التصرفات المشروعة؛ لأن المردود على فاعله كأنه لم يوجد. والمراد بالأمر في قوله صلى الله عليه وسلم (ليس عليه (أمرنا واحد الأمور؛ وهو ما كان عليه النبي الله وأصحابه، وقوله فهو رد) المصدر بمعنى المفعول كما بينته رواية أحمد من صنع أمرا على غير أمرنا فهو مردود (فيكون الأمر هنا هو أمر الدين، وهو ما شرعه الله تعالى من العبادات والمعاملات، وقد حدد لنا في كل ذلك، فلا يجوز لنا أن نزيد أو ننقص، كما لا يصح لنا أن نخترع كيفية لم يرسمها الدين ولم يرشد إلى عملها، أو تنافي أصلا من الأصول العامة، وإن حدث شيء من ذلك فهو رد أي باطل، ولا يتفرع عليه أثره.
وهكذا، كل عمل ليس عليه أمر الله في قرآنه أو أمر رسوله فهو مردود أي باطل).
1 - رواه البخاري في باب الصلح، انظر: فتح الباري، ابن حجر، ج 5 / ص 301، ط 1 مطبعة دار البلاغة ومؤسسة العلا بيروت لبنان 1406 هـ / 1986 م
رواه مسلم الجامع الصحيح، شرح النووي، ج 12/ ص 16.
3 - أخرجه أحمد عن عائشة: ج 6 / ص 270,256,240,180,146، أحمد بن حنبل المسند و بهامشه منتخب کنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، دار صادر بيروت (بدون تاريخ).
- العلائي: ص 177، 179.
91 (1/99)
صفحة 100
قال ابن حجر في الفتح: «هذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده، فإن معناه من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت
إليه).
وقال النووي: «هذا الحديث ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات، كما ينبغي إشاعة الاستدلال به كذلك، وهو قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو دليل لمن يقول من الأصوليين أن النهي يقتضي الفساد» (3).
2 - من الإجماع:
فهو
-
أن الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم استدلوا على فساد العقود كالبيوع والأنكحة بالنهي الوارد عن الشارع عنها، فاستدلوا على بطلان نكاح المحارم بالنهي عنها وعلى فساد عقود الربا بقوله تعالى: وذروا ما بقي من، وبقوله: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا سواء بسواء» (4)
(3)
ومن ذلك احتجاج عبد الله بن عمر على فساد نكاح المشركات بقوله تعالى: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن)، ولم ينكر منكر فكان إجماعا. كما استدلوا على فساد نكاح المحرم بالنهي، وعلى فساد بيع الطعام قبل قبضه بالنهي أيضا.
وهكذا أجمع العلماء على اختلاف أمصارهم على الاستدلال بالنواهي على أن المنهي عنه ليس من الشرع، وإنه باطل لا يصح، وهذا المراد يكون النهي مقتضيا
للفساد.
1 - ابن حجر العسقلاني: فتح الباري، ج 5 / ص 301 كتاب الصلح باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح
مردود.
النووي: شرح صحيح مسلم، ج 12/ ص 16، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور. 3 - البقرة: 278.
رواه البخاري: فتح الباري ج 4 / ص 397 كتاب البيوع، باب بيع الذهب بالذهب. البقرة: 221.
92
-
-0 (1/100)
صفحة 101
من المعقول إن النهي عن الشيء يدل على تعلق المفسدة به أو بما يلازمه؛ لأن الشارع حكيم لا ينهى عن المصالح، إنما ينهى عن المفاسد، وفي القضاء بالفساد إعدام لها بأبلغ
الطرق.
النهي مشارك للأمر في الطلب والاقتضاء، ومخالف له في طلب الترك، والأمر دليل الصحة، فليكن النهي دليل الفساد المقابل للصحة ضرورة كون النهي مقابلا للأمر، وأنه يجب أن يكون حكم أحد المتقابلين مقابلا للآخر.
إن النهي عنها مع ربط الحكم بها يفضي إلى التناقض في الحكمة؛ لأن نصبها سَبَب يمكن من التوسل؛ لأن حكمتها مقصود الآدمي ومتعلق غرضه، فتمكينه منه
حث على تعاطيه والنهي منع من التعاطي، ولا يليق ذلك بحكمة الشارع).
ب رأي الحنفية:
أما الحنفية فإنهم نظروا إلى السبب الذي من أجله كان النهي، فإن كان يرجع إلى أصل العقد انعدم وجوده في نظر الشارع، وإذا وُجد العقد في الصورة يكون وجوده باطلا، أما إذا كان النهي بسبب وصف لحق بالعقد فإنه يكون منعقدا لسلامة ما تم الانعقاد به. ويستدلون على وجوده بأنه إذا رفع الوصف الذي اقتضى النهي والفساد صح العقد، وترتب عليه أثره؛ كمن باع بشرط أن يسترد المبيع بعد سنة عند إعادة الثمن مع انتفاع المشتري بالمبيع، فإن العقد يُصبح صحيحا إذا ما ارتفع ذلك الشرط وفي هذا دليل وجوده منعقدا.
واستدلوا على صحة رأيهم بأدلة متعددة منها:
إن النهي كثيرا ما يرد دون ارتفاع العقد ويطلانه كالبيع وقت النداء لصلاة الجمعة؛ لأن النهي فيه ليس لشيء في نفس العقد، ولا لوصف ملازم له وإنما هو
-1
إبراهيم محمد سلقيني: ص 182.
93 (1/101)
صفحة 102
بسبب وقوع العقد وقت صلاة الجمعة، ومثلها الصلاة بثوب الحرير فإنها مأمور بها من جهة أنها صلاة ومنهي عنها من جهة الحرير، ومثله كذلك الصلاة في الأرض
المغصوبة وفي الثوب المغصوب، والوضوء بماء مغصوب، أو حج بمال حرام. وكذلك في الاحتكار والغش فإن كلا منهما مكروه لنهي الرسول عنه؛ لأنه
احتيال.
والأمثلة كثيرة متناثرة في كتب الفقه.
ولم يكتف الحنفية بضرب هذه الأمثلة بل دافعوا على صحة موقفهم، وناقشوا الجمهور في أدلتهم، ولولا خوف الإطالة والإطناب لذكرنا أدلتهم ومناقشاتهم وردودهم، ولكننا نكتفي بهذا القدر ولا نغوص في التفاصيل حيث المقام لا يسمح بذلك وخير الكلام ما قل ودل.
وخلاصة القول:
إن لكل فريق وجهة نظر معقولة تستند إلى أدلة وجيهة، ولا تعارض بين الرأيين ويمكن الجمع بينهما باعتبار أن لكل فريق مستندا يستند إليه لإثبات صحة رأيه، فالجمهور لم يفرقوا بين الباطل والفاسد في العقود والمعاملات لأنهم لم يفرقوا بين أركان العقد وشروطه، فإذا فسد الشرط فسد الركن، بينما الحنفية فرقوا بين الركن والشرط، فلو فسد الركن بطل العقد، أما لو فسد الشرط لم يبطل العقد ما دامت أركانه قائمة وإنما يمكن تصحيح ذلك العقد بإلغاء ذلك الشرط الفاسد، والإبقاء على أصل العقد، ولم يفعلوا ذلك إلا لما أصبح العقد، واقعا، أما لو لم يحدث العقد أصلا فلا أظن أنهم يجرءون على إبقاء هذا العقد وإقامته بل يحكمون ببطلانه ما دام لم يقع بعد، وبذلك يكونون قد وافقوا الجمهور في وجهة نظرهم؛ لأن الجمهور ينظر إلى نهي الشارع سواء انعقد العقد بعد النهي أو لم ينعقد، فالنتيجة واحدة لا يترتب أي شيء على ذلك العقد، بينما الحنفية يقولون بذلك ما دام لم يقع العقد، وإن وقع فإنه يصبح العاقدان آثِمين، والعقد فاسد لفساد بعض شروطه، ولا يلغى كل العقد وإنما يترتب عليه بعض الآثار الشرعية كما قدمنا.
94 (1/102)
صفحة 103
رأي القانون: وقد تعرض قانون الأسرة الجزائري إلى بيان النكاح الفاسد والباطل وجعلهما لفظين مترادفين يحملان مدلولا واحدا، وبين متى يكون النكاح فاسدا أو باطلا.
وقد نص على ذلك في المادة الثانية والثلاثين منه فقال: «يفسخ النكاح إذا اختل أحد أركانه أو اشتمل على مانع أو شرط يتنافى ومقتضيات العقد أو ثبتت ردة
الزوج»).
1 - قانون الأسرة: المادة، 32 ص 16.
95 (1/103)
صفحة 104
[صفحة فارغة] (1/104)
صفحة 105
الباب الثاني
أنواع الأنكحة الفاسدة وأحكامها (1/105)
صفحة 106
[صفحة فارغة] (1/106)
صفحة 107
تمهيد
تعرضنا في الباب الأول إلى شروط عقد النكاح، وذكرنا أن من شروطه ألا تكون المرأة محرمة على الرجل الذي يرغب في نكاحها، ولو نظرنا إلى المرأة حسب طبيعتها وفطرتها فإنها تكون محلا لعقد الزواج، ولكن لا تحل لجميع الرجال بل تكون لعاقد معين وذلك إذا كان يحل له شرعا أن يتزوجها في الحال، وقد لا تكون محلا للزواج لعاقد آخر إذا كانت محرمة عليه مؤبدا أو مؤقتا.
وعلى هذا فالمرأة لمن يريد التزوج بها قد تكون محرمة أو محللة، وقد بينت النصوص الشرعية من القرآن والسنة النساء المحرمات فهن معينات ومحددات وما وراء ذلك فهن محللات.
وأسباب تحريم النساء إما أسباب، مؤبدة، وإما أسباب مؤقتة، وينبني على ذلك أن المحرمات ينقسمن إلى قسمين:
أ- محرمات تحريما مؤبدا ومعنى ذلك؛ إن المرأة لا تحل في أي وقت من الأوقات لمن حرمت عليه لأن سبب التحريم من الصفات الملازمة للمرأة غير قابلة للزوال متى تحققت لا يزول عنها، وذلك كالقرابة المحرمية، مثل: الأمومة والبنوة
والأخوة.
ب محرمات تحريما مؤقتا على معنى أن المرأة لا تحل على من حرمت عليه ما دامت على الحالة التي وجد فيها سبب التحريم المؤقت، فمتى تغيرت تلك الحالة وزال سبب التحريم لكونه وصفا طارئا على المرأة تصير حلالا لمن حرمت عليه لارتفاع سبب التحريم، مثل: زوجة الغير فإنها إذا طلقت وانقضت عدتها حلت لغير الزوج بعد أن كانت حراما، وكذلك المعتدة إذا انقضت عدتها تصير حلالا ومحلا للزواج بعد أن كانت محرمة على غير المطلق.
وفيما يلي سوف نبين في الفصل الأول والثاني الأنكحة المتفق على فسادها على سبيل التأبيد، ثم الأنكحة المتفق على فسادها على سبيل التأقيت.
أما في الفصل الثالث والرابع سوف نتعرض فيه لبيان الأنكحة المختلف حول فسادها على سبيل التأبيد ثم المختلف حول فسادها على سبيل التأقيت مع عرض أدلة كل فريق ومناقشتها.
99 (1/107)
صفحة 108
[صفحة فارغة] (1/108)
صفحة 109
الفصل الأول
الأنكحة الفاسدة فساداً مؤبداً
والمتفق على فسادها (1/109)
صفحة 110
[صفحة فارغة] (1/110)
صفحة 111
تمهيد
أسباب تحريم المرأة على التأبيد عند جمهور الفقهاء:
1 - النسب.
- الرضاع.
2 - المصاهرة.
4 - اللعان.
وأضاف بعض الفقهاء منهم الإباضية سببا آخر، هو سَبْقُ زِنَى الرجل بالمرأة
التي يريد التزوج بها.
وبذلك صارت المحرمات من النساء على سبيل التأبيد تنقسم إلى خمسة أقسام
تبعا لأسباب التحريم.
أ- محرمات بسبب القرابة والنسب: وهي الصلة الناشئة من قرابة الولادة، والمراد به القرابة القريبة، ويقال لصاحبها ذو رحم محرم أي صاحب قرابة يحرم الزواج به.
ب- محرمات بسبب المصاهرة: وهي الصلة الناشئة عن علاقة الزواج.
ج - محرمات بسبب الرضاع: وهي الصلة الناشئة من إرضاع المرأة غير ولدها. د- محرمات بسبب اللعان وهي المرأة الملاعنة التي لاعنت زوجها بسبب
اتهامها بالزني.
هـ - محرمات بسبب الزنى بهن من جانب العاقد. وقد نص قانون الأسرة في المادة الرابعة والعشرين على موانع النكاح المؤبدة
فقال: «موانع النكاح المؤيدة هي القرابة والمصاهرة، والرضاع» (1).
لم يعتبر القانون اللعان والزني من أسباب تحريم المرأة على الرجل حرمة مؤبدة.
1 - قانون الأسرة ص: 14.
103 (1/111)
صفحة 112
المبحث الأول
المحرمات بسبب القرابة (النسب)
قال الله تعالى: حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت .... ).
ومن هذه الآية الكريمة يتبين لنا أن المحرمات بسبب القرابة تنحصر في أربعة أنواع من النساء وهن:
1 - أصول الشخص من النساء وإن علون:
فتحرم عليه أمه وجداته من جهة أبيه، أو من جهة أمه جميعا - وإن علون؛ لأنه جزوهن، أما أمه فالتحريم ظاهر من النص المذكور، وأما الجدات فالتحريم بالنسبة لهن ثابت أيضا من عبارة النص المذكور؛ لأن الأم معناها لغة الأصل والجدات أصول، والقرآن الكريم يُطلق الأم ويريد الأصل، وذلك ظاهر في قوله تعالى: {وإنه في أم الكتاب)، وفوق العبارة فتحريم الجدات ثابت من دلالة النص أيضا؛ لأن الله تعالى حرم العمات والخالات، فالجدات أولى بالتحريم؛ لأن الجدات طريق اتصال العمات والخالات بالشخص، فيُفهم تحريمهن بدلالة النص. كما ثبت تحريم الجدات أيضا بالإجماع؛ لأن الإجماع منعقد على تحريمهن اعتمادا على الآية الكريمة المذكورة (3).
1 - النساء: 23
2 - الزخرف: 4.
- أمحمد اطفيش ج 1 ص 22 - 23. أبوغانم الخرساني: المدونة الكبرى تحقيق وترتيب: أمحمد بن يوسف اطفيش ج 2 ص 19 - 20. صالح بن عبد السميع الآبي الأزهري: جواهر الإكليل شرح مختصر الشيخ خليل، ج 1، ص 288. محمد عرفة الدسوقي: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير بهامشه تقريرات للمحقق محمد عليش، ج 2، ص: 252. عبد العزيز عامر: الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية، ص 52 - 53. بدران:
ص 80. الغندور: ص
1.2 (1/112)
صفحة 113
2 - فروع الشخص من النساء وإن نزلن
فتحرم عليه بنته وبنت بنته وابنة ابنه مهما، نزلن وتحريم البنت ثابت بعبارة النص آنف الذكر، وتحريم بنات الابن وبنات البنت وإن نزلن ثابت أيضا بهذه العبارة؛ لأن المراد بالبنات في هذا النص الفروع من النساء، وكلمة البنت تطلق لغة على كل فرع من النساء، وفضلا عن ذلك فإن بنات الأبناء وبنات البنات تحريمهن ثابت بدلالة النص المُحرِم لبنات الأخ، ولبنات الأخت وهن أبعد من بنات الأولاد، فالنص الدال على تحريمهن يكون دالا على تحريم بنات الأولاد بطريق أولى.
وزيادة على ذلك فتحريم أولاد الشخص ثابت بالإجماع.
أما بنت الزنى فعند الإباضية والمالكية وغيرهم من الفقهاء تحرم على من زنى بأمها فأنجبها لأنها بنته حقيقة وصلة الدم ثابتة فيثبت التحريم تبعا لذلك، وخالف الشافعي وقال إن القرابة التي تكون من سفاح لا تحرم النكاح، وإنما الذي يحرم النكاح هو القرابة التي منشئها النكاح؛ لأنها هي المثبتة للنسب شرعا دون غيرها، فقد أباح الشافعية مع الكراهة نكاح الزاني من بنته من الزنى، قال الشيرازي في بيان هذه المسألة «وإن زنى بامرأة فأتت منه ببنت فقد قال الشافعي (رحمه الله): «أكره أن يتزوجه، فإن تزوجها لم أفسخ»، فمن أصحابنا من قال: إنما كره خوفا من أن تكون منه فعلى هذا إن علم قطعا أنها منه بأن أخبره النبي في زمانه لم تحل له، ومنهم من قال: إنما كره ليخرج من الخلاف؛ لأن أبا حنيفة يحرمها فعلى هذا لو تحقق أنها منه لم تحرم وهو الصحيح؛ لأنها ولادة لا يتعلق به ثبوت النسب فلم يتعلق بها التحريم كالولادة لما دون ستة أشهر من وقت الزنا).
- فروع الأبوين وإن نزلن:
والمقصود بهن الأخوات سواء كن شقيقات أو لأب أو لأم، وكذا بنات الأخوة والأخوات، وبنات أولاد الأخوة والأخوات مهما، نزلن، فبالنسبة للأخوات وبنات الأخ
1 - أبو إسحاق الشيرازي المهذب في فقه الإمام الشافعي، وبذيله كتاب النظم المستعذب في شرح غريب المهذب لمحمد بن أحمد الركبي اليمني، ضبطه وصححه ووضع حواشيه الشيخ زكريا عميرات، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان 1416 هـ - 1995 م، ج 2 ص 440. الدسوقي: الحاشية ج 2 ص 250 - 251. اطفيش: ج 48/ 6.
1.0 (1/113)
صفحة 114
وبنات الأخت فثبوت حرمتهن بالنص المذكور، وبنات بنات الأخ، وبنات بنات الأخت وإن نزلن ثبت التحريم فيهن لأن بنت البنت تعد بنتا فضلا عن الإجماع.
4 - فروع أجداد الشخص وجداته اللائى نزلن بدرجة واحدة:
والمقصود هنا عمات الشخص وخالاته لأبوين أو لأب أو لأم وعمات أصله وخالاته كذلك، فعمات الشخص وخالاته محرمات عليه مهما تكن درجة الجد والجدة، وقد ثبت تحريمهن بالنص المذكور سالفا.
أما بنات الأعمام وبنات الأخوال وبنات العمات وفروعهن، فإنهن غير محرمات على الشخص (1)؛ إذ المحرم من فروع الأجداد والجدات من ينفصلن عن الأصل بدرجة واحدة، والسبب في عدم التحريم هنا هو عدم ذكر هؤلاء في الآية السابقة، فيحل
(2)
التزوج بهن، فيدخلن ضمن قوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم (2). كما جاء التصريح بحلهن في قوله تعالى يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك، وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك و (3).
فقد أحلت هذه الآية للرسول و الله الزوج ببنات عمه وعماته وبنات خاله وخالاته،
وما أحل للرسول لا يحل لأمته ما لم يقم دليل على الخصوصية ولا دليل.
تلك أصناف المحرمات بسبب النسب أو القرابة اللائى حرمتهن مؤبدة لا تزول بحال من الأحوال، فمن عقد على واحدة منهن كان العقد باطلا لا يترتب عليه أي أثر من الآثار الزوجية؛ لأن تحريم هذه الأنواع ثابت بالدليل القطعي ولا خلاف فيه لأحد
الفقهاء).
1 - أبو الحسن علي البسيوي: الجامع ج 3/ ص 5.
2 - النساء: 24
3 - الأحزاب: 50.
4 - أبو غانم الخرساني: ج 2 ص 19، 20. أبو إسحاق الحضرمي: مختصر الخصال، ج 2 ص 160،159. محمد الكدمي: الاستقامة، ج 3 ص 192. خميس الشقصي: منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، ج 15/ص 32،30 سلمة العوتبي: الضياء، ج 8/ ص 230،229. عبد العزيز عامر ص 54 - 55 / بدران: ص 82، 83.
1.7 (1/114)
صفحة 115
وقد وضع بعض الفقهاء ضابطا يضبط المحرمات بالنسب دون غيرهن من النساء قال صاحب سراج السالك: «وللنساء المحرمة ضابط مختصر وهو: تحرم نساء القرابة إلا من دخلت في ولد العمومة، أو ولد الخؤولة، كبنت العم والعمة والخال
والخالة).
حكمة تحريم النكاح بسبب القرابة
لا يحرم الإسلام شيئا إلا لدفع مفسدة محققة ولا شك أن تحريمه لنكاح الأقارب فيه حكم كثيرة من ذلك:
1 - أنه أمر بصلة الرحم وحرص على توثيق الروابط بين الأرحام، ومما لا شك فيه أن العلاقة الزوجية بما يعتريها من نزاعات وخلاف ربما يؤدي إلى التأثير على هذه العلاقة وقطع هذه الروابط.
- إن الاختلاف بين الوصلتين يجعل من المتعذر اجتماعهما فوصلة القرابة المحرمية أساسها الاحترام والمحبة البريئة، وهذا يقتضي الوقار والاحتشام، فوق أنها تنشأ دائمة لا تنقطع؛ لأن الشارع حض على المحافظة عليها وحذر من قطعها بأي سبب كان.
أما وصلة الزواج أساسها المتعة و اللذة، ومع هذين لا وقار ولا احتشام، وهي وإن كانت تنشأ أول الأمر للدوام والاستقرار إلا أنها عرضة في أي وقت للقطع
والانتهاء بالطريق المشروع إذا ما استحكم النزاع وباءت الحياة الزوجية بالفشل. - لا شك أن المتأمل قليلا يجد أن كل صنف من الأصناف الأربعة السابقة المحرمة بسبب النسب له صلة قوية بالشخص، فالإنسان جزء أمه تغذى من غذائها وتربى في أحشائها، وبنت الشخص قطعة منه يقول الرسول ولا في شأن بنته فاطمة
1 - عثمان الجعلي سراج السالك شرح أسهل المدارك، ج 2/ ص 48 - 49. أحمد الصاوي: بلغة السالك لأقرب المسالك، ضبطه، محمد عبد السلام شاهين، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت 1415 هـ / 1995 م، ج 2/ص 258 - 259. خليل بن إسحاق المالكي مختصر خليل في فقه الإمام مالك، دار الفكر للطباعة، لبنان، 1401 هـ - 1981 م، ص 117. ابن رشد: بداية المجتهد، ج 3 ص 988 - 989.
107 (1/115)
صفحة 116
«فاطمة بضعة مني» (1)؛ أي قطعة مني
والأخ وأخته فرعان مصدرهما أصل واحد لهما ارتباط شديد من حيث اتحاد المنشأ والمنبت، وبنات الأخ وبنات الأخت بمنزلة بنات الشخص ذاته، كما أن صلة
المرء بعماته وخالاته كصلته بأصله، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الخالة أم» (3). - إن القرابة توجب التراحم من الجانبين لا في مقابلة بدل، أما العلاقة الزوجية فتقوم على تبادل الحقوق والواجبات بين طرفيها، ولعنصر المال دخل في هذه المبادلة، وفي بعض الصور تتناقض الحقوق تماما، وذلك فيما لو تزوج الابن أمه، فإنها بحكم أمومتها لها سلطان على ابنها، وهذا يوجب عليه الطاعة بأكمل معانيها، وبحكم أنها زوجة يجب عليها الطاعة والخضوع لزوجها وبهذا تتقلب الأوضاع فيصير من له الطاعة عليه الطاعة، حيث يصبح الولد رئيسا على أمه صاحب الكلمة عليها، يجب عليها أن تطيعه وأن تمتثل أوامره، وتوقره وتعظمه بعد أن كان الأمر بالعكس، ولو أبيح للابن أن يتزوج بأمه لأدى ذلك إلى جريان الخشونة بين الأصل وفرعه، ولما استقامت الحقوق المستحقة بالقرابة فتفسد العلائق الكريمة، وإلى هذا أشار الكاساني في بدائعه فقال: زإن نكاح هؤلاء يُفضي إلى قطع الرحم؛ لأن النكاح لا يخلو من مباسطات تجري بين الزوجين عادة وبسببها تجري الخشونات بينهما أحيانا وذلك يفضي إلى قطع الرحم التي أمر الله بأن توصل، فكان النكاح سببا لقطع الرحم مفضيا إليه، والمفضي إلى الحرام حرام.
وقال: إن الأمهات تختص بمعنى آخر وهو احترام الأم وتعظيمها واجب، ولهذا أمر الولد بمصاحبة الوالدين بالمعروف وخفض الجناح لهما، والقول الكريم، ونهى عن التأفف لهما، فلو جاز النكاح، والمرأة تكون تحت أمر الزوج وطاعته مستحقة عليها يلزمها ذلك، وهذا ينافي الاحترام، فيؤدي إلى التناقض
(r)
1 - ابن حجر: فتح الباري على صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب فاطمة عليها السلام، حديث رقم 3767، ج 7 / ص 105، وتكملة الحديث فمن أغضبها أغضبني). وأحمد بلفظ: (مضغة مني)، ج 4 / ص 323.
2 - ابن حجر: الفتح، كتاب الصلح حديث رقم 2698، ج 5 / ص 168. صحيح البخاري: كتاب المغازي، حديث
رقم (4251)، ج 3 / ص 1288 - 1289.
- الكاساني بدائع الصنائع، ج 2 / ص 267.
108 (1/116)
صفحة 117
ه - كما أن حاجة الإنسان في هذه الحياة تدعوه إلى الاجتماع والاختلاط فلا غنى للزوجين عن معاشرة الأقارب الأقربين في ألفة وامتزاج وبغير تحفظ وتكلف، كما أن إباحة الزواج من هؤلاء تقتضي الحكم عليهم بالتباعد وتحريم الاختلاط بينهم لئلا يكون ذلك وسيلة إلى أن يتولد في نفوسهم طمع بعضهم في بعض فتكون المفاسد التي لا حد لها، فمن الواجب ألا يلتقي الأخ بأخته أو الابن بأمه؛ لأن لقاءه يفتح باب الطمع والتطلع فتصبح البيوت مسارح لتمثيل أدوار العشق والغرام، وفي تحريم اللقاء والاختلاط بينهم من الحرج ما لا يخفى وأي حرج في منع لقاء الرجل بابنته أو الاجتماع بأمه وأخته وعمته أو خالته؟ فلم يكن ثمة طريق لرفع هذا الحرج تلك المفاسد غير تأبيد التحريم لتنقطع الأطماع وتفتر الرغبات ويلتقي الجميع، ويختلطون في أمان.
ودفع
6 - إن إباحة الزواج من هؤلاء تثير التنازع بين الأخوة والأقارب بسبب التنافس على الزواج بهن وأي نزاع أقبح من أن يتنازع أخوان على التزوج بأختهما، أو يتنازع أب يريد التزوج بابنته مع ابنه الذي يرغب في الزواج بها.
وبعد هذا كله فإن الفطرة السليمة تأبى أن يفترش الأب ابنته، أو الابن أمه، أو الأخ أخته، وكيف يستسيغ ذلك الإنسان العاقل مع أن بعض الحيوانات لا تطلب أليفها إلا من غير بيتها؟
-
قرر علماء الحياة (البيولوجيا) أن التزاوج بين الأقارب الأقربين يضعف النسل، وأن التزاوج بين المتباعدين يقويه لذلك كان العرب يستحسنون التزوج بالبعيدات ويرون أن ذلك أنجب للولد، وأقوى للبدن، وهذه حقيقة ثابتة طبا وشرعا، وفي هذا المعني كما في الأثر: «اغتربوا لا تضووا) أي تزوجوا في الغرائب البعيدات حتى لا يضعف أولادكم، فيأتي النسل ضاويا أي هزيلا ضعيفا، وقد لا حظ ذلك عمر بن الخطاب فقال لآل السائب وقد رآهم يتزاوجون فيما بينهم: «قد أضويتم فانكحوا في النوابغ (2).
1 - مثل عربي: النهاية في غريب الحديث والأثر جـ 3، ص 106. 2 - محمد مصطفى شلبي: أحكام الأسرة في الإسلام طع، مطبعة الدار الجامعية للطباعة والنشر، بيروت، لبنان: 1403 هـ - 1983 م، ص 186 - 188. وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته، ج 8 ص 131. أحمد الغندور: ص 108 - 110 / محمد أبوزهرة: ص 106 - 107. بدران أبو العينين: ص 84، 85.
109 (1/117)
صفحة 118
رأي القانون: وقد بين قانون الأسرة النساء المحرمات بسبب القرابة في المادة الخامسة والعشرين فقال: «المحرمات بالقرابة هن الأمهات والبنات، والأخوات والعمات، والخالات، وبنات الأخ وبنات الأخت).
1 قانون الأسرة، ص 14
110 (1/118)
صفحة 119
المبحث الثاني
المحرمات بسبب المصاهرة
المصاهرة: علاقة بين أحد الزوجين وأقرباء الآخر، وتنحصر المحرمات بسبب
المصاهرة في أصناف أربعة:
-أ زوجات الأصول وإن علون:
يحرم على الرجل زوجة أبيه وزوجة جده سواء أكان الجد من جهة الأب أو من جهة الأم، وسواء دخل الأب أو الجد بالزوجة أو لم يدخل، فبمجرد عقد الأصل على المرأة تحرم على ابنه، وابن ابنه وابن بنته مهما نزلت درجة كل منهم)
وهذا التحريم مؤبد، وبناء عليه، فلو طلق الأب أو الجد أو فسخ عقد زواج امرأته أو مات عنها، لا يصح لواحد من أولادهما أن يتزوج بها، فإن فعل كان باطلا لا يترتب عليه أثر من الآثار.
وقد دل على هذا التحريم قوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا (1)
فقد أفادت الآية الكريمة بنصها تحريم زوجة الأب، ووجه دلالتها على تحريم زوجة الجد، أن اسم الأب يطلق في اللغة على الأصل المذكر سواء كان مباشرا أو غير مباشر فيدخل فيه الأب والجد، وأبو الجد وإن علا.
-1
وإنما أفادت الآية الكريمة تحريم زوجة الأصل سواء دخل بها أو لم يدخل؛ لأن
العوتبي: ج 8/ ص 244. خميس الشقصي: ج 15 ص 38 محمد بن وصاف شرح دعائم ابن النظر، تحقيق: عبد المنعم عامر، مطبعة عيس البابي الحلبي، مصر، 1982 م)، ج 2/ ص 79. الكدمي: ج 3 ص 195،194. الصاوي: ص 259،258. الجعلي: ج 2 ص 49.
النساء: 22 (1/119)
صفحة 120
النكاح في الآية أريد به العقد، فمتى وجد العقد ثبت التحريم.
هذا وقد حرم النص زوجة الأب، أما ابنتها أو أمها فلا تحرم على الابن فيجوز يتزوج الرجل المرأة، ويتزوج ابنه ابنتها أو أمها، وقد تزوج محمد إبن الحنفية امرأة وزوج ابنه ابنتها).
ب زوجات الفروع وإن نزلوا:
بمجرد
يحرم على الرجل زوجة ابنه وابن ابنه وابن بنته سواء دخل الفرع بزوجته أو لم يدخل، فإذا عقد الفرع زواجه على امرأة عقدا صحيحا حرمت على أصله تمام العقد، فلا يحل له أن يتزوجها أبدا حتى وإن فارقها الفرع بالطلاق أو الموت، فإن عقد عليها الأب مع العلم بالحرمة كان العقد باطلا لا يترتب عليه أي أثر من
الآثار.
وقد دل على تحريم زوجة الفرع قوله تعالى: وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم) أصلا بكم). والحلائل جمع حليلة، وهي الزوجة، واسم الأبناء يطلق على الفروع
الذكور مباشرة أو بالواسطة، فيشمل الأبناء، وأبناء الأبناء، ولا فرق بين أن يكون الابن من النسب أو الرضاع، وإنما قيدت الآية الأبناء بكونهم من الأصلاب لإخراج الأبناء بالتبني، فلا تحرم زوجاتهم على من تبنوهم إذ ليسوا من دمه، وليسوا جزءا
منه (3).
وقد أبطل الإسلام نظام التبني الذي كان متبعا وشائعا بين العرب في الجاهلية، فكان الواحد منهم يتبنى ابن غيره المجهول النسب من أبيه، فيلحق الابن بمن تبناه، وينسب إليه دون أبيه من النسب، وقد بقي العمل بنظام التبني سائدا في صدر الإسلام، ثم نسخ وأبطل العمل به فقال تعالى: وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ادعوهم لآبائهم هو
-1
أبو زكريا الجناوني: كتاب النكاح تحقيق علي يحي، معمر، نشره سليمان أحمد، المطابع العالمية، مسقط، سلطنة عمان، 1988 م)، ص 26.
أقسط عند
ساسي، (ط 2،
النساء: 23
- الكدمي:، ج 3 / ص 195.
112 (1/120)
صفحة 121
الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم).
والأدعياء جمع، دعي، وهو الذي يدعيه الرجل وينسبه إلى نفسه من غير أن يكون ابنه حقيقة، وكما لا تحرم زوجة الدّعي على من تبناه لا تحرم زوجة المتبنى على الدعي، فإذا فارق كل منهما زوجته أو مات عنها حل للآخر أن يتزوجها، وقد تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش مُطلقة زيد بن حارثة الذي كان متبنى له بدليل قوله تعالى: فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم (3)
(د)
أما أصول زوجة الفرع، وفروعها فقد أشار الجناوني (3) وغيره (4) إلى عدم تحريمه لان التحريم قاصر على زوجات الفروع، غير أنه حكي عن بعض فقهاء الأباضية ذلك (0). تحريم
ج - أصول زوجة الشخص:
فتحرم أم الزوجة وجدتها وإن علت سواء كانت من جهة الأب أو من جهة الأم بمجرد العقد على الزوجة عقدا صحيحا سواء دخل بالزوجة أو لم يدخل، وهذا معنى قول الفقهاء العقد على البنات يحرم الأمهات (1)، ودليل تحريم هذا النوع قوله تعالى: وأمهات نسائكم) بالعطف على قوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم). فقد دلت هذه الآية الكريمة على حرمة نكاح أم الزوجة، وثبتت حرمة زواج
A
الجدات بدلالة النص.
ولم يشترط جمهور الفقهاء في تحريم أمهات الزوجة بالدخول بها، وإنما يكفي العقد عليها استنادا إلى ظاهر الآية وإطلاق النص من غير قيد الدخول، وهو قول ابن مسعود، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، وعمران بن حصين وكثير من التابعين، وأئمة
المذاهب الفقهية.
1 - الأحزاب: 4، 5.
2 - الأحزاب: 27.
الجناوني: ص 26.
01
- الصاوي ج 2 ص 258، إبن رشد ج 3 ص 989، بدران / ص 78.
أبو الحواري
محمد جامع أبي الحواري، ج 3 ص 114. ابن وصاف ج 2 ص 79. الصاوي: ج 2/ص 258 ابن رشد: ج 3 ص 989 بدران (مرجع سابق)،ص 78.
6 - الجعلي: ج 2 ص 49.
- النساء: 23.
- النساء: 23.
113 (1/121)
صفحة 122
وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن أم الزوجة لا تحرم حتى يدخل بابنتها، كما لا
تحرم ابنتها إلا بالدخول بأمها، وقد حكي هذا القول عن علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وابن حزم وقال زيد تحرم بالدخول أو بالموت؛ لأنه يقوم مقام الدخول».
واحتجوا بقوله تعالى وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن).
لأن الله ذكر أمهات النساء وعطف عليهن الربائب ثم أعقبها بالشرط وهو الدخول فينصرف الشرط إليهما وهو الأصل في الشروط فيقيد حرمتهما بالدخول، أو يقال إن الموصول وهو قوله اللاتي دخلتم بهن وقع صفة لهما فتقيد بالدخول. وقد ورد اعتبار القيد للجملتين قبله تخريج للكلام على غير ظاهره، ولا يخرج الكلام الظاهر إلا لداع يدعو إليه كعدم استقامة المعنى مع الظاهر، والمعنى هنا على الظاهر مستقيم، لا يحتاج إلى تخريج. وقد أيدت السنة النبوية هذا الظاهر من ذلك: 1 - ما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا نكح الرجل امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها، فله أن يتزوج ابنتها، وليس له أن يتزوج الأم).
- وروى الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أيما رجل نكح امرأة فدخل بها فلا يحل له نكاح ابنتها، فإن لم يكن دخل بها فلينكح ابنتها، وأيما رجل نكح امرأة فدخل بها أو لم يدخل بها فلا يحل
(r),
له نكاح أمه (3).
1 - النساء: 23
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله:
2 - أخرجه البهقي في السنن الكبرى باب النكاح، ج 7 / ص 160. الترمذي: السنن، كتاب النكاح حديث رقم 1117، وقال فيه أبو عيسى الترمذي: هذا حديث لا يصح من قبل إسناده وإنما رواه ابن لهيعة والمثنى بن الصباح وابن لهيعة يضعفان في الحديث، والعمل على أكثر أهل العلم قالوا: إذا تزوج الرجل امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها حل له أن ينكح ابنتها وإذا تزوج الرجل الإبنة فطلقها قبل أن يدخل بها، لم يحل له نكاح أمها، لقوله تعالى: وأمهات نسائكم الله وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق اهـ راجع الترمذي: كتاب النكاح، حديث رقم 1117، ج 3 / ص 4206. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف: كتاب النكاح، حديث رقم 10821، كتاب النكاح، ج 6/ ص 276.
114 (1/122)
صفحة 123
«أيما رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها أو ماتت عنده، فلا يحل له أن يتزوج
أمها.» (1).
4 - وأخرج البهقي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيما رجل نكح امرأة فدخل بها أو لم يدخل فلا يحل له نكاح أمها، وأيما رجل نكح امرأة فدخل بها فلا يحل له نكاح ابنتها، وإن لم يدخل بها فلينكح ابنتها إن شاء» (3).
ه - وأخرج البيهقي عن الحسن عن عمران بن حصين رضي الله عنه أنه قال في رجل تزوج امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها أو مات عنها أنها لا تحل له أمها مات عنها أو طلقها، وهو قول الحسن وقتادة (3).
6 - وقد نقل عن ابن عباس وابن مسعود أنهما قالا في قوله تعالى: وأمهات نسائكم الآية، أبهموا ما أبهم الله تعالى؛ أي أطلقوا ما أطلق الله تعالى) يعني عمموا حكمها في كل حال ولا تفصلوا بين المدخول بها وبين غيرها (ه).
وقد سئل أبو الحسن البسيوي - أحد فقهاء الإباضية - عن الرجل إذا تزوج المرأة ورضيت به ولم يدخل عليها هل يحل له أن يتزوج أمها أو واحدة من جداتها؟.
- الترمذي: المرجع نفسه حديث رقم 1117.، ج 3 / ص 4206.
2 - البيهقي: السنن الكبرى، باب النكاح، ج 7 / ص 160.
- البيهقي: السنن، كتاب النكاح، 7 ج / ص 160.
- إبراهيم الكندي، بيان الشرع، ج 47 / ص 120. الكدمي: ج 3 / ص 194. أحمد الحصري: النكاح عبد الرحمن العدوي الوسيط في أحكام الأسرة، ص 85، طبع ونشر المكتبة الأزهرية للتراث القاهرة مصر 1416 هـ / 1996 م.
-0
وقد تعرض ابن رشد إلى هذه المسألة وذكر خلاف الفقهاء وأدلتهم وسبب اختلافهم فتسائل قائلا: «هل تحرم أم الزوجة بالوطء أو بالعقد على البنت؟ فأجاب قائلا: وأم الأم فذهب الجمهور من كافة فقهاء الأمصار إلى أنها تحرم بالعقد على البنت دخل بها أو لم يدخل، وذهب قوم إلى أن الأم لا تحرم إلا بالدخول على البنت كالحال في البنت أعني أنها لا تحرم إلا بالدخول على الأم)، وهو مروي عن علي وابن عباس - رضي الله عنهما - من طرق ضعيفة ومبنى الخلاف هل الشرط في قوله تعالى: و اللاتي دخلتم بهنه يعود إلى أقرب مذكور وهم الريائب فقط، أو إلى الريائب والأمهات المذكورات قبل الريائب في قوله تعالى: وأمهات نسائكم وربانبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإنه يحتمل أن يكون قوله اللاتي دخلتم بهن يعود على الأمهات والبنات، ويحتمل أم يعود إلى أقرب مذكور وهو البنات. ومن الحجة للجمهور ما روى المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيما رجل نكح امرأة فدخل بها أو لم يدخل فلا تحل له أمها» أخرجه الترمدي وهو ضعيف. انظر: ابن رشد:
ج 3 ص 992.
115 (1/123)
صفحة 124
قال: إذا تزوج الرجل المرأة، ورضيت به، فقد حرمت عليه أمها وأم أمها ما كانت ولو علت وأم أبيها ما كانت من أمهات أبيها وأم أبي أبيها، وأبي أمها وجميع جداتها من قبل الأب ومن قبل الأم ما كن الجدات وعلون، وهؤلاء عليه حرام في محياها ومماتها لا تحل له أبدا أحد من جداتها ولا أمهاتها (1).
د- فروع الزوجة المدخول بها:
أي بناتها وبنات بناتها، وبنات أبنائها مهما، نزلن، فإذا عقد رجل زواجه على امرأة ودخل بها حرمت عليه بهذا الدخول فروعها، وإذا لم يدخل بها فلا تحرم عليه بمجرد العقد، فلو طلقها قبل أن يدخل بها أو ماتت قبل أن يدخل بها فله أن يتزوج ببنتها، وهذا معنى قول الفقهاء: الدخول بالأمهات يحرم البنات)، والدليل على ذلك قوله تعالى: وربانبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم (3) وهو معطوف على قوله تعالى: حرمت عليكم أمهاتكم الله.
فالآية صريحة في تحريم بنات الزوجة؛ لأن الربائب جمع ربيبة وهي بنت امرأة الرجل من غيره، وسميت الربيبة بذلك لأنها تُربّى في حجر زوج أمها فهو يقوم بأمرها ويرعى شؤونها، ووصف الربيبة بأنها في الحجر وصف كاشف وليس بقيد؛ لأن الغالب أنها تكون مع أمها في حجر زوجها، فالوصف لا مفهوم له فلا يدل على حلها إذا لم تكن في الحجور، والآية نفسها أشارت إلى عدم اعتباره قيدا في التحريم؛ لأنها تقول بعد ذلك: فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم فاقتصرت في بيان الحكم المقابل للأول على حالة تخلف الدخول، ولم تتعرض لكون الربائب في غير الحجور، ولو كان شرطا لما اكتفى بنفي الدخول بل لقال ولم يكن في حجوركم وعليه فأقصى ما يدل عليه الوصف أن يكون مشيرا إلى الغالب والأعم الأغلب، ولم يقصد به أنه شرط في تحريمهن.
-
هذا ولا فرق بين كون الدخول بعقد صحيح أو بعقد فاسد
الشقصي: ج 15 / ص 60 - 61. العوتبي: ج 8/ ص 243.
2 - الجعلي: ج 2 ص 49.
116
- النساء: 23 (1/124)
صفحة 125
وقد خالف الظاهرية الجمهور فقالوا: إن تحريم الربيبة مقيد بأن تكون في الحجر فلا تحرم الربيبة على زوج أمها إذا دخل بالأم إلا أن تكون في حجر المتزوج أمها،
فلو كانت في بلد آخر وفارق الأم بعد الدخول فله أن يتزوج بها.
واحتجوا بالآية السابقة فقالوا حرم الله الربيبة بشرطين:
أحدهما: أن تكون في حجر المتزوج بأمها.
والثاني: الدخول بالأم، فإذا عدم أحد الشرطين لم يوجد التحريم.
واحتجوا بقوله: «لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي؛ لأنها ابنة أخي من
الرضاعة (1).
ورد الجمهور على هذا الاستدلال بأن إضافة الربائب أن يكن كذلك؛ ولذلك فلا مفهوم لهذا الوصف، فلا يقال إنهن لا يحرمن إذا لم يكن كذلك.
أما الحديث فمدفوع بقوله في تكملة الحديث: «فلا تُعرِضَنَّ عَلَيَّ على بناتكن ولا أخواتكن» حيث عمم في النهي ولم يقل اللاتي في حجري، ولكنه سوى بينهن في
(2)
التحريم (3).
جاء في بداية المجتهد:
ومبنى الخلاف هل قوله تعالى اللاتي في حجوركم وصف له تأثير في
الحرمة أو ليس له تأثير، وإنما خرج مخرج الموجود أكثر (أي الأغلب).
فمن قال: خرج مخرج الموجود الأكثر وليس هو شرطا في الربائب؛ إذ لا فرق في ذلك بين التي في حجره أو التي ليست في حجره قال: تحرم الربيبة بإطلاق، ومن جعله شرطا غير معقول المعنى قال: لا تحرم إلا إذا كانت في حجره (3)
1 - أخرجه البخاري عن أم حبيبة، كتاب النكاح، باب وريائبكم اللاتي في حجوركم .... ، فتح الباري: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، إعداد ومراجعة: أحمد حمد خليفة، ص 85، ط 1 (1406 هـ /1986 م)، مطبعة دار البلاغة، ومؤسسة العلا، بيروت لبنان.
- أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي: الجامع لأحكام القرآن تحقيق أبو إسحاق إبراهيم اطفيش (ط 2، مطبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، 1966 م)، ج 12/ 5.
ابن رشد: ج 3/ص 990–991.
117 (1/125)
صفحة 126
ودلالة الآية على تحريم الربائب واضحة أما دلالتها على تحريم بنات الربيبة وبنات الربيب فمن جهة النص أن اسم الريائب شملهن فيكون تحريمهن ثابتا بدلالة النص، كما ثبت تحريمهن بالإجماع كذلك.
هذا و تجدر الإشارة هنا إلى أن الإباضية والمالكية جعلوا مجرد النظر بشهوة إلى الفرج أو لمسه أو التلذذ بالمرأة بأية طريقة كانت تقوم مقام الدخول الحقيقي، ولا يشترط فيه الوطء أو الجماع.
قال الكدمي: «إذا تزوج الرجل بالمرأة، ورضيت به زوجا ثم طلقها قبل الدخول، وقبل أن ينظر إلى فرجها أو يمسه بيده أو بفرجه فلا يحرم ذلك عليه، فوطئ أو نظر إلى فرجها على الاستحلال للنظر إليه بالتزوج أو مس بفرجه أو بيده فرجها فقد حرم عليه بناتها وبنات بناتها، وبنات بنيها من النسب والرضاع ما كانوا وتناسلوا، كان في حجره أو لم يكونوا في حجره، وكانوا عنه معتزلين خارجين من حجره، وإنما خاطب الله بذلك على ما يستدل به أن الربائب كن في الحجور، وقد يكن في غير الحجور، وقد تكون الربيبة قد تزوجت وبانت، وقد يكون يولد للمرأة بعد أن طلقها وتزوجت بعد ذلك، وربيت في غير حجره، وكان ذلك في حجر أبيها، فقد حرمت عليه ما ولدت قبل ذلك التزويج وما ولدت بعده من النسب والرضاع بالكتاب والسنة والإجماع لا نعلم بين أهل العلم في ذلك اختلافا)
وزاد أحمد الدردير المالكي توضيحا لهذه المسألة فقال: «المراد بالدخول مطلق التلذذ ولو بغير جماع، وإن كان التلذذ بالأم بعد موتها، ولو تلذذ بنظر لغير وجه وكفين كشعرها وبدنها وساقيها، وأما التلذذ بالقبلة والمباشرة فمحرم مطلقا، وإنما الخلاف في النظر).
وقد أشار ابن رشد إلى اختلاف العلماء حول التحريم بما دون الوطء فقد نقل عن مالك والثوري وأبو حنيفة، والأوزاعي والليث بن سعد: أن اللمس
الكدمي: ج 3 ص 194، 195. العوتبي: ج 8/ ص 244
- أحمد الدردير: الشرح الصغير من كتاب بلغة السالك لأقرب المسالك، أحمد الصاوي، ج 2 ص 209 - 260. الجعلي: ج 2 / ص 50 - 51
118 (1/126)
صفحة 127
لشهوة يحرم الأم، وهو أحد قولي الشافعي، وعن داود والمزني لا يحرمها إلا الوطء، وهو أحد قولي الشافعي المختار عنده.
وذكر ان النظر عند مالك كاللمس إذا كان نظر تلذذ إلى أي عضو كان، وفيه عنه خلاف، ووافقه أبو حنيفة في النظر إلى الفرج فقط، وحمل الثوري النظر محمل اللمس ولم يشترط اللذة، وخالفهم في ذلك ابن أبي ليلى والشافعي في أحد قوليه، فلم يوجب في النظر شيئا وأوجب في اللمس. وأساس الخلاف كما بين ابن رشد هو المراد بالدخول الوطء أم التلذذ بما دونه؟ وإن كان الأساس هو التلذذ فهل يدخل فيه النظر أم لا؟ (1).
حكمة التحريم بالمصاهرة
1 - إن الشرائع السماوية قد وافقت الشريعة الإسلامية في التحريم بسبب المصاهرة فكان هذا دليلا على أن ذلك التحريم مشتق من الفطرة الإنسانية، إذ لم تختلف فيه الشرائع.
والحق أنه يتفق مع الطبع السليم؛ فإن المرأة إذا اقترنت بالرجل صارت قطعة من نفسه وصار هو قطعة منها، لقوله تعالى: هن لباس لكم وأنتم لباس لهن () وإذا صارت جزءا لا ينفصل من نفسه كان من منطلق الزواج أن تكون أمها كأمه وابنتها كابنته، فتحرم عليه أمها، كما تحرم عليه أمه، وتحرم عليه ابنته، وتحرم هي على أبيه كما تحرم على أبيها؛ إذ صار أبوه أباها أيضا، وتحرم على ابنه كما يحرم ابنها عليها؛ لأن المصاهرة رابطة كرابطة النسب إن «المصاهرة لحمة كلحمة النسب (3). فإن المرأة إذا تزوجت من رجل أصبحت فردا من الأسرة وأبوه كأبيها وابنه كابنها، ومثلها في ذلك الرجل؛ فبزواجه تصبح أم زوجته كأمه وبنتها كبنته، وهذا ما ينادي به عرف الناس وواقع حياتهم وإذا وجدت هذه الرابطة كان الاختلاط بين هؤلاء ضروريا فالابن يخالط زوجة ابنه، والأم لا تستغني عن مخالطة زوج بنتها، وكذلك البنت مع زوج أمها (4)
1 - ابن رشد: ج 3 ص 991
2 - البقرة: 187.
- ذكر على أساس أنه حديث ولم أعثر عليه في كتب الحديث ولعله قول مأثور.
- أبو زهرة: ص 115. شلبي:، ص 196 - 197.
119 (1/127)
صفحة 128
فالسر في تحريم زوجة الأب أو الجد على الابن هو أنها بمنزلة الأم في الاحترام، فتحرم كما حرمت الأم، وهذا ما تقضي به الفطرة السليمة فإن التمتع بزوجة الأب أو الجد بعدما تمتع كل منهما بها مما تنفر منه الطباع، ولهذا وصف الله الزواج بزوجة الأب بأنه فاحشة (أي مستقبح غاية القبح وبأنه مقت: أي بغض مقرون باستحقار، وكانوا في الجاهلية يسمون هذا الزواج بزواج المقت، ويسمون الولد الذي يأتي به الرجل من زوجة أبيه (المقتي)، أو المبغوض المحتقر).
هي
2 - والحكمة في تحريم زوجة الفرع أو الابن: المحافظة على العلائق بين أفراد الأسرة، ومنع كل ما يؤدي إلى القطيعة بينهم فإنه لو أباح الشرع للرجل أن يتزوج حليلة ابنه بعد أن يطلقها لأدى ذلك إلى بذر الضغينة بين الابن وأبيه؛ لأن الابن ربما يريد معاودة الحياة مع مطلقته، فإذا رأى أباه قد تزوجها أضغنه ذلك، كما إن زوجة الابن كبنت الأب وكثيرا ما تناديه بنداء البنت لأبيها، فكيف يحل زواجها، وكذلك لو أبيح للأب أن يقترن بزوجة ابنه لأدى ذلك إلى ضرب الحجب بينهما والتحرج من المخالطة والاعتزال يؤدي إلى قطيعة الرحم.
والحكمة في تحريم الزواج بأم الزوجة وبإحدى جداتها؛ أن الزواج يوجد رابطة بين الزوج وأصول زوجته، كرابطة النسب فيختلط الزوج بهن ويجتمع معهن في منزل واحد، فلو أبيح للرجل أن يتزوج بأم زوجته، لانفتح باب الطمع والتطلع إليهن، وقد يؤدي ذلك إلى انحلال رابطة الزوجية بين الرجل وزوجته وإنشاء زوجية أخرى مع أم الزوجة أو إحدى بناتها وفي ذلك فساد كبير فلم يكن ثمة علاج لقطع تلك الأطماع غير التحريم المؤبد.
- أما الحكمة من التفرقة بين أم الزوجة وبنتها هو واضح كذلك؛ لأنه إن طلق البنت قبل الدخول وتزوج بأمها فقد ألقى بنيران العداوة في قلب البنت، وليس عندها من دواعي الإيثار ما يجعلها تؤثر أمها بذلك الزوج على نفسها، كما أن العرف لا يعاونها على ذلك أما الأم فإنها في العادة، وبحسب فطرتها تؤثر وتفضل بنتها على نفسها، وإن ثارت في نفسها الغيرة، فلا تلبث بحكم العادة أن تنطفئ ثورتها
2 - بدران: ص 86.
120 (1/128)
صفحة 129
لحبها الكامن لابنتها مادام الزوج لم يدخل بها، فان نفسها تطيب أن تتخلى عنه لابنتها؛ لأنها ترى في سعادة ابنتها سعادة لها بل أنها تستعذب الشقاء من أجل أن تسعد بناتها، ولكن إذا حصل دخول بالأم تكون قد استوفت كل مقومات الزواج، وكانت بنتها كبنت الزوج فلا يحل له، والعادة لاتقر أن يتزوج الزوج بالبنت، ويطلق أمها التي دخل بها فلهذا كان التحريم.
وأنه لوساغ للرجل أن يتزوج ربيبته، وللبنت أن تتزوج زوج أمها لتقطعت الأرحام وتوجس الأصل خيفة من فرعه، وتوجس الفرع خيفة من أصله فتنهدم
الأسر وتتقوض الصلات (1)
رأي القانون:
هذا وقد نص قانون الأسرة على المحرمات بسبب المصاهرة وعددها في المادة السادسة والعشرين فقال: «المحرمات بالمصاهرة هن
1 - أصول الزوجة بمجرد العقد عليها.
2 - فروعها إن حصل الدخول بها.
- أرامل أو مطلقات أصول الزوج وإن علوا.
- أرامل أو مطلقات أصول الزوج وإن نزلوا» (3).
ونلاحظ أن القانون قد وافق التشريع الإسلامي في تحديد النساء المحرمات بسبب المصاهرة حيث استمد أحكامه منه.
1 - بدران: (ص 88 - 91). شلبي: (ص 190، 191). أحمد إبراهيم بك: أحكام الاحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية والقانون، ص 111 - 112 طبعة سنة: 1414، 1994 مطبعة الزلوط بمصر.
2 قانون الأسرة: ص 14
121 (1/129)
صفحة 130
المبحث الثالث
المحرمات بسبب الرضاع
أولا: معنى الرضاع
الرضاع والرضاعة في اللغة: بفتح الراء وكسرها، وتجوز التاء فيهما: وهو مص اللبن من الثدي، سواء كان ثدي آدميَّة أو غيرها؛ وسواء كان المص صغيرا أو كبيرا). وفي اصطلاح الفقهاء مص الطفل الرضيع اللبن من ثدي المرأة في مدة معينة، وهي العامان (3).
وعرفه آخر بأنه مص الرضيع اللبن من ثدي آدمية في وقت مخصوص هو.
الإرضاع (3).
وقد ألحق جمهور الفقهاء بالمص إدخال اللبن إلى جوف الطفل بأي وسيلة، كإعطائه له بواسطة إناء أو أنبوبة من طريق الفم أو فتحة طبيعية؛ لأنه بذلك يصل إلى جوفه ويتحقق به التغذية.
والتحريم منوط بوصول اللبن إلى معدة الرضيع على وجه يؤدي إلى إنبات اللحم وإنشاز العظم بهذا اللبن لا بصورة مص الطفل الثدي، واقتصارهم في التعريف على مص الثدي؛ لأنه الغالب فيه كما جرت به العادة؛ لذلك قرّروا أن إدخال اللبن جسم الطفل من طريق غير طبيعي كالحقنة أو بواسطة جرح أو حقنة من الشرج، أو تقطيرة في الأذن، لا يتعلق به التحريم؛ لأنه لا يصل إلى المعدة التي تقوم بعملية تحويل
(4)
الغذاء وتوزيعه على الجسم).
1 - ابن منظور: لسان العرب: ج 5 / ص 232. 2 - الجرجاني: ال: التعريفات. ص
148، ط الثانية، دار الكتاب العربي، بيروت 1992 م. 3 - اطفيش: ج 6 / ص 26. شلبي: ص 206. الغندور: ص 118. عبد العزيز عامر: ص 58. الجناوني ص 216 الجعلي ج 2 / ص 108،107.
- {
122 (1/130)
صفحة 131
:ثانيا: المحرّمات بسبب الرضاع
يحرم بسبب الرضاع أصناف ثمانية: الأربعة المحرّمة بسبب النسب، ولا خلاف فيها بين الفقهاء والأربعة المحرّمة بسبب المصاهرة، وقد خالف فيها بعض الفقهاء، وسنبين وجهة نظرهم عند الاستدلال، وإليك تفصيل هذه الأصناف).
1 - أصول الشخص من الرضاع وهنَّ أمه، وأم أمه، وأم أبيه من الرضاع مهما علت درجتهن؛ فإذا رضع طفل من امرأة حرّم عليه الزواج بمن أرضعته؛ لأنها صارت أما له من الرضاع، وتكون بمنزلة أمه من النسب، وكذلك بأم أمه وإن علت درجتها، وأم أبيه رضاعا مهما علت، ويصير زوج المرضعة الذي هو سبب إدرار اللبن أبا له بمنزلة أبيه من النسب؛ كما يصير الولد المرضع ابنا له، ولمن أرضعته.
2 - فروع الشخص من الرضاع وهي بنته وبنت بنته وبنت ابنه من الرضاع وإن نزلن؛ فإذا أرضعت طفلة من امرأة صارت ابنة لزوج المرضعة، فيحرم عليه الزواج بهذه البنت وفروعها، ولو كان الرضيع طفلا صار ابنا له فيحرم عليه التزوج ببناته وبنات أولاده مهما، نزلن كما يحرم ذلك من النسب.
- فروع أبويه من الرضاع وهنّ أخواته وبناتهن، وبنات إخوته من الرضاع مهما نزلت درجتهن، ويستوي في ذلك من رضع معه أو قبله أو بعده؛ لأنه برضاعه صار أخا للجميع.
4 - فروع جديه من الرضاع في الدرجة الأولى فقط وهنّ عماته وخالاته من الرضاع؛ لأنه برضاعه صارت أخوات المرضعة خالات له، وأخوات زوجها عمات له، فيحرم عليه التزوج بواحدة منهنَّ، كما يحرم ذلك من النسب، وأما بناتهن فهنّ حلال له كما في بنات الخالات والعمات من النسب.
ه أصول زوجته من الرضاع وهنّ أمّها وجداتها من جهة الأب والأم؛ فيحرم عليه التزوج بواحدة منهن بمجرد العقد عليها، سواء دخل بها أو لم يدخل، كما قدمنا
بالتحريم في المصاهرة.
-1
الجناوني: ص 26 العوتبي: ج / ص 133، 134. الصاوي: ج 2 ص 471 بدران: ص 97,95. شلبي:
ص 197، 199.
123 (1/131)
صفحة 132
6 - فروع زوجته وهنّ بناتها، وبنات أولادها من الرضاع وإن نزلت درجتهن؛ فإذا تزوج رجل امرأة كانت متزوجة قبله بآخر وأرضعت طفلة؛ فإن هذه الطفلة بنتها من الرضاع، وتصير بالنسبة له بنت زوجته، فتحرم عليه إذا دخل بأمها، كما عليه التزوج بإحدى فروعها من الإناث مهما، نزلن مثل ما يحرم عليه بناتها
يحرم
من النسب.
زوجات أصوله من الرضاع وهنّ زوجات أبيه وجده وإن علا، سواء دخل بها الأب أو الجد أو لا؛ فلو رضع طفل من امرأة متزوجة صار زوجها أبا له من الرضاع وأبو الزوج جدا له كذلك؛ لأن اللبن سببه ذلك الرجل، فإذا كان للزوج زوجة أخرى غير من أرضعته حرم على الرضيع التزوج بها، لأنها زوجة أبيه من الرضاع، كما يحرم الزواج بزوجة الأب من النسب.
زوجات فروعه أي زوجة ابنه وابن بنته من الرضاع وإن نزل، سواء دخل الفرع بزوجته أو لا؛ فإذا رضع طفل من زوجة رجل كان إبنا لهذا الرجل من الرضاع، فيحرم عليه زوجة هذا الابن وزوجة ابن إبنه وزوجة ابن بنته مهما نزلوا.
ثالثا: الأدلة الشرعيّة على التحريم بالرضاع لقد دلّت نصوص عديدة على تحريم الأصناف الثمانية السابقة بسبب الرضاع،
من ذلك:
(أ) من القرآن الكريم
قال تعالى في آية المحرمات وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة (1).
وجه الاستدلال: إن اقتصار القرآن على الأم إشارة إلى تحريم كل ما اتصل بعمود النسب من الأصول والفروع، واقتصاره على الأخوات إشارة إلى تحريم جوانب النسب وحواشيه، وقد فهم جمهور الفقهاء من هذه الآية تحريم الباقي من المحرمات؛
1 - النساء: 23
124 (1/132)
صفحة 133
جزئية
وذلك لأنه لَمّا سمّي المرضع أما وبناتها أخوات، وهذه إشارة واضحة على أنه تعالى أجرى الرضاع مجرى النسب، فيفهم الباقي بدلالة الإشارة، فقد دلّ ذلك على أن الرضاع يصل بالرضيع بمن أرضعته صلة الفرع بأصله وأنه يتكون بالرضاع يصير بها الرضيع جزءا ممن أرضعته كأولادها الذين ولدتهم، وهم أجزاء منها ومن زوجها وأكد ذلك بأخوة أولادها له؛ فيكون ذلك الرضيع ابنا لهما بمنزلة الابن من النسب؛ فيأخذ حكمه في كل ما يتعلق بالتحريم بالنسبة للأصناف المحرّمة بالنسب من البنات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت؛ إذ كيف تحرم عليه أصوله رضاعا وتحل له بنتها، وكيف تحرم عليه من التقت معه على ثدي أمه، وتحل له أخت أمه رضاعا؛ بل كيف تحل له هذه وقد حرمت ابنة أخته، والعلاقة واحدة (1).
(ب) من السنة النبوية
لقد جاءت السنّة النبوية بعد ذلك مؤكدة ذلك المعنى ومفصلة ما أجمله القرآن، حيث وضح رسول الله الله ما أشار إليه القرآن في جملة أحاديث منها:
1 - ما رواه ابن عباس في الحديث المتفق عليه أن النبي لما طلب إليه أن يتزوج ابنة عمه حمزة قال: «إنها لا تحل لي؛ إنها ابنة أخي من الرضاعة، ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب»، وفي رواية (من الرحم)).
2 - وفي رواية عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة.» (3).
ومن ما روي
أنه لما عرضت أم حبيبة على النبي و لا أن يتزوج أختها، فقال:
لها النبي صلى الله عليه وسلم: «أو تحبين ذلك؟ فقالت: لست لك بمخلية، وأحق من شركني في الخير أختي؛ فقال: (إنها لا تحل لي). فقيل له: إنا نتحدّث أنك ناكح درة بنت أبي سلمة (4)
1 - بدران: ص 97. شلبي: ج 8/ ص 200,199. 2 - محمد الشوكاني: نيل الأوطار، ج 6 / ص 269. - الشوكاني: ج 6/ص 269.
4 - هي درة بنت أبي سلمة بن عبد الأسد بن المغيرة، الزوج الأول لأم المؤمنين أم سلمة - رضي الله عنها ـ ولدتها أمها بالمدينة المنورة حيث مات أبوها -رضي الله عنه. بجرح متأثر به راجع مجموع فتاوي ابن تيمية ص 49. تحقيق أبو المجد حرك ط 1412، 1992 الدار المصرية اللبنائية، القاهرة).
-
125 (1/133)
صفحة 134
فقال: (لو لم تكن ربيبتي في حجري لما حلّت لي فإنها بنت أخي من الرضاع، أرضعتني وأباها أبا سلمة ثويبة) أمة أبي لهب، فلا تُعرضن عليَّ بناتكن ولا أخواتكن) (2).
4 - ومنها الحديث المروي عن عائشة كانت قد رضعت من امرأة أبي القعيس من ولادة منسوبة إليه، فجاء أفلح أخوه يسأذن عليها، وهو عمها من الرضاعة بعد أن نزل الحجاب، قالت: فأبيت أن أذن له (3).
وفي بعض روايات هذا الحديث أنها قالت له حين جاء يستأذن عليها: (إنها أرضعتني امرأة أخيك فلا آذن لك حتى أستأذن رسول الله لها فلما ذكرت ذلك لرسول الله قال لها: «ائذني له فإنه عمك تربت يداك (4).
ولما اعتبر الشارع المرضعة أماً للرضيع كأمه من النسب، واعتبر الرضيع ابنا للمرضعة كابنها من النسب كانت أم زوجة الرجل رضاعا مثل أمها من النسب، وبنتها من الرضاع كبنتها من النسب؛ ولما اعتبر زوج المرضعة أبا للرضيع والرضيع ابنا له كانت زوجة الأب الرضاعي كزوجة الأب النسبي، وزوجة الابن الرضاعي كزوجة الابن النسبي.
ومن هنا ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يحرم بالمصاهرة، كل ما يحرم بالنسب. هذا وقد خالف الظاهرية والجعفرية وبعض فقهاء المذهب الحنبلي ما ذهب إليه جمهور الفقهاء في إثبات المصاهرة المحرّمة بالرضاع، حيث ذهبوا إلى أنه لا يحرم بالرضاع إلا ما يحرم بالنسب مؤيدين دعواهم بما جاء في القرآن حيث ذكر الله في آية المحرمات ثلاثة أنواع وهي المحرمات بالنسب، والمحرمات بالمصاهرة، والمحرمات بالرضاع، واقتصر في النوع الأخير على الأمهات والأخوات، وهو إشارة
إلى إلحاق الرضاع بالنسب حيث جعل المرضع أماً وبنتها أختاً.
1 - هي ثويبة: أول مرضعة للنبي صلى الله عليه وسلم كانت جارية لأبي لهب الذي أعتقها لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وماتت سنة 7 هـ، 628 م، بعد فتح خيبر (راجع مجموع فتاوى النكاح وأحكامه، ص 4948
2 - سبق تخريجه
3 - رواه البخاري في كتاب النكاح، حديث رقم: 5103، فتح الباري ج 9 / ص 150: ومسلم في كتاب الرضاع حديث رقم: 1445، ج 2 ص 1069، 1070.
4 - المرجع نفسه.
126 (1/134)
صفحة 135
وجاءت السنّة النبوية المبيِّنة للكتاب مصرّحة بهذا الإلحاق «يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب» (1).
ولم تتعرض لإلحاقه بالمصاهرة حتى يحرم بالمصاهرة، والسكوت في موضع البيان بيان، وحيث لا يوجد دليل على تحريم تلك الأصناف بقيت على الحل الثابت بقوله تعالى: وأحل لكم ما وراء ذلكم (3).
ولا يصح قياس المصاهرة من طريق الرضاعة على المصاهرة من طريق النسب؛ لأن المعنى الذي من أجله ثبتت المحرمية في الثاني وهو الاختلاط الناشئ عن اندماج الأسرتين غير موجود في الأول (3).
وقد بين ابن القيم أن هذه المسألة اجتهادية اختلف فيها الفقهاء المتقدمون، وكان من القائلين بعدم حرمة هذه المصاهرة عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وغيرهما من الصحابة والتابعين، ورجح هذا القول.
وروى ابن القيم عن شيخه ابن تيمية أنه توقف في إثبات التحريم بالمصاهرة بسبب الرضاع، وذكر حجج توقفه ومنها:
أن الآية الواردة في التحريم بسبب الرضاع والأحاديث المبينة لذلك لم تذكر المصاهرة قط، والمعاني التي تكون في النسب وتثبت حرمة المصاهرة بسببها لا توجد في الرضاع فلا يمكن أن يقاس التحريم في المصاهرة بالرضاع على المصاهرة في النسب إذ هناك فوارق عظيمة، وتباين بين النسب والرضاع، وأحكام الشرع تقرر هذا التباين ثم قال: «والعلاقة بين الناس بالنسب والصهر وهما سبب التحريم والرضاع فرع النسب، ولا تعقل المصاهرة إلا بين الأنساب، وإذا حرمت عليه أمه وبنته وأخته وعمته وخالته من الرضاعة لم يلزم أن تحرم أم امرأته التي أرضعتها؛ فإنه لا نسب بينه وبينها ولا مصاهرة ولا رضاع، والرضاعة إذا جعلت كالنسب في حكم لا يلزم أن تكون مثله في كل حكم، بل ما افترقا فيه من الأحكام أضعاف ما اجتمعا فيه (4)
1 - سبق تخريجه انظر الصفحات السابقة.
2 - النساء: 24.
شلبي: ص 204،203.
- ابن القيم الجوزية زاد المعاد، ج 4 / ص 245، ط 1 مؤسسة الرسالة 1399 هـ / 1979 م.
127 (1/135)
صفحة 136
من لا يحرم بالرضاع من النساء:
يقرر بعض فقهاء الإباضية (1) والمالكية (3) والحنفية (3) أن قاعدة يحرم من مستثناة يحرم من النسب، ليست على إطلاقها، بل هناك بعض صور
الرضاع ما
حيث لا يثبت التحريم بالرضاع، وإن ثبت بالنسب، ومن هذه الصور:
8
أولا أم الأخ أو الأخت من الرضاع: لا تحرم، كما إذا رضع طفلان من امرأة فصارا أخوين بالرضاع، ثم رضع أحدهما من مرضعة أخرى؛ فهذه المرضعة تكون بالنسبة للذي لم يرضع منها أم أخيه من الرضاع أما من ناحية النسب، فإنها تحل له أيضا بعدم وجود المحرم، لأنها أجنبية في الحالتين.
ولو كان الطفلان أخوين من النسب ورضع أحدهما من أجنبية وصارت أما له من الرضاع جاز لأخيه أن يتزوّجها، لأنها أم أخيه رضاعة بينما لا يجوز له أن يتزوج أم أخيه نسبا لأنها إما أمه إن كانا شقيقين أو أخوين لأم وإما زوجة ابنه إن كانا أخوين لأب وكلتاهما محرّمة عليه الأولى بالنسب، والثانية بالمصاهرة، ومثل أم الأخ في ذلك أم الأخت.
ثانيا: أخت الابن أو البنت من الرضاع: فإنه يحل للأب رضاعا أن يتزوجها كما إذا رضع طفل من امرأة صار ابنا لزوجها من الرضاع، فإذا كان لهذا الطفل أخت من النسب لم ترضع من تلك المرأة؛ فإنه يحل لذلك الزوج أن يتزوج هذه البنت وهي، أخت ابنه من الرضاع لعدم المحرم بينهما، ومثله إذا كان للرجل ابن من النسب رضع من امرأة أجنبية ولها بنت نسبية أو رضاعية، فلذلك الرجل أن يتزوج بهذه البنت وهي أخت ابنه من الرضاع لانعدام العلاقة المحرمة بينهما، بينما لا يجوز له أن يتزوج أخت ابنه من النسب، لأنها إما بنته أو بنت امرأته التي دخل بها وكلتاهما محرمة عليه الأولى بالنسب، والثانية بالمصاهرة وأخت البنت كأخت الابن في كل ذلك، وهذا غير متحقق في حالة الرضاع.
- العوتبي: ج 8 / ص 124,123.
2 - الجعلي: ج 2 / ص 109,108.
- أبو الحسن المرغيناني الهداية في شرح بداية المبتدي، صححه طلال يوسف، ج 1/ص 217، 218،
ط 1415 هـ / 1995 م، دار إحياء التراث العربي، بيروت لبنان.
128 (1/136)
صفحة 137
ثالثا: أم ولد ولده رضاعا كما إذا أرضعت أجنبية ابن الابن أو ابن البنت فإنها تصير أم هذا الابن رضاعا؛ فيحل لجد الولد أن يتزوجها مع أنه لا يجوز له أن يتزوج أم ابن ابنه أو أم ابن بنته نسبا؛ لأن الأولى زوجة ابنه، والثانية بنته، والأولى محرّمة بالمصاهرة، والثانية بالنسب، وكذلك لو أرضعت زوجة الابن طفلا أجنبيا فإنه يكون ابن الابن رضاعا، فإذا كانت له أم نسبية أو رضاعية أخرى لا تحرم على الجد الذي هو أبو زوج تلك المرضعة.
رابعا: جدَة الابن أو البنت رضاعا فلو رضع الطفل من جدته لأمه فتصير أمه أختا له من الرضاع فلا تحرم على زوجها؛ لأنها صارت برضاع طفلها من أمها أختا له من الرضاع فقط، وأخت الابن من الرضاع لا يحرم التزوج بها ابتداء فلا يؤثر الرضاع الطارئ على تلك الزوجية بقاء من باب أولى وهذه الصورة كثيرا ما تقع. خامسا: أم العمّة أو العم من الرضاع: فلو أرضعت امرأة أجنبية عمتي أخت أبي شقيقة أو لأب أو لأم، وأرضعت عمي أخا أبي مطلقا فإنها لا تحرم علي ويجوز لي نكاحها، ولو كانت أمها من نسب لحرمت علي ويجوز لي نكاحها، ولو كانت أمها من نسب لحرمت علي؛ لأنها إما جدّتي أم أبي، وإما زوجة جدّي لأبي.
سادسا: عمة الابن أو البنت رضاعا فلو فرضنا أن محمدا ابن من الرضاع لإبراهيم، ولمحمد هذا عمة هي أخت أبيه من الرضاع أيضا؛ فإنه لا يحرم على إبراهيم أن يتزوج هذه المرأة مع كونها عمة ابنه، لكونها أجنبية منه، ولو فرضنا أن محمدا ابن من النسب لإبراهيم ولمحمد عمة هي أخت أبيه من الرضاعة؛ فإنه لا يحرم على إبراهيم أن يتزوجها، ولو فرضنا أن محمدا ابن من الرضاعة لإبراهيم، ولمحمد عمة هي أخت أبيه من النسب فإنه لا يحرم على إبراهيم أن يتزوجها لكونها أجنبية
منه.
سابعا: أم الخال أو الخالة رضاعا فلو فرضنا أن محمدا خال من الرضاع لإبراهيم لكونه أخا من الرضاع لإبراهيم لكونه أخا من الرضاع لامرأة ارتضع منها وكان لمحمد أم من الرضاع أيضا فإنه لا يحرم على إبراهيم أن يتزوجها، ولو فرضنا أن محمدا خال من النسب لإبراهيم ولمحمد هذا أم من الرضاع؛ فإنه لا يحرم على إبراهيم أن يتزوجها لكونها أجنبية منه، ولو كان محمدا خالا لإبراهيم من النسب
129 (1/137)
صفحة 138
فأم محمد محمد من النسب أيضا تحرم على إبراهيم لكونها إما جدته أم أمه، وإما زوجة
جده أبي أمه).
شروط الرضاع المحرم
اشترط فقهاء الإباضية والمالكية وغيرهم شروطا خاصة ليكون الرضاع سببا في التحريم من ذلك:
1 - أن يكون الرضاع من لبن امرأة، أما إذا كان لبن شاة أو غيرها من الحيوانات فلا يترتب عليه التحريم؛ لأنه لا يثبت بهذا الرضاع أمومة ولا أخوة، فتحل مناكحتها؛ لأن الأخوة فرع الأمومة، فإذا لم يثبت الأصل لم يثبت الفرع.
2 - أن يتحقق من وصول اللبن إلى جوف الرضيع بطريق الفم أو الأنف سواء أكان بطريق الامتصاص من الثدي أم بشربه من إناء أو أنبوبة، فإن لم يحصل التحقق من ذلك بأن التقم الصبي الثدي ولم يعلم هل رضع أم لا؟ فلا يثبت التحريم؛ وذلك للشك في وجود سببه، والأحكام لا تثبت بالشك؛ ولكن الإباضية منعوا الرضيع من نكاح تلك المرأة ومصافحتها لأن في ذلك شبهة (3).
3 - ألا يخلط اللبن بعنصر آخر يغلب عليه (3)
4 - أن يكون متصفاً بصفات اللبن المعروفة فلا تأثير مثلا للماء الأصفر الخارج من ثذي المرأة لأنه ليس بلبن
(4)
رابعا: أن يكون الرضاع في مدة الإرضاع:
وقد اختلف الفقهاء في تقدير هذه المدة إلى مذاهب منها ما يأتي:
أ قدرها الإباضية والمالكية والحنابلة والصاحبان من الحنفية أبي يوسف ومحمد بن الحسن والشافعي بسنتين فإن حصل الإرضاع في هذه المدة ولو بعد
1 - الجعلي: ج 2 ص 108 - 109. شلبي: ص 201 - 203 بدران: ص 99 - 100. محمد محي الدين: ص 381،
384
- الجناوني: ص 216.
3 - أبو إسحاق الحضرمي: ج 2 / ص 108.
الجعلي:، ج 2/ ص 108.
130 (1/138)
صفحة 139
الفطام تعلق به التحريم، وإن حصل بعدها ولو قبل الفطام لا يثبت التحريم. واستدلوا على مذهبهم بأدلة من القرآن والسنة من ذلك:
1 - قوله تعالى: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة) فقد جعل سبحانه تمام الرضاعة بالحولين، ولا مزيد على التمام، وما سماه الله تعالى تاما فقد انتهى منهاه؛ لأن تمام الشيء يحصل بحصول آخر جزء من أجزائه إلا أن تنزيله دلالة على موجبه ويدل على إضمار فيه (3).
2 - وقال تعالى: وفصاله في عامين (3) الفصال معناه الفطام، وقد جعله الله تعالى في عامين، فيكون ذلك دليلا على أن أكثر مدة الرضاع المعتبرة في نظر الشرع
سنتان.
4
روي عن الرسول الله أنه قال: «لا رضاع إلا ما كان في الحولين).
- وروي عنه أنه قال: «إنما الرضاعة من المجاعة) أي إن الرضاع هو ما يدفع إليه الجوع وهذا لا يكون إلا في الصغر.
ه وقال صلى الله عليه وسلم: «لا رضاع إلا ما أنشز (1) العظم وأنبت اللحم).
- ومما يدل على أن الرضاع في الحولين ما روته عائشة أن الرسول صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها رجل فتغير وجهه عليه الصلاة والسلام كأنه شق عليه فقالت: يا رسول الله، أخي. فقال: انظرن من إخوانكن قال: «إنما الرضاعة من المجاعة (8) يريد بذلك أن الذي جاع كان شبعه في اللبن وهو الطفل الرضيع، فأما الذي يشبعه الطعام من جوع وإن أرضعتموه فليس ذلك برضاع.
1 - البقرة: 233.
2 - العوتبي: ج 8 / ص 123 - 124. 3 - لقمان: 14.
- رواه الدارقطني عن ابن عباس في كتاب الرضاع حديث رقم 109، ج 4 / ص 173 - 174. 5 - رواه البخاري عن عائشة في كتاب النكاح حديث رقم (5102) فتح ج 9 / ص 146، ومسلم كتاب الرضاع حديث رقم (2058)، ج 2 / ص 1078.
6 - أنشز العظم: أي رفعها إلى موضعها وركب بعضها على بعضها.
أخرجه أبو داود وابن مسعود في كتاب النكاح حديث رقم (2059 2060)، ج 2 ص 222.
- تقدم تخريجه في هذه الصفحة: هامش رقمه.
131 (1/139)
صفحة 140
وقد ساق الإباضية دليلا آخر على أن الرضاع لا يكون محرما إلا في الحولين إجماع الجميع أن للأم أن تطالب بنفقة رضاع إلى الحولين، فإذا طالبت به بعد الحولين لم يحكم لها، وكذلك لو طالبها الرجل بالإرضاع بعد الحولين لم يكن ذلك عليها).
-
ب وقد استحسن بعض فقهاء الإباضية زيادة أربعة شهور بعد العامين، بينما استحسن الإمام مالك زيادة شهر أو شهرين بعد الحولين إذا كان الطفل لم يكتف بالطعام عن الرضاع).
وقد رجح صاحب الضياء رأي من يقول بزيادة أربعة أشهر إذا كان الرضيع محتاجا للزيادة.
وأشار العوتبي إلى أن فيه ذلك احتياط وبعد عن الريبة (3).
ج
?
- وذهب بعض الفقهاء إلى تقدير مدة الرضاع بثلاثين شهرا مستدلين بقوله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة .. فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما) فإن الجملة الأخيرة في هذه الآية تفيد أن للوالدين الخيار في فطام الطفل عند تمام الحولين، فإن رأيا أن فطامه لا ضرر فيه ساغ لهما ذلك، فإن رأيا أن فطامه يضره لم يفطماه، وأبقيا إرضاعه مدة أخرى زيادة على الحولين ليتدرج فيها الطفل على تحويل غذائه من اللبن إلى غيره، وأقل مدة تصلح لذلك ستة أشهر. هي
أما
تحديد المدة بسنتين في صدر الآية فهو لبيان المدة التي يجوز للأم المطلقة أن تأخذ فيها أجرا على الإرضاع وهذا لا يمنع ثبوت التحريم بالإرضاع الذي يوجد بعد السنتين؛ لأن التحريم يحتاط له إذ هو ثابت بوجود الرضاع فلا يزول إلا بيقين).
وهناك أقوال أخرى لا يتسع المجال لذكرها.
1 - العوتبي ج 8/ ص 132.
2 - صالح الأزهري:، ص 400. مالك المعونة الكبري 22 ص 297 د - العوتبي 82 ص 124، 125، 133.
4 - البقرة: 233
-0
•
الكمال بن الهمام: فتح القدير، ج 3/ ص 5.
132 (1/140)
صفحة 141
ومجمل القول: نجد رأي الجمهور القائل بأن مدة الإرضاع تكون في الحولين
هو الرأي الراجح الذي نميل إليه لقوة أدلته، وما قاله بعض العلماء في الآية وأنها لبيان أقصى المدة التي تستحق فيها الأم أجرا على الرضاع غير مسلم به؛ لأن التحديد بسنتين كما يفيد ذلك، فهو يفيد أقصى مدة الرضاع الذي يثبت به التحريم
سنتان.
:خامسا: مقدار الرضاع المحرّم
اختلف الفقهاء في مقدار الرضاع المحرم إلى رأيين رئيسيين:
الرأي الأول: ذهب الإباضية والمالكية والحنفية وأحمد في رواية عنه أنه لا يشترط مقدار معين في التحريم بالرضاع، بل القليل والكثير سواء في إفادة التحريم، متى تحقق حصول الرضاع في مدته فتكفي المصة والمصتان للتحريم.
واستدل الجمهور بأدلة عديدة من الكتاب والسنة من ذلك:
1 - قوله تعالى: وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة (1)
قوله: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (3).
فالشارع جعل الرضاع سببا في التحريم ولم يقيد ذلك بعدد معين من الرضعات ولا بكمية معينة، فمتى حصل الرضاع ثبت التحريم بصرف النظر عن الكمية أو
الكيفية (3)
ومما رواه البخاري والترمذي عن عقبة بن الحارث قال: تزوجت أم يحي بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء فقالت، قد أرضعتكما) فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فأعرض عني فقلت إنها امرأة سوداء فقال: كيف وقد قيل؟ دعها عنك» (4) فترك الرسول صلى الله عليه وسلم السؤال عن الرضعات وأمره بتركها دليل على أنه لا اعتبار إلا
1 - النساء: 23.
2 - سبق تخريجه انظر ص 122. - عبد العزيز عامر: الأحول الشخصية،، ص 63.
4 - أخرجه البخاري في كتاب النكاح رقم 5104، فتح: ج 9 ص 152، والترمذي في كتاب الرضاع رقم
الحديث: 1151، ج 457/ 1 - 458.
133 (1/141)
صفحة 142
اسمه بالرضاع فحيث وجد وجد حكمه، ولأنه يتعلق به التحريم فيستوي قليله وكثيره كالوطء الموجب له؛ ولأنه إنشاز العظم وإنبات اللحم يحصل بقليله وكثيره، وهذا مذهب علي وابن عباس وسعيد بن المسيب والحسن البصري والزهري، وقتادة وحماد والأوزاعي والثوري وجابر بن زيد وأبي حنيفة ومالك ورواية عن أحمد). الرأي الثاني: اشترط الشافعية والحنابلة والظاهرية قدرا معينا من الرضعات وقالوا: إن التحريم لا يثبت بالرضاع إلا إذا كان خمس رضعات مشبعات في خمس
أوقات متفرقات فإذا كان دون ذلك فلا يتعلق به التحريم، ودليلهم على رأيهم:
1 - ما روي عن عائشة - رضي الله عنها قالت: كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن (2).
- إن علة التحريم بالرضاع هي إنبات اللحم وتنمية العظم وهذا لا يتحقق إلا برضاع يوم كامل على الأقل، ولا يكون بما دون خمس رضعات مشبعات (3) منشأ الخلاف في هذه المسألة:
لقد أورد ابن رشد هذه المسألة في مصنفه وبين سبب اختلاف الفقهاء فيها وهو
ذلك
معارضة عموم الكتاب للأحاديث الواردة في التحديد، ومعارضة الأحاديث في بعضها بعضا، فمن رجح ظاهر القرآن على هذه الأحاديث قال: تحرم، المصة والمصتان، ومن جعل الأحاديث مفسرة للآية، وجمع بينها وبين الآية ورجح مفهوم دليل الخطاب في قوله: «لا تحرم المصة والمصتان) على مفهوم دليل الخطاب في حديث سهلة في سالم أنه قال لها النبي: أرضعيه خمس رضعات.» (ه) قال: الثلاثة فما فوقها هي التي تحرم، أما ما دونها لا يحرم).
-2
(E)
1 - السيد سابق فقه السنة، ج 2 / ص 161، ط 10، دار الجيل، بيروت، لبنان، 1414 هـ / 1993 م. أخرجه مسلم كتاب الرضاع، رقم 1452، ج 2 / ص 1075 والترمذي، كتاب الرضاع، رقم: 1150، ج 3/ص 455. ومالك في كتاب الرضاع، حديث رقم 17، ج 2 / ص 608.
بدران ص 105.
- رواه مسلم عن عائشة في كتاب الرضاع، رقم 1450، ج 2 / ص 1073 - 1074.
ه رواه أبو داود في كتاب النكاح، حديث رقم 2061، ج 2 / ص 223. والنسائي: كتاب النكاح. ومسلم في كتاب الرضاع، حديث رقم 1453، ج 2 / ص 1076 - 1077.
-
6 ابن رشد: ج 3 ص 995 - 996.
134 (1/142)
صفحة 143
لين الفحل وأثره في التحريم بالإرضاع
اتفق جمهور الفقهاء في بيان لبن الفحل، فقد فسروه بأنه اللبن المنسوب إلى الفحل باعتبار أن وطأه للمرضعة كان سببا في إدرار اللبن الذي منه أرضعت
الرضيع.
وبين أحمد بن حنبل صورته فقال: «لبن الفحل أن يكون للرجل امرأتان، فترضع هذه صبية وهذه صبيا، لا يزوج هذا من هذه). وقد أجمع الفقهاء على انتشار الحرمة بين المرضعة وأولاد الرضيع، وبين الرضيع وأولاد المرضعة فهو في ذلك كولدها من النسب، ولكنهم اختلفوا في سريان الحرمة بين الرضيع وبين الرجل الذي ينسب إليه اللبن، وذلك مثل زوج المرضعة، فهل ينزل من الرضيع بمنزلة الأب فيحرم من قبلها ما يحرم على الآباء، والأبناء من جهة النسب أم لا؟ فهذه المسألة تسمى: «لبن الفحل»، وانقسم رأي الفقهاء في شأنها إلى رأيين:
الرأي الأول: ذهب جمهور الفقهاء من الإباضية (3) والمالكية (3) والحنفية والشافعية وآخرون إلى أن لبن الفحل يُحرم، فإذا أرضعت الأم طفلا بلبن جاءها بسبب حمل من رجل حرمت تلك الطفلة على أقارب ذلك الرجل، فتحرم على أخيه، باعتبارها ابنة أخيه وتعتبر أختا لأولاد الرجل من النسب، وآباء صاحب اللبن أجدادا للرضيع، وأولاد صاحب اللبن من غير المرضعة إخوة للرضيع لأب وهكذا. وهو قول ابن عباس وعائشة وعروة وطاوس وعطاء وجابر بن زيد وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وابن حزم).
(4)
واستدلوا على ذلك بعدة أدلة منها:
1 - ما روي عن عائشة - رضي الله عنها قالت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عندها،
1 - ابن قدامة: المغني، ج 7 / ص 476.
2 - العوتبي:، ج 8 ص 33. السالمي: جوابات الإمام السالمي، ج 3 ص 12، إعداد: د. عبد الستار أبو غدة، عبد الرحمن السالمي (طا، مطابع النهضة، سلطنة عمان، 1417 هـ / 1996 م).
-?
الإمام مالك: المدونة الكبرى، ج 2 / ص 296. يحي بكوش فقه الإمام جابر بن زيد، ص 404.
135 (1/143)
صفحة 144
وإنها سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة فقالت عائشة: يا رسول الله هذا رجل يستأذن في بيتك فقال رسول الله: أراه فلان لعم حفصة من الرضاعة»، فقلت يا رسول الله: لو كان فلان حيّاً - لعمها من الرضاعة – أدخل عليَّ؟ قال رسول الله: «نعم: إن الرضاعة تحرم ما يحرم من الولادة).
2 -
ومنها ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أيضا أنها قالت: «إن أفلح أخا أبي القعيس استأذن علي بعد أن نزل الحجاب فقلت: والله لا آذن له حتى أستأذن رسول الله له فإن أخا أبي القعيس ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إن الرجل ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأته قال: «إإذني له؛ فإنه عمك تربت يمينك»، قال عروة فبذلك كانت عائشة تأخذ بقول: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (3).
وجه الاستدلال
1 - الحديث نص قاطع في موضع النزاع، فقد نص الرسول على انتشار الحرمة بلبن الفحل، وثبوت المحرمية به بين الرضيع وصاحب اللبن وبين الرضيع وأخ صاحب اللبن حيث صار عما للرضيع «إإذني له فإنه عَمُّكِ».
-
2 - صَحَّحَ الحديث فهماً غير صحيح لعائشة 2 - - رضي الله عنها حيث كانت تظن أن الحرمة تثبت بالإرضاع لمن أرضعت فقط دون زوجها، فكانت لذلك لا ترى محرمية بينها وبين أبي القعيس وأفلح أخيه، ولكن الرسول ل و ل وضح لها الحقيقة وأبان لها أن لبن الفحل مُحرِم، وأن الحرمة بالإرضاع كما تثبت بين المرضعة والرضيعة، كذلك تثبت بين المرضعة وصاحب اللبن وهو زوج المرضعة، وتسري هذه الحرمة إلى أخيه فيصبح عما للرضيعة، وهذا نص قاطع في محل النزاع فلا يُعوّل على ما خالفه (2)
3 - روى مالك في الموطأ عن عمرو بن شريد أن عبد الله بن عباس سئل عن رجل
1 - رواه الجماعة بعبارات متقاربة، ولفظ ابن ماجه: «من النسب»، راجع الشوكاني: نيل الأوطار، ج 6 / ص 356. 2 - متفق عليه رواه البخاري، كتاب النكاح، باب: 22 لبن الفحل، حديث رقم 5103، فتح ج 9،ص 150 مسلم، كتاب الرضاع، باب: تحريم الرضاعة من ماء الفحل، حديث رقم: 1445، ج 2، ص 1069 - 1070. - أحمد الحصري: النكاح والقضايا المتعلقة به، ص 256 - 257.
136 (1/144)
صفحة 145
كانت له امرأتان فأرضعت إحداهما غلاما وأرضعت الأخرى جارية فقيل له: هل يتزوج الغلام الجارية؟ قال: لا، اللقاح واحد (1) فكان بين الغلام والجارية علاقة أخوة بسبب هذا اللقاح (2).
(2)
4 - الحديث السابق: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (3) يدخل فيه الأب وكل ما يتصل به؛ لأنه أثبت أن المحرمات من الرضاع من المحرمات من النسب جملة وتفصيلا.
ه - أما
من حيث النظر فإن سبب نزول اللبن هو ماء الرجل والمرأة معا؛ لأن الحمل منهما جميعا فوجب أن يكون الرضاع منهما كما كان الولد منهما وإن اختلف
سببهما (4)
الرأي الثاني: ذهب بعض الفقهاء إلى عدم تحريم لبن الفحل ونسب هذا القول إلى سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار، وعطاء بن يسار والنخعي، وأبو قلابة، كما نسب هذا القول أيضا إلى عائشة -رضي الله عنها- وعبد
الله بن الزبير وابن عمر
(0)
واستدل أصحاب هذا الرأي بالأدلة التالية:
أ- قال تعالى: وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة)
وجه الاستدلال
إن الله سبحانه لما أثبت التحريم الموجب للرضاعة أثبت ما هو من قبل الأم، ولم يذكر صلة الرجل، ولم يذكر فروعا للرجل، وقالوا: لم يذكر الله تعالى هنا العمة والبنت كما ذكرهما في النسب؛ فدل على أن الرضاع يحرم ما كان من قبل النساء
فقط، وإلا لذكر العمة والبنت كما ذكرهما في المحرمات بالنسب ()
1 - مالك بن أنس: الموطأ، ص 43. 2 - بدران ص 101.
- سبق تخريجه انظر ص 128.
- الجصاص: أحكام القرآن، ج 2/ ص 129، ط 1 دار إحياء التراث العربي، بيروت، (1412 هـ / 1992 م).
:
ه ابن قدامة: المغني، ج 6 / ص 573، الشوكاني، ج 1 / ص 318.
1 - النساء 23.
بكوش يحي ص 45 / بدران ص 101.
137 (1/145)
صفحة 146
ب واستدل القائلون بعدم تحريم لبن الفحل بما روي عن زينب بنت أبي سلمة أنها أرضعتها أسماء بنت أبي بكر امرأة الزبير قالت: وكان الزبير يدخل عليَّ وأنا امتشط فيأخذ بقرن من قرون رأسي فيقول: أقبلي علي فحدثيني، أراه والدا وما ولد فهم إخوتي. ثم إن عبد الله بن الزبير أرسل يخطب إلي أم كلثوم ابنتي على حمزة بن الزبير، وكان حمزة للكلبية، فقلت لرسوله وهل تحل له؟ وإنما هي ابنة أخته، فقال عبد الله: إنما أردتُ بهذا المنع، أما ما ولدت أسماء فهم إخوتك، وما كان من غير أسماء فليسوا لك بإخوة فأرسلي فسلي عن هذا، فأرسلت وأصحاب رسول الله متوافرون فقالوا لها: إن الرضاعة من قبل الرجال لا تُحرّم شيئا فأنكحتها إياه فلم تزل عنده حتى هلك عنها).
وأجيب بأن هذا الحديث إن صح فهو حجة للقائلين بتحريم لبن الفحل؛ فإن الزبير كان يعتقد أنها ابنته وتعتقده أباها، والظاهر أن هذا كان مشهورا عندهم، وقوله مع إقرار أهل عصره أولى من قول ابنه، وقول قوم لا يعرفون (3).
ج واحتج المانعون لانتشار الحرمة بأن لبن المرضعة الذي تغذى به الرضيع جزء من المرضعة، فأورث بذلك شبهة البعضية، واعتبار الرضيع كقطعة منها إذ تكون لحمه وعظامه من لبنها، فكان حقا أن يكون ولدها وتحرم عليه بهذه الصلة، وهذا المعنى غير موجود فيمن وطئ المرضعة وكان سببا في نزول لبنها الذي منه أرضعت الصغير، فالشبهة منتفية أو تكاد تكون منتفية، فلا توجد الجزئية بين الرضيع وفحل من أرضعته؛ فالرضاع من المرأة لا من الرجل، فلا صلة بينه وبين الولد، إذ لم يتكون منه عظم ولا لحم).
حكمة التحريم بالرضاع
من الأمور التي انفردت بها الشريعة الإسلامية دون الشرائع الأخرى أنها جعلت الرضاع سببا من أسباب التحريم، وذلك للحكم والمقاصد التالية:
1 - ابن قدامة: المغني، ج 6/ص 572. 2 - ابن حجر: فتح الباري، ج 9 / ص 151. بدران: ص 100. أحمد الحصري: ص 258.
138 (1/146)
صفحة 147
1 - إن المرضع التي ترضع الولد إنما تغذيه بجزء من جسمها، فيدخل أجزاؤها
في تكوينه، ويكون جزءا منها، وإن الحس والطب يثبتان ذلك، فإن لبنها در من دمها ينبت لحم الطفل، وينشز عظمه، وإذا كان دمها ملوثا بمرض مستكن فيه سرت عدواه إلى الطفل، وإن كانت نقية الدم سليمة قوية استفاد الطفل منها قوة ونماء، وعليه فقد أسهمت في بناء جسمه، فأصبح كقطعة منها يشبه إلى حد كبير ولدها الذي حملته في بطنها وتغذى بغذائها، لذلك سماها القرآن أما للرضيع، وجعل بناتها أخوات له فنشأت بينهما رابطة كرابطة النسب، وتلك رابطة كريمة تستدعي الحفاظ عليها. ولما كانت رابطة الزواج لا تتفق معها منع الشارع اجتماعهما فكان أن يجعلها سببا من أسباب تحريم الزواج كما حرم بالنسب.
نعم إن هذه الرابطة لا تتساوى مع رابطة النسب في كل جوانبها، لذلك أخذت من أحكام النسب بعضها كتحريم الزواج دون باقيها من التوارث ووجوب النفقة
وغيرها.
- إذا كان الطفل جزءا منها فهي كالأم النسبية، بيد أن هذه غذته بدمها في بطنها، وتلك غذته بدمها بعد وضعها، فإذا كانت الأم النسبية محرمة على التأبيد، وبعض من يتصل بها محرمات عليه، فكذلك الأم الرضاعية، وهذا أمر بديهي يدركه أصحاب الخبرة والإحساس.
- إن المرضع تندمج في الأسرة التي ترضع أحد أولادها فتكون من أفرادها، كما أن الطفل يكون في بيت مرضعته مندمجا في أسرتها، فيكون ذلك التشابك سببا في جعل أسرة الطفل أسرتها، وأسرتها أسرته أيضا.
وإذا كانت العلاقة التي تكون من هذا النوع في النسب موجبة للتحريم في كثير من الأحوال، فينبغي أن تكون كذلك الرضاعة في هذه الأحوال.
4 - هناك فائدة للتحريم بالرضاعة قد ذكرها بعض كتاب الفرنجة المسيحيين الذين أعجبوا بنظام الإسلام في الرضاع، فقالوا: إن التشجيع على الإرضاع إحياء للأطفال الذين ليست لهم أمهات يرضعنهم، فإن المرضع إذا علمت أنها في الشريعة أمُّ لهذا الرضيع لها ما لأمه النسبية من الإجلال والتكريم، فإنها تقدم على الإرضاع
من غير غضاضة، وقد يكثر بذلك النسل.
139 (1/147)
صفحة 148
ومما يؤكد هذا المعنى ما نقله أبو زهرة عن كاتب أوربي قال: «قد استوحى فقهاء المسلمين تلك الحقيقة (وهي تقرير صلة بين الولد والمرضع) مما جاء على لسان نبيهم «تناكحوا تناسلوا تكثروا) (1) فاحتاطوا كل الاحتياط لذلك الفرض الأسمى الذي هو الحياة الإنسانية، وهذا هو السر في أن الإسلام أعطى المرضع هذه المكانة؛ لأنها جادت بلبنها فساهمت في تنفيذ الوصية الربانية، وهذا هو السر أيضا في أن الإسلام رفع شأن الحامل، ولقد جعل الإسلام للمرضع تلك المكانة، ولو كانت غير مسلمة، يهودية أو نصرانية، وإنها لمكانة سامية تجعلها في الأسرة في المكان التالي للأم".
ه - لقد نزل القرآن وعادة الإرضاع فاشية عند العرب تقوم به طائفة من النسوة نظير أجر تأكل منه، بينما يمتنع عنه الحرائر أنفة وترفعا حتى جرى في أمثالهم (تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها فأراد الشارع الحكيم القضاء على تلك العادة مبينا للمترفعات عنه منهن أن الإرضاع ليس مهانة للمرأة وإنما هو تكريم لها وتوسيع لدائرة أمومتها التي هي أسمى ما تعتز به المرأة، وتسعى جاهدة إلى تحقيقه، وبذلك تنفتح قلوب النساء لهذا العمل الجليل فيقبلن راضيات على إرضاع من حرم الإرضاع بوفاة أمه أو عجزها عنه لأي سبب ما دام في ذلك ارتفاع بهن إلى تلك المكانة السامية فتصير به المرضعة أما للرضيع بعد أمه التي ولدته حتى يقف منهما موقفا سواء في التكريم والاحترام
6 - قد تصاب المرضع بموت أولادها فتجد العزاء فيمن أرضعتهم وتعيش مع الأمومة رغم فقدها لمن ولدتهم، وكم للحكيم سبحانه وتعالى من حكم وأسرار وراء كل حكم من أحكامه تسعى العقول جاهدة للكشف عنها فينتهي بها المطاف إلى العجز والتسليم) فتهتف قائلة: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم)
1 - رواه ابن حبان في كتاب النكاح، رقم 1228، موارد الظمآن، ص 302، أخرجه الصنعاني من حديث ابن أنس بن مالك بألفاظ متقاربة، سبل السلام شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام، ج 3 ص 3. 2 - أبو زهرة: محاضرات في عقد النكاح ص 125 - 126.
شلبي: ص 223 - 224. بدران ص 122 الزحيلي: ج 7 / ص 141. عبد العزيز عامر:، ص 64 - 65.
4 - البقرة: 32.
140 (1/148)
صفحة 149
رأي القانون:
هذا وقد نص قانون الأسرة على المحرمات بالرضاع في المادة السابعة
والعشرين فقال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).
ثم ذكر في المادة الثامنة والعشرين بعض الأحكام المترتبة عن الرضاع فقال: «يعد الطفل الرضيع وحده دون إخوته وأخواته ولدا للمرضعة وزوجها و أخا لجميع أولادها، ويسري التحريم عليه وعلى فروعه (2)
ثم حدد في المادة التاسعة والعشرين الرضاع المحرم فقال: «لا يحرم الرضاع
إلا ما حصل قبل الفطام أو في الحولين سواء كان اللبن قليلا أو كثيرا (3). ويلاحظ من هذه المواد أن المشرع الجزائري وافق رأي جمهور فقهاء الإباضية والمالكية في تحديد مدة الرضاع المحرم وهي في الحولين، وأن اللبن للفحل، وحدد العلاقة بين الطفل الرضيع والمرضعة وزوجها وأولادها.
1 - قانون الأسرة، ص 16. نفسه 2 - المرجع
3 - المرجع نفسه (1/149)
صفحة 150
المبحث الرابع
المحرمات بسبب اللعان
أولا: تعريف اللعان
أ- اللعان في اللغة:
مصدر لاعن من اللعن، وهو الطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى، وقيل الإبعاد والطرد من الخير ومن الخلق السب والدعاء).
وسمي به ما يحصل بين الزوجين؛ لأن كل واحد من الزوجين يلعن نفسه في الخامسة إن كان كاذبا أو لأن الرجل الذي يلعن نفسه في الخامسة، وأطلق في جانب المرأة من مجاز التغليب فسمي لعانا لأنه قول الرجل وهو الذي بدئ به في الآية. وقال بعضهم سمي ما يحصل بين الزوجين باللعان؛ لأن أحدهما كاذب بيقين فيكون مستحقا للطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى (3).
ب وفي الشرع:
1 - عرفه الإباضية بأنه يمين الزوج بزنى زوجته أو نفي نسب ويمين الزوجة على تكذيبه، ويلعن الرجل نفسه في الخامسه إن كان كاذباً، بينما تذكر المرأة في الخامسة أن عليها غضب الله والذي هو في معني اللعن (3).
2 - وعرفه المالكية بأنه حلف زوج مسلم مكلف على رؤية زنا زوجته أو على نفي حملها منه، وحلف زوجته على تكذيبه أربعة أيمان بصيغة «أشهد بالله لرأيتها تزني ونحوه).
1 - ابن منظور: لسان العرب ج 12 ص 292.
2 - الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته ج 7 ص 556. محمد متولي الصباغ الإيضاح في أحكام النكاح: ص 336، | ط المطبعة الفنية - القاهرة- 1990 م اطفيش (شرح النيل)، ج 7 / ص 356.
- أحمد الدردير (الشرح الكبير) ج 2 / ص 657، والشرح الصغير للدردير ج 2 ص 429 صالح الأزهري: جواهر/ ص 380.
142 (1/150)
صفحة 151
غير أن البعض كالحنفية والحنابلة يرون أنه شهادات مؤكدات بالأيمان مقرونة باللعن من جهة الزوج وبالغضب من جهة الزوجة قائمة مقام القذف في حق الزوج، ومقام حد الزنا في حق الزوجة).
- ونخلص إلى أن الفقهاء متفقون على المعنى العام للعان وأنه يقع من جانب الزوج، غير أن هنالك بعض الاختلافات المتعلقة ببعض أحكامه وشروطه وذلك كالاختلاف حول صحته إن كان الزواج فاسداً والاختلاف حول وقوعه من غير
المسلم أو من الصبي إلى غير ذلك.
ثانيا: مشروعية اللعان:
لقد ثبتت مشروعية اللعان في القرآن والسنة والإجماع.
أ من القرآن الكريم:
فقد شرع الله الحد لمن قذف امرأة محصنة بالزّنى ولم يثبت دعواه بشهادة أربعة شهود زجرا له ولأمثاله عن انتهاك أعراض العفيفات، فيجلد ثمانين جلدة بقوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون (1)
وكان هذا هو الواجب في قذف كل محصنة ولو كانت زوجة ولكن الله خفف عن الأزواج ورفع الحرج عنهم بشرع اللعان بقوله تعالى والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربعة شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ويدروا عنها العذاب أن تشهد أربعة شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين (3) ف
قال عبد الله بن مسعود-رضي الله عنه - كنا جلوسا في المسجد ليلة الجمعة
1 - الحصكفي: الدر المختار: ج 2 / ص 805، 2 طبعة الحلبي 1386 هـ / 1966 م كشاف القناع ج 5 / ص 450، دار الفكر، لبنان 1982 م.
2 - النور: 4.
3 - النور: 8,7,6.
143 (1/151)
صفحة 152
إذ دخل أنصاري فقال: يا رسول أرأيتم الرّجل يجد مع زوجته رجلا فإن قتله قتلتموه وإن تكلم جلدتموه وإن سكت سكت على غيظ، ثم قال اللهم افتح؛ فنزلت آية اللعان).
ب - من السنة النبوية
1 - ورد أن سبب نزول آية اللعان ما رواه البخاري وغيره عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يكرر ذلك، فقال هلال والذي بعثك بالحق نبيا إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل فأنزل عليه: {والذين يرمون أزواجهم الله فقرأ حتى بلغ إن كان من الصادقين فانصرف النبي فأرسل إليهما، فجاء هلال فشهدوا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ ثم قامت فشهدت فلما كانت الخامسة، وقفوها فقالوا: إنها موجبة فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت فقال النبي: انظروا فإن جاءت به أكحل العينين سابغ (1) الإليتين خدلج (3) فهو الشريك بن سحماء فجاءت به كذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن).
- وعن سهل بن سعد أن عويمر العجلاني أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلوه، أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قد نزل فيك وفي صاحبتك، فاذهب فأت بها قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغ قال عويمر: كذبت عليها يا رسول إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله الله قال ابن شهاب فكانت سنة المتلاعنين).
وفي رواية متفق عليها فقال النبي: «ذلكم التفريق بين كل متلاعنين». لفظ لأحمد ومسلم وكان فراقه إياها سنة في المتلاعنين).
وفي
- أحمد إبراهيم بك: الأحوال الشخصية ص 377.
2 - أي: عظيمهما. - أي ممتلئ الساقين والذراعين.
-0
- رواه الجماعة إلا مسلما والنسائي، الشوكاني نيل الأوطار، ج 6 / ص 205 - 206.
رواه الجماعة إلا الترمذي، الشوكاني ج 6 / ص 300.
6 - الشوكاني: ج 6 / ص 107
144 (1/152)
صفحة 153
- وروى أبو عبيدة عن جابر قال: أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال عاصم بن عدي الأنصاري فقال: يا رسول أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع؟ فكره النبي الله المسألة حتى عابها وبلغ ذلك بالرجل مبلغا عظيما، ثم أتاه بعد ذلك رجل يقال له عويمر العجلاني فسأل النبي الله عن المسألة بعينها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:: «قد نزلت فيك وفي صاحبك فاذهب فأت بها» فأتى بها فتلاعنا، ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما قال الربيع: قال أبو عبيدة: لا تحل له أبدا وإن نكحت زوجا غيره فمات عنها أو طلقها (1)
ج- من الإجماع:
فقد أجمع المسلمون ولا خلاف بينهم أن اللعان بين الزوجين مشروع في الإسلام وأن الأحكام تتعلق به إذا توافرت شروطه (3)
د من القياس:
لما كان فراش الزوجية موجبا لحقوق النسب كان بالناس ضرورة إلى طريق ينفونه به إذا تحققوا فساده، وتلك الطريق هي اللعان (3)
ثالثا: حكم نكاح المرأة الملاعنة
إذا وقعت الفرقة بين الزوجين بسبب اللعان فهل تحرم الزوجة على زوجها حرمة مؤبدة أم مؤقتة؟ وهل يعتبر هذا اللعان فسخا أم طلاقا يجوز للملاعن أن يعود لزوجته إذا كذب نفسه؟
فقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة إلى رأيين:
الأول: يرى فقهاء الإباضية والمالكية وآخرون أن الفرقة باللعان تعتبر فسخا وهي توجب حرمة مؤبدة بعد اللعان، فلا تحل المرأة الملاعنة على زوجها الملاعن، ولا يمكن أن يعود المتلاعنان إلى الزواج بعدها أبدا، وعلى هذا لو كذب الزوج نفسه
1 - رواه الربيع في مسنده، باب الحدود والرجم (36)، ج 2 / ص 231.
2 - ابن رشد: المقدمات، ج 5/ص 361. 3 - ابن رشد: بداية المجتهد، ج 3 ص 1140.
145 (1/153)
صفحة 154
أو خرج عن أهلية الشهادة أو صدقته الزوجة فلا تحل له أبدا، لما روي عن ابن عباس
أن النبي
قال: «المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبدا)).
وعن علي بن أبي طالب قال: مضت السنة في المتلاعنين أن لا يجتمعا أبدا"). وهذا الحديث ظاهر الدلالة على المطلوب، ولأن اللعان قد وجد وهو سبب التفريق، وتكذيب الزوج نفسه أو خروج أحدهما عن أهلية الشهادة لا ينفي وجود السبب بل هو باق فيبقي حكمه.
غير أنه إذا أكذب الزوج نفسه ثبت نسب الولد مع أن التحريم لا يزول؛ لأن الحديث ورد في حق التفريق، وفي ثبوت النسب محافظة على حق الولد، فيثبت نسبه من أبيه بعد التكذيب؛ ولأن اللعان لا يقتضي نفي النسب، ويحدّ الزوج حد القذف لاعترافه بالقذف، ولا تحل له المرأة الملاعنة باستلحاق الولد بعد اللعان (3).
ومما يؤكد ما ذكرناه آنفا ما ذكره البسيوي في جامعه حيث قال: «والمتلاعنان يفرق بينهما بلا طلاق، ويشهد بذلك شهود، ليجوز بذلك التزويج إذا انقضت عدتها؛ لأنه قذفها عند الحاكم فحرمت عليه، ويفرّق الحاكم بينهما، ويجوز التزويج وينبغي للحاكم أن يشهد بالفراق بينهما (4).
والذي يفهم من عبارته أنه لا يجوز لها تجديد النكاح مع زوجها الملاعن، بل
يجوز لها بعد الفراق أن تتزوج زوجا آخر لأنها خرجت من عصمته باللعان. وقال الجناوني: «إذا تزوّج الرجل امرأة ثم رماها بالزنى فلاعنها ثم رجع عن قوله بعد اللعان حدّ الحد ثمانين جلدة، ولا يجتمعان أبدا، وإذا رماها بالزني ثم رجع عن قوله من قبل أن يلاعنها جلد الحدّ وفرّق بينهما، ومنهم من يقول: لا يفرّق بينهما إن رجع عن قوله قبل اللعان).
وقد ذكر الكندي أن الملاعن إذا أكذب نفسه بعد اللعان يطبق عليه حد القذف،
- الشوكاني: ج 6 / ص 304.
2 - المرجع نفسه.
- عثمان الجعلي سراج السالك، ج 2 ص 94.
- محمد بن إبراهيم الكندي: بيان الشرع، ج 71 ص 104 - 105.
ه - الجناوني: كتاب النكاح، ص 292.
146 (1/154)
صفحة 155
ويلحق به الولد؛ وكذلك المرأة إن صدقته في ادعائه قبل اللعان أو بعده فإنها
(1)
ترجم).
وجاء في مقدمات ابن رشد (3) ما يؤكد هذا المعنى حيث قال: «والفرقة في اللعان فسخ بغير، طلاق، وهي مؤبدة لا يتراجع الزوجان بعده أبدا؛ هذا مذهب مالك وجميع أصحابه وأكثر أهل العلم والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم للزوج بعد تمام اللعان: لا سبيل لك إليها (؟)؛ لأن ظاهره التأبيد إذا لم يقيد ذلك شرط يحلّها له به؛ لأن التحريم إذا أطلق من غير تقييد محمول على التأبيد؛ ألا ترى أن المطلقة ثلاثا لولا قول الله عزّ وجلّ فيها: حتى تنكح زوجا غيره) لم تحل له أبدا بظاهر قوله تعالى: فإن طلقها فلا تحل له من بعد ... ).
