صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الفقه - فقه
------------------------------------------
العنوان: ثبوت الهلال بين الرؤية البصرية وحساب المراصد الفلكية
المؤلف: إبراهيم بن عمر بيوض
نقله من الأشرطة: عمر اسماعيل
راجعه وقدم له وعلق عليه: محمد صالح ناصر
الناشر: مطبعة الألوان الحديثة
مكان النشر: مسقط
تاريخ النشر: 1413ه/ 1992م
الطبعة: 1
الإيداع القانوني: 92/128
الكلمات الدالة: ثبوت الهلال، الرؤية البصرية، المراصد الفلكية
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=2836&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/520
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/213696784241
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 29 جمادى الآخرة 1446ه/ 31 - شهر 12 - 2024م. ثبوت الهلال
بين الرؤية البصرية وحساب المراصد الفلكية
للفقيه العلامة النزيه الامام الشيخ بيوض ابراهيم بن عمر
(1899 - 1981 م)
نقله من الأشرطة
عمر اسماعيل
راجعه وقدم له وعلق عليه
الدكتور / محمد صالح ناصر
مسقط
1413 هـ / 1992 م (1/1)
صفحة 2
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على
محمد بن عبد الله خير الانبياء والمرسلين
الى يوم الدين. (1/3)
صفحة 3
الإمام الشيخ ابرايم بن عمر بيوض
دية من جمعه (1/5)
صفحة 4
سلطنة عمان ص. ب 951 مسقط
بسم الله الحر الرحمن
تليفون: 739794 محمد بن احمد بن سعود البوسعيدي
التاريخ: / / 4/ 1413 ه.
الموافق: / / 19 م.
كثرت الآراء الاجتهادية حول الأخذ بحساب المراصد الفلكية في ثبوت رؤية الأهله بلا بلغنا ان را با راه واقوبه العلامة بعوض ابراهيم بن عمر امينا نشود رأي خدمة العلم، ونشكر وزارة الخارجيه العمانية التي وافتنا بالاشرطه المسجل عليها كلمة الشيخ يعوض لذلك كلفنا ابتنا البار عمر بن اسماعيل أن ينقل ما جاء فى الاشرطه كتابيا ثم طلبنا من الدكتور محمد صالح ناصر مراجعة النقل وتصحيحه فقام بذلك مشكورا فال كلا من ريمه البحث العلمي والأطلاع تقدم هذا الكتاب
محمد الحمدان (1/7)
صفحة 5
مقدمه
يحتوي هذا المؤلف على درسين مهمين في موضوع «ثبوت الهلال بين الرؤية البصرية والحساب الفلكي،، كان الامام الشيخ بيوض ابراهيم بن عمر قد ألقاهما بمسجد القرارة أمام الطلبة والجمهور من العامة والخاصة في ليلتين متتاليتين وهما ليلة الرابع والعشرين والخامس والعشرين من شهر رمضان المبارك سنة 1392 هـ، وقد اجتهد فيهما الشيخ في إبداء رأيه وعلمه لتوضيح هذه القضية التي كانت وما تزال موضوع خلاف بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، بل إن الخلاف حاصل فيها بين المسلمين في القطر الواحد والبلد الواحد
من
وبما أن الدرسين بقيا مُسَجَّلَيْن في أشرطة، وظلت الاستفادة منهما محدودة، فاننا أحببنا اخراجهما في هذا الشكل الذي يقربهما الى القارئ المسلم، عساه يستفيد منهما أو يجد فيهما شيئا جديدا يزرع الثقة والطمأنينة في نفسه، ويُضيء الطريق الصحيح أمامه
التعبير، دقيقة
وقد بذل الاستاذ عمر اسماعيل جهده في اخراجهما من الأشرطة ونقلهما الى اللغة العربية الفصحى التي يفهمها المسلمون، اذ الشيخ كان يلقي دروسه أمام العامة في المسجد مما يُضطر معه الى استخدام اللهجة المحلية الميزابية أحيانا، ونشهد هنا أن هذا الكتاب أو بالأحرى هذه الترجمة، إن كل الدقة، وأن هذه الدروس هي ما ألقاه الشيخ بيوض فعلا، شهادة نلقى بها الله، آملين أن آملين أن يثيب الله شيخنا على اجتهاده وعلمه وسعيه الجاد في سبيل وحدة المسلمين وجمع كلمتهم، وَلِمّ شعثهم، ولا سيما في المظاهر الدينية
التي ينبغي أن
توحد لا أن تفرق
والله ولي التوفيق في البداية والنهاية،،،
صح
دكتور / محمد صالح ناصر
مسقط في 9 شوال 1412 هـ (1/9)
صفحة 6
-
نبذة مختصرة عن حياة فضيلة الأستاذ الامام: الشيخ بيوض ابراهيم بن عمر
بقلم: محمد صالح ناصر
ولد - رحمه الله يوم 11 ذي الحجة 1313 هـ ـ 21 ابريل 1899 م
-
بمدينة القرارة من وادي ميزاب جنوب الجزائر، وكان والده من الاصلاح في البلد
-
أعيان
دخل المدرسة القرآنية في سن مبكرة فاستظهر القرآن سنة 1911 م وعمره 12 سنة ودخل حلقة (ايروان) أي حفاظ القرآن أخذ مبادئ الفقه والعربية عن مشايخه الحاج ابراهيم الأبريكي، و أبو العلا عبدالله بن ابراهيم، والشيخ الحاج عمر بن يحيى كان محظيا عند شيخه الحاج عمر فلازمه باعتباره رأس النهضة الاصلاحية فكان يخدمه ويحضر جلسات أعيان البلدة عنده فكانت تلك المدرسة الاجتماعية التي تكون فيها
-
نبغ
بذكائه وحافظته وذلاقة لسانه العربي الفصيح فناب شيخه في تدريس البلاغة والمنطق خاصة في بعض رحلاته العلمية الى وارجلان، وهو ما يزال
طالبا
بعد الحرب العالمية الأولى أخذ غَصْباً للخدمة العسكرية الاجبارية، فانتشل من براثن فرنسا انتشالا بمساعي مضنية شاقة، وفور رجوعه مباشرة بدأ مصارعته للاستعمار بكتابة رسائل احتجاج على ارغام الناس على التجنيد الاجباري فقاوم هذا التجنيد الاجباري مع بعض الوطنيين حتى استصدروا قانونا جديدا بإلغاء الحكم والتجنيد العسكري على وادي ميزاب
-
- (1/11)
صفحة 7
والده
في سنة 1921 م بعد وباء كبير ذهب بمعظم أعيان البلد منهم، وشيخه، خلف شيخه في رئاسة وتبني الحركة العلمية ثم النهضة الاصلاحية
بالتبع.
في سنة 1922 م أختير عضوا بحلقة العزابة، وهو أصغر عضو يدخل حلقة العزابة) الهيئة العليا بالمسجد المشرفة على الشئون الدينية والاجتماعية في البلد)، وما فتئ أن عين شيخا للتدريس والوعظ بالمسجد، ثم انتخب حوالي سنة 1940 م رئيسا لمجلس العزابة
-
في يوم 18 شوال 1343 هـ / 21 مايو 1925 م أسس معهد الحياة للتعليم الثانوي مركزاً على الثقافة الاسلامية والعربية والعلوم المعاصرة، وسماه) معهد الشباب (شعاره (الدين والخلق قبل الثقافة، ومصلحة الوطن قبل
مصلحة الفرد) ..
-
في سنة 1931 م افتتح درس الحديث من (فتح الباري، شرح صحيح البخاري) بالمسجد، واختتمه بحفل علمي بهيج سنة 1945 م وكانت تحضره
كل الطبقات.
-
-
20
ربيع
في غرة محرم سنة 1353 هـ ـ مايو 1935 م بعد أن أتم تفسير جزء عم افتتح درس تفسير القرآن الكريم من فاتحته، واختتمه يوم الثاني سنة 1400 هـ ـ 12 فبراير 1980 م، وأقيم له مهرجان عظيم شهده مختلف السلطات الادارية والحزبية من مختلف المستويات، كما حضره حشد كبير من الأئمة والعلماء من كافة أنحاء القطر الجزائري
-
في سنة 1931 م شارك في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وصياغة قانونها الأساسي، وانتخب عضوا في إدارتها الأولى، فأسندت اليه
أمانة نيابة أمين مالها.
-
في سنة 1937 م أسس جمعية الحياة بالقرارة رائدة النهضة العلمية
الاصلاحية بالجنوب (1/12)
صفحة 8
-
كانت له مشاركة فعالة بمقالات نارية في الصحافة الوطنية وإن قلت وخلاصة أفكاره ه: دعوة الى الوحدة الوطنية، وتمسك بالمقومات الشخصية، واستنفار عام من أجل مستقبل أفضل في اطار الدين الاسلامي، واللغة العربية، لغة القرآن الكريم، كما كانت له كذلك اهتمامات بأحداث العالم الاسلامي والعربي.
-
في سنة 1940 م حكم عليه بالاقامة الجبرية داخل القرارة لا يغادرها لمدة أربع سنوات كون خلالها أجيالا من رجالات الأمة الحاليين في سنة 1948 م كان من بين الأربعة المُمْضين على برقيات ورسائل باسم اللجنة الجزائرية الفلسطينية لقضية فلسطين في الجامعة العربية وكان عضوا في لجنة اغاثة فلسطين
-
التأييد
-
دخل معترك الحياة السياسية الحاسمة بعد خروجه من الاقامة الجبرية، وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، فطالب بالحاق الصحراء بالجزائر مناهضا مشروع الدستور المزعوم الذي منحته السلطات الفرنسية للجزائر سنة 1947 م، القاضي بفصل الصحراء عن الشمال
تحت تأثير الالحاح الشعبي بوادي ميزاب قبل أن يكون مُمَتِّلَه في المجلس الجزائري فانتخب بالأغلبية الساحقة يوم 20 ابريل 1948 م، وأعيد انتخابه في سنة 1951 م، وكان الصوت المدوي الذي طالما دافع عن المؤسسات العربية والاسلامية في الجزائر لاسيما في الجنوب
-
من فاتح نوفمبر 1954 م الى مارس 1962 م كان محور جميع النشاط الثوري بميزاب عامة والقرارة خاصة، يديره مباشرة بنفسه، وبواسطة أبنائه من تلاميذه بما في ذلك استقبال وايواء جنود وضباط جيش التحرير، وجمع السلاح والتموين، وايصال ذلك الى مختلف مراكز الثورة في الجبال
الشباب
الشرقية والشمالية (1/13)
صفحة 9
-
كان خلال الثورة الجزائرية على اتصال وثيق بالمراسلات السرية بينه
وبين جبهة التحرير الوطني والحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية في المهجر وقد أصر على البقاء داخل القطر الجزائري رغم التهديد الاستعماري
-
ايمانا منه بأن الكفاح لا يقتصر على رفع السلاح وحده، وانما يتكامل ببناء النفوس واعدادها لتحمل الرسالة في المستقبل
وموقفه التاريخي ابان مؤامرة فصل الصحراء عن الشمال يعرفه المتتبعون لتطورات الأحداث آنذاك، ولعل الأمانة التاريخية والوفاء للعاملين ستدفع
بعض الترهاء ذات يوم لاظهار هذه الجوانب التي يجهلها الكثيرون.
-
في 19 مارس 1962 م بعد ايقاف القتال نتيجة مفاوضات (إيفيان) عين عضوا في اللجنة التنفيذية المؤقتة تقديرا لكفاءته ووظيفته وأسندت اليه مهمة الشئون الثقافية الى يوم تسليم السلطة لأول حكومة جزائرية في سبتمبر
1962 م.
في سنة 1963 م بُعِثَ مجلس) عِمِي سعيد (الهيئة العليا لعزابة مساجد وادي ميزاب فانتخب رئيسا له الى يوم وفاته
-
1970 م أحيى فريضة صلاة الجمعة في في غرة محرم 1390 هـ ـ ظل الحكومة والدولة الجزائرية، وقد تركت هذه الفريضة بميزاب إبان
الاستعمار الفرنسي.
-
في السبعينيات اعتمدته وزارة الشئون الدينية في اصدار الفتوى بالعمل بالحساب الفلكي في اثبات المواسم الدينية، وفي اعتبار ميقات الحجاج بالطائرة باعتبار المطار الذي ينزلون فيه في الحجاز
-
من تراثه الأدبي والفكري: تفسير مسجل لأكثر من نصف القرآن، ومئات من الأشرطة لدروس قيمة لمناسبات دينية واجتماعية وسياسية، وفتاوي على أسئلة فقهية وعلمية ورسائل ومقالات (1/14)
صفحة 10
مئات
- من ثمار جهاده الاصلاحي: أجيال من الرجال على رأسهم خلفه رائد النهضة الاصلاحية حاليا شريفي سعيد) الشيخ عدون) وأضرابه من المشايخ والاساتذة، والدكاترة، وكبار الموظفين من مختلف المستويات في مصالح الدولة الجزائرية، من ادارة وحزب وجيش، وتعليم بجميع مراحله، وانشاء عشرات المدارس للتعليم الديني داخل البلاد وخارجها، على مستوى العالم العربي والاسلامي
-
دعائم نهضته الاصلاحية: القرآن والسنة، وسيرة الخلفاء الراشدين،
والسلف الصالحين من بعدهم.
-
الخارجي
-
منابر نشر رسالته: المسجد أولا، ثم التعليم بالمعهد ثانيا، ثم المجتمع
العام ثالثا
ختمت أنفاسه الطيبة، وحياته الحافلة بالجهاد على الساعة السادسة الأول 1401 هـ ـ 14 يناير 1981 م، عن ربيع
-
مساءً من يوم الأربعاء 8 عمر يناهز 83 سنة وشيع جثمانه في موكب حاشد خاشع حضره نخبة من مسئولي الدولة من بينهم خمسة من الوزراء العاملين آنذاك الوزراء العاملين آنذاك، وذلك صبيحة يوم الجمعة 21 جمادي الأولى 1401 هـ - 27 مارس 1981 م. تغمد الله الفقيد برحمته الواسعة وأسكنه فسيح جنانه.
وابرازا لمكانة الشيخ العلمية والوطنية نورد فقرة من برقية رئيس الجمهورية الشاذلي بن جديد في مناسبة حفل مهرجان القرآن، يوم 1980/ 5/22 م. وان الجهاد الكبير الذي بذله فضيلة الامام الشيخ بيوض خلال خمسين عاما في تفسير كتاب الله لهو جهد يعتز به كل جزائري يؤمن بلاسلام دينا ودولة ومقوما رئيسيا من المقومات الشخصية الجزائرية، أما مآثر الامام الشيخ بيوض فكثيرة وجهوده في سبيل الدين والوطن جديرة بكل
تقدير (1/15)
صفحة 11
كلمة مقدم الشريط
)
فيما يلي درس الاستاذ الشيخ بيوض حفظه
بسم الله الرحمن الرح الله (2) في الليلة الرابعة والعشرين من شهر رمضان المبارك عام 1392 للهجرة، وهذا الدرس حول الحساب الفلكي، وهو درس مهم جدا وطويل، فيه: العمل بالحساب الفلكي في اثبات الشهور القمرية، ودراسة شاملة وتحليل دقيق للموضوع، والرجوع بأصل القضية الى ما قبل الاسلام، وبيان النصوص الشرعية فيها، وبيان الدقة المتناهية التي بلغها الحساب الفلكي في هذا العصر، ما جعل نتائجه يقينية لا يشوبها أدنى ريب أو شك، وقد استغرق هذا الدرس وملحقه في الدرس الآتي حوالي ثلاث ساعات (3)
مصطفي حشحوش: أمين مكتبة معهد الحياة الثانوي بالقرارة
توفي - رحمه الله - يوم الأربعاء 8 ربيع الأول سنة 1401 هـ / 14 يناير 1981 م، وشيع جثمانه يوم الجمعة
ربيع
الأول 1401 هـ / 16 يناير 1981 م.
الأشرطة موجودة بمكتبة معالي السيد محمد بن أحمد بن سعود البوسعدي تحت رقم 17
(1)
(2)
(3) (1/17)
صفحة 12
الدرس الأول
دعاء الافتتاح:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله
-
الله
الرحمن الرحيم، الحمد لله رب
-
وعدت بالأمس، كما وعدت من قبل، في آخر شعبان، عند الاعلان بدخول رمضان، بالقيام بدرس في هذه المسألة، مسألة العمل بالحساب، كلكم تعلمون أن الحكومة الجزائرية أمرت باجتماع لجنة الفتوى، لجنة من العلماء تجتمع لكي تقرر طريقة للعمل بها في أوائل شهور العبادة، شهر الصوم وشهر الأفطار وشهر النسك وما يتبع ذلك، اجتمعت اللجنة في 29 محرم محرم الماضي من العام (29 محرم 1392 هـ / 13 ابريل 1972 م، يعني ابريل الماضي، في الربيع، محرم الماضي، اجتمعت اللجنة واتفقت على فتوى، ونشرت الفتوى لعلها لم تنشر في وقتها، أو لم نطلع عليها وقد نشرت في جريدة الشعب اليومية يوم 27 شعبان الماضي نشرت هذه الفتوى، فتوى اعتمادها في الصيام والافطار على العمل بالحساب الفلكي داعي لقراءة نص الفتوى كاملا، هو في الجريدة، والجريدة منتشرة في كل مكان بالآلاف لمن أراد الاطلاع عليها، ولكن سأسرد قطعة منها: القطعة الأولى، وبعد ذلك نبحث فيها، بعد مقدمة ترى اللجنة: و أن العمل بالحساب الفلكي والمراصد جائز يباح الاعتماد عليه في كل عبادات المسلمين منها اثبات شهري رمضان وشوال للصوم والفطر ولأولي الأمر من المسلمين أن يتخذوا في ذلك ما يرونه من اجراءات موافقة لمقاصد الشريعة
ونصوصها»
،
لا (1/19)
صفحة 13
هذه
والأدلة
هي
، وهي
القطعة المعتبرة المهمة في البلاغ، وبعد ذلك يأتي البحث لا تعنينا، أو قد نتكلم عنها، المهم هو هذا، أن اللجنة اتفقت على هذا، قررت جواز العمل بالحساب الفلكي، وبما تقرره المراصد في أوقات العبادات كلها، لأنه ليس العمل فقط لثبوت الهلال للصوم والفطر، بل ولأوقات الامساك كما نرى تقاويم اليوميات والشهريات، والتقاويم التي تنشرها الدولة كأن يقال: الفجر في كذا والشروق، شروق الشمس في كذا، والظهر في كذا والعصر والغروب والعشاء، كل يوم فيه هذه التقاويم وهي مبنية على الحساب الفلكي، الاعتماد ليس كما نظن الا عند الصوم والافطار في ثبوت الهلال، ويقع بيننا الخلاف، هذا الحساب موجود يوميا لجميع أوقات العبادات، من طلوع الفجر الى الغروب الى العشاء، غروبا وشروقا وظهرا وعصرا ومغربا وعشاء، وهي مقررة بأيدي المعتنين بهذا الأمر دائما، على حسب المناطق، كما يعبرون، يعطون حسابا ويقولون: هذا في الجزائر وضواحيها، وكلما شرقت انقص منه (1) دقائق، تيزي اوزو (2) خمس دقائق، سطيف (3) اثنتى عشرة دقيقة، باتنه (4) عشر دقائق الى آخره، حتى يصل عنابه (9) فيقول اطرح من هذا العدد عشرين دقيقة، ثم يفعلون كذلك لجهات الغرب، فا لأ غواط (6) بالواحات، زيد على توقيت الجزائر ثماني دقائق، وهكذا الى أن يصل الأصنام (7)، ثم تلمسان (8) فيقول زيد عشرين
(1) في الأصل: (أرْنِ) بمعنى (زد): ويريد الشيخ كلما شرقت كان الزمن أسبق من الجزائر العاصمة، فيضاف هذا المقدار السابق الى الوقت المعلن عنه للجزائر، ولا تكون هذه الزيادة في الزمن الا بالنقصان
(2) مدينة شرق الجزائر، وهي عاصمة بلاد القبائل
(4) مدينة شرق الجزائر
(4) مدينة شرق الجزائر، وهي عاصمة الأوراس.
(0) مدينة شرق الجزائر.
(4) مدينة غرب الجزائر.
