صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: فقه
------------------------------------------
العنوان: جهد المقل في الديات والأروش والقتل
المؤلف: زهران بن ناصر بن سالم البراشدي
الناشر: د.ن
مكان النشر: د.م
تاريخ النشر: د.ت
الطبعة: 4 (مزيدة ومنقحة)
ردمك: 2-943-4-99969-978
الإيداع القانوني: 5100/2022
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/594
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 23 شعبان 1446ه/ 22 - شهر 02 - 2025م. جهد المقل في الديات والأروش والقتل
تأليف العبد الراجي عَفْوَ رَبِّه
زهران بن ناصر بن سالم بن حمد بن سعيد البراشدي
البريد الإلكتروني: zahran-j@hotmail.com
الطبعة الرابعة مزيدة ومنقحة
رقم الإيداع المحلي 2022/ 5100 م
978 - 99969 - 4 - 943 - 2
ISBN
الرقم الدولي < 9789996949432 (1/1)
صفحة 2
باس الي الهم
المحضرة الشيخ الألم الولد النتيا نهر اتب كالربابة الراشدي
سلم عليك ورحمة الله وكناتك وصلنى مع المولف وقد شبعتها و ما رايت في سيناس الاغلط جسما بان بے ولقد احسنت في وضد وكذا الثواب واسه الموفق وها هو برجع اليه بين الولد بعضوب والسلام حدد الله 29 اسعار را منشاء الطان (1/2)
صفحة 3
يسعني
شُكر وعرفان
هذا ما مَنَّ الله به على عبده الضعيف المفتقر إلى عفوه ورضاه وتوفيقه، وانني لا إلا أن أقدم الشكر الجزيل لجميع مشايخي وإخواني الذين بذلوا جهدهم معي في هذا الكتاب، وأضاعوا كثيرا من أوقاتهم في المتابعة وأرشدوني إلى كثير من المسائل المتعلقة بالموضوع؛ بآرائهم الصائبة وأدلتهم الثاقبة، بل منهم من سهل لي وأمدني بكثير من المراجع، فجزى الله عني جميعهم كلا بما هو له أهل، ووفق الكل لما فيه الخير والصلاح وجمع شمل هذه الأمة؛ إنه كريم رحيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا، والحمد لله رب العالمين.
العبد المفتقر إلى عفو ربه زهران بن ناصر بن سالم البراشدي
السبت /8 / جمادى الأولى / 1422 هـ الموافق 2001/ 7/28 م. (1/3)
صفحة 4
مقدمة الطبعة الثالثة
الحمدُ للهِ المنعم بآلائه الموفّق لعباده إلى سبلِ رضائه، والصَّلاة والسلام على خير خلقه من رسله وأنبيائه؛ محمد الله، وعلى آله وصحبه من أوليائه، وسلم تسليما
كثيرا.
أمَّا بعد: فإنَّه بعد أن نفدت الكميَّةُ المطبوعة من هذا الكتاب "جهدُ المُقِل" ولِمَا لَقِيَهُ من قبول من القراء والمهتمين بالفقه الشرعي، وما أظهره الكتاب من فوائد؛ كان لزاما عليَّ أنْ أُشَمّر عن ساعد الجد؛ في مراجعته وإدخال بعض التعديلات والملاحظات عليه في الطبعة القادمة إتماما للفائدة، واستجابة للإخوة القراء؛ في الأخذ بآرائهم ومقترحاتهم؛ مهما أمكن، وإنني لا يسعني إلا أنْ أُقَدِّمَ جزيل الشكر والتقدير مقرونين بالدعاء إلى الله عزوجل والتضرع لجلاله وكماله - بأنْ يمُنَّ علي وكل من اطلع على كتابي هذا وعلى ما أبدوه لي من نصائحهم، واقتراحاتهم، وتساؤلاتهم، بالتوفيق والسداد، وأن يجزي الجميع بما هو له أهل، إنَّه: هُوَ أَهْلُ
التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ) المدثر.
والشكر موصول إلى معالي الشيخ محمد بن عبد الله بن زاهر الهنائي؛ لما أبداه من اهتمام بهذا العمل وما يقوم به من جهد في خدمة العلم والعمل به، مما كان له دور فعال في إخراج هذه الطبعة الفريدة من نوعها جعله الله في ميزان حسناته.
وهذا إنْ دلَّ على شيءٍ فإنَّما يدل على الإخلاص العميق منهم أجمعين، أسأل الله التوفيق والسداد لي ولهم ولسائر المسلمين، إنه على كل شيء قدير، والحمد لله رب
العالمين. (1/4)
صفحة 5
مقدمة الطبعة الرابعة
الحمد لله المتفرد بالبقاء، الموفّق لعباده إلى سبل السعادة والرضاء، كتب على عباده كثيرا من النصب والابتلاء، ليعلم علم تبين وانكشاف -وهو العالم الأزلي الأبدي بكل شيء- المجاهد الصابر، من القانط الفاجر: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) البقرة. وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154) آل عمران. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) العنكبوت. وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31) محمد.
وما حوادث الزمان وتقلباتها من سراء إلى ضراء، أو من ضراء إلى سراء، إلا من هذا القبيل أي: ابتلاء واختبار للعبد هل يصبر ويفوض الأمر لخالقه ويتوكل عليه ويسأله الثبات على الحق والهداية إلى الرشد والرحمة واللطف به، والتوفيق لرضاه، فينال رضاء الله وبنعم بثوابه، الذي لا انقطاع له، أم يقنط ويتضجر وعل ويسأم فيقع في المحذور؛ الذي لا يطيق عاقبته، إن لم يتداركه الله بلطفه، ويرده إلى الصواب، أسأل الله اللطف والهداية والختم بصالح العمل لي ولسائر المسلمين.
6.
كتب عمر رضي الله عنه إلى عقبة بن غزوان أما بعد فإنك أصبحت أميراً تقول فتطاع، وتأمر فيتبع أمرك، فيا لها من نعمة؟؟؟! إن لم ترفعك فوق قدرك، أو تطغك على من دونك. احترس من النعمة أشد من احتراسك من الخطيئة، هي والله (1/5)
صفحة 6
أخوفها عندي عليك أن يقال لك: ومن مثلك؟ فتترفع، فتسقط سقطة لا شوى لها. والسلام
والصلاةُ والسلامُ على خير الخلق ومنبع الفضائل المعصوم من كل كدر؛ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي العربي عبدِ الله ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، وعلى آله وصحبه من أوليائه، وسلم تسليما كثيرا.
أَمَّا بعد: فإنَّه بعد أن نفدت الكميَّةُ المطبوعة من هذا الكتاب "جهدُ القِل" ولِمَا لَقِيَهُ من قبول من القراء والمهتمين بالفقه الشرعي، وما أظهره الكتاب من فوائد وفرائد وما تفضل به علي كثير من المشايخ والاخوان من اقتراحات ونصائح ومطالبات بتوضيح بعض المسائل المهمة؛ وهذا إن دل على شيءٍ فإنَّما يدل على الإخلاص العميق منهم أجمعين.
كان لزاما عليَّ أَنْ أُشَمِّرَ عن ساعد الجد؛ في مراجعته وإدخال بعض التعديلات والملاحظات عليه؛ وإضافة مسائل مهمة في الطبعة القادمة إتماما للفائدة، واستجابة لتلك النصائح والمقترحات؛ في الأخذ بآرائهم ومقترحاتهم؛ مهما أمكن، وإنني لا يسعني إلا أنْ أُقَدِّم جزيل الشكر والتقدير مقرونين بالدعاء إلى الله عزوجل والتضرع لجلاله وكماله - بأنْ يمُنَّ علي وكل من اطَّلع على كتابي هذا وعلى ما أبدوه لي من نصائحهم، واقتراحاتهم، وتساؤلاتهم، بالتوفيق والسداد، وأن يجزي الجميع بما هو له أهل إنَّه: هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ) المدثر.
1 - الزمخشري ربيع الأبرار. ج 5 ص 168 الباب الثاني والثمانون الملك والسلطان، والإمارة والبيعة والخلافة وذكر الولاة وما يتصل بهم من الحجاب، وغير ذلك. (1/6)
صفحة 7
والشكر موصول إلى الجميع من غير استثناء لأحد، مع رجائي من كل من قرأه أو
اطلع عليه، ليس هذا الكتاب فحسب، بل وجميع مؤلفاتي وبحوثي وكتاباتي، الا يبخل عَلَيَّ بالنصح والإرشاد والتوجيه في كل ما فيه صلاح الدنيا والدين؛ سواء
أكان موضوعيا أم فنيا، وأسأل الله التوفيق والسداد والختم بصالح العمل لي ولهم ولسائر المسلمين، إنه على كل شيء قدير، والحمد لله رب العالمين.
V (1/7)
صفحة 8
وهنا تنبيهان
التنبيه الأول
بعد أن خرج "الجُهد" إلى الوجود انهالت عليَّ أسئلةُ القُراء في سبب اختيار التسمية، ومعناها، فأحببت أنْ أُبَيّن بعض ذلك في الطبعة الثانية.
أولا: لا زلت أُقِرُّ وأعترف بجهلي وقلة علمي بكثير من العلوم النافعة في دنياي وعاقبة أمري سائلا المولى جلت قدرته اللطف والتوفيق لما يرضيه، ولا أدعي العلم والمعرفة، وإنَّما - وكما قلتُ في مقدمة الكتاب في سبب التأليف - "لفرط
جهلي وقلة حفظي وركاكة فهمي وعدم اجتهادي ألجأتني الحاجة إلى ذلك ... " وبقدر مستطاع الإنسان عليه أَنْ يُبذل قصارى جهده فيما يرى فيه صلاحه وصلاحَ أُمَّتِه؛ مقرونا بالتوسل إلى الله جلت قدرته أن يَمُنَّ عليه بالتوفيق والسداد لما يرضيه، وهذا قدر جهدى.
ثانيا: هذه التسمية (جهدُ الْمُقِل كانت بتفضل وإكرامٍ من شيخي الجليل العلامة المجتهد المطلق أحمد بن حمد الخليلي، أبقاه الله ورعاه، ومن جميع مكروه وقاه وذلك لما كنتُ أتابع معه في كثير من المسائل المتعلقة بالموضوع، وشجعني جزاه
الله خيرا على طباعته.
ثالثا: المعنى: (جُهْدُ الْمُقِلَ الجُهْدُ بِضَمِ الْجِيم وإسكان الهاء: الطاقَةُ، والمُقِلُ: ضِدُّ المكثر. والمُرادُ بِهِ قَدْرُ مَا يَحْتَمِلَهُ حَالُ مَنْ قَلَّ لَهُ الشيءُ.
أو: هُوَ " مَا يُعْطِيهِ الْمُقِلُ عَلَى قَدْر طَاقَتِهِ." (1/8)
صفحة 9
قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ) الآية 79 من سورة التوبة. أي:
طاقتهم. ومنه الحديث: " فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "جُهْدُ الْمُقِلِ" كما سيأتي إن شاء الله ل وبالفتح: الشدة، والمشقة، والتعب والجوع.
ومنه الحديث: "فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ" (حديث بدء الوحي)
قال الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح: ..... قوله " بَلَغَ مِنّي الجَهْدُ " الأكثر بالفتح، ولبعضهم بالضم؛ وهو المشقة، وقرئ: (وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ) (التوبة (79) بالوجهين معا.
و قوله: أجهدُ جَهدَك؛ أي أَبْلِغْ أقصى ما تقدر عليه. وقوله: جاهدًا عليه. أي: مبالغا في أذاه، وكذا أجْهَدَ عليَّ، وقوله جَهْد البَلاء " (1) قيل: الشدة وقيل كثرةُ العيال وقلةُ المال، وقوله في الجماع: "ثُمَّ جَهَدَهَا، أي بالغ في مَشَقَّتِها وإخراج ما
عندها." (2)
1 - إشارة إلى ما روي من طريق سفيان بن عيينة حدثني سُميّ عن أبي صالح عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ، يَتَعَوَّذُ مِنْ جَهْدِ الْبَلاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ الْقَصَاءِ، وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ" قَالَ سفيانُ الْحَدِيثُ ثَلَاثٌ زِدْتُ أَنَا وَاحِدَةً لَا أَدْري أَيَّتهُنَّ هِيَ " أخرجه البخاري في باب التعوذ من جهد البلاء، رقم
6242، والحميدي ح 972، ومسلم ح 2707، وأبو يعلى ح 6662، وابن حبان ح 1016، وغيرهم. 2 - قوله: "ثم جَهَدَها" إشارة إلى ما رواه أبو هُرَيْرَةَ في وجوب الغسل بالتقاء الختانين عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَيْهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْل" وفي بعض ألفاظه زيادةُ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِل." أخرجه البخاري وابن ماجة والبيهقي وابن حبان واحمد وابن أبي شيبة والدارمي وغيرهم؛ في
9 (1/9)
صفحة 10
وقوله صلى الله عليه وسلم:" حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ " رُوِيَ بِالْفَتْحِ وَالنَّصْب؛ أَيْ: بَلَغَ الْغَصُّ مِنِّي غَايَةَ
وُسْعِي.
وَرُوِيَ بِالضَّمِّ وَالرَّفْعِ، أَيْ: حتى بَلَغَ مِنِّي الْجُهْدُ مَبْلَغَه (1)
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ حُبْشِيَ الْخَشْعَمِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: طُولُ الْقِيَامِ. قِيلَ: فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: جُهْدُ الْمُقِلِ. قِيلَ: فَأَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: مَنْ هَجَرَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ. قِيلَ: فَأَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: مَنْ جَاهَدَ الْمُشْرِكِينَ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ. قِيلَ: فَأَيُّ الْقَتْلِ أَشْرَفُ؟ قَالَ: مَنْ أُهَرِيقَ دَمُهُ وَعُقِرَ
جَوَادُه (2)
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ حُبْشِيَ الْخَشْعَمِي أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ لَا شَكٍّ فِيهِ، وَجِهَادٌ لَا غُلُولَ فِيهِ، وَحَجَّةٌ مَبْرُورَةٌ قِيلَ: فَأَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: طُولُ الْقُنُوتِ، قِيلَ: فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: جُهْدُ الْمُقِلِ. قِيلَ: فَأَيُّ الْهَجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: مَنْ هَجَرَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، قِيلَ: فَأَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: مَنْ جَاهَدَ
وجوب
الغسل من
التقاء الختانين. أخرجه أحمد في المسند ح 7197، والبخاري ح 287، ومسلم ح 348، والنسائي ح 191، وابن ماجه، ح 610، وابن أبى شيبة ح 931، والدارمي ح 761، وأبو عوانة ح 824، وابن حبان ح 117، والبيهقي ح 741. وانظر مقدمة الفتح لابن حجر العسقلاني؛ ص 114 فصل "ج د" وص 119 "فصل "ج" هـ". الناشر دار التقوى.
1 - الحافظ بن حجر العسقلاني فتح الباري شرح صحيح البخاري ج 1 ص 24/ن/ دار التقوى ومكتبة العلم مصر، حديث بدء الوحي وانظر النووي على شرح مسلم نفس الحديث. والديباج على مسلم، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ولد 849 ت 911 هـ ج 1 ص 185. 2 - سنن أبي داؤد كتاب الصلاة ح 1250.
10 (1/10)
صفحة 11
الْمُشْرِكِينَ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ، قِيلَ فَأَيُّ الْقَتْلِ أَشْرَفُ؟ قَالَ: مَنْ أُهَرِيقَ دَمُهُ وَعُقِرَ جَوَادُهُ (1)
وقَوْله لَا شَكٍّ فِيهِ) أَيْ: فِي مُتَعَلَّقه، وَالْمُرَاد تَصْدِيقٌ بَلَغَ حَدَّ الْيَقِينِ، بِحَيْثُ لَا يَبْقَى مَعَهُ أَدْنَى تَوَهُم لِخِلَافِهِ، وَإِلَّا فَمَعَ بَقَاءِ الشَّكِ لَا يَحْصُلُ الْإِيمَانُ، أَوْ: إِيمَانُ لَا يَشُكٍّ الْمَرْءُ فِي حُصُولِهِ لَهُ بِأَنْ يَتَرَدَّدَ هَلْ حَصَلَ لَهُ الْإِيمَانُ أَمْ لَا؟، وَالْوَجْهِ هُوَ الْأَوَّلُ وَاللَّه
تَعَالَى أَعْلَمُ
(لَا غُلُولَ بِضَمِّ الْغَيْنِ أَيْ لَا خِيَانَة مِنْهُ فِي غَنَائِمه طُولُ الْقُنُوت) أَيْ ذَات طُول الْقُنُوت أَي الْقِيَام قِيلَ: مُطْلَقًا وَقِيلَ: فِي صَلَاة اللَّيْل وَهُوَ الْأَوْفَقِ بِفِعْلِهِ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " جُهْد الْمُقِلَ " بِضَمِ الْجِيم أَيْ: قَدْر مَا يَحْتَمِلُهُ حَالُ مَنْ قَلَّ لَهُ الْمَالُ، وَالْمُرَادِ مَا يُعْطِيهِ الْمُقِلُ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ، وَلَا يُنَافِيهِ حَدِيث "خَيْرُ الصَّدَقَة مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى" (2) لِعُمُومِ الْغِنَى لِلْقَلْبِي وَغِنَى الْيَدِ " مَنْ هَجَرَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ" أَيْ هِجْرَةُ مَنْ هَجَرَ "وَعُقِرَ جَوَادُه أَيْ: فَرَسُه وَالْمُرَادِ: قَتْلُ مَنْ صَرَفَ نَفْسَهُ
- أخرجه أحمد مسند المكيين ح 15401، والنسائي المجتبى ح 2525 والبيهقي السنن الكبرى ح 25 80 باب ما ورد في جهد المقل، و 18996، باب فضل الشهادة في سبيل الله، وأبو داود 1451، وانظر: أثر القواعد الفقهية للباحث ج 2 تحت عنوان "فائدة في الصلاة قبل الجمعة"
- البخاري الصدقة، وابن حجر العسقلاني إطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي ح 9513 ج 7 ص 273، والحميدي الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم والبيهقي السنن الصغرى نفقة الزوجة والكبرى باب خير، الصدقة، والحاكم المستدرك "الزكاة، والطبراني المعجم الكبير، وأبو داود والنسائي في سننهما الصدقة، والدارقطني؛ المهر، وأحمد في مسند أبي هريرة، وغيرهم.
11 (1/11)
صفحة 12
وَمَالَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. (1)
وعَنْ أَبِي ذَرٍ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَجَلَسْتُ فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍ هَلْ صَلَّيْتَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: قُمْ فَصَلِ. قَالَ: فَقُمْتُ فَصَلَّيْتُ ثُمَّ جَلَسْتُ فَقَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍ تَعَوَّذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ"
قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِلْإِنْسِ شَيَاطِينُ؟ قَالَ: "نَعَمْ" قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الصَّلَاةُ؟ قَالَ: خَيْرٌ مَوْضُوعٌ مَنْ شَاءَ أَقَلَّ وَمَنْ شَاءَ أَكْثَرَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا الصَّوْمُ؟ قَالَ: فَرْضٌ مُجْزِى وَعِنْدَ اللَّهِ مَزِيدٌ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالصَّدَقَةُ؟ قَالَ: أَضْعَافٌ مُضَاعَفَةٌ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيُّهَا أَفْضَلُ؟ قَالَ: "جُهْدُ مُقِلٍ أَوْ سِرٌّ إِلَى فَقِيرٍ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْأَنْبِيَاءِ كَانَ أَوَّلَ؟ قَالَ: آدَمُ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَ نَبِيُّ كَانَ آدم؟ قَالَ: نَعَمْ نَبِيُّ مُكَلَّمْ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ الْمُرْسَلُونَ؟ قَالَ ثَلَاثُمائة وَبِضْعَةَ عَشَرَ جَمَّا غَفِيرًا، وَقَالَ مَرَّةً خَمْسَةَ عَشَرَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ آدَمُ أَنَبِيُّ كَانَ؟ قَالَ: نَعَمْ نَبِيٌّ مُكَلَّمْ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّمَا أُنْزِلَ عَلَيْكَ أَعْظَمُ؟ قَالَ: آيَةً الْكُرْسِي: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ...
1 - شرح سنن النسائي للسندي 2479
،7871
والطيالسي
65، ح
478، وأحمد
2 - أخرجه الطبراني في معجمه الكبير ج 8 ص 218 ح 178/ 5 ح 21586، والهيثمي في الغاية، وفي المجمع، وقال في المجمع 1601: فيه المسعودي وهو ثقة ولكنه اختلط، والنسائي 275/ 8 - 5507، والحاكم في المستدرك ج 2 ص 310، ح 3115، وقال: صحيح الإسناد. والبيهقى فى شعب الإيمان 457/ 2 ح 2390 وعبد الرزاق 84/ 2، ح 2579. والحارث بن أبي أسامة، في بغية الباحث 195/ 1 ح 53.
12 (1/12)
صفحة 13
التنبيه الثاني
اقترح علي كثير من المشايخ والإخوان - جزاهم الله خيرا - توسعة بعض المسائل الواردة في "الجُهد" نظراً لاختصارها السابق، وحاجة الناس إلها، مع إضافة بعض المسائل المهمة؛ كما أشرت إلى ذلك أنفا، فاستعنت بالله على ذلك، ولذا فإنك ستجد اختلافا واضحًا بين هذه الطبعة وما قبلها، مع الأخذ في الاعتبار أنَّ الزياداتِ حسب مناسبتها، فبعضها في صُلب المسائل، وبعضها في الحواشي، وقد تطول الحاشية لما فيها من فوائد مهمة ومناقشة علمية مفيدة لا بد منها، وحفاظا مني على بقاء النص الأصلي على هيئته، وخصوصا إن كان نقلا، تأدبا مع صاحب النص المنقول عنه؛ كي لا أبتر عليه تسلسل كلامه، وإنني أَقْبَلُ أيَّ اقتراح أو نصيحة أو ملاحظة، من أي أحدٍ من القُراء؛ سواءً أكانت موضوعيةً أم فنية، والله أسأله التوفيق والهداية، وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين، والحمد
لله رب العالمين.
6
13 (1/13)
صفحة 14
مقدمة الكتاب
مِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ للهِ الذي استخلص الحمدَ لنفسه، و استوجبه على جميع خلقه، الذي ناصيةُ كلّ شيءٍ بيده، ومصير كل شيء إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ شرع لعباده الأحكام، وبين الحلال والحرام، فحكم على الجناة المخطئين بالعقل، (1) وعلى العامدين بالقصاص والقتل، وأشهد أنَّ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي العربي المكي المدني عبد الله ورسوله بعثه الله بالحق رحمة للعالمين وسراجا للمهتدين وإماما للمتقين فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الغمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
صل الله
أمَّا بعد: فإنه لما ابتليتُ بأمور القضاء والأحكامِ بين الناس؛ في مشاكل هذه الحياة الفانية؛ وكان مما كثرت فيه الدعاوى بين الناس؛ وبصفة كثيرة جدا (الدِّمَاء) (2)؛
1 - العقل لغة المنع، واصطلاحا الدية؛ وهو المراد به هنا، مأخوذ من عقل الناقة) وهو ربطها؛ أي منعها عن الذهاب، وأصله أنَّ القاتل يجمع الدية من الإبل فيعقلها بفناء أولياء المقتول أي يشد ربطها بمكانهم وفي ملكهم تبرءا من الواجب الذي عليه لهم. 2 - جمعُ دمٍ أصلُه دَمَيَّ وتثنيته دَمَان ودَمَيَان والجمع أيضا دُمِيٌّ بضم الدال وكسر الميم وتشديد الياء مضمومة وقطعته دَمَةٌ، وهو هنا عبارة عن الجسد كله، ما فيه دم وما لا دم فيه؛ من باب تسمية الكل باسم الجزء، فإن الدم جزء من جملة الجسد وله مزيد اختصاص ومزية؛ لأنَّ الجسد باق بالدم، وهو يشمل القتل وما دونه، من جروح وأثر وزوال منفعة، ويُعبر به عن المضرة المطلقة
18 (1/14)
صفحة 15
(1)
من ديات وأروش (1) وما يتبعها من أحكام.
ولفرطِ جهلي وقِلَّةِ حفظي وركاكة فهمي وعدم اجتهادي؛ ألجأتني الحاجة إلى جمع نموذج من مسائل الديات، وأحكام الأروش؛ لأستعين بذلك على معرفة بعض تلك الأحكام، ولعَلَّ شيئا منها يَعْلَق بذهني، ويستوعبه، قلبي لا ليكون تأليفا ولا تصنيفا ولا بحثا؛ لأنني لستُ لذلك أهلا، بل لم أقرب من ذلك.
وأسأل الله العلي القدير أن يَمُنَّ عَلَيَّ بالتوفيق، ويُعينني على ذلك، إنه كريم رحيم، وأسأله أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأستغفره وأتوب إليه مما زاغ به البصر، أو زل به القدم، أو طغى به القلم، أو دعا إليه داعي الشيطان؛ من كل ما علمته أو جهلته؛ من قول أو فعل أو اعتقاد عمدا أو خطأ أو سهواً أو نسيانا من كل صغير أو كبير.
وأعتقد السؤال لأهل العلم والرجوع إلى الحق، وأسأله الثبات على الدين القويم والصراط المستقيم، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير، نِعْمَ المولى ونعم النصير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله وسلم على سيدنا
محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبارك عليه وعليهم أجمعين.
وقد جعلته على ثلاثة فصول وخاتمة، وكل فصل يشتمل على عدة مسائل في الموضوع، وفضَّلْتُ ذلك تقريبا للفهم؛ حيث إنّ كل مسألة تختص بمعيَّن، وقد تتفرع منها مسائل أخرى، لا بد من ذكرها معها، وقد يتعلق بعضها ببعض؛ لما في
في الجسد، ويطلق على القصاص والدية، انظر: شرح النيل" الْكِتَابُ التَّاسِعَ عَشَرَ فِي الدِّمَاءِ " ج 14 ص 263 ط جدة. وشمس العلوم لنشوان بن سعيد الحميري ج 1 ص 161. 1 - سيأتي تعريفها في الفصل الثالث إن شاء الله تعالى.
15 (1/15)
صفحة 16
ذلك من التداخل في الحكم مع ذكر الأدلة الشرعية فيها قدر المستطاع؛ لأنَّ الدليل هو المرجع لصحة الحكم مهما، وجد، أما أقوال أهل العلم فإنَّها وإِن جَلَّ قائلها فمحتاجة إلى الدليل، ورحم الله العلامة أبا يعقوب الوارجلاني ه (1) إِذْ قال لما زار المدينة المنوّرة ووصل قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم: " كلٌّ في مقاله ما هو مقبول وما هو مردود إلا صاحب هذا القبر." (2) يعني بذلك المعصوم، والله در العلامة السالمي إذ قال رضوان الله عليه: -
-1
هو الشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي الوارجلاني من أهل وارجلان وادٍ بأرض المغرب ارتحل في شبابه إلى الأندلس وسكن قرطبة وفيها حصل على علوم اللسان والحديث صنف في أصول الفقه "العدل والإنصاف" في ثلاثة أجزاء وكتاب "الدليل والبرهان" في أصول الدين وفسّر القرآن تفسيرا كبيرا فائقا جمع فيه من العلوم ما لم يذكره غيره توفي عام 570 ه ه ينظر مقدمة الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع نشر مكتبة الاستقامة ط 1 - 1415 هـ 1995 م ومقدمة "الدليل والبرهان"
1 - هذه المقولة التي تمثل بها العلامة الوارجلاني له، رويت عنه أيضا بنص "لا تقليد إلا لصاحب هذا القبر، وأما الصحابة فهم أولى بالإتباع لعهدهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما التابعون فهم رجال ونحن رجال" وهي مقولة جميع العلماء العاملين قبله وبعده العارفين بمنازلهم وغيرهم، المعطين كل ذي حق حقه، حتى كادت أن تكون إجماعا يتمثل بها جميع علماء الأمة العاملين، من عهد الصحابة وإلى وقتنا هذا، فقد روي عن أبي بكر الصديق له: " ما من عالم إلا وفي علمه مأخوذ ومتروك، ما خلا صاحب هذا القبر وعن ابن عباس له "ما من أحد إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر" والإمام مالك: "كلنا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر" والإمام الشافعي، "إذا رأيتم قولي يعارض قول الرسول صلى الله عليه وسلم فاضربوا بقولي عرض الحائط والإمام الرباني جاعد بن خميس الخروصي ه: "وإياك أن تلتفت إلى من قال بل إلى ما قال"، والإمام الرباني سعيد بن خلفان الخليلي ه، "ومن العجب أنْ أنُصَّ لك عن رسول الله الا الله وأنت تعارضني بعلماء بيضة الإسلام، بغير دليل ولا واضح
16 (1/16)
صفحة 17
حسبك أن تتبع المختارا وإن يقولوا خالف الآثارا (1)
نقدم الحديث مهما جاءا على قياسنا ولا مراءا (2)
فنحن حيث أمر القرآن .... لا حيث ما قال لنا فلان (3) ولا تناظر بكتاب الله .... ولا كلام المصطفى الأواه
سبيل، أليس هذا في العيان نوعاً من الهذيان؟!! "، والنور السالمي في عدة مواطن، كما ترى، وقال الامام العادل والخليفة الراشد العلامة المحقق والبحر المدقق محمد بن عبدالله الخليلي " و كل قول يخالف الكتاب والسنة فهو مردود وإن جل قائله، وما وافقهما فهو المعتمد" والعلامة المحقق الخليلي أحمد بن حمد بن سليمان المفتي العام للسلطنة حفظه الله كثيرا ما يتمثل بذلك.، ومن جملة ما قال: ولا عبرة بقول قائل يخالف الحديث الصحيح، فالسنة حُجة على غيرها و لا يكون غيرُها حُجةً عليها" والأمثلة على ذلك كثيرة جدا. ومعنى ذلك: أنه لا عصمة إلا للمعصوم. فعلى سبيل المثال انظر: الفتح الجليل ص 361، وتمهيد قواعد الايمان ج 3 ص 514 - 515 فما بعدها، وص 417 وص 509 وص 513. {الباب السادس في الأذان والإقامة والتوجيه وتكبيرة الإحرام ط 1 تحقيق حارث البطاشي، والدليل والبرهان للوارجلاني ج 1 ص 80. والعدل والإنصاف ج 1 ص 6، وتنوير العقول لابن أبي نبهان ص 250، وأضواء البيان للشنقيطي ج 7 ص 369 تفسير سورة محمد، وتفسير ابن كثير المقدمة ج 1 ص 54 وفضائل القرآن له ج 1 ص 163، والألوسي تفسير قوله تعالى: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً 92، من سورة يونس، ج 11 ص 188، والسخاوي المقاصد الحسنة، ج 1 ص 516 ح 815، والعجلوني كشف الخفاء ج 2 ص 119، والمعارج لنور الدين السالمي.
1 - جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام تأليف الإمام نور الدين السالمي باب الوقف.
2 - جوهر النظام السابق. كتاب أصول الفقه.
- جوهر النظام السابق.، باب أحكام العدد.
17 (1/17)
صفحة 18
معناه لا تجعل له نظيرا .... ولو يكون عالما خبيرا (1)
وقال:
وربما أخالف المشهـ
وقال:
ـورا .... وأذكرن مالم يكن مذكورا
لأنني أقفو الدليل فاعلـ ـما .... لم اعتمد على مقال العلماء
فالعلماء استخرجوا ما استخرجوا ..... من الدليل وعليه عرجوا
فہم رجال وسواهم رجـ ــل .... والحق ممن كان حتما يقبل ـل ..... يقصده من لهم التحصيل
فمورد الكل هو الدليـ
ونأخذ الحق متى نراه ... لو كان مبغض لنا أتاه والباطل المردود عندنا ولو ... أتى به الخل الذي له اصطفوا (3)
والأصل للفقه كتاب الباري إجماع بعد سنة المختار والاجتهاد عند هذي منعا وهالك من كان فيها مبدعا (4)
حد أصول الفقه علم يقتدر .... به على استنباط أحكام السور
(2)
4 - جوهر النظام السابق كتاب أصول الدين.
2 - جوهر النظام؛ السابق، ج 4 باب الدعاء.
- نور الدين السالمي منظومة كشف الحقيقة. 4 - أنوار العقول منظومة في التوحيد لنور الدين السالمي.
18 (1/18)
صفحة 19
وسنة الرسول والإجماع ..... كذلك القياس مع
نزاع
ومذهب الجمهور أهل العلم .... أن القياس مثبت للحكم
وهو الصحيح لورود النص ..... منبها عليه أو مستقصـ
فالفصل الأول في جناية العمد وأحكامها وفيه بضع وثلاثون مسألة.
والفصل الثاني في حكم الخطأ وما يتبعه من ديات وغيرها، وفيه بضع وثلاثون
مسألة.
والفصل الثالث في الجروح والأروش وأحكام ذلك وفيه عشرون مسألة.
أمَّا الخاتمة فتشتمل على عدة مسائل أيضا؛ في أحكام السفن البرية والبحرية والجوّيَّة ونُظْمِ السَّيْر، وجرح العجماء، والمعدن، والبئر.
ثم هنالك ملاحقُ مهمة لا بد منها ستجدها بإذن الله تعالى آخر الكتاب، فاشدد بها يدا، وتأمل الجميع تأملا متجردا منصفا، والله يوفق الجميع لما فيه خير الدنا والآخرة، إنه سميع مجيب
ومَن وجد فيه عيبا أو خللا أو خلافا للحق فأرجو أن يُبَيِّن لي ذلك، والرجوع إلى الحق واجب عليَّ وعلى كل مسلم، أسأل الله العافية؛ مِنْ كُلِّ ما يخالف رضاه وطاعته، وسميته "جهد المقل."
1 - نور الدين السالمي (شمس الأصول ألفيَّة نظميَّة في علم أصول الفقه شرحها المؤلف رحمه الله في مجلدين سماه "طلعة الشمس" أنظر الطلعة ج 1 ص 18 ط التراث.
19 (1/19)
صفحة 20
وصلى الله على سيدنا محمد النبي؛ عبد الله ورسوله وآله وصحبه أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. حرره العبد الفقير إلى عفو ربه / زهران بن
ناصر بن سالم بن حمد بن سعيد البراشدي بيده الموعودة بالفناء. (1/20)
صفحة 21
الفصل الأول في جناية العمد، وفيه مسائل
المسألة الأولى الأصل في العمد القصاص)
إعلم أنَّ الأصل في جناية العمد القصاص؛ سواء أكانت الجناية متلفة للنفس أم لا. والجناية مصدر جنى يجني جنايةً، أي: أذنب ذنبا، وهو ما يفعله الإنسان مما يوجب عليه القصاص، أو التعويض بجبر الضرر للمضرور، وجنى فلان جناية أذنب ذنبا يؤاخذ به، وهو جان وجمعه جُناة، وجمع جناية جنايات (1) وتَجَنَّى فلانٌ عليَّ ذنبا إذا تقوله عليَّ وأنا برئ منه وفلان يجاني على فلان، أي: يتجنّى عليه. والجنى: الرُّطَب والعسل، وكل ثمرة تجتنى فهو جنى مقصور والاجتناء أخذك إيَّاه، وهو جنى ما دام طريا. ويقال: إنك لا تجني من الشوك العنب"
2
1 - انظر: لسان العرب لابن منظور ج 54/ 14 فما بعدها والمعجم الوسيط ج 141/ 1 فما بعدها وترتيب القاموس للأستاذ الطاهر أحمد الزاوي مفتي الجمهورية الليبية سابفاج 544/ 1.
2 - وقد روي مرفوعا من طريق ابن عباس عنه: "سيكون بعدي قوم من أمتي يقرؤون القرآن ويتفقهون في الدين يأتيهم الشيطان، فيقول: لو أتيتم السلطان فأصلح من دنياكم، واعتزلتموهم بدينكم، ولا يكون ذلك، كما لا يجتنى من القتاد إلا الشوك كذلك لا يجتنى من قربهم إلا الخطايا" فوائد الدقاق أبو الحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ الحُسَيْنِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ هَارُوْنَ البَغْدَادِيُّ الدَّقَّاقُ المعروف بِابْنِ أَخِي مِيْمِي (المتوفى: 390 هـ) تحقيق: نبيل سعد الدين جرار الناشر: دار أضواء السلف، الرياض [ضمن سلسلة مجاميع الأجزاء الحديثية (5)] الطبعة الأولى، 1426 هـ - 2005 م ج 1 ص 180 ح 361. فيض القدير للمناوي 4778 "كنز العمال رقم 28988 - ابن عساكر في تأريخ دمشق 64 ص 314، عن ابن عباس 189/ 10 والسيوطي الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير (2) 158) 6960 الزمخشري ربيع الأبرار. ج 5 ص 168 الباب الثاني والثمانون الملك والسلطان، والإمارة والبيعة، والخلافة وذكر الولاة وما يتصل بهم من الحُجَّاب، وغير ذلك.
21 (1/21)
صفحة 22
والمعنى: " لا يصح ولا يستقيم الجمع بين الأمرين؛ لما مرَّ أنَّ مثل هذا النفي مستلزم لنفي الشيء مرتين تعميما وتخصيصا ثم ضرب به مثلا بقوله (كما لا يجتني من (القتاد شجر له شوك (إلا الشوك كذلك لا يجتني من قربهم إلا الخطايا قال الطيبي: شبه التقرب إليهم بإصابة جدواهم ثم الخيبة والخسارة في الدارين يطلب الجني من القتاد فإنه من المحال لأنه لا يثمر إلا الجراحة والألم وكذا من ركن إليهم * ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار * والاستثناء من باب قوله: وبلدة ليس بها أنيس * إلا اليعافير وإلا العيس وأطلق المستثنى من جنس المضرة أي لا يجدي إلا مضار الدارين ويدخل فيه الخطايا أيضا انتهى.
وقال الزمخشري: النهي متناول للانحطاط في هواهم والانقطاع إليهم وذكرهم بما فيه تعظيمهم، ولما خالط الزهري السلاطين كتب إليه أخ في الدين: عافانا الله وإياك من الفتن أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يرحمك أصبحت شيخا كبيرا أثقلتك نعم الله بما فهمك الله من كتابه وعلمك سنة نبيه وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خربوا عليك انتهى. والناس في القرآن أقسام قوم شغلوا بالتردد على الظلمة وأعوانهم عن تدبره وقوم شغلوا بما حبب إليهم من دنياهم وقوم منعهم من فهمه سابق معرفة آراء عقلية انتحلوها ومذاهب حكمية تمذهبوا بها فإذا سمعوه تأولوه بما عندهم فيحاولون أن يتبعهم القرآن لا أن يتبعونه وإنما يفهمه من تفرغ من كل ما سواه فإن للقرآن علوا من الخطاب يعلو على كل القوانين علو كلام الله على كلام خلقه. المناوي؛ فيض القدير (172/ 4) وانظر: الكشاف (432/ 2، تفسير قوله تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (113) من سورة هود شرح النيل للقطب اطفيش (256/ 16) ط جدة. فقد قال ما نصه: وقد قال الله تعالى وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا والنهي المجرد للحظر وزاد بأن قال: فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) وفسر أبو العالية الركون في قوله تعالى (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا بالرضى بأعمالهم. وقال السدي و ابن زيد هو مداهنتهم. وقال عكرمة طاعتهم. والتحقيق: أن النهي متناول للانحطاط في هواهم والانقطاع إليهم ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم والرضى بأعمالهم والتشبه بهم والتزيي بزيهم، ومد العين إلى زهرتهم، وذكرهم بما فيه تعظيم لهم، وتأمل كيف عظم أمر الركون إذ قال وَلَا تَرْكَنُوا) فإن أدنى ميل يسمى ركونا، وإذ قال: إلَى الَّذِينَ
22 (1/22)
صفحة 23
ظَلَمُوا فعبر بالفعل ولم يقل الظالمين، ليدل على أن أدنى ظلم ولو مرة حرام، فكيف الركون إلى الراسخ في الظلم؟ وكيف الميل إليه كل الميل فكيف الظلم الراسخ نفسه؟ صلى الموفق خلف إمام فقرأ هذه الآية فغشي عليه ثم أفاق فقيل له فقال هذا فيمن ركن إلى من ظلم فكيف بالظالم؟ وعن الحسن جعل الله الدين بين لاءين؛ لا تطغوا، ولا تركنوا، ولا يبعد أن الآية أبلغ نهي في الظلم إذ حرم أدنى ميل إلى أدنى ظلم وأوجب عليه النار. وعن الفضيل بن عياض: لو أنَّ رجلا لا يخالط هؤلاء السلاطين ولا يزيد على الفرائض فهو أفضل من رجل يخالط السلطان ويصوم النهار ويقوم الليل ويحج ويجاهد.
وعن الحسن: لا يزال يد الله على هذه الأمة ما لم يعظم أبرارُهم فجارَهم، وما لم يرفق خيارهم بشرارهم، وما لم يمل قراؤهم إلى أمرائهم، فإذا فعلوا ذلك رفع الله عنهم البركة، وسلط عليهم جبابرتهم، وقذف في قلوبهم الرعب، وأنزل عليهم الفاقة.
وعن عيسى عليه السلام يا معشر العلماء كما أن الملوك تركوا الحكمة عندكم فاتركوا ملكهم عندهم، وعن الحسن أنه مر على باب ابن هبيرة فرأى قوما من القراء فقال ما ظنكم بهؤلاء الجرباء ليس هذا من مجالس الأتقياء وعنه صلى الله عليه وسلم إياكم وجيران الأغنياء وعلماء الأمراء وقراء الأسواق.
وذكروا أن عيسى بن موسى لقي ابن شبرمة فقال له: ما لك لا تأتينا؟ قال: وما أصنع بإتيانك، إن قربتني فتنتني، وإن أبعدتني أذيتني ولا عندي ما أخافك عليه، ولا عندك ما أرجوك له. وعن ابن عباس اجتنبوا أبواب السلاطين فإنكم لا تصيبون من دنياهم شيئا إلا أصابوا من آخرتكم ما هو أفضل.
وقال بعض المتقدمين: دخولك على الملوك يدعوك لثلاثة؛ إيثارك رضاهم، وتعظيمك دنياهم، وتزكيتك عملهم.
قال ابن مسعود: إنَّ الرجل ليدخل على السلطان ومعه دينه، فيخرج ولا دين له، لأنه يرضيه بسخط الله، قال بعضُهم ما دخلت قط على السلطان إلا وحاسبت نفسي بعد الخروج، فأرى عليها الدرك، وأنا أغلظ عليه وأخالف هواه، ولوددت أني أنجو من الدخول كفافا، مع أني لا أخذ منهم شيئا، ولا أشرب لهم شربة ماء. وعن الضحاك إني لأتقلب الليل كله على فراشي ألتمس كلمة أرضي بها السلطان ولا أسخط بها ربي، فما أقدر عليها .. " انتهى المراد منه.
23 (1/23)
صفحة 24
ويقال: هذا جناي. وجَنَةَ الرَّجلُ يجنأُ جُنُوءاً، إذا أكبَّ على شيء. ومنه الحديث:
"فرأيتُ الرجل يجناً على المرأة؛ يقيها الحجارة " أي: يجافي عنها الحجارة.
1 - انظر: العين للخليل الفراهيدي؛ مادة (جنا) ومادة (جني) وانظر: المسألة الأولى من الفصل الثاني، وضم الجميع معا تحصل الفائدة بإذن الله. والحديث أخرجه الامام الربيع بن حبيب في الجامع الصحيح ح 607 ونصه: "أبو عبيدة عن جابر عن ابن عمر قال: إنَّ اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أنَّ رجلاً منهم وامرأة زنيا، فقال لهم: "ما تجدون في التوراة في شأن الرجم"؟ فقالوا: نفضحهما، ويجلدان. فقال لهم عبدالله بن سلام: كذبتم إنَّ فيها للرجم آية، فائتوا بالتوراة فاتلوها، قال: فأتوا بها ونشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له ابن سلام: إرفع يدك فرفع يده، فإذا آية الرجم، تتلألأ، فقالوا صدق، يا محمد فيها آية الرجم. فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما، قال ابن عمر: فرأيت الرجل يجافي على المرأة يقيها الحجارة" وأخرجه البخاري في صحيحه بعدة ألفاظ منها: عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنَّ اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تجدون في التوراة في شأن الرجم فقالوا نفضحهم ويجلدون فقال عبد الله بن سلام كذبتم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له. الله عبد بن سلام إرفع يدك، فرفع يده فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما قال عبد الله فرأيت الرجل يجنأ على المرأة يقيها الحجارة" ح 3436. وفي لفظ آخر له: " عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ قَدْ زَنَيَا فَقَالَ لَهُمْ كَيْفَ تَفْعَلُونَ بِمَنْ زَنَى مِنْكُمْ قَالُوا نُحَمِّمُهُمَا وَنَضْرِبُهُمَا فَقَالَ لَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ فَقَالُوا لَا نَجِدُ فِيهَا شَيْئًا فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ كَذَبْتُمْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَوَضَعَ مِدْرَاسُهَا الَّذِي يُدَرِّسُهَا مِنْهُمْ كَفَّهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ فَطَفِقَ يَقْرَأُ مَا دُونَ يَدِهِ وَمَا وَرَاءَهَا وَلَا يَقْرَأُ آيَةَ الرَّجُمِ فَنَزَعَ يَدَهُ عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَالُوا: هِيَ آيَةً الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ حَيْثُ مَوْضِعُ الْجَنَائِزِ عِنْدَ الْمَسْجِدِ، فَرَأَيْتُ صَاحِبَهَا يَحْنِي عَلَيْهَا يَقِيهَا الْحِجَارَةَ (ح) 4280، وفي لفظ: " عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ أُتِيَ
24 (1/24)
صفحة 25
والقصاص بكسر القاف القودُ والمماثلة ومنه المقص لتساوي أطرافه مأخوذ من قص الأثر وهو اتِّباعُه فكأنَّ القاتل سلك طريقا فقُصَّ أثره، والقص القطع، يقال قصصت ما بينهما بمعنى قطعت، وأقصَّ الحاكم فلانا من فلان إذا حكم له بالقصاص منه فجرحه مثل جرحه أو قتله قودا (1) وصورته: أنَّ القاتل فُرض عليه إذا أراد ولي الدم (2) القتل: الاستسلام والانقياد لقصاصه المشروع له، وأنَّ الوليَّ فُرض عليه الوقوفُ عند الجاني، وترك التعدي
رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِيَهُودِي وَيَهُودِيَّةٍ قَدْ أَحْدَثَا جَمِيعًا، فَقَالَ لَهُمْ مَا تَجِدُونَ فِي كِتَابِكُمْ قَالُوا: إِنَّ أَحْبَارَنَا أَحْدَثُوا تَحْمِيمَ الْوَجْهِ وَالتَّجْبِيهَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ادْعُهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِالتَّوْرَاةِ فَأُتِيَ بِهَا فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجُمِ وَجَعَلَ يَقْرَأُ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا فَقَالَ لَهُ ابْنُ سَلَامٍ ارْفَعْ يَدَكَ فَإِذَا آيَةً الرَّجْمِ تَحْتَ يَدِهِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَرُجِمَا، قَالَ ابْنُ عُمَرَ فَرُجِمَا عِنْدَ الْبَلَاطِ، فَرَأَيْتُ الْيَهُودِئَ أَجْنَا عَلَيْهَا (ح) 6433 وله فيه ألفاظ أخر أيضا، (ح) 6450 (ح) 6901 (ح) 7104 و مسلم ح 1699، وأبو داود ح 4446 و 4449 والترمذي ح 1436 وابن ماجة ح 2556 وغيرهم.
1 - اللسان 76/ 7 والمعجم 739/ 2 فما بعدها وترتيب القاموس 633/ 3. 2 - ولي الدم الوارث وهو: كل من يجمعه والقتيل جد واحد؛ من قبل الأصل أو الفرع، والزوج والزوجة على الصحيح، كما ستجده في موضعه إن شاء الله .. وترتيبهم على حسب القرابة في العصوبة، الأقرب فالأقرب، قال العلامة البسيوي في الجامع: "والذي يطلق زوجة المفقود هو: ولي الدم، أولى بذلك أبوه ثم الأقرب فالأقرب ومن يلي الميراث .. " الجامع لأبي الحسن البسيوي ج 3 ص 1717 تحقيق بابزير ط الأولى، وللنور السالمي: " ... وَقِيلَ: الأولى أحقُّ الناس بدمه، وذَلِكَ الأب، ثُمَّ الابن، ثُمَّ ابن الابن وإن سفَل، ثُمَّ الْجدُّ وإن علا، ثُمَّ الأخُ للأب والأم، ثُمَّ الأخُ للأب، ثُمَّ ابن الأخ للأب والأم، ثُمَّ ابن الأخ للأب، ثُمَّ الأعمام وابن ابن الأخ وإن سفل أولى من العم وَقِيلَ: الابن أولى من الأب .. " المعارج الجنائز، "المسألة التاسعة فيمن أولى بالصلاة عَلَى الميت ج 4 ص 144 - 145. ن مكتبة نور الدين السالمي بدية ط 1 ذات 5 مجلدات، وانظر: الثميني التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم
25 (1/25)
صفحة 26
ج ه "الباب الخامس عشر في الأولياء" ص 71 ن التراث، ط 1. ومنهم من يرى تقديم الفرع قبل
صلے
،1.63
الأصل وذلك: أنَّ أُولى العصبات الابن؛ لقوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمْ) (11) النساء. وبدأ الحق بالأولاد؛ لأنَّ العرب تبدأ بأولادهم، ولأنَّ الله تعالى أسقط به تعصيب الأب؛ لقوله تعالى: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ) وإذا سقط به تعصيب الأب فغيره أولى؛ لأنه إِمَّا مُدْلٍ بالابن أو بالأب، ثم ابن الابن بعد الابن وإن سفل كالابن، في سائر الأحكام، ثم الأب؛ لأنه يعصبه، وله الولاية عليه بنفسه، ومن عداه يدلي به، فقدم لقربه ثم الجد أبو الأب وإن علا .. " انظر كفاية الأخبار في غاية الاختصار، لتقي الدين أبي بكر بن محمد الحسيني الدمشقي الشافعي، ج 2، ص 20 - 21 و، كتاب النكاح، للإمام أبي زكريا يحيى بن الخير الجناوني ص وشرح قانون الأحوال الشخصية لمبارك الراشدي ص. 30، قال العلامة الشقصي: فأول العصبات، الابن وابن الابن وإن سفل، ثم الأب، ثم الجد أبو الأب، ثم أبوه، ثم أبوه وإن علا، ثم الإخوة من الأب والأم، ثم الإخوة من الأب ثم بنو الإخوة للأب وألأم. ثم بنو الإخوة للأب ثم بنوهم. على ما أصلنا وهكذا منهج الطالبين العلامة خميس بن سعيد الشقصي الرستاقي ق 11 هـ المواريث ج 20 ص 27 ط التراث "القول الرابع في ميراث العصبات" قال بن أبي نبهان: "وأجمعوا على التعصيب في الميراث وأنَّ أول العصبة الابنُ ثم ابن الابن ثم الأب ثم الجد أب الأب وإن علا ثم الأخوة الخالصون، والأخوات الخالصات، وفي ذلك اختلاف مع الجد كما ذكرناه، ثم الإخوة والأخوات [من الأب]، ثم بنوا الأخوة الذكور وإن سفلوا، ثم الأعمام الذكور وبنوهم الذكور تنوير العقول في علم قواعد الأصول لابن أبي نبهان العلامة الرباني ناصر بن جاعد بن خميس بن مبارك بن يحيى بن عبد ناصر بن محمد الخروصي أبو محمد، ولد سنة 1192 هـ، في قرية "العلياء" من وادي بني خروص، وهي آخر قرى الوادي للقادم من جهة ولاية العوابي، وتقع أسفل الجبل الأخضر، له كثير من المؤلفات في شتى فنون العلم، توفي سنة 1263 هـ. انظر ترجمته في الكتاب المذكور. وانظر: مختصر البسيوي، المواريث، وشرح النيل ج 15 باب الفرض والتعصيب. وستأتي أحكام ولي الدم في مواضعها إن شاء الله تعالى.
الله
بن
26 (1/26)
صفحة 27
على غيره. (1)
والقود بالتحريك القصاص، وقتل النفس بالنفس، وقد استقدتُه فأقادني وأقدت القاتل بالقتيل قتلته به. (2)
وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، أمَّا الكتابُ فقوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْخَرُ بِالْخَرَ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِبَاعُ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنِ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ = أي فُرِضَ عليكم القصاص فيما بينكم في
178
القتل العمد العدواني، وقوله: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ يَأْأُوْلِي الْأَلْبَبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (سورة البقرة. وقوله جل شأنه: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوَلَنَبِكَ هُمُ الظَّلِمُونَ) المائدة. وأما السنة فقوله ل:" مَنْ
اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا قَتْلًا عَنْ بَيِّنَةٍ فَإِنَّهُ قَوَدٌ إِلَّا أَنْ
-1 الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 245/ 2.
2 - اللسان ج 372/ 3 فما بعدها والمعجم لابن فارس 2/ 765 فما بعدها، وترتيب القاموس مع
بعض تصرف في الجميع مادة " قود".
27 (1/27)
صفحة 28
يَرْضَى أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ ... (1)
والاعتباط: القتل بلا جناية من المجنى عليه، ولا جريرة توجب قتله، وقوله صلى الله عليه وسلم: " مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا دُفِعَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوا، وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ. (2) وقوله:" مَن أُصِيبَ بِدَمٍ أو خَبَلٍ فَهُوَ بِالخِيارِ بَينَ إحدَى ثَلاثٍ، فَإِنْ أرادَ الرَّابِعَةَ فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ؛ بَينَ أنْ يَقتَصَّ أَوْ يَعفُوَ أَو يَأْخُذَ العَقْلَ، فَإِنْ قَبِلَ شيئًا مِنْ ذلِكَ ثُمَّ عَدَا بَعدَ ذلِكَ فَلَهُ النَّارُ خَالِدًا فِيهَا مُخَلَّدا. (3)
1 - جزء من حديث عمرو بن حزم في الدماء الذي وجهه به إلى أهل اليمن. أخرجه النسائي عن الزهري مرسلا 7058/ 4 و 7060، وفي المجتبى 57:58/ 8 وأخرجه موصولا ابن خزيمة وابن حبان في صحيحه 559/ 14 والحاكم في مستدركه 1446/ 1 وابن الجارود والبيهقي في سننه الكبرى ج 4 ح 7047 والبغوي في شرح السنة رقم 2538 والدارمي في سننه 2353 و 2365 والطبراني في الأحاديث الطوال،25، 56، 313،310، وصححه جماعة من أئمة الحديث منهم أحمد والحاكم وابن حبان والبيهقي، وابن عبد البر في التمهيد 33/ 17 - 339 وابن ابي عاصم في الديات وغيرهم، وانظر تخريجه في كتاب الديات للقاضي الإمام أبي بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الأصبهاني ح 142 ص 300 فما بعدها تحقيق عبد المنعم زكريا ط 1 سنة 1424 هـ 2003 م نشر دار الصميعي.
2 - رواه الترمذي في الديات ح 1413 والبخاري وابن ماجة في الديات ح 2659 والنسائي وانظر المسألة السابعة عشرة من هذا الفصل في قتل شبه العمد حديث صاحب النسعة.
- أحمد ح 16735 والترمذي والنسائي وابن ماجه 2623 وأبو داود ح 6 449 مع معالم السنن للخطابي إعداد وتعليق عبيد الدعاس وعادل السيد ط 1 الناشر دار ابن حزم، والدارقطني 3 ص 96 وابن الجارود / المنتقى 774/ 1 والدارمي السنن 2351/ 2 والبيهقي السنن الكبرى 8 ص 52 وابن أبي عاصم، الديات ص 243 - 245. ح 98 مع تخريجه فيه للمحقق، وغيرهم.
28 (1/28)
صفحة 29
(1) "
وقوله صلى الله عليه وسلم: " من قُتِل لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيرِ النَّظَرَينِ إِمَّا أنْ يُودَى وإمَّا أَنْ يُقَاد." و أمَّا الإجماع فإجماع الأُمَّة على القصاص من الجاني العامد، إلا ما استثني من القصاص كما سيأتي في محله إن شاء الله تعالى، أو رضيَ المجني عليه بالدية وعفا عن القصاص أو عن الأمرين معا؛ بأن عفا عن القصاص وعن الدية معا واختار ما عند الله من الثواب، بدليل قوله تعالى: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ
صلے
في الْقَتْلَى الخَرُ بِالْحَرَ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِبَاعٌ
بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَن ... ) (178) سورة البقرة.
وقوله صلى الله عليه وسلم: " فإنه قود إلا أن يرضى أولياء المقتول." الحديث.
وقوله:" .. أو يعفو أو يأخذ العقل." الحديث.
والحكمةُ
من مشروعية القصاص بقاءُ الحياة البشرية، والمحافظة على الأمن والأمان، والأخذُ على يد الظالم؛ دفعا للظلم، قال تعالى في محكم كتابه العزيز: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوةٌ} (البقرة (179)
1 - جزء من حديث رواه البخاري في باب كتابة العلم ح 6486 وفي الديات ح 6880 وفي اللقطة ح 2434 ومسلم في الحج ح 1355 باب تحريم مكة و 3292 والترمذي في السير ح 1405 والعلم ح 2669 وابن ماجه 2/ 2624 و 3109 والنسائي في الحج؛ ح 2877 والقسامة ح 4799 - 4801 وأبو داود في المناسك ح 2017 وفي الديات ح 4505 وفي العلم ح 3649 و 3650 وابن أبي عاصم في الديات ح 96 وغيرهم. وانظر: تخريجه في ابن أبي عاصم المرجع السابق ص 239 - 242، وراجع فتح الباري 213/ 12 ط دار الريان.
29 (1/29)
صفحة 30
وذلك لأنَّ الإنسان إذا عَلِمَ بأنه سيُقتَل لو قَتَل غيره؛ فإنه يكف - عن القتل وأسبابه - هو ومن أراد قتله، وكذلك فيما دون النفس؛ إذا علم بأنه مؤاخذ بالقصاص فيكف عن الأذى، وبه تسلم النفس البشرية وتستقر النفوس ويكون الأمان ويرتفع الظلم.
وقد كان ينسب إلى العرب أنها قالت قبل الاسلام: "القتل أنفى للقتل" وروي أيضا قول الشاعر: بسفك الدما يا جارتا تُحقن الدما ... وبالقتل تنجو كل نفس من القتل. (2)
-1 - هذه المقولة كثيرا ما ترد مع الكُتَّاب والمؤلّفين، وينسبونها للعرب، وقد نفاها كثير من علماء العربية، أن تكون عربية الأصل، ويميلون أنها فارسية معربة، وهي تخالف تماما العربية الرصينة، في مبناها ومعناها، وحتى لا أطيل عليك انظر: هيميان الزاد للإمام القطب محمد بن يوسف اطفيش ج 2 ص 492 فإنه ذكر وجوها كثيرة تتميز بها الجملة القرآنية: {فِي الْقِصَاصِ حَيَوةٌ) عن مقولة العرب "القتل أنفى للقتل" وكذا السيوطي في الإتقان ج 2 ص 108 - 110 ط دار الكتب العلمية 1424 هـ والعلامة الخليلي المفتي العام للسلطنة في محاضرته الرد على النصراني المفتري. ومجلة «الثقافة السورية، بترقيم الشاملة (آليا تحت عنوان (قالته الفارسية وتنكره العربية) العدد 1 - بتاريخ: 5 - 4 - 1933. ووحي القلم لمصطفى صادق الرافعي ج 3 ص 785 - 794 ط دار ابن حزم ط 1
2 - ورد هذا البيت بلفظ: " يا جارتا " و "يا جارتي" ولكن الأولى فيما يبدو لي أفصح، فتكون الألف منقلبة عن ياء المتكلم تخفيفا لها عن الثقل؛ كقول الأعشى: يا جارتا ما أنت جارة، وقول امرئ القيس حين رأى قبر امرأة في سفح جبل عسيب الذي مات عنده: " أيا جارتا إن الخطوب قريب ... من الناس كل المخطئين تصيب ... أيا جارتا إنا غريبان ههنا ... وكل غريب للغريب نسيب "وقد ورد كثيرا بهذا اللفظ في الشعر الجاهلي، وروي بلفظ: أجارتنا) ويرد هذا البيت (بسفك الدما) كثيرا مع الكتاب (1/30)
صفحة 31
أنواع القتل
للقتل ثلاثة أنواع: عمد، وشبه عمد،
وخطأ.
والمؤلفين بغير نسبة، وينسبه بعضُهم لامرئ القيس، ويذكرون فيه قصة امرأة عربية جاءت لتُسْلِمَ مع النبي الله فمنهم من ينسبها أنها ابنة امرئ القيس، وأنها رفعت بيت الشعر إليه، وآخرون لا ينسبونها؛ وأنها سألت النبي الله عن الفصاحة؛ من أفصح ربك أم أبي ... ؟ إلخ. انظر على سبيل المثال: المصنف للشيخ العلامة الكندي أحمد بن عبد الله، المجلد 23 ص 152 النسخة المحققة الناشر وزارة الأوقاف بتحقيق باجو. ولم أعثر على هذه الحكاية في شيء من كتب الحديث، ولا السير، ولا التأريخ، ولا في شيء من أشعار امرئ القيس، وبعضهم عزاه إلى بعض المحدثين، ويميل آخرون إلى توليده، أو نحته من الآية القرآنية. وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوةٌ} (البقرة (179) وعلى هذا يكون وضعه متأخرا على نزول الآية الكريمة، وليس من الشعر الجاهلي، والعلم عند الله. انظر: الآداب السلطانية والدول الإسلامية (ص: (48) للفخري محمد بن علي بن طباطبا المعروف بابن الطقطقي (المتوفى: 709 هـ) المحقق عبد القادر محمد مايو الناشر: دار القلم العربي، بيروت الطبعة: الأولى، 1418 هـ - 1997 م، والانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية (2/ 656 لسليمان بن عبد القوي بن الكريم الطوفي الصرصري، أبو الربيع نجم الدين (المتوفى: 716 هـ):المحقق: سالم بن محمد القرني الناشر: مكتبة العبيكان - الرياض الطبعة الأولى، 1419 هـ، وإيثار الحق على الخلق؛ لابن الوزير، محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى بن المفضل الحسني القاسمي، أبو عبد ا الله، عز الدين اليمني (المتوفى: (840 هـ الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة الثانية، 1987 م؛ مجلة «الثقافة» السورية (38، بترقيم الشاملة آليا تحت عنوان قالته الفارسية وتنكره العربية؛ (القتل أنفى للقتل) للأستاذ محمد إسعاف النشاشيبي.
1 - ينظر: المدونة الكبرى ج 3 كتاب الديات ط الأولى 1428 هـ 2007 م / ن / وزارة التراث ص 230 فما بعدها. والجامع لابن بركة عبد ا الله بن محمد بن بركة البهلوي العماني أبو محمد من علماء ق 4 هـ ج 2/ 426، وجلاء العمى شرح ميمية الدماء للعلامة خلفان بن جميل السيابي البيت:
31 (1/31)
صفحة 32
أما العمد: فهو أنواع عدة منها الغيلةُ، والفتك، والغدر، والعقص، والنائرة. فأمَّا الغيلةُ: أن يُدعَى الإنسانُ لطعام أو حضور جماعة أو خير فيؤتى به وهو مطمئن؛ فيقتل خدعة من حيث لا يعلم ولا يشعر
والفتك أن يُؤتَى إليه في بيته أو مأمنه وهو غافل غير مستعد لا يدري أنه أريد به بأس فيقتل.
والغدرُ أنْ يُقتَل بعد الأمان.
والعقصُ: أن يُضرَبَ بحديدة فيموت مكانه، وتدخل فيه الأنواع السابقة.
والنائرةُ: أن يكون حقد وعداوة بين اثنين أو أكثر، فيقع القتل على أثر ذلك. فالغيلة والفتك والغدر، لا يصح العفو فيها؛ ولو عفا ولي الدم عن القاتل أو أخذَ منه الدية، وعلى الحاكم أنْ يَقتُله حدا ولا يسمع العفو فيه، بل ولا يصح لأحد أن يطلُبَ له العفو؛ لأنَّ حكمه حكم المحارب، وقد أوجب الله الحد على المحارب في قوله عز وعلا: (إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ تُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن
ثم الجنايات ثلاث قُسَمتْ عمد وشبه العمدِ والخطأ مُتم. مع شرحه.
ومنهج الطالبين للعلّامة الشقصي ج 11/ 194 ط: التراث الأولى، والنيل وشرحه ج 115/ 15. وزاد الشيخ عمروس بن فتح النفوسي في أصول الدينونة الصافية قسما رابعا: وهو: "خطأ العمد" قال: "وأما الخطأ العمد: فالذي يتعمد الضربة بغير حديد. بما لا يقتل مثله، يقال له "خطأ العمد" يقال له "عمد" لأنه تعمد الضربة، ويقال له خطأ، لأنه لم يتعمد القتل؛ فالدية فيه في مال الجاني، ولا
تعقله العاقلة. فقال بعضهم يقاد منه " انظر: ص: 133 ط الأولى تحقيق: حاج أحمد كروم.
32 (1/32)
صفحة 33
يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ
خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمُ: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا
صلے
عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (3) المائدة (1)
1 - ينظر شرح النيل 121/ 15 فما بعدها، وجلاء العمى شرح ميمية الدماء للعلامة خلفان بن جميل السيابي ص. 268 ط 2 والجامع لابن جعفر أبو جابر محمد ابن جعفر ق 3 مخطوط ص 82 فما بعدها والمسألة السادسة عشرة من هذا الفصل.
33 (1/33)
صفحة 34
تعريف المحارب
المحاربُ مَن حَملَ على الناس وكابرهم على أنفسهم أو على أموالهم دون نائرة ولا ذحل ولا عداوة بينهم في أي مكان كان من مأمنهم في طريق أو منزل أو بيت بادية في مصر أو غيره. (2)
ويلحق بالمحارب القاتلُ بديانة؛ مُحِقٌ فيها المقتولُ مبطل فيها القاتل؛ وهو: أن يعتقد القاتل حِلَّيَّة الدم من القتيل بسبب ديانته وهو حرام، والقاتل على السلب ليأخذه منه، ويلحق بالسلب كل مال من ثياب وغيرها، والقاتل بعد عفو؛ كأن يجب له القصاص فيعفو عنه، أو يعفو من يثبت عليه عفوه كالشريك في الدم؛ ثم يقتل بعد ذلك، أو بعد علمه بالعفو إن كان العافي غيره، والقاتل بعد الرجوع إلى الدية؛ كأن يجب له القصاص فيرجعُ إلى الدية أو أحد شركائه وهو عالم به، والقاتل بعد الأمان؛ كأن يقول له أنتَ أمنٌ أو في مأمن أو لا قتل لي عليك أو يؤَمِّنُه من يَثبت أمانه عليه فيقتله بعد علمه، فهؤلاء لا يقبل فيهم العفو بل يقتلون حدا ولو عفا ولي الدم أو قبل منهم الدية.
وقيل: بجواز العفو عنهم جميعا، وقيل: إلا القاتل بعد عفو، لما روي عنه أنه
1 - الذحل بالذال المعجمة والحاء المهملة بعدها لام: الحقد والثأر والجمع أذحال وذحول. والنائرةُ: الحقد والعداوة والشر والكائنة بين القوم، يراجع المعاجم مادَّة (ذَحَل) و (نَيَر) والمعنى: أنَّ المحارب هو الذي لم يسبق بينه وبين الناس سوابق شر ولا له ثأر عليهم. 2 - انظر: المدونة الكبرى ج 3 كتاب الممتنعين من الحدود من الإمام، ط الأولى 1428 هـ 2007 م ن وزارة التراث ص 320 فما بعدها.
34 (1/34)
صفحة 35
قال: "لَا أَعْفُوَ عَمَّنْ قَتَلَ بَعَدَ عَفْوِ
وقيل: إلا القاتل بعد أخذ الدية، لما روي عنه هو أنه قال: "لَا أُعْفِي مَنْ قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِهِ الدِّيَة"
:وقيل: إلا القاتل، بديانة وحكى القطب الإجماع عندنا بعدم العفو عنه
والراجح عدم العفو عنه إلا إذا تاب ورجع إلى الحق وطلب الإنصاف من نفسه من قبل أن يقدر عليه، فإن العفو يقبل فيه ولا يقتل في هذه الحال إذا عفا ولي الدم عنه أو قبل الدية منه ولو كان القتل فتكا لقوله تعالى: - إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (3) المائدة.
لأنَّ هؤلاء حكمهم محاربون الله ورسوله، ولذا أعطوا حكمهم. والمحارب إذا رجع تائباً قبل القبض عليه عفي عن حق الله عليه؛ وهو القتل حداً،
ص
1 - احتج بهذه الرواية الإمام القطب في شرح النيل ج 14. 755 وذُكِرَ في التعليق أنه: رواه ابن ماجة ولم أجدها في سننه بهذا النص، ولكن أخرجها الإمام الربيع بلفظ "من قتل بعد العفو أو أخذ الدية فهو خالد مخلد في النار." ح رقم 761 باب الحجة على من قال: إنَّ أهل الكبائر ليسوا بكافرين. وهي جزء من حديث "من أُصِيبَ بِدَمٍ" المتقدم إذ جاء فيه" فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه" و"
فإن قبل شيئا من ذلك ثم عدا بعد ذلك فله النار خالدا فيها مخلدا." وتقدم تخريجه. 2 - رواه أحمد وأخرجه أبو داود 4 4507، والبيهقي، فيمن قتل بعد أخذ الدية، راجع تيسير الوصول ج 2/ 99 وكنز العمال ح 157، وشرح النيل ج 115/ 15، فما بعدها، ولسان العرب والجلاء
268 ط 2 وابن جعفر ق م ص 82 فما بعدها والهيميان 492/ 2 والمسالة 16 من هذا الفصل. - شرح النيل 757/ 14 و 207/ 150، والجلاء ص 251 ط 2 أو 328 ط 1، وخلاصة الوسائل في ترتيب المسائل للعلامة عيسى بن صالح الحارثي ج 2 ص 463 ط 1.
35 (1/35)
صفحة 36
وتبقى عليه حقوق العباد مرجعها إلى أهلها، فإن طلبوا القصاص فلهم، وإن عفوا أو رجعوا إلى الدية فذلك إليهم، كما على المحارب ومن في حكمه غرمُ الأموال التي
أفسدوها.
وقيل: لا شيء عليهم؛ إن رجعوا تائبين ولو كانت حقوقا للعباد.
ورجح العلامة الشقصي في المنهج التفصيل بين المستحل والمحرم، وهذا نصه: -
وعندي أنَّه يخرج في معنى ذلك ما كانت المحاربة على الاستحلال، وإن كان الأخذ بالجنايات على التحريم مما لا يدين به أحد من أهل الإقرار دينا فعليهم دياتُ جميع ما جَنَوه من الأنفس، ورد جميع ما أخذوه من الأموال والأنفس، ولا تَهدِرُ توبتهم عنهم ذلك فيما معي من قليل أو كثير.
وأما الحدود التي لله، ففيها قولان والله أعلم. وبه التوفيق
أما إن تابوا بعد القبض عليهم فلا يعفى عنهم، إلا المشرك إن أسلم؛ سواء أكان إسلامه طواعيةً ورغبة منه، أم كان بعد القبض عليه؛ فإنه بإسلامه يعفى عنه جميع ما فعله في حال شركه.
والإسلام يَجِبُّ ما قبله، أي: يقطع ويعفو ويمحو ما قبله، ولا يطالب من دخل في الإسلام، بما فعله في زمن الشرك بنفس ولا مال؛ لقوله تعالى: (قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (3) الأنفال.
1 - منهج الطالبين وبلاغ الراغبين لخميس الرستاقي (2015) القول الخامس عشر في الذين يقطعون الطرق ويؤذون الناس في البلدان. ن مكتبة مسقط. وانظر المراجع الآتية.
36 (1/36)
صفحة 37
وقوله: " الإسلامُ يَجِبُّ ما قبله" (1)
وقيل في الذمي: لا يُعفى عنه إلا حقوقُ الله إن أسلم، أما حقوق العباد فمؤاخذ بها، والراجح العفو عنه في الكل، لعموم قوله تعالى: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا
يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ) وقوله صلى الله عليه وسلم: "الإسلامُ يَجِبُّ ما قبله."
والآية وإن كانت نازلةً في مشركي مكة، فإنَّ حكمها العمومُ في كل مشرك؛ للحديث المتقدم، وهو الذي رجحه الإمام القطب له في التيسير، وإن كان رأى صحة
1 - ينظر تفاسير القرآن الكريم لقوله تعالى " قل للذين كفروا ... " الآية السابقة الذكر، ومسند أحمد ج 199/ 4 و 204 و 205، والابهاج في شرح المنهاج للسبكي ج 1 ص 184 ورواه بلفظ "من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمله في الجاهلية ... البخاري في كتاب استتابة المرتدين ومسلم في كتاب الإيمان باب هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية ورواه مسلم أيضاء بلفظ الإسلام يهدم ما كان قبله ... " ج 12 صحيح مسلم شرح النووي ص 135 و 138. وانظر: المدونة الكبرى ج 3 كتاب الممتنعين من الحدود من الإمام
باب المحاربين الشاهرين السلاح ط الأولى 1428 هـ 2007 م من وزارة التراث ص 319 فما بعدها. 2 - هو الشيخ أمحمد بن يوسف بن عيسى بن صالح بن عبد الرحمن بن عيسى بن إسماعيل إطفيش يصل نسبه إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب تلقب أسرته بلقب "إطفيش" وهو في لغة ميزاب بمعنى "خذ تعال كل" وربما هو كناية عن الكرم والجود ولد بغرداية على الصحيح عام 1238 هـ وقيل 1236 هـ حفظ القرآن وعمره 8 سنوات كان متطلعا للتجديد حيث يقول: وإني لأرجو أن أكون المجددا ... لدينك يا ربي ويا مظهر الذخر
من
تلامذته الشيخ سليمان باشا الباروني والشيخ أبو إسحاق إبراهيم أطفيش والشيخ أبو اليقظان إبراهيم، له ما يزيد على مائة مؤلف في شتى الفنون منها شرح " النيل وشفاء العليل - جامع الشمل في أحاديث خاتم الرسل - شامل الأصل والفرع الذهب الخالص المنوه بالعلم القالص"
37 (1/37)
صفحة 38
الثاني في الهيميان جريا مع الزمخشري فإن التيسير بعده، وقد قال فيه عن القول بعدم السقوط - بعد أن ربَّحَ العموم في كل مشرك سواءًا أكان ذمّيًا أم غيره-: (وهو ضعيف ليس بشيء)
وكذلك المرتد حكمه حكم المشرك فيما فعله في حال ارتداده إن أسلم بعد الرّدة. وقيل: لا يعفى عنه إلا حقوقُ الله فقط، أما حقوق العباد فمؤاخذ بها كما قيل في الذمي، وما فعله المرتد في حال إسلامه قبل ردته فمؤاخذ به في النفس والمال إن رجع إلى الإسلام. (2)
وسيأتي الكلام على أحكام شبه العمد، وأحكام الخطأ، كل في محله إن شاء الله تعالى وبه التوفيق.
"مختصر القواعد" كانت وفاته رحمه الله يوم السبت 23 ربيع الثاني سنة 1332 هـ ينظر الفهارس لكتاب شرح النيل ص 598 - 660 إعداد لجنة الفهرسة بجمعية التراث الناشر معهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد.
1 - انظر ما بعده.
2 - انظر: التيسير للإمام القطب ج 376/ 1 تفسير: فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) (192) البقرة و 338/ 5 - فما بعدها تفسير: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (38) الانفال تحقيق طلاي ط 21439 هـ 2018 م والہيميان ج 427/ 5 - 429 وج 7 ص 207 - 218 والقرطبي ج 510/ 6 وج 401/ 7 - 404، وبيان الشرع للعلامة محمد بن ابراهيم الكندي ج 36 ص 234 - 236 و 70 ص 292 و 14/ 71، والمشارق لنور الدين السالمي: ص 526 كذاك حكم راجع عن دينه. البيت و 564 فما بعدها في توبة المحرم. والمستحل الناشر مكتبة الإمام نور الدين والمصنف للكندي ج 41 ص 152 وانظر: المدونة الكبرى ج 3 كتاب الديات ط الأولى 1428 هـ 2007 م ن وزارة التراث ص. 230 فما بعدها.
38 (1/38)
صفحة 39
المسألة الثانية في استثناء الوالدين من القصاص
يُستثنى من القصاص الوالدان؛ الأب والأم، فلا قصاص عليهما فيما جنياه على ولدهما، سواء أكانت الجناية قتلا أو جرحا، ولكن عليهما الدية في القتل، والأرش فيما دونه، والدليل على ذلك قوله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل هُمَا أُفٍ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (سورة الإسراء.
فالآية الأولى تدل على تحريم الإيذاء مطلقا والقصاص من جملة الإيذاء، والثانيةُ تدل على وجوب خفض الجناح لهما؛ والقتل ينافي ذلك، وقوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا. (36) (النساء) (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ
صلے
إِحْسَنًا) (15 الأحقاف) وقوله: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} (8 العنكبوت) وقوله جل شأنه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا) (22) الاسراء.
وقوله ل: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ
صلے
إحْسَنًا) (151) الأنعام.
فهذه الآيات توجبُ الإحسان للوالدين وتنهى عن الإساءة إليهما، والقصاص سواء
أكان قتلا أو جرحا ينافي ذلك؛ فهو ليس بإحسان
39 (1/39)
صفحة 40
ولما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تقامُ الحدود في المساجدِ ولا يُقتل الوالد بالولد." (1) وعن عمر ه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يقتل الوالد بالولد." (2) وعنه أيضًا يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: " ... لا يقادُ مملوك من مالكه ولا ولد من والده " (3)
والحكمة في ذلك أنَّ الوالد سبب لوجود الولد فلا يليق أن يكون الولد سببا لعدمه، إلا أن يكون الوالد القاتل مشركا، والولد المقتول مسلما، فإنه يقاد الوالد به لعلوّ الإسلام على الكفر، وعدم الحرمة له كالمسلم، أو كان القتل على ديانة محق فيها الولد مبطل فيها الوالد فإنه يقاد به أيضا، وهذا مذهب الجمهور.
وذهب عثمان البتي إلى قتل الوالد بالولد مطلقا مستدلا بعموم قوله تعالى: (يَتأَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْخَرُ بِالْحُرَ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى
صلے
1 - رواه الترمذي 4 في سننه ح 1401 وابن ماجه 2 ح 2661 وأحمد 1 ح 98 والدارمي في سننه 2357 والبيهقي في الكبرى 15966 - 15667 والطبراني في الكبير وابو نعيم في الحلية 17/ 4 - 18 وابن عدي في الكامل 283/ 1، وأبو داود وابن السكن والدارقطني 3 ح 180 - 187 من باب الحدود والديات والحاكم في مستدركه 4 ح 8104، وانظر ابن أبي عاصم ص 292، مرجع سابق.
2 - رواه ابن ماجة في سننه ح 2662 وتحفة الأشراف 10582 والترمذي في الديات 1400 وابن أبي شيبة في مصنفه والدر قطني في سننه 141/ 3 وابن الجوزي في التحقيق و 1763 وغيرهم. وأخرجه بلفظ لا يقاد الوالد بولده ابن أبي عاصم ح 134 وأحمد 346 و 147 وابن الجوزي في التحقيق 1762 وغيرهم وانظر ابن أبي عاصم ص 290 - 292 مرجع سابق.
- انظر تخريجه في المسألة الخامسة من هذا الفصل.
4 - هو: عثمان بن سُلَيْمانَ بن جُرْموزِ البَرِّيُّ مولى بَني زُهْرَةَ من أهل الكوفة وانتقل إلى البصرة
ت 143 هـ
40 (1/40)
صفحة 41
الآية رقم 178 من سورة البقرة.
وقوله صلى الله عليه وسلم: " المسلمون تتكافأ دماؤهم. " (1) ومعنى تتكافأ دماؤهم:" تتساوى: أي: يكون
دم هذا مكافئًا لدم هذا بمعنى مساويا له.
قلتُ: وخَصَّصَهما حديثُ "لا يقتل الوالد بالولد والخاص مقدم على العام، تقدم عنه أو تأخر.
ويلحق به كل من كان دمه لولده فلا يقتل الوالد أبا كان أو أُمَّا، بولده، ولا بمن كان دمه لولده لوجوب برّهما عليه، وعدم إتيانه ما يكدرهما أو ينغص عليهما ما لم يكن معصية الله ل فإن كان معصية الله ل فلا يطعهما في ذلك، لأنَّه: "لا
1 - جزء من حديث رواه الإمام الربيع بن حبيب في الديات الجامع الصحيح رقم 664 وأحمد 6690 و 6692 و 6662 والنسائي في القسامة ح 4738 و 4748 وأبو داود 4 ح 4530 في الديات وح 2751 في الجهاد مع تعليق الخطابي ومسلم في الحج والبخاري في الجهاد وفي كتابة العلم وابن ماجة في الديات ح 2658 والترمذي في الديات ح 1412 وغيرهم من عدة طرق وانظر تخريجه في ابن أبي عاصم ص 252 - 262 - 105 - 107 مرجع سابق والمسألة السادسة من هذا الفصل في وجوب التكافؤ في الإسلام، وراجع جوهر النظام ط 11/ ج 263/ 3 والقرطبي 249/ 2 والعقد الثمين ج 429/ 4 والجلاء 227 وشروح الفتح ج 155/ 9 والنيل وشرحه 757/ 14 وسبل السلام ج 1186/ 3 ونصب الراية ج 394/ 3 و 30 و 337 و 339/ 4 واللباب 158/ 14 وابن جعفرق 3 ص 25 م والنيل وشرحه 96/ 15 - 98 و ج 10 ص 427 ط بيروت.
41 (1/41)
صفحة 42
طاعة لمخلوق في معصية الخالق
211
وفي رواية: "لا طاعة لأحد في معصية الله تعالى، إنما الطاعة في المعروف" ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى في حق الوالدين: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) العنكبوت وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ
1 - أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 18 170 ح 381 عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" وأخرجه أحمد 66/ 5 ح 20672، وابن ماجه 956/ 2، ح 2865 وعبد الرزاق 383/ 2 ح 3788. والحاكم (501/ 3 ح 5870) وقال: صحيح الإسناد. وانظر: بيان الشرع 76/ 24، 29/ 28، 95، 129، ج 137/ 28، 170، 12/ 29.
2 - ورد هذا الحديث بعدة ألفاظ مختصرة ومطولة رواه البخاري ح 4340 و 7145 و 7257 ومسلم، ح 39 و 1840 وأبو داود ح 2625 والنسائي ح 4205 وأحمد ح 622 و 724 و 1018 و 1065 و 1095 وابن حبان 4567 و 4567 و 4569 والحميدي في الجمع بين الصحيحين، والحاكم في المستدرك ح 4622 وغيرهم من طريق علي .. " وأخرجه ابن ماجة 2863 وأحمد ح 11639 وغيرهم؛ من طريق أبي سعيد الخدري؛ وهو حديث طويل وفيه قصة السَّرِيَّة التي أمر عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أميرا فأمَرَهم ذلك الأمير بإيقاد نار والدخول فيها. ونصه كما عند الحميدي في الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم (1/ 13279، عن أبي عبد الرحمن السلمي أيضاً عن علي قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سَرِيَّةً فاستعمل عليهم رجلاً من الأنصار، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا فأغضبوه في شيء، فقال اجمعوا لي حطباً فجمعوا له، ثم قال: أوقدوا ناراً فأوقدوا، ثم قال: ألم يأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسمعوا وتطيعوا قالوا بلى قال فادخلوها، فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: إنَّما فررنا إلى رسول الله من النار، فكانوا كذلك حتى سكن غضبه، وطفئت النار، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها أبداً، وقال: لا طاعة لمخلوق في معصية الله إنما الطاعة في المعروف."
42 (1/42)
صفحة 43
جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعُ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15)
لقمان.
وعدم القصاص منهما ليس محصورا فيما إذا قتلا ولدهما فقط، بل ولو قتلا من كان دمه أو بعض دَمِه لولدهما؛ إذ المقصود وجوب محافظة الولد على حياتهما، وبرهما وعدم تكديرهما بما ينغص حياتهما، وأي تكدير أشدُّ من قتلهما والسعي في تلفهما؟!!! والمسألة كالمسألة لتلك الأدلة المشار إليها.
فلو قتل أحد الأبوين صاحبَه ولهما ولد وكانت قضيته قصاصا لا حدا، لم يجب القصاص؛ لأنه لو وجب القصاص لوجب لولده عليه، ولا يجب للولد قصاص على والده؛ لأنه إذا لم يجب بالجناية عليه فلأن لا يجب له بالجناية على غيره أولى، بل لا يجوز القصاص منه لولده، على ما سيأتي تفصيله بإذن الله تعالى؛ في (المسألة الثالثة والعشرون إن كان وليُّ الدم صبيا أو مجنوناً.)
وممن قال بقتل الوالد بالولد مالك ونافع وابن عبد الحكم، ولكن مالكا يشترط بأن يضجعه الوالد فيذبحه؛ لأن ذلك عنده عمد حقيقة لا شبهة فيه فلا يحتمل غيره؛ أما إن كان على غير هذه الصفة فيما يحتمل قصد التأديب من الوالد فلا يقتل به؛ لأن ذلك شبهة تسقط القود. وقد علمت الرد على ذلك مما مر.
فإن قيل: ما الفرقُ بين مَن قَتل ولده ومن زنى بابنته؟ فمن قتل ولده لا تقتلونه، ومن زنى بابنته تقيمون عليه الحد ولا تسقطونه عنه، وفي هذا الحال صارت البنت سببا لعَدَمِ والدها؟ فالجواب: إنَّ الحدَّ حقٌّ الله تعالى أوجبه على الناس كافة من غير استثناء ما عدا الصبي والمجنون، وأما قتل الوالد بالولد فالقصاص
43 (1/43)
صفحة 44
حق لولي الدم من غير الوالد القاتل، وقد علمت ما ورد فيه من استثناء من الشارع في عدم قتل الوالد بالولد، فظهر لك الفرق بحمد الله تعالى.
أما إن زنى الأب بمملوكة ولده فلا يحد؛ لكونها مالا، وقد روي عنه أنه قال: " أنتَ ومالك لأبيك" (1) وفي رواية: "إنَّ أولادَكم من أطيب كسبكم فكلوا من أموالهم." (2)
وفي أخرى " إنَّ أطيب ما أكلتم من كسبكم وإنَّ أولادَكُم من كسبكم." (3) فحصلت الشبهة بذلك، فانتفى الحد بحصولها.
1 - رواه مسلم وأحمد وابن ماجه 2291 و 2292 وأبو داؤد في البيوع ح 3530 وأخرجه الطبراني في معجمه والبيهقي في سننه 7 ص 48 وابن حبان والبزار 295/ 1 وأحمد في مسند المكثرين من الصحابة، رقم 6391، 6608، 6706. وغيرهم، ينظر مجمع الزوائد ج 4 ص 154 ومسند الشافعي ص 202 ومصنف ابن أبي شيبة ج 5 ح 2 و 8 و 15 و 16 باب 399 في الرجل يأخذ من مال ولده ط دار الفكر بيروت 1414 هـ، ومصنف عبد الرزاق 9 ص 130 وشرح معاني الآثار 4 ص 158 والمعجم الاوسط ج 1 ص 22 ونصب الرأية ج 3 صحيفة 337. وقد بحثت هذا الحديث بشيء من التوسع في الجزء السابع من التطبيقات، فانظره من المبحث الخامس الحقوق؛ الفرع الأول حديث أنت ومالك لأبيك) فاشدد به يدا.
2 - رواه ابن ماجة في سننه ح 2137 و 2292 والتحفة 8675 و 15961 وأبو داؤد ح 3529 والنسائي في البيوع ح 4456 و 4462 و 4464.
1 - رواه ابن ماجة في سننه ح 2290 والتحفة 17992 وأبو داؤد في البيوع ح 3528 - 3530 والترمذي في الأحكام ح 1358 والنسائي في البيوع 4461 - 4462 وابن ابي شيبة في المصنف المرجع السابق بعدة الفاظ ح 1 و 3 - 7.
44 (1/44)
صفحة 45
وذلك لما روي عنه الله أنه قال: "ادرؤوا الحدود بالشبهات"
ولإجماع الأُمة على العمل على درء الحد بالشهة.
واختلف في الأجداد والجدات؛ هل هم كالأبوين الأب والأم، فينتفي عنهم القصاص بولد ولدهم فلا يقتلون به، كما لا قصاص عليهم فيما دون النفس، أم عليهم القصاص في النفس وما دونها؟ والظاهرُ أنَّ العموم في الأحاديث المستثنية للوالد
يشملهم، وقد ورد ذكر الجد أبا في القرآن الكريم منها قوله تعالى: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ
1 - أخرجه أبو مسلم الكجي، وابن السمعاني في ذيل تاريخ بغداد عن الأمير العادل عمر بن عبد العزيز له مرسلا، ومسدد البصري في مسنده عن ابن مسعود موقوفا، والدارقطني في سننه في الحدود والبيهقي في السنن عن علي مرفوعا بلفظ إدرؤا الحدود ولا ينبغي للإمام تعطيل الحدود" وفيه المختار بن نافع قال فيه البخاري منكر الحديث ولكن يترقى إلى درجة الحسن بشواهده إذ له شواهد كثيرة وقد جرى عمل جميع الأمة على ذلك أي على درء الحدود بالشبهة ورواه ابن عدي في الكامل عن ابن عباس بلفظ: " ادرؤا الحدود بالشهات وأقيلوا الكرام عثراتهم إلا في حد من حدود الله تعالى" ورواه ابن ماجة من طريق أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إدفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعا" برقم 2545 من كتاب الحدود، باب الستر على المؤمن، والتحفة 12945 وبلفظ: "ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ فَإِنَّ الْإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ" والترمذي في سننه وفي علله الكبرى ما جاء في درء الحدود، والبيهقي في سننه الكبرى والصغرى وفي معرفة السنن والآثار والحاكم في المستدرك، وعبد الرزاق في مصنفه بلفظ: "فإنه أن يخطأ حاكم من حكام المسلمين .. " مكان "فإن "الإمام" والسخاوي في المقاصد الحسنة حرف الهمزة، وفي الإمارة والقضاء، وانظر الزيلعي نصب الراية، بَابُ الْوَطْءِ الَّذِي يُوجِبُ الْحَدَّ وَالَّذِي لَا يُوجِبُه، وكنز العمال في جوب الحدود، والشوكاني سبل السلام والمناوي فيض القدير شرح الجامع الصغير ج 1 ص 227 حديث 314 وشرح ابن بطال للبخاري وتحفة الأحوذي وعون المعبود، وشرح مسند أبي حنيفة، والمسألة الثالثة والثلاثين من الفصل الأول من هذا الكتاب "جهد المقل"
6
45 (1/45)
صفحة 46
آبَاءِى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ) (38) يوسف)
والآيةُ وردت حكايةً عن نبي الله يوسف الله وهو ابن يعقوب الله وقوله تعالى:
العليا
كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ) (6 يوسف)
ومِنْ أهل العلم من أخرج الأم من الاستثناء من القصاص، وحصر الاستثناء في الأب فقط، ولكنَّ الأحاديث الناصة على عدم قتل الوالد بالولد تشملها فإنها تنص على الوالد، ولفظة الوالد تشمل الأب والأم، كما أنَّ الآيات القرآنية الناصة على حقوق الوالدين وتحريم إيذائهما تؤكد عظم حق الأم على الأب، وكذا الأحاديث النبوية في ذلك، منها حديث أبي هريرة عند مسلم في كتاب البر من طريق جرير قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "من أحقُّ الناس بحسن صحابتي؟ قال: " أمك" قال: ثم من؟ قال: "ثم أمك" قال: ثم من؟ قال:" ثم أمك" قال: ثم من؟ قال: "ثم أبوك".
وأخرجه أيضا البخاري، وفي رواية: " .. مَن أبَرُّ؟ "، وفي رواية" من أحق بحسن صحابتي. " ولم يذكر الناس. وفي رواية" من أحق الناس بحسن الصحبة.؟ قال: "أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك ثم أدناك أدناك."
وفي رواية بلفظ: "أيُّ الناس أحق مني بحسن الصحبة؟ "
وفي رواية: "أحق الناس بك بحسن الصحبة أُمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك""
1 - أخرج هذه الروايات مسلم في البر؛ ينظر: شرح النووي ج 16 ص 102 وسبل السلام ج 4
ص 1538.
46 (1/46)
صفحة 47
وفي رواية أبي داود عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده " مَن أبَرِّ"؟ قال: أُمَّك ثم أمَّك ثم أمك ثم أباك ثم الأقرب فالأقرب"
وفي رواية بلفظ: "أحق الناس بك بحق الصحبة" (2)، فجميع هذه النصوص تدل على أنَّ حقَّ الأمّ أعظمُ من الأب، ومن باب أولى إذا استُثني الأبُ من القصاص فاستثناء الأمّ أولى بذلك، فلينظر فيه ولا يؤخذ إلا بعدله.
وقد سئل الإمام الخليلي رحمة الله عليه عن بكر زنت وقَتَلَتْ ولدها وبعد خمسة أيام بعثته وقذفته من أعلا البيت أعليها القتل؟ فأجاب: "لا تقتل الأم في ولدها ولو صح أنها قتلته وعليها حد الزنا إن صح عليها ...
(3) " ..
وهذا الجواب من هذا الإمام العادل في هذه المسألة مع بشاعة الفعلة يدل على ترجيحه للرأي الأول، وهو أنَّ للأم حكم الأب في عدم القصاص منها إذا قتلت ولدها. وانظر: المسألة الثالثة والعشرون إذا كان ولي الدم صبيا أو مجنونا) الآتية
بمشيئة الله تعالى وقدره
1 - رواه أبو داود 4 ح 5139 والترمذي في البرح 1898 والبخاري في التاريخ الكبير تعليقا. 2 - رواه النسائي. راجع فتح القدير ج 9/ 156 والجلاء ص 227 والمصنف ج 41 ص 43 ونصب الراية ج 3 ص 309 - 310 وسبل السلام ج 4 ص 1287 والنيل وشرحه ج 15 ص 96 - 97 و 5 ص 30. 3 - الفتح الجليل من أجوبة الإمام أبي خليل محمد بن عبد الله الخليلي ص 722. وانظر: (المسألة الثالثة والعشرون إذا كان ولي الدم صبيا أو مجنونا) من هذا الفصل فستأتي زيادة بيان هنالك؛ بسبب مناسبة الحديث هنالك لبعض الوقائع في هذا العصر المرّ، وضم الجميع معا تحصل لك الفائدة بإذن الله عل.
47 (1/47)
صفحة 48
المسألة الثالثة في استثناء القصاص بين الزوجين فيما دون النفس
يُستثنى القصاص بين الزوجين فيما أحدثه أحدهما في الآخر من جراح أو ضرب أو أيّ جناية فيما دون النفس، بل على الجاني منهما الأرش لصاحبه، إلا ما استثني جوازه للزوج من ضرب الزوجة في حال عصيانها وعدم جدوى الوعظ والهجر؛ بشرط كونه غير مبرح قال تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّلِحَتُ فَنِتَتُ حَفِظَتْ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ
صلے
وَالَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) النساء. وقال صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع في خطبته يوم عرفة ... وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ... (1)
أما في حالة إتلاف النفس عمدا فالقصاص بينهما، كما لا قطع بينهما في السرقة من البيت الذي يسكنانه معا: وقيل: لا قطع مطلقا ولو من غير البيت الذي اشتركا فيه بالسكني.
فأما القصاصُ فما رُوي " أنَّ رجلا أصاب امرأته بشيء فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:
1 - جزء من حديث خطبة الوداع، أخرجه ابن ماجة حق المرأة على زوجهاج 2 ص 411 ط دار المعرفة ح 1851 والترمذي 3 ص 467 حق المرأة على الزوج، ح 1163 و 5 ص 6 تفسير سورة التوبة، والنسائي السنن الكبرى "كيف الضرب" ج 5 ص 372 ح 9169 وأحمد حديث عم أبي حرة وابن أبي شيبة حرمة الدماء ... ، وكتاب الطلاق "مداراة النساء" ج 4 ص 184 ح 4 دار الفكر، وجلال الدين السيوطي في الفتح الكبير ج 3 ص 368 ح 14178، وغيرهم.
?? (1/48)
صفحة 49
"لتقتص منه" (1) فأنزل الله عز وجل (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ
)
1 - الرجل هو سعد بن الربيع أحد نقباء الأنصار نشزت زوجه حبيبة بنت زيد بن أبي زهير فلطمها فانطلق بها أبوها إلى النبي وقال: لقد لطم كريمتي. فقال النبي الحديث وقيل: سعد وامرأته خوله بنت محمد بن سلمه وقيل: ثابت بن قيس بن الشماس وزوجه: جميلة بنت عبد الله بن أُبيّ وهي التي اختلعت منه. وفي رواية " أردنا أمرا وأراد الله امراً، والذي أراد الله خير" وعند البيهقي في الكبرى، باب الرجل ينالها بضرب في بعض ما تمنعه من الحق ثم يخالعها؛ عن عائشة رضى الله عنها: أنَّ حبيبة بنت سهل تزوجت ثابت بن قيس بن شماس فأصدقها حديقتين له وكان بينهما اختلاف فضربها حتى بلغ أن كسر يدها، فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفجر فوقفت له حتى خرج عليها فقالت: يا رسول الله هذا مقام العائذ من ثابت بن قيس بن شماس قال: "ومن أنت؟ ". قالت حبيبة بنت سهل قال: ما شأنكِ تربت يداك؟ ". قالت: ضربني. فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس فذكر ثابت ما بينهما فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ماذا أعطيتها؟ قال قطعتين من نخل أو حديقتين قال: "فهل لك أن تأخذ بعض مالك وتترك لها بعضه؟ ". قال: هل يصلح ذلك يا رسول الله؟ قال:" نعم." فأخذ إحداهما ففارقها ثم تزوجها أبي بن كعب له بعد ذلك فخرج بها إلى الشام فتوفيت هنالك. البيهقي في سننه الكبرى ج 7 ص 315 ح 14634. وهو: عند أبي داود بلفظ: "فضربها فكسر بعضا" سنن أبي داود ج 2/ 269 ح 2228 ونصه بتمامه: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو السَّدُوسِيُّ الْمَدِينِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ سَهْلٍ، كَانَتْ عِنْدَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ فَضَرَبَهَا فَكَسَرَ بَعْضَهَا، فَأَتَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ الصُّبْحِ، فَاشْتَكَتْهُ إِلَيْهِ، فَدَعَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ثَابِتًا، فَقَالَ: «خُذْ بَعْضَ مَالِهَا، وَفَارِقْهَا»، فَقَالَ: وَيَصْلُحُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: فَإِنِّي أَصْدَقْتُهَا حَدِيقَتَيْنِ، وَهُمَا بِيَدِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "خُذْهُمَا وَفَارِقْهَا، فَفَعَلَ. ينظر: شروح حديث الخلع عمدة القاري، وفتح الباري شرح صحيح البخاري، وشرح سنن أبي داود وابن أبي شيبة ج 6 ص 366 ط دار الفكر مع تعليق اللحام، وشرح الجامع للسالمي ج 3 ص 86 حديث الخلع، وتفسير قوله تعالى: " الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ" الآية، والأم للإمام الشافعي ج 7 ص 230 كتاب الديات تعليق محمود مطرجي، منشورات بيوض دار الكتب العلمية.
49 (1/49)
صفحة 50
فقال الرسول الله: " أردنا أمرًا وأراد الله ما هو خير منه لا قصاص بينهما."
ولعلَّ السّرَّ في ذلك أنَّ الرجل قد يطَّلِعُ على أشياء من زوجته فيؤدبها عليها فيؤثر ذلك جُرحا من غير أن يقصده، ولأنَّ المقصود من الزوجية الإئتلاف والمودة، قال تعالى: (وَمِنْ آيَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَا يَنتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون) الروم.
والقصاص ينافي ذلك، ويولّد التنافر بينهما، والقود في القتل لا ينافي ذلك؛ لأنَّ الأول قد مات بسبب الجناية، وسيلحقه الثاني بالقصاص.
وأما القطع في السرقة فكذلك إذا قيل بعمومه؛ لأنه ينافي المودة والألفة، فكلما رأى أحدُهما الأخرَ مقطوع اليد تذكر الأمر، فيزداد غيظا وحمقا ونفورا، وبذلك
تتلاشى المودة، وتضعف الرابطة بينهما.
وأما في البيت الذي يسكنانه معا فإنَّ القطعَ في السرقة يشترط فيه الحرز، ولا حرز في بيت اشتركا فيه معا بالسكنى، وبهذا تتحرر لك الحكمة في استثناء القصاص فيما دون النفس بمشيئة الله تعالى.
(2)
1 - المراجع أعلاه. وانظر الزيلعي تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزمخشري 1/ 312) 321 (الحديث الرابع والعشرون والمناوي: الفتح السماوي بتخريج أحاديث القاضي البيضاوي 2/ 484 - 364
2 - يراجع العقد الثمين لنور الدين السالمي ج 428/ 4 والقرطبي الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 168 و 250/ 11 والهيميان للقطب ج 4 ص 524 - 526. والتيسير له ج 2 ص 315 والنيل وشرحه
50 (1/50)
صفحة 51
المسألة الرابعة في استثناء الصبي والمجنون والأعجم من القصاص
يُستثنى من القصاص أيضا الصبيُّ، والمجنونُ، فلا قصاص عليهما فيما جنياه عمدا لأن عمدهما يعد خطأ لرفع التكليف عنهما لقوله صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة:
عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ " (1)
270/ 15 و 95 وجوهر النظام للإمام السالمي ج 3 باب الدما، وجامع البسيوي للعلامة أبي الحسن علي بن محمد بن علي البسياني نسبة إلى بلدة بسيا إحدى بلدان ولاية بهلا من المنطقة الداخلية ج 131/ 4، وابن جعفر ق 3 ص 55 مخطوط، وبيان الشرع للكندي محمد بن إبراهيم ج 71 ص 136 ط التراث الأولى، والمسألة الخامسة من الفصل الثاني.
ص
1 - رواه البخاري في باب الطلاق في الإغلاق، والكره .. " ح 5269. والحاكم في مستدركه 2 ح 2350 - 2351 في كتاب التأمين وفي كتاب الحدود ج 4 ص 430 ح 8171 وأبو داود 44014 - 4403، باب في المجنون يسرق .. " والنسائي باب من لا يقع طلاقه ح 3432، وابن ماجه باب طلاق المعتوه ح 2042 وغيرهم، بعدة ألفاظ: "حتى يحتلم" و"حتى يبلغ" و"حتى يكبر" وحتى يشب، وحتى يعقل." وسنن البيهقي الكبرى 11235/ 6 ومجمع الزوائد للهيثمي 6 ص 251 وصحيح ابن خزيمة 3048/ 4 والمعجم الكبير للطبراني 11141/ 11 والمعجم الأوسط 3403/ 3 وصحيح ابن حبان 142/ 1 ومسند ابي الجعد 741/ 1 ومسند أبي يعلي 4400/ 4 وسنن الدار قطني ح 173 من كتاب الحدود والديات. وأخرجه الحاكم في المستدرك من طريق ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ: مرَّ علي بن أبي طالب بمجنونة بني فلان وقد زنت، وأمر عمر بن الخطاب برجمها، فردها علي، وقال لعمر: يا أمير المؤمنين أمرت برجم هذه؟ قال: نعم. قال: أما تذكر أنَّ رسول الله الله قال: رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله، وعن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم، قال: صدقت فخلى عنها. المستدرك على الصحيحين للحاكم مع تعليقات الذهبي في التلخيص 1/ 389 ح 949 وفي كتاب البيوع. وأخرجه البخاري في الحدود، بلفظ قريب منه باب لا يرجم المجنون والمجنونة) انظر: رجم ماعز ح 6825 فما بعده، و (باب هل يأمر الإمام رجلا فيضرب الحد غائبا عنه آخر الحدود وانظر: فتح الباري ج 123/ 12. و 185 فما بعدها.
6
51 (1/51)
صفحة 52
إلا إن اشترك معهما بالغ عاقل فإنه يقاد، (1) وعلى كلّ من الصبي والمجنون منابه من الدّية للمقتص منه؛ تؤديها العاقلة عنهما.
وقيل: على كل واحد من الصبي والمجنون ديةٌ تامة للقتيل المجني عليه؛ لأنَّ كلاً منهم قاتل. فانظر ذلك من قتل الجماعة بالواحد ومن تعدد الديات؛ من
هذا الكتاب.
وقيل: لا قود على البالغ العاقل لاشتراك من لا يجب عليه القصاص معه؛ من صبي أو مجنون، والأول أرجح، وأُلحق بهما الأعجم في ذلك. (2)
ولو أنَّ رجلا أقرَّ بقتل إنسانٍ عمدا فقُتل به؛ ثم تبين بعد قتله أنه مجنون وقت إقراره، أو وقت أخذ القصاص منه، بناءً على رأي من قال: لا يقتص منه إن جُنَّ ولو بعد ثبوت قتل العمد منه حتى يفيق - فعلى هذا فإنَّ على قاتله الدية لورثته وللقاتل أن يرجع فيها على عاقلته لأنَّه من الخطأ، وكذا إن ظهر أنه صبي لم يبلغ،
6
1 - الضمير راجع إلى أقرب مذكور وهو البالغ العاقل.
2 - راجع العقد الثمين للإمام السالمي ج 360/ 4 و 429 وفقه السنه 519/ 2 و 524 وجوهر النظام والنيل وشرحه 116/ 15 و 191 و 195 و 270 ورياض الأزهار للشيخ منصور الفارسي 359 والجلا 241 و 319 والمصنف لابن أبى شيبة ج 5/ 405 - 406 و 415 و 436 - 437 وابن جعفر ق 3 م ص 19 والمدونة الكبرى لابي غانم الخراساني ج 3 كتاب الديات ط الأولى 1428 هـ 2007 م من وزارة التراث ص 230 فما بعدها، وقاموس الشريعة للعلامة جميل بن خميس السعدي ج 85 والأم للإمام الشافعي ج 7 ص 208 - 211 وبيان الشرع ج 36 ص 249 - 254 ط التراث.
52 (1/52)
صفحة 53
فقتلوه على أنه بالغ، أو أنه حر، والمقتول عبد، أو أنه مسلم، والمقتول مشرك، أو أب للمقتول وهكذا. (1)
و
وجُوز القصاص من المجنون ولو بالقتل إن جنَّ بعد ثبوت جناية العمد منه، وكان بالغا عاقلا مختارا حين الجناية. (2)
قلت: والأولى النظر في حالة المجنون؛ فإن كان ممن يرجى له الشفاء من جنونه ورجوع عقله إليه فإنه ينتظر إلى حين شفائه، وإن كان لا يُرجى له الشفاء فلا تُعطَّل حقوق عباد الله لأجله، بل ينفذ فيه القصاص.
وذلك إذا ثبت ثبوتا صحيحا لا شبهة فيه بأنَّه حين الجناية كامل العقل بالغ مختار متعمد للجناية ظالم للمجني عليه.
ويمكن معرفة حالة المجنون في إمكان شفائه من عدمه بمعرفة الأطباء المهرة المختصين بذلك.
وإن جُنَّ في أثناء القصاص بعد الشروع فيه أُمضِي عليه. (3)
واختلف في ميراث الصبي والمجنون ممن قتلوه إن كان مورنا لهما، والصحيح المنعُ
1 - الجلاء 250 ط 2 وانظر المسألة الثالثة والثلاثين من هذا الفصل.
2 - ينظر: شرح النيل ج 15 ص 278 وانظر المسالة التاسعة والعشرين من هذا الفصل.
- المرجع السابق. أما الحد فلا يحد سواءً جنَّ قبل البدء في القصاص أو أثنائه. لأنَّ الحد يسقط
بأدنى شبهة فليحرر.
53 (1/53)
صفحة 54
أخذا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يرث القاتل المقتول عمدا كان القتل أو خطاً." (1) وفي رواية بلفظ: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَإِنَّهُ لَا يَرِثُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ غَيْرِهُ، وَإِنْ كَانَ وَالِدَهُ أَوْ وَلَدَهُ فَلَيْسَ لِقَاتِلٍ مِيرَاتٌ
وروى محمد بن راشد عن مكحول قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "القاتل عمدا لا يرث من أخيه، ولا من ذي قرابته، ويرثه أقرب الناس إليه نسبا بعد القاتل""
لأنَّ الله تعالى جعل استحقاق الميراث تواصلا بين الأحياء والأموات؛ لاجتماعهم على
1 - رَوَاهُ الإمام الرَّبِيعُ بِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: "لا يرث القاتل المقتول عمداً كان القتل أو خطأ " ح.668. و 676. والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الفرائض، باب لا يرث القاتل ح 12024، والدارقطني ح 4101، وابن ماجه، كتاب الديات، باب القاتل لا يرث ح 2645، و 2735 بلفظ: "القاتل لا يرث". و 2646 و 2735 والتحفة 12286 والترمذي في الفرائض ح 2109 وأحمد في مسنده ومالك في الموطأ والنسائي في الكبرى ح 6367 والطبراني في الأوسط 884 وابن عبد البر في التمهيد والدارمي ح 3078 و 3083 و 3084،وغيرهم، وانظر: ابن أبي عاصم ح 264، ص 496 مرجع سابق مع تخريجه والتعليق عليه. عن عمر بن الخطاب له قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليس لقاتل شيء". وروى أبو هريرة أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "القاتل لا يرث" وانظر: شرح الجامع الصحيح لنور الدين السالمي 3/ 434). وأخرجه البيهقي في سننه الكبرى ج 2 ص 219 ح 12017 وص 220 ح 12025، 2 - أخرجه أحمد من طريق ابن عباس. وسنده ضعيف. 3 - ذكر هذه الرواية المزني في الحاوي الكبير الآتي وابن قدامة في المغني الآتي، والجصاص في أحكام القرآن ج 1 ص 44 والروياني في البحر ج 7 ص 403 ولم أجدها بهذا اللفظ في شيء من كتب الحديث التي تمكنت من الوصول اليها، مرفوعا إلى المعصوم والموجود بلفظ: "ليس لقاتل شيء فإن لم يكن له وارث يرثه أقرب الناس إليه ولا يرث القاتل شيئا" أخرجه أبو داود (189/ 4 4564) والبيهقي السنن الصغرى للبيهقي 2/ 367 - 2307، وج 3 ص 264 ح 3127، و 6 ص 360 ح 12240، والكبرى 6/ 220 ح 12020 وج 8 ح 16552، وغيرهم، دون باقي اللفظ. وانظر: ما بعده. (1/54)
صفحة 55
الموالاة، والقاتل قاطع للموالاة عادل عن التواصل، فصار أسوأ حالا من المرتد، ولأنه لو ورث القاتل لصار ذلك ذريعة إلى قتل كل مورث رغب وارثه في استعجال ميراثه، وما أفضى إلى مثل هذا فالشرع مانع منه.
وقيل: هما وارثان لسقوط التكليف عنهما لقوله صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة عن
الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق ... " الحديث المتقدم.
وأُجيب على هذا بأنَّ المعفو عنهما الإثم فقط، وما عداه فحكمهما كغيرهما،
بدليل وجوب الدية عليهما في النفس وما دونها، والضمانُ في سائر الحقوق، وأنَّ دليل المنع من خطاب الوضع، فيشمل الصبي والمجنونَ كغيرهما؛ إذ لا يشترط فيه البلوغ ولا العقل. (2)
وقد سبق القول بأنَّ للأعجم حكم الصبي والمجنون، فاشدد به يدك.
1 - الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني؛ المؤلف: أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الشهير بالماوردي (المتوفى: 450 هـ) المحقق: الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود. الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان. ج 8 ص 84. بحر المذهب (في فروع المذهب الشافعي المؤلف الروياني، أبو المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل (ت 502 هـ) المحقق: طارق فتحي السيد الناشر: دار الكتب العلمية الطبعة: الأولى، 2009 م ج 7 ص 403. المغني لابن قدامة 6: 364 - 365.
2 - ينظر باب موانع الإرث شرح النيل ج 15 وجوهر النظام وغيرهما والمسألة الخامسة من الفصل الثاني تجد الكلام على تضمين الصبي والمجنون.
هه (1/55)
صفحة 56
وأجمع العلماء على أنَّ القاتل عمدا لا يرث شيئا من مال المقتول ولا من ديته، وروي عن عمر وعلي أنَّ القاتل عمدا لا خطأ لا يرث من المال ولا من الدية شيئا. ولا مخالف لهما من الصحابة.
واختلفوا في قاتل الخطأ فقالت طائفة من أهل العلم يرث قاتل الخطأ من المال ولا يرث من الدية، وإلى هذا ذهب مالك وقال آخرون لا يرث قاتل الخطأ من المال ولا من الدية كما لا يرث قاتل العمد لأن الحديث عام في كل قاتل وإلى هذا ذهب الشافعي وأبو حنيفة ومعنى هذا عند جماعة من أهل النظر عقوبة لئلا يتطرق إلى الميراث بالقتل.
واختلف في الحاكم يقتل مورثه بالحكم بقتله، كأن يجب عليه القصاص أو الحد الشرعي؛ كالزنا وهو محصن، فيجب عليه الرجم مثلا: فقيل: بعموم المنع من الميراث وقيل: المنع بشرط القتل بالباطل، وهذا قاتل بحق فيرث؛ وذلك إن لم يتهم بالتعجُل وجَعَلِ الحكمِ قنطرة للتخلص من المورّث. 2
1 - ينظر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد؛ أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: 463 هـ) (443/ 23)
2 - بالإضافة للمراجع السابقة انظر حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء المؤلف: سيف الدين أبو بكر محمد بن أحمد الشاشي القفال حققه وعلق عليه الدكتور ياسين أحمد إبراهيم درادكة. الناشر: مكتبة الرسالة الحديثة - المملكة الأردنية الهاشمية، عَمَّان الطبعة: الأولى، 1988 م
ج 6 ص 286. (1/56)
صفحة 57
المسألة الخامسة في اشتراط التكافؤ بين الحرية والعبودية
تشترط المماثلة في القصاص بين الحُرِّيَّة والعبودية، فلا يقتص عبد (1) من حُرٍ، بل لسيده القيمة في فوات نفسه والأرش فيما دونها كما سيأتي بيانه في تحديد الديات إن شاء الله تعالى، والدليل على عدم القصاص قوله تعالى: الْخَرُ بِالْحَرَ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ... ) (178) البقرة. فإنَّ المفهوم من دليل الخطاب وجوب التكافؤ في ذلك وما
روي عن علي كرم الله وجهه أنَّه قال: "من السُّنة أنه لا يقتل حر بعبد." (2)
6
1 - المراد بالعبد هنا الرقيق والرّق: عبارة عن كون الإنسان مملوكًا لإنسان آخر، وأصله عارض سماوي، جعله الله تعالى عقوبة للكفّار على كفرهم؛ لأنهم كما شابهوا البهائم في أحوالها اختيارًا منہم لذلك؛ عاقبهم الله تعالى على ذلك بجواز رِقّهم، ثم يكون ذلك الرّق حقًا للعباد، فلا ينتقل بإسلام الرقيق، وإن صار من المخلصين، وهذا الرّق ينفي كثيرا من الحقوق التي يتمتع بها الحر، فينفي الملك للأموال، وينفي كمال الأحوال، فلا يستحق العبد الميراث من أبيه أو قريبه، ولا يحل له أن يتسرى وإن أذن له سيّده في ذلك؛ لأنَّ التسري إنما هو ثمرة ملك الرقبة، ولا ملك للرقيق، وهكذا سائر الأحكام المالية، فإنه لا يثبت بيعه ولا شراؤه ولا عطيّته إلا بإذن مالكه، هذا كله تفريع على عدم صلاحية الرّق للملك المالي، وأما منافاته لكمال الحال؛ فمن فروعها أنه لا يكون خليفة ولا قاضيًا ولا تقبل شهادته، ونحو ذلك، فإن هذه الأشياء إنما تكون مع كمال الحال، ولا كمال للعبد، فلا يكون أهلاً لها، وكذلك لا يُعطى السهم من الغنيمة لكن يُرضخ له؛ لأنَّ السهم من الغنيمة إنما هو كرامة للمجاهد، ولا كرامة للعبد، وله أحكام أُخر مختصة به دون الحر، مرجع جميعها إلى هذه القاعدة، إما إلى نقص في المالكية أو في كمال الحال، وبسط أحكامه في فنّ الفقه، والله أعلم. انظر طلعة الشمس للنور السالمي ج 2 ص 383 - 384 ن مكتبة نور الدين بدية.
:
2 - أخرجه بهذا اللفظ البيهقي في سننه الكبرى ح 15716 وأخرجه هو الحديث 15717 بلفظ عن بن عباس أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقتل حر "بعبد" وقال فيه: في هذا الإسناد ضعف، وأخرجه الدار
قطني ج 3 ص 133 ح 158 والديلمي (219/ 5 ح 8010.
Ov (1/57)
صفحة 58
وعنه كرم الله وجهه "أنَّ رَسُولَ اللهِ لا أُتِيَ بِرَجُلٍ قَتَلَ عَبْدَهُ مُتَعَمِّدًا فَجَلَدَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مأئة، وَنَفَاهُ سَنَةً، وَمَحَا سَهْمَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يُقِدْهُ بِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتِقَ رَقَبَة." (1)
ورواه أيضا الدارقطني بإسناده عن إسماعيل بن عيَّاش (2)، عن الأوزاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بهذا اللفظ أيضا، وإسماعيل بن عياش قوي عن الشاميين، والأوزاعي شامي دمشقي.
وما رُوي أنَّ زِنباع بن سلمة الجذامي: جَدَع أنفَ غلامٍ له وجَبَّه. فأعتقه منه ولم يُقده." (3)
وعن ابن عباس عند الدارقطني والبيهقي مرفوعا " لا يقتل حر بعبد." وعن عمر بن الخطاب الله: أنه أتت إليه امرأة قد أقعدها سيدها على النار حتى احترق فرجُها فقال: "والذي نفسي بيده لو لم أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" لا يقاد مملوك من مالكه ولا ولد من والده لأقدتها منك." (4)
1 - رواه ابن أبي شيبة في مصنفه باب 117 ص 369 ج 6 وأبو يعلي في مسنده والحاكم في مستدركه وابن ماجة في سننه ح 2664 والدارقطني في سننه 144/ 3 والبيهقي في الكبرى 15952 وابن عبد البر في الإستذكار 38140 وابن أبي عاصم في الديات ح 240 ص 457 - 458 مرجع سابق. - إسماعيل بن عياش بن عمارة بن غزية؛ أبو عتبه الشامي الحمصي.
- رواه ابن ماجة وأبو داود ح 4519 وأحمد والحاكم وعبد الرزاق في جامعه.
- رواه البيهقي ح 15726، والدارقطني ح 158 من كتاب الحدود والديات، والطبراني المعجم الأوسط (286/ 8) ح 8675 وأخرجه الحاكم في المستدرك، وابن كثير في مسند الفاروق تحقيق: إمام (2/
58 (1/58)
صفحة 59
وفي سنن أبي داود من حديث عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِهِ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ مُسْتَصْرِخُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ جَارِيَةٌ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ وَيْحَكَ مَا لَكَ قَالَ شَرًّا أَبْصَرَ لِسَيِّدِهِ جَارِيَةً لَهُ فَغَارَ فَجَبَّ مَذَاكِيرَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: عَلَيَّ بِالرَّجُلِ. فَطْلِبَ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ
عمر
44771 وغيرهم. ونصه بتمامه: عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس له عنهما قال: جاءت جارية إلى عمر بن الخطاب له فقالت: إن سيدي اتهمني فأقعدني على النار حتى احترق فرجي، فقال عمر ه هل رأى ذلك عليك؟ قالت: لا. قال فاعترفت له بشيء؟ قالت: لا. قال عمر له علي به. فلما رأى الرجل قال أتعذب بعذاب الله؟ قال يا أمير المؤمنين اتهمتها في نفسها. قال: رأيت ذلك عليها؟ قال الرجل: لا. قال: فاعترفت لك بذلك؟ قال: لا. قال: والذي نفسي بيدها ه لو لم أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يُقادُ مملوكٌ من مالكه ولا ولد من والده" لأقدتها منك، فبرزه وضربه مائة سوط، ثم قال: اذهبي فأنت حرة لوجه الله، وأنتِ مولاة الله ورسوله " قال أبو صالح: قال الليث: هذا معمول به، هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه وله شاهدان" الحاكم في مستدركه ج 4 ص 409 ح 8101 تعليق الذهبي في التلخيص: صحيح وهو عند ابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه ص: 427 ح 563 بزيادة في آخره ونصها" .. أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من حرق بالنار أو مثل به، فهو حر، وهو مولي الله ورسوله." وانظر فتح الباري شرح صحيح البخاري ج 12 ص 203 باب من أظهر الفاحشة واللطخ بغير بينة ن دار التقوى ومكتبة العلم س 2000 م ونيل الأوطار ج 14/ 7 - 16 وسبل السلام 1186 وشرح النيل 15 ص 75 - 76 و 270 والقرطبي الجامع لأحكام القرآن 314/ 5 و 246/ 2 والجلاء 165 - 166 و 174 و 206 ط 2 والهيميان 484/ 2 وشروح فتح القدير ج 149/ 9 وفقه السنة 527/ 2 - 530 واللباب 158/ 14.
09 (1/59)
صفحة 60
عَلَى مَنْ نُصْرَتِي؟ قَالَ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَوْ قَالَ كُلِّ مُسْلِمٍ " (1)
قَالَ أَبُو دَاوُدَ الَّذِي عَتَقَ كَانَ اسْمُهُ رَوْحَ بْنَ دِينَارٍ قَالَ أَبُو دَاوُدَ الَّذِي جَبَّهُ زِنْبَاعٌ قَالَ
أَبُو دَاوُد هَذَا زِنْبَاعٌ أَبُو رَوْحٍ كَانَ مَوْلَى الْعَبْدِ.""
وأخرج الدار قطني وابن أبي شيبة وغيرهما عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: " أنَّ أبا بكر وعمر كانا لا يقتلان الحر بالعبد
1 - سنن أبي داود ج 4 ص 425 ح 4519 ط دار ابن حزم. وأخرجه ابن ماجة ح 2679 - 2680 مع تعليق مصباح الزجاجة ج 3 ص 292 - 293 ط دار المعرفة وتحفة الأشراف 8716 وأحمد 7.96 وابن أبي عاصم بلفظ آخرح 280 وابن أبي شيبة في مسنده 673 وابن ماجة 2679 والطبراني في الكبير وغيرهم من عدة طرق وانظر تخريجه في ابن ابي عاصم في الديات في ح 280 مرجع سابق.
- أبو داود السابق.
- أخرجه ابن أبي عاصم في الديات ح 241 وابن أبي شيبة في مصنفه باب 117 ص 369 (الرجل يقتل عبده من قال لا يقتل به والباب 118 (الرجل يقتل عبد غيره) والبيهقي في الكبرى؛ ح 15936 وعبد الرزاق في المصنف،18139، وابن ماجه (888/ 2 ح (2662). والدارقطني (134/ 3 ح 161) وغيرهم. وانظر: سبل السلام للصنعاني (3/ 233) والاستذكار لابن عبد البر (177/ 8) والمراجع
الآتية.
60 (1/60)
صفحة 61
وأخرج البيهقيُّ عَنِ ابْنِ أَبِى جَعْفَرٍ عَنْ بُكَيْرٍ بن عبد الله الأشج: أَنَّ السُّنَّةَ مَضَتْ
بِأَنْ لَا يُقْتَلَ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ بِالْعَبْدِ وَإِنْ قَتَلَهُ عَمْدًا وَعَلَيْهِ الْعَقْلُ."
وذهب داؤد الظاهري إلى أنَّ العبد يقتص من الحر في النفس وما دونها من أعضاء، مستدلا بعموم قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْس) وقوله: "المسلمون تتكافأ دماؤهم الحديث المتقدم؛ إذ لم يفرق بين حر وعبد. وبه قال ابن أبي ليلى.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنَّ الحر يقتل بالعبد إذا قتله، أما ما دون النفس فلا قصاص له.
1 - بكير بن عبد الله الأشج المدني الفقيه "ع". نزيل مصر أبو عبد الله عن أبي أمامة سهل ومحمود بن لبيد، وعنه الليث وحماد. قال ابن المديني لم يكن بالمدينة بعد كبار التابعين أعلم من ابن شہاب ويحيى الأنصاري وبكير بن الأشج. وقال ابن حبان: من ثقات أهل مصر وقرائهم. قال الذهبي: مات سنة اثنتين وعشرين ومائة حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة (2981) للسيوطي (تهذيب التهذيب 1: 491. للحافظ ابن حجر العسقلاني.
2 - البيهقي معرفة السنن والآثار (12/ 34 15758 منع قتل الحر بالعبد، والسنن الكبرى له المذيل بالجوهر النقي لعلاء الدين علي بن عثمان المارديني الشهير بابن التركماني الناشر: مجلس دائرة المعارف النظامية الكائنة في الهند ببلدة حيدر آباد. ح 16364 ج 8 ص 25، والخلافيات بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفة وأصحابه ت النحال؛ له. 527/ 6 4782 وانظر: نيل الأوطار للشوكاني 15/ 7 ونصب الراية ج 339/ 4 والبدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير لابن الملقن سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الشافعي المصري المتوفى سنة 804 هـ، ج 8 ص 370 تحقيق مصطفى أبو الغيط وعبد الله بن سليمان وياسر بن كمال. ط 1. (1/61)
صفحة 62
ورُدَّ عليهم كلهم بما تقدم من الأدلة الناصة على عدم قتل الحر بالعبد، وأن قوله تعالى: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ مطلق وآية "كُتِبَ عَلَيْكُمْ" مُقيّدة ومبينة له وصريحة في هذه الأمة، وتلك سيقت في أهل الكتاب.
وعلى فرض أنها شرع لنا فإنَّ إطلاقها مقيَّد بآية كُتِبَ عَلَيْكُمْ" والمطلق يحمل على المقيَّد، والعام يُرد إلى الخاص، وأنَّ حديث "المسلمون تتكافأ دماؤهم" أُريد به الأحرار فقط، وأنَّ العبد سلعة من السلع؛ يباع ويشترى ويتصرف فيه الحرُّ كيف شاء، فلا مساواة بينهما ولا مقاومة.
كما رُدَّ على أبي حنيفة وأصحابه أيضا أنَّه لما لم يروا القصاص في الأعضاء فعدم القصاص في النفس من باب أولى، ومراعاة بقاء النفس وحرمتها أولى. (1)
كما استدل المثبتون للقصاص أيضا بما روي من طريق الحسن عن سمرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من قتل عبده قتلناه ومن جدع عبده جدعناه"
رواه الخمسة (2) وقال الترمذي حديث حسن غريب. وفي رواية لأبي داود والنسائي: ومن خَصَى عبده خصيناه " (3)
1 - ينظر المراجع السابقة.
2 - أخرجه ابن داود في سننه ح 4515 - 4517 مع تعليق الخطابي ج 4 ص 426 والترمذي في الديات ح 1414 والنسائي في القسامة ح 4741 - 4742 وابن ماجه في الديات ح 2663 مع تعليق مصباح الزجاجة ج 3 ص 284 ط دار المعرفة، وانظر ابن ابي عاصم الديات ح 131 - 133 مع تخريجها والتعليق عليها.
- أبو داود ح 4516 - 4517 والنسائي ح 4742 ينظر أيضا المراجع السابقة.
62 (1/62)
صفحة 63
وفي إسناد هذا الحديث ضعف؛ لأنَّه من رواية الحسن عن سمرة، وفي سماعه منه كلام طويل، ولأن الحسن مدلس، وقد عنعنه وليس البحث هنا بحث سماع الحسن من سمرة هل لَقِيَه أم لا؟ ولكن البحث بحثُ التدليس. وقد قال الذهبي في السير: ج 588/ 4 " قد صح سماعه في حديث العقيقة، وفى حديث النهي عن المثلة من سمرة، وإنَّما أعرض أهل الصحيح عن كثيرٍ مِمَّا يقول فيه الحسن: "عن فلان" وإن كان مما قد ثبت لقِيُّهُ فيه لفلان المعيَّن لأنَّ الحسن معروف بالتدليس ويُدلّس عن الضعفاء فيبقى في النفس من ذلك، فإننا وإن ثبتنا سماعه من سمرة، يجوز أن يكون لم يسمع فيه غالب النسخة التي عن سمرة. والله أعلم وفي "مسند أحمد" حديث آخر صرح فيه الحسن بسماعه من عمران بن حصين. أخرجه أحمد من طريق هشام بن القاسم، حدثنا المبارك، عن الحسن، أخبرني
عمران بن حصين قال أمر رسول الله له بالصدقة، ونهى عن المثلة.
وفي "مسند أحمد " من طريق هشيم حدثنا حميد، عن الحسن، قال: جاء رجل، فقال: إن عبدا له أبق، وإنه نذر إن قدر عليه أن يقطع يده، فقال الحسن: حدثنا
سمرة قال: قلما خطب النبي لا اله إلا أمر فيها بالصدقة، ونهى فيها عن المثلة"
1 - ابن حنبل في مسنده ج 5 ح 20148، وح 20238 وأخرجه ابن الجارود في المنتقى ج 1 ص 265 ح 1056 بلفظ: " عن الحسن عن الهيَّاج أن غلاما لعله قال لأبيه أبق فجعل عليه نذرا لئن قدر عليه ليقطعن منه طائفا فلما قدم عليه أرسلني إلى عمران بن حصين، فسألته فقال عمران من أراد أن يعتق غلامه أو يكفر عن يمينه، فإن رسول الله له كان يحثنا على الصدقة وينهي عن المثلة، قال فأتيت سمرة فقال مثل قول "عمران" وأخرجه النسائي في سننه الكبرى ج 2 ص 299 ح 3510 من طريق قتادة عن انس بلفظ: " قال * كان رسول الله لا يحث في خطبته على الصدقة وينهى عن المثلة"
63 (1/63)
صفحة 64
وقال البيهقي: قَالَ قَتَادَةُ: ثُمَّ إِنَّ الْحَسَنَ نَسِيَ هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ: "لاَ يُقْتَلُ حُرِّ
بِعَبْدِ.
" I
قَالَ الشَّيْخُ البهقي نفسه} يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْحَسَنُ لَمْ يَنْسَ الْحَدِيثَ لَكِنْ رَغِبَ عَنْهُ لِضَعْفِهِ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ رَغِبُوا عَنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ غَيْرَ حَدِيثِ الْعَقِيقَةِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ: قَالَ أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: لَمْ يَسْمَعِ الْحَسَنُ مِنْ سَمُرَةَ. قَالَ وَسَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ لَمْ يَسْمَعِ الْحَسَنُ مِنْ سَمُرَةَ شَيْئًا هُوَ كِتَابٌ.
قَالَ يَحْيَى فِي حَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ: "مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ ذَاكَ فِي سَمَاعِ الْبَغْدَادِيِّينَ وَلَمْ يَسْمَعِ الْحَسَنُ مِنْ سَمُرَةَ، وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِي، فَكَان يُثْبِتُ سَمَاعَ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. " (1
1 - سنن البيهقي الكبرى المذيلة بالجوهر النقي ح 16367 ج 8 ص 27 باب ما روي فيمن قتل عبده، وفي الصغرى " باب الحر يقتل العبد " قال: " وروينا عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن الحسن، أنه قال:" لا يقاد الحر بالعبد " ومعلوم من علم الحسن البصري، ومتابعته رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما بلغه أنه لا يخالفه فيما يرويه عنه، وتوهم النسيان عليه دعوى، فلما قال في هذا الحكم بخلافه علمنا أنه وقف على ما أوجب التوقف فيه، إما بأن بلغه ما نسخه، أو لم يثبت عنده إسناده، وكان يحيى بن معين ينكر سماع الحسن من سمرة بن جندب، ويقول: هو من كتاب، وكان شعبة أيضا ينكره، وزعم بعض الحفاظ أنه لم يسمع من سمرة غير حديث العقيقة واخرجه ابو داود باب من قتل عبده أو مثل به المرجع السابق، وانظر ابن أبي عاصم ص 286 - 289 المرجع السابق.
64 (1/64)
صفحة 65
وأجيب عنه أولا بما تقدم من الكلام فيه، وثانيا: أنَّ الأحاديث القاضية بعدم
قتل الحر بالعبد رويت من طرق كثيرة يقوّي بعضها بعضا فتصلح للاحتجاج.
وثالثا: بأنه خارج مخرج التحذير، ورابعا: بأنه منسوخ ويؤيد ذلك فتوى الحسن بخلافه، وخامسا: بأنَّ النهي أرجحُ؛ كما تقرر في الأصول، والأحاديث المذكورة بأنَّه لا يقتل حر بعبد مشتملة على النهي، وسادسا: بأنَّ النهي عن قتل الحر بالعبد يُفهم من دليل الخطاب في قوله تعالى: الْخَرُ بِالخَرَ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ البقرة آية 178
أمَّا إِنْ قَتَل العبد الحرَّ فإنه يقتل به؛ سواء غلت قيمته أم رخصت باتفاق أهل العلم، وعلى سيده دفعه برمته سواء أكان المقتول ذكراً أم أنثى؛ إن كان المقتول موحدا، وذلك إن أراد ولي المقتول قتله، وإن أراد استرقاقه فله ذلك، وإن أعتقه فله ذلك، وهو بالخيار أيضا بعد عتقه بين أن يعفو عنه أو يقتله.
وقيل الخيار للسيد بين أن يدفعه لأولياء المقتول أو يفديه بقيمته واستدل أصحاب هذا القول بما روي عن رسول الله أنه قال:" من جنى عبده فهو بالخيارين إما أن يفديه بقيمته أو يدفعه برقبته " (1)
قال ابن عبد البر: " .. وقال مالك والليث والشافعي وابن شبرمة، لا يقتل حر بعبد، وبه قال أبو ثور، وأحمد وإسحاق، وهو قول الحسن، وعطاء، وعكرمة وعمرو ابن دينار، وعمر بن عبد العزيز، وسالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد،
1 - احتج بهذه الرواية الإمام القطب الله في شرح النيل ج 14 ص 758 وذكر المعلق أنه رواه الترمذي وأبو داود والنسائي ولم أجده في هذه الثلاثة بهذا اللفظ ينظر أيضا ابن أبي شيبة ج 6 ص 328 - 329 ط دار الفكر. (1/65)
صفحة 66
والشعبي، قال وكيع حدثني شعبة عن مغيرة عن الشعبي قال: إذا قتل الرجل عبده عمدا لم يقتل به .. "
وبه قال جملة من أهل العلم منهم الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح وإسحاق. ليس بين الحر والعبد قصاص في النفس ولا فيما دون النفس.
6
وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي وزيد وابن الزبير له وهو ما يؤيده مفهوم كتاب الله العزيز: (الْحُرُّ بِالْحُرِ) [البقرة: 178]
وإن قتل العبد العبد أو جرحه فإنه يقاد به لاتحاد المماثلة بينهما.
وجناية المدبَّر على مولاه وهو عبد على مولاه أن يُسلمه وإن شاء فداه بقيمته وذلك على القول بالخيار له.
وأما المكاتب فجنايته على نفسه، وإن وجب عليه أرش فعليه بالمحاصصة بين المجني عليه ومكاتبه وإن جُني عليه فهو له دون مكاتبه. (3)
واختلف في أم الولد فقيل على سيدها الذي ولدت له، وقيل: في رقبتها.
6
1 - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: 463 هـ) الاستذكار 176/ 8، تحقيق: سالم محمد عطا، محمد علي معوض الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى، 1421 هـ 2000 م ذات 9 أجزاء.
- راجع النيل وشرحه 758/ 14 و 192/ 15 و 196 وشرح مسلم للنووي ج 165/ 11، والمصنف لابن أبي شيبة 328/ 6 - 335 ط دار الفكر 1994 م والأم للشافعي ج 7 ص 519 فما بعدها.
- ابن أبي شيبة المصدر السابق وص 345 - 347 منه، وشرح الجامع للإمام السالمي ج 432/ 3 وابن جعفر ق 3 ص 58 - 66 م. (1/66)
صفحة 67
وإن قتل العبد المسلم الذميَّ فلا يقتل به لعدم جواز قتل المسلم بالمشرك مطلقا كما سيأتي بعد إنْ شاءَ اللهُ تعالى، ولكن لأولياء القتيل استخدامه أو بيعه وذلك إذا سلمه سيده إليهم وكَرِهَ فداه، وإن فداه فليس لهم إلا دية صاحبهم وما فضل من القيمة فللسيد وإن نقصت قيمته فليس لهم إلا تلك القيمة.
وإن قتل غاصبه خطأ فلا شيء عليه، وإن عمدا فإن كان على حال المحاربة والدفاع عن النفس فلا شيء عليه أيضا، وكذا إن قتله غيلة لقصد التخلص منه. وإن قطع يد غاصبه فلا شيء عليه، (1) وقيل عليه التبعة في قتل العمد فيقتل به ولسيده أن يرجع بطلب قيمته على ورثة الغاصب إن قتلوه به وإن عدا على غير غاصبه فللمجني عليه أن يرجع على العبد ويرجع السيد على الغاصب بقيمته في النفس أو ما ذهب منه فيما دونها. (2)
1 - المراجع السابقة وبيان الشرع ج 36 ص 237 فما بعدها.
2 - ابن جعفر ق 30/ 3 وشرح النيل 758/ 14 وبيان الشرع السابق ص 241 فما بعدها، وانظر: الجزء الأول من: "أثر القواعد الفقهية لهذا العبد الفقير، فرع التدبير، وفرع المكاتبة، وفرع الرق، تكمل لك الفائدة بإذن الله.
67 (1/67)
صفحة 68
المسألة السادسة في اشتراط التكافؤ في الإسلام
تشترط المماثلة أيضا في الإسلام فلا يقتل مسلم بكافر ولو معاهداً ولا قصاص له من المسلم فيما دون النفس كما لا قود له في النفس وذلك لعلو الإسلام على الكفر، والدليل على ذلك ما روي عنه أنه قال: " .. ولا يُقتل مسلم بكافر." (1) وهذا هو مذهب الجمهور من موافق ومخالف.
-- وقد ورد الحديث بعدة ألفاظ من طرق كثيرة يصعب حصرها في هذا المختصر، وتقدم أيضا في المسألة الثانية مع التخريج في "المسلمون تتكافأ دماؤهم وهو جزء من حديث رواه الإمام الربيع بسنده العالي في الديات من طريق ابن عباس، ورواه البخاري واحمد والنسائي وأبو داود وابن ماجه والترمذي عن أبي جحيفة من طريق علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وفي لفظ أبي داود "ولا يقتل مؤمن بكافر" وأخرجه أيضا ابن ماجة من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ه، وأخرجه ابن ماجة من طريق ابن عباس، والبيهقي من طريق السيدة عائشة رضي الله عنها، بلفظ: "لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده انظر: الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب ه ح 664 وشرح الجامع الصحيح لنور الدين السالمي ج 431/ 3 والبخاري في الجهاد باب فكاك الأسير ح 3047 وفي العلم ح 111 وفي الديات 6903 باب العاقلة و 6915 باب لا يقتل المسلم بالكافر وابن ماجه ح 2658 - 2660 وأبو داود ح 4530 باب أيُقاد المسلم بالكافر؟ بتعليق الخطابي والنسائي في القسامة ح 4738 - 4748 والترمذي في الديات 1412 وابن أبي شيبة ج 6 ص 363 - 364 بتعليق اللحام ط 1414 هـ وأبو داود في الجهاد ح 2751 مرجع سابق، ". ينظر أيضا فتح الباري لابن حجر: 272/ 12 الجامع لابن بركة ج 2/ 505 والجلاء 164 ط 1 وشرح النيل ج 15/ 270 وسبل السلام ج 3 ص 1188 فما بعدها نشر مكتبة عاطف ط دار الجيل، وفقه السنة 2/ 530.527 والخلاصة 2/ 430 ط 1 ونيل الأوطار ج 7 ص -8 فما بعدها والأم للشافعي ج 6 ص 56 - 59 من لا قصاص بينه لاختلاف الدين وج 7 ص 523 فما بعدها باب دية أهل الدِّمة. وانظر المسألة الثانية من هذا الفصل فقد سبق تخريج هذه الأحاديث في " المسلمون تتكافأ دماؤهم."
68 (1/68)
صفحة 69
وخالف الحنفية في ذلك فقالوا: يقتل المسلم بالكافر إذا قتله بغير استحقاق ولا يقتل بالمستأمن.
وعن الشعبي والنخعي يقتل باليهودي والنصراني دون المجوسي))
(1)
واحتجوا بما روي من طريق عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها" ولا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده." الحديث المتقدم.
:قالوا وجه الاستدلال أنَّ تقديره ولا يقتل ذو عهد في عهده بكافر. وهو من باب عطف الخاص على العام فيقتضي تخصيصه بالكافر الحربي تسوية بين
المعطوف والمعطوف عليه، أما غير الحربي فيقتل به المسلم.
ورُدَّ عليهم بأنَّ معنى الحديث لا يقتل مسلم بكافر، قصاصا، ولا يقتل من له عهد ما دام عهده باقيا.
وفائدته أنَّ النبي الله لما أسقط القود عن المسلم إذا قتل الكافر أوجب ذلك توهين حرمة دماء الكفار، فلم يؤمن من وقوع شبهةٍ لبعض السامعين في حرمة دمائهم، وإقدام المسرع من المسلمين إلى قتلهم، فأعاد القول إلى حظر دمائهم، دفعا للشبهة، وقطعا لتأويل المتأول
هذا هو الذي يقتضيه سياق الحديث ونظم الكلام؛ فإن قوله صلى الله عليه وسلم - في صدر الحديث -:" المسلمون تتكافأ دماؤهم" وقوله: "وهم يد على من سواهم" يدل على إعلاء كلمة الإسلام وإعزاز أهله، وتوهين أمر الكفر وإرغام حزبه، فإذا قتل بعد
1 - انظر عون المعبود شرح سنن أبي داود محمد شمس الحق العظيم آبادي أبو الطيب، ج 12 ص 46 باب من قتل بعد أخذ الدية. فتح الباري 12 ص 261 باب لا يقتل المسلم بالكافر.
69 (1/69)
صفحة 70
ذلك، فلا يقتل من أعزه الله بالإسلام ورفع درجته بمن ضربت عليه الذلة والمسكنة بتنافر النظام، وذلك إنما هو تتميم لمدحهم وصون لهم من نقض
العهد. (1)
وأنَّ الصحيح المعلوم من كلام المحققين من النحاة وغيرهم عدم لزوم اشتراك المعطوف والمعطوف عليه إلا في الحكم الذي لأجله وقع العطف؛ وهو هنا النهي عن القتل مطلقاً، من غير نظر إلى كونه قصاصاً أو غير قصاص.
فلا يستلزم كونُ إحدى الجملتين في القصاص أن تكون الأخرى مثلها حتى يثبت ذلك المدَّعَى، وهو كقول القائل: مررت بزيد منطلقاً وعمرو، فلا يلزم أن يكون مرّ بعمرو منطلقاً أيضاً، بل المشاركة في أصل المرور عليه فقط لا غير.
ولا حجة لهم في حمل الحديث على المستأمن؛ لأنَّه عام والعبرة بعموم اللفظ حتى يقوم دليل على التخصيص ولا دليل لهم في ذلك.
6
ومن حيث المعنى فإنَّ الحكم الذي يبنى في الشرع على الإسلام والكفر إنما هو لشرف الإسلام أو لنقص الكفر، أو لهما جميعا فالإسلام ينبوع الكرامة والعزة، والكفر ينبوع الهوان والذلة.
1 - المراجع السابقة، وانظر ابن أبي عاصم المرجع السابق ص 257 - 262.
V. (1/70)
صفحة 71
وأيضا فإن إباحة دم الذمي شبهة قائمة لوجود الكفر المبيح للدم، والذمة إنما هي عهد عارض مَنَعَ القتل مع بقاء العلة، فمن الوفاء بالعهد أَلَّا يَقتُل مسلمٌ ذِمّيا، فلو قتله لم يقد به لوجود الشبهة (1)
ورواية الربيع (2) تنص ولا يقتل ذو عهد في عهده ولا يقتل مسلم بكافر." بتقديم ولا يقتل ذو عهد في عهده، فبهذا يسقط استدلالهم أيضا لأنهم يستدلون بعطف جملة ولا ذو عهد في عهده على قوله: "ولا يقتل مؤمن بكافر "وهنا في مسند الربيع متقدمة فبذلك سقط استدلالهم.
واحتجوا بمفهوم المخالفة؛ قالوا: يدل بمفهومه أنَّ المسلم يُقتل بالكافر الذمي. وأجيب عنه بأن الاستدلال بالمفهوم غير صحيح أيضاً؛ لأنه مفهوم صفة، والخلاف في العمل به مشهور بين أئمة الأصول، ومن جملة القائلين بعدم
1 - المراجع السابقة لاسيما نَيْل الأوطار، وسبل السلام، وشرح فتح القدير ج 9 ص 150 فما بعدها. - هو الإمام المحدث الربيع بن حبيب الفراهيدي العماني البصري ينتسب إلى فراهيد بن مالك بن فہم اختلف المؤرخون في تاريخ ولادته وقد استظهر الشيخ سعيد القنوبي أنه ولد في النصف الثاني من العقد الثامن من القرن الأول أي بين سنتي 75 - 80 هـ ولد بعمان في منطقة الباطنة بغضفان التابعة لولاية لوى، سافر إلى البصرة سنة 92 أو 93 هـ وتلقى العلم هنالك على يد شيوخ أفذاذ كالإمام جابر بن زيد والإمام أبي عبيده مسلم بن أبي كريمة، وضمام بن السائب وأبي نوح صالح بن نوح الدهان. وممن تتلمذ على يديه: محبوب بن الرحيل، وموسى بن أبي جابر - رحمهما الله - كان متضلعا في علم الحديث له كتاب الجامع الصحيح وهو من حيث الجملة أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى توفي بين سنتي 175 - 180 تقريباً على الراجح ينظر الربيع بن حبيب مكانته ومسنده للعلامة سعيد القنوبي - حفظه الله - وشرح الجامع الصحيح ص 3 - 5.
71 (1/71)
صفحة 72
الاحتجاج به الحنفية أنفسهم، فكيف يصح احتجاجهم به وهو مخالف لقواعدهم الأصولية؟
واحتجوا بالمقدَّر المحذوف؛ وهو تقديره بالكافر الحربي، قالوا: هو مخصص العموم الحديث والتقدير: لا يقتل مؤمن بكافر حربي ولا ذو عهد في عهده بكافر
وأجيب عنه بأن الاستدلال بالمقدر المحذوف بأنه مخصص للعموم غير مسلم وأنه لا يخصص عموماً عند الجمهور خلافاً للحنفية.