(0)
وقد أكد مالك هذا الحكم في مدونته قلت: أرأيت المتلاعن إذا أكذب نفسه بعد تمام اللعان، أيحل له أن ينكحها في قول مالك؟ قال: «لا تحل أبدا، ويُضرب الحدّ ويلحق به الولد»؛ قال مالك: «السنة في المتلاعنين أنهما لا يتناكحان أبدا، وإن كذب نفسه جلد الحد ولحق به الولد ولم ترجع إليه امرأته»، قال مالك: «وتلك السنة لا شكّ فيها (1)
الثاني: ويرى أبو حنيفة ومحمد بن الحسن أن الفرقة بسبب اللعان تعتبر طلاقا بائنا، لأنها تتوقف على القضاء، وكل فرقة يقوم بها القاضي تعتبر طلاقا بائنا كما في العنين الذي لا يقدر على ممارسة الجماع).
ولا يمكن للرجل أن يتزوجها بعد ذلك إلا في حالتين:
1 - أن يكذب نفسه؛ لأن هذا يعتبر رجوعا عن الشهادة، والشهادة لا حكم لها بعد
1 - الكندي: بيان الشرع، ج 71/ ص 101.
2 - ابن رشد: مقدمات ابن رشد على المدونة الكبرى لمالك، ج 5 / ص 366.
- رواه البخاري عن ابن عمر في كتاب الطلاق، حديث رقم 5312 فتح الباري ج 9 / ص 457. ورواه مسلم عن عمر في كتاب اللعان في فاتحته، حديث رقم 1493، ص 1130، 1132.
- البقرة: 230.
- البقرة: 230.
- الإمام مالك المدوّنة الكبرى ج 2 / ص 354.
- أبو الحسن المرغناني: الهداية في شرح بداية المبتدى، صححه طلال يوسف ج 2 ص 271، ط سنة 1415 هـ / 1995 م، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.
147 (1/155)
صفحة 156
الرجوع عنها، وحينئذ يحد حد القذف ويثبت نسب الولد منه إذا كان القذف ينفي
الولد.
2 - إن كان أحد الزوجين ليس أهلا للشهادة.
قال صاحب الهداية: «فإن عاد الزوج وأكذب نفسه حده القاضي لإقراره بوجود الحد عليه وحل له أن يتزوجها، وهذا عندهما) أي عند أبي حنيفة ومحمد)؛ لأنه لما حد لم يبق أهلا للعان، فارتفع حكمه المنوط به وهو التحريم، وكذا إذا زنت وحدت لانتفاء أهلية اللعان من جانبها، وإذا قذف امرأته وهي صغيرة أو مجنونة فلا لعان بينهما؛ لأنه لا يحد قاذفها لو كان أجنبيا، فكذا لا يلا عن الزوج لقيامه مقامه، وكذا إذا كان الزوج صغيرا أو مجنونا لعدم أهلية الشهادة» (1).
هذا وقد أشار بعض علماء الأباضية إلى أن تكذيب الملاعن نفسه إن وقع قبل الفراغ من الملاعنة، فإن المرأة الملاعنة لا تحرم عليه فقد جاء في بيان الشرع (ومن أكذب نفسه قبل أن يفرغ من الملاعنة يجلد ثمانين جلدة والمرأة إمرأته ((3).
وخلاصة القول:
نجد رأي جمهور الإباضية والمالكية هو الرأي الذي تطمئن له النفس لقوة أدلته وانسجامه مع مقاصد التشريع الهادفة إلى صيانة الرابطة الزوجية ووجوب المحافظة عليها، ولا يمكن أن نتصور استمرار العلاقة الزوجية بين زوجين يتهم أحدهما الآخر بالزنى أو ينفي الولد وأرى بناء على ذلك أن التحريم المؤبد ينبغي أن ينطبق أيضاً على حالة تكذيب الزوج لنفسه قبل الفراغ من اللعان.
الحكمة من التحريم بسبب اللعان:
إن الإسلام لما شرع اللعان بين الزوجين، إذا قذف الزوج زوجته بالزني أو نفى الولد منها وأمر بالتفريق بين المتلاعنين وحرم الزواج بينهما من جديد لسبب أن الثقة بين الزوجين قد فقدت وانهارت بسبب اتهامه لها بالزني، فلا يمكن أن يقوم
1 - المرغناني: الهداية ج 2 ص 271، 272
2 - محمد الكندي: بيان الشرع ج 71/ ص 101.
148 (1/156)
صفحة 157
زواج ليس أساسه الثقة، واطمئنان الرجل إلى أهله في المحافظة على عرضها وعرضه ولو كذب نفسه بعد اللعان؛ فإن الرجل إن كان صادقا في اتهامها فلا ينبغي أن يعود إلى معاشرتها مع علمه بحالها، ويرضى لنفسه أن يكون زوج بغي، وإن كان كاذبا فلا ينبغي أن يمكن من معاشرتها لإساءته إليها، واتهامها بهذه الفرية العظيمة. ولذلك نجد الجمهور يمنعون الزواج بها من جديد، واستئناف حياتهم الزوجية لما تقدم ذكره).
1 - شلبي: أحكام الأسرة ص 618 وما بعدها.
149 (1/157)
صفحة 158
[صفحة فارغة] (1/158)
صفحة 159
الفصل الثاني
الأنكحة الفاسدة فساد مؤقتاً
والمتفق على فسادها (1/159)
صفحة 160
[صفحة فارغة] (1/160)
صفحة 161
تمهيد:
المحرمات من النساء تحريما مؤقتا هنّ اللائى كان سبب التحريم فيهن أمرا
يحتمل الزوال، فيبقى التحريم ما بقي السبب قائما، ويزول إذا زال
والتحريم على التأقيت يكون في عدة أحوال (1) هي:
1 - الجمع بين المحارم.
2 - المطلقة ثلاثا على مطلقها حتى تتزوج زوجا غيره ويدخل بها ثم يفارقها،
وتنتهي عدتها.
-
زواج خامسة وعنده أربع نساء في عصمته، ولو حكماً.
4 - زوجة غيره والمعتدة من غيره
ه - نكاح المسلمة بغير المسلم.
6 - نكاح من لا تدين بدين سماوي.
تزوج الأمة مع القدرة على الحرة.
تزوج الحرة وبعصمته أمة.
-- تزوج المرأة بمملوكها.
وسوف ندرس كل حالة من هذه الحالات بشيء من التفصيل، مع التأصيل في المباحث التالية، عدا الحالات الثلاثة الأخيرة المتعلقة بأحكام الإماء، والتي لن نتعرض لها بالدراسة نظرا لزوال الرق والعبودية في وقتنا الحالي.
1 – الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته، ج 7 / ص 142. أبو زهرة: محاضرات، ص 126.
153 (1/161)
صفحة 162
المبحث الأول
الجمع بين محرمين
جمهور الفقهاء على أنه يحرم على الرجل أن يجمع في عصمته محرمين
اتفق من نسب أو رضاع.
والمراد بالمحرمين كل امرأتين تربطهما علاقة محرميّة كالأختين الشقيقتين أو لأب أو لأم والمرأة وعمتها أو خالتها، أو بنت أخيها أو أختها، وكالمرأتين اللتين كلّ منهما عمة للأخرى، أو كلّ واحدة منهما خالة للأخرى.
فالأولى: كما إذا تزوّج كلّ من رجلين بأم الآخر، وأتى كل واحد منهما ببنت،
فكل من البنتين عمة للأخرى.
والثانية: كما لو تزوّج كلّ من رجلين بنت الآخر وأتى كل منهما ببنت، فكل من البنتين خالة للأخرى).
واتفقوا أيضا على عدم جواز الجمع بين المرأة ومحارمها في أثناء العدّة من طلاق رجعي، فلو طلق زوجته طلاقا رجعيا، لم يجز له الزواج بواحدة من قريباتها المحارم إلا بعد انقضاء العدة؛ لأنها في حكم الزواج السابق، فإن فعل ذلك كان زواجه فاسدا؛ لأن الطلاق الرجعي لا يزيل الملك ولا الحل الثابتين بالزواج، فيكون الزواج في العدة قائما حكما؛ فإذا تزوج الأخرى كان جامعا بينهما، والجمع بين المحارم غير جائز شرعا (3).
واختلفوا بالجمع بين المحارم إذا كانت إحداهن معتدة من طلاق بائن، فقال الحنفية والحنابلة وبعض فقهاء الإباضية يحرم الجمع بين الأختين ومن في
- أمحمد اطفيش شرح كتاب النيل لعبد العزيز الثميني ج 6/ص 31 - 32.
- عثمان الجعلي: مج 1، ج 2 / ص 50. ابن عبد البر: الكافي، ص 240، 2 دار الكتب العلمية بيروت (دت)
1 - شلبي أحكام الأسرة ص 229
2 - المرجع نفسه ص 233.
154 (1/162)
صفحة 163
حكمهما إذا كانت واحدة منهما أثناء العدّة من طلاق بائن بينونة صغرى أو كبرى لقوله: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمع بين مائه في رحم أختين»). ولأن المطلقة طلاقا بائنا ممنوعة من الزواج في العدّة لحق الزوج وقيام الفراش بينهما حكما، حتى لو جاءت بولد في المدة المقررة ثبت نسبه؛ فكان الزواج قائما بوجه فأشبهت الرجعية؛ ولأن الزواج بالأخت ونحوها من المحارم في العدة يؤدي إلى قطيعة الرحم التي أمر الله بوصلها.
وذهب بعض الإباضية والمالكية والشافعية إلى أنه يصح الزواج بأخت المطلقة ومن في حكمها من المحارم في أثناء العدّة من طلاق بائن بينونة صغرى أو كبرى لانقطاع أثر الزواج السابق؛ فصارت كالأجنبية، فلا يحل لمن طلقها إلا بعقد جديد، وحينئذ لا تجتمع المرأتان في حكم فراش واحد، فلا يكون جامعا بين محرمين؛ لأن الجمع المحرّم هو الجمع في النكاح، وقد زال في إحداهما (2).
واتفق جمهور الفقهاء أنه يجوز الجمع بين المرأة ومحارمها بعد الفرقة بسبب الوفاة فلو ماتت زوجة الرجل جاز له أن يتزوج بأختها أو عمتها من غير انتظار مدة بعد الوفاة لأنه لا عدة للرجل.
بعد النظر فيما ذهب إليه الفريقين والتأمل في العلة التي من أجلها حرم الجمع، وهي قطع الرحم؛ لوجدنا قطيعة الرحم قائمة في النكاح أثناء العدة، بل هي أشدّ وأظهر؛ لأن من يطلّق زوجته ثم يبادر إلى التزوج بأختها أو عمتها أو بنت أخيها، يؤلم المطلقة ألما شديدا، ويجعلها تمتلئ حقدا وكراهية للتي تزوجها، وربما أرجعت طلاقها إلى تدبير سابق بينه وبين من تزوجها، وهذا لا شك مؤد إلى قطع الرحم المنهي عنه، وبذلك يترجح عندنا مذهب الجمهور من الإباضية والحنفية والحنابلة لقوة حجته ومراعاته لمقاصد الشريعة.
1 - لم نعثر على هذا الحديث، ولعله قول أحد الصحابة أو التابعين.
2 - الشقصي خميس: ج 15/ص 146 - 156. العوتبي: الضياء، ج 8/ص 230، 237. ابن جزي: القوانين الفقهية ص 209. البسيوي: جامع السيوي، ج 3/ ص 26.
155 (1/163)
صفحة 164
أدلة تحريم الجمع بين محرمين:
استدل جمهور الفقهاء على حكم تحريم الجمع بين محرمين بأدلة من القرآن
والسنة والإجماع.
أ من القرآن الكريم
قال الله تعالى في سياق بيان المحرمات من النساء وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف (1) دگي (1)
قال الشقصي في مدلول هذه الآية فحرام جمع الأختين في وقت واحد بتزويج أو ملك يمين و إلا ما قد سلفه في تزويج الجاهلية).
وأضاف الكدمي توضيحا لمدلول هذه الآية (3) فقال: «فالجمع يقع بنفس العقدة للتزويج، لا نعلم في ذلك اختلافا أنه لو عقد له التزويج معا بأختين لبطل نكاح الجميعتين، ولو رضيتا أو رضيت به إحداهما، فكان الحكم واقعا بالعقد في التحريم والتحليل كذلك واقع بالعاقد والمعقود عليه على ما لا يجوز، ولا يحل من الإثم والتعدي لحدود الله إذا فعلوا ذلك على العلم، وكان قوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين () مع الأخوات من النسب من أي وجه كان من الرضاع، لقوله تعالى: وأخواتكم من الرضاعة).
ولما كان الرضاع يأخذ حكم النسب للحديث المتقدم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب.» (1) عمموا في القاعدة فجعلوها شاملة للجمع بين المرأتين اللتين ربطتهما رابطة النسب أو الرضاع؛ فكما يحرم الجمع بين الأختين نسبا، يحرم الجمع بين الأختين رضاعا، وكما يحرم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها من النسب يحرم الجمع بينها وبين عمتها وخالتها من الرضاع ().
1 - النساء: 23.
- الشقصي: منهج الطالبين، ج 15/ ص 30.
- أبو سعيد الكدمي: الاستقامة، ج 3 ص 200 - 201. الجناوني: كتاب النكاح، ص 28.
4 - النساء: 23. النساء: 23.
-0
6 - سبق تخريجه في الصفحات السابقة ص شلبي:، ص 229 - 230.
122 (1/164)
صفحة 165
والجمع بين المرأة وابنتها حرام أيضا كالجمع بين الأختين، بل هو أولى؛ لأن قرابة الولادة أقوى من القرابة الأخرى؛ فالنص وارد هنا من طريق الأولى، وكذلك الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها حرام أيضا كالجمع بين الأختين؛ لأن العمة بمنزلة الأم لبنت أخيها، والخالة بمنزلة الأم لبنت أختها).
وخلاصة القول:
فإن الآية السابقة تفيد بنصها حرمة الجمع بين الأختين، وتفيد بمعناها حرمة الجمع بين سائر المحارم؛ وذلك لأنه إذا كان الجمع بين الأختين حراما خشية إيحاش قلبها بالعداوة بينهما؛ فأولى أن يحرم الجمع بين المرأة وخالتها أو عمتها؛ لأن كلتيهما بمنزلة الأم والرحم بينهما قريبة الصلة (2).
ب من السنة النبوية
وردت روايات عديدة في مسند الربيع بن حبيب والبخاري ومسلم ومالك وغيرها من كتب السنن عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يجمع الرجل بين المرأة وعمتها ولا خالتها في التزويج وهما في الحرمة سواء» (3).
وفي رواية عن أبي هريرة قال: نهى النبي الله أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها (4).
وفي رواية الترمذي وغيره عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا العمة على بنت أخيها، ولا المرأة على خالتها، ولا الخالة على بنت أختها لا الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى على الكبرى).
1 ا 1 - الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته، ج 7 / ص 160 - 161. 2 - أبو زهرة محاضرات، ص 128.
الربيع: الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب، كتاب النكاح، حديث رقم 517، مج 1، ج 2 / ص 208. ورواه البخاري: الفتح، كتاب النكاح، حديث رقم: 5109، ج 9 / ص 160. ومسلم في كتاب النكاح، حديث رقم 1408، ج 2 / ص 1028. مالك: الموطأ، كتاب النكاح حديث رقم 20، مج 1، ج 2 / ص 420. 4 - رواه أبو داود في كتاب النكاح، حديث رقم: 2065 - 2066، ج 2 / ص 224. والنسائي: ج 6 / ص 98،96 رواه الترمذي: في كتاب النكاح، حديث رقم: 1126، ج 3 ص 433.
-10
157 (1/165)
صفحة 166
وجه الاستدلال
من مجموع روايات هذه الأحاديث المتقاربة نجدها تصرح بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وبين العمة وابنة أخيها، والخالة وابنة أختها، واستعمل الرسول صلى الله عليه وسلم لا الناهية، ونقل عنه أنه نهى عن ذلك صراحة، ولا يخفى أن هذه الأحاديث قد خصصت عموم قوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم) فقد صرّحت الأحاديث ببيان بعض صور التحريم، وصرّحت بعلة هذا التحريم، وهي قطع الرحم بين الأقارب؛ لأن الجمع بين ذواتي محرم في النكاح، سبب لقطيعة الرحم، حيث أن الضرتين تتنازعان وتختلفان ولا تأتلفان عرفا وعادة، وهو يفضي إلى قطع الرحم، وهذا حرام؛ فيحرم هذا الجمع حتى لا يؤدي إليه ()، وقد أشار النبي إلى علة النهي في رواية ابن حبان وغيره: «إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم» (3).
ج من الإجماع:
فقد انعقد إجماع العلماء واتفقت كلمتهم في تحريم الجمع بين الأختين، غير أن الاجماع على تحريم الجمع بين غير الأختين فيه نظر، وذلك أنه حكي عن بعض العلماء عدم التحريم فيما سِوَى الأختين فقد ذكر عن بعض الخوارج والشيعة الإمامية الذين جوزوا الجمع بين المحارم غير الأختين، وقوفا عند نص الآية وحدها، ولم يأخذوا بهذا الحديث المشهور.
ويقرر الإمامية أن العمة يجوز الجمع بينها وبين بنت أخيها إذا كان ذلك بإذن العمة، وكذا الجمع بين الخالة وبنت الأخت بإذن الخالة (4).
وقد حكى الشوكاني) إجماع العلماء في هذه المسألة نقلا عن ابن المنذر قائلا: «لست أعلم في منع ذلك اختلافا اليوم؛ وإنما قال بالجواز فرقة من الخوارج، وهكذا
1 - النساء: 24.
2 - الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته، ج 7 / ص 161. ابن حبان كتاب النكاح، حديث رقم 4056، ج 6 / ص 147 - 148 ابن بلبان الإحسان بترتيب ابن حبان. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف عن عكرمة، قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على عمتها أو على خالتها،
فإنهن إذا فعلن ذلك قطعن أرحامهن، حديث رقم 10766، كتاب النكاح، ج 6/ص 263.
- محمد اطفيش شرح النيل، ج 6 / ص 32. أبو زهرة: محاضرات، ص 128.
ه - الشوكاني: نيل الأوطار، ج 6 / ص 167.
158 (1/166)
صفحة 167
حكى الإجماع القرطبي واستثنى الخوارج. قال: ولا يعتد بخلافهم لأنهم مرقوا من الدين، وهكذا نقل الإجماع ابن عبد البر ولم يستثن ونقله أيضا ابن حزم واستثنى عثمان البتي، ونقله أيضا النووي واستثنى طائفة من الخوارج والشيعة، ونقله ابن دقيق العيد عن جمهور العلماء ولم يعيّن المخالف، وحكاه صاحب البحر عن الأكثر، وحكى الخلاف عن البتي وبعض الخوارج والروافض (1).
وقد أشار الشوكاني إلى أدلة المخالفين لرأي الجمهور والتي تتخلص كما يفهم من كلامه في الآتي:
1 - قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم (3).
2 - أن النهي فيما عدا الأختين محمول على الكراهة بقرينة ما جاء في حديث ابن عباس (فإنكن إن فعلتن ذلك قطعتُنَّ أرحماكن)، فإن عبارة فإن «فعلتن» قرينة علي أن النهي محمول على الكراهة.
وكما أشار الشوكاني إلى ردود الجمهور على المخالفين ومنها ما يأتي: 1 - أن قوله تعالى: وأحل لكم ما وراء ذلكم، عام تخصصه الأحاديث الواردة في النهي.
- أن قطيعة الرحم من الكبائر باتفاق، وما كان مفضياً إلى الكبائر يكون
محرماً (3).
مجمل القول:
لا شك أن رأي جمهور الفقهاء هو الراجح للنصوص الصحيحة والصريحة في بيان ذلك؛ وقد ذكر ابن عبد البر أن الحديث الذي احتج به الجمهور عن أبي هريرة أكثر طرقه متواترة عنه، وكفى بتخريج البخاري له موصولا قوة. أما ما احتج به المخالفون؛ فيحتاج إلى ما يعضده؛ فمعظم روايات هذا الحديث من غير أبي هريرة ضعيفة، وأحاديثها مرسلة فحديث ابن عباس الذي احتجوا به، قال عنه الشوكاني:
1 - الروافض فرقة من الشيعة. 2 - النساء: 24.
الشوكاني: ج 6 / ص 167 - 168.
159 (1/167)
صفحة 168
وحديث ابن عباس هذا المصرح بالعلة في إسناده أبو حريز .. وقد ضعفه جماعة)
والدليل إذا أدركه الاحتمال سقط به الاستدلال.
قاعدة تحريم الجمع بين محرمين:
استنبط الفقهاء من النصين القرآني والنبوي السابقين قاعدة عامة في تحريم الجمع بين المحارم، وهي
(يحرم الجمع بين امرأتين لو كانت إحداهما رجلا، لا يجوز له نكاح الأخرى من الجانبين جميعا أو بعبارة أخرى: (يحرم الجمع بين كل امرأتين أيتهما قدرت ذكرا، حرمت عليه الأخرى) (3).
وقد نص على هذه القاعدة فقهاء الإباضية (3) والمالكية) في مصنفاتهم. قال صاحب النيل: «وضابطه كل امرأتين بينهما من القرابة أو الرضاع ما يمنع نكاحهما لو كانت إحداهما ذكرا والأخرى أُنثَى).
وقال صاحب السراج: إن كل امرأتين لو قدرت إحداهما أنثى والأخرى ذكرا، لا يجوز للذكر منهما نكاح الأنثى في التقدير، لا يجوز الجمع بينهما في عصمة، بل يحرم إجماعا وذلك كالأختين والمرأة مع عمتها أو خالتها (1)
وتطبيقا لهذه القاعدة نذكر بعض الأمثلة زيادة في التوضيح والبيان؛ فمثلا: لا يحل الجمع بين الأختين؛ لأننا لو فرضنا كل واحدة منهما رجلا لم يجز له التزوج بالأخرى لأنها أخته، ولا يحل الجمع بين المرأة وعمتها؛ لأن أي واحدة لو فرضت رجلا كان عماً للأخرى، ولا يجوز للرجل أن يتزوج بعمته، وكذلك يحرم الجمع بين المرأة وخالتها؛ إذ لو فرضنا واحدة منهما رجلا كان خالا للأخرى، ولا يصح للرجل أن يتزوج بنت أخته؛ فإن فُرِضَ كون أياً منهما رجلا وجاز له أن يتزوج بالأخرى
1 - الشوكاني ج 6/ص 166 - 167.
- أبو زهرة: ص 128. الزحيلي: ج 7/ ص 161.
- امحمد اطفيش: شرح النيل، ج 6 / ص 32 - 33. أبو العباس: كتاب أبي مسألة، ص 153.
- ابن رشد: بداية المجتهد، ج 2 / ص 40 - 42.
ه - عبد العزيز الثميني: كتاب النيل شرح امحمد اطفيش، ج 6 / ص 32 - 33.
6 - الجعلي عثمان: مج 1، ج 2 / ص 50.
160 (1/168)
صفحة 169
كالمرأة وابنة عمها، جاز الجمع بينهما لأنها تكون ابنة عمه.
يحرم
وإن كان تحريم الزواج على فرض واحد من أحد الجانبين دون الآخر، فلا الجمع بينهما؛ لأن القاعدة تشترط أن يكون من الجانبين، كالمرأة وابنة زوج كان لها
من قبل غيرها، ومثلهما المرأة وزوجة ابنها لأننا لو فرضنا المرأة رجلا لا يحل له التزوج بالأخرى؛ لأنها حليلة ابنه ولو فرضنا زوجة الابن رجلا حل له التزوج بالأخرى لعدم المحرمية بينهما؛ لأن فرضها رجلا يخرجها عن كونها زوجة الابن. وكالمرأة وزوجة كانت لأبيها، لأنه لا رحم بينهما، فلم يوجد الجمع بين ذواتي رحم؛ إذ لو فرضنا في المثال الأول البنت رجلا، لم يجز له أن يتزوج بهذه المرأة؛ لأنها زوجة أبيه. أما عند فرض المرأة زوجة الأب رجلا، فتزول عنه صفة زوجة الأب، فيجوز له الزواج بالبنت؛ إذ هي أجنبية عنه.
وقد جمع عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بين زوجة عمه علي، وهي ليلى بنت مسعود النهشلية، وبين ابنته من غيرها، وهي أم كلثوم بنت السيدة فاطمة -رضي الله عنهما - ولم ينكر عليه أحد من الصحابة (1).
حالات أخرى غير منصوص عليها ولا تدخل في القاعدة:
1) حكم الجمع بين ابنتي العم أو العمة أو الخال أو الخالة
يجوز الجمع بين ابنتي العم وابنتي الخال بالاتفاق لعدم النص فيهما بالتحريم، ودخولهما في عموم قوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم ()، ولأن إحداهما تحل لها الأخرى لو كانت ذكرا.
وأما من حيث الكراهة ففيه روايتان
الأولى: عن جابر بن زيد وهي الكراهة للقطيعة، نقلها الإمام البخاري (3)
1 - الشوكاني: نيل الأوطار، ج 6/ ص 166.
2 - النساء: 24.
- بدر الدين العيني: عمدة القارئ شرح صحيح البخاري، ج 20 / ص 102؛ طبع مطبعة دار التراث العربي،
بيروت.
161 (1/169)
صفحة 170
وصاحب المغني (1) والبغوي (3) والشوكاني (3)، وهو قول أبي بكر وعمر وعثمان وعطاء والحسن وسعيد بن عبد العزيز وأحمد في رواية عنه، وذلك لما روي عن النبي أنه نهى أن تزوج المرأة على ذي قرابتها مخافة القطيعة) ولأنه مفض إلى قطيعة الرحم المأمور بصلتها، قالوا: فأقل أحواله أن تكون الكراهة.
والثانية: وهي عدم الكراهة ونقل ذلك عن سليمان بن يسار والشعبي والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم، لعدم وجود القرابة التي تحرم الجمع بينهما، فلا يقتضي كراهة كسائر الأقارب (1).
وقد روي أن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب بنى في ليلة واحدة بين بنت محمد بن علي وبنت عمر بن علي (1).
2) حكم الجمع بين المرأة ومحارمها بعد الفرقة بسبب الوفاة:
اتفق جمهور الفقهاء على أنه يجوز الجمع بين المرأة ومحارمها بعد الفرقة بسبب الوفاة؛ فلو ماتت زوجة الرجل جاز له أن يتزوج بأختها أو عمتها مثلاً، من غير انتظار مدة بعد الوفاة؛ لأنه لا عدة للرجل.
الحكمة من تحريم الجمع بين محرمين:
مما لا شك فيه أن الشرع الحنيف لا يحرّم شيئا إلا لما يترتب عليه من أضرار تعود على الفرد والمجتمع، وفي هذا الإطار حرّم الإسلام الجمع بين ذوات المحارم لمقصد أساسي، وهو خشية قطع الأرحام بين القريبات؛ لأن الجمع بين ذواتي محرم في النكاح سبب لقطيعة الرحم؛ لأن الضرتين يتنازعان ويختلفان ولا يأتلفان عرفا وعادة، وهذا الجمع يفضي إلى قطع الرحم، وإنه حرام، والنكاح سبب لذلك؛ فيحرم
1 موفق الدين ابن قدامة: المغني، ج 7 / ص 478، دار الكتاب العربي، بيروت 1972 م. 2 - البغوي شرح السنة، تحقيق: زهير الشاويش وشعيب الأرناؤوط، ج 9/ ص 70؛ ط 1،، المكتب الإسلامي، بيروت 1971.
3 - الشوكاني: نيل الأوطار، ج 6 / ص 168.
4 - أخرجه أبو داود في المراسيل، وابن أبي شيبة انظر: الشوكاني نيل الأوطار، ج 6 / ص 168.
ه امحمد اطفيش ج 6 / ص 35. يحيى بكوش فقه جابر، ص 391. الشقصي: منهج الطالبين، ج 15/ص 35.
الكدمي: الاستقامة، ج 3 ص 197 - 198.
6 - العيني: عمدة القارئ شرح صحيح البخاري، ج 20/ ص 101.
162 (1/170)
صفحة 171
حتى لا يؤدي إليه، وقد أشار النبي إلى علة النهي في رواية ابن حبان وغيره: إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم».
فكيف يتصوّر أنَّ الإسلام يعمل على ربط أواصر الأسرة بعرى المودة، ويأمر بصلة الأرحام ويجيز للرجل أن ينكح، أختين، فتكون إحداهما ضرّة للأخرى وتثور نيران الغيرة التي تدفع إلى أشد الإيذاء بالكيد بالقول والفعل).
رأي القانون:
هذا وقد نص قانون الأسرة على تحريم الجمع بين ذوات المحارم في المادة الثلاثين مِنْهُ، فقال: «ويحرم الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها أو خالتها سواء كانت شقيقة أو لأب أو لأم أو من الرضاع» (3).
ويلاحظ أن القانون وافق رأي جمهور الفقهاء في هذه المسألة، ولا شك أنه استمدّ حكمه من الفقه الإسلامي الذي يستند إلى النصوص الشرعية من القرآن والسنة
والإجماع.
1 - أبو زهرة: ص 128. 2 قانون الأسرة الجزائري: ص 16.
163 (1/171)
صفحة 172
إذا
المبحث الثاني
الجمع بين أكثر من أربع نسوة
جمع الرجل في عصمته أربعا بعضهن في عدة الفرقة لم تنقض بعد، ثم زاد عليهن فقد اختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة إلى رأيين:
الرأي الأول:
اتفق جمهور الفقهاء على أنه يحرم على الرجل أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة في عصمته في وقت واحد، وذلك سواء كان جمعه لهن حقيقة بأن كن زوجات له، وحكما بأن كان فارق بعضهن دون أن تنقضي عدتهن، وسواء كانت الفرقة رجعية أو بائنة وعلى هذا فإنه لا يجوز التزوج بخامسة إلا أن يفارق إحداهن وتنقضي
عدتها.
غير أن بعض هؤلاء الفقهاء يُجيزون نكاح الخامسة إذا كانت إحدى زوجاته الأربع في العدة من فرقة بائنة؛ لأن الفرقة البائنة تقطع الزوجية فلا تعود زوجة له وبالتالي لا يكون قد جمع بين أكثر من أربع (1).
قال اطفيش ولا يحل لمن له أربع أن يتزوج خامسة حتى يطلق إحداهن وتتم العدة، أو تطلق طلاقا لا تجوز فيه الرجعة ولو لم تتم العدة أو تموت ولو لم تتم العدة بعد الموت أو تحرم وتتم العدة).
أ من القرآن الكريم
قال تعالى: في سياق حديثه عن تعدد الزوجات: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا).
1 - أبو زكرياء الجناوني كتاب النكاح، ص 32، أبو الحواري: الجامع، ج 3 ص 151، العوتبي: الضياء، ج 8 ص 243.241 ابن رشد: بداية المجتهد، ج 3 ص 1017، أحمد الصاوي: بلغة السالك، ج 2 / ص 260. 2 - امحمد بن يوسف اطفيش شرح كتاب النيل، ج 6/ ص 39.
3 - النساء: 3.
164 (1/172)
صفحة 173
فقد أرشد الله تعالى في هذه الآية إلى العدل مع النساء من خلال التقليل منهن والإقتصار على أربع زوجات، بل أرشد إلى الاقتصار على واحدة في حالة الخوف من الوقوع في ظلمهن. ويلاحظ أن لفظ مثنى معدول به عن اثنين اثنين، تقول: جاءني القوم مثنى أي اثنين اثنين، وهكذا ثلاث ورباع بيانا لأنواع الزيجات، وفئات الناس، وما يباح لهم أثناء تعدد الزوجات فالعطف بالواو للتخيير لا الجمع).
ب من السنة النبوية:
1 - ما رواه ابن عمر قال: أسلم غيلان الثقفي وتحته عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه، فأمره النبي أن يختار منهن أربعا (1).
2 - وعن قيس بن الحارث، قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة، فأتيت رسول الله فذكرت ذلك له فقال: «اختر منهن أربعا (3).
وروى الشافعي والبيهقي عن نوفل بن معاوية أنه قال: «أسلمت وتحتي خمس نسوة، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «فارق واحدة، وامسك أربعا»، فعمدت إلى أقدمهن عندي عاقر منذ ستين سنة ففارقتها (4).
ج. من الإجماع:
أجمع جمهور العلماء منذ عهد النبي على حرمة الجمع أكثر من أربع نسوة في
جمع
عصمة الرجل، ولم ينقل عن أحد من السلف في عهد الصحابة ولا التابعين أنه في عصمته أكثر من أربع زوجات لا في خاصة نفسه ولا في فتواه لغيره؛ فدل العمل وفق السنة على أنه لا يجوز الزواج بأكثر من أربع نسوة ولم يخالف رأي الجمهور إلا
الظاهرية والإمامية.
1 - ابن حجر العسقلاني: كتاب النكاح، فتح الباري، ص 59 الزحيلي مرجع سابق، ج 7 / ص 166. 2 - رواه أحمد والترمذي في كتاب النكاح، حديث رقم: 1228، ج 3 ص 435، وابن ماجه في كتاب النكاح، حديث رقم: 1953، ج 1 / ص 628. وصححه ابن حبان والحاكم. انظر: الصنعاني سبل السلام، ج 3 / ص 280
والشوكاني: نيل الأوطار، ج 6 / ص 159. - رواه أبو داود وابن ماجة. انظر: الشوكاني نيل الأوطار، ج 6 / ص 168.
انظر: الصنعاني سبل السلام، ج 3 ص 281 (1/173)
صفحة 174
وقد أكد هذا الإجماع صاحب السراج فقال: «واعلم أنَّه لا يجوز للرجل حرًا أو
عبدا أن يزيد على أربع نسوة كنّ حرائر أو إماء أو بعضهن حرائر وبعض إماء بالإجماع فنكاح الخامسة فاسد باتفاق الأئمة الأربعة يفسخ بغير طلاق؛ ولا التفات لقول الظاهرية الذين يجوزون تسع نسوة، إذ الزيادة على أربع نسوة من
خصائصه).
الرأي الثاني:
وقد خالف جمهور الفقهاء الظاهرية والإمامية، وقالوا بجواز الجمع بين أكثر من أربع نسوة في عصمة الرجل، ويمكن تلخيص أقوالهم وحججهم في ثلاثة أقوال: أولها: أن بعضهم ادعى أنَّ الإسلام يبيح التعدد إلى عدد غير محدود، وزعموا أنَّ أنَّ
(2)
قوله تعالى: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع (1) لا يفيد
التقييد بعدد محدود، بل هي تفيد الإباحة المطلقة في العدد بل هي كما يقول شخص لشخص: افعل ما شئت، اذهب إلى السوق أو الحديقة أو اشرب كأسا واحدة أو اثنتين أو ثلاثا أو أربعا وقد حكى هذا القول فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير، وسمّى ما قالوه: «قوما سُدًى» أي ضائعين في تفكيرهم (3).
ثانيهما: قول بعض الشيعة: «إن الحل محدود بتسع، وقد زعموا أن قوله تعالى: مثنى وثلاث ورباع يفيد ذلك؛ إذ الواو تفيد الجمع، ومجموع هذه الأعداد تسع، والرسول صلى الله عليه وسلم مات عن تسع ولم يُطْلِق له الله في القرآن إلا ما أطلق لنا»، وقد نفى
صاحب الروض النضير نسبة هذا القول إلى الشيعة (4).
ثالثهما: قول بعض أهل الظاهر أن العدد الذي يباح هو ثماني عشرة، وقالوا إن معنى مثنى وثلاث ورباع اثنان اثنان وثلاث وثلاث وأربع وأربع، وزعموا أنَّ الواو للجمع؛ فيكون المجموع ثماني عشرة.
1 - عثمان الجعلي: ج 2 / ص 54. الزحيلي: ج 7 ص 167. أبو زهرة: محاضرات، ص 132.
2 - النساء: 3.
- الرازي فخر الدين التفسير الكبير، مج 5، ج 9 / ص 182.178، 1 المطبعة البهية المصرية مصر
1357 هـ / 1938 م
4 - العوتبي: الضياء، ج 8/ ص 241. أبو زهرة: محاضرات، ص 132. (1/174)
صفحة 175
ولقد وصف القرطبي هذه الأقوال كلها بقوله: «وهذا كله جهل باللسان والسنة ومخالف لإجماع الأئمة».
رد الجمهور:
وقد ردّ عليهم جمهور الفقهاء بأدلة قوية دامغة أبطلت كل مزاعمهم حيث قالوا: 1 - إن مثنى وثلاث ورباع معدولة عن اثنين وثلاث وأربع وهذا اللفظ يكون للتكرار، فمعنى جاءت الخيل مثنى جاءوا جماعات اثنين اثنين، وجاءوا ثلاث أي جاءوا جماعات ثلاثا ثلاثا، فمعنى الآية أن لجماعة العاقلين من الأمة أن يتزوجوا معددين جامعين اثنين، أو جامعين ثلاثا، أو جامعين أربعا، ولم تزد الإباحة على ذلك فاقتصرت على أربع وقد أكد ابن حجر هذا المعنى حين فسّر هذه الآية: مثنى وثلاث ورباع فقال: «وأما انتزاعه من الآية فلأن الظاهر منها التخيير بين الأعداد المذكورة بدليل قوله تعالى في الآية نفسها فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة (1) ولأن من قال جاء القوم مثنى وثلاث ورباع أراد أنهم جاءوا اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، فالمراد تبيين حقيقة مجيئهم وأنهم لم يجيئوا جملة ولا فرادى، وعلى هذا معنى الآية انكحوا اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة، فالمراد الجميع لا المجموع، ولو أريد مجموع العدد المذكور لكان قوله مثلا تسعا أرشق وأبلغ، وأيضا فإن لفظ «مَثْنَى» معدول عن اثنين اثنين، كما تقدم تقريره في تفسير سورة النساء فدل إيراده أن المراد التخيير بين الأعداد المذكورة (2).
ولأن العطف على نية تكرار العامل فمعنى الآية أنكحوا اثنين اثنين، وانكحوا
ثلاثا ثلاثا، وانكحوا أربعا أربعاء الخ .. فالمراد بالعطف جمع الفعل لا العدد (3).
جمع
قال ابن حجر: واحتجاجهم بأن الواو للجمع لا يفيد مع وجود القرينة الدالة على عدم الجمع، ويكونه الله يجمع بين تسع معارض بأمره ل من أسلم على أكثر من أربع بمفارقة من زاد على الأربع وقد وقع ذلك لغيلان بن سلمة وغيره كما خُرّج في
1 - النساء: 3
2 - ابن حجر العسقلاني: كتاب النكاح، فتح الباري، ج 9 ص 59. - أبو زهرة: ص 133. شلبي: أحكام الأسرة، ص 254.
167 (1/175)
صفحة 176
كتب السنن فدل على خصوصيته بذلك).
- وقد رد الجمهور على الشيعة بقول أحد أئمتهم حيث نقل ابن حجر قول علي
بن الحسين بن علي بن أبي طالب في تفسير قوله تعالى مثنى وثلاث ورباع أراد أن الواو بمعنى (أو)، فهي للتنويع، أو هي عاطفة على العامل والتقدير فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وانكحوا ما طاب من النساء ثلاث الخ. وهذا من أحسن الأدلة في الردّ على الرافضة لكونه من تفسير زين العابدين وهو من أئمتهم الذين يرجعون إلى قولهم ويعتقدون عصمتهم
(2)
4 - أما قولهم: إن الله تعالى لم يُطلق النبي في القرآن إلا ما أطلق لنا فهذا أيضا محال مخالف للإجماع؛ لأنه قد أطلق له عليه السلام أشياء منعت علينا وحظر عليه أشياء أطلقت لنا، فقد أجمعت الأمة على حرمة تزويج أكثر من أربع نسوة،
والسنة النبوية أكدت ذلك، ومنها أنَّه مات عن تسع ولم يكن لأحد منا ذلك. ومنها أنه حرّم على أمته التزوج بنسائه بعده قال تعالى: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا، إن ذلكم كان عند الله عظيما يک (3).
ولذلك سمّى نساءه أمهات المؤمنين، فليس هذا لغيره منا؛ لأن لنا أن ننكح أزواج بعضنا بعضا بعد الفراق أو الموت، وكم من أحكام في القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم وله
مخالفة لما لنا عليه فيه.
وهكذا بعد عرض هذه الحجج الساطعة بطل وبان فساد رأيهم، ورجح رأي
الجمهور
(4)
الحكمة في الاقتصار على أربع:
إن التأمل في طبائع الناس وقدراتهم الشخصية يثبت ملاءمة الشريعة
1 - ابن حجر: فتح ج 9 ص 60,59.
2 - المرجع نفسه
3 - الأحزاب: 53.
4 - العوتبي: الضياء، ج 8/ ص 242 - 243.
168 (1/176)
صفحة 177
الإسلامية لحياة الناس وحرصها على إباحة أقصى ما يقدر عليه الإنسان؛ فإن إباحة الزواج بأربع فقط قد يتفق في الواقع مع مبدأ تحقيق أقصى قدرات وغايات بعض الرجال، وتلبية رغباتهم وتطلعاتهم مع مرور كلّ شهر، بسبب طروء دورة العادة الشهرية بمقدار أسبوع لكل واحدة منهن ففي المشروع غنّى وكفاية، وسد للباب أمام الانحرافات، وما قد يتخذه بعض الرجال من عشيقات أو خدينات أو
وصيفات.
ثم إن في الزيادة على الأربع خوف الجور عليهن بالعجز عن القيام بحقوقهن؛ لأن الظاهر أن الرجل لا يقدر على الوفاء بحقوقهن، وإلى هذا أشار القرآن بقوله عز وجل: فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة (1)
أي لا تعدلوا في القسم والجماع والنفقة في زواج المثنى والثلاث والرباع فواحدة، فهو أقرب إلى عدم الوقوع في الظلم.
وبناء على ما سبق فالاقتصار على أربع عدل وتوسط وحماية للنساء من ظلم يقع بهن من جراء الزيادة، وهو خلاف ما كان عليه العرب في الجاهلية والشعوب القديمة حيث كانوا يتزوجون دون التقيد بعدد معين مما يؤدي إلى إهمال بعضهن بسبب كثرتهن.
وهذه الإباحة أضحت أمرا استثنائيا نادرا، فلا تعني أن كل مسلم يتزوج أكثر من واحدة، بل أصبح مبدأ وحدة الزوجة هو الغالب الأعظم (3).
رأي القانون:
نص قانون الأسرة الجزائري على تحريم الجمع بين أكثر من أربع نسوة وذلك ضمن المحرمات من النساء مؤقتا فقد جاء في المادة الثلاثين منه: «يحرم من النساء مؤقتا المحصنة والمعتدة من طلاق أو وفاة والمطلقة ثلاثا، والتي تزيد على العدد
1 - النساء: 3.
2 - أحمد بن تيمية: مجموع فتاوى النكاح وأحكامه، حققه أبو المجد حرك: ص 52، ط 1، 1412 هـ، 1992 م،
الدار المصرية اللبنانية، القاهرة
الزحيلي: ج 7 / ص 167
169 (1/177)
صفحة 178
المرخص به شرعا .. » (1) ويلاحظ أن المشرع الجزائري قد استمد أحكامه من الشريعة الإسلامية وجعل تحديد العدد المسموح به شرعا هو أربع نساء فقط ومنع الزيادة على العدد المحدد
شرعا.
وبذلك يكون المشرع الجزائري قد وافق الفقه الإسلامي في جواز تعدد الزوجات دون الزيادة على الأربع، خلافا لما قررته بعض القوانين الوضعية في بعض البلدان العربية حيث منعت تعدد الزوجات منعا باتا.
1 - قانون الأسرة: ص 16.
170 (1/178)
صفحة 179
المبحث الثالث
الزواج بزوجة الغير أو معتدته
إذا كانت المرأة مشغولة بحق زوج آخر أو كانت معتدة فلا يجوز التقدم لها
ولو بالخطبة وتفصيل ذلك كالآتي:
أ) المرأة المتزوجة
1
أجمع الفقهاء () أنه لا يحل لأحد أن يعقد على امرأة متزوجة لتعلق حق الغير بها، سواء أكان الزوج مسلما أم غير مسلم لقوله تعالى في آيات التحريم: والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم (3) أي المتزوجات، واستثنى النص المملوكات بملك اليمين، وهن المسبيات في حرب مشروعة فإذا سبيت المرأة، وقعت الفرقة بينها وبين زوجها بسبب اختلاف الدار فيحل الزواج بها بعد استبرائها.
وسبب نزول هذه الآية ما رواه أبو سعيد أن رسول الله له بعث جيشا إلى أوطاس فلقي عدوا فقاتلوهم، فظهروا عليهم وأصابوا سبايا، وكان ناس من أصحاب الرسول تحرجوا من غشيانهن لأنهن متزوجات من المشركين فأنزل الله في ذلك (3): والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ... ).
(4)
وعن رويفع بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي بمائه ولد غيره (ه).
قال أبو سعيد الكدمي: «قال تعالى: والمحصنات من النساء يعني: وحرم
- الجناوني: كتاب النكاح، الحاشية علي يحي معمر، ص 23. أبو إسحاق الشيرازي: المهذب، ج 2 ص 443 - 444. أحمد الصاوي: بلغة السالك، ج 2/ص 239.
2 - النساء: 24.
- أخرجه مسلم والنسائي وأبو داود وأحمد أنظر الشوكاني نيل الأوطار، ج 6 / ص 186.
4 - النساء: 24.
76 - ابن رشد: بداية المجتهد، ج 2/ص .. 39.
171 (1/179)
صفحة 180
عليكم المحصنات من النساء في النكاح، والمحصنات من النساء هاهنا ذوات الأزواج المتزوجات، فكل امرأة منكوحة متزوجة قد وقع عليها حكم الزوجية ورضيت بزوجها، ووجب عليها حكم نكاحه فهي حرام على غيره من الرجال بالنكاح، أو بما ملكت اليمين، فلا يجوز نكاح ذات بعل متزوجة من أمة أو حرّة ولا وطؤها بملك يمين ما دامت في ملك زوجها، وهي حرام على سيدها أن يطأها بملك اليمين ومحرّم عليها النكاح غير نكاح بعلها التي هي زوجة له وهو زوج لها؛ فنكاح ذوات البعولة من
النساء حرام بكتاب الله وسنة رسوله الا الله وإجماع أهل العدل من المسلمين). ويفهم من هذا النص أن علماء الإباضية عمّموا الحكم مهما اختلفت الأحوال؛ فلا يحل لأحد أن ينكح زوجة غيره ولو كانت سبية من دار الحرب، فتبقى على حالها ولا يجوز لسيدها أن يمسها ما دام حق الغير قد تعلّق بها.
حكمة تحريم نكاح المتزوجة:
والحكمة من تحريم نكاح زوجة الغير واضحة وهي منع الاعتداء على حق الغير،
وحفظ الأنساب من الاختلاط (2).
ب) المرأة المعتدة:
وهي التي تكون في أثناء العدّة من زواج سابق، سواء عدة طلاق رجعي أو بائن أو عن وفاة، ويشمل ذلك عدّة الدخول في زواج فاسد، وعدة الدخول بشبهة؛ لأن النسل من كلّ منهما ثابت النسب.
وقد ثبت تحريم ذلك بالآيات التي أوجبت على المرأة الاعتداد وهي:
1 - قوله تعالى: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) أي أطهار أو حيضات على رأيين في التفسير والفقه.
1 - أبو سعيد الكدمي: الاستقامة، ج 3 ص 198.
2 - الزحيلي: الفقه الإسلامي، ج 7 / ص 147. الغندور: ص 127. أبو زهرة محاضرات ص 140.
3 - البقرة: 228.
172 (1/180)
صفحة 181
2 - قوله تعالى: {والذين يتوفّون منكم ويذرون أزواجا يتريصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا (1).
- وقوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن (2). فإذا كان الشارع أوجب على المعتدة الانتظار من غير زواج، تكون في هذه المدة محرمة على الرجال الأجانب.
4 - وقال تعالى: ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله (3). ففي هذه الآية جاء النهي عن تزوّج المعتدة عن وفاة صريحا بعد أن نفى الله الجناح عن التعريض بالخطبة، وهذه الآية وإن كانت واردة في شأن المعتدة عن وفاة، إلا أنه لا فرق بين معتدة ومعتدة؛ فتكون كلّ معتدة محرّمة على غير من اعتدت
منه (4).
يحرم عند الفقهاء الزواج بالمعتدة كما تحرم خطبتها غير أن التعريض بخطبة المعتدة من وفاة جائز بنص الآية المذكورة وفي التعريض بخطبة المعتدة من الفُرقة
تفصيل الفقهاء.
وعلق البيضاوي على هذه الآية فقال: «وذكرُ العزم مبالغة في النهي عن العقد، أي ولا تعزموا عقد عقدة النكاح؛ وقيل معناه: لا تقطعوا عقدة النكاح، فإن أصل العزم القطع حتى يبلغ الكتاب أجله حتى تنتهي من العدّة» ().
الأمة
وقد نقل ابن عبد البر إجماع العلماء في تحريم نكاح المعتدة فقال: «واجتمعت على أنه لا يجوز عقد النكاح في العدة)
1 - البقرة: 234.
2 - الطلاق: 4.
- البقرة: 235.
- امحمد اطفيش شرح كتاب النيل، ج 6 / ص 74. ابن رشد: بداية المجتهد، ج 3 / ص 1014. شلبي: أحكام الأسرة، ص 226 - 227. الزحيلي: ج 7/ص 147. الغندور: ص 123 - 124.
ه - الجناوني: كتاب النكاح، ص 49.
6 - ابن عبد البر: الكافي، ص 236.
173 (1/181)
صفحة 182
حكمة تحريم نكاح المعتدة
الحكمة من تحريم نكاح المعتدة للغير هي أن الزواج بها يؤدي إلي اختلاط الأنساب كما أنه من ناحية أخرى فإن آثار الزواج السابق لا تزال باقية، وفي التزوج بها أو خطبتها اعتداء على حق الزوج السابق، أما إن كان المتقدم للمرأة المعتدة هو الزوج السابق نفسه، فإنه يجوز له التقدم لها في حالة الفرقة الرجعية دون الحاجة إلى انقضاء عدتها، بينما ينتظر في حالة الفرقة البائنة بينونة كبرى تزوجها بغيره
وانقضاء عدتها منه.
رأى القانون:
وقد نص قانون الأسرة على تحريم نكاح المرأة المتزوجة والمعتدة في المادة الثلاثين، فقال: «يحرم من النساء مؤقتا: المحصنة والمعتدة من طلاق أو وفاة» (1). وقد اقتبس المشرع الجزائري هذه المادة من النصوص الشرعية حيث ذكرت الآيات القرآنية المحصنة في قوله تعالى والمحصنات من النساء ... ، والمقصود بالمحصنة: المرأة المتزوجة التي ما زالت تحت عصمة زوجها. وبهذا يتأكد لنا أن القانون لم يخالف التشريع الإسلامي في هذه الناحية، بل
وافق أحكامه
1 - قانون الأسرة: ص 16.
174 (1/182)
صفحة 183
المبحث الرابع
نكاح الزوج بمطلقته ثلاثا
المطلقة ثلاثا: هي المبتوتة أو البائن بينونة كبرى، فقد أجمع الفقهاء على أنَّها تحرم مؤقتا على مطلقها؛ فمن طلق زوجته ثلاث تطليقات فلا يحل له أن يعقد عليها مرة أخرى؛ لأنه استنفذ ما يملكه من عدد طلقاتها، وبانت منه بينونة كبرى لا تحل له إلا إذا انقضت عدتها منه، ثم تزوجها زوج آخر زواجا صحيحا، ودخل بها حقيقة ثم فارقها هذا الأخير وانقضت عدتها منه بأن فارقها بطلاق أو نحوه، فيجوز حينئذ أن يعود إليها بعقد جديد، ويملك عليها ثلاث طلقات جديدة (1)
والدليل على هذا التحريم ثبت في القرآن والسنة
أ) من القرآن الكريم:
قال الله تعالى مبينا طريق حل المبتوتة الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان إلى أن قال سبحانه: فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره، فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله (1)
والمراد بها الطلقة الثالثة.
ب من السنة النبوية
وقد بينت السنة النبوية أنَّ الزوج الثاني لا يحلها للأول إلا إذا دخل بها دخولا حقيقيا، وكان الزواج غير مؤقت وأن تنتهي العدة بعد الدخول. فقد جاء في البخاري ومسلم عن عائشة - رضي الله عنها أنها قالت: جاءت
-1
الجناوني: كتاب النكاح، ص 294. البهلوي: كتاب الجامع، ج 2/ ص 186 - 187. الكشناوي: أسهل المدارك شرح إرشاد السالك، ج 2 / ص 85. الزحيلي: الفقه الإسلامي، ج 7 / ص 143. أحمد الغندور: الأحوال الشخصية، ص 128. شلبي: أحكام الأسرة، ص 236. أبو زهرة: محاضرات، ص 131.
2 - البقرة: 229 - 230.
175 (1/183)
صفحة 184
امرأة رفاعة القرضي) إلى رسول الله، فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني فبَتَّ طلاقي فتزوجني عبد الرحمن بن الزبير وما معه إلا مثل هدبة الثوب، فتبسم النبي وقال: «تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك (1).
وجه الاستدلال
ففي هذا الحديث دليل على أن وطء الزوج الثاني لا يحل المرأة للزوج الأول إلا إن كان حال وطئه منتشرا فلو لم يكن كذلك، أو كان عنينا أو طفلا لم يكف في الأصح عند جمهور الفقهاء)، بدليل حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العسيلة هي الجماع» (3).
وقد وضح بعض فقهاء الإباضية المقصود بالعسيلة في الحديث، فقال ابن بركة: «وذواق العسيلة يكون بالتقاء الختانين، وإن لم ينزل الماء، والتقاء الختانين يستحق اسم ذائق، وإنما سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم عسيلة تصغيرا لها، والعسيلة تذكر وتؤنث، وإنما أجري على الجماع اسم العسل للحلاوة التي يجدها المجامع في الجماع، فسماها عسلا كحلاوة العسل من طريق التوسعة لمجاز اللغة، وإن لم يكن عسلا في الحقيقة فاجعل شروط الإباحة ذوق العسيلة، فمن وطئ وطأ محرما لم يسم ذائقا عسيلة، والعسيلة في هذا الموضع طريقها طريق ما يستلذ به، لأنها عسيلة
شرعية .. ».
ثم قال: «ألا ترى أنه لو طلقها ثم وطئها بعد أن نكحها نكاحا صحيحا، أنَّ ذلك لا يسمى عسيلتها، لا يوجد الشرط بهذا الوطء؟ فهذا يدل على العسيلة ما كان مباحا؛ فإن وطئها في الحيض أو في الدبر أو في الصوم أو في النفاس أو في العدة لم يكن
ذائقا عسيلة» (4).
1 - رواه البخاري في كتاب الطلاق، حديث رقم: 5260، 5261. فتح الباري: ج 9 / ص 361 - 362. ورواه مسلم في كتاب النكاح، حديث رقم: 15، ج 2 / ص 1057. راجع الصنعاني سبل السلام، ج 3 ص 280 - 281.
والشوكاني: نيل الأوطار، ج 6 / ص 285.
2 - الزحيلي: الفقه، ج 7 / ص 143 - 144. رواه أحمد والنسائي: راجع الشوكاني: ج 6 / ص 285.
-
- ابن بركة: الجامع، ج 2 / ص 186 - 187. العوتبي: الضياء، ج 8/ص 223 - 229. اطفيش: شرح كتاب النيل،
ج 7/ص 370 - 372.
176 (1/184)
صفحة 185
شروط حل المطلقة لزوجها الأول:
وواضح مما سبق أن المطلقة ثلاثاً لا تحل لمطلقها إلا إذا توفرت شروط بعينها،
وقد اشترط جمهور الفقهاء لذلك ما يلي:
الأول: أن تنكح زوجا غيره، لقوله تعالى حتى تنكح زوجا غيره (1)
الثاني: أن يكون النكاح صحيحا فإن كان فاسدا لم يحلها الوطء فيه باتفاق الفقهاء لقوله تعالى وحتى تنكح زوجا غيره، وإطلاق النكاح يقتضي الصحيح. الثالث: أن يطأ في الفرج، فلو وطئها دونه أو في الدبر لم يحلها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علق الحل في الحديث المتقدم على ذوق العسيلة منهما، ولا يحصل ذلك إلا بالوطء في الفرج، وأدناه تغييب الحشفة في الفرج؛ لأن أحكام الوطء تتعلق ولو أولج الحشفة من غير انتشار لم تحل له؛ لأن الحكم يتعلق بذوق العسيلة، ولا يحصل من غير انتشار. الرابع: أن يكون الوطء حلالا، فإن وطئها في حيض أو نفاس أو إحرام من أحدهما أو منهما، أو أحدهما صائم فرضا لم تحل؛ لأنه وطء حرام لحق الله تعالى، فلم يحصل به الإحلال كوطء المرتدة لا يُحلها سواء وطئها في حال ردتهما أو
ردتها (2).
الخامس: أن لا يكون الزوج الثاني قد تزوجها بنية تحليلها للأول، فإن تزوجها على هذه النية، لا يحدث التحليل، وزواجه بها فاسد، لأن بعض الفقهاء كأبي حنيفة يذهب إلي صحة الزواج وحدوث التحليل الأول، إلا إن ظهرت نية التحليل من خلال العقد بأن اشترط فيه طلاق الثاني لها.
السادس: أن تكون المرأة عالمة بالوطء: أي شاعرة بلذة الجماع، فإن وطئها نائمة ولم تشعر، أو مغمى عليها، أو مجنونة، ثم طلقها من غير وطء ثان مع الشعور، فلا تحل للأول أيضا.
السابع: أن يكون الزوج بالغا، فإن كان صبيا ووطئها ثم طلقها منه وليه فلا
1 - البقرة: 230.
2 - ابن عبد البر ص 238.
177 (1/185)
صفحة 186
تحل للأول؛ لأن وطء الصبي لا عسيلة فيه، فهو كالعدم).
وجاء في المدونة ما نصه: «قلت: فهل يحلها وطء الصبي لزوج كان قبله إذا جامعها؟ قال: قال مالك: لا يحلها وطء الصبي لزوج كان قبله إذا جامعها؛ لأن وطء
الصبي ليس بوطء .. » (3).
الرأي المخالف للجمهور
وقد خالف الجمهور سعيد بن المسيب حيث لم يشترط الدخول أو الوطء في النكاح الثاني بل جعل العقد على المطلقة ثلاثا دون قصد التحليل كافيا ليحلها للزوج الأول ونقل هذا الرأي عن داود الظاهري (3).
:
وقد رد الجمهور على هذا الرأي بعدة أدلة منها: 1 - أنه قول شاذ مخالف لرأي عامة الفقهاء وقد أشار ابن المنذر إلى أنه لم يقل
به إلا الخوارج، ولعلّ سعيد بن المسيب لم يبلغه الحديث فأخذ بظاهر القرآن (4)
2 - أن الأخذ بمفهوم النكاح الوارد في الآية يقتضي القول باشتراط الدخول مع تغييب الخشفة ولو لم يحدث الإنزال، والنكاح هو الوطء وليس العقد إلا بقرينة ذكر هذا القطب اطفيش موجها رأي الجمهور
(0)
حكمة تحريم نكاح المطلقة ثلاثا:
:
ولعل الحكمة الشرعية من تحريم نكاح الزوج مطلقته ثلاثا ما يلي 1 - أنه إذا علم أنَّ زوجته ستحرم عليه حتى تتزوج غيره إذا طلقها ثلاث تطليقات؛ فإنه يتروى في إيقاع الطلاق ولا يقدم عليه إلا عند الضرورة، حيث أقدم على طلقتين كان يملك بعدهما إعادة زوجته بمحض اختياره، أما في الثالثة فلا
1 - عثمان الجعلي: سراج السالك، ج 2 / ص 52. أحمد الصاوي: بلغة السالك، ج 2 / ص 265 - 266. 2 - مالك: المدونة الكبرى، ج 2/ ص 208.
- الصنعاني: سبل السلام 32 / ص 271 - الشوكاني نيل الأوطار ج 6 - الصنعاني: سبل السلام، 271/ 3. الشوكاني: نيل الأوطار، ج 6 / ص 281. ه - امحمد اطفيش: شرح كتاب النيل، ج 7 ص 372.
ص
281
178 (1/186)
صفحة 187
يستطيع إعادتها إليه إلا بعد توسط زوج آخر يُحل له منها ما كان حلالا له، وقد لا تعود إليه كما يحدث أحيانا، وهذا السبب يجعله يمسك زمام نفسه خشية الوقوع فيما يأنف منه الرجال.
2 - وكذلك إذا علمت الزوجة أن طلاقها ثلاثا يحرمها على مطلقها، كانت حريصة على أن يبقى زوجها راضيا لحسن عشرتها، ومعاملتها، فتطيب لهما الحياة، ويغض كل واحد منهما طرفه عن بعض ما يأتيه من قبل الآخر من نقائص وعيوب. 3 - وثمة شيء آخر أنَّ الزوج الأول إذا رجعت إليه مطلقته بعد معاشرتها غيره وبعد أن أكلت نيران الغيرة قلبه، سيحرص كل الحرص على أن لا يعود للتجربة الأولى لأنها مما يأباها الرجال.
- أما الزوجة بمعاشرتها الزوج الثاني فقد تبين لها ما يدعوها إلى التمسك بالزوج الأول والبعد عن النزاع والخصام الذي يستوجب الفراق
رأى القانون:
(1)
هذا وقد نص قانون الأسرة على هذه المسألة في المادة الثلاثين منه فقال:
يحرم من النساء مؤقتا ... والمطلقة ثلاثا (2).
(( ..
فقد عدد هذه المحرمات ثم ذكر المطلقة ثلاثا، وبهذا يكون في تشريعه قد وافق التشريع الإسلامي، لأنه استمد مواده وأحكامه منه.
1 - الغندور: ص 128 - 129. محمد محي الدين: ص 58. شلبي: ص 237.
2 - قانون الأسرة: ص 16.
179 (1/187)
صفحة 188
المبحث الخامس
نكاح المسلمة بغير المسلم
لا يختلف علماء المسلمين قاطبة في أنه لا يجوز للمسلمة أن تتزوج بغير المسلم بدون فرق بين المشرك والكتابي الذي له كتاب مرسل ونزل عليه كتاب سماوي؛ فلو تزوجت مسلمة بغير مسلم كان الزواج باطلا وفاسدا لا يترتب عليه الآثار الزوجية، والدليل على ذلك ما ثبت في القرآن والسنة والإجماع.
أ من القرآن الكريم:
1 - قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن، الله أعلم بإيمنهن، فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن (1)
فقد دلت هذه الآية الكريمة على تحريم المسلمات على هؤلاء الكفار لكفرهم، ولفظ الكفر عام يشمل من ليس بمسلم فيتناول بعمومه أهل الكتاب من اليهود والنصارى وغيرهم، وإذا كانت الآية السابقة نزلت في شأن الأزواج المشركين إلا أنَّ اللفظ عام، والمقرر في علم الأصول أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (3). 2 - وقال تعالى: ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا، ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار ... (3).
ب من السنة النبوية
وردت في كتب السنة آثار صحيحة عن الرسول صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح أنهم كانوا يفرقون بين المشرك وزوجته، والنصراني وزوجته إذا أسلمت، ومن ذلك:
1 - الممتجنة: 10.
2 - الجعلي: سراج السالك، ج 2 ص 54. بدران: الفقه المقارن، ص 119. الغندور: ص 133. الزحيلي: ج / ص 152. شلبي: أحكام الأسرة، ص 249 - 250.
3 - البقرة: 221
180 (1/188)
صفحة 189
1 - أنَّ زينب بنت الرسول الله لما أسلمت في بداية البعثة وكان زوجها أبي العاص ا على شركه فارقته وتركته وهاجرت مع الرسول صلى الله عليه وسلم وبقيت على حالها حتى أسلم زوجها وردها النبي إليه.
وقد رَوَى ابن عباس أن النبي الا و دردها عليه بالنكاح الأول ().
وفي رواية أخرى عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبيه أن النبيصلى الله عليه وسلم «ردها بمهر جديد ونكاح جديد» (3). ومع أن الروايات اتفقت على أنه لا يجوز أن تبقى المرأة المسلمة تحت عصمة الكافر والمشرك، إلا أنها اختلف في الحكم، هل تردّ إليه بالعقد الأول أم بعقد جديد
ومهر جديد؟.
قال مالك: «ولم يبلغنا أنَّ امرأة هاجرت إلى الله ورسوله وزوجها كافر مقيم بدار الكفر إلا فرقت هجرتها بينها وبينه، إلا أن يقدم زوجها مهاجرا قبل أن تنقضي
عدتها (3).
فذهب البعض إلى أنها تعود إليه بنكاحه السابق طالما أن العدة لم تنقض 2 - وروي أن رجلا مِنْ تَغلب أسلمت زوجته وأبى هو أن يسلم ففرق عمر بينهما، وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنَّه قال: إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها فهي أملك نفسها (4)
وذهب البعض إلى أنها لا تعود إليه إلا بزواج جديد ولو قبل انقضاء العدة فقد روي عن ابن عباس أنه قال في امرأة من تغلب أسلمت وامتنع زوجها عن الإسلام أنه قال في شأنها أنها أملك لنفسها
1 - رواه أبو داود في كتاب الطلاق والترمذي في كتاب النكاح، وابن ماجة: كتاب النكاح. انظر الشوكاني نيل الأوطار، ج 6 / ص 578
•
21 - 214
2 - رواه الترمذي في كتاب النكاح باب الزوجين المشركين يسلم أحدهما. انظر: الشوكاني: ج 6 / ص 578. 3 - مالك: المدونة الكبرى 22 / ص 4 - أخرجه عبد الرزاق عن عكرمة عن ابن عباس بلفظ والنصرانية تكون تحت النصراني فتسلم قبل أن يدخل بها قال يفرق بينهما ولا صداق لها راجع المصنف: كتاب النكاح، باب نكاح المجوس النصرانية، حديث رقم
1270، ج 7 ص 183، وحديث رقم 10083، ج 6 / ص 81
181 (1/189)
صفحة 190
ج من الإجماع: لقد انعقد إجماع العلماء على تحريم نكاح المرأة المسلمة بغير المسلم منذ عهد الصحابة -رضي الله عنهما - فكان هذا الإجماع مع نص القرآن الكريم حجة قاطعة لا مجال فيها للشك.
ولقد قرر الفقهاء بناء على هذه القاعدة وهي - أنَّ المسلمة لا ينعقد زواجها على غير المسلم - أنه إذا أسلمت الزوجة وزوجها باق على دينه، وامتنع عن الإسلام يفرق بينهما؛ لأن عدم قيام سبب من أسباب التحريم شرط لإنشاء النكاح، وشرط لبقائه، فلا ينشأ النكاح إلا إذا خلا الزوجان من أسباب التحريم ولا يبقى إلا ببقاء الخلو من ذلك؛ لأن الإسلام شرط في صحة النكاح).
حكمة تحريم نكاح المسلمة بالكافر
والسر في هذا التحريم هو أنَّ للرجل ولاية وسلطة على زوجته، فإذا كان يخالف دينها خيف أن تتأثر بدينه أو تخضع لسلطانه ضعفا وخوفا، أو خضوعا لما جرى به العرف بين الزوج وزوجته وتتابعه في دينه، فحرم على المسلمة أن تتزوج غير
مسلم.
- كما أن في هذا الزواج خوف وقوع المؤمنة في الكفر؛ لأن الزوج يدعوها عادة إلى دينه، والنساء في العادة يتبعن الرجال فيما يؤثرون من الأفعال ويقلدونهم في الدين، بدليل الإشارة إليه في آخر الآية: أولئك يدعون إلى النار، أي يدعون المؤمنات إلى الكفر، والدعوة إلى الكفر دعوة إلى النار؛ لأن الكفر يوجب النار، فكان زواج الكافر بالمسلمة سببا داعيا إلى الحرام، فكان حراما، والنص وإن ورد في المشركين لكن العلة وهي الدعوة إلى النار يعم الكفرة أجمع، فيعمم الحكم بعموم
العلة.
- وقد يتساءل البعض فيقول: إذا كان هناك تقارب بين المسلمين وأهل الكتاب في العقيدة، ولذلك أباح الإسلام أن يتزوج المسلم بالكتابية، فلم لم يبح العكس
فتتزوج
المسلمة بالكتابي؟.
1 - أبو زهرة: محاضرات، ص 146 - 147. بدارن: الفقه المقارن، ص 120. شلبي: أحكام الأسرة، ص 250.
2 - البقرة: 221.
182 (1/190)
صفحة 191
والجواب: أن طبيعة الزواج تجعل للزوج سلطانا على زوجته لما له من القوامة عليها: الرجال قوامون على النساء (1) فقد يستعمل هذا السلاح في التأثير عليها فيطعن في دينها حيث لا يؤمن بنبيها وكتابها، وهي ضعيفة لا تستطيع إنقاذ نفسها عند الخطر؛ لأن مفتاح الخلاص هو الطلاق وليس بيدها، وهي بين أمرين أحلاهما مر. فإما أن تدافع عن دينها فتسوء العشرة بينهما أو تستسلم فتقع مضطرة تحت تأثيره، فتفتتن في دينها؛ لهذا وذاك حرمها الشارع على غير المسلم بخلاف العكس؛ فإن الكتابية لو طعنت في دين زوجها المسلم فإنه يستطيع الدفاع بما له من سلطان أو يتخلص بالطلاق، وإن تخاذل أسلم نفسه إلى عقاب شديد في الآخرة؛ ولأن الإسلام لما أباح للمسلم التزوج بالكتابية نهاه عن إكراهها على الخروج من دينها؛ أما الأديان الأخرى فليس فيها هذا الضمان؛ لأن المسلم يؤمن بجميع الرسل ومنهم موسى وعيسى - عليهما السلام - فلا يتصور منه الطعن فيهما.
أما الكتابي فلعدم إيمانه بخاتم الرسل، وبالكتاب المنزل عليه لا يبعد منه أن يطعن فيها، ويحاول جاهدا أن يحرج زوجته المسلمة منه، وبخاصة إذا كان متعصبا
لدينه (2).
كما لا يستبعد أن يسب الإسلام في مواجهة زوجته فيؤذيها في عقيدتها، وتنشأ العداوة بينهما وتسوء العشرة، وربما تدفعها الرغبة في إرضاء زوجها فتترك دينها وتعتنق دين زوجها، وكل ذلك خطر مستطير والشارع الحكيم قد قطع كل ولاية الكافرين على المؤمنين بقوله: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (3).
فلو جاز تزويج الكافر بالمؤمنة لثبت عليها سبيل، وهذا لا يجوز
(?).
1 - النساء: 34
2 - شلبي: أحكام الأسرة، ص 249 - 250.
- النساء: 141.
- محمد محي الدين: الأحوال الشخصية، ص 62. أبو زهرة: محاضرات، ص 143. (1/191)
صفحة 192
المبحث السادس
تحريم نكاح من لا تدين بدين سماوي
الأديان التي يدين بها الناس على نوعين:
الأول: أديان سماوية: وهي التي نزل بها الوحي على نبي من الأنبياء والباقي من هذا النوع في العالم الآن ثلاثة أديان الإسلام والنصرانية واليهودية. الثاني: أديان غير سماوية: وهي أديان اخترعها بعض الناس بغير هدى من الله ولا كتاب منير، وهذه الأديان تشترك في أنَّ أهلها لا يؤمنون بنبي ولا كتاب لهم من الكتب الإلهية، ومن هذه الأديان المجوسية عبدة النار، والوثنية عبدة الأصنام، والصابئة عبدة الكواكب والأجرام السماوية.
وقد أباحت الشريعة الإسلامية للرجل المسلم أن يتزوج بالمرأة المسلمة، وبالمرأة التي تدين بدين سماوي؛ فتؤمن بنبي من الأنبياء، وكتاب من الكتب الإلهية، وذلك كالنصرانية التي تؤمن بعيسى بن مريم عليه السلام وبالإنجيل، وكاليهودية التي تؤمن بموسى - عليه السلام وبالتوراة، ويسمى هذان الفريقان: أهل الكتاب).
-
والدليل على إباحة تزوج المسلم بالمسلمة وبالكتابية قوله تعالى: اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم، والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم .. (3) والمراد بالمحصنات هنا العفيفات، ليخرج الزواني، وليس المراد بالمحصنات المتزوجات؛ فإن المتزوجات لا يحل الزواج بهن، كما تقدم.
وحرمت الشريعة الإسلامية على الرجل المسلم أن يتزوج بامرأة مشركة وهي التي لا تدين بدين سماوي سواء أكانت وثنية أم كانت مجوسية، أم كانت صابئة أو ملحدة. وقد ثبت حرمة ذلك في القرآن والسنة
1 - الزحيلي الفقه، ج 7 / ص 152. الغندور: الأحوال الشخصية، ص 62. أبو زهرة: محاضرات، ص 133 - 134.
بدران: الفقه المقارن، ص 120.
2 - المائدة 5.
184 (1/192)
صفحة 193
أ- من القرآن الكريم:
قال الله تعالى: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ... ).
فكل من يعبد غير الله يطلق عليه اسم المشرك في لغة القرآن وعُرف الشارع، ولذلك قال العلماء يدخل في اسم المشرك كلّ من اعتنق مذهبا يكفر به معتقده، كالبهائية والبوذية والبراهمية والقديانية ومن هم على شاكلتهم (3).
ب من السنة النبوية
ما
(2)
روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه - ذكر المجوس بالنسبة لأخذ الجزية منهم، فقال: «ما أدري كيف أصنع في أمرهم»؟.
فقال له عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سنوا بهم
أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم» (3). وهذا الحديث يدل على أنَّ المجوس ليسوا أهل كتاب وأنه لا يجوز التزوج
بنسائهم
حكمة تحريم النكاح بمن لا يدين بدين سماوي:
والحكمة من تحريم النكاح بإحداهن:
أن الزواج مشروع للأهداف الكريمة التي بيناها فيما سبق، وزواج المشركة لا يحقق تلك الأهداف والمقاصد الشرعية، فإن بين المسلم والمشركة تناقضا وتنافرا واختلافا شاسعا في العقيدة من شأنه أن يحول دون تحقيق ما ينشده الإسلام من
إقامة بيت دعامته المودة والرحمة، وغايته الهدوء والاستقرار.
-
-
- فالزوج قد يستهجن ما تستحسنه زوجته ويستقبح ما تفعله، فكيف يتحقق
1 - البقرة: 221.
محي
2 - بدران الفقه المقارن، ص 115. محمد الدين: ص 63. رواه الشافعي انظر الشوكاني نيل الأوطار، ج 8/ ص 56.
185 (1/193)
صفحة 194
الوئام والوفاق بينهما إذا كانت النفرة قائمة، وقد تستهوي المرأة الرجل بحسنها ورقة طباعها وحسن تدبيرها، فيستحسن ما تستحسن ويستهجن ما تستهجنه؛ فلا يستنكر أوثانها ولا يستهجنها، وأول الشر استحسانه، وهذا كله ما لم يقده إلى دينها؛ فإنه قد يضعف الإحساس بدينه في نفسه، فيستهجن بالفرائض، وإن نابذ دينها كلّ المنابذة وأبدى استنكاره
-
وكيف تكون نشأة الأولاد بين أبوين تتنافر عقائدهما؟.
إنهم يُنشَّؤون تنشئة فاسدة، فليس للمشركة دين ترعاه، يأمرها بالمعروف وينهاها عن المنكر، وقد تفعل ما يفسد عقيدة ولدها، ويعكر صفو حياتهما الزوجية؛ فإن تسامح الزوج معها كان عونا لها على المضي في غيها، وفي كلا الحالات يكون الأولاد في نشأة تفسد دينهم، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه .. ).
ارتداد أحد الزوجين
المرتد من رجع عن الإسلام اختيارا بدون إكراه على تركه، ولذلك ذهب جمهور الفقهاء إلى اعتبار المرتد والمرتدة في حكم المشركين والمشركات.
فلو ارتد الزوج عن الإسلام فإنه يفرق بينه وبين زوجته المسلمة، ولا يجوز له التزوج في أثناء ارتداده بمرتدة مثله ولا بمسلمة ولا بكافرة؛ لأنه لا دين له ولا يقر على الدين الذي اعتنقه بعد أن يُمهل ثلاثة أيام ليتوب ويعود إلى الإسلام، فإن أبى قتل بعد مضي مدة الإمهال؛ لأن زواجه بعد الردة لا يحقق أغراض الزواج.
أما إذا ارتدت الزوجة عن الإسلام يفرق بينها وبين زوجها المسلم؛ لأنه لا بقاء للزواج بدون دين في نظر الإسلام، فلا يجوز لأحد أن يتزوجها مسلما كان أو كتابيا مرتدا أو مشركا وعقوبتهما القتل حدا بعد الاستتابة ويذهب البعض إلى أنها لا تقتل وإنما تحبس، فإن تابت أطلق سراحها (2)
1 - البقرة: 221
2 - أمحمد اطفيش: ج 6/ ص 309 - 310. خميس الشقصي: منهج الطالبين، ج 15 / ص 359. بدران: ص 119.
الغندور: ص 134.
186 (1/194)
صفحة 195
ولقد بين الفقهاء مصير العلاقة الزوجية بعد ارتداد أحد الزوجين، هل يبقى عقد النكاح على أصله أم يفسخ بمجرد الردة؟ وماذا يترتب لو حدث ذلك بعد الدخول أو
قبله؟.
وسيأتي بيان ذلك بتفصيل في الباب الثالث إن شاء الله.
وخلاصة القول:
فإن التنافر بين الإسلام والأديان الوثنية الشديد لا يمكن أن تكون معه في الأحوال العامة عشرة متلائمة متوافقة، وكيف تتصور عشرة بين زوجين أحدهما يتقرب إلى الله سبحانه بذبح بقرة ويوزعها صدقة لله، والثانية تعبد تلك البقرة، أو على الأقل تقدّسها كإله!؟، إنه لا يمكن أن يكون بينهما علاقة ولا عشرة طيبة إلا إذا كان ثمة استهواء شديد يفسد دينه، فيكون التحريم هاهنا يتماشى مع روح التشريع
الإسلامي ومقاصده).
رأي القانون
وقد نص قانون الأسرة على تحريم نكاح المسلمة بغير المسلم في المادة الواحدة والثلاثين، فقال: «لا يجوز زواج المسلمة بغير المسلم» (2).
ويلاحظ أن المشرع الجزائري قد وافق حكمه أحكام الفقه الإسلامي رغم أنَّ المجتمع الجزائري قد اختلط بغيره من المجتمعات، ومع ذلك منع الكافر من زواج المرأة المسلمة، ولا شك أنه استمد ذلك من التشريع الإسلامي ونصوصه الثابتة.
1 - بدران: ص 116. الغندور: ص 130. شلبي: ص 241 - 242. أبو زهرة: ص 143. الزحيلي: ج 7/ص 151 -
152. محمد
محي الدين: ص 64 - 65.
2 قانون الأسرة: ص 16.
187 (1/195)
صفحة 196
[صفحة فارغة] (1/196)
صفحة 197
الفصل الثالث
الأنكحة الفاسدة فساداً
مؤبداً والمختلف حول فسادها (1/197)
صفحة 198
[صفحة فارغة] (1/198)
صفحة 199
تمهيد:
لقد درسنا في الفصلين السابقين من الباب الثاني أحكام الأنكحة الفاسدة المتفق على تحريمها، وبينا أنها تنقسم إلى قسمين قسم متفق على تحريمه على سبيل التأبيد، وقسم متفق على تحريمه على سبيل التأقيت، وأثناء البحث وجدنا أن هناك أنكحة أخرى اختلف الفقهاء في حكمها من حيث صحتها وفسادها، فمنهم من يرى أنها صحيحة يترتب عليها كل الآثار الزوجية، ومنهم من يجعلها ضمن الأنكحة الفاسدة؛ فإذا بقي سبب فسادها ولا يمكن تغييره ولا إصلاحه فهي أنكحة محرمة تحريما مؤبدا؛ أما إذا أمكن إصلاحها مستقبلا، أو زال سبب فسادها فهي محرمة
حرمة مؤقتة.
وتتمثل هذه الأنكحة محل الاختلاف فيما يلي:
1 - نكاح الشغار.
2 - نكاح المتعة والمؤقت.
3 - نكاح التحليل.
- نكاح الزاني والزانية.
ه - نكاح الكتابية في بعض صوره. 6 - نكاح المحرم بحج أو عمرة.
- نكاح المريض مرض الموت.
وسنتناول هذه الأنكحة في فصلين نخصص أحدهما (وهو الفصل الثالث) للأنكحة الفاسدة فساداً مؤيداً والمختلف حول فسادها، والآخر (وهو الفصل الرابع) للأنكحة الفاسدة فساداً مؤقتاً والمختلف حول فسادها، وذلك بشيء من التفصيل
والبيان.
191 (1/199)
صفحة 200
تعريف الشغار لغة:
المبحث الأول
نكاح الشغار
الشغار - بكسر الشين المعجمة - في أصل اللغة من الرفع مأخوذ من قولهم شغر الكلب رجله: إذا رفعها ليبول، ثم استعملوه فيما أشبهه، فقالوا شغر الرجل المرأة: إذا فعل لها ذلك للجماع ()، لأن ذلك لا يكون كما زعموا إلا عند مفارقة حال الصغر إلى حال يمكنه فيها طلب الوثوب على الأنثى للنسل، وهو عندهم علامة على إرادته ذلك. وقيل منه للمرأة: شغرت المرأة، تشغر شغرا: إذا رفعت رجليها للنكاح؛ فلذلك قيل: نكاح الشغار؛ لأن كل واحد من المتناكحين يشغر إذا نكح، وكان الرجل في الجاهلية يقول للرجل: شاغرني أي زوجني ابنتك على أن أزوجك ابنتي بلا مهر، لهذا المعنى، وقيل: إنما قيل له شغار؛ لأن كل واحد منهما رفع الصداق عن صاحبه.
وقيل الشغار: إخلاء النكاح من الصداق، أخذ ذلك من قولهم: بلد شاغر أي خال من الناس (2).
تعريف الشغار شرعا:
اصطلح الفقهاء على إطلاق الشغار على النكاح الذي يكون بغير مهر حين يزوج الرجل من تحت ولايته لآخر على أن يزوجه في المقابل من تحت ولايته بحيث تكون صداق كل منهما هو بضع الأخرى (3).
(د)
وقد جاء في الشريعة إبطال ذلك والنهي عنه، فقد روى أصحاب السنن عن نافع
1 - ابن منظور: لسان العرب، ج 7/ ص 144.
2 - ابن رشد مقدمات ابن رشد على المدونة الكبرى لمالك ملحق المدونة الكبرى)، ج 5 / ص 269.
- البسيوي: جامع أبي الحسن البسيوي، ج 3 ص 26. خميس الشقصي: منهج الطالبين، ج 15/ ص 34. صالح
الأزهري: جواهر الإكليل، ص 214.
192 (1/200)
صفحة 201
عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: نهى رسول الله الله عن الشغار والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، وليس بينهما صداق» (1).
وفي رواية عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري عن النبي «أنه نهى عن الشغار؛ وهو أن يزوج الرجل ابنته لرجل على أن يزوج له الآخر ابنته وليس بينهما صداق، وكذلك الأخت بالأخت (3).
قال الشافعي: «لا أدري» التفسير عن النبي أو عن ابن عمر أو عن نافع أو عن مالك» حكاه البيهقي في المعرفة.
•
وذكر الخطيب: أنه ليس من كلام النبي وإنما هو قول مالك وصل بالمتن المرفوع، وقد بين ذلك ابن مهدي والقعتبي ويدل أنه من كلام مالك أنه أخرجه الدار قطني من طريق خالد بن مخلد عن مالك قال: سمعت أن الشغار أن يزوج الرجل
إلخ ... وأما البخاري فصرح في كتاب الحيل أن تفسير الشغار من قول نافع. وقال القرطبي تفسير الشغار بما ذكر صحيح موافق لما ذكره أهل اللغة فإن كان مرفوعا فهو المقصود وإن كان من قول الصحابي فمقبول أيضا؛ لأنه أعلم بالمقام وأفقه بالحال (3).
قال القطب ولا يختص بالبنتين والأختين، وذكرهن في الحديث تمثيل لا تقييد باتفاق، والمثال لا يخصص بل تفسيره والتمثيل له من كلام الراوي»).
وقد نبه ابن حجر إلى هذا المعنى فقال: «ذكر البنت في تفسير الشغار مثال، وقد تقدم في رواية أخرى ذكر الأخت قال النووي: أجمعوا على أن غير البنات من الأخوات وبنات الأخ وغيرهن كالبنات في ذلك» (ه).
1 - رواه البخاري في كتاب النكاح، باب 28، الشغار، حديث رقم 5112، فتح الباري ص 162. ومسلم في كتاب النكاح، باب في تحريم نكاح الشغار حديث رقم 1415، ج 3 / ص 1034. قال الصنعاني: واتفقا من وجه آخر على أن تفسير الشغار من كلام نافع سبل السلام: ج 3 ص 257. ورواه أبو داود في كتاب النكاح، باب في الشغار، رقم 2074، ج 2 ص 227. ومالك: كتاب النكاح، باب جامع مالا يجوز من النكاح، حديث رقم 24، الموطأ، ج 2 / ص 422.
- رواه الربيع كتاب النكاح، حديث رقم 514، ج 2 ص 207.
ابن حجر: كتاب النكاح من فتح الباري، ص 91 - 92. الصنعاني: سبل السلام، ج 3/ص 258. - اطفيش شرح كتاب النيل، ج 6 / ص 321.
- ابن حجر ص
92
193 (1/201)
صفحة 202
حكم نكاح الشغار عند الفقهاء
للفقهاء في حكم نكاح الشغار عدة آراء:
الرأي الأول
وهو رأي جمهور الفقهاء من الأباضية والمالكية ويذهب هذا الرأي إلى بطلان العقد ولزوم فسخه ولو بعد الدخول وأن على جماعة المسلمين إن علموا به أن يفسخوه (1).
يقول العوتبي: «والنساء محرمات الفروج إلا بما أحلهن الله من نكاح أو ما ملك ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح الشغار فإذا نهي الله عن النكاح في حال، فعقده على نهيه كان سفاحاً» (2).
قال سحنون في المدونة يسأل عبد الرحمن بن القاسم قلت: أرأيت نكاح الشغار إذا وقع فدخلا بالنساء وأقاما معهما حتى ولدتا أولادا أيكون ذلك جائزا أم يفسخ؟ قال: قال مالك: يفسخ على كل حال، قلت: وإن رضي النساء بذلك فهو شغار عند مالك؟ قال: نعم» (3).
وقد سلك المالكية مسلكا آخر لبيان حكم نكاح الشغار ومايترتب عليه حيث قسموه إلى ثلاثة أقسام، وجعلوا لكل قسم حكمه وأثره زيادة في التفصيل والبيان: 1 صريح الشغار وهو الخالي من الصداق من الجانبين وهو أن يقول رجل لآخر: زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك على أن يكون بضع كل منهما مهرا
للأخرى.
وحكم هذا النوع أنه باطل ولا يصح به العقد وقالوا يفسخ بطلاق قبل الدخول وبعده، وإن ولدت الأولاد ولو طال الزمن، وللمدخول بها مهر مثلها، وأما غير المدخول بها فلا شيء لها.
2 - وجه الشغار وهو الذي يجعل لكل واحدة صداقاً تساويا أو تفاوتاً، مثل أن
1 - اطفيش - شرح كتاب النيل 62 / ص 322 - 323 ابن حجر ص 92.
2 - العوتبي: الضياء، ج 8/ص 233. ابن بركة البهلوي كتاب الجامع، ج 2 / ص 141. 2 - مالك: المدونة الكبرى رواية سحنون، ج 2/ص 98.
194 (1/202)
صفحة 203
(1)
يقول رجل لآخر زوجتك ابنتي بثلاثمائة دينار على أن تزوجني ابنتك بثلاثمائة دينار، أو زوجني أختك بمائة دينار على أن أزوجك أختي بمائة وخمسين دينار. وحكم هذا العقد أنه يفسخ الزواج قبل الدخول بالمرأة أما بعد الدخول فلا يفسخ ولكل واحدة منهما الأكثر من مهر المثل والمسمى على الرأي المشهور وقد وضح الدسوقي في حاشيته سبب تسمية هذا النوع (بوجه الشغار) فقال: وإنما سُمي هذا القسم وجهًا لأنه شغار من وجه دون وجه فمن حيث أنه منهما صداقا فليس بشغار لعدم خلو العقد عن الصداق، ومن حيث أنه شرط تزوج إحداهما بالأخرى فهو شغار فكأن التسمية فيهما كلا تسمية، فلذا سمي وجه
الشغار (2)
سمي
لكل
سمي
- مركب من وجهين أي من صريح الشغار ووجه الشغار، وذلك إذا الصداق لواحدة دون الأخرى مثل أن يقول رجل لآخر زوجني ابنتك بخمسمائة دينار على أن أزوجك ابنتي بغير مهر.
وحكمه الفسخ قبل الدخول بالزوجة، ويثبت زواج التي سمي لها مهر بعد الدخول بها، ولها مهر المثل، وقيل لها الأكثر من المسمى ومن مهر المثل، ويفسخ زواج من لم يُسَمَّ لها مهرا وليس لها إلا مهر المثل عند الدخول
(2)
الرأي الثاني:
وذهب إليه بعض الإباضية والحنفية والزهري ومكحول والثوري والليث وهو أنه يصح عقد نكاح الشغار، فهذه الصورة من باب عقد الزواج الذي أضيف إليه شرط باطل، فيصح العقد ويبطل الشرط كما هو الشأن في كل عقد زواج اقترن بشرط غير صحيح، ويجب لكل واحدة من الزوجتين مهر مثلها؛ لأنه يجب عند خلو العقد من تسمية المهر تسمية صحيحة (4).
1 - أبو بكر الكشناوي: أسهل المدارك، ج 2/ ص 87
2 - الدسوقي: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير، ج 2/ص 307 - 308. الحطاب مواهب الجليل، ج 3 / ص 445 - 446. ابن عبد البر: الكافي، ص 237 - 238. - بدران: الفقه، ص 53. الغندور: الأحوال الشخصية، ص 78 - 79.
195 (1/203)
صفحة 204
قال الجناوني: «ونكاح الشغار لا يجوز وهو مأخوذ من شغر الكلب إذا رفع إحدى رجليه ليبول، وهو أن يزوج الرجل وليته لرجل، ويزوجه الآخر ابنته، ويجعلان صداق هذه بصداق هذه، فلا يجوز ذلك، وإن فعلا كان النكاح لازما، ولكل واحدة منهما صداق أنسابها إذا مسها).
وقد نقل خميس الشقصي في مصنفه حديث أنس بن مالك الذي نهى فيه الرسول عن الشغار مستدلا به ثم عقب بعده فقال: «روي عن أنس بن مالك عن النبي كان يقول: «لا شغار في الإسلام» (3) هو كأن يزوج أخته برجل بلا مهر على أن يزوجه الآخر أخته بلا مهر جعلوه، وإنما يكون صداق هذه بصداق هذه، بمنزلة المقايضة والبدل، وهذا كان من عمل الجاهلية، وجاء النهي عنه في الإسلام إلا بصداق مفروض، وإن فعل ذلك أحد ووطئ واحد منهما زوجته، وجب لها عليه صداقها كاملا ... (3).
هذا ويلاحظ أن الشقصي يجعل للمرأة صداقاً كاملاً في حالة الدخول.
وقد احتج الحنفية على مذهب الجمهور بحجج عديدة منها:
1 - أن غاية الأمر أنه زواج سمي فيه ما لا يصلح مهرا وهو بضع الأخرى؛ لأن المهر لابد أن يكون من الأموال المتقومة، وبضع كل واحدة من الزوجتين ليس من هذا القبيل، والزواج لا يبطل بتسمية مالا يصلح مهرا؛ وإنما يجب بهذه التسمية مهر المثل، ونحن لم نجعله كزواج الجاهلية الذي ورد عن النبي إبطاله أو منعه؛ لأن أولئك ما كانوا يرجعون في هذه الحالة إلى مهر المثل قط؛ وإنما كانوا يستمرون على أن كل واحدة هو بضع الأخرى، فلما خالفناهم في نتائج هذا العقد لم نكن استحللنا ما كانوا يفعلون مما ورد النهي عنه (4). - أن النهي عنه في السنة محمول على الكراهة التي لا توجب فساد العقد، فيكون الشرع قد أوجب أمرين: الكراهة ومهر المثل (5).
مهر
1 - الجناوي: كتاب النكاح، ص 148 - 149.
2 - أخرجه ابن حبان: كتاب النكاح باب الشغار حديث رقم 41421، راجع: علاء الدين بن بلبان الفارسي (ت: 739 هـ) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان، تحقيق يوس فالحوت، ط 1407/ 1 هـ 1987 م، مطبعة دار
الكتب العلمية بيروت 3 - خميس الشقصي: منهج الطالبين، ج 15 / ص 160 ..
4 - محمد محي الدين: الأحوال الشخصية، ص 37 بدران: ص 53 - 54. الغندور: ص 79.
ه الزحيلي: الفقه، ج 7 / ص 116.
196 (1/204)
صفحة 205
الرأي الثالث:
فسخ النكاح قبل الدخول لا بعده وهو رواية أخرى عن الإمام مالك ().
منشأ الخلاف في المسألة:
وقد أشار ابن رشد إلى سبب اختلاف الفقهاء في حكم نكاح الشغار فقال: هل النهي المعلق بذلك معلل بعدم العوض أو غير معلل؟.
فإن قلنا: غير معلل لزم الفسخ على الإطلاق، وإن قلنا العلة عدم بفرض صداق المثل: مثل العقد على خمر أو على خنزير.
الصداق صح
وقد أجمعوا على أن النكاح المنعقد على الخمر والخنزير لا يفسخ إذا فات بالدخول، ويكون فيه مهر المثل» (3).
كما تعرض ابن حجر إلى هذا الخلاف وحاول تحديد سببه فقال: «وقد اختلف الفقهاء هل يعتبر في الشغار الممنوع ظاهر الحديث في تفسيره؛ فإن فيه وصفين أحدهما: تزويج كلّ من الوليين وليته للآخر بشرط أن يزوجه وليته، والثاني: خلو بضع كل منهما من الصداق، فمنهم من اعتبرهما معا حتى لا يمنع إذا زوج كل منهما الآخر بلا شرط وإن لم يذكر الصداق، أو زوج كلّ منهما الآخر بالشرط وذكر الصداق (3).
وذكر ابن رشد أن مالكا يرى أن الصداق وإن لم يكن من شرط صحة العقد ففساد العقد ههنا من قبل فساد الصداق- مخصوص لتعلق النهي به، أو يرى أن النهي إنما يتعلق بنفس تعيين العقد، والنهي يدل على فساد المنهي عنه (4).
(4)
وذهب أكثر الشافعية إلى أن علة النهي الاشتراك في البضع لأن بضع كل منهما يصير مورد العقد، وجعل البضع صداقا مخالف لإيراد عقد النكاح، وليس المقتضى للبطلان ترك ذكر الصداق لأن النكاح يصح بدون تسمية الصداق.
1 - مالك: المدونة الكبري رواية سحنون ج 2 / ص 98. 2 - ابن رشد: بداية المجتهد، ج 3 ص 1035 - 1036.
ابن حجر كتاب النكاح، فتح الباري، ص 92. ابن رشد: بداية المجتهد، ج 3 ص 1035 - 1036.
197 (1/205)
صفحة 206
وقال القفال العلة في البطلان التعليق والتوقيف فكأنه يقول لا ينعقد لك نكاح بنتي حتى ينعقد لي نكاح بنتك».
وقال الخطابي: «كان ابن أبي هريرة يشبهه برجل تزوج امرأة ويستثني عضوا من أعضائها وهو مما لا خلاف في فساده، وتقرير ذلك أن يزوج وليته ويستثني بضعها حيث يجعله صداقا للأخرى». ونقل الخرقي أن أحمد نص على أن علة البطلان ترك ذكر المهر ورجح ابن تيمية في (المحرر) أن العلة التشريك في البضع. وقال ابن دقيق العيد ما نص عليه أحمد هو ظاهر التفسير المذكور في الحديث لقوله فيه ولا صداق بينهما؛ فإنه يشعر بأن جهة الفساد ذلك، وإن كان يحتمل أن يكون ذلك ذكر لملازمته لجهة الفساد.
ثم قال: وعلى الجملة ففيه شعور بأن عدم الصداق له مدخل
مجمل القول:
يتضح مما سبق أن في حكم نكاح الشغار عدة آراء:
النهي
(1)
الأول: ويذهب إليه بعض الإباضية والمالكية والشافعية ورواية عن أحمد وهو
لزوم الفسخ قبل الدخول وبعده.
والثاني: يذهب إليه بعض الإباضية والحنفية وهو صحة النكاح مع وجوب مهر المثل وقال بعضهم يجب المسمى بعد الدخول.
والثالث: رواية عن مالك وهو لزوم الفسخ قبل الدخول لا بعده.
الحكمة من تحريم نكاح الشغار
جاء الإسلام فحرم نكاح الشغار وأبطل هذه العادة الفاسدة بطريقة حاسمة، وذلك لحكم ومقاصد عديدة منها:
1 - إن هذا النوع من النكاح خال من المهر الذي هو حق للمرأة حيث جعل البضع صداقاً وهي مبادلة الصداق بالبضع إذ صار كل واحدة مهرا في الأخرى وهي لا
1 - ابن حجر: ص 92.
198 (1/206)
صفحة 207
تنتفع به بل يذهب إلى الولي، فهو الذي ملك بضع زوجته بتمليكه بضع موليته ولا يخفى أن في ذلك ظلما صارخا لكل من المرأتين وبخسا لحقهما فلم ينتفعا بالمهر.
-
2 - ومنها أيضا أن هذه الصورة تجعل كل واحد من العقدين شرطا في الآخر. علاوة على ما قد ينشأ من جراء هذا الترابط من مشاكل في العلاقات الأسرية والعائلية قد تتعدى من إحدى الأسرتين إلى الأسرة الثانية بسبب هذا الزواج المتداخل والمتشابك.
- وحيث أن الإسلام جاء ليطهر تلك المجتمعات الجاهلية من مثل هذه المفاسد الاجتماعية، ويبعدها عن تلك التقاليد والعادات الضارة والتي تسبب الغبن والحرج والظلم للناس والإسلام بدوره جاء ليقيم مجتمعا آخر تسوده العدالة الاجتماعية وتحكمه المبادئ والأسس الحكيمة الرحيمة، وينشأ الناس فيه على المودة والتآلف بعيدين عن كل ما يكدر صفو الحياة من ظلم وفساد وشقاق.
ولذلك وضع الإسلام عملية الزواج في هذا الإطار الجديد الذي يتسم بالعدل وبالمعادلة الدقيقة بين الأطراف فاشترط الرضى المتبادل بين الطرفين والمهر المحدد المعروف لكل زوجة تتصرف فيه كما تشاء دون تدخل من وليها أو زوجها؛ لأنه كان يهدف من وراء ذلك إلى بناء أسرة متراصة مترابطة مطمئنة بعيدة عما يؤدي إلى تفككها وضياعها.
وقد يظن البعض أن هذه العادة قد زالت من المجتمعات الإسلامية المعاصرة، ولكن ظهرت من جديد وذلك فيما يفعله بعض الناس الآن من تزاوجهم بطريقة تشبه طريقة الشغار حيث يزوج هذا وليته ويشترط على الآخر أن يزوجه وليته أيضا، وإلا لما زوجه، ويكون المهر بينهما محددا متبادلا أو غير متبادل، ولعل هذا النوع يشبه أحد أقسام الشغار عند المالكية وهو ما يطلق عليه وجه الشغار.
ولا يخفى أن موضوع المهر هنا قد لا يقدم ولا يؤخر؛ لأن تبادل البضع بينهما موجود في هذا الزواج، وهذا أخطر شيء في القضية.
-
ه علاوة على ما في هذا النوع من الزواج من المشاكل الكثيرة والمتعددة والتي
199 (1/207)
صفحة 208
قد تنشأ مع إحدى الأسرتين، وقد لا يكون الحل فيها إلا الطلاق والانفصال، وحينئذ تأتي الأسرة الأخرى والتي قد لا تكون معها مشاكل الأسرة الأولى، ولكنها في هذا الحال ونتيجة لشروط الزواج الموقعة بينهما تأتي وتقابل الموقف بالموقف وتطلب أيضا الطلاق.
وبذلك يحصل التفكك والضياع للأسرتين جميعا، ويكون الأمر أكثر صعوبة وتفاقما لو كان هنالك أطفالا لهما، وهذا وارد فعلا.
ولذلك ينبغي ترك هذه العادة في الزواج ولو من باب الاحتياط حتى لو كان الصداق بينهما محددا خوفا مما تترتب عليه من نتائج سلبية يصعب معالجتها.
ومن هنا ندرك حكمة التشريع الإسلامي ومقاصده في أنه ما ترك خيرا ولا صلاحا إلا دل الناس عليه، وما ترك شيئا يضر بهم في حياتهم وآخرتهم إلا ونهاهم
عنه (1).
1 - سالم بن محمد الرواحي قبس من الحديث الشريف في شرح حديث النهي عن الشغار، ص 194 - 199، ط 1،
مسقط سلطنة عمان، 1417 هـ 1996 م،
200 (1/208)
صفحة 209
المبحث الثاني
نكاح المتعة والمؤقت
من شروط صحة العقد أن تكون صيغته مؤيدة خالية من التوقيت بمدة معينة وغير دالة على التأقيت وغير مقترنة بما يدل على التأقيت صراحة، فإن دلت على التأقيت كان العقد باطلا عند جمهور الفقهاء؛ لأن مقتضى عقد النكاح حل العشرة ودوامها، وإقامة الأسرة، وتربية الأولاد، والقيام على شؤونهم، وذلك لا يكون على الوجه الكامل إلا إذا كان عقد الزواج باق إلى أن يطرأ عليه ما ينتهي به كالطلاق أو
الموت.
ولقد حكم جمهور الفقهاء ببطلان نوعين من العقود لتنافيهما مع التأبيد، وقد
كان هذان العقدان معروفين في الجاهلية وهما نكاح المتعة والنكاح المؤقت. ولمعرفة حقيقة هذين العقدين لا بد من تحديد مدلول كل منهما مع التمثيل، ليظهر لنا وجه التشابه أو الاختلاف بينهما وما ينبني عليهما من أحكام وآثار. أ- تعريف نكاح المتعة:
عرف الفقهاء نكاح المتعة بعدة تعاريف، واتفقت كلمتهم في تحديد مدلوله مع اختلاف عباراتهم.
1 - فقد عرفه الشيخ اطفيش بأنه تزوج بولي وشهود وصداق معلوم لأجل مسمى ورضى»).
وقال العوتبي: «والمتعة هي أن تقول إمتعني نفسك بكذا وكذا، ويتزوج بها إلى أجل، فإذا عقد نكاح المتعة عليها إلى أجل كانت متعة (2).
1 - أمحمد اطفيش: شرح النيل، ج 6/ص 319. 2 - العوتبي: الضياء، ج 1/ص 219.
201 (1/209)
صفحة 210
أما الجناوني فقد حدد مفهومه وأحكامه فقال: «أن يتزوج الرجل امرأة على صداق معلوم إلى أجل معلوم، فإذا تم الأجل الذي بينهما خرجت عنه بغير طلاق، وإن اتفقا أن يزيدها في الصداق وتزيده في الأجل فعلا، وإن مات أحدهما قبل الأجل الذي
بينهما فلا يتوارثان).
ويلاحظ من هذه التعاريف أن الإباضية حددوا أركان نكاح المتعة وهي: الولي والشهود والصداق ورضى المرأة والأجل المعلوم. وهذه الأركان لا تختلف عن أركان عقد النكاح الصحيح المشروع، إلا في تحديد الأجل المؤقت.
- وعرفه ابن عبد البر المالكي بقوله: «هو أن يتزوج الرجل المرأة بشيء مسمى إلى أجل معلوم يوما أو شهرا أو مدة من الزمان المعلومة، على أن الزوجية تنقضي بانقضاء الأجل» (2).
وقال ابن جزي المالكي: نكاح المتعة: «وهو نكاح إلى أجل بأن يعلم الزوجة أو وليها بأنه إنما ينكحها مدة من الزمان ثم يفارقها» (3).
وعرفه بعض الفقهاء المعاصرين بتعاريف متقاربة في المعنى فقال محمد محي الدين: «زواج المتعة هو أن يقول الرجل للمرأة أتمتع بك أياما بدينارين أو أتمتع بك مدة إقامتي في هذه البلدة بكذا دينار، أو أتمتع بك شهرا بكذا دينار فتقول في كلّ
ذلك: قبلت» (4).
وعرفه أبو زهرة بقوله: «أما عقد المتعة فصورته أن يقول: أتمتع بك مدة كذا بكذا
من المال» (ه).
ويلاحظ من مجموع هذه التعاريف أنها ذكرت الأجل والصداق ورضى المرأة ولم
تشترط رضى الولي ولا حضور الشهود خلافا للإباضية.
-1
- الجناوني: كتاب النكاح، ص 147.
2 - الدسوقي: الحاشية، ج 2 / ص 238. محمد أحمد الشنقيطي: فتح الرحيم على فقه الإمام مالك، ج 2 / ص 44،
ط 3،، دار الفكر، بيروت، 1399 هـ / 1979 م ابن عبد البر: الكافي في فقه أهل المدينة، ص 238. 4 - محمد محي الدين الأحوال الشخصية، ص 33. أبو زهرة: محاضرات، ص 82 - 83.
10
202 (1/210)
صفحة 211
ب تعريف النكاح المؤقت
عرفه أبو زهرة بقوله: «هو الذي ينشأ بلفظ من الألفاظ التي ينعقد بها عقد الزواج، ولكن يقترن بالصيغة ما يدل على تأقيت الزواج بوقت معين محدود طال الوقت أو قصر).
وعرفه محمد بن محي الدين بقوله: والزواج المؤقت أن يقول الرجل للمرأة، تزوجيني مدة شهر بمهر قدره كذا، فتقول: قبلت، ويكون ذلك بحضرة شهود مستكملين لشرائط الشهادة على الزواج (3).
الفرق بين مدلولي نكاح المتعة والنكاح المؤقت
أشار بعض العلماء إلى أن ثمة فرق بين مدلولي نكاح المتعة والنكاح المؤقت، فزفر بن الهديل من الحنفية يرى أن النكاح المؤقت ينعقد مؤبدا ويلغو شرط التوقيت وذلك لأن الصيغة في ذاتها صالحة لإنشاء العقد، ولكن اقترن بها شرط فاسد، وهو ما يدل على التأقيت، ومن المقرر في القواعد الفقهية العامة أن النكاح لا تفسده
الشروط الفاسدة.
ومثل اقتران الصيغة بما يدل على التأقيت بالزمن كمثل ما إذا ذكر شرطا يؤدي تنفيذه إلى تقصير أمد الزواج مثل أن يقول تزوجتك على أن أطلقك بعد شهر، فقد اتفق الحنفية على أن الزواج في هذه الحال يكون صريحا كأن يقول: تزوجتك على أن يكون الزواج لمدة سنة فيلغى الشرط وينعقد الزواج مؤبدا. فزفر إذن يفرق بين النكاح المؤقت والمتعة من حيث أن المتعة يكون العقد فيها
بلفظ أتمتع.
أما النكاح المؤقت فيكون بلفظ الزواج ونحوه، ولهذا يصحح الثاني ويبطل
(د)
الأول (3).
ويرى ابن محي الدين أن هناك ثلاثة فروق بين النكاح المؤقت والمتعة فيقول:
1 - أبو زهرة: محاضرات، ص 86.
2 - محمد محي الدين ص 34.
- المرجع نفسه.
203 (1/211)
صفحة 212
ومن هنا تعلم أن الفرق بين الزواج المؤقت وزواج المتعة من ثلاثة أوجه: أولها: أن المتعة تكون بلفظ التمتع لا غير، والمؤقت يكون بلفظ الزواج والنكاح وما يؤدي معناهما.
الثاني: أن الشهود ليسوا شرطا في زواج المتعة، وهم شرط في الزواج المؤقت. الثالث: أن تعيين الوقت ليس بشرط في زواج المتعة وهو شرط في الزواج المؤقت» (1).
ولقد قرر أحد الفقهاء المعاصرين الفرق بين النكاح المؤقت ونكاح المتعة بصورة جلية فقال: أما النكاح المؤقت فبينه وبين متعة النساء أو ما يسمونه بنكاح المتعة ما بين السماء والأرض لأنه لا يتم إلا بذكر لفظ النكاح أو التزويج مع التوقيت ومع وجود الشهود وعقد العقد فهو نكاح صحيح من إيجاب وقبول وعقد العقد مع وجود الشهود، وإذا انتهت المدة إما يستمر الزواج وإما الطلاق مع الاحتفاظ بكامل الحقوق الزوجية لكل من الطرفين، فهذا النكاح يعتبر نكاحا صحيحا لأنه يبدأ بعقد وينتهي بالطلاق، ويحفظ لكل من الزوجين الحقوق الزوجية من الألف إلى الياء، إلا أنه يعتريه شرط التوقيت وهذا هو محل النظر.
ثم ذكر أن نكاح المتعة اسمه الصحيح (متعة النساء)، ومتعة النساء هي: أن الرجل كان يتفق مع المرأة بمال معلوم إلى وقت معلوم على أن يتمتع بها طوال هذا الوقت المعلوم، فإذا انقضى الوقت فارقها من غير طلاق ويفيد ذلك أن متعة النساء ليست نكاحا؛ لأن النكاح هو الذي يكون في أوله عقد وفي نهايته طلاق، فهذه المتعة هي التي أباحها رسول الله الله ثم حرمها إلى يوم القيامة، وبطلان هذه المتعة لا شك فيه على الإطلاق بل هي حرام، حرام، حرام؛ لأنه يلتقي مع المرأة بلا شهود ولا عقد ولا التزام بالولد إذا قدر بينهما ولد وأن يرث الرجل المرأة إن ماتت وأن ترث المرأة الرجل إن مات، وخلاف ذلك من باقي حقوق الزوجية إضافة على ذلك أن يفارق الرجل المرأة بلا طلاق فهذا كله هو سبب التحريم).
1 - محمد محي
الدين: ص 34.
2 - محمد متولي الصباغ الإيضاح في أحكام النكاح، ص 79 80 مكتبة مدبولي، مصر، 1401 هـ / 1981 م.
204 (1/212)
صفحة 213
بعد عرض آراء الفقهاء في بيان مدلولي نكاح المتعة والنكاح المؤقت نجد الفرق بينهما محدودا ينحصر في أربعة أمور: ذكر ثلاثة منها محمد محي الدين وأضاف إليها الصباغ شرطاً آخر، وهي أن نهاية النكاح المؤقت تكون بطلاق أما نهاية نكاح المتعة تكون بالفسخ دون طلاق، ورغم هذه الفروق التي تميز بين العقدين فإنه يفهم من كتابات فقهاء الإباضية والمالكية أنه لا فرق بين المدلولين بل يعتبر النكاح المؤقت من أفراد نكاح المتعة أو هو مرادف له.
فقد أقر الكشناوي هذه الحقيقة فقال: «والمتعة وهو المؤقت»). وقال الزرقاني في معرض حديثه عن نكاح المتعة: «هو النكاح لأجل كما فسره في المدونة وقال الباجي: هو النكاح المؤقت» (3).
وعليه فسواء كانت المدة معلومة أم مجهولة، وسواء ذكر لفظ التمتع أو لم يذكره، فمعناه المشهور أن يوجد عقد على امرأة لا يراد به مقاصد النكاح من القرار للولد وتربيته بل إلى مدة معينة ينتهي العقد بانتهائها، أو غير معينة بمعنى بقاء العقد مادمت معك إلى أن انصرف عنك فلا عقد.
والحاصل أن عقد المتعة عقد مؤقت ينتهي بانتهاء الوقت فيدخل فيه ما كان بمادة المتعة، والنكاح المؤقت أيضا فيكون النكاح المؤقت من أفراد المتعة، وإن عقد بلفظ التزويج وأحضر الشهود وما يفيد من الألفاظ (3).
ومهما يكن من خلاف في مدلولي العقدين فإن حكمهما واحد عند جمهور الفقهاء وهو البطلان ولو اختلفت المسميات.
حكم نكاح المتعة:
اختلف المسلمون في حكم نكاح المتعة؛ فذهب جمهورهم إلى حرمته، بينما يرى البعض أن تزويج المتعة إنما أحله رسول الله الله ثلاثة أيام في غزوة غزاها احتاج المسلمون فيها إلى النساء وشق عليهم أمر العزوبة ثم نهى عنها، ولم يحلها بعد ذلك.
1 - الكشناوي: أسهل المدارك ج 2 ص 87 - الصباغ: الإيضاح في أحكام النكاح، ص 82. - كمال الدين بن الهمام: فتح القدير، ج 3/ص 149. (1/213)
صفحة 214
وقال بعضهم: إن المتعة حلال وهي ثابتة غير منسوخة. والآن سنعرض رأي كل فريق مع أدلته ونبين سبب الخلاف الحاصل في
الفريق الأول: القائلون ببطلان نكاح المتعة وأدلتهم:
المسألة.
أجمع جمهور الصحابة والتابعين والفقهاء من الإباضية والحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة أن نكاح المتعة باطل وغير منعقد، فلا يترتب عليه أي حكم من أحكام الزوجية، فمن نكح امرأة نكاح متعة أو مؤقت فنكاحه باطل، ويجب ويجب على جماعة المسلمين أن يعملوا على التفريق بينهما.
فسخه،
وقالوا قد كان جائزا في صدر الإسلام إلى أن نسخته آية الطلاق والميراث والعدة، وقيل نسخته السنة (1) لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي (2).
قال الجناوني: «وأكثر القول أنه منسوخ» (3).
وممن روي عنه تحريمه من الصحابة عمر وعلي وابن عمر وابن مسعود وابن الزبير، ومن التابعين طاووس وسعيد بن جبير وعطاء وجابر بن زيد وسائر فقهاء
مكة.
قال ابن عبد البر: وعلى تحريم المتعة مالك وأهل المدينة وأبو حنيفة في أهل الكوفة، والأوزاعي في أهل الشام والليث في أهل مصر والشافعي ونص عليه أحمد وسائر أصحاب الآثار).
وقد استدل أصحاب هذا الرأي بأدلة من القرآن والسنة والإجماع.
أ- من القرآن الكريم:
1 - قال الله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما
1 - خميس الشقصي: منهج الطالبين، ج 15 / ص 384.
2 - سبق تخريجه - الجناوني: كتاب النكاح، ص 147.
- عبد الرحمان العدوي الوسيط في الفقه الإسلامي، أحكام الأسرة، ص 161، المكتبة الأزهرية للتراث، مصر.
1996/ 1416 م.
206 (1/214)
صفحة 215
ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (1) وجه الاستدلال
إن الله قد أحل الاستمتاع بالزواج الشرعي الدائم، أو بملك اليمين، والمتزوجة زواج المتعة ليست واحدة من هذين، فلا هي زوجة ولا هي مملوكة، أما كونها ليست بزوجة فلأنها بزواج المتعة عند القائلين به لا ترث، ولا تكون فرقتها بطلاق، وليس لها من حقوق الزوجات ما يضفي عليها صفة الزوجية، كما أنها ليست برقيقة مملوكة، ولهذا يحرم نكاح المتعة بنص الآية (2)
وقال تعالى: ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات، والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخذان فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم، وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم (3).