(7) مدينة غرب الجزائر، والجدير بالذكر أن (الأصنام سابقا أصبحت الآن تعرف (بالشلف)
(8) مدينة غرب الجزائر، تقع قرب الحدود الجزائرية المغربية. (1/20)
صفحة 14
دقيقة، يعني بين عناية وسوق اهراس في الحدود التونسية، وبين تلمسان وما ولاها الى الحدود المغربية أربعون دقيقة، في الغروب وفي الطلوع، توقيت الكل، أربعون دقيقة فرق كبير جدا، وعلى كل واحد أن يستحضر هذا في
،
ذهنه حتى يفهم ما يقال في القضية: ولكي نتحدث عن الحساب الفلكي أيجوز العمل به والاعتماد عليه أم لا .. ؟، أم يحرم ولا يجوز مطلقا .. ؟، هناك فرق بين أن نقول: يجوز الاعتماد، عليه ومن عليه فقد أصاب الحق، وبين أن نقول لا يجوز الاعتماد، والاعتماد عليه خطأ، فرق كبير، وسنحقق القضية
من بعد
ابتداء يجب أن نبدأ القضية من الأول: ماذا كان الحال عند العرب قبل نزول القرآن، قبل فرض رمضان .. ؟، يلزم أن نبدأ من هنا لنفهم جيدا، عند العرب وعند غيرهم من الأمم، العرب في جاهليتهم، قبل الاسلام، قبل نزول القرآن، قبل ميلاد محمد الله، كيف كانوا يحسبون الشهور .. ؟ نحن نعلم أن الله تبارك وتعالى قال: لو ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم (9)، فالرب سبحانه قال انه حين خلق السماوات والأرض قضى بهذا التقسيم) عدة الشهور) يعني في العام، فهو معقول، عدد الشهور في العام اثنا عشر شهرا) في كتاب الله (يعني فيما كتبه الله وقدره وقضى به (يوم خلق السماوات والأرض). فهنا ليس المراد من فهنا ليس المراد من الكتاب ـ فيما القرآن، وانما هو فيما كتبه، كما قال سبحانه و كتاب الله عليكم (10)، فكلمة الكتاب قد استعملت في القرآن مرارا بهذا المعنى، ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم السماوات والأرض منها أربعة حرم، دل الكلام على أن المراد هي
يظهر
(9)
-
الآية 36 من سورة التوبة
(10) الآية 24 من سورة النساء
•
خلق
الشهور
- 21 (1/21)
صفحة 15
القمرية، لأن منها أربعة حرم، ثلاثة شهور متصلة للحج: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد فرد وهو رجب، لأن العرب من عهد ابراهيم كانوا يحجون حجة النافلة، وكانوا يعتمرون في رجب.
فالآية الكريمة هي التي بينت لنا هذا التقسيم للعام الى اثنى عشر شهرا، وهو تقسيم قديم منذ خلق الله السماوات والأرض، خلق الشمس والقمر والأرض، وكانت تدور، كل واحد يدور حول نفسه، ويدور حول شيء لا نعلمه، كما قال في الشمس: {والشمس تجري لمستقر لها (11)، ولو لم يكتشف البشر بعد، على أي كوكب، وعلى أي محور تدور الشمس، كما هو عليه حال القمر يدور حول نفسه ويدور كذلك حول الشمس (12) في مدة معروفة عند الفلكيين، وكما هو عليه حال الأرض: تدور حول نفسها مرة في كل أربع وعشرين ساعة، ويتولد عنها الليل والنهار، وتدور دورانا آخر حول الشمس، فهو الدوران الذي تتولد عنه الفصول، لو لم يكن هذا الجانب، ومن هذا الدوران، وبحسب مقامها من الشمس يكون الحر ويكون البرد وتكون الفصول، وهذا فن ليس من اختصاصنا، فهو لذويه، وانما لنعلم هذا خير من أن نجهله
ويبقى: بماذا يعرف الناس الشهور ... ؟ ماذا كان عندهم قبل هذه الاثنى عشر شهرا .. ؟، انتبهوا جيدا، لكل نكتة قيمتها، لكي نتبع الخط من أوله ولكي نبحث بحثا علميا، ولو كان مختصرا، بحسب ما يتسع له المقام الضيق.
،
قبل أن يقول النبي -: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فان غم عليكم فأكملوا ... (13)، من المعلوم أن رمضان وجب فرضه، ونزلت آية الصيام بالمدينة، فالآية في سورة البقرة، وسورة البقرة مدنية، وفرض رمضان باجماع المسلمين وجب في شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة، يعني بعد
(11) الآية 38 من سورة يس
(12) فالقمر يدور حول الشمس بملازمته الأرض، وهي تدور حول الشمس.
(13) الحديث رقم (1810) صحيح البخاري. (1/22)
صفحة 16
مقام النبي بمكة ثلاثة عشر عاما، وبعض العام بالمدينة، ففي شعبان من العام الثاني للهجرة، نزل فرض صيام رمضان، في شهر شعبان، لا أذكر على التحقيق أي يوم، وانما وسط شهر شعبان نزل فرض الصيام، واستعد الناس لأول رمضان يصومونه ويصومه النبي عله، وهو رمضان السنة الثانية،
وبذلك يكون النبي علا صام في عمره کله تسع رمضانات فقط. قبل هذا، قبل نزول فرض الصيام، قبل أن يبين الرسول الله على ماذا يعتمدون في صومهم وافطارهم، كيف كان الحال من قبل .. ؟، وهنا سر، الحكمة أن من نعرف الحالة السابقة، وقل من يتعرض لهذا: كيف كان الحال
من قبل، كيف كانوا يحسبون .. ؟
قبل فرض رمضان، لم يُرْوَ أبدا حديث عن النبي لا يذكر للناس انظروا الى الهلال أو لا تنظروا اليه، لأن كل ما روي عنه في الشهور: «صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته (14)، ورواية: (اذا رأيتم الهلال فصوموا، واذا رأيتموه فأفطروا (15)، ثم أكمل بعد قوله: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، «فان غم عليكم فاقدروا له (16)، الرواية الصحيحة عن الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد، وهي العبارة التي في صحيح
الربيع، ويقول بعد الصحيح: وفي رواية (فأكملوا العدة ثلاثين (17)
هذا ندع
، وسنعود الى تفسير) الاقدار (ما بين قوله: «واقدروا له» (من جهة، وقوله مرة أخرى: (فأكملوا العدة)، المهم قبل ذلك، قبل يوجب رمضان، لم يحتر الناس في بداية الشهر، سألوا النبي، ولا النبي أجاب، ولا أمر برؤية ما من قبل، فكيف كان العرب يصنعون .. ؟
أن
(14) الحديث رقم (1810) صحيح البخاري. (10) الحديث رقم (1801) صحيح البخاري.
هم
(16) الحديث رقم (323) مسند الربيع بن حبيب، الحديث رقم (1801) صحيح البخاري
(17) الحديث رقم (1810) صحيح البخاري، وفي رواية الربيع: فأتموا ثلاثين يوما الحديث رقم (323). (1/23)
صفحة 17
ليس الجواب على هذا السؤال مهملا، وإن قل من يلتفت اليه، أو أن يذكر كيف كانوا يحسبون
الناس أكثرهم من البدو، فالحساب الفلكي والرصد وان كان موجودا، لكن المشتغلين بهذا العلم قليلون، فكيف كانوا يحسبون .. ؟، كانوا يحسبون دائما: شهور الفرد ثلاثون يوما، وشهور الزوج تسعه وعشرون يوما، بمعنى الشهر الأول (واحد) فهو فرد، واحد وثلاثة وخمسة وسبعة وتسعة وأحد
عشر، هذه دائما ثلاثون، شهور الزوج دائما تسعه وعشرون، فاذا قلنا: محرم، صفر، الأول، الثاني، جمادى الأولى، جمادى الثانية،
رجب، شعبان
ربيع
-
ربيع
، شعبان ـ هو الشهر الثامن، والثامن زوج - والشهور اثني عشر،
، وترك
فستة فرد وستة زوج، فهم يحسبون دائما في العام ستة شهور تسعة وعشرون، وستة شهور ثلاثون، وهذه هي القاعدة المعروفة عندهم، ولذلك قال النبي مرة: (الشهر هكذا وهكذا (18)، وهذا أيضا قاله في ل المدينة، لما آل نسائه، لما حلف أن يهاجر هن شهرا، فهاجرهن تسعة من وعشرين يوما، مكث في مشربة، يعني عند غرفة بالمسجد، فسكنها نساءه كلهن، أغضبنه فقال لهن: شهرا لا تأتيني احداكن ولا أراها، لا لطلاق، انما تأديبا، قال تعالى: و اهجروهن (19) فقد أدبهن تأديبا، بعد تسعة وعشرين يوما نزل، والحديث مشهور، فقال له الصحابة: يارسول الله الشهر لم يكتمل بعد، كأنك استعجلت، لعلك تشوقت الى نسائك، ما قالوا هذا، انما في هذا المعنى، قالوا له لقد حلفت أن تهجر هن شهرا، قال: الشهر دائما تسعة وعشرون أو ثلاثون (20)، وقال مرة بيديه
الشهر هكذا
-
وفتح أصابعه
-
(19)
وهكذا، عشرة وعشرة، عشرون،
وهكذا، مرة قبض ابهمه، يعني الشهور القمرية دائما اما تسعة وعشرون،
(18) الحديث رقم (1809) صحيح البخاري.
(19) الآية رقم 34 من سورة النساء
(20) انظر الحديثين رقمي (1811، 1812) صحيح البخاري (1/24)
صفحة 18
واما ثلاثون، واذن كان العرب قديما والأمم الأخرى تحسب كذلك، ويقول بعض الكتاب: لا يزال أثرها عند الناس الى اليوم في كثير من الأوطان يحسبون الشهر دائما تسعة وعشرين، والذي بعده ثلاثين وهكذا دائما، هذه
هي
الطريقة
لم
واذا استحضرنا هذا، هذه الكلمات التي ربما لم نسمعها قبل لأننا نكن نشتغل بالبحث عما كان الحساب عليه قبل وجوب فرض رمضان، حتى بعد البعثة، أربعة عشر عاما الأولى، منذ نزول الوحي الى السنة الثانية من الهجرة، فهي كذلك مضت على هذا الحساب نفسه: محرم ثلاثون، صفر تسعة وعشرون، ربيع الأول ثلاثون، ربيع الثاني تسعة وعشرون، وهكذا الى أن يستكمل العام دورته.
عندما فرض الصيام، فرض في شعبان، فالنبي الله لا بد أن ينتظر الوحي، فيا ترى كيف يكون الحساب عندئذ .. ؟ أيحسبون على الطريقة القديمة المتبعة قبل، كم يحسبون لشعبان .. ؟، يحسبون له ثلاثين (21)، كما كان العرب يفعلون في الحساب القديم، أم يكون تسعة وعشرين، يبدأ رمضان قبل، ورمضان نفسه كيف يكون .. ؟ هنا جاء أمر النبي علال بمراقبة الهلال فقال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)، طبعا هذا القول أثر لحديث، لمفاوضة، لسؤال، لأنه قد تبدل الحال، أصبح شهرا معتبرا، فيه أحد الفروض، يبتدئ من طلوع هلاله، وينقضي عند آخر ليلة المحاق، لأن فرض رمضان لنفهم النكتة يملأ الشهر كله، كإناء أو ماعون، يمتلئ كله من اللحظة الأولى الى اللحظة الأخيرة، ليس الصيام شيئا يقع في أيامه، كما هو الحال مثلا في الحج، فهذا أمر لا يمكن أن يضيع من البداية ولا من النهاية، لأن الفريضة العملية التي هي الصيام تملأ هذا الظرف والظرف الزمني له حدوده كما للظرف المكاني، لذا لا يمكن الانقاص
بعض
الزمني
،
-
(21) لقد مها الشيخ هنا، فشعبان زوجي فله تسعة وعشرون يوما، وسيذكر الشيخ لاحقا، أن الله قدر أن يظهر فساد القاعدة بأن كان في الصيام الأول لشعبان ثلاثون يوما، ولرمضان تسعة وعشرون خلافا للقاعدة (1/25)
صفحة 19
من الأول ولا الأخير، وهذه عظيمة الأهمية بالطبع لما أخبر الله بفضل من الصيام، وذكر لهم بعد قوله: كتب عليكم الصيام (22)، قال: شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن (23)، وهم يعلمون من قبل بأن
عليه
نزول القرآن قد كان في رمضان وفي ليلة القدر، لأن هذا أمر قد مضى أربعة عشر عاما، وشهر رمضان الذي انزل فيه القرآن يعني هذا الشهر الذي يأتيكم الآن، بعد شهركم هذا الذي نزلت فيه الآية، هذا الشهر (رمضان)، لما أنزل الله تبارك وتعالى فيه من القرآن، فضله وأمركم بصيامه، فمن شهد منكم الشهر فليصمه (24)، وفي كلمة) شهد (لا رأى،
،
و) الشهر (لا الهلال، تفسير كبير، وبحث كبير، وعلم غزير قال الرسول له: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فان غم عليكم فاقدروا له،، وقال: (إِنَّا أمة أميَّة لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا (25) هذا هو الوقت الذي قال فيه ذلك، نحن أمة أمية، قال تعالى: و هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم (26)، والعرب غالبيتهم المطلقة أميون، وأكثر العالم كذلك بعث في الأميين رسولا منهم، لا يقرأ، ولا يكتب، وزاد بعدها في الروايات الصحيحة: ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا، فالشهر ثلاثون أو تسعة وعشرون، فاذا رأيتموه فصوموا، واذا رأيتموه فأفطروا، فنحن لا قوة لنا أكثر هذا من، فهو تصريح غريب جدا، فليس هذا القول من النبي عل الله عبثا، بل فيه ما فيه من المعاني، يظهر
تفسيرها في ذلك الوقت، ويفسره الزمان: بتطور العصور وتقدم العلوم
لماذا علل بهذا التعليل .. ؟ (نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب)
(الحديث)، وراء هذا، أن الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم، قبل فرض
(22) الآية رقم 183 من سورة البقرة. (23) الآية رقم 185 من سورة البقرة. (24) الآية رقم 185 من سورة البقرة. (25) الحديث رقم (1814) صحيح البخاري (26) الآية رقم 2 من سورة الجمعة. (1/26)
صفحة 20
(30
الصيام في مكة، قبل الهجرة الى المدينة، قبل أن يقول الرسول: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، قبل ذلك، قدر الله مبدأ الحساب والعمل بالحساب في آيات كلها مكية، ففي سورة الأنعام، والأنعام مكية: {والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم (27)، وفي سورة يونس، ويونس مكية: وهو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب (28)، لتعلموا عدد السنين والحساب، وفي ن سورة الاسراء، والاسراء مكية: {وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب (29)، وفي سورة الرحمن، والرحمن مكية: و الشمس والقمر بحسبان (30)، هيا نقول هنا و الشمس والقمر بحسبان» أو «والشمس والقمر حسبانا»، يعني بحساب مقدر يعلمه الله، ولكن الصراحة في آية الاسراء وآية يونس، لنعلم، قال: (لتعلموا عدد السنين والحساب)، لا لتظنوا، ولا لتتخيلوا، ولا لشيء آخر غير هذا، قال: وهو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل، التقدير: جعله مراتب، كما قال في سورة سبأ: وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين (31) بعد أن قال وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير، كما يعبر البدو الآن يقولون: (اقناق)، مثلا كل عشرة كيلو مترات أو عشرين أو خمسين مدينة، كذلك وقدره منازل، فهو تقدير دقيق لا يتخلف بثانية، ولا يجزء من الثانية، تقسم الثانية على مليون ولا يكون أي تخلف، فالشمس والقمر بحسبان، وحسبانا، وبين لنا فقال: محونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم، ولتعلموا عدد
(27) الآية رقم 96 من سورة الأنعام
(28) الآية رقم 5 من سورة يوسف. (29) الآية رقم 12 من سورة الاسراء
(30) الآية رقم 5 من سورة الرحمن (31) الآية رقم 18 من سورة سبأ. (1/27)
صفحة 21
ما
السنين والحساب، ولتعلموا عدد السنين والحساب مطلق، حساب الأوقات والأزمنة، لكي تعلموا بها الحساب، ويشمل هذا أموراً كثيرة جدا، وآية (يونس) كذلك: جعل الشمس ضياء، والقمر نورا، وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب، وهذا اذن، علم مطلوب، مأمور الناس بأن يتعلموا هذا الفن، ليدققوا ويعلموا عدد السنين والحساب، فيعلموا الشهور وأوائلها، وأوقات العبادات كذلك، فيعلمونها بماذا .. ؟ بالحساب، قال بعض الباحثين: وهل هذه الآيات نسخت أو ادعى قوم مرة أن منها نسخ .. ؟ فهذه دعوة خاصة للنظر في الحساب، دون الدعوات العامة في القرآن كلة: قل انظروا ماذا في السماوات والأرض (32)، وان في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب (33) يُكَوِر الليل على النهار ويكوّر النهار على الليل (34)، ولا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون (35)، عشرات من الآيات، ان لم تكن مئات، كلها تدعو الناس الى التدبر في هذا الكون، والتفكير فيه، كل على قدره، البليد الجاهل يتمتع بالمنظر الظاهري، لكن (المدقق) الذي وهبه الله العلم ليطلع على دقائق الحساب ليرى ويصل ما استطاع الى أدق ما يمكن أن يعلمه من نظام الله المطرد تسيير هذا الكون، الذي لا يتخلف، هذه الأجرام التي تسبح في الفلك،، تنوين عوض عن الاضافة، يعني كل واحد منها، مما خلق الله في فلك يسبحون، الفلك الأعظم لا يعلم عظمته الا الله، الكل فانهم يسبحون، والتعبير بالسبح يدل على أن بالفلك مادة كأنها الماء، وهو الآن، نسمي ونخترع أسماء، والله تبارك وتعالى سمى دخانا ثم استوى الى
في
وكُل
بالأثير
(32) الآية رقم 101 من سورة يونس.
(33) الآية رقم 190 من سورة آل عمران.
(34) الآية رقم 5 من سورة الزمر
(35) الآية رقم 40 من سورة يس.
ما
عنه يعبر (1/28)
صفحة 22
السماء
وهي
دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها (36) التناسب بين الدخان والأثير قريب، وكل في فلك يسبحون (37) فكل واحد منها له مدار يسير فيه، بتقدير لا يتجاوزه مكانا، لا ينحرف يمينا أو شمالا الا بتقدير، وسيره كذلك: سير بطيء أو سير سريع: هذا بتقدير،، فالقرآن كله دعوة الى النظر في هذا الكون والى تدبره، هذا الكون والى تدبره، وأضاف فنص على الخصوص لتدبر الشمس والقمر، وبهذه نحن أهل الكوكب الأرض مكلفون، البشر الذين أسكنهم الله الأرض، لأنهم يرون هذين الجرمين الكبيرين، آية الليل وآية النهار، فهي تترتب عليهما، وعلى سيرهما ودورانهما، وعلى الارتفاع والانخفاض بينهما، اذ يدوران بكيفية تتولد عنها الفصول، والشهور، والحد والقد الى أخره، ما نحن أهل الأرض مستفيدون منه، فبين لنا وأرشدنا: ولتعلموا عدد السنين والحساب، فهو يقول: تدبّروا واعلموا، اذن فالحساب مطلوب، مأمور به، واذا قصر المسلمون، وسبقهم غيرهم في هذا العهد، فهم المُقَصُرُون، وان كان المسلمون في الحقيقة قد سبقوا الى هذا، فقد كونت مراصد في جميع العواصم الاسلامية، في بغداد، ودمشق، والقاهرة، وقرطبة، كونت فيها مراصد قبل أن تعرف أوربا المراصد، وانما ضيع المسلمون في هذا العهد الأخير، فسبقهم الاوربيون بعد عصر النهضة، ونهضة أوروبا أخذت من المسلمين، أخذوا علومهم وترجموها، كما ترجم المسلمون علوم اليونان والفرس والهند قبلهم، أصبحوا واسطة، نقلوا هذه العلوم ثم أضاعوها، واقتبستها أوروبا وعملت بها، فوصلت الى ما وصلت، والا فقد كانت المراصد في البلاد الاسلامية قبل أن تكون في أوروبا، واليوم اننا نرى ما وصل اليه العلم في أوروبا وأمريكا، وغيرها من البلاد المتقدمة. وبعد: فا لأمر من الله تبارك وتعالى بالحساب والدعوة الى الحساب، والأمر بالعلم: علم السنين، وعلم الحساب، هذا كله في آيات مكية، قبل
(36) الآية رقم 11 من سورة فصلت
(37) الآية رقم 33 من سورة الأنبياء (1/29)
صفحة 23
أن يهاجر النبي الى المدينة، وقبل أن ينزل فرض الصوم، قبل أن يقول للعرب انظروا، وهذا ما اعتمده بعض العلماء، قالوا: اذن فالحساب هو الأصل، والرؤية هي الفرع، لماذا .. ؟ لأن الرؤية تكون عند تعذر الحساب، ولأن النبي لم يقل عن جهل: (إنَّا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» فالعرب جميعهم أمامه، فالجزيرة كلها ليس بها من يعرف حساب الفلك، ليس عندهم في ذلك الوقت أي حساب، ولا ينتظر أن يكون الا بعد زمان طويل: لذا قال نحن أمة لا نكتب ولا نحسب، انظروا الى الهلال فاذا رأيتم هلال رمضان فصوموا، واذا رأيتم هلال العيد فأفطروا وان غم عليكم فأتموا الشهر السابق ثلاثين، وهناك عبارة أخرى، العبارة الأصلية: «فان غم عليكم فاقدروا له)، هذه الكلمة عزمت على تأخيرها، لكن تعجيلا أبحث فيها، لأن البعض تعلقوا بها، و فاقدروا له)، قلت: هذه عبارة (الربيع (الأولى (فان غم عليكم فاقدروا له»، قال: وفي رواية (38) (فان غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين (39)، ماذا قال بعض العلماء .. ؟ قالوا واعْتَمَدُوا على أمر، وطبعا عندهم على ما يعتمدون، ولكن غير ما قالوه أولى، فماذا قالوا .. ؟ قالوا: قد قال لنا مرة: (فاقدروا له)، فكيف يكون هذا التقدير .. ؟ قالوا: وقد قال في وقت آخر: (فأكملوا العدة ثلاثين»، والأولى أن يفسر الحديث بالحديث، اذن نفسر) فاقدروا له) بمعنى (أكملوا)، لأن الحديث فسر الحديث الآخر، كما يقال في القرآن يفسر بعضه بعضا.