واحتجوا أيضا بما أخرجه الدار قطني من طريق عمار بن مطر عن إبراهيم بن أبي يحيى عن ربيعة عن ابن البيلماني عن ابن عمر قال: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلما بكافر وقال: "أنا أكرم من وفى بذمته " (1)
وأجيب عن ذلك بأن الحديث ضعيف فإنَّ ابن البيلماني ضعفه جماعة من أئمة الحديث فلا يحتج بما ينفرد به، فكيف إذا أرسل أو خالف ما هو أقوى منه، وهو هنا مرسل مخالف للحديث الصحيح، وبمثل هذا لا تسفك دماء المسلمين. وحديث ابن البيلماني هذا كان في قصة المستأمن الذي قتله عمرو بن أمية الضمري، فلو ثبت لكان منسوخا بحديث: "لا يقتل مسلم بكافر " وذلك في
1 - الدار قطني ح 165 وابن ابي شيبة المصنف ج 6 ص 363.362 دار الفكر 1414 هـ
72 (1/72)
صفحة 73
(1)
خطبته يوم الفتح، وقصة عمرو بن أمية متقدمة على ذلك بزمان)) ومِمَّا يدل على عدم صحة حديث ابن البيلماني ما أخرجه الْبَهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ نَقْلًا عَنْ الشَّافِعِيِّ: قَالَ: "بَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْبَيْلَمَانِيِّ رَوَى: أَنَّ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضّمْرِيَّ قَتَلَ كَافِرًا كَانَ لَهُ عَهْدٌ إِلَى مُدَّةٍ، وَكَانَ الْمَقْتُولُ رَسُولًا، فَقَتَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِهِ، قَالَ: وَهَذَا خَطَةٌ، فَإِنَّ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الصّمْرِيَّ عَاشَ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم دَهْرًا، وَعَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ قَتَلَ رَجُلَيْنِ وَدَاهَمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ لَهُ: "قَتَلْتَ رَجُلَيْنِ لَهُمَا مِنِّي عَهْدٌ
لَأَدِيَنَّهُمَا". (2)
1 - راجع فتح الباري 272/ 12 - 274 فما بعدها والجلاء 172 - 174 ط 2 و 207 - 208 والقرطبي 247/ 2 ونيل الأوطار 8/ 7 - 12 وطلعة الشمس للإمام السالمي ج 160/ 1 و 260 ط التراث، وسنن أبي داود مرجع سابق بتعليق عزة عبيد الدعاس وعادل السيد والأم للإمام الشافعي ج 7 ص 523، فما بعدها مع التعليق مرجع سابق، ونص ما في الأم ... وَالَّذِي قَتَلَهُ عَمْرُو بن أُمَيَّةَ قبل بَنِي النَّضِيرِ وَقَبْلَ الْفَتْحِ بِزَمَانٍ وَخُطْبَة النبي صلى الله عليه وسلم "لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ" عَامَ الْفَتْحِ قُلْت: فَلَوْ كَان كما تَقُولُ كَان مَنْسُوخًا، قال فلم لم تَقْبَلْ بِهِ وَتَقُولُ هو مَنْسُوخٌ وَقُلت: هو خَطَةٌ قُلْتُ عَاشَ عَمْرُو بن أُمَيَّةَ بَعْدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم دَهْرًا طَوِيلًا، وَأَنْتَ إِنَّمَا تَأْخُذُ الْعِلْمَ من بَعْدُ ليس لَك بِهِ مِثْلُ مَعْرِفَةِ أَصْحَابِنَا، وَعَمْرُو قَتَلَ اثْنَيْنِ وَدَاهُمَا النبي ولم يَزِدْ النبي صلى الله عليه وسلم عَمْرًا على أَنْ قال: قَتَلْتَ رَجُلَيْنِ لَهُمَا مِنِّي عَهْدٌ لَأُدِيَنَّهُمَا. انظر الأم للشافعي ج 7 ص 323 ط دار المعرفة. وانظر التعليق الذي بعده.
1 - ينظر: البيهقي معرفة السنن والآثار ج 12 ص 28 تحقيق عبد المعطي أمين قلعجي ط 1، والتعليق المغني على الدار قطني لأبي الطيب المرجع السابق، والأم للإمام الشافعي ج 7 ص 529 فما بعدها باب دية أهل الذمة، ج 7 ص 323 ط دار المعرفة، مع ذكر احتجاجات أخرى مفيدة، ونصب الراية لأحاديث الهداية مع حاشيته بغية الألمعي في تخريج الزيلعي 4/ 337، وأخرج الترمذي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ودى العامريين الذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري وكان لهما عهد لم يشعر به
73 (1/73)
صفحة 74
واستدل بعضهم بقتل عبيد الله بن عمر جفينة والهرمزان وابنة أبي لؤلؤة وأنَّ المهاجرين أشاروا على عثمان بقتله بالهرمزان وجفينة وأنهما كانا ذميين.
وأجيب بأن ذلك غير مسلم فإن الهرمزان كان مسلما ويدل على ذلك حديث أنس قال:" حاصرنا تَستُر فنزل الهرمزان على حكم عمر، فأسلم الهرمزان وفرض له
عمر ...
صلے
(1) "
واحتجوا أيضا بعموم قوله تعالى: (يَأْيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى .. 178 سورة البقرة، وبقوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) (45 المائدة قالوا: إنَّ الأصل في القصاص العموم ولا مخصص وإنَّ المسلم والذمي متساويان في الحرمة في الدم."
ورُدَّ عليهم بما تقدم من الأحاديث الناصة على عدم قتل المسلم بالكافر وأنَّ حديث "لا يقتل مؤمن بكافر" خصص عموم، الآيتين، وأنَّ آية المائدة إنما جاءت
عمرو بدية المسلمين. وقال: غريب وفي إسناده أبو سعيد البقال لا يحتج بحديثه، والراوي عنه أبو بكر بن عياش سبق الكلام عليه، وتوفي عمرو بن أمية في آخر خلافة معاوية قبل عام ستين كما في
أسد الغابة ج 4 ص 86 فالقول بأن النبي صلى الله عليه وسلم قتله بالعامريين مخالف للحقيقة ظاهر بطلانه. ينظر أيضا نيل الأوطار ج 7 ص 66 وهيميان الزاد للقطب له تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) المائدة (11)، وسائر التفاسير للآية الكريمة، وتفسير سورة الحشر. والمسألة التي قبل هذه، والمسألة الثانية عشرة من الفصل الثاني، وضم الجميع معا تحصل لك
الفائدة بإذن الله عل.
1 - نصب الراية ج 338/ 4.
74 (1/74)
صفحة 75
للرد على اليهود أخزاهم الله؛ في المفاضلة بين القبائل وأخذهم من قبيلة رجلا برجل ورجلين برجل من أخرى، وأنها إخبار عن شرع من قبلنا، وأنه كان مكتوبا على أهل التوراة وهم ملة واحدة، وأنها أوجبت الحكم عليهم إذ كانت دماؤهم تتكافأ، وأن الذي يحكم به على أهل القرآن إنما تتكافأ النفوس فيما بينهم، أما مع اختلاف الملة فليس في كتاب الله ما يدل على أنَّ النفس بالنفس، وأنَّ آية البقرة جاءت في خطابها للمؤمنين والعمل بها جمع بين الدليلين وهو أولى وهي مخصصة لعموم آية المائدة.
واستدلوا أيضا بما رواه الطبراني أنَّ عليا أُتِيَ برجل من المسلمين قتل رجلا من أهل الذمة وأمر بقتله فعفا أخوه وفيه أنَّ عليَّا قال دمه كدمنا وديته كديتنا." وهو مردود من وجهين أحدهما: أنَّ في إسنادِهِ أبا الجنوب الأسدي وهو ضعيف. ثانيهما: أنَّه مذهب صحابي موقوف عليه، والثابت عن علي كرم الله وجهه روايته عنه أنه "لا يقتل مسلم بكافر" والحجة في الرواية.
واستدلوا بما روي عن عمر ه: أنه قال في مسلم قتل معاهدا: "إن كانت طيرة في غضب فعلى القاتل أربعة آلاف وإن كان القاتل لصا عاديا فيقتل."
وأجيب عنه من وجوه أيضا: أحدها: أنه مذهب صحابي ولا حجة فيه، وثانيها: أنه رتب الحكم على كون القاتل لصا عاديا، وذلك خارج عن محل النزاع.
ثالثها: أنه أسقط القصاص عن القاتل في الغضب، فلو كان القصاص واجبا لما أسقطه بذلك.
Yo (1/75)
صفحة 76
رابعها: أنها لم تثبت عن عمر له فجميع القصص المروية عنه منقطعات أو ضعاف أو تجمع الانقطاع والضعف معا. (1)
قلت: وعلى فرض صحة ذلك عن عمر له فإنه قد روي رجوعه عنه كما روي رجوعه عن كثير من اجتهاداته لما بلغه عن رسول الله له ما يخالفها أخذا منه بالمنصوص عن صاحب الرسالة المحمدية صلوات الله وسلامه عليه، فقد روى الطبري من طريق النزال بن سبرة أنَّ رجلا من المسلمين قتل رجلا من أهل الحيرة نصرانيا عمدا فكتب في ذلك إلى عمر فكتب أن أقيدوه به، فدفع إليه فكان يقال له اقتله فيقول: حتى يجيئ الغيظ حتى يجيئ الغضب. فبينما هم كذلك إذ جاء كتاب من عند عمر أن "لا تقتلوه فإنه لا يقتل مؤمن بكافر وليعط الدية" (2) ومثل ذلك كثير، أمَّا على القول بعدم صحة تلك الروايات عنه له كما هو الظاهر
فلا إشكال.
وقد روي
أنَّ زفر بن الهذيل بن قيس العنبري التميمي 110 - 158 هـ، وهو من أكابر فقهاء الحنفية بل من أصحاب أبي حنيفة وملازمي حلقته والحاملين عنه، رَجَعَ عن رأيهم في القول بقتل المسلم بالكافر، إلى القول بعدم القتل.
فقد أخرج البيهقي في سننه الكبرى، والعقيلي في الضعفاء الكبير، والخطيب البغدادي؛ في كتابه الفقيه والمتفقه، من طريق عبد الواحد بن زياد ... حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ لَقِيتُ زُفَرَ فَقُلْتُ لَهُ صِرْتُمْ حَدِيثًا فِي النَّاسِ وَضُحْكَةً قَالَ وَمَا
1 - نيل الأوطار 12/ 7 وسنن البيهقي الكبرى مع الجوهر النقي ج 32/ 8 - 33 والأم للإمام الشافعي ج باب دية أهل الذمة، مرجع سابق.
2 - كنز العمال ج 95/ 15 - 96 وسنن البيهقي والأم للشافعي المرجع السابق.
76 (1/76)
صفحة 77
ذَاكَ قَالَ: قُلْتُ: تَقُولُونَ فِي الأَشْيَاءِ كُلَّهَا: ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّيَاتِ. وَجِئْتُمْ إِلَى أَعْظَمِ الْحُدُودِ فَقُلْتُمْ: تُقَامُ بِالشُّبُهَاتِ، قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:" لَا يُقْتَلُ
مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ." فَقُلْتُمْ يُقْتَلُ بِهِ قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ السَّاعَةَ أَنِّي قَدْ رَجَعْتُ عَنْهُ.
قلتُ - والكلام للخطيب: كان زفرُ بنُ الهذيل من أفاضل أصحاب أبي حنيفة، فلما حاجه عبد الواحد في مناظرته، وفتّ في عضده بحجته، أشهده علي رجعته، خيفةً من مدع يدعي ثباته على قوله الذي سبق منه بعد أن تبين له أنَّه زلةٌ وخطأ، وكذلك يجب على كل من احتج عليه بالحق أن يقبله ويسلم له، ولا يحمله اللجاج والجدل على التقحم في الباطل مع علمه به، قال الله تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ، فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (الأنبياء. (1)
1 - البيهقي السنن الكبرى وفي ذيله الجوهر النقي ج 8 ص 38 ح 16347، والذهبي سير اعلام النبلاء وقال: قُلْتُ: هَكَذَا يَكُون العَالِمُ وَقَافاً مَعَ النَّصّ.
والخطيب البغدادي: أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي، 392 - 463 هـ، الفقيه والمتفقه بتحقيق عادل بن يوسف العزازي، ن دار ابن الجوزي بالسعودية، سنة 1417 هـ "فصل السكوت عن الجواب وابن حجر الفتح وصححه "باب" لا يقتل مسلم بكافر" قال: قُلْت: وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ زُفَرَ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ قَوْل أَصْحَابه فَأَسْنَدَ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: قُلْت لِزُفَرَ إِنَّكُمْ تَقُولُونَ تُدْرَأُ الْحُدُود بالشُّهَاتِ فَجِئْتُمْ إِلَى أَعْظَمِ الشُّيَات فَأَقْدَمْتُمْ عَلَيْهَا (وَقُلتُمْ} "الْمُسْلِمُ يُقْتَل بِالْكَافِرِ، قَالَ: فَاشْهَدْ عَلَيَّ أَنِّي رَجَعْت عَنْ هَذَا .. " فتح الباري المرجع السابق 12 ص 262. ويؤيد هذا المبدأ رواية " إقبل الحق ممن أتاك به .. " الحديث ذكره المتقي الهندي في "كنز العمال" 794/ 15) والديلمي 433/ 1، رقم 1762، والسيوطي في الجامع، عن ابن عباس وابن مسعود، وهو في "الفردوس بمأثور الخطاب عن ابن مسعود فذكره بدون سند، وعهد عمر ه لابي موسى
77 (1/77)
صفحة 78
وقد تمسك بما روي عن عمره في القصاص مالك والليث فقالا: يقتل المسلم بالذمي إذا قتله غيلة؛ مثل أن يضجعه فيذبحه. ولا حجة لهما في ذلك لما علمتَ مما مر فتنبه لذلك.
فإذا تبين لك هذا علمتَ أنَّ الحق ما ذهب إليه الجمهور، وهو عدم القصاص. ويؤيد ذلك أيضا قوله تعالى: وَلَن تَجْعَلَ اللهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً.
النساء.
فلو كان للكافر القصاص من المسلم لكان ذلك أعظم سبيل، وقد نفاه الله عنه، وما رواه البخاري: أنَّ مسلما لطم يهوديًا فترافعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يُثبت له القصاص.)
(1)
وسبب ذلك ما رواه أبو هُرَيْرَةَ، قال: "بينما يهودي يعرض سلعة له أعطي بها شيئا كره - أو لم يرضه، شك عبد العزيز -2 - قَالَ: لا والذي اصطفى موسى على البشر.
الأشعري: لَا يَمْنَعُكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَهُ رَاجَعْتَ فِيهِ نَفْسَكَ، وَهُدِيتَ فِيهِ لِرُشْدِكَ، أَنْ تُرَاجِعَ الْحَقَّ فَإِنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ، وَمُرَاجَعَةُ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنْ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ" أخرجه البيهقي في الصغرى، وفي معرفة السنن والآثار، باب ما على الحاكم في الخصوم، والكبرى باب من اجتهد ثم رأى أن اجتهاده خالف نصا أو إجماعا، و باب لا يحيل حكم القاضي على المقضى له والمقضي عليه، والمناوي في السُّبُل كتاب القضاء، والدار قطني في الأقضية والأحكام، كتاب عمر الله إلى أبي موسى الأشعري، والخطيب البغدادي في الفقيه والمتَفَقِه، والسخاوي في المقاصد الحسنة و العجلوني في كشف الخفاء، والمتقي الهندي في كنز العمال وغيرهم. وانظر أثر القواعد للباحث ج 1" تفويض القضاء" ط 2، وضُم الجميع معا تحصل لك الفائدة بإذن الله.
1 - راجع فتح الباري شرح صحيح البخاري ج 274/ 12.
2 - قوله "شك" أي الراوي للحديث وهو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة.
V? (1/78)
صفحة 79
قال: فسمعه رجل من الأنصار فلطم وجهه. قال تقول: لا والذي اصطفى موسى على البشر ورسول الله الله بين أظهرنا؟ قال فذهب اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا القاسم، إنَّ لي ذمة، وعهدا، وفلان لطم وجهي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم لطمت وجهه؟ قَالَ: قال يا رسول الله، والذي اصطفى موسى على البشر وأنت بين أظهرنا. قال: فغضب رسول الله الله ثم قال: لا تفضلوا بين أنبياء الله ... " وفي رواية قال: "لا تُخَيَّرُونِي عَلَى مُوسَى .. " قَالَهُ إِنْكَارًا عَلَى الرَجُلٍ لما لَطَمَ اليهودي.
1 - أخرجه البخاري في صحيحه؛ تفسير قول الله تعالى: "وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المرسلين" ح 3233، ومسلم في فضائل موسى عليه السلام ح 2373، والبيهقي في الشعب ج 1 ص 309 كيفية انتهاء الحياة، والبغوي في شرح السنة ج 1 باب النفخ في الصور، وانظر تفسير المنار / ج 11 ص 183. وتفاسير القرآن الكريم لقوله تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) وقوله: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ الزمر، وقد اختلف في تفضيله عليه السلام على سائر الخلق، والجمهور على جواز ذلك، وقد أورد البيهقي في الشعب فصلا كاملا في براءة نبينا في النبوة إلى أن قال: قول الله: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) يدل على تفضيل بعضهم على بعض، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تفضلوا بين أنبياء الله، وقوله: "لا تخيروا بين أنبياء الله" إنما هو في محاولة أهل الكتاب على معنى الإزراء ببعضهم، فإنه ربما أدّى ذلك إلى فساد الاعتقاد فيهم، والإقلال الواجب من حقوقهم؛ أما إذا كانت المخايرة من مسلم يريد الوقوف على الأفضل منهم فليس هذا بنهي عنه والله أعلم، وقوله: لا ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس ابن متَّى" فإنما أراد و الله أعلم من سواه من الناس دون نفسه، أو ذهب في ذلك مذهب التواضع لربه، والهضم لنفسه، و كذلك في قوله حين قال: يا خير البرية ذاك إبراهيم عليه السلام" و كان لا يحب المبالغة في الثناء عليه، تواضعا لربه، و كان يقول: لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: الله ورسوله" وقد تكلمنا على هذا في الجزء التاسع والثلاثين من كتاب دلائل النبوة بأكثر من هذا." اهـ؛ البيهقي شعب الإيمان ج 2 ص 182 وانظر أنوار العقول لنور الدين السالمي: "صفات
عبد
79 (1/79)
صفحة 80
أما إن جنى المشرك على المسلم فإنَّه يقادُ به باتفاق الأمة، وذلك لعلو الإسلام على الكفر ووجوب نصرة الإسلام ودحض الكفر.
وإن لَطَمَ المشرك المسلم ظلما قطعت يده التي لطم بها المسلم، وإن اغتصب المسلمةَ قُتل، وإن طاوعته حُدَّ، فإن أسلم قبل ذلك فإسلامه يجب عنه كل ما فعله في شركه.
وإن قتل مملوك مسلم ذمّيا فليس لأولياء القتيل إلا دية صاحبهم، وإن كره سيده أن يفديه وأسلمه إلى أولياء المقتول فليس لهم قتله؛ لأنه لا يقتل مسلم
الرسل" "أفضلهم نبينا" البيت مع الشرح؛ البهجة والمشارق والحديث عند ابن أبي شيبة وعبد الرزاق بتسمية الصحابي أنه عمر له مع اختلاف في اللفظ، ونصه:" حَدَّثَنَا يعلى بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حدَّثَنَا أَبُو سنان، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ مَكْحُولٍ، قَالَ: كَانَ لِعُمَرَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ حَقٌّ، فَأَتَاهُ يَطْلُبُهُ فَلَقِيَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَا وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى الْبَشَرِ، لَا أُفَارِقُكَ وَأَنَا أَطْلُبُكَ بِشَيْءٍ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: مَا اصْطَفَى اللَّهُ مُحَمَّدًا عَلَى الْبَشَرِ، فَلَطَمَهُ عُمَرُ، فَقَالَ: بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَبُو الْقَاسِمِ، فَقَالَ: إِنَّ عُمَرَ قَالَ: لاَ وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا الله عَلَى الْبَشَرِ قُلْتُ لَهُ: مَا اصْطَفَى اللَّهُ مُحَمَّدًا عَلَى الْبَشَرِ، فَلَطَمَنِي، فَقَالَ: أَمَّا أَنْتَ يَا عُمَرُ، فَأَرْضِهِ مِنْ لَطْمَتِهِ، بَلَى يَا يَهُودِي، آدم صفي الله، وإبراهيم خليل الله، وموسى نجي الله، وعيسى روح الله، وأنا حبيب الله، بَلَى يَا يَهُودِي تَسَمّى اللَّهُ بِاسْمَيْنِ سَمَّى بِهِمَا أُمَّتِي هُوَ السَّلاَمُ، وَسَمَّى أُمَّتِي الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ الْمُؤْمِنُ وَسَمَّى أُمَّتِي الْمُؤْمِنِينَ، بَلَى يَا يَهُودِي، طَلَبْتُمْ يَوْمًا ذُخِرَ لَنَا الْيَوْمَ لَنَا وَغَدًا لَكُمْ، وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى، بَلَى يَا يَهُودِي، أَنْتُمَ الْأَوَّلُونَ وَنَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَلَى إِنَّ الْجَنَّةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الأَنْبِيَاءِ حَتَّى أَدْخُلَهَا، وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْأُمَمِ حَتَّى تَدْخُلَهَا أُمَّتِي. عبد الرزاق المصنف ج 6/ ص 327 حديث رقم: 31802، وابن أبي شيبة المصنف
ج 327/ 6 ح 31802. ط 1 مكتبة الرشد الرياض ج 7 ص 44 ط دار الفكر، ح 32462 طبعة دار القبلة. ولعل القصة متكررة. (1/80)
صفحة 81
بمشرك ولهم بيعه إن شاءوا (1)
1 - انظر: المراجع السابقة، لاسيما بيان الشرع ج 36 ص 234 - 238 والمسألة الأولى من هذا الفصل.
81 (1/81)
صفحة 82
المسألة السابعة في اشتراط المماثلة في الأعضاء وتعدد الجناة على الجارحة
الواحدة
تُشتَرَطُ المماثلة في الأعضاء كما تشترط في الأنفس في القصاص مطلقا.
وذلك: كمن قطعت يمناه فشُلَّت يُمنى قاطعه أو كانت معدومةً قبل فليس للمقتص أن يقطع اليسرى من الجاني، بل للمجني عليه دية يمناه فقط، سواء أكان في اليدين أو الرجلين أو الأصابع أو غيرهما، وقيل له قطعها برضى الجاني، وكذا في بقية الأعضاء كالأذنين والعينين وغيرهما.
ولو أنَّ رجلين قطعا يد آخر مثلا ففي المسألة خمسة أقوال
الأول: أنَّ المجنى عليه مخير بين أن يأخذ ديتها منهما معًا دية يةٍ واحدةٍ، أو يقطع يد أحدهما؛ من أراده منهما مع التماثل يمناه بيمناه والعكس، فإن قطع فعلى الثاني منهما رد نصف دية اليد لصاحبه.
الثاني له أن يقطع من كل واحد منهما يدا؛ لأنَّ كليهما قاطع. الثالث: له عليهما دية يد واحدة دون قصاص الرابع له على كل واحد منهما دية يد؛ لأن كليهما قاطع، ولا يُسَلَّط على أحدهما دون الآخر؛ بزيادة قطع ولا دية؛ لأنهما في الجناية
سواء.
82 (1/82)
صفحة 83
الخامس: له إن شاء أن يقتص من أحدهما ويأخذ من الآخر دية، وكذا الحكم في بقية الأعضاء وفي أكثر من إثنين، ولابن جعفر في جامعه: "لو اجتمع عشرة فقطعوا يَدَ رجل قُطعت أيديهم جميعا." (1)
والقول بأنَّ للمجني عليه قطع أيديهم جميعا ولو كثروا، كما أنَّ له على كل واحد منهم دية مستقلة دية يد إن أراد العفو عن القصاص، والنزول إلى الدية، ولو تعددت الديات، كما أنَّ له القصاص من بعض، وأخذ ديةٍ من آخر، هو القول
الراجح. 2
1 - الجلاء 168 ط 2 والنيل وشرحه 279/ 15 وابن جعفر ق م ص 28. والمسألة الرابعة عشرة في قتل الجماعة بالواحد من هذا الفصل، والكلام على تعدد الديات في الفصل الثاني.
2 - وسيأتي مزيد بيان في قتل الجماعة بالواحد) وفي تعدد الديات إن شاء الله ل. فانظره؛ من هنالك تجد بغيتك بإذن الله.
83 (1/83)
صفحة 84
المسألة الثامنة في اشتراط المماثلة في مقدار القصاص
تشترط المماثلة فى مقدار القصاص نفسه بحيث يكون القصاص بقدر الجناية فقط، من غير زيادة، فلو زاد عليها ضمن الزيادة؛ إن كانت عن غير عمد ولا اضطراب من المقتص منه.
أما إن كانت بعمد من المقتص، فمات المقتص منه أي الجاني الأول، بسبب تلك الزيادة فإن المقتَصَّ يقتل بالمقتص منه؛ إلا أن يرضى أولياؤه بالدية، وهنا تكون الدية عليه في ماله خاصة؛ لأنه تعمد ذلك، والعاقلة لا تعقل إلا الخطأ
المحض.
وإن مات بسبب القصاص فقط من غير مجاوزة من المقتص فلا شيء عليه له؛ لأنه فعل ما أوجبه له الشارع، ولم يتجاوز حقه المشروع له، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين وغيرهم وهو مذهب أهل الحق والاستقامة فاشدد به يدك
وقال أبو حنيفة تجب الدية في مال المقتص، وقال الشعبي، وعطاء، وطاووس، وعمرو بن دينار، والحارث العكلي وابن أبي ليلى، وحمَّاد بن أبي سليمان، والزهري، والثوري، تجب الدية على عاقلة المقتص له. (1)
1 - وفي المسألة أقوال أخر راجع أن شئت الجلاء 171 - 172 ط 2 وقاموس الشريعة ج 85 م وابن جعفر، ق 2 م وبيان الشرع ج 67 ص 16 والنيل وشرحه ج 15 / وابن ابي شيبة ج 6 ص 437. وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشنقيطي محمد الأمين المتوفى: 1393ھ) ج 1 ص 392.
?? (1/84)
صفحة 85
وإن لم يَمُت غرم المقتص ديةً ما جاوز حقَّه، وللمقتص منه أنْ يَقتَصَّ من المقتص فيما جاوزه عمدا إن أراده وأمكن القصاص.
وكذا إن قطع يُسرى بدل يُمنى أو العكس فإن المقتصَّ يقتل إن مات المقتص
6
منه بسبب ذلك إن تعمد المقتص لذلك، وكان بغير رضى من المقطوع، 1
وإن اختار ولي الدم الدية فله ذلك كما تقدم، أما إن كان عن خطأ فليس له إلا الدية، ولا قطع له للأخرى، وقيل له قطعها، وإن نقص عن حقه فله قطع الباقي كمن قطعت يده من المفصل فقطع هو من الأصابع فله قطع ما بقي من حقه وقيل له الدية في الباقي ولا قطع له؛ لأنَّ فيه زيادة إيلام.
ومن قطع لرجُلٍ أعلى أصبعه، ولآخر، وسطها، ولثالث أسفلها، فإن اجتمعوا على القصاص قطع كل واحد ما قطع منه وإن عفا الأسفل فللوسط والأعلى القطع، وإن عفا الوسط فللأعلى القطع وليس للأسفل إلا الدية وإن عفا الأعلى فليس للوسط والأسفل إلا الدية أيضا؛ لأنه لا يمكن القطع للأسفل أو الوسط مع وجود الأعلى كما لا يمكن القطع للأسفل مع وجود الوسط.
1 - أما إن كان برضى المقطوع فليس له إلا الدية، أما القصاص فلا؛ لأن القصاص لا يجوز إلا في العمد المحض، ولما كان الفعل برضا من المقتص منه وأمره صار شريكا في الفعل وانتفى عن المقتص العمد المحض، ولذا لا يصح القصاص لهذا السبب، أما الأرش أوالدية فلازم ذلك لمجاوزته الحق وكون المقتص منه راضيا لا يُسقط حقه في الأرش؛ لانَّ الأصل أنَّ الفعل ذلك لا يصح، ولا يُبيح أمرُ المقتص منه للمقتص فعل المجاوزة على أي حال، ولذا لزم الضمان، فليتأمل جيدا وكذا الحكم في الحاكم والموظف العام إذا جاوز فعلهما الحق فان كان خطاً ففي بيت المال وإن كان عمدا ففيه القصاص وللمقتص منه أو وليّهِ في حال وفاته الرجوع إلى الدية إن أراد، وانظر تفصل ذلك في: (المسألة الثالثة والثلاثون فيمن قتله الحد وضمان الحاكم) من هذا الفصل.
85 (1/85)
صفحة 86
وإن قطع يد رجل وإصبع آخر ومفصلي إصبع رجل ثالث ومفصلا من رابع واتحد القطع من يمنى أو يسرى فإن سبق مقطوع اليد فللآخرين لكل واحد دية ما قطع منه، وإن سبق مقطوع المفصل وجاء ذو المفصلين خيّر بين الباقي والدية، وإن جاء صاحب الإصبع بعد قطع المفصلين خُيّرَ بين الدية وقطع الباقي، وإن جاء ذو اليد بعد قطع مفصل أو مفصلين خُيّر أيضا بين دية يده أو قطع الباقي وهكذا ... (1)
1 - شرح النيل ج 15 ص 279 مرجع سابق.
86 (1/86)
صفحة 87
المسألة التاسعة في استثناء القصاص في العظام
يُستثنى القصاص فى العظام فما كان من أثر في العظم بسبب جناية من جان متعمد ففيه الأرش لا القصاص، وذلك كالصدع والهشم والتنقيل؛ إذ لا يمكن التوصل إلى المماثلة في القصاص، ولكونها ليست جروحا وقد فرض الحق سبحانه
وتعالى القصاص في الجروح بقوله: ... وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ)، وحكى النور السالمي (1)
الإجماع على ذلك. ويستثنى السن في ذلك لقوله تعالى: (وَالسِّنَّ بِالسَنَ) أما إن كانت الجناية من مفصل فله قطعه، كأن يخلع يده من المرفق مثلا فله أن يقتص بالمثل، وكذا إن كانت الجناية من أعلى المفصل فله أن يقتص من
1 - هو الشيخ العلامة نور الدين أبو محمد عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي الضبي له إمام من أئمة العلم وإليه صارت رئاسته في زمانه ولد في الحوقين من قرى الرستاق عام 1286 هـ وكف بصره وعمره عشر سنوات أو اثنتا عشرة؛ بدأ التأليف وهو في السابعة عشرة من عمره حيث ألف في هذا السن المبكر منظومة في النحو سماها بلوغ الأمل في المفردات والجمل انتقل عام 1308 هـ إلى بلدة القابل في المنطقة الشرقية إلى جوار الإمام المحتسب صالح بن على الحارثي من شيوخه العلامة راشد بن سيف اللمكي، والعلامة ماجد بن خميس العبري، ومن تلامذته الإمام سالم بن راشد الخروصي، والإمام محمد بن عبد الله الخليلي والجد سالم بن حمد البراشدي السناوي، رضي الله عنهم أجمعين وغيرهم كثير، بل إذا قيل: إن جميع طلبة العلم اليوم هم من تلامذته فغير كثير؛ لأنهم يستقون من مؤلفاته فمنها: معارج الآمال - مشارق أنوار العقول - طلعة الشمس، شرح الجامع الصحيح وغيرها كثير من المنظوم والمنثور في شتى فنون العلم كانت وفاته بعد العشاء الآخرة ليلة الخامس من شهر ربيع الأول سنة 1332 هـ وقبره معروف على سفح الجبل الأخضر. ينظر مقدمة تحقيق كتاب جوابات الإمام السالمي ج 1 ط 2.
AY (1/87)
صفحة 88
المفصل، ويأخذ بالباقي أرشا، وقيل: لا شيء فيه؛ أي: فيما بقي، فليس له إلا الأرش
للكل، أو القصاص من المفصل، فإن اختاره فلا شيء غيره. (1)
قال الطحاوي: اتفقوا على أنه لا قصاص في عظم الرأس؛ فكذلك في سائر
العظام.
وقال مالك: عظام الجسد كلها فيها القود؛ إلا ما كان مخوفا، مثل الفخذ والصلب والمأمومة والمنقلة والهاشمة، ففي ذلك الدية محتجا بالقصاص في السن.
قال القرطبي" قلت: ويدل على هذا أيضا قوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ) البقرة: 194، وقوله: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا
صلے
عُو قِبْتُم بِهِ) النحل: 126. وما أجمعوا عليه فغير داخل في الآي.
وقال ابن المنذر ومن قال: لا قصاص في عظم فهو مخالف للحديث؛ والخروج إلى النظير غير جائز مع وجود الخبر. (2)
والحاصل أنَّ الصحيح عدم القصاص فيما دون النفس؛ في كل ما لا تُمكن معه المماثلة، أو يُخشى منه خطورة على النفس، أمَّا مالم يخش منه خطورة فالحق القصاص، لثبوته بالكتاب والسنة والاجماع، وانما المستثنى فيما دون النفس إذا
1 - راجع جامع البسيوي 127/ 4 والقرطبي 203/ 6 - 20 والعقد الثمين ج 4/ 492 ط دار الشعب القاهر والمصنف لأبن أبي شيبة والقاموس ج 285 وبيان الشرع ج 67 والنيل وشرحه 272/ 15 فما
بعدها.
2 - انظر القرطبي: ج 6 ص 202، وج 2 ص 354. وج 10 ص 200.
88 (1/88)
صفحة 89
خشيت الخطورة، وإذا زال المانع عاد الممنوع" والآن بتقدم الطب إذا القصاص ممكن على يد الطبيب المختص، وعلى الدولة أن توفر ذلك إن أرادت العمل بشرع
1 - قاعدة مهمه من قواعد الفقه المعتبرة والمعنى: إذا كان الشيء جائزا ومشروعا ثم امتنع حكم مشروعيته بمانع عارض، وزال ذلك المانع، فإذا زال ذلك المانع عاد حكم مشروعيته، ومن أمثلة ذلك: إذا اشترى شخص شيئا وبعد حدوث عيب حادث في ذلك الشيء اطلع على عيب قديم فيه يبيح له رد المبيع إلى بائعه، فبحدوث العيب الجديد عند المشتري لا يجوز له رد المبيع، بل له الرجوع على البائع بنقصان الثمن، أي: بفارق الثمن بين الصحيح والمعيب، ولكن إذا زال ذلك العيب الحادث المانع من رد المبيع فللمشتري ردُّ المبيع بالعيب القديم، بعد أن يعيد للبائع نقصان الثمن. كتاب الجامع 2/ 216 و 220/ 2 و 547/ 2 - 548 تحقيق الباروني. وكذلك إذا شهد صبي أو أعمى بقضية وردت شهادته بسبب الصغر والعمى، فبعد بلوغ الصبي وزوال العمى تقبل شهادتهما لزوال المانع، لأن المانع من قبول الشهادة الصغر والعمى وقد زالا درر الحكام شرح مجلة الأحكام لعلي حيدر أفندي 35/ 1، المادة 24.
ومنها: ما ذكره الإمام محمد بن بركة رحمه الله في معرض كلامه عن النفساء متى تصلي، قال رحمه الله: "والنفساء قبل ولادتها فرضت الصلاة عليها فإذا وضعت وظهر دمها أوجب ظهور الدم ترك الصلاة فلما زال الدم وبان النقاء عادت إلى حكمها الأول ووجب الفرض عليها ... الجامع لابن بركة
216/ 2
ومنها: أن المرأة إذا طهرت من حيضها ولم تغتسل لم يجز لزوجها أن يطأها حتى تغتسل بالماء الطاهر، والدليل لذلك قوله تعالى: {فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله} (3). فذكر في الآية الطهر والتطهر فأباح ما كان حظره بالحيض. فلما زال المانع من الوطء وهو الحيض عاد المنوع إلى الجواز وذلك بعد التطهر. كتاب الجامع 220/ 2. ومنها: ما ذكره الإمام محمد بن بركة في باب الأشربة في معرض كلامه عن تحول النبيذ إلى خل، قال رحمه الله: لما كان تحريم النبيذ بالشدة التي فيها وكان الملح يذهبها زال التحريم لزوال العلة ... فإذا زالت شدته، وانتقل عما كان عليه جاز الانتفاع به، فإن قال قائل: فعين واحدة حرمها الله فتصير
89 (1/89)
صفحة 90
الله وعمل الذي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
(42) فصلت.
صل الله
حلالا، والعين قائمة، قيل له: نعم إذا كانت محرمة لعلة لا للعين، فإذا كانت محرمة لعلة فزالت العلة وعدمت زال حكم التحريم وصار المحرم حلالا. كتاب الجامع 547/ 2. ومنها: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل التراويح بالناس جماعة إلا مرتين، ثم لم يخرج للصلاة خشية أن تفترض على الناس. فلما زال المانع بموته وعاد الممنوع إلى الجواز. فقد أخرج الامام الربيع في مسنده الصحيح، أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فصلى بصلاته ناس كثير ثم صلى الليلة الثانية فكثر الناس ثم تجمعوا في الليلة الثالثة والرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله الا الله فلما أصبح قال: "قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن يفرض عليكم" وذلك في رمضان. ح 204. وأخرجه أصحاب السنن بنحوه. ففي البخاري ... عروة أن عائشة أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد فصلى رجال بصلاته فأصبح الناس فتحدثوا فاجتمع أكثر منهم فصلوا معه فأصبح الناس فتحدثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة فخرج رسول صلى الله عليه وسلم فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال (أما بعد) فإنه لم يخف علي مكانكم ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها" وذلك في رمضان. وفي لفظ " إني خفت أن تكتب عليكم صلاة الليل. ح 924 و 1129 وصحيح مسلم ح 761، سنن أبى داود (1374) 1373 و سنن البيهقي الكبرى (2/ 492) 4377 - 4381، وفي الشعب ح 3267، وأحمد ح 25401 و 25485 موطأ مالك: 229
90 (1/90)
صفحة 91
المسألة العاشرة في عدم القصاص في المنافع
لا قصاص في ذهاب الجماع والعقل والكلام والشم والسمع والبصر - مع بقاء جوارحها - لكونها منافع لا جروحا، ولعدم إمكان المماثلة في ذلك، كما لا قصاص في الشعر والظفر لكونها ليست جروحا والله تعالى يقول: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) وقيل بثبوت القصاص في الشعر والظفر، أمَّا مع إتلاف جارحة المنفعة فالقصاص ثابت، وذلك كأن يقلع العين أو يبتُرَ الأذن أو اللسان أو الذكرَ أو الأنفَ، فيُقتصُّ مِنَ الجاني العامد بالمثل؛ لقوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنَ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوَلَتَبِكَ هُمُ الظَّلِمُونَ)
المائدة.
ولثبوت القصاص من الكتاب والسنة في النفس والجروح وشرعه علينا؛ بالآيات والأحاديث الناصة على ذلك كما تقدم عدة مرات. (1)
1 - الآيات: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} 194 البقرة:، وقوله: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ النحل:126. والأحاديث الموجبة للقصاص في العمد كثيرة في ذلك. وانظر الجلاء: ص 167 و 240 وشرح النيل 271/ 15 - 272، والعقد الثمين للسالمي المرجع السابق.
91 (1/91)
صفحة 92
المسألة الحادية عشرة في القصاص من اللطمة والضربة بالعصا والرمية بالحجر
وما دون الموضحة من الجروح والمأمومة والجائفة
اختلف أهل العلم في القصاص من اللطمة والضربة بالعصا والرمية بالحجر وما دون الموضحة من الجروح والمأمومة والجائفة، فأما المأمومة والجائفة وما دون الموضحة فلعدم إمكان المماثلة في ذلك، وما لا يمكن التوصل إلى القصاص فيه بالمثل فلا قصاص فيه؛ لاحتمال الزيادة والنقصان في ذلك؛ فيتولد بذلك الظلم لأحدهما، ولاحتمال إتلاف نفس المقتص منه في القصاص من المأمومة والجائفة لخطورتهما، ولعلهم يستدلون بما روي مرفوعا من طريق طلحة بن عبيد بلفظ " ليس في المأمومة قود." (1) ومن طريق ابن عباس له بلفظ " لَا قَوَدَ فِي الْمَأْمُومَةِ وَلَا الْجَائِفَةِ وَلَا الْمُنَقِّلَةِ. (2) ومن طريق العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله: " لَا قَوَدَ فِي الْمَأْمُومَةِ وَلَا الْجَائِفَةِ وَلَا الْمُنَقِّلَةِ. (3)
الله
وكذا لا قَود في جراحة الحلقوم لخطورة المكان؛ مخافة إتلاف نفس المقتص منه.
1 - رواه البيهقي ج 8 ص 65 ومالك في الموطأ 2 ص 858 باب ما جاء في عقل الشجاج. 2 - البيهقي في الكبرى ح 100 16100 - 16101 والمزي تهذيب الكمال 131/ 28 - 132 وابن أبي عاصم الديات ح 162 - ص 329 - 330، وأبو يعلي المسند ح 6702 بلفظ: ليس في المأمومة ولا في الجائفة ولا في المنقلة قود. كنز العمال ج 62/ 15، وفيض القدير ج 5/ 375.
3 - أخرجه البيهقي في سننه ج 65/ 8 وابن ماجه في سننه ح 2637 وتحفة الأشراف 5139 وابن أبي عاصم في الديات ح 163 وأبو يعلى في مسنده ح 6705 عن عبد الله بن وهب عن ابن لهيعة. راجع في المسألة النيل وشرحه 15/ 104 و 111 و 271 - 272 و 286 والمصنف 79/ 41 - 78 وفقه السنة 541/ 2 والقرطبي 202/ 6 و 206 والتسير 104/ 3 وجامع البسييوي 4/ 131 وشرح فتح القدير 218/ 9 وابن أبي شيبة 393/ 5 - 394 والجلاء 237 ط 2 و 169.
92 (1/92)
صفحة 93
ولعل أقوى دليل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: " لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ في الإسلام" إذ فيه رفع الضرر والضرار، وهو قاعدة كلية عامة، في وجوب مراعاة رفع الضرر والضرار.
والحاصل أنَّ كل قصاص دون النفس فيه خطورةٌ تؤدّي إلى فوات المقتص منه أو زيادة مرض به فهو ممنوع، فإن كان لهذه الخطورة وقت تزول بزواله فينتظر به حتى تزول الخطورة؛ وذلك كالمرض الشديد والبرد الشديد والحمل بالمرأة، وإن كانت لا تزول فهو ممنوع مطلقا، كصاحب مرض القلب فإنه يخشى عليه فوات نفسه بسبب القصاص، وكصاحب السكري المتبلغ فيه وأمثالهم، فإنه يخشى منه عدم برء الجرح وذلك إذا أثبت الأطباء الأمناء ذلك.
1 - حديث نبوي شريف أخرجه أبو داؤد في كتاب الأقضية ح 3635 والترمذي في البرح 1941 وابن ماجة في سننه باب مَنْ بَنَى في حقه ما يضر بجاره ح 2340 - 2342 والتحفة 5065 و 6016 والنسائي في سننه ومالك في الموطأ في كتاب الأقضية باب القضاء في المرفق ح 1461 وباب ما لا يجوز من عتق المكاتب ح 1540 وأحمد في مسند بني هاشم ح 719 والدار قطني في سننه والطبراني في الأوسط وانظر أيضا مجمع الزوائد ج 4 ص 198 وجامع الأحاديث والمراسيل ج 8 ص 276 والفتح الكبير ج 3 ص 320 والأذكار ج 1 ص 393. وقد من الله على هذا العبد ببحث موسع فيه، فانظر: الجزء الرابع من تطبيقات القواعد
93 (1/93)
صفحة 94
المسألة الثانية عشرة لا قصاص في العضو الزائد والسن النابت
لا قصاص في العضو الزائد والسن النابت فأما العضو الزائد فلعدم وجود مثله في الجاني والقصاص لا يكون إلا مثلاً بمثل. مثال ذلك إنسان له ست أصابع قطعت السادسة الزائدة على الخمس فلو قطعت إحدى أصابع الجاني الخمس لكان المقتص ظالما له أخذا غير حقه بل له دية ذلك.
أمَّا إن كان مِثلُه في الجاني موجودا فلا خلاف في أنَّ للمجني عليه أن يقتص بالمثل وأما السن النابت فلا قصاص فيها مخافة ألَّا تنبت من الجاني وفيها ثلث دية
السن.
وإن قلع السن فرُدَّ من حينه ورجع كعادته ففيه ثلث دية السن أيضا، ولا قصاص، وإن قلع ذو ثمانية وعشرين سنا أسنان ذي اثنين وثلاثين فللمجني عليه قلع أسنان الجاني ولا أرش له بالباقي، وهو رأي أبي عبد الله محمد بن محبوب.
(1)
أمَّا إن كان القالع ذا اثنين وثلاثين لذي ثمانية وعشرين فأراد القصاص فيقتص بعدد أسنانه من غير زيادة أي يقلع ثمانية وعشرين ويترك الباقي، فان زاد فهو ظالم وهكذا ....
1 - راجع النيل وشرحه 36/ 15. والمسألة الثالثة والعشرين من الفصل الثاني.
94 (1/94)
صفحة 95
المسألة الثالثة عشرة في قتل الرجل بالمرأة والعكس
نصت آيات كثيرة في كتاب الله عز وجل أنَّ المرأة تساوي نصف الرجل في الحقوق
المالية كالمواريث وفي الشهادة كذلك فمنها قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ} النساء.11.
صلے
وقوله تعالى: (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْمُ) النساء 12. وقوله ل: (وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءَ فَلِلذَّكَرِ
مِثْلُ حَظِ الْأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) النساء
وقوله: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) (282) من سورة البقرة.
كما نصت أحاديثُ عن رسول الله الله في ديتها أنها تساوي نصف الرجل؛ منها قوله: " دِيَةُ المَرْأَةِ نِصْفُ الرَّجُلِ " (1) وقد أجمعت الأمَّةُ على ذلك، إلا ما استثناه بعضهم في دية جراحاتها أنّها تساوي الرجل حتى تبلغ الثلث من ديتها، وسيأتي الكلام عليه في ديتها، وما أجمع عليه في تضعيف دية حلمة ثديها -إذا قطعتا أو أحدهما- على
حلمتي الرجل؛ ما لم يذهب رضاعها؛ فإن ذهب فديتها تامة.
وقد جاءت آية القصاص في سورة البقرة نصا في قتل الأنثى بالأنثى في قوله تعالى:
1 - رواه الربيع بن حبيب بسنده العالي إلى رسول صلى الله عليه وسلم الجامع الصحيح ح 662.
95 (1/95)
صفحة 96
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْخَرُ بِالْخَرَ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاهُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنِ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) البقرة.
178
ولكن لم تبين الآيةُ ما إذا قتلها رجل أو قتلته عمدا هل يقتل بها وتقتل به إذا استويا في الحرية أو العبودية والملة أم لا؟ فالذي عليه الجمهور وحكي إجماعا أنَّ الرجل يقتل بها إذا قتلها عمدا وتقتل به إذا قتلته عمدا؛ لقوله في حديث عمرو بن حزم المتقدم ... وإنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالمَرأَةِ .. " (1)
ولكن هل هنالك تفاضل بينهما أم لا؟ فالذي عليه أكثر الأصحاب وبعض أهل الخلاف أنَّ: التفاضل بينهما، فلو قتلها فإن أولياءها بالخيار بين أن يقتلوه ويردوا
على أوليائه نصف الدية، أو يعفوا عن القصاص ويأخذوا منه دية المرأة. وإن قتلته فأولياؤه بالخيار بين أن يقتلوها ويأخذوا معها نصف ديته، أو يعفوا عن القصاص ويأخذوا منها دية صاحبهم.
1 - تقدم تخريجه في حديث "من اعتبط مؤمنا ... " في المسالة الأولى وسياتي إن شاء الله بكامله في المسالة الثانية من الفصل الثاني في تحديد الدية الكبرى، وللحديث الوارد في امرأة حمل بن مالك وضرتها لما ضربتها فأسقطت وماتت." وَقَضَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَعْقِلَ عَلَى الْمَرْأَةِ عَصَبَهُهَا مَنْ كَانُوا وَلَا يَرِثُونَ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا مَا فَضْلَ عَنْ وَرَثَهَا وَإِنْ قُتِلَتْ فَعَقُلُهَا بَيْنَ وَرَثَهَا وَهُمْ يَقْتُلُونَ قَاتِلَهَا. وسيأتي بكامله في "المسألة العشرون في أن الدية من النقود حسب قيمة أصولها من الفصل الثاني، وانظر أيضا وفاء الضمانة ج 5 ص 52 ط التراث. والمدونة الكبرى ج 3 كتاب الديات /ن/ وزارة التراث
ص 235. (1/96)
صفحة 97
وقد روي هذا عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، رواه الشعبي عنه، ورُدَّ: بأنَّ الشعبي لم يلْقَ عليَّا، وأنَّ الحَكَمَ رَوَى عن علي: "إِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ مُتَعَمِّدًا فَهُوَ بهَا قَوَدٌ" (1). وهذا يعارض رواية الشعبي عن علي.
وروي عن الحسن بن أبى الحسن البصري والشعبي وغيرهم.
واستثنى الأصحاب من المفاضلة الفتك في قتلها، فلو قتلها فتكا فإنه يُقتل بها ولا رَدَّ عليها، والفتك أن يؤتى الإنسانُ في بيته أو مأمنه غافلا لا يدري أنه أريد به بأس فيقتل فجأة، فإذا قتلها على هذه الصفة فيقتل حدا ولا ردَّ له في ذلك.
ولعلهم يستدلون بقتل عمر له الجماعة الذين فتكوا بامرأة فقتلهم بها جميعا كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وذهب البعض منا وكثير من غيرنا: ألا تفاضل بينهما مطلقا، سواء قتلها أو قتلته مستدلين بعموم آية المائدة في النفس بالنفس وبحديث: "المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ"
قلت: ويدل له قوله صلى الله عليه وسلم: "وَإِنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالمَرأَةِ" فإنَّه لم يُفصل نوع القتل في ذلك؛ بل أباح القصاص من الرجل للمرأة في القتل عمدا، فهو نص في الموضوع من
غير استثناء؛ ولو كان الواجب المفاضلة في شيء من أنواع القتل لبينه.
1 - راجع القرطبي الجامع لأحكام القرآن ج 2 ص 247 - 248 والمصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 364 -
365 ط دار الفكر.
97 (1/97)
صفحة 98
وما استدل به القائلون بالمفاضلة فمن باب القياس فقط؛ وذلك أنهم قاسوا دمها على ديتها وسائر حقوقها في الميراث والعطية والشهادة، ونحوها، ففي هذه الأحوال هي نصفُ الرجل، وهو قياس مع الفارق، وقد علمت مما مرَّ أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم صرَّح بقتل الرجل بالمرأة من غير استثناء ولا تفصيل في ذلك، والأصل عدم الفارق، ولو كان ثَمَّ فارقٌ لبينه له، إذ لا يصح تأخير البيان عن وقت الحاجة، ومدعي البيان عليه الدليل، أما أقوال غيره الله فمحتاجة إلى الدليل.
؛
وقد أجمعت الأمة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم بأنَّ: ناقص الأعضاء والأعور والأشل والأعمى وأمثالهم، هم وفاء لكامل الأعضاء إذا قتل أياً أو قتلوه، ولا قائل بأنَّ عليهم زيادةً على دمهم وأنَّ دمهم غيرُ وفاء؛ فيما نعلم، فكيف بامرأة كاملة الإنسانية؟ (1) ويقتل الرجل الطويل في القصير، والأسود في الأبيض والأبيض في الأسود، والعريق في الدعي والدعي في العريق، والرجل في المرأة والمرأة في الرجل، والجماعة في الواحد والواحد في الجماعة، سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا، والجروح قصاص، والناس متفاوتون في الجراح والأجسام.
وكذا الحال في حكم قاتل الصبي، ولو قتله بعد استهلاله مباشرة متعمدا، فإنه يقتل به ولا قائل بغير ذلك.
1 - وقد مَنَّ الله عليَّ ببحث خاص في دية المرأة سميته "دية المرأة في الشريعة الإسلامية" طبع مؤخرا فراجع هذه المسألة منه من المبحث الأول تجد الشفاء إن شاء الله وعل.
2 - العلامة أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي الدليل والبرهان للوارجلاني المجد الثاني ج 3 ص 253. (باب) قتل الخضر عليه السلام الغلام وما فيه من فوائد.
98 (1/98)
صفحة 99
ويتوجه في المسألة قول آخر، وهو أنه إذا قتلت المرأة الرجل وأراد أولياؤه قتلها فلهم ذلك دون ردّ لهم؛ لأنهم قبلوا النزول عن بعض حقهم فهم كمن عفا عن حقه، أما إن قتلها رجل وأراد أولياؤها قتله فعليهم دفعُ نصف الدية لأنهم كمن أخذ أكثر من حقه، ولكن لا دليل لذلك أيضا.
وقيل: لا تقتص امرأة من رجل ولا دليل للقائلين بهذا القول فيما أعلم، إلا من باب مفهوم اللقب من الآية الكريمة: (وَالْأُنثَى بِالأُنثَى) وهو أضعف المفاهيم، وقد كادت العلماء أن تُجمع على عدم الأخذ به لضعفه، والدليل بخلافه كما مرَّ فينظر في ذلك ولا يؤخذ إلا بعدله.
1 - راجع منهج الطالبين 226/ 11 والجلاء 165 و 242 - 243 وسلك الدرر للعلامة السيابي 410/ 2 والنيل وشرحه ج 98/ 15 و 180 و 192 و 271 والمصنف أيضا 147/ 41 - 148 والمدارج 155 ط الأولى والجوهر 176/ 3 ط مصر والجامع لا بن بركة 499/ 2 وابن جعفر ق 3 ص 32 وأبو الحواري 144/ 5 وجوهر النظام 176/ 3 ط والقرطبي ج 2 ص 247 - 248. ونيل الأوطار ج 7 ص 16 فما بعدها وسبل السلام ج 3 ص 1190_1191 وشرح فتح القدير ج 9 ص 154 وفتح الباري ج 222/ 12 والأم للإمام الشافعي ج 7 ص 541 - 542 مرجع سابق. انظر بحث دية المرأة المشار اليه آنفا.
99 (1/99)
صفحة 100
المسألة الرابعة عشرة في قتل الجماعة بالواحد
اختلف العلماء في الجماعة تقتل الواحد عمدا هل تقاد به كلها أم لا؟ خلاف
والمختار القتل ولو كأهل منى، وهو الذي عليه العمل عند أكثر أهل العلم، لأن القصاص شرع لحياة الأنفس (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوةٌ) وهو: أقطع لمادة الفساد، فلو لم تقتل الجماعة بالواحد وشاع ذلك بين الناس لكان كل من أراد أن يقتل غيره عدوانا وظلما ويفسد في الأرض استعان بآخرين كي لا يقاد به، وجعل ذلك قنطرة يتوصل بها إلى البغي الفساد وسفك الدماء، وبذلك تبطل الحكمة من مشروعية القصاص.
وقد استدل القائلون بالقصاص بما رواه الترمذي عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَأَهْلَ الْأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لَأَكَيَّهُم اللهُ فِي النَّار. " (1) قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَأَبُو الْحَكَمِ الْبَجَلِيُّ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي نُعْمِ الْكُوفِيُّ.
1 - سنن الترمذي كتاب الديات ح 1398، و "تحفة الأشراف" (3/ 487 ح 4411)، والحاكم المستدرك الحدود ص 353 ج 4. وانظر: مسند الفاروق لابن كثير (2/ 270) " الترغيب والترهيب" للمنذري (3/ 201)، حديث رقم (3675). وتحفة الأحوذي - ج 4 ص 30 ونصب الراية تخريج أحاديث الهداية للزيلعي كِتَابُ الْجِنَايَاتِ ج 6 ص 313، الزواجر عن اقتراف الكبائر للهيتمي أحمد بن محمد بن علي الشافعي ج 2 ص 152، والبحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار: ج 6 ص 214، لأحمد بن يحيى بن المرتضى الزيدي، وجامع الأصول في أحاديث الرسول لابن الأثير ح 7721. (قال الشيخ الألباني: صحيح) صَحِيح الْجَامِع: 5247, صحيح الترغيب والترهيب: 2442 والجامع الصحيح للسنن والمسانيد المؤلف: صهيب عبد الجبار (125) تاريخ النشر: 15 - 8 - 2014 بالمكتبة الشاملة.
100 (1/100)
صفحة 101
وفي رواية بلفظ: "من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة، لقي الله مكتوبا بين عينيه أيس من رحمة الله "1
وشطر الكلمة كما قال سفيان بن عينية هو أن يقول: أق، لا يتم الكلمة اقتل. وهو عند البيهقي من حديث ابن عمر مرفوعا، بلفظ: "من أعان على دم امرئ مسلم"
وبما رواه الديلمي عن ابن عباس وأبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: "لو اجْتَمَعَ أَهْلُ مِنِّى عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ عَمْدًا لَقَتَلْتُهُمْ بِهُ." (4)
والمسند الجامع لأبي الفضل النووي مسند أبي سَعِيد الْخُدْرِيَّ، رضي الله تعالى عنه ح (4436). ج 14 ص 144.
1 - رواه ابن ماجه ح 2620، كتاب الديات، باب التغليظ في قتل مسلم ظلما. والبيهقي السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي (228 16288 وشعب الإيمان (346/ 4، ح 5346) والطبراني المعجم الكبير (11 (79) ح 11102 بلفظ قريب منه، وابن عساكر (232/ 8). وانظر: كشف اللثام شرح عمدة الأحكام (92/ 6)
2 - انظر: الترغيب والترهيب" للمنذري 202/ 3، 2، ح (3683).
- رواه البيهقي في "شعب الإيمان" (5346).
4 - أخرجه الديلمي: ج 373/ 3، ح 5134. من طريق أبي هريرة وابن عباس، وانظر منتخب كنز العمال. بهامش مسند أحمد ج 127/ 6، والمصنف لابن أبي شيبة 90/ 5 و 429، والخلاصة 417/ 2. والسيوطي جمع الجوامع أو الجامع الكبير والفردوس بمأثور الخطاب أبو شجاع شيرويه بن
6
شهردار بن شيرويه الديلمي الهمذاني الملقب الكيَّا؛ ولد سنة 445 هـ ت سنة 509 هـ
101 (1/101)
صفحة 102
وبما رواه البيهقي والدارقطني في سنتهما أنَّ عمر بن الخطاب له قَتَلَ سبعةً بصنعاء قتلوا رجلا واحدا وقال: لَو تَمَالَأَ عَلَيهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ جَمِيْعًا." (1)
(2)
كما رُوي عنه أنه قتل جماعةً بامرأة واحدة، وقال مثل ذلك. (2) وقتل عثمان ثلاثة بواحد، وروي هذا عن علي أيضا، وقتل المغيرة بن شعبة - في إبان ولايته وإمارته؛ وقد كان أميراً لـ عمر ه وأرضاه على الكوفة - ثلاثة بواحد، وقيل: أربعة بواحد. وقيل سبعة ولم ينكر عليه.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "إذا قتل جماعةً واحداً قتلوا به ولو كانوا مأئة."
1 - اخرجه البيهقي والدار قطني في الحدود والديات النفر" يقتلون "الرجل" وأخرجه البخاري في صحيحه "باب إذا أصاب قوم من رجل هل يعاقب أو يقتص منهم كلهم" فتح الباري 12/ 227 ط السلفية، ومالك في الموطأ ما جاء في الغيلة 871/ 2 ط عيسى الحلبي / والبغوي في شرح السنة، كتاب القصاص، والشافعي في مسنده جراح، العمد وابن أبي شيبة في مصنفه والدارقطني في سننه والطحاوي والبيهقي. وغيرهم. والسبب في ذلك ما روي - والله أعلم بصحته - "أنَّ امرأةً بمدينة صنعاء، غاب عنها زوجها، وترك عندها ابناً له من غيرها، فاتخذت لنفسها خليلاً، فقالت له: إنَّ هذا الغلام يفضحنا فاقتله، فأبى، فامتنعت منه فطاوعها، فاجتمع على قتل الغلام خليل المرأة، ورجل آخر، والمرأة وخادمها، فقطعوه أعضاء، وألقوا به في بئر. ثم ظهر الحادث وفشا بين الناس، فأخذ أميرُ اليمن خليل المرأةِ فاعترف ثم اعترف الباقون، فكتب إلى عمر بن الخطاب له، فكتب إليه عمر: أن
اقتلهم جميعاً، وقال: "والله لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا" انظر المراجع السابقة. 2 - أخرجه ابن الجعد في مسنده من طريق عبد الله بن عامر قال كتب عامل اليمن إلى عمر: إنَّ سبعةً أو ثمانيةً أو ستة نفر قتلوا امرأةً من حمير فأُتِيَ بهم فَوُجِدَت أكفُهم مخضبةً بدمِها فاعترفوا فكتب إليه عمر: أنْ لو اشتَرَكَ فيها أهلُ صَنْعاءَ لَقَتَلْتُهُم فاقتُلْهُم. وانظر كتاب دية المرأة في الشريعة الإسلامية للباحث المبحث الأول، تجد الشفاء التام إن شاء الله تعالى.
102 (1/102)
صفحة 103
ولم ينكر عليهم أحد، فكان ذلك اجماعاً.
ولأنَّ قتل النفس أغلظ من هتك العرض بالقذف فلما حد الجماعة بقذف الواحد، كان أولى أن يقتلوا بقتل الواحد.
ولأن كل واحد من الجماعة ينطلق اسم القتل عليه فوجب أن يجري عليه حكمه
كالواحد، ولأن ما وجب في قتل الواحد لم يسقط في قتل الجماعة كالدية. فأما قوله تعالى: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة: 45] وقوله: (الْحُرُّ بِالْحُرِ) [البقرة: 178] فمستعمل في الجنس لأنَّ النفس تنطبق على النفوس، والحر ينطبق على
الأحرار.
وقوله: {فلا يسرف في القتل} [الإسراء: 33] يريد ألَّا يقتل غير قاتله على أن قوله تعالى: {قد جعلنا لوليه سلطانا} [الإسراء: 33] يقتضي أن يكون سلطانه في الجماعة كسلطانه في الواحد فصارت الآية دليلنا. وقولهم إن دم الواحد لا يكافئ دم الجماعة غير صحيح؛ لأن حرمة الواحد كحرمة الجماعة لقول الله تعالى: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا} [المائدة: 32] فوجب أن يكون القود فيهما واحدا وليس يوجب قتل الجماعة بالواحد، أن تقتل الواحد
1 - أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري الكشف والبيان 2/ 54) تحقيق: الإمام أبي محمد بن عاشور. تفسير: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى) (178) البقرة. وتفسير الثعلبي ج 1 ص 175. والعناية شرح الهداية محمد بن محمد البابرتي المتوفى: 786 هـ، وانظر شرح النيل ج 15 ص 124 والموسوعة الفقهية ج 15 ص.282 وأسنى المطالب شرح روض الطالب لزكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري، كمال الدية قتل الجماعة بالواحد. وحاشية الرملي، والحسيني كفاية الأخيار لتقي الدين أبي بكر بن محمد الحسيني الشافعي 457/ 1.
103 (1/103)
صفحة 104
بالجماعة، وإن قال به أبو حنيفة لأن المقصود بالقود حقن الدماء، وأن لا تهدر فقتل الجماعة بالواحد لئلا تهدر دماؤهم.
وقولهم: لما منع زيادة الوصف ممن القود كان أولى أن يمنع من زيادة العدد، فالفرق بينهما أن زيادة الوصف منعت من وجود المماثلة في الواحد فلم تمنع في الجماعة ألا ترى أن زيادة الوصف في القاذف تمنع من وجوب الحد عليه، وزيادة العدد لا يمنع من وجوب الحد عليهم وقولهم: لما لم تستحق بقتله ديتان لم تستحق به قودان فعنه جوابان
أحدهما: أن الدية تتبعض فلم يجب أكثر منها، والقود لا يتبعض فعم حكمه كسرقة الجماعة لما أوجبت غرما يتبعض، وقطعا لا يتبعض اشتركوا في غرم واحد
وقطع كل واحد منهم.
والثاني: أنَّ القود موضوع للزجر والردع فلزم في الجماعة كلزومه في الواحد، والدية بدل من النفس فلم يلزم فيها إلا بدل واحد، فإذا ثبت قتل الجماعة بالواحد كان الولي فيه بالخيار بين ثلاثة أحوال إما أن يقتص من جميعهم أو يعفوا عن جميعهم إلى الدية فتسقط الدية الواحدة بينهم على أعدادهم، أو يعفو عن بعضهم، ويقتص من بعضهم، ويأخذ ممن عفى عنه من الدية بقسطه.
قال الباحث على الله عنه والصحيحُ الذي لا يقبل الجدل أنَّه على كل واحد منهم دية مستقلة؛ لأنَّ كل واحد منهم قاتل، فكما أنَّ عليه القصاص، فكذلك إن أراد
1 - الحاوي الكبير (28/ 12) مرجع سابق ببعض تصرف بحر المذهب للروياني (26/ 12 فما بعدها.
104 (1/104)
صفحة 105
الولي من كل واحد منهم دية مستقلة كان له ذلك، وقد قال بهذا القول كثير من
أهل العلم. وعليه إذا أراد الولي منهم دياتٍ على عددهم فله ذلك بحيث يأخذ من كل واحدٍ منهم ديةً كاملة، وله أنْ يعفو عمَّن شاء، ويأخذ الدية ممن شاء، ويقتل من شاء وهكذا.
وذلك أنهم شيَّهوه بالفداء، حيث وجب القتل على جميعهم؛ فمن أدى منهم ديةً وقبل منه الوليُّ فكأنَّه فدى نفسه عن القتل، ويقابل ذلك العفو عن البعض والقصاص من بعض وهكذا ...
:
??
وهو ما يُسمَّى عند الأصوليين بقياس الدّلالة، قال النور السالمي: وأما قياس الدلالة: فهو ما لا تذكر فيه العلة، بل وصف ملازم لها، وحاصله أَنْ يُثبِتَ حُكمًا في الفرع، لوجود حكم آخر فيه، توجهما علةٌ واحدةٌ في الأصل، كوجوب قطع أيدٍ كثيرة إذا اشتركوا في قطع يد واحدة، كما يقتلون إذا اشتركوا في قتله، والجامع وجوب الدية عليهم في الصورتين.
قال صاحب المنهاج: "وتحقيقُ كيفية تركيب القياس أن نقول: في قطع الأيدي بيد واحدة جنايةٌ من جماعةٍ توجب على كل واحدٍ منهم ديةً كاملة؛ فلزم أن توجب القصاص علهم كما أوجبته في القتل.
وهاهنا أصل، وهو القتل، وفرع وهو قطع اليد، وعلةٌ وهي: وجوب ديتها على كل واحد، وحكم، وهو وجوب القصاص عليهم جميعا.
فإذا كان الفرع وهو قطع اليد، قد شارك الأصل - وهو القتل - في العلة: وهي لزوم
105 (1/105)
صفحة 106
(1)
الدية على كل واحدٍ وجَبَ أن يشاركه في الحكم، وهو القصاص." انتهى. وقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه؛ - حدثنا بهز بن أسد، عن أبان العطار، عن
قتادة، عن سعيد بن المسيب؛ في الرجل يقتله النفر، قال: يعفو عمن شاء، ويقتل من شاء، ويأخذ الدية ممن شاء. حدثنا الفضل بن دكين عن سفيان عن جابر عن الحكم عن إبراهيم؛ في الرجل
يقتله النفر، قال: يقتل من شاء، ويعفو عمن شاء، ويأخذ الدية ممن شاء"" وأخرج عبد الرزاق عن الثوري عن جابر عن الحكم عن إبراهيم: في النفر يقتلون الرجل، قال: يَقتُل أولياؤُه من شاؤا، ويعفون عمَّن شاؤا، ويأخذون الدية ممن شاؤا. (3)
وأخرج إسحاق بن منصور في مسائله وابن حنبل: قلتُ لأحمد: إذا قتل النفر رجلاً، فإنّ وليَّه يَقتُل مَن شاء منهم، ويأخذ الدية ممن شاء، ويعفو عمن شاء؟ قال أحمد: نعم، هو مخير في ذلك، يصنع ما شاء. (4)
1 - نور الدين السالمي طلعة الشمس ج 2 ص 233 - 234 ط 1 ن/ مكتبة نور الدين بدية. تقسيم القياس باعتبار ذكر العلة وعدم ذكرها. وانظر إرشاد الفحول إلي تحقيق الحق من علم الأصول، لمحمد بن علي بن محمد الشوكاني، المتوفى: 1250 هـ، ج 2 ص 142 تحقيق المناط وابن أمير حاج: التقرير
والتحبير (الاعتراضات على القياس).
2 - مصنف ابن أبي شيبة ح 27819 - ح 27820
3 - مصنف عبد الرزاق (9 479 ح 18080.
4 - مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه 3420/ 7، تأليف: إسحاق بن منصور المروزي تحقيق الناشر: عمادة البحث العلمي، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، المملكة العربية
106 (1/106)
صفحة 107
السعودية والرواية الثانية عنه: أن الجماعة لا يقتلون بالواحد، وتجب عليهم الدية. انظر المغني لابن قدامة 6717، والفروع لابن مفلح 627/ 5 والإنصاف للمرداوي 448/ 9. وسبل السلام السابق. أنظر أيضا شرح النيل 759/ 14 و 123/ 15 - 124 و 192 - 193. و 196 طبعة جدة، وجوهر النظام ج 3 ص 174 - 175 باب القضاء في الدما، وسلك الدرر ج 403/ 2، ومدارج الكمال ص: 130 ط التراث، و تفسير القرطبي 251/ 2 - 252، وفقه السنة ج 531/ 2، ومباحث في التشريع 45 - 47 وجلاء العمى 168 - 174، والمصنف 19/ 4 - 22 ط التراث والتمهيد للمحقق الخليلي سعيد بن خلفان ج 12 ص 157 فما بعدها ت/ حارث البطاشي ط 1، وابن جعفر ق 3 ص 82 باب الفتك، مخطوط، وأبو الحواري 145/ 5 - 147، وسنن البيهقي 41/ 8، والوفاء ج 55/ 5 - 56، ط 1 التراث، والمنهج 11 ص 205، وبيان الشرع 66 ص 309 واللباب 14 ص 261، والجامع الكبير من أجوبة العلامة سعيد بن بشير الصبحي ج 3 ص 121 ط التراث، وممن قال بتعدد الديات على عدد القاتلين من غير المذهب كل من صاحب التاج والإكليل لمختصر خليل ج 8 ص 307 محمد ابن يوسف العبدري المواق المالكي. تحت عنوان (وتقتل الجماعة بواحد. وج 8 ص 432. و. مواهب الجليل شرح مختصر خليل ج 6 ص 317 محمد بن محمد بن عبد الرحمن الحطاب المالكي والإنصاف للمرداوي علي بن سليمان ج 9 ص 449 الحنبلي. والصنعاني أحمد بن قاسم الزيدي التاج المذهب لأحكام المذهب ج 4 ص 268. وغيرهم كثير. وبالإضافة إلى ما ذكر أعلاه إليك نماذج مما قالوا:
أولا: مذهب أهل الحق والاستقامة السادة الإباضية:-
وَقِيلَ: يَقْتُلُ مَنْ شَاءَ وَيَعْفُو عَمَّنْ شَاءَ، وَيَأْخُذُ الدِّيَةَ عَمَّنْ شَاءَ، وَعَنْ الشَّيْخِ أَبِي سُلَيْمَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَمُوتُ فِي الرَّجُلِ خَمْسَةُ رِجَالٍ؛ مَنْ ضَرَبَهُ وَمَنْ أَشْغَلَهُ حَتَّى ضَرَبَهُ الْآخَرُ، وَمَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِالْإِصْبَعِ، وَمَنْ رَدَّهُ إِلَيْهِمْ، وَمَنْ أَمْسَكَهُ ... شرح النيل للقطب المرجع السابق. ج 15 ص 123 - 124. وانظر: سلك الدرر ج 403/ 2، وباقي المراجع أعلاه.
(وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ كَالْقَوْلِ بِأَنَّ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ مَنْ شَاءَ وَيَأْخُذَ الدِّيَةَ عَمَّنْ شَاءَ، فَرُبَّمَا قَتَلَ كَثِيرًا وَأَخَذَ دِيَاتٍ كَثِيرَةٍ؛ لِأَنَّ كُلَّا مِنْهُمْ كَالْقَاتِلِ الْمُسْتَقِلِ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَنْ كُلِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِيَةً تَامَّةً، وَلَهُ أَنْ يَقْتُلَهُمْ جَمِيعًا، وَكَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَقْوَالِ السَّابِقَةِ فِي كَلَامِي ... شرح النيل للقطب المرجع السابق ص 193.
107 (1/107)
صفحة 108
وانظر: المدونة الكبرى لأبي غانم الخراساني ج 3 كتاب الديات ط الأولى 1428 هـ 2007 م ن/ وزارة
التراث ص 230 فما بعدها. وجوهر النظام المرجع السابق.
ثانيا مذاهب أهل السنة
1 - المذهب الحنبلي: "وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ دِيَةً كَامِلَةً لِأَنَّ لَهُ قَتْلَ كُلِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَكَانَ عَلَى كُلِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِيَةُ نَفْسٍ كَامِلَةٍ، كَمَا لَوْ فَلَعَ الْأَعْوَرُ عَيْنَ صَحِيحٍ، فَإِنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ دِيَةُ عَيْنِهِ، وَهُوَ دِيَةٌ كَامِلَةٌ. المغني لابن قدامة ج 9 ص 477.
(وَإِنْ قُتِلَ مَنْ لِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ يَقِيدُوا بِهِ، فَبَذَلَ الْقَاتِلُ أَكْثَرَ مِنْ الدِّيَةِ عَلَى أَنْ لَا يُقَادَ، فَلِلْأَوْلِيَاءِ قَبُولُ ذَلِكَ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ لَهُ أَنْ يُصَالِحَ عَنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ الدِّيَةِ، وَبِقَدْرِهَا وَأَقَلِ مِنْهَا، لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " مَنْ قَتَلَ عَمْدًا دُفِعَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ؛ فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوا، وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الذِيَةَ، ثَلَاثِينَ حِقَّةً، وَثَلَاثِينَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعِينَ خَلِفَةً، وَمَا صُولِحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ، وَذَلِكَ تَشْدِيد الْعَقلِ. " رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَرَوَيْنَا أَنَّ هُدْبَةَ بْن خَشْرَمٍ قَتَلَ قَتِيلًا، فَبَذَلَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ لِابْنِ الْمَقْتُولِ سَبْعَ دِيَاتٍ لِيَعْفُو عَنْهُ، فَأَبَى ذَلِكَ، وَقَتَلَهُ. وَلِأَنَّهُ عِوَضْ عَنْ غَيْرِ مَالٍ، فَجَازَ الصُّلْحُ عَنْهُ بِمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، كَالصَّدَاقِ، وَعِوَضِ الْخُلْعِ، وَلِأَنَّهُ صُلْحٌ عَمَّا لَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا، فَأَشْبَه الصُّلْحَ عَنْ الْعُرُوضِ. المغني لابن قدامة موفق الدين عبد الله بن أحمد الحنبلي ج 9 ص 478. ونَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: وَالْفَضْلُ أَنَّهُ إِنْ قَتَلَهُ ثَلَاثَةٌ: فَلَهُ قَتْلُ أَحَدِهِمْ، وَالْعَفُو عَنْ آخَرَ، وَأَخْذُ الدِّيَةِ كَامِلَةً مِنْ أَحَدِهِمْ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: مِنْ شَرْطِ قَتْلِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ: أَنْ يَكُونَ فِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صَالِحًا لِلْقَتْلِ بِهِ ... قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَعَلَى الْمُذْهَبِ لَوْ عَفَا الْوَلِيُّ عَنْهُمْ سَقَطَ الْقَوَدِ، وَلَمْ يَلْزَمُهُمْ إِلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ،
وَالْفُرُوع. وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُمْ دِيَاتٌ، نَقَلَ ابْنُ هَانِي يَلْزَمُهُمْ دِيَاتٌ. وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَصَحْحَهَا الشَّيرَازِيُّ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَتَقَدَّمَ رِوَايَةُ ابْنِ مَنْصُورٍ وَالْفَضْلِ، وَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: فَلَا يَلْزَمُ إِلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ، قَوْلًا وَاحِدًا، قَالَهُ الْأَصْحَابُ." الإنصاف للمرداوي علي بن سليمان ج 9 ص 449 حنبلي
108 (1/108)
صفحة 109
-2 - المذهب المالكي" ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ لَوْ اشْتَرَكَ الْمُتَسَبِّبُونَ وَالْمُبَاشِرُونَ قُتِلُوا جَمِيعًا. وَاضِحٌ، دَلِيلُهُ مَسْأَلَةُ الْإِمْسَاكِ.
وَقَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ فِي الْمُحَارِبِينَ إِنْ وَلِيَ رَجُلٌ مِنْ جَمَاعَةٍ قَتْلَ رَجُلٍ وَبَاقِهِمْ عَوْنٌ لَهُ وَتَابُوا قَبْلَ أَخْذِهِمْ دُفِعُوا لِأَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ، قَتَلُوا مَنْ شَاءُوا وَعَفَوْا عَمَّنْ شَاءُوا وَأَخَذُوا الدِّيَةَ مِمَّنْ شَاءُوا. وَمِن الرِّسَالَةِ: وَتُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ وَإِنْ وَلِيَ الْقَتْلَ بَعْضُهُمْ. "التاج والإكليل لمختصر خليل ج 8 ص 307، محمد بن يوسف العبدري المواق مالكي المذهب. وانظر: المدونة للإمام مالك ما جاء في المحاربين. مِنْ المُدَوَّنَةِ: إنْ كَانُوا جَمَاعَةً قَتَلُوا رَجُلًا وَليَ أَحَدٌ قَتْلَهُ وَالْبَاقُونَ عَوْن لَهُ فَأُخِذُوا قُتِلُوا كُلُّهُمْ، وَإِنْ تَابُوا قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذُوا دُفِعُوا إِلَى أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ فَقَتَلُوا مَنْ شَاءُوا، وَعَفَوْا عَمَّنْ شَاءُوا، وَأَخَذُوا الدِّيَةَ
مِمَّنْ شَاءُوا. انْتَهَى. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا وَقَتَلَ عُمَرُ رِيبَةً كَانُوا نَاظُورًا لِلْبَاقِينَ. المرجع السابق 432. "قلتُ: أرأيت إن كانوا محاربين قطعوا على الناس الطريق فقتلوا رجلا قتله واحد منهم، إلا أنهم كانوا أعوانا له في تلك الحال، إلا أنَّ هذا الواحد منهم ولي القتل حين زاحفوهم، ثم تابوا وأصلحوا، فجاء ولي المقتول يطلب دمه، أيقتلهم كلهم أم يقتل الذي قتل وليه وحده؟ قال: قال مالك: يُقتلون كلهم إذا أُخذوا على تلك الحال.
قال ابن القاسم: فإن تابوا قبل أن يؤخذوا، فأتى أولياء المقتول يطلبون دمه، ه، دفعوا كلهم إلى أولياء المقتول فقتلوا من شاءوا وعفوا عمن شاءوا وأخذوا الدية ممن شاءوا. وقد ذكر مالك عن عمر بن الخطاب حين قال: "لو" تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا." فهذا يدلك على أنهم شركاء في قتله. فذلك إلى أولياء المقتول يقتلون من شاءوا منهم ويعفون عمن شاءوا منهم. الإمام مالك المدوّنة: ما جاء في المحاربين وانظر تهذيب المدونة للبراذعي ج 3 ما جاء في المحاربين. وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً قَتَلُوا رَجُلًا؛ وَلِيَ أَحَدُهُمْ قَتْلَهُ وَبَاقِهِمْ عَوْنٌ لَهُ فَيُؤْخَذُونَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ قُتِلُوا كُلُّهُمْ، وَإِنْ تَابُوا قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذُوا دُفِعُوا إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ فَيَقْتُلُونَ مَنْ شَاءُوا مِنْهُمْ، وَيَعْفُونَ عَمَّنْ شَاءُ وا، وَأَخَذُوا الدِّيَةَ مِمَّنْ شَاءُوا انْتَهَى وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمَا، مواهب الجليل شرح مختصر خليل ج 6 ص 317 محمد بن محمد بن عبد الرحمن الحطاب المالكي.
109 (1/109)
صفحة 110
قلت: ثلاثة نفر قتلوا رجلاً؟ قال: ولي المقتول مخير يقتل من شاء، ويعفو عمن
شاء، ويأخذ الدية ممن شاء. قال إسحاق: كما بينا. وفي لفظ: كما قال. قلت: رجل قتل ثلاثة؟ قال: الأولياء بالخيار من شاء منهم قتله، ومن شاء عفا عنه. ومن شاء أخذ الدية، كلهم على حقه، إنما هذا شيء وجب له في ماله.
قال إسحاق لهم إذا اجتمعوا وهم أولياء الثلاثة أن يقتلوه وإن اختلفوا فقال بعضهم: أقتل. وقال بعضهم: أريد الدية فلهم إذا اجتمعوا أخذ الدية، لأن لهم الخيار في أخذ الدية أو القود على حديث أبي شريح الخزاعي.
وَخَرَّجَ مِنْهَا بَعْضُ شُيُوخِنَا أَنَّ لِلْوَلِيَ إِذَا كَثُرَ الْقَاتِلُونَ أَنْ يُلْزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِيَةٌ كَامِلَةً عَنْ نَفْسِهِ قَدْرَ دِيَتِهِ أَوْ مَنْ أَرَادَ اسْتِحْيَاءً مِنْهُمْ وَيَقْتُلُ مَنْ شَاءَ، وَكَذَا فِي قَطْعِ جَمَاعَةٍ يَد رَجُلٍ منح الجليل ج 59/ 9، الشيخ عليش. وانظر فتاوى الشبكة الإسلامية بإشراف د/عبد الله الفقيه المملكة العربية السعودية، رقم الفتوى 33297 " تلزمه الدية لمشاركته بالتسبب" تاريخ الفتوى: 14 ربيع الثاني 1424 ه الفتوى رقم: 2208، والفتوى رقم: 2143، والفتوى رقم: 10493، والفتوى رقم: 5920. والله أعلم. 3 - المذهب الزيدي: (ويَجِبُ عَلَى كُلِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ الْجَمَاعَةِ الْقَاتِلِينَ لِلْوَاحِدِ (دِيَةٌ كَامِلَةٌ) لِوَرَثَةِ الْقَتِيلِ إِنْ طُلِبَتْ الدِيَةُ وَعَفَا الْوَارِثُ عَنْ الْقِصَاصِ، أَوْ سَقَطَ الْقِصَاصُ بِأَيِّ وَجْهِ لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي قَطْعِ الْيَدِ يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَانِبَيْنِ دِيَةُ الْيَدِ كَامِلَةً إِنْ سَقَطَ الْقِصَاصُ بِأَيِّ وَجْهِ. التاج المذهب لأحكام المذهب ج 4 ص 268 للصنعاني أحمد بن قاسم زيدي. وانظر تعدد الديات بتعدد المنافع من الفصل الثاني من هذا البحث.
1 - هو أبو شريح الخزاعي الكعبي، قيل اسمه خويلد بن عمرو، وقيل العكس، وقيل عبد الرحمن ابن عمرو، وقيل هانئ، وقيل كعب، والمشهور الأول أسلم قبل الفتح، وكان يحمل لواء خزاعة يوم الفتح. روى عن النبي، وعن ابن مسعود، وعنه أبو سعيد المقبري ونافع بن جبير بن مطعم، وسفيان بن أبي العوجاء، قال ابن سعد مات بالمدينة سنة ثمان وستين، وقيل غير ذلك. انظر ترجمته في ط خليفة ص 108، والإصابة 4/ 101 - 102، والاستيعاب 102/ 4 - 103، وأسد الغابة 128/ 2، والجرح والتعديل،398/ 3، والتهذيب 125/ 12 - 126، وشذرات الذهب 76/ 1.
110 (1/110)
صفحة 111
وأخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل: "حدثني أبي قال حدثنا هشيم عن خالد عن ابن سيرين ومغيرة عن إبراهيم وأبو إسحاق عن الشعبي أنهم قالوا في ثلاثة قتلوا رجلا قال: لوليه أن يأخذ الدية ممن شاء، ويعفو عمن شاء. سمعت أبي يقول: لم يسمع هشيم من واحد منهما يروى من حديث مغيرة، وإنما هو من حديث آخر غير مغيرة، وإنما هو من حديث جابر الجعفي. (1)
قال الخرقي وإذا اشترك الجماعةُ في القتل، فأحبّ الأولياء أن يقتلوا الجميع فلهم ذلك، وإن أحبّوا أن يقتلوا البعض، ويعفوا عن البعض، ويأخذوا الدية من الباقين، كان لهم ذلك.
وقال ابن قدامة وأمّا إن أحبّوا قتل البعض فلهم ذلك، لأنّ كل من لهم قتله فلهم العفو عنه كالمنفرد، ولا يسقط القصاص عن البعض بعفو البعض، لأنهما شخصان، فلا يسقط القصاص عن أحدهما بإسقاطه عن الآخر، كما لو قتل كل واحد رجلاً.
1 - العلل ومعرفة الرجال لأحمد بن حنبل أبو عبد الله الشيباني. ح 2129 وحديث أبي شريح الخزاعي رواه سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح الخزاعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثم إنكم معشر خزاعة قتلتم هذا الرجل من هذيل وإني عاقله، فمن قتل له قتيل بعد اليوم فأهله بين خيرتين، إما أن يقتلوا أو يأخذوا العقل" رواه الإمام أحمد /385/ 6، وأبو داود (4504)، والترمذي (1406) من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري عنه وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. انظر: المراجع السابقة. لا سيما مسائل أحمد وإسحاق. وانظر: سبل السلام للصنعاني 3/ 244، وفتح الباري لابن حجر (206/ 12 ح 6486.
111 (1/111)
صفحة 112
وأما إذا اختاروا أخذ الدية من القاتل، أو من بعض القتلة، فإنّ لهم هذا من غير رضى الجاني، وبهذا قال سعيد بن المسيب، وابن سيرين، والشافعي، وعطاء، ومجاهد، وإسحاق، وأبو ثور وابن المنذر)
وقيل: إن نزل إلى الدية فليس له إلا ديةٌ واحدةٌ؛ لأنّها مقابل نفس واحدة، ورجح هذا الرأي العلامة نور الدين في جوهره وفرّق فيه في القصاص بين قتل الفتك وبين النائرة، فقال يقتل الكل في الفتك وواحد في النائرة وهو الذي يختاره ولي المجني عليه؛ وعلى بقية المشتركين معه دفع منابهم من الدية للذي يختاره الولي؛ كعشرة مثلا قتلوا واحدا في نائرة فيقتل واحد منهم، وعلى التسعة تسعة أعشار الدية على كل واحد عشرُها يدفعونها لأوليائه بعد قتله، وقيل: تدفع له قبل القتل ثم يقتل وهذا نص ما قالوا
وفي جماعة بشخص فتكوا قيد به جميعهم وهلكوا
وذاك للفتك الذي قد وقعا فدمهم بفتكهم قد ضيعا
وهم من الساعين في البلاد بين الورى بالقتل والفساد
وهم من المحاربين قطعا يُقتلون لو كأهل صنعا إلى أن قال
1 - انظر مختصر الخرقي ص 126، والمغني لابن قدامة 751/ 7، والأوسط، كتاب الديات 163/ 1، والفروع لابن مفلح محمد بن مفلح 628/ 5، والمبدع شرح المقنع لابن مفلح الابن إبراهيم بن محمد ابن مفلح 253/ 8، والإقناع 169/ 4، والأحكام السلطانية للماوردي الشافعي ص 275، والإنصاف للمرداوي 448/ 9 وسبل السلام ج 1201/ 3 - 1204.
112 (1/112)
صفحة 113
وإن تكن نائرة بينهـ
فواحد بواحد يلتـ
ـزم
فعشرة قد قتلوا إنسان
وليه يقتل أيا كان
وتسعة الأعشار من أصل الدية تلزم من لم يقتلن في التأدية
تدفع للمقتول بعد القتل لأوليائه بغير مُطـ
وقيل: بل إليه تدفعنـ
من قبل قتله ويقتلنـ
بل
والأول المنسوب للأصحاب والثاني لا يخلو من الصواب
(1)
وكذلك الشيخ خميس في المنهج يرى التفصيل نفسه في القتل، والعلامة القاضي منصور بن ناصر الفارسي في رياض الأزهار، وذكر النور السالمي هذا التفصيل
أيضا في المدارج بين العمد وشبهه.
(2)
وقيل: إن شاء الولي قَوَدَ جميعهم في النائرة فله ذلك كالفتك، ولكن عليه أن يرد عليهم دياتهم عدا واحدا منهم.
وكذا لو قتل واحد جماعة فَإن اختاروا جميعا دمه فيقتل بهم وإن طلبوا دياتٍ
1 - جوهر النظام باب القضاء في الدماء.
2 - ينظر منهج الطالبين ج 226/ 11 - 227 ورياض الأزهار 353 م ومدارج الكمال نظم مختصر الخصال ص 152 - 153 ط 1 القاهرة واللباب ج 14 ص 261.
113 (1/113)
صفحة 114
فلكل واحد دية (1)
ويدخل في هذه المسألة أيضا الأمر بالقتل فإن من أمر غيره بقتل إنسان وكان للأمر سلطان على المأمور ففعل خوف بطشه أو كان المأمور عبدا للأمر أو صبيا فعلى الأمر القصاص وإن كان الأمر غير سلطان على المأمور وكان المأمور حرا بالغا عاقلا وفعل باختياره فعليه القود بنفسه وعلى الأمر العقوبة وكذا في الجناية ما دون القتل. (2)
1 - ينظر الفتح الجليل ص 704 - 706 وابن جعفر ق 2 م باب الفتك وبيان الشرع ج 66 ص 307 - 308 وشرح النيل 15 ص 193 - 194.
2 - إبن جعفر ق م ص 51 - 52، والجلاء 240 - 241 ط 1 والمحلى 165 - 169 ج 11 والمدونة الكبرى لأبي غانم بشر بن غانم الخراساني ج 3 كتاب الديات ط الأولى 1428 هـ 2007 م ن وزارة التراث ص 235 فما بعدها و 237 فما بعدها. ولباب الآثارج 14 ص 227. والمغني لابن قدامة ج 8 ص 288 فما بعدها، والفتاوى الهندية ج 5 فقه حنفي، ومنح الجليل شرح مختصر خليل. مالكي. وانظر المواق: التاج والإكليل لمختصر خليل "قتل الجماعة بالواحد" قال: "مَنْ أَكْرَهَ رَجُلًا عَلَى قَتْلِ رَجُلٍ ظُلْمًا قُتِلَ الْمُبَاشِرُ إِذْ لَا خِلَافَ أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يُبِيحُ لَهُ قَتْلَ مُسْلِمٍ ظُلْمًا، وَيُقْتَلُ الْمُكْرِهُ أَيْضًا لِأَنَّ الْقَاتِلَ كَالَةٍ لَهُ." ج 6 ص 242. ومحمد عليش: منح الجليل شرح مختصر خليل، أحكام الدماء والقصاص، إلى أن قال: و صَوَّرَ ابْنُ رُشْدٍ هُنَا سِتَّ صُوَرٍ الْأُولَى: أَنْ يَأْمُرَ رَجُلٌ رَجُلًا حُرًّا أَوْ عَبْدًا لِغَيْرِهِ بِقَتْلِ مَعْصُومٍ فَيَقْتُلُهُ فَلَا خِلَافَ فِي قَتْلِ الْقَاتِلِ وَضَرْبِ الْآمِرِ مَأْنَة وَحَبْسِهِ عَامًا.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَأْمُرَ عَبْدَهُ الْبَالِغَ بِهِ فَيَقْتُلُهُ فَيُقْتَلَانِ مَعًا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي هَذَا كَانَ الْعَبْدُ فَصِيحًا أَوْ أَعْجَمِيًّا. وَقَالَهُ أَصْبَغُ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَأْمُرَ الْإِمَامُ بَعْضَ أَعْوَانِهِ بِقَتْلِ رَجُلٍ ظُلْمًا فَيَقْتُلُهُ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُمَا يُقْتَلَانِ مَعًا.
114 (1/114)
صفحة 115
مع
ملاحظة أنَّه: لا يَحِلُّ لإنسان ما أن يسفك دم نفس بريئة لأجل إحياء نفسه
مهما كان السبب.
6
وذكر في المصنف تفصيلا آخر وهو: إذا كان الأمر ممن له الطاعة والسلطان على المأمور، كان على الأمر القود وإن كان ممن له الطاعةُ ولا سلطان ولا جبر له؛ وذلك كطاعة العشيرة لرئيسها فقيل عليه القود. وقيل: لا. ولكن عليه الدية وإن كان لا سلطان له ولا طاعة فقيل عليه الدية وقيل: لا. أما القود فلا قود
عليه. (1)
الرَّابِعَةُ: أَنْ يَأْمُرَ الرَّجُلُ ابْنَهُ الْبَالِغَ الَّذِي فِي حِجْرِهِ أَوْ الْمُؤَدِّبُ مُؤَدَّبَهُ الْبَالِغَ بِقَتْلِ رَجُلٍ فَيَقْتُلُهُ فَاخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، فَفِي سَمَاع يَحْيَى بِقَتْلِ الْقَاتِلِ وَيُبَالِغُ فِي عُقُوبَةِ الْآمِرِ، وَرَوَى سَحْنُونٌ عَنْهُ قَتْلَهُمَا
مَعًا.
الْخَامِسَةُ: أَنْ يَكُونَ الابْنُ مُرَاهِقًا وَمِثْلُهُ يَنْتَهِي عَمَّا يُنْهَى عَنْهُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُقْتَلُ الْآمِرُ وَعَلَى عَاقِلَةٍ الصَّبِيِّ نِصْفُ الدِّيَةِ.
السَّادِسَةُ: كَوْنُهُ دُونَ ذَلِكَ فِي السِّنِّ، فَلَا خِلَافَ فِي قَتْلِ الْآمِرِ وَغُرْم عَاقِلَةِ الصَّبِيِّ نِصْف الدِّيَةِ. محمد عليش منح الجليل أحكام الدماء. ج 9 ص 27.
1 - المصنف للعلامة الكندي ج 41 ص 44 فما بعدها ن / وزارة التراث ط 1. وانظر: المسألة 21 و 30.
115 (1/115)
صفحة 116
المسألة الخامسة عشرة في أخذ الدية من قاتل العمد
اختلف أهل العلم في أخذ الدية من قاتل العمد، فقالت طائفة: ولي الدم بالخيار إن شاء اقتص وإن شاء أخذ الدية، وإن شاء عفا عن الكل.
واستدلوا بقوله تعالى: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِبَاعُ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَن) البقرة.178 والمعنى: تَرك له دمه ورَضِي منه بالدية.
وبقوله: " ... مَنْ اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا قَتْلًا عَنْ بَيِّنَةٍ فَإِنَّهُ قَوَدٌ إِلَّا أَنْ يَرْضَى أَوْلِيَاءُ المَقْتُول ... "
وقوله في خطبته عام الفتح: "من قُتِلَ له قتيل فهو بخير النظرين إن أحَبَّ أَخَذَ العقل وإن أحَبَّ أَخَذَ القود."
وبقوله: " من أصيب بدم أو خبل فهو بالخيار بين إحدى ثلاث، فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه بين أن يقتص أو يعفو، أو يأخذ العقل، فإن قَبِلَ شيئًا من ذلك ثم عدا بعد ذلك فله النارُ خالدًا فيها مخلدا". (1) وهذا الذي عليه المذهب وهو الصحيح لهذه الأدلة. وذهبت طائفة أخرى إلى أنَّ الخيار للقاتل إذا أراد ولي الدم الدية، فإن رضي الجاني بأدائها فله ذلك، وإن رفض وقال: هذه نفسي أقتل ولا دية عندي لك فله
1 - تقدمت الآية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة في المسألة الأولى من هذا
الفصل.
116 (1/116)
صفحة 117
ذلك. (1)
قلت الصحيحُ عدم قبول ذلك منه؛ إذ أنه مأمور بالمحافظة على مهجته، ومتى نزل ولي الدم إلى الدية فقد حقن دمه، وتسليمه نفسه للقتل حرام مخالف للكتاب
والسنة قال تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (وَمَن يَفْعَلْ
ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) النساء. وأما السنة فما ثبت في الحديث عنه من طريق "أبي هريرة قال: قال رسول الله من تحسى سُمَّا فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا .. "
2
فدل الكتاب والسنةُ على وجوب المحافظة على النفس وعدم جواز تعريضها لما يهلكها، والإجماع على ذلك أيضا. كما سيأتي بيان ذلك في المسألة السابعة والعشرين في أن الأصل في القتل العمد) من هذا الفصل فانظره من هنالك وضم الجميع معا تكمل لك الفائدة بإذن الله تعالى.
1 - انظر الجامع لأحكام القرآن؛ للقرطبي، ج 2 ص 252 وسبل السلام للصنعاني 1204/ 3 وفتح الباري لابن حجر 214/ 12 والتيسير 254/ 1 وشرح النيل 128/ 15 - 129 و 211 للقطب اطفيش، والفتح الجليل لإمام المسلمين الخليلي 703 والجلاء 228 ط 1. والجوهر 536.
2 - ابن حنبل في مسنده ج 2 ص 478 ح 10198 و الحميدي الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم ج 1/ 207) والسنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي 23/ 8 ح 16300. وغيرهم
117 (1/117)
صفحة 118
المسألة السادسة عشرة في حكم القاتل بعد أخذ الدية أو العفو
تقدم الكلام بأنَّ على قاتل العمد القودَ إلا أن يرضى أولياء المقتول منه بالدية أو يعفوا عنه، وهنا يجب أن نعرف بأنَّ من عفا أو أخذ الدية فلا رجوع له في ذلك، فإن قتل بعد ذلك قُتِل حدا ولا يقبل العفو عنه، ولو عفا عنه أولياء الدم، فلا يقبل ذلك منهم وعلى الإمام أن يقتله حدا، وكذلك القاتل في الأمان. والدليل على
ذلك قوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) البقرة.
وعذابه في الدنيا القتل وفي الآخرة. النار. وقوله:" من أصيب بدم أو خبل فهو بالخيار بين إحدى ثلاث فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه؛ بين أن يقتص أو يعفو أو يأخذ العقل، فإن قَبِلَ شيئا من ذلك ثم عدا بعد ذلك فله النار خالدا فيها مخلدا." وقوله: " لا أعفو عمَّن قَتَلَ بعد عفو " (1)
وقوله: " من قتل بعد العفو أو أخذ الدية فهو خالد مخلد في النار. (2) وقيل: فعله ليس بأعظم ممن قَتَلَ ابتداءً، فإن عفا ولي الدم عنه فعفوه مقبول وعذابه في الآخرة النار.
1 - تقدم الحديثان في المسألة الأولى.
2 - أخرجه الإمام الربيع بن حبيب الله في مسنده الجامع الصحيح، بلفظه ح رقم 761 باب الحجة على من قال: إنَّ أهل الكبائر ليسوا بكافرين. وهي جزء من حديث "من أُصِيْبَ بِدَمٍ." المتقدم إذ جاء فيه" فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه" و" فإن قَبِل شيئا من ذلك ثم عدا بعد ذلك فله النار خالدا فيها مخلدا." وقد تقدم في المسألة الأولى.
118 (1/118)
صفحة 119
أما إن كان الولي متعددا وعفا بعض الأولياء وقتل من لم يعف بغير علم منه بعفو شريكه فليس عليه إلا الدية، وإن كان عالما بالعفو وقتل بعد العلم فيقتل حدا لا قصاصا.
وكذلك إن أخذ الشريك الدية وقتل بعد علم بذلك. أما إن كان أخَذَ الديةَ بغير علم بقاتل كما في القسامة، أو من قُتِلَ بين فئتين ولم يُعلم قاتِلُهُ، فَأَخَذ الولي الدية ثم ظهر القاتل، فإن الدية تُرَدّ إلى مَن أخذت منه، إذا أخذت من غير القاتل، وفي القتل للجاني بعد التَّبيُّنِ وأخذ الدية خلاف؛ هل يقتل أم لا؟ قيل: يقتل لأن الدية لم تؤخذ عن عفو لقاتل، وقيل: لا يقتل لمجرد حصول الانتقال إلى
الدية. (1)
1 - راجع القرطبي ج 2 ص 254 وجوهر النظام 536/ 3 والتيسير 254/ 1 والهيميان 490/ 2 - 491 والنيل وشرحه 755/ 14 - 757 و 184/ 15 و 207 و 211 - 216 والرياض 360 والفتح الجليل 704 وفتح الباري 214/ 12 والخلاصة 431/ 2 والجلاء 251 ط 2 وبيان الشرع ج 287/ 67.
119 (1/119)
صفحة 120
المسألة السابعة عشرة في قتل شبه العمد
إعلم أنَّ قتل شبه العمدِ هو: أن يرمي إنسان آخر بشيء غير قاتل في العادة؛ كأن يرميه بحجرة صغيرة أو بعرة أو نواة أو يضربه بعصا خفيف، فلا يخلو الجاني من أحد أمرين إما أن يكون قاصدا لقتله، فهو كالمتعمد لذلك وعليه القود، وهو
مذهب ابن محبوب
وقيل: إذا رماه بغير قاتل فلا قود عليه بل عليه الدية في ماله، وهو الذي حكاه أبو المؤثرة عن أهل العلم ومال إليه.
وثمرةُ الخلاف تتبين في هل هذا حد أم حق؟ فمن قال: بأنه حد درأ عنه الحد بالشبهة. ومن قال: بأنَّه حقٌّ أوجب القصاص عليه إذا طلب منه أولياء الدم.
وإن كان غير قاصد القتل، ورماه بغير قاتِل فليس إلا الدية.
(1)
وقيل: إنَّ لولي المقتول الخيار بين أن يعفو أو يقتل من غير تفصيل بين أن يقصد قتله أم لا، ذَكَرَ ذلك العلامة السالمي في مدارجه والإمامان في النيل وشرحه
(2)
1 - أنظر النور السالمي جوهر النظام ج 534/ 3 "القضاء في الدماء" والسيابي الجلاء 167. 2 - يُقصد بالإمامين في النيل وشرحه؛ هما مؤلف كتاب النيل العلامة الثميني، وشارحه: الإمام القطب وقد تقدمت ترجمة العلامة القطب، أما الثميني فهو الشيخ العلامة المجتهد المجاهد عبد العزيز بن الحاج بن إبراهيم الثميني يلقب بضياء الدين ولد في يسجن في جنوب الجزائر عام 1130 هـ كان أحد أقطاب علماء الإباضية وإليه انتهت رئاسة العلم نادرة زمانه في الذكاء حديد القلب يقظ الفكرة صبورا على النوائب له عدة مؤلفات منها: كتاب النيل وشفاء العليل في مختلف علوم الفقه
والتكميل لما أخل به كتاب النيل، ومعالم الدين في الفلسفة وأصول الدين، وغيرها كثير. وانظر: ترجمته في المعالم وشرح النيل وفهارسه.
6
120 (1/120)
صفحة 121
بل رجّح القول بالقتل القطب في الشرح بقوله: "وأقولُ: إنه كبير لأنَّ الضرب ظلم ويناسبه قول القتل " (1)
قلت: القولُ بالقود ظاهر فيمن كان قاصدا القتل؛ فإنه بقصده ذلك يعد متعمدا، وعليه ما على المتعمد أما إن كان غير قاصد القتل فالذي تدل عليه الأحاديث المروية عن رسول الله الهلال مع عدم القصاص في شبه العمد.
فمنها ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عقل شبه العمد مغلظ مثل عقل العمد، ولا يُقتل صاحبه؛ وذلك أنْ ينزو الشيطان فتكون دماء في غير ضغينة ولا حمل سلاح." (2)
وما روي عنه الليله في خُطبته يوم الفتح جاء فيها: "ألا إنَّ قتيل الخطأ شبه العمد؛ قتيل السوط أو العصا فيه مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها.""
1 - شرح النيل ج 191/ 15 راجع أيضا مدارج الكمال 153 وسبل السلام 1195/ 2 وشرح النيل 121 - 119/ 15 والجلاء 214 والشوكاني 21/ 7 والتمهيد 105/ 13 والقرطبي 330/ 5 والرياض 353 والسبل 1213/ 2 وبيان الشرع ج 66 ص 285 وانظر: المدونة الكبرى ج 3 كتاب الديات ط الأولى 1428 هـ 2007 م / ن / وزارة التراث ص 230 فما بعدها.
2 - رواه أحمد ح 6718 وأبو داود باب ديات الأعضاء ح 4565 وأخرجه الدارقطني ج 3 ص 95 ح 53
والبيهقي ح 15908. والديلمي ح 4119، وعبد الرزاق في المصنف ح 17199 وانظر ما بعده. 3 - ابن حنبل في مسنده ج 2 ص 164 ح 6533، النسائي في سننه ج 8 ص 42 ح 4798، السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي (458) 16421، السنن الكبرى للنسائي (233/ 4 ح 7000 فما بعده، سنن ابن ماجه (8 60 2617 وأبو داود (4548) في الديات باب في الخطأ شبه العمد، والدارقطني /10 - 105 وأخرجه أبو داود (4547)، والنسائي 41/ 8 في القسامة: باب كم دية شبه العمد، وابن ماجة (2627) في الديات باب دية شبه العمد مغلظة، وانظر: نيل الأوطار (7/ 29 ح 3010
121 (1/121)
صفحة 122
فقد جعل قتل السوط والعصا شبة عمد في حكم الخطأ فيه الدية لا
القصاص.
وقد ورد هذا الحديث بعدة ألفاظ متقاربة مختصرة ومطولة، وهو جزء من حديث خطبة الرسول للهلال فى الناس على باب الكعبة المشرفة عام الفتح.
ففي مسند الإمام الربيع له ..... ألا في قتيل العصا والسوط والخطأ؛ شبه العمد الدية مغلظة مأئةٌ من الإبل، منها أربعون خلفة " 1
وفي ابن حبان: "ألا إن قتيل الخطأ شبه العمد قتيل السوط والعصا مغلظة فيها أربعون في بطونها أولادها "
ولابن ماجه والنسائي وغيرهما عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "قتيل الخطأ شبه العمد قتيل السوط والعصا مائة من الإبل أربعون منها خَلِفَة في بطونها أولادها. " (2)
ولابن ماجة والنسائي وأبي داود وغيرهم: "دية قتيل الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا ... "
1 - انظر: الجامع الصحيح؛ مسند الإمام الربيع ح 419 دخول الرسول صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح. 2 - أخرجه ابن ماجة في سننه ح 2627 - 2628 شبه العمد والتحفة ح 8889 و 8911 والترمذي 1387 والبيهقي السنن الكبرى شبه العمد ح 15779 والدارقطني الحدود والديات، والنسائي الاختلاف على خالد الحذاء، وابن حبان ذكر وصف الدية في قتل الخطأ الذي يشبه العمد واحمد في مسنده حديث 23493. والدارمي السنن /2/ 259) 2383 وغيرهم.
122 (1/122)
صفحة 123
ولهم أيضا "ألا إنَّ دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها" وللنسائي: "ألا وإنَّ قتيل الخطأ شبه العمد ...... (1)
وفي لفظ: " .. ألا إنَّ قتيل العمد والخطأ بالسوط أو العصا فيه مائة من الإبل مغلظة فيها أربعون خلفة في بطونها أولادها "
وأما ما رُوي عنه أنه أقاد من القاتل بالفأس مع أنّه قال في إقراره: إِنَّه لم يُرد قتله، فإنَّ الفأس حديدة قاتلة، وقد علمت مما مَرَّ أنَّ شرط قتل شبه العمد أنْ يكون بشيء غير قاتل عادةً وليس هذا منه، مع أنَّ القاتل في هذه القضية تعمد
الفتح
1 - انظر: شرح الجامع الصحيح لنور الدين السالمي له 221/ 2 باب ما جاء في خطبته يوم ح 419 وسبل السلام 1218/ 2 - 1219 وأبو داود ح 4547 - 4549 و 4588 - 4589 وابن ماجه 2627 - 2628 والتحفة 7372 والنسائي 4795 - 4797 و 48.3 - 4814. مع المراجع السابقة واللاحقة وضم الجميع معا تحصل الفائدة بإذن الله عل.
2 - مسند الحميدي عبدالله بن الزبير أبو بكر الحميدي: 307/ 2 ح 702 الناشر: دار الكتب العلمية، مكتبة المتنبي - بيروت، القاهرة تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، وأحمد ح 4583، وح 4926 والبيهقي معرفة السنن والآثار للبيهقي ح 15820، والسنن المأثورة للشافعي، المؤلف: إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل أبو إبراهيم المزني (المتوفى: 264 هـ) ص: (429) 637، وأبو داود ح 4549 وابن ماجه ح 2628 وانظر: الشافي في شرح مسند الشافعي 183/ 5 الباب الثالث في الديات) لابن الأثير الجزري (المتوفى: 606 هـ) ونيل الأوطار للشوكاني // (29) (3011 والمسند الجامع لأبي الفضل النووي المتوفى 1401ھ (24/ 49) 7825."
123 (1/123)
صفحة 124
الضرب به، وبذلك أقرَّ مع الرسول الله حيث قال: "كنت أنا وهو نختبط من شجرة فسبني فأغضبني فضربتُ رأسه بالفأس على قرنه فقتلته ... " (1)
أنا
- رواه مسلم وأبو داود ج 4 ح 4501 والنسائي في الكبرى 6932 وابن ماجة 2691 وابن ابي عاصم السابق 101 ونصه في مسلم من طريق وائل بن حجر حدثنا عبدالله بن معاذ العنبري حدثنا أبي حدثنا أبو يونس عن سماك بن حرب أن علقمة بن وائل حدثه أن أباه حدثه قال: إني لقاعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل يقود آخر بنسعة، فقال يا رسول الله هذا قتل أخي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقتلته؟ فقال: إنه لو لم يعترف أقمت عليه البينة قال: نعم قتلتُه. قال:" كيف قتلته؟ " قال: كنت وهو نختبط من شجرة فسبَّني فأغضبني فضربته بالفأس على قرنه فقتلته. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "هل لك من شيء تؤديه عن نفسك؟ قال: ما لي مال إلا كسائي وفأسي. قال: "فترى قومك يشترونك "قال: أنا أهون على قومي من ذاك. فرمى إليه بنسعته وقال: "دونك صاحبك" فانطلق به الرجل فلما وَلَّى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن قَتَلَه فهو مثله." فرجع فقال: يا رسول الله إنه بلغني إنك قلت إن قَتَلَه فهو مثله. وأخذتُه بأمرك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك؟ قال: الله، لعله قال: بلى - قال: "فإنَّ ذاك كذلك" فرمى بنسعته وخلى سبيله. وحدثني محمد بن حاتم، حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا هشيم، أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن علقمة بن وائل عن أبيه قال: أُتي رسول الله الله برجل قتل رجلا، فأقاد ولي المقتول منه، فانطلق به وفي عنقه نسعة يجرها، فلما أدبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " القاتل والمقتول في النار" فأتى رجل الرجل فقال له: مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخلى عنه، قال إسماعيل بن مسلم فذكرت ذلك لحبيب بن أبي ثابت فقال: حدثني ابن أشوع أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم إنما سأله أن يعفو عنه فأبى، قال النووي في معنى قوله صلى الله عليه وسلم "فهو مثله" فالصحيح في تأويله أنه مثله في أنه لا فضل لأحدهما على الأخر؛ لأنه استوفى حقه منه، بخلاف ما لو عفا عنه، فإنه كان له الفضل والمنة وجزيل ثواب الأخرة ..... وقيل: فهو مثله في أنه قاتل، وإن اختلفا في التحريم والإباحة؛ لكنهما استويا في طاعتهما الغضب. وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم ما قاله بهذا اللفظ الذي هو صادق فيه، لإيهام لمقصودٍ صحيح؛ وهو أنَّ الولي ربما خاف فعفا، والعفو مصلحة ا وفيه مصلحة للجاني وهو إنقاذه من القتل، فلما كان العفو مصلحة توصل
يا نبي
للولي والمقتول.
6 ... 6
6 ...
124 (1/124)
صفحة 125
وقد حكم عليه اللي باعترافه بحكم الظاهر مع أنَّه قد جاء في بعض الروايات أنه لما دفع القاتل إلى ولي المقتول وقال القاتل والله ما أردتُ قتله. قال: صلى الله عليه وسلم مخاطبا ولي المقتول: " أما إنَّه إنْ كان صادقا ثم قتلته دخلت النار ... " (1)
إليه بالتعريض، وأما قوله: "أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك" فقيل معناه: يحتمل إثم المقتول بإتلافه مهجته، وإثم الولي لكونه فجعه في أخيه، ويكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد أوحي إليه في هذا الرجل خاصة، ويحتمل أن معناه: أن يكون عفوك عنه سببا لسقوط إثمك وإثم أخيك، ... ، وأما قوله: "القاتل والمقتول في النار " فليس المراد به في هذين، ... بل المراد غيرهما؛ وهو: إذا التقى المسلمان بسيفهما في المقاتلة المحرمة ... " صحيح مسلم ج 172/ 11 - 174 بشرح النووي. قلت: وعلى فرض أنهما المقصودان فيحتمل أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم علم ذلك عن طريق الوحي؛ لأنَّه لا ينطق عن الهوى؛ فيكونان استحقا النار بغير هذا الصنيع، أو أنَّ القاتل الجاني والمقتول المجني عليه؛ أما الجاني فلسفكه دم أخيه، ظلما، وأما المجني عليه فكان حريصا على سفك دم القاتل، وقد علم ذلك بالوحي وذلك على حد ما روي عنه " أفطر الحاجم والمحتجم " فقد قال كثير من العلماء: إنَّه ليس المراد أنَّ الحجامة هي المفطرة، وإنما كانا يغتابان فاستحقا هذا الحكم بسبب الغيبة لا بسبب الحجامة، وما روي عنه في قضية مدعم مولاه ... إنَّ الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا فلينظر فيه ولا يؤخذ إلا بعدله. ينظر صحيح مسلم بشرح النووي الأيمان ج 129/ 2 والبخاري: النذور والأيمان ج 179/ 8 باب 33 و: المغازي، باب غزوة خيبر ج 5/ 176 باب 38 والموطأ: الجهاد ح 25 والنسائي: الأيمان والنذور ح 3858. 1 - رواه أبو داود: "الإمام يأمر "بالعفو ح 4498 وابن ماجه العفو عن القاتل ح 2690 والترمذي: بَاب مَا جَاءَ فِي حُكْمِ وَلِي الْقَتِيلِ فِي الْقِصَاصِ وَالْعَفْو. ح 1407 وصححه من طريق أبي هريرة، والنسائي في القود ح 4736 ونصه: "قُتِل رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفع القاتل إلى وَلِيَهِ فقال القاتل يا رسول الله والله ما أردت قتله. فقال النبي الله أما إنَّه إن كان صادقا ثم قتلته دخلت النار. فخلاه الرجل وكان مكتوفا بنسعته، فخرج يجر نسعته،، قال فكان. يسمى ذا النسعة " وأخرجه ابن
“
125 (1/125)
صفحة 126
قلت: وفيه من الإشكال ما لا يخفى؛ لكون الولي أخَذَ الجاني للقصاص بحكم منه، ولكن سرعان ما ينقشع الإشكال بتأول المعنى بأنَّه إن قتله وهو يعلم صدقه في عدم قصده القتل فيكون متعديا في القصاص ظالما للجاني؛ لأنَّه إن كان صادقا معلوما صدقه فلا قصاص عليه، وإنما عليه الدية، وحكمه صلى الله عليه وسلم بحسب الظاهر، ولا يُحِلُّ ما حرم الله، لأنَّه لو في الأحكام بين الناس موكول إلى اجتهاده؛ حسبما يسمع من الخصمين بدليل حديث: "فمن قضيتُ له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئاً فإنما أقطع له قطعة من نار." (1)
ص
430 - 431
أبي شيبة في مصنفه 5/ 348 و 404 و 428 و 436 وابن ابي عاصم ح 220 - 221 والنسائي في الكبرى 6924 وفي المجتبى 13/ 8 والطحاوي في شرح المشكل 944 وأبو عوانه في المسند ح 6193، وقال الترمذي حديث حسن صحيح. وانظر: نيل الأوطار ج 7 ص والوفاء 60/ 5 - 61. 1 - رواه الإمام الربيع بسنده العالي من طريق ابن عباس الله ينظر الجزء الثالث من شرح الجامع رقم الحديث 79 كتاب الأحكام ص 241 والبخاري باب موعظة الإمام للخصوم وفي الشهادات 235/ 3، وفي الحيل، وفي الأحكام وابو داود باب قضاء القاضي إذا أخطأ ح 3583 ومسلم في الأقضية ح 1713 وأحمد والترمذي في الأحكام 1339 باب التشديد على من يقضى له بشي ليس له، والنسائي في القضاة ح 5403 باب الحكم بالظاهر وابن ماجه ح 2317 باب قضية الحاكم لا تحل حراما) كلهم من طريق أم سلمه رضي الله عنها.
126 (1/126)
صفحة 127
المسألة الثامنة عشرة في إهدار سن العاض إذا سقطت بسبب انتزاع المعضوض
يده
إذا عض إنسان يدَ آخر فأنتزع المعضوض يده من فم العاض وسقط شيء من أسنان العاض فهو هدر لا دية له ولا قصاص وعليه دية العضة.
والدليل على ذلك ما روي أنَّ رجلا عضَّ يَدَ، آخر فأنتزع المعضوضُ يَدَه من فم العاض، فسقطت ثنيته، فأهدرها. ونصه: عن عمران بن حصين له أنَّ رجلا عض يد رجل فنزع يده من فيه فسقطت ثنيتاه فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:" يَعَضُّ أحدُكم يد أخيه كما يعض الفحل لا دية لك". (1)
وعن يعلي بن أُميَّه قال: كان لي أجير فقاتل إنسانا فعض أحدهما صاحبه فانتزع أُصبعه فأنذر ثنيته فسقطت، فأنطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأهدر ثنيته وقال: "أيدعُ يده في فيك تقضمها كما يقضم الفحل؟
1 - أخرجه البخاري في الديات ح 6892 ومسلم في الحدود ح 4342 والترمذي في الديات ح 1416، والنسائي في الكبرى القسامة: ح 4773 و 4775 و 4776 و 47074، وفي المجتبى وابن ماجة في سننه ح 2656 و 2657 والتحفة 10823 وابن أبي عاصم في الديات ح 202 - 204 ص 402 وابن حبان في صحيحه ح 6000 وأبو عوانة في مسنده ح 6150 والطبراني في الكبير ح 22:50 و 650 و 651 واحمد ح 17954 وغيرهم.
- أخرجه البخاري 2256 و 6893 و 4417 ومسلم 1302 و 1674 وأحمد 17966 و 17949 وابن ماجة في الديات ح 2656 - 2657 والترمذي الديات ح 1416 والنسائي في الكبرى في القسامة ح 4773 776 و 4779 والمجتبى 31/ 8 وأبو عوانة 6148 وأبو داؤد 4584 و 4585 وابن أبي عاصم
127 (1/127)
صفحة 128
المسألة التاسعة عشرة في هدر دم من انتهك حرمة بيت مُغْلَق (1) على أهله
من اطلع على بيت قوم مغلق عليهم بغير إذن منهم فلا دية له ولا قصاص إن أصابوه بشيء لهتكه حرمتهم والدليل على ذلك ما روي من طريق أبي هريرة له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو أنَّ امْرَءًا اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ. (2) وفي رواية عند مسلم: " ما كان عليك من جناح ". (3) وعند ابن أبي عاصم بلفظ: "ما كان عليك حرج" (4)
ومن طريق ابن عجلان عن أبيه عن الزهري عن أبي هريرة بلفظ: "ما كان عليك
المرجع السابق وابن أبي شيبة 386/ 6 - 387 باب الرجل يضرب الرجل فينتزع يده ط دار الفكر 1994 م وغيرهم. وانظر فتح الباري ج 22/ 12 6893689 ط دار الريان 1407 هـ 1987 م ومسلم بشرح النووي ج 11 / ح 4342 وخلاصة الوسائل 477/ 2 ووفاء الضمانة ج 53/ 5 ط التراث. 1 - احترز بقوله: "مغلق على أهله" عن الداخل بإذن وما إذا كان المنزل مفتوحا للداخلين فإنَّ دمه في الأصل حرام إلا إذا كابر على فعل باطل وأصيب في حال المدافعة.
2 - أخرجه البخاري في صحيحه 6888 و 6902 وفي الأدب المفرد ح 1068 ومسلم كتاب الآداب باب تحريم النظر في بيت الغير شرح النووي ج 14 ص 138 ط دار احياء التراث والطبراني في مسند الشاميين ح 1. 330 وابن أبي عاصم في الديات ح 198 وغيرهم.
- مسلم المرجع السابق. 4 - أخرجه مسلم ح 1699 و 2158 والبخاري في صحيحه 6902 والنسائي في الكبرى 7066 والمجتبى 61/ 8 والبيهقي في الكبرى 17655 والصغرى 3742 وأحمد 7313 و 9525 والشافعي في مسنده
والبدائع 1444 وابن أبي عاصم في الديات ح 197 وغيرهم.
128 (1/128)
صفحة 129
من ذلك من شيء."
(1) "
وعند مسلم وغيره من وجه آخر عن أبي هريرة من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يَفْقَئُوا عينه." (2).
وعند أحمد وابن أبي عاصم والنسائي وابن حبان وصححه، والبيهقي من رواية بشير بن نهيك بلفظ عنه: "من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فَفَقَنُوا عينه فلا
(3)
دية له ولا قصاص. " () وفي رواية " فهو هدر."
1 - أخرجه ابن أبي عاصم في الديات ح 199 وابن الجارود في المنتقى ح 791 وأحمد 9525 و 135.7 و 13543 وابن حبان في صحيحه ح 6002 والطبراني في الأوسط 6227 واخرجه من طريق أنس البخاري في صحيحه 6242 و 6889 و 6900 ومسلم ح 1699 و 2157 والشافعي في مسنده وسننه بدائع المتن 1446 والترمذي 2708 وابن أبي شيبة في مصنفه أبو داؤد في سننه في الإستئذان ح 5171 - 5175 والبيهقي في الكبرى 17653 وغيرهم من عدة طرق.
2 - مسلم في كتاب الآداب 2158 والبيهقي في الكبرى 17656 و 1757 وابن أبي عاصم في الديات ح 201 وعبد الرزاق في مصنفه 19433 وابن أبي شيبة في مصنفه وابو داؤد المرجع السابق والطبراني في الأوسط 1372 والطيالسي في مسنده 2426 وأحمد 106569360 وغيرهم.
- أخرجه أحمد ح 8997، وابن أبي عاصم في الديات ح 196 ص 392 مرجع سابق وابن راهويه، 112، والنسائي في الكبرى 7.65 وفي المجتبى 61/ 8 وابن الجارود في المنتقى 790 وابن حبان في صحيحه 6004 في الإحسان والطحاوي في المشكل 939 و 940، والبيهقي في الكبرى 17658، والصغرى 3743 و 3744، والطبراني في الأوسط 8221 وغيرهم.
129 (1/129)
صفحة 130
وفي ابن حبان إلى دار قوم ولابن أبي عاصم وابن حبان وغيرهما من طريق أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو أطلع أحدٌ في بيتك ولم تأذن له فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك جناح " (1)
وعن ابن شہاب أنَّ سہل بن سعد الساعدي أخبره أنَّ رجلا اطَّلع في جُحر في باب رسول الله صلى الله عليه وسلم و مع رسول الله الله مدرى يَحُلُّ به رأسَه فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو أعلم أنك تنظرني لطعنت به عينيك" وقال: "إنما جُعِل الإذنُ من قِبَلِ البصر."
وفي النسائي أيضا بلفظ ... فألقم عينَه خُصاصة الباب من جُحر" وعن أبي ذر الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أيُّما رجلٍ كَشَف سترا فأدخل بصره من قبل أن يؤذن له
1 - أخرجه ابن أبي عاصم المرجع السابق وابن حبان في صحيحه في الإحسان 6003 والخرائطي في مساوي الأخلاق 803 والبخاري في صحيحه في الإستئذان والديات 6888 والأدب المفرد 1068 والطبراني في مسند الشاميين 3301 ومسلم المرجع السابق والترمذي في الإستئذان والنسائي في القود وأبو داؤد في الأدب وغيرهم.
2 - المدرى: القَرْنُ يعمل من حديد أو خشب على شكل أسنان المشط أطول منه يسرَّحُ به الشعر المتلبد، ويدرى بها الشعر؛ أي: يسوَّى ويلوى، ويحلتُ بها الرأس أيضا، يشبه قرن البقرة الوحشية
ويقال لها مدرية قال الشاعر ... تتقى الريح بمدرية ... كالحماليج بأيدي التلام. والجمع مداري.
- رواه البخاري في الاستئذان وفي الديات باب" من اطلع في بيت قوم ففقئوا عينه فلا دية له" ح 6888 وفي الأدب المفرد باب الإستئذان ح 1070 - 1072 ومسلم المرجع السابق، والنسائي في.
130 (1/130)
صفحة 131
فقد أتى حدا لا يحل له أن يأتيه، ولو أنَّ رجلا مَرَّ على باب لا ستر له فرأى عورة أهله فلا خطيئة عليه، إنما الخطيئة على أهل البيت."
وعليه: لو أنَّ إنسانا وجد رجلا في بيته يطأ زوجته فله قتله إذا وجده في حال الفعل، وهي جديرة بأن تقتل معه، أما إن لم يجدهما في الفعل القبيح فلا يقدم على القتل؛ وذلك لاحتمال العذر له ودماء بني آدم محرمة لا تسفك إلا بحقها، وعند الاحتمال لا تسفك دماء الناس.
لما رُوِيَ عَنْ أميرِ المؤمنينَ عمر بن الخطاب له أَنَّهُ كَانَ يَوْمًا يَتَغَدَّى إِذْ جَاءَهِ رَجُلٌ يَعْدُو وَفِي يَدِهِ سَيْفٌ مُلَطَّةٌ بِالدَّمِ، وَوَرَاءَهُ قَوْمٌ يَعْدُونَ خَلْفَهُ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ مَعَ عُمَرَ، فَجَاءَ الْآخَرُونَ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ هَذَا قَتَلَ صَاحِبَنَا.
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا تَقُولُ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي ضَرَبْتُ بِينَ فَخِذَيْ امْرَأَتِي فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَحَدٌ فَقَدْ قَتَلْته.
فَقَالَ عُمَرُ: مَا تَقُولُونَ؟ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ ضَرَبَ بِالسَّيْفِ فَوَقَعَ فِي وَسَطِ الرَّجُلِ وَفَخِذَيْ الْمَرْأَةِ، فَأَخَذَ عُمَرُ سَيْفَهُ فَهَزَّهُ ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَيْهِ، وَقَالَ: إِنْ عَادَ فَعُدْ.
القود والترمذي في الإستئذان وأحمد في المسند.
1 - رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح إلا ابن لهيعة فهو ضعيف. مسند ابن حنبل ج 5 ص 181 ح 21612، والترمذي 63/ 5، ح 2707. وقال: حديث غريب لا نعرفه مثل هذا إلا من حديث ابن لهيعة.
2 - رواه سعيد بن منصور في سننه عن هشيم عن مغيرة عن إبراهيم عن عمر مرسلاً. انظر ابن قدامة " المغني " ج 332/ 8)، (فَصْلٌ: وَإِذَا قَتَلَ رَجُلًا، وَادَّعَى أَنَّهُ وَجَدَهُ مَعَ امْرَأَتِهِ) الشرح الكبير لابن
131 (1/131)
صفحة 132
وإنما أهدر عمر هدم الرجل المقتول، ولم يقض لأوليائه بالقصاص، مع أنَّ زوج المرأة جان حسب الظاهر ومدع انتهاك حُرَمِه؛ لكون أولياء الدم اعترفوا بذلك، وقرروا بوضوح ما قاله الزوج القاتل، فلم تبق هنالك شبهة في سفك الدم بغير حق، وكذا في الصورة الثانية الآتية قريبا عند إتيان أولياء المرأة، فقد اعترفوا بذلك، لما سألهم عمر له إذ جاء فيه: " ... فقال عمر له لهم: أكما قال؟ قالوا: نعم. قال: "لا شيء لكم" فتأمل ذلك جيدا فإنه واضح بحمد الله.
وإن وجده في بطنها في غير بيته فلا يقتله. (1)
وعِلَّةُ ذلك أنَّه بدخوله في بيته منتهك لحرمة البيت، حلال دمه بانتهاكه دخول البيت، وفعله الفاحشة، حيث كان دخوله لأمر محظور لا يُقره الدِّين، ولا يرضاه الحر على نفسه وذويه، أما في غير بيته فهو زنا محظ لا يرقى به إلى هدر الدم بمجرد الفعل؛ وإنما يرجع الأمر فيه إلى حكم الإمام في ذلك، وحسب التفصيل
قدامة ج 9/ 380) البهوتي شرح منتهى الإرادات ج 10/ 327. سيد سابق فقه السنة. الرحيباني مطالب أولي النهي 17/ 271) فقه عمر
2 - ينظر وفاء الضمانة ح 5/ 53
?
334/ 1 - 338
ج 2 ص
54 وفتح الباري ج 12/ 253 ح 6900 ونيل الأوطار ج 7 ص 25
- 27 وسبل السلام ج 3 ص 1236 والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 12 ص 212 وابن جعفر ق
ص
ح
71 - 72 م وخلاصة الوسائل ج 2 ص 409 - 410 واللباب 14 ص 229 - 230 و 283 وصحيح مسلم بشرح النووي، باب تحريم النظر في بيت الغير، ح 2157 ج 14 ص 136 فما بعدها وسائر تفاسير القرآن الكريم لآية الإستئذان 28 من سورة النور، وأبو داود باب الإستئذان 5175، والترمذي في الاستئذان ح 2709 والضياء للعوتبي ج 4 ص 66 - 70 ط التراث، وتمهيد قواعد الإيمان ج 13 ص 65 باب القسامة.
132 (1/132)
صفحة 133
بين عقوبة البكر والثيب وبالملاعنة بين الزوجين إن لم يكن ثَمَّةَ شهود أربعة عدول يشهدون بواقعة الزنا.
وفي رواية أخرى: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَبِيَدِهِ سَيْفٌ مُتَلَطَّةٌ بِدَمٍ قَدْ قَتَلَ امْرَأَتَهُ، فَجَاءَ أَهْلُهَا يَشْكُونَ عَلَيْهِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي قَدْ وَجَدْت لَكَاعًا قَدْ تَفَجَّدْهَا، فَضَرَبْتُ مَا هُنَالِكَ بِالسَّيْفِ، فَأَخَذَ السَّيْفَ فَهَزَّهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنْ عَادَ فَعُدْ. وفي رواية بلفظ: (إني ضربت بالسيف بين فخذي امرأتي فقال عمر ه: أكما قال؟ قالوا: نعم. قال: "لا شيء لكم " "
وروي عن عمر له أيضا من طريق سليمان بن يسار، عن جندب: "أنه وجد في بيته رجلا فرَضَ أُنثييه، فأهدره عمر الله.
ومن طريق القاسم بن محمد " أنَّ رجلا وجد في بيته رجلا فدق كل فقار في ظهره
فأهدره عمر هي عنه.
(3)
وقد يستشكل هذا الحكم كيف يُهدِر أمير المؤمنين عمر بن الخطَّابِ المقتول؟ وفِي الْحَدِيثِ لَوْ أَنّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ بِه ... الحديث. وقد سبق توضيح ذلك قريبا.
" I
وقد أجاب عن هذا الإشكال أيضا؛ ابن القيم في الزاد قائلا: قوله: "لَوْ أَنّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ بِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنّ مَنْ قَتَلَ رَجُلًا فِي دَارِهِ وَادَّعَى
1 - محمد بن محمد المختار الشنقيطي. شرح زاد المستقنع. الدرس (233)
2 - أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ج 437/ 9، ح 17925، كنز العمال ج 98/ 15 ح 40250. 3 - السابق، وكنز العمال في سنن الأقوال والأفعال 15/ 98 - 40251
133 (1/133)
صفحة 134
أَنَّهُ وَجَدَهُ مَعَ امْرَأَتِهِ أَوْ حَرِيمِهِ قُتِلَ به وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: إِذْ لَوْ قُبِلَ قَوْلُهُ لَأُهْدِرَتْ الدِّمَاءُ وَكَانَ كُلُّ مَنْ أَرَادَ قَتْلَ رَجُلٍ أَدْخَلَهُ دَارَهُ وَادَّعَى أَنَّهُ وَجَدَهُ مَعَ امْرَأَتِهِ. وَلَكِنْ هَاهُنَا مَسْأَلَتَانِ يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا، إحْدَاهُمَا: هَلْ يَسَعُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ
اللهِ تَعَالَى أَنْ يَقْتُلَهُ أَمْ لَا؟ وَالثَّانِي: هَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ أَمْ لَا؟
وَبِهَذَا التَّفْرِيقِ يَزُولُ الْإِشْكَالُ فِيمَا نُقِلَ عَنْ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ حَتَّى جَعَلَهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مَسْأَلَةَ نِزَاعٍ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَقَالَ مَذْهَبُ عُمَرَ هُ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِهِ وَمَذْهَبُ عَلِي: أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ. والَّذِي غَرَهُ مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ أَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لا بَيْنَا هُوَ يَوْمًا يَتَغَدّى إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ يَعْدُو وَفِي يَدِهِ سَيْفٌ مُلَطَّةٌ بِدَمٍ وَوَرَاءَهُ قَوْمٌ يَعْدُونَ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ مَعَ عُمَرَ فَجَاءَ الْآخَرُونَ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ هَذَا قَتَلَ صَاحِبَنَا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ مَا تَقُولُ: فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي ضَرَبْت بَيْنَ فَخِذَيْ امْرَأَتِيْ فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَحدٌ فقد قَتَلْتُه.
فَقَالَ عُمَرُ مَا تَقُولُونَ؟ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ ضَرَبَ بِالسَّيْفِ فَوَقَعَ فِي وَسَطِ الرّجُلِ وَفَخِذَيْ الْمَرْأَةِ فَأَخَذَ عُمَرُ، سَيْفَهُ فَهَزَهُ ثُمَ دَفَعَهُ إِلَيْهِ وَقَالَ: إِنْ عَادَ فَعُدْ. فَهَذَا مَا نُقِلَ عَنْ عُمَرَ.
وَأَمَا عَلِيٌّ فَسُئِلَ عَمَنْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ، فَقَالَ: إِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءُ فَلْيُعْطَ بِرُمِّتِهِ. فَظَنَّ أَنَّ هَذَا خِلَافُ الْمَنْقُولِ عَنْ عُمَرَ فَجَعَلَهَا مَسْأَلَةَ خِلَافٍ بَيْنَ
الصَّحَابَةِ.
وَأَنْتَ إِذَا تَأَمَلْتَ حُكْمَيْهُمَا لَمْ تَجِدْ بَيْنَهُمَا اخْتِلَافًا فَإِنّ عُمَرَ إِنَّمَا أَسْقَطَ عَنْهُ الْقَوَدَ
134 (1/134)
صفحة 135
لمَّا اعْتَرَفَ الْوَلِيُّ بِأَنَّهُ كَانَ مَعَ امْرَأَتِهِ وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا - وَاللَّفْظُ لِصَاحِبِ "الْمُغْنِي":
فَإِنْ اعْتَرَفَ الْوَلِيُّ بِذَلِكَ فَلَا قِصَاصَ وَلَا دِيَةَ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ...
وفي حديث آية الفرية عن عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا. قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَهُوَ سَيّدُ الأَنْصَارِ: أَهَكَذَا نَزَلَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَلَا تَسْمَعُونَ مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَلُمْهُ فَإِنَّهُ رَجُلٌ غَيُورٌ، وَاللَّهِ مَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً قَطُّ إِلَّا بِكْرًا، وَلَا طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ قَطُّ فَاجْتَرَأَ رَجُلٌ مِنَّا عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مِنْ شِدَّةِ غَيْرَتِهِ.
1 - انظر: زاد المعاد في هدي خير العباد ج 5/ 403 فما بعدها. الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت مكتبة المنار الإسلامية الكويت الطبعة السابعة والعشرون. 1415 هـ / 1994 م عدد الأجزاء: 5 وانظر حكمه في اللعان ص 353 فما بعدها نفس المرجع. 2 - الغَيُورُ فَعُولُ من الغَيْرَة، وهي الحَمِيَّةُ والأَنفَةُ وانفعال النفس، ويقال: رَجُلٌ مِغْيَارٌ، أَي شَدِيدُ الغَيْرَةِ، مِنْ قَوْمٍ مَغايِيرَ، قال النابِغَة: (شُمْس مَوَانِعُ كُلِ لَيْلَةٍ حُرَّةٍ يُخْلِقْنَ ظَنَّ الفَاحِشِ الْمِغْيَارِ) (غار) الرجل على المرأة وهي عليه غيرة ثارت نفسه عليها، وثارت نفسها لمثل ذلك منه فهو غيران وهي غيرى (ج) غيارى وهو وهي غيور للمذكر والمؤنث كصبور على زنة فعول. وغَارَ الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ، وَغَارَتْ عَلَيْهِ اشْتَدَّت ... وَإِنَّهُ لَيَغَارُ عَلَهَا مِنْ ظِلَّهَا، وَمِنْ شِعَارِهَا، وَيَغَارُ عَلَيْهَا مِنْ النَّسِيمِ، وَرَجُل غَيُور، وَامْرَأَة غَيُور، وَرِجَال وَنِسَاء غُيُرُ بِصَمَّتَيْنِ. وَأَغَارَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَغَارَتْ عَلَيْهِ. قال الشاعر:
وإياك ذكر العامرية إنني ... أغار عليها من فم متكلـ
أغار عليها من أبيها وأمها ... ومن لوحة المسواك إذ لاح في الفم
أغار عليها من رقيق ثيابها ... إذا وضعتها فوق.
جسم.
منعـ
135 (1/135)
صفحة 136
فَقَالَ سَعْدٌ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّهَا حَقٌّ وَأَنَّهَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَكِنِّي قَدْ تَعَجَّبْتُ أَنِّي لَو وَجَدْتُ لَكَاعًا قد تَفَخَّذَهَا رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ لِي أَنْ أُهِيجَهُ، وَلَا أُحَرِّكَهُ
حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ، فَوَاللَّهِ لاَ آتِي بِهِمْ حَتَّى يَقُضِيَ حَاجَتَهُ .... فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وفي رواية أخرى من طريق أبي هريرة قال: قال سعد بن عبادة: يا رسول الله لو وجدتُ مع أهلي رجلاً لم أمسه حتى آتي بأربعة شهداء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم. قال كلاً والذي بعثك بالحق إن كنتُ لأعالجه بالسيف قبل ذلك.
وفي رواية: لأعاجله بالسيف. وفي رواية: لمعالجه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اسمعوا ما يقول سيدكم إنه لغيور وأنا أغير منه والله أغير مني
وهذا يحتمل معنيين؛ أحدهما: إقراره وسكوتُه على ما حلف عليه سعد أنه جائز له فيما بينه وبين الله ونهيه عن قتله في ظاهر الشرع، ولا يناقض أول الحديث
آخره.
وَأَحْسُدُ كَاسَاتٍ يُقَتِلْنَ تَغْرَهَا ... إِذَا وَضَعَتْها مَوْضِعَ اللَّيْمِ فِي الْفَمِ
وَيُقَالُ: رَجُلٌ شَفُونٌ، وَشَائِحٌ، وَشَيحان، إِذَا كَانَ غَيُوراً كَثِيرَ الْمُرَاقَبَةِ وَالنَّظَر، وَإِنَّهُ لَرَجُلٌ مُشَفْشِفٌ وَمُشَفْشَفٌ إِذَا كَانَتْ بِهِ رِعْدَة وَاخْتِلاطُ غَيْرَةً وَإِشْفَاقَاً عَلَى حُرَمِهِ.
ويعبر عنها بالحنق وهو: شدَّةُ الاغتياظ قال الشاعر: (ولَّى جميعا يُباري ظله طلقا ... ثم انثَنَى مرساً قد آده (الحَنَقُ انظر تاج العروس من جواهر القاموس 13 288، المعجم الوسيط 2 ص 668.
المصباح المنير في غريب الشرح الكبير 2/ 458) و 27/ 105 / وسائر المعاجم مادة (غ ي ر) 1 - مسند أحمد ج 1/ 38 ح 2131 6 أجزاء وإتحاف الخيرة المهرة للبوصيري ح 3193 و 3344 والسنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي ج 7/ 394) ح 15686.
2 - الحميدي الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم 3/ 217، والجزري: النهاية في غريب الحديث والأثر. مادة (علج) وانظر الزاد ص 406 فما بعدها مرجع سابق.
136 (1/136)
صفحة 137
والثاني: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك كالمنكر على سعد، فقال: "ألا تسمعون إلى ما يقول سيدكم؟ " يعني: أنا أنهاه عن قتله وهو يقول: بلى والذي أكرمك بالحق ... ثم أَخبَرَ عن الحامل له على هذه المخالفة، وأنَّه شدة غَيرته ثم قال: "أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ أَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي وَمِنْ غَيْرَتِهِ أَنْ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ"
6
وقد شرع الحقُ إقامة الشهداء الأربعة مع شدة غيرته سبحانه، فهي مقرونة بحكمة، ومصلحة ورحمة، وإحسان، فالله سبحانه مع شدة غيرته أعلم بمصالح
عباده وما شرعه لهم من إقامة الشهود الأربعة دون المبادرة إلى القتل.
وقد يريد رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الكلام الأمرين وهو الأليق بكلامه وسياق القصة.
والقول بالقصاص مع توفر الدلائل والقرائن الدالة على خبث طوية المقتول ودخوله البيت للفساد لهو من أعظم المشكلات وأقوى المعضلات، فأقل ما يقال فيه وجود شُبهة لمنع القصاص؛ ذلك لأنَّ صاحب البيت مأمور شرعا بأن يَصدَّ المعتدي على حُرمه الداخل بغير إذنه، والأدلة التي مرت آنفا كلها تدل على عدم القصاص، وعدم مؤاخذة صاحب البيت على ذلك، وهذا لا يتعارض مع حديث الإفك بأي حال من الأحوال، لكن لابد من ثبوت التعدّي؛ أمَّا إن كان البيت مفتوحا للداخل فالخطيئة على من فتحه كما في الحديث المتقدم: "إنما الخطيئة على أهل البيت"
وكل محاسب على فعله بقدر جنايته، وحسب ملابسات قضيته، وبهذا يحصل الجمع بين الروايات كلها وبالله التوفيق.
1 - انظر ابن القيم، زاد المعاد (5/ 408) مرجع سابق.
137 (1/137)
صفحة 138
والغيرة المحمودة ما كانت في محلها، وما جاوز الحد وكان ظناً باطلا لا أساس له إلا وسوسة الشيطان، فهي غيرةٌ ممقوتةٌ؛ أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ... عن جابر بن عتيك أنَّ نبي الله لو كان يقول من الغيرة ما يحب الله، ومنها ما يُبغض الله، فأما التي يحبها الله فالغيرة في الريبة، وأمَّا الغيرة التي يبغضها الله فالغيرة في غير ريبة."
1 - ورد
أبو
هذا الحديث بعدة ألفاظ مختصرة ومطولة هذا أحدها؛ أخرجه أبو داود ح 2659 والطبراني في المعجم الكبير 2/ 189 ح 1772 وأحمد ح 23747 - 23752 والنسائي ح 2558 وابن حبان ح 4762 وغيرهم. من حديث جابر بن عتيك و الله قال قال رسول الله الحديث. و: عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا لَيْلًا قالت: فَغِرْتُ عَلَيْهِ فَجَاءَ فَرَأَى ما أصنع فقال: "مالك يَا عَائِشَةُ أَغَرْتِ عَليَّ؟ " فَقُلْتُ: ومالي لَا يَغَارُ مِثْلِي عَلَى مِثْلِكَ؟ فَقَالَ: "لَقَدْ جَاءَكِ شَيْطَانُكِ" قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله أو معي شَيْطَانُ؟ قَالَ: نَعمْ قَلْتُ: وَمَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَمَعَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: نَعَمْ. وَلَكِنْ رَبِي أَعَانَنِي عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَ الْحَدِيثُ. أخرجه أحمد ح 24889 ومسلم ح 2815 وغيرهما، وانظر الملا علي القاري: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح و الهيتمي أحمد بن محمد بن علي بن حجر العباس الإفصاح عن أحاديث النكاح (311، وجامع الأصول في أحاديث الرسول ج 8/ 434، الجزري ابو السعادات. وقولها: فغرتُ عليه بكسر الغين أي فجاءتني الغيرة على خروجه من عندي فاضطربت أفعالي وتغيرت أحوالي فرأى ما أصنع، فقال: مالك يا عائشة أغِرْتِ فقلت: ومالي لا يغار مثلي على مثلك أي كيف لا يغار من هو على صفتي من المحبة ولها ضرائر على من هو على صفتك من النبوة والمنزلة من الله تعالى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد جاءك شيطانك .. " يعني كيف تغارين علي وترين أني أحيف عليك؟ يعني: ليس هذا موضع ريبة. قالت: يا رسول الله أمعي شيطان؟ أي مع أني في ظل حمايتك وكنف رعايتك، قال: نعم. قلت ومعك؟ أي شيطان يا رسول الله أي: مع أنك سلطان الأصفياء قال: نعم، ولكن أعانني الله عليه حتى أسلم. أي: بالعصمة حيث قال: "إن عبادي ليس لك عليهم سلطان الحجر، وانظر: ابن حجر العسقلاني التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير ج 1/ 338 والنووي المسند الجامع والهروي: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (5/
138
(2175 (1/138)
صفحة 139
لأنَّ ذلك من سوء الظن الذي نهينا عنه فإن بعض الظن إثم، فكيف بظن السوء فہو من الكبائر، وقد قال علي الله: "لا تكثر الغيرة على أهلك فتُرمى بالسوء من
أجلك" 1
وأما الغيرة التي في محلها فلا بد منها، وهي محمودة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله يغار وغيرة الله تعالى أن يأتي المرء ما حرم الله عليه"
ومن الحقوق الواجبة بين الزوجين؛ أنَّ الاعتدال في الغيرة مطلوب، وهو ألا يتغافل عن مبادي الأمور التي تخشى غوائلها، ولا يبالغ في إساءة الظن والتعنت وتجسس البواطن، فلا يَتَخَوَّنَ أحدهما الآخر، ولا يتلمس عثراته، وأن يترك التعرض لما يوجب سوء الظن به، لأنَّ غيرة الرجل على أهله من غير ريبة من سوء الظن الذي نهينا عنه في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ}. الحجرات.
1 - أثر علي ذكره ابن رسلان المقدسي في شرح سنن أبي داود (453/ 11) والغزالي في "إحياء علوم الدين" 2/ 46. وأخرجه أحمد بن حنبل في الزهد (ص: (40) عن يحيى بن أبي كثير قال قال سليمان بن داود عليه السلام لابنه يا بني لا تكثر الغيرة على اهلك فترمي بالسوء من اجلك وان كانت بريئة .. " 2 - صحيح البخاري ح 5223، باب الغيرة ونصه معه: إن الله يغار، وغيرة الله، أن يأتي المرء ما حرم الله" وانظر الذي قبله معه ح 5220 فما بعده ومسلم ح 2761. وقد جاء عند غير البخاري بزيادة "والمؤمن يغار" وانظر المغني عن حمل الأسفار 396/ 1 للعراقي وتخريج أحاديث الإحياء له. (3/ 486) وقال فيهما متفق عليه من حديث أبي هريرة ولم يقل البخاري "والمؤمن يغار"
139 (1/139)
صفحة 140
وفي الحديث: " .. إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَبَاغَضُوا .. "
وإنما كان الظن أكذب الحديث؛ لأن الكذب مخالفة الواقع من غير استناد إلى شيء أصلا، وقبحه ظاهر لا يحتاج إلى إظهاره وأما الظن فيزعم صاحبه أنه استند إلى شيء فيخفى على السامع كونه كاذبا بحسب الغالب " فكان أكذب الحديث. وإنَّما صار أشدَّ من الكذب لأنَّ الكذب في أصله مستقبح مستغنى عن ذمّه بخلاف هذا، فإنَّ صاحبه بزعمه مستند إلى شيء فوصف بكونه أشدَّ الكذب مبالغة في ذمّه والتنفير عنه، وإشارة إلى أنَّ الاغترار بكونه أكثر من الكذب المحض لخفائه غالبا، ووضوح الكذب المحض
ولا تعارض بينه وبين حديث: "احترسوا عن الناس بسوء الظن" وقوله: "الحزم سوء الظن"، وقوله: " من حَسُن ظنُّه بالناس كثرت ندامته" وكل منها فيه استعمال سوء الظن، فهذه الروايات الثلاث فيمن لم تتحقَّق منه حسن السريرة والأمانة على المال والأهل والنفس، وذلك إذا كان على وجه طلب السلامة من شر الناس فلم يأثم صاحبه بذلك، وحديث "إيَّاكم والظن فإنَّ الظَّنَّ أكذب الحديث"، فيمن تحقق منه حسن السريرة، والأمانة، وبذلك ينتفي ما ظاهره التعارض.
-1
- جزء من حديث صحيح رواه الامام الربيع بسنده العالي أبو عبيدة عن جابر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ... " ح (698) والبخاري في كتاب النكاح، 4747 وفي كتاب الأدب، 5604، 5606، وكتاب الفرائض، وفي البر والصلة والآداب. والترمذي: كتاب البر والصلة، ح 1911. وأبو داود: كتاب الأدب، 4271. وأحمد: باقي مسند المكثرين، بعدة طرق. ومالك: الموطأ وغيرهم.