وجه الاستدلال:
يرى العدوي أن في الآية دليل على عدم جواز نكاح المتعة، وهو نكاح للمرأة إلى أجل معين، ولو كان مباحا لما اقتصرت الآية في - مقام البيان – على ذكر نكاح الإماء عند العجز عن تزوج الحرة وخوف العنت والوقوع في الإثم، ولما قررت أن
الصبر على مجاهدة النفس ومغالبة الشهوة وتحقيق العنة خير من نكاح الإماء. ولو كان نكاح المتعة جائزا لأرشدت الآية إليه طريقا ميسرا لا تبعةً فيه ولا يترتب عليه ما يترتب على نكاح الأمة من مفسدة استرقاق الولد، فعدم ذكره في هذا المقام دليل على حرمته وعدم جواز اللجوء إليه ولو مع العنت والمشقة وغلبة
الشهوة.
1 - المؤمنون: 5 - 6 - 7. الغندور: ص 88 - 89
-
- النساء: 25.
207 (1/215)
صفحة 216
ولا يليق بمسلم أن يعتقد حله مع ما فيه من العبث بهذه الرابطة العظيمة التي هي من أعظم الروابط البشرية، وإيثار التنقل في مواقع الشهوات بين الذواقين
والذواقات.
وقد شرع الله الزواج لإحصان كلّ من الزوجين للآخر، وإخلاصه له وسكنه إليه، وتعاونهما على تأسيس بيت صالح من بيوت الأمة المسلمة، ونكاح المتعة ليس فيه شيء من ذلك فقصده الأول المسافحة لا الإحصان).
ب من السنة النبوية
3
ورد عن النبي أنه أذن في متعة النساء في غزوة غزاها واشتدت على الناس فيها العزوبة، ثم ثبت ثبوتا قاطعا أن النبي ل نهى عنها ونسخ هذه الإباحة وثبت ذلك بطريقة تبلغ التواتر، فقد تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريم نكاح المتعة، وإن اختلفت في الوقت الذي وقع فيه التحريم، فقد أثر عنه أنه نهى عنها ست مرات في ست مناسبات ليؤكد النسخ والإلغاء، فقيل في يوم خيبر، وقيل في عمرة القضاء وقيل في يوم الفتح وقيل في عام أوطاس، وقيل في حجة الوداع، وقيل في غزوة تبوك، وليس ما ورد من روايات تشير إلى النسخ ثم توالى بعده الإباحة والإباحة بعد النسخ ().
قال النووي نقلا عن المازري: ليس هذا تناقضا لأنه يصح أن ينهى عنه في زمن ثم ينهى عنه في زمن آخر توكيدا أو ليشتهر النهي وليسمعه من لم يكن سمعه أولاً، فسمع بعض الرواة النهي في زمن وسمعه آخرون في زمن آخر، فنقل كل منهم ما سمعه وأضافه إلى زمن سماعه (3).
ولذلك قال البخاري في صحيحه: باب نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة آخرا» ثم
ذكر الأحاديث الدالة على ذلك:
1 - عبد الرحمان العدوي الوسيط في الفقه الإسلامي، ص 165 - 166 - 168. 2 - امحمد اطفيش ج 6 / ص 318 - 319. عبد الرحمان العدوي: ص 161.
النووي على صحيح مسلم: ج 9/ ص 179.
208 (1/216)
صفحة 217
1 - أن عليا - رضي الله عنه - قال لابن عباس: «إن النبي صلى الله عليه وسلمنهى عن المتعة وعن
عليا-رضي
لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر).
2 - وعن أبي جمرة قال: «سمعت ابن عباس يُسأل عن متعة النساء فرخص فقال له مولى له: إنما ذلك في الحال الشديد، وفي النساء قلة أو نحوه، فقال ابن عباس: نعم» (2).
وقال الإمام مسلم في صحيحه: باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ ثم أبيح ثم نسخ، واستقر تحريمه إلى يوم القيامة وذكر من الأحاديث الدالة على ذلك
منها:
- حديث الربيع بن سبرة الجهني أن أباه حدثه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله ولا تأخذوا مما آتيتموهن
شيئا (3).
وفي رواية عنه قال: «أمرنا رسول الله له بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة ثم لم نخرج منه حتى نهانا عنها وفي رواية عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع نهى عن نكاح المتعة).
- وعن عروة بن الزبير، أن خولة بنت حكيم دخلت على عمر بن الخطاب، فقالت: «إن ربيعة بن أمية استمتع بامرأة فحملت منه فخرج عمر بن الخطاب فزعاء يجر رداءه» فقال: «هذه المتعة، ولو كنت تقدمت فيها لرجمت» (ه).
ه وقد ثبت عن علي كرم الله وجهه أنه قال: «لا أعلم أحدا تمتع وهو
1 - رواه البخاري في كتاب النكاح، حديث رقم 5115، فتح الباري: ج 9/ ص 96. والترمذي في كتاب النكاح حديث رقم 1121، ج 3 / ص 429 - 430. والنسائي في كتاب النكاح، ج 6 / ص 125 - 126. ومسلم في كتاب النكاح، حديث رقم 1407، ج 2 / ص 1027 - 1028. والربيع في كتاب النكاح، حديث رقم 518 ج 2 ص 209. ومالك في الموطأ كتاب النكاح، حديث رقم 41، ج 2 / ص 427. رواه البخاري: الفتح كتاب النكاح، حديث رقم 5116، ج 9/ص 96 - 97. - رواه مسلم في كتاب النكاح، حديث رقم 1406، ج 2 ص 1023 - 1025. 4 - رواه أبو داود حديث رقم 2072، ج 2/ص 226 - 227.
-2
ه - مالك: الموطأ، كتاب النكاح، حديث رقم 42، ج 2 / ص 428.
209 (1/217)
صفحة 218
محصن إلا رجمته بالحجارة وأنه قال لابن عباس: «إنك تائه؛ إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن
المتعة).
6 - وعن أبي هريرة عن النبي أنه قال: «هدم المتعة؛ النكاح والطلاق والعدة
والميراث» (2).
وعن محمد بن كعب عن ابن عباس قال: «إنما كانت المتعة في أول الإسلام
كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوج المرأة بقدر ما أنه يري يقيم فتحفظ له متاعه وتصلح له شأنه حتى نزلت هذه الآية إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم، قال ابن عباس: فكل فرج سواهما حرام» (3).
ج- من الإجماع:
أجمع جمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم من الأئمة المجتهدين من بعد وفاة الرسول الله إلى يومنا هذا بأن نكاح المتعة باطل لا ينعقد و محرم حرمة مؤبدة، وقد جرى العمل على هذا الحكم استنادا إلى النصوص الواردة في القرآن والسنة النبوية التي لكثرتها وصحتها بلغت حد التواتر، ولم يخالف هذا الإجماع إلا البعض لاختلافهم في فهم النصوص وتأويلها، وقد نقل هذا الإجماع بعض العلماء. قال ابن المنذر: جاء عن الأوائل الرخصة فيها، ولا أعلم اليوم أحدا يجيزها إلا بعض الرافضة) ولا معنى لقول يخالف كتاب الله وسنة رسوله. وقال عياض: «ثم وقع الإجماع من جميع العلماء على تحريمها إلا الروافض. وقال الخطابي: «تحريم المتعة بالإجماع إلا عن بعض الشيعة، ولا يصح على قاعدتهم في الرجوع في المختلفات إلى علي وآل بيته فقد صح عن علي أنها
نسخت (ه)
1 - رواه مسلم كتاب النكاح، حديث رقم 1407، ج 2/ ص 1027. والبيهقي: كتاب النكاح، ج 7/ص 201. 2 - أخرجه البيهقي في سننه عن أبي هريرة: كتاب النكاح، ج 7 / ص 430. 3 - رواه الترمذي: كتاب النكاح حديث رقم 1122، ج 3 ص 430. قال ابن حجر: إسناده ضعيف وهو مخالف لما تقدم من علة إباحتها، أنظر فتح الباري: كتاب النكاح، ص 103. 4 - يطلق على فرقة من فرق الشيعة. - ابن حجر كتاب النكاح، فتح الباري، ص 105.
10
شاذ
210 (1/218)
صفحة 219
الفريق الثاني: القائلون بجواز نكاح المتعة وأدلتهم
يرى فقهاء الشيعة الإمامية الاثنا عشرية أن نكاح المتعة جائز، ويسمونه بالزواج المنقطع؛ لأن الزواج عندهم نوعان: زواج دائم، وزواج منقطع؛ فالزواج الدائم له شروطه الخاصة، أما الزواج المنقطع فهو نكاح المتعة ويعرفونه بأنه: «عقد
ازدواج بين طرفين معلومين إلى أجل معين بمهر معين يذكر في متن العقد». فإذا انتهى الأجل انحلت العقدة بينهما دون حاجة إلى طلاق وتعتد الزوجة أو خمسة وأربعين يوما إن كانت لا تحيض، وهي في سن من تحيض، وإذا مات الزوج، وهي في أثناء المدة لحقتها عدة الوفاة، ومقدارها أربعة أشهر وعشرة أيام، أو وضع الحمل إذا كانت حاملا، وتأخذ بأبعدهما أجلا.
بحيضين
والولد من الزواج المنقطع، كالولد من الزواج الدائم في وجوب التوارث والنفقة فقد سئل الإمام جعفر الصادق عن المرأة المتمتع بها إذا حملت؟ فقال: «هو ولده»، ويرون أن لا حد لعدد النساء المستمتع بهن، فالرجل أن يستمتع بأي. عدد من النساء، وتوجد عندهم روايات أخرى تدل على عدم الزيادة على الأربع في المتعة كما هو الحكم في الزواج الدائم منها.
وعن الإمام الصادق أنه سئل عن المتعة؟ فقال: «هن الأربع» ويرون كراهة التمتع بالأبكار فقد سئل الإمام جعفر عن المتعة؟ فقال: «إن أمرها شديد فاتقوا الأبكار).
وقد حكي عن ابن عباس قوله بجواز المتعة، وتبعه في ذلك أصحابه من أهل مكة وأهل اليمن وبه قال عطاء وطاووس وابن جريج، وحكى ذلك عن أبي سعيد الخذري وجابر بن عبد الله كما ورد هذا الجواز عن بعض فقهاء الإباضية ولكنه قول شاذ غير معمول به عند أصحاب المذهب، ولم يقل به إلا محمد بن محبوب وعبد الملك بن صفرة، ونبهان بن عثمان وأبو الحواري وأبو الحسن (3) وأبو العباس أحمد بن أبي بكر المشهور بأبي مسألة (3).
1 - محمود جواد مغنية فقه الإمام جعفر الصادق، ج 5 / ص 246 - 255. 2 - هو أبو الحسن علي بن محمد بن علي البسياني أو البسيوي، نسبة إلى بسيا من أعمال بهلا في عُمان، أحد علماء الإباضية، عاش في القرن الرابع الهجري أخذ العلم عن أبيه وعن شيخه أبي محمد بن بركة له مؤلفات أهمها كتابه المعروف بجامع أبي الحسن البسيوي.
- محمد بن الحواري الجامع، ج 3/ص 123. خميس الشقصي: منهج الطالبين، ج 15/ ص 384 - 388.
211 (1/219)
صفحة 220
ولكن جمهور فقهاء الإباضية يخالفون هذا الرأي ويقولون بتحريم نكاح المتعة وبطلان عقده، وقد نسخ بآية الإرث أو بالنهي عنه كما ذكره صاحب كتاب النيل حيث قال: «نسخ نكاح المتعة عند الأكثر بآية الإرث أو بالنهي
وقد استنكر جمهور فقهاء الإباضية على من يقول بجوازه، ورغم قولهم بذلك إلا أنهم اتفقوا على أنه لم يثبت عن أحد منهم فعل هذا أو عقد هذا النكاح لنفسه أو لغيره.
وقد نقل ذلك أبو الحواري في جامعه وقال: «ولم نعلم أن أحدا من أصحابنا فعل
(2)
تزويج المتعة ونحن بهم نقتدي وبنورهم نهتدي» (3).
•
هذا وقد استدل أصحاب هذا الرأي بأدلة من القرآن والسنة والمعقول.
أ من القرآن الكريم:
قال الله تعالى: والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم، كتاب الله عليكم، وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين، فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة (3)
وجه الاستدلال
فقد فهم أصحاب هذا الرأي من هذه الآية أن الله أوجب على الرجل إعطاء المرأة أجرها في مقابل الاستمتاع بها، وقالوا إن الأجر غير المهر والاستمتاع غير الزواج
الدائم وحيث أن الأجر نظير الاستمتاع، فتكون الآية دالة على جواز نكاح المتعة. وقالوا: إن هناك قراءة لهذه الآية رويت عن ابن عباس وابن مسعود، وعمران بن حصين وأبي بن كعب وهي فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى) فآتوهن أجورهن فريضة وقال عمران بن حصين: نزلت آية المتعة في كتاب الله، وعملنا بها مع الرسول صلى الله عليه وسلم فلم تنزل آية تنسخها ولم ينه عنها النبي حتى مات».
1 - أمحمد اطفيش شرح النيل 66، ص 320 - 321.
2 - ابن الحواري: ج 3 ص 132. خميس الشقصي: ج 15 / ص 384. امحمد اطفيش: ج 6/ص 321.
- النساء: 24.
212 (1/220)
صفحة 221
ونقل الطبرسي في تفسير هذه الآية أن المراد بالاستمتاع هنا درك البغية
والمباشرة وقضاء الوطر من اللذة عن الحسن ومجاهد وابن زيد فمعناه على هذا: فما استمتعتم وتلذذتم من النساء بالنكاح فآتوهن مهورهن. وقيل: المراد نكاح المتعة وهو النكاح المنعقد بمهر معين إلى أجل معلوم .. عن ابن عباس والسدي وابن سعيد وجماعة من التابعين وهو مذهب أصحابنا الإمامية، وهو الواضح؛ لأن أصل الاستمتاع والتمتع وإن كان في الأصل واقعا على الانتفاع والالتذاذ فقد صار بعرف الشرع مخصوصا بهذا العقد، لاسيما إذا أضيف إلى النساء، فعلى هذا يكون معناه، فمتى عقدتم عليهن هذا العقد المسمى متعة فآتوهن أجورهن، ويدل على ذلك أن الله علق وجوب إعطاء المهر بالاستمتاع وذلك يقتضي أن يكون معناه هذا العقد المخصوص دون الجماع والاستلذاذ؛ لأن المهر لا يجب إلا به. هذا وقد روي عن جماعة من الصحابة منهم: أبي بن كعب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود: أنهم قرأوا فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن .. وفي ذلك تصريح بأن المراد به عقد المتعة ... )
وبين الطبرسي أن مما يدل أيضا على أن مما يدل أيضا على أن لفظ الاستمتاع في الآية لا يجوز أن يكون المراد به الانتفاع والجماع؛ أنه لو كان كذلك لوجب أن لا يلزم شيء من المهر من لا ينتفع من المرأة بشيء، وقد علمنا أنه لو طلقها قبل الدخول لزم نصف المهر، ولو كان المراد به النكاح الدائم لوجب للمرأة بحكم الآية جميع المهر بنفس العقد؛ لأنه قال: فأتوهن أجورهن: أي مهورهن ولا خلاف في أن ذلك غير واجب، وإنما يجب الأجر بكماله بنفس العقد في نكاح المتعة.
وبعد سطور قال ردّا عن من قال إن المراد بالاستمتاع الانتفاع والجماع أن: المراد به، ولا حرج ولا إثم عليه عليكم فيما تراضيتم به من زيادة مهر ونقصانه، أو حط، أو إبراء، أو تأخير، وقال السدي: معناه لا جناح عليكم فيما تراضيتم به من استئناف عقد آخر بعد انقضاء مدة الأجل المضروب في عقد المتعة، يزيدها الرجل في
1 - محمد حسن الذهبي: التفسير والمفسرون، ج 3 / ص 241 - 243، ط ا،، مطابع دار التراث العربي، القاهرة 1409 هـ / 1989 م.
213 (1/221)
صفحة 222
الأجر وتزيده في المدة» وهذا قول الإمامية وتظاهرت به الروايات عن أئمتهم).
ألا
ب من السنة وأقوال الصحابة
:
1 - ما روي عن ابن مسعود أنه قال: «كنا نغزو مع الرسول صلى الله عليه وسلم ليس لنا نساء فقلنا: نختصي؟ فنهانا رسول الله عن ذلك ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى
أجل» (2).
ثم قرأ ابن مسعود: يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم (3). قال أبو حاتم البستي في صحيحه: «قولهم للنبي صلى الله عليه وسلم ألا نختصي؟ دليل على أن المتعة كانت محظورة قبل أن أبيح لهم الاستمتاع، ولو لم تكن محظورة لم يكن لسؤالهم عن هذا معنى، ثم رخص لهم في الغزو أن ينكحوا المرأة بالثوب إلى أجل، ثم نهى عنه عام خيبر، ثم أذن فيها عام الفتح، ثم حرمها بعد ثلاث، فهي محرمة إلى يوم القيامة).
2 - وعن جابر بن عبد الله وسلمة بن الأكوع قالا: كنا في جيش فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إنه قد أذن لكم أن تستمتعوا فاستمتعوا).
وروي أن رجلا من أهل الشام سأل ابن عمر عن متعة النساء فقال: «هي، حلال، فقال: إن أباك قد نهى عنها، فقال ابن عمر أرأيت إن كان أبي قد نهى عنها وقد سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنترك السنة ونتبع قول أبي).
- إن المتعة ثبتت بقطعي الحديث، وأن الأخبار الواردة في نسخها ظنية لتعارضها، وما ثبت باليقين لا يزول بالظن).
ه وقالوا إن تحريم بعض الصحابة للمتعة كما فعل عمر هو تشريع من عنده مردود عليه؛ لأن ما فعله إما أن يكون عن طريق الاجتهاد منه، وإما بطريق الرواية،
1 - محمد حسن المرجع نفسه ج 3 / ص 243.
2 - أخرجه مسلم كتاب النكاح حديث رقم 1404، ج 2 / ص 1022. والبيهقي: كتاب النكاح، ج 7 ص 200.
- المائدة: 87
- الذهبي: التفسير والمفسرون، ج 3/ ص 246.
ه - أخرجه البخاري في كتاب النكاح، حديث رقم 5117 - 5118، فتح الباري، ص 97. 6 - لم نعثر على هذا الأثر في كتب الصحاح، ولعله قول أحد الصحابة أو التابعين.
214 (1/222)
صفحة 223
ويرون أن اجتهاده باطل؛ لأنه اجتهاد في مقابل النص، وإن كان عن طريق الرواية فكيف خفي ذلك على الصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وجميع خلافة أبي بكر وبعض عهد
عمر.
6 - كما قالوا: إن تحريم المتعة كان من عند عمر مستدلين بقوله متعتان كانتا في عهد رسول الله حلالا، وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما.
وقد أخبر عمر بأن هذه المتعة كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأضاف النهي عنها إلى نفسه بضرب من الرأي، فلو كان النبي الله نسخها أو نهى عنها أو أباحها في وقت مخصوص دون غيره لأضاف التحريم إليه دون نفسه، وأيضا فإنه قرن بين متعة الحج ومتعة النساء في النهي ولا خلاف في أن متعة الحج غير منسوخة ولا محرمة، فوجب أن يكون حكم متعة النساء حكمها (1).
- وعن الباقر كان علي بن أبي طالب يقول: «لولا ما سبقني به ابن الخطاب ما زني إلا شفي (بالفاء، يعني إلا قليل، أراد أنه لولا ما سبقني به عمر من نهيه عن المتعة وتمكن نهيه من قلوب الناس لندبت الناس عليها ورغبتهم فيها فاستغنوا بها عن الزني، فما زنى منهم إلا قليل وكان نهي عمر عنها تارة بقوله متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا محرمهما ومعاقب عليهما متعة الحج ومتعة النساء، وأخرى بقوله: ثلاث كن على عهد رسول الله أنا محرمهما ومعاقب عليهن: متعة الحج، ومتعة النساء، وحي على خير العمل في الأذان).
وروى عبد الرزاق في مصنفه أن ابن عباس كان يراها حلالا ويقول يرحم الله عمر ما كانت المتعة إلا رحمة رحم الله بها عباده، ولولا نهي عمر لما احتيج إلى الزنا أبدا.
وذكر ابن عبد البر عن عمارة مولى الشريد قال سألت ابن عباس عن المتعة أسفاح هي أم نكاح؟ فقال: لا نكاح ولا سفاح، قلت فما هي؟ قال المتعة كما قال الله تعالى (2)
1 - الذهبي: التفسير، ج 3 ص 242 - 243.
2 - أخرجه البيهقي عن جابر بن عبد الله، كتاب النكاح، ج 7 / ص 206 الذهبي المرجع نفسه.
3 - الشوكاني نيل الأوطار، ج 6 / ص 153.
215 (1/223)
صفحة 224
6 - وقال أصحاب هذا الرأي: إن الإجماع قد انعقد على أن النبي كان قد أباحها، ودعوى النسخ بعد ذلك لا تنقض هذا الإجماع، وعلى فرض أن العبارات قد وردت بالنسخ فإنه يصح أن يكون النسخ منصبا على الميراث والطلاق؛ فإنه عقد ينتهي بانتهاء مدته، ولا يحتاج إلى طلاق ولا توارث فيه).
مناقشة أدلة القائلين بجواز نكاح المتعة:
وقد ناقش جمهور الفقهاء أدلة الشيعة القائلين بجواز نكاح المتعة من ذلك: 1 - قال الله تعالى: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن (3) فمعنى ما استمتعتم به ممن تزوجتموهن مما أحله الله لكم وجب عليكم إعطاؤهن مهورهن
كاملة.
روي ابن جرير عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية: «إذا تزوج الرجل منكم المرأة ثم نكحها مرة واحدة فقد وجب صداقها كله والاستمتاع هو النكاح فالآية تدل على أن المهر يتأكد ويجب بالاستمتاع بالدخول لا بمجرد العقد وحده». وروى الطبري بسنده عن السدي فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى) فأتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة)، فهذه المتعة، الرجل ينكح المرأة بشرط إلى أجل مسمى ويشهد شاهدين وينكح بإذن وليها وإذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل وهي منه برية وعليها أن تستبرئ ما في رحمها، وليس بينهما ميراث ليس يرث واحد منهما صاحبه.
ثم عقب الطبري عليه فقال: «وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من تأوله فما نكحتموه منهن فجامعتموه فآتوهن أجورهن، لقيام الحجة بتحريم الله متعة
النساء على غير وجه النكاح الصحيح أو الملك الصحيح على لسان رسوله).
وأيضا فإن سياق الآية وما سبقها من آيات، بل وما جاء بعدها كله في شأن
1 - محمد أبو زهرة: محاضرات، ص 84.
2 - النساء: 24
- أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: جامع البيان في تفسير القرآن، ج 5 / ص 9،، دار الحديث،
القاهرة، 1407 هـ / 1987 م.
216 (1/224)
صفحة 225
الزواج الشرعي الدائم، والكلام في المحرمات من النساء قال تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن ه (1) فآتوهن أجورهن (1) وقوله تعالى بعد ذلك: ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات (2) وقد عبر القرآن الكريم في هذه الآية عن المهور بالأجور للإشعار بأنها تعطى في نظير منفعة للزوج. وهذا التعبير معهود في القرآن الكريم حيث قال تعالى: يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي أتيت أجورهن (3).
(4)
وقال سبحانه في شأن الإماء فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن (4)
أي مهورهن. وأما استدلالهم بقراءة ابن عباس ومن معه فما استمتعتم به منهن (إلى أجل) فآتوهن أجورهن فهذه الزيادة رواية آحاد لا يثبت بها القرآن
لأنه لا يثبت إلا بالتواتر، فليست قرآنا عند مشترطي التواتر ولا سنة لأجل روايتها قرآنا، وإنما الزيادة تفسير للآية، وليس ذلك بحجة (ه).
-
وأما استدلالهم بأن المتعة ثبتت بدليل قطعي، وأن الأخبار الواردة في نسخها ظنية، والقطعي لا ينسخ إلا بقطعي مثله فمردود؛ لأن الذين رووا إباحتها هم الذين رووا ما يفيد نسخها، وذلك قطعي في الطرفين وإما ظني فيهما وقد تواترت الأخبار بتحريمها، ونقلت عن كثير من الصحابة، ولم ينكر عنهم أحد، حتى ابن عباس الذي نقل عنه أنه كان يفتي ببقاء إباحتها روي عنه أنه رجع عن قوله وانضم إلى الصحابة في القول بتحريم المتعة عندما علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها نهيا
مؤيدا.
ولقد روى البيهقي عن ابن شهاب الزهري أنه قال: «إن ابن عباس -رضي الله عنه- ما مات حتى رجع عن هذه الفتيا ()
1 - النساء: 24.
-2
- النساء: 25.
3 - الأحزاب: 50.
4 - النساء: 25
ه - الشوكاني: نيل الأوطار، ج 6 / ص 157.
6 - أخرجه البيهقي: كتاب النكاح، ج 7 / ص 204 - 205.
217 (1/225)
صفحة 226
وروي أن ابن عباس كان يفتي بحل المتعة فجاءه سعيد بن جبير فقال: «ما تقول في المتعة فقد أكثر الناس فيها حتى قال فيها الشاعر؟ فقال: وما قال؟ قال: قال:
قد قلت للشيخ لما طال محبسه يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس وهل ترى رخصة الأطراف آنسة تكون مثواك حتى مصدر الناس
قال: أو قد قال فيها الشاعر؟ قال: نعم، قال فكرهها أو نهي عنها».
وفي رواية أخرى عن الخطابي بإسناده إلى سعيد بن جبير قال: «قلت لابن عباس: قد سارت بفتياك الركبان وقالت فيها الشعراء، قال: وما قالوا؟ فذكر البيتين فقال: سبحان الله والله ما بهذا أفتيت وما هي إلا كالميتة لا تحل إلا للمضطر»). ويلاحظ أن هذا النص لا يومئ إلى التحريم المطلق وإنما يومئ إلى التحريم في غير حال الضرورة، إذ شبهها بالميتة تباح عند الاضطرار، ولا نعلم ضرورة تبيح المتعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء (3) ومادام باب الصوم موجودا فإنه لا ضرورة
توجب المتعة (2).
ومع
ذلك
قال الحافظ ابن حجر: «و من المشهورين بإباحتها ابن جريح فقيه مكة فقد روى أبو عوانه في صحيحه عن ابن جريح أنه قال لهم بالبصرة: إشهدوا أني قد رجعت عنها بعد أن حدثتكم فيها ثمانية عشر حديثا أنه لا بأس بها). 3 - وأما قولهم بأن عمر قال بتحريمها باجتهاده فهذا غير صحيح، لما أخرجه ابن ماجه عن ابن عمر باسناد صحيح أنه قال: لما ولي عمر بن الخطاب خطب الناس فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لنا في المتعة ثلاثا ثم حرمها، والله لا أعلم أحدا تمتع وهو محصن إلا رجمته بالحجارة، إلا أن يأتيني بأربعة يشهدون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحلها
1 - الشوكاني: نيل الأوطار، ج 6 / ص 153.
2 - رواه البخاري في كتاب الصوم، حديث رقم 1905، الفتح، ج 4 / ص 889 وكتاب النكاح، حديث رقم 5065، ج 9 / ص 106، وحديث رقم 5066، الفتح، 112/ 9. ومسلم في كتاب النكاح، حديث رقم 1400، ج 2/ ص 1018 - 1019.
-
أبو زهرة محاضرات ص 83 - 84 بدران: الفقه المقارن، ص 56.
- الشوكاني: ج 6 / ص 154. عبد الرحمان العدوي الوسيط في الفقه، ص 164.
218 (1/226)
صفحة 227
بعد أن حرمها، ولا أجد رجلا من المسلمين متمتعا إلا جلدته مائة جلدة إلا أن يأتيني
بأربعة يشهدون أن رسول الله لا أحلها بعد أن حرمها).
(2)
فعمر بن الخطاب لم يجتهد في هذه المسألة وإنما أكد التحريم، بناء على نهي رسول الله ل و لم تنقل الأخبار الصحيحة ما يفيد أن المتعة كانت مباحة في خلافة أبي بكر ولا في عهد عمر ه - كما أن اختلاف روايات التحريم التي تكررت ست مرات فهذا الاختلاف في الزمان لا يوجب اضطرابا في الأخبار؛ لأن النبي قد ينهى عن الشيء في وقت ثم يجدد ذكر التحريم في وقت بسؤال يقع أو بشيء يوجب ذلك، وليس في مثل هذا ما يدل على وهن الأخبار والمنع قد حصل لجميع الأخبار (3).
منشأ الخلاف:
لعل سبب الخلاف بين الجمهور والشيعة يعود إلى:
1 - اختلافهم في تفسير الآية وتأويلها قال تعالى: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فالجمهور لا يقرأ بالزيادة إلى أجل مسمى)، ولا يعتبرها من القرآن وإنما هي من زيادة الراوي من قبيل التفسير، أما الشيعة فيجزمون بأن هذه الزيادة من القرآن وليست من الراوي فقد أورد الثعلبي في تفسيره عن حبيب بن أبي ثابت قال: أعطاني ابن عباس مصحفا فقال: هذا على قراءة أبي في المصحف: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى) وبإسناده عن أبي نضرة قال سألت ابن عباس عن المتعة فقال: أما تقرأ سورة النساء؟ فقلت بلى فقال: فما استمتعتم به منهن إلى مسمى. قلت: لا أقرأها هكذا قال ابن عباس والله هكذا أنزلها الله تعالى (ثلاث
أجل
مرات) (1).
1 - ابن ماجه: كتاب النكاح، باب النهي عن نكاح المتعة، حديث رقم 1963، ج 1 ص 631.
2 - أحمد الغندور: ص 90 - 92.
- سلمة العوتبي: الضياء، ج 8/ ص 221.
94 - أبو جعفر الطبري: جامع البيان، ج 5/ ص 9. الذهبي: التفسير والمفسرون، ص 241 - 242.
219 (1/227)
صفحة 228
2 - تضارب الأقوال المانعة للمتعة:
وقع الخلاف بين الفقهاء في زمن إباحة متعة النساء وتحريمها، فقد وردت الأخبار أنها حرمت ست مرات في ست مواطن وكل مرة سبقها تحليل.
قال السهيلي: «وقد اختلف في وقت تحريم نكاح المتعة فأغرب ما روي في ذلك رواية من قال في غزوة تبوك ثم رواية الحسن أن ذلك كان في عمرة القضاء والمشهور في تحريمها أن ذلك في غزوة الفتح كما أخرجه مسلم من حديث الربيع بن سبرة عن أبيه، وفي رواية عن الربيع أخرجها أبو داود أنه كان في حجة الوداع، قال ومن قال من الرواة كان في غزوة أوطاس فهو موافق لمن قال عام الفتح». ثم علق عليه ابن حجر فقال: «فتحصل مما أشار إليه ستة مواطن خيبر، ثم عمرة القضاء، ثم الفتح، ثم أوطاس، ثم تبوك، ثم حجة الوداع»).
وقال الشافعي: «لا أعلم شيئا أحله الله ثم حرمه ثم أحله ثم حرمه إلا المتعة، فحمل الأمر على ظاهره. وأن النبي صلى الله عليه وسلم حرمها يوم خيبر ثم أباحها في فتح مكة ثلاثة أيام ثم حرمها ولأن نكاح المتعة لا تتعلق به أحكام النكاح من الطلاق والظهار واللعان والتوارث فكان باطلا كسائر الأنكحة الباطلة (3).
وقد حاول بعض الفقهاء بيان سبب تعدد الخبر في عدة مناسبات ومواطن فذكر الماوردي أن: في تعيين موضع المتعة وجهان:
أحدهما: أن التحريم تكرر ليكون أظهر وأشهر حتى يعلمه من لم يكن علمه؛ لأنه
قد يحضر في بعض المواطن من لا يحضر في غيرها.
والثاني: أنها أبيحت مرارا، ولهذا قال في المرة الأخيرة (إلى يوم القيامة) إشارة إلى أن التحريم الماضي كان مؤذنا بأن الإباحة تعقبه، بخلاف هذا فإنه تحريم مؤيد لا تعقبه إباحة أصلا وهذا الثاني هو المعتمد.
وقد بينت بعض الروايات علة إباحة التمتع بالنساء في السفر، قد تقدم في أوائل
1 - ابن حجر فتح الباري، كتاب النكاح، ص 99 - 100.
2 - عبد الرحمان العدوي: الوسيط، ص 164.
220 (1/228)
صفحة 229
النكاح حديث ابن مسعود في سبب الإذن في نكاح المتعة وأنهم كانوا إذا غزو اشتدت عليهم العزبة فأذن لهم في الاستمتاع؛ فلعل النهي كان يتكرر في كل موطن بعد إذن. فلما وقع في المرة الأخيرة أنها حرمت إلى يوم القيامة لم يقع بعد ذلك إذن. كما أنَّ الحديث في قصة تبوك على نسخ الجواز في السفر لأنه نهى عنها في أوائل إنشاء السفر مع أنه كان سفرا بعيدا والمشقة فيه شديدة كما صرح به في الحديث في توبة كعب، وكان علة الإباحة وهي الحاجة الشديدة انتهت من بعد فتح خيبر وما بعدها.
قال ابن حجر مؤكدا هذا المعنى: «وحاصلها أن المتعة إنما رخص فيها بسبب العزبة في هذا السفر».
وقال الحازمي في الناسخ والمنسوخ بعد أن ذكر حديث ابن مسعود المذكور في الباب ما لفظه: «وهذا الحكم كان مباحا مشروعا في صدر الإسلام، وإنما أباحه النبي لهم للسبب الذي ذكره ابن مسعود، وإنما ذلك يكون في أسفارهم. ولم يبلغنا أن النبي أباحه لهم وهم في بيوتهم ولهذا نهاهم عنه غير مرة ثم أباحه لهم في أوقات مختلفة حتى حرمه عليهم في آخر أيامه الله وذلك في حجة الوداع وكان تحريم تأبيد لا توقيت).
ويلاحظ مما سبق أن كل الروايات اتفقت على إباحة متعة النساء في حالة السفر للظروف الطارئة فيه، كالعزبة والخوف والحرب والبعد عن الزوجات ولم يرد عن الرسول صلى الله عليه وسلم اذان بإباحتها في الحضر وهذا ما أكده أبو جعفر الطحاوي حيث قال: «كلّ هؤلاء الذين رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم إطلاقها أخبروا أنها كانت في سفر، وإن النهي لحقها في ذلك السفر بعد ذلك، فمنع منها، وليس أحد يخبر أنها كانت في حضر وكذلك روي عن ابن مسعود (2).
وأخرج البيهقي من حديث أبي ذر بإسناد حسن إنما كانت المتعة لحربنا
وخوفنا.
1 - الشوكاني: نيل الأوطار، ج 6 / ص 154. 2 - الذهبي: التفسير والمفسرون، ج 3/ ص 246.
221 (1/229)
صفحة 230
مجمل القول:
بعد عرضنا وجهة نظر الفريقين، وذكرنا أدلتهم وحججهم والتي أتت بصورة لا يمكن معها القطع في موضوع نكاح المتعة، ثم ناقشنا أدلة الفريقين وبينا سبب الخلاف لكن بعد إمعان النظر في النتائج المترتبة عن هذا النكاح لا بد لنا أن نتخذ موقفا واضحا من هذه المسألة حيث كما نعلم أن نكاح المتعة بقية من بقايا الجاهلية، ونوع من أنواع زواجهم، ولعل الرسول الا الله وتركها من غير نص على تحريمها تحريما قاطعا في أول الأمر حتى فقدت العادات الجاهلية قوتها، وضعف شدة تمسك العرب بها بعد أن ذاقوا بشاشة الإسلام، فلما ذهبت عنهم تلك العادات الجاهلية جاء النص القاطع بالتحريم وهو قوله تعالى: اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم، وطعامكم حل لهم، والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخذان (1).
والمتعة نوع من اتخاذ الأخذان في الجاهلية، فإذا كان التحريم قد تأخر فليس معنى ذلك الإباحة بالنص، بل قالوا إن ما كان في الجاهلية إذا حرمه الإسلام لا يكون مباحا بحكم الإسلام قبل التحريم، بل يكون بمنزلة العفو فكان الراجح هو التحريم. وهو الرأي الذي تميل إليه النفس ويطمئن إليه القلب ويتماشى الإسلام في تشريع الزواج.
مع
مقاصد
وعلى كل حال فنحن متعبدون بما بلغنا عن الشارع وقد صح لنا عنه التحريم المؤبد، ومخالفة طائفة من الصحابة له غير قادحة في حجيته ولا قائمة لنا بالمعذرة عن العمل به، كيف والجمهور من الصحابة والتابعين قد حفظوا التحريم وعملوا به ورووه لنا ونحن بهداهم نقتدي (3).
وتجدر الإشارة إلى أن بعض أئمة الشيعة وافقوا الجمهور في منع المتعة، منهم: الامامان أبو جعفر محمد الباقر وأبو عبد الله جعفر الصادق، وهم في ذلك تبع للإمام على بن أبي طالب كرم الله وجهه - الذي منعها وقال: «لا أوتي بمستمتعين
لرجمتهما (3).
1 - المائدة: 5.
2 - بدران ص 59. الشوكاني: ج 6/ ص 156.
- انظر أبو زهرة محاضرات ص 73، وبدران ص 57،58.
222 (1/230)
صفحة 231
الحكمة من تحريم نكاح المتعة والمؤقت
لا شك أن الشارع الحكيم لا يحرم شيئا إلا لمقصد وحكمة أرادها من وراء ذلك قد يدركها بعض الناس وقد تغيب عنهم، ولذلك حرم نكاح المتعة لما فيه من المفاسد التي تعود على المجتمع من اختلاط الأنساب والتهرب من مسؤوليات الزواج وتبعاته لأن الغرض منه هو مجرد التمتع دون التوالد وغيره من أغراض النكاح.
- إضافة إلى أنه لا يكاد يفترق عن المخاذنة التي يعاشر فيها الرجل امرأة بغير زواج وقد تطول مدة المخاذنة أو تقصر ثم يفترقان بغير مسؤولية على أحدهما تجاه الآخر، ونكاح المتعة كذلك فإذا كان الله تعالى في كتابه العزيز حرم السفاح والمخاذنة مع الإماء المسترقات ولم يشرع إلا الزواج بهن عند عدم القدرة على زواج الحرائر مع خوف المشقة والوقوع في الزنا، وحرم السفاح والمخاذنة كذلك مع المحصنات من الذين أوتوا الكتاب.
أفيرضاه للحرة المسلمة التي أوجب عليها أن تحمي عرضها وتصون شرفها وكرامتها؟ والتي رفع قدرها وأعزها بنعمتي الحرية والإسلام؟ أيرضى الله للحرة المسلمة أن تكون مستفرشة لرجل مدة معلومة لغير هدف إلا أن يستمتع بها وتستمتع به في لذة عابرة ونزوة طارئة ثم يمضي كلّ منهما إلى سبيله؟ لا نفقة ولا عدة ولا ميراث ولا حقوق ولا واجبات ولا تكوين أسرة وبناء بيت نظيف شريف يتربى فيه الأولاد على الإيمان والطهارة والخلق الحميد.
-
أما هذا النكاح فهو نكاح لا شيء فيه إلا المتعة وإراقة ماء الحياة في نزوة
وشهوة غالبة يصرفاتها ثم لا شيء فهي لذة كلذة البهائم أو أخس منها!! فأَيُّ دين هذا الذي يرضى لأتباعه أن ينحدروا إلى هذا السفح الموحول بالشهوات التي لا يرجى من ورائها أي خير، والتي تنتقل بالمرأة من رجل إلى رجل ممتهنة مستفرشة بغير سكن ولا مودة ولا معاشرة طيبة تدوم وتنتج ثمراتها؟!
إن دين الله أزكى وأطهر من أن يبيح مثل ذلك.
- وعليه فلا يليق بمسلم أن يعتقد حله مع ما فيه من العبث بهذه الرابطة
223 (1/231)
صفحة 232
العظيمة التي هي من أعظم الروابط البشرية وإيثار التنقل في مواقع الشهوات بين
الذواقين والذواقات).
فالشارع الحكيم أبطل نكاح المتعة لأنه مناقض مقاصده من الزواج كالدوام والسكن والمودة والاحصان وبقاء النوع الانساني بالتناسل.
1 - العدوي: الوسيط في الفقه، ص 164 - 166.
224 (1/232)
صفحة 233
المبحث الثالث
نكاح التحليل
عرفنا فيما سبق أن المطلقة طلاقا بائنا بينونة كبرى تحرم على زوجها تحريما مؤقتا، فلا يجوز على مطلقها ثلاثا أن يعقد عليها مرة أخرى إلا بعد أن تتزوج برجل آخر زواجا صحيحا ويدخل بها دخولا حقيقيا، ثم تحصل الفرقة بينهما بسبب من أسباب الفرقة، وتنقضي عدتها منه.
أما إذا كان الزواج الثاني فاسدا فلا تحل للأول، وإن حصل دخول حقيقي؛ لأن المتزوج بعقد فاسد لا يسمى زوجا شرعا، كما أن العقد الفاسد لا يسمى زواجا، وإذا عقد عليها الثاني عقدا صحيحا ولكنه لم يدخل بها دخولا حقيقيا فلا تحل أيضا للأول في قول عامة العلماء.
فإذا جاء رجل وتزوج المطلقة ثلاثا ولم يكن غرضه من الزواج دوام العشرة، ولا تكوين الأسرة، وإنما يكون غرضه تحليل الزوجة للزوج الأول، فهذا الشخص يسمى
(المحلل). فهل يكون هذا الزواج صحيحا تترتب عليه آثاره التي منها حلّها للزوج الأول؟ أم يكون فاسدا لا تترتب عليه آثار الزواج الصحيح فلا تحل به لزوجها الأول؟ (1). ولبيان حكم هذا الزواج فلا بد من تحديد مفهومه وآراء الفقهاء في حكمه وسبب
الاختلاف فيه.
أولا: تعريف نكاح التحليل
عرف فقهاء الاباضية والمالكية نكاح التحليل بتعاريف متقاربة في اللفظ
والمعنى
1 - الصباغ: الإيضاح في أحكام النكاح، ص 277. بدران: الفن المقارن، ص 373 - 374.
225 (1/233)
صفحة 234
1 - فقد وصفه العوتبي فقال: «ذلك أن الرجل يطلق المرأة ثلاثا، ثم يندم ويرغب
في مراجعتها فيقول لها تزوجي زوجا يحللك لي، فيتزوج بها رجل ليحلها له» (1). 2 - وعرفه الدردير في الشرح الصغير فقال: (المحلل): «وهو من تزوجها بقصد تحليلها لغيره إذا نوى مفارقتها بعد وطئها أو لا نية له بل – وإن نوى الإمساك أي إمساكها وعدم فراقها على تقدير إن أعجبته فلا يحلها).
-
من مجموع هذه التعاريف يمكن تلخيصها فنقول: نكاح التحليل هو زواج الرجل مطلقة غيره ثلاثا بقصد تحليلها لمطلقها.
ثانيا: حكم نكاح التحليل:
اختلف الفقهاء في حكم نكاح التحليل، فذهب الجمهور إلى تحريمه ديانة؛ لأنه لا يقصد به التأبيد والدوام وهي من مقاصد الزواج الأساسية، وذهب البعض إلى جوازه إذا قصد به الإصلاح وجمع الشمل بين الزوجين المنفصلين، إلا أن الفقهاء اختلفوا في وقوعه قضاء، فذهب بعضهم إلى بطلانه متى تبين أن النية توجهت نحو التحليل، وبعضهم لا يبطله إلا إذا كان التحليل مشترطا في العقد. ومن هنا نجد الفقهاء قد انقسموا في هذه المسألة إلى مذهبين:
المذهب الأول:
ذهب الإباضية والمالكية والحنابلة إلى أن نكاح التحليل حرام وباطل وفاسد يفسخ قبل الدخول وبعده سواء كان التحليل مشروطا في العقد أو قبله أو منويا فقط، ويكفي في ذلك نية المحلل، فلا يجوز لمن فعله معاشرة الزوجة ولا تحل به لزوجها الأول، ويأثم الولي والشهود والمرأة إن علموا بذلك (3)
وذكر الدردير المالكي أن هذا النكاح فاسد على كل حال ويفسخ أبدا بطلقة بائنة
للاختلاف فيه، ولو بعد ولادة الأولاد وطول الزمن ().
1 - العوتبي: الضياء، ج 8 / ص 223. الشقصي: منهج الطالبين، ج 15/ ص 365. 2 - أحمد الصاوي: بلغة السالك لأقرب المسالك على الشرح الصغير للدردير، ج 2/ص 266. 3 - الجناوني: كتاب النكاح، ص 297.
- أحمد الصاوي: بلغة السالك، ج 2/ ص 266. عثمان الجعلي: سراج السالك، ج 2 / ص 52.
226 (1/234)
صفحة 235
وفي هذا المعنى يبين ابن عبد البر حكم نكاح التحليل مهما كانت دوافعه سواء كان مع العلم أو الجهل بحكمه فيقول: «وكل من نكح امرأة ليحلها لزوجها فلا تحل لزوجها إن وطئها بذلك النكاح، وسواء علما أو لم يعلما إذا قصدا النكاح لذلك ولا يقر على نكاحها ويفسخ قبل الدخول وبعده).
وقد نقل ابن تيمية اتفاق الصحابة والتابعين على تحريم نكاح التحليل منهم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله ابن عباس وعبد الله بن عمر وغيرهم حتى قال بعضهم: لا يزالان زانين وإن مكثا عشرين سنة إذا علم الله من قلبه أنه يريد أن يحلله له، وينسب هذا الرأي كذلك إلى من التابعين منهم: جابر بن زيد وسعيد بن المسيب والحسن البصري والنخعي وغيرهم، وهو مذهب مالك والأوزاعي والثوري والإمام أحمد (2)
الأئمة
وقد اعتبر أصحاب هذا الرأي أن المحلل (وهو الزوج الثاني) هو الذي يضر بالعقد إذا قصد بنكاحه التحليل، وأما نية المطلق ونية المطلقة ثلاثا إذا نويا بزواج المطلقة للثاني مجرد التحليل؛ فإنها لا قيمة لها؛ وذلك لأن الزوج الثاني هو الذي بيده الطلاق، فإذا نوى التحليل فقد ترك شرطا أساسيا ينبني عليه الزواج، وهو دوام العشرة المقصودة من الزواج (3).
(د)
ونقل القطب عن أصحاب الديوان قولهم إنما يأتي الفساد من الأخير إن أراد التحليل، فإن علم به الأول فلا يتزوجها، وإن اتفق المحلل والمحلل له لا المرأة فلا تحل له بإرادة التحليل، وإن اتفق مع زوجها، فتزوجت غيره بلا اتفاق معهما أو به معه لم يحل لها الأول، وإن تزوجها المحلِّل على اتفاق منهما لتحليلها فلا يمسها ولا يمسكها، وإن مسها أصدقها وثبت ولده ولا تحرم عليه، وقيل: إن تابا فلهما أن يقيما على نكاحهما، وقيل: تحرم عليه، وإن لم يرد إلا قضاء وطره كعابر سبيل وغيره فلا عليه، وإن أراد قضاء الوطر والتحليل لم يحل له ذلك (4).
1 - ابن عبد البر: الكافي، ص 238.
2 - ابن تيمية: مجموع فتاوى النكاح وأحكامه، ص 204. الفتاوى الكبري، ج 3 ص 101.
3 - عبد الرحمان الجزيري: كتاب الفقه على المذاهب الأربعة تحقيق عبد اللطيف بيتية، ج 4/ص 78، ط 1، مطبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، 1416 هـ / 1996 م
- محمد اطفيش: شرح النيل، ج 7/ ص 375.
227 (1/235)
صفحة 236
وقال الجعلي: «واعلم أن المضر عندنا في هذه المسألة علم الزوج المحلل أنه محلل، كان بأجرة أم لا، فإن لم يكن عالما بل تزوجها بنية التأبيد واتفق الزوج المبت للطلاق والمرأة وأولياؤها على أن يغروه ولم يعلموه بما تأمروا عليه؛ فإن ذلك لا يضر، بل المضر علم المحلل فقط» (1).
وقد بين ابن عبد البر أن مسؤولية فساد هذا النكاح يتحملها الزوج المحلل سواء أظهر نيته أم أخفاها فقال: «ومدار نكاح المحلل على الزوج الناكح، وسواء شرط ذلك أو نواه ومتى كان شيء من ذلك فسد نكاحه، ولم ير عليه، ولم يحلل وطؤه المرأة لزوجها، وعلم الزوج المطلق وجهله بذلك سواء؛ لأن المدار على الزوج الناكح .. » (3).
أدلة الجمهور:
(2).
وقد استدل أصحاب هذا المذهب بأخبار مأثورة عن الرسول الام وبعض الصحابة رضوان الله عليهم نذكر منها ما يلي: 1 - عن ابن مسعود -رضي الله عنه - قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل
له (3).
2 - وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه «لعن المحلل والمحلل له). وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله: ألا أخبركم بالتيس المستعار،
قالوا: بلي يا رسول الله، قال: هو المحلل؛ لعن الله المحلل والمحلل له» (ه).
-
عثمان الجعلي: ج 2 / ص 52 2 - ابن عبد البر: ص 238.
3 - رواه الترمذي وصحيحه في كتاب النكاح، حديث رقم 1120، ج 3/ ص 428. والنسائي في كتاب الطلاق، ج 1 / ص 149. ورواه أحمد، ج 1 ص 448 - 451 - 462. قال الشوكاني، والصنعاني: حديث ابن مسعود صححه ابن القطان وابن دقيق العيد على شرط البخاري، وقال الترمذي: حديث صحيح حسن العمل عليه عند أهل العلم منهم عمر وعثمان وعبد الله بن عمر وهو قول الفقهاء من التابعين. وله طرق أخرى أخرجها عبد الرزاق وطريق ثالثة أخرجها إسحاق في مسنده. انظر الشوكاني: نيل الأوطار، ج 6 / ص 157. والصنعاني: سبل السلام، ج 3 ص 269.
4 - رواه الترمذي في كتاب النكاح، حديث رقم 1119، ج 3 ص 427 - 428. وأبو داود في كتاب النكاح، حديث رقم: 2076، ج 2 / ص 227. ذكر الشوكاني والصنعاني أن حديث علي -رضي الله عنه – صححه ابن السكن وأعله الترمذي فقال: روي مجالد عن الشعبي عن جابر وهو وهم انتهى. وفي إسناده مجالد وفيه ضعف. راجع الشوكاني من ج 6 / ص 157. والصنعاني: من ج 3 ص 269.
10
رواه ابن ماجه في كتاب النكاح، حديث رقم: 1935، ج 1 ص 622. قال الشوكاني والصنعاني: وحديث =
228 (1/236)
صفحة 237
قال الشوكاني: «والأحاديث المذكورة تدل على تحريم التحليل لأن اللعن إنما يكون على ذنب كبير).
وقال الصنعاني: معقبا على رواية عقبة بن عامر: «والحديث دليل على تحريم التحليل؛ لأنه لا يكون اللعن إلا على فاعل المحرم، وكل محرم منهي عنه، والنهي يقتضي فساد العقد، واللعن وإن كان ذلك للفاعل لكنه علق بوصف يصح أن يكون علة الحكم، وذكروا للتحليل صورا منها: أن يقول له في العقد: إذا أحللتها فلا نكاح وهذا مثل نكاح المتعة لأجل التوقيت، ومنها أن يقول في العقد إذا أحللتها طلقتها، ومنها أن يكون مضمرا عند العقد بأن يتواطئا على التحليل ولا يكون النكاح الدائم هو المقصود، وظاهر شمول اللعن فساد العقد لجميع الصور وفي بعضها خلاف بلا دليل ناهض فلا يشتغل بها (2).
وقال ابن رشد بعد ذكر الحديث المتقدم: «فلعنه إياه كلعنه آكل الربا وشارب الخمر، وذلك يدل على النهي، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، واسم النكاح الشرعي لا ينطبق على النكاح المنهي عنه (3).
- وعن محمد بن عبد الرحمان المرادي أنه سمع أبا مرزوق التجيبي يقول: «إن رجلا طلق امرأته ثلاثا ثم ندما، وكان لهما جار فأراد أن يحلل بينهما بغير علمهما، قال: فلقيت عثمان بن عفان وهو راكب فرسه فقلت يا أمير المؤمنين إن لي إليك حاجة فقف علي فقال: إني على عجل فاركب، ورائي، ففعل، ثم قص عليه الأمر فقال له عثمان لا إلا بنكاح رغبة غير هذا السنة» قال ابن المسيب: «لو فعلت كان عليك إثمهما ما بقيا» (4).
-
ه وقال ابن مسعود: «المحلل والمحلل له ملعونان على لسان الرسول إلى يوم
القيامة (5).
=عقبة بن عامر أخرجه أيضا الحاكم وأعله أبو زرعة وأبو حاتم بالإرسال وحكى الترمذي عن البخاري أنه استنكره، وقال أبو حاتم ذكرته ليحي بن بكير فأنكره إنكارا شديدا. راجع نيل الأوطار: ج 6 / ص 157. سبل
-1
السلام: ج 3 ص 269
الشوكاني: ج 6/ص 157.
- الصنعاني: ج 3 ص 269 - 270.
- ابن رشد: بداية المجتهد، ج 3 ص 1091.
10
- مالك: المدونة الكبرى رواية سحنون، ج 2/ ص 211/ 2.211.
- أمحمد اطفيش شرح النيل، ج 7 / ص 374.
229 (1/237)
صفحة 238
ضي
6 - وقال عمر: «لو أوتي لي بمحلل ومحللة لرجمتهما).
وروى الحاكم والطبراني عن نافع أنه قال جاء رجل إلى عمر بن الخطاب – الله عنه - فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثا، فتزوجها أخ له عن غير مؤامرة ليحلها لأخيه هل تحل للأول؟ قال: «لا إلا نكاح رغبة كنا نعد هذا سفاحا على عهد رسول الله (2) صا الله
وروى نافع عن ابن عمر أن رجلا قال له: امرأة تزوجتها أُحِلُّها لزوجها لم يأمرني ولم يعلم قال: «لا إلا نكاح رغبة، إن أعجبتك أمسكتها، وإن كرهتها فارقتها، وإن كنا نعد هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سفاحا (3)
بعد عرض أدلة الجمهور يتضح لنا أنهم يبطلان نكاح المحلل ولو لم يشترط التحليل في العقد ولا يعتبرون مثل هذا النكاح سببا في تحليل المرأة لمطلقتها وقد عمل الصحابة بهذا الحكم وأفتوا به وحكموا ببطلان العقد وفسخه إذا قصد به التحليل (4)
المذهب الثاني:
ذهب جمهور الحنفية والشافعية إلى أن التحليل إذا لم يشترط في العقد فالعقد صحيح، وتحل به المرأة للزوج المرأة للزوج الأول إذا دخل بها الزوج الثاني دخولا حقيقيا، ثم فارقها، وانقضت عدتها منه؛ لأن العبارة صدرت سليمة من العيب وهي المظهر الخارجي للعقد، فيوجد العقد بوجودها، ولا عبرة بما نوى أو قصد أو بما شرطه قبل العقد أو بعده.
أما إذا شرط التحليل في العقد كما إذا قال لها تزوجتك لأحلك لزوجك الأول، أو له ذلك فقد اختلف فقهاء الحنفية في هذا الزواج.
قالت هي
1 - اطفيش: ج 7 / ص 374.
2 - الحاكم المستدرك على الصحيحين، كتاب الطلاق، حديث رقم 2860 وقال فيه هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ج 2/ ص 562، وأخرجه الطبراني في المعجم الوسيط كما في المجمع، ج 4 / ص 267
-
وقال رجاله رجال الصحيح. الشوكاني في نيل الأوطار 62، ص 128.
4 - ابن قدامة: المغني والشرح الكبير، ج 7 / ص 757. الحاكم في المستدرك حديث رقم 2860، ج 2 / ص 562.
230 (1/238)
صفحة 239
فقال أبو حنيفة وزفر: «إن الزواج صحيح لاستكماله أركانه وشروطه الشرعية ويبطل الشرط ولا يعمل به، فلا يجبر الزوج الثاني على أن يطلقها، ولكن إذا طلقها بعد الدخول الحقيقي، وانقضت عدتها منه حلت لزوجها الأول، ومع هذا فالزواج مكروه كراهة تحريم لقوله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله المحلل والمحلل له ولا يلزم من كونه مکروها كراهة تحريم أن يكون غير صحيح لا يترتب عليه أثره، كما في الصلاة في أرض مغصوبة، والبيع وقت النداء لصلاة الجمعة، كما أن الحديث يدل على صحة الزواج لأن الرسول له لقد سمى الزوج الثاني محللا، ومعناه مثبتا للحل» (2)
وقال أبو يوسف: «إن الزواج فاسد لكونه في معنى الزواج المؤقت فيكون فاسدا غير منعقد أصلا، فلا تحل المرأة لزوجها الأول ولو بعد الدخول الحقيقي من الزوج الثاني، وتسمية الحديث له محللا لا يقتضي صحة الزواج لجواز أن تكون هذه التسمية من حيث اشتراط التحليل في العقد أو طلب الحل الأول».
وقال محمد بن الحسن الزواج صحيح ولكنها لا تحل للأول لو طلقها الثاني بعد أن دخل بها حقيقة وإنما كان العقد صحيحا والشرط غير صحيح؛ لأن الزواج لا يبطل بالشروط الفاسدة، فيبطل الشرط ويصح العقد، ولا تحل للأول لأنه باشتراط الزوج الثاني التحليل للأول، يصير مستعجلا للحل بالنسبة للأول فيعاقب بمنع مقصوده، كالوارث إذا قتل مورثه فإنه يحرم من ميراثه عقابا له (3).
وقد نقل ابن عبد البر عن بعض فقهاء المالكية جواز نكاح التحليل ما لم يكن
مشروطا (4).
ويلاحظ أن الرواية تخالف مذهب جمهور المالكية والذي ورد فيما سبق قال ابن عبد البر بعد نقله لهذا القول: «والمعمول به في هذا الباب ما قدمنا ذكره عن مالك (5)
(وهو التحريم).
1 - سبق تخريجه.
2 - أبو الحسن المرغيناني: الهداية، ج 2 / ص 258، دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان 1415 هـ / 1995 م
3 - أبو الحسن المرغيناني: ج 2 / ص 258.
- ابن عبد البر ص 238 - 239
- ابن عبد البر ص 238 - 239.
231 (1/239)
صفحة 240
أدلة هذا المذهب:
وقد استدل أصحاب هذا المذهب بأدلة عديدة من القرآن والسنة والمعقول
-
1 - تعلقوا بعموم قوله تعالى فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره (1) قالوا: وهذا زواج قد عقد بمهر وولي ورضاها وخلوها عن الموانع الشرعية وهو راغب في ردها إلى زوجها الأول، فيدخل في حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إلا نكاح رغبة) وهذا نكاح رغبة في تحليلها للمسلم، كما أمر الله تعالى بقوله: حتى تنكح زوجا غيره والنبي صلى الله عليه وسلم إنما شرط في عودها إلى الأول مجرد ذوق العسيلة
بينهما، فالعسيلة حلت له بالنص.
2 - وقالوا: ليس في تحريم قصد التحليل ما يدل على أن عدمه شرط في صحة النكاح، كما أنه ليس النهي عن الصلاة في الدار المغصوبة مما يدل على أن من شرط صحة الصلاة صحة ملك البقعة أو الإذن من مالكها في ذلك.
وقالوا إذا لم يدل النهي على فساد عقد النكاح فأحرى أن لا يدل على بطلان
التحليل (2).
وقالوا: أما لعنه الله للمحلل فلا ريب أنه لم يرد كلّ محلل ومحلل له، فإن الولي محلل لما كان حراما قبل العقد. والحاكم المزوج محلل بهذا الاعتبار، والبائع أمته محلل للمشتري وطأها فإن قلنا: العام إذا خصص صار مجملا فلا احتجاج بالحديث، وإن قلنا هو حجة فيما عدا محل التخصيص، فذلك مشروط ببيان المراد منه، ولسنا ندري المحلل المراد من هذا النص أهو الذي يرى التحليل؟ أو شرطه قبل العقد؟ أو شرطه في صلب العقد؟ أو الذي أحل ما حرمه الله تعالى ورسوله (4) 4 - وقالوا: وجدنا كل من تزوج مطلقة ثلاثا فإنه محلل، ولو لم يشترط التحليل لم ينوه فإن الحل حصل بوطئه وعقده، ومعلوم قطعا أنه لم يدخل في النص، فعلم أن النص إنما أراد به من أحل الحرام بفعله أو عقده، وكل مسلم لا يشك في أنه أهل
للعنة.
1 - البقرة: 230.
2 - أخرجه ابن ماجه في كتاب النكاح، حديث رقم 1934 - 1935، ج 1 ص 622.
ابن رشد: ج 3 ص 1091.
- الشوكاني: نيل الأوطار، ج 6، ص 158 - 159.
232 (1/240)
صفحة 241
ه - وقالوا: من قصد الإحسان إلى أخيه المسلم ورغب في جمع شمله بزوجته ولم شعثه وشعث أولاده وعياله فهو محسن، وما على المحسنين من سبيل، فضلا عن أن يلحقهم لعنة رسول الله لا وقد قال أبو ثور: «وهو مأجور» (1).
قد
6 - وقد حملوا أحاديث التحريم على ما إذا وقع الشرط أنه نكاح تحليل، وقالوا روى عبد الرزاق أن امرأة أرسلت إلى رجل فزوجته نفسها ليحلها لزوجها، فأمره عمر بن الخطاب أن يقيم معها ولا يطلقها، وأوعده أن يعاقبه إن طلقها فصحح نكاحه ولم يأمره باستئنافه (3).
وفي رواية عن ابن سيرين أن رجلا طلق امرأته ثلاثا فجاءت إلى مسكين بباب المسجد من الأعراب وقالت هل لك في امرأة تتزوجها وتبيت معها الليلة وتفارقها صُبحاً ففعل، فقالت له: إذا قالوا لك فارقها فلا تفعل، فاغلظوا عليه أن يفارقها فسأل عمر -رضي الله عنه – فقال له: امسك زوجك، فكان يغدو ويروح في حلة، وإذا مرّ على عمر قال الحمد لله الذي كساك يا ذا الرفعتين حلة تغدو فيها وتروح (3)
-
•
وقد استدلوا بأقوال بعض الفقهاء في جواز نكاح التحليل من ذلك: أن عبد الرزاق روى عن عروة بن الزبير أنه كان لا يرى بأسا بالتحليل إذا لم يعلم
الزوجين.
أحد
وقال ابن القيم: وصح عن عطاء فيمن نكح امرأة محلا ثم رغب فيها فأمسكها
قال: لا بأس بذلك».
وقال الشعبي: لا بأس بالتحليل إذا لم يأمر به الزوج».
وقال الليث بن سعد: «إن تزوجها ثم فارقها فترجع إلى زوجها» (4).
هذا ورغم أن أصحاب هذا الرأي يقولون بجواز نكاح التحليل إلا أنهم قيدوه بشروط، وقد اشترط الحنفية لصحة نكاح التحليل عدة شروط منها:
1 - الشوكاني: ج 1 / ص 158 - 159. 2 - الشوكاني: ج 6/ص 158 - 159.
- أبو غانم الخرساني المدونة الكبرى، ج 2/ص 72 - 73.
4 - الشوكاني: ج 6 / ص 158 - 159.
233 (1/241)
صفحة 242
الأول: أن يقصد الإصلاح بين الزوجين لا مجرد قضاء الشهوة فإذا قصد الشهوة فقط كرهوا له ذلك ولكنها تحل للأول.
الثاني: أن لا ينصب نفسه لذلك بحيث يعرف بين الناس ويشتهر بأنه يحلل المطلقات، فمن كان كذلك كان عمله هذا مكروها تحريما.
الثالث: أن لا يشترط على ذلك أجرا، فإن فعل كان عمله محرما، ويحمل على هذا حديث: «لعن الله المحلل والمحلل له لأنه باشتراطه الأجر كان عاصيا يستحق اللعن العام وإنما كان عاصيا بذلك؛ لأنه أشبه أخذ الأجرة على عسب التيس، فمن كان عنده حمار أو غيره من ذكور الحيوانات، وطلبه منه آخر لينزو على أتان أو غيرها ليحبلها؛ فإنه يحرم عليه أن يأخذ على ذلك أجرا، فإذا أخذ الإنسان أجرا على وطء المرأة كان كالحمار الذي يطلب صاحبه أجرا على مائه.
الشرط
الرابع: أن لا يشترط التحليل، كأن يقول: تزوجتكِ على أن أُحِلَّكِ فإذا قال، بطل وصح العقد على المعتمد فإذا وطئها حلت للأول، ولكن مع كراهة التحريم، ويظهر أن علة ذلك مخالفة ظاهر الحديث؛ لأن لعن المحلل والمحلل هو الذي يثبت له هذا الوصف في العقد، بأن يشترط التحليل، وقد حملوا أيضا على ما إذا اشترط أجرا يأخذه في نظير القيام بهذا العمل، ولا مانع من حمل الحديث على الأمرين؛ فإن من يشترط أجرا على التحليل بمثابة التصريح بالتحليل، وكلاهما يصدق عليه أنه أتى هذا العمل لغرض دنيء تنبو عنه المروءة فيستحق أن يكون من الملعونين.
وقد نقل بعضهم عن أبي حنيفة أنه قال: إن شرط التحليل يصح، ويلزم به بحيث لو امتنع عن طلاقها يجبره القاضي ولكن المحققون من الحنفية قالوا: إن هذا ضعيف لا ينبغي التعويل عليه؛ لأن قواعد المذهب تأباه؛ وذلك لأن النكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة، بل يبطل الشرط مع صحة العقد، ومما لا شك فيه أن شرط التحليل ليس من مقتضى العقد، فيجب بطلانه وصحة العقد وهذا هو المعتمد من المذهب وإذا أقت العقد بوقت بطل العقد (1).
والحاصل أن التحليل عند الحنفية إذا سلم من هذه المحظورات وكان مقصودا به
1 - عبد الرحمان الجزيري: كتاب الفقه على المذاهب الأربعة، ج 4 / ص 77.
234 (1/242)
صفحة 243
الصلح بين الرجل ومطلقته فإنه جائز ولصاحبه أجر الذي يصلح بين الزوجين، أما إذا كان لغرض من الأغراض السابقة؛ فإنه يكون مكروها تحريما ويكون إثمه على كل من اشترك فيه سواء كان الزوج الثاني أو المطلق أو المرأة، ولكن العقد يكون صحيحا متى كان مستوفيا لشروطه الأخرى، ويحل للأول بالوطء على الوجه المشروع (1).
أما الشافعية فقالوا: إذا تزوج رجل مطلقة غيره بنية إحلالها له؛ فإنه يصح
بشروط.
الشرط الأول: أن يعقد عليها الثاني عقدا صحيحا، فإذا كان العقد فاسدا، أو جامعها بشبهة، أو زنا فإنها لا تحل؛ لأن الله تعالى قال: فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره (3) ولا يخفى أن المراد به النكاح الصحيح حتما.
الشرط الثاني: أن لا يشرط التحليل لفظا في العقد فإذا قال: تزوجت فلانة بشرط إحلالها لمطلقها، أو قال تزوجتها على أنني إذا وطأتها طلقت، أو بانت، بطل العقد، ولا تحل للأول بوطئها بناء على هذا العقد الفاسد، أما إذا تزوجها بدون شرط وفي نيته الطلاق لتعود إلى زوجها فإنه مكروه.
الشرط الثالث: أن يكون الزوج الثاني ممن يتصور منه ذوق اللذة بأن يشتهي الوقاع وإن كان صبيا، فلا يشترط أن يكون بالغا كما لا يشترط إنزال المني، وكذا لا يشترط أن يكون عاقلا فلو وطئها مجنون بعقد صحيح فإنها تحل للأول (3)
ثالثا: منشأ الخلاف في هذه المسألة:
بعد عرض آراء المذهبين في مسألة نكاح التحليل وذكر أدلتهم مع توجيهها حسب ما يؤيد وجهة نظر كل فريق، نجد أن أصل الخلاف يعود إلى فهم النصوص الواردة في القرآن والسنة وتأويلها وفق الأصول والقواعد المعتمدة لكل مذهب، ذلك أن مذهب الحنفية والشافعية لا يعول كثيرا على النيات والمقاصد والبواعث النفسية،
1 - عبد الرحمان الجزيري:، ج 4 / ص 77 - 78.
2 - البقرة: 230.
- عبد الرحمان الجزيري: ج 4 / ص 79.
235 (1/243)
صفحة 244
فضلا عن إقلالهم في الأخذ بمبدأ سد الذرائع، ومن ثم كان تصحيحهم للعقد قضاء مادام لم يشترط فيه التحليل أثناء العقد، صراحة، حيث أن نظرتهم توجهت نحو صيغة العقد لا إلى البواعث والدوافع التي دفعت إليه. وبناء عليه فإن زواج المحلل بلا شرط صريح في العقد على التطليق وإنما بالنية والقصد الباطن هو صحيح مكروه؛ لأن العقد قد استوفى أركانه وشروطه في الظاهر ولا يتأثر العقد بالباعث الداخلي.
وقالوا: إن النهي الوارد في الحديث عن عقد نكاح المحلل لا يدل على فساد ماهو فيه، وإنما حملوا النهي على فساد هذا العقد لمن اتخذه مكسبا أو شرطه في العقد، أما من نوى ذلك في قلبه فمأجور ما دام غرضه الإصلاح.
وخلافا لمنهج الحنفية والشافعية فإن منهج الإباضية والمالكية والحنابلة لا يقف عند صيغة العقد؛ وإنما يتجاوزها إلى النيات والدوافع التي دفعت إليه طالما دلت عليها قرائن ودلائل كافية، كما أنهم عوَّلُوا كثيرا على مبدأ سد الذرائع، ولذلك اعتبروا نكاح المحلل ولو لم يكن التحليل مشروطا في العقد حراماً باطلاً مفسوخاً لا تحل به المرأة لزوجها الأول لأن الزوج الثاني قصد التحليل وهو ممنوع، والمعتبر هو قصده لا قصد الزوج الأول أو المرأة.
وقالوا: إن اللعن الوارد في الأحاديث السابقة لا يكون إلا على ذنب كبير، والنهي على الشيء يدل على فساد المنهي عنه، وهذا الرأي يتفق مع مبدئهم في سد الذرائع بالباعث الداخلي، فالنية الباطنة تكون سببا لإبطال هذا العقد ولو بدون اشتراط هذا التحليل على المحلل (1)
قال ابن القيم في هذا الصدد: «ولا فرق عند أهل المدينة وأهل الحديث وفقهائهم بين اشتراط ذلك بالقول أو بالتواطؤ والقصد، فإن القصود في العقود عندهم معتبرة، والأعمال بالنيات والشرط المتواطأ عليه الذي دخل عليه المتعاقدان كالملفوظ عندهم، والألفاظ لا تراد لعينها بل للدلالة على المعاني».
ثم قال: «إن هذا الزواج الصوري كذب وخداع لم يشرعه في دين ولم يبحه لأحد، وفيه من المفاسد والمضار مالا يخفى على أحد (2)
1 - الزحيلي | الفقه، ج 7 / ص 146.
عبد الرحمان العدوي الوسيط في الفقه، ص 169.
236 (1/244)
صفحة 245
وزيادة في البيان والتطبيق لهذا المبدأ نستشهد برأي أبي الحواري حيث ذكر في مصنفه مسألة يوضح فيها وجهة نظر الإباضية في الأخذ بالباعث النفسي وأثره في تحريم نكاح المحلل فيقول: وعن رجل طلب تزويج امرأة إلى نفسها أو إلى وليها وأراد أن يحللها لمطلق لها أعلمها بذلك، أو لم يعلمها، وتزوج بها ولم يجز بها، أو لم يتزوج ثم ندم على ذلك، واستغفر ربه وترك ذلك التزويج، ثم أراد تزويجها لغير ذلك، هل تحل من بعد ذلك التزويج؟.
فأجاب السائل قائلا: فعلى ما وصفت، فإن كان قد جاز بها فقد حرمت عليه أبدا إذا أخذها ليحلها لغيره، وكذلك أيضا إن كانت المرأة قد علمت فلا تحل لمطلقها الأول بذلك النكاح إلا أن تتزوج زوجا غيره، لعله على غير نية التحليل، وإن لم يجز بها وكان قد أعلمها أنه إنما يريد أن يحلها، ثم رجع عن تلك النية وأعلمها أيضا أنه قد رجع عن نيته تلك، فإن أراد أن يرجع إليها بنكاح جديد جاز له ذلك (1).
مجمل القول:
مما تقدم يتضح لنا أن كُلاً من الفريقين اعتمد في حكمه على عقد التحليل مسلكا يتماشى مع قواعده الأصولية في فهمه للنصوص، فمن اعتبر النية مؤثرة في العقد ولو لم يلفظ بالشرط، قال بفساد النكاح إذا نوى ولو بغير تلفظ، ومن اعتبر اللفظ في العقود جعل اشتراط التحليل في العقد هو الذي يفسده وعند عدم الشرط يكون العقد
صحيحا.
ولكن إذا تأملنا في الرأي الأول الذي قال به الإباضية والمالكية والحنابلة نجده يتوافق مع روح الشريعة ومقاصدها والنصوص الثابتة، فالله تعالى يقول في شأن العلاقة الزوجية: وأخذن منكم ميثاقا غليظان () ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى (3).
فمن هذين النصين الشرعيين نجد الإسلام لا يرضى أن يُعبث بهذه العقود التي
1 - محمد بن الحواري: جامع أبي الحواري، ج 3 / ص 125 - 126.
النساء: 21
- أخرجه الربيع بن حبيب في مسنده عن ابن عباس، باب النية: ج 1/ص 23.
237 (1/245)
صفحة 246
تبنى على أساسها العلاقات الزوجية، وتكون سببا لدوامها واستمرارها، فليس من المعقول أن تترك هذه العلاقة ليعبث بها هذا المحلل والمحللة والمحلل له، وإنما يجب أن نسد باب كل ذريعة تؤدي إليه مادام المقصد الأصلي من هذا العقد الظاهري هو التحليل فقط، وليس دوام العشرة الزوجية. وبعد هذا فلم أجد أصدق ولا أبلغ مما قاله ابن تيمية ردا على دعاة التحليل تأكيدا لما ذهبنا إليه فيقول: دين الله أزكى وأطهر من أن يحرم فرجا من الفروج حتى يستعار له تيس من التيوس لا يرغب في نكاحه، ولا مصاهرته، ولا يراد بقاؤه مع المرأة أصلا فينزو عليها، وتحل بذلك، فإن هذا سفاح وزني كما سماه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف يكون الحرام محللا؟ أم كيف يكون الخبيث مطيباً؟ أم كيف يكون النجس مطهرا؟ هذا هو الحق الذي نرتضيه وإليه ذهب أكثر الفقهاء).
وبناء على ما تقدم فالراجح عندنا أن الزواج على هذا النحو يكون فاسدا وباطلا لأنه زواج لا يقصد به ما شرع لأجله وهو دوام العشرة وتكوين الأسرة، بل يقصد به غرض آخر غير مشروع، وهو إحلال الزوجة لزوجها، فيكون في معنى الزواج المؤقت، والزواج المؤقت غير صحيح عند جمهور الفقهاء (3).
1 - العدوي: الوسيط، ص 169. الغندور: الأحوال الشخصية، ص 93.
2 - بدران: الفقه المقارن، ص 376. الصباغ الإيضاح في أحكام النكاح، ص 279.
238 (1/246)
صفحة 247
1) تعريف الزنى:
المبحث الرابع
نكاح الزاني والزانية
أ- في اللغة: زنا وزنى الزنا يمد ويقصر زنى الرجل يزني، زني مقصور، زناء ممدود، وكذلك المرأة، ومنه قول الأعشى: «إما نكاحا وإما أزن»، يريد أزني وحكى ذلك بعض المفسرين للشعر، وزاني مزناة وزناء بالمد، عن اللحياني، وكذلك المرأة أيضا،
وأنشد:
أما الزناء فإني لست قاريه
والمال بيني وبين الخمر نصفان والمرأة تزاني مزاناة وزناء، أي: تباغي، قال اللحياني: الزنى مقصورة لغة أهل
الحجاز قال الله تعالى: ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا (1). بالقصر، والنسبة إلى المقصور، زنوي، والزناء ممدود لغة بني تميم، وفي
الصحاح المد لأهل نجد، قال الفرزدق:
أبا حاضر من يزن يعرف زناؤه ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكر (2) ب في الشرع: عرفه القرطبي بقوله: «الزنى: هو اسم لوط الرجل امرأة في فرجها من غير نكاح ولا شبهة نكاح بمطاوعتها (3).
وفي تعريف الزنى: «إدخال فرج في فرج مشتهى طبعا محرم شرعا؛ فإذا كان ذلك وجب الحد (4)
-1
وعرفه الدردير فقيه المالكية بقوله: «الزنا إيلاج مسلم مكلف حشفة في فرج
سورة الإسراء: 32.
2 - ابن منظور لسان العرب، ج 6/ ص 96.
- القرطبي أبو عبيد الله محمد بن أحمد الأنصاري: الجامع لأحكام القرآن، مج 6، ج 12/ص 159. حققه أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، وصححه هشام البخاري، ط 1، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان.
- القرطبي: المرجع نفسه
•
239 (1/247)
صفحة 248
آدمي مطيق عمدا بلا شبهة، وإن دبرا أو ميتا غير زوج أو مستأجر لوطء أو مملوكة تعتق عليه أو مرهونة).
من خلال هذه التعاريف يمكن تحديد مفهوم الزنى في اصطلاح الفقهاء، وهو إدخال ذكر الرجل عمدا في فرج امرأة أجنبية من غير عقد ولا شبهة نكاح ولا ملك طوعا دون إكراه. ويطلق السفاح على الزنى، قال ابن بركة البهلوي: «وأما الزنا فإنه سفاحا لأن الزانيين يتسافحان للماء، يسفح كلّ واحد منهما ماءه لصاحبه، أي سمي النطفة عليه فكانوا يرون أن قولهم سافحين أحسن من قولهم زانيين (2) وقال الكدمي: «والسفاح كل ما عدا النكاح والملك باليمين مما أحله الله بالنكاح والملك، فما يأتي بغير نكاح ولا ملك فهو سفاح، والسفاح هو الزنا (3).
يصب
2) حكم نكاح الزاني والزانية:
اختلف الفقهاء في حكم نكاح الزاني والزانية؛ هل هو صحيح أم فاسد؟ وهل تحرم الزانية على الزاني حرمة مؤبدة أم مؤقتة؟ أم هي حلال كبقية النساء؟ وهل الحرمة تختص بمزنية الرجل أم هي عامة لكل زانية ولو من غيره؟ وهل يؤثر الزني على العلاقة الزوجية إذا حدث من أحد الزوجين؟.
وللإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها وتوضيح هذه المسألة يحسن بنا تقسيمها
إلى ثلاثة أقسام:
أ- حكم زواج الرجل بمزنيته.
ب - حكم زواج الرجل بمزنية غيره.
جـ - حكم العلاقة الزوجية في حالة زنا أحد الزوجين.
ونشرع بعون الله في بيان ذلك:
أولا: حكم نكاح الرجل بمزنيته:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة إلى مذهبين:
ا - عثمان الجعلي سراج السالك، ج 2/ص 220.
2 - ابن بركة الجامع، ج 2/ص 133.
الكدمي: الاستقامة، ج 3 ص 202
240 (1/248)
صفحة 249
أحدهما: يقول بحرمة نكاح الرجل مزنيته حرمة مؤبدة.
وثانيهما: يقول بجواز نكاح الرجل مزنيته إلا أنهم اختلفوا في تطبيق هذا الحكم فمنهم من يرى الجواز مطلقا ومنهم من يرى الجواز بشروط وحتى يتضح ذلك جليا سوف نستعرض أدلة كل فريق مع مناقشتها لبيان منشأ الخلاف في هذه المسألة: الفريق الأول:
ذهب فقهاء الإباضية على أن من زنى بامرأة متعمدا يحرم عليه نكاحها حرمة مؤبدة سواء تابا من فعلتهما الشنيعة أم لم يتوبا، أو تاب أحدهما ولم يتب الآخر، أو كان الزني برضى وطواعية، أو بدونهما، وسواء كانا مسلمين أو مشركين وقت الزنى، أو كان أحدهما مسلما والآخر مشركا، أو كان أحدهما طفلا والآخر بالغا، أو كان أحدهما عاقلا والآخر مجنونا، أو كان أحدهما يقظا والآخر نائما، وسواء زنى بها في الفرج أو في غير الفرج من جسدها، لأن النظر إلى الفرج عمدا أو لمسه كل ذلك في حكم الجماع يوجب الحرمة عند الإباضية).
ومن الذين يقولون بهذا الرأي من فقهاء الإباضية إمام مذهبهم جابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم، ومحبوب بن الرحيل، ومحمد بن محبوب، وصالح الدهان، والربيع بن حبيب، صاحب المسند)، ووائل بن أيوب، وموسى بن علي، وعبد الله بن عبد العزيز، وأبو المؤرج، وعدد كبير من علمائهم المتقدمين والمتأخرين وهو المذهب الذي لا يختلفون فيه.
ومما يدل على ذلك ما رُوي عن الإمام أفلح بن عبد الوهاب قال: «حدثنا بشر بن غانم الخرساني عن حاتم بن منصور عن عمارة بن حيان عن أبي الشعثاء جابر بن زيد أنه سئل عن الرجل يزني بامرأة ثم يتزوجها؟ قال: اجعلوا بينهم البحر الأخضر، وإن استطاع ألا ينظر إليها فليفعل)
-
الجناوني: كتاب النكاح، ص 41. أبو غانم الخراساني: المدونة الكبرى، ج 2 ص 22 - 23. محمد بن الحواري جامع أبي الحواري، ج 3/ ص 168. ابن بركة البهلوي: كتاب الجامع، ج 2/ص 133. محمد اطفيش: شرح كتاب النيل، ج 6 / ص 47.
2 - أبو غانم الخرساني: المدونة الكبرى ج 2 / ص 22، 23 – خميس الشقصي ج 15 / ص 167.
241 (1/249)
صفحة 250
وفي رواية أخرى عن جابر بن زيد - رحمه الله - قال: «إذا زنى رجل بامرأة فلا يتزوجها إنهما زانيان ما اجتمعا، أو قال ما اصطحبا لأن نكاحهما الأخير حرام فهما على حكم الزنى في الأولى والآخرة» (1)
وقد نقلوا هذا الحكم عن مجموعة من الصحابة الكرام منهم: ابن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، والبراء بن عازب، وعلي بن أبي طالب، وأبو هريرة، وجابر بن عبد الله، ومن التابعين الحسن البصري وابن سيرين
قال الشيخ أحمد بن حمد الخليلي: «إن ما ذهب إليه أصحابنا رحمهم الله هو القول الأحوط والأسلم والأقطع لشأفة الفساد هو مروي عن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم منهم: أم المؤمنين عائشة وابن مسعود والبراء بن عازب، فقد روي عن كل من هؤلاء أن من زنى بامرأة ثم تزوجها فهما زانيان أبدا» (3)
أدلة الفريق الأول
استدل فقهاء الإباضية على الحكم بتحريم ومنع نكاح الرجل مزنيته بأدلة من
القرآن والسنة والقياس والمعقول.
أ من القرآن الكريم:
قال الله تعالى: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين (4)
وجه الاستدلال:
أن قوله تعالى: وحرم ذلك على المؤمنين راجع إلى ما جاء في الآية بشأن زواج الزاني بالزانية أو المشركة يفيد تحريم زواج الزاني مثل ما أنه محرم عليه زواجه بالمشركة (ه)
1 - خميس الشقصي: ج 15 / ص 167. أبو غانم الخرساني: المدونة الكبرى، ج 2 ص 22 - 23. وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب النكاح، ج 3 / ص 363.
2 - أبو يعقوب بن خلفون المزاتي: أجوبة بن خلفون، تحقيق عمرو بن خليفة النامي: ص 35 - 36. 3 - أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام سلطنة عمان: فتاوى فقهية، ص 2، صدرت 1419 هـ
4 - النور: 3.
ه البسيوي: جامع أبي الحسن البسيوي، ج 3 ص 38 سلمة العوتبي: الضياء، ج 8/ ص 222.
242 (1/250)
صفحة 251
وروي عن عائشة أم المؤمنين أنها فسرت قوله تعالى: وحرم ذلك على المؤمنين) أنه حرم على الزاني نكاح مزنيته، وعقب صاحب شرح كتاب النيل على قولها فقال: «وحكم كلامها - رحمها الله - حكم الحديث المرفوع إلى النبي، وفي ذلك رد القول من قال من المخالفين بتحليل نكاح الزاني بمزنيته مطلقا، ولقول من قال منهم بتحليله بشرط الإصلاح والتوبة (2).
ب من السنة النبوية وأقوال الصحابة
استدل أصحاب هذا الرأي بأحاديث عديدة رويت عن الرسول صلى الله عليه وسلم وبعض الصحابة -رضي الله عنهم والتابعين كلها تحرم نكاح الرجل بمزنيته وتوجب عليه الفرقة مهما طال الأمد، من ذلك:
1 - ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أيما رجل زنى بامرأة ثم تزوجها فهما زانيان إلى يوم القيامة (3).
2 وروي عنه أنه قال: «لا نكاح بعد سفاح).
وعن عائشة -رضي الله عنها قالت: «أيما رجل زني بامرأة ثم تزوج بها فهما زانيان ما اجتمعا (ه).
وفي رواية عن عبد الرزاق عن ابن التيمي عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عائشة قالت: لا نره إلا زانيان ما اجتمعا» (6).
- وعن البراء بن عازب أنه قال: «أيما رجل زنى بامرأة ثم تزوج بها من بعد
ما زنى بها فهما زانيان أبدا ما اصطحبا» (7)
1 - النور:.
2 - أمحمد بن يوسف اطفيش شرح كتاب النيل، ج 6/ ص 48.
3 - ذكر الشقصي هذا الحديث في مصنفه ولكن لم نعثر عليه في كتب السنن ولعله من قول عائشة موقوفا، وليس
-0
مرفوعا عن الرسول صلى الله عليه وسلم. راجع منهج الطالبين: ج 15/ ص 167.
- ذكر محقق كتاب شرح النيل أنه ورد هذا الحديث في صحيح ابن حبان، ولكن لم نعثر عليه ولعله توهم ذلك، راجع شرح كتاب النيل: ج 6 / ص 48.
1 - كتاب النكافي في سرقم الكبرى عن عائشة، كتاب النكاح، ج 7 /ص 157. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف: النكاح، حديث رقم (12801) ج 7 / ص 206.
6 - أخرجه البيهقي في السنن كتاب النكاح، ج 7 / ص 157.
- أخرجه البيهقي عن حنش بن المعتمر وقال حنش غير قوي، راجع السنن الكبرى، كتاب النكاح، ج / ص 156. وأخرجه ابن أبي شيبة، كتاب النكاح، باب من كره أن يتزوجها عن أبي الجهم، راجع: المصنف في الأحاديث والآثار للحافظ عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي العبسي (ت: 235 هـ)، ج 3/ص 363، ط 1، دار الفکر، بيروت، 1409 هـ / 1989 م.
243 (1/251)
صفحة 252
وقد عقب البيهقي عليه فقال: «وقد عورض قول البراء بقول ابن عباس: أوله سفاح وآخره نكاح كما عورض بقوله قول عائشة ومع من رخص فيه دلائل من الكتاب والسنة)
-
ه وذكر عن علي بن أبي طالب أنه فرق بين رجل وامرأة زني بها ثم تزوجها، ففرق بينهما علي قبل أن يدخل بها (2).
6 - وعن جابر بن عبد الله والحسن البصري وإبراهيم النخعي قالوا: «يفرق بينهما وليس لها شيء» (3).
- أخبر الإمام أفلح بن عبد الوهاب عن الصلت بن دينار عن محمد بن سيرين عن ابن مسعود أنه قال في الرجل يزني بامرأة ثم يتزوجها؛ «إنهما زانيان مالم
يفترقا).
وعن الإمام أفلح أيضا عن الصلت بن دينار عن محمد بن سيرين عن عائشة أم المؤمنين وابن مسعود أنهما قالا: زانيان ما اجتمعا» وقال محمد بن سيرين: «توبتهما أن يفترقا»، وقال البيهقي: «فقد روي عن ابن مسعود ما دل على
الرخصة (6).
ج - من القياس
إضافة إلى النصوص الثابتة في القرآن والسنة وأقوال الصحابة فقد استدل أصحاب هذا الرأي بالقياس لإثبات صحة مذهبهم:
1 - قد قاس الإباضية مسألة تحريم نكاح الرجل مزنيته بمسألة نكاح الرجل ملاعنته (أي المرأة التي لا عنها حيث أن في اللعان مجرد اتهام الزوج الملاعن زوجته بالزني يحرمها عليه حرمة مؤبدة باتفاق جمهور الفقهاء رغم أنه كان يربط
1 - البيهقي: السنن، كتاب النكاح، ج 7 / ص 157.
-0
- القرطبي: الجامع لأحكام القرآن مج 6، ج 12 / ص 169. ابن خلفون: الأجوبة، ص 42 - 43.
ابن خلفون: ص 43.
- القرطبي: أحكام القرآن مج 6، ج 12 ص 170 ابن خلفون: الأجوبة، ص 41 - 42، وأخرجه البيهقي: السنن،
كتاب النكاح، ج 7 / ص 156.
ابن خلفون: ص 42. خميس الشقصي: منهج الطالبين، ج 15/ ص 167. - عبد الرزاق المصنف كتاب النكاح، حديث رقم (12802)، ج 7 ص 206.
244 (1/252)
صفحة 253
بينهما عقد شرعي صحيح، بينما في نكاحه لمزنيته نجده قد بني على اتصال غير بالفعل، وليس بالقول كاللعان، فكان هذا قياسا أولى وأقوى لاستواء العلة الجامعة بين الأمرين.
شرعي
وقد وضح الشقصي هذا التعليل فقال: «والدليل على ذلك قوله تعالى في كتابه أن الرجل إلى رمى زوجته بالزنى ورفع ذلك إلى الحاكم أنه يلاعنها، ويفرق بينهما ولا يجتمعان أبدا، وإذا زنى بها هو كان أشد حرمة، وأعظم إثما، وأقبح فاحشة لما عرف من فجورها، وعرفت من فجوره، وربما كان تزويجه بها لما عرف منها وما
عرفت منه، وهذا أشد من القذف، وإذا صح التحريم في الأخف كان الأشد أحق أن لا
يجون)
وقد نقل الشقصي إجماع الاباضية على التحريم المذكور (2).
ونستنتج مما ذكر أن الإباضية جعلوا علة تحريم المرأة على ملاعنها هي القذف بالزنى وانتهاك فراش الزوجية وهذه العلة حاصلة في المرأة التي زنى بها إذا ثبت زناهما، وهذا أدعى لتحريمها عليه، عملا بالقاعدة الفقهية المشهورة: «من تعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه».
وقد أكد ذلك ابن خلفون الإباضي في أجوبته لما سئل عن حكم الزواج بالمرأة الزانية فاحتج بهذا القياس الجلي الذي لا يترك مجالا للشك والتردد، فقال: «وحجة أصحابنا ومن قال بقولهم بالمنع من نكاح الزانيات على كل حال، لما حكم الله باللعان، وجاءت السنة بالفرقة بينهما، والحكم بأن لا يجتمعا أبدا بالذي رماها به زوجها من الزنى الموجب لللعان الذي ذكر الله بين الزوج والمرأة، فكانت العلة للفراق بأن لا يجتمعا ادعاؤه الزنى عليها وهي منكرة، وجب في القياس إن كان فجر بها أحرى وأحق ألا تحل له أبدا، ويلزمه فراقها إذا تزوجها لاستواء العلة الجامعة للأمرين بل زناه بها أعظم في القياس (3).
2 - ومما احتج به أصحاب هذا الرأي اتفاق أهل العلم على من نكح في العدة متعمدا أو وطئ فيها أن يفرق بينهما ولا يجتمعان أبدا وقالوا: أول من قضى بذلك
1 - الشقصي: منهج الطالبين، ج 15/ص 168. 2 - خميس الشقصي: منهج الطالبين، ج 15/ص 168.
2 - ابن خلفون: الأجوبة، ص 40.
245 (1/253)
صفحة 254
عمر بن الخطاب -رضي الله عنه وقال: «هذا حرام من النكاح ولا مخالف له، والنهي يدل على فساد المنهي عنه في الأمرين جميعا (1).
فقد ورد في موطأ مالك أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- فرق بين رجل وامرأة تزوجها واقترن بها قبل انسلاخ عدتها وقال: «لا يجتمعان أبدا» بمذهبه هذا مالك والليث والأوزاعي وأحمد بن حنبل وروي أيضاً عن علي بن أبي
طالب (2).
وقد أخذ
ووجه القياس أنه حكم في حال الزواج بالمعتدة فوجب أن يحكم به أيضا في حالة الزنى، بل إن التحريم في حالة الزنى أولى، لأنه واقع دون أي وجه شرعي فهو زني صريح يلزم معه الحد بينما هو في حالة العدة ليس زنى صريحا ولذلك روى عن عمر أنه اكتفي بتعزيزهما للشبهة الحاصلة (3)
وإذا كان هذا الحكم في وطء بني على عقد وإن كان غير صحيح بل في نفس العقد جائز، فما بالك بالزنا الصريح؟ أليس أحق بالحرمة الأبدية مع لزوم الحد الشرعي؟ وقد علمنا أن عمر - رضي الله عنه لم يقم الحد الشرعي على اللذين فرق بينهما فرقة أبدية لتزوجهما في أثناء العدة، بل اكتفى بتعزيرهما للشبهة
الحاصلة (1)
الفريق الثاني:
-
ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه يجوز للرجل أن يتزوج بامرأة زنى بها، ونقلوا هذا الحكم من بعض الصحابة -رضي الله عنهم - كعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وأبي بكر الصديق، ومن التابعين: کمجاهد، وسعيد بن المسيب والثوري وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم (4)
1 - اابن خلفون: ص 41.
- 423
2 - مالك: الموطأ: كتاب النكاح، باب جامع ما لا يجوز من النكاح، حديث رقم (27) مج 1 ج 2 / ص الباجي أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعيد بن أيوب الأندلسي المالكي (ت: (494) المنتقى شرح موطأ الإمام مالك مج 3، ج 3 / ص 315، 19 ط 1 - مطبعة السعادة. - مصر نشر دار الكتاب العربي بيروت - مالك - المدونة الكبري رواية سحنون ج 2 / ص 36. 3 - أحمد الخليلي: فتاوى شرعية، مخطوط.
- ابن رشد: بداية المجتهد، ج 3 ص 1003. أحمد الصاوي: بلغة السالك على الشرح الصغير للدردير، ج 2 / ص 260. المرغياني: الهداية، ج 1 / ص 187. الشيرازي: المهذب، ج 2 / ص 440. علي عبد الحميد بلطه جي وآخرون: المعتمد في فقه الإمام أحمد، 0 ج 2 / ص 179، ط 2،، دار الخير - بيروت، 1414 هـ / 1994 م.
246 (1/254)
صفحة 255
أدلة الفريق الثاني:
استدل الجمهور على صحة ما ذهبوا إليه بأدلة من القرآن والسنة وأقوال العلماء
من ذلك:
أ من القرآن الكريم:
قال الله تعالى: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين (1).
وجه الاستدلال:
يرى أصحاب هذا الرأي أن هذه الآية منسوخة، فقد روى مالك عن يحي بن سعيد
بن المسيب قال: «نسخت هذه الآية التي بعدها وأنكحوا الأيامى منكم (2) وقال ابن عمرو: دخلت الزانية في أيامى المسلمين»، قال أبو جعفر النحاس: وهذا القول عليه أكثر العلماء، وأهل الفتيا يقولون إن من زنى بامرأة فله أن يتزوجها، ولغيره أن يتزوجها وهو قول ابن عمر وسالم وعطاء وطاوس ومالك بن أنس وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وقال الشافعي فيها كما قال سعيد بن المسيب إن شاء الله منسوخة» (3)
وقد تأول الجمهور مدلول هذه الآية فقال القرطبي: أن يكون مقصد الآية تشنيع الزنى وتبشيع أمره، وأنه محرم على المؤمنين واتصال هذا المعنى بما قبل حسن بليغ، ويريد بقوله: «لا ينكح» أي لا يطأ، فيكون النكاح بمعنى الجماع، وردد القصة مبالغة وأخذا من كلا الطرفين ثم زاد تقسيم المشركة والمشرك من حيث الشرك أعم في المعاصي من الزنى، فالمعنى: الزاني لا يطأ في وقت زناه إلا زانية من المسلمين أحسن منها من المشركات، وقد روي عن ابن عباس وأصحابه أن النكاح
أو من هي في هذه الآية الوطء (4)
1 - النور: 3.
2 - النور: 32.
- القرطبي: أحكام القرآن، مج 6، ج 12/ ص 169. - القرطبي: أحكام القرآن، مج 6، ص 12/ ص 67.
247 (1/255)
صفحة 256
ذلك:
ب من السنة النبوية
استدل الجمهور بأحاديث وردت عن الرسول الله وبعض أصحابه تدعم رأيهم من
1 - أخرج ابن ماجه عن ابن عمر والبيهقي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحرم الحرام الحلال».
2 روي أن رجلا زنى بامرأة في زمن أبي بكر - رضي الله عنه – فجلدهما مائة جلدة ثم تزوج أحدهما من الآخر مكانه، ونفاهما سنة، وروي مثل ذلك عن عمرو وابن مسعود وجابر بن عبد الله (2).
عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال سئل أبو بكر الصديق -رضي الله عنه عن رجل زنى بامرأة ثم يريد أن يتزوجها، قال: «ما من توبة أفضل من أن يتزوجها، خرجا من سفاح إلى نكاح (3).
- وروى ابن وهب عن ابن أبي ذئب عن شعبة مولى ابن عباس أنه سمع رجلا يسأل ابن عباس قال: «كنت أتبع امرأة فأصبت منها ما حرم الله علي، ثم رزق الله منها توبة فأردت أن أتزوجها، فقال الناس: إن الزاني لا ينكح إلا زانية، فقال ابن عباس: ليس هذا موضع هذه الآية، أنكحها فما كان فيه من إثم فعل).
ه - وسئل ابن عباس عن هذا النكاح فقال: «كان أوله سفاحا وآخره نكاحا ومن تاب تاب الله عليه (ه).
6 - وقال ابن وهب وأخبرني رجال من أهل العلم عن معاذ بن جبل وجابر بن عبد الله، وابن المسيب ونافع وعبد الله بن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، وحسين بن
1 - ابن ماجه السنن، كتاب النكاح حديث رقم (2015) ج 2 / ص 214، قال البوصري في الزوائد في إسناده عبد الله بن عمر غير الصحابي وهو ضعيف البيهقي: السنن الكبرى، ج 7/ص 168 - 169. القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، مج 12، ج 6 / ص 170.
- عبد الرزاق بن همام الصنعاني: المصنف، ج 7 / ص 204، حديث رقم (12795) تحقيق عبد الرحمن الأعظمي، ط 2، المكتب الإسلامي بيروت.
4 - مالك: المدونة الكبرى رواية سحنون، ج 2/ص 173.
- مالك: ج 2 ص 173. أبو غانم الخرساني: المدونة الكبرى، ج 2 ص 23. وأخرجه البيهقي في السنن: ج 7 / ص 155 وأخرجه عبد الرزاق المصنف، كتاب النكاح، حديث رقم (12786)، ج 7 / ص 202.
248 (1/256)
صفحة 257
محمد بن علي في الرجل يفجر بالمرأة ثم يتزوجها، فقالوا لا بأس بذلك إذا تابا وأصلحا وكرها ما كان).
- أخبر عبد الرزاق قال أخبرنا عبيد الله بن عمر عن نافع قال: «جاء رجل إلى أبي بكر وذكر له أن ضيفا له افتض أخته استكرهها على نفسها، فسأله فاعترف بذلك، فضربه أبو بكر الحد ونفاه سنة إلى فدك، ولم يضربها ولم ينفها؛ لأنه استكرهها ثم زوجها إياه أبو بكر وأدخله عليها (3).
جـ - من القياس:
قالوا كيف للحرام أن يحرم الحلال؟ فالذي تزوج مزنيته يشبه بمن دخل بستانا ثم سرق ثمرة، وبعد ذلك أتى صاحبه واشترى منه ثمرة، فما سرق حرام، وما اشترى حلال والسرقة لم تحرم الشراء الحلال.
وقالوا بجواز نكاح الزانية، وهذا كمن أكل من نخلة أول النهار واشتراها آخره
محله مشرك زنى بمشركة فإنه يجوز لهما التناكح بعد إسلامهما مطلقا (3). ولكن اختلف الجمهور القائلين بجواز نكاح الرجل مزنيته إلى ثلاثة أقوال: الأول: وهو قول الحنفية والشافعية وهو أنه يجوز للرجل أن يعقد على امرأة زني بها مطلقا دون اشتراط التوبة أو استبراء رحمها من الماء الفاسد، ويجوز الدخول عليها في الحال، سواء أكانت حاملا أم غير حامل لعدم وجود الدليل على تحريمها عليه (4)
واستدلوا على قولهم بالأدلة التالية:
1 - ما يتعلق بصيغة العقد عليها، فلأنها لم تذكر المزني بها في المحرمات
1 - 6 - مالك: ج 2/ص 173. وأخرجه البيهقي، السنن، كتاب النكاح، ج 7 / ص 155. و مثله. وروي عبد الرزاق في المصنف عن سعيد بن جبير في امرأة فجر بها رجل ثم يريد أن يتزوجها قال: «أوله سفاح وآخره نكاح وأحلها له ماله»، كتاب النكاح حديث رقم (12789)، ج 7 / ص 203. 2 - عبد الرزاق المصنف، كتاب النكاح، ج 7/ 204، حديث رقم (12796) وقد أخرجه مالك في الموطأ، نافع عن صفية كتاب الحدود حديث رقم (13) مج 1، ص 630. وأخرجه البيهقي عن نافع عن صفية، وكذلك من طريق ابن اسحاق عن نافع عن ابن عمر، ج 8/ ص 223، وقد اختلف الرواة في سياق القصة، وعلق البيهقي نحو هذه القصة فذكر أن أبا بكر نفاهما. راجع السنن الكبرى للبيهقي، ج 7 / ص 155.
- محمد اطفيش شرح كتاب النيل، ج 6/ ص 47.
- المرغياني: الهداية في شرح بداية المبتدي، ج 2 / ص 190. الشيرازي: المهذب، ج 2 / ص 440.
249 (1/257)
صفحة 258
فتكون مباحة لقوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم).
2 - لا حرمة لماء الزنا بدليل أنه لا يثبت به النسب للحديث الذي رواه الجماعة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الولد للفراش وللعاهر الحجر).
الثاني: قول المالكية وهو عدم جواز العقد على الزانية قبل استبرائها من الزنا بحيضات ثلاث أو بمضي ثلاثة أشهر، وقال بعضهم: يجوز استبراؤها بحيضة واحدة (3)؛ فإن عقد عليها الزاني قبل الاستبراء كان العقد فاسدا ووجب فسخه سواء ظهر بها حمل أم لا؟.
ولم يفرق المالكية في شرط الاستبراء بين التي زنى بها الرجل وأراد العقد عليها، وبين التي زنى بها غيره، وأراد هو نكاحها.
وتأكيدا لما سبق فقد سأل سحنون أحد فقهاء المالكية شيخه عبد الرحمن بن القاسم عن رأي مالك في نكاح الرجل مزنيته فقال: «قلت أرأيت الرجل إذا زنى بالمرأة أيصلح له أن يتزوجها؟ قال: قال مالك: نعم يتزوجها، ولا يتزوجها حتى تستبرئ رحمها من مائه الفاسد (4)
واستدل المالكية على صحة ما ذهبوا إليه بأدلة عديدة منها:
1 - عن ابن مسعود -رضي الله عنه قال: «إذا زنى الرجل بالمرأة ثم نكحها بعد ذلك فهما زانيان أبدا» (ه). قال القرطبي: «وبهذا أخذ مالك رضي الله عنه فرأى أنه لا ينكحها حتى يستبرئها من مائه الفاسد؛ لأن النكاح له حرمة، ومن حرمته ألا السفاح فيختلط الحرام بالحلال ويمتزج ماء المهانة بماء العزة» (6)
1 - النساء: 24.
يصب على ماء
2 - ذكره الشوكاني: نيل الأوطار، ج 6 / ص 279، وأخرجه الربيع بن حبيب الجامع الصحيح، كتاب الأحكام، باب الحدود حديث رقم (609)، ج 2 ص 236، والبخاري: الجامع الصحيح، كتاب الوصايا، الحدود، ج 4 / ص 171. مسلم: صحيح مسلم شرح النووي، كتاب الرضاع، حديث رقم (1458)، ج 5 / ص 293. ومالك في الموطأ كتاب الأقضية، حديث رقم (20)، ج 2 / ص 567. ونقل السالمي عن ابن عبد البر أن حديث الولد للفراش من أصح ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم جاء عن بضعة وعشرين نفسا من الصحابة.
- عثمان الجعلي سراج السالك، مج 1، ج 2/ص 103. 4 - مالك: المدونة الكبرى، ج 2/ص 173.
10
سبق تخريجه في هذا البحث.
- القرطبي: الجامع، مج 6، ج 12 / ص 170.
250 (1/258)
صفحة 259
2 - ما رواه الترمذي عن رويفع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين ماءه زرع غيره عني وطأ الحوامل، قال الصنعاني: «وفيه دليل على تحريم وطء الحامل من غير الواطئ (3).
يصح
العقد
ونُقِلَ مالك وأحمد في رواية عنه وأبو يوسف وزفر من الحنفية أنه لا على الزانية الحامل، احتراما للحمل إذ لا جناية منه؛ ولأنه باتفاق جمهور الفقهاء لا يحل الدخول بالزانية فإذا منع الدخول منع العقد ولا يحل الزواج حتى تضع الحمل (3).
- الخوف من اختلاط الانساب، وذلك لامتزاج الماء الحلال بالحرام. - إن العدة وجبت لمعرفة براءة الرحم، ولأن الزانية قبل العدة يحتمل أن تكون حاملا فيكون نكاحها باطلا فلم يصح كالموطوءة بشبهة).
الثالث: قول الحنابلة، وهو عدم جواز الزواج بها إلا بانقضاء عدتها والتوبة من الزنى واستدلوا بإنقضاء عدتها بالحديث الصحيح عن أبي سعيد – رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سبايا أوطاس: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة) وهو رأي مالك.
واستدلوا لاشتراط التوبة بما يأتي:
1 - أن ابن مسعود قرأ بعد ذكره لآية الزني وحرم ذلك على المؤمنين (1) آية وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات (1) وآية إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب () وهو يشير إلى أنه يرى
1 - رواه أبو داود في كتاب النكاح حديث رقم (2158)، ج 2 / ص 248، والترمذي في كتاب النكاح حديث رقم (1131)، ج 3 ص 437، قال الصنعاني أخرجه أبو داود والترمذي وصححه ابن حبان وحسنه البزار، راجع سبل السلام: ج 3 ص 426.
2 - ابن قدامة: المغني، ج 7 / ص 63. الزحيلي: الفقه، ج 7 / ص 150. أحمد الغندور: الأحوال الشخصية،
ص 126،125. - المرجع نفسه.
10
4 - المرجع نفسه
رواه مسلم في كتاب الرضاع حديث رقم (1456)، ج 2 / ص 1079 - 1080 بنحوه، وأبو داود في كتاب النكاح، حديث رقم (2157)، ج 2 / ص 248، والترمذي في كتاب النكاح حديث رقم (1132)، ج 3 ص 438، وأحمد في مسنده، ج 3 ص 62، والدارمي: ج 2 ص 171، والدار قطني، ج 2 / ص 472. والحاكم في المستدرك 195/ 2، والبهيقي: ج 7 / ص 449. 6 - النور: 3.
-
الشورى: 25.
- النساء: 17.
251 (1/259)
صفحة 260
أنها تحل له بالتوبة، قال ابن وهب: «فلم پر ابن مسعود به بأساً» (1).
وما ذهب إليه ابن مسعود روي أيضا عن علقمة.
2 - وقال جابر بن عبد الله وابن المسيب كان أول أمرها حراما وآخره حلالا، قال ابن المسيب ومن تاب تاب الله عليه وقال أيضا لا بأس به إذا هما تابا وأصلحا وكرها ما كانا عليه (2).
ونقل ابن خلفون هذا الرأي في أجوبته فقال: «وأما الذين قالوا مع التوبة والصلاح فقالوا حرم الله نكاح المجاهرة بالزنى وذات الخذن، فإذا تابتا وتركتا ما كانتا عليه جاز نكاحهما ... ثم عرض أدلتهم السابقة الذكر وقال: «وقالوا لسعيد بن المسيب عن أبي هريرة: إنهما زانيان ما اجتمعا فقال: كذبوا على أبي هريرة بل أوله حرام وآخره حلال، إذا تابا وأصلحا وكرها ما كانا عليه، وروي ذلك عن سعيد بن جبير وقتادة واختاره أبو عبيد القاسم بن سلام، وأحمد بن الحسين، ورواه عن إبراهيم بن إسماعيل بن علية، وقالوا: المانع من نكاحها إقامتها على الفجور، فإذا تابت عادت إلى الأصل الذي كانت عليه وهو الإباحة» (3).
ثانيا: حكم زواج الرجل بمزنية غيره: لقد بينا في مسألة زواج الرجل بمزنيته أن الفقهاء انقسموا إلى فريقين، فريق يقول بالتحريم والمنع، وفريق يقول بالجواز، ونجدهم كذلك في مسألة زواج الرجل بمزنية غيره سلكوا نفس المسلك بين محرم ومجوز وسوف نتعرض إلى رأي كل فريق مع أدلته دون تفصيل كما سبق.
المذهب الأول القائلون بالمنع:
ذهب جمهور فقهاء الإباضية وآخرون إلى منع وتحريم نكاح الرجل مزنية غيره
1 - مالك: المدونة الكبرى، ج 2/ ص 173. وأخرجه عبد الرزاق عن معمر عن الحكم بن أبان قال: سألت سالم بن عبد الله عن الرجل يزني بالمرأة ثم ينكحها فقال: سئل عن ذلك ابن مسعود فقال مثله. المصنف: كتاب
النكاح، حديث رقم (12800)، ج 7 ص 207.
مالك: م. ن. ج 2 ص 173
- ابن خلفون: الأجوبة، ص 35 - 36.
252 (1/260)
صفحة 261
- أي المرأة التي فجر بها غيره بغصب أو طواعية - سواء علم بزناها أو لم يعلم به، وسواء تابت من فعلتها وأصلحت من حالها أم بقيت دون توبة وإصلاح.
وانما جوزوا زواجها بزان مثلها شريطة ألا يكون قد زنى بها أو شهد فاحشتها
أو علم بزناها وأن يكونا قد أقيم عليهما الحد.
واستندوا في ذلك إلى أدلة من القرآن والسنة:
أ من القرآن الكريم:
1 - قال تعالى: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلى زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين (1).
وجه الاستدلال
بين الشقصي مدلول هذه الآية بقوله: «وذلك إذا كانا محدودين (3)، فلا يجوز أن ينكحها أحد من المسلمين إلا محدود مثلها باتفاق الأمة، يكون محدودا على زنى غير التي يتزوجها، ولا يجوز لرجل تزويج امرأة زنى بها ولا تزويج محدودة على الزنا إذا لم يعلم هو زناها ولم يعاين منها الزنا (3).
وذكر الزجاج وغيره عن الحسن أنَّ المراد الزاني المحدود والزانية المحدودة، قال: وهذا حكم من الله فلا يجوز لزان محدود أن يتزوج إلا محدودة، وقال إبراهيم النخعي نحوه (4).
روى الإمام أفلح في تفسير هذه الآية حديثا رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: الزاني المجلود لا ينكح إلا زانية مثلها، وحرم ذلك على المؤمنين» () وكذلك تأويل
1 - النور: 3. 2 - المحدود: هو الذي طبق عليه الحد الشرعي، وهي عقوبة شرعها الله لجريمة الزني للبكر الجلد وللثيب الرجم. 3 - خميس الشقصي: منهج الطالبين، ج 15/ص 168 - 169. - القرطبي: الجامع، مج 6، ج 12 / ص 168 - 169.
ه- أخرجه الصنعاني في سبل السلام عن أبي هريرة، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ينكح الزاني المجلود إلا مثله»، قال ورجاله ثقات، ج 3 / ص.270. ورواه أبو داود في كتاب النكاح، باب في قوله تعالى: الزاني لا ينكح إلا زانية حديث رقم (2052)، ج 2 ص 221 وأحمد في مسنده، ج 2 ص 324. والحاكم في المستدرك في كتاب النكاح، باب ألا لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله، وقال حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (البخاري ومسلم)، حديث رقم (2747)، ج 2 / ص 515 - 516.
253 (1/261)
صفحة 262
الحسن بن أبي الحسن البصري إلا أنه قال: نسخ منه المشرك والمشركة).
وقد منع جمهور الإباضية المتقدمين الزاني المحدود من تزوج غير الزانية المحدودة، ولو بعد التوبة والصلاح، قال الشقصي: «وأما المحدود فلا يتزوج عند أصحابنا إلا المحدودة ولو تاب عندهم من ذلك» (2).
وقال
أحمد
الخليلي في بيان مدلول هذا الحديث: «أنه لا يقتضي بحال حصر
النكاح في الذي جُلِد بسببه حتى يعد دليلا على جواز نكاح الزاني للمزني بها، وإنما يعني أن المحدود على الزنا ليس كفء لغير المحدودة (3).
2 - واستدلوا بقوله تعالى: اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم، والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان (1) فالزانية غير محصنة ولا عفيفة.
3 - وقال تعالى: فأنكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان ().
قالوا معنى محصنات: أي عفائف أو عفيفات غير مسافحات) أي غير زانيات ولا) متخذات أخدان) أي ذات الخدن يزني بها في السر)
- من السنة النبوية
واستدلوا بقصة مرثد بن أبي مرثد الغنوي لما أراد أن يتزوج امرأة زانية فمنعه الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك؛ فقد ورد ذلك في حديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد وكان يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم
1 - رواه الربيع بن حبيب الجامع الصحيح، حديث رقم (904)، ج 4 / ص 354. وأخرجه أحمد بن حنبل في مسنده عن أبي هريرة: ج 2 ص 324. وأبو داود في كتاب النكاح: حديث رقم (2052)، ج 2 / ص 221. والحاكم في المستدرك: كتاب النكاح، حديث رقم (2838)، ج 2 ص 553. وقال هذا الحديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. 2 - الشقصي: ج 15 / ص 168 - 169.