ان
النبي
هذه نظرية، ولكنها نظرية بسيطة، نظرية ضحلة، سارت على السطح لم تتعمق في البحث، والا فالأصل في مثل هذا كما يقول العلماء: ه التأسيس أولى من التأكيد)، ولابد أن يكون مر عليكم في طبقاتكم العليا، التأسيس أولى من التأكيد ما معناها .. ؟ معناها: «اذا وجدنا قولين الثاني يؤكد الأول والموضوع كله واحد، فهذا ما يعبر عنه بالتأكيد، كما هو
(38) قال الربيع: وفي رواية أخرى:: فأتموا ثلاثين يوما، الحديث رقم (323).
(39) الحديث رقم (1808) صحيح البخاري. (1/30)
صفحة 24
اليه ـ هو هو
من
معروف، الثاني يقوي الأول، ولكن هناك شيء أولى – اذا أمكن الذهاب التأسيس، جعل كل كلام أساس مستقل، أصل مستقل، وكلام الله أولى أن يحمل على هذا أولا، فاذا لم نجد نقول: الثاني مؤكد للأول احفظوا العبارة: «التأسيس أولى التأكيد»، هذا هو الأصل الأصل، وكما قد قال بعض العلماء: «فان غم عليكم فأكملوا العدة) هو تفسير لقوله فأقدروا له»، لهم أن يقولوا هذا، استندوا - كمن وجد ما يستريح اليه ـــ وسادة ممتازة، لا بأس قلت هذا، ولكن يأتي من يتعمق في البحث أكثر بفضل الله
النبي علا الله كلامه كلام من توزن كل كلمة فيه، وكل حرف، ولكي يعدل فيقول «فاقدروا له»، ونفسرها بـ (أكملوا العدة ثلاثين»، فهذا بعد بين اكمال العدة، وبين (فاقدروا)) ولكن أولى ما يفسر هذا غير ما ذكروه. فهذا كلام الحكيم المؤيد من قبل الله تبارك وتعالى، ألهمه، وهو يعلم أن في الناس حُسابا، أن في الناس علماء بفن الحساب، علماء بفن سير الفلك، ولو لم يكونوا في العرب يومئذ، فهم موجودون في بعض بلاد الدنيا، ولو كانوا قليلين، لذا قال: «فاقدروا له فهنا أمران مختلفان، كل واحد لمن يليق به، وينطبق عليه، فعلى الجهلة الأميين الذين لا يعرفون الكتابة والحساب، اذا لم يروا الهلال، فأكملوا العدة ثلاثين للشهر الأول، وهكذا الأمور تسير، وعلى الذين يستطيعون الحساب، يمكنهم أن يطلعوا على دقائق الحساب، يعلمون ولادة الهلال أو عدم ولادته، تمكن رؤيته أو لا تمكن، هؤلاء الذين يملكون هذا الفن، هؤلاء يقدرون بالحساب، فهو أمر من النبي ه، ظهر تفسيره، وظهرت حكمته ظهورا جليا، وقد اطلع عليها القدماء من قبل، وهو الآن أكثر ظهورا، فمن الناس من يقدر بنفسه أن يحسب، لنتصور شخصا يتعامل مع المرصد فهو يحسب، وتيقن، ورأى الهلال مثلا رأي العين، رأى وحسب وعلم كل شيء يقينا، أعلى هذا أن يقول علي (1/31)
صفحة 25
أكمل الشهر ثلاثين، وهو يعلم أن الهلال قد وجد، ولكن الناس لم يروه، حال بينه وبينهم سحاب، أو غبار، أو غيم، شيء ما فلم يهتدوا اليه، وهو
موجود.
يتوجه اليه
اذن هذان أمران مختلفان، كل واحد موجه لمن يجب أن فمن لا يقدر على الحساب، لا يعرفه سواء أكان فردا أم جماعة، أو أمة،
الذين
أو وطنا كاملا، فهؤلاء يعتمدون على اكمال الشهر الماضي ثلاثين،، أما يستطيعون أن يحسبوا هم أنفسهم، أو عندهم المرصد الذي يحسب، ووثقوا بصاحبه، ووثقوا بحساب ذلك المرصد، وتيقنوا بوجود الهلال، هؤلاء مُكَلَّفون، فان غُمَّ عليكم فايدرُوا له، فعندكم الحساب، ولتعلموا عدد السنين والحساب، هنا ينفعكم الحساب، فان غم الهلال، دعه يغم، فالحساب يبين لنا، «فان غم عليكم فاقدروا له»
وحمل كلام النبي صلى الله على هذا أولى مائة مرة من تفسير «اقدروا له» بـ (أكملوا العدة ثلاثين)، اعتمادا على أن أولى ما يفسر الحديث بالحديث، أي نعم، اذا أشكل علينا الأمر و لم نجد وجها للتأسيس، نجعل الأقوال معناها واحدا على تباعد بينهما. فاللفظ اللغوي: اقدروا له، وكذا اللفظ: أكملوا العدة ثلاثين، بعيد جدا، لا يمكن جعلهما شيئا واحدا، الا بشيء من الضغط على هذه الكلمات تتناسب، أو تكون احداها تفسيرا للأخرى، أو لا ترون من يفكر التفكير الصحيح ألا يجد تعذر من قال ذلك من قبل. ألا يجد اليوم:
حتى
-
-
(فاقدروا له) موجه لمن .. ؟ للذين يأتون من بعد ذلك الزمان، أولئك الذين ليسوا أميين، يكتبون ويحسبون، وقد يقول قائل: الأمة ليست كلها تحسب سواء، كذلك الأمة ليست كلها تنظر الى الهلال، «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، ليس بمعنى كل واحد يرى، واذا لم ير لا يصوم، وانما رؤية الواحد تكفي وتغني، ورؤية الاثنين العدلين بالاجماع، وتغني عن الملايين، ويعم (1/32)
صفحة 26
الأقطار (1) كلها وهل تلك الرؤية: صوموا لرؤيته»، کلام موجه للمجموع، يعني، يعني ليَصُمْ كل فرد منكم برؤيته، لا وجود لهذا اطلاقا، اذا رأى بعض قامت الحجة على الآخرين، فاذا كان الذي رآه واحدا، تقوم الحجة عليه وعلى من وثق به وصدَّقَه، واذا وجد من لم يستوثق به فليتحمل أمره، ولكن اذا كانا شاهدي عدل، فهو فرض واجب، لا جدال فيه
اطلاقا.
وعلى هذا اذن، ظهر لنا واضحا تفسير قوله: «اقدروا له» مع قوله: فأكملوا العدة ثلاثين»، فالأمر اذن هنا بالحساب، على أن هذا الأمر صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، لا تأثير له بتاتا على الآيات النازلة في السور المكية، والتي تأمر الناس بالنظر في الكون والتدبر فيه: اختلاف الليل والنهار، تكوير الليل على النهار، والنهار على الليل، وكل في فلك يسبحون الى آخره، والآيات الداعية الى الحساب، فهي جميعا لاتزال مُحكمة لاتزال تطلب الناس أن يعملوا بمقتضاها ويتفننوا في هذا العلم، كما أنهم الآن وصلوا الى ما لم يكن يحلم به الأقدمون، من صعود الى ما وراء الجو الأرضي والوصول الى الكواكب وغيرها، فقد تجاوزوا القمر، الذي بيننا وبينه حوالي (308 أو 400) ألف كيلو متر فقط الى ما بيننا وبينهم الملايين، ستة شهور والصواريخ تسير، و لم تصل بعد الى بعض النجوم، فعليه اتضح لنا تأويل
هذا الحديث
وبعد هذا كله، فالعمل بالحساب عمل مشروع، قال به القدامى في السنين الأولى، في عهد التابعين والصحابة متوفرون، فيهم من يقول بالعمل بالحساب، يجيزه ويعمل به، انتبهوا الى خطأ، فقد يقال لكم، أو تسمعونه، ومن الغريب وقع فيه بعض العلماء المعتبرين، ولكنه كلام غير صحيح بشر، يخطيء الكبير منا والصغير، لما ذكر العلماء مسألة الحساب في القديم
(40) الأقطار التي يحمل بعضها على بعض، كما يوضحه الشيخ فيما سيأتي ص 74. 75
،
كلنا (1/33)
صفحة 27
النجوم
-
بحث فيها علماء الحديث وشراح الأحاديث كابن حجر في فتح الباري ــ شرح البخاري، ولما رووا: قال: قال فلان، وقال فلان، بجواز العمل بالحساب الفلكي، يقول أحدهم بهذه العبارة، نقلت نص العبارة بالحرف، لنرى مقدار الخطأ الذي وقع فيه، وتبعه بعض، ماذا يقول ليبطل العمل بالحساب، ليجعله باطلا كأنه - قطعا - لا عمل عليه، يقول فيه كلمة نقلها صاحب الفتح الباري، في الفتح، قال بعد البحث، ذكر العلماء الذين أجازوا العمل بالحساب، ومن منعه، منعه، الى آخره، وكان الجمهور لا يعلمون به، فقال: بالحرف من فتح الباري وهو مذهب باطل»، يعني العمل بالحساب، ه قال ابن بزيزة وهو مذهب باطل وقد نهت الشريعة عن الخوض في علم لأنها حدس وتخمين ليس فيها قطع ولا ظن غالب (41)، هكذا بالحرف، من الغريب هذا، وفيم الغرابة .. ؟ في قوله: «فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم لأنها حدس وتخمين)، واعتمد البعض، حتى من بعض علمائنا، قالوا: لأن التنجيم منهي عنه، هذا لم يفرق بين حساب الفلك وعلم التنجيم، التنجيم المنهي عنه، نهى النبي الله: أن يأتي انسان كاهنا أو منجما، فعلم التنجيم ليس علم الحساب الفلكي، الذي هو طلوع وغروب القمر، والشمس، والكواكب، وسيرهن لتنتظم الحساب، فهذا حساب فلكي قطعي يقيني، والتنجيم هو ما كان معروفا منذ أقدم العصور الى اليوم، يكون أحد منجما فيرى الطلوع والغروب والمنازل وغيرها، ويقرن ذلك بأعمال، فيقول: اذا طلع ذلك النجم في الساعة الفلانية سيسقط المطر، أو يحدث القحط، أو يقع المرض، من ولد في تلك الساعة سيكون مسعودا، ومن ولد في تلك منحوسا، وهكذا، ويقرنون جميع حوادث العالم، فيربطونها بحركة النجوم، كالكهان وهم أنواع كثيرة ولا يزالون، فبعد أن ينظر فيقول لك بعد كذا وكذا، سيحدث لك كذا، وينطلق يخبرك بالمغيبات، أهذا علم .. ؟ بل جهل، انه أمر حرام، منهي عن تعاطيه، من
(41) فتح الباري جـ 4 ص 127 ـ الحديث رقم (1913) (1/34)
صفحة 28
يقوم به، ومن يذهب اليه يطلب الطالع، ومن الغريب اننا نجد حتى اليوم جرائد كبرى مهمة) كالأهرام) في مصر، تذكر كل يوم الطوالع: من ولد والقمر في كذا وكذا، طالعه كذا، حظه كذا، فهذه هي الخرافات التي نهت الشريعة عنها، نهى عن التنجيم بهذا المعنى، حساب ما يحدث في العالم من حروب، وفتن، وغرق، وحرق، وموت سلاطين وولادتهم، وجوع وأوبئة، كلها تقرن بهذا، أو ما يعبر العرب عنه بالأنواء، كما قال النبي عل الله في يوم مطير، وعند الصباح قال لأصحابه ـ الحديث بالمعنى قال الله تبارك وتعالى أصبح من عبادي اليوم مؤمن وكافر، من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فهو مؤمن، ومن قال مطرنا بنوء كذا فهو كافر (42)
-
هنا،
وتجدون في بعض المجلات وبعض الجرائد، وبعض اليوميات، خاصة يوميات الحجاز، تذكر دائما الأنواء، نوء كذا، وتعلق به أمورا، فقال من قال: اننا مطرنا بنوء كذا، فقد أصبح كافرا، لأن العرب صاروا يعتقدون، وكأنه ضرورة، عندما يحدث هذا مع هذا: عندما يطلع هذا النجم من وهذا النجم يغرب من هنا، سيحدث المطر، أو سيحدث القحط، يغفلون عن ارادة الرب تبارك وتعالى، هذا ما نهت الشريعة عنه، اذن قال لا تقرنوا الحوادث بحركة النجوم، وبهذه الأنواء، لا الأمطار، ولا الخصب، ولا الجدب، ولا الموت، ولا الوباء، ولكن لا يزال الناس مُصرين على هذا الى اليوم، وأنتم تعلمون قصة أبي تمام في شعره: سبعون (43) ألفا كاساد الشرى نضجت جلودهم قبل نضج التين والعنب أحد الكهان المنجمين قال في قضية) عمورية)، وهي حرب مشهورة بين النصارى والمسلمين، جاء المنجم، الذي يحسب فقال للمسلمين لا تقوموا الآن بالحرب مع النصارى، مع الصليبيين، فإليكم ما يقوله التنجيم وعلم النجوم، ستنتصرون في المعركة، ان وقعت وقت نضج التين والعنب، يعني في الخريف، أما ان وقعت الآن فستنهزمون، هذا الملخص، ولكن المعتصم، من أواخر العباسيين، صاحب عمروية، وقد ظلمت امرأة في مدينة فنادت:
(42) انظر الحديث رقم (810) في صحيح البخاري (43) في الديوان: تسعون ألفاء ص 25، شرح ديوان أبي تمام، لأليا الحاوي (1/35)
صفحة 29
وامعتصماه، استغاثت به فأقدم، ولم يستجب للمنجم، وضرب بكلامه عرض الحائط، ووقعت الحرب، وانتصر انتصارا كبيرا، حتى نظم أبو تمام قصيدته المشهورة في الأدب العربي التي مطلعها: السيف أصدق أنباء الكتب في حَدَّه الحد
سبعون
-
من
بين الجد واللعب
-
عنه
فالسيف صادق أكثر من أقلام الكتاب، الى أن قال: سبعون ألفا كآساد الشرى نضجت جلودهم قبل نضج التين العنب ألفا من الأبطال نضجت جلودهم قبل أن ينضج العنب والتين، وهذا المنجم يقول لنا: انتظروا الى أن ينضج التين والعنب، هذه خرافة، هذا هو علم النجوم، هذا هو التنجيم المحرم، الذي هو أخو الكهانة ومن الغريب أن يقول القائل: «ان مذهب العمل بالحساب الفلكي مذهب باطل لأن الشريعة نهت عن علم النجوم)، أي غلط هذا، حقيقة انه غلط كبير، وقد كرر هذه المقولة بعض المتأخرين ـ مقولة صاحب الفتح ـ وقالها قبل من قال، ويعتمدون: لأن التنجيم منهي حرام عليك أن تقول «منهي عن هذا»، الرب يقول لك: «لتعلموا عدد السنين والحساب»، يرغبك ترغيبا لتتعلم هذا الفن، (ولتعلموا)، وتقول أنت لا، أولا يخاف عليه ما هو أخطر من المعصية العملية، لأن فيه رد لكلام الله، ابطال لما أمر الله تبارك وتعالى به من تعلم هذا العلم، (ولتعلموا)، ما أغنى الله تبارك وتعالى، لو لم يرد، ليحرضنا على هذا العلم، ما كان ليقول لنا: و هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب، والحساب ليس فقط للهلال طلع أم غرب، فالحساب يتعلق بتقدير للقمر منازل، وبمنازل الشمس، والحساب كما قلنا لأوقات الصلوات وغيرها. فهذا كلامنا حتى لا تقعوا في الغلط، أو يغلطكم من يلتبس عليه الأمر
بين التنجيم والفلك، ولو أنه قد يطلق الناس اليوم على المنجمين اسم الفلكي قال الفلكي فلان، كما كان (محمود الطوخي) في مصر، مات منذ عهد قريب، وأنتم تسمعون كل عام ما تنشره بعض الجرائد الأوروبية، وبعض الجرائد الاسلامية، على أن هناك منجما قد قال: انه يحدث كذا عام (1/36)
صفحة 30
1972 م، مثلا، تنشر دائما هذا الكهنة والمنجمين: سيموت الملك من الفلاني، ستقع ثورة في المكان الفلاني، سيحدث كذا، يحسبون وكأنهم مطلعون على الغيب، بماذا .. ؟ بالتنجيم، فهذا المنهي عنه، وعدد الجرائد كثير جدا في جميع بلاد العالم تنشر هذا الكهنوت، قد يصدقون وقد يكذبون، نحن مأمورون بالشريعة أن لا نصدقهم، وقد ذكروا أخبارا لهذا العام، عام 1972 م، فلا ندري أتحدث أم لا تحدث، فهذا هو التنجيم الحرام
تعاطيه
أما استعمال هذا العلم لتدقيق الحساب في المواقيت، مواقيت الصلاة، ومواقيت الصوم والفطر وغيرها، فهذا مَامور به، مطلوب ثم وراء هذا دليل آخر: النظر الى أحوال الجو للاستنتاج بحسب العادة، فهذا ليس حراما، بل النبي عل الله فعله، وكان من أمهر الناس فيه، فالنظر الى السحب، ومعرفة السحاب الفارغ الذي هو ريح، والسحاب الذي سيكون في الغالب مطيرا، وسيكون مطره غزيرا أم خفيفا، وهذا ما يعلمه الناس بالتجربة، فهناك من يرى السحاب من أي جهة هو آت، والى أي جهة هو متجه، وينظر الى الريح أهي شرقية قبلية أم هي غربية قبلية، ويرى الى البرق كيف يشق السحاب، ويرى الى لون السحاب، أسود، أحمر وغير ذلك، فيقول ان شاء الله ستحمل الوديان، أو غير ذلك والنبي الله حدثوه مرة بقدوم السحاب، وهو ما كان مقابله، الصحابة كيف ترون - لا يحضرني الحديث كله - سأل عن قواعده، كيف ترون الجهة التي توالي الجبل؟ فوصفوها له، فسأل عن أعاليه، رؤوس السحاب، وصفوها، قالوا كذا وكذا، وسأل عن رحاه ـــ ونحن نسميها (العروس)، ولتوفر العيون صرنا غير مشتغلين بالسحب ـ سأل عن رحاه وسط السحاب، قالوا كذا وكذا، وسأل عن البرق أهو يشق شقا أم يعترض .. ؟ فوصفوه، وسأل عن الكل ـ هذا ويدل على علم وخبرة بفن فلما أتموا الوصف، قال: الحيا، أبشروا بالمطر