2 - انظر: حاشية الترتيب لأبي ستة (101/ 4 فما بعدها بتصرف. و "معالم السنن" 118/ 4 للخطابي، شرح سنن أبي داود لابن رسلان (18 (580 الناشر: دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث، الفيوم - جمهورية مصر العربية الطبعة: الأولى، 1437 هـ - 2016 م
12. (1/140)
صفحة 141
وقد دلت على ذلك أحاديث كثيرة منها الأحاديث المتقدمة وأوضحها حديث عائشة في الغيرة المتقدم في الحاشية، وقول الرسول ل لها: " ... لَقَدْ جَاءَكِ شَيْطَانُكِ ... وما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن يأتي الرجل أهله طروقا"
وعنه: "نهى رسول الله له أن يطرق الرجل أهله ليلا يتخونهم، أو يطلب عثراتهم". بل على الرجل أن يُعلم أهله بقدومه؛ كي يتأهبوا لاستقباله، فلا يرى ما ينفره، وقد أشار إلى ذلك بقوله لجابر حين قدم معه من سفر: "قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ فَلَمَّا رَجَعْنَا ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ فَقَالَ أَمْهِلُوا حَتَّى نَدْخُلَ لَيْلًا أَيْ عِشَاءً لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ"؛
1 - تقدم تخريجه في الذي قبله.
2 - البخاري باب لا يطرق أهله ليلا إذا أطال الغيبة مخافة أن يتخوَّنهم أو يلتمس عثراتهم. ح 5243 - 5244. وأبو داود ح 2776 - 2778 أبو عوانة المسند 512/ 4، الأحاديث من 7529 - 7534، مسند أحمد ح 14228 و 14232 حديث جابر بن عبد الله. سنن البيهقي الكبرى (5/ 260) 10150 مسند
الطيالسي 1 ص 239 ح 1724 وانظر: ابن الأثير: جامع الأصول في أحاديث الرسول 5/ 30، 3 - أحمد ح مسند أحمد ح 14270. ابن أبي شيبة المصنف 12/ 523؛ الْمُسَافِرِ يَطْرُقُ أَهْلَهُ لَيْلاً، 34332 - 34335 مسلم صحيح مسلم ح 5078، وانظر: البخاري السابق.
4 - أخرجه أحمد 303/ 3، ح 14287، ومسلم 2/ 1088، ح 715، وأبو داود 90/ 3، ح 2778، والنسائي في الكبرى 362/ 5، ح 9144، والدارمي 197/ 2 ح 2216، وابن خزيمة 197/ 3 ح 2822، وابن حبان 429/ 6، ح 2714. والبخاري، ح 4791، وأبو يعلى 377/ 3، ح 1850. (1/141)
صفحة 142
وفي رواية للترمذي من طريق جابر: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلمنهاهم أن يطرقوا النساء
ليلا"
صحيح،
(قال) وفي الباب عن أنس وابن عمر وابن عباس قال أبو عيسى هذا حديث حسن وقد ر د روي من غير وجه عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد روي عن بن عباس أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم " نهاهم أن يطرقوا النساء ليلا، قال فطرق رجلان بعد نهي النبي صلى الله عليه وسلم فوجد كل واحد منهما مع امرأته رجلا"
وفي أخرى له أَنه قال: "لا تَلِجُوا على المغيبات، فإنَّ الشيطان يجري من أحدكم مجري الدم، قلنا: ومنك؟ قال: ومنّي، ولكن الله أعانني عليه، فأسلم".
2
و «المغيبات» جمع مغيبة وهي التي زوجها غائب مع أحاديث كثيرة في هذا الباب يشد بعضها بعضا. كل ذلك لتبقى العلاقة الزوجية سالمةً من مظاهر السوء، بعيدة عن كل ما يوهنها، أو يخدش كرامتها، وهذا الحكم - أعني وجوب حسن الظن وعدم ظن السوء والبعد عن مسبباته - عام للرجال والنساء، والعاقل الحصيف، إذا ظهر له شيء من السوء الذي لا يمكن المقام معه ستر وقلع الشجرة من أصلها، وردها إلى من أخذها منه، بستر وأدب، واستبدل بمن هي خير منها، ولا يشيع الفضيحة، فتكون سُبَّةً على أسرتيهما، وبالله التوفيق.
1 - سنن الترمذي ج 5 ص 66 ح 2712. وأخرجه الحُمَيْدي (1297) وأحمد ح (14243) و (14355) و (14923) و (15273) و (15359)
2 - أخرجه أحمد 309/ 3، ح 14364، والدارمي 411/ 2 ح 2782، والترمذي 475/ 3 - 1172، وقال: غريب. والطبراني في الأوسط 14/ 9 ح 8984. وانظر: شرح مشكل الآثار للطحاوي (103/ 1)
142 (1/142)
صفحة 143
المسألة العشرون لا قصاص إلا بعد برء
لا يصح القصاص إلا بعد أن يبرأ الجُرحُ؛ إن كان من جراح دون النفس.
كي يعلم كيفية استقرار الجرح، وما يحدثه من سراية وضرر على المجني عليه أو يعود الأمر على طبيعته، فيكون الاقتصاص بعد التبين والوضوح، ووضع كل شيء موضعه اللائق به في الحكم، فلا شطط ولا حيف ولا مغالاة فوق الواجب والحكم على الشيء فرع من تصوره، ولا يكون تصور صحيح، ولا حكم صريح دون معرفة أيلولة الضرر على المضرور، وكل حكم دون تصور واقعه تصورا صحيحا فهو في خطر وخلل ويؤدي إلى الحيف والضرر.
لما روي أنَّ رجلا جُرح على عهد رسول الله له فأراد أن يقتص فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستقاد من الجارح حتى يبرأ المجروح.
وما روي أنَّ رجلا جرح حسان بن ثابت فأراد الأنصار أن يقتصوا فقال رسول الله "اصبروا حتى يسفر الجرح" وفي أخرى: "انتظروا حتى يبرأ صاحبكم ثم أقتص
لكم."
21
1 - رواه الدارقطني ح 25 من كتاب الحدود والديات فما بعده، وابن أبي عاصم في الديات ح 128 المرجع السابق والبيهقي في الكبرى 16112 و 16115 والحازمي في الاعتبار 356 و 359 وابن الجوزي في التحقيق 1783 و 1784.
2 - انظر: المجموع شرح المهذب لمحيي الدين يحيى بن شرف النووي ج 18/ 457، ونيل الأوطار للشوكاني 7/ 108، والضارب حسان بن ثابت صفوان بن معطل، على ما رواه البيهقي قال: " .. فَقَدْ ضَرَبَ صَفْوَانُ بْنُ مُعَطَّلٍ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ بِالسَّيْفِ ضَرْبًا شَدِيدًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم .. عَنْ
143 (1/143)
صفحة 144
أَمَّا مَا رُوي مِن أنَّه أجاز الاقتصاص قبل الاندمال للمطعون في ركبته - لما راجعه بعد أن نهاه فاقتصَّ قبل أن يبرأ وعرج، - فقد جاء فيها أنَّه راجع الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَرَجْتُ فقَالَ الله:" قَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصَيْتَنِي فَأَبْعَدَكَ اللَّهُ وَبَطَلَ عَرَجُكَ. ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُقْتَصَّ مِنْ جُرْحٍ حَتَّى يَبْرَأَ صَاحِبُهُ ...
فهو صريح في "أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نہي عن ذلك بعد؛ بدليل قوله: "ثم نهى" فإنَّ ثُمَّ للترتيب مع المهلة، وهو حجةٌ للقائلين بوجوب الانتظار.
وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تُقَاسُ الْجِرَاحَاتُ، ثُمَّ يُسْتَأْنَى بِهَا سَنَةً، ثُمَّ
عَائِشَةَ رضي الله عنها، في حَدِيثِ الْإِفْكِ ضَرَبَ صَفْوَانُ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتِ بِالسَّيْفِ، فَسَأَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَهَبَ لَهُ ضَرْبَةَ صَفْوَانَ إِيَّاهُ فَوَهَبَهَا لَهُ» معرفة السنن والآثار 12/ 72 ح 15919 - 15922.
1 - أخرجه بهذا اللفظ الدار قطني المرجع السابق ح 24 كتاب الحدود والديات، والبيهقي باب ما جاء في الاستثناء بالقصاص من الجرح والقطع، ج 8 ص 67 ح 15894، وابن أبي عاصم في الديات بلفظ فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ليس لك لأنك أبيت ح 129، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه "الرجل يجرح" ح 28360 - حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ رَجُلاً طَعَنَ رَجُلاً بِقَرْنٍ فِي رُكْبَتِهِ، فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَقِيدُ، فَقِيلَ لَهُ: حتَّى تَبْرَأَ، فَأَبَى وَعَجَّلَ وَاسْتَقَادَ، قَالَ: فَعَنِتَتْ رِجْلُهُ وَبَرِئَتْ رِجْلُ الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: لَيْسَ لَكَ شَيْءٌ، أَبَيْتَ." وأحمد في مسنده مسند المكثرين ح 6737. عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِهِ وفيه: "قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدُ مَنْ كَانَ بِهِ جُرْحٌ أَنْ لَا يَسْتَقِيدَ حَتَّى تَبْرَأَ جِرَاحَتُهُ، فَإِذَا بَرَأَ اسْتَقَادَ. وفي رواية من طريق مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَجَأَ رَجُلٌ فَخِذَ رَجُلٍ فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقِدْنِي مِنْهُ، قَالَ: حَتَّى تَبْرَأَ. قَالَ: أَقِدْنِي. قَالَ: حَتَّى تَبْرَأَ ". ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَقِدْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَقَادَهُ، فَجَاءَ بَعْدُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: شُلَّتْ رِجْلِي. قَالَ: "قَدْ أَخَذْتَ حَقَّكَ" وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه: ج 9 ص 455 ح 17993. وانظر: نصب الراية ج 4 ص 377. الشجاج.
144 (1/144)
صفحة 145
يُقْضَى فِيهَا بِقَدْرِ مَا انْتَهَتْ إِليه."
وهو وإن كان في سنده ضعف ولكن يتقوى بما قبله من الأحاديث الناصة على التأني في القصاص حتى يبرأ المجروح. 2
وكذا لا يحكم للمجني عليه بدية جرحه أو عضوه مثلا إلا بعد البرء أو مضي سنة كاملة من يوم الجناية؛ لما تقدم من الأدلة على ذلك، ولاحتمال عود العضو على طبيعته في السنَةِ فيعود إلى السوم، فإن مضت السنة على العضو ولم يرجع وأخذ ديته كاملة ثم رجع على طبيعته الأصلية فهل عليه رد ما أخذ ويأخذ السوم أم لا رد عليه لأنه أخذه بحق؟ وهو الصحيح.
وذلك كاليد إن شلت بسبب الجراحة ومضت عليها سنة كاملة وهي شلاء، وأخذ
ديتها بعد السنة ثم عادت على طبيعتها الصحيحة، وكالسن إذا أزيلت ومضت
ح
1 - أخرجه البيهقي عن جابر بن عبد الله، وأخرجه الدارقطني بلفظ: "يستاني بالجراحات سنة" 32 من كتاب الحدود والديات وأعله بيزيد بن عياض. وقال: يَزِيدُ بْنُ عِيَاضٍ ضَعِيفٌ مَثْرُوكٌ. وأخرجه الخطيب في التاريخ، وقال" هذا غريب من حديث أبي الزبير المكي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، لا أعلم رواه غير يزيد بن عياض بن جعدية، عنه." تابعه ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره بلفظ أطول. وأخرجه ابنُ عدي في "الكامل" 1464/ 4، والبيهقي 67/ 8 من طريق الوليد بن مسلم، عن ابن لهيعة. وقال البيهقي: رواه جماعة من الضعفاء، عن أبي الزبير" وقال ابن عدي: "هذا الحديث غير محفوظ عن ابن لهيعة"
2 - راجع القاموس ج 58 م وبيان الشرع ج 67 ص 100 وابن جعفر ق 3 م ص 29 والجلاء 178 و 219 وشرح فتح القدير 230/ 9 والنيل وشرحه ج 288/ 15 - 289 والشوكاني نيل الأوطار ج 28/ 7 - 29 وسبل السلام 1235/ 3 ورياض الأزهار ص 306 وجامع البسيوي 127/ 4 والقرطبي الجامع لأحكام القرآن 203/ 6 والفقه على المذاهب الأربعة ج 364/ 5 ونصب الراية ج 376/ 4 - 379.
145 (1/145)
صفحة 146
عليها سنة كاملة ولم تنبت فأخذ ديتها ثم نبتت بعد ذلك، وكاللحية إذا نتفت ومضت عليها سنة كاملة ولم تنبت فأخذ ديتها كاملة ثم نبتت بعد أخذه ديتها
وأمثالها. 1
قلت: والذي يظهرلي والعلم عند الله أنَّ الانتظار بالمجني عليه إلى البرء أو إلى سنة مثلا، ليس المراد منه نقصُ الأرش المنصوص عليه من الشارع، وإنما المراد منه انكشاف الضرر المترتب على الجناية، هل سيترتب عليها ضرر آخرُ أم لا؟ وهو المسمى بـ"السراية، أو التولد" فإن تولد من الجناية ضررٌ فله أرش الجناية وأرش الضرر، كما أسلفنا بدليل قوله نهيتك فعصيتني فأبعدك الله وبطل عرجك" الحديث المتقدم في المشجوج في الركبة، فقد أسقط الله عليه حق السراية بسبب تعجله وعدم أخذه بنصيحة المصطفى والله لو بصريح اللفظ، وهو قوله: "نهيتك فعصيتني فأبعدك الله وبطل عرجك"
فرسول الله الله لما كرر عليه المجني عليه طلب القصاص وهو ينصحه بالتأني، والتريث حتى يبرأ جرحه وينكشف أمره بوضوح لا لبس فيه، فأبى أن يمتثل، واقتص من الجاني، ثم راجعه بعد أن اقتص وتعجل في أخذ حقه وعرج، وبرئ الجاني المقتص منه، لم ينف إضافة حق السراية على حق الجناية، وإنما لم يقض له بها عقوبةً له على المخالفة؛ بصريح اللفظ.
كما لم ينص على نقص الأرش أنْ لو بَرئ المصاب، ولو أراد ذلك لبينه للناس
1 - راجع الجلاء ص 129 ط 2 في حكم اللحية والنيل وشرحه ج 60/ 15 و 93 والقرطبي ج 199/ 6 وبيان الشرع ج 67 ص 72 - 73. والمسألة الخامسة والعشرين من هذا الفصل، والمسألة الثامنة عشرة فيما تكمل فيه الدية من الفصل الثاني، تجد زيادة فائدة بإذن الله.
146 (1/146)
صفحة 147
ولم يتركهم في عمى، وذلك الوقت وقت الحاجة إلى البيان؛ لأنه وقت التشريع والبيان للناس. وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) النحل. وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64) النحل. وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ
لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4) إبراهيم. وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز باتفاق أهل العلم وحاشى لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فهو المعصوم عن كل مكروه.
ولما لم يبين ذلك للناس دل على وجوب حق المضرور كاملا على المتسبب في
الضرر.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم بين هذه الديات لهذه الجراحات في كتابه لعمر بن حزم حين وجهه إلى نجران ولم يقيدها ببرئها على غير شين.
ولأن حق الأرش وجب للمجني عليه يوم الجناية، وما التأني إلا لكشف الضرر الزائد على الجناية، وهو ما يسمى (السراية، أو التولد)
وما أقوال أهل العلم وقواعدهم وتخريجاتهم وتفريعاتهم كلُّها إلا خارجةً من منبعها الصافي وهو أقواله وأفعاله وتقريراته.
فالضرر مرفوع والمتسبب مطالب بجبره على أي حال، ولا يُبرؤه من ذلك إلا جبر الضرر، أو إبراء المضرور له منه؛ بشرط كمال الأهلية وتمام الرضا من غير جبر أو قهر أو حياء أو غش أو إكراه أو مخادعة أو تدليس الخ.
وبدليل تعدد ذكره في أحاديث الديات والأروش للأعضاء ومنافعها كُلًّا على حدة
147 (1/147)
صفحة 148
من غير قيد أو شرط، وقد قال الحق في حقه منزها له وموجبا على البشرية اتباعه: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) سورة النجم.
وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) الحشر.) لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) الفرقان. وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) النحل. وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64) النحل. وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36) الأحزاب. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59) النساء.
وبدليل قضاء الصحابة المشار إليه قبل فتدبر ذلك بإمعان.
أما إذا برئ الجرح ثم انتقض فمات بسببه فإنَّ على الجاني دية المجني عليه كاملةً ولو بعد مضي مدة الانتظار، وذلك إذا ثبت ثبوتا صحيحا أنه مات بسبب ذلك، ويسقط عنه من الدية الكاملة مقدار ما أخذه سابقا لأرش الجرح إن كان أخذ شيئا والله أعلم.
1 - ينظر فواكه البستان للمحيلوي ج 3 ص 387 ط التراث، وفتاوى الإمام جابر المخطوطة وابن جعفر ق 3 م في مسائل القصاص والقود. و: منح الجليل شرح مختصر خليل المؤلف: محمد بن
148 (1/148)
صفحة 149
المسألة الحادية والعشرون سقوط القود بعفو البعض
إذا عفا بعض أولياء الدم رجع الباقون إلى الدية وحرم قتل الجاني ولو طلب الباقون القتل لأن النفس الواحدة لا تتجزأ فلا يتصور العفو عن بعضها وقتل الآخر، وكذلك إن طلب الدية، وضمن الجاني مناب من لم يعف عنه من الدية، وقيل: الضامن العافي، وذلك بناء على القول بأن الخيار للجاني في القتل والدية.
وقد تقدم في المسألة الخامسة عشرة بأن الصحيح أنَّ الخيار لولي الدم.
فإن فوَّتَه البعض بالعفو المطلق بطل القتل بذلك وبطلت الدية لعدم لزومها الجاني، وضمن العافي مناب غيره؛ لأنه فوته بالعفو المطلق.
وقيل لا دية بعد عفو عن قتل، فالعفو عن القتل عفو عنها؛ إلا إن قال عفوت عن القتل فقط، فالدية باقية على الجاني.
6
فإن قتل من لم يعف بعد عفو شريكه فلا يخلو من أحد أمرين؛ إما أن يكون عالما بالعفو أو النزول إلى الدية من شريكه ففي هذه الحالة عليه القتل حدا ولا يعفى عنه ولو عفا ولي الدم.
وإما أن يكون غير عالم بفعل شريكه من العفو أو أخذ الدية فقتل على غير علم بذلك فهنا عليه الدية فقط لأنه فعل ما أجاز له الشرع فعله لولا حصول العفو أو أخذ الدية من الشريك.
ولزمته الدية لحرمة القتل بفعل الشريك، ولكونه قتل على غير علم بذلك
أحمد بن محمد عليش أبو عبد الله المالكي (المتوفى: 1299 هـ الناشر: دار الفكر - بيروت الطبعة: بدون طبعة تاريخ النشر: 1409 هـ / 1989 م
149 (1/149)
صفحة 150
فسبيله سبيل المخطئ، وقد تقدم في المسألة السادسة عشرة.
وقيل بجواز العفو مطلقا ولو قتل بعد علم بعفو أو أخذ الدية والصحيح عدم العفو عنه إن قتل بعد ذلك، سواءً صدر العفو منه أو من شريكه.
ويصح العفو ولو من امرأة أو أحد الزوجين وقيل: لا يصح من زوج ولا امرأة. وأما إن تعدد المقتولون فعفا بعض أوليائهم فعفوه يسقط حق مطالبة شركائه بالقود في قتيله فقط، ولا يسقط حق أولياء الباقين إن طلبوا القود في قتلاهم إن لم يعف أحد من أولياء القتيل الآخر، ومن عفا سقط القود في قتيله فقط، ولا يسقط في بقية القتلى وقيل بالسقوط ورجوع الجميع إلى الديات.
وكذا إن طلب بعض أولياء القتلى الدية وأولياء بعضهم القصاص فللذين طلبوا الدية دياتُ قتلاهم؛ لكل قتيل دية كاملة إن كان ماله يسعهم وإلا فبالمحاصصة بينهم، والباقي دين عليه
ويقتل ببقية القتلى الذين طلب أولياؤهم القصاص وهكذا.
6
مثاله: رجل قَتَل بكرا وخالدا وعَمْروا وعليا فطلب أولياء بكر وخالد القصاص وطلب أولياء الباقين دياتِ قتلاهم، فإنه يدي كل واحد دية كاملة من الذين طلب أولياؤهم الديات، وللذين طلبوا القصاص أن يقتصوا وهكذا.
1 - راجع النيل وشرحه ج 211/ 15 و 755/ 14 ورياض الأزهار 357 وابن جعفرق في القصاص ص 75 م والمصنف لابن أبي شيبة 6/ 372 - 373 و 376 ط دار الفكر وبيان الشرع ج 307/ 66 والفتح الجليل 704 - 706 والمسائل الرابعة عشرة والخامسة عشرة والأم للإمام الشافعي ج 7 ص 230 باب الديات والسادسة عشر من هذا الفصل.
150 (1/150)
صفحة 151
المسألة الثانية والعشرون إن قتل ولى قاتِل وليه ثم ظهر من هو أقرب منه إذا قتل ولي قاتل وليه ثم ظهر من هو أقرب منه فعليه الدية للأقرب ولا يقتل به لأنه لم يتعمد القتل بغير حق لعدم علمه بمن هو أقرب منه.
أمَّا إن قتل بعلمه بمن هو أقرب منه وأحق في ذلك فقيل عليه الدية لورثة الجاني أو يقتلونه إن أرادوا ذلك ويؤدون الدية للأقرب، وقيل ليس عليه إلا الدية فقط.
وروي عن الإمام محمد بن محبوب له في رجل قتل رجلا وله ولد ذكر يتيم وابنُ ابن بالغ قال: يكون القود لابن ابنه، ولا ينتظر بلوغ اليتيم، ولكن يقال لابن الابن أن يأخذ لعمه في الدية، وإلا فله القود، وكذا إن كان له عصبة يلتقون في ثلاثة آباء أو خمسة فيأخذوا القود، ولا ينتظر بلوغ اليتيم ولكن يؤمر العصبة أن ينظروا لليتيم. 2
سنة
1 - هو الشيخ العلامة محمد بن محبوب بن الرحيل بن سيف بن هبيرة القرشي المخزومي كان مرجعا في الرأي والفتوى عرف بأبي عبد الله، نشأ في أيام الإمام غسان بن عبد الله الذي بويع 192 فعاصر الإمام المهنا بن جيفر وكان على رأس العلماء المبايعين للإمام الصلت بن مالك سنة 237، كان ممن تتلمذ على يديه إبناه العلامتان بشير وعبد الله والعلامة عزان بن الصقر وأبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي وغيرهم له أجوبة فقهية امتلأت بها الكتب الفقهية العمانية، كانت وفاته يوم الجمعة لثلاث ليال خلون من شهر محرم سنة 260 هـ ودفن في صحار. ينظر إتحاف الأعيان ج 1 ص 250 - 253 ط 2 ودليل أعلام عمان ص 150.
2 - النيل وشرحه 214/ 15 و 198، وابن جعفر ق 3 ص 73 م والخلاصة 473/ 2 - 474 وجامع أبي الحواري 126/ 5 والجلاء 321 ط 1 وسيرة ابن محبوب للإمام الصلت المخطوطة، ح الصفحة 374.
151 (1/151)
صفحة 152
فعلى هذا فللولي الأبعد القتل مع وجود الأقرب إن كان الأقرب غير مالك أمره؛ كالصبي والمعتوه والمجنون وأمثالهم.
والأب والابن في القود سواء، وللقاتل أن يقيد نَفسَه لأيّهما شاء، وقيل: القود للأب لأنَّه أحق، وكذا إن تساوى الأولياء؛ كأخوة أشقاء أو أبويين، وجاز القود لأيهم ومضى ما لم يعف أحد، فإذا عفا واحد سقط القود وللباقين نصيبهم من الدية وليس لهم أن يقتصوا؛ وذلك في أولياء القتيل الواحد كما مر بيانه فافهم ذلك.
152 (1/152)
صفحة 153
المسألة الثالثة والعشرون إن كان ولي الدم صبيا أو مجنوناً
إن كان ولي الدم صبيا أو مجنونا أو غائبا أو سكران أو حملا انتظر إلى بلوغ الصبي وإفاقة المجنون ورجوع الغائب وصحو السكران، إلا إن كان له شريك يصح فعله فَعَل ما شاء، فإن قَتَلَ سقط حق الباقي بالقتل وإن عفا أو أخذ الدية فللشريك حصته من الدية، وقيل بالانتظار حتى يبلغ الصبي ويرجع الغائب، ولو طلب الحاضر البالغ القود فليس له ذلك.
وقيل: له ذلك إن كان الشريك يتيما، أما إن كان بالغا غائبا فحتى يرجع أو يصح موته، وهو الذي اعتمده ابن محبوب في خطابه للإمام الصلت بن مالك، وإن كان لليتيم أو المجنون ولي فله نظر الصلاح في ذلك فإن رأى النزول عن القصاص إلى الدية من صلاح وليه فجائز له ومضى فعله؛ سواء أكان الولي أبا أم غير أبٍ، وإن أخذ القود جاز أيضا، وبهذا أجابني العلامة المحقق أحمد بن حمد الخليلي لما
سألته مشافهة.
وفي النيل وشرحه: "وإن عفا البالغ فلا قتل لغيره، وإن أراد البالغ القتل فلا حتى يبلغ الصبي ويختار.
ص
1 - ينظر جواب الامام محمد بن محبوب للإمام الصلت بن مالك رضي الله عنهما ضمن مجموعة سير المسلمين مخطوط رقم الصفحة 374، فما بعدها، والنيل وشرحه 214/ 15 ورياض الازهار 357، للراشدي والمباحث في التشريع الجنائي ص 121 وابن جعفر ق 3 ص 24 - 25 و 73 و 90 م وهو في المطبوع ج 7 ص 127 ط الأولى لوزارة التراث سنة 1439 هـ 2018 م وبيان الشرع ج 36 ص 248 فما بعدها و 22/ 66 - 293 والمصنف 41 ص 170 واللباب ج 14 ص 260 ط الأولى للتراث، مراجع سابقة والأم للإمام الشافعي ج 7 ص 228 باب الديات مع ذكر فوائد كثيرة، ومنها قتل عبد الله بن ملجم للإمام علي كرم الله وجهه، وكونه قتله متأولا والمسألة التي قبلها.
153 (1/153)
صفحة 154
وإن مات الجاني قبل بلوغ الصبي فالدية في مال الجاني الميت.
وفي التاج: "وقيل: إن كان أولياء القتيل يتامى وبلَّغَا، فعفا بعضهم عن القود، وأخذوا الدية جاز عليهم وعلى الأيتام، وإن طلبوا بعد بلوغهم ردها وأخذ القود فلا حجة لهم، ولو كان العافي أخًا، واليتيم ولدًا، وينهدم القتل بالعفو وكذا إن كان الورثة نساء وعفا الذكر، وإن أراد القود غير الأيتام فلا يجاب إليه حتَّى يبلغوا، ويختاروا، وإن مات القاتل قبل بلوغهم أخذوها من ماله.
وقال محمد بن محبوب رحمه الله: الصبيُّ لا قصاص له، ولا عليه.
ولعل الحكمة في الانتظار حقنُ دمِ القاتل والرضا بالدية، ففيه فضل عظيم: وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا المائدة.؛
وفي ذلك مسائل أخر: -
الأولى: هل الانتظار إلى بلوغ الصبي وجوبا لا يصح العدول عنه؟ أم هو نظر من
أهل العلم؟
1 - شرح النيل ج 15 ص 189 ط / جدة. وانظر المراجع السابقة.
-2
2 - التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم لعبد العزيز الثميني /134/ 7 الباب السابع والعشرون فيمن يلزمه القود ومن لا يلزمه ومن أولى به منهج الطالبين لخميس الرستاقي 11/ 219. التراث، وج 6 ص 240 مكتبة مسقط، القول الثامن والعشرون فيمن يلزمه القود ومن لا يلزمه، وانظر: الكوكب الدري ج 4 ص 331.
- منهج الطالبين وبلاغ الراغبين خميس بن سعيد الشقصي الرستاقي ج 18 ص، 366 التراث. و 10 ص 53. مكتبة مسقط القول الثامن في إحداث الصبيان والإحداث فيهم" 4 - وانظر: المسألة الثامنة والعشرون في فدية النفس بأكثر من الدية من هذا الكتاب. (1/154)
صفحة 155
وعليه فالظاهر من كلام الأصحاب أهل الحق والاستقامة الاباضية عدم الوجوب؛ إذ صرحوا في أثرهم بجواز إتمام ولي اليتيم عن اليتيم، ونظر الأصلح له من وليه وعدم سماع اعتراض اليتيم بعد بلوغه على ما أمضاه وليه، كما هو منصوص عليه في كتبهم حسب المراجع التي ذكرتها لك أنفا.
ولم أجد دليلا يدل على الوجوب من الأصول الثلاثة الكتاب والسنة، والاجماع ولا من أحدها؛ إلا ما ورد في ذلك من آثار ووقائع زمن الصحابة بعد اشتعال الفتنة ودخول الأهواء فيما بينهم من تناحر وتسلط بعضهم على بعض وسفك لدمائهم ودعاوى كل طرف أنه هو على الحق لا غير ... الخ.
فقَدْ رُوِيَ أَنَّ هُدبة بن خشرم بن كرز بن أبي حيَّة بن الأسحم بن عامر بن ثعلبة بن قرة بن جنبس الحارثي قتل ابن عم له يقال له: زياد وقيل: (زيادة) بن زيد بن مالك بن ثعلبة بن قرة بن خنبس الحارثي، وكان ولي دمه طفلا؛ وذلك أيام إمارة معاوية على الناس، وكان في تلك الفترة الوالي سعيد بن العاص على المدينة المنورة من قبل معاوية ولم يشأ سعيد بن العاص أن يقوم بمهمة إصدار حكم القصاص فقام بإرساله إلى معاوية بن أبي سفيان الخليفة أن ذاك، حتى
1 - هو سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي، يُكنّى بأبي عبد الرحمن، أحد الصحابة الصغار الذين توفي عنهم رسول الله الله وهم لا يزالون صِبْيَة، وكان عُمْرُ سعيد تسع سنوات، أما والده فقتل على الكفر في عزوة بدر الكبرى في جيش قريش، كان سعيد من أهم أشراف قريش وأجوادها وفصحائها، توفي في قصره على بعد 3 أميال من المدينة ودفن بالبقيع وفق وصيته عام 59 هجري.
155 (1/155)
صفحة 156
ينظر في الأمر. (1) وأنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَسَعِيد بْن الْعَاصِ وجملة من وجهاء قريش؛ بَذَلُوا لِلَّذِي وَجَبَ لَهُ الْقِصَاصُ عَلَى هُدْبَةَ بْنِ خَشْرَم سَبْعَ دِيَاتٍ، وقيل: عشر ديات صلحا ليعفو عن القصاص، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَها وقتله.
وكان السبب في ذلك: أنَّه وقع بين هدبة وزياد بن زيد الحارثي - ويقال زيادة - ملاحاة، فقتله هدبة، فرفعه أخوه عبد الرحمن بن زيد إلى معاوية، فقرره معاوية، فقال: إن شئت أجبتك بنثر، وإن شئت أجبتك بنظم.
1 - وحسبما يذكر: كان لزياد أخ يقال له عبد الرحمن بن زيد، ويطالب بالقصاص، ولما وقف الخصمان هدبة وعبد الرحمن بن زيد أخي زياد بن زيد المقتول بين يدي معاوية للحكم بينهما، وقد أفاض عبد الرحمن في الحديث ضد هدبة، فلما سمح معاوية لهدبة بالحديث، خيَّر هدبة معاوية هل يجيبه بالشعر أو بالنثر، فاختار معاوية الشعر، فقال هدبة رمينا فرامينا فصادف رمينا ... منايا رجالٍ في كتاب وفي قدر .. ) فأمر معاوية بحبس هدبة حتى يبلغ اليتيم" وقتل هدبة في المدينة قصاصا نحو سنة 50 هـ 670 م انظر: "الشعر والشعراء" 464، و"الأعلام" 78/ 8. ومجاز القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنى التميمي البصري (المتوفى: 209 ه ج 2/ 110، قول الله وعل: لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76). وخزانة الأدب للحموي 9 334 والمؤتلف والمختلف للدارقطني 56/ 3، وتاريخ دمشق لابن عساكر 34/ 374، وانظر تفصيل القصة بكاملها في أنساب الأشراف 5/ 439، ترجمة 1128 والجوهرة في نسب النبي وأصحابه العشرة للبَرّي ص 483 نسب بني عذرة، والأغاني لأبي الفرج الأصبهاني 21/ 264.
2 - انظر ابن قدامة الشرح الكبير ج 5 ص 16 وج 9 ص 384 والعدة شرح العمدة عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد، أبو محمد بهاء الدين المقدمي (المتوفى: 624 هـ) ج 2 ص 118 والمبدع شرح المقنع إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح، أبو إسحاق، برهان الدين (المتوفى: 884 هـ) ج 4 ص 173 باب الصلح وج 8 ص 241 باب القصاص. والبهوتي شرح منتهى الإرادات 330/ 10) والدقائق له ج 3 ص 271.
???? (1/156)
صفحة 157
فقال معاوية بل بنظم، فإنه أمتع فأنشده شعرا يقول فيه:- رُمِينا فَراميْنا فَصَادَفَ سَهْمُنا .... منايا رجال في كتاب وفي قـ وأنت أمِيرُ المؤمنين فَمَا لَنَا .... وَرَاءَك من معدى ولا عنك من قصر
فإِن تَكُ في أَمْوَالِنا لَمْ نَضِقُ بها .... ذِرَاعًا وإنْ صَبْرٌ، فَنَصْبِر للصَّبْ
فقال معاوية أُراك اعترفت بقتل صاحبهم: فقال: هو ما سمعت.
فعرض معاوية على عبد الرحمن الدية، ليقبلها، وعرض عليه أكابر قريش سبع ديات، وقيل: عشر فأبى أن يقبلها كما مر.
وكان لزياد المقتول ابن يقال له المسور، صغير لم يبلغ الحلم، فقال معاوية ابنه أولى بطلب دمه، فليحبس هدبة، حتى يبلغ ابنه فربما رضي بالدية.
فحبس سبع سنين حتى بلغ المسور الحُلُمَ، وعرض عليه الدية، فأبى إلا قتل هدبة، وزار هدبة أيام اعتقاله رجل من قرابته، يقال له أبو نمير، فأظهر الكآبة بحاله، فقال هدبة: -
يؤرقني اكتئاب أَبي نُمير .... وقَلْبي مِنْ كآبتهِ كَئِي فقلتُ له: هداك الله مهلاً ... وخَيرُ القَوْلِ ذو اللُّب المصيب فيَأْمَنُ خائفٌ ويُفَتُ عانٍ .... ويأتي أَهْلَه الرَّجُلُ الغريب فإنَّا قد حلَلْنا دَارَ بَلْوَى .... ستَخْبِطنا المنايا أو تُصيبُ
157 (1/157)
صفحة 158
ألاَ لَيْتَ الرِّيَاحَ مسخرات .... لحاجتنا تُبَاكِرُ أو توبُ (1)
وقال مسور بن زياد حين عرض عليه سعيد بن العاص ومن معه؛ سبع ديات بأبيه فأبى قبولها أبياتا منها
أبَعْدَ الذي بالنعف نعف كويكب .... رهينة رمس ذي تراب وجندل أُذَكَّرُ بالبقيا على من أصابني .... وبقياي أني جاهد غير مؤتل
فلا يَدْعُني قومي لزيد بن مالك .... لئن لم أعجل ضربة أو أعجل أنَختُم علينا كَلكَل الحرب مرةً .... ونحن منيخوها عليكم بكلكل
ويقال: هي لعمه عبد الرحمن بن زيد.
وكما أشرت سابقا استدل المبيحون للقصاص ولو كان في أولياء الدم يتيما بقضية قتل بني علي بن طالب قاتل أبهم وفيهم أيتام، وهي واقعة يندى لها الجبين لا تقل خطرا عن سابقتها.
قلت: ولا دليل في هذا على وجوب التأخير إلى بلوغ الصبي ولا على الاباحة، فهو
1 - البطليوسي الحلل في شرح أبيات الجمل. ج 1 ص 41. والمرزوقي شرح ديوان الحماسة. 2 - انظر: المسألة الثامنة والعشرون في فدية النفس بأكثر من الدية، وانظر أيضا قاموس الشريعة للشيخ جميل بن خميس السعدي ج 85 ص 23،مخطوط، وص 36 - 37 من المطبوع (مكتبة الجيل الواعد الباب الثاني في الصلح في ديات الأنفس والجراحات. وابن جعفر الجامع القطعة الثالثة من المخطوطة ص 22 وتيسير الوصول للزبيدي ج 2 ص 93 وجوهر النظام باب الدماء. وكانت وفاة هدبة
سنة 50 هـ / 670
م
158 (1/158)
صفحة 159
اجتهاد من فاعله يعوزه الدليل، بقطع النظر عن أنَّ ذلك الوقت وقتُ فتنة
واغتصاب للسلطة بالجبروت والقهر والسيف وتشفّ من بعضهم بعضا.
وذكر الشنقيطي في أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن 3 123، القول بالوجوب نقلا عن صاحب المغني دون أن يأتي بدليل عليه قال ما نصه: -
تنبيه: إذا كان بعض أولياء الدم صغيراً، أو مجنوناً، أو غائباً. فهل للبالغ الحاضر العاقل: القصاص قبل قدوم الغائب، وبلوغ الصغير، وإفاقة المجنون؟ أو يجب انتظار قدوم الغائب، وبلوغ الصغير .... الخ.
فإن عفا الغائب بعد قدومه، أو الصغير بعد بلوغه مثلاً سقط القصاص ووجبت الدية في ذلك خلاف مشهور بين أهل العلم.
فذهبت جماعة من أهل العلم إلى أنه لا بد من انتظار بلوغ الصغير، وقدوم الغائب، وإفاقة المجنون.
وهذا هو ظاهر مذهب الإمام أحمد. قال ابن قدامة وبهذا قال ابن شبرمة، وابن أبي ليلى، والشافعي وأبو يوسف، وإسحاق، ويروى عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله. وعن أحمد رواية أخرى للكبار العقلاء استيفاؤه وبه قال حماد، ومالك، والأوزاعي، والليث، وأبو حنيفة اهـ
[قال] محل الغرض من كلام صاحب المغني.
وذكر صاحب المغني أيضاً أنه لا يعلم خلافاً في وجوب انتظار قدوم الغائب، ومنع استبداد الحاضر دونه.
159 (1/159)
صفحة 160
قال مقيده عفا الله عنه: إن كانت الغيبة قريبة فهو كما قال. وإن كانت بعيدة
ففيه خلاف معروف عند المالكية. وظاهر المدونة الانتظار ولو بعدت غيبته.
وقال بعض علماء المالكية منهم سحنون لا ينتظر بعيد الغيبة. وعليه درج خليل بن إسحاق في مختصره في مذهب مالك، الذي قال في ترجمته مبيناً لما به الفتوى بقوله: "وانتظر غائب لم تبعد غيبته. لا مطبق وصغير لم يتوقف الثبوت عليه".
وقال ابن قدامة في «المغني» ما نصه: والدليل على أنَّ للصغير والمجنون فيه حقاً أربعة أمور: أحدها: أنه لو كان منفرداً لاستحقه. ولو نافاه الصغر مع غيره لنافاه منفرداً كولاية النكاح والثاني: أنه لو بلغ لاستحق. ولو لم يكن مستحقاً عند الموت لم يكن مستحقاً بعده كالرقيق إذا عتق بعد موت أبيه والثالث: أنه لو صار الأمر إلى المال لاستحق، ولو لم يكن مستحقاً للقصاص لما استحق بدله كالأجنبي. والرابع أنه لو مات الصغير لاستحقه ورثته، ولو لم يكن حقاً لم يرثه كسائر ما لم
يستحقه.
واحتج من قال: إنه لا يلزم انتظار بلوغ الصبي ولا إفاقة المجنون المطبق بأمرين: أحدهما: أنَّ القصاص حق من حقوق القاصر، إلا أنه لما كان عاجزاً عن النظر لنفسه كان غيره يتولى النظر في ذلك كسائر حقوقه فإن النظر فيها لغيره، ولا ينتظر بلوغه في جميع التصرف بالمصلحة في جميع حقوقه. وأولى من ينوب عنه في القصاص الورثة المشاركون له فيه.
وهذا لا يرد عليه شيء من الأمور الأربعة التي ذكرها صاحب المغني؛ لأنه يقال فيه بموجبها فيقال فيه: هو مستحق لكنه قاصر في الحال، فيعمل غيره بالمصلحة في حقه في القصاص كسائر حقوقه، ولا سيما شريكه الذي يتضرر بتعطيل حقه في
160 (1/160)
صفحة 161
القصاص إلى زمن بعيد.
الأمر الثاني: أنَّ الحسن بن علي قتل عبد الرحمن بن ملجم المرادي قصاصاً بقتله علياً له، وبعض أولاد عليّ إذ ذاك صغار، ولم ينتظر بقتله بلوغهم، ولم ينكر عليه ذلك أحد من الصحابة ولا غيرهم، وقد فعل ذلك بأمر عليه كما هو مشهور في كتب التأريخ، ولو كان انتظار بلوغ الصغير واجباً لانتظروه.
وأجيب عن هذا من قبل المخالفين بجوابين: أحدهما: أن ابن ملجم كافر؛ لأنه مستحل دم علي، ومن استحل دم مثل علي الله فهو كافر، وإذا كان كافراً فلا حجة في قتله.
الثاني: أنه ساع في الأرض بالفساد، فهو محارب، والمحارب إذا قَتَل وجب قتله على كل حال ولو عفا أولياء الدم، كما قدمناه في سورة المائدة وإذن فلا داعي للانتظار. قال: البيهقي في السنن الكبرى ما نصه: قال بعض أصحابنا: إنما استبد الحسن بن علي رضي الله عنهما بقتله قبل بلوغ الصغار من ولد عليه؛ لأنه قتله حداً لكفره
لا قصاصاً.
1 - سنن البيهقي الكبرى ((58) (17) باب من زعم أنَّ للكبار أن يقتصوا قبل بلوغ الصغار) ونصه: قال الشافعي رحمه الله قال أبو يوسف عن رجل عن أبي جعفر أن الحسن بن علي رضي الله عنهما قتل بن ملجم بعلي قال أبو يوسف وكان لعلي له أولاد صغار قال بعض أصحابنا إنما استبد الحسن بن علي رضي الله عنه بقتله قبل بلوغ الصغار من ولد عليه لأنه قتله حدا لكفره لا قصاصا .. " ح 15848. قال ابن التركماني في الجوهر النقي (58) قلت: ذكر البيهقي فيما بعد في (باب الرجل يقتل واحدا من المسلمين على التأويل عن الشافعي قال أنا إبراهيم بن محمد عن
?? (1/161)
صفحة 162
وقال ابنُ قُدامة في «المغني»: فأمَّا ابن ملجم فقد قيل: إنه قتله بكفره؛ لأنه قتل علياً مستحلاً لدمه، معتقداً كفره، متقرباً بذلك إلى الله تعالى.
وقيل: قتله لسعيه في الأرض بالفساد وإظهار السلاح، فيكون كقاطع الطريق إذا قتل، وقتله متحتم، وهو إلى الإمام، والحسن هو الإمام، ولذلك لم ينتظر الغائبين من الورثة، ولا خلاف بيننا في وجوب انتظارهم. وإن قُدِرَ أنه قتله قصاصاً فقد اتفقنا على خلافه، فكيف يحتج به بعضنا على بعض. انتهى كلام صاحب المغني.
وقال ابن كثير في تاريخه ما نصه: قال العلماء ولم ينتظر بقتله بلوغ العباس بن علي، فإنَّه كان صغيراً يوم قُتل أبوه، قالوا: لأنه كان قتل محاربة لا قصاصاً. والله
جعفر بن محمد عن أبيه أن عليا قال في ابن ملجم بعدما ضربه أطعموه، واسقوه، وأحسنوا إساره، فإن عشت فأنا ولي دمي، أعفو إن شئت، وإن شئت استقدت، وإن مت فقتلتموه فلا تمثلوا .. ) وقال القدوري في التجريد: لو كان مرتدا لجازت المثلة به، وأيضا ما كان علي يقف قتله على شرط الموت، ولو قتل لسعيه في الارض بالفساد لم يجز العفو عنه،،، وقال محمد بن جرير الطبري في التهذيب: أهل السير لا تدافع عنهم أنَّ عليا أمر بقتل قاتله قصاصا، ونهى أن يمثل به، ولا خلاف بين أحد من الأمة أن ابن ملجم قتل عليا متأولا مجتهدا مقدرا على أنه على صواب ...... وانظر: تهذيب الآثار للطبري مسند علي ص 72، (ذكر ما لم يمض ذكره من أخبار أبي يحيى حكيم بن سعد ... القول في علل هذا الخبر. وذكر من قال: إن عليا إنما أمر بقتل قاتله ولم يأمر بإحراقه، ونهى عن المثلة به، وأنَّ الذي أحرق قاتله قوم من العامة، بعده بقليل، والبيهقي السنن الكبرى ج 8 ص 183 ح 16536، ومعرفة السنن والآثار 12/ 220 ح 16504،، والشافعي المسندا ح 1476، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، والسيوطي جامع الأحاديث 29 ص 477 ح 32616، كنز العمال 36588 والبدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير لابن الملقن 556/ 8، مع تناقضه الغريب بعد ذلك.
162 (1/162)
صفحة 163
أعلم. اهـ واستدل القائلون بأنَّ ابن ملجم كافر بالحديث الذي رواه علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قال لي رسول الله: " من أشقى الأولين"؟ قلت: عاقر الناقة. قال: "صدقت. فمن أشقى الآخرين؟ قلت: لا علم لي يا رسول الله. قال: "الذي يضربك على هذا. وأشار بيده على يافوخه- فيخضب هذه من هذه يعني لحيته من دم رأسه"
قال: فكان يقول: ودِدْتُ أنه قد انبعث أشقاكم وقد ساق طرق هذا الحديث ابن كثير رحمه الله في تأريخه، وابن عبد البر في «الاستيعاب» وغيرهما.
1 - البداية والنهاية ط هجر (11/ 128)
2 - رواه أبو يعلى في مسنده ج 1 ص 378 ح 485 وابن عساكر (547/ 42) والطبراني في المعجم الكبير 8/ 38 ح 7311 من طريق رشدين بن سعد عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن عثمان بن صہيب عن أبيه عن النبي أنه قال يوما لعلي .. " وهذا الحديث في غاية الضعف والتلف، ومثله لا يصح الاحتجاج به، وإن صححه من صححه من أهل الأهواء والتعصب، المذهبي، فلا يَعتَدُّ بهم من فيه لمسة إيمان، وعلى كل حال فتلك دماء سلمت منها أيدينا، فالواجب علينا أن نُسلّم أنفسنا من الخوض فيها، ولولا تعرض الذين تعرضوا لذكره المنقول عنهم أعلاه، لما خط قلمي فيه، وقد قال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة ((217) رواه أبو يعلى بسند ضعيف لجهالة عثمان بن صہيب وضعف رشدين. وقال حسين سليم أسد في تحقيقه لمسند أبي يعلى: إسناده ضعيف، وقال الهيثمي 9/ 136: رواه أبو يعلى وفيه والد علي بن المديني وهو ضعيف. وانظر: "فتح الباري لابن حجر" 8/ 424 - 425، كتاب "الفضائل باب مناقب علي ح.3706 والبداية والنهاية لابن كثير ط هجر 11/ 128، مع تناقضهم الغريب في الثناء على ابن ملجم ووصف قوة إيمانه، ثم لعنه وتقبيحه ومحاولة تصحيح هذا الحديث الساقط التالف، وتأمل تناقضهم أعلاه، فإنه واضح بفضل الله، لا يحتاج إلى كثرة عناء. والأمر لله وحده،
163 (1/163)
صفحة 164
قال مُقَيّدُه عفا الله عنه: الذي عليه أهل التاريخ والأخبار والله تعالى أعلم، أنَّ قتل ابن ملجم كان قصاصاً لقتله علياً، لا لكفر ولا حرابة، وعليه لم يحكم بكفر الخوارج، ولما سُئل عنهم قال: " من الكفر فرُّوا" فقد ذكر المؤرخون أنَّ علياً ه أمرهم أن يحبسوا ابن ملجم ويحسنوا إساره، وأنه إن مات قتلوه به قصاصاً، وإن حيي فهو ولي دمه كما ذكره ابن جرير وابن الأثير، وابن كثير وغيرهم في تواريخهم، وذكره البيهقي في سننه، وهو المعروف عند الإخباريين.
ولا شك أنَّ ابن ملجم متأول - قبحه الله - ولكنه تأويل بعيد فاسد، مورد صاحبه النار، ولما ضرب علياً الله قال: الحكم لله يا علي لا لك ولا لأصحابك، ومراده أن رضاه بتحكيم الحكمين أبي موسى وعمرو بن العاص، كفر بالله لأن الحكم الله وحده؛ لقوله: إِنِ الْحُكْمُ إِلا اللَّهِ
ولما أراد أولاد عليه الله له أن يتشفوا منه فقطعت يداه ورجلاه لم يجزع، ولا فتر عن الذكر، ثم كحلت عيناه، وهو في ذلك يذكر الله، وقرأ سورة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ إلى آخرها، وإن عينيه لتسيلان على خديه، ثم حاولوا لسانه ليقطعوه فجزع من ذلك جزعاً شديداً، فقيل له في ذلك؛ فقال: إني أخاف أن أمكث فواقاً لا أذكر الله" اهـ ذكره ابن كثير وغيره.
ولأجل هذا قال عمران بن حطان السدوسي يمدح ابن ملجم في قتله أمير المؤمنين علياً: يا ضربة من تقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا) إلى أن
1 - الضمير في (مقيده عائد إلى الشنقيطي نفسه المنقول عنه هذا النص هنا فتنبه. 2 - سبق التخريج قريبا فارجع إليه.
- انظر: البداية والنهاية ط
هجر
128/ 11، وانظر: المراجع السابقة واللاحقة. (1/164)
صفحة 165
قال: وبما ذكرنا تعلم أنَّ قتل الحسن بن علي رضوان الله عنه لابن ملجم قبل بلوغ الصغار من أولاد علي يقوي حجة من قال بعدم انتظار بلوغ الصغير.
وحجة من قال أيضاً بكفره قوية للحديث الدال على أنه أشقى الآخرين، مقروناً بقاتل ناقة صالح المذكور في قوله: إذ انبَعَثَ أَشْقَاهَا، وذلك يدل على كفره. والعلم عند الله تعالى.
وكذا يُفهم من كلام الشربيني أيضا في مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج؛ حيث قال: (ويُنتظر) حتما في غير قاطع الطريق (غائبهم) إلى حضوره أو إذنه وكمال صبيهم) ببلوغه عاقلا (و) كمال (مجنونهم) بإفاقته؛ لأن القصاص للتشفي فحقه التفويض إلى خيرة المستحق، فلا يحصل باستيفاء غيره من ولي أو حاكم أو بقية الورثة، ولو حكم للكبير حاكم باستيفاء القصاص لم ينقض حكمه في أصح الوجهين، حكاهما والد الروياني عن جده .. )
فقوله: (حتما) يدل على إرادته الوجوب لكن لم يدلل عليه بدليل.
2
1 - الشنقيطي إيضاح القرآن بالقرآن تفسير قوله تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (33) سورة بني إسرائيل. ج 3 ص 126. وتأمل قوله في ابن ملجم وحجةُ من قال أيضاً بكفره قوية إلى آخر كلامه، فهو وأتباعه لا يبالون في تشريك أهل القبلة والحكم عليهم بأحكام أهل الشرك إذا خالفوا مشاربهم مع تناقضه الغريب في كلامه قبل هذا حيث يقول: ولا شك أنَّ ابن ملجم متأول .... ومع توليه وتصويبه للذين مثلوا بابن ملجم، وفعلوا فيه الأفاعيل؛ التي لا يرضاها الله ورسوله، وقد حذَّرهم علي الله بنفسه من ذلك، فأين الانصاف والتجرد والموضوعية والحياد عند هؤلاء في النقل والتصحيح والتضعيف؟!!! فإنا لله وإنا إليه راجعون.
2 - مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج 5/ 275. (1/165)
صفحة 166
وقال الدميري: وينتظر غائهم وكمال صبهم ومجنونهم)؛ لأنَّ القصاص للتشفي فحقه التفويض إلى خيرة المستحق، ولا يحصل ذلك إلا باستيفاء الولي.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا ينتظر بلوغ الصبي ولا إفاقة المجنون؛ لأنَّ الحسن بن علي قتل ابن ملجم بأبيه، وكان لعلي أولاد صغار، وقيس عليه المجنون.
وأجاب أصحابنا بأنَّه قتله حدًا لكفره لا قصاصاً؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عنه: أنه أشقى الآخرين، ولهذا حكى في (المهذب) في باب (البغاة
وفي المبسوط للشيباني: (باب القصاص إذا كان بعض الورثة صغيرا وبعضهم كبيرا) وإذا قتل الرجل رجلا عمدا وله ورثة صغار وكبار، فان للكبار أن يقتلوا بالدم ولا ينتظرون ورثته الصغار أرأيت لو كبر الصغير وهو أخرس لا يعقل شيئا وكان فيهم كبير معتوه لا يعقل أكان ينتظر به وهذا قول أبي حنيفة.
وفيها قول آخر؛ لأبي يوسف إنه ينتظر بالصغير حتى يكبر، والإمام وليه إن شاء صالح له وإن شاء انتظر وليس له أن يقتل ولا يقتص، وكذلك المعتوه هو بمنزلة الصبي وهذا قول أبي يوسف.
ولو كان الأب أوصى إلى رجل كان للوصي أن يأخذ بحق الصغير مع الورثة الكبار في القول الأول وأن يقتص له."
1 - كمال الدين، محمد بن موسى بن عيسى بن علي الدَّميري أبو البقاء الشافعي (المتوفى: 808 هـ) انظر: النجم الوهاج في شرح المنهاج له/ج 416/ 8،
2 - انظر: النووي أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي المتوفى: (676 هـ) منهاج الطالبين ص: 276. ومغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج للشربيني 5/ 275)
166 (1/166)
صفحة 167
إلى أن قال: وإن كان ورثة الدم صغارا كلَّهم فأراد عمُّهم أن يأخذ بالدم وليس بوصي
لهم فليس له ذلك؛ لأن هذا لا نصيب له في الدم وليس بشريك.
وفي الهداية: وإذا وَجبَ القصَاصُ لصبي أو معتومٍ حُبسَ القاتِلُ حتى يبلغ الصبيُّ ويفيق المعتوه، فإنْ كَانَ معهُمَا مُستَحقِّ كبير، فهل لَهُ الاستيفاء قبل ذَلِكَ أم لا؟ على روَايَتَينِ؛ أصحهما أنه ليس لَهُ ذَلِكَ، فإنْ كَانَ للصَّغير والمجنونِ أبٌ فهل لَهُ أَنْ يَقتَصَّ لهما على روايةِ المنعِ أم عَلى
روَايَتَينِ: إحداهُمَا: لَيسَ لَهُ ذَلِكَ سَواءٌ كَانَ شريكاً أو لَم يَكُنْ ". والثانِيةُ: لَهُ أنْ يقتَصَّ.
وروي عن الإمام محمد بن محبوب له في رجل قتل رجلا وله ولد ذكر يتيم، وابنُ في ابن بالغ، قال: يكون القود لابن ابنه، ولا ينتظر بلوغ اليتيم، ولكن يقال لابن الابن
1 - المبسوط لمحمد بن الحسن الشيباني أبو عبد الله سنة ولد/ 132/ توفي/ 189 هـ. تحقيق أبو الوفا الأفغاني / 543/ 4. بَاب القصاص إِذا كَانَ بعض الْوَرَثَةَ صَغِيرًا وَبَعْضِهِمْ كَبِيرًا.
خلف
2 - انظر: الروايتين والوجهين ص 168، للقاضي أبي يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن. المعروف بـ ابن الفراء (المتوفى: 458 هـ) تحقيق د. عبد الكريم بن محمد اللاحم الناشر: مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة: الأولى (1405 هـ - (1985 م) وشرح الزركشي 3/ 557، وانظر: مسائل عبد الله بن أحمد 3/ 1230، ومسائل ابن هانئ 2/ 86، والمغني 375/ 9 وكشف المخدرات للخلوتي (2/ 711) المغني 4599، والكافي 354، والمحرر 2/ 131. 3 - انظر. (الهداية على مذهب الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل ص: 512. المؤلف: محفوظ بن أحمد، أبو الخطاب الكلوذاني: المحقق: عبد اللطيف هميم.
-2
هو الشيخ العلامة محمد بن محبوب بن الرحيل بن سيف بن هبيرة القرشي المخزومي كان مرجعا في الرأي والفتوى عرف بأبي عبد الله، نشأ في أيام الإمام غسان بن عبد الله الذي بويع سنة 192 فعاصر الإمام المهنا بن جيفر وكان على رأس العلماء المبايعين للإمام الصلت بن مالك سنة
167 (1/167)
صفحة 168
أن يأخذ لعمه في الدية، وإلا فله القود، وكذا إن كان له عصبة يلتقون في ثلاثة آباء أو خمسة فيأخذوا القود، ولا ينتظروا بلوغ اليتيم، ولكن يؤمر العصبة أن ينظروا
لليتيم. '
فعلى هذا فللولي الأبعد القتل مع وجود الأقرب إنْ كان الأقرب غير مالك أمره؛ كالصبي والمعتوه.
والأب والابن في القود سواء، وللقاتل أن يقيد نَفسَه لأيّهما شاء، وقيل: القود للأب لأنَّه أحق، وكذا إن تساوى الأولياء كأخوة أشقاء أو أبويين، وجاز القود لأيهم ومضى ما لم يعف أحد.
المسألة الثانية: هل للعافي عن القصاص الرجوع إليه بعد عفوه؟
وقد تقدم أنَّ الأصل القصاص، وأنَّ الشارع قضى بالتخيير، وعليه: ففي المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّ الواجب أحد شيئين؛ إما القصاص، أو الدية، والخيرة في ذلك إلى الولي بين أربعة أشياء: العفو مجانًا، والعفو إلى الدية، والقصاص، ولا خلاف بين تخييره بين هذه الثلاثة والرابعة: المصالحة إلى أكثر من الدية.
237، كان ممن تتلمذ على يديه إبناه العلامتان بشير وعبد الله والعلامة عزان بن الصقر وأبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي وغيرهم له أجوبة فقهية امتلأت بها الكتب الفقهية العمانية، كانت وفاته يوم الجمعة لثلاث ليال خلون من شهر محرم سنة 260 هـ، ودفن في صحار. ينظر إتحاف الأعيان ج 1 ص. 250 253 ط 2 ودليل أعلام عمان ص 150.
1 - النيل وشرحه 214/ 15 و 198، وابن جعفر ق 3 ص 73 م والخلاصة 473/ 2 - 474 وجامع أبي الحواري 126/ 5 والجلاء 321 ط 1 وسيرة ابن محبوب للإمام الصلت المخطوطة، ح الصفحة 374. وانظر المراجع السابقة في صدر المسألة. (1/168)
صفحة 169
وفيه وجهان؛ أشهرهما مذهبًا جوازه.
والثاني: ليس له العفو على مال إلا بقدر الدية أو دونها، فإن اختار الدية سقط القود، ولا يملك الرجوع إلى القود.
والقول الثاني: أنَّ موجبه القود عينًا، وأنه ليس له أن يعفو إلى الدية إلا برضا الجاني، فإن عفا إلى الدية ولم يرض الجاني فقوده بحاله.
والقول الثالث: أنَّ موجبه القود عينًا مع التخيير بينه وبين الدية، وإن لم يرض الجاني فلا يسمع اعتراضه
فإذا عفا الولي عن القصاص إلى الدية فرضي الجاني فلا إشكال، وإن لم يرض فالصحيح ليس لولي الدم العود إلى القصاص، وإن عفا عن القود مطلقًا من غير تفصيل؛ فعلى القول: أنَّ الواجب أحد شيئين، فله الدية؛ لئلا يذهب حق الورثة من الدم والدية مجانًا.
وعلى القول: أنَّ الواجب القصاص عينًا. سقط حقه منها.
وعليه فلومات القاتل الجاني قبل القصاص؟ ففي ذلك قولان: أحدهما: تسقط الدية؛ لأن الواجب القصاص عينًا، وقد زال محل استيفائه بفعل الله تعالى. القول الثاني: تتعينُ الدية في تركة الجاني؛ لأنه تعذر استيفاء القصاص من غير إسقاط، فيرجع إلى الدية لئلا يذهب حق الورثة من الدم والدية مجانًا.
وحديث: " فهو بخير النظرين" لا يعارض قوله: " من قتل عمدًا فهو قود"؛ لأن هذا يدل على ثبوت القود بالقتل العمد، وذلك يدل على أنَّ الخيرة له بين استيفائه
169 (1/169)
صفحة 170
هذا الواجب، وبين، بدله وهو الدية فلا تعارض
وفي تنقيح الفتاوى الحامدية: (سُئِلَ) فِيمَا إِذَا عَفَا وَلِيُّ الْمَقْتُولِ عَنْ الْقَاتِلِ عَمْدًا عَنْ الْقِصَاصِ فَهَلْ يَسْقُطُ الْقِصَاصُ بِعَفْوِهِ؟ (الْجَوَابُ): نَعَمْ وَيَسْقُطُ الْقَوَدُ بِمَوْتِ الْقَاتِلِ وَبِعَفْوِ الْأَوْلِيَاءِ وَبِصُلْحِهِمْ عَنْ مَالٍ وَلَوْ قَلِيلًا وَيَجِبُ حَالًّا وَبِصُلْحِ أَحَدِهِمْ وَعَفْوِهِ وَلِمَنْ بَقِيَ حِصَّتُهُ مِنْ الدِّيَةِ.
وإن قال: عفوت عن الدية فإن قلنا: إنَّ الواجب هو القصاص وحده لم يصح عفوه، وكان له أن يقتص، فإن عفى عن القود بعد ذلك أو عن الدية أو عفا مطلقا وقلنا تجب الدية بالإطلاق استحق الدية؛ لأنَّ عفوه الأول عنها كان قبل وجوبها.
وإن قلنا إن الواجب أحد الشيئين - سقطت الدية، وتعين حقه في القصاص، فإن اقتص منه فلا كلام ..
الله
1 - انظر في هذا التفصيل: اللاعي الحسين بن محمد بن سعيد اللاعي، المعروف بالمغربي (المتوفى: 1119 هـ) البدر التمام شرح بلوغ المرام (4098) تحقيق علي بن عبد ا الزين الناشر: دار هجر. الطبعة: الأولى وشرح الزرقاني على الموطأ 4/ 320 فما بعدها. وابن رجب الحنبلي القواعد (ص: 334) أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (المتوفى: (795 هـ) المحقق: طه عبد الرؤوف سعد الناشر: مكتبة الكليات الأزهرية الطبعة: الأولى، 1391 هـ / 1971 م حسن علي الشاذلي الجنايات في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون عقوبة القتل العمد: ص: 149، وانظر المراجع السابقة في صدر المسألة.
2 - تنقيح الفتاوى الحامدية لابن عابدين محمد أمين بن عمر (المتوفى: 1252 هـ) ج 53/ 7. 3 - المجموع شرح المهذب المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ) 18/ 475) والبيان في مذهب الإمام الشافعي المؤلف: أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني
170 (1/170)
صفحة 171
وقد تقدم الكلامُ بأنَّ على قاتل العمد القودَ إلا أن يرضى أولياء المقتول منه بالزول إلى الدية أو يعفوا عنه مطلقا، فمن اعتدى بعد ذلك فهو ظالم لا محالة.
ومن هنا يجب علينا أن نعرف بأنَّ من عفا أو أخذ الدية فلا رجوع له في ذلك، فإن قتل بعد ذلك قُتِل حدًّا ولا يقبل العفو عنه، ولو عفا عنه أولياء الدم، فلا يقبل ذلك منهم وعلى الإمام أن يقتله حدًّا، وكذلك القاتل في الأمان.
178
والدليل على ذلك قوله تعالى: (فَمَن أَعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وعذابه في الدنيا القتل وفي الآخرة النار.
وقوله:" مَن أصيب بدم أو خبل فهو بالخيار بين إحدى ثلاث، فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه؛ بين أن يقتص أو يعفو أو يأخذ العقل، فإن قبل شيئا من ذلك ثم عدا بعد ذلك فله النار خالدا فيها مخلدا."
وقوله: "من قتل بعد العفو أو أخذ الدية فهو خالد مخلد في النار."" وما روي عنه والله أنه قال: "لَا أَعْفُوَ عَمَّنْ قَتَلَ بَعَدَ عَفْو ""
اليمني الشافعي (المتوفى: (558 هـ) المحقق: قاسم محمد النوري الناشر: دار المنهاج - جدة الطبعة:
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
1 - تقدم الحديث.
2 - الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع وقد تقدم.
3 - احتج بهذه الرواية الإمام القطب في شرح النيل ج 14 ص 755 وذُكِرَ في التعليق أنه: رواه ابن ماجة ولم أجدها في سننه بهذا النص، ولكن أخرجها الإمام الربيع له بلفظ "من قتل بعد العفو أو أخذ
171 (1/171)
صفحة 172
وقيل: إلا القاتل بعد أخذ الدية، لما روي عنه الله أنه قال: "لَا أُعْفِيْ مَنْ قَتَلَ بَعْدَ
أَخْذِهِ الدِّيَةَ"
وقوله: "من قتل بعد العفو أو أخذ الدية فهو خالد مخلد في النار"
وقد تقدم ذلك في المسألة الأولى من هذا الفصل.
وقيل: فعله ليس بأعظم ممن قَتَلَ ابتداءً، فإن عفا ولى الدم عنه فعفوه مقبول وعذابه في الآخرة النار.
وقول الحق لا عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ، يَدُلُّ على أنَّ أولياء المقتول إن عفا واحد منهم فهو عفو بشيء واحد، وليس له أن يقتص بعد ذلك، وتنتهي المسألة ويحقن الدم، ولم يرد الله أن يضع نصا بتحريم القصاص، ولكن أراد أن يعطي ولي الدَّم الحقَّ في أن يَقْتُل، وحين يصبح له الحق في أن يقتل؛ فقد أصبحت المسألة في يده، فإن عفا، تصبح حياةُ القاتل ثمرةً من ثمرات إحسانه، وإن عاش القاتل، لا
الدية فهو خالد مخلد في النار." ح رقم 761 باب الحجة على من قال: إنَّ أهل الكبائر ليسوا بكافرين. وهي جزء من حديث "من أُصِيْبَ بِدَمٍ" المتقدم إذ جاء فيه" فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه" و" فإن قبل شيئا من ذلك ثم عدا بعد ذلك فله النار خالدا فيها مخلدا." وتقدم تخريجه. 1 - رواه أحمد وأخرجه أبو داود 4 ح 4507، والبيهقي، فيمن قتل بعد أخذ الدية، راجع تيسير الوصول ج 2/ 99 وكنز العمال ح 157، وشرح النيل ج 115/ 15، فما بعدها، ولسان العرب والجلاء 268 ط 2 وابن جعفر ق 3 م ص 82 فما بعدها والهيميان 492/ 2 والمسالة 16 من هذا الفصل الأول. 2 - الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع.
172 (1/172)
صفحة 173
يترك هذا في نفس صاحب الدم بغضاء، بل إنَّ القاتل سيتحبب إليه لأنه أحسن إليه ووهبه حياته.
وعليه ففيما يظهر لهذا العبد الضعيف بعد الرجوع إلى الأدلة المشددة في حكم القاتل بعد العفو؛ أنَّ الصحيح الذي لا يقبل الجدل: لا يصح الرجوع إلى القصاص على أي حال، بعد الإقرار بالعفو عنه، سواءً أكان مطلقا أم نزولا إلى الدية، أم مصالحة، ولو في نفس المجلس، وقد ملك السيفُ رأيه، وحقن دم القاتل، وهو أشدُّ في ثبوت العفو من الإقرار بحق مالي.
وقد اتفق أهل العلم، أنَّ الإقرار بحق إذا صدر من كامل الأهلية لا يُقبل منه الرجوع، وأنْ لا إنكار بعد إقرار، فليحرر وقد تم بحثه في محله في تطبيقات القواعد
وفي العنوان.
وقوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٍ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) واضحة الدلالة في ذلك، وكذا الأحاديث الدالة على تحريم القصاص بعد العفو، وعلى معاقبة المقتص بعد العفو سالفة الذكر، ولم توقت لذلك وقتا.
2
الثالثة إذا وجب على أحد الوالدين القصاص وكان ولي الدم ولدهما؛ فلا يحق له القصاص، بل تنعتق عليه رقابهما ولا يُمَكَّن من القصاص من أحد والديه،
1 - تفسير الشعراوي (ص: 453) لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرَ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ
بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) البقرة. 2 - وانظر المراجع السابقة في صدر المسألة.
173 (1/173)
صفحة 174
وتمكينه من القصاص تمكين في غير محله، وأدلة عدم القصاص من الوالد للولد من جهة نظري - تشمل هذه المسألة، وعدم القصاص منهما ليس محصورا فيما إذا قتلا ولدهما فقط، بل ولو قتلا من كان دمه لولدهما.
-
إذ المقصود من ذلك وجوبُ محافظة الولد على حياتهما، ووجوب برهما، وعدم تكديرهما بما ينغص حياتهما، وأي تكدير أشدُّ من قتلهما، والسعي في تلفهما؟!!! والمسألة كالمسألة لتلك الأدلة المشار إليها.
فقد قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا
(24) (الاسراء) وأيُّ إحسان من الولد في اقتصاصه من أحد والديه؟!!!
وبدليل: ما روى أبو هُرَيْرَةَ لله عنه صلى الله عليه وسلم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم "لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ"
1 - أخرجه البخاري في الأدب المفرد باب جزاء الوالدين ح 6 ومسلم في صحيحه باب فضل عتق الوالد 3778 وأبو داود، برّ الوالدين، ح 5137 والترمذي، حق الوالدين 1906، وابن ماجه، بر الوالدين، ح 3659، وأحمد، مسند أبي هريرة في عدة مواضع، والبيهقي في الكبرى، والنسائي في الكبرى، وابن حبان حق الوالدين والطحاوي في المشكل، والطبراني في المعجم الكبير، وأبو عوانة في مستخرجه: الخبر الدال أن الولد يملك أباه، والحسين بن حرب في البر والصلة، وأبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الأصبهاني 336 - 430 هـ في أخبار أصبهان، وأبو يعلى الخليل بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن الخليل الخليلي القزويني 446 هـ الإرشاد في معرفة علماء الحديث بزيادة " ومن كان مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا" وغيرهم. قال ابن بركة وهذا خبر تنازع الناس في تأويله
174 (1/174)
صفحة 175
"
وَعَنْ سَمُرَةَ هِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فَهُوَ حُرٌّ وفي الحديث: "من أحقُّ الناس بحسن صحبتي قال أُمُّك، ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك فأدناك" رواه البخارى ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة."
وروى مسلم من طريق أبي هريرة أيضا: أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "رغم أنفه، رغم أنفه. قيل من يا رسول الله قال من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة
وخبر من ملك ذا رحم محرم عتق عليه هو مفسر، وإذا صح الخبران كان المفسر أولى باتباعه، والعمل به أولى من العمل بالمجمل كتاب الجامع لابن بركة.245/ 2. تحقيق الباروني وج 3 ص 1459 - 1460 تحقيق باجو، ط التراث، مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ / والضياء لسلمة العوتبي ج 13 ص 26 - 27 ط الأولى وزارة الأوقاف الباب الأول: في العتق وأحكامه. من ملك من العبيد من يناسبه أو يراحمه أو يحرم عليه نكاحه)
1 - أخرجه أحمد في أول مسند البصريين ح 19361، وأبو داود في كتاب العتق 3440، والترمذي في كتاب الأحكام،1285، والنسائي في "الكبرى" كما في "التحفة"، وابن ماجه في كتاب الأحكام 2515 من طريق الحسن، عن سمرة. وله شاهد من حديث ابن عمر بإسناد صحيح. رواه ابن ماجه (2525)، وابن الجارود ح 972، وَرَبَّحَ جَمْعٌ مِنَ الْحُفَّاظِ أَنَّهُ مَوْقُوف، ورجح جمع منهم أنه مرفوع، منهم: ابن الجارود، والحاكم، وابن حزم وعبد الحق وابن القطان. وقال عبد الحق في "الأحكام" كما في نصب الراية ج 3/ 279 الحديث صحيح. ولا يضره إرسال من أرسله، ولا وقف من وقفه." 2 - تقدم الحديث في استثناء الوالدين من القصاص.
6
- جزء من حديث ورد بعدة ألفاظ مطولة ومختصره متفقة المعنى هذا أحدها، وثانيها" من أدرك أحد والديه فلم يدخلاه الجنة فأبعده الله ثم أبعده" وثالثها " من أدرك أحد والديه فمات فدخل النار فأبعده الله" ورابعها" من أدرك أحد والديه ثم لم يغفر له فأبعده الله" وخامسها" من أدرك (1/175)
صفحة 176
وروى هو والبخاري من طريق عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «جاء رجل إلى رسول الله فاستأذنه في الجهاد: قال أحي والداك؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد"
والديه عنده الكبر أحدهما أو (كلاهما) ثم لم يدخل الجنة انظر: البخاري الأدب المفرد مخرجا ص: 21 ح 21 صحيح مسلم: 2551 واحمد بلفظ قريب منه 91049 مسند الطيالسي 2/ 658 ح 1418 تحقيق: الدكتور محمد بن عبد المحسن التركي. شعب الإيمان 3/ 134 ح 1471 مسند ابن أبي شيبة 91/ 2 ح 590. الطبراني المعجم الكبير 2/ 243 ح 2022 وغيرهم. وسبقت قبل عدة أحاديث في الموضوع لاسيما حديث:" لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ ممْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ" فضم الجميع معا تحصل الفائدة بإذن الله تعالى.
1 - أخرجه البخاري كتاب الجهاد: باب الجهاد بإذن الأبوين، حديث "3004" ومسلم كتاب البر والصلة باب بر الوالدين حديث ح 2549 وأبو داود 21/ 2، كتاب الجهاد: باب في الرجل يغزو وأبواه كارهان، ح "2529"، والنسائي "10/ 6 " كتاب الجهاد: باب الرخصة في التخلف لمن له والدان "313"، والترمذي "164/ 3 - 165"، كتاب الجهاد: باب ما جاء فيمن في الغزو وترك أبويه "1671" من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد فقال: "أحي والدك؟ " قال: "نعم" فذكره. وقال الترمذي: حسن صحيح. وأخرجه الطحاوي في «مشكل الآثار» (2118)، وأبو نعيم في «الحلية» (68/ 5) من طريق ابن كناسة. به (5972)، والإلمام بأحاديث الأحكام" المؤلف: تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري، المعروف بابن دقيق العيد (المتوفى: 702 هـ) ج 2 ص 455 ح 887. المحقق: حقق نصوصه وخرج أحاديثه حسين إسماعيل الجمل الناشر: دار المعراج الدولية - دار ابن حزم - السعودية - الرياض / لبنان – بيروت الطبعة الثانية، 1423 هـ -2002 م
176 (1/176)
صفحة 177
وروي عنه هو أنه قال: رضى الرب فى رضى الوالد وسخط الرب في سخط الوالد ".
||
وعن أبي الدرداء قال سمعت رسول الله الله يقول: الوالد أوسط أبواب الجنة فإن شئت فضيّع ذلك الباب أو احفظه" وقال إنه حسن صحيح.
وعن ابن مسعود: قال سألتُ رسول الله لا الهلال أى الأعمال أحبُّ إلى الله تعالى؟ قال الصلاة على وقتها. قلت: ثم أي؟ قال بر الوالدين قلت ثم أي؟ قال الجهاد في سبيل الله» رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
1 - المستدرك على الصحيحين للحاكم مع تعليقات الذهبي في التلخيص 168/ 4 ح 7249 من طريق شعبة عن يعلي بن عطاء عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث، والترمذي (1899) وأخرجه البخاري في الأدب المفرد الحديث رقم 2، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، والترمذي ح 1899 والخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي (2 230 1698 وأخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (215/ 8) مختصرا عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "
رِضَى الرَّبِّ فِي رِضَى الْوَالِدِ» دون باقيه. وانظر: الأحكام الشرعية الكبرى للإشبيلي (62/ 3) 2 - أخرجه الحاكم في مستدركه ج 4 ص 169 ح 7252 و 7252 والبيهقي الأربعون الصغرى للبيهقي (ص: 127) 69 وشعب الإيمان (182/ 6) 7847 و 7848، والحميدي 194/ 12 ح 395، وابن حنبل في مسنده ج 5 ص 198 ح 21774 والترمذي 4/ 311 ح 1900، وقال: صحيح. وابن ماجه 1208/ 2 ح 3663، وابن حبان 167/ 2 ح 425، والحاكم 215/ 2 - 2799، وقال: صحيح الإسناد. والطيالسي ح في مسنده ج 1 ص 132 ح 981 وابن أبى شيبة (218/ 5 ح 25400.
- البخاري صحيح البخاري ح 504 و 2630 و 5625 و 7096 ومسلم (89/ 1 ح 85 والحميدي الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم (1/ 121 ح 265 والبيهقي السنن الكبرى للبيهقي ح 2984 وفي المذيل بالجوهر النقي ح 3290 وشعب الإيمان 4/ 295 ح 2544، وج 10/ 242 ح 7439 والآداب ج 1 ص 3 ح 1 والأصبهاني المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم 1/ 164 ح 254 والطبراني المعجم الكبير (10/
177 (1/177)
صفحة 178
قال الشيخ هود رحمه الله: ذكروا أنَّ رسول الله قال: إن فوق كل بر براً حتى إن الرجل ليهرق دمه فى سبيل الله، وإن فوق كل فجور فجورا حتى إنَّ الرجل ليعق والديه، وأنَّ رسول الله الله قال: من أصبح بارا لوالديه أصبح له بابان مفتوحان إلى الجنة، وإن كان واحدا فواحد ومن أصبح عاقا لوالديه أصبح له بابان مفتوحان إلى النار، وإن كان واحدا فواحد وإن ظلماه وإن ظلماه وإن ظلماه.
21 ح 9810 و 9815 وفي مواضع أخرى، مسند أبي عوانة 1/ 287 ح 1003 وابن أبي شيبة المسند ح 204 والمصنف ح 19308 والبزار مسند البزار 1/ 291 ح.1791 وعبد الرزاق (582/ 1، ح 2217 وغيرهم مع اختلاف في بعض اللفظ واتفاق المعنى.
1 - رَوَاهُ أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: مَنْ أَصْبَحَ مُرْضِبًا لِوَالِدَيْهِ أَصْبَحَ وَلَهُ بَابَانِ مَفْتُوحَانِ مِنَ الْجَنَّةِ، وَإِنْ وَاحِدٌ فَوَاحِدٌ، وَمَنْ أَمْسَى أَوْ أَصْبَحَ مُسْخِطًا لِوَالِدَيْهِ، أَصْبَحَ لَهُ بَابَانِ مَفْتُوحَانِ إِلَى النَّارِ، وَإِنْ وَاحِدٌ فَوَاحِدٌ. قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنْ ظَلَمَاهُ، قَالَ: وَإِنْ ظَلَمَاهُ وَإِنْ ظَلَمَاهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الْمُغِيرَة لم يسمع من عَطَاء شيئًا، وهو مرسل. علل الحديث لابن أبي حاتم أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن مهران الرازي ولد (240 توفي 327 هـ تحقيق الدكتور سعد بن عبد الله الحميد والكنى والأسماء للدولابي أبو بشر محمد بن أحمد بن حماد بن سعيد بن مسلم الأنصاري الدولابي الرازي (المتوفى: 310 هـ) (10743 101 ح 1884، المحقق: أبو قتيبة نظر محمد الفاريابي الناشر: دار ابن حزم - بيروت - لبنان؛ الطبعة: الأولى، 1421 هـ - 2000 م وقد أورده الحافظ ابن حجر في المطالب العالية بلفظ: "ما من مسلم يصبح ووالداه عنه، راضيان، إلا كان له بابان من الجنة، وإن كان واحدا فواحد وما من مسلم يصبح ووالداه عليه، ساخطان، إلا كان له بابان من النار، وإن كان واحدا فواحد. وزاد أبو يعلى في آخره فقال رجل يا رسول الله، وإن ظلماه؟ قال وإن ظلماه، وإن ظلماه وإن ظلماه ثلاث مرات" قال الحافظ ابن حجر: إسناد أبي يعلى حسن، وقد روي موقوفا. والبوصيري إتحاف الخيرة المهرة (5 (469) وأخرجه الديلمي (621/ 3 ح 5942)
178 (1/178)
صفحة 179
وروي «أن رجلا قال للرسول و إن أبواي بلغا من الكبر أنْ ألي منهما ما وليا مني في الصغر، فهل قضيتهما؟ قال: لا فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك، وأنت تفعل ذلك وأنت تريد موتهما"
وشكا رجل إلى رسول الله الله «سوء خلق أُمّه فقال: لم تكن سيئة الخلق حين حملتك تسعة أشهر. قال: إنها سيئة الخلق قال: لم تكن سيئة الخلق حين أرضعتك حولين كاملين. قال: إنها سيئة الخلق. قال: لم تكن سيئة الخلق حين أسهرت ليلها وأظمأت نهارها. قال: لقد جازيتها. قال: ما فعلت؟ قال: حججت بها
وابن عساكر (365/ 33) والبيهقي في شعب الإيمان (206/ 6 ح 7916 وأبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء 3/ 123، وقال ابن عساكر في التاريخ (عن ابن عباس قال في اللسان: رجاله ثقات أثبات غير عبد الله بن يحيى السرخسي فهو أفقه، اتهمه ابن عدي بالكذب. والمقدسي في ذخيرة الحفاظ (2121/ 4 ح 4919 وقال: رواه عبد القدوس بن حبيب عن عكرمة، عن ابن عباس، وعبد القدوس ضعيف. قلت: وله شواهد كثيرة في وجوب البر بالوالدين والنهي عن عصيانهما وتكدير خواطرهما فإنه هو العقوق وهو من أكبر الكبائر، وأعظم دليل كتاب الله وعل.
- انظر الزيلعي: تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزمخشري سورة بني إسرائيل (2/ 265) 700 الحديث التاسع وتفاسير القرآن لقوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا .. الاسراء، لاسيما المراجع الآتية. 2 - الظمأ والظَّمَى، بلا همز: ذُبُولُ الشَّفَةِ من العَطَش وغيره، وكُلُّ ما ذَبَل من الحَرِّ فهو ظَمٍ. ورجل ظَمْآن وامرأة ظمأى، ورجال ظماء، ونساء ظَمِئاتٌ وظِماء. الظُّمْ ءُ: حَبْس الإِبل عن الماء إلى غاية الورود فيما بينَ الشَّرْبَتَيْنِ فهو ظِم، والجميع الأظماء العين للخليل الفراهيدي (مادة: ظ م ء) والمراد هنا أنَّ الوالدة حبست نفسها عن الطعام والشراب والتردد ذهابا وإيابا لأجل المحافظة على ولدها.
فليتأمل.
179 (1/179)
صفحة 180
على عاتقي. قال: ما جازيتها ولا طلقةً واحدة»
وعن النبي هو أنه قال: (إياكم وعقوق الوالدين فإنَّ الجنةَ توجد ريحها من مسيرة ألف عام، ولا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم، ولا شيخ زان، ولا جار إزاره خيلاء، إنَّ الكبرياء لله رب العالمين"
هذا إذا كان القتل عمدا محضا لا غُدر فيه، ولا غيلة، ولا فَتْك ... والفتكُ: أن يُؤتَى إلى المقتول في بيته أو مأمنه وهو غافل غير مستعد لا يدري أنه أريد به بأس فيقتل.
1 - هيميان الزاد إلى دار المعاد للقطب 29 ص 150 - 151) ط التراث الأولى 1409 هـ 1988 م. وتفسير الكشاف 2 ص 617 وتفسير السراج 2 ص 234 والنيسابوري 4 ص 342 كلهم تفسير قوله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا .. الاسراء، وشرح النيل للقطب اطفيش (5/ 49) وانظر الأدب المفرد للبخاري المرجع السابق والزيلعي: تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزمخشري سورة بني إسرائيل (2/ 266) 703 الحديث الثاني عشر.
2 - جزء من حديث رواه ابن عدي في الكامل من حديث محمد بن الفرات عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (احذروا البغي فإنه ليس من العقوبة أسرع من عقوبة البغي، وصلوا أرحامكم؛ فإنه ليس من ثواب أعجل من ثواب صلة الرحم، وإياكم واليمين الفاجرة فإنها تدع الديار من أهلها بلاقع، وإياكم وعقوق الوالدين فإن الجنة توجد ريحها من مسيرة خمسمائة عام ولا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم ولا جاز إزاره خيلاء، إنما الكبرياء لله رب العالمين، والكذب كله إثم إلا ما نفعت به مسلما أو دفعت به عن دين فلا بأس وأعله بمحمد بن الفرات وضعفه عن البخاري والنسائي وابن معين ووافقهم. ورواه الطبراني في معجمه الوسط بلفظ: " .. عن جابر بن عبد الله أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال (اتقوا الله وصلوا أرحامكم فإنه ليس من ثواب أسرع من صلة الرحم وإياكم والبغي فإنه ليس من عقوبة أسرع من عقوبة بغي وإياكم وعقوق الوالدين فإن ريح الجنة توجد من مسيرة ألف عام والله لا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم ولا شيخ زان ولا جار إزاره خيلاء إنما الكبرياء الله رب العالمين" انظر الزيلعي السابق.
180 (1/180)
صفحة 181
فالغيلةُ والفتكُ والغَدر لا يصح العفو فيها؛ ولو عفا ولي الدم عن القاتل أو أخذ منه الدية، وعلى الحاكم أن يقتله حدًّا، ولا يسمع العفو فيه، بل ولا يصح لأحد أن يطلُبَ له العفو؛ لأنَّ حكمه حكم المحارب.
وقد أوجب الله الحد على المحارب في قوله عز وعلا: (إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ حَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
صلے
إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (3)
المائدة
المسألة الرابعة مسألة المرأة التي دبَّرت قتل زوجها مع خليلها ومهدت له جميع السبل وكانت معه أثناء مباشرة القتل ... إلخ.
وكأني في مسألة التي دبرت المكيدة مع عشيقها، بعدما خانت زوجها في نفسها- لقتل زوجها في بيته ومأمنه وأتت بالقتلة ومهدت لهم جميع السبل، واشتركت مع القاتل حتى قضى مهمته إلخ ما ورد في قضيتهم فهي قضية حدية، وليست قتلا عمدا محضا؛ إذ هي قتل فتك، وغدر وغيلة اجتمعت فيها أسباب وجوب القتل حدا، وتشملها أحكام قتل الجماعة بالواحد ولولاها وتدبيرها وتهيئتها لظروف
1 - ينظر شرح النيل 121/ 15 فما بعدها، وجلاء العمى شرح ميمية الدماء للعلامة خلفان بن جميل. 268 ط 2 والجامع لابن جعفر أبو جابر محمد بن جعفر ق 3 مخطوط ص 82 فما
السيابي ص
بعدها.
181 (1/181)
صفحة 182
6
الجريمة، وإتيانها بالقاتل وإدخالها إياه البيت ودخولها أمام القاتل، وغدرها بالزوج؛ بتغفيله وإظهار البر والمحبة له مع عدم شكّه في أيّ شيء مراد ضده .. إلخ ما ورد فيها، لما استطاع القاتِلُ فعل شيءٍ ما، فهي جديرة أن تقتل حدا لا قصاصا. فقد روى الترمذي عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَو أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَأَهْلَ الْأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لَأَكَبَّهُم اللهُ فِي النَّار.
وروى ابن عباس وأبو هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: " لو اجْتَمَعَ أَهْلُ مِنِّى عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ عَمْدًا لَقَتَلْتُهُمْ بِه
وقضية المرأة الصنعانية اليمنية، التي قضى فيه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في المرأة التي اتفقت مع خليلها على قتل ابن زوجها الغائب عنها زمن إمارة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الله هي نفسُها هذه القضية حذو النعل بالنعل لم تشدَّ
عنها طرفة عين.
1
سنن الترمذي كتاب الديات ح 1318، ونصب الراية تخريج أحاديث الهداية للزيلعي كِتَابُ الْجِنَايَاتِ ج 6 ص 313، وانظر: الزواجر عن اقتراف الكبائر للهيتمي أحمد بن محمد بن علي الشافعي ج 2 ص 152، والبحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار: ج 6 ص 214، لأحمد بن يحيى بن المرتضى الزيدي، وجامع الأصول في أحاديث الرسول لابن الأثير ح 7721.
2 - أخرجه الديلمي: ج 373/ 3، ح 5134. من طريق أبي هريرة وابن عباس وانظر منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 127/ 6، والمصنف لابن أبي شيبة 90/ 5 و 429، والخلاصة 417/ 2. والسيوطي جمع الجوامع أو الجامع الكبير، والفردوس بمأثور الخطاب أبو شجاع شيرويه بن شهردار بن شيرويه الديلمي الهمذاني الملقب الكيَّا ولد سنة 445 هـ ت سنة 509 هـ
182 (1/182)
صفحة 183
فقد روى البيهقي والدارقطني في سننهما وغيرهما أنَّ عمر بن الخطاب له قَتَلَ سبعةً بصنعاء قتلوا رجلا واحدا وقال: لَو تَمَالاً عَلَيهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْهُمْ بِهِ
جَمِيعًا.
والسبب في ذلك ما روي - والله أعلم: " أنَّ امرأةً بمدينة صنعاء، غاب عنها زوجها، وترك عندها ابناً له من غيرها، فاتخذت لنفسها خليلاً، فقالت له: إنَّ هذا الغلام يفضحنا فاقتله، فأبى، فامتنعت منه فطاوعها، فاجتمع على قتل الغلام خليك المرأة، ورجل آخر، والمرأةُ، وخادمها، فقطعوه أعضاء، وألقوا به في بئر، ثم ظهر الحادث وفشا بين الناس، فأخذ أميرُ اليمن خليل المرأة فاعترف ثم اعترف
ط
6
1 - أخرجه البيهقي سنن البيهقي الكبرى ((1575441 والدار قطني في الحدود والديات "النفر يقتلون الرجل وأخرجه البخاري في صحيحه "باب" إذا أصاب قوم من رجل هل يعاقب أو يقتص منهم كلهم" (فتح الباري 12/ 227 رقم 6896 ط السلفية، ومالك في الموطأ ما جاء في الغيلة 871/ 2 عيسى الحلبي / والبغوي في شرح السنة، كتاب القصاص، والشافعي في مسنده جراح العمد، وابن أبي شيبة في مصنفه والدارقطني في سننه والطحاوي وابن وهب في موطئه ح 483 والجامع (1/ 488 - [461]. ت رفعت فوزي عبد المطلب وغيرهم. 279) ونصه بتمامه مع القصة: "حدثني جرير بن حازم، أن المغيرة بن حكيم الصنعاني، حدثه عن أبيه، أن امرأة بصنعاء غاب عنها زوجها، وترك في حجرها ابنا له من غيرها، غلام يقال له أصيل، فاتخذت المرأة بعد زوجها خليلا فقالت لخليلها: إنَّ هذا الغلام يفضحنا فاقتله. فأبى، فامتنعت منه فطاوعها، واجتمع على قتله الرجل ورجل آخر والمرأةُ وخادمها، فقتلوه ثم قطعوه أعضاء، وجعلوه في عيبة من أدم فطرحوه في ركيَّة في ناحية القرية، وليس فيها ماء ثم صاحت المرأة، فاجتمع الناس فخرجوا يطلبون الغلام، قال: فمر رجل بالركيَّة التي فيها الغلام فخرج منها الذباب الأخضر، فقلنا: والله إن في هذه لجيفة؟ ومعنا خليلها، فأخذته رعدة، فذهبنا به فحبسناه، وأرسلنا رجلا فأخرج الغلام فأخذنا الرجل فاعترف، فأخبرنا الخبر، فاعترفت المرأة والرجل الآخر وخادمها، فكتب يعلى، وهو يومئذ أمير بشأنهم، فكتب إليه عمر بقتلهم جميعا، وقال: «والله لو أن أهل صنعاء شركوا في قتله لقتلتهم أجمعين»
183 (1/183)
صفحة 184
الباقون، فكتب إلى عمر بن الخطاب، فكتب إليه عمر: أن اقتلهم جميعاً، وقال: " والله لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا
كما رُوي عنه أنه قتل جماعةً بامرأة واحدة، وقال مثل ذلك. (2) ولم ينكر عليه أحد من صحابة رسول الله.
وقتل الخليفة عثمان بن عفان ثلاثة بواحد، وروي هذا عن علي أيضا، وقتل المغيرة بن شعبة - في إبَّانِ ولايته وإمارته؛ وقد كان أميراً لـ عمر ه وأرضاه على
الكوفة، - ثلاثة بواحد، وقيل أربعة بواحد. وقيل سبعة ولم ينكر عليه.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "إذا قتل جماعةً واحداً قتلوا به ولو كانوا مأئة." ولم ينكر عليهم أحد، فكان ذلك إجماعاً. 3
1 - انظر المراجع السابقة. لا سيما سبل السلام للصنعاني (242/ 3 16 و شرح الزرقاني على موطأ مالك (318/ 3) وإكمال المعلم شرح صحيح مسلم - للقاضي عياض (123/ 7) وشرح مسند الشافعي للرافعي (3/ 264) وشرح القسطلاني؛ إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (60/ 10) وانظر: قتل الجماعة بالواحد.
2 - أخرجه ابن الجعد في مسنده من طريق عبد الله بن عامر قال: كتب عامل اليمن إلى عمر: إنَّ سبعةً أو ثمانيةً أو ستة نفر قتلوا امرأةً من حمير بهم فَوُجدت أكفهم مخضبةً بدمها فاعترفوا فكتب إليه عمر: أنْ لو اشتَرَكَ فيها أهلُ صَنْعاءَ لَقَتَلْتُهُم فاقتلهم. وانظر كتاب دية المرأة في الشريعة الإسلامية للباحث المبحث الأول، تجد الشفاء التام إن شاء الله تعالى.
- أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري الكشف والبيان 2/ 54) تحقيق: الإمام أبي محمد بن عاشور. تفسير يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي القَتْلَى 178 البقرة. وتفسير الثعلبي ج 1 ص 175. والعناية شرح الهداية محمد بن محمد البابرتي المتوفى:
184 (1/184)
صفحة 185
أما إن قلنا: قضيتها غير حدّية، وأنَّ الدم لولدها، فلا قتل لولدها عليها لعظم حقها عليه وأحكام عدم قتل الوالد بولده ووجوب برّه عليه، على أي حال
تشملها
وإذا كان المعصوم صلى الله عليه وسلم مَنَعَ جملةً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - الذين أسلموا وبقي آباؤهم على الشرك والعداء الله ورسوله وإيذاء رسوله لله ومحاربته وهم في مقابلة العدو في القتال - عن مباشرتهم بقتل آبائهم الكفرة الفجرة المحاربين الله ولرسوله والمسلمين، فالقاتل من الأبوين المسلمين إذا كان ولي دمهما ولدهما وهما مسلمان، أولى بالمنع من ذلك.
فمن أولئك الصحابة له، أبو عبيدة بن الجراح وعبد الله بن عبد الله بن أُبَيّ بن سلول، وحذيفة بن اليمان على خلاف في ذلك، في غزوة بدر الكبرى، وسعد بن أبي وقاص في أمّه لما اشتد عليه أذاها، وأقسمت لا تأكل ولا تشرب حتى يكفر سعد بمحمد صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره بالصبر عليها وبرها حتى نزل قول الله وحل: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ} واشتد أمرها عليه وأشرفت على
786 هـ، وانظر شرح النيل ج 15 ص 124. مرجع سابق. والموسوعة الفقهية ج 15 ص 282. وأسنى المطالب شرح روض الطالب لزكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري، كمال الدية، قتل الجماعة بالواحد. وحاشية الرملي، والحسيني كفاية الأخيار لتقي الدين أبي بكر بن محمد الحسيني الشافعي
457/ 1
1 - ينظر: أنواع القتل من المسألة الأولى (الأصل في العمد القصاص والمسألة الثانية في استثناء الوالدين من القصاص) و (المسألة الرابعة عشرة في قتل الجماعة بالواحد من الفصل الأول من
هذا الكتاب.
185 (1/185)
صفحة 186
الهلاك، وهو يراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره ببرها والمحافظة على
مهجتها، ثم أسلمت فيما بعد ببركة دعاء الرسول لها، وغيرهم الكثير.
وروي عن حذيفة بن اليمان أنه استأذن النبي له في قتل أبيه وهو في صف المشركين فقال له: "دعه يليه غيرك "" مع خلافٍ في صحة هذا الخبر في حذيفة
الله
وهم
بن
1 - هيميان الزاد السابق. وتفسير الكشاف (2/ 613618 وقال مخرجه لم أجده: ولا يصح عن والد حذيفة أنَّه كان في صف المشركين فإنه استشهد بأحد مع المسلمين بأيدي المسلمين خطأ، يحسبونه من الكفار، كما في صحيح البخاري، لكن نحو القصة المذكورة وردت لأبي عبيدة بن الجراح. انتهى. قلت: ووردت روايات أن أبا عبيدة (عامر) بنُ عبد الله بن الجراح قتل أباه يوم بدر بعدما أيس أبو عبيدة من توقفه عن العداء الله ورسوله والمؤمنين، والله أعلم بصحة ذلك، ففي سنن البيهقي (نسخة موسوعة الأزهر (18291 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب حدثنا الربيع بن سليمان حدثنا أسد بن موسى حدثنا ضمرة بن ربيعة عن عبد شوذب قال: جعل أبو أبي عبيدة بن الجراح ينصب الألهة لأبي عبيدة يوم بدر وجعل أبو عبيدة يحيد عنه فلما أكثر الجراح قصده أبو عبيدة فقتله فأنزل الله عز وجل فيه هذه الآية حين قتل أباه (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم) إلى آخرها. هذا منقطع. ((صحيح مرسل) وأخرجه الحاكم (5152) وجود الحافظ ابن حجر إسناده في الإصابة (4403) وفي الدر المنثور للسيوطي ج 9 / ص 443: وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في سننه وابن عساكر عن عبد الله بن شوذب قال: جعل والد أبو عبيدة بن الجراح يتصدى لأبي عبيدة يوم بدر، وجعل أبو عبيدة يحيد عنه فلما أكثر قصده أبو عبيدة فقتله فنزلت لا تجد قوما يؤمنون بالله} الآية.
ووالد حذيفة هو: حسيل بضم الحاء، وفتح السين المهملة، وباللام. وقيل بفتح الحاء وكسر السين، وقيل: حسل، بن جابر بن ربيعة بن فروة بن الحارث بن مازن بن قطيعة بن عبس، المعروف العبسي، والد حذيفة بن اليمان، واليمان لقب له، شهد أحدا مع رسول الله الله، فأصابه المسلمون في المعركة
186 (1/186)
صفحة 187
فقتلوه يظنونه من المشركين ولا يدرون، وحذيفة يصيح أبي أبي، ولم يسمع فتصدق حذيفة بديته على من أصابه، ويقال: إن الذي قتله عتبة بن مسعود. كما في جامع الأصول في أحاديث الرسول لابن الأثير ج 12 ص 294، ترجمته في الاستيعاب ص: 351، والإصابة 74/ 2 - 75. وانظر ترجمة حذيفة في الاستيعاب ص: 351، والإصابة 74/ 2 - 75 وانظر: فتح الباري 461/ 7. ووقعت هذه الحادثة مرات فقد أخرج الطبراني: "عن عمران بن حصين قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فحمل رجل على رجل من المشركين فلما غشيه بالرمح قال: إني مسلم فقتله، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني أذنبت فاستغفر لي قال: (وما ذاك؟. قال: حملتُ على رجل من المشركين فلما غشيته بالرمح قال: إني مسلم، فظننت أنه متعوذ فقتلته فقال: "هلا شققت عن قلبه حتى يستبين لك؟!!. قال: ويستبين لي يا رسول الله؟ قال: "قد قال لك بلسانه فلم تصدقه على ما قال في قلبه" قال: فمات الرجل فدفناه فأصبح على وجه الأرض فأمرنا غلماننا فحرسوه فأصبح على وجه الأرض فقلنا غفلوا فحرسناه فأصبح على وجه الأرض فأتينا النبي فأخبرناه، فقال: "أما إنها تقبل من هو شر منه ولكنَّ الله أراد أن يُعلمكم تعظيم الدم. ثم قال: اذهبوا به إلى سفح هذا الجبل فانضدوا عليه من الحجارة ففعلنا.
وهو عند ابن أبي شيبة عن أسامة بن زيد له قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة، فأدركت رجلا فقال لا إله إلا الله فطعنته فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم قال لا إله إلا الله وقتلته؟ قال: قلت يا رسول الله إنما قالها فرقا من السلاح، قال هلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها فرقا من السلاح أم لا؟ فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ" ح 36631. وأخرجه أبو داود ج 4 ص 279 ح 2643 مع اختلاف في بعض اللفظ ونصه: " .. أُسامة بن زيدٍ، قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سريةً إلى الحُرقَاتِ، فَنُذِرُوا بنا، فهربوا، فأدركنا رجلاً، فلما غَشِيناه، قال: لا إله إلا الله، فضربناه، حتى قتلناه، فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "مَنْ لكَ بلا إله إلا الله يوم القيامة؟ "، فقلت: يا رسول الله، إنما قالها مخافَةَ السلاح، قال: " أفلا شَققْتَ عن قلبه حتى تعلم من أجل ذلك قالها أم لا؟ مَنْ لكَ بلا إله إلا اللهُ يومَ القيامة؟ " فما زال يقولُها حتى وددت أني لم أُسلم إلا يومئذ" وأخرجه مسلم (96)، والنسائي في "الكبرى" (8540) من طريق الأعمش، به. وأخرجه بنحوه البخاري (4269)، ومسلم (96)، والنسائي (8541) من طريق حصين بن عبد الرحمن الواسطي، عن أبي
187 (1/187)
صفحة 188
كما ذكرت ذلك أنفا.
وعن أسامة بن زيد، قال: قال عبد الله بن أبي بن سلول رأس النفاق والمنافقين]: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ المنافقون (8)، قال:
ظبيان، به. وهو في "مسند أحمد (21745)، وصحيح ابن حبان (4751). والحُرقات: بضم الحاء وفتح الراء بعدها قاف: نسبة إلى الحُرَقَة بطن من جهينة سموا بذلك لوقعة كانت بينهم وبين بني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان، فأحرقوهم بالسهام لكثرة من قتلوا منهم، وهذه السرية يقال لها: سرية غالب بن عبيد الله الليثي وكانت في رمضان سنة سبع فيما ذكره ابن سعد 2/ 119 عن شيخه محمد بن عمر، وكذا ذكره ابن إسحاق في المغازي وانظر ابن هشام (4 (271) حدثني شيخ من أسلم عن رجال من قومه، قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب بن عبد الله الكلبي ثم الليثي إلى أرض بني مرة، وبها مرداس بن نهيل حليف لهم من بنى الحرقة، فقتله أسامة بن زيد. قال الخطابي: فيه من الفقه: أنَّ الكافر إذا تكلم بالشهادة، وإن لم يصف الإيمان، وجب الكف عنه، والوقوف. عن قتله، سواء بعد القدرة عليه أو قبلها. وفي قوله: "هلا شققت عن قلبه؟ " دليل على أن الحكم إنما يجري على الظاهر، وأنَّ السرائر موكولة إلى الله سبحانه وفيه أنه لم يُلزم أسامة مع إنكاره عليه الدية. ويشبه أن يكون المعنى فيه: أن أصل دماء الكفار الإباحة، وكان عند أسامة أنه إنما تكلم بكلمة التوحيد مستعيذاً من القتل، لا مصدقاً. به فقتله على أنه كافر مباح الدم، فلم تلزمه الدية، إذ كان في الأصل مأموراً بقتاله، والخطأ عن المجتهد موضوع. ويحتمل أن يكون قد تأول فيه قول الله: {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} [غافر: 85] وقوله في قصة فرعون آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [يونس: 91] فلم يخلّصهم إظهار الإيمان عند الضرورة، والإرهاق من نزول العقوبة بساحتهم ووقوع بأسه بهم. انظر: تعليق شعيب الأرنؤوط على أبي داود وشرح السنة للبغوي (243/ 10 ح 2562 باب تحريم قتله إذا أسلم على أي دين (كان) و (النووي - ج 4 / ص (21 و 7 ص 163 وفي الرواية ألفاظ أخرى تركتها خوف الاطالة فليراجعها مريدها من مظانها. وانظر: فتح الباري - ابن حجر 12 ص 195 و 273 والخطابي معالم السنن 2/ 270. شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن (2455/ 8) 3450 التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن. (306/ 31) قال الباحث عفا الله عنه: والظاهر أنَّ القضية تكررت كما في اختلاف الروايات.
188 (1/188)
صفحة 189
فقال عبد الله بن عبد الله: والله لا تَدخُلْ حتى تقول: إنَّ محمدا العزيز، وأنت الأذلُ،
6
أو أنت الذليل، قال: فاستأذن عبد الله بن عبد الله في قتل أبيه، فقال: لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ....
ولما أسلم حنظلة بن أبي عامر الراهب، وحسن إسلامه وكان أبوه أبو عامر الراهب، كافرا من أشدّ الأعداء للإسلام حقدا وحنقا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن حنظلة المصطفى له في قتل أبيه الكافر اللدود المؤذي لله ورسوله والمؤمنين، فنهاه عن قتله، ولما فتحت مكة هرب أبو عامر إلى الروم ومات بها كافرا"" فليتأمل ذلك جيدا فإنه واضح بإذن الله تعالى.
- ورد هذا الحديث بعدة ألفاظ مختصرة كما هنا ومطوله انظر: مسند البزار (396/ 1) وفي لفظ أبي نعيم وقال: "بل تحسن صحبته" معرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني (6/ 390 ح 2060 ونصه في طرح التثريب للعراقي في: [تَرْجَمَة عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيَ بْنِ مَالِكِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بْنِ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سَالِمِ بْنِ غَنْمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَحِيُّ) كَانَ اسْمُهُ الْحُبَابُ، وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى أَبُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيَ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَبْدَ اللَّهِ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ وَفُصَلَائِهِمْ شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْمُشَاهَدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ رَوَتْ عَنْهُ عَائِشَةُ «وَاسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللهِ ا في قَتْلِ، أَبِيهِ، وَقَالَ إِنْ أَذِنْت لِي قَتَلْته فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ، وَلَكِنْ بِرَّ أَبَاكَ وَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُ». قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ لا يُثْنِي عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ. انظر: طرح التثريب في شرح التقريب 691، وانظر: كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري للشنقيطي 355/ 11.
2 - أبو عامر الراهب واسمه عبد عمرو بن صيفي بن مالك بن النعمان الأوسي، أحد بني ضبيعة بن زيد من الأوس، وكنيته أبو عامر الراهب .. وابنه هو حنظلة بن أبي عامر، من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم
189 (1/189)
صفحة 190
و: "يسقط القصاص إذا ورثه من ليس له القصاص من القاتل، كما يسقط إذا ورثه القاتل كله أو بعضه: فإذا كان فى ورثة المقتول ولد للقاتل فلا قصاص؛ لأن القصاص لا يتجزأ، وما دام لا يجب بالنسبة لولد القاتل؛ لأن الولد لا يقتص من أبيه فهو لا يجب للباقين.
وإذا قتل أحد ولدين أباه ثم مات غير القاتل الذي هو ولي الدم ولا وارث له سوى القاتل، فقد ورث القاتل دم نفسه كله، ووجب القصاص لنفسه على نفسه، فسقط القصاص. وكذلك الحكم لو ورث بعضه فإن القصاص يسقط، ولمن بقي من المستحقين نصيبهم من الدية.
ومن الأمثلة التي يضربونها على سقوط القصاص بإرثه ما يأتي:
إذا قتل أحد الأبوين صاحبه ولهما ولد لم يجب القصاص؛ لأنَّه لو وجب لوجب لولده، ولا يجب للولد قصاص على والده؛ لأنه إذا لم يجب بالجناية عليه فلأن لا يجب له بالجناية على غيره أولى
وسواء كان الولد ذكرًا أو أنثى أو كان للمقتول ولد سواه، أو من يشاركه في الميراث، أو لم يكن؛ لأنه لو ثبت القصاص لوجب له جزء منه، ولا يمكن وجوبه؛ لأنه إذا
العظماء المخلصين لله والرسول، والذي عُرف باسم غسيل الملائكة أي: الذي غسلته الملائكة لما استشهد، وأخباره أشهر من أن تذكر. انظر المناوي فيض القدير (3 (26) 2646 (إني رأيت الملائكة تغسل حنظلة بن أبي عامر)
1 - ببعض تصرف، عودة التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي 2/ 169، وانظر: بدائع الصنائع ج 7 ص 251، وشرح الدردير ج 4 ص 233، والمهذب ج 2 ص 186، والمغني ج 7 ص 362 وما بعدها.
190 (1/190)
صفحة 191
لم يثبت بعضه سقط كله؛ ولأنه لا يتبعض وصار كما لو عفا بعض مستحقي
القصاص عن نصيبه منها.
ولو قتلت امرأةٌ أخا زوجها فصار القصاص أو جزء منه لابنها سقط القصاص، سواء صار إليه ابتداء أو انتقل إليه من أبيه أو من غيره."
وفي الذخيرة للقرافي ومن قتل عمدا فكان وليُّ الدم ولد القاتل، كَرَّه مالك له أن يقتص وقال أكره له تحليفه فكيف قتله"
ومن قتل رجلا أو امرأة عمدا فكان ولي الدم ولدَ القاتل لم يكن له عند مالك القصاص منه؛ لأنّه قد أمر ببر والديه وألا يقول لهما "أفّ، ولا ينهرهما" فكيف يقتلهما أو يقتل أحدهما فيما له العفو عنه؟!! وقد كره مالك أن يحلفه في حق
فكيف بهذا.
فمتى ورث ولد القاتل القصاص، أو شيئًا منه، أو ورث القاتل شيئًا من دمه، سقط القصاص، فلو قتل أحد الزوجين صاحبه، كان تقتل المرأة زوجها أو الرجل زوجته
1 - عودة التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي /2/ 170. بتصرف. السابق. 2 - الذخيرة شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي 12/ 346، والنوادر والزيادات على ما في المدوَّنة من غيرها من الأُمهات/ ج 13 ص 135، المؤلف: أبو محمد عبد الله بن (أبي زيد) عبد الرحمن النفزي، القيرواني المالكي (المتوفى: 386 هـ) 3 - الكافي في فقه أهل المدينة (1098/ 2):المؤلف: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: 463 هـ) المحقق محمد محمد أحيد ولد ماديك الموريتاني، وتهذيب المدونة للقيرواني أبي سعيد خلف بن أبي القاسم القيرواني (47/ 4) وشرح الزرقاني على مختصر خليل وحاشية البناني 518، والجامع لمسائل المدونة للصقلي 23/ 944.
191 (1/191)
صفحة 192
ولهما ولد هو ولي الدم أو بعضه لم يجز القصاص؛ لأنه لو جاز، لوجب لولده، ولا يصح للولد قصاص على والده؛ لأنه إذا لم يجب بالجناية عليه، فلأن لا يجب بالجناية على غيره، أولى، وسواء كان له من يشاركه في الميراث، أو لم يكن؛ لأنه لو ثبت القصاص، لوجب له جزء منه، ولا يمكن وجوبه، وإذا لم يثبت بعضه، سقط كله؛ لأنه لا يتبعض، وصار كما لو عفا بعض مستحقي القصاص عن نصيبه منه، فإن لم يكن للمقتول ولد منها، وجب القصاص في قول أكثر أهل العلم، منهم: عمر بن عبد العزيز، والنخعي والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي
1 - بتصرف انظر: كشف اللثام شرح عمدة الأحكام 1486، المؤلف: شمس الدين، أبو العون محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي (المتوفى: 1188 هـ اعتنى به تحقيقا وضبطا وتخريجا: نور الدين طالب الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - الكويت، دار النوادر - سوريا الطبعة: الأولى، 1428 هـ - 2007 م، وارجع إلى استثناء الوالدين من القصاص من هذا الكتاب فقد سبقت
مناقشة هذه المسألة هنالك
وقد عنت هذه المسألة في هذه الأيام أعني: مسألة غدر الزوجة بزوجها وتخطيطها لقتله، وإتيانها بالقاتل إلى بيت الزوج ودخولها أمامه كيلا يشك الزوج في الأمر وحضورها معه في التنفيذ حتى قضى مهمته ثم محاولته قتل الباقين لولا فرارهم وجذبها أكبرهم من يد القاتل. ثم إخراجهم جسم القتيل وإخفاؤهم إياه، لولا عناية الله في إفضاحهم، وكشف جريمتهم، والأولاد كلهم صغار دون سن البلوغ ثم بلغ أحدهم وتنازل عن أمه، ثم جاء بعد أيام مطالبا بالقصاص إلخ ما جاء في قضيتهم، ووقع فيها الخلاف في تقعيد المسألة، وهل على الزوجة المشار إليها هنا في هذه الواقعة قتل؛ سواء أكان حدًّا أم قصاصا، أم لا قتل عليها، سوى الحبس إلخ ما ورد في ملخص وصفها هنا، وقد كتب فيها هذا العبد الضعيف ملخصها هذا حسب ما بان له من فحواها، فلينظر أهل العلم فيما كتبته ويرشدوا هذا الضعيف إلى الصواب، وقد أضفتها هنا للإفادة منها، ولكون الواقعة أولياء دمها كانوا صبية أثناء قتل والدهم، وقد بلغ أحدهم فأقر بالعفو عن القصاص عن أمّه ثم رجع مطالبا بالقصاص منها،
192 (1/192)
صفحة 193
المسألة الرابعة والعشرون في سقوط القود عن الجاني إن وَرِتْ مَن كان له دمه أو
بعض دمه
إذا ورث الجاني مَن كان له دمه أو بعض دمه سقط عنه القود فلا يقتل، وإن ورث معه غيره فعليه له نصيبه من الدية.
مثال ذلك: أن يكون الإنسانُ المقتول له أخوان أحد هذين الأخوين هو القاتل، وكما هو معلوم أنَّ القاتل لا يرث المقتول عمدا كان أم خطأ، على الصحيح، وبسبب تعديه على موروثه بجريمة القتل صار محروما من الميراث مطلقا بما في ذلك ولاية الدم وولاية الدم والميراث هنا للأخ الثاني الباقي غير القاتل.
فإن مات هذا الأخ الذي له الدم وتركَ أخاه القاتل لأخيه المذكور، فإنَّ هذا القاتل أصبح وارثا لأخيه الثاني المذكور الذي له ولاية دمه، فلما ورثه القاتل عادت له جميع حقوق مَوْرُوْثِه، وبذلك سقط عنه القصاص، فإن كان معه شريك في الميراث بحيث إنَّ له أخا آخر أو أُمَّا، أو زوجا مثلا؛ فإن عليه له نصيبه من دية القتيل وسقط عنه حقه من الميراث من الدية بقدر ما ورثه من أخيه المذكور الذي كان له دمه فتنبه لذلك.
6
ولكن حسب فهمي القاصر إن حصرنا الواقعة ذاتها على أنها واقعة قصاص وأنها حق لأولياء الدم وليست واقعة حد، فلا قصاص فيها؛ إذ لا يقتص ولد من أحد والديه. ولتكون ضمن زيادات الطبعة الرابعة بإذن الله تعالى وبالله التوفيق حرره العبد الضعيف المفتقر إلى رحمة ربه الرحيم الحليم، وتوفيقه، زهران بن ناصر بن سالم بن حمد بن سعيد البراشدي ليلة 27 شهر رمضان المبارك عام 1443 هـ الموافق ليلة 29/ 2022/4 م. وقد تقدم ما فيه الكفاية في استثناء الوالدين من القصاص، دون الحاجة إلى الإطالة هنا وبالله التوفيق.
1 - بنظر شرح النيل ج 14 ص 736.
193 (1/193)
صفحة 194
المسألة الخامسة والعشرون في قتل المرأة قاتل وليها اختلف أهل العلم هل للمرأة قتل قاتل وليها؛ إن قتله عمدا بتعدية دون حق
وهل له أن يقيد نفسه لها أم لا؟ قولان.
فعلى الأول هي كسائر أولياء الدم لها المطالبة بذلك، وعلى الجاني أن يقيد نفسه إليها، ويمضي فعلها من قصاص أو عفو أو قبول دية إلى غير ذلك.
وعلى الثاني أنها لا ولاية لها ولا حق لها في المطالبة، وليس للجاني أن يقيد نفسه إليها، وبغت إن قتلته، وهلك إن قاد نفسه أو سلمها لها، ولزمه أن يقاتلها إن طلبته، وليس لها إلا نصيبها من الدية فقط، إن كانت دية كما لا يُؤَثر عفوها إن عفت عن القصاص.
والراجح القول الأول: أنها كسائر أولياء الدم لها المطالبة بالدم، وعلى الجاني أن
يَقيد نفسه إلها، ويمضي فعلها من قصاص أو عفو أو قبول دية إلى غير ذلك.
ويؤيده ماراه البيهقي في معرفة السنن والآثار (72/ 12 عَنْ حِصْنٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «عَلَى الْمُقْتَتِلِينَ أَنْ يَنْحَجِزُوا الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ وَإِنْ كَانَتَ امْرَأَةً» أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِي، قَالَ: حَدَّثَنِي حِصْنٌ ... فَذَكَرَهُ، وفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «لِأَهْلِ الْقَتِيلِ أَنْ يَنْحَجِزُوا الْأَدْنَى فَالْأَدْنَى وَإِنْ كَانَتَ امْرَأَةً» حِ 15917 قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يَقُولُ أَيُّهُمْ عَفَا عَنْ دَمِهِ مِنَ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ مِنْ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ
1 - راجع النيل وشرحه 742/ 14 و 215/ 15 والسير 375 والتمهيد 90/ 13 والأم للإمام الشافعي ج 7 ص 230 مرجع سابق والمسألة الحادية والعشرين من هذا الفصل.
194 (1/194)
صفحة 195
فَعَفْوُهُ جَائِزٌ، وَقَوْلُهُ: «يَنْحَجِزُوا» يَعْنِي يَكُفُّوا عَنِ الْقَوَدِ ح 15918
وما روي أنَّ
عمر بن الخطاب الله رفع إليه رجل قتل رجلا، فأراد أولياء المقتول قتله، فقالت أخت المقتول وهي امرأةُ القاتل: قد عفوت عن حصتي من زوجي. فقال عمر: عتق الرجلُ من القتل وأمَرَ لسائرهم بالدية.
فهذا حكم قضى به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الله على مسمع ومرأى من الصحابة، ولم يثبت أنَّ أحدا خالفه في ذلك، حتى انقضى على ذلك عصرهم على
ذلك.
وبهذا أجابني العلامة المحقق أحمد بن حمد الخليلي لما سألته مشافهة، وهو ما يؤيد القول الأول، وهو: أنَّها كسائر أولياء الدم تَقتُل إن أرادت وتعفو ... وهكذا. وهذا قول أكثر أهل العلم؛ منهم عطاء، والنخعي، والحكم، وحماد، والثوري، وأبو
حنيفة، والشافعي وأحمد، وطاووس والشعبي وابن مسعود والحسن بن حيي
1 - هذا الأثر عن أمير المؤمنين عمر له أخرجه عبد الرزاق في كتاب (العقول) باب: العفو 13/ 10، ح 18188، بلفظه: عبد الرزاق، عن معمر، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، أنَّ عمر بن الخطاب إلى قوله: "عتق" الرجل من القتل" والبيهقي في معرفة السنن والآثار (72/ 12 ح 15915 وابن الملقن البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير (396/ 8) وفي ح 18190 بلفظ: عبد الرزاق، عن الثوري عن الأعمش، عن زيد بن وهب أنَّ امرأة قتل زوجها وله إخوة، فعفا بعضهم، فأمر عمر لسائرهم بالدية. وانظر: السيوطي جمع الجوامع المعروف بـ «الجامع الكبير» وكنز العمال كتاب (القصاص - من قسم الأفعال) ج 15 ص 73 ح 40156، باللفظ المزبور أعلاه.
کكنز العمال ج 40/ 15 وانظر المراجع السابقة.
195 (1/195)
صفحة 196
والأوزاعي، وغيرهم. فهؤلاء قالوا إنَّ لكل وارث عفو ولا يقتل إلا باجتماعهم على
قتله.
قال الخرقي ومن عفا من ورثة المقتول عن القصاص، لم يكن إلى القصاص سبيل، وإن كان العافي زوجاً، أو زوجةً. قال ابن قدامة فالقصاص حق لجميع الورثة من ذوي الأنساب والأسباب، والرجال والنساء، والصغار والكبار، فمن عفا منهم صح عفوه، وسقط القصاص ولم يبق لأحد إليه سبيل.1
6
قال في المقنع وكل من ورث المال ورث القصاص على قدر ميراثه من المال، حتّى الزوجين، وذوي الأرحام.
وقال المرداوي معلّقاً على هذا القول وهذا المذهب، وعليه الأصحاب وقطع به كثير منهم. وعنه: أنّ عفو القصاص يختص بالعصبة. 2
وقال الزبيدي ومن عفا من ورثة المقتول عن القصاص رجل أو امرأة أو أم أو جَدَّة أو كان المقتول امرأة فعفا زوجها فلا سبيل إلى القصاص لأنَّ الدم موروث على فرائض الله تعالى
1 - انظر: المغني لابن قدامة 742/ 7 - 743، المسألة: (6750) فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ) ومختصر الخرقي اص 125، والمحرّر 131/ 2، والفروع 659/ 5، والمبدع شرح المقنع لابن مفلح 284/ 8، ومسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله 408، رقم 1458. ورقم 2462 تأليف: إسحاق المروزي.
2 - انظر: الإنصاف للمرداوي 482/ 9 - 483، وفي عدة مواضع منه،، والمبدع 285/ 8. ومسائل الامام أحمد السابق. كشاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي منصور بن يونس (5/ 535) الممتع في شرح المقنع للمنجي التنوخي ت ابن دهيش ط 3 (52/ 4)
3 - الجوهرة النيرة أبو بكر بن علي بن محمد الحدادي العبادي اليمني - الزَّبِيدِي (المتوفى: 800 ه) ه 8 والفتاوى الهندية؛ نظام الدين وجماعة من علماء الہند (20/ 6)
196 (1/196)
صفحة 197
وقوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ، فـ (شيء) نكرة والنكرة في سياق الشرط للعموم كما تعم بعد النفي، فتشمل كل ولي، سواء كان
رجلاً أو امرأة.
ومن المعلوم أنَّ القصاص حق مشترك بين الورثة لا يتبعض، فإذا أسقط بعضُهم حقه سقط، وسرى إلى الباقين ولا يمكن أن يُقتصَّ جزء من شخص وجب عليه قصاص في النفس ويترك منه جزء، فالقصاص لا يتبعض كالعتق.
1 - انظر: الحق الدامغ للعلامة المجتهد المطلق أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي (ص: 203) وتيسير التفسير للإمام القطب امحمد بن يوسف اطفيش (6/ 110 وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ} براءة (86) و (14/ 180) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ (القمر.2) تحقيق طلاي ط التراث.
197 (1/197)
صفحة 198
المسألة السادسة والعشرون في حكم جناية السكران
تقدم في المسألة الرابعة أن الصبي والمجنون لا قود عليهما وأن عمدهما يعد خطاً وبقي الكلام عن ما إذا كان الجاني متغيّر العقل بسبب منه بنفسه كالسكر وهو: تغير العقل بسبب أبخرة تصعد إلى الدماغ من شرب المسكرات أو أكلها، فتُغَيّره عن حالته الطبيعية، وتَغَيُّرُ الدماغ سببٌ لتَغَيُّر العقل، وتَغَيُّرُ العقل ذهاب حاستِه المدركة المميزة.
ولو أنَّ سكران جنى جنايةً عمدا فهل يقاد منه أم لا؟ فلا يخلو من أحد أمرين إمَّا أن يكون شكره بسبب جائز له شرعا أو بسبب حرام شرعا.
فإن كان بسبب جائز له في الشرع كأن يأكل أو يشرب المسكر لضرورة شرعية أباح له الشرع تناوله لأجلها كأن يخاف على نفسه الهلاك من الجوع أو العطش ولم يجد غيره؛ وذلك بناء على رأي من يبيح تناول المسكر في ذلك، أو جبره سلطان جائر عليه؛ خاف على نفسه الهلاك بترك الفعل، ففعل لأجل تنجية نفسه؛ فإن هذا حكمه حكم المغمى عليه من عدم ثبوت الأحكام عليه في ذلك.
وإن كان شكره بسبب حرام شرعا؛ كأن يتناول المسكر فيأكله أو يشربه باختيار منه لا باضطرار منه، ولا جبر عليه ولا إكراه، فإنه في هذه الحالة تجري عليه جميع الأحكام الشرعية من طلاق وخلع وعتاق وبيع وشراء وإسلام إن أسلم في حال سكره، إلى غير ذلك من أمور التصرفات عند أكثر أصحابنا، ولكن هل يقام عليه الحد إن أتى موجبه كالزنا والسرقة والقتل أم يدرأ عنه الحد بالشبهة لشبهة
6
1 - انظر: نور الدين السالمي طلعة الشمس ج 2 العوارض المكتسبة "السكر" ص 400 - .405
الناشر: مكتبة نور الدين بدية.
198 (1/198)
صفحة 199
السكر لقوله صلى الله عليه وسلم: " ادرؤا الحدود بالشبهات. " " "ادرؤا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله فإنَّ الإمام أن يخطئ في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة. وغيره من الأحاديث، وهو الذي اختاره النور السالمي في الأصول لهذا الدليل من السنة، وكذا درء الحد عن المرتد في حال سكره لعموم الخبر الوارد في درء الحد بالشبهة.
كما فصَّل الشيخ أبو محمد في جامعه في هذه المسألة، بينما إذا كان السكران معه شيء من الوعي، وبينما إذا لم يكن معه ذلك، بل كالساقط في المزبلة، والملقى في قارعة الطريق.
فيرى في المميز إجراء الأحكام كلها؛ من طلاق ونكاح وغيرهما، وجميع الأفعال المؤاخذ بها، وعدم إلزامه الأحكام إن كان غير مميز، وهو تفصيل في غاية الدقة. وهذا نص بعض كلامه: " .. والنظرُ يوجب عندي أنَّ السكران الذي معه تمييز إنَّ الأحكام تلزمه في كل شيء؛ لأنَّه يفعل ما يفعله بقصد لما عنده من التمييز، وأما
1 - تم تخريجه أنظر المسألة الثانية والمسألة الثالثة والثلاثين من هذا الفصل.
- E
2 - رواه الترمذي والحاكم والدارقطني والبيهقي راجع المسألة الثالثة والثلاثين من هذا الفصل. 3 - انظر طلعة الشمس ج 265/ 2 ط التراث الأولى ص 401 فما بعدها مكتبة نور الدين بدية. هو الشيخ العلامة الأصولي أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة السليمي من قرية بهلا من علماء القرن الرابع الهجري من أشياخه الإمام سعيد بن عبدالله بن محمد بن محبوب الرحيلي وأبو مالك غسان بن عبد الله - الخضر - الصلاني الصحاري نسبة إلى صحار قصبة عمان الأولى ومن تلامذته العلامة أبو الحسن البسيوي عاصر الإمام أبا سعيد الكدمي له عدة مؤلفات منها كتابه الجامع المذكور و التقييد، وكتاب التعارف وغيرها ينظر إتحاف الأعيان للبطاشي 295/ 1 - 299 ودليل أعلام عمان ص 114.
199 (1/199)
صفحة 200
السكرانُ الذي لا تمييز معه؛ كالمجنون الملقى في قارعة الطريق، والساقط على المزبلة، فسبيله عندي سبيلُ المجنون الذي تقع أفعاله مُعرَّاةً من المقاصد، والله تبارك وتعالى لا يخاطب إلا من يعقِل عنه خطابه، ومن كان مجنونا أو لا يعقل الخطاب لا تلزمه أحكام العقلاء والله أعلم.
وقد خاطب الله جل ذكره بعض السكارى بقوله: لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ شکاري فالسكرانُ على ضربين؛ سكران مميز، وسكران غير مميز، فالمميز إذا أتى بفعل وادعى عزوب النية وترك القصد مع الفعل، لا تقبل منه دعواه، كما لا تقبل من مميز غيره ... ".
وممن يرى هذا التفضيل العلامة عبد الله بن بشير الصحاري؛ في كتابه القيّم: "الكوكب الدُّرِّي والجوهر البري" والعوتبي في الضياء.
وهو الذي يختاره الباحث للتعليل السابق؛ إذ هو الموافق لسماحة الإسلام وقواعد الشريعة الغراء؛ لأنه يشترط في جريان الأحكام على المكلفين توفرُ العقل والإدراك وكمال الاختيار ... الخ. والقائلون بجريان الأحكام على السكران مطلقا يقولون عقوبةً له على ارتكابه مخالفة الشارع، وفعل المحجور، والعقوبة في ذاتها
1 - الجامع لابن بركة ج 179/ 2 تحقيق الباروني. وج 3 ص 1345 - 1346 بتحقيق باجو. 2 - الكوكب الدري للعلامة عبد الله بن بشير الحضرمي الصحاري من علماء القرن الثاني عشر الهجري ج 3 ص 340 فما بعدها ط التراث، و 383 فما بعدها. والضياء العوتبي الصحاري ج 9 ص 206 طلاق المريض والأعجم والأصم والسكران والضياء ج 193/ 4 - 198، ونور الدين السالمي طلعة الشمس ج 2 العوارض المكتسبة "السكر" ص 400 - 405 مرجع سابق، وانظر الفقه على المذاهب الأربعة 312/ 5
200 (1/200)
صفحة 201
قد تكفل بها خالقُ الكون ومدبِّرُه الله الواحد الأحد، إما نصا في كتاب الله أو بيانا
وعملا في سنة رسول الله الله لا مجال للاجتهاد فيها.
201 (1/201)
صفحة 202
المسألة السابعة والعشرون في أنَّ الأصل في القتل العمد
مِمَّا سبق يتبين لنا أنَّ الأصل في العمد القصاص، ولكن ما هو الأصل في القتل هل العمد أم الخطأ؟ إذ لكل واحد منهما حكم يخالف حكم الآخر؛ ذلك لأن العمد فيه القود والتغليظ في الدية وفورية الدفع؛ إذا رجع ولي الدم عن القصاص وقَبِلَ الديةَ، وكونها على الجاني نفسه، ويلحق به شبه العمد في التغليظ في الدية. أمَّا الخطأ فلا قود فيه، وأسنان الإبل أخفُّ فيه، فلا تغليظ ولا فورية في الدفع
للدية، بل تدفع في ثلاثة أعوام، وهي على العاقلة والجاني كواحد منها فقط. وعليه فإن الخلاف في المسألة بين أهل العلم في الأصل - هل هو العمد أم الخطأ - موجود، والراجح أنَّ الأصل العمد، ذلك لأنَّ الإنسان في الأصل معصوم الدم فلا يحل النيل من نفسه إلا بحق، كما لا يحل ماله وعرضه إلا بحق أيضا، والأدلة على ذلك كثيرة.
وهذا الذي رجحه الإمام القطب في شرح النيل، والهيميان، والذي يُفهم من جواب العلامة الرباني سعيد بن خلفان في التمهيد والشيخ منصور في رياض الأزهار،
1 - هو الشيخ القاضي منصور بن ناصر بن محمد بن سيف بن محمد بن عدي بن فارس الفارسي قاض فقيه وشاعر، من أهل "فنجاء"، من وادي سمائل، بعمان أحد قضاة الإمام الخليلي محمد بن عبد الله والملازمين له؛ له عدة تأليف منها الكتاب المذكور عاش في القرن الرابع عشر الهجري. ت 1396 هـ / 1976 م. انظر ترجمته في معجم القضاة للقاضي الفقيه عبد الله بن راشد السيابي ج 2 ص ص 388 فما بعدها.
202 (1/202)
صفحة 203
والعلامة المحقق الخليلي المفتي العام حفظه الله لما سألته مشافهة، وغيرهم. فلو أنَّ إنسانا قتل آخر فادعى القاتل الخطأ كُلّف البينة في ذلك، فإن أتى بها عادلة قبلت منه، وإلا فهو عامد في فعله وعليه القصاص، إلا إن رضي ولي الدم بالنزول إلى الدية أو عفا عنه رأسا، وذلك إذا ثبت القتل من القاتل بالبينة العادلة الموضحة لصورة القتل أو بإقرار من القاتل نفسه.
ولو أنَّ إنسانا رآه في حال الفعل فله أن يشهد عليه بالعمد ما لم يصح خطؤه. فإن قيل: إنَّ الله تعالى قال: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَئًا) الآية 92 من سورة النساء / وظاهره نفي العمدية في القتل؟
فالجواب: ليس المراد من الآية الكريمة نفي العمدية هنا؛ وإنما هو نفي للجواز والمعنى ما جاز للمؤمن شرعا ولا عقلا أن يَقتُل مؤمنا بغير حق وما لاق حاله، إلا أن يصدر منه القتل خطأ؛ مثل أن يرمي مشركا فيصيب مؤمنا أو يرمي صيدا أو هدفا أو يعمل فى حاجة له فيصيب مؤمنا من غير قصد منه.
أو أنَّ المراد نفي الإيمان من القاتل إن قتل مؤمنا عمدا بغير حق، على حد قوله: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو
1 - ينظر شرح النيل ج 5 ص 156 - 158 و 4 20 - 205 ورياض الأزهار ص 358 المخطوط والتمهيد ص 346 وابن جعفر ق 3 ص 89 - 90 المخطوطة وسيرة ابن
ج 13 ص والعقد الثمين ج.
4
محبوب للإمام الصلت ضمن سير أئمة عمان وأعلامهم؛ المخطوطة وبيان الشرع ج 66 ص والہيميان ج 5 ص 100 ط التراث ولباب الآثار ج 14/ 229 ط التراث.
256
203 (1/203)
صفحة 204
مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن .. "
وقد حكم بالقصاص على القاتل في قضية مقيس بن ضبابة الكناني وأخيه هشام؛ وذلك أنهما كانا مسلمين فوجد مقيس أخاه هشاما قتيلا في بني النجار، ولم يظهر قاتله.
فأتى مقيم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر له ذلك، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع مقيس رجلا من بني فهر إلى بني النجار، وقال له: إئت بني النجار وأقرئهم مني السلام وقل لهم: إنَّ رسول الله - يأمرُكم إن علمتم قاتل هشام بن ضبابة أن تدفعوه إلى مقيس بن ضبابة فيقتص منه، وإن لم تعلموا له قاتلا فادفعوا إليه ديته"
فأبلغهم الفهري ذلك عن النبي له فقالوا سمعا وطاعة الله ولرسوله، والله ما نعلم له قاتلا، ولكنا نؤدي إليه ديته، قال: فأعطوه مأئة من الإبل، ثم انصرفا راجعين نحو المدينة وبينهما وبين المدينة قريب، فأتى الشيطانُ مقيس بن ضبابة فوسوس إليه فقال له: أيَّ شيءٍ صنعت؟ تقبل دية أخيك فيكون عليك سُبَّة، أقتل الذي معك فيكون نفس مكان نفس وفضل بالدية، قال: فرمى إلى الفهري بصخرة فشدخ رأسه ثم ركب بعيرا منها وساق بقيتها راجعا مكة كافرا.
وفيه نزل قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ
1 - أنظر: الهيميان ج 88/ 5 - 100 والقرطبي ج 311/ 5 فما بعدها والتمهيد ج 13 ص 82. وفتاوي السالمي ج 5 ص 326 و 329. والحديث أخرجه البخاري في المظالم ح 2475 والحدود 6772 والأشربة 5578 ومسلم في الإيمان ح 200 - 202 والترمذي في الإيمان ح 2627 وابن ماجة في الفتن ح 3936 وتحفة الأشراف ح 14863 والنسائي في كتاب قطع السارق ح 4874، وانظر المراجع التالية.
204 (1/204)
صفحة 205
اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) النساء (93) فقتله يوم فتح مكة.""
فقد أمرَ رسولُ الله الهلال بني النجار أن يدفعوا قاتل هشام إلى أخيه ليقتله به، ولم يقل: إن كان متعمدا، ففيه دلالة واضحةٌ على أنَّ الأصل العمد، ولو كان غير ذلك لبينه ل لهم ولم يتركهم في عمى، وحاشاه عن ذلك، فقد لحق بربه والدين كامل والنعمة بالإسلام تامة الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا (المائدة)
ولقائل أنْ يقول: إنَّ التفرقة بين العمد والخطأ معروفةٌ آنذاك مع الصحابة، ولذا فإنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يَرَ حاجةً إلى التفصيل.
والجواب: عِلْمُ الصحابة الله بالتفرقة بين العمد والخطأ وأنَّ الأصل العمد مالم تكن قرينة تخرجه عن العمدية إلى الخطأ هو الذي لم ير بسببه لزوم التفصيل لهم، وذلك لعلمهم بهذا الحكم، وعدم الحاجة إلى زيادة، بيان وهو حجة للقائلين بأنَّ الأصل العمد مالم تصرفه قرينة.
وهذا كله لا يقطع دعوى القاتل؛ إن ادعى الخطأ، بل غاية ما فيه أنَّ الأصل العمد، ومدَّعِي خلافه هو المدعي، فإن أتى ببينة عادلة قُبلت بينته وإلا فلا.
1 - ينظر شعب الإيمان للبيهقي ج 1 ص 276، وفتح الباري لابن حجر 258/ 8، الناشر دار المعرفة، والتلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير ج 303/ 4 - 1899 وسنن الدارقطني: ج 4 ص 167 ح 26 والطبراني المعجم الكبير: ج 6 ص 66 ح 5529 وأسد الغابة 62/ 5 وتيسير التفسير ج 3 ص 299 فما بعدها، بتحقيق طلاي، وسائر كتب التفسير وأسباب النزول لقوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا (93 النساء، وبيان الشرع ج 66 ص 251 ط التراث، فما بعدها، وابن جعفر ق 3 ص 3
فما بعدها.
205 (1/205)
صفحة 206
كما حكم لا الله بالقصاص أيضا على القاتل في قضية صاحب النسعة، ولم يطلب من ولي المقتول حجة تثبت العمد، بل غاية الأمر أنَّه سأل القاتل فاعترف بالقتل وقال مع ذلك: "والله ما أردتُ قتله. " فلم يوقف صلى الله عليه وسلم القصاص، بل أسلم القاتل إلى ولى المقتول ليقتص منه.
"
نعم جاء في هذه الرواية أنه الله قال لولي المقتول: "أما إنَّه إن كان صادقا فقتلته دخلت النار " وذلك بعدما ذهب بالقاتل ليقتص منه فأخبر الرجل بذلك، فرجع إلى رسول الله ثم عفا عنه" وقد سبق الكلام على ذلك في قتل شبه العمد، فراجعه من هنالك
أما إن ادعى المجني عليه الخطأ وادعى الجاني العمدَ قُبِل قول المجني عليه، أو وليه في حال فقده في دعوى الخطأ، وسقط القصاص عن الجاني، ولزمته الدية؛
لإقرار ولي الدم بالخطأ، وكذلك الحكم فيما دون النفس من جروح وغيرها.
وعلة ذلك أنَّ النفس البشرية تجب المحافظة عليها، ولا يجوز إهلاكها بدون موجب شرعي، فلما ادعى المجني عليه الخطأ فقد حقن دم الجاني، ومن ثَمَّ فلا يجوز له إهلاك نفسه، كما لا يجوز للحاكم مسايرته على إهلاكها. قال: وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) النساء.)
1 - رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه من طريق أبي هريرة وأخرجه النسائي ورواه مسلم والنسائي وأبو داود بلفظ آخر من غير ذكر إنكار إرادة القتل راجع نيل الأوطار ج 30/ 7 - 32 والمسألة
17
من هذا الفصل.
206 (1/206)
صفحة 207
وفي الحديث: "عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تحمى سُمَّا فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا .. "
فدل الكتاب والسنة على وجوب المحافظة على النفس وعدم جواز تعريضها لما يهلكها، والإجماع على ذلك أيضا.
وروي عن عزان بن الصقره قال: أخبرني أبو الجهم (2) أن قوما من نخل قتلوا
1 - ابن حنبل في مسنده ج 2 ص 478 ح 10198 والحميدي الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم ج 1/ 207) والسنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي 23/ 8 ح 16300. وغيرهم 2 - هو الشيخ الفقيه العلامة أبو معاوية عزان بن الصقر النزوي العقري من شيوخه محمد بن محبوب له أجوبة كثيرة في الأثر، وله قاعدة تفرد بها فيما لا يسع الناس جهله، كان هو والفضل بن الحواري كعينين في جبين يضرب لهما المثل في العلم والفضل، كانت وفاته - رحمه الله قبل وقوع فتنة خروج موسى بن موسى وراشد بن النظر لعزل الإمام الصلت - سنة ثمان وستين ومائتين، أو ثمان وسبعين ومائتين ينظر إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان الشيخ سيف بن حمود البطاشي ج 1 ط 1413/ 1 هـ 1992 م ص 195 وسيرة ابن مداد. أما أبو الجهم فهو: الشيخ العلامة الفقيه هاشم بن الجهم ... من المعاصرين للإمامين غسان بن الله عبد اليحمدي وعبد الملك بن حميد في القرنين الثاني والثالث الهجريين ومن رجال وقُوَّام دولة الإمام عبد الملك بن حميد البارزين راوي القضية المذكورة وحُكمَ العلماء فيها. وكان أحد العلماء الذين عقدوا البيعة للإمام الصلت بن مالك سنة 237 هـ انظر السالمي، تحفة الأعيان: ج 1 ص 111 و 134 و 160، وج 2 ص 300) السير والجوابات) 25/ 1 معجم أعلام الإباضية} 485.
207 (1/207)
صفحة 208
رجلا فأقروا بقتله، وقالوا ظنناه فلانا فلم ير موسى بن علي عليهم قودا، ورأى المشايخ عليهم القودَ، ثم رجع موسى إلى رأيهم، وذلك في عصر الإمام عبد الملك بن
حميد
وهذا الأثر عن جهابذة العلماء في عصر هذا الإمام العادل يدل على أنَّ الأصل العمد؛ حيث لم يسمعوا دعوى القاتلين لما ادعوا الخطأ في المقتول بدعواهم أنهم قاصدون غيره فليتأمل.
معهم
أما إن لم يعترف الجاني بالقتل بل كان منكرا، وشهدت البينة بالقتل فعليها أن
1 - هو الشيخ أبو علي موسى بن علي بن عزره الأزكوي قيل: من بني سامه بن لؤي بن غالب ولد في 10 جمادى الآخر سنة سبع وسبعين ومائة، نشأ في وطنه مدينة إزكي أخذ العلم عن والده العلامة علي بن عزرة وعن شيخه هاشم بن غيلان السيجاني عاصر من الأئمة غسان بن عبد الله وعبد الملك بن حميد والمهنا بن جيفر ومات في زمانه ترك أولاداً من أكابر رجال العلم في زمانهم منهم موسى بن موسى ومحمد بن موسى له من المؤلفات كتاب جامع موسى بن علي ولا يعرف أين هو الآن كانت وفاته في 8 ربيع الأول سنة ثلاثين ومائتين وعمره ثلاث وخمسون سنة.
2 - هو إمام المسلمين عبد الملك بن حميد من بني سوده بن علي بن عمرو بن ماء السماء الأزدي بويع للإمامة سنه مائتين وثمان سار في الإمامة سيرة الحق والعدل وصارت عمان به يومئذ في أمان واطمئنان كانت ولايته ثماني عشرة سنة توفي ليلة الجمعة لثلاث خلون من رجب سنة 226 هـ ينظر، الشعاع الشائع باللمعان في ذكر ائمة عمان ص 38 وتحفة الأعيان بسيرة أهل عمان لنور الدين السالمي ج 1 ص 134 - 136 والنهضة ص 65 والإسعاف 128 و 157 و 167. 3 - راجع الجلاء 248 ط 2 وتحفة الأعيان للنور السالمي ج 136/ 1 وبيان الشرع ج 66 ص 262 ط التراث وشرح النيل 15 ص 201 الكوكب الدري لعبد الله الحضرمي (342/ 4 ط التراث 1) منهج الطالبين وبلاغ الراغبين لخميس الرستاقي (11 200) التراث. وج 6 ص 224 مكتبة مسقط. القول الثاني والعشرون في الإقرار بالقتل والجروح وما أشبه ذلك.
208 (1/208)
صفحة 209
6
تُفصِل في ذلك وتبين للحاكم كيفية القتل وليس للحاكم أن يحكم على الجاني بالقصاص إلا بعد التبين والوضوح.
ولو أنَّ شاهدين شهدا على رجل أنه قتل إنسانا، ولم يقولا عمدا ولا خطأ، حتى ماتا ولا سألهما الحاكم، فعن محمد بن محبوب أنَّ على القاتل الدية في ماله، ولا قود عليه لعدم شهادة الشاهدين بالعمد، ولا دية على العاقلة لعدم شهادتهما بالخطأ، وقد شهدا بالقتل فعليه في ماله، فإن شهد أحدهما بالعمد والثاني بالخطأ فالقتل ثابت عليه وعليه الدية في ماله أيضا.
ولا قصاص عليه لنقص البينة في العمد؛ وذلك أنها اتفقت على كونه قاتلا واختلفت في العمدية، والقصاص لا يثبت إلا بإقرار من الجاني أو بشهادة تامة تصرح بالعمد، ولما اختلفت البينة في العمدية وقعت الشبهة ولا تسفك الدماء
بذلك.
وإنما وجبت الدية في مال الجاني خاصة؛ لعدم تمام الشهادة بالخطأ أيضا؛ لأنَّ العاقلة لا تتحمل إلا الخطأ المحض، أما ما عداه ففي مال الجاني، كما سياتي في الكلام على ما تتحمله العاقلة إن شاء الله تعالى.
وفي لباب الآثار: " عن الشيخ صالح بن وضاح في رجلين أرادا رجلا يقتلانه
1 - بيان الشرع ج 278/ 66 ط التراث والجلاء 262 - 263 وشرح النيل ج 201/ 15. والكوكب الدري ج 4 ص 337. ط التراث والمنهج السابق.
-2
هو الفقيه العلامة الشيخ صالح بن وضاح بن محمد بن ابي الحسن بن محمد بن ابي الحسن من علماء مدينة منح في القرن التاسع الهجري ومن مشاهير علماء عمان في زمانه وقد عاصر كثيرا
209 (1/209)
صفحة 210
فأخطأه وقتلا غيره متعمدين لقتله يظنانه صاحبهما فهما قود به؛ لأنهما اعتمدا على قتله. 1
وإن قال القاتل: قتلته في حال المدافعة عن نفسي لما أراد قتلي، أو قال: أراد قتل ابني أو أبي أو أمي وأمثالهم ممن يجب عليه الذود عنهم قطعا، فمدَّعٍ أيضا، وعليه البيان، فإن أتى ببينة عادلة مقبولة شرعا على دعواه قبلت بينته، وإلا فيقتص منه ولي الدم إن أراد ذلك، وإن نزل إلى الدية فله أيضا."
ذلك؛ لأن الأصل أنَّ الانسان معصومُ الدم، وقتله جور وظلم وتعد وتحدٍ على
منهم، منهم شيخه العلامة أحمد بن المفرج البهلوي وابنه الفقيه ورد بن أحمد والشيخ صالح بن محمد المنحي وغيرهم له عدة مؤلفات وفتاوى في مختلف العلوم ومن جملتها كتاب التبصرة في الأديان والأحكام ينظر إتحاف الأعيان 132/ 2.
1 - اللباب ج 14 ص 229 ط التراث. وانظر: بيان الشرع لمحمد الكندي 3/ 248. عمن صح معه فعل محدث مثل ولي لرجل قتل رجلا ولم يعلم من قد امتحن بولايته أنه قتل بحق ولا باطل ولا قامت بذلك حجة من حجج الحق التي يزول بها عذره في حكم الإسلام؟ " وج 4 ص 74 وشرح النيل للقطب اطفيش (393/ 14) من قوله: " ويدفع قاصد بها ولو عن الغير، ويكون في النفس بما يقتل به كضرب بسلاح وهو ما يكون به فوت المضروب ولو عصا بها حديد، وص 403 فما بعدها. وص 428 فما بعدها. والحاصل أن هذا الجزء مليء بالأشباه فاشدد به يدا.
2 - ينظر ابن جعفر ص 81 المخطوط. وانظر تفاسير القرآن العظيم للآيات القرآن أعلاه. والدفع لغة: المنع دفعه كمنعه، وشرعا مدافعة المعتدي حتى يرجع عن تعديه، قال الله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) 251 من سورة البقرة. وهو واجب على المكلف القادر عليه إجمالا وتفصيلا لحرمة دم المسلم وماله ووجوب الدفاع عنه أوجبه الله بقوله "قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا" 167 من سورة الأعراف وانظر: التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم لعبد العزيز
الثميني (127/ 7) الباب العشرون في القتل وتفسيره. ومنهج الطالبين والمراجع السابقة قريبا.