- أحمد الخليلي: فتاوى شرعية، مخطوط في مكتبتي الخاصة، صدرت: 1998/ 1419، سلطنة عمان.
- المائدة: 5.
النساء: 25.
6 - ابن خلفون ص.39. ابن تيمية مجموع فتاوى النكاح، ص 179.
254 (1/262)
صفحة 263
المدينة، وكان بمكة بغي يقال لها (عناق) وكانت صديقة له، وكان وعد رجلا من الأسارى أن يحمله إلى المدينة قال: فجئت حتى انتهيت إلى حائط من حيطان مكة في ليلة قمراء فإذا عناق قد أبصرت سواد ظلي بجانب الحائط، فلما انتهت إليَّ عرفتني فقالت، مرثد قلت مرثد قالت مرحبا وأهلا بت عندنا الليلة، قال: قلت يا عناق إن الله حرم الزنى قالت: يا أهل الحي هذا الذي يحمل الأسارى قال: فاتبعني ثمانية رجال، وسلكت الخندمة فانتهيت إلى كهف أو غار فدخلته، وجاؤوا حتى قاموا عليَّ، فأعمى الله أعينهم عني فرجعوا ورجعت إلى صاحبي فحملته، وكان رجلا ثقيلا حتى انتهيت إلى الأدخر ففككت كلبه عنه، ثم جعلت أحمله حتى قدمت المدينة، فقلت يا رسول الله: أأنكح عناقا؟ فأمسك رسول الله له ولم يرد علي شيئا حتى نزلت هذه الآية: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين).
فقرأ رسول الله علي الآية فقال: «لا تنكحها» (3).
وقيل: نزلت في امرأة أبي جمال يقال لها أم مهزول) وكانت تسافح وتشترط أن ينفق عليها وأراد رجل أن يتزوجها فاستأذن فيها نبي الله وذكر له أمرها فأنزل الله هذه الآية (3) قاله مجاهد وعمرو بن العاص.
وقيل: إنه نزلت في أهل الصفة وكانوا قوما من المهاجرين ولم يكن لهم في المدينة مساكن ولا عشائر فنزلوا صفة المسجد، وكانوا أربعمائة رجل يلتمسون الرزق بالنهار ويأوون إلى الصفة بالليل، وكان بالمدينة بغايا متعالنات بالفجور، مخاصيب بالكسوة والطعام، فهم أهل الصفة أن يتزوجوهن فيأووا إلى مساكنهن ويأكلوا من طعامهن وكسوتهن، فنزلت هذه الآية صيانة لهم عن ذلك، قاله ابن أبي
(4)
صالح).
1 - النور: 3.
-2
النسائي: سنن، كتاب النكاح حديث رقم (3228) مج 3، ج 6 / ص 374 - 375. أبو داود: سنن، في النكاح، حديث رقم (205)، ج 1 ص 473. وأخرجه الترمذي سنن في تفسير القرآن حديث رقم (3177). أخرجه الحاكم في المستدرك: كتاب النكاح، حديث رقم (2839)، ج 2 / ص 553. القرطبي: الجامع، مج 6، ج 12/ ص 168.
- القرطبي: الجامع، مج 6، ج 12/ ص 168. ابن خلفون: الأجوبة، ص 40 - 41
255 (1/263)
صفحة 264
المذهب الثاني: القائلون بالجواز
ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وبعض الإباضية إلى جواز نكاح الرجل مزنية غيره، شأنه في ذلك شأن المرأة التي زني بها إلا أنهم اختلفوا في وجوب التوبة واستبرائها من الزنى فلم يشترط ذلك الحنفية والشافعية إلا عند وجود الحمل، فيصح العقد عليها وعدم الدخول بها حتى تضع حملها احتراما للحمل لقوله: لا توطأ حامل حتى تضع). وقال أبو يوسف وزفر من الحنفية لا يجوز العقد على الحامل من الزنا؛ لأن هذا الحمل يمنع الوطء فيمنع العقد أيضا كما يمنع الحمل الثابت، أي كما لا على الحامل من غير الزنا، فلا يصح على الحامل من الزنا وذلك للحديث السابق ذکره: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين ماءه زرع غيره (2).
يصح
العقد
وقد وضح ذلك المرغياني في شرحه فقال: «وإن تزوج حبلى من زنا جاز النكاح ولا يطؤها حتى تضع حملها»، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف رحمه الله: «النكاح فاسد، وإن كان الحمل ثابت النسب فالنكاح باطل بالإجماع لأبي يوسف رحمه الله أن الامتناع في الأصل لحرمة الحمل، وهذا الحمل محترم لأنه لا جناية منه ولهذا لم يجز إسقاطهن ولهما أي أبو حنيفة ومحمد) أنها من المحللات بالنص وحرمة الوطء كيلا يسقي ماءه زرع غيره، والامتناع في ثابت النسب لحق صاحب الماء، ولا حرمة للزاني» (3).
أما الإباضية والمالكية والحنابلة فلم يقصروا الاستبراء على الزانية الحامل بل عمموه على كل امرأة ثبت منها الزنا فلا يجوز العقد عليها ولا الدخول بها حتى تستبرئ بثلاث حيضات أو ثلاثة أشهر حتى لا يختلط الماء الحلال بالماء الحرام، أو ماء العزة بماء المهانة.
وقد اشترط بعض الإباضية والحنابلة شرطا آخر لجواز نكاح المرأة الزانية لم
1 - سبق تخريجه في هذا المبحث.
2 - سبق تخريجه في هذا المبحث. 3 - المرغياني: الهداية، مج 1، ج 1/ص 190.
256 (1/264)
صفحة 265
يشترطه غيره وهو وجوب التوبة والصلاح، فلا يجوز نكاح الزانية حتى تتوب من فعلتها ويصلح حالها، وعندئذ يجوز العقد عليها وذلك للأدلة السابقة ذكرها. ومن أبرز فقهاء الإباضية المتأخرين القائين بهذا الرأى، الشيخ أحمد بن حمد الخليلي والشيخ سعيد بن خليف الخروصي وغيرهما، وقد خالفوا بذلك رأي فقهاء المتقدمين، وذلك لرفع الحرج والتيسير على الناس والحفاظ على الأعراض والأنساب وإنقاذ الزناة من وحل الرذيلة وهذا يتماشى مع مقاصد الشريعة (1).
وقد استدل الجمهور بأدلة من القرآن والسنة سبق ذكرها في مسألة نكاح مزنية الرجل فلا داعي لإعادتها لأنهم لا يفرقون في الحكم بين مزنية الرجل وبين مزنية
غيره (2).
ثالثا: حكم العلاقة الزوجية في حالة زنا أحد الزوجين
إذا زنى أحد الزوجين فهل تتأثر رابطتهما الزوجية بالزني فتؤول إلى بطلان العقد وفسخه؟ أم يبقى العقد صحيحا ولا يتأثر بالزني؟ والفقهاء أمام هذه القضية ينقسمون إلى رأيين، وسنبين كل رأي مع أدلته ليتضح لنا الأمر جليا بعد المناقشة.
أ- رأي الإباضية
يرى جمهور فقهاء الإباضية أنه لو زنى أحد الزوجين بأجنبي وعلم الآخر بذلك، أو رآه يزني، أو أقر بالزنى على نفسه وصدقه الآخر؛ فإنه يحرم كل منهما على الآخر، وهذا بخلاف ما إن لم يعلم الآخر، فإنه في هذه الحالة لا تثبت الحرمة بينهما ولكن بأثم الزاني. أما إذا زني الزوج بإحدى قريبات زوجته مما ينتج عنه التحريم بالمصاهرة
كأمها وبنتها؛ فإن الزوجة تحرم عليه في هذه الحالة علمت أو لم تعلم. والحال كذلك إذا زنت بأحد أقاربه مما ينتج عنه التحريم بالمصاهرة كأبيه وابنه فانها تحرم عليه علم أو لم يعلم.
1 - أخذت هذه الفتوى من الشيخين، في لقاء خاص بتاريخ 16 200 م غرة شوال 1422 هـ سطنة عمان. 2 - ابن قدامة: المغني، ج 7 / ص 63. الزحيلي: الفقه، ج 7 / ص 150. الغندور: الأحوال الشخصية، ص 125 - 126. عثمان الجعلي سراج السالك، ج 2 ص 103.
257 (1/265)
صفحة 266
واختلفوا في زنى الرجل بأخت زوجته هل تحرم عليه باعتبار أنه
الوطأين أم لا؟.
جمع بين
فجمهور الإباضية يرى أنه لا تحرم عليه زوجته إذا لم يثبت زناه بأختها بالمشاهدة أو الإقرار بذلك، وخالفهم إمامهم جابر بن زيد فقال: «تحرم عليه
مطلقا)
وفي
هذا الصدد يقول الجناوني: وإذا زنت المرأة وعلم الزوج بزناها فقد حرمت عليه أبدا، وكذلك إن زنى الرجل وعلمت المرأة بزناه فقد حرم عليها، وإن لم يعلم بزناها ولم تعلم بزناه فلا يقع التحريم بينهما، إلا إن زنت بمن يحرمها عليه ممن ذكرناه من آبائه وأبنائه، فقد حرمت عليه، علم بذلك أو لم يعلم به.
حرم عليها
وكذلك إن زنى الزوج ولم تعلم المرأة بزناه فلا يحرم عليها، إلا إن زنى بمن يحرمه عليها زناه ممن ذكرنا من أمهاتها أو بناتها أو أخواتها؛ فقد علمت أو لم تعلم، وأما إن أقر لها بالزنى فلا تصدقه في ذلك، وكذلك إن أقرت له بالزني فلا يصدقها في ذلك (2)
وبناء على ما سبق فلو زنّى أحدهما بمن ينتج عن الزني به حرمة المصاهرة، فإن التحريم بينهما يقع، علم الآخر أو لم يعلم، ويجب التفريق، وكذلك ثبتت الحرمة ويجب التفريق في حالة الزني بغير من يوجب زناه حرمة المصاهرة إذا علم الطرف الآخر بالزنى أو صدق إقرار الزاني به.
أما إذا زني أحدهما بغير من يوجب زناه حرمة المصاهرة ولم يعلم الثاني بزناه فإن الحرمة لا تثبت ولكن يَبُوءُ الزاني بالإثم، فإن كان الزاني الزوج فلا تقبل توبته إلا أين يفارق زوجته، وإن كانت الزانية هي الزوجة فلا تقبل توبتها إلا أن تفعل ما بوسعها للمفارقة وأن تتحايل لمنع تمكينه منها على الأقل (3)
وقد نقل سحنون في المدونة عن ابن القاسم: عن مالك أنه يثتب الحرمة بين
1 - أبو غانم الخرساني: المدونة الكبرى، ج 2/ ص 21 - 22. أبو الحسن البسيوي الجامع، ج 3 ص 28 - 29. أبو الحواري الجامع، ج 3 / ص 156. السالمي: العقد الثمين، ج 3/ ص 5 - 6، 290، 30. - الجناوني: الهامش لعلي يحي معمر، ص 192.
-2
258
3 - المرجع نفسه. (1/266)
صفحة 267
الزوجين ويوجب المفارقة في حالة زِنَى الرجل بأم امرأته أو بنتها أو ما دون الزنى
من مقدمات، غير أن الرأي المشهور لمالك هو عدم التحريم).
أدلتهم:
هذا وقد استدل الإباضية على فسخ عقد النكاح قبل الدخول وبعده بسبب الزني بامرأة أجنبية بما روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه- في رجل عقد على امرأة ثم زني بغيرها قبل الدخول بها ففرق بينهما وأقام عليهما الحد. وأضاف ابن جعفر أن عليا قضى بنصف الصداق وأمره ألا يتزوج إلا محدودة
مثله (2)
وزيادة في الإيضاح وبيان وجهة نظر الإباضية في هذه المسألة نورد بعض
المسائل التطبيقية تتعلق بأحكام الزوجية في حالة الزنى، من ذلك أنه:
1 - إذا وقع رجل على امرأة آخر فوطئها وهي كارهة لذلك، فحملت فلا يحل لزوجها أن يطأها حتى تضع حملها فإن وطئها قبل أن تضع حملها فلا تفسد عليه.
-
وإن علم رجل من زوجته الزنا فله أن يحتال في استخراج حقه منها وكذلك إذا اطلعت هي على الزنى من زوجها فلها أن تحتال في أخذ حقها منه
وخروجها منه.
وإن زنت المرأة بأخي زوجها فليس لها أن تقيم مع زوجها، وقد فسدت عليه،
وإن لم يعلم فلا ينبغي لها أن تغره من نفسها وقد زنت بأخيه.
وأما إذا زنت بغير ذي محرم منها أو من زوجها فتستر ما ستر الله عليها، وتمنعه نفسها حتى تنقضي عدتها من الذي وطئها حراما، وإن غلبها على نفسها ووطئها في العدة فلا بأس عليها إذا أقامت معه (3).
4 - أما لو أن أم امرأة زنت ولها زوج فسترت فعلتها، فكان واسعا لها المقام مع زوجها، ولا يحل لها أن تأخذ منه صداقها؛ لأنها قد خانته في فراشه، وعليها أن
1 - مالك: المدونة الكبرى ج 2 / ص 196.
2 - أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي: الجامع لابن جعفر، ج 4 / ص 165، تحقيق الدكتور: جبر محمود الفضيلات، ط 1، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان. 1414 هـ / 1994 م. - الشقصي: منهج الطالبين، ج 172/ 15 - 175.
259 (1/267)
صفحة 268
تمنعه حتى تستبرئ رحمها بثلاث حيضات -إن كانت ممن تحيض، وأما إن زنت بأبيه أو بابنه أو من لا يحل لها نكاحه بعد زوجها لم يسعها المقام مع زوجها كذلك، وعليها أن تفتدي منه بمالها الذي كان عليه وبما تملك من غيره، فإن لم يقبل فلتهرب منه حيث لا يراها وليس عليها أن تعلن ما ستر الله من عورتها، ولكن تعلمه في السريرة بينها وبينه وتخبره بما كان منها من الأمر الذي ضاق عليها المقام معه
به (1)
ب رأي المالكية والجمهور
يرى جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة أنه لو زنت زوجة الرجل مع غيره لم يفسد النكاح، وإذا زنى الزوج لم يفسد نكاحه مع زوجته، ولا يفسخ العقد سواء وقع الزنى قبل الدخول أو بعده؛ لأن دعواه الزني عليها لا يبينها من زوجها، ولو كان الزواج ينفسخ به لانفسخ بمجرد دعواه كالرضا، ولأن الزني معصية لا تخرج عن الإسلام فأشبهت السرقة.
ولكن استحب بعض العلماء للرجل مفارقة امرأته إذا زنت وقال: «لا أرى أن يمسك مثل هذه، وذلك أنه لا يؤمن أن تفسد فراشه، وتلحق به ولدا ليس منه (2)
ولم يشترط الحنفية والشافعية استبراءها من الزنى (3)
(4)
أما المالكية والحنابلة فقالوا لا يجوز لزوجها أن يطأها حتى يستبرئها بثلاث حيضات للحديث السالف ذكره: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين ماءه زرع غيره يعني إتيان الحبلى؛ ولأنها ربما تأتي بولد من الزنا فينسب إليه للحديث المتقدم الذي رواه الجماعة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الولد للفراش وللعاهر الحجر (ه).
وقال ابن قدامة: «والأولى أنه يكفي استبراؤها بالحيضة الواحدة لأنها تكفي في استبراء الإماء» (1) وهذا رأي بعض فقهاء المالكية).
أنظر الشقصى، ج 15 / ص 175 2 - ابن قدامة: المغني، ج 6/ص 603. الزحيلي: الفقه، ج 7 / ص 150 - 151.
- سبق تخريجه
- سبق تخريجه 6 - ابن قدامة م. ن، ج 6 / ص 603 وما بعدها. عثمان الجعلي سراج السالك، ج 2 ص 103.
260 (1/268)
صفحة 269
أدلتهم: -1 - ذهب الجمهور إلى أن الآية المتقدمة وهي قوله تعالى: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك)، منسوخة، وعليه فلا يفسد). النكاح بزني أحد الزوجين.
ذكر القرطبي أن في هذه الآية دليل على أن التزوج بالزانية صحيح، وإذا زنت زوجة الرجل لم يفسد النكاح، وإذا زنى الزوج لم يفسد نكاحه مع زوجته، وهذا على أن الآية منسوخة وقيل إنها محكمة، فلا ينسخ النكاح بذلك، ولكن يؤمر الرجل بطلاقها إذا زنت ولو أمسكها أثم ولا يجوز التزوج بالزانية ولا من الزاني بل لو ظهرت التوبة، فحينئذ يجوز النكاح (3).
2 - كما استدل أصحاب هذا الرأي بالحديث الذي رواه أبو داود والنسائي عن ابن عباس قال: «جاء رجل إلى النبي الله فقال: إن امرأتي لا تمنع يد لامس كناية على العفة عن الزنا. قال: غرها -أي أبعدها قال: أخاف أن تتبعها نفسي. قال: فاستمتع بها (3).
عدم
وفي رواية أخرى من طريق جابر بن عبد الله أن رجلا ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أن امرأته لا ترد يد لامس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: طلقها، فقال: يا رسول الله إني أحبها فقال: أمسك عليك زوجك» (4).
مناقشة آراء الفقهاء وبيان منشأ الخلاف
بعد عرض آراء الفقهاء في مسألة نكاح الزاني والزانية ودراستها، وبيان وجهة نظر كل فريق مع أدلتهم في كلّ مسألة نتساءل يا ترى ما سبب اختلاف الفقهاء في هذه المسألة رغم أن منطلقاتهم مستندة إلى أدلة من القرآن أو السنة، أو أقوال الصحابة رضوان الله عليهم؟
1 - النور: 3.
- القرطبي: الجامع، مج 6، ج 12/ ص 171.
الشوكاني: نيل الأوطار، ج 6 / ص 145. وقال اسناده صحيح، قال المنذري ورجال إسناده يحتج بهم في
الصحيحين.
- أبو داود: سنن، ج 1 ص 473. النسائي: سنن، ج 6 / ص 67 - 68.
261 (1/269)
صفحة 270
- وبعد التأمل وجدنا أن منشأ الخلاف يرجع إلى أصل الاستدلال بآية الزنى وهي قوله تعالى: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة (1) أو إلى تفسيرها، كما يرجع إلي بعض النصوص الأخرى المختلف في ثبوتها أو تفسيرها
فالاباضية وبعض العلماء اعتبروا الآية محكمة وفسروها بما يتفق مع ما ذهبوا إليه، وهو حرمة زواج الزاني بمزينته، وحرمة التزوج بالزاني والزانية، وفساد الزوجية بسبب زنّى أحد الزوجين.
أما الجمهور فمنهم من ذهب إلي عدم الاحتجاج بالآية أصلا؛ لأنها منسوخة، ومنهم من فسرها على نحو يختلف عن تفسير الاباضية.
•
وقد اختلف الفقهاء أيضا في مفهوم قوله تعالى: «لا ينكح» الوارد في آية الزنى، هل يقصد به الوطء أم العقد؟ فذهب الاباضية وغيرهم إلى أن المراد بالنكاح في آية الزنى هو العقد، وذكر مثله الزجاج وقال لا يعرف النكاح في كتاب الله تعالى إلا بمعني التزويج. وذهب الجمهور إلى أن المراد بالنكاح في الآية الوطء ونقلوا ذلك عن ابن عباس وأصحابه، واستدلوا بقوله تعالى حتى تنكح زوجا غيره (2) وذكروا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد بينه بمعنى الوطء.
قال القرطبي: وذكر الطبري ما ينحو إلى هذا التأويل عن سعيد بن جبير وابن عباس وعكرمة، وحكاه الخطابي عن ابن عباس، وأن معناه الوطء، أي لا يكون زنى إلا بزانية، ويفيد أنه زنى في الجهتين».
وقال ابن تيمية ومن تأول آية النور بالعقد وجعل ذلك منسوخا، فبطلان قوله ظاهر من وجوه» (3).
وقد عقب ابن العربي على رأي الجمهور ومن خالفهم، وحاول أن يوفق بين الرأيين مبينا الأثر المترتب على هذا الخلاف فقال: «والذي عندي أن النكاح لا يخلو
1 - النور: 3. 2 - البقرة: 230.
ابن تيمية مجموع فتاوى النكاح، ص 180.
262 (1/270)
صفحة 271
أن يراد به الوطء، أو العقد كما قال ابن عباس؛ فإن أريد به الوطء فإن معناه لا يكون زنى إلا بزانية، وذلك عبارة عن أن الوطأين من الرجل والمرأة من الجهتين، ويكون تقدير الآية وطء الزانية لا يقع إلا من زان أو مشرك وهذا يؤثر عن ابن عباس وهو
معنى صحيح.
فإن قيل: فإن زنى بالغ بصبية أو عاقل بمجنونة أو مستيقظ بنائمة، فإن ذلك من جهة الرجل، زني، فهذا زان نكح غير زانية، فيخرج المراد عن بابه الذي تقدم». ثم رد ابن العربي على هذا الاحتمال فقال: «قلنا هو زنى من كل جهة، إلا أنَّ أحدهما سقط فيه الحد والآخر ثبت فيه، وإن أريد به العقد كان معناه: أن متزوج الزانية التي قد زنت ودخل بها ولم يستبرئها يكون بمنزلة الزاني إلا أنه لا حدّ عليه لاختلاف العلماء في ذلك، وأما إذا عقد عليها ولم يدخل بها حتى يستبرئها فذلك جائز إجماعا).
ويلاحظ أن ابن العربي حكى الإجماع في هذه المسألة، وهذا غير صحيح حيث اختلف الإباضية وغيرهم مع الجمهور في هذه القضية، واعتبروا هذا العقد باطلا؛ لأن الحلال عندهم لا يحل الحرام، بمعنى أن عقد النكاح لا يحل الزني الذي سبق العقد، ولا عبرة بالاستبراء ولا بالتوبة وعليه فلا يجوز العقد على الزانية في كلّ
الأحوال.
وقد ذكر القرطبي تأويلا آخر للآية السابقة فقال: «وقيل ليس المراد في الآية أن الزاني لا ينكح قط إلا زانية، إذ قد يتصور أن يتزوج غير الزانية، ولكن المعنى أن من تزوج بزانية فهو زان فكأنه قال: لا ينكح الزانية إلا زان فقلب الكلام، وذلك أنه لا
ينكح الزانية إلا وهو راض بزناها، وإنما يرضى بذلك إذا كان هو أيضا يزني». ويلاحظ من هذا الرأي أن تأويله قد اقترب من رأي جمهور الإباضية حيث أنهم يشترطون على الزاني ليتزوج زانية مثله، أن يكون محدودا وتكون محدودة في زنى مع غيرهما بدليل أن محدودا تزوج غير محدودة ففرق علي -رضي الله عنه-
بينهما.
- القرطبي: الجامع، مج 6، ج 12 / ص 170.
263 (1/271)
صفحة 272
وقد رد ابن العربي على أصحاب هذا الرأي وتعجب من تأويلهم وقال: «وهذا معنى لا يصح نظراً كما لم يثبت نقلاً، وهل يصح أن يوقف نكاح من حد من الرجال على نكاح من حدَّ من النساء فبأي أثر يكون ذلك، وعلى أي أصل يقاس من
الشريعة ...
- ورد الصنعاني على الحديث الذي احتج به الإباضية: «لا ينكح الزاني المجلود إلى مثله، وقال الحديث دليل على أنه يحرم على المرأة أن تزوج بمن ظهر زناه ولعل الوصف بالمجلود بناء على الأغلب في حق من ظهر منه الزني، وكذلك الرجل يحرم عليه أن يتزوج بالزانية التي ظهر زناها وهذا الحديث موافق قوله تعالى: وحرم ذلك على المؤمنين)، إلا أنه حمل الحديث والآية الأكثر من العلماء على معنى لا ينكح لا يرغب الزاني المجلود إلا مثله والزانية لا ترغب في نكاح غير العاهر، هكذا تأولوهما، والذي يدل عليه الحديث والآية النهي عن ذلك لا الإخبار عن مجرد الرغبة وأنه يحرم نكاح الزاني العفيفة والعفيف الزانية ولا أصرح من قوله تعالى: وحرم ذلك على المؤمنين أي كاملي الإيمان الذين هم ليسوا بزناة وإلا فإن الزاني لا يخرج عن مسمى الإيمان عند الأكثر (3).
وقد نسب القرطبي هذا الرأي إلى بعض أصحاب الشافعي المتأخرين فقال: «قلت: وحكى هذا القول الكيا عن بعض أصحاب الشافعي المتأخرين، وأن الزاني إذا تزوج غير زانية فرق بينهما لظاهر الآية، قال الكيا: وإن هو عمل بالظاهر فيلزمه عليه أن يجوز للزاني التزوج بالمشركة ويجوز للزانية أن تزوج نفسها من مشرك، وهذا في غاية البعد، وهو خروج عن الإسلام بالكلية، وربما قال هؤلاء إن الآية منسوخة في المشرك خاصة دون الزانية (4).
وقد لخص ابن رشد ما سبق ذكره وبين سبب الخلاف بين الفقهاء في هذه المسألة فقال: واختلفوا في زواج الزانية، فأجاز هذا الجمهور ومنعها قوم، وسبب اختلافهم اختلافهم في مفهوم قوله تعالى والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك
1 - سبق تخريجه في هذا المبحث.
2 - النور: 3.
-
الصنعاني سبل السلام، ج 3 / ص 270 - القرطبي: الجامع، مج 6، ج 12 / ص 169.
264 (1/272)
صفحة 273
(1)
وحرم ذلك على المؤمنين (1) هل خرج مخرج الذم، أو مخرج التحريم؟ وهل الإشارة في قوله تعالى: وحرم ذلك على المؤمنين إلى الزني، أو إلى النكاح؟ وإنما صار الجمهور لحمل الآية على الذم لا على التحريم لما جاء في الحديث: أن رجلا قال للنبي في زوجته إنما لا ترد يد لامس فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «طلقها، فقال له: إني أحبها، فقال له فأمسكها (2).
وقال قوم أيضا: إن الزنا يفسخ النكاح بناء على هذا الأصل، وبه قال الحسن (3)
والإباضية.
وقد عقب الإباضية على بعض أدلة الجمهور وقالوا إن بعض الأحاديث التي استندوا إليها اعترض عليها بعض علماء الحديث وطرق إليها الضعف ولا تصلح للاحتجاج، لأن الدليل إذا طرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال من ذلك:
1 - ما رواه ابن عباس وجابر بن عبد الله عن الرجل الذي اشتكى للرسول «عدم عفّة زوجته، فقال: «أمسكها قال النسائي هذا الحديث ليس بثابت، وقال أبو الفضل العراقي ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (4).
قال عبد الرحمن الجوزي: «وقد رواه عبيد الله بن عمير وحسان بن عطية كلاهما عن رسول الله مرسلا، وقد حمله أبو بكر الخلال على الفجور ولا يجوز هذا، وإنما يحمل على تفريطها في المال لو صح الحديث».
قال أحمد بن حنبل: «هذا الحديث لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس له أصل (ه). ونقل السيوطي في شرحه لسنن النسائي: قال في النهاية: «هو إجابتها لمن
أرادها».
وقيل لا تمنع يد لامس: إنها تعطي من ماله من يطلب منها وهذا أشبه، قال أحمد
1 - النور: 3.
2 - سبق تخريجه
ابن رشد: بداية المجتهد، ج 3/ص 1003.
4 - النسائي السنن، ج 6 / ص 67 - 68. الغزالي: إحياء علوم الدين، ج 2 / ص 34 ..
ه - عبد الرحمان بن علي بن الجوزي: كتاب الموضوعات، ج 2/ ص 272، تحقيق عبد الرحمان محمد عثمان، ط 2،
الناشر: مكتبة ابن تيمية القاهرة، 1407 هـ / 1987 م.
265 (1/273)
صفحة 274
لم يكن ليأمره بإمساكها وهي تفجر).
وقال ابن خلفون: «معنى لا ترد يد لامس، أي لا ترد طالب معروف وسائل خير وشكر من كثير سخائها، فحاشي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمر بالرجوع إلى ما حرم الله على
المؤمنين».
وقال الإباضية: إن الذين احتجوا بإباحة نكاح الزانية إنما احتجوا بظواهر ليس فيها ما يدل على إباحة نكاحها، وحجتهم حديث جابر بن عبد الله في الذي قال: إن امرأتي لا ترد يد لامس ظاهره على المخالطة للرجال وترك التحفظ منهم على نفسها (2)
وقال ابن تيمية: هذا الحديث قد ضعفه أحمد وغيره، وقد تأوله بعض الناس على أنها لا ترد طالب مال، لكن ظاهر الحديث وسياقه يدل على خلاف ذلك، ومن الناس من اعتقد ثبوته، وأن النبي الله أمره أن يمسكها مع كونها لا تمنع الرجال، وهذا مما أنكره غير واحد من الأئمة (3).
وقد احتج ابن تيمية على الجمهور بقوله تعالى ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض، فانكحوهن بإذن أهلهن واتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان (4)
وعقب على هذه الآية فقال: فإنما أباح الله نكاح الإماء في حال كونهن غير مسافحات ولا متخذات أخدان، والمسافحة التي تسافح مع كل أحد، والمتخذات الخدن: التي يكون لها صديق واحد فإذا كان مَنْ هذه حالها لا تنكح فيكف بمن لا ترد يد لامس، بل تسافح من اتفق؟! وإذا كان مَنْ هذه حالها في الإيماء فكيف بالحرائر؟ وقد قال تعالى والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا اتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان (0).
1 - السيوطي: شرح سنن النسائي، ج 6 / ص 67 - 68، 4 دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان.
1418 هـ / 1997 م.
2 - ابن خلفون: الأجوبة، ص 35 - 36 - 41.
ابن تيمية: مجموع فتاوى النكاح، ص 178.
4 - النساء: 25
ه - المائدة: 5. (1/274)
صفحة 275
فاشترط هذه الشروط في الرجال هنا، كما اشترطه في النساء هناك، وهذا يوافق
(1)
ما ذكره في سورة النور من قوله تعالى: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين ().
2 - أما احتجاج الجمهور بحديث ابن عباس في نكاح الزانية حيث قال عنه: «أوله سفاح وآخره نكاح» (3)، فقد عقب عليه الإباضية بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا نكاح بعد سفاح)، وقالوا: إن ابن عباس إنما ذكر ذلك الحكم في شأن المشرك الذي يزني بمشركة في دار الحرب ثم يسلمان ويرغبان في النكاح، فهذا جائز باتفاق ولا اعتراض عليه.
قال الشقصي: «أوله سفاح وآخره نكاح قيل له: إنما قال ابن عباس ذلك في مشرك زنى بمشركة ثم تزوجها في الإسلام؛ فهذا جائز حلال كما قال ابن عباس؛ لأنه ما كانا فيه من الشرك بالله أعظم من الزني).
وقد روى أبو غانم الخرساني من طريق حاتم بن منصور أن ابن عباس قال: «إنما كان قوله: (أوله سفاح وآخره نكاح) في التي يزني بها وهما مشركان، فإذا تابا وأصلحا فلا بأس أن يتزوجها الذي زنى بها في الشرك).
وعن قتادة عن يحي بن يعمر عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال في رجل زنى بأم امرأته أو بابنتها فإنهما حرمتان تخطاهما ولا يحرمها ذلك عليه، قال: وقال يحي بن يعمر ما حرم حرام حلالا قط، فبلغ ذلك الشعبي، فقال: بل لو أخذت كوزا من خمر فسكبته في جب من ماء لكان ذلك الماء حراما، وكان من رأي الشعبي أنها قد حرمت عليه (1)
3 - أما قياس الزنا على السرقة من البستان فكما لا تحرم على السارق شراء
1 - ابن تيمية ص 178.
- سبق تخريجه
2 - النور: 3.
- هذا الحديث لم نعثر عليه في كتب السنن ولعله قول أحد الصحابة، وقد احتج به الإباضية وأورده امحمد بن يوسف اطفيش في كتابه شرح النيل، ج 6/ ص 48. الشقصي: ج 15 ص 167 وما بعدها.
10
-
أبو غانم الخرساني: المدونة الكبرى، ج 2 ص 22 - 23. الجناوني: كتاب النكاح، حاشية علي يحي معمر
ص 41.
- البيهقي: السنن الكبرى، كتاب النكاح، ج 7/ ص 168 - 169.
267 (1/275)
صفحة 276
البستان الذي سرق منه لا يحرم كذلك على الزاني أن يتزوج مزنيته، فهو قياس فاسد للبون الشاسع بين الأصل والفرع، فإن الإنسان لا يحرم عليه امتلاك بستان سرق منه أبوه أو ابنه، ويحرم عليه زواج المرأة التي زنى بها أحدهما، ويجوز له أن يمتلك بستانا كان ملكا لأبيه أو ابنه، ولا يجوز له أن يتزوج من كانت حليلة لأحدهما).
مجمل القول:
بعد أن عرضنا أدلة الفريقين وقدمنا اعتراضاتهم ومناقشاتهم، يظهر للمتأمل والفاحص في هذه الأدلة والحجج، أن كل فريق لم يسلك هذا المسلك إلا استنادا إلى نصوص ثابتة من القرآن والسنة؛ فحاول تفسيرها وفهمها بما يتماشى مع روح الشريعة ومقاصدها.
فالفريق الثاني: يرى عدم تحريم نكاح الزانية حفاظا على الأعراض والأنساب من باب الإسلام) جب لما قبله) وهذا أدعى إلى الستر، حتى لا تتصدع العلاقة الزوجية بسبب نزوة عابرة ما دام الزاني والزانية قد تابا من فعلتهما وأرادا إصلاح خطيئتهما بعد التوبة النصوح، وهذا إذا وسع أمرهما ولم ينفذ فيهما حد الزنى أو بعد إقامته إذا كانا غير محصنين يجوز لهما تجديد النكاح لاستئناف حياتهما الزوجية من باب التيسير ورفع الحرج والحفاظ على الأنساب والأعراض
أما الفريق الأول: يرى حرمة نكاح الزاني والزانية لإنه بذلك قد نظر إلى المسألة من زاوية أخرى حيث اعتبر هذا المنع عقوبة للزناة، لأنهم أحلوا ما حرم الله و تعجلوا شيئا قبل وقوعه، فالشرع قد حذرهما من الاقتراب إلى وحل الزنى بقوله تعالى: ولا تقربوا الزني إنه كان فاحشة وساء سبيلا
وقد وضع الشارع عقوبات رادعة لكل من يرتكب فاحشة الزني كالرجم للمحصن والجلد لغير المحصن، وشرع حد القذف لمن يتهم غيره بالزني بدون شهود وبينة، وشرع اللعان بين الزوجين إذا اتهم الزوج زوجته بالزنى، وليس له ما يؤكد دعواه، وحكم عليهم بالفرقة الأبدية، ولم يشدد في هذا الأمر إلا للحفاظ على
1 - أحمد بن حمد الخليلي: فتاوى شرعية، مخطوط في مكتبتي، صدرت، 1419 هـ /1998 م، سلطنة عمان. 2 - الإسراء: 32
268 (1/276)
صفحة 277
الأعراض والأنساب ولم يرض أن تحل العلاقة غير المشروعة – الناجمة عن شهوة عابرة - محل العلاقة الشرعية الناتجة عن عقد شرعي صحيح، والتي يترتب عنها حقوقا وواجبات لكل من الزوجين.
أضف إلى هذا فلو أبحنا نكاح الزاني بمزنيته بدون قيد ولا شرط لأصبح كل من أراد زواج امرأة يرغب فيها ومنع عنها لاعتبارات اجتماعية أو اقتصادية أو أخلاقية؛ فإنه يلجأ إلى ارتكاب فاحشة الزنى كوسيلة لتحقيق غرضه والوصول إلى عشيقته وإجبار أهلها على القبول به، وتزويجه إياها خوفا من الفضيحة والعار، ونكون بذلك قد شجعنا الناس على ارتكاب المحرم للوصول إلى الحلال ما دام الحرام لا يحرم
الحلال.
ولعل تشديد الإباضية في تحريم نكاح الرجل المرأة الزانية له ما يبرره وذلك منعا للعابثين من إقامة علاقة شرعية على أنقاض الزنى، وهذا مخالف لمقاصد الشريعة الداعية لحفظ النسل والأعراض وتطبيقا لمبدأ سد الذريعة، والغاية لا تبرر الوسيلة، وعملا بالقاعدة الفقهية: «من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه»، ولا شك أن كل مسلم عاقل يحرص على أمر دينه وآخرته يميل إلى هذا الرأي، ومع ذلك ما ذنب المرأة المغتصبة التي لا تشتهر بالزنى واعتدي على عرضها؟ أمن العدل أن نسويها بالزانية المشهورة ونحرمها من الزواج بالرجل العفيف؟ فلماذا نحملها ذنبا لم تقترفه برضاها ونحملها وزر غيرها، فالمتأمل في هذا الجانب لا شك أنه وجوب التفريق في الحكم بين المرأة المغتصبة والزانية المحترفة فالأولى ينبغي السماح لها بالزواج بمن ترضاه من الرجال الأعفاء كغيرها من النساء دون قيد، أما الثانية يشترط عليها التوبة والصلاح وهذا أدعى إلى تشجيعها إلى سوك طريق العفة والإسلام جب لما قبله ولا ذنب بعد التوبة.
الحكمة من تحريم الشارع نكاح الزاني والزانية:
يرى
لقد أشار بعض الفقهاء المعاصرين إلى مقاصد الشارع من تحريم نكاح الزاني والزانية، ولا بأس أن نورد بعض أقوالهم في هذا المقام من ذلك ما ذكره عبد الرحمن بكلي تعليقا على حكم نكاح مزنية الرجل، أن مسألة المزنية وتحريم نكاحها
269 (1/277)
صفحة 278
على من زنى بها مسألة لها خطرها في حياة المجتمع، عليها تتوقف إلى حد بعيد سلامة الأنساب وهي من جهة أخرى حرب للاستقرار العائلي الذي يفيض على الأسرة هناءة وسكونا وسعادة.
إن مسألة الفروج مما يجب أن يتحرى فيها كمال التحري لتوقف سلامة الأنساب
عليها، وأن القول بالمنع يتمشى وروح القرآن، ويوافق حكمة الزواج وغايته. إن رابطة الزواج رابطة مقدسة ألا يحوم حولها أي دنس شائبة ارتياب، يجب
سواء كان ذلك قبلها أو بعدها، وإلا كان ذلك تشجيعا ضمنيا على الرذيلة، وفتحا لباب الذواقة بين الشهوانيين كما يفعله الغربيون، ما داموا يعتقدون أن فجورهم لا يحرمهم من الارتباط الشرعي، ولا يكلفهم سوى التوبة التي يستسهلونها ما دامت تقبل منهم ولو صوريا ... أما إذا علموا أنهم متى اتصلوا اتصالا إباحيا يفوتون عنهم الزواج بمن يرغبون فيه، كان ذلك باعثا لهم على العفة ورادعا عن الفساد، ولئن رأينا أساطين الصدر الأول يوم كان وازع القرآن مهيمنا على المجتمع ووازع السلطان رقيبا وقامعا يمنعون هذا النكاح، فكيف بنا ونحن في عصر استطار الفساد في هشيمه، واستشرى فيه الإلحاد، وعمت الإباحية، وضعفت الحصانة الدينية أو انطفأ نورها في النفوس تماما، فلا أعدل ولا أحكم من أن نَجْرِي على سنته إن لم نفعل، «تكن فتنة في الأرض وفساد كبير» (1)
وبعد فإذا أنعم الله علينا بنعمة الزواج، وجعل النهاية منه السكون والمودة والرحمة إذ يقول عز وجل: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (3).
فيا ليت شعري هل تسكن وتطمئن نفس الزاني إلى إخلاص مزنيته ووفائها له إذا أصبحت زوجته وقد بلاها بنفسه وتحقق منها ضد ذلك؟.
وهل تكون بينهما مودة ورحمة؟ هَبْهَا تابت ووفَّتْ له حقيقة، أتراه رغم ذلك يطمئن إليها؟ أم تنتابه الظنون وتتقاسمه الوساوس؟ فيعيش حياته قلقا معذبا،
1 - هذا الحديث مقطع من حديث أخرجه البيهقي في سننه عن أبي حاتم المزني قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير»، كتاب النكاح، ج 7 / ص 82 2 - الروم 21.
270 (1/278)
صفحة 279
أيعزب عن مخيلته تلك اللحظات الماجنة التي قضاها بجنبها على بساط الفجور والدعارة يوم كانوا طلقاء؟. أفلا توسوس له نفسه أن ما وقع له معها قبل، قد يتكرر منها من غيره على حسابه؟ من زنى زني به، وكما يدين الفتى يدان).
ولا ريب أن إباحة التزاوج بين الزانيين يفتح باب الفحشاء على مصراعيه عند عباد الشهوات ما دام ميسورا إلى هذا القدر، بحيث يمكن للشاب والفتاة أن يلتقيا في ظل الفحشاء وعلى بساط الشهوات فيستمتعا ما شاءا ثم يختتما صفحتهما بالزواج، وكم من ذئب من ذئاب البشر افترس العديد من الفتيات بمخالب هذا الأمل الخادع فرزأهن في أغلى شيء في حياتهن ثم رفسهن برجله باحثا عن أخريات بعد ما كانت كل واحدة منهن تأمل بأن يكون في يوم من الأيام شريك حياتها وفارس أحلامها، فإذا بهذا الأمل الذي كان يداعب خيالها باستمرار يتحول إلى ألم وهم يملأ جوانب الصدر، ويقض عليها لبها، بعد أن رزأها في كرامتها، وخلف في حشاياها جنينا، إما أن يواجه الدنيا منبوذا هجينا، وإما أن تكون نهايته الوأد في مصحات الإجهاض. أوليس مثل هذا الحكم الصارم هو الترياق النافع لمثل هذا التلاعب بالأعراض، والتغرير بأمثال هذه الفتيات الأغرار خصوصا في هذا العصر الذي استشرى فيه داء الفساد ففتك بالفضيلة وأمهات الأخلاق (3).
- أما الحكمة من تحريم نكاح الزانية مع الغير أو البغايا، فقد أشار إليها ابن تيمية وعلل سبب التحريم فقال: لأنه من تزوج زانية تزني مع غيره لم يكن ماؤه مصونا محفوظا، فكان ماؤه مختلطا بماء غيره، والفرج الذي يطؤه مشتركا وهذا هو
الزني.
- أما المرأة إذا كان زوجها يزني بغيرها لا يُميز بين الحلال والحرام كان وطوه لها من جنس وطء الزاني للمرأة التي يزني بها، وإن لم يطأها غيره، وإن من صور الزنا اتخاذ الأخدان والعلماء قد تنازعوا في جواز نكاح الزانية قبل توبتها على
قولين مشهورين، لكن الكتاب والسنة والاعتبار يدل على أن ذلك لا يجوز.
1 - تعليقات حول كتاب النيل، عبد العزيز الثميني، راجع الجناوني: كتاب النكاح، الهامش، ص 39 - 40. 2 - أحمد الخليلي: فتاوى شرعية، مخطوط.
271 (1/279)
صفحة 280
إن المسلمين متفقون على ذم الدياثة، ومن تزوج بغيا كان ديوثا بالاتفاق، وفي الحديث: «لا يدخل الجنة بخيل ولا كذاب ولا ديوث) قال الله تعالى: {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات (3) أي: الرجال الطيبون للنساء الطيبات والرجال الخبيثون للنساء الخبيثات، وكذلك في النساء، وإذا كان قرينها خبيثا كانت خبيثة، وبهذا عظم القول فيمن قذف السيدة عائشة أم المؤمنين ونحوها من أمهات المؤمنين، ولولا ما على الزوج في ذلك من العيب ما حصل هذا التغليظ، ولهذا قال السلف ما بغت امرأة نبي قط، ولو كان تزوج البغي جائزا لوجب تنزيه الأنبياء عما يباح، كيف وفي نساء الأنبياء من هي كافرة، كما في أزواج المؤمنات من هو كافر؟ كما قال تعالى: ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين ... (3)
وأما البغايا فليس في الأنبياء ولا الصالحين من تزوج بغيا، لأن البغاء يفسد فراشه، ولهذا أبيح للمسلم أن يتزوج الكتابية اليهودية والنصرانية إذا كان محصنا غير مسافح ولا متخذ خدن، فعلم أن تزوج الكافرة قد يجوز، وتزوج البغي لا يجوز؛ لأن ضرر دينها لا يتعدى إليه، وأما ضرر البغاء فيتعدى إليه (4).
موقف القانون من نكاح الزاني والزانية
لم يتعرض قانون الأسرة الجزائري إلى بيان الحكم في قضية نكاح الزاني والزانية في مواده المقررة، إلا أن قانون العقوبات الجزائري ينص في المادة (326) منه بأنه لو خطف أحد امرأة قاصرة دون السن الثامنة عشرة وتزوجها بدون إذن وليها، وذلك بعد زناه بها، فإن القانون لا يعاقبه، ولا يبطل هذا النكاح إلا إذا رفع الولي دعوى قضائية ضد المتهم، وطلب إبطال النكاح، ومعاقبة الخاطف على
جريمته
وروي
1 - ذكر عدم دخول الديوث الجنة بطرق مختلفة فيما رواه أحمد والنسائي وأبو داود بألفاظ شتي، البخاري ومسلم وابن ماجه والترمذي وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: رقم (7038).
2 - النور: 26. 3 - التحريم: 10.
4 - ابن تيمية: مجموع فتاوى النكاح، ص 180 - 181.
مثله
272 (1/280)
صفحة 281
أما إذا لم يتقدم الولي بشكوى ضده فالزواج صحيح ونافذ ولا غبار عليه. وزيادة في البيان والإيضاح نورد نص المادة (326) من قانون العقوبات حيث
يقول فيه:
(من المقرر قانونا أن يعاقب كل من خطف أو أبعد قاصرة دون الثامنة عشر من عمرها، بغير عنف أو شرع في ذلك، وإذا تزوجت القاصرة المخطوفة أو المبعدة من خاطفها، فلا تتخذ إجراءات المتابعة الجزائية ضده، إلا بناء على شكوى، الأشخاص الذين لهم صفة طلب إبطال الزواج وبعد القضاء بإبطال العقد المذكور) (1). ويلاحظ من هذه المادة أن القانون لم ينص صراحة على أن هذا العقد قد سبقته جريمة الزنى الحاصلة بين الخاطف والمخطوفة، ولكن النائب العام أشار إلى ذلك في دعواه ضد المتهمين في قضية الزواج من المخطوفة. فقال:
«وحيث إن المجلس من خلال اعتراف المتهمين مما نسب كل واحد منهما (إشارة إلى الخاطف والموثق الذي سجل عقد الزواج)، ومن خلال تصريح الضحية وتأكيدها لهذه الأفعال ثبت أن جنحتي تحريض قاصرة على الفسق، واختطاف قاصرة ثابتتين ضد المتهم، ومتوفرتين الأركان طبقا للمادتين (242,326) من (ق ع) (0) وأن جنحة تحريض قاصرة على الفسق وفساد الأخلاق ثابتة ضد المتهم (ع ل) ومتوفرة الأركان طبقا للمادة (342) من (ق ع) (3).
وبناء على ما سبق فإن قانون العقوبات الجزائري يبدو أنه لا يمانع من انشاء عقد الزواج بين الزاني ومزنيته، ولا يبطله ما دام ولي المرأة لم يعترض عليه ولم يرفع الدعوى لإبطال هذا العقد، ومعاقبة الجاني، ومن هنا يصبح هذا الزواج مشروعا وتترتب عليه آثاره.
كما أن القانون لم يتعرض لنكاح الزاني بالزانية إذا حدث ذلك عن رضى
1 - المجلة القضائية، صدرت عن قسم المستندات والنشر للمحكمة العليا. العدد الأول 1995، ص 249، مطبعة
الحراش الجزائر.
- (ق ع) رمز قانون العقوبات الجزائري.
2 - المرجع نفسه، ص 251.
273 (1/281)
صفحة 282
وطواعية سواء كانت الزانية قاصرة أو ثيبا وربما يسمح بذلك ما دام الولي لم يبطل
هذا النكاح.
وبهذا يكون القانون قد وافق رأي جمهور الفقهاء في جواز نكاح الزاني والزانية
بعد توفر شروطه وأركانه خلافا لمذهب الإباضية.
274 (1/282)
صفحة 283
الفصل الرابع
الأنكحة الفاسدة
فساداً مؤقتاً والمختلف حول فسادها (1/283)
صفحة 284
[صفحة فارغة] (1/284)
صفحة 285
معنى الكتابية:
المبحث الأول
نكاح الكتابية
الكتابية هي المرأة التي تؤمن بدين سماوي كاليهودية والنصرانية، وأهل الكتاب هم أهل التوراة والإنجيل لقوله تعالى و أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا (1)
قال الجعلي في بيان معنى الكتابية: «والمراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى، فكتاب اليهود التوراة وكتاب النصارى الإنجيل، فتمسكهم بهذه الكتب وإن حرفوها وخالفوا ما فيها رفعهم عن المجوسية وإن كانوا كفارا» (3).
حكم نكاح نساء أهل الكتاب:
(2)
اختلف الفقهاء في تحديد حكم نكاح نساء أهل الكتاب اختلافا كبيرا، وذلك قديما وحديثا، فذهب بعضهم إلى جوازه مطلقا، وذهب بعضهم إلى منعه مطلقا وفصل بعضهم تفصيلات حسب الأحوال، ولبيان ذلك يتحتم علينا تحديد نوع الكتابية هل هي حربية أم معاهدة؟ أو من أهل الذمة؟ وهل تقيم الكتابية في دار الحرب أم في دار الإسلام؟ فمنهم من حرم نكاح الكتابية الحربية، وأجاز نكاح الذمية والمعاهدة، ومنهم من قيد الإباحة بشروط، وحتى تتضح المسألة أكثر سوف نستعرض آراء الفقهاء لكل نوع مع أدلتهم ونناقشها.
حالة
أم لا؟.
النوع الأول: الكتابية الحربية:
وهي المرأة الحرة اليهودية أو النصرانية تعيش في دار الحرب، أو أنَّ قومَها في حرب مع المسلمين (3) فلو أراد أحد المسلمين العقد عليها فهل يجوز له ذلك
1 - الأنعام: 156.
2 - عثمان الجعلي سراج السالك، ج 2 / ص 54. - انظر: أحمد الصاوي: بلغة السالك، ج 2/ص 271.
277 (1/285)
صفحة 286
انقسم الفقهاء في هذه المسألة إلى رأيين
الرأي الأول القائلون بالمنع والحرمة.
ذهب جمهور الفقهاء من الإباضية والحنفية وبعض الشيعة إلى تحريم نكاح الكتابية الحربية.
قال أبو العباس: «ويجوز نكاح الكتابيات ما كن في العهد والذمة، وأما من حارب من نساء أهل الكتاب فلا يحل نكاحها).
وقال الجناوني: ولا يحرم عليه نكاح الحرائر من أهل الكتاب اللواتي كن في المسالمة دون من كان منهن في المحاربة فلا يحل له نكاحهن»
وقد عبر الحنفية بالتحريم بالكراهة التحريمية، وقالوا ورغم هذا الحكم فالعقد يصح إلا أن الإقدام عليه مكروه تحريما لما يترتب عليه من المفاسد (3)، خلافا للإباضية الذين يعتبرون العقد على المحاربة باطلا يجب فسخه. وقال القرطبي:
وأما نكاح أهل الكتاب إذا كانوا حربا فلا يحل وهذا خلافا لجمهور المالكية». وقد سئل ابن عباس عن ذلك فقال: «لا يحل، وتلا قول الله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر إلى قوله صاغرون قال المحدث: حدثت بذلك إبراهيم النخعي فأعجبه» (9).
أدلتهم:
وقد استدل أصحاب هذا الرأي لتأكيد صحة ما ذهبوا إليه من تحريم نكاح الكتابية الحربية بعدة أدلة منها:
1 - أن الكتابية إذا كانت في دار الحرب تكون غير خاضعة لأحكام المسلمين، وذلك فتح لباب الفتنة، فقد ترغمه على التخلق بأخلاقها التي يأباها الإسلام
1 - أبو العباس أحمد كتاب أبي مسألة، ص 156 - 157.
2 - الجناوني: كتاب النكاح، ص 29 - 30.
- عبد الرحمن الجزيري: الفقه على المذاهب الأربعة، ج 2 / ص 74.
4 - التوبة: 29.
- القرطبي: الجامع لاحكام القرآن مج 2: ج 3 ص 69.
278 (1/286)
صفحة 287
ويعرض ابنه لاعتناق غير الإسلام، ويزّجُ بنفسه فيما لا قبل له به من ضياع سلطته التي يحفظ بها عرضه، وغير ذلك من المفاسد (1)
1 - أنَّ في التزوج بالحربية جمع بين حل الكتابية بالعقد وحلها بملك اليمين لأنها معرضة للسبي وهذا ممنوع شرعا، وَمِمَّن أشار إلى ذلك الشيخ السالمي (2) مبينا أن هذا المَعْنَى يخصص عموم قوله تعالى: والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم (3).
- أن المقصود في الخطاب القرآني بمحصنة أهل الكتاب من كانت على العهد دون الحربية فقد روي عن ابن عباس في قوله تعالى والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب (4)، هو على العهد دون دار الحرب فيكون خاصا).
-
(4)
4 - أن في التزوج بالحربية إنشاء علاقة مودة ومحبة بين المسلم ومن كان عدوا للإسلام، الأمر الذي قد يؤدي إلى موالاة الكافرين والتفريط في ضرورات حماية المسلمين، ولا يجوز للمسلم أن يرتبط بعلاقة محبة أو نصرة لأعداء الإسلام الذين يحاربونه أو يتربصون به الدوائر ويتولون قهر أتباعه والتحكم فيهم، ولذلك فالعلاقات الشخصية في جميع هذه الحالات قد تسبب ضررا فادحا للمسلمين).
الرأي الثاني: القائلون بالجواز مع الكراهة.
وذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية إلى كراهة التزوج بالحربية كراهة شديدة، نظرا لما يؤدي إليه التزوج بها من مفاسد مثل: إفساد دين المتزوج ودين أبنائه، وتعرُّثِه للميل للكافرين وموالاتهم أو تعرض أبنائه من الحربية للسبي والاسترقاق (7).
1 - عبد الرحمن الجزيري: ج 2 ص 74.
-2 - نور الدين السالمي: جوابات الإمام السالمي، ج 2 / ص 446.
- المائدة: 5.
4 - المائدة: 5.
-0
القرطبي: مج 3؛ ج 6/ص 79.
6 - تعليقات علي يحر معمر على كتاب النكاح للجناوني، ص 29 - 30.
الدسوقي: الحاشية على الشرح الكبير للدردير، ج 2 / ص 267. مالك: المدونة الكبرى، ج 2/ ص 218. الشيرازي:
المهذب في فقه الإمام الشافعي، ج 2 / ص 442.
279 (1/287)
صفحة 288
وبالنظر إلى مذهب الفريقين فإنه لا خلاف بينهما فيما قد يترتب على التزوج بالكتابية من محاذير، إلا أن القائلين بالجواز مع الكراهة الشديدة نظروا إلى عموم قوله تعالى: والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم، مستدلين بذلك على عدم التحريم، ولذلك اكتفوا بالقول بالكراهة، ويبدو أن الفريق الأول قيد هذا العموم الوارد في الآية.
النوع الثاني: الكتابية الذمية أو المعاهدة:
هي
المرأة الحرة من أهل الكتاب سواء كانت يهودية أو نصرانية، وتقيم في دار الإسلام تحت حكم المسلمين ويطلق عليها الذمية، كالمسيحيات واليهوديات اللواتي يقمن في البلاد العربية والإسلامية وهن من رعاياها.
والمعاهدة هي التي كانت معاهدة لحاكم المسلمين أو نائبه على إجراء الحكم عليها، إن لم ترتد من الإسلام إلى أهل الكتاب بمعاهدة أهلها، كنساء النصارى اللواتي ينتمين إلى بلدان غير إسلامية تربط بينها وبالمسلمين معاهدات واتفاقيات وعلاقات متعددة.
فهؤلاء جميعا لو رغب أحد المسلمين بالزواج من إحداهن فما الحكم في ذلك؟. آراء الفقهاء تجاه هذه القضية على مذهبين بين مجيز مطلقا وبين مجيز مع مطلقا الكراهة وبين محرم ويتضح ذلك فيما يأتي:
المذهب الأول القائلون بالجواز مطلقا:
ذهب جمهور الفقهاء من الإباضية والحنفية والحنابلة ورأي عند المالكية (1) إلى القول بجواز نكاح المرأة الكتابية المعاهدة أو الذمية مطلقا بدون كراهة، أخذا من عموم الآية السابقة: اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم، والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم (2)
1 - هو رأي عبد الرحمن بن القاسم تلميذ مالك بن أنس: راجع أحمد الصاوي: بلغة السالك، ج 2/ص 271.
2 - المائدة: 5.
280 (1/288)
صفحة 289
1 - وقالوا إن التزوج بالحرائر من أهل الكتاب مشروع بنص هذه الآية، إذ فسرت كلمة المحصنات بالحرائر العفائف، وليست هنالك محاذير في رأيهم تكفي لمنع
التزوج بالكتابية المعاهدة أو الذمية، كما هو الحال بالنسبة للمحاربة (1).
2 - وقالوا أيضا لا تعارض بين الآية التي حرمت نكاح المشركات وهي قوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن () وبين الآية التي تبيح نكاح نساء أهل الكتاب، فإن ظاهر لفظ «الشرك» لا يتناول أهل الكتاب لقوله تعالى: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة)، وقوله تعالى وما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم (0) ففرق بينهم في اللفظ وظاهر العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف
عليه.
- وأيضا فاسم الشرك عموم وليس بنص، وقوله تعالى: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب بعد قوله والمحصنات من المؤمنات نص، فلا تعارض بين المحتمل وبين مالا يحتمل (5).
4 - ولأن بعض الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - تزوجوا من أهل الذمة، أو صرحوا بجواز التزوج منهم، فقد ثبت أن عثمان بن عفان رضي الله عنه – تزوج نائلة بنت الفرافصة الكلبية وهي نصرانية وأسلمت عنده، وتزوج طلحة بن يهودية بالشام، وتزوج حذيفة بن اليمان رضي الله
عبيد
الله
-رضي
الله عنه
-
عنه - يهودية من أهل المدائن.
-
وعن الزبير بن العوام رضي الله عنه – أنه سأل جابر بن عبد الله عن نكاح
اليهودية والنصرانية فقال جابر: «نساؤهم لنا حلال ونساؤنا عليهم حرام». وتزوج ابن قارة امرأة من أهل الكتاب فولدت له خالد بن عبد الله بن قارظ ()
1 - خميس الشقصي: منهج الطالبين، ج 15 / ص 347 - 348. الكاساني: بدائع الصنائع، ج 2/ص 271. أبو زهرة: محاضرات في عقد الزواج وآثاره، ص 144.
2 - البقرة: 221.
3 - البينة: 1.
- البقرة: 105.
ه القرطبي: الجامع، مج 2، ج 3 ص 69. متولي الصباغ الإيضاح في أحكام النكاح، ص 97. 6 - مالك: المدونة، ج 2 / ص 219 - 220. القرطبي: الجامع، مج 2، ج 3 / ص 69. الشيرازي: المهذب، ج 2 / ص 442. الصباغ الإيضاح، ص 97 - 98
281 (1/289)
صفحة 290
وقد قال بتحليل نكاح أهل الكتاب من الصحابة والتابعين جماعة؛ منهم عثمان وطلحة وابن عباس وجابر بن عبد الله وحذيفة، وكعب بن مالك، ومن التابعين سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد، وطاوس، وعكرمة والشعبي والضحاك وفقهاء الأمصار).
وذهب الحنابلة إلى جواز نكاح نساء أهل الكتاب ولكن الزواج بهن خلاف
الأولى). وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن قوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات وقد أباح العلماء التزوج بالنصرانية واليهودية فهل هما من المشركين أم لا؟. فأجاب: الحمد لله: «نكاح الكتابية جائز بالآية التي في المائدة قال تعالى: وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم (3) وهذا مذهب جماهير السلف والخلف من الأئمة الأربعة وغيرهم).
-
(3)
ه وقد علل الإباضية إباحة التزوج بالكتابية من أهل الذمة أو المعاهدة بعدة تعليلات منها:
أ- أنه لا خشية من ترتب المفسدة على التزوج بهن طالما أنهن تحت ولاية المسلمين وسلطانهم حيث يمتنع عليهن الكيد للمسلمين.
ب ومنها أن التزوج بهن أدعى إلى الحيلولة دون كيدهن، إذ يؤدي ذلك إلى انصهارهنَّ في مجتمع المسلمين، وزوال إحساسهن بالعزلة، والذي يؤدي إلى تفكيرهن في الكيد والضرر بالمسلمين.
جـ- كما أن التزوج بهن أدعى إلى التقريب بين طوائف أهل الكتاب وبين
المسلمين بحيث تزول عوامل الكراهية والكيد (9).
- القرطبي: مج 2، ج 3 / ص 68. الصباغ ص 97.
2 - عبد الرحمن المقدسي: العدة شرح العمدة تحقيق خليل مأمون شيخان 5/ 375، دار المعرفة لبنان،
1417 هـ / 1997 م.
3 - المائدة: 5.
-
ابن تيمية: مجموع فتاوى النكاح وأحكامه، ص 125 ه - تعليقات علي يحي على كتاب النكاح للجناوني: ص 29 - 30.
282 (1/290)
صفحة 291
وقد جاء في الظلال ما يوضح هذا المعنى أجلى توضيح يقول صاحب الكتاب: إن الإسلام لا يكتفي بأن يترك لهم حريتهم الدينية ثم يعتزلهم فيصبحوا في المجتمع الإسلامي مجفوين معزولين، أو منبوذين إنما يشملهم بجو من المشاركة الاجتماعية والمودة والمجاملة والخلطة، فيجعل طعامهم حلا للمسلمين، وطعام المسلمين حلا لهم كذلك، ليتم التزاور، والتضايف، والمواكلة والمشاربة، وليظل المجتمع كله في ظل المودة والسماحة.
وكذلك يجعل العفيفات من نسائهم، وهن المحصنات بمعنى العفيفات الحرائر، طيبات للمسلمين، ويقرن ذكرهن بذكر الحرائر العفيفات من المسلمات سماحة وهي لم يشعر بها إلا أتباع الإسلام بين أتباع سائر الديانات والنحل). هذا وذهب بعض فقهاء الإباضية إلى تقييد الحل المذكور بعدة قيود هي: عدم شرب الخمر وأكل لحم الخنزير وتعليق الصلبان، ووجوب الاغتسال من الجنابة
والحيض وحلق العانة فإن امتنعت الكتابية من الالتزام بذلك فلا يتزوجها. (2 - 3). لكن بعض فقهائهم اعترض على التقييد المذكور؛ لأن العهد الذي بيننا وبينهم يوجب تركهم وما يدينون (4) وعدم التقييد بهذه القيود وغيرها أشار إليه أيضا بعض فقهاء المالكية ونقله ابن القاسم عن مالك (0)
المذهب الثاني: القائلون بالجواز مع الكراهة:
وذهب جمهور فقهاء المالكية والشافعية (1) إلى القول بجواز نكاح نساء الكتابيات من أهل الذمة أو المعاهدة مع الكراهة.
-1
سيد قطب: في ظلال القرآن مج 2، ج 6 / ص 847 - 848: 12، دار العلم للطباعة والنشر، جدة المملكة
العربية السعودية، 1406 هـ / 1986 م.
2 - العوتبي: الضياء، ج 8/ ص 278 - 279. البسيوي: الجامع، ج 3 ص 31.
ولعل ما اشترطه بعض الإباضية في نكاح الذمية يقلل من رغبة المسلمين في الإقبال على نكاح الكتابيات وينعكس ذلك عليهن، فلا يتشجعن للارتباط بمن يحد من حريتهن.
- الشقصي: المنهج، ج 15/ ص 347 - 348.
ه مالك: المدونة، ج 2/ ص 219 6 - الشيرازي: المهذب، ج 2 / ص 442.
283 (1/291)
صفحة 292
أدلتهم: 1 - أن عمر بن الخطاب أمر بعض عماله بتطليق زوجاتهم من أهل الكتاب للحفاظ على مصالح المسلمين وخوفا من اقتداء المسلمين بهم.
وقد استجاب هؤلاء الصحابة لأمر عمر بالتطليق فطلقوا زوجاتهم إلا حذيفة بن اليمان، فقال له عمر طلقها، قال تشهد أنها حرام؟ قال هي خمرة طلقها، قال تشهد أنها حرام؟ قال: هي خمرة، قال قد علمت أنها خمرة، ولكنها لي حلال، فلما كان بعد، طلقها، فقيل له: ألا طلقتها حين أمرك عمر؟ قال كرهت أن يرى الناس أني ركبت أمرا لا ينبغي لي» (1).
2 - أن التزوج بالكتابية قد يؤدي إلى ميل المسلم إلى ملتها وموالاته لأهلها ووقوعه في الفتنة، وهو ما يخالف أوامر الشرع.
جاء في المدونة الكبرى رواية سحنون عن ابن القاسم «قلت: أفكان مالك يكره نكاح نساء أهل الذمة؟ قال: قال مالك: أكره نكاح نساء أهل الكتاب اليهودية والنصرانية، قال: وما أحرمه وذلك أنها تأكل الخنزير وتشرب الخمر ويضاجعها ويقبلها، وذلك في فيها، وتلد منه أولادا فتغذي ولدها على دينها، وتطعمه الحرام، وتسقيه الخمر (2).
وثمة أسباب أخرى للكراهة ذكرها العلماء منها أن الزوجة الكتابية قد تموت وتدفن في مقابر الكفار والولد في بطنها في حالة عدم إسلامها، وهذا يؤذي المسلم، ومنها الضرر برائحتها إذا أكلت لحم الخنزير أو شربت الخمر، ومنها أنه لا يملك منعها من الذهاب إلى الكنيسة (3)
1 - عبد الرزاق المصنف، كتاب النكاح، باب نكاح نساء أهل الكتاب، حديث رقم 12667 ج 7 ص 177,176،وقال فيه عمر: (طلقها فإنها جمرة)، وحديث رقم 10057 ج 6 ص 78، وأخرجه البيهقي من حديث أبي وائل
ج 7 ص 172.
2 - مالك: المدونة الكبرى، ج 2/ص 219.
الدسوقي: ا: الحاشية على الشرح الكبير، ج 2 / ص 267. أحمد الصاوي: بلغة السالك، ج 2/ ص 271. عبد الرحمن الجزيري الفقه على المذاهب الأربعة، ج 4 / ص 74. أحمد الخضري: النكاح، ص 429. الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته، ج 7 / ص 154.
284 (1/292)
صفحة 293
المذهب الثالث: القائلون بالحرمة والفسخ مطلقا.
وذهب بعض فقهاء الشيعة الإمامية وآخرون إلى منع وتحريم نكاح الكتابية مطلقا سواء كانت حربية أو ذمية أو معاهدة، وقد استدلوا على وجهة نظرهم بأدلة
متعددة من ذلك:
أ- من القرآن الكريم:
قال تعالى: ولا تمسكوا بعصم الكوافر (1)
وقوله: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن).
حيث فسروا الشرك بالكفر وعدم الإسلام).
وقد أولوا قوله تعالى: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم بأن المراد بها من أسلم منهن، وأن المراد بـ المحصنات من المؤمنات باللائي ولدن على الإسلام ونشأن فيه، وذلك أن قوما كانوا يتحرجون من العقد على من أسلمت عن كفر، فبين سبحانه أنه لا حرج في ذلك (4).
وقد اعتبر أصحاب هذا القول أن آية (المائدة) منسوخة نسختها آية (البقرة) وبناء عليه فإنه يحرم نكاح كلّ مشركة كتابية أو غير كتابية، فقد نقل ذلك القرطبي في تفسيره عن إسحاق بن إبراهيم الحربي أنه قال: «ذهب قوم فجعلوا الآية التي في البقرة هي الناسخة، والتي في المائدة هي المنسوخة، فحرموا نكاح كل مشركة كتابية أو غير كتابية (0).
ب من آثار الصحابة والتابعين
استدل أصحاب هذا الرأي بأقوال بعض الصحابة والتابعين من ذلك:
1 - الممتحنة: 10
2 - البقرة: 221.
نجم الدين جعفر بن الحسن الحلي: المختصر النافع في فقه الإمامية، ص 179. بدران أبو العينين: الفقه المقارن
للأحوال الشخصية، ص 121. أحمد إبراهيم بك الأحوال الشخصية، ص 227
- تعليقات علي يحي معمر على كتاب النكاح للجناوني، ص 30.
ه - القرطبي: الجامع، مج 2، ج 3 ص 67.
285 (1/293)
صفحة 294
ا عن زرارة بن أعين قال سألت أبا جعفر عليه السلام عن نكاح اليهودية والنصرانية فقال: لا يصلح للمسلم أن ينكح يهودية ولا نصرانية، وإنما يحل له منهن نكاح البله).
2 - وعن أبي جعفر عليه السلام قال: لا يتزوج اليهودية ولا النصرانية على
المسلمة (2).
- وعن الحسن بن جهم قال: قال لي أبو الحسن الرضا عليه السلام يا أبا محمد ما تقول في رجل يتزوج نصرانية على مسلمة؟ قلت: جعلت فداك وما قولي بين يديك قال: لتقولن، فإن ذلك يعلم به قولي، قلت: لا يجوز تزويج النصرانية على المسلمة ولا غير المسلمة، قال: ولم؟ قلت: لقول الله عز وجل: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن قلت: فما تقول في هذه الآية والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم الله؟ قلت فقوله: ولا تنكحوا المشركات، نسخت هذه الآية فتبسم ثم سكت (3). 4 - عن زراة بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام قال: «لا ينبغي نكاح أهل الكتاب قلت: جعلت فداك وأين تحريمه؟ قال قوله تعالى: ولا تمسكوا بعصم الكوافر (1 - 0)
ه - وعن زرارة بن أعين قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عز وجل: والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم فقال: هذه منسوخة) بقوله ولا تمسكوا بعصم الكوافر.
6 ونقل القرطبي عن النحاس قوله ومن الحجة لقائل هذا مما صح سنده ما حدثنا محمد بن ريان قال: حدثنا محمد بن رمح قال: حدثنا الليث عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل عن نكاح الرجل النصرانية أو اليهودية قال: حرم الله
1 - أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني: فروع الكافي كتاب النكاح، باب نكاح الذمية، ج 5/ص 358. تحقيق محمد جواد الفقيه ويوسف البقاعي، ط 1، دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان؛ 1413 هـ / 1992 م.
2 - الكليني: المرجع نفسه، ج 5 / ص 359. الكليني: المرجع نفسه.
-
0 -
- الممتحنة: 10.
- الكليني: المرجع نفسه.
6 - الكليني: المرجع نفسه ج 5 / ص 360.
286 (1/294)
صفحة 295
المشركات على المؤمنين، ولا أعرف شيئا من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى أو عبد من عباد الله قال النحاس: «وهذا قول خارج عن قول الجماعة الذين تقوم بهم الحجة).
وذكر ابن عطية: أن ابن عباس قال في بعض ما روي عنه: إن الآية عامة في البقرة عامة في الوثنيات والمجوسيات والكتابيات وكل من على غير الإسلام
حرام (2).
وروي عن عمر بن الخطاب أنه فرق بين طلحة بن عبيد الله وحذيفة بن اليمان وبين كتابيتين وقالا نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب، فقال: «لو جاز طلاقكما لجاز نكاحكما، ولكن أفرق بينكما صغرة قمأة، قال ابن عطية وهذا لا يستند جيدا (3)
رأي لأحد فقهاء الإباضية المعاصرين:
ومن الذين قالوا بمنع وتحريم نكاح الكتابية المحاربة والمعاهدة إلا بشروط وفسخه إن وقع سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي)، حيث سئل: هل يجوز لرجل مسلم أن يتزوج من امرأة من أهل الكتاب قبل دخولها الإسلام وإن تزوجها فما حكم زواجها؟ فأجاب قائلا: «أُبيح زواج المسلم بالكتابية الذمية لا المحاربة عندما كانت الدولة الإسلامية مهيمنة على الأوضاع وقادرة على المحافظة على جميع قيم الأمة وعقيدتها بحيث لا يمكن أن تؤثر الكتابية على أولادها فتحرفهم إلى عقيدتها، أو إلى سلوك قومها، أما الآن فالأمر بالعكس فجميع الكفار حرب على الإسلام وأهله، وكأين من امرأة تدعي أنها كتابية استلبت من المسلم أولاده فهودتهم أو نصرتهم فأصبحوا حربا على الإسلام ولذلك صور مشاهدة ومع هذا كله لا نرى جواز تزوج
المسلم بغير المسلمة ويجبر إن وقع الزواج على فسخه» (ه)
1 - القرطبي: الجامع، مج 2، ج 3/ ص 68. ابن تيمية: مجموع فتاوى النكاح، ص 125. - القرطبي: المرجع نفسه مج 2، ج 3 / ص 67 - 68. - القرطبي: المرجع نفسه
4 - هو الشيخ أحمد بن حمد الخليلي أحد فقهاء الإباضية المعاصرين من أهل عمان يمتاز بغزارة العلم وسعة الإطلاع، ويتولى حاليا منصب مفتي عام سلطنة عمان، وله اجتهادات فقهية عديدة في قضايا معاصرة. ه - أحمد الخليلي: فتاوى شرعية، صدرت في 20 رجب 1419 هـ - 1998 م، سلطنة عمان.
287 (1/295)
صفحة 296
وأضاف قائلا: «لا توجد حاليا دولة غير مسلمة ترعى مصالح المسلمين في بلادها فيما يتعلق بأحوالهم الشخصية كالزواج والطلاق والميراث وتبعية الأولاد وتدافع عنها، ولذلك فإننا نقول برأي عمر بن الخطاب مع حذيفة بن اليمان ونعمل
به» (1).
مناقشة آراء الفقهاء وبيان منشأ الخلاف
مما سبق يتبين لنا أن الفقهاء في حكم نكاح الكتابية انقسموا إلى ثلاثة مذاهب ورغم تصريح الآية في سورة المائدة بجواز نكاح المحصنات من أهل الكتاب الذي عليه جماهير الفقهاء ومع ذلك فقد اختلفوا فيما بينهم هل الحكم بالحل مطلق في الآية أم مقيد؟ وبالنظر في أدلة كلّ فريق وجدنا الاختلاف وقع في أربعة أمور: الأمر الأول: هل لفظ الشرك الوارد في آية تحريم نكاح المشركات في سورة البقرة يشمل نساء أهل الكتاب أم لا؟ وهل آية حل المحصنات من أهل الكتاب نسخت آية تحريم نكاح المشركات؟ أم جاءت لتخصيص العموم الوارد في الآية الأولى، واستثنت نساء أهل الكتاب؟
ولتوضيح هذا الخلاف نذكر قول ابن رشد في هذا الصدد حيث بَيَّن أصل الخلاف في هذه المسألة فقال: وإنما صار الجمهور لجواز نكاح الكتابيات الأحرار بالعقد؛ لأن الأصل بناء الخصوص على العموم أعني أن قوله تعالى والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم () هو خصوص من العموم، ومن ذهب إلى تحريم ذلك جعل العام ناسخا للخاص وهو مذهب بعض الفقهاء (3)
ونقل القرطبي في تفسيره موضحا رأي الجمهور فأشار إلى اختلاف العلماء في تأويل هذه الآية؛ فقالت طائفة حرم الله نكاح المشركات في سورة البقرة ثم نسخ من هذه الجملة نساء أهل الكتاب، فأحلهن في سورة المائدة القول عن ابن عباس، وبه قال مالك بن أنس وسفيان بن سعيد الثوري وعبد الرحمن
بن عمرو الأوزاعي.
1 - لقاء خاص مع سماحة المفتي أحمد الخليلي في منزله بتاريخ: 1999/ 4/30 م.
2 - المائدة: 5
1
ابن رشد: بداية المجتهد، ج 2/ ص 1009 - 1010.
وروي
هذا
288 (1/296)
صفحة 297
وقال قتادة وسعيد بن جبير: «لفظ الآية العموم في كل كافرة والمراد بها
الخصوص في الكتابيات، وبينت الخصوص آية المائدة ولم يتناول العموم قط الكتابيات، وهذا أحد قولي الشافعي، وعلى القول الأول يتناولهن العموم، ثم نسخت آية المائدة بعض العموم، وهذا مذهب مالك (رحمه الله) ذكره ابن حبيب، وقال
ونكاح اليهودية والنصرانية وإن كان قد أحله الله تعالى مستثقل مذموم). وقال اسحاق بن إبراهيم الحربي: ذهب قوم فجعلوا الآية التي في البقرة، هي الناسخة، والتي في المائدة هي المنسوخة، فحرموا نكاح كل مشركة كتابية أو غير كتابية (2).
وقد اعترض الجمهور على أدلة القائلين بتحريم نكاح الكتابيات مطلقا فقالوا: يمتنع أن تكون هذه الآية من سورة البقرة ناسخة للآية التي في سورة المائدة لأن البقرة من أول ما نزل بالمدينة، والمائدة من آخر ما نزل؛ وإنما الآخر ينسخ
الأول.
وأيضا فاسم الشرك عموم وليس بنص، وقوله تعالى: والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب (3)، بعد قوله والمحصنات من المؤمنات نص، فلا تعارض بين المحتمل وبين ما لا يحتمل؛ فإن قيل: أراد بقوله: والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم أي أوتوا الكتاب من قبلكم وأسلموا، كقوله: وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله) الآية، وقوله: من أهل الكتاب أمة قائمة (0) الآية. قيل له: هذا خلاف نص الآية في قوله: والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وخلاف ما قاله الجمهور؛ فإنه لا يشكل على أحد جواز التزويج ممن أسلم وصار من أعيان المسلمين، فإن قالوا: فقد قال الله تعالى أولئك يدعون إلى النار (1) العلة في تحريم نكاحهن الدعاء إلى النار.
فجعل
1 - القرطبي: الجامع، مج 2، ج 3 ص 67. - القرطبي: المرجع نفسه، مج 2، ج 3 ص 67.
- المائدة: 5
- آل عمران: 119.
ه - آل عمران: 113.
- البقرة: 221.
289 (1/297)
صفحة 298
والجواب: أن ذلك علة لقوله تعالى ولأمة مؤمنة خير من مشركة (1)؛ لأن المشرك يدعو إلى النار؛ وهذه العلة مطردة في جميع الكفار؛ فالمسلم خير من الكافر مطلقا، وهذا بين (2).
الأمر الثاني: هل يشترط في حل الكتابية أن يكون أبواها كتابين أو يكفي أن يكون أحدهما كتابيا والآخر وثنيا أو مجوسيا، أو ملحدا؟.
يذهب الحنابلة والشافعية في الأظهر عندهم إلى أنه يشترط في حلها أن يكون أبواها كتابين، فلو كان أحدهما كتابيا والآخر غير كتابي لا تحل حتى ولو كانت بالغة واختارت دين أهل الكتاب؛ لأنها ليست خالصة من أهل الكتاب ولأنها مولودة بين من يحل ومن لا يحل.
أما الحنفية وغيرهم يكتفون بكون أحدهما كتابيا لأنها تكون تابعة لأفضلهما دينا، فتعطى حكم أهل الكتاب كما لو كان أحد الأبوين مسلما، فإن الولد يتبع خير الأبوين دينا (3).
الأمر الثالث: إن الكتابية إذا اعتقدت التثليث أو قالت عزير ابن الله، أو المسيح ابن الله فهل يمنع من حل زواجها للمسلم؟.
ذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يجوز للمسلم التزوج بها؛ لأنها تدخل في المشركات التي منع القرآن نكاحهن.
واستدلوا على ذلك:
- أن القرآن وصف ذلك بالشرك في قوله تعالى: لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار، لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون
1 - البقرة: 221.
- القرطبي: مج 2، ج 3 ص 69.
ابن قدامة: المغني، ج 6 / ص 592. الكاساني: بدائع الصنائع: ج 2 ص 271
290 (1/298)
صفحة 299
ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم (1) وفي قوله: وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون، اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (2). ن (2)
2 - وقد استدلوا أيضا بما ذهب إليه ابن عمر وغيره من كون الاعتقاد بأن عيسى رب أو أن عزيز ابن الله وهو أعظم الإشراك (3)
وقد احتج الجمهور على أصحاب هذا الرأي وقالوا إنه لا يمنع من حل زواجها؛ لأن آية الحل جاءت مطلقة لم تقيدها بقيد غير أنها من أهل الكتاب، والقرآن عطف المشركين على أهل الكتاب في أكثر من آية والعطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، منها قوله تعالى: لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا).
(4)
وقوله: ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم (0).
وقوله: ولم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة (1).
وقوله: التبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا (7).
تلك وجهة نظر كلّ من الرأيين، فأصحاب الرأي الأول يقولون: إن القرآن وصف هؤلاء بالشرك، فيدخلون في المشركين المحرم الزواج بنسائهم، وأصحاب الرأي
1 - المائدة: 72 - 73 - التوبة: 30 - 31.
القرطبي: مج 2، ج 3 ص 68. الجناوني: كتاب النكاح، هامشه لعلي يحي معمر، ص 30.
- المائدة: 82
البقرة: 105.
6 - البيئة: 1.
- آل عمران: 186
291 (1/299)
صفحة 300
الثاني يمنعون دخولهم في المشركين؛ لأن الله عدهم طائفة أخرى غير المشركين، استنادا إلى قضية العطف (1).
وإذا كان القرآن حين نزوله وصف بعض أفعال أهل الكتاب بالشرك، فهل كان هذا الوصف أبرز صفاتهم حتى يزول عنهم وصف أهل الكتاب ويدخلهم في
المشركين؟
الحق أن ذلك لا يخرجهم عن كونهم أهل كتاب حيث جعلهم الله في أكثر من آية صنفا أو صنفين في مقابلة المشركين، والقرآن لا يناقض بعضه بعضا؛ ولأن الظاهر الذي يتبادر إلى الذهن من مفهوم لفظ المشركين في عصر التنزيل أنهم مشركو العرب إذ لم يكن لهم كتاب ولا شبهة كتاب بل كانوا أميين.
وعلى ذلك يكون المراد بالمشركات في آية البقرة المحرمة للزواج مشركات العرب، ويلحق بهن كل من لا تدين بدين سماوي، وتبقى آية المائدة المحللة شاملة للكتابيات عامة، وإذا فلا تعارض بين الآيتين.
ولو فرضنا أن الكتابيات بما صدر منهن يدخلن في المشركات، وكانت آية البقرة شاملة لهن تكون آية المائدة المحللة مخصصة لعموم الآية الأولى؛ لأنها أخص منها متأخرة في النزول عنها كما قررنا من قبل، حيث أن سورة المائدة من أواخر
وهي
القرآن نزولا وليس فيها شيء منسوخ، حيث إنها أحلت بعنوان المحصنات من الذين أوتوا الكتاب، وهذا الوصف باق لهن حتى بعد صدور ما يقتضي الحكم عليهن بالشرك فتكون الكتابية من المحللات للمسلمين حتى ولو صدر منها ما يقتضي وصفها بالشرك؛ لأن القرآن أحلها بعد أن قالت: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، والله ثالث ثلاثة الموجب لوصفها بالشرك (2).
أما احتجاجهم بقول ابن عمر في الكتابيات فقد رد عليهم الجمهور بقولهم: حديث ابن عمر لا حجة فيه؛ لأن ابن عمر - رضي الله عنه- كان رجلا متوقفا، فلما سمع الآيتين في واحدة، التحليل، وفي أخرى التحريم، ولم يبلغه النسخ توقف، ولم
1 - الغندور: الأحوال الشخصية، ص 131 - 132. شلبي: أحكام الأسرة، ص 244 - 245. شلبي: أحكام الأسرة: ص 246 - 247.
292 (1/300)
صفحة 301
يأخذ عنه ذكر النسخ وإنما تُؤول عليه، وليس يؤخذ الناسخ والمنسوخ بالتأويل (1). الأمر الرابع: اختلف الفقهاء في مفهوم الآية في المائدة: والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب (2)، هل هذه الآية تشمل إماء أهل الكتاب أم هي خاصة بالحرائر من أهل الكتاب؟
1 - فقد أجاز الحنفية للمسلم أن ينكح الكتابية سواء أكانت الكتابية حرة أم أمة للعموم الوارد في النصوص المبيحة، منها قوله تعالى: والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم (3).
وقوله وأحل لكم ما وراء ذلكم (4)
وقوله فانكحوهن بإذن أهلهن من غير فصل بين الأمة المؤمنة والأمة الكافرة الكتابية إلا ما خص بدليل؛ وآية المائدة تدل على جواز نكاح الكتابيات المحصنات أي العفائف من الذين أوتوا الكتاب).
وذهب جمهور الفقهاء من الإباضية والمالكية والشافعية والحنابلة (7) وغيرهم إلى تحريم نكاح الأمة الكتابية ولو كانت ملكيتها لمسلم ولكن يجوز وطؤها بملك اليمين لعموم ملك اليمين» (8).
وهذا المنع عام سواء أكان لحر أو عبد مسلمين، وسواء خاف على نفسه العنت أو لا، وسواء عجز عن صداق الحرة أو لا، وسواء كانت مملوكة لمسلم أو لكافر، وسواء كان ممن يعتق عليه ولده أولا؟
كما استدلوا بقوله تعالى ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات).
1 - القرطبي: الجامع، مج 2، ج 3 ص 68.
2 - المائدة 5.
4 - النساء: 24.
2 - المائدة 5.
<-0
- النساء: 25.
6 - المرغياني: الهداية، ج 1 / ص 189. أحمد الصاوي: بلغة السالك: ج 2 ص 271. أحمد الحصري: النكاح
ص 424.
المقدسي: العدة شرح العمدة، ص 367.
- امحمد بن يوسف اطفيش شرح كتاب النيل، ج 6/ص 36.
- النساء: 25
293 (1/301)
صفحة 302
وجه الاستدلال
أن الله شرط الإيمان في الإماء اللاتي يراد الزواج بهن، كأنه تعالى قال: ومن لم يجد فضلا من المال يستطيع به نكاح الحرة المؤمنة فيرخص له نكاح مملوكة من الإماء المسلمات.
كما استدل المالكية بالمعقول وهو: إن نكاح الأمة الكافرة استرقاق الولد للكفار لأن الولد يتبع أمه في الرق والحرية وأباه في الدين والنسب وتظهر هذه العلة واضحة إذا كان سيد الأمة كافرا (1). قال الجناوني: ويحرم على المسلم حرا كان أو عبدا نكاح إماء أهل الكتاب إلا ما
ذكر عن عمرو بن فتح - رحمه الله - إجازة التسري في إماء أهل الكتاب (3). وقد حدد القطب المقصود من الأمة الكتابية فقال: «هي الحرة الكتابية إذا نسبت بإمام عدل أو نائبه فإنها تصير أمة؛ فلمن كانت في سهمه أو اشتراها عن الإمام أو نائبه أن يتسراها وكذا من ملكها بوجه، وأما كتابية أمة لكتابي فلا يتزوجها أحد
ولا يتسراها (3).
وقد سأل سحنون شيخه ابن القاسم عن رأي مالك في نكاح إماء أهل الكتاب فقال: «قلت وكان مالك يحرم نكاح إماء أهل الكتاب نصرانية أو يهودية وإن كان ملكها للمسلم أن يتزوجها حر أو عبد؟ قال نعم، كان مالك يقول: إذا كانت أمة يهودية أو نصرانية وملكها المسلم أو نصراني فلا يحل لمسلم أن يتزوجها حرا كان هذا المسلم أو عبدا).
وعن وهب عن الليث عن يحي بن سعيد أنه قال لا ينبغي لأحد من المسلمين أن يتزوج أمة مملوكة من أهل الكتاب لأن الله قال من فتياتكم المؤمنات (0).
1 - أحمد الحصري: النكاح، ص 430.
2 - الجناوني: كتاب النكاح، ص 29 - 30. أبو العباس أحمد كتاب أبي مسألة، ص 156 - 157.
3 - امحمد بن يوسف اطفيش شرح كتاب النيل، ج 6/ ص 36.
- الإمام مالك: المدونة الكبرى، ج 2/ ص 219.
ه - النساء: 25
294 (1/302)
صفحة 303
وقال والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم)، وهي الحرة من أهل الكتاب وليست الأمة بمحصنة (2)
الحِكَم المستفادة من نكاح الكتابيات حسب الآراء المختلفة:
أ- الحكمة من حل زواج الكتابية للمسلم دون المشركة
لعل الحكمة من جواز نكاح الكتابية للمسلم دون المشركة هي:
1 - أن المعاني والمقاصد من الزواج لا يمكن تحققها من زواج المسلم بالمشركة لما بينهما من بون شاسع في العقائد، وتفاوت كبير في المبادئ الأساسية الدينية فهما على طرفي نقيض لا تجمعهما كلمة التوحيد ولا الإيمان بنبي ذي كتاب سماوي فالمخالطة مع المشركة مع قيام العداوة الدينية لا يحصل به السكن والمودة اللذان بهما قوام مقاصد النكاح لقوله تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (3). 2 - ولما كانت الكتابية تعترف بالله وتؤمن به، كما تؤمن بنبي، وباليوم الآخر، وأنه دار العقاب والثواب، وتقول بكتاب سماوي، كان بينها وبين المسلم تقارب في العقيدة يمكن أن تحقق معه مقاصد النكاح وأغراضه من التعاون والتآلف وتبادل المودة والرحمة وسكون كلّ منهما إلى الآخر؛ لأن المسلم لا يتعرض لعقيدتها ولا يكرهها على ترك دينها ودخولها في دين الإسلام؛ حيث يؤمن بنبوة موسى وعيسى -عليهما السلام ويحترمها كما يؤمن بجميع الأنبياء والرسل الذين جاء ذكرهم في
القرآن الكريم.
وكان في نكاح المسلم إياها رجاء إسلامها؛ لأنها متى أدركت حقيقة الإسلام أسلمت وطبقت تعاليمه، وما على الزوج إلا أن يدعوها إلى الإسلام ويرشدها إلى
حقيقته
ولذلك أباح الإسلام نكاحها للوصول إلى هذه العاقبة الحميدة، بخلاف المشركة التي اختارت الشرك تقليدا لما عليه آباؤها وأجدادها وعداوتها الدينية مع المسلمين
1 - المائدة: 5.
2 - مالك: ج 2 ص 219.
- الروم 21.
295 (1/303)
صفحة 304
أشدها فكانت النتيجة المرجوة من نكاحها نتيجة غير سارة لا تتفق وأهداف
على الشارع من الزواج.
- قد يقول قائل أنه يترتب من زواج المسلم بالكتابية مفاسد ومحظورات كتربية الأبناء على مخالفة الدين، وتعويدهم العادات المحرمة كشرب الخمر وأكل الخنزير وغيرها، وهذه كلها محظورات محرمة في الإسلام، ومذهب الإباضية والمالكية مبني على سد الذرائع، فإذا ترتبت على نكاح الكتابية هذه المفاسد، أو خيف منها كان الإقدام على العقد محرما.
ويجاب عنه، بأن مَحَلَّ هذا عدم وجود النص، أما وقد أباح الله نكاح الكتابية، فلا بد أن تكون المصلحة في إباحتها إذ قد يترتب على مصاهرة الكتابي مصلحة للدين وإعزاز له أو دفع للمشاكل والقضاء على الأحقاد والضغائن فضلا عما في ذلك من إعلان سماحة الدين وتساهله مع المخالفين في العقيدة من أهل الكتاب؛ فإن الدين يبيح للرجل أن يقترن بالكتابية وهي على دينها لا يضمر عداء لهؤلاء المخالفين، ولا يبطن لهم حقدا وإنما لم يبح للمرأة أن تتزوج الكتابي؛ لأن المرأة مهما قيل في شأنها لا يمكنها أن تقف في سبيل زوجها غالبا، فتكون مهددة بتغيير دينها، وأولادها لا محالة أن يتبعوا أباهم وهي لا تستطيع ردهم، والإسلام وإن تسامح فيما يجدد الروابط، فإنه لا يمكنه التسامح فيما يخرج المسلم من دينه، أو يجعل ذريته من غير المسلمين، فهو قد أباح الكتابية للمسلم ونهاه عن إكراهها على الخروج من دينها، أما الأديان الأخرى فليس فيها هذا الضمان ولما كان الرجل قويا في الغالب جعل أمر ضمانه هو أولاده موكولا لقوة إرادته، وحال بين المرأة ضعيفة الإرادة وبين تزوجها من الرجل الكتابي (2)
ب الحكمة من كراهة نكاح الكتابيات وتحريمه:
رغم اتفاق جمهور الفقهاء على حل نكاح الكتابية في بعض الحالات والصور لاتفاق عقيدتها مع عقيدة الإسلام، ومع ذلك؛ فإنها تختلف مع رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وما
1 - أحمد الحصري: النكاح والقضايا المتعلقة به، ص 425 - 426. شلبي: أحكام الأسرة، ص 247. - عبد الرحمن الجزيري الفقه، ج 4 / ص 74 - 75.
296 (1/304)
صفحة 305
جاء به من كتاب، ولهذا الاختلاف كان الأولى بالمسلم أن يتزوج المسلمة متى وجدها ولا يتزوج الكتابية إلا عند الضرورة، وقد قرر بعض الفقهاء الذاهبين إلى حل التزوج بالكتابية أنه مكروه وتشدد الكراهة إذا كانت في دار الحرب، بل يحرم نكاحها عند الإباضية والحنفية حيث يفقد الزوج سلطانه عليها، وربما مال قلبه إليها فتفتنه في دينه أو تُؤثر في أولادها فيقتدوا بها.
وقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينهى عن التزوج بالكتابيات خشية الفتنة وإلحاق الضرر بالمسلمات فقد جاء في الآثار عن إبراهيم أن حذيفة بن اليمان تزوج يهودية بالمدائن فكتب إليه عمر أن خَل سبيلها فكتب إليه عمر: أعزم عليك أن لا تضع كتابي هذا حتى تخلي سبيلها فإني أخاف أن يقتدي بك المسلمون فيختاروا نساء أهل الذمة لجمالهن وكفى بذلك فتنة لنساء المسلمين
(1).
وفي رواية أن عمر بن الخطاب بعث إلى حذيفة بن اليمان قائلا: «بلغني أنك تزوجت امرأة من أهل المدائن من أهل الكتاب، وذلك ما لا أرضاه لك فطلقها ولا تبقها في عصمتك، فكتب إليه (حذيفة) أحرام هذا الزواج أم حلال؟ ولماذا تأمرني بطلاق هذه المرأة الكتابية؟ لن أطلقها حتى تخبرني فكتب إليه سيدنا عمر: «هذا الزواج حلال، ولكن في نساء الأعاجم خلابة، وخداعا؛ وإني أخشى عليكم منه (3). وفي رواية للجصاص أن حذيفة بن اليمان تزوج بيهودية فكتب إليه عمر: «أن خل سبيلها، فكتب إليه حذيفة أحرام هي فكتب إليه عمر: لا ولكني أخاف أن تواقعوا المومسات منهن» (3) يعني العواهر.
ففي الزواج بالكتابيات، وبالأولى الحربيات مضار اجتماعية ووطنية ودينية، فقد ينقلن لبلادهن أخبار المسلمين، وقد يرغبن الأولاد في عقائد وعادات غير المسلمين، وقد يؤدي الزواج بهن إلى إلحاق ضرر بالمسلمات بالإعراض عنهن، وقد تكون الكتابية منحرفة السلوك بدليل أن عمر - رضي الله عنه- منع حذيفة من
1 - محمد بن الحسن: كتاب الآثار، ص 75.
2 - عبد الرزاق الصنعاني: المصنف الغندور: الأحوال الشخصية، ص 132. القرطبي: الجامع، مج 2، ج 3 ص 68. - أبو بكر أحمد علي الرازي الجصاص أحكام القرآن تحقيق محمد الصادق قمحاوي: ج 3 ص 323، 1 دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان 1412 هـ / 1992 م.
297 (1/305)
صفحة 306
الزواج بالكتابية لما فيه من الضرر بالمسلمات أو الوقوع في أحضان المومسات بلا
زواج.
موقف القانون من الزواج بالكتابيات
رغم انتشار ظاهرة زواج الجزائريين المسلمين بالأجنبيات من أهل الكتاب؛ بسبب هجرة الجزائريين إلى البلاد الغربية أثناء الاحتلال الفرنسي للجزائر، وبعد الاستقلال طلبا للعلم والرزق؛ إلا أن قانون الأسرة لم ينص صراحة على جوازه أو منعه؛ إلا أنه قد يفهم من نص المادة الواحدة والثلاثين منه أن هذا الزواج جائز؛ فإذا وقع بين الجزائريين والأجنبيات سواء كن مسلمات من جنسيات غير جزائرية أو غير مسلمات؛ فإن القانون يتدخل لتنظيم هذا الزواج بإجراءات معينة وهذا حسب نص المادة الآتية: يخضع زواج الجزائريين والجزائريات بالأجانب من الجنسين إلى إجراءات تنظيمية (1).
وعلق أحد شراح قانون الأسرة الجزائري على هذه المادة وأشار إلى خطورة زواج الجزائريين بالأجنبيات، وزواج الجزائريات بالأجانب خاصة من غير المسلمين؛ لأنه أصبح يشكل ذلك مشكلة اجتماعية في المجتمع الجزائري، فإذا ترك هذا الأمر بدون تنظيم ومراقبة مانعة للنتائج السلبية المترتبة عنه، فإن المجتمع سيعاني تفككا خطيرا داخل الأسرة الجزائرية، ولذلك يجب المبادرة بدراسة هذه الوضعية الخطيرة العواقب والبحث عن إجراءات تنظيمية عاجلة لمراقبتها والتحكم فيها للتقليل منها. وقد اعتمد الشارح في دراسته هذه على الإحصائيات المخيفة التي اطلع عليها من وزارة التخطيط، ووزارة العدل، بمناسبة مناقشة البرلمان لمشروع قانون الأسرة، آلافا حيث وجد من الجزائريات المسلمات متزوجات مع أجانب غير مسلمين من جنسيات مختلفة عربية وغير عربية، وهذا بلا شك تترتب عليه اشكالات ونتائج فيما يتعلق بالنسب والحضانة والميراث ونحوها، تتناقض مع مقاصد الشرع وأحكامه.
وذكر أنه قبل صدور قانون الأسرة كان قانون الحالة المدنية قد نص في المادة (97) على أنه إذا تزوج شخص جزائري مع أجنبية في بلد أجنبي لا يحمل جنسية
1 - قانون الأسرة: المادة (31)، ص 16.
298 (1/306)
صفحة 307
ذلك البلد فإن هذا الزواج لا يتم ولا يمكن أن يكون صحيحا إلا في البلاد التي ستحدد بمرسوم، وقد مضى على هذا القانون مدة طويلة ولم يصدر هذا المرسوم.
ثم جاءت المادة الواحدة والثلاثين (31) من قانون الأسرة تنص على إخضاع زواج الجزائريين بالأجانب من الجنسين إلى إجراءات تنظيمية، ومضى على صدور هذه المادة زمنا طويلا ولم تصدر هذه الإجراءات، ثم تساءل الشارح عن سبب تأخر هذه الإجراءات رغم أن المشرع الجزائري قد وعد بصدورها في أقرب الآجال. وتساءل أيضا عن حكم عقود الزواج التي أبرمت بين الجزائريين والأجانب في الفترة ما بين صدور قانون الحالة المدنية وقانون الأسرة (1984) وبين صدور المرسوم المذكور في الإجراءات التنظيمية المشار إليها، وما مصيرها؟ وهل يقرها القانون أم يبطلها؟ وهل المواطن الجزائري إذا أراد عقد زواجه مع أجنبي خارج البلاد أو داخلها ينتظر حتى يصدر هذا المرسوم أو الإجراءات التنظيمية.
وأخيرا بادر باقتراح لعله يساعد في حل هذه المعضلة ولو مؤقتا ريثما يصدر هذا المرسوم المرتقب، حتى لا تزداد هذه المشكلة تعقيدا وخطورة، فقال: إذا أراد أيُّ جزائري أن يتزوج مع أجنبي داخل البلاد أو خارجها فما عليه إلا اتباع ما يلي:
العقد.
1 - أن يحترم قواعد ونصوص القانون الجاري به العمل في البلد الذي يبرم فيه
2 - وعليه أيضا أن يحترم القواعد والشروط الأساسية التي يتطلبها القانون الجزائري لإمكانية عقد الزواج.
فإن لم يلتزم بما ذكر فإن عقد زواجه سيكون معرضا للطعن فيه بالفساد والبطلان، مما يجعله في وضع حرج لا يحسد عليه وربما يهدم كل ما بناه من قبل ويتسبب في تفكك أسرته (1).
خلاصة القول:
وبعد عرض رأي الشريعة والقانون في حكم الكتابيات نقول:
1 - عبد العزيز سعد الزواج والطلاق في قانون الأسرة الجزائري، ص 100 - 111.
299 (1/307)
صفحة 308
إنه مما يؤسف له أن نجد بعض شباب المسلمين الذين يسافرون إلى بلاد الغرب لغرض طلب العلم أو الرزق أو السياحة، فيعجبوا بنساء الإفرنج ويفتتنوا بجمالهن فيتزوجوا بهن، فيفسدن عليهم أمور دينهم ووطنهم ويدفعن بهم إلى التمسك بعاداتهن وتقاليدهن التي تتنافى مع الإسلام ومبادئه فليت الذين يتسابقون في الزواج بالأجنبيات من أهل الكتاب يتدبرون تلك المعاني التي من أجلها منع الفاروق بعض الصحابة من الإبقاء على زواجهن، وحكم أكثر الفقهاء عليه بالكراهة، لَيْهَمُ يفكرون بعقولهم ولا يسيرون وراء هذا السراب الخادع، ولا يغرنهم إسلام هؤلاء بعد الزواج أو قبله فإنه إسلام ظاهري لغرض ما، ولا أدل على ذلك من أن أغلب هؤلاء حتى بعد إسلامهن الصوري يطبعن بيوتهن بطابع غير إسلامي مما لا يخفى على أحد (1).
ومن تمام سعادة الزوجين أن يتحدا في الدين والمذهب فبذلك تتعادل العواطف وتتوثق الصلات وتقر عين كل من الزوجين بصاحبه، على أن التزوج بالكتابيات تختل معه الموازنة بين الزوجين، ولا توجد الألفة بينهما بمعناها الحقيقي، وفيه من عقوق الإنسان لقومه وأهل داره شيء كبير، ويكون مثله في ذلك كما قيل:
كتاركة بيضاء بالعراء
وملبسة بيض أخرى جناحها
اللهم إلا في أحوال ضرورية جدا، وللضرورة حكمها (3).
ولهذه الأسباب وغيرها فقد أحسنت بعض الحكومات الإسلامية لما منعت موظفي السلك الدبلوماسي، ورجال القوات المسلحة من الزواج بالأجنبيات، حتى لا تتعرض المصالح الوطنية للخطر ولا تتسرب أسرار المسلمين إلى الأعداء، كما فعل الفاروق عمر لما منع حذيفة بن اليمان إلى المدائن وغيره من الصحابة من البقاء مع الكتابيات، رغم وجود نص قرآني يبيح ذلك؛ لأنه تفطن إلى خطورته وفتنته.
والمحاكم اليوم تكتظ بالقضايا التي يطالب فيها الزوج المسلم زوجته الكتابية
بحضانة أولاده، بعد أن هجر بلادها واستقر في موطنه.
1 - بدران أبو العينين بدران: الفقه المقارن، ص 117 - 118. 2 - إبراهيم بك: الأحوال الشخصية، ص 227 - 228.
r .. (1/308)
صفحة 309
ومهما يكن من أمر فإننا نعتقد أنه وإن كان من الجائز شرعا أو قانونا أن يتزوج المسلم مع أية كتابية أو ذات دين سماوي كالمسيحية واليهودية سواء كانت من جنسية فرنسية أو روسية أو تابعة لجنسية إحدى البلاد العربية، فإن هذا الزواج ليس إلا رخصة من الشريعة الإسلامية منحت للرجل استثناء من القاعدة الأساسية التي تتطلب أن يكون زواج المسلم مع المسلمة، وذلك حتى لا يقع هذا الرجل في الحرام عندما تدفعه ظروف عمله أو ظروف معيشته إلى أن يعيش في بلاد الغربة وخارج دار الإسلام، بعيدا عن وطنه وعن بنات دينه وقومه؛ وذلك:
1 لِمَا نؤمن به من أن مضار الزواج بالكتابيات أكثر من منافعه، وأن فيه خطرا على إسلام الزوج والأولاد، باعتبار أن الكتابية مسيحية كانت أو يهودية لا يرضيها أبدا أن ترى ولدها قد ترك دين وتقاليد شعب أمه واعتنق دين وتقاليد أبيه. 2 - ولِما نؤمن به كذلك من أن اندفاع شبابنا إلى استغلال هذه الرخصة والارتماء في أحضان الأجنبيات دون ضرورة يشكل إساءة كبيرة وفادحة إلى النساء
المسلمات.
-
ويترتب عنه بوارهن وكساد مهول في مُعرِض الزواج بهن مما يحملنا على الاعتقاد – ولو بتحفظ بأن الزواج مع الكتابيات في مثل هذه الحال وفي مثل الظروف الاجتماعية والسياسية العالمية التي نعيشها اليوم يلحق الضرر بالمجتمع الإسلامي وبالمصلحة العليا للبلاد الإسلامية ويسمح لنا بأن نضم صوتنا إلى الذين نادوا بتحريمه ومنعه إلا عند الضرورة القصوى وبشروط واضحة ومحددة وملزمة
والضرورة تقدر بقدرها (1)
1 - عبد العزيز سعد الزواج والطلاق في قانون الأسرة الجزائري، ص 111 - 112. (1/309)
صفحة 310
المبحث الثاني
نكاح المحرم بحج أو عمرة
أولا: تعريف المحرم
في اللغة: كلمة المحرم (بضم الميم وسكون الحاء وكسر الراء مأخوذة من الحرم بضم الحاء وسكون الراء وهو الإحرام بالحج، وبالكسر: الرجل المحرم، يقال: أنت حل، وأنت حرم.
وفي الشرع: الإحرام مصدر أحرم الرجل يُحرم إحراما إذا أَهَل بالحج أو العمرة، وباشر أسبابهما وشروطهما من خلع المخيط، وأن يجتنب الأشياء التي منعه الشرع منها كالطيب والنكاح والصيد وغير ذلك، فكأن المحرم ممتنع من هذه الأشياء (3). ثانيا: حكم نكاح المحرم:
اختلف الفقهاء في حكم نكاح المحرم بحج أو عمرة فبعضهم أجازه، وبعضهم منعه حيث يشترطون في العاقد عدم الإحرام، ولكل فريق أدلته وحججه التي يستند إليها لبيان صحة ما ذهب إليه.
وسوف نتعرض لهذه الآراء في هذه المسألة بشيء من التفصيل فيما يأتي:
الفريق الأول القائلون بالحل والجواز:
ذهب فقهاء الحنفية وبعض فقهاء الإباضية إلى القول بجواز نكاح المحرم بحج أو عمرة سواء أكان المحرم زوجا أو زوجة أو وليًا أو وكيلا أو شاهدا فلو عقد النكاح كان صحيحا بدون كراهة ويترتب عليه كل الحقوق والواجبات الزوجية (3).
1 - ابن منظور: لسان العرب، ج 2/ ص 138 - 139. ابن بركة الجامع، ج 2 ص 50 وما بعدها. 2 - أحمد الصاوي: بلغة السالك، ج 2/ ص 11 وما بعدها. أبو بكر بن حسن الكشناوي: أسهل المدارك شرح إرشاد المسالك في فقه إمام الأئمة مالك، ج 1 ص 454، بدون تاريخ، دار الفکر بيروت. 3 - الجناوني: كتاب النكاح، ص 125. المرغياني الهداية، ج 1 ص 189. امحمد اطفيش: شرح كتاب النيل، ج 6 / ص 253.
302 (1/310)
صفحة 311
أدلتهم:
وقد استدل أصحاب هذا الرأي بالحديث الذي رواه الجماعة عن أبي الشعثاء أن ابن عباس أخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو مُحرِم).
وفي رواية للربيع في مسنده قال: قال ضمام بن السائب عن جابر بن زيد عن
ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج بخالته ميمونة بنت الحارث وهو مُحرِم» (3). وفي رواية أخرى للنسائي عن عطاء عن ابن عباس أن النبي «نكح ميمونة وهو محرم، جعلت أمرها إلى العباس فأنكحها إياه (3).
وقال أبو غانم في المدونة: «سألت ابن عبد العزيز عن نكاح المحرم أيتزوج الرجل وهو مُحرِم؟ قال: نعم لا بأس بذلك»، ثم أضاف قائلا: «إن هؤلاء يقولون ويروون عن فقهائهم أن لا يتزوج الرجل وهو مُحرِم قال: ليس فيما يقولون شيء، وقد حدثني أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أنه قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة الهلالية وهو محرم، قال وكذلك حدثنا أبو المؤرج عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس في تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم).
وجه الاستدلال
(4)
اعتمادا على هذا الحديث الصحيح يمكن الاستدلال على صحة نكاح المحرم بعدة أمور من ذلك:
1 - أن هذا الحديث بظاهره نص في صحة زواج المحرم، ويقويه ما ورد عن عائشة -رضي الله عنها - فقد روى أبو عوانة عن مغيرة عن أبي الضحى عن مسروق
1 - أخرجه البخاري كتاب النكاح، باب نكاح المحرم، حديث رقم 5114: ج 3 ص 1647. ومسلم: كتاب النكاح باب تحريم نكاح المحرم، حديث رقم 1410: ج 5 / ص 209 - 210. وابن ماجه: كتاب النكاح، باب المحرم يتزوج حديث رقم 1960. وأحمد في المسند: ج 1/ص 393. والترمذي في كتاب الحج، باب الرخصة في ذلك حديث رقم 842. والدارمي في كتاب المناسك حديث رقم 1822؛ ج 3 ص 201. وأبو داود في المناسك: حديث رقم 1844. والنسائي: كتاب النكاح، باب الرخصة في نكاح المحرم، حديث رقم 3272: مج 3، ج 6 / ص 396. 2 - أخرجه الربيع بن حبيب في الجامع: كتاب النكاح، باب ما يجوز من النكاح وما لا يجوز، حديث رقم 520؛ مج 1، ج 2/ ص 209. 3 - أخرجه النسائي: كتاب النكاح، باب الرخصة في نكاح المحرم، حديث رقم:3273 مج 3، ج 6 / ص 2396. - أبو غانم الخرساني: المدونة الكبرى، ج 2 / ص 42. (1/311)
صفحة 312
عن عائشة -رضي الله عنها أنها قالت: تزوج رسول الله البعض نسائه وهو
محرم).
وقد أخرج هذا الحديث أيضا البزار: قال السهيلي: «إنما أرادت نكاح ميمونة، ولكنها لم تسمها (2).
2 - كما أنه لو كان العقد في الإحرام مبطلا له لبطل عقد المنكوحة سابقا لِطُرُوِّ
الإحرام؛ لأن المنافي للعقد يستوي في الابتداء والبقاء كالطارئ على العقد. ولأن الإحرام لا يمنع صلاحية المرأة للعقد عليها، وإنما يمنع الجماع لا
-
صحة العقد (3).
- أما الأحاديث التي وردت عن النبي الله وتفيد النهي عن نكاح المحرم، وإنكاحه، هي محمولة على الوطء، أي لا يطأ المحرم زوجته، ولا تمكنه زوجته المحرمة من الوطء.
5 - وقال الحنفية: إن النكاح عقد كسائر العقود التي يتلفظ بها كشراء الأمة للتسري وغيره، ولا يمتنع شيء من العقود بسبب الإحرام، فكذلك النكاح لا تأثير له
فيه فلا يبطله).
الفريق الثاني: القائلون بالمنع والحرمة:
وذهب الجمهور من فقهاء الإباضية (5) والمالكية والشافعية (1) والحنابلة (7) والشيعة إلى تحريم نكاح المحرم وبطلانه، فلا يَنكِحُ ولا يُنكِحُ؛ فإن فعل ذلك فالنكاح باطل لا تترتب عليه آثاره الشرعية؛ لأنهم يشترطون أن يكون الولي والزوج والزوجة 1 - أخرجه ابن حبان، حديث رقم (4120) راجع ابن بلبان: الإحسان بترتيب ابن حبان ج 6 / ص 171. 2 - الحصري النكاح ص 115. 2 - سيد سابق فقه السنة، ج 2/ ص 171، طه، نشر دار الفتح للإعلام العربي مصر، 1412 هـ - 1992 م. 3 - أحمد الحصري: النكاح والقضايا المتعلقة به، ص 115 - 116. 4 - عامر الشماخي: كتاب النكاح، ج 3 ص،271، 5 1404 هـ - 1984 م، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان. ه - محمد بن أحمد الشربيني الخطيب الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، تحقيق علي عبد الحميد أبو الخير ومحمد سليمان، ج 2 / ص 576 - 577؛ ط 1، دار الخير للطباعة والنشر، 1417 هـ / 1996 م. 6 - عبد القادر الشيباني وإبراهيم بن ضوبان: المعتمد في فقه الإمام أحمد، تحقيق علي بلطوجي، محمد وهبي سليمان، ج 2/ص 180، ط 2؛، دار الخير للطباعة والنشر بيروت - دمشق، 1414 هـ / 1994 م.
وهبي
304 (1/312)
صفحة 313
حلالا؛ لأن الإحرام من أحد الثلاثة يمنع صحة العقد، سواء كان إحراما بحج أو
بعمرة.
وهو قول عمر بن الخطاب وعلي وابن عمر وزيد بن ثابت وغيرهم، ويعتبر المالكية الإحرام من أحد موانع النكاح).
ويرى الشافعية أنه لا فرق في مدة الإحرام بين طولها وقصرها، وإن كان هناك رأي عندهم يقول: إن للسلطان أن يُزهّج عند إحرام الولي في الإحرام الذي تطول مدته، كما لا يصح عقد وكيل الولي المحرم أو الزوج المحرم ولو كان الوكيل حلالا؛ لأن الموكل لا يملك العقد ففرعه أولى.
وأيضا الوكيل في النكاح سفير، محض، فكان العاقد هو الموكل (2).
ولكن المالكية يرون أن الحاكم والقاضي يكون محرما ويوكل حلالا فيصح عقد
الوكيل الحلال
أدلتهم:
(r)
واستدل الجمهور على بطلان نكاح المحرم بأحاديث صحيحة من ذلك: 1 - ما رواه أصحاب السنن عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ينكح المحرم ولا يُنكِح ولا يخطب (4).