السحاب
-
سأل
فهذا ليس أخبارا بالغيب، وهذا ليس معناه أن جبريلا أتاه فأخبره، وفي الامكان أن يأتيه جبريل فيخبره بسيلان الأودية، ولكن قد استنتج هذا مما (1/37)
صفحة 31
،
هو
من
عمله
تَوَقَّعاً
بلاد
عرفه وألفه من أنواع السحب، سحاب ثقيل عامر بالماء، وسحاب ثقيل لكن بالرياح، سحاب جهام، كما يقولون: يرعد ويبرق ولكن لا قطرة فيه، فهذا استنتاج من حوادث الجو المألوفة المعتادة، فهذا ميدان، أول في الاسلام هو النبي عل الله مع الصحابة، وأحاديث في هذا الباب، منها حديثان مشهوران، أحدهما هو هذا ذو السؤالات، والثاني آخر غيره، فهذا كذلك ليس بالتنجيم انما استدلال بالامارات، يخبرون بالشيء تَوَ كما كان عندنا خبراء يعلمون ذلك بحسب الدلائل المألوفة عندهم. و حساب اليوم الذي تقدمه النشرات الجوية كل يوم، في جميع العالم، هذه مبنية كذلك على تجارب، وعلى امارات، فعندهم الآن آلات حساسة، فنحن لا نرى الشيء الا بعد حدوثه، ولكن في حقيقته له استعدادات وتهيؤات سابقة تقع في الجو تسبق المطر، وتسبق غيره، فانما تنطبع تلك الاستعدادات في بعض الآلات الدقيقة الحس، فترى الامارات فيعلم بحدوث العاصفة، أو بحدوث أمطار، أو برعد وبرق، بحسب الأدلة المحسوسة المطبوعة في الآلات الدقيقة الحس، تشعر شعورا ألف مرة أكثر من شعور الانسان، وفي الناس من عنده بعض الحساسية، خبرة، يرى حالة الجو باشياء يحسها، حرارة الجو، أو برودته، أو ليونته، أو غير ذلك، فيخبر بأمطار وتقلبات في الجو، وهذا كله أيضا لا يعتبر من التنجيم فالتنجيم ما الا هو تعليق الحوادث التي تقع في العالم اعتمادا على مواقع النجوم، فهذا المحرم شرعا، بينه وبين الحساب الفلكي بعد المشرقين، ويقول هذا: «وهو باطل لأن الشريعة نهت عن التنجيم)، أين هو التنجيم حتى يعبر بمثل هذه العبارة: مذهب باطل فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم» ثم يقول: ه لأنها حدس وتخمين ليس فيها قطع ولا ظن غالب»، وزاد للطين بلا، ليس فيها قطع ولا ظن غالب، عكس الواقع تماما والحساب اليوم
قطعي (4)
(
،
(44) نلحظ هنا كيف أن الشيخ يعيد شرح هذه القضية لأن الدرس يلقى لطبقات مختلفة متفاوتة المعرفة من الناس من طلبة الجامعة الى الأميين الذين لا يقرأون، فهو مضطر من أجل هذا الى الاعادة رغبة في افهام الناس
،
(م. ن). (1/38)
صفحة 32
هناك
بعد هذا الموضوع المتشعب ما الذي ألجأ لجنة الفتوى لتقرر العمل
بالحساب اليوم .. ؟ ما الذي ألجا جمعا من المؤتمرات الاسلامية منذ سنوات .. ؟ كم من أعوام وقعت فيها مؤتمرات في بلاد العالم الاسلامي، منها مؤتمر وقع في سبتمبر أو أكتوبر من عام 1967 م، ونشر قراره في أخبار المؤتمر في القاهرة، للعلماء المسلمين، ومؤتمر في ماليزيا، وقعت اجتماعات كثيرة في هذه السنوات، والناس تبحث كيف يتم توحيد صيام وافطار المسلمين .. ؟ دائما ثلاثة أيام وأربعة أعياد، وثلاثة أيام وأربعة رمضانات، كما هو الحال هذه السنة: هناك من صام يوم الأحد، هناك من صام يوم الاثنين، صام يوم والثلاثاء، هنا عندنا في وادي ميزاب، الأحد، الاثنين، الثلاثاء، ثلاثة أيام رمضانات، ومن الغريب أن يكتب الي ناصر الزيدي (4)، في رمضان هذا بالذات، من عمان، من نزوى، يقول في عمان عندنا من صام بالأحد، ومن صام بالاثنين، ومن صام بالثلاثاء، تماما ثلاثة أيام رمضانات، وسيكون طبعا ثلاثة أيام للعيد، وفي أحد الأعوام بلغ الفاصل، أربعة أيام الى خمسة أيام، ما الذي ألجأ الناس للبحث في أمر ينزع هذه الفوضى التي تقع .. ؟ وجرَّت سبّاً للاسلام، وللقواعد الصحيحة، الاسلام الصحيح الصريح، الذي لا شبهة فيه، صار مطعونا فيه، وقواعد الشرع الحنيف صارت مطعونا فيها من أعداء الاسلام وأعداء الشريعة بسبب هذا، فما الذي أدى الى هذا .. ؟ أدى الى هذا عدم التحري في الرؤية، الكذب، والزور، والخطأ في شهادة الرؤية، وأستطيع أن أقول: وأنا أظن صمت اثنين وستين رمضانا لا يوجد هناك رمضان، أو عيد، لم يقع فيه الخلاف بين المسلمين في المشرق والمغرب، وعندنا هنا يقع هذا دائما، بين القطر والقطر، كالجزائر وتونس، بين أجزاء القطر الواحد، مفطر وصائم، أحد صائم أول رمضان، والثاني مجهز أدوات الشاي، جهارا نهارا، ونعلم
(45) ناصر بن محمد الزيدي، من سلطنة عُمان، درس بمعهد الحياة الثانوي بالقراره، وكان أيضا مسئولا بسفارة
السلطنة بالجزائر. (1/39)
صفحة 33
منذ
هذا جميعا، وعندنا في الشمال جماعات تتبع تونس منذ قديم الزمان عقلنا، ويقال أعلنت تونس، وهي تسبق دائما، يومين وثلاثة وأربعة، وأذكر العام الذي أنا أعقله بالضبط، ولي عليه امارات، وأدلة قاطعة، كان الفرق فيه أربعة أيام كاملة، وأما يومان ويوم فهذا متكرر، فهم دائما متقدمون - وهناك جماعات ـ خاصة في شرق الجزائر يتبعون تونس، تجار في (فسنطينة ((46)، في) عنابة ((47)، في (سوق أهراس ((48)،) شاطودان ((49)، في (سطونو ((50)، في (سطيف ((51)، في كل جهة، وكثير من رعايا تونس، يقال: أعلن الخبر فما بقي شيء، لأن الأمر فوضى في القطر الواحد، صائمون ومفطرون في ثلاثة أو أربعة أيام دائما دائما، واذا قلت دائما فيقينا، ليس هناك عام وقع فيه الاتفاق، في الوقت الذي ما وجد بعد من يذكر الحساب أساسا
وفي
لماذا هذا .. ؟ لقبول الشهادات الزائفة، لأن المكلفين بالاعلان للناس، كالقاضي يأتيه شهود، فيقولون رأينا الهلال، فالشهادة الشرعية صحت عنده، هيا أيها الناس صوموا وأفطروا، وهو لا يدري ما قاله الحساب الفلكي، واذا قيل له: لا هلال ولا وجود له، ما نفع ذلك، وعلمتم مرة، وهي الحقيقة، وقع الاعلان بالليل في تونس، برؤية الهلال، ولكن عند الصباح هنا رآه كل الناس من القبلة (52)، وصارت الجرائد تتكلم تقول:
رجاء التحري، ولكن ما نفع ذلك أبداً
(46) مدينة بشرق الجزائر وهي من اكبرها.
(47) مدينة بشرق الجزائر
(48) مدينة بشرق الجزائر.
(49) مدينة بشرق الجزائر يطلق عليها الآن (شلغوم العيد).
(50) مدينة بشرق الجزائر يطلق عليها الآن (العلمة)
(1) مدينة بشرق الجزائر
(52) استقبال القبلة في الجزائر نحو المشرق متجها قليلا جنوبا. (1/40)
صفحة 34
فعندهم
وها نحن اليوم، في رمضاننا هذا، يكون العمل بالحساب الفلكي، أنا لم أطلع على النشرة الجوية، وانما قال لي من سمعها أو قرأها: أن الهلال موجود ليلة الأحد، وسيكون غروبه 17 دقيقة قبل غروب الشمس، اذن لا وجود له، في أجوائنا نحن، والذين قبلنا، شرقا منا، بيننا وبينهم آلاف الكيلو مترات، مغربنا عندهم العشاء، أو أكثر من ذلك، بساعتين، وثلاية، فقد غرب الهلال قبل غروب الشمس - اذا كان عندنا بـ 17 دقيقة سيكون بـ 170 دقيقة أو أكثر، ومع هذا، الشرق كله صام بالأحد، وقال برؤية شرعية وكتب الي الشيخ أحمد حمزة الرفاعي ـ الصديق الحميم ــ من کبار علماء المدينة، مزوّر المزابيين، منذ عام 1911 م أكثر من ستين عاما، كل من ذهب من ميزاب الى الحجاز يعرفه، كتب الي في رمضان هذا يهنئني بالصيام ويهنيء بالعيد، وكتب الرسالة في اليوم السادس من رمضان، وذكر عندنا دخول رمضان بيوم الأحد برؤية شرعية أو بشهادة شرعية)، نعم: هو لم يقل كذبا، ولكن القاضي الذي يذهب اليه الناس، كما هو الحال عندنا، يذهب الناس الى العزابة (3)، وفي الأماكن الأخرى يذهب الناس، الى القضاة، قضاة المحاكم، فهم المكلفون في جميع بلاد الاسلام، وان شكلت لجنة، فهي غالبا تجتمع في المحكمة تحت رئاسة المفتي أو القاضي، فيقال جاء مكان كذا فأدوا شهادتهم فما بقي شيء ـ الشاهد مسلم لا نتهمه بشيء – فيسألون: هل رأيتم الهلال .. ؟ يقولون: نعم رأيناه يقينا، هيا اذن أكتب، ونحن ممن لا يتعجل في قبول الرؤية، وعندنا من أبنائنا من يتأخر بعدنا، هذا ما أراد الله، والى اليوم، فما هو السبب في هذا كله .. ؟ انها الشهادات الزائفة غير الصحيحة، في العام الماضي خالفنا اعلان الجزائر، قالوا لنا: بلغت الشهادة من جهة (مغنية ((54)، ونحن تثبتنا وتيقنا بأنه لا
اصح
الشهود من
وجود
(53) العزابة: هم الهيئة الدينية المشرفة على أمور الدين.
(54) مدينة في الحدود الجزائرية المغربية. (1/41)
صفحة 35
للهلال، الهلال رئي في الصباح، لا يمكن أن يوجد في الليل، أدلة كثيرة، وخالفنا اعلان الحكومة، خالفناه لأنها أعلنت بالرؤية، ولم تعلن بالحساب قال ثبت بشهادة من الجهة الغربية، أظن من جهة) مغنية)، وتبين خطأه، نعم نحن هنا عملنا باعلان الجزائر بالحساب بأن رمضان بالاثنين، ورئي. أولا: صادف الشهر السابق وفيا على حسابنا، ورثي بالنهج الغربي كما حدثني جماعة كانوا هنا من الاخوان من ميزاب، فقد رئي كثيرا ليلة الاثنين كما قرر الفلك، فقد بنينا على قاعدة صلبة تماما
الخلاصة ما هي .. ؟ الخلاف والشك الذي يقع الآن، انما يقع بالرؤية، فالخطأ الكبير في الذين يقبلون الرؤية ولو عارضها الحساب القطعي، ولهذا كان مؤتمر علماء المسلمين الذي انعقد في القاهرة عام 1967 م، ونشرت قراراته بجريدة (الأهرام) في 6 أكتوبر 1967 م، نعم قرر، وقال: أصلا نعمل بالرؤية بشرط أن لا تكون بها تهمة، وبشرط أن لا تعارض الحساب الفلكي القطعي، وهذا مقبول، ومعقول، جميل جدا وهذا ما كتبت فيه رسالة لوزير التعليم الأصلي والشئون الدينية، في العام الماضي (50)، في الصيف، أخبرته بهذا، طلبت منه أن تكلف اللجنة التي تقبل الرؤية - وهذا اثر الشهادة التي جاءت من (مَغْنية) وظهر أنها باطلة، وصام الناس باطلا - طلبت من الوزير أن تلتزم اللجنة دائما بالاتصال بالمراصد، والجزائر فيها مرصد من المراصد المهمة المشهورة، فتتحصل الخبر من الحساب الفلكي، على ولادة الهلال، أيغرب قبل الشمس، أم بعدها، أم يغرب معها .. ؟ واذا بقي بعد الشمس فهل تمكن رؤيته .. ؟ وكل هذا لتتحقق، فاذا جاءت الشهادة بالرؤية، بأنه رؤي، سواء في الطرف الشرقي أو الطرف الغربي من القطر، وطابق حقيقة وجود الهلال، مولود
مسبقا
(55) الرسالة مؤرخة يوم 11 شعبان 1391 هـ / 8 اکتوبر 1971 م، فتاوى الشيخ بيوض، ص 274، وقد نشرت مع هذا الكتاب باعتبارها وثيقة تاريخية هامة (م. ن). (1/42)
صفحة 36
فعلا، باق بعد غروب الشمس بحيث تمكن رؤيته، فتقبل الشهادة، ويعلن بها للناس: صح عندنا بشهادة دخول رمضان، واذا خالف ترد الشهادة، وذكرت له بعض أدلة الفقهاء، قالوا: اذا أدعى أحد الرؤية ووجدوه في مكان لا يرى منه الهلال، كأن يكون الشهر تسعا وعشرين ويأتي شهود فيقولون
-
-
رأينا الهلال» أين رأيتموه .. ؟
كنا وسط الدار (56) نقرأ أو اخر المساء، فرأينا الهلال
هيا عودوا من حيث جئتم، تركتم المسجد (57) والبنيان العالي وجلستم بالأرض وسط الدار ورأيتم الهلال والشهر تسعة وعشرون، فلا عبث يفوق
هذا العبث
وهذا لم أقله أنا، انما قاله العلماء من قبل ونصوا عليه: كأن يكون وراء بنيان عال أو جبل عال جدا، ويدعي الرؤية .. ! اذا ادعاه من مكان لا تمكن رؤيته، أو ادعاه في وقت لا تمكن رؤيته: يدعي مُدَّع وفي الشهر تسعة وعشرون، انه رأى الهلال، صلى المغرب، بالتقدير على الخامسة، العشاء
على السادسة أو السادسة والنصف
-
-
-
متى رأيت الهلال .. ؟
قال: بعد صلاة العشاء، جئت من المسجد فرأيت الهلال
رأيت الهلال بقي ساعتين في السماء، الشمس غربت على الخامسة، وأنت رأيته على السابعة أو الثامنة، وفي الشهر تسعة وعشرون، فهذا غير معقول فمن ادعى رؤية في زمان لا تمكن فيه، تستحيل، من مكان لا تمكن منه، ترد شهادته، ذكرت للوزير بعض الأدلة هذا، اذن كذلك هذا من الذي يدعي رؤية الهلال، والحساب الفلكي يقول: لا وجود للهلال، يولد بعد، حتى قلت له في الكتاب: كيف يمكن لأحد أن يرى وليدا على
(56) الديار في وادي ميزاب لها هندسة متميزة فهي منفتحة الى السماء لتستقبل الشمس.
(57) المسجد في قرى وادي ميزاب في أعلى الجبل
لم (1/43)
صفحة 37
الأرض، و، وهو ما زال جنينا في بطن أمه، فالهلال قبل أن يولد جنين، فلا يمكن الادعاء برؤيته قبل ميلاده، هذا ما كتبت في العام الماضي للوزير لأن ما نرجوه من اللجنة: أن نكون مطمئنين لما تخبرنا أن نعمل به،، فيلزم أن تراعي الحساب الفلكي، فاذا جاءت الرؤية مطابقة قبلت، واذا جاءت مخالفة، ادعيت في وقت يقرر العلم أنه لا وجود للهلال فيه، بعد غروب الشمس في وقت الرؤية فانها ترد، وهذا ما قرره مجمع البحوث الاسلامية الذي انعقد لتقرير قضية الهلال، في القاهرة، في عام 1967 م، خمس سنين مرت، ومازال الخلاف قائما، بسبب الرؤية الباطلة، لا ندري، أنقول ان الذين يشهدون بالرؤية عمدا وقصدا يُزورون .. ؟!، أعندهم فائدة في ذلك .. ؟ كما يزعم البعض يقولون: كان اليهود في تونس يُغرون، يعطون مالا لبعض وذلك لإفساد دين المسلمين مكرا، لا ندري أصحيح ذلك أم لا، على كل حال الخطأ دائما دائما دائما موجود، نادرا ما يصيبون كبد الصواب، وهذا ما حدا بهم بتونس، ليبدأوا هم الأولون منذ عام أو عامين، لأن خطأهم كثير جدا، وذكرت لكم مرة: أنه وقع نقاش بين الشيخ عبد الحميد بن باديس (58) والشيخ الطيب العقبي (51)، في جمعية العلماء، في أوائل الثلاثينات، في اتباع تونس، أو
ليدعوا الرؤية
العمل بالحساب،
وأحسنوا هم
(
عدم اتباعها، الشيخ العقبي يقول: عندنا فيها علماء، علماء مسلمون أبناؤنا تعلموا بها، ولجامع الزيتونة درجتة ومكانته، حقا بها علماء مسلمون فطاحل، كيف لا نقلدهم .. ؟ فاذا أخبرونا بوجود الهلال نتبعهم، وقف الشيخ عبد الحميد وقفة جد صارمة، قال لا، لا نقبل تونس أبدا، تعلمنا نشأنا بتونس، في تونس، رأينا غلطهم المستمر، دائما يسبقون، فلا نتبعهم، ولا نقلدهم أبدا، وقد جربنا عليهم الكذب، ومن جرب عليه
(58) الشيخ الحميد بن باديس رائد الحركة الاصلاحية في الجزائر، توفي (1940 م). (59) الشيخ الطيب العقبي من الأعضاء الاداريين لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، توفي (1960 م). (1/44)
صفحة 38
الكذب لا عمل عليه، وهذا هو الحق. السبب كله في ماذا .. ؟، هي
الرؤية.
اعلان
لا
وبعد.