210 (1/210)
صفحة 211
إرادة الخالق الذي أراد له العيش في هذه الحياة بأمن وأمان وسلامة واطمئنان ولا يُهدر دم امرئ بغير حق وبغير بيان واضح جلي.
وقوله: قلته دفاعا عن نفسي أو عن .. الخ. دعوى تحتاج إلى صحة، وإن من عدل الله ورحمته أنه استنّ العقاب في الإسلام فجعله مماثلا لحجم الظلم لا يتعداه، واعتبر الزائد على ذلك بغيا، كما أوضح الله ذلك في كتابه العزيز.
ففي سورة النحل قال عظم شأنه: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126). النحل.
قال أبو المؤثر كل شيء أحدثه المقتول في القاتل إنه يلزمه من دية أو قصاص، أو غير ذلك، إذا لم يعلم الباغي منهما من المبغي عليه.
ولو قطع المقتول يد القاتل فلأولياء المقتول القود؛ إذا كان عمداً، وللقاتل دية يده، في مال المقتول بجنايته، وعلى هذا يقاس ما كان مثل هذا، والله أعلم، وبه
التوفيق.
فإذا ثبت البغي عليه وعدم تمكنه من رد المعتدي إلا بذلك قدم المعتدي هدر والباغي هو الذي تعدى حدود الله كان ذلك بمنع الحق أو بظلم الغير أو بالإصرار على الباطل مكابرة وعنادا يقال بغى عليه إذا بغى وظلم وعدا عن الحق واستطال
1 - منهج الطالبين وبلاغ الراغبين لخميس الرستاقي 211/ 11؛ القول السادس والعشرون في القتل إذا دخل فيه العفو أو أحدث المقتول في القاتل أو وجد القاتل في الحرم. ط التراث.
211 (1/211)
صفحة 212
قال الفراء في قوله تعالى: وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِ) (33) الأعراف، أنَّ البغي الاستطالة على الناس بغير الحق.
وقال الازهري معناه الكبر والفساد، وفلان يبغي على الناس إذا ظلمهم وأذاهم. وقيل: هو الظلم والفساد وقال الجوهري كل مجاوزة وإفراط على المقدار الذي هو
حد الشيء بَغي.
ومن هنا ينشأ الاسم للباغي؛ قال الباغي المتصف بالبغي ويثبت عليه البغي شرعا فإذا كان البغي بأخذ مال فإن المبغي عليه يدفعه إلى من يأخذ الحق منه؛ كإمام أو والٍ أو قاض أو جماعة.
هذا إذا كان المال غيَّبَهُ الباغي عن المبغي عليه أو خلطه بشيء لا يمتاز منه، وذلك لئلا يأخذ حقه بنفسه بضرب الباغي وقتله، وإنما له ضربه وقتله إذا كان الباغي ينازع المبغي عليه في ماله من يده أو يجتره منه كقبض دابة من خطامها أو من عضو منها ولم يستطع كفه إلا بالقتل أو أدَّت مدافعته إلى موته فله دفاعه عن ماله في ذلك كله وقتله وينزعه منه حيث كان بأي وجه كان.
وللمبغي عليه أن يستعين على الباغي بمن أراده من الناس واختاره للدفاع عن نفسه أو ماله، في حال المدافعة.
وقد أوضح المولى جلت قدرته ذلك في كثير من أي الذكر الحكيم منها قوله تعالى:
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الحج
ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (60) الحج وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ (39) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا
212 (1/212)
صفحة 213
فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ (41) {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) الشورى.
وقال في حق الطائفتين المقتتلتين: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ
فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) الحجرات.
فَبَيَّنَ أَنَّ الناس في حال اختلافهم باغ ومبغي عليه، لا ثالث لهما، وبَيَّنَ أَنَّ حكم الباغي أن يقاتل حتى يرجع عن بغيه ويؤوب إلى رشده ويذعن بالحق من نفسه، ولا يَصِحُ لأحدٍ تبديل هذا الحكم أو الاجتهاد فيه؟، ولو صح لصَح الاجتهاد في كل شيء.
وليس في هذه الآيات تشريع لقتل المعتدي على أي حال كان؛ وإنما دليل على وجوب الدفاع عن النفس والمال بكل ما يمكن من استطاعة، فإن قتله المبغى عليه في حال المدافعة لعدم تمكنه من دفعه إلا بذلك فلا حرج عليه، وفي الحديث أن النبي قال "المَقْتُولُ دُونَ مَالِهِ شَهِيدٌ"
وفي الديوان ما نصه: "وإن أقر بقتله وادعى أنه بغى عليه أو قتله كما يحل قتله فهو مدع في ذلك، وكذلك إن ادعى أنه قتله وهو طفل أو مجنون أو قتله خطأ فهو
1 - أخرجه الامام الربيع بسنده العالي من طريق ابن عباس كتاب الجهاد، باب في عدة الشهداء، رقم 448، وأحمد في مسنده 215/ 2. ح 7014، من طريق عبد الله بن عمرو.
213 (1/213)
صفحة 214
مدع، ويحبس حتى يقر بالتعدية أو يأتي بالبينة على دعواه" 1
وفي مسائل نفوسة: وذكرت قتال أهل البغي هي يصلح على غير دعوة إذا هم غشوهم في حريمهم؟
الله
الجواب: إن بُغي عليهم في حريمهم حتى غشيهم عدوهم جاز لهم دفعهم عن أنفسهم، وينبغي لهم أن يناشدوهم الله في دمائهم باستحلالهم منهم ما عليهم، لكي يرجعوا عن بغيهم، فإن أبوا أن يرجعوا حل لهم دفاعهم عن أنفسهم.
حرم
2
وسئل النور السالمي بما نصه" قولهم في المبغي عليه يلزمه قتال باغيه عن نفسه وسلبه ولباسه، وخُيّرَ في الدفع عن ماله ما الفرق بينهما؟
1 - الديوان كتاب الأحكام باب الدعوى في القصاص ص 50 - 51 مخطوط، ويسمى ديوان الأشياخ وديوان العزابة وديوان الغار اجتمع لتأليفه سبعة من كبار علماء الإباضية بالمغرب من تونس الخضراء من عزابة جربة ونفوسة وهو موسوعة علمية في العبادات والأحكام والمعاملات في مطلع القرن الخامس الهجري سنة 405 هـ في غار مجماج في مسجد ابن بيان بين حومتي بازيم وجعبيرة والمشائخ السبعة هم: ابو عمران موسى بن زكريا المزاتي الدمري وابو محمد عبدالله بن مانوح اللمائي وابو عمرو النميلي الزواغي الجربي وابو يحيى زكريا بن جرناز اللالوتي النفوسي وجابر بن سدرماع الجربي وكباب بن مصلح المزاتي وابو مجبر توزين المزاتي وهو غير الديوان الكبير المسمى ديوان مشائخ أريغ الذي ألف في القرن السادس الهجري عام 560 بسدراته. ينظر تاريخ جزيرة جربة للشيخ سالم بن يعقوب ص 107 فما بعدها. نور الدين السالمي شرح الجامع ج 3 ص 444 ح «لا يرث القاتل المقتول عمدا كان القتل أو خطأ»
2 - كتاب مسائل نفوسة للإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم به المتوفى سنة 250 هـ تحقيق وترتيب: إبراهيم محمد طلاي سؤال 44، ص 63: ص 191 - 192 من المطبوع المطبعة العربية الجزائر تاريخ الطبع: 1991 م.
214 (1/214)
صفحة 215
الجواب: أما الماك فمخيّر فيه لأنه يُفدَى به النفس ويُتقى به عن الدين والدنيا ويبذل للمنافع فإذا اختار تركه لإنقاذ نفسه أو سلامة دينه أو نحو ذلك جاز له، وإن شاء دفع الباغي عنه جاز له والدفع من شيم الرجال ولا يُسام الخسف إلا جبان، ولا يقر على الضيم إلا دنيء
ومن رأى الضيم عاراً ما تمر به شرارة منه إلا خالها أطـ
ــما
وذو الدناءة لو مزقت جلدته بشفرة الضيم لم يحسس لها ألما
إن المنية فاعلم عند ذي حسب ولا الدَنِيَّةُ هان الأمر أو عظما وأما قتاله عن نفسه فإنه يلزمه لأن الله تعالى أوجب عليه الدفاع عنها عند القدرة على ذلك وقد قال الله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167) سورة آل عمران.
وهذا منه تعالى توبيخ للتاركين للقتال والدفاع، وقد عقب ذلك بقوله: لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ} آية 168.
هُمْ
وأما القتال عن سلبه فمن جنس القتال عن نفسه؛ لأنه إذا ألقى إليهم السلب صار أسيراً في أيديهم كيف شاءوا فعلوا وهم غير مأمونين فلا يمكن تسليم النفس
إليهم. وأما القتال عن لباسه فلأن في نزعه كشف عورته وكشفها محجور شرعاً فليس له أن يقر على ذلك عند القدرة على الدفاع.
215 (1/215)
صفحة 216
و أقول: إنَّ اللباس المشار إليه يجب أن يكون اللباس الساتر للعورة، وليس كذلك الرداء والعمامة والقميص ونحوها فإنها لا تفضي إلى كشف العورة فهي من جملة المال الذي يخيّر في الدفاع عنه وتركه، اللهم إلا أن يكون في موضع يفضي به الحال إذا سلمها إلى هلاكه بالبرد ونحوه فإنه يكون في حكم القتال عن سلبه، وأما النساء فحكم لباسهن الساتر لهن حكم اللباس الساتر لعورة الرجل فيلزمهن الدفاع عنه إذا قدرن على ذلك. والله أعلم.
يعني بقوله فحكم لباسهن الساتر لهن .. " أنَّ المرأة كلها عورة فكما أنَّ الرجل مطالب بالدفاع عن شرفه وكشف العورة مذَلَّة وعار ودمار ونزول عن أعلى الشرف، إلى حضيض الدناءة والخسة - فكذلك المرأة من باب أولى مطالبة بالدفاع عن شرفها وكشف عورتها، وكشفُ عورة المرأة أعظم مذلة وأشد وطأة من الرجل، وكما قال سابقا والدفع من شيم الرجال، ولا يُسام الخسف إلا جبان، ولا يَقِرُّ على الضيم إلا دني. فليتنبه.
1 - جوابات الإمام السالمي (5/ 205)
216 (1/216)
صفحة 217
المسألة الثامنة والعشرون في حكم القصاص من ذي العين الواحدة
إذا قلع عينا من ذي عينين أو أفسدها عمدا
اختلف أهل العلم في حكم ذي العين الواحدة إذا قلع أو أفسد عينا من ذي عينين على خمسة أقوال:
الأول: أنَّ للمجني عليه دية عين واحدة، ولا قصاص له من الجاني فيتركه أعمى سواء اتحدت العينان أم لا.
الثاني: له عن عينه دية عينين وهي الدية التامة ووجهه أنَّ عين الجاني تحسب عن عينين؛ حيث لم يكن فيه غيرها؛ لكونها قائمة مقام العينين معا، ومن هذه الحيثية منعوا المجني عليه من القصاص بقلع عين الجاني، فكأنه افتدى عينه بديتين لأنها قامت مقام عينين.
الثالث: أنَّ للمجني عليه القصاص إن تماثلتا بأن تكون كلتاهما يمنى أو يسرى لا إن اختلفتا؛ لأن المماثلة شرط في القصاص لكن إن أراد القصاص كان عليه أن يرجع إلى الجاني دية عين واحدة لقيام عينه مقام عينين.
الرابع التفصيل وهو: إن كانت عين الجاني الذاهبة إنما ذهبت بأمر سماوي كعمى أو قلعت في جهاد ونحوه ولم يكن أخذ لها دية كان على المقتص أن يرجع له دية عين واحدة، وإن كان ذهابها بسبب جناية من جان فلا رجوع على المقتص لتعلق حق الأولى بذمة الجاني عليها.
الخامس: أنَّ له القصاص مطلقا ولا رجوع عليه، ووجهه أنَّ هذا المقتص أخذ حقه ولم يزد شيئا على حقه ولا تعدى والبادي أظلم
217 (1/217)
صفحة 218
وروي عن عثمان أنه قضى بالدية كاملة.
وإن كان ذو العينين هو الفاقئ عين ذي العين الواحدة فإنَّ له القصاص بفقئ عين الفاقئ ودية عين واحدة، أو يأخذ الدية الكاملة دية عينين، وذلك لقيام عينه مقام عينين، إلا إن كان قد أخذ للأولى حقا بجناية فليس له زيادة على القصاص. وهو المروي عن علي كرم الله وجهه ورضي عنه وآخرين.
الثاني: أن له الدية كاملة؛ روي ذلك عن عمر وابن عمر وعثمان وعمر بن عبد العزيز وابن المسيب وغيرهم أجمعين.
أخرج عبد الزراق عن عثمان بن مطر عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي مجلز عن عبد الله بن صفوان، أنَّ عمر بن الخطاب قضى في عين أعور فقئت عينه الصحيحة بالدية كاملة. 2
وعن علي الله أنه كان يقول في الأعور إذا فقئت عينه: إن شاء أخذ الدية كاملة وإن شاء أخذ نصف الدية وفقاً بالأخرى إحدى عيني الفاق.
1 - انظر: المصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 307 فما بعدها ط دار الفكر، وقاموس الشريعة ج 85 مخطوط وبيان الشرع ج 67 ص 106 فما بعدها ط التراث والجلاء 229 - 230 ط 1 والنيل وشرحه ج 15 ص 273 وتفسير القرطبي ج 6 ص 194 والمحلى لابن حزم ج 11 ص 33 والمنتخب بهامش مسند أحمد ج 6 ص 155 والمدونة الكبرى ج 3 كتاب الديات ط الأولى 1428 هـ. 2007 م ن وزارة التراث ص 236 فما بعدها. وابن جعفر ق 3 م ص 40 والأم للإمام الشافعي ج 7 ص 515. والكوكب الدري للحضرمي الديات. وفتاوى النور السالمي الديات.
2 - مصنف عبد الرزاق: ج 9 ص 331 ح 17431 والمصنف لابن أبي شيبة السابق.
218 (1/218)
صفحة 219
ورواه أيضا قتادة عن خلاس عن علي الله وروي في ذلك أيضا عن عطاء بن أبي رباح عن علي له وهو مرسل.
وعن سعيد بن المسيب أنه قال في عين الأعور إذا فقئت عينه الباقية عمدا القود لا يزاد أن يقاد بها عينا مثلها، فإن قبل فيها العقل ففيها الدية كاملة لأنها بقية
بصره.
وروي مرفوعا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من كانت له عين واحدة ففقئت فله الدية تامة.3
وعن عصمة بن مالك الخطمي قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد فقئت عينه فقال:" من ضربك.؟ " فقال: أعور بني فلان، فبعث إليه فجاء فقال: "أنت فقأت عين هذا.؟ " قال: نعم. فقضى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدية وقال: "لا نفقأ عينه فندعه
غير بصير.
1 - سنن البيهقي الكبرى ج 8 ص 94 ح 16073 ومصنف عبد الرزاق ج 9 ص 331 ح 17432، والمصنف لابن أبي شيبة السابق.
2 - سنن البيهقي الكبرى ج 8 ص 94 ح 16076، ومصنف ابن أبي شيبة ج 5 ص 370 ح 27016 - أخرجه الطبراني في مسند الشاميين ج 3/ 300 ح 2323. من طريق عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال .. " الحديث.
4 - الطبراني المعجم الكبير مسند عصمة بن مالك الخطمي بلفظ (لا تفقأ عينه تدعه غير بصير) 182/ 17 ح 482. تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي. وانظر: نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي مجمع الزوائد 6/ 460 ح 10761 دار الفكر، بيروت - 1412 هـ، وقال: (رواه الطبراني وفيه الفضل بن المختار وهو ضعيف)
219 (1/219)
صفحة 220
وقيل ليس له إلا قلع عين مكان عينه من غير زيادة؛ لحصول المماثلة في القصاص، كما ليس له إلا دية عين واحدة نصف الدية الكبرى وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما والثوري وعثمان البتي.
واحتج القائلون بنصف الدية؛ أنَّ القصاص فيها إذا كانت عمدا بعين واحدة فكذلك يجب أن تكون ديتها؛ دية عين واحدة، واستدلوا بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم الذي كتبه لعمرو بن حزم جاء فيه: "وفي العين خمسون، وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون" ولم يخص عينا من عين ولا يدا من يد ولا رجلا من رجل.
وإن قلع عينين من رجل واحد فله قلع عين واحدة ودية عن الأخرى، وليس له قلع العينين معا إذ لا يترك أعمى، وقيل له ذلك، وكذا إن قلع عينين من اثنين فلهما قلع عين واحدة وقيل لهما قلع عينيه.
وكذا الحكم في اليدين والرجلين وفيما إذا كان العضو المقابل لواجب القطع أشَلَّ أو معدوما بالكلية إذ لا يترك دون عضو ينتفع به.
1 - انظر: ابن عبد البر التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد 17/ 371. الاستذكار (87/ 8) فما بعدها، والصنعاني سبل السلام 3/ 1210 ن/ مكتبة المعارف مصر طا 1 س 1979، "باب الديات دية العين والأذن .. " 4 اجزاء في مجلدين والتحبير لإيضاح معاني التيسير له (4/ 329)، وابن أبي شيبة السابق. والبدر التمام شرح بلوغ المرام المؤلف: الحسين بن محمد بن سعيد اللاعي، المعروف بالمغربي (المتوفى: 1119 هـ) (431/ 8)
2 - الجلاء 214 - 215 و 232 - 234 وشرح النيل ج 94/ 15 و 274 ورجحه وابن جعفر ق 3 ص 27 وبيان
الشرع ج 67 ص 80.
220 (1/220)
صفحة 221
وذلك كأن يقطع يمني إنسان ويسرى القاطع معدومة أو شلاء، فهل تقطع يده أو رجله إن كان مقطوع الرجل ويترك دون عضو ينتفع به عالةً على غيره، أم لا يقطع، ويترك له عضوه ينتفع به، ويقضي به شؤون حياته، ويلزم بدفع الدية للمجني عليه.؟ فقد علمت الخلاف، فيما مرَّ عليك قبل.
ورجح صاحبا القاموس والمصنَّف القطع لليدين والرّجلين جميعا وقلع العينين جميعا أيضا، وعللا المنع بقطع الجارحتين في حدود الله لا في حقوق العباد.
قلت: والقولُ بعدم القطع وإلزامه الدية هو الأليق بالحنيفية السمحة، سواء أكانت عينا أو يدا أو رجلا؛ إذ لا يترك معطّلا لا يستطيع القيام بحوائجه الخاصة، عالة على غيره، ويؤيده الحديث المشهور لا ضرر ولا ضرار في الإسلام"" وقد بنى الفقهاء منه قاعدة عظيمة عليها مدار كثير من الأحكام، وهي إحدى القواعد الخمس الكبرى المتفق عليها. فلينظر فيه ولا يؤخذ إلا بعدله.
أما المخطئ فسيأتي حكمه في الفصل الثاني إن شاء الله تعالى، فراجعه من هنالك.
1 - قاموس الشريعة ج 85 قائلا وهو أولى عندي لأنه من تمام القصاص والمصنف للكندي ج 41 ص 101 - 103.
2 - تقدم في المسألة الحادية عشرة من هذا الفصل. المسألة الحادية عشرة في القصاص من اللطمة والضربة بالعصا وانظر: الجزء الرابع من كتاب "أثر القواعد الفقهية في التطبيق" للباحث الفقير إلى رضاء به الغفور القدير. فقد جاء في عدة مواطن.
221 (1/221)
صفحة 222
المسألة التاسعة والعشرون في فوات القاتل قبل القصاص وتعدد الجناية منه إذا فات القاتل عمدا بعد ما ثبت عليه قتل العمد أو فوّت نفسه فلورثة المقتول الدية من مال القاتل وقيل إن مات القاتل بعد ما صح عليه القتل فليس عليه شيء والأول أرجح وهو الصحيح. وجه القول بسقوط حقه بموت القاتل وبعدم الدية؛ بناء على أنَّ الواجب القصاص لا الدية فلما مات القاتل ذهب حق المقتول وهو مذهب مالك كما في
الموطأ.
قال: قال مالك في الرجل يقتل الرجل عمدا أو يفقأ عينه عمدا فيقتل القاتل أو تفقأ عين الفاقى قبل أن يقتص منه، إنه ليس عليه دية ولا قصاص، وإنما كان حق الذي قتل أو فقئت عينه في الشيء بالذي ذهب، وإنما ذلك بمنزلة الرجل يقتل الرجل عمدا ثم يموت القاتل، فلا يكون لصاحب الدم إذا مات القاتل شيء ديةً ولا غيرها، وذلك لقول الله تبارك وتعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فى الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ قال مالك: فإنما يكون له القصاص على صاحبه الذي قتله وإذا هلك قاتله الذي قتله فليس له قصاص ولا دية."
وبه قال أبو حنيفة: إذا مات القاتل لم يبق للولي شيء، وعنه ومالك: أنه لا يعدل إلى المال إلا برضى الجاني، وأنَّه لو مات الجاني سقطت الدية، وهو قول قديم الشافعي، ووقع في شرح الشيخ تقي الدين و"العمدة" ترجيحه.
1 - الموطأ - رواية يحيى الليثي (2 (872 وشرح الزرقاني على الموطأ (252/ 4)
222 (1/222)
صفحة 223
أما في الجديد للشافعي: إذا مات القاتل وجبت الدية للولي.
قال العلامة أبو شجاع: مسألة: إذا مات القاتل وجبت الدية للولي خلافا لهم.
والفقه فيه أنَّ القود حقٌّ ثابت يسقط برضا صاحبه، فإذا مات رجع إلى البدل كما لو عفا أحد الشريكين.
وذكر ابنُ عبد البر في الاستذكار الخلاف، وبعد أن ناقش قول مالك قال: "قال أبو عمر اختصارُ هذا الباب أن نقول: لو قتل رجل رجلا فقتل قاتله في حرابة أو ردة أو مات فلا شيء لوليه، ولو قطع رجل يد رجل فقطعت يده في سرقة أو ذهبت
بآفة من الله () فلا حق للمجني عليه من مال ولا قصاص.
ووافق أبو حنيفة مالكا في النفس وخالفه في الأعضاء وقال الشافعي له الدية في الوجهين جميعا في النفس والأعضاء.
1 - انظر: ابن الملقن التوضيح لشرح الجامع الصحيح (572/ 3) و تقويم النظر لأبي شجاع" 4/ 429. "إحكام الأحكام" ص.631. وكما سيأتي بعد عن الاستذكار.
2 - أبو شجاع محمد بن علي بن شعيب بن الدهان الوفاة 592 هـ تقويم النظر في مسائل خلافية ذائعة، ونبذ مذهبية نافعة (4 (429 تحقيق د. صالح بن ناصر بن صالح الخزيم الناشر مكتبة الرشد سنة النشر 1422 هـ - 2001 م مكان النشر السعودية / الرياض.
- انظر: الاستذكار 173/ 8، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: 463 هـ) تحقيق: سالم محمد عطا، محمد علي معوض الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى، 1421 - 2000 عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي الاختيار لتعليل المختار 345، دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان - 1426 هـ - 2005 م الطبعة:
223 (1/223)
صفحة 224
(قال الشافعي في (الأم) ... ولو لم تختر الورثة القتل ولا المال حتى مات القاتل كانت لهم الدية في ماله، يحاصون بها غرماءه كدين من دينه، (قال الشافعي) ولو اختاروا القتل فمات القاتل قبل أن يقتل كانت لهم الدية في ماله؛ لأنَّ المال إنما يبطل عنهم بأن يختاروا القتل ويقتلون فيكونون مستوفين لحقهم من أحد
الوجهين
وكذلك لو قضي لهم بالقصاص بعد اختياره فمات المقضي عليه بالقصاص قبل أن يقتل كانت لهم الدية في ماله (قال الشافعي (ولو لم يمت القاتل ولكن رجل قتله خطأ فأخذت له دية كانت الدية مالا من ماله لا يكون أهل القتيل الأول أحق بها من غرمائه كما لا يكونون أحق بما سواها من ماله ولهم الدية في ماله يكونون بها أسوة الغرماء ... "
إلى أن قال: " قال (الشافعي) وإذا قتل الرجل الرجلَ عمدا ثم مات القاتل فالدية في مال القاتل؛ لأنه يكون لأولياء المقتول أن يأخذوا أيَّهما شاءوا؛ إلا أنَّ حقهم في واحد دون واحد، فإذا فات واحد فحقهم ثابت في الذي كان حقهم فيه إن شاءوا
وهو حي. 1
الثالثة تحقيق: عبد اللطيف محمد عبد الرحمن الكاساني أبو بكر بن مسعود بن علاء الدين (المتوفى: 587 هـ) الحنفي بدائع الصنائع 7/ 241.
أحمد الكاساني
الله
1 - أبو عبد محمد بن إدريس الشافعي الأم 18/ 6 - فما بعدها سنة الولادة 150/ سنة الوفاة 204 الناشر دار الكتب العلمية بيروت ط 1 سنة النشر 1423 هـ والحاوي في فقه الشافعي 12/ 135، أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الشهير بالماوردي (المتوفى: 450 هـ) الناشر: دار الكتب العلمية الطبعة: الأولى 1414 هـ - 1994 م
224 (1/224)
صفحة 225
ووجه القول بأنَّ لهم الدية؛ هو أنَّ الولي مخَيَّر بين القود والدية، ولما فات حقه
في القود فله الدية ولا يفوت حقه مجانا.
وهو قول أحمد وهو المشهور عند الأصحاب أهل الحق والاستقامة الاباضية. واحتجوا بقوله: في حديث القصاص المتقدم فأهله" بين خيرتين" وبقوله: "إن أحبوا قتلوا" وبإثبات التخيير على أنه إذا مات القاتل كان للولي أخذ المال من
تركته.
وقد تقدم على أنَّ الأصل القصاص، وأنَّ الشارع قضى بالتخيير، وعليه ففي المسألة ثلاثة أقوال أحدها أنَّ الواجب أحد شيئين؛ إمَّا القصاص، أو الدية، والخيرة في ذلك إلى الولي بين أربعة أشياء: العفو مجانًا، والعفو إلى الدية، والقصاص، ولا خلاف بين تخييره بين هذه الثلاثة والرابعة: المصالحة إلى أكثر من الدية.
وفيه وجهان؛ أشهرهما مذهبًا جوازه.
والثاني: ليس له العفو على مال إلا بقدر الدية أو دونها، فإن اختار الدية سقط القود، ولا يملك الرجوع إلى القود.
والقول الثاني: أنَّ موجبه القود عينًا، وأنَّه ليس له أن يعفو إلى الدية إلا برضا الجاني، فإن عفا إلى الدية ولم يرض الجاني فقوده بحاله.
1 - انظر: "الكافي في فقه أهل المدينة " 5/ 184 - 185. الكوكب الدري لعبد الله الحضرمي؛ النهج العاشر فيما يجوز في الدماء والقصاص والأروش. (310/ 4 فما بعدها وص 346 و ....
225 (1/225)
صفحة 226
والقول الثالث: أنَّ موجبه القود عينًا مع التخيير بينه وبين الدية، وإن لم يرض الجاني فلا يسمع اعتراضه، فإذا عفا الولي عن القصاص إلى الدية فرضي الجاني فلا إشكال، وإن لم يرض فالصحيح ليس له العود إلى القصاص، فإن عفا عن القود مطلقًا؛ فعلى القول: أنَّ الواجب أحد شيئين. فله الدية.
وعلى القول: الواجب القصاص عينًا، سقط حقه منها.
وعليه فلو مات القاتل؟ ففي ذلك قولان؛ أحدهما تسقط الدية، لأن الواجب القصاص عينًا، وقد زال محل استيفائه بفعل الله تعالى.
القول الثاني: تتعين الدية في تركة الجاني؛ لأنه تعذر استيفاء القصاص من غير إسقاط، فيرجع إلى الدية لئلا يذهب حق الورثة من الدم والدية مجانًا.
وحديث: " فهو بخير "النظرين لا يعارض قوله: "من قتل عمدا فهو قود". لأنَّ هذا يدل على ثبوت القود بالقتل العمد، وذلك يدل على أنَّ الخيرة له بين استيفائه هذا الواجب، وبين بدله، وهو الدية فلا تعارض.
وكذا إن أقادَ نفسه للأبعد مع وجود الأقرب، وإن كان الولي صبيا أو مجنونا فمات القاتل قبل بلوغ الصبي أو إفاقة المجنون فالدية في مال الجاني القاتل، كما
1 - انظر في هذا التفصيل أيضا: اللاعي الحسين بن محمد بن سعيد اللاعي، المعروف بالمغربي (المتوفى: 1119 هـ) البدر التمام شرح بلوغ المرام (4098 مرجع سابق، وشرح الزرقاني على الموطأ 320/ 4 فما بعدها. مرجع سابق، ابن رجب الحنبلي القواعد (ص: (334 مرجع سابق. حسن علي الشاذلي الجنايات في الفقه الإسلامي عقوبة القتل العمد ص: 149، مرجع سابق.
226 (1/226)
صفحة 227
تقدم.'
وسئل النور السالمي عن رجل قتل رجلاً والقاتل قبض ولزم ومات في القبض وخلف زوجة وأولاداً وبعضاً من المال قدر مائة، قرش لمن يصير ماله؟ لأولاده وزوجته أم لورثة المقتول؟ وأولاده وزوجته فقراء لا عندهم شيء إذا لم يؤد الجماعة الدية لورثة المقتول وإن أدى الجماعة الدية أيصير المال لهم أم للأولاد؟
أفتنا مأجوراً.
الجواب: إذا مات في سجن غير أولياء المقتول فالدية في مال القاتل وليس على العشيرة من ذلك شيء، إلا إذا كان القتل خطأ، فإن كان القتل خطاً فالدية على عاقلة القاتل؛ لورثة المقتول، وإن سلمت العشيرة تبرعاً عن القاتل فالمال لورثته
دونهم، وإن سلموها على أن يأخذوها من ماله فلهم أخذها منه والله أعلم. 2
وإن تعددت الجنايات من واحد؛ بأن قلع عينا من إنسان، وقطع أذنا من آخر، وبتر يدا من ثالث، وقتل رابعا - -مثلا- فيُبدأ بما دون النفس فإن مات الجاني بسبب القصاص منه فيما دون النفس فللبقية دياتهم في ماله، وإن تقدم صاحب القتل فقتل فلكل واحدٍ ديةً عضوه في مال الجاني أيضا.
أمَّا إِنْ جُنَّ الجاني، فإنه لا يقتص منه ما دام مجنونا، وللمجني عليه الدية، أو
1 - انظر: الكوكب الدري لعبد الله الحضرمي 4/ 310 فما بعدها. النهج العاشر فيما يجوز في الدماء والقصاص والأروش. قال: وإذا مات القاتل بعد أن أقاد نفسه فقد برئ على قول في ظاهر الحكم والله أولى بعباده في الدنيا والآخرة. وشرح النيل للقطب اطفيش 15/ 189 و 198 وسبق في المسألة الثالثة والعشرون إن كان ولي الدم صبيا أو مجنوناً من الفصل الأول.
2 - جوابات الإمام السالمي 5/ 280، الديات.
227 (1/227)
صفحة 228
الانتظار إلى إفاقته وجُوّز الاقتصاصُ منه على رأي، كما تقدم.
وإن ارتدَّ فإن كانت جنايته دون النفس، فيقتص منه ثم يقتل للردة، وإن كان مفوّتا للنفس فإنه يقتل، أما إن ارتد المجني عليه بعد الجناية فليس له إلا الدية فقط؛ دية موحد لأنه جُنِيّ عليه وهو موحد، ولا قصاص له؛ لأنه لا يقتص مشرك من موحد فكيف بالمرتد؟!!! فخذ ما بان لك صوابه، والعلم عند الله، وبالله
التوفيق.
1 - راجع المسألة الرابعة من هذا الفصل وشرح النيل 278/ 15، والجامع لابن بركة ج 2 ص 498 والمنهج 219/ 11 و 230 وابن جعفر ق 3 ص 26 م وجوهر النظام للسالمي ص 177 - 178 ج 3 ط م واللباب 227/ 14 والجلاء 312 ط والقاموس ج 85 م وبيان الشرع.
228 (1/228)
صفحة 229
المسألة الثلاثون في اجتماع حكمين فأكثر في واحد كالرجم والقود
إذا تعين حكمان فأكثر على شخص واحد في كل منهما إزهاق لروحه كالرجم للزاني المحصن، والقتل قوداً قدم القتل على الرجم لأن فيه أداء حقين حق الله وحق العباد، وفي الرجم حق واحد فقط هو الله وحده.
أما إن كانت الأحكامُ مختلفة شدة وخِفَّة فقيل يبدأ بالأخف ثم الأخف حتى تنتهي وذلك كأن يسرق ويشرب الخمر ويقذف ويقتل عمدا وهكذا ....
وعن ابن محبوب يبدأ بالقتل لأنه يأتي على الجميع، واختار صاحب الضياء الأول. وإن تعدد القتل عليه كأن يقتل عشرة أشخاص فعليه أن يقود نفسه إلى أوليائهم الأول ثم الثاني ثم الثالث وهكذا .. فمَن قتله منهم سقط حقه، ورجع الباقون إلى الدية؛ إن لم يجتمعوا على قتله، وإن اجتمعوا لطلب الدم فليس عليه لهم إلا
نفسه.
وقيل: يرجع الباقون إلى الديات في ماله إن كان يسع جميع الديات وإلا لحقوه بتسعة أعشارها ورجع له عشر ما ينوب، صاحبه، وقيل: لا يلزمه القود إلا بحضورهم جميعا فإن اجتمعوا في طلب الدم فيوكّلوا من يقتله منهم أو يقترعون على أحدهم، وإن كانت عليه مظالم أخر مع ذلك ففي ماله.
1 - راجع السالمي العقد الثمين ج 342/ 4 والخليلي التمهيد 96/ 13 والقطب النيل وشرحه 193/ 15 - 195 والسيابي الجلاء 257 ط 2 والكندي بيان الشرع ج 66 ص 267 - 268 ط التراث، والعوتبي الضياء ج 144/ 4 وابن بركة الجامع ج 2 ص 529 وابن أبي شيبه 468/ 6، مرجع سابق والشقصي المنهج 215/ 11 و 225 - 226 والبوسعيدي اللباب ج 14 ..... وابن جعفر ص 83 مرجع سابق والمسألتين 14 و 21 من هذا الفصل.
229 (1/229)
صفحة 230
وإن كان مستحلا فليس عليه إلا التوبة فقط، وقيل عليه الضمان مع التوبة ولكل دليل.
والفرق بينهما هو أنَّ الجاني المستحل يرى فعله ذلك جائزا شرعا، فهو يفعله بديانة الاستحلال، أمَّا المحرّم فيعتقد أنَّ فعله حرام ويأتيه على ذلك منتهكا للحرمة، ولذلك وجب عليه الضمان ' وأمَّا الخطأ فسيأتي إن شاء الله.
1 - ينظر: مشارق أنوار العقول: توبة المحرّم والمستحل.
230 (1/230)
صفحة 231
المسألة الحادية والثلاثون في شرط القصاص
اشترط كثير من أهل العلم في ثبوت القود مع صحة العمد كون موت القتيل لم يتعد ثلاثة أيام بلياليها من وقت الإصابة، أما إن تعدى فمات بعد ذلك فلا قصاص على الجاني وإنما عليه الدية والحبس الطويل.
وقيل: إن بقي ثاويا من ضربه وجرحه حتى مات فإنه يقاد به جارحه ولو طالت المدة، وهو المروي عن أبي علي موسى بن علي رحمه الله تعالى.
والقول بعدم القتل لاحتمال أن يموت بغير القتل إن طالت مدة بقائه.
وقيل بالقود إن لم يداو، وقيل: لا يبطله الدواء إلا الخياطة فإنها تبطله.
وإذا شرع في القصاص بالإقرار فرجع الجاني عن إقراره فعن ابن محبوب يؤمر ولي الدم أن يُمسك ويرد إلى الحبس وعن غيره إمضاء القصاص ولا رجعة له بعد
الشروع
ووجهه أنَّ الجاني أقرَّ بجنايته فثبت الحقُّ عليه بإقراره للمجني عليه، ولا إنكار بعد إقرار، و ذلك في حقوق الآدميين، لأنَّه لا يُسمَع الرجوع فيها من المقر بها.
1 - النيل وشرحه 218/ 15 وسيرة ابن محبوب للإمام الصلت م 375 وابن جعفر ق 3 مخطوطة التراث رقم 241 ص 60 والتمهيد 90/ 13 وفواكه البستان ج 383/ 3 و 386 والجلاء 252 ط 2 و 261 ط 1 وقاموس الشريعة ج 85 وبيان الشرع ج / 67 / و 285/ 66 ط 1 والمصنف لابن أبي شيبه 383/ 6 مرجع سابق.
2 - إبن جعفر 85 وبيان الشرع ج 71 ص 42 واللباب 274/ 14.
4 - انظر فرع الإقرار من أثر القواعد الفقهية في التطبيق" الجزء الأول للباحث.
231 (1/231)
صفحة 232
وفي بيان الشرع عن ابن محبوب: أنَّ الرجوع عن الإقرار في الحدود يسمع ما لم
يقع أول الضرب أو الحجارة أو السكين على الجلد في السرقة.
وعن الربيع يسمع؛ إلا في حقوق العباد فلا.
ومَن ضُرب قصاصاً فظن المقتص أنَّه قتله فإذا هو غير ذلك، وبرئ، فعن موسى بن أبي جابر ليس له إلا ما فعل، وعن بشير عليه له الأرش ويقتله. 1
1 - المسمى من العلماء المشهورين في عمان باسم بشير ثلاثة الأول هو الشيخ أبو المنذر بشير بن المنذر النزوي العقري جد بني زياد وهو من بني نافع من سامة بن لؤي بن غالب، وهو أحد الأربعة المشهورين الذين حملوا العلم من البصرة إلى عمان عن الربيع رحمه الله، الثاني: منير ابن النيّر الجعلاني، والثالث موسى بن ابي جابر الأزكوي، والرابع محمد بن المعلا الفشحي، وذكر الإمام القطب في شرح لامية ابن النظر منهم: هاشم بن غيلان السيجاني. وابن مداد في سيرته والسيابي في الطلقات منهم أبو سفيان محبوب بن الرحيل، أدرك بشير عصر الإمام الجلندى - حسبما تذكر السير - وإذا أطلق اسم الشيخ أو الشيخ الكبير في أثر أصحابنا المشارقة فهو المراد، كانت وفاته سنة ثمان وسبعين ومائة أيام الإمام الوارث رحمهم الله تعالى؛ حسبما أورده المؤرخ العلامة سيف بن حمود البطاشي في الإتحاف في ترجمة العلامة بشير المذكور، أمَّا العلامة النور السالمي في التحفة، والعلامة سالم بن حمود السيابي في عمان عبر التاريخ فيؤكدان أنَّه من ضمن المبايعين للإمام الصلت بن مالك في 16 من ربيع الآخر عام 237 هـ، وهو اليوم الذي مات فيه الإمام المهنا، كما يعترف البطاشي في الإتحاف لما أورد ذكره في ترجمة العلامة منير بن النير الجعلاني أنَّه من ضمن المبايعين للإمام الصلت، وروى السالمي في التحفة أنه رُفع عن أبي الحواري أنَّ العلامة بشير كان ممن يظهرون البراءة من الإمام المهنا، كما في التحفة ج 1 ص 158 فما بعدها، وأنَّه هو القائل لما قَتَلَ الشراةُ عـ عيسى بن جعفر عامل الرشيد - لما أرسله لحرب المسلمين وسفك دمائهم وأظهرهم الله عليه في السجن في حصن صحار "قاتل عيسى بن جعفر أرجو أن لا يشم النار" انظر ص 117،
232 (1/232)
صفحة 233
المسألة الثانية والثلاثون فى التوكيل في القصاص اختلف أهل العلم في جواز التوكيل في أخذ القصاص؛ في النفس وما دونها، من الأعضاء والجراحات والمختارُ الجواز وللوكيل القصاص.
أما إن وهب له الجناية كأن يقول وهبت لك هذه الجناية أو حقي منها على الجاني
أو ما أُدرك على هذا الجاني، فالخلاف أيضا.
مسير عيسى بن جعفر بن المنصور الى عمان، وكانت هذه الحادثة آخر أيام الإمام الوارث المتوفى في جمادى الأول عام 192 هـ بداية عام 192 هـ قبل موت الرشيد في 3 جمادى الآخر عام 192 هـ بشهر، إذ هَم الرشيد بالانتقام من أهل عمان فكفاهم الله شره، بموته، المرجع السابق، وانظر الكامل لابن الأثير؛ ترجمة هارون الرشيد، والبداية والنهاية لابن كثير ج 10 ص 571، طبع مكتبة الإيمان بالمنصورة ترجمة هارون الرشيد.
192
وبذلك يظهر جليا أنَّ العلامة بشير بن المنذر مات بعد ذلك، ولا يمكن أن يقال بأنه توفي سنة 178 هـ في أيام الإمام الوارث وقال مقولته تلك في عيسى بن جعفر عام 192 هـ وكان من ضمن المبايعين للصلت عام 237 هـ لما في ذلك من التناقض الواضح، فلينظر فيه ولا يؤخذ منه إلا ما وافق الحق. وهذا العلامة المترجم له غير بشير بن المنذر الذي صاحَبَ محمد بن القاسم إلى محمد بن بور؛ عامل المعتضد العباسي على البحرين سنة 280 هـ فهو من عشيرة موسى بن موسى من إزكي. والثاني هو الشيخ العلامة أبو المنذر بشير بن محمد بن محبوب الرحيلي المخزومي القرشي، من قواعده المأثورة عنه ترك النكير لمن له النكير حجة، وإظهار النكير حجة " ألف كتبا كثيرة منها البستان في الأصول، والرصف في التوحيد، والخزانة، والدار وأحكامها، قيل: إنَّه مات بعد عزل الإمام الصلت أي في سنة ثلاث وسبعين ومائتين وهو المراد هنا، أما الثالث فہو بشير بن مخلد من سمد نزوى. ينظر: إتحاف الأعيان للبطاشي ج 1 ص 220 و 230 و 254 و 519 ط 3 وتحفة الأعيان للسالمي ج 1 ص 113 و 257 وطلقات المعهد الرياضي، والعنوان ورعاية الأحساب وأصدق المناهج وإزالة الوعثاء؛ للعلامة سالم بن حمود السيابي. وانظر المسالة من المراجع السابقة في أولها، ومنهج الطالبين ج 11 ص 222 فما بعدها، والمسألة الثالثة والثلاثين من هذ الفصل.
233 (1/233)
صفحة 234
وعلى القول بالجواز فليس للموهوب له قصاص على الجاني بل له الأرش أو الدية
أو العفو، وكذا إن قال وهبت لك دم هذا العضو؛ على القول بجواز ذلك.
أما إن قال: وهبتُ لك هذا العضو فلا يصح ذلك، ووجهه أنَّ الهبة مشروعة في المال أو المنافع ولا منفعة للموهوب له في ذلك، وقد تكون له شهوة أو بغض في الجاني؛ لغرض الانتقام منه، أو غير ذلك، مما تدخل فيه الأهواء النفسية، لا لغرض القصاص فحسب.
وكذا يمنع بيع الجناية وشراؤها واصداقها، ووجهه نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيع ما لم
يُقبَض.
1 - إشارة إلى ما روي من طريق الربيع بن حبيب عنه أنه نهى عن بيع ما ليس معك" الجامع كتاب البيوع، والحديث أخرجه ابو داؤد في البيوع ح 3503، والترمذي في
الصحيح ح 3 563؛ من البيوع 1232 و 1233 و 1235 والنسائي في البيوع 4627 وابن ماجة في التجارات 2187 والتحفة 3436 بلفظ "لاتبع ما ليس عندك" وفي رواية " لا يحل بيع ما ليس عندك ولا ربح مالم يضمن". وهي عند ابن ماجة ح 2188، والتحفة 8664، وابو داؤد 4 350 والترمذي 1234 والنسائي 4625 و 4644 و 4645، وانفرد ابن ماجة برواية عن عتاب بن أسيد قال لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، نهاه عن شف مالم يضمن" والشَّفُ الفضل والربح. ينظر الجلاء ص 169 ط 2 والنيل وشرحه ج 15 ص 284 - 285.
234 (1/234)
صفحة 235
المسألة الثالثة والثلاثون فيمن قتله الحد وضمان الحاكم
إذا وجب الحد الذي هو دون النفس على إنسان وذلك كالقطع للسارق والجلد للزاني البكر والجلد للقاذف والجلد للسكران، إلى غير ذلك، فأقيم عليه الحد على وجهه الشرعي فمات المقامُ عليه بسبب الحد، فلا شيء له لأنَّ الحق قتله، وقيل له الأرش في بيت المال. أما إنْ أُقيم الحد على خلاف الحق فإن كان خطأ ففي بيت المال، وإن كان عمدا فديته على الحاكم به في ماله خاصة، وفيه القصاص إن أراد أولياء الدم القصاص من الحاكم وكذلك في القتل أيضا.
فمثال الخطأ في الحد فيما دون النفس هو: أن يؤتى بالسارق أو القاذف أو الزاني البكر أو السكران فيقام الحد عليه على أنه بالغ عاقل حر ... الخ فيتبين بعد ذلك أنه صبي، أو مجنون، أو عبد، أو المقذوف عبد أو صبي، أو مشرك، أو مجنون، مما لو اتضح ذلك لم يجب الحد ففيه الدية في بيت المال لعدم العمد من الحاكم. ومثال الخطأ في النفس هو: أن يأمر الحاكم بقتل القاتل أو رجم الزاني على أنه بالغ حر عاقل محصن ... الخ، فيَتَبَيَّنُ بعد ذلك أنَّ المقتول عبد أو مشرك أو ابن للقاتل، أو القاتل صبي أو مجنون، أو الزاني صبي أو مجنون أو بكر، أو المزني بها مشركة، أو أمة له فيها شركة مما لو ظهر ذلك لم يجب القتل أو الحد على
1 - ينظر بيان الشرع ج 28 ص، 147 وج 71 ص 112 و 68 ص 426 فما بعدها، وابن جعفر ق 3 المخطوطة، ص 96 - 97، و 113 فما بعدها والجلاء ص 249 فما بعدها ط 2 واللباب ج 14 ص 275 و 280 و 300، والجامع لابن بركة ج 2 ص 551، وشرح النيل: ج: 15/ 151، وسيرة الإمام ابن محبوب للإمام الصلت بن مالك ضمن السير والجوابات.
235 (1/235)
صفحة 236
الفاعل؛ لعدم توفر الشروط الموجبة لإقامة الحد أو وجود شبهة يدرأ بها الحد ففي كل ذلك الدية لعدم العمد من الحاكم، وكذا إن جلد الزاني على أنه بكر فإذا هو محصن، فعليه الأرش ويرجمه.
أما إن تعمد الحاكم ذلك فعليه الدية فى ماله خاصة، وعليه القصاص إن طلب
منه.
وإِنْ حَدَّ الحامل فأسقطت فعليه الضمان، وكذا إن رجم الزاني على أنه محصن ثم تبين له أن زوجته ذات محرم، فَدِيَتُه، وذلك لعدم توفر شرط الإحصان. 1 وكذلك الحال في الحكم بالشهادة إذا ظهر بعد عدم قبولها لعلة تبطلها، أما إذا رجع الشهود أو ادّعوا الخطأ أو اعترفوا بالزور فهم المؤاخذون بذلك.
ففي العمد القصاص وفي الخطأ حكم الخطأ وهو الضمان وفي كل شيء بحسبه". والأصل في درء الحد بالشبهة ما روي عنه أنه قال:" إدفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعا" 3
1 - شرح النيل ج 15 ص 189 وابن جعفر ق 3 ص 77 مرجع سابق واللباب 14 ص 279 - 280، والإستقامة للإمام أبي. سعيد الكدمي ج 3 بداية الجزء، ونور الدين السالمي انوار العقول مع شرحها البهجة والمشارق، وخطأ العالم في الفتوى هُمِل. البيت، وانظر المسألة الرابعة من الفصل الأول، وانظر أثر القواعد للباحث ج 1" فائدة في الرجوع إلى الحق ط 2، وفرع الحدود من الجزء الثاني منه، إذ تكلمت هنالك عن الشروط الموجبة لإقامة الحد، وشروط الإحصان. وضم الجميع معا تحصل لك الفائدة بإذن الله.
2 - انظر الجزء الثاني من أثر القواعد الفقهية في التطبيق للباحث "الشك في الشهادة" - تقدم في استثناء الوالدين من القصاص.
236 (1/236)
صفحة 237
وقوله: "إدرؤا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان لها مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة" وقوله: "إدرؤا الحدود بالشبهات"
فهذه الأحاديث - وإن كان في إسنادها مقال ولكنَّ العمل على ذلك مع جميع الأمة الإسلامية، من عهد النبوة إلى وقتنا هذا، وقد رُويت أيضا عن كثير من الصحابة رضوان الله عليهم، وفي استفصال رسول الله له ما عزا، والغامدية، وما ورد في ذلك من ترديده لكل واحد منهما عدة مرات، وفي عتابه لهزال الأسلمي؛ لأمره ماعزا بالاعتراف؛ مع النبي قائلا له: "لو سترته بثوبك كان خيرا لك" وفي رواية: "بئس
ما صنعت لو سترته بطرف ردائك لكان خيرا لك - لأعظم دليل على ذلك.
1 - رواه الترمذي والحاكم والدارقطني في السنن كتاب الحدود ج 3 ص 84 ح 8 فما بعده مع التعليق المغني على الدارقطني لأبي الطيب ابادي والبيهقي وابن أبي شيبة في الحدود بلفظ: "فإذا وجدتم للمسلم مخرجا" مكان "فإن كان لها مخرج " باب درء الحد بالشبهة ج 6 ص 516 ح 10. وتقدم في استثناء الوالدين من القصاص.
2 - تقدم في المسألة الثانية من هذا الفصل في استثناء الوالدين من القصاص. راجع أيضا نصب الراية ج 309/ 3 - 317 وج 74/ 4 - 79 وسبل السلام ج 4/ 1287 ونيل الأوطار ج 104/ 7 - 105.
- ينظر في ذلك صحيح البخاري مع فتح الباري ج 12 من كتاب الحدود، ومسلم بشرح النووي الحدود 11 ومالك الموطأ باب ما جاء في الرجم ص 348 وأبو داود الحدود باب الستر على أهل الحدود ح 4377 وباب رجم ماعز بن مالك ح 4419 إلى 4442 ج 4 بتعليق عزت عبيد الدعاس وعادل السيد ط 1418 هـ، والنسائي الحدود ح 7205، والترمذي الحدود باب درء الحد، وأحمد في مسند هزال ج 5 ص 217 ح 21940 وابن ماجة في الحدود باب الرجم وسنن الدارقطني في الحدود ح
237 (1/237)
صفحة 238
ومِنْ جملة الشُّبَه الموجبة لترك الحد رجوع المقرّ عن إقراره بموجب الحد، إذا كان الحكم بالحد صدر بناء على الإقرار، واستُدِلَّ له بفرار ماعز؛ لما مسته الحجارة، فإنَّ رسول الله الله قال للصحابة لما أخبروه بفراره: "هلا تركتموه فلعله يتوب فيتوب الله عليه. " الحديث المتقدم.
فإن كان الرجوع قبل البدء في الحد فلا يصح القدوم عليه، وإن كان بعد البدء فيه فالخلاف والمختارُ القبول، وإن كان فرارا من غير ذكر عذر كما في قضية ماعز، فهل يقبل أم لا؟ المختار القبول.
ويترك إذا هرب لاحتمال، رجوعه، ولا ضمان إن لم يترك إذْ لم يُضمّنُ رسولُ الله الصحابة في ماعز، لاحتمال كون هربه رجوعا أو غيره؛ وذلك لعدم ذكره العذر في هربه، وهم قد شرعوا في الحد بحكمه، ولم ينسخه شيء، فهم معتمدون على أصل شرعي، فاكتفى باللوم لهم.
ومن وجدها في فراشه فظنها زوجَهُ فوطئها، فشبهة أيضا؛ يدرأ عنه الحد للشبهة. وقد حكم بذلك الإمام العادل إمام المسلمين محمد بن عبد الله الخليلي في
39 مرجع سابق وح 63 و 131 إلى 135 و 139 و 144 إلى 146 ومصنف عبدالرزاق ومستدرك الحاكم ح 8082 ومسند البزار وابن أبي شيبة 538/ 5 28767 ومعجم الطبراني وطبقات ابن سعد ومعجم البغوي.
1 - رواه أحمد ح 21942 وابن ماجة والترمذي وقال: "حسن." ورواه أبو داود بزيادة "وجئتموني به"
238 (1/238)
صفحة 239
قضيتي سمائل ونخل. 1
1 - هو إمام المسلمين وقدوة المحقين محمد بن عبد الله بن سعيد بن خلفان الخليلي تولى الإمامة عقب مقتل الإمام سالم بن راشد الخروصي ضحى يوم الجمعة 13 من ذي القعدة سنة 1338 هـ وكان قد دعا علماء الأمة عقب مقتله إلى جمع الكلمة ومبايعة إمام يرضونه فاتفقت الكلمة عليه فأبى فلم يقبل منه العلماء فتولى البيعة وظل إماما حتى وفاته عرف عنه سعة العلم وكثرة التلاميذ وكان ورعا زاهدا أفنى عمره في سبيل الله ونشر الحق والدعوة إليه حتى خرج من الدنيا يوم الإثنين 29 شعبان سنة 1373 هـ والناس عنه راضون وله متولون وله أجوبة كثيرة طبع جزء منها بعد وفاته بعنوان "الفتح الجليل في أجوبة الإمام ابي خليل ومعظمها لم يزل مخطوطا في شتى فنون العلم ه وارضاه وجعل الجنة مثواه ونص حكم قضية سمائل كما في الفتح الجليل ص 655 - 656 ط 1: جاءت امرأة من خوبار سمائل تشكو إليه أنَّ زوج ابنتها جامعها وهي نائمة وتريد إخراج ابنتها منه،، فأرسل الإمام إلى الزوج وزوجته فسأل الزوج في خلوة فأخبره: إني خرجت لسقي الأموال تحت ظلام الليل ورجعت إلى بيتي وما كان أحد يشاركني في بيتي ولا فراش نومي، فدنوت منه فإذا بالمرأة نائمة فأيقظتها لعلمي أنها زوجتي فلم تكلمني وباشرتها كالعادة، ولم تتكلم، فلما فرغت صرخت وقالت ما قالته. ثم دعا بابنة الشاكية فأخبرته أنَّ زوجها خرج لسقي الأموال وأنَّ أمها جاءتها بعد العشاء الآخرة تقول: إنها مريضة بالحمى، وتأمرها أن تخرج إلى بيتها لتحلب بقرتها، فاعتذرت لها بغياب زوجها، وأنه آخر الليل تعبان يريد النوم، فقالت: افرشي له كالعادة وأنا أنتظره هنا حتى ترجعي، أو يرجع، وكانت سابقاً تحرضني على النشور عنه، وأنا لا أشكو منه إلا خيراً، فذهبتُ ممتثلة لأمرها، ولا أدري ما انطوت عليه، فلما رجعتُ وجدتُها تصرخ جامعني زوجك، وقد حرمت عليه، فانطلقي عندي، ثم سأل الإمام المرأة أين نمت من البيت؟ فقالت: نمت في الفراش الذي فرشته الابنة لزوجها، فقال لها: أنتِ أمُّ سوء، ولا خير فيك، وأوجعها ضربا ودرأ الحد عنها للشبهة، وأمر الزوج أن يأخذ زوجته وقال لهما لا بأس عليكما.
سيرجع
اما قضية نخل فنها: أتاه رجل من بني حراص من أهل نخل وكان قد سافر إلى ساحل الشمال وأقام سنين عديدة وله زوجة وابن منها، فلما رجع لم يجد زوجته ووجد ماله وبيته في يد غيره،
239 (1/239)
صفحة 240
أمَّا إِنْ ثبت الحد بالبينة العادلة مع الإقرار فرجع عن الإقرار فلا يسمع رجوعه ما دامت البينة ثابتة على الشهادة، وإن ثبت بالبينة دون الإقرار فرجعت البينة درئ
الحد أيضا.
وإذا شهد الأربعة العدول على امرأة بالزنا فنظرنها الأمينات ووجدنها عذراء فشبهة أيضا.
وبهذا تتبين لكل ذي لب عناية الإسلام بالبشرية، والمحافظة عليها جسماً وروحاً وكرامة، حيث شرع الحدود وجعلها في أقصى الحدود، وبشروط لا بد من توافرها؛ لأجل إقامة الحد، وبعدمها مَنَعَ إقامته؛ لأنَّ الأصل سلامة النفس والدين
6
فسأل عن زوجته فقيل له: إنها بسمائل تزوجت برجل من موالي بني هناة، وأنه أولدها إبناً وبنتاً، فشكا إلى الإمام الخليلي، فأرسل إليها والزوج، فسألها عن الحراصي فقالت: إنَّ زوجها غاب عنها إلى الشمال منذ سنوات، فقال لها: ماذا جاء بك سمائل وما صيَّرك إلى هذا الزوج الآخر؟ فقالت: إني شكوت عند الشيخ خلفان بن ثنيان الحراصي، طول غيبة زوجي، فباع خلفان المال لنفقتي، ثم باع البيت ثم طلقني: ثم جئت سمائل وتزوجت هذا الرجل، فقال لها: هل أبلغت الرقيشي عاملنا بنخل وهو والي المسلمين، فقالت: لا. فقال: كيف أبلغت خلفان وهو جبارٌ مُفسد، فقالت: هذا ما فعلت، وأظهرت كتابا بخط خلفان أنه طلقها من زوجها ثلاثاً، فأحضر الإمام مشايخ العلم بسمائل، فاتفقوا على عدم إجازة طلاق خلفان، وعامل الإمام بالحصن موجود، وحكم بالمرأة أنها زوجة الأول، وأنها فراش له لم تخرج عنه وللعاهر الحجر، والأولاد أولاده جميعهم، ثم تذاكروا في إقامة الحد عليها وزوجها الثاني، فكان من جوابهم درءُ الحد عنهما للشبهة، ولابد من تعزيرهما فعزرا جميعاً، وأخذ الأول زوجته والأولاد جميعاً. الفتح الجليل المرجع السابق ص 656 - 657
1 - راجع سبل السلام ج 1274/ 4 ونيل الأوطار ج 102/ 7 - 105 وشرح فتح القدير ج 40/ 5، ومباحث في التشريع الجنائي 279 - 281 وبيان الشرع ج 1 ص 58
240 (1/240)
صفحة 241
والعرض، والبراءة من التبعات، ولأجل ذلك حَرَّم التفتيش والتجسس، وأعظم التشديد في مسائل الحدود.
بخلاف القوانين الوضعية فهي تبيح التجسس والتنقير في جرائم الحدود، حتى أنهم يُلجئون المتهم بأمور لا مبرر لها يعملونها معه بغية الحصول على الاعتراف منه، وهذا ما يحرمه الشرع الشريف؛ محافظةً منه على براءة النفس وسلامتها، كما هو واضح من الأحاديث الموجبة لترك الحدود بالشبهات، وإجماع الأمة على ذلك، ولا تجتمع أمة محمد على ضلال.
وبهذا يتبين لك الفارق بين عناية الإسلام بالبشرية ومحافظته عليها كما ونوعا جسما وروحا، دينا وكرامة عفة وطهارة، وبين القوانين الوضعية، إذ جعل الإسلام سلامة الدين والعرض والنفس، من أولوياته، وحسن الظن بالمؤمن من واجباته، والأصل فيه سلامة الدين والعرض والنفس، ولا يصح النيل منه ولا اتهامه بغير اللائق به من غير برهان ولاحجة.
ألا فليتَنَبَّه لذلك أبناء الإسلام وأهلُ الغَيرة على الدين، وليحذروا ما يردده أعداء الإسلام؛ من رمي الإسلام والمسلمين بما هم بريئون منه؛ بدعوى المحافظة على حقوق الإنسان، وهم ينتهكون حرمات النفوس والأعراض، بأدنى حيلة ويدعون المحافظة على حقوق الإنسان، زوراً وبهتانا، فرحم الله الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واستأصل شافتهم، وردهم على أعقابهم خائبين، وكفى المسلمين شرهم، ولينظر في ذلك ولا يؤخذ إلا بعدله.
241 (1/241)
صفحة 242
الفصل الثاني في حكم الخطأ
تبين مما سبق أنَّ الأصل في العمد القود لا الدية، إلا إن رضي أولياء المقتول، وأن في شبه العمد الخلاف في القود، وبقي الكلام على النوع الثالث من أنواع القتل وهو الخطأ المحض.
والخطأ ضد العمد؛ وهو أن يقصد الإنسانُ إلى فعل ما هو مباح له في الأصل فيصادف ضدَّه؛ كأن يرمي طيرا أو هدفا أو سبعا فيضر بإنسان خطأ منه، وكذلك في أحوال المركبات كالسيارات والسفن البحرية والطائرات الجوية وجميع وسائل النقل، إذا أضرت بشيء من الأنفس أو أصابها شيء من الحوادث كالانقلاب والتدهور والاصطدام وما إلى ذلك من أنواع الحوادث غير المتعمدة، فإذا لم يكن
1 - راجع اللسان ج 1 ص 66 والمدوّنة الكبرى ج 3 كتاب الديات ط الأولى 1428 هـ 2007 م /ن/ وزارة التراث ص 230 فما بعدها. وعرفه النور السالمي في الطلعة بقوله: وهو أن يفعل فعلاً من غير أن يقصده قصدًا تامًا" قال: وذلك أنَّ إتمام قصد الفعل بقصد محلّه، وفي الخطأ يوجد قصد الفعل دون قصد المحلّ، وهذا مُراد من قال: إنه فعل يصدر بلا قصد إليه، عند مباشرة أمر مقصود سواه، وهو عذر يسقط به الوزر لقوله: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، الحديث، والمراد: رفع الإثم، وكذلك يسقط بالخطأ الحدُّ والقصاص، أي إذا فعل المخطئ ما يوجب الحد أو القصاص خطأ، فلا يُقام عليه الحد، ولا ينفذ فيه القصاص لشبهة الخطأ، أما الخطأ في موجب الحد فكما لو قصد إلى مدح إنسان؛ فسبقت لسانه بقذفه مع قيام القرائن على صحة قصده، وأما الخطأ في موجب القصاص؛ فلإخلاص قصده إلى غير الفعل الذي فعله، لكن يلزم من قتل مؤمنًا خطأ تحرير رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين، ودية على عاقلته مسلّمة إلى أهل المقتول، أما الكفارة فعقوبة عدم التثبت منه، و، وأما الدية فجبر دم المؤمن، وأما كونها على العاقلة فهو تخفيف له حيث لم يقصد إلى قتله، ولا يسقط الخطأ شيئًا من حقوق الخلق، فيلزم من أخطأ في مال الغير ضمانه، والله أعلم. طلعة الشمس ج 2 ص 410 - 411، مِنَ العوارض الأهلية الخطأ. نشر مكتبة نورالدين السالمي بدية.
242 (1/242)
صفحة 243
قائدها متعمدا ففي جميع ما ذكر الدية؛ في النفس والارش فيما دونها، فإن كان الخطأ متلفا للنفس أو مفوتا لمنفعة كالسمع والبصر وما شابه ذلك مما سيأتي بيانه فالدية تامة وإن كان في فساد عضو أو جرح أو كسر أو .. الخ؛ ففيه الأرش كل شيء بحسبه، ولا قصاص في ذلك ولا قود، والأصل فيه قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا. 1 وستأتي إن شاء الله تعالى- بعض أحكام المركبات في الخاتمة فراجعها من هنالك تحصل لك الفائدة بإذن الله تعالى.
وفي حكم الخطأ مسائل عدة تأتي بمشيئة الله ول.
1 - الآية رقم 92 من سورة النساء.
243 (1/243)
صفحة 244
المسألة الأولى في تعريف الديات
الديات جمع ديةٍ، كعِداتٍ جمع عدةٍ، أصلها وذية بكسر فسكون؛ مصدرُ ودَى القتيل يديه إذا أعطى الجاني ولي المجني عليه ديته.
وشرعا هي: المال المقدر عن الجناية في النفس أو ما دونها؛ كجراح أو كسر أو فوات نفع ك عَوَرٍ وصَمَمٍ وشَلَلٍ .. إلى غير ذلك مما يحدث بسبب الجناية من الجاني، سواء كانت الجناية عمدا ورجع ولها إلى الدية أو شبه عمد، أو خطأ - تقديرا معلوما في كل جنس من الأجناس، يأخذها المجني عليه أو وليه إن كان ميتا حسبما يوجبه الشرع له.
6
والجناية: الجريرة؛ وهي الذَّنْبُ على النفس أو الغير مصدر جنى يجني جناية؛ يقال: جنى فلان جناية، أي جَرَّ جَريرة على نفسه، أو على قومه، يعني: أذنب ذنبا، وفي الأمثال: جانِيكَ مَنْ يَجْنِي عليكِ يقال ذلك للرجل؛ يأخذ البريء بذنب المجرم
ويقولون: لا تجني يمينك على شمالك، أي: أن القريب لا يؤخذ بذنب القريب. وقال الشاعر: جانِيكَ مَنْ يَجْنِي عليكِ وقد ... تُعْدي الصّحاحَ مَبارك الجُرْبِ). وفي حديث مرفوع إنّه قال لرجل وابنه: "لا يجني عليك ولا تجني عليه، ثم قرأ
-
1 - هذا البيت في الأغاني (13/ 249 ملحق في قصيدة الحارث بن الطفيل بن عمرو الدوسي في قصيدة أولها: (يا دار مِن ماوِيَّ بالسَّهبِ ... بُنِيَتْ على خَطْبٍ من الخَطْبِ) وانظر: الأمثال لابن سلام باب الظلم في عقوبة الإنسان بذنب غيره، ونسبه صاحب العقد الفريد لذؤيب بن كعب بن عمرو بن تميم بن مرّ بن أد بن طابخة؛ (يوم تِيَاس وكذا الزمخشري في المستقصى في أمثال العرب (2/ 48 - 49، والجرجاني في الوساطة. وانظر: الجمهرة للعسكري. ج 1 ص 306 المثال:442. والاشتقاق لابن دريد ص: (201) قبائل بني تميم بن مرّ بن أدّ واشتقاقه وأسماء رجاله وقبائله.
244 (1/244)
صفحة 245
رسول الله صلى الله عليه وسلم وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى
ويقال: جَنَى عليه جناية، وأراد: صاحب جنايتك من يجني عليك، فلا تأخذ بالعقوبة غيره
وأَجْوَدُ من هذا ما قاله أبو عمرو: قال يعني الذي تلحقك منفعته هو الذي يلحقك عَارُه وتُعيَّر بقبيحه، قلت: يريد الذي يجني لك الخير هو الذي يجني عليك الشر فقولهم: جانيك معناه الجاني لك. يقال: جَنَيْتُ له ثم تحذف اللام فيقال جنيته كما يقال: كِلْتُ له ووَزَنْتُ له ثم تحذف اللام فيقال: كِلْتُه ووَزَنْته. قال تعالى وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) (3) المطففين. أي: كالوا لهم أو وزنوا لهم.
قال الشاعر: ولقد جَنَيْتُكَ أَكْمُؤاً وعَسَاقِلاً ... ولقد نَهَيْتُكَ عن بَنَاتِ الْأَوَبِر؛ أي:
جنيت لك. 2
وجمعها جنايات، والجاني هو الفاعل للجناية، يقال جنى فلان جنايةً، إذا أذنب ذنبا يؤاخذ به
1 - الطبراني المعجم الكبير ج 22 ص 283 ح 724 وفي مواضع أخرى، وابن حبان في صحيحه ج 13 ص 340 ح 5995 ابن حنبل في مسنده ج 2 ص 227 ح 7111 وأبو داود؛ في سننه ج 4 ص 169 ح 4495 والحاكم؛ المستدرك على الصحيحين مع تعليقات الذهبي في التلخيص /2/ 461) 3590 وغيرهم. مجمع الأمثال لأحمد بن محمد الميداني النيسابوري 1/ 169 المثال: 890 - جَانِيكَ مَنْ يَجْنِي عَلَيْكَ. والبيت لثعلب انظر: مجالس ثعلب المجلس الحادي عشر.
-
- راجع الجلاء ص 20 ط 1 وسُبُل السلام 1205/ 3 والنيل وشرحه ج 5/ 15 وفتح القدير وشروحه ج 9 ص 204 واللسان ج 383/ 15 وترتيب القاموس 592/ 4 والمعجم الوسيط 1022/ 2. وانظر: المسألة الأولى من الفصل الأول من هذا الكتاب، وضم الجميع معا تحصل الفائدة بإذن الله.
245 (1/245)
صفحة 246
والمجني عليه هو المصاب بالجناية. وقد مر ذلك في المسألة الأولى فارجع إليه إن
شئت.
246 (1/246)
صفحة 247
المسألة الثانية في تحديد الدية الكبرى
الدية الكبرى للذكر المسلم الحر مائة من الإبل لقوله صلى الله عليه وسلم: " الدية مأئة من الإبل" رواه الربيع بسنده العالي. ولحديث عمرو بن حزم في كتاب رسول الله إلى أهل اليمن جاء فيه: "من اعتَبَطَ 2 مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود إلا أن يرضى أولياء المقتول، وإنَّ في النفس الدية مأئة من الإبل وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية، وفي اللسان الدية وفي الشفتين الدية وفي البيضتين الدية وفي الذكر الدية وفي الصلب الدية وفي العينين الدية وفي الرجل الواحدة نصف الدية وفي المأمومة ثلث الدية وفي الجائفة ثلث الدية وفي المنقلة خمسة عشر من الإبل وفي كل إصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل وفي السن خمس من الإبل وفي الموضحة خمس من الإبل وفي الهاشمة عشر من الإبل وإنَّ الرجل يقتل بالمرأة وعلى أهل الذهب ألف دينار. "، فهذا الحديث جامع الأصول الديات ومنه أخذ أهل العلم أصول الدماء.
كما ورد التحديد من السنة في بقية الأجناس من الأموال كل على حسب ما يملكه، فمنها: " وعلى أهل الذهب ألف دينار. " كما في الحديث السابق، وعلى أهل الفضة
1 - المراد بالكبرى التامة التي تجب في النفس أو في عضو فردي أو منفعة فردية، ويخرج بذلك ما دونها؛ مما في الإنسان منه أكثر من عضو، وما فيه أرش أو حكومة عدل، وبقولنا: للذكر الأنثى، وبالمسلم الكافر، وبالحر المملوك، وفي جميعها أدلة أخرى أخرجتها تلك الأدلة الآية من عموم الناصة على الدية، والحديثين الآتيين كما عرفت سابقا، وما سياتي بعد من تفصيل للكل، فتنبه. 2 - الاعتباط هو القتل بلا جناية من المجني عليه ولا جريرة توجب قتله.
- تقدم تخريجه في المسألة الأولى من الفصل الأول راجع نصب الراية 369/ 4.
4 - راجع العقد الثمين ج 425/ 4
247 (1/247)
صفحة 248
اثنا عشر ألف درهم، فضة، وعلى أهل البقر مائتا بقرة وعلى أهل الشاء ألفان من الشياه وعلى أهل الحلل مائتا حُلة؛ لما رواه أبو داود عن ابن عباس أن رجلا من بني عدي قتل فجعل ديته اثني عشر ألفا.
وكذا رواه الترمذي أيضا. وأخرج أبو داود أيضا عن عطاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشياه ألفي شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة.
كل ذلك تيسير من الشارع بالأمة ودفع للحرج المتوقع بالعباد أن لو جعلت الدية في نوع واحد معين من الأموال.
قلت: وعلى أصحاب الأوراق النقدية المتعامل بها عندهم ما يقاوم ما ذكر من الإبل أو الذهب؛ أما الإبل فلكونها الأصل، وأما الذهب فمع كونه أصلا أيضا كما في الحديث المتقدم وعلى أهل الذهب ألف دينار فلأنَّ جميع العملات المتعامل
1 - أخرجه أبو داود ح 4546 والترمذي ح 1388 و 1389، والنسائي في سننه في القسامة، ح 4817 و 4818، وفي المجتبى ج 44/ 8، وابن ماجه ح 2629 و 2632، والتحفة 6165، والدارمي في سننه، ح 2663، والدار قطني في سننه، ج 130/ 3، والبيهقي في الكبرى، ح: 16177، وفي الصغرى، ح 3245، وابن أبي شيبه في المصنف ج 269/ 6، ط دار الفكر 1994 م، كتاب الديات؛ الدية كم تكون؟. وابن أبي عاصم ح 145 و 146 ص 308 - 310 مرجع سابق وغيرهم وانظر: أيضا رياض الأزهار للراشدي ص 307.
2 - أخرجه ابو داود ح 4541 و 4543 و 4544 و 4564 وابن ماجه ح 2630 والنسائي في القسمة ح 4805 و 4815 وتحفة الأشراف 8709 و 8710 وانظر: المدونة الكبرى ج 3 كتاب الديات ط الأولى 1428 هـ 2007 م من وزارة التراث ص 230 فما بعدها.
248 (1/248)
صفحة 249
بها عند الناس في كل الدول مقوّمة بالذهب، ولا تخاذه أصلا في جميع
فليتأمل ذلك جيدا فإنه واضح بإذن الله عل.
المسألة الثالثة في مقدار الدينار الشرعي
المعاملات،
الدينار: نقد ذهبي فارسي معرب أصله دِنَّار، بكسر الدال وتشديد النون مفتوحة قلبت إحدى نونيه ياءً لئلا يلتبس بالمصدر على وزن فعّال، وجمعه دنانير وتصغيره دنينير.
والدينار الشرعي وزن مثقال من الذهب والمثقال يزن أربعة جرامات وربع جرام؛ بالوزن الحالي، وعليه فالدية الكبرى للذكر الحر المسلم من الذهب أربعة آلاف ومائتان وخمسون جراما، أي أربعة كيلوجرامات وربع الكيلو، وذلك وزن ألف دينار من الذهب الخالص.
أمَّا الدرهم الفضي فهو نقد من الفضة أيضا فارسي معرب ويجمع على دراهم وتصغيره دريهيم ودرهام، قال الشاعر:
لو أنَّ عندي مائتي درهام ... لابتعت دارا في بني حرام
وعشت عيش الملك الهمام .... وسِرت في الأرض بلا خاتام
(2)
1 - لسان العرب لابن منظور مع بعض تصرف ج 4 ص 292.
2 - اللسان ج 12 ص 99. والبيت لابن جني، عُثمانُ بنُ جِنّي الموصلي، يُكنّى بأبي الفتح، ويُلقب بابن جنّي، وقيل عثمان بن عبد الله بن جني، ولد في العامِ ثلاثمئة وواحد وعشرين للهجرة، وقيل بعد.
249 (1/249)
صفحة 250
ووزن الدرهم ثلثا مثقال في القديم وبالوزن الحالي بالجرامات يساوي جرامين وتسعمائة وخمسة وسبعين ملّيا، ثلاثة جرامات إلا خمسة وعشرين مليا من الألف ملّي، لأنَّ الجرام الواحد ألفُ مِلّي، والكيلو جرام ألف جرام.
وتساوي الدية من الفضة على هذا التقدير خمسة وثلاثين كيلوجراماً وسبعة أعشار الكيلو.
ولكن لم يَعُدْ لها أصل في التعامل في وقتنا هذا، بل صارت كبقية السلع وقد طرأ عليها الكساد، فالظاهر في وقتنا هذا ما دام أمرها كذلك عدم اعتبارها أصلا نقديا، أما وزن المثقال في القديم فتسعون حبة من الشعير المتوسط مقطوع الطرفين والدرهم ستون حبة.
ذلك بعام.
علَّامة
نحوي لغوي مشهور. انظر: تخريج الدلالات السمعية للخزاعي تحقيق: إحسان
عباس ج 1 ص 604 والمخصص. لابن سيده ج 3 ص 298.
1 - ينظر: المعجم الوجيز مادة (جَرَمَ)
250 (1/250)
صفحة 251
المسألة الرابعة في تحديد أسنان الإبل وكيفية دفع الدية
دية العمد في ثلاثة أصناف من الإبل فثلاثون بنت لبون وثلاثون حقة وأربعون جذعة في بطونها أولادها، وقيل ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة بدليل ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: " الدية ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة في بطونها أولادها ""
وتدفع في عام واحد جملة واحدة بدليل قوله: " ... ودية العمد في عام واحد. رواه الربيع بن حبيب من طريق ابن عباس.
أمَّا شبه العمد فهو مثل العمد في الدية لما روي عنه أنه قال في خطبته يوم الفتح: "ألا" في قتيل العصا والسوط والخطأ شبه العمد الدية مغلظة مأئة من الإبل منها أربعون خلفة .. " وقد تقدم في المسألة السابعة عشرة من الفصل الأول بعدة ألفاظ وقوله له: "عَقْلُ شبه العمد مغلظ مثل عقل العمد ...
وقيل: تدفع دية شبه العمد على أربعة أجناس: خمس وعشرون بنات مخاض وخمس وعشرون بنات لبون وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة" لما روي في ذلك عن ابن مسعود
ونصه كما عند البيهقي: " .. عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فِي شِبْهِ الْعَمْدِ خَمْسَ وَعِشْرُونَ حِقَّةً وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَدَعَةً وَخَمْسٌ
1 - أخرجه أبو داود: ح 4541 والترمذي: ح 1387. دون" في بطونها أولادها" و 4564 والنسائي
ح 4815 وابن ماجة 2630.
2 - شرح الجامع ج 429/ 3.
-3
راجع: المسألة السابعة عشرة من الفصل الأول.
251 (1/251)
صفحة 252
وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ. وروي هذا بنصه عن علي موقوفا. ونصه: " عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ قَالَ قَالَ عَلِيٌّ: فِي الْخَطَإِ أَرْبَاعًا خَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً وَخَمْسٌ
وَعِشْرُونَ جَدَعَةً وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ. وتدفع كالعمد دفعة واحدة بدليل الأحاديث الناصة على مماثلتها للعمد في الدية منها "عقل شبه العمد مغلظ مثل عقل العمد وغيره من الأحاديث الواردة في
ذلك.
وأما الخطأ فعلى خمسة أجناس من الإبل؛ عشرون حقة وعشرون جذعة وعشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون لما روي من طريق ابن مسعود له عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " دية الخطأ أخماسا عشرون حقة وعشرون جذعة وعشرون بنات مخاض وعشرون بنات لبون وعشرون بني لبون""
1 - السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي (8 69 ح 16553 والصغرى ح 12 30 والطبراني في المعجم الكبير (9/ 348) 9729 وأبو داود ح 4552 وابن أبي عاصم ح 143 ص 304 مرجع سابق والطبراني في الكبير 179/ 7 ح 6664 وأبو نعيم في معرفة الصحابة 3483. وابن أبي شيبة في مصنف (347/ 5) 26755 و 26756. وغيرهم.
2 - أخرجه أبو داود في سننه (4/ 186 4553 والبيهقي في السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي (74/ 8 ح 16578 و ابن أبي شيبة في مصنفه (346/ 5) 26751 وغيرهم.
- أخرجه الدارقطني وأخرجه الأربعة بلفظ: "عشرون بني مخاض" مكان لبون وإسناد الأول أقوى وأخرجه ابن أبي شيبة من وجه آخر موقوفا وفي الترمذي والنسائي قضى في قتيل الخ. الدار قطني 133/ 3 و 6799 و 175 و 176 و 172 و 174 من عدة طرق، وابن ماجه ح 2631 وأبو داؤد 4545
252 (1/252)
صفحة 253
وتدفع دية الخطأ في ثلاثة أعوام في كل عام ثلثها ونصفها في عامين إن وجب وثلثاها في عامين كذلك وثلثها فما دونه في عام واحد وتدفعها العاقلة والحكمة في تثليث دية الخطأ الرفق بعاقلة الجاني في دفعها إذ هو كواحد منها، والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: " دية الخطأ في ثلاثة أعوام؛ في كل سنة ثلث الدية، ودية العمد في عام واحد".
والترمذي 1386 والنسائي 4816 وابن ابي عاصم ح 144 ص 305 وابن ابي شيبة في مصنفه، والطبراني في المعجم الكبير (9 (38) 9730) والطبري في التفسير 211/ 5 وأحمد 3653 و 43.3 والدارمي في السنن 2367 والبزار في البحر 1922 والبيهقي في الكبرى 16160 والصغرى ح 3239 و 3240، وعبد الرزاق في مصنفه ح 17238 وانظر أيضا سبل السلام ج 1211/ 3 ونصب الراية 357/ 4 - 361. والمدونة الكبرى لأبي غانم الخراساني. ج 3 كتاب الديات ط الأولى 1428 هـ 2007 م ن وزارة التراث ص 230 فما بعدها.
1 - رواه الربيع بسنده من طريق ابن عباس راجع شرح الجامع 429/ 3، وانظر نصب الراية ج 4 ص 334، والمدونة الكبرى ج 3 / كتاب الديات ط الأولى 1428 هـ 2007 م من وزارة التراث ص 230 فما بعدها. وفي الوقت الحاضر قيمة الدية من النقد الورقي العماني حسب المرسوم السلطاني 2008/ 118 م خمسة عشر الف ريال عماني مقابل مائة من الإبل، فيساوي البعير الواحد على هذا مائة وخمسين ريالا عمانيا، ولكن هذا التقويم قابل للزيادة والنقص من الحاكم؛ بناء على أن قيمة الدية حسب سعر الإبل زيادة ونقصا، كما ستعرفه إنْ شاءَ الله، في: "المسألة العشرون في أن الدية من النقود حسب قيمة أصولها" من هذا الفصل.
253 (1/253)
صفحة 254
المسألة الخامسة فيما تتحمله العاقلة
دية الخطأ تكون على العاقلة وهم العصبة والقرابة من جهة الأب لما روي رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بدية الخطأ على العاقلة.
أنَّ
ولما رواه البخاري ومسلم وابن حبان وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه أنه قضى بدية المرأة صاحبة الجنين على العاقلة.
ولما روي عنه أنه قال: "لا تجعلوا على العاقلة من دية المعترف شيئا." رواه الدارقطني والطبراني من طريق عبادة بن الصامت.
ولما رواه الدارقطني أيضا: "لا تعقل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا ولا جرحا دون الموضحة."
1 - أخرجه مسلم في القسامة ح 4369 و 4370 وأبو داؤد ح 4568 و 4569 والترمذي ح 1411 والنسائي ح 4836 - 4842 وابن ماجة 2633 والتحفة 11510 كلهم في دية الجنين. والعاقلة: العصبة والأقارب من قِبَلِ الأب.
2 - ينظر الحديث في المسألة الثالثة عشرة في دية الجنين من هذا الفصل وابن ابي عاصم ح 164 و 287 و 292.
- أخرجه البيهقي في السنن الصغرى؛ جراحة العبد، والكبرى المذيلة بالجوهر النقي 8/ 104، 16795 من قال لا تحمل العاقلة. و 16823 ما تحمله العاقلة الموطأ رواية محمد بن الحسن ح 665 وسنن الدارقطني 3/ 178 ح 277 و مصنف ابن أبي شيبة ح 27998 - 28803 ط دار القبلة، ومصنف عبد الرزاق ح 17815، وانظر: غريب الحديث لابن سلام 4 ص 446. القاسم بن سلام الهروي أبو عبيد، ولد 157 تا 224 هـ) 838 م الهروي الأزدي الخزاعي بالولاء من كبار العلماء بالحديث والأدب والفقه من أهل هراة، والنسب هروي، وبالبشتوية (هرات) واسمها التاريخي (آريه) وهي مدينة
254 (1/254)
صفحة 255
فمفهوم هذه الأحاديث أنَّ العاقلة تدي الخطأ عن المخطئ، أما إن كان غير خطأ محض فليس على العاقلة من الدية شيء، كما ليس عليها من دية العبد شيء، لأنه مال، ولا الاعتراف ولا الصلح؛ إن صالح الجاني، ولا الجرح فيما دون الموضحة، لما تقدم في الحديثين المذكورين.
6
وروي عن ابن عباس مثل ذلك وعن عمر قال: "العمد والعبد والصلح والاعترافُ لا تعقله العاقلة"
وعن الزهري:" مضت السنة أنَّ العاقلة لا تتحمل شيئا من دية العمد إلا أن يشاؤوا "2
أفغانية في محافظة هراة الأفغانية تقع غربي أفغانستان يمر بها نهر هريرود والذي يتدفق من وسط البلد. فتحت مدينة هرات في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه على يد القائد الأحنف بن قيس وذلك عام 22 هـ الموافق 642 م، عندما قام يتعقب يزجرد حيث دخلها الأحنف من ناحية مدينة طبيسن واستخلف الأحنف عليها القائد صحار العبدي ولد ابن سلام وتعلم بها، ورحل الى بغداد فولي القضاء بطرسوس ثماني عشرة سنة، ورحل الى مصر سنة 213، من كتبه (الغريب المصنف - ط مجلدان في غريب الحديث، وهو أول من صنف في هذا الفن، وله كتب أخرى. الأعلام
176
للزركلي ج 5 ص 1 - أخرجه الدارقطني في سننه (233/ 4) 3376 والبيهقي السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي (104/ 8) ح 16794، وقال: كذا قال: عن عامر عن عمر وهو عن عمر منقطع والمحفوظ عن عامر الشعبي من قوله وابن كثير في مسند الفاروق ت إمام (2/ 265 ح 606 وعزاه لهما. وانظر: نيل الأوطار للشوكاني (102/ 7) نصب الراية لأحاديث الهداية مع حاشيته بغية الألمعي في تخريج الزيلعي
(379/ 4)
2 - المراجع السابقة.
255 (1/255)
صفحة 256
وهل يلزمها كل خطأ قل أم كثر؟ فقيل: يلزمها قليلا كان أم كثيرا، وقيل: لا يلزمها إلا ثلث الدية فصاعدا، وقيل: لا تعقل إلا ما زاد على الثلث ولو قليلا.
أمَّا الصبيُّ والمجنونُ والأبله، فإنَّ عمدهم يعد خطأ كما تقدم لحديث" رفع القلم
عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق .. " الحديث المتقدم. وجنايتهم على العاقلة ولو دون الثلث، وقيل: إن جناية الصبي لا تلزم العاقلة وهي في ماله، وإن لم يكن له مال ففي مال أبيه، وإن لم يكن لأبيه مال فدين على أبيه، فإن بلغ الصبي قبل الأداء رجع وجوبها عليه، وقيل: لا يلزم الأب من جناية ابنه شيء، والصحيح أنها - أي الجناية على النفس وما دونها على العاقلة.
وعن أبي عبد الله يلزم العاقلة فعل اليد، أمَّا الأمْرُ أو الدابة أو الجناح أو الخشبة
فعلى صاحب ذلك بنفسه في ماله، وإذا نحاه أحدٌ فعطب به غيره فعلى المنحي. وما سقط من عمل العملة وهم يعملون فعليهم بأنفسهم وبعده فعلى رب العمل. وكذا ليس على العاقلة ما عمل بالفرج ولو كان الجاني صبيا أو مجنونا، بل في مال الجاني نفسه، وذلك كاغتصاب الفروج، أما المطاوعة فلا شيء فيها عدا الحد الذي أوجبه الشارع على فاعل ذلك بشروطه؛ التي حددها الشارع في ذلك، من جملتها ألا يكون صبيا أو مجنونا أو مكرها إلا ما سيأتي الكلام عليه في دية المرأة إن ماتت بجماع زوجها هل على العاقلة ديتها أم عليه بنفسه وكذا إن ماتت بجماع الزاني.
1 - ابن جعفر ق م ص 103 راجع المسألة الرابعة من الفصل الأول.
- المرجع السابق ص 8 - 9 و 22 وبيان الشرع ج 36 ص 249 فما بعدها. 2 - راجع المسألة الثامنة من هذا الفصل والقسامة آخر الفصل الثالث.
256 (1/256)
صفحة 257
المسألة السادسة في تحديد دية المرأة
دية المرأة المسلمة الحرة نصف دية الذكر المسلم الحر في جميع أحوالها إلا حلمة ثديها فإنها ضعف الرجل لكل حلمة عشرة أبعرة إن قطعت ما لم يذهب رضاعها فإن ذهب رضاعها من كلا الثديين ففيهما الدية التامة دية المرأة وفي الواحد نصفها وكذلك في جروحها وإصاباتها فيما دون النفس لها نصف الرجل وهذا ما عليه العمل عند أصحابنا الله رحمہم ورجحه العلامة السيابي " في ميميته وشرحها
والقطب في شرح النيل.
وهو قول أبي عبيدة " والعامة من فقهائنا، وعليه الاعتماد بدليل قوله:
1 - هو الشيخ العلامة خلفان بن جميل بن حرمل بن مهيّل السيابي ولد عام (1308 هـ م 1890 م ت 1391 هـ م (1972 م) السمائلي المكنى بأبي يحيى علامة كبير ومحقق جليل، عمل فترة طويلة في مجال القضاء بالرستاق ومطرح وسمائل ونخل وصور وأصبح مرجعا للفتيا وإليه ترد مشكلات القضاء ألَّفَ الكثير من الكتب القيمة في الفقه والأصول ومن أهم كتبه المطبوعة سلك الدرر الحاوي غرر الأثر وهو أرجوزة طويلة في الفقه. فصول الأصول في أصول الفقه وقواعده الهامة. بهجة المجالس جلاء العمى، شرح لمنظومته ميمية الدماء في أحكام الدماء والأروش والديات. فصل الخطاب في المسألة والجواب.
2 - هو الإمام المحدث أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي - بالولاء - كان مولى لعروة بن أدية التميمي، و، وقد أختلف في أصله، فقيل حبشي، وقيل فارسي، وقيل كردي، ولد بالبصرة سنة 45 هـ أو بعدها بقليل، أخذ العلم عن جماعة منهم: مولاه عروة بن أدِيَّة، وجابر بن زيد وغيرهم. وأخذ عنه العلم خلق كثير منهم: سلمة بن سعد، وعبد الله بن يحيى الكندي والجلندى بن مسعود، وآخرون، قال عنه ابن معين: ليس به بأس يريد أنه ثقة، توفي رحمه الله تعالى في عهد أبي جعفر المنصور 136 هـ - 158 هـ واستظهر العلامة القنوبي وفاته سنة 150 أو بعدها بقليل. ينظر: الإمام الربيع
257 (1/257)
صفحة 258
"دية المرأة نصف الرجل " رواه الربيع بن حبيب في مسنده الصحيح، والبيهقي في السنن، والشافعي في مسنده.
وقيل: هي كالرجل في الجروح والكسور ما لم تبلغ ثلث دية الرجل فإذا بلغتها رجعت إلى نصف الرجل مثال ذلك امرأة قطعت لها إصبع واحدة ففيها عشرة أبعرة أو اثنتان فعشرون أو ثلاث فثلاثون أو ثلاث ونصف أنملة فواحد وثلاثون وثلثا بعير أو ثلاث وأنملة تامة فثلاثة وثلاثون وثلث بعير فذلك ثلث دية الرجل فترجع فيها إلى نصفها فيصير لها ستة عشر بعيرا وثلثا بعير.
وقد استدل أصحاب هذا الرأي بحديث رواه النسائي في سننه ونصه حدثنا عيسى بن يونس الرملي عن ضمرة عن إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها".
وأخرجه الدارقطني في الحدود، والحديث ضعيف فإنَّ ابن جريج حجازي وإسماعيل بن عياش ضعيف في الحجازيين.
وروي عن ربيعة بن عبد الرحمن قال: سألت سعيد بن المسيب كم في إصبع المرأة؟
مكانته ومسنده للعلامة القنوبي ص 26 وما بعدها، وكتاب السير للبدر الشماخي ج 1 ص 78 فما بعدها ط الأولى.
1 - الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع ح 662، ونصب الراية 363/ 4 وابن برکه ج 515/ 2، راجع أيضا في الحَلَمَة، الجلاء ص 176 - 178 وانظر: المدونة الكبرى للخراساني ج 3 كتاب الديات ط الأولى 1428 هـ 2007 م ن وزارة التراث ص 235 فما بعدها.
258 (1/258)
صفحة 259
قال: عشر من الإبل. قلت: فكم في إصبعين؟ قال: عشرون من الإبل. قلت: فكم في ثلاث؟ قال: ثلاثون قلت فكم في أربع؟ قال عشرون. قلت: حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها؟ قال: أعراقي أنت؟ قلت بل عالم متثبت أو جاهل متعلم. قال: هي السنة يا ابن أخي. رواه مالك عنه في الموطأ. وروي عن الشافعي أنه قال: كان مالك يذكر أنه السنة، وكنت أتابعه عليه وفي نفسي منه شيء، ثم علمت أنه يريد سنة أهل المدينة فرجعت عنه.
وقيل: تساوي الرجل في أقل من العشر. وقيل: في أقل من النصف. وقيل: تساوي الرجل في الوجه أما في غيره فلا. وقيل: تساويه في الموضحة فقط، أما في غير الموضحة فنصف الرجل.
وأنت إذا تدبرت مستند القائلين بمساواتها الرجل فيما سبق ذكره هنا وجدته ذلك الحديث المعلول المتقدم ذكره، والثابت عن رسول الله لخلافه فالأولى العمل بما ثبت فيه الدليل الصحيح وهو مذهبنا وأهل العراق والشافعي كما تقدم إلا إن ثبت دليل صحيح عن الرسول ل يخصص عموم ذلك الحديث الصحيح المتقدم؛ وهو: "ديةُ المرأة نصفُ الرجل ""
1 - نيل الأوطار ج 7 ص 67 وراجع سنن البيهقي ج 96/ 8، والأم للشافعي المرجع السابق. 2 - راجع شرح الجامع الصحيح ج 427/ 3 والجلاء 44 - 45 والنيل وشرحه 11/ 15 - 13 و 72 والعقد الثمين 444/ 4 وفيض القدير 319/ 4 والمدونة الكبرى 302/ 2 ط التراث أو 265/ 2 المصورة وفقه السنة 563/ 2 وسبل السلام 1218/ 3 والقرطبي ج 207/ 6.
3 - تقدم تخريج الحديث. وقد منَّ الله عليَّ ببحث مستقل في دية المرأة طبع مؤخرا فارجع إليه تجد بغيتك إن شاء الله وعجل.
259 (1/259)
صفحة 260
فيؤخذ به إذا ثبتت صحته ويعمل بكل واحد في محله، ولا أظنك تجد ذلك والعلم
عند الله.
المسألة السابعة في دية الرقيق
دية الرقيق قدر قيمته الذكر والأنثى والخنثى من غير فرق في ذلك إلا قيمة كل واشترط بعضهم ألا تجاوز قيمته دية الحر، وفيما دون النفس كل شيء بحسابه فما كان فيه الدية التامة في الحر ففي العبد قيمته التامة، كالسمع والبصر والشم والذوق وما كان فيه نصف الدية في الحر ففي العبد نصف قيمته، وما كان فيه ربع الدية ففي العبد ربع قيمته وما كان فيه عشر الدية ففي العبد عشر قيمته وما كان فيه نصف عشر الدية ففي العبد نصف عشر قيمته وهكذا. فمثلا للمأمومة في الحر ثلث الدية وفي العبد ثلث قيمته وللإصبع الواحدة عشر الدية وفي العبد عشر قيمته وللموضحة في الحر نصف عشر الدية وفي العبد نصف عشر قيمته وكذا في السن الواحدة ولليد الواحدة في الحر نصف الدية وفي العبد نصف قيمته وللدامية في مقدم الرأس عشرُ عشر الدية، وفي العبد عشر عشر قيمته وهكذا ..
1 - وقد جرى العمل في المحكمة العليا ممثلة بدائرة الأروش والديات الآن على عدم التنصيف فيما لم يجاوز ثلث دية الرجل من الأروش المقدرة في السنة، وكذا فيما لم يرد في تحديده نص من الشارع ومرده لحكومة العدل؛ جمعا بين الأدلة وأخذا بأوسط الأقوال، وقد أوضحت ذلك في الملحق السابع من هذا الكتاب وفي كتاب "دية المرأة" فليراجع من هنالك وليتأمل جيدا.
260 (1/260)
صفحة 261
وقيل: فيما دون النفس يُقوَّمُ صحيحا وعليلا، ولسيده فضل ما بين القيمتين
لأنه مال.
وإن كانت الجناية فيما فيه دية كاملة كالعينين مثلا فعلى الجاني قيمته ويدفع إليه.
المسألة الثامنة في دية المرأة إن ماتت بجماع الزوج أو غيره
إذا وطئ الرجل زوجته فماتت بسبب الوطء فإن كانت دون ثمان سنين فعليه ديتها في ماله وإن أتمت الثمان ودخلت في التاسعة فقيل: لا دية عليه؛ لأن الشرع أباح له جماعها إن كانت تطيق الجماع - إلا إن تعمد إضرارا بها - وذلك قضاء الله عليها وليس على العاقلة شيء؛ لأنه ليس من قبيل قتل الخطأ، وقد دخل بعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وهي بنت تسع سنين، فمن ذلك تؤخذ إباحة
الوطء.
وقيل على العاقلة ديتُها إن كان الوطء قبل البلوغ، أما إن وطئها بعد البلوغ فهل لها ديتها أم لا؟ خلاف، وعلى القول بالدية فعلى العاقلة؛ لأنها من سبيل الخطأ، إلا إن تعمد إضرارا بها فماتت بسبب ذلك فعليه ديتها في ماله.
1 - راجع ابن جعفر ق 3 م ص 34 والنيل وشرحه 74/ 15 والتمهيد 104/ 13 والمصنف للعلامة الكندي ج 41 ص 155 ومختصر البسيوي 340 وجامعه 128/ 4 والفتح الجليل 718 والرياض 376 والجلاء 270 والمصنف لابن أبي شيبه ج 330/ 6 - 334 و 405 ط دار الفكر 1994 م والأم للشافعي ج 7 ص 519 جراحة العبد. وقد صارت هذه المسألة من الدوارس، إذ لم يبق وجود حقيقي للرقيق والله الحمد، وإنما تذكر لمعرفة الحكم تفقها.
261 (1/261)
صفحة 262
أما إن كان الواطئ لها غير الزوج فماتت بسبب ذلك فإن كان منه لها على جهة الجبر والغلبة فلها العقرُ والدية في ماله خاصة، تدفع لأوليائها ولهم القصاص منه إن أرادوا قتله، وإن كان على جهة المطاوعة فعليه الدية فقط ولا قود عليه ولا عقر؛ وذلك لمطاوعتها إياه، وكذلك لا عُقر عليه للمطاوعة، أما الحد فعليه بشروطه الشرعية؛ سواءً أكان منه لها بجبر أم مطاوعة، وإن كانت حية فعليها الحد بالمطاوعة على الزنى وإن كانت مجبرة فلا حد عليها؛ لسقوطه عنها بشبهة الجبر، وإن كان هو مجبراً أيضا فلا حدَّ عليه لشبهة الجبر؛ لأنَّ الحدود تدراً بالشبهات كما تقدم في المسألة الثالثة والثلاثين من الفصل الأول.
المسألة التاسعة في دية الخلط
إذا جامع الرجل المرأة فأخلطها أُجلتْ عاما كاملا للنظر في برئها من عدمه فإن برئت والتأم جرحها ورجعت كأصلها فلها ثلث ديتها، وإن لم ترجع على طبيعتها الأصلية فلها ديتها كاملة دية المرأة، وحرم وطؤها، وذلك إذا علم زوجها بالخلط، وهو خلط القبل مع الدبر، أما إذا لم يعلم به ولم تخبره فهو في سلامة من أمره، وليس عليه أن يسألها لأن الأصل عدم الخلط، فإن صح معه الخلط أو تبين امتنع من جماعها حتى تبرأ. 2
1 - الجلاء 260 و 275 والمحلى 87/ 11 - 88 والنيل وشرحه 87/ 15 وابن جعفر ق 3 ص 108 م وبيان الشرع ج 129/ 67 والمسالة الثانية والمسألة الثالثة والثلاثين من الفصل الأول.
2 - راجع الجلاء 262 والنيل وشرحه 48/ 15 والفقه على المذاهب الأربعة 341/ 5 وابن جعفر ق 3 م ص 21 و 55 - 56 والتمهيد 92/ 13.
262 (1/262)
صفحة 263
وإن اختلط موضع البول بموضع الجماع، فإن كانت تمسك البول، فلها ثلث الدية، وإن كان البول لا يستمسك فلها الدية كاملة.
واختار القطب رحمه الله في شرح النيل عدم حرمةِ جماع المختلطة للقبل مع الدبر حيث قال: "وإن أخلطها زوجها حرمت عليه وعلى غيره، ورخص له المقام معها وجماعها لا لغيره، والظاهر عندي أنها حلال له ولغيره ولكن يجتنب
الدبر."
فإن لم تمسك الغائط فلها ديتان؛ دية للخلط ودية لعدم إمساكها الغائط
المسألة العاشرة في دية الخنثى
دية الخنثى ثلاثة أرباع دية الذكر وذلك لإشكاله يأخذ نصف دية الذكر ونصف دية الأنثى فذلك ثلاثة الأرباع من دية الذكر فتصير ديته خمسة وسبعين بعيرا للحر المسلم وكذا في الأروش في جميع إصاباته على هذا القياس إن كان مسلما حرا فثلاثة أرباع دية المسلم وإن كتابيا فثلاثة أرباع دية الكتابي وإن مجوسيا فثلاثة أرباع دية المجوسي وهكذا على حسب الملة التي يدينها وكذا ما فيه نصف الدية أو ربعها أو عشرها أو نصف عشرها مثال ذلك للسمحاق في الحر المسلم أربعة أبعرة وللخنثى ثلاثة أبعرة وللموضحة في مقدمة رأس الحر المسلم خمسة
1 - راجع الجلاء 264.
2 - يعني بذلك الإمام القطب رحمه الله اذا خرجت من زوجها بعد خلطها بوجه حق فتزوجت غيره فله جماعها على هذا الرأي.
3 - شرح النيل ج 2/ 6 ص 170 - 171 - فيما يحرّم المرأة أو يبينها. ط التراث.
4 - الجامع المفيد من أحكام أبي سعيد ج 5 ص 2/ 17 ط التراث.
263 (1/263)
صفحة 264
أبعرة وللخنثى أربعة أبعرة إلا ربع بعير وكذا في السن وللهاشمة عشرة أبعرة في مقدم رأس الحر المسلم الذكر وللخنثى سبعة ونصف ومثله في الإصبع وللمنقلة في مقدم رأس الذكر الحر المسلم خمسة عشر بعيرا وللخنثى أحد عشر بعيرا وربع بعير وللجفن الواحد في الذكر الحر المسلم ربع الدية خمسة وعشرون بعيرا وللخنثى تسعة عشر بعيرا إلا ربع بعير وهكذا.
المسألة الحادية عشرة دية أهل الكتاب
اختلف أهل العلم في دية غير المسلمين من أهل الكتاب على مذاهب، أحدها أن دية الكتابي ثلث دية المسلم وعلى ذلك العلامة السيابي في الميمية وشرحها والإمامان في النيل وشرحه وأكثر أهل المذهب وهو الذي عليه العمل عندهم وهو الذي عليه الشافعي وإسحاق بن راهويه ومن معهم واستدل هؤلاء بمفهوم قوله في حديث عمرو بن شعيب وفي النفس المؤمنة مائة من الإبل" فإنه يدل على أن غير المؤمنة بخلاف ذلك.
وكأنهم جعلوا بيان هذا المفهوم بما أخرجه الشافعي عن ابن المسيب أنَّ عمر بن الخطاب قضى في دية اليهودي والنصراني بأربعة آلاف درهم، وفي دية المجوسي
بثمانمائة درهم، ومثله عن عثمان وهو رواية عن عمر بن عبد العزيز.
ثانيها: أن دية الكتابي نصف دية المسلم وهو مذهب مالك وأصحابه وروي عن عمر بن عبد العزيز، وعروة بن الزبير وابن شبرمة، وغيرهم.
6
1 - الصنعاني سبل السلام ج 3 ص 1216 - 1218 وابن ابي شيبة المصنف ج 6 ص 360 - 361،
264 (1/264)
صفحة 265
وبه قال أحمد إذا كان القتل خطأ، فإن كان عمدا فعنده الدية كاملة دية المسلم، ولكن لا يقاد به.
ولعل هؤلاء يستدلون بما رواه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: " كانت قيمة الدية على عهد رسول الله له ثمانمائة دينار أو ثمانية آلاف
درهم، ودية أهل الكتاب على النصف من دية المسلمين ..
"
وبما رواه أبو داود عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "دية المعاهد نصف دية "الحر"
وبما رواه الترمذي عن ابن عمرو بن العاص عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: "دية عقل الكافر نصف عقل المؤمن."
1 - راجع النيل وشرحه 73/ 15 وفقه السنة 565/ 2 والشوكاني 64/ 7 ورياض الأزهار 377 والتمهيد 104/ 3 والمصنف لابن أبي شيبة 407/ 5 وابن جعفر ق 3 ص 57 - 58 م. ونصب الراية ج 364/ 4 فما بعدها وشرح الجامع ج 3/ كتاب الدبات، والأم للإمام الشافعي ج 7 ص 523 فما بعدها دية أهل
الذمة.
2 - رواه أبو داود بهذا اللفظ أيضا من طريق عمرو بن شعيب ح 4583 مع تعليق الخطابي والترمذي في الديات ح 1413 والنسائي في القسامة ح 4810 ورواه أحمد وابن راهويه والبزار في مسانيدهم من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ولفظ ابن راهويه دية الكافر والمعاهد نصف دية الحر المسلم" وأخرج الطبراني في معجمه من طريق ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن دية المعاهد نصف دية المسلم" راجع نصب الراية.
- ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه ج 6 ص 361 من كتاب الديات دون لفظة (عقل) وبأخرى" دية المعاهد على النصف من دية المسلم " وعند ابن ابي عاصم " دية الكافر على النصف من دية المسلم
265 (1/265)
صفحة 266
وبما رواه أحمد والأربعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين" وفيه إسماعيل بن عياش وقد تقدم الكلام عليه في دية المرأة.
وبما رواه ابن ماجة أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أنَّ عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين؛ وهم اليهود والنصارى " وهو من رواية عمرو بن شعيب أيضا، وقد قال الخطابي في معالم السنن: ليس في دية أهل الكتاب شيء أبين من هذا. وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز، وعروة بن الزبير، وهو قول مالك، وابن شبرمة وأحمد حنبل ... "
قلت: وهذا هو الأوجه لهذه الأدلة من السنة الشريفة وهي وإن كان في بعضها مقال ولكنها تعضد بعضها بعضا لكثرتها، أما القول بالثلث فليس فيه دليل صريح من السنة، إلا ما روي من أثر عن عمر أنه قضى به، وهو وإن صح
عنه
ولا يقتل مسلم بكافر." ح 214 ص 415 مرجع سابق وأخرجه أحمد ح 6292 و 701296761 وابن ماجة 2644 والترمذي 1413 والخلال في الجامع 870 والنسائي في الكبرى 7009 و 7010، والمجتبى 45/ 8، والدارقطني، 129/ 3 و 145 و 170، وأبو داؤد،4583، مرجع سابق، والبيهقي السنن الكبرى ح /15912 و 16345 والبغوي في شرح السنة ح /5242، وابن عبد البر في الإستذكار ح 37479 و 37480، وابن وهب في الموطن / ح / 503 و 506 من عدة طرق.
1 - ابن ماجة في الديات ح 2644 مع التعليق عليه للعلامة البوصيري المسمى مصباح الزجاجة ج 3 ص 276 بتحقيق خليل مأمون وانظر المراجع السابقة.
2 - سبل السلام ج 1217/ 3 ومعالم السنن بحاشية سنن أبي داؤد؛ تعليق على حديث "دية المعاهد نصف دية الحر " 4583 مرجع سابق. وانظر موسوعة فقه عمر بن عبد العزيز له (الجناية) تحقيق أد محمد رواس قلعه
جي.
266 (1/266)
صفحة 267
فمذهب صحابي موقوف عليه فقط، ولعله رجع عنه لَمَّا بلغه حديثُ الديات كما رجع عن أحكام كثيرة في الديات لما بلغه ذلك، كما ستعرفه إن شاء الله تعالى، وكذا ما روي عن غيره موقوفا.
ومهما وُجد دليل من السنة مرفوع إلى رسول الله له فالعمل به أولى وأما القول بالدية كاملة فليس فيه دليل ثابت كما ستعرفه بعد إن شاء الله تعالى.
ثالثها: أنَّ دية الذمي دية المسلم لا فرق في مقدارها فقد روي عن ابن عباس والشعبي والنخعي أن المقتول من أهل العهد خطأ لا تبالي مؤمنا كان أو كافرا على عهد قومه فيه الدية كدية المسلم، وهو قول أبي حنيفة والثوري وعثمان البتي ومجاهد وأصحاب الرأي والحسن بن حيّ وعطاء والزهري وسعيد بن المسيب فقد جعلوا الديات كلها سواء المسلم واليهودي والنصراني والمجوسي والمعاهد والذمي وحجتهم قوله تعالى: "فدية" وأن ذلك يقتضي التسوية في الجميع وعضدوا هذا بما رواه محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس في قصة بني قريظة والنضير أنَّ رسول الله جعل ديتهم سواء دية كاملة، ولكن قال أبو عُمَر: هذا حديث فيه لين وليس بحجة
1 - أبو عُمَرَ يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر القرطبي المالكي؛ من مشاهير علماء المالكية له عدة مؤلفات منها الإستذكار والتمهيد والكافي والإستيعاب وجامع بيان العلم وفضله، ولد في ربيع الآخر سنة 368 هـ مات ليلة الجمعة سلخ ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وأربعمائة، انظر تذكرة الحفاظ للذهبي. ومحمد بن إسحاق مدلس، وقد عنعن الحديث بما يزيد في ضعفه، ومحمد بن إسحاق هذا نفسه روى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: دية الكافر على
267 (1/267)
صفحة 268
وبما روي من طريق ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "دية الذمي مثل دية المسلم" رواه الطبراني في الأوسط ولكن فيه أبو بكر بن عبد الله بن كرز وهو ضعيف.
وبما أخرجه البيهقي عن ابن جريج عن الزهري عن أبي هريرة قال: "كانت دية اليهودي والنصراني على عهد رسول الله الله مثل دية المسلمين
"
?
النصف من دية المسلم. كما في ابن أبي عاصم ح 214 المتقدم وهو الذي توبع عليه من طرق كثيرة. وهذا النص المذكور عن أبي عمر حسبما أورده القرطبي في تفسيره ج 5 ص 327 وأخرج الرواية كل من أبي داود ح 4494 أول حديث من كتاب الديات، والنسائي في القسامة ح 4652، باب تأويل قوله تعالى:" وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْط) الآية 42 من سورة المائدة، ولم يرد لفظ (دية كاملة) معهما، ينظر عون المعبود شرح سنن أبي داود ح 3896 حسب ترقيم العالمية، ونص شارحه على لفظة (سواء) بأنها فيما بينهم حيث كانوا يتفاضلون فحكم بأن تكون دياتهم متساوية؛ لا فضل لقرظي على نضيري ولا العكس. وعليه فلا حجة فيه. وانظر أيضا تفسير القرطبي ج 6 ص 187 للآية المذكورة، وتفسير الخازن، وقد جاء فيه ... فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني أحكم أنَّ دم القرظي وفاء من دم النضيري ودم النضيري وفاء من دم القرظي ليس لأحدهما فضل على الآخر في دم ولاعقل" فغضبت بنوا النضير وقالوا: لا نرضى بحكمك فأنزل الله "أفحكم الجاهلية يبغون." الآية 50 من سورة المائدة، وأخرج الطبراني وغيره كما في الدر المنثور عن عكرمة عن ابن عباس أن الآية "فَاحْكُمْ" إنما نزلت في الدية من بني النضير وقريظة ... فتتحاكموا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل ذلك فيهم فحملهم رسول الله له على الحق فجعل الدية سواء. ينظر عون المعبود المرجع السابق.
1 - وأخرج الرواية ابن أبي عاصم ح 207 ص 407 من طريق محمد بن إسحاق عن الزهري بلفظ: ... كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف دينار ... " ومحمد بن إسحاق سبق الكلام عليه. ولها عدة طرق كلها عن الزهري وقد علمت ما قيل في ذلك راجع المصنف لابن أبي شيبة 360/ 6 - 361 وسبل
السلام 3/ 1217 والقرطبي المرجع السابق ونيل الأوطار ج 7 ص 66 ونصب الراية مرجع سابق.
268 (1/268)
صفحة 269
وأجيب عن ذلك بأن الدية مجملة وحديث الزهري مرسل ومراسيله قبيحة.
وروي هذا القول بالدية كاملة عن عمر وابن مسعود والهادوية.
والحاصل أنه ليس لأصحاب هذا الرأي دليل ثابت من السنة يصح الاحتجاج به، وقد علمت مما مر أنَّ القول بالنصف هو الأولى لما يعضده من الأدلة فإن ظهر لك الحق في ذلك فخذ به، والباطل مردود بإذن الله تعالى.
أما ما روي عن عمر في هذا أيضا فقد علمتَ أنه روي عنه أنه قضى بالثلث وتقدم الجواب عليه بأنه مذهب صحابي موقوف عليه، واحتمال رجوعه عنه كبير، والدليل إذا طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال، كيف إذا لم يكن دليلا، بل رأيا من غير معصوم؛ محتاج بنفسه إلى دليل، وكذلك ما روي عن غيره من الصحابة وغيرهم، ولأن الحجة في المرفوع عن الرسول.
نعم في حال الاتِّباع وعدم ثبوت الدليل فالصحابة الأجلاء المخلصون الله والرسول أولى بالاتباع والتقليد من غيرهم ممن أتوا بعدهم؛ لمشاهدتهم الوحي، والثقة فيهم أعظم إلا من ثبت منه خلاف ذلك، فلينظر فيه ولا يؤخذ إلا بعدله.
1 - سبل السلام 1217/ 3 ونيل الأوطار ج 7 ص 66 وهنالك روايات أخرى كلها معلولة الإسناد ضربنا صفحا عنها لعدم صلاحيتها للاحتجاج بها كما في المرجعين السابقين وكتاب الديات لابن أبي عاصم
ح 212 وغيرها وراجع من هذا الفصل المسألة التالية والمسألة السادسة من الفصل الأول. 2 - وقد أخذت المحاكم في هذا الزمان المرّ الذي نعيشه الآن بالقول بالتساوي في الدية في جميع المستأمنين وجرى عملها على ذلك أخذا بأرخص الأقوال لأمور يفهمها اللبيب لا داعي لشرحها هنا.
269 (1/269)
صفحة 270
المسألة الثانية عشرة بقية ملل الشرك
بقية الملل من أهل الشرك غير الكتابيين كالمجوس وعبدة الأوثان وغيرهم ممن لا يدينون بدين تختلف دياتهم عن الكتابيين.
فدية المجوسي ثمانمائة. درهم ثلثا عُشر الدية وستة وستون دينارا من الذهب وستة أبعرة وثلثا بعير من الإبل وهكذا من بقية أجناس الأموال في الدية فعن مكحول قال: "قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في دية المجوسي ثمانمائة درهم.
ويقاس عليها الجروح وجميع الأروش فما يستحقه المسلم في الجرح فللمجوسي ثلثا عشره؛ بالهاء المهملة فمثلا للضربة المؤثرة في وجه المسلم عشرون درهما ولها في وجه المجوسي درهم وثلث وهكذا وللمرأة نصف الرجل.
أما الوثني فديته ستمائة درهم نصف عشر دية المسلم الحر وخمسون دينارا من الذهب وخمسة أبعرة من الإبل وهكذا من بقية أجناس الأموال فما يستحقه المسلم الحر يعطى الوثني نصف عشره بالهاء المهملة، وفي الجروح والأروش بحسب ذلك فمثلا للمؤثرة في وجه المسلم الحر عشرون درهما ولها في وجه الوثني درهم واحد وهكذا.
وبقية المشركين ممن لا يدينون بديانة مثل الوثني؛ إلا ما سبقت الإشارة إليه قبل في المسألة الحادية عشرة في المعاهد أن ديته كدية المسلم، وقد علمت بطلان ذلك
1 - منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 151/ 6، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه موقوفا عن عُمر وعثمان وعكرمة والحسن وسليمان بن يسار وعطاء. وانظر: نصب الراية 4/ 365 مرجع سابق وابن جعفرص 57 ق 3 م، والضياء ج 15 ص 36 وبيان الشرع ج 67 ص 134.
270 (1/270)
صفحة 271
لعدم وجود دليل صحيح من الشارع.
أما ما روي عنه الله: أنَّه أعطى الذمي مائة من الإبل فمتأَوَّل بأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُرد بذلك الدية، وإنما أراد إرضاء أولياء أولئك من المشركين ترغيبا لهم في الإسلام، لا أن يكون ما أعطاهم دية.
والحجة على ذلك ما أخرجه الثلاثة عن هلال بن سراج بن مجاعة عن أبيه عن جده مجاعة بن مرارة، أنه أتى رسول الله الله يطلب دية أخيه قتله بنو سدوس من بني ذهل فقال: "لو كنتُ جاعلا لمشرك دية جعلتها لأخيك، ولكن سأعطيك منه عتبي." فكتب له مائة من الإبل من أوَّل خُمُس يخرج من مشركي بني ذهل، فأخذ طائفة منها، وأسلمت بنو ذهل، فطلبها بعد مجاعة إلى أبي بكر، وأتاه بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب له أبو بكر باثني عشر ألف صاع من صدقة اليمامة؛ أربعة آلافٍ براً وأربعة آلافٍ شعيراً وأربعة آلافٍ تمرا، وكان في كتاب رسول الله المجاعة: "بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم المجاعة بن مرارة من بني سليم، أني أعطيته مائة من الإبل من أول خُمس يخرج من مشركي بني ذهل عتبة من أخيه."
ويحتمل نسخُها أيضا بهذا الحديث وسائر الأحاديث المخالفة لها، والدليل إذا
1 - راجع الإصابة 362/ 3 والأسد 300/ 4 - 301 وتيسير الوصول إلى جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ج 100/ 2 وأبا داود ج 3 ص 263 ح 2990 من كتاب الخراج والامارة والفيء مع تعليق الخطابي وفي رواية (عُقبى) مكان (عُتبى) و (عُقْبةً) مكان (عُتبة) ومعنى العقبة العوض والعتبة والعتبى الرضا.
271 (1/271)
صفحة 272
طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال.
واختار صاحب بيان الشرع أنَّ دية المعاهد والمجوسي وسائر المشركين على
السواء؛ ثلث دية المسلم. '
1 - انظر: بيان الشرع ج 67 ص 135. ط 1 وزارة التراث. - وقد أخذت المحاكم في هذا الزمان المرّ الذي نعيشه الآن بالقول بالتساوي في الدية في جميع المستأمنين وجرى عملها على ذلك أخذا بأرخص الأقوال لأمور لا داعي لشرحها هنا.
272 (1/272)
صفحة 273
المسألة الثالثة عشرة في دية الجنين
دية الجنين ' إذا مات بسبب الجناية على أُمّه - سواء بقي في بطنها ميتا ثم سقط أو انفصل منها مباشرة عند الجناية فخرج ميتا - غرة عبد أو أمة وذلك بعد تحقق كونه تام الخلق فالعبد في الذكر والأمة في الأنثى وكون الأم حرة مسلمة.
والدليل على وجوب الغرة؛ ما روي أن زوجتين لحمل بن مالك بن النابغة الهذلي اللحياني إحداهما مليكة بنت عويمر، والثانية أم عفيف بنت مسروح وهما
1 - الجنين لفظ عام في كل ما استتر عنك، والمراد به هنا الحمل المستتر ما دام في بطن أمه، قال في المصباح المنير في غريب الشرح الكبير مادة (ج ن ن): الجنين وصف له ما دام في بطن أمه، والجمع أجنة مثل: دليل وأدلة، قيل: سمي بذلك لاستتاره فإذا ولد فهو منفوس." وفي المغرب: (جَنَّهُ) سَتَرَهُ مِنْ بَابِ طَلَبَ (وَمِنْهُ الْمَجَنُ (النُّرْسُ لِأَنَّ صَاحِبَهُ يَتَسَتَّرُ بِهِ. وفي الحديث: عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم {لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إِلَّا فِي ثَمَنِ الْمُجَنِّ) المغرب في ترتيب المعرب المؤلف: ناصر بن عبد السيد أبي المكارم ابن على، أبو الفتح برهان الدين الخوارزمي المُطَرزِى (المتوفى: 610 هـ) مادة (ج ن ن) وفي لفظ الربيع له أبو عبيدة عن جابر عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع يد سارق في مجن قيمته أربعة دراهم. ح 612. (باب في الرجم والحدود) قال النور السالمي قوله: «في مِجَنّ»: بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النون، وَهُوَ، الترس، سمّي بذلك لأَنَّهُ يستر صاحبه عن الضرب، فهو مأخوذ من جَنَّ بمعنى ستر، ويقال: له جُنَّة، بضم الجيم. انظر: شرح الجامع الصحيح لنور الدين السالمي (314/ 3) 2 - المدونة الكبرى لأبي غانم بشر بن غانم الخراساني ج 3 كتاب الديات ط الأولى 1428 هـ 2007 م ن وزارة التراث ص 240 فما بعدها.
عنه
- في بعض الروايات حمل بن النابغة نسبة إلى جده النابغة.
4 - ينظر ابن أبي عاصم ح 168 ص 341 المرجع السابق وأسد الغابة ج 5 ص 549 (مليكة بت عويمر الهذلية إحدى المرأتين .. ) و 603 - 604 (أم عفيف بنت مسروح زوج حمل بن مالك) والإصابة في تمييز الصحابة ج 4 ص 477,410.
273 (1/273)
صفحة 274
هذليتان لَحْيَانيَّتَان؛ رمت أم عفيف ضرتها مليكة بمصطلح في بطنها فقتلتها وما في
بطنها، فقض رسول الله له بالغرة في الجنين عبد أو أمة"
وهو حديث ثابت مع جميع أصحاب السنن، ونص الحديث في الربيع أبو عبيدة قال: سمعت عن أبي هريرة قال: إن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى فطرحت جنينا ميتا فقضى فيه رسول الله له بينهما بغرة؛ عبد أو أمة".
ورواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة، والبخاري ومسلم وابن حبان بهذا اللفظ وغيره، ونصه في بعض رواية البخاري "أن أبا هريرة قال اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى أنَّ دية جنينها غرة عبد أو وليدة، وقضى أنَّ دية المرأة على عاقلتها."
ورواه ابن حبان وأبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم، من طريق حمل بن مالك بن النابغة بنفسه بلفظ: "وأن" تقتل بها ولكن هذه الرواية مخالفة لما هو
1 - شرح الجامع الصحيح 436/ 3 كتاب الديات والعقل وأخرج الرواية ابن أبي عاصم ح 164 ص 332 المرجع السابق، وأحمد 10916 والدارمي في سننه 2382 والدر قطني في العلل 302/ 9 وأبو عوانة في مسنده 6199 والبيهقي في الكبرى 16404 و 16406 و 16408 والبخاري 5758 و 6910 و 6740 ومسلم 1309/ 3 و 1681 وأبو داؤد 4576 و 4577 والنسائي في الكبرى 7021 و 7022 والمجتبى 48947/ 8، وغيرهم، وفي بعض الروايات أنَّ المقتولة عامرية والقاتلة هذلية.
2 - فتح الباري 263/ 12 ورواه بهذا اللفظ كل من مسلم ح 4369 - 4370 وأبو داود ح 4568. 4569 والترمذي ح 1411 والنسائي ح 4836 - 4841 و 4842 مرسلا وابن ماجه ح 2633.
- ابو داود ح 4572 والنسائي 248/ 2 وابن ماجه ح 2641.
274 (1/274)
صفحة 275
صح منها الناصة بحكمه في دية المرأة على العاقلة فلو كان القتل موجبا للقود لم تكن الدية على العاقلة، مع فقد الجاني بل في ماله خاصة.
ومنها ما رواه البخاري وغيره من طريق أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في جنين امرأة من بني لحيان بغرة عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله الله أن ميراثها لبنيها وزوجها وأن العقل على عصبتها."
ورواه الطبراني والبزار بلفظ: "فيه غرة عبد أو أمة أو خمسمائة أو فرس أو عشرون ومائة شاة" وإسناده ضعيف.
1 - فتح الباري 263/ 12 ومسلم بشرح النووي ج 176/ 11 وابن ابي عاصم ح 170 و 171 ص 350 وغيرهم وانظر نصب الراية 381/ 4 - 384.
-344
2 - البيهقي ج 115/ 8 وأخرجه ابن أبي عاصم ح 173 ص 351 مرجع سابق بلفظ " فجعل رسول الله في ولدها خمسمائة فنهى يومئذ عن الحذف. وفي رواية أخرى." .. قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرة عبد أو أمة أو فرس أو بغل" ح 172 ص 350 وأخرجه بهذا اللفظ: أبو داؤد ح 4579 وأخرجه أبو داؤد أيضا بلفظ: " خمسمائة شاه " وتعقبه بقوله: كذا الحديث "خمسمائة شاة" والصواب" مأئة شاه" قلت: الظاهر: خمسمائة درهم، إذ لم تذكر لفظة "شاة" بعد "خمسمائة" سوى رواية أبي داؤد بل أخرج أبو داؤد عن الشعبي قال: الغرة خمسمائة درهم؛ ح 4580.
275 (1/275)
صفحة 276
وفي رواية ابن أبي عاصم ماله عبد ولا أمة قال عشر من الإبل قالوا: ماله من شيء إلا أن تعينه من صدقات بني لحيان، فأعانه بها فسعى حمل عليها حتى استوفاها"2
وفي حديثه عند الحارث بن أبي أسامة .... وعشر من الإبل أو مائة شاة"" وفي حديث أسامة بن عمير أيضا فقال - العلاء بن مسروح أخ المرأة المحكوم عليها: مالي شيء. فقال الرسول الحمل وهو يومئذ على صدقات هذيل .. اقبض من صدقات هذيل."
4
وقد اتفق أهل العلم قاطبة على أنَّ الواجب في الجنين الغرة، كما جاء في الأحاديث المروية عن رسول الله له وذلك إذا خرج ميتا تام الخلق.
1 - الضمير في له يعود إلى العلا بن مسروح أخ الضاربة وذلك لما اعترض في ذلك فألزمه صلى الله عليه وسلم أن يعقل
عن أخته.
2 - هذه الرواية عن ابن أبي عاصم حكاها عنه الحافظ العسقلاني في الفتح باب جنين المرأة ح 6904 ص 259 مرجع سابق والشوكاني في نيل الأوطار ج 7 ص 70 ولم أجدها بهذا النص في ابن أبي عاصم في كتاب الديات والموجود فيه ... فيه غرة عبد أو أمة أو عشرين ومائة شاة ... " ينظر ابن ابي عاصم ح 174 ص 353 مرجع سابق. - فتح الباري 259/ 12.
2
- راجع أيضا نيل الأوطار ج 69/ 7 - 72 والجلاء ص 271 فما بعدها ط الأولى وسنن أبي داود باب دية الجنين ح 4568 - 4580 ط دار الفكر عام 1414 هـ وابن ماجه باب دية الجنين ج 3 ح 2639 - 2641.
276 (1/276)
صفحة 277
أما إن خرج حيا فمات بعد أن عُلِمَت حياتُهُ ففيه الدية التامة؛ دية الذكر إن كان ذكرا، ودية الأنثى إن كان أنثى، ودية المشكل إن كان مشكلا، وكذا فيه الكفارة
على الجاني كفارة قتل الخطأ وهي عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين.
ولكن اختلفوا في حكم الساقط من المرأة فيما كان غير تام الخلق؛ كالنطفة وما بعدها، وقد حدده أصحابنا على حسب أطواره فإن كان نطفة فتسعون درهما وإن علقة فمأئة وثمانون درهما وإن مضغة فمائتان وسبعون درهما وإن عظاما فثلاثمائة وستون درهما وإن كان مكسو اللحم وقبل نفخ الروح فيه أو مشكلا أو لم يتبين أنه ذكر أو أنثى فأربعمائة وخمسون درهما، وإن كان معلوما تام الخلق
فستمائة درهم، نظرا منهم في قيمة الغرة.
وذلك أنهم جعلوه عشر دية الأم على حساب أنَّ الدية اثنا عشر ألفا وذلك في الذكر وإن كان أنثى فنصف عشرها ثلاثمائة درهم ومنهم من جعله خمسمائة درهم وذلك على حساب الدية عشرة آلاف درهم.
وهذا التحديد موافق للأحاديث الوارد فيها التحديد بالخمسمائة درهم، لا العشر من الإبل؛ لأنها عشر دية الرَّجُل.
أما الإمام الرباني سعيد بن خلفان الخليلي فيرى في غير تام الخلق في النطفة ستين درهما، وفي العلقة مائة وعشرين درهما، وفي المضغة مائة وثمانين، وفي
1 - هو الشيخ العلامة المحقق سعيد بن خلفان بن أحمد بن صالح الخليلي الخروصي جد الإمام محمد بن عبد الله الخليلي -رحمة الله عليهما - ينتهي نسبه إلى الإمام الخليل بن شاذان بن الإمام
277 (1/277)
صفحة 278
العظام مائتين وأربعين، وإن تام الخلق فستمائة درهم للذكر، وثلاثمائة للأنثى، وقد صرح رحمه الله أنَّ ذلك قيمة العبد.
وجنين الأمة عُشر قيمة أمّه إن كان ذكرا، ونصف عشرها إن كان أنثى. واختلفوا فيما عطّله الجاني من غَلة أُمِّهِ فقيل: لا يلزمه إلا الجنين، ولا شيء عليه في الغلة، وقيل: عليه قيمة الولد وقيمة الغلة.
وجنين الدِّمِّيَّةِ عُشر ديتها أيضا في الذكر، ونصفه في الأنثى، وكذا بقية ملل الشرك؛ فيه عشر الدية في الذكر، ونصفه في الأنثى وهكذا ... وقيل في جنين الأمة والمشركة من أيّ مِلَّةٍ النظر.
كنف
جده
الصلت بن مالك الخروصي ولد ببوشر سنة 1231 هـ توفي عنه أبوه وهو صغير وتربى في لأمه أحمد بن صالح، كان رحمه الله كثير الخلوة والتبتل من مؤلفاته كتاب تمهيد قواعد الإيمان وكتاب النواميس الرحمانية وألفية في الصرف سماها "مقاليد التصريف" شرحها في ثلاثة أجزاء استشهد رحمه الله في ذي القعدة سنة 1287 هـ، كان مرجع عصره وعلامة زمانه وهو رائد النهضة الإصلاحية في ذلك الوقت والقائم بأعباء نصب إمامة الإمام عزان بن قيس البوسعيدي والمحافظ عليها إلى أن كتب الله له الشهادة. ينظر نهضة الاعيان لأبي بشير السالمي ص 381 فما بعدها وشقائق النعمان ج 2 ص 333 وقراءات في فكر الخليلي ص 82 نشر المنتدى الأدبي، ومخطوطة الإرشاد للشيخ سيف بن ناصر الخروصي، ومخطوطة السيرة الذاتية والمنهج الفقهي للعلامة أحمد بن سعيد بن خلفان الخليلي بحث تخرج إعداد الطالب خليل بن أحمد بن حمد الخليلي ص 13
تعليق. 1 - التمهيد 13 ص 80 و 104 - 110.
2 - الجلاء ص. 274 ط 1. وشرح النيل ج 15 ص 86، والمصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 336 فما بعدها، ط دار الفكر، وابن جعفر ق 3 ص 75 - 77 مرجع سابق، والمدونة الكبرى لأبي غانم بشر بن غانم الخراساني ج 3 كتاب الديات ط الأولى 1428 هـ 2007 م من وزارة التراث ص 240 فما بعدها.
278 (1/278)
صفحة 279
وجنين البهيمة عشر قيمتها وقيل: النظر وقيل: تُقَوَّم كأنَّ ولدها في بطنها، وتُقَوَّمُ بعد طرحها ولدها ولمالكها فضل ما بين القيمتين ورجحه العلامة محمد بن شامس البطاشي أبقاه الله.
وإن أتى الزوج زوجه وهي ذات حمل، فأسقطت بسبب الجماع فإن كانت أعلمته
1 - السَّقْطُ والسِّقْطُ والسُّقط: بفتح السين وكسرها وضمها له مغان في العربية كثيرة والمراد هنا، ما تسقطه المرأة من حمل ميتا. قال الخليل في العين مادة: سَقَطَ السَّقط والسقط، لغتان: الولد المسقط، الذكر والأنثى فيه سواء. إلى أن قال: والسَّقَط الخطأ في الكتابة والحسابة." سقط يسقط سقوطاً، فهو ساقط، وسقوط: وقع. وكذلك: الأنثى، قال: % (من كل بلهاء سقوط البرقع % بيضاء لم تحفظ ولم تضيع (% يعني: أنها لم تحفظ من الريبة ولم يضيعها والداها.) المحكم والمحيط الأعظم لابن سيدة المرسي (222/ 6): سَقَطَ الشيء من يده من باب دخل و أسْقَطَهُ المَسْقَط هو و بوزن المقعد السقوط وهذا الفعل مَسْقَطَةٌ للإنسان من أعين الناس بوزن المتربة و المسقط بوزن المجلس الموضع يقال هذا مسقط رأسه أي حيث ولد و ساقطه أي أسقطه قال الخليل يقال سَقَطَ الولد من بطن أمه ولا يقال وقع و سُقِط في يده أي ندم ومنه قوله تعالى {ولما سُقِطَ في أيديهم} قال الأخفش وقرأ بعضهم سَقَط بفتحتين كأنه أضمر الندم وجوز أُسْقِط في يديه وقال أبو عمرو لا يقال أُسقط بالألف على ما لم يسم فاعله والسَّاقِط و الساقِطَةُ اللئيم في حسبه ونفسه وقوم سَقْطَى بوزن مرضى و سُقَاطٌ مضموما مشددا و تساقط على الشيء ألقى نفسه عليه عليه و السَّقْطَةُ بالفتح العثرة والزلة وكذا السّقَاطُ بالكسر وسَقْطُ الرمل منقطعه وسقط الولد ما يسقط قبل تمامه وسقط النار ما يسقط منها عند القدح وفي الكلمات الثلاث ثلاث لغات كسر السين وضمها وفتحها قال الفراء سَقْطُ النار يذكر ويؤنث و أسْقَطَتِ الناقة وغيرها أي ألقت ولدها السقط و بفتحتين رديء المتاع والسقط أيضا الخطأ في الكتابة والحساب يقال أسْقَطَ في كلامه وتكلم بكلام فما سَقَطَ بحرف وما أَسْقَط حرفا عن يعقوب قال وهو كما تقول دخل به وأدخله وخرج به وأخرجه وعلا به وأعلاه و السَّقيط الثلج والجليد و تَسَقَطَهُ أي طلب سقطه و السَّقَاط مفتوحا
279 (1/279)
صفحة 280
بذلك وبخوفها على الحمل فقهرها فعليه الغرة بنفسه لورثتها من غيره، وإن كانت
لم تعلمه فعليها بنفسها، وإن أتى ذلك منها عن علم وطاعة منها فعليهما جميعا. وإن ماتت وهو في بطنها لم يخرج فلا شيء فيه، وقيل، غير ذلك، والأول هو الأكثر وكذا إن انفصل عنها بعد موتها قيل كعضو منها، لا شيء فيه وحكى القرطبي في
مشددا الذي يبيع السقط من المتاع وفي الحديث {كان لا يمر بسقاط ولا صاحب بيعة إلا سلم عليه} والبيعة من البيع كالركبة والجلسة من الركوب والجلوس"
وفي تاج العروس: والسُّقْطُ مُثَلَّثَةُ: الوَلَدُ يَسْقُطُ من بَطْنِ أُمِّهِ لِغَيْرِ تَمامٍ والكَسْرُ أَكثرُ والذَّكَرُ والأُنثَى سَواءٌ ومِنْهُ الحديث: " لأنْ أُقَدِّمُ سِقْطاً أَحَبُّ إليَّ من مائَةِ مَسْتَلْئِمٍ " المُسْتَلْئم: لا بِسُ عُدَّةِ الحَرْبِ يعني أَنَّ ثَوابَ السّقْطِ أَكثَرُ من ثَوابِ كِبار الأولاد. وفي حَدِيثٍ آخر: " يُحْشَرُ مَا بَيْنَ السِّقْطِ إِلَى الشَّيْخِ الفاني مُرْداً جُرْداً مُكَعَّذِينَ أُولي أفانين ". وهي الخُصَلُ من الشَّعرِ وفي حَدِيثٍ آخر: " يَظَلُّ السَقْطُ مُحْبَنْطِئاً عَلَى
باب الجَنَّة " ويُجْمَعِ السِّقْطُ عَلَى الأَسْقاطِ." (وَأَسْقَطَتْ الْحَامِلُ) مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْمَفْعُولِ إذَا أَلْقَتْ سِقْطًا وَهُوَ بِالْحَرَكَاتِ الثَّلَاثِ الْوَلَدُ يَسْقُطُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَيْتًا وَهُوَ مُسْتَبِينُ الْخَلْقِ وَإِلَّا فَلَيْسَ بِسِقْطٍ وَقَوْلُ الْفُقَهَاءِ أَسْقَطَتْ سِقْطًا لَيْسَ بِعَرَبِي وَكَذَا فَإِنْ أُسْقِطَ الْوَلَدُ سِقْطًا. المغرب في ترتيب المعرب برهان الدين الخوارزمي المُطَرزِى (المتوفى: 610 هـ). مختار الصحاح للرازي جميعها مادة سقط.
1 - يعنى لورثة الجنين من غير الأب القاتل لأنه بقهره للأم صار سببا في إسقاط الجنين فهو قاتل خطأ و" لا يرث القاتل المقتول" وكذا الحال إذا كان السبب من الوالدين كليهما فيكون الميراث لمن بعدهما وهكذا. وانظر سنن ابي داود المرجع السابق.
TA. (1/280)
صفحة 281
تفسيره الإجماع على ذلك، وكذا حكاه التنوخي في تعليقه على الجلاء عن صاحب
البحر.
وللصنعاني (وَلَا شَيْءَ) مِنْ الدِّيَةِ وَلَا مِنْ الْغُرَّةِ فِيمَنْ مَاتَ مِنْ الْأَجِنَّةِ (بِقَتْلِ أُمِّهِ) فَإِذَا جُنِيَ عَلَى الْمَرْأَةِ حَتَّى مَاتَتْ وَحَمْلُهَا فِي بَطْنِهَا لَمْ يَلْزَمْ لِذَلِكَ الْحَمْلِ شَيْءٍ هَذَا إِنْ لَمْ يَنْفَصِلْ عَنْ أُمِّهِ، فَإِنْ انْفَصَلَ وَخَرَجَ حَيًّا فَالدِّيَةُ، وَإِنْ خَرَجَ مَيْتًا وَقَدْ نُفِخَ فِيهِ
الرُّوحُ فَالْغُرَّةُ، وَكَذَا لَوْ تَحَقَّقَ وُجُودُهُ بِخُرُوجِ رَأْسِهِ أَوْ يَدِهِ وَإِنْ لَمْ يَنْفَصِلْ لَزِمَ الْغُرَّةُ.
2
قلت: وحكاية الإجماع في هذا منتقضة بوجود الخلاف هل فيه غرة أم لا؟ إذ لو صح الاجماعُ لما حصل الخلاف، والقرطبي نفسه ذكر الخلاف في المسألة.
1 - القرطبي / الجامع لأحكام القرآن ج 321/ 5 وجلاء العمى شرح ميمية الدماء ص 212 و 221 ط معهد القضاء 1411 هـ بتعليق عز الدين التنوخي راجع رياض الأزهار 368 وفتح الباري ج 12 ص 262 ط دار الريان 1407 هـ وشرح النيل ج 15 ص 85 - 87.
2 - الصنعاني أحمد بن قاسم الزيدي التاج المذهب لأحكام المذهب (ج 7 / ص 248)
- وهذا نصه: فإن لم تلقه وماتت وهو في جوفها لم يخرج فلا شيء فيه. وهذا كله إجماع لا خلاف فيه. وروي عن الليث بن سعد وداود أنهما قالا في المرأة إذا ماتت من ضرب بطنها، ثم خرج الجنين ميتا بعد موتها ففيه الغرة، وسواء رمته قبل موتها أو بعد موتها المعتبر حياة أمه في وقت ضربها لا غير. وقال سائر الفقهاء: لا شيء فيه إذا خرج ميتا من بطنها بعد موتها. قال الطحاوي محتجا لجماعة الفقهاء: قد أجمعوا والليث معهم على أنه لو ضرب بطنها وهي حية فماتت والجنين في بطنها ولم يسقط أنه لا شيء فيه، فكذلك إذا سقط بعد موتها " انتهى. فأنت ترى أنه يحكي الاجماع على عدم الأرش إن ماتت وهو في بطنها حتى ولو سقط بعد، ثم يذكر الخلاف في المسألة وهو من التناقض بمكان فتنبه أخي في الله، ولا تشغلنك حكاية الاجماع، دون حجة ودليل يثبته، فكثير من الاجماعات المزعومة، لا دليل عليها، سوى دعاوى بغير برهان. ونص شرح النيل: "وَإِذَا أَلْقَتْهُ بَعْدَ مَوْتِهَا بِضَرْبَةٍ
281 (1/281)
صفحة 282
ومثارُ الخلاف هل المعتبر نفس الانفصال أو تحقق حصول الجنين؟ وجهان؛ فمن اعتبر الانفصال لم يوجب له دية مع عدمه، ومن اعتبر تحقق وجودِ الجنين في بطن أمه أوجب له الدية انفصل عنها أم لا.
ولعل أصحاب الرأي الأول يستدلون بالأحاديث المصرّحة بالإسقاط في قضية اللحيانية وهي رواية الإمام الربيع بن حبيب الله، وأبي داود ومالك.
وأصحاب الرأي الثاني يستدلون بالأحاديث التي لم تذكر الانفصال والواقعة واحدة ولا تنافي بين الروايات، فالجميع متفقون على أنَّ الغرة تجب في الجنين الميت كما مر آنفا، والروايات المصرحة بالانفصال فيها زيادة، بيان، والزيادة من الثقة مقبولة، ولكنها لم تصرّح بشرط الانفصال، بل الواقعة التي ورد فيها الحكم كانت في جنين سقط ميّتًا، وهي واقعة حال لا تخصص عموما، كما أنها لا تُقَيّد مطلقا، فعلى هذا ففيه الغرة - إن تحقق وجوده في بطنها، وموته بسبب الجناية - انفصل من بطنها قبل موتها أو بعده أو لم ينفصل.
وإن شربت الحامل الدواء فأسقطت فإن كانت قصدت الشفاء فقيل: عليها الغرة
فَعَلَى الْجَانِي الدِّيَةُ أَوْ الْقِصَاصُ وَلَا شَيْءٍ فِي الْجَنِينِ، وَقِيلَ: فِيهِ الغرة ... ج 15 ص 83 ط جده. المرجع
السابق.
282 (1/282)
صفحة 283
بذلك السبب وعن أبي علي وابن جعفر الا شيء عليها إن شربته للشفاء، وكان مما يشربه الناس، أما إن كانت قاصدةً قتل ولدها فإن خرج ميتا فعليها الغرة، وإن
خرج حيا ثم مات فديته تامة دية ذكر إن كان ذكرا أودية أنثى إن كان أنثى "وقيل في المرأة إذا شربت دواء مما هو معروف مع الناس أنه من الأدوية وهي حامل فألقت ما في بطنها فلا شيء عليها في ذلك، وإن شربت دواء ليس معروفا مع الناس فعليها الدية خطأ على عاقلتها، وكذلك إذا سقت ابنها دواء فعلى هذا أيضا.
وإن شربته تريد به طرح ولدها فالدية عليها، وإذا كان ذلك الدواء مما يعرف أنه
1 - المكنى بأبي علي جملة من العلماء أشهرهم العلامة موسى بن علي، وقد تقدمت ترجمته وهو المقصود هنا، حسب الظاهر، والثاني هو الشيخ أبو علي الحسن بن أحمد بن نصر بن محمد الهجاري؛ نسبة إلى بلدة هجار بوادي بني خروص، وهو من علماء القرن الخامس، له أجوبة كثيرة، وهو من شيوخ القاضي نجاد بن موسى بن إبراهيم المنحي، كانت وفاته يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من شهر رمضاه سنة ثلاث وفي رواية سنة اثنتين وخمسمائة.
والثالث: هو الشيخ العلامة أبو علي الحسن بن أحمد بن محمد بن عثمان العقري النزوي من علماء القرن السادس مسكنه بالعقر من نزوى وبها بنى مدرسة على نفقته الخاصة لطلاب العلم. أمَّا ابنُ جعفر فهو العلامة أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي من علماء القرنين الثالث والرابع الهجريين عاش آخر أيام الإمام الصلت بن مالك وشهد الأحداث التي جرت وكان ممن يتولى راشد بن النظر وموسى بن موسى.
1 - راجع الميمية 271 - 288 وفتح الباري 262/ 12 ومباحث في التشريع الجنائي الإسلامي؛ د محمد فاروق النبهان ص 188 - 191 ط 2 ن وكالة المطبوعات الكويت، والمحلى 11 من 234 - 248 والنيل وشرحه 77/ 15 - 86 وابن جعفر ق 3 ص 7776 م والقرطبي 321/ 5 - 323 ونيل الأوطار ج 72/ 7
وسبل السلام.
283 (1/283)
صفحة 284
للشفاء فهو على العاقلة، وإن كان مما لا يعرف وأرادت بذلك طرح ولدها فهو عليها في مالها دون العاقلة، وإن شربت دواء لا يعرف إلا أنها أرادت به الشفاء وهي لا تعلم أنها حامل فألقت حملها فلا شيء عليها، وإن كانت شربت دواء لا يعرف تريد بذلك الشفاء فألقت حملها فهو خطأ على عاقلتها إن كانت قد علمت
بحملها.
واختلف أهل العلم في الجنين إذا خرج ميتا هل فيه الكفارة أم لا؟ فروي عن مالك فيه الغرة والكفارة وعن أبي حنيفة والشافعي الغرة ولا كفارة حكى ذلك عنهم العلامة القرطبي في تفسيره
وذكر النووي في شرح مسلم عن الشافعي وآخرين الكفارة، وعن مالك عدمها. ورجح علامةُ العصر المفتي العام حفظه الله عدم الكفارة؛ لأنَّ الكفارة شرعت في قتل النفس المتيقن حياتها وهذا خرج ميتا فلا كفارة فيه سوى الغرة، بخلاف أن لو خرج حيا ثم مات بعد تحقق حياته ففيه الكفارة والدية التامة؛ إن ذكرا فدية ذكر، وإن أنثى فأنثى.
أمَّا عِدَّة النفاس في ذلك فقد اختلف فيها فقيل: تعتبر نفساء ولو كان السقط دماً؛ بشرط عدم ذوبانه في الماء الساخن وقيل بالعلقة، وقيل بالمضغة، وقيل:
1 - الكندي محمد بن إبراهيم بيان الشرع.
- القرطبي الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 323. وانظر ابن عبد البر؛ التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، ج 6 ص 486 / ن/مؤسسة قرطبة.
3 - شرح النووي لصحيح مسلم ج 176/ 11
284 (1/284)
صفحة 285
بكمال الخلقة، وقيل: حتى يُميز أذكر أم أنثى، وذهب القطب في الشامل إلى أن: عدتها في الدم أربعة أيام، وفي العلقة تسعة وفي المضغة أربعة عشر، وفي العظم غير المكسو باللحم إحدى وعشرون، وفي تام الخلقة أربعون، ومع هذا إن رأت طهرا قبل ذلك اغتسلت وصلت، وأدت جميع ما يجب عليها من عبادة خالقها، وليس لها أن تترك ما وجب عليها بدعوى عدم اكتمال أيامها، وإلا عُدَّتْ مفرّطةً في
ذلك.
1 - ينظر: فتاوى الطهارة للعلامة المفتي العام للسلطنة ص 21، وشامل الأصل والفرع للعلامة قطب الأئمة ص 246 ط التراث، وقد يتساءل البعض: ماهي علاقة عدة النفاس هنا وكيف تعرض لها المؤلف مع أن الكتاب خاص بالجنايات؟ والجواب على ذلك أنَّ هذه المسألة مرتبطة بأحكام الجنين وكثيرة الوقوع، مع ندرة التعرض لها في أحكام النفاس، فرأيت من المناسب الإشارة إليها ومن أراد المزيد فليرجع إلى مظانها. وانظر: الجزء السادس من التطبيقات.