2 وفي رواية عن مالك عن نافع عن نبيه بن وهب (أخي بني عبد الدار) أن عمر بن عبيد الله أرسل إلى أبان بن عثمان، وأبان يومئذ أمير الحاج، وهما محرمان: قد أردت أن تحضر فأنكر ذلك عليه أبان فقال: «سمعت عثمان بن عفان يقول: قال
1 - ابن رشد: بداية المجتهد، ج 3 ص 1011.
2 - محمد الشربيني الخطيب: مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج.
- أحمد الصاوي: بلغة السالك على الشرح الصغير لأحمد الدردير، ج 2/ ص 238 - 239. ابن عبد البر: الكافي في فقه أهل المدينة المالكي، ص 239. عثمان الجعلي سراج السالك، ج 2 ص 37. 4 - أخرجه الربيع في جامعه كتاب النكاح، حديث رقم 519، ج 2 / ص 209. وأحمد في مسنده ج 1 / ص 73,6964,57: ج 2 / ص 42,21. ومسلم في كتاب النكاح: حديث رقم 44,43.41: ج 5 / ص 208 - 209. وأبو داود في كتاب النكاح رقم.17 والترمذي في كتاب البيوع رقم 57، ولم يذكر ولا يخطب) وابن
ماجه في كتاب النكاح: حديث رقم 1966، ج 2 / ص 197.
305 (1/313)
صفحة 314
رسول الله: «لا ينكح المحرم ولا يُنكِح ولا يخطب).
قال السالمي في شرح هذا الحديث: قوله (لا ينكح بفتح أوله وكسر الكاف وسكون الحاء المهملة على أن (لا) ناهية أي لا يعقد لنفسه، والمراد بالمحرم من أحرم بحج أو عمرة.
وقوله لا يُنكح بضم أوله وكسر الكاف وسكون الحاء عن النهي كما ذكر الخطابي أنه الرواية الصحيحة، ومعناه: لا يزوج امرأة بولاية ولا بوكالة في مدة
الإحرام.
وقوله (ولا يخطب أي لا يخطب المرأة وهو طلب زواجها (2).
وجه الاستدلال
نص هذا الحديث ينهى صراحة عن زواج المحرم وتزويجه غيره، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه؛ لأن النهي للتحريم إلا إذا وجد ما يصرفه، ولم يوجد الدليل الصارف عن التحريم.
- وعن مالك عن داود بن الحصين، أن أبا غطفان بن طريف المري أخبره أن أباه طريفاً تزوج امرأة وهو محرم، فرد عمر بن الخطاب نكاحه (3).
- وعن مالك أيضا عن نافع؛ أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا ينكح المحرم ولا يخطب على نفسه ولا على غيره).
ه - وعن مالك؛ أنه بلغه أن سعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، سُئلوا عن نكاح المحرم؟ فقالوا: «لا ينكح المحرم، ولا يُنكِح (ه).
6 - قال الترمذي حديث عثمان حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند بعض أصحاب النبي منهم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر -رضي الله
1 - مالك: الموطأ، كتاب الحج، حديث رقم 70، ج 1/ص 283. ومسلم: كتاب النكاح حديث رقم (41 - 1409)، ج 5 / ص 208. والنسائي: كتاب النكاح، حديث رقم 275 - 276، مج 3: ج 6 / ص 397. 2 - نور الدين السالمي: شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب، ج 3/ص 30. - مالك: الموطأ، كتاب الحج، حديث رقم 71 - 72 - 73؛ ج 1/ص 283. 4 - المرجع نفسه
ه - المرجع نفسه
306 (1/314)
صفحة 315
عنه وهو قول بعض فقهاء التابعين، وبه يقول مالك والشافعي وأحمد واسحاق
لا يرون أن يتزوج المحرم، قالوا فإن نكح فنكاحه باطل)
موقف العلماء من تعارض النصوص ومناقشاتهم:
لقد اعترض كلّ فريق على أدلة الآخر واحتج عليه وحتى يتبين لنا ذلك جليا نورد بعض اعتراضاتهم ومناقشاتهم من ذلك:
أولا: اعتراضات الجمهور على الحنفية وغيرهم
اعترض الجمهور على الفريق الأول القائلين بالجواز فقالوا:
أ- أما رواية زواج الرسول صلى الله عليه وسلم بميمونة فقد عارضت هذه الرواية ما رواه مالك في الموطأ نقلا عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سليمان بن يسار مولى ميمونة زوج النبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع مولاه ورجلا من الأنصار فزوجاه ميمونة ابنة الحارث ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قبل أن يخرج).
وفي هذا الصدد يقول النووي في شرح صحيح مسلم: «قد أجاب الجمهور عن حديث ميمونة بأجوبة أصحها»
1 - أن النبي إنما تزوجها حلالا، هكذا رواه أكثر الصحابة».
قال القاضي عياض وغيره: لم يُرو أنه تزوجها مُحِرماً غير ابن عباس وحده، وروت ميمونة وأبو رافع وغيرهما أنه تزوجها حلالا، وهو أعرف بالقضية لتعلقها بهم بخلاف ابن عباس، ولأنهم أضبط من ابن عباس وأكثر؛ لأن رافع كان سفيرا بين النبي صلى الله عليه وسلم وبينها وابن عباس كان إذ ذاك صغيرا، ولكون حديثهما أوفق بالحديث
(3)
القولي الذي رواه عثمان -2 - والجواب الثاني: تأويل حديث ابن عباس على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها في الحرم وهو حلال، ويقال لمن في الحرم محرم وإن كان حلالا، وهي لغة شائعة
- الترمذي السنن، كتاب الحج، حديث رقم (840)، ج 3 ص 199 - 200. 2 - مالك الموطأ، كتاب النكاح، باب نكاح المحرم حديث رقم 69: ج 1 ص 282 - السيوطي: شرح سنن النسائي، مج 3، ج 5 / ص 211. (1/315)
صفحة 316
معروفة، ومنه قول الشاعر في البيت المشهور:
قتلوا ابن عفان الخليفة محرما
ودعا فلم أر مثله مخذولا (1)
أي قتلوه في حرم المدينة، وقال السيوطي وقيل: «في البيت: أي في شهر حرام، يقال: أحرم إذا كان في الشهر الحرام (2).
والجواب الثالث: عن حديث ميمونة أن الصحيح عند الأصوليين تقديم القول إذا عارضه الفعل؛ لأن القول يتعدى إلى الغير، والفعل يقتصر عليه.
4 -
والرابع أنه من خصائص النبي الله دون الأمة (3).
ب وقد عارض حديث ابن عباس أيضا: حديث يزيد بن الأصم قال: حدثتني ميمونة بنت الحارث أن رسول الله الا الله تزوجها وهو حلال).
ومن طريق الزهري قال: «وكانت خالته كما كانت خالة ابن عباس (ه). وأخرج البيهقي من طريق الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس (الحديث): قال: وقال سعيد بن المسيب ذهل (وَهم) ابن عباس - وإن كانت خالته -ما تزوجها إلا بعد ما أحل).
ج- وقالوا أيضا إن الرواية الصحيحة تفيد الجزم على النهي، لا على حكاية الحال، وحمله عليها لا يكون إخبارا عن أمر شرعي، بل على قضية يشترك في معرفتها الخاص والعام وحمل كلام الشارع على الشرعيات التي لا تعلم إلا من جهته أولى.
د وأيضا فإن أبان راوي الحديث فَهم أن المراد النهي وأنكر على عمر بن عبيد الله، وأقام عليه الحجة بالحديث الذي رواه عن عثمان، وحمل النكاح على الوطء، لا فائدة فيه إذ هو أمر مقدر يعلمه كل أحد.
1 - ابن منظور لسان العرب، ج 3/ ص 139. 2 - السيوطي: شرح سنن النسائي، مج 3: ج 6/ ص 396.
النووي: شرح صحيح مسلم، ج 5 / ص 210 - 211. أحمد الحصري: النكاح، ص 116 - 117. 4 - أخرجه مسلم في كتاب النكاح، باب تحريم نكاح المحرم حديث رقم 1411، ج 5 / ص 210. - المرجع نفسه.
10
6 - ابن حجر العسقلاني: فتح الباري شرح صحيح البخاري، ص 95 - 96.
308 (1/316)
صفحة 317
هـ
وأيضا فهو خلاف فهم راويه، ولو صح في الجملة الأولى لم يصح في الثانية؛ فإن قوله (يُنكِح) نهي عن التزويج بلا شك، وإذا منع من العقد لغيره فأولى
لنفسه (1)
و - وقالوا: لو سلمنا فَرَضًا أن حديث ابن عباس يعارض حديث ميمونة يسقط الحديثان للتعارض ويبقى حديث عثمان القولي سالما عن المعارضة فيؤيد به لأن حديثه قول نص في التشريع فيؤخذ به قطعا على مقتضى القواعد).
ثانيا: رد الحنفية على مذهب الجمهور:
هذا وقد ردّ الحنفية وبعض الإباضية على اعتراضات الجمهور بعدة ردود منها:
1 - أنه لا نسلم أن من كان في الحرم يقال له محرماً وقول الشاعر:
قتلوا ابن عفان الخليفة محرماً
ودعا فلم أر مثله مخذولا
لا يدل على ذلك، بل المراد أنهم قتلوه دون ذنب أو جريمة ارتكبها، فكل من لم يأت شيئا يوجب عليه عقوبته فهو مُحرم لا يحل منه شيء، ومثل ذلك ورد في أشعار
العرب فقد قال عدي بن زيد:
قتلوا كسرى بليل محرماً
فأي إحرام لكسرى؟
فتولى لم يمتع بكفن
2 - أما القول بأن هذا كان من خصوصيات الرسول صلى الله عليه وسلم نكاحه وهو محرم، فالأصل هو وجوب الاقتداء به ولا يخص فعله صلوات الله عليه وسلامه به إلا بدليل، وهنا لا دليل على ذلك.
3 - وقالوا إن حديث ابن عباس مثبت وغير ناف، فيرجح حديث ابن عباس بذات المتن لترجح المثبت على النافي خصوصا والراوي فقيه وسند الحديث قوي (3). - أما قولهم بأن ابن عباس قد تفرد بهذا الحديث دون غيره من الصحابة فهو
1 - السالمي: شرح مسند الربيع، ج 3/ص 31. السيوطي: شرح سنن النسائي، مج 3 ج 5 / ص 211. 3 - الكمال بن الهمام: فتح القدير، ج 2 / ص 374 - 375. أحمد الحصري: النكاح، ص 117. 374 - 375.
309 (1/317)
صفحة 318
مردود، فقد جاء مثله صحيحا عن عائشة وأبي هريرة، فأما حديث عائشة فأخرجه
الطحاوي والبزار من طريق مسروق عنها وصححه ابن حبان ().
وأكثر ما أعل بالإرسال، وليس ذلك بقادح فيه. وأخرجه النسائي من طريق مسروق عنها وقال: «أخبرنا عمرو بن علي أنبأنا أبو عاصم عن عثمان بن الأسود عن ابن أبي مليكة عن عائشة مثله».
وأما حديث أبي هريرة أخرجه الدار قطني وفي إسناده كامل أبو العلاء وفيه ضعف، لكنه يعتضد بحديثي ابن عباس وعائشة، وفيه رد على قول ابن عبد البر أن ابن عباس تفرد من بين الصحابة بأن النبي تزوج وهو محرم).
ه وقال الحنفية أيضا إن الحديث الذي رواه عثمان ليس نهيا عن نكاح المحرم بل هو إخبار عن حاله، وأنه لاشتغاله بنسكه لا يتسع زمانه لعقد النكاح، ولا يتفرع له، وبأن المراد بالنكاح هنا الوطء لا العقد فقوله لا ينكح) أي لا يطا (3).
6 - وقالوا أيضا إن حديث ابن عباس أرجح سندا فقد أخرجه الستة فلا يعارضه شيء من حديث ميمونة ورافع، والأصل في الأفعال العموم فيقدم على حديث عثمان أيضا فيؤخذ به دون غيره)
منشأ الخلاف وسببه
مما سبق ذكره يتبين لنا أن لكل فريق أدلة قوية يستند إليها في إثبات نكاح المحرم أو نفيه، ولكن قبل اتخاذ موقف معين لترجيح رأي دون الآخر لابد لنا من البحث عن منشأ الاختلاف.
ولعل سبب اختلاف الفقهاء في نكاح المحرم، هو تعارض النصوص في هذه المسألة، فمنها حديث ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة وهو محرم» وهو
حديث ثابت النقل خَرَّجَه أهل الصحيح.
1 - ابن حجر: فتح الباري، كتاب النكاح، 95.
ابن حجر نفس المصدر، ص 96.
- السالمي: شرح مسند الربيع، ج 3 ص 30. المرغياني: الهداية، ج 1 ص 189.
-
السيوطي: شرح سنن النسائي، مج 3 ج 5 / ص 211 (1/318)
صفحة 319
وعارضه أحاديث كثيرة عن ميمونة: أن رسول الله لا تزوجها وهو حلال. قال أبو عمر: «رويت عنها من طرق شتى من طريق أبي رافع، ومن طريق
سليمان بن يسار وهو مولاها، وعن يزيد بن الأصم (وهي خالته كذلك)». وروى مالك أيضا من حديث عثمان بن عفان مع هذا أنه قال: قال رسول الله لا ينكح المحرم ولا يُنكِح ولا يخطب». فمن رجح هذه الأحاديث على حديث ابن عباس قال: لا ينكح المحرم ولا ينكح، ومن رجح حديث ابن عباس، أو جمع بينه وبين حديث عثمان بن عفان بأن حمل النهي الوارد في ذلك على الكراهة قال: ينكح ويُنكح، وهذا راجع إلى تعارض الفعل
والقول.
قال ابن رشد: «والوجه الجمع، أو تغليب القول على الفعل».
مجمل القول مع الترجيح:
وخلاصة القول يتضح لنا مما سبق بيانه أن الفقهاء في هذه المسألة لم يتفقوا على رأي واحد، بل حتى في مذهب واحد؛ فنجد فقهاءه انقسموا إلى فريقين ـ كما عند الإباضية - فبعضهم أخذ برأي الحنفية وقالوا بجواز نكاح المحرم استنادا إلى حديث ابن عباس الصحيح، وبعضهم أخذ برأي الجمهور وقالوا بتحريم نكاح المحرم استنادا إلى حديث عثمان بن عفان وحديث ميمونة.
وقد حاول كثير من شراح الحديث أن يجمعوا بين الحديثين ولكن أغلبهم يميلون إلى المنع استنادا إلى حديث عثمان وإلى ما روي من أن أبا بكر وعمر فرقا بين من تزوجا وهما محرمان (1).
فقد رجح ابن عبد البر رأي الجمهور وقال الرواية أنه تزوجها وهو حلال جاءت من طرق شتى، وحديث ابن عباس صحيح الإسناد لكن الوهم إلى الواحد أقرب إلى الوهم من الجماعة، فأقل أحوال الخبرين أن يتعارضا، فتطلب الحجة من غيرهما، وحديث عثمان صحيح في منع نكاح المحرم فهو المعتمد، ويترجح حديث عثمان
- علي يحي معمر: تعليقات على كتاب النكاح للجناوني، ص 126.
311 (1/319)
صفحة 320
بأنه تقعيد قاعدة، وحديث ابن عباس واقعه عين تحتمل أنواعا من الاحتمالات 1 - منها أن ابن عباس كان يرى أن من قلَّدَ الهَدْيَ يصير محرما .. والنبي كان قلد الهدي في عمرته تلك التي تزوج فيها ميمونة فيكون إطلاقه أنه تزوجها وهو محرم أي عقد عليها بعد أن قلد الهدي، وإن لم يكن تلبس بالإحرام، وذلك أنه كان أرسل إليها أبا رافع يخطبها فجعلت أمرها إلى العباس فزوجها من النبي صلى الله عليه وسلم وقد أخرج الترمذي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما من طريق مطر الوراق عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سليمان بن يسار عن أبي رافع: «أن النبي تزوج ميمونة وهو حلال وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا الرسول بينهما).
2 - ومنها أن قول ابن عباس تزوج ميمونة وهو محرم، أي دخل الحرام وأوْفَى
الشهر الحرام وإلى هذا التأويل جنح ابن حبان فجزم به في صحيحه (2).
وقد ذهب أيضا الطبري مذهب الجمهور وقال الصواب من القول عندنا أن نكاح المحرم فاسد لصحة حديث عثمان، وأما قصة ميمونة فتعارضت الأخبار فيها ثم ساق من طريق أيوب قال: أنبئت أن الاختلاف في زواج ميمونة إنما وقع؛ لأن النبي كان بعث إلى العباس لينكحها إياه فأنكحه، فقال بعضهم أنكحها قبل أن يحرم النبي الله وقال بعضهم بعد ما أحرم، وقد ثبت أن عمر وعليا وغيرهما من الصحابة فرقوا بين محرم نكح وبين امرأته ولا يكون هذا إلا عن ثبت (3).
والذي يؤكد هذا المنحى ما ذكره الترمذي في صحيحه فقال: «اختلفوا في تزويج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة؛ لأنه زوجها في طريق مكة، فقال بعضهم تزوجها وهو حلال،
وظهر أمر تزوجها وهو محرم، ثم بنى بها وهو حلال بسرف في طريق مكة (4).
1 - الترمذي: في الجامع الصحيح، كتاب الحج، حديث رقم (841)، وقال هذا حديث حسن ولا نعلم أحدا أسنده غير حماد بن زيد عن مطر عن ربيعة وروى مالك عن أنس عن ربيعة سلمان بن يسار أن النبيصلى الله عليه وسلم «تزوج ميمونة وهو حلال رواه مالك مرسلا قال ورواه سلمان بن بلال بن ربيعة مرسلا راجع الترمذي أبو عيسى بن سورة ولد 197 هـ توفي 297 هـ، الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، ج 3 ص 200 - 201، دار الكتب العلمية بيروت - لبنان، 1408 هـ - 1987 م.
2 - ابن حجر: فتح الباري، كتاب النكاح، ص 95. أبو غانم الخرساني: المدونة الكبرى، ج 2 / ص 41 - 42. امحمد
-
اطفيش: شرح كتاب النيل، ج 6/ص 254. ابن حجر فتح الباري، كتاب النكاح، ص 96.
4 - الترمذي: الجامع الصحيح، كتاب النكاح، ج 3 ص 200 - 201. علي يحي معمر: تعليقات على كتاب النكاح للجناوني، ص 126.
312 (1/320)
صفحة 321
وقد رجح السالمي الإباضي رأي الجمهور معللا ذلك بقوله: «ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم
دخل مكة معمرا في السنة السابعة بعد الحديبية بعام وتزوج بميمونة بنت الحارث الهلالية خالة ابن عباس وخالد بن الوليد) .. ثم اختلفت رواية الروايين في وقت التزويج، فمنهم من رورى أنه تزوجها وهو محرم ومنهم من روى أنه تزوجها وهو محل، فاحتاج العلماء إلى الجمع بين الروايات، ومنهم من رجح بعضها على بعض. ثم بين السالمي أن الرأي المعمول به في المذهب الإباضي هو أن المحرم لا يتزوج ولا يزوج، وهو نص عن رسول الله) وهو رأى الجمهور خلافاً لبعض
فقهاء الاباضية.
ولا شك أن هذا الرأي يستند إلى أدلة قوية وقد جرى العمل به عند كبار الصحابة كأبي بكر و علي، ويتماشى مع مقاصد التشريع الإسلامي حيث أن النكاح بمعناه الحقيقي (وهو الوطء) من الأعمال التي تتنافى مع الإحرام بالحج أو العمرة، فلا يجوز ذلك للمحرم إلا بعد فك إحرامه والتحلل منه وهذا متفق عليه عند جميع
المذاهب سواء القائلين بجواز نكاح المحرم أو بمنعه، ويبقى الخلاف محصوراً إنشاء عقد الزواج وهو محل خلاف بين الفريقين، ولذلك يمكن العمل بالرأيين فنقول يجوز عقد نكاح المحرم، ولكن يحرم الدخول وقت الإحرام فإذا وقع العقد دون الدخول صح العقد وإذا وقع الدخول بعده بطل العقد.
1 - قد تفرد السالمي بهذا الرأي حيث اعتبر ميمونة بنت الحارث خالة خالد بن الوليد خلافا لأغلب الرواة الذين
نسبوا ذلك إلى ابن عباس ويزيد بن الأصم.
2 - نور الدين السالمي جوابات الإمام السالمي، ج 6 / ص 463.
313 (1/321)
صفحة 322
المبحث الثالث
نكاح المريض مرض الموت
عرف الجرجاني المرض بأنه «ما يَعرِضُ للبدن فيخرجه عن الاعتدال
الخاص» (1).
والأمراض التي تصيب الإنسان منها ماهو عضوي ومنها ماهو نفسي أو عقلي. فلو أصيب المريض بمرض يغلب الهلاك منه، كما أن يصاب بمرض خطير مخوف كالسرطان أو الإيدز (السيدا) حيث لا يرجى شفاؤه وميؤوس منه فيقعده عن الحركة، وأراد الزواج، فما حكم النكاح؟ هل يباح له ذلك؟ أم يمنع منه؟ وإذا وقع العقد فهل يصح أم يبطل؟. فالفقهاء في هذه الحالة انقسموا إلى رأيين أحدهما يرى الجواز، والآخر يقول بالمنع والحرمة، وذلك انطلاقا من تحديد المرض ونهايته.
وحتى تتضح المسألة جليا ويتبين موقف الفقهاء بوضوح نتعرض إلى تعريف مرض الموت وبيان آراء الفقهاء في نكاح المريض مع أدلتهم.
أولا: تعريف مرض الموت.
يغلب على الفقهاء عند تعريفهم لمرض الموت الاكتفاء بإيراد بعض الأمثلة لأمراض معدودة منه، ومن هذه الأمراض التي ذكروها الطاعون، الرعاف المستمر،
الإسهال المستمر، الفالج (3) في ابتدائه، والسل عند انتهائه، والحمى المطبقة (3)
ولعله يتضح عند النظر إلى هذه الأمراض التي مثلوا بها لمرض الموت أنه 1 - الجرجاني علي بن محمد بن علي كتاب التعريفات، حققه إبراهيم الأبياري، ص 268؛ ط 2،، دار الكتاب العربي- بيروت، 1413 هـ / 1992 م 2 - الفالج مرض يحدث في أحد شقي البدن طولا فيبطل إحساسه وحركته وربما كان في الشقين، انظر: ابن نجيم زين العابدين بن إبراهيم ت 918 هـ البحر الرائق شرح كنز الدقائق، 51/ 4، دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت، 1311 هـ
- الشافعي محمد بن إدريس الأم، ج 4 / ص 104، ط 2، دار المعرفة - بيروت. المعلى أحمد بن عبد الله بن أحمد: الروض الندي شرح المبتدي المطبعة السلفية الشيرازي المهذب، ج 1/ ص 453.
314 (1/322)
صفحة 323
عندهم هو المرض الذي يتوقع معه الهلاك غالبا بحسب المعتاد)، يدل على هذا أن
بعضهم علل اعتبار هذه الأمراض ونحوها منه، بغلبة الهلاك فيها.
أننا بيد
نجد من الفقهاء من يضع ضابطا عاما يعرف به مرض الموت، ومن هؤلاء من جعل ضابطه غلبة الهلاك، ومنهم من جعله لزوم المريض الفراش والعجز عن القيام بحوائجه.
قال الدسوقي: «والحاصل أن المدار على كثرة الموت من ذلك المرض بحيث يكون الموت منه شهيرا لا يتعجب منه، ولا يلزم من كثرة الموت منه غلبة الموت به فيقال في الشيء إنه كثير إذا كان وجوده مساويا لعدمه، والغلبة أخص من ذلك» (2). وممن استخدم ضابط لزوم المريض الفراش لمرض الموت، ابن نجيم الحنفي والإمام مالك.
يقول ابن نجيم: «والمراد به هنا من عجز عن القيام بحوائجه خارج البيت كعجز الفقيه عن الإتيان إلى المسجد، وعجز السوقي عن الإتيان إلى دكانه، فأما من يذهب ويجيء ويَحُمُ فلا، وهو الصحيح وهذا في حقه، أما في حقها فيعتبر عجزها عن القيام بمصالحها داخل البيت (3).
وجاء في المنتقى قال مالك في كتاب محمد: «كلّ مرض يقعد صاحبه عن الدخول والخروج وإن كان جذاما أو برصا أو فالجا فإنه يحجب فيه عن ماله وإن طلق فيه زوجته ورثته» (4).
على أنه يبدو أن هذا المعنى وهو لزوم الفراش والعجز عن الإتيان بالحوائج العادية مؤد إلى المعنى السابق وهو غلبة الهلاك في مفهوم من استخدمه، ومن ثم
-2
1 - يلاحظ أن بعض هذه الأمراض التي ذكرها الفقهاء في معرض تمثيلهم لمرض الموت لا تعد في الوقت الحالي مما يغلب فيه الموت بعد تطور الطب ووسائل الكشف والعلاج، انظر: الهادي أحمد الهادي: أثر الباعث غير المشروع في العقود والتصرفات القاهرة، ص 230، الهامش، 1405 هـ / 1985 م. الدسوقي: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير، ج 4 / ص 306. الخرشي على مختصر خليل: للإمام الخرشي المالكي، ج 5/ ص 304، مطبعة بولاق مصر. محمد عليش منح الجليل على مختصر خليل، ج / ص 195، المطبعة الكبرى، نشر مكتبة النجاح، ليبيا، 1294 هـ - ابن نجيم: البحر الرائق، ج 4 / ص 46. 4 - الباجي أبو الوليد سليمان الأندلسي (ت) 494): المنتقى شرح موطأ مالك، مطبعة السعادة، ط 1: ج 4 / ص 85.
315 (1/323)
صفحة 324
يكون الاختلاف في المعنى المراد من الضابطين المذكورين اختلافا لفظيا (1) ويعزز هذا أننا نجد من الفقهاء من يربط بين هذين المعنيين عند تعريفه لمرض الموت، فالسرخسي مثلا يربط بينهما مبينا أن اعتبار لزوم الفراش كضابط عام المرض الموت مرده إقامة السبب الظاهر، وهو ملازمة المريض للفراش مقام المعنى الخفي وهو كون المرض مؤد للهلاك (2).
ويشترط في مرض الموت من حيث ترتب أحكامه الشرعية الخاصة عليه، أن يتصل به الموت فعلا، فلا يعد ما يصح منه المريض مرض موت ولو مات بعده (3). واتصال الموت بالمرض ضروري للتأكد من كونه مرض موت وذلك إذ ليس من سبيل آخر إلى الجزم بذلك.
هذا ويتضح مما سبق أن العبرة إنما هي بخوف المريض من إفضاء المرض إلى إهلاكه، ولو لم يفض إلى ذلك فعلا، أو لم يكن الواقع مفضيا إليه، طالما كان اعتقاده
أنه يفضي إليه.
وينبغي النظر بعين الاعتبار للملابسات المحيطة المقارنة للمرض، والتي تؤثر في حالة المريض النفسية، ومدى استجابته لحالة الخوف التي يمثلها المرض الذي يعانيه، وأرى أيضا أن يستعان بأهل الخبرة والاختصاص في ذلك (4)
ثانيا: آراء الفقهاء في زواج المريض مرض الموت:
الرأي الأول القائلون بالجواز والصحة:
ذهب جمهور الفقهاء من الإباضية والحنفية والشافعية والحنابلة والشيعة إلى جواز نكاح المريض مرض الموت وحكمه حكم الصحيح فإذا وقع العقد كان صحيحا يترتب عليه كل الآثار الشرعية للزواج ما دام لا يوجد نص شرعي يمنع ذلك ويبطله (ه).
1 - الهادي أحمد الهادي: ص 234.
2 - السرخسي شمس الدين: المبسوط، ج 6 / ص 168: مطبعة دار السعادة بمصر 1331 هـ - السرخسي: ج 7/ص 233. الهادي أحمد الهادي: أثر الباعث غير المشروع، ص 234.
- {
ه - خميس الشقصي: منهج الطالبين، ج 15 ص 311. ابن رشد: بداية المجتهد، ج 3/ص 1012.
316 (1/324)
صفحة 325
واشترطوا أن يكون المهر الذي يدفعه المريض للزوجة في حدود مهر المثل أما الزيادة عليه فهي محاباة تعد بمنزلة الوصية للوارث؛ لأن فيها معنى التبرع، ولذلك فإنه يبطل القدر الزائد عن مهر المثل ولا يصح إلا بإجازة الورثة وقيل: تصح المحاباة في حدود الثلث (1).
وقال الشيعة الإمامية يجوز زواج المريض ولا فرق بينه وبين زواج الصحيح، ويلزم المهر مهما بلغ إذا دخل الزوج بالمرأة إلا أنه إن لم يدخل بها فالزواج باطل). وذكر بعض فقهائهم أن ما زاد عن مهر المثل محاباة فيجب في حدود الثلث (3).
أدلة الجمهور:
واستدل أصحاب هذا الرأي بأدلة عديدة منها:
1 - أن النكاح عقد معاوضة، يجوز من الصحيح والمريض فإذا وقع التراضي
بين الزوجين صح العقد ولو كان أحدهما مريضا بمرض يغلب الهلاك منه. 2 - قد يؤدي زواج المريض إلى المساعدة في علاجه من مرضه وقد ثبت طبيا أن حالات عديدة ساعد فيها الزواج في إزالة المرض.
-
أن الإسلام رغب في التزوج وحث عليه، وفي منع المريض من الزواج
مناقضة لمقصود الشارع.
4 - أن الصحابة -رضي الله عنهم - حرصوا على تجنب العيش دون زوجة، ولو
1 - ابن قدامة أبو محمد عبد الله بن محمد، ت: 620 هـ المغني، ج 6 / ص 94؛ مكتبة ابن تيمية للطباعة والنشر بالقاهرة ابن تيمية أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم مجموع فتاوى ابن تيمية، ج 32 ص 19؛ دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت المرادي: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، ج 7 ص 181؛ مطبعة السنة المحمدية - مصر. محمد بن الحسن الشيباني الحجة على أهل المدينة، ج 3/ص 495؛ مطبعة المعارف الشرقية مصر. ابن عابدين محمد أمين، ت: 1252 هـ: حاشية رد المحتار على الدر المختار، ج 1 / ص 689: مطبعة مصطفى الحلبي - مصر الشافعي: الأم، ج 4 / ص 103. النووي، أبو زكرياء محي الدين بن شرف، ت: 676: روضة الطالبين، ج 6 / ص 132؛ المكتب الإسلامي للطباعة والنشر، سوريا، بيروت، لبنان 1395 هـ / 1975 م.
- الطوسي أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي، ت: 460 هـ: النهاية في مجرد الفقه والفتاوى، ص 460، 621؛ ط 1، مطبعة دار الكتاب العربي -بيروت (دت).
3 - العاملي محمد الجواد بن محمد الحسيني: مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة، ج 8/ص 138؛ مطبعة الشورى بالقاهرة، 1326 هـ
317 (1/325)
صفحة 326
في حالة المرض أو الشيخوخة وقد روي عن معاذ أنه قال في: «مرضه زوجوني فإني أكره أن ألقى الله عزبا).
-
ه أن المرض ليس مانعا من التزوّج ما دام المريض في كامل قواه العقلية وقدرته على معرفة حقوقه وواجباته ولا يؤثر مرض الموت في أهلية المريض للتصرف وصدور العبارة منه وترتب حكمها عليها إذ أن المرض لا يخل بسلامة العقل ولا يمنع من استخدامه.
قال الشقصي في هذا الصدد: «ومن تزوج وهو مريض ومعه عقله، يحفظ الصلاة ويعلم ما يأخذ وما يعطي فتزويجه جائز (3).
وقال الإمام منلا خسرو في هذا المعنى: «وهو لا ينافي الأهلية، أي أهلية الحكم سواء كان من حقوق الله تعالى كالصلاة والزكاة أو من حقوق العباد كالقصاص ونفقة الأزواج والأولاد والعبيد وأهلية العبادة؛ لأنه لا يخل بالعقل ولا يمنعه عن استعماله حتى صح نكاح المريض وطلاقه وإسلامه وسائر ما يتعلق بالعبارة لكنه - أي المرض - يوجب العجز (3).
وروى عبد الرزاق عن الثوري في رجل يتزوج وهو مريض قال: «نكاحه جائز على مهر مثلها» (4)
الرأي الثاني: القائلون بالحرمة والبطلان
ذهب جمهور فقهاء المالكية وعطاء () من التابعين إلى تحريم نكاح المريض مرض الموت سواء كان المريض ذكرا أو أنثى أو كليهما، ومن فعل ذلك مريضا فسخ نكاحه قبل الدخول وبعده، ويجب على من اطلع على العقد أن يمنعه ويفرق بينهما؛
1 - خميس الشقصي: منهج الطالبين، ج 15 ص 311 - 312. - الشقصي: المرجع نفسه. - منلا خسرو الحنفي: مرآة الأصول شرح مرقاة الوصول، ص 388؛ الشركة الصحافية العثمانية، ط 1331 هـ، وانظر: عبد العزيز بن أحمد البخاري، ت: 730 هـ: كشف الأسرار عن أصول البزدوي، ج 4 / ص 307: دار الكتاب 307؛ العربي - بيروت، ط/ 1394 هـ
-0
عبد الرزاق: المصنف، كتاب النكاح، باب الرجل يتزوج في مرضه، حديث رقم 10666 ج 6 ص 241 عطاء بن رباح بن أسلم من الفقهاء التابعين، ت: 125 هـ، انظر ميزان الاعتدال في نقد الرجال الذهبي أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان، ت: 748 هـ؛ مطبعة عيسى الحلبي
مصر.
318 (1/326)
صفحة 327
لأن العقد وقع باطلا لا يجوز البقاء عليه بحال ولو كان المريض منهما في حاجة إلى التزوج لتحقيق مصلحة شرعية أقرها الشارع، كأن يكون فقيرا وعاجزا عن العمل يحتاج لمن ينفق عليه، أو يحتاج لمن يخدمه أو اتخذه وسيلة للنسل أو للعلاج ونحوه.
ويمنع المريض كذلك من التزوج ولو سمح له الوارث الرشيد بالزواج ما دام لا يلحق الضرر بالورثة (1)
يقول أحمد الدردير في الشرح الصغير في هذا الصدد: «ومنع النكاح مرض مخوف، يتوقع منه الموت عادة بأحدهما أي الزوجين، وأولى بهما معا وإن احتاج المريض منهما إلى الزواج لانفاق أو غيره، أو أذن الوارث للمريض منهما في
التزويج».
ثم ذكر أن بعض المالكية يقول بجواز نكاح المريض مرض الموت ما دام في حاجة ماسة إلى التزوج أو أذن له الوارث بذلك وهذا نصه: وقيل: «إذا احتاج المريض أو أذن له الوارث جاز (3).
أما إذا نكح المريض مرض الموت ثم صح من علته قبل فسخ العقد أو التفريق أو الموت ولو مات بعده بسبب آخر فلا ينفسخ العقد وثبت نكاحهما دون تجديد سواء وقع ذلك قبل الدخول أو بعده، وهو الرأي المشهور عند المالكية.
وقد روي عن مالك أنه لا يثبت نكاح المريض وإن صح وتعافي قبل الفسخ. ونقل سحنون في المدونة رواية عن ابن القاسم أن مالكا له رأيين في المسألة فمرة قال بالفسخ بعد الصحة، ومرة أقر النكاح بعد الشفاء فقال عن المريضة: «قلت: فإن صحت أيثبت النكاح؟ قال: قد اختلف فيه وأحب قوله إليَّ أن يقيم على نكاحه، ولقد كان مالك مرة يقول يفسخ، ثم عرضته عليه فقال امحه، والذي آخذ به نكاح المريض والمريضة أنهما إذا صحا أُقرَّ على نكاحهما (3)
1 - خليل بن اسحاق المالكي: مختصر خليل، تحقيق أحمد نصر، ص 115، ط/ 1401 هـ - 1981 م؛ دار الفكر - لبنان الدسوقي ابن عرفة، ت: 1230 هـ: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، 239/ 2. ابن عبد البر المالكي: الكافي، ص 248. الحطاب الطرابلسي المغربي المالكي، 954 هـ: شرح الحطاب على مختصر خليل، ج 3 ص 482؛ مطبعة السعادة بمصر، ط/1329 هـ
2 - أحمد الصاوي: بلغة السالك على الشرح الصغير للدردير، ج 2 ص 275 - 276.
3 - مالك: المدونة الكبرى، ج 2/ص 170.
319 (1/327)
صفحة 328
هذا وثمة صور أخرى تشهد على مغالاة المالكية في منع التزوج في مرض
الموت وهي: 1 - أنه لا يصح الزواج ولو كان الزوج قد طلقها في مرضه المخوف طلاقا بائنا ثم تزوجها بعد ذلك الطلاق في مرضه المخوف أيضا قبل أن يصح منه، ويفسخ العقد في هذه الحالة قبل وبعد الدخول، وتستحق الأقل من المسمى ومن مهر المثل ومن ثلث ماله إن مات بعد الدخول، إلا أن لها الميراث بالزواج الأول.
هذا مع ملاحظة أن علة المنع وهي إدخال وارث منتفية في هذه الحالة، إذ أنها ترثه باعتباره فارا من ميراثها بمقتضى طلاقه لها في المرض.
وحجتهم في ذلك أن استحقاقها للميراث منه أمر غير مؤكد في حالة طلاقه لها في مرضه إذ قد يصح من مرضه ذلك فلا تستحقه، فإذا تزوجها أصبح استحقاقها للميراث مؤكدا صح من مرضه أو لم يصح، ومن ثَمَّ يكون زواجه منها مظنة قصده توريثها (1).
2 - أنه لا يصح زواج المريض من كتابية أو أمة على الأصح في المذهب مع كونهما لا ترثانه، بسبب فقدان شرط الإسلام في الأولى وبسبب فقدان شرط الحرية في الثانية، وذلك لاحتمال إسلام الأولى أو عتق الثانية فيؤدي زواجه منهما إلى
إدخال وارث (2)
منها:
أدلة المالكية:
وقد استدل جمهور المالكية في منع نكاح المريض مرض الموت بأدلة عديدة
1 - أن في جواز نكاح المريض مرض الموت إلحاق الضرر بالورثة حيث أن الصحيح منهما يرث بعد موته وهو بذلك قد زاحم الورثة في أنصبتهم، فقد يكون لا يقصد من هذا الزواج البقاء لمدى الحياة، وإنما ينتظر الوفاة للميراث.
وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في رجل نكح وهو مريض قال: «ليس
1 - محمد عليش منح الجليل على مختصر خليل، ج 2/ ص 192 وما بعدها.
- أحمد الدردير الشرح الصغير على بلغة السالك للصاوي، ج 2/ص 276.
320 (1/328)
صفحة 329
-
له أن يدخل الأضرار على أهل الميت ولا نرى أن ترثه إذا فعل ذلك» (1) أن المريض مرض الموت مظنة إرادة تحقيق غرض ما من الزواج، كأن يهدف الزوج إلى إيثار الزوجة ببعض ماله على حساب بقية الورثة من خلال المهر الذي يدفعه لها أو من خلال ميراثها له بعد موته أو تهدف الزوجة إلى إيثار الزوج ببعض مالها حيث يرثها في حالة موتها وتقسيم التركة مع بقية الورثة أو نحو ذلك مما قد يكون مقصودا لهما من الزواج في المرض.
- أن الفقهاء منعوا المريض مرض الموت من التصرف في أمواله بالهبة أو التبرع؛ إلا في حدود الثلث فيحجر على أمواله وتكون تصرفاته المالية موقوفة ما دام يتعلق بها حق الغير كالغريم والوارث، فلو وهب بعض ماله لغيره يسترده الورثة إذا تجاوز ثلث التركة وكذلك الصداق الذي يقدمه لزوجته في مرض الموت لأنه لا يملك حق التصرف في ماله أثناء مرضه (3).
فقد روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: «إن كان تزوجها من حاجة به إليها في خدمة أو قيام فإنها ترثه»، قال معمر وقال ابن أبي ليلى: «صداقها وميراثها
في الثلث
(r)
منشأ الخلاف ومناقشة الآراء:
ويبدو أن سبب شبه بأمرين هما الهبة والبيع، فمن غلب جانب الهبة كالمالكية ذهب إلى المنع، وذلك لأنه لا تجوز هبة المريض إلا في الثلث ويجوز بيعه؛ ومن غلب جانب البيع أو تردد بين البيع والهبة لم يقل بالمنع.
اختلاف الفقهاء في نكاح المريض مرض الموت أن النكاح له
وقد اعترض الجمهور على المالكية بعدة اعتراضات من ذلك:
1 - أن قياس النكاح على الهبة غير صحيح؛ لأنهم اتفقوا على أن الهبة تجوز إذا
عبد الزاق: المصنف، كتاب النكاح، باب الرجل يتزوج في مرضه، حديث رقم 10663 ج 6 ص 240. 2 - ابن رشد بداية المجتهد، ج 3 ص 1013. ابن عبد البر الكافي، ص 248. صدر الشريعة: شرح التوضيح والتلويح على التنقيح، ج 3 ص 184؛ المطبعة الخيرية بمصر، ط/ 1322 هـ المرغياني أبو بكر الحسن بن أبي
بكر، ت 593 هـ: الهداية، ج 3/ ص 189.
عبد الرزاق: المصنف، كتاب النكاح، حديث رقم 10664 ج 6 ص 241,240
321 (1/329)
صفحة 330
كانت في حدود الثلث، ولم يعتبروا النكاح هنا بالثلث.
2 - وَرَدُّ جواز النكاح بإدخال وارث، قياس مصلحي لا يجوز عند أكثر الفقهاء. ذکر ابن رشد في بداية المجتهد أن ما ذهب إليه المالكية يستند إلى المصلحة المرسلة (القياس المصلحي)، وأن وجهة نظر الجمهور أن هذه المصلحة التي يستند إليها المالكية وهي منع إدخال وارث جديد ليست من جنس المصالح المعتبرة شرعا ومن ثم لا يرى الجمهور ما ارتاه المالكية.
غير أن ابن رشد يرى أن في رأي المالكية توسع زايد فيما يتعلق باستخراج القياس المصلحي، كما يرى أن رأي الجمهور قد يمنع في بعض الحالات مصالح معتبرة فعلا بالنظر إلى إطلاقهم للقول بعدم الأخذ بالمصلحة هنا، ويسوق ابن رشد رأيا وسطا هو الاقتصار على المنع في الحالات التي يظهر فيها بشكل واضح قصد المريض إلى إدخال وارث بينما يصح فيما عدا ذلك.
يقول ابن رشد: «ورَدُّ جواز النكاح بإدخال وارث قياس مصلحي لا يجوز عند أكثر الفقهاء، وكونه يوجب مصالح لم يعبرها الشرع إلا في جنس بعيد من الجنس الذي يرام فيه إثبات الحكم بالمصلحة، حتى أن قوما رأوا أن القول بهذا القول شرع زائد، وإعمال هذا القياس يوهن ما في الشرع من التوقيف، وأنه لا تجوز الزيادة فيه كما لا يجوز النقصان والتوقف أيضا عن اعتبار المصالح تطرق للناس أن يتسرعوا لعدم السنن التي في ذلك الجنس إلى الظلم، فلنفوض أمثال هذه المصالح إلى العلماء بحكمة الشرائع الفضلاء الذين لا يتهمون بالحكم بها، وبخاصة إذا فهم من أهل ذلك الزمان أن الاشتغال بظواهر الشرائع تطرق إلى الظلم؛ ووجه عمل الفاضل العالم في ذلك أن ينظر إلى شواهد الحال، فإن دلت الدلائل على أنه قصد بالنكاح خيرا لا يمنع النكاح، وإن دلت على أنه قصد الإضرار بورثته منع من ذلك، كما في أشياء كثيرة من الصنائع يعرض فيها للصناع الشيء وضده مما اكتسبوا من قوة مهنتهم، إذ لا يمكن أن يحد في ذلك حد مؤقت صناعي، وهذا كثيرا ما يعرض في صناعة الطب وغيرها من الصنائع المختلفة).
1 - ابن رشد: بداية المجتهد، ج 3 ص 1013.
322 (1/330)
صفحة 331
مجمل القول:
بعد عرض وجهة نظر كل من الفريقين مع أدلتهم نلاحظ أن رأي المالكية إزاء التزوج في مرض الموت فيه تشدد واضح، وذلك أنهم يحكمون بفساد الزواج حتى في حالة رضا الورثة به أو حالة حاجة المريض إليه في أحد قوليهم، وفي اعتقادي أن الحكم بإفساد الزواج في الحالتين المذكورتين إجازة الورثة وحاجة المريض يجانبه التوفيق.
-
كما أن منع المريض من نكاح الكتابية أو الأمة أو الزواج بالتي طلقها في مرض الموت كذلك فيه تشدد وغلو في اعتبار النيات والمقاصد النفسية، وكما يظهر في الصورة الأخيرة أن لجوء المريض المطلق إلى التحايل مما يرثه، وخشية من سقوط حقها في إرثه إذا صح من مرضه أمر بعيد.
وفضلا عن ذلك فإنني أرى أنه ينبغي عدم اللجوء إلى إبطال الزواج إلا إذا توفرت شواهد وقرائن أخرى على القصد غير المشروع من جانب المريض، ولا يسوغ في نظري حجر المريض من تصرف مشروع حبب إليه الشرع وحث على القيام به لمجرد مظنة واهية، إلا أن تتضافر معها قرائن أخرى تقوي من احتمال قيامها وتحققها.
وعلى أية حال فربما يرجع تشدد المالكية إزاء الزواج في المرض إلى ما يستنبط من قرينة قوية على الدافع غير المشروع منه بسبب ما يتصور عادة ممن يكون موشكا على الهلاك من زهد في أمور الزواج ورغبة عنها، إلا في حالات نادرة كاحتياجه لمن يخدمه في مرضه.
على أن منع المالكية للزواج حتى في حالات الحاجة إليه أو برغم رضاء الورثة مغالاة واضحة وتشدد ظاهر)
وفي تقديري أن يؤخذ برأي المالكية إزاء الحالات التي قد يتطرق فيها الظن بالقصد إلى إدخال وارث أو نحوه، إذا توفرت قرائن قوية تؤكد ذلك كأن كانت ثمة عداوة سابقة بينه وبين ورثته أو فى حالة ما إن كان المريض ليس محتاجا للزوجة بوجه من الوجوه، ولا يُمَكنه مرضه من أداء واجبات الزوجية أو الاستمتاع بالزوجة.
1 - الهادي أحمد: أثر الباعث غير المشروع، ص 258 - 260.
323 (1/331)
صفحة 332
ويؤخذ برأي الجمهور في الحالات التي ينتفي الظن أو يغلب، مثل الزواج بالكتابية والأمة لنذور الإسلام أو العتق (1) وكذلك إباحة الزواج في حالة حاجة
المريض لمن يرعاه ونحوه.
1 - أحمد الدردير: الشرح الصغير على بلغة السالك للصاوي، ج 2/ص 176.
324 (1/332)
صفحة 333
الباب الثالث
الآثار المترتبة على الأنكحة الفاسدة (1/333)
صفحة 334
[صفحة فارغة] (1/334)
صفحة 335
تمهيد:
قدمنا في الباب الأول من البحث أقسام عقد النكاح وذكرنا فيه أن العقد إذا استوفى أركانه وشروط صحته وشروط نفاذه وشروط لزومه كان عقدا لازما، وقد يسمى عقدا تاما، أما إذا فقد شرط اللزوم وتوفرت الشروط الأخرى كان عقدا غير لازم، فإذا فقد شرطا من الشروط المعتبرة في النفاذ وتوفرت أركانه وشروط صحته كان عقدا غير نافذ ويسمى موقوفا، فإذا فقد شرطا من شروط صحته واستوفى أركانه وشروط انعقاده كان عقدا فاسدا، وإذا حصل خلل في أركانه أو ركن منها أو فقد شرطا من شروط انعقاده كان عقدا باطلا.
وقد بينا أثناء التحليل أن هذا التقسيم هو ما جرى عليه عرف فقهاء الحنفية خلافا للجمهور، ثم رجحنا منهج الحنفية لكونه أدق وأكثر تفصيلا وأن المحققين منهم لا يفرقون بين عقد النكاح الفاسد والباطل وهذا لا يتماشى مع مسلك الجمهور. ومن المقرر في الفقه الإسلامي أن الشارع الحكيم لا يرتب حقوقا شرعية على عقد من العقود إلا حين يكون ذلك العقد قد استكمل شروط انعقاده وشروط صحته فبدونها لا تترتب عليه الآثار والأحكام الشرعية.
والآثار المترتبة على عقد النكاح تختلف حسب اختلاف نوع العقد، فبعض أنواعه تترتب عليه آثار تخصه بمجرد إنشائه، وبعض الآخر لا يترتب على العقد أي أثر من آثار الزواج، إنما يترتب بعض الآثار إذا وجد دخول بالمرأة المعقود عليها، وهذا إذا حدثت علاقة بمقتضى العقد الذي لم يستوف الشروط الشرعية، فينظمها الشارع باعتبارها أمرا قد وقع (1).
1 - أبو إسحاق الحضرمي: مختصر الخصال، ج 2/ص 157. بدران أبو العينين بدران: الفقه المقارن للأحوال الشخصية بين المذاهب الأربعة السنية والمذاهب الجعفري والقانون، ج 1: الزواج والطلاق ص 173 - 174، 5/ 1386 هـ - 1967 م؛ دار النهضة العربية للطباعة والنشر بيروت لبنان. عبد العزيز عامر: الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية فقها وقضاء الزواج)، ص 128. أحمد عثمان آثار عقد الزواج في الشريعة الإسلامية، ص 75 وما بعدها، ط/ 1401 هـ - 1981 م، مطابع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، نشر لجنة البحوث والتأليف والترجمة والنشر، الرياض المملكة العربية السعودية ..
327 (1/335)
صفحة 336
وحتى تكون دراستنا للموضوع متكاملة، يتحتم علينا أن نتعرض إلى الآثار
الشرعية المترتبة على عقد النكاح سواء كان صحيحا ما دمنا قد تحدثنا عن العقد الصحيح في الباب الأول، أو كان فاسدا، ولكن خوفا من الإسهاب والإطناب فسوف نذكر آثار النكاح الصحيح مجملة ومختصرة لأنها ليست من صلب الدراسة، ثم نفصل آثار النكاح الفاسد باعتبارها أساس موضوع البحث.
الآثار المترتبة عن النكاح الصحيح:
إذا استوفى عقد النكاح أركانه وشروطه الأساسية المشروعة يصبح عقدا صحيحا ولازما ونافذا، ويترتب عليه آثاره الشرعية، ويعبر عنها بالحقوق الزوجية (1)
وأهم هذه الحقوق هي ما يلي:
أ- حقوق الزوجة على زوجها:
- المهر (الصداق) ويتأكد المهر بالدخول أو بالخلوة الصحيحة (3) أو بموت أحد الزوجين قبل الدخول.
2 - النفقة بجميع أنواعها من طعام وكسوة ومسكن وعلاج ما لم تخرج الزوجة عن طاعة زوجها بغير حق شرعي.
3 - العدل بينها وبين غيرها من الزوجات إذا كان متزوجا بأكثر من واحدة.
ب حقوق الزوج على زوجته:
1 - الطاعة في غير معصية، خاصة إذا دعاها إلى الفراش لقوله تعالى: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف (3)، قيل لها المهر والنفقة وعليها أن تطيعه في نفسها
وتحفظ غيبته.
- الجناوني: كتاب النكاح، ص 195 - 198. امحمد اطفيش: شرح كتاب النيل، ج 6/ ص 467 وما بعدها. ابن عبد البر القرطبي: الكافي في فقه أهل المدينة المالكي، ص 256 - 257. أحمد الصاوي: بلغة
السالك على الشرح الصغير للدردير، ج 2/ ص 327 وما بعدها.
2 - تأكد المهر بالخلوة ليس محل اتفاق بين الفقهاء.
3 - البقرة: 228
328 (1/336)
صفحة 337
2 - ولاية التأديب للزوج إذا لم تطعه فيما يلزم طاعته بأن نشزت أو خرجت بلا
إذن، أو تركت حقوق الله كالطهارة والصلاة، أو أغلقت الباب دونه أو خانته في نفسها وماله، وقد أرشدنا الله إلى وسائل تأديب الزوجة في قوله تعالى: واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا (1)
القرار في البيت الشرعي الذي يهيئه لها، شرط أن يوفيها معجل صداقها، وأن يكون أمينا على نفسها ومالها، ومقابل ذلك لا تخرج من بيت زوجها إلا بإذنه لقوله تعالى ولا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة (2). - وجوب العدة عليها بالطلاق بعد الدخول أو الموت ولو قبله.
ج- الحقوق المشتركة بين الزوجين
1 - حل الاستمتاع كل من الزوجين بالآخر على الوجه المشروع، مالم يمنع من ذلك مانع كحيض أو نفاس أو مرض، والاستمتاع بالزوجة المأذون به شرعا يشمل حل الوطء في القُبل لا الدبر، وحل النظر والمس من رأسها إلى قدميها في حال الحياة؛ لأن إحلال الوطء إحلال للمس والنظر من طريق أولى.
2 - حسن المعاشرة بينهما، وذلك بكف الأذى وإيفاء الحقوق وحسن المعاملة وهو مندوب إليه لقوله تعالى: وعاشروهن بالمعروف (3) ولقوله: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) وقوله صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالنساء خيرا» () والمرأة أيضا مندوبة إلى المعاشرة الجميلة مع زوجها بالإحسان واللطف في الكلام والقول المعروف الذي يطيب به نفس الزوج.
حقوق وواجبات الزوجين في قانون الأسرة الجزائري
لقد حدد قانون الأسرة الجزائري في الفصل الرابع منه حقوق وواجبات
1 - النساء: 34.
2 - الطلاق: 1.
- النساء: 19.
4 - متفق عليه عن أبي هريرة: نيل الأوطار، ج 6 / ص 205. 5 - أخرجه الترمذي عن عائشة، وابن ماجه عن ابن عباس: نيل الأوطار، ج 6 / ص 206.
329 (1/337)
صفحة 338
الزوجين، فقد نص في المادة السادسة والثلاثين على الحقوق المشتركة بين الزوجين
فقال: «يجب على الزوجين:
1 - المحافظة على الروابط الزوجية وواجبات الحياة المشتركة.
2 - التعاون على مصلحة الأسرة ورعاية الأولاد وحسن تربيتهم. المحافظة على روابط القرابة والتعامل مع الوالدين والأقربين بالحسنى
والمعروف».
وذكر في المادة السابعة والثلاثين حقوق الزوجة على زوجها فقال: «يجب على الزوج نحو زوجته
1 - النفقة الشرعية حسب وسعه إلا إذا ثبت نشوزها.
2 - العدل في حالة الزواج بأكثر من واحدة».
وأضاف في المادة الثامنة والثلاثين فقال: «للزوجة الحق في:
1 - زيارة أهلها من المحارم واستضافتهم بالمعروف.
2 - حرية التصرف في مالها».
أما في
المادة التاسعة والثلاثين منه فقد نص على حقوق الزوج على زوجته
فقال: «يجب على الزوجة:
1 - طاعة الزوج ومراعاته باعتباره رئيس العائلة.
2 - إرضاع الأولاد عند الاستطاعة وتربيتهم.
احترام والدي الزوج وأقاربه).
الحقوق
ويلاحظ مما سبق أن قانون الأسرة وافق الفقه الإسلامي في جميع الزوجية ولم يتعرض في المواد السالف ذكرها إلى بعض الحقوق مثل الصداق والنسب وحرمة المصاهرة والتوارث بين الزوجين والعدة وغيرها ولكن ذكرها في
1 - انظر قانون الأسرة: ص 18 - 20.
330 (1/338)
صفحة 339
فصول أخرى سابقة أو لاحقة بالتفصيل (1).
وبعد أن عرضنا في الصفحات المتقدمة الآثار المترتبة عن النكاح الصحيح في الفقه والقانون، نشرع الآن في دراسة آثار الأنكحة الفاسدة أو الباطلة بنوعيها المتفق على فسادها والمختلف فيه، وسواء كان تحريمها مؤبدا أو مؤقتا.
وعلى ضوء ذلك نقارن بين آثار النكاح الصحيح وآثار النكاح الفاسد لتظهر لنا الفروق الأساسية بينهما؛ لأنه قد تثبت في بعض الأنكحة الفاسدة بعض الآثار وتنعدم في البعض الآخر.
وقد اتفق جمهور الفقهاء على أن العقد غير الصحيح سواء كان فاسدا أو باطلا لا يترتب عليه آثار النكاح الصحيح البتة، وذلك بمقتضى وجوده المجرد، وبناء عليه فلا تثبت به نفقة ولا طاعة ولا توارث ولا أي حق من الحقوق بين الطرفين بأي حال من الأحوال؛ لأن القاعدة الكلية تقول: «كل نكاح فسخ قبل الدخول فلا شيء فيه سواء كان متفقا على فساده أو مختلفا فيه وسواء كان الفساد لعقده، أو لصداقه أو
لهما فليس الفسخ قبل الدخول مثل الطلاق قبل الدخول في الزواج الصحيح» (3). ولكن إذا حصل في العقد غير الصحيح دخول فقد تترتب بعض الأحكام على هذا الدخول، إذا كان الدخول بشبهة العقد، والشبهة قد تمحو وصف الجريمة، وقد تسقط حد الزنى فقط مع بقاء وصف الفعل (3).
وقد حاولنا كما حاول غيرنا من الفقهاء من قبل التماس ضابط يضبط
صور الأنكحة الفاسدة في الأحكام المترتبة عنها بحكم التشابه بينها، فأبت علينا ذلك الفروع المختلفة، والآراء المتقابلة المضطربة، وقصرت بنا عن الوصول إلى الغاية التي أردناها فاكتفينا بإيراد الصور الجزئية المتشابهة والأحكام التي
اخترناها لها من مختلف الروايات
1 - انظر قانون الأسرة في المواد: 16، 26، 41، 58، 60 - 61، 130، من الصفحات التالية: 10، 14،
20، 30، 58
2 - عثمان الجعلي سراج السالك، ج 2 ص 47.
- عبد العزيز عامر: الأحوال الشخصية، ص 130 - 133.
331 (1/339)
صفحة 340
أما الأنكحة التي تتميز بأحكام خاصة فقد تناولناها بالدراسة منفردة وذكرنا آراء الفقهاء فيها وسبب الاختلاف حولها.
ولما كانت الآثار المترتبة على الأنكحة الفاسدة متعددة ومتنوعة ارتأينا تقسيمها إلى ثلاثة فصول، فخصصنا الفصل الأول للآثار العقابية، والثاني للآثار المالية، والثالث للآثار المتعلقة بالغير، ولكل فصل مباحث تفرعت عنه وسوف
يتضح ذلك فيما يأتي:
332 (1/340)
صفحة 341
الفصل الأول
الآثار العقابية (1/341)
صفحة 342
[صفحة فارغة] (1/342)
صفحة 343
تمهيد:
يقصد بالآثار العقابية ما يترتب على النكاح الفاسد من عقوبات أدبية ومادية وضعها الشارع لمعاقبة كل من تسبب في إنشاء العقد الفاسد عن علم أو جهل بالتحريم كالزوجين والولي والشهود.
أما العقوبات الأدبية فهي تتعلق بمشروعية العقد وآثاره، وذلك من حيث الحكم بعدم مشروعيته، وترتب بعض الآثار على عدم المشروعية.
وأما العقوبات المادية يقصد بها ما يوقع على الجاني من عقاب بدني، سواء بإقامة الحد عليه أو بمعاقبته بالتعزير كحبسه أو نفيه أو غير ذلك. وسوف نفصل ما أجملناه في المباحث الآتية:
335 (1/343)
صفحة 344
المبحث الأول
العقوبات الأدبية
أولا: التفريق بين الزوجين:
إذا وقع العقد فاسدا وكان فساده مجمعا عليه عند الفقهاء وذلك لخلل في أركانه أو شروطه أو كانت المرأة غير محل للعقد، كمن تزوج بإحدى محارمه من النسب أو
الصهر أو الرضاع أو بحليلة غيره أو معتدته، فإنه يحكم بفسخ العقد في الحال بغير طلاق ويجب التفريق بين الزوجين سواء حدث ذلك قبل الدخول أو بعده، ولو نتج عن ذلك العقد نسل الأولاد، وهذا كله خروجا من المعصية ورفعا للفساد؛ لأن الشارع يحرم هذه العقود ويبطلها.
وينتج عن ذلك حرمة استمتاع كل من الزوجين بالآخر، ويجب عليهما أن يفترقا من تلقاء أنفسهما، ويبادر كلّ منهما بترك صاحبه وإخباره بذلك بلا توقف على القضاء متى أدركوا الفساد بعد الجهل، أو بعد التعمد إذا أرادوا التوبة؛ لأن الشرع يوجب عدم المضي في العقد غير الصحيح، بل يعتبره غير موجود حكما، ولو كان موجودا صورة وشكلا.
فإن لم يفترقا طوعا، فرق القاضي بينهما قسرا إذا رفع إليه أمرهما؛ لأنه نصب للنظر في مصالح الناس الدينية والدنيوية، ويجوز في هذه الحالة رفع دعوى الحسبة لإزالة المنكر، من غير أن يكون للمدعي مصلحة شخصية ويثبت لكل واحد منهما فسخ العقد ولو بغير حضور صاحبه (1)
أما إذا كان النكاح الفاسد مما اختلف فيه الفقهاء فينظر إلى نوع العقد؛ لأن بعضها يفسخ قبل الدخول، وبعده، كنكاح المتعة، وبعضها يفسخ قبل الدخول لا بعده، كنكاح المحرم، ومنهم من يعتبره صحيحا لا يفسخ أبدا.
ا - عثمان الجعلي سراج السالك، ج 2 / ص 54. الحطاب مواهب الجليل، ج 3/ ص 479.
336 (1/344)
صفحة 345
وليتضح ذلك جليا سوف نذكر نماذج لبعض الأنكحة الفاسدة ورأي الفقهاء فيها
قبل الدخول وبعده
1 - الجمع بين محرمين:
أ- إذا جمع الرجل بين امرأتين ممن لا يجوز الجمع بينهن بالزواج في الإسلام كالأختين، أو الأم وابنتها أو المرأة وعمتها أو خالتها ومن في حكمهن فحكم هذه المسألة يكون في حالتين:
الحالة الأولى: إن كان قد تزوجها بعقد واحد فرق بينه وبينهما لبطلان العقد وعدم إمكان الترجيح.
فإن قام بإحداهما مانع، كأن تكون زوجة الغير أو معتدته أو محرمة عليه، كان زواجه بالأخرى صحيحا، فيجبره القاضي على ترك الأولى إن لم يتركها بنفسه. الحالة الثانية: إن تزوجها بعقدين، فإن كان أحدهما صحيحا والآخر فاسدا
يرجح الصحيح على الفاسد، ويفرق بينه وبين من تزوجها بعقد فاسد، سواء علم الأسبق منهما أو لم يعلم، وسواء كان الفاسد سابقا أم مسبوقا، وإن كان كلاهما صحيحا في ذاته وعلم الأسبق منهما أو ثبت بالبينة أو بالتصادق، يفسخ الثاني
لبطلانه ويجب التفريق بينه وبين الثانية.
أما إذا كان كلاهما صحيحا في ذاته ولم يعلم الأسبق منهما بأي وجه من الوجوه، فإن أحدهما صحيح بيقين والآخر باطل بيقين، لكن ذلك الأحد الدائر غير معلوم، وإذا يكون حكمه وجوب التفريق بينه وبين كل واحدة منهما؛ لأن زواج إحداهما باطل بيقين ولا سبيل إلى التعيين لعدم الأولوية، ولا إلى التفنيد للجهل بالصحيح منهما (1)
وقد وضع القطب لهذه الحالات ضابطا يضبطها فقال: «كل محرمين جمع بينهما يجبر على فراق واحدة منهما أو الأخيرة إن رتب، وقيل بفراق واحدة» (2). 1 - اطفيش شرح النيل، ج 6/ ص 458. الجناوني: كتاب النكاح، ص 91. أحمد إبراهيم بك: الأحوال الشخصية، ص 239 - 241 ابن عبد البر: الكافي، ص 240 - 241.
-
اطفيش المرجع نفسه، ج 31/ 6 - 35.
337 (1/345)
صفحة 346
ب - إذا أسلم الكافر وعنده أختان أومن في حكمهما وقد جمع بينهما وهو كافر،
فحكم ذلك أنه يختار أيتهما شاء، فإن علم بعقد الأخيرة فارقها دون من عقد عليها أولا، فإن تزوجها في عقدة واحدة فسد نكاحهما جميعا (1) وأما من جمع بين المرأة وابنتها في الشرك فوطئهما جميعا ثم أسلما فيجب عليه مفارقتهما جميعا ولا تحل له واحدة منهما باتفاق أهل العلم)، وهذا قول الإباضية والحنفية والثوري وابن أبي ليلي، وقال مالك يختار أيتهما يشاء، وبه قال الشافعي وأحمد وداود، وقال ابن الماجشون من أصحاب مالك: إذا أسلم وعنده أختان فارقهما جميعا ثم أيتهما شاء، ولم يقل بذلك أحد من أصحاب مالك غيره.
استأنف
وسبب اختلافهم في حكم هذه المسألة يعود إلى معارضة القياس للأثر. فقد روى الضحاك بن فيروز الديلمي عن أبيه قال: قلت يا رسول الله إني أسلمت وتحتي أختان اأختار؟ قال: «طلق أيتهما شئت (3)
ولأن أنكحة الكفار صحيحة، وإنما حرم الجمع في الإسلام وقد أزاله فصح، كما لو طلق إحداهما قبل إسلامه، ثم أسلم والأخرى في حياته).
وأما القياس المعارض للأثر فتشبيه العقد على الأخيرة قبل الإسلام بالعقد عليها بعد الإسلام بمعنى أنه كما أن العقد عليهما فاسد في الإسلام كذلك قبل الإسلام يفسد.
قال ابن رشد معقبا على هذا الاستدلال: «وهذا فيه ضعف» (ه).
2 - الجمع بين أكثر من أربع نسوة:
أ- إذا تزوج رجل مسلم خمس نسوة أو أكثر في عقدة واحدة بطل العقد، ويجب
الحضرمي: مختصر الخصال، ج 2 / ص 166 - 167.
2 - ابن خلفون: الأجوبة، ص 47.
- أخرجه أحمد وأبو داود حديث رقم: 2243، والترمذي وحسنه وابن ماجه: حديث رقم 1951
، ج 2/ ص 192.
4 - عبد الرحمان المقدسي: العدة شرح العمدة، ص 365.
ه ابن رشد بداية المجتهد، ج 3 ص 1017 - 1018.
338 (1/346)
صفحة 347
عليه فراقهن جميعا؛ لأنه لا يحل له إلا نكاح الأربعة، فإن امتنع عن ذلك يجبر بالحبس حتى يعتزلهن.
أما إن كانت عنده واحدة وعقد على أربع نسوة بعقدة واحدة أو اثنتان وعقد على ثلاث، أو عنده ثلاث وعقد على اثنتين، أجبر على عزل ما زاد منهن، ويحكم عليه بالنفاق إذا كان عالما بالتحريم وتعمد الجمع، وكذا من شارك معه في العقد من الولي والعاقد والشاهدان، ومن استحل ذلك بالتأويل نافق أيضا، وقيل أشرك لأن من يستحل ما حرمه الله فهو مشرك (1).
ب وإذا أسلم الكافر أو المشرك وعنده أكثر من أربع نسوة فإنه يختار منهن أربعا، ويفارق الباقي، وإن علم بعقد الأواخر، فارقهن دون من عقد عليها أولاً، فإن تزوجهن في عقدة واحدة، فسد نكاحهن جميعا، وهذا على قول الإباضية وأبي حنيفة والثوري وابن أبي ليلى حيث قالوا باختيار الأوائل منهن في العقد.
وقال مالك والشافعي وأحمد وداود يختار منهن أربعاً، سواء كان من أمسك منهن أول من عقد عليها أو آخرهن (3)، ويرجع سبب اختلاف الفقهاء في هذه المسألة إلى معارضة القياس للأثر.
1 - ذلك أنه ورد في الأثر حديث عن سالم عن ابن عمر أن غيلان بن سلامة الثقفي أسلم وعنده عشر نسوة أسلمن معه فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يختار منهن
أربعا. (3).
2 وروي قيس بن الحارث قال أسلمت وتحتي ثمان نسوة فأتيت النبي فقلت له ذلك فقال: «اختر منهن أربعا (4).
الجناوني: كتاب النكاح، ص 32 - 132,33. اطفيش: شرح النيل، ج 6 / ص 38.
2 - الحضرمي: مختصر الخصال، ص 166 - 167. 3 - أخرجه الترمذي، كتاب النكاح حديث رقم 1228 ج 3 ص 435، وابن ماجة: كتاب النكاح، حديث رقم 1953 ج 2 ص 192، وأحمد المسند ج 2 / ص 83,44,14. والحاكم في المستدرك حديث رقم 2836,2835,2834,2833، وقال حديث صحيح، ج 2 ص 549 - 551، ومالك الموطأ، رقم 76، ولكن رواه مرسلا عن ابن شهاب، ص 458 ..
4 - أخرجه ابن ماجه: كتاب النكاح، حديث رقم 1952 ج 2 ص 192، وابو داود في الطلاق، حديث رقم
339
2241 (1/347)
صفحة 348
وأما القياس المخالف لهذين الأثرين، هو تشبيه العقد على الأواخر قبل الإسلام بالعقد عليهن بعد الإسلام، بمعنى أنه كما أن العقد عليهن فاسد في الإسلام فإنه يكون كذلك قبيل الإسلام.
وعلق ابن رشد على هذا القياس فقال: «وفيه ضعف»، أي قياس مع الفارق).
اعتبار التفريق بسبب فساد النكاح فسخا أو طلاقا:
اختلف الفقهاء في الفُرقة من النكاح الفاسد هل تعتبر فسخا أم طلاقا؟.
وإذا كانت طلاقا فهل يعتبر طلاقا بائنا أم رجعيا؟.
ذهب جمهور فقهاء الإباضية والمالكية وآخرون إلى أن الفرقة إذا كانت من نكاح فاسد متفق على فساده لا يمكن البقاء عليه تعتبر فسخا بغير طلاق، على اعتبار أن العقد لم ينعقد أصلا فهو كالمعدوم، كنكاح المحارم ونكاح المشركة والمرأة
الملاعنة.
أما إذا كانت الفرقة في نكاح مختلف في فساده، فالإباضية يعتبرون كل نكاح انفسخ على اختلاف العلماء فيه، فسخ بدون طلاق ولو جاز العقد من جديد بعد الفرقة (2).
أما المالكية فيعتبرون النكاح المختلف في فساده فسخه تطليقة بائنة، تحسب من عدد الطلقات المستحقة للزوج، وذلك كنكاح الشغار ونكاح المحرم وغيرهما (3). وقد وضع فقهاء المالكية قاعدة عامة تجمع كل أنواع الأنكحة المتفق على فسادها والمختلف فيها وتضبطها وبينوا حكمها بعد الفسخ.
قال ابن عبد البر: وأصله الذي عليه العمل عند أكثر أصحاب مالك أن كل نكاح فاسد لا يصلح أن يقام عليه ولا للأولياء لو رضوه أن يجيزوه، أو كانا مغلوبين على فسخه وليس لأحد إجازته، فهو فسخ بغير طلاق ولا ميراث فيه.
1 - عبد الرحمان المقدسي: العدة شرح العمدة، ص 366 ..
2 - اطفيش شرح النيل، ج 6/ ص 526.
مالك: المدونة الكبرى، ج 2 / ص 120 - 121. الصاوي: بلغة السالك، ج 2 / ص 250,246.
340 (1/348)
صفحة 349
وكل نكاح لو رضي الأولياء أو غيرهم أن يجيزوه جاز وكانا على نكاحهما،
فذلك إذا فسخ كان الفسخ فيه تطليقة بائنة لا رجعة فيها، وأما ابن القاسم فذهب إلى أن كل نكاح اختلف فيه السلف أو قال بجوازه أحد من أئمة الفتوى بالأمصار فإن الفسخ فيه تطليقة بائنة).
وقد أشار ابن جزي إلى الفائدة الناتجة من التمييز بين النكاح الذي يفسخ بطلاق أو بغير طلاق فقال: «وفائدة الفرق أن الفسخ بطلاق يوقعه الزوج، ويحسب في عدد
التطليقات، والفسخ بغير طلاق يوقعه الحاكم ولا يحسب في عدد الطلقات (2).
ومن أمثلة الأنكحة المختلف في فسادها ويجب فيها الفسخ قبل الدخول وبعده نكاح الشغار والمحلل ونكاح الزاني والزانية ونكاح المريض وغيرها، فحكم هذه الأنكحة عند من يقول بفسادها التفريق بين المتعاقدين ولو طال الزمن وبعد ولادة الأولاد (3).
موقف القانون من فسخ النكاح الفاسد:
لقد نص قانون الأسرة الجزائري في المادة الثانية والثلاثين منه على أسباب فسخ النكاح الفاسد فقال: «يفسخ النكاح إذا اختل أحد أركانه أو اشتمل على مانع، أو شرط يتنافى ومقتضيات العقد، أو تثبت ردة (الزوج)) () ()
1 - ابن عبد البر: الكافي، ص 238 - 239. مالك: المدونة، ج 2/ ص 99. الجعلي: سراج السالك، ج 2 / ص 54 - 55 2 - الكشناوي: أسهل المدارك، ج 2/ص 81.
- انظر الجناوني: ص 29 - 126,125,30. أبو العباس أحمد: كتاب أبي مسألة، ص 156. أحمد الخليلي: فتاوى معاصرة، مخطوط. القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، مج 2، ج 3 / ص 66. مالك: المدونة الكبرى، ج 2/ ص 218. الدسوقي: الحاشية، ج 2 / ص 26. الجعلي سراج السالك، ج 2 / ص 52. ابن عبد البر: الكافي، ص 238. اطفيش: ج 6 / ص 253 - 254: ج 7 / ص 375 - 376. الحواري: جامع أبي الحواري، ج 3 / ص 125 - 126. الشيرازي: المهذب، ج 3 / ص 50. المرغياني: الهداية، ج 2 / ص 258. العوتبي: الضياء، ج 8/ ص 223. الشقصي: منهج الطالبين ج 15 / ص 365. خليل: مختصر خليل، ص 115. الأزهري: جواهر الإكليل، ص 281 - 282. الصاوي: بلغة السالك، ص 238 - 239، 249 - 250 ابن خلفون: الأجوبة، ص 41 - 43.
4 - قانون الأسرة: ص 16.
341 (1/349)
صفحة 350
ويستنتج من هذا النص أن القانون قد وافق الفقه الإسلامي في تحديد أسباب
فسخ النكاح وهي: 1 - إما لخلل في عناصر العقد كبطلان أحد أركانه كالولي.
2 - وإما لوجود مانع يمنع من انعقاد النكاح، كأن تكون المرأة غير محل للعقد، كالعقد على إحدى محارم الزوج.
وإما لوجود شرط يتنافى مع مقتضيات العقد كاشتراط تأقيت العقد بمدة محددة كنكاح المتعة، أو اشتراط خلو العقد من الصداق، أو اشتراط المطلق ثلاثا من الزوج الثاني مفارقة زوجته بعد العقد.
فجميع هذه الأسباب تبطل العقد وتؤدي إلى فسخه والتفريق بين الزوجين. وقد نص القانون على أن الفسخ يكون أحيانا قبل الدخول وبعده، وتارة يكون قبل الدخول ويثبت العقد بعد الدخول إذا اختل فيه ركن واحد من أركانه.
جاء في المادة الثالثة والثلاثون أنه: «إذا تم الزواج بدون ولي أو شاهدين أو صداق يفسخ قبل الدخول ولا صداق فيه، ويثبت بعد الدخول بصداق المثل إذا اختل ركن واحد، ويبطل إذا اختل أكثر من ركن واحد» (1).
أما في المادة الرابعة والثلاثين فذكر أن: «كل زواج بإحدى المحرمات يفسخ قبل الدخول وبعده» (2)
مما سبق يمكن أن يستنتج ما يلي:
- أن القانون قد وافق الفقه الإسلامي في فسخ الزواج عند العقد على إحدى
النساء المحرمات.
- أما المادة الثالثة والثلاثون فقد اتفقت مع رأي الإباضية والمالكية في فسخ العقد قبل الدخول وبعده إذا وقع بدون موافقة الولي.
1 قانون الأسرة: ص 18.
2 - المرجع نفسه.
342 (1/350)
صفحة 351
واتفق أيضا مع رأي الإباضية في فسخ العقد قبل الدخول وبعده إذا تم بدون حضور شاهدين في العقد، خلافا للمالكية حيث يوجبون ذلك بعد الدخول وإلا يفسخ
العقد.
واتفق أيضا مع رأي المالكية في فسخ العقد قبل الدخول وثبوته بصداق المثل بعده خلافا للإباضية فإنه لا يفسخ قبل الدخول إذا لم يشترط إسقاطه من العقد ولم يسم فيه ويثبت بعد الدخول بصداق المثل.
واختلف القانون مع الفقه في ثبوت النكاح بعد الدخول إذا اختل فيه ركن من أركان العقد في حين يفسخ النكاح عند الفقهاء إذا اختل فيه ركن من أركان العقد أو شرط من شروط صحته ولا يثبت إلا باستكمال جميع أركانه وشروط صحته.
ثانيا: منع تجديد النكاح بين الزوجين:
فسادها
ذكرنا فيما سبق أن هناك أنكحة فاسدة متفق على فسادها يرجع سبب إلى وجود مانع قد يزول وقد لا يزول، فإن كان لا يزول فإن المرأة صارت محرمة حرمة مؤبدة قبل العقد، وبعده، فإن وقع الدخول بها ازدادت الحرمة تأبيدا وذلك كالعقد على ذوات المحارم من النسب، أو الصهر أو الرضاع أو المرأة الملاعنة، وإن كان سبب الفساد مؤقتا قد يزول، فلا تحل المرأة حتى يزول السبب المانع من العقد عليها، فإذا زال المانع أصبحت المرأة محلا للعقد عليها، كالجمع بين محرمين، أو المطلقة ثلاثا، أو زوجة الغير ومعتدته، وحينئذ يجوز للرجل أن يتزوج أخت زوجته بعد وفاتها، أو طلاقها، ويجوز له تزوج مطلقته ثلاثا بعد أن تتزوج زوجا آخر ثم يدخل عليها ويفارقها أو يتوفى عنها، ويجوز له نكاح زوجة غيره أو معتدته بعد خروجها من عصمته وانقضاء عدتها.
أما ان كان النكاح الفاسد فسادا مؤقتا مختلفا في فساده، فإن تجديد العقد بعد فسخه ليس محل اتفاق بين الفقهاء فقد اتفق جمهور الاباضية والمالكية على فسخ نكاح المحلل والشغار والمحرم وإمكان تجديد العقد إن لم يقع الدخول.
أما ان وقع الدخول فقد اختلفوا في جواز أو منع التجديد، وهنالك حالات منعوا
343 (1/351)
صفحة 352
فيها التجديد مطلقا ولو لم يقع الدخول، ولتوضيح ذلك نذكر بعض هذه الأنكحة وآراء
الفقهاء فيها.
1 - النكاح في العدة:
أجمع الفقهاء على أن من تزوج امرأة في عدتها من غيره كان الزواج فاسدا يفسخ قبل الدخول وبعده، ويجب التفريق بينهما، (1) لقوله تعالى: {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله (1).
ولكن إن وقع الدخول قبل انتهاء العدة، فهل تحرم المعتدة حرمة مؤبدة؟ أم يجوز له تجديد العقد عليها بعد انقضاء عدتها من الزوج الأول والثاني؟.
اختلف الفقهاء في هذه المسألة إلى رأيين
الرأي الأول: تحريم تجديد العقد بعد الدخول:
يرى فقهاء الإباضية والمالكية والجعفرية والليث والأوزاعي أن الدخول بالمعتدة يحرمها على الرجل تحريما مؤبدا فيفرق بينهما، ولا تحل له أبدا سواء كان ذلك عن عمد أم خطأ، وسواء كان عالما بالحرمة أم لم يعلم بها.
قال الدسوقي في هذا المعنى: وتأبد تحريمها أي المعتدة من موت أو طلاق غير بائن أو بشبهة نكاح والمستبرأة من غيره بوطء بنكاح، بأن يعقد عليها ويطأها فيها، بل وإن كان الوطء بشبهة النكاح، بأن يطأها من غير عقد يظنها زوجته (3). أما لو عقد عليها في العدة ولم يدخل بها يفرق بينهما وتعتد بقية عدتها من الأول، ثم تعتد من الثاني، ويجوز له العقد عليها من جديد.
•
وكذلك الحكم لو أخطأت المعتدة في حساب عدتها، أو ارتابت فظنت أنها قد انقضت عدتها، فتزوجت بزوج آخر، فإن لم يدخل بها فسخ العقد، وجدد بعد انقضاء
1 - المقدسي: العدة، ص 418. 2 - البقرة: 235
الدسوقي: الحاشية على الشرح الكبير للدردير، ج 2/ ص 217 - 218.
344 (1/352)
صفحة 353
عدتها، أما إن دخل عليها ومسها بعد العقد الفاسد حرمت عليه أبدا).
واستدل أصحاب هذا الرأي بأدلة منها:
1 - ما رواه مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فرق بين طليحة الأسدية وبين زوجها راشد الثقفي لما تزوجها في العدة من زوج ثان، وقال: أيما امرأة نكحت في عدتها فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من الأول، ثم كان الآخر خاطبا من الخطاب، وإن كان دخل بها فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من الأول ثم اعتدت من الآخر، ثم لا يجتمعان أبدا».
قال ابن المسيب: «ولها مهرها بما استحل منها (2).
2 - وقد عللوا تحريم نكاح المعتدة بأن العاقد عليها قد استعجل الحق قبل وقته وحرمه في وقته كالوارث إذا قتل مورثه لا يرثه.
كما أن الدخول في العدة يفسد النسب فوقع التحريم المؤبد كاللعان (3).
هذا وقد حرم الإباضية والمالكية نكاح المعتدة سواء من طلاق أو وفاة أو المستبرأة من وطء الشبهة، ووقع الدخول بها قبل انقضاء العدة أو الاستبراء أو من مقدمات الوطء كاللمس المحرم والقبلة وما شابههما.
ويوضح ذلك ما ذكره الصاوي في شرحه أن من عقد على معتدة أو مستبرأة ووطئها وإن بعدهما تأبد تحريمها عليه، فلا تحل له أبدا، وأما مقدمات الوطء فقط فتؤيد التحريم إن وقعت في العدة أو الاستبراء لا بعدهما.
أما إن لم يحصل عقد فلا أثر لمقدمات الوطء مطلقا بشبهة أو لا، وذلك عند
1 - اطفيش: شرح النيل، ج 6 / ص 75 - 76. الجناوني: ص 315. ابن رشد: بداية المجتهد، ج 2/ص 397. الزحيلي: الفقه الإسلامي، ج 7 / ص 148. الغندور الأحوال الشخصية، ص 148. البسيوي: الجامع، ج 3 ص 40. 2 - أخرجه مالك في الموطأ كتاب النكاح، باب جامع مالا يجوز من النكاح، حديث رقم 27؛ ج 2 ص 423، الباجي: المنتقى، مج 2 ج 3 ص 315 - 319.
345
المقدسي: العدة، ص 419.
- (1/353)
صفحة 354
المالكية خلافا للإباضية فإنها تحرم، وأما الوطء فيؤبد إن كان بشبهة نكاح في العدة والاستبراء والملك أو شبهة في العدة فقط دون الاستبراء، وهذا إن كانت العدة أو الاستبراء من غيره، وإلا بأن كانت العدة منه ولو من طلاق ثلاث، أو كان الاستبراء بسبب زنا أو غصب أو غلط فلا يتأبد تحريمها عليه، وإن وطئها مستندا لعقد أو شبهة مجردا عن وطء لا يؤبد، تحريمها، وكذا الزنا المحض وهو ما لم يستند، وقد خالف الإباضية جمهور المالكية فمنعوا تجديد العقد من مستبرأة بسبب زنى الرجل أو غصب أو غلط لأن ذلك مما يحرم المرأة عندهم حرمة مؤبدة (1).
ونقل ابن رشد اختلاف المالكية فيما يترتب عن مقدمات الوطء كالقبلة
والمباشرة في العدة هل حكمها حكم الوطء تحرم أولا؟.
1 ففي المدونة أنها كالوطء يقع بها التحريم المؤبد.
-
2 - وروى عيسى ابن القاسم أنها لا تحرم لذلك قال: «لأن الوطء نفسه فيه من الاختلاف ما فيه فكيف بالقبلة والمباشرة» (3).
قائله (3).
أنها تحرم عليه بالعقد وإن لم يطأ حكى هذا القول عبد الوهاب ولم يسمع
هذا وقد حرم الإباضية والمالكية المواعدة بالنكاح أو الخطبة أثناء العدة؛ لأن ذلك مخالف لنهي الله تعالى في قوله ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا (ه).
وبناء عليه فلو وقعت الخطبة أثناء العدة وتم الزواج فيها مع الدخول حرمت
عليه المعتدة حرمة مؤبدة.
في
أما إن عقد عليها في العدة ودخل بها بعد انقضائها، فقد اختلف مالك وأصحابه
تأبيد حرمتها عليه.
1 - الصاوي: بلغة السالك، ج 2/ ص 219 - 221.
2 ابن رشد: المقدمات على المدونة، ج 5/ ص 292. ابن رشد المقدمات على المدونة، ج 5 / ص 291 - 292.
4 - قيل السر هو النكاح، وقيل منه اشتقاق السر والتسري راجع الجناوني، ص 50.
0 - البقرة: 235.
346 (1/354)
صفحة 355
فروى مالك أنه يفرق بينهما ولا ينكحها أيضا أبدا لأن وطأه لها كان بالعقد عليها في العدة فكأنه وطئها في عدتها وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة وهو تحصيل المذهب واختاره ابن القاسم).
ونقل ابن رشد أقوال أصحاب مالك وأشار إلى اختلافهم في المسألة فقال: واختلفوا إذا فسخ النكاح بسبب العدة هل تحرم عليه المعتدة أم لا؟ على أربعة أقوال: أحدها: أنها لا تحرم عليه وطئ أم لم يطأ، وهو قول ابن نافع ورواية عن عبد
العزيز بن أبي سلمة، خلاف ظاهر ما حكى عنه سحنون في المدونة من قوله قال مالك: «هو بمنزلة من عقد في العدة ووطئ في العدة»، وقد تأول أن قوله في المدونة خلاف قول مالك فيها مثل رواية ابن نافع عنه وهذا تأويل محتمل، والأول أظهر. والثاني: أنها تحرم عليه إذا وطئ في العدة وهو قول المغيرة وغيره في المدونة. والثالث: أنها تحرم عليه إن وطئ سواء كان وطؤه في العدة أو بعد العدة وهو
قول مالك في المدونة وظاهر قول عبد العزيز فيها على ما بيناه. والرابع: أنها تحرم عليه بالعقد وإن لم يطأ، حكى هذا القول عبد الوهاب ولم
يسمع قائله (2)
الرأي الثاني: إمكان تجديد النكاح
يرى فقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة أن الدخول بالمعتدة لا يحرمها عليه، فإذا انقضت عدتها حل له الزواج بها، لأنه لا يخلو إما أن يكون تحريمها بالعقد أو بالوطء في النكاح الفاسد أو بهما، وجميع ذلك لا يقتضي التحريم، بدليل ما لو أن رجلا زني بامرأة لا تحرم عليه، باتفاق الفقهاء خلافا للإباضية، فكذلك لو دخل بها وهي في العدة أو بعدها لا تحرم عليه ويجوز له العقد عليها من جديد بعد انقضاء
عدتها، وهذا قول بعض الصحابة منهم علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود. وقد استدل أصحاب هذا الرأي بالحديث الذي احتج به الفريق الأول من طريق
1 - ابن عبد البر: الكافي، ص 236 - 237. الدسوقي: الحاشية، ج 2/ص 217 - 218. ابن رشد المقدمات على المدونة، ج 5 / ص 291 - 292.
347 (1/355)
صفحة 356
آخر، وفيه أن ما روي عن عمر بن الخطاب في تحريمها عليه خالفه فيه علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - فقد روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه – لما بلغه أن امرأة من قريش تزوجها رجل من ثقيف في عدتها فأرسل إليهما، ففرق بينهما وعاقبهما وقال: «لا ينكحها أبدا» وجعل الصداق في بيت المال، فلما بلغ الصحابة
-
ذلك قال علي كرم الله وجهه ما بال الصداق وبيت المال إنهما جهلا، فينبغي للإمام أن يردهما إلى السنة، قيل: فما تقول أنت فيهما؟ قال: لها الصداق بما استحل من فرجها، ويفرق بينهما، ولا جلد عليهما، وتكمل عدتها من الأول، ثم تكمل العدة من الآخر، ثم يكون خاطبا، فبلغ ذلك عمر فقال: يا أيها الناس ردُّوا الجهالات إلى السنة، ورجع إلى قول علي.
وقالوا قياسه يبطل بما لو زنى بها فإنه استحل وطئها ولا تحرم على التأبيد).
وخلاصة القول:
المعتدة
إن الرأيين متفقان على تحريم النكاح في العدة، والدخول على المعتدة، ولكنهما اختلفا فيما يترتب عن ذلك من أحكام فأصحاب الرأي الأول يقولون بتحريم على الرجل بعد انقضاء عدتها من الأول إذا عقد عليها أثناء عدتها ودخل بها، أو عقد عليها في العدة ودخل بها بعد خروجها من العدة؛ لأنه باعتدائه على حق غيره حرمت عليه حرمة مؤبدة.
أما أصحاب الرأي الثاني فقد أجازوا نكاحها بعد نهاية عدتها ولو دخل عليها الزوج الثاني أثناء عدتها من الأول فإنها تكمل عدتها من الأول ثم عدتها من الثاني ثم يتقدم إليها خاطبا من الخطاب، ويعقد عليها من جديد إن شاء.
ومهما يكن من أمر فكل فريق قد استند في مذهبه إلى أدلة من النقل والعقل وإذا أردنا ترجيح أحد المذهبين فنجد الرأي القائل بمنع التجديد هو الذي يتماشى مع روح التشريع الإسلامي عملا بالقاعدة الفقهية المشهورة من تعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه
1 - المقدسي: العدة، ص 419. المرغياني: الهداية، ج 2 ص 275. الشيرازي: المهذب، ج 2 ص 445. الغندور: الأحوال الشخصية، ص 125. الزحيلي: الفقه الإسلامي، ج 7 / ص 148. ج 7/ص 148.
348 (1/356)
صفحة 357
2 - الجمع بين محرمين
أ- اتفق جمهور الفقهاء على أن من جمع بين محرمين كالأختين ومن في حكمهن فإن العقد فاسد؛ لأن المرأة الثانية تحرم عليه حرمة مؤقتة، ولا تحل له حتى تخرج الأولى من عصمته بطلاق أو وفاة أو تحريم وبناء عليه فلو عقد أحد بين محرمين عمدا أو خطأ في عقدة واحدة أو عقدتين قبل الدخول أو بعده فهل يجوز التجديد بعد فسخه أم تحرمان عليه حرمة مؤبدة؟.
وللفقهاء في حكم هذه المسألة عدة آراء:
أ- رأي الإباضية:
يفرق الإباضية في مسألة الجمع بين محرمين بين حالة الجمع في عقدة واحدة أو عقدين متواليين مع مراعاة حالة العمد والخطأ ويتضح ذلك مما يلي: الحالة الأولى: إذا تعمد الرجل الجمع بين محرمين كأختين في عقدة واحدة، فذهب بعضهم إلى حرمتهما عليه مطلقا سواء دخل بهما جميعا أو بإحداهما أو لم
يدخل بهما.
وذهب بعضهم إلى حرمتهما عليه إن دخل بهما جميعا أما إن دخل بواحدة منهما، حلت له الأخرى غير المدخول بها. ورغم تعدد الأقوال إلا أن القول الثاني هو الذي يمكن الاطمئنان إليه لما فيه من التيسير ومراعاة مقاصد التشريع.
الحالة الثانية: وإن تعمد الرجل الجمع بين محرمين في عقدين مرتبين حرمتا عليه إن دخل بهما جميعا.
الحالة الثالثة: إن جمع بينهما دون عمد حلتا له سواء كان ذلك بترتيب أو
بدونه إن لم يدخل بهما، ويجوز له تجديد العقد لمن شاء منهما بعد الفسخ. أما إن دخل بهما لم يجدد لواحدة منهما حتى تعتد الأخرى وإن جدد في العدة أو قبل اعتداد الأخرى، حرمت إن دخل بها، وإن دخل بواحدة منهما فقط وأراد تجديد
349 (1/357)
صفحة 358
العقد عليها، فلا تجب عليها العدة، أما إن أراد التجديد للأخرى فلا يجوز ذلك حتى تعتد المدخول بها.
وقد وضع فقهاء الإباضية ضابطاً عاماً يضبط جزئيات هذه المسائل في مختلف حالاتها وهو: «من جمع بين محرمين ومس حرمتا عليه كجامع بين أختين وكل محرمتين جمع بينهما يجبر على فراق واحدة منهما أو الأخيرة إن رتب وقيل بفراق واحدة» (1).
وما قيل في حكم الجمع بين الأختين يقال عند الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها على الخلاف المذكور.
ب رأي المالكية:
يرى المالكية أن كل امرأتين يجوز له أن ينكح إحداهما بعد الأخرى، ولا يجوز له أن يجمعهما جميعا تحته فإن حكم هذه المسألة كالآتي:
الحالة الأولى: إذا عقد على محرمين كأختين ومن في حكمهما في عقدة واحدة دون عمد فدخل بهما جميعا، أو لم يدخل بهما، فسخ نكاحه منهما جميعا، ولا خيار له في البقاء مع إحداهما ويجوز له أن يعقد من جديد على أيتهما شاء، ولكن بعد الاستبراء، سواء دخل بهما جميعا أو بواحدة منهما وهذا على قول مالك، فقد سأل سحنون شيخه ابن القاسم عن حكم الجمع بين محرمين في عقدة واحدة دون عمد فقال: «قلت أرأيت لو أن رجلا تزوج في عقدة واحدة أختين لم يعلم بذلك ولا هما علمنا بذلك، فعلم قبل البناء بهما أو بعد البناء بهما، أيكون للزوج الخيار في أن يحبس أيتهما شاء في قول مالك؟ قال: لا خيار للزوج في أن يحبس واحدة منهما، ولكن يفرق بينه وبينهما (2).
1 - اطفيش شرح النيل، ج 6 / ص 31 - 33 - 34. البسيوي: الجامع، ج 3 ص 21. الجناوني: ص 28. الشقصي: منهج الطالبين، ج 15 / ص 156,135. الكدمي: الإستقامة، ج 3 ص 197. العوتبي: الضياء، ج 8 / ص 241,230.
2 - مالك: المدونة الكبرى، ج 2 / ص 198 - 199. ابن عبد البر: الكافي، ص 240.
350 (1/358)
صفحة 359
وهذا الرأي يتفق مع ما ذهب إليه الإباضية؛ لأن عدم التعمد هو الذي سمح له بجواز تجديد العقد على إحداهما.
الحالة الثانية: إذا جمع بين محرمين في عقدين مترتبين بأن تزوج واحدة بعد واحدة، فإن الأولى تبقى زوجته، وأما الثانية فيفارقها، أو يفرق بينه وبينها سواء لم يدخل بهما أو دخل بهما جميعا، أو دخل بإحداهما دون الأخرى.
قال سحنون لابن القاسم: «قلت أرأيت إن تزوج امرأة فلم يبن بها حتى تزوج أختها فبنى بها، أيتهما امرأته في قول مالك؟ قال: الأولى ويفرق بينه وبين الثانية. قلت: أرأيت إن تزوج أختين واحدة بعد واحدة وقد دخل بهما جميعا؟ قال: قال مالك: يفرق بينه وبين الآخرة، ويثبت مع الأولى وكذلك العمة والخالة مما يحل للزوج أن يتزوج واحدة بعد هلاك الأخرى أو طلاقها (1).
ويلاحظ مما سبق أنه لم يذكر مالك في نصه أن الزوجة الثانية لم تحرم عليه حرمة مؤبدة بسبب الجمع، ولذلك قد يستنتج من عبارته أنه يجوز العقد عليها من جديد إذا طلق زوجته الأولى أو ماتت عنه.
الجمع بين المرأة وابنتها:
1 - رأي الإباضية:
يرى فقهاء الإباضية أن من جمع بين المرأة وابنتها في العقد، فسد نكاحه ويفسخ قبل الدخول وبعده، ويجب التفريق بينه وبينهما (2).
ولكن بعد الفُرقة هل يجوز تجديد العقد على إحداهما؟ أم تحرمان عليه حرمة
مؤبدة؟.
وقد ميز الإباضية بين حالة العمد عند الجمع وحالة عدم
-
العمد.
- فإذا تعمد الرجل في الجمع بين المرأة وابنتها وكان عالما بالتحريم عليه حرمة مؤبدة، سواء جمع بينهما في عقدة واحدة أم في عقدين منفصلين.
1 - مالك المدونه: ج 2 ص 198، 199. اطفيش شرح النيل، ج 6 / ص 28 - 29.
-
حَرُمَتَا
351 (1/359)
صفحة 360
- أما إن جمع بين المرأة وابنتها في عقدين متتاليين ولم يكن يعلم بالتحريم ولم يقع بعده الدخول أو المس فيجوز له أن يجدد العقد للبنت، وقيل: يجدد لمن شاء
منهما.
وإن مس الأم حرمتا عليه جميعا، لأن الدخول على الأمهات يحرم البنات. وقال بعضهم يجدد للبنت، وإن مسها جدد للأم).
2 - رأي المالكية:
ويري جمهور فقهاء المالكية أن من جمع بين الأم وابنتها أو الجدة وحفيدتها كان لبيان هذه المسألة ثلاث حالات:
الحالة الأولى:
إذا عقد على الأم وابنتها في عقد واحد أو في عقدين بأن عقد على الأولى ثم الثانية، ودخل بهما جميعا ففي هذه الحالة يتأبد تحريمهما عليه، فلا تحل له واحدة منهما أبدا؛ لأن العقد مجمع على فساده.
وفي ذلك يقول سحنون رواية عن ابن القاسم، قلت أرأيت إن تزوج الأم فدخل بها ثم تزوج البنت ودخل بها؟ قال: قال مالك: يحرمان عليه جميعا، وكذلك الجدات وبنات بناتها وبنات بنيها هن بهذه المنزلة الأم والابنة في الحرمة (3).
الحالة الثانية:
إذا جمع بين المرأة وابنتها في عقد واحد ولم يدخل بواحدة منهما، وفي هذه الحالة يفسخ نكاحهما، ويكون له الحق في تجديد العقد على أيهما شاء، فتحل له الأم بعقد جديد، ومعلوم أن البنت لا تحرم إلا بالدخول على الأم، فلا تحرم بالعقد الصحيح، فمن باب أولى لا تحرم بالعقد الفاسد (3)
•
فإن جمع بينهما بعقدين مترتبين ولم يدخل بواحدة منهما، صح عقد الأولى،
1 - اطفيش: ج 6 / ص 33. خميس الشقصي: منهج الطالبين، ج 15 / ص 147 - 148.
2 - مالك:، ج 2 / ص 195.
مالك: ج 2 ص 193 - 194.
352 (1/360)
صفحة 361
الثانية
ويفسخ عقد الثانية بلا خلاف، سواء كانت الأم أو البنت، فإن كانت الأم هي فهي حرام أبدا؛ لأن العقد على البنات يحرم الأمهات، وإن كانت البنت فله أن يطلق أمها قبل الدخول بها ويتزوجها.
الحالة الثالثة:
أن
يجمع بينهما في عقد واحد ويدخل بواحدة منهما فيفسخ نكاحهما ويتأبد تحريم من لم يدخل بها، سواء كانت البنت أو الأم، وتحل له التي دخل بها بعقد جديد بعد الاستبراء، فإذا جمع بينهما في عقدين مترتبين وكان المعقود عليها أولاً البنت ثم دخل بها صح وكانت زوجة له شرعية بصحيح العقد، وتأبد تحريم أمها عليه، وإن كان المعقود عليها الأم ودخل بها دون البنت صح وثبت العقد على المشهور، وتأبد تحريم البنت بالدخول على أمها، وقيل: يتأبد تحريم الإثنتين؛ لأن العقد على البنت يحرم الأم وإن كان فاسدا.
أما إن دخل المعقود عليها ثانيا؛ فإن كانت البنت فرق بينه وبينها، وله تزويجها بعد الاستبراء، وتأبد عليه تحريم، أمها، وإن كانت الأم قد حرمت عليها أبدا، أما تحريم الأم فإن العقد الصحيح على بنتها - وهو الأول يحرمها باتفاق، وأما البنت فلأن الدخول على الأم يحرم البنت ولو كان العقد فاسدا.
ويوضح هذه الصورة ما ذكره سحنون عن ابن القاسم قلت: أرأيت إن تزوج بنتا وتزوج أمها بعدها فبنى بالأم ولن يبن بالإبنة؟ قال: يفرق بينه وبينها عند مالك ولا تحل له واحدة منهما أبدا؛ لأن الأم قد دخل بها فصارت الربيبة محرمة عليه أبدا إن الأم هي من أمهات نسائه، ولا تحل له أبدا» (1).
وقد أشار ابن عبد البر إلى القاعدة المعتمدة عند المالكية في بيان أحكام هذه الحالات فقال: «والأصل المجمع عليه عند أهل المدينة في هذا الباب أن من تزوج امرأة لم يحل له أن يتزوج أمها دخل بالابنة أو لم يدخل بها، ولا بأس أن يتزوج الابنة إذا لم يدخل بالأم، فإن دخل بالأم لم تحل له ابنتها كانت الابنة في حجره أو
لم تكن في حجره» (2)
1 - مالك: ج 2 / ص 194.
2 - ابن عبد البر:، ص 240 - 241. الجعلي: ج 2 / ص 55. عبد الرحمان الجزيري: الفقه على المذاهب الأربعة، ج 4 / ص 69 - 70. الصاوي: بلغة السالك، ج 2 / ص 262.
353 (1/361)
صفحة 362
ويلاحظ مما سبق أن المالكية لم يفرقوا عند الجمع بين محرمين بين حالة العمد وحالة الخطأ، بل عمموا الحكم فيهما خلافا للإباضية حيث ميزوا بين الحالتين فمنعوا تجديد العقد بعد الفسخ عند العمد ولو وقع الجمع مجردا من الدخول، وأجازوا تجديد العقد عند عدم العمد والعلم بالتحريم بشرط ألا يقع الدخول بعد الجمع.
الجمع بين أكثر من أربع نسوة:
اتفق جمهور الفقهاء على تحريم جمع أكثر من أربع نسوة، ولكن إذا وقع العقد على الخامسة وفي عصمة الرجل أربع نسوة فهل تحرم عليه نساؤه الأربع؟ أم الخامسة فقط، سواء حدث ذلك عن عمد أو خطأ، وهل يجوز له تجديد العقد على نسائه بعد الفسخ؟.
فقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة إلى عدة أقوال تبعا لتعدد الحالات المحتملة، ولكل حالة حكمها.
وخلاصة رأي الأباضية كما يلي:
إذا تزوج الرجل خمس نسوة في عقدة واحدة بطل نكاح الجميع ويجبر على فراقهن، فإن مسهن كلهن حرمن عليه، وإن مس بعضهن دون بعض حرمت من
مسها منهن.
الحالة الثانية:
إذا تزوج بخامسة وقد كان في عصمته أربع، فيجب عليه فراقها، فإن مسها
حرمت عليه.
الحالة الثالثة:
إذا كان متزوج بأربع فطلق واحدة منهن، ثم تزوج غيرها قبل انقضاء عدتها فإن هذه الخامسة لا تحل له ويجب عليه فراقها
1 - الجناوني: ص 32 - 33. اطفيش ج 6 / ص 39. العوتبي: الضياء، ج 8 / ص 37 - الشقصي: منهج
الطالبين ج 15 / ص 159، 160.
354 (1/362)
صفحة 363
4 - نكاح المحلل:
لو وقع العقد بين المحلل والمحللة وفسخ النكاح وافترق الزوجان أو تدخل
الحاكم ففرق بينهما فهل تحل له من جديد؟
وللفقهاء تفصيل في المسألة:
أ) رأي الإباضية
وردت عن الإباضية في هذه المسألة أربعة أقوال:
1 - إن تزوجها المحلل على اتفاق منهما ليحلها للزوج الأول فلا يمسها ولا
يمسكها، فإن مسها فلا تحرم عليه.
2 - وقيل: إن تابا فلهما أن يقيما على نكاحهما.
3 - وقيل: لا يجوز للمحلل أن يقيم معها إن مسها وإلا تاب وجدد العقد. ونقل العوتبي والشقصي ما يؤكد هذا القول، فذكرا أن من تزوج امرأة ليحلها لزوجها الأول فليستغفر ربه مما أراد ونوى، وإن كان وطئ فلا يقيم معها، وإن لم يطأ فليجدد العقد لنهي النبي صلى الله عليه وسلم المرأة المطلقة أن تتزوج بزوج لتحل لزوجها الأول). 4 - وقال البعض: إن مسها المحلل حرمت عليه أبدا (3).
ب رأي المالكية:
فقد ثبت عنهم أنه إذا فسخ عقد التحليل بين المحلل والمحللة ووقع التفريق بينهما فإنه يجوز لهما تجديد العقد مطلقا؛ لأن المرأة لم تحرم عليه حرمة مؤبدة (3).
5 - نكاح الشغار:
اتفق جمهور الفقهاء على فساد نكاح الشغار للنهي الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكنهم اختلفوا فيما إذا وقع العقد وثبت الدخول بعده، ثم فسخ وفرق بين الزوجين، فهل تحرم المرأتين على زوجيهما حرمة مؤبدة أم مؤقتة؟ وهل يجوز تجديد العقد بعد الاستبراء أو لا؟
1 - العوتبي: الضياء، ج 8 / ص 223 - 229، الشقصي: المنهج، ج 15 / ص 365 - 368.
2 - اطفيش: ج 7 / ص 375 - 376. الجناوني: ص 7297 ابن عبد البر الكافي، ص 238. الجعلي السراج، ج 2 / ص 52.
355 (1/363)
صفحة 364
أ- رأي الإباضية ذهب جمهور فقهاء الإباضية إلى أنه إذا فسخ العقد قبل الدخول جاز لكل من الزوجين تجديده، أما إذا وقع الدخول بعد العقد الفاسد يفرق بينهما، وتحرم المرأتان على زوجيهما حرمة مؤبدة ولا يجتمعان أبدا.
ويوضح هذا المعنى صاحب شرح النيل فيقول: «وإن فعلا وجب لكل صداق مثلها إن مست، وقيل: حرمتا».
وعلق القطب على هذا القول بقوله: (وذكروا في الأثر أنهما حرمتا وليس مقابلا لقول آخر، إذ لا قائل بجواز البقاء عليه لاتفاقهم أنه لا إرث فيه، والمراد اتفاق أصحابنا». (الإباضية).
ويبعد أن يريد أنهما حلتا، وقيل: حرمتا ويريد بالحل قولاً لغيرنا، فيفرقان ولا يجتمعان أبدا إن مس وهو الصحيح، وعلى التحريم والتفريق بالمس جروا في «الديوان» إذ قال: «وإن مس حرمت لأن النهي الوارد في حديث الشغار يدل على الفساد خلافا للجمهور حيث حملوا النهي على التنزيه لا التحريم).
ب رأي المالكية:
ويرى المالكية أن نكاح الشغار إذا وقع يفسخ قبل الدخول وبعده على المشهور، ويفرق بين الأزواج، ولكن لا تحرم المرأتان عليهما حرمة مؤبدة، ويجوز لهما تجديد العقد بعد الفسخ، والعدة إذا وقع الدخول بهما (2)
6 - نكاح المحرم
إذا عقد المحرم بحج أو عمرة على امرأة بطل نكاحه ويفسخ قبل الدخول وبعده، ولكن هل تحرم عليه ويمنع من التجديد بعد فك إحرامه أم لا؟ فالفقهاء انقسموا في هذه المسألة إلى رأيين:
1 - ذهب جمهور فقهاء الإباضية والمالكية إلى أنها تحرم عليه حرمة مؤقتة،
1 - اطفيش شرح النيل، ج 6 / ص 322 - 323.
2 - ابن عبد البر: الكافي، ص 237 - 238. مالك: المدونة الكبرى، ج 2/ ص 98 - 100.
356 (1/364)
صفحة 365
وتمتد إلى نهاية الإحرام ويجوز لهما تجديد العقد بعد الإحلال من الإحرام. قال الزهري في هذا المعنى: «وفسخ قبل البناء وبعده ولو ولدت الأولاد، ولا يتأبد التحريم ولا يوكلون ولا يجيزون ويستمر المنع في الحج لتمام الإفاضة إن قدم سعيه، وإلا فلتمام سعيه كالعمرة (2).
2 - وذهب بعض فقهاء المالكية إلى تأبيد التحريم فيه إذا تم العقد زمن الإحرام ولا يجوز له تجديد العقد بعد الإحلال وذلك كالنكاح في العدة وهذا القول رواية عن مالك ولكن المشهور عنه أنه لا يتأبد التحريم وأنه جائز له إذا حل من إحرامه أن ينكحها نكاحا جديدا وهو الراجح
(r)
1 - اطفيش المرجع نفسه، ج 6 / ص 253. الجناوني: كتاب النكاح، ص 125 - 126. ابن حجر العسقلاني:
كتاب النكاح من فتح الباري، ص 96.
2 - صالح الأزهري: جواهر الإكليل، ص 281 - 282. الصاوي: بلغة السالك، ج 2/ص 238 - 239.
ابن عبد البر: الكافي، ص 239.
357 (1/365)
صفحة 366
المبحث الثاني
العقوبات المادية
إذا وقع النكاح فاسدا، فهل تترتب عنه عقوبة مادية؟
وهل تقع على الزوجين أو أحدهما ومن شاركهما في إنشاء العقد؟
وهل تجب العقوبة في النكاح المتفق على فساده والمختلف فيه أم في أحدهما دون الآخر؟
وهل تجب العقوبة بالدخول ومقدماته أم لمجرد العقد؟
وهل تجب العقوبة في حالتي العمد والخطأ؟ أم عند العمد فقط؟
وإذا وجدت الشبهة (1) فهل يثبت الحد (3) أو التعزير (؟)؟ أم تسقط العقوبة مطلقا؟
ومتى يكون ذلك؟.
والفقهاء في هذه المسائل عدة آراء وأقوال يمكن تقسيمهم إلى فريقين، ولكل
فريق أدلته وحججه لاثبات رأيه ونفي غيره يتضح ذلك مما يلي:
- الشبهة: هي ما يشبه الثابت وليس بثابت، أو هي وجود المبيح صورة مع عدم حكمه أو حقيقته، وقيل هي ما لم يتيقن كونه حراما أو حلالا وتنقسم الشبهة إلى ثلاثة أقسام أساسية: شبهة الفعل وشبهة الملك وشبهة العقد. راجع الجرجاني: التعريفات ص 165. عبد العزيز عامر: الأحوال الشخصية، ص 127 - 130. ياسين العاملي: كتاب الاصطلاحات الفقهية في الرسائل العلمية ص 114 ط 1413:1 هـ 1993 م، دار البلاغة، بيروت. 2 - الحد في اللغة: هو الحاجز بين الشيئين، أما في الشرع فقد اختلفت عبارات الفقهاء فقال بعضهم: الحدود هي العقوبات الشرعية التي جعل الشارع لها مقدارا محددا، ومنه الحدود المقدرة في الشريعة كالجلد والرجم للزاني وقال بعضهم: هو عقوبة مقدرة وجبت على الجاني. راجع: إبراهيم مصطفى
وآخرون: المعجم الوسيط، مج 1؛ ج 1 / ص 160. ياسين عيسى العاملي: الاصطلاحات، ص 65. - التعزير في اللغة: مأخوذ من فعل عزّر، فتقول: عزره أي منعه ورده، بمعنى أدبه، وفي اصطلاح الشرع: هو تأديب دون الحد كتأديب من شتم بغير قذف، وقيل: يطلق على العقوبة المتروك تقديرها إلى الحاكم الشرعي مقابل الحد وهو منوط بنظر الحاكم. راجع الجرجاني: التعريفات، ص 85. العاملي: ص 46.
358 (1/366)
صفحة 367
الفريق الأول: القائلون بوجوب الحد:
ويذهب هذا الفريق إلى وجوب الحد في بعض الحالات، بينما يسقط في حالات
أخرى، وتفصيل ذلك على النحو التالي:
أولا: الأنكحة المتفق على فسادها:
يرى جمهور فقهاء الإباضية والمالكية أن العقد الفاسد المجمع على فساده إذا وقع فيه دخول فإن وجوب العقوبة الحدية فيه تتقرر بناء على النظر في واقعة العقد نفسه، وذلك للتعرف على توفر العلم والتعمد أو عدم توفره.
أ حالة العلم مع العمد:
إذا وقع العقد فاسدا وكان الرجل والمرأة عاقلين عالمين بالحرمة أو أحدهما وتعمد ذلك، ثم وقع الدخول بعده وجب الحد عليه ولا قيمة لذلك العقد؛ لأنه باطل لا عبرة بوجوده وصورته، ولا يصلح أن يكون شبهة يدرأ بها الحد؛ لأن العقد صار كالمعدم، فيعتبر الدخول فيه زنى، ويجب عليهما حد الزني وهو الرجم للمحصن والجلد لغير المحصن.
محرم
واختلف الإباضية مع المالكية في نوع العقوبة التي يعاقب بها من يتزوج ذات منه عمدا وكان عالما بالحرمة أو جاهلا بها ولكنه يعلم أنها أخته أو أمه أو
عمته من نسب أو رضاع.
1 - رأي الإباضية:
فذهب الإباضية إلى أنه إذا مس ذات منه مطلقا عن طريق النكاح أو محرم التسري أو الزنا يقتل بالسيف حدا لا قتل زجر وكفر، ولا تدفع عنه التوبة القتل، ولا فرق بين كونه محصنا أو غير محصن؛ لأن ذلك ليس من باب رجم الزاني أو جلده، بل يطبق عليه الحد ولو لم يدخل بها أو لم يعلم بالتحريم؛ لأن ذلك مما يعلم من الدين بالضرورة، ولا يعذر جاهله، ولو ادعى الجهل بالحكم فلا اعتبار لجهله.
يقول العوتبي في هذا الصدد: «ومن تزوج ذات محرم منه وقال حسبته جائزا لي
فلا يمنع جهل ذلك وعليه الحد» (1).
1 - العوتبي: الضياء، ج 8/ ص 231.
359 (1/367)
صفحة 368
ويسري
هذا الحكم على المرأة كذلك إن تعمدت نكاح ذات محرم منها سواء كانت عالمة بالتحريم أو جاهلة به، ولكن الإباضية اشترطوا لتنفيذ هذا الحد على من نكح ذات محرم منه أن يكون يعيش في ظل دولة إسلامية قوية تحكم بالشرع وقادرة على تطبيق الحدود الشرعية ويصطلحون لهذه الحالة بحالة الظهور.