-
دين
طال الحديث ـ لنواصل: كيف نستوثق من الرؤية التي تصلنا، من الحكومة مثلا .. ؟. قبل اليوم، قبل عشر سنوات كان الصليب هو الذي يحكم الجزائر، دولة أجنبية مسيحية، والصليب شعارها، وان كونت لجنة للأهلة مركبة من المفتي، مفتي المالكية ومفتي الحنفية،، وبعض العلماء، لكنها لجنة تحت سلطان أجنبي كافر، فما كنا نعتبر عمل هذه اللجنة، لأنه ليس هناك الحاكم الاسلامي، ليست دولة مسلمة، وهم أيضا يعتمدون على الحساب، انما على الرؤية التي كثيرا ما تكون باطلة، ونحن طول عهدنا لم نعمل باعلانهم أبدا، نعتمد على أنفسنا، وعلى رؤيتنا، تبدلت الحال اليوم فأصبحت تحكمنا دولة اسلامية، ينص دستورها على أن الدولة الرسمي هو الاسلام، الدولة مسلمة، الحاكم مسلم، لا يعنينا كون الحاكم ملتزما مطبقا لقواعد الاسلام والشريعة في خاصة نفسه أم لا، فهذا أمر إلى الله، وقد رأينا العالم الاسلامي كما قال النبي: و الخلافة بعدي ثلاثون ثم تكون ملكا عضوضا،، لنرى عهد الأمويين ابتداء من معاوية بن أبي سفيان، خاصة من يزيد بن معاوية ونتابع أيام الدولة الأموية، وطوال أيام الدولة العباسية ثم الفاطميين بمصر وغيرهم فنجد نادرا ما يقع عدل في بعض الأقطار الاسلامية، وفي بعض دول صغيرة في بعض الجهات، كالأيام القصيرة للدولة الرستمية في تاهرت، فهذا لا يعنينا الآن، ما دام الحاكم مسلما، لا أجنبيا ليس علينا أن نتساءل أيطبق الأحكام أم لا .. ؟، فهذا أمر آخر
،
فالدولة رسميا تعتبر دولة اسلامية، والرئيس مسلم، فهنا حين كونت اللجنة فهي تتكلم باسم الحاكم المسلم، وقد تكونت حكومة اسلامية من قبل وتعلن عندما كان الاعلان بالرؤية، لكن الاعلان بالرؤية عندنا فيه الشك أكثر من الاعلان بالحساب، أما الآن - وقد وصلت الى النقطة الحساسة – لكي تفهموا لماذا أنا أسبق بأنني موافق بالعمل بالحساب، موافق مائة في المائة،
ـ (1/45)
صفحة 39
من
لنعتمد الرؤية، ننظر الى الهلال، لا نزهد في ذلك، ونعتبر الحساب، اذا جاءت الرؤية بخلاف، فاذا جاء التقرير من هيئة حكومية كلفت من الحكام أمراء المسلمين، وقاموا بالاجراءات اللازمة، فأخبروا بثبوت الهلال بالحساب بالشروط المعروفة، فما علينا الا أن نقبله على الرأس والعين، أنا أحد يقبله، لماذا .. ؟، لأني على اليقين والطمأنينة، وأظنكم كلكم كذلك، اذا تجردتم من كل ما سبق في أذهانكم، أي خبر يكون الانسان به مطمئنا في قضية وجود الهلال حقيقة .. ؟، الخبر الذي يأتيك ويقول لك ان مراصد الحساب الفلكي التي هي عالمية قطعية، أثبتت وجود الهلال، وأنه ولد في الساعة الفلانية، وقد بقي بعد الغروب كذا، وتمكن رؤيته، وعليه غداً رمضان أو عيد، هذا خبر الحساب، لنَضَعه في كَفَّة، أم الخبر الآخر الذي يقول بالعكس: بلغتنا الشهادة من (تلمسان)، أو من (عنابة)، يعني من حدود المغرب الأقصى أو من حدود تونس، أو من حدود تمنراست جنوبا أو من غيرها، فقد أرسل الينا القاضي هناك بأنه ثبت عنده، بشهادة شهود ثلاثة أو أربعة، أو أي كان، بأن الهلال موجود .. ؟، أنا أرى مائة مرة أن الطمانينة بقول الحساب بوجود الهلال أكثر من الاطمئنان بقول القائل رأيت الهلال، لماذا .. ؟، لأن القائل رأيت الهلال، اما مخطئ، اما كذاب، اما مزور، واما تخيل اليه، لست أدري، هذا وقع مائة مرة، طول أعمارنا، انا نقاسي من هنا، الزيف، والزور، والكذب، على الأقل تجمعها كلمة: الخطأ، لا نستطيع أن نقول قصد ذلك عمدا، أو غلط غلطا، أو خيل اليه تخيلا، كل ذلك ممكن، فعندما نضع الكفتين للمقارنة نجد الآن أخبرتنا اللجنة الموجودة حاليا فقبلنا، فيما مضى كنا نراجع اللجنة، فعندما أخبرتنا في العام الماضي بأن الهلال ثبتت رؤيته في جهة (مغنية))، لم تقبل الخبر، لا لأن تلك حكومة أخرى بُدِّلَت، فالحكومة الماضية هي نفسها الموجودة اليوم، وزير الشئون الدينية فيما مضى هو نفسه اليوم، وليس مرت فغيرنا نظريتنا، نظريتنا، ففي العام ففي العام الماضي فقط، اعلنوا فخالفناهم، قلتها
لأن مدة
من
الزمن
- (1/46)
صفحة 40
للوزير: خالفناكم لأنكم قبلتم بالرؤية، ونحن نعلم أنه لا وجود للهلال في
ذلك الزمن اطلاقا، هذا ما يقوله المرصد، والشهادة باطلة
وهي
الفلكي
،
اذن فهذا ما حملهم لتجديد النظر في هذه الشهادات التي تأتي كل يوم دائما دائما، في أغلب الأحوال، (90) تأتي غير موافقة للحساب وعليه، عندما نخبر، لخير لنا أن نخبر بثبوت الهلال بالحساب الفلكي، خير من أن نخبر بثبوت الهلال بحسب الرؤية، بعد تجارب عشرات السنين، واذا قلت عشرات السنين، فهذا ما قاسينا منه نحن في أعمارنا، وانما نعود فنقول: مائات السنين، ففي الحاضرين من عمره أربعون سنة، وفيكم صاحب الخمسين، وصاحب الثمانين، والتسعين، من يذكر لنا أنه وقع الوفاق في ذلك، وقد خالفنا كثير من أبنائنا في السنوات التي مضت، لقوله لا يعمل بالتلفون، أو بالبرقية، أو بالأخبار الواردة من الخارج، كل بلد ورؤيته، والخلاف الذي دام ثلاثين عاما بسبب الرؤية التي من الخارج من جهات، كلها باطلة، وقع أول خلاف عام 1917 م بين الشيخ حمو بن باحمد (60)، والشيخ صالح بن عمر (61)، رحمهما الله وعفا الله عنهما جميعا، كل واحد بنيته الخبرة، تكفير وتخطئة، ورسائل كتبت، السبب
هي الرؤية، خمسة وخمسون عاما عن أول خلاف شهدناه وعشناه بسبب رؤية الهلال، ولما تطرح مسألة التليفون بعد، والتي يدوم الصراع حولها زمانا، كل ذلك مبني على ماذا .. ؟، على التصديق بالرؤية التي تأتي من ..
بعيد وهي
باطلة.
اذن بعد أن جربنا الاعتماد على هذه الرؤية التي أكثرها أكثرها زيف، ان لم نقل كلها فأكثرها، الى متى نبقى عليها، وقد مكننا الله تبارك وتعالى الحساب .. ؟ لا نتولاه نحن، فهناك من هو قائم، مكلف بالمرصد
اليوم من في وطننا، متصل بالمراصد العالمية، والدقة دائما موجودة، لا لغرض الصوم
(60) الشيخ حمو بن باحمد من رجال الدين في (غرداية (وهو يحمل أفكاراً، مناهضة للشيخ بيوض
(61) الشيخ صالح بن عمر لعلي، من علماء (بني يزقن) وكان بينه وبين الشيخ بيوض ورجال الاصلاح معارك كلامية وخلافية، تولي (1928 م). (1/47)
صفحة 41
والافطار، فهي للأهلة والحسابتهم طول العام، فكل عام تصدر المجلة مدققة بالثواني، وكما يقولون: (اتغص (61) والماء احداك (62)))، وجدنا اليقين فتر کناه، وقصدنا الظنون الباطلة، من أجل هذا الاعتبار، رأيت: لأن تخبرني الهيئة التي بالجزائر بثبوت الهلال فلكيا فأصدق، خير لي مائة مرة أو ألف مرة من أن تخبرني بثبوت الهلال رؤية بصرية لأن هذا لم يكن برؤيتهم هم أنفسهم وانما يأتي اليهم ناس فيخبرون بأنهم رأوا، ماذا نفعل .. ؟ فصارى أمرها أن تصدق كما نفعل نحن كم من مرة يأتينا شهود من البدو: (أولاد نائل ((63)، أو (أولاد السائح ((64) أو غيرهم، نعرفهم ناسا لا ندري ما فيهم، فنقول لهم: ان المسلمين جميعا سيصومون لشهادتكم، الجميع حمل على ظهركم، تعلمون هذا، أنت رأيت .. ؟، يقول: رأيت الهلال، واعلم ان الأمر خطير بينك وبين خالقك، فالأمة كلها يعلق أمرها على رقبتك، تصوم أو تفطر ما الفائدة التي تجنيها .. ؟، فهل أنت متيقن، متثبت، متحقق، يقول أنا متحقق متثبت جدا، ومع هذا لا يعدو كلامنا غلبة ظن نعمل به، وليس هنا ما يردنا، ولكن لا يعدو علمنا الظن الى القطع، بينما الحساب الفلكي يقيني، قطعي، فكيف نترك القطعي الى الظني، ونزعم بعد هذا أننا على صواب ثم يقول البعض: نحن متعبدون بالرؤية، قد يكون أحدنا في وعظ و ارشاد، فيترخص في رواية أحكام بعض الأحاديث، وان قال عنها علماء الحديث صعيفة، أو أن يكون ذلك في مسائل الترغيب والترهيب وفضائل الأعمال ... الى آخره، ولكن عند البحث الدقيق، لا يجوز لنا هذا، فحذار أن يوقعنا في الغلط من يقول: نحن متعبدون بالرؤية، أبعد كلمة متعبدون،
(61) من القصة، والمثل أصله عربي: الخض والماء بجانبك؟!. .
(62) إلى جانبك
(63) أولاد نائل، قبائل عربية أصلها من الصعيد المصري، تعيش بجنوب الجزائر.
(64) أولاد السائح، قبائل عربية تعيش في الجنوب الجزائري شرق القرارة الى نواحي تقرت وضواحيها (1/48)
صفحة 42
لا، دعاك الله الى العلم والنبي الى العلم والنبي علا الله يسر للأمة الأمية التي لا تحسب ولا
تكتب، حيث لا حساب عندهم ولا كتاب، لا يوجد من يخبر فليعتمد على الرؤية، فاذا لم ير الهلال فليحسب للشهر الماضي ثلاثين، واذا وجد من هو قادر على الحساب فاقدروا له، فليس هذا تعبيدا بل تيسيرا للأمة، ونحن اليوم ما كنا نقول بأن الحساب على كل فرد، فاذا كنت تستطيع الحساب بنفسك فافعل أفضل لك لتعمل بيقينك، واذا كنت لا تستطيعه ووجدت من يحسب لك، وتثق بحسابه، اعمل به لأنه يقيني، واذا رأيت الهلال فحسن، وان لم تره، فأكمل الشهر السابق ثلاثين وهكذا، ولا سبيل لك غير هذين، حتى عبر بعض الباحثين: ان الحساب أصل والرؤية فرع، لأن الرؤية - كما قلنا قبل ــــ جاءت مبنية على قوله: (اننا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب)، جاءت بعد أربعة عشر عاما من نزول القرآن، بعد سنين من نزول الآيات التي تدعوا الى الحساب، وتمتن على العباد بهذا التقدير للمنازل الشمس والقمر لتعلموا عدد السنين والحساب، والآيات محكمات
اذن لا وسيلة وقتها غير الرؤية فقال: (صوموا لرؤيته،، وهو ما يحدث الآن في أكثر أمم العالم، حيث لا يصل اليهم الخبر، ليس عندهم من يتكلف بذلك كما كنا من قبل، أما اليوم، وقد وجدت عندنا دولة اسلامية، ووجد مرصد فلكي، ووجدت لجنة قريبة من المرصد، يخبرها لتعلم وقتها بوجود الهلال أو عدمه يقينا، تهيأت الأسباب وأعلنت الحكومة فماذا بقي .. ؟. ومسئلة اعلان الحكومة، هذه مسئلة تكلم فيها القدماء حتى قال أحمد بن حنبل أحد أئمة المذاهب الأربعة: ان غم عليكم أكملوا العدة، اقدروا له بالحساب، فاذا كان الأمر مشكل فان الرجوع الى أمر الامام. فهذا أمر اذا صدر من خليفة المسلمين في الدولة الاسلامية القديمة، في بغداد أو في دمشق أو في مصر وأعلن لرعيته، فعلى الرعية أن تعمل، والمسئولية على عاتقه هو، هذا في مسئلة اعلان الحاكم، وقد اختلفوا أيكون العمل باعلان الحاكم (1/49)
صفحة 43
تعود
،
وجوبا ولا تجوز مخالفته أم اذا كان هناك من لم يستوثق فليخالف .. ؟ فهذه مسألة أخرى، انما المشهور: أن الأمر يرد الى الامام، حتى لا تقع الفوضى والخلاف في القرية الواحدة، في العائلة الواحدة، صائم ومفطر، الرجل يأكل، والمرأة صائمة، أو العكس، وقد وقع عندنا كثير في هذه السنوات الأخيرة، الثلاثين عاما الماضية أو الأربعين، ووقعت خصومات لا تعد، فقد عشناها، وجميعا صلينا بنارها (65)، أربعين أو خمسين عاما، وسَبَبُ الكل ما هو .. ؟، الشك في الرؤى، أو ليس بعد هذا أن نقول من حق أن تونس للحساب أفضل لها ألف مرة مما كانت فيه من خطأ في قبول الشهادات الباطلة .. ؟، أو ليس من الحق، أن تعود الجزائر كذلك الآن الى الحساب لكي تقضي على هذه الفوضى، انما نطلب شيئا واحدا، وقد كتبت فيه مرة أخرى الى الوزير بعد هذا القرار، حاولت الاتصال به في الجزائر، و لم يمكن فكتبت اليه في رمضان هذا (66)، طلبت وأكدت على شرط، ما هو .. ؟ أن يراعوا امكان الرؤية فليلة الأحد غرب الهلال 17 دقيقة قبل الغروب، وأما ليلة الاثنين بقي مدة من الزمن بعد الغروب بحيث تمكن رؤيته: وقد عملوا بهذا، وهو شيء مهم، نبهت الى هذه النقطة، طلبت منه ليخبر اللجنة المكلفة، لجنة الفتوى والهيئة المكلفة بتحقيق الهلال، ليطلب منهم أن يلتزموا بذلك ويعتبروا دائما بقاء الهلال بعد الغروب، لا مطلق الولادة، وقلت له: يبدو لي أن اللجنة اعتبرت هذا في هذا الصيام، لماذا .. ؟، لأن تونس جارتنا الشرقية تعمل بالحساب، ولكن أمرت بالصوم يوم الأحد، والجزائر تعمل بالحساب لأول مرة، أمرت بالصوم ليلة الاثنين، فما الفرق .. ؟ قلت له: يبدو أن تونس لم تراع امكان رؤية الهلال بعد الغروب، فحيث أن الهلال
(65) اشارة الشيخ هنا الى الخلاف الذي كان بين المحافظين والمصلحين فيما كان يعرف بقضية و الصوم والافطار بالتلفون، وكتبت في هذا رسائل ومقالات، فقد كتب الشيخ سلسلة مقالات في هذا الشأن في الثلاثينيات
نشرت بجريدة الأمة. (م. ن).
(66) سبقت الاشارة الى هذه الرسالة ص 42 هامش 55 (1/50)
صفحة 44
قد ولد واقعيا يوم السبت، لا أتذكر الساعة، قد ولد بعد، ووجد، فتعتبر ولادة الهلال هي دخول الشهر، وان كان غير ممكن أن نراه فهي لم تعتبر امكان الرؤية، فأمرت بالصيام يوم الأحد، لأن الهلال موجود وشهر رمضان
ان
قد دخلناه، بينما الجزائر على خلاف ذلك رغم ولادة الهلال يوم السبت، ولكن حيث أنه لا يبقى بعد الشمس لنراه، ألغت تلك الليلة وتركت العمل ليوم الاثنين، وهنا نكون أقرب الى الصواب اذ نكون في هذه الحالة جمعنا بين الحساب وبين الرؤية، والآن لنفرض وجود الغيم، وقال لك الحساب، من وراء السحاب الذي حال بينك وبين رؤية الهلال، ان من ورائه ملالا، لو ارتفع الغيم لرأيت الهلال، وعليه فهو موجود قطعا، لماذا تنتظر حتى يرتفع السحاب وتراه .. ؟ وقد رئي بوسائل أخرى، وهي وسائل الحساب، طلبت من الوزير ليلزم اللجنة لتلتزم بهذا، فتعتبر دائما امكان الرؤية مع الولادة
ثم ما الذي يزيدنا قوة للعمل بالحساب أكثر، قوله ع: و فان غم عليكم فأكملوا العدة) نحن في البلاد المعتدلة لا يظهر لنا كثيرا أثر الغيم والسحاب، ولكن اذا تفكرنا، فهناك أوطان بالعالم بها مسلمون كثيرون وتمر عليهم شهور عديدة والمطر غزير، فهم لا يرون الشمس وليس هذا في القطب الجنوبي والشمالي، لا، انما في أماكن قريبة من الاعتدال، اذ لديهم مواسم للأمطار تدوم زمنا طويلا، لا يرون الشمس اطلاقا، كأنهم لا يفرقون بين الليل والنهار الا بالحساب، هذا موجود، الغيم موجود في البلاد الأوروبية وفيها مسلمون، بالأمس فقط، يقال وقع صدام - أظنه في (لندن) -
-
-
،
الغيم، ويبلغ الغيم حيث لا يرى القطار الآخر، ولا السيارة ترى الأخرى وكذلك الطائرة في السماء، وقد رأيتم بعض الغيم الواقع في مناطقنا، منطقة) بوفاريك (بين مدينة الجزائر ومدينة البليدة، ومنطقة (بَنْ شكاو) قبل مدينة المدية، وأحيانا يشتد الغيم فإذا الانسان اذا أخرج يده لم يكد يراها، ففي البلاد الأوروبية غيومها تدوم الشهور ذوات العدد، فهم دائما ينطبق (1/51)
صفحة 45
عليهم
ه فان غم عليكم،، هذه واحدة من جهة ومن جهة أخرى نعلم حالة القطب الجنوبي والشمالي وبعض البلاد التي في أقصى الشمال، طقسها ستة شهور نهارا، وستة شهور ليلا، وتكلم العلماء قديما، ليس لهؤلاء الا يوما في العام، بمعنى في العام الكامل يصلى فيه خمس صلوات، ستة شهور نهارا يصلى فيها الفجر والظهر والعصر، ستة شهور ليلا يصلى فيها المغرب والعشاء، خمس صلوات في 365 يوما، حسنا!!، فمثل هؤلاء كيف يصلون .. ؟، ورمضان كيف يصومونه .. ؟، فماذا قال العلماء .. ؟، الجميع قال يكون هنا التقدير على أقرب بلاد اليهم معتدلة، يقسمون أوقاتهم تقديرا، رجع الجميع الآن الى الحساب و ولتعلموا
عدد السنين والحساب، فمتى يصلى الفجر .. ؟، ومتى يصلى الظهر .. ؟ ومتى يصلى العصر .. ؟، وكل الصلوات والمرء في وسط النهار، يصلي خمس صلوات، فخمس صلوات، في ستة شهور، مقادير مفصلة، لكن على أي البلاد .. ؟، قال البعض الى أقرب بلاد معتدلة، وأنا أرى هذا الرأي، حتى قيل لي أنه قول للبعض، وقد ذكرت للشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي (67) هذا، فقال لي: موجود هذا القول، على هذه البلاد أن تقدر، لكن على أي الأوطان .. ؟، فالاختلاف يبدأ من خط الاستواء، فهو دائما 12 ساعة ليلا، و 12 ساعة نهارا، ويبدأ النهار في الزيادة، الى أن نصل مناطقنا نجد النهار 16 ساعة، والليل 8 ساعات، أو الليل 16 ساعة، والنهار 8 دقائق، لا يهمنا، تقريبا، فعندنا ثلثان، 16 ساعة نهارا، و 8 ليلا، أو 16 ساعة ليلا، و 8 نهارا، ويتناقص النهار الى أن يكون الليل 17 ساعة أو 18 ساعة أو 20 ساعة، والنهار أربع ساعات ... الى آخره، فالى أي البلاد يقيسون .. ؟، ويبدو لي: أن القياس على الحجاز، على منزل، حيث نزل القرآن، حيث ولد النبي، حيث ولد النبي، حيث فرضت الصلاة
ساعات
الوحي
(97) الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي (1901 – 1986 م) من علماء وشيوخ وادي ميزاب، متخصص في الشريعة، وله كتاب فتاوى البكري في جزأين، وقد حقق العديد من كتب الفقه الاباضي. (م. ن). (1/52)
صفحة 46
أن
والصيام، مكة والمدينة، فالبلاد البعيدة التي عندها العام كله يوم، يكون تقديرهم للصلوات مبنياً على الحجاز، على سنة مكة والمدينة، كم هو ليلهم ونهارهم ليصوموا مقدار ذلك اليوم، ويفطرون بمقدار ذلك الليل، فلا يلزمهم يقيسوا على خط الاستواء فيصوموا اثنتى عشرة ساعة نهارا، ويفطروا اثنتى عشرة ساعة ليلا، على أن هذا هو الحل دائما، أولا يلزمهم القياس على بلاد فيها الاختلاف بين الليل والنهار كأربع ساعات وست عشرة ساعة أو مثل ذلك، فالأحسن فيما يبدو أن يكون التقدير الى المكان الذي اختاره الله تبارك وتعالى وجعل فيه بيته الخرام، وأنزل فيه قرآنه، وبعث فيه نبيه، وفرض فيه فرائضه، يظهر أن هذا القول أعدل الأقوال، فعلى من كان في جنوب الأرض
-
وشمالها، ولم يكن له وقت معتدل في الليل والنهار، يرى في ذلك الوقت ـ خاصة واليوم وسائل الاتصال معروفة – كم هو ليل مكة ونهارها، فيعتبر هذا
الاعتبار
-
الآن الذين رجحوا جانب الحساب على أنه الأصل لأنه لا رؤية في هذه البلاد ولا ينطبق عليها (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، انما يقدرون كل، صلاة وغيرها كأننا نعتبر الكرة الأرضية أغلبها مشركين، فانه يمكن أغلبها مسلمين، ويمكن أن تصير كلها مسلمة، يمكن، فالأحكام كلها نراعيها باعتبار جهات الأرض ومناكب الأرض، أو لا نرى كم هي قوة
أوقاتهم
أن
يصير
العمل بالحساب .. ؟.