285 (1/285)
صفحة 286
المسألة الرابعة عشرة دية المرتد
للمرتد حكم خاص يخالف أهل الملل المتقدم ذكرها؛ ذلك لأنه دخل الإسلام فعرف الحق وتبين له الرشد وذاق حلاوة الإيمان، فخرج عن ذلك معاندا مكابرا الله ولرسوله والمؤمنين.
وهو وإن كانت بقية فئات الكفر الضالة متفقةً معه في عناده للإسلام فإنه لما اختار الإسلام أولا ورضي به دينا لا بد وفي حال المكابرة منه أن يكون أشد جرماً وأعظم إثماً.
وإذا كان الأمر كذلك فما هو الحكم الخاص به؟ وهل على من اعتدى عليه تبعة في نفسه أو ماله؟ وإن كان الجاني متبوعا فأين توضع هذه التبعة؟
فأما الحكم الخاص به فهو أنَّه لما أرتد عن الإسلام، وكابر الحق، فإنه يقتل حدا بالسيف، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَنْ بَدَّلَ دِيْنَ فَاقْتُلُوهُ "" ولقتله صلى الله عليه وسلم المرتدين عن الإسلام، وإهداره دمهم، ومن جملتهم ابن خطل قتله يوم الفتح وهو متعلق بأستار الكعبة.
6
فعن أنس أن النبي دخل مكة وعليه المغفر، قال: فقيل: يا رسول الله، ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: اقتلوه، قال أبو سلمة: ابن خطل، يقال له:
1 - رواه الدار قطني ح 90 و 108 واخرجه البخاري في الجهاد ح 3017 وفي استتابة المرتدين ح 6922 وابو داود في الحدود ح 4351 وابن ماجه ح 2535 باب المرتد عن دينه والترمذي في الحدود ح 1458 والنسائي في كتاب التحريم باب الحكم في المرتد ح 4070 و 4071 وابن ابي شيبة في مصنفه ج 6 ص 584 باب 167 في المرتد عن الإسلام، ما عليه؟ ح 8 بتعليق اللحام، وعبد الرزاق في مصنّفه، وانظر
فتح الباري كتاب استتابة المرتدين ج 12 ص 276 فما بعدها.
286 (1/286)
صفحة 287
عبد الله بن خطل كانت له جاريتان تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس كلهم الأمان، إلا ابن خطل، وقينتيه، وكان اسمه في الجاهلية عبد
خطل،
العزى وقيل: هو عبد الله بن هلال بن خطل وقيل: غالب بن عبد الله بن واسم خطل عبد مناف، وهو لقب له من بني تيم، وكان قد ارتد بعد ما أسلم وقيل: كان يكتب الوحي الرسول الله الله فكان يبدل ما نزل فيكتب مكان غفور رحيم، رحيم غفور، ونحو ذلك، ولما ارتد لحق بأهل مكة، فلما دخلها رسول الله أبطل دمه فقال: اقتلوه وإن وجدتموه تحت أستار الكعبة، وعبد الله بن أبي سرح، ومقيس بن ضبابة الليثي، فإنه لم يجعل لهم الأمان، فقتلوا كلهم إلا إحدى القينتين فإنها أسلمت. 1
بن سعد
واختلف هل تجب استتابته أم لا؟ فقيل: يستتاب ثلاثا في ثلاثة أيام، وقيل: في ثلاثة أسابيع، في كل أسبوع مرة، فإن تاب وإلا قتل، وقيل: يقتل بالحال ولا
يستتاب.
والظاهر أنَّ القول بالاستتابة هو الأقوى لما يعضده من الأدلة من السنة فإن
صل الله
عليه
رسول الله وهو ما كان يُسرع بقتل المرتدين قبل أن يحتج عليهم، فقد روي عنه أنه قال لمعاذ لما بعثه إلى اليمن " أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه فإن عاد وإلا
1 - انظر: البخاري كتاب جزاء الصيد باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام والسنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي 9/ 120 - 18743. الموطأ رواية محمد بن الحسن ج 2/ 426. قلت: والصحيح أنَّ عبد الله بن أبي سرح لم يقتل تلك اليوم وأنه اختبأ مع عثمان كما سيأتي وعاش وتأمر لبني أميَّة وغزا إفريقية وأفسد في إمارته، وفعل الأفاعيل المنكرة التي لا يرضاها الله ولا رسوله ولا المؤمنون، وهو دليل على أن رجوعه للإسلام كان ركيكا، مزورا بزور المنافقين الأولين. كما هو معلوم
في التأريخ.
287 (1/287)
صفحة 288
فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها، فإن عادت وإلا فاضرب عنقها."، فامتثل معاذ ه ذلك ونفذ أمر رسول الله في المرتد الذي وجده مع أبي موسى الأشعري وكان أبو موسى قد استتابه عشرين ليلة فاستتابه معاذ فأبى فضرب عنقه.
وروي عن عمر له أنه قال في أمر المرتد هلا حبستموه ثلاثا وأطعمتموه كل يوم رغيفا واستتبتموه لعله يتوب ويراجع أمر الله، اللهم إني لم أحضر ولم أرض إذ بلغني."وذلك على مرأى ومسمع من الصحابة فلم ينكر عليه. 3
واستتاب أبو بكر امرأةً ارتدت عن الإسلام فلم تتب فقتلها، وارتد عبد الله بن أبي سرح ولحق بمكة فأمر الله بقتله فجاء إلى عثمان بن عفان متشفعا به مظهرا التوبة فلم يقتله.
روي أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح العمري كان قد أسلم وكتب الوحي ثم ارتد فلما دخل رسول الله مكة وقد أهدر دمه فرّ إلى عثمان وكان أخاه من الرضاعة، فلما جاء به ليستأمن له صمت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلاً، ثم قال: نعم. فلما انصرف مع عثمان قال رسول الله الله لمن حوله أما كان فيكم رجل رشيد
1 - انظر: فتح الباري 284/ 12 وسبل السلام ج 1240/ 3. الطبراني المعجم الكبير 20/ 53 ح 93، وفي مسند الشاميين ح 3586
2 - انظر المراجع السابقة؛ الفتح 287/ 12 وسبل السلام 3/ 1239، ونيل الأوطار 191/ 7.
- انظر المراجع السابقة والعقد الثمين 260/ 1 راجع أيضا النيل وشرحه 286/ 14 والضياء بن مسلم الصحاري مرجع سابق ج 4 ص 45 - 268.
سلمة العوتبي
4 - العوتبي الضياء المرجع السابق 54 وابن جعفر ق 212/ 3 - 213 م والنيل وشرحه 14/ 168 وطلعة الشمس 2 ص 403 فما بعدها، مكتبة نور الدين بدية.
288 (1/288)
صفحة 289
يقوم إلى هذا حين رأني قد صمت فيقتله؟ فقالوا يا رسول الله هلا أومأت الينا؟ فقال إن النبي لا يقتل بالإشارة وفى رواية) إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة
الأعين.
" فَإِنْ ارْتَدَّ وَتَابَ ثُمَّ ارْتَدَّ وتاب} تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَهَكَذَا دَائِمًا لِأَنَّا نَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ وَكَانَ عليه الصلاة والسلام يَقْبَلُ ظَاهِرَ الْإِسْلَامِ مِنْ الْمُنَافِقِينَ " وَقَالَ عليه الصلاة والسلام لِمَنْ قَتَلَ شَخْصًا بَعْدَمَا أَسْلَمَ هَلَّا شَقَقْت قَلْبَهُ "2
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إِذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ الِارْتِدَادُ يُقْتَلُ مِنْ غَيْرِ عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُسْتَخِفٌ بِالدِّينِ"
(وَإِسْلَامُهُ أَنْ يَتَبَرَّأَ عن الْأَدْيَانِ سِوَى الْإِسْلَامِ أو عَمَّا انْتَقَلَ إِلَيْهِ) أَيْ كَيْفِيَّةُ تَوْبَتِهِ أَنْ يَتَبَرَّأُ عن الْأَدْيَانِ كُلِهَا سِوَى دِينِ الْإِسْلَامِ وَلَوْ تَبَرَّأَ عَمَّا انْتَقَلَ إِلَيْهِ صَحَّ لِحُصُولِ
1 - أخرجه بهذا اللفظ: أبو داود 59/ 3 ح 2683 باب قتل الأسير، 128/ 4 4359 باب الحكم فيمن ارتد والنسائي 443/ 3 ح 3516، المرتد، والحاكم 47/ 3 ح 4360، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. والبيهقى 205/ 8 ح 16656، مسند البزار 3 350 ح 1159 السنن الكبرى للبيهقي ت التركي ح 16946 و 62 169 و 18815. والشاشي في مسنده 1/ 136 ح 73 وانظر ابن الأثير الجزري: جامع الأصول في أحاديث الرسول 374/ 8، 6149 فتح الباري - ابن حجر - دار المعرفة 11/ 9. وانظر: الجزء الخامس من التطبيقات فقد مر خبر ابن أب سرح هنالك بأطول مما هنا.
2 - الحديث " هَلَّا شَقَقْت عن قَلْبِه .. " أخرجه أبو يعلى 91/ 3، 1522، والطبراني (176/ 2، ح 1723، وابن أبي شيبة في المصنف والسيوطي في الجامع قال الهيثمي ج 27/ 1، في إسناده عبد الحميد بن بهرام وشهر بن حوشب وقد اختلف في الاحتجاج بهما.
3 - تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق فخر الدين عثمان بن علي الزيلعي المتوفى: 743 ه) بَابُ
الْمُرْتَدِينَ
289 (1/289)
صفحة 290
الْمَقْصُودِ وَالْأَوْلَى هو الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا دِينَ لَه."
وهل حكم المرأة المرتدة في وجوب القتل حكم الرجل أو لا؟ خلاف والصحيح القتل، كالرجل كما في الأدلة السابقة، وكذا في بقية أحكام المرتد.
أمَّا الجناية عليه إن جرحه أحدٌ أو قذفه أو شتمه، فجمهور أهل العلم لا يرون مؤاخذة الجاني عليه بشيء ففي اللباب: " .. لا حدَّ عليه ولا دية له إلا أن يكون جرحه وهو مسلم ثم ارتد ثم أسلم" وفي المنهج وإن" قتل المرتد أحد دون أمر الإمام لم يقتل به بإجماع المسلمين على ذلك ولكن يحبس ويؤدب ولا دية عليه وأما إن جرحه أحد أو شتمه أو قذفه فلا حد عليه ولا دية."
وفي جامع البسيوي:" فأما إن جرحه أحد وهو مرتد ثم أسلم فلا قصاص له ولا دية ولا حد على من قذفه وإن جرحه وهو مسلم ثم ارتد ثم أسلم فإن له الحق إن شاء اقتص وإن شاء أخذ الدية وقيل له دية مشرك ويقتل حين ارتد هذا في أهل الديات بمنزلة أهل الذمة ... وقيل لا يقتل المرتد دون الإمام وقد رخص بعضهم إن
قتله لم يلزمه شيء .....
وفي التيسير عن القطب: "لا يعصم ماله ولا دمه ويُقتل ولو امرأةً ولا يرث ولا يورث ولا يمدح وتبين زوجته وتؤخذ أولاده عنه.
1 - المرجع السابق. باب الخلع.
2 - اللباب 297/ 14 والمنهج 129/ 8 - 130 وجامع البسيوي 123/ 4 ط التراث.
3 - تيسير التفسير /328 - 329 تفسير قوله تعالى: "ومن يرتد منكم عن دينه". الآية 217 من سورة
البقرة.
290 (1/290)
صفحة 291
وفي شرح النيل: "إذا أفاته أحد على الإمام فقتله قبل أن يستتاب أو قتله قبل ذلك ولا إمام فقيل: لا شيء فيه وعلى قاتله عقوبة لأنه أفاته على الإمام وقيل: إن الجاني مؤاخذ بالدية، واختلف فيها فقيل: دية الكتابي. وقيل: دية المجوسي وقيل: دية أهل الدين الذي ارتد إليه."
أمَّا من حيثُ وضع هذه الدية على القول بذلك فإنها توضع حيث يوضع مال المرتد وللعلماء في ذلك أقوال.
ففي جامع البسيوي والذي ارتد عن الإسلام في بلاد المسلمين وهو مقيم في داره وله بنون فميراثه لبنيه الصغار الذين لم يبلغوا الحلم وإن كانوا محتلمين فميراثه لأهل ملته والذي قال به بعض إن المرتد إذا مات أو قتل فماله لأهل دينه من أهل ملته من أهل عهد المسلمين وإن مات وخلف مالا في أرض دار الحرب ومالا في
أرض الإسلام فماله من أهل الحرب لولده الذين في أرض الحرب وماله في أرض
الإسلام لولده الصغار من أهل الإسلام " وفي المنهج من ارتد ولحق بدار الحرب كان ماله موقوفا عليه فإن رجع رجع إليه وإن مات على ردته كان ماله لورثته الكفار، وقول: لأهل دينه من أهل العهد، وقول لفقراء البلد، وقول: ميراثه لأولاده الصغار فإن كانوا كبارا فلأهل دينهم، وقول للذين ولدوا في حال ارتداده، وقول:
1 - الإمام القطب شرح النيل ج 15 ص 74.
1 - ينظر جامع البسيوي 123/ 4 - 125 ط التراث الاولى مع مقارنتها بالأصل، والإمام القطب شرح النيل ج 74/ 15. والعوتبي الضياء ج 4 ص 48 فما بعدها وص 60 وابن جعفر ق 3 ص 215 المخطوطة والجلاء ص 208 ط 2 وبيان الشرع ج 71 ص 11 فما بعدها.
291 (1/291)
صفحة 292
يلقى في بيت مال المسلمين.
وفي تفسير الخازن " .. أنَّ المرتد يقتل وتبين زوجته منه، ولا يستحق الميراث من أقاربه المؤمنين ولا ينصر إن استنصر ولا يمدح ولا يثنى عليه ويكون ماله فيئاً للمسلمين هذا في الدنيا. افي
أما الإمام القطب في الهيميان فقد قال بعد أن ذكر الخلاف:" ومشهور المذهب أنَّ ماله في الإسلام لورثته المسلمين
وفي القرطبي: "واختلف في ميراث المرتد فقال علي بن أبي طالب والحسن والشعبي والحكم والليث وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه: لورثته من المسلمين.
ومالك وربيعة وابن أبي ليلى والشافعي وأبو ثور لبيت مال المسلمين. وابن شبرمة ومحمد والأوزاعي في إحدى الروايتين: ما اكتسبه بعد الردة لورثته المسلمين.
وأبو حنيفة: ما اكتسبه حال الردة فيء وفي حال الإسلام لورثته المسلمين.
1 - الشيخ خميس الشقصي المنهج 131/ 8 - 321 (القول السادس عشر في المرتدين وأحكامهم) 2 - تفسير الخازن (2081، وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} البقرة 217. والنيسابوري وانظر: تفسير الكشاف ج 1 ص 350. تفسير: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279)) البقرة. تفسير مقاتل بن سليمان (278/ 4) سورة الحشر الآية (5).
3 - قطب الأئمة هيميان الزاد، ج 186/ 3 وانظر: ابن جعفر ق 218/ 3 والضياء 104/ 3 - 111.
292 (1/292)
صفحة 293
و ابن شبرمة وأبو يوسف ومحمد بغير تفصيل.
وللإمام الخليلي جواب مفيد في المرتد فراجعه آخر الفصل الثالث.
2
وقد ذكر العلامة أبو محمد في جامعه تفصيلا آخر في مال المرتد حال حياته وهو: إذا ارتد المسلم ولحق بدار الحرب قسم ماله بين ورثته من المسلمين. وعلل ذلك بعد أن أشار إلى الاختلاف في مسألته قائلا: "ونحن فلم نجعله ميراثا ولكن نقسمه بين ورثته من المسلمين خاصة لانهم يجمعون قرابة وإسلاما ألا ترى من يدلي للميت بسببين أولى ممن يدلي بسبب واحد، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا اله إلا الله ... فإذا قالوها حقنوا مني دماءهم وأموالهم ... وهذا عموم فمن امتنع من هذا القول استبيح ماله ودمه بظاهر الخبر، أما من ارتد ولم يلحق بدار الكفر وهو مقيم في دار الإسلام لم يقسم ماله وطالبه الإمام بالرجوع إلى الإسلام، فإذا عاد المرتد إلى دار الإسلام مسلما فلحق بشيء من ماله كان له أخذه ولا يزيل ملكه عن الموجود منه، وأما بعض أصحابنا وأظنه أبا معاوية كان يُضَمِّنُ من أتلف عليه شيئا من ماله وقال إن الكفر لا يبطل الحقوق
407/ 2 - 0409
1 - تفسير القرطبي ج 49/ 3 مع بعض تصرف. ينظر أيضا: جامع أبي الحواري 145/ 5 فما بعدها، وبيان الشرع ج 71 ص ه فما بعدها والفقه على المذاهب الأربعة 315/ 5 والجامع لابن بركة ج 501/ 2 - 504 والضياء ج 4 ص 50 فما بعدها وص 60 - 62 والجلاء ص 2 - أحرجه البخاري في الزكاة وفي استتابة المرتدين، ومسلم في الإيمان، والترمذي في الإيمان ح 2609 و 2610، والنسائي في الزكاة 2445 والجهاد 3092 - 3095 والمحاربة 3983 والإيمان وفي كتاب تحريم الدم، وابن ماجة في الفتن 3927 و 3928 والتحفة 2292 و 12367 و 12506 وأبو داؤد في الزكاة 1556 وفي الجهاد 2640 و 2641 مع معالم السنن. 5006
293 (1/293)
صفحة 294
وخالفه أبو المؤثر وغيره
ومن يرتد عن الإسلام وله حقوق على غرماءَ إِنَّ مَالَهُ يَبطل عنهم بردته وقال أبو
معاوية عزان بن الصقر حقه باق عليهم وحقوقهم لا تزول بكفره
أمَّا تصرفه من بيع وشراء وهبة وعطاء وصدقة ومضاربة وشفعة فمردود كله غير صحيح، وعَلَّلَ أهل العلم في ذلك بأنَّ المرتد مقطوع بموته إن لم يرجع إلى الإسلام؛ أي بقتله على الرّدَّة، ومن كان بهذا الحال فتصرفه مردود كما في المريض مرض الموت فتصرفه مردود عليه.
قلت: الظاهرُ أنَّ هذا الحكم وهو إبطال تصرفاته جار عليه بعد استتابته وعنادهِ والحكم عليه بالقتل أو قتاله إن قاتل، كما أشار إلى ذلك صاحب المصنف رحمه
الله تعالى. وقيل: بثبوت ذلك له وعليه وحكاه صاحب الضياء عن العلامة محمد بن محبوب رحمه الله تعالى.
وكذا تبين زوجه منه فإن رجع إلى الإسلام قبل أن تتزوج عادت إليه بالنكاح الأول
دون تجديد نكاح، أما إن تزوجت فلا يلحقها، والدليل على ذلك فعله المرتدين عن الإسلام، ومع مشركي قريش منهم زوج ابنته زينب؛ أبو العاص بن
1 - الجامع لأبي محمد 274/ 2 - 275.
2 - انظر: ا المصنف 189/ 11 و 216.
- الضياء ج 325/ 11.
294 (1/294)
صفحة 295
الربيع بن عبد العزّى، واختلف في اسمه فقيل لقيط، وقيل: الزبير، وقيل: هشيم وقيل مهشم كما في الإصابة والأسد.
هاجرت زينب رضي الله عنها إلى المدينة وبقي زوجها بمكة مشركا، ثم أسلم بعد سنوات فردها إليه دون تجديد نكاح.
وأمه هالة بنت خويلد أخت خديجة رضي الله عنها، وكان يلقب بجرو البطحاء وولدت زينت بنت رسول الله له لأبي العاص: علي بن أبي العاص، وأُمامَةَ بنت أبي العاص، وتوفي أبو العاص: سنة إحدى عشرة في خلافة أبي بكر الله.
وسبب إسلامه ما رواه أبو بكر بن عبد الرحمن عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إليها أبو العاص بن الربيع أنْ خُذِي لي أمانا من أبيك، فخرجت فأطلعت رأسها من باب حجرتها والنبي صلى الله عليه وسلم في الصبح يصلي بالناس فقالت: أيُّها الناس إني زينب بنت رسول الله وإني قد أجرت أبا العاص، فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة قال: أيها الناس إنَّه لا علم لي بهذا حتى سمعتموه، أم، ألا
1 - الإصابة ج 121/ 4 و 312. وأُشد الغابة ج 5 ص 236 و 467.
2 - أخرجه الطبراني المعجم الكبير ج 19 ص 202 ح 454 ونصه " عن عكرمة عن بن عباس قال: أسلمت زينب بنت النبي وزوجها أبو العاص بن الربيع مشرك ثم أسلم بعد ذلك فأقرهما النبي
على نكاحهما. "ومصنف عبد الرزاق 7/ 167 ح 12640 و 12649 وانظر الطبراني ح 1050 والبيهقي السنن الصغرى 6/ 177 ح 2481. عن عكرمة، عن ابن عباس قال: رد رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب ابنته على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول بعد ست سنين.
- الحاكم في مستدركه ج 3 ص 262 ح 5037 وص.
6693740
295 (1/295)
صفحة 296
وإنّه يُجير على المسلمين أدناهم.
عن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: خرج أبو العاص بن الربيع تاجرا إلى الشام وكان رجلا مأمونا وكانت معه بضائع لقريش فأقبل قافلا فلقيته سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فاستاقوا عيره، وأفلَتَ، وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أصابوا فقسمه بينهم وأتى أبو العاص حتى دخل على زينب رضي الله عنها فاستجار بها وسألها أن تطلب له من رسول الله ردَّ ماله عليه وما كان معه من أموال الناس فدعا رسول الله السرية فسألهم فردوا عليه، ثم خرج حتى قدم مكة فأدى على الناس ما كان معه من بضائعهم، حتى إذا فرغ قال: يا معشر قريش هل بقي لأحد منكم معي مال لم أرده عليه؟ قالوا: لا فجزاك الله خيرا قد وجدناك وفيا كريما.
فقال: أما والله ما منعني أنْ أُسلم قبل أن أقدم عليكم إلا تخوفا أن تظنوا أني إنما أسلمت لأذهب بأموالكم فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأبو سفيان بن حرب أسلم قبل زوجته هند بنت عتبة بن ربيعة، ثم أسلمت هي بعد، ولم يأمرهما بتجديد نكاح.
1 - الحاكم في مستدركه ج 4 / ص 49 ح 6843. والسنن الكبرى للبيهقي المذيل بالجوهر النقي 9/ 95 ح 18641 - 18643 باب أمان المرأة. وانظر سنن البيهقي الكبرى ج 7 ص 72 ح 13201. باب تسمية أزواج النبي وبناته وتزويجه بناته.
2 - السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي 9/ 143 ح 18891.
- الجامع لأبي محمد 2 ص 155.
296 (1/296)
صفحة 297
أخرج البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنا الربيع بن سليمان، أنا الشافعي قال أسلم أبو سفيان بن حرب بمر الظهران؛ وهي دار خزاعة وخزاعة مسلمون قبل الفتح في دار الإسلام، وهند بنت عتبة مقيمة على غير الإسلام، بدار ليست بدار الإسلام، وزوجها يومئذ مسلم في دار الإسلام، وهي في دار الحرب، ثم صارت مكة دار الإسلام، وأبو سفيان بها مسلم وهند كافرة، ثم أسلمت قبل انقضاء العدة، فاستقرا على النكاح.
وكذلك كان حكيم بن حزام وإسلامه، وأسلمت امرأة صفوان بن أمية، وامرأة عكرمة بن أبي جهل بمكة، وصارت داراهما دار الإسلام، وهرب عكرمة إلى اليمن وهي دار حرب، وصفوان يريد اليمن وهي دار حرب، ثم رجع صفوان إلى مكة وهي دار الإسلام، وشهد حنينا وهو كافر، ثم أسلم، فاستقرت عنده امرأته بالنكاح الأول، ورجع عكرمة فأسلم فاستقرت عنده امرأته بالنكاح الأول، وذلك أنَّ عدتها لم تنقض؟
وقد ذكر الشافعي قصة صفوان، وعكرمة، عن مالك، عن ابن شهاب، وكل ذلك بيّن في المغازي معروفٌ فيما بين أهل العلم بها. قال ابن شهاب: "وكان بين إسلام صفوان، وامرأته نحوا من شهر."
"
1 - البيهقي السنن الصغرى باب أحد الزوجين يسلم بعد الدخول ح 2476. فما بعده، وانظر: أيضا معرفة السنن والآثار له باب: لا ينفسخ النكاح إذا أسلم أحدهما باختلاف الدار حتى تنقضي عدتها." ح 13978 فما بعده، والخلافيات بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفة وأصحابه تحقيق النحال 6/ 107) مَسْأَلَةٌ (439): وَإِذَا أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الدُّخُولِ تَوَقَّفَ النِكَاحُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ. والأم
297 (1/297)
صفحة 298
المسألة الخامسة عشرة في دية الغمية
العُمْيَةُ: كَمُدْيَةِ (فَقْدُ الوَعْي) مصدر: غُمِي عليهِ يُعْمَى إِعْمَاءًا وعُمْيَةً، أُصِيبَ بِغُمْيَةٍ؛ فهو مُنْمَّى عليه ومَغْمِيُّ عليه. بمعنى غُشي عليه.
وفي التَّهْذِيبِ؛ أُغْمِيَ عليه ظُنَّ أَنَّه مات ثم يَرْجِعُ حَيًّا. وقال الأَطِبَّاءُ: الإغماء امْتَلاءُ بطونِ الدِّماغِ من بَلْغَمِ بارِدٍ غَلِيظ؛ وقيل: سَهْو يلحقُ الإِنْسانَ مع فتورِ الأَعْضاء
لعلة.
يُقَالُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُنْمَّى عَلَيْهِ وَغُتِيَ عَلَيْهِ فَهُوَ مَغْمِيٌّ عَلَيْهِ وَرَجُلٌ غَمَّى أَيْ: مُغْمَّى عَلَيْهِ، وَكَذَا الإِثْنَانِ وَالْجَمْعُ وَالْمُؤَنَّتُ، وَقَدْ ثَنَّاهُ بَعْضُهُمْ وَجَمَعَهُ، فَقَالَ: رَجُلَانِ أَغْمَيَانِ وَرِجَالٌ أَعْمَاءُ.
"وَالْإِغْمَاءُ آفَةٌ فِي الْقَلْبِ أَوِ الرِّمَاغِ تُعَطَّلُ الْقُوَى الْمُدْرِكَةَ وَالْمُحَرِّكَةَ عَنْ أَفْعَالِهَا مَعَ بَقَاءِ الْعَقْلِ مَعْلُوبًا.
وَإِيضَاحُهُ: أَنَّهُ يَنْبَعِثُ عَنْ الْقَلْبِ بُخَارٌ لَطِيفٌ يَتَكَوَّنُ مِنْ أَلْطَفِ أَجْزَاءِ الْأَغْذِيَةِ يُسَمَّى رُوحًا حَيَوَانِيًّا وَقَدْ أُفِيضَتْ عَلَيْهِ قُوَّةٌ تَسْرِي بِسَرَيَانِهِ فِي الْأَعْصَابِ السَّارِيَةِ فِي أَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ فَتُثِيرُ فِي كُلِ عُضْوِ قُوَّةً تَلِيقُ بِهِ وَتِتِمُّ بِهَا مَنَافِعُه.
6
للشافعي (1386)، ومختصر المزني ص (231)، والحاوي الكبير (2589، والمجموع 17/ 404). والشافي في شرح مسند الشافعي؛ لابن الأثير مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن محمد ابن عبد الكريم الشيباني الجزري (المتوفى: (606 هـ) (391/ 4) والجزء الثاني من أثر القواعد الفقهية في التطبيق ص 227 ط الأولى للباحث.
1 - انظر تاج العروس مادة "غمي"
2 - ابن نجيم: البحر الرائق شرح كنز الدقائق 1/ 148.
298 (1/298)
صفحة 299
وَهِيَ تَنْقَسِمُ إِلَى مُدْرِكَةٍ وَهِيَ الْحَوَاسُ الظَّاهِرَةُ وَالْبَاطِنَةُ، وَمُحَرِّكَةٍ وَهِيَ الَّتِي تُحَرِّكُ الْأَعْضَاءَ بِتَمْدِيدِ الْأَعْصَابِ وَإِرْخَائِهَا لِتَنْبَسِطَ إِلَى الْمَطْلُوبِ أَوْ تَنْقَبِضَ عَنْ الْمُنَافِي. فَمِنْهَا: مَا هِيَ مَبْدَأُ الْحَرَكَةِ إِلَى جَلْبِ الْمَنَافِعِ وَتُسَمَّى قُوَّةً شَهْوَانِيَّةً، وَمِنْهَا مَا هِيَ مَبْدَأُ الْحَرَكَةِ إِلَى دَفْعِ الْمَصَارِ وَتُسَمَّى قُوَّةً غَضَبِيَّةً، وَأَكْثَرُ تَعَلُّقِ الْمُدْرِكَةِ بِالدِّمَاغِ وَالْمُحَرَّكَةِ بِالْقَلْبِ، فَإِذَا وَقَعَتْ فِي الْقَلْبِ أَوْ الدِّمَاغِ آفَةٌ بِحَيْثُ تَتَعَطَّلُ تِلْكَ الْقُوَى عَنْ أَفْعَالِهَا وَإِظْهَارِ آثَارِهَا كَانَ ذَلِكَ إِغْمَاءً فَهُوَ مَرَضٌ لَا زَوَالٌ لِلْعَقْلِ
"
والفرقُ بين الإغماء والجنون وسائر المؤثرات فالْجُنُونُ مَرَضٌ يُزِيلُ الشُّعُورَ مِنْ الْقَلْبِ مَعَ بَقَاءِ الْحَرَكَةِ وَالْقُوَّةِ فِي الْأَعْضَاءِ، وَالْإِغْمَاءُ هُوَ زَوَالُ الشُّعُورِ مَعَ فُتُورِ الْأَعْضَاءِ، وَأَمَّا السُّكْرُ فَهُوَ خَبَلٌ فِي الْعَقْلِ مَعَ طَرَبٍ وَاخْتِلَاطِ نُطْقٍ، وَأَمَّا النَّوْمُ فَهُوَ: ريحٌ لَطِيفَةٌ تَأْتِي مِنْ الدِّمَاعَ إِلَى الْقَلْبِ فَتُغَطِي الْعَيْنَ فَإِنْ لَمْ تَصِلْ إِلَى الْقَلْبِ فَهُوَ
النُّعاس.
وَهُوَ كَالنَّوْمِ فِي فَوْتِ الِاخْتِيَارِ وَفَوْتِ اسْتِعْمَالِ الْقُدْرَةِ حَتَّى بَطَلَتْ عِبَارَاتُهُ بَلْ أَشَدُّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ فَتْرَةٌ أَصْلِيَّةٌ، وَإِذَا نُبِّهَ انْتَبَهَ وَالْإِغْمَاءُ عَارِضٌ لَا يَتَنَبَّهُ صَاحِبُهُ إِذَا نُتِهَ
1 - انظر التقرير والتحبير في شرح التحرير لابن أمير الحاج حنفي المذهب. تصنيف الكتاب: أصول الفقه على طريقة الجمع بين أصول الفقهاء والمتكلمين شرح فيه مؤلفه كتاب التحرير للإمام الكمال ابن الهمام الجامع بين اصطلاحي الحنفية والشافعية. وسماه التقرير والتحبير في شرح كتاب التحرير الناشر: دار الكتب العلمية.
2 - انظر حاشية الجمل على شرح منهج الطلاب. ج 1 باب الأحداث.
299 (1/299)
صفحة 300
فَكَانَ حَدَثًا بِكُلِّ حَالٍ.
بخلاف الأنبياء فإغماؤهم يخالف إغماء غيرهم، وإنما هو عن غلبة الأوجاع
للحواس الظاهرة دون القلب، وقد ورد " تنام أعينهم لا قلوبهم.
فإذا حفظت قلوبهم من النوم الذي هو أخف من الإغماء فمنه بالأولى.
وعلى أي حال فالأنبياء معصومون؛ من كل ما يكدر صَفْوَهم، أو يشغل فكرهم، بالعناية الإلهية، وذلك ثابت بأدلة كثيرة ليس هذا محلها.
1 - ابن نجيم البحر الرائق 1/ 148، وانظر: الطلعة لنور الدين السالمي (العوارض الأهلية "الإغماء") ج 2 ص 381 فما بعدها ن/مكتبة بدية.
2 - أخرج هذه الرواية جمع من أصحاب الحديث منهم أحمد وأبو داود والبيهقي وابن خزيمة والبزار، وعبد الرزاق ونصه عند أحمد - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو قَالَ أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لَما صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ اضْطَجَعَ حَتَّى نَفَخَ فَكُنَّا نَقُولُ لِعَمْرِو إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ تَنَامُ عَيْنَايَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي. ج 3 ص 394 ر / 1911 /ن/ مؤسسة الرسالة. وهو عند ابن خزيمة والبزار وعبد الرزاق من طريق أبي هريرة، وعند أبي داود من طريق السيدة عائشة رضي الله عنها. وانظر: ما بعده.
- ينظر: رد المحتار على الدر المختار في شرح تنوير الأبصار المعروف بحاشية ابن عابدين، مطلب نوم الأنبياء غير ناقض، ج 1 ص 395، لمحمد أمين بن عمر المشهور بابن عابدين (1252 هـ-1836 م) حنفي المذهب. والكتاب حاشية على الدر المختار للحصفكي (1088) هـ) والدر المختار شرح تنوير الأبصار للتمرتاشي (1004 هـ) فاجتمع في الحاشية جهود ثلاثة علماء، وعرفت الحاشية باسم رد المحتار على الدر المختار في شرح تنوير الأبصار أو حاشية ابن عابدين - وقد توفي ابن عابدين قبل أن يتم حاشيته، فجاء ابنه الشيخ محمد علاء الدين (1306 هـ) فأتم الكتاب في مجلدين وسماه: قرة عيون الأخيار لتكملة رد المحتار الطبعة المعتمدة: دار الكتب العلمية.
300 (1/300)
صفحة 301
ولذا ورد في الصحيحين "أنَّ النبي نام حتى نفخ ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ ".
وقد ورد في حديث آخر: "إنَّ" عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي"
ولا يشكل عليه ما ورد في الصحيح من "أنه نام ليلة التعريس حتى طلعت الشمس" لأنَّ القلب يقظان يحس بالحدث وغيره مما يتعلق بالبدن ويشعر به
-1
ورد هذا الحديث بعدة ألفاظ مختصرة ومطوله من طريق عن ابن عباس منها: " أن النبي صلى الله عليه وسلم نام حتى نفخ، ثم قام فصلى. عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم نام حتى سمع له غطيط، فقام فصلى ولم يتوضأ، قال عكرمة: إن النبي لو كان محفوظا. عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم نام وهو جالس، ثم نفخ، ثم جاء بلال فأذنه بالصلاة، فخرج فصلى ولم يتوضأ. أخرجه البخاري ح 665 و 666 ومسلم 1279 وابن ماجه ح 475 والطبراني المعجم الكبير (8/ 243 - 7948 و (418/ 11) 12188 وأحمد 2084 وابن الجارود المنتقى من السنن المسندة ح 10 و سنن النسائي (1/ 227 ح 708 وبشرح
السيوطي ج 2 ص 567 ح 1120 وغيرهم.
Y.A
2 - الحديث بهذا اللفظ أخرجه البخاري في صحيحه ج 1 ص 385 ح 1096 ونصه:" عن سعيد بن أبي
رضي
سعيد المقبري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه أخبره أنه سأل عائشة الله عنها كيف كانت صلاة رسول الله - عليه الصلاة والسلام - في رمضان فقالت ما كان رسول الله - عليه الصلاة والسلام - يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعا فلا تسل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعا فلا تسل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثا قالت عائشة فقلت يا رسول الله أتنام قبل أن توتر فقال يا عائشة إنَّ عيني تنامان ولا ينام قلبي" ومسلم: 738 والترمذي ح 439 والنسائي في سننه ج 3 ص 234 ح 1697 وأحمد: 24119 وغيرهم وأخرجه البيهقي في الكبرى (122/ 1) 597 وفيه زيادة من طريق أنس، ونصها: " وروينا عن جابر بن عبد الله وأبى هريرة وأنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم ما دل على أنه كان تنام عيناه ولا ينام قلبه. قال أنس بن مالك: وكذلك الأنبياء صلوات الله عليہم تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم." وفي مواضع أخرى، وورد بلفظ: تنام عيناي ولا ينام قلبي" وفي لفظ: "عيني " مكان "عيناي" النسائي في سننه ح 1422 و ابن حنبل في مسنده ج 5 ص 40 ح 20434 وابن الجارود المنتقى من السنن المسندة ح 12 و والبيهقي في الكبرى (121/ 1) 593، وغيرهم.
301 (1/301)
صفحة 302
القلب، وليس طلوع الفجر والشمس من ذلك ولا هو مما يدرك بالقلب، وإنما يدرك بالعين وهي نائمة، وهذا هو المشهور في كتب المحدثين والفقهاء.
وأجاب القاضي عياض في الشفاء بأجوبة أخر منها: أن ذلك إخبار عن أغلب أحواله، أو أنه لا ينام نوما مستغرقا ناقضا للوضوء.
وقال بعض الفضلاء: فيه أنَّ علة عدم النقض بنومهم هي حفظ قلوبهم منه، وهذه العلة موجودة حالة إغمائهم.
وأما أحكام الاغماء من حيث الأرش الواجب للمجني عليه، إن حدث الاغماء بسبب جناية من جانٍ على مجني عليه، فقد ورد في الأثر أنَّ دية المغمى عليه إذا قام سالما دون أن يمضي عليه وقت صلاة فتفوته بعير؛ واحدٌ من مأئة بعير، 1? فإن فاتته صلاة فلكل صلاة تمضي عليه في حال غميته خمس ثلث الدية الكبرى؛ ستة أبعرة
وثلثا بعير من مائة بعير،
%7
2
ثم هكذا بحساب مضي وقت الصلوات ما لم تتم الدية الكبرى، فإن تمت فلا زيادة له عليها ولو طالت به المدة.
وقد حكى هذا العلامة السيابي في الجلاء أنَّه مذهب عامة العلماء من موافق
ومخالف.
:وقيل له ثلث الدية ما لم يمض فصل من فصول السنة فإن مضى عليه فصل فالدية كاملة. وقيل: له ثلث الدية ما لم تتم سنة كاملة، فإن تمت فله دية تامة.
1 - رد المحتار السابق ببعض تصرف.
302 (1/302)
صفحة 303
وقيل له بعير مطلقا طالت المدة أو قصرت وهو الذي اختاره الشيخ البسيوي في مختصره، وهو ظاهر كلام العلامة الثميني في النيل حيث قال: "واختير بعير مطلقا." ونسب إلى ابن محبوب وللمرأة نصف ما للرجل وللعبد بقدر ثمنه على ذلك. 1
وإن أغمي قدر حلب شاة أو أقل ثم تكلم أو تنفس أو زأر أو تأوه أو إنهم بلا كلام ثم أغمي عليه أخرى كذلك، ويكون منه في اليوم مرارا فذلك غمية واحدة، ومن ضرب فزال عقله أصلا فتامة وإن ادعى الإغماء وأنكر الضارب حلف ما يعلم أنه أغمي عليه بضربته ولا أنه زال عقله منها، أو يرد اليمين على المضروب فيحلف أنه زال منها فيأخذ ديته، والله أعلم.
وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ .... في الدامية بعير وفى الباضعة بعيران وفي المتلاحمة ثلاثة من الإبل وفى السمحاق أربع وفى الموضحة خمس وفى الهاشمة عشر وفي المنقلة خمس عشرة وفى المأمومة ثلث الدية وفى الرجل يضرب حتى يذهب عقله الدية كاملة، أو يضرب حتى يغُن ولا يفهم الدية كاملة، أو حتى يبع فلا يفهم الدية
1 - انظر: شرح النيل 108/ 15 والعقد الثمين للسالمي ج 4 من 424 والجلاء 245 ومختصر البسيوي ص 340 واللباب 160/ 14 والمصنف 288/ 41 ورياض الأزهار للراشدي 376. 2 - شرح النيل ج 15 ص 108 فما بعدها بعنوان: التَّنْبِيه (التَّاسِعُ: دِيَةُ الْإِغْمَاءِ إِنْ قَامَ صَاحِبُهُ سَالِما - بَعِيرٌ)
303 (1/303)
صفحة 304
كاملة، وفي جفن العين ربع الدية وفى حلمة الثدي ربع الدية.
وَمَنْ زَالَ عَقلُهُ بِضَرْبٍ أَوْ غَيْرِهِ، ثُمَّ عَادَ ثُمَّ زَالَ مَرَّةً ثَانِيَةً، ثُمَّ عَادَ كَذَلِكَ ثَالِثَةً لَزِمَ مِنْ كُلِّ غَشْيَةٍ زَالَ فِيهَا عَقْلُهُ وَعَادَ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَإِنْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ تَكَرَّرَتْ الدِّيَةُ إِذَا أَفَاقَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ إِفَاقَةً كَامِلَةً وَلَوْ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا ذَهَابُ الْعَقْلِ بِالْبَنْجِ وَنَحْوِهِ كَالْخَمْرِ فَفِيهِ حُكُومَة. 2
وإِنْ شَهر سيفا على صبي أو بالغ مضعوفٍ أو صاحَ عليه صيحةً عظيمةً فزال عقله وجبت عليه الدية، لأن ذلك سبب لزوال عقله.
وإِنْ شَهر سيفا على بالغ متيقظ أو صاح عليه فزال عقله لم تجب عليه الدية، لأنَّ ذلك ليس بسبب لزوال عقله.
1 - أخرجه البيهقي في الكبرى والصغرى في الديات من طريق زيد بن ثابت، والدارقطني السنن، الحدود والديات ج 4 ص 276 ح 3460 وعبد الرزاق المصنف باب الموضحة، ج 9 ص 307 ح 17321 وباب الصوت والحنجرة أيضا، واللفظ هنا للدار قطني، وانظر: الزيلعي نصب الراية الشجاج، وتفسير القرطبي 204/ 6، المائدة.
2 - الصنعاني: التاج المذهب لأحكام المذهب – زيدي - ج 7 ص 248. 3 - النووي المجموع شرح المهذب ج 19 ص 87، لأبي زكريا يحيى بن شرف النووي 676 هـ 1277 م شافعي في الفقه المقارن. وهو من أجمع الكتب في الفقه الشافعي، شرح به الإمام النووي كتاب المہذب لأبي إسحاق الشيرازي، 476 هـ، اعتنى بشأنه فقهاء الشافعية، وشرحه كثيرون وأهم شروحه كتاب المجموع ويعتمد في ذلك على كتابي: الإشراف على مذاهب أهل العلم والإجماع لابن المنذر النيسابوري ت 306 هـ وغيرها لكن الإمام النووي لم يتم الكتاب وإنما وصل إلى ربع الأصل تقريبا، ثم وافته المنية وجاء تقي الدين السبكي (756) (هـ) وصنف ثلاثة مجلدات ثم مات وأتمه الحضرمي والعراقي قديما والشيخ محمد نجيب المطيعي حديثا. المطعبة المنيرية.
304 (1/304)
صفحة 305
قلت: والفرق بينهما عَسِرٌ جدا، ذلك أنَّه إذا تُحِقِّقَ أنَّ زوال عقله بسبب إشهار المعتدي عليه سيفه، فكون المجنى عليه بالغا متيقظا لا يُخرج المتسبب من مسؤلية الضمان، وذلك لتحقق ذهاب العقل بذلك السبب، والقول بأنه (ليس بسبب لزوال عقله) مع تحقق زواله بعد إشهار السيف عليه بعيد جدا، فلينظر فيه، ولا يؤخذ إلا بعدله وانظر المسألة التالية "دية الفزع"
305 (1/305)
صفحة 306
المسألة السادسة عشرة في دية الفزع
من أفزع أحدا أو نزقه أو أزعجه دهشًا فتغير عقله من ذلك فله بعير ولو ساعة
واحدة ما لم تمض سنة عليه فإن مضت ولم يرجع عقله فله الدية كاملة.
قلت: وفي ذلك نظر فالبعير الواحد لا يجدي شيئا خاصة إن طالت المدة، وقد علمت مما مرَّ؛ ما قيل في الغمية فذهاب العقل أعظم ضررا منها، بل له مقابل إزعاجه وإشغال قلبه ولو لم يغب عقله؛ وذلك على رأي الحاكم، والدليل على ذلك حديث إسلام زَيْدِ ابْنِ سُعُنَّةَ جاء فيه ...... ثُمَّ قَالَ: أَنَا وَهُوَ أَحْوَجُ إِلَى غَيْرِ هَذَا مِنْكَ يَا عُمَرُ؛ أَنْ تَأْمُرَنِي بِحُسْنِ الأَدَاءِ، وَتَأْمُرَهُ بِحُسْنِ اتِّبَاعِهِ اذْهَبْ بِهِ، فَأَعْطِهِ حَقَّهُ، وَأَعْطِهِ مَكَانَ مَا رُعْتَهُ عِشْرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، فَذَهَبَ بِي عُمَرُ، فَقَصَانِي، وَأَعْطَانِي عِشْرِينَ صَوَاعًا مِنْ تَمْرٍ."
والحديث بكامل القصة أخرجه كل من: البيقي والطبراني، والحاكم وابن حبان عن محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلام. فليتأمل. 2
وروي عن عمر أنه أرسل إلى امرأة مغيبة كان يُدخل عليها فأنكر ذلك، فأرسل إليها فقيل لها أجيبي عمر فقالت: " يا ويلها مالها ولعمر " فبينما هي في الطريق فزعت
1 - راجع الجلاء للعلامة خلفان بن جميل السيابي ص 191 192 وانظر الفصل الرابع في الأحداث الواقعة في البدن دون الضرب، من ص 248 فما بعدها، ط 2. من نفس المرجع. - أخرجه البيهقي في السنن الكبرى المذيل بالجوهر النقي 6/ 52 ح 11615 والطبراني 222/ 5 ح 5147، قال الهيثمي 240/ 8 رجاله ثقات والحاكم في المستدرك 700/ 3، ح 6547، وقال: صحيح الإسناد. وابن حبان في صحيحه 1/ 521 ح 288 وفي موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان 1 ص 516 ح 21050 وانظر الحديث بطوله في الملاحق الملحق الثاني.
6
306 (1/306)
صفحة 307
فضربها الطلق فدخلت دارا فألقت ولدها، فصاح الصبي صيحتين ثم مات، فاستشار عمر أصحاب رسول الله الله فأشار عليه بعضهم أن ليس عليك شيء؛ إنما أنت وال ومؤدّب، وصَمَتَ عليه فأقبل على عليّ فقال: ما تقول؟ قال: إن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطأ، رأيهم، وإن كانوا قالوا في هواك فلم ينصحوا لك، أرى أنَّ ديته عليك، فإنك أنت أفزعتها وألقت ولدها في سبيلك، فأمر عمرُ عليًّا أنْ يُقَسِمَ عقله على قريش.
ويرى العلامة الشيخ محمد بن شامس البطاشي أن لا شيء لها على الإمام لأنه فعل ما أُمر به، وأنَّ عقلها في بيت المال وهو موافق للحق إن شاء الله. 2
1 - المنتخب بهامش مسند أحمد 149/ 6 وابن جعفر ق 3 ص 74 مخ، والمحلى لابن حزم ج 11 ص 227 -
228.
2 - أنظر المسألة الثالثة والثلاثين من الفصل الأول.
307 (1/307)
صفحة 308
المسألة السابعة عشرة في دية الصلب
إذا أُصِيب صُلبُ الإنسان بسبب جناية من جان بكسر ففسد أو احدودب ففيه الدية التامة، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم " وفي الصلب الدية" وكذلك إذا نتج عن ذلك ذهاب منفعة أو حدوث عاهة؛ كذهاب قدرة الجماع من الرجل أو المرأة أو ذهب حملها أو انعدم النسل أو استمر البول أو الغائط أو الدم أو انقطع أحد هذه الثلاثة انقطاعا دائما فيه ضرر على المصاب ففي كل واحد الدية وكذا كل ما ينتج من أي ضرر بسببه.
وقد روي عن أبي بكر الصديق له أنه قضى في صلب الرجل إذا كسر ثم جبر بالدية كاملة إن كان لا يحمل له وبنصفها إن كان يحمل له، وروي عن عبد الله بن الزبير أنه قضى في رجل كسر صلبه فأحدودب ولم يقعده وهو يمشي محدودبا بثلثي الدية وروي عن زيد بن ثابت أنه قضى في فقار الظهر كلها بالدية كلها وهي اثنتان وثلاثون فقارة وفي الواحدة إحدى وثلاثون دينارا وربع دينار إذا كسرت ثم برئت من غير عثم وكذا عن مكحول 2
وعن الزهري في الصلب إذا كسر الدية كاملة وعن عطاء وسعيد بن جبير مثل
ذلك.
وعن
عطاء اء وسعيد بن جبير مثل ذلك، وهو قول الحسن البصري ويزيد بن
1 - تقدم الحديث
2 - عثم: العثم اعوجاج الكسر: عَثَمْتُ عظمَهُ أَعْثِمُهُ عَثْماً إذا أسأت جَبْرَهُ وبقيَ فِيهِ وَرَمٌ أَو عِوَجٍ، وعَثِمَ عَثَماً فهو عَثِمٌ، وبه عَثَمٌ كهيئة المشمش. قال الشاعر: وقد يقطعُ السّيفُ اليماني وجَفْنُهُ ... شباريقُ أعشار عُثِمْنَ على كَسْرِ/ العين للخليل الفراهيدي (113/ 2
308 (1/308)
صفحة 309
قسيط، والشافعي والثوري إذا منعه المشي وأحمد وإسحاق إذا لم يولد له. وروي عن مجاهد قال في الصلب إذا كسر فذهب ماؤه الدية كاملة فإن لم يذهب ماؤه فنصف الدية قضى بذلك رسول الله.
قال أبو محمد بن حزم فهذه رواية عن أربعة من الصحابة لا يُعلم لهم من
الصحابة مخالف؛ أبو بكر وعمر وابن الزبير وزيد، وَهِيَ عَنْ زَيْدٍ غَيْرُ صَحِيحَة.
وبعد أن أثبت صحة تلك الآثار السابق ذكرها واستطرد في مناقشة المسألة رجح الأخذ بها قائلا: وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا حُجَّةَ عِنْدَنَا فِي مُرْسَلِ، وَلَا فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ خَبَرٌ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَصِحُ، وَلَا إِجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ،
عدم
1 - المراد بالماء هنا ماء الصلب. وأخرج بن ابي شيبة من طريق الزُّهْرِيِّ قَالَ: "قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الصُّلْبِ الدِّيةَ " والزُّهْرِيِّ قَالَ: اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ فِي الصُّلْبِ الدِّيَةَ وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: فِي
الصُّلْبِ الدِّيَةُ ومَكْحُولٍ عَنْ زَيْدٍ قَالَ: " فِي الصُّلْبِ الدِّيَةُ " وعَنْ الْحَسَنِ قَالَ: " فِي الصُّلْبِ الدِّيَةُ." وعن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ: قَضَى أَبُو بَكْرٍ فِي صُلْبِ الرَّجُلِ إِذَا كُسِرَ ثُمَّ جُبِرَ بِالدِّيَةِ كَامِلَةً إِذَا كَانَ لَا يُحْمَلُ لَهُ، وَبِنِصْفِ الدِّيَةِ إِذَا كَانَ يُحْمَلُ لَهُ ومُجَاهِدٍ قَالَ: إِنْ أُصِيبَ الصُّلْبُ أَوْ كُسِرَ فَجُبِرَ وَانْقَطَعَ مَنِيُّهُ فَالدِّيَةُ وَافِيَةً، وَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعْ الْمَنِيُّ وَكَانَ فِي الظُّهْرِ مَيْلٌ فَإِنَّهُ يَرَى فِيهِ، {الدية و ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَأَلْت عَطَاءً عَنْ الصُّلْبِ يُكْسَرُ قَالَ: الدِّيَةُ، وابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ: حَضَرْت ابْنَ الزُّبَيْرِ فِي رَجُلٍ كُسِرَ صُلْبُهُ فَاحْدَوْدَبَ، وَلَمْ يَقْعُدْ وَهُوَ يَمْشِي وَهُوَ مُحْدَوْدِبٌ فَقَالَ: امْشِ، فَمَشَى، فَقَضَى لَهُ بِثُلُثَيِّ الدِّيَةِ. وَعَلِيِّ قَالَ: إِذَا كُسِرَ الصُّلْبُ وَمَنَعَ الْجِمَاعَ فَفِيهِ الدِّيَةُ" مصنف ابن أبي شيبة ج 6 ص 325 - 326. وانظر مصنف عبد الرزاق فقد أخرج جميع الآثار السابقة ج 9 ص (365 باب الصلب من ح (17595 - 17606، راجع أيضا النيل وشرحه 32/ 15 و 43 و 47، والمحلى بالآثار 11/ 80 ورياض الأزهار 306 وابن جعفر ق 3 ص 51 م ص 24 م 2 بمكتبتي. والمنهج ج 11 ص 176 ط التراث، وبيان الشرع ج 67 ص 87 والضياء ج 15 ص 12 و المصنف للكندي أحمد بن عبد الله ج 41 ص 278.
309 (1/309)
صفحة 310
وَالْأَمْوَالُ مُحَرَّمَةٌ، إِلَّا مَا أَبَاحَهُ نَصِّ أَوْ إِجْمَاعٌ، وَالْخَطَأُ مَرْفُوعٌ - كَمَا قَدْ تَقَدَّمَ - فَلَيْسَ فِي الصُّلْبِ، وَلَا فِي الْفَقَارَاتِ فِي الْخَطَا شَيْءٌ، وَأَمَّا فِي الْعَمْدِ فَالْقَوَدُ فَقَط، وَلَا مُفَادَاةَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ جُرْحًا - فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ جُرْحًا، فَفِيهِ الْقَوَدُ، أَوْ الْمُفَادَاةُ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا."
"وإن كسر الصلب فجبر منحدبا فله الدية كاملة وإن جبر وفيه انحداب ويجامع فينظر نقصانه وله أرش ذلك برأي العدول ... وإن ضرب وكسر الصلب ولم يحدب ولم يشنه الكسر فله خمسا عشر الدية وإن شانه فأربعة أخماس عشر الدية. 2 وَفِي الصُّلْبِ إِذَا انْحَدَبَ التَّامَّةُ، وَفِي ذَهَابِ الْجِمَاعِ وَالْحَمْلِ وَعَدَمِ اسْتِمْسَاكِ الْبَوْلِ أَوْ الْغَائِطِ التَّامَّةُ.
(وَفِي الصُّلْبِ كُلِّهِ) أَيْ فِي أَي مَوْضِعِ مِنْهُ كُسِرَ الدِّيَةُ) وَلَوْ جَبْرَ) إِنْ جَبُرَ (مُنْحَدِبًا) أَوْ هَذَا قَيْدٌ، أَيْ فِيهِ الدِّيَةُ فِي حَالِ انْجِبَارِهِ مُنْحَدِبًا، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إِنْ جِبَرَ عَلَى اسْتِقَامَةٍ فَلَهُ بِقَدْرِهِ لَا تَامَّةً وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَنْجَبِرُ البَتَّةَ فَبِالْأَوْلَى الدِّيَةُ التَّامَّةُ، وَإِنْ جبرَ مُسْتَقِيمًا فَنِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنْ ذَهَبَ الْجِمَاعُ أَوْ الْمَاءُ؛ فَالدِّيَةُ كَامِلَةٌ وَلَوْ جِبَرَ
1 - المحلى بالآثار لابن حزم الظاهري ج 11 ص 80 باب دية الصلب والفقارات. وهذا الرأي بناء على مذهبه كما ترى، وإلا فباتفاق الأمة أنَّ الخطأ مضمون في النفس والمال، ولا يهدر دم امرئ بغير حق، كما لا يهدر ماله وفي الحديث: "دماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام." وقد ثبت بالسنة الدية في النفس وما دونها في الخطأ، وفي العمد إن نزل الولي إلى الدية. فليتأمل.
2 - ابن جعفر المصدر السابق.
- شرح النيل السابق ص 32.
4 - المراد بذهاب الماء هنا والآثار الآتية الماء الدافق الذي يكون منه الولد بإذن الله.
310 (1/310)
صفحة 311
مُسْتَقِيمًا، وَإِنْ جَبرَ مُسْتَقِيمًا لَكِنْ لَا يُطِيقُ الْقِيَامَ فَالدِّيَةُ كَامِلَةٌ، وَقِيلَ: إِنْ جِبَرَ
مُنْحَدِبًا نظرَ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ مِنْهُ وَأَعْطَى دِيَةَ ذَلِكَ، وَإِنْ مُنِعَ الْمَشْيَ فَالدِّيَةُ تَامَّةٌ.
"وإنْ كُسِرَ صلبه فذهب مشيه وجماعُه ففيه وجهان (أحدهما) لا يجب عليه الا دية واحدة لانهما منفعتا عضو واحد (والثاني) يجب عليه ديتان وهو المنصوص، لانهما منفعتان يجب في كل واحدة منهما الدية عند الانفراد فوجب في كل واحدة منهما دية عند الاجتماع كالسمع والبصر.
وقال ابن قدامة وإن أذهب ماءه دون جماعه احتمل وجوب الدية، وهذا يروى عن مجاهد، وهذا كما قلنا هو مقتضى النص لأنه ذهب بمنفعة مقصودة
فوجبت الديه.
وفي كسر الصلب الدية إذا لم ينجبر لما روي في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم "وفي الصلب الدية " وعن سعيد بن المسيب قال مضت السنة انَّ في الصلب الدية وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله وبه قال زيد بن ثابت وعطاء والحسن والزهري ومالك.
1 - شرح النيل المرجع السابق ص 47 وانظر المنهج ج 11 ص 176 ط التراث ففيه نفس النص تقريبا وفي بيان الشرع ج 67 ص 87 كذلك و ك وصرح أنه مذهب محمد بن محبوب، وكذا صاحب الضياء ج 15 ص 12 وكذلك أيضا صاحب المصنف، وحكاه عن أبي المؤثر ج 41 ص 278.
2 - النووي المجموع شرح المهذب المرجع السابق ج 19 / ص 115.
311 (1/311)
صفحة 312
وقال القاضي وأصحاب الشافعي ليس في كسر الصلب دية إلا أن يذهب مشيه أو جماعه فتجب الدية لتلك المنفعة لأنه عضو لم تذهب منفعته فلم يجب فيه دية كاملة كسائر الاعضاء.
وفي ذهاب الأكل الدية؛ لأنها منفعة مقصودة فوجبت فيه الدية كالشم والنكاح فان كسر صلبه فذهب نكاحه ففيه الدية، روي ذلك عن علي ه لأنه نفع مقصود فأشبه ذهاب المشي.
وإن ذهب جماعه ومشيه وجبت ديتان في ظاهر كلام أحمد؛ في رواية ابنه عبد الله؛ لانهما منفعتان تجب الدية بذهاب كل واحدة منهما منفردة، فإذا اجتمعتا وجبت ديتان كالسمع والبصر، وعن أحمد فيهما دية واحدة لانهما نفع عضو واحد فلم يجب فيهما أكثر من دية واحدة كما لو قطع لسانه فذهب كلامه وذوقه.
وإن جبر صلبه فعادت إحدي المنفعتين دون الاخرى لم يجب إلا دية، إلا أن تنقص الأخرى فتجب حكومة لنقصها أو تنقص من جهة أخرى فيكون فيه حكومة لنقصها لذلك.
وإن ادعى ذهاب جماعه فقال رجلان من أهل الخبرة إنَّ مثل هذه الجناية تذهب الجماع فالقول قول المجني عليه مع يمينه لأنه لا يتوصل إلى معرفة ذلك إلا من
جهته.
وإن كسر صلبه فشل ذكره اقتضى كلام أحمد وجوب ديتين لكسر الصلب واحدة
1 - المغني أو الشرح الكبير لابن قدامة مرجع سابق ج 9 ص 597.
312 (1/312)
صفحة 313
وللذكر أخرى، وفي قول القاضي ومذهب الشافعي في الذكر دية وحكومة لكسر
الصلب.
وإن أذهب ماءَه دون جماعه احتمل وجوب الدية، ويروى هذا عن مجاهد قال بعض أصحاب الشافعي هو الذي يقتضيه مذهب الشافعي لأنه ذهب بمنفعة مقصودة فوجبت الدية كما لو ذهب بجماعه أو كما لو قطع أنثييه أو رضهما، واحتمل ألا تجب الدية كاملة لأنه لم يذهب بالمنفعة كلها.
و"تجب الدية في الحدب لأن في كتاب النبي الاول لعمرو بن حزم: "وفي الصلب الدية"، ولأنه أبطل عليه منفعة مقصودة وجمالا أشبه ما لو أذهب مشيه بكسر صلبه ففيه الدية في قول الجميع، ولا يجب أكثر من دية لأنها منفعة تلزم بكسر الصلب غالبا فأشبه ما لو قطع رجليه. وَفِي الصُّلْبِ الرِّيَةُ إِذَا كُسِرَ فَلَمْ يَنْجَبِرُ؛ لِمَا رُوِيَ فِي كِتَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَسَلَّمَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمِ " وَفِي الصُّلْبِ الدِّيَةُ."
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُ قَالَ مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ في الصُّلْبِ الدِّيَةَ، وَهَذَا يَنْصَرِفُ إِلَى سُنَّةِ النَّبِيِّ.
وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ، وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِي لَيْسَ فِي كَسْرِ الصُّلْبِ دِيَةٌ إِلَّا أَنْ يُذْهِبَ مَشْيَهُ أَوْ جِمَاعَهُ، فَتَجِبُ الدِّيَةُ لِتِلْكَ الْمَنْفَعَةِ؛ لِأَنَّهُ عُضْوٌ لَمْ تَذْهَبْ مَنْفَعَتُهُ، فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ.
1 - ابن قدامة المغني ج 9 / ص 626.
313 (1/313)
صفحة 314
وَلَنَا الْخَبَرُ، وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ لَيْسَ فِي الْبَدَنِ مِثْلُهُ فِيهِ جَمَالٌ وَمَنْفَعَةٌ، فَوَجَبَتْ الدِّيَةُ فِيهِ بِمُفْرَدِهِ، كَالْأَنْفِ.
وَإِنْ ذَهَبَ مَشْيُهُ بِكَسْرِ صُلْبِهِ، فَفِيهِ الدِّيَةُ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ.
وَلَا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةٍ؛ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ تَلْزَمُ كَسْرَ الصُّلْبِ غَالِبًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَ رِجْلَيْهِ.
وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ مَشْيُهُ، لَكِنْ ذَهَبَ جِمَاعُهُ، فَفِيهِ الدِّيَةُ أَيْضًا.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِي؛ لِأَنَّهُ نَفْعٌ مَقْصُودٌ، فَأَشْبَهَ ذَهَابَ مَشْيِهِ.
وَإِنْ ذَهَبَ جِمَاعُهُ وَمَشْيُهُ، وَجَبَتْ دِيَتَانِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي رِوَايَة ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُمَا مَنْفَعَتَانِ تَجِبُ الدِّيَةُ بِذَهَابِ كُلِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدَةٌ، فَإِذَا اجْتَمَعَتَا وَجَبَتْ دِيَتَانِ، كَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ فِهِمَا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُمَا نَفْعُ عُضرٍ وَاحِدٍ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ دِيَةٍ
وَاحِدَةٍ، كَمَا لَوْ قَطَعَ لِسَانَهُ فَذَهَبَ كَلَامُهُ وَذَوْقُهُ.
وَإِنْ جَبَرَ صُلْبُهُ، فَعَادَتْ إِحْدَى الْمَنْفَعَتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى، لَمْ يَجِبْ إِلَّا دِيَةٌ، إِلَّا أَنْ تَنْقُصَ الْأُخْرَى، فَتَجِبَ حُكُومَةٌ.
فِي الظُّهْرِ إِذَا كُسِرَ الدِّيَةُ)، لِصَحِيحَةِ الْحَلَبِيِّ عَنْ الصَّادِقِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الرَّجُلِ يُكْسَرُ ظَهْرُهُ فَقَالَ: فِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً وَكَذَا لَوْ احْدَوْدَبَ أَوْ صَارَ بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَى
1 - السابق، والروضة البهية - إمامية ج 5 ص 424)
314 (1/314)
صفحة 315
الْقُعُودِ وَلَوْ صَلَّحَ فَثُلُثُ الدِّيَةِ). هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
وَفِي رِوَايَةِ ظَرِيفٍ: إِذَا كُسِرَ الصُّلْبُ فَجَبرَ عَلَى غَيْرِ عَيْبٍ فَمَأْتَةٍ دِينَارٍ، وَإِنْ عَثَمَ فَأَلْفُ دِينَارٍ وَلَوْ كُسِرَ فَشُلَّتْ الرَّجُلَانِ فَدِيَةٌ لَهُ أَيْ: لِكَسْرِهِ (وَثُلُنَا دِيَةٍ لِلرِّجْلَيْنِ)، لِأَنَّهُمَا دِيَةُ شَلَلِ كُلِ عُضْوِ بِحَسْبِهِ وَلَوْ كُسِرَ الصُّلْبُ وَهُوَ الظَّهْرُ (فَذَهَبَ مَشْيُهُ وَجِمَاعُهُ فَدِيَتَانِ إِحْدَاهُمَا لِلْكَسْرِ وَالْأُخْرَى لِفَوَاتِ مَنْفَعَةِ الْجِمَاعِ، ذَكَرَ ذَلِكَ الشَّيْخُ فِي الْخِلَافِ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ، وَاقْتَصَرَ الْمُحَقِّقُ وَالْعَلَّامَةُ فِي الشَّرَائِعِ وَالتَّحْرِيرِ عَلَى حِكَايَتِهِ عَنْهُ قَوْلًا إِشْعَارًا بِتَمْرِيضِهِ.
وَعَلَيْهِ لَوْ عَادَتْ إِحْدَى الْمُنْفَعَتَيْنِ وَجَبَتْ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ عَادَتْ نَاقِصَةً فَدِيَةٌ وَحُكُومَةٌ عَنْ نَقْصِ الْعَائِدَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَوْدُ بِصَلَاح الصُّلْبِ فَالثُّلُثُ كَمَا مَرَّ
مُضافًا إلَى ذَلِكَ.
وتجب في الصلب الدية، لما روى الزهري عن سعيد بن المسيب أنه قال: "مضت السنة أنَّ فى الصلب الدية، وفى اللسان الدية، وفي الذكر الدية، وفي الأنثيين الدية"، ولأنه أبطل عليه منفعة مقصودة. وإذا كسر الصلب فلم ينجبر الكسر ففيه الدية على رأي في مذهب أحمد وعلى الرأي الآخر الذي يتفق مع آراء باقي الفقهاء فيه حكومة؛ ما دام لا يعطل منفعة المشي أو الجماع، فإن ذهبت بالكسر منفعة المشي أو الجماع ففيه الدية.
وإن أحدَوْدَب الظهر ولم تذهب منفعةٌ ما ففيه حكومة، وإن ذهب المشي والجماع
315 (1/315)
صفحة 316
معًا ففريق يرى فيهما دية واحدة وفريق يرى فيهما ديتين.
وإذا ذهب المشي أو القدرة على الجماع ففي كل منهما الدية كاملة، والمعروف أنَّ الصلب يؤثر على هذين المعنيين، فإذا كسر صلبه وأبطل جماعه فعليه ديتان لا
دية واحدة؛ كما هو رأي مالك، حيث لا يرى اندراج دية الصلب فيه.
وقياسًا على هذا إذا أبطل صلبه فأبطل جماعه ومشيه وجبت عليه ثلاث ديات. فإذا لم يبطل صلبه فعليه ديتان وعلة عدم الاندراج أنَّ الصلب ليس هو محل المنفعة فعضو المشي الأقدام وعضو الجماع الذكر.
وفى مذهب الشافعي وأحمد رأيان رأي يرى أنَّ في ذهاب المشي والجماع ديتين؛ لأنهما منفعتان مختلفتان، ورأي يرى أنَّ فيهما دية واحدة لأنهما منفعة عضو واحد كما لو قطع لسانه فذهب نطقه وذوقه، وقياس مذهب أبي حنيفة أن يكون فيهما دية واحدة. 2
هذا ملخص ماورد في هذه المسالة من سُنَّةٍ ثابتة عن المعصوم وآثار عن الصحابة والتابعين ومن بعدَهُم وسائر علماء الأمصار.
والحاصل أنَّ فيصل المسالة الحديث الثابت عن المعصوم صلى الله عليه وسلم المتقدم ذكره عدة مرات من طريق عمرو بن حزم، وأنَّ الأثر مُطبق بأنَّ الصلب إذا كسر فجبر مستويا
1 - مواهب الجليل ج 6 ص 261، بدائع الصنائع ج 7 ص 311، المهذب في فقه الإمام الشافعي ج 2 ص 222، المغني لابن قدامة ج 9 ص 626.
2 - عبد القادر عودة، التشريع الجنائي الإسلامي ج 3 ص 304، الشرح الكبير ج 9 ص 596،597 - 605، المهذب ج 2 ص 222، بدائع الصنائع ج 7 ص 311، شرح الدردير ج 4 ص 243.
316 (1/316)
صفحة 317
من غير أن يُوَلّد الكسرُ له أذى أو فقْدَ منفعةٍ أو حدوث مضرة فله دية كسر؛ في الهاشمة عشر وفي المنقلة خمسة عشر، عن كل كسر منه، أمَّا إِنْ تولَّد من ذلك فقد منفعةٍ أو حدوث مضرة فله الدية كاملة.
وكذا في كل منفعة فقدت أو مضرة حصلت، وحَمَلوا حديث "في الصلب الدية " على ذلك وقيدوه فيما عداه بالأحاديث الناصة على التفصيل في الجروح والكسر، كُلًّا على حسبه، كما حَمَلوا سائر المنافع وضدها من مضار على ما جاء في حديث الديات السابق ذكره فقاسوا ما لم يذكر منها على ما ذكر في ذلك الحديث، وقد مر تفصيل ذلك في محله لا سيما كسر الصلب وآثاره على منافع الجسم فلا حاجة إلى الإعادة، والله أعلم.
317 (1/317)
صفحة 318
المسألة الثامنة عشرة فيما تكمل فيه الدية
إذا عرفت مما سبق وتبين لك مقدار الدية الكبرى ومن تجب له وعليه على اختلاف الأجناس في بني آدم فاعلم أنَّ في الإنسان الواحد تكمل عدة ديات؛ وذلك إذا أصيب بجناية وبقي حيا وله عدة أعضاء فاسدة أو منافع ذاهبة أو عاهة ملازمة إلى غير ذلك. فله بكل واحدة ديتها على ما سيأتي تفصيله بعد إن شاء الله.
فتكمل الدية في العقل إذا زال ولم يرجع، وفي اللسان إذا قطع، وفي مارن الأنف إذا جدع، والمارن ما لان من الأنف وفضل من القصبة؛ وهي العظم، أو قطع الأنف كله، وفي كل واحد من القلب، والطحال والكبد والرئة والمعدة، والبنكرياس، والقولون، وما شابهها مما هو منفرد في الجسم، وفي زوال شعر اللحية إذا لم ينبت إلى سنة، وفي شعر الرأس كذلك، وفي الأسنان كلها الدية؛ إذا قلعت ولم تنبت إلى سنة، أو فسدت أو اسودت وفي الواحد نصف عشر الدية، وفي زوال جلدة الرأس، وفي عجم الذنب إذا كسر ففسد، وفي الذكر إذا قطع، وفي حشفته إذا قطعت، وفي الفرج كذلك، وفي الخلط بين القبل والدبر إذا لم يرجع كحالته، وفي الخلط بين القبل ومجرى البول كذلك؛ وهو من المرأة، وفي الصلب إذا كسر فاحدودب كما مر، وفي الجذام، والبرص، والاسوداد - وهو تغير لون الجسد بحيث
1 - قوله: (ومارنه) المارن هو ما لان من الأنف، وأرنبته طرف الأنف، لأنه فوت الجمال على الكمال وكذا المنفعة؛ لأن المارن لاشتمام الروائح في الأنف، لتعلو منه إلى الدماغ وذلك يفوت بقطع المارن لو قطع المارن مع القصبة لا يزاد على دية واحدة لأنه عضو واحد ولو قطع أنفه فذهب شمه فعليه ديتان لأن الشم في غير الأنف فلا تدخل دية أحدهما في الآخر كالسمع مع الأذن. رد المحتار على الدر المختار المعروف بحاشية ابن عابدين، ج 6 ص 575، كتاب الديات السابق.
318 (1/318)
صفحة 319
صار أسود- إذا استمر أحد هذه المذكورة وشبهها، ففي كل واحدة الدية، وفي كلّ واحد من السمع والبصر، والجماع، والذوق، والشَّم والنسل والصوت والقيام والقعود، وفي ذهاب كل واحد من الكلام والدمع والضحك والريق والبول والغائط والحيض، أو اتصال أحد هذه السبعة اتصالا لا ينقطع بحيث لا يستطيع المصاب التغلب عليه، وفي انعدام قدرة التحكم في البول أو الغائط بما يؤدي إلى استعمال العازل (الحفَّاظ) وفي اتصال الرعاف والريح وفي النخش والبخر والعفل والرتق؛ وفي الألم المستمر والصداع، والصرع والصَّعَر، (1) وسائر المضار المتولدة بسبب الجناية، ففي كل واحد مما ذكر الدية التامة فهذه المنفردة أي التي تجب الدية التامة في كل واحد منها على الانفراد وإذا اجتمعت في الإنسان فله بكل واحدة الدية التامة، ويقاس عليها ما شابهها.
6
قال في الديوان بعد أن ذكر ما فيه الدية التامة من المنافع "إذا كان متصلا ففيه الدية كاملة وإن كان مرة واحدة ولم يكن بعد ذلك ففيه ثلث الدية، وقيل فيه
أيضا بالنظر. 2
وقد اختلف في المدة والدوام - أي المدة التي تجب بها الدية، في فوات المنفعة أو حدوث المضرة - فقيل: لا يكون دائما حتى يتصل، وقيل: ولو كان ينقطع إن كان يجيء وقتا بعد وقت ولو تطاول حتى قطع سنين، وقيل: لا، إلا ما بلغ عاما فأسفل وقيل: ستة أشهر، وقيل أربعون يوما، وقيل: عشرون، وقيل: عشر، وقيل: إنما
1 - انظر ص 326. من هذا البحث.
2 - ديوان الأشياخ كتاب الديات ص 3 - 4 مخطوط. وانظر ص 18 فما بعدها منه.
319 (1/319)
صفحة 320
ينظر إلى فصول الزمان الأربعة، فإن دام فصلا فربع الدية، وهكذا تتجزأ الدية على قدر السنة.
ورجح العلامة المجتهد المطلق أحمد الخليلي لما سألته مشافهة أنَّ الشهر الواحد كافٍ لذلك لأنَّ الأصل أنَّ المجني عليه يستحق أرش الجناية بعد وقوعها عليه مباشرة، والشهر الواحد كاف للاحتياط خروجا من عهدة الخلاف، وكون الجناية استمر ضررها على المجني عليه مدرة شهر كامل وهو يعاني من نصبها وضررها والنكد الحاصل عليه وعلى أسرته بسببها غير بسيط، فهو يستحق ما وجب له كاملا من غير نقص، والله ما أبعد نظره وأدق فكره، وذلك أثناء سؤالي إياه بعد صلاة المغرب في مسجد التابعي سلمة بن سعد.
ومن حكم عليه بالدية في شيء مما ذكر فأداها ثم برئ المعتل من علته من قبل الله أو بعلاج بأدوية أو غير ذلك مما يكون به البرء ففي ذلك خلاف.
1 - وقد جرت أحكام بالمحكمة العليا، على اعتبار ثلاثة أشهر أدنى مدة في ذلك فيستحق المضرور إن تمت له ثلاثة أشهر الدية الكاملة للعاهة التي حصلت له أو المنفعة الذاهبة أو المضرة المتولدة وما دونها فبحسابه. كما ستعرفه إن شاء الله. ويرى العلامة المفتي أنَّ الشهر الواحد كاف في ذلك، وأنت إذا أجريتها قياسا على الإغماء وقستها عليه فالمدة قصيرة جدا وهي ثلاثة أيام وقالوا له الدية كاملة بتمام الثلاث إغماء، ولا قائل به في فوات المنافع بهذه المدة القصيرة، وهي ثلاثة أيام، فيما أحسب وعلة فوات المنفعة لا بد من أن يصاحبها نصب عظيم؛ کسہر شديد وعد استطاعة القيام بالواجب أما المغمى عليه، فهو فاقد جميع الشعور لا يحس بأي ألم وقد قضوا له بالدية كاملة بعد تمام ثلاثة أيام، وخرجوا عن هذه القاعدة في فوات المنافع، مع أنها أشد ضررا وأعظم بلاء وأثرا على المصاب، فلينظر فيه بإمعان.
320 (1/320)
صفحة 321
قيل ما عليه أي المعطى أن يرد ما أعطيه بعد ذلك، وإن لم يؤد الجاني حتى برئت العلة لم يلزم بعد ذلك، وقيل: فيه النظر.
وإن ضربه فذهب سمعه أو بصره أو شيء من حواسه أو جوارحه مما فيه الدية فأداها ثم رجع ذلك الذاهب فقيل لا يرجع بها إذا أداها وإلا ففي ذلك النظر، فيما
أفسد وقيل لا شيء عليه بعد وقيل ذلك في الدية وكذا في النظر ...
ومن لزمته بما ذكر فأداها، ثم برئ المعتل من علته من قِبَلِ الله، أو بالأدوية، أو غيرها مما يبرأ به فهل يدرك ما أعطى أو لا؟ فقيل: لا يرجع به بعد، وإن لم يؤد حتى برئت علته لم يلزمه بعد. وقيل: [له] النظر. [أي نظر العدول]
وإن ضربه فذهب سمعه أو بصره أو نحوهما من حواسه أو جوارحه؛ الواجبة فيها الدية ثم رجع فقيل: إذا أدَّاها فلا يرجع بها وإلا فليعط النظر فيما أفسد، وقيل: لا شيء عليه بعد. وقيل: غير ذلك في الدية، وكذا النظر.
واختلف أيضا في النقصان فقيل: يعطي ما شاء ثم يحلف ما بقي عليه شيء، وقيل: يعطي الدية على قدر ما نقص من تلك المعاني.
وإن كان من ناحية أي - الرعاف - من منخر واحد فله على القول بالدية (نصفها) أي نصف الدية، وعلى القول بالنظر لها النظر على نصف النظر في المنخرين (وإن انقطع فلكل منخر رعف منه دينار.
1 - انظر الجلاء ص 186 ط التراث، وبيان الشرع ج 67 ص 72 - 73 باب اللحية. وشرح النيل وشفاء العليل ج 15 ص 60 ط جدة. والديوان كتاب الديات ص 2 فما بعدها المرجع السابق. مخطوط، و "المسألة العشرون لا قصاص إلا بعد برء" من هذا الفصل.
321 (1/321)
صفحة 322
وإن اتصل منخر وانقطع آخر فللمنقطع دينار وللمتصل قيل: النظر، وقيل:
نصف الدية وقيل: النظر ولو انقطع.
وفي القيء النظر؛ أي نظر الحاكم أو عشرون درهما، وإن انقطع. والأولى أن يقول: وإن اتصل؛ لأن اتصاله أقرب إلى إلزام الدية، فيقول: فيه النظر لا الدية
ولو كان متصلا، ولعله أراد العطف، أي إن اتصل وإن انقطع وقيل: الدية إن اتصل والنظر إن انقطع. "ومن ضرب رجلاً في يده فشلت فانتظر سنة، فتم الشلل وأعطى ديتها ثم برئت فقيل: يرجع الضارب على المضروب بما أخذ منه وله رأي العدول في الأرش للضربة،
وكذلك عندنا في كل ما كان من نحو هذا.
قال ابن المنذر في سن الصبي: إذا قلعت يستأنى بها إلى الوقت الذي يقول أهل المعرفة إنها لا تنبت فإذا كان ذلك كان فيها قدرها تاما على ظاهر الحديث، وإن نبتت ردَّ الارش.
1 - شرح النيل وشفاء العليل ج 15 ص 60 ط جدة. والجلاء ص 186 ط التراث، وانظر باب اللحية من بيان الشرع ج 67 ص 72 - 73. وما بين المعكوفين زيادة مني للتوضيح.
2 - المنهج المرجع السابق فصل في جراحة اليد. وقد سقت لك هذه الآثار التي مرت وما ستأتي بعد
من
بنصها للأمانة العلمية والنظر يوجب عدم رد المجنى عليه ما أخذه بل له الأرش التام بما عاناه. المصائب والمضار التي لحقت به بسبب الجناية ولولاها لكان في سلامة من محنته، والشارع لم يرد عنه ما يوجب على المجني عليه رد لأرش الجناية أو يخصص عمومات أرش الجنايات، فلينظر فيه بإمعان ولا يؤخذ إلا بما يوافق الحق.
322 (1/322)
صفحة 323
وأكثر من يحفظ عنه من أهل العلم يقولون: يستأنى بها سنة، روي ذلك عن علي وزيد وعمر بن عبد العزيز وشريح والنخعي وقتادة ومالك وأصحاب الرأي.
ولم يجعل الشافعي لهذا مدة معلومة
وإذا قلع سن الكبير فأخذ ديتها ثم نبتت فقال مالك لا يرد ما أخذ.
6
وقال الكوفيون يرد إذا نبتت وللشافعي قولان يرد ولا يرد لان هذا نبات لم تجر به عادة، ولا يثبت الحكم بالنادر، هذا قول علمائنا.
قَالَ الْمُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذَا أَقْيَسُ فِي مَعْنَاهُ عِنْدِي لِأَنَّهُ لَمْ يَنْتَظِرْ بِسِنِّ الرَّجُلِ كَمَا انْتَظَرَ بِسِنِّ مَنْ لَمْ يَتَّغِرْ هَلْ تَنْبُتُ أَمْ لَا؟ فَدَلَ ذَلِكَ عِنْدِي مِنْ قَوْلِهِ أَنَّ عَقْلَهَا أَوِ الْقَوَدَ مِنْهَا قَدْ تَمَّ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَانْتَظَرَ كَمَا انْتَظَرَ بِسَنٌ مَنْ لَمْ يَنْغِرُ وَقِيَاسًا عَلَى قَوْلِهِ: وَلَوْ قُطِعَ لِسَانُهُ فَأَخَذَ أَرْشَهُ ثُمَّ نَبَتَ صَحِيحًا لَمْ يَرُدَّ شَيْئًا، وَلَوْ قَطَعَهُ آخَرُ فَفِيهِ الْأَرْسُ تَامًا، وَمِنْ أَصْلِ قَوْلِهِ أَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الْأَسْمَاءِ.
قَالَ الْمُزَنِيُّ: وَكَذَلِكَ السِّنُّ فِي الْقِيَاسِ نَبَتَتْ أَوْ لَمْ تَنْبُتْ سَوَاءً إِلَّا أَنْ تَكُونَ فِي الصَّغِيرِ إِذَا نَبَتَتْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَقْلُ أَصْلًا فَيُتْرَكُ لَهُ الْقِيَاسُ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَقُلْنَا: إِنَّ سِنَّ الْمَشْغُورِ إِذَا قُلِعَتْ ديتها لَمْ يُنْتَظَرْ عَوْدُهَا، وَقُضِيَ لَهُ بِقَوَدِهَا أَوْ دِيَتِهَا، لِأَنَّهَا لَا تَعُودُ فِي الْأَغْلَبِ بِخِلَافِ الصَّغِيرِ
1 - تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن ج 6 ص 199. وانظر نفس الكلام تقريبا في تفسير البحر المحيط المؤلف: أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان النحوي الأندلسي المتوفى: 745 هـ قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) المائدة 45 508.
323 (1/323)
صفحة 324
الَّذِي تَعُودُ سِنُّهُ فِي الْأَغْلَبِ. فَلَوْ عَادَتْ سِنُّ الْمَشْغُورِ بَعْدَ أَخْذِ دِيَتِهَا هل ترد الدية فَفِي وُجُوبِ رَبِّهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجِبُ رَدُّهَا كَالصَّغِيرِ، إِذَا عَادَتْ سِنُّهُ فَعَلَى هَذَا هَلْ يَبْقَى مِنْهَا شَيْءٌ لِلْأَلَمِ وَسَيَلَانِ الدَّمِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَحَدُهُمَا: يُرَدُّ الْكُلَّ وَلَا يُبْقَى شَيْءٌ مِنْهَا وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِي هَاهُنَا.
والوَجهُ الثَّانِي: يُبْقَى مِنْهَا قَدْرُ حُكُومَةِ الْأَلَمِ وَسَيَلَانِ الدَّمِ وَيَرُدُّ مَا سِوَاهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: اخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ أَنَّ الْمَشْغُورَ لَا يَرُدُّ مَا أَخَذَهُ مِنَ الدِّيَةِ لِقَوَدِ سِيِّهِ، لِأَمْرَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمُزَنِيُّ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَا لَمْ يَنْتَظِرْ بِالرِّيَةِ عَوْدَ سِيِّهِ لَمْ يَلْزَمْهُ رَدُّهَا بِعَوْدِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ دِيَةَ اللَّسَانِ لَمَّا لَمْ يَلْزَمْ رَدُّهَا بَعْدَ نَبَاتِهِ لَمْ يَلْزَمْ رَدُّ دِيَةِ السِّنِّ بَعْدَ عَوْدِهِ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مَعْلُولٌ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فِي تَرْكِ الانْتِظَارِ فَلِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْجِنَايَاتِ الْأَغْلَبُ مِنْ أَحْوَالِهَا دُونَ النَّادِرِ، وَالْأَغْلَبُ مِنْ مِنَ الْمُثْغُورِ أَنْ لَا تَعُودَ، وَمِنْ سِنِّ الصَّغِيرِ أَنْ تَعُودَ فَانْتُظِرَ بِالصَّغِيرِ
وَلَمْ يُنْتَظَرْ بِالْمُثْغُورِ، وَأَمَّا نَبَاتُ اللَّسَانِ فَهُوَ أَكْثَرُ نُدُورًا وَأَبْعَدُ وُجُودًا.
قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَقَدْ كُنَّا نُنْكِرُ عَلَى الْمُزَنِي حَتَّى وَجَدْنَا فِي زَمَانِنَا رَجُلًا مِنْ أَوْلَادِ الْخُلَفَاءِ قُطِعَ لِسَانُهُ فَنَبَتَ فَعَلِمْنَا أَنَّ مِثْلَهُ قَدْ يَكُونُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْحُكْمُ فِي نَبَاتِ اللَّسَانِ مَحْمُولٌ عَلَى عَوْدِ اللَّسَانِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ عَوْدَ السِّنِّ لَا يُوجِبُ رَدَّ دِيَتِهَا فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ نَبَاتُ اللَّسَانِ لَا يُوجِبُ رَدَّ
دِيَتِهِ
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ عَوْدَ السِّنِّ يُوجِبُ رَدَّ دِيَتِهِ فَقَدِ اختلف أَصْحَابُنَا فِي عَوْدِ اللَّسَانِ هَلْ
324 (1/324)
صفحة 325
يُوجِبُ رَدَّ دِيَتِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبي إِسْحَاقَ الْمَروَزِي: يُوجِبُ نَبَاتُ اللِّسَانِ رَدَّ دِيَتِهِ كَمَا أَوْجَبَ عَوْدُ السِّنِّ رَدَّ دِيَتهَا، فَسَوَّى بَيْنَهُمَا وَأُسْقِطَ اسْتِدْلَالُ الْمُزَنِي، فَعَلَى هَذَا يُسْتَبْقَى قَدْرُ الْحُكُومَةِ فِي قَطْعِ الْأَوَّلِ وَجْهَا وَاحِدًا وَرُدَّ مَا زَادَ عَلَيْهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا تُرَدُّ دِيَةُ اللَّسَانِ وَإِنْ رَدَّ دِيَةَ السِّنِّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ فِي جِنْسِ السِّنِ مَا يَعُودُ فِي الْغَالِبِ فَأُلْحِقَ بِهِ النَّادِرُ، وَلَيْسَ فِي جنس اللَّسَانِ مَا يَعُودُ فَصَارَ جَمِيعُهُ نَادِرًا، وَلِذَلِكَ وُقِفَ سِنُّ الصَّغِيرِ دُونَ الْكَبِيرِ، وَلَمْ يُوقَفْ لِسَانُ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ فَافْتَرَقَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
"
والخلاف في المذهب الحنبلي كذلك كما في الإنصاف للمرداوي وغيره
2
وَإِنْ قُلِعَتْ: بِضَةٍ فَكَسْرٍ (سِةٌ) عَمْدًا عُدْوَانًا مِنْ مَعْصُومٍ مُثْغِرٍ وَأُعِيدَتْ مَكَانَهَا أَوْ اضْطَرَبَتْ جِدًّا (فَثَبَتَتْ أَوْ نَبَتَ مَكَانَهَا أُخْرَى (فَالْقَوَدُ) لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْقِصَاصِ يَوْمُ الْجِنَايَةِ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ إِيلَامُ الْجَانِي لِرَدْعِهِ وَرَدْعِ أَمْثَالِهِ وَلِأَنَّهَا لَا تَعُودُ عَلَى أَصْلِ عُرُوقِهَا (وَفِي) قَلْعِ الْخَطَاً) وَثُبُوتِهَا بَعْدَهُ قَبْلَ أَخْذِ عَقْلِهَا فَلَا يَسْقُطُ بِثْبُوتِهَا حُكْمُهُ فَيُؤْخَذُ عَقْلُهَا وَهُوَ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ (كَ) دِيَةِ (الْخَطَا) فِي قَلْعِهَا وَلَمْ تَثْبُتْ، وَفِي غَيْرِهَا مِمَّا لَهُ عَقْلٌ مُسَمًّى كَمُوضِحَةٍ وَمُنَقَّلَةٍ يُؤْخَذُ عَقْلُهَا ثُمَّ تَعُودُ كَمَا كَانَتْ فَلَا
1 - انظر: الحاوي الكبير للماوردي العلامة أبو الحسن الماوردي. الجزء الثاني عشر ص 275 - 276 ن دار الفكر بيروت.
2 - انظر: ج 10 ص 22 وص 75 دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان ط 1 وكذا في الفروع لابن مفلح: محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج الحنبلي، والمبدع شرح المقنع لإبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد ابن مفلح الحنبلي
325 (1/325)
صفحة 326
يَسْقُطُ الْعَقْلُ اتِّفَاقًا حَكَاهُ اللَّخْمِيُّ، وَإِنْ أَخَذَ الدِّيَةَ فَرُدَّتْ وَثَبَتَتْ فَلَا يَرُدُّ الْآخِذُ شَيْئًا
مِنْهَا.
ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا مَنْ طُرِحَتْ سِنُّهُ عَمْدًا فَرَدَّهَا فَثَبَتَتْ فَلَهُ الْقَوَدُ فِيهَا، وَكَذَلِكَ الْإِذْنُ، وَلَوْ رَدَّ السِّنَّ فِي الْخَطَأَ فَتَبَتَتْ كَانَ لَهُ الْعَقْلُ وَفِي سَمَاعٍ أَشْهَبَ مَنْ ضُرِبَ فَذَهَبَ
عَقْلُهُ فَأَخَذَ الْعَقْلَ بَعْدَ السَّنَةِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ عَقْلُهُ فَلَا يَرُدُّهُ وَهُوَ حُكْمٌ مَضَى.
ابْنُ رُشْدٍ مَثَّلَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ فِيمَنْ ضُرِبَتْ عَيْنُهُ فَنَزَلَ الْمَاءُ فِيهَا وَابْيَضَّتْ فَأَخَذَ دِيَتَهَا ثُمَّ زَالَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يَرُدُّ شَيْئًا، وَاخْتَارَهُ مُحَمَّدٌ إِنْ قَضَى بِهِ بَعْدَ الِاسْتِقْصَاءِ وَالْأَنَاةِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي بَيَاضِ الْعَيْنِ وَنُزُولِ الْمَاءِ فِيهَا يَرُدُّ مَا أَخَذَ فَقِيلَ لَهُ هُوَ خِلَافُ قَوْلِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْعَقْلِ وَلَا فَرْقَ.
وَقِيلَ: قَوْلُهُ فِي الْعَقْلِ لِأَشْهَبَ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَقْلَ ذَهَبَ حَقِيقَةً ثُمَّ عَادَ وَالْبَصَرُ سَتَرَهُ سَاتِرٌ دُونَ ذَهَابِهِ حَقِيقَةً فَانْكَشَفَ فَظَهَرَ بِرُجُوعِهِ خَطَأُ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِالدِّيَةِ فَتَحْصُلُ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالِ، ثَالِها يَرُدُّ فِي الْبَصَرِ لَا فِي الْعَقْلِ.
وَلَوْ عَادَ الْبَصَرُ أَوْ الْعَقْلُ قَبْلَ الْحُكْمِ فَلَا يُقْضَى لَهُ بِشَيْءٍ اتِّفَاقًا، وَحُكْمُ السَّمْعِ حُكْمُ الْبَصَرِ وَسِنُّ الْكَبِيرِ يُقْضَى لَهُ بِعَقْلِهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا فَثَبَتَ فَلَا يَرُدُّ عَقْلَهَا اتِّفَاقًا، إِذْ لَا تَرْجِعُ عَلَى قُوَّتِهَا، هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِي الْمَوَازِيَّةِ، وَرِوَايَتُهُ فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ وَالْأُذُنُ كَالسِّنَّ إِذَا رَدَّهَا بَعْدَ الْحُكْمِ فَثَبَتَتْ.
واختلف إذَا رَدَّهُمَا فَثَبَتَتَا وَعَادَتَا لِهَيْئَتِهِمَا قَبْلَ الْحُكْمِ بِالْعَقْلِ ثَالِهَا فِي السِّنِّ لَا الْأُذُنِ، ثُمَّ قَالَ وَلَا خِلَافَ فِي الْقَوَدِ فِهِمَا لَوْ عَادَتَا لِهَيْتَهِمَا، فَإِنْ اقْتَصَّ بَعْدَ أَنْ عَادَتَا لِهَيْئَتِهِمَا فَعَادَتْ أُذُنُ الْمُقْتَصِ مِنْهُ كَذَلِكَ، فَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ تَعُدْ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ عَادَتْ
326 (1/326)
صفحة 327
سِنُ الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ أَوْ أُذُنُه وَلَمْ تَعُدْ سِنُ الْأَوَّلِ وَلَا أُذُنُهُ غَرِمَ الْعَقْلَ. قَالَهُ أَشْهَبُ فِي
الموازية.
" الشَّافِعِيِّ: فِيمَنْ جَنَى عَلَى عَيْنِ رَجُلٍ فَابْيَضَّتْ فَأَخَذَ دِيَتَهَا ثُمَّ زَالَ الْبَيَاضُ أَنَّهُ يَرُدُّ مَا أَخَذَ مِنَ الدِّيَةِ لِارْتِفَاعِ النَّقْصِ بِحُدُوثِ الصِحَةِ فَكَذَلِكَ الْغَاصِبُ.
قال الباحث عفا الله عنه: هذا فيما إذا برئ المعتَلُّ من علته أو بعضها حسبما ترى من اختلاف العلماء فيها؛ هل له بكل دية أم لا؟ وهل عليه رد أم لا؟ إن أخذ دية أوديات.
وقد سبق الكلام أنَّ للمجني عليه الأرش كاملا ولو مضى عليه شهر واحد على الضرر الذي لحق به، وإن عادت صحته كحالها ولا رد عليه، وذلك حق شرع له
بموجب ضرر وقع عليه بسبب جناية من جانٍ فأخذه، فاشدد به يدك.
وإنما ذكرت لك اختلاف العلماء أخذا بمبدأ الأمانة العلمية، وبيانا لوجود الخلاف في المسألة فتبصر لدينك وخذ ما وافق الحق، والحق أحق أن يتبع.
أمَّا القول بأنْ لا شيء له لما شُفي وزالت، علته، أو برئ كسره، إلى آخره، فغير مقبول البتة؛ لمخالفته النصوص الثابتة عن المعصوم في الديات والأروش، وإن القول بعدم الرد هو الصواب الذي تدل عليه الآثار الثابتة عن النبي المختار، والشارع الحكيم يعلم يقينا أنَّ المشجوج قد يبرأ وتزول علته، وفاقد المنفعة قد
1 - الشيخ عليش: منح الجليل شرح مختصر خليل - (19/ 68) مالكي المذهب.
2 - انظر: الحاوي الكبير للماوردي الجزء السابع ص 148 ن دار الفكر. بيروت.
327 (1/327)
صفحة 328
6
ترجع منفعته بإذن الله، ومع ذلك أوجب له حقا كاملا مقابل أذاه الذي أصيب به ولو كان لا يلزم الجاني شيء بعد البرء لبينه الله، ولا يصح تأخير البيان عن وقت الحاجة، وحاشاه عن ذلك، وقد لحق بربه، والدين كامل، والنعمة للإسلام تامة، فلما لم يبين ذلك دل على وجوب إعطاء المضرور حقه، بالنص الثابت عنه، من غير قيد ولا شرط، فلينظر فيه ولا يؤخذ منه إلا الحق.
أَمَّا إِنْ مات المجني عليه بعد الإصابة وكانت متعددة بحيث تجب فيها عدة ديات كأن تتعدد المضار، أو فوات المنافع، أو الجروح، أو الكسور، إلى غير ذلك ... فهل له دية واحدة إن ثبت أنَّ موته بسبب الجناية؟ أم له بكل منفعة زالت ديها، وبكل مضرة تولدت ديتها؟ ولو بلغ عدة ديات وكذا جميع أروشه من جروح وكسور وغيرها؟ فلا يخلو من إحدى ثلاث صور.
الصورة الأولى: أن يكون موته متصلا بالإصابة في وقت قصير وقبل اندمال الجروح
والإصابات.
الصورة الثانية أن يكون موته بعد الاندمال، سواءً على شين أم على غير شين، أو بعد الإصابة بمدة بحيث تمضي مدة التأني بالجروح بين الإصابة والموت، وذلك حسب ما مر ذكره من اختلاف العلماء في المدة: هل سنَةً، أم ستة أشهر، أم أربعون يوما، أم عشرون يوما، أم عشرة أيام، أم على اعتبار فصول السنة، أم شهر واحد وهو الراجح كما مر بيانه
الصورة الثالثة أن يجني عليه بعدة جنايات مرتبة وذلك كأن يَجْرَحَهُ ثم يقطع يديه ثم رجليه ثم لسانه ثم يقتله وهكذا .....
ففي الصورة الأولى وهي ما إذا كان موته متصلا بالإصابة في وقت قصير فليس له
328 (1/328)
صفحة 329
إلا دية واحدة، وفي الصورة الثانية والثالثة له جميع الديات والأروش مهما بلغت. ذلك أَنَّ الْأَصْلِ تَعدُّدُ الدِّيَة بِتَعَدُّدِ الْجِنَايَةِ سواءً أكانت الجنايةُ بإتلاف الْأَعْضَاءِ أَوْ ذهاب المنافع أو حدوث المضارّ أو تعدد الجراح والكسور، إلى غير ذلك مما يحدث بسبب الإصابة؛ إذا لم تفض الى الموت مباشرة، كما سبق تفصيله أنفا.
وفي النيل وشرحه ما نصه:-
وَمَنْ قَطَّعَ يَدَ رَجُلٍ ثُمَّ تَبَاعَدَ فَرَجَعَ وَقَطَّعَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ تَبَاعَدَ وَرَجَعَ فَقَتَلَهُ فَطَلَبَ وَلِيُّهُ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ ذَلِكَ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: إِنْ ضَرَبَهُ ضَرْبَةً أَذْهَب بِهَا هَذِهِ الْجَوَارِحَ وَفَاتَتْ نَفْسُهُ مَعَهَا أَوْ بَعْدَهَا فَلِوَلِيّهِ إِمَّا الْقَوَدُ أَوْ الدِّيَةُ لَا أُرُوشُهَا.
وَإِنْ قَطَعَهَا جَارِحَةً بَعْدَّ جَارِحَةٍ فَلَهُ أُرُوشُهَا، وَدِيَةُ النَّفْسِ تَامَّةٌ، وَإِنْ أَرَادَ الْقِصَاصَ بِهَا وَقَدْ قَطَعَ شَفَتَيْهِ وَأَنْفَهُ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فِي مَقَامٍ ثُمَّ قَتَلَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الْقَوَدُ، وَإِنْ نَزَلَ الْوَلِيُّ إِلَى الدِّيَةِ فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا وَاحِدَةٌ، وَإِنْ فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ وَعَانَتهُ الْمُمَثَلِ بِهِ فَلَهُ بِكُلِّ مَا أَحْدَثَهُ فِيهِ دِيَةٌ.
وقال أبو المؤثر في رجل قطع أذني، رجل، وفقأ عينيه، وقطع شفتيه، وقطع أنفه، وقطع يديه ورجليه، في مقام واحد. ثم قتله بعد ذلك؛ فليس عليه إلا القود، وإن نزل أولياء المقتول إلى الدية، فليس عليه إلا دية واحدة، وإن فعل به ذلك، وعاش
1 - وانظر "المسألة العشرون لا قصاص إلا بعد برء" من هذا الفصل. والمسألة الخامسة عشرة من
الفصل الثالث في التفصيل في الكسر.
2 - شرح النيل ج 15 ص 92.
329 (1/329)
صفحة 330
الممثل به، فله بكل شيء أحدثه فيه ديته.
ولابن وصاف في شرح الدعائم المسمى "الحَلُّ والإصابة" ومن ضرب رجلا ضربة واحدة فقطع يديه ورجليه ثم مات فعليه في الجوارح والنفس القصاص في كل ذلك أو الأرش؛ إما أنْ يقتص الولي بالجوارح ثم يقتله، أو تكون له دية الجوارح ودية النفس وإن أراد أن يقتله ويأخذ من ماله أرش الجوارح فذلك له.
وإليك ملخص ما قاله فقهاء المذاهب الأربعة.
أولا: الموسوعة الفقهية: " الْأَصْلُ أَنَّ الدِّيَةَ تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْجِنَايَةِ وَإِتْلَافِ الْأَعْضَاءِ أَوْ الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةِ إِذَا لَمْ تُفِضْ إِلَى الْمَوْتِ.
فَإِنْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ مَعَا وَلَمْ يَمُتْ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ تَجِبُ دِيَتَانِ. وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ فَأَذْهَبَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَعَقْلَهُ وَجَبَ ثَلَاثُ دِيَاتٍ، وَهَكَذَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ هُ فِي رَجُلٍ رَمَى آخَرَ بِحَجَرٍ فَذَهَبَ عَقْلُهُ وَبَصَرُهُ
1 - المنهج ج 6 ص 226 /ن / مكتبة مسقط ط 1 القول الثالث والعشرون في القاتل إذا أحدث في المقتول حدثاً غير القتل. وانظر الكوكب الدري ج 4 ص 340/ ن / التراث ط 1 /حكم من يقطع أطراف الإنسان حتى الموت.
2 - ابن وصاف شرح الدعائم المسمى "الحل" والإصابة باب الديات "شرح البيت: ويقطع أيديهم بقطع يمينه .... مخطوطة عند العبد الضعيف صورة منها كتبت في شهر ربيع الآخر سنة 1191 هـ نسخها عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن ربيعة بن علي المسكري للشيخ حمد بن سعيد بن سالم البراشدي الأدمي والي أدم للإمام أحمد بن سعيد، يوجد الأصل بمكتبة السيد محمد بن
البوسعيدي.
أحمد
330 (1/330)
صفحة 331
In
وَسَمْعُهُ وَكَلَامُهُ، فَقَضَى فِيهِ بِأَرْبَعِ دِيَاتٍ وَهُوَ حَيٍّ (1) لِأَنَّهُ أَذْهَبَ مَنَافِعَ فِي كُلِ
وَاحِدَةٍ.
1 - أخرجه البيهقي في سننه ج 8 ص 98 ح 16760 وابن أبي شيبة في مصنفه ج 5 ص 359 ح 26892 من طريق أبي المهلب عم أبي قلابة قالَ: رَمَى رَجُلٌ رَجُلًا بِحَجَرٍ فِي رَأْسِهِ فِي زَمَنِ عُمَرَ، فَذَهَبَ سَمْعُهُ وَعَقْلُهُ وَلِسَانُهُ وَذَكَرُهُ، فَلَمْ يَقْرَبْ النِّسَاءَ، فَقَضَى فِيهِ عُمَرُ بِأَرْبَعِ دِيَاتٍ.
وزاد الحافظ العسقلاني في التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير 4/ 101) وصاحب منار السبيل، والملا علي القاري في المرقاة والزيلعي في نصب الرأية وهو حي) إلا أنَّ هذه الزيادة غير موجودة مع البيهقي وابن أبي شيبة. ورواه عبد الرزاق في مصنفه عن سفيان الثوري: ج 10/ ص 11 ح 18183 باب من أصيب من أطرافه ما يكون فيه ديتان أو ثلاث. وانظر مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح الملا على القاري ج 57/ 11، والعسقلاني ابن حجر الدراية ج 2 ص 277. والزيلعي نصب الراية ج 4 ص 371
"روى أبوعبد الله محمد بن محبوب بن الرحيل عن أبيه قال: قال جابر ه: قدم رجل إلى عمر بن الخطاب له وقد ضُرِبَ على أُم رأسه، فذكر وليه أنَّ فلانا ضرب هذا الرجل فنزل الماء الأسود في عينيه - قال جابر وكان الرجل قائم العينين - وذهب شمه وخرس لسانه، وانقطع ماء صلبه، فضحك عمر بن الخطاب الله وقال: إن هذه لقضية منكرة، أيكون هذا أو مثله في الدنيا!؟ لا والله لا كان هذا أبدا، وقال عمار بن ياسر: يا أمير المؤمنين أنفذ به إلى علي بن أبي طالب فإنه قد أوتي الحكمة وعرف دقائق الأحكام، قال عمر: قم يا عمَّارُ فإِن الْحَكَم يؤتى ولا يأتي، فصاح عمار بالرجل حتى أتى به إلى علي بن أبي طالب، فقص علته على علي، فقال له: إن كان صادقا فله في كلّ واحدة مما ادعاه دية.
قال جابر فقال له عمار يا أمير المؤمنين أما تراه قائم العينين، فمن أين نعلم أنَّه قد ذهب ضوؤهما؟ قال علي: أقمه في عين الشمس، فإن هو لم يطرف فإن الضوء قد ذهب. قال له: فمن أين نعلم أن قد ذهب شمه؟ قال أحرقوا تحت أنفه خرقة، فإن دمعت عيناه فإن الشم باق، وإن لم تدمعا فإن الشم قد ذهب. قال: فمن أين نعلم أن قد خرس لسانه؟ قال: اضربوه
331 (1/331)
صفحة 332
مِنْهَا دِيَةٌ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ دِيَاتُهَا كَمَا لَوْ أَذْهَهَا بِجِنَايَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ."
ثانيا: الحنابلة: قَالَ الْحَنَابِلَةُ: إِذَا قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ثُمَّ عَادَ فَضَرَبَ عُنُقَهُ قَبْلَ أَنْ تَنْدَمِلَ جِرَاحُهُ، وَصَارَ الْأَمْرُ إِلَى الدِّيَةِ بِعَفْوِ الْوَلِي أَوْ كَوْنِ الْفِعْلِ خَطَأَ أَوْ شَبَهَ عَمْدٍ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَالْوَاجِبُ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ قَاتِلْ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْجُرْحِ، فَدَخَلَ أَرْسُ الْجِرَاحَةِ فِي أَرْشِ النَّفْسِ، كَمَا لَوْ سَرَتْ إِلَى النَّفْسِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَجِبُ دِيَةُ الْأَطْرَافِ الْمَقْطُوعَةِ وَدِيَةُ النَّفْسِ؛ لِأَنَّهُ لَمَا قَطَعَ بِسِرَايَةِ الْجُرْحِ بِقَتْلِهِ صَارَ كَالْمُسْتَقرِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ، وَإِنْ قَطَعَ الْجَانِي بَعْضَ أَعْضَائِهِ ثُمَّ قَتَلَهُ بَعْدَ أَنْ بَرئَتْ الْجِرَاحُ مِثْلُ أنْ قَطَعَ الْجَانِي يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَبَرِئَتْ
10
بإبرة، فإن خرج منه دم أسود فإن اللسان قد ذهب، وإن خرج منه دم أحمر فإن اللسان باق. قال: فمن أين نعلم أنه قد ذهب سمعه؟ قال: أخرجوه عني حتى أخبركم، فأخرج المضروب ووليه، فقال: استقبلوه ليلا حيث لا يعلم ولا أحد من أنسابه، فازعقوا به زعقة شديدة، فإن هو التفت فالسمع باق، وإن لم يلتفت فالسمع قد ذهب. قال: فمن أين نعلم أن ماء صلبه قد ذهب؟ قال: أقعدوه في الماء البارد، فإن تقلص إحليله فإن ماء الصلب باق، وإن هو بقي على حالته فماء الصلب قد ذهب. قال عمار: فبكيت وبكى من حضر، فقالوا: بآبائنا وأمهاتنا نفديك يا منقذ أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الشبهات. موسوعة آثار الإمام جابر بن زيد الفقهية ج 2 ص 1059 - 1060، جمع ابراهيم بو لرواح، ط 1 مكتبة مسقط "فيمن استحق عددا من الديات وهو حي وانظر بيان الشرع ج 67 ص 127 - 128 ط التراث الأولى منهج الطالبين وبلاغ الراغبين لخميس الرستاقي 169 ط التراث وج 5 ص 314 فما بعدها؛ مكتبة مسقط، القول الثاني فيما جاء في الحكام وسِيّرهم وشرح النيل للقطب اطفيش 30/ 13، والتاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم لعبد العزيز الثميني ((326 - 327 ط الأولى التراث الباب الثاني فيما جاء في الحكام وسِيّرهم ونحو ذلك. وغاية المطلوب في الأثر المنسوب لعامر المالكي محققا، 903/ 1 فما بعدها، تحقيق بدر العبري.
1 - الموسوعة الفقهية الكويتية ج 21 ص 86.
332 (1/332)
صفحة 333
جِرَاحَتُهُ ثُمَّ قَتَلَهُ فَقَدْ اسْتَقَرَّ حُكْمُ الْقَطْعِ بِالْبُرْءِ وَلِوَلِي الْقَتِيلِ الْخِيَارُ، إِنْ شَاءَ عَفَا وَأَخَذَ ثَلَاثَ دِيَاتٍ، وَإِنْ شَاءَ قَتَلَهُ وَأَخَذَ دِيَتَيْنِ، دِيَةً لِلْيَدَيْنِ وَدِيَةً لِلرِّجْلَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ جِنَايَةٍ مِنْ ذَلِكَ اسْتَقَرَّ حُكْمُهَا، كَمَا قَالَ الْبُيُوتِيُّ. وَهَذَا يَعْنِي أَنَّهُ لَا تَدَاخُلَ بَعْدَ الِانْدِمَالِ عِنْدَهُمْ لَا فِي النَّفْسِ وَلَا فِي الْأَعْضَاءِ.
"وَإِنْ كَانَتْ الْجِرَاحُ بَرئَتْ قَبْلَ قَتْلِهِ، فَعَلَى الْمَعْفُو عَنْهُ ثَلَاثُ دِيَاتٍ، إِلَّا أَنْ يُرِيدُوا الْقَوَدَ، فَيُقِيدُوا وَيَأْخُذُوا مِنْ مَالِهِ دِيَتَيْنِ، أَمَّا إِذَا قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَبَرَأَتْ جِرَاحُهُ، ثُمَّ قَتَلَهُ، فَقَدْ اسْتَقَرَّ حُكْمُ الْقَطْعِ، وَلِوَلِيِّ الْقَتِيلِ الْخِيَارُ، إِنْ شَاءَ عَفَا وَأَخَذَ ثَلَاثَ دِيَاتٍ، دِيَةً لِنَفْسِهِ، وَدِيَةٌ لِيَدَيْهِ، وَدِيَةٌ لِرِجْلَيْهِ، وَإِنْ شَاءَ قَتَلَهُ قِصَاصًا بِالْقَتْلِ، وَأَخَذَ دِيَتَيْنِ لِأَطْرَافِهِ، وَإِنْ أَحَبَّ قَطَعَ أَطْرَافَهُ الْأَرْبَعَةَ وَأَخَذَ دِيَةً لِنَفْسِهِ، وَإِنْ أَحَبَّ قَطَعَ يَدَيْهِ، وَأَخَذَ دِيَتَيْنِ لِنَفْسِهِ وَرِجْلَيْهِ، وَإِنْ أَحَبَّ قَطَّعَ رِجْلَيْهِ، وَأَخَذَ دِيَتَيْنِ لِنَفْسِهِ وَيَدَيْهِ، وَإِنْ أَحَبَّ قَطَعَ طَرَفًا وَاحِدًا، وَأَخَذَ دِيَةَ الْبَاقِي، وَإِنْ أَحَبَّ قَطَعَ ثَلَاثَةَ أَطْرَافٍ، وَأَخَذَ دِيَةَ الْبَاقِي، وَكَذَلِكَ سَائِرُ فُرُوعِهَا، لِأَنَّ حُكْمَ الْقَطْعِ اسْتَقَرَّ قَبْلَ الْقَتْلِ بِالِانْدِ مَالِ، فَلَمْ يَتَغَيَّرْ حُكْمُهُ بِالْقَتْلِ الْحَادِثِ بَعْدَهُ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ أَجْنَبِيُّ، وَلَا نَعْلَمُ فِي
هَذَا مُخَالِفًا.
وَإِنْ قَطَّعَ الْجَانِي بَعْضَ أَعْضَائِهِ أَيْ الْمَجْنِي عَلَيْهِ) ثُمَّ قَتَلَهُ بَعْدَ أَنْ بَرِئَتْ الْجِرَاحُ مِثْلَ أَنْ قَطَعَ) الْجَانِي يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَبَرِئَتْ جِرَاحَتُهُ ثُمَّ قَتَلَهُ الْجَانِي (فَقَدْ اسْتَقَرَّ حُكْمُ الْقَطْعِ بِالْبُرْءِ وَلِوَلِيِّ الْقَتِيلِ وَهُوَ وَارِثُ الْمَجْنِي عَلَيْهِ (الْخِيَارُ) بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالْعَفْوِ فَإِنْ شَاءَ عَفَا وَأَخَذَ ثَلَاثَ دِيَاتٍ): دِيَةً لِلْيَدَيْنِ وَدِيَةً لِلرِّجْلَيْنِ وَدِيَةً لِلنَّفْسِ
1 - الموسوعة الفقهية مادة ديات.
-2 - المغني لابن قدامة الحنبلي ج 8 ن دار احياء التراث. وانظر الأم للشافعي ج 6 ص 67 ن دار المعرفة.
333 (1/333)
صفحة 334
(وَإِنْ شَاءَ) الْوَلِيُّ (قَتَلَهُ وَأَخَذَ دِيَتَيْنِ): دِيَةً لِلْيَدَيْنِ وَدِيَةً لِلرِّجْلَيْنِ (وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَأَخَذَ دِيَةً نَفْسِهِ، وَإِنْ شَاءَ الْوَلِيُّ قَطَعَ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ وَأَخَذَ دِيَتَيْنِ وَإِنْ شَاءَ) الْوَلِيُّ (قَطَعَ طَرَفًا وَاحِدًا مِنْ الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ (وَأَخَذَ دِيَةَ الْبَاقِي) وَهُوَ دِيَتَانِ وَنِصْفٌ لِأَنَّ كُلَّ جِنَايَةٍ مِنْ ذَلِكَ اسْتَقَرَّ حُكْمُهَا فَهِيَ كَالْمُتَّحِدَةِ.
وَإِنْ قَطَعَ الْجَانِي بَعْضَ أَعْضَاءِ مَجْنِي عَلَيْهِ، ثُمَّ قَتَلَهُ بَعْدَ أَنْ بَرِئَتْ الْجِرَاحُ مِثْلَ أَنْ قَطَعَ يَدَيْهِ، وَرِجْلَيْهِ، فَبَرِئَتْ جِرَاحَتُهُ، ثُمَّ قَتَلَهُ الْجَانِي؛ فَقَدْ اسْتَقَرَّ حُكْمُ الْقَطْعِ بِالْبُرْءِ، وَلِوَلِيِّ مَجْنِي عَلَيْهِ الْخِيَارُ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالْعَفْوِ، فَإِنْ شَاءَ عَفَا، وَأَخَذَ ثَلَاثَ دِيَاتٍ: دِيَةً لِلْيَدَيْنِ وَدِيَةً لِلرِّجْلَيْنِ، وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَيْهِ، وَرِجْلَيْهِ، وَأَخَذَ دِيَةَ نَفْسِهِ، وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ، وَأَخَذَ دِيَتَيْنِ، وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ طَرَفًا وَاحِدًا مِنْ الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ، وَأَخَذَ دِيَةَ الْبَاقِي وَهُوَ دِيَتَانِ وَنِصْفٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ جِنَايَةٍ مِنْ ذَلِكَ اسْتَقَرَّ حُكْمُهَا فَبِيَ كَالْمُتَحِدَةِ.
"وَمِنْ الْحِيَلِ الْبَاطِلَةِ الْمُحَرَّمَةِ إِذَا أَوْضَحَ رَأْسَهُ فِي مَوْضِعَيْنِ وَجَبَ عَلَيْهِ عَشَرَةُ أَبْعِرَةٍ مِنْ الْإِبِلِ، فَإِذَا أَرَادَ جَعَلَهَا خَمْسَةً فَلْيُوضِحْهُ ثَالِثَةً تَخْرِقُ مَا بَيْنَهُمَا وَهَذِهِ الْحِيلَةُ مَعَ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ فَإِنَّهَا لَا تُسْقِطُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَشْرَة لَا تَجِبُ عَلَيْهِ إِلَّا بِالِانْدِمَالِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ الْإِنْدِمَالِ فَهِيَ مُوضِحَةٌ ثَالِثَةٌ، وَعَلَيْهِ دِيَتُهَا، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الِانْدِمَالِ وَلَمْ يَسْتَقِرَّ أَرْسُ الْمُوضِحَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ حَتَّى صَارَ الْكُلُّ وَاحِدَةً مِنْ جَانٍ وَاحِدٍ فَهُوَ كَمَا لَوْ سَرَتْ الْجِنَايَةُ حَتَّى خَرَقَتْ مَا بَيْنَهُمَا فَإِنَّهَا تَصِيرُ وَاحِدَةً، وَهَكَذَا لَوْ
1 - كشاف القناع منصور البهوتي ج 5 ص 541 من دار الكتب العلمية وانظر مصطفى الرحيباني مطالب اولي النهى شرح غاية المنتهى ج 6 ص 55 كلاهما من المذهب الحنبلي.
2 - مطالب أولي النهى مصطفي بن سعد الرحيباني ج 6 ص 55 ن حنبلي.
334 (1/334)
صفحة 335
قَطَعَ أُصْبُعًا بَعْدَ أُصْبُعِ مِنْ امْرَأَةٍ حَتَّى قَطَعَ أَرْبَعًا فَإِنَّهُ يَجِبُ عِشْرُونَ، وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الثَّلَاثِ وَجَبَ ثَلَاثُونَ.
وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَطَعَ الرَّابِعَةَ بَعْدَ الِانْدِمَالِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ فِيهَا عَشْرَةٌ، كَمَا لَوْ تَعَدَّدَ
الْجَانِي فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِ وَاحِدٍ أَرْسُ جِنَايَتِهِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ وَبَعْدَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَطَعَ أَطْرَافَ رَجُلٍ وَجَبَ عَلَيْهِ دِيَاتٌ، فَإِنْ انْدَمَلَتْ ثُمَّ قَتَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ مَعَ تِلْكَ الدِّيَاتِ دِيَةُ النَّفْسِ، وَلَوْ قَتَلَهُ قَبْلَ الِانْدِ مَالِ فَدِيَةٌ وَاحِدَةٌ، كَمَا لَوْ قَطَعَهُ عُضْوًا عُضْوًا حَتَّى
مَاتَ.
ثالثا: الشافعية: أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَالَ الشَّرْبِينِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمِنْهَاجِ: إِذَا أَزَالَ الْجَانِي أَطْرَافًا تَقْتَضِي دِيَاتٍ كَقَطْعِ أُذُنَيْنِ، وَيَدَيْنِ وَرِجْلَيْنِ، وَلَطَائِفَ (مَعَانِي) تَقْتَضِي دِيَاتٍ، كَإِبْطَالِ سَمْعٍ، وَبَصَرٍ وَشَمٍ، فَمَاتَ سِرَايَةً مِنْهَا، وَكَذَا مِنْ بَعْضِهَا وَلَمْ يَنْدَمِلْ الْبَعْضُ كَمَا اقْتَضَاهُ نَصُّ الشَّافِعِي، وَاعْتَمَدَهُ الْبُلْقِينِيُّ إِذَا كَانَ قَبْلَ الْإِنْدِ مَالِ لِلْبَعْضِ الْآخَرِ فَدِيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَسَقَطَ بَدَلُ مَا ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ نَفْسًا.
أَمَّا إِذَا مَاتَ بِسِرَايَةِ بَعْضِهَا بَعْدَ انْدِمَالِ بَعْضٍ أَخَرَ مِنْهَا لَمْ يَدْخُلْ مَا انْدَمَلَ فِي دِيَةِ النَّفْسِ قَطْعًا، وَكَذَا لَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا خَفِيفًا لَا مَدْخَلَ لِلسّرَايَةِ فِيهِ ثُمَّ أَجَافَهُ (أَصَابَهُ بِجَائِفَةٍ) فَمَاتَ بِسِرَايَةِ الْجَائِفَةِ قَبْلَ انْدِمَالِ ذَلِكَ الْجُرْحِ فَلَا يَدْخُلُ أَرْشُهُ فِي دِيَةِ النَّفْسِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا.
1 - ابن القيم إعلام الموقعين ج 3. وقوله " فَإِنَّهَا تَصِيرُ وَاحِدَةً" بناءً على مذهبه في عدم اعتبار القياس في الجروح صغر الجرح أم كبر، والمعمول به عندنا القياس براجبة الإبهام فما زاد فبحسابه كما ستجد ذلك مبسوطا بإذن الله في "مقاييس الجروح" فانظره من هنالك.
335 (1/335)
صفحة 336
أَمَّا مَا لَا يُقَدَّرُ بِالدِّيَةِ فَيَدْخُلُ أَيْضًا كَمَا فُهِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ بِالْأَوْلَى، وَكَذَا لَوْ حَزَّهُ الْجَانِي أَيْ قَطَعَ عُنُقَ الْمَجْنِي عَلَيْهِ قَبْلَ انْدِمَالِهِ مِنْ الْجِرَاحَةِ يَلْزَمُهُ لِلنَّفْسِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْأَصَحِ الْمَنْصُوصِ؛ لِأَنَّ دِيَةَ النَّفْسِ وَجَبَتْ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ مَا عَدَاهَا فَيَدْخُلُ فِيهَا بَدَلُهُ
كَالسِرَايَةِ.
وَالثَّانِي: تَجِبُ دِيَاتُ مَا تَقَدَّمَهَا؛ لِأَنَّ السّرَايَةَ قَدْ انْقَطَعَتْ بِالْقَتْلِ فَأَشْبَهَ انْقِطَاعَهَا بِالِانْدِمَالِ، وَمَا سَبَقَ هُوَ عِنْدَ اتِّحَادِ الْفِعْلِ الْمَجْنِي بِهِ، فَإِنْ كَانَ مُخْتَلَفًا كَأَنْ حَزَّ الرَّقَبَةَ عَمْدًا وَالْجِنَايَةُ الْحَاصِلَةُ قَبْلَ الْحَرِّ خَطَأً، أَوْ شبهَ عَمْدٍ أَوْ عَكْسَهُ كَأَنْ حَزَّهُ خَطَأَ وَالْجِنَايَاتُ عَمْدًا أَوْ شبة عَمْدٍ فَلَا تَدَاخُلَ لِشَيْءٍ مِمَّا دُونَ النَّفْسِ فِيهَا فِي
الْأَصَحِ، بَلْ يَسْتَحِقُ الطَّرَفَ وَالنَّفْسَ لِاخْتِلَافِهِمَا وَاخْتِلَافِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ.
فَلَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ خَطَأَ أَوْ شَبهَ عَمْدٍ ثُمَّ حَزَّ رَقَبَتَهُ عَمْدًا، أَوْ قَطَعَ هَذِهِ الْأَطْرَافَ عَمْدًا ثُمَّ حَزَّ الرَّقَبَةَ خَطَأَ أو شبهَ عَمْدٍ وَعَفَا الْأَوَّلُ فِي الْعَمْدِ عَلَى دِيَتِهِ وَجَبَتْ فِي الْأُولَى دِيَةُ خَطَأَ أَوْ شَبهَ عَمْدٍ وَدِيَةٌ عَمْدٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ دِيَتَا عَمْدٍ وَدِيَةٌ خَطَأَ أَوْ شَبِهِ
عَمْدٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي وَهُوَ مُقَابِلُ الْأَصَحِ تَسْقُطُ الرِّيَاتُ فِيهِمَا، وَلَوْ حَزَّ الرَّقَبَةَ غَيْرُهُ أَيْ الْجَانِي الْمُتَقَدِّمِ تَعَدَّدَتْ، أَيْ الدِّيَاتُ لِأَنَّ فِعْلَ الْإِنْسَانِ لَا يَدْخُلُ فِي فِعْلِ غَيْرِهِ، فَيَلْزَمُ كُلًّا مِنْهُمَا مَا أَوْجَبَتْهُ جِنَايَتُهُ.
قُطِعَتْ أَطْرَافُهُ فَانْدَمَلَتْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ دِيَاتُهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَضْعَافَ دِيَةِ النَّفْسِ، وَلَوْ مَاتَ مِنْهَا قَبْلَ انْدِ مَالِهَا كَانَتْ عَلَيْهِ دِيَةُ النَّفْسِ وَسَقَطَتْ دِيَاتُ الْأَطْرَافِ، وَلَوْ
1 - الموسوعة الفقهية مادة ديات.
336 (1/336)
صفحة 337
مَاتَ بَعْدَ انْدِمَالِ بَعْضِهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ دِيَةُ النَّفْسِ فِيمَا لَمْ يَنْدَمِلْ مَعَ دِيَةِ الْأَطْرَافِ. (وَلَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ثُمَّ مَاتَ وَادَّعَى السّرَايَةَ أَيْ مَوْتَهُ بِهَا وَالْوَلِيُّ الْإِنْدِمَالَ) أَيْ مَوْتَهُ بَعْدَهُ بِهَا وَأَمْكَنَ الِانْدِمَالُ) قَبْلَ الْمَوْتِ بِأَنْ طَالَ الزَّمَنُ حَلَفَ الْوَلِيُّ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ السِّرَايَةِ وَلِلْمُوَافَقَتِهِ الظَّاهِرَ فَتَجِبُ دِيَتَانِ ...
(وَإِذَا زَالَ) الْعَقْلُ (بِجِنَايَةٍ لَهَا أَرْشُ) مُقَدَّرٌ أَوْ حُكُومَةٌ وَجَبَا) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا (مَعَ دِيَتِهِ) أَيْ الْعَقْلِ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةُ أَبْطَلَتْ مَنْفَعَةً لَيْسَتْ فِي مَحَلِ الْجِنَايَةِ، فَكَانَتْ كَمَا لَوْ أَوْضَحَهُ فَذَهَبَ سَمْعُهُ أَوْ بَصَرُهُ.
فَلَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، فَزَالَ عَقْلُهُ وَجَبَ: ثَلَاثُ دِيَاتٍ وَإِنْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ الْمُقَدَّرِ عَوْدُهُ فِيهَا وَجَبَتْ الدِّيَةُ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْجُرْجَانِيُّ وَغَيْرُهُ.
لَوْ فُعِلَ بِهِ مُوجِبُ دِيَاتٍ مِنْ إِزَالَةِ أَطْرَافٍ وَنَحْوِهَا وَانْدَمَلَتْ) جِرَاحَتُهُ (فَحَزَّهُ) مِنْ رَقَبَتِهِ أَوْ غَيْرِهَا (لَزِمَتْهُ) الدِّيَاتُ مَعَ دِيَةِ النَّفْسِ لِاسْتِقْرَارِ دِيَاتِ الْأَطْرَافِ بِالِانْدِ مَالِ،
1 - الماوردي "الأحكام السلطانية" على بن محمد بن حبيب الماوردي الشافعي ج 1 ص 293 الْفَصْلُ الْخَامِسِ فِي قَوَدِ الْجِنَايَاتِ وَعَقْلِهَا" ن دار الكتب العلمية.
2 - زكريا الأنصاري الشافعي أسنى المطالب ج 4 ص 34 ن دار لكتاب الإسلامي.
- أسنى المطالب في شرح روض الطالب زكريا الأنصاري السابق ص 59 وانطر حاشية البجيرمي على المنهاج، وحاشية الجمل إزالة المنافع والغرر البهية في شرح البهجة الوردية؛ الجراح. ونهاية المحتاج إلى شرح المنهاج.
337 (1/337)
صفحة 338
وَكَذَا لَوْ لَمْ تَنْدَمِلْ، وَمَاتَ بِسُقُوطِهِ مِنْ سَطْحٍ وَنَحْوِهِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْيُلْقِينِيُّ.
لَوْ فَعَلَ مَا يُوجِبُ دِيَاتٍ مِنْ إِزَالَةِ أَطْرَافٍ وَلَطَائِفَ فَمَاتَ مِنْهُ سِرَايَةً أَوْ حِزَّهُ الْجَانِي قَبْلَ انْدِمَالٍ مِنْ فِعْلِهِ وَاتَّحَدَ الْحَزُّ وَالْمُوجِبُ عَمْدًا أَوْ غَيْرُهُ مِنْ خَطأَ أَوْ شِبْهِ عَمْدٍ (فَدِيَةٌ) لِلنَّفْسِ وَيَدْخُلُ فِيهَا مَا عَدَاهَا مِنْ الْمُوجِبَاتِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ نَفْسًا وَدِيَةٌ النَّفْسِ فِي صُورَةِ الْحَقِّ وَجَبَتْ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ بَدَلِ مَا عَدَا النَّفْسَ فَيَدْخُلُ فِيهَا بَدَلُهُ
كَالسِرَايَةِ.
وَقَوْلِي مِنْهُ أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ سِرَايَةً لِإِفَادَتِهِ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ مِنْ بَعْضِهِ بَعْدَ انْدِمَالِ الْبَعْضِ الْآخَرِ لَا يَدْخُلُ مُوجِبُهُ فِي الدِيَةِ وَخَرَجَ بِمَا بَعْدَهُ مَا لَوْ حَزَّهُ غَيْرُ الْجَانِي أَوْ حَزَّهُ الْجَانِي لَكِنْ بَعْدَ الِانْدِمَالِ أَوْ قَبْلَهُ وَاختلف الْحَزُّ وَالْمُوجِبُ بِأَنْ حَزَّهُ عَمْدًا وَكَانَ المُوجِبُ خَطَأَ أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ أَوْ عَكْسَهُ أَوْ حَزَّهُ خَطَأَ وَكَانَ الْمُوجِبُ شِبْهَ عَمْدٍ أَوْ عَكْسَهُ فَلَا يَدْخُلُ مَا عَدَا النَّفْسَ فِيهَا لِاخْتِلَافِ الْفَاعِلِ فِي الْأُولَى وَالْحُكْمُ فِي الثَّالِثَةِ اسْتِقْرَارُ بَدَلِ مَا عَدَا النَّفْسَ قَبْلَ وُجُوبِ دِيَتِهَا فِي الثَّانِيَةِ.
(قَوْلُهُ فَمَاتَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ جَمِيعِهِ أَيْ جَمِيعِ مَا يُوجِبُ دِيَاتٍ كَمَا فِي شَرْحِ م ر وَعِبَارَتُهُ أَزَالَ طَرَفًا كَأْذُنَيْنِ وَيَدَيْنِ وَرِجْلَيْنِ وَلَطَائِفَ كَعَقْلٍ وَسَمْعِ وَشَةٍ فَمَاتَ سِرَايَةً مِنْ جَمِيعِهَا كَمَا بِأَصْلِهِ وَأَوْمَا إِلَيْهِ بِالْفَاءِ فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ فَدِيَةٌ وَخَرَجَ بِجَمِيعِهَا انْدِمَالُ بَعْضِهَا فَلَا يَدْخُلُ وَاجِبُهُ فِي دِيَةِ النَّفْسِ. اهـ
?
قَالَ الرَّشِيدِيُّ: قَوْلُهُ مِنْ جَمِيعِهَا يَعْنِي مَاتَ قَبْلَ انْدِمَالِ شَيْءٍ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ
1 - السابق ص 66 وكذا حاشيتا قلوبي وعميرة. وتحفة المحتاج ومغني المحتاج ونهاية المحتاج والكل
شوافع
338 (1/338)
صفحة 339
الْمَوْتُ إِنَّمَا يُنْسَبُ لِبَعْضِهَا، بِدَلِيلِ الْمَفْهُومِ الْآتِي، وَصَرَّحَ بِهَذَا وَالِدُهُ؛ فِي حَوَاشِي شرح الرَّوْضِ. اهـ
قَالَ الْعِرَاقِيُّ: مُقْتَضَى عِبَارَةِ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ بِسُقُوطٍ مِنْ سَطْحٍ مَثَلًا تَجِبُ الدِّيَاتُ كُلُّهَا لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمُعَوَّلَ فِي التَّدَاخُلِ عَلَى الْمَوْتِ بِالسِّرَايَةِ أَوْ الْحَزِ قَبْلَ الْإِنْدِ مَالِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَفْتَى بِهِ الْمُلْقِينِيُّ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اعْتِبَارِ التَّبَرُّعِ فِي الْمَرَضِ الْمَخُوفِ إِذَا مَاتَ مِنْ الثُّلُثِ وَلَوْ مَاتَ مِنْ سَطْحٍ وَ نَحْوِهِ لِأَنَّ التَّبَرُّعَ صَدَرَ عَنْ الْخَوْفِ فَيَسْتَمِرُّ حُكْمُهُ قَالَ: وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ، اهـ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَا حَاجَةَ إِلَى الْفَرْقِ لِأَنَّهُ كَمَا أَنَّهُ اسْتَمَرَّ فِي الْوَصِيَّةِ حُكْمُ مَا وَقَعَ كَذَلِكَ فِي الْجِنَايَةِ لِأَنَّ تِلْكَ الْجِنَايَاتِ أَوْجَبَتْ دِيَاتٌ فَإِذَا لَمْ تَسْقُطْ فَقَدْ اسْتَمَرَّ حُكْمُهَا فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ.
رابعا: الأحناف: " ... قَالَ أَبُو اللَّيْثِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَمَا يُشَاكِلُهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهِ: -
إِمَّا أَنْ يَقْطَعَ يَدَهُ عَمْدًا، ثُمَّ يَقْتُلُهُ عَمْدًا أَوْ يَقْطَعُ يَدَهُ خَطَأً، ثُمَّ يَقْتُلُهُ خَطَأَ أَوْ يَقْطَعُ يَدَهُ عَمْدًا، ثُمَّ يَقْتُلُهُ خَطَأً أَوْ يَقْطَعُ يَدَهُ خَطَأً، ثُمَّ يَقْتُلُهُ عَمْدًا، ثُمَّ كُلُّ وَجْهِ على
وَجْهَيْنِ؛ إِمَّا أَنْ يَبْرَأَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ أَوْ لَا يَبْرَأَ فَصَارَتْ فِي الْحَاصِلِ ثَمَانِيَ مَسَائِلَ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَاءُ الدِّينِ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِي، وَهَذَا عَلَى وُجُوهِ أَرْبَعَةٍ إِمَّا أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَمْدًا أَوْ خَطَأَ أَوْ الْقَطْعُ عَمْدًا وَالْقَتْلُ خَطَأَ أَوْ الْقَطْعُ خَطَأَ وَالْقَتْلُ عَمْدًا، وذَلِكَ كُلُّهُ قَبْلَ الْبُرْءِ أَوْ بَعْدَ الْبُرْءِ، فَفِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا بَعْدَ الْبُرْءِ
1 - سليمان بن منصور العجيلي المصري الشافعي / فتوحات الوهاب المعروف بحاشية الجمل ج 5 ص 77 ن دار الفكر بعنوان (فَزع) في اجْتِمَاعِ جِنَايَاتٍ عَلَى أَطْرَافٍ وَلَطَائِفَ فِي شَخْصِ وَاحِدٍ.
339 (1/339)
صفحة 340
يُجْمَعُ بَيْنَ الْمُوجِبَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الْفِعْلَ الْأَوَّلَ قَدْ انْتَهَى، فَيَكُونُ الْقَتْلُ بَعْدَهُ فِعْلًا ابْتِدَاءً فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ كُلِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا .. "
وَقَالَ الْمُوصِلِيُّ الْحَنَفِيُّ: مَنْ شَجَّ رَجُلًا فَذَهَبَ عَقْلُهُ أَوْ شَعْرُ رَأْسِهِ دَخَلَ فِيهِ أَرْسُ الْمُوضِحَةِ؛ لأَنَّ الْعَقْلَ إِذَا فَاتَ فَاتَتْ مَنْفَعَةُ الْأَعْضَاء فَصَارَ كَمَا إِذَا شَجَّهُ
فَمَاتَ.
جَمِيع
وَأَمَّا الشَّعرُ: فَلِأَنَّ أَرْسَ الْمُوضِحَةِ يَجِبُ لِفَوَاتِ بَعْضِ الشَّعْرِ حَتَّى لَوْ نَبَتَ سَقَطَ الْأَرْسُ، وَالدِّيَةُ تَجِبُ بِفَوَاتِ جَمِيعِ الشَّعْرِ، وَقَدْ تَعَلَّقَا بِفِعْلٍ وَاحِدٍ فَيَدْخُلُ الْجُزْءُ فِي الْكُلِ كَمَا لَوْ قَطَعَ أُصْبُعَهُ فَشُلَّتْ يَدُهُ.
وَإِنْ ذَهَبَ سَمْعُهُ أَوْ بَصَرُهُ أَوْ كَلَامُهُ لَمْ تَدْخُلُ، وَيَجِبُ أَرْسُ الْمُوضِحَةِ مَعَ ذَلِكَ. لَمَا رَوَيْنَا عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَضَى فِي ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ بِأَرْبَعِ دِيَاتٍ؛ وَلِأَنَّ مَنْفَعَةَ كُلِ عُضرٍ مِنْ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ مُخْتَصَّةٌ بِهِ لَا تَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ، فَأَشْبَهَ الْأَعْضَاءَ الْمُخْتَلِفَةَ، بِخِلَافِ الْعَقْلِ فَإِنَّ مَنْفَعَتَهُ تَتَعَدَّى إِلَى جَمِيعِ ا الْأَعْضَاءِ
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الشَّجَّةَ تَدْخُلُ فِي دِيَةِ السَّمْعِ وَالْكَلَامِ دُونَ الْبَصَرِ؛ لِأَنَّ السَّمْعَ
وَالْكَلَامَ أَمْرٌ بَاطِنٌ فَاعْتَبَرَهُ بِالْعَقْلِ، أَمَّا الْبَصَرُ فَأَمْرٌ ظَاهِرٌ فَلَا يَلْتَحِقُ بِهِ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ: الْجِنَايَةُ إِذَا وَقَعَتْ عَلَى عُضْلٍ وَاحِدٍ فَأَتْلَفَتْ شَيْئَيْنِ، وَأَرْسُ أَحَدِهِمَا أَكْثَرُ، دَخَلَ الْأَقَلُّ فِيهِ، وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، وَإِنْ
1 - الزيلعي تبيين الحقائق ج 6 ص 117 ن دار الكتاب الإسلامي وانظر العناية شرح الهداية ج
10 ص 249 و فتح القدير ابن الهمام ج 10 ص 249.
340 (1/340)
صفحة 341
وَقَعَتْ عَلَى عُصْوَيْنِ لَا يَدْخُلُ، وَيَجِبُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَرْشُهُ سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً عِنْدَ أَبي حَنِيفَةَ رحمه الله؛ لِسُقُوطِ الْقِصَاصِ بِهِ عِنْدَهُ.
وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ لِلْأَوَّلِ الْقِصَاصُ إِنْ كَانَ عَمْدًا وَأَمْكَنَ الِاسْتِيفَاءُ، وَإِلَّا فَكَمَا قَالَ أَبُو
حَنِيفَةَ.
وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَدْخُلُ أَرْسُ الْأَعْضَاءِ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جِنَايَةٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ فَلَا يَتَدَاخَلَانِ كَسَائِرِ الْجِنَايَاتِ.
خامسا: المالكية: يَقُولُ الْمَالِكِيَّةُ: تَتَعَدَّدُ الدِّيَةُ بِتَعَدُّدِ الْجِنَايَةِ إِلَّا الْمَنْفَعَةَ بِمَحَلَّهَا، فَلَوْ ضَرَبَ صُلْبَهُ فَبَطَلَ قِيَامُهُ وَقُوَّةُ ذَكَرِهِ حَتَّى ذَهَبَ مِنْهُ أَمْرُ النِّسَاءِ لَمْ يَنْدَرِجُ، وَوَجَبَتْ دِيَتَانِ، كَمَا أَنَّ مَنْ شَجَّ رَجُلًا مُوضِحَةً فَذَهَبَ مِنْ ذَلِكَ سَمْعُهُ وَعَقْلُهُ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتَانِ بِجَانِبِ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ.
أَمَّا إِذَا ذَهَبَتْ الْمُنْفَعَةُ بِمَحَلّهَا فَتَنْدَرجُ الْجِنَايَتَانِ، فَتَجِبُ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ، عَلَى الْمُنْفَعَةِ وَمَحَلَّهَا مَعًا.
وَكَذَا إِذَا جَنَى عَلَى لِسَانِهِ فَأَذْهَبَ ذَوْقَهُ وَنُطْقَهُ أَوْ فَعَلَ بِهِ مَا مَنَعَ بِهِ وَاحِدًا مِنْهُمَا، أَوْ هُمَا مَعَ بَقَاءِ اللَّسَانِ إِذَا ذَهَبَ كُلُّهُ بِضَرْبَةٍ أَوْ بِضَرَبَاتٍ فِي فَوْرٍ.
وَأَمَّا بِضَرَبَاتٍ بِغَيْرِ فَوْرٍ فَتَتَعَدَّدُ بِمَحَلَّهَا الَّذِي لَا تُوجَدُ إِلَّا بِهِ. فَإِنْ وُجِدَتْ بِغَيْرِهِ وَبِهِ وَلَوْ أَكْثَرَهَا، كَأَنْ كَسَرَ صُلْبَهُ فَأَقْعَدَهُ وَذَهَبَتْ قُوَّةُ الْجِمَاعِ فَعَلَيْهِ دِيَةٌ لِمَنْعِ قِيَامِهِ، وَدِيَةٌ لِعَدَمِ قُوَّةِ الْجِمَاعِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُهَا فِي الصُّلْبِ.
واختلفتْ أَقْوَالُ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْأُذُنِ وَالْأَنْفِ، فَقَدْ نَقَلَ أَكْثَرُ شُرَّاحٍ خَلِيلٍ عَنْ ابْنِ
341 (1/341)
صفحة 342
الْقَاسِمِ أَنَّ فِي الشَّمَ دِيَةً وَيَنْدَرِجُ فِي الْأَنْفِ كَالْبَصَرِ مَعَ الْعَيْنِ وَالسَّمْعِ مَعَ الْأُذُنِ. وَهَذَا مُطَابِقٌ لِقَاعِدَةِ: إِنَّ الْمُنْفَعَةَ لَا تَتَعَدَّدُ بِمَحَلِّهَا، كَمَا اقْتَضَاهُ نَصُّ خَلِيلٍ: (وَتَعَدَّدَتْ
الدِّيَةُ بِتَعَدُّدِهَا إِلَّا الْمَنْفَعَةَ بِمَحَلّهَا، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، كَمَا قَالَ الْبُنَانِيُّ. وَقَالَ الزَّرْقَانِيُّ: وَلَا يَشْمَلُ قَوْلُهُ بِمَحَلِهَ) الْأُذُنَ وَالْأَنْفَ، وَإِنْ اقْتَضَاهُ كَلَامُ بَعْضٍ
حِ، بَلْ فِي قَطْعِ الْأُذُنِ أَوْ الْأَنْفِ غَيْرِ الْمَارِنِ حُكُومَةٌ، وَالدِّيَةُ فِي السَّمْعِ وَالشَّمِ؛
الشراح،
لِأَنَّ السَّمْعَ لَيْسَ مَحَلُّهُ الْأُذُنَ، وَالشَّمَّ لَيْسَ مَحَلُّهُ الْأَنْفَ بِدَلِيلِ تَعْرِيفَهُمَا.
هذه أقوال بعض أهل العلم في هذه المسألة كما ترى وجمهورهم ينظر إلى انتظار الإصابات حتى تبرأ سواءً على شينٍ أم لا، كما، مر، وأطول مدة قال بها أهل العلم سنة قمرية تامة، ولم يقل أحد من أهل العلم بأكثر من ذلك، وقيل ستة أشهر وقيل أربعون يوما، وقيل عشرون يوما، وقيل عشر، وقيل: على حسب فصول السنة، كما تقدم تفصيله أنفا.
فإن تمت مدة الانتظار ولم يبرأ استحق جميع الديات عن المنافع الذاهبة عليه، وكذا عن المضار المتولدة عليه بسبب الجناية، وأرش الجروح والكسور مع سائر الإصابات وذلك حسبما هو مقرر شرعا.
1 - انظر جواهر الإكليل شرح مختصر خليل 272، والتاج والإكليل المواق 6/ 264، وحاشية البناني على الزرقاني 43/ 8.
2 - انظر: شرح الزرقاني على مختصر خليل 43/ 8 المدونة لمالك بن انس ج 561/ 4، تهذيب المدونة لأبي سعيد خلف بن أبي القاسم القيرواني البراذعي ج 18/ 4) منح الجليل محمد عليش. ج 9 /
342
(108 (1/342)
صفحة 343
فإذا علمت ذلك فينبغي أن يسري هذا الحكم على من أصيب وتمت له سنة قمرية على أطول ما قيل من مدة، ولو برئ أو مات بعدها، والمختار ما قدمت لك في تحديد المدة من أنَّ الشهر الواحد كاف فاشدد به يدا.
ويحكم له بجميع دياته وأروشه، لأنَّ ذلك مقابل ما أصابه من أذى ونصب وضرر بسبب تلك الجناية، ولو كانت تلك الإصابة بضربة واحدة؛ كما هو الحال في حوادث السيارات، أما القول بأنه لما مات بسب الجناية ولو بعد السنة ليس له إلا دية واحدة فبعيد جدًا، وكذا الحال فيمن برئ من علته بعد.
والدليل على هذا ما تقدم في الحديث الصحيح عنه له من تعدد الديات والأروش ولم يثبت عنه لو ثبوتا صحيحا أنَّه حدد فيه زمناً محدداً حتى يستحق المضرور بنهايته ما جعل له من ديات أو أروش، بل أطلق الحكم دون تحديد، مع العلم
اليقيني أنَّ كل حي يموت إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مِّيِّتُونَ) الزمر.
وأنَّ المريض قد يبرأ وتذهب علته، ولو كان هنالك مدة معلومة يجب أن يمضيها
1 - والذي جرى عليه العمل بالمحكمة العليا - لما كنت قاضيا بها بدائرة التعويضات عن إصابات الحوادث وأيده سماحة المفتي العام للسلطنة بعد مشاورته في إحدى القضايا آنذاك، أن الشهر الواحد كاف في استقرار الأحكام، فلو تم شهر كامل على المجني عليه وهو فاقد للمنفعة استحق ديتها ولو برئ بعد ذلك، ذلك أن معاناته شهرا كاملا ليس بالهين، وقد اتفق الفقهاء في المغمى عليه إن أتم ثلاثة أيام بلياليها استحق الدية التامة والمغمى عليه أقل ضررا من فاقد المنفعة وهو يئن ليل نهار ويتحسر على ذلك طوال شهر كامل، وهذا القول الذي اختير هنا من أوسط الأقوال وخير الأمور الوسط وسيأتي بإذن الله في الملحق السابع ما يوضح ذلك بمشيئة الله وتوفيقه.