أما إذا كانت الدولة الإسلامية في حالة الضعف أو كانت لا تعمل بأحكام الله، أو كانت غير مسلمة، أو لم تكن دولة قائمة وهو ما أطلقوا عليه بحالة الكتمان، فإنه ينكل بهذا الرجل أو المرأة بعقوبة دون الحد كالحبس أو الضرب أو النفي أو نحو ذلك
حتى يعتزل هذا النكاح ويتركه ويفترقان طوعا أو كرها وذلك إذا تعمدا ذلك.
وقال بعضهم: يضرب ما دون خمسين في حالة الكتمان حتى يعتزل، وإن لم يعتزل ضرب خمسين أخرى أو أقل أو أكثر إن مس الفرج بل ولو مس ما دون الفرج، وقال بعضهم: يقتل من تزوج محرمة ولو في حالة الكتمان إذا كانت الدولة لا تعمل بأحكام الله؛ لأنه يحبد من حكم الظهور ما قدر عليه ويقوم بذلك جماعة المسلمين). واستدل الإباضية على حدّ من تزوج ذات محرمه متعمدا أو جاهلا بالحرمة
:
بما استحسنه الإمام جابر بن زيد من فعل عبد الملك بن مروان لما قتل الذي تزوج امرأة أبيه، روى الجناوني في مصنفه أن رجلا تزوج امرأة أبيه على عهد عبد الملك بن مروان فأتي به فقال له: لم تزوجت أمك؟ فقال له: ليست أمي، وإنما هي امرأة أبي، فقال له عبد الملك: لا جهل ولا تجاهل في الإسلام، وأمر به فضربت عنقه، فقيل: إنه بلغ موته جابر بن زيد - رضي الله عنه - فقال أحسن عبد الملك أو قال أجاد (3).
1 - التنكيل والنكال أصله من نكل به تنكيلا إذا جعل نكالا وعبرة لغيره، يقال نكلت بفلان إذا عاقبته في جرم عقوبة تنكل غيره عن ارتكاب مثله، وعرفه آخر بأنه معاقبته بما يردعه ويروع غيره من إتيان مثل صنيعه أما النكال فهو العقاب أو النازلة قال تعالى بعد حد السارق: جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم المائدة: 38. ويفهم مما سبق أن النكال والتنكيل عقوبة دون الحد وهو أقرب إلى التعزير ولعله مرادف له؛ لأنه عقوبة يقدرها الحاكم أو نائبه وهذا ما يؤكده القطب فقال: «ينكل: أي يوجع بحبس أو ضرب أو غيرهما على قدر ما رأى الإمام أو نائبه» راجع: اطفيش شرح النيل، ج 6 / ص 37. ابن منظور: لسان العرب، ج 14 / ص 287. إبراهيم وآخرون: المعجم، مج 1 ج 2 ص 953.
2 - الجناوني: كتاب النكاح، ص 31 - 32. اطفيش: شرح النيل، ج 6 / ص 37. - الجناوني: ص 32.
360 (1/368)
صفحة 369
ونقل ابن كثير في تفسيره حديثاً رواه أحمد وأهل السنن من طرق عديدة عن
البراء بن عازب عن خاله أبي بردة، وفي رواية ابن عمر، وفي رواية عن عمه أنه بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن يقتله ويأخذ ماله، وفي رواية لأحمد عن البراء بن عازب قال: مرَّ بي عُمي الحارث بن عمرو ومعه لواء قد عقده له النبي، فقلت له: أي عم أين بعثك النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: «بعثني إلى رجل تزوج امرأة أبيه فأمرني أن أضرب عنقه (1)
وقد أشار الكدمي إلى اجماع فقهاء والإباضية على ذلك (3).
وقد بين القطب سبب تشديد العقوبة فذكر أن كل من تزوج من لا تحل له من ذوات المحارم أو من المشركات يحكم عليه بالقتل ثم قال: والذي عندي في ذلك كله أنه إن استحل أشرك فيقتل الشركه، ثم إن دخل فقد تأهل للقتل بالشرك والزني، لكن يقتل قتل المرتد، معنى ذلك أنه إذا استحل ما حرم الله، فجعل محرمه أو المشركة حلالا عليه، فهذا يستحق القتل مثل المرتد (3).
ومما يلاحظ هنا أن الإباضية لم يفرقوا في حكمهم هذا بين المس المجرد عن العقد، والمس المستند للعقد، فكل مس عندهم عن عمد هو، زنى، وهذا الحكم يشمل الرجل والمرأة إذا رضيت بذلك، إلا أن العقوبة في ذات المحرم أشد من غيرها من النساء، قال القطب في هذا الشأن: «وقيل: من تعمد وطء محرمته قتل ورجمت إن طاوعت، وقيل تقتل، وقال جابر يرجم وإن لم يحصن ولم يقل حتى يطلق؛ لأن الطلاق فرع صحة العقد، والعقد على المحرمة وتسريها غير ثابتين، ولا يعذر بجهل التحريم إن علمها محرمته).
هذا وذهب بعض فقهاء الإباضية إلى عدم تطبيق حد القتل ولا حد الزني على من تزوج ذات محرمه متعمدا، ولو وقع الدخول والمس، ويعوض عنهما بالتنكيل أو
1 - انظر ابن كثير أبو الفداء اسماعيل القرشي مج: 1. جـ 4 ص 622 ط الثانية مكتبة دار الفيحاء دمشق ومكتبة
السلام الرياض 1412 هـ / 1998 م.
2 - الكدمي الاستقامة، ج 3/ ص 206.
اطفيش شرح النيل، ج 6 / ص 37.
اطفيش: ج 6 / ص 37 - 38.
361 (1/369)
صفحة 370
التعزير حيث يقدرها الحاكم أو نائبه، وتجري كذلك على من تزوج زوجة غيره أو في العدة أو أكثر من أربع نسوة أو مشركة ويستوي في هذه العقوبة كل من الزوجين والولي والشهود).
نقل القطب عن أصحاب الديوان قولهم: «وينكل متزوج ذات زوج أو في عدة أو زوجة ابنه وإن سفل أو أبيه وإن علا أو محرمته وإن برضاع أو صهر أو أكثر من أربع، أو امرأة وأختها أو مجوسية أو وثنية، وكذا المرأة ومزوجها وشاهدها تعمل مع وعلم ().
أما إذا ادعت امرأة بعد زواجها بالثاني أن لها زوجا آخر حيا يجب على الزوج الثاني أن يعتزلها إن ظهر زوجها وعلمت حقيقته، فإن كان الثاني عالما بذلك وتعمد زواجها حد هو وهي، وإن غصبها بدون عقد يحد كذلك؛ لأنه اعتدى على حق الزوج الأول عمد (3).
ويلاحظ مما سبق أن إباضية المشرق شددوا في عقوبة من تزوج إحدى محارمه متعمداً مع العلم، بينما إباضية المغرب اكتفوا بالتنكيل دون القتل.
2 - رأي المالكية:
ويرى فقهاء المالكية أن من تزوج ذات محرم منه كأمه أو أخته المشركة عمدا مع العلم بالتحريم ووقع الدخول بها أو مقدماته وجب عليه الحد لأنه يعتبر زني. قال الصاوي: «فلا يصح نكاح المحارم بإجماع ويفسخ أبدا ويحدان إن علما ولا يلحق الولد).
وبين الجعلي عقوبة من تزوج المشركة فقال: «ويرجم الزوج في نكاح المجوسية إن وطئها وكان محصنا (5).
- الجناوني:، ص 32.
2 - اطفيش: ا ج 6 / ص 38.
اطفيش: ج 6 / ص 77 - 78
- الصاوي: ج 2 / ص 260 ابن عبد البر: ص 240.
ه الجعلي: ج 2 / ص 54.
362 (1/370)
صفحة 371
مجمل القول:
نجد بعد المقارنة ان المالكية اعتبروا نكاح المحارم زنى يوجب الحد، وينطبق
عليه ما ينطبق على عقوبة الزنَى، وهو رجم المحصن وجلد غير المحصن.
أما جمهور الاباضية فاعتبروا أن من تزوج بإحدى محارمه يعاقب بالقتل بصرف النظر عن كونه مخطئا أو غير محصن وبالتالي فإن قتله ليس على سبيل
الحد.
ب حالة عدم التعمد:
إذا وقع العقد فاسدا وتم الدخول، وكان ذلك عن جهل أو خطأ أو أكراه، فإن العديد من فقهاء الإباضية والمالكية يذهبون إلى سقوط الحد بسبب شبهة العقد لأن وجود الشبهة يمنع من إقامة الحد) لحديث رواه البيهقي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ادروا الحدود بالشبهات ولا ينبغي للإمام أن يعطل الحدود» (2).
وفي رواية أخرى للترمذي عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ادروا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة (3).
غير أنه مما يلاحظ أن جمهور الإباضية يذهبون إلى أنه بالنسبة لنكاح المحارم
والمشركات فإن الحد ثابت فيها بصرف النظر عن توفر العمد والعلم أو عدمه.
1 - اطفيش ج 1 / ص 77,38 - 78. الدسوقي: الحاشية، ج 2 / ص 251. صالح الأزهري: جواهر الإكليل، ص 289. الصاوي: ج 2 / ص 260. ابن عبد البر: ص 240. 2 - أخرجه الصنعاني في سبل السلام: ج 4 / ص 28، وقال: وذكر البخاري في التلخيص أن في سند هذا الحديث المختار بن نافع وهو منكر إلا أنه ساق المصنف عدة روايات موقوفة صحح بعضها وهي تعاضد المرفوع وتدل على أن له أصلا في الجملة، وفيه دليل على أنه يدفع الحد للشبهة التي يجوز وقوعها لدعوى الإكراه، راجع المصدر نفسه، ج 4 / ص 28. أخرجه الترمذي في سننه كتاب الحدود حديث رقم 1424؛ ج 4 / ص 25. والحاكم في المستدرك: ج 4 / ص 384. وقال الصنعاني عنه إنه ضعيف. وأخرجه ابن ماجه في سننه كتاب الحدود باب الستر على المؤمن ودفع الحدود بالشبهات عن أبي هريرة بلفظ ادروا الحدود ما وجدتم لها مدفعا» واسناده ضعيف حديث رقم 2545: ج 2 / ص 850
363 (1/371)
صفحة 372
والواقع أن هنالك اختلافا بين علماء كل من الإباضية والمالكية بالنسبة لإسقاط العقوبة الحدية عمن تزوج امرأة محرمة عليه جهلا أو خطأ، وسنتناول بعض الأنكحة المتفق على فسادها والتي تم الزواج فيها عن جهل أو خطأ بحيث نتعرف على آراء الفقهاء فيها بالنسبة للحد.
1 - نكاح المحارم والمشركات
ذهب جمهور الإباضية إلى وجوب الحد على من تزوج بإحدى محارمه من نسب أو صهر أو رضاع أو مشركة، سواء كان عالما بالتحريم أو جاهلا به لأن هذا مما يعلم من الدين بالضرورة ولا يعذر جاهله، أما إذا تزوج الرجل إحدى محارمه خطأ وكان يجهل أن التي تزوجها أمه أو أخته فإنه يدرأ عنه الحد للشبهة أو كان لا يعلم أن المرأة التي تزوجها مشركة؛ لأنها تزوجها على أساس أنها مسلمة فظهرت أنها على
الشرك).
وذهب المالكية إلى سقوط الحد على من تزوج إحدى محارمه أو مشركة إذا كان جاهلا بالتحريم أو وقع العقد عليهن خطأ وذلك لشبهة العقد لأنهم يشترطون لثبوت الحد توفر عنصر العلم مع التعمد (2).
2 - الجمع بين محرمين
يرى فقهاء الإباضية والمالكية أنه لاحد على من جمع بين محرمين ولو عمدا إن لم يعلم تحريم ذلك وهذه لشبهة حلية كل منهما على حده (3).
أما عقوبة من جمع بين المرأة وأمها في عقد واحد ودخل بها فقد اختلفوا فيه، قذهب بعضهم إلى اعتبار ذلك من الزنى ويجب فيه الحد، وذهب آخرون إلى إسقاط الحد عنهم للشبهة، وذلك إن كان جاهلا بالتحريم كحديث عهد بالإسلام يعتقد حل نكاح الأم وابنتها أو كان غير عالم بالقرابة من أصلها).
- الكدمي: الاستقامة، ج 3 ص 206. العوتبي: الضياء، ج 8/ ص 231. ابن عبد البر: الكافي، ص 240. اصفيش، ج / ص 35
الصاوي: بلغة السالك، ج 2 / ص 261 - 262، مالك: المدونة الكبرى، ج 2/ ص 197.
364 (1/372)
صفحة 373
- نكاح المعتدة:
اختلف فقهاء الإباضية والمالكية في مسألة نكاح المعتدة وذلك إن عقد الرجل على امرأة في عدتها من غيره من طلاق أو وفاة ودخل عليها متعمدا هل يجب عليه الحد أم يدرأ عنه؟ فذهب بعضهم إلى ثبوت الحد عليه؛ لأنه كان يعلم بالعدة وحرمة النكاح فيها وتعمد ذلك لأن ذلك من الزنى، وذهب آخرون إلى سقوط الحد الشبهة العقد قال القطب نقلا عن ديوان الأشياخ ولا يثبت نسب متزوج في العدة عمدا ويحدان، وقيل يثبت ولا يحدان).
وذكر ابن عبد البر أن للمالكية قولان في نكاح المعتدة مع العلم بالتحريم، القول: أنه لا يجب، وهو تحصيل مذهب مالك عند جمهور
الأول: أنه يجب الحد، والثاني: أصحابه (2).
4 - نكاح الكافر للمسلمة:
إذا تزوج المشرك أو الكافر بالمسلمة وكانا عالمين بالحرمة أو غير عالمين بالحكم فهل يجب الحد عليهما أم لا؟. اختلف فقهاء الإباضية والمالكية في هذه
المسألة:
التعمد، ويرى
أ- أما الإباضية: فيرى بعضهم وجوب الحد مطلقا سواء كانا عالمين بالتحريم أم جاهلين به، وبعضهم يرى وجوب الحد عند العلم بالحرمة مع بعضهم سقوط الحد عليهما لوجود الشبهة.
قال القطب في هذا المعنى: «وحرّم على مسلمة موحدة نكاح مشرك ولو كتابيا وإن فعلت لم يثبت النسب، ويحد إن علمها موحدة، ولا صداق لها إن علمته مشركا وتحد، وقيل لا يحدان للشبهة ولا يترك ذو خصلة من الشرك أن يتزوجها، ولا صداق لها إن علمت ولا نسب، وحرمت وقيل لا تحرم إن تاب (3).
اطفيش ج 6 / ص 38.
2 - ابن عبد البر: ص 237، الأزهري: جواهر الإكليل، ص 289. الدسوقي: ج 2/ص 251. الكشناوي:
أسهل المدارك، ج 2 / ص 84.
اطفيش ج 6 / ص 119.
365 (1/373)
صفحة 374
ب- أما المالكية فقالوا بسقوط الحد عليها سواء كانا عالمين بالتحريم أم جاهلين به وفي ذلك يقول صاحب السراج: «لو تزوجت الحرة المسلمة بمجوسي أو كافر (أي كتابي) فإنها لم تُحد وإن تعمدت».
وسأل سحنون ابن القاسم عن حكم الكافر إذا تعمد نكاح المسلمة فقال: «قلت: أرأيت لو أن ذميا تزوج مسلمة بإذن الولي ودخل الذمي بها ماذا يصنع بهذا الذمي وبالمرأة والولي؟ أيقام على المرأة والذمي الحد ويوجع الولي عقوبة في قول مالك؟. قال: قال مالك في ذمي اشترى مسلمة فوطئها قال أرى أن يتقدم إلى أهل الذمة في ذلك أشد التقدم ويعاقبون على ذلك ويضربون بعد التقدم، قال ابن القاسم: فأرى إن كان ممن يعذر بالجهالة من أهل الذمة لم يضرب ولا أرى أن يقام في هذا حد، ولكني أرى العقوبة إن لم يجهلوا).
مجمل القول:
مما سبق نستنتج أن بعض الإباضية لم يفرقوا بين حالة العلم مع العمد وحالة الجهل، فقد أوجبوا الحد عليهما في كلا الحالتين وبعضهم أسقطه إذا عذر للجهل، أسقطه مطلقا للشبهة، ولم يشيروا إلى تعويض الحد بالتعزير.
وبعضهم
بينما نجد المالكية قد أسقطوا الحد عليهما مطلقا ولو كانا عالمين بالتحريم، ولكن لا تسقط عنهما العقوبة كاملة بل يستبدل الحد بالتعزير، أما إذا كانا جاهلين بالحرمة تنتفي عنهما العقوبة كاملة فلا حد ولا تعزير.
وقد علل الجعلي سبب إيجاب الحد على المسلم إذا تزوج بمشركة خلافا للمسلمة إذا تزوجت بكافر؛ أن الفرق بين الحالتين يظهر بإسناد النكاح للرجل على جهة الحقيقة وإلى المرأة على جهة المجاز والحقيقة الضعيفة، ذلك أن المسلم يملك الحق في العقد على نفسه دون حاجة إلى ولي أو وصي، أما المرأة فلا تستطيع العقد على نفسها عند جمهور الفقهاء وإنما يقوم مقامها وليها ولذلك يتحمل الولي مسؤولية تزويج وليته فإن زوجها لمشرك أو أقر عقدهما بطل العقد وعزر الولي دون المرأة.
1 - مالك: المدونة الكبرى، ج 2/ص 212.
366 (1/374)
صفحة 375
ويبدو لنا أن الرأي القائل بوجوب الحد على الرجل والمرأة عند العلم والتعمد وسقوطه عند انتفاء العمد والجهل بالتحريم وتوقيع عقوبة أقل من الحد هو الرأي الراجح الذي نميل إليه، لكونه يتماشى مع مقاصد الشرع العامة وهذه العقوبة تكون عند العمد وتسقط عند عدم العمد لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ
والنسيان وما استكرهوا عليه (1).
ثانيا: الأنكحة المختلف في فسادها:
كما سبق فإن هناك أنكحة مختلف حول فسادها منها النكاح بدون ولي ونكاح الشغار ونكاح المتعة ونكاح التحليل، ولكن الفقهاء اختلفوا في وجوب الحد فيها وسقوطه إذا وقع الدخول فيها، وإذا سقط الحد فهل يجب فيها التعزير؟ أم تسقط العقوبة المادية مطلقا؟ وهل ينظر إلى حالة العمد مع العلم وحالة الجهل والخطأ لإثبات العقوبة أم لا؟ كل هذه الأسئلة سوف نتعرض للإجابة عنها عند ذكر آراء الفقهاء في هذه المسائل وبيان وجهة نظرهم منها:
1 - نكاح المتعة:
اختلف الفقهاء في ثبوت الحد في نكاح المتعة، فذهب جمهورهم إلى سقوط الحد وذهب بعضهم إلى وجوبه وذهب آخرون إلى وجوب التعزير.
أ- رأي الإباضية
ذهب جمهور الإباضية إلى تحريم نكاح المتعة، فإذا وقع العقد كان فاسدا وجب فسخه قبل الدخول وبعده، ولكن الوطء فيه لا يوجب الحد؛ لأنه مختلف في فساده. والذي يفهم من عباراتهم أنه يدرأ فيه الحد لشبهة العقد سواء كانا عالمين بالحرمة أو جاهلين بها، ولم يصرحوا بعقوبة معينة تفرض عليهما كالحد أو التعزير أو التنكيل، ولكن بالنظر إلى أقوالهم في الأنكحة الفاسدة نجدهم غالبا لا يسقطون
1 - أخرجه البيهقي في سننه عن ابن عباس في كتاب النكاح وقال: إسناده صحيح، ج 7 / ص 356: وفي رواية عنه عن موسى بن ورد أنه قال: سمعت عقبة بن عامر -رضي الله عنه – يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وضع الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه كتاب النكاح، ج 7/ص 357.
367 (1/375)
صفحة 376
العقوبة كاملة عن العاقدين في حالة العلم مع التعمد سواء كان نكاحا متفقا على فساده أو مختلفا فيه، فإذا درئ الحد وجب التعزير.
يقول العوتبي في هذا الصدد: «إذا عقد نكاح المتعة عليها إلى أجل كانت متعة وكان العقد فاسدا؛ فإن دخل بها مع الجهل بحظر ذلك عليه كان لها مهرها، وإن دخل بها مع العلم بحظر ذلك كان زانيا ولا مهر والمرأة بمثابة الرجل في ذلك). والذي يمكن استنتاجه من عبارته أن الدخول في نكاح مع العلم بالحرمة يعتبر زنى يوجب الحد ولكن سقط الحد لشبهة العقد ووجب التعزير.
ب رأي المالكية:
اختلف المالكية فيما يجب من عقوبة في نكاح المتعة إن وقع بعد الدخول، فجمهورهم يرى سقوط الحد للشبهة، وبعضهم قال بوجوب الحد إذا كانا عالمين بالتحريم وتعمدا ذلك.
القول الأول: وجوب الحد:
ذهب بعض فقهاء المالكية إلى وجوب الحد على من نكح نكاح المتعة فقد روى ابن مزين بن دينار عن يحي بن يحي عن ابن نافع أنه يرجم من فعل ذلك اليوم إن كان محصنا ويجلد من لم يحصن.
وروي عن مالك أنه قال: يذكر فيه الحد ويعاقب إن كان عالما بمكروه ذلك» (3).
القول الثاني: سقوط الحد:
ذكر ابن عبد البر والكشناوي أن نكاح المتعة باطل ومفسوخ ويسقط فيه الحد ويجب فيه التعزيز ولو كانا عالمين بالحرمة وهذا هو الرأي المشهور في المذهب (3) وقد ضعف ابن عبد البر الخبر الذي احتج به من أوجب الحد في نكاح المتعة فقال: «ولو صح حديث عمر بن الخطاب فإنه أراد به التهديد من يأتي المتعة للردع والزجر، وخبر عمر -رضي الله عنه من رواية مالك منقطع ورويناه متصلا، ثم 1 - العوتبي: الضياء، ج 8/ ص 219 - 221.
- الصباغ ص 90.
ابن عبد البر ص 238. الكشناوي: أسهل المدارك، ج 2/ص 88.
368 (1/376)
صفحة 377
أسنده عن يحي بن يحي بن سعيد عن نافع عن ابن عمر قال: قال عمر: لو تقدمت فيها لرجمت «يعني المتعة» وهذا القول منه قبل نهيه عنها وهو تغليظ ليرتدع الناس وينزجروا عن سوء مذهبهم وقبيح تأويلاتهم، واحتمال أنه لو تقدم بإقامة الحجة من الكتاب والسنة عن تحريمها لرجمت ضعيف لا يصح إلا على من وطئ حراما ما لم يتأول فيه سنة ولا قرآنا).
ونقل عن ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ عن ابن القاسم لا رجم فيه، وإن دخل على معرفة منه بمكروه ذلك، ولكن يعاقب عقوبة موجعة لا يبلغ بها الحد (2).
وقال الكشناوي: «وحكم نكاح المتعة إن وقع يفسخ قبل البناء وبعده بغير طلاق على المشهور ويسقط عنه الحد ولو عالما بالحرمة على المذهب لكن يعاقب العالم بحرمته والعالمة (3).
منشأ الخلاف:
وسبب
الخلاف في وجوب الحد من نكاح المتعة أو سقوطه يعود إلى الخبر الوارد عن عمر بن الخطاب فقد روي عنه أنه قال في ربيعة بن أمية بن خلف الجمحي القرشي لما استمتع أخوه صفوان بن أمية بامرأة مولدة، فحملت منه فخرج عمر بن الخطاب -رضي الله عنه - فزعا يجر رداءه من الفزع والعجلة وشدة الغضب فقال: (هذه المتعة التي ثبت نهيه عنها واستقر نسخ إباحتها (ولو كنت تقدمت فيها
لرجمت) (4).
قال الباجي معلقا على قول عمر: «قوله (لو كنت تقدمت ... ) يريد لو أعلمت الناس إعلاما شائعا بما أعتقد في ذلك وأخذ به من التحريم حتى لا يخفى ذلك على من فعله
1 - ابن عبد البر: ج 238. الصباغ الإيضاح في الأحكام، ص 91. الصباغ: 1 ص 90 - 91. الصاوي: بلغة السالك، ج 2 / ص 247 - 248. - الكشناوي: ج 2/ص 88. 4 - أخرجه مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير أن خولة بنت حكيم دخلت على عمر بن الخطاب فقالت: أن ربيعة بن أمية استمتع بامرأة فحملت منه فخرج عمر .. الحديث رقم 42 كتاب
النكاح ص 428 ..
369 (1/377)
صفحة 378
فأشار بذلك إلى أن من جهل التحريم وكان الأمر المحرم مما لا يمكن أن يخفى مثله ولا يعلم علمه، وقد تقدمت فيه إباحة؛ فإنه يدرأ فيه الحد، ويحتمل أن يكون علم بعض الخلاف من أحد الصحابة في ذلك فأراد بقوله: لو تقدمت بنية ما عندي فيه من النص الذي لا يحتمل التأويل فيزول الخلاف ولرجمت لتقدم الإجماع وانعقاده، ويحتمل أن يريد بذلك لو كنت أعلمت الناس برأيي في ذلك من تحريمه ووجوب الحد فيه لأقمت الحد؛ لأن الأحكام لا تجري عند الخلاف إلا على ما رآه الإمام الذي يحكم في ذلك لا سيما إذا كان عنده في ذلك من النص أوجه التأويل ما يمنع قول
المخالف (1).
خلاصة القول:
إن فقهاء الإباضية والمالكية على رأيين: رأي يذهب إلى وجوب الحد، ورأي يرى عدم وجوبه، ويظهر أن القائلين بعدم الوجوب على أن نكاح المتعة فيه خلاف، والخلاف شبهة تستوجب سقود الحد
•
والرأي الذي ذهب إليه جمهور فقهاء الإباضية والمالكية – على الرأي المشهور عنهم -وهو سقوط حد الشبهة وهو أيضا رأى الحنفية والشافعية والحنابلة (2)
2 - النكاح بدون ولي:
اتفق جمهور الإباضية والمالكية على أن الولي من أركان العقد فإذا خلا منه بطل العقد ولا يصح العقد إلا بموافقة الولي، ولكن إذا تعمد الزوجان عدم الولي في النكاح سواء كانا عالمين بحرمة ذلك أو جاهلين فهل يجب عليهما الحد؟ وإذا سقط الحد فهل يجب عليهما التعزير أم تسقط عنهما العقوبة المادية مطلقا؟ وللفقهاء في هذه المسألة قولان:
1 - الباجي: المنتقى، مج 2، ج 3 / ص 334 - 335 الصباغ المرجع نفسه، ص 90 - 91. 2 - الباجي: المنتقى، مج 2، ج 3 ص 335. الصباغ: الإيضاح، ص 91 - 92
370 (1/378)
صفحة 379
القول الأول: سقوط الحد دون التعزيز
ذهب جمهور فقهاء الإباضية والمالكية إلى سقوط الحد في النكاح بدون ولي، ولكن يعزر كل من شارك في إنشاء هذا العقد كالزوج والزوجة والشهود والعاقد فقد نقل ابن خلفون في أجوبته عن أبي المورج عن أبي عبيدة أنه إن وقع النكاح بغير ولي فرق بينهما، ويعزر الرجل والمرأة والشهود ومن أنكحها).
ويرى ابن القاسم المالكي أنه يجب معاقبة الزوجان والذي أنكحها والشهود إذا علموا منع النكاح بدون ولي.
قال سحنون: «قلت أرأيت إذا تزوج الرجل المرأة بغير أمر ولي بشهود، أيضرب في قول مالك الزوج والمرأة والشهود والذي زوجها أم لا؟ قال ابن القاسم سمعت مالكا يُسأل عنها فقال: أَدَخَلَ بها؟ فقالوا: لا وأنكر الشهود أن يكونوا حضروا فقالوا: لم يدخل بها، فقال: لا عقوبة عليهم إلا أني رأيت منه أن لو دخل عليها لعوقبوا: المرأة والزوج والذي أنكح، قلت: والشهود؛ قال ابن القاسم نعم والشهود إن علموا» (3).
-
للزوج
ومما يدعم هذا القول ما ورد في السنة من تعزير عمر - رضي الله عنه والمزوج من غير رضى الولي، فقد أخرج البيهقي عن عكرمة بن خالد قال: جمعت الطريق ركباً فجعلت امرأة ثيب أمرها بيد رجل غير ولي فأنكحها فبلغ ذلك عمر - رضي الله عنه - فجلد الناكح والمنكح ورد نكاحها (3)
القول الثاني: سقوط العقوبة مطلقاً
وذهب ابن عبد العزيز من الإباضية إلى أنه إذا وقع النكاح بغير إذن ولي مع حضوره، يفرق بين الزوجين ولا يرى عليهما حدا ولا تعزيرا).
1 - ابن خلفون: ص 68 - 69. 2 - مالك: ا ج 2 ص 117.
3 - البيهقي: السنن الكبرى، كتاب النكاح، ج 7 ص 111.
4 - ابن خلفون: الأجوبة، ص 68 - 69.
371 (1/379)
صفحة 380
نكاح الزاني والزانية
إذا زنى الرجل بامرأة ثم عقد عليها ووقع الدخول فما حكم هذا العقد؟ وهل تجب فيه عقوبة؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
فذهب جمهور الفقهاء إلى صحة العقد لأن الحرام لا يحرم الحلال وعليه فلا يفسخ العقد ولا تجب على الزوجين عقوبة بسببه (1).
أما الإباضية فقد حرموا نكاح الرجل مزنيته، فلو عقد عليها، يفسخ العقد قبل الدخول وبعده لأن الحرام عندهم يحرم الحلال، ولكن لا يجب عليهما الحد لشبهة العقد؛ وإنما يجوز للحاكم أن يعزرهما لزجرهما، ويقيم عليهما حد الزني إن ثبت ذلك
قبل العقد.
وفي هذا المعنى يقول أبو إسحاق الحضرمي: «والذي يوجب الوطء الحرام بزنا أو شبهة أو خطأ عشر خصال منها: أنه يوجب الحد إذا لم تكن شبهة، أو التعزير إن
وجدت شبهة (2).
4 - نكاح التحليل:
اتفق جمهور فقهاء الإباضية والمالكية وآخرون على أن من نكح مطلقة ثلاثا على نية تحليلها لمطلقها فإن نكاحه باطل، ولكن إذا دخل بها فهل يجب عليهما الحد أم التعزير بعد الفرقة؟.
القول الأول: سقوط الحد:
ذهب جمهور الفقهاء إلى سقوط الحد على المحلِّل والمحللة والمحلل له لشبهة العقد واختلاف الفقهاء فيه، فقد ذكر ابن قدامة أن من وطئ في نكاح مختلف فيه كالتحليل وغيره لم يحد في قول أكثر أهل العلم؛ لأن الاختلاف بشبهة والحد يدراً
بالشبهات (3).
1 - الدسوقي: الحاشية، ج 2 ص 251 الأزهري: جواهر الإكليل، ص 289. الجعلي: ج 2 ص 47. الحضرمي: مختصر الخصال، ج 2 ص 159 اطفيش: ج 6 / ص 47 - 49.
- عبد الرحمان المقدسي: العدة شرح العمدة، ص 537.
372 (1/380)
صفحة 381
القول الثاني: وجوب الحد:
وذهب بعض الفقهاء إلى وجوب الحد على من نكح متعمدا امرأة مطلقة ثلاثا ليحلها لمطلقها واستدلوا بقول عمر بن الخطاب: «لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما).
ونقل سحنون في المدونة عن يزيد بن عياض أنه سمع نافعا يقول: «إن رجلا سأل ابن عمر عن التحليل فقال ابن عمر عرفت عمر بن الخطاب لو رأى شيئا من هذا لرجم فيه» (2).
مجمل القول:
فبالنظر إلى أدلة كل فريق يتبين لنا أن رأي الجمهور هو الراجح في المسألة لأن نكاح التحليل مختلف في فساده، وهذا الاختلاف فيه شبهة والشبهة تدفع الحدود. أما ما نقل عن عمر بن الخطاب في عزمه على رجم من يفعل ذلك فيحمل محمل التهديد والزجر ليرتدع من يفعله وينزجر كل من تسول له نفسه فعل مثله؛ ولأنه لم ينقل عن الصحابة ولا التابعين أن عمر بن الخطاب نفذ حد الزني على المحلل والمحلل له ولو صدر منه ذلك لاشتهر وتناقلته الأخبار
الفريق الثاني: سقوط الحد مطلقاً في الأنكحة الفاسدة:
يذهب هذا الفريق وهم جمهور الحنفية - إلى سقوط الحد مطلقاً في كل نكاح فاسد فلو عقد الرجل عقدا فاسدا مجمعا على فساده كنكاح المحارم عمدا أو خطأ وفسخ العقد قبل الدخول أو بعده فلا يجب عليه حد الزنى مطلقا؛ لأن العقد الفاسد له صورة العقد، وهذه الصورة تثبت شبهة تكفي لدرء الحد عنه والحدود تدراً بالشبهات لقوله: «ادروا الحدود بالشبهات» (3) ولكن هذه الشبهة لا تمحو وصف الزني، ولذلك يجب على الحاكم أن يعاقبهما ويعزرهما بعقوبة شديدة بما يراه زاجرا لهما وأمثالهما عن ارتكاب هذه الجريمة.
1 - اطفيش: ج 7 / ص 374 الغندور: الأحوال الشخصية، ص 92.
2 - مالك: المدونة الكبرى، ج 2/ ص 211
3 - سبق تخريجه
373 (1/381)
صفحة 382
وإذا سقط الحد عنهما لوجود شبهة وجب مهر المثل للمرأة بالغا ما بلغ؛ لأن القاعدة الفقهية تقول: «كلّ وقاع أو وطء في دار الإسلام لا يخلو عن عقر (أي حد) أو
عقر (أي مهر) وبما أن الحد قد انتفى لشبهة العقد فيكون الواجب هو المهر.
وقد خالف الصاحبان أبو يوسف يعقوب ومحمد بن الحسن أبا حنيفة في رأيه، وقالوا برأي الجمهور، وهو وجوب الحد على من تزوج امرأة تحرم عليه حرمة مؤبدة ثم دخل بها متعمدا مع العلم بالتحريم. وبين أبو يوسف والشافعي وآخرون سبب وجوب الحد في حالة العمد وهو أن العقد الفاسد المتفق عليه لا يصادف محله، فيلغى، كما إذا أضيف إلى الذكور، وهذا لأن محل التصرف ما يكون محلا لحكمه، وحكمه الحل، وهي من المحرمات.
وقال أبو حنيفة: «إن العقد الفاسد والباطل قد صادف محله؛ لأن محل التصرف ما يقبل مقصوده والأنثى من بنات آدم قابلة للتوالد، وهو المقصود، فكان ينبغي أن يعقد في جميع الأحكام، وإلا أنه تقاعد عن إفادة حقيقة الحل فيورث الشبهة؛ لأن الشبهة ما يشبه الثابت لا نفس الثابت إلا أنه ارتكب جريمة وليس فيها حد مقدر
فيعزر».
هذا ولا يوجب أبو حنيفة الحد إلا في حالة الوطء المتمحض للزنى مجردا عن العقد، وهو في عرف الشرع واللغة وطء الرجل المرأة في القبل في غير الملك وبشبهة
الملك؛ لأنه فعل محظور، والحرمة على الإطلاق عند التعري عند الملك وشبهته. وقال أيضا: لو أقر الجاني على نفسه بعلمه بحرمته وتعمد ذلك بدون عقد ولا ملك يحد، كمن طلق امرأته ثلاثا ثم وطئها في العدة وقال علمت أنها عَلَيَّ حرام حد لزوال الملك المحلل من كل وجه، فتكون الشبهة منتفية، وقد نطق الكتاب بانتفاء الحل وعلى ذلك الإجماع ولا يعتبر قول المخالف فيه؛ لأنه خلاف لا اختلاف. ولكن لو قال المطلق: ظننت أنها تحل لي لا يُحد؛ لأن الظن في موضعه؛ لأن أثر
الملك قائم في حق النسب والحبس والنفقة، فاعتبر ظنه في إسقاط الحد (1).
1 - المرغياني: الهداية، مج 1: ج 2 / ص 344 - 346. بدارن: الفقه المقارن، ص 78. الزحيلي: الفقه ج 7 / ص 109. عبد العزيز عامر: الأحوال الشخصية، ص 130 - 133.
374 (1/382)
صفحة 383
مجمل القول: بعد عرض آراء الفريقين وموقفهما من ثبوت الحد في النكاح الفاسد أو سقوطه ظهر لنا أن قول الجمهور القائل بوجوب الحد عند العلم مع العمد هو الرأي الراجح لأن ذلك يعتبر جريمة يجب معاقبة الجاني عليها حفاظا على الأعراض والنسل، ولا اعتبار الصورة العقد ولا قيمة له فهو كالمعدوم لأنه تنتفي معه الشبهة ويصبح زنا، أما إذا فقد عنصري العمد والعلم وجدت الشبهة وسقط الحد ولكن يعزر العاقدان زجرا لغيرهما وردعا لهما، حتى لا يلتجئ الناس إلى الحرام بواسطة العقد ويقولون نظن أن ذلك حلالا فيسقط عنهم الحد.
أما الذين قالوا يسقط الحد للشبهة ولو مع العلم والتعمد فإن في هذا الرأي تساهل كبير، ويفتح الباب أمام الذين يريدون التلاعب بعقود الزواج المحرمة بذريعة شبهة العقد واختلاف العلماء.
موقف القانون من العقوبات المادية:
لم يتعرض قانون الأسرة في مواده إلى العقوبات المادية المترتبة عن النكاح الفاسد أو الباطل سواء كان متفقا عليه أو مختلفا فيه، وسواء تم الدخول فيه عن علم وعمد، أو عن خطأ وجهل بالتحريم، وسواء فسخ قبل الدخول أو بعده.
- وهنا نتساءل: لماذا لم ينص القانون على العقوبات المادية كالحد والتعزير التي تقع على العاقدين أو الولي والشهود الذين تسببوا في إنشاء العقد؟ - هل تركهم بدون عقوبة؟ لا شك أن ذلك يدفع الكثير إلى الإقدام على عقد النكاح المحظور ما دام لا يترتب عنه مسؤولية قانونية؟
- إذا لم يكن الأمر كذلك، فهل توجد عقوبات رادعة لهذه التصرفات في قانون العقوبات، فإن وجدت فلماذا لم يشر إليها ضمن القانون حتى يسهل الرجوع إليها
عند الحاجة؟.
-
- ولا أظن أن المشرع الجزائري قد ترك الأمر دون عقوبات، وكان من المناسب أن يضع هذه العقوبات ضمن قانون الأسرة حتى يكون متكاملا.
375 (1/383)
صفحة 384
ومهما يكن من أمر، فلا شك أن إغفاله لهذه العقوبات أحدث خللا في القانون وثغرة يجب سدها وتداركها، لأن كل قانون حتى تكون له فعالية ومصداقية، لا بد له أن تكون فيه زواجر وعقوبات تردع كل من تسول له نفسه بارتكاب المحرم، أو الاعتداء على حقوق الغير، وهذا ما لم نجده في قانون الأسرة، خلافا للشريعة الإسلامية حيث بينت أحكام الأنكحة الفاسدة ونصت على عقوبات مادية وأدبية
تلزم كل من تسبب في العقد الفاسد، خاصة إذا كان عالما بالحكم وتعمد الفعل. وأتمنى من المشرع الجزائري أن يتدارك الخلل وينص على هذه العقوبات ضمن قانون الأسرة عند مراجعته كما نص على بعض العقوبات الأدبية.
376 (1/384)
صفحة 385
الفصل الثاني
الآثار المالي
ـة (1/385)
صفحة 386
[صفحة فارغة] (1/386)
صفحة 387
تمهيد
يقصد بالآثار المالية ما يترتب على عقد النكاح من صداق وعُقر ومتعة ونفقة
وميراث.
وإذا كان عقد النكاح الصحيح تترتب عنه جل هذه الآثار فبعضهما يثبت للمرأة بالعقد، وبعضها بالوطء، وبعضها بالموت، وسوف نتناول في المباحث التالية مدى ترتب هذه الآثار على النكاح الفاسد.
(1) العقر: بضم العين مقدار من المال يقدر للمرأة عوض الصداق، انظر ص: 390 من هذا البحث.
379 (1/387)
صفحة 388
تعريف الصداق
:
المبحث الأول
الصداق
يعرف الصداق في الشرع بأنه ما يبذل من المال للمرأة في نظير العقد عليها
ويسمى مهرا ونحلة (1).
وعرفه قانون الأسرة في المادة الرابعة عشر بأنه: «ما يدفع نحلة للزوجة من نقود أو غيرها من كل ما هو مباح شرعا وهو ملك لها تتصرف فيه كما تشاء (2). ويشترط في المهر ما يشترط في ثمن السلعة من كونه طاهرا منتفعا به شرعا مقدورا على تسليمه معلوم القدر والصفة للمتعاقدين ولا بد من علم الأجل فيما كان مؤجلا كله أو بعضه (3).
وبعد أن حددنا مدلول الصداق في الشريعة والقانون وشروطه، ننظر في النكاح الفاسد متى يجب فيه الصداق ومتى يسقط؟ إذا حكم على العقد بالفسخ، وبيان ذلك يكون في حالتين:
الحالة الأولى: الفسخ قبل الدخول
إذا عقد الرجل على امرأة عقدا فاسدا وفسخ نكاحه قبل الدخول بها فالفقهاء اتفقوا على سقوط الصداق سواء كان النكاح مجمعا على فساده أو مختلفا فيه؛ لأن القاعدة الفقهية الكلية تقول: «كل نكاح فسخ قبل الدخول فلا شيء فيه، كان متفقا على فساده أو مختلفا فيه، كان الفساد لعقده أو الصداقه أولهما».
1 - الجعلي سراج السالك، ج 2 / ص 40. إبراهيم مصطفى وآخرون: المعجم الوسيط، ج 2 / ص 110 - 111.
2 قانون الأسرة: ص 10. الجعلي: ج 2 ص 40 - 41.
380 (1/388)
صفحة 389
وقد أكد فقهاء الإباضية والمالكية هذه القاعدة:
قال العوتبي: «ومن عقد عقدا فاسدا ثم علم ولما يدخل تفرقا ولا مهر ولا تنازع بين أهل العلم في ذلك» (1)
ولم يشترط الإباضية والمالكية العلم بالحرمة لسقوط الصداق بل يسقط ولو مع الجهل بالحرمة (2)
وقد
أكد ذلك القطب عند حديثه عن بطلان النكاح بدون ولي ولا شهود فقال: «سواء علمت بتحريم ذلك أو جهلته أو اعتقدت حرمته؛ لأن الصداق بالعقد الصحيح ولا عقد صحيح فلم يلزم بعقدهما النصف لعدم صحته
(3)
ويرى فقهاء المالكية أن الصداق يسقط قبل الدخول عند فسخ العقد ولو بعد الموت فإن كان فساده لفساد الصداق سقط الصداق مطلقا سواء اتفق على فساد العقد بالصداق أم اختلف فيه، كما إذا خمرا أو سمي سمي جملا شاردا، وإن كان الفساد لنفس العقد، فإن كان متفقا عليه كنكاح المحارم سقط الصداق بالموت قبل الوطء أيضا، وإن كان الفساد مختلفا فيه؛ فإن كان الفساد لم يحدث خللا في الصداق كنكاح المحرم بحج أو عمرة فإن الموت لا يسقط المهر بل يثبت لها الصداق المسمى أو مهر المثل إذا لم يقع طلاق أو فسخ، وإن أحدث خللا في الصداق كنكاح المحلل فإنه لا يثبت فيه الصداق إلا بالوطء، فإذا أحدث خللا في الصداق والنكاح بشرط أن لا ترث منه أو لا يرث منها فإنه يسقط بالموت (4).
واستثنى المالكية من هذه القاعدة بعض صور الأنكحة الفاسدة وقع الفسخ فيها
قبل الدخول وهي نكاح الدرهمين، وفُرقَة المتراضعين وفرقة المتلاعنين.
أما الصورة الأولى: وهي إذا عقد رجل على امرأة وجعل لها درهمين من الفضة صداقا واطلع عليه الحاكم قبل البناء، وأمره بدفع درهم ثالث وهو أقل الصداق
- العوتبي: الضياء، ج 8/ص 366 - 367. أبو العباس أحمد: كتاب أبو مسألة، ص 152 - 153. 2 - الجعلي: ج 2 ص 48. اطفيش شرح كتاب النيل، ج 6 / ص 94.
- ابن عبد البر: الكافي، ص 238. الدسوقي: الحاشية على الشرح الكبير، ج 2/ ص 239 - 241. الجزيري: الفقه على المذاهب الأربعة، ج 4 / ص 110.
381 (1/389)
صفحة 390
الشرعي وامتنع الزوج من إتمامه ففسخ العقد قبل الدخول؛ فإنها تستحق بعد الفسخ درهما منهما، ويرد الآخر للزوج الممتنع من إكماله وهذا المشهور في مذهب مالك، وقيل: لا شيء لها كغيرها.
أما الصورة الثانية وهي في حال ادعاء الزوج رضاعا محرما مع المرأة التي تزوجها بلا بينة وكذبته الزوجة ولم يدخل بها ففسخ لإقراره بالرضاع، فيلزمه حينئذ نصف المسمى لاتهامه أنه قصد فراقها بلا شيء.
والصورة الثالثة: وهي إذا قذف الزوج زوجته برؤيتها تزنى قبله فيلا عنها ويفسخ النكاح وعليه نصف الصداق المسمى لاتهامه بالكذب لإسقاط نصف المهر. وذهب بعض المالكية إلى سقوط صداق المرأة إذا لا عنها زوجها قبل الدخول). وقال المالكية: لو ثبت الرضاع ببينة أو إقرارهما أو ثبت الزنى فلا يلزمه شيء لعدم التهمة (2)
كما أوجبوا أيضا نصف الصداق في نكاح المحرم بالنسك إذا طلق الرجل قبل الدخول ولم يفسخ رغم كونه من الأنكحة المختلف في فسادها عند المالكية خلافا
للإباضية (3)
واتفق الإباضية والمالكية على بطلان صداق المرتدة عن الإسلام قبل الدخول لأن الردة فسخ العقد، وحكى ابن بركة البهلوي اتفاق الأمة على ذلك، أما إذا ارتد الزوج عند المالكية ففيه قولان أحدهما أنها لا صداق لها، والآخر لها نصف
الصداق (4).
وذهب المالكية إلى أنه لو ارتد الزوج قبل دخوله بالمرأة فلها نصف المهر على القول بأن الردة طلاق (0).
هذا وذهب الإباضية إلى أنه لو وقع التحريم بين الزوجين لسبب من الأسباب
1 - ابن عبد البر: ا ص 252.
2 - الصاوي: بلغة السالك، ج 2 / ص 250. الجعلي: ج 2 / ص 48.
الجزيري: ج 4 / ص 110.
4 - ابن بركة البهلوي: كتاب الجامع، ج 2/ ص 149. ابن عبد البر: المرجع نفسه، ص 252. ه - الجزيري المرجع نفسه، ج 4 / ص 198.
382 (1/390)
صفحة 391
كمن مس امرأة في فرجها قبل العقد عليها أو زنى بإحدى محارمها أو عقد عليها في عدتها من غيره أو جمع بين محرمين، فإن فقهاءهم قد اختلفوا فيما يثبت لها من الصداق، فبعضهم أثبت لها الصداق المسمى كاملا، وبعضهم أوجب لها نصفه فإن لم يفرض لها فلا صداق لها ولا متعة.
وهذا ما يفهم من عبارة أبي مسألة فيقول: «وإن وقع التحريم بينهما ولم يكن المسيس ففيه اختلاف منهم من يقول تأخذ فريضتها كلها، ومنهم من يقول تأخذ نصفها وإن لم تكن الفريضة فلا صداق لها ولا متعة» (1)
أما المالكية فقالوا: وإذا تلذذ الزوج بزوجته من غير جماع كالقبلة أو مباشرة بشيء وفسخ النكاح قبل الدخول لفساده؛ فإنه يجب على الزوج دفع تعويض من المال مقابل ذلك الاستمتاع يقدره الحاكم أو القاضي باجتهاده أو جماعة المسلمين، ويدفعه لها، ولا فرق في ذلك بين النكاح المجمع على فساده أو المختلف فيه (2).
الحالة الثانية: الفسخ بعد الدخول والوطء:
اتفق جمهور فقهاء الإباضية والمالكية وآخرون بأنه لو وقع الفسخ بعد الخلوة أو الوطء أو المسيس بالزوجة فيجب على الزوج المهر كله يدفعه للمرأة المدخول بها سواء كان النكاح متفقا على فساده أو مختلفا فيه، وذلك طبقا للقاعدة الفقهية الكية: (كل وطء أو وقاع في دار الإسلام لا يخلو من عقر أي (حد) أو عقر (أي مهر)، وبما أن الحد قد انتفى لشبهة العقد فيكون الواجب هو المهر).
وذكر الجناوني أنه إذا أسلم المشرك وترك امرأته في الشرك، فعليه أن يعطيها صداقها، وكذلك إن أسلمت المرأة وتركت زوجها في الشرك فإنه تدرك عليه صداقها (3).
1 - أبو العباس: كتاب أبي مسألة، ص 152 - 153.
الأزهري: جواهر الإكليل، ص 285. الصاوي: المرجع نفسه، ج 2 / ص 250.
العقر: بضم العين يقدر بعشر دية الحرة، ويرى بعض الفقهاء أنه إذا تم العقد وتم الدخول بالمرأة، ولم يفرض لها صداق فإن صداق البكر الحرة يقدر بعشر ديتها وصداق الثيب يقدر بنصف عشر ديتها، ويرجع بعضهم في تقديره إلى صداق مثيلاتها من قريباتها. انظر: اطفيش: شرح النيل، ج 6 / ص 148. تعليقات علي يحي معمر على كتاب النكاح للجناوني، ص 297. الجناوني: ص 142.
383 (1/391)
صفحة 392
ويفهم من عبارته أن الصداق واجب على الزوج سواء بقي في شركه أو أسلم؛ لأنه حق للمرأة ولا يسقط بإسلام أحدهما إلا أنه لم يشر إلى أن إسلام أحدهما كان قبل الدخول أو بعده. واشترطوا ألا يكون الفعل زنا صريحا كأن يكونا عالمين بالحرمة، لأنهما في
هذه الحالة زانيان يستحقان الحد أو يستحق من علم بالحرمة الحد). وقد أسقط الإباضية صداق المرأة التي تزوجت بكافر وهي عالمة بكفره وتحريم ذلك وأوجبوا عليهما الحد.
يقول القطب في هذا المعنى: «وحرم على مسلمة أي موحدة نكاح مشرك ولو كتابيا وإن فعلت لم يثبت النسب ويحد إن علمها موحدة ولا صداق لها إن علمته مشركا ويحد، وقيل لا يحدان للشبهة، ولا يترك ذو خصلة من الشرك أن يتزوجها ولا صداق لها إن علمت ولا نسب وحرمت وقيل: لا تحرم إن تاب (3).
وذكر الإباضية أنه لو وقع العقد على ذات محرم ثم ظهر ذلك بعد الدخول وكان الزوج قد فرض للمرأة صداقا مؤجلا فإنه يصح بعد الفسخ معجلا، ويجب عليه تسليمه في الحال، وذلك أنه قد أسس على عقد فاسد.
أما إذا جمع بين امرأتين في عقدين مترتبين وكان يعتقد حلهما، وتبين بعد الدخول أن الثانية من محارمه فلا يجب عليه تعجيل صداق الأولى المؤجل؛ لأن نكاحها صحيح ونكاح الثانية باطل مفسوخ
قال الجناوني في هذا الصدد: إذا تزوج الرجل امرأة وأصدقها صداقا أجلا فمسها، فإذا هي ذات محرم منه فلها صداقها عاجلا غير آجل؛ لأنها استحقت هذا الصداق بالمس لا بالعقد، فالعقد منفسخ وما ترتب عليه منفسخ أيضا وبمجرد علمهما بالمحرمية يجب الفراق.
أما إذا تزوج الرجل امرأة وأصدقها صداقا آجلا ثم تزوج عليها امرأة أخرى، فإذا
1 - ابن عبد البر: ص 240.
2 - اطفيش: ج 6/ص 119.
384 (1/392)
صفحة 393
التي تزوج عليها ذات محرم منه، فلا يحل الآجل من صداق الأولى بنكاح الأخرى إذا
كانت ذات محرم منه).
ما يثبت من الصداق للمرأة في النكاح الفاسد:
اختلف الفقهاء فيما يجب من الصداق للمرأة بعد الدخول، فهل يثبت لها المسمى في العقد؟ أم صداق المثل (*)؟ أم الأقل منهما؟.
أ- رأي الإباضية
يرى جمهور فقهاء الإباضية أنه إذا وقع الدخول في النكاح الفاسد يجب فيه صداق المثل طبقا للقاعدة المقررة عندهم أن كل مس حرام يجب منه صداق المثل سواء كان مستندا لعقد أو مجردا عنه.
وذهب بعضهم إلى ثبوت الصداق المسمى بالدخول فإن لم يسم في العقد أو كان صداقا فاسدا يثبت صداق المثل.
- الجناوني: ص 101.
اختلف الإباضية والمالكية في تحديد صداق المثل للمرأة.
أ- فذهب الإباضية إلى أنه يقدر بمثل أنساب الزوجة من قريباتها من الأب كالجدة والعمة والأخت وبنت الأخ من حيث مكانتهن من الجمال والحسب والصحة والحرفة والإسلام.
وبعضهم يرى مثل صداق أمها وإلا فشقيقتها من الأب فإن لم يعلم بذلك فصداق مثلها من المسلمات وبعضهم يقول: ما لها ما لمثلها في الجمال والسن والبكارة والنسب والبلد والغنى وغيرها من
الصفات الحسنة.
ب ويرى المالكية أن مهر المثل هو عبارة عن قدر من المال الذي يرغب به مثل الزوج في الزوجة باعتبار ما هي متصفة به من الصفات الحسنة من محافظة على أركان الدين والعفة والصيانة والجمال الحسبي والمعنوي وهو جمال الخلق والحسب وهو ما بعد من مفاخر الآباء كالكرم والمروءة والعلم والصلاح والمال والبلد، وإنما تعتبر هذه الأوصاف إذا لم يكن لها مماثل في الأوصاف المذكورة في قبيلتها كأختها وعمتها من جهة الأب فإن كان لها مماثل في أوصافها المذكورة من قبيلة أبيها أعتبر صداق المثل بالنسبة لمماثلتها. ويبدو أن الإباضية والمالكية قدا اتفقوا على أن تكون هذه الصفات في قريباتها من الأب، وإلا فمن غيرها واختلفوا في تحديد الصفات المميزة راجع اطفيش: ج 6 / ص 148. الصاوي: ج 2/ص 293 - 294. الجزيري: ج 4/ص 117.
385 (1/393)
صفحة 394
قال أبو إسحاق الحضرمي: «والعقود الفاسدة لا توجب شيئا إلا بالدخول، فإذا حصل الدخول وجب صداق المثل» (1).
وأشار أبو العباس إلى اختلاف فقهاء الإباضية فيما يثبت من الصداق بالدخول فذكر أن النكاح الفاسد كله لا متعة فيه ولا صداق إلا أن يكون المسيس، وإن كان فيه مسيس فلها ما فرض لها وإن لم تكن الفريضة فلها مثلها.
ثم بين أن كل مسيس حرام في نكاح مختلف في فساده يجب فيه صداق المثل ولو كان فيه المسمى، فيقول: ومسيس الحرام كله بغير ممن يكون منه الاتفاق من النساء فيه صداق المثل، كانت الفريضة لها قبل ذلك أو لم تكن، ومنهم من يقول إنما تأخذ الفريضة المتقدمة للمسيس.
ثم تعرض إلى مسألة تعدد الوطء الحرام في النكاح الفاسد هل يجب منه صداقا واحدا أم بكل وطء صداق، فبين أن إعادة المسيس كلها بالحرام فيه اختلاف بين الفقهاء فمنهم من يقول فيه صداق واحد، ومنهم من يقول كلّ مسيس بصداقه سواء كان ذلك في مكان واحد أو في أماكن شتى ومنهم من يقول كل مكان بصداقه (3).
ب رأي المالكية:
ويري جمهور المالكية أنه إذا وقع الدخول في النكاح الفاسد وجب فيه الصداق المسمى فإن لم يفرض فيه صداق ففيه صداق المثل، سواء كان متفقا على فساده أو مختلفا فيه (3)
وبين الأزهري أن المهر المستحق للزوجة هو المهر المسمى إن سميا في وقت العقد مهراً، فالواجب ما سمياه، وإن لم يسميا مهرا رجع إلى مهر مثل الزوجة، وقد اعتبر في تقدير مهر المثل في النكاح الفاسد يوم الوطء لا يوم العقد لأنه معدوم شرعا وهو كالمعدوم حسا ().
1 - الحضري: مختصر الخصال، ج 2 / ص 164. - أبو العباس أحمد كتاب أبي مسألة، ص 152 - 153. ابن رشد المقدمات على المدونة، ج 5 / ص 224.268. 4 - الأزهري: جواهر الإكليل، ص 316. الجعلي: ج 2 ص 48.
-
386 (1/394)
صفحة 395
وهذا الرأي هو المعتمد عند المالكية وقد نقله سحنون عن مالك، قال: «قلت: أرأيت النكاح الذي لا يقر عليه صاحبه على حال لأنه فاسد فدخل بها أيكون لها المهر الذي سمي أم يكون لها مهر مثلها؟ قال: لها المهر الذي سمى إذا كان مثل نكاح الأخت والأم من الرضاعة أو النسب فإن لها ما سمي من الصداق ولا يلتفت إلى مهر مثلها قلت وهذا قول مالك؟ قال نعم.
ج - رأي الحنفية
(1)
وقد أوجب الحنفية في النكاح الفاسد بعد الدخول مهر المثل إن لم يكن المهر مسمى في العقد تسمية صحيحة، أو لم يسم أصلا وذلك لأن مهر المثل هو الموجب الأصلي للعقد ويقوم مقامه المهر المسمى في العقد تسمية صحيحة، أما إذا كان المهر سمي في العقد تسمية صحيحة فالواجب هو الأقل من مهر المثل ومن المهر المسمى. ولم يجب في هذا العقد الفاسد ما سمياه في المهر مهما بلغ قدره؛ لأن العقود الفاسدة يرد فيها إلى القيمة الحقيقية، ومهر المثل هو القيمة الحقيقة في هذا الموضع، غير أنهما إن تراضيا الأقل منه لم يرد على ما رضياه (3).
وخلاصة القول:
إن الإباضية قد أوجبوا للمرأة عند الدخول بها في نكاح فاسد مهر المثل سواء فرض لها صداقا في العقد أم لا، ويستوي في هذا الحكم النكاح المتفق على فساده
والمختلف فيه.
أما المالكية فقد أوجبوا لها في هذه الحالة الصداق المسمى فإن لم يسم فصداق مختلفاً المثل سواء كان النكاح متفقا على فساده أو مختلف فيه.
أما الحنفية فقد أثبتوا للمرأة في النكاح الفاسد بعد الدخول مهر المثل إن لم يسم المهر في العقد تسمية صحيحة أو لم يسم أصلا، فإن سمي لها قالوا وجب لها الأقل من المسمى ومن مهر المثل، وبذلك نجد الإباضية قد اتفقوا مع المالكية والحنفية في
1 - مالك: المدونة، ج 2/ ص 120 - 121.
- عبد الحميد: الأحوال الشخصية، ص 43. بدارن: الفقه المقارن، ص 177. الغندور: الأحوال الشخصية
ص 103.
387 (1/395)
صفحة 396
وجوب مهر المثل عند عدم تسميته في العقد واختلفوا معهم عند فرضه في العقد.
رأي القانون:
نص قانون الأسرة على أنه إذا فسخ العقد بسبب اختلال أحد أركانه أو شروطه قبل الدخول؛ فإنه لا يثبت للمرأة صداقا، أما إذا وقع الدخول بعده فإنه يجب لها صداق المثل.
جاء في المادة الثالثة والثلاثين ما نصه: «إذا تم الزواج بدون ولي أو شاهدين أو صداق يفسخ قبل الدخول ولا صداق فيه ويثبت بعد الدخول بصداق المثل، إذا اختل ركن واحد ويبطل إذا اختل أكثر من ركن واحد (1)
-
وذكر القانون في المادة الرابعة والثلاثين منه أن من آثار العقد الباطل كالزواج بالمحرمات - فسخ العقد قبل الدخول وبعده وثبوت النسب ووجوب الاستبراء ولم يشر إلى ثبوت الصداق أو عدمه، رغم أنه يثبت بالدخول باتفاق الفقهاء العمد واعتباره زنى، ولعله يفهم من المادة السابقة أن كل نكاح فاسد يجب بالدخول فيه صداق المثل، وقد نصت المادة: «أن كل زواج بإحدى المحرمات يفسخ قبل الدخول وبعده ويترتب عليه ثبوت النسب ووجوب الاستبراء» (2).
عند
عدم
مما يستنتج من المادتين السابقتين أن القانون وافق رأي الإباضية في إقرار صداق المثل للمرأة المدخول بها في النكاح الفاسد ولو فرض صداق في العقد كما وضح ذلك أحد شراح القانون، خلافا للمالكية الذين يقدمون الصداق المسمى على صداق المثل في هذه الحالة.
ويلاحظ أن الشارح قد ميز بين العقدين الفاسد والعقد الباطل فأثبت الآثار الشرعية للزواج في العقد الفاسد إذا تم فيه الدخول كما في العقد الصحيح ونفاها من العقد الباطل مطلقا ولعله بذلك يوافق رأي جمهور الحنفية، في حين نجد الفقه الإسلامي يجعل للمرأة صداق المثل أو المسمى على خلاف إذا وقع الدخول في النكاح
الفاسد أو الباطل على المشهور.
1 قانون الأسرة: ص 18. 2 - قانون الأسرة: ص 18. (1/396)
صفحة 397
المبحث الثاني
النفق
ــة
تعريف النفقة:
أ- النفقة في اللغة: تعنى الإخراج والنفاذ والذهاب يقال نفق الزاد ونفقت الدراهم، نفذت، ويقال: نفقت المرأة، كثر خطابها، وأنفق فلان افتقر وذهب ماله. والنفقة اسم المصدر من الإنفاق جمعها نفقات ونفاق، والنفقة ما أنفقت واستنفقت على العيال وعلى نفسك.
والنفقة ما يفرض للزوجة على زوجها من مال للطعام والكساء والسكن والحضانة ونحوها).
ب- أما في اصطلاح الفقهاء: فهي إخراج الشخص مؤونة من تجب عليه نفقته من خبز وأدم وكسوة ومسكن وما يتبع ذلك من ثمن ماء ودهن ومصباح ونحو
ذلك (2)
وقد اتفق الإباضية والمالكية في تحديد مدلول النفقة؛ فعرفها القطب بأنها ما
به قوام معتاد دون، سرف، وأما السرف فليس نفقة في الشرع ولا يحكم به (3). وعرفها ابن عرفة المالكي بأنها قوام معتاد حال الآدمي دون سرف، فخرج بالمعتاد غيره كالحلوى والفاكهة وبالآدمي معتاد البهيمة كاللبن والحشيش، وبقوله (دون سرف) التبذير للأموال فيما زاد على المعتاد (4).
1 - ابن منظور لسان العرب، ج 14 / ص 242 - 243، كلمة (نفق). إبراهيم مصطفى وآخرون: المعجم
الوسيط، ج 2 / ص 942.
2 - الجزيري: ج 4 / ص 466. اطفيش: ج 6 / ص 478. - الجعلي: ا ج 2 ص 111.
389 (1/397)
صفحة 398
والحاصل أنهم اتفقوا على أن نفقة الزوجية هي ما يخرجه الزوج لزوجته من
الأشياء المعتادة كالطعام والكسوة والسكن دون تبذير ولا إسراف.
حكم النفقة في النكاح الفاسد:
اتفق جمهور الفقهاء على أن النفقة تجب على الزوج يؤديها لزوجته وكذلك أثناء العدة من طلاق رجعي أو أثناء الحمل إذا كانت الحامل مطلقة طلاقا بائنا فلها نفقة الحمل حتى تضع هذا إذا كان العقد صحيحا.
ولكن إذا عقد الرجل على امرأة عقدا فاسدا سواء كان متفقا على فساده أو مختلفا
فيه فهل تجب عليه النفقة قبل فسخ العقد وبعده؟
والجواب على هذا السؤال يكون بالنظر إلى حالات ثلاث:
الحالة الأولى: الفسخ قبل الدخول:
اتفق جمهور الفقهاء على أن العقد الفاسد لا يوجب للمرأة النفقة على زوجها قبل الدخول بها، بل ذهب بعض الفقهاء إلى القول بأنه لو عقد عليها عقدا فاسدا وأنفق عليها، ثم ظهر فساد العقد أو بطلانه بعد ذلك، فإن له الحق في الرجوع عليها بما أنفقه، وذلك لأن النفقة إنما تجب على الرجل في نظير حبس المرأة وقصرها عليه، والمعقود عليها عقدا فاسدا لا حبس له عليها).
الحالة الثانية: الفسخ بعد الدخول:
(1) ذهب الإباضية إلى أنه إذا وقع الدخول في العقد الفاسد، فإنه لا يجب على الزوج نفقة الزوجة أثناء العدة أو الاستبراء من الماء الفاسد إذا كان الوطء بشبهة. وقالوا: إنها تستحق النفقة على أساس حبسها أيام العدة إذ الواقع أن حبسها هنا يكون لأجل مَنْ في بطنها لتحصين الماء والمحافظة على الولد وليس بسبب العقد، والذي يؤكد ذلك أنه إذا غاب عنها زوجها فتزوجت بزوج آخر ودخل بها، ثم حضر زوجها الغائب، فإن نكاحها الثاني يكون فاسدا ويفرق القاضي بينهما، وتجب عليها
1 - اطفيش ج 6 / ص 75.
390 (1/398)
صفحة 399
العدة بالوطء الفاسد ولا نفقة لها على الزوج الثاني، وإذا تزوجت برجل وهي معتدة من غيره ودخل بها ثم فرق القاضي بينهما كان لها نفقة العدة على الزوج الأول.
ولو تزوجت امرأة وادعت انقضاء عدتها ثم تراجعت عن رأيها وادعت أنها تزوجت قبل انتهاء عدتها، فإذا قُبل قولها فيجب التفريق بينهما ويسقط صداقها ونفقتها وكسوتها وسكناها ولو لم تتعمد ذلك؛ لأن خطأها ألزمها ضمان صداقها ونفقتها (2).
(2) وذهب المالكية إلى وجوب النفقة بالدخول لكل امرأة ما زالت في العصمة أو مطلقة طلاقا رجعيا ما دامت في العدة، وأما السكنى فيجب لكل مطلقة أو من فسخ نكاحها الفاسد، ولو كان متفقا عليه أو بسبب لعان أو وطء بشبهة أو لزنى بغير علم أو بكره.
وقد أكد الجعلي هذا المفهوم فذكر أن النفقة من طعام وإدام وكسوة تجري على من كانت في العصمة، وعلى من طلقت طلاقا رجعيا ما دامت في العدة، وأما السكنى فإنها واجبة لكل من حبست عن الزواج على من حبست لأجله بسبب طلاق مطلقا أو فسخ النكاح متفق على فساده بعد الدخول أو لعان أو وطء بشبهة أو زَنَا بها غير عالمة أو كانت مكرهة على الزنا (3).
ونستنتج مما سبق أن المالكية قد أوجبوا النفقة على الزوج لأجل حبس المرأة عن الزواج، ولو كانت في العدة من نكاح فاسد أو وطء حرام خلافا للإباضية جعلوا حبسها أثناء العدة لأجل التحقق مما في بطنها والمحافظة على الولد إن كان موجودا.
الحالة الثالثة: الفسخ بعد ظهور الحمل:
إذا ظهر بعد الدخول في العقد الفاسد أن المرأة حامل وفسخ العقد لوجود سبب التحريم كمن تزوج أخته من الرضاع أو أسلمت المرأة وبقي زوجها في الشرك فقد اختلف الإباضية والمالكية في هذه المسألة:
1 - اطفيش ج 6 / ص 76. 2 - الجعلي: 1 ج 2 / ص 117
391 (1/399)
صفحة 400
1 - فذهب الإباضية إلى وجوب النفقة على الحامل حتى تضح حملها إذا ثبت أن الولد يلحق بنسب الرجل.
أما إذا انتفى نسبه منه بسبب من الأسباب فإنه لا يلزمه نفقة الحامل.
قال أبو إسحاق في هذا المعنى: «والذي يوجب الوطء الحرام بزنا أو شبهة أو خطأ ا عشر خصال منها: أنه يوجب النفقة للحامل إن كان ولدها يلحق بالواطئ) وذهب بعض الإباضية إلى سقوط نفقة الحامل إذا أسلمت دون زوجها لأنها
خرجت بإرادتها من عصمته، وكذلك إذا أسلم وتركها على الشرك لأنه لا يجوز نكاح المشركة ولا النفقة لها، فقد نقل الجناوني عن شيخه أبي الربيع سليمان بن أبي هارون الملوشائي أنه ذكر أن المرأة إذا أسلمت من الشرك وهي حامل وزوجها في الشرك فلا تدرك عليه النفقة، أي لا تجب عليه نفقتها وكذلك إن أسلم الرجل وترك امرأته في الشرك وهي حامل فلا تدرك عليه النفقة.
ولكن الجناوني خالف شيخه في رأيه وقال: «يعجبني أن تكون عليه النفقة في هذا الوجه (3). ونفهم من تعقيبه أنه يرى وجوب النفقة على الحامل ولو كانت مشركة أو كان
زوجها مشركا خلافا لشيخه وهذا هو الرأي المعتمد عند الإباضية. فالنفقة في هذه الحالة لم تجب لأجل حبس المرأة، وإنما لأجل الحمل، فلو ظهر
عدم الحمل، فيجب على المرأة رد ما أخذت من النفقة.
هذا وقد خالف ابن بركة جمهور الإباضية فيما ذهبوا إليه في تعليلهم وجوب النفقة فبين أنها وجبت لأجل الاستمتاع بالمرأة وليس لأجل الحمل، فذكر أنه لو أنفق عليها لكونها زوجته، فكان النكاح فاسدا لم يرجع بالنفقة عليها من قبل أن النفقة للحامل لأجل الحمل، فإذا تبين غير ذلك ردت ما أخذت لسبب الحمل الذي لم يكن، وأما النكاح الفاسد فإن النفقة تجب بنفس العقد وتسليمها نفسها على ظاهر العقد، وقد كان بها مستمتعا فقد حصل الاستمتاع والنفقة إنما تجب للاستمتاع المنفرد،
1 - الحضرمي: مختصر الخصال، ج 2 ص 159.
- الجناوني: كتاب النكاح، ص 142 - 143.
392 (1/400)
صفحة 401
ألا ترى أن العقد لا نفقة له حتى تُسَلِّم المرأة نفسها للرجل؟ والأخرى لم تحصل له
منها حمل (1).
- وذهب المالكية إلى وجوب النفقة للحامل ما دامت محبوسة للرجل ولو بعقد
فاسد، وذلك حتى تضع حملها أو تنتهي عدتها أو الاستبراء من الماء الفاسد.
ويجب لها كذلك السكن، ولكن إذا فسخ العقد سقط حقها في السكن وتبقى نفقتها حتى يزول سببها، وبذلك نجد المالكية لم يفرقوا بين المرأة الحامل وغيرها فأوجبوا النفقة عليها في جميع الأحوال ما دام قد وقع الدخول.
خلاصة القول:
مما سبق يتبين أن الاباضية لا يوجبون النفقة في الزواج الفاسد إلا إذا كانت المرأة حاملاً، وحينئذ يكون وجوب النفقة لأجل الحمل.
وأما المالكية فَيُوجِبُونَها ولو لم تكن المرأة حاملاً، لأنهم يربطون النفقة بالاحتباس ووافقهم في ذلك ابن بركة من الإباضية.
وفي تقديري أن الرأي الذي ذهب إليه المالكية وابن بركه الاباضي يترجح عندي باعتبار أن النفقة للمرأة تكون في مقابل الاحتباس دون النظر إلى صحة العقد أو
فساده.
رأي القانون:
لقد نص قانون الأسرة على نفقة الزوجة على زوجها إذا دخل بها أو ادعت ذلك بالبينة الثابتة ما دامت المرأة في عصمة الرجل في عقد صحيح، وكذا إذا كانت مطلقة رجعيا، إلا أنه لم يتعرض لذكر نفقة الزوجة من النكاح الفاسد قبل الفسخ وبعده، ولا ندري هل قصد ذلك على اعتبار أن العقد باطل لا يترتب عليه أثر شرعي؟ أم أغفل ذلك دون قصد؟ أم جعل حكم النفقة في النكاح الفاسد كحكمها في النكاح
الصحيح؟.
ابن بركة البهلوي كتاب الجامع، ج 2/ ص 189
393 (1/401)
صفحة 402
جاء في المادة الرابعة والسبعين: «تجب نفقة الزوجة على زوجها بالدخول بها أو دعوتها إليه بينة).
وقد حدد القانون في المادة الثامنة والسبعين مستلزمات النفقة الزوجية فقال: تشمل النفقة الغذاء والكسوة والعلاج والسكن أو أجرته وما يعتبر من الضروريات في العرف والعادة» (2).
ونفهم من هذه المادة أن القانون قد وافق الفقه الإسلامي في وجوب النفقة على الزوج وتكون في ضروريات الحياة وفق ما جرب به العادة والعرف في المجتمع
والبلد.
1 - قانون الأسرة: ص 36. نفس المرجع: ص 38
394 (1/402)
صفحة 403
المبحث الثالث
الميراث
تعريف الميراث
الميراث أو الإرث في الشرع هو انتقال ملك الميت بموته إلى حي بعده لسبب من أسبابه وهي ثلاثة فقط الزوجية، والقرابة والولاء، فلا يرث ولا يورث بغيرها (1) وإذا ثبت العقد بين الزوجين صحيحا مستوفيا كل الشروط ومات أحد الزوجين أثناء قيام العلاقة الزوجية ورث أحدهما الآخر.
ولكن إذا ظهر العقد فاسدا، وكان فساده لخلل في عقده، أو لصداقه أو لنهي الشارع عنه، سواء كان فسادا متفقا عليه أو مختلفا فيه عند الفقهاء، فما الحكم لو مات أحد الزوجين قبل فسخ العقد أو بعده؟ وهل يقع بينهما التوارث؟.
وللإجابة عن ذلك سوف نتعرض إلى آراء الفقهاء في المسألة وأدلتهم في كل
الحالات حتى يتضح لنا متى يثبت الميراث بينهما ومتى لا يثبت؟.
الحالة الأولى: حكم الميراث في الأنكحة المتفق على فسادها: اتفق جمهور فقهاء الإباضية والمالكية وآخرون على أن الميراث لا يثبت لأحد الزوجين إذا كان النكاح متفقا على فساده، فإذا مات أحد الزوجين قبل فسخ العقد أو بعده أو قبل الدخول أو بعده، فلا يرث أحدهما الآخر؛ لأن العقد فاسد فهو كالمعدوم أصلا ولا قيمة لوجوده صورة وشكلا ما دام محرما شرعا.
ويتأكد هذا الحكم إذا ثبت الحد على الزوجين أو أحدهما؛ لأن الدخول في النكاح المتفق على فساده عن عمد وعلم بالتحريم يعتبر زنى يوجب الحد، والزنى من موانع الميراث فقد ثبت في الأثر أنه ليس بين المرجومين ميراث (2)
- علي عبد الحميد ومحمد وهبي: المعتمد في فقه الإمام أحمد، ج 2 ص 55. 2 - محمد بن إبراهيم الكندي: بيان الشرع، ج 71/ ص 101.
395 (1/403)
صفحة 404
واتفقوا أيضا على سقوط الميراث مطلقا سواء ثبت الحد على أحدهما أو كلاهما أو درئ الحد للشبهة (1).
وقد ذكر الفقهاء أمثلة عديدة لأنكحة متفق على فسادها ولا يثبت فيها الميراث بين الزوجين إذا مات أحدهما قبل فسخ العقد أو بعده من ذلك:
1 - النكاح بذوات المحارم من النسب والصهر.
2 - النكاح في العدة.
3 - الجمع بين محرمين أو أكثر من أربع نسوة.
4 - المرأة الملاعنة.
ه - المرأة المشركة.
وغيرها من النساء المحرمات، قال ابن عبد البر: «فمن نكح امرأة من هؤلاء كلهن جاهلا فسخ نكاحه ولم يتوارثا).
ولم يفرق الإباضية والمالكية في سقوط الميراث من النكاح المتفق على فساده بين حالة العمد وحالة الجهل أو الخطأ لأنهم يعتبرون هذا العقد كالمعدوم ويجب فسخه والتفريق بين الزوجين وقد وضع بعض الفقهاء قاعدة عامة تجمع كلّ الأنكحة الفاسدة المجمع على فساده والتي يثبت فيها الميراث وهي:
(ما كان فسخه بدون طلاق ولا يعتبر فيه الطلاق قبل الفسخ فلا ميراث فيه. وقد نقل سحنون رأي المالكية في المدونة موضحا هذه القاعدة التمثيل لها مع فقال: «وأما الذي لا يكون فسخه طلاقا ولا يلحق فيه طلاق إن طلق قبل الفسخ، إنما ذلك النكاح الحرام الذي لا اختلاف فيه، مثل المرأة تتزوج في عدتها، أو المرأة تتزوج على عمتها، أو على خالتها، أو على أمها، قبل أن يدخل بها فهذا وما أشبهه؛ لأنه نكاح لا اختلاف في تحريمه لا تحرم به المرأة إذا لم يكن فيه مسيس على ولد ولا والد
1 - اطفيش ج 1 / ص 33 - 34، 318 - 321. الجناوني: ا ج 135. مالك: المدونة، ج 2 / ص 122. الصاوي: بلغة السالك، ج 2 / ص 249. الزحيلي: الفقه الإسلامي، ج 7 / ص 115 - 116. 2 - ابن عبد البر: ص 240.
396 (1/404)
صفحة 405
ولا يتوارثان فيه إذا هلك أحدهما ولا يكونان به إذا مسها فيه محصنين ولكن هل يرث الولد أباه بعد موته إذا كان النكاح فاسدا متفقا على فساده؟ اتفق جمهور الفقهاء على أن الولد الذي ينتج عن الدخول في العقد الفاسد المتفق على فساده والذي علمت فيه الحرمة، لا يرث أباه بعد موته من تركته ولا يرث الأب هذا الولد، لأنه يعتبر ابن الزنى، لا ينتسب إليه ولا يرث أحدهما الآخر").
ولكن إذا حرم الولد من ميراث أبيه فهل يحرم من ميراث أمه؟ وهل ترثه كذلك؟ يرى جمهور الفقهاء أن ولد الزنا أو من في حكمه بسبب العقد الفاسد المتفق عليه يرث أمه وترثه لأنه يلحق بها نسبا، ويرث أقرباء أمه ويرثونه أيضا.
وقد سئل السالمي عن إرث الأم من ابنها من الزنى فقال السائل: أم الزنيم هل: تحوز المال دون عصبتها؟ وإن كان خلاف فما الأرجح؟
فأجابه: «لا يزيدها فجورها حظا بل لها من ولدها النصيب المفروض، والباقي لأقرب عصبة إليها، ومنهم من أنزلها منزلة الأب وجعل لها المال كله، ولم ير ذلك زيادة منزلة لها، وإنما رآه من حظوظ الدنيا المعجلة لأبناء الدنيا وهي جنة
الكافر (3).
الحالة الثانية: حكم الميراث في الأنكحة المختلف في فسادها: اختلف فقهاء الإباضية والمالكية في ثبوت الميراث وسقوطه في الأنكحة
المختلف في فسادها إلى رأيين:
الرأي الأول: سقوط الميراث:
فسادها
يرى جمهور فقهاء الإباضية أنه يسقط الميراث في الأنكحة المختلف في ولا يثبت لأحد الزوجين بعد موت الآخر، لأنها تفسخ بدون طلاق، فما دام الفساد مرتبط بها فحكمها الفسخ سواء وقع قبل الدخول أو بعده، ولو حدث أن مات أحد
1 - مالك: المدونة، ج 2/ ص 119 - 12 - 122
2 - الجعلي: ج 2/ص 238.
- السالمي: جوابات الإمام السالمي، ج 4 / ص 215.
397 (1/405)
صفحة 406
الزوجين قبل فسخ العقد فلا يرث الآخر، وقد أكد القطب هذا الحكم فقال: «وكل نكاح انفسخ على اختلاف العلماء فعندنا الإباضية) لا يحتاج إلى طلاق، وعند المالكية يجبر الزوج أن يطلق مراعاة لمن قال بصحته، ويعد عليه بائنا ولا إرث عندنا، وأما عندهم فيرث كل منهما الآخر ما لم يطلق).
الرأي الثاني: ثبوت الميراث
فساده
ويرى المالكية أنه يثبت الميراث بين الزوجين إذا كان النكاح مختلفا في بين العلماء سواء وقعت الوفاة لأحد الزوجين قبل الدخول أو بعده ما دام النكاح باقياً لم يفسخ قبل موت أحدهما، أما إذا مات أحد الزوجين بعد فسخ العقد الفاسد فلا إرث بينهما؛ لأن الفسخ فيه طلاق بائن، ونظير ذلك أن المطلقة إذا كان طلاقها بائنا لا ترث زوجها عند وفاته (3) وبناء عليه فإن الأب يرث ولده والولد يرث أباه وأمه بهذا العقد.
فساده
وقد اشترط المالكية لوجوب الميراث بين الزوجين من العقد المختلف في أن يلحق الولد بنسب أبيه ولو لم يحصل دخول، أما إذا نفاه من نسبه فلا توارث بين الزوجين ولا بين الأب وابنه.
وقد ذكر الجعلي هذا الشرط في معرض حديثه عن أسباب الميراث فبين أن الميراث يكون بسبب النكاح الصحيح أو المختلف فيه إذ النكاح المختلف فيه عندنا يكون به التوارث ولو لم يحصل دخول على المعتمد فالمدار على لحوق الولد بأبيه. وقد وضع المالكية قاعدة عامة تضبط الأنكحة المختلف فيها وتبين حكمها
فقالوا: «كل مختلف فيه فهو كالصحيح في التحريم والإرث وفسخه طلاق» (3). وقد استثنى المالكية من هذه القاعدة بعض الأنكحة المختلف في فسادها
ومنعوا فيها الميراث من ذلك:
أ- نكاح المريض مرض الموت:
لأن علة فساده هو إدخال وارث جديد في التركة لم يكن موجودا عند المرض،
1 - اطفيش ج 6 / ص 526.
2 - الدسوقي: الحاشية على الشرح الكبير، ج 2 ص 239 - 241.
الصاوي: البلغة، ج 2 ص 249.
398 (1/406)
صفحة 407
فلو ثبت به الإرث لفات الغرض الذي من أجله حكم بفساد العقد.
ب- نكاح الشغار.
جـ - نكاح المحرم:
بحج أو عمرة، فلا يثبت فيهما الميراث بناء على القاعدة المقررة عند المالكية أن كل نكاح كانا مغلوبين على فسخه فالطلاق فيه ولا ميراث).
,
وبذلك يكون المالكية قد وافقوا الإباضية في إسقاط الميراث من نكاح الشغار
والمحرم بالنسك.
د- نكاح الخيار:
فلا إرث فيه لأنه لما كان منحلا كان كالمعدوم).
رأي القانون:
وقد نص قانون الأسرة على حق الزوجين في الميراث إذا كان عقد نكاحهما صحيحا وقائما أثناء موت أحدهما ولو قبل الدخول، جاء في المادة الثلاثين بعد المائة أنه يوجب النكاح التوارث بين الزوجين ولو لم يقع بناء» (3).
أما إذا كان النكاح فاسدا أو باطلا فلا يقع التوارث بين الزوجين إذا مات أحدهما قبل الدخول أو بعده؛ لأن حكمه الفسخ وهذا ما نصت عليه المادة الواحدة والثلاثين بعد المائة إذا ثبت بطلان النكاح فلا توارث بين الزوجين» (3). ويلاحظ من هذه المادة أن القانون لم يحدد نوع الفساد في العقد، هل هو متفق عليه أو مختلف فيه؟.
ومهما يكن فإن قانون الأسرة نجده قد وافق الفقه الإسلامي في جعل الميراث من النكاح الصحيح فقط، أما النكاح الفاسد فقد اختلف فيه، فبينما نجده قد وافق
49 - الصاوي: المرجع نفسه، ج 2/ ص 238 - 276239. ابن عبد البر: ص 248.
50 - قانون الأسرة: ص 58.
51 - المرجع نفسه: ص 60.
399 (1/407)
صفحة 408
المذهب الإباضي في منع الميراث من النكاح الفاسد مطلقا نجده قد اختلف مع المالكية حيث أنهم أسقطوا الميراث من المتفق في فساده وأثبتوه في المختلف فيه ما دام لم تقع الفرقة قبل موت أحدهما خلافا للقانون.
400 (1/408)
صفحة 409
المبحث الرابع
آثار مالية خاصة ببعض الأنكحة الفاسدة
أشرنا في المباحث السابقة إلى قواعد عامة وضعها الفقهاء لضبط الأنكحة الفاسدة وبيان آثارها المالية وقسمناها إلى آثار مالية لأنكحة متفق على فسادها وأخرى لأنكحة مختلف في فسادها.
ولما وجدنا بعض الأنكحة تعددت فيها أقوال الفقهاء وتشعبت فيها آراؤهم ولم نتمكن من ضبطها ضمن القواعد العامة فضلنا أن نخصص مبحثا خاصا يضم هذه الأنكحة، نبحث فيها آثارها المالية، وموقف الفقهاء منها، ومنشأ الخلاف حتى نعطي للموضوع ما يستحقه من الدراسة والبحث، وتتضح صورته أكثر أمام القارئ
الكريم.
وسوف نشرع في عرض هذه الأنكحة بداية من المتفق على فساده ثم المختلف
فيه كما يلي:
أولا: الأنكحة المتفق على فسادها:
1 - الجمع بين محرمين:
وتشمل الجمع بين المرأة وأمها والجمع بين الأختين أو من في حكمهما وقد اختلف فقهاء الإباضية والمالكية في حالات ثبوت الصداق والميراث للمرأتين.
* رأي الإباضية
أ- الجمع بين الأم وابنتها:
قسم الإباضية مسألة ثبوت الصداق والميراث وسقوطهما إلى حالتين:
الأولى: الجمع بينهما مع العلم بالتحريم
يرى الإباضية أنه إذا جمع الرجل بين المرأة وابنتها في عقدين مترتبين مع
401 (1/409)
صفحة 410
العلم بالجمع بأن تزوج الأم أولاً، ثم ابنتها ثانيا ولم يدخل بالأولى حتى دخل بالثانية فإن للأخيرة صداقا كاملا، وأما أمها فلها نصف الصداق، ولا صداق لمن
علمت بالجمع وإن مات الزوج فلا إرث لهما مطلقا.
الثانية: الجمع بينهما مع الجهل بالتحريم:
- أما إذا جمع بين المرأة وابنتها بلا علم بالجمع، ولم يدخل بالأولى إلا بعد الدخول بالأخيرة، ولم تعلم الأولى بالأخيرة فلها صداق ونصف، وللأخيرة صداق، وإن دخل بالأخيرة فلها صداق وللأولى النصف، وإن دخل بالأخيرة فلها صداق وللأولى النصف، وإن دخل بالأولى ثم تزوج الأخرى فدخل بها ثم دخل بالأولى فصداقان، وللأخيرة صداق واحد.
- وإن جمع بينهما وجهلت الأولى ودخل بهما جميعا فلهما صداقان وربع، وإن فرض لواحدة فقط صداقها فلهما صداقان وثمن، وإن دخل بواحدة ولم تعلم فلهما صداق وربع فرض لهما أو لواحدة، وإن فرض لواحدة ودخل بواحدة غير معروفة فلها صداق، وثمن، وإن فرض لواحدة أكثر من الأخرى أو يختلف عنه، ودخل بواحدة غير معروفة أعطى لكل واحدة منهما ما فرض لها من الصداق أخذت كل منهما خمسة أثمان ما فرض للأخرى فتقتسمان بينهما نصفين.
-
جمع
- وإن لم يفرض لهما ودخل بهما فصداق المثل لكل واحدة وإن ظهر أنه بين المرأة وابنتها في عقدة واحدة بعد موته فلا ميراث لهما، وكذلك لو ظهر أنه جمع بينهما في عقدين ولم يدخل بهما فلا ميراث لهما؛ وإن دخل بالأولى فلها الصداق المسمى والميراث، وإن دخل بهما جميعا أو بالأخيرة فلا إرث لهما، وللأخيرة صداق كامل بالدخول، وللأولى نصف الصداق لأنه لم يدخل بها.
- وإن تزوج امرأة ثم تزوج أمها ولم يعلم أنها أمها حتى مات فترثه البنت إن كان دخل بها ولها الصداق كاملا، أما الأم فلها المهر إن دخل بها، ولا ميراث لها، لأن عقدها فاسد.
-
وإن كان لم يدخل بالبنت حتى مات ولم يكن يعلم أن الزوجة الأخيرة هي أمها، فقالوا للأولى المهر كامل والميراث، وقال بعضهم لها الميراث ونصف المهر
402 (1/410)
صفحة 411
لعدم الدخول، أما التي دخل بها لها المهر كاملا، ولعل الاختلاف في هذه الحالة يستند إلى القاعدة المعتمدة عند جمهور الإباضية أن الموت كالدخول يوجب الصداق
كاملا. ويرى البعض أن الموت كالطلاق قبل الدخول يوجب نصف الصداق. وإن كان دخل بهما جميعا فللأولى المهر والميراث وللأخيرة المهر كله ولا ميراث، وإن لم يدخل بها فلا مهر لها ولا ميراث كذلك؛ لأنه يفرق بينهما بغير طلاق. وقال بعضهم: إذا دخل بالأخيرة فلها المهر كله ولا ميراث، وإن لم يدخل بها فلا ميراث لها ولا مهر، وإن كان قد دخل بهما جميعا فلهما المهر ولا ميراث لهما جميعا؛ لأنه لو كان حيا يفرق بينه وبينهما).
ب الجمع بين الأختين أو من في حكمهما:
1 - حالة الجمع بينهما بعقد واحد مع العمد:
يرى الإباضية أنه إذا جمع الرجل بين أختين من نسب أو رضاع في عقدة واحدة ووقع الدخول بإحداهما فللمدخول بها صداق إن لم تعلم بالجمع، فإن مات فلا ميراث لهما.
أما إن تزوجهما في عقد واحد ولم يظهر ذلك إلا بعد موته فلكل واحدة منهما صداقها كاملا ولو لم يقع الدخول؛ لأن الموت أتمه ولا ميراث لهما، أما إن كانتا عن علم بالجمع فلا صداق لهما.
2 - حالة الجمع بينهما بعقدين مختلفين:
أما إذا عقد على الأختين في عقدين مختلفين، فللأولى الصداق كاملا إن وجد وترثه إن مات، أما الأخت الأخيرة فلها الصداق كاملا إن دخل عليها، ولا ميراث لها.
وقد وضع القطب قاعدة عامة تضبط جزئيات هذه المسألة:
فقال: «كل من مُست بلا علم فصداق، وكل محرمتين جمع بينهما يجبر على فراق واحدة منهما، أو الأخيرة إن رتب، وقيل: بفراق، واحدة، وإن مات أو واحدة منهما
1 - اطفيش اج 6 / ص 33 - 34. خميس الشقصي: منهج الطالبين، ج 15 / ص 147 - 148.
403 (1/411)
صفحة 412
فالإرث بينهم ولهما صداقهما، وإن أجبر على فراقهما فلهما صداقهما إن مسهما وإلا فنصف، وإن لم يفرض متعهما).
ويلاحظ من عبارة القطب أنه يعتبر الموت كالطلاق، وليس كالدخول خلافا لجمهور الإباضية فيقول: «الصحيح أن الموت بمنزلة الطلاق والقولان في المذهب (3)
* رأي المالكية:
يرى المالكية أنه إذا جمع الرجل بين محرمين كالأم وابنتها أو الأختين ومن في حكمهن، فحكم الصداق والميراث لهن يكون وفق الحالتين التاليتين:
الحالة الأولى: الجمع بينهما بعقد واحد مع العلم:
إذا تزوج الرجل امرأة وابنتها في عقدة واحدة، فإن علم بذلك قبل أن يدخل بواحدة منهما فرق بينه وبينهما بغير طلاق، ولم يكن لواحدة منهما شيء من الصداق، وإن مات الزوج لم يكن لواحدة منهما ميراث.
أما إن علم بالجمع بعد الدخول بهما فيفرق بينهم بغير طلاق، ويجب لكل واحدة منهما ما سمي من الصداق في العقد، وإن مات أيضا لم يكن لواحدة منهما ميراث. أما إن علم بالجمع بعد أن دخل بواحدة منهما، معروفة، فيفرق بينه وبينها ويكون للتي دخل بها صداقها المسمى، وإن مات أيضا لم يكن لواحدة منهما ميراث. أما إن اطلع على الجمع بعد أن دخل بواحدة منهما غير معروفة فادعت كلّ واحدة منهما أنها هي التي دخل بها، فالقول قول الزوج مع يمينه في تعيين التي يقر أنه دخل بها ويغرم صداقها، وإن مات أخذ من ماله الأقل من الصداقين، فكان بين الزوجتين بعد أيمانهما.
وما قيل في الجمع بين الأم وابنتها في عقد واحد يحكم به على الأختين ومن في
حكمهما.
1 - اطفيش: ج 29/ 6 - 33. 2 - اطفيش: ج 6 / ص 34.
404 (1/412)
صفحة 413
الحالة الثانية: الجمع بين محرمين في عقدين مختلفين:
أما إذا تزوج الأم والابنة بترتيب، واحدة بعد واحدة فلا يخلو ذلك من ستة أوجه: الوجه الأول: أن يعلم بذلك قبل أن يدخل بواحدة منهما، فالحكم فيه أن يفرق بينه وبين الثانية، ويكون لكل واحدة منهما نصف صداقها، وقيل: ربع صداقها، أما إن مات الزوج ولم يعلم أيتهما هي الأولى فالميراث بينهما بعد أيمانهما.
وقد بين الصاوي سبب استحقاق المحرمين للصداق والميراث في هذا الوجه فذكر أنه إذا تزوجهما في عقدين مترتبين ولم تعلم السابقة منهما، ومات قبل الدخول بهما، فالإرث بينهما لوجود سببه وجهل، مستحقه ولكل منهما نصف صداقها المسمى لها؛ لأن الموت كمله، فكل تدعيه والوارث يناكرها فيقسم بينهما (1)
والوجه الثاني: هو أن لا يعلم بالجمع حتى يدخل بهما جميعا، فيفرق بينه وبينهما، ويكون لكل واحدة منهما صداقها بالدخول ولا يكون لواحدة منهما ميراث
إن مات.
والوجه الثالث وهو أن لا يعلم بالجمع حتى يدخل بالأولى، فالحكم فيه أن يفرق بينه وبين الثانية ولا تحل له أبدا، ويبقى مع الأولى إن كانت البنت باتفاق، وإن كانت الأم على اختلاف.
أما الوجه الرابع فهو أن لا يعلم بالجمع حتى يدخل بالثانية، والحكم فيه أن يفرق بينه وبينهما جميعا، ويكون للتي دخل بها صداقها، ولا يكون لواحدة منهما ميراث إن مات.
أما الوجه الخامس وهو أن لا يعلم بذلك حتى يدخل بواحدة منهما معروفة، ولم يعلم إن كانت هي الأولى أو الثانية، فالحكم فيه أن يفرق بينه وبينهما، ويكون للتي دخل بها منهما صداقها بالمسيس، وإن مات الزوج فيكون للمدخول بها منهما جميع صداقها.
قال ابن حبيب ونصف الميراث، وقال ابن المواز: لا شيء لها من الميراث، وقال
1 - الصاوي: بلغة السالك، ج 2 / ص 262.
405 (1/413)
صفحة 414
ابن رشد «وهو الصواب، وأما التي لم يدخل بها منهما لا شيء لها من صداق ولا
ميراث».
أما الوجه السادس: وهو أن لا يُعثر على الجمع حتى يدخل بواحدة منهما غير معروفة، فالحكم كذلك أن يفرق بينهما ولا تحل له واحدة منهما أبدا، ويكون القول قوله مع يمينه في التي يقر أنه دخل بها منهما ويعطيها صداقها ولا يكون للأخرى شيء؛ فإن نكل عن اليمين حلفت كل واحدة منهما أنها هي التي دخل بها واستحقت عليه جميع صداقها، وإن حلفت إحداهما ونكلت الأخرى عن اليمين استحقت الحالفة صداقها ولم يكن للناكلة شيء، وإن مات الزوج فقال سحنون: يكون لكل واحدة منهما نصف صداقها».
قال ابن رشد: والقياس أن يكون الأقل من الصداقين بينهما على قدر مهورهما بعد أيمانهما، ويكون نصف الميراث بينهما على مذهب ابن حبيب، وأما على مذهب ابن المواز لا شيء لهما من الميراث، وهو الصحيح؛ لأن المدخول بها إن كانت هي الأخيرة لم يكن لواحدة منهما ميراث ولا يجب ميراث إلا بيقين»).
2 - الجمع بين أكثر من أربع نسوة:
اختلف فقهاء الإباضية والمالكية فيما يثبت من الصداق والميراث لمن تزوج
أكثر من أربع نسوة
أ- رأي الإباضية:
يرى الإباضية أنه لو جمع الرجل في عصمته أكثر من أربع نسوة فيجب عليه فراقهن، فإن دخل بهن جميعا فلهن الصداق إن لم يعلمن بأنهن خمس، وإن علمت بعضهن بالجمع دون بعض ووقع الدخول بهن فلمن لم تعلم صداقها كاملا، دون من علمت منهن.
وإذا علمن جميعا بأنهن خمس فلا صداق لهن ولو جهلن تحريم نكاح الخمس.
1 - ابن رشد: المقدمات على المدونة، ج 5 / ص 249 - 252. ابن عبد البر: الكافي، ص 241. مالك: المدونة، ج 2 / ص 201 - 202. الصاوي:، ج 2 / ص 261 - 262.
406 (1/414)
صفحة 415
أما إذا لم يدخل بهن فلا صداق لهن كله ولا نصفه.
ويلاحظ أن الإباضية يثبتون للمرأة الصداق إذا جهلت الجمع أما إذا علمت به
حرمت منه (1)
ولم يتعرض فقهاء الإباضية إلى بيان حكم الميراث عند الجمع أكثر من أربع نسوة، ولكن بالنظر إلى هذه المسألة والتي قبلها فإنهم يطبقون عليهن أحكام الجمع بين محرمين لأن الكلام عنهن جاء في سياق واحد.
ب رأي المالكية:
قسم المالكية مسألة الجمع بين أكثر من أربع نسوة إلى ثلاث حالات:
الحالة الأولى: العلم بالجمع بينهن في عقد متعددة بعد موته:
إذا تزوج الرجل خمس نسوة في خمس عقدات؛ واحدة بعد واحدة، فمات عنهن ولم تعلم الأخيرة منهن فالميراث بينهن أخماسا، دخل بهن أو لم يدخل، وأما الصداق فإن كان دخل بهن فكل واحدة منهن نصف صداق إن اتفقت الأصدقة، أو نصف صداقها الذي يسمى لها إن اختلفت الأصدقة إلا أن تختلف الأصدقة فيعلم مقاديرها، ولا يعلم ما لكل واحدة منهن منها، فيكون لكل واحدة منهن نصف خمس الجميع.
وعلى مذهب ابن حبيب المالكي:
ووجه قوله: إن كل واحدة منهن على انفرادها لا يدري هي الخامسة، فلا شيء لها، أو غير الخامسة، فلها جميع الصداق، فلما وجب لها جميع في حال، وسقط في حال فأعطيت نصفه.
وذهب بعضهم إلى أنه يكون لكل واحدة منهن أربعة أخماس صداقها الذي سمي لها، أو أربعة أخماس صداقها إن اتفقت الصدقات، أو أربعة أخماس خمس جميعها إن اختلفت ولم يعلم ما لكل واحدة منهن من ذلك، وهذا مذهب سحنون وابن المواز. ووجهه: أنه قد تحققنا أن الواجب على الميت أربع صدقات، فليؤخذ ذلك من
1 - الجناوني: كتاب النكاح، ص 32 - 33. اطفيش: ج 6/ص 39.
407 (1/415)
صفحة 416
تركته وتقسمه الزوجات الخمس بينهن أخماسا، فيجب لكل واحدة منهن أربعة أخماس صداق.
أما إن كان دخل ببعضهن، فلكل واحدة ممن دخل بها منهن جميع صداقها، وفي التي لم يدخل بها منهن ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يكون لكل من لم يدخل بها منهن نصف صداقها وهو قول ابن
والثاني: أنه يكون لكل من لم يدخل بها منهن أربعة أخماس صداقها. والثالث: أنه إن كانت التي لم يدخل بها واحدة فلها نصف صداقها، وإن كانتا اثنتين فلهما صداق ونصف ثلاثة أرباع، صداق، لكل واحدة منهما، وإن كن اللواتي لم يدخل بهن ثلاثا، فلهن صداقان ونصف صداق وخمسة أسداس صداق، لكل واحدة منهن، وإن كُنَّ اللواتي لم يدخل بهن أربعا فلهن ثلاث صدقات ونصف صداق وسبعة أثمان صداق، لكل واحدة منهن، وهو قول سحنون وإليه ذهب ابن لبابة.
ووجهه: أنا لم نعلم إن كانت الخامسة ممن بقي لم يدخل بها، فلا يجب لها شيء أو ممن قد دخل بها فيجب للبواقي صداق، أسقطنا نصف الصداق لثبوته في حال وسقوطه في حال وقسمنا الباقي بينهن على السواء).
الحالة الثانية: العلم بالجمع بينهن في عقد متعددة في حياته:
وأما إن علم بالجمع بين أكثر من أربع نسوة في حياته فيفرق بينه وبينهن، فإن كان قد دخل بهن كان لكل واحدة منهن جميع صداقها، وإن كان لم يدخل بواحدة منهن، فعلى قول ابن حبيب يكون لكل واحدة منهن ربع صداقها، وعلى قول سحنون وابن المواز يكون لكل واحدة منهن خمسا صداقها.
وإن كان قد دخل ببعضهن فقد جرى الاختلاف في ذلك على قياس ما تقدم في الموت؛ لأن حكم نصف الصداق في الطلاق كحكم جميعه في الموت، فيكون التي دخل بها منهن جميع صداقها، وينظر في التي لم يدخل بها منهن؛ فإن كانت واحدة كان
1 - ابن رشد المقدمات ج 5 / ص 252 - 253.
408 (1/416)
صفحة 417
لها ربع
صداقها على قول ابن حبيب وسحنون، وخُمسًا صداقها على قول ابن المواز.
وإن كانت أكثر من واحدة، فعلى قول ابن حبيب يكون لكل واحدة منهن ربع صداقها، وعلى قول سحنون إن كانتا اللتان لم يدخل بهما اثنتين كان لهما ثلاث أرباع صداق بينهما، وإن كن ثلاثا كان لهن صداق وربع صداق بينهما وإن كن أربعا كان لهن صداق وثلاثة أرباع صداق بينهن سواء).
الحالة الثالثة: الجمع بينهن في عقدة واحدة
أما إن كان تزوجهن في عقد واحد، فيفرق بينه وبينهن فإن لم يدخل بهن، فلا
يكون لواحدة منهن ميراث ولا صداق.
أما إن دخل بواحدة منهن فيكون لمن دخل بها منهن صداقها (2).
حكم من أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة:
يرى جمهور الفقهاء أنه إذا أسلم الكافر وفي عصمته أكثر من أربع نسوة كخمس أو ست فأكثر، فله أن يختار منهن أربعا ويفارق سائرهن، فإن كان قد دخل بهن كان لكل واحدة منهن صداقها، وأما إن لم يدخل بواحدة منهن، فعلى القول بأنه يفارق سائر الأربع بغير طلاق لا يكون لمن فارق منهن صداق وهو معنى ما في مدونة
مالك.
وعلى القول بأنه يفارقهن بطلاق يكون لكل واحدة منهن نصف صداقها؛ لأنه
كان مخيرا فيها بين أن يمسكها أو يفارقها وهو اختيار ابن حبيب المالكي. وقال البعض: إن لكل واحدة منهن خمس صداقها، وكانت مفارقته إياهن بالطلاق، قولا واحدا، وكذلك إن دخل ببعضهن فلا صداق لمن فارق ممن لم يدخل بها كما جاء في المدونة، إذا حبس أربعا، ولها نصف صداقها على ما ذهب إليه ابن حبيب وخمس صداقها على ما ذهب إليه ابن المواز (3).
1 - ابن رشد المرجع نفسه، ج 5/ ص 253.
2 - ابن رشد: المرجع نفسه، ج 5 / ص 253. الصاوي: ا ج 2 ص 262. ابن رشد: المقدمات، ج 5 / ص 253. الجعلي: ج 2 / ص 54 - 55
409 (1/417)
صفحة 418
3 نكاح المعتدة وزوجة الغير
أ- نكاح المعتدة: أجمع جمهور فقهاء الإباضية والمالكية وآخرون على تحريم نكاح معتدة الغير حتى تنقضي عدتها، ولكن لو تعمد الرجل فعقد عليها في عدتها من غيره فهل يثبت لها الصداق والنفقة؟ وإذا لم يعلم أنها في العدة فسألها فقالت قد خرجت من العدة فتزوجها ثم ظهر أنها ما زالت في العدة فتعمدت الزواج أو أخطأت في تقدير العدة فهل تأخذ منه صداقها؟ وإذا مات أحدهما فهل يثبت له الميراث؟. اختلف الفقهاء في هذه المسألة وتعددت أقوالهم:
1 - رأي الإباضية
يرى جمهور فقهاء الإباضية أن من تعمد النكاح في العدة حرمت عليه المعتدة ووجب عليه الصداق إن لم تعلم تحريم ذلك، وإن كان لا يعلم أنها في العدة وتزوجها في عدتها وقد علمت ذلك دونه ودخل بها وسألها فقالت: قد انقضت عدتي، ثم كذبته بعد ذلك فلا صداق لها وقد حرمت عليه أبدا.
وقيل لها الصداق إن جهلت حرمة النكاح في العدة.
وقد رجح القطب القول الأول وهو سقوط الصداق.
أما إذا تزوجت بعد أن صرحت بانقضاء عدتها ثم زعمت أنها لم تنقض بعد، قُبِلَ منها قولها إن عرفت توبتها وصدقها وتُصَدِّقُ، ولكن لا يفرق بينهما في الحكم بعد إقرارها بانتهاء عدتها في أول مرة ولو لم يدخل عليها لصحة العقد فلا ينحل إلا
بيقين.
وقال بعضهم: كلّ ما لزمك فيما بينك وبين الله يحكم به عليك، وعليه فإنهما يفترقان، وحرم على الزوج فيما بينه وبين الله إن صدقها أن يقيم معها أو تقيم معه، وإن لم تتعمد ما فعلت.
وقيل: إن لم تتعمد وصدقها حلت له من جديد بعد العدة وفي كل الحالات يسقط صداقها فيما بينه وبين الله ولو لم تتعمد؛ لأن خطأها ألزمها ضمان صداقها فلا حق لها فيه، وكذا نفقتها وكسوتها وسكناها لا يحل له ذلك إلا في حال اعترافها
410 (1/418)
صفحة 419
بخطئها، فمنعها الزوج ولم يخل سبيها ولم تجد وسيلة للخروج من عصمته فيحل لها
النفقة والسكنى وترد له ما سبق هذا الاعتراف).
ب نكاح زوجة الغير
لا يجوز للرجل أن يتزوج زوجة غيره إذا كانت في عصمته حتى تخرج عنه بطلاق أو فسخ، وتعتد ولكن لو تقدم رجل إلى زواج امرأة ولم يعلم لها زوجا من قبل فتزوج بها، ثم قالت له كان لي زوج قبلك فطلقني أو فاداني أو ظاهر مني فخرجتُ منه أو حَرُمَتْ عليه، أو مات عني، فيري الإباضية أنه يلزمه عزلها حتى يظهر صدقها أو كذبها في هذه الدعوى.
فإن تبين أن لها زوجا وكان مفقودا أو غائبا، فلا صداق لها على أحدهما.
وإن علم الزوج الثاني بذلك وتعمد نكاحها وجب عليهما الحد، فإن دخل عليها وجاءت بولد فهو للزوج الأول مطلقا، وقيل: إن أتت به لأقل من ستة أشهر فهو للأول. وإن غصبها لم يثبت له الولد ويحد ويجب عليه الصداق لمس واحد، وقيل: لكل
وقيل: إن طلقها الأول ثلاثا ولم تعلم بذلك أو جحدته أو أجبرها الثاني على الدخول، فلكل مس، صداق، ويجبر على فراقها.
أما إن مات أحدهم ففي الموارثة قولان منهم من يقول بثبوت الميراث، ومنهم
من يقول بسقوطه (3).
2 - رأي المالكية:
ويرى جمهور المالكية أن من نكح امرأة في عدتها من غيره وكان عالما بالتحريم ودخل بها في العدة يفرق بينهما ويسقط عنه الحد في قول، والمهر لها لازم ويلحق به الولد.
أما إن جاءت المتزوجة في عدتها بولد لأقل من ستة أشهر من يوم أن عقد عليها
62 - اطفيش ج 6 / ص 75 - 76 63 - اطفيش: ج 6 / ص 76 - 77.
411 (1/419)
صفحة 420
الثاني فرق بينه وبينها ولم تحل له أبدا، وأخذ منها صداقها، وأبقى لها ربع دينار إن كان لم يعلم أنها كانت في العدة؛ لأنها علمت بذلك وغرته.
وإن علم أنها في العدة وجهل بالتحريم كان لها صداق كامل بما استحل منها). واتفق جمهور المالكية على أن من تزوج زوجة غيره متعمدا حد ويجب عليه
الصداق المسمى إن وجد وإلا فصداق المثل.
ثانيا: الأنكحة المختلف في فسادها:
1 - النكاح بدون ولي أو شهود:
اختلف فقهاء الإباضية والمالكية في حكم الصداق والميراث إذا وقع العقد بدون ولي أو شهود وتواطاً على ذلك ووقع الدخول بعده.
أ- رأي الإباضية:
يرى جمهور الإباضية أن الولي والشاهدين من أركان عقد النكاح فإذا تم العقد بدون حضورهم بطل العقد ووجب فسخه، ولا صداق للمرأة إن علمت ذلك، وإن لم تعلم فلها صداق المثل: وقيل: الصداق المسمى.
وقد علل القطب سبب سقوط الميراث والصداق إن كانت تعلم بذلك فقال: «ولا توارث بين متناكحين بلا شهود أو بلا ولي إن مات أحدهما؛ لأن الإرث هنا بالنكاح والنكاح غير منعقد؛ لأنه لم يشمل على مشهود جائزة وإذا لم يشتمل عليها فليس بنكاح شرعي لحديث لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» (3)، ولا صداق لها إن علمت بذلك أنه تزوجها بلا شهود أو بلا ولي ولو أخطأت؛ لأن الخطأ لا يزيل الضمان سواء علمت بتحريم ذلك أو جهلته أو اعتقدت حرمته؛ لأن الصداق بالعقد الصحيح، ولا عقد صحيح فلم يلزم بعقدهما النصف لعدم صحته، ولم يلزم النصف الآخر، أو الكل بالمس؛ لأنه من زنا لم يقهرها عليه، وتحرم ولو لم يعلم إن وطئت على ذلك، وإن لم تعلم فلها صداق مثلها في نسبها وهو مختار أبي زكرياء الجناوني».
1 - ابن عبد البر: الكافي، ص 237 - 238.
2 - أخرجه البيهقي في السنن الكبرى عن الحسن بن أبي الحسن كتاب النكاح، ج 7/ ص 125.
412 (1/420)
صفحة 421
وقيل: «لها ما أصدقها حين لم تعلم وهو مختار «الديوان» وإذا كان باطلا فكل ما أعطاها فكمن أعطى في الزنى ترده إليه ويتصدق به على الفقراء إذا أعطاها على أن يجامعها، أو على أنها زوجته). وقد أشار ابن خلفون إلى اختلاف الإباضية في حكم الميراث إذا كان العقد بغير الولي لما سئل عن ذلك فأجاب: «أن في ذلك اختلاف بين الفقهاء فإن ابن عبد العزيز قال يتوارثان ما لم يفسخ الولي أو السلطان نكاحهما وهو مذهب الكوفيين (الحنفية) وقال آخرون: كل نكاح يصير أمره إلى الفسخ وليس فيه ميراث وهو مذهب أكثر أهل المدينة (المالكية).
ولعل هذا أن يكون مذهب أبي عبيدة (مسلم التميمي) في المطلقة ثلاثا لا يحلها للأول نكاح بغير ولي وذلك أصح القولين، لأن الإرث لا يثبت إلا بثبوت العقد والعقد بغير ولي دل الكتاب والسنة على إبطاله (2)
ويستنتج من عبارته أنه يرجح رأي جمهور الإباضية وهو سقوط الميراث، وهذا
ما ذهب إليه القطب أيضا (3).
رأي المالكية
ويرى المالكية أنه لا يجوز النكاح بدون ولي، فإذا تم العقد بدونه كان باطلا ووجب فسخه قبل الدخول وبعده، وللمرأة الصداق المسمى، وإذا مات أحد الزوجين فلا توارث بينهما لأنه نكاح فاسد لا يقر عليه صاحبه على حال.
نقل سحنون في المدونة أن ما عقدته المرأة على نفسها أو على غيرها وما عقد العبد على غيره فإن هذا يفسخ دخل أو لم يدخل بغير طلاق ولا ميراث، وإن دخل بها يكون لها المسمى وهو قول مالك (4).
ويرى المالكية وجوب الإشهاد في النكاح قبل الدخول لأنه شرط صحة وإذا تم
1 - اطفيش: ج 6 / ص 94 - 95 ابن خلفون: الأجوبة، ص 72 - 73.
اطفيش: ج 6/ ص 94.
4 - مالك: ج 2 ص 119 - 120.
413 (1/421)
صفحة 422
الدخول بدون الشهود يفسخ بطلقة بائنة، ويجب فيه الصداق المسمى وإلا فصداق المثل (1)
وإذا مات أحد الزوجين بعد فسخ العقد أو بعد الدخول بدون الشهود فلا ميراث
لأن النكاح فاسد.
في
سواء
2 - نكاح الشغار:
اختلف الإباضية والمالكية في تحديد مدلول الشغار ونتيجة ذلك ظهر اختلافهم الآثار المالية المترتبة عن نكاح الشغار.