ثم لماذا أنكر المسلمون اليوم العمل الذي كان من أقدم العصور .. ؟،
السحور، الافطار، الصلوات كلها، فانها تقدر بحسب الفلك، ونحن لا نتفطن الا لرؤية هلال شهر رمضان، فهناك الذين يعلنون ويخبرون أممهم بالمجلات والجرائد، فهي تبين طلوع الفجر، وطلوع الشمس والظهر والعصر والمغرب والعشاء، وكل العالم الاسلامي يعمل بها، لنبدأ منا فكلنا نعمل بصوت المؤذن، فمن الذي يخرج كل يوم لرؤية طلوع الفجر .. ؟، رجلا كان أم امرأة، الا نادرا قليلا، فعندنا المؤذن مكلف بالرؤية، لكن المؤذنين (1/53)
صفحة 47
ليسوا كذلك في الرؤية بعض البلاد الكبرى ذات الناطحات السحاب، وفي البلاد التي بها جبال تعيق، ثم ان هذه الأبنية التي تصل العشرين والثلاثين والمائة طابقاً، وقد تجاوزه
فالذين هم في العواصم، في قلب الجزائر أو في قلب غيرها من العواصم، لا يرون الأفق بتاتا، واذا كان بمكان يمكن له أن يرى منه، كانت الأضواء الكهربائية مانعا له، فلا يتبين له الفجر الا بعد ضياء كثير، فالذين يؤذنون، يخبرون كل يوم بالافطار وبالامساك، يخبرون بالصلوات فهم يعتمدون على الحساب، فالكل يعتبر الحساب، واذا فكرتم جيدا وقد سافرتم الى الجزائر أو وهران أو قسنطينة أو الى العواصم الأخرى، فهل هناك الذي يصعد الأبراج كل يوم ليرى الشمس طلعت أو غربت .. ؟
وقد قلنا تمر الأيام والجو مغيم لا يظهر الليل من النهار، لا الشمس طلعت أم غربت، كل الناس يعملون بالحساب، والبلاد التي يكثر فيها الضباب أكثر شهور العام في السحاب والغيم، كل أعمالها بالحساب فكيف يخطر ببال انسان فيقول (لا) للعمل بالحساب، لا يقبل منه هذا، نعم، لننظر الى الهلال أجر، لا نلغيه، ولكن المهم لنعلم أن العمل بالحساب جائز يقينا،
حتى ننال الأجر
فلا يغلطكم أحد في هذا
ومن وراء هذا مسألة، يمكنني أن أحيط بها بصورة اجمالية، مسألة الصوم والافطار، أو الرؤية وعدم الرؤية، النظر: أنعمل بالحساب أم لا .. ؟، هذه مسألة فرعية، افهموا جيدا يا طلبة (68)، افهموا الفرق بين المسائل الدينية الضرورية التي لا يجوز فيها الخلاف، الحق فيها مع واحد وغيره کافر، فغير الحق باطل فماذا بعد الحق الا الضلال (6)، هذه المسائل الدينية، العقيدة، الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ضروريات الدين في العقيدة، الله موجود واحد لا موجود واحد لا شريك له، هو الخالق
(68) الدروس موجهة لطلبة المعهد الثانوي أساسا
(69) الآية رقم 32 من سورة يونس (1/54)
صفحة 48
حج
، من
وما سواه المخلوق، واتصافه بصفات الكمال، وانتفاء صفات النقص عنه، والله الأسماء الحسنى فادعوه بها (70). فهذه العقيدة الضرورية، فاذا وجد من ينكر جملة الملائكة، أو ينكر الرسل، أو ينكر الوحي، فهو ضال، من وراء هذا ضروريات الدين: بني الاسلام على خمس، شهادة أن لا اله الا الله، واقامة الصلاة، وايتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت لمن الوضوء فهذه مسائل فرعية، فيمكن الاختلاف بين العلماء، يقول أحدهم ضرورة من ضرورات الدين لا يمكن فيها خلاف مطلقا، لا يقبل أن يقول قائل هناك قول: لا صلاة أو لا صوم أو لا لا أبدا. خالف کفر يقينا قطعا، مرق من الدين، لأن هذا رد للنص، بعد هذا هناك المسائل غير الضرورية، والذي في الكتاب والسنة واجماع الامة عمليا وقوليا، لم يزل المسلمون يصلون الصلوات الخمس، ويصومون، ويزكون، ويحجون البيت الحرام، الفرائض المعروفة يقينا، فهذا لا خلاف فيه مطلقا، انكارها انكار للضروري من الدين وراء هذا المسائل الفرعية، منها ما يتعلق مثلا بنواقض الصلاة أو نواقض الوضوء فهذه مسألة فرعية، فيمكن الاختلاف بين العلماء، يقول أحدهم هذا ينقض، يقول الآخر لا، يقول أحدهم بهذا يعيد الصلاة، ويقول الآخر لا، خلاف في المسائل الفرعية، احفظوا جيدا هذه النكتة: لا يجوز مطلقا التكفير في المسائل الفرعية، فالعامة لا تعلم، تجهل، أن يكون أحد تابعا لقول، فتنظر اليه على أنه لا يخاف الله، كافر، لا يجوز هذا، حرام أن نكفر أحدا في مسألة فرعية، كل مجتهد مصيب باعتبار: ان أصاب، فله أجران:
،
من
وان أخطاً، معذور له أجر اجتهاده، ولكن أن نقول هو أخطأ أو أن قلده مخطيء، فلا، فمثلا ترى أحدا يرفع يديه في الصلاة فتقول انه كافر، لا، حرام عليك أن تقول هذا، لأن رفع اليدين ليس عبثا، كانت رواية
(70) الآية رقم 180 من سورة الأعراف (1/55)
صفحة 49
صحت عند أئمته واتبعها فهو قول، أو قبض مثلا كما يفعل الأحناف وغيرهم، أما أنت أتبعت الائمة لا
و
من
من يري
هذا نعم، ولك رأيك،
يعني
كما أنه حرام عليه هو أن يقول لك: كفرت لم لم ترفع .. ؟! فهذه مسائل فرعية، والمسائل الفرعية مجالها واسع، أمر واحد ممنوع فيها: القول بالهوى اتبع هواه كم (71)، فهذا حرام، أما ان قال بعلم، أداه اليه بحثه واجتهاده، أو قلد فيه أحد الأئمة العلماء، اذ وثق بعلمه، فهو ناج لا بأس عليه، افهموا جيدا، إياكم أن تخطئوا. فرغم قولنا اليوم بالحساب، لا أن نخطئ أحدا علم بالعمل بالحساب، فقال لا أعمل به، فهذا بينه وبين ربه، فلا نقول له كفرت أو عصيت، لا، فاذا قال أنا لم استوثق، فذلك بينه وبين الله، كما قال النبي عل الله: و قد أبديت لنا عذرك فانظر ما تبدي لربك،، لنفهم أن هذا هو الأصل قد بني عليه أساس البحث كله، لأنا نعلم بأننا سنسمع كثيرا وكثيرا، وتقع فتنة كبيرة في قبول الحساب وغيره، لا يقبل، وله رأيه، ولكن لنفهم نحن لا نخطئ من أصر على العمل، بعد أن ثبت الهلال بالحساب القطعي، ولم يعمل به، قال: لم أستوثق، فبينه وبين الله، كما لا يجوز له كذلك ليقول: ان هؤلاء عصوا
هناك
بالرؤية
من
لأنهم صاموا أو أفطروا بالحساب الفلكي، فان قال هذا عصى. ماذا يقول لنا أئمتنا .. ؟ يقولون لنا دائما (لماذا نكفر الآخرين .. ؟) نكفرهم لأنهم خطأونا، فلو لم يخطئونا لسلمنا نحن وهم، فعندما يقول لي عصيت بعدم رفع يديك، أقول له أنت عصيت بحكمك علي بالمعصية، وهكذا جميع مسائل الفروع. مسألتان أنبه اليهما الآن: الأولى: الاتفاق والاجماع، فكثير من المبتدئين لا يفرقون بينهما، فيقول مثلا: اتفق أصحابنا على كذا ويظهر له أن هذا الاتفاق عبارة عن الاجماع الذي لا تجوز مخالفته، وفي هذه المسألة قد تكلم فيها العلماء وكتبوا مجلدات،
(71) الآية رقم 50 من سورة القصص. (1/56)
صفحة 50
بينوا الفرق بين الاتفاق والاجماع، قالوا: ان الذي أعتمد على اتفاق قوم، أصحابه أو غيرهم، اتفاقهم على أمر ما، فاعتبره اجماعا، وطبق عليه القاعدة: من خالفه كفر، فقد هلك قد يتفق العلماء في عصر على عمل ما، فمحال أن يجعل ذلك الاتفاق المسألة الفرعية أصلية، ويكفر المخالف فيها، لا، افهموا هذه النكتة، ومن أراد البيان فليس هذا وقته، هناك فرق، فالاجماع هو أحد أركان الدين: الكتاب والسنة والقياس، واجماع الأمة. علما بأن كثيرا قالوا: انقرض الاجماع من عهد الصحابة، ولا يمكن الآن، والكلام فيه طويل في أصول
الفقه
»
والمسألة الثانية: أن هناك كلمة في قاموس الشريعة (72)، وان في بابها أبحاثا بها عشرات من الصفحات أقرأ عليكم النص من قاموس الشريعة: الرأي في الدين أضيق من سم الخياط على جثة الجمل، والرأي في المسائل الفرعية من المسائل الشرعية أوسع من الدهناء لراعي الأبل)، وهذا قاله بعد بحث مستفيض طويل، لأنه أنه وجد كثر بين الناس التكفير، كل يكفر المخالف الذي يسلك طريقا غير الذي يسلكه، وكلمة الكفر على طرف اللسان فهذا أصعب شيء، يلزم العالم أن يحتار فيه، والناس كلهم، فلا تسرع الى كلمة الكفر، ان كلمة الكفر شديدة، كبيرة صعبة، اعلم فيمن تستعملها. ماذا قال .. ؟، قال: الرأي في الدين يعني في مسائل الدين العقائدية التي تكلمنا عنها، أضيق من سم الخياط على الجمل، سم الخياط عين الأبرة التي يخاط بها، فالرأي في الدين أشد ضيقا من ثقب الأبرة على جثة الجمل، وقد قال تعالى في القرآن الكريم: لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في
(72) کتاب:: قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة يبلغ تسعين جزءا، للمؤلف الشيخ جميل بن خميس السعدي العماني عاش في القرن الثالث عشر الهجري، وضع في كتابه كثيرا من مسائل المتقدمين والمتأخرين، وما استحسنه من أسفار المذهب، وزاد في بعض أجزائه ما اختاره من كتب أهل الملل المخالفين وطبعت وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان أجزاء منه
-
- (1/57)
صفحة 51
»
الخياط (73)، فهذا تعبير عن الاستحالة، وقال الشيخ هنا: الرأي في الدين أضيق من سم الخياط على جثة الجمل، يعني لا سبيل لك ولا منفذ ـ ولو كان بمقدار ثقب الأبرة - لأن تنكر رسالة الرسل، أو تنكر الوحي، أو تنكر وجود الرب تبارك وتعالى أو تنكر البعث ليس لك سبيل اطلاقا، فهذا محال، ولا مخرج فيه، اما أن تؤمن بالكل، أو أنت كافر مارق من الدين، كما قال الشيخ أبو نصر رحمه الله في النونيه (74): ومن رد حرفا أو رسولا فانه بَرَد جميع المرسلين كفرعون هذا الرأي في الدين، والرأي في الفرعية من المسائل الشرعية أوسع من الدهناء لراعي الابل)، وعندما يكون الرأي في المسائل الفرعية من الأمور الشرعية، كل الأمور التي يختلف فيها الناس، لنبدأ من نواقض الصلاة، والوضوء، والصوم، والحج، الى غيرها من الأحكام الأخرى، فهذا الرأي فيه أوسع من الدهناء، ما هي الدهناء .. ؟، قطر في الجزيرة العربية، هي جهة الأحقاف، هي رمال، كلها صحراء، كما عندنا في الجزائر الصحراء الكبرى، كذلك تعلمون أن في البلاد العربية صحراء كبيرة جدا عشرات الآلاف الكيلو مترات المربعة، كلها رمال، ويضرب المثل في القديم فيقال: من الكثرة كرمال الدهناء، والى اليوم تسمى الدهناء، رمال الدهناء ـ تقريبا ـ كما هو عندنا رمال سوف، ولا تبلغ رمال الدهناء طبعا، فيبالغ الشيخ ويقول: (والرأي في الفرعية من المسائل الشرعية أوسع من لراعي الابل»، فالأمر هنا واسع حيث شئت فاتجه، شرق أو غرب، اطلع كثيبا، وانزل كثيبا، تعبير عظيم، ليبين سعة القول في المسائل الفرعية الشرعية، اذن لا تخطئة فيها، أما السابقة فاذا مرق يقال له كفرت، ليس فيها القول: هذا رأيي وفكري، فهذا أمر نزل من عند الله تقبله كما هو، أو ترده كما هو، ليس فيها: و نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض (70).
هذا
(73) الآية رقم 40 من سورة الأعراف
(74)
ه النور، شرح القصيدة النونية، ص 332 (75) الآية رقم 150 من سورة النساء
08
الدهناء (1/58)
صفحة 52
ومسألة العمل بالحساب أو بالرؤية أو غيرها ليس هناك من يستطيع أن يقول: انها مسألة ضرورية، من ضروريات الدين التي يضيق فيها الخلاف، على أن الخلاف تقدم، وهو كثير في زمن طويل، ونحن اليوم نبقى ننتظر الاعلان بالعيد أنا ما سمعته بعد، ذكر لي البعض أنه لم يقع أي اعلان، أم من سمع .. ؟، فاذا أعلنوا بالعيد، قالوا: يوم كذا اعتمادا على الحساب، فاذا عملنا به فاننا على سواء الصراط لم نترك الشريعة، فلا يحق لأحد أن يكفرنا، أو يلعننا، ولا أن يقول أخطأتم السبيل، ولا نقول له: اذا لم يقبل انك أخطأت، ليتحمل مسئوليته، «فكل شاة تعلق من كراعها). لا عبرة باختلاف المطالع، لا يهمنا الآن
هناك
الرجوع الى السلطة الحاكمة في مسألة الهلال: فهذا أمر قد قاله أيضا الأئمة قديما، فاذا كانت السلطة مشركة فلا، واذا كانت السلطة للمسلمين فالرجوع عند الخلاف بالغيم أو بسبب آخر الى ما يعلنه الامام، فهذا أمر واجب مشهور معمول به، والخلاصة: أننا اليوم تحت حكم دولة اسلامية صرحت بأنها اليوم تعمل بالحساب، لهذه الأسباب التي ذكرناها، وهي أسباب معقولة، لا لمجرد الاتفاق على يوم واحد، والاتفاق على يوم واحد قد لا يدركونه، ولكن لأن اليقين في الحساب أكثر من اليقين في الرؤية،
لهذا
لا
وأزيد كلمة في باب اليقين، من معلوم بأن هناك مسائل كثيرة في الفقه يجوز لأحد أن يعمل فيها بالظن اذا أمكن اليقين، أستطيع الآن أن أمثل لعشر أو عشرين من المسائل سردا، ولكن لنبين ميزانا واحدا: لو اجتمع أربعة من الناس وهم بالصحراء، ومعهم بدوي دليلا، متجهين الى توقرت ((26)، أو الى (ورجلان ((77)، أو الى (تمنراست ((78)، أو الى
(76) مدينة على مشارف الصحراء الكبرى، تبعد عن العاصمة الجزائرية جنوبا بحوالي 550 (77) مدينة على مشارف الصحراء الكبرى، تبعد عن توفرت بـ 200 كيلو متر جنوبا (78) مدينة على مشارف الصحراء الكبرى، تبعد عن العاصمة جنوبا بحوالي 2000 كيلو متر. (1/59)
صفحة 53
) جلفة ((79)، أو الى (مسعد ((80)، يوجههم الطريق الصحيح، وكان الجو غائما لا يعرفون القبلة من أية جهة، فاذا عزموا على الصلاة وهم
والسحاب كثيف، وقد فقدوا وجهتهم، طبعا ذلك البدوي مهتد،، وأولئك الأربعة حضريون، أصحاب المدينة، فحان وقت الصلاة، نحن أصحاب الحضر نختار أحيانا في الشمس وفي قياس ظلها لادراك القبلة، خلافا لصاحب الصحراء البدوي، فهو يعرفها جميعا ويكون متيقتا، لنعد لجماعتنا الأربعة الموجودين بالصحراء، قاموا الى الصلاة فاختلفوا في القبلة من أي جهة، بعد أن نظروا وقدروا، قال أحدهم: يبدو لي أن القبلة من هذه الجهة، رأيت جيدا، خرجنا من هنا، مشينا، فالقبلة من هذه الجهة، فقال الآخر: عندي، في اعتقادي لا تكون من تلك الجهة، القبلة بالضبط من هذه الجهة، وقال الآخر: كذلك القبلة من هذه الجهة، فاختلف الأربعة، فأخذ كل واحد جهة وقال: على حسب ما فهمت، وتوصلت اليه القبلة هكذا، تخيروا، ماذا يجب عليهم .. ؟، الكل في حيرة، لا يقين في الموضوع كل واحد منهم غلب على ظنه، اذا سئل: هل أنت متيقن بحيث اذا طلب منك الحلف، حلفت .. ؟، قال: لا انما غلب على ظني (80?)، انها هكذا، فما زالت تنقص (20?) أو (10? (لاستكمال المائة، ماذا يجب عليهم .. ؟، لا يجوز لأحدهم أن يقتدي بالاخر، الواجب عليهم، أن يصلي كل واحد الى الجهة التي يطمئن أنها القبلة، ولو يتدابرون، يقف الأربعة وظهورهم لبعضها، كل واحد يركع، وبعد السلام عليكم، يدعون ربهم، وصلاتهم عند الله مقبولة، هؤلاء ينطبق عليهم قوله تعالى: و أينما تولوا فثم وجه الله (81)، متحيرون، که أما وهم على هذه الحالة ووجدوا من هو متيقن، كما قلنا من قبل: دليلهم الذي يقطع بهم الصحراء الخبير بها، الذي
(79) مدينة على مشارف الصحراء الكبرى، تبعد عن الجزائر العاصمة بحوالي 300 كليو متر. (80) مدينة على مشارف الصحراء الكبرى، تبعد عن (الجلفة) بحوالي 100 کيلومتر (81) الآية رقم 115 من سورة البقرة. (1/60)
صفحة 54
لا يجهل اطلاقا، يقال له: يافلان القبلة الى أين .. ؟، ولو كان هو يصلي ليتحمل مسئوليته يجيب: انها هكذا، فهو متيقن، ليس شاكا، فيجب عليهم اتباعه، فاذا وجد المتيقن فيجب على المتحير الظان أو الشاك أن يتبع المتيقن، والمتيقن لا يجوز له أن يترك يقينه لظن غيره، لا، دائما اليقين يغلب الظن، وما دمت وجدت اليقين فاعمل باليقين، واذا وجد الظن فالقضية تعود الى الاجتهاد، واذا كثر الظانون الشاكون فلا يقتدي بعضهم ببعض فمسألة القبلة أحد الأمثلة توافق مسائل كثيرة من هذا النوع، وكذلك عندنا هنا، شك كبير جدا في رؤية الهلال التي تخبر بها من بعيد، فيقال صح برؤية جاءت من مكان كذا، على يد القاضي الفلاني، عندنا فيها شك كبير وبجنبنا اليقين، وهو الحساب القطعي اليقيني، وانه يسهل علينا أن نتوصل اليه، فما كان ينبغي أن نترك هذا اليقين، واذا قيض الله تبارك وتعالى من
يكفينا المؤونة، والذي اتخذ الاجراءات اللازمة، ليبين لنا، وليعلمنا بهذا اليقين، فهذا حبذا وحبذا، أعطانا الطمأنينه في قلوبنا من هذا اليقين، أكثر. مرات ومرات، أما أن يخبرنا، بأنه جاءه من يشهد أنه رأى الهلال، نقول له: هذا عندنا منه الكثير الكثير، ومنه يأتي الكذب، فهذا ما ينفعكم في هذه المسألة، وأخيرا وختاما أنا موافق تماما على العمل بالحساب مع اعتبار وجود الهلال بعد المغرب وامكان الرؤية، ولو فرضنا لم يعتبروا الزاما امكان الرؤية، اعتبروا وجود الهلال فقط لكفى، من الآن أعجل فأقول هذا قال تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه (82)، فمن رأى الهلال، لا ذلك مشاهدة، انما الرؤية، فشهد بمعنى حضر الشهر، اذن واقعيا، في الهلال كيفيتان: أحداهما الواقعية، تعتبر الواقع المغيب عنا، ولا يطلع عليه غير العلماء، فما هو هذا الواقع .. ؟، هو اليوم، والدقيقة، والثانية التي يولد فيها الهلال، يخرج كما يقولون ما بين الأرض والشمس يظهر
يعني
(82) الآية رقم 185 من سورة البقرة
هي (1/61)
صفحة 55
جزء منه دقيق، فيكون الخيط، فتعتبر تلك ولادة الهلال، وهذه الولادة قد وقعت ـ افهموا جيدا ـ دخول الشهر عند الله، ودخول الشهر واقعيا أكرر وأضغط على هذه الكلمة ـ وجود الشهر عمليا وواقعيا قد
عمليا
تم، متى .. ؟، في الوقت الذي ولد فيه الهلال، لنفرض مثلا أنه ولد في العصر في يوم من الأيام، على الرابعة مساء على التقدير، في هذا الوقت ولد
الهلال وهو في سيره، ففي هذا الوقت ولد الشهر، مع ولادة الهلال ولد الشهر، فاننا داخل شهر رمضان، أو داخل شهر شوال، أو أي كان، لأن الهلال واقعيا قد ولد، وقد انتهى الشهر الماضي، ومات، بقي ماذا .. ؟ بقي أن يتأخر ذلك الهلال لتغرب الشمس قبله فيمكننا أن نراه، واذا قرب وقت الغروب كثيرا فغرب قبل غروب الشمس، فاننا لا نراه، ولكن واقعيا نحن في الشهر، داخل الشهر داخل الشهر، فمن كان كما قلت في البلاد الشمالية أو الجنوبية، واعتبر هذه الحقيقة، فالشهر قد دخل من لحظة ولادته، فمن شهد منكم الشهر فليصمه، فالشهر ذاك قد حل، قد وجد، بقي علينا نحن، أن يصل ذلك الى علمنا، نحن الذين لا نحسب، ويصل الى علمنا اذا تأخر عن غروب الشمس بحيث يخرج من قوس الرؤية، فيكون بعيدا عن قوة الشعاع، فتمكن رؤيته بالنسبة لنا اذا نظرناه، أما بالنسبة لولادة الشهر، فكم ساعة مرت منذ ولادته، فقد دخلنا الشهر (فمن شهد منكم الشهر فليصمه)، فنحن مشاهدون للشهر، ولكن لما كان الله تبارك وتعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، والدين يسر، لم يكلفنا بما لا نستطيع أن نراه، لنا: وان كان الشهر قد دخل و لم نتمكن من رؤية الهلال، لا وسائل عندنا، ولا نستطيع أن نحسب ولا أن نكتب، لم يظهر لنراه، فرخص لنا
رخص
أن نبدأ عملنا من الوقت الذي نراه
و من أمكنه أن يعلم، وأن يتوصل اليه بحسابه هو، أو بحساب من يثق
به فيخبره، خاصة اذا كانت هيئة حاكمة، أو مكلفة من الهيئة الحاكمة، (1/62)
صفحة 56
فبينت له وحققت له، اذن أقامت عليه الحجة، هنا أود أن نفهم، ونتفقه في قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر، فالقرآن الكريم لم يقل فمن
،
كان
رأى الهلال فليصم، ليس هذا مصادفة، ليست هذه كتابة البشر يكتب أحد مقالة فيقول هذه العبارة أو تلك سواء، تشبه بعضها بعضا، ليس في القرآن (تشبه بعضها بعضا) قال تعالى: {فمن شهد منكم الشهر
-
فليصمه يدخل هنا ـ كما قلنا قبل – المناطق التي لا يمكنها أن ترى الهلال، وكذلك تكلموا في من كان في السجون، لأنه في القديم، اذا أدخلوا أحدا السجن نسوه السنوات الطوال، لا يرى الشمس ولا القمر ولا يتركون خبرا يصل اليه، أو لم يلبث يوسف في السجن بضع سنين .. ؟، كانوا قديما يبقون في السجون عشرات السنين، الى أن ينخر السجين، ويفنى هناك، فهؤلاء الذين في السجون تكلم فيهم العلماء كذلك، فاذا شحوا عليهم ولم يخبروهم بشيء، فانهم يقدرون ويحسبون وبعلمون بما يتوصلون اليه باجتهادهم، فهم
مكلفون بالاجتهاد، وهناك ميادين كثيرة
ولعل في هذا القدر كفاية، ولتسمعن كثيرا، فاستمسكوا بما سمعتم وتيقنوا وتحققوا جيدا، فأنتم اعملوا ولا تخطئوا، ولا تحكموا بعصيان أو كفر على لم يستوثق ولم يعمل، والله تبارك وتعالى يحاسب كل نفس كما قال: كل نفس بما كسبت رهينة (83)، والله الموفق للصواب، والحمد لله
أحد
رب العالمين.