343 (1/343)
صفحة 344
المجنى عليه ليكون الحكم فيما يستحقه متعلقا بها لبينه، إذ أنَّه هو المبلغ والمشرع عن الله - بوحيه (وَمَا يَنطِقُ عَن أَهْوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (2) النجم -
فيما تحتاجه الأُمة من أحكام، والأصل عدم تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، وحاشاه عن ذلك، وكذلك الحال في القواعد الأصولية يجرى الحكم به حسب وروده من إطلاق وتقييد وعموم وخصوص، ونصوص الحديث دالة على الإطلاق دون قيد بزمن معلوم وبهذا يتضح الأمر جلياً بوجوب العمل بمقتضى هذا النص
النبوي. وكذا حكم أمير المؤمنين عمر الله بمحضر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعدم الإنكار منهم بل جرى عمل الصحابة والتابعين فمن بعدهم من علماء أمة الإسلام قاطبة على ذلك، من غير مخالف على مرّ العصور وإلى وقتنا هذا، كما هو واضح مما مرَّ
آنفا.
وما ذهب إليه بعض العلماء من تحديد مدة - وحسب اختلافهم فيها - كما مر آنفا؛ فهو محض اجتهاد فقط، إذ لم يثبت دليل صحيح من السنة المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام يحدد المدة في ذلك بل الثابت من ذلك الإطلاق، وعلى افتراض القول بذلك التحديد بناءً على تلك الروايات الضعيفة - إن صحت - فالمصاب بمضي المدة - وحسب تفصيلها - وجب على المتسبب أداء حقه له، وليس له أن يتعلل في ذلك بأيّ علة، بعد، أو يُحوجَه إلى التداعي والتردد على الحكام والمحاكم لطلب حقه، والجاني يغدو ويروح من غير إحساس بمسؤولية، ولا شعور بحق المجني عليه، وما أصابه من نصب وضرر في النفس والمال.
مع أنَّ ما ورد من التأني في ذلك فهو من باب الإحتياط في عدم التسرع في القصاص،
344 (1/344)
صفحة 345
في العمد وليس في الخطأ؛ كما هو المروي في قضية المطعون في الركبة، وصاحب الشجة، وهو في حال العمد كما مرَّ بيانه في: "المسألة العشرون لا قصاص إلا بعد برء" وما سيأتي في المسألة الخامسة عشرة في الكلام على التفصيل في الكسر من الفصل الثالث. فلينظر فيه ولا يؤخذ إلا بعدله.
والقول بعدم تعدد الدية أو الأرش إذا تعددت الإصابة بتعدد الجناية بعيد عن الحق مخالف للنصوص الثابتة عن المعصوم وصحابته الأجلاء.
فالحق أنَّ له جميع الأروش والديات مهما عظمت أو كثرت ولو قبل البرء، وقبل مضي مدة التأني - على القول بعمومه في الخطأ وقد سبقت الإشارة في الحاشية السابقة أنَّ الحوطة في المدة كافية فيها مدة شهر من يوم الإصابة، وبتمام الشهر يستحق المصاب حقَّه من غير مماطلة. فانظر فيه ولا تأخذ إلا الحق.
ذلك الكلام فيما تجب فيه الدية على الانفراد.
ومنها المزدوجة أي ما تتم الدية في الاثنين معا وذلك كالعينين والأذنين والشفتين والحاجبين ومنخري الأنف واليدين والرجلين وثديي المرأة والإليتين والبيضتين وشفري المرأة والجنبين والكليتين ففي الجارحتين مما ذكر الدية التامة وفي الواحدة نصفها وهكذا.
ومنها ما تتم الدية في أربع جوارح وفي الواحدة منها ربعها وذلك كأجفان العينين وأشفارها ففي الأجفان الأربعة الدية وفي الواحد ربعها وكذا في الاشفار.
ومنها ما تتم الدية في عشر جوارح وفي الواحدة عشرها وذلك كأصابع اليدين والرجلين ففي أصابع اليدين كلها الدية وفي الواحدة عشرها من غير تفاضل بينها؛
345 (1/345)
صفحة 346
إلا إبهام اليد إن قطعت من المفصل الثالث الذي يلي الكف ففيها ثلث دية اليد، وفي أصابع الرجلين العشر كلهن الدية وفي الواحدة عُشْرها من غير تفاضل ولا استثناء، وتستحق الأصابع ما تقدم ذكره وهو عشرة أبعرة لكل واحدة إذا قطعت من أصلها من المفصل الثالث أما إن قطعت دونه فلكل مفصل ثلاثة أبعرة وثلث بعير على حساب العشرة لكل الإصبع إلا الإبهام ففيها مفصلان فقط ولكل مفصل خمسة أبعرة نصف عشر الدية.
6
أما المفصل الثالث الذي يلي اليد فهو من الكف وليس من الإبهام ولأجل ذلك تعطى ثلث دية الكف إن قطعت منه ستة عشر بعيرا وثلثي بعير.
والإصبع الزائدة إن كانت تامة مثل أخواتها وينتفع بها فلها ديتها تامة مثلهن عشرة أبعرة للواحدة، وقيل تقسم دية الخمس الأصابع على الست فتأخذ سدس دية اليد وكذا فيما زاد، وإن لم تساوها فحكومة، وكذا في أصابع الرّجل.
وإن كانت أقل من خمس بأن كانت أربعا أو أقل من أصل خلقها - أي خلقت هكذا ناقصة الأصابع - فلها ديتها تامة وكذا في أصابع الرّجل، وإن قطعت واحدة أو اثنتان مثلا قسمت الدية على عددها.
وإن قطعت إصبع فشلت تاليتها فديتهما، وسقط القصاص - في العمد - للشلل، وقيل: يقتص بالمقطوعة ويأخذ أرش الشلاء.
1 - راجع النيل وشرحه ج 26/ 15 - 41 و 46 - 49 و 55 - 59 و 35 و 40 و 72 و 100 ورياض الأزهار 304 - . والمدونة الكبرى ج 3 كتاب الديات ط الأولى 1428 هـ 2007 من وزارة التراث ص 230 فما بعدها.
346 (1/346)
صفحة 347
المسألة التاسعة عشرة في الشلاء والعرجاء وما به عاهة سابقة لكل يد عسماءَ أو شلاءَ أو رِجْلٍ عرجاءَ أو شلاءَ أو سِيّ سوداء أو عين عوراء أو لسانٍ أعجم أو ذكر خصيّ إذا أصيب بَعدَ عاهته ثلث دية سالم مثله.
والدليل على ذلك ما روي عنه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قضى في العين العوراء السادة مكانها إذا طمست ثلث ديتها وفي اليد الشلاء إذا قطعت ثلث ديتها وفى السن السوداء إذا نزعت ثلث ديتها.
وروي هذا عن عمر وابن عباس إذا أخذت ديتها قبل وروي عن زيد بن ثابت أنه قضى في العين بمائة دينار وعن ابن المسيب بعشر الدية وابن قسيط بخمس الدية ومجاهد نصف دية العين.
والجلاء 18 و 204 و 209 و 248 وسبل السلام ج 3 ص 1205 - 1211 وقاموس الشريعة ج 85 م ص 12 فما بعدها وابن جعفر ق 3 م والمصنف 239/ 41 والبسيوي 327 وفقه السنة ج 3 ص 43 - 44 ونيل الأوطار ج 62/ 7 - 64 وشرح فتح القدير ج 212/ 9 وفواكه البستان ج 3 ص 377 واللباب 14/ 155 - 157 والمحلى 36/ 11 - 8 و 57 - 59 وجامع البسيوي 126/ 4 - 128 والفقه على المذاهب الأربعة 335/ 5 فما بعدها وبيان الشرع ج 67.
347 (1/347)
صفحة 348
وعن أبي المؤثر في ذكر الخصي الدية كاملة، وكذا في لسان الأخرس، إلا أن يكون خرشه من علة فثلث الدية، ومثل ذلك يدُ ورِجلُ الأجذم إن تفسخت الأصابع ولم ينتفع بها. يعني بذلك ثلث الدية.
أما إن كان ينتفع بها قبل الاصابة، فديتها تامة وإن كان ينتفع بها منفعة غير تامة فبنظر العدول.
1 - هو العلامة أبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي له البهلوي مسكنه بهلاء وهو من علماء القرن الثالث من تلاميذ الشيخ العلامة محمد بن محبوب الرحيلي كان ممن حضر بيعة الإمام الصلت بن مالك، مات في زمان الإمام عزان بن تميم من تلامذته أبو الحواري، من مؤلفاته: كتاب الأحداث والصفات. ينظر إتحاف الأعيان سيف بن حمود البطاشي.
2 - انظر: النيل وشرحه ج 15 ص 13 و 51 و 102 و 104 والجلاء، 199 - 200 والمصنف 283/ 41 والمحلى 35/ 11 و 65 و 68 ونيل الأوطار 62/ 7 والمنهج 160/ 11 و 165 و 177. والقرطبي 194/ 6 - 200 وابن أبي شيبة 374/ 5.
- انظر: قاموس الشريعة ج 85 م وبيان الشرع ج 67 المخطوط، وابن جعفر ق 3 ص 22 م. وانظر ابن قدامة الشرح الكبير ج 9 ص 588 فما بعده.
348 (1/348)
صفحة 349
المسألة العشرون في أنَّ الدية من النقود حسب قيمة أصولها
سبقت الإشارة في المسألة الثانية من هذا الفصل إلى أن الدية من الأوراق النقدية حسب القيمة من الإبل والذهب وهنا يجب علينا أن نبين أن ما قلناه هنالك هو الذي تدل عليه السنة النبوية ومذهب جهابذة العلماء، أما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم: "وعلى أهل الذهب ألف دينار" الحديث المتقدم. وما روي عنه: أنه كان يجعل الدية من النقدين حسب قيمة الإبل غلاء ورخصا.
1 - أخرجه ابو داود في سننه ح 4564 وابن ماجه ح 2630 والتحفة 8709 و 8710 والنسائي في القسامة ح 4815 والشافعي في الأم ج 6 ص 148 ط 1 ن دار الكتب العلمية باب إعواز الإبل وأحمد مسند المكثرين ح 6737 وفيه الديات، والصلح، والعرج، والتأني في القصاص، وعدم القصاص في شبه العمد. ونصه مع النسائي: " من طريق عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ قُتِلَ خَطَأَ فَدِيَتُهُ مأنة مِنْ الْإِبِلِ ثَلَاثُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ وَثَلَاثُونَ بِنْتَ لَبُونٍ وَثَلَاثُونَ حِقَّةً وَعَشَرَةُ بَنِي لَبُونٍ ذُكُورٍ قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُقَوِّمُهَا عَلَى أَهْلِ الْقُرَى أَرْبَعَمَائِةِ دِينَارٍ أَوْ عِدْلَهَا مِنْ الْوَرِقِ وَيُقَوِّمُهَا عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ إِذَا غَلَتْ رَفَعَ فِي قِيمَتِهَا وَإِذَا هَانَتْ نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهَا عَلَى نَحْوِ الزَّمَانِ مَا كَانَ، فَبَلَغَ قِيمَتُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا بَيْنَ الْأَرْبَعِمائةِ دِينَارٍ إِلَى ثَمَانِمَأْئَةِ دِينَارٍ أَوْ عِدْلِهَا مِنْ الْوَرِقِ قَالَ وَقَضَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ مَنْ كَانَ عَقْلُهُ فِي الْبَقَر عَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ وَمَنْ كَانَ عَقْلُهُ فِي الشَّاةِ أَلْفَيْ شَاةٍ وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ الْعَقْلَ مِيرَاتٌ بَيْنَ وَرَثَةِ الْقَتِيلِ عَلَى فَرَائِضِهِمْ فَمَا فَضَلَ فَلِلْعَصَبَةِ، وَقَضَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَعْقِلَ عَلَى الْمَرْأَةِ عَصَبَها مَنْ كَانُوا وَلَا يَرِثُونَ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا مَا فَضْلَ عَنْ وَرَثَتِهَا وَإِنْ قُتِلَتْ فَعَقْلُهَا بَيْنَ وَرَبَّتِهَا وَهُمْ يَقْتُلُونَ قَاتِلَهَا. ورواية الشافعي في مسنده ". عن عمرو بن شعيب قال: كان النبي لا لا لا يُقَوّم الإبل على أهل القرى أربعمائة دينار أو عدلها من الورق يقسمها على أثمان الإبل فإذا غلت رفع في قيمتها وإذا هانت نقص من قيمتها على أهل القرى الثَّمَن ما كان" سنن النسائي الكبرى الديات بشرح السيوطي وحاشية السندي ح ر 4815، وأبو داود ديات الأعضاء، ح 3955، واخرجه البيهقي في الكبرى والصغرى باب إعواز الإبل، وعبد الرزاق (294/ 9،
349 (1/349)
صفحة 350
وما روي عنه: أنه قضى في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة .. "
وقد روي عن أبي المؤثره أنه قال: وكثيرا ما يوجد في آثار المسلمين أن الدية بقيمة الإبل على قدر غلائها ورخصها، وقال في حديث " الدية مائة من الإبل": ولو رخصت الإبل حتى كان كل بعير بعشرين درهما فجاء الذي عليه الدية بإبل مسنة في العمد والخطأ كما سنها المسلمون لقبلت منه ولو لم تبلغ المائة من الإبل ألف
درهم.
وقال القطب في شرح النيل عند قول الثميني" أو على قدر الغلاء والرخص": وهو أنسب بروايات تفصيل الأسنان".
وأنت إذا أمعنت النظر تجد أنَّ الواجب ما تقدم بيانه من ضرورة جعل الدية على الغلاء والرُّخص وهو الأنسب عملا بما توحي إليه الأحاديث والآثار الدالة على ذلك، أما ما يستعمل الآن فهو إجحاف بالمجني عليه بجعلها خمسة آلاف
حسب
رقم 17270 وأحمد مسند عبد الله بن عمرو بن العاص، ح 7033، الصنعاني سبل السلام 3/ 246، وابن الأثير جامع الأصول في أحاديث الرسول ج 4 ص 425، و ابن الملقن البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير، ج 8 ص 441. والنص هنا للنسائي وعمرو بن شعيب هو: عَمْرُو بْنُ شُعَيْبِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ابْنِ الْعَاصِ.
1 - سنن ابي داود ح 4543 - 4544 و 4564 والنسائي ح 4815 وتحفة الأشراف 8709 - 87010 وقد تقدم أيضا.
2 - الجلاء 43 وبيان الشرع ج 67 ص 6 وابن جعفر ق المخطوطة.
3 - النيل وشرحه 129/ 15 ورياض الأزهار أيضاً 307 راجع قاموس الشريعة ج 85 ص 5 9 مخطوط -15 وبيان الشرع ج 67 م و 66 ص 256 و 257 ط التراث.
350 (1/350)
صفحة 351
ريال عماني، حيث إنك إن اعتبرت الإبل في هذا الوقت وجدت مأئة البعير تزيد عن خمسة عشر ألف ريال عماني بأدنى قيمة للواحد مائة وخمسون ريالا عمانيا والألف الدينار يزيد عن ذلك إذ يبلغ هذا الوقت سبعة عشر ألف ريال عماني ومائتا البقرة تزيد عن ذلك والشياه تزيد أيضا، ولا مانع إذا نقصت قيمتها ورخصت أن تجعل حسب قيمة الرخص في وقته.
1 - ما ذكرته هنا من كون الأصول تزيد عن خمسة عشر ألفا الخ، بناء على قيمتها أثناء كتابتي لمسودة الكتاب، وقد تم رفع قيمة الدية الى خمسة عشر ألف ريال عماني اعتبارا من 2008/ 12/1 م وفي نظري غير كافية لغلاء الإبل والذهب وسائر أصول الدية، وكثرة التكاليف الباهظة، التي تصيب المجنى عليه وأسرته، فضلا عن التعطل وضياع المصالح، وبذل كثير من الأموال الطائلة في العلاج، وتولد التبعات المالية؛ بسب الجناية، إلى غير ذلك مما هو معلوم، ولأجل هذا يجب على الحاكم مراعاة قيمة الأصول التي حددها الشارع للدية، إذ لا يمكن أن تحدد في مؤلف كهذا بقيمة مقطوع بها في الأوراق النقدية المتداولة، وإنما القيمة التي يحددها الحاكم لابد من مقارنتها بأصولها، فمثلا نقول "الدية مأئة من الإبل" ونقول: "في الدامية بعير" فمعناه واحد من المأئة من الدية، وبالنقد الورقي الآن وكون الدية خمسة عشر الف ريال عماني فيكون لها مائة وخمسون ريالا، و "في الباضع بعيران" اثنان في المائة، ثلاثمائة ريال، وفي "الملحم" ثلاثة أبعرة، ثلاثة بالمأئة، أربعمائة وخمسون ريالا، وفي السمحاق أربعة أي أربعة بالمائة، ستمائة ريال وفي الموضح خمسة، خمسة بالمأئة، سبعمائة وخمسون ريالا، وفي الهاشم عشرة أي عشرة بالمائة ألف وخمسمائة ريال وفي المنقل حمسة عشر، أي خمسة عشر بالمأئة، الفان ومائتان وخمسون ريالا، وفي الجائفة ثلث الدية ثلاثة وثلاثون وثلث من المأئة خمسة آلاف ريال، وفي اليد خمسون، أي خمسون من المائة؛؛ سبعة آلاف وخمسمائة ريال، وفي النفس الدية مأئة بالمأئة؛ خمسة عشر الف ريال عماني وهكذا. وما زاد فبحسابه وما نقص فكذلك. وقد ازداد غلاء الإبل وسائر أصناف الدية فأصبحت الخمسة عشر الفا لا تقاوم ربع الدية المنصوص عليها في تلك الأصناف المشار اليها، كما أنها لا تخفف عن كاهل
351 (1/351)
صفحة 352
تنبيهان: - الأول
لو أنَّ إنسانا قتل آخر فعاد الأولياء إلى الدية في العمد، أو كان القتل خطأ وكان القاتل ممن يملكون الماشية أو الذهب -مثلا- فأراد الجاني أن يدفع إلى أولياء المقتول الدية المقررة الآن بالريالات، وأبى ولي المقتول من قبولها؛ إلا أن يدفع له من جنس ما يملكه القاتل؛ حسبما هو ثابت شرعا عن صاحب الرسالة المحمدية
فهل يجبر هذا الولي على أخذ ذلك المقرر؟ أم يجبر الجاني على دفع الدية من جنس ما يملكه حسبما هو مقرر شرعا؟ فالظاهر أنَّ الجاني يجبر على دفع الدية مما يملك، سواء أكان ذهبا أم ماشية، أم حللا، ولا يجبر ولي المقتول على أخذ العوض؛ لما في ذلك من هضم عظيم لحقه، وإجحاف به، وكذا الحال فيما دون النفس، فالحكم فيه سواء بسواء. فلينظر فيه ولا يؤخذ إلا بعدله
أسرة المصاب شيئا من المعاناة، فلينظر فيه بإمعان ولا يؤخذ إلا ما وافق الحق، وفي هذا الوقت أصول الدية يتجاوز الخمسين ألف ريال عماني فليتنبه لذلك.
سعر
1 - وبعد أن كتبت هذا وتم طبع الكتاب اطلعت على التصريح به في شرح النيل وهذا نصه: "وَلَا يَجِدُ أَهْلُ نَوْعٍ أَنْ يُعْطِيَ نَوْعًا آخَرَ وَلَا عُرُوضًا أَوْ قِيمَةً إِلَّا بِرِضَى صَاحِبِ الْحَقِّ" ج 15 ص 25 ط جده
فالحمد لله على ذلك.
352 (1/352)
صفحة 353
التنبيه الثاني
اختلف أهل العلم هل تتعد دية العضو الواحد بتعدد منافعه أم لا؟ مع ما جاء في الحديث الشريف عن المعصوم من تعدد الدية فيه حيث ذكر منافع في الجسم مع ذكر أعضائها فعلى سبيل المثال "في السمع الدية، وفي الأذنين الدية " " في البصر الدية، وفي العينين الدية " مع آثارٍ كثيرة في ذلك عن الصحابة والتابعين وحكم عمر ه - السابق ذكره من طريق عم أبي قلابة له، مع عدم مخالفة أحد من الصحابة له - في رجل ضُرب مأمومة فذهب سمعه وبصره وعقله وكلامه بأربع ديات، إلا أن علماء الأمة قديما وحديثا مختلفون في ذلك وإليك بعض ما قالوه باختصار تام -
ففي النيل وشرحه: وَإِذَا زَالَ (العقل) (2) بِمَا فِيهِ دِيَةٌ فَدِيَتَانِ مِثْلَ أَنْ تُقْطَعَ يَدَاهُ فَيُجَنَّ بِسَبَبٍ قَطْعِهِمَا، وَشَرْطُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ مَحَلِ الْعَقْلِ، قِيلَ: فَلَوْ قُطِعَ
1 - سبق تخريجه في: "المسألة الثامنة عشرة فيما تكمل فيه الدية" 2 - الْعَقْلُ لُغَةُ المَنْعُ، وَاصْطِلاحا: صِفَةٌ يُمَيَّزُ بِهَا بَيْنَ الْحَسَنِ وَالْقَبِيحِ وَالْعَقْلُ مائة جُزْءٍ وَاخْتُصَّ مِنْهَا الْمُصْطَفَى بِتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ جُزْءًا، وَجُزْءٌ فِي جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْجُزْءُ الَّذِي فِيهِمْ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ سَهَّمًا فَسَهُمْ يَتَسَاوَى فِيهِ الْكُلُّ وَهُوَ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ وَعِشْرُونَ سَهْمًا يَتَفَاصَلُونَ فِيهَا عَلَى قَدْرِ حَقَائِقِ إيمانهم. وفيه الدية كاملة روي من طريق عَمْرِو بنِ حَزْمٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي كِتَابِهِ إِلَى أهل الْيَمَنِ: "في الْعَقْلِ الدِّيَةُ" وَرَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: فِي الْعَقْلِ الدِّيَةُ مائة مِنَ الْإِبِلِ." ولا قصاص فيه لعدم إمكان المماثلة. والْعَقْلَ أَشْرَفُ مِنْ حَوَاسِ الْجَسَدِ كُلِّهَا لِامْتِيَازِهِ بِهِ مِنَ الْحَيَوَانِ الْبَهِيمِ، وَفَرْقِهِ بِهِ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِ، وَتَوَصُّلِهِ بِهِ إِلَى اخْتِلَافِ الْمَنَافِعِ وَوَقْعِ الْمَصَارِ، وَتَعَلُّقِ التَّكْلِيفِ بِهِ، فَكَانَ أَحَقَّ بِكَمَالِ الدِّيَةِ مِنْ جَمِيعِ الْحَوَاسِ مَعَ تَأْثِيرِ ذَهَابِهِ فِيهَا وَفَقْدِ أَكْثَرِ مَنَافِعِهَا. نقلا عن الماوردي بتصرف: الحاوي الكبير ج 12 ص 456، ن دار الفكر: بيروت.
353 (1/353)
صفحة 354
أُذُنهُ أَوْ جُدِعَ أَنْفُهُ فَزَالَ عَنْهُ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ فِي الرَّأْسِ مُتَّصِلًا بِعَظْمِ الدِّمَاغِ فَلَهُ دِيَةُ الْعَقْلِ، وَقِيلَ: فَدِيَتَانِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وسُمِّيَ عَقْلًا، لِأَنَّهُ يَعْقِلُ صَاحِبَهُ أَيْ يَمْنَعُهُ مِنْ ارْتِكَابِ مَا لَا يَلِيقُ مِنْ الْمُعَاصِي وَالتَّوَرُّطِ فِي الْمُهَالِكِ. وَمَحَلُّهُ الْقَلْبُ عَلَى الرَّاجِحِ لِلْآيَةِ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا) وَلَهُ شُعَاعٌ مُتَّصِلٌ بِالدِّمَاع أَي الرَّأْسِ، وَقِيلَ: مَحَلُّهُ الرَّأْسُ وَعَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ، وَقِيلَ: مَحَلُّهُ هُمَا مَعًا. وقيل: لَا مَحَلَّ لَهُ مُعَيَّنٌ. حاشية البجيرمي على الخطيب ج 12 ص (81) بتصرف. وانظر نور الدين السالمي أنوار العقول مع شرحها: فانتعشت عقولهم بالذكر ... وبسقت أسرارهم بالفكر. البيت. "وفي الدماغ ثلاث مقدمات: المقدمة الأولى: خيالية والوسطى وهمية. والآخرة ذات القفا: قياسية. وثلاث قوى. فالأولى: منفردة بعلم الخيال وهي في مقدمة الوجه، وفيها يتردد الخيال ولا يتجاوزها. والثانية: في وسط الدماغ، وتسمى الحافظة، وهي التي تحفظ جميع ما أداه الحس إلى القوة الخيالية إلى الحافظة وهي مغرس الوهم انفردت به. والثالثة وهي مركز الفكر يتردد فيها الفكر في الأمور التي توهمها من خياله عن حواسه.) أبو يعقوب
6
الوارجلاني الدليل والبرهان ج 3 179 والعدل والإنصاف ج 1 ص 22، وانظر الهيميان تفسير قوله تعالى: "أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا" والجامع الصغير/ ج 1 ص 15، كلاهما للقطب وجواهر التفسير للمحقق الخليلي المفتي العام للسلطنة تفسير قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ آية .. من سورة البقرة، قال: "والمراد بالقلب هنا العقل، فإن العرب تطلق القلب على
اللحمة الصنوبرية المعروفة في الجسم بهذا الاسم، وتطلقه على العقل والإدراك ومن هذا الاطلاق قوله عز وجل: (إِنَّ فِي ذَالِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبُ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (3) وهذا الاطلاق ناشئ عما بين العقل والقلب من الترابط فإن العقل وإن كان سلطانه في الدماغ أو هو في الدماغ كما يرى المتأخرون، فإن للقلب تأثيرا عليه لأنه مصدر الانفعالات، ومنبع العواطف ومحل الوجدان باتفاق الجميع، ولكل ذلك تأثير على العقل ولا يبعد أن يكون للقلب أثر في تكوين الفكر في
الدماغ.
نفسه
354 (1/354)
صفحة 355
وَإِنْ أُصِيبَ؛ بِمَأْمُومَةٍ فَزَالَ فَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْعَقْلَ فِي الدِّمَاغِ دِيَةٌ، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ فِي الْقَلْبِ دِيَةُ الْعَقْلِ وَأَرْسُ الْمَأْمُومَةِ، وَلَا يَدْخُلُ بَعْضُ ذَلِكَ فِي بَعْضٍ كَمَنْ أَذْهَبَ سَمْعَ رَجُلٍ وَبَصَرَهُ بِضَرْبَةٍ فَلَهُ دِيَتَانِ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ فِي الدِّمَاعَ، وَكَذَا سَائِرُ الْمُنَافِع إذَا زَالَتْ مَنْفَعَةٌ بِقَطْع عُضوهَا أَوْ بِالْجِنَايَةِ فِيهِ فَدِيَةٌ الْعُضو وَإِنْ زَالَتْ بِقَطْعِ غَيْرِ عُضوهَا أَوْ بِجِنَايَةٍ فِي غَيْرِهِ فَدِيَةُ الْعُضْوِ وَدِيَةُ الْمَنْفَعَةِ، وَقِيلَ: دِيَتَانِ مُطْلَقًا، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي إِزَالَةِ مَنْفَعَةٍ فَصَاعِدًا مَعَ عُضْوَيْنِ
فَصَاعدًا. اهـ
(وَفِي الْحَشَفَةِ وَحْدَهَا وَهِيَ مَا سُلِخَتْ مِنْهُ الْجِلْدَةُ بِالْخَتْنِ مَا ارْتَفَعَ وَمَا انْخَفَضَ (الدِّيَةُ) وَفِيمَا يَمْنَعُ جِمَاعًا أَوْ وِلَادَةً) بِعَدَمِ إِنْزَالٍ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ أَوْ دَمْعًا أَوْ ضَحِكًا أَوْ رِيقًا أَوْ مُخَاطًا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ الدِّيَةُ لِكُلِّ وَاحِدٍ، وَقَوْلُهُ: فِيمَا، مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: فِي الْحَشَفَةِ، أَوْ خَبَرٌ لِلَفْظِ: دِيَةٌ مَحْذُوفٌ. (وَقِيلَ): إِنَّمَا تَكُونُ الدِّيَةُ فِي إِفْسَادِ الْفَرْج وَالذَّكَرِ وَمَخْرَجَ الدَّمْعِ وَالرّيقِ وَالْمُخَاطِ إِنْ اتَّصَلَ الدَّمْعُ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ الرِّيقِ وَالْمُخَاطِ وَالصَّحِكِ إِنْ أَمْكَنَ اتِّصَالُهُ أَوْ الْبَوْلُ أَوْ الْغَائِطُ وَلَمْ يَنْقَطِعْ) وَمَعْنَى الاتِّصَالِ كَثْرَةُ وُقُوعِ ذَلِكَ وَعَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى إِمْسَاكِهِ وَلَوْ كَانَ بِفَضْلٍ إِنْ قُدِّرَ
الْفَصْلُ.
1 - شرح النيل ج 15 ص 25 فما بعدها (بَابٌ فِي دِيَةِ الْجَوَارِحِ كَمُلَتْ دِيَةٌ مَا بِإِنْسَانٍ) 2 - السابق شرح النيل ج 15 ص 27) فما بعدها بَابٌ فِي دِيَةِ الْجَوَارِحِ كَمُلَتْ دِيَةٌ مَا بِإِنْسَانٍ.
355 (1/355)
صفحة 356
وإن قطع مارنه فذهب شمه وجبت عليه ديتان، لأن الدية تجب في كل واحد منهما إذا انفرد، فوجبت في كل واحد منهما الدية وإن اجتمعا كما لو قطع يديه
ورجليه
(ومارنه) هو ما لان من الأنف وأرنبته طرف الأنف لأنه فوت الجمال على الكمال وكذا المنفعة لأن المارن لاشتمام الروائح في الأنف لتعلو منه إلى الدماغ وذلك يفوت بقطع المارن لو قطع المارن مع القصبة لا يزاد على دية واحدة لأنه عضو واحد ولو قطع أنفه فذهب شمه فعليه ديتان لأن الشم في غير الأنف فلا تدخل دية أحدهما في الآخر كالسمع مع الأذن.
"فإن كانت الجناية لها أرش مقدر نظرت، فإن بلغ الارش قدر الدية أو أكثر لم يدخل في دية العقل، ولم تدخل فيه ديه العقل لما روى أبو المهلب عم أبي قلابة أنَّ رجلا رمى رجلا بحجر في رأسه فذهب عقله وسمعه ولسانه ونكاحه، فقضى فيه عمر له بأربع ديات وهو حي وإن كان الارش دون الدية كأرش الموضحة ونحوه ففيه قولان قال في القديم يدخل في دية العقل لأنه معنى يزول التكليف بزواله فدخل أرش الطرف في ديته كالنفس.
وقال في الجديد لا يدخل. وهو الصحيح، لأنه لو دخل في ديته ما دون الدية لدخلت فيها الدية كالنفس، ولأن العقل في محل والجناية في محل آخر، فلا يدخل
1 - النووي المجموع شرح المهذب ج 19 / ص 87.
2 - رد المحتار على الدر المختار المعروف بحاشية ابن عابدين، ج 6 ص 5 575، كتاب الديات
السابق.
356 (1/356)
صفحة 357
||
أرشها في ديتها، كما لو أوضح رأسه فذهب بصره ...
وإن كسر صلبه فذهب مشيه وجماعه ففيه وجهان (أحدهما) لا يجب عليها الا دِيَةٌ واحدة؛ لانهما منفعتا عضو واحد (والثاني) يجب عليه ديتان وهو المنصوص، لأنهما منفعتان يجب في كل واحدة منهما الدية عند الانفراد فوجب في كل واحدة منهما دية عند الاجتماع كالسمع والبصر.
وَإِذَا قَطَعَ أُذُنَيْهِ فَذَهَبَ بِقَطْعِهِمَا سَمْعُهُ لَزِمَتْهُ دِيَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: فِي الْأُذُنَيْنِ. وَالْأُخْرَى فِي السَّمْعِ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ عَلَى مَحَلَّيْنِ فَصَارَتْ كَالْجِنَايَةِ عَلَى عُضْوَيْنِ، وَخَالَفَ قَلْعَ الْعَيْنِ إِذَا ذَهَبَ صَوْؤُهَا فَلَمْ تَلْزَمْهُ إِلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ، لِأَنَّ مَحَلَّ الضَّوْءِ فِي الْعَيْنِ، وَمَحَلَّ السَّمْعِ فِي غَيْرِ الْأُذُنِ، وَلِذَلِكَ كَمُلَتِ الدِّيَةُ فِي أُذُنِ الْأَصَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَمَنْ ضَرَبَ عُضوًا فَأَذْهَب مَنْفَعَتَهُ فَفِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ كَالْيَدِ إِذَا شُلَّتْ وَالْعَيْنِ إِذَا ذَهَبَ ضَوْءُهَا لِأَنَّ الْمُتَعَلَّقَ تَفْوِيتُ جِنْسِ الْمُنْفَعَةِ لَا فَوَاتُ الصُّورَةِ.
وقَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمُتَعَلَّقَ يَعْنِي الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ كُلِ الدِّيَةِ هُوَ تَفْوِيتُ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ لَا فَوَاتُ الصُّورَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ: أَنَّ فَوَاتَ الصُّورَةِ لَيْسَ مُتَعَلَّقَ وُجُوبِ الدِّيَةِ، بَلْ الْجَمَالُ أَيْضًا مَقْصُودٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَلْقِ الْحَاجِبَيْنِ وَاللّحْيَةِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى بِاسْتِتْبَاعِهِ
1 - النووي المجموع المرجع السابق ج 19 / ص 87. 2 - النووي المجموع المرجع السابق ج 19 / ص 115.
3 - الحاوي في فقه الشافعي ج 12/ 247. أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450 ه)
357 (1/357)
صفحة 358
"1
الْآخَرَ فَيَكُونُ الْحَصْرُ فِي غَيْرِ مَوْقِعِهِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْجَمَالَ مَقْصُودٌ فِي عُضو لَا يَكُونُ المَقْصُودُ مِنْهُ الْمَنْفَعَةُ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ فَالْجَمَالُ تَابِعُ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ إِذَا قَطَعَ الْيَدَ الصَّلاءَ تَجِبُ حُكُومَةُ عَدْلٍ لَا الدِّيَةُ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْيَدِ لَما كَانَ الْمُنْفَعَةَ لَمْ تَتَكَامَلُ الْجِنَايَةُ مِنْ حَيْثُ تَفْوِيتُ الْجَمَالِ، فَإِذَا اجْتَمَعَا جُعِلَ الْجَمَالُ تَابِعًا أَيْضًا لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ تَابِعًا عِنْدَ الِانْفِرَادِ فَلَأَنْ يَكُونَ تَابِعًا عِنْدَ الاجْتِمَاعِ لِوُجُودِ الْمُسْتَتْبَعِ أَوْلَى.
(في الذَّكَرِ الدّيَةُ) يَعْنِي الذَّكَرَ الصَّحِيحَ أَمَّا ذَكَرُ الْعِنِّينِ، وَالْخَصِيِّ، وَالْخُنْثَى فَفِيهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ وَإِنَّمَا وَجَبَتْ الدِّيَةُ بِقَطْعِ الذَّكَرِ لِأَنَّهُ يَفُوتُ بِذَلِكَ مَنْفَعَةُ الْوَطْءِ، وَالْإِيلَاجِ، وَالرَّمْي بِالْبَوْلِ وَدَفْعُ الْمَاءِ؛ الَّذِي هُوَ طَرِيقُ الْإِعْلَاقِ، وَكَذَا فِي الْحَشَفَةِ الدِّيَةُ كَامِلَةً لِأَنَّهَا أَصْلٌ فِي مَنْفَعَةِ الْإِيلاج، وَالدَّفْقِ، وَالْقَصَبَةُ كَالتَّابِعِ لَهَا وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا قَطَعَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَيَانِ بَاقِيَتَانِ أَمَّا إِذَا قُطِعَ وَقَدْ كَانَتَا قُطِعَنَا فَفِيهِ حُكُومَةٌ لِأَنَّهُ بِقَطْعِهَا يَصِيرُ خَصِيَّا، وَفِي ذَكَرِ الْخَصِيّ حُكُومَةٌ وَلِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لِلذَّكَرِ مَعَ فَقَدِهِمَا وَإِنْ قَطَعَ الْأُنْثَيَيْنِ وَالذَّكَرَ بِدَفْعَةٍ وَاحِدَةٍ إِنْ قَطَعَهُمَا عَرَضًا يَجِبُ دِيَتَانِ وَإِنْ قَطَعَهُمَا طُولًا إِنْ قَطَعَ الذَّكَرَ أَوَّلًا ثُمَّ الْأُنْثَيَيْنِ يَجِبُ دِيَتَانِ وَإِنْ بَدَأَ بِالْأُنْثَيَيْنِ أَوَّلًا ثُمَّ بِالذَّكَرِ فَفِي الْأُنْثَيَيْنِ الرِّيَةُ كَامِلَةً، وَفِي الذَّكَرِ حُكُومَةٌ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لِلذَّكَرِ مَعَ فَقْدِهِمَا.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَعْضَاءُ الَّتِي تَجِبُ فِي كُلِ عُضرٍ مِنْهَا دِيَةٌ كَامِلَةٌ ثَلَاثَةٌ اللَّسَانُ،
1 - العناية شرح الهداية ج 15 / ص 279)
358 (1/358)
صفحة 359
وَالْأَنْفُ، وَالذَّكَرُ. (1)
ولأنه لو جني على أذنه أو أنفه فذهب شمه لم يدخل أرشهما في دية الأنف والأذن مع قربهما. (2)
وَالْأَصْلُ فِي الْأَطْرَافِ أَنَّهُ إِذَا فَوَّتَ جِئْسَ مَنْفَعَةٍ عَلَى الْكَمَالِ أَوْ أَزَالَ جَمَالًا مَقْصُودًا فِي الْآدَمِيّ عَلَى الْكَمَالِ يَجِبُ كُلُّ الدِّيَةِ لِإِتْلَافِهِ النَّفْسَ مِنْ وَجْهِ وَهُوَ مُلْحَقِّ بِالْإِتْلَافِ مِنْ كُلِّ وَجْهِ تَعْظِيمًا لِلْآدَمِيّ.
أَصْلُهُ قَضَاءُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالدِّيَةِ كُلَّهَا فِي اللَّسَانِ وَالْأَنْفِ، وَعَلَى هَذَا تَنْسَحِبُ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ فَنَقُولُ: فِي الْأَنْفِ الدِّيَةُ لِأَنَّهُ أَزَالَ الْجَمَالَ عَلَى الْكَمَالِ وَهُوَ مَقْصُودٌ، وَكَذَا إِذَا قَطَعَ الْمَارِنَ أَوْ الْأَرْنَبَةَ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلَوْ قَطَعَ الْمَارِنَ مَعَ الْقَصَبَةِ لَا يُزَادُ عَلَى دِيَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّهُ عُضْوٌ وَاحِدٌ، وَكَذَا اللَّسَانُ لِفَوَاتِ مَنْفَعَةِ مَقْصُودَةٍ وَهُوَ النُّطْقُ، وَكَذَا فِي قَطْعِ بَعْضِهِ إِذَا مَنَعَ الْكَلَامَ لِتَفْوِيتِ مَنْفَعَةٍ مَقْصُودَةٍ وَإِنْ كَانَتْ الْآلَةُ قَائِمَةً، وَلَوْ قَدَرَ عَلَى التَّكَلُّمِ بِبَعْضِ الْحُرُوفِ قِيلَ: تُقْسَمُ عَلَى عَدَدِ الْحُرُوفِ، وَقِيلَ: عَلَى عَدَدِ حُرُوفٍ تَتَعَلَّقُ بِاللَّسَانِ فَبِقَدْرِ مَا لَا يَقْدِرُ تَجِبُ، وَقِيلَ: إِنْ قَدَرَ عَلَى أَدَاءِ أَكْثَرِهَا تَجِبُ حُكُومَةُ عَدْلٍ لِحُصُولِ الْإِفْهَامِ مَعَ الِاخْتِلَالِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ أَدَاءِ الْأَكْثَرِ يَجِبُ كُلُّ الدِّيَةِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا تَحْصُلُ مَنْفَعَةُ الْكَلَامِ، وَكَذَا الذَّكَرِ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ بِهِ
1 - أبو بكر بن علي بن محمد الحدادي العبادي 800 هـ الجوهرة النيرة ج 5 / ص 21، على المذهب الحنفي شرح فيه مؤلفه مختصر القدوري الطبعة المعتمدة: المطبعة الخيرية.
الله
2 - الشرح الكبير لابن قدامة - ج 9 ص 596 " فصل: فان ذهب عقله بجناية" لموفق الدين عبد ا بن أحمد المعروف بابن قدامة 620 هـ - 1223 م) موسوعة فقهية كبرى ضخمة في المذهب الحنبلي والفقه المقارن. ن/ دار إحياء التراث العربي.
359 (1/359)
صفحة 360
مَنْفَعَةَ الْوَطْءِ وَالْإِيلَادِ وَاسْتِمْسَاكِ الْبَوْلِ وَالرَّمْي بِهِ وَدَفْقِ الْمَاءِ وَالْإِيلاج الَّذِي هُوَ طَرِيقُ الْإِعْلَاقِ عَادَةً، وَكَذَا فِي الْحَشَفَةِ الرِّيَةُ كَامِلَةً، لِأَنَّ الْحَشَفَةَ أَصْلٌ فِي مَنْفَعَةِ الْإِيلَاحِ وَالدَّفْقِ وَالْقَصَبَةُ كَالتَّابِعِ لَهُ.
(وَكُلُّ عُضْوِ ذَهَبَت مَنْفَعَتُهُ فَفِيهِ دِيَةٌ كَيَدٍ شُلَّتْ وَعَيْنٍ ذَهَبَ صَوْوْهَا) أَيْ إِذَا ضَرَبَ عُضوًا فَذَهَبَ نَفْعُهُ بِضَرْبِهِ فَفِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ كَمَا إِذَا ضَرَبَ يَدَهُ فَشُلَّتْ بِهِ أَوْ عَيْنُهُ فَذَهَبَ ضَوْءُهَا لِأَنَّ وُجُوبَ الدِّيَةِ يَتَعَلَّقُ بِتَفْوِيتِ جِنْسِ الْمُنْفَعَةِ، فَإِذَا زَالَتْ مَنْفَعَتُهُ كُلُّهَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَرْسُ مُوجِبِهِ كُلِهِ وَلَا عِبْرَةَ لِلصُّورَةِ بِدُونِ الْمُنْفَعَةِ لِكَوْنِهَا تَابِعَةً فَلَا يَكُونُ لَهَا حِصَّةٌ مِنْ الْأَرْشِ إِلَّا إِذَا تَجَرَّدَتْ عِنْدَ الْإِتْلَافِ بِأَنْ أَتْلَفَ عُضْوا ذَهَبَ مَنْفَعَتُهُ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ فِيهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ جَمَالُ كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ أَوْ أَرْشُهُ كَامِلًا إِنْ كَانَ فِيهِ جَمَال كَالْأُذُنِ الشَّاخِصَةِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ اعْتِبَارِ الصُّورَةِ وَالْجَمَالِ عِنْدَ انْفِرَادِهِ عَنْ الْمُنْفَعَةِ اعْتِبَارُهُمَا مَعًا بَلْ يَكُونُ تَبَعًا لَهَا فَيَكُونُ الْمَنْظَرُ إِلَيْهِ هِيَ الْمُنْفَعَةَ فَقَطْ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ وَكَمْ مِنْ شَيْءٍ يَكُونُ تَبَعًا لِغَيْرِهِ عِنْدَ الْإِتْلَافِ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَرْضٌ ثُمَّ إِذَا انْفَرَدَ عِنْدَ الْإِتْلَافِ يَكُونُ لَهُ أَرْسُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا تَبَعٌ لِلنَّفْسِ فَلَا يَكُونُ لَهَا أَرْسُ إِذَا تَلِفَتْ مَعَهَا، وَإِذَا انْفَرَدَتْ بِالْإِتْلَافِ كَانَ لَهَا أَرْسُ وَمَنْ ضَرَبَ صُلْبَ رَجُلٍ فَانْقَطَعَ مَاؤُهُ تَجِبُ الرِّيَةُ لِأَنَّ فِيهِ تَفْوِيتَ مَنْفَعَةِ الْجَمَالِ عَلَى الْكَمَالِ لِأَنَّ جَمَالَ الْآدَمِي فِي كَوْنِهِ مُنْتَصِبَ الْقَامَةِ وَقِيلَ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (2) التين.
1 - فتح القدير (شرح الهداية. لكمال الدين محمد بن عبد الواحد الإسكندري السيواسي المعروف
بابن الهمام (861 هـ) فقه حنفي.
2 - ابن نجيم البحر الرائق ... ما يلحق بدية النفس. وانظر الزيلعي تبيين الحقائق ج 6 الخلع
360 (1/360)
صفحة 361
وَإِنْ ذَهَبَ جِمَاعُهُ وَمَشْيُهُ، وَجَبَتْ دِيَتَانِ فِي ظَاهِرٍ كَلَامِ أَحْمَدَ، رحمه الله، فِي رِوَايَة ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُمَا مَنْفَعَتَانِ تَجِبُ الرِّيَةُ بِذَهَابِ كُلِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدَةً، فَإِذَا اجْتَمَعَنَا وَجَبَتْ دِيَتَانِ، كَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِمَا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُمَا نَفْعُ عُضرٍ وَاحِدٍ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ دِيَةٍ وَاحِدَةٍ، كَمَا لَوْ قَطَعَ لِسَانَة هُ فَذَهَبَ كَلَامُهُ وَذَوْقُهُ.
وَإِنْ فَاتَتْ الْمُنْفَعَتَانِ بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ، وَجَبَ عَلَى الْجَانِي دِيَتَانِ، كَمَا لَوْ أَذْهَبَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَفِي الْبَطْنِ إِذَا ضُرِبَ فَلَمْ يَسْتَمْسِكْ الْغَائِطُ الدِّيَةُ.
فَإِنْ أَذْهَبَ عَقْلَهُ بِجِنَايَةٍ لَا تُوجِبُ أَرْضًا كَاللَّطْمَةِ، وَالتَّخْوِيفِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَفِيهِ
الدِّيَةُ لَا غَيْرُ.
وَإِنْ أَذْهَبَهُ بِجِنَايَةٍ تُوجِبُ أَرْشًا كَالْجِرَاحِ، أَوْ قَطْعِ عُضْلٍ، وَجَبَتْ الدِّيَةُ، وَأَرْسُ الْجُرْح وَهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ: يَدْخُلُ الْأَقَلُّ مِنْهُمَا فِي الْأَكْثَرِ، فَإِنْ كَانَتْ الدِّيَةُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْشِ الْجُرْحِ، وَجَبَتْ وَحْدَهَا، وَإِنْ كَانَ أَرْسُ الْجُرْحِ أَكْثَرَ، كَأَنْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، فَذَهَبَ عَقْلُهُ، وَجَبَتْ دِيَةُ الْجُرْحِ، وَدَخَلَتْ دِيَةُ الْعَقْلِ فِيهِ؛ لِأَنَّ ذَهَابَ الْعَقْلِ تَخْتَلُ مَعَهُ مَنَافِعُ الْأَعْضَاءِ، فَدَخَلَ أَرْشُهَا فِيهِ، كَالْمَوْتِ.
ولَنَا أَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ أَذْهَبَتْ مَنْفَعَةٌ مِنْ غَيْرِ مَحَلَّهَا مَعَ بَقَاءِ النَّفْسِ، فَلَمْ يَتَدَاخَلْ
1 - المغني لابن قدامة فصل في دية الصلب إذا كسر فلم ينجبر. ج 9 ص 626.
361 (1/361)
صفحة 362
الْأَرْشَانِ، كَمَا لَوْ أَوْضَحَهُ فَذَهَبَ بَصَرُهُ أَوْ سَمْعُهُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَنَى عَلَى أُذُنِهِ أَوْ أَنْفِهِ، فَذَهَبَ سَمْعُهُ أَوْ شَمُّهُ، لَمْ يَدْخُلْ أَرْشُهُمَا فِي دِيَةِ الْأَنْفِ وَالْأُذُنِ، مَعَ قُرْهِمَا مِنْهُمَا، فَهَاهُنَا أَوْلَى، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَخَلَ أَرْسُ الْجُرْحِ فِي دِيَةِ الْعَقْلِ، لَمْ يَجِبْ أَرْشُهُ إِذَا زَادَ عَلَى دِيَةِ الْعَقْلِ، كَمَا أَنَّ دِيَةَ الْأَعْضَاءِ كُلِّهَا مَعَ الْقَتْلِ لَا يَجِبُ بِهَا أَكْثَرُ مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ وَلَا يَصِحُ قَوْلُهُمْ: إِنَّ مَنَافِعَ الْأَعْضَاءِ تَبْطُلُ بِذَهَابِ الْعَقْلِ، فَإِنَّ الْمَجْنُونَ تُضْمَنُ مَنَافِعُهُ وَأَعْضَاؤُهُ بَعْدَ ذَهَابِ عَقْلِهِ بِمَا تُضْمَنُ بِهِ مَنَافِعُ الصَّحِيحِ وَأَعْضَاؤُهُ، وَلَوْ ذَهَبَتْ مَنَافِعُهُ وَأَعْضَاؤُهُ، لَمْ تُضْمَنْ، كَمَا لَا تُضْمَنُ مَنَافِعُ الْمَيِّتِ وَأَعْضَاؤُهُ، وَإِذَا جَازَ أَنْ تُطْمَنَ بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهَا بَعْدَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، جَازَ صَمَانُهَا مَعَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ فَأَذْهَبَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِجِرَاحَةٍ فِي غَيْرِ مَحَلَّهَا. فإن جنى عليه فأذهب عقله وسمعه وبصره وكلامه وجب أربع ديات مع أرش
الجرح
1 - المغني المرجع السابق. ج 9 ص 595
362 (1/362)
صفحة 363
المسألة الحادية والعشرون في دية العين الواحدة بعد ذهاب الأولى للعلماء في دية العين الواحدة بعد ذهاب الأخرى إذا أصيبت فذهبت أو ذهب
بصرها ثلاثة مذاهب الأول الدية كاملة دية العينين
الثاني: نصف الدية لكونها عينا واحدة
الثالث: التفصيل وهو إن كان ذهاب الأولى بسبب من قبل العباد فللأخرى نصف الدية وإن كان ذهاب الأولى من قبل الله عزوجل كجهاد أو مرض فالدية كاملة. وجه القول الأول وهو أنَّ لها الدية التامة فلنزولها في المنفعة منزلة العينين جميعا ولعدم الاعتداد بالثانية فكأن نازعها قد نزع العينين جميعا.
ووجه القول الثاني فلأنها كسائر الأعضاء من يد ورجل وأذن وشفة وغير ذلك مما له نصف الدية فإن القاعدة الشرعية إذا كان في الإنسان عضوان كالعينين
واليدين والرجلين والأذنين فلكل واحد نصف الدية فإن ذهبا جميعا فتامة.
ووجه القول الثالث بالتفصيل وهو إن كان ذهاب الأولى من قبل العباد فنصف الدية ذلك لتعلق حق الأولى بذمة الجاني الأول وليس للمجني عليه إلا دية واحدة لهما جميعا لكل واحدة نصفها فالنصف الأول متعلق برقبة الجاني الأول والثاني بالثاني؛ أما إن كان ذهابها من قبل الله فهي كالعينين في المنفعة والحكم.
كما يمكن إجراء هذا الخلاف في الأذنين واليدين ونحوهما مما في الأصل متعدد
363 (1/363)
صفحة 364
وبقيت واحدة فأصيبت، وروي عن عمر وعثمان وابن عمر أنهم قضوا بالدية.
والقول بالدية كاملة قال به مالك وأحمد والليث بن سعد، وروي ذلك عن عمر وعثمان وعبد الله بن عمر قال مالك ومن كان ذاهب السمع من إحدى أذنيه فضرب الإنسان الأذن الأخرى فذهب سمعه فعليه نصف الدية وكذلك الرجلين واليدين إذا قطع إنسان الباقية منهما فعليه نصف الدية.
قال ابن القاسم وإنما قال ذلك مالك في عين الأعور وحدها دون غيرها، وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما والثوري وعثمان البتى فى عين الأعور إذا فقئت خطأ
نصف الدية.
ومن حجتهم أنَّ القصاص فيها إذا كانت عمدا بعين واحدة فكذلك يجب أن تكون ديتها في الخطأدية عين واحدة واحتجوا بكتاب النبي و الذي كتبه لعمرو بن حزم وفي العين خمسون وفي اليد خمسون وفي الرجل خمسون. ولم يخص عينا من عين ولا يدا من يد ولا رجلا من رجل.
وكذلك اختلف في حكم ذي العين الواحدة إذا قلع عينا من ذي عينين عمدا على
1 - ينظر المصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 307 فما بعدها ط دار الفكر وابن جعفر ق 3 ص 19 وقاموس الشريعة ج 85 ص 14 مخطوط ورياض الأزهار 306 والعقد الثمين 421/ 4 والقرطبي 193/ 6 والجلاء ص 239 فما بعدها وسبل السلام 1210/ 3 والمحلى 31 - 33 و 63 والنيل وشرحه 50/ 15 و 113 - 114 وفقه السنة 561/ 2 ونيل الأوطار 59/ 7.
2 - ابن عبد البر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد. ج 17 ص 370 تحقيق مصطفي بن أحمد العلوى ومحمد عبد الكبير البكري الناشر: مؤسسة قرطبة.
364 (1/364)
صفحة 365
خمسة أقوال، وقد تقدم
وفي القاموس ومن قطع أيمان رجلين فقالا جميعا نأخذ كل واحد منا ديةً كاملةً ولا نقطع يده فأبى ذلك القاطع، فإنه يجبر على أن يُعطي كل واحدٍ منهما دية
كاملة. 2
وعلة ذلك أنه بقطع يد واحدة لا يسقط عنه حق الرجلين ولا يمكن بحال أن تقطع كلتا يديه لعدم إمكان المماثلة من جهة وتركه بلا يد ينتفع بها من جهة أخرى ولا يمكن أن يترك بلا يد ينتفع بها لحياته، فكان ذلك من صلاحه وبتنازل المجني
عليه
عن القصاص إلى الدية حقن دمه ولا يعان الانسان على ما يضره بل على ما ينفعه ويسره: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ
عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) النساء.
وقد سبق بيان ذلك في المسألة الثامنة والعشرون في حكم القصاص من ذي العين الواحدة إذا قلع عينا من ذي عينين أو أفسدها عمدا) من الفصل الأول فارجع إليه يتبين لك الحق بإذن الله عل.
1 - راجع المسألة الثامنة والعشرين من الفصل الأول وراجع أيضا المنتخب بهامش أحمد 155/ 6.
2 - قاموس الشريعة للعلامة جميل بن خميس السعدي ج 85 مخطوط.
365 (1/365)
صفحة 366
المسألة الثانية والعشرون في الجناية على الميت
من قطع رأس ميت مسلم أو عضوًا منه فعليه الديةُ بقطع الرأس أودية العضو إن كان المقطوع عضوا، وكذا إن أصابه بجراح أو كسر أو نحو ذلك بدليل ما روي عنه الهلال لو أنه قال: "حرمة أمواتنا كحرمة أحيائنا."
وما روي من طريق السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كسر عظم الميت ككسره حيا "
وفي رواية أخرى " كسر عظم المؤمن الميت مثل كسره حيا.
1 - احتج بهذه الرواية: ابن بركة في جامعه وذكر المعلق عليه أنه رواه ابن ماجة ومالك وأحمد) ولم أعثر عليها - مع كثرة البحث في هذه الثلاثة، ولا في غيرها من كتب السنن التي استطعت التوصل إليها- بهذا اللفظ. ينظر كتاب الجامع لابن بركة ص 505، وكذا نور الدين في المعارج في عدة مواضع وفي الفتاوى، والقطب في شرح النيل في عدة مواضع، والشيخ الشقصي في المنهج. 2 - رواه ابو داود ح 3207 من كتاب الجنائز وابن ماجة ح 1616 في الجنائز والتحفة 17893 وأحمد 24739 ومالك وابن أبي عاصم ح 139 و 140 المرجع السابق وعبد الرزاق في مصنفه 6257 و 6258 والطحاوي في شرح المشكل 1273 و 1276 والخطيب في تاريخ بغداد 13/ 120 و 105/ 12 و 106 وابن حبان في الإحسان 3167 والبيهقي في الكبرى 7081 والدار قطني في سننه 188/ 3 و 189 وابن عبد البر في التمهيد 144/ 13 راجع الجامع لأبن بركة ج 2 ص 505 ط التراث والجوهر 266 باب القضاء في الدماء والتمهيد 13/ 110 وجامع أبي الحواري 137/ 5 والجلاء؛187 - 188 وشرح النيل 62/ 15 - 63 وقاموس الشريعة ج 85 م وبيان الشرع ج 71 ص 71 - 72 ط التراث والمصنف 41/ 178 - 180 من عدة طرق.
- أخرجه ابن أبي عاصم المرجع السابق وابن عبد البر في التمهيد 143/ 13 وعبد الرزاق في المصنف 17732,6256 و 17733 وأحمد 24308 و 25356 و 26275 والبيهقي 7.79 و 7080، وابن عدي في
366 (1/366)
صفحة 367
هذا إن كان القطع عمدا والمقطوع حرا، وإن كان خطأ أو المقطوع عبدا فلا شيء على القاطع إلا التوبة وقيل بالدية أيضا، وكذا إن أحرقه بالنار بعد موته أو قتل غيره له، أو جرحه أو قطع شيئا من أعضائه فعليه الدية في ذلك، وكذا إن قتله ثم فعل فيه شيئا من قطع رأس أو جرح أو كسر إلى غير ذلك من الجناية؛ فعليه القود بالقتل، ودية بقطع الرأس أو الجرح أو الكسر أو قطع العضو؛ إلى غير ذلك كل بحسب ما له من دية أو أرش أو حكومة عدل.
وإن كانت الجناية فجورا كأن يزني بالمرأة بعد موتها فعلى الفاجر بها صداق مثلها. وقيل: لا شيء في ذلك إلا الوزر؛ لما رواه ابن ماجة من طريق أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كسر عظم الميّت ككسر عظم الحي في الاثم "
وقيل عليه الحد والصداق معا، قال النور السالمي: "وأما الواطئ امرأة غيره بعد الموت فعليه الحد والصداق؛ لأنَّ حرمة أمواتنا كحرمة أحيائنا، وذلك في
الكامل 353/ 3، وابن حزم في المحلى 39/ 11 و 40 والطحاوي 1274 و 1275 وابن الجارود في المنتقى 551، وابن راهويه في مسنده 1006، وهناد في الزهد 1169 وابونعيم في أخبار أصبهان 2/ 186 من عدة طرق. وروي عن ابن مسعود قال: "أذى الْمُؤْمِن فِي مَوتِه كَأَذَاهُ في حَياتِه" أخرجه ابن أبي شيبة فِي سَبِّ الْمَوْتَى ح 12115 ط دار القبلة. وعنه أيضا قال: " لأن أطأ على جمرة أحبُّ إلي من أن أطأ على قبر مسلم." رواه الطبراني في الكبير بإسناد حسن.
1 - انفرد بهذه الرواية ابن ماجة في سننه ح 1617 والتحفة 18277.
367 (1/367)
صفحة 368
الحرائر، وليست هذه الحرمة للماليك؛ لأنهم مال؛ فلهذا لم يجب المهر بوطء الأمة، وبعد موتها يُحدّ.
وأما الواطئ لزوجته أو سُرّيته بعد موتها فيرفع عنه المهر للخصوصية السابقة، وتزول وَلايتُه للحرمة الواقعة، والخلاف في وجوب الحد على من وطئ زوجته بعد
الموت.
أما من وجد ميتا فأراد أن يقبره ولم يجد أحدا يُعِينُه وخاف عليه الفساد بتأخير الدفن فله أن يسحبه حتى يجد مكانا للقبر فيواريه ولا ضمان عليه فيما حدث فيه بسبب السحب.
والجنين الساقط ميتا إن أحدث فيه أحد حدثا كأن قطعه بالسيف مثلا فروي عن ابن محبوب فيه الغرة وتوقف أبو علي عن ذلك. قال أبو معاوية ولم نعرف أنه جعل له في ذلك شيئا. وقال: لا نعرف فيه شيئا سوى الوزر.
واختلف الفقهاء قديما وحديثا في المرأة إن ماتت وفي بطنها جنين حي هل يشق بطنها لإخراجه أم لا؟؛ والذي عليه الفتوى الآن إذا أكد الأطباء المختصون حياته
1 - هكذا نص الاصل المطبوع ولعل صحيح العبارة فلهذا لم يجب المهر بوطء الأمة بعد موتها،
وعليه الحد.
2 - جوابات الإمام السالمي ج 3 ص 375 فما بعدها. وج 4 ص 82 ط 2010 م وانظر: الثميني التاج/ ج 5 ص 303، الباب الثالث والسبعون فيما يوجب الصداق وفيما يبطله، والمنهج ج 8 القول الحادي
والسبعون فيمن يلزمه الصداق من الرجال" ص 93، ن/م/ مسقط.
- ابن جعفر ق 3 م ص 67 ينظر: أيضاً رياض الأزهار.
368 (1/368)
صفحة 369
واحتمال بقائه فيشق بطنها؛ محافظة على حياته وجوبا، إذ مراعاة حرمة الميت المتحقق موته أقل ضررا من التسبب في قتل الجنين المعلومة حياته.
والقاعدة المتبعة عند الجميع: "إذا وجد ضرران وكان أحدهما أخف من الآخر فيزال الضرر الأشد بالأخف"؛ وذلك بارتكاب أخف الضررين فيرتكب أخفهما من أجل درء أشدّهما، ومن المعلوم أنّ ضرَرَ إجراء عملية قيصرية لجسم المرأة الميتة من أجل إخراج الجنين الحي أخف من ضرر قتل ذلك الجنين، وإنقاذ الجنين هو إنقاذ لنفس بشرية، والدليل عليه من كتاب الله ل (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة، من الآية: 32). ومن السنة قضاء النبي صلى الله عليه وسلم في الجنين بغُرَّة عبد أو أمة.
احتج المانعون بأنّ لهذه الأم حُرمةً وإن كانت ميتة للأحاديث الدالة على حرمة الميت كالحي، ويجب أن تراعى هذه الحرمة والجنين إنما هو في عالم الغيب ونحن لسنا مكلفين بما كان في عالم الغيب، وإنما علينا بما في عالم الشهادة، وهي الأم
ومراعاتها واجبة
وقالوا إن كان الجنين يتحرك في بطنها بعد موتها انتُظِر به من ساعة إلى ساعة حتى تسكن الحركة، ولا يُخرج، ثم تدفن المرأة، ولا مانع من دفنها مع وجود تلك الحركة، فإنه في عالم الغيب ونحن لم نتعبد بالمحافظة على ما في عالم الغيب، بل تعبدنا بما في عالم الشهادة"
ورُدَّ بأنَّ القول: أنَّ الجنين لايزال في عالم الغيب وما كان في عالم الغيب لا تشمله الأحكام ليس بشيء؛ لأنّ للأجنة أحكاما، وإن كانوا في عالم الغيب، ولذلك
369 (1/369)
صفحة 370
من تسبَّب في إسقاط جنين لزمته ديته، وقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم في الجنين بغُرَّة؛ عبد أو أمة. (1)؛ مع أنه لا يزال - كما قالوا - في عالم الغيب، ولكن لا يعني هذا أنَّ الأحكام لا تشمله.
ومن ذلك ثبوت الوصية له، وثبوت نسبه لأبيه، وإيقاف قسمة التركة إن مات مورثه وهو في بطن أمه حتى يتحقق خروجه، وذكر أو أنثى حي أوميت - لأن الميراث لا يثبت بمجرد الحمل فيشترط له الوضع والاستهلال بعد الوضع، ولأننا لا نعلم صفة الحمل وقدره كل ذلك مراعاة لحقوقه، كما هو معلوم في محله. 2
وما ذكروه من عدم التعبد به غير صحيح؛ فإن الحمل يثبت بالأمارات لقوله تعالى وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (228) البقرة)
فالمرأة لا تعلم يقينا بالحمل وإنما بغالب ظنها حسب أماراته؛ مثل: انقطاع الحيض، ووجود آلام بدء الحمل كالغثيان وارتفاع درجة حرارة الجسم. وألم في الرأس والتقلصات وكثرة التبول والشعور بالدوار وبغض بعض الأشياء، والتعب والإرهاق، وتقلبات مستوى السكر في الدم، وتغير طبيعة البشرة: فقد تلاحظ الحامل أنّ بشرتها تبدو أكثر نضارة ولمعاناً. وبروز الأوردة تحت الجلد: بسبب زيادة كمية الدم في جسم الحامل، وزيادة عمل القلب لتلبية احتياجات الحمل. واضطرابات المعدة والامساك، ثم تحرك الجنين بعد الشهر الرابع، وهكذا ...
1 - أنظر "المسألة الثالثة عشرة في دية الجنين " من هذا الفصل فقد سبقت جميع أحاديث الجنين
هنالك.
2 - انظر نور الدين السالمي طلعة الشمس ج 2 ص 375 - 376 من مكتبة بدية مرجع سابق.
370 (1/370)
صفحة 371
وقد تغيب هذه الأعراض أو تقل تدريجيًا بعد عدة أسابيع عند اعتياد الجسم على التغيرات الهرمونية
ويُعد الإرهاق من أهم أعراض الحمل، ويُعزى إلى تسبب الحمل بارتفاع هرمون البروجسترون، مما يؤدي إلى شعور الحامل بالنعاس.
وقد يخيب ظنها في ذلك، إذ لا يعني ظهور هذه الأعراض - في جميع الحالات- أن هنالك حملا، فقد تكون نتيجة أسباب أخرى.
وتثبت أحكامه في النفقة للحامل، لقوله تعالى: {وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (الطلاق. (6) وفي الرجعة في الطلاق الرجعي، ومنع الزواج حتى
تضع حملها لقوله تعالى: (وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (الطلاق. (4)
وتأخير الحد والقصاص، حتى تضع وترضع حملها، وفسخ البيع في الأمة المبيعة، والمنع من الأخذ في الزكاة على رأي ووجوب الدفع في الدية، وإيقاف قسمة التركة إن مات مورته كما مرَّ، ولو لم نكن متعبدين بذلك لم تلزمنا هذه الأحكام، فبطل المدعى وثبت ما قلناه والحمد لله رب العالمين.
6
وأما تركها من ساعة إلى ساعة حتى يموت في بطنها فهو من باب التسبب لموته، وكذا دفنها وهو حي في بطنها، بل من أبشع الأمور أن تدفن وفي بطنها نفس بشرية حية، وقتل للنَّفس دون حق، وهو من باب الوأد الذي حرمه الحق سبحانه
وتعالى، والله تعالى يقول: {وَإِذَا الْمَوْءُ دَةُ سُبِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (3) التكوير.
371 (1/371)
صفحة 372
والجميع متفقون على حرمة إجهاض الجنين ولو رضي أبواه، مالم تكن بالأم علةٌ وقرر الأطباء المهرة أنّ بقاءه سيكون سببا لتلفها، ففي هذه الحالة فقط يجوز الإجهاض؛ لأنه في هذه الحالة من باب المحافظة على سلامة وحياة الأصل وهو الأم، والكل من ذلك محافظة على سلامة النفس البشرية فما بالكم تخالفون هنا ما اتفقتم عليه هنالك؟ كما تخالفون القاعدة المتبعة عند الكل أنَّ "الضرر الأشد يزال بالأخف."
ومِن المعلوم أنَّ شَقَّ البَطْن هو أهون بكثير مِن مَوت نَفْسٍ نَفَخَ الله - تبارك وتعالى فيها الروح وجعل فيها الحياة.
كما تخالفون قاعدتكم في تضمين الحامل إن تسببت لإفساد حملها، وفي تضمين غيرها أيضا إن تسبب لذلك، كل ذلك مراعاة ومحافظة على حياة وحقوق الجنين، فما بالكم تبيحون هنا التسبب لموته؟ أما والحال أنَّ الأم قد فارقت الحياة وتحقق موتُها فالواجب من باب أولى المحافظة على سلامة جنينها إعمالا
لذلك.
ومِن المعلوم- أيضا - بأنَّ الأُمَّ نفسها لو كانت تملك من الأمر شيئا أن لو خُيّرت بعدما ماتت وكانت تملك الخيار لاختارت أن يُشَقَّ بطنُها مِن أجل إخراج جنينها ومن أجل أن يَنعَم هذا الجنين بالحياة، ثُم مع هذا لو كانت تعلم ذلك في حياتها وكانت تُخَيَّر لاختارت قبل أن تَمُوت بأنها إذا ماتت يُشَق بطنها ويُخرج مولودها. وإجراء العملية القيصرية - وخصوصا مع تقدم الطُّبّ ومع إمكان الاحتراز من
372 (1/372)
صفحة 373
الأسباب التي تؤدي إلى المخاطر - لا ريب أن ذلك أسلم. (1)
1 - ينظر فتاوى الشيخ العلامة المجتهد المطلق الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة "الجنائز" سؤال أهل الذكر " حلقة 12 ربيع الثاني 1423 هـ، 2002/ 6/23 م حلقة 13 ربيع الثاني 1426 هـ، 2005/ 5/22 م، جامع ابن بركة ج 1، باب غسل الميت والتاج المنظوم للعلامة الثميني ج 5 الباب السابع بعد المائة في ضمان الحمل. وشرح النيل قبل الكلام على طلاق السنة. والمعارج الجنائز. وانظر في الفقه الحنفي: ابن نجيم البحر الرائق ج 2 ص 302 الصلاة على الميت) "وَلَمَّا كَانَتْ الْحَرَكَةُ دَلِيلَ الْحَيَاةِ قَالُوا الْحُبْلَى إِذَا مَاتَتْ وَفِي بَطْهَا وَلَدٌ يَضْطَرِبُ يُشَقُّ بَطْهَا وَيُخْرَجُ الْوَلَدُ، لَا يَسَعُ إِلَّا ذَلِكَ كَذَا فِي الطَّبِيرِيَّةِ. " وج 8 ص 233، باب البيع) امْرَأَةٌ حَامِلٌ مَاتَتْ فَاضْطَرَبَ الْوَلَدُ فِي بَطْنِهَا فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ حَيٌّ يَشُقُ بَطْهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَسَبُّبْ فِي إِحْيَاءِ نَفْسٍ مُحْتَرَمَةٍ بِتَرْكِ تَعْظِيمِ الْمَيِّتِ فَالْإِحْيَاءُ أَوْلَى وَيشقُ بَطْنهَا مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْسَر وانظر: الفتاوى الهندية الجنائز، وبدائع الصنائع الاستحسان ج ه ص 130. الحنابلة: الشرح الكبير ابن قدامة "لم يشق بطنها مسلمةً كانت أو ذِمّيَّة، ويدخل القوابل أيديهن" ج 2 ص 420 - 421، والمبدع شرح المقنع لابن مفلح، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي ج 1 ص 340 الجنائز.
الشافعية: بغية المسترشدين "ماتت وفي بطنها جنين، فإن علمت حياته ورجي عيشه بقول أهل الخبرة شق بطنها" (الدمياطي إعانة الطالبين "أما إذا رجي حياته بقول القوابل لبلوغه ستة أشهر فأكثر فيجب شق جوفها قبل الدفن، ولا يؤخر الدفن ويترك في بطن أمه حتى يموت، فإن دفنت قبل الشق وجب النبش والشق" ج 2 ص 122، فتح المعين بشرح قرة العين زين الدين بن عبد العزيز المليباري. " ويجب شق جوفها .. ) ج 2 ص 122.
المالكية: "ابن عليش فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك 383/ 1) ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا لَا يُبْقَر عَنْ جَنِينٍ يَصْطَرِبُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ الشَّيْخُ عَنْ سَحْنُونَ إِنْ كَمُلَتْ حَيَاتُهُ، وَرُجِيَ خَلَاصُهُ بُقِرَ، وَقَيَّدَهُ اللَّحْمِيُّ بِكَوْنِهِ فِي السَّابِع أَوْ التَّاسِعَ أَوْ الْعَاشِرِ، وَعَزَاهُ أَيْضًا لِأَشْهَبَ، وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ يُخْرَجُ مِنْ مَحَلِ الْوِلَادَةِ إِنْ أَمْكَنَ، وَأَحَالَهُ اللَّخْمِيُّ عَلَى الْبَفْرِ قَالَ سَنَدٌ مِنْ خَاصِرَتها؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ لِلْوَلَدِ، وَيَلِيهِ أَخَصُّ أَقَارِبهَا، وَالزَّوْجُ أَحْسَنُ اهـ. وَاقْتَصَرَ خَلِيلٌ فِى مُخْتَصَره عَلَى الْأَوَّلِ فَأَفَادَ أَيْضًا أَنَّهُ الْمُعْتَمَدُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ."
373 (1/373)
صفحة 374
كما اختلفوا في جواز نقل أعضاء الإنسان من المتبرع، والانتفاع بشيء من أعضاء
الميت لإنقاذ حياة الحي، والقائلون بالجواز قيدوا ذلك بشروط -
-1 - ضرورة التحقق من موت صاحب الجثة موتا حقيقيا لا لبس فيه 2 - أن تكون هناك موافقة خطية من المتبرّع في حياته، ثم موافقة وليه بعد وفاته، أو موافقة ولي الأمر المسلم إذا كان المتوفى مجهول الهوية ولم يعرف وليه.
- أن يكون المتبرَّعُ له مضطراً إلى العضو المتبرع به، وأن تتوقف حياة المنقول له على ذلك العضو أو تتوقف سلامة أحد أجهزة الجسم عليه، وذلك بتقرير من لجنة طبية موثوقة في دينها وعلمها وخبرتها. (1)
4 - إن كان المنقول منه العضو حيّا فيشترط عدة شروط منها: -
أ - كمال الأهلية في المتبرع؛ فإن كان غير أهل للتصرف فلا يصح تبرعه. ب- ألا يقع النقل على عضو أساسي للحياة لا بديل عنه في جسم المتبرع.
الظاهرية "وَلَوْ مَاتَتْ امْرَأَةٌ حَامِلٌ وَالْوَلَدُ حَيٍّ يَتَحَرَكُ قَدْ تَجَاوَزَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَإِنَّهُ يُشَقُّ بَطْنُهَا طُولاً وَيُخْرَجُ الْوَلَدُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ تَرَكَهُ عَمْدًا حَتَّى يَمُوتَ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسٍ وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ أَحْمَدَ رحمه الله: تُدْخِلُ القابلة يدَهَا .. " ابن حزم المحلى بالآثار ج 5 ص 166. 1 - أما متى يحكم بموت الشخص المتبرع؛ ومتى يمكن أخذ العضو المتبرع به منه،)، وإلى أيّ وقت تصلح أعضاؤه للاستفادة منها؟ فله أحكام وقواعد وضوابط خاصة، فتراجع من محلها لا سيما مجلة المجمع؛ فقد وضعت فيها بحوث قيمة فتراجع منها.
374 (1/374)
صفحة 375
ج - ألا
ألا يؤدي ذلك بالإضرار بصحة المتبرّع، فإن كان يؤدي إلى ذلك فحرام لا يصح ولو كان ذلك بموافقته، إذ لا يصح إنقاذ حياة الغير بالإضرار بحياة النفس ولو كان عن رضى وطواعية.
د - ألَّا يُحدِث النقل تشويها في جسم المتبرع.
ه أن يكون العضو المنقول تبرعا محضا لا عن طريق البيع والشراء، فإن كان عن طريق البيع فهو ممنوع، إذ لا يجوز بيع أعضاء بني آدم لعدم ملكها لغير خالقها ل. فهو المتصرف فيها، ولا أحد سواه.
6 - إذا كان العضو المقطوع بسبب حدٍ أو قصاص فلا تجوز إعادته إلى من قطع منه؛ وذلك لأجل بقاء أثر الحد تحقيقا كاملا للعقوبة المقررة شرعا، ومنعا للتهاون في استيفائها، وتفاديا لمصادمة حكم الشرع في الظاهر، إلا إن استوصل خطأً فتجب إعادته، وعلى المتسبب بخطئه ما يترتب على ذلك.
وإن كان العضو المقطوع قصاصا لاحدا فتجوز إعادته في حالتين - الحالة الأولى: أن يأذن المجني عليه بإعادة العضو المقطوع. الحالة الثانية: أن يكون المجنى عليه تَمَكَّن من إعادة عضوه.
1 - ينظر: د بلحاج العربي بن أحمد الأحكام الشرعية والطبية للمتوفى في الفقه الإسلامي.، مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، العدد 42، السنة،11، ص 8 - 160، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، الدورة. الرابعة ج 1 ص 109 509، سنة 1408 هـ 1988 م، مقاصد الشريعة في فتاوى الشيخين إبراهيم بيوض وأحمد الخليلي لإدريس باحامد، جواز نقل الأعضاء من أشخاص أموات لأحياء حفظا للنفس وفي
375 (1/375)
صفحة 376
المسألة الثالثة والعشرون في دية الأسنان
سبق الكلام في المسألة الثامنة عشرة بأن فى الأسنان كلها الدية كاملة دية الإنسان، وهنا ينبغي أن ننبه بأن ذلك في استئصالها كلها أو فسادها دون أن يبقى منها شيء أما إن بقي منها ولو واحدا فعلى عدد ما ذهب لكل سن خمس من الإبل نصف عشر الدية للسن الواحد وهكذا ولو زادت عن الدية التامة ولو كان الذاهب ثلاثين سنا والباقي واحد أو اثنان -مثلا- ففيها مائة وخمسون بعيرا؛ إذْ إِنَّ في الإنسان اثنين وثلاثين سِنًا وأقلُّها ثمانية وعشرون وأوسطها ثلاثون وقد تزيد
وتنقص.
والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: " وفي السن خمس من الإبل". الحديث المتقدم. وكلها في الدية سواء لقوله: " ... والأسنانُ سواء الثنية والضرس سواء" (1).
حدود القيم والأخلاق الإسلامية. بيان أثر الاجتهاد والتجديد في تنمية المجتمعات الإسلامية، الشيخ العلامة المجتهد أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة، ط 1 ن وزارة الأوقاف والشؤن الدينية سلطنة عمان. قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي مجلد الدورات من 1 - 14/القرارات 1 - 134 / السنوات من 1406 - 1423 هـ 1985 - 2003 م ص 105 - 109 و 185 - 195. مجلة المجمع العدد الرابع ج 1 ص 89 والسادس ج 3 ص 1739 وص 1791 و 1975 و 2161. وانظر: اثر القواعد للباحث ج 3 مشقة المرض.
من
1 - أخرجه ابو داود ح 4559 و. 456 و 4561 والترمذي ح 1391 وابن ماجة ح 2650 - 2651 و الحاكم، ورجاله رجال الصحيح، وابن عبد البر في الديات ح 153 و 154 ص 321 - 322 والبيهقي في الكبرى 16263 و 16264 والصغرى 3254 وابن الجارود في المنتقى 780 و 7783 وأحمد 2621 و 2624 والحربي في الغريب 298/ 1 وابن حبان في الإحسان 1612 و 6014 والدار قطني في سننه 212/ 3 وانظر رسالة سماحة المفتي آخر الكتاب.
376 (1/376)
صفحة 377
أما سِنُّ الصبي قبل أن يُثغِر ففيه بعير واحد، وقيل: ثلث دية السن وقيل حكومة، وبعد الثغر ديته كاملة خمس من الإبل.
وهذا الحكم جارٍ في الأسنان إن ذهبت بالجناية ولم تنبت، أما ما نبت منها ففيه سوم عدلين والسن الزايد كغيره إن كان ينتفع به صاحبه، وإن كان لا ينتفع به ففيه نظر العدول وقيل ثلث دية السن، وإن اسوَدَّ فديته تامة، وينتظر الحول في الذاهب لاحتمال نبته، وإن قُلِعَ السنُّ فرُدَّ ورجع صحيحا كعادته فثلث ديته.
- راجع ابن جعفر ق م ص 43، والنيل وشرحه 52/ 15، وابن أبي شيبة 371/ 5 - 372 و 414
و 458 والجلاء 153 - 154 والقرطبي ج 197/ 6 - 200 وفقه الإمام جابر بن زيد، ص 591.
377 (1/377)
صفحة 378
المسألة الرابعة والعشرون في أنَّ الدية حق لجميع الورثة
إذا وجبت الدية للمجني عليه سواء كانت عن عمد ورجع ولي الدم إليها أو عن خطأ أو شبه عمد فهي لجميع الورثة من ذكور وإناث ومشكلين ويشمل ذلك الزوجين أيضا والدليل على ذلك ما روي عن رسول الله له من طريق الضحاك بن سفيان الكلابي قال: " كتب إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها. ""، وما روي عنه صلى الله عليه وسلم: " أنه قضى لحمل بن مالك الهذلي بميراثه من دية زوجته التي قتلتها ضرتها". (2)
وقيل: لا توارث بين الزوجين من الدية لكونها للعاقلة ولعل أصحاب هذا القول يستدلون بما روي عن عمر له أنه كان يقول: الدية للعاقلة ولا ترث المرأة من دية
1 - رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ج 416/ 5 وأحمد في مسنده وأخرجه أبو داود في الفرائض ح 2927 والنسائي في الكبرى 6363 و 6364 وابن ماجه في الديات ح 2642 - 2643 و 2927 والتحفة 4973 والترمذي في الفرائض 2110 وفي الديات ح 1415 والدارقطني في سننه 77/ 4 والشافعي في الأم 115/ 6 ط 1 ن دار الكتب العلمية، وفي الرسالة،1172، والمسند بدائع المنن 1392، وأحمد 15746 وابن أبي عاصم في الديات ح 262 و 263، وغيرهم كلهم من طريق الضحاك، راجع أيضا نصب الراية ج 352/ 4 واللباب 14 ص 259.
2 - أخرجه ابن ماجه في سننه برقم 2643 والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم في دية الجنين راجع المسألة الثالثة عشرة من هذا الفصل في دية الجنين فقد تقدم هنالك وابن جعفر ص 11 والهيميان ج 5 والمصنف ج 41 وما روي من طريق عمرو بن شعيب .. وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَعْقِلَ عَلَى الْمَرْأَةِ عَصَبَتُهَا مَنْ كَانُوا وَلَا يَرِثُونَ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا مَا فَضْلَ عَنْ وَرَثَتِهَا وَإِنْ قُتِلَتْ فَعَقْلُهَا بَيْنَ وَرَثَهَا وَهُمْ يَقْتُلُونَ قَاتِلَهَا." أخرجه أصحاب السنن وقد تقدم تخريجه في "المسألة العشرون في أن الدية من النقود حسب قيمة أصولها من هذا الفصل، وفي رواية النسائي زيادة " وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ الْعَقْلَ مِيرَاتٌ بَيْنَ وَرَثَةِ الْقَتِيلِ عَلَى فَرَائِضِهِمْ فَمَا فَصْلَ فَلِلْعَصَبَةِ"
378 (1/378)
صفحة 379
زوجها شيئا.
ولكن ثبت عن عمر أنه رجع عن ذلك لما قال له الضحاك بن سفيان: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إليه أن يورث امرأة أشيّمَ من دية زوجها كما صرح به أبو داود وغيره في حديث الضحاك.
وكذلك يُخرج منها الحقوق والوصايا والضمانات الثابتة على المجني عليه، وقيل: غير ذلك، والصحيح ما دلت عليه السنة المطهرة
1 - ينظر المراجع السابقة.
379 (1/379)
صفحة 380
المسألة الخامسة والعشرون دية العاثر على المتسبب
إذا نام إنسان في طريق أو حيث لا يجوز له النوم فعثر به آخر فمات أحدهما فإن مات النائم فدمه هدر؛ لتعرضه بنفسه للخطر، فسبيله سبيل من أضر نفسه بنفسه، وإن مات العاثر فديته على النائم لتسببه في ذلك، فسبيله سبيل الخطأ، وقيل ديته على عاقلة النائم.
وإن ماتا جميعا غرمت عاقلة النائم دية العاثر، إلا إن كان نومه عن إعياء أو عجز وقصده القيام أو كان هنالك مكان للمرور وتعمد المار المرور عليه فلا ضمان على النائم بل له الضمان على صارعه.
وكذا حكم الجالس في الطرقات أو حيث يضايق المارة دون عذر مقبول. وكذا الحكم فيمن وضع حجرا أو ترابا أو خشبا أو متاعا أو ماء فعثر به المار أو انزلق بسبب الماء، فعلى واضعه الضمان، إلا إن وجد المار مكانا يمر فيه وتعمد الخطر بنفسه فلا ضمان له.
وكذا الحكم في مُشرع الجناح والمرزاب. ومن سقط على آخر فهو ضامن إلا إن كان المسقوط عليه جالسا في الطريق بغير عذر فلا شيء له.
وروي أنَّ أعمى كان يقوده بصير فسقطا معا في حفرة فوقع الأعمى على البصير في خلافة عمر بن الخطاب له فحكم بالضمان على الأعمى حتى كان ينشد في
الموسم -
يا أيها الناس لقيت منكرا هل يعقل الأعمى الصحيح المبصرا
380 (1/380)
صفحة 381
خرا معا كلاهما تكسرا!
وروي عن علي بن أبي طالب الله أنه قضى باليمن في أربعة أناس سقطوا في زبية أسد بسبب ازدحام الناس عليها وتعلق الأربعة بعضهم ببعض حتى سقطوا في الزبية فجرحهم الأسد حتى هلكوا فقضى علي للأول الذي هو أسفل الثلاثة بربع الدية لأنه هلك بسببه بنفسه وجره الثلاثة أعلاه، وللثاني ثلث الدية من أجل أنه هلك ومن فوقه فسقط عليه ثلثاها، وحكم للثالث بنصفها من أجل أنه مات بسببه ومن فوقه، وللرابع: الدية كاملة، وجعلها على من حضر من القبائل فرفعوا ذلك لرسول الله الله فأقرهم على حكم علي کرم الله وجهه.
وروي عن علي أيضا أنه قضى في أناس أربعة استأجروا بئرا يحفرونها فسقطت طائفة منها عليهم فمات أحدهم فجعل على الثلاثة ثلاثة أرباع الدية وأسقط عنهم
1 - راجع المصنف للعلامة الكندي ج 34/ 41 وابن جعفر م ص 106 - 107 وابن أبي شيبه 398/ 5 والمحلى بالآثار 1900/ 11 - 192 والجامع لابن بركة 471/ 2 و 508 والقاموس ج 85 والقرطبي ج 326/ 3 والسنن الكبرى للبيهقي ج 112/ 8.
2 - بيان ذلك أن الأسفل كان موته بسببه بنفسه وجره الثلاثة أعلاه فهو ضامن لما تسبب له من جبذهم فناسب سقوط ثلاثة أرباع الدية عليه والذي أعلاه بسبب جر الأول له وجره بنفسه لمن أعلاه وهما اثنان فسقط عليه ثلثا ديته وبقي له ثلثها وأما الثالث فبسبب جره لمن أعلاه وهو واحد وجر من أسفل له فناسب سقوط نصف الدية عليه وأما العلوي فلم يكن ذا سبب وإنما هو فقط فله الدية كاملة، راجع السنن الكبرى للبيهقي ج 111/ 8 وأخرج الحديث بكامله ابن أبي عاصم في الديات باب الجماعة يجني بعضهم على بعض ح 254 وأخرجه أحمد 573 و 574 و 10630 و 1309 والطحاوي في المشكل 2200 والبيهقي في الكبرى 16397 و 16398 والطيالسي 114 والشافعي في الأم 279/ 7 - 280 باب الديات والبزار في البحر 723 ووكيع في اخبار القضاة 95/ 1 - 97، والقرطبي في تفسير سورة ص) وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الخطاب
مجرور
381 (1/381)
صفحة 382
الربع نصيب الميت (1) وفي كلتا المسألتين أقوال فلتراجع من مظانها. وكذا حكم علي أيضا في ستة غلمان تغاطوا في الفرات فغرق غلام منهم، فشهد ثلاثة منهم على اثنين أنهما غرقاه وشهد اثنان على الثلاثة أنهم غرقوه، فقضى بالدم أخماسا ثلاثة أخماس على اثنين وخمسين على ثلاثة.
1 - سنن البيهقي المصدر السابق ص 112 راجع أيضا المحلى ج 160/ 11 فما بعدها.
2 - الضياء ج 15 ص 109.
382 (1/382)
صفحة 383
المسألة السادسة والعشرون في لزوم الجاني أجر الدواء وما زاد في الجرح
اختلف أهل العلم هل على الجاني أجر الدواء أم لا فمذهب أصحابنا وابن القاسم من المالكية عدم اللزوم وليس للمجني عليه عندهم إلا الأرش فقط. وقال الفقهاء السبعة (1) بلزوم الجاني أجر الدواء.
وممن يرى ذلك من أصحابنا العلامة المحقق أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة، حفظه الله، معللا ذلك بأنَّ العلاج يحتاج إلى مال كثير سواء كان ذلك
لنفس العلاج أو لمخاسير التردد والقيام بشؤون المصاب وقد تفوته مصالح كثيرة لولا الجناية لم يتضرر بذلك، وكل ذلك صار بسبب جناية الجاني، فيلزمه كل ما
1 - الفقهاء السبعة هم سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي المدني المتوفى سنة:94 هـ وعروة بن الزبير المتوفى سنة: 94 هـ أيضاً. ابن أخت السيدة عائشة ومن مروياته عنها قال: "قالت عائشة رضي الله عنها: يا ابن أختي، كان رسول الله الله لا يُفَضِل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا، وكان قل يوم إلا وهو يطوف علينا جميعًا، فيدنو من كل امرأة من غير مسيس، حتّى يبلغ التي هو يومها فيبيت عندها". رواه أحمد وأبو داود واللفظ له، وصححه الحاكم وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي القرشي المتوفى سنة:94 هـ وعبيد الله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود المتوفى سنة: 98 هـ والقاسم بن محمد بن أبي بكر المتوفى سنة: 107 هـ وخارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري توفى سنة 99 هـ وسليمان بن يسار المتوفى سنة 107 هـ أيضاً وجمعهم بعضهم فقال: - إذا قيل من في العلم سبعة أبحر روايتهم ليست عن العلم خارجة
فقل: هم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجة انظر: أعلام الموقعين لأبن قيم الجوزية محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله ج 30/ 1 ط 1 نشر دار الكتاب العربي. وسير أعلام النبلاء ج 8 ص 58، وطرح التثريب للعراقي عبد الرحيم بن الحسين ج 3 ص 52، وفتح القدير لكمال بن الهمام الجزء الأول ص 428، صلاة الوتر. وشرح مياره ص 192: لمحمد بن أحمد الفاسي المالكي، ونيل الأوطار للشوكاني ج 3 ص 29.
383 (1/383)
صفحة 384
صار بسببه على المجني عليه من ضرر في نفس أو مال، كما رجح هذا الرأي العلامة الجليل الشيخ محمد بن شامس البطاشي وأخبرني مشافهة بأنه حكم به مستدلا بالقاعدة الشرعية " ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" وأنَّ عمر بن عبد العزيز ه قال: "يُحدث للناس أقضية بحسب ما أحدثوا ". 2
1 - هو الشيخ محمد بن شامس بن خنجر بن شامس بن سيف بن فارس البطاشي ولد ببلدة المسفاة من الشرقية في عام 1331 هـ رحل إلى نزوى وأقام بها في كنف الإمام الخليليه وفي عهد السلطان قابوس بن سعيد عين قاضيا للمحكمة الشرعية بالعاصمة مسقط، ألف عدة كتب منها: كتاب غاية المأمول في تسعة أجزاء، وكتاب إرشاد الحائر في أحكام الحاج والزائر، وكتاب سلاسل الذهب في الأصول والفروع والأدب في عشرة مجلدات، من غير كتاب السير، وغيرها الكثير. ينظر كتاب سلاسل الذهب ج 1. توفي له في 1 شوال 1420 هـ الموافق 2000 م. انظر الشيخ البطاشي حياته وفقهه تأليف د/عبد الله بن راشد السيابي ص 6، وكتاب سلاسل الذهب " السيرة وتاريخ عمان" المقدمة بقلم ابنه حارث بن محمد بن شامس البطاشي ص 46. انظر في المسألة الجلاء ص 76 والنيل وشرحه 15 ص 18.
2 - وقد ادعى كثير من الناس قول عمر الله هذا " يحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور،" أنه من قول مالك، والصحيح أنه لأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ه كما صرح به كثير من العلماء من المالكية وغيرهم، وإنما استحسنه مالك وأخذ به؛ لأنَّ من قواعد مذهبه مراعاة المصالح العامة. انظر: حاشية الدسوقي محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي المالكي على الشرح الكبير للشيخ الدردير 4/ 174) وحاشية الصاوي أبو العباس أحمد بن محمد الخلوتي، الشهير بالصاوي المالكي (المتوفى: 1241 هـ) على الشرح الصغير بلغة السالك لأقرب المسالك (247/ 4) دار المعارف والمراجع الآتية بعد. وانظر: تطبيقات القواعد للباحث ج 4 ص 315. والكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (254/ 7) و 24 ص 150 تاليف محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهَرَري الشافعي، وأنوار البروق في أنواع الفروق لأبي العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس المالكي الشهير بالقرافي (المتوفى: 684 هـ) (4/
384 (1/384)
صفحة 385
ويدخل في ذلك جميع ما يتطلبه العلاج من أجر المستشفى وقيمة الدواء وغير ذلك من لوازم العلاج إن كان لا يعالج إلا بأجر.
أما ما تفرضه بعض الأنظمة والقوانين على الجاني من أجر الأيام التي تعطلت فيها مركبة المجني عليه حتى إصلاحها ورجوعها إلى الخدمة، وغرم رواتبه حتى عودته لعمله، فغير لازم على الجاني عند جمهور الفقهاء؛ لأنه شيء خارج عن الجراحة وتوابعها؛ من مؤونة العلاج والأرش، وإنما يلزم الجاني ما كان من هذا القبيل ونحوه.
ويرى علامة العصر ومفتي الأمة جواز إلزامه بذلك، وأنَّه على نظر الشرع؛ بحيث لا ضرر ولا ضرار؛ إنْ كان لذلك فترة زمنية محددة، لا تضر بالجاني، وكان المجني عليه معتمداً في معيشته على ذلك. والله ما أعلى نظره وأدق فكره.
قلتُ: وصوابه ظاهر بحمد الله تعالى، فكم علمنا من أناس أصيبوا في أموالهم، وذهب عليهم الكثيرُ منها، ومنهم من أرهقته الديون؛ بسبب الجناية، لأجل علاج نفسه أو قريبه، بل منهم من فقد عمله الذي هو مصدر رزقه بأمر الله،، ومنهم من بقي عالة على أهله، والجاني يغدو ويروح؛ من غير إحساس بشيء، وفي الحديث
330) والذخيرة له ج 8 ص 206 وج 12 ص 122؛ تحقيق محمد حجي الناشر دار الغرب سنة النشر 1994 م مكان النشر بيروت والاعتصام للشاطبي تحقيق خليل المنصور (ص 26 و 133 و 291 الناشر دار الكتب العلمية سنة النشر 1418 هـ - 1998 م مكان النشر بيروت ورسالة القيرواني ابن أبي زيد، عبد الله بن عبد الرحمن (المتوفى: 386 هـ) ص: 131؛ كلهم من المالكية عدا الهرري.
القيرواني
وانظر: ج 5 من تطبيقات القواعد للباحث.
385 (1/385)
صفحة 386
الشريف: "لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ في الإسلام" فالضرر مرفوع، والمتسبب محاسب
عليه.
ولكن لابد من التنبه بأنَّ ما على الحاكم نظره هو ما كان متحققا من الضرر من يوم الحادثة إلى يوم الحكم، لا ما سيحدث بعده في عالم الغيب. أما ما استقبل
من الزمان فعلى بيت المال إعالة الضعيف ولا يكلف الجاني فوق طاقته.
وكذلك اختلفوا فيما إذا بقي شيء من المادَّةِ الجارحة في الجرح كحديدة أو خشبة أو حَجَرة أو غير ذلك؛ فاحتاج الجرح إلى زيادة توسيع، فهل الزيادة تدخل في الأرش وتكون على الجاني، أم ليس عليه إلا الجرح الأصلي؟ وكذلك ما زاد بسبب الدواء والعلاج؟ وعلى القول بالدخول - وهو الصحيح - فإن كانت الجناية عمدا وأراد المجني عليه القصاص فلا قصاص له في الزيادة المشار إليها، وإنما فيها الأرش فقط، والقصاص في الجرح الأصلي دون الزيادة، وذلك إذا كان الجرح الأصلي معروفا مقداره ومنضبطا، أما إن كان غير معروف ولا منضبط فلا قصاص، بل له الأرش في الجميع.
1 - تقدم في المسألة الحادية عشرة من الفصل الأول من هذا الكتاب انظر: المسألة الحادية عشرة في القصاص من اللطمة والضربة بالعصا" وانظر: الجزء الرابع من كتاب "أثر القواعد الفقهية في التطبيق" للباحث الفقير إلى رضاء به الغفور. القدير فقد جاء في عدة مواطن.
2 - انظر: النيل وشرحه 159/ 15 والقاموس ج 85 المخطوط، وبيان الشرع ج 67 ص 27 و 101، والمنهج ج 159/ 11 - 160 ونصه: وإذا جرح رجلاً دامية، فزاد الجرح واستأكل، حتى صار موضحة، أو دون ذلك. فأما في القصاص فيقتص منه دامية، ويأخذ بالفضل أرشاً، ويطرح عنه ما اقتص به، وإن أخذ ديته عن الجميع، فله دية الجميع وكذلك قس عليه كل ما زاد حتى انتقل عن حاله إلى حالة أكثر منها، قبل أن يبرأ والضياء ج 15 ص 57 فما بعدها والأم للشافعي ج 6 ص 79.
386 (1/386)
صفحة 387
المسألة السابعة والعشرون القاعدة في مسائل الدماء التولد
إعلم أنَّ القاعدة في مسائل الدماء التولد أي أن الجناية الواحدة في موضع واحد من الإنسان تتولد منها عدة ديات وتسمى عند بعض الفقهاء" السراية "مثال ذلك إنسان ضرب مأمومة فزال بسببها عقله وسمعه وبصره وذوقه وشمه ونطقه وجماعه إلى غير ذلك من الإصابة فله بكل واحدة ديتها كاملة، ولا يدخل بعض
ذلك في بعض.
وقيل: بسقوط أرش المأمومة بناءً على أنَّ العقل في الدماغ وله دية العقل، والصحيح عدم السقوط، وأنَّ له دية المأمومة والعقل وهكذا ... ، وكذا لو قطع أذنه فزال عقله أو غيره مما هو في الرأس فله لكل دية.
وهذا الحكم جار على بقية الأعضاء في الجسد؛ كمن أصيب في صلبه، فاحدودب، وزال، جماعه واسترسل، بوله ولم يستطع السيطرة على خروجه، وشلت يداه ورجلاه، وانقطع نسله، إلى غير ذلك مما يتولد بسبب الإصابة، فله لكل دية على عدد المنافع الذاهبة والمضرات المتولدة.
6
أما إن تولدت من الجناية منفعةٌ كأن يُضرَبَ وهو أصلع فينبت شعره، أو أبيض الشعر فيسود، أو أعمى فيبصر، أو مريضا فيبرأ، فله أرش الجرح فقط وليس له شيء في تولد المنفعة، وإن تولدت منفعةٌ، وزالت غيرها فله دية الجراحة، ودية المنفعة الزائلة فليتأمل. (1)
1 - راجع النيل وشرحه ج 26/ 15 فما بعدها وص 66 - 67 والعقد الثمين ج 421/ 4 - 432 والقاموس ج 85 م والمسألة الثامنة عشرة من هذا الفصل وشروح الفتح 224/ 9 وانظر: رسالة سماحة الشيخ المفتي آخر الكتاب.
387 (1/387)
صفحة 388
المسألة الثامنة والعشرون في فدية النفس بأكثر من الدية
إذا ثبت قتل العمد على الجاني فأراد أولياء المقتول القودَ فطلب أن يَفدِيَ نفسه بمائة ألف، -مثلا- فقبلوا منه فلهم أخذ ذلك إن لم يشترطوا تعدد الديات بل اصطلحوا على عدد الدراهم أو الدنانير أو غيرها من الأموال، من غير ذكر الديات ولا رجعة لهم في دمه، وبطل القود بالرجوع إلى الصلح، أما إن اتفق معهم على تعدد الديات فليس لهم إلا دية واحدة، وبطل القود بالرجوع إلى الدية، والدليل على ذلك ما روي عنه من طريق عمرو بن شعيب أنه قال: " ... وما صولحوا عليه فهو لهم وذلك تشديد العقل
والعِلَّةُ في ذلك أنَّ في اشتراط تعدد الديات مناقضةً لأمر الشارع في تحديد الديات، ورجوعاً إلى الجاهلية؛ حيث كان التفاضل فيها، فألغاه الشارع. "
أما في الصلح على الدراهم أو الدنانير أو غيرها من الأموال، من غير ذكر للديات، فهو خارج عن معنى الديات، داخل في جواز فدية النفس بما عزَّ وهان صلحاً، من غير مناقضة للشارع في ذلك، ومَنَعَ بعض أهل العلم ذلك مطلقا إلا بمقدار الدية أو أقل؛ إذا علم المجني عليه مقدار حقه فعفا عن شيء منه برضاً منه وطيب نفس، ويصح الصلح عن كل ما يجوز أخذ العوض عنه.
1 - رواه الترمذي ح 1387، وابن ماجه ح 2626، باب من قتل عمدا فرضوا بالدية وتحفة الأشراف 8708، والسنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي ج 70/ 8 ح 16555. و 16565، وابن ماجة ح 2626، والترمذي ح 1387. كتاب الديات.
2 - واستدل لذلك بما جاء في بعض طرق حديث الديات يوم الفتح فمن" ازداد بعيرا فهو من أهل الجاهلية" ينظر مسند أحمد مسند المكيين ح 14843. وفي الحديث مقال.
388 (1/388)
صفحة 389
وقيل: لا مانع ولو سُمّيت ديات إذ هو صلح في الواقع والغرض منه فدية النفس بما عزّ وهان، ولا مناقضة للشارع في ذلك، لأنَّ الواجب القصاص لا الدية. وقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَسَعِيدَ بْنِ الْعَاصِ بَذَلُوا لِلَّذِي وَجَبَ لَهُ الْقِصَاصُ عَلَى هُدْبَةَ بْنِ خَشْرَم بْنِ حُبَيْش سَبْعَ دِيَاتٍ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا وقتله.
وكان السبب في ذلك: أنَّه وقع بين هدبة ورجل من بني عمه يسمى: زياد بن زيد الحارثي - ويقال زيادة - ملاحاة، فقتله هُدبة، فرفعه أخوه عبد الرحمن إلى معاوية فقرره معاوية، فقال: إن شئت أجبتُك بنثر، وإن شئت أجبتك بنظم.
فقال معاوية: بل بنظم، فإنَّه أمتع فأنشده شعرا يقول فيه: - رُمِينا فَراميْنا فَصَادَفَ سَهْمُنا .... منايا رجال في كتاب وفي قـ وأنت أمِيرُ المؤمنين فَمَا لَنَا .... وَرَاءَك من معدى ولا عنك من قَصْرٍ فإِن تَكُ في أَمْوَالِنا لَمْ نَضِقْ بها .... ذِرَاعًا وإِنْ صَبْرٌ، فَنَصْبِرْ لِلصَّبْ فقال معاوية أراك اعترفت بقتل صاحبهم فقال: هو ما سمعت.
1 - انظر ابن قدامة الشرح الكبير ج 5 ص 16 وج 9 ص 384 والعدة شرح العمدة عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد أبو محمد بهاء الدين المقدسي (المتوفى: 624 هـ) ج 2 ص 118 والمبدع شرح المقنع إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد ابن مفلح، أبو إسحاق، برهان الدين (المتوفى: 884 ه) ج 4 ص 173 باب الصلح وج 8 ص 241 باب القصاص.
389 (1/389)
صفحة 390
فعرض معاوية على عبد الرحمن الدية، ليقبلها، وعرض عليه أكابر قريش سبع ديات، فأبى أن يقبلها.
وكان لزياد المقتول ابن يقال له: المسور، لم يبلغ الحلم، فقال معاوية: ابنه أولى بطلب دمه، فليحبس هدبة، حتى يبلغ ابنه فربما رضي بالدية.
فحبس سبع سنين حتى بلغ المسور الحُلُمَ، وعرض عليه الدية، فأبى إلا قتل هدبة، وزار هدبةَ أيام اعتقاله رجل من قرابته، يقال له أبو نمير، فأظهر الكآبة بحاله، فقال هدبة:
ب
يؤرقني اكتئاب أَبِي نُمير .... وقَلْبي مِنْ كآبتهِ كَئِيـ فقلتُ له: هداك الله مهلاً ... وخَيرُ القَوْلِ ذو اللُّب المصيب
فيأْمَن خائفٌ ويُفَكُ عانٍ .... ويأتي أَهْلَه الرَّجُل الغريب فإنَّا قد حلَلْنا دَارَ بَلْوَى .... ستَخْبِطنا المنايا أو تصيب
ألا لَيْتَ الرِّيَاحَ مسخرات ... ل لحاجتنا تُبَاكِرُ أو تؤوب (1)
وقال مسور بن زياد حين عرض عليه سعيد بن العاص ومن معه سبع ديات بأبيه فأني أبياتا منها:
أبَعْدَ الذي بالنعف نعف كويكب .... رهينة رمس ذي تراب وجندل
أُذَكَّرُ بالبقيا على من أصابني .... وبقياي أني جاهد غير مؤثل
1 - البطليوسي الحلل في شرح أبيات الجمل. ج 1 ص 41. والمرزوقي شرح ديوان الحماسة.
390 (1/390)
صفحة 391
فلا يَدْعُني قومي لزيد بن مالك .... لئن لم أعجّل ضربة أو أعجل
أنَحْتُم علينا كلكل الحرب مرةً .... ونحن منيخوها عليكم بكلكل
ويقال: هي لعمه.
وإن كان القتل خطأ فلا تصح الزيادة ولو صلحا، وليس لولي الدم إلا مقدار الدية
فقط.
1 - أنظر أيضا قاموس الشريعة للشيخ جميل بن خميس السعدي ج 85 ص 23 مخطوط، وابن جعفر الجامع القطعة الثالثة من المخطوطة ص 22 وص 36 - 37 من المطبوع (مكتبة الجيل الواعد) الباب الثاني في الصلح في ديات الأنفس والجراحات وتيسير الوصول للزبيدي ج 2 ص 93 وجوهر النظام باب الدماء.
391 (1/391)
صفحة 392
بصبي
المسألة التاسعة والعشرون فيمن رأى مريد قتله فاتقاه من رأى مريد قتله فاتقاه بصبي فإن كان المتقي تعمد الاتقاء به فعليه القود وعلى الضارب نصف دية الخطأ إن لم يتعمد ضرب الصبي، وإن رجع الولي إلى الدية فعلى المتقي نصف دية العمد والفارقُ الذي بين دية العمد والخطأ في النصف الثاني الذي على الضارب؛ وذلك إذا اتقى به بعد ما أهوى إليه الضارب بسلاحه. وإن كان لم يتعمد الاتقاء به وإنما هوى عليهما جميعا فعلى الضارب القود بتعمده وإن رجع الولي إلى الدية فدية العمد على الضارب.
وإن لم يتعمد الضارب قتل الصبي وإنما هوى بسلاحه على الرجل فصادفت الضربة الصبي فهو خطأ في مال الضارب، وذلك إذا ثبت عدم قصده للصبي. أمَّا إن اتقى بالصبي قبل أن يهوي إليه الضارب فهوى عليهما جميعا فالقود عليهما
معا.
1 - راجع القاموس ج 85 م وبيان الشرع ج 67 والجلاء ص 261 ط 2 آخر باب القسامة وجامع أبي الحواري ج 127/ 5 - 128 وجامع أبي سعيد ج 5/ 294 ط التراث وابن جعفر ق 3 م ص 101 آخر باب
الجراحة.
392 (1/392)
صفحة 393
المسألة الثلاثون فيمن رأى إنسانا يقتل آخر ظلما
من المعلوم بأنَّ على المسلم لأخيه المسلم حقوقا وواجبات؛ من جملتها نصره إذا ظلم عند القدرة على النصرة، لقوله صلى الله عليه وسلم: " أنصر أخاك ظالما أو مظلوما."" وهنا تأتي مسألة: فيمن رأى إنسانا يقتل آخر بغيا وعدوانا وكان قادرا على منعه عن بغيه فلم يمنعه؛ تهاونا منه، أو غير مبال فيما يلزمه من ذلك، فقتله ذلك المعتدي فهل على هذا الرائي القادر على نصرة المظلوم شيء أم لا؟.
فالجواب على ذلك: إنه مسئول أمام الله تعالى وخَلقِه بتقصيره وعدم نصرته للمظلوم مع القدرة على ذلك وعليه الدية والتوبة بسبب هذا التقصير، وهو وإن كان القاتل هو المخاطب بالقود أو الدية ولكن هذا المقصر صار شريكا بتقصيره؛ فعليه التوبة والدية؛ وذلك لمشاهدة الفعل مع معرفة الظلم من القاتل، ووجود الدفع من المقتول، والقدرة على نصرته، وعدم وجود العذر المانع من النصرة، ويترجح ذلك إذا كان المقتول يستغيث بالله والمسلمين، ويطلب النصرة، ودُعِيَ الخصم إلى حكم الشرع فيما لَهُ وعليه فأبى وامتنع، 2 وعلى القاتل القود، وإن نزل
1 - أخرجه البخاري في صحيحه في المظالم والغصب ح 2263 و 2264 وفي الإكراه ح 2638 ومسلم في البر والصلة والآداب ح 4681 والترمذي في الفتن ح 2181 وفي الإستئذان والآداب ح 2650 والدارمي في الرقاق ح 2635.
2 - وقد وردت في التشديد في ذلك أحاديث كثيرة عن المعصوم له فمنها ما جاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يقفن أحدكم موقفا يقتل فيه رجل ظلما فإن اللعنة تنزل على من حضره حيث لم يدافعوا عنه، ولا يقفن أحدكم موقفا يضرب فيه رجل ظلما فإن اللعنة تنزل على من حضره حين لم يدافعوا عنه. رواه الطبراني المعجم الكبير ج 260/ 11 ح 11675، وفيه أسد. بن عطاء، قال الأزدي:
393 (1/393)
صفحة 394
أولياء المقتول إلى الدية وعفوا عن القصاص فلهم ذلك.
واختلف في تضمين من سمع مريد قتل لآخر وهو يتوعد بذلك وهذا السامع قادر على إبلاغ المتوعد وتحذيره فلم يفعل فقتل.
والفرق بينهما أن الأول متحقق الوقوع مشاهد للفعل الذي هو القتل وأما هذا فغير متحقق وقوع المتوعد به فيمكن الوقوع، وعدمه، لأجل هذا جرى الاختلاف في هذه المسألة، مع ترجح عدم الوجوب في حالة أداء الحق من المباشر للفعل.
مجهول ومندل وثقه أبو حاتم وغيره وضعفه أحمد وغيره وبقية رجاله ثقات. انظر: مجمع الزوائد ج 443/ 6 ح 10710. وأخرج الطبراني في معجمه الكبير ج 10 / ص 278 ح 10652، أيضا بإسناد واه عن ابن عباس قال: قال رسول الله: قال ربكم وعزتي وجلالي لأنتقمن من الظالم في عاجله وآجله، ولأنتقمن ممن رأى مظلوما فقدر أن ينصره فلم يفعل وأخرجه الحاكم في الكني، والشيرازي في الألقاب، والطبراني، والخرائطي في مساوئ الأخلاق، وابن عساكر (7/ 54) وأخرجه أيضًا: الطبراني في الأوسط 15/ 1 ح 36، عن ابن عباس أيضا. قال الهيثمي 267/ 7، فيه من لم أعرفهم" وهذه الأحاديث وإن كانت موسومة بالضعف إلا أنها تتفق وقواعد الشريعة الغراء ومبادئها العادلة الموجبة لرفع الظلم ونصرة المظلوم. ويؤيد هذا كله أدلة وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي كثيرة جدا من الكتاب والسنة والإجماع، ليس هذا محلها.
1 - راجع التمهيد ج 9 باب الضمانات وج 60/ 13 - 62، وسلك الدرر ج 2 ص 223 - 224 وجوهر النظام باب أسباب الضمان.
394 (1/394)
صفحة 395
المسألة الحادية والثلاثون في وجوب التنجية للغير وضمان المقصر فيها
من رأى مشرفا على الهلاك وهو قادر على تنجيته فتركه حتى هلك دون عذر فهو أثم ضامن لما أصابه وذلك كالضال عن الطريق والداخل في الحريق والجائع والعطشان والساقط في البحر أو البئر وصاحب السبع وأهل الحوادث ومن في حكمهم كل هؤلاء مضمونون على من رآهم في تلك الحال الخطرة وهو قادر على إنقاذهم فلم ينقذهم وهكذا.
فقد أخرج ابن ابي شيبة في سننه عَنِ الْحَسَنِ؛ أَنَّ رَجُلاً اسْتَسْقَى عَلَى بَابِ قَوْمٍ فَأَبَوْا أَنْ يُسْقُوهُ، فَأَدْرَكَهُ الْعَطَسُ فَمَاتَ، فَضَمَّهُمْ عُمَرُ دِيَتَهُ " (1)
1 - ابن ابي شيبة المصنف ج 6 ص 427) (الرجل يستسقي فلا يسقى حتى يموت وانظر: جوهر النظام باب أسباب الضمان والتمهيد ج 295/ 9 وشرح الجامع الصحيح ج 3 ص 443 شرح حديث لا يرث القاتل المقتول والنبع الفائض ص 11 باب موانع الإرث. والمصنف لابن ابي شيبة ج 6 ص 427 ح 28478 ط دار القبلة: "الرجل يستسقي فلا يسقى حتى يموت" ط دار الفكر عام 1414 هـ وابن جعفر ق 3 ص 52 مرجع سابق.
395 (1/395)
صفحة 396
المسألة الثانية والثلاثون فيما تَضمَنُه الأم
إذا غطّت الأم ولدها بثوب لا يطيقه فمات بسبب ذلك، أو جعلت ثديها في فيه وأرسلته دون أن تمسكه عليه، فسد عليه النفس فمات بسبب ذلك، أو انقلبت عليه في فراشه، ولو نائمة غائبة العقل، فعليها ديته لورثته، وكذا إذا سقته أو أطعمته شيئا زائدا عن طاقته، أو أهملت رضاعته، أو تركت إطعامه، أو سقيه حتى صار سببا في موته، فعليها ضمانه، وإن سقته دواءً لقصد الشفاء فمات نظر؛ هل ذلك الدواء قاتل أو غير قاتل، فإن كان قاتلا، ضمنته، وإن كان غير قاتل فلا ضمان عليها لقصدها الشفاء مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلِ وَاللَّهُ غَفُورٌ
وو
رَّحِيم و التوبة.
ج
والأصل في الضمان: القواعد الفقهية "الخطأ في الأنفس والأموال مضمون على
المخطئ" و "الضر" مرفوع " و "لا" ضر ولا ضرار في الاسلام " وهكذا في أمثالها. وإن رفعته إلى أعلى فوقع من يدها دون سبب منها فلا ضمان عليها أمَّا إن تسببت بحيث فتحت له من يدها ضمنته.
وإن أرضعته جرباء أو مجذومة أو برصاء أو بهقاء أو من كان بها شيء من الأمراض المعدية فأصابه ضرر فعليها الضمان وهكذا وكذا إذا أوقدت النار فانقلب فيها فمات أو نوَّمَته في سقف دون حائل فسقط أو في وادٍ فحمله أو في ساقية نهر وما أشبه ذلك، وفي جميع هذه الأحوال الدية على العاقلة لأنها من الخطأ المحض.
1 - شرح النيل ج 159/ 15 وجوهر النظام باب الديات وسلك الدرر ج 222/ 2 - 223 والتمهيد 249/ 9
396 (1/396)
صفحة 397
المسألة الثالثة والثلاثون في التقصير في الواجب
شاءت حكمة الله عز وجل أن يكون الناس على أنواع شتى فمنهم الحاكم والمحكوم والرئيس والمرؤوس والغني والفقير والمهندس والطبيب والراقب والشائف والأجير إلى غير ذلك ليكمل بناء المجتمع على سننه وقواعده وتترابط العباد فيما بينها ترابطا وثيقا لولاه لاختل التوازن وضاعت الأمور، وهنا تبقى المسئولية على عاتق كل واحد حسب ما امتن الله عليه من مهنة وقدرة، فإن قصر في هذه المسئولية فهو مؤاخذ بتقصيره عند الله وعند الخلق وهذه المسئولية من جملة الأمانة التي تحملتها البشرية عن الله عز وجل: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً (3) الأحزاب (وَالَّذِينَ هُم
لأُمَنَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ) المعارج"
صلے
فإن كان في هذه المسئولية عقد بين الطرفين فإلزام الضمان على المقصر من باب أولى إذ الوفاء بالعقود أمر فرضه الله على عباده يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا
بِالْعُقُودِ) المائدة
فلو أنَّ إنسانًا تعاقد مع آخر على المحافظة على القاصر فقصر في واجبه فتلف أو أصيب بضرر دون التلف؛ فإنه مسئول عن هذا التقصير على قدر ما أصاب
القاصر من ضرر.
ولو أنَّ طبيبا أهمل مريضه أو قصر في واجبه تجاهه، فأصيب المريض بضرر في نفسه، فالطبيب مؤاخذ على قدر ما أصاب المريض من ضرر، ومن ذلك عدم المبادرة في إجراء العملية؛ إذا ظهر له أنَّ المريض بحاجة عاجلة إليها، وهو قادر
397 (1/397)
صفحة 398
على إجرائها بإتقان؛ فتلكأ حتى مات المريض، أو أصيب بضرر بسبب ذلك، أو أجرى له عملية وهو لا يتقنها، أو أنَّ المريض ليس بحاجة إليها، أو أعطاه تخديرا فوق طاقته، وكذا الحكم في إهمال الجروح عن المراقبة الدوائية، وترك من لا يُحسِن علاجها من الممرضين لمعالجتها، وعدم المبالاة في تغيير اللفائف، إلى غير ذلك مما يدخل تحت العلاج. فقد رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنِّسَائِي وَابْنُ مَاجَةٍ وغَيْرُهُم مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم " مَنْ تَطَبّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ الطَّبُّ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ."
1 - أخرجه أبو داود في سننه باب فيمن تطبب بغير علم ج 4 ح 4586 - 4587 ط 1418 هـ مع تعليق صاحب المعالم وابن أبي عاصم في الديات ح 269 باب خطأ الطبيب والبيطارص 505 مرجع سابق وابن ابي شيبة في المصنف ج 6 ص 378 (130) الطبيب والمداوي والخاتن والنسائي في الكبرى 7034 و 7.35 و 7068 والمجتبى 52/ 8 و 53 وابن ماجة ح 3466 والدار قطني 195/ 3 و 196 و 4/ 215 و 216 وابن عبد البر في الإستذكار 36860، والبيهقي في الكبرى 16530، وغيرهم. وانقل لك هنا بعض ما قيل في صفة الطبيب والمعالج وواجباتهما إتماما للفائدة، قال ابن القيم في الطب النبوي وفي زاد المعاد معلقا على فوائد هذا الحديث: - قُلْتُ: الْأَقْسَامُ خَمْسَةٌ أَحَدُهَا طَبِيبٌ حَاذِقٌ أَعْطَى الصَّنْعَةَ حَقَّهَا وَلَمْ تَجْنِ يَدُهُ فَتَوَلَّدَ مِنْ فِعْلِهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الشارع وَمِنْ جِهَةِ مَنْ يَطِبَهُ تَلَفُ الْعُضو أَوْ النَّفْسِ أَوْ ذَهَابُ صِفَةٍ فَهَذَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ اتَّفَاقًا فَإِنَّهَا سِرَايَةُ مَأْذُونٍ فِيهِ.
وَهَذَا كَمَا إِذَا خَتَنَ الصّيّ في وَقْتٍ وَسِنَهُ قَابِل لِلْخِتَانِ، وَأَعْطَى الصَّنْعَةَ حَقَّهَا فَتَلِفَ الْعُضو أَوْ الصبي، لَمْ يَضمَنُ.
398 (1/398)
صفحة 399
وَكَذَلِكَ إِذَا بَطَ بَطَ الجُرْحَ والصُّرَّةَ: شَقَّه. والبَطَةُ بالكَسْر المِبْضَعُ الَّذي يُشَقُّ به الجُرْحُ وبَطَطْتُ القَرْحَةَ: شَققها؛ مِنْ عَاقِلٍ أَوْ غَيْرِهِ، مَا يَنْبَغِي بَطْهُ فِي وَقْتِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي فَتَلِفَ بِهِ لَمْ
يَضْمَنُ
وَهَكَذَا سِرَايَةُ كُلَّ مَأْذُونٍ فِيهِ لَمْ يَتَعَدّ الْفَاعِلُ فِي سَبَهَا كَسِرَايَةِ الْحَدّ بِالاتِّفَاقِ، وَسِرَايَةِ الْقِصَاصِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَة فِي إِيجَابِهِ الضَمَانَ بِهَا، وَسِرَايَةِ التَّعْزِيرِ وَضَرْبِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَالْمُعَلّمِ الصّبِيَّ وَالْمُسْتَأْجِرِ الدَّابَةَ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِي فِي إِيجَابِهِمَا الصِّمَانَ فِي ذَلِكَ وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيُّ ضَرْبَ الدَّابَةِ.
وَقَاعِدَةُ الْبَابِ إِجْمَاعًا وَنِزَاعًا: أَنّ سِرَايَةَ الْجِنَايَةِ مَضْمُونَةٌ بِالاتِّفَاقِ وَسِرَايَةُ الْوَاجِبِ مُهْدَرَةٌ بِالِاتّفَاقِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَفِيهِ النِّزَاعُ. فَأَبُو حَنِيفَةَ أَوْجَبَ ضَمَانَهُ مُطْلَقًا، وَأَحْمَدُ وَمَالِكٌ أَهْدَرَا ضَمَانَهُ، وَفَرَقَ الشَّافِعِيُّ بَيْنَ الْمُقَدَّرِ فَأَهْدَرَ ضَمَانَهُ، وَبَيْنَ غَيْرِ الْمُقَدَرِ فَأَوْجَبَ ضَمَانَهُ. فَأَبُو حَنِيفَةَ نَظَرَ إِلَى أَنَّ الْإِذْنَ فِي الْفِعْلِ إِنَّمَا وَقَعَ مَشْرُوطًا بِالسّلَامَةِ، وَأَحْمَدُ وَمَالِكٌ نَظَرَا إِلَى: أَنْ الْإِذْنَ أَسْقَطَ الضَمَانَ، وَالشَّافِعِي نَظَرَ إِلَى أَنْ الْمُقَدَرَ لَا يُمْكِنُ النّقْصَانُ مِنْهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النّصّ. وَأَمَا غَيْرُ الْمُقَدَرِ كَالتَعْزِيرَاتِ وَالتَأْدِيبَاتِ فَاجْتِهَادِيَةٌ فَإِذَا تَلِفَ بِهَا ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ فِي مَظِنَةِ الْعُدْوَانِ. الْقِسْمُ الثَّانِي: مُطَبَبٌ جَاهِلٌ بَاشَرَتْ يَدُهُ مَنْ يَطِبَهُ فَتَلِفَ بِهِ فَهَذَا إِنْ عَلِمَ الْمَجْنِي عَلَيْهِ أَنَّهُ جَاهِلٌ لَا عِلْمَ لَهُ وَأَذِنَ لَهُ فِي طِبّهِ لَمْ يَضْمَنُ. وَلَا تُخَالِفُ هَذِهِ الصَورَةُ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ فَإِنّ السّيَاقَ وَقُوّةَ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَرَّ الْعَلِيلَ وَأَوْهَمَهُ أَنَّهُ طَبِيبٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَإِنْ ظَنَّ الْمَرِيضُ أَنَّهُ طَبِيبٌ وَأَذِنَ لَهُ فِي طِبَهِ لِأَجْلِ مَعْرِفَتِهِ ضَمِنَ الطَّبِيبُ مَا جَنَتْ يَدُهُ وَكَذَلِكَ إِنْ وَصَفَ لَهُ دَوَاء يَسْتَعْمِلُهُ وَالْعَلِيلُ يَظُنّ أنّهُ وَصَفَهُ لِمَعْرِفَتِهِ وَحِذْقِهِ فَتَلِفَ بِهِ ضَمِنَهُ وَالْحَدِيثُ ظَاهِرٌ
فِيهِ أَوْ صَرِيحٌ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: طَبِيبٌ حَاذِقٌ أُذِنَ لَهُ وَأَعْطَى الصَّنْعَةَ حَقَّهَا؛ لَكِنَّهُ أَخْطَأَتْ يَدُهُ وَتَعَدَّتْ إِلَى عُضو صَحِيحٍ فَأَتْلَفَهُ مِثْلَ أَنْ سَبَقَتْ يَدُ الْخَاتِنِ إِلَى الْكَمَرَةِ فَهَذَا يَضْمَنُ لِأَنَّهَا جِنَايَةُ خَطَأَ ثُمَّ إِنْ كَانَتْ الثُّلُثَ
399 (1/399)
صفحة 400
فَمَا زَادَ فَهُوَ عَلَى عَاقِلَتِهِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَاقِلَةٌ فَهَلْ تَكُونُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ أَوْ فِي بَيْتِ الْمَالِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ.
وَقِيلَ إِنْ كَانَ الطَّبِيبُ ذِمَيَا فَفِي مَالِهِ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَفِيهِ الرّوَايَتَانِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْتُ مَالٍ أَوْ تَعَدِّرَ تَحْمِيلُهُ فَهَلْ تَسْقُطُ الدِّيَةُ أَوْ تَجِبُ فِي مَالِ الْجَانِي؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَشْهُرُهُمَا سُقُوطُهَا. الْقِسْمُ الرّابِعُ: الطَّبِيبُ الْحَاذِقُ الْمَاهِرُ بِصَنَاعَتِهِ اجْتَهَدَ فَوَصَفَ لِلْمَرِيضِ دَوَاءً فَأَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ فَقَتَلَهُ فَهَذَا يُخَرِّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا: أَنّ دِيَةَ الْمَرِيضِ فِي بَيْتِ الْمَالِ. وَالثَّانِيَةُ أَنْهَا عَلَى عَاقِلَةِ الطَّبِيبِ وَقَدْ نَصَ عَلَيْهِمَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي خَطَأَ الْإِمَامِ وَالْحَاكِمِ. الْقِسْمُ الْخَامِسُ: طَبِيبٌ حَاذِقٌ أَعْطَى الصَّنْعَةَ حَقَّهَا فَقَطَعَ سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ أَوْ صَبِيّ أَوْ مَجْنُونٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ أَوْ إِذْنِ وَلِيّهِ أَوْ خَتَنَ صَبيًا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيْهِ فَتَلِفَ.
فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَضْمَنُ لِأَنَّهُ تَوَلَّدَ مِنْ فِعْلٍ غَيْرِ مَأْذُونٍ فِيهِ. وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْبَالِغُ أَوْ وَلِيَ الصَّبِيَ وَالْمَجْنُونِ لَمْ يَضْمَنْ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَضمَنَ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ وَمَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا فَلَا أَثَرَ لِإِذْنِ الْوَلِي فِي إسْقَاطِ الضَمَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا فَلَا وَجْهَ لِصَمَانِهِ. فَإِنْ قُلْت: هُوَ مُتَعَدّ عِنْدَ عَدَمِ الْإِذْنِ غَيْرُ مُتَعَدّ عِنْدَ الْإِذْنِ قُلْت: الْعُدْوَانُ وَعَدَمُهُ إِنَّمَا يَرْجِعُ
إِلَى فِعْلِهِ هُوَ فَلَا أَثَرَ لِلْإِذْنِ وَعَدَمِهِ فِيهِ وَهَذَا مَوْضِعُ نَظَرٍ.
وَالطَّبِيبُ الْحَاذِقُ هُوَ الَّذِي يُرَاعِي فِي عِلَاجِهِ عِشْرِينَ أَمْرًا:
أَحَدُهَا النَّظَرُ فِي نَوْعِ الْمَرَضِ مِنْ أَيِّ الْأَمْرَاضِ هُوَ؟
الثاني: النَّظَرُ فِي سَبَبِهِ مِنْ أَيّ شَيْءٍ حَدَثَ وَالْعِلَةُ الْفَاعِلَةُ الَّتِي كَانَتْ سَبَبَ حُدُوثِهِ مَا هِيَ؟ الثَّالِثُ: قُوَّةُ الْمَرِيضِ وَهَلْ هِيَ مُقَاوِمَةٌ لِلْمَرَضِ أَوْ أَضْعَفُ مِنْهُ؟ فَإِنْ كَانَتْ مُقَاوِمَةً لِلْمَرَضِ مُسْتَظْهِرَةً
عَلَيْهِ تَرَكَهَا وَالْمَرَضَ وَلَمْ يُحَرِّكْ بِالدَّوَاءِ سَاكِنًا. الرابع: مِزَاجُ الْبَدَنِ الطَّبِيعِي مَا هُوَ؟
الْخَامِسُ الْمِزَاجُ الْحَادِثُ عَلَى غَيْرِ الْمُجْرَى الطَّبِيعِيّ. السّادِسُ مِنَ الْمَرِيضِ السَّابِعُ: عَادَتْهُ الثَّامِنُ: الْوَقْتُ الْحَاضِرُ مِنْ فُصُولِ السَنَةِ وَمَا يَلِيقُ بِهِ.
التَّاسِعُ: بَلَدُ الْمَرِيضِ وَتُرْبَتُهُ الْعَاشِرُ: حَالُ الْهَوَاءِ فِي وَقْتِ الْمَرَضِ الْحَادِيَ عَشَرَ: النَّظَرُ فِي الدَّوَاءِ الْمُصَادِّ لِتِلْكَ الْعِلَّةِ.
400 (1/400)
صفحة 401
الثَّانِيَ عَشَرَ النَّظَرُ فِي قُوَّةِ الدَّوَاءِ وَدَرَجَتِهِ وَالْمُوَازَنَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ قُوَّةِ الْمَرِيضِ. الثَّالِثَ عَشَرَ: أَلَا يَكُونَ كُل قَصْدِهِ إِزَالَةَ تِلْكَ الْعِلَّةِ فَقَطْ بَلْ إِزَالَهَا عَلَى وَجْهِ يَأْمَنُ مَعَهُ حُدُوثَ أَصْعَبٍ مِنْهَا، فَمَتَى كَانَ إِزَالَها لَا يَأْمَنُ مَعَهَا حُدُوثَ عِلَّةٍ أُخْرَى أَصْعَبَ مِنْهَا أَبْقَاهَا عَلَى حَالِهَا، وَتَلْطِيفهَا هُوَ الْوَاجِبُ، وَهَذَا كَمَرَضِ أَفْوَاهِ الْعُرُوقِ فَإِنَّهُ مَتَى عُولجَ بِقَطْعِهِ وَحَبْسِهِ خِيفَ حُدُوتُ مَا هُوَ أَصْعَبُ
مِنْهُ.
الرّابِعَ عَشَرَ: أَنْ يُعَالِجَ بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ فَلَا يَنْتَقِلُ مَنْ الْعِلَاجِ بِالْغِذَاءِ إِلَى الدَّوَاءِ إِلَّا عِنْدَ تَعَذَّرِهِ، وَلَا يَنْتَقِلُ إِلَى الدَّوَاءِ الْمُرَكَبِ إِلَّا عِنْدَ تَعَذَرِ الدَّوَاءِ الْبَسِيطِ، فَمِنْ حِزْقِ الطَّبِيبِ عِلَاجُهُ بِالْأَغْذِيَةِ بَدَلَ الْأَدْوِيَةِ وَبِالْأَدْوِيَةِ الْبَسِيطَةِ بَدَلَ الْمُرَكَّبَةِ. الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنْ يَنْظُرَ فِي الْعِلَةِ هَلْ هِيَ مِمَّا يُمْكِنُ عِلَاجُهَا أَوْ لَا؟ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ عِلَاجُهَا حَفِظَ صِنَاعَتَهُ وَحُرْمَتَهُ وَلَا يَحْمِلُهُ الطَّمَعُ عَلَى عِلاج لا يُفِيدُ شَيْئًا. وَإِنْ أَمْكَنَ عِلَاجُهَا نَظَرَ هَلْ يُمْكِنُ زَوَالُهَا أَمْ لَا؟ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ زَوَالُهَا نَظَرَ هَلْ يُمْكِنُ تَخْفِيفُهَا وَتَقْلِيلُهَا أَمْ لَا؟ فَإِنْ لَمْ يُمكنْ تَقْلِيلُهَا وَرَأَى أَنْ غَايَةَ الْإِمْكَانِ
إيقَافُهَا وَقَطْعُ زِيَادَتِهَا قَصَدَ بِالْعِلَاجِ ذَلِكَ وَأَعَانَ الْقُوَّةَ وَأَضْعَفَ الْمَادَةَ.
السَّادِسَ عَشَرَ أَلَّا يَتَعَرَضَ لِلْخَلْطِ قَبْلَ نُضْجِهِ بِاسْتِفْرَاعٍ، بَلْ يَقْصِدُ إِنْضَاجَهُ فَإِذَا تَمَ نُضْجُهُ بَادَرَ إِلَى اسْتِفْرَاغِهِ. السَّابِعَ عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ لَهُ خِبْرَةٌ بِاعْتِلَالِ الْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ وَأَدْوِيَتِهَا وَذَلِكَ أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي عِلَاجِ الْأَبْدَانِ فَإِنَّ انْفِعَالَ الْبَدَنِ وَطَبيعَتَهُ عَن النّفْسِ وَالْقَلْبِ أَمْرٌ مَشْهُودٌ.
وَالطَّبِيبُ إِذَا كَانَ عَارِفًا بِأَمْرَاضِ الْقَلْبِ وَالرّوحِ وَعِلَاجِهِمَا كَانَ هُوَ الطَّبِيبَ الْكَامِلَ.
وَالَّذِي لَا خِبْرَةَ لَهُ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ حَاذِقًا فِي عِلَاجِ الطَّبِيعَةِ وَأَحْوَالِ الْبَدَنِ نِصْفُ طَبِيبٍ. وَكُلَّ طَبِيبٍ لَا يُدَاوِي الْعَلِيلَ بِتَفَقَدِ قَلْبِهِ وَصَلَاحِهِ وَتَقُويَةِ رُوحِهِ وَقُوَاهُ بِالصَّدَقَةِ وَفِعْلِ الْخَيْرِ وَالْإِحْسَانِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى اللهِ وَالدّارِ الْآخِرَةِ فَلَيْسَ بِطَبِيبٍ بَلْ مُتَطَبَبٌ قَاصِرٌ. وَمِنْ أَعْظَمِ عِلاجَاتِ الْمَرَضِ فِعْلُ الْخَيْرِ وَالْإِحْسَانِ وَالذِّكْرُ وَالدّعَاءُ وَالتَضَرَعُ وَالِابْتِهَالُ إِلَى اللَّهِ وَالتَّوْبَةُ. وَلِهَذِهِ الْأُمُورِ تَأْثِيرٌ فِي دَفْعِ
الْعِلَلِ وَحُصُولِ الشَّفَاءِ أَعْظَمُ مِنْ الْأَدويَةِ الطَّبِيعِيَّةِ، وَلَكِنْ بِحَسَبِ اسْتِعْدَادِ النَّفْسِ وَقَبُولِهَا وَعَقِيدَتِهَا فِي ذَلِكَ وَنَفْعِهِ.
401 (1/401)
صفحة 402
الثّامِنَ عَشَرَ التَلَطَّفُ بالمريض وَالرّفْقُ بِهِ كَالتَلَطَّفِ بِالصَّبِيِّ.
التَّاسِعَ عَشَرَ: أَنْ يَسْتَعْمِلَ أَنْوَاعَ الْعِلَاجَاتِ الطَّبِيعِيّةِ وَالْإِلَهِيَّةِ وَالْعِلَاجَ بِالتَّخْيِيلِ فَإِنَّ لِحُذَاقِ الْأَطِبَاءِ فِي التَّخْيِيلِ أُمُورًا عَجِيبَةً لَا يَصِلُ إِلَيْهَا الدَّوَاءُ، فَالطَّبِيبُ الْحَاذِقُ يَسْتَعِينُ عَلَى الْمَرَضِ بِكُلِّ مُعِينٍ. الْعِشْرُونَ - وَهُوَ مِلَاكُ أَمْرِ الطَّبِيبِ، أَنْ يَجْعَلَ عِلَاجَهُ وَتَدْبِيرَهُ دَائِرًا عَلَى سِتَّةِ أَرْكَانٍ. حِفْظُ الصَّحَةِ الْمَوْجُودَةِ، وَرَدّ الصّحَةِ الْمَفْقُودَةِ، بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَإِزَالَةُ الْعِلَّةِ، أَوْ تَقْلِيلُهَا، بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَاحْتِمَالِ أدنى المفسدتين لإزالة أَعْظَمِهِمَا، وَتَفُويتِ أَدْنَى الْمَصْلَحَتَيْنِ لِتَحْصِيلِ أَعْظَمِهِمَا فَعَلَى هَذِهِ الْأُصُولِ السَتَّةِ مَدَارُ الْعِلَاجِ وَكُلّ طَبِيبٍ لَا تَكُونُ هَذِهِ أَخِيتَهُ الَّتِي يَرْجِعُ إِلَيْهَا فَلَيْسَ بِطَبِيبٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. و (الأخيَّة بزنة أبية: الحرمة والذمة) وَلَمَا كَانَ لِلْمَرَضِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالِ ابْتِدَاء وَصُعُودٌ وَانْتِهَاءُ وَانْحِطَاطٌ تَعَيّنَ عَلَى الطَّبِيبِ مُرَاعَاةُ كُلِّ حَالٍ مِنْ أَحْوَالِ الْمَرَضِ بِمَا يُنَاسِبُهَا وَيَلِيقُ بها، وَيَسْتَعْمِلُ فِي كُلّ حَالٍ مَا يَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ فِيهَا. فَإِذَا رَأَى فِي ابْتِدَاءِ الْمَرَضِ أَنّ الطَّبِيعَةَ مُحْتَاجَةُ إلَى مَا يُحَرَكُ الْفَضَلَاتِ وَيَسْتَفْرِغْهَا لِنُصْجِهَا بَادَرَ
إِلَيْهِ
فَإِنْ فَاتَهُ تَحْرِيكُ الطَّبِيعَةِ فِي ابْتِدَاءِ الْمَرَضِ لِعَائِقٍ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لِضَعْفِ الْقُوَّةِ وَعَدَمِ احْتِمَالِهَا لِلاسْتِفْرَاغِ أَوْ لِبُرُودَةِ الْفَصْلِ أَوْ لِتَفْرِيطٍ وَقَعَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي صُعُودِ الْمَرَضِ لِأَنَّهُ إِنْ فَعَلَهُ تَحَيّرَت الطَّبِيعَةُ لِاشْتِغَالِهَا بِالدَوَاءِ وَتَخَلَّتْ عَنْ تَدْبِيرِ الْمَرَضِ وَمُقَاوَمَتِهِ بِالْكُلِّيَةِ. وَمِثَالُهُ: أَنْ يَجِيءَ إِلَى فَارِسٍ مَشْغُولٍ بِمُوَاقَعَةِ عَدُوّهِ فَيَشْغَلُهُ عَنْهُ بِأَمْرٍ آخَرَ وَلَكِنَّ الْوَاجِبَ فِي هَذِهِ الْحَالِ أَنْ يُعِينَ الطَّبِيعَةَ عَلَى حِفْظِ الْقُوَّةِ مَا أَمْكَنَهُ. فَإِذَا انْتَهَى الْمَرَضُ وَوَقَفَ وَسَكَنَ أَخَذَ فِي اسْتِفْرَاغِهِ وَاسْتِنْصَالِ أَسْبَابِهِ فَإِذَا أَخَذَ فِي الْإِنْحِطَاطِ كَانَ أَوْلَى بِذَلِكَ. وَمِثَالُ هَذَا مِثَالُ الْعَدُوَ إِذَا انْتَهَتْ قُوَتُهُ وَفَرَغَ سِلَاحُهُ كَانَ أَخْذُهُ سَهْلًا فَإِذَا وَلَى وَأَخَذَ فِي الْهَرَبِ كَانَ أَسْهَلَ أَخْدًا وَحِدَتُهُ وَشَوْكَتُهُ إنّمَا هِيَ فِي ابْتِدَائِهِ وَحَالِ اسْتِفْرَاغِهِ وَسِعَةِ قُوَتِهِ، فَهَكَذَا الدّاءُ وَالدَّوَاءُ سَوَاءُ
وَمِنْ حِزْقِ الطَّبِيبِ أَنَّهُ حَيْثُ أَمْكَنَ التَّدْبِيرُ بِالْأَسْهَلِ فَلَا يَعْدِلُ إِلَى الْأَصْعَبِ وَيَتَدَرِّجُ مِنْ الْأَضْعَفِ إِلَى الْأَقْوَى إِلَّا أَنْ يَخَافَ فَوْتَ الْقُوَّةِ حِينَئِذٍ فَيَجِبُ أَنْ يَبْتَدِئَ بِالْأَقْوَى وَلَا يُقِيمَ فِي الْمُعَالَجَةِ عَلَى حَالٍ
402 (1/402)
صفحة 403
وَقَوْلُهُ " مَنْ تَطَبَبَ" وَلَمْ يَقُلْ مَنْ طَبَّ؛ لِأَنْ لَفْظَ التَّفَوُّلِ يَدُلُّ عَلَى تَكَلُّفِ الشَّيْءِ وَالدّخُولِ فِيهِ بِعُسْرٍ وَكُلْفَةٍ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ
كتَحَلَّمَ وَتَشَجَّعَ وَتَصَبَّرَ وَنَظَائِرِهَا، وَكَذَلِكَ بَنَوْا تَكَلَّفَ عَلَى هَذَا الْوَزْنِ قَالَ الشَّاعِرُ [العجاج]:
وَقَيْسُ عَيْلَانَ وَمَنْ تَقَيّسًا ... تقاعَسَ العِزُّ بنا فَاقْعَنْسَسَا"
وهَذَا الْحَدِيثُ يَتَعَلَّقُ بِهِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ؛ أَمْرٌ لُغَوِيَ وَأَمْرٌ فِقْهِيَ وَأَمْرٌ طِبّيّ.
وَاحِدَةٍ فَتَأْلَفُهَا الطَّبِيعَةُ وَيَقِلَ انْفِعَالُهَا عَنْهُ وَلَا تَجْسُرُ عَلَى الْأَدْوِيَةِ الْقَوِيَةِ فِي الْفُصُولِ الْقَوِيَةِ وَقَدْ تَقَدّمَ أَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَهُ الْعِلَاجُ بِالْغِذَاءِ فَلَا يُعَالِجُ بِالدّواء.
وَإِذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ الْمَرَضُ أَحَارٌ هُوَ أَمْ بَارِدٌ؟ فَلَا يُقْدِمُ حَتَّى يَتَبَيّنَ لَهُ، وَلَا يُجَرِّبُهُ بِمَا يَخَافُ عَاقِبَتَهُ وَلَا بَأْسَ بِتَجْرِبَتِهِ بِمَا لَا يَضُرٌ أَثَرُهُ.
وَإِذَا اجْتَمَعَتْ أَمْرَاضٌ بَدَأَ بِمَا تَخْصَهُ وَاحِدَةٌ مِنْ ثَلَاثِ خِصَالٍ؛ إحْدَاهَا: أَنْ يَكُونَ بُرْءُ الْآخَرِ مَوْقُوفًا عَلَى بُرْئِهِ، كَالْوَرَمِ وَالْقُرْحَةِ فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِالْوَرَمِ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهَا سَبَبًا لِلْآخَرِ كَالسَدّةِ وَالْحُمَى الْعَفِنَةِ فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِإِزَالَةِ السَبَبِ. الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَهَمَ مِنْ الْآخَرِ كَالْحَادَ وَالْمُؤْمِنِ فَيَبْدَأُ بِالْحَادَ وَمَعَ هَذَا فَلَا يَغْفُلُ عَنْ الْآخَرِ. وَإِذَا اجْتَمَعَ الْمَرَضُ وَالْعَرَضُ بَدَأَ بِالْمَرَضِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَرْضُ أَقْوَى كَالْقُولَنْجِ فَيُسَكَنُ الْوَجَعَ أَوّلًا ثُمَّ يُعَالِجُ السَدَةَ
وَإِذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَعْتَاضَ عَنِ الْمُعَالَجَةِ بِالِاسْتِفْرَاغِ بِالْجُوعِ أَوْ الصَوْمِ أَوْ النَّوْمِ لَمْ يَسْتَفْرِغْهُ وَكُلَّ صِحَةٍ أَرَادَ حِفْظَهَا، حَفِظَهَا بِالْمِثْلِ أَوْ الشَّبَهِ، وَإِنْ أَرَادَ نَقْلَهَا إِلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا نَقَلَهَا بِالصّد." اهـ ابن قيم الجوزية محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين، ولد: 691 هـ توفي 751 ه الطب النبوي ص 128، فما بعدها، مؤسسة الرسالة ط 3 زاد المعاد في هدي خير العباد الجزء الرابع من 135 - 146. له أيضا. الطبعة السابعة والعشرون، 1415 هـ / 1994 م مؤسسة الرسالة، بيروت - مكتبة المنار الإسلامية، الكويت.
403 (1/403)
صفحة 404
فَأَما اللَّغَوِيّ فَالطَّبّ بِكَسْرِ الطَّاءِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ يُقَالُ عَلَى مَعَانٍ. مِنْهَا الْإِصْلَاحُ يُقَالُ طَبَبْتُهُ إِذَا أَصْلَحْته. وَيُقَالُ لَهُ طِبّ بِالْأُمُورِ. أَيْ لُطْفٌ وَسِيَاسَةٌ. قَالَ الشَّاعِرُ: - وَإِذَا تَغَيَّرَ مِنْ تَمِيمٍ أَمْرُهَا ... كُنْتُ الطَّبِيبَ لَهَا بِرَأْي ثَاقِبِ
وَمِنْهَا الْحِذْقُ قَالَ أَبُو عبيد أَصْلُ الطَّبَ الْحِذْقُ بِالْأَشْيَاءِ وَالْمَهَارَةُ بِهَا.
وَمِنْهَا: السّحْرُ يُقَالُ رَجُلٌ مَطْبُوبٌ أَي مَسْحُورٌ.
وَأَمَا الْأَمْرُ الشَّرْعِيّ: فَإِيجَابُ الضّمَانِ عَلَى الطَّبِيبِ الْجَاهِلِ فَإِذَا تَعَاطَى عِلْمَ الطَّبّ وَعَمَلَهُ وَلَمْ يَتَقَدِّمْ لَهُ بِهِ مَعْرِفَةٌ فَقَدْ هَجَمَ بِجَهْلِهِ عَلَى إِتْلَافِ الْأَنْفُسِ وَأَقْدَمَ بِالتَهَوّرِ عَلَى مَا لَمْ يَعْلَمْهُ فَيَكُونُ قَدْ غَرَرَ بِالْعَلِيلِ فَيَلْزَمُهُ الصَّمَانُ لِذَلِكَ.
قَالَ الْخَطَّابِي: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ الْمُعَالِجَ إِذَا تَعَدّى فَتَلِفَ الْمَرِيضُ كَانَ ضَامِنًا وَالْمُتَعَاطِي عِلْمًا أَوْ عَمَلًا لَا يَعْرِفُهُ مُتَعَدّ فَإِذَا تَوَلّدَ مِنْ فِعْلِهِ التَّلَفُ ضَمِنَ الدِّيَةَ وَسَقَطَ عَنْهُ الْقَوَدُ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَبِدٌ بِذَلِكَ بِدُونِ إِذْنِ الْمَرِيضِ وَجِنَايَةُ الْمُتَطَبّبِ فِي قَوْلِ عَامَةِ الْفُقَهَاءِ عَلَى عَاقِلَته ....
وكذا المتعاقد على إنقاذ الغرقى والهدمى وحراسة ناقصي الأهلية وسائر الأشياء كلها مما تجب المحافظة عليه إنْ أخل بواجبه، فهو محاسب ضامن للأنفس
والأموال.
،والختان والبيطار، وقالع الأسنان والحجام، وراقب الماشية، وشائف الزرع، ومن في حكمهم؛ إنْ قصَّروا في واجهم، أو تعدوا؛ فعلى كل واحدٍ من الضمان على قدر
1 - انظر المراجع السابقة.
404 (1/404)
صفحة 405
ما أصاب صاحب الضرر من ضُرّ.
والقابلة إذا أهملت المولود دون ربط سرته فمات، أو أصيب بضرر دون الموت فهي
ضامنة، وكل أجير أخل بواجبه فيما استؤجر عليه فهو ضامن؛ على قدر إخلاله
بواجبه وهكذا.