أ- رأي الإباضية:
يرى جمهور الإباضية أن الشغار هو أن يزوج الرجل وليته لرجل ويزوجه الآخر ابنته ويجعلان صداق هذه بصداق هذه، فلا يجوز لذلك؛ لأنه من أعمال الجاهلية أعلنا صداقيهما أم لا، ولا يعطي أحدهما للآخر شيئا ولو عيناه. وذكر الجناوني أنه إن فعلا ذلك كان النكاح لازما ولكل واحدة منهما صداق أنسابها إذا مسها (2).
وذهب جمهورهم إلى القول بأنه إن وقع ذلك فسخ العقد قبل الدخول وبعده، وحرمت المرأتين عليهما إن وقع الدخول، ووجب لكل منهما صداق مثلهما، وإن لم يدخلا بهما فلا شيء لهما من صداق أو متعة.
وإذا مات أحدهما قبل الفسخ فلا توارث بينهما باتفاق المذهب؛ لأنه لا يجوز البقاء عليه، إذ لا قائل بجواز البقاء عليه، ويثبت فيه النسب (3
ب رأي المالكية:
(r)
أما حكم الشغار الصريح البطلان فيفسخ العقد قبل الدخول وبعده، فإن فسخ قبل
1 - الصاوي: ج 2 ص 214 - 216.
الجناوني: ص 148 - 149. اطفيش ج 6 / ص 322 - 323.
414 (1/422)
صفحة 423
الدخول فلا شيء لهما وإن فسخ بعده كان لهما مهر المثل ويفرق بينهما). وحكم وجه الشغار البطلان، ولكن يفسخ قبل الدخول استحسانا بطلاق، أما بعده؛ فإن العقد فيه يثبت بمهر المثل لكل واحدة منهما، وقيل: يثبت بالأكثر من المسمى وصداق المثل، بمعنى أنها تأخذ الأكثر، فإذا كان قد خمسين وكان سمي الصداق مائة، كان لها الحق في المائة وبالعكس.
ولو وقع وجه الشغار لا على سبيل الشرط فإنه يصح، فلو زوجه أخته بالمائة فكافأه الآخر على ذلك وأعطاه أخته بمائة فإنه يصح.
- أما حكم المركب منهما؛ فإن المسمى لها يفسخ عقدها قبل الدخول استحبابا، ويثبت بعده، وكان لها صداق المثل، وقيل: الأكثر من المسمى ومهر المثل، وأما غير المسمى لها، فإن عقدها يفسخ قبل الدخول وبعده، ولها في حال الفسخ بعد الدخول صداق المثل (2).
- أما إذا مات أحد الزوجين قبل فسخ العقد فهل يصح بينهما توارث؟.
اختلف المالكية في حكم الميراث في نكاح الشغار بصوره المختلفة: 1 - فذهب جمهورهم إلى سقوط الميراث فيه؛ لأنه نكاح يفسخ بغير طلاق، وأصحابه مغلوبين على فسخه ليس لأحد إجازته (3).
2 - وذهب ابن القاسم إلى ثبوت الميراث في نكاح الشغار، وقد سئل عن ذلك فقال: «إن أحب ما فيه إلي أن يلحق فيه الطلاق ويكون فيه الميراث» (4).
نكاح الزاني والزانية:
إذا زنى رجل بامرأة أو مسها بالحرام ثم عقد عليها فهل يصح عقده؟ وإذا بطل العقد فهل يثبت للمرأة صداق أم لا؟ وإذا كان العقد صحيحا ثم زنت المرأة بعده فهل
1 - ابن عبد البر: ص 137 - 138. مالك: المدونة، ج 2 / ص 100.
2 - ابن عبد البر: ص 237 - 238. عبد الرحمن الجزيري: الفقه على المذاهب، ج 4/ص 114 - 115.
-
مالك: ج 2 ص 98 - 99
- مالك: ج 2 ص 99.
415 (1/423)
صفحة 424
تستحق الصداق أم يسقط بالزنى؟ وفي جميع الحالات لو مات أحد الزوجين قبل الفسخ أو بعده فهل يثبت بينهما الميراث؟
اختلف الفقهاء في هذه المسائل وتعددت أقوالهم ولكل مذهب أدلته
نستعرضها في الآتي:
أ- مذهب الإباضية:
وحججه
ذهب جمهور فقهاء الإباضية قديما وحديثا إلى بطلان نكاح الرجل بمزنيته سواء وقع الزنى بها عن رضى أو إكراه ولو كان العقد بعد التوبة والصلاح؛ لأن الحرام يحرم الحلال، ويفسخ هذا العقد قبل الدخول وبعده ويجب عليهما أن يفترقا ويحرم عليه حرمة مؤبدة، ولكن هل يثبت للمرأة صداق أو ميراث أم لا؟
1 - يرى بعض الإباضية أنه يثبت للمرأة الزانية بعد النكاح صداق دون الميراث لقوله تعالى: فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن (1).
(1)
وروى سعيد بن المسيب عن رجل من الأنصار قال تزوجت امرأة بكرا في سترها فدخلت عليها فإذا هي حبلى فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لها الصداق بما استحل من فرجها، والولد عبد لك، فإذا ولدت فاجلدوها» (3).
وقد سئل أبو الحواري (أحد فقهاء (الإباضية عمن زنى بامرأة ثم تزوجها بصداقها أو أقل منه، ثم فارقها، أو مات عنها، فقال: «لها حقها الذي تزوجها عليه؛ لأن الناس قد اختلفوا في ذلك، إلا أنه إن مات عنها فلها صداقها ولا ميراث لها منه، وهذا إذا كان قد جاز قبل التزوج بها أي دخل بها وإن كان مس فرجها أو نظره ولم يجز بها ثم تزوجها، فلها صداقها منه إن مات عنها؛ لأن المس والنظر مختلف فيه أيضا، وليس هو مثل الجواز الوطء والاختلاف في المس والنظر بين أصحابنا (الإباضية) وقومنا بقية المذاهب غير الإباضية فأوجبنا لها صداقها لما استحل
1 - النساء: 24.
-2 - أخرجه الدار قطني في كتاب النكاح باب المهر، حديث رقم 26، وفي رواية أخرى صرح ابن المسيب باسم الأنصاري وهو نضرة بن أبي نضرة العقاري، حديث رقم 27؛ ج 3 ص 250 - 251، راجع علي بن عمر الدار قطني: سنن الدار قطني وبذيله تعليق المغني على الدار قطني لأبي الطيب محمد آبادي، (ب، ت) مطبعة عالم الكتب بيروت.
416 (1/424)
صفحة 425
من فرجها بالوطء وحرمناها الميراث، وأوجبنا لها الصداق بالمس والنظر، والفراق بينهما في جميع ذلك، ولا يقيم معها كان وطئ أو مس أو نظر قبل التزويج). 2 - ويرى جمهور فقهاء الإباضية عدم ثبوت الصداق للمرأة الزانية بسبب الزني، فلو زنى رجل بامرأة ثم تزوجها بعد ذلك فلا حق لها في المهر ولا يجوز لها المطالبة به (2) وقد استدلوا بحديث عن أبي مسعود الأنصاري-رضي الله عنه- قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب وحلوان الكاهن ومهر البغي (3).
وذكر أبو الحسن البسيوي أن من زنى بامرأة ثم تزوجها فهي حرام عليه ولا صداق لها عليه ولا كرامة لفسقها (4).
وقد حكى العوتبي إجماع المسلمين على بطلان صداق الزانية وأوجبوا عليها رد ما أخذت إذا اشترطت ذلك (ه). ولعله يريد إجماع فقهاء الإباضية، ولكن ظهر لنا أن المسألة خلافية بين
الإباضية وغيرهم. وقالوا أيضا إذا مات أحد الزوجين قبل فسخ العقد أو بعده فلا يرث الآخر لأن العقد فاسد فهو كالمعدوم.
حكم الصداق والميراث إذا زنى أحد الزوجين أثناء قيام الزوجية ويري جمهور فقهاء الإباضية أنه لو زنت المرأة وهي في عصمة زوجها، فإن ذلك يبطل صداقها، ولا يجوز لها المطالبة به، ويجب عليها رد ما أخذت مقابل خيانة فراش زوجها قياسا بالمرتدة.
1 - العوتبي: الضياء، ج 8 / ص 418 - 419. 2 - اطفيش: ج 6/ص 47 - 49.
أخرجه الترمذي في سننه وقال حديث حسن صحيح، كتاب النكاح، باب كراهية مهر البغي، حديث رقم (1133 - 1276)، 575,439/ 3. وأخرجه ابن حجر في الفتح كتاب الطلاق، باب مهر البغي والنكاح الفاسد حديث رقم 5346، 494/ 9، وحديث رقم 5761، كتاب الطب، ج 216/ 10. وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب المساقاة حديث رقم (1567 - 1568)، 1198/ 3 - 1199. 4 - 5 - العوتبي: ج 8/ص 419.
417 (1/425)
صفحة 426
وفي هذا المعنى يقول الجناوني: «وإذا زنت فقد بطل صداقها)، وقد عدد القطب بعض مبطلات الصداق فذكر منها الزنى فقال: إذا ارتدت زوجة أو زنت برضى ولو بطفل أو بهيمة أو لم يتم الفعل أو فيما دون الفرج أو دبر، أو سحرت أو قتلت نفسها أو زوجها أو غيره إن قتلت به أبطلت صداقها» (2).
ويرى الإباضية أنه لو زنى أحد الزوجين واعترف بجريمته وطبق عليه حد الزني، فإن الآخر يرثه ما دام لم يتهمه بالزنى، ولم يشهد عليه، أما إذا اتهمه بالزني وأقيم عليه الحد بسببه سقط حقه في الميراث، ولا يجوز له المطالبة بنصيبه من التركة ما دام قد تسبب في قتله وإعدامه؛ لأن الثابت شرعا أنه لا يرث القاتل المقتول عمدا أو خطأ، فقد روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا
يرث القاتل شيئا (3) وعن عمر قال: سمعت النبيصلى الله عليه وسلم يقول: «ليس لقاتل ميراث)). يقول الجناوني في هذا الصدد: إذا اعترف الرجل بالزنى فرجم فمات ورثته امرأته، فإن أوقفت عليه البينة فلا ترثه، وكذلك المرأة إذا اعترفت على نفسها بالزني فرجمت فماتت ورثها زوجها، فإن أوقف عليها البينة فلا يرثها).
ب مذهب المالكية والجمهور
وذهب جمهور الفقهاء من المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة وآخرون إلى جواز نكاح الرجل مزنيته أو مزنية غيره، وبناء عليه فلو زنى رجل بامرأة أو مسها بالحرام وأراد زواجها حل له ذلك، وقال بعض المالكية يكره على الرجل نكاح الزانية المشهورة بالزنى ولو بقرائن الأحوال وإن لم يثبت عليها بالوجه الشرعي إذا لم تحد، أما إذا حدت فلا كراهة في زواجها بناء على أن الحدود جوابر (1).
1 - الجناوني: ص 187 2 - اطفيش ج 6 / ص 444 - 445.
-0
- أخرجه الشوكاني: نيل الأوطار، كتاب النكاح ج 6 / ص 84.
- أخرجه مالك في الموطأ كتاب الفرائض، ص 412. وابن ماجة كتاب النكاح حديث رقم (2735) عن أبي هريرة: باب ميراث القاتل، ج 2 / ص 485.
الجناوني: ص 135.
6 - الصاوي: اج 2 / ص 223. المرغياني: الهداية، ج 1 ص 187. الشيرازي: المهذب، ج 2 / ص 440.
418 (1/426)
صفحة 427
وقالوا إذا وقع العقد على الزانية بعد استبرائها صح ووجب لها المهر المسمى بالدخول وبصفة العقد.
أما إذا زنت المرأة وهي متزوجة وفارقها زوجها لأنها أباحت فرجها للغير، فالجمهور لم يصرحوا ببطلان صداقها ووجوب رده، إلا أن الصاوي - فقيه المالكية - صرح بذلك فقال: «لا صداق لها حيث تزوج بها غير عالم بذلك.
ولا ندري هل هذا رأي جمهور المالكية أم رأيه قد تفرد به؟.
وإذا مات أحد الزوجين أثناء قيام العلاقة الزوجية قبل الفرقة ورث الآخر باتفاق الجمهور.
منشأ الخلاف مع مناقشة الآراء:
بعد عرض آراء الفقهاء في مسألة حكم الصداق والميراث من نكاح الزاني والزانية وبيان أدلتهم ظهر لنا أن سبب الخلاف هو استناد كل مذهب إلى أدلة ثابتة من القرآن
والسنة.
1 - فالذين أثبتوا للمرأة الزانية الصداق فقد استندوا إلى أن الموجب للصداق عند الفقهاء هو الدخول وليس العقد سواء كان دخولا حلالا أو حراما، وفي ذلك مراعاة لشعور المرأة وكرامتها خاصة إذا كانت مغتصبة وليست مشهورة بالزني، حيث هتك سترها، وفقدت بكارتها وعفتها، فأصبحت ثيبا بعد أن كانت بكرا عذراء، ولا شيء يعوض ذلك ولو كان مهرا.
وأما الآية التي استدلوا بها فقالوا إنها عامة لم تحدد نوع الاستمتاع، ولكن بالرجوع إلى سياق الآية نجدها تتحدث عن الاستمتاع الحلال وليس الحرام قال تعالى: والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن
(2)
1 - الصاوي: البلغة، ج 2/ ص 223.
2 - النساء: 24.
419 (1/427)
صفحة 428
والإحصان يكون بالنكاح، والاستمتاع الحلال وليس بالسفاح الحرام.
2 - أما الذين أبطلوا الصداق ومنعوه على المرأة بسبب الزنى سواء كان الزنى مع الذي تزوجها أو مع غيره فذلك عقوبة لها جزاء ما ارتكبته من زنى أو خيانة لشرف زوجها، وزجرا لغيرها حتى يحافظن النساء على فراش الزوجية ويعفن عن الحرام. وقد قاس أصحاب هذا الرأي حرمان المرأة الزانية من الصداق بالمرتدة، فكما أن هذه الأخيرة أدخلت الحرمة على زوجها بردتها عن الإسلام، كذلك الزانية أدخلت الحرمة على زوجها بالزني.
يقول ابن بركة في هذا المعنى موضحا سبب اختلاف الفقهاء في هذه المسألة: «اختلف أصحابنا (الإباضية في المرأة تزني ولها زوج وتكتم عنه زناها؛ فقال بعضهم: لا تستحق على زوجها صداقا إذا أوطت فراشه وخانته في فرجها، وقال بعضهم: لا يبطل صداقها عنه إذا استتر عنه زناها، واتفقوا على إبطال صداق المرتدة عن الإسلام وهو اتفاق الأمة، ومن أبطل صداقها ردَّ حكمها إلى المرتدة قياسا، فقال: لما كانت المرتدة أدخلت الحرمة على زوجها ومنعته من نفسها، وكانت الزانية مدخلة على زوجها الحرمة بزناها الذي هو فعلها كانت مساوية للمرتدة في حكمها في بطلان الصداق، واحتج من أوجب الصداق للزانية بقول النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا عن زوجته يا رسول الله ومالي وما سقته إليها من الصداق فقال: «إن كنت صدقت فبما أصبت منها وإن كنت كذبت كنت من ذلك أبعده» (1).
وقالوا ليس سبيلها سبيل الردة وكل قد تعلق بأصل يسوغ له الاحتجاج به (2). - هذا وقد بين القطب علة إبطال الصداق بالزنى وما ترتب عليه من أحكام مما يعضد أصحاب هذا الرأي فذكر أن العمدة في إبطال الصداق هو تفويت نفسها؛ فإن الصداق إنما هو ليتمتع بها، فإذا فعلت ذلك، فهي كأجير أخذ الأجرة ومنع العمل، فأما الزني، فإذا زنت وعلم، أو أقرت وصدقها أو زنت بأبيه أو ابنه ولم يعلم فإنها تحرم، فإذا لم يعلم بزناها بأبيه أو ابنه، فقد زنت وأكلت صداقا حراما، وكل ما ينفق
1 - سبق تخريجه في مبحث اللعان. 2 - ابن بركة: كتاب الجامع، ج 2 ص 149.
420 (1/428)
صفحة 429
عليها حرام، وإن زنت بغيرها ولم يعلم فقد أبطلت صداقها، وأما إباحة المكث معه
فترخيص لها من العلماء، وقيل بتحريمها ولو لم يعلم.
وأيضا قد هتكت حرمته وأباحتها وفعلت فعلا يبطل الصداق في الجملة وما منع من إبطاله إلا عدم علمه، وأيضا زناها مثبت للرجم في ذمتها فما منع من إنفاذه إلا عدم الإمام () أو عدم الشهادة، فهي في مجزرة الموت لا يملك زوجها منعها من الرجم (1).
ورغم قوة حجة وتعليل أصحاب هذا الرأي إلا أنه اعترض عليهم علي يحي معمر ولم يسلم برأيهم بل ناقشهم وقدم لهم تعليلات أخرى تعطي للمرأة الحق في الصداق ولو كانت زانية، فذكر أن بطلان الصداق بسبب فوات المرأة على الرجل بعد الزواج والدخول بها، وإن قرره الفقهاء إلا أنه يحتاج إلى التأمل وإعادة النظر؛ لأن الصداق حق للمرأة تكتسب نصفه بمجرد العقد وتكتسبه كله بالدخول، بل إن المرأة تستحق العقر أو صداق المثل ولو بزواج منفسخ أو بأي مس لم تكن فيه مريدة للزنى، أو مطاوعة عليه كالاغتصاب، ولو وقع المس مرة واحدة، والشارع قد أعطاها صداقها كاملا في النكاح الفاسد بما أصاب منها، وبمجرد الدخول يصبح كامل الصداق ملكا للمرأة يجوز لها التصرف فيه عدا المؤجل - طبعا - كما تتصرف في بقية أملاكها، وليس مشروطا في الصداق أن يبقى وديعة مضمونة تحته مدى الحياة ليستمتع بها ولا تفوت عليه أبدا.
وقد بين أن فواتها عليه بسبب عمل من أعمالها كفواته عليها بسبب عمل من أعماله يلقى كل واحد منهما جزاءه بحسب أحكام الشريعة من أدب أو نكال أو تعزير أو حد، وليس من حقه أن يطالبها برد الصداق، كما ليس من حقها أن تطالبه برد ما أخذ من شبابها وجمالها والفقهاء عادة يقدرون الصداق للبكارة، فكيف ترد له الصداق كاملا وقد أزال بكارتها إن تزوجت بكرا، قد يستساغ أن يطالبها برد الصداق إن فعلت ما فعلت بنية تفويت نفسها عليه إذا ثبت عليها ذلك بالأدلة الثابتة، أما غير ذلك فيبدو أنه يحتاج إلى مزيد من التأمل (3).
x يقصد به حاكم المسلمين الذي يملك سلطة تطبيق الحدود الشرعية.
1 - اطفيش ج 6 / ص 445 - 446.
- علي يحي معمر: تعليقات على كتاب النكاح للجناوني، ص 187.
421 (1/429)
صفحة 430
ثم خلص في النهاية إلى القول بأنه رغم ما قدمه من تعليلات وجيهة إلا أنه يقر
بأنه لا حظ للنظر مع وجود الأثر.
الترجيح بين الآراء:
ولم يرجح معمر بين الرأيين ولكن بالنظر إلى أدلة كل فريق ترجح الرأي القائل بثبوت الصداق للمرأة مطلقا لأنه من حقوقها الثابتة بالعقد والدخول، سواء كان العقد صحيحا أو فاسدا إلا أنه يثبت بالدخول عند فساد العقد، وإذا فعلت المرأة ما يبطل صداقها كالزنى بغيره وهي في عصمة زوجها ففي هذه الحالة يثبت لها الصداق بالدخول وتعاقب على الزنى إن ثبت ذلك بالإقرار أو الشهود، أما الميراث فلا يثبت لأحد الزوجين بموت الآخر عند الإباضية باتفاق، لفساد العقد ويثبت عند
المالكية والجمهور لصحة العقد.
4 - نكاح التحليل:
إذا تزوج الرجل امرأة مطلقة ثلاثا بنية تحليلها لمطلقها فإن عقده باطل عند الإباضية والمالكية ويلزم عليه صداقها بالدخول.
وقد اختلف الفقهاء فيما يجب لها من الصداق
أ- فذهب الإباضية: إلى أنه يثبت لها صداق المثل لأنه نكاح فاسد يفسخ قبل الدخول وبعده، ولو فرض لها في العقد صداقا مسمى، أما إن لم يقع الدخول فلا شيء لها من الصداق أو المتعة فإن رجعت إلى الزوج الأول المطلق ودخل بها وجب عليه الصداق كذلك (1)
ب ويرى المالكية: أنه إن وقع الدخول في نكاح التحليل يفسخ أبدا ويجب فيه الصداق المسمى على الأصح.
وقيل يلزم بالدخول مهر المثل نظرا إلى أن العقد على وجه التحليل أحدث خللا
في الصداق.
1 - الجناوني: ص 297 اطفيش: ج 7 / ص 375 - 376.
422 (1/430)
صفحة 431
قال الصاوي: وهذا القول الثاني ضعيف وإن كان موافقا للقواعد كما قال العدوي، أما إن لم يدخل بها المحلل فلا شيء لها).
ج وذهب أبو حنيفة والشافعي: إلى صحة عقد التحليل فلو عقد الزوج الثاني على المطلقة ثلاثا بقصد التحليل أو على شرط التحليل بطل الشرط وصح العقد، فإن
وقع الدخول بالمرأة وجب لها المهر المسمى، وإن لم يدخل بها فلها نصف المهر
5 - نكاح المريض:
(T)
اختلف الفقهاء في حكم نكاح المريض مرض الموت، فذهب الإباضية وغيرهم إلى صحته وذهب المالكية إلى فساده، فلو وقع هذا العقد فما حكم الصداق والميراث والنفقة؟
أ رأي الإباضية:
يرى جمهور فقهاء الإباضية وآخرون أنه يثبت للمرأة الصداق المسمى بالدخول، فإن زادها الزوج المريض في صداقها شيئا فليس لها إلا كأوسط صدقات نسائها أي صداق المثل، وإن طلقها قبل الدخول فلها نصف الصداق.
وإن مات عنها كان لها الميراث، وإن تزوج الرجل امرأة مريضة وماتت ورثها
وإن مات هو ورثته.
درهم ومهر مثلها مائة
- ومن تزوج امرأة مريضة فأعطاها مهرا قدره ألف درهم فقيل: إن تبين أن ذلك ضرار، فليس لها إلا مهر مثلها، وإن لم يعلم أنه ضرار
جاز لها ما فرض لها ولها الميراث.
وقالوا: لو تزوج المريض فإن له الحق في الدخول، فإن لم يقدر عليه فلا يمنع النفقة والكسوة على زوجته بل تجب عليه، لأن المرأة سلمت له نفسها، ولكنه عجز عن ذلك فهي محبوسة لأجله، ونظير ذلك الحبس إذا أنفق على زوجته، لا يطالبه الحاكم
1 - الصاوي: ج 2 / ص 266. عبد الرحمن الجزيري: ج 4 / ص 78. 2 - المرغيناني: ج 2 / ص 258. الشيرازي: ج 2 / ص 447.
"
423 (1/431)
صفحة 432
بالطلاق، فإن امتنع عن النفقة أمره الحاكم أن يطلق).
ب رأي المالكية:
إذا تزوج المريض في مرضه يفسخ نكاحه قبل الدخول وبعده ولا يرث الصحيح منهما المريض إن مات من مرضه ذلك، دخلا أو لم يدخلا.
فإن فسخ نكاحهما قبل الدخول فلا صداق للمرأة، وإن دخل بها وهي مريضة ثم
ماتت فلها الصداق المسمى عند مالك ومهر المثل عند ابن القاسم ولا يرثها. وإن دخل المريض عليها فمات فلها الصداق في ثلث ماله بناء على أن له الحق في ثلث ماله يوصي به لمن يشاء من غير الورثة، فإن سمى لها أكثر من صداق مثلها سقط ما زاد على صداق المثل.
وإن صحا قبل الفسخ ثبت النكاح دخلا أو لم يدخلا، ولها الصداق المسمى وهو المشهور في المذهب.
-
- وإذا تزوج المريض صحيحة فصح المريض، وماتت الزوجة كان له الميراث من مالها، وكذلك إذا تزوجت المريضة صحيحا فلم يفسخ نكاحهما حتى صحت المريضة ومرض الزوج ومات كان لها صداقها وميراثها من ماله.
- وذكر الدردير في شرحه أنه يجب للمريضة المتزوجة في مرضها الصداق المسمى بالدخول إذا فسخ بعده، لأنه من المختلف فيه، وفسخ العقده ولم يؤثر خللا في الصداق، ومثل فسخه بعد البناء موته أو موتها قبله فلها المسمى ولا إرث بينهما وإن كان من المختلف فيه؛ لأن علة فساده إدخال الوارث
ويجب على المريض المتزوج في مرضه المخوف إن مات من مرضه قبل فسخ العقد الأقل من ثلث ماله، ومن المسمى ومن صداق المثل، سواء دخل أو لم يدخل، فلو مات مثلا على ثلاثين دينار والمسمى أحد عشر وصداق مثلها خمسة عشر كان لها عشرة دنانير، أما لو كان المسمى وصداق المثل ثمانية كان لها الثمانية، وأما لو كان المسمى وصداق المثل عشرة، لاستوى الجميع وكان لها عشرة.
1 - خميس الشقصي: ج 15 / ص 311 - 312.
424 (1/432)
صفحة 433
فإن فسخ العقد قبل الدخول لم يكن لها شيء كما تقدم، أما إن فسخ بعد الدخول ثم مات أو صح كان لها المسمى، تأخذ من ثلث ماله على أساس الوصايا إن مات، وإن صح فمن رأس ماله.
-
بموت
- وعلل الصاوي سبب اختلاف الصداق عند المالكية بين حالة مرض الزوج وحالة مرض الزوجة، فبين أن في مرضها يلزمه الصداق المسمى من رأس المال أحدهما، أما في حالة مرضه فإنه يلزم الأقل؛ لأن الزوج في حالة مرض زوجته هو صحيح فتبرعه معتبر بخلاف ما إذا كان مريضا فيكون مظنة التهمة بإدخال وارث، ولذلك كان الصداق في حدود ثلث التركة.
حكم المتعة في النكاح الفاسد:
المتعة في اللغة: - بضم الميم - جمع متع وهي ما يتمتع به من الصيد والطعام، ومتعة المرأة ما وصلت به بعد الطلاق لتنتفع به من نحو مال أو خادم).
وعرفت في الشرع بأنها ما يعطيه الزوج لزوجته عند طلاقها تطييبا لنفسها عما يرد عليها من ألم الطلاق وتسلية لها عن الفراق، وسميت بذلك لأنها تستمتع بها
وتنتفع.
حكمها:
اتفق جمهور فقهاء الإباضية والمالكية على عدم وجوب المتعة على الرجل للمرأة مطلقا إذا كان العقد فاسدا وفسخ قبل الدخول أو بعده، فإن كان قبله فلا شيء لها من صداق أو متعة، وإن كان بعده وجب لها مهر المثل عند الإباضية، وصداق المسمى عند المالكية على المشهور.
فقد نقل القطب رأي الإباضية في المتعة، فذكر أنه لا تجوز المتعة للمرأة التي حرمت على الرجل بسبب من الأسباب كالزنى، أو الوطء في الدبر عمدا، أو فسخ عقدها قبل الدخول أو بعده، كمن تزوج امرأة وتبين بعد العقد أنها أخته أو تزوجها
1 - الصاوي: بلغة السالك، ج 2/ص 276. ابن عبد البر: ص 248. - إبراهيم مصطفى وآخرون: 2/ ص 802 (كلمة متع).
425 (1/433)
صفحة 434
بالشغار أو تزوجها في عدتها لعدم انقطاع العصمة الزوجية، أو يتسر بها بعد ما تزوجها؛ لأن المتعة وردت في المطلقة وثبتت في نكاح لا يقام عليه لكراهة أو تحريم، ولا متعة للمرأة إذا مات زوجها قبل الدخول بها ولم يفرض لها صداقا (1) - وقالوا أيضا لا متعة في كل فراق تختاره المرأة بنفسها كالفداء؛ لأن فداءها
ترك منها لزوجها.
به (2)
ولا متعة لخارجة عن زوجها بعيب؛ لأنها غرته أو يوجد فيها من العيوب ما ترد
- وذكر المالكية أنه لا متعة في كلّ فراق تختاره المرأة من غير سبب يكون للزوج في ذلك كامرأة العنين والمجذوم والمجنون تختار فراق زوجها، ولا في كل نكاح مفسوخ كذا قاله ابن القاسم
وقال ابن المواز: إذا فسخ بغير طلاق، وظاهر قول ابن القاسم أنه لا متعة فيه فسخ قبل الدخول بطلاق أو بغير طلاق أو طلق هو قبل الفسخ (3).
1 - اطفيش: ج 6 / ص 322 - 323. اطفيش ج 7 / ص 387,384.
3 - ابن رشد المقدمات على المدونة، ج 5 / ص 312.311.
426 (1/434)
صفحة 435
الفصل الثالث
الآثار المتعلقة بالغير (1/435)
صفحة 436
[صفحة فارغة] (1/436)
صفحة 437
تمهيد
ذكرنا فيما سبق أنه إذا تم العقد بين الزوجين وظهر فساده بعد إنشائه لسبب من الأسباب، فلا يترتب عليه بصورة عامة آثار الزواج الصحيح، أما إذا وقع الدخول بعده، فإنه يترتب عليه بعض الآثار العقابية والمالية، وقد بسطنا الحديث عنها في الفصلين السابقين، وسوف نخصص هذا الفصل لدراسة الآثار المتعلقة بالغير ذلك أن بعضها يتعلق بالزوجة كالعدة وبعضها يختص بالأبناء وهو النسب، وبعضها يرتبط بالأصهار وهو حرمة المصاهرة.
وسوف ندرس هذه الآثار في المباحث الآتية:
429 (1/437)
صفحة 438
المبحث الأول النسب
النسب: رابطة سامية وصلة عظيمة على جانب كبير من الأهمية والخطورة لذلك لم يدعها الشارع الحكيم نهبا للعواطف والأهواء تهبها لمن تشاء، وتمنعها من تشاء بل تولاها بتشريعه، وأعطاها المزيد من عنايته وأحاطها بسياج منيع يحميها من الفساد والاضطراب، فأرسى قواعدها على أسس سليمة؛ فإن الله تعالى قضى على التبني الذي كان شائعا بين العرب في جاهليتهم قبل أن يسطع عليهم نور الإسلام فقد كانوا يدعون أبناء غير أبنائهم، وينسبونهم إليهم ويجرون عليهم أحكام الأبناء الصلبيين من تحريم زواج وغيره، فلما جاء الإسلام وهم على تلك الحالة أبطل تلك العادة وألغى ما كانوا يرتبون عليها من أحكام، فقال تعالى في محكم كتابه: وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل (1)
كما نهى الله الآباء عن إنكار نسب الأولاد الذين منهم وتوعدهم على ذلك بالعقاب والعذاب، دل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «أيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه أي
يعلم أنه ابنه احتجب الله منه يوم القيامة وفضحه على رؤوس الخلائق (2). ولعل هذا الوعيد لما يترتب على إنكار الأب ولده من تعريض الولد للذل والعار الذي لا ينمحي، وفي هذا ضرر بالغ وأي ضرر.
كذلك نهى الشارع الأبناء أن ينتسبوا إلى غير آبائهم وحرم عليهم الجنة إن هم فعلوا ذلك فقد روى سعد -رضي الله عنه - قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من ادعى إلى
غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه، فالجنة عليه حرام.» (3).
1 - الأحزاب: 4.
2 - أخرجه البيهقي في السنن الكبرى عن أبي هريرة، كتاب اللعان، ج 7 / ص 401.
- أخرجه البيهقي في السنن، كتاب الفرائض، باب من ادعى إلى غير أبيه، حديث رقم 6766؛
ج 12/ ص 54.
430 (1/438)
صفحة 439
ولعل الحكمة في ذلك أن انتساب الولد إلى غير أبيه عقوق للأب وإساءة إليه وترك لشكر نعمته، وأكثر من هذا حرم الله على المرأة أن تنسب إلى زوجها من تعلم أنه ليس منه فقال: «أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها جنته» (1).
هذا وقد وضع الشارع الحكيم لثبوت النسب سببا واضحا هو الاتصال بالمرأة ومخالطة رجل لها بطريق من طرق الحل، كالزواج أو ملك اليمين، فإذا تحقق ذلك الحل أو شبهته، ووجدت تلك المخالطة بين الزوج وزوجته، كان الرجل أبا للولد الناتج الذي هو ثمرة هذه المخالطة، وبذلك يكون الفراش قائما.
وحرصا على عدم ضياع الأولاد، عُني فقهاء المسلمين بهذا الحق عناية كبيرة، وتناولوا أمره من كل جوانبه، ولعل ذلك رغبة منهم على الحفاظ على الأولاد، وعدم ضياع أنسابهم التي تفضي بهم إلى التشرد الاجتماعي والإفساد في الأرض. وسوف نتعرض لآراء الفقهاء في مسألة ثبوت نسب الولد ونبين أقوالهم وأدلتهم في هذه المسألة:
أسباب ثبوت النسب:
اتفق الفقهاء على أن الولادة سبب ثبوت نسب الولد من أمه فمتى ولدت المرأة ولدا ثبت نسبه منها على أي حال، ولا يتوقف على شيء آخر، ولا فرق بين أن تكون الولادة من زواج صحيح أو من زواج فاسد أو من سفاح وزنى، أو وطء بشبهة كمخالطة الرجل لامرأة زفت إليه وظن إنها زوجته وليست كذلك أو مخالطة مطلقة
ثلاثا في عدتها. أما
1
سبب ثبوت النسب من الرجل فإنه يثبت بالفراش (3) وهو يتفرع إلى أربع
1 - أخرجه البيهقي في السنن عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لما نزلت آية الملاعنة، كتاب اللعان، ج 7 / ص 403، وأخرجه ابن حبان، انظر: ابن بلبان الإحسان بترتيب ابن حبان، ج 163/ 6. ورد ذكر الفراش في الحديث، وقد سبق تخريجه والمراد به عند الإباضية هو الوطء، وقد جاء بأسلوب مجازي كالرفث والغشيان والملامسة والمباشرة كل هذه الوجوه كناية على الوطء وهي من المجاز في كلام العرب، ونزل بذلك القرآن وجاءت به السنة وبهذا ثبت أن الوطء نفسه به تمام الفراش سواء كان الفراش من نكاح أو ملك يمين فإذا عدم الوطء عدم الفراش وهذا عام في الحرة والأمة، وهذا رأي أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وعبد الله بن عبد العزيز والربيع بن حبيب وغيرهم من فقهاء الإباضية، راجع الكندي: بيان الشرع، ج 56 / ص 223. ابن خلفون: الأجوبة، ص 33 - 34.
431 (1/439)
صفحة 440
حالات:
1 - الزواج الصحيح.
2 - الزواج الفاسد.
- الوطء بشبهة.
- التسري بملك اليمين.
وقد اشترط جمهور الفقهاء لثبوت النسب من الرجل شرطين:
الأول: إمكان حمل الزوجة من الزوج، وذلك يتحقق بأمرين:
1 - أن يكون الزوج ممن يتصور منه الإنجاب عادة بأن يكون بالغا أو مراهقا ولو لم تظهر عليه علامات البلوغ.
2 - إمكان تلاقي الزوجين بعد العقد.
الثاني: ألا تقل مدة الحمل عن ستة أشهر من حين إمكان التلاقي، فإن ولدت
الزوجة ولدا لأقل من ذلك من وقت العقد فلا يثبت نسبه من الزوج بالفراش (1) أما بالنسبة للزواج الصحيح والتسري بملك اليمين، فالنسب ثابت بهما طالما توفرت الشروط السابقة ذكرها، وأما بالنسبة للزواج الفاسد والوطء بشبهة فيحتوي على تفصيلات نذكرها فيما يلي:
أولا ثبوت النسب بالنكاح الفاسد:
ذهب جمهور فقهاء الإباضية والمالكية وآخرون إلى أن النسب في النكاح الفاسد يأخذ حكم النسب في الزواج الصحيح في حق ثبوت نسب الولد وإلحاقه بأبيه (7). على أنه يختلف النسب في النكاح الفاسد عن النكاح الصحيح في أنه لا يثبت إلا
1 - علي يحي معمر تعليقات على كتاب النكاح، ص 184. الكندي: ج 6 / ص 222 - 223. ابن خلفون: ص 30 - 32. ابن بركة الجامع، ج 2 ص 163. ابن عابدين حاشية ابن عابدين، ج 2 / ص 247. ابن بركة: اج 2 ص 163. الكندي: ج 56 / ص 215 الحضرمي: مختصر الخصال، ج 2 / ص 164. السالمي: جوابات الإمام السالمي، ج 3 ص 339 بدران: الفقه المقارن، ص 499.
-
432 (1/440)
صفحة 441
إذا دخل الرجل بالمرأة دخولا حقيقيا، فإن عقد الرجل على المرأة عقدا فاسدا ولم يدخل بها فلا يثبت نسب الولد الذي تأتي به المرأة من ذلك الزوج، فإن دخل بها ثم جاء بولد وكان الزوج ممن يتصور أن يكون منه الحمل، وأتت بالولد بعد مضي ستة أشهر فأكثر ثبت الولد من الزوج؛ لأنه صاحب الفراش وإن أتت به لأقل منها لا يثبت النسب منه؛ لأنه على وجه التأكيد حاصل من زوج سابق أو من الزنى).
كان
هذا وقد اتفق جمهور الفقهاء على ثبوت النسب بالدخول في النكاح الفاسد سواء متفقاً على فساده أو مختلفاً فيه ما دام العاقدان جاهلين للتحريم، أما إذا كانا عالمين به وتعمدا ذلك أو أحدهما، فقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة إلى مذهبين:
المذهب الأول: ثبوت النسب مطلقا:
ذهب بعض فقهاء الإباضية وغيرهم إلى أن الولد يلحق بنسب أبيه مطلقا إذا وقع الدخول بعد العقد لوجود الشبهة؛ لأنها تسقط الحد، فإذا درئ الحد ثبت النسب ولو كان العقد فاسدا ما دام لم يقر الزوج بالزنى وذلك احتياطا لإحياء الولد وعدم
ضياعه.
ولم ينظر أصحاب هذا المذهب إلى كَونِ العاقدان على علم أو جهل بالحرمة
فالنسب ثابت مطلقا ما دام الدخول مستندا للعقد ولم يتمحض فيه الزني. وقد ذكر أصحاب هذا المذهب أمثلة لأنكحة متنوعة وثبت فيها النسب من ذلك: أ- الأنكحة المتفق على فسادها مثل نكاح المحارم فيمن تزوج أخته أو أحد من ذوات الصهر أو الرضاع فجاءت بولد منه فالولد يلحقهما نسبا سواء كانا جاهلين بالعلاقة النسبية والحرمة معاً أو جاهلين بأحدهما دون الآخر ما دام ذلك على
سبيل التزويج. غير أنهم استثنوا الأم، فلا يثبت النسب بزواجها مطلقاً.
وكذلك من تزوج مطلقته ثلاثا بعد عدتها منه، وكذا من تزوج خامسة وفي عصمته أربع (3).
1 - الكندي: ج 56 / ص 215. البهلوي: ج 2/ 163. الحضرمي: ج 2 ص 164. السالمي: ج 3 ص 339 الكندي: ج 56 / ص 216. الجناوني: ص 31 - 32. اطفيش: ج 6/ص 39.
-
433 (1/441)
صفحة 442
ب
الأنكحة المختلف في فسادها: كنكاح الشغار ونكاح المتعة ونكاح المحرم ونكاح المريض والنكاح بدون ولي أو شهود، ونكاح الرجل مزنيته، فجميع هذه الأنكحة يثبت فيها النسب ويلحق بها الولد إن وقع الدخول بعدها).
المذهب الثاني: سقوط النسب في حالة العلم بالتحريم:
وذهب جمهور فقهاء الإباضية والمالكية وهو رأي جمهور العلماء إلى عدم ثبوت النسب في النكاح المتفق على فساده إذا وقع الدخول بعد العلم بالحرمة؛ لأن في هذه الحالة قد انتفت الشبهة وتمحض الزنى ويترتب على ذلك وجوب الحد، ولا يلحق فيه الولد، ولا بأس أن نذكر بعض الأمثلة من الأنكحة الفاسدة المتفق عليها لتوضيح هذا
الرأي:
1 - نكاح المحارم والمشركات
يذهب جمهور الاباضية (3) والمالكية (3) إلى عدم ثبوت النسب في الزواج المتفق على فساده مثل: زواج المحارم من نسب أو صهر أو رضاع ومثل زواج المشركة وزوجة الغير، طالما كان العاقدان يعلمان بالتحريم.
وقد
مر
أن
بعض الاباضية يثبتون النسب في هذه الصور ولو علم العاقدان
بالتحريم عدا حالة التزوج بالأم.
2 - النكاح في العدة:
ويرى أصحاب هذا المذهب أن من نكح معتدة غيره بطل العقد، فإن دخل بها
عالما بالتحريم فهو زان وعليه الحد ولا يلحق به الولد (4).
بل ويذهب البعض إلى أنه لو دخل بها في العدة فهو زان، ولو جهل بالتحريم والولد لاحق بالأول على كل حال وهو أحد قولي مالك (5).
1 - اطفيش: اج 6 / ص 101,95 - 526,102. الكندي: اج 56 / ص 224. الجعلي: ج 2 / ص 47. 2 الجناوني: ا ص 31 - 32 السالمي: ج 3 ص 339 - اطفيش: اج 6 / ص 38 - 39.
-
الصاوي: ج 2/ ص 238.
4 - اطفيش: اج 37/ 6 - 38. الصاوي: ج 238/ 2. الكشناوي: أسهل المدارك، ج 2/ص 82.
0 -
- ابن عبد البر: ص 237
434 (1/442)
صفحة 443
- النكاح في الردة:
إذا تم الزواج في الردة رجع المرتد عن ردته قبل الدخول جددا العقد وإن وقع الدخول قبل الرجوع حرمت المرأة، ولا يثبت النسب للولد بل لم يفرق الإباضية في هذه المسألة بين حالة العلم بالتحريم وعدمه).
زواج المسلمة بالكافر
لو تزوجت المسلمة بمشرك أو كتابي تحد إن علمت أنه مشرك، ويُحد إن علم أنها مسلمة، ولا يثبت النسب بذلك العقد، وقيل لا يحدان للشبهة، ولكن لا يثبت النسب
مطلقا عند الإباضية (2).
5 - نكاح الحوامل:
وإذا تزوج رجل بامرأة حامل فالولد ولدها دونه ولا يلحق به، ويفرق بينهما. لأن العقد وقع على حامل، ونكاح الحوامل لا يجوز ()).
6 - النكاح بدون ولي أو شهود:
وذهب جمهور الإباضية إلى عدم ثبوت النسب في النكاح بدون ولي أو شهود، لأنه نكاح غير صحيح فإذا وقع الدخول فلا يلحق الولد بنسب أبيه؛ لأن مسه في هذه الحالة كمس الزنى وابن الزنى ابن أمه (4)
(4)
،
مجمل القول:
و الذي يظهر لنا بعد عرض الآراء المختلفة أن هنالك اتفاقاً على عدم ثبوت النسب في العقد الفاسد مطلقا إذا لم يقع الدخول.
أما إن وقع الدخول بعد العقد فقد اختلفوا إلى مذهبين: فمن اعتبر الدخول فيه زنى أوجب الحد وأسقط النسب إذا علم الزوجان أو أحدهما بالحرمة، وذلك لانتفاء
1 - اطفيش: اج 6 / ص 312.
2 - اطفيش: المرجع نفسه، ج 1/ص 119.
الكندي: ج 56/ص 226.
4 - اطفيش شرح النيل، ج 6 / ص 95.
435 (1/443)
صفحة 444
الشبهة ولم ينظر هؤلاء إلى صورة العقد ورسمه لتمحض الزني.
أما إن وقع الدخول عن جهل بالتحريم ثبتت الشبهة وسقط الحد ولحق الولد بأبيه.
وذهب البعض إلى ثبوت النسب مطلقا سواء وقع الدخول عن علم أو جهل لاستناده إلى العقد وهو شبهة تسقط الحد ويثبت بها النسب باستثناء الأم عند بعض الأباضية.
حكم النسب عند طروء وطء من جهة أخرى
بعد أن عرضنا فيما سبق حكم النسب في النكاح الصحيح والنكاح الفاسد بنوعيه وبينا موقف الفقهاء منها، وجدنا بعض الأنكحة أصلها صحيح ولكن طرأ عليها الفساد فما حكم النسب بعد الدخول من ذلك:
أ- نسب ولد المغتصبة والهاربة من زوجها:
إذا اغتصبت المرأة في عرضها وهي في عصمة زوجها أو هربت من زوجها دون إذنه واتصلت بغيره من الرجال ونتج عن هذه العلاقة المشبوهة أولادا فما حكم نسبهم؟
اختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: عدم ثبوت النسب:
يرى جمهور الفقهاء أن عقد الزواج رذا انضم إليه إمكان التلاقي بين الزوجين فإن الولد لا حق بالزوج ولا ينظر إلي وطء لا يلحق بالزوج ولا بالمغتصب وإنما هو ولد زني، وكذلك الهاربة من زوجها إذا لحقت بغيره، وانقطع وطء الزوج عنها، فإن الولد ولد زنى لا يلحق بالزوج ولا بالمغتصب.
القول الثاني: ثبوت النسب للزوج مع إمكان الوطء:
وذهب أصحاب هذا القول إلى ثبوت النسب للمغتصب إذا ضم الولد لنفسه، وأنزلوه منزلة المستحل، واستدلوا بقصة وردت في بعض الآثار عن رجل قتله جبار
436 (1/444)
صفحة 445
من الجبابرة فأخذ ماله وأخذ جاريته فوطئها، فولدت له أولادا ثم إن الله أهلك الجبار وأذهب سلطانه فصارت الجارية وأولادها في أيدي أهل العدل فرأوا إثبات النسب له وأنزلوه منزلة المستحل، وهذا قول بعض الإباضية وروي ذلك عن مالك بن أنس وبعض أصحابه في إحدى الروايتين عنه.
القول الثالث: ثبوت النسب للزوج مع عدم إمكان التلاقي
وذهب أبو حنيفة وبعض أصحابه من الكوفيين إلى أن الفراش هو العقد للنكاح فقط، ورأوا لحوق الولد بالزوج تعبدا، وإن لم يكن هناك وطء من الزوج، ووافقهم على ذلك ابن عباد الإباضي، وهذا الحكم يشمل المغتصبة والهاربة وغيرهما، لأن الولد عندهم لاحق بالزوج سواء كان الوطء منه أو لم يكن، وكذلك إن كانت ولادة بعد ولادة، فالنسب لاحق بالزوج أيضا.
وقد استدل أصحاب القول الأول:
1 - أنه إذا غاب الزوج عن زوجته سنينا فبلغها وفاته، فاعتدت ونكحت رجلا نكاحا صحيحا في الظاهر بولي وشهود، وأنجب منها أولادا فإن ظهر الزوج الأول بعد غيابه فسخ نكاح الثاني واعتدت منه وترجع إلى الأول ولها على الثاني صداقها والولد لاحق بالثاني؛ لأنهم ولدوا على فراشه وهذا رأي جمهور الفقهاء من الحجازيين والعراقيين وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وهو مذهب أبي عبيدة مسلم والربيع بن حبيب وابن عبد العزيز وعامة فقهاء الإباضية والمالكية.
أما عند أبي حنيفة فالولد للزوج الأول، لأنه صاحب الفراش.
2 - وكذلك في المفقود إذا فُقد واختفى ولم يظهر له أثر فاعتدت زوجته وتزوجت زوجا آخر بولي وشهود وولدت منه أولادا ثم ظهر الزوج الأول، فالأولاد يلحقون بنسب الثاني، وهذا رأي أبي عبيدة مسلم والربيع بن حبيب وابن عبد العزيز وهو مذهب جمهور الفقهاء من الإباضية والمالكية وغيرهم.
واستدل أبو حنيفة لمذهبه بأنه لو عقد رَجُلٌ نكاحا على امرأة ثم طلقها في مجلس العقد بحضرة الحاكم والشهود فتأتي بولد لستة أشهر فصاعدا من ذلك الوقت كان الولد لاحقا به؛ لأنه صاحب الفراش على أصله في عقد النكاح وهذا الرأي خلافا
437 (1/445)
صفحة 446
لجمهور فقهاء الإباضية والمالكية؛ لأنهم يشترطون لإلحاق الولد وجود العقد
الدخول أو إمكان التلاقي بين الزوجين).
ب - نسب الولد من متزوجة أكثر من زوج
مع
لو تزوجت امرأة بزوج ثان ثم ادعت بعد ذلك أن لها زوجا قد تزوجته من قبل ثم اختفى عنها فما حكم نسب أولادها؟
ذكر القطب أنه إن ظهر ما ادعته حقيقة يفرق بينها وبين زوجها الثاني ويلحق الولد بالثاني إذا ولدته بعد ستة أشهر، وإن علم الثاني بأن لها زوجا وتعمد زواجها يحد، ويلحق الولد بالأول مطلقا.
- وقيل إن أتت بالولد قبل ستة أشهر من زواجها بالثاني يلحق بالأول. - وإن غصبها الثاني لم يثبت للزوج الأول نسب الولد لأنه ولد زنى ويحد الثاني. - وقيل: يثبت للأول نسب الولد إن ولدته قبل ستة أشهر ويثبت للثاني ما ولدت بعد ستة أشهر إن طلقها الأول ثلاثا دون علمها أو أنكرت ذلك، أو أجبرت على الزواج بالثاني ففي هذه الحالات يثبت نسب الولد للزوج الأول، فإن تدخل القاضي وفرق بينهما لزم الثاني ما ولدت قبل الستة أشهر ويحد كذلك (2)
ج وطء المسبية المتزوجة بدار الحرب
إذا سبى المشركون امرأة مسلمة وتركت زوجها في دار الإسلام فأتت بأولاد في دار الحرب إلى الزوج الأول بعد إطلاق سراحها فما حكم نسب الأولاد؟
قد سأل عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم الإمام الربيع بن حبيب الإباضي عن هذه المسألة فأجابه: انظر من سبي من النساء وهن حوامل فولدن بدار الحرب، أو ما يُرجى أن يكون حملها من زوجها في الإسلام فألحقوهم بآبائهم في الإسلام وما حملن بدار الحرب فلا يلحق نسبهم بالأزواج ويرجعن إلى أزواجهن بعد العدة على النكاح الأول وهذا رأي جمهور الإباضية وغيرهم من الفقهاء.
1 - ابن خلفون: الأجوبة، ص 29 - 32.
2 - اطفيش: ج 6 / ص 439 - 440.
438 (1/446)
صفحة 447
وذهب ابن عباد وجمهور الحنفية إلى أن ما حملن بدار الحرب ودار الإسلام
فنسبهم لاحق بالأزواج على حكم الفراش).
ثانيا: ثبوت النسب في الوطء بشبهة:
عرف الفقهاء الشبهة بأنها مقاربة الرجل لامرأة تحرم عليه مع جهله بالتحريم وهي على قسمين شبهة عقد، وشبهة فعل.
1 - فشبهة العقد أن يجري رجل عقد زواجه على امرأة ثم يتبين فساد العقد لسبب من الأسباب الموجبة للفساد.
وصورته: أن يتزوج شخص أمه أو أخته ويدخل بها بناء على ذلك، أو يتزوج خامسة على أربع في عصته، أو خمسا في عقد واحد، أو مجوسية أو مشركة أو يطأ من تزوجها مع أختها في عقد واحد أو عقدين، أو يتزوج زوجة الغير أو معتدته ويطأها أو المطلقة ثلاثا، وفي هذه الشبهة كان وجود العقد صورة هو السبب فيها، وبذلك يدرأ عن الفاعل حد الزنى مع أن عقد الزواج مجمع على تحريمه وفساده ما دام لا يعلم أن المرأة من محارمه
2 - وشبهة الفعل أن يقارب رجل امرأة من غير أن يكون بينهما عقد صحيح أو فاسد، بل يقاربها غير منتبه إلى شيء أبدا، أو اعتقد أنها تحل له ثم تبين العكس، وقد قرر الفقهاء أن الاتصال الجنسي المبني على الشبهة لا يعتبر زني ولا يلحق بالزني. - وصورته: أن يتزوج الرجل امرأة ثم تزف إليه امرأة أخرى فيدخل بها على أنها زوجته، ويتصل بها اتصالا جنسيا.
- ومنها أيضا أن تكون المرأة مطلقة ثلاثا فيواقعها المطلق في أثناء العدة معتقدا أنها تحل له، فإذا أتت بولد بعد أن تبين أنها ليست زوجته، فإن ولدته بعد مضي ستة أشهر أو أكثر من وقت الاتصال ثبت نسبه منه، لتأكد أن الحمل حدث بعد هذا الدخول، وإن أتت به قبل مضي ستة أشهر لا يثبت النسب منه لتأكد أن الحمل حدث قبل هذا الاتصال، لكنه إذا ادعاه الرجل ثبت نسبه منه، لأنه التزمه وله وجه
1 - ابن خلفون: ص 34 - 35.
439 (1/447)
صفحة 448
في هذا الالتزام فقد يكون قد اتصل بها قبل ذلك بناء على شبهة أخرى، فإذا زالت الشبهة، وترك الرجل المرأة ثم جاءت بولد فيكون حكم النسب حينذاك كالحكم فيما لو ولدت المرأة ولدا بعد الفرقة من زواج فاسد.
- فإن كان الاتصال بالمرأة ليس قائما على عقد صحيح أو عقد فاسد، أو شبهة تمحو وصف الزنى عن الرجل، فإن النسب لا يثبت، فمن زنى بامرأة وجاءت بولد لا يثبت نسب الولد من الزنى، ولو أتت به بعد مضي ستة أشهر من وقت الزني؛ لأن الشريعة الإسلامية أهدرت الزنى وأبطلت ما كان عليه أهل الجاهلية من اعتباره مثبتا للنسب فقال عليه السلام: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» (1).
ولأن النسب نعمة من نعم الله تعالى، والزنى محظور شرعا ولا يعقل أن تنال النعم بارتكاب المحرمات (2).
ولكن بعض فقهاء الإباضية اعتبروا شبهة العقد مما لا يثبت بها نسب الولد إذا جاء قبل مضي ستة أشهر من الدخول في النكاح الفاسد لأن المرأة أصبحت متهمة
بالزني.
وقد نقل الكندي اختلاف الإباضية في هذه المسألة فذكر أنهم اختلفوا في المرأة يتزوجها الرجل فولدت على أقل من ستة أشهر فقال من قال: لا صداق لها عليه ولا يلزمه الولد، لأنها استحقت التهمة، وقال من قال عليه الصداق؛ لأنه تزويج على شبهة ويدرأ عنها الحد بذلك للشبهة، وأما الولد فلا يلزم على حال؛ ولا نعلم في ذلك اختلافا (3).
ولعل أصحاب القول الثاني اعتمدوا في رأيهم على أقل مدة الحمل وهي ستة أشهر والتزموا بها في ثبوت النسب خلافا للجمهور، وقد ذكر الكندي أن هذا الرأي ما أجمع عليه الفقهاء، ولكن الظاهر أن المسألة خلافية بين الفقهاء لم يجمع عليها، ولعله لم يطلع على الخلاف.
ومما يؤكد هذا الخلاف ما نقله القطب أن رجلا وجد في فراشه امرأة فجامعها
1 - سبق تخريجه
2 - بدارن الفقه المقارن: ص 508 - 509.
الكندي: ج 56 / ص 220 - 221.
440 (1/448)
صفحة 449
معتقدا أنها زوجته فقد اختلفوا في نسب الولد إن جاءت به بعد ستة أشهر ولها زوج يطؤها، فقال: بعضهم يلحقهما الولد ولكن القطب ألحقه بالزوج، وإن لم يدخل بها زوجها فهو للواطيء خطأ، وقيل هو للزوج كذلك. فقال: «والحق عندي أنه للزوج؛ لأنه يلحق به بأدنى شيء ولو لم يصح العقد إذا لم يتعمد الزني وذلك إشارة الى القاعدة الفقهية المعتمدة في هذا المجال وهي: «كل وطء يدرأ فيه عن صاحبه الحد يلحق فيه
الولد» (1).
رأي القانون:
نص قانون الأسرة في المادة الأربعين على حالات ثبوت النسب فقال: «يثبت النسب بالزواج الصحيح، وبالإقرار، وبالبينة، وينكاح الشبهة، وبكل نكاح تم فسخه بعد الدخول طبقا للمواد (32 - 33 - (34) من هذا القانون» (2).
والمواد المشار إليها ورد فيها أنواعا من الأنكحة الفاسدة اختل فيها ركن من أركان العقد أو شرط من شروطه، ومع ذلك فإنه يثبت فيها النسب بعد الدخول سواء وقع الزواج بعد العلم أو الجهل بالتحريم.
- جاء في المادة الثانية والثلاثين (32) من القانون يفسخ النكاح إذا اختل أحد أركانه أو اشتمل على مانع، أو شرط يتنافى ومقتضيات العقد، أو ثبتت ردة
الزوج» (3).
- وذكر في المادة الثالثة والثلاثين (33) أنه إذا تم الزواج بدون ولي أو شاهدين أو صداق يفسخ قبل الدخول، ولا صداق فيه ويثبت بعد الدخول بصداق المثل إذا اختل ركن واحد ويبطل إذا اختل أكثر من ركن واحد ().
- والذي نلحظه في هذه المواد أن القانون وافق رأي الشريعة في ثبوت النسب بالزواج الصحيح وبالدخول في العقد الفاسد أو الشبهة، إلا أنه لم يميز بين حالة العلم
1 - اطفيش: ج 6/ص 436.
2 قانون الأسرة: ص 16 - 20.
- المرجع نفسه
4 - المرجع نفسه: ص 16 - 18 - 20.
441 (1/449)
صفحة 450
عمم
بالحرمة مع تعمد النكاح والدخول، وبين حالة الدخول مع الجهل بالتحريم، بل الحكم في جميع الأحوال وجعل النسب يثبت إذا فسخ العقد لاختلال أحد أركانه أو شروطه أو وجود مانع يتنافي مع مستلزمات العقد.
- بينما نجد عامة الفقهاء قد فرقوا بين حالة العلم بالتحريم وحالة الجهل، فإن علم الزوجان أو أحدهما بالتحريم وتعمد الدخول فسخ العقد وثبت الحد ويسقط النسب، أما إذا وقع الدخول مع جهل بالحرمة فسخ العقد درئ الحد للشبهة وثبت
النسب.
2 - هذا وقد حدد القانون في المادة الواحدة والأربعين (41) شروط ثبوت نسب الولد بأبيه فقال: «ينسب الولد بأبيه متى كان الزواج شرعيا وأمكن الاتصال ولم ينفه بالطرق المشروعة (1).
وفي هذه المادة نجد القانون قد وافق رأي جمهور الفقهاء في ثبوت النسب حيث يشترطون لثبوت النسب العقد مع إمكان التلاقي بين الزوجين، فإذا تعذر اتصال الزوج بزوجته لفقده أو غيابه لمدة طويلة أو موته، فلا يثبت النسب.
-
وبين القانون في المادة الثانية والأربعين (42) أقل مدة الحمل وأبعده حتى نحكم بإمكان إلحاق نسب الولد بأبيه أو نفيه عنه، فيقول: «وأقل مدة الحمل ستة أشهر وأقصاها عشرة أشهر (3).
الحمل
ونستنتج من هذه المادة أن القانون قد اتفق مع رأي جمهور الفقهاء في أقل مدة
-وهي ستة أشهر - وخالفهم في أقصاها، وهذا الاختلاف يوجد كذلك بين الفقهاء، فمنهم من جعل أقصى مدة الحمل سنة كاملة، ومنهم من حدده بعامين وقيل ثلاث سنوات، وقيل أربع، وقيل خمس، وقيل: أكثر من ذلك. وكل رأي يستند إلى ما جرى عليه العرف والعادة؛ لأنه لم يرد نص شرعي يحدد ذلك، إلا أن ما أقره القانون هو الذي يترجح عندنا لأن العلم والطب والعرف والعادة قد أكده، والأحكام الشرعية تبنى على الغالب الأعم وليس على الحالات النادرة والشاذة.
1 - قانون الأسرة ص 20.
2 - المرجع نفسه.
442 (1/450)
صفحة 451
المبحث الثاني
حرمة المصاهرة
المصاهرة: وصف شبيه بالقرابة ويتحقق في أربع من النساء، وهن: أم الزوجة و إن علت، كما يحرم زوجة الأب وإن علا، ويحرم أيضا زوجة الابن وإن نزل، وأما بنت الزوجة فلا تحرم إلا بالدخول بأمها كما أفاد نص الآية، وألحق بعض العلماء أم الزوجة حيث قالوا بأنها لا تحرم إلا بالدخول إذ فهموا أن قيد الدخول راجع إلى بنت الزوجة وإلى أم الزوجة (1) قال تعالى: وأمهات نسائكم وربائبكم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن، فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم (1). محمد (2)
وقال أيضا: ولا تنكحوا ما نكح آبائكم من النساء إلا ما قد سلف (3). ولكن هل تثبت حرمة المصاهرة من العقد الفاسد والوطء بشبهة والزنى أو مقدماته كما تثبت من العقد الصحيح والوطء الحلال؟.
فقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة، فبعضهم يرى أن الحرام يحرم الحلال،
وبعضهم يرى أن الحرام لا يحرم الحلال والحرمة مقصورة على الحرام. وزيادة في توضيح ما أجملناه سوف نعرض آراء الفقهاء وأدلتهم ونناقشها
فيما يلي:
-أ- ثبوت حرمة المصاهرة بالنكاح الفاسد أو الشبهة:
المذهب الأول:
ذهب جمهور فقهاء الإباضية والحنفية وآخرون إلى أن العقد الفاسد الذي لم
1 ابن خلفون: ص 43 - 44. اطفيش: اج 6 / ص 438. المرغيناني: الهداية، ج 2 / ص 186.
النساء: 23.
3 - النساء: 22.
443 (1/451)
صفحة 452
يشتمل على دخول لا يوجب حرمة المصاهرة سواء كان النكاح متفقا على فساده كنكاح المحارم أم مختلفاً فيه كنكاح الشغار والمحلل، فمن عقد على امرأة عقدا فاسدا ولم يدخل بها فلا تحرم عليه أمها، وأما الذي يوجب الحرمة فهو الوطء أو الدخول بعقد فاسد أو بشبهة.
ويعتبر جمهور الإباضية أن مقدمات الدخول مما يوجب حرمة المصاهرة وكذلك الدخول فبين ابن خلفون أن الدخول الذي تجب به الحرمة عند أكثر الإباضية أدناه النظر والغمز وما أشبه ذلك)، لحديث النبي الله في رجل تزوج امرأة فغمزها ولم يزد على ذلك حتى فارقها فأراد أن يتزوج ابنتها فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك (2) وبناء عليه فإنه يحرم على الرجل جميع أصول المرأة وفروعها ويحرم على المرأة جميع أصول الرجل وفروعه من النسب والرضاع (3).
ولم يشترط الإباضية لثبوت حرمة المصاهرة العلم بالتحريم وعدمه فلو عقد الرجل على امرأة عقدا فاسدا ودخل بها وهو جاهل بفساده فإنها تحرم على ابنه وأبيه كما تحرم بالعقد الصحيح، وقد حكى العوتبي إجماع الأمة على ذلك ولعله يقصد إجماع فقهاء الإباضية لأن المسألة محل خلاف).
المذهب الثاني:
1 - وذهب جمهور فقهاء المالكية وآخرون إلى أن حرمة المصاهرة تثبت بالعقد الفاسد إن كان مختلفا في فساده كالعقد الصحيح وكذا الدخول أو الوطء ومقدماته، فلو عقد الرجل وهو محرم بالنسك على امرأة فسد نكاحه وثبتت به حرمه المصاهرة، وذلك عملا بالقاعدة الفقهية: «أن العقد على البنات يحرم الأمهات لا فصولها، والدخول على الأمهات يحرم البنات كما أنَّ الدخول أو التلذذ بمقدماته يثبت حرمة المصاهرة عند المالكية إذا كان
النكاح مختلفا في فساده.
1 - ابن خلفون ص 48
2 - لم أعثر عليه بعد البحث في كتب السنن.
».
ابن خلفون: ص 48 الحضرمي: ج 2 / ص 164. المرغياني: ج 2 / ص 187 - 188
4 - العوتبي: ج 8/ ص 231 - 366,234 - 367. أبو الحواري: جامع أبي الحواري، ج 3/ص 129.
444 (1/452)
صفحة 453
فلو تزوج المحرم بالحج أو العمرة امرأة فدخل بها ثم فسخ نكاحهما فإنه يحرم عليه نكاح ابنتها، ولو فسخ قبله لم تحرم عليه.
(2)
وقد عدد المالكية بعض الأنكحة المختلف في فسادها وتنشر حرمة المصاهرة وهي نكاح المحرم بحج أو عمرة، ونكاح الشغار والنكاح بدون ولي وذلك كتزويج المرأة نفسها فهذه الأنكحة عقدها ينشر الحرمة كالصحيح 2 - أما إذا كان النكاح مجمعا على فساده فقد اختلف المالكية مع رأي الإباضية أنه لا يثبت به حرمة المصاهرة لمجرد العقد؛ لأنه كالعدم إلا بالدخول فيه أو الوطء ومقدماته بشرط ألا يعتبر ذلك الوطء زنى موجبا للحد، ولا يكون ذلك إلا إذا تم الدخول فيه بعد العلم بالتحريم، أما إذا وقع الدخول عن جهل أو خطأ فلا يجب فيه الحد للشبهة لأنه لا يعتبر ذلك في حكم الزني.
في
وعليه فلو عقد الرجل على امرأة ذات محرم منه أو ما زالت في عصمة زوجها لم يعلم بذلك ودخل بها عن جهل بالحرمة فإنه يدرأ عنه الحد للشبهة وتثبت به حرمة المصاهرة.
وقد ذكر المالكية أمثلة لأنكحة متفق على فسادها وتنشر الحرمة بالدخول وهي نكاح المحارم والمعتدة والمرأة الخامسة وفي عصمته أربع وغيرهن من المحرمات (3). ويلاحظ أن المالكية باشتراطهم العلم قد اختلفوا مع الإباضية حيث أنهم لا يشترطون العلم بل تثبت الحرمة ولو مع الجهل والخطأ ما دام قد وقع الدخول أو
مقدماته.
-
أما وطء الشبهة عند المالكية فمنه وطء الرجل غلطا امرأة لا تحل له إلا مستقبلا كأخت الزوجة مثلا حيث تحل بطلاق أختها أو موتها، وقد اتفق رأي المالكية في حكمه مع الإباضية وآخرين فقالوا: إن وطء الشبهة في أجنبية تصلح أن تكون زوجة في المآل كأخت الزوجة مُحرم لفصول الموطوءة وأصولها على الواطئ،
- الدسوقي: ج 2 ص 239 - 251,241. الأزهري: الجواهر، ص 289,258. الجعلي: ج 2 / ص 47. الكشناوي: ج 2 ص 84. الصاوي: ج 2 ص 249.
2 - ابن رشد: المقدمات، ج 5/ ص 269.
- الدسوقي: ج 2 / ص 251. الصاوي: ج 2 / ص 249. الكشناوي ج 2 / ص 84.
445 (1/453)
صفحة 454
فمن وطئ امرأة بشبهة لم يجز له نكاح أمها ولا ابنتها ولا أن يجمع بينهما وبين أختها أو عمتها أو خالتها بالنكاح ولا بملك اليمين، وكذلك من قبل أو باشر بشبهة
عند مالك.
وهناك من يرى منهم أن الوطء بالغلط لا يُحرِّم، وقد نقل هذا الرأي ابن رشد عن الليث بن سعد وقال إنه شاذ ومنهم من يرى بالوقوف دون ترجيح ولكن المشهور في المذهب المالكي هو الرأي الأول القائل بالتحريم).
- ثبوت حرمة المصاهرة بالزنا ومقدماته
اختلف الفقهاء في الوطء الحرام ومقدماته هل يثبت به حرمة المصاهرة أم لا؟ وهل يحرم الحلال أم لا؟
وقد انقسم الفقهاء في هذه المسألة إلى فريقين:
الفريق الأول: الحرام يحرم الحلال
أولا: يرى أصحاب هذا الرأي أن الزنى يحرم ما حرمه النكاح فمن وطئ امرأة بالحرام دون عقد حرمت عليه أصولها وفروعها، وحرمت أصوله وفروعه عليها؛ لأن الحرام يحرم الحلال، ولا فرق عندهم أن يكون الزنى بالأمهات أو البنات، أو يكون قبل النكاح أو بعده، أو قبل الولادة أو بعدها (3).
وينسب هذا القول إلى جماعة من الصحابة والتابعين منهم: عمران بن الحصين وعبد الله بن مسعود وجابر بن زيد والحسن البصري والشعبي وطاوس وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن المسيب في رواية عنه والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبي بكر بن سليمان، وقال به الإباضية كأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة والربيع بن حبيب المؤرج وابن عبد العزيز، ووائل وابن محبوب ولا يختلفون في ذلك:
ب وأبي
1 - البناني الحاشية على شرح الزرقاني على مختصر خليل، ج 3 ص 207 وما بعدها. ابن عبد البر: ص 244 ابن رشد: بداية المجتهد، ج 3 ص 992
2 - الجناوني: ص 41,30. ابن خلفون: ص 49. ابن رشد: بداية المجتهد، ج 3 ص 993. اطفيش: ج 6/ 49.
446 (1/454)
صفحة 455
وقال به أيضا مالك في رواية عنه وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد بن حنبل وأكثر أهل العراق والحجاز وكلهم قالوا: ما حرم الحلال فالحرام أشد تحريما (1).
أدلتهم:
واستدل أصحاب هذا الرأي بأدلة من القرآن والسنة وأقوال الصحابة والتابعين
والقياس نذكر منها:
أ- من القرآن الكريم:
قوله تعالى: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا (2).
وجه الاستدلال
أن المراد بالنكاح هو الوطء إما لأنه الحقيقة اللغوية فيه، وإما لأن النكاح يطلق على الوطء مجازا، وفي رواية قرينة تصرف اللفظ إليه وتوجب الحمل عليه وهي قوله تعالى: إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا وهذا التغليظ إنما يكون في الوطء
والفاحشة لا يكون بنفس العقد.
ب- من السنة والأثار:
1 - فقد ورد أن رجلا قال: يا رسول الله إني زنيت بامرأة في الجاهلية أفأنكح ابنتها؟ قال: «لا أرى ذلك، ولا يصلح أن تنكح امرأة تطلع من ابنتها على ما تطلع عليه منها (3).
2 - قالوا إن قول النبي في حديث الولد للفراش»، احتجبي منه يا سودة، دليل
1 - ابن خلفون: ص 55,45. يحي بكوش فقه الإمام جابر بن زيد، ص 401 - 402. بدر الدين العيني: عمدة القارئ شرح صحيح البخاري، ج 20 / ص 103، ط 1 (دت) دار إحياء التراث العربي، بيروت البغوي: شرح السنة، تحقيق زهير الشاويش وشعيب الأرناؤوط، ج 9/ ص 68، ط 1، مطبعة المكتب الإسلامي، بيروت، 1971 م. ابن عبد البر: ص 244. البخاري: صحيح البخاري، كتاب النكاح، حديث رقم (5105)، ج 3 / ص 1644.
2 - النساء: 22.
3 - لم أعثر عليه بعد البحث في كتب الحديث.
447 (1/455)
صفحة 456
على أنه جعل للزنى حكماً وإن شيئا حرمه الحلال، فالحرام أشد تحريما له» (1) - وعن جابر بن زيد أنه كتب إلى عكرمة في مسائل منها: ما تقول يا عكرمة في الحرام، هل يحرم الحلال من النكاح؟ فقال عكرمة: «ما أرى أمرهما إلا واحد»،
قال جابر: «صدق عكرمة».
4 - وعن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: أعطاني جابر بن زيد صحيفة فيها مسائل سأل عنها عكرمة، وكان فيها رجل فجر بامرأة فرآها ترضع جارية أيحل له أن يتزوجها؟ قال: لا، قال عمرو بن دينار: وقاله جابر بن زيد (3)
ج من القياس والمعقول
1 - قالوا إن الزنى وطء وهو سبب الولد فيتعلق به التحريم قياسا على الوطء الحلال؛ لأن مناط التحريم هو الوطء ووصف الحل في المناط ملغى شرعا، والدليل على إلغائه أن وطء الأمة المشركة وجارية الابن والمكاتبة والمظاهر منها وأمته المجوسية والحائض والنفساء ووطء المحرم، والصائم كله حرام، وثبت به الحرمة
المذكورة، فعلم أن المعتبر في الأصل ذات الوطء من غير كونه حلالا أو حراما. يقول المرغيناني موضحا ذلك: «إن من زنا بامرأة حرمت عليه أمها وبنتها، ولنا أن الوطء سبب الجزئية بواسطة الولد حتى يضاف إلى كل واحد منهما كلا، فتصير أصولها وفروعها كأصوله وفروعه، وكذلك على العكس والاستمتاع بالجزء حرام إلا موضع الضرورة وهي الموطوءة، والوطء محرم من حيث إنه سبب الولد لا من حيث إنه زنا (3).
2 - وقالوا: إن النكاح عقد يفسده الوطء بشبهة، فأفسده الوطء الحرام
كالإحرام).
1 - أخرجه الربيع بن حبيب في الجامع الصحيح، ج 2/ص 67 - 68. والبخاري في الجامع الصحيح، ج 4 / ص 171. ومسلم في الجامع الصحيح، ج 3 ص 504.
2 - ابن خلفون: ص 46.
-
المرغياني: ج 2 / ص 187 - 188
- ابن قدامة: المغني، ج 6 / ص 576 - 577.
448 (1/456)
صفحة 457
-
ومما احتجوا به أيضا أن من جمع بين المرأة وابنتها في الشرك فوطئهما جميعا ثم أسلما أن يفارقهما جميعا، ولا يحل له واحدة منها باتفاق أهل العلم. وقالوا: لما كان الوطء في النكاح الصحيح والفاسد وفي ملك اليمين
الصحيح منه والفاسد يوجب الحرمة بإجماع كان سبيل الوطء بالزنى سبيلهم. وقالوا: أمرنا الله عند التنازع بالرد إلى كتاب الله أو السنة فوجدناهما يوجبان التحريم بالوطء الحلال، وقضينا بذلك في وطء الحرام، فإنه لا يبعد أن يكون مثله أو أشد منه (1).
وقد بين الإباضية ما يترتب على الوطء الحرام بزنا أو بشبهة أو خطأ من أحكام: - أنه يحرم بناتها وبنات أولادها وإن سفلوا.
- أنه يحرم أمها وجداتها وإن بعدن.
- أنه يحرم الموطوءة على آباء الموطئ وأبنائه.
أنه تحرمها على الواطئ.
- أنه لا يحلها للزوج الأول وإن كان ذلك من نكاح فاسد.
- أنه
يحرم على آباء الواطئ بناتها وما ولدن وإن سفل، وكذلك على أبنائه
وبناته وما ولدن بعد وطئه وآبائه (3).
ثانيا أما ما يتعلق بثبوت حرمة المصاهرة بمقدمات الجماع فقد اعتبر الإباضية والحنفية أن المس والنظر إلى الفرج بشهوة وتلذذ من كل منهما بالآخر كالوطء، لأنهما سببان داعيان إليه فيقومان في موضع الاحتياط (3).
1 - ابن خلفون: ص 47 - 48 الحضرمي: ج 2 / ص 159. الجناوني: ص 39 - 40 - 41.
اطفيش ج 6/ ص 49. علي يحي معمر تعليقات على كتاب النكاح، ص 35 - 36. مصطفى البوغا: أثر الأدلة المختلف فيها، ص 523. المرغياني: ج 2 / ص 188. محمد بن الحواري اج 3 ص 139. العوتبي: ج 8 / ص 252 - 253. الجناوني: كتاب النكاح، ص 35 - 37 - 38
449 (1/457)
صفحة 458
وقد استدل أصحاب هذا الرأي بأدلة منها:
1 - روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من نظر إلى فرج امرأة وابنتها لم ينظر الله
إليه يوم القيامة).
وروي عن النبي أنه قال: «إذا نظر الرجل إلى فرج امرأة حرمت عليه أمها
(2)
وابنتها.» (2).
2
(د)
وفي رواية أخرى عنه: «لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها.» (3). وروي عن أبي بكر - ضري الله عنه - أنه اشترى جارية فوضع يده على ثديها فسأله ابن له إياها فقال له: «يا بني إني وضعت يدي عليها معجبا بها، وقد أردتها وأنا أكرهها لك وفي غيرها لك متعة».
-
وذكروا عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه اشترى جارية فجردها ونظر إليها فقال له ابنه أعطنيها فقال له: إنه لا تحل لك، إنما حرمها عليك التجريد
والنظر.
وعنه أيضا: «أيما رجل جرّد جارية أو قبلها أو اتخذ شيئا منها فقد حرمت على أبيه وابنه، وحرمت عليه أمها وابنتها» (4).
ونقلوا عن مجاهد بن سليمان قوله: «إذا نظر الرجل إلى فرج امرأة فلا ينكح أمها ولا بنتها، وإذا مس الرجل فرج جارية أو باشرها فإن ذلك يحرمها على أبيه وابنه».
1 - أخرجه علاء الدين البرهان فوري، كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال من طريق إبراهيم النخعي، ج 8/ ص 293، عن عبد الرزاق في الجامع. 2 - أخرجه البيهقي في السنن، كتاب النكاح، باب الزنى لا يحرم الحلال وقال فإنه إنما رواه الحجاج بن أرطاً عن أبي هاني أو أم هاني عن النبي) وهذا منقطع ومجهول وضعيف الحجاج بن أرطاً، لا يحتج به فيما يسنده فكيف بما يرسله عمن لا يعرف، ج 7 ص 179.
- أخرجه بن أبي شيبة في مصنفه من طريق حماد بن إبراهيم عن علقمة عن أبن مسعود راجع: ابن حجر: فتح الباري، ج 9 / ص 157. قال البيهقي: وهذا أيضا ضعيف أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه قال قال أبو الحسن الدار قطني - رحمه الله هذا موقوف وليث وحماد ضعيفان البيهقي: السنن، كتاب النكاح، باب الزني لا يحرم الحلال، ج 7 ص 170. وأخرجه أبو محمد عبد الله بن يحي الغساني الجزائري في كتاب تخريج الأحاديث الضعاف من سنن الدار قطني، تحقيق: أبو يوسف الحوت، ص 292. - القرطبي: الجامع لأحكام القرآن ج 5 / ص 113 ابن خلفون: اص 50 - 51.
450 (1/458)
صفحة 459
وعنه أيضا عن إبراهيم النخعي قال: «من جرد امرأة أو قبلها أو نظر إلى شيء من محاسنها نظر شهوة حرمت على ابنه وأبيه».
وقال مسروق عند موته في جارية له: «إني لم أصب منها إلا ما يحرمها على ولدي النظر واللمس).
ونقلوا أيضا عن أبي عبيدة مسلم في رواية عن ابن عبد العزيز وأبي المؤرج عنهم: الغمز والنظر والقبلة تلذذا يوجب الحرمة.
وسئل أبو عبيدة أيضا عن رجل يزني بامرأة أتحل لابنه أو أبيه قال: «لا». وعن المبارك بن فضالة عن الحسن البصري أيما رجل لمس امرأة أو نظر إلى فرجها بشهوة إن صنع ذلك الأب حرمت على الابن وبالعكس).
وقال أبو حنيفة ويعقوب: «إذا نظر الرجل إلى امرأة بشهوة حرمت على ابنه وتحرم عليه أمها وابنتها، وعنه أيضا لو قبلت امرأة ربيبها وقعت الفرقة بينها وبين
زوجها» (3).
خلاصة القول:
مما سبق يظهر لنا أنَّ الإباضية والحنفية وجمع من الصحابة والتابعين قد توسعوا في ما يوجب حرمة المصاهرة فهي عندهم لا تقتصر على الوطء فحسب، بل تتعداه إلى مقدماته شرط أن يراد بها التلذذ والتمتع بشهوة.
الفريق الثاني: الحرام لا يحرم الحلال
أولا: ذهب جمهور فقهاء المالكية والشافعية وآخرون إلى أن الحرام لا يحرم الحلال ولا تثبت به حرمة المصاهرة، لأن حرمة المصاهرة مقصورة على الحلال ولا يتعداه، فمن زنى بامرأة يحل له التزوج بأصولها وفروعها كما يجوز للمزني بها التزوج بأحد أصوله أو فروعه وهذا القول منسوب إلى بعض الصحابة والتابعين
1 - ابن خلفون: الأجوبة، ص 50 - 51.
2 - ابن خلفون: الأجوبة، ص 49.
3 - المرجع نفسه.
451 (1/459)
صفحة 460
منهم ابن عباس وعلي بن أبي طالب وقال به سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، والزهري، وهو مذهب الشافعي ومالك في أصح الروايتين عنه (1).
ونقل ابن رشد رأي الشافعي ومالك في عدم ثبوت حرمة المصاهرة بالزني فذكر أن الشافعي يرى الزنى بالمرأة لا يحرم نكاح أمها ولا ابنتها، وأما مالك ففي الموطأ عنه مثل قول الشافعي أنه لا يحرم، وروى عنه ابن القاسم مثل قول أبي حنيفة والإباضية أنه يحرم، وقال سحنون: «أصحاب مالك يخالفون ابن القاسم فيها ويذهبون إلى ما في الموطأ (3).
ومن جهة أخرى روي عن مالك أن الزنى ينشر الحرمة كالصحيح فيحرم الأم والابنة وأنه في ذلك بمنزلة الوطء الحلال وهو قول أهل العراق، وهناك قول ثالث لمالك أنه ينشر الكراهة رواه ابن المواز، قال البناني: «وهذان القولان تأولا معا على المدونة فتأولهما اللخمي وابن رشد على الكراهة، وتأولهما غيرهما على التحريم قال عياض: «والأكثرون على الكراهة (3).
وقد أشار الدسوقي إلى اختلاف المالكية في هذه المسألة فذكر أن في نشر حرمة الزنى خلاف المعتمد منه عدم نشره الحرمة، فيجوز لمن زنى بامرأة أن يتزوج بفروعها وأصولها، ولأبيه وابنه أن يتزوجها).
قال ابن عبد البر: «هذا القول هو الصحيح عند مالك وهو قول أهل الحجاز، وعليه العمل عند فقهاء أهل المدينة» (ه)
أدلتهم:
وقد استدل أصحاب هذا الرأي بأدلة من القرآن والسنة وغيرهما نذكر منها:
1 - ابن خلفون: ص 45. الشيرازي: المهذب، ج 2 / ص 440. بحي بكوش: اص 402. شلبي: أحكام الأسرة، اص 402. ص 193 - 194. البخاري: صحيح البخاري، كتاب النكاح، حديث رقم (5105)، ج 3 ص 1644. 2 - ابن رشد: بداية المجتهد، ج 3/ ص 993.
-
البناني: حاشيته على شرح الزرقاني لمختصر خليل، ج 3/ ص 206. أحمد الحصري: النكاح والقضايا
المتعلقة به، ص 232,229
- الدسوقي: ج 2/ص 251. ه ابن عبد البر: ص 244.
452 (1/460)
صفحة 461
أ- من القرآن الكريم
فقد استدل الإمام مالك بظاهر القرآن الكريم الذي عليه العمل بالمدينة، جاء في الموطأ عن مالك قوله: فأما الزنا فإنه لا يحرم شيئا من ذلك، لأن الله تبارك وتعالى قال: وأمهات نسائكم) وقال: {وأحل لكم ما وراء ذلكم ه) فإنما حرم ما كان تزويجا، ولم يذكر تحريم الزنا، وليس التي زنى بها من نسائه ولا ابنتها من ربائبه فكل تزويج كان على وجه الحلال يصيب صاحبه امرأته، فهو بمنزلة التزويج الحلال فهذا الذي سمعت والذي عليه أمر الناس عندنا (3).
ب من السنة النبوية والآثار:
1 - فقد روت عائشة -رضي الله عنها - أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل زني بامرأة فأراد أن يتزوجها أو ابنتها فقال: «لا يحرم الحرام الحلال، إنما يحرم ما كان بنكاح.» (4).
وفي رواية عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة -رضي الله عنها- قالت سئل رسول الله له عن الرجل يتبع المرأة حراما أينكح ابنتها؟ أو يتبع الابنة حراما أينكح أمها؟ قالت قال رسول الله لا يحرم الحرام الحلال، إنما يحرم ما كان بنكاح
حلال».
قال اسحاق قال عبد الله بن نافع: «وبه نأخذ»).
وفي حديث آخر بهذا الإسناد عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يفسد حلال بحرام، ومن أتى امرأة فجورا فلا عليه أن يتزوج أمها أو ابنتها فأما نكاح
فلا (1).
4 وعن قتادة عن يحي بن يعمر عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال لرجل زنى بأم امرأته أو بابنتها فإنهما حرمتان تخطأهما ولا يحرمها ذلك عليه
1 - النساء: 23.
-
2 - النساء: 24.
مالك بن أنس الموطأ، تحقيق فؤاد عبد الباقي، ج 2 / ص 421. ابن عبد البر: اص 244.
راجع البيهقي في سننه الكبرى، كتاب النكاح، ج 7/ ص 168 - 169.
ه - المرجع نفسه
6 - المرجع نفسه
453 (1/461)
صفحة 462
قال: وقال يحي بن يعمر ما حرم حرام حلالا قط، فبلغ ذلك الشعبي فقال: زبل لو أخذت كوزا من خمر فسكبته في جب من ماء لكان ذلك الماء حراما، وكان من رأي الشعبي أنه قد حرمت عليه).
ه وسئل ابن شهاب عن رجل وطأ أم امرأته فقال: قال علي بن أبي طالب-ضي
الله عنه - لا يحرم الحرام الحلال، وروي مثله عن نافع عن ابن عمر (3). 6 - وأخرج ابن ماجه عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يحرم الحرام الحلال» (3).
«لا
قال عبد الباقي: قوله: «لا يحرم الحرام الحلال يحتمل أن المراد أن حرمة المصاهرة لا تثبت بالحرام، ويحتمل أن المزني بها تحل إذا نكحها).
ونقل البيهقي في سننه في باب الزنا لا يحرم الحلال قول الشافعي أن الله عز وجل إنما حرمه لحرمة الحلال والحرام خلاف الحلال، قال: وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قولنا).
وعلق الشيرازي على استدلال أصحاب هذا الرأي من الآيات والأحاديث وأقوال الصحابة أنه يفهم منها: لا تحرم بالزنا أمها ولا ابنتها ولا تحرم هي على ابنه ولا على أبيه للآية والخبر، ولأنه معنى تصير به المرأة فراشا فلم يتعلق به تحريم المصاهرة كالمباشرة بغير شهوة، وإن لاط بغلام لا تحرم عليه أمه وابنته للآية
(1)
والخبر).
ج بالاستصحاب:
قالوا: إن الأصل المعهود في حكم الشرع أن التحريم يكون إلى الأزواج بالطلاق
1 - البيهقي: ج 7 / ص 169 ..
2 - البهقي: اكتاب النكاح، ج 7 / ص 178
-
ابن ماجه السنن، كتاب النكاح باب لا يحرم الحرام الحلال، حديث (15) ج 2 ص 214. قال البصيري
في الزوائد في إسناده عبد الله بن عمر وهو ضعيف. - أنظر هامش سنن ابن ماجه، ج 2/ ص 214. ه - البيهقي: كتاب النكاح، ج 7 / ص 167 - 169. 6 - الشيرازي: ج 2 ص 440.
454 (1/462)
صفحة 463
أو بفعل يقع على الزوجة فإذا زنى رجل بامرأة أبيه أو امرأة ابنه فلا تحرم واحدة منهما على زوجها بمعصية الآخر.
قال الشافعي: «ومن حرمها على زوجها بهذا أشبه أن يكون خالف حكم الله، لأن الله عز وجل جعل التحريم بالطلاق إلى الأزواج فجعل هذا إلى غير الزوج أن يحرم
عليه امرأته وإلى المرأة نفسها أن تحرم نفسها على زوجها.
د من المعقول:
وقالوا: إن التحريم نعمة والزنا محظور فلا تنال النعمة بالمحظور، بيانه أن الله
(r),
عز وجل ذكر ما من به على عباده فقال: فجعله نسبا وصهرا (1) فحرم بالنسب الأمهات والأخوات والعمات والخالات ومن سمّى وحرم بالصهر ما نكح الآباء وأمهات النساء وبنات المدخول بهن منهن فكان تحريمه بأن جعل للمحرمات على من حرمهن عليه حقا ليس لغيرهن عليه، وكان ذلك منا منه بما رضي من حلاله، وكان من حرمهن عليه لهن محرمًا يخلو بهن ويسافر ويرى منهن ما يرى غير
(r)
المحرم).
وأضافوا أيضا أنه لما ارتفع في الزنى وجوب العدة والميراث ولحوق الولد
ووجب الحد وثبت حكم الزنى، ارتفع أن يحكم له بحكم الحلال).
ثانيا: أما مقدمات الجماع كالنظر واللمس للفرج بشهوة والقبلة فهي مما يحرم إذا قصد التلذذ والاستمتاع، وبذلك يكون المالكية قدا وافقوا رأي الإباضية والحنفية في هذه المسألة.
ويصرح برأي المالكية أحد فقهائهم في معرض بيانه لما يثبت به حرمة المصاهرة فذكر النكاح الصحيح والفاسد ولو بالنظر للمرأة لغير الوجه والكفين إن وجد اللذة، ولو لم يقصد، إلا إن قصد فقط، ولا تحرم إن تلذذ بالنظر للوجه والكفين
1 - البوغا: أثر الأدلة المختلف فيها، ص 522.
2 - الفرقان: 54.
- البوغا: ص 522. بكوش: ص 403.
- ابن خلفون: ص 45.
455 (1/463)
صفحة 464
إلا اللذة بالمباشرة أو القبلة (1)
وهذا ما أكده ابن عبد البر حيث نقل عن مالك أنه يعتبر القبلة والمباشرة للذة أو مس الفرج يحرم على الابن ما يحرم بالوطء؛ وقد روي عنه كذلك أن القبلة لا تحرم
وإنما يحرم الوطء (3).
خلاصة القول:
يستنتج مما سبق أن جمهور المالكية يفرقون بين حالة اللمس بشهوة أو القبلة مع التلذذ إذا كان ذلك مستندا لعقد فإنه يحرم ولو كان العقد فاسدا وبين حالة الزني أو مقدماته المجردة من العقد فإنها لا تحرم.
هذا وقد خالف الشافعي رأي المالكية ومن وافقهم فاعتبر مقدمات الوطء لا تحرم ولا يثبت بها حرمة المصاهرة فيرى أن من مسته امرأة بشهوة لا تحرم عليه أمها وبنتها وعلى هذا الخلاف من مسته امرأة بشهوة أو نظر إلى فرجها أو نظرت إلى فرجه عن شهوة فلا ينشر ذلك الحرمة؛ لأنه يعتبر المس والنظر بشهوة ليسا في معنى الدخول، ولهذا فلا يتعلق بهما فساد الصوم والإحرام ووجوب الاغتسال فلا يلحقان
به (3)
منشأ الخلاف
ولعل أساس الخلاف في هذه المسألة يعود إلى سبب التحريم هل هو مجرد الوطء؟ أم الوطء بقيد الحل؟.
فالفريق الأول يرى أن الوطء المجرد هو سبب التحريم ولا أثر لكونه حراما أو حلالا، بدليل أن الزوج لو دخل بزوجته في وقت ما منع فيه قربانها، كما لو كان صائما أو كانت حائضا أو نفساء، كان هذا الدخول مثبتا لحرمة المصاهرة لمن شرط في حرمتها الدخول، وإن كان حراما فإذا فارق زوجته حرم عليه التزوج بواحدة من
-
الكشناوي: ج 2 / ص 84 - 85
ابن عبد البر: ص 240.
- المرغيناني: ج 2/ص 188. (1/464)
صفحة 465
فروعها بالاتفاق، فعلم بذلك أن المحرم هو الوطء مجردا عن كونه حلالا أو حراما، فإذا قلنا إن الزنا يوجب حرمته المصاهرة لم نرتب الحكم عليه باعتباره زنا محرما بل باعتباره مجرد وطء، وفي قوله تعالى: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا) دلالة على ذلك؛ لأنه وصفه بكونه فاحشة، ومقتا وهذا التغليظ إنما يكون في الوطء لا نفس العقد، ولأن الوطء الحلال إنما كان محرما للبنت باعتبار أنه يصير جامعا بين المرأة وبنتها في الوطء من حيث المعنى؛ لأن وطء الثانية منهما يذكره وطء الأولى، فيصير كأنه قاض وطره منهما جميعا، وهذا المعنى موجود في الوطء الحرام فيأخذ حكم الأول وقد روي عن النبي الا الله أنه قال: «ملعون من نظر إلى فرج امرأة وابنتها" وهذا المعنى كما يوجد في الحلال يوجد في الحرام).
- أما الفريق الثاني فإنه يرى أن المحرم هو الوطء الحلال أما الوطء الحرام فلا أثر له في ذلك؛ لأنهم يراعون الدلالة الشرعية في قوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء فيحلونه على النكاح الصحيح أو بشبهة، ويقيسون التحريم على النسب في عدم الثبوت بالزنا).
كما استندوا في رأيهم إلى حديث عائشة أن النبي لو سئل عن رجل زني بامرأة فأراد أن يتزوج بنتها فقال: «لا يحرم الحرام الحلال وإنما يحرم ما كان من نكاح)، وهو حديث ظاهر الدلالة على المطلوب، ولأنه وطء لا تصير به الموطوءة فراشا فلا يحرم كوطء الصغيرة، ولأن حرمة المصاهرة نعمة (6)، لأنها تلحق الأجانب بالأقارب فلا تنال بالمحظور وهو الزنى، وهو محظور شرعا فلا يصلح أن يكون سببا للنعمة لعدم الملائمة بينهما، وقالوا إن الحكمة في إثبات حرمة المصاهرة قطع الأطماع لتدوم الصلة بين الأصهار وليتمكنوا من الاجتماع في غير ريبة، ولا شك أن
1 النساء: 22
-
- لم أعثر عليه بعد البحث في كتب الحديث ولعله قول مأثور
3 - شلبي: ا ص 194 - 195. عبد الرحمن العدوي الوسيط في الفقه الإسلامي، ص 87 - 88.
10
- العدوي: المرجع نفسه، ص 89.
سبق تخريجه في هذا المبحث.
شلبي: ص 194 - 195. بدران:، ص 93.
457 (1/465)
صفحة 466
الاتصال بالزوج مطلوب بقاؤه فيناسبه تقرير الحرمة، أما الاتصال بالزني فمطلوب
قطعه فلا وجه مع هذا لإثبات الحرمة به.
مناقشة أدلة الفريقين:
منها:
وقد اعترض أصحاب الرأي الأول على أدلة الفريق الثاني بعدة اعتراضات نذكر
أما
1 - إن الحديث الذي استدلوا به، ضعيف، ضعفه غير واحد من المحدثين، بل قيل: إنه ليس من كلام الرسول الله فمرة نسب لابن عباس -وهو من المانعين لثبوت الحرمة بالزنى وتارة أخرى قالوا: إنه من كلام ابن أسوغ بعض قضاة العراق كما قال الإمام أحمد بن حنبل، وقيل إنه من قول علي وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، ومع هذا التضعيف والاختلاف في نسبة الحديث فلا يصلح للاحتجاج به (3). حديث عائشة لا يفسد حلال بحرام)، قال فيه البيهقي: تفرد به عثمان بن عبد الرحمان الوقاصي هذا وهو ضعيف قاله، يحي بن معين وغيره من أئمة الحديث، والصحيح عن ابن شهاب الزهري عن علي -رضي الله عنه. مرسلا موقوفا عنه (3). 2 - أما القياس فيرد عليه أن الوطء بشبهة محرم للمصاهرة بالاتفاق، ولا تصير به الموطوءة فراشا، فلا يصلح دليلا للاحتجاج. 3 - أما دليلهم الثالث وهو أن حرمة المصاهرة نعمة؛ لأنها تلحق الأجانب بالأقارب، فلا تنال بالمحظور فيقال لهم: إن تحريم الزواج هنا بالزنى ليس فيه مجرد منع زواج كل من الزاني والزانية بأقارب الآخر دون أن يحل لواحد منهما النظر والاختلاط فليس فيه إلحاق الأجانب بالأقارب حتى يكون نعمة ويقال عنها إنها لا تنال بالمحظور المحرم.
وقد اعترض أصحاب الرأي الثاني على أدلة الفريق الأول حيث أنها لم تسلم هي الأخرى من المناقشة ومن ذلك:
1 - بدران: ص 93.
2 - عبد الرحمان العدوي: ص 88.
البيهقي: السنن، كتاب النكاح، ج 7 / ص 168 - 169
458 (1/466)
صفحة 467
1 - أن الحديث الذي رواه ابن مسعود فقال: ما اجتمع الحرام والحلال إلا غلب الحرام على الحلال، فإنما رواه جابر الجعفي عن الشعبي عن ابن مسعود وجابر الجعفي ضعيف والشعبي عن ابن مسعود منقطع، وإنما رواه غيره بمعناه عن الشعبي من قوله غير مرفوع إلى عبد الله بن مسعود).
2 - أما الحديث الآخر الذي احتجوا به قول الرجل للرسول صلى الله عليه وسلم إني زنيت بامرأة في الجاهلية أفأنكح ابنتها؟ لا يصلح حجة لأنه منقطع، وفي روايته أبو بكر عبد الرحمان بن أم حكيم وهو لا يحتج به (3).
- أما القياس الذي احتجوا به فهو مع الفارق بين المقيس والمقيس عليه، ذلك لأن المناط في المقيس عليه ليس هو نفس المخالطة - حتى ولو كانت بطريق الزني الصريح - إنما هو المخالطة التي لا يترتب عليها حد الزنى، وهذا غير متحقق في
المقيس؛ لأنه بالاتفاق يجب فيه حد الزنى، لكونه زنا صريحا لا شبهة فيه (3)
4 - وقالوا إن القول بثبوت حرمة المصاهرة بالزنى يؤول إلى جعل الدخول الحرام كالدخول الحلال وقد قال الشافعي في مناظرته مع محمد بن الحسن الشيباني: «إن الزواج أمر حمدت عليه، والزنا فعل رجمت عليه فكيف يشتبهان، وقالوا: إن الزنا لا يحرم الحلال لأن الله عز وجل إنما حرمه لحرمة الحلال والحرام خلاف الحلال وقد روي عن ابن عباس مثل قولنا).
خلاصة القول:
بعد عرض آراء الفقهاء المختلفة في مسألة ثبوت حرمة المصاهرة بالنكاح الفاسد أو الشبهة أو الزنى ومقدماته وبينا أدلة كل فريق ومنشأ الخلاف ظهر لنا أن الإباضية والحنفية وغيرهم قد توسعوا في أسباب التحريم حيث جعلوا حرمة المصاهرة تثبت بالوطء الحلال والحرام، بل جعلوا مقدمات الجماع موجبة للتحريم
1 - البيهقي: نفسه.
2 - بدران: الفقه المقارن، ص 93. 3 - المرجع نفسه
- البيهقي: السنن، ج 7 / ص 168. ابن رشد: بداية المجتهد، ج 3 ص 993. شلبي: اص 193 - 196. أبو زهرة: محاضرات في عقد النكاح وآثاره، ص 114.
459 (1/467)
صفحة 468
كالنظر واللمس بشهوة، ولعل هذا الاتجاه مرده إلى العمل بمبدأ الأخذ بالأحوط وسد لباب الفساد، خاصة في مسائل الفروج حيث مما يجب أن يحتاط فيها ما دامت تتعلق بها حقوق وواجبات كثيرة، والذي يؤكد ذلك ما ذكره أحد فقهاء الإباضية المعاصرين علي يحي معمر حين قال: لا غرابة إذا رأيناهم إزاء تلك النصوص الصريحة يوصدون باب تناكحهما البتة، لأن مسألة الأبضاع مما يجب أن يتحرى فيها كمال التحري لتوقف سلامة الأنساب عليها، وأن القول بالمنع يتمشى وروح القرآن ويوافق حكمة الزواج وغايته).
- ومن جهة أخرى فإن هذا الإتجاه يعود بالنفع والأمان والسلامة والطمأنينة للأمة بأسرها، حيث يسد منافذ الفساد والانحراف داخل المجتمع وبخاصة بعدما أصبح الاختلاط بالأجنبيات أمرا عاديا في العرف السائد بدعوى التحضر والتقدم، وأن الرجل قد يدخل على المرأة ويختلي بها خلوة محرمة تحت ستار التزوج بابنتها، فلو علم هؤلاء أن مخالطة المرأة في حرام يحرم عليه ابنتها إلى الأبد، أو بأن قربان أم امرأته تحرم عليه زوجته إذا كان متزوجا بابنتها لكفوا عن مهازلهم وتجاوزاتهم. أما المالكية والشافعية فقد فتحوا الباب بدون قيود وتقيدوا بالمفهوم الشرعي للنكاح، ولذلك لم يجعلوا الوطء الحرام كالوطء الحلال في ثبوت حرمة المصاهرة، حيث أن الله تعالى بين المحرمات من النساء ثم قال وأحل لكم ما وراء ذلكم (1) ولم يذكر المزني بها وأصولها وفروعها في المحرمات فدخلت في عموم المحلل (3).
النص
على أنهم اتفقوا مع غيرهم في ثبوت الحرمة بوطء الشبهة، وقد استثنى المالكية من قاعدتهم بنت الزاني إذا نتجت عن الزنى فإنها تحرم عليه وعلى أصوله وفروعه فلا يجوز للزاني أن يتزوج بنته من الزنى ولا لأبيه ولا جده وإن علا، ولا يجوز لأبنائه التزوج بها لأنها أختهم ولو بغير طريق شرعي.
وقد جاء في المدونة أن مالكا رجع عن فتواه: «أن الحرام لا يحرم الحلال فقال:
علي يحي معمر تعليقات على كتاب النكاح للجناوني، ص 40.
2 - النساء: 24.
بدران المرجع السابق، ص 93
460 (1/468)
صفحة 469
«ما حرم الحلال فالحرام يحرمه، فقيل له: لو محوت الأول من كتابك، فقال: قد سارت به الركبان ووقع في الأمصار وكان مما اختلف فيه من مضى، وكنت قد استحسنت الأخذ به ثم رأيت غيره أحسن وأحوط فأخذت به».
وقد سئل عن رجل فجر بأم امرأته فيما دون فرجها فأمره مالك بفراق امرأته ورأى أنها قد حرمت عليه، ولعل تلميذه عبد الرحمان بن القاسم لما وجد شيخه قد رجع عن فتواه فتبعه في ذلك وخالف جمهور المالكية).
- ومهما يكن من أمر فكل فريق قد استند في مذهبه إلى أدلة تقوي رأيه رغم ما يوجد فيها من اعتراضات، ولكن عند التأمل في أدلة الفريق الأول نجدها تتماشى مع مقاصد التشريع الإسلامي وهي حفظ النسل والعرض وما دام الناس قد هتكوا ستر الحياء وانتشرت في المجتمعات الإسلامية الفواحش فيصبح من الواجب سد سد كل باب يوصل إلى الحرام وهذا هو الرأي الذي أميل إليه وأطمئن له لأنه أحوط وأسلم.
موقف القانون:
لم يتعرض قانون الأسرة الجزائري في مواده إلى قضية ثبوت حرمة المصاهرة من النكاح الفاسد ووطء الشبهة والزنى أو مقدماته ولم يشر إليها ولو إشارة عابرة ولا ندري هل وقع ذلك عن قصد أم دونه؟ بل اكتفى بذكر المحرمات بالمصاهرة من الزواج الصحيح في المادة السادسة والعشرين (26) (3) ولما ذكر ما يترتب من النكاح الباطل كالزواج بإحدى المحرمات في المادة الرابعة والثلاثين (34) (3) ذكر ثبوت النسب ووجوب الاستبراء، فلو عرضت أمام القاضي قضية من هذا النوع لتوقف أمامها كثيرا، وربما تُرِكت لاجتهاد القاضي، ويكون بذلك بين أمرين، إما يرجح الرأي الأول وهو التحريم، وإما الثاني وهو عدم التحريم بحسب ملابسات القضية ولعل المشرع الجزائري سوف يكتشف هذا الخلل ويتداركه لما يحين موعد مراجعة القانون وتعديل بعض مواده
- مالك: المدونة الكبرى، ج 2 ص 197. ابن خلفون: الأجوبة، ص 46 - 47.
2 قانون الأسرة: ص 14
قانون الأسرة: ص 18.
461 (1/469)
صفحة 470
تعريف العدة:
المبحث الثالث
العدة والاستبراء
أ- العدة في اللغة مأخوذة من العدد فهي مصدر سماعي لعد سماعي بمعنى أحصى، تقول: عددت الشيء عده، إذا أحصيته، والعد الإحصاء، والعدد مقدار ما يعد ومبلغه والجمع أعداد وكذلك العدة جمعها العدد، وتطلق العدة لغة على أيام حيض المرأة أو أيام طهرها كما يقال: اعتدت المرأة عدتها من وفاة زوجها أو طلاقه إياها، وعدة المرأة هي ما تعده من أيام أقرائها أو أيام حملها أو أيام إحدادها على بعلها،
وإمساكها عن الزينة شهوراً كان أو أقراء أو وضع حمل حملته من زوجها). ب أما العدة في الشرع: فهي أجل ضرب شرعا لانقضاء ما بقي من آثار الزواج أو الفراش (2).
وقيل: هي تربص (أي انتظار يلزم المرأة عند زوال النكاح وشبهته المتأكد بالدخول أو ما يقوم مقامه من الخلوة والموت (3).
وعرفها المالكية بأنها المدة المقررة شرعا لمنع المرأة من نكاح غير صاحب
العدة (4)
وقد أفادت هذه التعاريف الأمور التالية:
1 - أن العدة تكون من جانب المرأة، أما الرجل فلا عدة عليه؛ لأن له أن يتزوج، والزوجة معه، فأولى له أن يتزوج والمرأة في عدة منه، إلا إذا كانت المطلقة هي
1 - ابن منظور لسان العرب، ج 9/ ص 78 2 - بدران ص 455. الجزيري: ج 4 / ص 433. - الجرجاني: التعريفات، ص 192. - الجعلي: ج 2/ 95. الصاوي: ج 2 / ص 438.
462 (1/470)
صفحة 471
الزوجة الرابعة فإنه ليس له أن يتزوج والمطلقة الرابعة في عدتها بزوجة خامسة حتى تنقضي عدتها، وكذلك إذا كان قد فارق امرأة ويريد أن يتزوج أختها أو عمتها أو خالتها أو بنت أخيها أو بنت أختها فإنه لا يجوز له أن يتزوج واحدة من هؤلاء إلا بعد انقضاء عدة التي فارقها، لأنه لا يجوز الجمع بين المرأة وإحدى محارمها في عصمة رجل واحد، وما دامت العدة باقية فالعصمة لم تزل.
2 - أن المرأة لا تعتد إلا بعد تأكد الدخول بها أو الخلوة بها، أما قبل الدخول بها فلا عدة عليها لقوله تعالى: يا أيها الذين ءامنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها، غير أنه في حالة موت الزوج تجب العدة عليها ولو لم يحدث دخول أو خلوة، وهذا بالنسبة للزواج الصحيح
أما الزواج الفاسد والوطء بشبهة فلا تجب فيهما العدة إلا بالدخول الحقيقي. 3 - أن العدة شرعت لانقضاء ما بقي من آثار الزواج، ولا يحل الزواج بالمعتدة أو خطبتها ما بقيت العدة، كما يتعلق بها بعض الأحكام الأخرى كثبوت الإرث وحل المراجعة في الطلاق الرجعي).
أنواع العدة:
للعدة أنواع ثلاثة:
(2)
1 - عدة الأقراء وتكون إذا صارت المرأة ممن تحيض لقوله تعالى: {والمطلقات
يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء (3) ولفظ القرء مشترك يدل على الحيض والطهر، ويحتملهما، ولذلك اختلف في مدلوله الفقهاء: فبعضهم يرى أنه الحيض، وهم الحنفية والحنابلة وبعض الاباضية، وبعضهم يرى أنه الطهر، وهم الإباضية والمالكية والشافعية والشيعة الإمامية).
قال القطب: «تعتد ثلاثة قروء أي أطهار أو حيض، والمراد الأول لأنه المذهب
1 - الأحزاب: 49
2 - بدران: ص 455 - 456. عبد الحميد: الأحوال الشخصية، ص 334.
البقرة: 228
عاطفيش: ج 7 / ص 418 - 419. ابن رشد المقدمات، ج 5 / ص 289. ابن رشد: بداية المجتهد،
ج 3 ص 1095 - 1097 الجزيري: ج 4/ ص 456 - 458.
463 (1/471)
صفحة 472
(الإباضية) إن كانت ممن تحيض وإلا فثلاثة أشهر) (1).
2 - عدة الأشهر وتعتد بها نوعان من النساء:
أ- من لا تحيض بأن كانت صغيرة دون البلوغ، أو بلغت سن اليأس لقوله عز وجل: واللائي ينسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللاني لم يحضن (1).
ب - المتوفى عنها زوجها في نكاح صحيح فإن عدتها إن كانت غير حامل وقت وفاة زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام لقوله تعالى: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا (3)، سواء كانت الوفاة قبل الدخول أو
بعده.
(د)
فإن كان عقد النكاح فاسدا وتوفي الزوج فعدتها بالحيض إن كانت ذواته، لأن الزواج الفاسد ليس نعمة يجب على المرأة أن تحزن وتظهر الأسف لزوالها فتكون العدة بالحيض (4)
وهي
-
عدة وضع الحمل وتعتد بها المرأة التي وقعت الفرقة بينها وبين زوجها حامل سواء كانت هذه الفرقة بالطلاق أو الفسخ أو الوفاة، وذلك حسب ما بينه
(0)
القرآن الكريم في قوله تعالى: وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن وتنقضي العدة بوضع الحمل سواء كان العقد صحيحا أو فاسدا، لأن النص الوارد في الآية بإطلاقه يشمل كل معتدة حامل، سواء كانت تعتد لوفاة زوجها أو لفرقة بطلان أو فسخ، وهذا حسب رأي جمهور فقهاء الصحابة والأئمة من بعدهم.
وذهب بعض فقهاء الصحابة منهم علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وفقهاء الإباضية (6) ورواية عن مالك أن عدة الحامل لوفاة زوجها هو أبعد الأجلين،
2 - الطلاق: 4.
- البقرة: 234.
1 - اطفيش: ج 313/ 6. 4 - الجناوني: ص 312 - 313. اطفيش: ج 7 / ص 418 - 421. ابن رشد بداية المجتهد، ج 3 ص 1094 - 1099 الجعلي: ج 2 / ص 95 - 97. الصاوي: ج 2 / ص 438 - 439.
5 - الطلاق: 4.
6 - وقد أفتي الشيخ أحمد الخليلي بأن عدة الحامل المتوفي عنها زوجها هي وضع الحمل، خلافاً لجمهور الإباضية: راجع فتاوى شرعية: مخطوط في مكتب الإفتاء، سلطنة عمان
464 (1/472)
صفحة 473
أي أطول الأمرين اللذين هما وضع الحمل، أو مضي أربعة أشهر وعشر، فأيهما كان أخيرا تنقضي به العدة جمعا للآيتين آية الأحمال وآية المتوفى عنها زوجها.
تعريف الإستبراء:
أ- الاستبراء مشتق من التبرئ وهي التخليص وحقيقته في اللغة: الاستقصاء والبحث والكشف عن الأمر الغامض، ومنه الاستبراء الذي يسبق الاستنجاء في الطهارة وهو أن يستفرغ بقية البول وينقى موضعه ومجراه.
واستبرأ المرأة إذا لم يطأها حتى تحيض، وكذلك استبرأ الرحم ومعناه طلب براءته من الحمل (2).
(2)
ب ومعنى الاستبراء في الشرع: الكشف عن حال الأرحام عند انتقال الأملاك مراعاة لحفظ الأنساب (3). وعرفه ابن عرفة المالكي بأنه مدة دليل براءة الرحم لا لرفع عصمة أو طلاق، لتخرج العدة (4).
والذي نستنتجه من هذين التعريفين أن الاستبراء قريب من العدة ويراد به التأكد من براءة الرحم وخلوه من الحمل، وذلك حفاظا للأنساب من اختلاط المياه، ويشمل الاستبراء الأمة والحرة معا ولكن غالبا ما يكون عند الإماء.
حالات وجوب العدة والاستبراء:
إن المتتبع لأقوال الفقهاء في مسائل العدة والاستبراء يجدهم تارة يستعملون لفظ العدة وتارة أخرى لفظ الاستبراء، ولكن متى تجب العدة على المرأة؟ ومتى يجب عليها الاستبراء؟
العدة: إذا وقعت الفرقة بين الزوجين بطلاق أو فسخ أو وفاة وكان النكاح
1 - الجعلي: ج 2 ص 98. ابن رشد: بداية المجتهد، ج 3/ ص 1106. اطفيش: الشرح، ج 7 / ص 421 - 422.
2 - ابن منظور: ج 1/ ص 356.
- الجعلي: ج 2 / ص 101. - الصاوي: ج 2 / ص 457.
465 (1/473)
صفحة 474
صحيحا فإنه يجب على المرأة الاعتداد لاستبراء رحمها وكذا الحال إذا وقعت الفرقة بعد الدخول في نكاح فاسد دون علم بالتحريم.
الاستبراء: فقد اتفق الفقهاء على وجوبه على الأمة بعد الشراء، فلو اشترى رجل جارية فلا يطؤها حتى تحيض عنده حيضة، ثم تطهر، وكذا إذا سباها فلا يطأها حتى يستبرئها بحيضة) وذلك لحديث رويفع بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها»، قال ابن عمر: إذا وهبت الوليدة التي توطأ أو بيعت أو أعتقت فلتستبرأ بحيضة ولا تستبراً
العذراء).
ولكن متى تستبرأ الحرة؟:
يرى جمهور الفقهاء أن عدة المرأة إنَّما وجبت بغرض استبراء رحمها، قال الجناوني معللا سبب وجوب العدة: «إنها لقطع الشبهة وانتضاف الرحم» (3).
وقد حدد الفقهاء بعض الحالات يجب فيها استبراء الحرة من ذلك:
أ- إذا وقع الدخول في نكاح فاسد متفق على تحريمه بعد العلم بالحرمة، كمن دخل على أُمه أو أخته أو زوجة الغير فإن ذلك يعتبر زنى رغم وجود صورة العقد، فالمرأة في هذه الحالة لا تعتد عدة المطلقات، وإنما تستبرئ رحمها مقدار العدة؛ لأن العدة لا تكون إلا من نكاح صحيح أو فاسد بشرط عدم العلم بالحرمة وكذلك وطء
الشبهة.