(83) الآية رقم 38 من سورة المدثر.
دعاء الختام (1/63)
صفحة 57
الدرس الثاني
بسم
الله الرحمن الرحيم
.
فيما يلي درس الاستاذ الشيخ بيوض حفظه
الله في الليلة الخامسة والعشرين من شهر رمضان المبارك عام 1392 للهجرة، موضوع هذا الدرس: استكمال الحديث حول العمل بالحساب الفلكي الذي تقدم فيه درس طويل قبل هذا الدرس ثم بعد ذلك عاد الى الكلام على الميسر
وبيان مضاره (1).
دعاء الافتتاح:
بسم
رسول الله
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على، بقيت كلمة في موضوع درس الأمس، موضوع الهلال، بقيت كلمة نزيدها، ثم نواصل دروسنا. الدرس الذي كان قبل البارحة، ذكرنا في أول الدرس العادة التي كانت في القديم عند العرب وغيرهم في حساب الأشهر، و إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله (2). وأن الطريقة التي كانوا يتبعونها من قبل، أنهم كانوا يعتبرون شهور الفرد كاملة 30، وشهور الزوج 29 يوماً، قلنا: حين فرض الصيام في شعبان من السنة الثانية، أخبر النبي علا الله الناس، وأمرهم بأن يصوموا لرؤية الهلال، ويفطروا لرؤية الهلال. ما الحكمة في هذا .. ؟ بينا ذلك بالأمس، وهذا ما تريد بيانه ونحققه الآن، لأن البعض توهموا، قالوا: الأمر بالرؤية تعبدي، فأود أن أوضح هذه النقطة، وقد أشرت إليها بالأمس، وأرى أنه غير كاف. ليس الأمر بالرؤية أمر تعبدي: بمعنى أنها فرض واجب نتمسك به بعينه، نتقدم عنه ولا نتأخر، لا، الأمر التعبدي، إذا أطلقنا هذه العبارة، فإنها
(1) تقديم مصطفى حشوش، أمين مكتبة الحياة بالقرارة، والقائم بتسجيل دروس الشيخ. ونحن نقدم هنا ماله
علاقة بموضوع الكتاب فقط الآية رقم 26 من سورة التوبة (1/65)
صفحة 58
تعني
العقائد الدينية التي تقدم الكلام عنها بالأمس، أصول الدين، والعقائد
بني
الضرورية، ماعلم من الدين بالضرورة، مما عليه الاسلام، فهذا الذي نعبر عنه بالتعبدي، فليس الأصل: صوموا لرؤيته، أصل تعبدي، فهذا كقوله تعالى: أقم الصلاة لدلوك الشمس الى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً) (3) اللام كما قال العرب للتوقيت، أقم الصلاة لدلوك الشمس، الزوال واللام لام التوقيت معروفة عند العرب، وهي كما استعملها الكتاب كلهم، يقال: كتب ليوم كذا، لليلة كذا من رمضان، كهذه الليلة: لأربع ليال أو لخمس ليال بقين من رمضان، يعني وقت، وهي مشهورة قديما وحديثا، ان النبي عل الله لماذا أمر بالرؤية .. ؟، لأنه من قبل كانت الشهور تؤخذ بطريقة تقريبية، إذ هناك ما هو يقين، وهناك ما هو تقريبي، ليس باليقين هو اليقين .. ؟ وما ليس باليقين .. ؟.
فما
كون العام ينقسم إلى اثنتى عشر شهراً، فالله عز وجل ما قال في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض له الا وقد اشاع هذا وأمر به كما قدره في الأزل وهو عند الأمم جميعا، كون الشهور القمرية بعضها تسعة وعشرون يوماً وبعضها ثلاثون - تابعوا بعناية ـ هذا يقيني، فلكي يتم مجموع الأيام: أيام السنة القمرية، لابد أن يكون بعض الشهور 29 يوماً وبعضها 30، ولا يمكن أن يكون الكل 29، ولا يكون الكل 30، هنا اليقين أيضا، فماذا بقى .. ؟، بقي أي الشهور 30 وأيها 29 .. ؟، بعضها 29 وبعضها 30، هذا مسلم به، أيها 30، وأيها 29 .. ؟ هذا ليس في اليقين
وبالأمس قلنا: هناك من الفرائض ما يستغرق الوقت كله، يملؤه من أوله الى آخره، وهناك من الفرائض ما يقع في بعض الوقت المعين، كالصلوات مثلا، فعندما يكون وقت الظهر من الزوال الى أن يصير ظل كل شيء مثله،
(3) الآية رقم 78 من سورة الاسراء. (1/66)
صفحة 59
فهذا وقت تصلي فيه أربع ركعات للظهر، ويمكن أن تصلي فيه مائة ركعة أخرى غيرها، فذاك الوقت أوسع من الفرض الذي يجب فيه وكثير من الفرائض هكذا، ولكن بعض الفرائض كالصيام، يستغرق الشهر كله من أوله إلى آخره، وطبعاً معروف أنها الأيام لا الليالي، فبين كل نهار ونهار ليل أحل فيه كما في قوله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث الى نسائكم (4)، الى قوله: و فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) (5)، إلى آخر الآية ففرض الصوم يستغرق الزمن كله وهذا يوجب علينا أن نعلم علم اليقين هذا الظرف الزمني من أوله الى آخره من قبل كنا نقول شهراً 29 وآخر 30، وهكذا نحسب، ولم يتعلق الأمر بشيء يطلب التحديد واليقين، أيها 30 وأيها 29 لا شيء يوجب علينا هذا لما جاء فرض الصوم وقال لنا شهر رمضان للصيام هنا يبدأ طور جديد: كيف نصوم شهر رمضان الواجب علينا .. ؟ فيه 30 يوماً أم فيه 29 يوماً .. ؟، وهل يمكن أن نسير على الطريقة التقريبية التي لم يكن هناك ما يتعلق بها ضروريا فيفسد العمل بيوم أو يصح بيوم .. ؟، لأنه الآن إذا كانت حقيقة الشهر عند الله 29، لانزيد يوما فنصوم 30، إذن يقتضي الحال أن نستخرج قاعدة بها تعلم علم اليقين، وإذا عبرنا باليقين يعني غلبة الظن، لإنه يكفي في الشرعيات غلبة الظن لنحفظ هذا دائماً غلبة الظن هو أقصى ما يمكن أن يصل اليه البشر، فلما حان الوقت وسط شعبان، وفرض صيام شهر رمضان، فلم يبق أن نقول: شعبان شهر زوجي، وهو الثامن، فيكون 29 ـ الحساب القديم ـ ويكون صوم رمضان الأول ـ حسب القاعدة التقريبية
-
الماضية 30 يوما
-
على
ولكن النبي الله لم يرد هذا طبعاً. و وما ينطق عن الهوى إن هو
(4) الآية رقم 187 من سورة البقرة
(5) الآية رقم 187 من سورة البقرة. (1/67)
صفحة 60
إلا وحي يوحى (6)، فأمر أن لا يصوموا حتى يروا الهلال، فأبعد القاعدة التي ألفوها اذ طرأ شيء جديد، وصار بدء الشهر برؤية الهلال وانتهؤ برؤية هلال الشهر الآن
فهل نستفيد من هذا فائدة في باب الاقتراب من اليقين .. ؟، نود أن نقترب، جهد المستطاع، من اليقين، لأنها كانت من قبل ظنونا فقط والاقتراب من اليقين يكون في ذلك الوقت وفقا لما قاله الرسول عام إنَّا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) (7)، (إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فافطروا) (8)، لأنه أيامها لا طريقة غيرها، ليس في العرب يومئذ، لا في أهل الحجاز الذين نزل القرآن بلغتهم، وفي وطنهم، وأول من عبد به من البشر، ليس هناك حسابون ليدركوا يقينا دخل الشهر بحساب و ولتعلموا عدد السنين والحساب، لا يوجدون كما قال الرسول}، لا في ذلك الوطن ولا فيما جاوره من بلاد العالم، فماذا بقي .. ؟، قال ننتقل الى الرؤية، أما القاعدة القديمة الماضية فلا، فهي بعيدة عن اليقين فكأننا اقتربنا
بالرؤية خطوة أو خطوة الى اليقين، نبهنا النبي له الى هذه الوسيلة التي تعطينا اليقين الذي هو - كما نقول دائماً غلبة الظن، لأن اليقين ليس مطلقا
فالنبي
في الرؤية وشهادتها انما غلبة ظن، وفي الشرعيات غلبة الظن كافية، على خطى خطوة، أو مرحلة نحو اليقين فهو إذن يطلب اليقين، وما سنذكره بعد حين يدل على هذا، وانه يدفعنا لنعلم انه كلما وجدنا وسيلة الى اليقين، واقتربنا بها منه ذهبنا اليها، ونحن على الصراط السوي
فأمر النبي الخطوة إلى اليقين، والا لتركهم كما كانوا من قبل، فماذا وقع في ذلك العام نفسه .. ؟ لقد تغير نظامهم فعلى حسابهم يكون شهر
(6) الآية رقم 3 من سورة النجم
(7) الحديث رقم (1814) صحيح البخاري البخاري
(8) الحديث رقم (1801) صحيح (1/68)
صفحة 61
شعبان 29 يوماً ويصبحون صائمين رمضان 30 يوماً، لكن أراد الله تبارك وتعالى أن لا يروا الهلال في أول شهر أمرهم بالرؤية فبطل ما كانوا يحسبون
به من كون شعبان 29 يوما فصار 30 يوماً، فأكملوا شعبان 30، صاموا والنبي عله أول رمضان 29 يوماً، ولم يكتمل 30 يوماً كما في حسابهم القديم. فقد رؤى هلال شوال، في السنة الأولى وفي الشهرين الأولين: شعبان الذي نزل فيه فرض الصيام ورمضان الذي بديء فيه تطبيق فريضة الصيام وصامه النبي كان الصوم فيه 29 يوماً، فقد تغير ما كان بالأمس تقريبيا، فلو لم يقل: «صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته،،، لأكلوا يوماً من رمضان ولصاموا يوم العيد، ثم أن النبي عصام تسع سنوات من أول رمضان إلى وفاته. وروي عن الصحابة الله رضي عنهم أنهم قالوا: إن ماصمناه مع النبي من رمضانات تسعا وعشرين أكثر مما صمناه ثلاثين. هذه الرواية صحت عن بعض الصحابة (9)
فالفائدة والنكتة التي نأخذها: أن النبى أمر بالرؤية، لينهي العمل بالطريقة القديمة التي كانت متبعة. فهي مبنية على التقريب، تمر القرون والعبث قائم لا مضرة في ذلك أما وقد جاء فرض جديد، فاعتمدوا على الرؤية، من هنا يبدأ ترائي الهلال، وهي الرؤية الطبيعية. كما يعتادها العرب في الصحراء وكل من بالصحراء يتابع طلوع الشمس والقمر، فهذا أمر طبيعي، لا لمجرد معرفة أوائل الشهور أو أواخرها
إذن نأخذ من هذا توجه النبي نحو ماذا .. ؟، نحو اليقين ما استطعنا، فقد اقترب هذا الفرض لأن يؤدى باليقين قدر المستطاع، ويدل على هذا: انه نهى عن صيام يوم الشك وبطلانه، في كتب الفقه كثير وهي مليئة بأبحاث فيه، وكذلك كتب الحديث وشروحها وحواشيها، فيوم الشك عند جمهور
(9) انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري، جـ 4، ص 123 (1/69)
صفحة 62
الأمة
منهي
عنه، لايجوز صومه: لا يصام لا لرمضان ولا لغير رمضان لماذا لأن العبادة تبنى على اليقين، هنا النكتة المهمة، افهموها جيدا، لنضيفها الى الأدلة، لنرى كم نحن مطالبون شرعا بالاقتراب الى اليقين ما
؟،
استطعنا، ولهذا وقع التشديد في صيام يوم الشك
جمهور
الأمة الا بعض الأقوال الضعيفة ربما لا يعتد بها قالوا: إذا صام انسان شعبان من أوله، و لم يتحقق أذلك اليوم من رمضان أم لا .. ؟، يكمل صيامه، وهذا اليوم أما ثلاثون من شعبان وأما واحد من رمضان فالذي جاء يصوم شعبان من أوله أيصوم يوم الشك سيما وقد صام ما مضى أم عليه أن يفطر .. ؟
أنه
فعند الجمهور يفطر ذلك الوقت ولا يصومه لا لقضاء ولا لنفل ولا على من رمضان، لماذا لا يصومه حتى لرمضان .. ؟، لأنه لا تقبل عبادة إلا بيقين، فيعلم أن الهلال من رمضان ويتيقن وقد استحسنوا عدم التعجيل بالأكل في يوم الشك الى أن، يرجع الرعاة كما يعبرون في القديم، وكتب الفقه ملأى بذلك فرعاة الأبل والغنم يسرحون أول الليل يقصدون بعض الأماكن التي بها الكلأ، يبيتون هناك فتأكل الغنم بأول الليل، وكذلك في صدر النهار، وكذلك في صدر النهار، ويروح الراعي بالابل أو بالغنم ضحى الى الخيام، وقد تبعد خمسة أمتار أو عشرة فيأتي في ذلك الوقت وتجتمع بالمراح أمام الخيام لتحلب، ذلك قوله تبارك وتعالى: {ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون (10)، حين تريحون، قد يكون الرواح أحيانا آخر النهار بعد أن يقضي الراعي يومه في مكان، والغالب يرجع
الرعاة بالصباح.
(10) الآية رقم 6 من سورة النحل. (1/70)
صفحة 63
أن
يقول الفقهاء تنتظر رجوع الرعاة الذين بيننا وبينهم عدة أميال فلا نستعجل بالأكل لا بعد الفجر، ولا بعد طلوع الشمس الى الرعاة الذين يرجع كانوا مع أبلهم، ومع غنمهم في المكان البعيد فربما يأتون وقد رأوا الهلال ويخبرون الناس: كنا في الواد الفلاني، في الضاية الفلانية ورأينا الهلال، فإذا صح يقبلون شهاداتهم، ويتمون امساكهم هذا عند الجمهور ومنهم أنه يعاد ويقضي ذلك اليوم الذي ذلك اليوم الذي أمسك فيه الصائم إلى أن يأتي الخبر من بعيد، لماذا .. ؟، لأن الصائم صامه عن شك لا يدري أرمضان هو أم لا .. ؟، نعم، لا يأكل احتراما لرمضان إلى أن يأتي الخبر، فأن لم ير الهلال فليأكل ولا شيء عليه، وان رأوه وثبت، فالامساك واجب عليه، هذا عند الجمهور وعند أصحابنا كلهم.
أصحابنا
على
ولكنه يقضي ذلك اليوم
،
هذا يبين لنا كم يكون اليقين مطلوبا فكلما وجدنا سبيلا الى التيقن، لا نفضل عليه غيره، إذن لنفهم جيدا أن في أمر النبي صلى الله عليه وسلم (صوموا لرؤيته» بيانا ليتركوا طريقة كانوا يتبعونها بعيدة عن اليقين الذي تثبته الرؤية، ولا طريق وقتها غيرها، فقد قربهم مرحلة إلى اليقين وأشار الى ذلك بتعليلة (نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب)، وخاصة بعد أن قال في الحديث الآخر: (فان غم عليكم فاقدروا له)، هذا كله يعطينا الضوء لنقترب إلى اليقين إذا وجدنا درجة إلى ذلك
فما
بقي
،
وها قد وجدنا من يخبرنا بيقين بثبوت الهلال، وبامكان رؤيته شيء نقبله أكثر من الرؤية التي يقع الشك فيها كثيرا، كما أشرنا بالأمس دائما مضطربة في كل عام ومن عاش سبعين أو ثمانين عاما، وهم موجودون فقد رأوا ماذا يقع كل عام حتى أصبحنا متهمين بأننا نغري الناس بالشهادة، فقد ابتلينا بها عشرات السنين، فإذا وجدنا اليوم ما يرفع عنا الشك ويقربنا اليقين،، أخذنا به.