ومن حبس آدميا ومنعه الزاد والماء أو عراه فمات فإن كان زمنا يموت فيه غالبا جوعا أو عطشا أو بردا فعمد أو لا يموت فيه، فإن لم يكن به جوع وعطش سابق فشبه عمد، وإلا فإن حبسه زمنا إذا ضم إلى الأول ومات وعلم سابق جوعه وعطشه فعَمْد محض، وإن جهل فشبه العمد.
ومن القواعد الفقهية المعتبرة عند الفقهاء "الخَطَأُ لا يُزِيلُ الصَّمَانَ بَلْ يَرْفَعُ الإِثْمَ"" و"الخطأ في الأنفس والأموال مضمون أمَّا الضمان فقد سبقت أدلة كثيرة في هذا البحث على ذلك، ولا شيء أدلُّ من إيجاب الديات والأروش على المخطئ كما مر في
L
1 - راجع شرح النيل 240/ 10 و 2480 و 275 ابتداءا من قوله: ما تلف بأيدي الاجراء والصناع ... ) تحت عنوان فصل جاز لأجير منع ما بيده حتى يأخذ أجرته و 152/ 15 فما بعدها والمصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 427 الرجل يستسقي فلا يسقى حتى يموت ط 1414 هـ وسبل السلام ج 3 ص 1215 ح 1108 (من تطبب فأصاب نفسا .. ) وجوهر النظام باب أسباب الضمان والتمهيد ج 9 باب الضمانات و 13 الديات، ورياض الأزهار ص 360، وعون المعبود شرح سنن أبي داو. ج 9 ص 1794 ج 12 ص 330، وسبل السلام 3 ص 250، وفيض القدير ج 6 ص 137 حرف "من". ومنهج الطالبين للشقصي: القول الثامن عشر في ضمان الجمال والعمال ومن لا ضمان عليه ومن عليه الضمان، ج 6 ن/ مكتبة مسقط.
2 - انظر الشماخي كتاب الإيضاح 377/ 2. والزركشي المنثور في قواعد الفقه ج 2 ص 122.
405 (1/405)
صفحة 406
محله، وما سيأتي أيضا، إن شاء الله، وما في هذه المسألة وما قبلها من إيجاب الضمان على المقصر في واجبه، وأمَّا كونُ الإثم مرفوعاً فلقوله وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (5) الأحزاب رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) البقرة 286، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ والنَّسْيَانُ وَمَا لَمْ يَسْتَطِيعُوا وَمَا أُكْرِهُوا عَلَيْهِ" (1) فالخلاف هنا في المعفوّ عنه؛ والمختار أنَّ المعفو عنه الإثمُ فقط، للأدلة الموجبة للضمان في كثير أنواع الخطأ، في الأنفس والأموال.
وقد سبق كثير من ذلك فارجع الى المسألة الثانية والثلاثين من هذا الفصل فما بعدها، وضم الجميع معا تكمل الفائدة بإذن الله عل.
1 - أخرجه بهذا اللفظ الإمام الربيع باب ما جاء في التقية ح 796. وابن ماجة بلفظ: "إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الخطأ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" وبلفظ "وضع " مكان "تجاوز" ح 2033 و ح 2035 "وَأَخْرَجَهُ الْفَضل بن جَعْفَر التَّيْمِيُّ فِي فَوَائِده بِالْإِسْنَادِ الَّذِي أَخْرَجَهُ بِهِ اِبْن مَاجَهْ بِلَفْظِ رَفَعَ " وَرِجَاله ثقات، إِلَّا أَنَّهُ أُعِلَّ بِعِلَّةٍ غَيْر قَادِحَة فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَة الْوَلِيدِ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ عَطَاء عَنْهُ، وَقَدْ رَوَاهُ بِشْرٍ بْن بَكْرٍ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ فَزَادَ عُبَيْدَ بْن عُمَيْر بَيْن عَطَاء وَابْن عَبَّاس، وأَخْرَجَهُ الدَّارَ قُطْنِيُّ وَالْحَاكِم وَالطَّبَرَانِيُّ. وَهُوَ حَدِيث جَلِيل، قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ نِصْف الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ الْفِعْلِ إِمَّا عَنْ قَصْدٍ وَاخْتِيَارٍ أَوْ لَا، الثَّانِي مَا يَقَعُ عَنْ خَطَأَ أَوْ نِسْيَانٍ أَوْ إِكْرَاهِ، فَهَذَا الْقِسْمِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ بِاتِّفَاقٍ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ الْمَعْفُو عَنْهُ الْإِثْم أَو الحُكْم أَوْ هُمَا مَعًا؟ وَظَاهِرِ الْحَدِيثِ الْأَخِيرِ، وَمَا خَرَجَ عَنْهُ كَالْقَتْلِ فَلَهُ دَلِيلٌ مُنْفَصِل" فتح الباري باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق. وانظر تفاسير القرآن الكريم للآيتين المذكورتين.
406 (1/406)
صفحة 407
المسألة الرابعة والثلاثون في دية المعيون
روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين .. "، فالعيون إذا نظر إلى الشيء فأصيب بضرر فهو ضامن وعليه غرم ما أصابه بعينه من الأموال ودية ما أضره من الأنفس فكل ما أتلفه من نفس أو مال فعليه ضمانه أما القصاص فقد اختلف فيه فقيل عليه القصاص في العمد وذلك إن قصد إضراراً لنفس بعينها وحكم العامد القصاص وقيل لا قصاص عليه وإنما عليه الدية فقط لأنه لا يقتل غالبا ولا يعد مهلكا.
قلت: قد سبق الكلام في قتل شبه العمد أنه إن تعمد الجاني وكان قاصدا للقتل فإنه يقاد والعيون أعظم ضررا منه فما أحقه بالقصاص وأحراه بذلك إن تعمد إضرارا بغيره وقد ثبت أن عين المعيان أحَدٌ من ضربة بالسيف وأمضى من السم في الجسم فكم من إنسان مات بسبب ذلك وكم من إنسان تعطل ولزم فراشه بسبب ذلك وكم من مال فسد على مالكه بذلك فلله الأمر من قبل ومن بعد، وعلى الحاكم إن ثبت معه ذلك ردع العائن حتى يسلم منه عباد الله وإلا فليلزم بيته وإن كان فقيرا فرزقه من بيت المال.
1 - رواه البخاري في الطب وفي الرقية من العين وفي اللباس وأحمد ومسلم في باب الطب والمرض والرقى ح 2187 و 2188 والترمذي في الطب وصححه وابو داود باب ما جاء في العين ح 3879 ومالك في الرقيا من العين وابن ماجة في الطب باب العين ج 4 ح 3506 فما بعده راجع نيل الأوطار ج 8 ص 215 - 217 والمصنف ج 168/ 18 - 170 وبيان الشرع ج 14/ 65 وتفسير القرآن الكريم آية "وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم" سورة القلم آية 51 والجوهر باب أسباب الضمان.
407 (1/407)
صفحة 408
وبعد
أن كتبتُ هذا واخترتُ القول بالقصاص على العائن إن تعمد ذلك، وجدت الترجيح به للإمام القطب في تحفة الحب فلله المنة والحمدا، وذلك بعد أن ذكر طرفا واسعا من ذلك وأقوال أهل العلم فيه. قال: " قلت: الذي عندي أنه يقتل قصاصا؛ إذا ثبت أنه فعل فعلا عمدا، من تكييف أو كلام، وعرف ذلك
نفسه.
من
وإن شاء المجني عليه أو ورثته إن مات أخذوا الدية أو عفوا، وإن لم يتعمد فالدية أو العفو، ولا نسلم ما ذكره النووي من: " أنه لا فعل له " فإن التكييف والكلام فعلان، وما تقدم من قول أبي عبد الله: "وعلى أحب الناس إليه." لا يجوز متابعته عليه؛ إذ لا سبيل الى غير الفاعل، ولعله علم أنَّ في أحب الناس إليه خصلةً تبيح
دمه.
وظاهر كلام أصحابنا أنه لا يقتل والواضح ما ذكرته، وذكر ضمانه الشيخ إسماعيل رحمه الله في أواخر القواعد، وذكر في لقط أبي عزيز وذكر في غير ذلك. وقد يحمل على عموم قولهم: إنَّ العمد فيه القصاص أو العفو أو الدية باختيار من له الحق، وعدم العمد فيه الدية أو العفو، وإذا لم يعمد فالدية على العاقلة، وقد تكون عليه إذا لم تكن شروط لزوم الدية إياها.
وفي لقط أبي عزيز وسألته عمن استهلك أحدا بعينه قال: هو ضامن لما أصابه في أربعين يوما، وقيل: سبعة أيام، وقيل: إن صلى على النبي حين تكلم فلا يضمن،
1 - ص 135 تصوير التراث 136.
408 (1/408)
صفحة 409
وقيل: إن قرأ المعوذتين في ذلك اليوم الذي غسق فيه إنسانا أو بهيمة، يعني أو شجرة أو نخلة، فإنه لا فرق بينهما وبينها، فلا يضمن.
وسواء فى هذا مثَّله بلسانه أو كيَّفه بقلبه لا ضمان، قال: وكل ما أفسده الإنسان في الأنفس والأموال فهو على ثلاثة أوجه، فكل ما أفسده متعمدا لذلك فعليه الإثم والغرم، وما لم يتعمد وقد علم به فعليه الغرمُ دون الإثم، وما لم يتعمد ولم يعلم به فليس عليه.
قلت: وإذا لم يتعمد وعلم فلم يغرم أثم من جهة عدم الغرم بعد العلم، لا من جهة الفعل. قلت أيضا والقائل هنا وما قبله الإمام القطب الإثم في ذلك كبير والله أعلم." أمَّا علاج ذلك فراجعه من محله إن شاء الله تعالى، ولا بأس أن أذكر لك بعض ما روي عن صاحب الرسالة المحمدية له فمنها ما روته السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله الله يأمرني أن استرقي من العين.
وعن أسماء بنت عميس أنها قالت: يا رسول الله إنَّ بني جعفر تصيبهم العين أفنسترقي لهم؟ قال: " نعم فلو كان شيء سبق القدر السبقته العين
وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته
1 - المرجع السابق.
ص
135 - 136
2 - مسلم باب استحباب الرقية من العين والحميدي محمد بن فتوح الجمع بين الصحيحين
البخاري ومسلم وانظر المراجع السابقة.
- رواه أحمد والترمذي ج 4 ح 2059 وصححه. وانظر المراجع السابقة.
409 (1/409)
صفحة 410
العين وإذا استغسلتم فاغسلوا
وعن عائشة قالت:" كان يؤمر العائن فيتوضأ ثم يغسل منه المعين.
?
وعن سهل بن حنيف أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم خرج وسار معه نحو مكة حتى إذا كانوا بشعب الخراز من الجحفة اغتسل سهل بن حنيف، وكان رجلا أبيض حسن الجسم والجلد، فنظر إليه عامر بن ربيعة؛ أحد بني عدي بن كعب، وهو يغتسل فقال: "ما رأيت كاليوم ولا جلد محباة فلبط سهل فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل: يا رسول الله هل لك في سهل والله ما يرفع رأسه، قال: "هل تتهمون فيه من أحد؟ " قالوا: نظر إليه عامر بن ربيعة فدعا رسول الله الله عامرا فتغيظ عليه، وقال: "علام يقتل أحدكم أخاه؟ هلا إذا رأيتَ ما يعجبك بركت " ثم قال له: "اغتسل." فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح ثم صب ذلك الماء عليه يصبه رجل على رأسه وظهره من خلفه ثم يكفأ القدح وراءه ففعل به ذلك فراح سهل مع الناس ليس به بأس.
41
1 - رواه أحمد ومسلم ح 2188 والترمذي وصححه وابن حبان 3 ح 6107 وانظر ما سبق. 2 - رواه أبو داود 4 ح رقم 3880.
- لبط: اللَّبَطَ؛ السقوط بشدة يقال: لَبَطَ فُلانٌ بفلانٍ الأَرضَ لَبْطاً، أي: صَرَعَهُ صرعاً عنيفا. ولبط بفلان، إذا صُرِعَ من عَيْنٍ أو حُمَّى، أو أمر يغشاه شِبْه مُفاجأة. والحبب والحباب الفقاقيع في الشيء مأخوذ من حباب الماء وشبهه، وأراد عامر بن ربيعة بقوله: (ما رأيت كاليوم ولا جلد محباة، الكناية عن صفاء. جسم سہل بن حنيف متعجا من صفائها لا يوجد بها حبب.
- رواه أحمد 3 ص 486، وانظر: المراجع السابقة.
410 (1/410)
صفحة 411
الفصل الثالث في الجروح والأروش وما جاء فيها
الجُروح جمع جُرح وهو الشَّقُ في البدن وجَرَحَهُ جُرحا شق في بدنه شقا فالرجل والمرأة جريح والجمع جَرحى والجِرَاحَةُ إسم للضربة أو الطعنة وجمعها جراحات وجراح ويُطلق الجرح على كل تأثير بسلاح أو غيره والجَرْحُ بفتح الجيم الفعل وجرحه يجرحه جرحا أثر فيه بالسلاح ...
والأروش جمع أَرْش - بفتح الهمزة وسكون الراء - قال في ترتيب القاموس: الأَرسُ الدية والخدش وطلب الأرْش وما يدفع بين السَّلامة والعيب وانترِش منه خُمَاشَتَكَ خذ أرْشَها وقد وائترش للخُماشَة كاستسلم للقصاص. وفي اللسان: (ألأرش من الجراحات ما ليس له قدر معلوم
وقيل: هو دية الجراحات، وأروش الجراحات والجنايات جائزة لها، عما حصل من النقص، وسُمّي أَرشا لأنَّه من أسباب النزاع، يقال أرشتُ بين القوم إذا أوقعت
بينهم) "
وفي المعجم الوسيط (الشَّجَةُ ونحوها ودية الجراحة، وما يُسترد من ثمن المبيع إذا ظهر فيه عيب والجمع أروش؛
1 - راجع اللسان 422/ 2 والمعجم الوسيط 115/ 1. 2 - ترتيب القاموس ج 133/ 1 مع بعض تصرف.
- اللسان 263/ 6.
4 - المعجم الوسيط 13/ 1.
411 (1/411)
صفحة 412
أول ذلك اللطمة في الوجه إن أثرت فلها بعير %1 وإن لم تؤثر فنصف بعير، 1/ 2 والضربة إن أثرت في الوجه فلها عشرون درهما؛ سدس بعير، وإن لم تؤثر فلها
عشرة دراهم.
والفرق بينهما أنَّ اللطمة تكون باليد، ولها خمس أصابع لكل إصبع سدس بعير وللكف سدسه، وبه يكمل البعير.
أما الضربة فلها أثر واحد فقط ولها عشرون درهما، وإن ضُمَّت الأصابع في اللطمة ولم تنفصل آثارها بل ظهرت أثرا واحدا فلها حكم الضربة الواحدة؛ عشرون درهما فقط؛ لأنها أثرٌ واحد فليتنبه لذلك.
والبعير الواحد هو عُشْرُ عُشْرِ الدية ويحسب له ما يقابله من النقود عند من يدفع الدية بالنقد، وكذا في بقية الأموال، ومن ضَرَب إنسانا بحبل مضاعف فأثر فيه عدة آثار فله بعددها؛ لكل أثر أرشه؛ كما جاء في اللطمة.
وكذا الحال فيما شابَة ذلك كالعراجين والنعال ذات المسامير، والحديدة ذات الأوجه، وأثر الأسنان؛ كأن يعضّة فتُحدث العضة أثرا، وشبهها.
1 - انظر: الجامع المفيد من أحكام أبي سعيد لأبي سعيد الكدمي، ج 288/ 5 ط التراث فما بعدها ولباب الآثار المنسوب لمهنا بن خلفان البوسعيدي ج 14 ص 163 و 165 ومدارج الكمال للسالمي في التأثير غير الجارح ص 160 ط القاهرة، ومنهج الطالبين للشقصي ج 11 ص 185 فما بعدها والتاج المنظوم في درر المنهاج المعلوم للثميني مجلد 7 ج 23 ص 212 ط وزارة التراث 1421 هـ - 2000 م والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 15 ص 212 فما بعده وسنن أبي داود ج 4 ص 399 ط دار ابن حزم 1418 هـ وهميان الزاد للقطب ج 13 ص وبقية تفاسير القرآن للآية الكريمة.
44
412 (1/412)
صفحة 413
واستدل لذلك بقوله تعالى في قصة نبي الله أيوب الله: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغَيًّا
فَأَضْرِب بِهِ وَلَا تَحنَتْ) (الآية 44 من سورة ص
وذلك أنَّه أقسم بالله ليضرب زوجه مأئةً ضربة، فأمره الحق سبحانه أن يأخذ حزمةً من أعواد شجرة فيها مأئة عود فيضربها بها ضربة واحدة، وبأمره في قضية المقعد الذي وجب عليه حد الزنا أن يأخذوا له مائة شمراخ فيضربوه بها ضربة واحدة". فتكون كالمأئة حكما.
فقد أخرج أبو داود وغيره عن بن شهاب قال أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف أنه أخبره بعض أصحاب رسول الله له من الأنصار: أنه اشتكى رجل منهم حتى أضني فعاد جلدة على عظم فدخلت عليه جارية لبعضهم فہش لها فوقع عليها فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه أخبرهم بذلك وقال استفتوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني قد وقعت على جارية دخلت علي فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا ما رأينا بأحد من الناس من الضر مثل الذي هو به لو حملناه إليك لتفسخت عظامه ما هو إلا جلد على عظم فأمر رسول الله أن يأخذوا له مائة شمراخ فيضربوه بها ضربة واحدة"
1 - ينظر سنن أبي داود باب اقامة الحد على المريض ج 4 ص 399 مع شرحه معالم السنن للخطابي ط دار ابن حزم ط 1 رقم الحديث 4472 وشرح سنن أبي داود عبد المحسن العباد، للحديث نفسه، وابن ماجه باب الكبير والمريض يجب عليه الحد مع حاشيته مصباح الزجاجة للبوصيري تحقيق خليل مأمون ح 2574 ج 3 ص 235 - 236. والبيهقي سنن البيهقي الكبرى (64/ 10) 19815 والسنن
413 (1/413)
صفحة 414
وعليه: فيتبين من مفهوم الحديث أن المريض نوعان: مريض مرضاً لا يرجى برؤه، ومريض مرضاً يرجى برؤه، فالذي يرجى برؤه ينتظر حتى يشفى ويقام عليه الحد الذي هو الجلد إذا كان الحد جلداً، وأما إذا كان الحد رجماً أو قتلاً فإنه يقتل؛ لأن العلة من عدم إقامة الحد على المريض حتى لا يؤدي ذلك إلى هلاكه، لكن إذا كان هلاكه حكماً شرعياً كأن يكون رجماً أو قتلاً فإنه يقام عليه الحد، سواء كان مريضاً أو غير مريض؛ لأن الحكم هو إهلاكه والقضاء عليه، وأما إذا كان الحد جلداً، والجلد قد يؤدي إلى الوفاة في حق المريض فيكون قد عوقب بعقوبة لا يستحقها وهي أنه قتل إذاً: لا يقام عليه الحد في حال مرضه إذا كان مرضه يرجى برؤه، بل يؤخر حتى يبرأ ثم يقام عليه الحد، ولا يقام عليه الحد في مكان المرض؛ لأنه قد يؤدي إلى الهلاك، والحد ليس المقصود منه الهلاك، وإنما هو شيء دون الهلاك. أما إذا كان لا يرجى برؤه فإنه كما جاء في هذا الحديث" 1
أما جراحة الرأس فمقدَّمُهُ ومؤخَّرُه وسائر الجسد واحد فيما دون الدامية بلا فرق، فللمؤثرة عشرة دراهم وإن لم تؤثر فخمسة دراهم، وبقيَّة الجروح من الدامية فصاعدا فكما يلي تفصيلها حسب الجدول الآتي بمشيئة الله تعالى. وستجد إن شاء الله و آخر الكتاب ملحقا ذلك. يوضح
الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي لابن التركماني 10/ 64 ح 20524 ومعرفة السنن والآثار للبيهقي أيضا ج 12 ص 16805307 وانظر: "مسند أحمد" (21935). بتحقيق شعيب الأرنؤوط -
محَمَّد كامل قره بللي.
1 - انظر: المراجع أعلاه.
414 (1/414)
صفحة 415
أسماء الجروح
جدول يوضح أسماء الجروح
ما يجب في ما يجب في ما يجب في مؤخر
الوجه
مقدم الرأس الرأس وسائر
الجسد
دام، وهي التي أظهرت
بعير واحد
بعيران 2
نصف بعيره,
الدم
?1
باضع، وهي التي قطعت
أربعة أبعرة 4% بعيران 2
بعير واحد 1
الجلد
ملحم، وهي التي اكلت
ثلاثة
بعير ونصف
ستة أبعرة 6?
اللحم
أبعرة 3%
2,5
سمحاق، التي
ثمانية أبعرة أربعة أبعرة
استوعبت اللحم وابانت
بعيران 2
القشره
موضح، التي أوضحت عشرة أبعرة خمسة أبعرة بعيران ونصف
العظم (1/415)
صفحة 416
هاشم، التي هشمت عشرون بعيرا عشرة أبعرة خمسة أبعرة
العظم
20
%.0
%10
منقل، التي نقلت ثلاثون بعيرا خمسة عشر سبعة أبعرة
العظم عن أصله
30
بعيرا / 15 ونصف 7,5
وقد تم وضع هذا الجدول متفاضلا بين الوجه ومقدم الرأس ومؤخره مع سائر الجسد بناء على ما هو معمول به عند أصحابنا رحمهم الله تعالى في ذلك كما ستعرفه إن شاء الله تعالى.
فالدامية والباضع والملحم والسمحاق والموضح يستحق المجروح ما ذكر إذا أتم الجرح راجبة تامة طولا وعرضا براجبة الإبهام وهي اثنتا عشرة نقطة مضروبة في مثلها وما نقص فبحسابه وما زاد فكذلك وهذه المقادير فيما دون الموضحة عند أصحابنا أما بقية المذاهب فيرون الحكومة ومنهم من يرى قياس الجرح فيعطيه على حسب الموضحة إن كان ربعها أو نصفها أو أقل أو أكثر، ويرى بعضهم أجرة
الطبيب.
1 - وفي مقارنة القيمة بالريالات انظر "المسألة العشرون في أنَّ الدية من النقود حسب قيمة
أصولها" من الفصل الثاني.
2 - راجع الكفاية وشرح النهاية 220/ 9 وفقه السنة 562 ج 2 والجلاء ص 55 ط دمشق 1383 هـ والقرطبي الجامع لأحكام القرآن ج 6 ص 204 تفسير قوله تعالى: "وكتبنا عليهم".
3 - المرجع السابق.
416 (1/416)
صفحة 417
أمَّا المأمومة وهي التي وصلت أم الرأس فلها ثلث الدية الكبرى، وكذلك الجائفة؛
6
وهي التي وصلت إلى الجوف فلها ثلث الدية الكبرى، كما في الحديث الشريف "وفي المأمومة ثلث الدية وفي الجائفة ثلث الدية ومثلهما النافذة وهي التي تدخل من جهة وتخرج من الجهة الأخرى في غير الجوف؛ ولها ثلث الدية أيضا، أما في الجوف فبوصولها الجوف ثلث الدية فإن خرجت من الجهة الأخرى فجائفتان ثلثا الدية.
إلا النافذة في الأعضاء المتعددة كاليدين والرجلين ومشافر الفرج وورقات الأنف وما أشبه ذلك فلها ثلث دية العضو الذي نفذت منه، وذلك على رأي من نظر إلى كونها في عضو متعدد، أما على رأي من يرى أنها صَدق عليها اسم نافذة، ولا تفصيل في ذلك من صاحب الرسالة المعصوم ولا يوجد ما يخصصها، فلها أرش نافذة تامة، فليتأمل. وانظر: "المسألة الأولى في النافذة"
وهذه الثلاث: المأمومة والجائفة والنافذة، المذكورة، والهاشمة والمنقلة، لا يحتجن إلى قياس كَبُرَ الجرح أو صغر وهذا ما عليه الأكثر وعليه العمل. 1
وقد ورد الخلاف في ذلك فعن ابن عبيدان 2 اعتبار القياس في الهاشمة والمنقلة وسئل عن ذلك العلامة الرباني سعيد بن خلفان الخليلي له فقال لما سئل عن
6
1 - راجع الجلاء 142.
2 - ابن عبيدان هو الشيخ العالم الفقيه القاضي محمد بن عبدالله بن جمعة بن عبيدان النزوي العقري من علماء القرن الحادي عشر، قد أصيب بالعمى، توفي بعد سنة 1104 هـ / 1692 م. كان قاضيا للإمام سلطان بن سيف بن مالك. عاش إلى أيام بلعرب بن سلطان. إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان ص
461
417 (1/417)
صفحة 418
وجه قول ابن عبيدان: "وما أظنه إلا غفلة "منه"
1.
ولكن عقب عليه ابنه الشيخ العلامة أحمد بن سعيد بعد ما ذكر القائلين بالقياس في الكل قائلا: وما نظنه غفلة منه كما ظنه والدنا رحمه الله. وحَكَى القياس عن صاحب النيل والقطب في حاشيته وعن الجيطالي في مراتب الجروح، وذكر
1 - راجع التمهيد 100/ 13 واللباب 155/ 14 - 157 وراجع أيضا النيل وشرحه 8/ 15 فما بعده. 2 - هو الشيخ العلامة الورع النزيه أحمد بن سعيد بن خلفان الخليلي ابن العلامة الرباني سعيد بن خلفان الخليلي وعم الإمام العادل محمد بن عبد الله الخليلي من مشاهير العلماء والشعراء في زمانه في اوائل القرن الرابع عشر الهجري اشتهر رحمه الله بالزهد والورع والتصلب في الدين لا تأخذه في الله لومة لائم كان أمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر ملتزما بأوامر الله مراعيا له في سره وجهره إن حدث صدق، وإن وعد وفى، وإن قال فعل، لا يعرف المداهنة في الحق، ولا الميل إلى الباطل ولد سنة 1280 هـ ببلدة بوشر من قرى محافظة مسقط وتوفي يوم 11 الحج الأكبر سنة 1324 هـ وعمره 44 سنة له فتاوى نثريه ونظمية طبع قسم منها ضمن إجابات ابن اخيه الإمام محمد بن عبد الله الخليلي، ينظر دليل أعلام عمان ص 28 والسيرة الذاتية والمنهج الفقهي للشيخ العلامة أحمد بن سعيد بن خلفان الخليلي بحث تخرج إعداد الطالب خليل بن أحمد بن حمد الخليلي ص 65 فما بعدها. الشيخ العلامة ابو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي النفوسي أخذ العلم عن عيسى بن عيسى الطرمسي وابي عزيز له تأليف جليلة منها قواعد الإسلام وقناطر الخيرات وشرح النونية للشيخ ابي نصر فتح بن نوح وكتاب الحج والمناسك وكتاب الأحكام وغيرها كان رحمه الله مستجاب الدعاء وله أخبار وفضائل كثيرة مات عام 750 هـ ينظر كتاب السير للإمام أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي ج 2 ط 1412 هـ ص 195 وقواعد الإسلام ج 1/هـ.
-
هو
418 (1/418)
صفحة 419
ثلاثة أقوال في المسألة.
كما رجح عدم القياس العلامة نور الدين السالمي في العقد الثمين، ولقد تعجب من القائلين بالقياس قائلا: "ويا الله العجب كيف يمكن قياس الهاشمة والمنقلة
وهما أثر في العظم اللهم إني لا أدري للقول بثبوت القياس وجها".
وإنك إذا أمعنت النظر تجد القول بعدم القياس هو الوجه الوجيه الذي لا لبس فيه، وقد رجح ذلك أيضا مفتي العصر الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي أمد الله في عمره وحفظه من كيد الأعداء، لما سألته عن ذلك مشافة. وفي ذلك
مسائل: -
1 - راجع الفتح الجليل من أجوبة الإمام أبي خليل ص 730 وجواهر الآثار للعلامة ابن عبيدان
ج 15/ 4 فما بعدها ط التراث.
2 - العقد الثمين 426/ 4 راجع أيضا القاموس ج 85 م.
419 (1/419)
صفحة 420
المسألة الأولى في النافذة
اختلف أهل العلم في النافذة التي يحكم لها بثلث الدية هل يشترط فيها أن تكون في عضو فيه عظم فتنفذ من العظم واللحم معا أم لا يشترط فيها ذلك فيكفي إذا نفذت في لحم لا عظم فيه وتعطى حكم النافذة؟
فذهب فريق إلى الأول وإلى الثاني آخرون، ورجح العلامة السيابي في الجلاء المذهب الثاني، حيث قال بعد ذكر الخلاف معقبا على الثاني: "وهو الأوجه اللهم إلا أن يكون واردا في ذلك نص ونحن لا نعلمه فاتباع النص أولى. كما رجح ذلك العلامة ابن جعفر في جامعه أيضا.
أمَّا الإمام أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي له فقد ورد التفصيل عنه فيرى في الأعضاء التي فيها عظام أو جوف اشتراط نفوذ الجرح من العظم في النافذة
1 - الجلاء 78 2 - ابن جعفر ق 3 م 54.
- هو الشيخ العلامة الإمام أبو سعيد محمد بن سعيد بن محمد بن سعيد الكدمي الناعبي ولد سنة 305 هـ على التقريب، إذ يقول عن نفسه "وقد كنت أنا جعلني الإمام سعيد بن عبد الله رحمه الله وأنا حين بلغت على السجن .. " كما هو في الجزء التاسع والعشرين من بيان الشرع ص 174 باب نفقة المحبوس، وقد نصب الإمام سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب الرحيلي القرشي المشار إليه أنفا عام ثلاثمائة وعشرين للهجرة، والامام أبو سعيد من أول الأمر على السجن كما عاصر الإمام راشد بن الوليد من بعده، ومن أشياخه الشيخ محمد بن روح بن عربي الكندي السمدي النزوي والشيخ رمشقي بن راشد، وكان من علماء زمانه المشهورين بالزهد والورع والتقوى حتى لقب بإمام المذهب، وعاصر من العلماء المشهورين العلامة أبا محمد عبد الله بن محمد بن بركه البهلوي، وقد وقع بينهما خلاف كثير في قضية موسى بن موسى والإمام الصلت بن مالك، حتى
420 (1/420)
صفحة 421
المستحقة للثلث فإن لم تمس العظم فهي ملحم ودام وباضع، أما التي لا عظام
فيها كالأذنين والشفتين؛ فيرى عدم الاشتراط، ويجعل لها الثلث من ديتها.
مثال ذلك: إنسان جُرحَ نافذةً في ذراع يده بين ساعديها في اللحم من غير أن ينال الجُرح شيئا من أحد الساعدين؛ فعلى رأي المشترطين نفوذ الجرح من العظم فيكون الجرح هنا داميا فباضعا فملحما من جانبيه، وله ثلاثة أبعرة فقط وعلى مذهب غير المشترطين نفوذ الجرح من العظم فيحسب الجرح نافذا، وله ثلث دية اليد ستة عشر بعيرا وثلثان.
وذكر في القاموس عن أبي سعيد أنه يرى في العظم الأجوف إذا وصل الجرح جوفه جائفة، كما روي عن ابن محبوب أنه يرى فيه مأمومة. وأشرهما واحد؛ إذ
ألف أبو سعيد في ذلك كتابيه الاستقامة والمعتبر، وله تأليف كثيرة وفتاوى جليلة، منها كتاب الجامع المفيد من أحكام ابي سعيد، وتعليقات وحواشي على كثير من الكتب التي سبقته؛ أهمها تعليقه على كتاب "الإشراف" لابن المنذر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري أبي بكر، يقول الإمام نور الدين السالمي: " .. كتاب زيادات الإشراف لأبي سعيد أيضا، وذلك أنه تعقب كتاب الإشراف لأبي بكر محمد بن إبراهيم المشهور بابن المنذر النيسابوري المتوفى في سنة 317 هـ، جمع فيه مذاهب الأمة، وتعقبه أبو سعيد في كل مسألة ذكرها، فصحح وضعف، وقرب وبعد" نور الدين السالمي اللمعة المرضية من أشعة الإباضية، ص 21. " ينظر ج 1 ص 5 - 6 من كتاب الاستقامة وكتاب المعتبر للإمام المذكور، أما وفاته فلم أجد تحديدا لها في المراجع التي استطعت الوصول إليها إلا أنه إلى يوم الأربعاء الثالث عشر من ربيع الأول عام ثلاثمائة وإحدى وستين كان حيا يفتي سائليه إذ قيَّد عنه أحد تلامذته في هذه اليوم جوابا لمسألة حكاها مؤلف بيان الشرع في الجزء السادس من بيان الشرع في الملق والمداراة والمداهنة والمكر والخديعة ص 70 من ط التراث. 1 - الجامع المفيد 283/ 5 ورياض الأزهار 375.
421 (1/421)
صفحة 422
للجائفة ثلث الدية وللمأمومة ثلث الدية، إلا إن خرجت الجراحة الجوفية من الجهة الثانية، فلها، جائفتان وسيأتي الكلام عليه في المأمومة إن شاء الله تعالى.
ويري صاحب القاموس أنَّ للنافذة إذا نفذت بين الزندين ثلث دية اليد أما إنْ نفذت من الزندين جميعا فلها ثلثا دية اليد وهو ثلث الدية الكبرى، وكذا حكاه صاحب الجلاء بلفظ قالوا.
وذكر صاحب بيان الشرع ذلك في العضد والفخذ والساق فكأنه يرى إن وصلت الجراحة داخل العظم ثلث دية اليد وإن خرجت من الجانب الآخر فثلثا دية اليد. وحكى عن أبي المؤثر أنَّ الجرح إذا نفذ بين الزندين فله ثلث دية اليد فإن كان في أحد الزندين وخالط المخ فنصف ذلك فإذا نفذ منه من الجانب الآخر فله ثلث دية اليد فإذا دخل في الزند الثاني وخالط المخ مخ العظم النخاع فله نصف دية اليد فإذا نفذ من الزندين جميعا فثلثا دية اليد؛ وهو ثلث الدية الكبرى صغر الجرح أم كبر.
أما نافذة الحلقوم فلها ثلثا الدية الكبرى إذا خرجت من الجهة الثانية، وإن وصلت جوف الحلقوم ولم تنفذ من الجهة الثانية فلها ثلث الدية الكبرى؛ لأن لها حكم الجائفة، وهل تعطى النافذة الثلث إن لم تلتئم أم مطلقا؟ وهو الصحيح، ولكل نافذة في إحدى ورقات الأنف ثلث الثلث ولجميعها الثلث
1 - راجع قاموس الشريعة ج 85 م وبيان الشرع ج 67 ص 79 والجلاء 165 - 170 وابن جعفر ق 3 م ص 21 و 49 م 2 والمسألة السابعة عشرة من هذا الفصل. وقد سبق القول أن ذلك على رأي من نظر إلى كونها في عضو متعدد، أما على رأي من يرى أنها صدق عليها اسم نافذة، ولم يرد تفصيل في ذلك عن الشارع، فلها أرش نافذة تامة، فليتأمل.
422 (1/422)
صفحة 423
المسألة الثانية في المأمومة
اختلف أهل العلم أيضا في المأمومة هل تعطى حكم المأمومة إذا خرجت من اللحم والعظم إلى الخواء الذي بين ذلك والدماغ أم لا تعطى إلا لوصولها القشرة الكائن فيها الدماغ وهي صفاق رقيق لو انثقب ذلك لما عاش غالبا، وذلك بأن تتصل بالقشرة ولو لم تخدشها.
والذي يفهم من الإمامين الثميني والقطب في النيل وشرحه والعلامة السيابي في الجلاء ترجيح الثاني، وتسمى الدامغة بالغين المعجمة وذلك لبلوغها الدماغ ولها
ثلث الدية.
وذلك ما لم يمت منها أو تتولد مضرة أخرى فإن مات فالدية كاملة، وإن تولد شيء من الأمراض بسبها فلكل شيء ديته، وكذا إن ذهب عليه شيء من المنافع كالعقل ونحوه وتسمى أيضا اللامة والناقبة والأمة.
وذكر صاحب القاموس وشارح النيل عن أبي عبد الله محمد بن محبوب أنه يرى في الإنسان إذا ضرب في ساقه أو فخذه فبلغت الجراحة إلى مخ العظم بأنها بمنزلة المأمومة في الرأس لها ثلث الدية.
ولم أجده لغيره إذ لا يصدق على المأمومة إلا في الرأس، وأما في بقية العظام من غيرہ فہاشمة ومنقلة، إلا ما أورده صاحب القاموس أيضا عن أبي سعيد بأنَّ في العظم الأجوف إذا وصل الجرح جوف العظم، جائفة، والمقدار فيهما واحد؛ إذ لكل من المأمومة والجائفة ثلث الدية، فليتأمل، وذكره عنه أيضا صاحب بيان
1 - انظر: النيل وشرحه 16/ 15 فما بعدها والجلاء 74 - 77.
423 (1/423)
صفحة 424
الشرع، ولكن لم يجزم به أبو سعيد حسبما روي عنه إذ جاء في جوابه بلفظ "فاحسب" وبلفظ " فإذا صح ذلك.
وبناء على هذا فإنَّ المفهوم من كلامهما بأنهما يريا في العظم الأجوف إذا وصلت الجراحةُ إلى جوفه - وهو محل النخاع - ثلث الدية، من غير تقييد بعظم دون آخر، وهو ما يؤيد القول بأنَّ النافذة والجائفة لها ثلث الدية أينما وجدت
فلينظر فيه ولا يؤخذ منه إلا الحق.
1 - انظر: قاموس الشريعة ج 85 م وبيان الشرع ج 30/ 67 والنيل وشرحه 110/ 15.
424 (1/424)
صفحة 425
المسألة الثالثة في الموضحة
اختلف أهل العلم في الموضحة هل تختص بالرأس والوجه؟ أم في كل عضو فيه
عظم في أي جهة من البدن وهو الصحيح.
وحكى القرطبي الإجماع على الأول ولكن حكايته للإجماع منتقضة بوجوه. الأول: عدم ثبوت الاجماع المزعوم فهو دعوى بغير دليل ومدعيه محتاج إلى دليل على ثبوته ولا دليل في ذلك حسبما علمت.
الثاني: أنَّ الخلاف موجود في ذلك، ولوكان ثَمَّةَ إجماعٌ لم يختلفوا، بل ليس لهم
أن يختلفوا مع وجود الاجماع كما هو معلوم من أحكام الاجماع، فلا إجماع.
الثالث: عموم حديث الديات فإنَّ فيه: "وفي الموضحة خمس من الإبل". من غير تخصيص بعضو دون عضو، ولم يرد ما يخصصه، من سنة أو إجماع - على رأي من يبيح تخصيص السنة بالإجماع وما دام المخصص غير وارد فيه، فالعمل على عموم الحديث.
الرابع: أنه قد جرى العمل على ذلك، أي: على عموم الموضحة في كل عضو فيه عظم، والعمل حجة إن استمر عليه أهل العلم العالمون المهتدون الذين تقوم بهم الحجة، بدليل قوله تعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ النساء.
وروي عن عمر له أنه قال: " تقدر الموضحة بالإبهام فما زاد على ذلك أخذ
1 - راجع الجلاء 75 ط 1 والقرطبي 204/ 6 - 205 وشرح النيل 17/ 15 ونصب الراية 374/ 4.
425 (1/425)
صفحة 426
بحسابه ما زاد
المسألة الرابعة في اللسان
اختلف أهل العلم في جراحة اللسان هل أوله دام فباضع فملحم فنافذ أم أوله ملحم فنافذ ولا دام ولا باضع، وهل حكم جروحه كمقدم الرأس أم كالوجه خلاف أيضا والراجح أنه كالوجه، أما جروح داخل الفم من غير اللسان فكجروح الجسد وكذا داخل الأنف وداخل العين وداخل الجفن.
وإن ذهب منه الكلام ففيه الدية التامة، وإن ذهب بعضه وهو يستفيد من باقي الحروف فائدة تامة، فله بقدر الذاهب من الحروف، إن لم يعطله الذاهب عن مصالحه، أما إن عطّله. عن مصالحه فالدية تامة، إذ لا ضرر ولا ضرار في الإسلام"" وقد تسبب الجاني في ذلك، وأوقعه فيما هو بريء منه لولا الجناية،
فيتحمل المتسبب تبعة ذلك.
1 - رواه عبد الرزاق في جامعه راجع كنز العمال ج 15/ 120 ح 40354. وانظر السيوطي جامع
" h
الأحاديث " مسند عمر به
2 - النيل وشرحه ج 58/ 15 وابن جعفر ق 3 م 1 ص 38 و 42 أو م " 2 ص 19 والجلاء 183 - 184. - تقدم في المسألة الحادية عشرة من الفصل الأول من هذا الكتاب انظر المسألة الحادية عشرة في القصاص من اللطمة والضربة بالعصا وانظر: الجزء الرابع من كتاب "أثر القواعد الفقهية في التطبيق" للباحث الفقير إلى رضاء به الغفور. القدير فقد جاء في عدة مواطن.
426 (1/426)
صفحة 427
المسألة الخامسة في الشفتين
اختلف أهل العلم هل الشفتان كالوجه فتعطيان حكمه في الجروح؟ أم كسائر الجسد؟ فقيل هما كالوجه مطلقا، وقيل: كالفم، وجروح الفم كسائر الجسد كما تقدم وقيل ما أحمر منهما يعد من الوجه، وما بطن من الفم، والصحيح أنهما كالوجه مطلقا ويقيّد ذلك العلامة ابن جعفر بأن تكون الجراحة بدأت من الخارج أما إن بدأت من الداخل فكسائر الجسد.
وهل للعليا الثلثان لأنها تملك الكلام وشينها أقبح من السفلى أم العكس أم لكل واحدة نصف الدية من غير تفاضل بينهما؟ وهو الصحيح، لثبوت الدية لهما من الشارع بدون تفصيل وفي شعر الشفة نصف ديتها: وقيل: سوم عدلين ونافذتها ثلث ديتها وهي دام فباضع فملحم فنافذ.
وأخرج عبد الرزاق عن بن جريج عن عمرو بن شعيب قال قضى أبو بكر في الجائفة التي تكون في الجوف فتكون نافذة بثلثي الدية وقال هما جائفتان
6
وأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج عن داود بن أبي عاصم، قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: قضى أبو بكر في الجائفة إذا نفذت الخصيتين في الجوف من كل الشقين، بثلثي الدية""
1 - الجلاء 66 وابن جعفر ص 42 م 1 أو ص 18 و 19 م 2.
2 - مصنف عبد الرزاق (3709 17628 كتاب العقول: باب الجائفة. - أخرجه عبد الرزاق 3709، كتاب العقول باب الجائفة، حديث 17629.
427 (1/427)
صفحة 428
ورواه هو وابن أبي شيبة من طريق عمرو بن شعيب، عن سعيد عن أبي بكر نحوه ورواه الطبراني في "مسند الشاميين" من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبيه وعن مكحول؛ كلاهما عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص؛ أنَّ أبا بكر، قضى .. فذكره.
بكر رضي
الله
1 - أخرجه عبد الرزاق 369/ 9، كتاب العقول: باب الجائفة، حديث 17623، وأخرجه ابن أبي شيبة 362/ 5، كتاب الديات باب الشفتان ما فيهما، حديث 26919، من طريق عمرو بن شعيب قال: قضى أبو بكر في الشفتين بالدية مائة من الإبل". وانظر: التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير 83/ 4. رواه سعيد بن المسيب أن رجلاً رمى آخر بسهم فنفذ إلى الجانب الآخر، فقضى أبو عنه في ذلك بثلثي الدية، ولم يخالفه أحد من الصحابة في ذلك فصار إجماعاً، وما روى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قضى في الجائفة إذا نفذت إلى الجانب الآخر بأرش جائفتين؛ لأن الجائفة النافذة إلى الجانب الآخر ليست إلا جائفتين، كما لو كانت بضربتين، والعبرة بوصول الجرح إلى الجوف لا بكيفية إيصاله، ولا أثر لصورة الفعل التساوي في المعنى. أما ما عدا الجائفة من جراح البدن فليس فيها تقدير للأرش، فتجب فيها جميعاً الحكومة، وهي الأرش غير المقدر وانظر: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للهروي (6/ 2285) ونصب الراية لأحاديث الهداية مع حاشيته بغية الألمعي في تخريج الزيلعي (376/ 4)
مع
428 (1/428)
صفحة 429
المسألة السادسة في الكلام على ما دون الدامية
كثر الاختلاف بين الفقهاء في أحكام الجراح في الجسد ومذهب أكثر أصحابنا من أهل المشرق عدم اعتبار القياس فيما دون الدامية بل قالوا للضربة الواحدة في الوجه عشرون درهما إن أثرت سدس بعير. وإن لم تؤثر فعشرة دراهم نصف سدس بعير وما عدا الوجه فالحكم في جميع الجسد واحد مقدم الرأس ومؤخره وسائر الجسد إن أثرت فعشرة دراهم وإن لم تؤثر فخمسة دراهم كان الأثر صغيرا أو كبيرا.
أما المغاربة من أصحابنا فإنهم يرون بأنَّ الآثار فيما دون الدامية مقومة بأقدار معلومة ومقيسة بالراجبة كبقية الجروح، ولها عندهم ثلاث مراتب صفراء وحمراء وسوداء، فقالوا للصفراء نصف ثُمن بعير، وللحمراء ثمنه، وللسوداء ربعه، وذلك إذا أتمت عندهم راجبة تامة طولا وعرضا وممن يرى هذا الرأي من المشارقة إمام المسلمين محمد بن عبدالله الخليلي له فعنده تقاس كغيرها وتكون مراتبها كما جاء عن المغاربة هذا ما يظهر من كلامه في قوله: " .. وهذا هو الأقرب من جهة النظر " وذلك بعد ذكره لرأي المغاربة، وقد أفتى به من سأله في ذلك.
1 - الفتح الجليل ص 701 - 702 راجع أيضا الجلاء 54 - 55 ط المطبعة العمومية دمشق 1383 هـ.
429 (1/429)
صفحة 430
المسألة السابعة في عمل الحاكم عند وصول المجروح إليه
إذا وصل المجروح إلى الحاكم ونظر إلى جرحه قاسه بخيط أو قرطاسة أو غير ذلك مما يمكن القياس به، أو بآلة المقاييس العصرية الآن وهي الأضبط، فيعرف طوله وعرضه وعمقه، فإذا عرف ذلك اعتبره على قياس الراجبة ثم يثبته بكتابة ويختمه إن أمكن، لئلا ينساه أو يحدث فيه تجاهل واختلاف بين أطراف النزاع. وله أن يأمر من يقيس عنه؛ إذا كان يحسن ذلك، وأن يُصدِّقَهُ إِنْ وثق به؛ إذا جعله لذلك، وكذلك المرأة فيما لا ينظره الرجال.
ويقاس الجرح برفق ولا يسد ولا يفتح ولا يغسل بما يضمه أو يفتحه قبل القياس، وإن كان في موضع أعمق وفي آخر أظهر واختلف ذلك فالقصاص لا يكون إلا مثلا
بمثل، وأما الدية فعلى أكبر الجرح وأعمقه بحسب الطول والعرض والعمق. فلو كان داميا وأوضح منه قدر ثقب الإبرة فهو موضح، وكذا إن هشم أو نقل أو أنفذ، فكذلك، أي يحسب حسب أعلاه لا أدونَه.
وقد تقدم أنَّ الهاشمة والمنقلة والمأمومة والجائفة والنافذة لا يحتجن إلى قياس كَبُرَ الجرح أم صغر، ولو كثقب إبرة - مع ذكر الخلاف - وأن الراجح عدم القياس.
وفائدة الخلاف في هذا الحكم عند معتبري القياس في الهاشمة والمنقلة والمأمومة والجائفة والنافذة؛ أنَّ ما زاد على راجبة الإبهام يحسب له من الأرش بقدر الزيادة، في الكل وما نقص فبحسابه.
وعند القائلين بعدم القياس في الهاشمة والمنقلة والمأمومة والجائفة والنافذة، لا
430 (1/430)
صفحة 431
6
يرون زيادةَ أرش على عشر الدية في الهاشمة، وعشرها ونصفه في المنقلة، كما لا يرون زيادة على الثلث في المأمومة والجائفة والنافذة ولو كبر الجرح، كما لا يرون إنقاص الأرش عن ثلث الدية ولو كثقب إبرة، أخذا من عموم حديث الديات وعدم وجود التخصيص فيه هذا من جهة.
ومن أخرى نظروا إلى خطورتها من جسم المصاب فهي أشد خطرا من سائر الجراح؛ أي من الدامية إلى الموضحة.
فهنا يستفيد المجنى عليه عند صغر الجرح بعدم إنقاصه عن الثلث، ولكنهم لم يعتبروا ذلك في الزيادة
أما القائلون بالقياس فالمجني عليه يتضرر في النقصان ويستفيد في الزيادة، ولكل منهم نظر، إذ لم يقولوا ذلك إلا بعد اجتهاد وتدبر.
والقول بالقياس براجبة الإبهام في الجروح مروي عن عمر بن الخطاب له في جراح الموضحة كما تقدم هنالك، ويدل عليه ما روي عنه أنه قال: "تقاس الجراحات .. " وقد تقدم "
1 - انظر: النيل وشرحه 23/ 15 وجلاء العمى 70 - 71 والفتح الجليل 702 - 721 و 730 - 731 والعقد الثمين للسالمي 426/ 4 والجامع لابن جعفر ق 3 ص 84 م.
2 - تقدم في المسألة العشرين من الفصل الأول بعنوان لا قصاص إلا بعد برء، وانظر: المسألة العاشرة في صفة القياس من هذا الفصل، إذ تم بيانُ القياس بالمقاييس العصرية هنالك، والأصل أن الذي يتولى القياس الحاكم، وقد تعذر الآن هذا الأمر، لأن المصاب أولا يسعف إلى المستشفى لغرض إنقاذ حياته، فلا بد من وضع خطة توضّح ذلك للأطباء؛ لأنهم المعنيون الآن بذلك، والمبتلون بتلقي المصابين أول مرة في المستشفيات العامة والخاصة.
431 (1/431)
صفحة 432
المسألة الثامنة المقادير المالية في الجروح تستحق بتمام القياس
كل ما ذكر وما سيأتي من حساب الأروش في الجروح المستحقة للقياس إنما يستحق الجرح تلك القيمة المالية المذكورة إذا كان راجبة تامة طولا وعرضا
براجبة الإبهام، وهل هي إبهام الحاكم أو المضروب أو أوسط الناس اختير الأول، وما نقص أو زاد فكل شيء بحسابه من الزيادة والنقصان في القياس بالنقط، وتقدر الآن بالمقاييس العصرية على قدرها، كما سيأتي إن شاء الله في المسألة العاشرة في صفة القياس
وجراحات الوجه تعطى ضعف مقدم الرأس، وأما مؤخر الرأس وسائر الجسد فنصف مقدم الرأس، وهذا كله واعتبار القياس أيضا حسبما هو معمول به عند أصحابنا وهو المأثور عن أهل العلم منهم، أما سائر المذاهب فلا يعتبرون ذلك إلا المفاضلة فقد جاء عن بعضهم جعل الجسد نصف الوجه ومقدم الرأس.
واستثنى الأصحاب من الجسد فقار الظهر ومحار الصدر" والفروج فيجعلونها كمقدم الرأس في حكم الأروش، كما استثنوا العضد والفخذ والساق إذا كسرت عظامها وخرج مخها فأعطوها نصف مأمومة ستة عشر بعيرا وثلثين، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وإذا أشكل عليك عرض الإبهام فإنك تدير عليها خيطا من
1 - ورجح العلامة محمد بن شامس البطاشي إبهام المضروب. 2 - المراجع السابقة والقرطبي الجامع لأحكام القرآن ج 6 ص 204 - 206.
- راجع التمهيد 94/ 13 والجلاء 175، وجواب الإمام الخليلي آخر الكتاب والمراجع السابقة في
المسألة قبلها.
432 (1/432)
صفحة 433
الوسط حتى يلتقي طرفاه من غير شدّ أو رخاوة ثم تقسمه نصفين فنصفه هو عرض الإبهام.
وقياس الراجبة من ظهر الإبهام لا من بطنها ويكون من أول المفصل إلى طرف الإصبع، وإن كان الظفر نائفا: أي: خارجا عن طرف الابهام فاقطعه، حتى لا يشكل
عليك، وقيل: القياس من بطن الإبهام، ونسب إلى موسى بن علي رحمه الله.
وبالمقاييس العصرية الراجبة بوصة واحدة وخُمُس بوصة، مضروبة في مثلها وبالسنتي ثلاثة سنتي مضروبة في مثلها، كما ستجده في المسألة العاشرة بإذن الله
تعالى.
1 - راجع المسألة الثالثة عشرة من هذا الفصل.
433 (1/433)
صفحة 434
المسألة التاسعة في بيان معرفة الجرح بعد البرء
تقدم أن الجروح تقاس كلها جديدة قبل إحداث شيء فيها من توسيع أو تعميق
بدواء أو غيره فإن قيست بعد تضييق معلوم اتُّبع الجارح بما نقص عند الله.
و بکو
وتقاس أيضا بعد برء وتجسم وذلك من الدامية الكبرى فما فوقها أما ما دون الدامية فلا تقاس إلا جديدة - عند من يرى القياس - وغيرها يقاس جديدا وبعد برء ويُميّز بعلامات بعد البرء إلا الجائفة، والنافذة فعلامة الموضحة بعد البرء التصاق لحمة الجرح بالعظم بلا تحرك عُقَد والسمحاق بتحرك اللحم وعدم الالتصاق ولا عُقد فيه.
وتتشابه متلاحمة بالباضع وقيل بالسمحاق؛ وذلك لأنها بينهما ويُعطى المجروح بالأذون أي: بالباضع لا بالسمحاق؛ إذا تشابهت بالباضع، ولا عُقد في الدامية الكبرى وإن بقي أثرها بينا.
أمَّا الجائفة والنافذة والمأمومة فلا يتوصل إلى معرفتهن بعد البرء؛ إن لم يعرفن أولا، ويعطى المجروحُ بما بَانَ وعُلِمَ بحسب نظر الحاكم، ولا يلزمه إخبار المجروح إلا إن بانَ له قِصَرٌ في نظره، كما لم يتوصل لمعرفة الهاشمة والمنقلة
- راجع شرح النيل 22/ 15 - 23 والجلاء 47 ط الأولى.
434 (1/434)
صفحة 435
المسألة العاشرة في صفة القياس وضرب بعض أمثلة على ذلك تقدم لك مما سبق أنَّ الجروح المستحقة للقياس تستحق ما وصف لها من الدية إذا أتمت راجبة تامة براجبة، الإبهام، فإن زاد أو نقص فبحسابه.
فإذا علمت ذلك فاعلم أنَّ راجبة الإبهام طولها اثنتا عشرة نقطة وعرضها كذلك وبضرب طولها في عرضها اثنتي عشرة نقطة في اثنتي عشرة نقطة تصير مائة) ة وأربع وأربعين نقطة، وهذه هي الراجية التامة. أو تقول هذا هو القياس التام، وما زدا فبقدره يزداد الأرش، وما نقص فبقدر الناقص ينقص الأرش، واليك توضيحه. إذا أردت بيان ذلك فضع قرطاسة أو شبهها على طول الراجبة وعرضها وتنقط الطول اثنتي عشرة نقطة متساوية وبين كل نقطتين قدر نقطة على التساوي في النقط وما بينها، وتنقط العرض كذلك، ثم تقيس الطول في الطول والعرض في
العرض.
ذلك لأن إبهام الناس تختلف فمنهم من إبهامه متساوية في الطول والعرض، ومنهم من يكون طولها أطول وبالعكس، فإذا قست الجرح كما وصفت لك فاضرب الطول في العرض وبه يتبين لك حق الجرح.
مائة
فإن كان الجرح راجبة تامة طولا وعرضا فبضرب طوله في عرضه يصير. وأربعا وأربعين نقطة، ولكل نقطة ربع سدس السدس من الراجبة؛ لأن سدسها أربع وعشرون، وسدس سدسها أربع نقط، وربع سدسها نقطة واحدة.
وعلى هذا يكون الحساب زاد أو نقص فإن كان الجرح دام فله في مقدم الرأس بعير واحد من مائة بعير، لأن الدية التامة مائة من الابل، أي: مائة بعير- وضعفه
435 (1/435)
صفحة 436
إن كان باضعا، وثلاثة أبعرة إن كان ملحما، وأربعة أبعرة في السمحاق، وخمسة أبعرة في الموضح.
وكذا إن كان في فقار الظهر ومحار الصدر والفروج، وإن كان في الوجه فله ضعف ما لمقدم الرأس، وإن كان في سائر الجسد أو مؤخر الرأس فنصف مقدم الرأس، وذلك حسبما هو معمول به في أثر أصحابنا رحمهم الله تعالى.
وحسب قيمة الدية الكبرى في وقتنا هذا في عمان بالصرف الحالي العملة القرطاسية الريال العماني خمسة آلاف ريال عماني فيصير لكل بعير خمسون ريالا عمانيا ولكل نقطة من الراجبة ثلاثمائة وسبع وأربعون بيسة وخمس بيسة
تقريبا.
وبالمقاييس العصرية الراجبة بوصة واحدة مضروبة في مثلها وخمس بوصة أيضا، والبوصة جزء من اثني عشر جزءا من القدم وهو "الفوت" باللغة الأجنبية والقدم ثلاثون سنتيا اثنا عشر إنشا، ومساحة الإنش والبوصة واحدة؛ سنتيان ونصف، تصير الراجبة التامة ثلاثة سنتيات مضروبة في مثلها، ثلاثة في ثلاثة بتسعة، والسنتي عشرة مليات فتكون بالملي ثلاثين مليا طولا وثلاثين عرضا وبضرب الطول في العرض (30) 30 900 تصير تسعمائة ملي وما زاد فبحسابه
وما نقص فكذلك.
X
1 - وبرفع الدية إلى خمسة عشر الفا يتضاعف هذا الحساب الى ثلاثة أضعافه، إذ يصير البعير الواحد بتقسيم 15000: 100 = 150، مائة وخمسين ريالا عمانيا وهكذا ... " وعلى كل حال فهذا
تقويم مجحف جدا بالمضرور فالواجب إعادة النظر فيه.
436 (1/436)
صفحة 437
يصير
فمثال الزايد جرح طوله أربع عشرة نقطة وعرضه كذلك فبضرب طوله في عرضه مائة وستا وتسعين نقطة راجبة وثلثها وسدس سدسها فالراجبة مائة وأربع وأربعون وثلثها ثمان وأربعون وسدس سدسها أربع وبالملي يصير ألفا ومائتين وخمسة وعشرين فالراجبة تسعمائة وثلثها ثلاثمائة وسدس سدسها خمسة وعشرون حاصلة من ضرب خمسة وثلاثين في مثلها وبالسنتي اثنا عشر وربع حاصلة من ضرب ثلاثة ونصف في مثلها.
جرح طوله أربع عشرة نقطة، وعرضه اثنتا عشرة، يصير مائة وثمانيا وستين نقطة، راجبة وسدسها، وبالملي يصير ألفا وخمسين مليا؛ حاصلة من ضرب خمسة وثلاثين في ثلاثين 35 × 30 = 1050، وبالسنتي عشرة ونصف، حاصلة من ضرب ثلاثة ونصف في ثلاثة
جرح طوله ثلاث عشرة نقطة وعرضه كذلك يصير مائة وتسعا وستين نقطة راجبة وسدسها وسدس ربع سدسها فالراجبة مائة وأربع وأربعون وسدسها أربع وعشرون وربعه ست وسدس ربعه واحدة، وبالملي ألف وستة وخمسون وخمسة وعشرون من الألف أي ربعُ عُشر ملي حاصلة من ضرب اثنين وثلاثين ونصف في مثلها، وبالسنتي عشرة وستة وخمسون من المأئة تقريبا (1056) حاصلة من ضرب ثلاثة وربع في مثلها.
يصير
جرح طوله ثلاث عشرة نقطة وعرضه اثنتا عشرة نقطة فبضرب طوله في عرضه مائة وستا وخمسين نقطة وذلك راجبة ونصف سدسها، وبالملي تسعمائة وخمسة وسبعون مليا حاصلة من ضرب اثنين وثلاثين ونصف في ثلاثين وبالسنتي عشرة إلا ربعا حاصلة من ضرب ثلاثة وربع في ثلاثة
437 (1/437)
صفحة 438
ومثال الناقص جرح طوله عشر نقاط وعرضه تسع فبضرب طوله في عرضه يصير تسعين نقطة وذلك نصف راجبة وثمنها، فالنصف اثنتان وسبعون وثمنها ثمان عشرة فتلك تسعون وبالملي خمسمائة واثنان وستون ونصف، حاصلة من ضرب اثنين وعشرين ونصف، في خمسة وعشرين، وبالسنتي خمسة سنتيات وستمائة وخمسة وعشرون من الألف (5625)
جرح طوله تسع وعرضه ثمان فبضرب طوله في عرضه يصير اثنتين وسبعين نصف راجبة وبالملي أربعمائة وخمسون مليا حاصلة من ضرب اثنين وعشرين ونصف في عشرين وبالسنتي أربعة ونصف حاصلة من ضرب اثنين وربعا في اثنين
225 × 2 = 45
جرح طوله ست و عرضه ست فبضرب طوله في عرضه يبلغ ستا وثلاثين نقطة وذلك ربع راجبة وبالملي مائتان وخمسة وعشرون مليا حاصلة من ضرب خمسة عشر في خمسة عشر 15×15 = 225 وبالسنتي سنتيان وربع حاصلة من ضرب واحد ونصف في مثلها 1,5 1,5 - 225 أي 2 وذلك ربع راجبة، لأن الراجبة كما تقدم طولها ثلاثة سنتيات وعرضها كذلك والسنتي عشرة مليات يصير طولها بالملي ثلاثين وعرضها كذلك فبضرب طولها في عرضها يصير المجموع تسعمائة ملي، ونصفها أربعمائة وخمسون، وربعُها مائتان وخمسة وعشرون، وثلها ثلاثمائة وسدسها مائة وخمسون وهكذا.
وهذه المقاييس - بالملي والسنتي - على حسب التقريب فقط، وعلى مقياس إبهام أوسط الناس، وتسهيلا للعمل في هذا الزمان، وإلا فالمعمول به النقط، كما سبق بيانه، والقولُ بقياس الجرح براجبة الإبهام مروي عن أمير المؤمنين عمر بن
438 (1/438)
صفحة 439
الخطاب له كما سبق بيانه في الموضحة، وتدل عليه رواية "تقاس الجراحات" ورواية "يستأنى بالجراحات" كما سبق في محله؛ في المسألة العشرين من الفصل
الأول.
المسألة الحادية عشرة في عدم سقوط أرش الجراحة بالكسر
ثبت في الأحاديث الشريفة أن في الموضحة خمسا من الإبل، وفي الهاشمة عشرا، وفي المنقلة خمسة عشر. وهنا سؤال يفرض نفسه حول ذلك وهو: هل يسقط أرش الموضحة بدية الهاشمة أم لا؟ وذلك إذا اجتمعتا في موضع واحد بضربة واحدة؛ كأن يصاب إنسان بجناية في ساق رجله مثلا، فيضح العظم وينهشم أو ينتقل ففي هذه الحالة هل نعطيه دية الهشم؟ أم نضيف له معها دية الموضحة؟ فالذي يفهم من جواب الإمام الخليلي رحمه الله تعالى في "الفتح الجليل" وجده الإمام الرباني سعيد بن خلفان في "التمهيد " أنه يعطى كل شيء بحسبه ولا تسقط المرتبة الأولى بدية المرتبة التي تليها، وهكذا، وفي المنهج عن الشيخ خميس الشقصي مثل ذلك ومثله في ابن جعفر
2
أمَّا العلامة الجليل محمد بن شامس البطاشي أبقاه الله يرى أنَّ المرتبة الثانية تُسقط ما قبلها، وهذا نص عبارته - في صورة المخطوطة هذه، ذلك لأني أرسلت
1 - راجع النيل وشرحه 300/ 15 وابن جعفر ق 3 المخطوطة ص 85 - 87 وقاموس الشريعة ج 85 م والتمهيد ج 84/ 13 فما بعدها والجلاء ص 73 ط 2 ابتداء من قوله:-
وهاك في مقايس الجروح ما يزيل عنك اللبس فافقه واغتنم.
- راجع الفتح الجليل 726 والتمهيد 85/ 13 و 13/ 99 والمنهج 162/ 11 ط 1 وابن جعفر ق 3
ص 21 مخ. مراجع سابقة.
439 (1/439)
صفحة 440
له صورة منها قبل طبعها فأملى فيها في عدة أماكن بخط يده وأعادها علي جزاه
الله خيرا. "الظاهر أنَّ الضربة إذا كانت واحدة فهشمت العظم فلها أرش الهاشم فقط، وإن كانت منقلة فكذلك، وإلا فقبل الهاشمة الموضحة والمتلاحمة والباضعة فهل
يصح أن تعطى كل جراحة قسطها هذا لا يصح على ما أفهم، والله أعلم."
قلت: وهذا هو الظاهر من أحاديث الدماء حيث جاءت كل مرتبة تلو أخرى بحقها مضاعفة على ما قبلها، منها الحديث المتقدم: "وفي الموضحة خمس من الإبل وفي الهاشمة عشر من الإبل وفي المنقلة خمسة عشر من الإبل وفي المأمومة ثلث الدية وفي الجائفة ثلث الدية".
ومن المعلوم أن هذه الجراحات التي ذكرت في السنة المطهرة قبلها مراتب فلو كان يجب إعطاؤها مفصلة لبينه ل ل ولكن يحتمل ما قاله أصحاب القول الأول فيما إذا لم يكن الجرح بضربة واحدة، بل بتعدد، وذلك كأن يضربه أولا موضحة ثم يرجع إليه ويضربه مرة أخرى في نفس الأولى، هاشمة، فلا شك أن لكل واحدة قسطها من الأرش؛ لأنهما ضربتان مختلفتان كمثل من قطع أصابع يد إنسان فله دية اليد كاملة نصف الدية الكبرى.
فلو قطع منها شيئا بعد ذلك، فله حقه من الأرش أيضا، وذلك بحسب ماله من ثلث دية اليد؛ لأنَّ لما بقي من اليد بعد قطع الأصابع ثلث دية اليد، فليتأمل ذلك
1 - وقد توفي الشيخ العلامة محمد بن شامس قبل أن تتم طباعة هذا الكتاب، وتقدم بيان ذلك في ترجمته ص 281.
440 (1/440)
صفحة 441
جيدا.
وكذا لو قطعها أولا من المرفق أو دونه أو أعلاه مثلا فلها دية اليد كما سبق بيانه
ولما بقي منها ثلث دية اليد، فإن قطع منه شيء فبحسابه وإن قطعها مرة واحدة بضربة واحدة من المنكب فدية اليد فقط.
المسألة الثانية عشرة في الكلام على الجروح وما ثبت بالسنة
قد ورد تحديد دية الجروح المذكورة سابقا من الموضحة فما فوقها في الحديث الشريف الذي بعث به إلى أهل اليمن مع عمرو بن حزم المتقدم ذكره في المسألة الثانية من الفصل الثاني
ولكن لم يرد حسبما علمتُ شيءٌ في تحديد دية الأربعة التي قبل الموضحة وهي: الدامية والباضع والملحم والسمحاق، إلا أنها وردت آثار عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم في ذلك.
فقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه قضى في السمحاق بأربعة أبعرة. وروي عن زيد بن ثابت أنه قال في الدامية بعير، وفي الباضعة بعيران، وفي المتلاحمة ثلاث، وفي السمحاق أربع، وفي الموضحة خمس وفي الهاشمة عشر، وفي المنقلة خمس عشرة، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الرجل يضرب حتى يذهب عقله الدية كاملة، وفي جفن العين ربع الدية، وفي حلمة الثدي ربع الدية.
6
1 - اخرجه الدار قطني في سننه ج 3 ص 201 ح 303، ط 4 أجزاء، وعَبدِ الرَّزَّاق في مصنفه. ج 9 ص 307 ح 17321 وانظر نصب الراية ج 3754، والمسألة السابعة عشرة في الجائفة من هذا الفصل. والملحق الأول من الملاحق من هذا الكتاب أيضا.
441 (1/441)
صفحة 442
وأخرج عبد الرزاق من طريق مكحول عن زيد بن ثابت في "الصعر" إذا لم يلتفت الدية كاملة.
ولعل أصحابنا رحمهم الله تعالى أخذوا بهذا فيما قبل الموضحة - أما من الموضحة فما فوقها فقد ثبت بالأحاديث المرفوعة إلى رسول الله عدا الجفن وحلمة الثدي، أو أنَّ ذلك محض اجتهاد منهم؛ فيما لم يصح فيه نص عن الشارع عندهم، والله أعلم.
أما ما دون الدامية فالظاهر أنَّ ذلك اجتهاد منهم، وبقية المذاهب يرون السوم والحكومة، ومنهم من يرى أجرة الطبيب ومنهم من يرى قياس الجرح فيعطيه بحساب الموضحة إن كان نصفها أو ربعها أو أقل أو أكثر، كما سيتضح لك ذلك بإذن الله عل.
1 - مصنف عبد الرزاق ج 359/ 9 - 17565 وكنز العمال 40393 و "الصَّعَرُ بالعين المهملة" والمعنى أن يصاب الإنسان في رقبته أو ظهره فلا يستطيع أن يلتفت كعادته. والصَّعَر: داء يُصيب الإبل فَيَلوي أعناقها، بحيث لا تستطيع أن تردها إلى الجهة الأخرى وأصل الصعر: الميل في الخد خاصة. وقد صعّر خده وصاعره، أي أماله من الكبر. ومنه قوله تعالى: (وَلَا تُصَعِرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ)
لقمان آية،17، وقال الشاعر (المتلمس): وكنا إذا الجبار صعَّر خده * أقمنا له من درئه فتقوما. انظر: الاشتقاق لابن دريد ص 354 والجوهري: الصحاح تاج اللغة والعين للخليل: مادة: "صعر " والقاموس المحيط للفيروز أبادي فصل الصاد. (صعر)
2 - راجع نصب الراية 374/ 4 - 375 والمحلى 374 والقرطبي 204/ 6 وشروح الفتح 220/ 9 والمنتخب 160/ 6 بهامش مسند أحمد ومصنف أبن أبي شيبة 352/ 5 والمسألة 26 من الفصل الثاني في الكلام على أجرة الطبيب.
442 (1/442)
صفحة 443
المسألة الثالثة عشرة في الكلام على المفاضلة في الجروح بين الوجه ومقدم الرأس ومؤخره مع سائر الجسد
إعلم أنه: كما لم يرد تحديد من الشارع فيما دون الموضحة، فكذلك لم يرد أيضا حسبما علمتُ؛ في بيان التفاضل بين الوجه ومقدم الرأس ومؤخره مع سائر الجسد، كما حدده أصحابنا رحمهم الله تعالى.
ذلك لأنَّ الأحاديث الثابتة عن رسول الله له لم تخصص موضعا دون آخر، بل ورد فيها: " .. وفي الموضحة خمس من الإبل، وفي الهاشمة عشر، وفي المنقلة خمسة عشر .. " الخ الحديث من غير تفصيل بين وجه وغيره.
والظاهر والعلم عند الله تعالى؛ أنَّ ما قال به الأصحابُ من التفاضل في ذلك هو اجتهاد منهم، كما أنهم استثنوا فقارَ الظهر ومحار الصدر والفروج من سائر الجسد، فألحقوها بمقدم الرأس، وكل ذلك نظر منهم رضي ا الله عنهم وأرضاهم. وقد سئل عن ذلك العلامة الإمام نور الدين السالمي فأجاب: " .. وأما اختلاف الأروش في المواضع فأحسب أنه قيل: إنَّ الموضحة التي حكم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم
كانت في مقدم الرأس (1) ورأى العلماء أنَّ جرح الوجه يزيد بالضعف على مقدم
1 - لعله يشير إلى الشجة التي شجها أبو الجهم رجلا يوم حنين فقضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس فرائض. ينظر كتاب الديات لابن أبي عاصم مرجع سابق ح 155 - 157. وفي أخرى أنه شج رجلا منقلة فقضى فيها رسول الله بخمس عشرة فريضة. كما في المرجع السابق ح 158 وعند أبي داؤد وابن ماجة والنسائي أنه بعث أبا جهم مصدقا. أي جابيا للزكاة، ولعل الواقعة تكررت. وانظر سنن ابي
443 (1/443)
صفحة 444
الرأس؛ لأنَّه أكرمُ عضو في الإنسان، وشينه أشدُّ قبحا من شين سائر الأعضاء، فضاعفوا الأرش فيه، ورأوا أنَّ مؤخَّر الرأس وسائر الجسد دون المقدم فأعطوه نصفه، ورأوا أنَّ محار الصدر وفقار الظهر أشدُّ عضوا من سائر الجسد، فألحقوها بمقدم الرأس، هذا ما يظهر لي في مأخذهم ..
وروي عن مكحول قال: إذا اختلف من جلدة الرأس والوجه مثل الدرهم ففيه ثلاثة أبعرة وإن اختلف من الجسد فبعير ونصف.
وذكر الشوكاني في نيل الأوطار عن الهادوية التفصيل بين الوجه والرأس وسائر الجسد فكأنهم يرون في الوجه والرأس ما ورد ذكره في الحديث وأن سائر الجسد على النصف من ذلك.
وذكر القرطبي الخلاف عن أهل العلم في تفضيل موضحة الوجه على موضحة الرأس قال: واختلفوا في تفضيل موضحة الوجه على موضحة الرأس فروي عن أبي بكر وعمر أنهما سواء، وقال بقولهما جماعة من التابعين، وبه يقول الشافعي وإسحاق.
داود ح 4534 باب العامل يصاب على يديه، وابن ماجه باب الجارح يفتدي ح 2638 والنسائي القسامة ح 4782، والمسألة الخامسة عشرة من هذا الفصل، تجد الحديث بكامله إن شاء الله. 1 - نور الدين السالمي العقد الثمين 432/ 4 وبعد أن كتبت هذا اطلعت على جواب خطي للإمام الخليلي محمد بن عبد الله رحمه الله أجاب به الشيخ إبراهيم العبري بأن التفضيل في مواضع الجروح
عن اجتهاد من العلماء وسيأتي بكامله في نهاية الفصل الثالث إن شاء الله تعالى.
2 - المحلى ج 11 ص 89 3 الشوكاني نيل الأوطار ج 61/ 7.
-3 - الشوكاني نيل الأوطار ج 61/ 7
444 (1/444)
صفحة 445
وروي عن سعيد بن المسيب تضعيفُ موضحة الوجه على موضحة الرأس، وقال: أحمد موضحة الوجه أحرى أن يزاد فيها ... وقد اختلفوا في الموضحة في غير الرأس والوجه فقال أشهب وابن القاسم ليس في موضحة الجسد ومنقلته ومأمومته إلا الاجتهاد، وليس فيها أرش معلوم، قال ابن المنذر: هذا قول مالك، والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، وبه نقول، وروي عن عطاء الخراساني أنَّ الموضحة إذا كانت في جسد الإنسان فيها خمسة وعشرون دينارا."
1 - راجع القرطبي 204/ 6 - 205 وشروح فتح القدير 220/ 9 ومصنف ابن أبي شيبة 353/ 5 354 وابن جعفر ق 3 ص 24 م والمسألة الخامسة عشرة من هذا الفصل.
445 (1/445)
صفحة 446
المسألة الرابعة عشرة في دية الصدع والفك والانخلاع
يرى أهل العلم أنَّ لصدع العظم وهو الشق في طول العظم أربعة أخماس دية الكسر، وللفك وهو استرخاء المفصل وضعفه خمس ونصف وللخلع وهو تحول المفصل عن موضعه الخمس وقيل السوم؛ ما لم يفسد العضو، فإن فسد فديته تامة، دية العضو الفاسد.
وقيل لكل واحد من الفك أو الخلع أو الصدع ثلث دية ذلك العضو؛ ما لم تبلغ الجراحة لفساد فإن فسد فديته تامة؛ كاليد مثلا لها نصف دية الإنسان خمسون بعيرا أو خمسمائة دينار ذهبا، وهكذا من بقية الأجناس المالية في الديات، وللمرأة نصف الرجل، وقيل السوم في ذلك كله.
وروي عن مكحول أنه قال: في الصدع في العضد إذا انجبر ثمانية أبعرة. وروي عن أبي المؤثر أنَّ للانصداع دية الهاشمة، ويطرح منها دية الموضحة إذا لم يكن هنالك جرح غير الانصداع، إلا الوجه فلا يطرح من الهاشمة شيء، وأمَّا الفك والانخلاع فسوم عدلين ثقتين بصيرين بدية الجروح وكسر العظام.
وقيل في الجميع السوم. وقد اختلف فيه، فقيل: خُمُسُ دية ذلك العضو، وقيل: ثلُثُ ديته، وقيل: على نظر العدلين يُقَدِران ما رأيا في ذلك.
1 - راجع المعجم الوسيط 250/ 1 و 510 و 6982، والمنهج 158/ 11 والنيل وشرحه 90/ 15 - 91 والجلاء 179 والبسيوي 320 - 321 والمصنف 224/ 41 و 262 وابن جعفر 45 وقاموس الشريعة ج 67 م واللباب 164/ 14 وبيان الشرع ج 279/ 66 ط التراث. والمحلى بالآثار ج 11 ص 90. وانظر
المسألة التالية.
446 (1/446)
صفحة 447
ولكل قرحة لا تبرأ تولدت بنحو الضرب ثلث دية كسر ذلك العضو الذي هي فيه.
والله أعلم.
المسألة الخامسة عشرة في الكلام على التفصيل في الكسر
فَصَّلَ أصحابنا رحمهم الله تعالى ورضي الله عنهم في دية الكسر بعد الجبر فقالوا: إن جبر العظم على شين فله أربعة أبعرة وإن جبر على غير شين فله بعيران. بينما الحديث المتقدم ذكره في تحديد الديات يصرح بأنَّ للهاشمة عشرا من الإبل وللمنقلة خمسة عشر من الإبل من غير تفصيل، فهل اعتمدوا في ذلك على شيء من السنة لم نطلع عليه؟ أم أنَّ ذلك محض اجتهاد منهم؟ فالعلم عند الله تعالى. وعلى كل حال لا يسعنا إلا الثناء عليهم والاعترافُ لهم بالفضل فجزاهم الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء، وأجزل لهم المثوبة والعطاء.
حتى أنهم بالغوا في ذلك فأعطوا جنب الإنسان الواحد الاثني عشر ضلعا دية كسر عظم واحد، وكل ضلع نصيبه من أرش ذلك الكسر، فقالوا: إن كسر الجنب كله فجبر على شين فله أربعة أبعرة، وإن جبر على غير شين فله بعيران، وعلى هذا فيصير للضلع الواحد ثلث بعير، إن جبر على شين، وسدس بعير إن جبر على غير شين. 2
قلت: وفي هذا نظر؛ فالشارع لم يفصل في الجروح كما لم يفصل في غيرها والحكم
1 - شرح النيل ج 15 ص 108 فما بعدها.
2 - انظر: الجلاء 179 - 180 والنيل وشرحه ج 88/ 15 - 89 والمصنف ج 284/ 41 ومختصر
البسيوي 320 والمنهج 175/ 11.
447 (1/447)
صفحة 448
عام في كل جرح ما لم يثبت ما يخصصه أو يقيده.
أما الجروح في الضلوع فهي جروح جنب ولو كانت على ضلع واحد ..
وقد روي عن عمر بن الخطاب له أنه قضى في الكسر إذا انجبر ببعيرين، وروي عنه أنه قضى في الضلع ببعير.
وعن بشر بن عاصم " أنَّ عمر بن الخطاب قال: في الذراع إذا كسر مائتا
درهم.
عنه
وروى عن رجل عن عمر له أنه قال إذا كسرت الساق أو الذراع ففيها عشرون دينارا أو حقتان، يعنى إذا برئت على غير عثم.
وروي عن عمر الله أنه قضى في ساق رَجُل كُسِر بثمان من الإبل.
قال البيهقي واختلاف هذه الروايات يدل على أنه قضى فيه بحكومة بلغت هذا
المقدار
4
وروي عن عبد الملك بن مروان كذلك، فإن كان فيها صوت فبعيران، إلا أنه لا
1 - انظر: ابن جعفر ص 30 والمراجع السابقة أيضا.
2 - السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي (8/ 99)
3 - هو بشر بن عاصم بن سفيان بن عبد الله بن ربيعة، الثقفي الحجازي وكان جده سفيان عامل عمر بن الخطاب له على صدقات هوازن روى عن أبيه، وسعيد بن المسيب، وعنه ابن جريج، ونافع بن عمر الجمحي، وابن عيينة وغيرهم. مات سنة 124 هـ
4 - السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي ج 8/ 99 ح 16113 ومسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ج 7/ 3548.
448 (1/448)
صفحة 449
حجة في فعله مالم يسنده دليل صحيح؛ وذلك لشهرته بالجور.
وروي عن قتادة أنه قضى في الضلع بعشرين دينارا إذا جبرت فإن كان فيها عثم فأربعون دينارا، كما روي عنه أيضا في كسر اليد أو الرجل أو العضد أو الفخذ أو الساق مثل ذلك، وكذا في الترقوة إن جبرت.
وروي عن مكحول في الرَّجُل إذا كسر أحد زنديه ثم انجبر ففيه عشرة أبعرة. وعنه وإسحاق في قصبة الأنف إذا كسرت ثم انجبرت ثلاثة أبعرة وعن مكحول في اللحيين إذا كسر ثم انجبر سبعة أبعرة
وروي عن مكحول أيضا أنه قال في الصدع في العضد إذا انجبر ثمانية أبعرة. وعنه عن زيد بن ثابت في الترقوة أربعة أبعرة، وعن الشعبي ومجاهد أربعون دينارا، وعن مكحول عن زيد بن ثابت في الورك إذا كسرت ثم انجبرت عشرة أبعرة، وعن شريح في الكسر إذا انجبر أجر الطبيب وقدر ما شغل عن صنعته. وعنه في الفتق ثلث الدية "
2
وقال ابن جريج: أخبرني عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: اجتمع العلماء لأبي في خلافته على أنَّ في العفلة تكون من الضربة الدية كاملة؛ لأنها تمنع اللذة
1 - لعله في أحد اللحيين بدلالة ما بعده وما كتب حسب الكتابة في الأصل المنقول منه هذا الأثر فليتأمل، راجع المحلى بالآثار ج 11 ص 49 - 51 و 54 و 62 و 71 - 72 و 82 - 84 و 89 - 90 والمصنف لابن أبي شيبة ج 365/ 5 و 380.
2 - المحلى ج 89/ 11.
3 - السابق 84.
449 (1/449)
صفحة 450
والجماع، وعلى أن في المنكب إذا كسر ثم جبر من غير عثم أربعون دينارا. وعن الشعبي في المنكب أربعون دينارا. "
وعن ابن جريج قال: أخبرني عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: في الجبهة إذا هشمت وفيها غوص من داخل مائة وخمسون دينارا.
فإن كان بين الحاجبين كسر شانَ الوجة ولم تنتقل منه العظام فربع الدية.
وإنْ كُسِرما بين الأذنين يصيب ماضغ اللحيين وقد آذاه الشعر في تَخَوُّص لم يصبه الجرح ولم ينقل منه عظم ففيه مائة دينار.
4
وأما الذقن إذا كسرت؛ فإن عمر بن عبد العزيز يرى أنَّ فيها ثلث الدية، فعن
1 - السابق 96 ومصنف ابن أبي شيبة 382/ 5.
2 - السابق.
3 - الخَوَصُ: الغَوْرُ. يقال خَوِصَتْ عينُ الرجل والدابّةِ تَخْوَص خَوَصاً، إذا غارت، والعين خؤصاء والجمع خَوَص. جمهرة اللغة لابن دريد (3191، مادة "خ - ص - و" وفي رواية "آواه الشعر في غوص" وفي لفظ: "وَقَدْ أَدَّاهُ الشَّعْرُ فِي غَوْصٍ" والمعنى واحد. وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّهُ قَالَ: فِي فَقَمِي الإِنْسَانِ أَنْ يَثْنِي إِبْهَامَهُ، ثُمَّ يَجْعَلَ قَصَبَتَهُ السُّفْلَى، وَيَفْتَحَ فَاهُ فَيَجْعَلَهَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ، فَمَا نَقَصَ مِنْ فَتْحِهِ فَاهُ مِنْ قَصَبَةِ إِبْهَامِهِ السُّفْلَى كَانَ بِحِسَابِهِ. ابن أبي شيبة السابق. والفقم: ردة الذقن والنعت أفقم وفقماء، وأمر أفقَمُ: أعوج مخالف واللحيان: الفكان الأعلى والأدنى، وهما العظمان اللذان فيهما الاسنان من داخل الفم. والمراد هنا صفة حالة فتح الفم وغلقه. انظر مادة (فقم)
4 - مصنف عبد الرزاق: ج 9/ ص 320 ح 17377 وفي بعض النسخ " آواه الشعر" مكان " آذاه" بمعنى غطاه ولعله أصح. وانظر المحلى 95/ 11 - 96. وفقه عمر بن عبد العزيز ص 344/ن/مجلس النشر العلمي جامعة الكويت.
450 (1/450)
صفحة 451
ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بنُ عُمَرَ؛ أَنَّ أُمَرَاءَ الْأَجْنَادِ اجْتَمَعُوا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الدّقنِ ثُلُثُ الدِّيَةِ.
وروى البخاري في تاريخه عن عمر أنه قضى في ساق رجل كسرت بثمان من
الإبل.
2
وعن عمرو بن شعيب قال: قضى عمر بن الخطاب له فى المأمومة ثلث العقل ثلاث وثلاثون من الإبل أو عدلها من الورق أو الشاء وقضى في الجسد إن أصيب الساق أو الفخذ أو الذراع أو العضد حتى يخرج مخها ويبين عظمها فلا يجتمع فلها نصف مأمومة الرأس ستة عشر قلوصا ونصف.
وقضى عمر في المنقلة: بخمس عشرة من الإبل أو عد لها من الذهب أو الورق أو الشاء وقضى: أن ما كانت من منقولة تنقل عظامها في العضد أو الذراع أو الساق أو الفخذ فلها نصف منقولة الرأس سبع قلائص ونصف.
4
وروي عن زيد بن ثابت أنه قضى في فقار الظهر كله بالدية كلها - وهي ألف دينار وهي اثنتان وثلاثون فقارة في كل فقارة إحدى وثلاثون دينارا وربع دينار إذا كسرت ثم برئت على غير عثم فإن برئت على عثم ففي كسرها إحدى وثلاثون دينارا وربع
1 - مصنف عبد الرزاق (361/ 9) ح 17577 مصنف ابن أبي شيبة. ج 5 ص 363 ح 26939 وفقه عمر بن عبد العزيز السابق.
2 - منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 6 ص 157.
- ثلث العقل ثلاث وثلاثون وثلث ونصف المأمومة ستة عشر قلوصا وثلثان وما كتب حسب الأصل المنقول منه هذا الاثر ... فليتأمل.
4 - راجع كنز العمال ج 107/ 15 - 108.
451 (1/451)
صفحة 452
دينار وفي العثم ما فيه من الحكم المستقبل سوى ذلك.
وروي عن زيد بن ثابت أيضا في الساق إذا كسرت فبرئت من غير عثم خمسون دينارا فإن برئت على عثم فخمسون وفي العثم ما فيه.
قلت: وروي عن رسول الله لو أنه قضى على أبي جهم بن حذيفة بن غانم العدوي في شجة شجها رجلا قيل: هو خالد بن مالك بن قيس المعروف بابن البرصاء أخو الحارث بن البرصاء - بخمس عشرة فريضة.
والظاهر أنَّ هذا الحكم صار بعد البرء، واسم أبي جهم: عامر. وقيل: عبيد. وقيل: حذيفة. أسلم يوم الفتح وهو صاحب الخميصة التي أهداها للرسول. وهو المراد به في قوله في حديث فاطمة بنت قيس "وأما أبو جهم فكان لا يضع
1 - مسند عبد الرزاق ج 9 ص 366 والمحلى لابن حزم 10 ص 451. 2 - رواه الزبير بن بكار وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة وابن أبي عاصم وغيرهم؛ راجع الاصابة 249/ 1 و 274 و 289 و 442 و 35/ 4 ومنتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 160/ 6، واسد الغابة ج 1/ 345 و 347,79/ 3 و 162/ 5، والمسألة الثالثة عشرة من هذا الفصل فقد تم تخريج الحديث هناك. والبرصاء هي ريطة بنت ربيعة بن رباح بن ذي البردين من بني هلال بن عامر، وسميت البرصاء لبياضها. وقيل البرصاء أم أبيهما مالك. وقيل أم قيس أبي مالك كما في أشراف البلاذري ج 11 ص 94. - نص الحديث عند الإمام الربيع الله أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالت: أَهْدَى أَبُو جَهْمٍ بْنُ حُذَيْفَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَمِيصَةٍ شَامِيَّةٍ، فَشَهِدَ فِيهَا الصَّلَاةَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قال: رُدّي هَذِهِ الْخَمِيصَةَ لأَبي جهم فَإِنِّي نَظَرْتُ إِلَى عَلَمِها فِي الصَّلاةَ فَكَادَ أَنْ يَفْتِنَنِي." قال الربيع: الْخَمِيصَةُ، شَمْلَةٌ غَلِيظَةٌ مِنْ صُوفٍ أَوْ قُطْنٍ فِيهَا عَلَمٌ مِنْ حَرِير. (باب في الثياب والصلاة فيها وما يستحب من ذلك" ج 70/ 1. ح 269
452 (1/452)
صفحة 453
عصاه عن عاتقه
ونصه في ابن ماجة حدثنا محد بن يحيى ثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة - رضي الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ابا جہم بن حذيفة مُصَدِّقا فلاحى رجلا في صدقته فضربه أبو جهم فشجه فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: القود يا رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لكم كذا وكذا" فلم يرضوا. فقال: " لكم كذا وكذا فرضوا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إني خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم" قالوا: نعم. فخطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إن هؤلاء الليثيين أتوني يريدون القود فعرضت عليهم كذا وكذا أرضيتم؟ قالوا لا فَهمَّ بهم المهاجرون، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يكفوا فكفوا ثم دعاهم فزادهم فقال أرضيتم؟ قالوا: نعم. قال: إني خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم. قالوا: نعم. فخطب النبي الله ثم قال: " أرضيتم؟ " قالوا: نعم. وفي ابن أبي عاصم حدثنا إبراهيم بن المنذر نا عبد الله بن نافع عن خالد بن إياس عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن الشَّفَّاء؛ أمّ سُليمان أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم استعمل أبا جهم بن حذيفة على المغانم يوم حنين فأصاب رجلا بقوسه منقلة فقضى فيها النبي بخمس عشرة فريضة.
1 - رواه الربيع بن حبيب بسنده إلى رسول الله له من طريق ابن عباس في باب الطلاق والخلع والنفقة ح 532 ومالك في الموطأ ج 2 ص 580 ح 67 ومسلم في الطلاق باب المطلقة ثلاثا ح 1480 والنسائي في الطلاق باب نفقة الحامل المبتوتة 210/ 6 وأبو داود في سننه ح 2284.
2 - كتاب الديات للقاضي أبي بكر أحمد بن عمر بن أبي عاصم مرجع سابق ح 158. وأخرجه الطبراني في الكبير 313/ 24 و 788 وفي الأوسط 9113 عن إبراهيم بن المنذر والدار قطني 179/ 3 - 180 عن
أحمد بن إسماعيل المدني عن عبد الله بن نافع به، وانظر المسألة الثالثة عشرة من هذا الفصل.
453 (1/453)
صفحة 454
وأنت إذا رجعت إلى حديث الديات المتقدم في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعثه إلى أهل اليمن مع عمرو بن حزم وجدته ينص نصا صريحا لا غبار عليه؛ بأنَّ في الهاشمة عشرا من الإبل وفي المنقلة خمسة عشر من الإبل من غير تفصيل سواء جبر العظم أم لم يجبر والشارع الحكيم يعلم بأن الإنسان إذا بقي حيا لا بد له من أحد أمرين في كسره إما أن يجبر على شين أو على غير شين كما أنه لم يفصل بين عظم وآخر ومن المعلوم بأن في الإنسان العظمَ الصغير والكبير والضلع وغيره والحديثُ عام لم يرد ما يخصصه حسبما علمتُ وأفادني من سألتُ من علماء العصر في ذلك، اللهم إلا أن يكون هنالك مخصص لم نعلمه، وما دام المخصص غير معلوم فالاعتماد على العام حتى يصح التخصيص، والذي يظهر لي أن إعطاء الكسر حقه كاملا كما جاء في الحديث من غير تفصيل أولى لعدم وجود الدليل في ذلك وقد سألت علامة العصر ومفتي الأمة الشيخ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي في ذلك فأجابني مشافهة: " إذا ثبت الحديث فالاعتماد عليه أولى وما قال به الأصحاب فذلك اجتهاد منهم."
وقد رأيت هذا العلم النحرير استدل بهذا الحديث وعده من موجبات الدية وذلك في رسالته الجوابية التي بعث بها إلى وزير العدل لما سأله عن ديات الأعضاء هل هي ثابتة بالنص أم لا؟ وهذا من جملة كلامه في نفس الحديث فقد قال في صدره: " أخرج النسائي عن الزهري مرسلا وذكر الحديث ثم قال: وأخرجه في المراسيل أبو داود ولكن علة إرساله تزول لثبوته موصولا عند ابن خزيمة وابن
1 - العَلَم بفتحتين العَلَامَة التي يهتدى بها ولذا سمي الجبل الشامخ علما، وكذا الراية؛ لأنَّ كل واحد علامة بارزة يهتدي بها السائرون، ويلتف حولها المريدون، والنحرير الحاذق الماهر المتقن العاقل المجرب البصير، سمي بذلك لأنه ينحر العلم نحرا.
454 (1/454)
صفحة 455
حبان والحاكم وابن الجارود والبيهقي، وصححه جماعة من أئمة الحديث منهم: أحمد والحاكم وابن حبان والبيقي. ثم ذكر بقية الأحاديث في الموضوع وعقب على ذلك بأنه يستفاد منها وجوب دية النفس وأنَّ المسلمين عقدوا خناصرهم على العمل بها."
وسأذكر كتابه بنصه في آخر هذا المختصر إتماما للفائدة إن شاء الله تعالى. كما عقب النور السالمي رضوان الله عليه على الحديث بأنه جامع لأصول الديات ومنه أخذ أهل العلم أصول الدماء.
وإذا رجعنا إلى آثار الأصحاب رضي الله عنهم فإننا نجدهم في بعض الجوارح يعطون المجني عليه دية الكسر وزيادة من غير اعتبار لجبر على شين أو على غير شين فقد جاء عنهم بأن في كسر العضد والفخذ والساق إذا أنقلت عظامها سبع قلائص ونصف فإن خرج مخها ووهن عظمها فلا تجتمع عظامها - أي في العادة بتجريب الأطباء - فلها نصف مأمومة ستة عشر قلوصا وثلثان.
2
وإن تأملنا الفارق العظيم في الإيلام في الكسر فإننا نجد الضلع الواحد إذا انكسر أشد إيلاما من بقية العظام في الإنسان ويبقى أثر ذلك سنين طويلة فإن ظهر ذلك فإعطاؤه دية كسر عظم مستقل غير كثير فإن رأى أهل الحق الحق في
1 - العقد الثمين ج 425/ 4 ط الأولى القاهرة.
2 - راجع النيل وشرحه 46/ 15 ومختصر البسيوي 336 والمصنف للعلامة الكندي ج 281/ 41 199 ط 1 والقاموس ج 85 مخطوط وبيان الشرع ج 41/ 67 وابن جعفر ق 3 ص 31
والجلاء ص مخطوط 2 والضياء ج 16/ 15. (1/455)
صفحة 456
ذلك فيؤخذ به، والباطل مردود بإذن الله تعالى.
وإذا تدبرت تلك الآثار المتقدم ذكرها قبل عن الصحابة والتابعين وجدت أكثرها تتفق مع نصوص الأحاديث القاضية بإعطاء الكسر حقه من غير تفصيل وما خالف منها ذلك فلعل قائلها لم تبلغه تلك الأحاديث كما هو في بعض الروايات عن عمر له فإنه كان يجتهد في ذلك كاجتهاده في كثير من الأحكام ولكنه يرجع إذا ثبت معه النص عن النبي.
وقد روي رجوعه في هذا عن رأيه لما بلغه الكتاب الذي كتبه لأهل اليمن مع عمرو بن حزم، وأخذ يعمل بذلك الكتاب، فعن سعيد بن المسيب قال: قضى عمر بن الخطاب الله الله في الإبهام والتي تليها نصف دية الكف .. حتى وجد كتابا عند آل عمرو بن حزم يزعمون أنه من رسول الله .. فأخذ به ...
وقد قال الحافظ ابن حجر: " إسناده صحيح متصل." وتؤيد ذلك بقية الروايات الناصة على إعطاء الكسر حقه كاملا كما نص عليه الحديث.
عن عمر رضي عنه ولعل أصحابنا المتقدمين فصلوا ذلك التفصيل في الكسر بعد الجبر لعدم اطلاعهم على تلك الأحاديث أو أنها لم تثبت عندهم صحتها فبلغهم أثر عمر المذكور ولم يبلغهم رجوعه عنه وإلا فهم أحوط ما يكونون في أمر دينهم لشدة تمسكهم بالدليل كما هو الثابت في معتقدهم الصحيح
1 - منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 157/ 6 راجع أيضا فصول الأصول للعلامة خلفان بن جميل السيابي ص 244 ط التراث والكنز ج 106/ 15 فما بعدها. (1/456)
صفحة 457
حسبك أن تتبع المختارا وإن يقولوا خالف الآثارا (1) نقدم الحديث مهما جاءا على قياسنا ولا مراءا (2)
والأصل للفقه كتاب الباري إجماع بعد سنة المختار
والاجتهاد عند هذي منعا وهالك من كان فيها مبدعا (3)
فرضي الله عنهم وأرضاهم وجعل الجنة مستقرَّهم ومثواهم، وكذلك اختلفوا في جرح الضلع فمنهم من يرى له دية جرح جنب أي أرش جرح مستقل كسائر جروح القفا وهو الذي اعتمده كل من: صاحب المنهج والمصنف وبيان الشرع والضياء. قال في المصنف: والجرح في الضلوع جرح جنب ولو كان على ضلع واحد وهو مثل جرح القفا والبدن. ومنهم من يرى له جرح ضلع فقط. وهو أحد القولين حكاهما صاحب الجلاء من غير أن يتعرض لأي منهما بل صدر بقوله: وكذلك الخلاف ..
الخ.
ولكل فرحة لا تبرأ تولدت بنحو الضرب ثلث دية كسر ذلك العضو الذي هي فيه،
1 - جوهر النظام للسالمي. باب الوقف.
2 - جوهر النظام للسالمي كتاب أصول الفقه.
3 - أنوار العقول للسالمي أيضا. الباب الثالث في الاجتهاد والفتوى.
4 - راجع: الجلاء للسيابي 179 و 204 - 205 ط 1 والقاموس للسعدي ج 85 وبيان الشرع للكندي ج 67 م ص 83 والمنهج للشقصي ج 11/ 174 والمصنف للكندي ج 277/ 41 والضياء للعوتبي ج 15
/13. كلها مراجع سابقة.
457 (1/457)
صفحة 458
والله أعلم.
المسألة السادسة عشرة في حكم المرفق والركبة
إذا كسرت يد من مرفق أو انفصلت منه فجبرت صحيحة سالمة وينتفع بها صاحبها لكنها لم تنحن كعادتها الأصلية بحيث لم تصل إلى الفم والمقعدة فلها نصف ديتها ربع الدية الكبرى خمسة وعشرون بعيرا.
أمَّا إذا تعطلت تماما أو شُلَّت فلها ديتها كاملة؛ نصف الدية الكبرى خمسون بعيرا، أو خمسمائة دينار ذهبا، وكذا من بقية الأجناس
وحكم الركبة إن جبرت سالمة ولكنها لا تنعطف حكم اليد، وكذا إن تعطلت أو
1 - شرح النيل ج 15 ص 108 فما بعدها بعنوان: التَّنْبِيهُ التَّاسِعُ دِيَةُ الْإِغْمَاءِ إِنْ قَامَ صَاحِبُهُ سَالِما -
بَعِين) 2 - هذا الذي اخترته هو أحد الأقوال من ثلاثة ثانيها: أنه يقدر لها بقدر ما نقص من منفعتها لأنَّ صاحبها يمكنه أن يعمل بها كثيرا من الأعمال ما دامت جابرة تماما ولكنه لم ينتفع بها للإتزار والإستنجاء والأكل فقط. ثالثها أنَّ لها ديتها كاملة نصف الدية الكبرى، ولكنَّ أكثر القائلين به يفسرونه بذهاب المنفعة كاملا؛ بأن تصير شلاء، ولَعلَّ هذا هو مقصود من لم يفسره وأتى به مجملا. إضافة إلى ذلك ينظر: ابن جعفر ق 3 ص 27 م وبيان الشرع ج 67 ص 76 و 79 والمصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 299 والجلاء ص 171. البيت: -
ونصفُ كُبرى إن تكن شُلَّت فلم تبلغ إلى مقعدة ولا لفم مع شرحه وص 199 البيت وديةُ الرّجُلِ تماماً إن تكن ... من حادث شُلَّت ولما تستقم. فما بعده مع الشرح، أما إن جبرت اليد أو الركبة تماما بحيث صارت كحالتها الأصلية قبل الجناية من غير حدوث أي خلل أو ضعف فيها فليس لها إلا دية كسر عظم فقط. وانظر الجلاء ص 174 و 191 شرح البيت وركبة قد جبرت من كسرها. فما بعده. طا.
458 (1/458)
صفحة 459
شُلَّت فالحكم في ذلك واحد.
أما إن جبرت قصيرة بحيث لا تنال الأرضَ فلها ديتها تامة نصف الدية الكبرى، وإن نال بعضها فيحسب لها من الدية الكبرى بقدر ما لم ينل منها الأرض؛ إن كان نصفها فنصف ديتها؛ ربع الدية الكبرى، وإن قل أو كثر فبحسابه، وإن تعطلت الأصابع فديتها كاملة، ولو جبرت الركبة وكذا اليد، وإن تعطل بعض الأصابع فلكل واحدة عشر من الإبل، كما مر وللركبة أو المرفق حقه أيضا.
1 - راجع الجلاء 191 ط 1 والنيل وشرحه 46/ 15 - 47 وابن جعفر ق م 23 و 31. والمصنف ج 41
ص 263 فما بعدها والمنهج ج 11 ص 160 ط التراث.
459 (1/459)
صفحة 460
المسألة السابعة عشرة في الجائفة
سبق الكلام في أول هذا الفصل بأن في الجائفة ثلث الدية والجائفة هي الجراحة التي بلغت جوف الإنسان ولها ثلث الدية الكبرى ففي الذكر الحر المسلم ثلث ديته ثلاثة وثلاثون بعيرا وثلث بعير و في الأنثى ثلث ديتها ستة عشر بعيرا وثلثا بعير بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "وفي الجائفة ثلث الدية""
هذا إذا وصلت الجراحة الجوف ولم تنفذ من الجهة الثانية أما إذا خرجت من الجهة الثانية فلها جائفتان ثلثا الدية الكبرى ففي الذكر الحر المسلم سبعة وستون بعيرا إلا ثلث بعير وفي الأنثى ثلاثة وثلاثون بعيرا وثلث بعير لأن للأنثى نصف الذكر وهذا كله في الحر المسلم أما ما عداهما فلكل بحسب ديته.
رضى
وقد حكم بذلك الخليفة الراشد أبو بكر الصديق وعلى هذا العمل. وكذا الحكم في جراحة الحلقوم وقد سبق الكلام على ذلك في حكم النافذة فراجعه من
هنالك.
وجراحة البطن كمقدم الرأس في الدامية بعير والباضع بعيران والملحم ثلاثة أبعرة فإن خرقت الحجاب الأول ولم تصل الجوف فهي الملطاء، ولها سدس الدية الكبرى فإن خرقت الحجابين معا حتى خالطت الجوف فهي الجائفة ولها ثلث الدية الكبرى، وإن نفذت من الجهة الثانية ففيها جائفتان كما تقدم.
1 - تقدم تخريجه.
2 - راجع نصب الراية ج 4 ص 375 فما بعدها والجلاء 181 والقرطبي 206/ 6 وكنز العمال ج 104/ 15 وشرح فتح القدير ج 219/ 9 وابن ابي شيبة ج 6 ص 314 - 316.
- راجع الجلاء 192 - 193 ط 1.
460 (1/460)
صفحة 461
المسألة الثامنة عشرة في جراحة اليد
سبق الكلام أنَّ لليد نصف الدية الكبرى؛ إن تعطلت أو فقدت ولو الأصابع أما كسرها فإن كسر العضد فله دية كسر عظم تام وإن كان الكسر في الساعد فإن كسر الزندان جميعا فلهما دية كسر عظم واحد وإن كسر أحدهما فله نصف ذلك أما الجراحة فيها فتامة كجراحة القفا.
وقيل إن كانت الجراحة على جهة زند واحد فلها النصف ورجح الأول، وفي الأصبع عشر من الإبل ونافذتها خمس نافذة اليد وفي كل مفصل ثلاثة أبعرة وثلث وفي الظفر بعير إن لم ينبت أو اسود أو اعرنجم وإن نبت صحيحا دون عيب فنصف بعير وقيل ثلث بعير وقيل السوم وقيل إن نفذت من أحد مفاصل الأصبع فلها
ثلث خمس نافذة اليد وصحح الأول. أما كسر اليد من المرفق فقد تقدم)
2
وفيما بقي من اليد بعد أخذ ديتها ثلث ديتها وذلك كأن تقطع الأصابع أولا فلها دية اليد نصف الدية الكبرى وفيما بقي إن أصيب بعد ذلك ثلث الدية أي ثلث دية اليد كأن تقطع من المرفق فلها نصف ثلثها فإن قطعت من المنكب فثلثها وحكم الرجل في هذا ونحوه كحكم اليد، ففي كل منهما عظمان، ففي ساعد اليد عظمان وهما الزندان وقد علمت بأن لكل زند منهما نصف الكسر ولهما معا كسر عظم تام وقيل لكل زند كُسر دية عظم مستقل وهو الذي نص عليه في شرح النيل. 3
1 - راجع ابن جعفر ق م 2 ص 23 - 26 والجلاء 174 ط 1 أو 135 ط 2.
2 - راجع المسألة السادسة عشرة من هذا الفصل.
- انظر: شرح النيل ج 15 ص. 88 وانظر أيضا بيان الشرع ج 67 ص 81 ومنهج الطالبين ج 11 ص 181 ط التراث، وابن ابي شيبة ج 6 ص 405.
461 (1/461)
صفحة 462
وكذا في ساق الرجل عظمان وهما عظم القصبة، وعظم الشظية؛ وهو أحد العظام الطويلة في البشر، وعظم الشظية هو أحد عظمي الساق الموجود على الجانب الوحشي أي الخارجي للساق، بينما يكون العظم الآخر وهو قصبة الساق في الجانب الإنسي أي الداخلي للساق.
وهذا هو الأظهر الذي تدل عليه أحاديث الديات لعدم التفصيل فيها بين عظم وغيره كما تقدم الكلام عليه في المسألة الخامسة عشرة من هذا الفصل.
وإن نقصت اليد قيست مع السالمة وأعطي بالفضل أرشا أما إن كان نقصها من قبل ضعف القوة أمر صاحبها أن يرمي بشيء باليد الصحيحة ويرمي بالعليلة وقيست المسافة فما قصرت عنه العليلة أعطي أرشه.
وقيل يؤمروليه أن يرمي عنه بمثيلتها إن يمنى بيمنى أو يسرى بيسرى ويرمي هو بالمصابة ورجحه القطب في شرح النيل معللا ذلك بتفاوت قوة اليدين اليسرى عن اليمنى والعكس واستحلف إن اتهم.
وإن كان المجني عليه صبيا أمر صبي مثله وإن لم يكن للمجني عليه ولي أمر ثقة أن يرمي عنه وقيل يرجع الأمر إلى الجاني فيعطي الأرش ويحلف
1 - كما ستجد ذلك بمشيئة الله وتوفيقه؛ موضحا بالصورة في الملحق السادس صور جسم
الإنسان وأنواع الجروح والكسور) آخر هذا الكتاب.
2 - شرح النيل ج 42/ 15 - 43.
462 (1/462)
صفحة 463
المسألة التاسعة عشرة في جراحة الأذن
سبق الكلام أن في الأذن نصف الدية إذا بترت أو ذهب سمعها وبقي الكلام على جراحتها فاعلم أنَّ جراحتها كمؤخر الرأس وسائر الجسد وهي دام فباضع فملحم فنافذ من أي جهة منها ويحسب لها ذلك من ديتها نصف الدية الكبرى فلداميتها ربع بعير وللباضع نصفه وللملحم ثلاثة أرباعه وذلك إن تمت راجبة تامة طولا وعرضا ولنافذتها سدس الدية الكبرى ستة عشر بعيرا وثلثا بعير صغرت النافذة أو كبرت ولو كانت كثقب الإبرة وإن تعددت النوافذ فيها فلها بعددها لكل نافذة ثلث ديتها سدس الدية الكبرى كما تقدم، وقيل جروح ما أقبل منها كجروح الوجه لجرحها دام بعير وللباضع بعيران وللملحم ثلاثة؛ لأنَّ لها نصف الدية وفيها القصاص في العمد وإن نقص السمع ولم يذهب كله فله أرشه بقدر ما ذهب واذا قطعت الأذن وذهب سمعها فلها نصف الدية الكبرى ان كان بمرة واحدة اي القطع وذهاب السمع وقيل لكل نصف الدية فنصفها للقطع ونصفها لذهاب سمعها وكذا الحال فيما شابهها وقد تقدم أن لا قصاص في السمع نفسه مع بقاء
الجارحة.
وقد سبق الكلام في حكم النافذة أنَّ لها ثلث الدية التأمت أم لم تلتئم على الصحيح، وحكم الأذنين سواء كانت صماء أو خطلاء أو جدواء.
فالصماء الصغيرة المتحددة الضيقة والخطلاء الكبيرة الواسعة وبها سمي الأخطل والجدواء المنكسرة المقبلة على الوجه.
1 - راجع شرح النيل ج 57/ 15 - 58 والمنهج 144/ 11 والمصنف 242/ 41 وابن جعفر ص 15 وبيان الشرع ج 67 ص 53 - 57 ط التراث والجلاء 136 فما بعدها ط 1.
463 (1/463)
صفحة 464
المسألة العشرون في القسامة
القسامة بفتح القاف والسين المهملة مصدر أقسم قسما وقسامة وهي الأيمان
التي تؤخذ على المدعى عليهم في قتيل لم يعرف قاتله ولا بينة لأوليائه "
وهي من جملة المسائل المخالفة للقياس الشرعي؛ لأنها تجب على من لم يدع عليه ولي المقتول، وعلى عدد مخصوص من الناس ولا تُسقط عنهم الدية، وجعل فيها الخيار لأولياء الدم فيمن يحلفون، وكل ذلك مخالف للقياس.
ومثلها في مخالفة القياس الشفعة؛ فهي تجب للشريك ولا سبب له من إرث أو شراء أو هبة إلى غير ذلك، وإنما أخرجها الشارع رفعا للمضرة، وكذا الدية في قتل الخطأ لوجوبها على العاقلة والقاتل المتسبب معروف، وذلك لحكمة رآها الشارع""
6
6
وخص القسم على الدم بيمين القسامة؛ وذلك أن يوجد قتيل أدمي كامل الخلق أي: غير سَقط: وهو الذي لم يكمل خلقه، بعد وغير جنين لم تثبت حياته قبل، حر لا مملوك، فيه علامة قتل أي أثر مؤد لقتله، كذبح وجرح وخنق أو ضرب مؤد للموت أو دم يسيل من أذن في بلد أو طريق منها أو حارة من حوائرها أو منزل لا يوجد به ربه، أما إن وجد ربه به ولو منفعةً فقط؛ كالساكن بأجرة أو هبة أو منحة فالقسامة عليه وحده، وأن لا يعرف من قتله، ولم يدَّعِ أولياؤه على أحد
1 - انظر: طلعة الشمس، الخارج عن سنن القياس " فخارج عنه أمور تذكر .. " البيت فما بعده مع الشرح. ج 2 ص 159 فما بعدها ط ا ن مكتبة نور الدين بدية.
2 - : سبق تعريفه في: المسألة الثالثة عشرة في دية الجنين.
464 (1/464)
صفحة 465
معين، فيقسم المدَّعَى عليهم خمسين يمينا بالله العظيم أنهم ما قتلوه ولا علموا
قاتله.
فإن كانوا أقل من خمسين رجلاً ضوعفت عليهم اليمين حتى تكمل خمسين، فإذا حلفوا حقنوا دماءهم عن القصاص، ووجبت عليهم الدية؛ بشرط أن يوجد القتيل وفيه أثر القتل وألا يوجد في السوق، ولا جامع البلد، ولا قتله ازدحام الناس كالطواف والسعي، وسائر مناسك الحج؛ التي يعظم فيها الزحام، وما شابهها.
6
وليس على المرأة، ولا الصبي، ولا المجنون، ولا الشيخ الهرم، ولا العبد، ولا الأعمى قسامة، لكن عليهم نصيبهم من الدية كغيرهم.
إلا إن وجد القتيل في دار مشرك؛ فعليه القسامة والدية بنفسه دونهم، أو كانت الدار فيها نساء أو لنساء فقط فتلزمهن القسامة.
وإن وجد في قرية فيها مسلمون وذمّيُّون فالقسامة على المسلمين إن كان منهم، وإن كان ذمّيًّا فعلى الذمين، ولو كان لهم فيها بيت واحد، أو كانت كلُّها لهم إلا بيت للمسلمين، فالقسامة على أهل البيت. ويؤخذ بالقتيل أهل ملته لا غيرهم
فيها.
وإذا وجد القتيل بين قريتين فالدية على أهل القرية الأدنى إليه ولا أيمان على أهلها وإذا لم يكن بالقرية إلا رجل واحد حلف خمسين يميناً ثم يؤدي الدية، وإن يك في القرية دون الخمسين كُرّرَ ما بقي من الأيمان على خيارهم وإن كانوا بها يزهو عن الخمسين فليس لهم أن يكرروا عليهم اليمين وإن لم يكن أحد أقرب للقريتين
فديته على أرباب القريتين بعد أن يحلف من صلحاء كل قرية خمسون رجلاً (1/465)
صفحة 466
يختارهم أولياء المقتول وإذا لم يوجد في الميت حدث فهو ميت لا قسامة فيه .. " وتلزم القسامة الوالي، والإمام، والقاضي، والسلطان، كغيرهم؛ لاحتمال دخولهم
في القتل.
والأصل في ذلك ما روي أن نفرًا من الأنصار - قيل عبد الرحمن بن سهل وأخوه عبد الله بن سهل ومحمّصة وحويّصة ابنا مسعود - دخلوا خيبر يمتارون؛ قبل إجلاء اليهود منها، فتفرقوا فيها ثم وجدوا أحدهم قتيلا قيل: هو عبد الله بن سهل، وقالوا للذي وجد فهم قد قتلتم صاحبنا قالوا ما قتلنا ولا علمنا قاتلا فانطلقوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله انطلقنا إلى خيبر فوجدنا أحدنا قتيلا.
وكان الذي ابتدأ بالكلام مُحمّصة، وهو أصغر سنا من صاحبيه، فقال رسول الله: "الكبر الكبرَ" وفي رواية "كَبّر كَبّر " - أي يتكلم الأكبر - فتكلما فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم "تأتون بالبينة على من قتله؟ " قالوا: ما لنا بينة فقال: "فيحلفون" أي: اليهود- قالوا لا نرضى بأيمان اليهود فكره رسول الله أن يُطَلَّ دمُه فوداه مائة من إبل
1 - انظر: التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم لعبد العزيز الثميني (2397) الكوكب الدري لعبد الله الحضرمي (349/ 4 فما بعدها، النهج الحادي عشر فيمن يلزمه القود .. (حكم القسامة) منهج الطالبين وبلاغ الراغبين لخميس الرستاقي 11/ 239 فما بعدها القول الثاني والثلاثون في القسامة، ط التراث وج 6 ص 257 فما بعدها مكتبة مسقط. شرح النيل للقطب اطفيش (15/ 160 فما بعدها؛ باب شرط القسامة. (1/466)
صفحة 467
الصدقه. "
وفي المسألة خلاف طويل في ذلك، تركته خوف الإطالة، فمن أراد الإطلاع عليه
فليراجعه من مظانه والصحيح ما ذكرناه هنا.
وذلك بخلاف من وجد قتيلا بين قوم محصورين تشاجروا، فقيل عليهم بأنفسهم وقيل على عواقلهم، وقيل: فيه قسامة وقيل غير ذلك.
1 - وقد جاء الحديث بعدة ألفاظ من عدة طرق فقد أخرجه البخاري في صحيحه في الأدب باب إكرام الكبير بالكلام والسؤال ر 5791. وفي الديات باب القسامة، ومسلم قريب من لفظ البخاري، باب القسامة ر 1669. والترمذي في الديات والنسائي في القسامة وابن ماجة في الديات وأبو داود في القسامة وفي الزكاة باب كم يعطى الرجل الواحد من الزكاة وابن أبي عاصم في الديات ح 5 17 - 183 باب القسامة. ص 354 - 369 و 257 - 260 ص 489 فما بعدها، مرجع سابق وغيرهم. 2 - ينظر فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني ج 12 ص 239 فما بعدها ط دار الريان للنشر سنة 1407 هـ وتمهيد قواعد الإيمان للمحقق الخليلي ج 13 ص 64 فما بعدها-80 وجوهر النظام آخر باب الدماء نهاية الجزء الثالث ومختصر البسيوي ص 315 وفقه السنة ج 2 ص 583 - 588 والنيل وشرحه ج 160/ 15 فما بعدها والمنهج ج 11/ 239 فما بعدها وابن ابي شيبة ج 409/ 6 فما بعدها وبيان الشرع ج 66 ص 355 فما بعدها.
3 - ينظر فقه السنة ج 2 ص 568.
467 (1/467)
صفحة 468
تنبيهات التنبيه الأول
رواية عمرو بن حزم الكتاب الذي بعثه رسول الله الله معه إلى أهل اليمن فيه من الأحكام غير الديات منها الفرائض والسنن والصدقات جاءت هذه الرواية من طريق حفيده أبي بكر عبد الله بن أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان بن
عمرو بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي ثم النجاري
وأبوبكر هذا تابعي ولي القضاء في المدينة المنورة للأمير العادل عمر بن عبد العزيز الأموي له فأبو بكر عبد الله روى عن أبيه أبي بكر محمد عن جده عمرو بن حزم
جد عبد الله وجاءت الرواية تارة عن أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم نفسه.
والحاصل أنها رواية صحيحة تلقتها الأمةُ بالقبول، وعليها مدار كثير من الأحكام، ليس الدماء فقط وإنما هو دستور شامل بعثه مع عمر ابن لأهل اليمن كما ستعرفه بإذن الله وتجده في آخر هذا الكتاب
أما عمرو بن حزم نفسه فاستعمله رسول الله الله على أهل نجران من أرض اليمن وأرسل معه الكتاب المذكور، وهو ابن سبع عشرة سنة ومات بعد الخمسين في أيام معاوية على الصحيح.
1 - راجع أسد الغابة في معرفة الصحابة ج 4/ 98 - 9 والإصابة ترجمة عمرو المذكور وسبل السلام ج 1206/ 3 وكنز العمال ج 8 ص 864 و 867 ونيل الأوطار ج 8/ 7 - 19 و 57 - 58، وانظر تخريج الحديث في المسألة الأولى من الفصل الأول.
468 (1/468)
صفحة 469
عمر
التنبيه الثاني
سبق الكلام أيها القارئ الكريم أن مررت على عدة مواضع في هذا الكتاب فيها ذكر ه وآرائه وأحكامه وما رجع فيه لموافقة النص من صاحب الرسالة المحمدية واعتمادنا على تحري ما هو آخر أمره الله لموافقته للسنة وإليك نماذج من ذلك إتماما للفائدة
1 - ما روي عنه أنه قضى بالقصاص للكافر من المسلم ورجوعه عنه لموافقته حديث "لا يقتل مسلم بكافر."
-2 - ما روي عنه أنه كان يقول بالمفاضلة بين الأصابع ورجوعه عنه لموافقة حديث عمرو بن حزم في الديات.
- ما روي عنه أنه كان يقول بالثلث في دية الذمي وروي عنه بالنصف وهو الموافق للأحاديث المروية في ذلك.
ما روي عنه في عدم توريث المرأة من دية زوجها ورجوعه عنه لحديث امرأة أشيم الضبابي كما تقدم في المسألة الرابعة والعشرين من الفصل الثاني.
ه ما روي عنه من القول ببعيرين في الكسر بعد الجبر وقضائه بدية الكسر كاملة بل بأكثر منها كما في العضد والفخذ والساق لموافقته حديث الديات الذي جاء من طريق عمرو بن حزم كما مر.
6 - قضاؤه في عين البعير بنصف قيمته ورجوعه عنه إلى ربع قيمته.
- ومن التضارب في الرواية عنه ما رواه عبد الرزاق وابن سعد عن هاني بن حزام قال: كنتُ جالسا عند عمر بن الخطاب فأتاه رجل فذكر أنه وجد مع
469 (1/469)
صفحة 470
امرأته رجلا فقتلهما، فكتب عمر إلى عامله بكتاب في العلانية أن يقاد منه وكتب إليه في السر أن يأخذوا الدية.
قلت: حاشا عمر له عن هذا الوصف، وهو الأمير العادل أن يأمر بقتل نفس بريئة أو يهدر دم أخرى بغير حق، أو ينافق فيحكم في العلانية بحكم يسفك به دم نفس، ويحكم في السر بضده فيكون له وجهان، ومثل هذا ينزه عنه أمير المؤمنين رحمه الله ورضي عنه، وقد روي عنه أنه سَلَّ السيف للقاتل وناوله إياه وقال له: "إن عاد فعد" وذلك على مرأى ومسمع من الناس كما مرّ.
وروي من طريق سليمان بن يسار عن جندب أنه وجد في بيته رجلا فرض أنثييه فأهدره عمر وعن القاسم بن محمد أنَّ رجلا وجد في بيته رجلا فدق كل فقار في ظهره فأهدره عمر أيضا.
1 - ينظر: كنز العمال ج 15 وفتح الباري ج 2 ص 181 شرح ح 6846 باب حديث من رأى مع امرأته رجلا فقتله والمسألة التاسعة عشرة من الفصل الأول في هدر دم من انتهك حرمة بيت مغلق على
أهله.
2 - الكنز ج 15 ص 98 ح 40250 أخرجه عبد الرزاق 437/ 9 - 17925. وتنظر المسألة التاسعة عشرة في هدر دم من انتهك حرمة بيت مغلق على أهله من الفصل الأول. فقد سبق تخريج الآثار المروية عن عمر ه هنالك.
470 (1/470)
صفحة 471
التنبيه الثالث
رواية عمرو بن شـ عن أبيه عن جده اختلف فيها فأعلها بعضهم بأنها رواية صحيفة وأن عمرو بن شعيب لم يدرك جده عبد الله بن عمرو وقبلها آخرون والأرجح قبولها ما لم تخالف ما هو أقوى منها.
وهو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص.
والمراد بجده جد شعيب وهو عبد الله بن عمرو بن العاص، فالضمير في جده يعود على شعيب وفي أبيه يعود إلى عمرو بن شعيب كما جاء مصرحا به في بعض
الروايات "عن جده عبد الله بن عمرو. "
1 - ويدل لذلك أيضا ما رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب أن أباه أخبره عن عبد الله. بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " في المواضح خمس." كتاب الديات ج 4 ص 451 ح 4566 بتعليق الدعاس
وعادل السيد. (1/471)
صفحة 472
الخاتمة في ذكر بعض أحكام تتعلق بالسفن البحرية والبرية والجوية
وضمان المتصادمين
بعد هذا العرض البسيط المتواضع الذي أسأل الله العلي القدير أن أكون قد وفقت فيه على ما يحبه تعالى ويرضاه، رأيت لا بد لزاما عليَّ وإتماما للفائدة أن أختمه بنبذة بسيطة من أحكام السفن البحرية والبرية والجوية، وما يتعلق بذلك من ضمان المتصادمين وجرح العجماء والمعدن والبئر.
ولما لحوادث السير من أهمية عظيمة في ذلك؛ فقد رأيت لزاما علي أن أكتب ما ييسره الله لي إتماما للفائدة وخدمة للإسلام والمسلمين إنه القادر على كل شيء. وأسأل الله العلي القدير أن يمن علي بحسن الختام والتوفيق في كل ما يرضاه إلى يوم لقاه
أي
(السُّفُنُ) جمع سفينة وهي المركوب البحري سميت بذلك لأنها تسفن الماء أي تقشره، وقيل: لأنها تسفن الرمل إذا قل الماء، وقيل: لأنها تسفن على الأرض، تلزق بها، وتجمع على سفاين وسَفِين، وتطلق على كل مركوب، ولو غير بحري تجوزا، ويقال للإبل سفن البر. ولذا اخترت هذا التعريف لشموله الكل.
والسَّفَنُ بالتحريك ما ينحت به الشيء وسَفِينَة أيضا لقب لمولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لمولى لأم سلمة أو لمولى لعلي كرم الله وجهه سمي بذلك لحمله الحسن والحسين تشبيها بالسفينة واسمه مهران وقيل رومان وقيل عبس وقيل قيس.
1 - انظر: تاج العروس مع بعض تصرف ج 236/ 9.
472 (1/472)
صفحة 473
إن انكسرت سفينة في عمق البحر بحث لا يستطيعون النجاة من البحر إلا بالركوب مع أخرى، فأراد أهل السفينة المتعطلة الركوب مع سفينة أخرى، وكره أصحابها، فتعلق أولئك بها حتى غرقت الصحيحة، فعلى المتعلقين بالسفينة الضمان؛ لأنهم تعلقوا دون رضا من أربابها، وهم أعلم بقدرة سفينتهم واستطاعتها لتحمل زيادة الحمولة والثقل، فكان المتعلقون سببا لتلفها والاضرار بها.
إلا أن يكون فيها قدرة تحمل، وكانوا لا يستطيعون النجاة دون ذلك، وطلبوا منهم فأبوا فتعلقوا فغرقت فلا شيء علهم، فقد قيل لا ضمان على المتعلقين بها وذلك لوجوب التنجية على القادر لغيره عند حدوث الضرر، وقد تحقق الضرر هنا على الذين تعطلت سفينتهم، فوجب عونهم ورفع الضرر عنهم مع القدرة على
ذلك.
قلت: الظاهر أنَّ المتعلقين ضامنون على أي حال لأنها غرقت بسبهم، والمتسبب ضامن للمال والنفس إن حصل ضرر بسببه، ولو كان ذلك السبب جائزا في الأصل، وإنما يرفع عنه الإثم فقط دون الضمان للقاعد المشهورة "الخطأ في النفس، أو المال، يرفع الإثم دون الضمان.؟ أو "الخطأ في النفس والمال مضمون
وإن تصادمت سفينتان فالضمان على الصادمة، وإن عطبت الصادمة فلا شيء
لها.
1 - انظر: ابن جعفر وبيان الشرع ج 65 ص 8 والجواهر لأبن عبيدان ج 19 ط ت. 2 - انظر: ابن جعفر ق م ص 101 وبيان الشرع ج 65 ص 8 ط التراث.
473 (1/473)
صفحة 474
قلت: إلا أن تكون المصدومة اعترضت للصادمة في طريقها فلم يستطع ربَّانُ الصادمة التحول عنها لتفادي الخطر، فالضمان على المصدومة؛ لاعتراضها وتسببها في ذلك.
وكذا الحكم في السيارات البرية والطائرات الجوية، إلا أن يكون قائد الصادمة له سبب في ذلك؛ كتعد في السرعة بحيث لو لم يتعد لأمكنه التحول أو الوقوف فهو ضامن لتسببه في ذلك.
وإن تلاقتا فاصطدمتا غرمت كل واحدة منهما الأخرى وكذا الفارسان وغيرهما وإن وقف من ظن منهما أنه سيقع التصادم حذرا من ذلك فصدمه صاحبه
فالضمان على الصادم إن لم يكن وقوف المصدوم سببا لذلك.
وإن صدمت الجارية واقفة فلا يخلو من أحد أمرين إما أن تكون الواقفة واقفة في غير قارعة الطريق أو فيها لكن بسبب عذر يبيح لها الوقوف كعطل فيها أو انتظار مار خشية إصابته أو لوقوف التي أمامها أو غير ذلك من الأسباب المبيحة للوقوف لها فالضمان على الصادمة لتسبها في ذلك.
وإن كان بغير عذر، بل بتعد فالضمان على الواقفة المصدومة لاعتراضها في الطريق بغير حق إلا أن يكون ربان الصادمة له سبب في ذلك كتعد في السير
بحيث لو لم يتعد لأمكنه التحول أو الوقوف ولم يقع المحذور كما سبق بيانه.
1 - بالإضافة إلى المراجع السابقة، انظر أيضا المصنف للكندي ج 156/ 18 ومصنف ابن ابي شيبة ج 6 ص 343 فما بعدها وص 384 فما بعدها والأم للشافعي ج 6 ص 111 - 112 مرجع سابقة.
474 (1/474)
صفحة 475
واستثنى العلامة إبراهيم بن سعيد العبري الواقفة من الطائرات في الجو بأن لا
ضمان عليها، بل الضمان على الصادمة معللا ذلك بأنَّ وقوفها في الجو لا يعد تعديا (1)
1 - الطائرات الجوية لا يمكنها الوقوف في الجوّ بل ليس لها أن تُخَفّض سرعتها عن حد معين، وهو عال نسبيا وإلا انهارت نحو الأرض، وبذلك تحصل كارثة عظيمة على الطائرة ومن فيها، وعلى من تسقط عليه في سطح الأرض، ويستثنى من ذلك الطائرة العمودية، فهي التي يمكنها الوقوف في الجو، وفي العادة أنها تقف على ارتفاع منخفض، ومن النادر عمليا وقوع الاصطدام بهذا السبب، ولا يمكن حصر مسؤولية حوادث الطيران على قائد الطائرة، ولا إخلاء المسؤولية عنه إذْ لكل حالة حكمها الأنظمة والقواعد والأحكام عند أرباب هذا الفن، وقد يكون سببه خطأ الطيار أو المراقب الجوي أو الأرصاد، أو حدوث عطل فني، أو خطأ الملاحة الجوية أو الركاب أنفسهم أو المستثمرين للطائرة أو مسؤولي الشحن، ويمكن تلخيص أهم أسباب حوادث الطيران التي تسبب تلفا في الأنفس أو الأموال أو فيهما معا في الأسباب التالية:- أ- أخطاء الطيارين وذلك في التعامل مع أجهزة الطائرة ومعداتها أو أسلوب استجابتهم لتوجيه المراقبة الجوية سواء بعدم امتثال الأوامر أو مخالفتها أو الإهمال في ذلك أو سوء تصرفهم تجاه
حسب
المفاجئات. ب أخطاء المراقبة الجوية الأرضية فمسارات الطيران والارتفاعات والإقلاع والهبوط والالتفاف کلہا عمليات لا تكون إلا بتوجيه أو استئذان المراقبة الجوية وقد وقعت حوادث عديدة بسبب خطأ المراقبة.
ج - الأعطال الفنية والتي قد تكون بسبب سوء الصيانة أو إهمالها أو عدم فحص الطائرة بالدقة قبل الإقلاع أو الفشل العارض أو خطا المهندسين المختصين بفحص الطائرة وتجهيزها قبل الإقلاع. د - سوء الأحوال الجوية فالعواصف الرعدية - مثلا - سبب للحوادث خصوصا عند النزول.
475 (1/475)
صفحة 476
وكذا الواقفة من السفن في مرساها البحري بخلاف السيارات البرية فإن وقوفها في الطريق يعد تعديا إلا بعذر يبيح لها الوقوف وإن اختلف أصحابها وكل واحد يدعي أن طائرته أو سيارته أو سفينته هي الواقفة في المحل الذي لها الوقوف فيه فكل واحد مدع على الآخر.
وإن جعل للسيارات طريق خاص لا يسلكه المشاة فسلكه من له علم بذلك فأصيب بضرر من قبل السيارات فلا ضمان على أصحابها إن سلموا من قصد التعدي ولم يكن السالك طفلا، أو مجنونا، أو أعمى، أو غريبا لا علم له بالتخصيص، والأصل عدم العلم ومدعيه هو المدعي وعليه البيان، وإلا فيمين
ذلك بعدم
علمه.
هـ- غبار البراكين الذي يدخل في المحركات ويوقفها عن
أداء مهمتها.
و الأجسام الغريبة وهي كل جسم صغير يصطدم بالطائرة كالطيور والعلب والأكياس وما شابهها التي تدخل في المحركات فتوقفها أو تضعفها عن العمل.
ز- العمل التخريبي كالقنابل داخل الطائرة أو الصواريخ الموجهة إليها أو الاختطاف أو تعطيل فني في أجهزة الطائرة عمداً وهنالك أسباب أخرى تكشفها عادة لجان التحقيق.
ولكل نوع من هذه الأنواع حكم يخصه وقواعد تضبطه سواء في تكييف الواقعة أو مسؤوليتها وعلى من تعود أو قدر حجم الضمان المترتب على ذلك مع عدم الإغفال بأن في معظم الأحيان يكون حجم الضرر كبيراً ولا يستطيع الأفراد أداءه لولا وجود قواعد تسهل ذلك ولا بد من النظر الفاحص لهذا الحكم ولعلماء الإسلام النظر الواسع في إيجاد الحلول المناسبة التي تتفق وقواعد الشريعة السمحة الواسعة. ينظر في ذلك قوانين الطيران أهمها قانون الطيران المدني التجاري.
1 - راجع العقد الثمين في الدعوى واليمين تأليف العلامة حمد بن عبيد السليمي ص 2 - المرجع السابق مع بعض تصرف ص 106.
107 - 103
476 (1/476)
صفحة 477
ورفع الضمان عن صاحب السيارة اذا توفرت الشروط المذكورة بسبب تعدي المار لأنه كجالب الضرّ على نفسه وبشرط ألا يكون لصاحب السيارة سبب في ذلك كتعدٍ في السير وعدم الانتباه بحيث لو لم يتعد استطاع السيطرة على
سيارته
ولم يقع الضرر بالغير.
وكذا في حكم من يقطع طريق السيارات إذا دخل فيها فجأة فأصيب من غير تعد من صاحب السيارة وكون قاطع الطريق بالغا عاقلا بصيرا مختارا سالما من الذهول والغفلة.
ومن كان راكبا فيها فأصيبت بصدام أو انقلاب أو تدهور بسبب رَبَّانِي من غير إهمال من سائقها ولا تعد منه وذلك كأن ينفجر شيء من إطاراتها أو يتعطل شيء من أعمدتها التي عليها مدار سيرها فجأة ولا بسبب زيادة في حمولتها فلا ضمان لراكبها على سائقها لعدم تسببه في ذلك.
أمَّا إن كان له سبب كإهمال في عدم تأمل صلاحيتها أو إصلاحها أو تعد في السير أو زيادة في الحمل أو عدم الانتباه إلى غير ذلك من الأسباب فهو ضامن عليه الدية والكفارة في النفس، والأرسُ فيما دونها، وضمان الأموال بل وضمانها إن كانت لغيره، وكذا إن أحس بخلل فيها فلم يبادر إلى إصلاحها وواصل سيره فيها فهو
ضامن.
ومن تعمد من السائقين مخالفة العلامات المنصوبة والأمور المحدودة في نظم
477 (1/477)
صفحة 478
السير من ذوي الخبرة وأهل الشأن فأحدث ضررا بسبب ذلك فهو ضامن في النفس والمال.
وكذا الحكم في السفن البحرية إن أصيبت بسبب هياج البحر أو خبه في حالة مواصلة السير فلا ضمان على أصحابها في نفس ولا مال أما إن بدأ الهياج قبل الشروع في السير فتعمد السير على تلك الحال فلراكبها الضمان في النفس والمال وكذا إن أصيبت بسبب من نَاخِذِها [مالكها]- كزيادة في حملها، أو عدم تأمل صلاحها أو إصلاحها أو بسبب من رُبَّانها كتعد في السير أو تغيير الطريق المسلوك إلى غير ذلك من الأسباب فالضمان أيضا.
وإن أصاب السيارة كسر أو غيره من الفساد في جسمها من غير اصطدام في شيء فالقول قول سائقها إنه غير متعد في السير والحِمْل ومدعي التعدي هو المدعي قلت: لأنَّ الأصل براءة الذمة من الضمان ومدعي التعدي مدع لشغلها بالضمان فهو المدعي.
وهل الأصل في حوادث السيارات العمد أم الخطأ خلاف، فالإمام الخليلي رضوان الله عليه يرى بالمقدمة العمد وبالمؤخرة، الخطأ وغيره من العلماء يرى الخطأ مطلقا سواء بالمقدمة أو بالمؤخرة.
قلت والأظهر أنه من قبيل الخطأ شبه العمد كما سيأتي بعد؛ لأن في حكم العمد وجوب القصاص في النفس، ولا يمكن بأي حال أن يحكم بقتل إنسان وسفك دمه بمجرد كونه أصاب إنسانا بمقدمة سيارته؛ إلا إن ثبت ذلك في شخص بعينه
1 - المرجع السابق.
478 (1/478)
صفحة 479
أنه تعمد ذلك، كأن يعترف بقصد العمد أو يشاهده العدول في حالة ذهابه قاصدا لصدم ذلك الإنسان، فمن ثبت عليه العمد حكم عليه به بخلاف القتل بالسلاح ونحوه كما مر بيانه في محله، ولا بد من الأخذ بالقرائن حتى لا يسفك دم
نفس بريئة بغير حق، أو يهدر دم، أخرى، فإنَّ كلا الأمرين عظيم وأحلاهما مُرٌّ.
لكن لا يمكن بأي حال أنْ يقال بأنه خطأ محض وتُلزم العاقلةُ بتبعاته، وإنما هو حسب نظري القاصر من قبيل شبه العمد الذي تكون تبعاته على المتسبب وحده؛ كما مرَّ في حكم قتل شبه العمد.
وحوادث السير وخاصةً في زماننا هذا معظمها لا تخلو من سبب من السائق إما: بإهمال منه وذلك بعدم شعوره بالمسؤولية الملقاة على عاتقه، أمام الله والخلق أو زيادة سرعة أو انشغال بشاغل جانبي، أو استهتار ورعونة، أو سكر، أو عدم رخصة تؤهله للقيادة، أو مخالفة للنُّظِم والقوانين المنظمة للسير، أو عدم صلاح المركبة للسير، أو عدم التأكد من صلاحيتها للخدمة عند إرادة قيادتها، إلى غير ذلك من الأسباب، ومن شرط تحمل العاقلة أن تكون الجناية خطاً محضا لا سبب فيها للجاني، كما مر تعريف الخطأ في محله، فارجع إليه وخذ الحق، واترك الباطل، فالباطل مردود بإذن الله عل.
6
وإنما قلت والأظهر أنَّه من قبيل الخطأ شبه العمد إلخ؛ أخذا من قوله "ألا في قتيل الخطأ شبه العمد .. " الحديث المتقدم في شبه العمد، فليتأمل جيدا فإنه واضح للمتأمل، والعلم عند الله تعالى.
1 - سبق الحديث بعدة ألفاظ ومن عدة طرق انظر: المسألة السابعة عشرة في قتل شبه العمد.
479 (1/479)
صفحة 480
وقد جاء في الحديث الشريف عنه الله أنه قال: "جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ، وَالْبِثْرُ جُبَارٌ،
و
وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ."
والعجماء البهيمة من كل حيوان، والمراد بجُرحها ما يحصل بالواقع منها من ضرر في غيرها في نفس أو مال؛ إذا لم يقصر ربها في حفظها، والجبار الهدر الذي لا شيء فيه، وسيأتي بسط ذلك إن شاء الله تعالى.
والبئر إن كانت في البادية أو في ملك إنسان فيقع فيها إنسان أو دابة فلا شيء فيه
على أحد، بل مهدور إلا أن يكون لحافرها سبب في ذلك كما سيأتي إن شاء الله. قال أبو معاوية في قوله صلى الله عليه وسلم: "البئر" "جبار إنما هذا إذا كان فيما يملك الرجل فأما من حفر بئرا في طريق المسلمين فهو ضامن، وكذا ما أحدثه في ملك غيره دون
إذنه.
ومن أدخل في ماله إنسانا فسقط في البئر فهو ضامن له إن لم يُحَذِّره ويخبره بها، وذلك إذا كانت خَفِيَّة لا تُبصَر، وكانت عرضة للخطر بحيث لم تكن مُوَثَّقةً بما
1 - رواه الإمام الربيع في مسنده بسنده من طريق أبي سعيد، وأصحاب السنن من طريق أبي هريرة الجامع الصحيح ج 60/ 2 و 272/ 3 والبخاري في الزكاة وفي الديات فتح الباري ج 265/ 12 وابو داود ح 4593 والنسائي في الزكاة ح 2496 باب المعدن، وابن ماجه في الديات ح 2673 باب الجبار، ومسلم في الحدود والترمذي في كتاب الأحكام ح 1377 باب العجماء جرحها جبار. وابن أبي شيبة بهذا اللفظ ج 6 ص 352، وبلفظ " الرّجل جبار " وابن أبي عاصم في الديات بعدة الفاظ ح 187
و 188 و 190 و 191 و 192 بلفظ: النار جبار و 193 و 195 بلفظ الرّجل جبار. وغيرهم.
2 - انظر المدونة الكبر ج 3 ص 241 ط التراث مرجع سابق
480 (1/480)
صفحة 481
يمنع السقوط فيها، أو كان الداخل أعمى، أما إن كان الساقط داخلا بنفسه من
غير إذن رب المال، فلا شيء له لتعدّيهِ في الدخول بلا إذن.
وإن حفر حافر بئرًا في طريق ثم جاء آخرُ فزاد في حفرها فسقط فيها إنسان أو دابة فالضمان عليهما معا، وإن حفرها في الطريق مثلا فسدها وأوثقها وجاء آخر فحفرها وأظهرها فالضمان على الثاني.
والمعدن كمَجلِس هو الجوهر المستخرج من باطن الأرض وذلك بأن يستأجر إنسان آخر ليعمل في إخراج المعدن فهلك أو أصيب بشيء من الضرر في بدنه فلا شيء على من استأجره
وكذا من استأجر جدارا ليقيمه فانهدم عليه أو فلجا يحفره فانهدم فيه، أو نخلة يطلعها فسقط منها، فإنه هدر لاتفاق المعنى.
ومن عثر بحجر في الطريق فسقط في البئر فالضمان على واضع الحجر أما إن لم يكن له واضع فعلى حافر البئر الضمان.
1 - من المعلوم أن المتسبب بخطئه ضامن لما حدث بسببه من ضرر، فإن كان بإتلاف نفس فالدية والكفارة، إذ يعطى حكم قتل الخطأ، إلا أنه يخالفه في هذه الواقعة في الكفارة، وذلك لعدم مباشرته للفعل؛ فحافر البئر مثلا متسبب بالحفر، ولا مباشرة منه للفعل المؤدي إلى هلاك الساقط في البئر، فلا كفارة عليه؛ لأنَّ الكفارة شُرعت جزاء المباشرة للفعل. انظر طلعة الشمس ج 2 ص 373، الكلام على فروع العبادات، وانظر ص 356 نفس المرجع الفرق بين العلة والسبب" ن مكتبة نور الدين بدية.
2 - شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب ج 2 ص 61 و ج 3 ص 273.
481 (1/481)
صفحة 482
ومن حفر حُفَراً على جنب أرضه في غير الطريق حيث يجوز له ذلك فوقعت فيها الدواب فعن أبي عبد الله لا شيء عليه؛ إن كان قاصدا إذهابها وصرفها عن ماله.
وإن كان يريد بذلك هلاك الدواب فعليه الضمان، وقيل: لا ضمان عليه على أي حال؛ إن كان الحفر في ماله أو حيث يجوز له فعل ذلك، ولا ضرر منه على الغير، أما إن كان على طريق المسلمين أو حيث لا يجوز له ذلك فهو ضامن؛ لأنه مُتَعَةٍ.
وقيل: إن كانت الحفر حول ماله؛ حيث يجوز له حفرها، فإن كانت الحفر يبصرها البشر، والدواب متبينة ظاهرة، فلا ضمان عليه، وإن كانت خفيةً لا تبصر فعليه الضمان
وإذا نخس إنسان دابة فهو ضامن لما أصابت ولو كان عليها راكب فسقط على آخر فالناخس ضامن لما أصابهما وإن رمحت ناخسها فدمه هدر، وإن نخسها بأمر راكبها فالضمان عليهما معا، وإن سارت الدابة بعد نخسه وسياقته فأضرت فالضمان على الراكب دون الناخس إلا أن يكون تعدى في سياقته لها فالضمان عليهما معا.
وإن كان سائق وراكب وقائد فالضمان علهم كلهم والدابة التي عليها راكب فما أصابت بمقدمها فالضمان على راكبها وبمؤخرها هدر إلا أن يكون له سبب في
ذلك.
وقائد قطار الإبل ضامن إن قاده في طريق المسلمين وإن كان معه سائق فعليهما معا وإن كان عليه حمل فسقط شيء منه وأضر بالغير فالضمان على القائد أما
1 - ينظر المصنف ج 18 ص 165 - 168 ط التراث.
482 (1/482)
صفحة 483
إن ربط إنسان بعيرا في القطار بغير إذن صاحبه ولا علم منه فالرابط ضامن فيما تولد من ضرر بسببه.
ولو أنَّ إنسانا وضع حجرا أو غيره في الطريق فعثرت به دابة، فأصابها ضرر بسبب العثار، أو أضرت بالغير في نفس أو مال فالضمان على واضعه وليس على صاحب
الدابة شيء. ويسري هذا الحكم على السيارات وشبهها في هذا وشبهه بل ضررها أشدُّ والمسؤولية في ذلك أعظم.
وإذا عدا البعير على إنسان فأراد أن يأكله، وخاف على نفسه منه فقتله، فهل عليه ضمان أم لا؟ خلاف، فعن مالك لا ضمان عليه إذا جاء ببينة تشهد له وإلا فهو ضامن وعن الزهري الضمان.
قال أبو معاوية عزان بن الصقر: قد اختلف في هذا، وأَحَبُّ إلينا ألا يضمن لأنه ليس بمتعد، وإنما هو دفع عن نفسه، إلا أن يكون البعير يندفع بغير القتل،
فإنه يضمن.
وللعلامة السيابي في سلكه التفصيل من حيثُ القصد فإن كان قاصدا الدفاع
1 - ينظر ابن جعفر ق 3 م ص 100 - 101 و 117 - 118 ونصب الراية ج 4 ص 388 - 389 وابن أبي شيبة ج 6 ص 343 - 344 السائق والقائد والردف و 351 - 354 الفحل والدبة والمعدن والبئر و 438؛ الرجل ينخس الدابة .. مرجع سابق.
483 (1/483)
صفحة 484
عن النفس فلا ضمان عليه، وإن كان قاصدا لقتل البعير فهو ضامن بقصده. واختلف في ضمانه أيضا في دفعه عن ماله.
واعلم أنَّ جُرح العجماء جبارٌ أي هدر، فلا ضمان على ربها فيما أصابت بنفسها إن لم يكن سائقا لها أو راكبا أو قائدا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم جرح العجماء جبار"" إلا أن
تكون معروفةً بالتعدي والضر، وتُقدّم على ربها فقصر في حفظها فهو ضامن.
أمَّا إِنْ حفظها بما يُحفظ به مثلُها فانفلتت من غير تقصير منه فلا ضمان عليه، ويدخل في جرحها جميع الإتلافات والمضرات وعبر الشارع به لأنه الأغلب أو مثال نبه به على ما عداه.
أما الجناية على الدابَّة فقد وردت بعض الآثار عن بعض الصحابة والتابعين وغيرهم بأن في عين الدابة ربع قيمتها روي ذلك عن عمر وعلي والشعبي وشريح وحماد وغيرهم، وقد رفعه بعضهم إلى النبي، ولكن فيه إسماعيل بن يعلي أبو أمية الثقفي متروك الحديث.
وروي عن شريح "في ذنبها ربع ثَمَنها أيضا وعن الشعبي "في ذنبها أو أذنها ما نقصها"
1 - خلفان بن جميل السيابي سلك الدرر ج 2 ص 216 ط 1.
2 - رواه الربيع بسنده من طريق أبي سعيد وأصحاب السنن من طريق أبي هريرة، راجع أيضا نصب الراية ج 388/ 4، وتقدم أيضا، وانظر ابن أبي شيبة ج 352/ 6.