ب - وذكر المالكية خمس حالات يجب فيها استبراء الحرة وهي شبهة النكاح والملك وشبهته والزنا، والاغتصاب (4).
هذا وقد اختلف الفقهاء في تحديد مدة الاستبراء، هل تحدد بعدة المطلقات وهي ثلاثة قروء أم ثلاثة أشهر، أم تكون بحيضة واحدة كاستبراء الأمة؟
-
الصاوي: ج 2 / ص 457. الجعلي: ج 2 ص 101.
2 - الشوكاني نيل الأوطار، باب استبراء الأمة ملكت، ج 6 / ص 344.
الجناوني: ص 315.
4 - الصاوي: ج 2 / ص 220 وما بعدها.
466 (1/474)
صفحة 475
1 - رأي الإباضية:
يرى جمهور الإباضية أن استبراء الحرة يكون بثلاث حيضات كعدة المطلقات
وهذا رأي الجمهور ورواية عن مالك).
2 - رأي المالكية:
وذهب جمهور المالكية إلى أن الاستبراء يكون بحيضة واحدة وهو الرأي المعمول به في المذهب أخذا من رواية مشهورة عن مالك، وقد أشار ابن رشد إلى اختلاف المالكية في هذه المسألة فذكر أنه نقل عن مالك روايتان إحداهما أنه حيضة واحدة وهو قول أكثر أهل المذهب، والثاني أنه ثلاث حيض وهو مذهب ابن الماجشون وحكاه عبد الوهاب (3).
(2)
وإلى هذا الرأي ذهب الجعلي فبين أن الحرة التي من ذوات الحيض استبراؤها ثلاثة قروء كمدة عدة طلاقها بعد الدخول من نكاح صحيح أو فاسد، وإن كانت لا تحيض لصغر أو كبر أو غيره، فاستبراؤها ثلاثة أشهر، ولا تحل للأزواج إلا بعد رؤيتها للحيضة الثالثة، واستثنى من هذه القاعدة ثلاثة مسائل تستبرئ فيها الحرة بحيضة واحدة
أحدها اللعان، وثانيها: الزني، وثالثها الردة (3).
ووافق داود الظاهري جمهور المالكية فجعل استبراء الحرة بحيضة واحدة كالمختلعة والملاعنة والمختارة نفسها، والمعتقة والمدبرة (4).
أولا: العدة في النكاح الفاسد:
إذا حصلت المتاركة أو التفريق بعد الدخول الحقيقي في النكاح الفاسد سواء كان متفقا على فساده كنكاح المحارم، أو مختلفا فيه كنكاح المتعة، فإن كانت المرأة
- الجناوني: مرجع سابق، ص 315 ابن رشد: المقدمات، ج 5 / ص 365. الجعلي: ج 2 ص 103.
-
ابن رشد المقدمات ج 5 / ص 365 - 366.
- الجعلي: ج 2 ص 103
4 - ابن بركة: كتاب الجامع، ج 2/ ص 191.
467 (1/475)
صفحة 476
حاملا فعدتها تكون بوضع الحمل، وإن كانت من ذوات الأقراء فعدتها ثلاثة قروء (حيضات أو أطهار على خلاف حتى ولو كان سبب الفرقة الوفاة، وذلك لأن وجوب العدة في هذه الحالة إنما هو لتعرف براءة الرحم لا لقضاء حق الزوج بإظهار التأسف على زواله، إذ لا حق في الزواج الفاسد، وإن لم تكن من ذوات الحيض فعدتها ثلاثة أشهر (1).
- وقد وضع الإباضية والمالكية قاعدة عامة لثبوت العدة في الأنكحة الفاسدة تضبط مختلف المسائل الجزئية فيها، قال القطب: تلزم العدة في الانفساخ متفقا عليه أو مختلفا فيه إن مس»
وعبر عنها سحنون في المدونة بقوله: «كل نكاح فاسد لا يترك أهله عليه على حال فإنه إذا فرق بينهما اعتدت عدة المطلقة (3).
-
- هذا واشترط جمهور المالكية لثبوت العدة في الأنكحة المتفق على فسادها عدم علم الرجل بالتحريم، فإن كان عالما به وتعمد الدخول يعتبر في حكم الزنى
ويجب على المرأة الاستبراء، وهذا خلافا للإباضية حيث يوجبون العدة مطلقا. وبناء عليه: فلو كان النكاح متفقاً على فساده، وذلك كمن عقد على أخته من نسب أو رضاع أو خالته أو عمته غير عالم، فإن فسخ النكاح قبل المس فلا عدة عليها، وإن وطئها قبل الفسخ ثم حكم بفسخه بعد الدخول، فإنها تعتد وجوبا كعدة المطلقات بالأقراء إن كان من ذوات الحيض أو الشهور إن لم تكن كذلك، أو بوضع حملها إن كانت حاملا ثم تحل للأزواج بعد ذلك (4) مما سبق يمكن إدراك الفرق بين العدة في النكاح الفاسد والعدة في النكاح الصحيح وذلك من عدة أمور:
-
1 - أنه يشترط في النكاح الفاسد الدخول الحقيقي، أما الخلوة وإمكان الوطء لا
اطفيش: ج 6 / ص 526. الصاوي: ج 2 / ص 246 - 250. الكشناوي: أسهل المدارك، ج 2/ص 88. ابن عبد
البر: ص 238.
اطفيش: ج 6 / ص 526.
- مالك: المدونة، ج 2/ ص 28
4 - الجعلي: ج 2 / ص 99. الكشناوي: المرجع نفسه، ج 81/ 2
468 (1/476)
صفحة 477
تكون منه العدة خلافا للنكاح الصحيح.
- أن النكاح الفاسد لا تعتد المرأة فيه عدة الوفاة وهي أربعة أشهر وعشراء
وإنما تعتد عدة المطلقات خلافا للنكاح الصحيح.
وقد سأل سحنون ابن القاسم عن عدة المرأة المتوفى عنها زوجها ثم تعلم أن نكاحها كان فاسدا، هل تعتد عدة الوفاة وهي الإحداد؟ قال: قال مالك: «لا حداد عليها ولا عدة وفاة، وعليها ثلاث حيض استبراء الرحمها (1).
3 - بداية احتساب العدة تكون من وقت حصول الفرقة بين الزوجين سواء كانت فرقة طلاق أو فسخ وإظهار العزم على ترك مسها ووطئها، ولا يتوقف ابتداؤها عند الجمهور على علم الزوجة بالفرقة، لأن العدة مدة حددها الشارع بعد وقوع المتاركة بينهما، فمتى وجد السبب بدأت العدة. وروي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه - أنها تبدأ من علم المرأة إذا وصل إليها خبر الفُرقة.
ويرى زفر صاحب أبي حنيفة أنها تبدأ من آخر اتصال بين الرجل والمرأة، لأن سبب وجوب العدة في الزواج هو الاتصال الجنسي بين الزوجين ().
حكم العدة في بعض الأنكحة الفاسدة:
مما سبق ذكره يتضح لنا حكم العدة في الأنكحة الفاسدة بصفة عامة والفرق بينها وبين النكاح الصحيح، إلا أنه توجد أحكاما خاصة لبعض الأنكحة الفاسدة ومن المناسب أن نذكرها هنا زيادة في البيان من ذلك:
-1 الجمع بين محرمين
يرى جمهور فقهاء الإباضية وآخرون أنه إذا جمع الرجل بين محرمين كأم وابنتها أو أختين ومن في حكمهما ووقعت الفرقة بين الزوجين، فإن حكم العدة يكون حسب الحالات التالية
1 - مالك: ج 37/ 2.
2 - بدران: ص 468. أحمد إبراهيم: الأحوال الشخصية، ص 477 - 478. الزحيلي: الفقه الإسلامي،
ج 7/ص 110 - 111.
469 (1/477)
صفحة 478
أ- الجمع بين محرمين في عقد واحد:
- إن وقع الفسخ قبل الدخول بواحدة منهما فلا يلزمهما عدة.
- وإن وقع الفسخ بعد الدخول بهما، فكل واحدة منهما تستبرئ بثلاث حيض، وإن كانت حاملا فتضع حملها، وأما الآيسة ثلاثة أشهر.
- وإن وقع الفسخ بعد تمام الدخول بواحدة منهما، معلومة، فيفرق بينه وبينها ويجب عليها الاستبراء بثلاث حيض.
- وأما إن دخل بواحدة منهما غير معروفة، فادعت كل واحدة منهما هي التي دخل بها، فالقول قول الزوج مع يمينه في تعيين التي يقر أنه دخل بها، ويجب على كل واحدة منهما الاستبراء بثلاث حيضات، لأن واحدة منهما قد دخل بها مؤكدا والأخرى يشتبه في أمرها فتعتد لرفع الشبهة.
ب الجمع بين محرمين في عقدين أحدهما سابق للآخر:
أما إن جمع بين محرمين في عقدين مترتبين واحدة بعد الأخرى، فبيان حكم عدتها يكون في ستة أوجه:
الأول: إن اطلع على فساد العقد قبل أن يدخل بواحدة منهما فلا عدة عليهما. الثاني: وإذا علم بالفساد بعد الدخول بهما جميعا فيفرق بينه وبينهما، ويكون عليهما الاستبراء بثلاث حيضات.
الثالث: وإن اطلع على فساد العقد بعد الدخول بالأولى فحكم ذلك أن يفرق بينه وبين الثانية ولا تحل له أبد ويبقى مع الأولى إن كانت البنت باتفاق، وإن كانت الأم
على اختلاف.
الرابع وأما إن عثر على فساد العقد حتى دخل بالثانية، فالحكم فيه أن يفرق بينه وبينهما جميعا، ويمكن له أن يتزوجها بعد الاستبراء من الماء الفاسد بثلاث حيضات إن كانت البنت وإن كانت الأم لم تحل له بواحدة منهما أبدا.
الخامس وأما إن علم بالفساد بعد أن دخل بواحدة منهما معروفة ولم يعلم إن
470 (1/478)
صفحة 479
كانت
هي
الأولى أو الثانية، فالحكم فيه إن كانت الأم هي المدخول بها منهما أن يفرق بينه وبينهما، ولا تحل له واحدة منهما أبدا، وإن كانت الابنة هي المدخول بها فرق بينهما ثم يتزوج الابنة إن شاء بعد الاستبراء بثلاث حيضات.
وإن مات الزوج يكون على المدخول بها منهما من العدة أقصى الأجلين، وأما التي لم يدخل بها منهما فلا عدة عليها.
السادس: وأما إن عثر على الفساد بعد الدخول بواحدة منهما غير معروفة، فالحكم فيه أن يفرق بينهما، ولا تحل له واحدة منهما أبدا، وتعتد كل منهما ثلاث
حيضات.
وإن مات الزوج تعتد له واحدة منهما أقصى الأجلين).
2 - الجمع بين أكثر من أربع نسوة:
إذا جمع الرجل في عصمته أكثر من أربع نساء ثم علم بفساد ذلك فإنه يفرق بينه وبينهن وتجب العدة على من دخل بها منهن ثلاث حيضات، أما التي لم يدخل بها فلا تجب عليها العدة.
وإن مات عنهن وقد تزوجهن في عقود يختلف زمانها إلا أنه لا يعلم الأخيرة منهن، فالعدة واجبة على كل من دخل بها في هذه الحالة بأقصى الأجلين، أجل
الموت وأجل الطلاق حسبما ذكره ابن رشد عن المالكية وهو رأي الإباضية. وما قيل في المسلم يقال في المجوسي أو المشرك إذا أسلم وعنده أكثر من أربع نسوة فينطبق عليهن نفس الأحكام من حيث العدة والاستبراء (3).
- نكاح المعتدة:
إذا تزوج امرأة معتدة من غيره ودخل بها بطل النكاح ووجب التفريق بينهما ولكن ما حكم عدتها؟.
1 - البسيوي الجامع، ج 3 ص 26 وما بعدها. الشقصي: منهج الطالبين، ج 15/ص 152 - 154. أبو الحواري: الجامع، ج 3 ص 117. ابن رشد: المقدمات على المدونة، ج 5 / ص 249 - 252. 2 - ابن رشد المرجع نفسه ج 5 / ص 252 - 253. الشقصي: المرجع نفسه، ج 15/ ص 138 - 139. ابن وصاف: شرح دعائم ابن النظر، ج 2 / ص 105 - 106. أبو الحواري: المرجع نفسه، ج 3/ ص 151.
471 (1/479)
صفحة 480
اختلف الإباضية والمالكية في حكم هذه المسألة إلى رأيين:
أ - رأي الإباضية:
يرى جمهور الإباضية أن المعتدة إذا تزوجت في عدتها وجب عليها عدتان، وذلك يكون باستكمال العدة الأولى من الزوج الأول حتى تنقضي ثم تستأنف العدة الثانية من الزوج الثاني، واستدلوا على رأيهم بما روي عن إمام المذهب جابر بن زيد حيث سئل عن رجل تزوج امرأة في عدتها فدخل بها، فقال: يفرق بينهما ولها صداقها لما استحل منها، وعليها العدتان تقضي ما بقي من عدة الأول، ثم تعتد من الآخر، وإن لم يكن دخل بها بطل نكاحه وليس لها عليه صداق.
وقال ضمام بن السائب في المرأة إذا وهلت في عدتها وظنت أن عدتها قد انقضت وهي قد بقي شيء من عدتها، فتزوجت فإنه يفرق بينهما، ثم تبدأ بالأيام التي بقيت، فتعدتها، فإن ارتجعها زوجها الأول فيهن فإنها تعتد من الآخر، فإذا انقضت عدتها منه دخل بها الأول).
ب رأي المالكية:
اختلف المالكية فيم يجب على المرأة المعتدة إذا تزوجت في عدتها ثم افترقت عن زوجها بعد دخوله بها في عدتها من الأول.
- فروى ابن القاسم عن مالك: أنه ليس لها إلا ثلاث حيض، وإن ذلك يجزئها من العدتين جميعا، وسواء كان نكاحه إياها بعد حيضة أو بعد حيضتين، فإن عليها أن تعتد ثلاث حيضات تستأنفها بعد الفرقة بينها وبين الزوج الثاني.
وروى أهل المدينة عن مالك رواية أخرى وهي أنها تتم بقية عدتها من أول حيضة كانت أو حيضتين أو أكثر ثم تستأنف عدتها ثلاث حيض كاملة من الثاني على ما روي عن عمر في ذلك وهذه الرواية تتوافق مع رأي الإباضية.
- أما إن كانت المرأة المتوفى عنها زوجها ودخل بها الثاني في عدتها، فيفرق
1 - الخروصي سعيد بن خلف بن محمد: من جوابات الإمام جابر بن زيد، ص 149 - 150، (جمع وترتيب) ط ا،، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، 1404 هـ / 1984 م.
472 (1/480)
صفحة 481
بينهما وتستكمل بقية عدتها الأولى وهي أربعة أشهر وعشرا من يوم وفاة زوجها،
تستكمل فيها ثلاث حيضات وهذا ما عليه العمل في المذهب المالكي.
-
- وأما على قول عمر بن الخطاب فإنها تستأنف ثلاث حيضات بعد الأربعة الأشهر والعشر أيام وهذا ما ذهب إليه جمهور الإباضية).
ثانيا: العدة من وطء الشبهة
اتفق جمهور الفقهاء من الإباضية والمالكية وآخرين على أن الوطء بشبهة تجب فيه العدة كما تجب من الدخول في النكاح الفاسد، وذلك لاستبراء رحم الموطوءة من الماء الفاسد، وتقدر مدة العدة أو الاستبراء للحائض ثلاث قروء وغير الحائض ثلاثة
أشهر.
أ- ومن أمثلة الوطء بشبهة أن يطأ الرجل نائمة بشبهة أنها زوجته، وكذلك لو تزوج امرأة غيره غير عالم بحالها ودخل بها، فيحرم على زوجها الشرعي أن يقربها حتى تنقضي عدتها من زوجها الثاني، وأما إذا كان عالما بحالها فتعتد كذلك لاستبراء رحمها لأن هذا الفعل يعتبر زنا.
ب ومن الأمثلة التي ذكرها الفقهاء لوطء الشبهة أن رجلا زوج ابنيه بنتين فأدخل النساء زوجة كل أخ على أخيه.
وحكم هذه المسألة أن كل واحد من الأخوين يجتنب التي أصابها وتعتد لتعود الى زوجها، وخالف أبو حنيفة رأي الجمهور فقال: إذا رضي كل واحد بموطوءته يطلق كل واحد زوجته، ويعقد على موطوءته ويدخل عليها للحال، لأنه صاحب العدة، فَفَعَلا كذلك»، ورجع العلماء إلى جواب أبي حنيفة، ولكن لو لم يرض الرجلان بذلك فلا مناص من اتباع ما أجاب به العلماء.
- وقد حدد الفقهاء ما يترتب على وطء الشبهة من أحكام وهي:
1 - وجوب المهر للموطوءة على من وطئها.
1 - ابن عبد البر: ص 237.
473 (1/481)
صفحة 482
2 - وجوب العدة من الواطئ، فإن كانت متزوجة امتنع زوجها من قربانها حتى تنقضي عدتها من الواطئ.
-
إذا كانت متزوجة ووطئها غير زوجها بشبهة، فطلقها زوجها قبل الدخول والخلوة بها فلا عدة عليها لمطلقها؛ لأنه طلاق قبل الدخول والخلوة، ولها عليه نصف المسمى أو المتعة، ثم إذا أراد الواطئ أن يتزوجها فعند الإباضية يحرم عليه ذلك لأن الحرام يحرم الحلال ولو كان دون عمد ويجب عليها العدة.
- أما عند المالكية فتعتد منه وبعد انقضاء عدتها يصح له العقد عليها.
- أما عند الحنفية والشافعية فلا عدة عليها وإذا أراد الواطئ أن يتزوجها فله ذلك في الحال، لأنها معتدته ما دامت غير حامل، أما إذا أراد غيره التزوج بها وجب عليه الانتظار حتى تنقضي عدتها من الواطئ).
ثالثا: العدة من وطء الزنى
إذا زنت المرأة عن طواعية أو اغتصبت عن كراهية وكانت ذات زوج أو دونه، فما حكم عدتها بعد الزنى؟ هل تجب عليها العدة أم لا؟.
اختلف الفقهاء في هذه المسألة إلى رأيين:
الرأي الأول: وجوب العدة والاستبراء:
يرى جمهور الفقهاء من الإباضية والمالكية والحنابلة وآخرون أن المرأة الزانية أو المزني بها يجب عليها العدة من الزنى لأن ذلك كالوطء بشبهة، فتستبرئ بقدر عدة المطلقة فإن كانت لا تحيض لصغر أو كبر، فعدتها ثلاثة أشهر، وإن كانت حاملا فبوضع الحمل.
وإن حملت من زنى قبل الدخول بها فلا يجامعها زوجها حتى تضع حملها (3). قال القطب: «وفي لزوم العدة بالزنى قولان الأصح اللزوم، ثلاثة قروء» (3).
1 - اطفيش: ج 6 / ص 526. الصاوي: ج 2 / ص 442. أحمد إبراهيم: ا ص 467. بدران: اص 470.
اطفيش: ج 6 / ص 405.
???
اطفيش: ج 6 / ص 419.
- (1/482)
صفحة 483
وقال الدردير فقيه المالكية: يجب على الحرة قدر العدة، فذات الأقراء ثلاثة قروء، وذات الأشهر ثلاثة أشهر، والمرتابة سنة استبراء لرحمها إن وطئت بزنا أو شبهة أو غلب عليها غاصب أو سَابِ سباها في حرب، أو مشتر اشتراها جهلا أو تعمدا
للضلال).
ويري جمهور المالكية أن الزانية إذا أريد لها إقامة الحد عليها فإنها لا تعتد عدة المطلقة، وإنما تستبرئ بحيضة واحدة فقط). وهل تعتد المرأة بعد وفاة زوجها إن ظهر أنها كانت معه على علاقة غير شرعية؟ وقد سئل السالمي عن ذلك في امرأة جاءت وتقول زوجها الهالك كانت معه على باطل، والآن تابت ورجعت وندمت على ما فعلت أترى عليها عدة المميتة، أم تعذر من العدة، فأجاب قائلا: «أتدري ما الباطل الذي تعنيه هذه المرأة؟ فإن كانت تعني أنها ليست زوجته، وأن مقامها معه على باطل فليس على هذه المرأة عدة المميتة، لأنها ليست بزوجته، لكن عليها أن تعتد عدة المطلقة استبراء للرحم إذا شاءت التزويج. (3).
الرأي الثاني: عدم وجوب العدة والاستبراء
وذهب جمهور الحنفية والشافعية والجعفرية إلى أن المرأة الزانية أو المزني بها لا تجب عليها العدة من الزنى، لأنه لا حرمة لماء الزاني، فيجوز العقد على المرأة بعد الزنى ولو كانت حاملا ولكن الحنفية لا يجيزون الدخول على الحبلى من الزنا حتى تضع حملها، واستدلوا على رأيهم بحديث أخرجه البيهقي في سننه في باب لا عدة على الزانية ومن تزوج امرأة حبلى من زنا لم يفسخ النكاح، عن سعيد بن المسيب أن رجلا تزوج امرأة فلما أصابها وجدها حبلى فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم «ففرق بينهما
وجعل لها الصداق وجلدها مائة (0).
- x
- الصاوي: ج 2 ص 442.
الجعلي: ج 2 ص 103.
المرأة المتوفى عنها زوجها.
- السالمي: الجوابات، ج 3 ص 303.
- ابن خلفون: ص 45.
ه البيهقي: السنن الكبرى، كتاب النكاح، ج 7/ ص 157 - 158.
475 (1/483)
صفحة 484
وعقب البيهقي على هذا الحديث أنه حديث مرسل وقد مضت الدلالة على جواز نكاح الزانية المسلمة، ولأنه لا يفسخ بالزنا وإنما جعل الله تعالى العدة في النكاح، وجعل النبي الله الاستبراء من الملك، وأجمع أهل العلم أن ولد الزنا من الحرة حرا فيشبه أن يكون هذا الحديث إن كان صحيحا منسوخا (1)
ونستنتج من عبارة البيهقي أنه يرى عدم لزوم العدة أو الاستبراء على المرأة الزانية، أما الحديث الذي رواه عن سعيد بن المسيب فيرى أنه إن ثبتت صحته يكون حكمه النسخ لأنه لا يعمل به عند أصحابه من الشافعية وهذا خلافا للجمهور.
منشأ الخلاف
وقد أشار القطب إلى سبب الخلاف بين الفقهاء في هذه المسألة فذكر أن بعض الفقهاء يرى عدم لزوم العدة إلا من عقد صحيح مع وطء، ولا تلزم من فاسد ولا من زنى؛ لأن الله سبحانه ذكر العدة في النكاح الشرعي، ولم يذكره في النكاح الفاسد، والذي هو زني.
العدة بالزني
أما وجه إيجاب الجمهور للعدة من الفاسد والزنى أن العلة إما استبراء الرحم من الولد، وإما الفصل بين الماءين، الماء الحلال وغير الحلال، وهذا الفصل تعبد، فقد يكون الولد من الزنى فيتزوج الرجل بها وهو في بطنها، فتكون قد أدخلت على قوم وارثا لهم غير وارث، وموروثا لهم ليس بموروث لهم وإنما يسهل عدم والفاسد إن كانت المرأة عند زوج؛ لأن الولد للفراش ولو كان من زنى. ثم رجح القطب رأي الجمهور بعد أن ظهرت لديه قوة حجتهم فقال: «والتحقيق لزوم العدة مطلقا، ولا سيما من نكاح فاسد لا على نية الزنى فإنه كنكاح صحيح» (3). ولكن الصنعاني - فقيه الشيعة الزيدية - رجح الرأي القائل بعدم لزوم العدة من الزنى بعد أن ذكر اختلاف الفقهاء في عدة الزانية غير الحامل، هل تجب عليها عدة كاملة أم تستبرأ بحيضة واحدة، وبين أن بعض الفقهاء يذهب إلى وجوب عليها، وذهب أكثرهم إلى عدم وجوب العدة عليها مستدلين بالحديث الصحيح «الولد
1 - البيهقي: السنن ج 7 ص 158.
3
العدة
اطفيش: ج 6 / ص 404.
??? (1/484)
صفحة 485
للفراش» (1)، ولا دليل فيه إلا على عدم لحوق ولد الزني بالزني.
أما القائلين بوجوب العدة قد استدلوا بعموم الأدلة ولا يخفى أن الزانية غير داخلة فيها، فإنها في الزوجات نعم تدخل في دليل الاستبراء (2)، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «لا
توطأ حامل حتى تضع ولا غير حامل حتى تحيض حيضة. (3).
والخلاصة:
أنه بعد النظر في أدلة كل فريق يظهر لنا أن ما ذهب إليه أصحاب الرأي القائل بوجوب العدة هو المعتمد لقوة أدلتهم وأنه أدعى إلى الاحتياط وصيانة للأنساب من الاختلاط، لأن الفروج مما يجب أن يحتاط فيها، وهذا الرأي هو الذي تطمئن إليه النفس لموافقته مقاصد الشريعة العامة وهي حفظ النسل والعرض.
موقف القانون من العدة والاستبراء
لم يغفل القانون قضية عدة المرأة واستبرائها بعد الدخول بها، فقد نصت المادة الثامنة والخمسين (58) منه على عدة المطلقات فقال: «تعتد المطلقة المدخول بها غير الحامل بثلاثة قروء واليائس من الحيض بثلاثة أشهر من تاريخ التصريح بالطلاق» (4).
- أما المادة التاسعة والخمسين (59) فقد نصت على عدة المتوفى عنها زوجها: «تعتد المتوفى عنها زوجها بمضي أربعة أشهر وعشرة أيام، وكذا زوجة المفقود من تاريخ صدور الحكم بفقده» (ه).
- وأما المادة الستون (60) فقد نصت على عدة الحامل فذكرت أن «عدة الحامل وضع حملها وأقضى مدة الحمل عشرة (10) أشهر من تاريخ الطلاق أو الوفاة.
1 - سبق تخريجه
2 - الصنعاني سبل السلام، ج 3 / ص 426. 3 - أخرجه الشوكاني: نيل الأوطار، عن أبي سعيد، باب استبراء الأمة ملكت، ج 6 / ص 342. وأخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس، كتاب قسم الفيء حديث رقم (2658)، وقال حديث صحيح الإسناد،
ج 2 / ص 476 - 477.
- قانون الأسرة: 30.
ه - نفس المرجع.
6 - نفس المرجع.
477 (1/485)
صفحة 486
- ومما يمكن أن نستنتجه من المواد السابقة أن القانون قد وافق رأي الشريعة في بيان أنواع العدة ومددها وذلك إن كان النكاح صحيحا.
- أما إن كان النكاح فاسدا فقد نصت المادة الرابعة والثلاثين منه أن: «كل زواج بإحدى المحرمات يفسخ قبل الدخول وبعده ويترتب عليه ثبوت النسب ووجوب الاستبراء (1).
- ويبدو من هذه المادة أن القانون لم يفرق بين من تزوج امرأة محرمة عليه مؤبدا أو مؤقتا، وبين من يفعل ذلك عالما متعمدا أو جاهلا بالتحريم.
كما أنه أوجب على المرأة الاستبراء دون تفريق بين حالة الدخول وعدمه خلافا لما جرى عليه الفقهاء حيث أوجبوا العدة في النكاح الفاسد بعد الدخول، فإن لم يقع
فلا عدة عليها.
كما أن الفقهاء ميزوا بين حالة العمد وحالة الجهل، ففي الحالة الأولى يجب
عليها الاستبراء، وفي الحالة الثانية يجب عليها العدة كالصحيح.
كما أن القانون لم يشر إلى وجوب العدة أو عدمها في حالتي الوطء بشبهة أو
الزني خلافا للشريعة الإسلامية.
الحكمة من مشروعية العدة والاستبراء
إتماما للفائدة وجدنا من المناسب إضافة الحكمة من مشروعية العدة والاستبراء
على المرأة لهذا المبحث فقد وجبتا على النساء لحكم ومقاصد عديدة منها: 1 - التحقق من براءة رحم المرأة وخلوه من الأولاد والفصل بين المائين، ولما كانت هذه الحكمة لحق الأزواج الذين فارقوا هؤلاء الزوجات حتى لا ينسب أولادهم لغيرهم ولحق الأزواج الذين يريدون التزوج بهؤلاء الزوجات من بعد، لئلا ينسب إليهم من الأولاد من ليس منهم، إذ لم تفرق الشريعة فيها بين من تفارق الرجل بعد زواج صحيح محترم شرعا، ومن تفارقه بعد نكاح فاسد لا احترام له شرعا؛ لأنه إن فات النظر إلى الرجل الذي يفارقها فقد بقي النظر إلى الرجل الذي يريد أن يتزوجها.
1 - قانون الأسرة: ص 18.
478 (1/486)
صفحة 487
2 - كما شرعت عدة الوفاة لإظهار الحداد لوفاة الزوج والحزن والأسف على فقدانهن والوفاء له بعد أن نعمت بعشرته زمنا، وفي ذلك من سمو العاطفة ومن تقدير الرابطة الزوجية بين الزوجين اللذين ارتبطا بعقد صحيح مقبول شرعا ما ليس يخفى
أمره.
كما أن الشريعة أوجبت العدة على من يتوفى عنها زوجها الشرعي بدون تفرقة بين أن يكون قد دخل بها أو لم يدخل بها، ولكنها لم توجب العدة أصلا على المرأة التي توفي عنها زوجها غير الشرعي إذا لم يكن قد دخل بها، أما إن دخل بها في نكاح فاسد وتوفي عنها فلا يجب عليها عدة الوفاة وإنما أوجبت عليها عدة من يفارقهن أزواجهن بغير الوفاة.
ومن هنا نجد الشرع الحنيف لا يعتمد الزواج غير الشرعي ولا ينظر إليه بعين الاعتبار، ومن ثم لم يوجب عدة على المتوفى عنها في الزواج الفاسد؛ لأنه لا يعد زوجا شرعيا، أما وجوبها في حالات الفرقة أو على المتوفى عنها في حالة الدخول بها فإنما استلزمه ضرورة التأكد من براءة الرحم منعا للمفاسد المترتبة كاختلاط الأنساب ونحوها.
- كما أن تعجيل المتوفى عنها زوجها بالزواج من زوج جديد يسيء إلى أهل الزوج ويفضي إلى الخوض في المرأة بما لا ينبغي أن يكون عليه من التهافت على
الزواج.
ه - ومن الحكم المستفادة من العدة أيضا إعطاء الزوج الذي فارق زوجته فرصة ليرتجعها إن بدا له ذلك إن كان عقد النكاح صحيحا، فلعله فارقها تحت تأثير لم يكن في وسعه أن يدفعه عن نفسه، أو لعله تخيل الشيء ثم خاله صحيحا وتبين أنه ليس من الصحة في شيء فيأخذه الندم ويتحرق قلبه حسرة وأسفًا على ما جر على نفسه، فلئلا تنقطع عليه السبيل أوجبت الشريعة على الزوجة أن تنتظره مدة معلومة حتى إذا انقضت ولم يُعدها إلى عصمته، فقد أوصدت عليه أبواب المعذرة، وقد أشار الله عز وجل إلى هذه المعاني في آيات عديدة من ذلك قوله تعالى: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن واحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد
479 (1/487)
صفحة 488
ظلم نفسه لا تدري لعل الله يتحدث بعد ذلك أمرا (1).
وقال أيضا: وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا)، فهذه بعض الحكم التي قد يتوصل إليها كل من تأمل في هذه النصوص وفي الحكمة من تشريع
الإسلام للعدة والاستبراء (3).
1 - الطلاق: 1. 2 - البقرة: 228
اطفيش: ج 6 / ص 404,92. الجناوني: ص 315. الجعلي: ج 2/ ص 96. ابن رشد المقدمات على المدونة ج / ص 290. بدران: الفقه، ص 456. عبد الحميد: الأحوال الشخصية، ص 336 - 337.
480 (1/488)
صفحة 489
الخاتمة
بعد الدراسة المتواضعة للأنكحة الفاسدة وما يترتب عنها من آثار وأحكام شرعية خلصنا إلى النتائج التالية:
1 - أن المذهب الإباضي يعتمد في استدلاله على أصول أصلية كالقرآن والسنة والإجماع والقياس والمذهب المالكي أيضا يأخذ بهذه الأصول، ولكن يظهر
الاختلاف بين المذهبين في بعض المصادر التبعية كعمل أهل المدينة.
كما يلاحظ أنه لا توجد فروق كبيرة بين المذهبين في مسائل الزواج والطلاق إلا في بعض القضايا المحدودة، ولعل ذلك يعود إلى البيئة الاجتماعية والجغرافية التي نشأ وانتشرا فيها، وهي المغرب الإسلامي الكبير.
2 - عناصر عقد النكاح في المذهبين هي الصيغة والرضى والزوجين والولي،
والشهود والصداق، ولكن جرى الاختلاف في اعتبار كل منها ركنا أو شرطا.
- لقد كان منطلقنا في هذه الدراسة تطبيق نظرية الصحة والفساد والبطلان في النكاح، فظهر لنا أن المذهبين وغيرهما قد اتفقوا على مفهوم الصحة، وأن الفساد والبطلان في النكاح هما مصطلحان مترادفان لشيء واحد، وهذا ما أقره المحققون من فقهاء الحنفية خلافا لبعض فقهائهم.
ويلاحظ أن الفقهاء لا يبطلون العقد في بعض الحالات مع وجود خلل في بعض أركانه أو شروطه؛ وذلك مراعاة لما يترتب عليه من آثار شرعية عديدة، وصونا للعقد ما أمكن وذلك رغم أن القاعدة هي فساد العقد بوجود خلل في أركانه أو شروطه فإنهم يقررون في مثل هذه الحالة، إزالة الفساد والخلل وتصحيح العقد ومثال ذلك: النكاح في العدة فإن بعض الفقهاء لا يبطلون العقد وإنما يمنعون الدخول حتى انتهاء العدة، وكنكاح التحليل فإنه يصح عند البعض ويبطل الشرط إذا التزم المحلل بتغيير نية التحليل والاستمرار مع الزوجة
- الأنكحة الفاسدة نوعان: نوع متفق على فساده ونوع مختلف فيه.
481 (1/489)
صفحة 490
5 - نكاح الرجل لمزنيته فاسد لا ينعقد عند الإباضية بينما ينعقد صحيحا عند
المالكية.
6 - يحرم على المسلم التزوج بالكتابية الحربية، ويصح ذلك عند المالكية مع الكراهة الشديدة، أما الكتابية المعاهدة أو الذمية فلا يحرم التزوج بها في المذهبين إلا على رأي بعض العلماء الذين ذهبوا إلى التحريم بسبب المفاسد الواقعة بالفعل والمترتبة على التزوج بها.
يصح نكاح المريض مرض الموت عند الإباضية ما دام العاقد ليست له مآرب معلنة، بينما المالكية يحرمون هذا النكاح ويحكمون بفسخه لعلة إدخال وارث
جديد.
تعتبر الفرقة من النكاح الفاسد المجمع عليه والمختلف فيه فسخا، وليست طلاقا عند الإباضية، سواء وقعت قبل الدخول أو بعده، بينما تعتبر عند المالكية فسخا في المتفق على فساده، وطلاقا في المختلف فيه، وتحسب في عدد الطلقات. 9 - يتأبد التحريم بعد الفرقة من النكاح المتفق على فساده في المذهبين، ويمنع
تجديد العقد بعد الاستبراء.
أما المختلف في فساده فجوز فيه استئناف العقد عند الإباضية إذا وقع الفسخ قبل الدخول خلافا للمالكية فيجوز ذلك مطلقا.
10 - الزواج الفاسد يوجب العقوبة، غير أن ثبوت العقوبة الحدية يشترط فيه عند المذهبين توفر عناصر العمد مع العلم بالتحريم والدخول بالزوجة.
أما بالنسبة لحالة العمد فالعقوبة الحدية ثابتة إذا وقع الدخول في النكاح المتفق على فساده لانتفاء الشبهة وتمحض الزني.
أما في حالة عدم عدم العمد للخطأ أو الجهل فيسقط الحد وتثبت العقوبة التعزيرية في
المذهبين.
أما إذا كان النكاح مختلفا في فساده فجمهور الإباضية والمالكية يقرون بسقوط الحد في حالتي العمد والخطأ لوجود الشبهة، وذهب بعض فقهائهم إلى
482 (1/490)
صفحة 491
وجوب العقوبة المادية في حالة التعمد مع العلم بالحرمة.
11 - النكاح الفاسد يثبت به الصداق للزوجة بالدخول سواء كان فساده متفقا
عليه أو مختلفا فيه في المذهبين ويسقط بالفسخ قبله.
ويشترط لثبوته عدم معرفة المدخول بها بالحرمة ويكون صداق المثل مطلقا عند جمهور الإباضية، أما عند المالكية فيحق لها المسمى في العقد، وإلا فصداق
المثل.
12 - لا تجب النفقة على الزوجة في النكاح الفاسد في المذهبين إلا إذا نتج عن الدخول فيه حمل، فتجب عندئذ النفقة على الحامل حتى تضع، وتسقط نفقة المعتدة من النكاح الفاسد باتفاق.
13 - يثبت النسب في المذهبين بسبب النكاح الفاسد كثبوته بسبب النكاح الصحيح، غير أن الحالات التي يعتبر فيها النكاح الفاسد زنا لا يترتب عليها نسب،
ويجب فيها الحد وذلك كما في حالة العلم بالفساد والتحريم وتعمد الدخول.
14 - تثبت حرمة المصاهرة عند الإباضية بالدخول في النكاح الفاسد، ومن الوطء الحرام، وبعض مقدماته، أما عند المالكية فتثبت من النكاح الفاسد فقط دون الوطء الحرام أو مقدماته، فإذا انتفت الشبهة من العقد الفاسد تمحض الزني، فلا تثبت به حرمة المصاهرة خلافا للاباضية، واستثنى المالكية من هذه القاعدة ولد الزنى فإنه يمنع من التزوج بأبيه من الزنى ومن أصوله وفروعه.
15 تجب العدة بالدخول الحقيقي من النكاح الفاسد مطلقا عند الإباضية وتجب عند المالكية في المتفق على فساده عند عدم العمد أما في حالة العمد فيجب
الاستبراء.
أما المختلف فيه فتجب فيه العدة مطلقا، وتحسب العدة من يوم الفسخ أو الطلاق، وتكون كاملة كعدة المطلقات عند الإباضية خلاف لجمهور المالكية.
أما عدة الوفاة فلا تجب من النكاح الفاسد باتفاق.
16 - استمد قانون الأسرة الجزائري جل مواده من الشريعة الإسلامية خاصة
483 (1/491)
صفحة 492
المذهب
من الفقه المالكي باعتباره المذهب السائد في الجزائر، ومع ذلك فقد اتفق مع الإباضي في معظم مسائل الزواج ما عدا القضايا التي اختلف فيها المذهبان. وقد أغفل القانون بعض القضايا الهامة المتعلقة ببعض الأنكحة الفاسدة كأحكام نكاح الزاني والزانية، ونكاح المحرم بالنسك، ونكاح المريض، ونكاح الكتابيات، ونكاح المحلل ونكاح المرأة الملاعنة، وغيرها من المسائل، وكان ينبغي
له الاهتمام بها لأنها تتعلق بالأسرة ويمكن وجودها في المجتمع الجزائري. كما يلاحظ عليه أيضا أنه لم يتعرض في نصوصه إلى بعض الآثار المترتبة عن الأنكحة الفاسدة كالعقوبات المادية والأدبية، والتحريم بالمصاهرة، وإمكان تجديد العقد بعد الفسخ والتفريق وغير ذلك.
وقبل الختام لابد من كلمة نتوجه بها إلى الدارسين والباحثين عن الحقيقة والمعلومة الصحيحة فإنه ينبغي على الجميع أن يهتموا بدراسة التراث الإسلامي عامة دون إقصاء لرأي أو مذهب أو فكرة تساعد في توحيد المسلمين وجمع شتاتهم، وفي هذا الإطار فإن المذهب الإباضي كبقية المذاهب الفقهية المشهورة يزخر بمصادر عديدة وقيمة تنوعت بين المختصر والموسوعي وقد اهتم فقهاؤهم بكل أبواب الفقه وأنواعه وقدموا حلولا ناجعة لبعض المشكلات الحديثة لكونها تراعي مقاصد التشريع وتتماشى مع روح العصر وتطوره، مما يجعل هذا الفقه صالحا للتطبيق في المجتمعات المعاصرة وأحسن مثال على ذلك تجربة المجتمع الميزابي في تنظيم الأسرة وبنائها على أساس الفقه الإباضي.
وقد أكدت بعض الجامعات العالمية دور هذا الفقه وأهميته فاعتمدته في مناهجها الدراسية واستمدت منه بعض القوانين، ورغم كل هذا فإن أغلب مصادر هذا المذهب ما زالت حبيسة المكتبات الخاصة والعامة، وأغلبها لم ير النور بعد، وإن طبع بعضه فإنه يحتاج إلى تحقيق وتخريج ودراسات علمية متخصصة.
ونهيب بالباحثين والدارسين المنصفين أن يعيدوا النظر في حكمهم على هذه المدرسة الفقهية وتراثها، ويحكموا عليها من خلال مصادرها وأصولها وآراء فقهائها حتى تأتي أحكامهم موضوعية بعيدة عن التعصب الأعمى وإنكار الحقيقة،
484 (1/492)
صفحة 493
ليأخذ هذا المذهب مكانه المناسب بين المذاهب الإسلامية المشهورة.
ولا يفوتني في هذا الإطار أن نشيد بقانون الأسرة الجزائري رغم بعض النقائص، ونوجه عناية المشرع الجزائري إلى إعادة النظر في بعض المواد لاستكمال النقص الذي أحدث بعض الخلل والغموض وجعل القضاة يواجهون بعض المصاعب في تفسيره وتأويله ولا شك أن بعد التعديل والإكمال سيصبح قانونا شاملا يلبي حاجات المجتمع الجزائري المتجددة وتطلعاته.
485 (1/493)
صفحة 494
[صفحة فارغة] (1/494)
صفحة 495
الفهارس (1/495)
صفحة 496
[صفحة فارغة] (1/496)
صفحة 497
فهرس الآيات القرآنية
السـ
ـــورة
البقرة
قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا ... ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ... أحل لكم ليلة الصيام الرفث ... هن لباس لكم .. ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ...
والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ...
الطلاق مرتان فإمساك بمعروف .....
فإن طلقها فلا تحل له من بعد
الآية
الصفحة
16.
32
291 - 281
105
119
187
-110 - 11.-1 Y
221
-YA 1 - 1 AT
285 - 289 - 290
-328 - 172
228
462 - 479
175
229
-35 - 36 - 56
230
-175 - 147
177 - 262
54
132 - 131 173 - 463
233
234
1 - 344 - 34673
235
92
278
وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن 232 والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين .... والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن ...
ولا جناح عليكم فيما ... ولا تعزموا عقدة يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي
آل عمران
ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة
لتبلون في أموالكم وأنفسكم .... وان من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ...
289
113
291
186
289
119
489 (1/497)
صفحة 498
الآية
الصفحة
-14 - 11 - 37
171 - 177
48
4
251
17
329
19
62 - 237
21
-111 - 36 - 3
446 - 456
-11 - 113
-14 - 11
22
1
23
-137 - 133
156 - 452
-17 V-1.7
24
-109 - 101
-161 - 12
-216 - 217
452 - 459
-37 - 48 - 55
25
-217 - 207
-254 - 266
293 - 294
329 - 183
34
183
السورة
النساء
وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا
واتوا النساء صدقاتهن نحلة ... وإنما التوبة على الله للذين يعملون السوء. يأيها الذين ءامنوا ... وعاشروهن بالمعروف وكيف تأخذونه ... وأخذن منكم ميثاقا غليظا
ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ....
حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ...
والمحصنات من ... وأحل لكم ما وراء ذلكم
ومن لم يستطع ... فانكحوهن بإذن أهلهن ...
الرجال قوامون على النساء ...
الذين يتربصون بكم ... ولن يجعل الله للكافرين 141
490 (1/498)
صفحة 499
المائدة
اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين
ولقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود
يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ....
الأنعام
وقل لا أجد فيما أوحي ... فإنه رجس أوفسقا .. أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين
التوبة
الآية
الصفحة
-254 - 266
-280 - 279
-288 - 282
295 - 293 - 289
291 - 290
73/ 72
291
82
214
87
24
145
277
156
29
قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر .. 29
وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى ...
الإسراء
ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا
المؤمنون
والذين هم لفروجهم حافظون إلا على
النور
الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة له
491
278
291
31/ 30
239 - 268
32
207
7/ 6/5
-242 - 247
-251 - 253
-255 - 264
265 - 267 (1/499)
صفحة 500
143
4
143
8/ 7/6
272
26
41 - 247
32
34
33
454
54
295 - 270 - 3
21
131
14
49 - 11 - 112
0/ 2
37
51 - 462
49
-52 - 56
217 - 10
168
53
251
25
1. E
والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء ..
الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات وأنكحوا الأيامي منكم والصالحين من وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا.
الفرقان
وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا
الروم
ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ..
لقمان
ووصينا الإنسان بوالديه ... وفصاله في عامين ..
الأحزاب
شما جعل الله لرجل من ... وما جعل أدعياءكم .. وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم يا أيها النبي إنا أحللنا ... قد علمنا ما فرضنا
يا أيها الذين آمنوا ... وما كان لكم أن تؤذوا ..
الشورى
وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا
الزخرف
وإنه في أم الكتاب ...
492 (1/500)
صفحة 501
الصفحة
33
20
18 - 285 - 2860
10
329 - 478 - 479
1
173 - 463
4
ة
272
33
Y
291 - 281
الطور
متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم ...
الممتحنة
يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات
الطلاق
يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ... لا تخرجوهن ..
والتي يئسن من ... وأولات الأحمال أجلهن
التحريم
يا أيها النبي لم تحرم ما ... تبتغي مرضاة ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت
التكوير
وإذا النفوس زوجته
البينة
لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب
493 (1/501)
صفحة 502
الصفحة
فهرس الأحاديث النبوية
الحديث النبوي
- i-
إإذني له فإنه عمك تربت يداك.
أتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني.
احتجبي منه يا سودة.
اختر منهن أربعا.
ادروا الحدود بالشبهات.
ادروا الحدود عن المسلمين ما استطعتم.
إدفعوا الحدود ما وجدتم
إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه
إذا نظر الرجل إلى فرج امرأة حرمت عليه أمها وابنتها. إذا نكح الرجل امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها .... أراه فلان لعم حفصة من الرضاعة.
أرضعيه خمس رضعات.
استحلوا فروج النساء بأطيب أموالكم.
استوصوا بالنساء خيرا ...
أعلنوا النكاح، أعلنوا هذا النكاح.
ألا أخبركم بالتيس المستعار، قالوا بلى ... إلا نكاح رغبة. أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم، ولكني أصوم ...
أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعا.
أمرنا رسول الله بالمتعة ...
أمسكها
إنما الأعمال بالنيات ... (1/502)
صفحة 503
إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان إن الله يعلم أن أحدكما كاذب
أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال ...
أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم ...
أن النبي صلى الله عليه وسلم رد ابنته زينب
أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المتعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج في حجة الوداع ...
أن كل نكاح لم يحضره أربعة، أو لم يكن بأربعة ...
إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم، قطعتن ...
إن كنت صدقت فيما أصبت منها وإن كنت إنما الرضاعة من المجاعة.
أنها قالت: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض نسائه وهو ... إنها لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة ... إنه بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم
إنه قد أذن لكم أن تستمتعوا فاستمتعوا.
أنه لعن المحلل والمحلل له.
أو تحبين ذلك
أوله سفاح وآخره نكاح.
أيما رجل نكح امرأة فدخل بها أو لم يدخل بها أيما رجل زنى بامرأة ثم تزوجها فهما زانيان ... أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ... أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم ... أيما رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها أيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه ... (1/503)
صفحة 504
ت.
تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض نسانه
تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي .... تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة.
تناكحوا تناسلوا تكثروا ...
ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد ... الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر ...
-ج-
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي لا تمنع يد ....
-ح-
حتى تذوقي عسيلته.
-خ-
الخالة أم.
خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي.
ذ.
ذلكم التفريق بين كل متلاعنين.
-ر-
رد ابنته على أبي العاص بمهر جديد ونكاح جديد. روي عن النبي الله أنه نهى أن تزوج المرأة على (1/504)
صفحة 505
الزاني المجلود لا ينكح إلا زانية مثله ...
-س-
سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي
- Jb-
طلق أيتهما شئت ....
طلقها فقال: يا رسول الله إني أحبها فقال له ...
-ع-
العسيلة هي الجماع ...
-ف-
فارق واحدة، وأمسك أربعا ...
فاطمة بضعة مني ...
فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت ... ففرق بينهما وجعل لها الصداق وجلدها مائة ... فقرأ رسول الله الله على الآية فقال: «لا تنكحها».
فلا تعرضن على بناتكن
في رجل تزوج امرأة فغمزها
-ق-
قد نزل فيك وفي صاحبتك، فاذهب فأت بها ...
-4.
كنا نغزوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لنا نساء فقلنا ...
كيف وقد قيل دعها عنك ... (1/505)
صفحة 506
أرى ذلك
لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها ...
لا تبعوا الذهب بالذهب إلا سواء بسواء ... لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ... لا تحرم المصة والمصتان ... لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى .... لا رضاع إلا ما أنشز العظم وأنبت اللحم.
لا رضاع إلا ما كان في الحولين.
لا سبيل لك إليها.
لا شغار في الإسلام.
لا طلاق إلا بعد نكاح، ولا ظهار إلا بعد نكاح ...
لا نكاح إلا بولي ..
لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ....
لا نكاح بعد سفاح ....
لا يحرم الحرام الحلال، إنما يحرم ما كان بنكاح. لا يحرم الحرام الحلال.
لا يجمع الرجل بين المرأة وعمتها ولا خالتها.
لا يدخل الجنة بخيل ولا كذاب ولا ديوث. لا يرث القاتل شيئا.
لا يصلح أن تنكح امرأة تطلع على ...
لا يفسد حلال بحرام
لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله.
لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب.
لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها. لعن رسول الله له المحلل والمحلل له. لما عرضت أم حبيبة على النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج أختها ...
لها الصداق بما استحل من فرجها والولد ... (1/506)
صفحة 507
لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن. لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي ... ليس للولي مع الثيب أمر، واليتيمة تستأمر ....
ليس لقاتل ميراث.
-م-
المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبدا.
المصاهرة لحمة كلحمة النسب.
ملعون من نظر إلى فرج امرأة وابنتها. من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد. من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه ...
من صنع أمرا على غير أمرنا فهو رد.
من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد.
من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي بمائه ولد ...
من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه زرع ... - 25 - 251 - 256 - 260
من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمع بين مائه ... من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقع على امرأة ... من نظر إلى فرج امرأة وابنتها لم ينظر الله إليه ....
-ن-
نعم إن الرضاعة تحرم ما يحرم من الولادة نهى النبي أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها ... نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشغار.
نهى النبي له عن ثمن الكلب وحلوان الكاهن ...
هدم المتعة النكاح والطلاق والعدة والميراث. (1/507)
صفحة 508
-و-
ولدت من نكاح لا من سفاح.
الولد للفراش وللعاهر الحجر.
-ي-
يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من ... يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج. يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.
يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة يحل للرجل من امرأته الحائض كل شيء إلا النكاح. (1/508)
صفحة 509
فهرس الضوابط والقواعد الفقهية والأصولية
الصفحة
القاعدة
- i-
الاتصال الجنسي المبني على الشبهة لا يعتبر زني، ولا ملحقا بالزني.
الإجماع القولي حجة قطعية، والإجماع السكوتي
حجة ظنية.
- الإحصان يكون بالنكاح والاستمتاع الحلال وليس
بالسفاح الحرام.
الأحكام لا تثبت بالشك.
إذا صح التحريم في الأخف كان الأشد أحق أن لا يجوز.
الأصل في الأفعال العموم.
- إن النكاح عقد يفسده الوطء بشبهة، فأفسده الوطء
الحرام كالإحرام.
-ت-
تحرم نساء القرابة إلا من دخلت في ولد العمومة، أو ولد الخؤولة. كبنت العم والعمة والخال والخالة. تلزم العدة في الانفساخ متفقا عليه أو مختلفا
فيه إن مس.
- الثابت شرعا أنه لا يرث القاتل المقتول عمدا أو خطأ.
-ح-
الحدود تدراً بالشبهات. (1/509)
صفحة 510
الحدود جوابر.
الحديث الأحادي يفيد العمل ولا يفيد العلم فلا يحتج به
في العقائد.
أشد
الحرام لا يحرم الحلال.
الحرام يحرم الحلال، وأن ما حرم الحلال فالحرام
منه تحريما.
الدليل إذا طرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال الدخول بالأمهات يحرم البنات.
الدخول على الأم يحرم البنت ولو كان العقد فاسدا.
- J-
- الرواية الصحيحة تفيد الجزم على النهي، لا على حكاية الحال، وحمله عليها لا يكون إخبار عن أمر شرعي، بل على قضية يشترك في معرفتها الخاص والعام، وحمل كلام الشارع على الشرعيات لا تعلم إلا من جهته أولى.
-ش-
- شرع من كان قبلنا شرع لنا إذا لم ينسخ، ونصه الله تبارك وتعالى أو رسوله الله عليها على جهة التشريع.
الصحيح عند الأصوليين تقديم القول إذا عارضه الفعل، لأن القول يتعدى إلى الغير، والفعل يقتصر عليه.
-ع-
العقد على البنات يحرم الأمهات. (1/510)
صفحة 511
العقود الفاسدة لا توجب شيئا إلا بالدخول، فإذا حصل
الدخول وجب صداق المثل.
-ق-
القصود في العقود معتبرة عند الجمهور خلافا للحنفية
- ك-
والشافعية
- كل امرأتين بينهما من القرابة أو الرضاع ما يمنع نكاح إحداهما لأخرى لو قدر إحداهما ذكرا والأخرى أنثى يحرم الجمع بينهما.
- كل زواج بإحدى المحرمات يفسخ قبل الدخول وبعده. - كلّ ما لزمك فيما بينك وبين الله يحكم به عليك. - كل محرمين جمع بينهما يجبر على فراق واحدة منهما أو الأخيرة إن رتب.
كل مس حرام يجب منه صداق المثل سواء كان مستندا
لعقد أو مجردا عنه.
- كل من مست بلا علم فصداق - كل مختلف فيه فهو كالصحيح في التحريم والإرث
وفسخه طلاق.
- كل نكاح فاسد لا يترك أهله عليه على حال فإنه إذا فرق بينهما اعتدت عدة المطلقة.
كل نكاح فاسد لا يصلح أن يقام عليه ولا للأولياء لو رضوه أن يجيزوه، أو كانا مغلوبين على فسخه، وليس لأحد إجازته فهو فسخ بغير طلاق ولا ميراث فيه. وكل نكاح لو رضي الأولياء أو غيرهم أن يجيزوه جاز وكانا على نكاحهما فذلك أنه إن فسخ كان الفسخ فيه تطليقة بائنة لا رجعة فيها. - كل نكاح فسخ قبل الدخول فلا شيء فيه سواء كان متفقا
503 (1/511)
صفحة 512
على فساده أو مختلفا فيه، وسواء كان الفساد لعقده أو لصداقه أو لهما فليس الفسخ قبل الدخول مثل الطلاق قبل الدخول في الزواج الصحيح. - كل نكاح كانا مغلوبين على فسخه فالطلاق فيه ولا ميراث. كل وطء يدرأ فيه عن صاحبه الحد يلحق فيه الولد. كل وطء أو وقاع في دار الإسلام لا يخلو من عقر (أي حد) أو عقر (أي مهر)، وبما أن الحد قد انتفى لشبهة العقد
فيكون الواجب هو المهر.
-ل-
- لا حظ للنظر مع وجود الأثر.
- ليس يؤخذ الناسخ والمنسوخ بالتأويل.
-~-
ما ثبت باليقين لا يزول بالظن.
- ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ما كان فسخه بدون طلاق ولا يعتبر فيه الطلاق قبل الفسخ
فلا ميراث فيه.
- المنافي للعقد يستوي في الابتداء والبقاء كالطارئ على
العقد.
من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا
يلتفت إليه. من استعجل الحق قبل وقته حرمه في وقته. أو من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. من جمع بين محرمين ومس حرمتا عليه، كجامع بين أختين، وكل محرمتين جمع بينهما يجبر على فراق واحدة منهما أو
الأخيرة إن رتب.
الموت كالدخول يوجب الصداق كاملا.
504 (1/512)
صفحة 513
-ن-
النسب ثابت مطلقا ما دام الدخول مستنداً للعقد ولم يتمحض
فيه الزنى. النهي عن الشيء يدل على تعلق المفسدة به أو بما يلازمه لأن الشارع حكيم لا ينهى عن المصالح، إنما ينهى عن المفاسد، وفي القضاء بالمفاسد إعدام لها بأبلغ الطرق.
النهي يدل على فساد المنهي عنه.
النكاح لا تفسده الشروط الفاسدة. النهي مشارك للأمر في الطلب والاقتضاء ومخالف له في طلب الترك والأمر دليل الصحة.
-9 -
وجود الشبهة يمنع من إقامة الحد.
الولد لاحق بالزوج سواء كان الوطء منه أو لم يكن وكذلك إن كانت ولادة فالنسب لاحق بالزوج أيضا. الولد يتبع أمه في الرق والحرية وأباه في الدين والنسب.
-ي-
يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.
يحرم الجمع بين امرأتين أيتهما قدرت ذكراً حرمت عليه
الأخرى (1/513)
صفحة 514
فهرس الأسماء الأعلام
الأمدي.
ابن أبي ذئب. ابن أبي صالح. ابن أبي ليلى.
ابن أبي مليكة.
ابن أبي هريرة.
ابن بركة: عبد الله بن
ابن التيمي.
ابن تيمية.
ابن جريج.
ابن جريح.
ابن جرير.
ابن جزي.
ابن جعفر. ابن الجوزي.
ابن حبان.
ابن حبيب المالكي. ابن حجر: الحافظ.
ابن حزم
ابن خزيمة.
ابن خلفون.
ابن دقيق العيد.
ابن رشد القرطبي: أبو الوليد أحمد.
ابن السبكي.
506 (1/514)
صفحة 515
507
ابن
ابن سيرين.
ابن عباد الإباضي.
ابن عبد البر النمري
ابن عبد العزيز
ابن العربي.
ابن عرفة المالكي.
ابن عطية.
ابن عمر (غير الصحابي).
ابن عيينة (سفيان).
ابن القاسم المالكي.
ابن قارظ (عبد الله).
ابن قدامة المقدسي (الموفق).
ابن القيم.
ابن لبابة.
ابن الماجشون.
ابن ماجه.
ابن مزين بن دينار
ابن المنذر.
ابن مهدي.
ابن المواز.
ابن نافع.
ابن نجيم الحنفي.
ابن وهب
أبو اسحاق الحضرمي. أبو بردة بن أبي موسى. أبو بكر الباقلاني (القاضي).
أبو بكر بن سليمان. (1/515)
صفحة 516
أبو بكر بن عبد الله بن الحارث.
أبو بكر الصديق.
أبو بكر عبد الرحمن بن أم حكيم.
أبو ثور.
أبو جعفر الطحاوي.
أبو جعفر النحاس. أبو جعفر.
أبو جعفر محمد الباقر.
أبو جمال
أبو جمرة.
أبو حاتم البستي.
أبو حريز.
أبو الحسن.
أبو الحسن البسيوي. أبو الحسن الرضا. أبو حنيفة.
أبو الحواري: محمد بن الحواري.
أبو داود.
أبو ذر الغفاري.
أبو رافع.
أبو الربيع سليمان الملوشاني.
أبو الزبير.
أبو الزناد.
أبو زهرة.
أبو سعيد الخدري.
أبو صفرة.
أبو الضحى.
أبو العباس: أحمد (أبو مسألة).
?. A (1/516)
صفحة 517
أبو العاص بن الربيع. أبو عبد الله جعفر الصادق.
أبو عبد الله محمد بن محبوب.
أبو عبيد القاسم بن سلام.
أبو عبيدة مسلم.
أبو عمر.
أبو عمرو.
بو عوانة.
أبو غطفان بن طريف المري.
أبو الفضل العراقي.
أبو القاسم.
أبو القعيس.
أبو المؤرج.
أبو محمد (القاضي).
أبو مرزوق التجيبي. أبو مسعود الأنصاري. أبو معاوية.
أبو المنذر تميم بن حويص.
أبو نضرة.
أبو نوح صالح الدهان.
أبو هريرة.
أبو يعقوب.
أبو يوسف (صاحب أبي حنيفة).
أم حبيبة.
أم حكيم بنت الحارث بن هشام.
أم كلثوم.
أم مهزول.
أم يحي بنت أبي إهاب.
0.9 (1/517)
صفحة 518
إباض.
أبان بن عثمان.
إبراهيم بن إسماعيل بن علية.
أبي بن كعب.
أحمد بن الحسين.
أحمد بن حمد الخليلي.
أحمد بن حنبل.
أحمد الدردير.
الأزهري.
إسحاق ابن إبراهيم العربي.
أسد بن الفرات.
إسماعيل بن أبي خالد.
إسماعيل بن إسحاق (أبو إسحاق).
أشهب بن عبد العزيز.
أصبغ.
اطفيش امحمد بن يوسف (القطب)
الأعشى.
أفلح.
أفلح بن عبد الوهاب.
أنس بن مالك.
الأوزاعي.
أيوب.
أيوب السختياني.
الباجي أبو الوليد.
بكلي عبد الرحمان.
البخاري.
البراء بن عازب
البزار
01. (1/518)
صفحة 519
بسام الصيرفي.
البغوي.
البناني.
البيضاوي.
البيهقي.
الترمذي.
الثعلبي.
الثميني.
الثوري.
ثويبة: أمة أبي لهب.
جابر بن زيد: أبو الشعثاء.
جابر بن عبد الله.
جابر الجعفي.
الجرجاني.
الجصاص.
الجعلي المالكي.
جميل بن خميس السعدي.
الجناوني.
حاتم بن منصور.
الحازمي
الحاكم.
حبيب بن أبي ثابت.
حذيفة بن اليمان.
حسان بن عطية.
الحسن البصري.
الحسن بن أبي الحسن البصري.
الحسن بن الحسين بن علي.
الحسن بن جهم.
011 (1/519)
صفحة 520
الحسن بن حي.
الحسن بن يحي بن زيد.
الحسين بن محمد بن علي.
حماد.
حمزة بن عبد المطلب.
حيان الأعرج.
خالد بن عبد الله بن قارظ
خالد بن مخلد.
خالد بن الوليد.
الخراساني: بشر بن غانم أبو غانم.
الخرقي.
الخطابي.
الخطيب.
خليل بن إسحاق المالكي.
خولة بن حكيم.
الدار قطني.
داود بن الحصين.
داود الظاهري. درة بنت أبو سلمة.
الدسوقي.
الرازي: فخر الدين.
راشد الثقفي.
رافع.
الربيع بن حبيب.
الربيع بن سبرة الجهني.
ربيعة بن أبي عبد الرحمان.
ربيعة بن أمية بن خلف الجمحي
رشيد الثقفي.
512 (1/520)
صفحة 521
513
رفاعة القرضي. رويفع بن ثابت.
الزبير بن العوام.
الزجاج.
زرارة بن أعين.
الزرقاني.
زفر.
الزمخشري.
الزهري: ابن شهاب.
زياد بن عبد الرحمان
زيد بن ثابت.
زينب بنت الرسول.
زين العابدين
سالم.
السالمي: عبد الله بن حميد.
سحنون عبد السلام التنوخي.
السدي.
السرخسي.
سعود بن عبد الله الوهيبي.
سعيد بن المسيب.
سعيد بن جبير.
سعيد بن عبد العزيز
سلمة بن الأكوع.
سليمان بن سعيد بن محرز
سليمان نصر.
سليمان بن يسار.
سهل بن سعد. (1/521)
صفحة 522
السهلي. سهلة.
السهيلي.
سودة.
السيابي.
السيوطي.
الشافعي.
شبابة بن سوار.
شريك بن سحماء.
شعبة مولى ابن عباس.
الشعبي.
الشقصي: خميس بن سعيد.
الشماخي: أحمد بن سعيد، البدر.
الشوكاني.
الشيرازي.
الصاوي.
صحار بن عباس.
صفوان بن أمية.
الصلت بن دينار.
الصنعاني.
الضحاك بن فيروز الديلمي.
ضمام بن السائب.
طاووس.
الطبراني.
الطبرسي.
الطبري
الطحاوي.
طريف.
514 (1/522)
صفحة 523
طلحة بن عبيد الله. طليحة الأسدية.
عائشة -رضي الله عنها.
عاصم.
عامر بن عبد الله بن الزبير
العباس بن عبد الله بن عباس.
عبد الباقي.
عبد الجبار.
عبد الرحمان بن الحكم.
عبد الرحمان بن الزبير.
عبد الرحمان بن القاسم.
عبد الرحمان بن هرمز الأعرج.
عبد الرحمان الجوزي.
عبد الرحمان العدوي.
عبد الرزاق.
عبد العزيز بن أبي سلمة.
عبد العزيز سعد.
عبد الله بن إباض.
عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
عبد الله بن الزبير
عبد الله بن عباس.
عبد الله بن عبد العزيز
عبد الله بن عتبة.
عبد الله بن عمر بن الخطاب.
عبد الله بن عمرو بن العاص.
عبد الله بن مسعود.
عبد الله بن نافع.
عبد الله بن هرمز (1/523)
صفحة 524
عبد الله بن وهب
عبد الملك بن أبي سلمة الماجشون. عبد الملك بن حبيب الأندلسي.
عبد الملك بن صفرة.
عبد الملك بن مروان.
عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم
عبد الوهاب المالكي.
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة.
الله بن عمر.
الله بن عمير.
عثمان بن الأسود.
عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي.
عثمان بن عفان.
عثمان البثي.
عدي بن زيد.
عروة بن الزبير.
عطاء.
عقبة بن الحارث.
عقبة بن عامر.
عكرمة بن أبي جهل.
عكرمة بن خالد.
علقمة.
علي بن أبي طالب.
علي بن الحسين بن علي.
علي بن زياد.
علي يحي معمر.
عمارة بن حيان.
عمارة (مولى الشريد). (1/524)
صفحة 525
العباس
عمر بن الخطاب (الفاروق).
عمر بن عبد العزيز
عمر بن عبيد الله.
عمر بن علي.
عمر بن نافع.
عمران بن الحصين.
عمرو.
عمرو بن دينار.
عمرو بن شعيب.
عمرو بن العاص.
عمرو بن عبيد
عمرو بن علي.
عمروس بن فتح.
العوتبي.
عويمر العجلاني. عياض (القاضي).
عيسى بن دينار.
عيسى عليه السلام.
الغزالي.
غيلان بن سلمة الثقفي
فاطمة بنت الرسول
الفقال.
القاسم بن محمد.
قتادة بن دعامة السدوسي.
القرطبي
القرواني.
القعتبي.
517 (1/525)
صفحة 526
قيس بن الحارث. الكاساني.
كامل أبو العلاء.
الكدمي
کسري
أبو سعيد.
الكشناوي.
كعب بن مالك.
الكندي: محمد بن إبراهيم.
اللحياني.
اللخمي.
الليث بن سعد.
المازري. مالك بن أنس.
الماوردي.
المبارك بن فضالة.
مجاهد.
محبوب بن الرحيل
محمد بن أحمد العتبي الأندلسي.
محمد بن إسحاق.
محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة
محمد بن رمح.
محمد بن ريان.
محمد بن علي.
محمد بن كعب.
محمد بن وصاف.
محمد بن عبد الرحمان المرادي.
محمد سلام مذكور.
محمد محي
الدين.
012 (1/526)
صفحة 527
المدني: أبو عبد الرحمان فروخ. مرثد بن أبي مرثد الغنوي.
مرداس بن حدير.
المرغياني.
المزني.
مسروق.
مسلم.
مصطفى صالح باجو
مطر الوراق.
مطرف.
معاذ بن جبل.
معاوية بن أبي سفيان.
معقل بن يسار.
مغيرة.
مكحول.
منلا خسرو.
موسى بن علي.
موسى عليه السلام.
ميمونة.
نافع مولى ابن عمر).
نافع بن سرجس الديلمي.
نبهان بن عثمان
نبيه بن وهب (أخي بني عبد الدار)
النحاس.
النخعي: إبراهيم.
النسائي.
النهشلية ليلى بنت مسعود.
نوفل بن معاوية.
519 (1/527)
صفحة 528
النووي: (أبو زكرياء). هلال بن أمية.
الهادي أحمد الهادي. وائل بن أيوب.
الوليد.
وهب بن الليث.
يحي
الأنصاري.
يحي بن سعيد بن المسيب.
يحي بن معن.
يحي بن يحي بن سعيد.
يحي بن يعمر.
يزيد بن الأصم.
يزيد بن عياض.
يزيد بن هارون المالكي.
يعقوب.
يونس.
520 (1/528)
صفحة 529
قائمة المصادر والمراجع
(1 إبراهيم مصطفى، أحمد حسن الزيات، حامد عبد القادر محمد على النجار المعجم الوسيط دار الدعوة استنبول تركيا 1410 هـ / 1989 م (2 أبو داود سليمان بن الأشعث السجستياني - السنن - تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد - دار الكتب العلمية بيروت (د. ت)
(دت)
(أبو زهرة: محمد - محاضرات في عقد الزواج وآثاره – ط دار الفكر العربي مصر 1971 م مالك، حياته وعصره وآراؤه وفقهه دار الفكر العربي (4) أبو مسألة: أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر (ت 504 هـ) - كتاب أبي مسألة، تحقيق محمد صدقي والسبع إبراهيم، ط دار البعث للطباعة والنشر قسنطينة الجزائر 1404 هـ / 1984 م ه أحمد: إبراهيم بك، واصل علاء الدين أحمد إبراهيم - أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية والقانون، تقديم جاد الحق علي جاد الحق و د محمد
سيد طنطاوي، ط ا مطبعة الخربوطلي مصر 1414 هـ / 1994 م 6) أحمد عثمان آثار عقد الزواج في الشريعة الإسلامية، نشر لجنة البحوث والتأليف والترجمة والنشر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض المملكة العربية السعودية 1401 هـ / 1981 م الأزهري: صالح عبد السميع الآبي - الإكليل شرح مختصر خليل، دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركاؤه مصر (د. ت)
الأسنوي: جمال الدين عبد الحليم بن الحسن (ت 772 هـ) - نهاية السول في شرح الأصول للبيضاوي، عالم الكتب بيروت 1982 م، نسخة مصورة عن طبعة
المطبعة السلفية ومكتبتها القاهرة مصر 1345 هـ 9) أطفيش: أمحمد بن يوسف - شرح كتاب النيل وشفاء العليل، ط 3 مكتبة الإرشاد جدة المملكة العربية السعودية 1405 هـ / 1985 م 10) الألباني: محمد ناصر الدين -ضعيف الجامع الصغير وزيادته (الفتح الكبير)، إشراف زهير الشاويش، ط 2 المكتب الإسلامي بيروت لبنان 1408 هـ / 1988 م 11) الآمدي: سيف الدين أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد (ت 631 هـ) -
521 (1/529)
صفحة 530
الإحكام في أصول الأحكام، كتب هوامشه إبراهيم العجوز، دار الكتب العلمية بيروت لبنان 1405 هـ / 1985 م (12) الأنصاري: محمد بن نظام الدين (ت 1180 هـ) - فواتح الرحموت على مسلم الثبوت، طبعة بولاق 1322 هـ، طبع بهامش المستصفى في علم الأصول لأبي
حامد الغزالي
".
13) ابن أبي شيبة: الحافظ عبد الله بن محمد (ت 235 هـ) -مصنف بن أبي شيبة تحقيق وتعليق سعيد محمد اللحام، ط 1 دار الفكر بيروت لبنان 1409 هـ /
1989 م (14 ابن الجوزي: أبو الفرج عبد الرحمان بن علي - كتاب الموضوعات، تحقيق عبد الرحمان محمد عثمان، ط 2 نشر مكتبة ابن تيميه القاهرة مصر
1407 هـ
/ 1987 م (15 ابن السبكي: تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي (ت 771 هـ) - جمع الجوامع (مع شرح المحلى وحاشية البناني)، مطبعة دار إحياء الكتب العربية لعيسى البابي الحلبي مصر (دت)، المطبعة السلفية القاهرة مصر (16 ابن الهمام: كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي (ت 861 هـ) - فتح القدير (شرح الهداية للمرغياني ت 593 هـ)، وبهامشه شرح العناية (أكمل
1345 هـ
الدين محمد بن محمود البابرتي ت 786 هـ)، ط 1 المطبعة الأميرية 1315 هـ
(17) ابن بركة: أبو محمد عبد الله بن محمد البهلوي العماني - كتاب الجامع تحقيق عيسى يحي الباروني، ط دار الفتح بيروت لبنان 1393 هـ / 1973 م، ط 2 نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان (د ت)، طبع بالمطبعة الشرقية ومكتبتها سلطنة عمان 18) ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم (661 هـ - 728 هـ) - مجموع فتاوى النكاح و أحكامه، حققه أبو المجد حرك، ط 1 الدار المصرية اللبنانية القاهرة مصر 1412 هـ / 1992 م، مجموع فتاوي ابن تيمية، دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت لبنان (دت)
-
الجامع - تحقيق د/ جبر محمود سلطنة عمان 1414 هـ /
(19 ابن جعفر: أبو جابر محمد الأزكوي الفضيلات، ط ا نشر وزارة التراث القومي والثقافة
1994 م
(20) ابن حجر: أحمد بن علي العسقلاني (ت 652 هـ) – تهذيب التهذيب
-
ط 1 دار
522 (1/530)
صفحة 531
إحياء التراث العربي بيروت لبنان 1412 هـ / 1991 م - فتح الباري شرح صحيح البخاري، إعداد ومراجعة أحمد حمد خليفة، ط ا مطبعة دار البلاغة ومؤسسة
العلا بيروت لبنان 1406 هـ / 1986 م (21) ابن حزم: أبو محمد بن علي بن أحمد الأندلسي الظاهري (ت 456 هـ) - الإحكام في أصول الأحكام، حققه وراجعه لجنة من العلماء، ط 1 نشر دار الحديث و طبع دار مصر للطباعة 1404 هـ / 1984 م (22) ابن حنبل: أحمد (ت 241 هـ) - المسند - ط 4 المكتب الإسلامي بيروت لبنان 1403 هـ / 1983 م، بهامشه منتخب كنز العمال في سنن الأقوال و الأفعال، دار صادر (دت) (23) ابن خلفون: أبو يعقوب يوسف المزاتي - أجوبة ابن خلفون، تحقيق د. عمرو خليفة النامي، ط 1 دار الفتح للطباعة والنشر بيروت لبنان
بيروت
1394 هـ / 1974 م (24) ابن خلكان: أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر (ت 681 هـ) - وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق د. إحسان عباس، دار الثقافة لبنان (دت) (25 ابن رشد: أبو الوليد محمد بن أحمد (الحفيد) (520 هـ -595 هـ) - بداية المجتهد و نهاية المقتصد، حققه ماجد الحموي، ط دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان 1416 هـ / 1995 م - مقدمات ابن رشد لبيان ما اقتضته المدونة من الأحكام، صححه أحمد عبد السلام، ط دار الكتب العلمية بيروت لبنان 1415 هـ / 1994 م (26 ابن عابدين: محمد أمين (ت 1252 هـ) - حاشية رد المحتار والدر المختار للحصكفي (1088 هـ)، المطبعة الأميرية مصر 1271 هـ (27) ابن عبد البر: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد – الكافي في فقه أهل المدينة المالكي، ط 2 دار الكتب العلمية بيروت لبنان (دت)
(28) ابن قدامة: موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد المقدسي (ت 620 هـ) - روضة الناضر وجنة المناظر، راجعه سيف الدين الكاتب، ط 4 دار الكتاب العربي بيروت لبنان 1414 هـ / 1994 م - المغني على مختصر الخرقي، ومعه الشرح الكبير لابن قدامة (شمس الدين 682 هـ)، مطبعة الفجالة 1388 هـ / 1968 م (1/531)
صفحة 532
(29) ابن القيم الجوزية: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر (ت 752 هـ) - زاد المعاد إلى دار المعاد، تحقيق شعيب الأرناؤوط و عبد القادر الأرناؤوط، ط 1 مؤسسة
-
الرسالة 1399 هـ / 1979 م. (30 ابن كثير أبو الفداء اسماعيل القرشي (ت 774 هـ) - تفسير ابن كثير ط 2، نشر بمكتبة دار الفيحاء دمشق، ومكتبة دار السلام الرياض. 1412 هـ / 1998 م. (31) ابن ماجة: أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني (207 هـ – 275 هـ) – سنن ابن ماجة، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي وتخريج مصطفى محمد حسين الذهبي، ط دار الحديث القاهرة مصر 1419 هـ / 1998 م (32 ابن منظور: محمد بن علي بن أحمد (ت 711 هـ) - لسان العرب، تحقيق أمين عبد الوهاب و محمد الصادق العبيدي، 1 دار إحياء التراث العربي ومؤسسة التاريخ العربي، بيروت لبنان 1416 هـ / 1995 م (33) ابن نجيم: زين العابدين بن إبراهيم (ت 918 هـ) - البحر الرائق شرح كنز الدقائق دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت لبنان 1311 هـ
(34 ابن وصاف: محمد النزوي (القرن 5 هـ - شرح الدعائم (نظم أبي بكر أحمد بن النظر العماني)، تحقيق عبد المنعم عامر، ط 1 وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان 1982 م 35) باجو: مصطفى صالح – أبو يعقوب الوارجلاني وفكره الأصولي، مقارنة بأبي حامد الغزالي، ط ا نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان 1415 هـ
/ 1995 م
-
36) الباجي: أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعيد الأندلسي المالكي (ت 494 هـ) - المنتقى شرح موطأ الإمام مالك، ط 1 مطبعة السعادة مصر 1331 هـ، نشر دار الكتاب العربي بيروت (د ت)
37) البخاري: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم (ت 256 هـ / 869 م) - صحيح البخاري، راجعه و ضبطه: محمد علي القطب وهشام البخاري، نشر مكتبة العبيكان، ط المكتبة العصرية للطباعة والنشر صيدا - بيروت - ا لبنان (1418 هـ / (1997 م) - التاريخ الكبير، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان (1407 هـ / 1986 م) (38) البخاري: عبد العزيز بن أحمد (ت 730 هـ) - كشف الأسرار شرح أصول ط 1 دار الكتاب العربي بيروت، لبنان (1394 هـ / 1974 م)
البزدوي
524 (1/532)
صفحة 533
(39) بدران: أبو العينين بدران
-
الفقه المقارن للأحوال الشخصية، بين المذاهب
الأربعة السنية والمذهب الجعفري والقانون، دار النهضة العربية للطباعة والنشر بيروت، لبنان. (1386 هـ / 1967 م)
(40) البسيوي: أبو الحسن علي بن محمد بن علي. – جامع أبي الحسن البسيوي .. تحقيق محمد أبو الحسن، ط 1 نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان (1404 هـ / 1984 م)، طبع جريدة عمان للصحافة والنشر، روي.
سلطنة عمان
(41) البغوي:- شرح السنة تحقيق زهير الشاويش و شعيب الأرناؤوط، ط 1 المكتب الإسلامي بيروت لبنان 1971 م (42) بكوش: يحيى بن محمد - فقه الإمام جابر بن زيد.، ط 1، دار الغرب الإسلامي بيروت لبنان. 1407 هـ / 1986 م
43) بلطه جي: علي عبد الحميد و محمد وهبي سليمان. – المعتمد في فقه الإمام أحمد، ويضم ملخص تخريجات إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، تدقيق و تقديم محمد الأرناؤوط، 2 دار الخير للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان 1414 هـ / 1994 م
-
44) البناني: محمد حاشية البناني على شرح الزرقاني على شرح مختصر خليل، المطبعة الكبرى القاهرة (دت)
45) البيهقي: أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي (ت 458 هـ) - السنن الكبرى، وفي ذيله الجوهر التقي لعلاء الدين بن علي المارديني التركماني (ت 745 هـ)، دار المعرفة بيروت، لبنان (1413 هـ / 1992 م)
(46) الترمذي: أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة (ت 209 هـ / 297 م) - الجامع الصحيح - سنن الترمذي.، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان (1408 هـ / 1987 م)
:
(47 التفتازني: صدر الشريعة سعد الدين مسعود بن عمر الشافعي (ت 792 هـ) - شرح التوضيح و التلويح على التنقيح المطبعة الخيرية مصر 1322 هـ 48) التيواجني: مهنى بن عمر - أشعة من الفقه الإسلامي، طا مطابع النهضة روي، سلطنة عمان (1417 هـ / 1996 م) 49) الثميني: ضياء الدين عبد العزيز بن الحاج بن إبراهيم (ت 1223 هـ / 1808 م) - النيل وشفاء العليل، تعليق عبد الرحمن بكلي، ط المطبعة البارونية
-
مصر 1305 هـ
525 (1/533)
صفحة 534
(50) (50 الجرجاني: علي بن محمد بن علي (470 - 816 هـ) - كتاب التعريفات. حققه إبراهيم الأبياري، ط 2 دار الكتاب العربي بيروت، لبنان (1413 هـ / 1992 م) (51) الجزيري: عبد الرحمن بن محمد عوض (1299 - 1360 هـ) - كتاب الفقه على المذاهب الأربعة تحقيق عبد اللطيف بيئية ورياض عبد الله عبد الهادي، ط 1 دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان 1416 هـ / 1996 م (52) الجصاص: أبو بكر أحمد بن علي الرازي (370 هـ) - أحكام القرآن، تحقيق محمد الصادق قمحاوي، ط 1 دار إحياء التراث العربي. بيروت، لبنان (1412 هـ /
1992 م) 53) الجعلي: عثمان بن حسنين بري المالكي سراج السالك شرح أسهل المدارك لأبي بكر بن حسن الكشناوي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان 1402 هـ / 1982 م (54) الجناوني: أبو زكرياء يحيى بن الخير – كتاب النكاح، تعليق علي يحيى معمر، أعده للنشر سلمان أحمد عون الله، محمد ساسي زعرود، ط 2 المطابع العالمية، روي، سلطنة عمان 1988 م
55) الحارثي: سالم بن حمد بن سلمان. - المسالك الفقهية إلى الشريعة المحمدية، طا مطابع النهضة. مسقط، سلطنة عمان 1419 هـ / 1999 م
(56) الحاكم: أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري (ت 405 هـ) - المستدرك على الصحيحين، ومعه تلخيص الذهبي والمدخل لمعرفة المستدرك صنعه أبو عبد الله عبد السلام علوش.، ط 1 دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان 1418 هـ / 1998 م.
57) الحصري: د / أحمد - النكاح والقضايا المتعلقة به. ط 1 دار ابن زيدون للطباعة والنشر والتوزيع. بيروت، لبنان. 1406 هـ / 1986 م.
-
الدر
: محمد بن علي بن محمد بن عبد الرحيم (ت 1088 هـ) 58) الحصكفي المختار شرح تنوير الأبصار مع حاشية ابن عابدين محمد الأمين (1252 هـ)
، ط 2 طبعة الحلبي 1386 هـ / 1966 م (59 الحضرمي: أبو إسحاق إبراهيم بن قيس. - مختصر الخصال. ط 1 نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان 1403 هـ / 1983 م. طبع دار نوبار
للطباعة، مسقط
(60) الحطاب: أبو عبد الله محمد بن محمد المغربي (ت 954 هـ) - مواهب الجليل
526 (1/534)
صفحة 535
لشرح مختصر خليل، بهامشه التاج والإكليل لمختصر خليل لأبي عبد الله العبدري الشهير بالمواق (ت 867 هـ)، ط 3 دار الفكر. 1412 هـ / 1992 م.
الطرابلسي المغربي المالكي - شرح الحطاب على مختصر خليل. مطبعة
السعادة
مصر
1329 هـ
(61) حنبولة: عبد الله بن مسعود - الرضاع وأحكامه. طبع ليبيا 1401 هـ /
1981 م
(62) الحواري
-
: محمد بن الحواري - جامع أبي الحواري. ط ا نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان 1405 هـ / 1985 م، مطابع سجل العرب مصر. (63) الخرساني: أبو غانم بشر - المدونة الكبرى. ترتيب وتحقيق وشرح محمد بن يوسف اطفيش، ط دار اليقظة العربية للتأليف والترجمة والنشر. سوريا ولبنان 1394 هـ / 1974 م (64) الخروصي: سعيد بن خلف بن محمد. - من جوابات الإمام جابر بن زيد (جمع وترتيب)، ط 1 نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان 1404 هـ /
1984 م
(65) الخرشي: أحمد - شرح مختصر خليل، مطبعة بولاق مصر (دت) (66 خليفات: د / عوض محمد - نشأة الحركة الإباضية، ط 1 مطابع دار الشعب عمان، الأردن 1978 67) خليل: ابن إسحاق بن موسى شعيب المعروف بالحندي (776 هـ) - مختصر خليل في فقه الإمام مالك بن أنس، صححه وعلق عليه أحمد نصر، دار الفكر
للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان 1401 هـ / 1981 م (68) الخليلي: أحمد بن حمد - فتاوى فقهية) مخطوط في مكتبتي الخاصة)، صدرت 1419 هـ / 1998 م
69) الدار قطني: الحافظ علي بن عمر (ت 358 هـ) - السنن. تعليق عبد الله هاشم يمايني، نشر دار إحياء التراث العربي بيروت 1993 م
(الدارمي: أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمان بن الفضل (ت 255 هـ) - سنن الدارمي. تعليق: محمد أحمد دهمان. نشر دار إحياء السنة النبوية (د ت)
(1) الدرجيني: أبو العباس بن سعيد (ت 670 هـ) - طبقات المشائخ بالمغرب تحقيق إبراهيم طلاي، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، سلطنة عمان (دت) (72) الدردير: أبو البركات سيدي أحمد بن محمد بن أحمد (ت 1201 هـ) - الشرح الكبير
527 (1/535)
صفحة 536
لمختصر خليل، مع حاشية الدسوقي وتقريرات محمد عليش، طا مطبعة التقدم العلمية 1329 هـ - الشرح الصغير، مطبوع مع بلغة السالك لأقرب المسالك للصاوي، تحقيق محمد عبد السلام شاهين، ط ا دار الكتب العلمية بيروت لبنان 1415 هـ / 1995 م
73) الدسوقي: محمد بن عرفة الدسوقي (1230 هـ) - حاشية الدسوقي على الشرح الكبير لمختصر خليل، بهامشه تقريرات للمحقق محمد عليش، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع. بيروت، لبنان (د ت)
74) الذهبي: أبو عبد الله شمس الدين محمد (ت 748 هـ / 1347 م) – تذكرة الحفاظ، تصحيح عبد الرحمن بن يحي المعلمي، دار إحياء التراث العربي بيروت
1374 هـ
75) الذهبي
: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان (ت 478 هـ) - ميزان الاعتدال في نقد الرجال، تحقيق علي محمد البجاوي، ط دار المعرفة. بيروت، لبنان 1382 هـ / 1963 م.
(76 الذهبي: محمد حسن: محمد حسن - التفسير والمفسرون، ط 1 مطابع دار التراث العربي القاهرة مصر 1409 هـ/1989 م 77 الرازي: فخر الدين (ت 606 هـ) - التفسير الكبير، ط 1 المطبعة البهية المصرية مصر 1357 هـ / 1938 م (78) الرواحي: د/ سالم بن محمد سالم – قبس من الحديث الشريف، ط 1 مطابع النهضة، مسقط سلطنة عمان 1417 هـ / 1996 م
79 الزحيلي: د/ وهبة - الفقه الإسلامي وأدلته. ط 2 دار الفكر، سوريا 1405 هـ / 1985 م (80 الزرقاء: مصطفى أحمد - المدخل الفقهي العام. ط دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان (1967 م - 1968 م)
81) السالمي: أبو محمد عبد الله بن حميد بن سلوم (51286 - 51332) - العقد الثمين، تحقيق سالم بن حمد بن سليمان الحارثي، ط 1، نشر محمد الدهان، دار الشعب القاهرة مصر 1394 ه- شرح طلعة الشمس على الألفية، ط 2 وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان 1405 هـ / 1985 م - جوابات الإمام السالمي، إعداد د/ عبد الستار أبو غدة و عبد الرحمن السالمي، طا مطابع النهضة سلطنة عمان 1417 هـ / 1996 م - شرح الجامع الصحيح مسند الربيع (1/536)
صفحة 537
بن حبيب الفراهيدي، صححه وعلق عليه عز الدين التنوخي، نشر مكتبة الاستقامة، مطابع النهضة، مسقط، سلطنة عمان (د ت) (82) السايس: محمد - تاريخ الفقه الإسلامي محمد علي السايس أشرف على مراجعته وتصحيحه وتهذيبه، ط ا دار الكتب العلمية. بيروت، لبنان. 1410 هـ / 1990 م
83) السرخسي: شمس الدين محمد بن أحمد بن أبي سهل أبي بكر (490 هـ)
المبسوط. مطبعة دار السعادة 1331 هـ
84) سعد: عبد العزيز: (القاضي) - الزواج والطلاق في قانون الأسرة الجزائري، ط 2 طبع ونشر دار البعث، قسنطينة، الجزائر 1989 م
85) السمرقندي: أبو بكر علاء الدين محمد بن أحمد (ت 539 هـ) - تحفة الفقهاء، تحقيق د. محمد زكي عبد البر، ط ا مطبعة جامعة دمشق 1377 -
1378 هـ / 1958 - 1959 م
(86) السيابي: سالم بن حمود بن شامس - إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء تحقيق وشرح: د / سيدة إسماعيل كاشف، ط 1 مطابع سجل العرب القاهرة،
مصر 1979 م
-
(87) السيد سابق فقه السنة، ط 10 دار الجيل بيروت لبنان 1414 هـ / 1993 م في ظلال القرآن، ط 12 دار العلم للطباعة والنشر، المملكة
-
88) سيد قطب العربية السعودية 1406 هـ / 1986 م
89) السيوطي: جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمان (849 هـ - 911 هـ) - شرح سنن النسائي، ومعه حاشيته السندي .. تحقيق مكتب تحقيق التراث الإسلامي. ط 4 دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع. بيروت، لبنان. 1418 هـ / 1997 م 90) الشاطبي: أبو إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي (ت 790 هـ) - الموافقات في الشريعة، تحقيق وشرح عبد الله دراز، نشر المكتبة التجارية الكبرى مصر (دت)، طبع دار المعرفة ودار الفكر بتعليق الشيخ محمد الخضر حسين، بيروت، لبنان (دت)
أصول
(91) الشافعي: محمد بن إدريس (204 هـ) - الأم. ط 2 دار المعرفة. بيروت، لبنان
(دت) (92) الشربيني: شمس الدين محمد بن أحمد الخطيب. – الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، تحقيق علي عبد الحميد أبو الخير ومحمد وهبي سليمان. ط دار الخير
"
529 (1/537)
صفحة 538
للطباعة والنشر. بيروت، لبنان 1417 هـ / 1996 م
93 الشقصي: خميس بن سعيد بن علي الرستاقي منهج الطالبين وبلاغ الراغبين تحقيق سالم بن حمد الحارثي ومراجعة عبد المنعم عامر، ط 1
وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان 1404 هـ / 1984 م
•
94 الشكعة: مصطفى. - إسلام بلا مذاهب. ط 10 الدار المصرية اللبنانية. القاهرة مصر 1414 هـ / 1994 م - الإمام مالك بن أنس. ط 1 نشر دار الكتب اللبناني 1414 هـ
1983
بيروت، لبنان 1413 هـ / 1983 م
(95 شلبي: محمد مصطفى - أحكام الأسرة في الإسلام. ط 4 مطبعة الدار الجامعية للطباعة والنشر بيروت لبنان 1403 هـ / 1983 م
(96) الشماخي: أبو العباس أحمد بن سعيد بن عبد الواحد (ت 928 هـ). - كتاب السير. ط 2 نشر وزارة التراث القومي والثقافة، مسقط، سلطنة عمان.- كتاب مختصر العدل والإنصاف. نشر وزارة التراث القومي والثقافة، مسقط، سلطنة عمان. ط 1 مطابع سجل العرب، مصر 1405 هـ / 1984 م. 97) الشماخي: أبو ساكن عامر بن علي (ت ق (4) - كتاب الإيضاح. ط 2 نشر وزارة التراث القوي والثقافة، سلطنة عمان، 1404 هـ / 1984 م طبع دار أمون للتجليد و الطباعة. القاهرة، مصر. (98 الشنقيطي: محمد أحمد الملقب بالداه الموريتاني - فتح الرحيم على فقه الإمام مالك، ط دار الفكر بيروت لبنان 1399 هـ / 1979 م
99) الشوكاني
-
: محمد بن علي بن محمد. – نيل الأوطار شرح منتقي الأخبار من أحاديث سيد الأخيار ابن تيمية عبد السلام بن عبد الله الحراني (590 هـ 652 هـ)، دار إحياء التراث العربي. بيروت، لبنان. (د ت)
(100) الشيباني: محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة (132 هـ - 189 هـ) - كتاب الآثار، الحجة على أهل المدينة، مطبعة المعارف الشرقية مصر (دت)
(101) الشيرازي: أبو إسحاق إبراهيم بن علي الفيروزيادي (ت 476 هـ) - المهذب في فقه الإمام الشافعي تحقيق زكريا عميرات وبذيله النظم المستعذب في شرح غريب المهذب، لابن بطال الركبي اليمني (ت 633 هـ)، ط 1 دار الكتب العلمية بيروت لبنان 1416 هـ / 1995 م
-
102 العيني: بدر الدين عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ط 1 مطبعة دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان (د ت)
530 (1/538)
صفحة 539
103) الغساني: أبو محمد عبد الله بن يحي الجزائري (ت 682 هـ) - كتاب تخريج الأحاديث الضعاف من سنن الدارقطني، تحقيق كمال يوسف الحوت، ط 1 دار
الكتب العلمية بيروت لبنان 1411 هـ / 1990 م 104) الصاوي: أحمد بن محمد المالكي - بلغة السالك لأقرب المسالك، على الشرح الصغير للدردير (ت 1201 هـ)، تحقيق محمد عبد السلام شاهين، ط 1 دار الكتب العلمية بيروت لبنان 1415 هـ / 1995 م 105) الصباغ: محمد متولي الإيضاح في أحكام النكاح، نشر مكتبة مدبولي، طبع المطبعة الفنية القاهرة مصر 1995 م
(106) الصنعاني: محمد بن إسماعيل الأمير: محمد بن إسماعيل الأمير اليمني (ت 1182 هـ) - سبل السلام، شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام لابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)، صححه وعلق عليه فواز أحمد زمرلي وإبراهيم محمد الجمل.، ط 8 نشر دار الكتب العربي. بيروت، لبنان. 1416 هـ / 1995 م
107) الطبري: أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي – المعجم الأوسط تحقيق د/ محمود الطحان، طا مكتبة المعارف الرياض المملكة العربية السعودية 1405 هـ / 1985 م (108) الطبري: أبو جعفر محمد بن جرير (310 هـ) - جامع البيان، تحقيق ومراجعة محمود محمد شاكر وأحمد شاكر، ط دار المعارف مصر، دار الحديث ودار
(109
الريان للتراث القاهرة مصر 1407 هـ/1987 م 109) الطوسي: أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي (ت 460 هـ). - النهاية في مجرد الفقه والفتاوى، ط 1 مطبعة دار الكتاب العربي. بيروت، لبنان. (دت) 110) عامر: عبد العزيز - الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية. ط 1 دار الفكر العربي. القاهرة، مصر 1404 هـ / 1984 م 111) العاملي: محمد الجواد بن محمد الحسيني. - مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة مطبعة الشورى. القاهرة، مصر 1326 هـ 112) العاملي: ياسين عيسى. - الاصطلاحات الفقهية في الرسائل العلمية. ط 1 دار البلاغة. بيروت، لبنان. 1413 هـ / 1993 م 113) عبد الحميد: محمد محي الدين. - الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية، مع الإشارة إلى مقابلها في الشرائع الأخرى. ط 1 نشر دار الكاب العربي بيروت
لبنان 1404 هـ / 1984 م
531 (1/539)
صفحة 540
114) عبد الرزاق: بن همام الصنعاني (ت 211 هـ) - المصنف. تحقيق حبيب الرحمان الأعظمي. ط 1 مطابع دار القلم. بيروت 1390 هـ / 1970 م، من
منشورات المجلس العلمي. 115) عبد العزيز: عامر – الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية فقها وقضاء، ط دار الفكر العربي مصر 1404 هـ / 1984 م 116) العدوي: د عبد الرحمن - الوسيط في الفقه الإسلامي، أحكام الأسرة، طبع ونشر المكتبة الأزهرية للتراث القاهرة مصر 1416 هـ / 1996 م
(117) عزوز ناصري وبن عياش بن عيسى – المجلة القضائية. تصدر عن قسم المستندات والنشر بالمحكمة العليا، العدد الأول، مطبعة الحراش الجزائر
1995 م 118) العلائي: الحافظ صلاح الدين أبو سعيد خليل (ت 761 هـ / 1359 م) - تحقيق المراد إلى أن النهي يقتضي الفساد. تحقيق إبراهيم محمد السلفيني. ط 1 دار الفكر، دمشق 1402 هـ / 1982 م
119) عليش: المطبعة الكبرى. ليبيا 1294 هـ.
محمد. - منح الجليل على مختصر خليل. نشر مكتبة النجاح -
120) العوتبي: سلمة بن مسلم الصحاري (قـ 5 هـ) - الضياء، تحقيق ناصر بن راشد المنذري، تقديم محمد علي الصليبي، ط 1 وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان 1411 هـ / 1991 م 121) عياض: القاضي أبو الفضل عياض بن موسى السبتي (544 هـ / 1149 م). - ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك. تحقيق أحمد بكير محمود. منشورات دار مكتبة الحياة. بيروت، لبنان. دار مكتبة الفكر. طرابلس،
ليبيا.
(122) الغزالي: أبو حامد محمد بن محمد (ت 505 هـ) - المستصفى من علم الأصول. طا المطبعة الأميرية بولاق، مصر 1324 هـ، ط 2 دار إحياء التراث العربي، ومؤسسة التاريخ العربي بيروت، لبنان. 1414 هـ / 1993 م 123) الغندور: د/ أحمد الأحوال الشخصية في التشريع الإسلامي، مع بيان قانون الأحوال الشخصية للقضاء في محاكم الكويت. ط 1 1392 هـ / 1972 م: ط 3 1405 هـ / 1985 م. نشر مكتبة الفلاح، الكويت.
(124 الفارسي: علاء الدين بن علي - الإحسان بترتيب صحيح بن حبان، ظبطه كمال يوسف الحوت
532 (1/540)
صفحة 541
(125) الفراهيدي: الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي. - الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب. ضبطه و خرج أحاديثه: محمد إدريس، راجعه و قدم له عاشور بن يوسف. ط 1 مطبعة دار الحكمة. بيروت، لبنان. دمشق، سوريا، نشر مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان. ط 1 دار الكتب العلمية ببيروت لبنان
51407/ 1987 م (126 القرطبي: أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري - الجامع لأحكام القرآن.
تحقيق أبو إسحاق إبراهيم اطفيش وتصحيح هشام سمير البخاري. 127) الكاساني: علاء الدين أبو بكر بن مسعود (587 هـ) - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع. ط 2 دار الكتاب العربي بيروت، لبنان 1394 هـ / 1974 م 128) الكدمي: أبو سعيد محمد بن سعيد - الاستقامة، تحقيق: محمد أبو الحسن 129) الكشناوي: أبو بكر حسن. - أسهل المدارك شرح إرشاد السالك، في فقه إمام الأئمة مالك. دار الفكر. بيروت، لبنان (د ت)
130) الكليني: أبو جعفر محمد بن يعقوب. - فروع الكافي. تحقيق محمد جواد الفقيه ويوسف البقاعي. ط دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان. 1413 هـ / 1992 م 131) الكندي: محمد بن إبراهيم. - بيان الشرع تحقيق سالم بن حمد بن سليمان الحارثي، نسخة مخطوطة في مكتبة المضيرب، سلطنة عمان. ونسخة مطبوعة طا نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان 1414 هـ /
1993 م
(132) مالك: بن أنس الأصبحي (ت 179 هـ) - الموطأ. ت 179 هـ) - الموطأ. صححه محمد فؤاد عبد
الباقي
ط 2 دار الحديث، القاهرة، مصر. 1413 هـ / 1993 م. – المدونة الكبرى. رواية سحنون بن سعيد التنوخي عن الإمام عبد الرحمان بن قاسم ط دار الكتب العلمية. بيروت، لبنان 1415 هـ / 1994 م.
133) مذکور: محمد سلام. - مباحث الحكم عند الأصوليين. دار النهضة العربية، مطبعة لجنة البيان العربي. لبنان (د ت)
(134 المرادي: علاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان المرداوي – الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف تحقيق، وتصحيح محمد حامد الفقي، ط 2 دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان 1400 هـ / 1980 م (135) المرغيناني: أبو الحسن علي بن أبي بكرين عبد الجليل الرشداني (ت 593 هـ)
533 (1/541)
صفحة 542
-
الهداية شرح بداية المبتدي، صححه طلال يوسف، دار إحياء التراث العربي
بيروت لبنان 1415 هـ / 1995 م
(136 مسلم: أبو الحسن مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (204 هـ- 261 هـ) - صحيح مسلم بشرح النووي (631 هـ - 676 هـ)، تحقيق: عصام الصبابطي،
حازم محمد، عماد عامر، ط دار الحديث القاهرة مصر 1419 هـ / 1998 م (137) المعلى: أحمد بن عبد الله بن أحمد (ت (1189 هـ) - الروض الندي شرح 1189 هـ) المبتدي. المطبعة السلفية. القاهرة (د ت) (138) معمّر: علي يحيى. - الإباضية مذهب إسلامي معتدل. تعليق أحمد بن سعود السيابي، ط مطبعة الألوان الحديثة. مسقط، سلطنة عمان 1988 م، عند كتاب المقالات في القديم والحديث. ط 1 المطبعة العربية، غرداية، الجزائر. نشر مكتبة أبي الشعثاء، السيب، سلطنة عمان
139)
•
139 المقدسي: بهاء الدين أبو محمد عبد الرحمن بن إبراهيم الحنبلي (624 هـ) هـ) - العدة شرح العمدة. في فقه إمام السنة أحمد بن حنبل الشيباني (لابن تـ 620 هـ)،تحقيق خليل مأمون شيخا، طه دار المعرفة للطباعة
قدامة العمري
والنشر والتوزيع بيروت لبنان 1417 هـ/1997 م
(140 منلا خسرو الحنفي - مرآة الأصول شرح مرقاة الوصول، الشركة الصحافية العثمانية تركيا 1331 هـ
141 منصور: ابن إدريس الحنبلي البهوتي. - كشاف القناع على متن الإقناع دار الفكر، لبنان 1982 م.
142) ناصر: د/ محمد بن صالح - منهج الدعوة عند الإباضية. ط 1 نشر مكتبة الاستقامة. مسقط، سلطنة عمان. 1418 هـ / 1997 م 143 النامي: د / عمرو خليفة - المقدمة على كتاب أجوبة ابن خلفون المزاني. ط 1 دار الفتح. بيروت، لبنان 1494 هـ / 1974 م (144 النسائي: أبو عبد الرحمان محمد بن شعيب الخراساني (ت 303 هـ) – سنن النسائي. شرح جلال الدين البسوطي (ت 911 هـ)، حققه مكتب تحقيق التراث. ط دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت،
الإسلامي 1418 هـ / 1997 م
-
لبنان
(145 نواب المجلس الوطني الشعبي قانون الأسرة. ط ا نشر وزارة العدل الجزائر صدر في 9 رمضان 1404 هـ / 1984 م، طبع ديوان المطبوعات
الجامعية.
534 (1/542)
صفحة 543
(146) النووي: أبو زكرياء محيي الدين بن شرف (ت 676 هـ). – روضة الطالبين. المكتب الإسلامي للطباعة والنشر، دمشق، سوريا، بيروت، لبنان 1395 هـ /
1975 م. 147) الهادي: د / أحمد الهادي. - أثر الباعث غير المشروع في العقود والتصرفات. رسالة دكتوراه، القاهرة، مصر 1405 هـ / 1985 م
535 (1/543)
صفحة 544
رقم
الصفحة
شكر وتقدير
كلمة سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي - مفتي عام سلطنة عُمان -
كلمة فضيلة الشيخ محمد الشيخ بلحاج - عضو المجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر.
المقدمة ...........
مدخل البحث.
الباب الأول:
مكونات عقد النكاح وبيان مفهوم الصحة والبطلان عند
الفقهاء والأصوليين.
الفصل الأول:
التعريف بعقد النكاح وبيان مكوناته وشروطه. المبحث الأول: تعريف عقد النكاح
وبيان مشروعيته .....
أولا: تعريف النكاح
ثانيا: حكمة مشروعية النكا.
ثالثا: أدلة مشروعية الزواج المبحث الثاني: أركان عقد النكاح.
أولا: عناصر عقد النكاح عند الإباضية. ثانيا: أركان عقد النكاح عند المالكية.
المبحث الثالث: شروط عقد النكاح. أولا: شروط الصحة
ثانياً: شروط نفاذ عقد النكاح.
ثالثاً: شروط لزوم العقد
536 (1/544)
صفحة 545
الفصل الثاني:
مفهوم الصحة والفساد والبطلان عند الفقهاء والأصوليين
المبحث الأول: مفهوم الصحة عند الفقهاء والأصوليين والأثر المترتب عليه
أولا: مفهوم الصحة في العبادات عند الفقهاء والأصوليين ثانيا: أثر اختلاف الفقهاء والأصوليين في مفهوم
الصحة في العبادات ............
ثالثا: مفهوم الصحة في المعاملات عند الفقهاء والأصوليين والأثر المترتب عليه.
المبحث الثاني: مفهوم الباطل والفاسد عند الفقهاء والأصوليين و الأثر المترتب عليه
أولا: مفهوم الباطل والفاسد عند الفقهاء والأصوليين ... ثانيا: أثر اختلاف الفقهاء والأصوليين في تحديد مدلول
الباطل والفاسد
:ثالثا أثر اختلاف الفقهاء في النكاح الفاسد والباطل المبحث الثالث: منشأ الخلاف بين الفقهاء في تحديد الفرق
بين الفساد والبطلان
الباب الثاني:
الفصل الأول:
أنواع الأنكحة الفاسدة وأحكامها.
الأنكحة الفاسدة فساداً مؤبداً والمتفق على فسادها
المبحث الأول: المحرمات بسبب القرابة (النسب)
حكمة تحريم النكاح بسبب القرابة ............... المبحث الثاني: المحرمات بسبب المصاهرة. حكمة التحريم بالمصاهرة.
المبحث الثالث: المحرمات بسبب الرضاع. أولا: معنى الرضاع.
ثانيا: المحرمات بسبب الرضاع.
537 (1/545)
صفحة 546
ثالثا: الأدلة الشرعية على التحريم بالرضاع. من لا يحرم بالرضاع من النساء .......
شروط الرضاع المحرم ...
رابعا أن يكون الرضاع في مدة الإرضاع.
خامسا: مقدار الرضاع المحرم.
......
لبن الفحل وأثره في التحريم بالإرضاع.
حكمة التحريم بالرضاع.
.
المبحث الرابع: المحرمات بسبب اللعان.
أولا: تعريف اللعان ......
ثانيا: مشروعية اللعان.
.....
ثالثا: حكم نكاح المرأة الملاعنة.
الحكمة من التحريم بسبب اللعان ...
الفصل الثاني:
الأنكحة الفاسدة فسادًا مؤقتاً والمتفق على فسادها
المبحث الأول: الجمع بين محرمين.
أدلة تحريم الجمع بين محرمين.
قاعدة تحريم الجمع بين محرمين الحكمة من تحريم الجمع بين محرمين .. المبحث الثاني: الجمع بين أكثر من أربع نسوة. الحكمة في الاقتصار على أربع
المبحث الثالث: الزواج بزوجة الغير أو معتدته.
أ- المرأة المتزوجة
حكمة تحريم نكاح المتزوجة.
ب- المرأة المعتدة ......
حكمة تحريم نكاح معتدة .. الغير ...
المبحث الرابع: نكاح الزوج بمطلقته ثلاثا .. شروط حل المطلقة لزوجها الأول.
حكمة تحريم المطلقة ثلاثا.
538 (1/546)
صفحة 547
المبحث الخامس: نكاح المسلمة بغير المسلم. حكمة تحريم نكاح المسلمة بالكافر ..
المبحث السادس: تحريم نكاح من لا تدين بدين سماوي. حكمة تحريم نكاح من لا تدين بدين سماوي.
ارتداد أحد الزوجين ..
الفصل الثالث:
الأنكحة الفاسدة فساداً مؤبداً والمختلف حول فسادها
المبحث الأول: نكاح الشغار.
تعريف الشغار ...
حكم نكاح الشغار عند الفقهاء.
الحكمة من تحريم نكاح الشغار.
المبحث الثاني: نكاح المتعة والمؤقت. أ- تعريف نكاح المتعة.
..
..
ب تعريف النكاح المؤقت.
الفرق بين مدلولي نكاح المتعة والنكاح المؤقت ..
حكم نكاح المتعة ..
منشأ الخلاف ......
الحكمة من تحريم نكاح المتعة والمؤقت.
المبحث الثالث: نكاح التحليل.
أولا: تعريف نكاح التحليل.
ثانيا: حكم نكاح التحليل.
ثالثا منشأ الخلاف في هذه المسألة.
المبحث الرابع: نكاح الزاني والزانية. 1 - تعريف الزنى.
2 - حكم نكاح الزاني والزانية.
أولا حكم نكاح الرجل بمزنيته.
ثانيا: حكم زواج الرجل بمزنية غيره.
ثالثا: حكم العلاقة الزوجية في حالة زنا أحد الزوجين ..
539 (1/547)
صفحة 548
مناقشة آراء الفقهاء وبيان منشأ الخلاف
الحكمة من تحريم الشارع نكاح الزاني والزانية.
موقف القانون من نكاح الزاني والزانية ..
الفصل الرابع
الأنكحة الفاسدة فساداً مؤقتا والمختلف حول فسادها
المبحث الأول: نكاح الكتابية.
معنى الكتابية ..........
حكم نكاح نساء أهل الكتاب .....
النوع الأول: الكتابة الحربية
النوع الثاني: الكتابية الذمية أوا المعاهدة.
.....
الحكم المستفادة من نكاح الكتابيات حسب الآراء المختلفة.
موقف القانون من الزواج بالكتابيات.
المبحث الثاني: نكاح المحرم بحج أو عمرة ....... أولا: تعريف المحرم .......
ثانيا: حكم نكاح .. المحرم ...
موقف العلماء من تعارض النصوص ومناقشاتهم.
-
المبحث الثالث: نكاح المريض مرض الموت .......... أولا: تعريف مرض الموت ........
ثانيا: آراء الفقهاء في زواج المريض مرض الموت ......
الباب الثالث:
- الآثار المترتبة على الأنكحة الفاسدة.
الفصل الأول:
الآثار المترتبة عن النكاح الصحيح. حقوق وواجبات الزوجين في قانون الأسرة.
الآثار العقابية.
المبحث الأول: العقوبات الأدبية. أولا: التفريق بين الزوجين ..
- اعتبار التفريق بسبب فساد النكاح فسخاً أو طلاقاً
540 (1/548)
صفحة 549
ا موقف القانون من فسخ النكاح الفاسد ثانيا: منع تجديد النكاح بين الزوجين
المبحث الثاني: العقوبات المادية. الفريق الأول: القائلون بوجوب الحد أولا: الأنكحة المتفق حول فسادها .. ثانيا: الأنكحة المختلف في فسادها.
الفريق الثاني: سقوط الحد مطلقاً.: سقوط الحد مطلقاً في الأنكحة الفاسدة
موقف القانون من العقوبات المادية.
الفصل الثاني:
الآثار المالية
المبحث الأول: الصداق ...
تعريف الصداق
رأي القانون
ما يثبت من الصداق للمرأة في النكاح الفاسد
المبحث الثاني: النفقة.
تعريف النفقة.
حكم النفقة في النكاح الفاسد
رأي القانون
المبحث الثالث: الميراث.
تعريف الميراث
الحالة الأولى: حكم الميراث في الأنكحة المتفق على فسادها الحالة الثانية: حكم الميراث في الأنكحة المختلف في فسادها ....
رأي القانون:
المبحث الرابع: آثار مالية خاصة ببعض الأنكحة الفاسده ... أولا: الأنكحة المتفق على فسادها ....
ثانيا: الأنكحة المختلف في فسادها ..
حكم الصداق والميراث إذا زنى أحد الزوجين أثناء قيام الزوجية ..
حكم المتعة في النكاح الفاسد (1/549)
صفحة 550
الفصل الثالث:
الآثار المتعلقة .... الغير
المبحث الأول: النسب .....
أسباب ثبوت النسب .......
أولا: ثبوت النسب بالنكاح الفاسد.
حكم النسب عند طروء وطء من جهة أخرى
ثانيا: ثبوت النسب في الوطء بشبهة
رأي القانون
المبحث الثاني حرمة المصاهرة.
أ- ثبوت حرمة المصاهرة بالنكاح الفاسد أو الشبهة.
ب ثبوت حرمة المصاهرة بالزنا ومقدماته.
موقف القانون
المبحث الثالث: العدة والاستبراء.
تعريف ................
أنواع العدة ...
تعريف الاستبراء ......
حالات وجوب العدة والاستبراء .. أولا: العدة في النكاح الفاسد
الخاتمة:
حكم العدة في بعض الأنكحة الفاسدة
ثانيا: العدة من وطء الشبهة.
ثالثا العدة من وطء الزنى. موقف القانون من العدة والاستبراء. الحكمة من مشروعية العدة والاستبراء
والفهارس:
542 (1/550)
صفحة 551
الفهارس
رقم
الصفحة
فهرس الآيات القرآنية
فهرس الأحاديث النبوية
فهرس القواعد الأصولية والفقهية
فهرس الأعلام ...
قائمة المصادر والمراجع فهرس المحتويات .... (1/551)
صفحة 552
الطبعة الأولى 1422 هـ / 2002 م
رقم الإيداع: 19/ 2001
طبع بمطابع النهضة بسلطنة عُمان
ت: 563104/ 563755 (1/552)