من (1/71)
صفحة 64
-
-
جميع
الناس
فحبذا إذن الأمر بالرؤية ليس أمرا تعبديا، إذ لو كان تعبديا لكان وكم من الناس في بلاد العالم ـ تخرج لترى الهلال، لنقل في المدينة عشرة آلاف ساكن أو عشرون ألف ساكن ـ هذا قبل أن يكون العمل بالحساب إذ هو أمر جديد كم من عشرات الالاف تخرج للرؤية.، وما كان هذا
-
واجب على كل فرد، فالرسول قال (صوموا لرؤيته) فإذا وجدت الرؤية وجب الصوم، على الشخص الذي رأى، وعلى من بلغ له الخبر ووثق به، ويمكن له أحيانا أن يعتمد على عدم التصديق، وأحيانا لا يمكن له ذلك، الشهود وكانوا عدولا، أو كانوا في حكم لا يمكن تواطؤهم على الكذب، كما هو مفصل في الكتب، وإذن لسنا متعبدين، بمعنى أن الرؤية إحدى العبادات كلفنا بها، نعم ذكر بعض العلماء قالوا: - وهم قليلون وهو كلام مقبول – قالوا: ترائي الهلال فرض كفاية، فكم من ملايين البشر في الدنيا ومنذ قرون وهم مكلفون بالصيام، فكم من هذه الملايين تخرج لترى الهلال، وهل كلف النبي صحابته كلهم ليخرجوا هل كلف الرجال فقط، أم كلف الرجال والنساء .. ؟ كأنه أمر متروك على طبيعته «صوموا لرؤيته» نعم فلا بد من تراثي الهلال لتحديد الوقت، وهذا الترائي نعتقد أن فيه الأجر، نرجو أن لا يترك، فان يقصد به التثبت لشهر العبادة، عبادة الصوم أو عبادة الفطر، ففيه الأجر بدون شك، لكن ليطلق أحد العبارة هكذا، عبدنا بالرؤية.
هي
في ذلك
فقد ذكرت لنا وسيلة من وسائل التحقيق التي لا تمكن الا الوقت، فلا وسيلة غيرها وإذا لم يكن هذا فما عساه أن يكون .. ؟، اللهم الا أن يكون الاعتماد على الوحي، والوحي ينقطع بانقطاع نبوة آخر النبيين، فكيف يصنع الناس من بعد .. ؟ ثم أن الذي تقطع به جهيزة قول كل قائل: تعليلة: (اننا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب)، فإذا وجد من يكتب ومن يحسب فقد عثر على يقين أقوى، وعلى فرض وجود من يستطع ويقول: إن هذا الحساب ظني لم يجمع عليه الناس، نقول له: لكن لا نستطيع أن (1/72)
صفحة 65
هي
تنكر أنه الأميز من ظن ثبت الرؤية لأن ما بلوناه من كذب الرؤية بقصد أو بغير قصد، فهذا أمر نكرر فيه الكلام، ويعلمه كل الناس في المشارق والمغارب؛ ففي كل عام وأقول كل عام بدون استثناء، واختلاف اليومين والثلاثة والأربعة كل عام فانه لا يكون ظنيا فقط، فهناك بعض الرؤى المعتمد عليها زائفة باطلة، يبقى أهي مقصودة تزويرا وشهادة أم تخيلات .. ؟، لا ندري قد يكون وقد لا يكون، وكما يقال: إنه في بعض الأوطان تعطى لمن يرى الهلال جائزة، فربما بعض الفسقة الذين لا يخافون الله، يرونه لهذا، ذلك، وقد يكون خطأ، كخطأ أنس مالك خادم النبي الله الذي جاءت به أمه أم سليم الى النبي ليخدمه وهو ابن عشر سنوات، وهو أشهر من نار على علم من بين الصحابة رضوان الله عليهم وهو من أواخر الصحابة، يوما بمحضر جماعة من الصحابة والتابعين وكان فيهم إياس بن الله عنهم، هذا الذي يضرب به المثل بذكائه منذ القرن الأول:
إن
صح
معاوية رضي
بن
إقدام عمرو في سماحة حاتم في حلم أحنف في ذكاء إياس
وهذا إياس بن معاوية رضي الله عنه القاضي
لما خرج
الناس لرؤية الهلال وكان أنس مالك بن معهم وهو شيخ كبير راقبوا الهلال زمنا وما رأوه. إذا بأنس يقول لهم هو ذاك، فتمعنوا وتثبتوا وما رأوه، وأكد أنس القول، ففطن له إياس بذكائه، ونظر الى عينة وهو الأضعف بصرا ومعهم الشباب الحديدي البصر تفطن إياس ورأى في عين أنس شعرة نازلة من حاجبيه على عينه، فمسح على عينه ولم يقل أمسح عينك، مسحها هو بنفسه وقال له: والآن أترى الهلال .. ؟ قال أنس: لا فلولا ذكاء إياس وفطنته لصام الناس أو افطروا، لا أذكر: أليلة عيد أم ليلة رمضان .. ؟، لو عملوا بشهادته، فيقال بشهادة من؟ بشهادة (1/73)
صفحة 66
أنس، ومن
ذا الذي يرد شهادة أنس ... ؟ الصحابي الجليل خادم النبي عل الله فليس هناك من يرد شهادته اطلاقا، ولكن الرب تبارك وتعالى أنقذ المسلمين من أن يصوموا أو يفطروا بشبهة بماذا .. ؟ بما ألهم إياس بن معاوية فمسح عن عين أنس الشعرة المقوسة اللماعة مع الشفق كأنها الهلال
وهذه واقعة عين، ليست فقط تذكر الآن بعد ثلاثة عشر قرنا للتزوير والتضليل، لا، اذن الاعتماد الآن على الحساب اليقيني أولى، والبقية سمعتموها بالأمس
قلنا في مسألة اختلاف المطالع، هذا أمر اتفق عليه المؤتمر في مصر، واعتبروا اختلاف المطالع انه إذا كان وطنان من بلاد المسلمين لا يجتمعان في ليل، فكل وطن يلتقي مع الآخر في جزء من الليل ولو كان قليلا، ويكفي لتبييت نية الصيام من الليل، ففي هذه الحالة يجب أن يحمل بعض البلاد على الله، فالأصحاب رضي عنهم،، وآخرهم كلمة الشيخ عبد العزيز الثيميني
بعض،
في النيل (11)، منقولة عمن كان قبل: (والبلاد ان لم تختلف مطالعها كل وجب أن يحمل بعضها على بعض، وفسروا كل الاختلاف بهذا.
الاختلاف وجب
إذن اختلاف المطالع أن يكون النهار أو الليل في جهة ويكون الوضع في جهة أخرى مختلفا، تماما بحيث لا يلتقى الليلان مثلا لا من الأول، ولا من الآخر، فيكون كل الليل هنا نهار هناك، وكل النهار هنا ليل هناك، فهؤلاء مختلفون تمام الاختلاف، لا يحمل البعض على البعض
وبحث بعض، قالوا: بأن البلاد الاسلامية في الفليبين وماليزيا وغيرها، من جهة شرق آسيا الى المحيط الأطلسي الغربي بالمغرب الأقصى، بينها جميعا تسع ساعات، وأن هذه البلاد تجتمع في جزء من الليل، يعني عندما يكون
(11) الاشارة هنا الى كتاب و النيل وشفاء العليل. معتمد الأباضية في الفقه وهو من تأليف الشيخ عبد العزيز الثميني الميزابي (1/74)
صفحة 67
عندنا الليل يصل اليهم الخبر، لأننا نحن في الغرب فنحن مثلا في العشاء، ساعة بيننا وبين تونس، ساعتين مع ليبيا، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، ويكون في بعض الأماكن السحر، فما دام في مكان ثبت عندهم الهلال، واجتمعوا مع غيرهم في ساعة من الليل، وكانت الساعة كافية، أو نصف الساعة ليبلغ الخبر، وينووا الصيام من الليل وهذه حكمة: تبييت الصيام من الليل إذا كان هذا وجب حمل بعضها على بعض
وقديما يقدرون كما قال الشيخ أطفيش: كالأندلس وخراسان، وقال البعض: الحجاز والأندلس، لكن تقرير المؤتمر الذي اجتمع منذ خمس سنوات في القاهرة يؤيد ويقرر هذه القاعدة في اختلاف المطالع والتي تعتبر عدم حمل البلاد بعضها على بعض، إذا كانت لا تلتقي هذه الأقطار في جزء من الليل
أو
لأنه اذا كان الوقت عندنا مغربا ورأينا الهلال فسنخبر مثلا بالردايو، بالتلفون، أو بالتلكس، أو بكيفية أخرى يصل الخبر في دقائق، لكن إذا
كان الوقت الذي نخبرهم برؤية الهلال وقد طلع عندهم الفجر فلا صيام عليهم ولا يحمل البعض على البعض، أما إذا وصل الخبر ساعة قبل الفجر، لنفرض الآن الفجر على التقدير في الخامسة، وبلغ الخبر مثلا على الرابعة، فمازال هناك فرصة من الليل، يسحر من يسحر، ويغتسل من يغتسل، وينوي الصيام، فهذا تفسير كل الاختلاف. وهو تفسير مقبول
وبعد هذا كله نكمل التحقيق في مسألة: إذا وجدنا اليقين لا نتركه الى الظن، وحتى إذا كان بعضهم يقول: أنا لم أصل بعد إلى درجة اليقين، ولكن لا تشك في أن هذا أقرب من اليقين، بعد ظنك بالرؤية وأنت تكذبها مائة عام، فالذين يعارضون اليوم هم الذين لا يقبلون الرؤية، وإن أصبحت رؤية صحيحة، بدعوى اختلاف المطالع، بدعوى فيها غبن، فهؤلاء أولى أن يقبلوا الحساب لأنهم كانوا يشددون في باب الرؤية، وكانوا يتهمون جميع الأخبار التي تأتي من العالم بثبوت الرؤية ويكذبونها، فهذه حجة عليهم اليوم (1/75)
صفحة 68
و هل استطاعوا أن يأتوا بمثال واحد لتكذيب الحساب القطعي مقابل مائة تكذيب من جهة الرؤية
كتب كاتب زعم قائلا: حتى قائلا: حتى الحُساب يخطئون يقولون بقول أحيانا فتكون الرؤية مخالفة لهم، ولكن لم يتفطن هذا إلى الخلط في الرؤية، مثلا يقول الحساب الهلال لا يرى، فإذا بناس يرونه!!، نعم الغلط في الذين رأوه. يقول هذا الكاتب: «كثيرا ما يقول الحساب برأى فتأتي الرؤية مخالفة»، ها هو ذا يجعل العمدة الرؤية التي كان يكذبها، فلا تلاعب أكثر هذا، أن هذه الألاعيب قد تحير من فيه الاستعداد لأن يقبل الحق من
هي
ومهما يكن، فنحن اليوم متبعون للحساب على شرط أن يكون ـ كما طلبنا وذكرت ذلك بالأمس أن تكون ولادة الهلال قطعا، وأن يمكث وقتا تمكن فيه رؤيته بعد غروب الشمس، وهذه هي الخلاصة في هذه المسألة
والحمد لله رب العالمين
-
تم نقله من الشريط،،،
/رمضان/ 1411 هـ 26 / مارس / 1991 م
عمر اسماعيل (1/76)
صفحة 69
بيتو ابر استيم بن معمر
القرارة
BAYOUD BRAHIN BEN OMAR
GUERRARA
-
هذه رسالة بخط يد الامام الشيخ بيوض ابراهيم بن عمر، إلى معالي وزير الشؤون الدينية الاستاذ/ مولود قاسم ــ نثبتها هنا باعتبارها وثيقة تاريخة (م. ن) (1/77)
صفحة 70
بيتون ابر است هم بين شهر
الفرارة
BAYOUD BRAKIN EEN ONDR
GUERRARA (1/78)
صفحة 71
برابر استيم بن مهر
الفرارة.
BAYOUD BRAHIM BEN ONAR
GUERRARA (1/79)
صفحة 72
الحمد لله وحده
بيوض ابراهيم بن عمر القراره
Bayoud Ibrahim Ben Omar Guerrara
القراره في 18 شعبان 1391
1971 أكتوبر 8 guerrara le
جناب الأخ الكريم مولود قاسم وزير التعليم الأصلي والشؤون الدينية:
،
حفظه الله
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، من أخيكم بيوض ابراهيم بن عمر.
سيدي الوزير، تبعا لحديثي معكم منذ أسابيع في شأن إثبات الأهلة للقيام بالشعائر الدينية، رأيت أن أذكركم - وقد اقترب شهر رمضان بما طلبته منكم، وهو تكليف لجنة الأهلة التي تعمل تحت إشرافكم، أن تطلب من المرصد الفلكي (بيو زريعة ((1) أن يخبرها بموعد ولادة الهلال، ووقت غروبه، وغروب الشمس يوم ولادته، حتى تتحقق بميلاده أولا ثم ببقائه الأفق وراء الشمس بعد غروبها، ثم بمدة بقائه لتعلم هل تمكن رؤيته أو تستحيل، وعلى ضوء ذلك يمكنها أن تقبل الشهادة بالرؤية أو تردها، فإن حساب الفلك اليوم قطعي، والشهادة ظنية، فلا تقبل مطلقا إذا عارضت القطعي، ولسنا هذا بالقائلين باعتماد الحساب الفلكي وحده في إثبات الأهلة وإن كان ذلك مذهب بعض العلماء من السلف والخلف بل نحن نقول بالجمع بين الدليلين: الرؤية والحساب. بيان ذلك: أن النبي (الله) قال عن هلال رمضان: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما)، وهو حديث متفق عليه
صلى
(1) ضواحي العاصمة، مرتفع به مرصد فلكي (1/81)
صفحة 73
وأجمع العلماء أن هذا هو حكم سائر الشهور. وكان (ع) يتراءى الهلال، ويأمر أصحابه بذلك، ويسأل عن رؤيته، فالاعتناء برؤية الهلال شعيرة من شعائر الله. ولم يزل المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها يحتفلون بها، وقد قال كثير من العلماء أنها فرض كفاية، فلا ينبغي إهمالها وتركها اكتفاء بالحساب، وكذلك لا ينبغي تجاهل الحساب وقد تيسرت سبله، وأمكنت معرفة الحقيقة بواسطته
وطريقة الجمع بين الدليلين سهلة ميسورة: أن تعتني لجنة الأهلة بالرؤية وتحرض جميع المواطنين المؤمنين على الاعتناء بها ليلة الشك، وإخبارها بما ثبت من شهادة، وأن يكون عندها علم مسبق قبل ذلك من المرصد الفلكي بموعد ولادة الهلال وغروبه، ومدة بقائه في الأفق بعد غروب الشمس، فإن جاءت الشهادة بالرؤية - وقد أثبت الحساب ولادته وبقاءه بعد غروب الشمس، بحيث تمكن رؤيته - قبلت الشهادة وأعلن دخول الشهر، وإن جاءت شهادة بالرؤية ـ والحساب يثبت أن الهلال لم يولد بعد، أو أنه مولود ولكنه يغرب قبل غروب الشمس أو مع غروبها أو بعده بقليل جدا بحيث تستحيل رؤيته، ردت الشهادة
-
-
ومن القواعد الفقهية المسلمة والتي لا جدال فيها، أن الشهادة ترد إذا استريبت، والريبة أنواع و درجات، منها القوي، ومنها الضعيف، وأقواها ما يعبر عنه بالريبة المحققة، وهذه ترد بها الشهادة قطعا بالغاً ما بلغ عدد الشهود أو عدالتهم، ومن هذا النوع ما خالف قطعيا، فإذا شهد شهود برؤية الهلال والعلم يثبت أنه لم يولد بعد ضرب بشهادتهم عرض الحائط، وقد ضرب العلماء لذلك أمثلة في القديم فقالوا (مثل أن يدعي رؤية الهلال في زمان لا تمكن فيه، كما إذا ادعاها في أفق غير أفق الهلال ومطلعه بجبل شاهق أو بناء عال بحيث لا يرى منه إلا وسط السماء مثلا)، وهذه كلها شهادات مردودة. وقد ردوا الشهادة بما هو أضعف من ذلك كما إذ اتهم الشاهد بجر
-
- (1/82)
صفحة 74
نفع أو دفع ضر، فأحرى أن ترد شهادة رؤية وليد وهو لا يزال جنينا في رحم أمه -
تبقى مسألة ما إذا أثبت العلم ولادة الهلال وإمكان رؤيته بعد غروب الشمس ولكنه لم ير في أية جهة من جهات القطر مطلقا، فإن هذا لا نعمل به، بل نكمل الثلاثين للشهر المنصرم، وهذا يوم معفو عنه من الشارع الذي عبدنا بالعمل بالرؤية، إلا أن تأتينا شهادة الرؤية من قطر مجاور يعمل بالرؤية لا بالحساب فنعمل بها عملا بالقاعدة الفقهية المشهورة: أن البلاد إذا لم تختلف مطالعها كل الاختلاف وجب حمل بعضها على بعض. بهذا نكون متبعين صلى الله للسنة المطهرة عاملين بأمر رسول الله (ع) غير مخالفين للدليل القطعي
ولقد قال الامام تقي الدين السبكي: إن دل الحساب على عدم إمكان الرؤية ويعرف ذلك بمقدمات قطعية، ويكون القمر في هذه الحالة قريبا جدا من الشمس، ففي هذه الحالة لا تمكن رؤيته لأنها مستحيلة. فلو أخبر بها شخص أو أكثر. وهذا خبر يحتمل الصدق والكذب والغلط
قبوله أو تقديمه على الحساب القطعي أو معارضته به
عن أنس مالك أنه بن
حضر مع
منهم
فلا يجوز
وهناك كثير من الناس يغلطون أو يخطئون في رؤية الهلال، وقد روي جماعة لرؤية الهلال، وكان معهم إياس بن معاوية، فلم يره أحد غير أنس بن مالك الذي قال أنه رآه مع أنه كبير السن، وأشار أنس إلى الجهة التي قال عنها أنه رأى الهلال فيها. فتطلعوا جميعا إلى تلك الناحية، فلم يروا شيئا، ومنهم من هو أقوى نظرا من أنس، وهنا التفت إياس ـ وكان ذكيا حاضر البديهة ونظر إلى عيني أنس فرأى على إحداهما شعرة وقد تدلت من حاجبه، فمسح إياس حاجب أنس بيده حتى سواه، وقال له «أرني الهلال الآن، فقال أنس: لا أنظره الآن). (1/83)
صفحة 75
-
الأئمة
ولقد بلونا الشيء الكثير من هذه الأخطاء والتخيلات في مدى نصف قرن كنا نباشر فيه التحقيق مع شهود الرؤية، ونحن اليوم أشد طمأنينة بقطعية نتائج الحساب الفلكي مما كان عليه الحال في صدر الاسلام، وفي عهد الذين اعتمدوا الحساب فإن التقويم الفلكي اليوم عالمي ـ كما تعلمون ــ لا يتطرق إليه أي شك، ولا تداخله أية ريبة، وقد بلغ من دقته في حساب الأجرام أنه يلاحظ الجزء من المليون من الثانية أو أقل من ذلك، فمن السخف تعريض الشريعة الاسلامية الغراء للسخرية بزعم أنها تعارض القطعي من العلم وهي التي جاءت بتقديس العلم
سير
وبعد: فهذه ملاحظة أبديها لكم رجاء أن يكون لها أثر فيما تقررونه في طريقة إثبات الأهلة والإعلام عنها، ولا نكتمكم أننا نحن منذ زمن ومن قبل الاستقلال نعتبر التقاويم الفلكية ونطلبها من مصادرها لنستعين بها في تصحيح الشهادة ولا نزال، ولا نريد بيننا خلافا في هذه المسألة المهمة وخاصة في هذا العهد الذي منّ الله علينا فيه بالوحدة التي لا نزال نعمل لتدعيمها بمختلف الوسائل جاهدين
وأخيرا وقبل أن أختتم كتابي أهنئكم بما وفقتم إليه في حديثكم مجلة مع (أفاق عربية) عدد سبتمبر المنصرم، وفي تلك الأجوبة السديدة التي أجبتم بها وخاصة فيما يتعلق بانحراف الشباب، ومسؤولية أوليائهم وفي قضية المرأة وسلوكها ومشكلها المستعصي زادكم الله توفيقا، وأخذ بأيديكم إلى ما فيه خيركم وصلاح أمتكم. وفي ذلك مغفرته ورضاه، ورضوان من الله أكبر، والله أكبر والحمد لله
والسلام عليكم ورحمة الله
666
أخوكم المخلص
(الامضاء) بيوض ابراهيم بن عمر (1/84)
صفحة 76
تم بحمد الله (1/85)
صفحة 77
رقم الايداع 92/ 128
مطبعة الألوان الحديثة 562276
563876
- (1/86)