راجع شرح الجامع الصحيح ج 60/ 2 و 272/ 3.
- راجع نصب الراية ج 388/ 3 والمجموع في الضعفاء والمتروكين للنسائي ص 53.
??? (1/484)
صفحة 485
فإذا قطعت يدها أو رجلها فالقيمة وعن قتادة ثَمَها وتدفع إليه.
وعند أصحابنا في عينها ربع قيمتها وما عداها تقوم صحيحة وعليلة ويعطى صاحبها الفضل من ذلك فإن ذهبت عيناها فالقيمة كلها ويسقط عن الجاني قيمة لحمها إن كانت مما يؤكل وكذا إن قطعت يدها أو رجلها فعن ابن جعفر وقيل: في عين الدابة ربع ثمنها إذا ذهبت بالجناية وأما يدها أو رجلها إذا كسرت فتقوم صحيحة ومكسورة ثم يكون لصاحبها الفضل من ذلك وكذلك ما يقع في الدابة من الكسر والجراحة تقوم صحيحة ومكسورة أو مجروحة ثم يكون لصاحبها الفضل على الجاني
وفي المصنف مثل ذلك إلى أن قال: ومن عور عيني دابة قُوّمَ لحمها صحيحة، وعن أزهر بن محمد قيل عن عزان لعين الدابة إذا ذهبت ربعُ ثَمَنِها، فإن ذهبتا جميعا فالثَّمَنُ كلُّه ويكون لحمها لربها، ويرفع عنه ثَمَنُ اللحم من جملة ثمنها إن كانت مما يؤكل لحمه، وإن كانت مما لا يؤكل لحمه مثل الحمير والخيل لم يرفع له شيء" ومَن عَقَر دابةً فماتت في الوقت أو قرب الوقت أعطى قيمتها وإن ماتت بعد ذلك
1 - المراد بقوله ثمنها في الوجهين قيمتها ففي الأولى ربع قيمتها وفي الثانية قيمتها كاملة. 2 - المصنف لابن أبي شيبة ج 355/ 6 وخلاصة الوسائل ج 2 ص 569 وابن جعفر ق 3 م ص 40 ومنتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 155/ 6، والمصنف للعلامة الكندي ج 119/ 18 - 121. - الكندي المصنف السابق. منهج الطالبين 236/ 18 فما بعدها، ط التراث، وج 10 ص 62 فما بعدها مكتبة مسقط. القول التاسع في الدواب وأحداثها والإحداث فيها وأحكام ذلك. الكوكب الدري لعبد الله الحضرمي (374/ 4 فما بعدها النهج الثالث عشر فيما يجوز للحاكم من الوكالة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)
485 (1/485)
صفحة 486
قومت سالمة ومعقورة، وأعطي مالكها ما نقص من قيمتها.
واعلم أنه إذا اختلف رب الدابة والمدعى عليه فقال رب الدابة - مثلا - كسرت، أو جرحت دابتي، وأنكر المدعى عليه، فإن الأصل براءة الذمة ومدعي شغلها هو، المدعي، فإن أتى صاحب الدابة ببينة تشهد له بدعواه قبلت؛ إن كانت عادلة، وإلا فيمين المدعى عليه، فإن ثبت الضمان على المدعى عليه ببينة أو إقرار أو يمين صاحب الدابة؛ إنْ ردها عليه المدعى عليه بعد فرضها عليه، فقيمة العدول هي الفاصل بينهما، فإن تعذر ذلك فالقول قول الغارم مع يمينه؛ إلا إن ردها على صاحب الدابة فيقبل رده، ويقسم صاحب الدابة على تعيين قيمتها إن طلب منه
الغارم ذلك فإن حلف لزم الغارم ما حلف عليه المالك.
1 - انظر: المراجع السابقة والضياء للعوتبي ج 15 ص 139 فما بعدها. ط التراث الأولى.
486 (1/486)
صفحة 487
الملاحق
الملحق الأول: كتاب رسول الله لأهل اليمن
"النص"
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ إِلى شَرْحَبِيل بن عَبْدِ كلالٍ والحارِثِ بْنِ عَبْدِ كُلالٍ وَنُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ كُلالٍ قَيْلِ ذِي رُعَيْنٍ ومَعَافِرَ وَهَمَدَانَ. أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ رَجَعَ رَسُولُكُمْ وَأُعْطِيتُمْ مِنَ المغانِمِ خُمْسَ اللهِ، وما كَتَبَ اللهُ على المُؤمِنِينَ مِنَ العُشْرِ في العَقارِ، وما سَقَتِ السَّماءُ أوْ كانَ سَيْحاً (2) أوْ كانَ بَعْلاً فَفِيهِ العُشْرُ إِذا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقِ، وَمَا سُقِيَ بِالرَّشَا، وَالدَّالِيَةِ، فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ، إِذا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وفِي كُلِّ خَمْسٍ مِنَ الإِبْلِ سائِمَةٍ شَاةٌ إلى أنْ تَبْلُغَ أَرْبَعاً وَعِشْرِينَ فإذا زَادَتْ وَاحِدَةٌ عَلَى أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مخاضٍ فإِنْ لَمْ تُوجَدْ بِنْتُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ إِلى أَنْ تَبْلُغَ خَمْساً وثَلَاثِينَ فَإِذَا زَادَتْ على خَمْسٍ وَثَلاثِينَ وَاحِدَةٌ فَفِيها بِنْت لَبُونِ إِلَى أَنْ تَبْلُغَ خَمْساً
1 - قيل ذي رُعَين: القَيْل: الملك من ملوك حمير يتقيل من قبله من ملوكهم؛ أي يشبهه، وجمعه أقيال وقيول، وذُو رُعين من أذواءِ، اليمن، وهم ملوكها، ثم هي قبيلة منها وكذلك معافر وهمدان. وقال ثعلب الأقيال الملوك من غير أن يُخَصَّ بها ملوك حمير. . أنظر اللسان مادة {قَيَلَ}
2 - سيحاً: في حديث الزكاة "ما سُقِيَ بالسيح ففيه العشر" أي بالماء الجاري. النهاية "433/ 2" 3 - أوسق: الوشق ستون صاعا قال الخليل: الوَسْق حمل البعير، والوقر حمل البغل والحمار. المختار "572"
??? (1/487)
صفحة 488
وأَرْبَعِينَ فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةٌ على خَمْسٍ وأَرْبَعِينَ فَفِها حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الجَمَلِ إِلى أَنْ تَبْلُغَ سِتِّينَ فإذا زادَتْ واحِدَةٌ على سِتِّينَ ففيها جَذَعَةٌ إلى أنْ تَبْلُغَ خَمْساً وَسَبْعِينَ فَإِذا زَادَتْ وَاحِدَةٌ عَلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ ففها بِنْتا لَبُونِ إِلى أَنْ تَبْلُغَ تِسْعِينَ فَإِذا زادتْ واحِدَةٌ ففها حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْجَمَلِ إلى أنْ تَبْلُغَ عِشْرِينَ وَمائة فما زادَ عَلَى عِشْرِينَ ومائة فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُون وفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الجَمَلِ وفِي كُلِّ ثَلَاثِينَ باقُورَةً (2) تَبِيعٌ جَدَعٌ أَوْ جَدَعَةٌ وفِي كُلِ أَرْبَعِينَ باقُورَةً بَقَرَةٌ، وفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً سائِمَةً شَاةٌ إلى أَنْ تَبْلُغَ عِشْرِينَ ومائة فإذا زَادَتْ على عِشْرِينَ ومائة واحدة ففيها شاتان إلى أنْ تبْلُغَ مِائَتَيْنِ فإذا زَادَتْ وَاحِدَةً ففها ثَلاثٌ إلى أنْ تَبْلُغَ ثَلَاثَمائة، فَما زَادَ ففي كُلِ مائة شاة شاة، ولا يُؤخَذُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ ولا عَجْفَاءُ ولا ذَاتُ عُوارٍ ولا تَيْسُ الغَنمِ، ولا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ ولا يُفَرِّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا أُخِذَ مِنَ الْخليطَيْنِ فَإِنَّهُما يَتَراجَعَانِ بالسَّوِيَّةِ بَيْنَهُما، وفي كُلِ خَمْسِ أَواقٍ مِنَ الْوَرِقِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، فما زادَ فَفِي كُلِ أَرْبَعِينَ دِرْهَماً دِرْهَمْ وَلَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ شَيْءٌ، وفي كُلِ أَرْبَعِينَ دِيناراً دينار، وإِنَّ الصَّدَقَةَ لا تَحِلُّ لِلْمُحَمَّدٍ وَلَا لِأَهْلِ بَيْتِهِ؛ إِنَّمَا هِيَ الزَّكاة تُزَكُونَ بها أنْفُسَكُمْ وَلِفُقَرَاءِ الْمُؤمِنِينَ وفي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَيْسَ فِي رَقِيقٍ ولا مَزْرَعَةٍ وَلَا عُمَّالِها شَيْءٌ إِذا كَانَتْ تُؤدّي صَدَقَتها مِنَ العُشْرِ، وَلَيْسَ فِي عَبْدِ مُسْلِمٍ وَلَا فِي فَرَسِهِ شَيْءٌ، وَإِنَّ أَكْبَرَ الكَبائِرِ عِنْدَ الله يَوْمَ القِيامَةِ الشَّرْكُ بالله، وَقَتْلُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ بَغَيْرِ حَقَ، والفِرارُ يَوْمَ الزَّحْفِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَرَمْيُ
1 - حِقَّة: الحِقُّ والحِقَّةُ: من الإبل ما دخل في السنة الرابعة إلى آخرها وسمي بذلك لأنه استحق الركوب والتحميل، ويجمع على حقاق وحقائق. انتهى. النهاية وطروقة الجمل: التي صارت صالحة
أن يطرقها الجمل، أي يعلوها للطرق، والطرق من الجمل كالجماع من الإنسان.
2 - باقورة: الباقورة بلغة اليمن البقرة. النهاية "145/ 1"
??? (1/488)
صفحة 489
المُحْصِنَةِ وَتَعَلَّمُ السّحْرِ، وأكُلُ الرّيا وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، وإِنَّ العُمْرَةَ الحَجُّ الأَصْغَرُ، ولا يَمَسَّ القُرْآنَ إِلا طَاهِرٌ، ولا طَلاقَ قَبْلَ أَمْلاكٍ، ولا عِتاقَ حَتَّى يَبْتَاعَ، ولا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ على مَنْكِبِهِ شَيْءٌ ولا يَحْتَبِيَنَّ فِي ثَوْبِ وَاحِدٍ لَيْسَ بَيْنَ فَرْجِهِ وَبَيْنَ السَّمَاءِ شَيْءٌ ولا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ في ثَوْبٍ واحِدٍ وَشِقُهُ بَادٍ وَلا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ عَاقِصَ شَعرِهِ، وَمَنِ اعْتَبَطَ (مُؤمِناً قَتْلاً عَنْ بَيِّنَةٍ فَإِنَّهُ قَوَدٌ إِلَّا أَنْ يَرْضَى أوْلِياءُ المَقْتُولِ وإِنَّ فِي النَّفْسِ "المؤمنة (2) الدِّيَةَ مائة مِنَ الإِبِلِ وفِي الْأَنْفِ إِذا أُوعِبَ جَذْعُهُ الدِّيةُ، وفي اللّسانِ الدِّيَةُ وفي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ وفي البَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ وفي الذَّكَرِ الدِّيَةُ وفي الصُّلْبِ الدِّيَةُ وفي العَيْنَيْنِ الدِّيَةُ وفي الرِّجْلِ الوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ وفي المأمُومَةِ ثلث الدِّيَة وفي الجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِيَةِ وفي المُنَقِّلَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ (4) مِنَ الْإِبِلِ وفي كُلِّ أَصْبُعِ مِنَ الْأَصَابِع في اليَدِ والرِّجْلِ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ وفِي السِن خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ
1 - اعتبطه أي قتله بلا جناية كانت منه ولا جريرة توجب قتله، فإن القاتل يقاد به ويقتل، وكل من مات بغير علة فقد اعتبط. يقال: مات فلان عِبْطةً، أي صحيحا، وعَبَطَتْه الداهية، أي: نالته، وعبطتُ الناقة واعتبطها: إذا ذبحتها وليست بها علة، فهي عبيطة، ولحمها عبيط. النهاية "172/ 3" - الطبراني بزيادة المؤمنة.
-2
3 - أوعب: أي قطع جميعه. النهاية "205/ 5" ب.3 شَرْحُ الْغَرِيب/ جدعا: الجدع: القطع. أوعب الإيعاب الاستئصال وكذلك أوعي جدعه، أي استوفي يعني إن قطع جميعه ففيه الدية
كاملة.
4 - المأمومة: الشجة التي تبلغ أم الدماغ وهي أن يبقى بينها وبين الدماغ جلد رقيق يقال: رجل أميم ومأموم النهاية."68/ 1" والجائفة هي الطعنة التي تنفذ إلى الجوف. النهاية 317/ 1". والمراد بالجوف: كل ما كان مجوّفا من جسم الإنسان كالبطن والدماغ والحلقوم وما شابهها، والمنقلة التي تكسر العظم وتنقله من
مكانه.
489 (1/489)
صفحة 490
وفِي المُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ "وفي الهاشمة عشر من الإبل" (1) وإِنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بالمرأة وعلى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ".
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ قَرَأْتُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الَّذِي كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ بَعَثَهُ عَلَى نَجْرَانَ وَكَانَ الْكِتَابُ عِنْدَ أَبي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَذَا بَيَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وَكَتَبَ الْآيَاتِ مِنْهَا حَتَّى بَلَغَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ. ثُمَّ كَتَبَ هَذَا كِتَابُ الْجِرَاحِ فِي النَّفْسِ مائة مِنْ الْإِبِلِ .. " نَحْوَهُ." أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ جَاءَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ حَزْمٍ بِكِتَابِ فِي رُقْعَةٍ مِنْ أَدَمٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَذَا بَيَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ" فَتَلَا مِنْهَا آيَاتٍ ثُمَّ قَالَ فِي النَّفْسِ مائة مِنْ الْإِبِلِ وَفِي الْعَيْنِ خَمْسُونَ وَفِي الْيَدِ خَمْسُونَ وَفِي الرِّجْلِ خَمْسُونَ وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ
1 - "وَفي الهاشمة عشر" عند النَّسَائِي وَابْن حبان والهاشمة التي تهشم العظم أي تكسره دون أن تحركه من مكانه فإذا حركته كانت منقلة. وقد سبق تخريج الحديث بكامله وبيان طرقه. ص 18/حاشية رقم 17/ وانظر تمهيد قواعد الإيمان للعلامة الرباني المحقق سعيد بن خلفان الخليلي ج 5 ص 220 فما بعدها ن مكتبة الشيخ محمد بن شامس البطاشي ت حارث بن محمد البطاشي ط الأولى.
2 - سنن النسائي ج ص 430 ح 4870 والبيهقي باب جامع الديات، وجامع الأصول في أحاديث الرسول المؤلف: مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري ابن الأثير (المتوفى: 606 هـ، الفصل الثالث: فيما اشتركت النفس والأعضاء فيه من الأحاديث.
490 (1/490)
صفحة 491
عَشْرَةَ فَرِيضَةً وَفِي الْأَصَابِع عَشْرٌ عَشْرٌ وَفِي الْأَسْنَانِ خَمْسٌ خَمْنٌ وَفِي الْمُوضِحَةِ
خَمْس.
وأَخْرَجَ الْبَهْقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، قَالَ: كَانَ فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى نَجْرَانَ: "وَفِي الْأَنْفِ إِذَا اسْتُؤْصِلَ الْمَارِنُ،
الدِّيَةُ كَامِلَةً".
1 - سنن النسائي ج 8 ص 430 ح 4871. وجامع الأصول في أحاديث الرسول تفسير سورة الواقعة. والمزي جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي (المتوفى: 742 هـ، تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف المحقق: عبد الصمد شرف الدين. مسند عمرو بن حزم والنووي المسند الجامع أبو الفضل السيد أبو المعاطي النووي المتوفى 1401 هجرية.
2 - المارِنُ: مَا دُونَ قَصَبَة الأَنْف وهو مَا لَانَ مِنهُ والجمعُ مَوارِن، "مختار الصحاح" 569. والأَنْفُ: مركَبْ مِنْ أربعَةِ أشياء: قصبةٍ ومارِنٍ وأرنبةٍ ورَوْثَة فالقصبة هي العظم المنحدر من مجمع الحاجبين. والمارن: هو الغضروف الذي يجمع المنخرين. والأرنبة طرف الأنف. والروثة: طرف الأرنبة. ينظر: "سبل السلام" 473/ 3، و نيل الأوطار " 213/ 7. وتسمى: الخثرمة قال الخليل: الخِثْرِمةُ: طرف الأرنبة التي يقال لها الروثة، ويقال ذلك إذا غلظت. ويقال: قبح الله خثرمة فلان أي: أنفه. العين للخليل الفراهيدي 340/ 1. مادة (خثرم) وقال في مادة (روث): الرَّوثة: طَرَفُ الْأَرْنَبة حيثُ يَقْطُرُ
الرُّعاف. العين للخليل الفراهيدي (164/ 2، وجلدتها تسمى الزانف. انظر العين مادة (زنف) - انظر: التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير ج 4/ 84 أبو الفضل أحمد بن علي بن أحمد محمد بن بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852 هـ) الناشر: دار الكتب العلمية الطبعة: الأولى 1419 هـ. 1989 م. وابن الملقن: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير. لسراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الشافعي المصري المتوفى: 804 هـ المحقق: مصطفى أبو الغيط و عبد الله بن سليمان وياسر بن كمال الناشر: دار الهجرة للنشر والتوزيع - الرياض- السعودية الطبعة: الأولى، 1425 هـ-2004 م
491 (1/491)
صفحة 492
الأنف إذا
الأنف، لما
وفي لفظ: "عن عمرو بن حزم الله أنه قال: «في كتاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَفِي أوعى جدعًا الدِّيَة». أي استوعب، وَحُمِل ذَلِك عَلَى المارن، دون جَمِيع رُوِيَ عَن طاووس له أَنه قَالَ: عِنْدِي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم وَفِيهِ: وَفِي الْأَنْفِ إِذَا قُطِعَ مَارِنُهُ مأئةٌ مِنْ الْإِبِلِ"
وقَوْلُهُ: فِي كِتاب عَمْرو بن حزم أَنَّ النَّبِي الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: فِي الْمُوَضَحَة خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ وَفِي الهاشِمَةِ عَشْرٌ وَفِي المُنَقِّلَة خَمْسَةَ عَشَرَ وَفِي الآمَّةِ وَيُروَى المَأْمُومَة ثُلث الدِّيَة" أخرجه: النَّسَائِي وَابْن حِبَّان مِن حَدِيثِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، وَقد تقدم.
وأخرج عبد الرزاق، عن ابن جريج عن داود بن أبي عاصم، سمعت سعيد بن المسيب يقول: قضى أبو بكر في الجائفة إذا نفدت في الجوف من الشفتين، بثلثي
الدية"2
ورواه هو وابن أبي شيبة من طريق عمرو بن شعيب، عن سعيد عن أبي بكر نحوه "" ورواه الطبراني في "مسند الشاميين" من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان،
1 - أَخرجه عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنِّفِهِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ ابْنِ طاووس، عَنْ أَبِيهِ بِه، 9/ 339، كتاب العقول: باب الأنف، حديث 17464 وأخرجه الشافعي في "الأم" 153/ 6، كتاب جراح العمد: باب دية الأنف معلقا، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ عُمَرَ، نَحْوهُ. وانظر: نيل الأوطار للشوكاني (17) والبدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير لابن الملقن (453/ 8) والتلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير لابن حجر العسقلاني (84/ 4) 2 - أخرجه عبد الرزاق 3709، كتاب العقول باب الجائفة، حديث 17629.
- أخرجه عبد الرزاق / 369، كتاب العقول: باب الجائفة، حديث 17623، وأخرجه ابن أبي شيبة 362/ 5، كتاب الديات باب الشفتان ما فيهما حديث 26919، من طريق عمرو بن شعيب قال:
492 (1/492)
صفحة 493
عن أبيه ومكحول، كلاهما عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو؛ أن أبا بكر، فذكره.
وأخرج البيهقي في كِتَاب الحُدُودِ والدِّيَات الصُّغَرَى والكُبْرَى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الفارسي حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي الدَّامِيَةِ بَعِيرٌ وَفِي الْبَاضِعَةِ بَعِيرَانِ وَفِي الْمُتَلاَحِمَةِ ثَلاثَةٌ مِنَ الإِبِلِ وَفِي السَّمْحَاقِ أَرْبَعٌ وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ وَفِي الْهَاشِمَةِ عَشْرٌ وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ وَفِي الرَّجُلِ يُضْرَبُ حَتَّى يَذْهَبَ عَقْلُهُ الدِّيَةُ كَامِلَةٌ أَوْ يُضْرَبَ حَتَّى يَغُنَّ وَلَا يُفْهَمَ الدِّيَةُ كَامِلَةٌ أَوْ حَتَّى يَبَعٌ فَلَا يُفْهَمَ الدِّيَةُ كَامِلَةٌ وَفِي جَفْنِ الْعَيْنِ رُبُعُ الدِّيَةِ وَفِي حَلَمَةِ الشَّدْي رُبُعُ الدِّيَةِ." وسنن الدار قطني، وكنز العُمَّال، ومُسْنَد عَبدِ الرَّزَّاقِ.
وحديث: "مَضَتِ السُّنَّةُ مِن رسولِ اللهِ الله والخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ أَلَّا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الحُدُود"
أخرجه ابن أبي شيبة في شهادة النساء من طريق الزهري وَأَخْرَجَ عَنْ الشَّعْبِي، وَالنَّخَعِي، وَالْحَسَنِ، وَالصَّحَاكِ، قَالُوا: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ أَخْبَرَنَا الحَسَنُ بنُ عِمارَةَ بنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ وَالدِّمَاءِ انْتَهَى.
قضى أبو بكر في الشفتين بالدية مائة من الإبل وانظر: التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير 83/ 4.
1 - انظر: الزيلعي نصب الراية ج 4 ص 79. وانظر: الدّرَايَة فِي تَخْرِيج أحاديث الهداية ج 2/ 278. أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852 هـ)
493 (1/493)
صفحة 494
وأخرج عبد الرزاق من طريق مكحول عن زيد بن ثابت في "الصَّعَر" إذا لم يلتفت الدية كاملة. وقد سبق في المسألة الثانية عشرة في الكلام على الجروح) ص 362.
494 (1/494)
صفحة 495
الملحق الثاني حديث إسلام زيد بن سعنة الذي سبق أن أتينا بطرف منه في دية الفزع.
حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمَّا أَرَادَ هِدَايَةَ زَيْدِ بْنِ سُعُنَّةَ قَالَ: مَا مِنْ عَلامَاتِ النُّبُوَّةِ شَيْءٌ إِلا وَقَدْ عَرَفْتُهَا فِي وَجْهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم حِينَ نَظَرْتُ إِلَيْهِ إِلا اثْنَتَيْنِ لَمْ أُخْبَرْهُمَا مِنْهُ يَسْبِقُ حِلْمُهُ جَهْلَهُ، وَلَا تَزِدْهُ شِدَّةُ الْجَهْلِ عَليهِ إِلا حِلْمًا، فَبَيْنَا أَنَا أَتَلَطَّفُ لَهُ أَنْ أُخَالِطَهُ، فَأَعْرِفُ حِلْمَهُ مِنْ جَهْلِهِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ لا يَوْمًا مِنَ الْحُجُرَاتِ، وَمَعَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبي طَالِبٍ فَجَاءَ رَجُلٌ يَسِيرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ كَالْبَدَوِيِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ بُصْرَى قَرْيَةُ بني فُلانٍ قَدْ أَسْلَمُوا وَدَخَلُوا فِي الإسْلامِ وَحَدَّثْتُهُمْ إِنْ أَسْلَمُوا أَتَاهُمْ أَرْزَاقُهُمْ رَغَدًا، وَقَدْ أَصَابَتْهُمْ سَنَةٌ وَشِدَّةٌ وَقُحُوطٌ مِنَ الْغَيْثِ وَأَنَا مُشْفِقُ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ الإِسْلامِ كَمَا دَخَلُوا فِيهِ طَمَعًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُرْسِلَ إِلَيْهِمْ شَيْئًا حَتَّى تُعِينَهُمْ بِهِ فَعَلْتَ. فنظر إلى رجل إلى جانبه أراه عليا فقال يا رسول الله ما بقي منه شيء، قَالَ زَيْدُ بْنُ سَعْنَةَ فَدَنَوْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ يَا مُحَمَّدُ هَلْ لَكَ أَنْ تَبِيعَنِي تَمْرًا مَعْلُومًا مِنْ حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ إِلَى أَجْلِ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ: "لَا يَا يَهُودِيُّ وَلَكِنْ أَبِيعُكَ تَمْرًا مَعْلُومًا إِلَى أَجْلِ كَذَا وَكَذَا وَلَا أُسَمِّي حَائِطَ بَنِي فُلَانٍ" قُلْتُ: نَعَمْ فَبَايَعَنِي، فَأَطْلَقْتُ هِمْيَانِي وَأَعْطَيْتُهُ ثَمَانِينَ دِينَارًا، فَدَفَعَهَا إِلَى الرَّجُلِ،
1 - في لفظ الطبراني في معجمه الكبير ج 5 ص 224 ح 5147 والحاكم في المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 700 ح 6547 أتاهم الرزق "رغدا" وهو أفصح وأصح؛ فيما يبدو لي، والعلم عند الله تعالى. واللفظ أعلاه لابن أبي عاصم على ما سيأتي بيانه إن شاء الله. 2 - في لفظ: "أراه عمر
495 (1/495)
صفحة 496
وَقَالَ: أَعْجِلْ عَلَيْهِمْ بِهَا وَاغْنِهِمْ قَالَ: فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ مَحَلِ حَقِي بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي جَنَازَةٍ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ. قَالَ زَيْدٌ: فَلَمَّا صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ وَدَنَا مِنْ جِدَارٍ لِيَجْلِسَ إِلَيْهِ جَذَبْتُ بِرِدَائِهِ حَتَّى سَقَطَ عَلَى عَاتِقِهِ، ثُمَّ أَقْبَلْتُ عَلَيْهِ بِوَجْهِ جَهْمٍ غَلِيظٌ، فَأَخَذْتُ بِمَجَامِعٍ قَمِيصِهِ وردائه فَقُلْتُ: أَلا تَقْضيني حقِّي يَا مُحَمَّدُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُكُمْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِمُطْلٍ، وَلَقَدْ كَانَ لِي بِمُخَالَطَتِكُمْ عِلْمٌ.
قَالَ زَيْدٌ: فَارْتَعَدَتْ فَرَائِصُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، كَالْفَلَكِ الْمُسْتَدِيرِ، ثُمَّ رَمَانِي بِبَصَرِهِ، فَقَالَ: أَيْ عَدُوَّ اللهِ أَتَقُولُ هَذَا لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَتَصْنَعُ بِهِ مَا أَرَى، وَتَقُولُ لَهُ مَا أَسْمَعُ، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَوْلا مَا أَخَافُ فَوْتَهُ لَسَبَقَنِي رَأْسُكَ، قَالَ زَيْدٌ: وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَنْظُرُ إِلَى عُمَرَ له، في سُكُونٍ وَتُؤَدَةٍ، ثُمَّ تَبَسَّمَ، ثُمَّ قَالَ: أَنَا وَهُوَ أَحْوَجُ إِلَى غَيْرِ هَذَا مِنْكَ يَا عُمَرُ، أَنْ تَأْمُرَنِي بِحُسْنِ الأَدَاءِ، وَتَأْمُرَهُ بِحُسْنِ اتِّبَاعِهِ اذْهَبْ بِهِ، فَأَعْطِهِ حَقَّهُ، وَأَعْطِهِ مَكَانَ مَا رُعْتَهُ عِشْرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ.
فَذَهَبَ بِي عُمَرُ، فَقَصَانِي، وَأَعْطَانِي عِشْرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ فَلَمَّا فَرَغَ، قُلْتُ: تَعْرِفُنِي؟ قَالَ: لا، قُلْتُ: أَنَا زَيْدُ بْنُ سُعُنَّةَ قَالَ عُمَرُ: الْحَبْرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ عُمَرُ:
فَمَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ مِنْ كَلامِكَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ؟
1 - في لفظ الطبراني في معجمه الكبير ج 5 ص 224 ح 5147 والحاكم في المستدرك على
الصحيحين ج 3 ص 700 ح 6547 " اعدل عليهم وأعنهم بها"
496 (1/496)
صفحة 497
قَالَ زَيْدٌ: قُلْتُ: إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ عَلامَاتِ النُّبُوَّةِ شَيْءٌ إِلا وَقَدْ عَرَفْتُهُ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ حِينَ نَظَرْتُ إِلَيْهِ إِلا اثْنَتَيْنِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُخْبَرَهُمَا مِنْهُ؛ يَسْبِقُ حِلْمُهُ جَهْلَهُ، وَلَا يَزِدْهُ الْجَهْلُ إِلا حِلْمًا.
فَأُشْهِدُكَ يَا عُمَرُ أَنِّي قَدْ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ وَ رَسُولا. وَأُشْهِدُكَ أَنَّ شَطْرَ مَالِي فَإِنِّي أَكْثَرُهَا مَالًا - صَدَقَةٌ عَلَى أُمَّةٍ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ عُمَرُ: أَوْ عَلَى بَعْضِهِمْ فَإِنَّكَ لَا تَسَعُهُمْ كُلُّهُمْ قُلْتُ: أَوْ عَلَى بَعْضِهِمْ.
فَرَجَعَ عُمَرُ وَزَيْدٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقال زَيْدٌ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ - فَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ، وَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَشَاهِدَ كَثِيرَةً ثُمَّ تُوُفِّيَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ مُقْبِلًا غَيْرَ مدبر."
1 - ورد هذا الحديث بعدة ألفاظ مختلفة متفقة المعنى مختصرة ومطولة أخرجه الطبراني 222/ 5 ح (5147 وفي الأحاديث الطوال ج 1 ص 202، 6 قال الهيثمي 240/ 8 رجاله ثقات. والحاكم في المستدرك على الصحيحين 3 700 6547 وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه وهو من غرر الحديث ومحمد بن أبي السري العسقلاني «ثقة والبيهقي السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي 52/ 6 11615. الشيباني أبو بكر بن أبي عاصم أحمد بن عمرو بن الضحاك بن مخلد الشيباني (المتوفى: 287 هـ) الآحاد والمثاني (110/ 4 فما بعدها، ح 2082، والهيثمي في موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان 1/ 516 ح 2105 وأبو نعيم في معرفة الصحابة 3/ 1184 فما بعدها، ح 3000، وابن حبان في صحيحه ص 521 ح 288 بتعليق شعيب الأرنؤوط عليه وقال: محمد بن المتوكل بن أبي السري صدوق له أوهام كثيرة، لكن توبع عليه كما سيرد، وحمزة بن يوسف لم يوثقه غير المؤلف 4/ 170 قال: يروي عن أبيه، روى عنه محمد بن حمزة. وباقي رجال الإسناد ثقات. وقد صرح الوليد بن مسلم بالتحديث ... " ومن غريب الحديث: "رعته أي أخفته. رعته الروع بالفتح، الفزع، وراعه من باب قال فارتاع أي: أفزعه ففزع وروعه ترويعا. المختار "209"
497 (1/497)
صفحة 498
قَالَ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذَا يَدْخُلُ فِي مُسْنَدِ زَيْدِ بْنِ سُعْنَةَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ: هَذَا حَدِيثٌ كَثِيرُ الْمَعَانِي قَدْ ذَكَّرَنَا مَا جَرَى فِي كِتَابِ مَعَانِي الْأَخْبَارِ وَهُوَ أَصْلٌ فِي السَّلَمِ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَأَجَلٍ مَعْلُومٍ وَالثَّمَنُ مُعَجَّلٌ، وَكَذَاكَ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ أَسْلَمَ فَلْيُسَلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ وَأَجَلٍ مَعْلُومٍ»
وَقَدْ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الْمَوْضِع فَقَالَ قَائِلُونَ: إِذَا تَرَكَ ذِكْرَ الْمَوْضِعِ فِي السَّلَمِ الَّذِي يُسْلِمُهُ إِلَيْهِ بَطَلَ السَّلَمُ وَالْخَبَرُ دَالٌ عَلَى مَا قَالُوا إِذْ لَمْ يَأْمُرِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِاشْتِرَاطِ ذَلِكَ فَمَنِ اشْتَرَطَ فِي السَّلَمِ مَا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَشَرْطُهُ بَاطِلٌ مُفْسِدٌ لِلسَّلَمِ
1 - الشيباني الآحاد والمثاني (584/ 3) سنن الدارقطني (4/ 3)
2 - الآحاد والمثاني 4/ 112 - 113، السابق. التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: 463ھ) (63/ 4) شرح الزرقاني على الموطأ 3/ 426.
498 (1/498)
صفحة 499
الملحق الثالث نص رسالة الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري التي أجاب عنها الإمام
الخليلي.
بسم الله الرحمن الرحيم
من إبراهيم بيده إلى الشيخ الأجل المحب الأفخم الأخ الفقيه سعيد بن ناصر بن خميس السيفي سلام عليك ورحمة الله وبركاته محبك يحمد إليك الله ما هنا من علم إلا الخير ولما توجه الولد المحب سليمان بن سيف كتبت إليك هذه التحية سؤالا وتسليما وفضلا منك تبحث الإمام عما حكاه القطب رحمه الله عن الأثر في الجزء الثامن من شرح النيل بأنَّ جرح مؤخر الرأس مضاعف على سائر الجسد هل هو قول معروف في الأثر فقد استغربناه لقلة اطلاعنا بل المحفوظ عندنا تضعيف جراحة الوجه على جراحة مقدم الرأس وتضعيف مقدم الرأس على مؤخره وعلى سائر الجسد إلا ما استثني من حلمة ثدي المرأة ونحوها وقيل لا يضاعف جرح مقدم الرأس على مؤخره ولا على سائر الجسد وهو قول عبد الله بن عبد العزيز وعن كلام الشيخ عامر بن خميس في غايته بأن جاحد فرض الزكاة
1 - هو الشيخ العلامة المفتي إبراهيم بن سعيد العبري ولد سنة 1314 هـ 18940 م، وتوفي سنة 1395 هـ 1975 م علامة كبير شغل منصب القضاء وكان قاضياً للسلطان سعيد بن تيمور في المحكمة الشرعية بمسقط تم تعيينه رئيسا للقضاة بالمحكمة ولما تولى الحكم السلطان قابوس عينه مفتياً للسلطنة حتى مات وعمره 81 سنة له من التأليف كتاب تبصرة المعتبرين في تاريخ العبريين ورسائل وفتاوى في الفقه نظماً ونثراً ينظر دليل أعلام عمان ص 1.
2 - هو الشيخ العلامة القاضي سعيد بن ناصر بن خميس بن محمد السيفي النزوي فقيه شاعر قاض من أهل نزوى عاش في القرن الرابع عشر الهجري لازم الشيخ العلامة عامر بن خميس المالكي أحد القضاة الملازمين للإمام الخليلي وله منظومة في الشفعة وأسئلة نظمية
طلباً للعلم وهو لشيخه أبي مالك ولغيره من العلماء وشعره مقصور في علم الفقه ينظر دليل أعلام عمان ص 1.
499 (1/499)
صفحة 500
عليه بدل الصلاة إذا تاب فهذا لا نعرفه لأن جاحد فرض الزكاة كافر كفر شرك والمشرك ليس عليه بدل شيء من الفرائض إذا أسلم ومثله المرتد إذا تاب إلا الحج ومع ذلك فقد استغربه نور الدين السالمي والله أعلم وعليك السلام وعلى الإمام وأبيك والجماعة ومن هنا الأخوة والجماعة 9 صفر الخير سنة 1350 هاهـ
نقلا
من
خطه.
الملحق الرابع نص جواب الإمام محمد بن عبد الله الخليلي رحمه الله ورضي عنه
على رسالة الشيخ إبراهيم
الولد إبراهيم قد نظرت بحثك في أرش مؤخر الرأس وبحثك حسن، والمحفوظ ما ذكرته عن الأثر، وأقول إن الأثر أصل التفضيل فيه عن اجتهاد من العلماء ضاعفوا الوجه لعظم حرمته ولأنه مجمع المحاسن وألحقوا به مقدم الرأس وأنت إذا نظرت رأيت أن لمقدم الرأس فضلا وهكذا لمؤخره وحيث إن الرأس مجمع الحواس وناهيك بالحافظة ومادة الفهم والضرب في الرأس مُؤَثر في الحواس وأهمها مادة الحفظ والفهم وأما سائر الجسد فإن كان قصد من جعل لفقار الظهر ومحار الصدر ضعف ما لغيرهم من قبل ماء الظهر والصدر فذلك ولكن أرى هذا معلولا لأنه كان ينبغي أن يفرق بين الرجل والمرأة ولكني أرى أن فقار الظهر ومحار الصدر ضاعفوهما على الأيدي والأرجل من قبل أن الرجل واليد لهما نصف دية الإنسان فأعطوا جراحهما النصف فحينئذ نعلم أن المسألة اجتهادية ونعلم أنَّ لِقول القائل وجها والله أعلم، ولولا الأثر لكان لنا في المسألة نظر، وأما مسألة المرتد بجحود الزكاة فبحثك له وجه سائغ والشيخ المالكي أغلب كتابه ناقلا فيه قول الأثر، ومسألة المرتد فيه أحكام تخالف حكم المشرك فإنه إذا أرتد وَوَلَد في الرِّدَّة أولادا ثم مات قيل: ميراثه لأولاده المسلمين وقيل: المشركين
500 (1/500)
صفحة 501
وقيل: ما في دار الإسلام للمسلمين بيت مال وقيل: لأولاده أقوال جملة وظاهر هذه الأقوال من العلماء أنهم رأوا أنه محكوم عليه بالإسلام لا يقبل منه جزية ولا يعامل معاملة أهل الكتاب فإن كان الأمر كذلك فلا يبعد أن يقال منزلته إن تاب
6
، ومع
هذا
منزلة المسلم المنتهك في ترك الفرائض يطالب في قضائها والله أعلم فكثير ممن أسلم مع النبي الا و قد أرتد ثم أسلم وحسن إسلامه وما بلغنا أنه قيل له أعد الصلاة والصوم وإنما قلتُ ما قلتُ توجيها لقول الشيخ والحق في غيره فيما أرى والعلم عند الله سبحانه وتعالى. اهـ نقلا من. خط الإمام رحمه الله تعالى.
قلت: وقد سبق الكلام على المرتد في المسألة الرابعة عشرة من الفصل الثاني فضم هذا إلى ما هنالك تكمل الفائدة إن شاء الله تعالى.
501 (1/501)
صفحة 502
الملحق الخامس رسالة سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي
المفتي العام للسلطنة لمعالي وزير العدل
بسم
الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد فقد سألني معالي وزير العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية عن ديات الأعضاء هل هي ثابتة بالنص أم بالاجتهاد وإذا كان منها ما عول فيه على اجتهاد العلماء فهل يسوغ لمن بعدهم الاجتهاد فيرفعوا بعض الأعضاء على بعض في النسب المئوية من الدية الكبرى بخلاف ما أستقر عليه العمل؟
والجواب: إن الدية الكبرى وهي دية النفس وديات أعضاء الجسم وتفويت منافعها كلها من الأمور التوقيفية التي لا مجال فيها للاجتهاد لأن محل الاجتهاد لمن يسوغ له حيث تفقد جميع الأصول الثلاثة وهي الكتاب والسنة والإجماع أما مع وجود أصل من الأصول الثلاثة فلا مناص عنه ولا مساغ عنه للنظر والرأي (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلاً مُّبِينًا) الأحزاب 36.
فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا
مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) النساء 65.
(وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى
صلے
وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) النساء 115.
502 (1/502)
صفحة 503
وأحكام النبي صلى الله عليه وسلم واضحة في ديات الأعضاء ومنافعها وضوحها في الدية الكبرى وإلى القارئ الكريم نماذج منها: -
أخرج النسائي عن الزهري مرسلا أن النبي ل كتب إلى أهل اليمن كتابا وكان في كتابه:" أن من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود إلا أن يرضى أولياء المقتول، وإن في النفس الدية مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين، الدية وفي العينين الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمسة عشر من الإبل، وفي كل أصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل، وإنَّ الرجل يقتل بالمرأة، وعلى أهل الذهب ألف
دينار."
أئمة
وأخرجه في المراسيل أبو داود ولكن علة إرساله تزول لثبوته موصولا عند ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن الجارود والبيهقي وصححه جماعة من الحديث منهم أحمد والحاكم وابن حبان والبيهقي.
روى أحمد وابن ماجة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده:" أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في الأنف إذا جدع كله بالعقل كاملا - أي الدية كاملة - وإذا جدعت أرنبته فنصف العقل وقضى في العين نصف العقل والرجل نصف العقل والمأمومة ثلث العقل والمنقلة خمسة عشر من الإبل." وليس في رواية أبي داود وابن ماجه ذكر العين
والمنقلة
503 (1/503)
صفحة 504
روى الجماعة إلا مسلما عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هذه وهذه سواء." يعني الخنصر والبنصر والإبهام، وفي رواية عند الترمذي وصححها: "دية أصابع الرجلين واليدين سواء عشر من الإبل لكل أصبع."
روى أبو داود وابن ماجة والبزار وابن حبان بإسناد رجاله رجال الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الأسنان سواء الثنية والضرس سواء." روى أحمد وأبو داود والنسائي عن أبي موسى الأشعري: " أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في الأصابع بعشر من الإبل". يعني لكل إصبع.
روى الخمسة إلا الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " في كل أصبع عشر من الإبل وفي كل سن خمس من الإبل والأصابع سواء والأسنان سواء".
ذكر أحمد بن حنبل عن عمر بن الخطاب:" أنه قضى في رجل ضرب رجلا فذهب سمعه وبصره ونكاحه وعقله بأربع ديات وحكى الشوكاني عن صاحب البحر انعقاد الإجماع على ذلك.
وذكر الحافظ ابن حجر في التلخيص أنه وجد في حديث معاذ: " في السمع الدية." قال: وقد رواه البيهقي من طريق قتادة عن ابن المسيب عن علي وروى البيهقي من حديث معاذ في العقل الدية قال البيهقي: وقد روينا عن عمر وعن زيد ابن ثابت
504 (1/504)
صفحة 505
مثله.
نستفيد من هذه الآثار وجوب دية النفس في كل ما كان وحيدا من نوعه في أعضاء الجسم كاللسان والأنف والذكر ووجوب نصفها في كل ما كان من نوعه اثنان في الجسم كاليدين والرجلين والعينين والخصيتين والشفتين فإن بتر العضوان معا فالدية كاملة ووجوب عشر الدية في كل ما كان من نوعه عشرة في الجسم وهي أصابع اليدين وأصابع الرجلين وقد عقد المسلمون خناصرهم على العمل بهذه الأحاديث فكان عملهم إجماعا لا يجوز خلافه وقد حملوا على ما ذكر ما لم يذكر واعتبروا فوات منافع الأعضاء كالسمع والبصر والشم والذوق واللمس والجماع والنطق مثل فواتها فتجب دية العضو كاملة بفوات منفعته ويدل لذلك حديث "في العقل الدية وفي السمع الدية وفعل عمر الذي استقر عليه الإجماع هذا ولا
1 - وأخرج البيهقي في سننه الكبرى ج 8 ح 16000 وح 16026 و 16.30 وح 16673 و 16677 في المذيل بالجوهر. عن زيد بن أسلم بلفظ: " مضت السنة في أشياء من الإنسان؛ إلى أن قال: وفي اللسان الدية وفي الصوت إذا انقطع الدية» وح 16133 في معرفة السنن والآثار بزيادة،" وفي الأسنان الدية" وعن عمرو بن حزم أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «في الشمِ الدية». وعن قتادة عن الحسن أنه سئل عن رجل رمي بحجر أو ضرب على رأسه فذهب سمعه وبصره وانقطع كلامه، فقال: ديات، في سمعه دية، وفي بصره دية، وفي لسانه، دية، وقيل للحسن ربح، فقال: والله ما ربح ولا أفلح." أخرجه ابن أبي شيبة ح 26897، (إذا ذهب سمعه وبصره وكيف يكون رابحا وقد خسر سمعه وبصره وكلامه. وانظر: نيل الأوطار للشوكاني (777 باب دية أهل الذمة. البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير لابن الملقن. 462/ 8 و 492. وخلاصة البدر المنير في تخريج كتاب الشرح الكبير للرافعي (2/ 277) 2275 (1/505)
صفحة 506
مجال لتفضيل عضو على عضو مراعاة لأي اختلاف لتسوية السنة بين جميع الأعضاء التي هي من نوع واحد فلا تفضل يمنى على يسرى ولا العكس ولا إبهام على خنصر ولا العكس ولا فارق بين أن تخلع اليد من المنكب أو تبتر أصابعها الخمس فحسب ففي الحالين نصف الدية ولا مجال للنظر فى ذلك لأنه حكم الله الذي نطق به رسول الله صلى الله عليه وسلم " أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون." وبالله التوفيق / أحمد بن حمد الخليلي؛ المفتي العام للسلطنة. (1/506)
صفحة 507
الملحق السادس صور جسم الإنسان وأنواع الجروح والكسور
أولا: الهاشمة لكل هاشمة عشرة في المائة، والمنقلة خمسة عشر
وإليك توضيحها بالوصف والصورة فتابع، وتحقق وحقق ودقق وانصح، ولك
من الله الاجر والثواب
في مثل هذه الحالة التي
عليها الركبة فيحسب
الكسر على عدد الشعب،
فہنا خمس شعب يعني
متهشم
متهشم
منتقل
خمسة كسور والتي تليها
ثلاثة، وهكذا ... فإن قرر
متهشم
متهشم
متهشم
منتقل
الأطباء ضرورة الاستبدال
تضاف قيمة الاستبدال،
وكذا الحال في باقي الكسور
والمفاصل.
منتقل
متهشم
منتقل
مقابلة مع سماحة المفتي
بمكتب سماحته، يوم الأربعا 18 شعبان 1432 هـ 2011/ 7/20 م
507 (1/507)
صفحة 508
ثانيا: الجهاز العضلي
العضلة الأدبية العليا. Auricularis sup. m -
العضلة الوجنية. Zygomaticus m -
عضلة الفم المدارية ricularis orism. . .
العضلة الشفوية الخافضة الصغرى. . Depressor labii inf
n.
العضلة الدقنية. Mentalism -
العضلة اللوحية اللامية. Omohyoid m .
العضلة رافعة الكتف. Levator scapulae m
العضلة الصدرية الصغرى. pectoralis minor m
العضلة ذات الرأسين. Biceps m الرأس القصير Short head الرأس الطويل Long head -
عظم العضد (النقا) Humerus
العضلة المسننة الأمامية. Seratus ant, m. ..
العضلة Latissimus dorsi m الظهرية العريضة
العضلة الوربية الخارجية. Ext, intercostal m العضلة البطنية المستقيمة. Rectus abdominism
العضلة المعترضة. Transversus m
العضلة المنحرفة الإنسية. Int. oblique m
- العضلة الجبهية. Frontalism
العضلة المستديرة الجفنية. Orbicularis oculi m
العضلة الشفوية المربعة العليا. Quadrati labii superioris m
العضلة الماضعة. Masseter m
عضلة الفم الخافضة الزاوية. Depressor anguli oris m
العضلة القضية اللامية. Sternohyoid m
العضلة القصبة الترقوية الحمائية. Sternocleidomastoid m العضلة شبه المنحرفة. Trapezius m
- العضلة الدالية. Deltoid m
العضلة الصدرية الكبرى. Pectoralis major m
العضلة العضدية ذات الرأسين، Biceps m
العضلة الظهرية العريضة. Latissimus dorsi m
العضلة المسنة الأمامية. Serratus ant, m
الخط الأبيض Linea alba
العضلة المنحرفة الخارجية. Ext. oblique m
العضلة الألبوية الوسطى Gluteus medius m
القناة الإربية Inguinal canal -
الحبل المنوي Spermatic cord
الوريد الفخذي. Femoral v
العضلة الموثرة اللفافة الفخذية. Tensor fasciae lataem
العضلة الخياطية. Sartorius m
R.Morgan
0.1
الرباط الإري. Inguinal lig
الحلقة
الإربية الخارجية Ext. inguinal ring
الحلقة الفخذية Femoral ring
الوريد الصافن الكبير. Great saphenous v (1/508)
صفحة 509
ثالثا: مسميات العظام والعضلات
إصابات العظام
الجمجمة
يلف
العمود النفاعي
القبلة.
الفقرات الرقبية
الله العلي -
الفقرات الرقبية
ترقوة
ترقوة -
الفقرات الصدرية
- الفقرات الصدرية
قيقة
الكلف
خلع -
الفقرات القطنية
الزند.
الكميرة
الحرام
رباط
الشلية
سلاميات
تحركه من
الأمة: الإصابة التي تكسير الجمجمة وتظهر الغشاء الذي يحمي المخ. الجامعة، الاصابة التي تكبير الجمجمة وتصل إلى المخ تكشفه وقد تتلفه وقد لا تتلفه. الهائمة: الإصابا المنقلة: الإصابة التي تكسر العظم وتحركه من مكانه. ملاحظة /- تبين إصابات العظام على الهيكل لمي بوضع علامة (x) على موضع أي من الإصابات المذكورة.
509
الطلع اعلاميات
الرضفة.
علاميات
الموز لصص (1/509)
صفحة 510
رابعا: مقطع جلدي
البشرة
الأدمة
مقطع عبر الجلد
غدة عرقبة
سيمة ميسير
باتشيني
جسيمة
نمش
ألياف كولاجينية وممتغطة
شحم
تحت
جلدي
عصب جريبات الشعر
والغدد العرقية ومستقبلات الجلد
510
روفيني
جسيمة كروز
حبيبات الخضاب
القرتين
مستقبلة الألم
خلية سحامية عمد الشعرة
غدة دهنية
العضلة ناصبة الشعر
جريب الشعرة
غدة عرقية
بصلة الشعرة
الشعيرات الوريدية
والشريانية (1/510)
صفحة 511
خامسا: أجهزة الجسم الداخلية
أجهزة الجسم
الجهاز الإخراجي الجهاز الهضمي الجهاز الدوري الجهاز العضلي الهيكل العظمي
الجهاز التنفسى الجهاز الهورمونى الجهاز اللمفاوي الجهاز التناسلي الجهاز العصبي
511 (1/511)
صفحة 512
سادسا: إصابة الرأس، آمة، مأمومة دامغة، ثلاثة مسميات لمعنى واحد لها ثلث
الدية.
512 (1/512)
صفحة 513
سابعا: سائر الأعضاء وإليك تفاصيل بعضها فتابع فضلا منك الصور ودقق فيها:-
جوف الفم اللسان البلعوم
المري الصدري
الفؤاد
جاب الحاجز
المعدة
العفج
القولوت المستعرض
القولون النازل. الصائم
الكبد الحويصل الصفراوي
القولون الصاعد
الشرب الكبير
اللفائفي
الزائدة
المستقيم
القولون السيني
513 (1/513)
صفحة 514
أولا: الطحال ويقع في الجانب الأيسر من البطن تحت الحجاب الحاجز ويشبه في تكوينة الغدد اللمفاوية، بيضاوي الشكل في استطالته ذو لون ارجواني معتم. طوله من 125 إلى 150 مم، وعرضه حوالي 76 مم، وسمكه حوالي 38،مم و وزنه عند الشخص البالغ 100 - 250 غرام، ويقع خلف الأضلاع 9 و 10 و 11. وهو: لا يقع مباشرة تحت الأضلاع لأنه مغطى من الأعلى بالحجاب الحاجز. ويلامسه أعضاء كثيرة في البطن: ذيل البنكرياس، الكلية اليسرى، القولون، الامعاء الدقيقة. ولا نستطيع أن نلمسه في الإنسان الطبيعي إلا إذا كبر الطحال ويساعدنا في ذلك وجود تقوسات على سطحه الامامي وهي تبقى حتى عندما يكبر في الحجم. وللطحال رباطان الرباط الطحالي الكلوي والرباط المعدي الطحالي ولذلك يمكن تحريكه
وسحبه إلى الأمام أثناء العملية الجراحية.
الوظيفة للطحال وظائف كثيرة.
من بين وظائف الطحال، نذكر الآتي:
أ- يساهم الطحال مع الكبد في صنع كريات الدم الحمراء في المرحلة الجنينية، ويفقد هذه الوظيفة بعد الولادة.
ب- يعتبر الطحال مخزنا رئيسيا للدم إذ يمكنه اختزان 5/ 1 إلى 4/ 14 دم الإنسان)، حيث يقوم بخزن الدم على صورة مركزة، ويفرغه في الدورة الدموية في الحالات الطارئة كالنزيف.
ج- يقوم الطحال بتنظيم كمية الدم المارة في الاوعية الدموية.
د يعمل الطحال على تخزين ما يكون في الدم من الشوائب والميكروبات بفضل
514 (1/514)
صفحة 515
الجيوب والفراغات الدموية الكثيرة المبطنة بخلايا بلعمية.
Spleen
Vein
Artery
White pulp
Red pulp
Capsule
Spleen
هـ- يعتبر الطحال مقبرة الكريات الحمراء، وما تجدر الاشارة إليه أنَّ الكريات الحمراء تموت قبل وصولها الطحال وليس فيه، ولكنها تدفن فيه و - يقوم الطحال بتجميع كريات الدم الحمراء الهرمة وإبادتها وهذه وظيفة مهمة
515 (1/515)
صفحة 516
حيث تتحلل مادة الهيموجلوبين ويستعملها الكبد في صنع الصفراء ويذهب الحديد ليساهم في تكوين هيموجلوبين جديد.
ز - يلعب الطحال دورا في المناعة بفضل العقد الليمفاوية (كريات مالبيجي) التي تصنع كريات الدم البيضاء الليمفاوية، حيث أن الطحال يحتوي على جلطات من خلايا الدم البيضاء تسمى اللمفاويات تطلق بروتينات خاصة في الدم، وتدعى هذه البروتينات بـ الاجسام المضادة التي تحارب البكتيريا والفيروسات وأية مواد أخرى تسبب العدوى، كما أنَّ الطحال يقوم بإبادة الطفيليات والبكتيريا بواسطة البلاعم؛ خلايا كبيرة موجودة في الفراغات الاسفنجية.
يتضح لك جليا أنَّ فاقد الطحال وإن عاش صاحبه إلا أنه يعتبر معرضا لكثير من الأمراض والعدوى؛ التي يكافحها الطحال الصحيح في الإنسان الصحيح، وعليه
فديته دية عضو مستقل لا محالة.
?? (1/516)
صفحة 517
القصبة الهوائية
القصبة الهوائية اليسرى
التفرعات الرئوية
الشعب الهوائية
فصوص الرئة اليسارية
الغشاء الجانبي
السائل الجانبي
الحجاب
الحاجز
الحويصلات الهوائية
الرئتان
القصبة الهوائية اليمني
فصوص الرئة اليمينية
الرئة هي عضو تنفسي مهم في الفقاريات التي تستخدم الهواء الجوي للتنفس. الوظيفة الرئيسية للرئة هو نقل الهواء الجوي إلى المجرى الدموي والتخلص من غاز ثاني أوكسيد الكربون من المجرى الدموي إلى الهواء الخارجي. هذا التبادل الغازي ينتج عن عمل الخلايا المتخصصة التي تبطن غشاء الاكياس الهوائية أي الحويصلات الهوائية.
إضافة إلى الوظيفة التنفسية كتبادل الغازات وتنظيم تركيز أيون الهدروجين تقوم الرئتان أيضا -
517 (1/517)
صفحة 518
1 - بالتأثير على تركيز المواد الحيوية والعقاقير التي تعطى في الدم الشرياني.
2 - تصفي التخثرات الدموية الصغيرة التي تتكون في الأوردة.
3 - تمثل طبقة لامتصاص الصدمات لحماية القلب.
4 - تخلص الدم من فقاعات الهواء التي قد تعلق بالدم الوريدي
-0
- تحتوي الرئة على الأنظيم مُحوّل الأنجيوتنسن والذي يحول أنجيوتنسن 1 إلى
أنجيوتنسن. 2
دور الرئتين في الكلام
بغير الرئتين لا تكون عملية التنفس، وبغير التنفس لا يكون الكلام. ففي الرئتين يمتلئ الهواء الذي يتحول إلى كلام.
والجدير بالذكر أنَّ بعض أعضاء النطق قد يصيبه اضطراب أو خلل وتستمر مع ذلك عملية النطق بصورة من الصور، مع بقاء الرئتين سالمتين، ولأجل ذلك فالرئتان لا يمكن الاستغناء عنهما سواء في التنفس أو النطق.
وتتكون عملية التنفس من شهيق وهو: (إدخال الهواء) وزفير وهو: (إخراج الهواء). انظر موسوعة ويكيبيديا
وللرئة في علم الديات بجزئيها إذا فسدت أو بترت الدية التامة.
فإذا احتقن الهواء على المصاب واحتاج إلى تدخل طبي فإنه حينئذ يحتاج إلى فتح القصبة الهوائية وإدخال أنبوب للتهوية من الجهة الأمامية للعنق حتى يصل الأنبوب في جوف القصبة؛ كي يتمكن من إدخال التهوية النقية للجسم وإخراج
518 (1/518)
صفحة 519
الهواء الضار المسمى ثاني أوكسيد الكربون بواسطة الآلة الخارجية، وهو الذي يسميه الأطباء فتح الرغامي، ويقصدون بالرغامي القصبة الهوائية، فإذا استغنى عن المساعدة وصار قادرا على التنفس الطبيعي فتتم إزالة الأنبوب وتغلق الفتحة. ولها في علم الديات والأروش حكم الجائفة ثلث الدية الكبرى، والصور الآتية توضح
ذلك.
جوف الأنف
البلعوم الأنفي
البلعوم الفموي
الحنجرة
الرغامي
القصبات
القصيبات
الرئة
519 (1/519)
صفحة 520
الرغامي
الرئة
الشعب الهوائية
منتديات احلى همسة.
a 7 lahmsa.com
520
*ADAM. (1/520)
صفحة 521
021 (1/521)
صفحة 522
Bronchi
OTY
Larynx
Trachea (1/522)
صفحة 523
الحنجرة
فص الغدة
الدرقية
الأيسر
523
فص الغدة الدرقية الأيمن
القصبة الهوائية (1/523)
صفحة 524
قصبة رئيسية
الرغامي
قصبات ثانوية
الرئة اليسرى الرئة اليمني
الجزء الناقل للهواء
قصيبة (قطرها أقل من أعلم)
قصيبة
انتهائية
قصيبة
تنفسية
قناة سنخية.
الجزء
التنفسي
الياس سنخية
524 (1/524)
صفحة 525
الكلى تعتبر الكلية العضو المسؤول عن تنقية وتصفية الدم من السموم والعوادم الناتجة عن عملية الأيض (هي عملية تكون في داخل الخلية الحية وفيها يتم هدم المواد الممتصة من الطعام مثل البروتينات والدهون وتحويلها إلى طاقة يستفيد منها جسم الكائن الحي)، وكذلك مسؤولة عن التحكم في حجم السوائل في الجسم وعن ترتيب كمية العناصر الكهربية مثل الأيونات والأملاح. ولها الدية التامة.
Bemilunar ganglion.
Great splanchnic nerve piercing
cras
Receptacula chyli.
Great splanchnic nerve piercing
crus
SPLEEN
KIDNEY
VERTERSA
Semilunar ganglion.
KIDNEY
DESCENDING
COLON
INF.V.
O CAVA
ASCENDING COLON
525 (1/525)
صفحة 526
وظائف الكلى الطبيعية
توجد لدى معظم الناس كليتان في الجزء الأسفل من الظهر أسفل الفقرات
العجزية. وظائف الكلى الرئيسية هي:
الحفاظ على توازن نسبة السوائل داخل الجسم واستخلاص السموم من الدم مما ينتج عنه تكوين البول.
تساهم الكلى أيضا في الكثير من العمليات الحيوية الهامة بالجسم مثل:
إنتاج مجموعة متكاملة من الهرمونات المختلفة أو الكيماويات) والتي بدورها
تساعد في:
إنتاج كرات الدم الحمراء والتي تنقل الأكسجين إلى أنسجة وخلايا الجسم
المختلفة.
526 (1/526)
صفحة 527
إنتاج فيتامين (د) في صورته الأولية غير نشطة والذي بدوره يحافظ على قوة
وسلامة العظام
الحفاظ على ضغط الدم في معدل طبيعي.
527 (1/527)
صفحة 528
المعدة
وهي أهم جزء من أجزاء الجهاز الهضمي وتقع المعدة تحت الحجاب الحاجز ويليها مباشرة الأمعاء، وتشبه في شكلها كمثرى كبيرة مقلوبة الوضع ويفتح المريء في جزئها العلوى، ويتكون جدار المعدة من طبقة عضلية قوية يبطنها من الداخل حوالى 35 مليون غدة تفرز مواد كيماوية يطلق عليها العصارة المعدية. وأهم هذه المواد التي تفرزها المعدة على الاطلاق حامض الهيدروكلوريك وخميرة الببسين حيث إنَّ لهما القدرة على إذابة المواد الغذائية.
وتتكون المعدة من أربع مناطق رئيسية هي: -
الفؤاد وهو الفتحة العليا التي تصل المريء إلى المعدة وهو غير القلب وسمي بالفؤاد لقربه من القلب. والله في خلقه شؤون.
ويؤيد هذه النظرية ما روي عنه لهم من طريق أبي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أتَاكُمْ أهْلُ اليَمنِ هُمْ ألين قُلوباً، وأرَقُ أَفْئِدَةٌ، الفقه يمان، والحكمةُ يَمَانِيةٌ. " (أنظر الصورة الآتية (أما القلب فانظره ص 369 فما بعدها.)
"أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبًا الإيمان يمان والحكمة يمانية
1 - أخرجه البخاري أخرجه البخاري في: كتاب المغازي: 74 باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن. 1595/ 4، رقم 4129) ومسلم (72/ 1، رقم (52)، والترمذي 726/ 5 ح 3935، وقال: حسن صحيح. و: ابن حبان (286/ 16 ح (7297) وأحمد مسند أحمد (12/ 402)
528 (1/528)
صفحة 529
والفخر والخيلاء فى أصحاب الإبل والسكينة والوقار فى أهل الغنم
القاع:
وهو الجزء المتسع الذي يعلو الفؤاد، ويمتد تحت الحجاب الحاجز الأيسر.
قاع المعدة
المريء
الفؤاد
الطولية
الحارة
الطبقات
الدائرية
التقوس
العضلية
الوسطى
الأكبر
العاصرة
البواب
الاثنى عشر
الملساء
الجوابية
المائلة
الثلاث
الداخلية
جسم
المعدة
التقوس الأكبر
جسم
المعدة
بواب
المعدة
تعاريج المعدة
وهو الجزء الأوسط والأكبر من المعدة وأسفله جيب المعدة ....
- أخرجه البخاري (1594/ 4 ح 4127، ومسلم 73/ 1 52 وابن حبان 16 ص 286 ح 7297.
الحديث أعلاه.
529 (1/529)
صفحة 530
البواب:
وهو الفتحة السفلى التي تفضي إلى الإثني عشر. ا
والمعدة في شكلها العام تشبه حرف " ل " ولها حنيتان حنية كبرى محدبة إلى اليسار وحنية صغرى مقعرة على اليمين، وحجم المعدة يتفاوت تفاوتاً بيناً، وسعتها في المتوسط عند البالغين نحو لتر.
ويتكون جدار المعدة من طبقتين رئيسيتين: طبقة عضلية وطبقة أخرى مبطنة و هي الغشاء المخاطي، أما الطبقة العضلية فهي في الحقيقة مكونة من ثلاث طبقات من الألياف العضلية و الطبقة العضلية تنقسم إلى خارجية طولية ووسطى دائرية و داخلية مائلة.
وظيفة عضلات المعدة هي: طحن الطعام وخلطه بعاصرة المعدة حتى يصبح سائلاً غليظاً، وهو المسمى بالكيموس، ثم دفعه نحو الأمعاء بفضل موجات من التقلص تسري في المعدة من أعلاها إلى أدناها مرة كل نحو 20 ثانية، وهو ما نسميه
التمعج. أما الغشاء المخاطي فيتجمع فى ثنيّات طولية عندما تخلو المعدة، ولكنه ينبسط عندما تمتلئ.
وتكسو الغشاء المخاطى طبقة من المخاط لها أهميتها فى حماية جدار المعدة.
أما الغدد المعْدِيَّة المنتشرة فى الغشاء فلها وظائف كثيرة أهمها إفراز حمض الكلوردريك اللازم لهضم الطعام، وإنزيم الببسين الذي يحلل البروتين ثم العامل الداخلي المنشأ اللازم لامتصاص فيتامين " ب "
530 (1/530)
صفحة 531
وظيفة المعدة:
للمعدة وظيفتان رئيسيتان هما
أ- طحن الطعام / ب - هضم الطعام.
أما الامتصاص فدوره محدود في المعدة فلا يتم إلا امتصاص بعض المركبات البسيطة في المعدة مثل بعض الماء وبعض الأدوية كالكحول والأسبيرين، ويتم إفراغ المعدة من الطعام لفترة تتراوح بين 3 إلى 5 ساعات وتستمر تموجات التقلص حتى بعد فراغ المعدة من الطعام، فإذا طالت مدة بقاء المعدة بعد ذلك فارغة أحس الإنسان بلدغ (قرص) الجوع.
وظيفة المعدة هي هضم المواد الغذائية التي نتناولها وخاصة المواد البروتينية أي تكسيرها إلى جزيئات صغيرة، حيث تقوم جدران المعدة القوية بالضغط على الطعام لمدة 4 ساعات يحول بعدها الطعام إلى شبه سائل.
الامعاء الغليظة والدقيقة ووظائفها:-
الأمعاء هي المسؤولة عن استخراج المواد الغذائية من الطعام وامتصاصها ومن ثم طرح الأقسام غير المفيدة من الطعام. ويتم في جزء منها (الأمعاء الغليظة) تخزين
بقايا الطعام لحين طرده. انظر: (ويكيبيديا)
031 (1/531)
صفحة 532
الكبد
المعدة
المرارة
الامعاء الدقيقة
الامعاء الغليظة
* A.DA.M.
532
العرب
طبيب (1/532)
صفحة 533
البنكرياس
البنكرياس هو غدة يقارب حجمها الست بوصات وتتصل مع الامعاء الدقيقة، وتقع قريبا من المعدة وعميقا في الجزء العلوي الخلفي للبطن مقابل العمود
الفقري.
البنكرياس ضروري جدا لعملية الهضم وذلك بسبب إفراز الغدد النسخية في البنكرياس عصارة البنكرياس في الاثني عشر؛ هذه العصارة تحتوي على الانزيمات التي تساعد على هضم البروتينات الدهون والكربوهيدرات قبل أن يتسنى امتصاصها من خلال الامعاء؛ كما يحتوي البنكرياس على غدد صماء تعرف بجزر لانغرهانس تحتوي على خلايا فئة (بيتا) التي تفرز هرمون الأنسولين الذي ينظم تَركُز السكر في الدم؛ وتحتوي أيضا على خلايا فئة (ألفا) التي تفرز هرمون معروف باسم (غلوكاغون) له مفعول معاكس لمفعول الأنسولين. المرجع (ويكيبيديا) أنظر
الصورة
الآتية:-
القناة الكبدية اليمني
المثانة المرارية.
Right Hepatic Duct
القناة الكبدية اليسرى
Left Hepatic Duct
القناة الكبدية المشتركة
Common Hepatic Duct
البنكرياس Pancreas
القناة البنكرياسية الرئيسية
Main Pancreatic Duct
Gall Bladder
القناة المرارية المشتركة
Common Bile Duct
القناة المرارية
Cystic Duct
533
Accessory
القناة
pancreatic البنكرياسية
duct
Minor
الثانوية
أنبورة
duodenal الاثنى عشر
papilla
Major
الثانوية
أسورة
duodenal الاثنى عشر
papilla
Bile &
pancreatic المرارة و
juice
الرئيسية
عصارة
البنكرياس
Duodenum
الاثنى عشر (1/533)
صفحة 534
C
Bastighed
الكبد ووظائفها:
والليل
المنظر العلوي
المنظر السفلي
الكبد أكبر عضو غددي في الجسم وهو من ملحقات الجهاز الهضمي يزن حوالي كيلو ونصف، ولونه بني، أحمر، ومقسم لأربعة فصوص غير متساوية الحجم. ويقع في الجانب الأيمن من التجويف البطني تحت الحجاب الحاجز. وينقل إليه الدم عبر الشريان الكبدي الذي يحمل الدم والأكسجين من الأوردة والوريد البابي ينقل إليه الدم حاملا الغذاء المهضوم من الأمعاء الصغرى.
يلعب الكبد دورا أساسيا في الاستقلاب وعدد من وظائف الجسم مثل نزع السمية كما يعمل كمركز تخزين للغليكوجين ومركز تصنيع لبروتينات البلازما الدموية.
534 (1/534)
صفحة 535
ومكان التصاقه يسمى الرباط الوريدي وحافته الحرة تلف البوابة الكبدية. الرباط الوريدي يقع في الكبد في مكان عميق وتمتد إلى الوريد الأجوف السفلي. هناك مكان آخر في الكبد فيه رباط اسمه الرباط المدوّر الكبدي وهو يمتد إلى السرة ويسمى مكان الامتداد الرباط المنجلي الكبدي.
بعد دخول الشريان الكبدي والوريد البوابي إلى الكبد يختلط الدم مع بعضه ويتم تصفيته من المواد السامة والضارة ثم يذهب الدم عبر الأوردة الكبدية إلى الوريد الكبير الذي يكون خلف الكبد ويصعد إلى الجهة اليمنى من القلب ومن هناك يضخ الدم إلى الرئتين ثم يعود إلى الجهة اليسرى من القلب ليتم ضخه إلى كل
الجسم).
وظائف الكبد
1 - التخلص من السميات.
2 - تنظيم مستوى السكر في الدم.
3 - تكوين مادة الصفراء (عصارة المرارة)
الكبد هو أكبر مصنع للكميائية في الجسم فالخلايا الكبدية تمثل حوالي 60% من نسيج الكبد وهي التي تقوم بها أي مجموعة خلايا أخرى في الجسم فهي تحول معظم المواد الغذائية التي يتناولها الإنسان إلى شكل يمكن للجسم استخدامه
مثل:
تحويل وتخزين السكر لحين الحاجة اليه ومن ثمة تنظيم مستواه في الدم.
تكسير الدهون وتحويلها إلى كولسترول.
535 (1/535)
صفحة 536
التخلص من الأمونيا وتكوين البروتينات الممتصة لتجلط الدم.
التخلص من السموم والكحول
تكوين الصفراء والتي تقوم بتكسير ما يأكله الإنسان من دهون.
هناك نوع آخر من الخلايا في الكبد غير الكبدية وهي خلايا كوبفر والتي تختص
بالآتي:-
التخلص من كرات الدم الحمراء القديمة.
تحطيم الميكروبات ونفايات الخلايا.
نظراً لأن الكبد يقوم بعمليات حيوية كثيرة فان الإنسان قد يموت في خلال 24
ساعة من توقف عمل الكبد.
المرجع (ويكيبيديا)
536 (1/536)
صفحة 537
الكبد
Liver
حويصلة المرارة
Gall Bladder
المعدة
Stomach
البنكرياس
الاثنى عشر
Deuodenum
537
Pancreas (1/537)
صفحة 538
المرارة
المرارة نسيج مجوف يوجد أسفل الكبد في البالغين قد يصل طول المرارة 8 سنتيمتر واستدارتها إلى 4 سنتيميتر. تنقسم المرارة إلى ثلاثة أجزاء رئيسية هي: اللب والجسم والرأس
المرارة عضو حويصلي على شكل الكمثرى تقع تحت الفص الأيمن من الكبد وسعتها حوالي 50 سم وجدارها لا يتجاوز 3 ملم مغلفة بطبقة عضلية رقيقه ومبطنة بخلايا تقوم بامتصاص الماء والأملاح من العصارة الصفراوية المفرزة من
الكبد.
والوظيفة الأساسية للمرارة هي تخزين الماء الأصفر الذي تفرزه الكبد إلى حين الحاجة إليه؛ عند دخول الطعام المحتوي على دهن إلى الإثني عشر، وتتقلص المرارة بواسطة هرمون لكوليسيستوكينين الذي تفرزه الخلايا الموجودة في الإثني عشر والصائم من الامعاء الدقيقة
ولا بد للجسم من التخلص من الدهون وبعدمها يكون الجسم معرضا للترسبات الدهنية وخاصة الشرايين، لذا يؤمر من استوصلت مرارته على المحافظة على التقليل من الدهون إن لم يمكن الامتناع عنها كليا.
وظيفة المرارة:
1 - تقوم الكبد بإفراز العصارة المرارية والتي تقدر بـ 500 - 600 ملي لتر تسير عبر 1 - القنوات المرارية الصغيرة إلى القناتين الكبديتين واللتين تتحدان لتكوّنا القناة الكبدية العامة و التي بدورها تتحد مع قناة المرارة لتُكوّنا معاً القناة الصفراوية العامة والتي تتحد مع قناة البنكرياس قبل دخولها الإثني عشر.
538 (1/538)
صفحة 539
2 - العصارة الكبدية تتكون من كمية كبيرة من الماء والأملاح والملح المراري
والليستين والدهون الفوسفورية والكولسترول
- وظيفة المرارة تركيز العصارة الصفراوية بامتصاص الماء والأملاح وبذلك تكون هذه العصارة مركزة تفرز أثناء الوجبات وبتأثير هرمون الكوليسيستوكينين تنقبض المرارة وتسير محتوياتها عبر قناة المرارة ثم القناة المرارية العامة ثم عبر فتحة أودي إلى الاثني عشر لتقوم بالمساعدة على هضم الدهون. وإزالة المرارة لا تؤثر في الحياة كثيراً لأن القنوات المرارية التي تصلها بالكبد ثم الأمعاء تكبر وتعمل كمخزن للصفراء، هذا بالإضافة إلى أنَّ الكبد يمكنه أن يقوم بتخزين الصفراء إذ
يعمل كمخزن احتياطي، ومع هذا فلها ديتها كعضو من أعضاء الجسم.
1 - ويرى العلامة المفتي أبقاه الله أنَّ لها نظر العدول مقابلة معه في 1 ذي الحجة 1433 هـ ومهما وجدت في شيء أنَّ فيه النظر أو حكومة في أي موضع من الجسم فالحكومة أقل ما قيل ثلث الأرش المستحق لذلك العضو، وقيل: النصف، وقيل: الكل ولو بلغ الدية التامة، وقيل حسب نظر العدول ولو جاوزها أي ولو جاوز الدية التامة، فما حكموا به فعليه العمل، وهكذا فيما فيه الدية ولعلك تجد في الملاحق شيئا من الأمثلة وأقوال العلماء في ذلك للتوضيح.
539 (1/539)
صفحة 540
Cystic duct القناة الصفراوية قناة الكبد Hepatic duct
Gallbladder
المرارة
Gallstones
المرارة
| Gall- bladder
Liver
Common bile duct
القناة الصفراوية الجامعة
- Pancreatic duct
قناة البنكرياس
Duodenum 6 abib.com
Mayo Foundation for Medical Education and Research. All rights reserved.
540 (1/540)
صفحة 541
القلب
. القلب، يطلق على وسط الشيء.
وعند أهل الطب يطلق على اللحم الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر، وهو لحم مخصوص، وفي باطنه تجويف في ذلك التجويف دم أسود، وهو منبع الروح ومعدنه، وهو موجود حتى في البهائم الذي قد مات منها، فإذا ذكر أهل الطب القلب فهم يريدون هذا اللحم وما فيه من الدم وما له من الآلات، وباختلاف أحوال هذا الدم يختلف أحوال الناس في بعض الأمور.
مثلا في الشجاعة والتهور والجبن، فإن كان الدم غليظا أسود وأزعجه بقوة، فأثارت منه دخانا أسود وصعد إلى الدماغ، وانعكس إلى الوجه فيظلم الوجه منه ويكر في
الحرب متهورا على غير بصيرة ولا سياسة.
وإن كان الدم أحمر معتدلا صعد منه بنار الغضب بخار أحمر إلى الدماغ، وانعكس إلى الوجه والبشرة واحمرت البشرة لحمرته فيكر في الحرب وقلبه حاضر معه بما فيه من فنون السياسة والفراسة، فإن كان بدنه قويا فهو شجاع، وإن كان بدنه ضعيفا قيل فلان رجل عدل، وإن كان الدم رقيقا وأزعجته أولا نار الخوف لأنها تتقدم في كل أمر يخاف منه فراق الروح الجسد، فتغلب على الدم وتشربه قبل أن يثور نار الغضب، فإذا أحست الروح بفراقها الجسد لقلة غذاء ناريتها من ذلك الدم؛ رجع إلى ذلك المحل من الدم ما فرقته منه بقوة حرارتها إلى سائر الجسد؛ لضعفها في دفعه إلى ذلك، فصارت تشرب منه فيصفر البدن لضعف دمه، فلا يجد الغضب شيئا يفور به، فيهدأ ويبقى الخوف ويورثه الرهبة والفزع، فيجبن عن مصادمة ما تخاف الروح فراقها الجسد بمصادمته، فيكون هو
الجبان. (1/541)
صفحة 542
أما عند أهل علم الحقيقة الشرعية: هو لطيفة روحانية، وتلك اللطيفة هي ذات
الإنسان، وهي اللطيفة النفسانية المقدم ذكرها.
والقلب عضو عضلي مجوف يدفع الدم ضمن جهاز الدوران بما يشبه عمل المضخة مشكلا العضو الرئيسي في الجهاز القلبي الوعائي أو ما يعرف بالجهاز الدوراني. تشكل العضلة القلبية النسيج الفعال وظيفيا من القلب حيث يؤمن تقلصها انتقال الدم وضخه من القلب إلى باقي الأعضاء مما يجعل القلب محطة الضخ الرئيسية للدم من القلب إلى الأعضاء لتزويدها بالأكسجين المحمل في الدم القادم من الرئتين من ثم يقوم القلب بضخ الدم القادم من الأعضاء والمحمل بثاني أكسيد الكربون إلى الرئتين لتنقيته وتحميله من جديد بالأكسجين ولا ينحصر نقل الدم على تزويد الأكسجين فقط، وإنما يحمل أيضا مواد غذائية، ومواد واقية للجسم، ويعمل القلب على توصيلها جميعا إلى كل خلية حية من خلايا الجسم لكي تقوم بوظيفتها، كما ينقل السوائل العادمة؛ البول لتنقيتها في الكلى تمهيدا لإخراجها من الجسم عن طريق المثانة.
1 - آراء الشيخ ابن أبي نبهان: من قاموس الشريعة.
2 - أنظر (ويكيبيديا)
542 (1/542)
صفحة 543
وهذا هو القلب من جهتيه.
أنظر (ويكيبيديا)
Aortic Artery
الشريان الأبهر الشريان التاجي الأيسر
الأذين الأيسر
الوريد الأجوف العلوي
Superior Vena Cava
الجذع الرئوي
Pulmonary Trunk
Left Coronary Artery
Left Atrium
الأذين الأيمن
Right Atrium
الأذينة اليمنى
Right Auricle
الشريان الخليف
Circumflex Artery
الشريان وسط البطينين الأمامي
الشريان التاجي الأيمن
Right Coronary Artery
Anterior Interventricular Artery
الشريان الهامشي
Marginal Artery
البطين الأيمن
Right Ventricle
البطين الأيسر
Left Ventricle
ذروة القلب.
Heart Apex
وقد سبق الكلام ص 514 أنَّ الفؤاد غير القلب، وأن الفؤاد هو الفتحة العليا التي تصل المريء إلى المعدة وسمي بالفؤاد لقربه من القلب. فراجعه من هنالك مع
الصورة الموضحة له.
543 (1/543)
صفحة 544
المخ ووظائفه -
يُكوّن المخ القسم الأكبر والأهم من المركزي، حيث يتشكل من نصفي كرة مخيتين منفصلتين يرتبطان بجسر عصبي حزمة عريضة من الالياف العصبية). ويهتم المخ بشكل عام بالوظائف الإدراكية والحسية والعقلية ووظائف اللغة؛ بل وتصدر منه جميع التعليمات للجسم من حركة وسكون وفعل وامتناع إلى غير ذلك، وهو الآمر الناهي وبدونه لا يستطيع الجسم التصرف، وينقسم إلى ثلاثة أقسام: مخ ومخيخ وجذع، وبإصابة المخ يفقد المخلوق كثيرا من المنافع الحيوية بل وتتولد بسبب خلله كثير من المخاطر والأضرار بالجسم، وللمصاب بسبب جناية من جان من الديات والأروش على عدد المنافع الذاهبة والأضرار المتولدة، وذلك على حسب القواعد التي مر شرحها في هذا البحث.
والمخ مرتبط ارتباطا وثيقا بالقلب خاصة، وسائر أجزاء الجسم عامة، والصور
الآتية توضح بعضا من ذلك.
544 (1/544)
صفحة 545
Embolic Stroke (1/545)
صفحة 546
صورة توضيحية للدماغ من الجانب ومن أظى
Embolic Stroke
Stroke
Brain
المخ.
المخيخ.
جذع الدماغ
Embolus
Blood vessel
Copyright © 2002 WebMD, Inc. All rights reserved.
546 (1/546)
صفحة 547
Affected portion of
the brain
Embolus
blocks
blood flow
to part of
the brain
Internal
carotid artery-
Common carotid artery
Embolus (clot)- Aorta
Atrial fibrillation in the left atrium
Thrombus (clot)
ascii-group.blogspot.com
547
-Heart (1/547)
صفحة 548
دم نازف
السكتة الدماغية النزفية
أحد أخطر أنواع السكتة الدماغية يظهر عند تفجر شريان ضعيف في المخ
فروة الرأس
الجمجمة
- الدماغ
شريان
1 شريان متضرر ينتفخ مسببا تمدد جدرانه وتفجره
2 يتسرب الدم نحو انسجة المخ
3
تتضرر بعض خلايا الدماغ بسبب الدم ونقص الأوكسجين
يزداد الضغط بسبب تدفق الدم مما يؤدي إلى اضرار أخرى في الدماغ
التكهنات
حسب كمية الدم المتسرب الضغط على الدماغ قد يسبب الوفاة
إن نجا المصابون فإن فرصة استرجاع وظيفة
الدماغ تتحسن
lascii-group.blogspot.com
الأوسط
548 (1/548)
صفحة 549
H.Mayer
Blood leaks into brain tissue
انتشار الدم بين انسجة الدماغ
Hemorrhagic Stroke
549
السكتة النزفية
Weakened/diseased
blood vessels rupture.
انفجار في منطقة ضعيفة. من الشريان (1/549)
صفحة 550
الزائدة الدودية
أو الدودة الزائدة
الزائدة الدودية - وحسبما هي عند علماء الطب- هي: عبارة عن قطعة صغيرة في نهاية المصران الأعور، اسطوانية الشكل، مسدودة النهاية، تقع في بداية الأمعاء الغليظة ولها فائدة مناعية حيث إن بها نسيجاً لمفاوياً يعمل على تصفية البكتيريا والفيروسات الدخيلة وتكوين مناعة ضدها.
فوائد الزائدة الدودية
كان الاعتقاد السائد عند علماء الطب بأنَّ الزائدة الدودية ليس لها فوائد، وأنها عضو عديم المنفعة. وقد تغير ذلك تماما بسبب الأبحاث الجديدة للمهتمين إلى أنها: مخزن للبكتيريا النافعة التي تقوم بدور فعّال عند أي خلل في النظام الفسيلوجي في القولون. وبذلك يتضح أنها عضو فعّال من أعضاء الجسم لا يقل أهمية عن باقي أعضاء الجسم. مع العلم أنَّ هذه الأبحاث أجريت على الحيوانات
وليس على جسم الإنسان.
التهاب الزائدة الدودية
إذا حدث وأن التهبت الزائدة الدودية - مثلما يحدث لأيّ جُزء من الجسم- فيجب حينئذ علاجه، ونظراً لخطورة الحالة وأهمية الوقت في علاجها ولمنع التهابها مرة أخرى يجب استئصالها بعملية جراحية، فالالتهاب له مضاعفات خطيرة قد تنفجر الزائدة الدودية وقد يسبب الانفجار الوفاةَ في الحالات الشديدة.
550 (1/550)
صفحة 551
أسباب التهاب الزائدة الدودية
الأسباب غير معروفة حتى الآن - تحديدا قاطعا - وعادة ما يكون بالبكتيريا الموجودة في السبيل المعوي وانسداد مدخل الزائدة الدودية؛ الذي هو نقطة التقائها مع المصران الأعور، قد يحدث ذلك بمحتويات السبيل المعوي المتحركة أو تقلص في الأنسجة يؤدي إلى تضييق في مدخل الجيب، وعندما يتفاقم الانسداد بتكاثر بكتيري تصبح الزائدة منتفخة وملتهبة ومليئة بالقيح.
الأعراض والدلائل: ألم يبدأ حول السرة ثم يتحرك باتجاه الربع البطني السفلي الأيمن حيث يصبح الألم متواصلا ومحددا. ويسوء بالحركة، التنفسية العميق، الكحة العطس، المشي أو لمس مكان الألم، حمى منخفضة تبدأ عقب ظهور الأعراض السابقة غثيان إمساك وعدم القدرة على إخراج الغازات إسهال ألم عند الضغط في الربع البطني السفلي الأيمن خاصة عند نهاية ثلث المسافة بين السرة وعظمة الحوض انتفاخ البطن وهي علامة متأخرة.
هل يمكن الوقاية؟
لا توجد إجراءات وقائية معينة للزائدة الدودية سوى إجراء العملية الجراحية وإزالتها نهائيا - إذا التهبت - وذلك في أقرب فرصة ممكنة.
هل يمكن علاج الزائدة الدودية؟
عادة ما تكون قابلة للعلاج بالجراحة ولكن إذا لم تعالج بتاتاً فإن انفجار الزائدة
الدودية خطير وقد يؤدي إلى الوفاة، إن قدر الله ذلك وهذه الصورة توضح
ذلك.
551 (1/551)
صفحة 552
القولون المستعرض
القولون النازل
القولون
الصاعد
الزائدة
القولون السيني
المستقيم
يتضح من هذا أن استئصال الزائدة يمر بأربع مراحل الأولى فتح البطن والثانية قطع الزائدة، وهي ذات جوف، فيصل القطعُ أولا إلى داخل الجوف ثم ينتهي باستئصالها كاملا من الجهة الاخرى الثالثة: خياطة موقع الزائدة، الرابعة خياطة البطن. فما ذا يُعطى المصاب من الدِّيَة إن استوصلت بسبب الحادث.؟ والذي يتضح حتى الآن أنَّ أقل ما يعطى ثلث الدية لفتح البطن، وثلثها للقطع وما يترتب عليه، وحكومة عن فقد الزائدة لكونها عضواً فعالاً وأقلُّ الحكومة ثلث دية العضو، وقيل: النصف. وقيل: الكل، وقيل: ما حكم به العدول ولو زاد على الدية، فما حكم به العدول فهو هو. وهذا هو الأظهر والأنضر، وهكذا قس في الباقي فيما فيه حكومة في أي موضع من الجسم.
552 (1/552)
صفحة 553
الملحق السابع بعض أقوال أهل العلم في حكومة العدل
سبق الكلام في عدة مواضع من هذا الكتاب وفى عدة مسائل منه ما يسمى بحكومة العدل، أو النظر، أو نظر العدول، أو حكومة العدلين، ويُطلق عليه بعضهم: نذر، وقدر ... الخ. وذلك فما لم يرد فيه نص من الشارع، وإنَّما فيه: نظر العدول العارفين بأحكام الدماء وبشرط أن يكون تقديرا عادلا مكافئا للضرر، لا جزافا من غير رويَّة، فإِنْ حَكَمَ العدول فيه بعد التأمل والاجتهاد ومعرفة الضرر وأثره على المضرور حالا أو مآلا فما حكم به العدولُ قل أو كثُرَ فعليه العمل، وعلى العدل أن يتحرى الأفضل والأسلم والأقوى في النظر، وذلك حسب موقع الإصابة من الجسم وأثرها على المصاب بل وفي المجتمع.
وفي معنى ذلك قال العلامة ابن بركة في كتاب التعارف: "ألا ترى أنَّ الحكام قد كلفوا أن يحكموا بالظاهر بما هو عندهم صواب، ولا يجوز أن يكونوا مخطئين إذا اجتهدوا وفعلوا ما أمرهم الله به من الظاهر، وإن اختلفوا في مقادير النفقات، وقيم المتلفات وأرش العيوب والجراحات، وفي جزاء الصيد ولا يعتقد أحد تخطئة صاحبه فيما خالفه، لا يدعي عليه الخطأ في حكمه، بل كل واحد منهم يصوب صاحبه وإن خالفه في تقديره 1
منهم
وقال: "فمن اجتهد من حيث يجب الاجتهاد واستدل من وجه الاستدلال أصاب ما كُلّفه، وهذا يتعلق بباب اجتهاد الرأي، وما اختلف فيه العلماء، وكيف جرى بين الصحابة من الاختلاف فيما تولى فيه بعضهم بعضا"
1 - التعارف ص 80 من المحقق.
- السابق 74 - 75
553 (1/553)
صفحة 554
وقال: "وكذلك كلف أصحاب الرسول الله أن يجتهدوا في حكم الحوادث التي كلفهم الله الحكم فيها، فإذا استدلوا وطلبوا ما كان عندهم أنه الحق الذي كلفهم إياه وقاسوا، وغلب على ظن كل واحد منهم قد أصاب الحق حكم به، وحكم له بالثواب على ذلك"
وقال: "وكذلك قولي في قيم المتلفات؛ فإنما الاعتبار فيه أن تجري القيمة على حسب ما تبايع الناس به، وتجري به البياعات بينهم، فيرجع في ذلك إلى أهل المعرفة دون من لا معرفة له.
وقد تقع البياعات بين التجار على الأثمان المتقاربة والمغابنة اليسيرة، وقد تقع بينهم المغابنة الفاحشة، وهذا نادر بينهم بأعلام كثيرة منهم.
فانظر في ذلك ما أبيح لأهل القيم إذا كانوا من أهل الخبرة والمعرفة بالأثمان
211
المتقاربة دون المتفاوتة الفاحشة، وفوق الناقصة الخسيسة وبالله التوفيق وأضرب لك مثلا ضرر المرأة أشدُّ عليها من ضرر الرّجل، وموقع الإصابة بعضه أعظم ضررا من بعض، فمثلا الوجه أشرف شيء في الانسان وتشوهه أسوأ ضررا عليه، ولذا حدَّر الشارع من المساس به حتى عند مستحق العقوبة، ففي الحديث
1 - السابق 74 - 75
2 - التعارف السابق ص 82 - 83 وسيأتي إن شاء الله النص بكامله في موضعه.
554 (1/554)
صفحة 555
الشريف عن المعصوم لا أَنَّهُ قَالَ "إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ"
وفي رواية أخرى بلفظ: "إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه"
وعن علي أنه أتي برجل سكران أو في حد، حد، فقال: "اضرب وأعط كل عضو حقه واتَّقِ الوجه والمذاكير
وتشوه وجه المرأةِ أعظمُ ضررا عليها من الرَّجُل فقد تفقد شريك الحياة طوال عمرها، وإن كانت ذات زوج فإن لم يطلقها فقد ينصرف إلى زوجة أخرى، وتبقى كالمعلقة، وإن كان الزوج ذا رحمة وعاطفة فمهما يكن لا بد من وقع أثر ذلك عليهما،
6
1 - أخرجه أبو داود 167/ 4 ح 4493. ومسلم ح 2612، واحمد ح 7420 وح 8125 و 8339 و 8441 و 8573 و 9604 و 9962 و 10732 وابن عدى في الكامل 39/ 5، ترجمة عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف رقم 1209، وقال: لا بأس به. وأخرجه البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة ح 174 بلفظ إذا ضرب أحدكم خادمه فليجتنب الوجة وعبد الرزاق 444/ 9، ح 17951، وأحمد
93/ 3
ح
11904، وعبد بن حميد في مسنده ص
283
?
900، وأبو يعلى 400/ 2، ح 1179، والبزار
في كشف الأستار 441/ 2، ح 2062، والدارقطني في الأفراد؛ كما في أطراف ابن طاهر 86/ 5، ح 4759. قال الهيثمي: 106/ 8: فيه عطية العوفي ضعفه جماعة ووثقه ابن معين وبقية رجاله رجال
الصحيح. 2 - انظر: السابق.
- ابن أبي شيبة المصنف ج 5 ص 529 ح 28675 والبيهقي السنن الكبرى ج ص 327 / ح 2332. وانظر: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للهروي. (2327/ 6) نصب الراية لأحاديث الهداية مع حاشيته بغية الألمعي في تخريج الزيلعي (324/ 3) خلاصة البدر المنير في تخريج الرافعي لكتاب الشرح الكبير المؤلف: ابن الملقن سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الشافعي المصري (المتوفى: 804 هـ) (323/ 2) 2460
555 (1/555)
صفحة 556
بقطع النظر عن إحساس المصاب في المجتمع، وكذا الحال في الرّجل فقد لا تقبله
النساء، وإن كان ذا زوج فقد لا تصبر، وتطلب الطلاق وهكذا.
واعوجاج الأنف ليس كاعوجاج ساق الرّجل؛ الذي لا يراه أحد، وفقد لذَّةِ الجماع وفوائده، ليس كفقد طعم الماء، وفقد الارضاع بسبب قطع الحلمة من المرأة ليس كفقد حلمة الرَّجُل التي ليس فيها الا الجمال فقط.
ولذا أوصل كثير من العلماء أرش الحلمة في المرأة إلى ديتي رَجُل، كلُّ ذلك نظرا منهم إلى الأثر المترتب على المصاب، وكذا الحال في فقد القدرة الجنسية، وفقد يد صاحب المهنة قد تفقده أثرها الناتج من ذلك ولو أصبعا واحدة إن كانت توثر على أداء مهنته على الوجه الصحيح فيعطى ديتها وحكومةً عن الضرر الناتج بسب فقد
المنفعة.
وجائفة إبرة ليست كمن بقر بطنه وأخرجت أمعاؤه فما خرج عن المألوف ففيه حكومة بالإضافة إلى الأرش المقدر وهكذا في سائر الأعضاء، كلا بحسبه ولذا قال أهل العلم في الجائفة لها ثلث الدية، ولو بثقب إبرة، وكذا الحال في النافذة، والعظم المفتت أعظم ضررا من المنقل ومهما جبر لم يرجع كأصله، وهكذا فليتنبه.
والحاصل أنَّ الجناية في أي موضع من بدن الانسان لابد من معرفتها على التحقيق ومعرفة الأثر الناتج عنها بسب الإصابة على المصاب.
والمتسبب مهما كان قد تسبب في الضرر في جسد إنسان معصوم الدم، وعليه جبر ذلك الضرر قل أو كَثُر، وفي الأصل عليه جبر الضرر حتى يعود المضرور على حالته قبل حدوث الضرر؛ أي حتى يعود الأمر على طبيعته قبل حدوث الضرر عليه بسبب الجناية، وهذا يكاد، مستحيلا ولذا على العدول الاجتهاد قدر الطاقة، (1/556)
صفحة 557
وحسب الظاهر لهم من الواقع، وبعد التأمل والاجتهاد وفهم الإصابة وأثرها وما سرى إليها من ضرر ومِن ثَمَّ يقررون ما يرون والباطن مرده إلى الله.
وهذه أقوال بعض أهل العلم كما وعدتك سابقا والوعد على الحر دين فتدبر ذلك بإمعان.
سئل الامام السالميه عن الأرش في الجناية على شعر اللحية بما نصه:- السؤال: قولهم يوزن شعر اللحية بذهب إن لم ينبت غيره كشعر رأس المرأة ما الذي اعتبروه؟
الجواب: الله أعلم وعندي أنَّ في ذلك نظر العدول وهو على المختار عندي غير محدود بشيء دون شيء، ولعل صاحب هذا القول اجتهد فرأى أن شعر اللحية في الرجل أغلى شعوره وكذلك رأس المرأة ورأى أغلى النقود الذهب فقابل العالي بالعالي حيث وازن بينهما فإن كان هذا أراد فذلك وإن أراد غيره. فالله أعلم.
وطارح على أخيه عقرب ...... فأثرت فيه ضمان وجب
فسوم عدلين عليه وهو ماا ...... نذكره فيما يليه فافهما وذاك ما قد يقتضيه النظر .. من عارفين بالدما إن نظروا
وقيل عشرون من الدراهم ....... سومهما وذاك غير لازم بل ثلث الغرم وقيل المؤثر ....... من يده أو أصبع أو ذكـ
1 - جوابات الإمام السالمي 493/ 2.
557 (1/557)
صفحة 558
وتخرجن ثلث المق ـــدر ...... أو نصفه على اختلاف النظر 1
وفي المنهج؛ وقيل: إذا ضرب رجل رجلاً، فمال أنفه، أو احولت عينه أو حدب، ففي ذلك سوم العدول على ما يرون 2
قال أبو المؤثر: قد اختلف في السوم، فمنهم من قال: ثلث دية العضو. ومنهم من قال: خمس دية العضو. وقول السوم هو النظر في الجناية التي ليس فيها دية معروفة مفروضة. وكذلك ما كان من العوارض مثل من طرح دابة على أحد
فلسعته.
والجروح التي تبرأ قبل الرفعان وما يتولد من الزيادة بعد الحدث، وما لا يتوصل إلى معرفته من جميع الأحداث، ففيه السوم بنظر أهل العدل من المسلمين. ووجدت في أثر أن السوم قيل هو نصف دية العضو. وقيل: ثلث. وقيل: عشرون درهماً. ويعجبني قول من قال إنه كل شيء من الأحداث والجنايات، مما لا يعرف قدر مبلغ ديته، ولا يتوصل إلى الحكم به، أن يكون بسوم العدول، وتقويمهم
باجتهاد نظرهم في ذلك، واتفاقهم على ذلك، والله أعلم، وبه التوفيق.
وقال محمد بن محبوب رحمه الله كل خرم كان في أذن أو منخر أو شفة، التأم، أو لم يلتئم، فله ثلث دية ذلك العضو
1 - جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام للسالمي الدماء 2/ 179.
2 - منهج الطالبين وبلاغ الراغبين لخميس الرستاقي /182/ 6. ن/مكتبة مسقط
3 - منهج الطالبين وبلاغ الراغبين (6/ 218) ن / مكتبة مسقط. القول العشرون في السوم. 4 - منهج الطالبين وبلاغ الراغبين لخميس الرستاقي 6 ص 184 ن/مكتبة مسقط.
558 (1/558)
صفحة 559
وفي التاج وهو قيل: ثلث دية العضو، وقيل: خمسها، وقيل: النظر في جناية لا دية لها مفروضة وكذا ما كان من العوارض كمن طرح على رجل دابة فلسعته، وكالجروح البارئة قبل الرفعان، والمتولّد بعد الحدث، وما لا يتوصل إلى معرفته ففيه النظر.
وقيل: السوم نصف دية العضو، وقيل عشرون درهما، واختير أنَّه كلُّ جناية أو
حدث لا يعرف قدر ديته، ولا يتوصل إلى الحكم به أن يُسام باجتهاد العدول.
وفي الكوكب الدري: عن أبي عبد الله إنما يكون في ابن آدم ثمانية وعشرون سناً ومنهم من له اثنان وثلاثون سناً وإذ كانت المقلوعة أسنان من له اثنان وثلاثون وللجاني ثمانية وعشرون سناً فالأربعة هدر ولا أرش لهن وإن كان السن متوكباً سوم عدلين فمنهم من قال: ثلث دية العضو، وقول خمسها وقال أبو الحسن سوم العدلين عشرون درهما.
فله
وفي النيل وشرحه وقيل: النظر، وفيه أي في النظر أقوال منها أنه لا ينحصر بل بحسب نظر الحاكم،
ومنها أنه ثلث دية العضو) الذي هو الذكر والفرج مثلا، ومنها خمس دية ذلك العضو، وقيل: نصف دية العضو، وقيل: عشرون درهما، والنظر والسوم بمعنى
1 - التاج الباب التاسع عشر في السوم ج 7 ص 215.
- الوكب: سواد اللون والمعنى إذا أصيب السن فاسود لونه فقط وبقي صحيحا ينتفع به فله السوم.
انظر: العين (وكب)
3 - الكوكب الدري لعبد الله الحضرمي ج 4 ص 323 الديات. [عدد الأسنان]
559 (1/559)
صفحة 560
،واحد ولذا ذكرا معا في مسألة واحدة فالمراد بالنظر نظرُ الحاكم بحسب اجتهاده،
رضي عنه
وفي كتاب الإيجارات من ديوان أبي زكريا الجناوني له "وإنما ينظر في ذلك وفي مثله ثلاثة نفر من أهل العدل فصاعدا يجتهدون في النظر في ذلك بجهد رأيهم، فإن اتفق رأيهم على شيء واحد فسبيل ذلك، وإن اختلفوا في النظر فليرجعوا إلى أوسطهم، وإن رأوا أن يرجعوا إلى نظر أدناهم فعلوا، وكذلك إن رأوا الرجوع إلى أقصاهم في النظر فليفعلوا ... إلى أن قال: وكذلك كل ما يُرَدُّ إلى قيمة أهل العدل في الأموال والجراحات وصدقات النساء ومتعة المطلقات، مثل هذه المسألة في جميع الوجوه التي ذكرناها والله أعلم وأحكم ..
هذه
(وقيل في حلمة المرأة خمس ديتها و في حلمتيها خمسا ديتها هذا عين ما تقدم، ولكن أعاده ليرتب عليه قوله و في الرجل عشر (ديته وفي حلمتيه خمس ديته، وقيل: في حلمتي الرجل دية الرجل، وفي حلمتي المرأة دية المرأة، قياسا على ما هو في الإنسان اثنان، وقيل في حلمتي المرأة ديتان كل واحدة كدية الرجل، وإن قطع أكثر من الحلمة فكالحلمة في تلك الأقوال كلها إذا كان بمرة .....
(وما كان من فَةٍ فَكِ عُضو من مفصله مع بقاء بعض شدة وإمكان رجوع (أو) اختلاع) زوال عضو من مفصله مع استرخاء كثير، بحيث لا يمكن رجوعه (سيم) أي: حكم فيه بالسوم وهو النظر بالخلاف المتقدم فيه منه. قول: إنه ثلث دية
1 - شرح النيل للقطب اطفيش (15/ 28) 2 - ص 88 ط الأولى.
- شرح النيل للقطب اطفيش (70/ 15) (1/560)
صفحة 561
العضو (إن لم تَبْلُغ جارحة وقع فيها فك أو اختلاع لفساد) أي: إلى فساد وهو متعلق بِ (تَبْلُغ) وفي نسخة: فكّ لفساد أو اختلاعٌ، فهو برفع "اختلاع " عطفا على "فك"
(فإن فسدت من ذلك الخلع أو الفك أي عنت أي فسدت بعد جبر والعنت الكسر بعد جبر (فدية تامة دية تلك الجارحة ..
(ولكل قرحة لا تبرأ تولدت بنحو الضرب (ثلث دية كسر ذلك (العضو) الذي هي فيه، والله أعلم.
ولكل جارحة بانت ولو رجعت وبرئت ديتها، كما لو لم ترجع، وفيها النظر إن نزعت بعد، أي بعد رجوعها كما كانت وإن رجعت حاسة كسمع بعد ذهابها، المراد الإحساس لا نفس الأذن. 3
4
قَالَ ابْنُ مَحْبُوبِ كُلُّ جُرْحٍ فِي أُذُنٍ أَوْ مَنْخَرٍ أَوْ شَفَةٍ فَلَهُ وَلَوْ الْتَأَمَ ثُلُثُ الْعُضْوِ وفي جامع أبي سعيد وعن رجل أذعر صبيا ما يلزمه؟ قال: معي أنه قيل: يلزمه
سوم
عدلين.
قلت له: فإلى ما يسومانه العدلان؟ قال: معي أنه إذا كان العدلان ممن يبصر الأرش في الديات كان اجتهادهما في النظر على ما يوافق معاني الأثر، ويشبه الأشياء التي
1 - شرح النيل للقطب اطفيش (90/ 15)
2 - شرح النيل للقطب اطفيش (15/ 109) - شرح النيل للقطب اطفيش (63/ 15) 4 - شرح النيل وشفاء العليل للقطب 33/ 15 (1/561)
صفحة 562
قد تقدمت فما يشبه الحادث الذي يكون فيه السوم إذا ساما ذلك كانا حجة ويحكم بقولهما."
قال العلامة أبو محمد بن بركة: فالمعروف إنما يرجعون إلى عادتهم في غالب ظنونهم من بعد اجتهادهم، والذي عندي - والله أعلم - أن المعروف في النفقة هو دون السرف وفوق التقتير؛ ولذلك أقول: إنَّ الإطعام الذي ذكر في القرآن، ولم يُبَيِّن وصفه، هو دون الليّن وفوق الخشن ودون الجيد وفوق الرديء.
وقال: وكذلك كُلّف أصحاب الرسول الله أن يجتهدوا في حكم الحوادث التي كلفهم الله الحكم فيها، فإذا استدلوا وطلبوا ما كان عندهم أنه الحق الذي كلفهم إياه وقاسوا، وغلب على ظن كل واحد منهم قد أصاب الحق حَكَم به، وحُكم له بالثواب
على ذلك.
ألا ترى أن الواحد منهم قد يحكم بإباحة فرج، أو تمليك مال، ثم يظهر على خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، فيرجع إليه ويعمل به، ويدع ما كان عمل به قبل ذلك، وكذلك الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة، وهم مع ذلك يتولى بعضهم بعضا، وهذا يدل على أنَّ الإنسان إنما كُلّف أن يأتي بما هو حق عنده.
فمن اجتهد من حيث يجب الاجتهاد واستدل من وجه الاستدلال أصاب ما كلفه وهذا يتعلق بباب اجتهاد الرأي، وما اختلف فيه العلماء، وكيف جرى بين الصحابة
1 - الجامع المفيد من أحكام أبي سعيد ج 5 ص: 292)
2 - التعارف ص 80 - 82 المحقق.
562 (1/562)
صفحة 563
من الاختلاف فيما تولى فيه بعضهم بعضا، وإن قدر الله السلامة، ووسع في الأجل، أفردنا له كتابا، وتبيَّنَّا فيه وجه الصواب في ذلك وبالله توفيقنا.
وأما هذا فإنما قصدنا فيه إلى تبيين ما كلفنا علمه بالاستدلال والظاهر، وما يعلم
بالقلب وسكون النفس والعادة الجارية، وقد سمى الله علم الظاهر لنا علما لقوله وجَل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ)) الممتحنة. (10) فسمى ما يُحكّم به علما لنا بظاهر ما يظهر من الإيمان، وتسكن إليه نفوسنا، وإن كان علمه بإيمانهن علم الحقيقة في قول عز و جل اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ
ألا ترى أنَّه قد حرَّم علينا نكاح المشركات و أجاز لنا نكاح المؤمنات، وجعل الدلالات على ذلك الظاهر، وجعل دليل الظاهر علما يفرق به بين المباح و المحظور، فمن استدل بالظاهر فعقد على مؤمنة نكاحا صحيحا فقد أصاب بذلك الظاهر ما أباح الله له فإن علمها مشركة لم يكن مأزورا فيما تقدم من وطئه إياها، وحرمت عليه فيما حدث له من العلم، و عذر فيما أخطأ، لأنه لم يعد دليل
الظاهر.
وقد كلف النبي صلى الله عليه وسلم الحكم بين أُمَّتِه، وافتُرِض عليهم أن يقضي بينهم، وكان يحكم بما ظهر من أمرهم، لأنه ما كلف أن يعلم حقيقة أمرهم ويفضي على سرهم ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: " إنكم لتختصمون إلي ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته
1 - السابق 74 - 75
563 (1/563)
صفحة 564
من صاحبه وإنما أقضي بينكم بما ظهر إلي منكم، فمن حكمت له بشيء من مال أخيه فلا يأخذنه، وإنما أقطع له قطعة من النار فبين أنه إنما يحكم بالظاهر.
ومما يدل على ما قلنا إنَّ الله تعالى وضع عن عباده الخطأ فيما تعبدهم به إذا أخطأوا مع قصدهم الصواب، وصحة نياتهم إذا اجتهدوا في طلب الحق أن الله تعالى عظم أمر الدماء والفروج، وأكد في تحريمها، وتوعد لمن استباح ما خصه عليه منها بأشد الوعيد.
ثم مع هذا لو أنَّ مسلما أراد الجهاد، فرأى رجلا في صف العدو فقتله، وهو يرى أنه من أهل الحرب والمقتول عند الله مؤمن، لم يكن قاتله مأزورا؛ إنما قصد عدو الله، ولم يُكَلَّف علم الحقيقة فيه.
1 - أخرجه الامام الربيع بن حبيب في مسنده الجامع الصحيح كتاب الأحكام، باب ما جاء أن حكم الحاكم لا يحلل حراماً رقم 588، والبيهقي في السنن الكبرى المذيل بالجوهر النقي 6/ 66 ح 11693 باب ما جاء في التحلل، وباب ما يحتج به من أجاز الصلح على الإنكار 21779 وباب المتداعيين يتداعيان ما لم يكن في يد واحد منهما ويقم كل واحد منهما بينة بدعواه، وابن أبي شيبة 541/ 4 ح 22974. والدار قطني في سننه 4/ 238 ح 123 وأبو يعلى في مسنده 456/ 12 ح 7027 وأحمد في 25492 و 26760 ومواضع أخرى، والبخاري باب موعظة الامام للخصوم وفي مواضع متعددة أنظر: ح 2680، 2458، 6967، 7181، 7185، 7169، بألفاظ متعددة، ومسلم ح 171،
مسنده
6
وأبو داود في قضاء القاضي إذا أخطأ 4 ص 301 ح 3583، وابن ماجة ح 2371، وغيرهم. مع اختلاف في بعض اللفظ ونص الربيع أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنما أنا بَشَرٌ مثلكم تختصمون إليَّ فأحكُم بينكم، ولعل بعضكم ألْحَنُ بحُجَّتِهِ من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيتُ له بشيءٍ من حق أخيه فلا يأخُذ منه شيئاً، فإنما أقطعُ له قطعة من نار" وانظر: الطحاوي شرح معاني الآثار 4 ص 154 ح 5684. وانظر: مقدمة الجزء الخامس من التطبيقات. للباحث. (1/564)
صفحة 565
وكذلك لو تزوج امرأةً يحسبها أجنبية، فإذا هي أخته لما كان ملوما.
وكذلك من صلى بغير طهارة، وهولا يعلم لم يكن حرجا، فهذا ونحوه يدل على أنا تُعبّدنا بما عندنا علمه بالظاهر، ومن حمل الناس على علم الحقيقة، وكلفهم أن يعلموا غير ما عندهم، إذا اجتهدوا من حيثُ الاجتهاد، وطلبوا الحق وعملوا بما هو حق عندهم، واستدلوا فقد أعظم القول على المسلمين، واجترأ على مخالفة كتاب
رب العالمين، وهذا الذي ذكرناه أكثر من أن يخفى على ذي فهم.
هذا ملخص ما قاله السادة الاباضية حفظهم الله من كل شر أما سائر المذاهب الإسلامية فإليك بعض ما قالوا -
أخبرنا أبو سعيد حدثنا أبو العباس أخبرنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا مسلم عن ابن جريج قال: سألت عطاء عن الحاجب يشان قال: ما سمعت فيه بشيء. قال الشافعي: فيه حكومة بقدر الشين والألم.
وبهذا الإسناد أخبرنا الشافعي أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج قال قلت لعطاء: حلق الرأس له. نذر فقال: لم أعلم. قال الربيع النذر والقدر واحد. قال الشافعي:
فيه حكومة.
قال الشافعي فيما ذكر عنه المزني: في كل عظم كُسِر سوى السن، إذا جبر مستقيما ففيه حكومة بقدر الألم والشين، فإن جبر معيبا بنقص أو عرج أو غير
1 - كتاب التعارف لابن بركة 76 - 78
2 - السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي 8/ 99 ح 16766 - 16767. وانظر: أحكام القرآن للجصاص ط العلمية 3/ 340. (1/565)
صفحة 566
ذلك زيد في حكومته بقدر شينه وضرره وألمه، ولا يبلغ به دية العظم لو قطع. وقول أبي حنيفة وأصحابه نحو ذلك.
وفي الشوكاني (وفي الذكر (الدية هذا مما لا يعرف فيه خلاف بين أهل العلم، وظاهر الدليل عدم الفرق بين ذكر الشاب والشيخ والصبي كما صرح به الشافعي
والإمام يحيى.
وأما ذَكَرُ العنّين والخصيّ فذهب الجمهور إلى أنَّ فيه حكومة، وذهب البعض إلى أن فيه الدية إذ لم يفصل الدليل.
وعند الشاطبي ... وكذلك في فرض نفقات الزوجات والقرابات؛ إذ هو مفتقر إلى النظر في حال المنفق عليه، والمنفق، وحال الوقت إلى غير ذلك من الأمور التي لا تنضبط بحصر، ولا يمكن استيفاء القول في أحادها؛ فلا يمكن أن يستغنى ههنا بالتقليد؛ لأن التقليد إنما يتصور بعد تحقيق مناط الحكم المقلد فيه، والمناط هنا لم يتحقق بعد؛ لأن كل صورة من صوره النازلة نازلة مستأنفة في نفسها لم يتقدم لها نظير، وإن تقدم لها في نفس الأمر فلم يتقدم لنا؛ فلا بد من النظر فيها بالاجتهاد، وكذلك إن فرضنا أنه تقدم لنا مثلها؛ فلا بد من النظر في كونها مثلها
1 - الاستذكار 618، لابن عبد البر القرطبي المالكي. الماوردي الحاوي في الفقه الشافعي/ ج/11 ص 304، مختصر المزني إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل أبو إبراهيم المزني المتوفى: 264 هـ ص: 246، والأم للشافعي ج 8 ص 253. بحر المذهب للروياني 12/ 279.
1 - الشوكاني نيل الأوطار 59/ 7، زيدي / ن / دار الحديث القاهرة ودار الجيل بيروت. (1/566)
صفحة 567
أولا، وهو نظر اجتهادي أيضا، وكذلك القول فيما فيه حكومة من أروش الجنايات، وقيم المتلفات.
ويكفيك من ذلك أنَّ الشريعة لم تنص على حكم كل جزئية على حِدَتِها، وإنما أتت بأمور كلية وعبارات مطلقة، تتناول أعدادا لا تنحصر، ومع ذلك؛ فلكل مُعيَّنٍ خصوصية ليست في غيره، ولو في نفس التعيين، وليس ما به الامتياز معتبرا في
6
الحكم بإطلاق، ولا هو طردي بإطلاق بل ذلك منقسم إلى الضربين، وبينهما قسم ثالث يأخذ بجهة من الطرفين؛ فلا يبقى صورة من الصور الوجودية المعينة إلا وللعالم فيها نظر؛ سهل أو صعب، حتى يحقق تحت أي دليل تدخل، فإن أُخِذتْ
بشبهة من الطرفين؛ فالأمر أصعب، وهذا كله بين لمن شدا في العلم.
وقال ابن عابدين: "وفي غاية البيان ولو حلق بعض اللحية ولم تنبت قال بعضهم تجب فيه حكومة عدل
قال في شرح الكافي: والصحيح كل الدية لأنه في الشين فوق من لا لحية له أصلا. قال القهستاني: هذا كله إذا بقي للجراحة أثر وإلا فعندهما لا شيء عليه، وعند
محمد يلزمه قدر ما أنفق إلى أن يبرأ، وعن أبي يوسف حكومة العدل في الألم.
1 - شدا: أي: أحسن منه طرفًا، والشدو كل شيء قليل من كثير، والشادي: الذي يتعلم شيئًا من العلم والأدب والفتيا ونحو ذلك. انظر: الموافقات في أصول الشريعة 145، إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي المالكي الشهير بالشاطبي (المتوفى: 790 هـ) 2 - حاشية ابن عابدين؛ رد المحتار /577/ 6.؛ فقه حنفي. 3 - حاشية ابن عابدين 5/ 373. (1/567)
صفحة 568
وفي رد المحتار: "وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا كَمَالُ الدِّيَةِ لِفَوَاتِ الْجَمَالِ بِحَلْقِ الْبَعْضِ مِعْرَاجٌ. وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَلَوْ حَلَقَ بَعْضَ اللَّحْيَةِ وَلَمْ تَنْبُتْ قَالَ بَعْضُهُمْ: تَجِبُ فِيهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ قَالَ فِي شَرْحِ الْكَافِي وَالصَّحِيحُ كُلُّ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي الشَّيْنِ فَوْقَ مَنْ لَا لِحْيَةَ لَهُ أَصْلًا
وقال البغدادي: وَلَوْ سَلَخَ جِلْدَةَ الْوَجْهِ لَا رِوَايَةَ فِيهِ عَنْ أَصْحَابِنَا وَعَلَى قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ يَجِبُ كَمَالُ الدِّيَةِ.
الكاساني: "ولو ضرب" على رأس رجل فسقط شعره أو على رأس امرأة فسقط شعرها، أو حلق لحية رجل أو نتفها أو حلق شعر امرأة ولم ينبت فإن كان حرا ففيه الدية عند أصحابنا وعند الشافعي فيه حكومة.
ووجه قوله: أنه لا يجب كمال الدية إلا بإتلاف النفس لأن الدية بدل النفس إلا أن الشرع ورد بذلك عند تفويت منفعة الجنس كما في قطع اليدين والرجلين ونحو ذلك لأن تفويت منفعة الجنس يجعل النفس تالفة من وجه ولم يوجد ذلك في حلق الشعر فبقي الحكم فيه مردودا إلى الأصل ولهذا لم يجب في حلق شعر سائر البدن. ولنا أن الشعر للنساء والرجال جمال كامل وكذا اللحية للرجال.
والدليل عليه ما روي من الحديث أن الله تبارك وتعالى عز وجل خلق في سماء الدنيا ملائكة من تسبيحهم سبحان الذي زين الرجال باللحى والنساء بالذوائب
1 - رد المحتار السابق.
2 - أبو محمد غانم بن محمد البغدادي الحنفي مجمع الضمانات (3/ 369) (1/568)
صفحة 569
وتفويت الجمال على الكمال في حق الحر يوجب كمال الدية كالمارن والأذن
الشاخصة
والجامع بينهما إظهار شرف الآدمي وكرامته وشرفه في الجمال فوق شرفه في المنافع ثم تفويت المنافع على الكمال لما أوجب كمال الدية فتفويت الجمال على الكمال أولى بخلاف شعر سائر البدن لأنه لا جمال فيه على الكمال لأنه لا يظهر للناس فتفويته لا يوجب كمال الدية.
وقد روي عن سيدنا علي الله أنه قال: في الرأس إذا حلق فلم ينبت الدية كاملة.
وكذا روي عنه أنه قال في اللحية إذا حلقت فلم تنبت الدية.
وروي أنَّ رجلا أغلى ماء فصبه على رأس رجل فانسلخ جلد رأسه فقضى سيدنا عليه بالدية 1
الدسوقي "والمراد" بالحكومة هنا ما يجتهد فيه الإمام لهذا العداء لا ما سبق في
تقويمه.
العدوي "وفي لسان الأخرس حكومة أي قطع كله فيه حكومة إن لم يمنع الصوت وإلا فالدية.
1 - بدائع الصنائع علاء الدين الكاساني ج 7 ص 312 حنفي
2 - حاشية الدسوقي على الشرح الكبير محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي المالكي المتوفى: 1230 هـ)
ج 4 ص 273 مالكي
- حاشية العدوي علي بن أحمد الصعيدي العدوي المتوفى: 1189 هـ ج 2 ص 303 مالكي
569 (1/569)
صفحة 570
وفي شرح خليل: "وقال البساطي: فإن قلت: هب أنَّ لسان الأخرس لا كلام فيه لكنه يذوق به وقد قلتم أنَّ في الذوق الدية؟ قلتُ لا بد في وجوب الدية من تحقق إزالة المعنى الذي لأجله الدية، وهي غير متحققة في لسان الأخرس، ولهذا جعل فيه في المدونة الحكومة. اهـ
وعليه فإن تحقق أنه كان به ذوق، فإن فيه الدية، ثم إنَّ مفهوم "وإن لم يمنع إلخ" أنَّه إن منع ما قطعه النطق أو بعضه فتقدم في قوله والنطق بالكلام اجتهادا في قوله عاطفا على ما فيه دية أو النطق.
وروى أصحاب الإمام مالك الله عنهم: ليس فيما دون الموضحة في الخطأ عقل
مسمى.
ابن القاسم وأشهب إلا أن يبرأ على شين ففيه حكومة، ولمالك له في المختصر لو جرى أهل بلد على عقل مسمى فيما دون الموضحة رأيت أن يبطله الإمام ولا يحكم به، وروى علي من ضرب رجلا فوقعت مصارينه في أنثييه فإنما فيه حكومة، ثم قال ابن عرفة وفي النوادر عن أشهب الحكومة أن يقوم ذلك أهل المعرفة بقدر شينه وضرره، وروى غيره الحكومة أن يقوم المجروح على أنه عبد صحيح، ويقوم بذلك الشين فما نقصه نقص مثله من ديته وهو نص الجلاب بجعل ما بين القيمتين جزءا من ديته، ومثله في كتاب الأبهري.
وفي تعليقة أبي عمران أن تفسير الحكومة أن يُقَوَّم عبدا صحيحا وعبدا بجراحة وينظر ما نقص فيكون عليه من الدية بقدر ذلك، هذا قول ابن إدريس، وتبعه
1 - شرح خليل للخرشي 41/ 8، محمد بن عبد الله الخرشي المتوفى: 1101 هـ
570 (1/570)
صفحة 571
عليه أصحابنا البغداديون والذي في تفسير ابن مزين الحكومة أن ينظر الإمام على قدر اجتهاده من يحضره.
قلت: وألفاظ المدونة أتى فيها مرة لفظ الحكومة، ومرة لفظ الاجتهاد، فيحتمل أن يكونا مترادفين أو متباينين اهـ.
ابن عاشور: "اتفقت أنقال ابن عرفة التي حكاها في تفسير الحكومة، أنها اسم لإعمال النظر المؤدّي إلى معرفة الواجب في الجملة، وإن اختلفت في كيفية النظر المؤدي إليها، وعلى هذا فالكلام بتقدير مضاف، أي مؤدي حكومة
تتمة: ما ذكره المصنف في الحكومة هو المعروف، وفي تفسير ابن مزين أن الحكومة باجتهاد الإمام ......
الموسوعة الفقهية: "وتجب الدية في الأنثيين لما روي أن في كتاب الرسول صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: "وفي البيضتين "الدية ولأن فيهما جمالا ومنفعة، فإن النسل يكون بهما، وهما وكاءُ المني، وفي كل واحدة منهما نصف الدية؛ لأن وجوب الدية في شيئين يوجب نصفها في أحدهما.
وإن أشل الأنثيين فعليه الدية كاملة، حيث أذهب منفعتهما، فإن قطعهما لم تجب فيهما إلا دية واحدة، ويرى أبو حنيفة ومن يقول من فقهاء مذهبي مالك
-1
منح الجليل شرح مختصر خليل 103/ 9 فما بعدها، محمد بن أحمد بن محمد عليش، أبو عبد الله المالكي (المتوفى: 1299 هـ) المختصر الفقهي لابن عرفة محمد بن محمد ابن عرفة الورغمي التونسي المالكي، أبو عبد الله (المتوفى: 803 هـ) (87/ 10) المحقق: د. حافظ عبد الرحمن محمد خير، الناشر: مؤسسة خلف أحمد الخبتور للأعمال الخيرية الطبعة: الأولى، 1435 هـ - 2014 م
571 (1/571)
صفحة 572
وأحمد بأنَّ ذكر الخصي والعنين فيه حكومة، ويرى هؤلاء أنه إذا قطع الأنثيان مع الذكر مرة واحدة ففيهما، ديتان دية للأنثيين ودية للذكر، وكذلك الحكم لو قطع الذكر مرة واحدة ففيهما، ديتان دية للأنثيين ودية للذكر، وكذلك الحكم لو قطع الذكر قبل الأنثيين.
أما إذا قطع الأنثيان قبل الذكر، ففي الأنثيين الدية وفي الذكر حكومة؛ لأنه يصبح بعد قطع الأنثيين ذكر خصي وذكر الخصي فيه حكومة.
أما القائلون بأنَّ ذكر الخصي والعنين فيه الدية؛ وهم الشافعية وبعض فقهاء مذهبي مالك وأحمد فيوجبون في قطع الذكر والأنثيين ديتين سواء قطعت الأنثيان قبل الذكر أم بعده.
:وقيل تقدر الجناية بمقدار ما يحتاج إليه المجني عليه من النفقة وأجرة الطبيب إلى أن يبرأ، وبهذا قال الفقهاء السبعة 2
فانظر هذا الكلام عن محمد صاحب أبي حنيفة أنه يلزمه قدر ما أنفق إلى أن يبرأ، فقد يستمر أعواما عديدة على ذلك فهل ينفق مطلقا؟ فرأي محمد هذا قوي جدا من جهة النظر، وقد يُنفق المجني عليه في هذا الزمان مبالغ طائلة في التردد على الأطباء، والمتسبب يغدو ويروح دون إحساس، والأصل على المتسبب جبر الضرر
فليتأمل.
-1
- مجلة. مجمع الفقه الإسلامي 782/ 8)
2 - الموسوعة الفقهية الكويتية (7318 الدر المختار 5/ 373، والجوهرة النيرة 2/ 219 ط باكستان، الحطاب والمواق 6/ 259.
572 (1/572)
صفحة 573
ويرى" جمهور المالكية أنَّ ما برئ من الجراحات على غير شين - مما دون الموضحة مما لم يُقَدِّر فيه الشارعُ شيئا - فإنه لا شيء فيه على الجاني من عقل وتعزير وأجرة
طبيب.
وهذا الرأي فيه ما فيه من الاجحاف بالمجني عليه ما لا يخفي على ذي بال، فأبشار بني آدم مصونة والعبثُ بها والاضرار بها حرام، فإن وقع من متسبب فجبر الضرر
واجب عليه قطعا.
واستحسن ابن عرفة - فيما إذا لم يكن في الجرح شيء مقدر - القول بأن على الجاني أجرةُ الطبيب وثمنُ الدواء سواء أبرئ على شين أم لا، مع الحكومة في الأول.
أمَّا ما قَدَّر الشارع فيه شيئا فالواجب المقدر، برئ على شين أم لا. 3
إلا موضحة الوجه والرأس فإنها إذا برئت على شين فقد اختلفوا في الواجب فيها على ثلاثة اتجاهات
الأول: دفع ديتها وما حصل بالشين، وهذا هو المشهور عند المالكية.
الثاني: دفع ديتها ولا يزاد عليها مطلقا، وهذا ما يقول به أشهب، وهو مقابل
المشهور.
1 - الفواكه الدواني 2/ 263، وكفاية الطالب الرباني 2/ 279 نشر دار المعرفة، ويراد بأجرة الطبيب
ما يشمل ثمن الدواء كما في حاشية العدوي على شرح الرسالة 2/ 279.
2 - الشرح الصغير 4/ 381.
- حاشية العدوي على شرح الرسالة 2/ 279 والفواكه الدواني 2/ 263.
573 (1/573)
صفحة 574
الثالث: الزيادة على الدية إذا كان أمرا منكرا، أما إذا كان شيئا يسيرا فلا يزاد عليها. وهذا ما رواه نافع عن مالك.
واختار الشيخ أبو إسحاق هنا في هذا الفصل وجوب الدية في الذوق، وقال إنما تجب في لسان الاخرس الحكومة إذا بقي ذوقه بعد قطع لسانه، فأما إذا لم يبق ذوقه ففيه الدية.
قال الكاساني: عند الكلام عن طريقة الكرخي لتقدير حكومة العدل: تُقَرَّب هذه الجنايةُ إلى أقرب جناية لها أرش مقدر، فينظر ذوا عدل من أطباء الجراحات كم مقدار هذه هاهنا في قلة الجراحات وكثرتها بالحزر والظن فيأخذ القاضي بقولهما، ويحكم من الأرش بمقداره من أرش الجراحة المقدرة.
ومعنى قول الكاساني هذا؛ "تُقَرَّبُ هذه الجناية إلى أقرب جناية لها أرش مقدر .. إلخ" أي: تقاس ولو على التقريب على ما يشبهها من الجنايات التي لها أرش مقدر، فيقضى للمجني عليه بذلك القدر، لأنَّ ما يُشبه الشيء فهو مثله، وهكذا مثله الحرقُ العميق يقاس على الموضحة وما دونه، فبحسبه، وتقدمت الإشارة على التشوه وفقد المنفعة فاشدد بذلك يدا.
1 - حاشية العدوي على الخرشي 8/ 35، ومنح الجليل 4/ 404، وانظر الحطاب 6/ 259، والشرح الصغير 383/ 4.
2 - المجموع شرح المهذب (19/ 97) أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي المتوفى: 676 هـ) - الموسوعة الفقهية الكويتية 71/ 18. بدائع الصنائع 7/ 324، 325. ونهاية المحتاج 7 ص 325، ومغني المحتاج 4 ص 77.
574 (1/574)
صفحة 575
الحنابلة: " .. وما عدا ذلك من الجراح وكسر العظام ففيه حكومة، والحكومة أن يقوم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به، ثم يقوم وهي به قد برئت، فما نقص من القيمة فله مثل نسبته من الدية كأن قيمته عبدا سليما ستون، وقيمته بالجناية خمسون، ففيه سدس ديته، إلا أن تكون الحكومة في محل له مقدر فلا يبلغ بها
المقدر.
والحكومةُ أنْ يُقَوَّم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به، ثم يُقَوَّم وهي به قد برأت، فما نقص فله مثل نسبته من الدية فإذا كانت قيمته عبدا سليما ستين وقيمته بالجناية مندملة، خمسين ففيه سدس ديته؛ إلا أن تكون الحكومة في محل له
مقدر فلا يجاوز بها المقدر للمحل وفي بلوغه وجهان
وتجب دية اليد في يد المرتعش وقَدِم الأعرج، ويد الأعسم وهو اعوجاج في الرسغ. وإن جرحه في وركه فَوَصَل الجرح إلى جوفه، أو أوضحه فوصل إلى قفاه فعليه دية جائفة وموضحة وحكومة كجرح القفا والورك وإن أجافه ووسع آخرُ الجرح فجائفتان على كل واحد منهما أرش جائفة.
قال الباحث الفقير إلى ربه القدير: هذا ملخص ما قاله أصحاب المذاهب الخمسة الإسلامية من غير الاباضية السابق ذكرُها وهو لا يبعد عن أقوال الأصحاب.
1 - الشرح الممتع على زاد المستقنع (14/ 169)
2 - المحرر في الفقه (144/ 2) عبد السلام بن عبد الله ابن تيمية
- الحجاوي الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل (225/ 4)
4 - الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل (231/ 4)
575 (1/575)
صفحة 576
إلا قول من قال: أنَّه يُقَوَّمُ عبدا وينظر إلى الفارق بين القيمتين قبل الجناية وبعدها فهذا قول مردود، لا يقبل من قائله، فقد كرَّم اللهُ الأحرار والحُرُّ لا ينقلب عبدا بالجناية، وتشبيهه بالعبد المملوك والبهائم وبالمال المفسد على صاحبه، فيه إهانة له ومذلة، ولا يقبله عاقل على نفسه، فكيف على غيره، فلينظر المنصفُ فيه بإمعان.
أما الإصابات التي يظهر أثرها داخل الجوف فلكل واحدة ثلث الدية ولا يشترط أن تظهر الجراحة في الخارج وذلك إذا قرر الأطباء العارفون ذلك.
مثاله: لو أصيب إنسان بجناية ما في التجويف الصدري أو البطني وقرر الأطباء أنَّ ضررها وصل الكلية أو الرئة أو الكبد أو المساريق أو الأمعاء الخ، فلكل إصابة جارحة مما ذكرنا ثلث الدية فإن احتاجت إلى تدخل جراحي لفتح الجوف أو ثقبه ولو بإبرة ففيه ثلث الدية أيضا.
وهذا أمر يكاد مفروغا منه لثبوته بالسنة عن المعصوم صلى الله عليه وسلم "وفي الجائفة ثلث الدية" والجائفةُ هي الإصابة التي يصل ضررها إلى الجوف ولو بثقب إبرة هكذا نص أهل العلم عليه.
ومن العلوم ضرورةً أنَّ ثقب الإبرة بعد إخراجها لا يمكن أن يرى بالعين المجردة، ولا يبقى له أي أثر بعد إخراجها غالبا، فكيف بإصابةٍ وصل أثرها داخل الجوف وأثر في أجزائه؟! فمن باب أولى أن يُعطى حقه وافرا.
والمتسبب ضامن وعليه جَبرُ كل ضرر حدث بسببه، وحتى يزول ذلك الضرر، ومن المعلوم ضرورةً أنَّ إعادة الحال في الانسان على ما كانت عليه قبل الإصابة من المحال، وإنما الدياتُ والاروش وحكومة العدل وما إلى ذلك كالأدب والقصاص فيها
576 (1/576)
صفحة 577
زجر من جهة وجبر للخواطر من أخرى وإعانة للمضرور وأسرته على تخفيف
الأعباء والمشاق وأمن وأمان للمجتمع عن التعدي .. الخ.
وإن بترشيءٌ منها فله ثلث الدية عن الإصابة، وله الأرش عن المبتور - بقدر ما بتر- من الدية الكبرى، حكومة، عدل، ما لم يؤد إلى خلل في العضو، فإن أدى إلى خلل فيه فله حقه أيضا، بقدر ذلك، وإن استوصل وكان فرديا فالدية الكاملة، وان زوجيا فنصفها، ما لم يَسْرِ الضرر إلى الجزء الثاني، فإن سَرى إليه فلكل حقه أيضا. وهكذا فقس سائرها.
وكذا في إصابة الرأس الحكمُ فيها سواء بسواء، كما تقدم في مسألة الجوف كالارتجاج الدماغي، أو الأمة أو المأمومة مثلا؛ وهي الإصابة التي تصل إلى الصفاق
الفاصل بين المخ وغطاء الرأس أي عظمه وفي المأمومة ثلث الدية " الحديث. فإن قرر الأطباء أنَّ الإصابة وصل ضررها إلى المخ - مثلا - فلكل إصابة حكم المأمومة وكذا الحال في التدخل الجراحي وهكذا قس سائرها.
وبعدها الدامغة بالغين المعجمة وهي التي تخرق الجلدة وتصل إلى الدماغ أي تكشف المخ ولم يذكرها كثيرون لأن الدامغة عادة لا يعيش معها الإنسان فإن عاش فذلك فضل من الله ونعمة ولها حكم ما قبلها أي حكم المأمومة ومن العلماء
577 (1/577)
صفحة 578
من يزيد في أرش المأمومة حكومة قياسا ما على خرق الأمعاء في الجائفة ففيها جائفة وحكومة عند أصحاب هذا الرأي وقيل فيها الدية.
وذلك ما لم تسبب الاصابة على المصاب ضررا آخر، فإن سببت ذلك فلكل
حكمه كما سبق بيانه. هذا كله إن لم تُخَلّف الإصابة ضررا آخر على المصاب، أمَّا إن خلَّفت ضررا وثبت بمعرفة أهل الخبرة بذلك فللمجني عليه أرش الإصابة وأرش الضرر وأرش التدخل الجراحي ولو وصل إلى عدة ديات.
وحسبنا عمل الصحابة في المشجوج في رأسه؛ إذ حكموا له بخمس ديات كما سبق في محله.
1 - انظر: على سبيل المثال لا الحصر: أسنى المطالب شرح روض الطالب ج 4 ص 50 فما بعدها لزكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري زين الدين أبو يحيى السنيكي المتوفى: 926 هـ و هو شرح لكتاب روض الطالب لابن المقري اليمني إسماعيل بن أبي بكر المتوفى: 837 هـ فقه شافعي، وتحفة المحتاج في شرح المنهاج 563/ 8 لشهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي الشافعي المتوفى: 974 هـ وهو شرح متن منهاج الطالبين للنووي المتوفى 676 هـ حاشية الرملي الشافعي 4 50، حاشية المغربي على نهاية المحتاج 3217) النووي روضة الطالبين أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي الشافعي المتوفى: 676 هـ 2649، الرملي نهاية المحتاج 3257، وكفاية النبيه في شرح التنبيه 16/ 112، لأحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة الشافعي المتوفى: 710 هـ التدريب في الفقه الشافعي،99/ 4، سراج الدين البلقيني. الشرح الكبير لابن قدامة 628/ 9 المرداوي الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل 10/ 84 شرح زاد المستقنع للحمد 14/ 164، شرح الزركشي شمس الدين أبي عبد الله الزركشي المصري الحنبلي على مختصر الخرقي 58/ 3. فقه حنبلي.
578 (1/578)
صفحة 579
مع التنبه: أنَّ إصابةَ المُخّ أعظم ضررا من سائر الجسد، وتؤثر على عمل جميع جزيئات الجسم، فما من جُزَيْئة من خلاياه إلا ولها عمل خاص قد لا يعوض بغيرها إن فسدت، فيفقد صاحبها منفعتها ولو بعد حين، ولذا لا بد من التعويض العادل، للمتضرر على من تسبب في إيقاع الضرر عليه، والمتسبب ضامن، والضرر مرفوع. و لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" أما التدخُل الجراحي في تجبير العظام فيختلف وذلك أنَّ تجبير العظام يحتاج إلى فتح كامل اللحم وإيضاح الجرح ولكن لا يوجد جوف والأصل أنَّ فيه حكم الموضحة أى موضحة العظم ولكن لابد من معرفة القياس طولا وعرضا وقياس الموضحة الواحدة ثلاثة سنتي متر طولا وكذا العرض وما زاد فبحسابه يزاد عليه التعويض، فإن لم يكن ثمة قياس واضح فأقل ما يقال فيه أرش ثلاث موضحات ذلك أنَّ الطبيب يحتاج إلى إدخال المثبت وتثبيته وهذا أقل قدر يمكنه من ذلك أي بقدر تسعة سنتي متر طولا مع عرض ثلاثة على أقل تقدير فذلك قياس ثلاث موضحات فإن كان العرض أو الطول أكثر فبحسابه وهكذا.
وكذا الحال في دمج الفقرات لابد من معرفة جدوى هذا الدمج وأثره على المصاب سلبا أو إيجابا، وهل بسبب الدمج أدى إلى تقلص العمود الفقري أم لا؟ وهل هذا الدمج تم ببديل عن التالف أم لا؟ ومن ثم الحكم عليه بعد تصوره تصورا واضحا دون شك أو لبس فالحكم على الشيء فرع من تصوره، ولا يكون تصور صحيح،
1 - تقدم في المسألة الحادية عشرة من الفصل الأول من هذا الكتاب؛ انظر المسألة الحادية عشرة في القصاص من اللطمة والضربة بالعصا وانظر: الجزء الرابع من كتاب "أثر القواعد الفقهية في التطبيق" للباحث الفقير إلى رضاء به الغفور القدير. فقد جاء في عدة مواطن.
579 (1/579)
صفحة 580
ولا حكم صريح دون معرفة أيلولة الضرر على المضرور، وكل حكم دون تصور
واقعه تصورا صحيحا فهو في خطر وخلل ويؤدي إلى الحيف والجور والضرر.
وأما الانتظار بالمجني عليه إلى البرء أو إلى المدة التي قال بها الفقهاء، فليس المراد منه نقصُ الأرش المنصوص عليه من الشارع، وإنما المراد منه انكشاف الضرر المترتب على الجناية، هل سيترتب عليها ضرر آخر أم لا؟ وهي المسماة بـ "السراية، أو التولد" فإن تولد من الجناية ضرر فله أرش الجناية، وأرش الضرر، كما أسلفنا. بدليل قوله " نهيتك فعصيتني فأبعدك الله وبطل عرجك" الحديث المتقدم في المشجوج في الركبة، فقد أسقط الله عليه حق السراية؛ بسبب تعجله وعدم أخذه بنصيحة المصطفى بصريح اللفظ، فرسولُ الله و لما راجعه ذلك الرجل لم يَنفِ إضافة حقِ السّراية على حق الجناية، وإنَّما لم يقض له بها عقوبةً له على بصريح اللفظ: "نهيتُك فعصيتني فأبعدك الله وبطل عرجُك" الحديث.
المخالفة؛
وبدليل تعدد ذكره في أحاديث الديات والأروش للأعضاء ومنافعها كلا على حدة من غير قيد أو شرط، وقد قال في حقه الحق وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) سورة النجم.
وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
(7) الحشر.
1 - ورد هذا الحديث بعدة ألفاظ متفقة المعنى، وتقدم تخريجه في المسألة العشرون لا قصاص إلا بعد برء) من الفصل الأول من هذا الكتاب فارجع إليه إن شئت.
01. (1/580)
صفحة 581
لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) الفرقان. وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) النحل. {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64) النحل. وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36) الأحزاب. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59) النساء.
وبدليل قضاء الصحابة المشار إليه، قبل، فتدبر ذلك بإمعان.
وقد مضى بيانه في محله بما فيه الكفاية عن الاطالة هنا، وإنما ذكرته لك للتذكير فقط. (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37) ق.
حرره العبد الراجي عفو ربه زهران بن ناصر بن سالم بن حمد بن سعيد البراشدي بيده الموعودة بالفناء والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
581 (1/581)
صفحة 582
الفهرس
شُكرٌ وعِرفان
مقدمة الكتاب.
الفصل الأول في جناية العمد، وفيه مسائل
المسألة الأولى (الأصل في العمد (القصاص.
المسألة الثانية في استثناء الوالدين من القصاص.
المسألة الثالثة في استثناء القصاص بين الزوجين فيما دون النفس.
المسألة الرابعة في استثناء الصبي والمجنون والأعجم من القصاص.
المسألة السادسة في اشتراط التكافؤ في الإسلام .. المسألة السابعة في اشتراط المماثلة في الأعضاء وتعدد الجناة على الجارحة الواحدة.
المسألة الثامنة في اشتراط المماثلة في مقدار القصاص
المسألة التاسعة في استثناء القصاص في العظام.
المسألة العاشرة في عدم القصاص في المنافع
المسألة الحادية عشرة في القصاص من اللطمة والضربة بالعصا والرمية بالحجر وما دون الموضحة من
الجروح والمأمومة والجائفة
المسألة الثانية عشرة لا قصاص في العضو الزائد والسن النابت
المسألة الثالثة عشرة في قتل الرجل بالمرأة والعكس
المسألة الرابعة عشرة في قتل الجماعة بالواحد.
المسألة الثامنة عشرة في إهدار سن العاض إذا سقطت بسبب انتزاع المعضوض يده. المسألة التاسعة عشرة في هدر دم من انتهك حرمة بيت مُغْلَق (على أهله
المسألة العشرون لا قصاص إلا بعد برء
المسألة الحادية والعشرون سقوط القود بعفو البعض
المسألة الثانية والعشرون إن قتل ولي قاتِل وليه ثم ظهر من هو أقرب منه
المسألة الثالثة والعشرون إن كان وليُّ الدم صبيا أو مجنوناً.
المسألة الرابعة والعشرون في سقوط القود عن الجاني إن وَرِتْ مَن كان له دمه أو بعضُ دمه. المسألة الخامسة والعشرون في قتل المرأة قاتل وليها (1/582)
صفحة 583
المسألة السادسة والعشرون في حكم جناية السكران. المسألة السابعة والعشرون في أنَّ الأصل في القتل العمد المسألة الثامنة والعشرون في حكم القصاص من ذي العين الواحدة
المسألة التاسعة والعشرون في فوات القاتل قبل القصاص وتعدد الجناية منه. المسألة الثلاثون في اجتماع حكمين فأكثر في واحد كالرجم والقود
المسألة الحادية والثلاثون في شرط القصاص
المسألة الثانية والثلاثون في التوكيل في القصاص المسألة الثالثة والثلاثون فيمن قتله الحد وضمان الحاكم.
الفصل الثاني في حكم الخطأ
المسألة الأولى في تعريف الديات
المسألة الثانية في تحديد الدية الكبرى المسألة الثالثة في مقدار الدينار الشرعي
المسألة الرابعة في تحديد أسنان الإبل وكيفية دفع الدية.
المسألة الخامسة فيما تتحمله العاقلة
المسألة السادسة في تحديد دية المرأة.
المسألة السابعة في دية الرقيق.
المسألة الثامنة في دية المرأة إن ماتت بجماع الزوج أو غيره
المسألة التاسعة في دية الخلط.
المسألة العاشرة في دية الخنثى المسألة الحادية عشرة دية أهل الكتاب
المسألة الثانية عشرة بقية ملل الشرك
المسألة الثالثة عشرة في دية الجنين
المسألة الرابعة عشرة دية المرتد المسألة الخامسة عشرة في دية الغمية.
المسألة السادسة عشرة في دية الفزع
المسألة السابعة عشرة في دية الصلب.
المسألة الثامنة عشرة فيما تكمل فيه الدية
المسألة التاسعة عشرة في الشلاء والعرجاء وما به عاهة سابقة
583 (1/583)
صفحة 584
المسألة العشرون في أنَّ الدية من النقود حسب قيمة أصولها.
تنبيهان: - الأول
التنبيه الثاني
المسألة الحادية والعشرون في دية العين الواحدة بعد ذهاب الأولى.
المسألة الثانية والعشرون في الجناية على الميت
المسألة الثالثة والعشرون في دية الأسنان
المسألة الرابعة والعشرون في أنَّ الدية حق لجميع الورثة
المسألة الخامسة والعشرون دية العاثر على المتسبب. المسألة السادسة والعشرون في لزوم الجاني أجر الدواء وما زاد في الجرح. المسألة السابعة والعشرون القاعدة في مسائل الدماء التولد المسألة الثامنة والعشرون في فدية النفس بأكثر من الدية. المسألة التاسعة والعشرون فيمن رأى مريد قتله فاتقاه بصبي المسألة الثلاثون فيمن رأى إنسانا يقتل آخر ظلما. المسألة الحادية والثلاثون في وجوب التنجية للغير وضمان المقصر فيها
المسألة الثانية والثلاثون فيما تَضمَنُه الأمّ
المسألة الثالثة والثلاثون في التقصير في الواجب
المسألة الرابعة والثلاثون في دية المعيون الفصل الثالث في الجروح والأروش وما جاء فيها.
المسألة الأولى في النافذة.
المسألة الثانية في المأمومة
المسألة الثالثة في الموضحة
المسألة الرابعة في اللسان.
المسألة الخامسة في الشفتين
المسألة السادسة في الكلام على ما دون الدامية. المسألة السابعة في عمل الحاكم عند وصول المجروح إليه. المسألة الثامنة المقادير المالية في الجروح تستحق بتمام القياس المسألة التاسعة في بيان معرفة الجرح بعد البرء المسألة العاشرة في صفة القياس وضرب بعض أمثلة على ذلك
584 (1/584)
صفحة 585
المسألة الحادية عشرة في عدم سقوط أرش الجراحة بالكسر المسألة الثانية عشرة في الكلام على الجروح وما ثبت بالسنة
المسألة الثالثة عشرة في الكلام على المفاضلة في الجروح بين الوجه ومقدم الرأس ومؤخره مع سائر
الجسد
المسألة الرابعة عشرة في دية الصدع والفك والانخلاع المسألة الخامسة عشرة في الكلام على التفصيل في الكسر المسألة السادسة عشرة في حكم المرفق والركبة.
المسألة السابعة عشرة في الجائفة.
المسألة الثامنة عشرة في جراحة اليد. المسألة التاسعة عشرة في جراحة الأذن
المسألة العشرون في القسامة
تنبيه
ات التنبيه الأول
التنبيه الثاني
التنبيه الثالث
الخاتمة: في ذكر بعض أحكام تعلق بالسفن البحرية والبرية والجوية وضمان المتصادي ......
لاحق
الملحق الأول كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل اليمن
الملحق الثاني حديث إسلام زيد بن سعنة الذي سبق أن أتينا بطرف منه في دية الفزع. الملحق الثالث نص رسالة الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري التي أجاب عنها الإمام الخليلي
الملحق الرابع نص جواب الإمام محمد بن عبد الله الخليلي رحمه الله ورضي عنه على رسالة الشيخ
إبراهيم. الملحق الخامس رسالة سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي المفتي العام للسلطنة
لمعالي وزير العدل.
الملحق السادس صور جسم الإنسان وأنواع الجروح والكسور
الملحق السابع بعض أقوال أهل العلم في حكومة العدل
585 (1/585)